{"pages":[{"id":1,"text":"تفسير معالم التنزيل\rلمحيي السنة ، الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي [ المتوفى 516 هـ ]\rحققه وخرج أحاديثه محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش\rالناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع\rالطبعة : الرابعة ، 1417 هـ - 1997 م\rعدد الأجزاء : 8","part":1,"page":5},{"id":2,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rمُقَدّمَة التحقيق\rإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده اللّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.\rوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:\rفإن الحياة مع كتاب اللّه نعمة يدركها من أنعم الله بها عليه، وما أسعد الإنسان إذا جعل هذا الكتاب إمامه- وهذا شأن المسلم- فاهتدى بهديه بعد أن تدبر آياته! وما أسعد المجتمع الذي يجمع مثل هذا الفرد! وما أشد بؤس الذين حرموا أنفسهم من هدايته فخبطوا في حياتهم يمنة ويسرة، وانتهوا إلى ضياع أعمارهم وضياع دنياهم وآخرتهم: { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا }\rوإن أكثر الأوقات بركة تلك التي تقضي مع هذا الكتاب الكريم، إذ يعيش الإنسان مع كلام ربه عز وجل، فيحس أنه يناجيه فيرتقي مقامه، ويشعر بالعناية الإلهية تحيط به وترعاه وتأخذ بيده إلى حيث سعادته وفلاحه، سيما وهو يدرك ما فعل منزِّل هذا الكتاب به في الجيل الأول الذي تلقّاه وفي كل جيل أحْسَنَ التلقي والتزم التنفيذ. يحس عندئذ هذا الأثر العميق للقرآن في حياة الفرد والأمة متى أدركت عمن تتلقى وماذا عليها بعد التلقي. يقف على أسرار هذا الكتاب الكريم وهو يصوغ تلك النفوس صياغة جديدة جعلت منهم- أفرادًا ومجموعة- نماذج فريدة متميزة في تاريخ البشرية الطويل.\rثم يدرك من يعيش مع كتاب الله عمق الخطر في دعاوى الذين يطالبون بنشر العامية تكلمًا وكتابة، ولو حاولوا التستر وراء ما يطرحونه من صعوبة النحو العربي وإملائه، تلك الدعاوى التي تريد أن تقطع صلة الأمة بكتاب ربها عز وجل فتنسلخ عن مصدر الهداية لتُغرق في التيه والضياع.","part":1,"page":5},{"id":3,"text":"ولكن الله عز وجل الذي تكفل بحفظ كتابه فقال: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } { لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } أحبط ويحبط كل محاولة لتضييع هذا الكتاب، فحفظته الصدور وحفظته السطور، وقيض الله من يأخذ بيانه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لتجد الأمة ما يعينها على فهم كتاب ربها وحُسنِ الأخذ به.\rولعل إمامنا- البغوي- من خير من قدم خدمة لكتاب الله عز وجل في تفسيره هذا (معالم التنزيل) حيث اعتمد على المأثور في بيان معنى الاَية التي يفسرها كما سنفصل ذلك عند الكلام عن (منهجه في التفسير).\rولقد اتجهت هممنا لإخراج هذا الكتاب محققًا مستقلًا- بعد أن كان مطبوعًا طبعة حجرية قديمة، وعلى حاشية تفسير ابن كثير، وعلى حاشية تفسير الخازن- ليتم الانتفاع به على خير وجه، فعثرنا خلال البحث على مخطوطة بمكتبة الحرم المكي فعملنا على تصويرها، ثم طلبنا من الشيخ الفاضل عبد القادر الأرناؤوط أن يبعث إلينا بمخطوطة في المكتبة الظاهرية فاستجاب لذلك وشجع على الإِقدام فجزاه الله عنا خيرًا، فبدأنا ونحن ندرك أهمية هذا العمل من خلال اطلاعنا على ما في الكتاب من علم يحتاجه المسلم، ومن خلال ثناء أهل العلم على الكتاب وعلى مؤلفه، وبعد أن قطعنا مرحلة إذ بخبر يقول: إن أخوين فاضلين قاما بتحقيق هذا الكتاب، وهو في طريقه إلى المكتبات، فتوقفنا وقلنا لا حاجة إلى تضييع الجهد والوقت، ولنعمل في كتاب آخر، إلى أن وصل الكتاب بمجلداته الأربعة، فتناولناه لدراسته ومعرفة مدى تحقيق الفائدة منه بإخراجه على هذه الصورة ففوجئنا- وللحقيقة نقول ذلك- بأن الكتاب لم يخدم على الوجه الذي ينبغي وقد وجدنا فيه:\r1- اعتماد المطبوع وفيه ما فيه من الأخطاء.\r2-- ترك أكثر الأحاديث بدون تخريج إلا القليل مما لم يذكره البغوي بإسناده.\r3- كثرة الأخطاء والتصحيفات والزيادة والنقص عن المخطوط.\rوبعد مدارسة بعض صفحات الكتاب مع بعض أهل العلم واطلاعهم على عملنا أشاروا بمتابعة ما بدأناه ليتم الانتفاع من الكتاب الذي نال ثناء العلماء، فاستأنفنا العمل مستمدين من الله تعالى العون والتوفيق والأجر على خدمة كتابه العزيز، شاكرين لأستاذنا الفاضل الدكتور محمد أديب الصالح، الذي أفادنا بتوجيهاته، فجزاه الله خير الجزاء ومتع الأمة بأمثاله، كما نشكر كلًا من الأساتذة الأفاضل:\rالشيخ عبد القادر الأرناؤوط، الذي تفضل وأفادنا بالحصول على صورة من مخطوطة المكتبة الظاهرية.\rوالأخ الدكتور مسفر غرم الله الدميني على ما أبداه من ملاحظات وإشارات جيدة، فبارك الله به وأثابه.\rوالأخ المهندس محمد ياسر صفر الحلبي الذي شاركنا وقتًا طويلًا في المقابلة والمراجعة.","part":1,"page":6},{"id":4,"text":"وأخيرًا نتوجه بالشكر إلى الأخ الفاضل عبد العزيز ناصر الجلِّيل، صاحب مكتبة دار طيبة بالرياض، التي تولت طباعة هذا الكتاب وإخراجه بهذه الحلة القشيبة.\rوصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.","part":1,"page":7},{"id":5,"text":"منهج البغوي في التفسير\rإن معالم التنزيل كتاب متوسط، نقل فيه مصنفه عن مفسري الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو من أجلِّ الكتب وأنبلها وأسناها، حاوٍ للصحيح من الأقوال، عارٍ عن الغموض والتكلف في توضيح النص القرآني، محلى بالأحاديث النبوية والاَثار الغالب عليها الصحة.\rقال العلامة ابن تيمية: (والبغوي تفسيره مختصر من الثعالبي، لكنه صان تفسيره عن الأحاديث الموضوعة، والاَراء المبتدعة) وقد سئل عن أي التفاسير أقرب إلى الكتاب والسنة؟ الزمخشري أم القرطبي، أم البغوي؟ أو غير هؤلاء؟ فأجاب: \"وأما التفاسير الثلاثة المسئول عنها فأسلمها من البدعة والأحاديث الضعيفة- البغوي\") (1)\rوقد بين البغوي شيئًا من ذلك في مقدمته إذ يقول:\r\"فسألنى جماعة من أصحابي المخلصين، وعلى اقتباس العلم مقبلين: كتابًا في معالم التنزيل وتفسيره فأجبتهم إليه، معتمدًا على فضل اللّه وتيسيره، ممتثلًا وصية رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فيهم فيما يرويه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: \" إن رجالًا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرًا\" (2) واقتداءً بالماضين من السلف في تدوين العلم، إبقاء على الخَلَف\".\rاستجاب أجزل الله مثوبته لرغبة طلابه وأصحابه آخذًا بوصية رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، مقتديًا بالسلف الصالح في كتابه العلم حيث يقول: \"فجمعت- بعون الله تعالى وحسن توفيقه- فيما سألوه كتابًا متوسطًا، بين الطويل الممّل، والقصير المخل، أرجو أن يكون مفيدًا لمن أقبل على تحصيله مريدًا\" (3) .\rومن خلال البحث يمكننا أن نقف على منهج الإمام البغوي فنوجزه بما يلي:\r1- يتعرض لتفسير الآية الكريمة بلفظ سهل موجز، لا تكلُّف في لغته ولا تطويل، فهو يكتفي\r__________\r(1) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 13/ 386 .\r(2) انظر تخريجه فيما سيأتي ، ص (34)\r(3) انظر مقدمة المفسر ص (34)","part":1,"page":8},{"id":6,"text":"بالوقوف على الكلمة الغريبة ليكشف عن معناها بالرجوع إلى أصلها ومصدرها، مستدلًا بالآيات والأحاديث وما أثر عن الصحابة والتابعين وبأقوال أهل اللغة.\r2- يسلك السبيل القويم في بيان المعاني فيفسر القرآن بالقرآن أو بالحديث أو بأقوال الصحابة، ويستأنس بأقوال التابعين والمجتهدين، وذلك أن القرآن يفسر بعضه بعضًا فما أُجمل في موضع فُصِّل في موضع آخر، وقد تخصص آية عموم آية أخرى.\rونجده يعتمد الجمع بين الآيات ذات المعنى الواحد، ليوضح معنى كلمة في الآية، كما فعل- على سبيل المثال- عند تفسر قوله تعالى: { وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } (1) إذ بّين معنى المَدِّ ثم أورد قوله تعالى: { وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا } (2) ثم بين معنى الإمداد فأورد قول الله تعالى: { وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ } (3) .\rوعند قوله تعالى: { فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا } (4) يقول: لأن الآَيات كانت تنزل تترى آية بعد آية، كلما كفروا بآية ازدادوا كفرًا ونفاقًا، وذلك معنى قوله تعالى: { وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ } (5) .\rوأما اعتماد الإمام البغوي على السنة في تفسير القرآن الكريم فهو سمة واضحة في تفسيره. كيف لا وهو محي السنة! ولذا فقد جاء تفسيره حافلًا بالأحاديث التي انتخبها فذكرها بأسانيدها، وقلَّ أن يذكر حديثًا بغير إسناد، أو يورد حديثًا ضعيفًا، وقد نجده يسوق عدة أحاديث عند الآية الواحدة كما فعل عند تفسيره لقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } (6) أو عند قوله تعالى: (والشعراء يتبعهم الغاوون) (7)\r3- يتعرض للقراءات من غير إسراف وذلك حين يجد أن القراءة يترتب عليها تَغَيُّرُ المعنى، كما في قوله تعالى: { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ } (8) إذ يقول رحمه الله: \"قرأ أهل المدينة وعاصم وقَرن بفتح القاف، وقرأ الآخرون بكسرها، فمتى فتح القاف فمعناه: أقررن أي الزمن بيوتكن من قولهم قررت بالمكان أقر قرارًا...... ومن كسر القاف فقد قيل: هو من قررت أقر معناه أقررن بكسر الراء، فحذفت\r__________\r(1) سورة البقرة ، الآية (15) .\r(2) سورة مريم ، الآية (79) .\r(3) سورة الإسراء الآية (6).\r(4) سورة البقرة ، الآية (10) .\r(5) سورة التوبة ، الآية (125) .\r(6) سورة البقرة، الآية (178).\r(7) سورة الشعراء ، الآية (224) .\r(8) سورة الأحزاب ، الآية (33) .","part":1,"page":9},{"id":7,"text":"الأولى ونقلت حركتها إلى القاف كما ذكرنا، وقيل- وهو الأصح- إِنه أمرٌ من الوقار، كقولهم من الوعد: عدن، ومن الوصل: صلن، أي كُنَّ أهل وقار وسكون، من قولهم: وقر فلان يقر وقورًا إذا سكن واطمأن.\r4- يعرض لرأي أهل السنة ولآراء مخالفيهم مع الانتصار لرأي أهل السنة مدللا عليه بالمنقول والمعقول كما ذكر عند قوله تعالى : { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ } (1) مثبتًا الرؤية عيانًا، مستدلًا بقوله تعالى: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } (2) وقوله تعالى: { كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ } (3) وقوله تعالى: { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } (4) ثم بين أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى، ثم أورد حديثًا في إثبات الرؤية، وفرق بين الإدراك والرؤية.\r5- ويظهر بوضوح اهتمامه بالآراء الفقهية فكثيرًا ما نجده يبسط آراء الفقهاء ويرجِّح رأي الشافعية وهو من أبرز فقهائهم، وأحيانًا يورد الآراء بدون ترجيح والقارئ الكريم سيجد هذا المنهج من خلال قراءته لهذا التفسير.\r6- يذكر أحيانًا بعض الإسرائيليات، ونراه يمر على بعضها- وهي قليلة مقارنة بالتفاسير الموجودة بين أيدينا- دون التعقيب عليها، كما فعل عند ذكره لقصة هاروت وماروت في مسخ المرأة الجميلة إلى كوكب الزهرة؟ (الآية: 112 من سورة البقرة) أو ما رواه عن الضحاك عند تفسير قوله تعالى: { وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ } (الآية: 251 من سورة البقرة) ، وفي مواضع أخرى ستأتي الإشارة إليها في التفسير إن شاء الله.\rويجدر بنا أن نشير إلى أن الإسرائيليات تنقسم إلى ثلاثة أقسام:\rأ- ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح.\rب- قسم يخالف شرعنا ويناقضه، وهو مردود ولا تصح روايته.\rت- قسم نتوقف فيه، فلا هو من القسم الأول، ولا من الثاني وهذا لا حرج من روايته إن كان موضوعه بعيدًا عن العقيدة والأحكام.\rفقد روى البخاري في تفسير سورة البقرة: باب قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا، وفي الاعتصام: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهل الكتاب يقرؤون\r__________\r(1) سورة الأنعام، الآية (103) .\r(2) سورة القيامة، الآية (22) .\r(3) سورة المطففين، الآية (15) .\r(4) سورة يونس، الآية (26) .","part":1,"page":10},{"id":8,"text":"التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا { آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ } \" الآية.\rوالخير للمفسر أن يقلع عن هذه الإسرائيليات- أي القسمين الأخيرين - وأن يعرض عما لا طائل منه ويعد صارفًا وشاغلًا عن الأصول المعتمدة في شرعنا وهذا أحكم وأسلم.\r7- ويلاحظ أنه رحمه الله أكثر الرواية عن الكلبي: وهو أبو النضر محمد بن السائب بن بشر بن عمرو بن عبد الحارث الكلبي، الكوفي، مات بالكوفة سنة ست وأربعين ومائة. قال معتمر بن سليمان عن أبيه: كان بالكوفة كذابان، أحدهما الكلبي (1) .\rوالحق أن البغوي، وهو من أهل الحديث وتحرير الروايات، لم يجعل ما ينقله عن الكلبي مناط الجزم في معنى الآية ولكنَّ التوسع في النقل أحيانًا ليعلم الناس ما قيل في مفهوم الآية جعله يستشهد بأقوال الكلبي، علمًا أنه قد يقول كلامًا جيدًا في التفسير موافقًا لما ورد في المأثور. والكلبي معروفة رواياته، وموقف العلماء منها.\r__________\r(1) قال البخاري: تركه ابن معين وابن مهدي .\rوقال: حدثنا علي، حدثنا يحيى، عن سفيان، قال: قال الكلبي: قال لي أبو صالح : كل شيء حدثتك فهو كذب.\rقال ابن عدي: وقد حدث عن الكلبي سفيان وشعبة وجماعة، ورضوه في التفسير ، وأما في الحديث فعنده مناكير، وخاصة إذا روى عن أبي صالح عن ابن عباس .\rوقال ابن حبان : كان الكلبي سبئيًا ، من أولئك الذين يقولون : إن عليًا لم يمت، وإنه راجع إلى الدنيا، ويملؤها عدلًا كما ملئت جَوْرًا، وإن رأوا سحابة قالوا : أمير المؤمنين فيها.\rوقال أحمد بن زهير : قلت لأحمد بن حنبل : يحلُ النظر في التفسير الكلبي؟ قال : لا.\rقال ابن حبان: يروي عن أبي صالح عن ابن عباس - التفسير، وأبو صالح لم يرَ ابن عباس ، ولا سمع الكلبي من أبي صالح إلا الحرف بعد الحرف ، فلما احتيج إليه أخرجت له الأرض أفلاذ كبدها. لا يحل ذكره في الكتب، فكيف الاحتجاج به!\rانظر : الضعفاء الصغير للإمام البخاري، ومعه كتاب الضعفاء والمتروكين للنسائي، ص (158 ، 203) طبقات ابن سعد:\r6 / 358 - 359 . تهذيب التهذيب : 9 / 157 - 159 - تقريب التهذيب 2 / 163 . ميزان الاعتدال : 3 / 556 - 559 .\rالمغني في الضعفاء للذهبي 2 / 200 .","part":1,"page":11},{"id":9,"text":"منهجنا في العمل\rيتلخص منهجنا في إخراج هذا التفسير الجليل في الخطوات التالية:\rا- إخراج نص التفسير على ما يغلب على الظن أنه نص المؤلف، وذلك باعتماد إحدى النسخ أصلًا في التحقيق، لاعتبارات تذكر في حينها، ومقارنتها مع نسخة (ب) بحيث يعتمد نص الأصل، وإذا تيقنا من أن الصواب في غير الأصل لعبارة أو كلمة أثبتنا الصواب، وأشرنا في الحاشية عند الحاجة إلى ذلك، إذ كثيرًا ما نجد فروقًا طفيفة في بعض الكلمات أو الحروف مما لا يؤثر على المعنى، فقد نجد في نسخةٍ العطف بالفاء وفي بعضها بالواو مثلًا، فلم نجد حاجة للإشارة إلى ذلك لئلا نثقل الكتاب بكثرة الهوامش التي لا ضرورة لها، ولئلا يتضخم حجم الكتاب.\r2- عزو الآيات القرآنية الكريمة التي يستشهد بها المؤلف في التفسير، وتمييزها عن الآيات المفسرة بأقواس مختلفة.\r3- تخريج الأحاديث النبوية بكاملها تخريجًا تفصيليًا بالعزو إلى الكتاب والباب والجزء والصفحة والرقم في بعض الكتب، تسهيلًا للفائدة وتسهيلًا للرجوع إلى كل الطبعات عند اختلافها.\rفإن كان الحديث في الصحيحين، أو في أحدهما، اقتصرنا في العزو إليهما، لأن العزو إليهما مُعْلِمٌ بالصحة لأن الأمة قد تلقتهما بالقبول، وأما إن لم يُخَرَّج الحديث فيهما فنخرجه من سائر الكتب الأخرى. كالسنن، والمسانيد، والمصنفات، وننقل حكم العلماء والنقاد والمحدثين على الحديث، كالحافظ ابن حجر، والمنذري والهيثمي، والبوصيري، وغيرهم، والأحاديث الضعيفة أو الموضوعة- وهي قليلة- ننقل الحكم عليها وسبب علتها بالتفصيل.\rوسواء أكان الحديث في الصحيحين أم في غيرهما، وقد أخرجه المصنف في كتابه \"شرح السنة\" فإننا نشير إلى موضعه، وقد أفدنا من ذلك في تصحيح كثير من التصحيفات في رجال السند بخاصة، كما أن العزو إليه يسهل معرفة رأي البغوي في الحديث ومعناه.\r4- عزو أسباب النزول والروايات المختلفة في نزول الآيات إلى مظانها من كتب الحديث وكتب أسباب النزول، أو كتب التفسير الأخرى، كالدر المنثور، والطبري، وابن كثير.\r5- قد تدعو الحاجة إلى تعليق أو تعقيب على بعض المواطن في التفسير لبيان رأي مرجوح، أو","part":1,"page":12},{"id":10,"text":"الإشارة إلى بعض الإسرائيليات ونقدها، أو غير ذلك عند الحاجة، كما سيأتي في مواضعه من الكتاب إن شاء الله تعالى.\r6- إعادة توزيع النص وإخراجه بشكل يعين القارئ، ويسهل عليه المراجعة والقراءة، مع العناية بعلامات الترقيم، لما لذلك من أهمية في فهم المعنى بيسر وسهولة.\r7- وتيسيرًا للاستفادة من الكتاب بصورة أفضل، وتوفيرًا للوقت على القارئ عند البحث عن تفسير آية معينة، فقد أثبتنا في أعلى كل صفحة اسم السورة ورقم الجزء.\rهذا ولا ندَّعي أن عملنا هذا قد أوفى على الغاية، فلعلنا نعيد النظر فيه مرة ومرات، إن هيأ الله تعالى لنا الأسباب، ولنا- بعد عون الله تعالى- من ملاحظات الإخوة الباحثين والقراء خير ما يسعف في تصويب وتجويد عملنا هذا، في طبعات قادمة، أو في الأجزاء التي تلي الجزء الأول من هذا الكتاب إن شاء الله.\r\"فنسأل الله المبتدئ لنا بِنعَمِه قَبْلَ استحقاقها، المديمَها عَلَيْنَا مع تقصيرنا في الإتيان على ما أوجب به من شكره بها، الجَاعِلَنَا في خير أمة أخرجت للناس: أن يرزقنا فهمًا في كتابه، ثم سنَّةِ نبيه، وقولًا وعملًا يؤدى به عنا حقه ويوجب لنا نافلة مزيده\" (1) .\rوأن يقبل منا عملنا هذا ويجعله خالصًا لوجهه الكريم، ويثيبنا عليه بما يثيب به عباده المخلصين.\rوالحمد لله رب العالمين،، الطائف في 1/1408 \"المحققون\"\r15\r__________\r(1) اقتباس من افتتاحية الإمام الشافعي رحمه الله لكتابه \"الرسالة\" ص 19","part":1,"page":13},{"id":11,"text":"\"ترجمة الإمام البغوي\" (1)\rهو الإمام الحافظ، الفقيه المجتهد: محي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد الفرَّاء البغوي الشافعي ويلقب بركن الدين.\rأحد العلماء الذين خدموا الكتاب العزيز، والسنة النبوية، بالعكوف على دراستهما، وتدريسهما، وكشف كنوزهما، وأسرارهما، والتأليف فيهما.\rوالفراء: نسبة إلى عمل الفراء وبيعها.\r__________\r(1) بعض المراجع التي ترجمت للبغوي من أهمها:\r(1) معجم البلدان.\r(2) الاستدراك لابن نقطه مخطوط الظاهرية.\r(3) مرآة الجنان: 3/213.\r(4) وفيات الأعيان: 2/136.\r(5) سير أعلام النبلاء 19/439.\r(6) العبر للذهبي: 2/406.\r(7) تذكرة الحافظ: 4/1257-1259.\r(8) الإعلام بوفيات الأعلام للذهبي مخطوط الظاهرية.\r(9) طبقات الشافعية للسبكي: 7/75-80.\r(10) البداية والنهاية: 12/193.\r(11) مناقب الشافعي وأصحابه لابن قاضي شهبة مخطوط الظاهرية.\r(12) النجوم الزاهرة لابن تغري بردي.\r(13) طبقات الحفاظ ص 457.\r(14) طبقات المفسرين ص 38-39.\r(15) طبقات المفسرين للداووي مخطوط عارف حكمت.\r(16) مفتاح السعادة لطاش كبرى زاده.\r(17) كشف الظنون 195- 517- 1698.\r(18) أسماء الرجال الناقلين عن الشافعي والمنسوبين له لابن هداية مخطوط الظاهرية.\r(19) شذرات الذهب: 4/48 - 49.\r(20) الأعلام للزركلي 2/259.\r(21) معجم المؤلفين 4/61.\r(22) التفسير والمفسرون للذهبي 1/234.","part":1,"page":14},{"id":12,"text":"والبغوي: بفتح الباء الموحدة، والغين المعجمة وبعدها واو، هذه النسبة إلى بلدة بخراسان بين مرو وهراة يقال لها \"بغ\" و\"بَغْشُوْر\" بفتح الباء الموحدة، وسكون الغين المعجمة، وضم الشين، وبعدها واو ساكنة، ثم راء. وهذه النسبة شاذة على خلاف الأصل، هكذا قال السمعاني في كتاب \"الأنساب\".\rمولده:\rإن معظم المصادر التي ترجمت له لم تشر إلى السنة التي ولد فيها، غير أن ياقوت الحموي قال في معجم البلدان: إنه ولد سنة (433 هـ) أما الزركلي فأشار في الأعلام إلى أنه ولد سنة (436 هـ).\rشيوخه:\rسمع الإمام البغوي من عدد كثير من العلماء في التفسير، والحديث، والفقه نذكر بعضًا منهم:\rأ- فقيه الشافعية وشيخهم القاضي حسين بن محمد المرَوْزي، فقيه خراسان، وصاحب \"التعليقة\" المتوفى سنة (462) هـ (1) .\r2- عبد الواحد بن أحمد بن أبي القاسم المليحي، الهروي، راوي الصحيح عن النعيمي، وكان صالحًا، أكثر عنه الرواية، توفى سنة (463) هـ (2) .\r3- الفقيه أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، المعروف: بشيخ الحجاز صنف كتاب \"السلوة في علوم الصوفية\" وكان فقيهًا فاضلًا، توفى سنة (463) هـ (3) .\r4- أبو علي حسان بن سعيد المنيعي- نسبة إلى منيع جد- وكان حسان هذا رئيس مرو الروذ، الذي عمَّ فضله خراسان، ببره، وأفضاله، وأنشأ الجامع المنيعي، وكان يكسو في العام نحو ألف نفس، توفي سنة (463) هـ (4) .\r5- أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي المروزي، الشيخ الجليل، المعمر، مُسنِد خراسان، تفرد عن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب الرازي، مات في رمضان سنة (463 هـ) وله ست وتسعون سنة (5) .\r6- أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن، بن عبد المالك بن طلحة النيسابوري القشيري الخراساني،\r__________\r(1) شذرات الذهب 3/310، العبر 2/3412، سير النبلاء 18/261، وفيات الأعيان 2/134، كشف الظنون 1/424 - 517 .\r(2) سير النبلاء 18/255، شذرات الذهب 3/314، العبر 2/315.\r(3) اللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير الجزري 1/315.\r(4) شذرات الذهب: 3/313 - 314. العبر 2/315.\r(5) سير أعلام النبلاء: 18/251. اللباب: 1/210.","part":1,"page":16},{"id":13,"text":"الإمام الزاهد، القدوة، الشافعي المذهب، صاحب الرسالة المسماة \"الرسالة القشيرية، صنف كتاب \"نحو القلوب\"وكتاب لطائف الإشارات\" وكتاب \"الجواهر\" وكتاب \"أحكام السماع\" وكتاب \"عيون الأجوبة في فنون الأسئلة\" وكتاب \"المناجاة\" وكتاب \"المنتهى في نكت أولي النهى\" وصنف التفسير الكبير وهو من أجود التفاسير توفي سنة (465) هـ (1) .\r7- أبو بكر يعقوب بن أحمد الصيرفي النيسابوري الشيخ الرئيس، الثقة المُسنِد توفي سنة (466) هـ (2) .\r8- أبو صالح أحمد بن عبد الملك بن علي بن أحمد بن عبد الصمد بن بكر النيسابوري الصوفي المؤذن، الإمام، الحافظ، الزاهد، المُسند، محدث خراسان، صنف \"تاريخ مرو\" وخرَّج ألف حديث عن ألف شيخ له، مات سنة (470) هـ (3) .\r9- أبو تراب عبد الباقي بن يوسف بن علي بن صالح بن عبد الملك بن هارون المراغي النَّرِيزي، الشافعي، مفتي نيسابور، الإمام الفقيه العلامة توفي سنة (492) هـ (4) .\r10- أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد بن داوود بن أحمد بن معاذ الداوودي البوشنجي، الإمام، العلامة، الورع، القدوة جمال الإسلام، شيخ خراسان علمًا، وفضلًا،\rوجلالة، وسندًا، راوي الصحيح، توفي سنة (467) هـ (5) .\r11- ومنهم: عمر بن عبد العزيز الفاشاني الإمام الفاضل الفقيه. وأبو الحسن محمد بن محمد الشيرّزي، نسبة إلى شيرز قرية بسرخس، وأبو جعفر محمد بن عبد الله بن محمد المعلم الطوسي، وأبو محمد عبد الله بن عبد الصمد بن أحمد بن موسى الجوزجاني.\rوأبو عبد الله محمد بن الفضل بن جعفر الخَرَقي نسبة إلى \"خرق\" من قرى مرو، وعدة.\rتلاميذه:\rلقد أقبل عليه طلاب العلم لكثرة علمه، وفضله، وسعة معرفته بعلوم كثيرة، ومنهم:\r1- الشيخ أبو منصور محمد بن أسعد بن محمد حفده العطَّاري- تصحفت في شذرات الذهب\r__________\r(1) سير أعلام النبلاء: 18/227 - 132. تاريخ بغداد: 11/ 83، طبقات المفسرين ص 61. شذرات الذهب: 3/319، العبر: 2/319. البداية والنهابة: 12/107.\r(2) تذكرة الحفاظ: 3/1160، العبر: 2/321، شذرات الذهب: 3/325، سير أعلام النبلاء: 18/245\r(3) تاريخ بغداد: 4/267، سير أعلام النبلاء 18/419، تذكرة الحفاظ: 3/1162، العبر: 2/327، شذرات الذهب: 3/335، البداية والنهاية: 2/118، طبقات الحفاظ ص 437\r(4) سير أعلام النبلاء: 19/170، البداية والنهاية: 12/157، العبر: 366، شذرات الذهب: 3/398\r(5) سير أعلام النبلاء: 18/222، شذرات الذهب: 3/327، البداية والنهاية: 11312/112، العبر: 2/322.","part":1,"page":17},{"id":14,"text":"إلى العطاردي والصحيح ما أثبتناه -وهو الذي روى كتابي \"شرح السنة\"ومعالم التنزيل\"\rتوفي سنة (571) هـ (1) .\r2 - الواعظ المحدث أبو الفتوح محمد بن أبي جعفر محمد بن علي بن محمد الطائي الهمداني، صاحب \"الأربعين في إرشاد السائرين إلى منازل اليقين \" توفي سنة (555) هـ (2) .\r3- أبو المكارم فضل الله بن المحدث العالم أبي سعيد محمد بن أحمد النوقاني الشافعي، وهو آخر من روى عنه بالإجازة، توفي سنة (600) هـ (3) .\r4 - الحسن بن مسعود البغوي أبو علي أخو الإمام الحسين البغوي تفقه على أخيه (4) .\r5- عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحسين بن محمد الليثي وهو إمام ورع، حافظ لمذهب الشافعي.\r6- مثاور بن فزكوه أبو مقاتل الديلمي اليزدي، يلقب بعماد الدين، وهو من كبار تلامذته، توفي سنة (546) هـ (5) .\r7- ومنهم محمد بن الحسين الزاغولي توفي سنة (559 هـ).\r8- وعبد الرحمن بن علي بن أبي العباس النعيمي توفي سنة 542 هـ وغيرهم.\rعقيدته:\rوالإمام البغوي من أئمة السلف الصالح، الذين تقيدوا بالكتاب والسنة، في مفهوم الاعتقاد وبخاصة فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، ولنا على ذلك بعض الأدلة منها: تعليقه على الحديث الذي رواه مسلم في القدر: باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء (4\\2654) وذلك في الجزء الأول من كتابه العظيم شرح السنة ص (168) \"قال الشيخ الإمام: والإصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله عز وجل ، وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل في صفات الله تعالى، كالنفس، والوجه، والعين، واليد، والرجل، والإتيان، والمجي، والنزول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش، والضحك والفرح - إلى أن يقول في صفحة (170) فهذه ونظائرها صفات الله تعالى، ورد بها السمع يجب الإيمان بها، وإمرارها على ظاهرها معرضًا فيها عن التأويل، مجتنبًا عن التشبيه، معتقدًا أن الباري سبحانه\r__________\r(1) شذرات الذهب: 4/240، وفيات الأعيان: 4/238، العبر: 3/61. البداية والنهاية: 12/299، سير أعلام النبلاء: 20/539، تذكرة الحفاظ: 4/1333\r(2) سير أعلام النبلاء: 20/360، شذرات الذهب: 4/175، العبر: 3/25، كشف الظنون: 1/56.\r(3) سير أعلام النبلاء: 21/413. وطبقات السبكي: 8 /348.\r(4) طبقات الشافعية للاسنوي: 1/207. وطبقات الشافعية للسبكي: 4/212.\r(5) طبقات الشافعية الكبرى: 4/300.","part":1,"page":18},{"id":15,"text":"وتعالى لا يشبه شيءٌ من صفاته صفاتِ الخلق، كما لا تشبه ذاتُه ذوات الخلق، قال الله سبحانه وتعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } الشورى .\rوعلى هذا مضى سلف الأمة، وعلماء السنة، تلقوها جميعًا بالإيمان والقبول، وتجنبوا فيها عن التمثيل والتأويل، ووكلوا العلم فيها إلى الله عز وجل،\" اهـ ثم يذكر مدلِّلا على ذلك أقوال السلف (1) وقد جاءت شهادات العلماء الذين ترجموا له تؤكد ذلك:\rقال ابن شهبة في طبقات الشافعية (1\\310): (وكان دينًا، عالمًا، عاملًا على طريقة السلف).\rوقال طاش كبرى زاده في مفتاح السعادة (2\\102): (كان ثبتًا حجة، صحيح العقيدة في الدين).\rصفاته وثناء العلماء عليه:\rلقد تحلّى الإمام البغوي، رحمه الله، بصفات ومزايا كان لها أكبر الأثر في تسميته بلقب \"محي السنة، والإمام\" وغير ذلك من الصفات التي أثبتها له كل من ترجم له. فهو إمام في كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إمام في مذهبه الذي نشأ عليه، المذهب الشافعي، وذلك بحكم البيئة التي نشأ فيها، والعلماء الذين أخذ عنهم، إلا أنه لم يتعصب لإمامه، بل كان يتتبع الدليل، وينظر في أقوال العلماء وأدلتهم، وأخذ يدعو إلى الاعتصام بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم اللذين هما أصل الدين وملاكه، ومنهما يصدر كل أمر شرعي. وهذا هو حال العلماء، الذين نهضوا بهذا الدين على بصيرة من أمرهم.\rقال الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء: (كان البغوي يلقب بمحي السنة، وبركن الدين، وكان سيدًا، إمامًا، عالمًا علامة، زاهدًا، قانعًا باليسير).\rوقال السيوطي في طبقات الحفاظ: (وبورك له في تصانيفه، لقصده الصالح، فإنه كان من العلماء الربانيين، ذا تعبد ونسك، وقناعة باليسير).\rوقال أيضًا في طبقات المفسرين: (كان إمامًا في التفسير، إمامًا في الحديث، إمامًا في الفقه).\rوقال ابن كثير في البداية والنهاية: (وكان علامة زمانه، وكان دينًا ورعًا، زاهدًا، عابدًا، صالحًا).\rوقال ابن خلكان في وفيات الأعيان: (الفقيه، الشافعي، المحدث، المفسر، كان بحرًا في العلوم).\r__________\r(1) انظر شرح السنة للمصنف 1/166- 171.","part":1,"page":19},{"id":16,"text":"آثاره:\rلقد ترك الإمام البغوي علومًا مفيدة وكثيرة في التفسير والحديث، والفقه، كان لها الأثر النافع، والعظيم فيمن جاء بعده، وكانت مؤلفاته تتصف بموضوعاتها القيمة، وبكلماتها السهلة، وبطريقتها المفيدة يتحرى فيها الحق، والانقياد وراء الأدلة الصحيحة، فقد وقف وقفات مع كتاب الله مبتعدًا فيها عن حشو الكلام، وآراء المتكلمين، مع تقيده بالمأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فهم النص القرآني، وبمنهج الصحابة الكرام في ذلك، كما أنه روى الحديث واعتنى بدراسته، وشرحه ومعرفة صحيحه من سقيمه، وقد صنف كتبًا كثيرة نذكر منها:\r1- التهذيب: في فقه الإمام الشافعي، وهو كتاب مشهور متداول عند الشافعية، كما أنه تأليف مهذب مجرد من الأدلة غالبًا، لخصه من تعليقة شيخه القاضي حسين وعدَّل فيه زيادة وحذفًا، وكثيرًا ما ينقل عنه الإمام النووي رحمه الله في كتابه \"روضة الطالبين\". وكتاب التهذيب يقع في أربعة مجلدات ضخمام يوجد منه المجلد الرابع في المكتبة الظاهرية بدمشق تحت رقم (292) فقه شافعي يرجع تاريخ نسخه إلى سنة 599 هـ هذا ما أشار إليه محقق سير أعلام النبلاء 19\\440.\r2- معالم التنزيل: والمعروف بتفسير البغوي وقد تقدم الكلام عنه في مبحث منهج البغوي في التفسير إلا أننا نشير إلى أنَّ هذا التفسير قد طبع عدة طبعات كانت الأولى عام (1285) هـ طبعة حجرية أثبت على حاشيتها بعض التعليقات والتراجم وهي في أربعة أجزاء مجموعة في مجلد واحد.\rوالثانية: المطبوعة على هامش تفسير ابن كثير في تسعة مجلدات طبعت بمطبعة المنار بمصر سنة (1343) هـ.\rوالثالثة: النسخة المطبوعة على هامش (تفسير الخازن) في أربعة مجلدات.\rوالرابعة: التي صدرت قريبًا في أربعة مجلدات بتحقيق خالد عبد الرحمن العك ومروان سوار. وجميع هذه الطبعات قد حوت من الأخطاء والتصحيفات، التي ظهرت خلال المقابلة مع النصوص المخطوطة، الشيءَ الكثير، مما حملنا على خدمة هذا التفسير العظيم.\r3- شرح السنة: قال فيه مؤلفه في الجزء الأول ص 2 - 4: \"فهذا كتاب في شرح السنة، يتضمن إن شاء اللّه سبحانه وتعالى كثيرًا من علوم الأحاديث، وفوائد الأخبار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلِّ مشكلها، وتفسير غريبها، وبيان أحكامها، يترتب عليها من الفقه واختلاف العلماء جُمَلٌ لا يستغني عن معرفتها المرجوع إليه في الأحكام، المعَّول عليه في دين الإسلام.\rولم أودع هذا الكتاب من الأحاديث إلا ما اعتمده أئمة السلف الذين هم أهل الصنعة، المْسلَّم لهم الأمر من أهل عصرهم، وما أودعوه كتُبَهم. فأما ما أعرضوا عنه من المقلوب، والموضوع، والمجهول واتفقوا","part":1,"page":20},{"id":17,"text":"على تركه فقد صنت الكتاب عنه، وما لم أذكر أسانيدها من الأحاديث فأكثرها مسموعة، وعامتها في كتب الأئمة، غير أني تركت أسانيدها حذرًا من الإطالة واعتمادًا على نقل الأئمة\" اهـ.\rلقد جمع محي السنة في كتابه هذا بين الرواية والدراية، مما جعله من الكتب القيمة، بالإضافة إلى معرفته بأقوال الصحابة والتابعين والأئمة، والمجتهدين وقد قام بخدمة هذا الكتاب كلٌ من الأستاذين شعيب الأرناؤوط وزهير الشاويش وقد صدر عن المكتب الإسلامي ببيروت في 16 مجلدًا مع الفهارس.\r4- مصابيح السنة: جمع فيه مؤلفه طائفة من الأحاديث، محذوفة الأسانيد، اعتمد على نقل الأئمة لها، وقسم أحاديث كل باب إلى صحاح وحسان وعنى بالصحاح ما أخرجه الشيخان، وبالحسان ما أخرجه أصحاب السنن وما كان فيها من ضعيف أو غريب أشار إليه، وأعرض عن ذكر ما كان منكرًا أو موضوعًا، وهو كتاب مشهور طبع أكثر من طبعة، واعتنى بشأنه العلماء بالقراءة والتعليق وعملوا عليه الكثير من الشروحات، من أهمها ما قام به الشيخ ولي الله أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخطيب، حيث كمل المصابيح، وذيل أبوابه فذكر الصحابي الذي روى الحديث عنه، وذكر الكتاب الذي أخرجه منه، وزاد على كل باب من صحاحه وحسانه- إلا نادرًا- فصلًا ثالثًا وسماه \"مشكاة المصابيح \" فصار كتابًا كاملًا (1) .\rوقد طبع هذا الأخير عدة طبعات، وكان آخرها التي قام بنشرها المكتب الإسلامي بتحقيق الأستاذ\\ ناصر الدين الألباني في ثلاثة مجلدات وطبع أيضًا مصابيح السنة في أربعة مجلدات.\r5- الأنوار في شمائل النبي المختار: أشار إلى ذلك صاحب كشف الظنون (2) والشيخ محمد بن جعفر الكتاني في كتاب الرسالة المستطرفة. رتبه على واحد ومائة باب على طريقة المحدثين بالأسانيد (3)\r6- الجمع بين الصحيحين: ذكره صاحب معجم المؤلفين (4) وبعض من ترجم له.\r7- الأربعين حديثًا: ذكره ابن قاضي شهبة عن الذهبي.\r8- مجموعة من الفتاوى: حوت فتاوى شيخه من المسائل الفقهية التي سئل عنها الإمام أبو علي الحسين بن محمد المروزي \" صاحب التعليقة\" فتتبعها البغوي وجمعها. توجد نسخة منها في دار الكتب الظاهرية بدمشق (5)\r__________\r(1) كشف الظنون 2/1698.\r(2) كشف الظنون 1/195.\r(3) الرسالة المستطرفة ص 105.\r(4) 4/61.\r(5) انظر شرح السنة 1/29.","part":1,"page":21},{"id":18,"text":"وفاته:\rتوفي رحمه الله بَمرْو الرُّوذ. مدينة من حدائق خراسان في شوال سنة ستَّ عشرة وخمس مائة للهجرة. ودفن بجانب شيخه القاضي حسين، وعاش بضعًا وسبعين رحمه الله.","part":1,"page":22},{"id":19,"text":"وصف النسخ\rلقد حوت المكتبة الإسلامية الكثير من النسخ الخطية لهذا الكتاب القيم، وإن كانت تختلف في جودتها، ووضوحها، واستكمالها، وبعدها أو قربها من مؤلفها، وإليك بيانًا ببعض تلك النسخ:\r1- نسخة \"المكتبة الظاهرية\" بدمشق حرسها الله وأعاد مجدها حصلنا عليها بواسطة الأستاذ الشيخ عبد القادر أرناؤوط، فجزاه الله خيرًا، ورمزنا لها بالحرف (أ) وجعلناها أصلًا وهي نسخة كاملة، وواضحة الخط، وعليها بعض الحواشي، والتعليقات وافق الفراغ منها بالقدس الشريف في المدرسة الصلاحية يوم الثالث عشر من شوال، من شهور سنة خمسة وعشرين وثمانمائة هجرية، وهي بخط سليمان بن أحمد بن سليمان الحدادي القرشي، الجزء الأول منها برقم خاص (40) ورقم عام (413) تفسير، وعدد صفحاته (223) ورقة من الفاتحة إلى آخر سورة الكهف، والجزء الثاني برقم خاص (41) ورقم عام (414) تفسير، وعدد صفحاتها (205) ورقة من سورة مريم إلى الناس.\r2- نسخة \"مكتبة الحرم المكي الشريف\" برقم عام (283) ورقم خاص (257)، وهي نسخة واضحة ومتكاملة، ومتأخرة في النسخ عن نسخة الظاهرية ورمزنا لها بالحرف (ب) وتقع في مجلدين، وتنتهي بنهاية النصف الأول من القرآن الكريم، ولذا أكملنا النقص من نسخة أخرى في مكتبة الحرم أيضًا برقم (713) تفسير في مجلدين، والثاني منهما يقع في (258) ورقة.\r3- وقد حوت المكتبة المركزية لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في مدينة الرياض العديد من النسخ الخطية بعضها مرمم والبعض الآخر ناقص.\rفالنسخة الأولى: برقم (1696) أولها (بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ الإمام الأجل السيد ناصر الحديث ركن الدين أبو محمد الحسين).\rوجاء في نهايتها: (وقع الفراغ في تتميم هذه النسخة في غرة شهر رمضان سنة ثمان وأربعين ومائة بعد ألف).\rعدد أوراقها 504.\rوالثانية: برقم (3629) جاء في أولها: (بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر واعن يا كريم، أخبرنا الشيخ الإمام عفيف الدين أبو علي الحسن بن ملجد بن إبراهيم المريدي رحمه الله قال:-","part":1,"page":23},{"id":20,"text":"وآخرها: تفسير سورة التوبة عدد أوراقها: (236) وهي مرممة ترميمًا نتج عنه ضياع بعض الكلمات في بداية سورة الفاتحة ص 9- 10- 11- 13- 14.\rويوجد عليها حواش وتعليقات.\rوالثالثة: رقمها (3782) عدد أوراقها (208) تبدأ بسورة البقرة وسورة آل عمران وسورة النساء وآخر المخطوطة كتبت هذه العبارة (آخر الجزء الأول من معالم التنزيل، وكان الفراغ من نسخه يوم السبت رابع عشر شهر ربيع الآَخر سنة ست وأربعين وسبعمائة على يد أفقر العباد وأحوجهم إلى عفو ربه).\rوالرابعة: برقم (3627) الجزء الأول فقط عدد أوراقها (298) وفي ورقة 297 كتب عليها: (تم الربع الأول بحمد اللّه وتوفيقه وكان الفراغ من كتاب (معالم التنزيل) بإذن الله الملك الجليل في يوم الجمعة قبل الظهر اثنين وعشرين يومًا خلا من شهر ربيع الأول سنة ألف ومائة وتسعة وعشرين سنة 1129 هـ.\rهذا بالإضافة إلى العديد من النسخ الناقصة وقد اخترنا النسخة (أ) أصلًا، أي نسخة المكتبة الظاهرية وذلك لقربها من وفاة المؤلف ولتمامها ولوجود بعض الحواشي والتعيقات عليها واستعنا بعد عون الله تعالى وتوفيقه بالنسخة (ب) التي جعلناها في المرتبة الثانية وذلك لوضوحها وتمامها وسبب اقتصارنا على النسختين (أ، ب) وصرف النظر عن غيرهما هو التحرز من ضغط الهوامش بالاختلافات التي قد تؤدي إلى النفور والملل، لعدم فائدتها للقارئ والله الهادي إلى سواء السبيل.","part":1,"page":24},{"id":21,"text":"الصحيفة الأولى لمخطوطة الظاهرية والتي رمزنا لها بالحرف (أ)","part":1,"page":25},{"id":22,"text":"الصفحة الأخيرة من المجلد الأول - الظاهرية (أ)","part":1,"page":26},{"id":23,"text":"الصفحة الأولى من المجلد الثاني - ظاهرية","part":1,"page":27},{"id":24,"text":"الصفحة الأخيرة من المجلد الثاني - ظاهرية","part":1,"page":28},{"id":25,"text":"الصحيفة الأولى لمخطوطة الحرم المكي والتي رمزنا إليها بالحرف (ب)","part":1,"page":29},{"id":26,"text":"الصفحة الأخيرة من المجلد الثاني - نسخة الحرم","part":1,"page":30},{"id":27,"text":"الصفحة الأولى من نسخة الحرم الثانية","part":1,"page":31},{"id":28,"text":"الصفحة الأخيرة من نسخة الحرم الثانية","part":1,"page":32},{"id":29,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\r[ربّ يسِّر وأعن] (1)\r[قال الشيخ الإمام الأجلُّ السيد محيي السنة، ناصر الحديث، ركن الدين، أبو محمد الحسين ابن مسعود الفرّاء رحمه اللّه] (2) .\rالحمد للَه ذي العظمة والكبرياء، والعزة والبقاء، والرفعة والعلاء، والمجد والثناء تعالى عن الأنداد والشركاء، وتقدس عن الأمثال والنظراء، والصلاة على نبيه وصفيه محمد خاتم الأنبياء وإمام الأتقياء، عدد ذرات الثرى، ونجوم السماء، والحمد لله الملك السلام، المؤمن المهيمن العلّام، شارع الأحكام، ذى الجلال والإكرام الذي أكرمنا بدين الإسلام ومنَّ علينا بنبينا محمد عليه التحية والسلام، وأنعم علينا بكتابه المفرق بين الحلال والحرام، والصلاة [والسلام] (3) على حبيبه، وخيرته من خلقه محمد سيد الأنام، عدد ساعات الليالي والأيام، وعلى آله وأصحابه نجوم الظلام، وعلى جميع الأنبياء والملائكة البررة الكرام.\rأما بعد:\rفإن الله جل ذكره أرسل رسوله بالهدى ودين الحق رحمة للعالمين، وبشيرًا للمؤمنين، ونذيرًا للمخالفين، أكمل به بنيان النبوة، وختم به ديوان الرسالة، وأتم به مكارم الأخلاق، ومحاسن الأفعال، وأنزل عليه بفضله نورًا هَدَى به من الضلالة، وأنقذ به من الجهالة، وحكم بالفلاح لمن تبعه، وبالخسارة لمن أعرض عنه بعد ما سمعه أعجز الخليقة عن معارضته وعن الإتيان بسورة من مثله في مقابلته، وسهل على الخلق مع إعجازه تلاوته، ويسر على الألسن قراءته، أمر فيه وزجر، وبشر وأنذر وذكر المواعظ ليُتذكر، وقص عن أحوال الماضين ليُعتبر، وضرب فيه الأمثال ليُتدبر، ودل على آيات التوحيد ليُتفكر، ولا حصول لهذه المقاصد فيه إلا بدراية تفسيره وأَعلامه، ومعرفة أسباب نزوله وأحكامه، والوقوف على ناسخه ومنسوخه، وخاصِّه وعامه، ثم هو كلام معجز وبحر عميق، لا نهاية لأسرار علومه، ولا درك لحقائق معانيه، وقد ألف أئمة السلف في أنواع علومه كتبًا، كلٌّ على قدر فهمه، ومبلغ علمه، (نظرًا للخلف) (4) فشكر الله تعالى سعيهم ورحم كافَّتهم.\r__________\r(1) ساقط من (ب) وفيها بعد البسملة: \"وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم\".\r(2) زيادة من (ب).\r(3) ساقط من (أ).\r(4) ساقط من (ب).","part":1,"page":33},{"id":30,"text":"فسألني جماعة من أصحابي المخلصين، وعلى اقتباس العلم مقبلين: كتابًا في معالم التنزيل وتفسيره، فأجبتهم إليه، معتمدًا على فضل الله تعالى وتيسيره، ممتثلًا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فيما يرويه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: \" إن رجالًا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرًا \" (1)\rواقتداء بالماضين من السلف في تدوين العلم إبقاء على الخلف، وليس على ما فعلوه مزيد ولكن لا بد في كل زمان من تجديد ما طال به العهد، وقَصُر للطالبين فيه الجد والجهد تنبيهًا للمتوقفين وتحريضًا للمتثبطين.\rفجمعت- بعون الله تعالى وحسن توفيقه- فيما سألوا كتابًا وسطًا بين الطويل الممل،1/ب والقصير المخل، أرجو أن يكون مفيدًا لمن أقبل على تحصيله مريدًا.\rوما نقلت فيه من التفسير عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، حبر هذه الأمة، ومن بعده من التابعين، وأئمة السلف، مثل: مجاهد، وعكرمة، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وقتاده، وأبي العالية، ومحمد بن كعب القرظي، وزيد بن أسلم، والكلبي، والضحاك، ومقاتل بن حيان، ومقاتل بن سليمان، والسُّدّي، وغيرهم فأكثرها مما أخبرنا به الشيخ أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي الخوارزمي، فيما قرأته عليه عن الأستاذ أبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي عن شيوخه رحمهم الله.\r* أما تفسير عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ترجمان القرآن الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: \" اللهم علمه الكتاب \" (2) وقال: \" اللهم فقهه في الدين \" (3) قال أبو إسحاق: أخبرنا أبو محمد ابن عبد الله بن حامد أنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس الطرائفي ثنا عثمان بن سعيد الدارمي ثنا عبد الله بن صالح أن معاوية بن صالح حدثه عن علي بن أبي طلحة الوالبي عن عبد الله بن عباس. وقال: أنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب ثنا عبد الله بن محمد الثقفي أنا أبو جعفر محمد بن نصرويه المازني أنا محمد بن سعيد بن محمد بن الحسن بن عطيه بن سعد العوفي قال حدثني عمي الحسين بن\r__________\r(1) أخرجه الترمذي: في العلم- باب ما جاء في الإيصاء بمن يطلب العلم: 7/409 - 410 وقال هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي هارون العبدي، وأبو هارون العبدي اسمه (عمارة بن جُوَيْن) متروك ومتهم بالكذب، شيعي من الرابعة. الجرح والتعديل 6/363 الميزان 3/173. تهذيب التهذيب 7/262. الضعفاء والمتروكين ص 192 تقريب التهذيب. لسان الميزان 7/321 وأخرجه ابن ماجه في المقدمة، باب الوصاة بطلب العلم: 1/91- 92، وأخرجه أيضًا عن أبي هريرة وفيه: المعلَى بن هلال، كذَّبه أحمد وابن معين وغيرهما، ونسبه إلى الوضع غير واحد. انظر الجرح والتعديل 8/331. المغني 2/671. الميزان 4/152. التقريب. تهذيب التهذيب 10/240. لسان الميزان 7/394.\r(2) أخرجه البخاري: في العلم- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم (اللهم علمه الكتاب) 1/169.\r(3) أخرجه البخاري: في الوضوء - باب: وضع الماء عند الخلاء 1/244. ومسلم: في فضائل الصحابة - باب: فضل عبد الله بن عباس برقم (2477) 4/1927.","part":1,"page":34},{"id":31,"text":"الحسن بن عطيه حدثني أبي عن جدي عطيه عن ابن عباس. وقال الثعلبي ثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن النيسابوري أنا أحمد بن محمد إبراهيم الصريمي المروزي أنا أبو العباس أحمد بن الخضر الصيرفي، أنا أبو داود سليمان بن معبد السنجي (1) أنا علي بن الحسين بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس.\r* وأما تفسير مجاهد بن جبر المكي قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن حامد الأصفهاني قال أنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن بطة (2) ثنا عبد الله بن محمد بن زكريا ثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي (3) ثنا مسلم بن خالد الزنجي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.\r* وأما تفسير عطاء بن أبي رباح قال: ثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حسن النيسابوري ثنا أبو عبد الرحمن أحمد بن ياسين بن الجراح الطبري أنا أبو محمد بن بكر بن سهل الدمياطي ثنا عبد الغني ابن سعيد الثقفي عن أبي محمد موسى بن عبد الرحمن الصنعاني عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح.\r*وأما تفسير الحسن البصري قال: حدثني أبو القاسم الحسن بن محمد بن عبد الله بن المكتب حدثني أبو الحسن محمد بن أحمد بن الصلت المعروف بابن شنبوذ المقرئ 2/أ ثنا سعيد بن محمد ثنا المستهل بن واصل عن أبي صالح عن عمرو بن عبيد عن الحسن بن أبي الحسن البصري.\r* وأما تفسير قتادة قال: أنا أبو محمد عبد الله بن حامد الأصفهاني (4) أنا أبو علي حامد بن محمد بن الهروي ثنا أبو يعقوب إسحاق بن الحسن بن ميمون الحربي ثنا أبو أحمد الحسين بن محمد المروزي ثنا شيبان بن عبد الرحمن النحوي عن قتادة وقال ثنا أبو القاسم الحبيبي (5) أنا أبو زكريا العنبري ثنا جعفر ابن محمد بن سوار أنا محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة بن دعامة السدوسي. *\rوأما تفسير أبي العالية واسمه رُفيع بن مهران قال: ثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن المفسر أنا أبو عمرو أحمد بن محمد بن منصور العمركي بَسْرخَس (6) ثنا أبو الحسن أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن [يزيد] (7) [البصري] (8) أنا أبو علي الحسن بن موسى الأزدي عن عمار بن الحسن بن بشير الهمذاني\r__________\r(1) في نسخه (أ) سليمان بن سعيد.\r(2) في نسخه (أ) أبو عبد الله محمد بن أحمد بن بكر.\r(3) في نسخه (ب) الأْرموي.\r(4) في (ب) الأصبهاني.\r(5) في (أ) الحبيني.\r(6) سَرْخَس: بفتح أوله، وسكون ثانيه، وفتح الخاء المعجمة، وآخره سين مهملة، ويقال سَرَخَس، بالتحركك، والأول أكثر: مدينة قديمة من نواحي خراسان كبيرة واسعة، وهي بين نيسابور ومرو في وسط الطريق.\r(7) في ب: مزيد.\r(8) زيادة من (ب).","part":1,"page":35},{"id":32,"text":"عن عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع بن أنس عن أبي العالية الرياحي.\r* وأما تفسير القرظي: قال: ثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب ثنا أبو العباس محمد بن الحسن الهروي ثنا رجاء بن عبد الله أنا مالك بن سليمان الهروي عن أبي معشر عن محمد بن كعب القرظي.\r* وأما تفسير زيد بن أسلم قال: أنا الحسن بن محمد بن الحسن قال كتب إليَّ أحمد بن كامل ابن خلف أن محمد بن جرير الطبري حدثهم قال: ثنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي أنا عبد الله بن وهب أخبرني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه.\r* وأما تفسير الكلبي: فقد قرأت بمرو على الشيخ أبي عبد الله محمد بن الحسن المروزي في شهر رمضان سنة أربع وستين وأربعمائة قال: أنا أبو مسعود محمد بن أحمد بن محمد بن يونس الخطيب الكُشْمِيْهَني في محرم سنة خمسين وأربعمائة قال أنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد بن معروف [الهُرْمُزْفَرَهي] (1) ثنا محمد بن علي الأنصاري المفسر ثنا علي بن إسحاق وصالح بن محمد السمرقندي قالا: ثنا محمد بن مروان السدي عن محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح (2) أنا باذان مولى أم هانئ عن ابن عباس.\r* وأما تفسير الضحاك بن مزاحم الهذلي (3) قال: أنا الأستاذ إسحاق الثعلبي ثنا أبو القاسم الحسن بن محمد السدوسي ثنا أبو عمر أحمد بن محمد العمركي بسرخس ثنا جعفر بن محمد بن سوار ثنا أحمد بن محمد بن جميل المروزي ثنا أبو معاذ عن عبيد الله (4) بن سليمان الباهلي عن الضحاك.\r* وأما تفسير مقاتل بن حيان قال: أنا عبد الله بن حامد الوزَّاني ثنا أحمد بن محمد بن عبدوس ثنا إسماعيل بن قتيبة ثنا أبو خالد يزيد بن صالح الفراء النيسابوري حدثنا [بكير بن معروف البلخي الأسدي] (5) أبو معاذ 2/ب عن مقاتل بن حيان.\r* وأما تفسير مقاتل بن سليمان قال: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد المهرجاني أنا أبو محمد عبد الخالق بن الحسين بن محمد السقطي المعروف بابن أبي رؤبة ثنا عبد الله بن ثابت بن يعقوب المَقْرِيّ أبو محمد قال: حدثني أبي حدثني الهذيل بن حبيب أبو صالح [الدنداني] (6) عن مقاتل بن سليمان.\r__________\r(1) في الأصل الأهرمزوري، وفي (ب) الهرمزي. والتصويب من اللباب 3/385\r(2) في ب: عن أبي نصر عن أبي صالح.\r(3) في ب: الهلالي.\r(4) في ب: عبيد بن سليمان.\r(5) في الأصل: بكر... الأزدي. والتصويب من التهذيب.\r(6) في الأصل، الديداني، وفي المطبوع (حاشية ابن كثير) الزيداني والتصويب من اللباب 1/510.","part":1,"page":36},{"id":33,"text":"* وأما تفسير السدي قال: ثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن أنا أبو الطيب محمد بن عبد الله ابن مبارك الشعيري ثنا أحمد بن محمد بن نصر اللباد ثنا عمرو بن طلحة القناد عن +اسباط عن إسماعيل السدي. وما نقلته عن المبتدأ لوهب بن منبه وعن المغازي لمحمد بن إسحاق أبو شعيب فأخبرنيه أبو سعيد الشريحي قال: أنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي قال: أنبأني أبو نعيم عبد الملك بن الحسن بن محمد بن إسحاق بن الأزهري أنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن البراء العبدي قال: قرأت على أبي عبد الله عبد المنعم بن إدريس عن أبيه عن وهب بن منبه. وأنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ أنا أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف المعقلي ثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي أنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق بن يسار المدني وأنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن أحمد بن عقيل الأنصاري أنا أبو الحسن علي بن الفضل الخزاعي أنا أبو شعيب بن عبد الله بن الحسين الحراني أنا النفيلي أنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق.\rفهذه أسانيد أكثر ما نقلته عن هؤلاء الأئمة وهي مسموعة من طرق سواها تركت ذكرها حذرًا من الإطالة وربما حكيت عنهم وعن غيرهم من الصحابة أو التابعين قولًا سمعته بغير هذه الأسانيد بل أذكر أسانيد بعضها في موضعه من الكتاب إن شاء الله تعالى.\rثم إن الناس كما أنهم متعبدون باتباع أحكام القرآن وحفظ حدوده فهم متعبدون بتلاوته، وحفظ حروفه على سنن خط المصحف الإمام الذي اتفقت عليه الصحابة، وأن لا يجاوزوا فيما يوافق الخط عما قرأ به القراء المعروفون الذين خلفوا الصحابة والتابعين، واتفقت الأئمة على اختيارهم.\rوقد ذكرت في الكتاب قراءات من اشتهر منهم بالقراءة، واختياراتهم على ما قرأته على الإمام أبي نصر محمد بن أحمد بن علي المروزي رحمه الله تلاوة ورواية قال: قرأت على أبي القاسم طاهر بن علي الصيرفي قال: قرأت على أبي بكر أحمد بن الحسين بن مهران بإسناده المذكور في كتابه المعروف بكتاب الغاية (1) وهم: أبو جعفر يزيد بن القعقاع، وأبو عبد الرحمن نافع بن عبد الرحمن المدنيان، وأبو معبد عبد الله بن كثير الداري المكي، وأبو عمران عبد الله بن عامر الشامي، وأبو عمرو زبان بن العلاء المازني، وأبو محمد يعقوب بن إسحاق الحضرمي البصريان، وأبو بكر عاصم بن أبي النجود الأسدي، وأبو عمارة حمزة بن حبيب الزيات، وأبو الحسن علي بن حمزة الكسائي الكوفيون فأما أبو جعفر فإنه أخذ القراءة عن عبد الله بن عباس وأبي هريرة وغيرهما وهم قرأوا على أبي بن كعب، وأما نافع فإنه قرأ على أبي جعفر القارئ وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج وشيبه بن نصاح وغيرهم من التابعين الذين قرأوا\r__________\r(1) الغاية القراءات العشر مخطوط في جامعة الرياض مصور عن عارف حكمت 20 ورقة (الأْعلام 1/115).","part":1,"page":37},{"id":34,"text":"على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقال الأعرج قرأت على أبي هريرة، وقرأ أبو هريرة على أُبِّي بن كعب.\rوأما عبد الله بن كثير فإنه قرأ على مجاهد بن جبر وقرأ مجاهد على ابن عباس، وقرأ ابن عباس على أبي ابن كعب، وقرأ أبي بن كعب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.\r[وأما أبو عمرو فإنه قرأ على مجاهد وسعيد بن جبير، وهما قرآ على ابن عباس وقرأ ابن عباس على أبي ابن كعب وقرأ أبي بن كعب على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم] (1) وأما عبد الله بن عامر فإنه قرأ على المغيرة بن شهاب المخزومي، وقرأ المغيرة على عثمان بن عفان.\rوأما عاصم فإنه قرأ على أبي عبد الرحمن السلمي وقرأ أبو عبد الرحمن على علي بن أبي طالب قال عاصم: وكنت أرجع من عند أبي عبد الرحمن فأقرأ على زر بن حبيش، وكان زر قد قرأ على عبد الله بن مسعود.\rوأما حمزة فإنه قرأ على عبد الرحمن بن أبي ليلى، وسليمان الأعمش، وحمران بن أعين وغيرهم. وقرأ عبد الرحمن بن أبي ليلى على جماعة من أصحاب علي، وقرأ الأعمش على يحيى بن وثاب، وقرأ يحيى على جماعة من أصحاب عبد الله، وقرأ حمران على أبي الأسود الدؤلي وفرأ أبو الأسود الدؤلي على عثمان وعلي.\rوأما الكسائي فإنه قرأ على حمزة، وأما يعقوب فإنه قرأ على أبي المنذر سلام بن سليمان الخراساني، وقرأ سلام على عاصم.\rفذكرت قراءات هؤلاء للاتفاق على جواز القراءة بها، وما ذكرت من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثناء الكتاب على وفاق آية، أو بيان حكم فإن الكتاب يطلب بيانه من السنة، وعليهما مدار الشرع وأمور الدين - فهي من الكتب المسموعة للحفاظ وأئمة الحديث، وأعرضت عن ذكر المناكير، وما لا يليق بحال التفسير، فأرجو أن يكون مباركًا على من أراده وبالله التوفيق.\r__________\r(1) ساقط من المطبوع حاشية ابن كثير.","part":1,"page":38},{"id":35,"text":"(فصل في فضائل القرآن وتعليمه)\rأنا عبد الواحد المليحي، أنا [أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح] (1) أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ثنا علي بن الجعد أنا شعبة عن علقمة بن مرثد قال: سمعت سعد بن\r__________\r(1) في الأْصل (أ): أبو عبد الرحمن بن أبي شريح.","part":1,"page":38},{"id":36,"text":"(عبيدة) (1) يحدث عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان قال شعبة: قلت: عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم قال: \" خيركم من تعلم القرآن وعلمه \" هذا حديث صحيح أخرجه البخاري عن الحجاج بن منهال عن شعبة (2) .\rأنا أبو بكر بن محمد بن عبد الصمد الترابي 3/أ أنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حموية السرخسي أنا أبو إسحاق إبراهيم بن خزيم الشاشي، أنا أبو محمد عبد الله بن حميد الشاشي ثنا حسين بن علي الجعفي قال: سمعت حمزة الزيات عن أبي المختار الطائي عن ابن أخي الحارث الأعور عن الحارث الأعور قال: \" مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث فدخلت على علي رضي الله عنه فقلت: يا أمير المؤمنين ألا ترى أن الناس قد خاضوا في الأحاديث؟ قال: أو قد فعلوها؟ قلت: نعم قال: أما إني قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"ألا إنها ستكون فتنة قلت فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغُ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة ولا تشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا إنا سمعنا قرآنًا عجبًا يهدي إلى الرشد فآمنا به، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم\" خذها إليك يا أعور (3) . قال أبو عيسى: هذا (الحديث) لا نعرفه إلا من هذا الوجه وإسناده مجهول، والحارث فيه مقال.\rأنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان السمعاني أنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الزياتي ثنا حميد بن زنجويه ثنا إسحاق بن عيسى قال: سمعت ابن لهيعة يقول: ثنا مشْرَح بن (هاعان) (4) قال: سمعت عقبة بن عامر يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم\r__________\r(1) في الأصل (أ): عبيد.\r(2) أخرجه البخاري: في فضائل القرآن - باب: خيركم من تعلم القرآن وعلمه: 9/74 وأخرجه المصنف في شرح السنة: 4/ 427 - 428.\r(3) أخرجه الترمذي: في فضائل القرآن - باب ما جاء في فضل القرآن (8/218 - 221) وقال هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات، وإسناده مجهول، وفي حديث الحارث مقال إذ كذبه الشعبي في رأيه، ورمي بالرفض وفي حديثه ضعف (التقريب)، وأخرجه الطبراني مختصرًا، قال الهيثمي: وفيه عمرو بن واقد وهو متروك. مجمع الزوائد 7/165. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 4/438. وانظر فيما سيأتي: 2/78.\r(4) في الأصل: هامان، والتصويب من التهذيب وشرح السنة، وفي سنن الدارمي: عاهان.","part":1,"page":39},{"id":37,"text":"يقول: \" لو كان هذا القرآن في إهاب ما مسته النار \" (1) قيل معناه من حمل القرآن وقرأه لم تمسه النار يوم القيامة.\rأنا عبد الواحد المليحي أنا أبو منصور السمعاني أنا أبو جعفر الزياتي ثنا حميد بن زنجويه ثنا جعفر ابن عون أنا إبراهيم بن مسلم عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال: \"[إن هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا من مأدبته ما استطعتم إن] (2) هذا القرآن حبل الله والنور المبين والشفاء النافع وعصمة لمن تمسك به ونجاة لمن تبعه لا يزيغ فيستعتب ولا يعوج فيقوم ولا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد فاتلوه فإن الله عز وجل يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات أما إني لا أقول ألم حرف ولكن الألف حرف واللام حرف والميم حرف\" (3) ورواه بعضهم عن ابن مسعود مرفوعًا.\rأنا أبو جعفر أحمد بن أبي أحمد بن متويه أنا الشريف أبو القاسم علي بن محمد بن علي الحسيني الحراني فيما كتبّ إليَّ أنا أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري ثنا أبو الفضل جعفر بن محمد ابن الصندلي ثنا الحسن بن محمد الزعفراني ثنا علي بن عاصم عن إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بمعناه.\rأنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ثنا أبو محمد عبد الله بن يوسف بن محمد بن بامُويَةَ الأصْبهاني أنا أبو محمد عبد الرحمن بن يحيى القاضي الزُّهْرِي بمكة أنا محمد بن إسماعيل بن سالم الصائغ أنا سليمان بن داود الهاشمي ثنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب الزهري عن عامر بن وَاثِلةَ أبي الطُّفيل \" أن نافع بن عبد الحارث لقى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعُسْفَان- وكان عمر استعمله على مكة - فقال له عمر: من استخلفت على أهل الوادي؟ قال: استخلفت عليهم ابن أبْزَى قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا قال عمر: فاستخلفت عليهم مولى؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنه رجل قارئ للقرآن عالم بالفوائض قاضٍ فقال عمر: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قال: \"إن الله تعالى يرفع بالقرآن\r__________\r(1) رواه أحمد: 4/151،155 عن عقبة بن عامر، والدارمي: 2/430، وأبو يعلى وفي سنده عبد الله بن لهيعة صدوق خلط بعد احتراق كتبه (التقريب) وله شاهد عند الطبراني من حديث عصمة بن مالك وفيه الفضل بن المختار وهو ضعيف.\rوأخرجه المصنف في شرح السنة: 4/436.\rقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني وأبو يعلى، وفيه ابن لهيعة، وفيه خلاف: 7/158 وعن سهل بن سعد: \"لو كان القرآن في إهاب ما مسته النار\" قال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه عبد الوهاب بن الضحاك وهو متروك. ورواه أبو يعلى: 2/307 وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم (5282).\rوفسر بعض رواة أبي يعلى الحديث بأن من جمع القرآن ثم دخل النار فهو شر من الخنزير.\r(2) زيادة في نسخة (ب).\r(3) أخرجه الحاكم: 1/555 وقال: تفرد به صالح بن عمر عن عبد الله بن مسعود، وهو صحيح، وتعقبه الذهبي بأن صالحًا ثقة خَرج له مسلم، لكن إبراهيم بن مسلم ضعيف. انظر: فيض القدير: 1/546. الجرح والتعديل 2/131. تهذيب الكمال 2/203. الميزان 1/65. التقريب. تهذيب التهذيب 1/164. الضعفاء والمتروكين ص 40.","part":1,"page":40},{"id":38,"text":"أقوامًا ويضع به آخرين\" صحيح أخرجه مسلم عن زهير بن حرب (1) .\rأنا أبو بكر بن محمد عبد الصمد الترابي المعروف بابن أبي الهيثم أنا الحاكم أبو الفضل محمد بن الحسين الحدادي سنة أربع وثمانين وثلاثمائة أنا أبو يزيد محمد بن يحيى بن خالد أنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أنا جرير يعني ابن عبد الحميد عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: \" إن الرجل الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب \" (2) قال أبو عيسى هذا حديث صحيح.\rأنا عبد الواحد المليحي أنا أبو منصور السمعاني أنا أبو جعفر الزياتي ثنا حميد بن زنجويه أنا أبو أيوب الدمشقي ثنا سعدان بن يحيى ثنا عبد الله بن أبي حميد عن أبي الحكم المليح الهذلي عن واثلة بن الأسقع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" أعطيت مكان التوراة السبع الطوال، وأعطيت مكان الإنجيل المئين، وأعطيت مكان الزبور المثاني، وأعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم البقرة من تحت العرش لم يعطها نبيّ قبلي، وأعطاني ربي المفصل نافلة \" (3) غريب.\r__________\r(1) رواه مسلم: في صلاة المسافرين- باب: فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه برقم (817) 1/559.\rوالمصنف في شرح السنة: 4/442.\r(2) رواه الترمذي: في فضائل القرآن- باب (رقم 18) 8/231 وقال: هذا حديث حسن صحيح وأحمد: 1/223 عن ابن عباس والدارمي: في فضائل القرآن- باب: فضل من قرأ القرآن 2/429 وأخرجه الحاكم: وقال: صحيح الإسناد: 1/554 وفي سنده قابوس ابن أبي ظبيان فيه لين (التقريب) والمصنف في شرح السنة: 4/443.\r(3) قال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني عن واثلة بن الأْسقع بنحوه (مجمع الزوائد: 7/158) وقال ابن كثير: هذا حديث غريب وسعيد بن بشير فيه لين وسيأتي.\rوعن أبي أمامة: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"أعطاني ربي السبع الطوال مكان االتوراة\" رواه الطبراني وفيه ليث بن أبي سليم ضعفه أحمد والنسائي ويحيى وقال ابن حبان: اختلط في آخر عمره (الميزان والتقريب). وبقية رجاله رجال الصحيح.","part":1,"page":41},{"id":39,"text":"(فصل في فضائل تلاوة القرآن)\rأنا عبد الواحد المليحي أنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم عبد اللّه بن محمد بن عبد العزيز البغوي ثنا علي بن الجعد أنا شعبة عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام عن عائشة رضي اللّه عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" مثل الماهر بالقرآن مثل السفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرؤه وهو عليه شاق له أجران \" (1) صحيح. وقال هشام الدستوائي عن قتادة بهذا الإسناد: \" الذي يقرأ القرآن\r__________\r(1) رواه البخاري: في التفسير - تفسير سورة عبس: 8/691. ومسلم: في صلاة المسافرين- باب: فضل الماهر بالقرآن... برقم (798) 1/550.\rوالمصنف في شرح السنة: 4/429.","part":1,"page":41},{"id":40,"text":"وهو ماهر مع السفرة الكرام البررة \"\rأنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو عمر بكر بن محمد المزني حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله حفيد العباس بن حمزة ثنا أبو علي الحسين بن الفضل البجلي ثنا عفان ثنا أبان بن يزيد ثنا قتادة عن أنس عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: \" مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأُتْرُجَّة طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب ولا طعم لها، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها \" (1) صحيح أخرجه البخاري عن قتيبه عن أبي عوانة عن قتادة .\rأنا عبد الواحد المليحي أنا أبو منصور السمعاني ثنا أبو جعفر الزياتي ثنا حميد بن زنجويه ثنا أبو نعيم ثنا سفيان عن عاصم، يعني ابن بهدلة، عن زر عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" يقال لصاحب القرآن اقرأ: وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها \" (2) قال أبو عيسى هذا حديث صحيح حسن.\rأنا عبد الواحد المليحي أنا أبو منصور السمعاني أنا أبو جعفر الزياتي ثنا حميد بن زنجويه، ثنا النضر بن شميل ثنا هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلام عن أبي أمامة أنه حدثه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: \" اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شافعًا لأصحابه اقرؤوا الزهراوين البقرة وآل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صوافَّ تُحاجَّان عن صاحبهما اقرءوا البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البَطَلَة \" (3) صحيح.\rأنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبو منصور السمعاني أنا أبو جعفر الزياتي ثنا حميد بن زنجوية ثنا أبو نعيم ثنا بشير بن مهاجر الغنوي 3/ب ثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه قال كنت جالسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول: \" اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة، ثم سكت\r__________\r(1) رواه البخاري: في فضائل القرآن- باب: فضل القرآن على سائر الكلام: 9/65 - 66.\rومسلم: في صلاة المسافرين- باب: فضل الماهر بالقرآن برقم (797) 1/549.\rوالمصنف في شرح السنة: 4/431- 432.\r(2) رواه أبو داود: في الصلاة - باب: كيف يستحب الترتيل في القراءة 2/136. والترمذي: في ثواب القرآن- باب: الذي ليس في جوفة قرآن: 8/232 وقال: هذا حديث حسن صحيح وأحمد: 2/192 عن عبد الله بن عمر.\rوابن حبان: في موارد الظمآن برقم (1790) ص 442/443.\rوالحاكم: 1/552 - 553 وقال: صحيح ووافقه الذهبي، والمصنف في شرح السنة: 4/435.\r(3) رواه مسلم: في صلاة المسافرين - باب: فضل قراءة القرآن وسورة البقرة برقم (804) 1/553.\rوالمصنف في شرح السنة: 4/456 - 457.","part":1,"page":42},{"id":41,"text":"ساعة ثم قال: تعلموا سورة البقرة وآل عمران فإنهما الزهراوان، وإنهما تُظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو غيايتان أو فرقان من طير صواف، وإن القرآن يأتي صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب فيقول له: هل تعرفني فيقول: ما أعرفك فيقول: أنا صاحبك القرآن أظمأتك بالهواجر، وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء كل تجارة فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسي والداه حُلَّتين لا يقوم لهما أهل الدنيا فيقولان: بم كسينا هذا؟ فيقال لهما: بأخذ ولدكما القرآن ثم يقال: اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها فهو في صعودها ما دام يقرأ، هذًَّا كان أو ترتيلًا \" (1) غريب.\rأنا عبد الواحد المليحي أنا أبو منصور السمعاني أنا أبو جعفر الزياتي ثنا حميد بن زنجويه ثنا أبو أيوب الدمشقي ثنا إسماعيل بن عياش ثنا ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" من استمع إلى آية من كتاب الله عز وجل كتبت له حسنة مضاعفة ومن قرأ آية من كتاب الله كانت له نورًا يوم القيامة \" (2) .\rأخبرنا الإمام أبو علي حسين بن محمد القاضي أنا أبو طاهر (محمد) (3) بن محمد بن محمش الزيادي أنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر ثنا إبراهيم بن عبد الله بن عمر بن بكير الكوفي أنا وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أيحب أحدكم إذا رجع إلى أهله أن يجد فيه ثلاث خَلِفاتٍ (4) عِظام سمان؟ قلنا نعم قال: فثلاث آيات يقرؤهن أحدكم في صلاته خير له من ثلاث خلفات عظام سمان \" (5) صحيح.\rأنا عبد الواحد المليحي أنا أبو منصور السمعاني أنا أبو جعفر الزياتي ثنا حميد بن زنجويه ثنا أبو الأسود ثنا ابن لهيعه عن زبان هو ابن فايدٍ عن سهل، هو ابن معاذ الجهني، عن أبيه رضي الله عنه عن\r__________\r(1) رواه أحمد: 5/348 عن عبد الله بن بريدة عن أبيه.\rوالمصنف في شرح السنة 4/454 وقال: هذا حديث حسن غريب. وأورده ابن كثير في التفسير 1/34 وقال: وروى ابن حبان بعضه، وهذا إسناد حسن على شرط مسلم، فإن بشيرًا أخرج له مسلم ووثقه ابن معين وقال النسائي: ما به بأس، إلا أن الإمام أحمد قال: هو منكر الحديث.\rقال الهيثمي في مجمع الزوائد: روى ابن حبان منه طرفًا، رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح 1/159.\r(2) رواه أحمد: 2/341 عن أبي هريرة، قال الحافظ العراقي: وفيه ضعف وانقطاع، وقال تلميذه الهيثمي: فيه عبّاد بن ميسرة، ضعفّه أحمد وغيره، ووثقه ابن معين مرة وضعفه أخرى، ووثقه ابن حبان، انظر: فيض القدير: 6/59، مجمع الزوائد: 7/162 الضعفعاء والمتروكين للنسائي ص 173.\r(3) في ب: أحمد وهو خطأ، انظر: اللباب: 2/84.\r(4) الحوامل من الإبل إلى أن يمضي عليها نصف أمدها. ثم هي عشار، والواحدة خَلِفَة وعشراء.\r(5) رواه مسلم: صلاة المسافرين- باب فضل قراءة القرآن في الصلاة وتعلمه برقم (802) 1/552.\rوالمصنف في شرح السنة: 4/434.","part":1,"page":43},{"id":42,"text":"النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" من قرأ القرآن فأحكمه وعمل بما فيه أُلبس والداه يوم القيامة تاجًا ضوءه أحسن من ضوء الشمس في بيت من بيوت الدنيا لو كانت فيه، فما ظنكم بالذي عمل به \" (1) .\rأنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أنا محمد بن عبد الله الصفَّار ثنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي ثنا أبو حذيفة ثنا سفيان الثوري عن الأعمش عن خيثمة عن رجل أن عمران بن حصين مر على رجل يقرأ على قوم فلما قرأ سأل فقال عمران: إنا لله وإنا إليه راجعون، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" من قرأ القرآن فليسأل الله عز وجل به فإنه سيجيء أقوام يقرؤون القرآن يسألون الناس به \" (2) رواه أبو عيسى عن محمود بن غيلان عن أبي أحمد عن سفيان عن الأعمش عن خيثمة عن الحسن عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال. وقال محمد بن إسماعيل هو خيثمة البصري الذي روى عنه جابر الجعفي وليس هو خيثمة بن عبد الرحمن.\r__________\r(1) أخرجه الإمام أحمد في المسند: 3/440 عن معاذ بن أنس الجهني وأبو داود في الوتر، باب في ثواب قراءة القرآن: 2/133.\rوالحاكم: 1/567، وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، فاعترض الذهبي بقوله: \"قلت: زبَّان ليس بالقوي\".\rوقال المنذري في مختصر السنن: سهل بن معاذ ضعيف، ورواه عنه زَبَّان بن فايد وهو ضعيف أيضًا ورواه الآجري في أخلاق أهل القرآن برقم (22) ص 81. وانظر تعليق المحقق عليه.\r(2) رواه الترمذي في ثواب القرآن - باب رقم (20) 8/235، وقال: هذا حديث حسن، وخيثمة شيخ بصري يكنى: أبو نصر، قد روى عن أنس بن مالك أحاديث.\rوأحمد: 4/432، عن عمران بن حصين.\rوالمصنف في شرح السنة: 4/441، ونقل تحسين الترمذي له.","part":1,"page":44},{"id":43,"text":"(فصل في وعيد من قال في القرآن برأيه من غير علم)\rأنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي أنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي أنا أبو إسحاق إبراهيم بن خزيم الشاشي ثنا أبو محمد عبد بن حميد ثنا عبد الرزاق أنا الثوري عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار \" (1) .\rأنا أبو منصور محمد بن عبد الملك المظفري أنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن الفضل الفقيه أنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن البصري ثنا أبو الفضل العباس بن محمد الدوري أخبرنا يحيى بن حماد ثنا أبو عوانه عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار \" (2) .\rأنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي حدثنا عبد الله بن أحمد بن حمويه أنا إبراهيم بن خزيم أنا عبد بن حميد ثنا حبان بن هلال ثنا سهيل أخو حزم القطيعي، ثنا أبو عمران (الجوني) (3) عن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ \" (4) غريب.\r__________\r(1) رواه الترمذي في أبواب تفسير القرآن، باب ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه؛ 8/277، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وعزاه المناوي للأبي داوود والنسائي في الفضائل، ولعله في الكبرى، ورواه ابن جرير عن ابن عباس موقوفًا؛ 1/78، تحقيق شاكر.\rوأخرجه المصنف في شرح السنة: 1/258.\rوفيه عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، الكوفي، صدوق يهم، من السادسة. ضعفه أحمد وأبو زرعة وقال النسائي: ليس بذاك القوي.\rانظر الضعفاء والمتروكين للنسائي ص 165، وميزان الاعتدال 2/530، الجرح والتعديل 6/25، تقريب التهذيب، تهذيب التهذيب 6/ 94 وغيرها.\r(2) أخرجه أحمد: 1/269 عن ابن عباس.\rوالترمذي في التفسير - باب ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه: 8/277، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\rوالطبري برقم (73- 77) وقال الشيخ شاكر: تدور هذه الأحاديث كلها على عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، وقد تكلموا فيه كما سبق.\rوأخرجه المصنف في شرح السنة: 1/257، وقال: هذا حديث حسن.\r(3) في الأصل الجوفي.\r(4) رواه أبو داود في العلم، باب: الكلام في كتاب الله بغير علم: 5/249، والترمذي في التفسير، باب ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه: 8/279، وقال: هذا حديث غريب.\rوعزاه المنذري للنسائي وقال: سهيل بن أبي حزم: بصري، واسم أبي حزم مهران، وقد تكلم فيه الإمام أحمد والبخاري والنسائي وغيرهم، ورمز السيوطي في الجامع الصغير لحسنه، قال المناوي: لعله لاعتضاده، وإلا ففيه سهيل بن عبد الله... فيض القدير: 6/191. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 1/259.","part":1,"page":45},{"id":44,"text":"وسئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن قوله تعالى { وَفَاكِهَةً وَأَبًّا } (31- عبس) فقال: وأي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم.\rوقال أبو الدرداء رضي الله عنه: لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوهًا كثيرة قال حماد: قلت لأيوب: ما معنى قول أبي الدرداء رضي الله عنه؟ فجعل يتفكر فقلت: هو أن ترى له وجوهًا فتهاب الإقدام عليه فقال: هو ذاك، هو ذاك.\rقال شيخنا الإمام رحمه الله: قد جاء الوعيد في حق من قال في القرآن برأيه وذلك فيمن قال من قِبَلِ نفسه شيئًا من غير علم. فأما التأويل- وهو صرف الآية إلى معنى محتملٍ موافق لما قبلها وما بعدها غير مخالف للكتاب والسنة من طريق الاستنباط - فقد رخص فيه لأهل العلم.\rأما التفسير: وهو الكلام في أسباب نزول الآية وشأنها وقصتها، فلا يجوز إلا بالسماع بعد ثبوته من طريق النقل.\rوأصل التفسير من التفسرة وهي: الدليل من الماء الذي ينظر فيه الطبيب فيكشف عن علة المريض، كذلك المفسر يكشف عن شأن الآية وقصتها.\rواشتقاق التأويل من الأوْل وهو الرجوع. يقال: أوّلْتُه فآل أي: صرفته فانصرف.\rأخبرنا أبو بكر بن أبي الهيثم الترابي أنا الحاكم أبو الفضل الحدادي أنا أبو يزيد محمد بن يحيى أنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ثنا جرير بن عبد الحميد عن المغيرة عن واصل بن حيان عن أبي هذيل عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، لكل آية منها ظهر وبطن ولكل حدّ مطلع ويروى لكل حرف حدّ ولكل حدّ مطلع \" (1) واختلفوا في تأويله، قيل: الظهر لفظ القرآن والبطن تأويله. وقيل: الظهر ما حدث عن أقوام أنهم عصوا فعوقبوا فهو في الظاهر خبر وباطنه عظة وتحذير أن يفعل أحد مثل ما فعلوا فيحل به ما حل بهم وقيل معنى الظهر\r__________\r(1) رواه الطبري: 1/22- 23 برقم (10، 11) بإسنادين ضعيفين، أما أحدهما: فلانقطاعة بجهالة راويه وأما الآخر: فمن أجل إبراهيم الهجري. فهو ضعيف، ضعفه ابن معين والنسائي وقال أبو حاتم: ليس بالقوي الجرح والتعديل 2/131، تهذيب الكمال 2/203، الضعفاء والمتروكين ص 40 ميزان الاعتدال 1/65 تهذيب التهذيب 1/164، تقريب التهذيب.\rوالفقرة الأولى منه عند البخاري في فضائل القرآن، باب أنزل القرآن على سبعة أحرف: 9/23.\rومسلم في صلاة المسافرين، باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف برقم (818): 1/560.\rورواه أيضًا: ابن حبان برقم (74)، قال الهيثمي: رواه البزار وأبو يعلى والطبراني في الأوسط باختصار آخره، ورجال أحدهما ثقات،\rمجمع الزوائد: 7/152. والطحاوي في شكل الآثار 4/472.","part":1,"page":46},{"id":45,"text":"والبطن: التلاوة والتفهم، يقول: لكل آية ظاهر وهو أن يقرأها كما أنزلت قال الله تعالى: { وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا } (4- المزمل) وباطن وهو التدبر والتفكر قال الله تعالى: { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ } (29- ص) ثم التلاوة تكون بالتعلم والحفظ بالدرس، 4/أ والتفهم يكون بصدق النية وتعظيم الحرمة وطيب الطعمه.\rوقوله: \"لكل حرف حدّ\" أراد له حدٌّ في التلاوة والتفسير لا يجاوز، ففي التلاوة لا يجاوز المصحف، وفي التفسير لا يجاوز المسموع، وقوله لكل حد مطلع أي مصعد يصعد إليه من معرفة علمه ويقال: المطلع الفهم. وقد يفتح الله على المدبِّر والمتفكر في التأويل والمعاني ما لا يفتح على غيره، وفوق كل ذي علم عليم.","part":1,"page":47},{"id":46,"text":"سورة فاتحة الكتاب\rولها ثلاثة أسماء معروفة: فاتحة الكتاب، وأم القرآن، والسبع المثاني.\rسميت فاتحة الكتاب: لأن الله بها افتتح القرآن. وسميت أم القرآن وأم الكتاب: لأنها أصل القرآن منها بدئ القرآن وأم الشيء: أصله، ويقال لمكة: أم القرى لأنها أصل البلاد دحيت الأرض من تحتها، وقيل: لأنها مقدمة وإمام لما يتلوها من السور يبدأ بكتابتها في المصحف وبقراءتها في الصلاة، والسبع المثاني لأنها سبع آيات باتفاق العلماء. وسميت مثاني لأنها تثنى في الصلاة، فتقرأ في كل ركعة، وقال مجاهد سميت مثاني لأن الله تعالى استثناها لهذه الأمة فذخرها لهم.\rوهي مكية على قول الأكثرين. وقال مجاهد: مدنية وقيل: نزلت مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة ولذلك سميت مثاني والأول أصح، أنها مكية، لأن الله تعالى من على الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله \"ولقد آتيناك سبعا من المثاني\"( 87-الحجر ) والمراد منها فاتحة الكتاب وسورة الحجر مكية فلم يكن يمن عليه بها قبل نزولها.\r{ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (7) }\r{ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } بسم الله الباء أداة تخفض ما بعدها مثل: من وعن، والمتعلق به الباء محذوف لدلالة الكلام عليه، تقديره: أبدأ بسم الله، أو قل: بسم الله. وأسقطت الألف من الاسم طلبا للخفة وكثرة استعمالها وطولت الباء قال القتيبي ليكون افتتاح كلام كتاب الله بحرف معظم، كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول لكتابه: طولوا الباء وأظهروا السين وفرجوا بينهما، ودوروا الميم. تعظيما","part":1,"page":49},{"id":47,"text":"لكتاب الله تعالى وقيل: لما أسقطوا الألف ردوا طول الألف على الباء ليكون دالا على سقوط الألف، ألا ترى أنه لما كتبت الألف في \"اقرأ باسم ربك\"( 1-العلق ) ردت الباء إلى صيغتها ولا تحذف الألف إذا أضيف الاسم إلى غير الله ولا مع غير الباء.\rوالاسم هو المسمى وعينه وذاته قال الله تعالى: \"إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى\"( 7-مريم ) أخبر أن اسمه يحيى ثم نادى الاسم فقال: \"يا يحيى\" وقال: \"ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها\"( 40-يوسف ) وأراد الأشخاص المعبودة لأنهم كانوا يعبدون المسميات وقال: \"سبح اسم ربك\"( 1-الأعلى )، \"وتبارك اسم ربك\" (1) ثم يقال للتسمية أيضا اسم فاستعماله في التسمية أكثر من المسمى [فإن قيل ما معنى التسمية من الله لنفسه؟ قيل هو تعليم للعباد كيف يفتتحون القراءة (2) ] .\rواختلفوا في اشتقاقه قال المبرد من البصريين: هو مشتق من السمو وهو العلو، فكأنه علا على معناه وظهر عليه، وصار معناه تحته، وقال ثعلب من الكوفيين: هو من الوسم والسمة وهي العلامة وكأنه علامة لمعناه والأول أصح لأنه يصغر على السمي ولو كان من السمة لكان يصغر على الوسيم كما يقال في الوعد وعيد ويقال في تصريفه سميت ولو كان من الوسم لقيل: وَسَمْتُ. قوله تعالى: \"الله\" قال الخليل وجماعة: هو اسم علم خاص لله عز وجل لا اشتقاق له كأسماء الأعلام للعباد مثل زيد وعمرو. وقال جماعة هو مشتق ثم اختلفوا في اشتقاقه فقيل: من أله إلاهة أي عبد عبادة وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما \"ويذرك وآلهتك\"( 127-الأعراف ) أي عبادتك -معناه أنه مستحق للعبادة دون غيره وقيل أصله إله قال الله عز وجل \"وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق\"( 91-المؤمنون ) قال المبرد: هو من قول العرب ألهت إلى فلان أي سكنت إليه قال الشاعر: ألهت إليها والحوادث جمة\rفكأن الخلق يسكنون إليه ويطمئنون بذكره، ويقال: ألهت إليه، أي فزعت إليه قال الشاعر: ألهت إليها والركائب وقَّفٌ\rوقيل أصل الإله \"ولاه\" فأبدلت الواو بالهمزة مثل وشاح وأشاح، اشتقاقه من الوله لأن العباد يولهون إليه أي يفزعون إليه في الشدائد، ويلجئون إليه في الحوائج كما يوله كل طفل إلى أمه، وقيل هو من الوله وهو ذهاب العقل لفقد من يعز عليك.\r__________\r(1) من نسخة (ب).\r(2) ساقط من أ.","part":1,"page":50},{"id":48,"text":"قوله { الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر. واختلفوا فيهما منهم من قال: هما بمعنى واحد مثل ندمان ونديم ومعناهما ذو الرحمة، وذكر أحدهما بعد الآخر( تطميعا ) (1) لقلوب الراغبين. وقال المبرد: هو إنعام بعد إنعام، وتفضل بعد تفضل، ومنهم من فرق بينهما فقال: الرحمن بمعنى العموم والرحيم بمعنى الخصوص. فالرحمن بمعنى الرزاق في الدنيا وهو على العموم لكافة الخلق. والرحيم بمعنى المعافي في الآخرة والعفو في الآخرة للمؤمنين على الخصوص ولذلك قيل في الدعاء: يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، فالرحمن من تصل رحمته إلى الخلق على العموم، والرحيم من تصل رحمته إليهم على الخصوص، ولذلك يدعى غير الله رحيما ولا يدعى غير الله رحمن. فالرحمن عام المعنى خاص اللفظ، والرحيم عام اللفظ خاص المعنى، والرحمة إرادة الله تعالى الخير لأهله. وقيل هي ترك عقوبة من يستحقها وإسداء الخير إلى من لا يستحق، فهي على الأول صفة ذات، وعلى الثاني صفة( فعل ) (2) .\rواختلفوا في آية التسمية فذهب قراء المدينة والبصرة وفقهاء الكوفة إلى أنها ليست من فاتحة الكتاب، ولا من غيرها من السور والافتتاح بها للتيمن والتبرك. وذهب قراء مكة والكوفة وأكثر فقهاء الحجاز إلى أنها من الفاتحة وليست من سائر السور وأنها كتبت للفصل وذهب جماعة إلى أنها من الفاتحة ومن كل سورة إلا سورة التوبة وهو قول الثوري وابن المبارك والشافعي لأنها كتبت في المصحف بخط سائر القرآن.\rواتفقوا على أن الفاتحة سبع آيات فالآية الأولى عند من يعدها من الفاتحة { بسم الله الرحمن الرحيم } وابتداء الآية الأخيرة { صراط الذين } ومن لم يعدها من الفاتحة قال ابتداؤها \"الحمد لله رب العالمين\" وابتداء الآية الأخيرة \"غير المغضوب عليهم\" واحتج من جعلها من الفاتحة ومن السور بأنها كتبت في المصحف بخط القرآن، وبما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي أنا أبو محمد عبد العزيز بن أحمد الخلال ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم أنا الربيع بن سليمان أنا الشافعي أنا عبد المجيد عن ابن جريج قال: أخبرني أبي عن سعيد بن جبير( قال ) (3) \"ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم\"( 87-الحجر ) هي أم القرآن قال أبي وقرأها علي سعيد بن جبير حتى ختمها ثم قال: \"بسم الله الرحمن الرحيم\" الآية السابعة قال سعيد: قرأتها على ابن عباس كما قرأتها عليك ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم الآية السابعة، قال ابن عباس: فذخرها لكم فما أخرجها لأحد قبلكم (4) .\rومن لم يجعلها من الفاتحة احتج بما ثنا أبو الحسن محمد بن محمد الشيرازي أنا زاهر بن أحمد ثنا أبو عيسى إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: \"قمت وراء أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهم فكلهم كان لا يقرأ \"بسم\r__________\r(1) في الأصل: تعظيما.\r(2) في الأصل: الفعل.\r(3) ساقط من (أ).\r(4) أخرجه الشافعي في المسند: 1 / 79-80 (ترتيب المسند للسندي) والمصنف في شرح السنة: 3 / 50. وانظر: تلخيص الحبير لابن حجر: 1 / 232.","part":1,"page":51},{"id":49,"text":"الله الرحمن الرحيم إذا افتتح الصلاة\" (1) قال سعيد بن جبير عن ابن عباس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم 4\\ب لا يعرف ختم سورة حتى ينزل بسم الله الرحمن الرحيم (2) .\rوعن ابن مسعود قال: كنا لا نعلم فصل ما بين السورتين حتى ينزل بسم الله الرحمن الرحيم (3) وقال الشعبي: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب في بدء الأمر على رسم قريش باسمك اللهم حتى نزلت \"وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها\"( 41-هود ) فكتب بسم الله حتى نزلت \"قل ادعو الله أو ادعوا الرحمن\"( 110-الإسراء ) فكتب بسم الله الرحمن حتى نزلت \"إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم\"( 30-النمل ) فكتب مثلها.\rقوله { الْحَمْدُ لِلَّهِ } لفظه خبر كأنه يخبر أن المستحق للحمد هو الله عز وجل وفيه تعليم الخلق تقديره قولوا الحمد لله والحمد يكون بمعنى الشكر على النعمة، ويكون بمعنى الثناء عليه بما فيه من الخصال الحميدة. يقال حمدت فلانا على ما أسدى إلي من النعمة وحمدته على علمه وشجاعته، والشكر لا يكون إلا على النعمة، فالحمد أعم من الشكر إذ لا يقال شكرت فلانا على علمه فكل حامد شاكر وليس كل شاكر حامدا. وقيل: الحمد باللسان قولا والشكر بالأركان فعلا قال الله تعالى \"وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا\"( 111-الإسراء ) وقال \"اعملوا آل داود شكرا\"( 13-سبأ ).\rقوله { لله } اللام فيه للاستحقاق كما يقال الدار لزيد.\rقوله { رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } فالرب يكون بمعنى المالك كما يقال لمالك الدار: رب الدار: ويقال رب الشيء إذا ملكه ويكون بمعنى التربية والإصلاح، يقال: رب فلان الضيعة يَرُبُّها إذا أتمها وأصلحها فهو ربَّ مثل طبَّ، وبرَّ. فالله تعالى مالك العالمين ومربيهم، ولا يقال للمخلوق هو الرب معرفا إنما يقال رب كذا مضافا، لأن الألف واللام للتعميم وهو لا يملك الكل.\r\"والعالمين\" جمع عالم، لا واحد له من لفظه واختلفوا في العالمين قال ابن عباس: هم الجن والإنس لأنهم المكلفون بالخطاب قال الله تعالى: \"ليكون للعالمين نذيرا\"( 1-الفرقان ) وقال قتادة ومجاهد والحسن: هم جميع المخلوقات. قال الله تعالى: \"وقال فرعون وما رب العالمين قال رب السماوات والأرض وما بينهما\" واشتقاقه من العلم والعلامة سموا به لظهور أثر الصنعة فيهم قال أبو عبيدة: هم أربع أمم: الملائكة والإنس والجن والشياطين، مشتق من العلم، ولا يقال للبهائم عالم لأنها لا تعقل، واختلفوا في مبلغهم قال سعيد بن المسيب لله ألف عالم ستمائة في البحر وأربعمائة في البر وقال مقاتل بن حيان: لله ثمانون ألف عالم أربعون ألفا في البحر وأربعون ألفا في البر. وقال وهب لله ثمانية عشر ألف عالم الدنيا عالم منها، وما\r__________\r(1) أخرجه مالك في الموطأ، باب العمل في القراءة: 1 / 81، والمصنف في شرح السنة 3 / 53-54، وهو عند مسلم في الصلاة برقم (399).\r(2) أخرجه أبو داود في المراسيل ص (123)، وصححه الحاكم على شرطهما: 1 / 231. وانظر: تلخيص الحبير: 1 / 233، الدر المنثور: 1 / 20.\r(3) أخرجه الواحدي في الوسيط: 1 / 13، وفي أسباب النزول ص (54) وعزاه السيوطي أيضا للبيهقي في الشعب، انظر: الدر المنثور: 1 / 20.","part":1,"page":52},{"id":50,"text":"العمران في الخراب إلا كفسطاط في صحراء. وقال كعب الأحبار: لا يحصي عدد العالمين أحد إلا الله قال الله تعالى: \"وما يعلم جنود ربك إلا هو\"( 31-المدثر ).\rقوله: { مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } قرأ عاصم والكسائي ويعقوب { مالك } وقرأ الآخرون { ملك } قال قوم: معناهما واحد مثل فرهين وفارهين، وحذرين وحاذرين ومعناهما الرب يقال رب الدار ومالكها. وقيل المالك والملك هو القادر على اختراع الأعيان من العدم إلى الوجود ولا يقدر عليه أحد غير الله. قال أبو عبيدة: مالك أجمع وأوسع لأنه يقال مالك العبد والطير والدواب ولا يقال ملك هذه الأشياء. ولأنه لا يكون مالكا لشيء إلا وهو يملكه، وقد يكون ملك الشيء ولا يملكه. وقال قوم: ملك أولى لأن كل ملك ملك وليس كل مالك ملكا ولأنه أوفق لسائر القرآن مثل قوله تعالى: \"فتعالى الله الملك الحق\"( 114-طه ) \"الملك القدوس\"( 23-الحشر ) قال مجاهد: الدين الحساب، قال الله تعالى: \"ذلك الدين القيم\"( 36-التوبة ) أي الحساب المستقيم و\"ملك الناس\"( سورة الناس ) قال ابن عباس ومقاتل والسدي: ملك يوم الدين قاضي يوم الحساب وقال قتادة: الدين الجزاء. ويقع على الجزاء في الخير والشر جميعا يقال: كما تدين تدان.\rقال محمد بن كعب القرظي: ملك يوم لا ينفع فيه إلا الدين، وقال يمان بن( رباب ) (1) الدين القهر. يقال دنته فدان أي قهرته فذل. وقيل: الدين الطاعة أي يوم الطاعة. وإنما خص يوم الدين بالذكر مع كونه مالكا للأيام كلها لأن الأملاك يومئذ زائلة فلا ملك ولا أمر إلا له، قال الله تعالى: \"الملك يومئذ الحق للرحمن\"( 26-الفرقان ) وقال: \"لمن الملك اليوم لله الواحد القهار\"( 16-غافر ) وقال: \"والأمر يومئذ لله\"( 19-الانفطار ) وقرأ أبو عمرو: { الرحيم ملك } بإدغام الميم في الميم وكذلك يدغم كل حرفين من جنس واحد أو مخرج واحد أو قريبي المخرج سواء كان الحرف ساكنا أو متحركا إلا أن يكون الحرف الأول مشددا أو منونا أو منقوصا أو مفتوحا أو تاء الخطاب قبله ساكن من غير المثلين فإنه لا يدغمهما، وإدغام المتحرك يكون في الإدغام الكبير وافقه حمزة في إدغام المتحرك في قوله \"بيَّت طائفة\"( 81-النساء ) \"والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا\"( 1-3 الصافات ) \"والذاريات ذروا\"( 1-الذاريات ) أدغم التاء فيما بعدها من الحروف، وافقه الكسائي وحمزة في إدغام الصغير، وهو إدغام الساكن في المتحرك إلا في الراء عند اللام والدال عند الجيم وكذلك لا يدغم حمزة -وبرواية خلاد وخلف-الدال عند السين والصاد والزاي، ولا إدغام لسائر القراء إلا في أحرف معدودة.\rقوله { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } \"إيا\" كلمة ضمير خصت بالإضافة إلى المضمر ويستعمل مقدما على الفعل فيقال: إياك أعني، وإياك أسأل ولا يستعمل مؤخرا إلا منفصلا. فيقال: ما عنيت إلا إياك.\rقوله { نَعْبُد } أي نوحدك ونطيعك خاضعين، والعبادة الطاعة مع التذلل والخضوع وسمي العبد عبدا لذلته وانقياده يقال: طريق معبد أي مذلل.\r__________\r(1) في ب: ريان.","part":1,"page":53},{"id":51,"text":"{ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } نطلب منك المعونة على عبادتك وعلى جميع أمورنا فإن قيل: لم قدم ذكر العبادة على الاستعانة والاستعانة تكون قبل العبادة؟ فلهذا يلزم من يجعل الاستطاعة قبل الفعل. ونحن بحمد الله نجعل التوفيق( والاستعانة ) (1) مع الفعل، فلا فرق بين التقديم والتأخير ويقال: الاستعانة نوع تعبد فكأنه ذكر جملة العبادة أولا ثم ذكر ما هو من تفاصيلها.\rقوله: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } اهدنا أرشدنا وقال علي وأبي بن كعب: ثبتنا كما يقال للقائم قم حتى أعود إليك أي دم على ما أنت عليه. وهذا الدعاء من المؤمنين مع كونهم على الهداية بمعنى التثبيت وبمعنى طلب مزيد الهداية لأن الألطاف والهدايات من الله تعالى لا تتناهى على مذهب أهل السنة \"الصراط\" وسراط بالسين رواه أويس عن يعقوب وهو الأصل، سمي سراطا لأنه يسرط السابلة، ويقرأ بالزاي، وقرأ حمزة بإشمام الزاي، وكلها لغات صحيحة، والاختيار: الصاد، عند أكثر القراء لموافقة المصحف.\rوالصراط المستقيم قال ابن عباس وجابر رضي الله عنهما: هو الإسلام وهو قول مقاتل. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: هو القرآن 5/أ وروي عن علي رضي الله عنه مرفوعا \"الصراط المستقيم كتاب الله\" (2) وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه: طريق الجنة. وقال سهل بن عبد الله: طريق السنة والجماعة. وقال بكر بن عبد الله المزني: طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم. [وقال أبو العالية والحسن: رسول الله وآله وصاحباه] (3) وأصله في اللغة الطريق الواضح.\rقوله { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } أي مننت عليهم بالهداية والتوفيق قال عكرمة: مننت عليهم بالثبات على الإيمان والاستقامة وهم الأنبياء عليهم السلام، وقيل: هم كل من ثبته الله على الإيمان من النبيين والمؤمنين الذين ذكرهم الله تعالى في قوله \"فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين\"( 69-النساء ) الآية وقال ابن عباس: هم قوم موسى وعيسى عليهما السلام قبل أن غيروا دينهم. وقال عبد الرحمن ابن زيد: هم النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه. وقال أبو العالية: هم آل الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما وأهل بيته وقال شهر بن حوشب: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته.\rقرأ حمزة: عليهُم ولديهُم وإليهُم بضم هاءاتها، ويضم يعقوب كل هاء قبلها ياء ساكنة تثنية وجمعا إلا قوله \"بين أيديهن وأرجلهن\"( 12-الممتحنة ) وقرأ الآخرون بكسرهما، فمن ضم الهاء ردها إلى الأصل لأنها مضمومة عند الانفراد ومن( كسرها ) (4) فلأجل الياء الساكنة والكسرة أخت الياء وضم ابن كثير وأبو جعفر كل ميم جمع مشبعا في الوصل إذا لم يلقها ساكن فإن لقيها ساكن فلا يشبع، ونافع يخير، ويضم ورش عند ألف\r__________\r(1) في أ ، ب (الاستطاعة).\r(2) أخرجه الطبري في التفسير: 1 / 171-172، وضعفه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الطبري.\r(3) ساقط من ب.\r(4) في ب: كسر.","part":1,"page":54},{"id":52,"text":"القطع، فإذا تلقته ألف وصل -وقبل الهاء كسر أو ياء ساكنة-ضم الهاء والميم حمزة والكسائي وكسرهما أبو عمرو وكذلك يعقوب إذا انكسر ما قبله والآخرون يقرءون بضم الميم وكسر الهاء في الكل لأجل الياء أو لكسر ما قبلها وضم الميم على الأصل.\rقوله تعالى { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } يعني صراط الذين غضبت عليهم، والغضب هو إرادة الانتقام من العصاة، وغضب الله تعالى لا يلحق عصاة المؤمنين إنما يلحق الكافرين.\r{ وَلا الضَّالِّينَ } أي وغير الضالين عن الهدى. وأصل الضلال الهلاك والغيبوبة، يقال: ضل الماء في اللبن إذا هلك وغاب. وغير هاهنا بمعنى لا ولا بمعنى غير ولذلك جاز العطف كما يقال: فلان غير محسن ولا مجمل. فإذا كان غير بمعنى سوى فلا يجوز العطف عليها بلا ولا يجوز في الكلام: عندي سوى عبد الله ولا زيد.\rوقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه: صراط من أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين. وقيل: المغضوب عليهم هم اليهود والضالون: هم النصارى لأن الله تعالى حكم على اليهود بالغضب فقال: \"من لعنه الله وغضب عليه\"( 60-المائدة ) وحكم على النصارى بالضلال فقال \"ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل\"( 77-المائدة ) وقال سهل بن عبد الله: غير المغضوب { عليهم } (1) بالبدعة، ولا الضالين عن السنة.\rوالسنة للقارئ أن يقول بعد فراغه من قراءة الفاتحة \"آمين\" بسكتة مفصولة عن الفاتحة وهو مخفف ويجوز( عند النحويين ) (2) ممدودا ومقصورا ومعناه: اللهم اسمع واستجب. وقال ابن عباس وقتادة: معناه كذلك يكون. وقال مجاهد هو اسم من أسماء الله تعالى. وقيل: هو طابع الدعاء. وقيل هو خاتم الله على عباده يدفع به الآفات عنهم كخاتم الكتاب يمنعه من الفساد وظهور ما فيه.\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي وأبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي قالا أنا أبو بكر أحمد بن حسن الحيري أنا أبو علي محمد بن أحمد بن محمد بن معقل الميداني ثنا محمد بن يحيى ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إذا قال الإمام -غير المغضوب عليهم ولا الضالين-فقولوا آمين فإن الملائكة تقول آمين وإن الإمام يقول آمين فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه\" (3) صحيح.\r__________\r(1) زيادة من ب.\r(2) ساقط من ب.\r(3) أخرجه البخاري في الأذان، باب جهر الإمام بالتأمين: 2 / 262 ورواه أحمد: 2 / 233 عن أبي هريرة، والنسائي في الافتتاح باب جهر الإمام بآمين: 2 / 144. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 3 / 61. وفي نسخة (أ) زيادة: (ما تأخر).","part":1,"page":55},{"id":53,"text":"فصل في فضل( الفاتحة ) (1)\rأنا أبو الحسين أحمد بن عبد الرحمن بن محمد الكيالي أنا أبو نصر محمد بن علي بن الفضل الخزاعي أنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري ثنا محمد بن عبد الوهاب ثنا خالد مخلد القطواني حدثني محمد بن جعفر بن أبي كثير هو أخو إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال \"مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي بن كعب وهو قائم يصلي فصاح به فقال: تعالى يا أبي فعجل أبي في صلاته، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما منعك يا أبي أن تجيبني إذ دعوتك؟ أليس الله يقول: \"يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم\"( 24-الأنفال ) قال أبي: لا جرم يا رسول الله لا تدعوني إلا أجبتك وإن كنت مصليا. قال: أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور( ولا في القرآن ) (2) مثلها؟ فقال أبي: نعم يا رسول الله فقال: لا تخرج من باب المسجد حتى تعلمها والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي يريد أن يخرج من المسجد فلما بلغ الباب ليخرج قال له أبي: السورة يا رسول الله. فوقف فقال: نعم كيف تقرأ في صلاتك؟ فقرأ أبي أم القرآن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها وإنها لهي السبع المثاني( التي ) (3) آتاني الله عز وجل\" (4) هذا حديث حسن صحيح.\rأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي أنا الحاكم أبو الفضل محمد بن الحسين الحدادي أنا أبو يزيد محمد بن يحيى بن خالد أنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ثنا يحيى بن آدم ثنا أبو الأحوص عن عمار بن رزيق عن عبد الله بن عيسى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: \"بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنده جبريل إذ سمع نقيضا من فوقه فرفع جبريل عليه السلام بصره إلى السماء فقال: هذا باب\r__________\r(1) في \"ب\" : فاتحة الكتاب.\r(2) ساقط من (أ).\r(3) ساقط من (أ) وفي ب: الذي.\r(4) رواه الترمذي في فضائل القرآن باب: ما جاء في فضل فاتحة الكتاب 8 / 178-180. وأحمد في المسند: 2 / 412-413 عن أبي بن كعب. ورواه ابن خزيمة 1 / 252 وابن حبان في صحيحيهما والحاكم باختصار عن أبي هريرة عن أبي، وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم (انظر الترغيب والترهيب للمنذري 2 / 367) وأخرجه المصنف في شرح السنة: 4 / 446-447 وأخرج نحوه عن أبي سعيد بن المعلى: البخاري في التفسير: 8 / 156.","part":1,"page":56},{"id":54,"text":"فتح من السماء ما فتح قط، قال: فنزل منه ملك فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك. فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة ولن تقرأ حرفا منهما إلا أعطيته\" (1) صحيح [أخرجه مسلم عن الحسن بن ربيع عن أبي الأحوص] (2)\rأخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد الشيرازي ثنا زاهر بن أحمد السرخسي أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أنا أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج (3) غير تمام\" قال: قلت يا أبا هريرة إني أحيانا أكون وراء الإمام فغمز ذراعي وقال: اقرأ بها يا فارسي في نفسك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"قال الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين نصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل\" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"اقرءوا يقول العبد \"الحمد لله رب العالمين\" 5/ب يقول الله حمدني عبدي، ويقول العبد \"الرحمن الرحيم\" يقول الله أثنى علي عبدي، يقول العبد \"مالك يوم الدين\" يقول الله مجدني عبدي، يقول العبد \"إياك نعبد وإياك نستعين\" يقول الله تعالى: هذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، يقول العبد \"اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين\" يقول الله فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل\" (4) صحيح [أخرجه مسلم عن قتيبة عن مالك] (5)\r__________\r(1) رواه مسلم في صلاة المسافرين برقم (806) باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة: 1 / 554. والنسائي في افتتاح الصلاة: 2 / 138. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 4 / 466. وقوله: \"سمع نقيضا\" أي: صوتا.\r(2) ساقط من ب.\r(3) في ب: فهي خداج ثلاثا. وقوله: \"خداج\" أي: ناقصة.\r(4) رواه مسلم في الصلاة باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة برقم (395): 1 / 296. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 3 / 47.\r(5) ساقط من (ب).","part":1,"page":57},{"id":55,"text":"سورة البقرة مدنية (1)\rوهي مائتان وثمانون وسبع آيات\r{ الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) }\rبسم الله الرحمن الرحيم { الم } قال الشعبي وجماعة: الم وسائر حروف الهجاء في أوائل السور من المتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه وهي سر القرآن. فنحن نؤمن بظاهرها ونكل العلم فيها إلى الله تعالى. وفائدة ذكرها طلب الإيمان بها. قال أبو بكر الصديق: في كل كتاب سر وسر الله تعالى في القرآن أوائل السور، وقال علي: لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف( التهجي ) (2) وقال داود بن أبي هند: كنت أسأل الشعبي عن فواتح السور فقال: يا داود إن لكل كتاب سرا وإن سر القرآن فواتح السور فدعها وسل عما سوى ذلك. وقال جماعة هي معلومة المعاني فقيل: كل حرف منها مفتاح اسم من أسمائه كما قال ابن عباس في كهيعص: الكاف من كافي والهاء من هادي والياء من حكيم والعين من عليم والصاد من صادق. وقيل في المص أنا الله الملك الصادق، وقال الربيع بن أنس في الم: الألف مفتاح اسمه الله واللام مفتاح اسمه اللطيف، والميم مفتاح اسمه المجيد.\rوقال محمد بن كعب: الألف آلاء الله واللام لطفه، والميم ملكه، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال معنى الم: أنا الله أعلم: ومعنى (3) المص: أنا الله أعلم وأفضل ومعنى الر: أنا الله أرى، ومعنى المر: أنا الله أعلم وأرى. قال الزجاج: وهذا حسن فإن العرب تذكر حرفا من كلمة تريدها كقولهم:\r__________\r(1) البقرة: مائتان وثمانون وخمس، وقيل ست، وقيل سبع. (الإتقان - المجلد الأول- 235).\r(2) في ب: الهجاء.\r(3) في أ: المعنى.","part":1,"page":59},{"id":56,"text":"قلت لها: قفي لنا قالت: قاف (1)\rأي: وقفت، وعن سعيد بن جبير قال هي أسماء الله تعالى( مقطعة ) (2) لو علم الناس تأليفها لعلموا اسم الله الأعظم. ألا ترى أنك تقول الر، وحم، ون، فتكون الرحمن، وكذلك سائرها إلا أنا لا نقدر على وصلها، وقال قتادة: هذه الحروف أسماء القرآن. وقال مجاهد وابن زيد: هي أسماء( السور ) (3) وبيانه: أن القائل إذا قال: قرأت المص عرف السامع أنه قرأ السورة التي افتتحت بالمص. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها أقسام، وقال الأخفش: إنما أقسم الله بهذه الحروف لشرفها وفضلها لأنها( مبادئ ) (4) كتبه المنزلة، ومباني أسمائه الحسنى (5) .\rقوله تعالى: { ذَلِكَ الْكِتَابُ } أي هذا الكتاب وهو القرآن، وقيل: هذا فيه مضمر أي هذا ذلك الكتاب. قال الفراء: كان الله قد وعد نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، فلما أنزل القرآن قال هذا { ذلك } (6) الكتاب الذي وعدتك أن أنزله عليك في التوراة والإنجيل وعلى لسان النبيين من قبلك \"وهذا\" للتقريب \"وذلك\" للتبعيد، وقال ابن كيسان: إن الله تعالى أنزل قبل سورة البقرة سورا كذب بها المشركون ثم أنزل سورة البقرة فقال { ذلك الكتاب } يعني ما تقدم البقرة من السور لا شك فيه.\rوالكتاب مصدر وهو بمعنى المكتوب كما يقال للمخلوق خلق، وهذا الدرهم ضرب فلان أي مضروبه. وأصل الكتب: الضم والجمع، ويقال للجند: كتيبة لاجتماعها، وسمي الكتاب كتابا لأنه جمع حرف إلى حرف.\rقوله تعالى: { لا رَيْبَ فِيهِ } أي لا شك فيه أنه من عند الله عز وجل وأنه الحق والصدق، وقيل هو خبر بمعنى النهي أي لا ترتابوا فيه كقوله تعالى \"فلا رفث ولا فسوق\"( 197-البقرة ) أي لا ترفثوا ولا تفسقوا. قرأ ابن كثير: فيه بالإشباع في الوصل وكذلك كل هاء كناية قبلها ساكن يشبعها وصلا ما لم يلقها ساكن ثم إن كان الساكن قبل الهاء ياء يشبعها بالكسرة ياء وإن كان غير ياء يشبعها بالضم واوا ووافقه حفص في قوله \"فيه مهانا\"( 69-الفرقان )( فيشبعه ) (7) .\rقوله تعالى: { هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } يدغم الغنة عند اللام والراء أبو جعفر وابن كثير وحمزة والكسائي، زاد\r__________\r(1) هذا الرجز للوليد بن عقبة، وتمامه: \"لا نحسبي أنا نسينا الإيجاف\". انظر: تفسير الطبري: 1 / 212، تفسير الواحدي: 1 / 26.\r(2) في هامش (أ): مقطعة غير مؤلفة.\r(3) في الأصل: السورة.\r(4) في المطبوع: مباني.\r(5) انظر في هذه الأقوال: تفسير الطبري: 1 / 205-224، تفسير الواحدي: 1 / 25-26.\r(6) ساقط من (ب).\r(7) في ب: فأشبعه.","part":1,"page":59},{"id":57,"text":"حمزة والكسائي عند الياء وزاد حمزة عند الواو والآخرون لا يدغمونها ويخفي أبو جعفر النون والتنوين عند الخاء والغين { هدى للمتقين } أي هو هدى أي رشد وبيان لأهل التقوى، وقيل هو نصب على الحال أي هاديا تقديره لا ريب في هدايته للمتقين والهدى ما يهتدي به الإنسان، للمتقين أي للمؤمنين. قال ابن عباس رضي الله عنهما: المتقي من يتقي الشرك والكبائر والفواحش وهو مأخوذ من الاتقاء. وأصله الحجز بين الشيئين ومنه يقال اتقى بترسه أي جعله حاجزا بين نفسه وبين ما يقصده.\rوفي الحديث: \"كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم\" (1) أي إذا اشتد الحرب جعلناه حاجزا بيننا وبين العدو، فكأن المتقي يجعل امتثال أمر الله والاجتناب عما نهاه حاجزا بينه وبين العذاب. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لكعب الأحبار (2) حدثني عن التقوى فقال: هل أخذت طريقا ذا شوك قال: نعم. قال فما عملت فيه قال: حذرت وشمرت: قال كعب: ذلك التقوى. وقال شهر بن حوشب: المتقي الذي يترك ما لا بأس به حذرا لما به بأس وقال عمر بن عبد العزيز: التقوى ترك ما حرم الله وأداء ما افترض الله فما رزق الله بعد ذلك فهو خير إلى خير. وقيل هو الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وفي الحديث: \"جماع التقوى في قوله تعالى \"إن الله يأمر بالعدل والإحسان\"( 90-النحل ) الآية. وقال ابن عمر: التقوى أن لا ترى نفسك خيرا من أحد. وتخصيص المتقين بالذكر تشريف لهم أو لأنهم هم المتقون بالهدى.\rقوله تعالى: { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ } موضع الذين خفض نعتا للمتقين. يؤمنون: يصدقون [ويترك الهمزة أبو عمرو وورش والآخرون يهمزونه وكذلك يتركان كل همزة ساكنة هي فاء الفعل نحو يؤمن ومؤمن إلا أحرفا معدودة] (3) .\rوحقيقة الإيمان التصديق بالقلب، قال الله تعالى \"وما أنت بمؤمن لنا\"( 17-يوسف ) [أي بمصدق لنا] (4) وهو في الشريعة: الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالأركان، فسمي الإقرار والعمل إيمانا؛ لوجه من المناسبة، لأنه من شرائعه.\rوالإسلام: هو الخضوع والانقياد، فكل إيمان إسلام وليس كل إسلام إيمانا، إذا لم يكن معه تصديق، قال الله تعالى \"قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا\"( 14-الحجرات ) وذلك لأن\r__________\r(1) رواه مسلم في الجهاد والسير باب في غزوة حنين (1776) عن البراء: 3 / 1401. وأخرجه المصنف في شرح السنة 4 / 33.\r(2) انفرد ابن كثير بأن المسئول هو أبي بن كعب - حاشية ابن كثير.\r(3) زيادة من (ب).\r(4) زيادة من (ب).","part":1,"page":60},{"id":58,"text":"الرجل قد يكون مستسلما في الظاهر غير مصدق في الباطن. وقد يكون مصدقا في الباطن غير منقاد في الظاهر.\rوقد اختلف جواب النبي صلى الله عليه وسلم عنهما حين سأله جبريل عليه السلام وهو ما أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي بن محمد بن علي بن محمد بن بويه الزراد البخاري: أنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي ثنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي ثنا أبو أحمد عيسى 6/أ بن أحمد العسقلاني أنا يزيد بن هارون أنا كهمس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من تكلم في القدر، يعني بالبصرة، معبدا الجهني فخرجت أنا وحميد بن عبد الرحمن نريد مكة فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عما يقوله هؤلاء فلقينا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فعلمت أنه سيكل الكلام إلي فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يتفقرون هذا العلم ويطلبونه يزعمون أن لا قدر إنما الأمر أنف قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني منهم بريء وإنهم مني برآء والذي نفسي بيده لو أن( لأحدهم ) (1) مثل أحد ذهبا فأنفقه في سبيل الله ما قبل الله منه شيئا حتى يؤمن بالقدر خيره وشره ثم قال:\rحدثنا عمر بن الخطاب قال: \"بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر ما يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد فأقبل حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم [وركبته تمس (2) ركبته] فقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا فقال: صدقت فتعجبنا من سؤاله وتصديقه. ثم قال: فما الإيمان قال: أن تؤمن بالله وحده وملائكته وكتبه ورسوله وبالبعث بعد الموت والجنة والنار وبالقدر خيره وشره فقال: صدقت. ثم قال: فما الإحسان قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإنك إن لم تكن تراه فإنه يراك قال: صدقت ثم قال: فأخبرني عن الساعة فقال ما المسئول عنها بأعلم بها من السائل قال: صدقت قال: فأخبرني عن أماراتها قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في بنيان المدر قال: صدقت ثم انطلق فلما كان بعد ثالثة قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمر هل تدري من الرجل؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: ذلك جبرئيل أتاكم يعلمكم أمر دينكم وما أتاني في صورة إلا عرفته فيها إلا في صورته هذه\" (3)\r__________\r(1) في الأصل: لأحد.\r(2) في الأصل: يمس ركبته.\r(3) أخرجه البخاري في الإيمان، باب سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام: 1 / 114. ومسلم في الإيمان، باب الإيمان والإسلام والإحسان برقم 8و9: 1 / 36-37. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 1 / 8-9.","part":1,"page":61},{"id":59,"text":"فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل الإسلام في هذا الحديث اسما لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسما لما بطن من الاعتقاد وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان أو التصديق بالقلب ليس من الإسلام بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد وجماعها الدين، ولذلك قال ذاك جبرائيل أتاكم يعلمكم أمر دينكم.\rوالدليل على أن الأعمال من الإيمان ما أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن علي بن الشاه ثنا أبو أحمد بن محمد بن قريش بن سليمان ثنا بشر بن موسى ثنا خلف بن الوليد عن جرير الرازي عن سهل بن أبي صالح عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان\" (1) .\rوقيل: الإيمان مأخوذ من الأمان، فسمي المؤمن مؤمنا لأنه يؤمن نفسه من عذاب الله، والله تعالى مؤمن لأنه يؤمن العباد من عذابه (2) .\rقوله تعالى \"بالغيب\": والغيب مصدر وضع موضع الاسم فقيل للغائب غيب [كما قيل للعادل عدل وللزائر زور. والغيب ما كان مغيبا عن العيون قال ابن عباس: الغيب هاهنا كل ما أمرت بالإيمان به فيما غاب عن بصرك مثل الملائكة والبعث والجنة والنار والصراط والميزان. وقيل الغيب هاهنا: هو الله تعالى، وقيل: القرآن، وقال الحسن: بالآخرة وقال زر بن حبيش وابن جريج: بالوحي. نظيره: { أعنده علم الغيب }( 35-النجم ) وقال ابن كيسان: بالقدر وقال عبد الرحمن بن يزيد: كنا عند عبد الله بن مسعود فذكرنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم [وما سبقونا به] (3) فقال عبد الله: إن أمر محمد كان بينا لمن رآه والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيمانا أفضل من إيمان بغيب ثم قرأ \"الم ذلك الكتاب\" إلى قوله \"المفلحون\" . قرأ أبو جعفر وأبو عمرو وورش يؤمنون بترك الهمزة وكذلك أبو جعفر بترك كل همزة ساكنة إلا في أنبئهم ونبئهم ونبئنا ويترك أبو عمرو كلها إلا أن تكون علامة للجزم نحو نبئهم وأنبئهم وتسؤهم وإن نشأ وننسأها ونحوها أو يكون خروجا من لغة إلى آخرى نحو مؤصدة ورئيا. ويترك ورش كل همزة ساكنة كانت فاء الفعل إلا تؤوي وتؤويه ولا يترك من عين الفعل: إلا الرؤيا وبابه، إلا ما كان على وزن فعل. مثل: ذئب] (4)\rقوله تعالى: { وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ } أي يديمونها ويحافظون عليها في مواقيتها بحدودها، وأركانها وهيئاتها\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الإيمان، باب أمور الإيمان: 1 / 50. ومسلم في الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها برقم (57): 1 / 63 وأخرجه المصنف في شرح السنة: 1 / 34.\r(2) راجع بالتفصيل فيما يتعلق بمباحث الإيمان كتاب \"الإيمان\" لشيخ الإسلام ابن تيمية.\r(3) زيادة من \"ب\".\r(4) ساقط من حاشية ابن كثير ومثبت على حاشية الخازن ص (25).","part":1,"page":62},{"id":60,"text":"يقال: قام بالأمر، وأقام الأمر إذا أتى به معطى حقوقه، والمراد بها الصلوات الخمس ذكر بلفظ( الوحدان ) (1) كقوله تعالى: \"فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق\"( 213-البقرة ) يعني الكتب.\rوالصلاة في اللغة: الدعاء، قال الله تعالى: \"وصل عليهم\"( 103-التوبة ) أي ادع لهم، وفي الشريعة اسم لأفعال مخصوصة من قيام وركوع وسجود وقعود ودعاء وثناء. وقيل في قوله تعالى \"إن الله وملائكته يصلون على النبي\"( 56-الأحزاب ) الآية إن الصلاة من الله في هذه الآية الرحمة ومن الملائكة الاستغفار، ومن المؤمنين: الدعاء.\rقوله تعالى: { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ }( أي ) (2) أعطيناهم والرزق اسم لكل ما ينتفع به حتى الولد والعبد وأصله في اللغة الحظ والنصيب { يُنْفِقُون } يتصدقون. قال قتادة: ينفقون في سبيل الله وطاعته. وأصل الإنفاق: الإخراج عن اليد والملك، ومنه نفاق السوق؛ لأنه تخرج فيه السلعة عن اليد، ومنه: نفقت الدابة إذا خرجت روحها. فهذه الآية في المؤمنين من مشركي العرب.\rقوله تعالى: { وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ } يعني القرآن { وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ } التوراة والإنجيل وسائر الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ويترك أبو جعفر وابن كثير وقالون( وأبو عمرو ) (3) وأهل البصرة ويعقوب كل مدة تقع بين كل كلمتين. والآخرون يمدونها. وهذه الآية في المؤمنين من أهل الكتاب.\rقوله تعالى: { وَبِالآخِرَةِ } أي بالدار الآخرة سميت الدنيا دنيا لدنوها من الآخرة وسميت الآخرة آخرة لتأخرها وكونها بعد الدنيا { هُمْ يُوقِنُونَ } أي يستيقنون أنها كائنة، من الإيقان: وهو العلم. وقيل: الإيقان واليقين: علم عن استدلال. ولذلك لا يسمى الله موقنا ولا علمه يقينا إذ ليس علمه عن استدلال.\rقوله تعالى: { أُولَئِك } أي أهل هذه الصفة وأولاء كلمة معناها الكناية عن جماعة نحو: هم، والكاف للخطاب كما في حرف ذلك { عَلَى هُدًى } أي رشد وبيان وبصيرة { مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } أي الناجون 6/ب والفائزون فازوا بالجنة ونجوا من النار، ويكون الفلاح بمعنى البقاء أي باقون في النعيم المقيم وأصل الفلاح القطع والشق ومنه سمي الزراع فلاحا لأنه يشق الأرض وفي المثل: الحديد بالحديد يفلح أي يشق فهم( مقطوع ) (4) لهم بالخير في الدنيا والآخرة.\r__________\r(1) في (ب): الواحد.\r(2) زيادة من (ب).\r(3) زيادة من (ب).\r(4) في ب: المقطوع.","part":1,"page":63},{"id":61,"text":"{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) }\rقوله { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا } يعني مشركي العرب قال الكلبي: يعني اليهود. والكفر هو الجحود وأصله من الكفر وهو الستر ومنه سمي الليل كافرا لأنه يستر الأشياء بظلمته وسمي الزارع كافرا لأنه يستر الحب بالتراب والكافر يستر الحق بجحوده.\rوالكفر على أربعة أنحاء: كفر إنكار، وكفر جحود، وكفر عناد، وكفر نفاق. فكفر الإنكار: أن لا يعرف الله أصلا ولا يعترف به، وكفر الجحود هو: أن يعرف الله تعالى بقلبه ولا يقر بلسانه ككفر إبليس( وكفر ) (1) اليهود. قال الله تعالى: \"فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به\"( 89-البقرة ) وكفر العناد هو: أن يعرف الله بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به ككفر أبي طالب حيث يقول: ولقد علمت بأن دين محمد ... من خير أديان البرية دينا\rلولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا\rوأما كفر النفاق: فهو أن يقر باللسان ولا يعتقد بالقلب، وجميع هذه الأنواع سواء في أن من لقي الله تعالى بواحد منها لا يغفر له.\rقوله { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ } أي: متساو لديهم { أَأَنْذَرْتَهُم } خوفتهم وحذرتهم والإنذار إعلام مع تخويف وتحذير وكل منذر معلم وليس كل معلم منذرا وحقق ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي الهمزتين في \"أأنذرتهم\" وكذلك كل همزتين تقعان في أول الكلمة والآخرون يلينون الثانية { أَم } حرف عطف على الاستفهام( لَم ) حرف جزم لا تلي إلا الفعل لأن الجزم يختص بالأفعال { تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ } وهذه الآية في أقوام حقت عليهم كلمة الشقاوة في سابق علم الله ثم ذكر سبب تركهم الإيمان\rفقال { خَتَمَ اللَّهُ } طبع الله { عَلَى قُلُوبِهِمْ } فلا تعي خيرا ولا تفهمه.\r__________\r(1) من ب.","part":1,"page":64},{"id":62,"text":"وحقيقة الختم الاستيثاق من الشيء كيلا يدخله ما خرج منه ولا يخرج عنه ما فيه، ومنه الختم على الباب. قال أهل السنة: أي حكم على قلوبهم بالكفر، لما سبق من علمه الأزلي فيهم، وقال المعتزلة: جعل على قلوبهم علامة تعرفهم الملائكة بها. { وَعَلَى سَمْعِهِمْ } أي: على موضع سمعهم فلا يسمعون الحق ولا ينتفعون به، وأراد على أسماعهم كما قال: { عَلَى قُلُوبِهِم } وإنما وحده لأنه مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع. { وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ } هذا ابتداء كلام. غشاوة أي: غطاء، فلا يرون الحق. وقرأ أبو عمرو والكسائي أبصارهم بالإمالة وكذلك كل ألف بعدها راء مجرورة في الأسماء كانت لام الفعل يميلانها ويميل حمزة منها ما يتكرر فيه الراء كالقرار ونحوه. زاد الكسائي إمالة جبارين والجوار والجار وبارئكم ومن أنصاري ونسارع وبابه. وكذلك يميل هؤلاء كل ألف بمنزلة لام الفعل، أو كان علما للتأنيث، إذا كان قبلها راء، فعلم التأنيث مثل: الكبرى والأخرى. ولام الفعل: مثل ترى وافترى، يكسرون الراء فيها.\rولهم { عَذَابٌ عَظِيمٌ } أي: في الآخرة، وقيل القتل والأسر في الدنيا والعذاب الدائم في العقبى. والعذاب كل ما يعني الإنسان ويشق عليه. قال الخليل: العذاب ما يمنع الإنسان عن مراده، ومنه: الماء العذب، لأنه يمنع العطش.\rقوله: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ } نزلت في المنافقين (1) عبد الله بن أبي بن سلول، ومعتب بن قشير، وجد بن قيس وأصحابهم حيث أظهروا كلمة الإسلام ليسلموا من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه واعتقدوا خلافها وأكثرهم من اليهود، والناس جمع إنسان سمي به لأنه عهد إليه فنسي كما قال الله تعالى \"ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي\"( 115-طه ) وقيل: لظهوره من قولهم آنست أي أبصرت، وقيل: لأنه يستأنس به { وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ } أي بيوم القيامة.\rقال الله تعالى: { وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ } أي يخالفون الله وأصل الخدع في اللغة الإخفاء ومنه المخدع للبيت الذي يخفى فيه المتاع فالمخادع يظهر خلاف ما يضمر والخدع من الله في قوله { وهو خادعهم }( 182-النساء ) أي يظهر لهم ويعجل لهم من النعيم في الدنيا خلاف ما يغيب عنهم من عذاب الآخرة. وقيل: أصل الخدع: الفساد، معناه يفسدون ما أظهروا من الإيمان بما أضمروا من الكفر.\rوقوله: { وَهُوَ خَادِعُهُمْ } أي: يفسد عليهم نعيمهم في الدنيا بما يصيرهم إليه من عذاب الآخرة فإن قيل ما معنى قوله { يُخَادِعُونَ اللَّهَ } والمفاعلة للمشاركة وقد جلَّ الله تعالى عن المشاركة في المخادعة؟ قيل: قد ترد المفاعلة لا على معنى المشاركة كقولك عافاك الله وعاقبت فلانا، وطارقت النعل. وقال الحسن: معناه يخادعون رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال الله تعالى: \"إن الذين يؤذون الله\"( 57-الأحزاب ) أي أولياء الله، وقيل: ذِكْرُ الله هاهنا تحسين والقصد بالمخادعة الذين آمنوا كقوله تعالى \"فَأَن لله خمسه وللرسول\"( 41-الأنفال ) وقيل معناه يفعلون في دين الله ما هو خداع في دينهم { وَالَّذِينَ آمَنُوا } أي ويخادعون المؤمنين بقولهم إذا رأوهم آمنا\r__________\r(1) انظر: الطبري: 1 / 269، تفسير ابن كثير: 1 / 48.","part":1,"page":65},{"id":63,"text":"وهم غير مؤمنين. { وَمَا يَخْدَعُونَ } قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وما يخدعون كالحرف الأول وجعلوه من المفاعلة التي تختص بالواحد. وقرأ الباقون: وما يخدعون على الأصل.\r{ إِلا أَنْفُسَهُمْ } لأن وبال خداعهم راجع إليهم لأن الله تعالى يطلع نبيه صلى الله عليه وسلم على نفاقهم فيفتضحون في الدنيا ويستوجبون العقاب في العقبى { وَمَا يَشْعُرُونَ } أي لا يعلمون أنهم يخدعون أنفسهم وأن وبال خداعهم يعود عليهم\r{ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } شك ونفاق وأصل المرض الضعف. وسمي الشك في الدين مرضا لأنه يضعف الدين كالمرض يضعف البدن. { فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا } لأن الآيات كانت تنزل تترى، آية بعد آية، كلما كفروا بآية ازدادوا كفرا ونفاقا وذلك معنى قوله تعالى \"وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم\"( 125-التوبة ) وقرأ ابن عامر وحمزة فزادهم بالإمالة وزاد حمزة إمالة زاد حيث وقع وزاغ وخاب وطاب وحاق وضاق، والآخرون لا يميلونها { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم يخلص وجعه إلى قلوبهم { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } ما للمصدر أي بتكذيبهم الله ورسوله في السر. وقرأ الكوفيون يكذبون بالتخفيف أي بكذبهم { إذ } (1) قالوا آمنا وهم غير مؤمنين.\r{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ (13) }\r{ وَإِذَا قِيلَ } قرأ الكسائي: \"قيل\" و\"غيض\" و\"جيء\" و\"حيل\" و\"سيق\" و\"سيئت\" بروم أوائلهن الضم -ووافق ابن عامر في \"سيق\" و\"حيل\" و\"سيء\" و\"سيئت\" -ووافق أهل المدينة في: سيء وسيئت لأن أصلها قول بضم القاف وكسر الواو، مثل قتل =وكذلك في أخواته فأشير إلى الضمة لتكون دالة على الواو المنقلبة وقرأ الباقون بكسر أوائلهن، استثقلوا الحركة على الواو فنقلوا كسرتها إلى فاء الفعل وانقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها 7/أ { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } يعني للمنافقين، وقيل لليهود أي قال لهم المؤمنون { لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ } بالكفر وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. وقيل معناه لا تكفروا، والكفر أشد فسادا في الدين { قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } يقولون هذا القول كذبا كقولهم آمنا وهم كاذبون\r{ أَلا } كلمة تنبيه ينبه بها المخاطب { إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ } أنفسهم بالكفر والناس بالتعويق عن الإيمان { وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ } أي لا يعلمون أنهم مفسدون لأنهم يظنون أن الذي هم عليه من إبطان الكفر صلاح. وقيل: لا يعلمون ما أعد الله لهم من العذاب.\r__________\r(1) في الأصل إذا.","part":1,"page":66},{"id":64,"text":"{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } أي للمنافقين وقيل لليهود { آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ } عبد الله بن سلام وغيره من مؤمني أهل الكتاب وقيل كما آمن المهاجرون والأنصار { قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ } أي الجهال فإن قيل كيف يصح النفاق مع( المجاهرة ) (1) بقولهم أنؤمن كما آمن السفهاء قيل أنهم كانوا يظهرون هذا القول فيما بينهم لا عند المؤمنين. فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بذلك فرد الله عليهم فقال { أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ } أنهم كذلك فالسفيه خفيف العقل رقيق الحلم من قولهم: ثوب سفيه أي رقيق وقيل السفيه الكذاب الذي يتعمد { الكذب } (2) بخلاف ما يعلم.\rقرأ أهل الكوفة والشام { السفهاء ألا } بتحقيق الهمزتين وكذلك كل همزتين وقعتا في كلمتين اتفقتا أو اختلفتا والآخرون يحققون الأولى ويلينون الثانية في المختلفتين طلبا للخفة فإن كانتا متفقتين مثل: هؤلاء، وأولياء، وأولئك، وجاء أمر ربك -قرأها أبو عمرو والبزي عن ابن كثير بهمزة واحدة وقرأ أبو جعفر وورش والقواش ويعقوب بتحقيق الأولى وتليين الثانية وقرأ قالون بتليين الأولى وتحقيق الثانية لأن ما يستأنف أولى بالهمزة مما يسكت عليه.\r{ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) }\r__________\r(1) في الأصل: المهاجرة.\r(2) زيادة من ب.","part":1,"page":67},{"id":65,"text":"{ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (18) }\r{ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا } يعني هؤلاء المنافقين إذا لقوا المهاجرين والأنصار { قَالُوا آمَنَّا } كإيمانكم { وَإِذَا خَلَوْا } رجعوا. ويجوز أن يكون من الخلوة { إِلَى } بمعنى الباء أي بشياطينهم وقيل: إلى بمعنى مع كما قال( الله تعالى ) (1) \"ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم\"( 2-النساء ) أي مع أموالكم \"شياطينهم\" أي رؤسائهم وكهنتهم قال ابن عباس رضي الله عنهما: وهم خمسة نفر من اليهود كعب بن الأشرف بالمدينة وأبو بردة في بني أسلم وعبد الدار في جهينة، وعوف بن عامر في بني أسد، وعبد الله بن السوداء بالشام. ولا يكون كاهن إلا ومعه شيطان تابع له.\r__________\r(1) زيادة من ب.","part":1,"page":67},{"id":66,"text":"والشيطان: المتمرد العاتي من الجن والإنس ومن كل شيء وأصله البعد، يقال بئر شطون أي: بعيدة العمق. سمي الشيطان شيطانا لامتداده في الشر وبعده من الخير. وقال مجاهد: إلى أصحابهم من المنافقين والمشركين { قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ } أي: على دينكم { إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه بما نظهر من الإسلام.\rقرأ أبو جعفر مستهزؤن ويستهزؤن وقل استهزوا وليطفوا وليواطوا ويستنبونك وخاطين وخاطون ومتكن ومتكون فمالون والمنشون بترك الهمزة فيهن\r{ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ } أي يجازيهم جزاء استهزائهم سمي الجزاء باسمه لأنه في مقابلته كما قال الله تعالى \"وجزاء سيئة سيئة مثلها\"( 40-الشورى ) قال ابن عباس: هو أن يفتح لهم باب من الجنة فإذا انتهوا إليه سد عنهم، وردوا إلى النار وقيل هو أن يضرب للمؤمنين نور يمشون على الصراط فإذا وصل المنافقون إليه حيل بينهم وبين المؤمنين كما قال الله تعالى: \"وحيل بينهم وبين ما يشتهون\"( 54-سبأ ) قال الله تعالى: \"فضرب بينهم بسور له باب\" الآية( 13-الحديد ) وقال الحسن معناه الله يظهر المؤمنين على نفاقهم { وَيَمُدُّهُم } يتركهم ويمهلهم والمد والإمداد واحد، وأصله الزيادة إلا أن المد أكثر ما يأتي في الشر والإمداد في الخير قال الله تعالى في المد \"ونمد له من العذاب مدا\"( 79-مريم ) وقال في الإمداد \"وأمددناكم بأموال وبنين\"( 6-الإسراء ) \"وأمددناهم بفاكهة\"( 22-الطور ) { فِي طُغْيَانِهِمْ } أي في ضلالتهم وأصله مجاوزة الحد. ومنه طغى الماء { يَعْمَهُونَ } أي يترددون في الضلالة متحيرين\r{ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى } أي استبدلوا الكفر بالإيمان { فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ } أي ما ربحوا في تجارتهم أضاف الربح إلى التجارة لأن الربح يكون فيها كما تقول العرب: ربح بيعك وخسرت صفقتك { وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } الضلالة، وقيل مصيبين في تجارتهم\r{ مَثَلُهُم } شبههم، وقيل: صفتهم. والمثل: قول سائر في عرف الناس يعرف به معنى الشيء وهو أحد أقسام القرآن السبعة { كَمَثَلِ الَّذِي } يعني الذين بدليل سياق الآية. ونظيره \"والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون\"( 33-الزمر ) { اسْتَوْقَد } أوقد { نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ } النار { مَا حَوْلَهُ } أي حول المستوقد. وأضاء: لازم ومتعد يقال أضاء الشيء بنفسه وأضاءه غيره وهو هاهنا متعد { ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ } قال ابن عباس وقتادة ومقاتل والضحاك والسدي نزلت في المنافقين.\rيقول: مثلهم في نفاقهم كمثل رجل أوقد نارا في ليلة مظلمة في مفازة فاستدفأ ورأى ما حوله فاتقى مما يخاف فبينا هو كذلك إذا طفيت ناره فبقي في ظلمة طائفا متحيرا فكذلك المنافقون بإظهار كلمة الإيمان أمنوا على أموالهم وأولادهم وناكحوا المؤمنين ووارثوهم وقاسموهم الغنائم فذلك نورهم فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف. وقيل: ذهاب نورهم في القبر. وقيل: في القيامة حيث يقولون للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم. وقيل: ذهاب نورهم بإظهار عقيدتهم على لسان النبي صلى الله عليه وسلم فضرب النار مثلا ثم لم يقل","part":1,"page":68},{"id":67,"text":"أطفأ الله نارهم لكن عبر بإذهاب النور عنه لأن النور نور وحرارة فيذهب نورهم وتبقى الحرارة عليهم. وقال مجاهد: إضاءة النار إقبالهم إلى المسلمين والهدى وذهاب نورهم إقبالهم إلى المشركين والضلالة وقال عطاء ومحمد بن كعب: نزلت في اليهود. وانتظارهم خروج النبي صلى الله عليه وسلم واستفتاحهم به على مشركي العرب فلما خرج كفروا به ثم وصفهم الله فقال:\r{ صُم } أي هم صم عن الحق لا يقبلونه وإذا لم يقبلوا فكأنهم لم يسمعوا { بُكْم } خرس عن الحق لا يقولونه أو أنهم لما أبطنوا خلاف ما أظهروا فكأنهم لم ينطقوا بالحق { عُمْيٌ } أي لا بصائر لهم ومن لا بصيرة له كمن لا بصر له { فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ } عن الضلالة إلى الحق.\r{ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) }\r{ أَوْ كَصَيِّبٍ } أي كأصحاب صيب وهذا مثل آخر ضربه الله تعالى للمنافقين بمعنى آخر إن شئت مثلهم بالمستوقد وإن شئت بأهل الصيب وقيل 7/ب أو بمعنى الواو يريد وكصيب كقوله تعالى: \"أو يزيدون\" بمعنى ويزيدون والصيب المطر وكل ما نزل من الأعلى إلى الأسفل فهو صيب =فعيل من صاب يصوب أي نزل من السماء أي من السحاب قيل هي السماء بعينها والسماء كل ما علاك فأظلك وهي من أسماء الأجناس يكون واحدا وجمعا { فِيهِ } أي في الصيب وقيل في السماء أي من السحاب ولذلك ذكره وقيل السماء يذكر ويؤنث قال الله تعالى: \"السماء منفطر به\"( 18-المزمل ) وقال \"إذا السماء انفطرت\"( 1-الانفطار ) { ظُلُمَاتٌ } جمع ظلمة { وَرَعْدٌ } الصوت الذي يسمع من السحاب { وَبَرْق } النار التي تخرج منه.\rقال علي وابن عباس وأكثر المفسرين رضي الله عنهم: الرعد اسم ملك يسوق السحاب والبرق لمعان سوط من نور يزجر به الملك السحاب. وقيل الصوت زجر السحاب وقيل تسبيح الملك. وقيل الرعد نطق الملك والبرق ضحكه. وقال مجاهد الرعد اسم الملك ويقال لصوته أيضا رعد (1) والبرق\r__________\r(1) الأخبار التي ذكرت لم يذكرها ابن كثير ولا السيوطي في الدر المنثور وإنما ذكر بعضها القرطبي وأكثرها لا يخلو من مقال كما في تعليق الأستاذ محمود شاكر على الطبري عند تفسير قوله تعالى (أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق) الآية تفسير الطبري: وما دام لم يرد دليل على ما ذكر فيتوقف في ذلك لأن هذه الظواهر الكونية وما بعدها مرتبطة بنواميس وسنن صار بعضها مفسرا عند علماء هذا المجال. وانظر: الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير للشيخ محمد بن محمد أبو شهبة ص 414-417.","part":1,"page":69},{"id":68,"text":"مصع (1) ملك يسوق السحاب وقال شهر بن حوشب: الرعد ملك يزجي السحاب فإذا تبددت ضمها فإذا اشتد غضبه طارت من فيه النار فهي الصواعق، وقيل الرعد صوت انحراف الريح بين السحاب والأول أصح.\r{ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ } جمع صاعقة وهي الصيحة التي يموت من يسمعها أو يغشى عليه. ويقال لكل عذاب مهلك: صاعقة، وقيل الصاعقة قطعة عذاب ينزلها الله تعالى على من يشاء.\rروي عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع صوت الرعد والصواعق قال: \"اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك\" (2) .\rقوله { حَذَرَ الْمَوْتِ } أي مخافة الهلاك { وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ } أي عالم بهم وقيل جامعهم. وقال مجاهد: يجمعهم فيعذبهم. وقيلك مهلكهم، دليله قوله تعالى \"إلا أن يحاط بكم\"( 66-يوسف ) أي تهلكوا جميعا. ويميل أبو عمرو والكسائي الكافرين في محل النصب والخفض ولا يميلان: \"أول كافر به\"( 41-البقرة ) .\r{ يَكَادُ الْبَرْقُ } أي يقرب، يقال: كاد يفعل إذا قرب ولم يفعل { يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ } يختلسها والخطف استلاب بسرعة { كُلَّمَا } حرف جملة ضم إلى ما الجزاء فصار أداة للتكرار ومعناهما متى ما { أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا } أي وقفوا متحيرين، فالله تعالى شبههم في كفرهم ونفاقهم بقوم كانوا في مفازة في ليلة مظلمة أصابهم مطر فيه ظلمات من صفتها أن الساري { لا يمكنه } (3) المشي فيها، ورعد من صفته أن يضم السامعون أصابعهم إلى آذانهم من هوله، وبرق من صفته أن يقرب من أن يخطف أبصارهم ويعميها من شدة توقده، فهذا مثل ضربه الله للقرآن وصنيع الكافرين والمنافقين معه، فالمطر القرآن لأنه حياة الجنان كما أن المطر حياة الأبدان، والظلمات ما في القرآن من ذكر الكفر والشرك، والرعد ما خوفوا به من الوعيد، وذكر النار والبرق ما فيه من الهدى والبيان والوعد وذكر الجنة.\r__________\r(1) في النهاية لابن الأثير - وقد نقل كلام مجاهد، أي يضرب السحاب ضربة فيرى البرق يلمع. النهاية في غريب الحديث والأثر: 4 / 337.\r(2) أخرجه الترمذي في الدعوات باب ما يقول إذا سمع الرعد، برقم (3514): 9 / 412 وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأحمد: 2 / 100، والبخاري في الأدب المفرد ص 212، وابن السني في عمل اليوم والليلة برقم (298) والدولابي في الكنى: 2 / 117، كلهم من حديث الحجاج بن أرطاة عن أبي مطر عن سالم ... وأبو مطر: لم يوثقه غير ابن حبان، ومع ذلك فقد صححه الحاكم: 2 / 286 ووافقه الذهبي. وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة. (ص 518) وانظر: شرح السنة: 4 / 393 تعليق الأستاذ الأرناؤوط، والكلم الطيب بتخريج الألباني ص (88).\r(3) في الأصل: لا يمكنها.","part":1,"page":70},{"id":69,"text":"والكافرون يسدون آذانهم عند قراءة القرآن مخافة ميل القلب إليه لأن الإيمان عندهم كفر والكفر موت { يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ } أي القرآن يبهر قلوبهم. وقيل هذا مثل ضربه الله للإسلام فالمطر الإسلام والظلمات ما فيه من البلاء والمحن، والرعد: ما فيه من الوعيد والمخاوف في الآخرة، والبرق ما فيه من الوعد والوعيد { يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ } يعني أن المنافقين إذا رأوا في الإسلام بلاء وشدة هربوا حذرا من الهلاك { وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ } جامعهم يعني لا ينفعهم هربهم لأن الله تعالى من ورائهم يجمعهم فيعذبهم. يكاد البرق يعني دلائل الإسلام تزعجهم إلى النظر لولا ما سبق لهم من الشقاوة.\r{ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ } يعني أن المنافقين إذا أظهروا كلمة الإيمان آمنوا فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة. وقيل معناه كلما نالوا غنيمة وراحة في الإسلام ثبتوا وقالوا إنا معكم { وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ } يعني رأوا شدة وبلاء تأخروا وقاموا أي وقفوا كما قال الله تعالى \"ومن الناس من يعبد الله على حرف\"( 11-الحج ) { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ } أي بأسماعهم { وَأَبْصَارِهِم } الظاهرة كما ذهب بأسماعهم وأبصارهم الباطنة، وقيل لذهب بما استفادوا من العز والأمان الذي لهم بمنزلة السمع والبصر. { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } قادر. قرأ عامر وحمزة شاء وجاء حيث كان بالإمالة.\r{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) }\rقوله تعالى { يَا أَيُّهَا النَّاسُ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يا أيها الناس خطاب أهل مكة، ويا أيها الذين آمنوا خطاب أهل المدينة (1) وهو هاهنا عام إلا من حيث إنه لا يدخله الصغار والمجانين.\r{ اعْبُدُوا } وحدوا. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كل ما ورد في القرآن من العبادة فمعناها التوحيد { رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ } والخلق: اختراع الشيء على غير مثال سبق { وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ } أي وخلق الذين من قبلكم { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } لكي تنجوا من العذاب وقيل معناه كونوا على رجاء التقوى بأن\r__________\r(1) انظر: الكافي الشاف: لابن حجر (ص5).","part":1,"page":71},{"id":70,"text":"تصيروا في ستر ووقاية من عذاب الله، وحكم الله من ورائكم يفعل ما يشاء كما قال \"فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى\"( 44-طه )أي ادعواه إلى الحق وكونا على رجاء التذكر، وحكم الله من ورائه يفعل ما يشاء، قال سيبويه: لعل وعسى حرفا ترج وهما من الله واجب.\r{ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشًا } أي بساطا وقيل مناما وقيل وطاء أي ذللها ولم يجعلها حزنة لا يمكن القرار عليها قال البخاري: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله رضي قال: سألت رسول الله عليه وسلم: أي ذنب أعظم عند الله؟ قال: \"أن تجعل لله ندا وهو خلقك\" قلت: إن ذلك عظيم. ثم أي؟ قال: \"أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك\". قلت: ثم أي قال: \"أن تزاني حليلة جارك\" (1) والجعل هاهنا بمعنى الخلق { وَالسَّمَاءَ بِنَاءً } وسقفا مرفوعا. { وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ } أي من السحاب { مَاءً } المطر { فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ } ألوان الثمرات وأنواع النبات { رِزْقًا لَكُمْ } طعاما لكم وعلفا لدوابكم { فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا } أي أمثالا تعبدونهم كعبادة الله. قال أبو عبيدة: الند الضد وهو من الأضداد والله تعالى بريء من المثل والضد. { وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أنه واحد خالق هذه الأشياء.\r{ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ } أي { وإن } (2) كنتم في شك، لأن الله تعالى علم أنهم شاكون { مِمَّا نَزَّلْنَا } يعني القرآن { عَلَى عَبْدِنَا } محمد { فَأْتُوا } أمر تعجيز { بِسُورَةٍ } والسورة قطعة من القرآن معلومة الأول والآخر من أسأرت أي أفضلت، حذفت الهمزة، وقيل: السورة اسم للمنزلة الرفيعة 8/أ ومنه سور البناء لارتفاعه سميت سورة لأن القارئ ينال بقراءتها منزلة رفيعة حتى يستكمل المنازل باستكماله سور القرآن { مِنْ مِثْلِهِ } أي مثل القرآن \"ومن\" صلة، كقوله تعالى { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ }( 30-النور ) وقيل: الهاء في مثله راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم يعني: من مثل محمد صلى الله عليه وسلم أمي لا يحسن الخط والكتابة [قال محمود هاهنا من مثله دون سائر السور، لأن من للتبعيض وهذه السورة أول القرآن بعد الفاتحة فأدخل من ليعلم أن التحدي واقع على جميع سور القرآن، ولو أدخل من في سائر السور كان التحدي واقعا على جميع سور القرآن، ولو أدخل في سائر السور كان التحدي واقعا على بعض السور] (3) .\r{ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ } أي واستعينوا بآلهتكم التي تعبدونها { مِنْ دُونِ اللَّهِ } وقال مجاهد: ناسا يشهدون لكم { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } أن محمدا صلى الله عليه وسلم يقوله من تلقاء نفسه فلما تحداهم عجزوا\rفقال { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا } فيما مضى { وَلَنْ تَفْعَلُوا } أبدا فيما بقي. وإنما قال ذلك لبيان الإعجاز وأن القرآن\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التوحيد، باب قول الله تعالى \"فلا تجعلوا لله أندادا\" 13 / 491. ومسلم في الإيمان باب كون الشرك أقبح الذنب .. برقم (86) 1 / 90. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 1 / 82.\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) ساقط من المطبوع على هامش ابن كثير وغيره.","part":1,"page":72},{"id":71,"text":"كان معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم حيث عجزوا عن الإتيان بمثله. { فَاتَّقُوا النَّارَ } أي فآمنوا واتقوا بالإيمان النار. { الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ } قال ابن عباس وأكثر المفسرين يعني حجارة الكبريت لأنها أكثر التهابا، وقيل: جميع الحجارة وهو دليل على عظمة تلك النار وقيل: أراد بها الأصنام لأن أكثر أصنامهم كانت منحوتة من الحجارة كما قال \"إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم\"( 98-الأنبياء ) { أُعِدَّت } هيئت { لِلْكَافِرِينَ }","part":1,"page":73},{"id":72,"text":"{ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25) }\rقوله تعالى: { وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا } أي أخبر والبشارة كل خبر صدق تتغير به بشرة الوجه، ويستعمل في الخير والشر، وفي الخير أغلب { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } أي الفعلات الصالحات يعني المؤمنين الذين هم من أهل الطاعات قال عثمان بن عفان رضي الله عنه { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } أي أخلصوا الأعمال كما قال \"فليعمل عملا صالحا\"( 110-الكهف ) أي خاليا من الرياء. قال معاذ: العمل الصالح الذي فيه أربعة أشياء. العلم، والنية، والصبر، والإخلاص. { أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ } جمع الجنة، والجنة البستان الذي فيه أشجار مثمرة، سميت بها لاجتنانها وتسترها بالأشجار. وقال الفراء: الجنة ما فيه النخيل، والفردوس ما فيه الكرم.\r{ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا } أي من تحت أشجارها ومساكنها { الأنْهَار } أي المياه في الأنهار لأن النهر لا يجري وقيل { من تحتها } أي بأمرهم لقوله تعالى حكاية عن فرعون \"وهذه الأنهار تجري من تحتي\"( 51-الزخرف ) أي بأمري والأنهار جمع نهر سمي به لسعته وضيائه. ومنه النهار. وفي الحديث \"أنهار الجنة تجري في غير أخدود\" (1) { كُلَّمَا } متى ما { رُزِقُوا } أطعموا { مِنْهَا } أي من الجنة من ثمرة أي ثمرة و { مِن } صلة { رِزْقًا } طعاما { قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ } وقبل رفع على الغاية. قال الله تعالى: \"لله الأمر من قبل ومن بعد\"( 4-الروم ) قيل: من قبل في الدنيا وقيل: الثمار في الجنة متشابهة في اللون، مختلفة في الطعم، فإذا رزقوا ثمرة بعد أخرى ظنوا أنها الأولى { وَأُتُوا بِهِ } بالرزق { مُتَشَابِهًا } قال ابن عباس ومجاهد والربيع: متشابها في الألوان، مختلفا في الطعوم. وقال الحسن\r__________\r(1) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: 13 / 96، وهناد في الزهد: 1 / 171، والطبري في التفسير: 1 / 384. والمروزي في زوائد الزهد ص (524) وعزاه السيوطي أيضا لابن أبي حاتم وأبي الشيخ البيهقي في البعث وصححه عن ابن مسعود انظر: الدر المنثور: 1 / 94، تفسير ابن كثير: 4 / 177، والفتح السماوي 1 / 148.","part":1,"page":73},{"id":73,"text":"وقتادة: متشابها. أي يشبه بعضها بعضا في الجودة، أي كلها خيار لا رذالة فيها. وقال محمد بن كعب: يشبه ثمر الدنيا غير أنها أطيب. وقيل متشابها في الاسم مختلفا في الطعم. قال: ابن عباس رضي الله عنهما: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسامي.\rأنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار أنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي أنا محمد بن كثير أنا سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يبزقون، يلهمون الحمد والتسبيح، كما تلهمون النفس، طعامهم الجشاء، ورشحهم المسك\" (1) قوله تعالى { وَلَهُمْ فِيهَا } في الجنان { أَزْوَاج } نساء وجواري يعني من الحور العين { مُطَهَّرَةٌ } من الغائط، والبول، والحيض، والنفاس، والبصاق، والمخاط والمني، والولد، وكل قذر قال إبراهيم النخعي: في الجنة جماع ما شئت ولا ولد. وقال الحسن: هن عجائزكم الغمص العمش طهرن من قذرات الدنيا. وقيل: مطهرة عن مساوئ الأخلاق { وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } دائمون لا يموتون فيها ولا يخرجون منها.\rأنا أبو عمرو عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبو حامد أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف الفربري، أنا محمد بن إسماعيل البخاري أنا قتيبة بن سعيد، أنا جرير عن عمارة عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة لا يبولون ولا يتغوطون، ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك ومجامرهم الألوة (2) وأزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء\" (3) .\rأنا عبد الواحد المليحي أنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم البغوي أنا علي بن الجعد أنا فضيل هو ابن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أول زمرة تدخل الجنة يوم القيامة صورة وجوههم مثل صورة القمر ليلة البدر، والزمرة الثانية على لون أحسن الكواكب في السماء لكل رجل منهم زوجتان، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ سوقهم دون لحومها ودمائها وحللها\" (4) .\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في صفات الجنة وأهلها برقم (2835) 4 / 2180. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 15 / 212.\r(2) أي بخورهم العود غير مطراة / النهاية 1 / 63.\r(3) أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة: 6 / 318، ومسلم في الجنة وصفة أهلها، باب أول زمرة تدخل الجنة، برقم (2834): 4 / 2178 وأخرجه المصنف في شرح السنة: 15 / 211.\r(4) أخرجه الترمذي في صفة الجنة، باب ما جاء في صفة نساء أهل الجنة: 7 / 239-241، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وعطية العوفي ضعيف، وبقية رجاله ثقات. انظر ميزان الاعتدال 3 / 79 وذكره الهيثمي عن ابن مسعود وأبي سعيد وقال: رواه الترمذي باختصار، ورواه الطبراني في الأوسط وإسناد ابن مسعود صحيح، وفي إسناد أبي سعيد: عطية، والأكثر على تضعيفه، وروى البزار حديث ابن مسعود فقط. مجمع الزوائد: 10 / 411-412. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 15 / 212.","part":1,"page":74},{"id":74,"text":"أنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي المروزي أنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني، أنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا عبد الله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن علي الكشميهني أنا علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير المدني عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت على الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأت ما بينهما ريحا، ولتاجها على رأسها خير من الدنيا وما فيها\" (1) [صحيح أخرجه محمد بن عبد الله بن محمد عن معاوية بن عمر عن أبي إسحاق عن حميد] (2) .\rأنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني أنا أبو محمد محمد بن علي بن محمد بن شريك الشافعي أنا عبد الله بن محمد بن مسلم أنا أبو بكر الجوربذي أنا أحمد بن الفرج الحمصي أنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار أنا محمد بن المهاجر عن الضحاك المعافري عن سليمان بن موسى حدثني كريب أنه سمع أسامة بن زيد يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ألا هل من مشمر للجنة، وإن الجنة لا خطر لها وهي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز، وقصر مشيد ونهر مطرد، وثمرة نضيجة وزوجة حسناء جميلة وحلل كثيرة ومقام أُبِدٍ في دار 8/ب سليمة وفاكهة خضرة، وحبرة، ونعمة في محلة عالية بهية\" قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها قال: \"قولوا إن شاء الله\" قال القوم: إن شاء الله (3)\rوروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أهل الجنة جرد مرد كحل لا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم\" (4) .\rأنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي أنا الحاكم أبو الفضل الحدادي أنا أبو يزيد محمد ابن يحيى بن خالد أنا إسحاق الحنظلي أنا أبو معاوية أنا عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعيد عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن في الجنة لسوقا ليس فيها بيع ولا شراء إلا الصور من الرجال والنساء، فإذا\r__________\r(1) قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده جيد، مجمع الزوائد: 10 / 418.\r(2) زيادة من ب.\r(3) أخرجه ابن ماجه في الزهد، باب صفة الجنة برقم (4332): 2 / 1448، وصححه ابن حبان في صفة الجنة (651) من موارد الظمآن. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 15 / 223 وقال محققه: الضحاك المعافري: لم يوثقه غير ابن حبان، وشيخه سليمان بن موسى الأموي الدمشقي مختلف فيه.\r(4) رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وإسناده حسن، ورواه أحمد عن أبي هريرة والطبراني في الأوسط عن أنس، وإسناده جيد. وفي الصحيح بعضه. مجمع الزوائد: 10 / 398-399.","part":1,"page":75},{"id":75,"text":"اشتهى الرجل صورة دخل فيها، إن فيها لمجتمع الحور العين ينادين، بصوت لم يسمع الخلائق مثله: نحن الخالدات فلا نبيد أبدا، ونحن الناعمات فلا نبأس أبدا، ونحن الراضيات فلا نسخط أبدا، فطوبى لمن كان لنا وكنا له أو نحن له\" (1) ورواه أبو عيسى عن هناد وأحمد بن منيع عن أبي معاوية مرفوعا وقال: هذا حديث غريب. أنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي أنا محمد بن عيسى الجلودي أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن الحجاج أنا أبو عثمان سعيد بن عبد الجبار البصري أنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إن في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنا وجمالا فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا فيقول لهم أهلهم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا فيقولون وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا\" (2) .\r{ إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ (26) }\rقوله تعالى { إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } سبب نزول هذه الآية أن الله تعالى لما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت فقال: \"إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له\"( 73-الحج ) وقال: \"مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا\"( 41-العنكبوت ) قالت اليهود: ما أراد الله بذكر هذه الأشياء الخسيسة (3) ؟ وقيل: قال المشركون: إنا لا نعبد إلها يذكر مثل هذه الأشياء فأنزل الله تعالى { إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي } (4) أي لا يترك ولا يمنعه الحياء { أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا } يذكر شبها، { مَا بَعُوضَةً } ما: صلة، أي مثلا بالبعوضة، وبعوضة نصب بدل عن المثل.\r__________\r(1) أخرجه أحمد مرفوعا: 1 / 156 عن علي، والترمذي مختصرا في صفة الجنة باب ما جاء في سوق الجنة: 7 / 264 وقال: هذا حديث حسن غريب. وهناد في الزهد: 1 / 92 وابن أبي شيبة: 13 / 100. وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي: قال أحمد: ليس بشيء، منكر الحديث، وقال يحيى: متروك، وقال ابن حجر: ضعيف من السابعة. (تقريب). وضعفه المنذري، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات (فيض القدير للمناوي: 2 / 468) وأخرجه المصنف في شرح السنة: 15 / 226.\r(2) رواه مسلم في الجنة، باب في سوق الجنة وما ينالون فيها من النعيم، برقم (2833): 4 / 2178 وأخرجه المصنف في شرح السنة: 15 / 227 وقال هذا حديث صحيح.\r(3) انظر: الطبري: 1 / 400، أسباب النزول للواحدي ص (59)، الوسيط للواحدي: 1 / 64.\r(4) المرجع السابق.","part":1,"page":76},{"id":76,"text":"والبعوض صغار البق سميت بعوضة كأنها بعض البق { فَمَا فَوْقَهَا } يعني الذباب والعنكبوت وقال أبو عبيدة أي فما دونها كما يقال فلان جاهل فيقال وفوق ذلك أي وأجهل { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا } بمحمد والقرآن { فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ } يعني: المثل هو { الْحَق } الصدق { مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا } أي بهذا المثل فلما حذف الألف واللام نصبه على الحال والقطع ثم أجابهم فقال { يُضِلُّ بِهِ } أي بهذا المثل { كَثِيرًا } الكفار وذلك أنهم يكذبونه فيزدادون ضلالا { وَيَهْدِي بِهِ } أي بهذا المثل { كَثِيرًا } المؤمنين فيصدقونه، والإضلال: هو الصرف عن الحق إلى الباطل. وقيل: هو الهلاك يقال ضل الماء في اللبن إذا هلك { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ } الكافرين وأصل الفسق الخروج يقال فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها قال الله تعالى: \"ففسق عن أمر ربه\"( 50-الكهف ) أي خرج ثم وصفهم فقال:\r{ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) }\rفقال { الَّذِينَ يَنْقُضُونَ } يخالفون ويتركون وأصل النقض الكسر { عَهْدَ اللَّهِ } أمر الله الذي عهد إليهم يوم الميثاق بقوله: \"ألست بربكم قالوا بلى\"( 173-الأعراف ) وقيل: أراد به العهد الذي أخذه على النبيين وسائر الأمم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم في قوله: \"وإذ أخذ الله ميثاق النبيين\"( 81-آل عمران ) الآية وقيل: أراد به العهد الذي عهد إليهم في التوراة أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويبينوا نعته { مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ } توكيده. والميثاق: العهد المؤكد { وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ } يعني الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبجميع الرسل عليهم السلام لأنهم قالوا: نؤمن ببعض ونكفر ببعض وقال المؤمنون \"لا نفرق بين أحد من رسله\"( 285-البقرة ) وقيل: أراد به الأرحام { وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ } بالمعاصي وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن { أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } المغبونون، ثم قال لمشركي العرب على وجه التعجب\r{ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ } بعد نصب الدلائل ووضوح البراهين ثم ذكر الدلائل فقال { وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا } نطفا في أصلاب آبائكم { فَأَحْيَاكُم } في الأرحام والدنيا { ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } عند انقضاء آجالكم { ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } للبعث { ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } أي تردون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم.","part":1,"page":77},{"id":77,"text":"قرأ يعقوب \"ترجعون\" في كل القرآن بفتح الياء والتاء على تسمية الفاعل.\rقوله تعالى { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا } لكي تعتبروا وتستدلوا وقيل لكي تنتفعوا { ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ } قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف: أي ارتفع إلى السماء. وقال ابن كيسان والفراء وجماعة من النحويين: أي أقبل على خلق السماء. وقيل: قصد لأنه خلق الأرض أولا ثم عمد إلى خلق السماء { فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ } خلقهن مستويات لا فطور فيها ولا صدع { وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } قرأ أبو جعفر وأبو عمرو والكسائي وقالون وهو وهي بسكون الهاء إذا كان قبل الهاء واو أو فاء أو لام، زاد الكسائي وقالون: ثم هو وقالون \"أن يمل هو\"( 282-البقرة ).","part":1,"page":78},{"id":78,"text":"{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ (30) }\rقوله تعالى { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ } أي وقال ربك وإذ زائدة وقيل معناه واذكر إذ قال ربك وكذلك كل ما ورد في القرآن من هذا النحو فهذا سبيله وإذ وإذا حرفا توقيت إلا أن إذ للماضي وإذا للمستقبل وقد يوضع أحدهما موضع الآخر قال المبرد: إذا جاء { إذ } مع المستقبل كان معناه ماضيا كقوله تعالى \"وإذ يمكر بك الذين\"( 30-الأنفال ) يريد وإذ مكروا وإذا جاء { إذا } مع الماضي كان معناه مستقبلا كقوله: \"فإذا جاءت الطامة\"( 34-النازعات ) \"إذا جاء نصر الله\"( 1-النصر ) أي يجيء { لِلْمَلائِكَة } جمع ملك وأصله مألك من المألكة والألوكة والألوك، وهي: الرسالة فقلبت فقيل ملأك ثم حذفت الهمزة طلبا للخفة لكثرة استعماله ونقلت حركتها إلى اللام فقيل ملك. وأراد بهم الملائكة الذين كانوا في الأرض وذلك أن الله تعالى خلق السماء والأرض وخلق الملائكة والجن فأسكن الملائكة السماء وأسكن الجن الأرض فغبروا فعبدوا دهرا طويلا في الأرض، ثم ظهر فيهم الحسد والبغي فأفسدوا وقتلوا فبعث الله إليهم جندا من الملائكة يقال لهم: الجن، وهم خزان الجنان اشتق لهم من الجنة رأسهم إبليس وكان رئيسهم ومرشدهم وأكثرهم علما فهبطوا إلى الأرض فطردوا الجن إلى شعوب الجبال( وبطون الأودية ) (1) وجزائر البحور وسكنوا الأرض وخفف الله عنهم العبادة فأعطى الله إبليس ملك الأرض، وملك السماء الدنيا وخزانة الجنة وكان يعبد الله تارة في الأرض وتارة في السماء وتارة في الجنة فدخله العجب فقال في نفسه: ما أعطاني الله هذا الملك إلا لأني أكرم الملائكة عليه (2) فقال الله تعالى 9/أ له ولجنده: { إِنِّي جَاعِلٌ }\r__________\r(1) زيادة من ب.\r(2) ذكر ذلك أيضا الواحدي في التفسير: 1 / 74، وانظر تفسير ابن كثير: 1 / 131-133 و138-141، ففيه بعض الروايات، وقد ضعفها ابن كثير رحمه الله ونقل ذلك عنه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الطبري: 1 / 505.","part":1,"page":78},{"id":79,"text":"خالق. { فِي الأرْضِ خَلِيفَةً } أي بدلا منكم ورافعكم إلي، فكرهوا ذلك لأنهم كانوا أهون الملائكة عبادة.\rوالمراد بالخليفة هاهنا آدم سماه خليفة لأنه خلف الجن أي جاء بعدهم وقيل لأنه يخلفه غيره والصحيح أنه خليفة الله في أرضه لإقامة أحكامه وتنفيذ وصاياه (1) { قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا } بالمعاصي. { وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ } بغير حق أي كما فعل بنو الجان فقاسوا الشاهد على الغائب وإلا فهم ما كانوا يعلمون الغيب { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ } قال الحسن: نقول سبحان الله وبحمده وهو صلاة الخلق { وصلاة البهائم وغيرهما } (2) سوى الآدميين وعليها يرزقون.\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن الحجاج أنا زهير بن حرب أنا حبان بن هلال أنا وهيب أنا سعيد الجريري عن أبي عبد الله الجسري عن عبادة بن الصامت عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الكلام أفضل قال: \"ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده سبحان الله وبحمده\" (3) وقيل: ونحن نصلي بأمرك، قال ابن عباس: كل ما في القرآن من التسبيح فالمراد منه الصلاة { وَنُقَدِّسُ لَكَ } أي نثني عليك بالقدس والطهارة وقيل: ونطهر أنفسنا لطاعتك وقيل: وننزهك. واللام صلة وقيل: لم يكن هذا من الملائكة على طريق الاعتراض والعجب بالعمل بل على سبيل التعجب وطلب وجه الحكمة فيه { قَالَ } الله { إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ } المصلحة فيه، وقيل: إني أعلم أن في ذريته من يطيعني ويعبدني من الأنبياء والأولياء والعلماء وقيل: إني أعلم أن فيكم من يعصيني وهو إبليس، وقيل إني أعلم أنهم يذنبون وأنا أغفر لهم. قرأ أهل الحجاز والبصرة إني أعلم بفتح الياء وكذلك كل ياء إضافة استقبلها ألف مفتوحة إلا في مواضع معدودة ويفتحون في بعض المواضع عند الألف المضمومة والمكسورة( وعند غير الألف ) (4) وبين القراء في تفصيله اختلاف.\r{ وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) }\rقوله تعالى { وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا } سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض، وقيل: لأنه كان آدم اللون\r__________\r(1) ولابن القيم في كتابه \"مفتاح دار السعادة\" 1 / 151 كلام مفيد وتفصيل رشيد حول خلافة الله في أرضه فليراجع لفائدته.\r(2) ساقط من الأصل.\r(3) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء باب فضل سبحان الله وبحمده برقم (2731): 4 / 2093 والترمذي في الدعوات، باب أي الكلام أحب إلى الله. 10 / 52 وقال هذا حديث حسن صحيح.\r(4) في ب لأجل ألف.","part":1,"page":79},{"id":80,"text":"وكنيته أبو محمد وأبو البشر فلما خلقه الله تعالى علمه أسماء الأشياء وذلك أن الملائكة قالوا: لما قال الله تعالى: { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً } ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق خلقا أكرم عليه منا وإن كان فنحن أعلم منه لأنا خلقنا قبله ورأينا ما لم يره. فأظهر الله تعالى فضله عليهم بالعلم وفيه دليل على أن الأنبياء أفضل من الملائكة وإن كانوا رسلا كما ذهب إليه أهل السنة والجماعة قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: علمه اسم كل شيء حتى القصعة والقصيعة وقيل: اسم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة. وقال الربيع بن أنس: أسماء الملائكة وقيل: أسماء ذريته، وقيل: صنعة كل شيء قال أهل التأويل: إن الله عز وجل علم آدم جميع اللغات ثم تكلم كل واحد من أولاده بلغة فتفرقوا في البلاد واختص كل فرقة منهم بلغة (1) . { ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ } إنما قال عرضهم ولم يقل عرضها لأن المسميات إذا جمعت من يعقل وما لا يعقل يكنى عنها بلفظ من يعقل كما يكنى عن الذكور والإناث بلفظ الذكور وقال مقاتل: خلق الله كل شيء الحيوان والجماد ثم عرض تلك الشخوص على الملائكة فالكناية راجعة إلى الشخوص فلذلك قال عرضهم { فَقَالَ أَنْبِئُونِي } أخبروني { بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } في أني لا أخلق خلقا إلا وكنتم أفضل وأعلم منه فقالت الملائكة إقرارا بالعجز:\r{ قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) }\r{ قَالُوا سُبْحَانَكَ } تنزيها لك { لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا } معناه فإنك أجل من أن نحيط بشيء من علمك إلا ما علمتنا { إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ } بخلقك { الْحَكِيم } في أمرك والحكيم له معنيان: أحدهما الحاكم وهو القاضي العدل والثاني المحكم للأمر كي لا يتطرق إليه الفساد وأصل الحكمة في اللغة: المنع فهي تمنع صاحبها من الباطل ومنه حكمة الدابة لأنها تمنعها من الاعوجاج فلما ظهر عجزهم { قَال } الله تعالى:\r{ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ } أخبرهم بأسمائهم فسمى آدم كل شيء باسمه وذكر الحكمة التي لأجلها خلق { فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ } الله تعالى { أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ } يا ملائكتي { إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } ما كان منهما وما يكون لأنه قد قال لهم { إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ }( 30-البقرة ) { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ } قال الحسن وقتادة: يعني قولهم أتجعل فيها من يفسد فيها { وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } قولكم لن يخلق الله خلقا أكرم عليه منا، قال ابن عباس رضي الله عنهما هو أن إبليس مر على\r__________\r(1) انظر: تفسير الطبري: 1 / 485، الوسيط للواحدي: 1 / 77.","part":1,"page":80},{"id":81,"text":"جسد آدم وهو ملقى بين مكة والطائف لا روح فيه فقال: لأمر ما خلق هذا ثم دخل في فيه وخرج من دبره وقال: إنه خلق لا يتماسك لأنه أجوف ثم قال للملائكة الذين معه أرأيتم إن فضل هذا عليكم وأمرتم بطاعته ماذا تصنعون؟ قالوا: نطيع أمر ربنا، فقال إبليس في نفسه: والله لئن سلطت عليه لأهلكنه ولئن سلط علي لأعصينه فقال الله تعالى: { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ } يعني ما تبديه الملائكة من الطاعة { وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } يعني إبليس من المعصية.\r{ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) }\rوقوله تعالى: { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ } قرأ أبو جعفر \"للملائكة اسجدوا\" بضم التاء على جوار ألف اسجدوا وكذلك قرأ \"قل رب احكم بالحق\"( 112-الأنبياء ) بضم الباء وضعفه النحاة جدا ونسبوه إلى الغلط فيه واختلفوا في أن هذا الخطاب مع أي الملائكة فقال بعضهم: مع الذين كانوا سكان الأرض. والأصح: أنه مع جميع الملائكة لقوله تعالى: \"فسجد الملائكة كلهم أجمعون\"( 30-الحجر ) وقوله: { اسجدوا } فيه قولان: الأصح أن السجود كان لآدم على الحقيقة، وتضمن معنى الطاعة لله عز وجل بامتثال أمره، وكان ذلك سجود تعظيم وتحية لا سجود عبادة، كسجود إخوة يوسف له في قوله عز وجل \"وخروا له سجدا\"( 100-يوسف ) ولم يكن فيه وضع الوجه على الأرض، إنما كان الانحناء، فلما جاء الإسلام أبطل ذلك بالسلام.\rوقيل: معنى قوله { اسْجُدُوا لآدَمَ } أي إلى آدم فكان آدم قبلة، والسجود لله تعالى، كما جعلت الكعبة قبلة للصلاة والصلاة لله عز وجل.\r{ فَسَجَدُوا } يعني: الملائكة { إِلا إِبْلِيسَ } وكان اسمه عزازيل بالسريانية، وبالعربية: الحارث، فلما عصى غير اسمه وصورته فقيل: إبليس، لأنه أبلس من رحمة الله تعالى أي يئس.\rواختلفوا فيه فقال ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر المفسرين: كان إبليس من الملائكة، وقال الحسن: كان من الجن ولم يكن من الملائكة لقوله تعالى \"إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه\"","part":1,"page":81},{"id":82,"text":"( 50-الكهف ) فهو أصل الجن كما أن آدم أصل الإنس، ولأنه خلق من النار والملائكة خلقوا من النور، ولأن له ذرية ولا ذرية للملائكة، والأول أصح (1) لأن خطاب السجود كان مع الملائكة، وقوله \"كان من الجن\" أي من الملائكة الذين هم خزنة الجنة. وقال سعيد بن جبير: من الذين يعملون في الجنة، وقال: قوم من الملائكة الذين يصوغون حلي أهل الجنة، وقيل: إن فرقة من الملائكة خلقوا من النار سموا جنا لاستتارهم عن الأعين، وإبليس كان منهم. والدليل عليه قوله تعالى \"وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا\"( 158-الصافات ) وهو قولهم: الملائكة 9/ب بنات الله، ولما أخرجه الله من الملائكة جعل له ذرية.\rقوله: { أَبَى } أي امتنع فلم يسجد { وَاسْتَكْبَر } أي تكبر عن السجود { لآدم } (2) { وَكَان } أي: صار { مِنَ الْكَافِرِينَ } وقال أكثر المفسرين: وكان في سابق علم الله من الكافرين الذين وجبت لهم الشقاوة.\rأنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي أنا ابن الحاكم أبو الفضل محمد بن الحسين الحدادي أنا أبو يزيد محمد بن يحيى بن خالد أنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أنا جرير ووكيع وأبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي ويقول: يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار\" (3)\rقوله تعالى { وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ } وذلك أن آدم لم يكن في الجنة من يجانسه فنام نومة فخلق الله زوجته حواء من قصيراء شقه الأيسر، وسميت حواء لأنها خلقت من حي، خلقها الله عز وجل من غير أن أحس به آدم ولا وجد له ألما، ولو وجد لما عطف رجل على امرأة قط فلما هب من نومه رآها جالسة عند رأسه( كأحسن ما في ) (4) خلق الله فقال لها: من أنت؟ قالت زوجتك خلقني الله لك تسكن إلي وأسكن إليك (5) { وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا } واسعا كثيرا { حَيْثُ شِئْتُمَا } كيف شئتما ومتى شئتما وأين شئتما { وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ } يعني للأكل، وقال بعض العلماء: وقع\r__________\r(1) انظر الطبري: 1 / 502-508 والوسيط في تفسير القرآن للواحدي 1 / 82.\r(2) زيادة من ب.\r(3) أخرجه مسلم في الإيمان، باب إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة، برقم (133) 1 / 87 وأخرجه المصنف في شرح السنة: 3 / 147.\r(4) في ب: كأحسن ما خلقها الله.\r(5) تذكر معظم كتب التفسير هذه القصة عند تفسير هذه الآية، ويقول أبو حيان في البحر المحيط: 1 / 156 \"وفي هذه القصة زيادات ذكرها المفسرون، لا نطول بذكرها، لأنها ليست مما يتوقف عليها مدلول الآية ولا تفسيرها\". ونلحظ أن هذه الأمور الغيبية التي استأثر الله تعالى بعلمها وحجبها عنا، ليس بين أيدينا ما يدل عليها من النصوص الصحيحة .. فأين كان هذا الذي كان؟ وما الجنة التي عاش فيها آدم وزوجه حينا من الزمان؟ ومن هم الملائكة؟ ومن هو إبليس؟ كيف قال الله تعالى لهم ذلك؟ وكيف أجابوه؟ وكيف تم خلق حواء؟ .. إلخ .. إلخ هذا كله يحتاج إلى نص ثابت. وغالب ما يروى من آثار حولها لا يخلو من مقال أو هو من الإسرائيليات، فحسبنا ما جاءت به النصوص، ونكل علم ما رآها إلى الله سبحانه. وانظر: في ظلال القرآن: 1 / 59.","part":1,"page":82},{"id":83,"text":"النهي على جنس من الشجر. وقال آخرون: على شجرة مخصوصة، واختلفوا في تلك الشجرة، قال ابن عباس ومحمد بن كعب ومقاتل: هي السنبلة وقال ابن مسعود: هي شجرة العنب. وقال ابن جريج: شجرة التين، وقال قتادة: شجرة العلم وفيها من كل شيء، وقال علي رضي الله عنه: شجرة الكافور (1) { فَتَكُونَا } فتصيرا { مِنَ الظَّالِمِينَ } أي الضارين بأنفسكما بالمعصية، وأصل الظلم، وضع الشيء في غير موضعه.\r{ فَأَزَلَّهُمَا } استزل { الشَّيْطَان } آدم وحواء أي دعاهما إلى الزلة: وقرأ حمزة: فأزالهما، أي نحاهما \"الشيطان\" فيعال من شطن، أي: بعد، سمي به لبعده عن الخير وعن الرحمة، { عَنْهَا } عن الجنة { فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ } النعيم، وذلك أن إبليس أراد أن يدخل ليوسوس { إلى } (2) آدم وحواء فمنعته الخزنة فأتى الحية وكانت صديقة لإبليس وكانت من أحسن الدواب، لها أربع قوائم كقوائم البعير، وكانت من خزان الجنة فسألها إبليس أن تدخله فمها فأدخلته ومرت به على الخزنة وهم لا يعلمون فأدخلته الجنة، وقال الحسن: إنما رآهما على باب الجنة لأنهما كانا يخرجان منها وقد كان آدم حين دخل الجنة ورأى ما فيها من النعيم قال: لو أن خلدا، فاغتنم ذلك منه الشيطان فأتاه الشيطان من قبل الخلد فلما دخل الجنة وقف بين يدي آدم وحواء وهما لا يعلمان أنه إبليس فبكى وناح نياحة أحزنتهما، وهو أول من ناح فقالا له: ما يبكيك؟ قال: أبكي عليكما تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة. فوقع ذلك في أنفسهما فاغتما ومضى إبليس ثم أتاهما بعد ذلك وقال: يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد؟ فأبى أن يقبل منه، وقاسمهما بالله إنه لهما لمن الناصحين، فاغترا وما ظنا أن أحدا يحلف بالله كاذبا، فبادرت حواء إلى أكل الشجرة ثم ناولت آدم حتى أكلها.\rوكان سعيد بن المسيب يحلف بالله ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل ولكن حواء سقته الخمر حتى إذا سكر قادته إليها فأكل (3) .\r__________\r(1) قال ابن جرير الطبري في التفسير: \"الصواب في ذلك أن يقال: إن الله جل ثناؤه نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها، فخالفا إلى ما نهاهما الله عنه، فأكلا منها كما وصفهما الله جل ثناؤه به، ولا علم عندنا بأي شجرة كانت على التعيين، لأن الله لم يضع لعباده دليلا على ذلك في القرآن، ولا في السنة الصحيحة. فأنى يأتي ذلك؟ وقد قيل: كانت شجرة البر، وقيل: كانت شجرة العنب، وقيل: كانت شجرة التين، وجائز أن تكون واحدة منها، وذلك علم، إذا علم لم ينفع العالم به علمه، وإن جهله جاهل لم يضره جهله به\"، وكذلك رجح الإبهام الرازي في تفسيره وغيره من المفسرين وهو الصواب. انظر: تفسير الطبري بتحقيق محمود شاكر: 1 / 520-521، تفسير ابن كثير: 1 / 146.\r(2) زيادة من (ب).\r(3) هذا الخلاف في كيفية وسبب أكل آدم من الشجرة المنهي عنها، والذي أكثر المفسرون من القصص حوله، لم يثبت فيه خبر صحيح، وهو من علم الغيب الذي يحتاج إلى نقل ثابت بشأنه، ولعل هذه القصص مأخوذة من الإسرائيليات، وكون آدم شرب الخمر فكان في غير عقله، غير صحيح، لأن خمر الجنة لا غول فيها، والصحيح أنه نسي وأكل كما أخبر الله تعالى عنه، انظر: أحكام القرآن لابن العربي: 1 / 19 والمحرر الوجيز لابن عطية: 1 / 254-456، والبحر المحيط لأبي حبان: 1 / 161، وقد فند الشيخ محمد أبو شهبة الروايات الإسرائيلية في تفسير هذه الآية \"فأزلهما الشيطان\" انظر كتابه: \"الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير: 250-251.","part":1,"page":83},{"id":84,"text":"قال إبراهيم بن أدهم: أورثتنا تلك الأكلة حزنا طويلا. قال ابن عباس وقتادة: قال الله عز وجل لآدم: ألم يكن فيما أبحتك من الجنة مندوحة عن الشجرة؟ قال: بلى يا رب وعزتك، ولكن ما ظننت أن أحدا يحلف بك كاذبا، قال: فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض، ثم لا تنال العيش إلا كدا فأهبطا من الجنة وكانا يأكلان فيها رغدا فعلم صنعة الحديد، وأمر بالحرث فحرث فيها وزرع ثم سقى حتى إذا بلغ حصد ثم داسه ثم ذراه ثم طحنه ثم عجنه ثم خبزه ثم أكله فلم يبلغه حتى بلغ منه ما شاء. قال سعيد بن جبير: عن ابن عباس: إن آدم لما أكل من الشجرة التي نهي عنها قال الله عز وجل: ما حملك على ما صنعت قال يا رب زينته لي حواء قال: فإني أعقبتها أن لا تحمل إلا كرها ولا تضع إلا كرها ودميتها (1) في الشهر مرتين، فرنت (2) حواء عند ذلك فقيل: عليك الرنة وعلى بناتك (3) فلما أكلا { تهافتت } (4) عنهما ثيابهما وبدت سوآتهما وأخرجا من الجنة، فذلك قوله تعالى: { وَقُلْنَا اهْبِطُوا } أي انزلوا إلى الأرض يعني آدم وحواء وإبليس والحية، فهبط آدم بسرنديب من أرض الهند على جبل يقال له نود، وحواء بجدة وإبليس بالأيلة والحية بأصفهان (5) { بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } أراد العداوة التي بين ذرية آدم والحية وبين المؤمنين من ذرية آدم وبين إبليس؛ قال الله تعالى: \"إن الشيطان لكما عدو مبين\"( 22-الأعراف ).\rأنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو الحسن بن بشران أنا إسماعيل بن محمد الصفار أنا أحمد بن محمد الصفار حدثنا منصور الرمادي أنا عبد الرزاق أنا معمر عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال عكرمة: لا أعلمه إلا رفع الحديث، أنه كان يأمر بقتل الحيات وقال: من تركهن خشية أو مخافة ثائر فليس منا (6) وزاد موسى بن مسلم عن عكرمة في الحديث: ما سالمناهن منذ حاربناهن [وروي أنه نهى عن ذوات البيوت، =روى عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: \"إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإن رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان\" (7) ] (8)\r__________\r(1) في ب: أدميتها.\r(2) صوتت.\r(3) أخرجه عن ابن عباس: الحاكم في المستدرك 2 / 381 وذكره الواحدي في الوسيط بسنده عن ابن عباس: 1 / 85-86، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 1 / 132 لابن منيع وابن أبي الدنيا في كتاب البكاء وابن المنذر وأبي الشيخ في العظمة والبيهقي في الشعب وابن عساكر عن ابن عباس.\r(4) في ب سقطت.\r(5) في ذلك آثار عن السدي والحسن بأسانيد لا تثبت. انظر: تفسير ابن كثير: 1 / 147 بتخريج الوادعي.\r(6) أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب قول الله تعالى: \"وبث فيهما من كل دابة\": 6 / 347 ومسلم في الحج، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب ... برقم (1198) عن ابن عمرو بروايات مختلفة: 2 / 856.\r(7) أخرجه مسلم في السلام - باب قتل الحيات وغيرها، برقم (2236): 4 / 1756 عن أبي سعيد بلفظ: \"إن بالمدينة نفرا من الجن قد أسلموا، فمن رأى شيئا من هذه العوامر فليؤذنه ثلاثا، فإن بدا له بعد فليقتله فإنه شيطان\".\r(8) زيادة من ب.","part":1,"page":84},{"id":85,"text":"قوله تعالى: { وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ } موضع قرار { وَمَتَاع } بلغة ومستمتع { إِلَى حِينٍ } إلى انقضاء آجالكم\r{ فَتَلَقَّى } تلقى والتلقي: هو قبول عن فطنة وفهم، وقيل: هو التعلم { آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ } قراءة العامة: آدم برفع الميم وكلمات بخفض التاء. قرأ ابن كثير: آدم بالنصب، كلمات برفع التاء يعني جاءت الكلمات آدم من ربه، وكانت سبب توبته. واختلفوا في تلك الكلمات قال سعيد بن جبير ومجاهد والحسن: هي قوله \"ربنا ظلمنا أنفسنا\" الآية.\rوقال مجاهد ومحمد بن كعب القرظي: هي قوله لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت { التواب الرحيم } (1) . لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب عملت سوءا وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين (2) وقال عبيد بن عمير: هي أن آدم قال يا رب أرأيت ما أتيت أشيء ابتدعته من تلقاء نفسي أم شيء قدرته علي قبل أن تخلقني؟ قال الله تعالى: لا بل شيء قدرته عليك قبل أن أخلقك. قال يا رب فكما قدرته قبل أن تخلقني فاغفر لي (3) .\rوقيل: هي ثلاثة أشياء الحياء والدعاء والبكاء، قال ابن عباس بكى آدم وحواء على ما فاتهما من نعيم الجنة مائتي سنة، ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يوما، ولم يقرب آدم 10/أ حواء مائة سنة، وروى المسعودي عن يونس بن خباب وعلقمة بن مرثد قالوا: لو أن دموع جميع أهل الأرض جمعت { لكانت } (4) دموع داود أكثر حيث أصاب الخطيئة ولو أن دموع داود ودموع أهل الأرض جمعت لكانت دموع آدم أكثر حيث أخرجه الله من الجنة قال شهر بن حوشب: بلغني أن آدم لما { هبط } (5) إلى الأرض مكث ثلاثمائة سنة لا يرفع رأسه حياء من الله تعالى (6)\r__________\r(1) في ب الغفور.\r(2) قال ابن جرير الطبري، رحمه الله، بعد أن ساق الأقوال ونسبها لقائليها: \"وهذه الأقوال التي حكيناها عمن حكيناها عنه، وإن كانت مختلفة الألفاظ، فإن معانيها متفقة في أن الله جل ثناؤه لقى آدم كلمات، فتلقاهن آدم من ربه فقبلهن وعمل بهن، وتاب، =بقيله إياهن وعمله بهن، إلى الله من خطيئته، معترفا بذنبه متنصلا إلى ربه من خطيئته، نادما على ما سلف منه من خلاف أمره، فتاب الله عليه بقبوله الكلمات التي تلقاهن منه، وندمه على ما سالف الذنب منه. والذي يدل عليه كتاب الله: أن الكلمات التي تلقاهن آدم من ربه، هن الكلمات التي أخبر الله عنه أنه قالها متنصلا بقيلها إلى ربه، معترفا بذنبه، وهو قوله \"ربنا ظلمنا أنفسنا\" وليس ما قاله من خالف قولنا هذا - من الأقوال التي حكيناها - بمدفوع قوله، ولكنه قول لا شاهد عليه من حجة يجب التسليم لها، فيجوز لنا إضافته إلى آدم، وأنه مما تلقاه من ربه عند إنابته إليه من ذنبه\" تفسير الطبري: 1 / 546، وانظر: التفسير الوسيط للواحدي 1 / 87، ابن كثير: 1 / 149. الإسرائيليات والموضوعات للشيخ محمد أبو شهبة ص254.\r(3) انظر: تفسير ابن كثير: 1 / 149، الطبري: 1 / 545، الوسيط للواحدي: 1 / 87.\r(4) في (أ) لكان.\r(5) في (ب) أهبط.\r(6) انظر: الدر المنثور: 1 / 141-142.","part":1,"page":85},{"id":86,"text":"قوله: { فَتَابَ عَلَيْهِ } فتجاوز عنه { إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ } يقبل توبة عباده { الرَّحِيم } بخلقه.","part":1,"page":86},{"id":87,"text":"{ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) }\rوقوله تعالى: { قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا } يعني هؤلاء الأربعة. وقيل: الهبوط الأول من الجنة إلى السماء الدنيا والهبوط { الآخر } (1) من السماء الدنيا إلى الأرض { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ } أي فإن يأتكم يا ذرية آدم { مِنِّي هُدًى } أي رشد وبيان شريعة، وقيل كتاب ورسول { فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } قرأ يعقوب: فلا خوف بالفتح في كل القرآن والآخرون بالضم والتنوين فلا خوف عليهم فيما [يستقبلون هم] (2) { وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } على ما خلفوا. وقيل: لا خوف عليهم في الدنيا ولا هم يحزنون في الآخرة\r{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا }( يعني جحدوا ) (3) { وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا } بالقرآن { أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ } يوم القيامة { هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } لا يخرجون منها ولا يموتون فيها.\rقوله تعالى: { يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ } يا أولاد يعقوب. ومعنى إسرائيل: عبد الله، \"وإيل\" هو الله تعالى، وقيل صفوة الله، وقرأ أبو جعفر: إسرائيل بغير همز { اذْكُرُوا } احفظوا، والذكر: يكون بالقلب ويكون باللسان وقيل: أراد به الشكر، وذكر بلفظ الذكر لأن في الشكر ذكرا وفي الكفران نسيانا، قال الحسن: ذكر النعمة شكرها { نِعْمَتِيَ } أي: نعمي، لفظها واحد ومعناها جمع (4) كقوله تعالى \"وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها\"( 34-إبراهيم ) { الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } أي على أجدادكم وأسلافكم. قال قتادة: هي النعم التي خصت بها بنو إسرائيل: من فلق البحر وإنجائهم من فرعون بإغراقه وتظليل الغمام عليهم في التيه، وإنزال المن والسلوى وإنزال التوراة، في نعم كثيرة لا تحصى، وقال غيره: هي جميع النعم التي لله عز وجل\r__________\r(1) في ب: الثاني.\r(2) في ب فيما يستقبلهم.\r(3) زيادة من (ب).\r(4) انظر: تفسير الواحدي 1 / 90، القرطبي: 1 / 331.","part":1,"page":86},{"id":88,"text":"على عباده { وَأَوْفُوا بِعَهْدِي } أي بامتثال أمري { أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } بالقبول والثواب.\rقال قتادة ومجاهد: أراد بهذا العهد ما ذكر في سورة المائدة \"ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم حفظ اثني عشر نقيبا إلى أن قال -لأكفرن عنكم سيئاتكم\"( 12-المائدة ) فهذا قوله: \"أوف بعهدكم\". وقال الحسن هو قوله \"وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة\"( 63-البقرة ) فهو شريعة التوراة، وقال مقاتل هو قوله \"وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله\"( 83-البقرة ) وقال الكلبي: عهد الله إلى بني إسرائيل على لسان موسى: إني باعث من بني إسماعيل نبيا أميا فمن اتبعه وصدق بالنور الذي يأتي به غفرت له ذنبه وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين اثنين: وهو قوله: \"وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس\"( 187-آل عمران ) يعني أمر محمد صلى الله عليه وسلم.\r{ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } فخافوني في نقض العهد. وأثبت يعقوب الياءآت المحذوفة في الخط مثل فارهبوني، فاتقوني، واخشوني، والآخرون يحذفونها على الخط\r{ وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ } يعني القرآن { مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ } أي موافقا لما معكم يعني: التوراة، في التوحيد والنبوة والأخبار ونعت النبي صلى الله عليه وسلم، نزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه من علماء اليهود ورؤسائهم (1) { وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } أي بالقرآن يريد من أهل الكتاب، لأن قريشا كفرت قبل اليهود بمكة، معناه: ولا تكونوا أول من كفر بالقرآن فيتابعكم اليهود على ذلك فتبوؤا بآثامكم وآثامهم { وَلا تَشْتَرُوا } أي: ولا تستبدلوا { بِآيَاتِي } ببيان صفة محمد صلى الله عليه وسلم { ثَمَنًا قَلِيلا } أي عرضا يسيرا من الدنيا وذلك أن رؤساء اليهود وعلماءهم كانت لهم مآكل يصيبونها من سفلتهم وجهالهم يأخذون منهم كل عام شيئا معلوما من زروعهم وضروعهم ونقودهم فخافوا إن هم بينوا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وتابعوه أن تفوتهم تلك المآكل فغيروا نعته وكتموا اسمه فاختاروا الدنيا على الآخرة { وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ } فاخشوني\r{ وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ } أي لا تخلطوا، يقال: لبس الثوب يلبس لبسا، ولبس عليه الأمر يلبس لبسا أي خلط. يقول: لا تخلطوا الحق الذي، أنزلت عليكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم بالباطل الذي تكتبونه بأيديكم من تغيير صفة محمد صلى الله عليه وسلم.\rوالأكثرون على أنه أراد: لا تلبسوا الإسلام باليهودية والنصرانية (2) .\rوقال مقاتل: إن اليهود أقروا ببعض صفة محمد صلى الله عليه وسلم وكتموا بعضا ليصدقوا في ذلك فقال: ولا تلبسوا الحق الذي تقرون به بالباطل يعني بما تكتمونه، فالحق: بيانهم، والباطل: كتمانهم وتكتموا الحق أي لا تكتموه، يعني: نعت محمد صلى الله عليه وسلم.\r__________\r(1) انظر: تفسير الواحدي: 1 / 92.\r(2) عن قتادة قال: لا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام وأنتم تعلمون أن دين الله الإسلام، وأن اليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله. انظر: الدر المنثور: 1 / 155، واقرأ بحثا بعنوان \"إن الدين عند الله الإسلام\" في العدد (16) من مجلة البحوث الإسلامية. الصادرة عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض.","part":1,"page":87},{"id":89,"text":"{ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أنه نبي مرسل\r{ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ } يعني الصلوات الخمس بمواقيتها وحدودها { وَآتُوا الزَّكَاةَ } أدوا زكاة أموالكم المفروضة. والزكاة مأخوذة من زكا الزرع إذا نما وكثر. وقيل: من تزكى أي تطهر، وكلا المعنيين موجود في الزكاة، لأن فيها تطهيرا وتنمية للمال { وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ } أي صلوا مع المصلين: محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وذكر بلفظ الركوع لأنه ركن من أركان الصلاة، ولأن صلاة اليهود لم يكن فيها ركوع، فكأنه قال: صلوا صلاة ذات ركوع، قيل: إعادته بعد قوله { وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ } لهذا، أي صلوا مع الذين في صلاتهم ركوع، فالأول مطلق في حق الكل، وهذا في حق أقوام مخصوصين. وقيل: هذا حث على إقامة الصلاة جماعة كأنه قال لهم: صلوا مع المصلين الذين سبقوكم بالإيمان.\r{ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (44) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (48) }\r{ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ } أي بالطاعة، نزلت في علماء اليهود، وذلك أن الرجل منهم كان يقول لقريبه وحليفه من المسلمين إذا سأله عن أمر محمد صلى الله عليه وسلم: اثبت على دينه فإن أمره حق وقوله صدق. وقيل: هو خطاب لأخبارهم حيث أمروا أتباعهم بالتمسك بالتوراة، ثم خالفوا وغيروا نعت محمد صلى الله عليه وسلم { وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ } أي تتركون أنفسكم فلا تتبعونه { وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ } تقرءون التوراة فيها نعته وصفته { أَفَلا تَعْقِلُونَ } أنه حق فتتبعونه؟.\rوالعقل مأخوذ من عقال الدابة، وهو ما يشد به ركبة البعير فيمنعه من الشرود، فكذلك العقل يمنع صاحبه من الكفر والجحود.\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو عمرو بكر بن محمد المزني أنا أبو بكر محمد بن عبد الله حفيد العباس بن حمزة أنا الحسين بن الفضل البجلي أنا عفان أنا حماد بن سلمة أنا علي بن زيد عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون","part":1,"page":88},{"id":90,"text":"الكتاب\" (1)\rأخبرنا عبد الواحد 10/ب الميلحي أنا أحمد عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا علي بن عبد الله أنا سفيان عن الأعمش عن أبي وائل قال: قال أسامة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه( أي تنقطع أمعاؤه ) في النار فيدور كما يدور الحمار برحاه (2) فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان ما شأنك أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه\" وقال شعبة عن الأعمش \"فيطحن فيها كما يطحن الحمار برحاه\" (3) .\r{ وَاسْتَعِينُوا } على ما يستقبلكم من أنواع البلاء وقيل: على طلب الآخرة { بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ } أراد حبس النفس عن المعاصي. وقيل: أراد: الصبر على أداء الفرائض، وقال مجاهد: الصبر الصوم، ومنه سمي شهر رمضان شهر الصبر، وذلك لأن الصوم يزهده في الدنيا، والصلاة ترغبه في الآخرة، وقيل: الواو بمعنى على، أي: واستعينوا بالصبر على الصلاة، كما قال الله تعالى: \"وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها\"( 132-طه ) { وَإِنَّهَا } يقل وإنهما ردا للكناية إلى كل واحد منهما أي وإن كل خصلة منهما. كما قال: \"كلتا الجنتين آتت أكلها\"( 33-الكهف ) أي كل واحدة منهما. وقيل: معناه { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ } وإنه لكبير وبالصلاة وإنها لكبيرة، فحذف أحدهما اختصارا، وقال المؤرج (4) رد الكناية إلى الصلاة لأنها أعم كقوله تعالى: \"والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها\"( 34-التوبة ) رد الكناية إلى الفضة لأنها أعم. وقيل: رد الكناية إلى الصلاة لأن الصبر داخل فيها. كما قال الله تعالى: \"والله ورسوله أحق أن يرضوه\"( 62-التوبة ) ولم يقل يرضوهما لأن رضا الرسول داخل في رضا الله تعالى.\rوقال الحسين بن الفضل: رد الكناية إلى الاستعانة { لَكَبِيرَةٌ } أي: لثقيلة { إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ }\r__________\r(1) أخرجه أحمد عن أنس بن مالك: 3 / 120 و231 و239. وابن حبان برقم (35) من موارد الظمآن والمصنف في شرح السنة: 14 / 353 وقال: هذا حديث حسن. وفي سنده علي بن زيد بن جدعان: ضعيف (التقريب: 2 / 37 ميزان الاعتدال: 3 / 128) وباقي رجاله ثقات. وأخرجه ابن حبان من طريق أخرى لا بأس بها فيتقوى بها الحديث. وأخرجه الواحدي في التفسير الوسيط: 1 / 96 باختلاف يسير عن أنس أيضا.\r(2) الرحى: الطاحون.\r(3) رواه البخاري: في بدء الخلق - باب صفة النار وأنها مخلوقة: 6 / 331. ومسلم: في الزهد - باب عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله برقم (2989) 4 / 2290 - 2291. والمصنف في شرح السنة: 14 / 352.\r(4) مؤرج السدوسي: مؤرج بن عمرو بن الحارث من بني سدوس بن شيبان أبو فيد عالم بالعربية والأنساب من أعيان أصحاب الخليل بن أحمد من أهل البصرة كان له اتصال بالمأمون العباسي ورحل معه إلى خراسان فسكن مدة بمرو وانتقل إلى نيسابور من كتبه: جماهير القبائل وحذف نسب قريش، وغريب القرآن، وكتاب الأمثال، والمعاني (الأعلام: 7 / 318).","part":1,"page":89},{"id":91,"text":"يعني: المؤمنين، وقال الحسن: الخائفين وقيل: المطيعين وقال مقاتل بن حيان: المتواضعين، وأصل الخشوع السكون قال الله تعالى: \"وخشعت الأصوات للرحمن\"( 108-طه ) فالخاشع ساكن إلى طاعة الله تعالى.\r{ الَّذِينَ يَظُنُّونَ } يستيقنون [أنهم مبعوثون وأنهم محاسبون وأنهم راجعون إلى الله تعالى، أي: يصدقون بالبعث، وجعل رجوعهم بعد الموت إلى المحشر رجوعا إليه] (1) .\rوالظن من الأضداد يكون شكا ويقينا وأملا كالرجاء يكون خوفا وأملا وأمنا { أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ } معاينو { رَبِّهِم } في الآخرة وهو رؤية الله تعالى وقيل: المراد من اللقاء الصيرورة إليه { وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } فيجزيهم بأعمالهم.\r{ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } أي عالمي زمانكم، وذلك التفضيل وإن كان في حق الآباء، لكن يحصل به الشرف للأبناء\r{ وَاتَّقُوا يَوْمًا } واخشوا عقاب يوم { لا تَجْزِي نَفْسٌ } لا تقضي نفس { عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا } أي حقا لزمها وقيل: لا تغني، وقيل: لا تكفي شيئا من الشدائد { وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ } قرأ ابن كثير ويعقوب بالتاء لتأنيث الشفاعة، وقرأ الباقون بالياء لأن الشفع والشفاعة بمعنى واحد كالوعظ والموعظة، فالتذكير على المعنى، والتأنيث على اللفظ، كقوله تعالى: \"قد جاءتكم موعظة من ربكم\"( 57-يونس ) وقال في موضع آخر \"فمن جاءه موعظة من ربه\"( 275-البقرة ) أي لا تقبل منها شفاعة إذا كانت كافرة { وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } أي فداء وسمي به لأنه مثل المفدي. والعدل: المثل { وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ } يمنعون من عذاب الله.\r__________\r(1) ساقط من ب.","part":1,"page":90},{"id":92,"text":"{ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) }\r{ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ } يعني: أسلافكم وأجدادكم فاعتدها منة عليهم لأنهم نجوا بنجاتهم { مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ } أتباعه وأهل دينه، وفرعون هو الوليد بن مصعب بن الريان وكان من القبط العماليق وعمر أكثر من أربعمائة سنة { يَسُومُونَكُم } يكلفونكم ويذيقونكم، { سُوءَ الْعَذَابِ } أشد العذاب وأسوأه وقيل: يصرفونكم في العذاب مرة هكذا ومرة هكذا كالإبل السائمة في البرية، وذلك أن فرعون جعل بني","part":1,"page":90},{"id":93,"text":"إسرائيل خدما وخولا (1) وصنفهم في الأعمال فصنف يبنون، وصنف يحرثون ويزرعون، وصنف يخدمونه، ومن لم يكن منهم في عمل وضع عليه الجزية.\rوقال وهب: كانوا أصنافا في أعمال فرعون، فذوو القوة ينحتون السواري (2) من الجبال حتى قرحت (3) أعناقهم وأيديهم ودبرت (4) ظهورهم من قطعها ونقلها، وطائفة ينقلون الحجارة، وطائفة يبنون له القصور، وطائفة منهم يضربون اللبن ويطبخون الآجر، وطائفة نجارون وحدادون، والضعفة منهم يضرب عليهم الخراج ضريبة يؤدونها كل يوم، فمن غربت عليه الشمس قبل أن يؤدي ضريبته غلت يمينه إلى عنقه شهرا، والنساء يغزلن الكتان وينسجن، وقيل: تفسيره ذكرما بعده: { يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ } مذكور على وجه البدل من قوله -يسومونكم سوء العذاب { وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ } يتركونهن أحياء، وذلك أن فرعون رأى في منامه كأن نارا أقبلت من بيت المقدس وأحاطت بمصر وأحرقت كل قبطي فيها ولم تتعرض لبني إسرائيل فهاله ذلك وسأل الكهنة عن رؤياه؟ فقالوا: يولد في بني إسرائيل غلام يكون على يده هلاكك وزوال ملكك، فأمر فرعون بقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل وجمع القوابل فقال لهن: لا يسقطن على أيديكن غلام من بني إسرائيل إلا قتل ولا جارية إلا تركت، ووكل بالقوابل، فكن يفعلن ذلك حتى قيل: إنه قتل في بني إسرائيل اثنى عشر ألف صبي في طلب موسى. وقال وهب: بلغني أنه ذبح في طلب موسى عليه السلام تسعين ألف وليد. قالوا: وأسرع الموت في =مشيخة بني إسرائيل فدخل رءوس القبط على فرعون وقالوا: إن الموت قد وقع في بني إسرائيل أفتذبح صغارهم ويموت كبارهم فيوشك أن يقع العمل علينا؟ فأمر فرعون أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة، فولد هارون في السنة التي لا يذبحون فيها، وموسى في السنة التي يذبحون فيها.\r{ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ } قيل: البلاء المحنة، أي في سومهم إياكم سوء العذاب محنة عظيمة، وقيل: البلاء النعمة أي في إنجائي إياكم منهم نعمة عظيمة، فالبلاء يكون بمعنى النعمة وبمعنى الشدة، فالله تعالى قد يختبر على النعمة بالشكر، وعلى الشدة بالصبر وقال: الله تعالى \"ونبلوكم بالشر والخير فتنة\"( 35-الأنبياء ).\r{ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ } قيل: معناه فرقنا لكم وقيل: فرقنا البحر بدخولكم إياه وسمي البحر بحرا لاتساعه، ومنه قيل للفرس: بحر إذا اتسع في جريه، وذلك أنه لما دنا هلاك فرعون أمر الله تعالى موسى عليه السلام أن يسري ببني إسرائيل من مصر ليلا فأمر موسى قومه أن يسرجوا في بيوتهم إلى الصبح،\r__________\r(1) هم حشم الرجل وأتباعه، واحدهم خائل: وهو مأخوذ من التخويل: التمليك، وقيل من الرعاية.\r(2) الاسطوانات.\r(3) جرحت.\r(4) دبرت ظهورهم، مأخوذ من دبرت الدابة: قرحت ظهرها.","part":1,"page":91},{"id":94,"text":"وأخرج الله تعالى كل ولد زنا في القبط من بني إسرائيل إليهم، وكل ولد زنا في بني إسرائيل 11/أ من القبط إلى القبط حتى رجع كل إلى أبيه، وألقى الله الموت على القبط فمات كل بكر لهم واشتغلوا بدفنهم حتى أصبحوا وطلعت الشمس، وخرج موسى عليه السلام في ستمائة ألف وعشرين ألف مقاتل، لا يعدون ابن العشرين لصغره، ولا ابن الستين لكبره، وكانوا يوم دخلوا مصر مع يعقوب اثنين وسبعين إنسانا ما بين رجل وامرأة.\rوعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان أصحاب موسى ستمائة ألف وسبعين ألفا (1) .\rوعن عمرو بن ميمون قال: كانوا ستمائة ألف فلما أرادوا السير ضرب عليهم التيه فلم يدروا أين يذهبون فدعا موسى =مشيخة بني إسرائيل وسألهم عن ذلك فقالوا: إن يوسف عليه السلام لما حضره الموت أخذ على إخوته عهدا أن لا يخرجوا من مصر حتى يخرجوه معهم فلذلك انسد علينا الطريق، فسألهم عن موضع قبره فلم يعلموا فقام موسى ينادي: أنشد الله كل من يعلم أين موضع قبر يوسف عليه السلام ألا أخبرني به؟ ومن لم يعلم به فصمت أذناه عن قولي! وكان يمر بين الرجلين ينادي فلا يسمعان صوته حتى سمعته عجوز لهم فقالت: أرأيتك إن دللتك على قبره أتعطيني كل ما سألتك؟ فأبى عليها وقال: حتى أسأل ربي( فأمره ) (2) الله تعالى بإيتائها سؤلها فقالت: إني عجوز كبيرة لا أستطيع المشي فاحملني وأخرجني من مصر، هذا في الدنيا وأما في الآخرة فأسألك أن لا تنزل غرفة من الجنة إلا نزلتها معك قال: نعم قالت: إنه في جوف الماء في النيل فادع الله حتى يحسر عنه الماء، فدعا الله تعالى فحسر عنه الماء، ودعا أن يؤخر طلوع الفجر إلى أن يفرغ من أمر يوسف عليه السلام، فحفر موسى عليه السلام ذلك الموضع واستخرجه في صندوق من مرمر، وحمله حتى دفنه بالشام، ففتح لهم الطريق فساروا وموسى عليه السلام على ساقتهم (3) وهارون على مقدمتهم، ونذر (4) بهم فرعون فجمع قومه وأمرهم\r__________\r(1) نقل ابن خلدون في مقدمة تاريخه أن المسعودي وكثيرا من المؤرخين ذكروا أن موسى عليه السلام أحصى بني إسرائيل في التيه، بعد أن أجاز من يطيق حمل السلاح خاصة، من ابن عشرين فما فوقها فكانوا ستمائة ألف ويزيدون. ثم فند ذلك لجملة أسباب: أ- إن في ذلك ذهولا عن تقدير مصر والشام واتساعهما لمثل هذا العدد من الجيوش، لكل مملكة من الممالك حصة من الحامية تتسع لها وتقوم بوظائفها وتضيق عما فوقها، تشهد بذلك العوائد المعروفة والأحوال المألوفة. ب- ثم إن مثل هذه الجيوش البالغة إلى مثل هذا العدد يبعد أن يقع بينها زحف أو قتال لضيق ساحة الأرض عنها، وبعدها، إذا اصطفت، عن مدى البصر مرتين أو ثلاثا أو أزيد، فكيف يقتتل هذان الفريقان أو تكون غلبة أحد الصفين؟ وشيء من جوانبه لا يشعر بالجانب الآخر؟. ح- وأيضا: فلو بلغ بنو إسرائيل مثل هذا العدد لا تسع نطاق ملكهم وانفسخ مدى دولتهم. د- وأيضا فالذي بين موسى وإسرائيل إنما هو أربعة آباء على ما ذكره المحققون، والمدة بينهما على ما نقله المسعودي مائتان وعشرين سنة، ويبعد أن يتشعب النسل في أربعة =أجيال مثل هذا العدد. انظر: مقدمة ابن خلدون، 1 / 13-16، طبعة دار الكتاب العربي.\r(2) في الأصل: فأمر.\r(3) على مؤخرتهم: أي يقدمهم أمامه ويمشي خلفهم تواضعا.\r(4) أي: علم.","part":1,"page":92},{"id":95,"text":"أن لا يخرجوا في طلب بني إسرائيل حتى يصيح الديك، فوالله ما صاح ديك تلك الليلة، فخرج فرعون في طلب بني إسرائيل وعلى مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف، وكان فيهم سبعون ألفا من دهم الخيل سوى سائر الشيات (1) [وقال محمد بن كعب رضي الله عنه: كان في عسكر فرعون مائة ألف حصان أدهم سوى سائر الشيات (2) ] (3) وكان فرعون يكون في الدهم (4) وقيل: كان فرعون في سبعة آلاف ألف، وكان بين يديه مائة ألف ناشب، ومائة ألف أصحاب حراب، ومائة ألف أصحاب الأعمدة، فسارت بنو إسرائيل حتى وصلوا إلى البحر والماء في غاية الزيادة فنظروا فإذا هم بفرعون حين أشرقت الشمس فبقوا متحيرين فقالوا: يا موسى كيف نصنع؟ وأين ما وعدتنا؟ هذا فرعون خلفنا إن أدركنا قتلنا! والبحر أمامنا إن دخلناه غرقنا؟ قال الله تعالى: \"فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال موسى كلا إن معي ربي سيهدين\"( 61-62 الشعراء ).\rفأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه فلم يطعه فأوحى الله إليه أنْ كَنِّه فضربه وقال: انفلق يا أبا خالد بإذن الله تعالى، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، وظهر فيه اثنا عشر طريقا لكل سبط طريق وارتفع الماء بين كل طريقين كالجبل وأرسل الله الريح والشمس على قعر البحر حتى صار يبسا فخاضت بنو إسرائيل البحر، كل سبط في طريق، وعن جانبيهم الماء كالجبل الضخم ولا يرى بعضهم بعضا، فخافوا وقال كل سبط: قد قتل إخواننا فأوحى الله تعالى إلى جبال الماء: أن تشبكي، فصار الماء شبكات كالطبقات يرى بعضهم بعضا ويسمع بعضهم كلام بعض حتى عبروا البحر سالمين فذلك قوله تعالى \"وإذ فرقنا بكم البحر\" .\r{ فَأَنْجَيْنَاكُم } من آل فرعون والغرق { وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ } وذلك أن فرعون لما وصل إلى البحر فرآه منغلقا قال لقومه: انظروا إلى البحر انفلق من هيبتي حتى أدرك عَبِيدِي الذين أَبَقُوا ادخلوا البحر فهاب قومه أن يدخلوه وقيل: قالوا له إن كنت ربا فادخل البحر كما دخل موسى، وكان فرعون على حصان أدهم ولم يكن في خيل فرعون فرسى أنثى فجاء جبريل على فرس أنثى وديق (5) فتقدمهم وخاض البحر فلما شم أدهم فرعون ريحها اقتحم البحر في أثرها وهم لا يرونه ولم يملك فرعون من أمره شيئا وهو لا يرى فرس جبريل واقتحمت الخيول جملة خلفه في البحر، وجاء ميكائيل على فرس خلف القوم يشحذهم ويسوقهم حتى لا يشذ رجل منهم ويقول لهم: الحقوا بأصحابكم حتى خاضوا كلهم البحر، وخرج جبريل من\r__________\r(1) جمع الشية: وهي كل لون يخالف معظم لون الفرس.\r(2) هذه الأخبار من الإسرائيليات، لا يعتمد عليها في تفسير كتاب الله تعالى، ولا يتوقف فهمه عليها، والأولى أن نضرب عنها صفحا.\r(3) ساقطة من (أ).\r(4) هو العدد الكثير، وهو أيضا: الخيل السوداء.\r(5) فرس وديق: مريدة للفحل، تشتهيه. وقد أورد الطبري في تفسيره هذه الرواية وفي تاريخه أيضا.","part":1,"page":93},{"id":96,"text":"البحر، وهم أولهم بالخروج فأمر الله تعالى البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم وغرقهم أجمعين، وكان بين طرفي البحر أربعة فراسخ وهو بحر قلزم، طرف من بحر فارس، قال قتادة: بحر من وراء مصر يقال له إساف، وذلك بمرأى من بني إسرائيل فذلك قوله تعالى: { وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } إلى مصارعهم وقيل: إلى إهلاكهم.\r{ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) }\r{ وَإِذْ وَاعَدْنَا } من المفاعلة التي تكون من الواحد كقولهم: عافاك الله، وعاقبت اللص، وطارقت النعل. وقال الزجاج: كان من الله الأمر ومن موسى القبول. فلذلك ذكر بلفظ المواعدة، وقرأ أهل البصرة( وإذ وعدنا ) من الوعد { مُوسَى } اسم عبري عرب \"ومو\" بالعبرانية الماء \"وشى\" الشجرة، سمي به لأنه أخذ من بين الماء والشجر، ثم قلبت الشين المعجمة سينا في العربية { أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } أي انقضاؤها: ثلاثين من ذي القعدة وعشر من ذي الحجة، وقرن التاريخ بالليل دون النهار لأن شهور العرب وضعت على سير القمر، والهلال إنما يهل بالليل وقيل: لأن الظلمة أقدم من الضوء، وخلق الليل قبل النهار، قال الله تعالى: \"وآية لهم الليل نسلخ منه النهار\"( 37-يس ) وذلك أن بني إسرائيل لما أمنوا من عدوهم ودخلوا مصر (1) لم يكن لهم كتاب ولا شريعة ينتهون إليهما، فوعد الله موسى أن ينزل عليه التوراة فقال موسى لقومه: إني ذاهب لميقات ربكم آتيكم بكتاب فيه بيان ما تأتون وما تذرون، وواعدهم أربعين ليلة، ثلاثين من ذي القعدة وعشرا من ذي الحجة، واستخلف عليهم أخاه هارون فلما أتى الوعد جاء جبريل على فرس يقال له فرس الحياة لا يصيب شيئا إلا حيي ليذهب بموسى إلى ربه، فلما رآه السامري وكان رجلا صائغا من أهل باجرمي واسمه ميخا -وقال سعيد بن جبير: كان من أهل كرمان، وقال ابن عباس: اسمه موسى بن مظفر (2) وقال قتادة: كان من بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة -وكان منافقا أظهر الإسلام، وكان من قوم يعبدون البقر، فلما رأى جبرائيل على ذلك الفرس ورأى\r__________\r(1) والوجه أن يقال: ودخلوا الأرض المقدسة.\r(2) في ب: ظفر.","part":1,"page":94},{"id":97,"text":"مواضع قدم الفرس تخضر في الحال قال: إن لهذا شأنا فأخذ قبضة من تربة حافر فرس جبرائيل عليه السلام. قال عكرمة: ألقي في روعه أنه إذا ألقي في شيء غيره، وكانت بنو إسرائيل قد استعاروا حليا كثيرة من قوم فرعون حين أرادوا الخروج من مصر بعلة عرس لهم، فأهلك الله فرعون وبقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل، فلما فصل موسى قال السامري لبني إسرائيل: إن الحلي التي استعرتموها من قوم فرعون غنيمة لا تحل لكم، فاحفروا حفرة وادفنوها فيها حتى يرجع موسى فيرى فيها رأيه.\rوقال السدي: إن هارون عليه السلام أمرهم أن يلقوها في حفيرة، حتى يرجع موسى ففعلوا، 11/ب فلما اجتمعت الحلي صاغها السامري عجلا في ثلاثة أيام ثم ألقى فيها القبضة التي أخذها من تراب فرس جبرائيل عليه السلام، فخرج عجلا من ذهب مرصعا بالجواهر كأحسن ما يكون، وخار خورة، وقال السدي: كان يخور ويمشي فقال السامري \"هذا إلهكم وإله موسى فنسي\"( 88-طه ) أي فتركه هاهنا وخرج يطلبه.\rوكانت بنو إسرائيل قد أخلفوا الوعد فعدوا اليوم من الليلة يومين فلما مضت عشرون يوما ولم يرجع موسى وقعوا في الفتنة.\rوقيل: كان موسى قد وعدهم ثلاثين ليلة ثم زيدت العشرة فكانت فتنتهم في تلك العشرة فلما مضت الثلاثون ولم يرجع موسى ظنوا أنه قد مات ورأوا العجل وسمعوا قول السامري عكف ثمانية آلاف رجل منهم على العجل يعبدونه وقيل: كلهم عبدوه إلا هارون مع اثنى عشر ألف رجل، وهذا أصح، وقال الحسن: كلهم عبدوه إلا هارون وحده فذلك قوله تعالى { ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ } أي إلها { مِنْ بَعْدِهِ } أظهر ابن كثير وحفص الذال من أخذت واتخذت والآخرون يدغمونها { وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ } ضارون لأنفسكم بالمعصية واضعون العبادة في غير موضعها\r{ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ } محونا ذنوبكم { مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ } بعد عبادتكم العجل { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } لكي تشكروا عفوي عنكم وصنيعي إليكم، قيل: الشكر هو الطاعة بجميع الجوارح في السر والعلانية قال الحسن: شكر النعمة ذكرها قال الله تعالى \"وأما بنعمة ربك فحدث\"( 11-الضحى ) قال الفضيل: شكر كل نعمة أن لا يعصي الله بعد تلك النعمة. وقيل: حقيقة الشكر العجز عن الشكر.\rحكي أن موسى عليه السلام قال: إلهي أنعمت علي النعم السوابغ، وأمرتني بالشكر وإنما شكري إياك نعمة منك، قال الله تعالى: يا موسى تعلمت العلم الذي لا يفوقه شيء من علم، حسبي من عبدي أن يعلم أن ما به من نعمة فهو مني، وقال داود عليه السلام: سبحان من جعل اعتراف العبد بالعجز عن شكره شكرا، كما جعل اعترافه بالعجز عن معرفته معرفة.\rقوله تعالى: { وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ } يعني التوراة { وَالْفُرْقَان } قال مجاهد: هو التوراة أيضا","part":1,"page":95},{"id":98,"text":"ذكرها باسمين، وقال الكسائي: الفرقان نعت الكتاب والواو زائدة، يعني: الكتاب المفرق بين الحلال والحرام، وقال يمان بن ربان: أراد بالفرقان انفراق البحر كما قال \"وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم\" { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } بالتوراة.\r{ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِه } الذين عبدوا العجل { يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ } ضررتم بأنفسكم { بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ } إلها قالوا: فأي شيء نصنع؟ قال: { فَتُوبُوا } فارجعوا { إِلَى بَارِئِكُمْ } خالقكم قالوا: كيف نتوب؟ قال { فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } يعني ليقتل البريء منكم المجرم { ذَلِكُم } أي القتل { خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ } فلما أمرهم موسى بالقتل قالوا: نصبر لأمر الله فجلسوا بالأفنية (1) محتبين (2) وقيل لهم: من مد حبوته أو مد طرفه إلى قاتله أو اتقاه بيد أو رجل فهو ملعون مردودة توبته، وأصلت القوم عليهم الخناجر، فكان الرجل يرى ابنه وأباه وأخاه وقريبه وصديقه وجاره فلم يمكنهم المضي لأمر الله تعالى، قالوا: يا موسى كيف نفعل؟ فأرسل الله تعالى عليهم ضبابة وسحابة سوداء لا يبصر بعضهم بعضا فكانوا يقتلونهم إلى المساء، فلما كثر القتل دعا موسى وهارون عليهما السلام وبكيا وتضرعا وقالا يا رب هلكت بنو إسرائيل، البقية البقية، فكشف الله تعالى السحابة وأمرهم أن يكفوا عن القتل فتكشفت عن ألوف من القتلى.\rيروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: كان عدد القتلى سبعين ألفا فاشتد ذلك على موسى فأوحى الله تعالى إليه: أما يرضيك أن أدخل القاتل والمقتول الجنة، فكان من قتل منهم شهيدا ومن بقي مكفرا عنه ذنوبه، فذلك قوله تعالى { فَتَابَ عَلَيْكُمْ } أي ففعلتم ما أمرتم به فتاب عليكم فتجاوز عنكم { إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ } القابل التوبة { الرَّحِيم } بخلقه.\r{ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) }\rقوله تعالى: { وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } وذلك أن الله تعالى أمر موسى عليه السلام أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، فاختار موسى سبعين رجلا\r__________\r(1) جمع فناء: وهو سعة أمام البيت، وقيل ما امتد من جوانبه.\r(2) الاحتباء: أن يجمع الرجل ظهره وساقيه بثوب أو غيره.","part":1,"page":96},{"id":99,"text":"من قومه من خيارهم، فقال لهم: صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم، ففعلوا، فخرج بهم موسى إلى طور سيناء لميقات ربه، فقالوا لموسى: اطلب لنا نسمع كلام ربنا، فقال لهم: أفعل، فلما دنا موسى إلى طور سيناء من الجبل وقع عليه عمود الغمام وتغشى الجبل كله، فدخل في الغمام وقال للقوم: ادنوا فدنوا حتى دخلوا في الغمام وخروا سجدا، وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على وجهه نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونهم الحجاب وسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه وأسمعهم الله: أني أنا الله لا إله إلا أنا ذو بكة (1) أخرجتكم من أرض مصر بيد شديدة فاعبدوني ولا تعبدوا غيري، فلما فرغ موسى وانكشف الغمام أقبل إليهم فقالوا: له \"لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة\" معاينة وذلك أن العرب تجعل العلم بالقلب رؤية، فقال جهرة ليعلم أن المراد منه العيان { فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ } أي الموت، وقيل: نار جاءت من السماء فأحرقتهم { وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } أي ينظر بعضكم إلى بعض حين أخذكم الموت. وقيل: تعلمون، والنظر يكون بمعنى العلم، فلما هلكوا جعل موسى يبكي ويتضرع ويقول: ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم؟ \"لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا\"( 155-الأعراف ) فلم يزل يناشد ربه حتى أحياهم الله تعالى رجلا بعد رجل بعد ما ماتوا يوما وليلة، ينظر بعضهم إلى بعض، كيف يحيون فذلك قوله تعالى\r{ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ } أحييناكم، والبعث: إثارة الشيء عن محله يقال: بعثت البعير وبعثت النائم فانبعث { مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ } قال قتادة: أحياهم ليستوفوا بقية آجالهم وأرزاقهم ولو ماتوا بآجالهم لم يبعثوا إلى يوم القيامة.\r{ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ } في التيه يقيكم حر الشمس، والغمام من الغم وأصله التغطية والستر سمي السحاب غماما لأنه يغطي وجه الشمس وذلك أنه لم يكن لهم في التيه كن يسترهم فشكوا إلى موسى فأرسل الله تعالى غماما أبيض رقيقا أطيب من غمام المطر، وجعل لهم عمودا من نور يضيء لهم الليل إذ لم يكن لهم قمر { وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى } أي في التيه، والأكثرون على أن المن هو الترنجبين، وقال مجاهد: هو شيء كالصمغ كان يقع على الأشجار طعمه كالشهد، وقال وهب: هو الخبز الرقاق، قال الزجاج: جملة المن ما يمن الله به من غير تعب.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف 12/أ أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو نعيم أنا سفيان عن عبد الملك هو ابن عمير عن عمرو بن حريث عن سعيد بن زيد رض الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين\" (2) .\r__________\r(1) ذو بكة: أي ذو قوة.\r(2) رواه البخاري: في تفسير سورة البقرة باب: وظللنا عليكم الغمام: 8 / 163 وفي تفسير سورة الأعراف وفي الطب. ومسلم: في الأشربة - باب: فضل الكمأة ومداواة العين بها برقم (2049) 3 / 1619. والمصنف في شرح السنة: 11 / 332-333.","part":1,"page":97},{"id":100,"text":"قالوا فكان هذا المن كل ليلة يقع على أشجارهم مثل الثلج، لكل إنسان منهم صاع، فقالوا: يا موسى قتلنا هذا المن بحلاوته فادع لنا ربك أن يطعمنا اللحم فأنزل الله تعالى عليهم السلوى وهو طائر يشبه السماني، وقيل هو السماني بعينه، بعث الله سحابة فمطرت السماني في عرض ميل وطول رمح في السماء، بعضه على بعض والسلوى: العسل، فكان الله ينزل عليهم المن والسلوى كل صباح من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فيأخذ كل واحد منهم ما يكفيه يوما وليلة وإذا كان يوم الجمعة أخذ كل واحد منهم ما يكفيه ليومين لأنه لم يكن ينزل يوم السبت.\r{ كُلُوا } أي: وقلنا لهم: كلوا { مِنْ طَيِّبَاتِ } حلالات { مَا رَزَقْنَاكُمْ } ولا تدخروا لغد، ففعلوا، فقطع الله ذلك عنهم، ودود وفسد ما ادخروا، فقال الله تعالى: { وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } أي وما بخسوا بحقنا، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون باستيجابهم عذابي، وقطع مادة الرزق الذي كان ينزل عليهم بلا مؤنة في الدنيا ولا حساب في العقبى.\rأخبرنا حسان بن سعيد المنيعي أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنا أحمد بن يوسف السلمي أنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه أنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم (1) ، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر\" (2)\r__________\r(1) ينتن.\r(2) رواه البخاري: في الأنبياء - باب: قول الله تعالى وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر: 6 / 430. مسلم: في الرضاع - باب لولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر برقم (1470) 2 / 1092. والمصنف في شرح السنة: 9 / 164.","part":1,"page":98},{"id":101,"text":"{ وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59) }\r{ وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ } سميت القرية قرية لأنها تجمع أهلها، ومنه المقراة: للحوض، لأنها تجمع الماء، قال ابن عباس رضي الله عنهما: هي أريحاء وهي قرية الجبارين كان فيها قوم من بقية عاد يقال لهم العمالقة ورأسهم عوج بن عنق، وقيل: بلقاء، وقال مجاهد: بيت المقدس، وقال الضحاك: هي الرملة","part":1,"page":98},{"id":102,"text":"والأردن وفلسطين وتدمر، وقال مقاتل: إيليا، وقال ابن كيسان: الشام { فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا } موسعا عليكم { وَادْخُلُوا الْبَابَ } يعني بابا من أبواب القرية وكان لها سبعة أبواب { سُجَّدًا } أي ركعا خضعا منحنين، وقال وهب: فإذا دخلتموه فاسجدوا شكرا لله تعالى { وَقُولُوا حِطَّةٌ } قال قتادة: حط عنا خطايانا، أمروا بالاستغفار، قال ابن عباس: لا إله إلا الله، لأنها تحط الذنوب، ورفعها على تقدير: قولوا مسألتنا حطة { نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ } الغفر وهو الستر، فالمغفرة تستر الذنوب، وقرأ أهل المدينة و( نافع ) (1) بالياء وضمها وفتح الفاء، وقرأها ابن عامر بالتاء وضمها وفتح الفاء، وفي الأعراف قرأ جميعا ويعقوب بالتاء وضمها، وقرأ الآخرون فيهما بنصب النون وكسر الفاء { وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ } ثوابا من فضلنا\r{ فَبَدَّل } فغير { الَّذِينَ ظَلَمُوا } أنفسهم وقالوا { قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ } وذلك أنهم بدلوا قول الحطة بالحنطة، فقالوا بلسانهم: حطانا سمقاثا أي حنطة حمراء، استخفافا بأمر الله تعالى، وقال مجاهد: طؤطئ لهم الباب ليخفضوا رءوسهم فأبوا أن يدخلوها سجدا فدخلوا على أستاههم مخالفة في الفعل كما بدلوا القول وقالوا قولا غير الذي قيل لهم.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا إسحاق بن نصر أنا عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة فبدلوا فدخلوا يزحفون على أستاهم وقالوا حبة في شعرة\" (2)\r{ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ } قيل: أرسل الله عليهم طاعونا فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفا { بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } يعصون ويخرجون من أمر الله تعالى.\r{ وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ (60) }\r{ وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى } طلب السقيا { لِقَوْمِه } وذلك أنهم عطشوا في التيه فسألوا موسى أن يستسقي لهم ففعل فأوحى إليه كما قال: { فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ } وكانت من آس الجنة، طولها عشرة أذرع على طول موسى عليه السلام ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نورا، واسمها عليق حملها، آدم عليه\r__________\r(1) زيادة من ب.\r(2) رواه البخاري: في أحاديث الأنبياء 6 / 436 مسلم: في التفسير برقم (3015) 4 / 2312.","part":1,"page":99},{"id":103,"text":"السلام من الجنة فتوارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب عليه السلام فأعطاها موسى عليه السلام.\rقال مقاتل: اسم العصا بنعته قوله تعالى { الْحَجَر } اختلفوا فيه قال وهب: لم يكن حجرا معينا بل كان موسى يضرب أي حجر كان من عرض الحجارة فينفجر عيونا لكل سبط عين، وكانوا اثني عشر سبطا ثم تسيل كل عين في جدول إلى السبط الذي أمر أن يسقيهم، وقال الآخرون: كان حجرا معينا بدليل أنه عرف بالألف واللام، وقال ابن عباس: كان حجرا خفيفا مربعا على قدر رأس الرجل كان يضعه في مخلاته فإذا احتاجوا إلى الماء وضعه وضربه بعصاه، وقال عطاء: كان للحجر أربعة وجوه لكل وجه ثلاثة أعين لكل سبط عين وقيل: كان الحجر رخاما، وقيل: كان من الكذان (1) فيه اثنتا عشرة حفرة، ينبع من كل حفرة عين ماء عذب، فإذا فرغوا وأراد موسى حمله ضربه بعصاه فيذهب الماء، وكان يسقي كل يوم ستمائة ألف، وقال سعيد بن جبير: هو الحجر الذي وضع موسى ثوبه عليه ليغتسل ففر بثوبه ومر به على ملأ من بني إسرائيل حين رموه بالأدرة (2) فلما وقف أتاه جبرائيل فقال: إن الله تعالى يقول: ارفع هذا الحجر فلي فيه قدرة، ولك فيه معجزة، فرفعه ووضعه في مخلاته، قال عطاء: كان يضربه موسى اثنتي عشرة ضربة فيظهر على موضع كل ضربة مثل ثدي المرأة فيعرق ثم يتفجر الأنهار، ثم تسيل. وأكثر أهل التفسير يقولون: انبجست وانفجرت واحد، وقال أبو عمرو بن العلاء: انبجست عرقت وانفجرت، أي: سالت، فذلك قوله تعالى:\r{ فَانْفَجَرَتْ } أي فضرب فانفجرت أي سالت منه { اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا } على عدد الأسباط { قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ } موضع شربهم لا يدخل سبط على غيره في شربه { كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ } أي وقلنا لهم كلوا من المن والسلوى، واشربوا من الماء فهذا كله من رزق الله يأتيكم بلا مشقة { وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ } والعيث: أشد الفساد يقال عثى يعثي عيثا، وعثا يعثو عثوا وعاث يعيث عيثا.\r{ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61) }\rقوله تعالى { وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ } وذلك أنهم أجمعوا وسئموا من أكل المن والسلوى، وإنما قال { عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ } وهما اثنان لأن العرب تعبر عن الاثنين بلفظ الواحد كما تعبر عن الواحد بلفظ الاثنين، كقوله تعالى 12/ب \"يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان\"( 22-الرحمن ) وإنما يخرج من\r__________\r(1) الحجر الرخو كأنه مدر وربما كان نخرا.\r(2) انتفاخ الخصية.","part":1,"page":100},{"id":104,"text":"المالح دون العذب وقيل: كانوا يأكلون أحدهما بالآخر فكانا كطعام واحد، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كانوا يعجنون المن بالسلوى فيصيران واحدا { فَادْعُ لَنَا } فاسأل لأجلنا { رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا } قال ابن عباس: والفوم الخبز: وقال عطاء، الحنطة وقال القتيبي رحمه الله تعالى: الحبوب التي تؤكل كلها وقال الكلبي: { وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ } لهم موسى عليه السلام { أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى } أخس وأردى { بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ } أشرف وأفضل وجعل الحنطة أدنى في القيمة وإن كان هي خيرا من المن والسلوى، أو أراد أنها أسهل وجودا على العادة، ويجوز أن يكون الخير راجعا إلى اختيار الله لهم واختيارهم لأنفسهم { اهْبِطُوا مِصْرًا } يعني: فإن أبيتم إلا ذلك فانزلوا مصرا من الأمصار، وقال الضحاك: هو مصر موسى وفرعون، والأول أصح، لأنه لو أراده لم يصرفه { فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ } نبات الأرض { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ } جعلت عليهم وألزموا { الذِّلَّة } الذل والهوان قيل: بالجزية، وقال عطاء بن السائب: هو الكستيج والزنار وزي اليهودية { وَالْمَسْكَنَةُ } الفقر، سمي الفقير مسكينا لأن الفقر أسكنه وأقعده عن الحركة، فترى اليهود وإن كانوا مياسير كأنهم فقراء، وقيل: الذلة هي فقر القلب فلا ترى في أهل الملل أذل وأحرص على المال من اليهود.\r{ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ } رجعوا ولا يقال: \"باءوا إلا بشر\" وقال أبو عبيدة: احتملوا وأقروا به، ومنه الدعاء: أبوء { لك } (1) بنعمتك علي وأبوء بذنبي، أي: أقر { ذَلِكَ } أي الغضب { بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ } بصفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم في التوراة ويكفرون بالإنجيل والقرآن { وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ } تفرد نافع بهمز النبي وبابه، فيكون معناه المخبر من أنبأ ينبئ، والقراءة المعروفة ترك الهمزة، وله وجهان: أحدهما هو أيضا من الإنباء، تركت الهمزة فيه تخفيفا لكثرة الاستعمال، والثاني هو بمعنى الرفيع مأخوذ من النبوة وهي المكان المرتفع، فعلى هذا يكون النبيين على الأصل { بِغَيْرِ الْحَقِّ } أي بلا جرم فإن قيل: فلم قال: بغير الحق وقتل النبيين لا يكون إلا بغير الحق؟ قيل ذكره وصفا للقتل، والقتل تارة يوصف بغير الحق وهو مثل قوله تعالى: \"قال رب احكم بالحق\"( 112-الأنبياء ) ذكر الحق وصفا للحكم لا أن حكمه ينقسم إلى الجور والحق، ويروى أن اليهود قتلت سبعين نبيا في أول النهار وقامت سوق بقتلهم في آخر النهار { ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ } يتجاوزون أمري ويرتكبون محارمي.\r__________\r(1) ليست في الأصل.","part":1,"page":101},{"id":105,"text":"{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64) }\r{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا } يعني اليهود سموا به لقولهم: إنا هدنا إليك أي ملنا إليك، وقيل: لأنهم هادوا أي تابوا عن عبادة العجل، وقيل: لأنهم مالوا عن دين الإسلام، وعن دين موسى عليه السلام، وقال أبو عمرو بن العلاء: لأنهم يتهودون أي يتحركون عند قراءة التوراة ويقولون: إن السماوات والأرض تحركت حين آتى الله موسى التوراة { وَالنَّصَارَى } سموا به لقول الحواريين: نحن أنصار الله، وقال مقاتل: لأنهم نزلوا قرية يقال لها ناصرة، وقيل: لاعتزائهم إلى نصرة وهي قرية كان ينزلها عيسى عليه السلام.\r{ وَالصَّابِئِينَ } قرأ أهل المدينة: والصابين والصابون بترك الهمزة والباقون بالهمزة، وأصله: الخروج، يقال: صبأ فلان أي خرج من دين إلى دين آخر، وصبأت النجوم إذا خرجت من مطالعها، وصبأ ناب البعير إذا خرج، فهؤلاء سموا به لخروجهم من دين إلى دين، قال عمر وابن عباس: هم قوم من أهل الكتاب، قال عمر رضي الله عنه: ذبائحهم ذبائح أهل الكتاب، وقال ابن عباس: لا تحل ذبائحهم ولا مناكحتهم، وقال مجاهد: هم قبيلة نحو الشام بين اليهود والمجوس، وقال الكلبي: هم قوم بين اليهود والنصارى يحلقون أوساط رءوسهم ويجبون (1) مذاكيرهم، وقال قتادة: قوم يقرءون الزبور ويعبدون الملائكة، ويصلون إلى الكعبة ويقرون بالله تعالى، أخذوا من كل دين شيئا، قال عبد العزيز بن يحيى: انقرضوا (2) .\r__________\r(1) يقطعونها.\r(2) وفي العراق في الوقت الحاضر أقلية من الصابئة وهم يعتقدون بالخالق عز وجل ويؤمنون باليوم الآخر ويدعون أنهم يتبعون تعاليم آدم عليه السلام وأن نبيهم يحيى جاء ينقي دين آدم مما علق به وعندهم كتاب يسمونه (الكانزابرا) أي صحف آدم ومن عباداتهم الصلاة وتقتصر على الوقوف والركوع والجلوس على الأرض دون سجود ويؤدونها في اليوم ثلاث مرات قبل طلوع الشمس وعند زوالها وقبيل غروبها ويتوجهون في صلاتهم إلى النجم القطبي. أحكام الذميين والمستأمنين في دار الإسلام د/ عبد الكريم زيدان ص14-15 وانظر أقوال الفقهاء في حكم الصابئة في ابن كثير 1 / 189-190 أحكام القرآن للجصاص 3 / 91.","part":1,"page":102},{"id":106,"text":"{ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } فإن قيل: كيف يستقيم قوله { من آمن بالله } وقد ذكر في ابتداء الآية { إن الذين آمنوا } ؟ قيل: اختلفوا في حكم الآية فقال بعضهم: أراد بقوله { إن الذين آمنوا } على التحقيق ثم اختلفوا في هؤلاء المؤمنين فقال قوم: هم الذين آمنوا قبل المبعث وهم طلاب الدين مثل حبيب النجار، وقس بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، والبراء السني، وأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وبحيرا الراهب، ووفد النجاشي، فمنهم من أدرك النبي صلى الله عليه وسلم( وبايعه ) (1) ، ومنهم من لم يدركه. وقيل: هم المؤمنون من الأمم الماضية، وقيل: هم المؤمنون من هذه الأمة { والذين هادوا } الذين كانوا على دين موسى عليه السلام، ولم يبدلوا، والنصارى، الذين كانوا على دين عيسى عليه السلام ولم يغيروا وماتوا على ذلك، قالوا: وهذان الاسمان لزماهم زمن موسى وعيسى عليهما السلام حيث كانوا على الحق، كالإسلام لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، والصابئون زمن استقامة أمرهم { مَنْ آمَنَ } أي من مات منهم وهو مؤمن لأن حقيقة الإيمان بالموافاة، ويجوز أن يكون الواو مضمرا أي: ومن آمن بعدك يا محمد إلى يوم القيامة، وقال بعضهم: إن المذكورين بالإيمان في أول الآية على طريق المجاز دون الحقيقة، ثم اختلفوا فيهم فقال بعضهم: الذين آمنوا بالأنبياء الماضين ولم يؤمنوا بك وقيل: أراد بهم المنافقين الذين آمنوا بألسنتهم ولم يؤمنوا بقلوبهم، واليهود والنصارى الذين اعتقدوا اليهودية والنصرانية بعد التبديل والصابئون بعض أصناف الكفار { مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } هذه الأصناف بالقلب واللسان { وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ } وإنما ذكر بلفظ الجمع لأن { من } يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث { وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } في الدنيا { وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } في الآخرة.\rقوله تعالى { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ } عهدكم يا معشر اليهود { وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ } الجبل بالسريانية في قول بعضهم، وهو قول مجاهد، وقيل: ما من لغة في الدنيا إلا وهي في القرآن، وقال الأكثرون: ليس في القرآن لغة غير لغة العرب لقوله تعالى: { قرآنا عربيا } وإنما هذا وأشباهه وقع وفاقا بين اللغتين (2) ، وقال ابن عباس: أمر الله تعالى جبلا من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام على رءوسهم، وذلك لأن الله تعالى أنزل التوراة على موسى عليه السلام فأمر موسى قومه أن يقبلوها ويعملوا بأحكامها فأبوا أن يقبلوها للآصار (3) والأثقال التي هي فيها، وكانت شريعة ثقيلة فأمر الله تعالى جبريل عليه السلام فقلع جبلا على قدر عسكرهم، وكان فرسخا في فرسخ، فرفعه فوق رءوسهم مقدار قامة الرجل كالظلة، وقال لهم: إن لم تقبلوا التوراة التي أرسلت هذا الجبل عليكم، وقال عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: رفع 13/أ الله فوق رءوسهم الطور، وبعث نارا من قبل وجوههم، وأتاهم البحر المالح من خلفهم\r__________\r(1) في ب: تابعه.\r(2) انظر أقوال العلماء فيما وقع في القرآن بغير لغة العرب، الإتقان للسيوطي 2 / 125 .. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.\r(3) جمع إصر: وهو هنا بمعنى العهد والميثاق، وقد يأتي بمعنى الإثم والعقوبة.","part":1,"page":103},{"id":107,"text":"{ خُذُوا } أي قلنا لهم خذوا { مَا آتَيْنَاكُمْ } أعطيناكم { بِقُوَّة } بجد واجتهاد ومواظبة { وَاذْكُرُوا } وادرسوا { مَا فِيهِ } وقيل: احفظوه واعملوا به { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } لكي تنجوا من الهلاك في الدنيا والعذاب في العقبى، فإن قبلتم وإلا رضختكم بهذا الجبل وأغرقتكم في هذا البحر وأحرقتكم بهذه النار، فلما رأوا أن لا مهرب لهم عنها قبلوا وسجدوا وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود، فصار سنة لليهود، ولا يسجدون إلا على أنصاف وجوههم، ويقولون: بهذا السجود رفع العذاب عنا.\r{ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ } أعرضتم { مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ } من بعد ما قبلتم التوراة { فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } يعني بالإمهال والإدراج وتأخير العذاب عنكم { لَكُنْتُم } لصرتم { مِنَ الْخَاسِرِينَ } من المغبونين بالعقوبة وذهاب الدنيا والآخرة وقيل: من المعذبين في الحال لأنه رحمهم بالإمهال.\r{ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) }\rقوله تعالى { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ } أي جاوزوا الحد، وأصل السبت: القطع، قيل: سمي يوم السبت بذلك لأن الله تعالى قطع فيه الخلق، وقيل: لأن اليهود أمروا فيه بقطع الأعمال، والقصة فيه: أنهم كانوا زمن داود عليه السلام بأرض يقال لها أيلة حرم الله عليهم صيد السمك يوم السبت، فكان إذا دخل السبت لم يبق حوت في البحر إلا اجتمع هناك حتى يخرجن خراطيمهن من الماء لأمنها، حتى لا يرى الماء من كثرتها، فإذا مضى السبت تغرقن ولزمن مقل (1) البحر، فلا يرى شيء منها فذلك قوله تعالى \"إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم\"( 163-الأعراف ).\rثم إن الشيطان وسوس إليهم وقال: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت، فعمد رجال فحفروا الحياض حول البحر، وشرعوا منه إليها الأنهار، فإذا كانت عشية الجمعة فتحوا تلك الأنهار، فأقبل الموج بالحيتان إلى الحياض، فلا يقدرن على الخروج لبعد عمقها وقلة مائها، فإذا كان يوم الأحد أخذوها، وقيل: كانوا يسوقون الحيتان إلى( الحياض ) (2) يوم السبت ولا يأخذونها ثم يأخذونها يوم الأحد، وقيل: كانوا ينصبون\r__________\r(1) مقر البحر وأسفله.\r(2) زيادة من (ب).","part":1,"page":104},{"id":108,"text":"الحبائل والشخوص يوم الجمعة ويخرجونها يوم الأحد ففعلوا ذلك زمانا ولم تنزل عليهم عقوبة فتجرءوا على الذنب وقالوا: ما نري السبب إلا وقد أحل لنا فأخذوا وأكلوا وملحوا وباعوا واشتروا وكثر مالهم، فلما فعلوا ذلك صار أهل القرية، وكانوا نحوا من سبعين ألفا، ثلاثة أصناف: صنف أمسك ونهى، وصنف أمسك ولم ينه، وصنف انتهك الحرمة، وكان الناهون اثني عشر ألفا، فلما أبى المجرمون قبول نصحهم قالوا: والله لا نساكنكم في قرية واحدة فقسموا القرية بجدار وعبروا بذلك سنتين، فلعنهم داود عليه السلام، وغضب الله عليهم لإصرارهم على المعصية فخرج الناهون ذات يوم من بابهم ولم يخرج من المجرمين أحد ولم يفتحوا بابهم، فلما أبطؤوا تسوروا عليهم الحائط فإذا هم جميعا قردة لها أذناب يتعاوون، قال قتادة: صار الشبان قردة والشيوخ خنازير فمكثوا ثلاثة أيام ثم هلكوا ولم يمكث مسخ فوق ثلاثة أيام ولم يتوالدوا.\rقال الله تعالى: { فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً } أمر تحويل وتكوين { خَاسِئِينَ } مبعدين مطرودين، وقيل: فيه تقديم وتأخير أي كونوا خاسئين قردة ولذلك لم يقل خاسئات، والخسأ الطرد والإبعاد، وهو لازم ومتعد يقال: خسأته خسا فخسأ خسوءا مثل: رجعته رجعا فرجع رجوعا\r{ فَجَعَلْنَاهَا } أي جعلنا عقوبتهم بالمسخ { نَكَالا } أي عقوبة وعبرة، والنكال اسم لكل عقوبة ينكل الناظر من فعل ما جعلت العقوبة جزاء عليه، ومنه النكول عن اليمين وهو الامتناع، وأصله من النكل وهو القيد ويكون جمعه: أنكالا { لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا } قال قتادة: أراد بما بين يديها يعني ما سبقت من الذنوب، أي جعلنا تلك العقوبة جزاء لما تقدم من ذنوبهم قبل نهيهم عن أخذ الصيد { وَمَا خَلْفَهَا } ما حضر من الذنوب التي أخذوا بها، وهي العصيان بأخذ الحيتان، وقال أبو العالية والربيع: عقوبة لما مضى من ذنوبهم وعبرة لمن بعدهم أن يستنوا بسنتهم، و( ما ) الثانية بمعنى من، وقيل: { جعلناها } أي جعلنا قرية أصحاب السبت عبرة لما بين يديها أي القرى التي كانت مبنية في الحال { وَمَا خَلْفَهَا } وما يحدث من القرى من بعد ليتعظوا، وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: فجعلناها وما خلفها، أي ما أعد لهم من العذاب في الآخرة، وجزاء لما بين يديها أي لما تقدم من ذنوبهم باعتدائهم في السبت { وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ } للمؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فلا يفعلون مثل فعلهم.\rقوله تعالى: { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً } البقرة هي الأنثى من البقر يقال: هي مأخوذة من البقر وهو الشق، سميت به لأنها تشق الأرض للحراثة.\rوالقصة (1) فيه أنه كان في بني إسرائيل رجل غني وله ابن عم فقير لا وارث له سواه، فلما طال عليه\r__________\r(1) القصة من الإسرائيليات، كما يظهر، ولا يقبل في تفسير كتاب الله إلا ما جاء برواية ثابتة. وقال ابن كثير رحمه الله بعد أن قص قصة البقرة: وهذه السياقات عن عبيدة وأبي العالية والسدي وغيرهم فيها اختلاف والظاهر أنها مأخوذة من كتب بني إسرائيل، وهي مما يجوز نقلها، ولكن لا تصدق ولا تكذب. فلهذا لا يعتمد عليها إلا ما وافق الحق عندنا، والله أعلم\". تفسير ابن كثير 1 / 197 وانظر: الإسرائيليات في التفسير والحديث للدكتور محمد حسين الذهبي.","part":1,"page":105},{"id":109,"text":"موته قتله ليرثه، وحمله إلى قرية أخرى وألقاه بفنائهم، ثم أصبح يطلب ثأره وجاء بناس إلى موسى يدعي عليهم القتل، فسألهم موسى فجحدوا، واشتبه أمر القتيل على موسى، قال الكلبي: وذلك قبل نزول القسامة (1) في التوراة، فسألوا موسى أن يدعو الله ليبين لهم بدعائه، فأمرهم الله بذبح بقرة فقال لهم موسى: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة { قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا } أي: تستهزئ بنا، نحن نسألك عن أمر القتيل وتأمرنا بذبح البقرة !! وإنما قالوا ذلك لبعد ما بين الأمرين في الظاهر، ولم يدروا ما الحكمة فيه، قرأ حمزة هزوا وكفوا بالتخفيف وقرأ الآخرون بالتثقيل، وبترك الهمزة حفص { قَالَ } موسى { أَعُوذُ بِاللَّهِ } أمتنع بالله { أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ } أي من المستهزئين بالمؤمنين وقيل: من الجاهلين بالجواب لا على وفق السؤال لأن الجواب لا على وفق السؤال جهل، فلما علم( القوم ) (2) أن ذبح البقرة عزم من الله عز وجل استوصفوها، ولو أنهم عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم وكانت تحته حكمة، وذلك أنه كان في بني إسرائيل رجل صالح له( ابن ) (3) طفل وله عجلة اتى بها إلى غيضة (4) وقال: اللهم إني أستودعك هذه العجلة لابني حتى تكبر، ومات الرجل فصارت العجلة في الغيضة عوانا (5) ، وكانت تهرب من كل من رآها فلما كبر الابن وكان بارا بوالدته، وكان يقسم الليل ثلاثة أثلاث يصلي ثلثا وينام ثلثا ويجلس عند رأس أمه ثلثا، فإذا أصبح انطلق فاحتطب على ظهره فيأتي به إلى السوق فيبيعه بما شاء الله ثم يتصدق بثلثه، ويأكل ثلثه، ويعطي والدته ثلثه، فقالت له أمه يوما: إن أباك ورثك عجلة استودعها الله في غيضة كذا فانطلق وادع إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق أن يردها عليك 13/ب وعلامتها أنك إذا نظرت إليها يخيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها، وكانت تسمى المذهبة لحسنها وصفرتها، فأتى الفتى الغيضة فرآها ترعى فصاح بها وقال: أعزم بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب أن تأتي إلي فأقبلت تسعى حتى قامت بين يديه فقبض على عنقها يقودها، فتكلمت البقرة بإذن الله تعالى فقالت: أيها الفتى البار بوالدتك اركبني فإن ذلك أهون عليك، فقال الفتى: إن أمي لم تأمرني بذلك ولكن قالت: خذ بعنقها، فقالت البقرة: بإله بني إسرائيل لو ركبتني ما كنت تقدر علي أبدا، فانطلق فإنك لو أمرت الجبل أن ينقلع من أصله وينطلق معك لفعل لبرك بأمك، فسار الفتى بها إلى أمه فقالت له: إنك فقير لا مال لك فيشق عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل فانطلق فبع هذه البقرة، قال: بكم أبيعها؟ قالت: بثلاثة دنانير ولا تبع بغير مشورتي وكان ثمن البقرة يومئذ ثلاثة دنانير، فانطلق بها إلى السوق، فبعث الله ملكا ليرى خلقه قدرته وليختبر الفتى كيف بر بوالدته، وكان الله به خبيرا فقال له الملك: بكم تبيع هذه البقرة؟ قال: بثلاثة دنانير وأشترط عليك رضى والدتي فقال الملك: لك ستة دنانير ولا تستأمر والدتك فقال الفتى: لو أعطيتني وزنها ذهبا لم آخذه إلا برضى أمي فردها إلى أمه فأخبرها بالثمن فقالت: ارجع فبعها بستة دنانير على رضى مني فانطلق بها إلى السوق وأتى الملك فقال: استأمرت أمك فقال الفتى: إنها أمرتني أن لا أنقصها عن ستة على أن أستأمرها فقال الملك: فإني أعطيك اثني عشر على أن لا تستأمرها، فأبى الفتى، فرجع إلى أمه فأخبرها، فقالت إن الذي يأتيك ملك في صورة آدمي ليختبرك فإذا أتاك فقل له: أتأمرنا أن نبيع هذه البقرة أم لا؟( ففعل ) (6) فقال له الملك: اذهب إلى أمك وقل لها أمسكي هذه البقرة فإن موسى بن عمران عليه السلام يشتريها منك لقتيل يقتل في بني إسرائيل فلا تبيعوها إلا بملء مسكها دنانير، فأمسكوها، وقدر الله تعالى على بني إسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها فما زالوا يستوصفون موسى حتى وصف لهم تلك البقرة، مكافأة له على بره بوالدته فضلا منه ورحمة( فذلك ) (7)\r{ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) }\rقوله تعالى { قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ } أي( ما صفتها ) (8) { قَالَ } موسى { إِنَّهُ يَقُولُ } يعني فسأل الله تعالى فقال: إنه، يعني أن الله تعالى يقول { إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ } أي لا كبيرة ولا صغيرة، والفارض المسنة التي لا تلد، يقال منه: فرضت تفرض فروضا، والبكر الفتاة الصغيرة التي لم تلد قط، وحذفت( الهاء ) (9) منهما للاختصاص بالإناث كالحائض( عَوَان ) وسط نصف { بَيْنَ ذَلِكَ } أي بين السنين يقال عونت المرأة تعوينا: إذا زادت على الثلاثين، قال الأخفش( العوان: التي لم تلد قط، وقيل: ) (10) العوان التي نتجت مرارا وجمعها عون { فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ } ذبح البقرة ولا تكثروا السؤال\r{ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا } قال ابن عباس: شديدة الصفرة، وقال قتادة: صاف، وقال الحسن: الصفراء السوداء، والأول أصح لأنه لا يقال أسود فاقع إنما يقال: أصفر فاقع، وأسود( حالك ) (11) وأحمر قانئ، وأخضر ناضر، وأبيض بقق للمبالغة، { تَسُر\r__________\r(1) الأيمان تقسم على أولياء القتيل الذين ادعوا الدم.\r(2) في الأصل: الناس.\r(3) من ب.\r(4) الشجر الملتف.\r(5) متوسط في السن بين الصغر والكبر.\r(6) من ب.\r(7) من ب.\r(8) في ب: سنها.\r(9) من ب.\r(10) ساقط من (ب) من المطبوع.\r(11) في الأصل كالح.","part":1,"page":106},{"id":110,"text":"الناظرين } إليها يعجبهم حسنها وصفاء لونها.","part":1,"page":108},{"id":111,"text":"{ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73) }\r{ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ } أسائمة أم عاملة { إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا } ولم يقل تشابهت لتذكير لفظ البقر كقوله تعالى \"أعجاز نخل منقعر\"( 20-القمر ) وقال الزجاج: أي جنس البقر تشابه، أي التبس واشتبه أمره علينا فلا نهتدي إليه { وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ } إلى وصفها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( والله ) (1) لو لم يستثنوا لما بينت لهم إلى آخر الأبد\" (2)\r{ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ } مذللة بالعمل يقال: رجل ذلول بين الذل، ودابة ذلول بينة الذل { تُثِيرُ الأرْضَ } تقلبها للزراعة { وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ } أي ليست بساقية { مُسَلَّمَة } بريئة من العيوب { لا شِيَةَ فِيهَا } لا لون لها سوى لون جميع جلدها قال عطاء: لا عيب فيها، وقال مجاهد: لا بياض فيها ولا سواد { قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ } أي بالبيان التام الشافي الذي لا إشكال فيه، وطلبوها فلم يجدوا بكمال وصفها إلا مع الفتى فاشتروها بملء مسكها ذهبا، { فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ } من غلاء ثمنها وقال محمد بن كعب: وما كادوا يجدونها باجتماع أوصافها، وقيل { وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ } من شدة اضطرابهم واختلافهم فيها.\rقوله عز وجل: { وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا } هذا أول القصة وإن كانت مؤخرة في التلاوة، واسم القتيل( عاميل ) (3) { فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا } أصله تدارأتم فأدغمت التاء في الدال وأدخلت الألف، مثل قوله: \"اثاقلتم\" قال ابن عباس ومجاهد: معناه فاختلفتم، وقال الربيع بن أنس: تدافعتم، أي يحيل بعضكم على بعض من الدرء وهو الدفع، فكان كل واحد يدفع عن نفسه { وَاللَّهُ مُخْرِجٌ } أي مظهر { مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } فإن القاتل كان يكتم القتل\r{ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ } يعني القتيل( ببعضها ) أي ببعض البقرة،\r__________\r(1) في ب وأيم الله.\r(2) الطبري: 2 / 205، ابن كثير: 1 / 199، وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة. وقال ابن حجر في الكافي الشاف ص(8): أخرجه ابن جرير من طريق ابن جريج مرفوعا، وهو معضل.\r(3) معرفة الاسم ليس عليه دليل، والعلم به لا ينفع، والجهل به لا يضر.","part":1,"page":108},{"id":112,"text":"واختلفوا في ذلك البعض، قال ابن عباس رضي الله عنه وأكثر المفسرين: ضربوه بالعظم الذي يلي الغضروف وهو المقتل، وقال مجاهد وسعيد بن جبير: بعجب الذنب لأنه أول ما يخلق وآخر ما يبلى، ويركب عليه الخلق، وقال الضحاك: بلسانها، وقال الحسين بن الفضل: هذا أدل بها لأنه آلة الكلام، وقال الكلبي وعكرمة: بفخذها الأيمن، وقيل: بعضو منها لا بعينه، ففعلوا ذلك فقام القتيل حيا بإذن الله تعالى وأوداجه، أي عروق العنق، تشخب دما وقال قتلني فلان، ثم سقط ومات مكانه فحرم قاتله الميراث، وفي الخبر: \"ما ورث قاتل بعد صاحب البقرة\" (1) وفيه إضمار تقديره: فضرب فحيي { كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى } كما أحيا عاميل، { وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } قيل تمنعون أنفسكم من المعاصي.\rأما حكم هذه المسألة في الإسلام: إذا وجد قتيل في موضع ولا يعرف قاتله فإن كان ثم( لوث ) (2) على إنسان -واللوث: أن يغلب على القلب صدق المدعي، بأن اجتمع جماعة في بيت أو صحراء فتفرقوا عن قتيل يغلب على القلب أن القاتل فيهم، أو وجد قتيل في محلة أو قرية كلهم أعداء للقتيل لا يخالطهم غيرهم، فيغلب على القلب أنهم قتلوه -فادعى الولي على بعضهم، يحلف المدعي خمسين يمينا على من يدعي عليه، وإن كان الأولياء جماعة توزع الأيمان عليهم، ثم بعدما حلفوا أخذوا الدية من عاقلة المدعى عليه إن ادعوا قتل خطأ، وإن ادعوا قتل عمد فمن ماله، ولا قود على قول الأكثرين وذهب بعضهم إلى وجوب القود، وهو قول عمر بن عبد العزيز وبه قال مالك وأحمد، وإن لم يكن على المدعى عليه لوث فالقول قول المدعى عليه مع يمينه ثم هل يحلف يمينا واحدة أم خمسين يمينا؟ فيه قولان:( أحدهما ) يمينا واحدة كما في سائر الدعاوي( والثاني ) يحلف خمسين يمينا تغليظا لأمر الدم، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه: لا حكم للوث [ولا يزيد بيمين المدعي] (3) وقال: إذا وجد قتيل في محلة يختار الإمام خمسين رجلا من صلحاء أهلها فيحلفهم أنهم ما قتلوه ولا عرفوا له قاتلا ثم يأخذ الدية من سكانها، والدليل على أن البداية بيمين المدعي عند وجود اللوث:\r[ما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار] (4) عن سهل بن أبي حثمة أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود خرجا إلى خيبر فتفرقا لحاجتهما فقتل عبد الله بن سهل فانطلق هو وعبد الرحمن 14/أ أخو المقتول وحويصة بن مسعود إلى رسول الله\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 2 / 184، وذكره ابن كثير: 1 / 194 بتحقيق الوادعي.\r(2) في الأصل: اللوث.\r(3) في ب: لا يبدأ بيمين المدعي.\r(4) ساقط من الأصل، وهو في (ب).","part":1,"page":109},{"id":113,"text":"صلى الله عليه وسلم فذكروا له قتل عبد الله بن سهل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم\" فقالوا يا رسول الله لم نشهد ولم نحضر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"فتبرئكم يهود بخمسين يمينا\" فقالوا يا رسول الله كيف نقبل أيمان قوم كفار؟ فعزم النبي صلى الله عليه وسلم عقله من عنده (1) [وفي لفظ آخر فزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم عقله من عنده] (2) قال بشير بن يسار: قال سهل لقد ركضتني فريضة من تلك الفرائض في مربد لنا، وفي رواية: لقد ركضتني ناقة حمراء من تلك الفرائض في مربد لنا\" أخرجه مسلم عن محمد بن المثنى عن عبد الوهاب. (3) .\rوجه الدليل من الخبر: أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بأيمان المدعين لتقوي جانبهم باللوث، وهو أن عبد الله بن سهل وجد قتيلا في خيبر، وكانت العداوة ظاهرة بين الأنصار وأهل خيبر، وكان يغلب على القلب أنهم قتلوه، واليمين أبدا تكون حجة لمن يقوى جانبه وعند عدم اللوث يقوى جانب المدعى عليه من حيث أن الأصل براءة ذمته وكان القول قوله مع يمينه.\r{ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) }\rقوله تعالى { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ } يبست وجفت، جفاف القلب: خروج الرحمة واللين عنه، وقيل: غلظت، وقيل: اسودت، { مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ } بعد ظهور الدلالات. قال الكلبي: قالوا بعد ذلك: نحن لم نقتله، فلم يكونوا قط أعمى قلبا ولا أشد تكذيبا لنبيهم منهم عند ذلك { فهي } أي في الغلظة والشدة { كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } قيل: أو بمعنى بل وقيل: بمعنى الواو كقوله تعالى: \"مائة ألف أو يزيدون\"( 147-الصافات ) أي: بل يزيدون أو ويزيدون، وإنما لم يشبهها بالحديد مع أنه أصلب من الحجارة، لأن الحديد قابل للين فإنه يلين بالنار، وقد لان لداود عليه السلام، والحجارة لا تلين قط، ثم فضل الحجارة على القلب القاسي فقال: { وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ } قيل: أراد به( جميع ) (4) الحجارة، وقيل: أراد به الحجر الذي كان يضرب عليه موسى للأسباط { وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ\r__________\r(1) رواه البخاري: في الجزية والموادعة - باب: الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره: 6 / 275. ومسلم: في القسامة والمحاربين والقصاص والديات - باب القسامة برقم (1669) 3 / 1291. والمصنف في شرح السنة: 10 / 211 وما بعدها دون زيادة فعزم النبي صلى الله عليه وسلم عقله من عنده.\r(2) زيادة من (ب).\r(3) وأخرجه مسلم من طرق أخرى عن يحيى بن سعيد في القسامة والمحاربين 3 / 1292.\r(4) زيادة من (ب).","part":1,"page":110},{"id":114,"text":"الماء } أراد به عيونا دون الأنهار { وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ } ينزل من أعلى الجبل إلى أسفله { مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ } وقلوبكم لا تلين ولا تخشع يا معشر اليهود. فإن قيل: الحجر جماد لا يفهم، فكيف( يخشى ) (1) ؟ قيل: الله يفهمه ويلهمه فيخشى بإلهامه.\rومذهب أهل السنة والجماعة أن لله تعالى علما في الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقل، لا يقف عليه غيره، فلها صلاة وتسبيح وخشية كما قال جل ذكره: \"وإن من شيء إلا يسبح بحمده\"( 44-الإسراء ) وقال \"والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه\"( 41-النور ) وقال: \"ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر\"( 18-الحج ) الآية، فيجب على( المؤمن ) (2) الإيمان به ويكل علمه إلى الله سبحانه وتعالى، ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على ثبير والكفار يطلبونه فقال الجبل: انزل عني فإني أخاف أن تؤخذ علي فيعاقبني الله بذلك فقال له جبل حراء: إلي يا رسول الله\".\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ثنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي أنا أحمد بن محمد بن عبد الوهاب النيسابوري أنا محمد بن إسماعيل الصائغ أنا يحيى بن أبي بكر أنا إبراهيم بن طهمان عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث وإني لأعرفه الآن\" (3) [هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يحيى بن أبي بكر. وصح عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلع على أحد فقال: \"هذا جبل يحبنا ونحبه\" (4) وروي عن أبي هريرة يقول، صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح ثم أقبل على الناس بوجهه وقال: \"بينما رجل يسوق بقرة إذ عيي فركبها فضربها فقالت: إنا لم نخلق لهذا، إنما خلقنا لحراثة الأرض\" فقال الناس: سبحان الله بقرة تتكلم!؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"فإني أومن به أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم\" وقال: \"بينما رجل في غنم له إذ عدا الذئب على شاة منها فأدركها صاحبها فاستنقذها، فقال الذئب: فمن لها يوم السبع؟ أي يوم القيامة، يوم لا راعي لها غيري\" فقال الناس: سبحان الله ذئب\r__________\r(1) في الأصل: يخشع.\r(2) في ب: المرء.\r(3) رواه مسلم: في الفضائل: باب فضل نسب النبي صلى الله عليه وسلم وتسليم الحجر عليه قبل النبوة برقم (2277) 4 / 1782. والمصنف في شرح السنة: 13 / 287، وعنه أصلحنا بعض الأغلاط في السند الذي سقط من الأصل.\r(4) رواه البخاري: في الجهاد - باب فضل الخدمة في الغزو 6 / 83-84. وفي الأطعمة وفي الزكاة وفي الأنبياء. ومسلم: في الفضائل - باب: في معجزات النبي صلى الله عليه سلم برقم (1392) 4 / 1785. والمصنف في شرح السنة: 11 / 25.","part":1,"page":111},{"id":115,"text":"يتكلم؟ فقال \"أومن به أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم\" (1) ، وصح عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على حراء وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم \"اهدأ أي: اسكن. فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد\" (2) صحيح أخرجه مسلم.\rأنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو سعيد يحيى بن أحمد بن علي الصانع أنا أبو الحسن علي بن إسحاق بن هشام الرازي أنا محمد بن أيوب بن ضريس البجلي الرازي أنا محمد بن الصباح عن الوليد بن أبي ثور عن السدي عن عبادة بن أبي يزيد] (3) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: \"كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فخرجنا في نواحيها خارجا من مكة بين الجبال والشجر، فلم يمر بشجرة ولا جبل إلا قال السلام عليك يا رسول الله\" (4) .\rأنا أبو الحسن عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا عبد المجيد بن عبد العزيز عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنه يقول: \"كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب استند إلى جذع نخلة من سواري المسجد، فلما صنع له المنبر فاستوى عليه اضطربت تلك السارية وحنت كحنين الناقة حتى سمعها أهل المسجد، حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتنقها فسكنت\" (5) .\rقال مجاهد: لا ينزل حجر من أعلى إلى الأسفل إلا من خشية الله، ويشهد لما قلنا قوله تعالى \"لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون\"( 21-الحشر ).\r__________\r(1) رواه البخاري في الأنبياء: 6 / 512، وفي الحرث والمزارعة، وفي فضائل أصحاب النبي، ومسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، برقم (2388) 4 / 1857. والمصنف في شرح السنة: 14 / 96-97.\r(2) رواه البخاري: في فضائل أصحاب النبي - باب: مناقب عثمان بن عفان: 7 / 53. ومسلم: في فضائل الصحابة - باب: من فضائل طلحة والزبير رضي الله عنهما برقم (2417) 4 / 1480. والمصنف في شرح السنة: 14 / 127 بلفظ: فتحركت الصخرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اهدئي فما عليك إلا ..........\r(3) زيادة من نسخة (ب) والمطبوع - ساقطة من (أ).\r(4) رواه الترمذي: في المناقب باب: الشجر والحجر يسلمان على النبي 10 / 99-100 وقال: حسن غريب، والدارمي في المقدمة: 1 / 12. والمصنف في شرح السنة: 13 / 287 وقال هذا حديث غريب وفي سنده إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي وعباد بن أبي يزيد ضعيف ومجهول التقريب، ميزان الاعتدال 2 / 378.\r(5) رواه الترمذي: 10 / 100-101 عن أنس، وقال حديث أنس هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وابن ماجه: في إقامة الصلاة برقم (1414). وأحمد: 1 / 349 ومواضع أخرى، والدارمي في المقدمة - باب: ما أكرم الله النبي صلى الله عليه وسلم بحنين المنبر: 1 / 16 وعند البخاري والنسائي بمعناه.","part":1,"page":112},{"id":116,"text":"قوله عز وجل { وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ }( بساه ) (1) { عَمَّا تَعْمَلُونَ } وعيد وتهديد، وقيل: بتارك عقوبة ما تعملون، بل يجازيكم به، قرأ ابن كثير يعملون بالياء والآخرون بالتاء.\r{ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (76) }\rقوله تعالى { أَفَتَطْمَعُونَ } أفترجون؟ يريد: محمدا وأصحابه { أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ } تصدقكم اليهود بما تخبرونهم به { وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ } يعني التوراة { ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ } يغيرون ما فيها من الأحكام { مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ } علموه كما غيروا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنهم كاذبون، هذا قول مجاهد وقتادة وعكرمة والسدي وجماعة (2) وقال ابن عباس ومقاتل: نزلت في السبعين الذين اختارهم موسى لميقات ربه، وذلك أنهم لما رجعوا -بعدما سمعوا كلام الله -إلى قومهم رجع الناس إلى قولهم، وأما الصادقون منهم فأدوا كما سمعوا، وقالت طائفة منهم: سمعنا الله يقول في آخر كلامه إن استطعتم أن تفعلوا فافعلوا، وإن شئتم فلا تفعلوا، فهذا تحريفهم وهم يعلمون أنه الحق (3) .\r{ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا } قال ابن عباس والحسن وقتادة: يعني منافقي اليهود الذين آمنوا بألسنتهم إذا لقوا المؤمنين المخلصين { قَالُوا آمَنَّا } كإيمانكم { وَإِذَا خَلا } رجع { بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ } -كعب بن الأشراف وكعب بن أسد ووهب بن يهودا وغيرهم من رؤساء اليهود -لأمرهم على ذلك { قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } بما قص الله عليكم في كتابكم: أن محمدا حق وقوله صدق. والفتاح القاضي.\rوقال الكسائي: بما بينه الله لكم [من العلم بصفة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ونعته، وقال:] (4) الواقدي: بما أنزل الله عليكم، ونظيره: \"لفتحنا عليهم بركات من السماء\"( 44-الأنعام ) أي أنزلنا، وقال أبو عبيدة: بما من الله عليكم وأعطاكم { لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ } ليخاصموكم، يعني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ويحتجوا بقولكم\r__________\r(1) زيادة من (ب).\r(2) أسباب النزول للواحدي ص63.\r(3) أسباب النزول للواحدي ص63.\r(4) ما بين القوسين جاء في نسخة ب تابعا لكلام الكسائي.","part":1,"page":113},{"id":117,"text":"( عليكم ) (1) فيقولوا: قد أقررتم أنه نبي حق في كتابكم ثم لا تتبعونه!! وذلك أنهم قالوا لأهل المدينة حين شاوروهم في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم: آمنوا به فإنه حق ثم قال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما أنزل الله عليكم لتكون لهم الحجة عليكم { عِنْدَ رَبِّكُمْ } في الدنيا والآخرة وقيل: إنهم أخبروا المؤمنين بما عذبهم الله به، على الجنايات فقال بعضهم لبعض: [أتحدثونهم بما أنزل الله عليكم من العذاب ليحاجوكم به عند ربكم، ليروا الكرامة لأنفسهم عليكم عند الله وقال مجاهد: هو قول يهود قريظة قال بعضهم لبعض] (2) حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم \"يا إخوان القردة والخنازير\" فقالوا: من أخبر محمدا بهذا؟ ما خرج هذا إلا منكم (3) ، { أَفَلا تَعْقِلُونَ }\r__________\r(1) زيادة من (ب).\r(2) زيادة من (ب).\r(3) أخرجه الطبري: 2 / 252 بتحقيق الشيخ شاكر، وذكره ابن كثير: 1 / 207 بتحقيق الوادعي.","part":1,"page":114},{"id":118,"text":"{ أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) }\rقال الله تعالى: { أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ } يخفون { وَمَا يُعْلِنُونَ } يبدون يعني اليهود.\rوقوله تعالى: { وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ } أي من اليهود أميون لا يحسنون القراءة والكتابة، جمع أمي منسوب إلى الأم كأنه باق على ما انفصل من الأم لم يتعلم كتابة ولا قراءة.\r[وروي عن رسول صلى الله عليه وسلم أنه قال \"إنا أمة أمية أي لا نكتب ولا نحسب (1) ] (2) وقيل: هو منسوب إلى أم القرى وهي مكة { لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ } قرأ أبو جعفر: أماني بتخفيف الياء كل القرآن حذف إحدى الياءين( تخفيفا ) (3) وقراءة العامة بالتشديد، وهي جمع الأمنية وهي التلاوة، قال الله تعالى: \"إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته\"( 52-الحج ) أي في قراءته، قال أبو عبيدة: [إلا تلاوته\r__________\r(1) رواه البخاري: في الصوم - باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم لا نكتب ولا نحسب: 4 / 136. ومسلم: في الصيام - باب: وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال برقم (1080) 2 / 761. والمصنف في شرح السنة: 6 / 228.\r(2) زيادة من نسخة ب، وفيها تقديم وتأخير في بعض العبارات تغير المعنى، فأصلحناها.\r(3) في المخطوطتين: استخفافا.","part":1,"page":114},{"id":119,"text":"وقراءته] (1) عن ظهر القلب لا يقرءونه من كتاب، وقيل: يعلمونه حفظا وقراءة لا يعرفون معناه. وقال ابن عباس: يعني غير عارفين بمعاني الكتاب، وقال مجاهد وقتادة: إلا كذبا وباطلا قال الفراء: الأماني: الأحاديث المفتعلة، قال عثمان رضي الله عنه: ما تمنيت منذ أسلمت( أي ما كذبت ) (2) ، وأراد بها الأشياء التي كتبها علماؤهم من عند أنفسهم ثم 14/ب أضافوها إلى الله عز وجل من تغيير نعت النبي صلى الله عليه وسلم وغيره، وقال الحسن وأبو العالية: هي من التمني، وهي أمانيهم الباطلة التي تمنوها على الله عز وجل مثل قولهم \"لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى\"( 111-البقرة ) وقولهم: \"لن تمسنا النار إلا أياما معدودة\"( 80-البقرة ) وقولهم \"نحن أبناء الله وأحباؤه\"( 18-المائدة ) فعلى هذا تكون( إلا ) بمعنى( لكن ) أي لا يعلمون الكتاب لكن يتمنون أشياء لا تحصل لهم { وَإِنْ هُمْ } وما هم { إِلا يَظُنُّونَ } وما هم إلا يظنون ظنا وتوهما لا يقينا، قاله قتادة والربيع، قال مجاهد: يكذبون.\rقوله تعالى: { فَوَيْل } قال الزجاج: ويل كلمة يقولها كل واقع في هلكة، وقيل: هو دعاء الكفار على أنفسهم بالويل والثبور، وقال ابن عباس: شدة العذاب، وقال سعيد بن المسيب: ويل واد في جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا لانماعت من شدة حره.\rأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة أنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث أنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي أنا عبد الله بن محمود أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الخلال أنا عبد الله بن المبارك عن رشدين بن سعد [عن عمرو بن الحارث أنه حدث عن أبي السمح عن أبي الهيثم] (3) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"الويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره، والصعود جبل من نار يتصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوي فهو كذلك\" (4) .\r{ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا } وذلك أن أحبار اليهود خافوا ذهاب مأكلتهم وزوال رياستهم حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم وسلم المدينة، فاحتالوا في تعويق اليهود عن الإيمان به فعمدوا إلى صفته في التوراة، وكانت صفته فيها: حسن الوجه، حسن الشعر، أكحل العينين، ربعة، فغيروها وكتبوا مكانها طوال أزرق سبط الشعر فإذا سألهم سفلتهم عن صفته قرءوا ما كتبوا فيجدونه مخالفا لصفته فيكذبونه وينكرونه، قال الله تعالى: { فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ } يعني ما كتبوا\r__________\r(1) في ب: إلا قراءة وتلاوة.\r(2) زيادة من (ب).\r(3) ساقط من \"أ\" وهو في \"ب\" وشرح السنة.\r(4) أخرجه الترمذي: في التفسير - سورة الأنبياء: 9 / 5 وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث ابن لهيعة وأحمد: 3 / 75 وفي شرح السنة: 15 / 247. (وفي سنده: رشدين بن سعد ودراج بن سمعان وكلاهما ضعيف). انظر الضعفاء والمتروكين ص102،107. ميزان الاعتدال 2 / 24 و49. الجرح والتعديل 3 / 441 - 513 تهذيب التهذيب 3 / 208 - 277 التقريب 1 / 235-251.","part":1,"page":115},{"id":120,"text":"بأنفسهم اختراعا من تغيير نعت محمد صلى الله عليه وسلم { وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ } المآكل ويقال: من المعاصي.\r{ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) }\r{ وَقَالُوا } يعني اليهود { لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ } [لن تصيبنا النار] (1) { إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً } قدرا مقدرا ثم يزول عنا العذاب ويعقبه النعيم واختلفوا في هذه الآية، قال ابن عباس ومجاهد: كانت اليهود يقولون: هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب بكل ألف سنة يوما واحدا ثم ينقطع العذاب بعد سبعة أيام. وقال قتادة وعطاء: يعنون أربعين يوما التي عبد فيها آباؤهم العجل، وقال الحسن وأبو العالية: قالت اليهود: إن ربنا عتب علينا في أمرنا، فأقسم ليعذبنا أربعين يوما فلن تمسنا النار إلا أربعين يوما تحلة القسم، فقال الله عز وجل تكذيبا لهم: { قُلْ } يا محمد { أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ } ألف استفهام دخلت على ألف الوصل، عند الله { عَهْدًا } موثقا أن لا يعذبكم إلا هذه المدة { فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ } ووعده قال ابن مسعود: عهدا بالتوحيد، يدل عليه قوله تعالى: \"إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا\"( 87-مريم ) يعني: قوله لا إله إلا الله { أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ }\rثم قال { بَلَى } وبل وبلى: حرفا استدراك ومعناهما نفي الخبر الماضي وإثبات الخبر المستقبل { مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً } يعني الشرك { وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ } قرأ أهل المدينة خطيئاته بالجمع، والإحاطة الإحداق بالشيء من جميع نواحيه، قال ابن عباس وعطاء والضحاك وأبو العالية والربيع وجماعة: هي الشرك يموت عليه، وقيل: السيئة الكبيرة. والإحاطة به أن يصر عليها فيموت غير تائب، قاله عكرمة والربيع بن خيثم وقال مجاهد: هي الذنوب تحيط بالقلب، كلما أذنب ذنبا ارتفعت\r__________\r(1) ساقط من أ.","part":1,"page":116},{"id":121,"text":"( حتى تغشى ) (1) القلب وهي الرين. قال الكلبي: أوبقته ذنوبه، دليله قوله تعالى \"إلا أن يحاط بكم\"( 66-يوسف ) أي تهلكوا { فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }\rقوله تعالى: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } في التوراة، والميثاق العهد الشديد { لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ } قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي { لا يعبدون } بالياء وقرأ الآخرون بالتاء لقوله تعالى \"وقولوا للناس حسنا\" معناه ألا تعبدوا فلما حذف أن صار الفعل مرفوعا، وقرأ أبي بن كعب: لا تعبدوا إلا الله على النهي { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } أي ووصيناهم بالوالدين إحسانا، برا بهما وعطفا عليهما ونزولا عند أمرهما، فيما لا يخالف أمر الله تعالى { وَذِي الْقُرْبَى } أي وبذي القرابة والقربى مصدر كالحسنى { وَالْيَتَامَى } جمع يتيم وهو الطفل الذي لا أب له { وَالْمَسَاكِينِ } يعني الفقراء { وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا } صدقا وحقا في شأن محمد صلى الله عليه وسلم فمن سألكم عنه فاصدقوه وبينوا صفته ولا تكتموا أمره، هذا قول ابن عباس وسعيد بن جبير وابن جريج ومقاتل، وقال سفيان الثوري: مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر، وقيل: هو اللين في القول والمعاشرة بحسن الخلق. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب: حسنا بفتح الحاء والسين أي قولا حسنا { وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ } أعرضتم عن العهد والميثاق { إِلا قَلِيلا مِنْكُمْ } وذلك أن قوما منهم آمنوا { وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ } كإعراض آبائكم.\r__________\r(1) في الأصل حتى يقسو وفي ب حتى تغشى.","part":1,"page":117},{"id":122,"text":"{ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (86) }\rقوله عز وجل { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ } أي لا تريقون دماءكم أي: لا يسفك بعضكم دم بعض، وقيل: لا تسفكوا دماء غيركم فتسفك دماءكم، فكأنكم سفكتم دماء أنفسكم، { وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ } أي لا يخرج بعضكم بعضا من داره، وقيل: لا تسيئوا جوار من جاوركم فتلجؤوهم إلى الخروج بسوء جواركم { ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ } بهذا العهد أنه حق وقبلتم { وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ } اليوم على ذلك يا معشر اليهود وتقرون بالقبول.\rقوله عز وجل { ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ } يعني: يا هؤلاء، وهؤلاء للتنبيه { تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ } أي( يقتل ) (1) بعضكم بعضا { وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ } بتشديد الظاء أي تتظاهرون\r__________\r(1) ساقط من الأصل.","part":1,"page":117},{"id":123,"text":"أدغمت التاء في الظاء، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف الظاء فحذفوا تاء التفاعل وأبقوا تاء الخطاب كقوله تعالى: \"ولا تعاونوا\" معناهما جميعا: تتعاونون، والظهير: العون { بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ } المعصية والظلم { وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى } وقرأ حمزة: اسرى، وهما جمع أسير، ومعناهما واحد { تُفَادُوهُم } بالمال وتنقذوهم وقرأ أهل المدينة وعاصم والكسائي ويعقوب( تفادوهم ) أي تبادلوهم، أراد: مفاداة الأسير بالأسير، وقيل: معنى القراءتين واحد.\rومعنى الآية قال السدي: إن الله تعالى أخذ على بني إسرائيل في التوراة أن لا يقتل بعضهم بعضا، ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم، وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام من ثمنه وأعتقوه، فكانت قريظة حلفاء الأوس، والنضير حلفاء الخزرج، وكانوا يقتتلون في حرب سمير؟ فيقاتل بنو قريظة وحلفاؤهم وبنو النضير وحلفاؤهم وإذا غلبوا أخربوا ديارهم وأخرجوهم منها، وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه وإن كان الأسير من عدوهم، فتعيرهم العرب وتقول: كيف تقاتلونهم وتفدونهم قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم فيقولون: فلم تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نستحي أن يستذل حلفاؤنا، فعيرهم الله تعالى بذلك فقال: { ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ } وفي الآية تقديم وتأخير ونظمها { وتخرجون فريقا منكم من 15/أ ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان } { وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ } وإن يأتوكم أسارى تفادوهم، فكأن الله تعالى أخذ عليهم أربعة عهود: ترك القتال، وترك الإخراج، وترك المظاهرة عليهم مع أعدائهم، وفداء أسراهم، فأعرضوا عن الكل إلا الفداء.\rقال الله تعالى { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } قال مجاهد: يقول إن وجدته في يد غيرك فديته وأنت تقتله بيدك { فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ } يا معشر اليهود { إِلا خِزْيٌ } عذاب وهوان { فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } فكان خزي قريظة القتل والسبي وخزي النضير الجلاء والنفي من منازلهم إلى أذرعات وأريحاء من الشام { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ } عذاب النار { وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ","part":1,"page":118},{"id":124,"text":"عما تعملون } قرأ ابن كثير ونافع( وأبو بكر ) (1) بالياء والباقون بالتاء\rقوله عز وجل: { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا } استبدلوا { الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ } يهون { عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ } يمنعون من عذاب الله عز وجل.\r{ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ (88) }\r__________\r(1) ساقط من الأصل.","part":1,"page":119},{"id":125,"text":"{ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90) }\r{ وَلَقَدْ آتَيْنَا } أعطينا { مُوسَى الْكِتَابَ } التوراة، جملة واحدة { وقفينا } وأتبعنا { مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ } رسولا بعد رسول { وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ } الدلالات الواضحات وهي ما ذكر الله في سورة آل عمران والمائدة وقيل: أراد الإنجيل { وَأَيَّدْنَاه } قويناه { بِرُوحِ الْقُدُسِ } قرأ ابن كثير القدس بسكون الدال والآخرون بضمها وهما لغتان مثل الرعب والرعب، واختلفوا في روح القدس، قال الربيع وغيره: أراد بالروح الذي نفخ فيه، والقدس هو الله أضافه إلى نفسه تكريما وتخصيصا نحو بيت الله، وناقة الله، كما قال: \"فنفخنا فيه من روحنا\"( 12-التحريم ) [وروح منه] (1) ( 171-النساء ) وقيل: أراد بالقدس الطهارة، يعني الروح الطاهرة سمى روحه قدسا، لأنه لم تتضمنه أصلاب الفحولة ولم تشتمل عليه أرحام الطوامث، إنما كان أمرا من أمر الله تعالى، قال قتادة والسدي والضحاك: روح القدس جبريل عليه السلام قيل: وصف جبريل بالقدس أي بالطهارة لأنه لم يقترف ذنبا، وقال الحسن: القدس هو الله وروحه جبريل قال الله تعالى: \"قل نزله روح القدس من ربك بالحق\"( 102-النحل )\r__________\r(1) زيادة من ب.","part":1,"page":119},{"id":126,"text":"وتأييد عيسى بجبريل عليهما السلام أنه أمر أن يسير معه حيث سار حتى صعد به الله { إلى السماء } (1) وقيل: سمي جبريل عليه السلام روحا للطافته ولمكانته من الوحي الذي هو سبب حياة القلوب، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: روح القدس هو اسم الله تعالى الأعظم به كان يحيي الموتى ويري الناس به العجائب، وقيل: هو الإنجيل جعل له روحا كما { جعل القرآن روحا لمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه سبب لحياة القلوب } (2) قال تعالى: \"وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا\"( 52-الشورى ) فلما سمع اليهود ذكر عيسى عليه السلام فقالوا: يا محمد لا مثل عيسى -كما تزعم-عملت، ولا كما تقص علينا من الأنبياء فعلت، فأتنا بما أتى به عيسى إن كنت صادقا.\rقال الله تعالى: { أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ } يا معشر اليهود { رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ } تكبرتم وتعظمتم عن الإيمان { فَفَرِيقًا } طائفة { كَذَّبْتُم } مثل عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم { وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ } أي قتلتم مثل زكريا ويحيى وشعيبا وسائر من قتلوه من الأنبياء عليهم السلام\r{ وَقَالُوا } يعني اليهود { قُلُوبُنَا غُلْفٌ } جمع الأغلف وهو الذي عليه غشاء، معناه عليها غشاوة فلا تعي ولا تفقه ما تقول، قاله مجاهد وقتادة، نظيره قوله تعالى: \"وقالوا قلوبنا في أكنة\"( 5-فصلت ) وقرأ ابن عباس غلف بضم اللام وهي قراءة الأعرج وهو جمع غلاف أي قلوبنا أوعية لكل علم فلا تحتاج إلى علمك قاله ابن عباس وعطاء وقال الكلبي: معناه أوعية لكل علم فلا تسمع حديثا إلا تعيه إلا حديثك لا تعقله ولا تعيه ولو كان فيه { خير } (3) لوعته وفهمته.\rقال الله عز وجل { بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ } طردهم الله وأبعدهم عن كل خير { بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ } قال قتادة: معناه لن يؤمن منهم إلا قليل لأن من آمن من المشركين أكثر ممن آمن من اليهود، أي فقليلا يؤمنون، ونصب قليلا [على الحال وقال معمر: لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم ويكفرون بأكثره، أي فقليل يؤمنون ونصب قليلا] (4) بنزع الخافض، و( ما ) صلة على قولهما، وقال الواقدي: معناه لا يؤمنون قليلا ولا كثيرا كقول الرجل للآخر: ما أقل ما تفعل كذا أي لا تفعله أصلا\r{ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } يعني القرآن { مُصَدِّق } موافق { لِمَا مَعَهُمْ } يعني التوراة { وَكَانُوا } يعني اليهود { مِنْ قَبْلُ } قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم { يَسْتَفْتِحُون } يستنصرون { عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا } على مشركي العرب، وذلك أنهم كانوا يقولون إذا حزبهم أمر ودهمهم عدو: اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان، الذي نجد صفته في التوراة، فكانوا ينصرون، وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين قد أظل زمان نبي يخرج\r__________\r(1) في الأصل: إلى موسى وفي (ب) إلى السماء.\r(2) في الأصل: كما جعل له القرآن روحا مع نقص الآية: (وكذلك .......).\r(3) ساقط من الأصل.\r(4) ساقط من الأصل أ.","part":1,"page":120},{"id":127,"text":"بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وثمود وإرم { فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم من غير بني إسرائيل وعرفوا نعته وصفته { كَفَرُوا بِهِ } بغيا وحسدا. { فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ }\r{ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ } بئس ونعم: فعلان ماضيان وضعا للمدح والذم، لا يتصرفان تصرف الأفعال، معناه: بئس الذي اختاروا لأنفسهم حين استبدلوا الباطل بالحق. وقيل: الاشتراء هاهنا بمعنى البيع والمعنى بئس ما باعوا به حظ أنفسهم أي حين اختاروا الكفر { وبذلوا أنفسهم للنار } (1) { أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ } يعني القرآن { بَغْيًا } أي حسدا وأصل البغي: الفساد ويقال بغى الجرح إذا فسد والبغي: الظلم، وأصله الطلب، والباغي طالب الظلم، والحاسد يظلم المحسود جهده، طلبا لإزالة نعمة الله تعالى عنه { أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } أي النبوة والكتاب { عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } محمد صلى الله عليه وسلم، قرأ أهل مكة والبصرة ينزل بالتخفيف إلا { في سبحان الذي } في موضعين \"وننزل من القرآن\"( 82-الإسراء ) و\"حتى تنزل\"( 93-الإسراء ) فإن ابن كثير يشددهما، وشدد البصريون في الأنعام \"على أن ينزل آية\"( 37-الأنعام ) زاد يعقوب تشديد { بما ينزل } في النحل ووافق حمزة والكسائي في تخفيف { وينزل الغيث } في سورة لقمان وحم عسق، والآخرون يشددون الكل، ولم يختلفوا في تشديد \"وما ننزله إلا بقدر\" في الحجر( 21 ) { فَبَاءُوا بِغَضَبٍ } أي رجعوا بغضب { عَلَى غَضَبٍ } قال ابن عباس ومجاهد: الغضب الأول بتضييعهم التوراة وتبديلهم، والثاني بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، وقال قتادة: الأول بكفرهم بعيسى الإنجيل، والثاني بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، وقال السدي: الأول بعبادة العجل والثاني بالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم { وَلِلْكَافِرِينَ } الجاحدين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم من الناس كلهم { عَذَابٌ مُهِينٌ } مخز يهانون فيه.\r{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) }\rقوله تعالى { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ } يعني القرآن { قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا } يعني التوراة، يكفينا ذلك { وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ } أي بما سواه من الكتب كقوله عز وجل \"فمن ابتغى وراء ذلك\"( 7-المؤمنون ) أي سواه، وقال أبو عبيدة: [بما وراءه] (2) أي: بما سواه من الكتب { وَهُوَ الْحَقُّ } يعني القرآن { مُصَدِّقًا } نصب على الحال { لِمَا مَعَهُمْ } من التوراة { قُلْ } يا محمد { فَلِمَ تَقْتُلُونَ } أي قتلتم\r__________\r(1) في الأصل بذله.\r(2) وفي ب بما بعده.","part":1,"page":121},{"id":128,"text":"{ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ } ولم أصله لما فحذفت الألف فرقا بين الجر والاستفهام كقولهم فيم وبم؟ { إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } بالتوراة، وقد نهيتم فيها عن قتل الأنبياء عليهم السلام.\r{ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93) }","part":1,"page":122},{"id":129,"text":"{ قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) }\rقوله عز وجل { وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ } بالدلالات الواضحة والمعجزات الباهرة 15/ب { ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ }\r{ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا } أي استجيبوا وأطيعوا سميت الطاعة والإجابة سمعا على المجاورة لأنه سبب للطاعة والإجابة { قَالُوا سَمِعْنَا } { وَعَصَيْنَا } أمرك، وقيل: سمعنا بالأذن وعصينا بالقلوب، قال أهل المعاني: إنهم لم يقولوا هذا بألسنتهم ولكن لما سمعوه وتلقوه بالعصيان فنسب ذلك إلى القول اتساعا { وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ } أي حب العجل، أي معناه: أدخل في قلوبهم حب العجل وخالطها، كإشراب اللون لشدة الملازمة يقال: فلان مشرب اللون إذا اختلط بياضه بالحمرة، وفي القصص: أن موسى أمر أن يبرد العجل بالمبرد ثم يذره في النهر وأمرهم( بالشرب ) (1) منه فمن بقي في قلبه شيء من حب العجل ظهرت سحالة (2) الذهب على شاربه.\rقوله عز وجل { قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ } أن تعبدوا العجل من دون الله أي بئس إيمان يأمركم بعبادة العجل { إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } بزعمكم، وذلك أنهم قالوا: { نؤمن بما أنزل علينا } فكذبهم الله عز وجل.\r[قوله تعالى { قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ } وذلك أن اليهود ادعوا دعاوى باطلة مثل قولهم \"لن تمسنا النار إلا أياما معدودة\"( 80-البقرة ) \"وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو\r__________\r(1) في (ب) بالشرب.\r(2) السحالة: بالضم: ما سقط من الذهب والفضة إذا برد.","part":1,"page":122},{"id":130,"text":"نصارى\"( 111-البقرة ) وقولهم: \"نحن أبناء الله وأحباؤه\" (1) ( 18-المائدة ) فكذبهم الله عز وجل وألزمهم الحجة فقال: قل لهم يا محمد { إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله } يعني الجنة عند الله { خَالِصَة } أي خاصة { مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ } أي فأريدوه واسألوه لأن من علم أن الجنة مأواه حن إليها ولا سبيل إلى دخولها إلا بعد الموت فاستعجلوه بالتمني { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } في قولكم، وقيل: فتمنوا الموت أي ادعوا بالموت على الفرقة الكاذبة. وروي عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"لو تمنوا الموت لغص كل انسان منهم بريقه وما بقي على وجه الأرض يهودي إلا مات\" (2) .\r{ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96) }\rقال الله تعالى: { وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } لعلمهم أنهم في دعواهم كاذبون وأراد { بما قدمت أيديهم } أي ما قدموه من الأعمال وأضافها إلى اليد [دون سائر الأعضاء] (3) لأن أكثر جنايات الإنسان تكون باليد فأضيف إلى اليد أعماله وإن لم يكن لليد فيها عمل { وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ }\r{ وَلَتَجِدَنَّهُمْ } اللام لام القسم والنون تأكيد للقسم، تقديره: والله لتجدنهم يا محمد يعني اليهود { أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا } قيل: هو متصل بالأول، وأحرص من الذين أشركوا، وقيل: تم الكلام بقوله { على حياة } ثم ابتدأ { من الذين أشركوا } وأراد بالذين أشركوا المجوس قاله أبو العالية والربيع سموا مشركين لأنهم يقولون بالنور والظلمة.\r{ يَوَد } يريد ويتمنى { أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ } يعني تعمير ألف سنة وهي تحية المجوس فيما بينهم يقولون عش ألف سنة وكل ألف نيروز ومهرجان، يقول الله تعالى: اليهود أحرص على الحياة من المجوس الذي يقولون ذلك { وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ } مباعده { مِنَ الْعَذَابِ } النار { أَنْ يُعَمَّرَ } أي طول عمره لا ينقذه. [زحزحه وتزحزح] (4) من العذاب أو وزحزح: لازم ومتعد، ويقال زحزحته فتزحزح { وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ }\r__________\r(1) ساقط من (أ).\r(2) أخرجه الطبري موقوفا على ابن عباس: 2 / 363، وقال الشيخ شاكر: ولكنه مرفوع بالروايات الأخر. وقال ابن حجر في الكافي الشاف ص (9): \"وأخرج البيهقي في الدلائل من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهود: إن كنتم صادقين في مقالتكم فقولوا: اللهم أمتنا. فوالذي نفسي بيده لا يقولها رجل منكم إلا غص بريقه ومات مكانه\" الفتح السماوي 1 / 176.\r(3) ساقط من ب.\r(4) ساقط من ب.","part":1,"page":123},{"id":131,"text":"{ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَاسِقُونَ (99) }\rقوله عز وجل: { قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن حبرا من أحبار اليهود يقال له عبد الله بن صوريا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أي ملك { نزل } (1) من السماء؟ قال { جبريل } قال: ذلك عدونا من الملائكة ولو كان ميكائيل لآمنا بك، إن جبريل ينزل العذاب والقتال والشدة وإنه عادانا مرارا وكان من أشد ذلك علينا، [ أن الله تعالى أنزل على نبينا] (2) أن بيت المقدس سيخرب على يد رجل يقال له بختنصر، وأخبرنا بالحين الذي يخرب فيه، فلما كان وقته بعثنا رجلا من اقوياء بني إسرائيل في طلبه لقتله فانطلق حتى لقيه ببابل غلاما مسكينا فأخذه ليقتله فدفع عنه جبريل وكبر بختنصر وقوي وغزانا وخرب بيت المقدس فلهذا نتخذه عدوا فأنزل الله تعالى هذه الآية (3) .\rوقال مقاتل: قالت اليهود: إن جبريل عدونا لأنه أمر بجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا، وقال قتادة وعكرمة والسدي: كان لعمر بن الخطاب رضي الله عنه أرض بأعلى المدينة وممرها على مدارس اليهود فكان إذا أتى أرضه يأتيهم ويسمع منهم( كلاما ) (4) فقالوا له: ما في أصحاب محمد أحب إلينا منك، إنهم يمرون علينا فيؤذوننا وأنت لا تؤذينا وإنا لنطمع فيك فقال عمر: والله ما آتيكم لحبكم ولا أسألكم لأني شاك في ديني وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأرى آثاره في كتابكم [وأنتم تكتمونها] (5) فقالوا: من صاحب محمد الذي يأتيه من الملائكة؟ قال: جبريل فقالوا: ذلك عدونا يطلع محمدا على أسرارنا وهو صاحب كل عذاب وخسف وسنة وشدة، وإن ميكائيل إذا جاء جاء بالخصب والمغنم (6) فقال لهم عمر: تعرفون جبريل وتنكرون محمدا؟ قالوا: نعم قال: فأخبروني عن منزلة جبريل وميكائيل من\r__________\r(1) في ب يأتيك.\r(2) ساقط من (أ).\r(3) قال ابن حجر في الكافي الشاف ص(9): هكذا ذكره الثعلبي والواحدي والبغوي، فقالوا: \"روى ابن عباس: أن حبرا ...\" ولم أقف له على سند، ولعله من تفسير الكلبي عن أبي صالح عنه. وانظر: الوسيط في تفسير القرآن المجيد للواحدي: 1 / 158، وأسباب النزول للواحدي أيضا ص (26). الفتح السماوي 1 / 177-178.\r(4) ساقط من ب.\r(5) ساقطة من ب.\r(6) في ب والسلم.","part":1,"page":124},{"id":132,"text":"الله عز وجل؟ قالوا: جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره قال عمر: فإني أشهد أن من كان عدوا لجبريل فهو عدو لميكائيل، ومن كان عدوا لميكائيل فإنه عدو لجبريل، ومن كان عدوا لهما كان الله عدوا له، ثم رجع عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد جبريل قد سبقه بالوحي فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقال \"لقد وافقك ربك يا عمر\" فقال عمر: لقد رأيتني بعد ذلك، في دين الله أصلب من الحجر (1) .\rقال الله تعالى { قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ } يعني: جبريل { نزلَه } يعني: القرآن، كناية عن غير مذكور { عَلَى قَلْبِكَ } يا محمد { بِإِذْنِ اللَّهِ } بأمر الله { مُصَدِّقًا } موافقا { لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } لما قبله من الكتب { وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ }\rقوله عز وجل: { مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ } خصهما بالذكر من جملة الملائكة مع دخولهما في قوله { وَمَلائِكَتِه } تفضيلا وتخصيصا، كقوله تعالى \"فيهما فاكهة ونخل ورمان\"( 68-الرحمن ) خص النخل والرمان بالذكر مع دخولهما في ذكر الفاكهة، والواو فيهما بمعنى: أو، يعني من كان عدوا لأحد هؤلاء فإنه عدو للكل، لأن الكافر بالواحد كافر بالكل { فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ } قال عكرمة: جير وميك وإسراف هي العبد بالسريانية، وايل هو الله تعالى ومعناهما عبد الله وعبد الرحمن. وقرأ ابن كثير جبريل بفتح الجيم غير مهموز بوزن فعليل قال حسان: وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء\rوقرأ حمزة والكسائي بالهمز والإشباع بوزن سلسبيل، وقرأ أبو بكر بالاختلاس، وقرأ الآخرون بكسر الجيم غير مهموز، وميكائيل قرأ أبو عمرو ويعقوب وحفص ميكال بغير همز قال جرير: عبدوا الصليب وكذبوا بمحمد ... وبجبرائيل وكذبوا ميكالا (2)\rوقال آخر: ويوم بدر لقيناكم لنا مدد ... فيه مع النصر جبريل وميكال (3)\rوقرأ نافع: بالهمزة والاختلاس، بوزن ميفاعل، وقرأ الآخرون: بالهمز والإشباع بوزن ميكائيل، وقال ابن صوريا: ما جئتنا بشيء نعرفه، فأنزل الله تعالى (4)\r{ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ } واضحات\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 2 / 384. وعزاه ابن حجر للواحدي في أسباب النزول من رواية داود بن أبي هند عن الشعبي، وهو عنده في ص 27-28، وذكره أيضا، في التفسير: 1 / 160 وانظر: الكافي الشاف ص (9). الفتح السماوي 1 / 178.\r(2) البيت لجرير، وهو في ديوانه ص 450، ونقائض جرير والأخطل ص (87)، وانظر: تفسير الطبري: 2 / 388، تفسير الواحدي: 1 / 159.\r(3) انظر: تفسير القرطبي: 2 / 38، تفسير الواحدي: 1 / 159.\r(4) الأثر أخرجه الطبري: 2 / 398 من طريق ابن إسحاق: وهو في السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 196، مع شرحها الروض الأنف. وانظر: الكافي الشاف ص (9). الفتح السماوي 1 / 179.","part":1,"page":125},{"id":133,"text":"مفصلات بالحلال والحرام والحدود والأحكام { وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلا الْفَاسِقُونَ } الخارجون عن أمر الله عز وجل.\r{ أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101) }\rقوله تعالى { أَوَكُلَّمَا } واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام { عَاهَدُوا عَهْدًا } يعني اليهود عاهدوا لئن خرج محمد ليؤمنن به، فلما خرج كفروا به.\rقال ابن عباس رضي الله عنهما: لما ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخذ الله عليهم( من الميثاق ) (1) وعهد إليهم في محمد أن يؤمنوا، به قال مالك بن الصيف: والله ما عهد إلينا في محمد عهد، فأنزل الله تعالى هذه الآية (2) يدل عليه قراءة أبي رجاء العطاردي \"أو كلما عاهدوا\" فجعلهم مفعولين، وقال عطاء: هي العهود التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين اليهود 16/أ أن لا يعاونوا المشركين على قتاله فنقضوها كفعل بني قريظة والنضير (3) دليله قوله تعالى \"الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم\"( 56-الأنفال )، { نَبَذَه } طرحه ونقضه { فَرِيقٌ } طوائف { مِنْهُم } اليهود { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ }\r__________\r(1) ساقط من ب.\r(2) الأثر أخرجه الطبري: 2 / 401، وهو في سيرة ابن هشام: 2 / 196.\r(3) العبارة بنصها في الواحدي: 1 / 162 مع زيادة. وانظر: القرطبي: 2 / 40، البحر المحيط: 1 / 323.","part":1,"page":126},{"id":134,"text":"{ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103) }\r{ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } يعني محمدا { مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ } يعني التوراة وقيل: القرآن { كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ } قال الشعبي: كانوا يقرءون التوراة ولا يعملون بها، وقال سفيان بن عيينة: أدرجوها في الحرير والديباج وحلوها بالذهب والفضة ولم يعملوا بها فذلك نبذهم لها (1)\rقوله تعالى: { وَاتَّبَعُوا } يعني اليهود { مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ } أي: ما تلت، والعرب تضع المستقبل موضع الماضي، والماضي موضع المستقبل، وقيل: ما كنت تتلو أي تقرأ، قال ابن عباس رضي الله عنه:\r__________\r(1) تفسير الواحدي 1 / 163، القرطبي: 1 / 16، القرطبي: 2 / 41، البحر المحيط: 1 / 325.","part":1,"page":126},{"id":135,"text":"تتبع وتعمل به، وقال عطاء تحدث وتكلم به { عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ } أي: في ملكه وعهده.\rوقصة الآية (1) أن الشياطين كتبوا السحر والنيرنجيات (2) على لسان آصف بن برخيا هذا ما علم آصف بن برخيا سليمان الملك، ثم دفنوها تحت مصلاه حتى نزع الله الملك عنه ولم يشعر بذلك سليمان فلما مات استخرجوها وقالوا للناس: إنما ملكهم سليمان بها فتعلموه فأما علماء بني إسرائيل وصلحاؤهم فقالوا: معاذ الله أن يكون هذا من علم الله (3) وأما السفلة، فقالوا: هذا علم سليمان، وأقبلوا على تعلمه، ورفضوا كتب أنبيائهم، وفشت الملامة على سليمان فلم يزل هذا حالهم وفعلهم حتى\r__________\r(1) ساق ابن كثير رحمه الله جملة من الروايات في تفسير الآية ثم قال: \"وقد روي في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين: كمجاهد والسدي والحسن البصري وقتادة، وأبي العالية والزهري، والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين، من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسراائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم، الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن، على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال\". تفسير ابن كثير: 1 / 249-250. وقال القاضي عياض رحمه الله عن هاروت وماروت .. \"وما ذكر فيها أهل الأخبار ونقلة المفسرين، وما روى عن علي وابن عباس في خيرهما وابتلائهما - بمحبة المرأة وعقابهما على ما فعلا، وما وقع من السحر: فاعلم - أكرمك الله - أن هذه الأخبار لم يرو منها شيء لا سقيم ولا صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس هو شيئا يؤخذ بقياس. والذي منه في القرآن: اختلف المفسرون في معناه، وأنكر ما قال بعضهم فيه كثير من السلف، وهذه الأخبار من كتب اليهود وافترائهم، كما نصه الله أول الآيات منها وافترائهم بذلك على سليمان وتكفيرهم إياه. وقد انطوت القصة على شنع عظيمة، وهانحن نحبر في ذلك ما يكشف غطاء هذه الإشكالات، إن شاء الله\" ثم ذكر ما يزيف القصة ويبطلها من عدة وجوه انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض: 2 / 853-859. وبعد أن ذكر ابن عطية في تفسيره الروايات عن القصة قال: \"وهذا كله ضعيف وبعيدا على ابن عمر رضي الله عنهما\" انظر: المحرر الوجيز لابن عطية: 1 / 420. وانظر أيضا ما ذكره الشيخ جمال الدين القاسمي رحمه الله في تفسيره: وابن العربي في أحكام القرآن: 1 / 27-30، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن 2 / 52. ومع ورود بعض الروايات في المسند للإمام أحمد أو غيره، فإنها روايات ضعيفة، لا تعارض الأخبار الصحيحة والقواعد المقررة عن عصمة الملائكة عليهم السلام وإن سكت عنها الإمام الطبري والثعلبي والبغوي. وانظر: لباب التفسير لمحمود بن حمزة الكرماني 1 / 369. تحقيق د. ناصر بن سليمان العمر.\r(2) وهو أخذ كالسحر، وليس به، وإنما هو تشيبه وتلبيس. القاموس.\r(3) هكذا جاء في نسخة (أ) وفي ب (سليمان) وكذلك المطبوع، وهو الصحيح.","part":1,"page":127},{"id":136,"text":"بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه براءة سليمان، هذا قول الكلبي.\rوقال السدي: كانت الشياطين تصعد إلى السماء، فيسمعون كلام الملائكة فيما يكون في الأرض من موت وغيره، فيأتون الكهنة ويخلطون بما يسمعون في كل كلمة سبعين كذبة ويخبرونهم بها [فكتب ذلك] (1) وفشا في بني إسرائيل أن الجن يعلمون الغيب، فبعث سليمان في الناس وجمع تلك الكتب وجعلها في صندوق ودفنه تحت كرسيه وقال: لا أسمع أحدا يقول إن الشيطان يعلم الغيب إلا ضربت عنقه، فلما مات سليمان وذهب العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان ودفنه الكتب، وخلف من بعدهم خلف، تمثل الشيطان على صورة إنسان فأتى نفرا من بني إسرائيل فقال: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدا قالوا: نعم فذهب معهم فأراهم المكان الذي تحت كرسيه، فحفروا فأقام ناحية فقالوا له: ادن وقال: لا أحضر، فإن لم تجدوه فاقتلوني، وذلك أنه لم يكن أحد من الشياطين يدنو من الكرسي إلا احترق، فحفروا وأخرجوا تلك الكتب، فقال الشيطان لعنه الله: إن سليمان كان يضبط الجن والإنس والشياطين والطير بهذا، ثم طار الشيطان عنهم، وفشا في الناس أن سليمان كان ساحرا، وأخذوا تلك الكتب( واستعملوها ) (2) فلذلك أكثر ما يوجد السحر في اليهود، فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم برأ الله تعالى سليمان من ذلك، وأنزل في عذر سليمان: { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ } بالسحر، وقيل: لم يكن سليمان كافرا بالسحر ويعمل به { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا } قرأ ابن عباس رضي الله عنه والكسائي وحمزة، \"لكن\" خفيفة النون \"والشياطين\" رفع، وقرأ الآخرون ولكن مشددة النون \"والشياطين\" نصب وكذلك \"ولكن الله قتلهم\"( 17-الأنفال )ومعنى لكن: نفي الخبر الماضي وإثبات المستقبل.\r{ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ } قيل: معنى السحر العلم والحذق بالشيء قال الله تعالى \"وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك\"( 49-الزخرف ) أي العالم، والصحيح: أن السحر عبارة عن التمويه والتخييل، والسحر وجوده حقيقة عند أهل السنة، وعليه أكثر الأمم، ولكن العمل به كفر، حكي عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: السحر يخيل ويمرض وقد يقتل، حتى أوجب القصاص على من قتل به فهو من عمل الشيطان، يتلقاه الساحر منه بتعليمه إياه، فإذا تلقاه منه استعمله في غيره، وقيل: إنه يؤثر في قلب الأعيان فيجعل الآدمي على صورة الحمار ويجعل الحمار على صورة الكلب، والأصح أن ذلك تخييل قال الله تعالى: \"يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى\"( 66-طه ) لكنه يؤثر في الأبدان بالأمراض والموت والجنون، وللكلام تأثير في الطباع والنفوس وقد يسمع الإنسان ما يكره فيحمى ويغضب وربما يحم منه،\r__________\r(1) وفي (ب) فاكتتب الناس ذلك.\r(2) ساقطة من (ب).","part":1,"page":128},{"id":137,"text":"وقد مات قوم بكلام سمعوه فهو بمنزلة العوارض والعلل التي تؤثر في الأبدان (1) .\rقوله عز وجل { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ } أي ويعلمون الذي أنزل على الملكين [أي إلهاما وعلما، فالإنزال بمعنى الإلهام والتعليم، وقيل: واتبعوا ما أنزل على الملكين] (2) وقرأ ابن عباس والحسن الملكين بكسر اللام، وقال ابن عباس: هما رجلان ساحران كانا ببابل، وقال الحسن: علجان (3) لأن الملائكة لا يعلمون السحر.\rوبابل هي بابل العراق سميت بابل لتبلبل الألسنة بها عند سقوط صرح نمرود أي تفرقها، قال ابن مسعود: بابل أرض الكوفة، وقيل جبل دماوند، والقراءة المعروفة على الملكين بالفتح. فإن قيل كيف يجوز تعليم السحر من الملائكة؟ قيل: له تأويلان: أحدهما، أنهما لا يتعمدان التعليم لكن يصفان السحر ويذكران بطلانه ويأمران باجتنابه، والتعليم بمعنى الإعلام، فالشقي يترك نصيحتهما ويتعلم السحر من صنعتهما.\rوالتأويل الثاني: وهو الأصح: أن الله تعالى امتحن الناس بالملكين في ذلك الوقت فمن شقى يتعلم السحر منهما [ويأخذه عنهما ويعمل به] (4) فيكفر به، ومن سعد يتركه فيبقى على الإيمان، ويزداد المعلمان بالتعليم عذابا، ففيه ابتلاء للمعلم [والمتعلم] (5) ولله أن يمتحن عباده بما شاء، فله الأمر والحكم.\rقوله عز وجل { هَارُوتَ وَمَارُوتَ } اسمان سريانيان وهما في محل الخفض على تفسير الملكين إلا أنهما نصبا لعجمتهما ومعرفتهما، وكانت قصتهما على ما ذكر ابن عباس والمفسرون (6) أن الملائكة رأوا ما يصعد إلى السماء من أعمال بني آدم الخبيثة في زمن إدريس عليه السلام فعيروهم وقالوا: هؤلاء الذين جعلتهم في الأرض خليفة واخترتهم فهم يعصونك فقال الله تعالى: لو أنزلتكم إلى الأرض وركبت فيكم ما ركبت فيهم لركبتم مثل ما ركبوا فقالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نعصيك قال لهم الله تعالى: فاختاروا ملكين من خياركم أهبطهما إلى الأرض، فاختاروا هاروت وماروت وكانا من أصلح الملائكة وأعبدهم، وقال الكلبي: قال الله تعالى لهم: اختاروا ثلاثة فاختاروا عزا وهو هاروت وعزايا وهو ماروت -غير اسمهما لما قارفا الذنب -وعزائيل، فركب الله فيهم الشهوة وأهبطهم إلى الأرض وأمرهم أن يحكموا بين الناس بالحق\r__________\r(1) انظر تفصيل ذلك فيما بسطه ابن كثير من مسائل حول حقيقة السحر وحكم تعاطيه وتعلمه ... في التفسير: 1 / 252-261، أحكام القرآن للجصاص: 1 / 50-72.\r(2) زيادة من (ب).\r(3) العلج: الرجل الضخم من كفار العجم.\r(4) ساقط من (ب).\r(5) ساقطة من (ب).\r(6) راجع فيما سبق هامش (1) ص (127). وما قاله المحققون من المفسرين في رد هذه الروايات الإسرائيلية.","part":1,"page":129},{"id":138,"text":"ونهاهم عن الشرك والقتل بغير الحق والزنا وشرب الخمر، فأما عزائيل فإنه لما وقعت الشهوة في قلبه استقبل ربه وسأله أن يرفعه إلى السماء، فأقاله فسجد أربعين سنة لم يرفع رأسه، ولم يزل بعد مطأطئا رأسه حياء من الله تعالى.\rوأما الآخران: فإنهما ثبتا على ذلك وكانا يقضيان بين الناس يومهما، فإذا أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم وصعدا إلى السماء، قال قتادة: فما مر عليهما شهر حتى افتتنا. قالوا جميعا إنه اختصمت إليهما ذات يوم الزهرة وكانت من أجمل النساء، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: وكانت من أهل فارس وكانت ملكة في بلدها فلما رأياها أخذت بقلوبهما فراوداها عن نفسها فأبت وانصرفت ثم عادت في اليوم الثاني ففعلا مثل ذلك فأبت وقالت: لا إلا أن تعبدا ما أعبد وتصليا لهذا الصنم وتقتلا النفس وتشربا الخمر فقالا لا سبيل إلى هذه الأشياء فإن الله تعالى قد نهانا عنها، فانصرفت ثم عادت في اليوم الثالث ومعهأ 16/ب قدح من خمر، وفي أنفسهما من الميل إليها ما فيها فراوداها عن نفسها فعرضت عليهما ما قالت بالأمس فقالا الصلاة لغير الله عظيم، وقتل النفس عظيم، وأهون الثلاثة شرب الخمر، فشربا الخمر فانتشيا ووقعا بالمرأة، فزنيا فلما فرغا رآهما إنسان فقتلاه، قال الربيع بن أنس وسجدا للصنم فمسخ الله الزهرة كوكبا -وقال بعضهم: جاءتهما امرأة من أحسن الناس تخاصم زوجها فقال أحدهما للآخر: هل سقط في نفسك مثل الذي سقط في نفسي( من حب هذه ) (1) ؟ قال: نعم فقال: وهل لك أن تقضي لها على زوجها بما تقول؟ فقال له صاحبه: أما تعلم ما عند الله من العقوبة والعذاب؟ فقال له صاحبه: أما تعلم ما عند الله من العفو والرحمة فسألاها نفسها، فقالت: لا إلا أن تقتلاه فقال أحدهما: أما تعلم ما عند الله من العقوبة والعذاب؟ فقال صاحبه: أما تعلم ما عند الله من العفو والرحمة فقتلاه ثم سألاها نفسها، فقالت: لا إن لي صنما أعبده، إن أنتما صليتما معي له: فعلت، فقال: أحدهما لصاحبه مثل القول الأول فقال صاحبه مثله، فصليا معها له فمسخت شهابا.\rقال ابن أبي طالب رضي الله عنه والكلبي والسدي: إنها قالت لهما حين سألاها نفسها: لن تدركاني حتى تخبراني بالذي تصعدان به إلى السماء فقالا باسم الله الأكبر، قالت: فما أنتم تدركاني حتى تعلمانيه، فقال أحدهما لصاحبه: علمها فقال: إني أخاف الله رب العالمن، قال الآخر: فأين رحمة الله تعالى؟ فعلماها ذلك فتكلمت، فصعدت إلى السماء فمسخها الله كوكبا، فذهب بعضهم إلى أنها الزهرة بعينها وأنكر الآخرون هذا وقالوا: إن الزهرة من الكواكب السبعة السيارة التي أقسم الله بها فقال \"فلا أقسم بالخنس الجواري الكنس\"( 15-التكوير ) والتي فتنت هاروت وماروت امرأة كانت تسمى الزهرة لجمالها فلما بغت مسخها الله تعالى شهابا، قالوا: فلما أمسى هاروت وماروت بعدما قارفا الذنب\r__________\r(1) ساقطة من ب.","part":1,"page":130},{"id":139,"text":"هما بالصعود إلى السماء فلم تطاوعهما أجنحتهما، فعلما ما حل بهما( من الغضب ) (1) فقصدا إدريس النبي عليه السلام، فأخبراه بأمرهما وسألاه أن يشفع لهما إلى الله عز وجل وقالا له: إنا رأيناك يصعد لك من العبادات مثل ما يصعد لجميع أهل الأرض فاستشفع لنا، إلى ربك ففعل ذلك إدريس عليه السلام فخيرهما الله بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا إذ علما أنه ينقطع فهما ببابل يعذبان.\rواختلفوا في كيفية عذابهما فقال عبد الله بن مسعود: هما معلقان بشعورهما إلى قيام الساعة، وقال عطاء بن أبي رباح: رءوسهما مصوبة تحت أجنحتهما، وقال قتادة( كبلا ) (2) من أقدامهما إلى أصول أفخاذهما، وقال مجاهد: جعلا في جب ملئت نارا، وقال عمر بن سعد: منكوسان يضربان بسياط من الحديد.\rوروي أن رجلا قصد هاروت وماروت لتعلم السحر فوجدهما معلقين بأرجلهما، مزرقة أعينهما، مسودة جلودهما، ليس بين ألسنتهما وبين الماء إلا أربع أصابع وهما يعذبان بالعطش، فلما رأى ذلك هاله مكانهما فقال: لا إله إلا الله، فلما سمعا كلامه قالا له: من أنت؟ قال: رجل من الناس، قالا من أي أمة أنت؟ قال: من أمة محمد صلى الله عليه وسلم قالا أو قد بعث محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم قالا الحمد لله، وأظهر الاستبشار فقال الرجل: ومم استبشاركما؟ قالا إنه نبي الساعة وقد دنا انقضاء عذابنا.\rقوله تعالى: { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ } أي أحدا، و\"من\" صلة { حَتَّى } ينصحاه أولا و { يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ } ابتلاء ومحنة { فَلا تَكْفُرْ } أي لا تتعلم السحر فتعمل به فتكفر، وأصل الفتنة: الاختبار والامتحان، من قولهم: فتنت الذهب والفضة إذا أذبتهما بالنار، ليتميز الجيد من الرديء وإنما وحد الفتنة وهما اثنان، لأن الفتنة مصدر، والمصادر لا تثنى ولا تجمع، وقيل: إنهما يقولان \"إنما نحن فتنة فلا تكفر\" سبع مرات.\rقال عطاء والسدي: فإن أبى إلا التعلم قالا له: ائت هذا الرماد( وأقبل عليه ) (3) فيخرج منه نور ساطع في السماء فذلك نور المعرفة، وينزل شيء أسود شبه الدخان حتى يدخل مسامعه وذلك غضب الله تعالى، قال مجاهد: إن هاروت وماروت لا يصل إليهما أحد ويختلف فيما بينهما شيطان في كل مسألة اختلافة واحدة، { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ } أن( يؤخذ ) (4) كل واحد عن\r__________\r(1) ساقطة من ب.\r(2) في ب كتلا.\r(3) في ب فبل عليه.\r(4) في أ يأخذ، ويقال: أخذه تأخيذا، والتأخيذ: حبس السواحر أزواج النساء عن غيرهن من النساء، ويقال لهذه الحيلة: الأخذة - بضم فسكون\" [انظر: لسان العرب مادة: أخذ].","part":1,"page":131},{"id":140,"text":"صاحبه، ويبغض كل واحد إلى صاحبه قال الله تعالى: { وَمَا هُمْ } قيل أي: السحرة وقيل: الشياطين { بِضَارِّينَ بِهِ } أي بالسحر { مِنْ أَحَدٍ } أي أحدا، { إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ } أي: بعلمه وتكوينه، فالساحر يسحر والله يكون.\rقال سفيان الثوري: معناه إلا بقضائه وقدرته ومشيئته، { وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ } يعني: أن السحر يضرهم { وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا } يعني اليهود { لَمَنِ اشْتَرَاهُ } أي اختار السحر { مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ } أي في الجنة من نصيب { وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ } باعوا به { أَنْفُسَهُم } حظ أنفسهم، حيث اختارواالسحر والكفر على الدين والحق { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } فإن قيل: أليس قد قال \"ولقد علموا لمن اشتراه\" فما معنى قوله تعالى \"لو كانوا يعلمون\" بعدما أخبر أنهم علموا؟ قيل: أراد بقوله \"ولقد علموا\" يعني الشياطين وقوله \"لو كانوا يعلمون\" يعني اليهود وقيل: كلاهما في اليهود يعني: لكنهم لما لم يعلموا بما علموا فكأنهم لم يعلموا\r{ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا } بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن { وَاتَّقَوْا } اليهودية والسحر { لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ } لكان ثواب الله إياهم خيرا لهم { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) }\rقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا } وذلك أن المسلمين كانوا يقولون راعنا يا رسول الله، من المراعاة أي أرعنا سمعك، أي فرغ سمعك لكلامنا، يقال: أرعى إلى الشيء، ورعاه، وراعاه، أي أصغى إليه واستمعه، وكانت هذه اللفظة( شيئا ) (1) قبيحا بلغة اليهود، وقيل: كان معناها عندهم اسمع لا سمعت.\rوقيل: هي من الرعونة إذا أرادوا أن يحمقوا إنسانا قالوا له: راعنا بمعنى يا أحمق! فلما سمع اليهود هذه اللفظة من المسلمين قالوا فيما بينهم: كنا نسب محمدا سرا، فأعلنوا به الآن، فكانوا يأتونه ويقولون: راعنا يا محمد، ويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعد بن معاذ (2) ففطن لها، وكان يعرف لغتهم، فقال لليهود: لئن سمعتها من أحدكم يقولها لرسول صلى الله عليه وسلم لأضربن عنقه، فقالوا: أولستم تقولونها؟ فأنزل الله تعالى { لا تَقُولُوا رَاعِنَا }\r__________\r(1) وفي ب سبأ.\r(2) في أسباب النزول: سعد بن عبادة.","part":1,"page":132},{"id":141,"text":"كيلا يجد اليهود بذلك سبيلا إلى شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) { وَقُولُوا انْظُرْنَا } أي انظر إلينا وقيل: انتظرنا وتأن بنا، يقال: نظرت فلانا وانتظرته، ومنه قوله تعالى \"انظرونا نقتبس من نوركم\"( 13-الحديد ) قال مجاهد: معناها( فهمناه ) (2) { وَاسْمَعُوا } ما تؤمرون به وأطيعوا { وَلِلْكَافِرِينَ } يعني اليهود { عَذَابٌ أَلِيمٌ }\rقوله تعالى: { مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ } وذلك أن المسلمين كانوا إذا قالوا لحلفائهم من اليهود: آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم قالوا: ما هذا الذي تدعوننا إليه بخير مما نحن فيه ولوددنا لو كان خيرا، فأنزل الله تكذيبا لهم { مَا يَوَدُّ الَّذِينَ } أي ما يحب ويتمنى الذين كفروا من أهل الكتاب يعني اليهود { وَلا الْمُشْرِكِينَ } جره بالنسق على من { أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ } أي خير ونبوة، ومن صلة { وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ } بنبوته { مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } والفضل ابتداء إحسان بلا علة.\rوقيل: المراد بالرحمة الإسلام والهداية وقيل: معنى الآية إن الله تعالى بعث الأنبياء من ولد إسحاق فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم من ولد إسماعيل لم يقع ذلك بود اليهود ومحبتهم،( فنزلت الآية ) (3) وأما المشركون فإنما لم تقع بودهم لأنه جاء بتضليلهم وعيب آلهتهم.\r__________\r(1) انظر: تفسير القرطبي: 2 / 75، أسباب النزول للواحدي ص (31) .\r(2) وفي ب فهمنا.\r(3) ساقطة من ب.","part":1,"page":133},{"id":142,"text":"{ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (107) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108) }\rقوله عز وجل { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا } وذلك أن المشركين قالوا: إن محمدا ما يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلاف ما يقوله إلا من تلقاء نفسه يقول [اليوم قولا ويرجع عنه غدا كما أخبر الله \"وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم] (1) بما ينزل قالوا: إنما أنت مفتر\"( 101-النحل ) وأنزل { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا } فبين وجه الحكمة من النسخ بهذه الآية.\rوالنسخ في اللغة شيئان (2)\r__________\r(1) ساقطة من أ.\r(2) انظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس: 5 / 424، مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص (490).","part":1,"page":133},{"id":143,"text":"أحدهما: بمعنى التحويل والنقل ومنه نسخ الكتاب وهو أن يحول من كتاب إلى كتاب فعلى هذا الوجه كل القرآن منسوخ لأنه نسخ من اللوح المحفوظ.\rوالثاني: يكون بمعنى الرفع يقال: نسخت الشمس الظل أي ذهبت به وأبطلته. فعلى هذا يكون بعض القرآن ناسخا وبعضه منسوخا وهو المراد من الآية 17/أ وهذا على وجوه، أحدها: أن يثبت الخط وينسخ الحكم مثل آية الوصية للأقارب. وآية عدة الوفاة بالحول وآية التخفيف في القتال وآية الممتحنة ونحوها (1) ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ } ما نثبت خطها ونبدل حكمها، ومنها أن ترفع تلاوتها ويبقى حكمها مثل آية الرجم، ومنها أن ترفع تلاوته أصلا عن المصحف وعن القلوب كما روي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف: أن قوما من الصحابة رضي الله عنهم قاموا ليلة ليقرءوا سورة فلم يذكروا منها إلا بسم الله الرحمن الرحيم فغدوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"تلك سورة رفعت تلاوتها وأحكامها\" (2) وقيل: كانت سورة الأحزاب مثل سورة البقرة، فرفع أكثرها تلاوة وحكما، ثم من نسخ الحكم ما يرفع ويقام غيره مقامه، كما أن القبلة نسخت من بيت المقدس إلى الكعبة، والوصية للأقارب نسخت بالميراث وعدة الوفاة نسخت من الحول إلى أربعة أشهر وعشر، ومصابرة الواحد العشر في القتال نسخت بمصابرة الإثنين، ومنها ما يرفع ولا يقام غيره مقامه، كامتحان النساء. والنسخ إنما يعترض على الأوامر والنواهي دون الأخبار.\rأما معنى الآية فقوله { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ } قراءة العامة بفتح النون وكسر السين من النسخ، أي: نرفعها، وقرأ ابن عامر بضم النون وكسر السين من الإنساخ وله وجهان:\rأحدهما: أن نجعله كالمنسوخ.\rوالثاني: أن نجعله نسخة له [يقال: نسخت الكتاب أي كتبته، وأنسخته غيري إذا جعلته نسخة له] (3) { أَوْ نُنْسِهَا } أي ننسها على قلبك.\rوقال ابن عباس رضي الله عنهما، نتركها لا ننسخها، قال الله تعالى \"نسوا الله فنسيهم\"( 67-\r__________\r(1) انظر تفصيل أحكام النسخ وما يتعلق به في: الرسالة للإمام الشافعي ص137 وما بعدها، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه. لباب التفسير: 1 / 382-386 وعامة كتب أصول الفقه.\r(2) عزاه ابن كثير للطبراني بسنده عن سالم عن أبيه وقال: سليمان بن الأرقم ضعيف. وقال: وقد روى أبو بكر الأنباري عن أبي أمامة مثله مرفوعا: التفسير 1 / 151 طبع بيروت، وحديث أبي أمامة فيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، وهو ضعيف. وعن عمر قال: قرأ رجلان من الأنصار سورة أقرأهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانا يقرآن بها، فقاما يقرآن ذات ليلة يصليان فلم يقدرا منها على حرف فأصبحا غاديين على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها مما نسخ أو نسي فألهوا عنها فكان الزهري يقرؤها (ما ننسخ من آية أو ننسها) بضم النون خفيفة. رواه الطبراني وفيه سليمان بن أرقم وهو متروك (المجمع: 6 / 315). وأخرج حديث أبي أمامة بن سهل الواحدي أيضا في التفسير: 1 / 172، وانظر: أسباب النزول للواحدي ص32 وتفسير القرطبي: 2 / 63، الدر المنثور: 1 / 256.\r(3) زيادة في ب.","part":1,"page":134},{"id":144,"text":"التوبة ) أي تركوه فتركهم وقيل { نُنْسِهَا } أي: نأمر بتركها، يقال: أنسيت الشيء إذا أمرت بتركه، فيكون النسخ الأول من رفع الحكم وإقامة غيره مقامه، والإنساء يكون ناسخا من غير إقامة غيره مقامه.\rوقرأ ابن كثير وأبو عمرو أو ننسأها بفتح النون الأول والسين مهموزا أي نؤخرها فلا نبدلها يقال: نسأ الله في أجله وأنسأ الله أجله، وفي معناه قولان: أحدهما: نرفع تلاوتها ونؤخر حكمها كما فعل في آية الرجم فعلى هذا يكون النسخ الأول بمعنى رفع التلاوة والحكم، والقول الثاني: قال سعيد بن المسيب وعطاء: أما ما نسخ من آية فهو ما قد نزل من القرآن جعلاه من النسخة أو ننسأها أي نؤخرها ونتركها في اللوح المحفوظ ولا تنزل.\r{ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا } أي بما هو أنفع لكم وأسهل عليكم وأكثر لأجركم، لا أن آية خير من آية، لأن كلام الله واحد وكله خير { أَوْ مِثْلِهَا } في المنفعة والثواب فكل ما نسخ إلى الأيسر فهو أسهل في العمل وما نسخ إلى الأشق فهو في الثواب أكثر { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } من النسخ والتبديل، لفظه استفهام، ومعناه تقرير، أي: إنك تعلم.\r{ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا لَكُمْ } يا معشر الكفار عند نزول العذاب { مِنْ دُونِ اللَّهِ } مما سوى الله { مِنْ وَلِيٍّ } قريب وصديق وقيل: من وال وهو القيم بالأمور { وَلا نَصِيرٍ } ناصر يمنعكم من العذاب.\rقوله: { أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ } نزلت في اليهود حين قالوا: يا محمد ائتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى موسى بالتوراة فقال تعالى { أَمْ تُرِيدُونَ } يعني أتريدون فالميم صلة وقيل: بل تريدون أن تسألوا رسولكم محمدا صلى الله عليه وسلم { كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ } سأله قومه: أرنا الله جهرة وقيل: إنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا (1) ، كما أن موسى سأله قومه فقالوا: أرنا الله جهرة ففيه منعهم عن السؤالات المقبوحة بعد ظهور الدلائل والبراهين { وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإيمَانِ } يستبدل الكفر بالإيمان { فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ } أخطأ وسط الطريق وقيل: قصد السبيل.\r{ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) }\rقوله تعالى: { وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ } الآية نزلت في نفر من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان\r__________\r(1) قال الله تعالى: \"وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلافا تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشر رسولا\" سورة الإسراء، الآيات (90-93). وانظر لباب التفسير لمحمود بن حمزة: 1 / 390-391.","part":1,"page":135},{"id":145,"text":"وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد: لو كنتم على الحق ما هزمتم، فارجعا إلى ديننا فنحن أهدى سبيلا منكم فقال لهم عمار: كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا: شديد، قال فإني قد عاهدت أن لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ما عشت. فقالت اليهود: أما هذا فقد صبأ وقال حذيفة: أما أنا فقد رضيت بالله ربا، وبمحمد نبيا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماما، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانا، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه بذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"قد أصبتما الخير وأفلحتما\" فأنزل الله تعالى \"ود كثير من أهل الكتاب\" (1) أي تمنى وأراد كثير من أهل الكتاب من اليهود { لَوْ يَرُدُّونَكُمْ } يا معشر المؤمنين { مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا } نصب على المصدر، أي يحسدونكم حسدا { مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ } أي من تلقاء أنفسهم ولم يأمرهم الله بذلك، { مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ } في التوراة أن قول محمد صلى الله عليه وسلم صدق ودينه حق { فَاعْفُوا } فاتركوا { وَاصْفَحُوا } وتجاوزوا، فالعفو: المحو والصفح: الإعراض، وكان هذا قبل آية القتال { حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ } بعذابه: القتل والسبي لبني قريظة، والجلاء والنفي لبني النضير (2) ، قاله ابن عباس رضي الله عنهما. وقال قتادة (3) هو أمره بقتالهم في قوله \"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر -إلى قوله -وهم صاغرون\"( 29-التوبة ) وقال ابن كيسان: بعلمه وحكمه فيهم حكم لبعضهم بالإسلام ولبعضهم بالقتل والسبي والجزية { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }\r{ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) }\r{ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا }( تسلفوا ) (4) { لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ } طاعة وعمل صالح { تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ } وقيل: أراد بالخير المال كقوله تعالى \"إن ترك خيرا\"( 180-البقرة ) وأراد من زكاة أو صدقه { تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ } حتى الثمرة واللقمة مثل أحد { إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }\r__________\r(1) قال الحافظ ابن حجر، رحمه الله: لم أجده مسندا، وهو في تفسير الثعلبي كذلك بلا سند ولا راو\". انظر الكافي الشاف ص10 وذكره مختصرا الواحدي في التفسير عن ابن عباس: 1 / 174.\r(2) انظر: البحر المحيط: 1 / 348.\r(3) انظر: تفسير الطبري: 2 / 503-504 والدر المنثور: 1 / 262، وتفسير الواحدي: 1 / 175.\r(4) زيادة من ب.","part":1,"page":136},{"id":146,"text":"{ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) }","part":1,"page":137},{"id":147,"text":"{ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) }\r{ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا } أي يهوديا، قال الفراء: حذف الياء الزائدة ورجع إلى الفعل من اليهودية، وقال الأخفش: الهود: جمع هائد، مثل عائد وعود، وحائل وحول (1) { أَوْ نَصَارَى } وذلك أن اليهود قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا ولا دين إلا دين اليهودية، وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا ولا دين إلا دين النصرانية.\rوقيل: نزلت في وفد نجران وكانوا نصارى اجتمعوا في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مع اليهود فكذب بعضهم بعضا، قال الله تعالى { تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ } أي شهواتهم الباطلة التي تمنوها على الله بغير الحق { قُل } يا محمد { هَاتُوا } أصله آتوا { بُرْهَانَكُمْ } حجتكم على ما زعمتم { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ثم قال ردا عليهم\r{ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ } أي ليس الأمر كما قالوا، بل الحكم للإسلام وإنما يدخل الجنة من أسلم وجهه { لِلَّه } أي أخلص دينه لله وقيل: أخلص عبادته لله وقيل: خضع وتواضع لله، وأصل الإسلام: الاستسلام والخضوع، وخص الوجه لأنه إذا جاد بوجهه في السجود لم يبخل بسائر جوارحه { وَهُوَ مُحْسِنٌ } في عمله، وقيل: مؤمن وقيل: مخلص { فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ }\rقوله { وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ } نزلت في يهود المدينة ونصارى أهل نجران (2) وذلك أن وفد نجران لما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم أحبار اليهود: فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم فقالت\r__________\r(1) الحائل: الناقة الحائل: التي حمل عليها الفحل فلم تلقح.\r(2) أخرج الطبري عن ابن عباس قال: لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتتهم أحبار يهود، فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رافع بن حرملة: ما أنتم على شيء! وكفر بعيسى بن مريم وبالإنجيل. فقال رجل من أهل نجران من النصارى: ما أنتم على شيء! وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة، فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهما: \"وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى لست اليهود على شيء\" إلى قوله \"فيما كانوا فيه يختلفون\". تفسير الطبري: 2 / 513-514، وانظر: تفسير الواحدي: 1 / 176، أسباب النزول للواحدي ص33، تفسير ابن كثير: 1 / 273، وفيه: رافع بن حرملة.","part":1,"page":137},{"id":148,"text":"لهم اليهود، ما أنتم على شيء من الدين، وكفروا بعيسى والإنجيل، وقالت لهم النصارى: ما أنتم على شيء من الدين، وكفروا بموسى والتوراة فأنزل الله تعالى { وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ } [وكلا الفريقين يقرءون الكتاب، قيل: معناه ليس في كتبهم هذا الاختلاف فدل تلاوتهم الكتاب] (1) ومخالفتهم ما فيه على كونهم على الباطل { كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ } يعني: آباءهم الذين مضوا { مِثْلَ قَوْلِهِمْ } قال مجاهد: يعني: عوام النصارى، وقال مقاتل: يعني مشركي العرب، كذلك قالوا في نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه: إنهم ليسوا على شيء من الدين.\rوقال عطاء:أمم كانت قبل اليهود والنصارى مثل قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام قالوا لنبيهم:إنه ليس على شيء (2) { فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } يقضي بين المحق والمبطل { فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } الدين.\r{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114) }\rقوله { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ } الآية نزلت في طيطوس بن اسبيسبانوس الرومي وأصحابه، وذلك أنهم غزوا بني إسرائيل فقتلوا مقاتلتهم وسبوا ذراريهم، وحرقوا التوراة وخربوا بيت المقدس، وقذفوا فيه الجيف وذبحوا فيه الخنازير، فكان خرابا إلى أن بناه المسلمون في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه.\rوقال قتادة والسدي: هو بختنصر وأصحابه غزوا اليهود وخربوا بيت المقدس وأعانهم على ذلك النصارى، طيطوس الرومي وأصحابه من أهل الروم (3) ، قال السدي: من أجل أنهم قتلوا يحيى بن زكريا، وقال قتادة: حملهم بعض اليهود على معاونة بختنصر البابلي( المجوسي ) (4) فأنزل الله تعالى { وَمَنْ أَظْلَمُ } أي أكفر وأعتى { مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ } يعني بيت المقدس ومحاربيه (5) . { أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى }\r__________\r(1) زيادة من (ب).\r(2) انظر: تفسير الطبري 2 / 517، ابن كثير: 1 / 273، الواحدي: 1 / 176 واختار الطبري أن الآية عامة تصلح للجميع، وليس ثم دليل قاطع يعين واحدا من هذه الأقوال، والحمل على الجميع أولى.\r(3) انظر الدر المنثور: 1 / 264-265، وتفسير ابن كثير: 1 / 274، والطبري: 2 / 520-521.\r(4) زيادة من ب.\r(5) وأخرج ابن أبي حاتم أن قريشا منعوا النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام، فأنزل الله تعالى: \"ومن أظلم ...\"، انظر: لباب النقول للسيوطي: ص 438 بهامش الجلاليين ورجحه ابن كثير، وأخرج ابن كثير، وأخرج ابن جرير عن أبي زيد قال: هؤلاء المشركون - حين حالوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحدييبة وبين أن يدخل مكة، قال: وأولى التأويلات قول من قال: عنى الله عز وجل بقوله \"ومن أظلم ...\" النصارى، انظر: تفسير الطبري 2 / 521.","part":1,"page":138},{"id":149,"text":"عمل { فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ } وذلك أن بيت المقدس موضع حج النصارى ومحل زيارتهم، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لم يدخلها يعني بيت المقدس بعد عمارتها رومي إلا خائفأ 17/ب لو علم به لقتل. وقال قتادة ومقاتل: لا يدخل بيت المقدس أحد من النصارى إلا متنكر لو قدر عليه لعوقب، قال السدي: أخيفوا بالجزية. وقيل: هذا خبر بمعنى الأمر، أي أجهضوهم بالجهاد حتى لا يدخلها أحد( منهم ) (1) إلا خائفا من القتل والسبي أي ما ينبغي { لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ } عذاب وهوان، قال قتادة: هو القتل للحربي والجزية للذمي، قال مقاتل( والكلبي ) (2) تفتح مدائنهم الثلاثة قسطنطينية، ورومية، وعمورية (3) { وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } النار، وقال عطاء وعبد الرحمن بن زيد: نزلت في مشركي مكة، وأراد بالمساجد المسجد الحرام منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من حجه والصلاة فيه عام الحديبية، وإذا منعوا من أن يعمره بذكر فقد سعوا في خرابه { أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ } يعني أهل مكة يقول أفتحها عليكم حتى تدخلوها وتكونوا أولى بها منهم، ففتحها عليهم وأمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديا ينادي: \"ألا لا يحجن بعد هذا العام مشرك\" (4) فهذا خوفهم، وثبت في الشرع أن لا يمكن مشرك من دخول الحرم، { لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ } الذل والهوان والقتل والسبي والنفي.\r{ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) }\rقوله عز وجل { وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: خرج نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر قبل تحويل القبلة إلى الكعبة، فأصابهم الضباب وحضرت الصلاة، فتحروا القبلة وصلوا فلما ذهب الضباب استبان لهم أنهم لم يصيبوا وأنهم مخطئون في تحريهم فلما قدموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فنزلت هذه الآية (5)\rوقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: نزلت في المسافر يصلي التطوع حيث ما توجهت به راحلته.\rأخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أنا زاهر بن أحمد الفقيه السرخسي أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: \"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته في السفر حيث ما توجهت به (6)\rقال عكرمة: نزلت في تحويل القبلة، قال أبو العالية: لما صرفت القبلة إلى الكعبة عيرت اليهود المؤمنين وقالوا: ليست لهم قبلة معلومة فتارة يستقبلون هكذا وتارة هكذا، فأنزل الله تعالى هذه الآية (7) ، وقال مجاهد والحسن: لما نزلت { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ }( 60-غافر ) قالوا: أين ندعوه فأنزل الله عز وجل (8) { وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ } ملكا وخلقا { فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ } يعني أينما تحولوا وجوهكم فثم أي: هناك { رحمة } (9) الله، قال الكلبي: فثم الله يعلم ويرى والوجه صلة كقوله تعالى: \"كل شيء هالك إلا وجهه\"( 88-القصص ) أي إلا هو، وقال الحسن ومجاهد وقتادة ومقاتل بن حبان: فثم قبلة الله، والوجه والوجهة والجهة القبلة، وقيل: رضا الله تعالى.\r{ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ } أي غني يعطي من السعة، قال الفراء: الواسع الجواد الذي يسع عطاؤه كل شيء،\r__________\r(1) زيادة في ب.\r(2) والكلبي زيادة في ب.\r(3) أخرج الإمام أحمد في المسند: 2 / 176 عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وسئل: أي المدينتين تفتح أولا: القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق، قال: فأخرج منه كتابا، قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله صلى الله عله وسلم نكتب، إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المدينتين تفتح أولا: قسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول صلى الله عليه وسلم: مدينة هرقل تفتح أولا، يعني قسطنطينية\" . وصححه الحاكم في المستدرك: 4 / 508،555، ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: 6 / 219: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير أبي قبيل وهو ثقة. و(رومية): مخففة الياء المنقوطة من تحت - هي مدينة رياسة الروم وعلمهم، من عجائب الدنيا بناء وسعة وكثرة خلق، وقد حكي فيها حكايات تأباها العقول وتستبعدها، انظر: مراصد الاطلاع للبغدادي: 2 / 642. و(عمورية)، بفتح أوله وتشديد ثانيه: بلد ببلاد الروم، غزاه المعتصم ففتحه، كان من أعظم فتوح الإسلام، مراصد الاطلاع: 2 / 963. و(قسطنطينية) ويقال: قسطنطينة بإسقاط ياء النسبة؛ كان اسمها بزنطية، فنزلها قسطنطين الأكبر، وبنى عليها سورا وصارت دار ملك الروم وعاصمتهم، مراصد الاطلاع: 3 / 1092، وكتب الله تعالى فتحها للمسلمين على يد السلطان العثماني محمد الفاتح، الذي لقب بذلك لفتحه القسطنطينية، في سنة (857هـ) (1453م).\r(4) أخرجه البخاري: في الصلاة - باب: ما يستر من العورة: 1 / 477 وفي الحج والمغازي والجهاد والتفسير. ومسلم: في الحج - باب: لا يحج البيت مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، برقم (1347) 2 / 982. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 7 / 121.\r(5) أخرجه ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس بمعناه. انظر: لباب النقول للسيوطي بهامش الجلالين ص (45)، وقال ابن كثير بعد أن ساق عددا من الروايات في التفسير: 1 / 279، وهذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله يشد بعضها بعضا، وانظر: نصب الراية للزيلعي: 1 / 305.\r(6) أخرجه مالك في الموطأ باب: صلاة النافلة في السفر برقم (28) والبخاري: في الصلاة - باب: التوجه نحو القبلة حيث كان: 1 / 503 عن جابر. ومسلم: في صلاة السفر - باب: جواز صلاة النافلة على الدابة: برقم (700) 1 / 487 عن ابن عمر. والمصنف في شرح السنة: 4 / 188 عن نافع عن ابن عمر، وانظر: تفسير الطبري: 2 / 530.\r(7) انظر تفسير الواحدي: 1 / 177.\r(8) انظر تفسير الطبري: 2 / 534.\r(9) وجه الله في ب، وهو الأصح وذلك لعدم التأويل وهذا منهج أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته. والبغوي رحمه الله منهجه عدم التأويل ويظهر أن هذا من الناسخ حيث أثبت الوجه في نسخه (ب) والله أعلم.","part":1,"page":139},{"id":150,"text":"قال الكلبي: واسع المغفرة { عَلِيم } بنياتهم حيثما صلوا ودعوا.\rقوله تعالى: { وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا } قرأ ابن عامر قالوا اتخذ الله بغير واو، وقرأ الآخرون بالواو [وقالوا اتخذ الله ولدا] (1) نزلت في يهود المدينة حيث قالوا: \"عزير ابن الله\" وفي نصارى نجران حيث قالوا: \"المسيح ابن الله\" وفي مشركي العرب حيث قالوا: الملائكة بنات الله (2) { سُبْحَانَهُ } نزه وعظم نفسه.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو اليمان أنا شعيب عن عبد الرحمن بن أبي حسن نافع بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"قال الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله لي ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا\" (3) .\rقوله تعالى { بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْض } عبيدا وملكا { كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ } قال مجاهد وعطاء والسدي: مطيعون وقال عكرمة ومقاتل: مقرون له بالعبودية، وقال ابن كيسان: قائمون بالشهادة، وأصل القنوت القيام قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"أفضل الصلاة طول القنوت\" (4) ، واختلفوا في حكم الآية فذهب جماعة إلى أن حكم الآية خاص، وقال مقاتل: هو راجع إلى عزير والمسيح والملائكة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: هو راجع إلى أهل طاعته دون سائر الناس، وذهب جماعة إلى أن حكم الآية عام في جميع الخلق لأن \"كل\" تقتضي الإحاطة بالشيء بحيث لا يشذ منه شيء (5) ، ثم سلكوا في الكفار طريقين: فقال مجاهد: يسجد ظلالهم لله على كره منهم قال الله تعالى: \"وظلالهم بالغدو والآصال\"( 15-الرعد ) وقال السدي: هذا يوم القيامة دليله [\"وعنت الوجوه للحي القيوم\"( 111-طه ) وقيل { قانتون } مذللون مسخرون لما خلقوا له] (6) .\r__________\r(1) ساقط من أ.\r(2) انظر: الوسيط للواحدي 1 / 178 ، 179.\r(3) أخرجه البخاري، في التفسير - باب: وقالوا: اتخذ الله ولدا - 8 / 168 وفي بدء الخلق. والمصنف في شرح السنة: 1 / 81 من طريق همام بن منبه عن أبي هريرة، بنحوه، وانظر: ابن كثير: 1 / 282.\r(4) أخرجه مسلم: في صلاة المسافرين - باب: أفضل الصلاة طول القنوت: برقم (756،757) 1 / 520.\r(5) قال الإمام الطبري في التفسير: \"وقد زعم بعض من قصرت معرفته عن توجيه الكلام وجهته، أن قوله: \"كل له قانتون\"، خاصة لأهل الطاعة، وليست بعامة، وغير جائز ادعاء خصوص في آية عام ظاهرها، إلا بحجة يجب التسليم لها، لما قد بينا في كتابنا \"كتاب البيان عن أصول الأحكام\". وهذا خبر من الله جل وعز عن أن المسيح - الذي زعمت النصارى أنه ابن الله - مكذبهم هو والسماوات والأرض وما فيها، إما باللسان، وإما بالدلالة، وذلك أن الله، جل ثناؤه، أخبر عن جميعهم، بطاعتهم إياه، وإقرارهم له بالعبودية، عقب قوله: \"وقالوا اتخذ الله ولدا\"، فدل ذلك على صحة ما قلنا\"، تفسير الطبري: 2 / 539-540.\r(6) زيادة من ب.","part":1,"page":141},{"id":151,"text":"{ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117) وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119) }\rقوله تعالى: { بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } أي مبدعها ومنشئها من غير مثال سبق { وَإِذَا قَضَى أَمْرًا } أي قدره، وقيل: أحكمه وقدره [وأتقنه، وأصل القضاء: الفراغ، ومنه قيل لمن مات: قضي عليه لفراغه من الدنيا، ومنه قضاء الله وقدره] (1) لأنه فرغ منه تقديرا وتدبيرا.\r{ فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } قرأ ابن عامر كن فيكون بنصب النون في جميع المواضع إلا في آل عمران \"كن فيكون، الحق من ربك\" وفي سورة الأنعام \"كن فيكون، قوله الحق\" وإنما نصبها لأن جواب الأمر بالفاء يكون منصوبا [وافقه الكسائي في النحل ويس (2) ]، وقرأ الآخرون بالرفع على معنى فهو يكون، فإن قيل كيف قال { فإنما يقول له كن فيكون } والمعدوم لا يخاطب، قال ابن الأنباري: معناه فإنما يقول له أي لأجل تكوينه، فعلى هذا ذهب معنى الخطاب، وقيل: هو وإن كان معدوما ولكنه لما قدر وجوده وهو كائن لا محالة كان كالموجود فصح الخطاب.\rقوله تعالى: { وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: اليهود، وقال مجاهد: النصارى، وقال قتادة: مشركو العرب { لَوْلا } هلا { يُكَلِّمُنَا اللَّهُ } عيانا بأنك رسوله وكل ما في القرآن \"لولا\" فهو بمعنى هلا إلا واحدا، وهو قوله \"فلولا أنه كان من المسبحين\"( 143-الصافات ) معناه فلو لم يكن { أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ } دلالة وعلامة على صدقك في ادعائك النبوة.\rقال الله تعالى: { كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } أي كفار الأمم الخالية { مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ } أي أشبه بعضها بعضا في الكفر والقسوة وطلب المحال { قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ }\r{ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ } أي بالصدق كقوله \"ويستنبئونك أحق هو\"( 53-يونس ) أي صدق، قال ابن عباس رضي الله عنهما: بالقرآن دليله \"بل كذبوا بالحق لما جاءهم\"( 5-ق ) وقال ابن كيسان: بالإسلام وشرائعه، دليله قوله عز وجل: \"وقل جاء الحق\"( 81-الإسراء ) وقال مقاتل: معناه لم\r__________\r(1) زيادة من ب.\r(2) زيادة من ب.","part":1,"page":142},{"id":152,"text":"نرسلك عبثا، إنما أرسلناك بالحق كما قال: \"وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق\"( 85-الحجر ).\rقوله عز وجل { بَشِيرًا } أي مبشرا لأوليائي وأهل طاعتي بالثواب الكريم { وَنَذِيرًا } أي منذرا مخوفا لأعدائي وأهل معصيتي بالعذاب الأليم، قرأ نافع ويعقوب { وَلا تُسْأَلُ } على النهي قال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: \"ليت شعري ما فعل أبواي\" فنزلت هذه الآية (1) ، وقيل: هو على معنى قولهم ولا تسأل عن شر فلان فإنه فوق ما تحسب وليس على النهي، وقرأ الآخرون \"ولا تسأل\" بالرفع على النفي بمعنى ولست بمسئول عنهم (2) كما قال الله تعالى: \" فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب\"( 20-آل عمران )، { عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ } والجحيم معظم النار.\r__________\r(1) نقله ابن كثير عن عبد الرزاق بسنده عن محمد بن كعب القرظي، وقال: رواه ابن جرير عن أبي كريب عن وكيع عن موسى بن عبيدة، وقد تكلموا فيه - ابن كثير: 1 / 285 دار الأرقم. قال ابن حجر في التقريب موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي ضعيف. وقال الشيخ أحمد شاكر تعقيبا على روايتي الطبري: \"هما حديثان مرسلان، فإن محمد بن كعب بن سليم القرظي: تابعي، والمرسل لا تقوم به حجة، ثم هما إسنادان ضعيفان أيضا لضعف روايهما: موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي: ضعيف جدا، مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري: 4 / 1 / 291، والصغير: 172-173، وابن أبي حاتم: 4 / 1 / 151-152 فقال البخاري: \"منكر الحديث، قاله أحمد بن حنبل، وقال علي بن المديني عن القطان: كنا نتقيه تلك الأيام\" .... انظر تفسير الطبري: 2 / 558-559 بتعليق الشيخ شاكر، وعزاه السيوطي لعبد بن حميد أيضا وابن المنذر، وقال: هذا مرسل ضعيف الإسناد\" الدر المنثور: 1 / 271.\r(2) وهذا ما رجحه الإمام الطبري، ووجهه توجيها دقيقا وجاء بحجة قوية انظر: التفسير: 2 / 559-561، مع تعليق الشيخ شاكر، وقارن تفسير ابن كثير: 1 / 285، طبعة دار الأرقم.","part":1,"page":143},{"id":153,"text":"{ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (120) }\rقوله عز وجل { وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى } وذلك أنهم كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم الهدنة ويطمعونه في أنه إن أمهلهم اتبعوه فأنزل الله تعالى هذه الآية (1) ، معناه وإنك إن هادنتهم فلا يرضون بها وإنما يطلبون ذلك تعللا ولا يرضون منك إلا باتباع ملتهم، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: هذا في القبلة وذلك أن يهود المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يصلي إلى قبلتهم فلما صرف الله القبلة إلى الكعبة أيسوا في أن يوافقهم على دينهم فأنزل الله تعالى { وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ } إلا باليهودية { وَلا النَّصَارَى } إلا بالنصرانية (2) والملة الطريقة { وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ } قيل الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمة كقوله \"لئن أشركت ليحبطن عملك\"( 65-الزمر )\r__________\r(1) انظر: البحر المحيط لأبي حيان: 1 / 368.\r(2) انظر: لباب النقول للسيوطي بهامش الجلالين ص48-49، وقد عزاه في الدر المنثور للثعلبي.","part":1,"page":143},{"id":154,"text":"{ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ } البيان بأن دين الله هو الإسلام والقبلة قبلة إبراهيم عليه السلام وهي الكعبة { مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ }\r{ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (123) وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) }\r{ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في أهل السفينة الذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وكانوا أربعين رجلا اثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من رهبان الشام منهم بحيرا (1) ، وقال الضحاك: هم من آمن من اليهود عبد الله بن سلام وسعية بن عمرو وتمام بن يهودا وأسد وأسيد ابنا كعب وابن يامين وعبد الله بن صوريا (2) ، وقال قتادة وعكرمة: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: هم المؤمنون عامة (3) { يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ } قال الكلبي: يصفونه في كتبهم حق صفته لمن سألهم من الناس، والهاء راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وقال الآخرون: هي عائدة إلى الكتاب، واختلفوا في معناه فقال ابن مسعود رضي الله عنه: يقرءونه كما أنزل ولا يحرفونه، ويحلون حلاله ويحرمون حرامه، وقال الحسن: يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون علم ما أشكل عليهم إلى عالمه، وقال مجاهد: يتبعونه حق اتباعه.\rقوله { أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ } 18/أ\rقوله تعالى: { وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ } قرأ ابن عامر إبراهام بالألف في أكثر المواضع وهو اسم أعجمي ولذلك لا يجر وهو إبراهيم بن تارخ بن ناخور وكان مولده بالسوس من أرض الأهواز وقيل بابل وقيل: كوفي، وقيل: [لشكر] (4) ، وقيل حران، وكان أبوه نقله إلى أرض بابل أرض نمرود بن\r__________\r(1) انظر: البحر المحيط: 1 / 369، أسباب النزول للواحدي: ص (37)، الوسيط: 1 / 184.\r(2) البحر المحيط: 1 / 369، الطبري: 2 / 564 وهو ما رجحه، رحمه الله.\r(3) البحر المحيط: 1 / 369، الطبري: 2 / 564.\r(4) في ب كسكر.","part":1,"page":144},{"id":155,"text":"كنعان، ومعنى الابتلاء الاختبار والامتحان والأمر، وابتلاء الله العباد ليس ليعلم أحوالهم بالابتلاء، لأنه عالم بهم، ولكن ليعلم العباد أحوالهم حتى يعرف بعضهم بعضا.\rواختلفوا في الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم عليه السلام، فقال عكرمة وابن عباس رضي الله عنهما: هي ثلاثون سماهن شرائع الإسلام، ولم يبتل بها أحد فأقامها كلها إلا إبراهيم فكتب له البراءة، فقال تعالى: \"وإبراهيم الذي وفى\"( 37-النجم ) عشر في براءة \"التائبون العابدون\" إلى آخرها، وعشر في الأحزاب \"إن المسلمين والمسلمات\" وعشر في سورة المؤمنين في قوله: \"قد أفلح المؤمنون\" الآيات، وقوله \"إلا المصلين\" في سأل سائل (1) .\rوقال طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما: ابتلاه الله بعشرة أشياء وهي: الفطرة خمس في الرأس: قص الشارب، والمضمضة والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس، وخمس في الجسد: تقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء بالماء (2) .\rوفي الخبر: \"أن إبراهيم عليه السلام أول من قص الشارب، وأول من اختتن، وأول من قلم الأظافر، وأول من رأى الشيب، فلما رآه قال: يا رب ما هذا؟ قال [سمة] (3) الوقار، قال: يا رب زدني وقارا\" (4) قال مجاهد: هي الآيات التي بعدها في قوله عز وجل \"إني جاعلك للناس إماما\"( 124-البقرة ) إلى آخر القصة، وقال الربيع وقتادة: مناسك الحج، وقال الحسن: ابتلاه الله بسبعة أشياء: بالكواكب والقمر والشمس، فأحسن فيها النظر وعلم أن ربه دائم لا يزول، وبالنار فصبر عليها، وبالهجرة وبذبح ابنه وبالختان فصبر عليها، قال سعيد بن جبير: هو قول إبراهيم وإسماعيل إذ يرفعان البيت \"ربنا تقبل منا\"( 127-البقرة ) الآية فرفعاها بسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله [والله أكبر] (5) ، قال يمان بن رباب: هن محاجة قومه قال الله تعالى: \"وحاجه قومه\" إلى قوله تعالى -\"وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم\"( 83-الأنعام ) وقيل هي قوله: \"الذي خلقني فهو يهدين\"( 78-الشعراء ) إلى آخر الآيات. { فَأَتَمَّهُنَّ } قال قتادة: أداهن، قال الضحاك: قام بهن وقال: [نعمان] (6) عمل بهن. قال الله تعالى: { قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } يقتدى بك في الخير { قَالَ } إبراهيم\r__________\r(1) انظر: البحر المحيط: 1 / 375.\r(2) انظر تفسير ابن كثير 1 / 289، والبحر المحيط: 1 / 375.\r(3) ساقطة من ب.\r(4) قال القرطبي في التفسير: 2 / 98 وفي الموطأ وغيره عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إبراهيم عليه السلام أول من اختتن ... إلخ. وانظر: الدر المنثور: 1 / 281.\r(5) وفي ب يمان.\r(6) ساقطة في ب.","part":1,"page":145},{"id":156,"text":"{ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي } أي ومن أولادي أيضا فاجعل منهم أئمة يقتدى بهم في الخير { قَالَ } اللَّهِ تَعَالَى { لا يَنَال } لا يصيب { عَهْدِي الظَّالِمِينَ } قرأ حمزة وحفص بإسكان الياء والباقون بفتحها أي من كان منهم ظالما لا يصيبهُ قال عطاء بن أبي رباح: عهدي رحمتيُ وقال السدي: نبوتيُ وقيل: الإمامةُ قال مجاهد: ليس لظالم أن يطاع في ظلمه. ومعنى الآية لا ينال ما عهدت إليك من النبوة والإمامة من كان ظالما من ولدكُ وقيل: أراد بالعهد الأمان من النارُ وبالظالم المشرك كقوله تعالى: \"الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن\"( 82-الأنعام ).\r{ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) }\rقال الله تعالى { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ } يعني الكعبة { مَثَابَةً لِلنَّاسِ } مرجعا لهم، قال مجاهد وسعيد بن جبير: يأتون إليه من كل جانب ويحجون، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: معاذا وملجأ وقال قتادة وعكرمة: مجمعا { وَأَمْنًا } أي مأمنا يأمنون فيه من إيذاء المشركين، فإنهم ما كانوا يتعرضون لأهل مكة ويقولون: هم أهل الله ويتعرضون لمن حوله كما قال الله تعالى: \"أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم\"( 67-العنكبوت ).\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا علي بن عبد الله أنا جرير عن منصور عن مجاهد عن طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: \"إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاه\" فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إلا الإذخر\" (1) .\rقوله تعالى: { وَاتَّخِذُوا } قرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء على الخبر، وقرأ الباقون بكسر الخاء على الأمر { مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } قال ابن يمان (2) المسجد كله مقام إبراهيم، وقال إبراهيم النخعي: الحرم كله مقام إبراهيم، وقيل: أراد بمقام إبراهيم جميع مشاهد الحج، مثل عرفة ومزدلفة وسائر المشاهد.\rوالصحيح أن مقام إبراهيم هو الحجر الذي في المسجد يصلي إليه الأئمة، وذلك الحجر الذي قام\r__________\r(1) أخرجه البخاري: في الجنائز - باب: الإذخر والحشيش: 3 / 213. ومسلم: في الحج - باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها برقم: (353، 354، 355) 2 / 986. والمصنف في شرح السنة: 7 / 249.\r(2) وفي ب (يمان).","part":1,"page":146},{"id":157,"text":"عليه إبراهيم عليه السلام عند بناء البيت، وقيل: كان أثر أصابع رجليه بينا فيه فاندرس من كثرة المسح بالأيدي، قال قتادة ومقاتل والسدي: أمروا بالصلاة عند مقام إبراهيم ولم يؤمروا بمسحه وتقبيله.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا مسدد عن يحيى بن حميد عن أنس قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: \"وافقت الله في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث -قلت يا رسول الله لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى؟ فأنزل الله تعالى { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } وقلت يا رسول الله: يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب؟ فأنزل الله عز وجل آية الحجاب، قال وبلغني معاتبة النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه فدخلت عليهن فقلت لهن: إن انتهيتن، وليبدلنه الله خيرا منكن، فأنزل الله تعالى: \"عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن\" (1) الآية( 5-التحريم ).\rورواه محمد بن إسماعيل أيضا عن عمرو بن عوف أنا هشيم عن حميد عن أنس رضي الله عنه قال: قال عمر رضي الله عنه: وافقت ربي في ثلاث قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزلت { وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى } (2) .\rوأما بدء قصة المقام فقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أتى إبرهيم عليه وسلم بإسماعيل وهاجر ووضعهما بمكة، وأتت على ذلك مدة، ونزلها الجرهميون وتزوج إسماعيل منهم امرأة وماتت هاجر، واستأذن إبراهيم سارة أن يأتي هاجر، فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل فقدم إبراهيم مكة، وقد ماتت هاجر، فذهب إلى بيت إسماعيل فقال لامرأته: أين صاحبك؟ قال ذهب للصيد وكان إسماعيل عليه السلام يخرج من الحرم فيصيد، فقال لها إبراهيم: هل عندك ضيافة؟ قالت ليس عندي ضيافة، وسألها عن عيشهم؟ فقالت: نحن في ضيق وشدة، فشكت إليه فقال لها: إذا جاء زوجك فاقرئيه السلام وقولي له فليغير عتبة بابه، فذهب إبراهيم فجاء إسماعيل فوجد ريح أبيه فقال [لامرأته: هل جاءك أحد؟ قالت: جاءني شيخ صفته كذا وكذا كالمستخفة بشأنه قال] (3) فما قال لك؟ قالت قال اقرئي زوجك السلام وقولي له فليغير عتبة بابه، قال ذلك أبي وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلك، فطلقها وتزوج منهم أخرى، فلبث إبراهيم ما شاء الله أن يلبث، ثم استأذن سارة أن يزور إسماعيل فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل، فجاء إبراهيم عليه السلام حتى انتهى إلى باب إسماعيل فقال\r__________\r(1) أخرجه البخاري: في التفسير - باب قوله: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى: 8 / 168. ومسلم: في فضائل الصحابة - باب: من فضائل عمر برقم: (2399) 4 / 1865 مختصرا. والمصنف في شرح السنة: 14 / 93، وانظر: قطف الثمر في موافقات عمر للسيوطي في الحاوي للفتاوى 1 / 377.\r(2) أخرجه البخاري في الصلاة، باب ما جاء في القبلة، ومن لا يرى الإعادة على من سها ... 1 / 504.\r(3) ساقط من أ.","part":1,"page":147},{"id":158,"text":"لامرأته أين صاحبك؟ قالت ذهب يتصيد وهو يجيء الآن إن شاء الله فانزل يرحمك الله، قال: هل عندك ضيافة؟ قالت: نعم فجاءت باللبن واللحم، وسألها عن عيشهم؟ فقالت: نحن بخير وسعة، فدعا لهما بالبركة ولو جاءت يومئذ بخبز بر أو شعير وتمر لكانت أكثر أرض الله برا أو شعيرا أو تمرا، فقالت له: انزل حتى أغسل رأسك، فلم ينزل فجاءته بالمقام فوضعته عن شقه الأيمن فوضع قدمه عليه فغسلت شق رأسه الأيمن ثم حولت إلى شقه الأيسر فغسلت شق رأسه الأيسر فبقي أثر قدميه عليه، فقال لها: إذا جاء زوجك فاقرئيه السلام وقولي له قد استقامت عتبة بابك، فلما جاء إسماعيل، وجد ريح أبيه فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟ قالت: نعم شيخ أحسن الناس وجها وأطيبهم ريحا، وقال لي كذا وكذا وقلت له كذا وكذا، وغسلت رأسه وهذا موضع قدميه فقال: ذاك إبراهيم النبي أبي، وأنت العتبة أمرني أن أمسكك (1) .\rوروي عن سعيد بن جبير 18/ب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ثم لبثت عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلا تحت دومة قريبا من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد ثم قال: يا إسماعيل إن الله تعالى أمرني بأمر تعينني عليه؟ قال: أعينك قال: إن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتا، فعند ذلك رفعا القواعد من البيت فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم حتى ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام إبراهيم على الحجر المقام وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان { ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم } وفي الخبر: \"الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة ولولا مامسته أيدي المشركين لأضاء ما بين المشرق والمغرب\" (2) .\rقوله عز وجل { وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ } أي أمرناهما وأوحينا إليهما، قيل: سمي إسماعيل لأن إبراهيم كان يدعو الله أن يرزقه ولدا ويقول: إسمع يا إيل وإيل هو الله فلما رزق سماه الله به { أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ } يعني الكعبة أضافه إليه تخصيصا وتفضيلا أي ابنياه على الطهارة والتوحيد، وقال سعيد بن جبير وعطاء: طهراه من الأوثان والريب وقول الزور، وقيل: بخراه وخلقاه، قرأ أهل المدينة وحفص { بيتي } بفتح الياء هاهنا وفي سورة الحج، وزاد حفص في سورة نوح { لِلطَّائِفِينَ } الدائرين حوله { وَالْعَاكِفِينَ } المقيمين المجاورين { وَالرُّكَّع } جمع راكع { السُّجُودِ } جمع ساجد وهم المصلون قال الكلبي ومقاتل:\r__________\r(1) أخرجه البخاري: مطولا في الأنبياء - باب: يزفون: النسلان في المشي: 6 / 396 وفي مواضع أخرى.\r(2) أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عمرو بلفظ \"إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما ولو لم يطمس نورههما لأضاءتا ...\" 3 / 618 وقال هو حديث غريب. ورواه الحاكم في الحج عن داود الزبرقان عن أيوب السختياني عن قتادة بن دعامة عن أنس وقال: صحيح فرده الذهبي بأن فيه داود، قال أبو داود: متروك، (فيض القدير: 4 / 59). ورواه أيضا عن عبد الله بن عمرو، انظر: المستدرك: 1 / 456. وأخرجه الواحدي في الوسيط: 1 / 190، وانظر: تحفة الأحوذي: 1 / 618-619.","part":1,"page":148},{"id":159,"text":"الطائفين هم الغرباء والعاكفين أهل مكة، قال عطاء ومجاهد وعكرمة: الطواف للغرباء أفضل، والصلاة لأهل مكة أفضل.\r{ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) }","part":1,"page":149},{"id":160,"text":"{ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) }\rقوله تعالى: { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا } يعني مكة وقيل: الحرم { بَلَدًا آمِنًا } أي ذا أمن يأمن فيه أهله { وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ } إنما دعا بذلك لأنه كان بواد غير ذي زرع، وفي القصص أن الطائف كانت من مداين الشام بأردن فلما دعا إبراهيم عليه السلام هذا الدعاء أمر الله تعالى جبريل عليه السلام حتى قلعها من أصلها وأدارها حول البيت سبعا ثم وضعها موضعها الذي هي الآن فيه، فمنها أكثر ثمرات مكة { مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } دعا للمؤمنين خاصة { قَالَ } الله تعالى { وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا } قرأ ابن عامر فأمتعه خفيفا بضم الهمزة والباقون مشددا ومعناهما واحد قليلا أي سأرزق الكافر أيضا قليلا إلى منتهى أجله وذلك أن الله تعالى وعد الرزق للخلق كافة مؤمنهم وكافرهم، وإنما قيد بالقلة لأن متاع الدنيا قليل { ثُمَّ أَضْطَرُّه } أي ألجئه في الآخرة { إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } أي المرجع يصير إليه قال مجاهد: وجد عند المقام كتاب فيه: أن الله ذو بكة صنعتها يوم خلقت الشمس والقمر، وحرمتها يوم خلقت السماوات والأرض، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء، يأتيها رزقها من ثلاثة سبل، مبارك لها في اللحم والماء.\rقوله عز وجل: { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيل } قال الرواة: (1) إن الله تعالى خلق موضع البيت قبل الأرض بألفي عام، وكانت زبدة بيضاء على الماء فدحيت الأرض من تحتها فلما أهبط الله آدم عليه السلام إلى الأرض استوحش، فشكا إلى الله تعالى فأنزل الله البيت المعمور من ياقوتة من يواقيت الجنة له بابان من زمرد أخضر، باب شرقي وباب غربي فوضعه على موضع البيت وقال: يا آدم إني أهبطت لك بيتا تطوف به كما يطاف حول عرشي، تصلي عنده كما يصلى عند عرشي وأنزل الحجر وكان\r__________\r(1) ذكر الرواة هذه القصص والأخبار عن بناء البيت، ومعظمها من الإسرائيليات التي لا تثبت بها حجة، وحسبنا ما جاء من الروايات الثابتة، كالذي ذكره البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب: \"اتخذ الله إبراهيم خليلا\". راجع: تفسير ابن كثير: 1 / 302 وما بعدها، البداية والنهاية: 1 / 163-166، الإسرائيليات والموضوعات للشيخ محمد أبو شهبة ص235-237.","part":1,"page":149},{"id":161,"text":"أبيض فاسود من لمس الحيض في الجاهلية فتوجه آدم من أرض الهند إلى مكة ماشيا وقيض الله له ملكا يدله على البيت فحج البيت وأقام المناسك، فلما فرغ تلقته الملائكة وقالوا: بر حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام، قال ابن عباس رضي الله عنهما: حج آدم أربعين حجة من الهند إلى مكة على رجليه فكان على ذلك إلى أيام الطوفان، فرفعه الله تعالى إلى السماء الرابعة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، وبعث جبريل عليه السلام حتى خبأ الحجر الأسود في جبل أبي قبيس صيانة له من الغرق، فكان موضع البيت خاليا إلى زمن إبراهيم، ثم إن الله تعالى أمر إبراهيم بعدما ولد له إسماعيل وإسحاق ببناء بيت يذكر فيه، فسأل الله عز وجل أن يبين له موضعه، فبعث الله السكينة لتدله على موضع البيت وهي ريح خجوج لها رأسان شبه الحية فأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة فتبعها إبراهيم حتى أتيا مكة فتطوت السكينة على موضع البيت كتطوي الحجفة هذا قول علي والحسن.\rوقال ابن عباس: بعث الله تعالى سحابة على قدر الكعبة فجعلت تسير وإبراهيم يمشي في ظلها إلى أن وافق مكة ووقفت على موضع البيت فنودي منها إبراهيم أن ابن على ظلها لا تزد ولا تنقص، وقيل: أرسل الله جبريل ليدله على موضع البيت كقوله تعالى { وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت } فبنى إبراهيم وإسماعيل البيت فكان إبراهيم يبنيه وإسماعيل يناوله الحجر، فذلك قوله تعالى: { وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل } يعني أسسه واحدتها قاعدة. وقال الكسائي: جدر البيت، قال ابن عباس: إنما بني البيت من خمسة أجبل، طورسيناء وطور زيتا ولبنان وهو جبل بالشام، والجودي وهو جبل بالجزيرة وبنيا قواعده من حراء وهو جبل بمكة فلما انتهى إبراهيم إلى موضع الحجر الأسود قال لإسماعيل ائتني بحجر حسن يكون للناس علما فأتاه بحجر فقال: ائتني بأحسن من هذا فمضى إسماعيل يطلبه فصاح أبو قبيس يا إبراهيم إن لك عندي وديعة فخذها فأخذ الحجر الأسود فوضعه مكانه وقيل: إن الله تعالى بنى في السماء بيتا وهو البيت المعمور ويسمى الضراح وأمر الملائكة أن يبنوا الكعبة في الأرض بحياله على قدره ومثاله، وقيل أول من بنى الكعبة آدم واندرس زمن الطوفان ثم أظهره الله لإبراهيم حتى بناه (1) .\rقوله: { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا } فيه إضمار أي ويقولان: ربنا تقبل منا بناءنا { إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ } لدعائنا { الْعَلِيمُ } بنياتنا\r{ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) }\r{ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } موحدين مطيعين مخلصين خاضعين لك.\r__________\r(1) قال ابن كثير رحمه الله: ولم يجئ في خبر صحيح عن معصوم: أن البيت كان مبنيا قبل الخليل عليه السلام، ومن تمسك في هذا بقوله تعالى: \"مكان البيت\" فليس بناهض ولا ظاهر، لأن مراده: مكانه المقدر في علم الله تعالى، المقرر في قدرته، المعظم عند الأنبياء موضعه من لدن آدم إلى زمان إبراهيم عليه السلام\" انظر: البداية والنهاية: 1 / 163 ، 165.","part":1,"page":150},{"id":162,"text":"{ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا } أي أولادنا { أُمَّة } جماعة والأمة أتباع الأنبياء { مُسْلِمَةً لَك } خاضعة لك.\r{ وَأَرِنَا } علمنا وعرفنا، قرأ ابن كثير ساكنة الراء وأبو عمرو بالاختلاس والباقون بكسرها ووافق ابن عامر وأبو بكر في الإسكان في حم السجدة، وأصله أرئنا فحذفت الهمزة طلبا للخفة ونقلت حركتها إلى الراء ومن سكنها قال: ذهبت الهمزة فذهبت حركتها، { مَنَاسِكَنَا } شرائع ديننا وأعلام حجنا.\rوقيل: مواضع حجنا، وقال مجاهد: مذابحنا والنسك الذبيحة، وقيل: متعبداتنا، وأصل النسك العبادة، والناسك العابد فأجاب الله تعالى دعاءهما فبعث جبريل فأراهما المناسك في يوم عرفة فلما بلغ عرفات قال: عرفت يا إبراهيم؟ قال: نعم فسمى الوقت عرفة والموضع عرفات.\r{ وَتُبْ عَلَيْنَا } تجاوز عنا { إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِم }\r{ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) }\rأي في الأمة المسلمة من ذرية إبراهيم وإسماعيل وقيل: من أهل مكة { رَسُولا مِنْهُم } أي مرسلا منهم أراد به محمدا صلى الله عليه وسلم.\rحدثنا السيد أبو القاسم علي بن موسى الموسوي حدثني أبو بكر أحمد بن محمد بن عباس 19/أ البلخي أنا الإمام أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي أنا محمد بن المكي أنا إسحاق بن إبراهيم أنا ابن أخي ابن وهب أنا عمي أنا معاوية عن صالح عن سعيد بن سويد عن عبد الأعلى بن هلال السلمي عن العرباض بن سارية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إني عند الله مكتوب خاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته وسأخبركم بأول أمري، أنا دعوة إبراهيم وبشارة عيسى ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني وقد خرج منها نور أضاءت لها منه قصور الشام\" (1)\rوأراد بدعوة إبراهيم هذا فإنه دعا أن يبعث في بني إسماعيل رسولا منهم، قال ابن عباس: كل الأنبياء\r__________\r(1) رواه أحمد: 4 / 127-128 عن العرباض بن سارية؛ والحاكم في المستدرك: 2 / 418،600. وابن حبان: في موارد الظمان: ص 512. والبيهقي: في دلائل النبوة: 1 / 389-390. والبزار والطبراني. وقال الهيثمي: أحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن سويد ولم يوثقه غير ابن حبان، (مجمع الزوائد: 3 / 223). وأخرجه المصنف في شرح السنة: 13 / 207 وانظر: الكافي الشاف لابن حجر ص (10).","part":1,"page":151},{"id":163,"text":"من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.\r{ يَتْلُو } يقرأ { عَلَيْهِمْ آيَاتِك } كتابك يعني القرآن والآية من القرآن كلام متصل إلى انقطاعه وقيل هي جماعة حروف يقال خرج القوم بآيتهم أي بجماعتهم { وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ } يعني القرآن { وَالْحِكْمَة } قال مجاهد: فهم القرآن، وقال مقاتل: مواعظ القرآن وما فيه من الأحكام، قال ابن قتيبة: هي العلم والعمل، ولا يكون الرجل حكيما حتى يجمعهما، وقيل: هي السنة، وقيل: هي الأحكام والقضاء وقيل: الحكمة الفقه.\rقال أبو بكر بن دريد: كل كلمة وعظتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة.\r{ وَيُزَكِّيهِمْ } أي يطهرهم من الشرك والذنوب، وقيل: يأخذ الزكاة من أموالهم، وقال ابن كيسان: يشهد لهم يوم القيامة بالعدالة إذا شهدوا للأنبياء بالبلاغ من التزكية، وهي التعديل إنك أنت العزيز الحكيم قال ابن عباس: العزيز الذي لا يوجد مثله، وقال الكلبي: المنتقم بيانه قوله تعالى \"والله عزيز ذو انتقام\"( 4-آل عمران ) وقيل: المنيع الذي لا تناله الأيدي ولا يصل إليه شيء وقيل: القوي، والعزة القوة قال الله تعالى \"فعززنا بثالث\"( 14-يس ) أي قوينا وقيل: الغالب قال الله تعالى إخبارا \"وعزني في الخطاب\"( 23-ص ) أي غلبني، ويقال في المثل: \"من عز بز\" أي من غلب سلب.\r{ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) }\r{ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ } وذلك أن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجرا إلى الإسلام فقال لهما: قد علمتما أن الله عز وجل قال في التوراة: إني باعث من ولد إسماعيل نبيا اسمه أحمد فمن آمن به فقد اهتدى ومن لم يؤمن به فهو ملعون، فأسلم سلمة وأبى مهاجر أن يسلم فأنزل الله عز وجل { وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ } (1) أي يترك دينه وشريعته يقال رغب في الشيء إذا أراده، ورغب عنه إذا تركه.\rوقوله { وَمَن } لفظه استفهام معناه التقريع والتوبيخ يعني: ما يرغب عن ملة إبراهيم { إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ } قال ابن عباس: من خسر نفسه، وقال الكلبي: ضل من قبل نفسه، وقال أبو عبيدة: أهلك نفسه، وقال ابن كيسان والزجاج: معناه جهل نفسه والسفاهة: الجهل وضعف الرأي: وكل سفيه\r__________\r(1) انظر: لباب النقول للسيوطي ص 51، بهامش الجلالين.","part":1,"page":152},{"id":164,"text":"جاهل، وذلك أن من عبد غير الله فقد جهل نفسه. لأنه لم يعرف أن الله خلقها، وقد جاء: \"من عرف نفسه فقد عرف ربه\" (1) ، وفي الأخبار: \"إن الله تعالى أوحى إلى داود اعرف نفسك واعرفني، فقال يا رب كيف أعرف نفسي؟ وكيف أعرفك؟ فأوحى الله إليه اعرف نفسك بالضعف والعجز والفناء، واعرفني بالقوة والقدرة والبقاء\".\rوقال الأخفش: معناه سفه في نفسه، ونفسه على هذا القول نصب بنزع حرف الصفة وقال الفراء: نصب على التفسير، وكان الأصل سفهت نفسه فلما أضاف الفعل إلى صاحبها خرجت النفس المفسرة ليعلم موضع السفه، كما يقال: ضقت به ذرعا، أي ضاق ذرعي به.\r{ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا } اخترناه في الدنيا { وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } يعني مع الأنبياء في الجنة، وقال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير، تقديره ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين\r{ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ } أي استقم على الإسلام، واثبت عليه لأنه كان مسلما.\rقال ابن عباس: قال له حين خرج من السرب (2) ، وقال الكلبي: أخلص دينك وعبادتك لله، وقال عطاء أسلم إلى الله عز وجل وفوض أمورك إليه.\r{ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } أي فوضت، قال ابن عباس: وقد حقق ذلك حيث لم يستعن بأحد من الملائكة حين ألقي في النار.\r{ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) }\r{ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ } قرأ أهل المدينة والشام: \"وأوصى\" بالألف، وكذلك هو في مصاحفهم، وقرأ الباقون: \"ووصى\" مشددا، وهما لغتان مثل أنزل ونزل، معناه ووصى بها إبراهيم بنيه ووصى يعقوب بنيه، قال الكلبي ومقاتل: يعني بكلمة الإخلاص لا إله إلا الله، قال أبو عبيدة: إن شئت رددت الكناية إلى الملة لأنه ذكر ملة إبراهيم، وإن شئت رددتها إلى الوصية: أي وصى إبراهيم بنيه الثمانية إسماعيل وأمه هاجر القبطية، وإسحاق وأمه سارة، وستة أمهم قنطورة بنت يقطن الكنعانية تزوجها إبراهيم بعد وفاة سارة ويعقوب، سمي بذلك لأنه والعيص كانا توأمين فتقدم عيص في الخروج من بطن أمه وخرج يعقوب على أثره آخذا بعقبه قاله ابن عباس، وقيل: سمي يعقوب لكثرة عقبه يعني: ووصى أيضا يعقوب بنيه الاثنى عشر { يَا بَنِي } معناه أن يا بني { إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى } اختار { لَكُمُ الدِّينَ } أي دين\r__________\r(1) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: حديث موضوع. انظر: الأسرار المرفوعة للقاري ص(337) وكشف الخفاء للعجلوني: 1 / 262.\r(2) السرب: بفتح الراء، حفير تحت الأرض، وقيل: بيت تحت الأرض.","part":1,"page":153},{"id":165,"text":"الإسلام { فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } مؤمنون وقيل: مخلصون وقيل: مفوضون والنهي في ظاهر الكلام وقع على الموت، وإنما نهوا في الحقيقة عن ترك الإسلام، معناه: داوموا على الإسلام حتى لا يصادفكم الموت إلا وأنتم مسلمون، وعن الفضيل بن عياض رحمه الله أنه قال: { إلا وأنتم مسلمون } أي محسنون بربكم الظن.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي أنا علي بن الجعد أنا أبو جعفر الرازي عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول: \"لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل\" (1) .\r{ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134) }\r{ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ } يعني أكنتم شهداء، يريد ما كنتم شهداء حضورا { إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ } أي حين قرب يعقوب من الموت، قيل: نزلت في اليهود حين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ألست تعلم أن يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية فعلى هذا القول يكون الخطاب لليهود، وقال الكلبي: لما دخل يعقوب مصر رآهم يعبدون الأوثان والنيران، فجمع ولده وخاف عليهم ذلك فقال عز وجل { إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي } قال عطاء إن الله تعالى لم يقبض نبيا حتى يخيره بين الحياة والموت فلما خير يعقوب قال: أنظرني حتى أسأل ولدي وأوصيهم، ففعل الله ذلك به فجمع ولده وولد ولده، وقال لهم قد حضر أجلي فما تعبدون من بعدي { قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ } وكان إسماعيل عما لهم والعرب تسمي العم أبا كما تسمي الخالة أما قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"عم الرجل صنو أبيه\" (2) وقال في عمه 19/ب العباس: \"ردوا علي أبي فإني أخشى أن تفعل به قريش ما فعلت ثقيف بعروة بن\r__________\r(1) أخرجه مسلم: في الجنة - باب: الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت برقم (2877) 4 / 2205. والمصنف في شرح السنة: 5 / 372.\r(2) أخرجه مسلم: في الزكاة - باب: في تقديم الزكاة ومنعها برقم (983) 2 / 676-677. انظر شرح السنة 6 / 33.","part":1,"page":154},{"id":166,"text":"مسعود\" (1) . وذلك أنهم قتلوه.\r{ إِلَهًا وَاحِدًا } نصب على البدل من قوله إلهك وقيل نعرفه إلها واحدا { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }\r{ تِلْكَ أُمَّةٌ } جماعة { قَدْ خَلَتْ } مضت { لَهَا مَا كَسَبَتْ } من العمل { وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } يعني: يسأل كل عن عمله لا عن عمل غيره.\r__________\r(1) قال ابن أبي شيبة في المغازي من مصنفه 14 / 480-484: حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة قال: \"لما وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة ... \" إلى أن قال: \"فانطلق العباس فركب بغلة النبي صلى الله عليه وسلم الشهباء وانطلق إلى قريش ليدعوهم إلى الله، فأبطا عليه فقال رسول الله عليه وسلم \"ردوا علي أبي فإن عم الرجل صنو أبيه أخاف أن تفعل به ... \" انظر الكافي الشاف لابن حجر، ص 11 ، 12.","part":1,"page":155},{"id":167,"text":"{ وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) }\rقوله تعالى: { وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا } قال ابن عباس: نزلت في رؤساء يهود المدينة كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهودا وأبي ياسر بن أخطب، وفي نصارى أهل نجران السيد والعاقب وأصحابهما، وذلك أنهم خاصموا المسلمين في الدين كل فرقة تزعم أنها أحق بدين الله، فقالت اليهود: نبينا موسى أفضل الأنبياء، وكتابنا التوراة أفضل الكتب، وديننا أفضل الأديان، وكفرت بعيسى والإنجيل وبمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، وقالت النصارى: نبينا أفضل الأنبياء وكتابنا الإنجيل أفضل الكتب، وديننا أفضل الأديان وكفرت بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، وقال كل واحد من الفريقين للمؤمنين كونوا على ديننا فلا دين إلا ذلك (1) فقال تعالى { قُل } يا محمد { بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ } بل نتبع ملة إبراهيم، وقال الكسائي: هو نصب على الإغراء، كأنه يقول: اتبعوا ملة إبراهيم، وقيل معناه بل نكون على ملة إبراهيم فحذف \"على\" فصار منصوبا { حَنِيفًا } نصب على الحال عند نحاة البصرة، وعند نحاة الكوفة نصب على القطع أراد بل ملة إبراهيم الحنيف فلما سقطت الألف واللام لم يتبع المعرفة النكرة فانقطع منه فنصب.\rقال مجاهد: الحنيفية اتباع إبراهيم فيما أتى به من الشريعة التي صار بها إماما للناس قال ابن عباس: الحنيف المائل عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، وأصله من الحنف، وهو ميل وعوج يكون في القدم،\r__________\r(1) انظر: الوسيط للواحدي ص202، وقد جاء عنده مفصلا في أسباب النزول: 1 / 38.","part":1,"page":155},{"id":168,"text":"وقال سعيد بن جبير: الحنيف هو الحاج المختتن.\rوقال الضحاك: إذا كان مع الحنيف المسلم فهو الحاج، وإذا لم يكن مع المسلم فهو المسلم، قال قتادة: الحنيفية: الختان وتحريم الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وإقامة المناسك.\r{ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } ثم علم المؤمنين طريق الإيمان فقال جل ذكره:\r{ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا } يعني القرآن { وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ } عشر صحف { وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ } يعني أولاد يعقوب وهم اثنا عشر سبطا واحدهم سبط سموا بذلك لأنه ولد لكل واحد منهم جماعة وسبط الرجل حافده، ومنه قيل للحسن والحسين رضي الله عنهما سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم والأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من العرب من بني إسماعيل والشعوب من العجم، وكان في الأسباط أنبياء ولذلك قال: وما أنزل إليهم وقيل هم بنو يعقوب من صلبه صاروا كلهم أنبياء { وَمَا أُوتِيَ مُوسَى } يعني التوراة { وَعِيسَى } يعني الإنجيل { وَمَا أُوتِيَ } أعطي { النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ } أي نؤمن بالكل لا نفرق بين أحد منهم فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا محمد بن بشار أنا عثمان بن عمر أنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله الآية\" (1)\r{ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) }\rقوله تعالى { فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ } أي بما آمنتم به، وكذلك كان يقرؤها ابن عباس، والمثل صلة كقوله تعالى: \"ليس كمثله شيء\" أي ليس هو كشيء، وقيل: معناه فإن آمنوا بجميع ما آمنتم به أي أتوا بإيمان كإيمانكم وتوحيد كتوحيدكم، وقيل: معناه فإن آمنوا مثل ما أمنتم به والباء زائدة كقوله تعالى: \"وهزي إليك بجذع النخلة\"( 25-مريم ) وقال أبو معاذ النحوي: معناه فإن آمنوا بكتابكم كما آمنتم بكتابهم، { فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ } أي في خلاف ومنازعة قاله: ابن عباس\r__________\r(1) رواه البخاري: في الاعتصام - باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء: 13 / 333. والمصنف في شرح السنة: 1 / 269.","part":1,"page":156},{"id":169,"text":"وعطاء ويقال: شاق مشاقة إذا خالف كأن كل واحد آخذ في شق غير شق صاحبه، قال الله تعالى: \"لا يجرمنكم شقاقي\"( 89-هود ) أي خلافي، وقيل: في عداوة، دليله: قوله تعالى: \"ذلك بأنهم شاقوا الله\"( 13-الأنفال ) أي عادوا الله { فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ } يا محمد أي يكفيك شر اليهود والنصارى وقد كفى بإجلاء بني النضير، وقتل بني قريظة وضرب الجزية على اليهود والنصارى { وَهُوَ السَّمِيعُ } لأقوالهم { الْعَلِيم } بأحوالهم.\r{ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138) قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141) }","part":1,"page":157},{"id":170,"text":"{ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143) }\rقوله تعالى: { صِبْغَةَ اللَّهِ } قال ابن عباس في رواية الكلبي وقتادة والحسن: دين الله، وإنما سماه صبغة لأنه يظهر أثر الدين على المتدين كما يظهر أثر الصبغ على الثوب، وقيل لأن المتدين يلزمه ولا يفارقه، كالصبغ يلزم الثوب، وقال مجاهد: فطرة الله، وهو قريب من الأول، وقيل: سنة الله، وقيل: أراد به الختان لأنه يصبغ صاحبه بالدم، قال ابن عباس (1) هي أن النصارى إذا ولد لأحدهم ولد فأتى عليه سبعة أيام غمسوه في ماء لهم أصفر يقال له المعمودي وصبغوه به ليطهروه بذلك الماء مكان الختان، فإذا فعلوا به ذلك قالوا: الآن صار نصرانيا حقا فأخبر الله أن دينه الإسلام لا ما يفعله النصارى، وهو نصب على الإغراء يعني الزموا دين الله، قال الأخفش هي بدل من قوله ملة إبراهيم { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً } دينا وقيل: تطهيرا { وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ } مطيعون\r{ قُل } يا محمد لليهود والنصارى { أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ } أي في دين الله والمحاجة: المجادلة في الله لإظهار الحجة، وذلك بأنهم قالوا إن الأنبياء كانوا منا وعلى ديننا، وديننا أقوم فنحن أولى بالله منكم فقال الله تعالى: قل أتحاجوننا في الله { وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ } أي نحن وأنتم سواء في الله فإنه ربنا وربكم { وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ } أي لكل واحد جزاء عمله، فكيف تدعون أنكم أولى بالله { وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ } وأنتم به مشركون.\rقال سعيد بن جبير: الإخلاص أن يخلص العبد دينه وعمله فلا يشرك به في دينه ولا يرائي بعمله قال الفضيل: ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما.\rقوله تعالى: { أَمْ تَقُولُونَ } يعني: أتقولون، صيغة استفهام ومعناه التوبيخ، وقرأ ابن عامر وحمزة\r__________\r(1) انظر: الوسيط للواحدي: 1 / 206.","part":1,"page":157},{"id":171,"text":"والكسائي وحفص بالتاء لقوله تعالى: { قل أتحاجوننا في الله } وقال بعده { قل أأنتم أعلم أم الله } وقرأ الآخرون بالياء يعني يقول اليهود والنصارى { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ } يا محمد { أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ } بدينهم { أَمِ اللَّهُ } وقد أخبر الله تعالى أن إبراهيم لم يكن 20/أ يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ } أخفى { شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ } وهي علمهم بأن إبراهيم وبنيه كانوا مسلمين وأن محمدا صلى الله عليه وسلم حق ورسول أشهدهم الله عليه في كتبهم { وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }\r{ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } كرره (1) تأكيدا.\rقوله تعالى: { سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ } الجهال { مِنَ النَّاسِ مَا وَلاهُمْ } صرفهم وحولهم { عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا } يعني بيت المقدس والقبلة فعلة من المقابلة نزلت في اليهود ومشركي مكة طعنوا في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى مكة، فقالوا لمشركي مكة: قد تردد على محمد أمره فاشتاق إلى مولده وقد توجه نحو بلدكم وهو راجع إلى دينكم فقال الله تعالى: { قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ } له والخلق عبيده. { يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }\r{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } نزلت في رؤساء اليهود، قالوا لمعاذ بن جبل: ما ترك محمد قبلتنا إلا حسدا، وإن قبلتنا قبلة الأنبياء، ولقد علم محمد أنا عدل بين الناس، فقال معاذ: إنا على حق وعدل فأنزل الله تعالى: { وَكَذَلِك } أي وهكذا، وقيل: الكاف للتشبيه أي كما اخترنا إبراهيم وذريته واصطفيناهم { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } مردودة على قوله: \"ولقد اصطفيناه في الدنيا\"( 103-البقرة ) أي عدلا خيارا قال الله تعالى: \"قال أوسطهم\"( 28-القلم ) أي خيرهم وأعدلهم وخير الأشياء أوسطها، وقال الكلبي يعني أهل دين وسط بين الغلو والتقصير لأنهما مذمومان في الدين.\r__________\r(1) في \"أ\"=كرر.","part":1,"page":158},{"id":172,"text":"وأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبو معشر إبراهيم بن محمد بن الحسين الوراق أنا أبو عبد الله محمد بن زكريا بن يحيى أنا أبو الصلت أنا حماد بن زيد أنا علي بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بعد العصر فما ترك شيئا إلى يوم القيامة إلا ذكره في مقامه ذلك حتى إذا كانت الشمس على رءوس النخل وأطراف الحيطان، قال: \"أما إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا، ألا وإن هذه الأمة توفي سبعين أمة هي آخرها وأخيرها وأكرمها على الله تعالى\" (1)\rقوله تعالى: { لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ } يوم القيامة أن الرسل قد بلغتهم، قال ابن جريج: قلت لعطاء، ما معنى قوله تعالى لتكونوا شهداء على الناس؟ قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم شهداء على من يترك الحق من الناس أجمعين { وَيَكُونَ الرَّسُولُ } محمد صلى الله عليه وسلم { عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } معدلا مزكيا لكم، وذلك أن الله تعالى يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، ثم يقول لكفار الأمم الماضية: \"ألم يأتكم نذير\"( 8-الملك ) فينكرون ويقولون ما جاءنا من بشير ولا نذير، فيسأل الله الأنبياء عليهم السلام عن ذلك فيقولون: كذبوا قد بلغناهم فيسألهم البينة -وهو أعلم بهم -إقامة للحجة، فيؤتى بأمة محمد صلى الله عليه وسلم فيشهدون لهم أنهم قد بلغوا، فتقول الأمم الماضية: من أين علموا وإنما أتوا بعدنا؟ فيسأل هذه الأمة فيقولون أرسلت إلينا رسولا وأنزلت عليه كتابا، أخبرتنا فيه تبليغ الرسل وأنت صادق فيما أخبرت، ثم يؤتى بمحمد صلى الله عليه وسلم فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بصدقهم.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا إسحاق بن منصور أخبرنا أبو أسامة قال الأعمش أخبرنا أبو صالح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يجاء بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم يا رب، فيسأل أمته هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيقال: من شهودك فيقول محمد وأمته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"فيجاء بكم فتشهدون\" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم \"وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا\r__________\r(1) رواه أحمد: 3 / 19 وهو جزء من حديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. ابن ماجه: في الزهد - باب: صفة أمة محمد صلى الله عليه وسلم 2 / 1433 ولفظه عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه سلم يقول: (إنكم وفيتم سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله).","part":1,"page":159},{"id":173,"text":"شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا\" (1) قوله تعالى: { وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا } أي تحويلها يعني بيت المقدس، فيكون من باب حذف المضاف، ويحتمل أن يكون المفعول الثاني للجعل محذوفا، على تقدير وما جعلنا القبلة التي كنت عليها منسوخة، وقيل معناه التي أنت عليها، وهي الكعبة كقوله تعالى \"كنتم خير أمة\" أي أنتم.\r{ إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ } فإن قيل ما معنى قوله: \"إلا لنعلم\" وهو عالم بالأشياء كلها قبل كونها قيل: أراد به العلم الذي يتعلق به الثواب والعقاب، فإنه لا يتعلق بما هو عالم به في الغيب، إنما يتعلق بما يوجد معناه ليعلم العلم الذي يستحق العامل عليه الثواب والعقاب، وقيل: إلا لنعلم أي: لنرى ونميز من يتبع الرسول في القبلة { مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ } فيرتد وفي الحديث إن القبلة لما حولت ارتد قوم من المسلمين إلى اليهودية، وقالوا: رجع محمد إلى دين آبائه، وقال أهل المعاني: معناه إلا لعلمنا من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه كأنه سبق في علمه أن تحويل القبلة سبب لهداية قوم وضلالة قوم، وقد يأتي لفظ الاستقبال بمعنى الماضي كما قال الله تعالى \"فلم تقتلون أنبياء الله\"( 91-البقرة ) أي فلم قتلتموهم { وَإِنْ كَانَتْ } أي قد كانت أي تولية الكعبة وقيل: الكتابة راجعة إلى القبلة، وقيل: إلى الكعبة قال الزجاج: وإن كانت التحويلة { لَكَبِيرَة } ثقيلة شديدة { إِلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ } أي هداهم الله، قال سيبويه: \"وإن\" تأكيد يشبه اليمين ولذلك دخلت اللام في جوابها { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } وذلك أن حيي بن أخطب وأصحابه من اليهود قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم نحو بيت المقدس، إن كانت هدى فقد تحولتم عنها وإن كانت ضلالة فقد دنتم الله بها، ومن مات منكم عليها فقد مات على الضلالة، فقال المسلمون إنما الهدى ما أمر الله به، والضلالة ما نهى الله عنه.\rقالوا: فما شهادتكم على من مات منكم على قبلتنا؟ وكان قد مات قبل أن تحول القبلة من المسلمين أسعد بن زرارة من بني النجار، والبراء بن معرور من بني سلمة، وكانوا من النقباء ورجال آخرون فانطلق عشائرهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله قد صرفك الله إلى قبلة إبراهيم فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى (2) { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } يعني صلاتكم إلى بيت المقدس { إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ } قرأ أهل الحجاز وابن عامر وحفص لرءوف مشبع على وزن فعول، لأن أكثر أسماء الله تعالى على فعول وفعيل، كالغفور والشكور والرحيم والكريم وغيرها، وأبو جعفر\r__________\r(1) أخرجه البخاري: في الاعتصام - باب: وكذلك جعلناكم أمة وسطا: 13 / 316 وفي التفسير والأنبياء. والمصنف في شرح السنة: 15 / 141.\r(2) انظر فتح الباري كتاب التفسير باب \"سيقول السفهاء من الناس ... \" 8 / 171. تفسير الطبري: 3 / 167-169.","part":1,"page":160},{"id":174,"text":"يلين الهمزة وقرأ الآخرون بالاختلاس على وزن فعل قال جرير: ترى للمسلمين عليك حقا ... كفعل الواحد الرءوف الرحيم\rوالرأفة أشد الرحمة.\r{ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) }\rقوله تعالى: { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ } هذه الآية وإن كانت متأخرة في التلاوة فهي متقدمة في المعنى فإنها رأس القصة، وأمر القبلة أول ما نسخ من أمور الشرع، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون بمكة إلى الكعبة، فلما هاجر إلى المدينة أمره الله أن يصلي نحو صخرة بيت المقدس ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إياه إذا صلى إلى قبلتهم مع ما يجدون 20/ب من نعته في التوراة فصلى بعد الهجرة ستة عشر أو سبعة عشر شهرا إلى بيت المقدس وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام، وقال مجاهد: كان يحب ذلك لأجل اليهود لأنهم كانوا يقولون يخالفنا محمد صلى الله عليه وسلم في ديننا ويتبع قبلتنا، فقال لجبريل عليه السلام: وددت لو حولني الله إلى الكعبة فإنها قبلة أبي إبراهيم عليه السلام، فقال جبريل: إنما أنا عبد مثلك وأنت كريم على ربك، فسل أنت ربك فإنك عند الله عز وجل بمكان [فرجع] (1) جبريل عليه السلام وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى السماء رجاء أن ينزل جبريل بما يحب من أمر القبلة (2) فأنزل الله تعالى { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً } فلنحولنك إلى قبلة { تَرْضَاهَا } أي تحبها وتهواها { فول } أي حول { وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } أي نحوه وأراد به الكعبة والحرام المحرم { وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ } من بر أو بحر أو شرق أو غرب { فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } عند الصلاة.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا إسحاق بن نصر أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج عن عطاء قال سمعت ابن عباس رضي الله عنهما: قال لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى\r__________\r(1) فعرج من ب.\r(2) قال السيوطي في الدر المنثور: أخرجه أبو داود في ناسخه عن أبي العالية 1 / 343.","part":1,"page":161},{"id":175,"text":"خرج منه، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة( وقال هذه القبلة ) (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عمرو بن خالد أخبرنا زهير أخبرنا أبو إسحاق عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده أو قال أخواله من الأنصار وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد قباء وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل المقدس لأنه قبلة أهل الكتاب، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك، وقال: البراء في حديثه هذا: أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله تعالى { وما كان الله ليضيع إيمانكم } (2) .\rوكان تحويل القبلة في رجب بعد زوال الشمس قبل قتال بدر بشهرين، قال مجاهد وغيره: نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد بني سلمة وقد صلى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر، فتحول في الصلاة واستقبل الميزاب وحول الرجال مكان النساء، والنساء مكان الرجال، فسمي ذلك المسجد مسجد القبلتين. وقيل: كان التحويل خارج الصلاة بين الصلاتين، وأهل قباء وصل إليهم الخبر في صلاة الصبح.\rأخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد الفقيه السرخسي أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي السامري أخبرنا أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري عن مالك بن أنس عن عبد الله بن دينار أن عبد الله بن عمر قال: بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت وقال لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة (3) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري: في القبلة - باب: قول الله تعالى (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى): 1 / 501. ومسلم: في الحج - باب: استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره برقم (1330) 2 / 968 عن أسامة بن زيد. والمصنف في شرح السنة: 2 / 334.\r(2) رواه البخاري: في التفسير - باب: سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم: 8 / 171. ومسلم: في المساجد ومواضع الصلاة - باب: تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة: برقم (525) 1 / 374. والمصنف في شرح السنة: 2 / 322-323.\r(3) رواه البخاري: في التفسير - باب: ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية: 8 / 174. ومسلم: في المساجد ومواضع الصلاة - باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة: برقم (526) 1 / 375. والمصنف في شرح السنة: 2 / 323-324.","part":1,"page":162},{"id":176,"text":"فلما تحولت القبلة قالت اليهود: يا محمد ما هو إلا شيء تبتدعه من تلقاء نفسك فتارة تصلي إلى بيت المقدس وتارة إلى الكعبة ولو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن تكون صاحبنا الذي ننتظره؟ فأنزل الله { وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ } يعني أمر الكعبة { الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ } ثم هددهم فقال { وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } قرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة والكسائي بالتاء قال ابن عباس يريد أنكم يا معشر المؤمنين تطلبون مرضاتي وما أنا بغافل عن ثوابكم وجزائكم وقرأ الباقون بالياء يعني ما أنا بغافل عما يفعل اليهود فأجازيهم في الدنيا والآخرة.\r{ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) }\rقوله تعالى { وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } يعني اليهود والنصارى قالوا: ائتنا بآية على ما تقول فقال الله تعالى { وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ } معجزة { مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ } يعني الكعبة { وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ } لأن اليهود تستقبل بيت المقدس وهو المغرب والنصارى تستقبل المشرق وقبلة المسلمين الكعبة.\rأخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي أخبرنا الحسن بن بكر المروزي أخبرنا المعلى بن منصور أخبرنا عبد الله بن جعفر المخزومي عن عثمان الأخنسي عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"القبلة ما بين المشرق والمغرب\" (1)\rوأراد به في حق (2) أهل المشرق، وأراد بالمشرق: مشرق الشتاء في أقصر يوم في السنة، وبالمغرب: مغرب الصيف في أطول يوم من السنة، فمن جعل مغرب الصيف في هذا الوقت على يمينه ومشرق الشتاء على يساره كان وجهه إلى القبلة { وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ } مرادهم الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الصلاة: باب ما جاء أن ما بين المشرق والمغرب قبلة: 2 / 317-319 وقال حديث حسن صحيح. وابن ماجه: في إقامة الصلاة باب: القبلة برقم (1011) بلفظ (ما بين المشرق والمغرب قبلة). والحاكم في المستدرك: 1 / 205،206 عن ابن عمر. والبيهقي : 2 / 9. وانظر: تفسير ابن كثير: 1 / 277-281.\r(2) ساقطة من أ.","part":1,"page":163},{"id":177,"text":"الأمة، { مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ } الحق في القبلة، { إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ }","part":1,"page":164},{"id":178,"text":"{ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) }\rقوله تعالى: { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ } يعني مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه { يَعْرِفُونَه } يعني يعرفون محمدا صلى الله عليه وسلم { كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ } من بين الصبيان، قال عمر بن الخطاب لعبد الله بن سلام إن الله قد أنزل على نبيه { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ } فكيف هذه المعرفة؟ قال عبد الله: يا عمر لقد عرفته حين رأيته كما عرفت ابني ومعرفتي بمحمد صلى الله عليه وسلم أشد من معرفتي بابني، فقال عمر: كيف ذلك؟ فقال أشهد إنه رسول الله حق من الله تعالى وقد نعته الله في كتابنا ولا أدري ما تصنع النساء، فقال عمر وفقك الله يا ابن سلام فقد صدقت (1) { وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ } يعني صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأمر الكعبة { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } ثم قال\r{ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ } أي هذا الحق خبر مبتدأ مضمر وقيل رفع بإضمار فعل أي جاءك الحق من ربك { فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } الشاكين.\rقوله تعالى: { وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ } أي لأهل كل ملة قبلة والوجهة اسم للمتوجه إليه { هُوَ مُوَلِّيهَا } أي مستقبلها ومقبل إليها يقال: وليته ووليت إليه: إذا أقبلت إليه (2) ، ووليت عنه إذا أدبرت عنه. قال مجاهد: هو موليها وجهه، وقال الأخفش، هو كناية عن الله عز وجل يعني الله مولي الأمم إلى قبلتهم وقرأ ابن عامر: مولاها، أي: المستقبل مصروف إليها { فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ } أي إلى الخيرات، يريد: بادروا بالطاعات، والمراد المبادرة إلى القبول { أَيْنَمَا تَكُونُوا } أنتم وأهل الكتاب { يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا } يوم القيامة فيجزيكم بأعمالكم { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }\rقوله تعالى { وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }\r__________\r(1) أخرجه الثعلبي من حديث ابن عباس. وفيه الكلبي وهو كذاب الفتح السماوي 1 / 195. انظر: الوسيط للواحدي: 1 / 215، أسباب النزول له أيضا ص 40.\r(2) وفي \"أ\" عليه.","part":1,"page":164},{"id":179,"text":"قرأ أبو عمرو بالياء والباقون بالتاء 21/أ\r{ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150) }\r{ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } وإنما كرر لتأكيد النسخ { لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا } اختلفوا في تأويل هذه الآية ووجه قوله { إِلا } فقال بعضهم: معناه حولت القبلة إلى الكعبة { لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ } إذا توجهتم إلى غيرها فيقولون ليست لكم قبلة { إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا } قريش واليهود فأما قريش فتقول رجع محمد إلى الكعبة، لأنه علم أنها الحق وأنها قبلة آبائه، فكذلك يرجع إلى ديننا، وأما اليهود فتقول لم ينصرف عن بيت المقدس مع علمه بأنه حق إلا أنه يعمل برأيه وقال قوم { لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ } يعني اليهود وكانت حجتهم على طريق المخاصمة على المؤمنين في صلاتهم إلى بيت المقدس أنهم كانوا يقولون ما درى محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم نحن.\rوقوله { إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا } مشركو مكة، وحجتهم: أنهم قالوا -لما صرفت قبلتهم إلى الكعبة إن محمدا قد تحير في دينه وسيعود إلى ملتنا كما عاد إلى قبلتنا، وهذا معنى قول مجاهد وعطاء وقتادة، وعلى هذين التأويلين يكون الاستثناء صحيحا، وقوله { إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا } يعني لا حجة لأحد عليكم إلا لمشركي قريش فإنهم يحاجونكم فيجادلونكم ويخاصمونكم بالباطل والظلم والاحتجاج بالباطل يسمى حجة كما قال الله تعالى \"حجتهم داحضة عند ربهم\"( 16-الشورى ) وموضع { الَّذِين } خفض كأنه قال سوى الذين ظلموا قاله الكسائي وقال الفراء نصب بالاستثناء.\rقوله تعالى: { مِنْهُم } يعني من الناس وقيل هذا استثناء منقطع عن الكلام الأول، معناه ولكن الذين ظلموا يجادلونكم بالباطل، كما قال الله تعالى \"ما لهم به من علم إلا اتباع الظن\"( 157-النساء ) يعني لكن يتبعون الظن فهو كقول الرجل مالك عندي حق إلا أن تظلم.\rقال أبو روق { لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ } يعني اليهود { عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ } وذلك أنهم عرفوا أن الكعبة قبلة إبراهيم ووجدوا في التوراة أن محمدا سيحول إليها فحوله الله تعالى لئلا يكون لهم حجة فيقولون: إن النبي الذي نجده في كتابنا سيحول إليها ولم تحول أنت، فلما حول إليها ذهبت حجتهم { إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا } يعني إلا أن يظلموا فيكتموا ما عرفوا من الحق.","part":1,"page":165},{"id":180,"text":"وقال أبو عبيدة (1) قوله { إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا } ليس باستثناء ولكن \"إلا\" في موضع واو العطف يعني: والذين ظلموا أيضا لا يكون لهم حجة كما قال الشاعر: وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان\rمعناه والفرقدان أيضا يتفرقان، فمعنى الآية فتوجهوا إلى الكعبة { لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ } يعني اليهود { عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ } فيقولوا لم تركتم الكعبة وهي قبلة إبراهيم وأنتم على دينه ولا الذين ظلموا وهم مشركو مكة فيقولون لم ترك محمد قبلة جده وتحول عنها إلى قبلة اليهود { فَلا تَخْشَوْهُمْ } في انصرافكم إلى الكعبة وفي تظاهرهم عليكم بالمجادلة فإني وليكم أظهركم عليهم بالحجة والنصرة { وَاخْشَوْنِي وَلأتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ } عطف على قوله { لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ } ولكي أتم نعمتي عليكم بهدايتي إياكم إلى قبلة إبراهيم فتتم لكم الملة الحنيفية، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه تمام النعمة الموت على الإسلام.\rقال: سعيد بن جبير لا يتم نعمة على مسلم إلا أن يدخله الله الجنة { وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } لكي تهتدوا من الضلالة ولعل وعسى من الله واجب.\r{ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) }\rقوله تعالى: { كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ } هذه الكاف للتشبيه وتحتاج إلى شيء يرجع إليه فقال بعضهم: ترجع إلى ما قبلها معناه ولأتم نعمتي عليكم كما أرسلنا فيكم رسولا قال محمد بن جرير: دعا إبراهيم عليه السلام بدعوتين -إحداهما -قال: \"ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك\"( 128-البقرة ) والثانية قوله: \"ربنا وابعث فيهم رسولا منهم\"( 129-البقرة ) فبعث الله الرسول وهو محمد صلى الله عليه وسلم ووعد إجابة الدعوة الثانية بأن يجعل في ذريته أمة مسلمة، يعني كما أجبت دعوته بأن أهديكم لدينه وأجعلكم مسلمين وأتم نعمتي عليكم ببيان شرائع الملة الحنيفية (2) وقال مجاهد وعطاء والكلبي: هي\r__________\r(1) انظر: البحر المحيط: 1 / 442.\r(2) قال الطبري في التفسير: 3 / 208-209: \"يعني بقوله جل ثناؤه: \"كما أرسلنا فيكم رسولا\"، ولأتم نعمتي عليكم ببيان شرائع ملتكم الحنيفية، وأهديكم لدين خليلي إبراهيم عليه السلام، فأجعل لكم دعوته التي دعاني بها ومسألته التي سألنيها فقال: \"ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم\" (سورة البقرة: 128)، كما جعلت لكم دعوته التي دعاني بها، ومسألته التي سألنيها فقال: \"ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم\" (سورة البقرة: 129)، فابتعثت منكم رسولي الذي سألني إبراهيم خليلي وابنه إسماعيل، أن أبعثه من ذريتهما\".","part":1,"page":166},{"id":181,"text":"متعلقة بما بعدها وهو قوله \"فاذكروني أذكركم\" معناه كما أرسلنا فيكم رسولا منكم فاذكروني (1) وهذه الآية خطاب لأهل مكة والعرب يعني كما أرسلنا فيكم يا معشر العرب.\r{ رَسُولا مِنْكُمْ } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم { يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا } يعني القرآن { وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } قيل: الحكمة السنة، وقيل: مواعظ القرآن { وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ } الأحكام وشرائع الإسلام\r{ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (152) }\r{ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ } قال ابن عباس: اذكروني بطاعتي، أذكركم بمغفرتي، وقال سعيد بن جبير اذكروني في النعمة والرخاء، أذكركم في الشدة والبلاء، بيانه \"فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون\"( 144-الصافات ).\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عمر بن حفص أخبرنا أبي أخبرنا الأعمش قال سمعت أبا صالح عن أبي هريرة قال قال: النبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: \"أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة\" (2)\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد بن القاضي وثنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة الكشميهني قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سراج الطحان أخبرنا أبو أحمد محمد بن قريش بن سليمان أخبرنا أبو عبد الملك الدمشقي أخبرنا سليمان بن عبد الرحمن أخبرنا منذر بن زياد عن صخر بن جويرية عن الحسن عن أنس قال: إني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم عدد أناملي هذه العشر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إن الله تعالى يقول: يا ابن آدم إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ خير منهم، وإن دنوت مني شبرا دنوت منك ذراعا، وإن دنوت مني ذراعا دنوت منك باعا، وإن مشيت إلي هرولت إليك، وإن هرولت إلي سعيت إليك، وإن سألتني أعطيتك، وإن لم تسألني غضبت عليك\" (3) .\r__________\r(1) انظر: تفسير الطبري: 3 / 210.\r(2) أخرجه البخاري في التوحيد - باب: قول الله تعالى: ويحذركم الله نفسه: 13 / 384. ومسلم: في الذكر والدعاء والتوبة - باب الحث على ذكر الله تعالى برقم (2675) 4 / 61. والمصنف في شرح السنة: 5 / 273.\r(3) أخرجه البخاري في التوحيد - باب قول الله تعالى: ويحذركم الله نفسه: 13 / 384. ومسلم: في الذكر والدعاء والتوبة - باب: فضل الذكر والدعاء برقم (2675) 4 / 2067 من طريق أنس وجاء كذلك من طريق أبي ذر وهذه الرواية يختلف لفظها عند البخاري.","part":1,"page":167},{"id":182,"text":"أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا يحيى بن عبد الله أخبرنا الأوزاعي أخبرنا إسماعيل بن عبد الله عن أبي الدرداء عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله عز وجل: \"أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه\" (1)\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم البغوي أخبرنا علي بن الجعد أخبرنا إسماعيل بن عياش أخبرنا عمرو بن قيس السكوني عن عبد الله بن بسر قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: \"أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله تعالى\" (2) .\rقوله تعالى: { وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ } يعني واشكروا لي بالطاعة ولا تكفروني بالمعصية فإن من أطاع الله فقد شكره ومن عصاه 21/ب فقد كفره.\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) }\r__________\r(1) رواه البخاري: تعليقا في التوحيد - باب: قول الله تعالى: لا تحرك به لسانك: 13 / 499. وابن حبان في الأذكار ص (576) من موارد الظمآن قال ابن حجر هذا طرف من حديث: أخرجه أحمد والبخاري في خلق أفعال العباد. والطبراني من رواية عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن إسماعيل بن عبد الله. بن أبي المهاجر عن كريمة بنت الحسحاس عن أبي هريرة، وأخرجه عنه أيضا البيهقي في الدلائل وابن ماجه والحاكم وابن حبان من طرق انظر: فتح الباري 13 / 500 والمصنف في شرح السنة: 5 / 13 وانظر التعليق عليه للشيخ الأرناؤوط.\r(2) أخرجه الترمذي: في الدعوات - باب: فضل الذكر 9 / 314-215 وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه وأحمد: 4 / 188،190 عن عبد الله بن بسر بلفظ آخر. ابن حبان: في الأذكار - باب: فضل الذكر والذاكرين (موارد الظمآن) برقم (2318) ص 576.","part":1,"page":168},{"id":183,"text":"{ وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ (154) }\rقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } بالعون والنصرة\r{ وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ } نزلت في قتلى بدر من المسلمين وكانوا أربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار كان الناس يقولون لمن يقتل في سبيل الله مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذتها فأنزل الله تعالى: { وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ } كما قال في شهداء أحد \"ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون\"( 169-آل عمران ) قال الحسن إن الشهداء أحياء عند الله تعالى تعرض أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الروح والفرح كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوة وعشية فيصل إليهم الوجع.","part":1,"page":168},{"id":184,"text":"{ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ وَالأنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) }\rقوله تعالى: { وَلَنَبْلُوَنَّكُم } أي ولنختبرنكم يا أمة محمد، واللام لجواب القسم تقديره والله لنبلونكم والابتلاء من الله لإظهار المطيع من العاصي لا ليعلم شيئا لم يكن عالما به { بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ } قال ابن عباس يعني خوف العدو { وَالْجُوعِ } يعني القحط { وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ } بالخسران والهلاك { وَالأنْفُسِ } يعني بالقتل والموت وقيل بالمرض والشيب { وَالثَّمَرَاتِ } يعني الجوائح في الثمار وحكي عن الشافعي أنه قال الخوف خوف الله تعالى، والجوع صيام رمضان، ونقص من الأموال أداء الزكاة والصدقات، والأنفس الأمراض، والثمرات موت الأولاد لأن ولد الرجل ثمرة قلبه.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا الحسن بن موسى أخبرنا حماد بن سلمة عن أبي سنان قال دفنت ابني سنانا وأبو طلحة الخولاني على شفير القبر فلما أردت الخروج أخذ بيدي فأخرجني فقال: ألا أبشرك؟: حدثني الضحاك عن عرزب عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته أقبضتم ولد عبدي؟ قالوا نعم، قال أقبضتم ثمرة فؤاده؟ قالوا نعم، قال فماذا قال عبدي؟ قالوا استرجع وحمدك قال: ابنوا له بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد\" (1)\r{ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ } على البلايا والرزايا، ثم وصفهم فقال:\r{ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ } عبيدا وملكا { وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } في الآخرة.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان أخبرنا أبو جعفر الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا محاضر بن المورع أخبرنا سعد عن عمر بن كثير بن أفلح\r__________\r(1) أخرجه الترمذي: في الجنائز - باب: فضل المصيبة إذا احتسب: 4 / 101 وقال: هذا حديث حسن غريب. والمصنف في شرح السنة: 5 / 456 قال المحقق: فيه أبو سنان واسمه عيسى بن سنان القسملي لينه الحافظ في التقريب. قال ابن معين: لين الحديث وقال أبو زرعة مختلط (تهذيب التهذيب) وذكره ابن حبان في الثقات. وصححه ابن حبان في موارد الظمآن برقم (726) ص185، قال ابن حجر في الكافي الشاف ص12-13: \"أخرجه أحمد وغيره من حديث، وصححه ابن حبان ورواه البيهقي في الشعب مرفوعا وموقوفا. وقد ذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم 1408 وقال: الحديث بمجموع طرقه حسن على أقل الأحوال.","part":1,"page":169},{"id":185,"text":"أخبرنا مولى أم سلمة عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"ما من مصيبة تصيب عبدا فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها، إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها\" قالت أم سلمة لما توفي أبو سلمة عزم الله لي فقلت: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها. فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم (1)\rوقال سعيد بن جبير: ما أعطي أحد في المصيبة ما أعطي هذه الأمة يعني الاسترجاع ولو أعطيها أحد لأعطيها يعقوب عليه السلام ألا تسمع لقوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام \"يا أسفى على يوسف\"( 84-يوسف )\r{ أُولَئِكَ } أهل هذه الصفة { عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ } صلوات أي رحمة فإن الصلاة من الله الرحمة ورحمة ذكرها الله تأكيدا وجميع الصلوات، أي: رحمة بعد رحمة { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } إلى الاسترجاع وقيل إلى الحق والصواب وقيل إلى الجنة والثواب، قال عمر رضي الله عنه: نعم العدلان ونعمت العلاوة (2) فالعدلان الصلاة والرحمة، والعلاوة الهداية.\rوقد وردت أخبار في ثواب أهل البلاء وأجر الصابرين منها ما أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد السرخسي أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه قال: سمعت أبا الحباب سعيد بن يسار يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"من يرد الله به خيرا يصب منه\" (3) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبد الله بن محمد أخبرنا عبد الملك بن عمرو أخبرنا زهير بن محمد عن محمد بن عمرو بن حلحلة عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه\" (4) .\r__________\r(1) أخرجه مسلم: في الجنائز - باب: ما يقال عند المصيبة: برقم (918) 2 / 632-633. والمصنف في شرح السنة: 5 / 293-294.\r(2) أخرجه الواحدي في الوسيط بسنده عن عمر رضي الله عنه: 1 / 226. وقال القرطبي في التفسير: 2 / 177: \"أراد بالعدلين: الصلاة والرحمة؛ وبالعلاوة: الاهتداء.\r(3) رواه البخاري: في المرضى - باب: ما جاء في كفارة المرض: 10 / 103 والمصنف في شرح السنة: 5 / 232.\r(4) رواه البخاري: في المرضى - باب: ما جاء في كفارة المرض: 10 / 103 مسلم: في البر والصلة - باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه برقم (2573) 4 / 1993. والمصنف في شرح السنة: 5 / 233.","part":1,"page":170},{"id":186,"text":"أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أنا محمد بن عبيد أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: جاءت امرأة بها لمم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: ادع الله لي أن يشفيني قال \"إن شئت دعوت الله أن يشفيك وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك\" قالت: بل أصبر ولا حساب علي (1) .\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو سعيد خلف بن عبد الرحمن بن أبي نزار أخبرنا أبو منصور العباس بن الفضل النضروي أخبرنا أحمد بن نجدة أخبرنا يحيى بن عبد الحميد الحماني أخبرنا حماد بن زيد عن عاصم هو ابن أبي النجود عن مصعب بن سعد عن سعد قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشد الناس بلاء قال: \"الأنبياء والأمثل فالأمثل يبتلي الله الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلبا ابتلي على قدر ذلك وإن كان في دينه رقة هون عليه فما يزال كذلك حتى يمشي على الأرض وما له من ذنب\" (2)\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا عبد الله بن صالح قال: حدثني الليث حدثني يزيد بن أبي حبيب عن سعيد بن سنان عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"إن عظم الجزاء عند الله مع عظم البلاء فإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط\" (3)\rأخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا محمد بن يحيى أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وماله وولده حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة\" (4)\r__________\r(1) ابن حبان: في الجنائز - باب الصبر على اللمم ص182. والمصنف في شرح السنة: 5 / 236. وإسناده قوي: وأخرجه البزار.\r(2) أخرجه الترمذي: في الزهد - باب: في الصبر على البلاء: 7 / 78 - 79 وقال هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجه: في الفتن - باب، الصبر على البلاء برقم (4023) 2 / 1334. والدارمي: في الرقاق - باب: في أشد الناس بلاء: 2 / 320. وأحمد: 1 / 172، 174، 180، 185 عن مصعب بن سعد عن أبيه. والمصنف في شرح السنة: 5 / 244. وإسناده حسن وصححه الحاكم وابن حبان.\r(3) رواه الترمذي: في الزهد - باب الصبر على البلاء: 7 / 77 - 78 وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. ابن ماجه: في الفتن - باب الصبر على البلاء برقم (4031) 2 / 1338. والمصنف في شرح السنة: 5 / 245. انظر حاشية شرح السنة.\r(4) رواه الترمذي: في الزهد - باب الصبر على البلاء: 7 / 80 وقال: هذا حديث حسن صحيح. والحاكم: 1 / 346 وصححه ووافقه الذهبي. وأحمد: 2 / 287، 450 عن أبي هريرة. والمصنف في شرح السنة: 5 / 246.","part":1,"page":171},{"id":187,"text":"أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران أخبرنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"مثل المؤمن كمثل الزرع لا تزال الريح تفيئه ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء، ومثل المنافق 22/أ كمثل شجرة الأرزة (1) لا تهتز حتى تستحصد\" (2)\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو الحسين بن بشران أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث عن عمر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"عجب للمؤمن إن أصابه خير حمد الله وشكر، وإن أصابته مصيبة حمد الله وصبر. فالمؤمن يؤجر في كل أمره حتى يؤجر في اللقمة يرفعها إلى في امرأته\" (3) .\r{ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158) }\rقوله تعالى: { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } الصفا جمع صفاة وهي الصخرة الصلبة الملساء، يقال: صفاة وصفا، مثل: حصاة وحصى ونواة ونوى، والمروة: الحجر الرخو، وجمعها مروات، وجمع الكثير مرو، مثل تمرة وتمرات وتمر. وإنما عنى بهما الجبلين المعروفين بمكة في طرفي المسعى، ولذلك أدخل فيهما الألف واللام، وشعائر الله أعلام دينه، أصلها من الإشعار وهو الإعلام واحدتها شعيرة وكل ما كان معلما لقربان يتقرب به إلى الله تعالى من صلاة ودعاء وذبيحة فهو شعيرة فالمطاف والموقف والنحر كلها شعائر الله ومثلها المشاعر، والمراد بالشعائر هاهنا: المناسك التي جعلها الله أعلاما لطاعته، فالصفا والمروة\r__________\r(1) الأرزة: بسكون الراء وفتحها شجرة الأرزة وهو خشب معروف وقيل: هو الصنوبر وقال بعضهم: هي الأرزة بوزن فاعلة وأنكرها أبو عبيدة. النهاية 1 / 38.\r(2) رواه البخاري: في التوحيد - باب: في المشيئة والإرادة: 13 / 446. ومسلم: في المنافقين - باب: مثل المؤمن كالزرع برقم (2809) 4 / 2163 واللفظ له. والمصنف في شرح السنة: 5 / 247.\r(3) رواه مسلم: في الزهد - باب: المؤمن أمره كله خير عن صهيب برقم (2999) 4 / 2295، بلفظ: \"عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن إصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له\" والمصنف في شرح السنة: 5 / 448.","part":1,"page":172},{"id":188,"text":"منها حتى يطاف بهما جميعا { فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ } فالحج في اللغة: القصد، والعمرة: الزيارة، وفي الحج والعمرة المشروعين قصد وزيارة { فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ } أي لا إثم عليه، وأصله من جنح أي مال عن القصد { أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا } أي يدور بهما، واصله يتطوف أدغمت التاء في الطاء.\rوسبب نزول هذه الآية أنه كان على الصفا والمروة صنمان أساف ونائلة، وكان أساف على الصفا ونائلة على المروة، وكان أهل الجاهلية يطوفون بين الصفا والمروة تعظيما للصنمين ويتمسحون بهما، فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام كان المسلمون يتحرجون عن السعي بين الصفا والمروة لأجل الصنمين فأذن الله فيه وأخبر أنه من شعائر الله (1) .\rواختلف أهل العلم في حكم هذه الآية ووجوب السعي بين الصفا والمروة في الحج والعمرة فذهب جماعة إلى وجوبه وهو قول ابن عمر وجابر وعائشة وبه قال الحسن وإليه ذهب مالك والشافعي وذهب قوم إلى أنه تطوع وهو قول ابن عباس وبه قال ابن سيرين ومجاهد وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي. وقال الثوري وأصحاب الرأي على من تركه دم (2) .\rواحتج من أوجبه بما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم أخبرنا الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعي أخبرنا عبد الله بن مؤمل العائذي عن عمرو بن عبد الرحمن بن محيصن عن عطاء بن أبي رباح عن صفية بنت شيبة قالت: أخبرتني بنت أبي تجراة -اسمها حبيبة إحدى نساء بني عبد الدار -قالت: دخلت مع نسوة\r__________\r(1) أخرج البخاري عن عروة قال: سألت عائشة رضي الله عنها، فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: \"إن الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما\" فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة؟ قالت: بئس ما قلت يا بن أختي، إن هذه لو كانت كما أولتها عليه كانت لا جناح عليه أن لا يتطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل، فكان من أهل يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك قالوا: يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: \"إن الصفا والمروة من شعائر الله\" الآية. قالت عائشة رضي الله عنها: وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما.\r(2) انظر: تفسير القرطبي: 2 / 183، أحكام القرآن لابن العربي: 1 / 48، أحكام القرآن للجصاص: 1 / 118-122. ابن كثير: 1 / 347.","part":1,"page":173},{"id":189,"text":"من قريش دار آل أبي حسين ننظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسعى بين الصفا والمروة فرأيته يسعى وإن مئزره ليدور من شدة السعي حتى لأقول إني لأرى ركبتيه، وسمعته يقول \"اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي\" (1) .\rأخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: قلت لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أرأيت قول الله تعالى { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا } فما أرى على أحد شيئا ألا يطوف بهما، قالت عائشة: كلا لو كانت كما تقول كانت \"فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما\" إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار كانوا يهلون لمناة وكانت مناة حذو قديد وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة. فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله تعالى { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } الآية. (2)\rقال عاصم: قلت لأنس بن مالك أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟ قال: نعم، لأنها كانت من شعائر الجاهلية حتى أنزل الله تعالى { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ }\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من المسجد وهو يريد الصفا يقول \"نبدأ بما بدأ الله تعالى به\" فبدأ بالصفا. وقال كان إذا وقف على الصفا يكبر ثلاثا ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. يصنع ذلك ثلاث مرات ويدعو ويصنع على المروة مثل ذلك. وقال: كان إذا نزل من الصفا مشى حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي يسعى حتى يخرج منه. (3)\r__________\r(1) رواه الدارقطني: عن ابن المبارك بقوله: أخبرني معروف بن مشكان أخبرني منصور بن عبد الرحمن عن أم صفية قالت: أخبرتني نسوة من بني عبد الدار اللائي أدركن رسول الله صلى الله عليه وسلم .... قال صاحب التنقيح: إسناده صحيح ومعروف بن مشكان صدوق لا نعلم من تكلم فيه ومنصور هذا ثقة مخرج له في الصحيحين - عن التعليق المغني 2 / 255. الطبراني: في الكبير وفيه عبد الله بن المؤمل وثقة ابن حبان وقال يخطئ وضعفه غيره (المجمع: 3 / 247) أحمد: 6 / 422 عن حبيبة بنت أبي تجزئة والصحيح بنت أبي تجراة انظر أسد الغابة 7 / 59. والمصنف في شرح السنة: 7 / 141.\r(2) أخرجه البخاري في التفسير: 8 / 175، ومسلم في الحج: 2 / 928، والمصنف في شرح السنة: 7 / 139.\r(3) رواه مسلم: في الحج - باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم برقم (1218) 2 / 886 مطولا من حديث جابر المشهور. والمصنف في شرح السنة: 7 / 136.","part":1,"page":174},{"id":190,"text":"قال مجاهد: -رحمه الله -حج موسى عليه السلام على جمل أحمر وعليه عباءتان قطوانيتان (1) ، فطاف البيت ثم صعد الصفا ودعا ثم هبط إلى السعي وهو يلبي فيقول لبيك اللهم لبيك. فقال الله تعالى لبيك عبدي وأنا معك فخر موسى عليه السلام ساجدا.\rقوله تعالى: { وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا } قرأ حمزة والكسائي بالياء وتشديد الطاء وجزم العين وكذلك الثانية \"فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا\"( 184-البقرة ) بمعنى يتطوع ووافق يعقوب في الأولى وقرأ الباقون بالتاء وفتح العين في الماضي وقال مجاهد: معناه فمن تطوع بالطواف بالصفا والمروة. وقال مقاتل والكلبي: فمن تطوع: أي زاد في الطواف بعد الواجب. وقيل من تطوع بالحج والعمرة بعد أداء الحجة الواجبة عليه وقال الحسن وغيره: أراد سائر الأعمال يعني فعل غير المفترض عليه من زكاة وصلاة وطواف وغيرها من أنواع الطاعات { فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ } مجاز لعبده بعمله { عَلِيمٌ } بنيته. والشكر من الله تعالى أن يعطي لعبده فوق ما يستحق. يشكر اليسير ويعطي الكثير.\r{ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ (159) إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) }\rقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ } نزلت في علماء اليهود كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم وغيرهما من الأحكام التي كانت في التوراة (2) { أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ } وأصل اللعن الطرد والبعد { وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ } أي يسألون الله أن يلعنهم ويقولون: اللهم العنهم. واختلفوا في هؤلاء اللاعنين، قال ابن عباس: جميع الخلائق إلا الجن والإنس. وقال قتادة: هم الملائكة وقال عطاء: الجن والإنس وقال الحسن: جميع عباد الله. قال ابن مسعود: ما تلاعن اثنان من المسلمين إلا رجعت تلك اللعنة على اليهود والنصارى الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم وصفته وقال مجاهد: اللاعنون البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السنة وأمسك المطر وقالت هذا من شؤم ذنوب بني آدم ثم استثنى فقال:\r{ إِلا الَّذِينَ تَابُوا } من الكفر { وَأَصْلَحُوا } أسلموا وأصلحوا الأعمال فيما بينهم وبين ربهم { وَبَيَّنُوا } ما كتموا { فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ } أتجاوز عنهم وأقبل توبتهم { وَأَنَا التَّوَّابُ }\r__________\r(1) القطوانية: عباءة بيضاء قصيرة الحمل، والنون زائدة، النهاية: 4 / 85.\r(2) أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: سأل معاذ بن جبل أخو بني سلمة، وسعد بن معاذ أخو بني الأشهل، وخارجة بن زيد أخو الحرث بن الخزرج نفرا من أحبار يهود عن بعض ما في التوراة فكتموهم إياه وأبوا أن يخبروهم فأنزل الله فيهم (إن الذين يكتمون ...) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي 1 / 390.","part":1,"page":175},{"id":191,"text":"الرجاع بقلوب عبادي المنصرفة عني إلي { الرَّحِيمُ } بهم بعد إقبالهم علي.\r{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (162) وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) }\r{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ } أي لعنة الملائكة 22/ب { وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } قال أبو العالية: هذايوم القيامة يوقف الكافر فيلعنه الله ثم تلعنه الملائكة ثم يلعنه الناس فإن قيل فقد قال { وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } والملعون هو من جملة الناس فكيف يلعن نفسه؟ قيل يلعن نفسه في القيامة قال الله تعالى: \"ويلعن بعضكم بعضا\"( 25-العنكبوت ) وقيل إنهم يلعنون الظالمين والكافرين ومن يلعن الظالمين والكافرين وهو منهم فقد لعن نفسه\r{ خَالِدِينَ فِيهَا } مقيمين في اللعنة وقيل في النار { لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ } لا يمهلون ولا يؤجلون وقال أبو العالية: لا ينظرون فيعتذروا كقوله تعالى \"ولا يؤذن لهم فيعتذرون\"( 36-المرسلات ).\rقوله تعالى: { وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } سبب نزول هذه الآية أن كفار قريش قالوا يا محمد صف لنا ربك وانسبه فأنزل الله تعالى هذه الآية وسورة الإخلاص (1) والواحد الذي لا نظير له ولا شريك له.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا بكر بن إبراهيم وأبو عاصم عن عبد الله بن أبي زياد عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"إن في هاتين الآيتين اسم الله الأعظم\" { وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم } و{ الله لا إله إلا هو الحي القيوم } (2) .\r__________\r(1) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (548-549) ومراجع التحقيق فيه.\r(2) أخرجه أبو داود في الصلاة باب الدعاء 2 / 45 والترمذي: في الدعوات - باب: ما جاء في جامع الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 9 / 447 وقال: هذا حديث حسن صحيح وابن ماجه: في الدعاء - باب: اسم الله الأعظم \"3855\" 2 / 1267. والدارمي: في فضائل القرآن، باب: فضل أول سورة البقرة وآية الكرسي: 2 / 450. وأحمد 6 / 461 عن أسماء بنت يزيد. والمصنف في شرح السنة 5 / 39 وقال حديث غريب كلهم من حديث عبيد الله بن أبي زياد عن شهر بن حوشب وعبيد الله بن أبي زياد ليس بالقوي قال أبو داود أحاديثه مناكير، ميزان الاعتدال 3 / 8 تقريب التهذيب، الضعفاء والمتروكين للنسائي ص 156. وشهر بن حوشب ليس بالقوي وكثير الأوهام والإرسال، ميزان الاعتدال 2 / 283 تقريب التهذيب الضعفاء والمتركين للنسائي ص 134.","part":1,"page":176},{"id":192,"text":"قال أبو الضحى (1) لما نزلت هذه الآية قال المشركون: إن محمدا يقول إن إلهكم إله واحد فليأتنا بآية إن كان من الصادقين فأنزل الله عز وجل\r__________\r(1) انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي 1 / 395 وقد عزاه لوكيع والفريابي وسعيد بن منصور وابن جرير وأبي الشيخ في العظة والبيهقي في شعب الإيمان.","part":1,"page":177},{"id":193,"text":"{ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) }\r{ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } ذكر السماوات بلفظ الجمع والأرض بلفظ الواحد لأن كل سماء ليست من جنس واحد بل من جنس آخر، والأرضون كلها من جنس واحد وهو التراب، فالآية في السماوات سمكها وارتفاعها من غير عمد ولا علاقة وما ترى فيها من الشمس والقمر والنجوم، والآية في الأرض مدها وبسطها وسعتها وما ترى فيها من الأشجار والأنهار والجبال والبحار والجواهر والنبات.\rقوله تعالى: { وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } أي تعاقبهما في الذهاب والمجيء يخلف أحدهما صاحبه إذا ذهب أحدهما جاء الآخر خلفه أي بعده نظيره قوله تعالى: \"وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة\"( 62-الفرقان ) قال عطاء: أراد اختلافهما في النور والظلمة والزيادة والنقصان. والليل جمع ليلة، والليالي جمع الجمع. والنهار جمعه نهر وقدم الليل على النهار في الذكر لأنه أقدم منه قال الله تعالى { وآية لهم الليل نسلخ منه النهار }( 37-يس ).\r{ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ } يعني السفن واحده وجمعه سواء فإذا أريد به الجمع يؤنث وفي الواحد يذكر قال الله تعالى: في الواحد والتذكير \"إذ أبق إلى الفلك المشحون\"( 140-الصافات ) وقال في الجمع والتأنيث \"حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة\"( 22-يونس ).\r{ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ } الآية في الفلك تسخيرها وجريانها على وجه الماء وهي موقرة لا ترسب تحت الماء { بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ } يعني ركوبها والحمل عليها في التجارات والمكاسب وأنواع المطالب { وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ } يعني المطر قيل: أراد بالسماء السحاب، يخلق الله الماء في السحاب ثم من السحاب ينزل وقيل أراد به السماء المعروفة يخلق الله تعالى الماء في السماء ثم ينزل من السماء إلى السحاب ثم من السحاب ينزل إلى الأرض { فَأَحْيَا بِهِ } أي بالماء { الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } أي","part":1,"page":177},{"id":194,"text":"بعد يبوستها وجدوبتها { وَبَثَّ فِيهَا } أي فرق فيها { مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ }\rقرأ حمزة والكسائي الريح بغير ألف وقرأ الباقون بالألف وكل ريح في القرآن ليس فيها ألف ولا لام اختلفوا في جمعها وتوحيدها إلا في الذاريات \"الريح العقيم\"( 41-الذاريات ) اتفقوا على توحيدها وفي الحرف الأول من سورة الروم \"الرياح مبشرات\"( 46-الروم ) اتفقوا على جمعها، وقرأ أبو جعفر سائرها على الجمع، والقراء مختلفون فيها، والريح يذكر ويؤنث، وتصريفها أنها تتصرف إلى الجنوب والشمال والقبول والدبور والنكباء (1) .\rوقيل: تصريفها أنها تارة تكون لينا وتارة تكون عاصفا وتارة تكون حارة وتارة تكون باردة قال ابن عباس: أعظم جنود الله الريح والماء وسميت الريح ريحا لأنها تريح النفوس قال شريح القاضي: ما هبت ريح إلا لشفاء سقيم أو لسقم صحيح والبشارة في ثلاث من الرياح في الصبا والشمال والجنوب أما الدبور فهي الريح العقيم لا بشارة فيها وقيل الرياح ثمانية: أربعة للرحمة وأربعة للعذاب. فأما التي للرحمة المبشرات والناشرات والذاريات والمرسلات وأما التي للعذاب فالعقيم والصرصر في البر والعاصف والقاصف في البحر { وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ } أي الغيم المذلل سمي سحابا لأنه ينسحب أي يسير في سرعة كأنه يسحب أي يجر { بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } فيعلمون أن لهذه الأشياء خالقا وصانعا قال وهب بن منبه: ثلاثة لا يدرى من أين تجيء الرعد والبرق والسحاب.\r{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) }\rقوله تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا } أي أصناما يعبدونها { يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ } أي يحبون آلهتهم كحب المؤمنين الله، وقال الزجاج: يحبون الأصنام كما يحبون الله لأنهم أشركوها مع الله فسووا بين الله وبين أوثانهم في المحبة { وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ } أي أثبت وأدوم على حبه لأنهم لا يختارون على الله ما سواه والمشركون إذا اتخذوا صنما ثم رأوا أحسن منه طرحوا الأول واختاروا الثاني قال قتادة: إن الكافر يعرض عن معبوده في وقت البلاء ويقبل على الله تعالى كما أخبر الله عز وجل عنهم فقال: { فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين }( 65-العنكبوت ) والمؤمن لا يعرض عن الله في السراء\r__________\r(1) انظر: تفسير الطبري: 3 / 275-276، الدر المنثور: 1 / 396-397.","part":1,"page":178},{"id":195,"text":"والضراء والشدة والرخاء (1) .\rقال سعيد بن جبير: إن الله عز وجل يأمر يوم القيامة من أحرق نفسه في الدنيا على رؤية الأصنام (2) أن يدخلوا جهنم مع أصنامهم فلا يدخلون لعلمهم أن عذاب جهنم على الدوام، ثم يقول للمؤمنين وهم بين أيدي الكفار: \"إن كنتم أحبائي فادخلوا جهنم\" فيقتحمون فيها فينادي مناد من تحت العرش { وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ } وقيل إنما قال { وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ } لأن الله تعالى أحبهم أولا ثم أحبوه ومن شهد له المعبود بالمحبة كانت محبته أتم قال الله تعالى: \"يحبهم ويحبونه\"( 54-المائدة ).\rقوله تعالى: { وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا } قرأ نافع وابن عامر ويعقوب ولو ترى بالتاء وقرأ الآخرون بالياء وجواب لو هاهنا محذوف ومثله كثير في القرآن كقوله تعالى \"ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به\"( الرعد-31 ) يعني لكان هذا القرآن فمن قرأ بالتاء معناه ولو ترى يا محمد الذين ظلموا أنفسهم في شدة العذاب لرأيت أمرا عظيما، قيل: معناه قل يا محمد: أيها الظالم لو ترى الذين ظلموا أو أشركوا في شدة العقاب لرأيت أمرا فظيعا، ومن قرأ بالياء معناه ولو يرى الذين ظلموا أنفسهم عند رؤية العذاب أي لو رأوا شدة عذاب الله وعقوبته حين يرون العذاب لعرفوا مضرة الكفر وأن ما اتخذوا من الأصنام لا ينفعهم.\rقوله تعالى: { إِذْ يَرَوْنَ } قرأ ابن عامر بضم الياء والباقون بفتحها { الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ } أي بأن القوة لله جميعا معناه لرأوا وأيقنوا أن القوة لله جميعا.\rوقرأ أبو جعفر ويعقوب إن القوة وإن الله بكسر الألف على الاستئناف والكلام تام عند قوله { إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ } مع إضمار الجواب\r{ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) }\r{ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ } هذا في يوم القيامة 23/أ حين يجمع الله القادة والأتباع فيتبرأ بعضهم من بعض، هذا قول أكثر المفسرين، وقال السدي: هم الشياطين يتبرأون من الإنس { وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ } أي عنهم { الأسْبَاب } أي الصلات التي كانت بينهم في الدنيا من القرابات والصداقات وصارت مخالتهم عداوة، وقال ابن جريج: الأرحام كما قال الله تعالى: \"فلا أنساب بينهم يومئذ\"( 101-المؤمنون ) وقال السدي: يعني الأعمال التي كانوا\r__________\r(1) انظر: الوسيط للواحدي: 1 / 236.\r(2) في هامش (أ): لأن من الكفار من يعبد النار إلى آخر العمر، ثم يحرق نفسه فداء للصنم.","part":1,"page":179},{"id":196,"text":"يعملونها في الدنيا كما قال الله تعالى \"وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا\"( 23-الفرقان ).\rوأصل السبب ما يوصل به إلى الشيء من ذريعة أو قرابة أو مودة ومنة يقال للحبل سبب وللطريق سبب\r{ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا } يعني الأتباع { لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً } أي رجعة إلى الدنيا { فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ } أي من المتبوعين { كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا } اليوم { كَذَلِك } أي كما أراهم العذاب كذلك { يُرِيهِمُ اللَّهُ } وقيل كتبرئ بعضهم من بعض يريهم الله { أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ } ندامات { عَلَيْهِمْ } جمع حسرة قيل يريهم الله ما ارتكبوا من السيئات فيتحسرون لِمَ عملوا، وقيل يريهم ما تركوا من الحسنات فيندمون على تضييعها وقال ابن كيسان: إنهم أشركوا بالله الأوثان رجاء أن تقربهم إلى الله عز وجل، فلما عذبوا على ما كانوا يرجون ثوابه تحسروا وندموا. قال السدي: ترفع لهم الجنة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فيها لو أطاعوا الله فيقال لهم تلك مساكنكم لو أطعتم الله، ثم تقسم بين المؤمنين فذلك حين يندمون (1) ويتحسرون {وَمَاهُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّار}\r{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (169) }\rقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا } نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة وبني مدلج فيما حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فالحلال ما أحله الشرع طيبا، قيل: ما يستطاب ويستلذ، والمسلم يستطيب الحلال ويعاف الحرام، وقيل الطيب الطاهر { وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } قرأ أبو جعفر وابن عامر والكسائي وحفص ويعقوب بضم الطاء والباقون بسكونها وخطوات الشيطان آثاره وزلاته، وقيل هي النذر في المعاصي. وقال أبو عبيدة: هي المحقرات من الذنوب. وقال الزجاج: طرقه { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } بين العداوة وقيل مظهر العداوة، وقد أظهر عداوته بإبائه السجود لآدم وغروره إياه حتى أخرجه من الجنة.\rوأبان يكون لازما ومتعديا ثم ذكر عداوته\rفقال: { إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ } أي بالإثم وأصل السوء ما يسوء صاحبه وهو مصدر ساء يسوء سوأ ومساءة أي أحزنه، وسوأته فساء أي حزنته فحزن { وَالْفَحْشَاء } المعاصي وما قبح من القول والفعل وهو مصدر كالسراء والضراء. روى باذان عن ابن\r__________\r(1) انظر الطبري 3 / 296.","part":1,"page":180},{"id":197,"text":"عباس قال: الفحشاء من المعاصي ما يجب فيه الحد والسوء من الذنوب ما لا حد فيه. وقال السدي: هي الزنا وقيل هي البخل { وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ } تحريم الحرث والأنعام.","part":1,"page":181},{"id":198,"text":"{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (170) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (171) }\rقوله تعالى: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ } قيل هذه قصة مستأنفة والهاء والميم في لهم كناية عن غير مذكور. روي عن ابن عباس قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود إلى الإسلام، فقال رافع بن خارجة ومالك بن عوف قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، أي ما وجدنا عليه آباءنا فهم كانوا خيرا وأعلم منا، فأنزل الله تعالى هذه الآية (1) ، وقيل الآية متصلة بما قبلها وهي نازلة في مشركي العرب وكفار قريش والهاء والميم عائدة إلى قوله \"ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا\"( 165-البقرة ) { قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا } أي ما وجدنا { عَلَيْهِ آبَاءَنَا } عبادة الأصنام، وقيل معناه: وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله في تحليل ما حرموه على أنفسهم من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة. والهاء والميم عائدة إلى الناس في قوله تعالى { يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا } { قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ } قرأ الكسائي: بل نتبع بإدغام اللام في النون. وكذلك يدغم لام هل وبل في التاء والثاء والزاي والسين والصاد والطاء والظاء ووافق حمزة في التاء والثاء والسين { مَا أَلْفَيْنَا } ما وجدنا { عَلَيْهِ آبَاءَنَا } التحريم والتحليل.\rقال تعالى: { أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ } أي كيف يتبعون آباءهم وآباؤهم { لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا } والواو في \"أولو\" واو العطف، ويقال لها واو التعجب دخلت عليها ألف الاستفهام للتوبيخ والمعنى أيتبعون آباءهم وإن كانوا جهالا لا يعقلون شيئا، لفظه عام ومعناه الخصوص. أي لا يعقلون شيئا من أمور الدين لأنهم كانوا يعقلون أمر الدنيا { وَلا يَهْتَدُونَ } ثم ضرب الله مثلا فقال جل ذكره:\r{ ومثل الذين كفروا كمثل الذين ينعق بما لا يسمع } والنعيق والنعق صوت الراعي بالغنم معناه مثلك يا محمد ومثل الكفار في وعظهم ودعائهم إلى الله عز وجل كمثل الراعي الذي ينعق بالغنم، وقيل مثل واعظ الكفار وداعيهم معهم كمثل الراعي ينعق بالغنم وهي لا تسمع { إِلا دُعَاءً } صوتا { ونداء } فأضاف المثل إلى الذين كفروا لدلالة الكلام عليه كما في قوله تعالى \"واسأل القرية\"( 82-يوسف ) معناه كما أن البهائم تسمع صوت الراعي ولا تفهم ولا تعقل ما يقال لها، كذلك الكافر لا ينتفع\r__________\r(1) انظر تفسير الطبري 3 / 305.","part":1,"page":181},{"id":199,"text":"بوعظك إنما يسمع صوتك. وقيل: معناه: ومثل الذين كفروا في قلة عقلهم وفهمهم عن الله وعن رسوله كمثل المنعوق به من البهائم التي لا تفقه من الأمر والنهي إلا الصوت فيكون المعنى للمنعوق به والكلام خارج عن الناعق وهو فاش في كلام العرب يفعلون ذلك ويقبلون الكلام لإيضاح المعنى عندهم، يقولون فلان يخافك كخوف الأسد، أي كخوفه من الأسد. وقال تعالى \"ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة\"( 76-القصص ) وإنما العصبة تنوء بالمفاتيح وقيل معناه مثل الذين كفروا في دعاء الأصنام التي لا تفقه ولا تعقل كمثل الناعق بالغنم فلا ينتفع من نعيقه بشيء غير أنه في غناء من الدعاء والنداء، كذلك الكافر ليس له من دعاء الآلهة وعبادتها إلا العناء والبلاء كما قال تعالى \"إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم\"( 14-فاطر ).\rوقيل معنى الآية ومثل الذين كفروا في دعاء الأوثان كمثل الذي يصيح في جوف الجبال فيسمع صوتا يقال له: الصدى لا يفهم منه شيئا، فمعنى الآية كمثل الذي ينعق بما لا يسمع منه الناعق إلا دعاء ونداء { صم } تقول العرب لمن لا يسمع ولا يعقل: كأنه أصم { بكم } عن الخير لا يقولونه { عمي } عن الهدى لا يبصرونه { فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) }\rقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ } حلالات { مَا رَزَقْنَاكُمْ }\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي أخبرنا علي بن الجعد أخبرنا فضيل بن مرزوق عن عدي بن ثابت عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: \"يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا\"( 51-المؤمنون ) وقال { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ } ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك\" (1)\r__________\r(1) أخرجه مسلم: في الزكاة - باب: قبول الصدقة من الكسب الطيب برقم (1015) 2 / 703. والمصنف في شرح السنة: 8 / 7-8.","part":1,"page":182},{"id":200,"text":"{ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ } على نعمه { إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } ثم بين المحرمات فقال: 23/ب\r{ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ } قرأ أبو جعفر الميتة في كل القرآن بالتشديد والباقون يشددون البعض. والميتة كل ما لم تدرك ذكاته مما يذبح { والدم } أراد به الدم الجاري يدل عليه قوله تعالى \"أو دما مسفوحا\"( 145-الأنعام ) واستثنى الشرع من الميتة السمك والجراد ومن الدم الكبد والطحال فأحلها.\rأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعي أخبرنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أحلت لنا ميتتان ودمان، الميتتان الحوت والجراد، والدمان، أحسبه قال: الكبد والطحال\" (1) { وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ } أراد به جميع أجزائه فعبر عن ذلك باللحم لأنه معظمه { وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ } أي ما ذبح للأصنام والطواغيت، وأصل الإهلال رفع الصوت. وكانوا إذا ذبحوا لآلهتهم يرفعون أصواتهم بذكرها فجرى ذلك من أمرهم حتى قيل لكل ذابح وإن لم يجهر بالتسمية مهل. وقال الربيع بن أنس وغيره { وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ } قال ما ذكر عليه اسم غير الله. { فَمَنِ اضْطُرَّ } بكسر النون وأخواته عاصم وحمزة، ووافق أبو عمرو إلا في اللام والواو مثل \"قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن\"( 110-الإسراء ) ويعقوب إلا في الواو، ووافق ابن عامر في التنوين، والباقون كلهم بالضم، فمن كسر قال: لأن الجزم يحرك إلى الكسر، ومن ضم فلضمة أول الفعل نقل حركتها إلى ما قبلها، وأبو جعفر بكسر الطاء ومعناه فمن اضطر إلى أكل ميتة أي أحوج وألجئ إليه { غير } نصب على الحال، وقيل على الاستثناء وإذا رأيت { غير } يصلح في موضعها { لا } فهي حال، وإذا صلح في موضعها { إلا } فهي استثناء { بَاغٍ وَلا عَادٍ } أصل البغي قصد الفساد، يقال بغى الجرح يبغي بغيا إذا ترامى إلى الفساد، وأصل العدوان الظلم ومجاوزة الحد يقال عدا عليه عدوا وعدوانا إذا ظلم واختلفوا في معنى قوله { غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ } فقال بعضهم { غَيْرَ بَاغٍ } أي: خارج على السلطان، ولا عاد: معتد عاص بسفره، بأن خرج لقطع الطريق أو لفساد في الأرض. وهو قول ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير. وقالوا لا يجوز للعاصي بسفره أن يأكل الميتة إذا اضطر إليها ولا أن يترخص برخص المسافر حتى يتوب، وبه قال الشافعي رحمه الله: لأن إباحته له إعانة له على فساده، وذهب جماعة إلى أن البغي والعدوان راجعان\r__________\r(1) رواه ابن ماجه: في الأطعمة - باب الكبد والطحال برقم (3314) 2 / 1102 من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف (التقريب - ميزان الاعتدال)، والإمام أحمد في المسند 2 / 97 عن ابن عمر، والشافعي في المسند: 2 / 173 واللفظ له. والبيهقي: 1 / 254 موقوفا ثم قال: هذا إسناد صحيح. والدارقطني: 4 / 272، وعزاه الزيلعي في نصب الراية: 4 / 202 للشافعي وعبد بن حميد وابن حبان في الضعفاء وابن عدي، وقال: له طريق آخر. والحديث أخرجه البغوي أيضا في شرح السنة: 11 / 244. والحديث والله أعلم موقوف على ابن عمر، وهو في حكم المرفوع انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني رقم الحديث (1118).","part":1,"page":183},{"id":201,"text":"إلى الأكل واختلفوا في تفصيله. فقال الحسن وقتادة { غَيْرَ بَاغٍ } لا تأكله من غير اضطرار { وَلا عَادٍ } أي لا يعدو لشبعه. وقيل { غَيْرَ بَاغٍ } أي غير طالبها وهو يجد غيرها { وَلا عَادٍ } أي غير متعد ما حد له فما يأكل حتى يشبع ولكن يأكل منها قوتا مقدار ما يمسك رمقه. وقال مقاتل بن حيان { غَيْرَ بَاغٍ } أي مستحل لها { وَلا عَادٍ } أي متزود منها. وقيل { غَيْرَ بَاغٍ } أي غير مجاوز للقدر الذي أحل له { وَلا عَادٍ } أي لا يقصر فيما أبيح له فيدعه قال مسروق: من اضطر إلى الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل ولم يشرب حتى مات دخل النار.\rواختلف العلماء في مقدار ما يحل للمضطر أكله من الميتة، فقال بعضهم مقدار ما يسد رمقه. وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه وأحد قولي الشافعي رضي الله عنه (1) . والقول الآخر يجوز أن يأكل حتى يشبع وبه قال مالك رحمه الله تعالى. وقال سهل بن عبد الله { غَيْرَ بَاغٍ } مفارق للجماعة { وَلا عَادٍ } مبتدع مخالف للسنة ولم يرخص للمبتدع في تناول المحرم عند الضرورة { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } أي فلا حرج عليه في أكلها { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ } لمن أكل في حال الاضطرار { رَحِيمٌ } حيث رخص للعباد في ذلك.\r{ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) }\rقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ } \"نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والمآكل وكانوا يرجون أن يكون النبي المبعوث منهم، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم من غيرهم خافوا ذهاب مأكلهم وزوال رياستهم، فعمدوا إلى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فغيروها ثم أخرجوها إليهم، فلما نظرت السفلة إلى النعت المغير وجدوه مخالفا لصفة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يتبعوه\" فأنزل الله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ } (2) يعني صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته { وَيَشْتَرُونَ بِهِ } أي بالمكتوم { ثَمَنًا قَلِيلا } أي عوضا يسيرا يعني المآكل التي يصيبونها من سفلتهم { أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ } يعني إلا ما يؤديهم إلى النار وهو الرشوة والحرام وثمن الدين، فلما كان يفضي ذلك بهم إلى النار فكأنهم أكلوا النار وقيل معناه أنه يصير نارا في بطونهم { وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } أي لا يكلمهم بالرحمة وبما يسرهم إنما يكلمهم بالتوبيخ. وقيل: أراد به أنه يكون عليهم غضبان، كما يقال: فلان\r__________\r(1) انظر أحكام القرآن للجصاص: 1 / 156-166، أحكام القرآن لابن العربي: 1 / 55-57.\r(2) أخرجه الثعلبي بسند ضعيف عن ابن عباس انظر الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي 1 / 409.","part":1,"page":184},{"id":202,"text":"لا يكلم فلانا إذا كان عليه غضبان { وَلا يُزَكِّيهِمْ } أي لا يطهرهم من دنس الذنوب { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }\r{ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176) }","part":1,"page":185},{"id":203,"text":"{ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) }\r{ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ } قال عطاء والسدي: هو ما: استفهام معناه ما الذي صبرهم على النار وأي شيء يصبرهم على النار حتى تركوا الحق واتبعوا الباطل وقال الحسن وقتادة: والله ما لهم عليها من صبر ولكن ما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النار قال الكسائي: فما أصبرهم على عمل أهل النار أي ما أدومهم عليه\r{ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ } يعني ذلك العذاب بأن الله نزل الكتاب بالحق فأنكروه وكفروا به وحينئذ يكون ذلك في محل الرفع وقال بعضهم محله نصب معناه فعلنا ذلك بهم بأن الله أي لأن الله نزل الكتاب بالحق فاختلفوا فيه وقيل معناه ذلك أي فعلهم الذي يفعلون من الكفر والاختلاف والاجتراء على الله من أجل أن الله نزل الكتاب بالحق وهو قوله تعالى \"إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ختم الله على قلوبهم\"( 7-البقرة ) { وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ } فآمنوا ببعض وكفروا ببعض { لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } أي في خلاف وضلال بعيد.\rقوله تعالى: { لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ } قرأ حمزة وحفص: ليس البر بنصب الراء، والباقون برفعها، فمن رفعها جعل { الْبِر } اسم ليس، وخبره قوله: أن تولوا، تقديره: ليس البر توليتكم وجوهكم. كقوله تعالى \"ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا\"( 25-الجاثية ). والبر كل عمل خير يفضي بصاحبه إلى الجنة واختلفوا في المخاطبين بهذه الآية، فقال قوم: عنى بها اليهود والنصارى، وذلك أن اليهود كانت تصلي قبل المغرب إلى بيت المقدس والنصارى قبل المشرق، وزعم كل","part":1,"page":185},{"id":204,"text":"فريق منهم: أن البر في ذلك، فأخبر الله تعالى أن البر غير دينهم وعملهم ولكنه ما بينه في هذه الآية وعلى هذا القول قتادة ومقاتل بن حيان. وقال الآخرون: المراد بها المؤمنون وذلك أن الرجل كان في ابتداء الإسلام قبل نزول الفرائض إذا أتى بالشهادتين وصلى الصلاة إلى أي جهة كانت ثم مات على ذلك وجبت له 24/أ الجنة.\rولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت الفرائض وحددت الحدود وصرفت القبلة إلى الكعبة أنزل الله هذه الآية فقال: { لَيْسَ الْبِرَّ } (1) أي كله أن تصلوا قبل المشرق والمغرب ولا تعملوا على غير ذلك { وَلَكِنَّ الْبِرَّ } ما ذكر في هذه الآية وعلى هذا القول ابن عباس ومجاهد وعطاء والضحاك. { وَلَكِنَّ الْبِرَّ } قرأ نافع وابن عامر ولكن خفيفة النون البر رفع وقرأ الباقون بتشديد النون ونصب البر.\rقوله تعالى: { مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ } جعل من وهي اسم خبر للبر وهو فعل ولا يقال البر زيد واختلفوا في وجهه قيل لما وقع من في موضع المصدر جعله خبرا للبر كأنه قال ولكن البر الإيمان بالله والعرب تجعل الاسم خبرا للفعل وأنشد الفراء: لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى ... ولكنما الفتيان كل فتى ندي\rفجعل نبات اللحى خبرا للفتى وقيل فيه إضمار معناه ولكن البر بر من آمن بالله فاستغنى بذكر الأول عن الثاني كقولهم الجود حاتم أي الجود جود حاتم وقيل معناه ولكن ذا البر من آمن بالله كقوله تعالى: \"هم درجات عند الله\"( 163-آل عمران ) أي ذو درجات وقيل معناه ولكن البار من آمن بالله كقوله تعالى \"والعاقبة للتقوى\"( 132-طه ) أي للمتقي والمراد من البر هاهنا الإيمان والتقوى.\r{ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ } { وَالْكِتَاب } يعني الكتب المنزلة { وَالنَّبِيِّينَ } أجمع { وَآتَى الْمَالَ } أعطى المال { عَلَى حُبِّهِ } اختلفوا في هذه الكناية فقال أكثر أهل التفسير: إنها راجعة إلى المال أي أعطى المال في حال صحته ومحبته المال قال ابن مسعود: أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا موسى بن إسماعيل أخبرنا عبد الواحد ثنا عمارة بن القعقاع أنا أبو زرعة أخبرنا أبو هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أي الصدقة أعظم أجرا؟ قال: \"أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان\r__________\r(1) انظر: الطبري: 3 / 337-338، الواحدي: 1 / 250.","part":1,"page":186},{"id":205,"text":"كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان\" (1) .\rوقيل هي عائدة على الله عز وجل أي على حب الله تعالى.\r{ ذَوِي الْقُرْبَى } أهل القرابة.\rأخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي أخبرنا أبو العباس المحبوبي أخبرنا أبو عيسى الترمذي أخبرنا قتيبة أخبرنا سفيان بن عيينة عن عاصم الأحول عن حفصة بنت سيرين عن الرباب عن عمها سلمان بن عامر يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة\" (2) .\rقوله تعالى: { وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ } قال مجاهد: يعني المسافر المنقطع عن أهله يمر عليك ويقال للمسافر ابن السبيل لملازمته الطريق، وقيل: هو الضيف ينزل بالرجل قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه\" (3) { وَالسَّائِلِين } يعني الطالبين.\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبي بجيد الأنصاري وهو عبد الرحمن بن بجيد عن جدته وهي أم بجيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"ردوا السائل ولو بظلف محرق\" وفي رواية قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن لم تجدي شيئا إلا ظلفا محرقا فادفعيه إليه\" (4) قوله تعالى { وَفِي الرِّقَابِ } يعني المكاتبين قاله أكثر المفسرين،\r__________\r(1) رواه البخاري: في الزكاة - باب: فضل صدقة الصحيح الشحيح: 3 / 284-585 وفي الوصايا. ومسلم: في الزكاة - باب: بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح برقم (1032) 2 / 716. والمصنف في شرح السنة: 6 / 172-173.\r(2) رواه الترمذي: في الزكاة - باب ما جاء في الصدقة على القرابة: 3 / 324 وقال: حديث حسن. والنسائي: في الزكاة: باب: الصدقة على الأقارب: 5 / 92. وابن ماجه: في الزكاة: باب: فضل الصدقة: (1844) 1 / 591. والدارمي: في الزكاة باب: الصدقة على القرابة: 1 / 397. وأحمد: 4 / 18،214 عن سلمان بن عامر. وابن حبان: في موارد الظمآن ص 112 والحاكم: 1 / 407 وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي (انظر مجمع الزوائد: 3 / 117). والمصنف في شرح السنة: 6 / 192. (ورجاله ثقات إلا الرباب أم الرائح قال الحافظ في التقريب مقبولة وفي الميزان (الرباب بنت صليع عن عمها سلمان بن عامر لا تعرف إلا برواية حفصة بنت سيرين عنها).\r(3) رواه البخاري: في الرقاق - باب: حفظ اللسان: 11 / 308 وفي النكاح والأدب. مسلم: في الإيمان: باب الحث على إكرام الجار برقم (47) 1 / 68. والمصنف في شرح السنة: 14 / 212.\r(4) رواه أبو داود: في الزكاة - باب: حق السائل: 2 / 251. والترمذي: في الزكاة - باب: ما جاء في حق السائل: 3 / 332 وقال حسن صحيح. والنسائي في الزكاة باب تفسير المسكين 5 / 86. وصححه الحاكم 1 / 417 ووافقه الذهبي. وابن حبان 6 / 383 بلفظ ردوا السائل ولو بظلف. وأحمد: 6 / 382 بسند قوي. والمصنف في شرح السنة 6 / 175.","part":1,"page":187},{"id":206,"text":"وقيل: عتق النسمة وفك الرقبة وقيل: فداء الأسارى { وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ } وأعطى الزكاة { وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ } فيما بينهم وبين الله عز وجل وفيما بينهم وبين الناس { إِذَا عَاهَدُوا } يعني إذا وعدوا أنجزوا، وإذا حلفوا ونذروا أوفوا، وإذا عاهدوا أوفوا، وإذا قالوا صدقوا، وإذا ائتمنوا أدوا، واختلفوا في رفع قوله والموفون قيل هو عطف على خبر معناه ولكن ذا البر المؤمنون والموفون بعهدهم وقيل تقديره: وهم الموفون كأنه عد أصنافا ثم قال: هم والموفون كذا، وقيل رفع على الابتداء والخبر يعني وهم الموفون ثم قال { وَالصَّابِرِينَ } وفي نصبها أربعة أوجه:\rقال أبو عبيدة: نصبها على تطاول الكلام ومن شأن العرب أن تغير الإعراب إذا طال الكلام والنسق ومثله في سورة النساء \"والمقيمين الصلاة\"( سورةالمائدة-162 ) { والصابئون والنصارى } ، وقيل معناه أعني الصابرين، وقيل نصبه نسقا على قوله ذوي القربى أي وآتى الصابرين.\rوقال الخليل: نصب على المدح والعرب تنصب الكلام على المدح والذم [كأنهم يريدون إفراد الممدوح والمذموم فلا يتبعونه أول الكلام وينصبونه فالمدح كقوله تعالى \"والمقيمين الصلاة\"] (1) ( 162-النساء ).\rوالذم كقوله تعالى \"ملعونين أينما ثقفوا\"( 61-الأحزاب ).\rقوله تعالى { فِي الْبَأْسَاءِ } أي الشدة والفقر { وَالضَّرَّاء } المرض والزمانة { وَحِينَ الْبَأْسِ } أي القتال والحرب.\rأخبرنا المطهر بن علي بن عبد الله الفارسي أخبرنا أبو ذر محمد بن إبراهيم الصالحاني أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حبان أخبرنا عبد الله بن محمد البغوي أخبرنا علي بن الجعد أخبرنا زهير عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنا إذا احمر البأس ولقي\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".","part":1,"page":188},{"id":207,"text":"القوم القوم اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه (1) . يعني إذا اشتد الحرب { أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا } في إيمانهم { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأنْثَى بِالأنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) }\rقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ } قال الشعبي والكلبي وقتادة: نزلت هذه الآية في حيين من أحياء العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل وكانت بينهما قتلى وجراحات لم يأخذها بعضهم من بعض حتى جاء الإسلام، قال مقاتل بن حيان: كانت بين بني قريظة والنضير، وقال سعيد بن جبير: كانت بين الأوس والخزرج، وقالوا جميعا كان لأحد الحيين على الآخر طول في الكثرة والشرف وكانوا ينكحون نساءهم بغير مهور فأقسموا: لنقتلن بالعبد منا الحر منهم وبالمرأة منا الرجل منهم وبالرجل منا الرجلين منهم، وجعلوا جراحاتهم ضعفي جراحات أولئك فرفعوا أمرهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية وأمر بالمساواة فرضوا وأسلموا (2) .\rقوله { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ } أي فرض عليكم القصاص { فِي الْقَتْلَى } والقصاص المساواة والمماثلة في الجراحات والديات، وأصله من قص الأثر إذا اتبعه فالمفعول به يتبع ما فعل به فيفعل مثله.\rثم بين المماثلة فقال: { الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأنْثَى بِالأنْثَى } وجملة الحكم فيه أنه إذا تكافأ الدمان من الأحرار المسلمين أو العبيد من المسلمين أو الأحرار من المعاهدين أو العبيد منهم قتل من كل صنف منهم الذكر إذا قتل بالذكر وبالأنثى، وتقتل الأنثى إذا قتلت بالأنثى وبالذكر، ولا يقتل مؤمن بكافر ولا حر بعبد، ولا والد بولد، ولا مسلم بذمي، ويقتل الذمي بالمسلم، والعبد بالحر، والولد بالوالد. هذا قول أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم.\rأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع بن سليمان أنا الشافعي أخبرنا سفيان بن عيينة عن مطرف عن الشعبي عن أبي جحيفة قال: \"سألت عليا رضي الله عنه هل عندك عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء سوى القرآن؟ 24/ب فقال لا\r__________\r(1) رواه مسلم في الجهاد والسير باب: في غزوة حنين عن البراء 3 / 1776. والحاكم في المستدرك: 2 / 143 بلفظ: كنا إذا حمي.\r(2) انظر: الطبري: 3 / 359، الوسيط للواحدي: 1 / 254.","part":1,"page":189},{"id":208,"text":"والذي خلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يؤتي الله عبدا فهما في القرآن وما في هذه الصحيفة، قلت وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مؤمن بكافر\" (1) . وروي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا تقام الحدود في المساجد، ولا يقاد بالولد الوالد\" (2) . وذهب الشعبي والنخعي وأصحاب الرأي إلى أن المسلم يقتل بالذمي، وإلى أن الحر يقتل بالعبد، والحديث حجة لمن لم يوجب القصاص على المسلم بقتل الذمي، وتقتل الجماعة بالواحد. \"روي عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قتل سبعة أو خمسة برجل قتلوه غيلة، وقال لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعا\" (3) ويجري القصاص في الأطراف كما يجري في النفوس إلا في شيء واحد وهو أن الصحيح السوي يقتل بالمريض الزمن، وفي الأطراف لو قطع يدا شلاء أو ناقصة بأصبع لا تقطع بها الصحيحة الكاملة، وذهب أصحاب الرأي إلى أن القصاص في الأطراف لا يجري إلا بين حرين أو حرتين ولا يجري بين الذكر والأنثى ولا بين العبيد ولا بين الحر والعبد، وعند الآخرين الطرف في القصاص مقيس على النفس (4) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبد الله بن منير أنه سمع عبد الله بن بكر السهمي أخبرنا حميد عن أنس بن النضر أن الربيع عمته كسرت ثنية جارية، فطلبوا إليها العفو، فأبوا فعرضوا الأرش (5) فأبوا فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبوا إلا القصاص، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص، فقال أنس بن النضر: يا رسول الله أتكسر ثنية الربيع لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يا أنس كتاب الله القصاص\" فرضي القوم فعفوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره\" (6) .\r__________\r(1) البخاري: في الديات - باب: لا يقتل مسلم بالكافر: 12 / 260. والمصنف في شرح السنة: 10 / 171.\r(2) أخرجه أبو داود: في الحدود - باب: في إقامة الحد في المسجد: 6 / 292 عن حكيم بن حزام بلفظ: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستقاد في المسجد، وأن تنشد فيه الأشعار وأن تقام فيه الحدود) قال المنذري: في إسناده محمد بن عبد الله بن المهاجر الشعيثي النصري الدمشقي: وثقة غير واحد وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه ولا يحتج به. الترمذي: في الديات - باب: ما جاء في الرجل يقتل ابنه يقاد منه أم لا 4 / 656 وقال: هذا حديث لا نعرفه بهذا الإسناد مرفوعا إلا من حديث إسماعيل بن مسلم المكي وإسماعيل تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه. وابن ماجه في الديات: 2 / 888، والدارمي في الديات: 2 / 190، وصححه الحاكم: 4 / 369، والبيهقي في السنن: 8 / 39.\r(3) رواه البخاري: في الديات - باب: إذا أصاب قوم من رجل 12 / 226-227. والمصنف في شرح السنة: 10 / 182-183.\r(4) انظر: أحكام القرآن للجصاص 1 / 171 وما بعدها.\r(5) الأرش: دية الجراحة.\r(6) رواه البخاري في الصلح - باب الصلح في الدية 5 / 306. والمصنف في شرح السنة: 10 / 166.","part":1,"page":190},{"id":209,"text":"قوله تعالى { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ } أي ترك له وصفح عنه من الواجب عليه وهو القصاص في قتل العمد ورضي بالدية هذا قول أكثر المفسرين، قالوا: العفو أن يقبل الدية في قتل العمد وقوله { من أخيه } أي من دم أخيه وأراد بالأخ المقتول والكنايتان في قوله { لَه } { مِنْ أَخِيهِ } ترجعان إلى من وهو القاتل، وقوله شيء دليل على أن بعض الأولياء إذا عفا يسقط القود لأن شيئا من الدم قد بطل.\rقوله تعالى: { فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ } أي على الطالب للدية أن يتبع بالمعروف فلا يطالب بأكثر من حقه.\r{ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } أي على المطلوب منه أداء الدية بالإحسان من غير مماطلة، أمر كل واحد منهما بالإحسان فيما له وعليه ومذهب أكثر العلماء من الصحابة والتابعين أن ولي الدم إذا عفا عن القصاص على الدية فله أخذ الدية وإن لم يرض به القاتل، وقال قوم: لا دية له إلا برضاء القاتل، وهو قول الحسن والنخعي وأصحاب الرأي، وحجة المذهب الأول ما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل وأنا والله عاقله فمن قتل بعده قتيلا فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا العقل\" (1) .\rقوله تعالى: { ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ } أي ذلك الذي ذكرت من العفو عن القصاص وأخذ الدية تخفيف من ربكم ورحمة، وذلك أن القصاص في النفس والجراح كان حتما في التوراة على اليهود ولم يكن لهم أخذ الدية، وكان في شرع النصارى الدية ولم يكن لهم القصاص، فخير الله تعالى هذه الأمة بين القصاص وبين العفو عن الدية تخفيفا منه ورحمة.\r{ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ } فقتل الجاني بعد العفو وقبول الدية { فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أن يقتل قصاصا، قال ابن جريج: يتحتم قتله حتى لا يقبل العفو، وفي الآية دليل على أن القاتل لا يصير كافرا بالقتل، لأن الله تعالى خاطبه بعد القتل بخطاب الإيمان فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ } وقال في آخر الآية { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ } وأراد به أخوة الإيمان، فلم يقطع الأخوة بينهما بالقتل.\r{ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الألْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179) }\rقوله تعالى: { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } أي بقاء، وذلك أن القاصد للقتل إذا علم أنه إذا قتل\r__________\r(1) رواه البخاري: مطولا عن أبي هريرة في الديات - باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين 12 / 205، والشافعي في المسند: 2 / 99.","part":1,"page":191},{"id":210,"text":"يقتل يمتنع عن القتل، فيكون فيه بقاؤه وبقاء من هم بقتله، وقيل في المثل: \"القتل قلل القتل\" وقيل في المثل: \"القتل أنفى للقتل\" وقيل معنى الحياة سلامته من قصاص الآخرة، فإنه إذا اقتص منه حيي في الآخرة وإذا لم يقتص منه في الدنيا اقتص منه في الآخرة { يَا أُولِي الألْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } أي تنتهون عن القتل مخافة القود.\r{ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) }\rقوله تعالى: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ } أي فرض عليكم { إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ } أي جاءه أسباب الموت وآثاره من العلل والأمراض { إِنْ تَرَكَ خَيْرًا } أي مالا نظيره قوله تعالى \"وما تنفقوا من خير\"( 272-البقرة ) { الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ } كانت الوصية فريضة في ابتداء الإسلام للوالدين والأقربين على من مات وله مال ثم نسخت بآية الميراث (1) .\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر أخبرنا محمد بن أحمد بن الوليد أخبرنا الهيثم بن جميل أخبرنا حماد بن سلمة عن قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن عمرو بن خارجة قال: كنت آخذا بزمام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: \"إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه ولا وصية لوارث\" (2) فذهب جماعة إلى أن وجوبها صار منسوخا في حق الأقارب الذين يرثون وبقي وجوبها في حق الذين لا يرثون من الوالدين والأقارب، وهو قول ابن عباس وطاووس وقتادة والحسن قال طاووس: من أوصى لقوم سماهم وترك ذوي قرابته محتاجين انتزعت منهم وردت إلى ذوي قرابته، وذهب الأكثرون إلى أن الوجوب صار منسوخا في حق الكافة وهي حتمية في حق الذين لا يرثون.\r__________\r(1) انظر: الناسخ والمنسوخ لأبي القاسم بن سلامة ص (16)، أحكام القرآن للجصاص: 1 / 203-207.\r(2) حديث صحيح رواه أبو داود: في الوصايا: باب - في الوصية للوارث: 4 / 150. والترمذي: في الوصايا - باب: ما جاء لا وصية لوارث: 6 / 309. وقال حديث حسن صحيح. والنسائي: في الوصايا: 6 / 247. وابن ماجه: في الوصايا: 2712و2714-2 / 905-906. وأحمد: 4 / 186-5 / 267 عن عمرو بن خارجة وجزء من حديث عن أبي أمامة الباهلي. والمصنف في شرح السنة: 5 / 288-289. وفي الباب عن ابن عباس، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص وعن جابر، وعن زيد بن أرقم وعن علي، وعن خارجة بن عمرو الجمحي وعن البراء. انظر نصب الراية 4 / 403،405.","part":1,"page":192},{"id":211,"text":"أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا طاهر بن أحمد أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه\" (1) .\rقوله تعالى: { بالمعروف } يريد يوصي بالمعروف ولا يزيد على الثلث ولا يوصي للغني ويدع الفقير، قال ابن مسعود: الوصية للأخل فالأخل أي الأحوج فالأحوج.\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن رحيم الشيباني أخبرنا أحمد بن حازم بن أبي غرزه (2) أخبرنا عبيد الله بن موسى وأبو نعيم عن سفيان الثوري عن سعيد بن إبراهيم عن عامر بن سعيد عن سعد بن مالك قال جاءني النبي صلى الله عليه وسلم يعودني فقلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصي بمالي كله؟ قال لا قلت: فالشطر؟ قال لا قلت: فالثلث؟ قال: \"الثلث والثلث كثير إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس بأيديهم\" 25/أ (3) .\rوعن ابن أبي مليكة أن رجلا قال لعائشة رضي الله عنها: إني أريد أن أوصي، قالت كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف. قالت كم عيالك؟ قال: أربعة، قالت: إنما قال الله { إِنْ تَرَكَ خَيْرًا } وإن هذا شيء يسير فاترك لعيالك (4)\rوقال علي رضي الله عنه: لأن أوصي بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالربع ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث فمن أوصى بالثلث فلم يترك. وقال الحسن البصري رضي الله عنه يوصي بالسدس أو الخمس أو الربع، وقال الشعبي إنما كانوا يوصون بالخمس أو الربع.\rقوله تعالى: { حَقًّا } نصب على المصدر وقيل على المفعول أي جعل الوصية حقا { عَلَى الْمُتَّقِينَ }\r__________\r(1) رواه البخاري: في الوصايا - باب: الوصايا وقول النبي صلى الله عليه وسلم وصية الرجل مكتوبة عنده 5 / 355. ومسلم: في الوصية: برقم (1627) 3 / 1249. والمصنف في شرح السنة: 5 / 277.\r(2) في أ: ابن أبي عوزة والتصحيح من شرح السنة.\r(3) رواه البخاري: في الوصايا - باب أن يترك ورثته أغنياء خير ... 5 / 363. ومسلم: في الوصية - باب الوصية بالثلث برقم (1628) 3 / 1250. والمصنف في شرح السنة: 5 / 282-283.\r(4) أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي (الدر المنثور للسيوطي 1 / 423).","part":1,"page":193},{"id":212,"text":"المؤمنين\r{ فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) }\rقوله تعالى: { فَمَنْ بَدَّلَهُ } أي غير الوصية في الأوصياء أو الأولياء أو الشهود { بَعْدَمَا سَمِعَهُ } أي بعد ما سمع قول الموصي، ولذلك ذكر الكناية مع كون الوصية مؤنثة، وقيل الكناية راجعة إلى الإيصاء كقوله تعالى: \"فمن جاءه موعظة من ربه\"( 275-البقرة ) رد الكناية إلى الوعظ { فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ } والميت بريء منه { إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ } لما أوصى به الموصي { عَلِيمٌ } بتبديل المبدل، أو سميع لوصيته عليم بنيته.","part":1,"page":194},{"id":213,"text":"{ فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) }\rقوله تعالى { فَمَنْ خَافَ } أي علم، كقوله تعالى: \"فإن خفتم ألا يقيما حدود الله\"( 229-البقرة ) أي علمتم { مِنْ مُوصٍ } قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر ويعقوب بفتح الواو وتشديد الصاد، كقوله تعالى: \"ما وصى به نوحا\"( 13-الشورى ) \"ووصينا الإنسان\"( 8-العنكبوت ) وقرأ الآخرون بسكون الواو وتخفيف الصاد، كقوله تعالى: \"يوصيكم الله في أولادكم\"( 11-النساء ) \"من بعد وصية يوصي بها أو دين\"( 12-النساء ) { جَنَفًا } أي جورا وعدولا عن الحق، والجنف: الميل { أَوْ إِثْمًا } أي ظلما، قال السدي وعكرمة والربيع: الجنف الخطأ والإثم العمد { فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } واختلفوا في معنى الآية، قال مجاهد: معناها أن الرجل إذا حضر مريضا وهو يوصي فرآه يميل إما بتقصير أو إسراف، أو وضع الوصية في غير موضعها فلا حرج على من حضره أن يأمره بالعدل وينهاه عن الجنف فينظر للموصى وللورثة، وقال آخرون: إنه أراد به أنه إذا أخطأ الميت في وصيته أو جار متعمدا فلا حرج على وليه أو وصيه أو والي أمور المسلمين أن يصلح بعد موته بين ورثته وبين الموصى لهم، ويرد الوصية إلى العدل والحق، فلا إثم عليه أي: فلا حرج عليه { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } وقال طاووس: جنفة توليجة، وهو أن يوصي لبني بنيه يريد ابنه ولولد ابنته ولزوج ابنته يريد بذلك ابنته.\rقال الكلبي: كان الأولياء والأوصياء يمضون وصية الميت بعد نزول قوله تعالى \"فمن بدله بعد ما سمعه\" الآية وإن استغرق المال كله ولم يبق للورثة شيء، ثم نسخها قوله تعالى: \"فمن خاف من موص جنفا\" الآية، قال ابن زيد: فعجز الموصي أن يوصي للوالدين والأقربين كما أمر الله تعالى، وعجز الموصي أن يصلح فانتزع الله تعالى ذلك منهم ففرض الفرائض.\rروي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة، ثم","part":1,"page":194},{"id":214,"text":"يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار\" ثم قرأ أبو هريرة: { من بعد وصية يوصي بها أو دين } إلى قوله { غير مضار } (1) .\rقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ } أي فرض وأوجب، والصوم والصيام في اللغة الإمساك يقال: صام النهار إذا اعتدل وقام قائم الظهيرة، لأن الشمس إذا بلغت كبد السماء وقفت وأمسكت عن السير سويعة ومنه قوله تعالى: \"فقولي إني نذرت للرحمن صوما\"( 26-مريم ) أي صمتا لأنه إمساك عن الكلام، وفي الشريعة الصوم وهو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع مع النية في وقت مخصوص { كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ } الأنبياء والأمم، واختلفوا في هذا التشبيه (2) فقال سعيد بن جبير: كان صوم من قبلنا من العتمة إلى الليلة القابلة كما كان في ابتداء الإسلام.\rوقال جماعة من أهل العلم: أراد أن صيام رمضان كان واجبا على النصارى كما فرض علينا، فربما كان يقع في الحر الشديد والبرد الشديد، وكان يشق عليهم في أسفارهم ويضرهم في معايشهم، فاجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم على أن يجعلوا صيامهم في فصل من السنة بين الشتاء والصيف، فجعلوه في الربيع وزادوا فيه عشرة أيام كفارة لما صنعوا فصار أربعين، ثم إن ملكهم اشتكى فمه فجعل لله عليه إن هو برئ من وجعه أن يزيد في صومهم. أسبوعا فبرئ فزاد فيه أسبوعا ثم مات ذلك الملك ووليهم ملك آخر فقال: أتموه خمسين يوما، وقال مجاهد: أصابهم موتان، فقالوا زيدوا في صيامكم فزادوا عشرا قبل وعشرا بعد، قال الشعبي: لو صمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذي يشك فيه، فيقال من شعبان ويقال من رمضان، وذلك أن النصارى فرض عليهم شهر رمضان فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما، ثم لم يزل القرن الآخر يستن بسنة القرن الذي قبله حتى صاروا إلى خمسين يوما، فذلك قوله تعالى:\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الوصايا، باب: الحيف في الوصية: 2 / 902. والترمذي: في الوصايا - باب ما جاء في الوصية بالثلث: 6 / 304 وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه قال المنذري بعد نقل تحسين الترمذي: وشهر بن حوشب قد تكلم فيه غير واحد من الأئمة ووثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين. والمصنف في شرح السنة: 5 / 286. وأخرجه ابن ماجه في الوصايا، باب: الحيف في الوصية: 2 / 902. وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 14 / 163 بتحقيق الشيخ أحمد شاكر وقال: إسناده صحيح، ورواية ابن ماجه كرواية المسند.\r(2) انظر: تفسير الطبري: 3 / 410 وما بعدها.","part":1,"page":195},{"id":215,"text":"{ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } يعني بالصوم لأن الصوم وصلة إلى التقوى لما فيه من قهر النفس وكسر الشهوات، وقيل: لعلكم تحذرون عن الشهوات من الأكل والشرب والجماع\r{ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) }\r{ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ } قيل: كان في ابتداء الإسلام صوم ثلاثة أيام من كل شهر واجبا، وصوم يوم عاشوراء فصاموا كذلك من الربيع إلى شهر رمضان سبعة عشر شهرا، ثم نسخ بصوم رمضان قال ابن عباس: أول ما نسخ بعد الهجرة أمر القبلة والصوم، ويقال: نزل صوم شهر رمضان قبل بدر بشهر وأيام، قال محمد بن إسحاق كانت غزوة بدر يوم الجمعة لسبع عشر ليلة خلت من شهر رمضان على رأس ثمانية عشر شهرا من الهجرة.\rحدثنا أبو الحسن الشيرازي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: \"كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة صامه وأمر الناس بصيامه، فلما فرض رمضان كان هو الفريضة وترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه\" (1) .\rوقيل المراد من قوله { أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ } شهر رمضان وهي غير منسوخة ونصب أياما على الظرف، أي في أيام معدودات، وقيل: على التفسير، وقيل: على هو خبر ما لم يسم فاعله { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ } أي فأفطر فعدة { مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } أي فعليه عدة، والعدد والعدة واحد { مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } أي غير ايام مرضه وسفره، وأخر في موضع خفض لكنها لا تنصرف فلذلك نصبت.\rقوله تعالى: { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } اختلف العلماء في تأويل هذه الآية وحكمها فذهب أكثرهم إلى أن الآية منسوخة، وهو قول ابن عمر وسلمة بن الأكوع وغيرهما، وذلك أنهم كانوا في ابتداء الإسلام\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الصيام - باب: صوم يوم عاشوراء 4 / 102. وفي الحج. وفي فضائل الصحابة، وفي التفسير. ومسلم: في الصيام - باب صوم يوم عاشوراء برقم (1125) 2 / 792. والمصنف في شرح السنة: 6 / 212.","part":1,"page":196},{"id":216,"text":"مخيرين بين أن يصوموا وبين أن يفطروا ويفدوا، خيرهم الله تعالى لئلا يشق عليهم لأنهم كانوا لم يتعودوا الصوم، ثم نسخ التخيير ونزلت العزيمة بقوله تعالى: { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } وقال قتادة: هي خاصة في حق الشيخ 25/ب الكبير الذي يطيق الصوم، ولكن يشق عليه رخص له في أن يفطر ويفدي ثم نسخ. وقال الحسن: هذا في المريض الذي به ما يقع عليه اسم المرض وهو مستطيع للصوم خير بين أن يصوم وبين أن يفطر ويفدي، ثم نسخ بقوله تعالى: { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ }\rوثبتت الرخصة للذين لا يطيقون، وذهب جماعة إلى أن الآية محكمة غير منسوخة، ومعناه: وعلى الذين كانوا يطيقونه في حال الشباب فعجزوا عنه بعد الكبر فعليهم الفدية بدل الصوم، وقرأ ابن عباس: { وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ } بضم الياء وفتح الطاء وتخفيفها وفتح الواو وتشديدها، أي يكلفون الصوم وتأويله على الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان الصوم، والمريض الذي لا يرجى زوال مرضه فهم يكلفون الصوم ولا يطيقونه، فلهم أن يفطروا ويطعموا مكان كل يوم مسكينا وهو قول سعيد بن جبير، وجعل الآية محكمة.\rقوله تعالى: { فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } قرأ أهل المدينة والشام مضافا، وكذلك في المائدة: \"كفارة طعام\" أضاف الفدية إلى الطعام، وإن كان واحدا لاختلاف اللفظين، كقوله تعالى \"وحب الحصيد\"( 9-ق ) وقولهم مسجد الجامع وربيع الأول، وقرأ الآخرون: فدية وكفارة منونة، طعام رفع وقرأ مساكين بالجمع هنا أهل المدينة والشام، والآخرون على التوحيد، فمن جمع نصب النون ومن وحد خفض النون ونونها، والفدية: الجزاء، ويجب أن يطعم مكان كل يوم مسكينا مدا من الطعام بمد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو رطل وثلث من غالب قوت البلد، هذا قول فقهاء الحجاز، وقال بعض فقهاء أهل العراق: عليه لكل مسكين نصف صاع لكل يوم يفطر، وقال بعضهم: نصف صاع من القمح أو صاع من غيره، وقال بعض الفقهاء ما كان المفطر يتقوته يومه الذي أفطره، وقال ابن عباس: يعطي كل مسكين عشاءه وسحوره.\r{ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ } أي زاد على مسكين واحد فأطعم مكان كل يوم مسكينين فأكثر، قاله مجاهد وعطاء وطاووس، وقيل: من زاد على القدر الواجب عليه فأعطى صاعا وعليه مد فهو خير له.\r{ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ } ذهب إلى النسخ قال معناه الصوم خير له من الفدية، وقيل: هذا في الشيخ الكبير لو تكلف الصوم وإن شق عليه فهو خير له من أن يفطر ويفدي { إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } واعلم أنه لا رخصة لمؤمن مكلف في إفطار رمضان إلا لثلاثة: أحدهم يجب عليه القضاء والكفارة، والثاني عليه القضاء دون الكفارة، والثالث عليه الكفارة دون القضاء (1) أما الذي عليه القضاء والكفارة فالحامل\r__________\r(1) استعمل الكفارة هنا بمعنى الفدية كما جاء في السياق، وإلا فإن الكفارة تجب على من أفسد صومه في رمضان بجماع أثم به بسبب الصوم.","part":1,"page":197},{"id":217,"text":"والمرضع إذا خافتا على ولديهما فإنهما تفطران وتقضيان وعليهما مع القضاء الفدية، وهذا قول ابن عمر وابن عباس، وبه قال مجاهد وإليه ذهب الشافعي رحمه الله، وقال قوم لا فدية عليهما، وبه قال الحسن وعطاء وإبراهيم النخعي والزهري وإليه ذهب الأوزاعي والثوري وأصحاب الرأي، وأما الذي عليه القضاء دون الكفارة فالمريض والمسافر والحائض والنفساء.\rوأما الذي عليه الكفارة دون القضاء فالشيخ الكبير والمريض الذي لا يرجى زوال مرضه (1)\r{ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) }\rثم بين الله تعالى أيام الصيام فقال: { شَهْرُ رَمَضَانَ } رفعه على معنى هو شهر رمضان، وقال الكسائي: كتب عليكم شهر رمضان وسمي الشهر شهرا لشهرته، وأما رمضان فقد قال مجاهد: هو اسم من أسماء الله تعالى، يقال شهر رمضان كما يقال شهر الله، والصحيح أنه اسم للشهر سمي به من الرمضاء وهي الحجارة المحماة وهم كانوا يصومونه في الحر الشديد فكانت ترمض فيه الحجارة في الحرارة.\rقوله تعالى: { الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ } سمي القرآن قرآنا لأنه يجمع السور والآي والحروف وجمع فيه القصص والأمر والنهي والوعد والوعيد.\rوأصل القرء الجمع وقد يحذف الهمز منه فيقال، قريت الماء في الحوض إذا جمعته، وقرأ ابن كثير: القرآن بفتح الراء غير مهموز، وكذلك كان يقرأ الشافعي ويقول ليس هو من القراءة ولكنه اسم لهذا الكتاب كالتوراة والإنجيل، وروي عن مقسم عن ابن عباس: أنه سئل عن قوله عز وجل { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ } \"إنا أنزلناه في ليلة القدر\"( 1-القدر )، وقوله: \"إنا أنزلناه في ليلة مباركة\"( 3-الدخان ) وقد نزل في سائر الشهور، وقال عز وجل: \"وقرآنا فرقناه\"( 106-الإسراء ) فقال أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم نزل به جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوما في ثلاث وعشرين سنة فذلك قوله تعالى \"فلا أقسم بمواقع النجوم( 75-الواقعة ) قال داود بن أبي هند: قلت للشعبي: { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ } أما كان ينزل في سائر الشهور؟ قال: بلى، ولكن جبرائيل كان يعارض محمدا صلى الله عليه وسلم في رمضان ما نزل إليه فيحكم الله ما يشاء ويثبت ما يشاء، وينسيه ما يشاء.\rوروي عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"أنزلت صحف إبراهيم عليه السلام في ثلاث ليال مضين من رمضان، ويروى في أول ليلة من رمضان، وأنزلت توراة موسى عليه السلام في ست ليال مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل على عيسى عليه السلام في ثلاث عشرة ليلة مضت من رمضان، وأنزل زبور داود في ثمان عشرة مضت من رمضان وأنزل الفرقان على محمد صلى الله عليه وسلم في الرابعة والعشرين من\r__________\r(1) انظر: تفسير القرطبي: 2 / 288-289، أحكام القرآن للجصاص: 1 / 218-228.","part":1,"page":198},{"id":218,"text":"شهر رمضان لست بقين بعدها (1) .\rقوله تعالى: { هُدًى لِلنَّاسِ } من الضلالة، وهدى في محل نصب على القطع لأن القرآن معرفة وهدى نكرة { وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى } أي دلالات واضحات من الحلال والحرام والحدود والأحكام { وَالْفُرْقَان } أي الفارق بين الحق والباطل.\rقوله تعالى: { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } أي فمن كان مقيما في الحضر فأدركه الشهر واختلف أهل العلم فيمن أدركه الشهر وهو مقيم ثم سافر، روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: لا يجوز له الفطر، وبه قال عبيدة السلماني لقوله تعالى { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } أي الشهر كله وذهب أكثر الصحابة والفقهاء إلى أنه إذا أنشأ السفر في شهر رمضان جاز له أن يفطر، ومعنى الآية: فمن شهد منكم الشهر كله فليصمه أي الشهر كله، ومن لم يشهد منكم الشهر كله فليصم ما شهد منه والدليل عليه ما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر وأفطر الناس معه، فكانوا يأخذون بالأحدث فلأحدث من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) .\rقوله تعالى: { وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } أباح الفطر لعذر المرض والسفر وأعاد هذا الكلام ليعلم أن هذا الحكم ثابت في الناسخ ثبوته في المنسوخ، واختلفوا في المرض الذي يبيح الفطر، فذهب أهل الظاهر إلى أن ما يطلق عليه اسم المرض يبيح الفطر وهو قول ابن سيرين. قال طريف بن تمام العطاردي دخلت على محمد بن سيرين. في رمضان، وهو يأكل فقال: إنه وجعت أصبعي هذه، وقال الحسن وإبراهيم النخعي هو المرض الذي تجوز معه الصلاة قاعدأ 26/أ وذهب الأكثرون إلى أنه مرض يخاف معه من الصوم زيادة علة غير محتملة، وفي الجملة أنه إذا أجهده الصوم أفطر وإن لم يجهده فهو كالصحيح. وأما السفر، فالفطر فيه مباح والصوم جائز عند عامة أهل العلم إلا ما روي عن ابن عباس وأبي هريرة وعروة بن الزبير وعلي بن الحسين أنهم قالوا لا يجوز الصوم في السفر ومن صام فعليه القضاء، واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: \"ليس من البر الصوم في السفر\" (3) وذلك عند الآخرين في حق من\r__________\r(1) رواه أحمد 4 / 107 عن واثلة بن الأسقع. انظر مسند الشاميين من مسند الإمام أحمد تحقيق على محمد جماز 1 / 201 وفيه عمران بن داور - بفتح الواو وبعدها راء - أبو العوام، القطان البصري صدوق يهم، ورمي برأي الخوارج من السابعة (التقريب). رواه الطبراني والبيهقي في الشعب (انظر فيض القدير: 3 / 57)، وذكره ابن حجر في المطالب العالية: 3 / 286 من رواية أبي يعلى عن جابر، وقال: هذا مقلوب، وإنما هو عن واثلة، فيحرر.\r(2) رواه البخاري: في الصوم - باب إذا صام أياما من رمضان ثم سافر 4 / 180 وفي الجهاد والمغازي. ومسلم في الصيام - باب: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر برقم (1113) 2 / 784. والمصنف في شرح السنة: 6 / 310.\r(3) سيأتي ص 189.","part":1,"page":199},{"id":219,"text":"يجهده الصوم فالأولى له أن يفطر، والدليل عليه ما أخبرنا به عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا آدم أخبرنا شعبة أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الأنصاري قال سمعت محمد بن عمرو بن الحسن بن علي بن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه فقال ما هذا؟ قالوا هذا صائم، فقال \"ليس من البر الصوم في السفر\" (1) .\rوالدليل على جواز الصوم ما حدثنا الأستاذ أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري أخبرنا أبو نعيم الإسفراييني أخبرنا أبو عوانة أخبرنا أبو أمية أخبرنا عبد الله القواريري أخبرنا حماد بن زيد أخبرنا الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: \"كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم\" (2) .\rواختلفوا في أفضل الأمرين، فقالت طائفة: الفطر في السفر أفضل من الصوم، روي ذلك عن ابن عمر وإليه ذهب سعيد بن المسيب والشعبي، وذهب قوم إلى أن الصوم أفضل وروي ذلك عن معاذ بن جبل وأنس وبه قال إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير، وقالت طائفة: أفضل الأمرين أيسرهما عليه لقوله تعالى: { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } وهو قول مجاهد وقتادة وعمر بن عبد العزيز، ومن أصبح مقيما صائما ثم سافر في أثناء النهار لا يجوز له أن يفطر ذلك اليوم عند أكثر أهل العلم، وقالت طائفة: له أن يفطر، وهو قول الشعبي وبه قال أحمد، أما المسافر إذا أصبح صائما فيجوز له أن يفطر بالاتفاق، والدليل عليه ما أخبر عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا عبد العزيز بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس معه، فقيل له يا رسول الله إن الناس قد شق عليهم الصيام فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون فأفطر بعض الناس وصام بعضهم فبلغه أن ناسا صاموا، فقال \"أولئك العصاة\" (3) .\rواختلفوا في السفر الذي يبيح الفطر، فقال قوم: مسيرة يوم، وذهب جماعة إلى مسيرة يومين، وهو قول الشافعي رحمه الله، وذهب جماعة إلى مسيرة ثلاثة أيام، وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي.\r__________\r(1) رواه البخاري: في الصوم - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن ظلل عليه واشتد الحر 4 / 183. ومسلم: في الصيام - باب جواز الصوم والفطر في رمضان للمسافر برقم (1115) 2 / 786. والمصنف في شرح السنة: 6 / 308.\r(2) رواه البخاري: في الصوم - باب لم يعب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعضهم بعضا 4 / 186. ومسلم: في الصيام - باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر برقم (1116 ، 1118) 2 / 786-787. والمصنف في شرح السنة: 6 / 306-307.\r(3) رواه مسلم: في الصيام - باب جواز الصيام والفطر في شهر رمضان للمسافر برقم (1114) 2 / 785. والمصنف في شرح السنة: 6 / 311، والشافعي في المسند: 1 / 268-269.","part":1,"page":200},{"id":220,"text":"قوله تعالى: { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ } بإباحة الفطر في المرض والسفر { وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } قرأ أبو جعفر: العسر واليسر ونحوهما بضم السين، وقرأ الآخرون بالسكون. وقال الشعبي: ما خير رجل بين أمرين فاختار أيسرهما إلا كان ذلك أحبهما إلى الله عز وجل { وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ } قرأ أبو بكر بتشديد الميم وقرأ الآخرون بالتخفيف، وهو الاختيار لقوله تعالى: \"اليوم أكملت لكم دينكم\"( 3-المائدة ) والواو في قوله تعالى: ولتكملوا العدة واو النسق، واللام لام كي، تقديره: ويريد لكي تكملوا العدة، أي لتكملوا عدة أيام الشهر بقضاء ما أفطرتم في مرضكم وسفركم، وقال عطاء: { وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ } أي عدد أيام الشهر.\rأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين\" (1) .\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري أخبرنا حاجب ابن أحمد الطوسي أخبرنا محمد بن يحيى أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا تقدموا الشهر بصوم يوم ولا يومين إلا أن يوافق ذلك صوما كان يصومه أحدكم، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا\" (2) .\r{ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ } ولتعظموا الله { عَلَى مَا هَدَاكُمْ } أرشدكم إلى ما رضي به من صوم شهر رمضان وخصكم به دون سائر أهل الملل.\rقال ابن عباس: هو تكبيرات ليلة الفطر. وروي عن الشافعي وعن ابن المسيب وعروة وأبي سلمة أنهم كانوا يكبرون ليلة الفطر يجهرون بالتكبير، وشبه ليلة النحر بها إلا من كان حاجا فذكره التلبية.\r{ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } الله على نعمه، وقد وردت أخبار في فضل شهر رمضان وثواب الصائمين.\rأخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسني المروزي أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سراج الطحان أخبرنا أبو أحمد محمد بن قريش بن سليمان أخبرنا علي بن عبد العزيز المكي أخبرنا أبو عبيد القاسم بن سلام حدثني إسماعيل بن جعفر عن أبي سهل نافع بن مالك عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إذا\r__________\r(1) رواه البخاري: في الصوم - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم الهلال فصوموا ... 4 / 119. وفي الطلاق. ومسلم: في الصيام - باب جوب صوم رمضان لرؤية الهلال برقم (1080) 2 / 759. والمصنف في شرح السنة: 6 / 228، والشافعي في المسند: 1 / 272.\r(2) المصنف في شرح السنة: 6 / 237 وهو ملفق من حديثين عند البخاري ومسلم (انظر: البخاري في الصوم) 4 / 119، 127، 128 ومسلم: في الصيام: برقم (1082، 1188) 2 / 762، 765.","part":1,"page":201},{"id":221,"text":"دخل رمضان صفدت الشياطين، وفتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار\" (1) .\rأخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد بن الجراح أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي أخبرنا أبو كريب محمد بن العلاء أخبرنا أبو بكر محمد بن عياش عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إذا كان أول ليلة في شهر رمضان صفدت الشياطين ومرده الجن وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة\" (2) .\rأخبرنا أبو بكر أحمد بن أبي نصر بن أحمد الكوفاني الهروي بها أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن ابن عمر بن محمد التجيبي المصري بها المعروف بابن النحاس (3) قيل له أخبركم أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد العنزي البصري بمكة المعروف بابن الأعرابي؟ أخبرنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني أخبرنا سفيان بن عيينة عن الزهري أخبرنا أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه\" (4) .\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو سعيد خلف بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي نزار حدثنا الحسين بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن أسد الصفار أخبرنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن أبي إسحاق العنزي أخبرنا علي بن حجر بن إياس السعدي أخبرنا يوسف بن زياد عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب 26/ب عن سلمان قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم\r__________\r(1) رواه البخاري: في الصوم: باب هل يقال رمضان ... 4 / 112 وفي بدء الخلق. ومسلم: في الصيام: باب فضل شهر رمضان برقم (1079) 2 / 758. والمصنف في شرح السنة: 6 / 215.\r(2) رواه الترمذي: في الصوم - باب ما جاء في فضل شهر رمضان 3 / 359-360. وابن ماجه: في الصيام - باب ما جاء في فضل شهر رمضان برقم (1642) 1 / 526. والحاكم: 1 / 421 ورجاله ثقات إلا أن أبا بكر بن عياش لما كبر ساء حفظه وله شاهد بتقوى به من حديث عطاء بن السائب عن عرفجه. وأحمد: 4 / 311-312 و5 / 411 عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه سلم. والنسائي: 4 / 130 وابن خزيمة: 3 / 188. والمصنف في شرح السنة: 6 / 215.\r(3) يوجد بعض الأخطاء في السند تم تصحيحها من شرح السنة.\r(4) رواه البخاري: في التراويح - باب: من صام رمضان إيمانا واحتسابا 4 / 115 وفي التعبير. مسلم: في صلاة المسافرين - باب: الترغيب في قيام رمضان برقم (760) 1 / 524. والمصنف في شرح السنة: 6 / 217.","part":1,"page":202},{"id":222,"text":"من شعبان فقال: \"يا أيها الناس إنه قد أظلكم شهر عظيم -وفي رواية قد أطلكم بالطاء -أطل: أشرف، شهر عظيم، شهر مبارك، شهر فيه ليلة القدر خير من ألف شهر، شهر جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة -أي المساهمة -وشهر يزاد فيه الرزق ومن فطر فيه صائما كان له مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء\" قالوا يا رسول الله ليس كلنا نجد ما نفطر به الصائم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يعطي الله هذا الثواب لمن فطر صائما على مذقة لبن أو تمرة أو شربة من ماء، ومن أشبع صائما سقاه الله عز وجل من حوضي شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة، ومن خفف عن مملوكه فيه غفر الله له وأعتقه من النار حتى يدخل الجنة، وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار، فاستكثروا فيه من أربع خصال، خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غنى بكم عنهما، أما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه، وأما اللتان لا غنى بكم عنهما فتسألون الله الجنة، وتعوذون به من النار\" (1) .\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمش الزيادي أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر أخبرنا إبراهيم بن عبد الله بن عمر بن بكير الكوفي أخبرنا وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"كل عمل ابن آدم يضاعف له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع الصائم طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، للصائم فرحتان، فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فِيْهِ أطيب عند الله من ريح المسك، الصوم جنة، الصوم جنة\" (2) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا محمد بن مطرف حدثني أبو حازم عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"في الجنة ثمانية أبواب منها باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون\" (3) .\r__________\r(1) أخرجه ابن خزيمة: 3 / 191-192 في الصوم - باب فضل شهر رمضان وقال فيه: إن صح الخبر، وفيه علي بن زيد بن جدعان ضعيف (التقريب - ميزان الاعتدال) وذكره والمنذري في الترغيب: 2 / 94-95 وقال: رواه ابن خزيمة في صحيحه .. ورواه من طريقه البيهقي، ورواه أبو الشيخ وابن حبان في الثواب باختصار عنهما.\r(2) رواه البخاري: في الصوم - باب: فضل الصوم: 4 / 103 وفي اللباس وفي التوحيد. ومسلم: في الصيام - باب: فضل الصوم برقم (1151) 2 / 806. والمصنف في شرح السنة: 6 / 221.\r(3) رواه البخاري: في الصوم - باب: الريان للصائمين 4 / 111. ومسلم: في الصيام - باب فضل الصوم برقم (1152) 2 / 808. والمصنف في شرح السنة: 6 / 219-220.","part":1,"page":203},{"id":223,"text":"أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي أخبرنا عبد الله بن محمود أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال أخبرنا عبد الله بن المبارك عن راشد بن سعد عن يحيى بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"الصيام والقرآن يشفعان للعبد يقول الصيام: أي رب إني منعته الطعام والشراب والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن رب إني منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان\" (1) .\r{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) }\rقوله تعالى: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال يهود أهل المدينة: يا محمد كيف يسمع ربنا دعاءنا وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء مسيرة خمسمائة عام وإن غلظ كل سماء مثل ذلك، فنزلت هذه الآية، وقال الضحاك: سأل بعض الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله تعالى: \"وإذا سألك عبادي عني فإني قريب\" (2) وفيه إضمار كأنه قال: فقل لهم إني قريب منهم بالعلم لا يخفى علي شيء كما قال \"ونحن أقرب إليه من حبل الوريد\"( 16-ق ).\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبد الواحد عن عاصم عن أبي عثمان عن أبي موسى الأشعري قال: لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر أو قال: لما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم\" (3) .\r__________\r(1) أخرجه الحاكم في المستدرك: 1 / 554. قال المنذري رواه أحمد والطبراني في الكبير، ورجاله محتج بهم في الصحيح، ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب الجوع وغيره بإسناد حسن والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم. انظر الترغيب والترهيب للمنذري 2 / 84.\r(2) لم نقف على الراوية الأولى ولكن في سندها الكلبي وهو كذاب (التقريب). وأما الرواية الثانية فقد أخرجها ابن جرير والبغوي في معجمه وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق الصلت بن حكيم عن رجل من الأنصار عن أبيه عن جده قال: جاء رجل ... فأنزل الله (وإذا سألك عبادي عني) الدر المنثور: 1 / 469.\r(3) رواه البخاري، في التوحيد - باب: وكان الله سميعا بصيرا 13 / 372. ومسلم: في الذكر والدعاء والتوبة - باب استحباب خفض الصوت بالذكر برقم (4704) 4 / 2076 .","part":1,"page":204},{"id":224,"text":"قوله تعالى: { أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } قرأ أهل المدينة غير قالون وأبو عمرو بإثبات الياء فيهما في الوصل، والباقون بحذفها وصلا ووقفا، وكذلك اختلف القراء في إثبات الياءات المحذوفة من الخط وحذفها في التلاوة، ويثبت يعقوب جميعها وصلا ووقفا، واتفقوا على إثبات ما هو مثبت في الخط وصلا ووقفا { فَلْيَسْتَجِيبُوا } قيل: الاستجابة بمعنى الإجابة، أي: فليجيبوا لي بالطاعة، والإجابة في اللغة: الطاعة وإعطاء ما سئل فالإجابة من الله تعالى العطاء، ومن العبد الطاعة، وقيل: فليستجيبوا لي أي ليستدعوا مني الإجابة، وحقيقته فليطيعوني { وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } لكي يهتدوا، فإن قيل فما وجه قوله تعالى: { أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ } { أدعوني أستجب لكم } وقد يدعى كثيرا فلا يجيب؟ قلنا: اختلفوا في معنى الآيتين قيل معنى الدعاء ههنا الطاعة، ومعنى الإجابة الثواب، وقيل معنى الآيتين خاص وإن كان لفظهما عاما، تقديرهما: { أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ } إن شئت، كما قال: \"فيكشف ما تدعون إليه إن شاء\"( 41-الأنعام ) أو أجيب دعوة الداعي إن وافق القضاء أو: أجيبه إن كانت الإجابة خيرا له أو أجيبه إن لم يسأل محالا.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا عبد الله بن صالح حدثني معاوية بن صالح أن ربيعة بن زيد حدثه عن أبي إدريس عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"يستجيب الله لأحدكم ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل\" قالوا وما الاستعجال يا رسول الله؟ قال: \"يقول قد دعوتك يا رب، قد دعوتك يا رب، فلا أراك تستجيب لي، فيستحسر عند ذلك فيدع","part":1,"page":205},{"id":225,"text":"الدعاء\" (1) .\rوقيل هو عام، ومعنى قوله { أُجِيب } أي اسمع، ويقال ليس في الآية أكثر من إجابة الدعوة، فأما إعطاء المنية فليس بمذكور فيها، وقد يجيب السيد عبده، والوالد ولده ثم لا يعطيه سؤله فالإجابة كائنة لا محالة عند حصول الدعوة، وقيل معنى الآية أنه لا يخيِّب دعاءه، فإن قدر له ما سأل أعطاه، وإن لم يقدره له ادخر له الثواب في الآخرة، أو كف عنه به سوءا والدليل عليه ما أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا ابن ثوبان وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه حدثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"ما على الأرض رجل مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه، الله إياها أو كف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم\" (2) وقيل: إن الله تعالى يجيب دعاء المؤمن في الوقت ويؤخر 27/أ إعطاء مراده ليدعوه فيسمع صوته ويعجل إعطاء من لا يحبه لأنه يبغض صوته، وقيل: إن للدعاء آدابا وشرائط وهي أسباب الإجابة فمن استكملها كان من أهل الإجابة، ومن أخل بها فهو من أهل الاعتداء في الدعاء فلا يستحق الإجابة.\r__________\r(1) رواه البخاري مختصرا في الدعوات - باب: يستجاب للعبد ما لم يستعجل: 11 / 140. ومسلم: في الذكر والدعاء والتوبة - باب: بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل برقم (2735) 4 / 2095 واللفظ له. والمصنف في شرح السنة: 5 / 190.\r(2) رواه الترمذي: في الدعوات - باب: في انتظار الفرج عن جابر: 10 / 24 وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه. والحاكم: 1 / 493 وصححه ووافقه الذهبي. وأحمد: 3 / 18 عن أبي سعيد الخدري. والمصنف في شرح السنة: 5 / 186.","part":1,"page":206},{"id":226,"text":"{ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) }\rقوله تعالى: { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ } فالرفث كناية عن الجماع، قال ابن عباس: إن الله تعالى حيي كريم يكنى كل ما ذكر في القرآن من المباشرة والملامسة والإفضاء والدخول والرفث فإنما عنى به الجماع وقال الزجاج: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجال من النساء، قال أهل التفسير: كان في ابتداء الأمر إذا أفطر الرجل حل له الطعام والشراب والجماع إلى أن يصلي العشاء الآخرة أو يرقد قبلها، فإذا صلى العشاء أو رقد قبلها حرم عليه الطعام والنساء إلى الليلة القابلة، ثم إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه واقع أهله بعدما صلى العشاء فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة، إني رجعت إلى أهلي بعد ما صليت العشاء فوجدت رائحة طيبة فسولت لي نفسي فجامعت أهلي فهل تجد لي من رخصة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"ما كنت جديرا بذلك يا عمر\" فقام رجال واعترفوا بمثله فنزل في عمر وأصحابه: (1) .\r__________\r(1) أخرجه ابن جرير في التفسير: 3 / 498، وقال الشيخ شاكر: هذا الحديث بالإسناد مسلسل بالضعفاء، وعزاه السيوطي في الدر المنثور لابن جرير وابن أبي حاتم: 1 / 476.","part":1,"page":206},{"id":227,"text":"{ أُحِلَّ لَكُمْ } أي أبيح لكم { لَيْلَةَ الصِّيَامِ } أي في ليلة الصيام { الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ } أي سكن لكم { وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ } أي سكن لهن دليله. قوله تعالى: \"وجعل منها زوجها ليسكن إليها\"( 189-الأعراف ) وقيل لا يسكن شيء كسكون أحد الزوجين إلى الآخر، وقيل: سمي كل واحد من الزوجين لباسا لتجردهما عند النوم واجتماعهما في ثوب واحد حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه، وقال الربيع بن أنس: هن فراش لكم وأنتم لحاف لهن، قال أبو عبيدة وغيره: يقال للمرأة هي لباسك وفراشك وإزارك وقيل: اللباس اسم لما يواري الشيء فيجوز أن يكون كل واحد منهما سترا لصاحبه عما لا يحل كما جاء في الحديث: \"من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه\" (1) { عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ } أي تخونونها وتظلمونها بالمجامعة بعد العشاء، قال البراء: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله تعالى \"علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم\" { فَتَابَ عَلَيْكُمْ } تجاوز عنكم { وَعَفَا عَنْكُمْ } محا ذنوبكم { فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ } جامعوهن حلالا سميت المجامعة مباشرة لتلاصق بشرة كل واحد منهم لصاحبه، { وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } أي فاطلبوا ما قضى الله لكم، وقيل ما كتب الله لكم في اللوح المحفوظ يعني الولد، قاله أكثر المفسرين، قال مجاهد: ابتغوا الولد إن لم تلد هذه فهذه وقال قتادة: وابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم بإباحة الأكل والشرب والجماع في اللوح المحفوظ، وقال معاذ بن جبل: وابتغوا ما كتب الله لكم يعني ليلة القدر.\rقوله: { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ } نزلت في رجل من الأنصار اسمه أبو صرمة بن قيس بن صرمة، وقال عكرمة: أبو قيس بن صرمه، وقال الكلبي: أبو قيس صرمة بن أنس بن أبي صرمة، وذلك أنه ظل نهاره يعمل في أرض له وهو صائم، فلما أمسى رجع إلى أهله بتمر، وقال لأهله قدمي الطعام فأرادت المرأة أن تطعمه شيئا سخينا فأخذت تعمل له سخينة، وكان في الابتداء من صلى العشاء ونام حرم عليه الطعام والشراب، فلما فرغت من طعامه إذ هي به قد نام وكان قد أعيا وكل فأيقظته فكره أن يعصي الله ورسوله، فأبى أن يأكل فأصبح صائما مجهودا، فلم ينتصف النهار حتى\r__________\r(1) ورد بلفظ (من تزوج فقد أحرز نصف دينه، فليتق الله في النصف الباقي). رواه ابن الجوزي في العلل عن أنس رفعه وقال: لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه آفات منها يزيد الرقاشي قال أحمد: لا يكتب عنه شيء كان منكر الحديث. وقال النسائي: منكر الحديث وفيه هياج، قال أحمد: متروك الحديث. وقال يحيى ليس بشيء وفيه مالك بن سليمان وقد قدحوا فيه. العلل المتناهية 2 / 122. انظر كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على السنة الناس 2 / 313. ورواه الحاكم بلفظ (من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه شطر دينه فليتق الله في الشطر الثاني. قال الحاكم صحيح الإسناد ووافقه الذهبي 2 / 161.","part":1,"page":207},{"id":228,"text":"غشي عليه، فلما أفاق أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: يا أبا قيس مالك أمسيت طليحا (1) فذكر له ماله فاغتم لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا } (2) يعني في ليالي الصوم { حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ } يعني بياض النهار من سواد الليل، سميا خيطين لأن كل واحد منهما يبدو في الابتداء ممتدا كالخيط.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا أبو غسان محمد بن مطرف ثنا أبو حازم عن سهل بن سعد قال: أنزلت { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ } ولم ينزل قوله: { مِنَ الْفَجْرِ } فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله تعالى بعده { مِنَ الْفَجْرِ } فعلموا إنما يعني بهما الليل والنهار.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا الحجاج بن منهال أخبرنا هشيم أخبرنا حصين بن عبد الرحمن عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال: لما نزلت { حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ } عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي فجعلت أنظر إليهما وإلى الليل فلا يستبين لي فغدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال \"إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار\" (3) .\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم\" قال \"كان ابن أم مكتوم رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت\" (4) واعلم أن الفجر فجران كاذب وصادق، فالكاذب يطلع أولا مستطيلا كذنب السرحان يصعد إلى السماء فبطلوعه لا يخرج الليل ولا يحرم الطعام والشراب على الصائم، ثم يغيب فيطلع بعده الفجر الصادق مستطيرا ينتشر سريعا في الأفق، فبطلوعه يدخل النهار ويحرم الطعام والشراب على الصائم.\r__________\r(1) الطليح: الساقط من الإعياء والجهد والهزال.\r(2) رواه البخاري: في الصوم باب قول الله جل ذكره: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نساءكم) 4 / 129.\r(3) رواه البخاري: في الصوم - باب: قول الله تعالى: وكلوا واشربوا حتى ... 4 / 132.\r(4) رواه البخاري: في الأذان - باب: أذان الأعمى إذا كان له من يخيره 2 / 99. ومسلم: في الصيام - باب: بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر برقم (1092) 2 / 768 والمصنف في شرح السنة: 2 / 298.","part":1,"page":208},{"id":229,"text":"أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي أخبرنا أبو العباس المحبوبي أخبرنا أبو عيسى الترمذي أخبرنا هناد ويوسف بن عيسى قالا أخبرنا وكيع عن أبي هلال عن سوادة بن حنظلة عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا يمنعكم من سحوركم آذان بلال ولا الفجر المستطيل ولكن الفجر المستطير في الأفق\" (1) .\rقوله تعالى: { ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ } فالصائم يحرم عليه الطعام والشراب بطلوع الفجر الصادق ويمتد إلى غروب الشمس فإذا غربت حصل الفطر.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا الحميدي أخبرنا سفيان أخبرنا هشام بن عروة قال: سمعت أبي يقول: سمعت عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم\" (2) .\rقوله تعالى: { وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } [وقد نويتم الاعتكاف في المساجد وليس المراد عن مباشرتهن في المساجد لأن ذلك ممنوع منه في غير الاعتكاف] (3) والعكوف هو الإقامة على الشيء والاعتكاف في الشرع هو الإقامة في المسجد على عبادة الله، وهو سنة ولا يجوز في غير المسجد ويجوز في جميع المساجد.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي 27/ب أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبد الله بن يوسف أخبرنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم \"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده\" (4) والآية نزلت في نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يعتكفون في المسجد، فإذا عرضت للرجل منهم الحاجة إلى أهله خرج إليها فجامعها ثم اغتسل، فرجع إلى المسجد فنهوا عن ذلك ليلا ونهارا حتى يفرغوا من اعتكافهم، فالجماع حرام في حال الاعتكاف ويفسد\r__________\r(1) رواه مسلم: في الصيام - باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر برقم (1094) 2 / 770. والمصنف في شرح السنة: 2 / 300.\r(2) رواه البخاري: في الصوم عن عبد الله بن أبي أوفى - باب: الصوم في السفر والإفطار 4 / 179. رواه مسلم: في الصيام عن عبد الله بن أبي أوفى - باب بيان وقت انقضاء الصوم وخروج النهار برقم (1101) 2 / 772. والمصنف في شرح السنة: 6 / 259.\r(3) ساقط من (ب) ومن المطبوع.\r(4) رواه البخاري: في الاعتكاف - باب الاعتكاف في العشر الأواخر 4 / 271. ورواه مسلم: في الاعتكاف - باب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان برقم (1172) 2 / 831. والمصنف في شرح السنة: 6 / 391.","part":1,"page":209},{"id":230,"text":"به الاعتكاف، أما ما دون الجماع من المباشرات كالقبلة واللمس بالشهوة، فمكروه ولا يفسد به الاعتكاف عند أكثر أهل العلم وهو أظهر قولي الشافعي، كما لا يبطل به الحج، وقالت طائفة يبطل بها اعتكافه وهو قول مالك، وقيل إن أنزل بطل اعتكافه وإن لم ينزل فلا كالصوم، وأما اللمس الذي لا يقصد به التلذذ فلا يفسد به الاعتكاف لما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: \"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف أدنى إلي رأسه فأرجله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان\" (1) .\rقوله تعالى: { تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ } يعني تلك الأحكام التي ذكرها في الصيام والاعتكاف، حدود أي: ما منع الله عنها، قال السدي: شروط الله، وقال شهر بن حوشب: فرائض الله، وأصل الحد في اللغة المنع، ومنه يقال للبواب حداد، لأنه يمنع الناس من الدخول، وحدود الله ما منع الناس من مخالفتها { فَلا تَقْرَبُوهَا } فلا تأتوها { كَذَلِك } هكذا { يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } لكي يتقوها فينجوا من العذاب.\r{ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188) }\rقوله تعالى: { وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ } قيل نزلت هذه الآية في امرئ القيس بن عايش لكندي ادعى عليه ربيعة بن عبدان الحضرمي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضا أنه غلبني عليها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي( ألك بينة )؟ قال لا قال:( فلك يمينه ) فانطلق ليحلف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أما إن حلف على ماله ليأكله ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض ) (2) فأنزل الله هذه الآية { وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ } أي لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل أي من غير الوجه الذي أباحه الله، وأصل الباطل الشيء الذاهب، والأكل بالباطل أنواع، قد يكون بطريق الغصب والنهب وقد يكون بطريق اللهو كالقمار وأجرة المغني ونحوهما، وقد يكون بطريق الرشوة والخيانة { وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ } أي تلقوا أمور تلك الأموال بينكم وبين أربابها إلى الحكام، وأصل الإدلاء: إرسال الدلو وإلقاؤه في البئر يقال: أدلى دلوه إذا أرسله، ودلاه يدلوه إذا أخرجه قال ابن عباس: هذا في الرجل يكون عليه مال وليس عليه بينة فيجحد المال ويخاصم فيه إلى الحاكم، وهو يعرف أن الحق عليه وإنه أثم بمنعه، قال مجاهد في هذه الآية: لا\r__________\r(1) رواه البخاري: في الاعتكاف - باب المعتكف يدخل رأسه البيت للغسل 4 / 286. والمصنف في شرح السنة: 6 / 400.\r(2) رواه مسلم: في الإيمان - باب: وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار برقم (139) 1 / 123.","part":1,"page":210},{"id":231,"text":"تخاصم وأنت ظالم، قال الكلبي: هو أن يقيم شهادة الزور وقوله { وَتُدْلُوا } في محل الجزم بتكرير حرف النهي، معناه ولا تدلوا بها إلى الحكام، وقيل معناه: ولا تأكلوا بالباطل وتنسبونه إلى الحكام، قال قتادة: لا تدل بمال أخيك إلى الحاكم وأنت تعلم أنك ظالم فإن قضاءه لا يحل حراما، وكان شريح القاضي يقول: إني لأقضي لك وإني لأظنك ظالما ولكن لا يسعني إلا أن أقضي بما يحضرني من البينة وإن قضائي لا يحل لك حراما.\rأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذنه فإنما أقطع له قطعة من النار\" (1) .\rقوله تعالى: { لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا } طائفة { مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإثْمِ } بالظلم وقال ابن عباس: باليمين الكاذبة يقطع بها مال أخيه { وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أنكم مبطلون.\r{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189) }\rقوله تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ } نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم الأنصاريين قالا يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقا ثم يزيد حتى يمتلئ نورا ثم يعود دقيقا كما بدأ ولا يكون على حالة واحدة (2) ؟ فأنزل الله تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ } وهي جمع هلال مثل رداء وأردية سمي هلالا لأن الناس يرفعون أصواتهم بالذكر عند رؤيته من قولهم استهل الصبي إذا صرخ حين يولد وأهل القوم بالحج إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية { قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ } جمع ميقات أي فعلنا ذلك ليعلم الناس أوقات الحج والعمرة والصوم والإفطار وآجال الديون وعدد النساء وغيرها، فلذلك خالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة على حالة واحدة { وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا }\r__________\r(1) رواه البخاري: في الأحكام - باب: موعظة الإمام للخصوم 13 / 157 وفي الشهادات. ورواه مسلم: في الأقضية - باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة برقم (1713) 3 / 1337. والمصنف في شرح السنة: 10 / 110.\r(2) أخرجه ابن عساكر بسند ضعيف عن ابن عباس انظر الدر المنثور للسيوطي 1 / 490 .","part":1,"page":211},{"id":232,"text":"قال أهل التفسير: كان الناس في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا أحرم الرجل منهم بالحج أو العمرة لم يدخل حائطا ولا بيتا ولا دارا من بابه فإن كان من أهل المدر نقب نقبا في ظهر بيته ليدخل منه ويخرج أو يتخذ سلما فيصعد منه وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط ولا يدخل ولا يخرج من الباب حتى يحل من إحرامه ويرون ذلك برا إلا أن يكون من الحمس وهم قريش وكنانة [وخزاعة وثقيف وخثعم وبنو عامر بن صعصعة وبنو مضر بن معاوية سموا حمسا لتشددهم في دينهم والحماسة الشدة والصلابة] (1) فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بيتا لبعض الأنصار، فدخل رجل من الأنصار يقال له رفاعة بن التابوت على أثره من الباب وهو محرم فأنكروا عليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لم دخلت من الباب وأنت محرم؟ قال رأيتك دخلت فدخلت على أثرك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"إني أحمس\" فقال الرجل إن كنت أحمسيا فإني أحمسي رضيت بهديك وسمتك ودينك فأنزل الله تعالى هذه الآية (2) وقال الزهري: كان ناس من الأنصار إذا أهلوا بالعمرة لم يحل بينهم وبين السماء شيء، وكان الرجل يخرج مهلا بالعمرة فتبدو له الحاجة بعدما يخرج من بيته فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف البيت أن يحول بينه وبين السماء فيفتح الجدار من ورائه، ثم يقول في حجرته فيأمر بحاجته حتى بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل زمن الحديبية بالعمرة فدخل حجرة فدخل رجل على أثره من الأنصار من بني سلمة فقال النبي صلى الله عليه وسلم \"لم فعلت ذلك؟ قال لأني رأيتك دخلت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"إني أحمس\" فقال الأنصاري وأنا أحمس يقول وأنا على دينك فأنزل الله تعالى { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها } (3) .\rقرأ ابن كثير وابن عامر 28/أ وحمزة والكسائي وأبو بكر: والغيوب والجيوب والعيون وشيوخا بكسر أوائلهن لمكان الياء وقرأ الباقون بالضم على الأصل وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي \"جيوبهن\" بكسر الجيم، وقرأ أبو بكر وحمزة \"الغيوب\" بكسر العين { وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى } أي: البر: بر من اتقى.\r{ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا } في حال الإحرام { وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }\r{ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) }\r{ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } أي في طاعة الله { الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ } كان في ابتداء الإسلام أمر الله تعالى\r__________\r(1) ساقط من نسخة (ب).\r(2) أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قيس بن جبير النهشلي انظر الدر المنثور للسيوطي 1 / 492. وانظر تفسير الطبري 3 / 556.\r(3) أخرجه ابن جرير عن الزهري انظر تفسير الطبري 3 / 558.","part":1,"page":212},{"id":233,"text":"رسوله الله صلى الله عليه وسلم بالكف عن قتال المشركين ثم لما هاجر إلى المدينة أمره بقتال من قاتله منهم بهذه الآية، وقال الربيع بن أنس: هذه أول آية نزلت في القتال ثم أمره بقتال المشركين كافة قاتلوا أو لم يقاتلوا بقوله { فاقتلوا المشركين } فصارت هذه الآية منسوخة بها، وقيل نسخ بقوله { فاقتلوا المشركين } قريب من سبعين آية وقوله { وَلا تَعْتَدُوا } أي لا تبدؤهم بالقتال وقيل: هذه الآية محكمة غير منسوخة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال المقاتلين ومعنى قوله: { وَلا تَعْتَدُوا } أي لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير والرهبان ولا من ألقى إليكم السلام هذا قول ابن عباس ومجاهد:\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو بكر بن سهل القهستاني المعروف بأبي تراب أخبرنا محمد بن عيسى الطرسوسي أنا يحيى بن بكير أنا الليث بن سعد عن جرير بن حازم عن شعبة عن علقمة بن يزيد عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيشا قال: \"اغزوا بسم الله، وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، لا تغلوا ولا تقتلوا امرأة ولا وليدا ولا شيخا كبيرا\" (1) وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس نزلت هذه الآية في صلح الحديبية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج مع أصحابه للعمرة وكانوا ألفا وأربعمائة فساروا حتى نزلوا الحديبية فصدهم المشركون عن البيت الحرام فصالحهم على أن يرجع عامه ذلك على أن يخلوا له مكة عام قابل ثلاثة أيام فيطوف بالبيت فلما كان العام القابل تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لعمرة القضاء وخافوا أن لا تفي قريش بما قالوا وأن يصدوهم عن البيت الحرام وكره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتالهم في الشهر الحرام وفي الحرم فأنزل الله تعالى { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } يعني محرمين { الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ } يعني قريشا { وَلا تَعْتَدُوا } فتبدءوا بالقتال في الحرم محرمين { إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ }\r__________\r(1) رواه مسلم: في الجهاد - باب: تأمير الإمام الأمراء على البعوث ... برقم (1731) 3 / 1357. والمصنف في شرح السنة: 11 / 11.","part":1,"page":213},{"id":234,"text":"{ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) }\rقوله تعالى: { وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } قيل نسخت الآية الأولى بهذه الآية، وأصل الثقافة الحذق والبصر بالأمور، ومعناه واقتلوهم حيث بصرتم مقاتلتهم وتمكنتم من قتلهم { وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ } وذلك أنهم أخرجوا المسلمين من مكة، فقال: أخرجوهم من ديارهم كما أخرجوكم من دياركم","part":1,"page":213},{"id":235,"text":"{ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ } يعني شركهم بالله عز وجل أشد وأعظم من قتلكم إياهم في الحرم والإحرام { وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ } قرأ حمزة والكسائي: { ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم فإن قتلوكم } بغير ألف فيهن من القتل على معنى ولا تقتلوا بعضهم، تقول العرب: قتلنا بني فلان وإنما قتلوا بعضهم، وقرأ الباقون بالألف من القتال وكان هذا في ابتداء الإسلام كان لا يحل بدايتهم بالقتال في البلد الحرام، ثم صار منسوخا بقوله تعالى: { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ } هذا قول قتادة، وقال مقاتل بن حيان قوله { وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } أي حيث أدركتموهم في الحل والحرم، صارت هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام } ثم نسختها آية السيف في براءة فهي ناسخة منسوخة. وقال مجاهد وجماعة: هذه الآية محكمة ولا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم.\r{ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ }\r{ فَإِنِ انْتَهَوْا } عن القتال والكفر { فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } أي غفور لما سلف رحيم بالعباد\r{ وَقَاتِلُوهُم } يعني المشركين { حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ } أي شرك يعني قاتلوهم حتى يسلموا فلا يقبل من الوثني إلا الإسلام فإن أبى قتل { وَيَكُونَ الدِّينُ } أي الطاعة والعبادة { لله } وحده فلا يعبد شيء دونه.\rقال نافع: جاء رجل إلى ابن عمر في فتنة ابن الزبير فقال ما يمنعك أن تخرج؟ قال: يمنعني أن الله تعالى قد حرم دم أخي، قال: ألا تسمع ما ذكره الله عز وجل \"وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا\"( 9-الحجرات ) قال يا ابن أخي: لأن أعير بهذه الآية ولا أقاتل أحب إلي من أن أعير بالآية التي يقول الله عز وجل فيها \"ومن يقتل مؤمنا متعمدا\"( 93-النساء ) قال ألم يقل الله { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } قال قد فعلنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كان الإسلام قليلا وكان الرجل يفتن في دينه إما يقتلونه أو يعذبونه حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة وكان الدين كله لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله، وعن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عمر: كيف ترى في قتال الفتنة؟ فقال: هل تدري ما الفتنة؟ كان محمد صلى الله عليه وسلم يقاتل المشركين وكان الدخول عليهم فتنة وليس بقتالكم على الملك { فإن انتهوا } عن الكفر وأسلموا { فَلا عُدْوَانَ } فلا سبيل { إلا على الظالمين } قاله ابن عباس. يدل عليه قوله تعالى \"أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي\"( 28-القصص ) وقال أهل المعاني: العدوان الظلم، أي فإن أسلموا فلا نهب ولا أسر ولا قتل { إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ } الذين بقوا على الشرك وما يفعل بأهل الشرك من هذه الأشياء لا يكون ظلما، وسماه عدوانا على طريق المجازاة والمقابلة، كما قال { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه } وكقوله تعالى \"وجزاء سيئة سيئة مثلها\"( 40-الشورى ) وسمي الكافر","part":1,"page":214},{"id":236,"text":"ظالما لأنه يضع العبادة في غير موضعها.\r{ الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) }\rقوله تعالى: { الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ } نزلت في عمرة القضاء وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج معتمرا في ذي القعدة فصده المشركون عن البيت بالحديبية فصالح أهل مكة على أن ينصرف عامه ذلك ويرجع العام القابل فيقضي عمرته، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عامه ذلك ورجع في العام القابل في ذي القعدة وقضى عمرته سنة سبع من الهجرة فذلك معنى قوله تعالى { الشَّهْرُ الْحَرَامُ } يعني ذا القعدة الذي دخلتم فيه مكة وقضيتم فيه عمرتكم سنة سبع { بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ } يعني ذا القعدة الذي صددتم فيه عن البيت سنة ست { وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ } جمع حرمة، وإنما جمعها لأنه أراد حرمة الشهر الحرام والبلد الحرام وحرمة الإحرام، والقصاص المساواة والمماثلة وهو أن يفعل بالفاعل مثل ما فعل، وقيل هذا في أمر القتال معناه: إن بدءوكم بالقتال في الشهر الحرام فقاتلوهم فيه فإنه قصاص بما فعلوا فيه { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ } وقاتلوهم { بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } سمي الجزاء باسم الابتداء على ازدواج الكلام كقوله تعالى \"وجزاء سيئة سيئة مثلها\"( 40-الشورى ) { وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } 28/ب\r{ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) }\rقوله تعالى: { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } أراد به الجهاد وكل خير هو في سبيل الله، ولكن إطلاقه ينصرف إلى الجهاد { وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } قيل: الباء في قوله تعالى { بِأَيْدِيكُم } زائدة، يريد: ولا تلقوا أيديكم، أي أنفسكم { إِلَى التَّهْلُكَةِ } عبر عن النفس بالأيدي كقوله تعالى \"بما كسبت أيديكم\"( 30-الشورى ) أي بما كسبتم، وقيل الباء في موضعها، وفيه حذف، أي لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة أي الهلاك، وقيل: التهلكة كل شيء يصير عاقبته إلى الهلاك، أي ولا تأخذوا في ذلك، وقيل: التهلكة ما يمكن الاحتراز عنه، والهلاك ما لا يمكن الاحتراز عنه، والعرب لا تقول للإنسان ألقى بيده إلا في الشرك، واختلفوا في تأويل هذه الآية فقال بعضهم: هذا في البخل وترك الإنفاق. يقول { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } بترك الإنفاق في سبيل الله وهو قول حذيفة والحسن وقتادة وعكرمة وعطاء. وقال ابن عباس: في هذه الآية: أنفق في سبيل الله وإن لم يكن لك إلا سهم أو مشقص، ولا يقولن أحدكم إني لا أجد شيئا، وقال: السدي بها: أنفق في سبيل الله ولو عقالا { وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } ولا تقل: ليس عندي شيء، وقال: سعيد بن المسيب ومقاتل بن حيان: لما أمر الله تعالى بالإنفاق قال رجل: أمرنا بالنفقة في سبيل الله، ولو أنفقنا أموالنا بقينا فقراء، فأنزل الله هذه الآية، وقال مجاهد فيها: لا يمنعنكم من نفقة في حق خيفة العيلة.\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي","part":1,"page":215},{"id":237,"text":"بن دحيم الشيباني أخبرنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة أخبرنا أبو غسان أخبرنا خالد بن عبد الله الواسطي أخبرنا واصل مولى أبي عيينة عن بشار بن أبي سيف عن الوليد بن عبد الرحمن عن عياض بن غضيف قال: أتينا أبا عبيدة نعوده قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فسبعمائة، ومن أنفق نفقة على أهله فالحسنة بعشر أمثالها\" (1)\rوقال زيد بن أسلم: كان رجال يخرجون في البعوث بغير نفقة فإما أن يقطع بهم، وإما أن كانوا عيالا فأمرهم الله تعالى بالإنفاق على أنفسهم في سبيل الله، ومن لم يكن عنده شيء ينفقه فلا يخرج بغير نفقة ولا قوت فيلقي بيده إلى التهلكة، فالتهلكة: أن يهلك من الجوع والعطش أو بالمشي، وقيل: أنزلت الآية في ترك الجهاد، قال أبو أيوب الأنصاري: نزلت فينا معشر الأنصار وذلك أن الله تعالى لما أعز دينه ونصر رسوله قلنا فيما بيننا: إنا قد تركنا أهلنا وأموالنا حتى فشا الإسلام ونصر الله نبيه فلو رجعنا إلى أهلينا وأموالنا فأقمنا فيها فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله تعالى { وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } فالتهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد، فما زال أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى كان آخر غزوة غزاها بقسطنطينية في زمن معاوية فتوفي هناك ودفن في أصل سور القسطنطينية وهم يستسقون به.\rوروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق\" (2) .\r__________\r(1) رواه الترمذي: في فضائل الجهاد - باب: ما جاء في فضل النفقة في سبيل الله 5 / 254 وقال: هذا حديث حسن إنما نعرفه من حديث الركين بن ربيع. في الترمذي والنسائي عن خريم بن فاتك بدون زيادة (ومن أنفق نفقة على أهله ..). أخرجه النسائي: في الجهاد - باب: فضل النفقة في سبيل الله: 6 / 49. والمصنف في شرح السنة: 10 / 359 عن خريم وإسناده صحيح.\r(2) رواه مسلم: في الإمارة - باب: ذم من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو برقم (1910) 3 / 1517. والمصنف في شرح السنة: 10 / 375.","part":1,"page":216},{"id":238,"text":"وقال محمد بن سيرين وعبيدة السلماني: الإلقاء إلى التهلكة هو القنوط من رحمة الله تعالى، قال أبو قلابة: هو الرجل يصيب الذنب فيقول: قد هلكت ليس لي توبة فييأس من رحمة الله، وينهمك في المعاصي، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، قال الله تعالى: \"إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون\"( 87-يوسف ).\rقوله تعالى: { وَأَحْسِنُوا } [أي أحسنوا أعمالكم وأخلاقكم وتفضلوا على الفقراء { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } (1) ]\r{ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196) }\rقوله عز وجل { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } قرأ علقمة وإبراهيم النخعي { وأقيموا الحج والعمرة لله } واختلفوا في إتمامهما فقال بعضهم: هو أن يتمهما بمناسكهما وحدودهما وسننهما، وهو قول ابن عباس وعلقمة وإبراهيم النخعي ومجاهد، وأركان الحج خمسة .. الإحرام والوقوف بعرفة، وطواف الزيارة، والسعي بين الصفا والمروة، وحلق الرأس أو التقصير. وللحج تحللان، وأسباب التحلل ثلاثة: رمي جمرة العقبة يوم النحر وطواف الزيارة والحلق، فإذا وجد شيئان من هذه الأشياء الثلاثة حصل التحلل الأول، وبالثلاث حصل التحلل الثاني، وبعد التحلل الأول تستبيح جميع محظورات الإحرام إلا النساء، وبعد الثاني يستبيح الكل، وأركان العمرة أربعة: الإحرام، والطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة والحلق، وقال سعيد بن جبير وطاووس: تمام الحج والعمرة أن تحرم بهما مفردين مستأنفين من دويرة أهلك، وسئل علي بن أبي طالب عن قوله تعالى: { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } قال أن تحرم بهما من دويرة أهلك ومثله عن ابن مسعود، وقال قتادة: تمام العمرة أن تعمل في غير أشهر الحج، [فإن كانت في أشهر الحج] (2) ثم أقام حتى حج فهي متعة، وعليه فيها الهدي إن وجده، أو الصيام إن لم يجد الهدي، وتمام الحج أن يؤتى بمناسكه كلها حتى لا يلزم عامله دم بسبب قران ولا متعة وقال الضحاك: إتمامها أن تكون النفقة حلالا وينتهي عما نهى الله عنه، وقال سفيان الثوري: إتمامها أن تخرج من أهلك لهما، ولا تخرج لتجارة ولا لحاجة.\rقال عمر بن الخطاب: الوفد كثير والحاج قليل، واتفقت الأمة على وجوب الحج على من استطاع إليه سبيلا واختلفوا في وجوب العمرة فذهب أكثر أهل العلم إلى وجوبها وهو قول عمر وعلي وابن عمر وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: والله إن العمرة لقرينة الحج في كتاب الله، قال الله تعالى: \"وأتموا الحج والعمرة لله\" وبه قال عطاء وطاووس وقتادة وسعيد بن جبير، وإليه ذهب الثوري والشافعي في أصح قوليه، وذهب قوم إلى أنها سنة وهو قول جابر وبه قال( الشافعي ) (3) وإليه ذهب مالك وأهل العراق وتأولوا قوله تعالى { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } على معنى أتموهما إذا دخلتم فيهما، أما ابتداء الشروع فيها\r__________\r(1) ساقط من (ب).\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) في ب: الشعبي.","part":1,"page":217},{"id":239,"text":"فتطوع، واحتج من لم يوجبهما بما روي عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن العمرة أواجبة هي؟ فقال: { لا وأن تعتمروا خير لكم } (1) والقول الأول أصح ومعنى قوله { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } أي ابتدءوهما، فإذا دخلتم فيهما فأتموهما فهو أمر بالإبتداء والإتمام أي أقيموهما كقوله تعالى: \"ثم أتموا الصيام إلى الليل\"( 187-البقرة ) أي ابتدءوه وأتموه.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا ابن أبي شيبة أخبرنا أبو خالد الأحمر عن عمرو بن قيس عن عاصم عن شقيق عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحج المبرور جزاء إلا الجنة\" (2) وقال ابن عمر: ليس من خلق الله أحد إلا وعليه حجة وعمرة واجبتان إن استطاع إلى ذلك سبيلا كما قال الله تعالى { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } زاد بعد ذلك فهو خير تطوع، واتفقت الأمة على أنه يجوز أداء الحج والعمرة على ثلاثة أوجه:\rالإفراد والتمتع والقران، فصورة الإفراد أن يفرد الحج، ثم بعد الفراغ منه يعتمر 29/أ وصورة التمتع أن يعتمر في أشهر الحج، ثم بعد الفراغ من أعمال العمرة، يحرم بالحج من مكة فيحج في هذا العام، وصورة القران: أن يحرم بالحج والعمرة معا أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج قبل أن يفتتح الطواف فيصير قارنا، واختلفوا في الأفضل من هذه الوجوه: فذهب جماعة إلى أن الإفراد أفضل ثم التمتع ثم القران وهو قول مالك والشافعي لما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بحج، وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج، فأما من أهل بالعمرة\r__________\r(1) رواه الترمذي: في الحج - باب: ما جاء في العمرة أواجبة هي أم لا؟ 3 / 679 وقال: هذا حديث حسن صحيح، وفي تصحيحه له نظر: فإن في سنده الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف ولعل تصحيح الترمذي هذه الرواية لمجيئها من طرق أخرى. رواه أحمد: 3 / 316 عن جابر بن عبد الله. ورواه البيهقي: في السنن وقال: المحفوظ عن جابر موقوف كذا رواه ابن جريج وروي عن جابر بخلاف ذلك مرفوعا من حديث ابن لهيعة وكلاهما ضعيف (انظر التلخيص الحبير: 2 / 226).\r(2) رواه الترمذي في الحج - باب: ما جاء في ثواب الحج العمرة 3 / 538-539 وقال: حسن صحيح غريب. ورواه النسائي: في الحج - باب: فضل المتابعة بين الحج والعمرة: 5 / 115-116. ورواه ابن ماجه: في المناسك - باب: فضل الحج والعمرة: 2 / 964 برقم (2887). ورواه ابن خزيمة: في المناسك - باب: الأمر بالمتابعة بين الحج والعمرة 4 / 130. وأخرجه أحمد: 1 / 387، 3 / 446-447 عن عبد الله بن مسعود، وعن عامر بن ربيعة. والمصنف في شرح السنة: 7 / 7 عن عبد الله بن مسعود. وهو صحيح بشواهده.","part":1,"page":218},{"id":240,"text":"فحل، وأما من أهل بالحج أو جمع بين الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر. (1)\rأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا مسلم عن ابن جريج عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر رضي الله عنه وهو يحدث عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ننوي إلا الحج، ولا نعرف غيره ولا نعرف العمرة (2) ، وروي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أفرد الحج (3) وذهب قوم إلى أن القرآن أفضل وهو قول الثوري وأصحاب الرأي واحتجوا بما أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم أخبرنا محمد بن هشام بن ملاس النميري أخبرنا مروان بن معاوية الفزاري أخبرنا حميد قال: قال أنس بن مالك رضي الله عنه: أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال \"لبيك بحج وعمرة\" (4) .\rوذهب قوم إلى أن التمتع أفضل، وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية واحتجوا بما أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا يحيى بن بكير أخبرنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج فساق معه الهدي من ذي الحليفة وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج فتمتع الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج فكان من الناس من أهدى فساق الهدي ومنهم من لم يهد، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس \"من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، وليقصر وليتحلل، ثم ليهل بالحج فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، فطاف حين قدم مكة، واستلم الركن أول شيء ثم خب ثلاثة أطواف ومشى أربعا، فركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سلم فانصرف، فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف، ثم لم يتحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه\r__________\r(1) رواه البخاري: في الحج - ياب التمتع والقران والإفراد بالحج 3 / 421 واللفظ له. ورواه مسلم: في الحج - باب: بيان وجوه الإحرام برقم (1211) 2 / 870. والمصنف في شرح السنة: 7 / 63.\r(2) جزء من حديث حجة النبي صلى الله عليه رواه مسلم في الحج - باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم برقم (1218) 2 / 886. والمصنف في شرح السنة: 7 / 65.\r(3) رواه الترمذي: في الحج باب ما جاء في إفراد الحج 2 / 552 - 553. والدارقطن 2 / 239، وفي سنده عبد الله بن نافع الصائغ ضعيف جدا، انظر سنن الدارقطني مع التعليق 2 / 38. وأخرج مسلم في صححه في الحج باب في الإفراد في الحج عن نافع عن ابن عمر قال: أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجمع مفردا، وفي رواية ابن عون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج مفردا 2 / 905.\r(4) رواه مسلم: في الحج - باب في الإفراد والقران بالحج والعمرة برقم (1232) 2 / 905.","part":1,"page":219},{"id":241,"text":"يوم النحر وأفاض فطاف بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم منه، وفعل مثل ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهدى وساق الهدي من الناس.\rوعن عروة أن عائشة رضي الله عنها أخبرته عن النبي صلى الله عليه وسلم في تمتعه بالعمرة إلى الحج فتمتع الناس معه بمثل الذي أخبرني سالم عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) .\rقال شيخنا الإمام رضي الله عنه، قد اختلف الرواية في إحرام النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا وذكر الشافعي في كتاب اختلاف الأحاديث كلاما موجزا أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان منهم المفرد والقارن والمتمتع وكل كان يأخذ منه أمر نسكه ويصدر عن تعليمه، فأضيف الكل إليه على معنى أنه أمر به وأذن فيها ويجوز في لغة العرب إضافة( الشيء ) (2) إلى الآمر به، كما يجوز إضافته إلى الفاعل له كما يقال بنى فلان دارا، وأريد أنه أمر ببنائها، وكما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا، وإنما أمر برجمه واختار الشافعي الإفراد لرواية جابر وعائشة وابن عمر، وقدمها على رواية غيرهم لتقدم صحبة جابر النبي صلى الله عليه وسلم وحسن سياقه لابتداء قصة حجة الوداع وآخرها، ولفضل حفظ عائشة رضي الله عنها، وقرب ابن عمر من النبي صلى الله عليه وسلم.\rومال الشافعي في \"اختلاف الأحاديث\" إلى التمتع، وقال ليس شيء من الاختلاف أيسر من هذا وإن كان الغلط فيه قبيحا من جهة أنه مباح لأن الكتاب ثم السنة ثم ما لا أعلم فيه خلافا على أن التمتع بالعمرة إلى الحج وإفراد الحج والقران، واسع كله وقال: من قال إنه أفرد الحج يشبه أن يكون قاله على ما لا يعرف من أهل العلم الذين أدرك دون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحدا لا يكون مقيما على الحج إلا وقد ابتدأ إحرامه بالحج (3) قال الشيخ الإمام رحمه الله: ومما يدل على أنه كان متمتعا أن الرواية عن ابن عمر وعائشة متعارضة، وقد روينا عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: \"تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم في [حجة الوداع بالعمرة إلى الحج (4) وقال ابن شهاب عن عروة أن عائشة أخبرته عن النبي صلى الله عليه وسلم] (5) في تمتعه بالعمرة إلى الحج، فتمتع الناس معه بمثل الذي أخبرني سالم عن ابن عمر وقال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"هذه عمرة استمتعنا بها\".\rوقال سعد بن أبي وقاص في المتعة: صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه.\rقال الشيخ الإمام: وما روي عن جابر أنه قال: خرجنا لا ننوي إلا الحج -لا ينافي التمتع لأن\r__________\r(1) جزء من حديث رواه البخاري في الحج - باب: من ساق البدن معه 3 / 539. ومسلم: في الحج - باب: وجوب الدم على المتمتع برقم (1227) 2 / 901. والمصنف في شرح السنة: 7 / 66-68.\r(2) وفي \"ب\" الفعل.\r(3) انظر: اختلاف الحديث للشافعي، بهامش الأم: 7 / 404-409.\r(4) جزء من حديث ابن عمر السابق عند الشيخين.\r(5) ساقط من \"أ\".","part":1,"page":220},{"id":242,"text":"خروجهم كان لقصد الحج، ثم منهم من قدم العمرة، ومنهم من أهل بالحج إلى أن أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعله متعة قوله تعالى: { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ } اختلف العلماء في الإحصار الذي يبيح للمحرم التحلل من إحرامه فذهب جماعة إلى أن كل مانع يمنعه عن الوصول إلى البيت الحرام والمعنى في إحرامه من عدو أو مرض أو جرح أو ذهاب نفقة أو ضلال راحلة، يبيح له التحلل، وبه قال ابن مسعود وهو قول إبراهيم النخعي والحسن ومجاهد وعطاء وقتادة وعروة بن الزبير، وإليه ذهب سفيان الثوري وأهل العراق وقالوا: لأن الإحصار في كلام العرب هو حبس العلة أو المرض، وقال الكسائي وأبو عبيدة ما كان من مرض أو ذهاب نفقة يقال: منه أحصر فهو محصر وما كان من حبس عدو أو سجن يقال: منه حصر فهو محصور، وإنما جعل هاهنا حبس العدو إحصارا قياسا على المرض إذ كان في معناه، واحتجوا بما روي عن عكرمة عن الحجاج ابن عمرو الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل\" (1) .\rقال عكرمة: فسألت ابن عباس وأبا هريرة فقالا صدق. وذهب جماعة إلى أنه لا يباح له التحلل إلا بحبس العدو وهو قول ابن عباس وقال لا حصر إلا حصر العدو، وروي معناه 29/ب عن ابن عمر وعبد الله بن الزبير وهو قول سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق، وقالوا الحصر والإحصار بمعنى واحد.\rوقال ثعلب: تقول العرب حصرت الرجل عن حاجته فهو محصور، وأحصره العدو إذا منعه عن السير فهو محصر، واحتجوا بأن نزول هذه الآية في قصة الحديبية وكان ذلك حبسا من جهة العدو ويدل عليه قوله تعالى في سياق الآية { فَإِذَا أَمِنْتُمْ } والأمن يكون من الخوف، وضعفوا حديث الحجاج بن عمرو بما ثبت عن ابن عباس أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو، وتأوله بعضهم على أنه إنما يحل بالكسر والعرج إذا كان قد شرط ذلك في عقد الإحرام كما روي أن ضباعة بنت الزبير كانت وجعة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: \"حجي واشترطي وقولي اللهم محلي حيث حبستني\" (2) .\rثم المحصر يتحلل بذبح الهدي وحلق الرأس، والهدي شاة وهو المراد من قوله تعالى { فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ }\r__________\r(1) رواه أبو داود: في المناسك باب الإحصار 2 / 368 ونقل المنذري تحسينه عن الترمذي وأقره وعزاه للنسائي. والترمذي: في الحج - باب: ما جاء في الذي يهل بالحج فيكسر أو يعرج 4 / 8 وقال: هذا حديث حسن. وابن ماجه: في المناسك - باب المحصر برقم (3077) 2 / 1028 وأحمد: 3 / 450 عن الحجاج بن عمرو الأنصاري، وعزاه ابن حجر في الفتح 4 / 7 لابن السكن في كتاب الصحابة وقال: ليس بعيدا من الصحة. والدارمي: في المناسك - باب: في المحصر بعدو 2 / 61. والمصنف في شرح السنة: 7 / 288.\r(2) رواه مسلم: في الحج - باب: جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه برقم (1208) 2 / 869.","part":1,"page":221},{"id":243,"text":"ومحل ذبحه حيث أحصر عند أكثر أهل العلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح الهدي عام الحديبية بها، وذهب قوم إلى أن المحصر يقيم على إحرامه ويبعث بهديه إلى الحرم، ويواعد من يذبحه هناك ثم يحل، وهو قول أهل العراق.\rواختلف القول في المحصر إذا لم يجد هديا ففي قول لا بدل له (1) فيتحلل والهدي في ذمته إلى أن يجد، والقول الثاني: له بدل، فعلى هذا اختلف القول فيه، ففي قول عليه صوم التمتع، وفي قول تقوم الشاة بدراهم ويجعل الدراهم طعاما فيتصدق، به فإن عجز عن الإطعام صام عن كل مد من الطعام يوما كما في فدية الطيب واللبس فإن المحرم إذا احتاج إلى ستر رأسه لحر أو برد أو إلى لبس قميص، أو مرض فاحتاج إلى مداواته بدواء فيه طيب فعل، وعليه الفدية، وفديته على الترتيب والتعديل فعليه ذبح شاة فإن لم يجد يقوم الشاة بدراهم والدراهم يشتري بها طعاما فيتصدق به، فإن عجز صام عن كل مد يوما. ثم المحصر إن كان إحرامه بغرض قد استقر عليه فذلك الغرض في ذمته وإن كان بحج تطوع فهل عليه القضاء؟ اختلفوا فيه فذهب جماعة إلى أنه لا قضاء عليه وهو قول مالك والشافعي، وذهب قوم إلى أن عليه القضاء، وهو قول مجاهد والشعبي والنخعي وأصحاب الرأي.\rقوله تعالى { فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ } [أي فعليه ما تيسر من الهدي] (2) ومحله رفع وقيل: ما في محل النصب أي فاهدي ما استيسر والهدي جمع هدية وهي اسم لكل ما يهدى إلى بيت الله تقربا إليه، وما استيسر من الهدي شاة، قاله علي بن أبي طالب وابن عباس، لأنه أقرب إلى اليسر، وقال الحسن وقتادة: أعلاه بدنة وأوسطه بقرة وأدناه شاة.\rقوله تعالى: { وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } اختلفوا في المحل الذي يحل المحصر يبلغ هديه إليه فقال بعضهم: هو ذبحه بالموضع الذي أحصر فيه سواء كان في الحل أو في الحرم، ومعنى محله: حيث يحل ذبحه فيه وأكله.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبد الله بن محمد أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر أخبرني الزهري أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة في قصة الحديبية قال: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه\" \"قوموا فانحروا ثم احلقوا، فوالله ما قام رجل منهم حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك فاخرج، ثم لا تكلم أحدا منهم بكلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج ولم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم\r__________\r(1) في \"ب\" لا بدل له.\r(2) ساقط من \"أ\".","part":1,"page":222},{"id":244,"text":"يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما\" (1) وقال بعضهم: محل هدي المحصر الحرم، فإن كان حاجا فمحله يوم النحر، وإن كان معتمرا فمحله يوم يبلغ هديه الحرم قوله تعالى { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ } معناه لا تحلقوا رءوسكم في حال الإحرام إلا أن تضطروا إلى حلقه لمرض أو لأذى في الرأس من هوام أو صداع { فَفِدْيَة } فيه إضمار، أي: فحلق فعليه فدية نزلت في كعب بن عجرة.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا الحسن بن خلف أخبرنا إسحاق بن يوسف عن أبي بشر ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه وقمله يسقط على وجهه فقال: أيؤذيك هوامك؟ قال نعم فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلق وهو بالحديبية ولم يبين لهم أنهم يحلون بها وهم على طمع أن يدخلوا مكة، فأنزل الله الفدية فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطعم فرقا بين ستة مساكين أويهدي شاة أو يصوم ثلاثة أيام (2) .\rقوله تعالى: { فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ } أي ثلاثة أيام { أَوْ صَدَقَةٍ } أي ثلاثة آصع على ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع { أَوْ نُسُكٍ } واحدتها نسيكة أي ذبيحة، أعلاها بدنة وأوسطها بقرة وأدناها شاة، أيتها شاء ذبح، فهذه الفدية على التخيير والتقدير، ويتخير بين أن يذبح أو يصوم أو يتصدق، وكل هدي أو طعام يلزم المحرم يكون بمكة ويتصدق به على مساكين الحرم إلا هديا يلزم المحصر فإنه يذبحه حيث أحصر، وأما الصوم فله أن يصوم حيث شاء، قوله تعالى: { فَإِذَا أَمِنْتُمْ } أي من خوفكم وبرأتم من مرضكم { فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ } اختلفوا في هذه المتعة فذهب عبد الله بن الزبير إلى أن معناه: فمن أحصر حتى فاته الحج ولم يتحلل فقدم مكة يخرج من إحرامه بعمل عمرة واستمتع بإحلاله ذلك بتلك العمرة إلى السنة المستقبلة ثم حج فيكون متمتعا بذلك الإحلال إلى إحرامه الثاني في العام القابل، وقال بعضهم معناه { فَإِذَا أَمِنْتُمْ } وقد حللتم من إحرامكم بعد الإحصار ولم تقضوا عمرة، وأخرتم العمرة إلى السنة القابلة، فاعتمرتم في أشهر الحج ثم حللتم فاستمتعتم بإحلالكم إلى الحج ثم أحرمتم بالحج، فعليكم ما استيسر من الهدي، وهو قول علقمة وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير، وقال ابن عباس وعطاء وجماعة: هو الرجل يقدم معتمرا من أفق من الآفاق في أشهر الحج فقضى عمرته وأقام حلالا بمكة حتى أنشأ منها الحج فحج من عامه ذلك فيكون مستمتعا بالإحلال من العمرة إلى إحرامه بالحج، فمعنى التمتع هو الاستمتاع بعد الخروج من العمرة بما كان محظورا عليه في الإحرام إلى إحرامه بالحج.\r__________\r(1) رواه البخاري: في الشروط باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب 5 / 329 -333.\r(2) رواه البخاري في المحصر باب قوله تعالى (فمن كان منكم مريضا) 4 / 12. ومسلم في الحج باب جواز حلق الرأس للمحرم برقم (1201) 2 / 860.","part":1,"page":223},{"id":245,"text":"ولوجوب دم التمتع أربع شرائط: أحدهما أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، والثاني أن يحج بعد الفراغ من العمرة في هذه السنة، والثالث أن يحرم بالحج في مكة ولا يعود إلى الميقات لإحرامه، الرابع أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام، فمتى وجدت هذه الشرائط فعليه ما استيسر من الهدي، وهو دم شاة يذبحه يوم النحر فلو ذبحها قبله بعد ما أحرم بالحج يجوز عند بعض أهل العلم كدماء الجنايات، وذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز قبل يوم النحر 30/أ كدم الأضحية.\rقوله تعالى: { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ } أي صوموا ثلاثة أيام، يصوم يوما قبل التروية ويوم التروية، ويوم عرفة، ولو صام قبله بعدما أحرم بالحج يجوز، ولا يجوز يوم النحر ولا أيام التشريق عند أكثر أهل العلم، وذهب بعضهم إلى جواز صوم الثلاث أيام التشريق.\rيروى ذلك عن عائشة وابن عمر وابن الزبير وهو قول مالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق.\rقوله تعالى: { وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ } أي صوموا سبعة أيام إذا رجعتم إلى أهليكم وبلدكم، فلو صام السبعة قبل الرجوع إلى أهله لا يجوز، وهو قول أكثر أهل العلم، روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وقيل يجوز أن يصومها بعد الفراغ من أعمال الحج، وهو المراد من الرجوع المذكور في الآية.\rقوله تعالى { تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } ذكرها على وجه التأكيد وهذا لأن العرب ما كانوا يهتدون إلى الحساب فكانوا يحتاجون إلى فضل شرح وزيادة بيان، وقيل: فيه تقديم وتأخير يعني فصيام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجعتم فهي عشرة كاملة وقيل: كاملة في الثواب والأجر، وقيل: كاملة فيما أريد به من إقامة الصوم بدل الهدي وقيل: كاملة بشروطها وحدودها، وقيل لفظه خبر ومعناه أمر أي فأكملوها ولا تنقصوها { ذَلِك } أي هذا الحكم { لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } واختلفوا في حاضري المسجد الحرام، فذهب قوم إلى أنهم أهل مكة وهو قول مالك، وقيل: هم أهل الحرم وبه قال طاووس من التابعين وقال ابن جريج: أهل عرفة والرجيع وضجنان ونخلتان، وقال الشافعي رحمه الله: كل من كان وطنه من مكة على أقل من مسافة القصر فهو من حاضري المسجد الحرام، وقال عكرمة: هم من دون الميقات، وقيل هم أهل الميقات فما دونه، وهو قول أصحاب الرأي، ودم القران كدم التمتع والمكي إذا قرن أو تمتع فلا هدي عليه، قال عكرمة: سئل ابن عباس عن متعة الحج فقال: أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأهللنا فلما قدمنا مكة، قال رسول الله: \"اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي\". فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة، وأتينا النساء ولبسنا الثياب ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج، فإذا فرغنا فقد تم حجنا وعلينا الهدي، فجمعوا نسكين في عام بين الحج والعمرة فإن الله أنزله في كتابه وسنة نبيه وأباحه للناس من غير أهل مكة قال الله تعالى: { ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } (1) .\r__________\r(1) رواه البخاري: في الحج باب قوله تعالى (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) 3 / 433.","part":1,"page":224},{"id":246,"text":"ومن فاته الحج، وفواته يكون بفوات الوقوف بعرفة حتى يطلع الفجر يوم النحر، فإنه يتحلل بعمل العمرة، وعليه القضاء من قابل والفدية وهي على الترتيب والتقدير كفدية التمتع والقران.\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن سليمان بن يسار أن هناد بن الأسود جاء يوم النحر وعمر بن الخطاب ينحر هديه فقال: يا أمير المؤمنين أخطأنا العدد، كنا نظن أن هذا اليوم يوم عرفة، فقال له عمر: اذهب إلى مكة فطف أنت ومن معك بالبيت واسعوا بين الصفا والمروة وانحروا هديا إن كان معكم، ثم احلقوا أو قصروا ثم ارجعوا، فإذا كان عام قابل فحجوا واهدوا فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم (1) .\r{ وَاتَّقُوا اللَّهَ } في أداء الأوامر { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } على ارتكاب المناهي.\r__________\r(1) انظر: الموطأ: 1 / 383 ووصله البيهقي: 5 / 175 وأخرجه المصنف في شرح السنة: 7 / 292.","part":1,"page":225},{"id":247,"text":"{ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الألْبَابِ (197) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) }\rقوله تعالى: { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ } أي وقت الحج أشهر معلومات وهي: شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة إلى طلوع الفجر من يوم النحر، ويروى عن ابن عمر شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة وكل واحد من اللفظين صحيح غير مختلف، فمن قال عشر عبر به عن الليالي ومن قال تسع عبر به عن الأيام، فإن آخر أيامها يوم عرفة، وهو يوم التاسع وإنما قال أشهر بلفظ الجمع وهي شهران وبعض الثالث لأنها وقت والعرب تسمي الوقت تاما بقليله وكثيره فتقول العرب أتيتك يوم الخميس وإنما أتاه في ساعة منه، ويقول زرتك العام، وإنما زاره في بعضه، وقيل الاثنان فما فوقهما جماعة لأن معنى الجمع ضم الشيء إلى الشيء، فإذا جاز أن يسمى الاثنان جماعة جاز أن يسمى الاثنان وبعض الثالث جماعة وقد ذكر الله تعالى الاثنين بلفظ الجمع فقال \"فقد صغت قلوبكما\"( 4-التحريم ) أي قلباكما، وقال عروة بن الزبير وغيره: أراد بالأشهر شوالا وذا القعدة وذا الحجة كملا لأنه يبقى على الحاج أمور بعد عرفة يجب عليه فعلها، مثل الرمي والذبح والحلق وطواف الزيارة والبيتوتة بمنى فكانت في حكم الجمع { فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ } أي فمن أوجب على نفسه","part":1,"page":225},{"id":248,"text":"الحج بالإحرام والتلبية وفيه دليل على أن من أحرم بالحج في غير أشهر الحج لا ينعقد إحرامه بالحج، وهو قول ابن عباس وجابر وبه قال عطاء وطاووس ومجاهد وإليه ذهب الأوزاعي والشافعي وقال ينعقد إحرامه بالعمرة لأن الله تعالى خص هذه الأشهر بغرض الحج فيها فلو انعقد في غيرها لم يكن لهذا التخصيص فائدة، كما أنه علق الصلوات بالمواقيت ثم من أحرم بفرض الصلاة قبل دخول وقته لا ينعقد إحرامه عن الفرض وذهب جماعة إلى أنه ينعقد إحرامه بالحج وهو قول مالك والثوري وأبي حنيفة رضي الله عنهم، وأما العمرة: فجميع أيام السنة لها إلا أن يكون متلبسا بالحج، وروي عن أنس أنه كان بمكة فكان إذا حمم رأسه خرج فاعتمر.\rقوله تعالى: { فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ } قرأ ابن كثير وأهل البصرة { فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ } بالرفع والتنوين فيهما، وقرأ الآخرون بالنصب من غير تنوين كقوله تعالى { وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ } وقرأ أبو جعفر كلها بالرفع والتنوين، واختلفوا في الرفث: قال ابن مسعود وابن عباس وابن عمر هو الجماع وهو قول الحسن ومجاهد وعمرو بن دينار وقتادة وعكرمة والربيع وإبراهيم النخعي، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الرفث غشيان النساء والتقبيل والغمز، وأن يعرض لها بالفحش من الكلام قال حصين بن قيس أخذ ابن عباس رضي الله عنه بذنب بعيره فجعل يلويه وهو يحدو ويقول: وهن يمشين بنا هميسا ... إن تصدق الطير ننك لميسا\rفقلت له أترفث وأنت محرم، فقال إنما الرفث ما قيل عند النساء، قال طاووس: (1) الرفث التعريض للنساء بالجماع وذكره بين أيديهن، وقال عطاء: الرفث قول الرجل للمرأة في حال الإحرام إذا حللت أصبتك، وقيل: الرفث الفحش والقول القبيح، أما الفسوق: قال ابن عباس: هو المعاصي كلها وهو قول طاووس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة والزهري والربيع والقرظي، وقال ابن عمر: هو ما نهي عنه المحرم في حال\r__________\r(1) رواه ابن جرير بسند صحيح: 4 / 127.","part":1,"page":226},{"id":249,"text":"الإحرام من قتل الصيد وتقليم الأظافر، وأخذ الأشعار، وما أشبههما وقال إبراهيم وعطاء ومجاهد؛ هو السباب بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم \"سباب المسلم فسوق وقتاله كفر\" (1) وقال الضحاك هو التنابز بالألقاب بدليل قوله تعالى: \"ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان\"( 11-الحجرات ).\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا آدم أخبرنا سيار أبو الحكم 30/ب قال سمعت أبا حازم يقول: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه\" (2) .\rقوله تعالى { وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ } قال ابن مسعود وابن عباس: الجدال أن يماري صاحبه ويخاصمه حتى يغضبه، وهو قول عمرو بن دينار وسعيد بن جبير وعكرمة والزهري وعطاء وقتادة، وقال القاسم بن محمد: هو أن يقول بعضهم الحج اليوم ويقول بعضهم الحج غدا، وقال القرظي: كانت قريش إذا اجتمعت بمنى قال هؤلاء: حجنا أتم من حجكم، وقال هؤلاء: حجنا أتم من حجكم وقال مقاتل: هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم في حجة الوداع وقد أحرموا بالحج: \"اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي\" (3) قالوا كيف نجعله عمرة وقد سمينا الحج؟ فهذا جدالهم، وقال ابن زيد: كانوا يقفون مواقف مختلفة كلهم يزعم أن موقفه موقف إبراهيم يتجادلون فيه، وقيل: هو ما كان عليه أهل الجاهلية كان بعضهم يقف بعرفة وبعضهم بالمزدلفة، وكان بعضهم يحج في ذي القعدة وكان بعضهم يحج في ذي الحجة فكل يقول ما فعلته فهو الصواب، فقال جل ذكره { وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ } أي استقر أمر الحج على ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا اختلاف فيه من بعد، وذلك معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: \"ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض\" (4) قال مجاهد: معناه ولا شك في الحج أنه في ذي الحجة فأبطل النسيء قال أهل المعاني: ظاهر الآية نفي، ومعناها نهي، أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا، كقوله\r__________\r(1) رواه البخاري في الإيمان باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله 1 / 110. ومسلم في الإيمان باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: \"سباب المسلم فسوق وقتاله كفر\" برقم (116) 1 / 81، والمصنف في شرح السنة: 1 / 76.\r(2) رواه البخاري في الحج باب فضل الحج المبرور 3 / 382. ومسلم: في الحج باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة برقم (1350) 2 / 983، والمصنف في شرح السنة: 7 / 4.\r(3) سبق تخريجه انظر فيما سبق ص (225).\r(4) قطعة من حديث رواه البخاري في الأضاحي باب من قال الأضحى يوم النحر 10 / 7. ومسلم: في القسامة باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال برقم (1679) 3 / 1305. والمصنف في شرح السنة 7 / 216.","part":1,"page":227},{"id":250,"text":"تعالى \"لا ريب فيه\" أي لا ترتابوا \"وما تفعلوا من خير يعلمه الله\" أي لا يخفى عليه فيجازيكم به.\rقوله تعالى: { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى } نزلت في ناس من أهل اليمن كانوا يخرجون إلى الحج بغير زاد ويقولون نحن متوكلون، ويقولون: نحن نحج بيت الله فلا يطعمنا؟ فإذا قدموا مكة سألوا الناس، وربما يفضي بهم الحال إلى النهب والغصب، فقال الله عز وجل { وَتَزَوَّدُوا } أي ما تتبلغون به وتكفون به وجوهكم، قال أهل التفسير: الكعك والزبيب والسويق والتمر ونحوها { فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى } من السؤال والنهب { وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الألْبَابِ } يا ذوي العقول.\rقوله تعالى: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ } أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا علي بن عبد الله أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية فلما كان الإسلام تأثموا من التجارة فيها فأنزل الله تعالى { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ } في مواسم الحج، قرأ ابن عباس كذا (1) ، وروي عن أبي أمامة التيمي قال: قلت لابن عمر: إنا قوم نكري في هذا الوجه، يعني إلى مكة، فيزعمون أن لا حج لنا، فقال: ألستم تحرمون كما يحرمون وتطوفون كما يطوفون وترمون كما يرمون؟ قلت بلى، قال: أنت حاج: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الذي سألتني عنه فلم يجبه بشيء حتى نزل جبريل بهذه الآية { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } أي حرج { أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا } أي رزقا { مِنْ رَبِّكُمْ } يعني بالتجارة في مواسم الحج { فَإِذَا أَفَضْتُمْ } دفعتم، والإفاضة: دفع بكثرة وأصله من قول العرب: أفاض الرجل ماء أي صبه { مِنْ عَرَفَاتٍ } هي جمع عرفة، جمع بما حولها وإن كانت بقعة واحدة كقولهم ثوب أخلاق.\rواختلفوا في المعنى الذي لأجله سمي الموقف عرفات واليوم عرفة فقال عطاء: كان جبريل عليه السلام يري إبراهيم عليه السلام المناسك ويقول عرفت؟ فيقول عرفت فسمي ذلك المكان عرفات واليوم عرفة، وقال الضحاك: إن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض وقع بالهند وحواء بجدة فجعل كل واحد منهما يطلب صاحبه فاجتمعا بعرفات يوم عرفة وتعارفا فسمي اليوم يوم عرفة والموضع عرفات، وقال السدي لما أذن إبراهيم في الناس بالحج وأجابوه بالتلبية وأتاه من أتاه أمره الله أن يخرج إلى عرفات ونعتها له فخرج فلما بلغ الجمرة (2) عند العقبة استقبله الشيطان ليرده فرماه بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة فطار فوقع على الجمرة الثانية، فرماه وكبر فطار، فوقع على الجمرة الثالثة فرماه وكبر فلما رأى الشيطان أنه لا يطيعه ذهب فانطلق إبراهيم حتى أتى ذا المجاز، فلما نظر إليه لم يعرفه فجاز فسمي ذا المجاز، ثم انطلق حتى وقف بعرفات فعرفها بالنعت فسمي الوقت عرفة والموضع عرفات حتى إذا أمسى ازدلف إلى جمع،\r__________\r(1) أخرجه البخاري في البيوع: 4 / 321 وفي الحج 3 / 395 والمصنف في شرح السنة: 8 / 3.\r(2) في المخطوطتين الشجرة والصحيح الجمرة كما جاء في أكثر التفاسير كابن كثير.","part":1,"page":228},{"id":251,"text":"أي قرب إلى جمع، فسمي المزدلفة.\rوروي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنه أن إبراهيم عليه السلام رأى ليلة التروية في منامه أنه يؤمر بذبح ابنه فلما أصبح روى يومه أجمع أي فكر، أمن الله تعالى هذه الرؤيا أم من الشيطان؟ فسمي اليوم يوم التروية، ثم رأى ذلك ليلة عرفة ثانيا فلما أصبح عرف أن ذلك من الله تعالى فسمي اليوم يوم عرفة، وقيل سمي بذلك لأن الناس يعترفون في ذلك اليوم بذنوبهم، وقيل سمي بذلك من العرف وهو الطيب، وسمي منى لأنه يمنى فيه الدم أي يصب فيكون فيه الفروث والدماء ولا يكون الموضع طيبا وعرفات طاهرة عنها فتكون طيبة.\rقوله تعالى: { فَاذْكُرُوا اللَّهَ } بالدعاء والتلبية { عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ } ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى المحسر، وليس المأزمان ولا المحسر من المشعر، وسمي مشعرا من الشعار وهي العلامة لأنه من معالم الحج، وأصل الحرام: من المنع فهو، ممنوع أن يفعل فيه ما لم يؤذن فيه، وسمي المزدلفة جمعا: لأنه يجمع فيه بين صلاتي العشاء، والإفاضة من عرفات تكون بعد غروب الشمس، ومن جَمْعٍ قبل طلوعها من يوم النحر.\rقال طاووس كان أهل الجاهلية يدفعون من عرفة قبل أن تغيب الشمس ومن مزدلفة بعد أن تطلع الشمس ويقولون: أشرق ثبير (1) كيما نغير فأخر الله هذه وقدم هذه.\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن موسى بن عقبة عن كريب مولى عبد الله بن عباس عن أسامة بن زيد أنه سمعه يقول: \"دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال، ثم توضأ فلم يسبغ الوضوء، فقلت له: الصلاة يا رسول الله قال: فقال الصلاة أمامك، فركب فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يصل بينهما شيئا\" (2) .\rوقال جابر: \"دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة، فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس\" (3) .\r__________\r(1) جبل بين مكة ومنى وهو على يمين الداخل منها إلى مكة.\r(2) رواه البخاري: في الحج باب النزول بين عرفة وجمع 3 / 519 ومسلم في الحج - باب الإفاضة في عرفات إلى مزدلفة برقم (1280) 2 / 934.\r(3) رواه مسلم في الحج باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم برقم (1218) 2 / 886. والمصنف في شرح السنة: 7 / 65.","part":1,"page":229},{"id":252,"text":"أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا زهير 31/أ بن حرب أخبرنا وهب بن جرير أخبرنا أبي عن يونس الأيلي عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أسامة بن زيد كان ردف النبي صلى الله عليه وسلم من عرفة إلى المزدلفة ثم أردف الفضل من مزدلفة إلى منى، قال: فكلاهما قال لم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة\" (1) .\rقوله تعالى: { وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ } أي واذكروه بالتوحيد والتعظيم كما ذكركم بالهداية فهداكم لدينه ومناسك حجه { وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ } أي وقد كنتم، وقيل: وما كنتم من قبله إلا من الضالين. كقوله تعالى: \"وإن نظنك لمن الكاذبين\"( 186-الشعراء ) أي: وما نظنك إلا من الكاذبين، والهاء في قوله \"من قبله\" راجعة إلى الهدى، وقيل: إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كناية عن غير مذكور.\r{ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202) }\rقوله تعالى: { ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ } قال أهل التفسير، كانت قريش وحلفاؤها ومن دان بدينها، وهم الحمس، يقفون بالمزدلفة ويقولون: نحن أهل الله، وقطان حرمه، فلا نخلف الحرم ولا نخرج منه، ويتعظمون أن يقفوا مع سائر العرب بعرفات، وسائر الناس كانوا يقفون بعرفات، فإذا أفاض الناس من عرفات أفاض الحمس من المزدلفة، فأمرهم الله أن يقفوا بعرفات ويفيضوا منها إلى جمع مع سائر الناس، وأخبرهم أنه سنة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وقال بعضهم خاطب به جميع المسلمين.\rوقوله تعالى { مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ } من جَمْعٍ أي ثم أفيضوا من جمع إلى منى، وقالوا لأن الإفاضة من عرفات قبل الإفاضة من جمع، فكيف يسوغ أن يقول فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ثم أفيضوا من عرفات؟ والأول قول أكثر أهل التفسير.\rوفي الكلام تقديم وتأخير تقديره: فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام.\rوقيل: ثم بمعنى الواو أي وأفيضوا، كقوله تعالى: \"ثم كان من الذين آمنوا\"( 17-البلد ) وأما الناس فهم العرب كلهم غير الحمس.\rوقال الكلبي: هم أهل اليمن وربيعة، وقال الضحاك: الناس هاهنا إبراهيم عليه السلام وحده كقوله تعالى \"أم يحسدون الناس\"( 54-النساء ) وأراد محمدا صلى الله عليه وسلم وحده ويقال هذا الذي يقتدى به ويكون\r__________\r(1) رواه البخاري: في الحج باب النزول بين عرفة وجمع 3 / 519. ومسلم في الحج باب استحباب إذا دفع الحاج التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة برقم (1281) 2 / 391 واللفظ له. والمصنف في شرح السنة 7 / 185.","part":1,"page":230},{"id":253,"text":"لسان قومه وقال الزهري: الناس هاهنا آدم عليه السلام وحده دليله قراءة سعيد بن جبير ثم أفيضوا من حيث أفاض الناسي بالياء ويقال: هو آدم نسي عهد الله حين أكل من الشجرة.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: سئل أسامة وأنا جالس كيف كان يسير رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص (1) ، قال هشام: والنص فوق العنق.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا إبراهيم بن سويد حدثني عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب قال أخبرني سعيد بن جبير مولى والبة الكوفي حدثني ابن عباس أنه دفع مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة فسمع النبي صلى الله عليه وسلم وراءه زجرا شديدا وضربا للإبل فأشار بسوطه إليهم وقال: \"أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع (2) ، { وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } \" (3)\rقوله تعالى: { فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ } أي فرغتم من حجكم وذبحتم نسائككم، أي ذبائحكم، يقال: نسك الرجل ينسك نسكا إذا ذبح نسيكته، وذلك بعد رمي جمرة العقبة والاستقرار بمنى { فَاذْكُرُوا اللَّهَ } بالتكبير والتحميد والثناء عليه { كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُم } وذلك أن العرب كانت إذا فرغت من الحج وقفت عند البيت فذكرت مفاخر آبائها، فأمرهم الله تعالى بذكره وقال: فاذكروني فأنا الذي فعلت ذلك بكم وبآبائكم وأحسنت إليكم وإليهم.\rقال ابن عباس وعطاء: معناه فاذكروا الله كذكر الصبيان الصغار الآباء، وذلك أن الصبي أول ما يتكلم يلهج (4) بذكر أبيه لا بذكر غيره فيقول الله فاذكروا الله لا غير كذكر الصبي أباه أو أشد، وسئل ابن عباس عن قوله { فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُم } فقيل قد يأتي على الرجل اليوم ولا يذكر فيه أباه، قال ابن عباس: ليس كذلك ولكن أن تغضب لله إذا عصي أشد من غضبك لوالديك إذا شتما، وقوله تعالى { أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا } يعني: وأشد ذكرا، وبل أشد، أي وأكثر ذكرا { فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا } أراد به المشركين كانوا لا يسألون الله تعالى في الحج إلا الدنيا يقولون اللهم أعطنا غنما وإبلا وبقرا وعبيدا، وكان الرجل يقوم فيقول يارب: إن أبي كان عظيم القبة كبير الجفنة كثير المال فأعطني مثل ما\r__________\r(1) رواه البخاري: في الحج - باب: السير إذا دفع من عرفة 3 / 118.\r(2) السير السريع فبين صلى الله عليه وسلم في هذا أن تكلف الإسراع في السير ليس مما يتقرب به.\r(3) رواه البخاري: في الحج. باب: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالسكينة عند الإفاضة 3 / 523. ومسلم في الحج. باب: استحباب إدامة الحاج التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة برقم (1282) 2 / 932.\r(4) في: أ: يُلْهَمُ.","part":1,"page":231},{"id":254,"text":"أعطيته، قال قتادة هذا عبد نيته الدنيا لها أنفق ولها عمل ونصب { وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ } حظ ونصيب\r{ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } يعني المؤمنين، واختلفوا في معنى الحسنتين قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الدنيا حسنة: امرأة صالحة، وفي الآخرة حسنة: الجنة.\rأخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد الحنيفي أنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الطوسي أخبرنا أبو بكر أحمد بن يوسف بن خلاد أنا الحارث بن أبي أسامة أنا أبو عبد الرحمن المقري أخبرنا حيوة وابن لهيعة قالا أخبرنا شرحبيل بن شريك أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"الدنيا كلها متاع وخير متاعها المرأة الصالحة\" (1) وقال الحسن: في الدنيا حسنة: العلم والعبادة، وفي الآخرة حسنة، الجنة، وقال السدي وابن حبان: { فِي الدُّنْيَا حَسَنَة } رزقا حلالا وعملا صالحا، { وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَة } المغفرة والثواب.\rأخبرنا أبو بكر بن محمد بن عبد الله بن أبي توبة أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي أخبرنا عبد الله بن محمود أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال ثنا عبد الله بن المبارك عن يحيى بن أيوب حدثني عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم أبي عبد الرحمن عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"أغبط أوليائي عندي مؤمن خفيف الحاذ (2) ذو حظ من الصلاة أحسن عبادة، ربه فأطاعه في السر، وكان غامضا في الناس لا يشار إليه بالأصابع، وكان رزقه كفافا، فصبر على ذلك، ثم( نفض بيده ) (3) فقال: عجلت منيته قلت بواكيه قل تراثه\" (4) .\rوقال قتادة: في الدنيا عافية وفي الآخرة عافية. وقال عوف في هذه الآية: من آتاه الله الإسلام والقرآن وأهلا ومالا فقد أوتي في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة.\rأخبرنا الشيخ أبو القاسم عبد الله بن علي الكركاني الطوسي أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمش\r__________\r(1) رواه مسلم: في الرضاع باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة برقم (1467) 2 / 1090. والمصنف في شرح السنة 9 / 11.\r(2) \"خفيف الحاذ\" أي: خفيف الحال، قليل المال، وأصله: قلة اللحم، والحال والحاذ واحد، وهو ما وقع عليه اللبد من متن الفرس، انظر: شرح السنة: 14 / 246.\r(3) وفي (ب) نقد بيده.\r(4) رواه الترمذي: في الزهد باب ما جاء في الكفاف والصبر عليه 7 / 12 وقال هذا حديث حسن. وابن ماجه: في الزهد باب ما لا يؤبه له 2 / 1379 وقال في الزوائد: إسناده ضعيف لضعف أيوب بن سليمان، قال فيه أبو حاتم: مجهول وتبعه على ذلك الذهبي في الطبقات وغيرها، وصدقة بن عبد الله متفق على تضعيفه. ورواه أحمد: 5 / 252-255 عن أبي أمامة. ورواه المصنف في شرح السنة 14 / 246. وفي إسناده علي بن يزيد بن أبي زياد الألهاني أبو عبد الملك الدمشقي ضعيف من السادسة (التقريب).","part":1,"page":232},{"id":255,"text":"الزيادي أخبرنا أبو الفضل عبدوس بن الحسين بن منصور السمسار أخبرنا أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي الرازي أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري أخبرنا حميد الطويل عن ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا قد صار مثل الفرخ فقال: \"هل كنت تدعو الله بشيء أو تسأله إياه؟ فقال يا رسول الله كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبني به في الآخرة فعجله لي في الدنيا فقال: 31/ب سبحان الله إذن لا تستطيعه ولا تطيقه فهلا قلت \"اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار\" (1) .\rأخبرنا [أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا] (2) أبو الحسن أحمد بن محمد بن أبي إسحاق الحجاجي أخبرنا أبو العباس محمد بن عبد الرحمن الدعولي أخبرنا محمد بن مشكان أخبرنا أبو داود أخبرنا شعبة عن ثابت عن أنس قال: \"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: \"ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار\" (3) .\rأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعي أخبرنا سعيد بن سالم القداح عن ابن جريج عن يحيى بن عبيد مولى السائب عن أبيه عبد الله بن السائب أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: فيما بين ركن بني جمح والركن الأسود \"ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار\" (4) .\rقوله تعالى { أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ } حظ { مِمَّا كَسَبُوا } من الخير والدعاء والثواب والجزاء { وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ } يعني إذا حاسب فحسابه سريع لا يحتاج إلى عقد يد ولا وعي صدر ولا إلى روية ولا فكر.\rقال الحسن: أسرع من لمح البصر وقيل: معناه إتيان القيامة قريب لأن ما هو كائن لا محالة فهو قريب، قال الله تعالى: \"وما يدريك لعل الساعة قريب\"( 17-الشوري ).\r__________\r(1) رواه مسلم: في الذكر باب كراهية الدعاء بتعجيل العقوبة في الدنيا برقم (2688) 4 / 2068.\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) رواه البخاري: في الدعوات باب قول النبي صلى الله عليه وسلم (ربنا آتنا .. ) 11 / 191. ومسلم: في الذكر باب فضل الدعاء باللهم آتنا في الدنيا حسنة .. ) برقم (2690) 4 / 2070.\r(4) رواه أبو داود في المناسك باب الدعاء في الطواف 2 / 381. وأحمد: 3 / 411 عن عبد الله بن السائب. وصححه ابن حبان برقم (1001) في الحج، والحاكم: 1 / 455 ووافقه الذهبي وعزاه المنذري في مختصر أبي داود للنسائي. والمصنف في شرح السنة 7 / 128.","part":1,"page":233},{"id":256,"text":"{ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203) }\rقوله تعالى { وَاذْكُرُوا اللَّهَ } يعني التكبيرات أدبار الصلاة وعند الجمرات يكبر مع كل حصاة وغيرها من الأوقات { فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ } الأيام المعدودات: هي أيام التشريق، وهي أيام منى ورمي","part":1,"page":233},{"id":257,"text":"الجمار، سميت معدودات لقلتهن كقوله: \"دراهم معدودة\"( 20-يوسف ) والأيام المعلومات: عشر ذي الحجة آخرهن يوم النحر. هذا قول أكثر أهل العلم وروي عن ابن عباس المعلومات: يوم النحر ويومان بعده والمعدودات أيام التشريق، وعن علي قال: المعلومات يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وقال عطاء عن ابن عباس المعلومات يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق. وقال محمد بن كعب: هما شيء واحد وهي أيام التشريق، وروي عن نبيشة الهذلي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله\" (1) .\rومن الذكر في أيام التشريق: التكبير، واختلفوا فيه فروي عن عمر وعبد الله بن عمر أنهما كانا يكبران بمنى تلك الأيام خلف الصلاة وفي المجلس وعلى الفراش والفسطاط وفي الطريق ويكبر الناس بتكبيرهما ويتأولان هذه الآية. والتكبير أدبار الصلاة مشروع في هذه الأيام في حق الحاج وغير الحاج عند عامة العلماء واختلفوا في قدره فذهب قوم إلى أنه يبتدأ التكبير عقيب صلاة الصبح من يوم عرفة ويختتم بعد العصر من آخر أيام التشريق، يروى ذلك عن علي رضي الله عنه، وبه قال مكحول، وإليه ذهب أبو يوسف رضي الله عنه، وذهب قوم إلى أنه يبتدأ التكبير عقيب صلاة الصبح من يوم عرفة ويختتم بعد العصر من يوم النحر، يروى ذلك عن بن مسعود رضي الله عنه وبه قال أبو حنيفة، وقال قوم يبتدأ عقيب صلاة الظهر من يوم النحر ويختتم بعد الصبح من آخر أيام التشريق، يروى ذلك عن ابن عباس وبه قال مالك والشافعي، قال الشافعي لأن الناس فيه تبع للحاج وذكر الحاج قبل هذا الوقت التلبية ويأخذون في التكبير يوم النحر من صلاة الظهر، ولفظ التكبير: كان سعيد بن جبير والحسن يقولان: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاثا نسقا -وهو قول أهل المدينة، وإليه ذهب الشافعي، وقال: وما زاد من ذكر الله فهو حسن، وعند أهل العراق يكبر اثنتين يروى ذلك عن ابن مسعود.\rقوله تعالى: { فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } أراد أن من نفر من الحاج في اليوم الثاني من أيام التشريق { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } وذلك أن على الحاج أن يبيت بمنى الليلة الأولى والثانية من أيام التشريق ويرمي كل يوم بعد الزوال إحدى وعشرين حصاة، عند كل جمرة سبع حصيات، ورخص في ترك البيتوتة لرعاء الإبل وأهل سقاية الحاج (2) ثم كل من رمى اليوم الثاني من أيام التشريق وأراد أن ينفر فيدع البيتوتة الليلة الثالثة ورمى يومها فذلك له واسع لقوله تعالى { فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } ومن لم ينفر حتى غربت الشمس فعليه أن يبيت حتى يرمي اليوم الثالث ثم ينفر، قوله تعالى { وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ }\r__________\r(1) رواه مسلم: في الصيام باب تحريم صوم أيام التشريق برقم (1141) 2 / 800. والمصنف في شرح السنة 6 / 351.\r(2) عن ابن عباس قال: استأذن العباس رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له (متفق عليه). وعن عاصم بن عدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (رخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى يرمون يوم النحر ثم يرمون الغداة ومن بعد الغد ليومين ثم يرمون يوم النفر) رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن ومالك والشافعي وابن حبان والحاكم وانظر: نيل الأوطار للشوكاني 6 / 187 و190.","part":1,"page":234},{"id":258,"text":"يعني لا إثم على من تعجل فنفر في اليوم الثاني في تعجيله ومن تأخر حتى ينفر في اليوم الثالث { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } في تأخره. وقيل: معناه { فَمَنْ تَعَجَّلَ } فقد ترخص { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } بالترخص { وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } بترك الترخص وقيل معناه رجع مغفورا له، لا ذنب عليه تعجل أو تأخر، كما روينا من \"حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه\" (1) وهذا قول علي وابن مسعود.\rقوله تعالى: { لِمَنِ اتَّقَى } أي لمن اتقى أن يصيب في حجه شيئا نهاه الله عنه كما قال: \"من حج فلم يرفث ولم يفسق\" قال ابن مسعود: إنما جعلت مغفرة الذنوب لمن اتقى الله تعالى في حجه، وفي رواية الكلبي عن ابن عباس معناه { لِمَنِ اتَّقَى } الصيد لا يحل له أن يقتل صيدا حتى تخلو (2) أيام التشريق، وقال أبو العالية ذهب إئمه أن اتقى فيما بقي من عمره [ { وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } تجمعون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم] (3) .\r{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207) }\rقوله تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } قال الكلبي ومقاتل وعطاء: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة واسمه أبي وسمي الأخنس لأنه خنس يوم بدر بثلاثمائة رجل من بني زهرة عن قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وكان رجلا حلو الكلام، حلو المنظر، وكان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجالسه ويظهر الإسلام، ويقول إني لأحبك، ويحلف بالله على ذلك، وكان منافقا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدنى مجلسه فنزل قوله تعالى { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } (4) أي تستحسنه ويعظم في قلبك، ويقال في الاستحسان أعجبني كذا وفي الكراهية والإنكار عجبت من كذا { وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ } يعني قول المنافق: والله إني بك مؤمن ولك محب { وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ } أي شديد الخصومة، يقال لددت يا هذا وأنت تلد لدا ولدادة، فإذا أردت أنه غلب على خصمه قلت: لده يلده لدا، يقال: رجل ألد وامرأة لداء وقوم لد، قال الله تعالى: \"وتنذر به قوما لدا\"( 97-مريم ). قال الزجاج: اشتقاقه من لديدي العنق وهما صفحتاه، وتأويله: أنه في أي وجه أخذ من يمين أو شمال في أبواب الخصومة غلب،\r__________\r(1) سبق تخريجه - انظر: ص227.\r(2) يعني: تنقضي.\r(3) ساقط من: ب.\r(4) انظر: الطبري: 4 / 229، أسباب النزول للواحدي ص (96).","part":1,"page":235},{"id":259,"text":"والخصام مصدر خاصمه خصاما ومخاصمة قاله أبو عبيدة: وقال الزجاج: هو جمع خصم يقال: خصم وخصام وخصوم مثل بحر وبحار وبحور قال الحسن: ألد الخصام أي كاذب القول، قال قتادة: شديد القسوة في المعصية، جدل بالباطل يتكلم بالحكمة ويعمل بالخطيئة.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا أبو عاصم عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إن أبغض الرجال إلى الله تعالى الألد الخصم\" (1)\r{ وَإِذَا تَوَلَّى } أي أدبر وأعرض عنك { سَعَى فِي الأرْضِ } أي عمل فيها، وقيل: سار فيها ومشى { لِيُفْسِدَ فِيهَا } قال ابن جريج قطع الرحم وسفك دماء المسلمين { وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ } وذلك أن الأخنس (2) كان بينه وبين ثقيف خصومة فبيتهم ليلة فأحرق زروعهم وأهلك مواشيهم (3)\rقال مقاتل: خرج إلى الطائف مقتضيا مالا له على غريم فأحرق له كدسا وعقر له أتانا، والنسل: نسل كل دابة والناس منهم، وقال الضحاك: { وَإِذَا تَوَلَّى } أي ملك الأمر وصار واليا { سَعَى فِي الأرْضِ } قال مجاهد: في قوله عز وجل { وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ } قال إذا ولي فعمل بالعدوان والظلم فأمسك الله المطر وأهلك الحرث والنسل { وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ } أي لا يرضى بالفساد، قال سعيد بن المسيب: قطع الدرهم من الفساد في الأرض.\rقوله { وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ } أي خف الله { أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإثْمِ } أي حملته العزة وحمية الجاهلية على الفعل بالإثم أي بالظلم، والعزة: التكبر والمنعة، وقيل معناه { أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ } للإثم الذي في قلبه، فأقام الباء مقام اللام.\rقوله { فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ } أي كافية { وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ } أي الفراش، قال عبد الله بن مسعود: إن من أكبر الذنب عند الله أن يقال: للعبد اتق الله فيقول: عليك بنفسك.\rوروي أنه قيل لعمر بن الخطاب: اتق الله، فوضع خده على الأرض تواضعا لله عز وجل.\rقوله تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ } أي لطلب رضا الله تعالى { وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ } روي عن ابن عباس والضحاك: أن هذه الآية نزلت في سرية الرجيع وذلك أن كفار قريش بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة: إنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفرا من علماء أصحابك يعلموننا دينك، وكان ذلك مكرا منهم، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خبيب بن عدي الأنصاري ومرثد بن أبي مرثد الغنوي وخالد بن بكير وعبد الله بن طارق بن شهاب البلوي وزيد بن الدثنة وأمر عليهم عاصم بن\r__________\r(1) رواه البخاري: في التفسير باب الألد الخصم 13 / 180. ومسلم: في العلم باب الألد الخصم برقم (2668) 4 / 2054. والمصنف في شرح السنة 10 / 97.\r(2) الأخنس بن شريق - بشين مفتوحة وراء مكسورة وقاف في آخره - رجل من ثقيف.\r(3) انظر: تفسير الواحدي: 1 / 302، أسباب النزول له أيضا ص (58).","part":1,"page":236},{"id":260,"text":"ثابت بن أبي الأفلح الأنصاري، قال أبو هريرة: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة عينا وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري فساروا فنزلوا ببطن الرجيع بين مكة والمدينة ومعهم تمر عجوة فأكلوا فمرت عجوز فأبصرت النوى فرجعت إلى قومها بمكة وقالت: قد سلك هذا الطريق أهل يثرب من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فركب سبعون رجلا منهم معهم الرماح حتى أحاطوا بهم، قال أبو هريرة رضي الله عنه: ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رام فاقتفوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزل نزلوه فقالوا: تمر يثرب، فاتبعوا آثارهم، فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى فدفد (1) فأحاط بهم القوم فقتلوا مرثدا وخالدا وعبد الله بن طارق، ونثر عاصم بن ثابت كنانته وفيها سبعة أسهم فقتل بكل سهم رجلا من عظماء المشركين ثم قال: اللهم إني حميت دينك صدر النهار فاحم لحمي آخر النهار، ثم أحاط به المشركون فقتلوه، فلما قتلوه أرادوا حز رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد وكانت قد نذرت حين أصاب ابنها يوم أحد لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن في قحفه الخمر فأرسل الله رجلا من الدبر (2) -وهي الزنابير -فحمت عاصما فلم يقدروا عليه فسمي حمي الدبر فقالوا دعوه حتى تسمي فتذهب عنه فنأخذه فجاءت سحابة سوداء وأمطرت مطرا كالعزالي (3) فبعث الله الوادي غديرا فاحتمل عاصما به فذهب به إلى الجنة وحمل خمسين من المشركين إلى النار وكان عاصم قد أعطى الله تعالى عهدا أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا.\rوكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول حين بلغه أن الدبر منعته يقول: عجبا لحفظ الله العبد المؤمن كان عاصم نذر أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع عاصم في حياته.\rوأسر المشركون خبيب بن عدي الأنصاري، وزيد بن الدثنة فذهبوا بهما إلى مكة، فأما خبيب فابتاعه بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف ليقتلوه بأبيهم، وكان خبيب هو الذي قتل الحارث يوم بدر، فلبث خبيب عندهم أسيرا حتى أجمعوا على قتله فاستعار من بنات الحارث موسى ليستحد بها فأعارته فدرج بني لها وهي غافلة فما راع المرأة إلا خبيب قد أجلس الصبي على فخذه والموسى بيده، فصاحت المرأة فقال خبيب: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إن الغدر ليس من شأننا، فقالت المرأة بعد: والله ما رأيت أسيرا خيرا من خبيب، والله لقد وجدته يوما يأكل قطفا من عنب في يده وإنه لموثق بالحديد، وما بمكة من ثمرة، إن كان إلا رزقا رزقه الله خبيبا، ثم إنهم خرجوا من الحرم ليقتلوه في الحل وأرادوا أن يصلبوه فقال لهم خبيب دعوني أصلي ركعتين، فتركوه فكان خبيب هو أول من سن لكل مسلم قتل صبرا (4) الصلاة، فركع ركعتين، ثم قال لولا أن يحسبوا أن ما بي جزع لزدت، اللهم أحصهم\r__________\r(1) الفدفد: المكان الصلب الغليظ المرتفع وفي أ: قُدَيْر.\r(2) الكثير من الدّبْر.\r(3) العزالي: جمع العزلاء وهو فم المزادة الأسفل، شبه اتساع المطر واندفاعه بالذي يخرج من فم المزادة.\r(4) كل ذي روح يوثق حتى يقتل فقد قتل صبرا.","part":1,"page":237},{"id":261,"text":"عددا واقتلهم بددا ولا تبق منهم أحدا ثم أنشأ يقول: فلست أبالي حين أقتل مسلما ... على أي شق كان في الله مصرعي\rوذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع\rفصلبوه حيا فقال اللهم: إنك تعلم أنه ليس أحد حولي يبلغ سلامي رسولك فأبلغه سلامي، ثم قام أبو سروعة عقبة بن الحرث فقتله.\rويقال: كان رجل من المشركين يقال له سلامان، أبو ميسرة، معه رمح فوضعه بين ثديي خبيب فقال له خبيب: اتق الله فما زاده ذلك إلا عتوا فطعنه فأنفذه وذلك قوله عز وجل { وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإثْمِ } يعني سلامان. وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف فبعثه مع مولى له يسمى نسطاس إلى التنعيم ليقتله بأبيه واجتمع رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب فقال له أبو سفيان حين قدم ليقتل: أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمدا عندنا الآن بمكانك نضرب عنقه وإنك في أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن محمدا صلى الله عليه وسلم الآن في مكانه الذي هو فيه يصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي. فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا، ثم قتله النسطاس. فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم هذا الخبر قال لأصحابه أيكم( ينزل ) (1) خبيبا عن خشبته وله الجنة؟ فقال الزبير: أنا يا رسول الله وصاحبي المقداد بن الأسود، فخرجا يمشيان بالليل ويكمنان بالنهار حتى أتيا التنعيم ليلأ 31/ب وإذا حول الخشبة أربعون رجلا من المشركين نائمون نشاوى فأنزلاه فإذا هو رطب ينثني لم يتغير منه شيء بعد أربعين يوما، ويده على جراحته وهي تبض دما اللون لون الدم والريح ريح المسك، فحمله الزبير على فرسه وسارا فانتبه الكفار وقد فقدوا خبيبا فأخبروا قريشا فركب منهم سبعون، فلما لحقوهما قذف الزبير خبيبا فابتلعته الأرض فسمي بليع الأرض.\rفقال الزبير: ما جراكم علينا يا معشر قريش، ثم رفع العمامة عن رأسه وقال: أنا الزبير بن العوام وأمي صفية بنت عبد المطلب وصاحبي المقداد بن الأسود أسدان رابضان يدافعان عن شبليهما فإن شئتم ناضلتكم وإن شئتم نازلتكم وإن شئتم انصرفتم، فانصرفوا إلى مكة، وقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبريل عنده فقال يا محمد إن الملائكة لتباهي بهذين من أصحابك فنزل في الزبير والمقداد بن الأسود { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ } حين شريا أنفسهما لإنزال خبيب عن خشبته (2) .\rوقال أكثر المفسرين: نزلت في صهيب بن سنان الرومي حين أخذه المشركون في رهط من المؤمنين\r__________\r(1) في أ غزل.\r(2) انظر فتح الباري: 7 / 378 -379 وعيون الأثر لابن سيد الناس: 2 / 56-66.","part":1,"page":238},{"id":262,"text":"فعذبوهم، فقال لهم صهيب إني شيخ كبير لا يضركم أمنكم كنت أم من غيركم فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني؟ ففعلوا، وكان شرط عليهم راحلة ونفقة، فأقام بمكة ما شاء الله ثم خرج إلى المدينة فتلقاه أبو بكر وعمر في رجال، فقال له أبو بكر ربح بيعك يا أبا يحيى، فقال له صهيب: وبيعك فلا تتحسر، قال صهيب: ما ذاك؟ فقال قد أنزل الله فيك، وقرأ عليه هذه الآية.\rوقال سعيد بن المسيب وعطاء: أقبل صهيب مهاجرا نحو النبي صلى الله عليه وسلم فاتبعه نفر من مشركي قريش فنزل عن راحلته ونثل ما كان في كنانته، ثم قال: يا معشر قريش لقد علمتم إني لمن أرماكم رجلا والله لا أضع سهما مما في كنانتي إلا في قلب رجل منكم وأيم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم في كنانتي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي ثم افعلوا ما شئتم، وإن شئتم دللتكم على مالي بمكة وخليتم سبيلي قالوا: نعم. ففعل ذلك، فأنزل الله هذه الآية (1) .\rوقال الحسن: أتدرون فيمن نزلت هذه الآية؟ نزلت في المسلم يلقى الكافر فيقول له قل لا إله إلا الله فيأبى أن يقولها، فقال المسلم والله لأشرين نفسي لله. فتقدم فقاتل وحده حتى قتل.\rوقيل نزلت الآية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال ابن عباس: أرى من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله يقوم فيأمر هذا بتقوى الله، فإذا لم يقبل وأخذته العزة بالإثم، قال وأنا أشري نفسي لله فقاتله فاقتتل الرجلان لذلك، وكان علي إذا قرأ هذه الآية يقول: اقتتلا ورب الكعبة، وسمع عمر بن الخطاب إنسانا يقرأ هذه الآية { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ } فقال عمر { إنا لله وإنا إليه راجعون } قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا عبد الرحمن بن شريح أخبرنا أبو القاسم البغوي أخبرنا علي بن الجعد أخبرني حماد بن سلمة عن أبي غالب عن أبي أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله أي الجهاد أفضل؟ قال \"أفضل الجهاد من قال كلمة حق عند سلطان جائر\" (2) .\r__________\r(1) انظر: تفسير الواحدي 1 / 304، ابن كثير: 1 / 437، أسباب النزول للواحدي ص(58) طبقات ابن سعد: 3 / 227-228.\r(2) رواه أبو داود: في الملاحم باب الأمر والنهي عن أبي سعيد الخدري 6 / 191. والترمذي: في الفتن باب أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر 6 / 395 عن أبي سعيد الخدري وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، (ويشهد له حديث أبي أمامة). والنسائي: في البيعة باب فضل من تكلم بالحق عند سلطان جائر 7 / 161. وابن ماجه: في الفتن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 2 / 1329. وأحمد: 3 / 19 جزء من حديث عن أبي سعيد الخدري - 4 / 324 عن طارق بن شهاب 5 / 251-256 عن أبي أمامة.","part":1,"page":239},{"id":263,"text":"{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ (210) }\rقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً } قرأ أهل الحجاز والكسائي السلم هاهنا بفتح السين وقرأ الباقون بكسرها، وفي سورة الأنفال \"وإن جنحوا للسلم\" بالكسر، وقرأ أبو بكر والباقون بالفتح، وفي سورة محمد صلى الله عليه وسلم بالكسر حمزة وأبو بكر.\rنزلت هذه الآية في مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام النضيري وأصحابه، وذلك أنهم كانوا يعظمون السبت ويكرهون لحمان الإبل وألبانها بعد ما أسلموا وقالوا: يا رسول الله إن التوراة كتاب الله فدعنا فلنقم بها في صلاتنا بالليل فأنزل الله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً } (1) أي في الإسلام، قال مجاهد في أحكام أهل الإسلام وأعمالهم { كَافَّة } أي جميعا، وقيل: ادخلوا في الإسلام إلى منتهى شرائعه كافين عن المجاوزة إلى غيره، وأصل السلم من الاستسلام والانقياد، ولذلك قيل للصلح سلم، قال حذيفة بن اليمان في هذه الآية: الإسلام ثمانية أسهم فعد الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والعمرة، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال: قد خاب من لا سهم له.\r{ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } أي آثاره فيما زين لكم من تحريم السبت ولحوم الإبل وغيره { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ }\rأخبرنا محمد بن الحسن المروزي أخبرنا أبو العباس الطحان أخبرنا أبو أحمد محمد بن قريش أخبرنا علي بن عبد العزيز المكي أخبرنا أبو عبيد القاسم بن سلام أخبرنا هشيم أخبرنا مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم حين أتاه عمر فقال إنا نسمع أحاديث من يهود فتعجبنا، أفترى أن نكتب بعضها؟ فقال: \"أمتهوكون (2) أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي\" (3) .\r__________\r(1) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (97).\r(2) التهوك كالتهور، وهو الوقوع بالأمر بغير روية، والمتهوك: الذي يقع في كل أمر، وقيل: هو التحير.\r(3) رواه أحمد 3 / 387 - عن جابر. وابن أبي عاصم في السنة 10 / 27، والدارمي 1 / 115، وابن عبد البر في جامع بيان العلم ص339 وله شواهد عند أبي يعلى بنحوه 2 / 426-427. أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث: 3 / 28-29. قال الهيثمي في المجمع 1 / 174 وفيه مجالد بن سعيد ضعفه أحمد ويحيى بن سعيد وغيرهما. والمصنف في شرح السنة 1 / 270. وحسنه الألباني فذكر له شواهد كثيرة. انظر إرواء الغليل 6 / 34-38 ظلال الجنة 1 / 27.","part":1,"page":240},{"id":264,"text":"{ فَإِنْ زَلَلْتُمْ } أي ضللتم، وقيل: ملتم، يقال زلت قدمه تزل زلا وزللا إذا دحضت، قال ابن عباس: يعني الشرك، قال قتادة: قد علم الله أنه سيزل زالون من الناس فتقدم في ذلك وأوعد فيه ليكون له به الحجة عليهم { مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ } أي الدلالات الواضحات { فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ } في نقمته { حَكِيمٌ } في أمره، فالعزيز: هو الغالب الذي لا يفوته شيء والحكيم: ذو الإصابة في الأمر.\rقوله تعالى { هَلْ يَنْظُرُونَ } أي هل ينظر التاركون الدخول في السلم والمتبعون خطوات الشيطان يقال: نظرته وانتظرته بمعنى واحد، فإذا كان النظر مقرونا بذكر الله أو بذكر الوجه أو إلى، لم يكن إلا بمعنى الرؤية { إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ } جمع ظلة { مِنَ الْغَمَامِ } السحاب الأبيض الرقيق سمي غماما لأنه يغم أي يستر، وقال مجاهد: هو غير السحاب، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم: قال مقاتل: كهيئة الضباب أبيض، قال الحسن: في سترة من الغمام فلا ينظر [إليه] (1) أهل الأرض { وَالْمَلائِكَة } قرأ أبو جعفر بالخفض عطفا على الغمام، تقديره: مع الملائكة، تقول العرب: أقبل الأمير في العسكر، أي مع العسكر، وقرأ الباقون الرفع على معنى: إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام، والأولى في هذه الآية وما شاكلها أن يؤمن الإنسان بظاهرها ويكل علمها إلى الله تعالى، ويعتقد أن الله عز اسمه منزه عن سمات الحدث، على ذلك مضت أئمة السلف وعلماء السنة.\rقال الكلبي: هذا من المكتوم الذي لا يفسر، وكان مكحول والزهري والأوزاعي ومالك وابن المبارك وسفيان الثوري والليث بن سعد وأحمد وإسحاق يقولون فيها وفي أمثالها: أمروها كما جاءت بلا كيف، قال سفيان بن عيينة: كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته، والسكوت عليه، ليس لأحد أن يفسره إلأ 33/أ الله تعالى ورسوله.\rقوله تعالى: { وَقُضِيَ الأمْرُ } أي وجب العذاب، وفرغ من الحساب، وذلك فصل { الله } (2) القضاء بالحق بين الخلق يوم القيامة { وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ } قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب بفتح التاء وكسر الجيم وقرأ الباقون بضم التاء وفتح الجيم.\r__________\r(1) في ب: إليهم.\r(2) زيادة من (ب).","part":1,"page":241},{"id":265,"text":"{ سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211) }\rقوله تعالى: { سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ } أي سل يا محمد يهود المدينة { كَمْ آتَيْنَاهُمْ } أعطينا آباءهم وأسلافهم { مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ } دلالة واضحة على نبوة موسى عليه السلام، مثل العصا واليد البيضاء، وفلق","part":1,"page":241},{"id":266,"text":"البحر وغيرها. وقيل: معناها الدلالات التي آتاهم في التوراة والإنجيل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.\r{ وَمَنْ يُبَدِّلْ } يغير { نِعْمَةَ اللَّهِ } كتاب الله، وقيل: عهد الله وقيل: من ينكر الدلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم { مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }\r{ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212) كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213) }\r{ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا } الأكثرون على أن المزين هو الله تعالى، والتزيين من الله تعالى هو أنه خلق الأشياء الحسنة والمناظر العجيبة، فنظر الخلق إليها بأكثر من قدرها فأعجبتهم ففتنوا بها، وقال الزجاج: زين لهم الشيطان، قيل نزلت هذه الآية في مشركي العرب أبي جهل وأصحابه كانوا يتنعمون بما بسط الله لهم في الدنيا من المال ويكذبون بالمعاد { وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا } أي يستهزءون بالفقراء من المؤمنين.\rقال ابن عباس: أراد بالذين آمنوا عبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وصهيبا وبلالا وخبابا وأمثالهم، وقال مقاتل: نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه، كانوا يتنعمون في الدنيا ويسخرون من ضعفاء المؤمنين وفقراء المهاجرين ويقولون انظروا إلى هؤلاء الذين يزعم محمد أنه يغلب بهم، وقال عطاء: نزلت في رؤساء اليهود من بني قريظة والنضير وبني قينقاع سخروا من فقراء المهاجرين فوعدهم الله أن يعطيهم أموال بني قريظة والنضير بغير قتال (1) { وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا } لفقرهم { وَالَّذِينَ اتَّقَوْا } يعني هؤلاء الفقراء { فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } لأنهم في أعلى عليين وهم في أسفل السافلين.\rأخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري أخبرنا جدي عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار أخبرنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري أخبرنا إسحاق الدبري أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"وقفت على باب الجنة فرأيت أكثر أهلها المساكين ووقفت على باب النار فرأيت أكثر أهلها النساء وإذا أهل الجد (2) محبوسون إلا من كان منهم من أهل النار فقد أمر به إلى النار\" (3) .\r__________\r(1) انظر: الوسيط: 1 / 308، الدر المنثور: 1 / 581.\r(2) الغني.\r(3) قطعة من حديث أخرجه البخاري عن أنس: في النكاح باب رقم (87) 9 / 298، والمصنف في شرح السنة: 14 / 266.","part":1,"page":242},{"id":267,"text":"أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل ثنا إسحاق بن إبراهيم حدثني عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد الساعدي أنه قال: مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده جالس ما رأيك في هذا؟ فقال: رجل من أشراف الناس: هذا والله حري إن خطب أن ينكح وإن شفع أن يشفع، قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم مر رجل آخر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله إن هذا رجل من فقراء المسلمين هذا حري إن خطب أن لا ينكح وإن شفع أن لا يشفع وإن قال أن لا يسمع لقوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا خير من ملء الأرض مثل هذا\" (1) .\r{ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } قال ابن عباس: يعني كثيرا بغير مقدار، لأن كل ما دخل عليه الحساب فهو قليل، يريد: يوسع على من يشاء ويبسط لمن يشاء من عباده، وقال الضحاك: يعني من غير تبعة يرزقه في الدنيا ولا يحاسبه في الآخرة، وقيل: هذا يرجع إلى الله تعالى، معناه: يقتر على من يشاء ويبسط لمن يشاء ولا يعطي كل أحد بقدر حاجته بل يعطي الكثير من لا يحتاج إليه ولا يعطي القليل من يحتاج إليه فلا يعترض عليه، ولا يحاسب فيما يرزق ولا يقال لم أعطيت هذا وحرمت هذا؟ ولم أعطيت هذا أكثر مما أعطيت ذاك؟ وقيل معناه لا يخاف نفاذ خزائنه فيحتاج إلى حساب ما يخرج منها لأن الحساب من المعطي إنما يكون بما يخاف من نفاذ خزائنه.\rقوله تعالى { كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً } على دين واحد، قال مجاهد: أراد آدم وحده، كان أمة واحدة، قال سمي الواحد بلفظ الجمع لأنه أصل النسل وأبو البشر، ثم خلق الله تعالى حواء ونشر منهما الناس فانتشروا وكانوا مسلمين إلى أن قتل قابيل هابيل فاختلفوا { فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ } قال الحسن وعطاء: كان الناس من وقت وفاة آدم إلى مبعث نوح أمة واحدة على ملة الكفر أمثال البهائم، فبعث الله نوحا وغيره من النبيين (2) . وقال قتادة وعكرمة: كان الناس من وقت آدم إلى مبعث نوح وكان بينهما عشرة قرون كلهم على شريعة واحدة من الحق والهدى، ثم اختلفوا في زمن نوح فبعث الله إليهم نوحا، فكان أول نبي بعث، ثم بعث بعده النبيين.\rوقال الكلبي هم أهل سفينة نوح كانوا مؤمنين ثم اختلفوا بعد وفاة نوح.\rوروي عن ابن عباس قال: كان الناس على عهد إبراهيم عليه السلام أمة واحدة كفارا كلهم فبعث الله إبراهيم وغيره من النبيين، وقيل: كان العرب على دين إبراهيم إلى أن غيره عمرو بن لحي. وروي عن\r__________\r(1) رواه البخاري: في النكاح باب الأكفاء في الدين 9 / 132.\r(2) يرد هذا قول قتادة وعكرمة وهو مروي عن ابن عباس موقوفا وإسناده صحيح على شرط البخاري (انظر ابن كثير: 1 / 443 تخريج الوادعي).","part":1,"page":243},{"id":268,"text":"أبي العالية عن أبي بن كعب قال: كان الناس حين عرضوا على آدم، وأخرجوا من ظهره وأقروا بالعبودية أمة واحدة مسلمين كلهم، ولم يكونوا أمة واحدة قط غير ذلك اليوم، ثم اختلفوا بعد آدم نظيره في سورة يونس \"وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين\"( 19-يونس ) وجملتهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، والمذكورون في القرآن باسم العلم ثمانية وعشرون نبيا { مُبَشِّرِين } بالثواب من آمن وأطاع { وَمُنْذِرِينَ } محذرين بالعقاب من كفر وعصى { وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ } أي الكتب، تقديره وأنزل مع كل واحد منهم الكتاب { بِالْحَقِّ } بالعدل والصدق { لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ } قرأ أبو جعفر { لِيَحْكُم } بضم الياء وفتح الكاف هاهنا وفي أول آل عمران وفي النور موضعين لأن الكتاب لا يحكم في الحقيقة إنما { الحكم } (1) به، وقراءة العامة بفتح الياء وضم الكاف، أي ليحكم الكتاب ذكره على سعة الكلام كقوله تعالى \"هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق\"( 29-الجاثية ). وقيل معناه ليحكم كل نبي بكتابه { فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ } أي في الكتاب { إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ } أي أعطوا الكتاب { مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ } يعني أحكام التوراة والإنجيل، قال الفراء: ولاختلافهم معنيان:\rأحدهما كفر بعضهم بكتاب بعض قال الله تعالى: \"ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض\"( 150-النساء ) 32/ب والآخر تحريفهم كتاب الله قال الله تعالى: \"يحرفون الكلم عن مواضعه\"( 46-النساء ) وقيل الآية راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم وكتابه اختلف فيه أهل الكتاب { مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ } صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم { بَغْيًا } ظلما وحسدا { بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ } أي لما اختلفوا فيه { مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ } بعلمه وإرادته فيهم. قال ابن زيد في هذه الآية: اختلفوا في القبلة فمنهم من يصلي إلى المشرق ومنهم من يصلي إلى المغرب ومنهم من يصلي إلى بيت المقدس، فهدانا الله إلى الكعبة، واختلفوا في الصيام فهدانا الله لشهر رمضان، واختلفوا في الأيام، فأخذت اليهود السبت والنصارى الأحد فهدانا الله للجمعة واختلفوا في إبراهيم عليه السلام، فقالت اليهود كان يهوديا، وقالت النصارى كان نصرانيا فهدانا الله للحق من ذلك، واختلفوا في عيسى فجعلته اليهود لفرية وجعلته النصارى إلها وهدانا الله للحق فيه { وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }\r{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) }\rقوله تعالى: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ } قال قتادة والسدي: نزلت هذه الآية في غزوة الخندق\r__________\r(1) في ب: يحكم.","part":1,"page":244},{"id":269,"text":"حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد وشدة الخوف والبرد وضيق العيش وأنواع الأذى كما قال الله تعالى: \"وبلغت القلوب الحناجر\"( 10-الأحزاب ) وقيل نزلت في حرب أحد.\rوقال عطاء: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة اشتد عليهم الضر، لأنهم خرجوا بلا مال وتركوا ديارهم وأموالهم بأيدي المشركين وآثروا رضا الله ورسوله، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسر قوم النفاق فأنزل الله تعالى تطييبا لقلوبهم { أَمْ حَسِبْتُمْ } أي: أحسبتم، والميم صلة، قاله الفراء، وقال الزجاج: بل حسبتم، ومعنى الآية: أظننتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة { وَلَمَّا يَأْتِكُمْ } وما صلة { مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا } شبه الذين مضوا { مِنْ قَبْلِكُمْ } النبيين والمؤمنين { مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ } الفقر والشدة والبلاء { وَالضَّرَّاءُ } المرض والزمانة { وَزُلْزِلُوا } أي حركوا بأنواع البلايا والرزايا وخوفوا { حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ } ما زال البلاء بهم حتى استبطؤوا النصر.\rقال الله تعالى: { أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ } قرأ نافع حتى يقول الرسول بالرفع معناه حتى قال الرسول، وإذا كان الفعل الذي يلي حتى في معنى الماضي ولفظه( لفظ ) (1) المستقبل فلك فيه الوجهان الرفع والنصب، فالنصب على ظاهر الكلام، لأن حتى تنصب الفعل المستقبل، والرفع لأن معناه الماضي، وحتى لا تعمل في الماضي.\r{ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) }\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".","part":1,"page":245},{"id":270,"text":"{ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (216) }\rقوله تعالى: { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ } نزلت في عمرو بن الجموح، وكان شيخا كبيرا ذا مال فقال: يا رسول الله بماذا نتصدق وعلى من ننفق؟ فأنزل الله تعالى { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ } وفي قوله { مَاذَا } وجهان من الإعراب أحدهما أن يكون محله نصبا بقوله { ينفقون } تقديره أي شيء ينفقون والآخر أن يكون رفعا بما، ومعناه ما الذي ينفقون { قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ } أي من مال { فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } يجازيكم به قال أهل التفسير: كان هذا قبل فرض الزكاة فنسخت بالزكاة.\rقوله تعالى: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ } أي فرض عليكم الجهاد، واختلف العلماء في حكم هذه الآية","part":1,"page":245},{"id":271,"text":"فقال عطاء: الجهاد تطوع، والمراد من الآية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيرهم، وإليه ذهب الثوري واحتج من ذهب إلى هذا بقوله تعالى: \"فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى\"( 95-النساء ) ولو كان القاعد تاركا فرضا لم يكن يعده الحسنى، وجرى بعضهم على ظاهر الآية، وقال: الجهاد فرض على كافة المسلمين إلى قيام الساعة.\rأخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي الخوارزمي أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أخبرنا أبو عمرو أحمد بن أبيّ الفراتي أخبرنا أبو الهيثم بن كليب أخبرنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة أخبرنا سعيد بن عثمان السعيدي عن عمر بن محمد بن المنكدر عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق\" (1) .\rوقال قوم، وعليه الجمهور: إن الجهاد فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين مثل صلاة الجنازة ورد السلام، قال الزهري والأوزاعي: كتب الله الجهاد على الناس غزوا أو قعودا، فمن غزا فبها ونعمت ومن قعد فهو عدة إن استعين به أعان وإن استنفر نفر وإن استغني عنه قعد.\rقوله تعالى: { وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ } أي شاق عليكم قال بعض أهل المعاني: هذا الكره من حيث نفور الطبع عنه لما فيه، من مؤنة المال ومشقة النفس وخطر الروح، لا أنهم كرهوا أمر الله تعالى، وقال عكرمة، نسخها قوله تعالى: { سمعنا وأطعنا } يعني أنهم كرهوه ثم أحبوه فقالوا { سمعنا وأطعنا } . قال الله تعالى: { وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ } لأن في الغزو إحدى الحسنيين إما الظفر والغنيمة وإما الشهادة والجنة { وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا } يعني القعود عن الغزو { وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ } لما فيه من فوات الغنيمة والأجر { وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ }\r{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) }\rقوله تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ } سبب نزول هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم\r__________\r(1) رواه مسلم: في الإمارة باب ذم من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو برقم (1910) 3 / 1517.","part":1,"page":246},{"id":272,"text":"بعث عبد الله بن جحش، وهو ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم أخت أبيه في جمادى الآخرة، قبل قتال بدر بشهرين على رأس سبعة عشر شهرا من مقدمه إلى المدينة، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين: سعد بن أبي وقاص الزهري وعكاشة بن محصن الأسدي وعتبة بن غزوان السلمي وأبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة وسهيل بن بيضاء وعامر بن ربيعة وواقد بن عبد الله وخالد بن بكير وكتب لأميرهم عبد الله بن جحش كتابا وقال له: \"سر على اسم الله ولا تنظر في الكتاب حتى تسير يومين فإذا نزلت فافتح الكتاب واقرأه على أصحابك ثم امض لما أمرتك ولا تستكرهن أحدا من أصحابك على السير معك\" فسار عبد الله يومين ثم نزل وفتح الكتاب فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: فسر على بركة الله بمن معك من أصحابك حتى تنزل بطن نخلة فترصد بها عير قريش لعلك تأتينا منها بخير، فلما نظر في الكتاب قال: سمعا وطاعة، ثم قال لأصحابه ذلك، وقال إنه نهاني أن أستكره أحدا منكم، فمن كان يريد الشهادة فلينطلق ومن كره فليرجع، ثم مضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد حتى كان بمعدن فوق الفرع بموضع من الحجاز يقال له بحران أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما يعتقبانه فتخلفا في طلبه ومضى ببقية أصحابه حتى نزلوا بطن نخلة بين مكة والطائف.\rفبينما هم كذلك إذ مرت عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة 34/أ من تجارة الطائف، فيهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة وعثمان بن عبد الله بن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان فلما رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هابوهم، فقال عبد الله بن جحش: إن القوم قد ذعروا منكم فاحلقوا رأس رجل منكم وليتعرض لهم فحلقوا رأس عكاشة فوق ثم أشرفوا عليهم فقالوا: قوم عمار لا بأس عليكم، فأمنوهم، وكان ذلك في آخر يوم من جمادى الآخرة، وكانوا يرون أنه من جمادى وهو من رجب فتشاور القوم وقالوا لئن تركتموهم الليلة ليدخلن الحرم وليمتنعن منكم، فأجمعوا أمرهم في مواقعة القوم، فرمى واقد بن عبد الله السهمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله فكان أول قتيل من المشركين [وهو أول قتيل في الهجرة وأدى النبي صلى الله عليه وسلم دية ابن الحضرمي إلى ورثته من قريش. قال مجاهد وغيره لأنه كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش عهد، وادع أهل مكة سنتين أن لا يقاتلهم ولا يقاتلوه] (1)\rواستأسر الحكم وعثمان فكانا أول أسيرين في الإسلام وأفلت نوفل فأعجزهم، واستاق المؤمنون العير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فقالت قريش: قد استحل محمد الشهر الحرام فسفك فيه الدماء وأخذ الحرائب وعير بذلك أهل مكة من كان فيها من المسلمين وقالوا: يا معشر الصباة\r__________\r(1) ساقط من (ب).","part":1,"page":247},{"id":273,"text":"استحللتم الشهر الحرام وقاتلتم فيه!\rوبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لابن جحش وأصحابه: ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام، ووقف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ شيئا من ذلك، فعظم ذلك على أصحاب السرية، وظنوا أنهم قد هلكوا وسقط في أيديهم، وقالوا: يا رسول الله إنا قد قتلنا ابن الحضرمي ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أصبناه أم في جمادى؟ وأكثر الناس في ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم العير فعزل منها الخمس، فكان أول خمس في الإسلام، وقسم الباقي بين أصحاب السرية، وكان أول غنيمة في الإسلام وبعث أهل مكة في فداء أسيريهم فقال \"بل نقفهم حتى يقدم سعد وعقبة وإن لم يقدما قتلناهما بهما\" فلما قدما فاداهما، فأما الحكم بن كيسان فأسلم وأقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فقتل يوم بئر معونة شهيدا، وأما عثمان بن عبد الله فرجع إلى مكة فمات بها كافرا وأما نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق فوقع في الخندق مع فرسه فتحطما جميعا فقتله الله، فطلب المشركون جيفته بالثمن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خذوه فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية، فهذا سبب نزول هذه الآية (1)\rقوله تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ } يعني رجبا سمي بذلك لتحريم القتال فيه.\r{ قِتَالٍ فِيهِ } أي عن قتال فيه { قُلْ } يا محمد { قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } عظيم، تم الكلام هاهنا ثم ابتدأ فقال { وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } أي فصدكم المسلمين عن الإسلام { وَكُفْرٌ بِهِ } أي كفركم بالله { وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } أي المسجد الحرام وقيل وصدكم عن المسجد الحرام { وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ } أي إخراج أهل المسجد { مِنْهُ أَكْبَرُ } وأعظم وزرا { عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ } أي الشرك الذي أنتم عليه { أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ } أي من قتل ابن الحضرمي في الشهر الحرام، فلما نزلت هذه الآية كتب عبد الله بن أنيس إلى مؤمني مكة إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم أنتم بالكفر وإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ومنعهم المسلمين عن البيت الحرام، ثم قال: { وَلا يَزَالُونَ } يعني مشركي مكة، وهو فعل لا مصدر له مثل عسى { يُقَاتِلُونَكُم } يا معشر المؤمنين { حَتَّى يَرُدُّوكُمْ } يصرفوكم { عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ } جزم بالنسق { وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ } بطلت { أَعْمَالُهُم } حسناتهم { فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }\r{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218) }\rقال أصحاب السرية يا رسول الله هل نؤجر على وجهنا هذا، وهل نطمع أن يكون سفرنا هذا غزوا؟ فأنزل الله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا } فارقوا عشائرهم ومنازلهم وأموالهم { وَجَاهَدُوا } المشركين { فِي سَبِيلِ اللَّهِ } طاعة\r__________\r(1) أورده ابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق 2 / 251 وما بعدها ورواه البيهقي في سننه الكبرى: 9 / 12 بسند صحيح عن الزهري عن عروة مرسلا وقد وصله هو وابن أبي حاتم من طريق سليمان التميمي عن الحضرمي عن أبي السوار عن جندب أبي عبد الله. وسنده صحيح إن كان الحضرمي هذا هو ابن لاحق، (انظر: تخريج الألباني لأحاديث فقه السيرة للغزالي ص230،231) أسباب النزول ص (99-102).","part":1,"page":248},{"id":274,"text":"لله، فجعلها جهادا، { أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ } أخبر أنهم على رجاء الرحمة { وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }\r{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) }","part":1,"page":249},{"id":275,"text":"{ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220) }\rقوله تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ } الآية، نزلت في عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما ونفر من الأنصار أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر والميسر فإنهما مذهبة للعقل مسلبة للمال؟ فأنزل الله هذه الآية (1) .\rوجملة القول في تحريم الخمر على ما قال المفسرون أن الله أنزل في الخمر أربع آيات نزلت بمكة وهي: \"ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا\"( 67-النحل ) فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال يومئذ، ثم نزلت في مسألة عمر ومعاذ بن جبل { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ } فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن الله قد تقدم في تحريم الخمر\" فتركها قوم لقوله { إثم كبير } وشربها قوم لقوله { ومنافع للناس } إلى أن صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعا ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأتاهم بخمر فشربوا وسكروا، وحضرت صلاة المغرب فقدموا بعضهم ليصلي بهم فقرا \"قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون\" هكذا إلى آخر السورة بحذف \"لا\" فأنزل الله تعالى \"يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون\"( 43-النساء ) فحرم السكر في أوقات الصلاة، فلما نزلت هذه الآية تركها قوم، وقالوا لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة، وتركها قوم في أوقات الصلاة وشربوها في غير حين الصلاة، حتى كان الرجل يشرب بعد صلاة العشاء فيصبح وقد زال عنه السكر، ويشرب بعد صلاة الصبح فيصحوا إذا جاء وقت الظهر، واتخذ عتبان بن مالك صنيعا ودعا رجالا من المسلمين فيهم سعد بن أبي وقاص وكان قد شوى لهم رأس بعير، فأكلوا منه وشربوا الخمر حتى أخذت منهم، ثم إنهم افتخروا عند ذلك( وانتسبوا ) (2) وتناشدوا الأشعار، فأنشد سعد قصيدة فيها هجاء للأنصار وفخر لقومه فأخذ رجل من الأنصار لحي البعير فضرب به رأس سعد فشجه موضحة (3) فانطلق سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا إليه الأنصاري فقال عمر: اللهم بين لنا\r__________\r(1) انظر: الوسيط للواحدي: 1 / 316، أسباب النزول ص (102-103) المستدرك للحاكم: 2 / 278.\r(2) من (ب).\r(3) الشجة بالرأس تكشف العظم.","part":1,"page":249},{"id":276,"text":"رأيك في الخمر بيانا شافيا، فأنزل الله تعالى تحريم الخمر في سورة المائدة: إلى قوله { فهل أنتم منتهون } .\rوذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام فقال عمر رضي الله عنه انتهينا يا رب، قال أنس حرمت الخمر ولم يكن يومئذ للعرب عيش أعجب منها وما حرم عليهم شيئا أشد من الخمر (1) .\r[وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما نزلت الآية في 34/أ سورة المائدة حرمت الخمر فخرجنا بالحباب (2) إلى الطريق فصببنا ما فيها فمنا كسر صبه ومنا من غسله بالماء والطين، ولقد غودرت (3) أزقة المدينة بعد ذلك حينا فلما مطرت استبان فيها لون الخمر وفاحت منها ريحها] (4) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا يعقوب بن إبراهيم أخبرنا ابن علية أخبرنا عبد العزيز بن صهيب قال: قال لي أنس بن مالك ما كان لنا خمر غير فضيخكم (5) وإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا إذ جاء رجل فقال: حرمت الخمر. فقالوا أهرق هذه القلال يا أنس قال فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل (6) .\rعن أنس: سميت خمرا لأنهم كانوا يدعونها في الدنان حتي تختمر وتتغير، وعن ابن المسيب: لأنها تركت حتى صفا صفوها، ورسب كدرها، واختلف الفقهاء في ماهية الخمر، فقال قوم: هي عصير العنب أو الرطب الذي اشتد وغلا من غير عمل النار فيه، واتفقت الأئمة على أن هذا الخمر نجس يحد شاربه ويفسق ويكفر مستحلها، وذهب سفيان الثوري وأبو حنيفة وجماعة إلى أن التحريم لا يتعدى هذا ولا يحرم ما يتخذ من غيرهما كالمتخذ من الحنطة والشعير والذرة والعسل والفانيد (7) إلا أن يسكر منه فيحرم، وقالوا إذا طبخ عصير العنب والرطب حتى ذهب نصفه فهو حلال ولكنه يكره، وإن طبخ حتى ذهب ثلثاه قالوا هو حلال مباح شربه إلا أن السكر منه حرام، ويحتجون بما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى بعض عماله أن أرزق المسلمين من الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه.\rورأى أبو عبيدة ومعاذ شرب الطلاء على الثلث.\rوقال قوم: إذا طبخ العصير أدنى طبخ صار حلالا وهو قول إسماعيل بن عليه.\rوذهب أكثر أهل العلم إلى أن كل شراب أسكر كثيره فهو خمر فقليله حرام يحد شاربه.\r__________\r(1) انظر: الدر المنثور: 1 / 605،606.\r(2) الخابيه فارسية معربة.\r(3) تُرِكَتْ.\r(4) ساقط من (ب).\r(5) شراب يتخذ من البسر.\r(6) رواه مسلم: في الأشربة - باب: تحريم الخمر ... برقم (1980) 3 / 1571.\r(7) نوع من الحلوى.","part":1,"page":250},{"id":277,"text":"واحتجوا بما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البتع (1) فقال: \"كل شراب أسكر فهو حرام\" (2)\rأخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني أنا عبد الله بن عمر الجوهري أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني أنا علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر عن داود بن بكر بن أبي الفرات عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"ما أسكر كثيره فقليله حرام\" (3) .\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني أنا عبد الغفار بن محمد الفارسي أنا محمد بن عيسى الجلودي أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن الحجاج أنا أبو الربيع العتكي أخبرنا حماد بن زيد حدثنا أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"كل مسكر خمر وكل مسكر حرام ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو مدمنها ولم يتب لم يشربها في الآخرة\" (4) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أحمد بن أبي رجاء أنا يحيى، بن أبي حيان التيمي عن الشعبي عن ابن عمر قال: خطب عمر على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنه قد نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة أشياء: من العنب والتمر، والحنطة والشعير والعسل، والخمر ما خامر العقل\" (5) وروى الشعبي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن من العنب خمرا، وإن من التمر\r__________\r(1) نبيذ العسل.\r(2) رواه مالك: في الموطأ كتاب الأشربة برقم (9) ورواه البخاري: في الأشربة: باب الخمر من العسل 10 / 41. ومسلم: في الأشربة باب بيان أن كل مسكر خمر (2001) 3 / 1585. والمصنف في شرح السنة 11 / 350.\r(3) رواه أبو داود: في الأشربة باب النهي عن المسكر 5 / 266. والترمذي: في الأشربة - باب: ما أسكر كثيره فقليله حرام 5 / 606 وقال: حديث حسن غريب. وابن حبان: في الأشربة - باب: في قليل ما أسكر كثيره رقم (1385) ص 336 موارد الظمآن. وابن ماجه: في الأشربة - باب: ما أسكر كثيره فقليله حرام رقم (3393-3394) 2 / 1125. والمصنف في شرح السنة: 11 / 351. وانظر التلخيص الحبير: 4 / 73.\r(4) رواه البخاري: في الأشربة - باب: قوله تعالى: إنما الخمر والميسر ... 10 / 30. ومسلم: في الأشربة - باب: بيان أن كل مسكر خمر برقم (2003) 3 / 1587. والمصنف في شرح السنة: 11 / 355 وشيخ شيخه فيه: (عبد الغافر بن محمد).\r(5) رواه البخاري: في الأشربة - باب: ما جاء في أن الخمر ما خامر العقل ... 10 / 45. والمصنف في شرح السنة: 11 / 351.","part":1,"page":251},{"id":278,"text":"خمرا، وإن من العسل خمرا، وإن من البر خمرا وإن من الشعير خمرا\" (1) فثبت أن الخمر لا يختص بما يتخذ من العنب أو الرطب.\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد أنه أخبره أن عمر بن الخطاب خرج عليهم فقال إني وجدت من فلان ريح شراب، وزعم أنه شرب الطلاء، وأنا سائل عما شرب فإن كان يسكر جلدته، فجلده عمر الحد تاما (2) ، وما روي عن عمر وأبي عبيدة ومعاذ في الطلاء فهو فيما طبخ حتى خرج عن أن يكون مسكرا. وسئل ابن عباس عن الباذق (3) فقال سبق محمد الباذق فما أسكر فهو حرام.\rقوله تعالى: { وَالْمَيْسِرِ } يعني القمار، قال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يخاطر الرجل على أهله وماله فأيهما قمر صاحبه ذهب بأهله وماله فأنزل الله تعالى هذه الآية، والميسر: مفعل من قولهم يسر لي الشيء إذا وجب ييسر يسرا وميسرا، ثم قيل للقمار ميسر وللمقامر ياسر ويسر، وكان أصل الميسر في الجزور وذلك أن أهل الثروة من العرب كانوا يشترون جزورا فينحرونها ويجزؤونها عشرة أجزاء ثم يسهمون عليها بعشرة قداح يقال لها الأزلام والأقلام، لسبعة منها أنصباء وهي: الفذ وله نصيب واحد، والتوأم وله نصيبان، والرقيب وله ثلاثة أسهم، والحلس وله أربعة، والنافس وله خمسة، والمسبل وله ستة، والمعلى وله سبعة، وثلاثة منها: لا أنصباء لها وهي المنيح والسفيح والوغد، ثم يجعلون القداح في خريطة تسمى الربابة ويضعونها على يدي رجل عدل عندهم يسمى المجيل والمفيض، ثم يجيلها ويخرج قدحا منها باسم رجل منهم، فأيهم خرج سهمه أخذ نصيبه على قدر ما يخرج، فإن خرج له واحد من الثلاثة التي لا أنصباء لها كان لا يأخذ شيئا ويغرم ثمن الجزور كله.\rوقال بعضهم كان لا يأخذ شيئا ولا يغرم ويكون ذلك القدح لغوا ثم يدفعون ذلك الجزور إلى الفقراء ولا يأكلون منه شيئا، وكانوا يفتخرون بذلك ويذمون من لم يفعل ذلك ويسمونه البرم وهو أصل القمار الذي كانت تفعله العرب. والمراد من الآية أنواع القمار كلها، قال طاووس وعطاء ومجاهد: كل شيء فيه\r__________\r(1) رواه أبو داود: في الأشربة - باب: الخمر مم هي؟ 5 / 262. والترمذي: في الأشربة - باب: ما جاء في الحبوب التي تتخذ منها الخمر وفي سنده إبراهيم بن المهاجر البجلي الكوفي وهو صدوق فيه لين. وقال الترمذي: هذا حديث غريب وللحديث شواهد وذلك ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن عمر كما تقدم. وأخرجه أحمد: 4 / 267 عن النعمان بن بشير.\r(2) رواه البخاري معلقا في الأشربة باب الباذق ومن نهى عن كل مسكر في الأشربة، 10 / 62. مالك في الموطأ باب الحد في الخمر موصولا عن الزهري عن السائب بن زيد وأخرجه سعيد بن منصور عن ابن عيينه عن الزهري سمع السائب بن يزيد يقول: قام عمر على المنبر فقال: ذكر لي أن عبيد الله بن عمر وأصحابه شربوا شرابا - فساقه. والمصنف في شرح السنة 11 / 353، وسنده صحيح.\r(3) ما طبخ من عصير العنب أدنى طبخ فصار شديدا وهو مسكر.","part":1,"page":252},{"id":279,"text":"قمار فهو من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب، وروي عن علي رضي الله عنه في النرد والشطرنج أنهما من الميسر.\rقوله تعالى: { قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ } وزر عظيم من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش، قرأ حمزة والكسائي إثم كثير بالثاء المثلثة وقرأ الباقون بالباء فالإثم في الخمر والميسر ما ذكره الله في سورة المائدة. \"إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون\"( 91-المائدة ) { وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ } فمنفعة الخمر اللذة عند شربها والفرح واستمراء الطعام وما يصيبون من الربح بالتجارة فيها، ومنفعة الميسر إصابة المال من غير كد ولا تعب وارتفاق الفقراء به. والإثم فيه أنه إذا ذهب ماله من غير عوض ساءه ذلك فعادى صاحبه فقصده بالسوء.\r{ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا } قال الضحاك وغيره: إثمهما بعد التحريم أكبر من نفعهما قبل 35/أ التحريم، وقيل: إثمهما أكبر من نفعهما قبل التحريم وهو ما يحصل من العداوة والبغضاء.\rقوله تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ } وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حثهم على الصدقة فقالوا ماذا ننفق؟ فقال { قُلِ الْعَفْوَ } قرأ أبو عمرو العفو بالرفع، معناه: الذي ينفقون هو العفو. وقرأ الآخرون بالنصب، على معنى قل: أنفقوا العفو.\rواختلفوا في معنى العفو، فقال قتادة وعطاء والسدي: هو ما فضل عن الحاجة، وكانت الصحابة يكتسبون المال ويمسكون قدر النفقة ويتصدقون بالفضل بحكم هذه الآية، ثم نسخ بآية الزكاة. وقال مجاهد: معناه: التصدق عن ظهر غنى حتى لا يبقى كلا على الناس.\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي أنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر أنا إبراهيم بن عبد الله بن عمر الكوفي أنا وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول\" (1) وقال عمرو بن دينار: الوسط من غير إسراف ولا إقتار قال الله تعالى \"والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا\"( 67-الفرقان ) وقال طاووس: ما يسر، والعفو: اليسر من كل شيء( ومنه قوله تعالى ) \"خذ العفو\"( 199-الأعراف ) أي الميسور من أخلاق الناس.\rأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا\r__________\r(1) رواه البخاري: في الزكاة - باب: لا صدقة إلى عن ظهر غنى 3 / 294 وفي النفقات. ومسلم: في الزكاة - باب: أن اليد العليا خير من اليد السفلى برقم (1034) 2 / 717. والمصنف في شرح السنة: 6 / 187.","part":1,"page":253},{"id":280,"text":"الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعي أنا سفيان عن محمد بن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله عندي دينار قال صلى الله عليه وسلم: \"أنفقه على نفسك\" قال: عندي آخر قال: \"أنفقه على ولدك\" قال: عندي آخر قال: \"أنفقه على أهلك\" قال: عندي آخر قال: \"أنفقه على خادمك\" قال: عندي آخر قال: \"أنت أعلم\" (1) .\rقوله تعالى: { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ } قال الزجاج: إنما قال كذلك على الواحد وهو يخاطب جماعة، لأن الجماعة معناها القبيل كأنه قال: كذلك أيها القبيل، وقيل: هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم لأن خطابه يشتمل على خطاب الأمة كقوله تعالى: \"يا أيها النبي إذا طلقتم النساء\"( 1-الطلاق ).\rقوله تعالى: { لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ } قيل: معناه يبين الله لكم الآيات في أمر النفقة لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة فتحبسون من أموالكم ما يصلحكم في معاش الدنيا وتنفقون الباقي فيما ينفعكم في العقبى، وقال أكثر المفسرين: معناها هكذا: يبين الله لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة، { لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } في زوال الدنيا وفنائها فتزهدوا فيها وفي إقبال الآخرة وبقائها فترغبوا فيها.\rقوله تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى } قال ابن عباس وقتادة: لما نزل قوله تعالى: \"ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن\"( 152-الأنعام ) وقوله تعالى \"إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما\" الآية( 10-النساء ) تحرج المسلمون من أموال اليتامى تحرجا شديدا حتى عزلوا أموال اليتامى عن أموالهم حتى كان يصنع لليتيم طعام فيفضل منه شيء فيتركونه ولا يأكلونه حتى يفسد، فاشتد ذلك عليهم فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية: { قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ } أي( الإصلاح لأموالهم ) (2) من غير أجرة ولا أخذ عوض خير لكم وأعظم أجرا، لما لكم في ذلك من الثواب، وخير لهم، لما في ذلك من توفر أموالهم عليهم، قال مجاهد: يوسع عليهم من طعام نفسه ولا يوسع من طعام اليتيم { وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ } هذه إباحة المخالطة أي وإن تشاركوهم في أموالهم وتخلطوها بأموالكم في نفقاتكم ومساكنكم وخدمكم ودوابكم فتصيبوا من أموالهم عوضا عن قيامكم بأمورهم وتكافئوهم على ما تصيبون من أموالهم { فَإِخْوَانُكُم } أي فهم إخوانكم، والإخوان يعين بعضهم بعضا ويصيب بعضهم من أموال بعض على وجه الإصلاح والرضا { وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ } لأموالهم { مِنَ الْمُصْلِحِ } لها يعني الذي يقصد بالمخالطة\r__________\r(1) أخرجه أبو داد في الزكاة، باب صلة الرحم: 2 / 260، وقال المنذري: في إسناده محمد بن عجلان. والنسائي في الزكاة، باب اليد العليا: 5 / 62. والإمام أحمد في المسند: 2 / 251، 471 عن أبي هريرة وصححه الحاكم على شرط مسلم: 1 / 415. وابن حبان في موارد الظمآن برقم (828)، والشافعي 2 / 418،419. والبغوي في شرح السنة: 6 / 193، وانظر تعليق المحقق. ومحمد بن عجلان، صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، من الخامسة (التقريب 2 / 190 وميزان الاعتدال 3 / 644).\r(2) زيادة من (ب).","part":1,"page":254},{"id":281,"text":"الخيانة وإفساد مال اليتيم وأكله بغير حق من الذي يقصد الإصلاح { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ } أي لضيق عليكم وما أباح لكم مخالطتهم، وقال ابن عباس: ولو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامي موبقا لكم، وأصل العنت الشدة والمشقة. ومعناه: كلفكم في كل شيء ما يشق عليكم { إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ } والعزيز الذي يأمر بعزة -سهل على العباد أو شق عليهم { حَكِيم } فيما صنع من تدبيره وترك الإعنات.\r{ وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221) }\rقوله تعالى: { وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ } سبب نزول هذه الآية أن أبا مرثد الغنوي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين سرا، فلما قدمها سمعت به امرأة مشركة يقال لها عناق، وكانت خليلته في الجاهلية، فأتته وقالت: يا أبا مرثد ألا تخلو؟ فقال لها ويحك يا عناق إن الإسلام قد حال بيننا وبين ذلك، قالت: فهل لك أن تتزوج بي؟ قال نعم، ولكن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمره، فقالت أبي تتبرم؟ ثم استغاثت عليه فضربوه ضربا شديدا، ثم خلوا سبيله، فلما قضى حاجته بمكة وانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه بالذي كان من أمره وأمر عناق وما لقي بسببها وقال: يا رسول الله أيحل لي أن أتزوجها؟ فأنزل الله تعالى { وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ } (1) .\rوقيل: الآية منسوخة في حق الكتابيات بقوله تعالى \"والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم\"( 5-المائدة ) فإن قيل: كيف أطلقتم اسم الشرك على من لا ينكر إلا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال أبو الحسن بن فارس لأن من يقول القرآن كلام غير الله فقد أشرك مع الله غيره، وقال قتادة وسعيد بن جبير: أراد بالمشركات الوثنيات، فإن عثمان رضي الله عنه تزوج نائلة بنت فرافصة، وكانت نصرانية فأسلمت تحته، وتزوج طلحة بن عبد الله نصرانية، وتزوج حذيفة يهودية [فكتب إليه عمر رضي الله عنه خل سبيلها. فكتب إليه أتزعم أنها حرام؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن] (2) .\rقوله تعالى: { وَلأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ } بجمالها ومالها، نزلت في خنساء وليدة سوداء، كانت لحذيفة بن اليمان، قال حذيفة: يا خنساء قد ذكرت في الملأ الأعلى، على سوادك ودمامتك\r__________\r(1) انظر: الطبري: 4 / 368، الوسيط: 1 / 320-321.\r(2) ساقط من (ب).","part":1,"page":255},{"id":282,"text":"فأعتقها وتزوجها، وقال السدي نزلت في عبد الله بن رواحة كانت له أمة سوداء فغضب عليها ولطمها ثم فزع فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك فقال له صلى الله عليه وسلم وما هي يا عبد الله؟ قال: هي تشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وتصوم رمضان وتحسن الوضوء وتصلي فقال: \"هذه مؤمنة\" قال عبد الله: فوالذي بعثك بالحق نبيا لأعتقنها ولأتزوجنها ففعل ذلك فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا: أتنكح أمة؟ وعرضوا عليه حرة مشركة، فأنزل الله تعالى هذه الآية (1) قوله تعالى: { وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا } هذا إجماع: لا يجوز للمسلمة أن تنكح المشرك { وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِك } يعني المشركين 35/ب { يَدْعُونَ إِلَى النَّار } أي إلى الأعمال الموجبة للنار { وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ } أي بقضائه وإرادته { وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ } أي أوامره ونواهيه { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } يتعظون.\r{ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223) }\rقوله تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ } أخبرنا أبو طاهر عمر بن عبد العزيز القاشاني أنا أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي أنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمر اللؤلؤي أنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني أنا موسى بن إسماعيل أنا حماد بن سلمة أنا ثابت البناني عن أنس بن مالك أن اليهود كانت إذا حاضت منهم المرأة أخرجوها من البيت ولم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيت فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله تعالى { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ } الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"جامعوهن في البيوت واصنعوا كل شيء إلا النكاح\" فقالت اليهود ما يريد هذا الرجل أن يدع شيئا من أمرنا إلا خالفنا فيه فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشير إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا أفلا ننكحهن في المحيض؟ فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أن قد وجد عليهما فخرجا فاستقبلتهما هدية من لبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث في آثارهما فسقاهما فظننا أنه لم يجد عليهما (2) .\r__________\r(1) رواه ابن جرير الطبري عن السدي مرسلا 4 / 368 بتحقيق أحمد شاكر.\r(2) رواه مسلم: في الحيض - باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها ... برقم (302) 1 / 246. والمصنف في شرح السنة 2 / 125.","part":1,"page":256},{"id":283,"text":"قوله تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ } أي عن الحيض وهو مصدر حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا كالسير والمسير، وأصل الحيض الانفجار والسيلان وقوله { قُلْ هُوَ أَذًى } أي قذر، والأذى كل ما يكره من كل شيء { فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ } أراد بالاعتزال ترك الوطء { وَلا تَقْرَبُوهُنَّ } أي لا تجامعوهن، أما الملامسة والمضاجعة معها فجائزة.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا قبيصة أنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها قالت: \"كنت أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد كلانا جنب وكان يأمرني أن أتزر فيباشرني وأنا حائض وكان يخرج رأسه إلي وهو معتكف فأغسله وأنا حائض\" (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أبو أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا سعد بن حفص أنا شيبان عن يحيى عن أبي سلمة عن زينب بنت أبي سلمة حدثته عن أم سلمة قالت: \"حضت وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخميلة فانسللت فخرجت منها فأخذت ثياب حيضي فلبستها فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنفست؟ قلت: نعم، فدعاني فأدخلني معه في الخميلة\" (2) .\rأخبرنا أبو القاسم بن عبد الله بن محمد الحنيفي أنا أبو الحارث طاهر بن محمد الطاهري أنا أبو محمد الحسن بن محمد حكيم (3) أنا أبو الموجه محمد بن عمرو أنا صدقة أنا وكيع أنا مسعر وسفيان عن المقدام (4) بن شريح عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: \"كنت أشرب وأنا حائض فأناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع في وأتعرق العرق فيتناوله فيضع فاه في موضع في\" (5) .\rفوطء الحائض حرام، ومن فعله يعصي الله عز وجل ويعزره الإمام، إن علم منه ذلك، واختلف أهل العلم في وجوب الكفارة عليه، فذهب أكثرهم (6) إلى أنه لا كفارة عليه فيستغفر الله ويتوب إليه.\rوذهب قوم إلى وجوب الكفارة عليه منهم: قتادة والأوزاعي وأحمد وإسحاق، لما أخبرنا عبد الواحد بن\r__________\r(1) رواه البخاري في الحيض باب مباشرة الحائض 1 / 403. والمصنف في شرح السنة: 2 / 131.\r(2) رواه البخاري في الحيض - باب النوم مع الحائض وهي في ثيابها 1 / 422. ومسلم: في الحيض - باب: الاضطجاع مع الحائض في لحاف واحد برقم (296) 1 / 243. والمصنف في شرح السنة: 2 / 129.\r(3) في شرح السنة: محمد بن حليم - باللام.\r(4) في شرح السنة: المقداد بن شريح وهو خطأ.\r(5) رواه مسلم: في الحيض - باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها برقم (300) 1 / 245 -246. والمصنف في شرح السنة: 2 / 134.\r(6) انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 3 / 87.","part":1,"page":257},{"id":284,"text":"أحمد المليحي أنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم البغوي أنا علي بن الجعد أنا أبو جعفر الرازي عن عبد الكريم بن أبي المخارق عن مقسم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في رجل جامع امرأته وهي حائض قال: \"إن كان الدم عبيطا فليتصدق بدينار، وإن كان صفرة فنصف دينار\" (1) .\rويروى هذا موقوفا عن ابن عباس، ويمنع الحيض جواز الصلاة ووجوبها، ويمنع جواز الصوم، ولا يمنع وجوبه، حتى إذا طهرت يجب عليها قضاء الصوم ولا يجب قضاء الصلاة، وكذلك النفساء.\rأخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي أنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي أنا أبو عيسى الترمذي أنا علي بن حجر أنا علي بن مسهر عن عبيده بن معتب الضبي عن إبراهيم النخعي عن الأسود عن عائشة قالت: \"كنا نحيض عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نطهر فيأمرنا بقضاء الصيام ولا يأمرنا بقضاء الصلاة\" (2) .\rولا يجوز للحائض الطواف بالبيت ولا الاعتكاف في المسجد، ولا مس المصحف، ولا قراءة القرآن، ولا يجوز للزوج غشيانها.\rأخبرنا عمر بن عبد العزيز أنا القاسم بن جعفر أنا أبو علي اللؤلؤي أنا أبو داود أنا مسدد أنا عبد الواحد بن زياد أنا أفلت بن خليفة قال: حدثني جسرة بنت دجاجة قالت: سمعت عائشة تقول جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال: \"وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب\" (3) .\rقوله تعالى: { حَتَّى يَطْهُرْنَ } قرأ عاصم برواية أبي بكر وحمزة والكسائي بتشديد الطاء والهاء يعني: حتى يغتسلن، وقرأ الآخرون بسكون الطاء وضم الهاء، فخفف، ومعناه حتى يطهرن من الحيض وينقطع\r__________\r(1) رواه الدارمي: في الوضوء - باب: من قال عليه الكفارة: 1 / 255 وانظر تحفة الأحوذي: 1 / 421-422. والمصنف في شرح السنة: 2 / 127 مع التعليق. وإسناده ضعيف لضعف عبد الكريم بن أبي المخارق (التقريب - ميزان الاعتدال). ذكره النسائي في الضعفاء والمتروكين.\r(2) رواه البخاري: في الحيض - باب: لا تقضي الحائض الصلاة 1 / 421 وليس فيها تعرض لقضاء الصوم. ومسلم: في الحيض - باب: وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة برقم (335) 1 / 265.\r(3) رواه أبو داود: كتاب الطهارة - باب: في الجنب يدخل المسجد: 1 / 157 قال المنذري: وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير وفيه زيادة، وذكر بعده حديث عائشة ... سدوا هذه الأبواب إلا باب أبي بكر ثم قال: هذا أصح، وقال الخطابي: وضعفوا هذا الحديث وقالوا: أفلت راويه مجهول، لا يصح الاحتجاج بحديثه (انظر مختصر المنذري: 1 / 158). والبيهقي: 2 / 442-443. وقد ضعفه الألباني وقال: وفيه جسرة بنت دجاجة، قال البخاري: وعند جسرة عجائب قال البيهقي وهذا إن صح فمحمول في الجنب على المكث فيه دون العبور بدليل الكتاب، (إرواء الغليل: 1 / 210-212).","part":1,"page":258},{"id":285,"text":"دمهن { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ } يعني اغتسلن { فأتوهن } أي فجامعوهن { مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ } أي من حيث أمركم أن تعتزلوهن منه، وهو الفرج، قاله مجاهد وقتادة وعكرمة، وقال ابن عباس: طؤوهن في الفرج ولا تعدوه إلى غيره أي اتقوا الأدبار، وقيل { من } بمعنى { في } أي في حيث أمركم الله تعالى وهو الفرج، كقوله تعالى: \"إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة\"( 9-الجمعة ) أي في يوم الجمعة وقيل { فأتوهن } الوجه الذي أمركم الله أن تأتوهن وهو الطهر، وقال ابن الحنفية: من قبل الحلال دون الفجور، وقيل: لا تأتوهن صائمات ولا معتكفات ولا محرمات: وأتوهن وغشيانهن لكم حلال، واعلم أنه لا يرتفع تحريم شيء مما منعه الحيض بانقطاع الدم ما لم تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء إلا تحريم الصوم، فإن الحائض إذا انقطع دمها بالليل ونوت الصوم فوقع غسلها بالنهار صح صومها، والطلاق في حال الحيض يكون بدعيا، وإذا طلقها بعد انقطاع الدم قبل الغسل لا يكون بدعيا، وذهب أبو حنيفة رضي الله عنه إلى أنه إذا انقطع دمها لأكثر الحيض وهي عدة عشرة أيام يجوز للزوج غشيانها قبل الغسل، وقال مجاهد وطاووس: إذا غسلت فرجها جاز للزوج غشيانها قبل الغسل.\rوأكثر أهل العلم على التحريم ما لم تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء، لأن الله تعالى علق جواز وطئها بشرطين: 36/أ بانقطاع الدم والغسل، فقال { حتى يطهرن } يعني من الحيض { فإذا تطهرن } يعني اغتسلن { فأتوهن } ومن قرأ يطهرن بالتشديد فالمراد من ذلك: الغسل كقوله تعالى \"وإن كنتم جنبا فاطهروا\"( 6-المائدة ) أي فاغتسلوا فدل على أن قبل الغسل لا يحل الوطء.\rقوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } قال عطاء ومقاتل بن سليمان والكلبي: يحب التوابين من الذنوب، ويحب المتطهرين بالماء من الأحداث والنجاسات، وقال مقاتل بن حيان: يحب التوابين من الذنوب والمتطهرين من الشرك، وقال سعيد بن جبير: التوابين من الشرك والمتطهرين من الذنوب، وقال مجاهد التوابين من الذنوب لا يعودون فيها والمتطهرين منها لم يصيبوها، والتواب: الذي كلما أذنب تاب، نظيره قوله تعالى: \"فإنه كان للأوابين غفورا\"( 25-الإسراء ).\rقوله تعالى: { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ } أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرنا عبد الله بن حامد الأصبهاني أخبرنا محمد بن يعقوب أنا ابن المنادي أنا يونس أنا يعقوب القمي عن جعفر بن المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \"يا رسول الله هلكت، قال وما الذي أهلكك؟ قال: حولت رحلي البارحة، فلم يرد عليه شيئا، وأوحى الله إليه { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ } يقول أدبر وأقبل واتق الدبر والحيضة (1) .\r__________\r(1) أخرجه الترمذي: في التفسير، وقال: هذا حديث حسن غريب 8 / 324 والإمام أحمد عن ابن عباس 1 / 297 وعزاه المباركفوري لأبي داود وابن ماجه، انظر تحفة الأحوذي 8 / 324 وابن كثير 1 / 463. وعزاه السيوطي أيضا لعبد بن حميد والنسائي وأبي يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني والبيهقي والضياء. انظر: الدر المنثور: 1 / 629.","part":1,"page":259},{"id":286,"text":"أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أحمد بن الحسين الحيري أنا حاجب بن أحمد الطوسي أنا عبد الرحيم بن منيب أنا ابن عيينة عن ابن المنكدر أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: كانت اليهود تقول في الذي يأتي امرأته من دبرها في قبلها: إن الولد يكون أحول، فنزلت { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ } (1) .\rوروى مجاهد عن ابن عباس قال كان من شأن أهل الكتاب أن لا يأتوا النساء إلا على حرف وذلك أستر ما تكون المرأة، وكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يتلذذون منهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك فأنكرت عليه وقالت إنا كنا نؤتى على حرف فإن شئت فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني، حتى سرى أمرهما، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ } الآية يعني موضع الولد { فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ } مقبلات ومدبرات ومستلقيات وأنى حرف استفهام يكون سؤالا عن الحال والمحل معناه: كيف شئتم وحيث شئتم، بعد أن يكون في صمام واحد، وقال عكرمة { أَنَّى شِئْتُمْ } إنما هو الفرج، ومثله عن الحسن، وقيل { حَرْثٌ لَكُمْ } أي مزرع لكم ومنبت للولد، بمنزلة الأرض التي تزرع، وفيه دليل على تحريم الأدبار، لأن محل الحرث والزرع هو القبل لا الدبر.\rوقال سعيد بن المسيب هذا في العزل، يعني إن شئتم فاعزلوا، وإن شئتم فلا تعزلوا وسئل ابن عباس عن العزل فقال: حرثك إن شئت فأعطش، وإن شئت فأرو، وروي عنه أنه قال: تستأمر الحرة في العزل ولا تستأمر الجارية، وبه قال أحمد، وكره جماعة العزل وقالوا: هو الوأد الخفي، وروى عن مالك عن نافع قال كنت أمسك على ابن عمر المصحف فقرأ هذه الآية { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ } فقال أتدري فيم نزلت هذه الآية؟ قلت لا قال: نزلت في رجل أتى امرأته في دبرها، فشق ذلك عليه فنزلت هذه الآية (2) .\rويحكى عن مالك إباحة ذلك، وأنكر ذلك أصحابه، وروي عن عبد الله بن الحسن أنه لقي سالم بن عبد الله فقال له يا أبا عمر ما حديث يحدث نافع عن عبد الله أنه لم يكن يرى بأسا بإتيان النساء في أدبارهن فقال: كذب العبد وأخطأ، إنما قال عبد الله: يؤتون في فروجهن من أدبارهن، والدليل على تحريم الأدبار ما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد بن الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أخبرنا الشافعي أنا عمر محمد بن علي بن شافع أخبرني عبد الله بن علي بن السائب عن عمرو بن أحيحة بن الجلاح عن خزيمة بن ثابت أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن إتيان النساء في\r__________\r(1) رواه البخاري: في التفسير: سورة البقرة - باب: نساؤكم حرث لكم 8 / 189. ومسلم: في النكاح - باب: جواز مجامعة امرأته في قبلها من قدامها ...... برقم (1435) 2 / 1058. والمصنف في شرح السنة: 6 / 105.\r(2) عزاه السيوطي للدارقطني في غرائب مالك. انظر: الدر المنثور: 1 / 636.","part":1,"page":260},{"id":287,"text":"أدبارهن فقال النبي صلى الله عليه وسلم \"في أي الخرمتين أو في أي الخرزتين أو في أي الخصفتين أمن دبرها في قبلها فنعم أو من دبرها في دبرها فلا فإن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن\" (1) .\rأخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا عبد الله الحسين بن محمد الحافظ أنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي أخبرنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي أنا عبد الله بن أبان أنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن مسلم بن خالد عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ملعون من أتى امرأته في دبرها\" (2) .\rقوله تعالى: { وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ } قال عطاء: التسمية عند الجماع قال مجاهد { وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ } يعني إذا أتى أهله فليدع.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن إسماعيل أنا عثمان بن أبي شيبة أنا جرير عن منصور عن سالم عن كريب عن ابن عباس قال قال النبي صلى الله عليه وسلم \"لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان أبدا\" (3) . وقيل قدموا لأنفسكم يعني: طلب الولد.\rأخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن علي الكشميهني أنا علي بن حجر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له\" (4) وقيل: هو التزوج بالعفاف ليكون الولد صالحا.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا مسدد أنا يحيى عن عبيد الله حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"تنكح المرأة لأربع\r__________\r(1) مسند الشافعي: 2 / 360. وابن حبان: (1299) وصححه. وأحمد: 5 / 213 عن خزيمة بلفظ \"فإن الله لا يستحي من الحق ..\" الطحاوي: 2 / 25 وسنده صحيح (انظر الفتح: 8 / 143).\r(2) رواه أبو داود: في النكاح - باب جامع في النكاح: 3 / 77. وابن ماجه: في النكاح - باب: النهي عن إتيان النساء في أدبارهن برقم (1923) 2 / 619. بلفظ: لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها، وقال في الزوائد: إسناده صحيح. والمصنف في شرح السنة: 9 / 106.\r(3) رواه البخاري: في النكاح - باب: ما يقول الرجل إذا أتى أهله: 9 / 28. ومسلم: في النكاح باب: ما يستحب أن يقوله عند الجماع برقم (1434) 2 / 1058.\r(4) رواه مسلم: في الوصية - باب: ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته برقم (1631)3 / 1255. والمصنف في شرح السنة: 1 / 300.","part":1,"page":261},{"id":288,"text":"لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك\" (1) وقيل معنى الآية تقديم الأفراط.\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب 36/ب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال \"لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم\" (2) وقال الكلبي والسدي: وقدموا لأنفسكم يعني الخير والعمل الصالح بدليل سياق الآية { وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ } صائرون إليه فيجزيكم بأعمالكم { وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ }\r{ وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) }\r__________\r(1) رواه البخاري: في النكاح - باب الأكفاء في الدين: 9 / 131. ومسلم: في النكاح - باب: استحباب نكاح ذات الدين برقم (1466) 2 / 1086. والمصنف في شرح السنة: 9 / 8.\r(2) رواه البخاري: في الأيمان والنذور - باب: قول الله: وأقسموا بالله جهد أيمانهم: 11 / 541. ومسلم: في البر والصلة والآداب - باب: فضل من يموت له ولد فيحتسبه برقم (2632) 4 / 2028. والمصنف في شرح السنة: 5 / 450.","part":1,"page":262},{"id":289,"text":"{ لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225) }\rقوله تعالى: { وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمَانِكُمْ } نزلت في عبد الله بن رواحة، كان بينه وبين ختنه على أخته بشير بن النعمان الأنصاري شيء، فحلف عبد الله أن لا يدخل عليه ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين خصمه، وإذا قيل له فيه قال: قد حلفت بالله أن لا أفعل، فلا يحل لي إلا أن تبر بيميني، فأنزل الله هذه الآية (1) .\rوقال ابن جريج: نزلت في أبي بكر الصديق حين حلف أن لا ينفق على مسطح حين خاض في حديث الإفك (2) ، والعرضة: أصلها الشدة والقوة ومنه قيل للدابة التي تتخذ للسفر عرضة، لقوتها عليه، ثم قيل لكل ما يصلح لشيء هو عرضة له حتى قالوا للمرأة هي عرضة النكاح إذا صلحت له والعرضة كل ما يعترض فيمنع عن الشيء ومعنى الآية { لا تجعلوا } الحلف بالله سببا مانعا لكم من البر والتقوى يدعى أحدكم إلى صلة رحم أو بر فيقول حلفت بالله أن لا أفعله، فيعتل بيمينه في ترك البر { أَنْ تَبَرُّوا } معناه أن لا تبروا كقوله تعالى \"يبين الله لكم أن تضلوا\"( 176-النساء ) أي لئلا تضلوا { وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }\r__________\r(1) انظر: أسباب النزول ص (110)، الوسيط: 1 / 324.\r(2) أخرجه الطبري: 4 / 423.","part":1,"page":262},{"id":290,"text":"أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال \"من حلف بيمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير\" (1) .\rقوله تعالى: { لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ } اللغو كل مطرح من الكلام لا يعتد به، واختلف أهل العلم في اللغو في اليمين المذكورة في الآية فقال قوم هو ما يسبق إلى اللسان على عجلة لصلة الكلام، من غير عقد وقصد، كقول القائل: لا والله وبلى والله وكلا والله.\rأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: لغو اليمين قول الإنسان لا والله وبلى والله، ورفعه بعضهم (2) وإلى هذا ذهب الشعبي وعكرمة وبه قال الشافعي.\rويروى عن عائشة: أيمان اللغو ما كانت في الهزل والمراء والخصومة والحديث الذي لا يعقد عليه القلب، وقال قوم: هو أن يحلف عن شيء يرى أنه صادق فيه ثم يتبين له خلاف ذلك وهو قول الحسن والزهري وإبراهيم النخعي وقتادة ومكحول، وبه قال أبو حنيفة رضي الله عنه، وقالوا لا كفارة فيه ولا إثم عليه، وقال علي: هو اليمين على الغضب، وبه قال طاووس وقال سعيد بن جبير: هو اليمين في المعصية لا يؤاخذه الله بالحنث فيها، بل يحنث ويكفر. وقال مسروق: ليس عليه كفارة أيكفر خطوات الشيطان؟ وقال الشعبي في الرجل يحلف على المعصية كفارته أن يتوب منها وكل يمين لا يحل لك أن تفي بها فليس فيها كفارة ولو أمرته بالكفارة لأمرته أن يتم على قوله وقال زيد بن أسلم: هو دعاء الرجل على نفسه تقول لإنسان أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا وكذا [أخرجني الله من مالي إن لم آتك غدا، ويقول: هو كافر إن فعل كذا] (3) . فهذا كله لغو لا يؤاخذه الله به ولو آخذهم به لعجل لهم العقوبة \"ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم\"( 11-يونس )، وقال \"ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير\"( 11-الإسراء ).\rقوله تعالى: { وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } أي عزمتم وقصدتم إلى اليمين، وكسب القلب العقد والنية { وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } واعلم أن اليمين لا تنعقد إلا بالله أو باسم من أسمائه، أو بصفة من صفاته: فاليمين بالله أن يقول: والذي أعبده، والذي أصلي له، والذي نفسي بيده، ونحو ذلك، واليمين بأسمائه كقوله والله والرحمن ونحوه، واليمين بصفاته كقوله: وعزة الله وعظمة الله وجلال الله وقدرة الله\r__________\r(1) رواه مسلم: في الإيمان - باب: ندب من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها برقم (1649) 3 / 2272.\r(2) رواه أبو داود: في الإيمان - باب: لغو اليمين 4 / 359 وقال المنذري (وذكر أن غير واحد رواه عن عطاء عن عائشة موقوفا). انظر: الزيلعي في نصب الراية: 3 / 293.\r(3) ساقط من (أ).","part":1,"page":263},{"id":291,"text":"ونحوها، فإذا حلف بشيء منها على أمر في المستقبل فحنث يجب عليه الكفارة وإذا حلف على أمر ماض أنه كان ولم يكن أو على أنه لم يكن وقد كان، إن كان عالما به حالة ما حلف فهو اليمين الغموس، وهو من الكبائر، وتجب فيه الكفارة عند بعض أهل العلم، عالما كان أو جاهلا وبه قال الشافعي، ولا تجب عند بعضهم وهو قول أصحاب الرأي وقالوا إن كان عالما فهو كبيرة ولا كفارة لها كما في سائر الكبائر وإن كان جاهلا فهو يمين اللغو عندهم ومن حلف بغير الله مثل أن قال: والكعبة وبيت الله ونبي الله، أو حلف بأبيه ونحو ذلك، فلا يكون يمينا، فلا تجب عليه الكفارة إذا حلف، وهو يمين مكروهة، قال الشافعي: وأخشى أن يكون معصية.\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب وهو يحلف بأبيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت\" (1) .\r{ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227) وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228) }\rقوله تعالى: { لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } يؤلون أي يحلفون، والألية: اليمين والمراد من الآية: اليمين على ترك وطء المرأة، قال قتادة: كان الإيلاء طلاقا لأهل الجاهلية، وقال سعيد بن المسيب: كان ذلك من ضرار أهل الجاهلية، كان الرجل لا يحب امرأته ولا يريد أن يتزوجها غيره، فيحلف أن لا يقربها أبدا، فيتركها لا أيما ولا ذات بعل، وكانوا عليه في ابتداء الإسلام، فضرب الله له أجلا في الإسلام، واختلف أهل العلم فيه: فذهب أكثرهم إلى أنه إن حلف أن لا يقرب زوجته أبدا أو سمى مدة أكثر من أربعة أشهر، يكون موليا، فلا يتعرض له قبل مضي أربعة أشهر، وبعد مضيها يوقف ويؤمر\r__________\r(1) رواه البخاري: في الأيمان - باب: لا تحلفوا بآبائكم 11 / 530. ومسلم: في الأيمان والنذور - باب: النهي عن الحلف بغير الله برقم (1646) 3 / 1266. وزاد عمر قال: فوالله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله صلى الله عله وسلم نهى عنها ذاكرا ولا أثرا، انظر شرح السنة للمصنف حول الحلف واليمين 10 / 3-8.","part":1,"page":264},{"id":292,"text":"بالفيء أو بالطلاق بعد مطالبة المرأة، والفيء هو الرجوع عما قاله بالوطء، إن قدر عليه، وإن لم يقدر فبالقول، فإن لم يفء ولم يطلق طلق عليه السلطان واحدة، وذهب إلى الوقوف بعد مضي المدة عمر وعثمان وعلي وأبو الدرداء وابن عمر، قال سليمان بن يسار: أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يقول بوقف المولي. وإليه ذهب سعيد بن جبير وسليمان بن يسار ومجاهد، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وقال بعض أهل العلم: إذا مضت أربعة أشهر تقع عليها طلقة بائنة، وهو قول ابن عباس وابن مسعود وبه قال سفيان الثوري وأصحاب الرأي.\rوقال سعيد بن المسيب والزهري: تقع طلقة رجعية، ولو حلف أن لا يطأها أقل من أربعة أشهر لا يكون موليا، بل هو حالف، فإذا وطئها قبل مضي تلك المدة تجب عليه كفارة اليمين، ولو حلف أن لا يطأها أربعة أشهر لا يكون موليا عند من يقول بالوقف بعد مضي المدة، لأن بقاء المدة شرط للوقف وثبوت المطالبة بالفيء أو الطلاق، وقد مضت المدة. وعند من لا يقول بالوقف يكون موليا، ويقع الطلاق بمضي المدة.\rومدة الإيلاء: أربعة أشهر في حق الحر والعبد جميعا عند الشافعي رحمه الله، لأنها ضربت لمعنى يرجع إلى الطبع، وهو قلة صبر المرأة عن الزوج، فيستوي فيه الحر والعبد كمدة العنة.\rوعند مالك رحمه الله وأبي حنيفة رحمه الله تتنصف مدة العنة بالرق، غير أن عند أبي حنيفة تتنصف برق المرأة، وعند مالك برق الزوج، كما قالا في الطلاق.\rقوله تعالى: { تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } أي انتظار أربعة أشهر، والتربص: التثبت والتوقف { فَإِنْ فَاءُوا } رجعوا عن اليمين بالوطء { فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } وإذا وطئ خرج عن الإيلاء وتجب عليه كفارة اليمين عند أكثر أهل العلم، وقال الحسن وإبراهيم النخعي وقتادة: لا كفارة عليه لأن الله تعالى وعد بالمغفرة فقال { فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } وذلك عند الأكثرين في إسقاط العقوبة لا في الكفارة، ولو قال لزوجته: إن قربتك فعبدي حر أو صرت طالقا، أو لله علي عتق رقبة أو صوم أو صلاة فهو مول لأن المولي من يلزمه أمر بالوطء، ويوقف بعد مضي المدة فإن فاء يقع الطلاق أو العتق المعلق به، وإن التزم في الذمة تلزمه كفارة اليمين في قول، وفي قول يلزمه ما التزم في ذمته من الإعتاق والصلاة والصوم\r{ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ } أي حققوه بالإيقاع { فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ } { عَلِيمٌ } بنياتهم، وفيه دليل على أنها لا تطلق بعد مضي المدة ما لم يطلقها زوجها، لأنه شرط فيه العزم، وقال: { فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } فدل على أنه يقتضي مسموعا والقول هو الذي يسمع.\rقوله تعالى: { وَالْمُطَلَّقَات } أي المخليات من حبال أزواجهن { يَتَرَبَّصْنَ } ينتظرن { بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ } فلا يتزوجن، والقروء: جمع قرء، مثل فرع، وجمعه القليل أقرؤ والجمع الكثير أقراء، واختلف أهل","part":1,"page":265},{"id":293,"text":"العلم في القروء فذهب جماعة إلى أنها الحيض وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وبه قال الحسن ومجاهد وإليه ذهب الأوزاعي والثوري وأصحاب الرأي 37/أ واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة \"دعي الصلاة أيام أقرائك\" (1) وإنما تدع المرأة الصلاة أيام حيضها. وذهب جماعة إلى أنها الأطهار وهو قول زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وعائشة، وهو قول الفقهاء السبعة والزهري وبه قال ربيعة ومالك والشافعي، واحتجوا بأن ابن عمر رضي الله عنه لما طلق امرأته وهي حائض قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: \"مره فليراجعها حتى تطهر ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء\" (2) .\rفأخبر أن زمان العدة هو الطهر، ومن جهة اللغة قول الشاعر: ففي كل عام أنت جاشم غزوة ... تشد لأقصاها عزيم عزائكا\rمورثة مالا وفي الحي رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا\rوأراد به أنه كان يخرج إلى الغزو ولم يغش نساءه فتضيع أقراؤهن وإنما تضيع بالسفر زمان الطهر لا زمان الحيضة، وفائدة الخلاف تظهر في أن المعتدة إذا شرعت في الحيضة الثالثة تنقضي عدتها على قول من يجعلها أطهارا وتحسب بقية الطهر الذي وقع فيه الطلاق قرءا، قالت عائشة رضي الله عنها: إذا طعنت المطلقة في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبرئ منها. ومن ذهب إلى أن الأقراء هي الحيض يقول لا تنقضي عدتها ما لم تطهر من الحيضة الثالثة، وهذا الاختلاف من حيث أن اسم القرء يقع على الطهر والحيض جميعا، يقال أقرأت المرأة: إذا حاضت وأقرأت: إذا طهرت، فهي مقرئ، واختلفوا في أصله فقال أبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة: هو الوقت لمجيء الشيء وذهابه، يقال: رجع فلان لقرئه ولقارئه أي لوقته الذي يرجع فيه وهذا قارئ الرياح أي وقت هبوبها، قال مالك بن الحارث الهذلي: كرهت العقر عقر بني شليل ... إذا هبت لقارئها الرياح\rأي لوقتها، والقرء يصلح للوجهين، لأن الحيض يأتي لوقت، والطهر مثله، وقيل: هو من القرأ وهو الحبس والجمع، تقول العرب: ما قرأت الناقة سلا قط أي لم تضم رحمها على ولد ومنه قريت الماء في المقراة وهي الحوض أي جمعته، بترك همزها، فالقرء هاهنا احتباس الدم واجتماعه، فعلى هذا يكون الترجيح\r__________\r(1) رواه أبو داود: في الطهارة - باب: من قال تغتسل من طهر إلى طهر 1 / 191. والترمذي: في الطهارة - باب: ما جاء أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة 1 / 393. وابن ماجه: في الطهارة - باب: ما جاء في المستحاضة 1 / 204. والدارقطني: في الحيض - 1 / 212 وانظر نصب الراية: 1 / 202-204.\r(2) رواه البخاري في الطلاق - باب: تحريم طلاق الحائض بغير رضاها برقم: (1471) 3 / 1093. والمصنف في شرح السنة: 9 / 202-203.","part":1,"page":266},{"id":294,"text":"فيه للطهر لأنه يحبس الدم ويجمعه، والحيض يرخيه ويرسله، وجملة الحكم في العدد: أن المرأة إذا كانت حاملا فعدتها بوضع الحمل، سواء وقعت الفرقة بينها وبين الزوج بالطلاق أو بالموت لقوله تعالى \"وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن\"( 4-الطلاق ) فإن لم تكن حاملا نظر: إن وقعت الفرقة بينهما بموت الزوج فعليها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر، سواء مات الزوج قبل الدخول أو بعده، وسواء كانت المرأة ممن تحيض، أو لا تحيض لقول الله تعالى: \"والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا\"( 234-البقرة ) وإن وقعت الفرقة بينهما في الحياة نظر فإن كان الطلاق قبل الدخول بها، فلا عدة عليها، لقول الله تعالى: \"يا أيها آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها\"( 49-الأحزاب ).\rوإن كان بعد الدخول نظر: إن كانت المرأة ممن لم تحض قط أو بلغت في الكبر سن الآيسات فعدتها ثلاثة أشهر لقول الله تعالى: \"واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن\"( 4-الطلاق ).\rوإن كانت ممن تحيض فعدتها ثلاثة أقراء لقوله تعالى: { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } وقوله { يتربصن بأنفسهن } لفظه خبر ومعناه أمر، وعدة الأمة إن كانت حاملا بوضع الحمل كالحرة، وإن كانت حائلا ففي الوفاة عدتها شهران وخمس ليال، وفي الطلاق، إن كانت ممن تحيض فعدتها قرءان، وإن كانت ممن لا تحيض فشهر ونصف: وقيل شهران كالقرأين في حق من تحيض. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ينكح العبد امرأتين ويطلق طلقتين وتعتد الأمة بحيضتين، فإن لم تكن تحيض فشهرين أو شهرا ونصفا.\rوقوله عز وجل: { وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ } قال عكرمة: يعني الحيض وهو أن يريد الرجل مراجعتها فتقول: قد حضت الثالثة وقال ابن عباس وقتادة: يعني الحمل، ومعنى الآية: لا يحل للمرأة كتمان ما خلق الله في رحمها من الحيض والحمل لتبطل حق الزوج من الرجعة والولد { إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } معناه أن هذا من فعل المؤمنات وإن كانت المؤمنة والكافرة في هذا الحكم سواء كما تقول، أد حقي إن كنت مؤمنا، يعني أداء الحقوق من فعل المؤمنين.\r{ وَبُعُولَتُهُن } يعني أزواجهن جمع بعل، كالفحولة جمع فحل، سمي الزوج بعلا لقيامه بأمور زوجته وأصل البعل السيد والمالك { أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ } أولى برجعتهن إليهم { فِي ذَلِكَ } أي إن أرادوا بالرجعة الصلاح وحسن العشرة لا الإضرار كما كانوا يفعلونه في الجاهلية كان الرجل يطلق أمرأته فإذا قرب انقضاء عدتها، راجعها ثم تركها مدة، ثم طلقها ثم إذا قرب انقضاء عدتها راجعها ثم بعد مدة طلقها يقصد بذلك تطويل العدة عليها { وَلَهُن } أي للنساء على الأزواج مثل","part":1,"page":267},{"id":295,"text":"الذي عليهن للأزواج بالمعروف قال ابن عباس في معناه: إني أحب أن أتزين لامرأتي كما تحب امرأتي أن تتزين لي لأن الله تعالى قال: { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ }\rأخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسن المروزي أخبرنا أبو سهل محمد بن عمر بن طرفة السجزي أنا أبو سليمان الخطابي أخبرنا أبو بكر بن داسة أنا أبو داود السجستاني أنا موسى بن إسماعيل أنا حماد أنا أبو قزعة سويد بن حجير الباهلي عن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه قال: قلت يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: \"أن تطعمها إذا طعمت، وأن تكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت\" (1)\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي أنا محمد بن عيسى الجلودي أنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن الحجاج أنا أبو بكر بن أبي شيبة أنا حاتم بن إسماعيل المدني عن جعفر بن محمد عن أبيه أنه قال: دخلنا على جابر بن عبد الله فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم فسرد قصة حجة الوداع إلى أن ذكر خطبته يوم عرفة قال: \"فاتقوا الله في النساء، فإنهن عوان عندكم، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده: كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس اللهم اشهد اللهم اشهد\" (2) ثلاث مرات.\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أحمد بن الحسن الحيري أنا حاجب بن أحمد الطوسي، 37/ب أنا محمد بن يحيى أنا يعلى بن عبيد أنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخياركم خياركم لنسائكم\" (3) .\r__________\r(1) رواه أبو داود في النكاح - باب: حق المرأة على زوجها 3 / 67-68. وابن ماجه: في النكاح - باب: في حق المرأة على الزوج برقم (1850) 1 / 593. رواه أحمد: 4 / 446-447 و5 / 3-5 جزء من حدث عن معاوية بن حيدة. والمصنف في شرح السنة: 9 / 160.\r(2) سبق تخريجه ص (219) هامش رقم (2). هو جزء من حديث حجة النبي صلى الله عليه وسلم. رواه مسلم في الحج - باب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم برقم:(1218) 2 / 886.\r(3) أبو داود: في السنة: بلفظ (أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا): 7 / 44 وبهذا اللفظ أخرجه الدارمي في الرقاق باب: في حسن الخلق: 2 / 323. والترمذي: في الرضاع - باب: ما جاء في حق المرأة على زوجها 4 / 325 وقال: حسن صحيح. وابن حبان: (1926) وصححه. وأحمد: 2 / 250 و472 عن أبي هريرة. والمصنف في شرح السنة: 9 / 180.","part":1,"page":268},{"id":296,"text":"قوله تعالى: { وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ } قال ابن عباس: بما ساق إليها من المهر وأنفق عليها من المال، وقال قتادة: بالجهاد، وقيل بالعقل، وقيل بالشهادة، وقيل بالميراث، وقيل بالدية وقيل بالطلاق، لأن الطلاق بيد الرجال، وقيل بالرجعة، وقال سفيان وزيد بن أسلم: بالإمارة وقال القتيبي وللرجال عليهن درجة معناه فضيلة في الحق { وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار أخبرنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي أنا حذيفة أنا سفيان عن الأعمش عن أبي ظبيان أن معاذ بن جبل خرج في غزاة بعثه النبي صلى الله عليه وسلم فيها ثم رجع فرأى رجالا يسجد بعضهم لبعض فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم \"لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها\" (1) .\r{ الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230) }\rقوله تعالى: { الطَّلاقُ مَرَّتَانِ } روي عن عروة بن الزبير قال: كان الناس في الابتداء يطلقون من غير حصر ولا عدد، وكان الرجل يطلق امرأته، فإذا قاربت انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها كذلك ثم راجعها يقصد مضارتها فنزلت هذه الآية { الطَّلاقُ مَرَّتَانِ } يعني الطلاق الذي يملك الرجعة عقيبه مرتان، فإذا طلق ثلاثا فلا تحل له إلا بعد نكاح زوج آخر.\rقوله تعالى: { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ } قيل: أراد بالإمساك الرجعة بعد الثانية، والصحيح أن المراد منه: الإمساك بعد الرجعة، يعني إذا راجعها بعد الرجعة الثانية فعليه أن يمسكها بالمعروف، والمعروف كل ما\r__________\r(1) رواه ابن ماجه: في النكاح: باب حق الزوج على المرأة برقم (1853) 1 / 595. وأبو داود: في النكاح: باب في حق الزوج على المرأة 3 / 67. وأخرجه ابن حبان في صحيحه برقم (1290) ص 314 وأحمد: 4 / 381، عن عبد الله بن أبي أوفى. 5 / 228 عن معاذ بن جبل 6 / 76 عن عائشة بلفظ آخر. والمصنف في شرح السنة: 9 / 158. وذكره الهيثمي في المجمع 4 / 309 وقال: رواه بتمامة البزار وأحمد باختصار ورجاله رجال الصحيح.","part":1,"page":269},{"id":297,"text":"يعرف في الشرع، من أداء حقوق النكاح وحسن الصحبة { أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } أن يتركها بعد الطلاق حتى تنقضي عدتها وقيل الطلقة الثالثة.\rقوله تعالى: { أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } وصريح اللفظ الذي يقع به الطلاق من غير نية ثلاثة: الطلاق والفراق والسراح، وعند أبي حنيفة الصريح هو لفظ الطلاق فحسب، وجملة الحكم فيه أن الحر إذا طلق زوجته طلقة أو طلقتين بعد الدخول بها يجوز له مراجعتها بغير رضاها ما دامت في العدة، وإن لم يراجعها حتى انقضت عدتها، أو طلقها قبل الدخول بها أو خالعها فلا تحل له إلا بنكاح جديد بإذنها، وإذن وليها فإن طلقها ثلاثا فلا تحل له، ما لم تنكح زوجا غيره، وأما العبد إذا كانت تحته امرأة، فطلقها طلقتين، فإنها لا تحل له إلا بعد نكاح زوج آخر.\rواختلف أهل العلم فيما إذا كان أحد الزوجين رقيقا، فذهب أكثرهم إلى أنه يعتبر عدد الطلاق بالزوج، فالحر يملك على زوجته الأمة ثلاث طلقات، والعبد لا يملك على زوجته الحرة إلا طلقتين، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: الطلاق بالرجال والعدة بالنساء، يعني يعتبر في عدد الطلاق حال الرجل وفي قدر العدة حال المرأة، وهو قول عثمان وزيد بن ثابت وابن عباس رضي الله عنهم، وبه قال عطاء وسعيد بن المسيب وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وذهب قوم إلى أن الاعتبار بالمرأة في عدد الطلاق فيملك العبد على زوجته الحرة ثلاث طلقات ولا يملك الحر على زوجته الأمة إلا طلقتين وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي.\rقوله تعالى { وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ } أعطيتموهن { شَيْئًا } المهور وغيرها ثم استثنى الخلع فقال { إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ } نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي أوفى ويقال: حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس وكانت تبغضه وهو يحبها فكان بينهما كلام فأتت أباها فشكت إليه زوجها وقالت له: إنه يسيء إلي ويضربني فقال: ارجعي إلى زوجك فإني أكره للمرأة أن لا تزال رافعة يديها تشكو زوجها قال: فرجعت إليه الثانية وبها أثر الضرب فقال لها: ارجعي إلى زوجك، فلما رأت أن أباها لا يشكيها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه زوجها وأرته آثارا بها من ضربه وقالت: يا رسول الله، لا أنا ولا هو، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثابت فقال: \"ما لك ولأهلك؟\" فقال: والذي بعثك بالحق نبيا ما على وجه الأرض أحب إلي منها غيرك، فقال لها: ما تقولين؟ فكرهت أن تكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألها فقالت: صدق يا رسول الله ولكن قد خشيت أن يهلكني فأخرجني منه، وقالت: يا رسول الله ما كنت لأحدثك حديثا ينزل الله عليك خلافه ، هو من أكرم الناس محبة لزوجته، ولكني أبغضه فلا أنا ولا هو، قال ثابت: قد أعطيتها حديقة فلتردها علي وأخلي سبيلها فقال لها: \"تردين عليه حديقته وتملكين أمرك\"؟ قالت: نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يا ثابت خذ","part":1,"page":270},{"id":298,"text":"منها ما أعطيتها وخل سبيلها\" (1) ففعل.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا زاهر بن جميل أخبرنا عبد الوهاب الثقفي أنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن ثابت ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر بعد الإسلام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"أتردين عليه حديقته\"؟ قالت: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"اقبل الحديقة وطلقها تطليقة\" (2) .\rقوله تعالى: { إِلا أَنْ يَخَافَا } أي يعلما { أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّه } قرأ أبو جعفر وحمزة ويعقوب { إِلا أَنْ يَخَافَا } بضم الياء أي يعلم ذلك منهما، يعني: يعلم القاضي والولي ذلك من الزوجين، بدليل قوله تعالى: { فَإِنْ خِفْتُمْ } فجعل الخوف لغير الزوجين، ولم يقل فإن خافا، وقرأ الآخرون { يَخَافَا } بفتح الياء أي يعلم الزوجان من أنفسهما { أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّه } تخاف المرأة أن تعصي الله في أمر زوجها، ويخاف الزوج إذا لم تطعه امرأته أن يعتدي عليها، فنهى الله الرجل أن يأخذ من امرأته شيئا مما آتاها، إلا أن يكون النشوز من قبلها، فقالت: لا أطيع لك أمرا ولا أطالك مضجعا ونحو ذلك.\rقال الله تعالى: { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } أي فيما افتدت به المرأة نفسها منه، قال الفراء: أراد بقوله { عَلَيْهِمَا } الزوج دون المرأة، فذكرهما جميعا لاقترانهما كقوله تعالى \"نسيا حوتهما\"( 61-الكهف )، وإنما الناسي فتى موسى دون موسى وقيل: أراد أنه لا جناح 38/أ عليهما جميعا، لا جناح على المرأة في النشوز إذا خشيت الهلاك والمعصية، ولا فيما افتدت به وأعطت به المال، لأنها ممنوعة من إتلاف المال بغير الحق، ولا على الزوج فيما أخذ منها من المال إذا أعطته طائعة، وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الخلع جائز على أكثر مما أعطاها وقال الزهري: لا يجوز بأكثر مما أعطاها من المهر.\rوقال سعيد بن المسيب: لا يأخذ منها جميع ما أعطاها بل يترك منه شيئا، ويجوز الخلع على غير حال النشوز غير أنه يكره لما فيه من قطع الوصلة بلا سبب.\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري أنا عبد الله بن\r__________\r(1) رواه مختصرا أبو داود عن حبيبة بنت سهل الأنصارية في الطلاق - باب في الخلع 3 / 143. والنسائي من حديث الربيع بنت معوذ في الطلاق - باب عدة المختلعة 6 / 186. وابن جرير في التفسير 4 / 554. وانظر الكافي الشاف ص19-20.\r(2) رواه البخاري: في الطلاق - باب: الخلع وكيف الطلاق فيه 9 / 395. والمصنف في شرح السنة - 9 / 194.","part":1,"page":271},{"id":299,"text":"محمد بن شيبة أنا أحمد بن جعفر المستملي أنا أبو محمد يحيى بن إسحاق بن شاكر بن أحمد بن خباب أنا عيسى بن يونس أنا عبد الله بن الوليد الوصافي عن محارب بن دثار عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن من أبغض الحلال إلى الله الطلاق\" (1) أخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرني ابن فنجويه أنا ابن أبي أنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة أنا أبي أنا أسامة عن حماد بن زيد عن أبي أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة\" (2) .\rوقال طاووس: الخلع يختص بحالة خوف النشوز لظاهر الآية، والآية حرجت على وفق العادة أن الخلع لا يكون إلا في حال خوف النشوز غالبا، وإذا طلق الرجل امرأته بلفظ الطلاق على مال فقلبت وقعت البينونة وانتقص به العدد.\rواختلف أهل العلم في الخلع فذهب أكثرهم إلى أنه تطليقة بائنة ينتقص به عدد الطلاق، وهو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء والحسن والشعبي والنخعي، وإليه ذهب مالك والثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي وهو أظهر قولي الشافعي، وذهب قوم إلى أنه فسخ لا ينتقص به عدد الطلاق وهو قول عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم، وبه قال عكرمة وطاووس وإليه ذهب أحمد وإسحاق، واحتجوا بأن الله تعالى ذكر الطلاق مرتين ثم ذكر بعده الخلع، ثم ذكر بعده الطلقة الثالثة فقال، { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } ولو كان الخلع طلاقا لكان الطلاق أربعا، ومن قال بالأول جعل الطلقة الثالثة: { أو تسريح بإحسان } .\r__________\r(1) حديث ضعيف رواه أبو داود في الطلاق - باب: في كراهية الطلاق\" 3 / 92. وابن ماجه: في الطلاق - باب رقم (1) برقم (2018)، والدارقطني في الطلاق عن معاذ: 4 / 35. والحاكم: 2 / 196 وقال: صحيح الإسناد وأقره الذهبي. قال المنذري: والمشهور فيه هو المرسل وهو غريب، وقال البيهقي وفي رواية ابن أبي شيبة (يعني محمد بن عثمان) عن عبد الله بن عمر، موصولا ولا أراه يحفظه، والمصنف في شرح السنة 9 / 195. وإن ما قاله أبو حاتم والدارقطني والبيهقي هو الراجح أن الحديث مرسل وضعفه الألباني في إرواء الغليل 7 / 106 فلينظر (انظر مختصر المنذري 3 / 93 وانظر: التلخيص الحبير لابن حجر: 3 / 205.\r(2) رواه أبو داود: في الطلاق - باب: الخلع: 3 / 142. والترمذي: في الطلاق - باب: ما جاء في المختلعات 4 / 367 وقال: هذا حديث حسن. وابن ماجه: في الطلاق - باب: كراهية الخلع للمرأة برقم (2055) 1 / 662. والدارمي: في الطلاق - باب: النهي عن أن تسأل المرأة زوجها طلاقها 2 / 162. وأحمد: 5 / 277،283 عن ثوبان. والمصنف في شرح السنة 9 / 195 وإسناده قوي.","part":1,"page":272},{"id":300,"text":"قوله تعالى: { تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ } أي هذه أوامر الله ونواهيه، وحدود الله، ما منع الشرع من المجاوزة عنه { فَلا تَعْتَدُوهَا } فلا تجاوزوها { وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }\rقوله تعالى: { فَإِنْ طَلَّقَهَا } يعني الطلقة الثالثة { فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ } أي من بعد الطلقة الثالثة { حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } أي: غير المطلق فيجامعها، والنكاح يتناول الوطء والعقد جميعا، نزلت في تميمة وقيل في عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك القرظي كانت تحت ابن عمها رفاعة بن وهب بن عتيك القرظي فطلقها ثلاثا.\rأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أخبرنا سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنه سمعها تقول: جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني كنت عند رفاعة القرظي فطلقني فبت طلاقي، وتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وإنما معه مثل هدبة الثوب، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: \"أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة\" قالت نعم قال: \"لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته\" (1) .\rوروي أنها لبثت ما شاء الله ثم رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن زوجي قد مسني فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم كذبت بقولك الأول فلن نصدقك في الآخر. فلبثت حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم فأتت أبا بكر رضي الله عنه فقالت: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أرجع إلى زوجي الأول فإن زوجي الآخر قد مسني وطلقني فقال لها أبو بكر: قد شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتيته وقال لك ما قال فلا ترجعي إليه، فلما قبض أبو بكر رضي الله عنه، أتت عمر رضي الله عنه وقالت له: مثل ذلك فقال لها عمر رضي الله عنه: لئن رجعت إليه لأرجمنك\" (2) . قوله تعالى: { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا } يعني فإن طلقها الزوج الثاني بعدما جامعها { فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } يعني على المرأة وعلى الزوج الأول { أَنْ يَتَرَاجَعَا } يعني بنكاح جديد { إِنْ ظَنَّا } أي علما وقيل رجوا، لأن أحدا لا يعلم ما هو كائن إلا الله عز وجل { أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ } أي يكون بينهما الصلاح وحسن الصحبة، وقال مجاهد: معناه إن علما أن نكاحهما على غير الدُّلْسَة، وأراد بالدلسة التحليل، وهو مذهب سفيان الثوري والأوزاعي ومالك وأحمد وإسحاق، قالوا: إذا تزوجت المطلقة ثلاثا زوجا آخر ليحللها للزوج الأول: فإن النكاح فاسد، وذهب جماعة إلى أنه إن لم يشرط في النكاح\r__________\r(1) رواه البخاري: في الطلاق - باب: من قال لامرأته أنت علي حرام 9 / 371. ومسلم: في النكاح - باب: لا تحل المطلقة ثلاثة لمطلقها حتى تنكح زوجا غيره برقم (1433) 2 / 1055. والمصنف في شرح السنة: 9 / 232.\r(2) انظر الكافي الشاف لابن حجر ص20 وقد عزاه لعبد الرزاق وهي عنده مختصرة / المصنف 6 / 347.","part":1,"page":273},{"id":301,"text":"مع الثاني أنه يفارقها فالنكاح صحيح ويحصل به التحليل ولها صداق مثلها، غير أنه يكره إذا كان في عزمها ذلك.\rأخبرنا أبو الفرج المظفر بن إسماعيل التميمي أخبرنا أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي أنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ أنا الحسن بن الفرج أخبرنا عمرو بن خالد الحراني عن عبيد الله بن عبد الكريم هو الجزري عن أبي واصل عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: \"لعن المحلل والمحلل له\" (1) وقال نافع أتى رجل ابن عمر فقال له: إن رجلا طلق امرأته ثلاثا، فانطلق أخ له من غير مؤامرة فتزوجها ليحلها للأول فقال: لا إلا نكاح رغبة، كنا نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، \"لعن الله المحلل والمحلل له\" (2) { وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } يعني يعلمون ما أمرهم الله تعالى به.\r__________\r(1) حديث ابن مسعود وله طريقان الأول عن أبي قيس عن هزيل بن عبد الرحمن عنه بلفظ: (لعن رسول الله المحلل والمحلل له). أخرجه الترمذي في النكاح - باب ما جاء في المحلل والمحلل له 4 / 264 وقال هذا حديث حسن صحيح. والنسائي في الطلاق مطولا - باب إحلال المطلقة ثلاثا وما فيه من التغليظ 6 / 149. والدارمي في النكاح - باب في النهي عن التحليل 5 / 158. والبيهقي 7 / 208. وأحمد 1 / 448 ، 462. وقال الحافظ في التلخيص 3 / 170 (وصححه ابن القطان وابن دقيق العيد على شرط البخاري). والطريق الآخر عن أبي الواصل. أخرجها أحمد 1 / 450 ، 451 وأبو الواصل مجهول كما قال الحسيني وذكر الحافظ طريقا ثالثة أخرجها عبد الرزاق من طريق عبد الله بن مرة عن الحارس عن ابن مسعود، والحارث هذا هو الأعور الكوفي وهو ضعيف وقالوا كذاب. وله طرق أخرى عن أبي هريرة، وعلي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وابن عباس، وعقبة بن عامر. رواها أبو داود وابن ماجه والترمذي وأحمد وغيرهم. فالحديث صحيح. انظر إرواء الغليل 6 / 307-311.\r(2) صححه الحاكم على شرط الشيخين: 2 / 199.","part":1,"page":274},{"id":302,"text":"{ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231) }\rقوله تعالى: { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } الآية، نزلت في رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار طلق امرأته حتى إذا قرب انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها، يقصد بذلك مضارتها. (1) .\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 5 / 10.","part":1,"page":274},{"id":303,"text":"قوله تعالى: { فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } أي أشرفن على أن يبن بانقضاء العدة، ولم يرد حقيقة انقضاء العدة، لأن العدة إذا انقضت لم يكن للزوج إمساكها، فالبلوغ هاهنا بلوغ مقاربة، وفي قوله تعالى بعد هذا { فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ } حقيقة انقضاء العدة، والبلوغ يتناول المعنيين، يقال: بلغ المدينة إذا قرب منها وإذا دخلها { فَأَمْسِكُوهُن } أي راجعوهن { بِمَعْرُوفٍ } قيل المراجعة بالمعروف أن يشهد على رجعتها وأن يراجعها بالقول لا بالوطء.\r{ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } أي اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فيكن أملك بأنفسهن { وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا } أي لا تقصدوا بالرجعة المضارة بتطويل الحبس { وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } أي أضر 38/ب بنفسه بمخالفة أمر الله تعالى { وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا } قال الكلبي يعني قوله تعالى: \"فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان\" وكل من خالف أمر الشرع فهو متخذ آيات الله هزوا، وقال أبو الدرداء هو أن الرجل كان يطلق امرأته ثم يقول: كنت لاعبا، ويعتق ويقول: مثل ذلك [وينكح ويقول مثل ذلك] (1) .\rأخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن الطيسفوني أخبرنا عبد الله بن عمرو الجوهري أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني أخبرنا علي بن حجر أخبرنا إسماعيل بن جعفر عن أبي حبيب بن أردك عن عطاء بن أبي رباح عن ابن ماهك عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال \"ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والرجعة\" (2) . { وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ } بالإيمان { وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ } يعني: القرآن { وَالْحِكْمَة } يعني: السنة، وقيل: مواعظ القرآن { يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }\r__________\r(1) ساقط من (أ).\r(2) رواه أبو داود: في الطلاق - باب: في الطلاق على الهزل 3 / 118-119. والترمذي: في الطلاق - باب: ما جاء في الجد والهزل في الطلاق 4 / 362 وقال: هذا حديث حسن غريب. وابن ماجه: في الطلاق - باب: من طلق أو نكح أو راجع لاعبا برقم (2039) 1 / 658. والحاكم: 2 / 197 وصححه والدارقطني في السنن 3 / 256-257. وفي إسناده عبد الرحمن بن حبيب بن أردك وهو مختلف فيه: قال النسائي: منكر الحديث ووثقه غيره، قال الحافظ فهو على هذا حسن (تحفة الأحوذي: 4 / 362). والمصنف في شرح السنة 9 / 219 انظر التلخيص الحبير 3 / 207 وإرواء الغليل 6 / 224-228.","part":1,"page":275},{"id":304,"text":"{ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (232) }\r{ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } نزلت في جميلة بنت يسار أخت معقل بن يسار المزني، كانت تحت أبي البداح عاصم بن عدي بن عجلان فطلقها.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أخبرنا أحمد بن أبي عمرو حدثني أبي حدثني أبراهيم عن يونس عن الحسن قال حدثني معقل بن يسار قال زوجت أختا لي من رجل فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها فقلت له: زوجتك وفرشتك وأكرمتك فطلقتها ثم جئت تخطبها؟ لا والله لا تعود إليك أبدا، وكان رجلا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه فأنزل الله تعالى { فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ } فقلت: الآن أفعل يا رسول الله، قال: فزوجتها إياه (1) .\rقوله تعالى: { فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } أي انقضت عدتهن { فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ } أي لا تمنعوهن عن النكاح، والعضل: المنع، وأصله الضيق والشدة، يقال: عضلت المرأة إذا نشب ولدها في بطنها فضاق عليه الخروج، والداء العضال الذي لا يطاق، وفي الآية دليل على أن المرأة لا تلي عقد النكاح إذ لو كانت تملك ذلك لم يكن هناك عضل ولا لنهي الولي عن العضل معنى، وقيل الآية خطاب مع الأزواج لمنعهم من الإضرار لأن ابتداء الآية خطاب معهم، والأول أصح.\r{ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ } بعقد حلال ومهر جائز { ذَلِك } أي ذلك الذي ذكر من النهي { يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } وإنما قال ذلك موحدا، والخطاب للأولياء لأن الأصل في مخاطبة الجمع: ذلكم، ثم كثر حتى توهموا أن الكاف من نفس الحرف وليس بكاف خطاب فقالوا ذلك، فإذا قالوا هذا كانت الكاف موحدة منصوبة في الاثنين والجمع والمؤنث والمذكر قيل هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم فلذلك وحد ثم رجع إلى خطاب المؤمنين فقال { ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ } أي خير لكم { وَأَطْهَر } لقلوبكم من الريبة وذلك أنه إذا كان في نفس كل واحد منهما علاقة حب لم يؤمن أن يتجاوز ذلك إلى غير ما أحل الله لهما، ولم يؤمن من الأولياء أن يسبق إلى قلوبهم منهما ما لعلهما أن يكونا بريئين من ذلك فيأثمون { وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } أي يعلم من حب كل واحد منهما لصاحبه ما لا تعلمون أنتم.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في النكاح، باب من قال: لا نكاح إلا بولي: 9 / 183، وفي التفسير: 8 / 192.","part":1,"page":276},{"id":305,"text":"{ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233) }\rقوله تعالى: { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ } يعني: المطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن يرضعن، خبر بمعنى الأمر، وهو أمر استحباب لا أمر إيجاب، لأنه لا يجب عليهن الإرضاع إذا كان يوجد من ترضع الولد لقوله تعالى في سورة الطلاق: \"فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن\"( -الطلاق ) فإن رغبت الأم في الإرضاع فهي أولى من غيرها { حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } أي سنتين، وذكر الكمال للتأكيد كقوله تعالى: \"تلك عشرة كاملة\"( 196-البقرة ) وقيل إنما قال كاملين لأن العرب قد تسمي بعض الحول حولا وبعض الشهر شهرا كما قال الله تعالى:( الحج أشهر معلومات )( 197-البقرة )، وإنما هو شهران وبعض الثالث وقال: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه }( 203-البقرة )، وإنما يتعجل في يوم وبعض يوم، ويقال أقام فلان بموضع كذا حولين وإنما أقام به حولا وبعض آخر، فبين الله تعالى أنهما حولان كاملان، أربعة وعشرون شهرا، واختلف أهل العلم في هذا الحد، فمنهم من قال هو حد لبعض المولودين، فروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها إذا وضعت لستة أشهر فإنها ترضعه حولين كاملين، وإن وضعته لسبعة أشهر فإنها ترضعه ثلاثة وعشرين شهرا، وإن وضعت لتسعة اشهر فإنها ترضعه أحدا وعشرين شهرا، وإن وضعت لعشرة أشهر فإنها ترضعه عشرين شهرا، كل ذلك تمام ثلاثين شهرا لقوله تعالى: { وحمله وفصاله ثلاثون شهرا }( 15-الأحقاف ).\rوقال قوم: هو حد لكل مولود بأي وقت ولد لا ينقص رضاعه عن حولين إلا باتفاق الأبوين فأيهما أراد الفطام قبل تمام الحولين ليس له ذلك إلا أن يجتمعا عليه لقوله تعالى: { فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ } وهذا قول ابن جريج والثوري ورواية الوالبي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقيل: المراد من الآية: بيان أن الرضاع الذي تثبت به الحرمة ما يكون في الحولين، فلا يحرم ما يكون بعد الحولين، قال قتادة: فرض الله على الوالدات إرضاع حولين كاملين ثم أنزل التخفيف فقال: { لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } أي هذا منتهى الرضاعة وليس فيها دون ذلك حد محدود وإنما هو على مقدار صلاح الصبي وما يعيش به { وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ } يعني الأب { رِزْقُهُن } طعامهن { وَكِسْوَتُهُن } لباسهن { بِالْمَعْرُوفِ } أي على قدر الميسرة { لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا } أي طاقتها { لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا } قرأ ابن كثير","part":1,"page":277},{"id":306,"text":"وأهل البصرة برفع الراء نسقا على قوله { لا تُكَلَّفُ } وأصله تضارر فأدغمت الراء في الراء، وقرأ الآخرون تضار بنصب الراء، وقالوا: لما أدغمت الراء في الراء حركت إلى أخف الحركات وهو النصب ومعنى الآية { لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا } فينزع الولد منها إلى غيرها بعد أن رضيت بإرضاعه { وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ } أي لا تلقيه المرأة إلى أبيه بعدما ألفها، تضاره بذلك، وقيل معناه { لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ } فتكره على إرضاعه إذا كرهت إرضاعه، وقبل الصبي من غيرها، لأن ذلك ليس بواجب عليها { وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ } فيحتمل أن تعطى الأم أكثر مما يجب لها إذا لم يرتضع من غيرها.\rفعلى هذين القولين أصل الكلمة لا تضارر بفتح الراء الأولى على الفعل المجهول، والوالدة والمولود له مفعولان، ويحتمل أن يكون الفعل لهما وتكون تضار بمعنى تضارر بكسر الراء الأولى على تسمية الفاعل والمعنى { لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ } فتأبى أن ترضع ولدها ليشق على أبيه { وَلا مَوْلُودٌ لَهُ } أي لا يضار الأب أم الصبي، فينزعه منها ويمنعها من إرضاعه، وعلى هذه الأقوال يرجع الإضرار إلى 39/أ الوالدين يضار كل واحد منهما صاحبه بسبب الولد، ويجوز أن يكون الضرار راجعا إلى الصبي، أي لا يضار كل واحد منهما الصبي، فلا ترضعه الأم حتى يموت أو لا ينفق الأب أو ينتزعه من الأم حتى يضر بالصبي، فعلى هذا تكون الباء زائدة ومعناه { لا تضار والدة بولدها } ولا أب بولده وكل هذه الأقاويل مروية عن المفسرين.\rقوله تعالى: { وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ } اختلفوا في هذا الوارث، فقال قوم: هو وارث الصبي، معناه: وعلى وارث الصبي الذي لو مات الصبي وله مال ورثه مثل الذي كان على أبيه في حال حياته، ثم اختلفوا في أي وارث هو من ورثته فقال بعضهم: هو عصبة الصبي من الرجال مثل: الجد والأخ وابن الأخ والعم وابن العم، وهو قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وبه قال إبراهيم والحسن ومجاهد وعطاء وهو مذهب سفيان قالوا: إذا لم يكن للصبي ما ينفق عليه أجبرت عصبته الذين يرثونه على أن يسترضعوه، وقيل: هو وارث الصبي من كان من الرجال والنساء: وهو قول قتادة وابن أبي ليلى ومذهب أحمد وإسحاق وقالوا: يجبر على نفقته كل وارث على قدر ميراثه عصبة كانوا أو غيرهم.\rوقال بعضهم هو من كان ذا رحم محرم من ورثة المولود، فمن ليس بمحرم مثل ابن العم والمولى فغير مراد بالآية، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله، وذهب جماعة إلى أن المراد بالوارث هو الصبي نفسه، الذي هو وارث أبيه المتوفى تكون أجرة رضاعه ونفقته في ماله، فإن لم يكن له مال فعلى الأم، ولا يجبر على نفقة الصبي إلا الوالدان، وهو قول مالك والشافعي رحمهما الله، وقيل هو الباقي من والدي المولود بعد وفاة الآخر عليه مثل ما كان على الأب من أجرة الرضاع والنفقة والكسوة.\rوقيل: ليس المراد منه النفقة، بل معناه وعلى الوارث ترك المضارة، وبه قال الشعبي والزهري { فَإِنْ أَرَادَا } يعني الوالدين { فِصَالا } فطاما قبل الحولين { عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا } أي اتفاق الوالدين","part":1,"page":278},{"id":307,"text":"{ وَتَشَاوُر } أي يشاورون أهل العلم به حتى يخبروا أن الفطام في ذلك الوقت لا يضر بالولد، والمشاورة استخراج الرأي { فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } أي لا حرج عليهما في الفطام قبل الحولين { وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ } أي لأولادكم مراضع غير أمهاتهم إذا أبت أمهاتهم يرضعنهم أو تعذر لعلة بهن، أي: انقطاع لبن أو أردن النكاح { فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم } إلى أمهاتهم { مَا آتَيْتُمْ } ما سميتم لهن من أجرة الرضاع بقدر ما أرضعن، وقيل إذا سلمتم أجور المراضع إليهن بالمعروف، قرأ ابن كثير { مَا آتَيْتُمْ } وفي الروم \"وما آتيتم من ربا\"( 39-الروم ) بقصر الألف ومعناه ما فعلتم يقال: أتيت جميلا إذا فعلته، فعلى هذه القراءة يكون التسليم بمعنى الطاعة والانقياد لا بمعنى تسليم الأجرة يعني إذا سلمتم لأمره وانقدتم لحكمه، وقيل إذا سلمتم للاسترضاع عن تراض واتفاق دون الضرار { وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }","part":1,"page":279},{"id":308,"text":"{ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) }\rقوله تعالى: { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ } أي يموتون وتتوفى آجالهم، وتوفى واستوفى بمعنى واحد، ومعنى التوفي أخذ الشيء وافيا { وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا } يتركون أزواجا { يَتَرَبَّصْن } ينتظرن { بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } أي يعتددن بترك الزينة والطيب والنقلة على فراق أزواجهن هذه المدة إلا أن يكن حوامل فعدتهن بوضع الحمل، وكانت عدة الوفاة في الابتداء حولا كاملا لقوله تعالى: \"والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج\"(_240-البقرة ) ثم نسخت بأربعة أشهر وعشرا.\rوقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: كانت هذه العدة يعني أربعة أشهر وعشرا واجبة عند أهل زوجها فأنزل الله تعالى: { مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ } فجعل لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت وهو قول الله عز وجل: \"غير إخراج، فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن\"( 240-البقرة ) فالعدة كما هي واجبة عليها.\rوقال: عطاء قال: ابن عباس رضي الله عنهما: نسخت هذه الآية عدتها عند أهله وسكنت في وصيتها وإن شاء خرجت، قال عطاء: ثم جاء الميراث فنسخ السكنى فتعتد حيث شاءت ولا سكنى لها ويجب عليها الإحداد في عدة الوفاة، وهي أن تمتنع من الزينة والطيب فلا يجوز لها تدهين رأسها بأي دهن سواء كان فيه طيب أو لم يكن، ولها تدهين جسدها بدهن لا طيب فيه، فإن كان فيه طيب فلا يجوز، ولا يجوز لها أن تكتحل بكحل فيه طيب أو فيه زينة كالكحل الأسود ولا بأس بالكحل الفارسي","part":1,"page":279},{"id":309,"text":"الذي لا زينة فيه فإن اضطرت إلى كحل فيه زينة فرخص فيه كثير من أهل العلم منهم سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار وعطاء والنخعي وبه قال مالك وأصحاب الرأي، وقال الشافعي رحمه الله: تكتحل به ليلا وتمسحه بالنهار.\rقالت أم سلمة: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبو سلمة وقد جعلت علي صبرا فقال \"إنه يشب (1) الوجه فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار\" (2) .\rولا يجوز لها الخضاب ولا لبس الوشي والديباج والحلي ويجوز لها لبس البيض من الثياب ولبس الصوف والوبر، ولا تلبس الثوب المصبوغ للزينة كالأحمر والأخضر الناضر والأصفر، ويجوز ما صبغ لغير زينة كالسواد والكحلي وقال سفيان: لا تلبس المصبوغ بحال.\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر محمد بن عمر بن حزم عن حميد بن نافع عن زينب بنت أبي سلمة أنها أخبرته بهذه الأحاديث الثلاثة قالت زينب: دخلت على أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي أبوها أبو سفيان بن حرب فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة، خلوق أو غيره، فدهنت به جارية ثم مست به بطنها ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر \"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا\" (3) .\rوقالت زينب: ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها عبد الله فدعت بطيب فمست به ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر \"لا يحل لامرأة أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة اشهر وعشرا\" قالت زينب: وسمعت أمي أم سلمة تقول:\rجاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا\"، ثم قال: \"إنما هي أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول\" (4) قال حميد: فقلت لزينب: وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟\r__________\r(1) يشب: يلونه ويحسنه، النهاية لابن الأثير.\r(2) رواه أبو داود في الطلاق: باب: فيما تجتنبه المعتدة في عدتها 3 / 201-202. والنسائي: في الطلاق - باب: الرخصة للحادة أن تمتشط بالسدر 6 / 204.\r(3) رواه البخاري: في الطلاق - باب: تحد المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر عشرا 9 / 484 وفي الجنائز. ومسلم: في الطلاق - باب: وجوب الإحداد برقم (1486) 2 / 1124. والمصنف في شرح السنة: 9 / 306-307.\r(4) قطعة من الحديث السابق.","part":1,"page":280},{"id":310,"text":"فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا (1) أي بيتا صغيرا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبا ولا شيئا حتى تمر بها سنة، ثم تؤتي بدابة، حمار أو شاة أو طيرا فتفتض به، أي تمسح فقلما تفتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطي بعرة فترمي بها، 39/ب ثم تراجع بعد ذلك ما شاءت من طيب أو غيره، وقال مالك: تفتض أي تمسح جلدها.\rوقال سعيد بن المسيب: الحكمة في هذه المدة أن فيها ينفخ الروح في الولد، ويقال إن الولد يرتكض أي يتحرك في البطن لنصف مدة الحمل أربعة أشهر وعشرا قريبا من نصف مدة الحمل، وإنما قال عشرا بلفظ المؤنث لأنه أراد الليالي لأن العرب إذا أبهمت العدد بين الليالي والأيام غلبت عليها الليالي فيقولون صمنا عشرا والصوم لا يكون إلا بالنهار.\rوقال المبرد: إنما أنث العشر لأنه أراد المدد أي عشر مدد كل مدة يوم وليلة، وإذا كان المتوفى عنها زوجها حاملا فعدتها بوضع الحمل عند أكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم وروي عن علي وابن عباس رضي الله عنهم أنها تنتظر آخر الأجلين من وضع الحمل أو أربعة أشهر وعشرا، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى أراد بالقصرى سورة الطلاق \"وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن( 4-الطلاق ) نزلت بعد قوله تعالى \"يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا\" في سورة البقرة فحمله على النسخ، وعامة الفقهاء خصوا الآية بحديث سبيعة وهو ما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن المسور بن مخرمة أن سبيعة نفست بعد وفاة زوجها بليال فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنته أن تنكح فأذن لها فنكحت. (2) زوجها وغيرها بوضع الحمل برقم( 1485 ) 2\\1123. .\rقوله تعالى { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } أي انقضت عدتهن { فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } خطاب للأولياء { فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ } أي من اختيار الأزواج دون العقد فإن العقد إلى الولي، وقيل فيما فعلن من التزين\r__________\r(1) الحفش بالكسر الدرج، وقيل: الحفش البيت الصغير الذليل القريب السمك سمي به لضيقه. النهاية لابن الأثير.\r(2) رواه البخاري: في الطلاق باب: وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن 9 / 469. ومسلم: في الطلاق - باب : انقضاء عدة المتوفى عنها.","part":1,"page":281},{"id":311,"text":"للرجال زينة لا ينكرها الشرع { بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } والإحداد واجب على المرأة في عدة الوفاة، أما المعتدة عن الطلاق نُظِر فإن كانت رجعية فلا إحداد عليها في العدة لأن لها أن تضع ما يشوق قلب الزوج إليها ليراجعها، وفي البائنة بالخلع والطلقات الثلاثة قولان: أحدهما: عليها الإحداد كالمتوفى عنها زوجها، وهو قول سعيد بن المسيب، وبه قال أبو حنيفة، والثاني: لا إحداد عليها وهو قول عطاء، وبه قال مالك.\r{ وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235) }\rقوله تعالى: { وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ } أي النساء المعتدات وأصل التعريض هو التلويح بالشيء، والتعريض في الكلام ما يفهم به السامع مراده من غير تصريح والتعريض بالخطبة مباح في العدة وهو أن يقول: رب راغب فيك، من يجد مثلك، إنك لجميلة، وإنك لصالحة، وإنك علي لكريمة، وإني فيك لراغب، وإني من غرضي أن أتزوج وإن جمع الله بيني وبينك بالحلال أعجبني ولئن تزوجتك لأحسنن إليك، ونحو ذلك من الكلام من غير أن يقول أنكحيني والمرأة تجيبه بمثله إن رغبت فيه، وقال إبراهيم: لا بأس أن يهدي لها ويقوم بشغلها في العدة إذا كانت من شأنه.\rروي أن سكينة بنت حنظلة بانت من زوجها فدخل عليها أبو جعفر محمد بن علي الباقر في عدتها وقال: يا بنت حنظلة أنا من قد علمت قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحق جدي علي وقدمي في الإسلام فقالت سكينة أتخطبني وأنا في العدة وأنت يؤخذ العلم عنك؟ فقال: إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم سلمة وهي في عدة زوجها أبي سلمة فذكر لها منزلته من الله عز وجل وهو متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده من شدة تحامله على يده (1) .\rوالتعريض بالخطبة جائز في عدة الوفاة، أما المعتدة عن فرقة الحياة نظر: إن كانت ممن لا يحل لمن بانت منه نكاحها كالمطلقة ثلاثا والمبانة باللعان والرضاع: يجوز خطبتها تعريضا وإن كانت ممن للزوج نكاحها كالمختلعة والمفسوخ نكاحها يجوز لزوجها خطبتها تعريضا وتصريحا.\rوهل يجوز للغير تعريضا؟ فيه قولان: أحدهما يجوز كالمطلقة ثلاثا، والثاني لا يجوز لأن المعاودة لصاحب العدة كالرجعية لا يجوز للغير تعريضها بالخطبة.\rوقوله تعالى: { مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ } الخطبة التماس النكاح وهي مصدر خطب الرجل المرأة يخطب خطبة، وقال الأخفش: الخطبة الذكر، والخطبة التشهد فيكون معناه: فيما عرضتم به من ذكر النساء عندهن، { أَوْ أَكْنَنْتُمْ } أضمرتم { فِي أَنْفُسِكُمْ } نكاحهن يقال: أكننت الشيء وكننته لغتان، وقال ثعلب: أكننت الشيء أي أخفيته في نفسي وكننته سترته، وقال السدي: هو أن يدخل فيسلم ويهدي إن\r__________\r(1) أخرجه ابن المبارك في كتاب النكاح، راه الدارقطني من رواية محمد بن الصلت عن عبد الرحمن بن سليمان، وهو ابن الغسيل انظر: الكافي الشاف لابن حجر ص21.","part":1,"page":282},{"id":312,"text":"شاء ولا يتكلم بشيء { عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ } بقلوبكم { وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا } اختلفوا في السر المنهي عنه فقال قوم: هو الزنا كان الرجل يدخل على المرأة من أجل الزّنية وهو يتعرض بالنكاح ويقول لها: دعيني فإذا أوفيت عدتك أظهرت نكاحك، هذا قول الحسن وقتادة وإبراهيم وعطاء ورواية عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال زيد بن أسلم: أي لا ينكحها سرا فيمسكها فإذا حلت أظهر ذلك.\rوقال مجاهد: هو قول الرجل لا تفوتيني بنفسك فإني ناكحك، وقال الشعبي والسدي لا يأخذ ميثاقها أن لا تنكح غيره، وقال عكرمة: لا ينكحها ولا يخطبها في العدة.\rقال الشافعي: السر هو الجماع، وقال الكلبي: أي لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع فيقول آتيك الأربعة والخمسة وأشباه ذلك، ويذكر السر ويراد به الجماع قال امرئ القيس: ألا زعمت بسباسة القوم أنني ... كبرت وألا يحسن السر أمثالي\rإنما قيل للزنا والجماع سر لأنه يكون في خفاء بين الرجل والمرأة.\rقوله تعالى: { إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا } ما ذكرنا من التعريض بالخطبة.\rقوله تعالى: { وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ } أي لا تحققوا العزم على عقدة النكاح في العدة حتى يبلغ الكتاب أجله أي: حتى تنقضي العدة وسماها الله كتابا لأنها فرض من الله كقوله تعالى: \"كتب عليكم\" أي فرض عليكم { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ } أي فخافوا الله { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ } لا يعجل بالعقوبة.\r{ لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) }\rقوله تعالى: { لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً } أي ولم تمسوهن ولم تفرضوا، نزلت في رجل من الأنصار تزوج امرأة من بني حنيفة ولم يسم لها مهرا ثم طلقها قبل أن يمسها فنزلت هذه الآية فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: 40/أ \"متعها ولو بقلنسوتك\" (1) قرأ حمزة والكسائي \" ما لم تماسوهن \" بالألف هاهنا وفي الأحزاب على المفاعلة لأن بدن كل واحد منهما يلاقي بدن صاحبه كما قال الله تعالى: \"من قبل أن يتماسا\"( 3-المجادلة ) وقرأ الباقون { تَمَسُّوهُن }\r__________\r(1) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الكافي الشاف ص21: \"لم أجده\".","part":1,"page":283},{"id":313,"text":"بلا ألف لأن الغشيان يكون من فعل الرجل دليله قوله تعالى: \"ولم يمسسني بشر\"( 47-آل عمران ).\rقوله تعالى { أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً } أي توجبوا لهن صداقا فإن قيل فما الوجه في نفي الجناح عن المطلق قيل: الطلاق قطع سبب الوصلة وجاء في الحديث \"أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق\" (1) .\rفنفى الجناح عنه إذا كان الفراق أروح من الإمساك، وقيل معناه لا سبيل للنساء عليكم إن طلقتموهن من قبل المسيس والفرض بصداق ولا نفقة، وقيل: لا جناح عليكم في تطليقهن قبل المسيس في أي وقت شئتم حائضا كانت المرأة أو طاهرا لأنه لا سنة ولا بدعة في طلاقهن قبل الدخول بها بخلاف المدخول بها فإنه لا يجوز تطليقها في حال الحيض { وَمَتِّعُوهُنَّ } أي أعطوهن من مالكم ما يتمتعن به والمتعة والمتاع ما يتبلغ به من الزاد { عَلَى الْمُوسِعِ } أي على الغني { قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ } أي الفقير { قَدَرُه } أي إمكانه وطاقته قرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص قدره بفتح الدال فيهما وقرأ الآخرون بسكونهما وهما لغتان وقيل: القدر بسكون الدال المصدر وبالفتح الاسم، متاعا: نصب على المصدر أي متعوهن { مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ } أي بما أمركم الله به من غير ظلم { حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ } وبيان حكم الآية أن من تزوج امرأة ولم يفرض لها مهرا ثم طلقها قبل المسيس تجب لها المتعة بالاتفاق وإن طلقها بعد الفرض قبل المسيس فلا متعة لها على قول الأكثرين ولها نصف المهر المفروض.\rواختلفوا في المطلقة بعد الدخول بها فذهب جماعة إلى أنه لا متعة لها لأنها تستحق المهر وهو قول أصحاب الرأي وذهب جماعة إلى أنها تستحق المتعة لقوله تعالى \"وللمطلقات متاع بالمعروف\"( 241-البقرة ) وهو قول عبد الله بن عمر وبه قال عطاء ومجاهد والقاسم بن محمد وإليه ذهب الشافعي لأن استحقاقها المهر بمقابلة ما أتلف عليها من منفعة البضع فلها المتعة على وحشة الفراق، فعلى القول الأول لا متعة إلا لواحدة وهي المطلقة قبل الفرض والمسيس، وعلى القول الثاني لكل مطلقة متعة إلا لواحدة وهي المطلقة بعد الفرض قبل المسيس، وقال عبد الله بن عمر: لكل مطلقة متعة إلا التي فرض لها ولم يمسها زوجها فحسبها نصف المهر.\rقال الزهري: متعتان يقضي بإحداهما السلطان ولا يقضي بالأخرى بل تلزمه فيما بينه وبين الله تعالى.\r__________\r(1) سبق تخريجه، عند قوله تعالى \"فإن خفتم ألا يقيما حدود الله\".","part":1,"page":284},{"id":314,"text":"فأما التي يقضي بها السلطان فهي المطلقة قبل الفرض والمسيس وهو قوله تعالى { حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ } والتي تلزمه فيما بينه وبين الله تعالى ولا يقضي بها السلطان فهي المطلقة بعد المسيس وهو قوله تعالى: { حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ }\rوذهب الحسن وسعيد بن جبير إلى أن لكل مطلقة متعة سواء كان قبل الفرض والمسيس أو بعد الفرض قبل المسيس لقوله تعالى: \"وللمطلقات متاع بالمعروف\"( 241-البقرة ) ولقوله تعالى في سورة الأحزاب: \"فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا\"( 49-الأحزاب ) وقالا معنى قوله تعالى { لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً } أي أو لم تفرضوا لهن فريضة، وقال بعضهم: المتعة غير واجبة والأمر بها أمر ندب واستحباب.\rوروي أن رجلا طلق امرأته وقد دخل بها فخاصمته إلى شريح في المتعة فقال شريح: لا تأب أن تكون من المحسنين ولا تأب أن تكون من المتقين ولم يجبره على ذلك.\rواختلفوا في قدر المتعة فروي عن ابن عباس: أعلاها خادم وأوسطها ثلاثة أثواب، درع وخمار وإزار، ودون ذلك وقاية أو شيء من الورق وبه قال الشعبي والزهري وهذا مذهب الشافعي، وقال: أعلاها على الموسع خادم وأوسطها ثوب وأقلها أقل ما له ثمن، وحسن ثلاثون درهما، وطلق عبد الرحمن بن عوف امرأته وحممها جارية سوداء أي متعها ومتع الحسن بن علي رضي الله عنه امرأة له بعشرة آلاف درهم فقالت: \"متاع قليل من حبيب مفارق\".\rوقال أبو حنيفة رحمه الله: مبلغها إذا اختلف الزوجان قدر نصف مهر مثلها لا يجاوز والآية تدل على أنه يعتبر حال الزوج في العسر واليسر، ومن حكم الآية: أن من تزوج امرأة بالغة برضاها على غير مهر يصح النكاح، وللمرأة مطالبته بأن يفرض لها صداقا، فإن دخل بها قبل الفرض فلها عليه مهر مثلها وإن طلقها قبل الفرض والدخول فلها المتعة، وإن مات أحدهما قبل الفرض والدخول اختلف أهل العلم في أنها هل تستحق المهر أم لا؟ فذهب جماعة إلى أنه لا مهر لها وهو قول علي وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس كما لو طلقها قبل الفرض والدخول وذهب قوم إلى أن لها المهر لأن الموت كالدخول في تقرير المسمى كذلك في إيجاب مهر المثل إذا لم يكن في العقد مسمى وهو قول الثوري وأصحاب الرأي واحتجوا بما روي عن علقمة عن ابن مسعود أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا ولم يدخل بها حتى مات فقال ابن مسعود: لها صداق نسائها ولا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق امرأة منا مثل","part":1,"page":285},{"id":315,"text":"ما قضيت ففرح بها ابن مسعود رضي الله عنه (1) .\rوقال الشافعي رحمه الله: فإن ثبت حديث بروع بنت واشق فلا حجة في قول أحد دون قول النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يثبت فلا مهر لها ولها الميراث، وكان علي يقول: في حديث بروع لا يقبل قول أعرابي من أشجع على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.\r{ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) }\rوقوله تعالى: { وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } هذا في المطلقة بعد الفرض قبل المسيس فلها نصف المفروض، وإن مات أحدهما قبل المسيس فلها كمال المهر المفروض، والمراد بالمس المذكور في الآية: الجماع، واختلف أهل العلم فيما لو خلا الرجل بامرأته ثم طلقها قبل أن يدخل بها فذهب قوم إلى أنه لا يجب لها إلا نصف الصداق، ولا عدة عليها لأن الله تعالى أوجب بالطلاق قبل المسيس نصف المهر، ولم يوجب العدة، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه وابن مسعود وبه قال الشافعي رحمه الله.\rوقال قوم: يجب لها كمال المهر، وعليها العدة، لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق، ومثله عن زيد بن ثابت، وحمل بعضهم قول عمر على وجوب تسليم الصداق إليها إذا سلمت نفسها لا على تقدير الصداق، وقيل هذه الآية ناسخة للآية التي في سورة الأحزاب \"فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن\"( 49-الأحزاب ) فقد كان للمطلقة قبل المسيس متاع فنسخت بهذه الآية، وأوجب للمطلقة المفروض لها قبل المسيس نصف المفروض ولا متاع لها.\r40/ب وقوله تعالى { وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً } أي سميتم لهن مهرا { فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } أي لها نصف المهر المسمى { إِلا أَنْ يَعْفُونَ } يعني النساء أي إلا أن تترك المرأة نصيبها فيعود جميع الصداق إلى الزوج.\rقوله تعالى: { أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ } اختلفوا فيه: فذهب بعضهم إلى أن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي، وبه قال ابن عباس رضي الله عنه، معناه: إلا أن تعفو المرأة بترك نصيبها إلى\r__________\r(1) رواه أبو داود في النكاح - باب: فيمن تزوج ولم يسم صداقا حتى مات 3 / 51-53. والترمذي: في النكاح - باب: ما جاء في الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها قبل أن يفرض لها، وقال حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح وقد روي عنه من غير وجه 4 / 299-301. والنسائي: في النكاح - باب: إباحة التزوج بغير صداق: 6 / 121-122. وابن ماجه: في النكاح - باب: الرجل يتزوج ولا يفرض لها فيموت على ذلك برقم (1891) 1 / 609. وابن حبان: برقم (1263-1264-1265) ص 308 من موارد الظمآن. والإمام أحمد في المسند: 4 / 279-280 عن ابن مسعود. وانظر: نصب الراية 3 / 201-202 التلخيص الحبير 3 / 191-192. إرواء الغليل 6 / 357-360.","part":1,"page":286},{"id":316,"text":"الزوج إن كانت ثيبا من أهل العفو، أو يعفو وليها فيترك نصيبها إن كانت المرأة بكرا أو غير جائزة الأمر فيجوز عفو وليها وهو قول علقمة وعطاء والحسن والزهري وربيعة، وذهب بعضهم إلى أنه إنما يجوز عفو الولي إذا كانت المرأة بكرا فإن كانت ثيبا فلا يجوز عفو وليها، وقال بعضهم: الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، وهو قول علي، وبه قال سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والشعبي وشريح ومجاهد وقتادة، وقالوا: لا يجوز لوليها ترك الشيء من الصداق، بكرا كانت أو ثيبا كما لا يجوز له ذلك قبل الطلاق بالاتفاق وكما لا يجوز له أن يهب شيئا من مالها، وقالوا: معنى الآية إلا أن تعفو المرأة بترك نصيبها فيعود جميع الصداق إلى الزوج أو يعفو الزوج بترك نصيبه فيكون لها جميع الصداق، فعلى هذا التأويل وجه الآية: الذي بيده عقدة النكاح نكاح نفسه في كل حال قبل الطلاق أو بعده { وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } موضعه رفع الابتداء أي فالعفو أقرب للتقوى، أي إلى التقوى، والخطاب للرجال والنساء جميعا لأن المذكر والمؤنث إذا اجتمعا كانت الغلبة للمذكر معناه: وعفو بعضكم عن بعض أقرب للتقوى { وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ } أي إفضال بعضكم على بعض بإعطاء الرجل تمام الصداق أو ترك المرأة نصيبها، حثهما جميعا على الإحسان { إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }","part":1,"page":287},{"id":317,"text":"{ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239) }\rقوله تعالى: { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى } أي واظبوا وداوموا على الصلوات المكتوبات بمواقيتها وحدودها وإتمام أركانها، ثم خص من بينها الصلاة الوسطى بالمحافظة عليها دلالة على فضلها، والوسطى تأنيث الأوسط، ووسط الشيء: خيره وأعدله واختلف العلماء من الصحابة ومن بعدهم في الصلاة الوسطى فقال قوم: هي صلاة الفجر، وهو قول عمر وابن عمر وابن عباس ومعاذ وجابر، وبه قال عطاء وعكرمة ومجاهد، وإليه مال مالك والشافعي، لأن الله تعالى قال: { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } والقنوت طول القيام، وصلاة الصبح مخصوصة بطول القيام وبالقنوت لأن الله تعالى خصها في آية أخرى من بين الصلوات فقال الله: \"وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا\"( 78-الإسراء )، يعني تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار، فهي مكتوبة في ديوان الليل وديوان النهار، ولأنها بين صلاتي جمع وهي لا تقصر ولا تجمع إلى غيرها.\rوذهب قوم إلى أنها صلاة الظهر، وهو قول زيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وأسامة بن زيد، لأنها في وسط النهار وهي أوسط صلاة النهار في الطول.","part":1,"page":287},{"id":318,"text":"أخبرنا عمر بن عبد العزيز أخبرنا أبو القاسم بن جعفر الهاشمي أنا أبو علي اللؤلؤي أنا أبو داود أنا محمد بن المثنى أنا محمد بن جعفر أنا شعبة حدثني عمرو بن أبي حكيم قال: سمعت الزبرقان يحدث عن عروة بن الزبير عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منها، فنزلت: { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى } (1) .\rوذهب الأكثرون إلى أنها صلاة العصر رواه جماعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول علي وعبد الله بن مسعود وأبي أيوب وأبي هريرة وعائشة رضوان الله عليهم وبه قال إبراهيم النخعي وقتادة والحسن.\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن زيد بن أسلم عن القعقاع بن حكيم عن أبي يونس مولى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما أنه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفا وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى } فلما بلغتها آذنتها فأملت علي { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى } \"صلاة العصر\" { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } (2) قالت عائشة رضي الله عنها: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن حفصة مثل ذلك.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان أنا أبو جعفر الرياني أنا حميد بن زنجويه أخبرنا أبو نعيم أنا سفيان عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال: قلنا لعبيدة سل عليا عن الصلاة الوسطى فسأله فقال: كنا نرى أنها صلاة الفجر حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الخندق: \"شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا\" (3) ولأنها صلاتي نهار وصلاتي ليل، وقد خصها النبي صلى الله عليه وسلم بالتغليظ.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا مسلم بن إبراهيم أنا هشام أنا يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي المليح قال: كنا مع\r__________\r(1) أخرجه الإمام أحمد: عن زيد بن ثابت 5 / 183. وأبو داود في الصلاة باب وقت العصر: 1 / 240. والطحاوي في شرح معاني الآثار: 1 / 167. والطبري في التفسير: 5 / 206، والبيهقي: 1 / 458، وعزاه السيوطي أيضا للبخاري في تاريخه الكبير وأبي يعلى والطبراني، انظر: الدر المنثور: 1 / 720، تفسير الطبري بتعليق محمود شاكر 5 / 207.\r(2) رواه مسلم: في المساجد - باب: الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر برقم (629) 1 / 437. والمصنف في شرح السنة 2 / 232.\r(3) رواه البخاري: في تفسير سورة البقرة - باب: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى: 8 / 195. ومسلم: في المساجد - باب: الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر برقم (627) 1 / 436. والمصنف في شرح السنة: 2 / 233-234.","part":1,"page":288},{"id":319,"text":"بريدة في غزوة في يوم ذي غيم فقال: بكروا بصلاة العصر فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله\" (1) .\rوقال قبيصة بن ذؤيب: هي صلاة المغرب لأنها وسط ليس بأقلها ولا بأكثرها، ولم ينقل عن أحد من السلف أنها صلاة العشاء وإنما ذكرها بعض المتأخرين لأنها بين صلاتين لا تقصران، وقال بعضهم هي إحدى الصلوات الخمس لا بعينها، أبهمها الله تعالى تحريضا للعباد على المحافظة على أداء جميعها كما أخفى ليلة القدر في شهر رمضان وساعة إجابة الدعوة في يوم الجمعة وأخفى الاسم الأعظم في الأسماء ليحافظوا على جميعها.\rقوله تعالى: { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } أي مطيعين، قال الشعبي وعطاء وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وطاووس؛ والقنوت: الطاعة، قال الله تعالى \"أمة قانتا\"( 120-النحل ) أي مطيعا.\rوقال الكلبي ومقاتل: لكل أهل دين صلاة يقومون فيها عاصين فقوموا أنتم لله في صلاتكم مطيعين، وقيل القنوت السكوت عما لا يجوز التكلم به في الصلاة.\rأخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي أنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي أنا أبو عيسى الترمذي أنا أحمد بن منيع أنا هشيم أنا إسماعيل بن أبي خالد عن الحارث بن شبيل عن أبي عمرو الشيباني عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة يكلم الرجل منا صاحبه إلى جنبه حتى نزلت { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام (2) .\rوقال مجاهد: خاشعين، وقال: من القنوت طول الركوع وغض البصر والركود وخفض الجناح، كان العلماء إذا قام أحدهم يصلي يهاب الرحمن أن يلتفت أو يقلب الحصى أو يعبث بشيء أو يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا إلا ناسيا، وقيل: المراد من القنوت طول القيام.\rأخبرنا أبو عثمان الضبي أنا أبو محمد الجراحي أنا أبو العباس المحبوبي أنا أبو عيسى الترمذي أنا ابن أبي عمر أنا سفيان بن عيينة عن أبي الزبير عن جابر قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم 41/أ أي الصلاة أفضل؟ قال: \"طول القنوت\" (3) وقيل { قَانِتِين } أي داعين.\r__________\r(1) رواه البخاري: في المواقيت: باب: من ترك العصر 2 / 31 باب التبكير في الصلاة في يوم غيم. والمصنف في شرح السنة: 2 / 213-237.\r(2) رواه البخاري: في العمل في الصلاة - باب: ما ينهى من الكلام ف الصلاة 3 / 73 وفي التفسير. ومسلم: في المساجد - باب: تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحة برقم (539) 1 / 383.\r(3) رواه مسلم: في صلاة المسافرين - باب: أفضل الصلاة طول القنوت برقم (756) 1 / 520. والمصنف في شرح السنة: 3 / 152-153.","part":1,"page":289},{"id":320,"text":"دليله ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا متتابعا يدعو على أحياء من سليم على رعل وذكوان وعصية، (1) وقيل معناه مصلين لقوله تعالى \"أمن هو قانت آناء الليل\"( 9-الزمر ) أي مصل.\rقوله تعالى: { فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا } { فرجالا } أي رجالة يقال: راجل ورجال مثل صاحب وصحاب وقائم وقيام ونائم ونيام { أَوْ رُكْبَانًا } على دوابهم وهو جمع راكب، معناه إن لم يمكنكم أن تصلوا قانتين موفين للصلاة حقها لخوف فصلوا مشاة على أرجلكم أو ركبانا على ظهور دوابكم، وهذا في حال المقاتلة والمسايفة يصلي حيث كان وجهه راجلا أو راكبا مستقبل القبلة وغير مستقبلها ويومئ بالركوع والسجود ويجعل السجود أخفض من الركوع، وكذلك إذا قصده سبع أو غشيه سيل يخاف منه على نفسه فعدا أمامه مصليا بالإيماء يجوز.\rوالصلاة في حال الخوف على أقسام فهذه صلاة شدة الخوف وسائر الأقسام سيأتي بيانها في سورة النساء إن شاء الله تعالى، ولا ينتقص عدد الركعات بالخوف عند أكثر أهل العلم، وروى عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة (2) وهو قول عطاء وطاووس والحسن ومجاهد وقتادة: أنه يصلي في حال شدة الخوف ركعة، وقال سعيد بن جبير: إذا كنت في القتال وضرب الناس بعضهم بعضا فقل \"سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر واذكر الله فتلك صلاتك\" { فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ } أي فصلوا الصلوات الخمس تامة بحقوقها { كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ }\r{ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240) }\rقوله تعالى: { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ } يا معشر الرجال { وَيَذَرُون } أي يتركون { أَزْوَاجًا } أي زوجات { وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِمْ } قرأ أهل البصرة وابن عامر وحمزة وحفص وصية بالنصب على معنى\r__________\r(1) رواه البخاري في الوتر - باب: القنوت قبل الركوع وبعده 2 / 490 ورواية البخاري عن أنس قال \"قنت رسول الله صلى الله عليه سلم شهرا يدعو على رعل وذكوان وقد روى الحديث أحمد وأبو داود في الصلاة باب القنوت في الصلوات. والمصنف في شرح السنة: 3 / 122.\r(2) رواه مسلم: في المسافرين - باب: صلاة المسافرين وقصرها برقم (687) 1 / 479.","part":1,"page":290},{"id":321,"text":"فليوصوا وصية، وقرأ الباقون بالرفع أي كتب عليكم الوصية { مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ } متاعا نصب على المصدر أي متعوهن متاعا، وقيل: جعل الله ذلك لهن متاعا، والمتاع نفقة سنة لطعامها وكسوتها وسكنها وما تحتاج إليه { غَيْرَ إِخْرَاجٍ } نصب على الحال، وقيل بنزع حرف على الصفة أي من غير إخراج، نزلت هذه الآية في رجل من أهل الطائف يقال له حكيم بن الحارث هاجر إلى المدينة وله أولاد ومعه أبواه وامرأته فمات، فأنزل الله هذه الآية فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم والديه وأولاده من ميراثه ولم يعط امرأته شيئا، وأمرهم أن ينفقوا عليها من تركة زوجها حولا كاملا وكانت عدة الوفاة في ابتداء الإسلام حولا كاملا وكان يحرم على الوارث إخراجها من البيت قبل تمام الحول، وكانت نفقتها وسكناها واجبة في مال زوجها تلك السنة ما لم تخرج، ولم يكن لها الميراث، فإن خرجت من بيت زوجها سقطت نفقتها، وكان على الرجل أن يوصي بها فكان كذلك حتى نزلت آية الميراث، فنسخ الله تعالى نفقة الحول بالربع والثمن، ونسخ عدة الحول بأربعة أشهر وعشر.\rقوله تعالى: { فَإِنْ خَرَجْنَ } يعني من قبل أنفسهن قبل الحول من غير إخراج الورثة { فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } يا أولياء الميت { فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ } يعني التزين للنكاح، ولرفع الجناح عن الرجال وجهان:\rأحدهما: لا جناح عليكم في قطع النفقة إذا خرجن قبل انقضاء الحول.\rوالآخر: لا جناح عليكم في ترك منعهن من الخروج لأن مقامها في بيت زوجها حولا غير واجب عليها خيرها الله تعالى بين أن تقيم حولا ولها النفقة والسكنى، وبين أن تخرج فلا نفقة ولا سكنى إلى أن نسخه بأربعة أشهر وعشر.\r{ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }\r{ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242) }\r{ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ } إنما أعاد ذكر المتعة هاهنا لزيادة معنى، وذلك أن في غيرها بيان حكم غير الممسوسة، وفي هذه الآية بيان حكم جميع المطلقات في المتعة، وقيل: إنه لما نزل قوله تعالى: { ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره } إلى قوله { حقا على المحسنين }( 236-البقرة ) قال رجل من المسلمين: إن أحسنت فعلت، وإن لم أرد ذلك لم أفعل، فقال الله تعالى: { وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ } جعل المتعة لهن بلام التمليك فقال: { حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ } يعني المؤمنين المتقين الشرك.","part":1,"page":291},{"id":322,"text":"{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (243) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245) }\rقوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ } قال أكثر أهل التفسير: كانت قرية يقال لها: داوردان قبل واسط بها وقع الطاعون، فخرجت طائفة منها وبقيت طائفة، فهلك أكثر من بقي في القرية وسلم الذين خرجوا، فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين، فقال الذين بقوا: أصحابنا كانوا أحزم منا، لو صنعنا كما صنعوا لبقينا، ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن إلى أرض لا وباء بها، فوقع الطاعون من قابل فهرب عامة أهلها، وخرجوا حتى نزلوا واديا أفيح (1) فلما نزلوا المكان الذي يبتغون فيه النجاة ناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه: أن موتوا فماتوا جميعا.\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام فلما جاء سرع (2) بلغه أن الوباء قد وقع بالشام فأخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه\" (3) فرجع عمر من سرغ، قال الكلبي ومقاتل والضحاك: إنما فروا من الجهاد وذلك أن ملكا من ملوك بني إسرائيل أمرهم أن يخرجوا إلى قتال عدوهم، فعسكروا ثم جبنوا وكرهوا الموت فاعتلوا وقالوا لملكهم: إن الأرض التي تأتيها بها الوباء فلا نأتيها حتى ينقطع منها الوباء، فأرسل الله عليهم الموت فخرجوا من ديارهم فرارا من الموت فلما رأى الملك ذلك قال: اللهم رب يعقوب وإله موسى قد ترى معصية عبادك فأرهم آية في أنفسهم حتى يعلموا أنهم لا يستطيعون الفرار منك، فلما خرجوا قال لهم الله تعالى: موتوا، عقوبة لهم، فماتوا جميعا وماتت دوابهم كموت رجل واحد فأتى عليهم ثمانية أيام حتى انتفخوا وأروحت أجسادهم فخرج إليهم الناس فعجزوا\r__________\r(1) واسعا.\r(2) بفتح أوله وسكون ثانيه ثم غين معجمة والمهملة لغة فيه: أول الحجاز وآخر الشام، وقيل: قرية بوادي تبوك انظر مراصد الإطلاع 2 / 707-708.\r(3) رواه مالك في الموطأ كتاب الجامع برقم 22،23،24. رواه البخاري: في الطب باب: ما يذكر في الطاعون 10 / 179. ومسلم: في السلام - باب: الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها برقم (2219) 4 / 1742.","part":1,"page":292},{"id":323,"text":"عن دفنهم، فحظروا عليهم حظيرة دون السباع وتركوهم فيها (1) .\rواختلفوا في مبلغ عددهم، قال عطاء الخراساني: كانوا ثلاثة آلاف، وقال وهب: أربعة آلاف وقال مقاتل والكلبي: ثمانية آلاف، وقال أبو روق: عشرة آلاف، وقال السدي: بضعة وثلاثون ألفا، وقال ابن جريج: أربعون ألفا، وقال عطاء بن أبي رباح: سبعون ألفا، وأولى الأقاويل: قول من قال كانوا زيادة على عشرة آلاف، لأن الله تعالى قال \"وهم ألوف\" والألوف جمع الكثير وجمعه القليل آلاف، ولا يقال لما دون عشرة آلاف ألوف، قالوا: فأتت على ذلك مدة وقد بليت أجسادهم وعريت عظامهم فمر عليهم نبي يقال له حزقيل بن بودى ثالث خلفاء بني إسرائيل من بعد موسى عليه السلام، وذلك أن القيم بأمر بني إسرائيل كان بعد موسى يوشع بن نون (2) ثم كالب بن يوقنا ثم حزقيل وكان يقال له ابن العجوز لأن أمه كانت عجوزا فسألت الله الولد بعد ما كبرت وعقمت فوهبه الله تعالى لها، قال 41/ب الحسن ومقاتل: هو ذو الكفل وسمي حزقيل ذا الكفل لأنه تكفل بسبعين نبيا وأنجاهم من القتل، فلما مر حزقيل على أولئك الموتى وقف عليهم فجعل يتفكر فيهم متعجبا فأوحى الله تعالى إليه تريد أن أريك آية؟ قال نعم: فأحياهم الله وقيل: دعا حزقيل ربه أن يحييهم فأحياهم.\rوقال مقاتل والكلبي: هم كانوا قوم حزقيل أحياهم الله بعد ثمانية أيام، وذلك أنه لما أصابهم ذلك خرج حزقيل في طلبهم فوجدهم موتى فبكى وقال: يا رب كنت في قوم يحمدونك ويسبحونك ويقدسونك ويكبرونك ويهللونك فبقيت وحيدا لا قوم لي، فأوحى الله تعالى إليه: أني جعلت حياتهم إليك، قال حزقيل: احيوا بإذن الله فعاشوا.\rقال مجاهد: إنهم قالوا حين أحيوا، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت فرجعوا إلى قومهم وعاشوا دهرا طويلا وسحنة الموت على وجوههم، لا يلبسون ثوبا إلا عاد دسما مثل الكفن حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم.\rقال ابن عباس رضي الله عنهما: وإنها لتوجد اليوم في ذلك السبط من اليهود تلك الريح، قال قتادة:\r__________\r(1) ذكر ابن عطية رحمه الله بعض الروايات في ذلك ثم قال: وهذا القصص كله لين الأسانيد، وإنما اللازم من الآية أن الله تعالى أخبر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أخبارا في عبارة التنبيه والتوقيف عن قوم من البشر خرجوا من ديارهم فرارا من الموت فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم ليروا هم وكل من خلف بعدهم: أن الإماتة إنما هي بيد الله لا بيد غيره، فلا معنى لخوف خائف، ولا اغترار مغتر. وجعل الله تعالى هذه الآية مقدمة بين يدي أمره المؤمنين، من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، بالجهاد، هذا قول الطبري، وهو ظاهر وصف الآية، ولموردي القصص في هذه القصة زيادات اختصرتها لضعفها\" المحرر الوجيز لابن عطية: 2 / 345.\r(2) ذكر ابن كثير - رحمه الله هذا القول عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة وقال: قال: ابن جرير يعني أفرايم بن يوسف بن يعقوب وهذا القول بعيد لأن هذا كان بعد موسى بدهر طويل، وكان ذلك في زمان داود عليه السلام كما هو مصرح به في القصة، وقد كان بين داود وموسى ماينيف على ألف سنة والله أعلم. ابن كثير: 1 / 533 بتخريج الوادعي.","part":1,"page":293},{"id":324,"text":"مقتهم الله على فرارهم من الموت فأماتهم عقوبة لهم ثم بعثوا ليستوفوا مدة آجالهم [ولو جاءت آجالهم] (1) ما بعثوا فذلك قوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ } أي ألم تعلم بإعلامي إياك، وهو من رؤية القلب.\rقال أهل المعاني: هو تعجيب يقول هل رأيت مثلهم؟ كما تقول: ألم تر إلى ما يصنع فلان؟ وكل ما في القرآن ألم تر ولم يعاينه النبي صلى الله عليه وسلم فهذا وجهه { إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ } جمع ألف وقيل مؤتلفة قلوبهم جمع آلف مثل قاعد وقعود، والصحيح أن المراد منه العدد { حَذَرَ الْمَوْتِ } أي خوف الموت { فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا } أمر تحويل كقوله \"كونوا قردة خاسئين\"( 65-البقرة ) { ثُمَّ أَحْيَاهُمْ } بعد موتهم { إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ } قيل هو على العموم في حق الكافة في الدنيا، وقيل على الخصوص في حق المؤمنين { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ } أما الكفار فلم يشكروا وأما المؤمنون فلم يبلغوا غاية الشكر.\r{ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } أي في طاعة الله أعداء الله { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } قال أكثر أهل التفسير: هذا خطاب للذين أحيوا أمروا بالقتال في سبيل الله فخرجوا من ديارهم فرارا من الجهاد فأماتهم الله ثم أحياهم وأمرهم أن يجاهدوا: وقيل: الخطاب لهذه الأمة، أمرهم بالجهاد.\rقوله تعالى: { مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } القرض اسم لكل ما يعطيه الإنسان ليجازى عليه، فسمى الله تعالى عمل المؤمنين له على رجاء ما وعدهم من الثواب قرضا، لأنهم يعملونه لطلب ثوابه، قال الكسائي: القرض ما أسلفت من عمل صالح أو سيئ، وأصل القرض في اللغة القطع، سمي به القرض لأنه يقطع من ماله شيئا يعطيه ليرجع إليه مثله، وقيل في الآية اختصار مجازه: من ذا الذي يقرض عباد الله والمحتاجين من خلقه، كقوله تعالى: \"إن الذين يؤذون الله ورسوله\"( 57-الأحزاب ) أي يؤذون عباد الله، كما جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن الله تعالى يقول يوم القيامة يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي\" (2) .\rقوله تعالى: { يُقْرِضُ اللَّهَ } أي ينفق في طاعة الله { قَرْضًا حَسَنًا } قال الحسين بن علي الواقدي: يعني محتسبا، طيبة بها نفسه، وقال ابن المبارك: من مال حلال وقيل لا يمن به ولا يؤذي { فَيُضَاعِفَهُ لَهُ } قرأ ابن كثير وأبو جعفر وابن عامر ويعقوب \" فيضعفه \" وبابه بالتشديد، ووافق أبو عمرو في سورة الأحزاب وقرأ الآخرون \"فيضاعفه \" بالألف مخففا وهما لغتان، ودليل التشديد قوله\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) رواه مسلم: في البر - باب: فضل عيادة المريض برقم (2569) 4 / 1990.","part":1,"page":294},{"id":325,"text":"{ أَضْعَافًا كَثِيرَةً } لأن التشديد للتكثير، وقرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب بنصب الفاء، وكذلك في سورة الحديد على جواب الاستفهام، وقيل بإضمار أن، وقرأ الآخرون برفع الفاء نسقا على قوله: يقرض { أَضْعَافًا كَثِيرَةً } قال السدي هذا التضعيف لا يعلمه إلا الله عز وجل، وقيل سبعمائة ضعف { وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ } قرأ أهل البصرة وحمزة يبسط، هاهنا وفي الأعراف، بسطة، بالسين كنظائرهما، وقرأهما الآخرون بالصاد قيل يقبض بإمساك الرزق والنفس والتقتير ويبسط بالتوسيع وقيل يقبض بقبول التوبة والصدقة ويبسط بالخلف والثواب، وقيل هو الإحياء والإماتة فمن أماته فقد قبضه ومن مد له في عمره فقد بسط له، وقيل هذا في القلوب، لما أمرهم الله تعالى بالصدقة أخبر أنهم لا يمكنهم ذلك إلا بتوفيقه، قال: يقبض بعض القلوب فلا ينشط بخير ويبسط بعضها فيقدم لنفسه خيرا كما جاء في الحديث \"القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها الله كيف يشاء\" (1) الحديث.\r{ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } أي إلى الله تعودون فيجزيكم بأعمالكم، وقال قتادة: الهاء راجعة إلى التراب كناية عن غير مذكور، أي من التراب خلقهم وإليه يعودون.\r__________\r(1) رواه مسلم: في القدر - باب: تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء برقم (2654) 4 / 2045. والمصنف في شرح السنة 1 / 165.","part":1,"page":295},{"id":326,"text":"{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) }\rقوله تعالى { أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل } والملأ من القوم: وجوههم وأشرافهم، وأصل الملأ الجماعة من الناس ولا واحد له من لفظه، كالقوم والرهط والإبل والخيل والجيش وجمعه أملاء { مِنْ بَعْدِ مُوسَى } أي من بعد موت موسى { إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ } واختلفوا في ذلك النبي فقال قتادة هو يوشع بن نون بن افرائيم بن يوسف عليه السلام وقال السدي: اسمه شمعون، وإنما سمي شمعون، لأن أمه دعت الله أن يرزقها غلاما فاستجاب الله دعاءها فولدت غلاما فسمته سمعون تقول سمع الله تعالى دعائي والسين تصير شينا بالعبرانية، وهو شمعون بن صفية بن علقمة من ولد لاوي بن يعقوب، وقال سائر المفسرين: هو اشمويل وهو بالعبرانية إسماعيل بن يال بن علقمة، وقال مقاتل: هو من نسل هارون، وقال مجاهد: هو أشمويل وهو بالعبرانية إسماعيل بن يال بن علقمة.","part":1,"page":295},{"id":327,"text":"وقال وهب وابن إسحاق والكلبي وغيرهم: كان سبب مسألتهم إياه ذلك لما مات موسى عليه السلام خلف بعده في بني إسرائيل يوشع بن نون، يقيم فيهم التوراة وأمر الله تعالى حتى قبضه الله تعالى، ثم خلف فيهم كالب كذلك حتى قبضه الله تعالى، ثم خلف حزقيل حتى قبضه الله، ثم عظمت الأحداث في بني إسرائيل ونسوا عهد لله حتى عبدوا الأوثان، فبعث الله إليهم إلياس نبيا فدعاهم إلى الله تعالى، وكانت الأنبياء من بني إسرائيل من بعد موسى يبعثون إليهم بتجديد ما نسوا من التوراة، ثم خلف من بعد إلياس اليسع فكان فيهم ما شاء الله ثم قبضه الله، وخلف فيهم الخلوف وعظمت الخطايا فظهر لهم عدو يقال له البلشاثا، وهم قوم جالوت كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين وهم العمالقة فظهروا على 42/أ بني إسرائيل وغلبوا على كثير من أرضهم وسبوا كثيرا من ذراريهم وأسروا من أبناء ملوكهم أربعين وأربعمائة غلاما، فضربوا عليهم الجزية وأخذوا توراتهم، ولقي بنو إسرائيل منهم بلاء وشدة ولم يكن لهم نبي يدير أمرهم، وكان سبط النبوة قد هلكوا، فلم يبق منهم إلا امرأة حبلى فحبسوها في بيت رهبة أن تلد جارية فتبدلها بغلام لما ترى من رغبة بني إسرائيل في ولدها وجعلت المرأة تدعو الله أن يرزقها غلاما فولدت غلاما، فسمته أشمويل تقول: سمع الله تعالى دعائي، فكبر الغلام فأسلمته ليتعلم التوراة في بيت المقدس وكفله شيخ من علمائهم وتبناه، فلما بلغ الغلام أتاه جبريل وهو نائم إلى جنب الشيخ وكان لا يأتمن عليه أحدا فدعاه جبريل بلحن الشيخ يا أشمويل، فقام الغلام فزعا إلى الشيخ فقال: يا أبتاه دعوتني؟ فكره الشيخ أن يقول لئلا فيفزع الغلام فقال يا بني ارجع فنم، فرجع الغلام فنام ثم دعاه الثانية فقال الغلام يا أبت دعوتني؟ فقال ارجع فنم فإن دعوتك الثالثة فلا تجبني( فرجع الغلام فنام ) (1) فلما كانت الثالثة ظهر له جبريل فقال له: اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك، فإن الله عز وجل قد بعثك فيهم نبيا، فلما أتاهم كذبوه وقالوا: استعجلت بالنبوة ولم تنلك، وقالوا له: إن كنت صادقا فابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله، آية من نبوتك، وإنما كان قوام أمر بني إسرائيل بالاجتماع على الملوك وطاعة الملوك لأنبيائهم، فكان الملك هو الذي يسير بالجموع، والنبي يقيم له أمره ويشير عليه برشده ويأتيه بالخبر من ربه، قال وهب بن منبه: بعث الله تعالى أشمويل نبيا فلبثوا أربعين سنة بأحسن حال، ثم كان من أمر جالوت والعمالقة ما كان فقالوا لأشمويل: { ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } جزم على جواب الأمر فلما قالوا له ذلك { قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ } استفهام شك.\rقرأ نافع: عسيتم بكسر السين كل القرآن، وقرأ الباقون بالفتح وهي اللغة الفصيحة بدليل قوله تعالى: { عسى ربكم } { إِنْ كُتِبَ } فرض { عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ } مع ذلك الملك { أَلا تُقَاتِلُوا } أن لا تفوا بما تقولوا معه { قَالُوا وَمَا لَنَا أَلا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّه } فإن قيل فما وجه دخول أن في هذا الموضع والعرب لا تقول مالك أن لا تفعل وإنما يقال ما لك لا تفعل؟ قيل: دخول أن وحذفها لغتان صحيحتان\r__________\r(1) ساقط من ب، ومن المطبوع.","part":1,"page":296},{"id":328,"text":"فالإثبات كقوله تعالى: \"ما لك أن لا تكون مع الساجدين\"( 32-الحجر ) والحذف كقوله تعالى: \"ما لكم لا تؤمنون بالله\"( 8-الحديد ) وقال الكسائي: معناه وما لنا في أن لا نقاتل فحذف \"في\" وقال الفراء: أي وما يمنعنا أن لا نقاتل في سبيل الله كقوله تعالى: \"ما منعك أن لا تسجد\"( 12-الأعراف ) وقال الأخفش: \"أن\" هاهنا زائدة معناه: وما لنا لا نقاتل في سبيل الله { وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا } أي أخرج من غلب عليهم من ديارهم، ظاهر الكلام العموم وباطنه الخصوص، لأن الذين قالوا لنبيهم: ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله كانوا في ديارهم وأوطانهم وإنما أخرج من أسر منهم، ومعنى الآية أنهم قالوا مجيبين لنبيهم: إنما كنا نزهد في الجهاد إذ كنا ممنوعين في بلادنا لا يظهر علينا عدونا، فأما إذا بلغ ذلك منا فنطيع ربنا في الجهاد ونمنع نساءنا وأولادنا.\rقال الله تعالى: { فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا } أعرضوا عن الجهاد وضيعوا أمر الله { إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ } الذين عبروا النهر مع طالوت واقتصروا على الغرفة على ما سيأتي إن شاء الله تعالى، { وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ }\r{ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) }\r{ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا } وذلك أن أشمويل سأل الله تعالى أن يبعث لهم ملكا فأتى بعصا وقرن (1) فيه دهن القدس وقيل: له إن صاحبكم الذي يكون ملكا طوله طول هذه العصا وانظر هذا القرن الذي فيه الدهن فإذا دخل عليك رجل فنش (2) الدهن الذي في القرن فهو ملك بني إسرائيل فادهن به رأسه وملكه عليهم، وكان طالوت اسمه بالعبرانية شاول بن قيس من أولاد بنيامين بن يعقوب سمي طالوت لطوله وكان أطول من كل أحد برأسه ومنكبيه، وكان رجلا دباغا يعمل الأديم (3) قاله وهب، وقال السدي: كان رجلا سقاء يسقي على حمار له من النيل فضل حماره فخرج في طلبه، وقيل كان خربندجا، وقال وهب: بل ضلت حمر لأبي طالوت فأرسله وغلاما له في طلبها فمر ببيت أشمويل فقال الغلام لطالوت: لو دخلنا على هذا النبي فسألناه عن أمر الحمر ليرشدنا ويدعو لنا، فدخلا عليه فبينما هما عنده يذكران له شأن الحمر إذ نش الدهن الذي في القرن فقام أشمويل عليه السلام فقاس\r__________\r(1) أراد القنينة التي يكون فيها الدهن والطيب، وكأنهم كانوا يتخذونها من قرون البقر وغيرها.\r(2) نش الماء ينش نشا ونشيشأ: إذا صوت عند الغليان.\r(3) الجلد أول ما يدبغ فإذا رد في الدباغ مرة أخرى فهو اللديم.","part":1,"page":297},{"id":329,"text":"طالوت بالعصا فكانت طوله، فقال لطالوت قرب رأسك فقربه فدهنه بدهن القدس، ثم قال له: أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله تعالى أن أملكك عليهم فقال طالوت: أما علمت أن سبطي أدنى أسباط بني إسرائيل وبيتي أدنى بيوت بني إسرائيل؟( قال بلى ) (1) قال فبأي آية قال: بآية أنك ترجع وقد وجد أبوك حمره فكان كذلك.\rثم قال لبني إسرائيل: إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا { قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا } أي من أين يكون له الملك علينا { وَنَحْنُ أَحَقُّ } أولى { بِالْمُلْكِ مِنْهُ } وإنما قالوا ذلك لأنه كان في بني إسرائيل سبطان: سبط نبوة وسبط مملكة، فكان سبط النبوة سبط لاوي بن يعقوب ومنه كان موسى وهارون وسبط المملكة سبط يهوذا بن يعقوب ومنه كان داود وسليمان ولم يكن طالوت من أحدهما إنما كان من سبط بنيامين بن يعقوب وكانوا عملوا ذنبا عظيما، كانوا ينكحون النساء على ظهر الطريق نهارا فغضب الله تعالى عليهم ونزع الملك والنبوة عنهم وكانوا يسمونه سبط الإثم، فلما قال لهم نبيهم ذلك أنكروا عليه لأنه لم يكن من سبط المملكة ومع ذلك قالوا هو فقير { وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ } اختاره { عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً } فضيلة وسعة { فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ } وذلك أنه كان أعلم بني إسرائيل في وقته وقيل: إنه أتاه الوحي حين أوتي الملك، وقال الكلبي { وزاده بسطة في العلم } بالحرب وفي( الجسم ) بالطول وقيل الجسم بالجمال وكان طالوت أجمل رجل في بني إسرائيل وأعلمهم { وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } قيل الواسع ذو السعة وهو الذي يعطي عن غنى، والعليم العالم، وقيل العالم بما كان والعليم بما يكون فقالوا له: فما آية ملكه؟ فقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فذلك قوله تعالى: { وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ }\r{ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248) }\r{ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ } وكانت قصة التابوت أن الله تعالى أنزل تابوتا على آدم فيه صورة الأنبياء عليهم السلام، وكان من عود الشمشاذ نحوا من ثلاثة أذرع في ذراعين، فكان عند آدم إلى أن مات ثم بعد ذلك عند شيث ثم توارثها أولاد آدم إلى أن بلغ إبراهيم، ثم كان عند إسماعيل لأنه كان أكبر ولده ثم عند يعقوب ثم كان في بني إسرائيل إلى أن وصل إلى موسى فكان موسى يضع فيه التوراة ومتاعا من متاعه، فكان عنده إلى أن مات موسى عليه السلام، ثم تداولته\r__________\r(1) ساقط من(أ).","part":1,"page":298},{"id":330,"text":"أنبياء بني إسرائيل إلى وقت أشمويل وكان فيه ذكر الله تعالى (1) { فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ } اختلفوا في السكينة 42/ب ما هي قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ريح خجوج هفافة لها رأسان ووجه كوجه الإنسان، وعن مجاهد: شيء يشبه الهرة له رأس كرأس الهرة وذنب كذنب الهرة وله جناحان، وقيل له عينان لهما شعاع وجناحان من زمرد وزبرجد فكانوا إذا سمعوا صوته تيقنوا بالنصر وكانوا إذا خرجوا وضعوا التابوت قدامهم فإذا سار ساروا وإذا وقف وقفوا.\rوعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هي طست من ذهب من الجنة كان يغسل فيه قلوب الأنبياء، وعن وهب بن منبه قال: هي روح من الله يتكلم إذا اختلفوا في شيء تخبرهم ببيان ما يريدون (2) ، وقال عطاء بن أبي رباح: هي ما يعرفون من الآيات فيسكنون إليها، وقال قتادة والكلبي: السكينة فعيلة من السكون أي طمأنينة من ربكم ففي أي مكان كان التابوت اطمأنوا إليه وسكنوا (3) { وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ } يعني موسى وهارون أنفسهما كان فيه لوحان من التوراة ورضاض الألواح التي تكسرت وكان فيه عصا موسى ونعلاه وعمامة هارون وعصاه وقفيز من المن الذي كان ينزل على بني إسرائيل، فكان التابوت عند بني إسرائيل وكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلم وحكم بينهم وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم فيستفتحون به على عدوهم فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت.\rوكان السبب في ذلك أنه كان لعيلى العالم الذي ربى إشمويل عليه السلام ابنان شابان وكان عيلى حبرهم وصاحب قربانهم فأحدث ابناه في القربان شيئا لم يكن فيه وذلك أنه كان لعيلى منوط القربان الذي كانوا ينوطونه به كلابين، فما أخرجا كان للكاهن الذي ينوطه، فجعل ابناه كلاليب وكان النساء يصلين في بيت المقدس فيتشبثان بهن فأوحى الله تعالى إلى إشمويل عليه السلام انطلق إلى عيلى فقل له منعك حب الولد من أن تزجر ابنيك عن أن يحدثا في قرباني وقدسي وأن يعصياني فلأنزعن الكهانة منك ومن ولدك ولأهلكنك وإياهم، فأخبر إشمويل عيلى بذلك ففزع فزعا شديدا فسار إليهم عدو ممن حولهم\r__________\r(1) هذا الكلام عن التابوت وهيئته وتوارثه ... إلخ ليس فيه شيء ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولو ثبت ما جاء في التفسير له عن بعض الصحابة أو التابعين، فإنه يبقى محتملا للصدق والكذب، لأن ثبوت القول ونسبته للصحابي في هذه الأمور لا يعني صحته في واقع الأمر، وعلى كل حال لا يتوقف فهم الآيات الكريمة على شيء مما ذكر، والله أعلم.\r(2) ليس في السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على شيء من هذا التفسير للسكينة، وهي منقولة عن أهل الكتاب، ولسنا بحاجة إلى شيء من ذلك لتفسير الآية الكريمة، وانظر: الإسرائيليات والموضوعات للشيخ أبي شهبة ص(240).\r(3) قال ابن عطية، رحمه الله، مرجحا هذا المعنى: \"والصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء وآثارهم، فكانت النفوس تسكن إلى ذلك، وتأنس به وتقوى، فالمعهود أن الله ينصر الحق والأمور الفاضلة عنده، والسكينة على هذا: فعيلة مأخوذة من السكون، كما يقال: عزم عزيمة، وقطع قطيعة\". المحرر الوجيز لابن عطية: 2 / 361. وانظر: تفسير الطبري: 5 / 329-230.","part":1,"page":299},{"id":331,"text":"فأمر ابنيه أن يخرجا بالناس فيقاتلا ذلك العدو فخرجا وأخرجا معهما التابوت فلما تهيؤوا للقتال جعل عيلى يتوقع الخبر ماذا صنعوا فجاءه رجل وهو قاعد على كرسيه وأخبره أن الناس قد انهزموا وأن ابنيك قد قتلا قال فما فعل التابوت؟ قال ذهب به العدو، فشهق ووقع على قفاه من كرسيه ومات فمرج أمر بني إسرائيل وتفرقوا إلى أن بعث الله طالوت ملكا فسألوه البينة فقال لهم نبيهم: إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت.\rوكانت قصة التابوت، أن الذين سبوا التابوت أتوا به قرية من قرى فلسطين يقال لها ازدود وجعلوه في بيت صنم لهم، ووضعوه تحت الصنم الأعظم، فأصبحوا من الغد والصنم تحته فأخذوه ووضعوه فوقه وسمروا قدمي الصنم على التابوت فأصبحوا وقد قطعت يد الصنم ورجلاه وأصبح ملقى تحت التابوت وأصبحت أصنامهم منكسة فأخرجوه من بيت الصنم ووضعوه في ناحية من مدينتهم فأخذ أهل تلك الناحية وجع في أعناقهم حتى هلك أكثرهم فقال بعضهم لبعض: أليس قد علمتم أن إله بني إسرائيل لا يقوم له شيء، فأخرجوه إلى قرية كذا فبعث الله على أهل تلك القرية فأرا فكانت الفأرة تبيت مع الرجل فيصبح ميتا قد أكلت ما في جوفه فأخرجوه إلى الصحراء فدفنوه في مخرأة لهم فكان كل من تبرز هناك أخذه الباسور والقولنج فتحيروا، فقالت لهم امرأة كانت عندهم من سبي بني إسرائيل من أولاد الأنبياء لا تزالون ترون ما تكرهون ما دام هذا التابوت فيكم فأخرجوه عنكم، فأتوا بعجلة بإشارة تلك المرأة وحملوا عليها التابوت ثم علقوها على ثورين وضربوا جنوبهما فأقبل الثوران يسيران ووكل الله تعالى بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما فأقبلا حتى وقفا على أرض بني إسرائيل فكسرا نيريهما وقطعا حبالهما ووضعا التابوت في أرض فيها حصاد بني إسرائيل ورجعا إلى أرضهما فلم يرع بني إسرائيل إلا بالتابوت فكبروا وحمدوا الله (1) فذلك قوله تعالى { تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ } أي تسوقه، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: جاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتى وضعته عند طالوت، وقال الحسن: كان التابوت مع الملائكة في السماء فلما ولي طالوت الملك حملته الملائكة ووضعته بينهم، وقال قتادة بل كان التابوت في التيه خلفه موسى عند يوشع بن نون فبقي هناك فحملته الملائكة حتى وضعته في دار طالوت فأقروا بملكه { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً } لعبرة { لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن\r__________\r(1) كل هذا من أخبار بني إسرائيل الذين غيروا وبدلوا، فالله أعلم بصحتها.","part":1,"page":300},{"id":332,"text":"التابوت وعصا موسى في بحيرة طبرية وأنهما يخرجان قبل يوم القيامة (1) .\r__________\r(1) يقول الشيخ أبو شهبة رحمه الله: \"والذي نقطع به، ويجب الإيمان به: أنه كان في بني إسرائيل تابوت - أي صندوق - من غير بحث في حقيقته، وهيئته، ومن أين جاء، إذ ليس في ذلك خبر صحيح عن المعصوم، وأن هذا التابوت كان فيه مخلفات من مخلفات موسى وهارن - عليهما السلام - مع احتمال أن يكون تعيين ذلك في بعض ما ذكرنا آنفا - مما سبق في البغوي وغيره من روايات - وأن هذا التابوت كان مصدر سكينة وطمأنينة لبني اسرائيل، ولا سيما عند قتالهم عدوهم، وأنه عاد إلى بني إسرائيل، تحمله الملائكة، من غير بحث في الطريق التي حملته بها الملائكة، وبذلك: كان التابوت آية دالة على صدق طالوت في كنه ملكا عليهم، وما وراء ذلك من الأخبار التي سمعتها: لم يقم عليها دليل\" انظر: الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير ص 243. وأما الأستاذ سيد قطب، رحمه الله، فقد أعرض عن كل هذه الروايات الإسرائيلية، ليعرض لنا ما توحي إليه الآيات الكريمة من دروس مستخلصة من تجارب تلك الأمم السابقة، مما جاء القرآن الكريم لتثبيته في النفوس المؤمنة وتربيتها عليه، انظر: في ظلال القرآن: 2 / 260 وما بعدها، طبع دار الشروق.","part":1,"page":301},{"id":333,"text":"{ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) }\r{ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ } أي خرج بهم، وأصل الفصل: القطع، يعني قطع مستقره شاخصا إلى غيره فخرج طالوت من بيت المقدس بالجنود، وهم يومئذ سبعون ألف مقاتل، وقيل: ثمانون ألفا لم يتخلف عنه إلا كبير لهرمه أو مريض لمرضه أو معذور لعذره، وذلك أنهم لما رأوا التابوت لم يشكوا في النصر، فتسارعوا إلى الجهاد، فقال طالوت: لا حاجة لي في كل ما أرى، لا يخرج معي رجل بنى بناء لم يفرغ منه ولا صاحب تجارة يشتغل بها ولا رجل عليه دين ولا رجل تزوج امرأة ولم يبن بها ولا أبتغي إلا الشباب النشيط الفارغ فاجتمع له ثمانون ألفا ممن شرطه وكان في حر شديد فشكوا قلة الماء بينهم وبين عدوهم فقالوا: إن المياه قليلة لا تحملنا فادع الله أن يجري لنا نهرا.\r{ قَالَ } طالوت { إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ } مختبركم ليرى طاعتكم -وهو أعلم -{ بِنَهَر } قال ابن عباس والسدي: هو نهر فلسطين، وقال قتادة نهر بين الأردن وفلسطين عذب { فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي } أي ليس من أهل ديني وطاعتي { وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ } يشربه { فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ } قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو \"غرفة\" بفتح الغين وقرأ الآخرون بضم الغين وهما لغتان، قال الكسائي: الغرفة بالضم الذي يحصل في الكف من الماء إذا غرف، والغرفة: بالفتح الاغتراف فالضم اسم والفتح مصدر { فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ } نصب على الاستثناء واختلفوا في القليل الذين لم يشربوا، فقال","part":1,"page":301},{"id":334,"text":"السدي: كانوا أربعة آلاف وقال غيره: ثلاثمائة وبضعة عشر وهو الصحيح.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عبد الله بن رجاء أنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء قال: كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ولم يجاوز معه إلا مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة (1) .\rويروى ثلاثمائة وثلاثة عشر 43/أ فلما وصلوا إلى النهر وقد ألقي عليهم العطش فشرب منه الكل إلا هذا العدد القليل فمن اغترف غرفة كما أمر الله قوي قلبه وصح إيمانه وعبر النهر سالما وكفته تلك الغرفة الواحدة لشربه وحمله ودوابه، والذين شربوا وخالفوا أمر الله اسودت شفاههم وغلبهم العطش فلم يرووا وبقوا على شط النهر وجبنوا عن لقاء العدو فلم يجاوزوا ولم يشهدوا الفتح.\rوقيل كلهم جاوزوا ولكن لم يحضر القتال إلا الذين لم يشربوا { فَلَمَّا جَاوَزَهُ } يعني النهر { هُو } يعني طالوت { وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ } يعني القليل { قَالُوا } يعني الذين شربوا وخالفوا أمر الله، وكانوا أهل شك ونفاق { لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ } قال ابن عباس رضي الله عنهما والسدي: فانحرفوا ولم يجاوزوا { قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ } يستيقنون { أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ } الذين ثبتوا مع طالوت { كَمْ مِنْ فِئَةٍ } جماعة وهي جمع لا واحد له من لفظه وجمعه فئات وفئون في الرفع وفئين في الخفض والنصب { قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ } بقضائه وإرادته { وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } بالنصر والمعونة.\r{ وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) }\r{ وَلَمَّا بَرَزُوا } يعني طالوت وجنوده يعني المؤمنين { لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ } المشركين ومعنى برزوا صاروا بالبراز من الأرض وهو ما ظهر واستوى { قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا } أنزل واصبب { صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا } قلوبنا { وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ }\r{ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252) }\r{ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ } أي بعلم الله تعالى { وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ } وصفة قتله: قال أهل التفسير (2)\r__________\r(1) رواه البخاري في المغازي: باب: عدة أصحاب بدر. 7 / 290.\r(2) هذه الأقوال عن أهل التفسير بمجملها من الإسرائيليات، ونحن في غنية عنه مما ف أيدينا من الكتاب والسنة، وليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على ما ذكروه، ولسنا في حاجة إلى شيء من هذا في فهم القرآن وتدبره، فلا تلق إليه بالا ... وقد ذكر ابن كثير رحمه الله أن ذلك مما ذكر في الإسرائيليات انظر تفسير ابن كثير 1 / 537 طبع دار الأرقم. الإسرائيليات والموضوعات لشيخ أبي شهبة ص248-249.","part":1,"page":302},{"id":335,"text":"عبر النهر مع طالوت فيمن عبر إيشا أبو داود في ثلاثة عشر ابنا له وكان داود أصغرهم وكان يرمي بالقذافة فقال لأبيه يوما يا أبتاه ما أرمي بقذافتي شيئا إلا صرعته فقال: أبشر يا بني فإن الله جعل رزقك في قذافتك، ثم أتاه مرة أخرى فقال: يا أبتاه لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسدا رابضا فركبته فأخذت بأذنيه فلم يهجني، فقال: أبشر يا بني فإن هذا خير يريده الله بك ثم أتاه يوما آخر فقال: يا أبتاه إني لأمشي بين الجبال فأسبح فما يبقى جبل إلا سبح معي، فقال: أبشر يا بني فإن هذا خير أعطاكه الله تعالى فأرسل جالوت إلى طالوت أن ابرز إلي أو أبرز إلي من يقاتلني فإن قتلني فلكم ملكي وإن قتلته فلي ملككم فشق ذلك على طالوت فنادى في عسكره من قتل جالوت زوجته ابنتي وناصفته ملكي فهاب الناس جالوت فلم يجبه أحد فسأل طالوت نبيهم أن يدعو الله تعالى فدعا الله في ذلك، فأتى بقرن فيه دهن القدس وتنور في حديد فقيل إن صاحبكم الذي يقتل جالوت هو الذي يوضع هذا القرن على رأسه فيغلي الدهن حتى يدهن منه رأسه ولا يسيل على وجهه ويكون على رأسه كهيئة الإكليل ويدخل في هذا التنور فيملؤه ولا يتقلقل فيه، فدعا طالوت بني إسرائيل فجربهم فلم يوافقه منهم أحد فأوحى الله إلى نبيهم أن في ولد إيشا من يقتل الله به جالوت فدعا طالوت إيشا فقال: اعرض علي بنيك فأخرج له اثنى عشر رجلا أمثال السواري (1) فجعل يعرضهم على القرن فلا يرى شيئا فقال: لإيشا هل بقي لك ولد غيرهم فقال لا فقال النبي: يا رب إنه زعم أن لا ولد له غيرهم، فقال كذب، فقال النبي: إن ربي كذبك فقال: صدق الله يا نبي الله إن لي ابنا صغيرا يقال له داود استحييت أن يراه الناس لقصر قامته وحقارته( فخلفته ) (2) في الغنم يرعاها وهو في شعب كذا وكذا، وكان داود رجلا قصيرا مسقاما (3)\r__________\r(1) جمع سارية: وهي الأسطوانة، من حجارة أو آجر، وفي الحديث أنه نهى أن يصلي بين السواري، وذلك في صلاة الجماعة، من أجل انقطاع الصف.\r(2) في أ فجعلته.\r(3) رجل مسقام، وامرأة مسقام أيضا: أي كثير السقم لا يكاد يبرأ.","part":1,"page":303},{"id":336,"text":"مصفارا (1) أزرق (2) أمعر (3) ، فدعاه طالوت، ويقال: بل خرج طالوت إليه فوجد الوادي قد سال بينه وبين الزريبة التي كان يريح إليها، فوجده يحمل شاتين يجيز بهما السيل ولا يخوض بهما الماء فلما رآه قال: هذا هو لا شك فيه، هذا يرحم البهائم فهو بالناس أرحم فدعاه ووضع القرن على رأسه ففاض فقال طالوت: هل لك أن تقتل جالوت وأزوجك ابنتي وأجري خاتمك في ملكي قال: نعم قال: وهل آنست من نفسك شيئا تتقوى به على قتله؟ قال: نعم، أنا أرعى فيجيء الأسد أو النمر أو الذئب فيأخذ شاة فأقوم إليه فأفتح لحييه عنها وأضرقها إلى قفاه، فرده إلى عسكره، فمر داود عليه السلام في طريقه بحجر فناداه الحجر يا داود احملني فإني حجر هارون الذي قتل بي ملك كذا، فحمله في مخلاته، ثم مر بحجر آخر فقال: احملني فإني حجر موسى الذي قتل بي ملك كذا وكذا فحمله في مخلاته، ثم مر بحجر آخر فقال: احملني فإني حجرك الذي تقتل بي جالوت فوضعها في مخلاته، فلما تصافوا للقتال وبرز جالوت وسأل المبارزة انتدب له داود فأعطاه طالوت فرسا ودرعا وسلاحا فلبس السلاح وركب الفرس وسار قريبا ثم انصرف إلى الملك فقال: من حوله جبن الغلام فجاء فوقف على الملك فقال: ما شأنك؟ فقال: إن الله إن لم ينصرني لم يغن عني هذا السلاح شيئا، فدعني أقاتل كما أريد، قال: فافعل ما شئت قال: نعم، فأخذ داود مخلاته فتقلدها وأخذ المقلاع ومضى نحو جالوت وكان جالوت من أشد الرجال وأقواهم، وكان يهزم الجيوش وحده وكان له بيضة (4) فيها ثلاثمائة رطل حديد فلما نظر إلى داود ألقي في قلبه الرعب فقال له: أنت تبرز إلي؟ قال: نعم.\rوكان جالوت على فرس أبلق (5) عليه السلاح التام، قال: فأتيتني بالمقلاع والحجر كما يؤتى الكلب؟ قال: نعم أنت شر من الكلب، قال لا جرم لأقسمن لحمك بين سباع الأرض وطير السماء قال داود: أو يقسم الله لحمك، فقال داود: باسم إله إبراهيم وأخرج حجرا ثم أخرج الآخر وقال: باسم إله إسحاق ووضعه في مقلاعه ثم أخرج الثالث وقال: باسم إله يعقوب ووضعه في مقلاعه فصارت كلها حجرا واحدا ودور داود المقلاع ورمى به فسخر الله له الريح حتى أصاب الحجر أنف البيضة فخالط دماغه وخرج من قفاه وقتل من ورائه ثلاثين رجلا وهزم الله تعالى الجيش وخر جالوت قتيلا فأخذه يجره حتى ألقاه بين يدي طالوت، ففرح المسلمون فرحا شديدا، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين والناس يذكرون داود فجاء داود طالوت وقال انجز لي ما وعدتني، فقال: أتريد ابنة الملك بغير صداق؟ فقال داود: ما\r__________\r(1) من قولهم اصفار لونه: غلبته الصفرة، وذلك من المرض والضعف.\r(2) يريد أزرق العينين، وكانت العرب تتشاءم من الزرق.\r(3) قليل الشعر.\r(4) لباس الرأس في الحرب.\r(5) سواد وبياض وارتفاع التحجيل إلى الفخذين.","part":1,"page":304},{"id":337,"text":"شرطت علي صداقا وليس لي شيء فقال لا أكلفك إلا ما تطيق أنت رجل جريء وفي حيالنا أعداء لنا غلف (1) فإذا قتلت منهم مائتي رجل وجئتني بغلفهم زوجتك ابنتي فأتاهم فجعل كلما قتل واحدا منهم نظم غلفته في خيط حتى نظم غلفهم فجاء بها إلى طالوت فألقى إليه وقال ادفع إلي امرأتي فزوجه ابنته وأجرى خاتمه في ملكه، فمال الناس إلى داود وأحبوه وأكثروا ذكره، فحسده طالوت وأراد قتله فأخبر ذلك ابنة طالوت رجل يقال له ذو العينين فقالت لداود إنك مقتول في هذه الليلة قال: ومن يقتلني؟ قالت أبي 43/ب قال وهل أجرمت جرما قالت: حدثني من لا يكذب ولا عليك أن تغيب هذه الليلة حتى تنظر مصداق ذلك، فقال: لئن كان أراد الله ذلك لا أستطيع خروجا ولكن ائتيني بزق (2) خمر فأتت به فوضعه في مضجعه على السرير وسجاه (3) ودخل تحت السرير فدخل طالوت نصف الليل فقال لها: أين بعلك؟ فقالت: هو نائم على السرير فضربه بالسيف ضربة فسال الخمر فلما وجد ريح الشراب قال: يرحم الله داود ما كان أكثر شربه للخمر، وخرج.\rفلما أصبح علم أنه لم يفعل شيئا فقال: إن رجلا طلبت منه ما طلبت لخليق أن لا يدعني حتى يدرك مني ثأره فاشتد حجابه وحراسه وأغلق دونه أبوابه، ثم إن داود أتاه ليلة وقد هدأت العيون فأعمى الله سبحانه الحجبة وفتح له الأبواب فدخل عليه وهو نائم على فراشه، فوضع سهما عند رأسه وسهما عند رجليه وسهما عن يمينه وسهما عن شماله ثم خرج، فلما استيقظ طالوت بصر بالسهام فعرفها فقال: يرحم الله تعالى داود هو خير مني ظفرت به فقصدت قتله وظفر بي فكف عني ولو شاء لوضع هذا السهم في حلقي وما أنا بالذي آمنه، فلما كانت القابلة أتاه ثانيا وأعمى الله الحجاب فدخل عليه وهو نائم فأخذ إبريق طالوت الذي كان يتوضأ منه وكوزه الذي كان يشرب منه وقطع شعرات من لحيته وشيئا من هدب ثيابه، ثم خرج وهرب وتوارى، فلما أصبح طالوت ورأى ذلك سلط على داود العيون وطلبه أشد الطلب فلم يقدر عليه، ثم إن طالوت ركب يوما فوجد داود يمشي في البرية فقال: اليوم أقتله فركض على أثره، فاشتد داود وكان إذا فزع لم يدرك، فدخل غارا فأوحى الله تعالى إلى العنكبوت فنسج عليه بيتا فلما انتهى طالوت إلى الغار ونظر إلى بناء العنكبوت قال: لو كان دخل هاهنا لخرق بناء العنكبوت فتركه ومضى، فانطلق داود وأتى الجبل مع المتعبدين فتعبد فيه فطعن العلماء والعباد على طالوت في شأن داود فجعل طالوت لا ينهاه أحد عن قتل داود إلا قتله، وأغرى بقتل العلماء فلم يكن يقدر على عالم في بني إسرائيل يطيق قتله إلا قتله، حتى أتى بامرأة تعلم اسم الله الأعظم فأمر خبازه بقتلها فرحمها\r__________\r(1) جمع أغلف، وهو الذي لم يختتن.\r(2) الزق: (بكسر الزاي) جلد شاة يسلخ من رجل واحدة، ومن قبل رأسه وعنقه، ثم يعالج حتى يكون سقاء، وكانوا أكثر ما يتخذونه للخمر.\r(3) غطاه ومد عليه ثوبا.","part":1,"page":305},{"id":338,"text":"الخباز وقال: لعلنا نحتاج إلى عالم فتركها فوقع في قلب طالوت التوبة وندم على ما فعل، وأقبل على البكاء حتى رحمه الناس.\rوكان كل ليلة يخرج إلى القبور فيبكي وينادي: أنشد الله عبدا يعلم أن لي توبة إلا أخبرني بها، فلما أكثر عليهم ناداه مناد من القبور يا طالوت أما ترضى أن قتلتنا حتى تؤذينا أمواتا فازداد بكاء وحزنا فرحمه الخباز فقال: ما لك أيها الملك؟ قال: هل تعلم لي في الأرض عالما أسأله هل لي من توبة فقال الخباز: إنما مثلك مثل ملك نزل قرية عشاء فصاح الديك فتطير منه فقال: لا تتركوا في القرية ديكا إلا ذبحتموه، فلما أراد أن ينام قال لأصحابه: إذا صاح الديك فأيقظونا حتى ندلج فقالوا له: وهل تركت ديكا نسمع صوته؟ ولكن هل تركت عالما في الأرض؟ فازداد حزنا وبكاء فلما رأى الخباز ذلك قال له: أرأيتك إن دللتك على عالم لعلك أن تقتله قال: لا فتوثق عليه الخباز فأخبره أن المرأة العالمة عنده قال: انطلق بي إليها أسألها هل لي من توبة؟ وكانت من أهل بيت يعلم الاسم الأعظم فإذا فنيت رجالهم علمت نساؤهم فلما بلغ طالوت الباب قال الخباز إنها إذا رأتك فزعت فخلفه خلفه ثم دخله عليها فقال لها: ألست أعظم الناس منة عليك أنجيتك من القتل وآويتك، قالت: بلى، قال: فإن لي إليك حاجة هذا طالوت يسأل هل لي من توبة؟ فغشي عليها من الفرق فقال لها: إنه لا يريد قتلك ولكن يسألك هل له من توبة؟ قالت: لا والله لا أعلم لطالوت توبة، ولكن هل تعلمون مكان قبر نبي؟ فانطلق بهما إلى قبر إشمويل فصلت ودعت ثم نادت يا صاحب القبر فخرج إشمويل من القبر ينفض رأسه من التراب فلما نظر إليهم ثلاثتهم قال: ما لكم أقامت القيامة؟ قالت: لا ولكن طالوت يسألك هل له من توبة؟ قال إشمويل: يا طالوت ما فعلت بعدي؟ قال: لم أدع من الشر شيئا إلا فعلته وجئت أطلب التوبة قال: كم لك من الولد؟ قال عشرة رجال، قال: ما أعلم لك من توبة إلا أن تتخلى من ملكك وتخرج أنت وولدك في سبيل الله، ثم تقدم ولدك حتى يقتلوا بين يديك ثم تقاتل أنت حتى تقتل آخرهم؟ ثم رجع إشمويل إلى القبر وسقط ميتا، ورجع طالوت أحزن ما كان رهبة أن لا يتابعه ولده وقد بكى حتى سقطت أشفار عينيه ونحل جسمه فدخل عليه أولاده فقال لهم: أرأيتم لو دفعت إلى النار هل كنتم تفدونني؟ قالوا: نعم نفديك بما قدرنا عليه قال: فإنها النار إن لم تفعلوا ما أقول لكم قالوا: فاعرض علينا فذكر لهم القصة، قالوا: وإنك لمقتول قال: نعم، قالوا: فلا خير لنا في الحياة بعدك قد طابت أنفسنا بالذي سألت، فتجهز بماله وولده فتقدم ولده وكانوا عشرة فقاتلوا بين يديه حتى قتلوا ثم شد هو بعدهم حتى قتل فجاء قاتله إلى داود ليبشره وقال: قتلت عدوك فقال داود: ما أنت بالذي تحيا بعده، فضرب عنقه، وكان ملك طالوت إلى أن قتل أربعين سنة وأتى بنو إسرائيل إلى داود وأعطوه خزائن طالوت وملكوه على أنفسهم.","part":1,"page":306},{"id":339,"text":"قال الكلبي والضحاك: ملك داود بعد قتل طالوت سبع سنين ولم يجتمع بنو إسرائيل على ملك واحد إلا على داود فذلك قوله تعالى: { وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ } يعني: النبوة؛ جمع الله لداود بين الملك والنبوة ولم يكن من قبل، بل كان الملك في سبط والنبوة في سبط، وقيل: الملك والحكمة هو العلم مع العمل. قوله تعالى: { وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ } قال الكلبي وغيره يعني: صنعة الدروع وكان يصنعها ويبيعها وكان لا يأكل إلا من عمل يده، وقيل منطق الطير( وكلام الحكل ) (1) والنمل والكلام الحسن وقيل هو الزبور وقيل هو الصوت الطيب والألحان فلم يعط الله أحدا من خلقه مثل صوته، وكان إذا قرأ الزبور تدنو الوحوش حتى يأخذ بأعناقها وتظله الطير مصيخة له ويركد الماء( الجاري ) (2) ويسكن الريح.\rوروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما هو أن الله تعالى أعطاه سلسلة موصولة بالمجرة ورأسها عند صومعته قوتها قوة الحديد ولونها لون النار وحلقها مستديرة مفصلة بالجواهر مدسرة بقضبان اللؤلؤ الرطب فلا يحدث في الهواء حدث إلا صلصلت السلسلة، فعلم داود ذلك الحدث، ولا يمسها ذو عاهة إلا برئ، وكانوا يتحاكمون إليها بعد داود عليه السلام إلى أن رفعت، فمن تعدى على صاحبه وأنكر له حقا أتى السلسلة فمن كان صادقا مد يده إلى السلسلة فتناولها، ومن كان كاذبا لم ينلها فكانت كذلك إلى أن ظهر بهم المكر والخديعة فبلغنا أن بعض ملوكها أودع رجلأ 44/أ جوهرة ثمينة فلما استردها أنكر فتحاكما إلى السلسلة، فعمد الذي عنده الجوهرة إلى عكازة فنقرها وضمنها الجوهرة واعتمد عليها حتى حضر السلسلة فقال صاحب الجوهرة: رد علي الوديعة فقال صاحبه: ما أعرف لك عندي من وديعة فإن كنت صادقا فتناول السلسلة، فتناولها بيده فقيل للمنكر قم أنت فتناولها فقال لصاحب الجوهرة: خذ عكازي هذه فاحفظها حتى أتناول السلسلة فأخذها عنده ثم قام المنكر نحو السلسلة فأخذها فقال الرجل: اللهم إن كنت تعلم أن هذه الوديعة التي يدعيها علي قد وصلت إليه فقرب مني السلسلة فمد يده فتناولها فتعجب القوم وشكوا فيها فأصبحوا وقد رفع الله السلسلة.\rقوله تعالى: { وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } قرأ أهل المدينة ويعقوب \" دفاع الله \" ) بالألف هاهنا وفي سورة الحج، وقرأ الآخرون بغير الألف لأن الله تعالى لا يغالبه أحد وهو الدافع وحده، ومن قرأ بالألف قال: قد يكون الدفاع من واحد مثل قول العرب: أحسن الله عنك الدفاع، قال ابن عباس ومجاهد: ولولا دفع الله بجنود المسلمين لغلب المشركون على الأرض، فقتلوا المؤمنين، وخربوا المساجد والبلاد، وقال سائر المفسرين: لولا دفع الله بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار لهلكت الأرض بمن فيها، ولكن الله\r__________\r(1) من ب، والحكل: ما لا يسمع له صوت.\r(2) ساقط من (أ).","part":1,"page":307},{"id":340,"text":"يدفع بالمؤمن عن الكافر وبالصالح عن الفاجر.\rأخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو عبد الله بن فنجويه أنا أبو بكر بن خرجة أنا عبد الله بن أحمد بن حنبل أنا أبو حميد الحمصي أنا يحيى بن سعيد العطار أنا حفص بن سليمان عن محمد بن سوقة عن وبرة عن عبد الرحمن عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن الله عز وجل ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء\" ثم قرأ \"ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض\" (1) { لَفَسَدَتِ الأرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ }\r__________\r(1) أخرجه ابن جرير الطبري في التفسير: 5 / 374، وفيه يحيى بن سعيد العطار، ضعفه ابن معين وغيره، وقال أبو داود: \"جائز الحديث\" وقال محمد بن مصفى الحمصي الحافظ: ثقة. وترجمه البخاري في الكبير، فلم يذكر فيه جرحا. وقال ابن كثير بعد عزو الحديث للطبري: هذا إسناد ضعيف فإن يحيى بن سعيد ضعيف جدا، التفسير 1 / 537، دار الأرقم وعزاه الهيثمي للطبراني في الكبير والأوسط، وقال: فيه يحيى بن سعيد وهو ضعيف انظر: مجمع الزوائد: 8 / 163-164، فيض القدير: 2 / 261.","part":1,"page":308},{"id":341,"text":"{ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254) }\r{ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ } أي كلمه الله تعالى يعني موسى عليه السلام { وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، قال الشيخ الإمام رحمة الله عليه: وما أوتي نبي آية إلا وقد أوتي نبينا مثل تلك الآية وفضل على غيره بآيات مثل: انشقاق القمر بإشارته، وحنين الجذع على مفارقته، وتسليم الحجر والشجر عليه، وكلام البهائم والشهادة برسالته، ونبع الماء من بين أصابعه، وغير ذلك من المعجزات والآيات التي لا تحصى، وأظهرها القرآن الذي عجز أهل السماء وأهل الأرض عن الإتيان بمثله.\rأخبرنا أبو بكر يعقوب بن أحمد بن محمد بن علي الصيرفي، أنا أبو الحسن محمد بن أحمد المخلدي، أخبرنا أبو العباس بن محمد بن إسحاق الثقفي، أنا قتيبة بن سعيد، أنا الليث بن سعد عن سعيد بن أبي","part":1,"page":308},{"id":342,"text":"سعيد عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله تعالى إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة\" (1) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا محمد بن سنان، أخبرنا (2) هشيم، أنا سيار، أنا يزيد الفقير، أنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة\" (3) .\rأخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني، أنا عبد الله بن عمر الجوهري، أنا أحمد بن علي الكشميهني، أنا علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر، أنا العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"فضلت على الأنبياء بست: أوتيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون\" (4) .\rقوله تعالى: { وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ } أي من بعد الرسل { مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ } ثبت على إيمانه بفضل الله { وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ } بخذلانه { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا } أعاده تأكيدا { وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } يوفق من يشاء فضلا ويخذل من يشاء عدلا.\rسأل رجل علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن القدر؟ فقال: طريق مظلم لا تسلكه، فأعاد السؤال فقال: بحر عميق فلا تلجه، فأعاد السؤال، فقال: سر الله في الأرض قد خفي عليك فلا تفتشه (5) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري: في الاعتصام بالكتاب والسنة - باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم بعثت بجوامع الكلم 13 / 247 وفي فضائل القرآن. ومسلم: في الإيمان - باب: وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم برقم (239) 1 / 134. والمصنف في شرح السنة 13 / 195-196.\r(2) ساقط من \"أ\" والتصحيح من شرح السنة للمصنف، وفي المخطوط يسار بدلا من سيار.\r(3) أخرجه البخاري: في أول كتاب التيمم - الباب الأول 1 / 436 وفي كتاب الصلاة وفي الجهاد وفي بدء الخلق والأنبياء ومسلم: في المساجد برقم (521) 1 / 370-371 والمصنف في شرح السنة 13 / 196.\r(4) أخرجه مسلم: في المساجد ومواضع الصلاة برقم (523) 1 / 371 وفي رواية أخرى بعثت بجوامع الكلم. والمصنف في شرح السنة 13 / 197.\r(5) رواه الآجري في الشريعة ص (202) واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد: 4 / 629.","part":1,"page":309},{"id":343,"text":"قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ } قال السدي: أراد به الزكاة المفروضة وقال غيره: أراد به صدقة التطوع والنفقة في الخير { مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ } أي لا فداء فيه، سماه بيعا لأن الفداء شراء نفسه { وَلا خُلَّةٌ } لا صداقة { وَلا شَفَاعَةٌ } إلا بإذن الله، قرأ ابن كثير ونافع وأهل البصرة كلها بالنصب، وكذلك في سورة إبراهيم( الآية 31 ) \"لا بيع فيه ولا خلال\" وفي سورة الطور( الآية 23 ) \"لا لغو فيها ولا تأثيم\" وقرأ الآخرون كلها بالرفع والتنوين { وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ } لأنهم وضعوا العبادة في غير موضعها.\r{ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) }\rقوله عز وجل: { اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أبو منصور محمد بن سمعان أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني أنا حميد بن زنجويه أنا ابن أبي شيبة أنا عبد الأعلى عن الجريري عن أبي السليل (1) عن عبد الله بن رباح الأنصاري عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"أبا المنذر أي آية من كتاب الله أعظم\" قلت { اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } قال فضرب في صدري ثم قال: \"ليهنك العلم\" ثم قال: \"والذي نفس محمد بيده إن لهذه الآية لسانا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش\" (2) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن وسف عن محمد بن إسماعيل قال عثمان بن الهيثم أبو عمرو: أخبرنا عوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام فأخذته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة قال: فخليت سبيله\r__________\r(1) أبي السليل: هو ضريب بن نقيْر ويقال نقيل أبو السليل القيسي الجريري البصري، قال إسحاق بن منصور: عن يحيى بن معين: ثقة وذكره ابن حبان في الثقات: تهذيب التهذيب ج4 - ص401.\r(2) أخرجه مسلم: في صلاة المسافرين وقصرها برقم (810) 1 / 156 برواية مختلفة. والمصنف ف شرح السنة 4 / 459. وقوله: (ليهنك العلم) أي: ليكن العلم هنيئا لك.","part":1,"page":310},{"id":344,"text":"فأصبحت 44/ب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟\" قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخليت سبيله قال: \"أما إنه قد كذبك وسيعود\" فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه سيعود، فرصدته فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال ولا أعود، فرحمته فخليت سبيله فأصبحت فقال: لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يا أبا هريرة ما فعل أسيرك\" قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته وخليت سبيله قال: \"أما إنه قد كذبك وسيعود\" فرصدته الثالثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا آخر ثلاث مرات إنك تزعم لا تعود ثم تعود قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها قلت: ما هي؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي { اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } حتى تختم الآية فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ما فعل أسيرك البارحة\" قلت يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله قال ما هي؟ قلت: قال لي إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية { اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } وقال: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا أحرص الناس على الخير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب من ثلاث ليال يا أبا هريرة\" قلت: لا قال \"ذاك شيطان\" (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا يحيى بن يحيى أخبرنا أبو معاوية عن عبد الرحمن بن أبي بكر هو المليكي عن زرارة بن مصعب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"من قرأ حين يصبح آية الكرسي وآيتين من أول \"حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم\"( 2-غافر ) حفظ في يومه ذلك حتى يمسي ومن قرأهما حين يمسي حفظ في ليلته تلك حتى يصبح\" (2) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الوكالة، باب إذا وكل رجلا فترك الوكيل شيئا .. 4 / 486-487، وفي بدء الخلق - باب صفة إبليس وجنوده 6 / 335-336 وفي فضائل القرآن. والمصنف في شرح السنة 4 / 460.\r(2) أخرجه الترمذي: في فضائل القرآن - باب ما جاء في سورة البقرة وآية الكرسي 8 / 182 وقال هذا حديث غريب. وفي سنده عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبيد الله بن أبي مليكه (بالتصغير) كما في المغني وهو ضعيف من السابعة - التقريب. ميزان الاعتدال 2 / 550.","part":1,"page":311},{"id":345,"text":"قوله تعالى: { اللَّه } رفع بالابتداء وخبره في { لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ } الباقي الدائم على الأبد وهو من له الحياة، والحياة صفة الله تعالى { الْقَيُّوم } قرأ عمر وابن مسعود \"القيام\" وقرأ علقمة \"القيم\" وكلها لغات بمعنى واحد، قال مجاهد { الْقَيُّوم } القائم على كل { شيء } (1) وقال الكلبي: القائم على كل نفس بما كسبت وقيل هو القائم بالأمور. وقال أبو عبيدة: الذي لا يزول { لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ } السنة: النعاس وهو النوم الخفيف، والوسنان بين النائم واليقظان يقال منه وسن يسن وسنا وسنة والنوم هو الثقيل المزيل للقوة والعقل، قال المفضل الضبي: السنة في الرأس والنوم في القلب، فالسنة أول النوم وهو النعاس، وقيل السنة في الرأس والنعاس في العين والنوم في القلب فهو غشية ثقيلة تقع على القلب تمنع المعرفة بالأشياء، نفى الله تعالى عن نفسه النوم لأنه آفة وهو منزه عن الآفات ولأنه تغير ولا يجوز عليه التغير.\rأخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أخبرنا عبد الله بن حامد أخبرنا محمد بن جعفر أخبرنا علي بن حرب أخبرنا أبو معاوية أخبرنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات فقال: \"إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، ولكنه يخفض القسط، ويرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه\" (2) . ورواه المسعودي عن عمرو بن مرة وقال: حجابه النار.\r{ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ } ملكا وخلقا { مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ } بأمره { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } قال مجاهد وعطاء والسدي: { مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } أمر الدنيا { وَمَا خَلْفَهُمْ } أمر الآخرة، وقال الكلبي: { مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } يعني الآخرة لأنهم يقدمون عليها { وَمَا خَلْفَهُمْ } الدنيا لأنهم يخلفونها وراء ظهورهم، وقال ابن جريج: ما بين أيديهم ما مضى أمامهم وما خلفهم ما يكون بعدهم، وقال مقاتل: ما بين أيديهم، ما كان قبل خلق الملائكة وما خلفهم أي ما كان بعد خلقهم، وقيل: ما بين أيديهم أي ما قدموه من خير أو شر وما خلفهم ما هم فاعلوه { وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ } أي من علم الله { إِلا بِمَا شَاءَ } أن يطلعهم عليه يعني لا يحيطون بشيء من علم الغيب إلا بما شاء مما أخبر به الرسل كما قال الله تعالى: { فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول }( 36-الجن ) قوله تعالى: { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ } أي ملأ وأحاط به، واختلفوا في الكرسي فقال الحسن: هو العرش نفسه\r__________\r(1) ساقط من (ب).\r(2) أخرجه مسلم: في الإيمان - باب في قوله عليه السلام إن الله لا ينام وفي قوله حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى والمصنف في شرح السنة: 1 / 173.","part":1,"page":312},{"id":346,"text":"وقال أبو هريرة رضي الله عنه: الكرسي موضوع أمام العرش ومعنى قوله: \"وسع كرسيه السماوات والأرض\" أي سعته مثل سعة السماوات والأرض، وفي الأخبار أن السماوات والأرض في جنب الكرسي كحلقة في فلاة، والكرسي في جنب العرش كحلقة في فلاة. ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن السماوات السبع والأرضين السبع في الكرسي كدراهم سبعة ألقيت في ترس (1) .\rوقال علي ومقاتل: كل قائمة من الكرسي طولها مثل السماوات السبع والأرضين السبع، وهو بين يدي العرش، ويحمل الكرسي أربعة أملاك، لكل ملك أربعة وجوه، وأقدامهم في الصخرة التي تحت الأرض السابعة السفلى مسيرة خمسمائة عام، ملك على صورة سيد البشر آدم عليه السلام، وهو يسأل للآدميين الرزق والمطر من السنة إلى السنة، وملك على صورة سيد الأنعام وهو الثور وهو يسأل للأنعام الرزق من السنة إلى السنة وعلى وجهه غضاضة منذ عبد العجل، وملك على صورة سيد السباع وهو الأسد يسأل للسباع الرزق من السنة إلى السنة، [وملك على صورة سيد الطير وهو النسر يسأل الرزق للطير من السنة إلى السنة] (2) وفي بعض الأخبار أن ما بين حملة العرش وحملة الكرسي سبعين حجابا من ظلمة وسبعين حجابا من نور غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة عام لولا ذلك لاحترق حملة الكرسي من نور حملة العرش.\rوروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أراد بالكرسي علمه (3) وهو قول مجاهد، ومنه قيل لصحيفة العلم كراسه، وقيل: كرسيه ملكه وسلطانه، والعرب تسمي الملك القديم كرسيا، { وَلا يَئُودُه } أي لا يثقله ولا يشق عليه يقال: آدني الشيء أي أثقلني { حِفْظُهُمَا } أي حفظ السماوات والأرض { وَهُوَ الْعَلِيُّ } الرفيع فوق خلقه والمتعالى عن الأشياء والأنداد، وقيل العلي بالملك والسلطنة { الْعَظِيم } الكبير الذي لا شيء أعظم منه.\rقوله تعالى: { لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } قال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاة -( المقلاة من النساء ) (4) لا يعيش لها ولد -وكانت تنذر لئن عاش لها ولد لتهودنه\r__________\r(1) أورده الطبري في التفسير برواية أخرى قال: حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد حدثني أبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس\" 5 / 399. ورواه محمد بن أبي شيبة في كتاب العرش، وعزاه ابن كثير لابن مردويه، وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات: 2 / 149 وفيه إبراهيم ابن هشام بن يحيى الغساني: متروك كذبه أبو حاتم وأبو زرعة، وطرق الحديث كلها واهية، فلا تعتضد لضعفها، انظر: النهج السديد في تخريج أحاديث تيسير العزيز الحميد ص 283.\r(2) ساقط من (ب).\r(3) نقل ذلك عنه الطبري في التفسير : 5 / 397-398، والبيهقي في الأسماء والصفات، فقال: \"وروينا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: \"علمه\" ثم قال: وسائر الروايات عن ابن عباس وغيره تدل على أن المراد به الكرسي المشهور المذكور مع العرش، انظر: الأسماء والصفات للبيهقي: 2 / 134-135.\r(4) ساقط من (ب).","part":1,"page":313},{"id":347,"text":"فإذا عاش ولدها جعلته في اليهود، فجاء الإسلام وفيهم منهم 45/أ فلما أجليت بنو النضير كان فيهم عدد من أولاد الأنصار فأرادت الأنصار استردادهم وقالوا: هم أبناؤنا وإخواننا فنزلت هذه الآية { لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"خيروا أصحابكم فإن اختاروكم فهم منكم وإن اختاروهم فأجلوهم معهم\" (1) .\rوقال مجاهد: كان ناس مسترضعين في اليهود من الأوس فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإجلاء بني النضير قال الذين كانوا مسترضعين فيهم: لنذهبن معهم ولندينن بدينهم، فمنعهم أهلوهم، فنزلت { لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } (2) .\rوقال مسروق: كان لرجل من الأنصار من بني سالم بن عوف ابنان فتنصرا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ثم قدما المدينة في نفر من النصارى يحملون الطعام فلزمهما أبوهما وقال: لا أدعكما حتى تسلما، فتخاصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أيدخل بعضي النار وأنا أنظر فأنزل الله تعالى { لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } فخلى سبيلهما (3) .\rوقال قتادة وعطاء: نزلت في أهل الكتاب إذا قبلوا الجزية، وذلك أن العرب كانت أمة أمية لم يكن لهم كتاب فلم يقبل منهم إلا الإسلام، فلما أسلموا طوعا أو كرها أنزل الله تعالى: { لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ } فأمر بقتال أهل الكتاب إلى أن يسلموا أو يقروا بالجزية فمن أعطى منهم الجزية لم يكره على الإسلام، وقيل كان هذا في الابتداء قبل أن يؤمر بالقتال فصارت منسوخة بآية السيف، وهو قول ابن مسعود رضي الله عنه { قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ } أي الإيمان من الكفر والحق من الباطل { فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ } يعني الشيطان، وقيل: كل ما عبد من دون الله تعالى فهو طاغوت، وقيل كل ما يطغي الإنسان، فَاعُوْل من الطغيان، زيدت التاء فيه بدلا من لام الفعل، كقولهم حانوت وتابوت، فالتاء فيها مبدلة من هاء التأنيث { وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ } أي تمسك واعتصم بالعقد الوثيق المحكم في الدين، والوثقى تأنيث الأوثق وقيل العروة الوثقى السبب الذي يوصل إلى رضا الله تعالى: { لا انْفِصَامَ لَهَا } لا انقطاع لها { وَاللَّهُ سَمِيعٌ } قيل: لدعائك إياهم إلى الإسلام { عَلِيم } بحرصك على إيمانهم.\r__________\r(1) أخرجه الطبري في التفسير: 5 / 409-410 عن سعد بن جبير مرسلا، والبيهقي في السنن: 9 / 186، ونسبه السيوطي في الدر المنثور إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر. وانظر تفسير النسائي 1 / 273،276، والنحاس في معاني القرآن 1 / 266 وللشوكاني كلام مفيد حول هذه الآية فلينظر فتح القدرير 1 / 275. وأخرج الواحدي بسنده قطعة منه دون قول النبي صلى الله عليه وسلم \"قد خير أصحابكم ... أسباب النزول ص77.\r(2) أسباب النزول للواحدي ص78، تفسير الطبري 5 / 411، وفي أسباب النزول للواحدي ص77 قال مجاهد: نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار كان له غلام أسود يقال له: صبيح، وكان يكرهه على الإسلام.\r(3) عزاه ابن حجر في الكافي الشاف ص (23) للواحدي في أسباب النزول وكذلك البغوي، وهو عند الواحدي في ص78 دون سند.","part":1,"page":314},{"id":348,"text":"{ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257) }\rقوله تعالى: { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا } ناصرهم ومعينهم، وقيل: محبهم، وقيل متولي أمورهم لا يكلهم إلى غيره، وقال الحسن: ولي هدايتهم { يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } أي من الكفر إلى الإيمان قال الواقدي: كل ما في القرآن من الظلمات والنور فالمراد منه الكفر والإيمان غير التي في سورة الأنعام، \"وجعل الظلمات والنور\" فالمراد منه الليل والنهار، سمي الكفر ظلمة لالتباس طريقه وسمي الإسلام نورا لوضوح طريقه { وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ } قال مقاتل: يعني كعب بن الاشرف وحيي بن أخطب وسائر رءوس الضلالة { يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ } يدعونهم من النور إلى الظلمات، والطاغوت يكون مذكرا ومؤنثا وواحدا وجمعا، قال تعالى في المذكر والواحد: \" { يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ }( 60-النساء ) وقال في المؤنث : \"والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها\"( 17-الزمر ) وقال في الجمع: { يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ } فإن قيل: قال: يخرجونهم من النور وهم كفار لم يكونوا في نور قط؟ قيل: هم اليهود كانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث لما يجدون في كتبهم من نعته، فلما بعث كفروا به، وقيل: هو على العموم في حق جميع الكفار، قالوا: منعهم إياهم من الدخول فيه إخراج كما يقول الرجل لأبيه أخرجتني من مالك ولم يكن فيه، كما قال الله تعالى إخبارا عن يوسف عليه السلام: \"إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله\"( 37-يوسف ) ولم يكن قط في ملتهم { أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }\r{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258) }\rقوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ } معناه هل انتهى إليك يا محمد خبر الذي حاج إبراهيم أي خاصم وجادل، وهو نمرود وهو أول من وضع التاج على رأسه، وتجبر في الأرض وادعى الربوبية؟ { أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ } أي لأن آتاه الله الملك فطغى أي كانت تلك المحاجة من بطر الملك وطغيانه، قال مجاهد: ملك الأرض أربعة، مؤمنان وكافران فأما المؤمنان فسليمان وذو القرنين، وأما الكافران فنمرود وبختنصر.\rواختلفوا في وقت هذه المناظرة، قال مقاتل: لما كسر إبراهيم الأصنام سجنه نمرود ثم أخرجه ليحرقه بالنار فقال له: من ربك الذي تدعونا إليه؟ فقال ربي الذي يحيي ويميت، وقال آخرون: كان هذا بعد إلقائه في النار، وذلك أن الناس قحطوا على عهد نمرود وكان الناس يمتارون (1) من عنده الطعام، فكان إذا\r__________\r(1) يجلبون الطعام.","part":1,"page":315},{"id":349,"text":"أتاه الرجل في طلب الطعام سأله من ربك؟ فإن قال أنت، باع منه الطعام، فأتاه إبراهيم فيمن أتاه فقال له نمرود: من ربك؟ قال: ربي الذي يحيي ويميت فاشتغل بالمحاجة ولم يعطه شيئا فرجع إبراهيم فمر على كثيب من رمل أعفر فأخذ منه تطييبا لقلوب أهله إذا دخل عليهم، فلما أتى أهله ووضع متاعه نام، فقامت امرأته إلى متاعه ففتحته فإذا هو أجود طعام ما رآه أحد، فأخذته فصنعت له منه فقربته إليه فقال: من أين هذا؟ قالت من الطعام الذي جئت به فعرف أن الله رزقه، فحمد الله.\rقال الله تعالى: { إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ } [وهذا جواب سؤال غير مذكور تقديره قال له: من ربك؟ فقال إبراهيم { رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ } (1) ] قرأ حمزة { رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ } بإسكان الياء وكذلك \"حرم ربي الفواحش\"( 33-الأعراف ) و\"عن آياتي الذين يتكبرون\"( 146-الأعراف ) و\"قل لعبادي الذين\"( 31-إبراهيم ) و \"آتاني الكتاب\"( 30-مريم ) و\"مسني الضر\"( 83-الأنبياء ) و\"عبادي الصالحون\"( 105-الأنبياء ) و\"عبادي الشكور\"( 13-سبأ ) و\"مسني الشيطان\"( 41-ص ) و\"إن أرادني الله\"( 38-الزمر ) و\"إن أهلكني الله\"( 28-الملك ) أسكن الياء فيهن حمزة، ووافق ابن عامر والكسائي في \"لعبادي الذين آمنوا\" وابن عامر \"آياتي الذين\" وفتحها الآخرون، { قَال } نمرود { أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ }\rقرأ أهل المدينة { أنا } بإثبات الألف والمد في الوصل إذا تلتها ألف مفتوحة أو مضمومة والباقون بحذف الألف، ووقفوا جميعا بالألف، قال أكثر المفسرين: دعا نمرود برجلين فقتل أحدهما واستحيا الآخر فجعل ترك القتل إحياء له، فانتقل إبراهيم إلى حجة أخرى، لا عجزا، فإن حجته كانت لازمة لأنه أراد بالإحياء إحياء الميت فكان له أن يقول: فأحي من أمت إن كنت صادقا فانتقل إلى حجة أخرى أوضح من الأولى.\r{ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ } أي تحير\r__________\r(1) ساقط من (ب).","part":1,"page":316},{"id":350,"text":"ودهش وانقطعت حجته. فإن قيل: كيف بهت وكان يمكنه أن يعارض إبراهيم فيقول له: سل أنت ربك حتى يأتي بها من المغرب قيل: إنما لم يقله لأنه خاف أن لو سأل ذلك دعا إبراهيم ربه فكان زيادة في فضيحته وانقطاعه، والصحيح أن الله صرفه عن تلك المعارضة إظهارا للحجة عليه أو معجزة لإبراهيم عليه السلام { وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }\r{ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259) }\rقوله تعالى: { أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ } وهذه الآية منسوقة على الآية الأولى، تقديره { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ } وإلى الذي مر على قرية، وقيل: تقديره هل رأيت 45/ب الذي حاج إبراهيم في ربه، وهل رأيت الذي مر على قرية؟ واختلفوا في ذلك المار، فقال قتادة وعكرمة والضحاك: هو عزير بن شرخيا، وقال وهب بن منبه: هو أرميا بن حلقيا، وكان من سبط هارون، وهو الخضر وقال مجاهد: هو كافر شك في البعث، واختلفوا في تلك القرية فقال وهب وعكرمة وقتادة: هي بيت المقدس، وقال الضحاك: هي الأرض المقدسة، وقال الكلبي: هي دير سابر أباد، وقال السدي: مسلم باذ، وقيل ديرهرقل، وقيل: هي الأرض التي أهلك الله فيها الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف، وقيل: هي قرية العنب، وهي على فرسخين من بيت المقدس { وَهِيَ خَاوِيَةٌ } ساقطة يقال: خوي البيت بكسر الواو يخوي خوى، مقصورا، إذا سقط وخوى البيت بالفتح خواء ممدودا إذا خلا { عَلَى عُرُوشِهَا } سقوفها، واحدها عرش وقيل: كل بناء عرش، ومعناه: أن السقوف سقطت ثم وقعت الحيطان عليها.\r{ قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا } وكان السبب في ذلك على ما روى محمد بن إسحاق بن منبه (1) أن الله تعالى بعث إرمياء إلى ناشية بن أموص ملك بني إسرائيل يسدده في ذلك ويأتيه بالخبر من الله عز وجل، فعظمت الأحداث في بني إسرائيل وركبوا المعاصي فأوحى الله تعالى إلى إرمياء: أن ذكر قومك نعمي وعرفهم أحداثهم وادعهم إلي، فقال إرمياء إني ضعيف إن لم تقوني، عاجز إن لم تبلغني، مخذول إن لم تنصرني، فقال الله عز وجل: أنا ألهمك، فقام إرمياء فيهم ولم يدر ما يقول فألهمه الله في الوقت خطبة بليغة طويلة بين لهم فيها ثواب الطاعة وعقاب المعصية، وقال في آخرها عن الله تعالى: وإني\r__________\r(1) القصة في الطبري: 5 / 447-454، ووهب بن منبه رحمه الله ولد سنة أربع وثلاثين مشهور في الرواية عن الإسرائيليات، فعنده من علم أهل الكتاب شيء كثير، فإنه صرف عنايته إلى ذلك وبالغ، وحديثه في الصحيحين عن أخيه همام ولهما عن أبي هريرة نسخة مشهورة أكثرها في الصحاح، رواها عنه معمر توفي سنة أربع عشرة ومائة، انظر تذكرة الحفاظ 1 / 100 سير أعلام النبلاء 4 / 544.","part":1,"page":317},{"id":351,"text":"أحلف بعزتي لأقيضن لهم فتنة يتحير فيها الحكيم، ولأسلطن عليهم جبارا فارسيا ألبسه الهيبة وأنزع من صدره الرحمة يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم، ثم أوحى الله إلى إرمياء إني مهلك بني إسرائيل بيافث، ويافث من أهل بابل، وهم من ولد يافث بن نوح عليه السلام، فلما سمع إرمياء ذلك صاح وبكى وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه فلما سمع الله تضرعه وبكاءه ناداه: يا أرمياء أشق عليك ما أوحيت إليك قال: نعم يا رب أهلكني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أسر به فقال الله تعالى: وعزتي لا أهلك بني إسرائيل حتى يكون الأمر في ذلك من قبلك، ففرح إرمياء بذلك وطابت نفسه، فقال: لا والذي بعث موسى بالحق لا أرضى بهلاك بني إسرائيل، ثم أتى الملك فأخبره بذلك وكان ملكا صالحا فاستبشر وفرح فقال: إن يعذبنا ربنا فبذنوب كثيرة وإن عفا عنا فبرحمته.\rثم إنهم لبثوا بعد الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا إلا معصية وتماديا في الشر وذلك حين اقترب هلاكهم فقل الوحي، ودعاهم الملك إلى التوبة، فلم يفعلوا، فسلط الله عليهم بختنصر، فخرج في ست مائة ألف راية يريد أهل بيت المقدس، فلما فصل سائرا أتى الملك الخبر، فقال لإرمياء: أين ما زعمت أن الله أوحي إليك؟ فقال إرمياء: إن الله لا يخلف الميعاد وأنا به واثق فلما قرب الأجل بعث الله إلى إرمياء ملكا قد تمثل له رجلا من بني إسرائيل فقال له إرمياء: من أنت؟ قال: أنا رجل من بني إسرائيل أتيتك أستفتيك في أهل رحمي وصلت أرحامهم ولم آت إليهم إلا حسنا ولا يزيدهم إكرامي إياهم إلا إسخاطا لي فأفتني فيهم، قال: أحسن فيما بينك وبين الله وصلهم وأبشر بخير. فانصرف الملك فمكث أياما ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل فقعد بين يديه فقال: أنا الذي أتيتك في شأن أهلي، فقال له إرمياء: أما طهرت أخلاقهم لك بعد؟ قال: يا نبي الله والذي بعثك بالحق ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس إلا رحمة إلا قدمتها إليهم وأفضل، فقال له النبي إرمياء عليه السلام: ارجع فأحسن إليهم أسأل الله الذي يصلح عباده الصالحين أن يصلحهم، فقام الملك، فمكث أياما وقد نزل بختنصر وجنوده حول بيت المقدس بأكثر من الجراد ففزع منهم بنو إسرائيل فقال ملكهم لإرمياء: يا نبي الله أين ما وعدك الله. قال: إني بربي واثق، ثم أقبل الملك إلى إرمياء وهو قاعد على جدار بيت المقدس يضحك ويستبشر بنصر ربه عز وجل الذي وعده، فقعد بين يديه فقال: أنا الذي أتيتك في شأن أهلي مرتين، فقال النبي: ألم يأن لهم أن يفيقوا من الذي هم فيه؟ فقال الملك: يا نبي الله كل شيء كان يصيبني منهم قبل اليوم كنت أصبر عليه، فاليوم رأيتهم في عمل لا يرضي الله: فقال النبي: على أي عمل رأيتهم؟ قال: على عمل عظيم من سخط الله فغضب الله وأتيتك لأخبرك، وإني أسألك بالله الذي بعثك بالحق نبيا إلا ما دعوت الله عليهم ليهلكهم، فقال إرمياء: يا مالك السماوات والأرض إن كانوا على حق وصواب فأبقهم وإن كانوا على عمل لا ترضاه فأهلكهم، فلما خرجت الكلمة من فم إرمياء، أرسل الله صاعقة من السماء في بيت المقدس فالتهب مكان القربان وخسف بسبعة أبواب من أبوابها، فلما رأى ذلك إرمياء صاح وشق ثيابه ونبذ الرماد على","part":1,"page":318},{"id":352,"text":"رأسه وقال: يا مالك السماوات أين ميعادك الذي وعدتني؟ فنودي أنه لم يصيبهم ما أصابهم إلا بفتياك ودعائك، فاستيقن النبي عليه السلام أنها فتياه وأن ذلك السائل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فطار إرمياء حتى خالط الوحوش.\rودخل بختنصر وجنوده بيت المقدس ووطئ الشام وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم وخرب بيت المقدس، ثم أمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه ترابا فيقذفه في بيت المقدس، ففعلوا حتى ملؤوه، ثم أمرهم أن يجمعوا من كان في بلدان بيت المقدس فاجتمع عندهم صغيرهم وكبيرهم من بني إسرائيل، فاختار منهم سبعين ألف صبي فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه، فأصاب كل رجل منهم أربعة غلمة، وكان من أولئك الغلمان دانيال وحنانيا، وفرق من بقي من بني إسرائيل ثلاث فرق، فثلثا قتلهم، وثلثا سباهم، وثلثا أقرهم بالشام، وكانت هذه الواقعة الأولى التي أنزلها الله في بني إسرائيل بظلمهم فلما ولى عنهم بختنصر راجعا إلى بابل ومعه سبايا بني إسرائيل أقبل إرمياء على حمار له معه عصير عنب في ركوة وسلة تين حتى غشى إيلياء، فلما وقف عليها ورأى خرابها قال: { أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا } .\rوقال الذي قال إن المار كان عزيرا: وإن بختنصر لما خرب بيت المقدس وقدم بسبي بني إسرائيل ببابل كان فيهم عزير ودانيال وسبعة آلاف من أهل بيت داود فلما نجا عزير من بابل ارتحل على حمار له حتى نزل دير هرقل على شط دجلة فطاف في القرية فلم ير فيها أحدا، وعامة شجرها حامل فأكل من الفاكهة، واعتصر من العنب فشرب منه، وجعل فضل الفاكهة في سلة وفضل العصير في زق فلما رأى خراب القرية وهلاك أهلها قال: { أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا } قالها تعجبا لا شكأ 46/أ في البعث.\rرجعنا إلى حديث وهب قال: ثم ربط إرمياء حماره بحبل جديد فألقى الله تعالى عليه النوم فلما نام نزع الله منه الروح مائة عام وأمات حماره، وعصيره وتينه عنده فأعمى الله عنه العيون فلم يره أحد، وذلك ضحى، ومنع الله السباع والطير لحمه فلما مضى من موته سبعون سنة أرسل الله ملكا إلى ملك من ملوك فارس يقال له نوشك فقال: إن الله يأمرك أن تنفر بقومك فتعمر بيت المقدس وإيلياء حتى يعود أعمر ما كان، فانتدب الملك بألف قهرمان (1) مع كل قهرمان ثلاثمائة ألف عامل وجعلوا يعمرونه، فأهلك الله بختنصر ببعوضة دخلت دماغه، ونجى الله من بقي من بني إسرائيل، ولم يمت ببابل وردهم جميعا إلى بيت المقدس ونواحيه وعمروها ثلاثين سنة وكثروا حتى عادوا على أحسن ما كانوا عليه فلما مضت المائة أحيا الله منه عينيه، وسائر جسده ميت، ثم أحيا جسده وهو ينظر إليه، ثم نظر إلى حماره فإذا عظامه متفرقة بيض، تلوح فسمع صوتا من السماء: أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن تجتمعي فاجتمع بعضها إلى بعض، واتصل بعضها ببعض ثم نودي أن الله يأمرك أن تكتسي لحما وجلدا\r__________\r(1) فارسي معرب، وهو من أمناء الملك.","part":1,"page":319},{"id":353,"text":"فكانت كذلك ثم نودي: إن الله يأمرك أن تحيا، فقام بإذن الله ونهق، وعمر الله إرمياء فهو الذي يرى في الفلوات فذلك قوله تعالى: { فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ } أي أحياه { قَالَ كَمْ لَبِثْتَ } أي: كم مكثت؟ يقال: لما أحياه الله بعث إليه ملكا فسأله كم لبثت؟ { قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا } وذلك أن الله تعالى أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة عام في آخر النهار قبل غيبوبة الشمس، فقال: لبثت يوما وهو يرى أن الشمس قد غربت، ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال { أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } بل بعض يوم { قَال } الملك { بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ } يعني التين { وَشَرَابِك } يعني العصير { لَمْ يَتَسَنَّهْ } أي لم يتغير، فكان التين كأنه قطف في ساعته والعصير كأنه عصر في ساعته.\rقال الكسائي: كأنه لم تأت عليه السنون. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب لم يتسن بحذف الهاء في الوصل وكذلك \"فبهداهم اقتده\"( 90-الأنعام ) وقرأ الآخرون بالهاء فيهما وصلا ووقفا، فمن أسقط الهاء في الوصل جعل الهاء صلة زائدة وقال: أصله يتسنى فحذف الياء بالجزم وأبدل منه هاء في الوقف وقال أبو عمرو: هو من التسنن بنونين: وهو التغير كقوله تعالى: \"من حمأ مسنون\"( 26-الحج ) أي متغير فعوضت من أحدى النونين ياء كقوله تعالى: \"ثم ذهب إلى أهله يتمطى\"( 33-القيامة ) أي يتمطط، وكقوله \"وقد خاب من دساها\"( 10-الشمس ) وأصله دسيتها، ومن أثبت الهاء في الحالين جعل الهاء أصلية لام الفعل، وهذا على قول من جعل أصل السنة السنهة وتصغيرها سنيهة والفعل من السانهة وإنما قال: لم يتسنه ولم يثنه مع أنه أخبر عن شيئين رد التغيير إلى أقرب اللفظين وهو الشراب واكتفى بذكر أحد المذكورين لأنه في معنى الآخر { وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ } فنظر فإذا هو عظام بيض فركب الله تعالى العظام بعضها على بعض فكساه اللحم والجلد وأحياه وهو ينظر { وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ } قيل الواو زائدة مقحمة. وقال الفراء أدخلت الواو فيه دلالة على أنها شرط لفعل بعدها معناه ولنجعلك آية أي: عبرة ودلالة على البعث بعد الموت قاله أكثر المفسرين، وقال الضحاك وغيره: إنه عاد إلى قريته شابا وأولاده وأولاد أولاده شيوخ وعجائز وهو أسود الرأس واللحية.\rقوله تعالى: { وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا } قرأ أهل الحجاز والبصرة ننشرها بالراء معناه نحييها يقال: أنشر الله الميت إنشارا ونشرة نشورا قال الله تعالى: \"ثم إذا شاء أنشره\"( 22-عبس ) وقال في اللازم \"وإليه النشور\"( 15-الملك ) وقرأ الآخرون بالزاي أي نرفعها من الأرض ونردها إلى مكانها من الجسد ونركب بعضها على بعض، وإنشاز الشيء رفعه وإزعاجه، يقال: أنشزته فنشز أي رفعته فارتفع.\rواختلفوا في معنى الآية، فقال الأكثرون: أراد به عظام حماره، وقال السدي: إن الله تعالى أحيا عزيرا ثم قال له: انظر إلى حمارك قد هلك وبليت عظامه فبعث الله تعالى ريحا فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل وقد ذهبت بها الطير والسباع فاجتمعت فركب بعضها في بعض وهو ينظر، فصار حمارا من","part":1,"page":320},{"id":354,"text":"عظام ليس فيه لحم ولا دم { ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا } ثم كسا العظام لحما ودما فصار حمارا لا روح فيه، ثم أقبل ملك يمشي حتى أخذ بمنخر الحمار فنفخ فيه فقام الحمار ونهق بإذن الله.\rوقال قوم أراد به عظام هذا الرجل، وذلك أن الله تعالى لم يمت حماره بل أماته هو فأحيا الله عينيه ورأسه، وسائر جسده ميت، ثم قال: انظر إلى حمارك فنظر فرأى حماره قائما واقفا كهيئته يوم ربطه حيا لم يطعم ولم يشرب مائة عام ونظر إلى الرمة (1) في عنقه جديدة لم تتغير، وتقدير الآية: { وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ } وانظر إلى عظامك كيف ننشزها وفي الآية تقديم وتأخير، وتقديرهما: وانظر إلى حمارك، وانظر إلى العظام كيف ننشزها ولنجعلك آية للناس.\rوقال قتادة عن كعب والضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما، والسدي عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما: لما أحيا الله تعالى عزيرا بعد ما أماته مائة سنة ركب حماره حتى أتى محلته فأنكره الناس وأنكر الناس ومنازله فانطلق على وهم حتى أتى منزله فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون سنة كانت عرفته وعقلته فقال لها عزير: يا هذه هذا منزل عزير؟ قالت: نعم هذا منزل عزير وبكت وقالت: ما رأيت أحدا من كذا وكذا سنة يذكر عزيرا قال: فإني أنا عزير، قالت: سبحان الله فإن عزيرا قد فقدناه من مائة سنة لم نسمع له بذكر قال: فإني أنا عزير كان الله أماتني مائة سنة ثم بعثني، قالت: فإن عزيرا كان رجلا مستجاب الدعوة ويدعو للمريض ولصاحب البلاء بالعافية، فادع الله أن يرد لي بصري حتى أراك فإن كنت عزيرا عرفتك، فدعا ربه ومسح بيده على عينيها فصحتا وأخذ بيدها وقال: قومي بإذن الله تعالى، فأطلق الله رجليها فقامت صحيحة، فنظرت إليه فقالت: أشهد أنك عزير، فانطلقت إلى بني إسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم وابن لعزير شيخ كبير ابن مائة سنة وثمانية عشرة سنة وبنو بنيه شيوخ في المجلس، فنادت هذا عزير قد جاءكم، فكذبوها، فقالت: أنا فلانة مولاتكم دعا لي ربه فرد علي بصري وأطلق رجلي وزعم أن الله كان أماته مائة سنة ثم بعثه، فنهض الناس فأقبلوا إليه فقال ولده: كان لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه، فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير.\rوقال السدي والكلبي: لما رجع عزير إلى قومه وقد أحرق بختنصر التوراة ولم يكن من الله عهد بين الخلق، فبكى عزير على التوراة فأتاه ملك بإناء فيه ماء فسقاه من ذلك الماء فمثلت التوراة في صدره فرجع إلى بني إسرائيل وقد علمه الله التوراة وبعثه نبيا، فقال: أنا عزير فلم يصدقوه فقال: إني عزير قد بعثني الله إليكم لأجدد 46/ب لكم توراتكم قالوا: أملها علينا، فأملاها عليهم عن ظهر قلبه، فقالوا: ما جعل الله التوراة في صدر رجل بعدما ذهبت إلا أنه ابنه، فقالوا: عزير ابن الله، وستأتي القصة في سورة براءة إن شاء الله تعالى (2) .\r__________\r(1) بالضم، القطعة من الحبل.\r(2) انظر: الدر المنثور: 2 / 27-28.","part":1,"page":321},{"id":355,"text":"قوله تعالى: { فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ } ذلك عيانا { قَالَ أَعْلَمُ } قرأ حمزة والكسائي مجزوما موصولا على الأمر على معنى قال الله تعالى له اعلم، وقرأ الآخرون أعلم بقطع الألف ورفع الميم على الخبر عن عزير أنه قال لما رأى ذلك أعلم { أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }","part":1,"page":322},{"id":356,"text":"{ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260) }\rقوله تعالى: { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى } قال الحسن وقتادة وعطاء الخراساني وابن جريج: كان سبب هذا السؤال من إبراهيم عليه السلام أنه مر على دابة ميتة، قال ابن جريج: كانت جيفة حمار بساحل البحر، قال عطاء: في بحيرة طبرية، قالوا: فرآها وقد توزعتها دواب البحر والبر، فكان إذا مد البحر جاءت الحيتان ودواب البحر فأكلت منها فما وقع منها يصير في البحر، فإذا جزر البحر ورجع جاءت السباع فأكلن منها فما سقط منها يصير ترابا فإذا ذهبت السباع، جاءت الطير فأكلت منها فما سقط منها قطعتها الريح في الهواء، فلما رأى ذلك إبراهيم عليه السلام تعجب منها وقال: يا رب قد علمت لتجمعنها من بطون السباع وحواصل الطير وأجواف دواب البحر فأرني كيف تحييها لأعاين فأزداد يقينا، فعاتبه الله تعالى (1) { قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى } يا رب علمت وآمنت { وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } أي ليسكن قلبي إلى المعاينة والمشاهدة، أراد أن يصير له علم اليقين عين اليقين، لأن الخبر ليس كالمعاينة.\rوقيل كان سبب هذا السؤال من إبراهيم أنه لما احتج على نمرود فقال \"ربي الذي يحيي ويميت\"( 258-البقرة ) قال نمرود (2) أنا أحيي وأميت فقتل أحد الرجلين، وأطلق الآخر، فقال إبراهيم: إن الله تبارك وتعالى يقصد إلى جسد ميت فيحييه، فقال له نمرود: أنت عاينته، فلم يقدر أن يقول نعم فانتقل إلى حجة أخرى، ثم سأل ربه أن يريه إحياء الموتى. { قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } بقوة حجتي فإذا قيل أنت عاينته فأقول نعم قد عاينته.\rوقال سعيد بن جبير لما اتخذ الله تعالى إبراهيم خليلا سأل ملك الموت ربه أن يأذن له فيبشر إبراهيم بذلك فأذن له فأتى إبراهيم ولم يكن في الدار، فدخل داره وكان إبراهيم عليه السلام أغير الناس إذا خرج أغلق بابه، فلما جاء وجد في داره رجلا فثار عليه ليأخذه وقال له: من أذن لك أن تدخل داري؟ فقال: أذن لي رب هذه الدار، فقال إبراهيم: صدقت وعرف أنه ملك، فقال: من أنت؟ قال: أنا ملك الموت جئت أبشرك بأن الله تعالى قد اتخذك خليلا فحمد الله عز وجل، وقال: فما علامة ذلك؟ قال: أن يجيب الله دعاءك ويحيي الله الموتى بسؤالك، فحينئذ قال إبراهيم: { رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } أنك اتخذتني خليلا وتجيبني إذا دعوتك (3) .\r__________\r(1) انظر: أسباب النزول للواحدي ص 79.\r(2) نسب الواحدي هذا القول لمحمد بن إسحاق بن يسار، أسباب النزول ص (80).\r(3) أسباب النزول للواحدي ص 81.","part":1,"page":322},{"id":357,"text":"أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أحمد بن صالح، أنا ابن وهب، أخبرنا يونس عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي، ورحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي\" (1) .\rوأخرج مسلم بن الحجاج هذا الحديث عن حرملة بن يحيى عن وهب بهذا الإسناد مثله وقال: \"نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى\" (2) .\rحكى محمد بن إسحاق بن خزيمة عن أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني أنه قال على هذا الحديث، لم يشك النبي صلى الله عليه وسلم ولا إبراهيم في أن الله قادر على أن يحيي الموتى وإنما شكا في أنه هل يجيبهما إلى ما سألا وقال أبو سليمان الخطابي: ليس في قوله نحن أحق بالشك من إبراهيم، اعتراف بالشك على نفسه ولا على إبراهيم، لكن فيه نفي الشك عنهما، يقول: إذا لم أشك أنا في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، فإبراهيم أولى بأن لا يشك، وقال ذلك على سبيل التواضع والهضم من النفس، وكذلك قوله: \"لو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي\" وفيه الإعلام أن المسألة من إبراهيم عليه السلام لم تعرض من جهة الشك، ولكن من قبل زيادة العلم بالعيان، فإن العيان يفيد من المعرفة والطمأنينة ما لا يفيده الاستدلال، وقيل: لما نزلت هذه الآية قال قوم: شك إبراهيم ولم يشك نبينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القول تواضعا منه وتقديما لإبراهيم على نفسه.\rقوله { أَوَلَمْ تُؤْمِنْ } معناه قد آمنت فلم تسأل؟ شهد له بالإيمان كقول جرير: ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح\rيعني أنتم كذلك، ولكن ليطمئن قلبي بزيادة اليقين.\r{ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ } قال مجاهد وعطاء وابن جريج: أخذ طاووسا وديكا وحمامة وغرابا، وحكي عن ابن عباس رضي الله عنه: ونسرا بدل الحمامة.\rوقال عطاء الخراساني: أوحى إليه أن خذ بطة خضراء وغرابا أسود وحمامة بيضاء وديكا أحمر { فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } قرأ أبو جعفر وحمزة { فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } بكسر الصاد أي قطعهن ومزقهن، يقال صار\r__________\r(1) أخرجه البخاري: في أحاديث الأنبياء - باب: قول الله عز وجل (ونبئهم عن ضيف إبراهيم) 6 / 410-411.\r(2) أخرجه مسلم: في الإيمان - باب: زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة برقم (151) 1 / 133. والمصنف في شرح السنة: 1 / 111.","part":1,"page":323},{"id":358,"text":"يصير صيرا إذا قطع، وانصار الشيء انصيارا إذا انقطع.\rقال الفراء: هو مقلوب من صريت أصري صريا إذا قطعت، وقرأ الآخرون { فَصُرْهُنَّ } بضم الصاد ومعناه أملهن إليك ووجههن، يقال: صرت الشيء أصوره إذا أملته، ورجل أصور إذا كان مائل العنق، وقال عطاء: معناه اجمعهن واضممهن إليك يقال: صار يصور صورا إذا اجتمع ومنه قيل لجماعة النحل صور، ومن فسره بالإمالة والضم قال فيه إضمار معناه فصرهن إليك ثم قطعهن فحذفه اكتفاء بقوله: { ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا } لأنه يدل عليه، وقال أبو عبيدة: فصرهن معناه قطعهن أيضا، والصور القطع.\rقوله تعالى: { ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا } قرأ عاصم برواية أبي بكر { جُزْءًا } مثقلا مهموزا، والآخرون بالتخفيف والهمز، وقرأ أبو جعفر مشددة الزاي بلا همز وأراد به بعض الجبال.\rقال بعض المفسرين: أمر الله إبراهيم أن يذبح تلك الطيور وينتف ريشها ويقطعها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها بعضها ببعض ففعل، ثم أمره أن يجعل أجزاءها على الجبال.\rواختلفوا في عدد الأجزاء والجبال فقال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة: أمر أن يجعل كل طائر أربعة أجزاء ويجعلها على أربعة أجبل على كل جبل ربعا من كل طائر وقيل: جبل على جانب الشرق، وجبل على جانب الغرب، وجبل على جانب الشمال، وجبل على جانب الجنوب.\rوقال ابن جريج والسدي: جزأها سبعة أجزاء ووضعها على سبعة أجبل وأمسك رءوسهن ثم دعاهن: 47/أ تعالين بإذن الله تعالى، فجعلت كل قطرة من دم طائر تطير إلى القطرة الأخرى، وكل ريشة تطير إلى الريشة الأخرى، وكل عظم يصير إلى العظم الآخر، وكل بضعة تصير إلى الأخرى، وإبراهيم ينظر، حتى لقيت كل جثة بعضها بعضا في الهواء بغير رأس ثم أقبلن إلى رءوسهن سعيا فكلما جاء طائر مال برأسه فإن كان رأسه دنا منه، وإن لم يكن تأخر، حتى التقى كل طائر برأسه فذلك قوله تعالى { ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا } قيل المراد بالسعي الإسراع والعدو، وقيل المراد به المشي دون الطيران كما قال الله تعالى \"فاسعوا إلى ذكر الله\"( 9-الجمعة ) أي فامضوا، والحكمة في المشي دون الطيران كونه أبعد من الشبهة لأنها لو طارت لتوهم متوهم أنها غير تلك الطير وإن أرجلها غير سليمة والله أعلم. وقيل السعي بمعنى الطيران { وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }\r{ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) }\rقوله تعالى: { مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } فيه إضمار تقديره مثل صدقات الذين ينفقون أموالهم { كَمَثَلِ } زارع { حَبَّة } وأراد بسبيل الله الجهاد، وقيل جميع أبواب الخير { أَنْبَتَت }","part":1,"page":324},{"id":359,"text":"أخرجت { سَبْعَ سَنَابِلَ } جمع سنبلة { فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ } فإن قيل فما رأينا سنبلة فيها مائة حبة فكيف ضرب المثل به؟ قيل: ذلك متصور، غير مستحيل، وما لا يكون مستحيلا جاز ضرب المثل به وإن لم يوجد، معناه: { فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ } فما حدث من البذر الذي كان فيها كان مضاعفا إليها وكذلك تأوله الضحاك فقال: كل سنبلة أنبتت مائة حبة { وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ } قيل معناه يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء، وقيل: معناه يضاعف على هذا ويزيد لمن يشاء ما بين سبع إلى سبعين إلى سبعمائة إلى ما شاء الله من الأضعاف مما لا يعلمه إلا الله { وَاللَّهُ وَاسِعٌ } غني يعطي عن سعة { عَلِيمٌ } بنية من ينفق ماله.\r{ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264) }\rقوله تعالى: { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } قال الكلبي: نزلت هذه الآية في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما، جاء عبد الرحمن بأربعة آلاف درهم صدقة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كانت عندي ثمانية آلاف فأمسكت منها لنفسي وعيالي أربعة آلاف درهم، وأربعة آلاف أقرضتها ربي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله فيما أمسكت لك وفيما أعطيت، وأما عثمان فجهز جيش المسلمين في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها (1) وأحلاسها (2) فنزلت فيهما هذه الآية.\rوقال عبد الرحمن بن سمرة: جاء عثمان رضي الله عنه بألف دينار في جيش العسرة فصبها في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يدخل فيها يده ويقلبها ويقول \"ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم\" (3) فأنزل الله تعالى { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } في طاعة الله { ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا }\r__________\r(1) جمع قتب وهو الإكاف على قدر سنام البعير ليركب أو يحمل عليه.\r(2) جمع حلس وهو كساء يجعل على ظهر البعير تحت رحله.\r(3) رواه الترمذي: في المناقب - باب: 76-10 / 193 وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه. وأحمد: في مسنده: 5 / 63 عن عبد الرحمن بن سمرة، وإسناده حسن.","part":1,"page":325},{"id":360,"text":"وهو أن يمن عليه بعطائه فيقول أعطيتك كذا، ويعد نعمه عليه فيكدرها { وَلا أَذًى } أن يعيره فيقول إلى كم تسأل وكم تؤذيني؟ وقيل من الأذى هو أن يذكر إنفاقه عليه عند من لا يحب وقوفه عليه.\rوقال سفيان: { مَنًّا وَلا أَذًى } أن يقول قد أعطيتك وأعطيت فما شكرت، قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان أبي يقول: إذا أعطيت رجلا شيئا ورأيت أن سلامك يثقل عليه فكف سلامك عنه، فحظر الله على عباده المن بالصنيعة، واختص به صفة لنفسه، لأنه من العباد تعيير. وتكدير ومن الله إفضال وتذكير { لَهُمْ أَجْرُهُمْ } أي ثوابهم { عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ }\r{ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ } أي كلام حسن ورد على السائل جميل، وقيل عدة حسنة. وقال الكلبي: دعاء صالح يدعو لأخيه بظهر الغيب، وقال الضحاك: نزلت في إصلاح ذات البين { وَمَغْفِرَة } أي تستر عليه خلته ولا تهتك عليه ستره، وقال الكلبي والضحاك: بتجاوز عن ظالمه، وقيل يتجاوز عن الفقير إذا استطال عليه عند رده { خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ } يدفعها إليه { يَتْبَعُهَا أَذًى } أي من وتعيير للسائل أو قول يؤذيه { وَاللَّهُ غَنِيٌّ } أي مستغن عن صدقة العباد { حَلِيم } لا يعجل بالعقوبة على من يمن ويؤذي بالصدقة.\rقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ } أي أجور صدقاتكم { بِالْمَن } على السائل، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: بالمن على الله تعالى { وَالأذَى } لصاحبها ثم ضرب لذلك مثلا فقال { كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ } أي كإبطال الذي ينفق ماله { رِئَاءَ النَّاسِ } أي مراءاة وسمعة ليروا نفقته ويقولوا إنه كريم سخي { وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } يريد أن الرياء يبطل الصدقة ولا تكون النفقة مع الرياء من فعل المؤمنين وهذا للمنافقين لأن الكافر معلن بكفره غير مراء { فَمَثَلُه } أي مثل هذا المرائي { كَمَثَلِ صَفْوَانٍ } الحجر الأملس، وهو واحد وجمع، فمن جعله جمعا فواحده صفوانة ومن جعله واحدا فجمعه صفي { عَلَيْه } أي على الصفوان { تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ } المطر الشديد العظيم القطر { فَتَرَكَهُ صَلْدًا } أي أملس، والصلد الحجر الصلب الأملس الذي لا شيء عليه فهذا مثل ضربه الله تعالى لنفقة المنافق والمرائي والمؤمن الذي يمن بصدقته ويؤذي ويري الناس في الظاهر أن لهؤلاء أعمالا كما يرى التراب على هذا الصفوان فإذا كان يوم القيامة بطل كله واضمحل لأنه لم يكن لله عز وجل كما أذهب الوابل ما على الصفوان من التراب فتركه صلدا { لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا } أي على ثواب شيء مما كسبوا وعملوا في الدنيا { وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ }\rأخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن الطيسفوني، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني، أخبرنا علي بن حجر، أخبرنا إسماعيل بن جعفر، أخبرنا عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، عن عاصم بن عمر عن محمود بن لبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال \"إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر\" قالوا: يا رسول الله وما الشرك الأصغر؟ قال \"الرياء يقول الله لهم يوم يجازي العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم","part":1,"page":326},{"id":361,"text":"جزاء\" (1) .\rأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد الحارثي أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي أخبرنا عبد الله بن محمد بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، أخبرنا عبد الله بن المبارك عن حيوة بن شريح، أخبرني الوليد بن أبي الوليد أبو عثمان المدائني أن عقبة بن مسلم حدثه أن شفيا الأصبحي حدثه أنه دخل المدينة فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس فقال من هذا؟ قالوا: أبو هريرة، فدنوت منه حتى قعدت بين يديه وهو يحدث الناس فلما سكت وخلا قلت له: أنشدك الله بحق، لما حدثتني حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول \"إن الله إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم، وكل أمة جاثية فأول من يدعو به رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ فقال: بلى يا رب 47/ب قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت ويقول الله تعالى: بل أردت أن يقال فلان قارئ فقد قيل ذلك، ويؤتى بصاحب المال فيقول الله له: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى يا رب، قال: فما عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم وأتصدق. فيقول الله له: كذبت، وتقول الملائكة كذبت ويقول الله تعالى: بل أردت أن يقال فلان جواد فقد قيل ذلك، ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله فيقول له: فبماذا قتلت؟ فيقول: يا رب أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله: كذبت وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله تعالى: بل أردت أن يقال فلان جريء فقد قيل ذلك، ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتي فقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق تسعر بهم النار يوم القيامة\" (2) .\r__________\r(1) أخرجه أحمد: 5 / 428-429 عن محمود بن لبيد. ورواه ابن حبان في موارد الظمآن 2499 عن فضالة الأنصاري بمعناه. ص618. وانظر: النهج السديد صفحة 46. وقال المنذري في الترغيب والترهيب إسناده جيد والمصنف في شرح السنة: 14 / 324.\r(2) رواه الترمذي: في الزهد باب ما جاء في الرياء والسمعة 7 / 54 وقال: هذا حديث حسن غريب وعزاه في تحفة الأحوذي لابن خزيمة في صحيحه، وفي سنده الوليد بن أبي الوليد أبو عثمان المدائني لين الحديث (التقريب).","part":1,"page":327},{"id":362,"text":"{ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265) }\rقوله تعالى: { وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّه } أي طلب رضا الله تعالى { وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ }","part":1,"page":327},{"id":363,"text":"قال قتادة: احتسابا، وقال الشعبي والكلبي: تصديقا من أنفسهم، أي يخرجون الزكاة طيبة بها أنفسهم على يقين بالثواب وتصديق بوعد الله، ويعلمون أن ما أخرجوا خير لهم مما تركوا، وقيل على يقين بإخلاف الله عليهم.\rوقال عطاء ومجاهد: يثبتون أي يضعون أموالهم، قال الحسن: كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت فإن كان لله أمضى وإن كان يخالطه شك أمسك، وعلى هذا القول يكون التثبيت بمعنى التثبت، كقوله تعالى: \"وتبتل إليه تبتيلا( 8-المزمل ) أي تبتلا { كَمَثَلِ جَنَّةٍ } أي بستان قال( المبرد ) (1) والفراء: إذا كان في البستان نخل فهو جنة وإن كان فيه كرم فهو فردوس { بِرَبْوَة } قرأ ابن عامر وعاصم بربوة وإلى ربوة في سورة المؤمنون بفتح الراء وقرأ الأخرون بضمها وهي المكان المرتفع المستوي الذي تجري فيه الأنهار فلا يعلوه الماء ولا يعلو عن الماء، وإنما جعلها بربوة لأن النبات عليها أحسن وأزكى { أَصَابَهَا وَابِلٌ } مطر شديد كثير { فَآتَتْ أُكُلَهَا } ثمرها، قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتثقيل، وزاد نافع وابن كثير تخفيف أكله والأكل، وخفف أبو عمرو رسلنا ورسلكم ورسلهم وسبلنا.\r{ ضِعْفَيْنِ } أي أضعفت في الحمل قال عطاء: حملت في السنة من الريع (2) ما يحمل غيرها في سنتين، وقال عكرمة: حملت في السنة مرتين { فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ } أي فطش، وهو المطر الضعيف الخفيف ويكون دائما.\rقال السدي: هو الندى، وهذا مثل ضربه الله تعالى لعمل المؤمن المخلص فيقول: كما أن هذه الجنة تريع في كل حال ولا تخلف سواء قل المطر أو كثر، كذلك يضعف الله صدقة المؤمن المخلص الذي لا يمن ولا يؤذي سواء قلت نفقته أو كثرت، وذلك أن الطل إذا كان يدوم يعمل عمل الوابل الشديد.\r__________\r(1) ساقط من ب.\r(2) الغلة.","part":1,"page":328},{"id":364,"text":"{ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }\r{ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) }\r{ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ } هذه الآية متصلة بقوله تعالى: \"يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى\" [قوله أيود يعني: أيحب أحدكم أن تكون له جنة أي بستان من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار] (1) .\r{ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ } أولاد صغار ضعاف عجزة { فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ } الريح العاصف التي ترتفع إلى السماء كأنها عمود وجمعه أعاصير { فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ } هذا مثل ضربه الله لعمل المنافق والمرائي يقول: عمله في حسنه كحسن الجنة ينتفع به كما ينتفع صاحب الجنة بالجنة، فإذا كبر أو ضعف وصار له أولاد ضعاف وأصاب جنته إعصار فيه نار فاحترقت فصار أحوج ما يكون إليها وضعف عن إصلاحها لكبره وضعف أولاده عن إصلاحها لصغرهم ولم يجد هو ما يعود به على أولاده ولا أولاده ما يعودون به عليه فبقوا جميعا متحيرين عجزة لا حيلة بأيديهم، كذلك يبطل الله عمل هذا المنافق والمرائي حين لا مغيث (2) لهما ولا توبة ولا إقالة.\rقال عبيد بن عمير: قال عمر رضي الله عنه يوما لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: فيمن ترون هذه الآية نزلت { أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ } قالوا: الله أعلم، فغضب عمر رضي الله عنه فقال: قولوا نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، فقال عمر رضي الله عنه: ابن أخي قل ولا تحقر نفسك، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ضربت مثلا لعمل، فقال عمر رضي الله عنه: أي عمل؟ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: لعمل المرائي قال عمر رضي الله عنه لرجل غني يعمل بطاعة الله بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله\" (3) { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ } خيار، قال ابن مسعود رضي الله عنه ومجاهد: من حلالات { مَا كَسَبْتُمْ } بالتجارة والصناعة وفيه دلالة على إباحة الكسب وأنه ينقسم إلى طيب وخبيث.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا أبو\r__________\r(1) ساقط من ب.\r(2) في \"ب\" مستعتب بدل مغيث.\r(3) رواه البخاري في التفسير، تفسير سورة البقرة باب قوله (أيود أحدكم-8 / 201-202).","part":1,"page":329},{"id":365,"text":"جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا يعلى بن عبيد، أخبرنا الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه\" (1) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا عبد الله بن صالح، أخبرنا أبو معاوية بن صالح عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن المقدام بن معد يكرب أنه حدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وكان داود لا يأكل إلا من عمل يديه\" (2) .\rأخبرنا أبو القاسم يحيى بن علي بن محمد الكشميهني، أخبرنا نجاح بن يزيد المحاربي بالكوفة، أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني، أخبرنا أحمد بن حازم، أخبرنا يحيى بن عبيد، أخبرنا أبان بن إسحاق عن الصباح بن محمد بن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا يكتسب عبد مالا حراما فيتصدق منه فيقبل الله منه، ولا ينفق منه فيبارك له فيه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث\" (3) .\rوالزكاة واجبة في مال التجارة عند أكثر أهل العلم، فبعد الحول يقوم العروض فيخرج من قيمتها ربع العشر إذا كان قيمتها عشرون دينارا أو مائتي درهم، قال سمرة بن جندب: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع\" (4) .\rوعن أبي عمرو بن حماس أن أباه قال: مررت بعمر بن الخطاب رضي الله عنه وعلى عنقي أدمة (5)\r__________\r(1) رواه النسائي: في البيوع - باب الحث على الكسب: 7 / 240، وابن ماجه: في التجارات - باب الحث على الكسب: 2 / 723، والدارمي: بيوع - باب الكسب وعمل الرجل بيده: 2 / 247، وأحمد: 6 / 31،42 عن عائشة رضي الله عنها، وابن حبان: في صحيحه، موارد الظمآن (1091) ص 268، والمصنف في شرح السنة: 9 / 329 وإسناده صحيح.\r(2) رواه البخاري: في البيوع - باب كسب الرجل وعمله بيده: 4 / 303. والمصنف في شرح السنة: 8 / 6.\r(3) رواه أحمد: 1 / 387 جزء من حديث عبد الله بن مسعود، والبغوي في شرح السنة 8 / 10، وأخرج بعضه الحاكم في المستدرك: 1 / 24، 2 / 447، وذكره الهيثمي في المجمع: 10 / 90 وقال: رواه الطبراني موقوفا ورجاله رجال الصحيح، وضعفه الألباني في السلسة الضعيفة برقم (2822). المشكاة برقم (2771،2994). وفي إسناده الصباح بن محمد بن أبي حازم البجلي الأحمسي الكوفي: ضعيف أفرط فيه ابن حبان - التقريب.\r(4) رواه أبو داود: في الزكاة - باب العروض إذا كانت للتجارة 2 / 175 وسكت عنه المنذري والبيهقي: في السنن 4 / 146 قال ابن حجر في التلخيص الحبير: أخرجه الدارقطني والبزار من حديث سليمان بن سمرة عن أبيه وفي إسناده جهالة.\r(5) جلد.","part":1,"page":330},{"id":366,"text":"أحملها فقال عمر: ألا تؤدي زكاتك يا حماس؟ فقلت: ما لي غير هذا وأهب (1) في القرظ (2) ، فقال ذاك مال، فضع، فوضعتها فحسبها فأخذ منها الزكاة (3) .\rقوله تعالى: { وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأرْضِ } قيل هذا بإخراج العشور من الثمار والحبوب واتفق 48/أ أهل العلم على إيجاب العشر في النخيل والكروم وفيما يقتات من الحبوب إن كان مسقيا بماء السماء أو من نهر يجري الماء إليه من غير مؤنة، وإن كان مسقيا بساقية أو بنضح ففيه نصف العشر.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا عبد الله بن وهب، أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم \"فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا (4) العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر\" (5) .\rأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا عبد الله بن نافع عن محمد بن صالح التمار عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن عتاب بن أسيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في زكاة الكرم \"يخرص كما يخرص النخل ثم تؤدى زكاته زبيبا كما يؤدي زكاة النخل تمرا\" (6) .\r__________\r(1) جمع إهاب وهو الجلد قبل أن يدبغ.\r(2) القرظ: حب معروف يخرج من شجر العضاة تدبغ به الجلود.\r(3) أخرجه الشافعي في مسنده: 1 / 229-230، والبيهقي في السنن: 4 / 147. والدارقطني: 2 / 125. وعزاه الحافظ ابن حجر للإمام أحمد وابن أبي شيبة وعبد الرزاق وسعيد بن منصور عن سفيان عن يحيى بن سعيد، انظر التلخيص الحبير: 2 / 180. وضعفه الألباني في إرواء الغليل: 3 / 311 لأن أبا عمرو بن حماس \"مجهول\" كما قال الذهبي في الميزان.\r(4) الزرع لا يسقيه إلا ماء المطر.\r(5) رواه البخاري: في الزكاة - باب: العشر فيما يسقى من ماء السماء وبالماء الجاري 3 / 437. ومسلم: في الزكاة - باب: ما فيه العشر أو نصف العشر برقم (981) 2 / 675 عن جابر بلفظ آخر. والمصنف في شرح السنة: 6 / 42.\r(6) الشافعي: 1 / 243. رواه النسائي: زكاة - باب شراء الصدقة 5 / 109. وابن ماجه: زكاة - باب خرص النخل والعنب 2 / 210-211. وأبو داود: في الزكاة - باب في خرص العنب 2 / 210-211. والترمذي: زكاة - باب ما جاء في الخرص 3 / 306 وقال حديث حسن غرب. والبيهقي: 4 / 122. والدارقطني: 2 / 132. والمصنف في شرح السنة: 6 / 37. وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير 2 / 171 (ومداره على سعيد بن المسيب عن عتاب وقال أبو داود لم يسمع منه، وقال ابن القانع: لم يدركه، وقال المنذري: انقطاعه ظاهر لأن مولد سعيد في خلافه عمر ومات عتاب يوم مات أبو بكر وسبقه إلى ذلك ابن عبد البر وقال أبو حاتم الصحيح عن سعيد بن المسيب: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عتابا: مرسل وهذه رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري قال النووي: هذا الحديث وإن كان مرسلا لكنه اعتضد بقول الأئمة).","part":1,"page":331},{"id":367,"text":"واختلف أهل العلم فيما سوى النخل والكروم، وفيما سوى ما يقتات به من الحبوب، فذهب قوم إلى أنه لا عشر في شيء منها، وهو قول ابن أبي ليلى والشافعي رضي الله عنه.\rوقال الزهري والأوزاعي ومالك رضي الله عنهم: يجب في الزيتون، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: يجب العشر في جميع البقول والخضروات كالثمار إلا الحشيش والحطب، وكل ثمرة أوجبنا فيها الزكاة فإنما يجب ببدو الصلاح، ووقت الإخراج بعد الاجتناء والجفاف، وكل حب أوجبنا فيه العشر فوقت وجوبه اشتداد الحب ووقت الإخراج بعد الدياسة والتنقية، ولا يجب العشر في شيء منها حتى تبلغ خمسة أوسق (1) عند أكثر أهل العلم، وعند أبي حنيفة رحمه الله يجب في كل قليل وكثير منها، واحتج من شرط النصاب بما أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة، وليس فيما دون خمسة أواق من الورق صدقة وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة\" (2) .\rوروى يحيى بن عبادة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"ليس في حب ولا تمر صدقة حتى تبلغ خمسة أوسق\" (3) ، وقال قوم: الآية في صدقات التطوع.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا يحيى بن يحيى أخبرنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"ما من مؤمن يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كان له به صدقة\" (4) .\rقوله تعالى: { وَلا تَيَمَّمُوا } قرأ ابن كثير برواية البزي بتشديد التاء في الوصل فيها وفي أخواتها وهي واحد وثلاثون موضعا في القرآن، لأنه في الأصل تاءان أسقطت إحداهما فرد هو الساقطة وأدغم وقرأ الآخرون بالتخفيف ومعناه لا تقصدوا { الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ }\rروي عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال: كانت الأنصار تخرج إذا كان جذاذ النخل\r__________\r(1) جمع وسق: وهو ستون صاعا بصاع النبي صلى الله عليه وسلم.\r(2) رواه مسلم: في الزكاة - برقم (979) 2 / 673. والمصنف: في شرح السنة: 5 / 499.\r(3) رواه مسلم: في الزكاة - برقم (979) 2 / 674. والمصنف: في شرح السنة: 5 / 500.\r(4) رواه البخاري: في الحرث والمزارعة - باب فضل الزرع والغرس 5 / 3 بلفظ ما من مسلم - وفي الأدب أيضا. والمصنف: في شرح السنة: 6 / 149.","part":1,"page":332},{"id":368,"text":"أقناء (1) من التمر والبسر فيعلقونه على حبل بين الإسطوانتين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل منه فقراء المهاجرين، فكان الرجل منهم يعمد فيدخل قنو الحشف (2) وهو يظن أنه جائز عنه في كثرة ما يوضع من الأقناء، فنزل فيمن فعل ذلك { وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ } أي الحشف والرديء، وقال الحسن ومجاهد والضحاك: كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ورذالة أموالهم ويعزلون الجيد ناحية لأنفسهم، فأنزل الله تعالى { وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ } الرديء { مِنْهُ تُنْفِقُونَ } { وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ } يعني الخبيث { إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ } الإغماض غض البصر، وأراد هاهنا التجوز والمساهلة، معناه لو كان لأحدكم على رجل حق فجاءه بهذا لم يأخذه إلا وهو يرى أنه قد أغمض له عن حقه وتركه. وقال الحسن وقتادة: لو وجدتموه يباع في السوق ما أخذتموه بسعر الجيد.\rوروي عن البراء قال: لو أهدي ذلك لكم ما أخذتموه إلا على استحياء من صاحبه وغيظ، فكيف ترضون ما لا ترضون لأنفسكم؟ هذا إذا كان المال كله جيدا فليس له إعطاء الرديء، لأن أهل السهمان شركاؤه فيما عنده، فإن كان كل ماله رديئا فلا بأس بإعطاء الرديء، { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ } عن صدقاتكم { حَمِيد } محمود في أفعاله.\r{ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الألْبَابِ (269) }\r{ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ } أي يخوفكم بالفقر، يقال وعدته خيرا ووعدته شرا، قال الله تعالى في الخير \"وعدكم الله مغانم كثيرة\"( 20-الفتح ) وقال في الشر \"النار وعدها الله الذين كفروا\"( 72-الحج ) فإذا لم يذكر الخير والشر قلت في الخير: وعدته وفي الشر، أوعدته، والفقر سوء الحال وقلة ذات اليد، وأصله من كسر الفقار، ومعنى الآية: أن الشيطان يخوفكم بالفقر ويقول للرجل أمسك عليك مالك فإنك إذا تصدقت به افتقرت { وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ } أي بالبخل ومنع الزكاة، وقال الكلبي: كل الفحشاء في القرآن فهو الزنا إلا هذا { وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ } أي لذنوبكم { فَضْلا } أي رزقا خلفا (3) { وَاللَّهُ وَاسِعٌ } غني { عَلِيم }\rأخبرنا حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر الزيادي أخبرنا محمد بن الحسين القطان أخبرنا أحمد بن يوسف السلمي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال: حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"إن الله تعالى يقول: ابن آدم أنفق أنفق عليك\" وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"يمين الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء (4) الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات\r__________\r(1) جمع قنو: وهو عذق النخل.\r(2) أردأ التمر.\r(3) ساقط من نسخة ب.\r(4) بمهملتين مثقلا ممدودا، أي دائمة.","part":1,"page":333},{"id":369,"text":"والأرض فإنه لم ينقص ما في يمينه { قال } وعرشه على الماء وبيده الأخرى القسط يرفع ويخفض\" (1) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عبيد الله بن سعيد أخبرنا عبد الله بن نمير أخبرنا هشام بن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها \"أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك ولا توعي (2) فيوعي الله عليك\" (3) .\rقوله تعالى: { يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ } قال السدي: هي النبوة، وقال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة: علم القرآن ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله، وقال الضحاك: القرآن والفهم فيه، وقال: في القرآن مائة وتسع آيات ناسخة ومنسوخة وألف آية حلال وحرام، لا يسع المؤمنين تركهن حتى يتعلموهن، ولا تكونوا كأهل نهروان تأولوا آيات من القرآن في أهل القبلة وإنما أنزلت في أهل الكتاب جهلوأ 48/ب علمها فسفكوا بها الدماء وانتهبوا الأموال وشهدوا علينا بالضلالة، فعليكم بعلم القرآن فإنه من علم فيم أنزل الله لم يختلف في شيء منه.\rوقال مجاهد: هي القرآن والعلم والفقه، وروى ابن أبي نجيح عنه: الإصابة في القول والفعل، وقال إبراهيم النخعي: معرفة معاني الأشياء وفهمها.\r{ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ } في محل الرفع على ما لم يسم فاعله، والحكمة خبره (4) ، وقرأ يعقوب -يؤت الحكمة -بكسر التاء أي من يؤته الله الحكمة، دليل قراءة الأعمش، ومن يؤته الله، حكي عن الحسن { وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ } قال: الورع في دين الله { فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ } يتعظ { إِلا أُولُو الألْبَابِ } ذوو العقول.\r__________\r(1) رواه البخاري: في تفسير سورة هود - باب: وكان عرشه على الماء - 8 / 352 وفي التوحيد. ومسلم: في الزكاة - باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف برقم (993) 2 / 690. والمصنف: في شرح السنة: 6 / 154-155.\r(2) الإيعاء جعل الشيء في الوعاء، وأصله الحفظ.\r(3) رواه البخاري: في الهبة - باب: هبة المرأة لغير زوجها وعتقها إذا كان لها زوج 5 / 217. ومسلم: في الزكاة: باب: الحث في الإنفاق وكراهية الإحصاء برقم (1029) 2 / 713. والمصنف: في شرح السنة: 6 / 154.\r(4) انظر: التبيان في إعراب القرآن للعكبري: 1 / 220.","part":1,"page":334},{"id":370,"text":"{ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (270) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (272) }\rقوله تعالى: { وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ } فيما فرض الله عليكم { أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ } أي: ما أوجبتموه [أنتم] (1) على أنفسكم في طاعة الله فوفيتم به { فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ } يحفظه حتى يجازيكم به، وإنما قال: يعلمه، ولم يقل: يعلمها لأنه رده إلى الآخر منهما كقوله تعالى: \"ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا\"( 112-النساء ) وإن شئت حملته على \"ما\" كقوله: \"وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به\"( 231-البقرة ) ولم يقل بهما { وَمَا لِلظَّالِمِينَ } الواضعين الصدقة في غير موضعها بالرياء أو يتصدقون من الحرام { مِنْ أَنْصَارٍ } أعوان يدفعون عذاب الله عنهم، وهي جمع نصير، مثل: شريف وأشراف.\rقوله تعالى: { إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ } أي تظهروها { فَنِعِمَّا هِيَ } أي: نعمت الخصلة هي و\"ما\" في محل الرفع \"وهي\" في محل النصب كما تقول نعم الرجل رجلا فإذا عرفت رفعت، فقلت: نعم الرجل زيد، وأصله نعم ما فوصلت، قرأ أهل المدينة غير ورش وأبو عمرو وأبو بكر: فنعما بكسر النون وسكون العين، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: بفتح النون وكسر العين، وقرأ ابن كثير ونافع برواية ورش ويعقوب وحفص بكسرهما، وكلها لغات صحيحة وكذلك في سورة النساء.\r{ وَإِنْ تُخْفُوهَا } تسروها { وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ } أي تؤتوها الفقراء في السر { فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ } وأفضل وكل مقبول إذا كانت النية صادقة ولكن صدقة السر أفضل، وفي الحديث \"صدقة السر تطفئ غضب الرب (2) .\r__________\r(1) ساقطة من ب.\r(2) أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك في الزكاة - باب فضل الصدقة (إن الصدقة لتطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء) وقال هذا حديث غريب من هذا الوجه وفيه عبد الله بن عيسى الخزاز 3 / 329-330 وعبد الله بن عيسى الخزاز أبو خلف منكر الحديث. قال النسائي: ليس بثقة: انظر ميزان الاعتدال: 2 / 470. وأخرجه الطبراني في الكبير والأوسط بأطول من هذا عن معاوية بن حيدة وفيه صدقة بن عبد الله وثقه دحيم وضعفه جماعة (تهذيب التهذيب: 4 / 365) وأيضا في الصغير والأوسط عن جعفر وفيه أصرم بن حوشب وهو ضعيف (مجمع الزوائد 3 / 115) والمصنف في شرح السنة: 6 / 133.","part":1,"page":335},{"id":371,"text":"أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن حبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي سعيد الخدري أو عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله تعالى، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه\" (1) .\rوقيل: الآية في صدقة التطوع، أما الزكاة المفروضة فالإظهار فيها أفضل حتى يقتدي به الناس، كالصلاة المكتوبة في الجماعة أفضل، والنافلة في البيت [أفضل] (2) وقيل: الآية في الزكاة المفروضة كان الإخفاء فيها خيرا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما في زماننا فالإظهار أفضل حتى لا يساء به الظن.\rقوله تعالى: { وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُم } قرأ ابن كثير وأهل البصرة وأبو بكر بالنون ورفع الراء أي ونحن نكفر، وقرأ ابن عامر وحفص بالياء ورفع الراء، أي ويكفر الله، وقرأ أهل المدينة وحمزة والكسائي بالنون والجزم نسقا على الفاء التي في قوله \"فهو خير لكم\" لأن موضعها جزم بالجزاء، وقوله ومن سيئاتكم قيل \"من\" صلة، تقديره نكفر عنكم سيئاتكم، وقيل: هو للتحقيق والتبعيض، يعني: نكفر الصغائر من الذنوب، { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }\r{ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ } قال الكلبي سبب نزول هذه الآية أن ناسا من المسلمين كانت لهم قرابة\r__________\r(1) رواه البخاري، في الأذان - باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد 2 / 143. ومسلم: في الزكاة - باب: فضل إخفاء الصدقة برقم (1031) 2 / 715. والمصنف في شرح السنة: 2 / 354.\r(2) ساقطة من نسخة ب.","part":1,"page":336},{"id":372,"text":"وأصهار في اليهود وكانوا ينفقون عليهم قبل أن يسلموا فلما أسلموا كرهوا أن ينفقوا عليهم وأرادوهم على أن يسلموا، وقال سعيد بن جبير (1) كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة، فلما كثر فقراء المسلمين، نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التصدق على المشركين كي تحملهم الحاجة على الدخول في الإسلام فنزل قوله { لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ } فتمنعهم الصدقة ليدخلوا في الإسلام حاجة منهم إليها، { وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } وأراد به هداية التوفيق، أما هدي البيان والدعوة فكان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطوهم بعد نزول الآية.\r{ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ } أي مال { فَلأنْفُسِكُم } أي تعملونه لأنفسكم { وَمَا تُنْفِقُونَ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ } وما جحد، لفظه نفي ومعناه نهي، أي لا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله { وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ } شرط كالأول ولذلك حذف النون منهما { يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } أي يوفر لكم جزاؤه، ومعناه: يؤدي إليكم، ولذلك دخل فيه إلا { وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ } لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئا، وهذا في صدقة التطوع، أباح الله تعالى أن توضع في أهل الإسلام وأهل الذمة، فأما الصدقة المفروضة فلا يجوز وضعها إلا في المسلمين وهم أهل السهمان المذكورون في سورة التوبة.\r{ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (274) }\rقوله تعالى: { لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } اختلفوا في موضع هذه اللام: قيل هي مردودة على موضع اللام من قوله \"فلأنفسكم\" كأنه قال: وما تنفقوا من خير فللفقراء، وإنما تنفقون لأنفسكم، وقيل: معناها الصدقات التي سبق ذكرها، وقيل: خبره محذوف تقديره: للفقراء الذين صفتهم كذا حق واجب، وهم فقراء المهاجرين، كانوا نحوا من أربعمائة رجل، لم يكن لهم مساكن بالمدينة ولا عشائر، وكانوا في المسجد يتعلمون القرآن ويرضخون (2) النوى بالنهار، وكانوا يخرجون في كل سرية يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أصحاب الصفة، فحث الله تعالى عليهم الناس فكان من عنده فضل أتاهم به إذا أمسى.\r{ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } فيه أقاويل؛ قال قتادة -وهو أولاها -حبسوا أنفسهم على الجهاد في سبيل الله { لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأرْضِ } لا يتفرغون للتجارة وطلب المعاش وهم أهل الصفة الذين ذكرناهم، وقيل: حبسوا أنفسهم على طاعة الله، وقيل: معناه حبسهم الفقر والعدم عن الجهاد في سبيل الله، وقال سعيد بن جبير: قوم أصابتهم جراحات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد في سبيل الله فصاروا زمنى، أحصرهم المرض والزمانة عن الضرب في سبيل الله للجهاد، وقال ابن زيد: معناه: من كثرة ما جاهدوا صارت الأرض كلها حربا عليهم فلا يستطيعون ضربا في الأرض من كثرة أعدائهم، { يَحْسَبُهُم } قرأ أبو جعفر وابن عامر وعاصم وحمزة: يحسبهم وبابه بفتح السين وقرأ الآخرون بالكسر\r__________\r(1) أسباب النزول للواحدي ص 83 بسنده عن سعيد بن جبير.\r(2) يكسرون.","part":1,"page":337},{"id":373,"text":"{ الْجَاهِل } بحالهم { أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ } أي من تعففهم عن السؤال 49/أ وقناعتهم يظن من لا يعرف حالهم أنهم أغنياء، والتعفف التفعل من العفة وهي الترك يقال: عف عن الشيء إذا كف عنه وتعفف إذا تكلف في الإمساك.\r{ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ } السيماء والسيمياء والسمة: العلامة التي يعرف بها الشيء، واختلفوا في معناها هاهنا، فقال مجاهد: هي التخشع والتواضع، وقال السدي: أثر الجهد من الحاجة والفقر، وقال الضحاك: صفرة ألوانهم من الجوع والضر وقيل رثاثة ثيابهم، { لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا } قال عطاء: إذا كان عندهم غداء لا يسألون عشاء، وإذا كان عندهم عشاء لا يسألون غداء، وقيل: معناه لا يسألون الناس إلحافا أصلا لأنه قال: من التعفف، والتعفف ترك السؤال، ولأنه قال: تعرفهم بسيماهم، ولو كانت المسألة من شأنهم لما كانت إلى معرفتهم بالعلامة من حاجة، فمعنى الآية، ليس لهم سؤال فيقع فيه إلحاف، والإلحاف: الإلحاح واللجاج.\rأخبرنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، أخبرنا أبو سعيد محمد بن إبراهيم بن الإسماعيلي، أخبرنا محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن عبد الله بن الحكم أخبرنا أنس بن عياض عن هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أشياءهم أعطوه أو منعوه\" (1) .\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس، ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان\" قالوا: فمن المسكين يا رسول الله؟ قال: \"الذي لا يجد غنى فيغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس\" (2) .\rوروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا\" (3) .\r__________\r(1) رواه البخاري في الزكاة. باب: الاستعفاف عن المسألة 3 / 335. والمصنف في شرح السنة 6 / 112-113.\r(2) رواه البخاري: في الزكاة - باب: قول الله تعالى (لا يسألون الناس إلحافا) 3 / 340 وفي التفسير. ومسلم: في الزكاة - باب: المسكين الذي لا يجد غنى ولا يفطن له فيتصدق عليه يرقم (1039) 2 / 719. والمصنف في شرح السنة: 6 / 86.\r(3) رواه أبو داود: في الزكاة - باب: من يعطى من الصدقة وحد الغنى 2 / 229 عن أبي سعيد الخدري بلفظ (من سأل وله أوقية فقد ألحف) وسكت عنه المنذري. والنسائي: في الزكاة - باب: إذا لم يكن له دراهم وكان له عدلها 5 / 98-99. وأحمد: 4 / 36 و 5 / 430 واللفظ له عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد. والمصنف في شرح السنة: 6 / 84 وإسناده صحيح.","part":1,"page":338},{"id":374,"text":"أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرنا جدي أبو سهل عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار، أخبرنا محمد بن زكريا بن عدافر، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن عباد الدبري، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن هارون بن رياب عن كنانة العدوي عن قبيصة بن مخارق قال: إني تحملت بحمالة في قومي فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إني تحملت بحمالة في قومي وأتيتك لتعينني فيها قال: \"بل نتحملها عنك يا قبيصة ونؤديها إليهم من الصدقة\" ثم قال \"يا قبيصة إن المسألة حرمت إلا في إحدى ثلاث: رجل أصابته جائحة (1) فاجتاحت ماله فيسأل حتى يصيب قواما من عيشه ثم يمسك، وفي رجل أصابته حاجة حتى يشهد له ثلاثة نفر من ذوي الحجا من قومه وأن المسألة قد حلت له فيسأل حتى يصيب القوام من العيش ثم يمسك، وفي رجل تحمل بحمالة فيسأل حتى إذا بلغ أمسك، وما كان غير ذلك فإنه سحت يأكله صاحبه سحتا\" (2) .\rأخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي، أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، أخبرنا قتيبة، أخبرنا شريك عن حكيم بن جبير عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح\" (3) .\rقيل يا رسول الله وما يغنيه؟ قال \"خمسون درهما أو قيمتها من الذهب\" (4) .\rقوله تعالى: { وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ } مال { فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } وعليه مجاز\r{ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً } روي عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب رضي الله عنه كانت عنده أربعة دراهم لا يملك غيرها فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية (5) .\r__________\r(1) آفة تهلك المال.\r(2) رواه مسلم: في الزكاة - باب: من تحل له المسألة برقم (1044) 2 / 722 بألفاظ مقاربة. والمصنف في شرح السنة: 6 / 122 بلفظ: (إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: رجل تحمل بحمالة بين قوم، ورجل أصابته جائحة، فاجتاحت ماله، فيسأل حتى يصيب سدادا من عيش، أو قواما من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يشهد له ثلاثة من ذوي الحجا من قومه أن قد أصابته حاجة، وأن قد حلت له المسألة وما سوى ذلك من المسائل سحت).\r(3) الخموش مثل الخدوش في المعنى، والكدوح: آثار الخدوش، وكل أثر من خدش أو عض أو نحوه، فهو كدوح.\r(4) رواه أبو داود: في الزكاة - باب: من يعطي من الصدقة وحد الغنى 2 / 226 وانظر ما قاله المنذري في مختصره والترمذي: في الزكاة - باب: من تحل له الزكاة 3 / 313،314 عن ابن مسعود وقال: حديث ابن مسعود حديث حسن وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث وقال ابن حجر: ضعيف رمي بالتشيع من الخامسة (تقريب). وابن ماجه: في الزكاة - باب من سأل عن ظهر عنى 1 / 589 وصححه الألباني في الصحيحة برقم (499) وصحيح ابن ماجه برقم (1490). والدارمي: في الزكاة - باب / 15 / من تحل له الصدقة 1 / 386. والمصنف في شرح السنة: 6 / 83.\r(5) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص 86 بسند حسن.","part":1,"page":339},{"id":375,"text":"وعن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهم قال لما نزلت { لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } بعث عبد الرحمن بن عوف بدنانير كثيرة إلى أصحاب الصفة، وبعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في جوف الليل بوسق من تمر فأنزل الله تعالى فيهما { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } الآية عنى بالنهار علانية: صدقة عبد الرحمن بن عوف، وبالليل سرا: صدقة علي رضي الله عنه، وقال أبو أمامة وأبو الدرداء ومكحول والأوزاعي: نزلت في الذين يرتبطون الخيل للجهاد فإنها تعلف ليلا ونهارا سرا وعلانية (1) . أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا علي بن حفص، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا طلحة بن أبي سعيد قال: سمعت سعيدا المقبري يحدث أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا بالله وتصديقا بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة\" (2) .\rوقوله تعالى: { فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ } قال الأخفش: جعل الخبر بالفاء، لأن \"الذين\" بمعنى \"من\" وجواب من بالفاء بالجزاء، أو معنى الآية: من أنفق كذا فله أجره عند ربه { وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ }\r__________\r(1) أخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن يزيد بن عبد الله بن عريب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه سلم قال: نزلت هذه الآية في أصحاب الخيل، يزيد وأبوه مجهولان. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم الطبراني بسند ضعيف عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب: كانت معه أربعة دراهم ....، وأخرج ابن المنذر عن ابن المسيب قال: الآية نزلت في عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان في نفقتهما في جيش العسرة، (انظر: لباب النقول للسيوطي ص 118 بهامش الجلالين، أسباب النزول للواحدي ص84-85.\r(2) رواه البخاري في الجهاد باب من احتبس فرسا في سبيل الله 6 / 57 والمصنف في شرح السنة 10 / 388.","part":1,"page":340},{"id":376,"text":"{ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) }\rقوله تعالى: { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا } أي يعاملون به، وإنما خص الأكل لأنه معظم المقصود من المال { لا يَقُومُونَ } يعني يوم القيامة من قبورهم { إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ } أي يصرعه { الشَّيْطَان } أصل الخبط الضرب والوطء، وهو ضرب على غير استواء يقال: ناقة خبوط للتي تطأ الناس وتضرب الأرض","part":1,"page":340},{"id":377,"text":"بقوائهما { مِنَ الْمَسِّ } أي الجنون يقال: مس الرجل فهو ممسوس إذا كان مجنونا، ومعناه: أن آكل الربا يبعث يوم القيامة وهو كمثل المصروع.\rأخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم السرخسي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف، أخبرنا عبد الله بن يحيى، أخبرنا يعقوب بن سفيان أخبرنا إسماعيل بن سالم، أخبرنا عباد بن عباد عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة الإسراء قال: \"فانطلق بي جبريل عليه السلام إلى رجال كثير كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم منضدين على سابلة آل فرعون -وآل فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا -قال: فيقبلون مثل الإبل المنهومة يخبطون الحجارة والشجر لا يسمعون ولا يعقلون، فإذا أحس بهم أصحاب تلك البطون قاموا، فتميل بهم بطونهم فيصرعون، ثم يقوم أحدهم فيميل به بطنه فيصرع، فلا يستطيعون أن يبرحوا حتى يغشاهم آل فرعون فيردوهم مقبلين ومدبرين، فذلك عذابهم في البرزخ بين الدنيا والآخرة { قال } 49/ب وآل فرعون يقولون: اللهم لا تقم الساعة أبدا { قال } ويوم القيامة يقال: \"أدخلوا آل فرعون أشد العذاب\"( 46-غافر ) قلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس\" (1) .\rقوله تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا } أي ذلك الذي نزل بهم لقولهم هذا واستحلالهم إياه، وذلك أن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا حل ماله على غريمه فطالبه به فيقول الغريم لصاحب الحق: زدني في الأجل حتى أزيدك في المال، فيفعلان ذلك، ويقولون سواء علينا الزيادة في أول البيع بالربح أو عند المحل لأجل التأخير فكذبهم الله تعالى وقال: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } واعلم\r__________\r(1) رواه الأصبهاني من طريق أبي هارون العبدي، وهو واه. انظر: الترغيب والترهيب للمنذري: 3 / 9.","part":1,"page":341},{"id":378,"text":"أن الربا في اللغة الزيادة قال الله تعالى: \"وما آتيتم من الربا ليربو في أموال الناس\" أي ليكثر \"فلا يربو عند الله\"( 39-الروم ) وطلب الزيادة بطريق التجارة غير حرام في الجملة، إنما المحرم زيادة على صفة مخصوصة في مال مخصوص بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا عبد الوهاب عن أيوب بن أبي تميمة عن محمد بن سيرين عن مسلم بن يسار ورجل آخر عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق، ولا البر بالبر، ولا الشعير بالشعير ولا التمر بالتمر ولا الملح بالملح إلا سواء بسواء، عينا بعين، يدا بيد، ولكن بيعوا الذهب بالورق، والورق بالذهب، والبر بالشعير، والشعير بالبر، والتمر بالملح، والملح بالتمر يدا بيد كيف شئتم -ونقص أحدهما الملح أو التمر وزاد أحدهما: من زاد وازداد فقد أربى\" (1) . وروى هذا الحديث مطرف عن محمد بن سيرين عن مسلم بن يسار وعبد الله بن عتيك عن عبادة فالنبي صلى الله عليه وسلم نص على ستة أشياء.\rوذهب عامة أهل العلم إلى أن حكم الربا يثبت في هذه الأشياء الست بالأوصاف فيها فيتعدى إلى كل مال توجد فيه تلك الأوصاف، ثم اختلفوا في تلك الأوصاف، فذهب قوم: إلى أن المعنى في جميعها واحد وهو النفع وأثبتوا الربا في جميع الأموال، وذهب الأكثرون إلى أن الربا يثبت في الدراهم والدنانير بوصف وفي الأشياء المطعومة بوصف آخر، واختلفوا في ذلك الوصف فقال قوم: ثبت في الدراهم والدنانير بوصف، النقدية، وهو قول مالك والشافعي، وقال قوم: ثبت بعلة الوزن وهو قول أصحاب الرأي وأثبتوا الربا في جميع الموزونات مثل الحديد والنحاس والقطن ونحوها.\rوأما الأشياء الأربعة فذهب قوم إلى أن الربا ثبت فيها بعلة الكيل وهو قول أصحاب الرأي، وأثبتوا الربا في جميع المكيلات مطعوما كان أو غير مطعوم كالجص والنورة ونحوها، وذهب جماعة إلى أن العلة فيها الطعم مع الكيل والوزن، فكل مطعوم وهو مكيل أو موزون يثبت فيه الربا، ولا يثبت فيما ليس بمكيل ولا موزون، وهو قول سعيد بن المسيب، وقاله الشافعي رحمه الله في القديم، وقال في الجديد: يثبت فيها الربا بوصف الطعم، وأثبت الربا في جميع الأشياء المطعومة من الثمار والفواكه والبقول والأدوية مكيلة كانت أو موزونة لما روي عن معمر بن عبد الله قال: كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"الطعام بالطعام مثلا بمثل\" (2) .\r__________\r(1) رواه مسلم: في المساقاة - باب: الصرف وبيع الذهب بالورق نقدا برقم (1587) 3 / 1210. والمصنف في شرح السنة: 8 / 56.\r(2) رواه مسلم: في المساقاة - باب: بيع الطعام مثلا بمثل برقم (1592) 3 / 1214 والمصنف في شرح السنة 8 / 58.","part":1,"page":342},{"id":379,"text":"فجملة مال الربا عند الشافعي ما كان ثمنا أو مطعوما، والربا نوعان: ربا الفضل وربا النساء، فإذا باع مال الربا بجنسه مثلا بمثل بأن باع أحد النقدين بجنسه أو باع مطعوما بجنسه كالحنطة بالحنطة ونحوها يثبت فيه كلا نوعي الربا حتى لا يجوز إلا متساويين في معيار الشرع، فإن كان موزونا كالدراهم والدنانير فيشترط المساواة في الوزن، وإن كان مكيلا كالحنطة والشعير بيع بجنسه، فيشترط المساواة في الكيل ويشترط التقابض في مجلس العقد، وإذا باع مال الربا بغير جنسه نظر: إن باع بما لا يوافقه في وصف الربا مثل أن باع مطعوما بأحد النقدين فلا ربا فيه، كما لو باعه بغير مال الربا، أو إن باعه بما يوافقه مع الوصف مثل أن باع الدراهم بالدنانير أو باع الحنطة بالشعير أو باع مطعوما بمطعوم آخر من غير جنسه فلا يثبت فيه ربا الفضل حتى يجوز متفاضلا أو جُزَافًا (1) ويثبت فيه ربا النساء حتى يشترط التقابض في المجلس، وقول النبي صلى الله عليه وسلم \"لا تبيعوا الذهب بالذهب -إلى أن قال -إلا سواء بسواء\" فيه إيجاب المماثلة وتحريم الفضل عند اتفاق الجنس، وقوله \"عينا بعين\" فيه تحريم النساء، وقوله \"يدا بيد كيف شئتم\" فيه إطلاق التفاضل عند اختلاف الجنس مع إيجاب التقابض في المجلس، هذا في ربا المبايعة.\rومن أقرض شيئا بشرط أن يرد عليه أفضل فهو قرض جر منفعة وكل قرض جر منفعة فهو ربا.\rقوله تعالى: { فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ } تذكير وتخويف، وإنما ذكر الفعل ردا إلى الوعظ { فَانْتَهَى } عن أكل الربا { فَلَهُ مَا سَلَفَ } أي ما مضى من ذنبه قبل النهي مغفور له { وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ } بعد النهي إن شاء عصمه حيث يثبت على الانتهاء، وإن شاء خذله حتى يعود، وقيل: { مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ } فيما يأمره وينهاه ويحل له ويحرم عليه وليس إليه من أمر نفسه شيء { وَمَنْ عَادَ } بعد التحريم إلى أكل الربا مستحلا له { فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن المثنى حدثني غندر، أخبرنا شعبة عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه أنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الدم وثمن الكلب وكسب البغي، ولعن آكل الربا وموكله والواشمة والمستوشمة والمصور\" (2) .\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني، أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أخبرنا مسلم بن الحجاج، أخبرنا زهير بن حرب، أخبرنا هشيم أخبرنا أبو الزبير عن جابر رضي الله عنه قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومؤكله وكاتبه\r__________\r(1) بيع الشيء لا يعلم كيله لا وزنه، فارسي معرب.\r(2) رواه البخاري: في البيوع - باب: موكل الربا 4 / 314 وفي اللباس والطلاق. والمصنف في شرح السنة: 8 / 25.","part":1,"page":343},{"id":380,"text":"وشاهديه، وقال: \"هم سواء\" (1) .\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أنا أبو محمد المخلدي، أنا أبو حامد بن الشرقي أخبرنا أحمد بن يوسف السلمي، أخبرنا النضر بن محمد، أخبرنا عكرمة بن عمار، أخبرنا يحيى هو ابن أبي كثير قال: حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 50/أ \"الربا سبعون بابا أهونها عند الله عز وجل كالذي ينكح أمه\" (2) .\rقوله تعالى { يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا } أي ينقصه ويهلكه ويذهب ببركته، وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما { يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا } يعني لا يقبل منه صدقة ولا جهادا ولا حجة ولا صلة { وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ } أي يثمرها ويبارك فيها في الدنيا، ويضاعف بها الأجر والثواب في العقبى { وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ } بتحريم الربا { أَثِيم } فاجر بأكله.\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (281) }\rقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا } قال عطاء وعكرمة: نزلت في العباس بن عبد المطلب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما وكانا قد أسلفا في التمر فلما حضر الجذاذ قال لهما صاحب التمر: إن أنتما أخذتما حقكما لا يبقى لي ما يكفي عيالي فهل لكما أن تأخذا النصف وتؤخرا النصف وأضعف لكما؟ ففعلا فلما حل الأجل طلبا الزيادة، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاهما فأنزل الله تعالى هذه الآية فسمعا وأطاعا وأخذا رءوس أموالهما (3) .\rوقال السدي: نزلت في العباس وخالد بن الوليد وكانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا إلى بني عمرو بن عمير، ناس من ثقيف، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا فأنزل الله تعالى هذه الآية فقال النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع في خطبته يوم عرفة \"ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد فقتله هذيل، وربا الجاهلية كلها، وأول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب فإنها\r__________\r(1) رواه مسلم: في المساقاة - باب: لعن آكل الربا وموكله برقم (1598) 3 / 1218. والمصنف في شرح السنة: 8 / 54.\r(2) رواه ابن ماجه في التجارات - باب التغليظ في الربا 1 / 764 قال في الزوائد: وفي إسناده نجيح بن عبد الرحمن أبو معشر متفق على تضعيفه وقال ابن حجر: نجيح بن عبد الرحمن السندي بكسر المهملة وسكون النون المدني، أبو معشر، وهو مولى بني هاشم مشهور بكنيته ضعيف من السادسة، أسن واختلط، مات سنة 170 ويقال: كان اسمه عبد الرحمن بن الوليد بن هلال (تقريب). وانظر فيض القدير 4 / 51 وكشف الخفاء 1 / 508 فقد عزاه للحاكم والطبراني.\r(3) أسباب النزول للواحدي ص 87.","part":1,"page":344},{"id":381,"text":"موضوعة كلها\" (1) .\rوقال مقاتل: نزلت في أربعة إخوة من ثقيف، مسعود وعبد ياليل وحبيب وربيعة وهم بنو عمرو بن عمير بن عوف الثقفي، كانوا يداينون بني المغيرة بن عبد الله بن عمير بن مخزوم وكانوا يربون فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على الطائف أسلم هؤلاء الإخوة فطلبوا رباهم من بني المغيرة، فقال بنو المغيرة: والله ما نعطي الربا في الإسلام وقد وضعه الله تعالى عن المؤمنين، فاختصموا إلى عتاب بن أسيد وكان عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على مكة فكتب عتاب بن أسيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقصة الفريقين وكان ذلك مالا عظيما فأنزل الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا } (2) .\r{ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ }\r{ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا } أي إذا لم تذروا ما بقي من الربا { فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } قرأ حمزة وعاصم برواية أبي بكر فآذنوا بالمد على وزن آمنوا، أي فأعلموا غيركم أنكم حرب لله ورسوله، وأصله من الأذن أي أوقعوا في الآذان، وقرأ الآخرون فأذنوا مقصورا بفتح الذال أي فاعلموا أنتم وأيقنوا بحرب من الله ورسوله، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: يقال لآكل الربا يوم القيامة خذ سلاحك للحرب، قال أهل المعاني: حرب الله: النار وحرب رسول الله: السيف.\r{ وَإِنْ تُبْتُمْ } أي تركتم استحلال الربا ورجعتم عنه { فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ } بطلب الزيادة { وَلا تُظْلَمُونَ } بالنقصان عن رأس المال فلما نزلت الآية قال بنو عمرو الثقفي ومن كان يعامل بالربا من غيرهم: بل نتوب إلى الله، فإنه لا يدان لنا بحرب الله ورسوله، فرضوا برأس المال، فشكا بنو المغيرة العسرة وقالوا: أخرونا إلى أن تدرك الغلات فأبوا أن يؤخروا فأنزل الله تعالى { وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ }\rيعني وإن كان الذي عليه الدين معسرا، رفع الكلام باسم كان ولم يأت لها بخير وذلك جائز في النكرة، تقول، إن كان رجلا صالحا فاكرمه، وقيل \"كان\" بمعنى وقع، وحينئذ لا يحتاج إلى خبر، قرأ أبو جعفر عسرة بضم السين { فَنَظِرَة } أمر في صيغة الخبر تقديره فعليه نظرة { إِلَى مَيْسَرَةٍ } قرأ نافع ميسرة بضم السين وقرأ الآخرون بفتحها وقرأ مجاهد ميسرة بضم السين مضافا ومعناها اليسار والسعة { وَأَنْ تَصَدَّقُوا } أي تتركوا رءوس أموالكم إلى المعسر { خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } قرأ عاصم تصدقوا بتخفيف الصاد والآخرون بتشديدها.\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان، أخبرنا أبو العباس إسماعيل بن عبد الله الميكالي، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن موسى بن عبدان الحافظ، أخبرنا أبو طاهر أحمد بن عمرو بن السرح، أخبرنا ابن وهب عن جرير عن حازم عن أيوب عن يحيى\r__________\r(1) انظر: أسباب النزول للواحدي ص 87، وسبق تخريج خطبة يوم عرفة في ص (219) هامش (2) وص (229).\r(2) انظر: لباب النقول للسيوطي ص 119 ، 121.","part":1,"page":345},{"id":382,"text":"ابن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أنه كان يطلب رجلا بحق فاختبأ منه فقال: ما حملك على ذلك قال: العسرة، فاستحلفه على ذلك فحلف فدعا بصكه فأعطاه إياه وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"من أنظر معسرا أو وضع عنه أنجاه الله من كرب يوم القيامة\" (1) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن سمعان أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل عن منصور عن ربعي عن أبي مسعود رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم \"إن الملائكة لتلقت روح رجل كان قبلكم فقالوا هل عملت خيرا قط؟ قال: لا قالوا: تذكر، قال: لا إلا أني رجل كنت أداين الناس فكنت آمر فتياني أن ينظروا الموسر ويتجاوزوا عن المعسر، قال الله تبارك وتعالى \"تجاوزوا عنه\" (2) .\rأخبرنا عبد الواحد بن المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا أحمد بن عبد الله، أخبرنا زائدة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي عن أبي اليسر قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول \"من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله\" (3) .\rفصل في الدين وحسن قضائه وتشديد أمره\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا أبو الوليد، أخبرنا شعبة، أخبرنا سلمة بن كهيل قال: سمعت أبا سلمة بمنى يحدث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا تقاضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأغلظ له فهم به أصحابه فقال: دعوه فإن لصاحب الحق مقالا واشتروا له بعيرا فأعطوه إياه، قالوا: لا نجد إلا أفضل من سنه قال: \"اشتروه فأعطوه إياه فإن خياركم أحسنكم قضاء\" (4) .\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد السرخسي، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو\r__________\r(1) رواه مسلم: في المساقاة - باب: فضل إنظار المعسر برقم (1563) 3 / 1196. والمصنف في شرح السنة: 8 / 196 باللفظ نفسه.\r(2) رواه البخاري: في البيوع، باب: من أنظر معسرا 4 / 307. ومسلم: في المساقاة - باب: فضل إنظار المعسر عن حذيفة برقم (1560) 3 / 1194. والمصنف في شرح السنة: 8 / 197.\r(3) أخرجه مسلم: مطولا في الزهد - باب: حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر برقم (3006) 4 / 2301-2302 والمصنف في شرح السنة: 8 / 198.\r(4) أخرجه البخاري في الوكالة - باب: الوكالة في قضاء الديون 4 / 483 وفي الاستقراض والهبة. ومسلم: في المساقاة - باب: من استسلف شيئا فقضى خيرا منه (وخيركم أحسنكم قضاء) برقم (1601) 3 / 1229. والمصنف في شرح السنة: 8 / 194.","part":1,"page":346},{"id":383,"text":"مصعب عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"مطل الغني ظلم وإذا أتبع أحدكم على ملئ فليتبع\" (1) .\rأخبرنأ 50/ب عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا إبراهيم بن سعيد بن إبراهيم عن أبيه عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه\" (2) .\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد السرخسي، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري عن أبيه أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر، يكفر الله عني خطاياي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"نعم\" فلما أدبر ناداه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أمر به فنودي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"كيف قلت؟\" فأعاد عليه قوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"نعم إلا الدين\" كذلك قال جبريل\" (3) .\rقوله تعالى: { وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ } قرأ أهل البصرة بفتح التاء أي تصيرون إلى الله، وقرأ الآخرون بضم التاء وفتح الجيم، أي: تردون إلى الله تعالى: { ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: هذه آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له جبريل عليه السلام ضعها على رأس مائتين وثمانين آية من سورة البقرة وعاش بعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا وعشرين يوما، وقال ابن جريج: تسع ليال، وقال سعيد بن جبير: سبع ليال، ومات يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول حين زاغت الشمس سنة إحدى عشرة من الهجرة، قال الشعبي عن ابن عباس\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الحوالات. باب الحوالة وهل يرجع في الحوالة 4 / 464 ومسلم في المساقاة. باب تحريم مطل الغني وصحة الحوالة برقم (1564) 3 / 1197. والمصنف في شرح السنة 8 / 210.\r(2) أخرجه الشافعي 2 / 226 والترمذي: في الجنائز - باب: ما جاء أن نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه 4 / 193 وقال هذا حديث حسن. وابن ماجه في الصدقات - باب: التشديد في الدين 2 / 806. وأحمد 2 / 440، 475، 508 عن أبي هريرة. والدارمي: في البيوع 52 باب: ما جاء في التشديد في الدين 2 / 262. وقال الشوكاني: رجال إسناده ثقات إلا عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وهو صدوق يخطئ: نيل الأوطار 5 / 14. والمصنف في شرح السنة: 8 / 202 وقال هذا حديث حسن.\r(3) أخرجه مسلم: في الإمارة - باب: من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا الدين برقم (1885) 3 / 1501. والمصنف في شرح السنة: 8 / 200.","part":1,"page":347},{"id":384,"text":"رضي الله عنهما آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الربا (1) .\r__________\r(1) في معرفة آخر ما نزل اختلاف، فقد روى الشيخان عن البراء بن عازب قال: آخر آية نزلت \"يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) (النساء-176). وآخر سورة نزلت سورة براءة. وأخرج البخاري عن ابن عباس، قال: آخر آية نزلت آية الربا. وروى البيهقي عن عمر مثله، وعند أحمد وابن ماجه عن عمر: من آخر ما نزل آية الربا. وأخرج النسائي عن ابن عباس قال: آخر شيء نزل من القرآن: \"واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله\" (سورة البقرة-281) وأخرج مثله ابن جرير والفريابي، وهو مروي عن سعيد بن جبير ... إلخ وهناك أقوال أخرى، ويمكن التوفيق والجمع بين الأقوال بأن بعضها ينصب على آخر ما نزل من السور، وبعضها بالنسبة للآيات وبعضها بالنسبة لموضوع الآيات، فهي أواخر نسبية. انظر بالتفصيل: الإتقان في علوم القرآن للسيوطي: 1 / 101-106، بتحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم.","part":1,"page":348},{"id":385,"text":"{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282) }\rقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } قال ابن عباس رضي الله عنهما لما حرم الله الربا أباح السلم وقال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله تعالى في كتابه وأذن فيه ثم قال \"يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه\".\rقوله: { إِذَا تَدَايَنْتُمْ } أي تعاملتم بالدين، يقال: داينته إذا عاملته بالدين وإنما قال { بِدَيْن } بعد قوله تداينتم لأن المداينة قد تكون مجازاة وقد تكون معاطاة فقيده بالدين ليعرف المراد من اللفظ، وقيل: ذكره","part":1,"page":348},{"id":386,"text":"تأكيدا كقوله تعالى: \"ولا طائر يطير بجناحيه\"( 38-الأنعام ) { إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } الأجل مدة معلومة الأول والآخر، والأجل يلزم في الثمن في البيع وفي السلم حتى لا يكون لصاحب الحق الطلب قبل محله، وفي القرض لا يلزم الأجل عن أكثر أهل العلم { فَاكْتُبُوه } أي اكتبوا الذي تداينتم به، بيعا كان أو سلما أو قرضا.\rواختلفوا في هذه الكتابة: فقال بعضهم: هي واجبة، والأكثرون على أنه أمر استحباب فإن ترك فلا بأس كقوله تعالى \"فإذا قضيتم الصلاة فانتشروا في الأرض\"( 10-الجمعة ) وقال بعضهم كانت كتابة الدين والإشهاد والرهن فرضا ثم نسخ الكل بقوله \"فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي ائتمن أمانته\" وهو قول الشعبي ثم بين كيفية الكتابة فقال جل ذكره { وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ } أي ليكتب كتاب الدين بين الطالب والمطلوب { كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ } أي بالحق من غير زيادة ولا نقصان ولا تقديم أجل ولا تأخير { وَلا يَأْبَ } أي لا يمتنع { كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ } واختلفوا في وجوب الكتابة على الكاتب وتحمل الشهادة على الشاهد، فذهب قوم إلى وجوبها إذا طولب وهو قول مجاهد، وقال الحسن تجب إذا لم يكن كاتب غيره، وقال قوم هو على الندب والاستحباب، وقال الضحاك كانت عزيمة واجبة على الكاتب والشاهد فنسخها قوله تعالى \"ولا يضار كاتب ولا شهيد\" { كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ } أي كما شرعه الله وأمره { فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ } يعني: المطلوب يقر على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه، والإملال والإملاء لغتان فصيحتان معناهما واحد، جاء بهما القرآن، فالإملال هاهنا، والإملاء قوله تعالى: \"فهي تملى عليه بكرة وأصيلا\"( 5-الفرقان ) { وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ } يعني الممل { وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا } أي ولا ينقص منه، أي من الحق الذي عليه شيئا.\r{ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا } أي جاهلا بالإملاء، قاله مجاهد، وقال الضحاك والسدي: طفلا صغيرا، وقال الشافعي رحمه الله، السفيه: المبذر المفسد لماله أو في دينه.\rقوله { أَوْ ضَعِيفًا } أي شيخا كبيرا وقيل هو ضعيف العقل لعته أو جنون { أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ } لخرس أو عي أو عجمة أو حبس أو غيبة لا يمكنه حضور الكاتب أو جهل بما له وعليه { فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ } أي قيمه { بِالْعَدْل } أي بالصدق والحق، وقال ابن عباس رضي الله عنه ومقاتل: أراد بالولي صاحب الحق، يعني إن عجز من عليه الحق من الإملال فليملل ولي الحق وصاحب الدين بالعدل لأنه","part":1,"page":349},{"id":387,"text":"أعلم بحقه، { وَاسْتَشْهِدُوا } أي وأشهدوا { شَهِيدَيْن } أي شاهدين { مِنْ رِجَالِكُمْ } يعني الأحرار المسلمين، دون العبيد والصبيان والكفار، وهو قول أكثر أهل العلم، وأجاز شريح وابن سيرين شهادة العبيد { فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ } أي لم يكن الشاهدان رجلين { فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ } أي فليشهد رجل وامرأتان.\rوأجمع الفقهاء على أن شهادة النساء جائزة مع الرجال في الأموال حتى تثبت برجل وامرأتين واختلفوا في غير الأموال فذهب جماعة إلى أنه تجوز شهادتهن مع الرجال في غير العقوبات، وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي، وذهب جماعة إلى أن غير المال لا يثبت إلا برجلين عدلين وذهب الشافعي رحمه الله إلى أن ما يطلع عليه النساء غالبا كالولادة والرضاع والثيوبة والبكارة ونحوها يثبت بشهادة رجل وامرأتين، وبشهادة أربع نسوة، واتفقوا على أن شهادة النساء غير جائزة في العقوبات.\rقوله تعالى: { مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ } يعني من كان مرضيا في ديانته وأمانته، وشرائط [قبول] (1) الشهادة سبعة: الإسلام والحرية والعقل والبلوغ والعدالة والمروءة وانتفاء التهمة، فشهادة الكافر مردودة لأن المعروفين بالكذب عند الناس لا تجوز شهادتهم، فالذي يكذب على الله تعالى أولى أن يكون مردود الشهادة، وجوز أصحاب الرأي شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، ولا تقبل شهادة العبيد، وأجازها شريح وابن سيرين وهو قول أنس بن مالك رضي الله عنه، ولا قول للمجنون حتى يكون له شهادة، ولا تجوز شهادة الصبيان سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن ذلك؟ فقال: لا تجوز، لأن الله تعالى يقول: \"ممن ترضون من الشهداء\" والعدالة شرط، وهي أن يكون الشاهد مجتنبا للكبائر غير مصر على الصغائر، والمروءة شرط، وهي ما يتصل بآداب النفس مما يعلم أن تاركه قليل الحياء، وهي حسن الهيئة والسيرة والعشرة والصناعة، فإن كان الرجل يظهر من نفسه شيء منها ما يستحي أمثاله من إظهاره في الأغلب يعلم به قلة مروءته وترد شهادته، وانتفاء 51/أ التهمة شرط حتى لا تقبل شهادة العدو على العدو وإن كان مقبول الشهادة على غيره، لأنه متهم في حق عدوه، ولا تقبل شهادة الرجل لولده ووالده وإن كان مقبول الشهادة عليهما، ولا تقبل شهادة من يجر بشهادته إلى نفسه نفعا، كالوارث يشهد على رجل يقتل مورثه، أو يدفع عن نفسه بشهادته ضررا كالمشهود عليه يشهد بجرح من يشهد عليه لتمكن التهمة في شهادته.\rأخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسن المروزي، أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سراج الطحان أخبرنا أبو أحمد محمد بن قريش بن سليمان، أخبرنا علي بن عبد العزيز المكي، أخبرنا أبو عبيد القاسم بن سلام أخبرنا مروان الفزاري عن شيخ من أهل الحيرة يقال له يزيد بن زياد عن الزهري عن عروة عن\r__________\r(1) في نسخة ب (وجوب).","part":1,"page":350},{"id":388,"text":"عائشة رضي الله عنها ترفعه \"لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر على أخيه ولا ظنين في ولاء ولا قرابة ولا القانع (1) مع أهل البيت\" (2) .\rقوله تعالى: { أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا } قرأ حمزة إن تضل بكسر الألف { فَتُذَكِّرَ } برفع الراء، ومعناه الجزاء والابتداء، وموضع تضل جزم بالجزاء إلا أنه لا يتبين في التضعيف \"فتذكر\" رفع لأن ما بعد فاء الجزاء مبتدأ، وقراءة العامة بفتح الألف ونصب الراء على الاتصال بالكلام الأول، وتضل محله نصب بأن فتذكر منسوق عليه، ومعنى الآية: فرجل وامرأتان كي تذكر { إِحْدَاهُمَا الأخْرَى } ومعنى تضل أي تنسى، يريد إذا نسيت إحداهما شهادتها، تذكرها الأخرى فتقول ألسنا حضرنا مجلس كذا وسمعنا كذا؟ قرأ ابن كثير وأهل البصرة: فتذكر مخففا، وقرأ الباقون مشددا، وذكر واذكر بمعنى واحد، وهما متعديان من الذكر الذي هو ضد النسيان، وحكي عن سفيان بن عيينة أنه قال: هو من الذكر أي تجعل إحداهما الأخرى ذكرا أي تصير شهادتهما كشهادة ذكر، والأول أصح لأنه معطوف على النسيان.\rقوله تعالى: { وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا } قيل أراد به إذا ما دعوا لتحمل الشهادة، سماهم شهداء على معنى أنهم يكونون شهداء وهو أمر إيجاب عند بعضهم، وقال قوم: تجب الإجابة إذا لم يكن غيره فإن وجد غيره( فهو مخير ) (3) وهو قول الحسن، وقال قوم: هو أمر ندب وهو مخير في جميع الأحوال، وقال بعضهم، هذا في إقامة الشهادة وأدائها فمعنى الآية \"ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا\" لأداء الشهادة التي تحملوها، وهو قول مجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير، وقال الشعبي: الشاهد بالخيار ما لم يشهد، وقال الحسن: الآية في الأمرين جميعا في التحمل والإقامة إذا كان فارغا.\r__________\r(1) السائل.\r(2) رواه الترمذي: في الشهادات - باب: فيمن لا تجوز شهادته 6 / 580-582 وقال هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن زياد الدمشقي ويزيد يضعف في الحديث ولا يعرف هذا الحديث من حديث الزهري إلا من حديثه، وأخرجه الدارقطني والبيهقي وفيه (ولا ذي غمر لأخيه) وفي سنده يزيد بن زياد الدمشقي، وهو متروك كما عرفت، وقال أبو زرعة في العلل: (هو حديث منكر) وضعفه عبد الحق وابن حزم وابن الجوزي. وابن ماجه: في الأحكام - باب من لا تجوز شهادته: 2 / 2366 وفي الزوائد: في إسناده حجاج بن أرطاة وكان يدلس وقد رواه بالعنعنة، وهذه رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، (ذي غمر: الغمر: الحقد والعداوة). وأحمد: 2 / 204، 208، 225، 226 عن عبد الله بن عمرو. والمصنف في شرح السنة: 10 / 123 وقال: هذا حديث غريب ويزيد بن زياد الدمشقي منكر الحديث.\r(3) ساقط من (ب) والكلام بصيغة الجمع.","part":1,"page":351},{"id":389,"text":"{ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283) }\r{ وَلا تَسْأَمُوا } أي ولا تملوا { أَنْ تَكْتُبُوهُ } والهاء راجعة إلى الحق { صَغِيرًا } كان الحق { أَوْ كَبِيرًا } قليلا كان أو كثيرا { إِلَى أَجَلِهِ } إلى محل الحق { ذَلِكُم } أي الكتاب { أَقْسَط } أعدل { عِنْدِ اللَّهِ } لأنه أمر به، واتباع أمره أعدل من تركه { وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ } لأن الكتابة تذكر الشهود { وَأَدْنَى } وأحرى وأقرب إلى { أَلا تَرْتَابُوا } تشكوا في الشهادة { إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً } قرأهما","part":1,"page":351},{"id":390,"text":"عاصم بالنصب على خبر كان وأضمر الاسم، مجازه: إلا أن تكون التجارة تجارة { حاضرة } (1) أو المبايعة تجارة، وقرأ الباقون بالرفع وله وجهان:\rأحدهما: أن تجعل الكون بمعنى الوقوع معناه إلا أن تقع تجارة.\rوالثاني: أن تجعل الاسم في التجارة والخبر في الفعل وهو قوله { تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ } تقديره إلا أن تكون تجارة حاضرة دائرة بينكم، ومعنى الآية إلا أن تكون تجارة حاضرة يدا بيد تديرونها بينكم ليس فيها أجل { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلا لا تكتبوها } يعني التجارة { وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ } قال الضحاك: هو عزم من الله تعالى، والإشهاد واجب في صغير الحق وكبيره نقدا أو نسيئا، وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: الأمر فيه إلى الأمانة لقوله تعالى \"فإن أمن بعضكم بعضا\" الآية، وقال الآخرون هو أمر ندب.\rقوله تعالى: { وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ } هذا نهي للغائب، وأصله يضارر، فأدغمت إحدى الرائين في الأخرى ونصبت لحق التضعيف لاجتماع الساكنين، واختلفوا فيه فمنهم من قال: أصله يضارر بكسر الراء الأولى، وجعل الفعل للكاتب والشهيد، معناه لا يضار الكاتب فيأبى أن يكتب ولا الشهيد فيأبى أن يشهد، ولا يضار الكاتب فيزيد أو ينقص أو يحرف ما أملي عليه ولا الشهيد فيشهد بما لم يستشهد عليه، وهذا قول طاووس والحسن وقتادة، وقال قوم: أصله يضارر بفتح الراء على الفعل المجهول وجعلوا الكاتب والشهيد مفعولين ومعناه أن يدعو الرجل الكاتب أو الشاهد وهما على شغل مهم، فيقولان: نحن على شغل مهم فاطلب غيرنا فيقول الداعي إن الله أمركما أن تجيبا ويلح عليهما فيشغلهما عن حاجتهما فنهي عن ذلك وأمر بطلب غيرهما { وَإِنْ تَفْعَلُوا } ما نهيتكم عنه من الضرر { فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ } أي معصية وخروج عن الأمر { وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }\r{ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } قرأ ابن كثير وأبو عمرو فرهن بضم الهاء والراء، وقرأ الباقون فرهان، وهو جمع رهن مثل بغل وبغال وجبل وجبال، والرهن جمع الرهان جمع الجمع، قاله الفراء والكسائي، وقال أبو عبيد (2) وغيره: هو جمع الرهن أيضا مثل سقف وسقف وقال أبو عمرو وإنما قرأنا فرهن ليكون فرقا بينهما وبين رهان الخيل، وقرأ عكرمة فرهن بضم الراء وسكون الهاء، والتخفيف والتثقيل في الرهن لغتان مثل كتب وكتب ورسل ورسل ومعنى الآية: وإن كنتم على سفر ولم تجدوا آلات الكاتبة فارتهنوا ممن تداينونه رهونا لتكون وثيقة لكم بأموالكم، واتفقوا على أن الرهن لا يتم إلا بالقبض، وقوله \"فرهن مقبوضة\" أي ارتهنوا واقبضوا حتى لو رهن ولم يسلم فلا يجبر الراهن على التسليم فإذا سلم لزم من جهة الراهن حتى لا يجوز له أن يسترجعه ما دام شيء من الحق باقيا، ويجوز في الحضر الرهن مع وجود الكاتب، وقال مجاهد: لا يجوز الرهن إلا في السفر عند عدم الكاتب لظاهر الآية، وعند الآخرين\r__________\r(1) ساقط من نسخة (ب).\r(2) في نسخة ب أبو عبيدة.","part":1,"page":352},{"id":391,"text":"خرج الكلام في الآية على الأعم الأغلب لا على سبيل الشرط.\rوالدليل عليه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رهن درعه عند أبي الشحم اليهودي ولم يكن ذلك في السفر ولا عند عدم كاتب (1) { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا } وفي حرف أبي \"فإن ائتمن\" يعني فإن كان الذي عليه الحق أمينا عند صاحب الحق فلم يرتهن منه شيئا لحسن ظنه به.\r{ فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَه } أي فليقضه على الأمانة { وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ } في أداء الحق، ثم رجع إلى خطاب الشهود وقال: { وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ } 51/ب إذا دعيتم إلى إقامتها نهى عن كتمان الشهادة وأوعد عليه فقال { وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ } أي فاجر قلبه، قيل: ما أوعد الله على شيء كإيعاده على كتمان الشهادة، قال: \"فإنه آثم قلبه\" وأراد به مسخ القلب، نعوذ بالله من ذلك { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ } بيان الشهادة وكتمانها { عَلِيمٌ }\r{ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284) }\r{ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ } ملكا [وأهلها له عبيد وهو مالكهم] (2) { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } اختلف العلماء في هذه الآية، فقال قوم: هي خاصة ثم اختلفوا في وجه [خصوصها] (3) فقال بعضهم: هي متصلة بالآية الأولى نزلت في كتمان الشهادة (4) أو تخفوا الكتمان يحاسبكم به الله وهو قول الشعبي وعكرمة، وقال بعضهم: نزلت فيمن يتولى الكافرين دون المؤمنين، يعني وإن تعلنوا ما في أنفسكم من ولاية الكفار أو تسروا يحاسبكم به الله، وهو قول مقاتل كما ذكر في سورة آل عمران \"لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين\" إلى أن قال \"قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله\"( 29-آل عمران ).\r__________\r(1) رواه البخاري: في الجهاد - باب ما قيل في درع النبي صلى الله عليه سلم والقميص في الحرب 6 / 99 ونصه: (توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير) عن عائشة. ومسلم: في المساقاة - باب: الرهن وجوازه في الحضر والسفر برقم (1603) 3 / 1226 عن عائشة بلفظ: ( اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهودي طعاما بنسيئة، فأعطاه درعا له رهنا)، والمصنف في شرح السنة: 8 / 182.\r(2) ساقطة من ب.\r(3) في ب تخصيصها.\r(4) في ب معناه وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه أيها الشهود.","part":1,"page":353},{"id":392,"text":"{ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) }\rوذهب الأكثرون إلى أن الآية عامة ثم اختلفوا فيها فقال قوم: هي منسوخة بالآية التي بعدها (1) .\rوالدليل عليه ما أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أنا مسلم بن الحجاج، حدثني محمد بن المنهال الضرير وأمية بن بسطام العيشي واللفظ له قالا أخبرنا يزيد بن زريع أنا روح وهو ابن القاسم عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم \"لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله\" الآية قال: اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب فقالوا: أي رسول الله صلى الله عليه وسلم كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا، بل قولوا { سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } فلما قرأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في أثرها { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى: { لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } قال نعم { رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا } قال نعم { رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ } قال نعم { وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } قال نعم (2) .\rوروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما بمعناه (3) ، ، وقال في كل ذلك: قد فعلت، بدل\r__________\r(1) انظر: الناسخ والمنسوخ لأبي القاسم بن سلامة ص27-28.\r(2) رواه مسلم في الإيمان، باب بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق، برقم (199) 1 / 115.\r(3) انظر صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق برقم (200) 1\\ 116.","part":1,"page":354},{"id":393,"text":"قوله نعم، وهذا قول ابن مسعود وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم وإليه ذهب محمد بن سيرين ومحمد ابن كعب وقتادة والكلبي.\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصفهاني، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه، أخبرنا يعقوب بن يوسف القزويني، أخبرنا القاسم بن الحكم العرني، أخبرنا مسعر بن كدام عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إن الله عز وجل تجاوز عن أمتي ما وسوست به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به\" (1) .\rوقال بعضهم الآية غير منسوخة لأن النسخ لا يرد على الأخبار إنما يرد على الأمر والنهي وقوله { يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ } خبر لا يرد عليه النسخ، ثم اختلفوا في تأويلها فقال قوم: قد أثبت الله تعالى للقلب كسبا فقال \"بما كسبت قلوبكم\"( 225-البقرة ) فليس لله عبد أسَرّ عملا أو أعلنه من حركة من جوارحه أو همسة في قلبه إلا يخبره الله به ويحاسبه عليه ثم يغفر ما يشاء ويعذب بما يشاء، وهذا معنى قول الحسن يدل عليه قوله تعالى \"إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا\"( 36-الإسراء ). وقال الآخرون: معنى الآية أن الله عز وجل يحاسب خلقه بجميع ما أبدوا من أعمالهم أو أخفوه ويعاقبهم عليه، غير أن معاقبته على ما أخفوه مما لم يعلموه بما يحدث لهم في الدنيا من النوائب والمصائب والأمور التي يحزنون عليها وهذا قول عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقال: \"يا عائشة هذه معاتبة الله العبد بما يصيبه من الحمى والنكبة حتى الشوكة والبضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيروع لها حتى إن المؤمن يخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير\" (2) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني يزيد بن أبي حبيب عن سعيد بن سنان عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عليه بذنبه حتى يوافيه به يوم القيامة\" (3) .\r__________\r(1) رواه البخاري: في الإيمان- باب: إذا حَنِثَ ناسيا 11\\ 549 وفي العتق والطلاق. ومسلم: في الإيمان- باب: تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر برقم (202) 1\\ 116-117. والمصنف في شرح السنة: 1\\ 108.\r(2) رواه الترمذي فى تفسير سورة البقرة 8\\ 338 وقال: هذا حديث حسن غريب من حديث عائشة لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة، وأبو داود الطيالسي في مسنده ص (221). وأخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم. وأحمد 6\\ 218 عن عائشة رضي الله عنها.\r(3) رواه الترمذي: في الزهد - باب في الصبر على البلاء 7\\ 77 وقال: هذا حديث حسن غريب. والمصنف في شرح السنة: 5\\ 245. ورواه الطبراني وفيه عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن عبيد الله العرزمي وهو ضعيف - مجمع الزوائد 10\\ 191-192. ميزان الاعتدال 2\\ 585.","part":1,"page":355},{"id":394,"text":"وقال بعضهم { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ } يعني ما في قلوبكم مما عزمتم عليه { أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ } ولا تبدوه وأنتم عازمون عليه يحاسبكم به الله فأما ما حدثت به أنفسكم مما لم تعزموا عليه فإن ذلك مما لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ولا يؤاخذكم به، دليله قوله تعالى \"لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم\"( 225-البقرة ).\rوقال عبد الله بن المبارك: قلت لسفيان: أيؤاخذ العبد بالهمَّة قال: إذا كان عزما أخذ بها، وقيل معنى المحاسبة الإخبار والتعريف، ومعنى الآية: وإن تبدوا ما في أنفسكم فتعملوا به أو تخفوه مما أضمرتم ونويتم يحاسبكم به الله ويجزيكم به ويعرفكم إياه، ثم يغفر للمؤمنين إظهارا لفضله، ويعذب الكافرين إظهارا لعدله، وهذا معنى قول الضحاك، ويروى ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما، يدل عليه أنه قال: يحاسبكم به الله ولم يقل يؤاخذكم به، والمحاسبة غير المؤاخذة والدليل عليه ما أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي الزراد، أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي، أنا أبو سعيد الهيثم بن كليب، أنا عيسى بن أحمد العسقلاني، أنا يزيد بن هارون، أنا همام بن يحيى 52/أ عن قتادة عن صفوان بن محرز قال: كنت آخذا بيد عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما فأتاه رجل فقال: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"إن الله تعالى يدني المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه يستره من الناس فيقول: أي عبدي أتعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: نعم أي رب ثم يقول أي عبدي تعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال فإني سترتها عليك في الدنيا وقد غفرتها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكافر والمنافقون فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين\" (1) ( 18-هود ).\rقوله تعالى: { فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ } رفع الراء والياء أبو جعفر وابن عامر وعاصم ويعقوب وجزمهما الآخرون، فالرفع على الابتداء والجزم على النسق، روى طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما، فيغفر لمن يشاء الذنب العظيم ويعذب من يشاء على الذنب الصغير، \"لا يُسْأَلُ عما يفعل وهم يُسْألون والله على كل شيء قدير\"( 230-الأنبياء ). قوله تعالى: { آمَنَ الرَّسُولُ } أي صدق { بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ } يعني كل واحد منهم، ولذلك وحَّد الفعل { وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ } قرأ حمزة والكسائي: كتابه، على الواحد يعني القرآن، وقيل معناه الجمع وإن ذكر بلفظ التوحيد كقوله تعالى: \"فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب\"( 213-البقرة ) وقرأ الآخرون وكتبه بالجمع كقوله تعالى: \"وملائكته وكتبه ورسله\"( 136-النساء )، { لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ } فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت\r__________\r(1) رواه البخاري: في المظالم-باب: قوله تعالى (ألا لعنة الله على الظالمين) 5\\ 96.","part":1,"page":356},{"id":395,"text":"اليهود والنصارى، وفيه إضمار تقديره يقولون لا نفرق، وقرأ يعقوب لا يفرق بالياء فيكون خبرا عن الرسول، أو معناه لا يفرق الكل وإنما قال \"بين أحد\" ولم يقل بين آحاد لأن الأحد يكون للواحد والجمع قال الله تعالى: \"فما منكم من أحد عنه حاجزين\"( 47-الحاقة ) { وَقَالُوا سَمِعْنَا } قولك { وَأَطَعْنَا } أمرك.\rروي عن حكيم عن جابر رضي الله عنهما أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم حين نزلت هذه الآية: إن الله قد أثنى عليك وعلى أمتك فسل تعطه، فسأل بتلقين الله تعالى فقال { غُفْرَانَكَ } (1) وهو نصب على المصدر أي اغفر غفرانك، أو نسألك غفرانك { رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا } ظاهر الآية قضاء الحاجة، وفيها إضمار السؤال كأنه قال: وقالوا لا تكلفنا إلا وسعنا، وأجاب أي لا يكلف الله نفسا إلا وسعها أي طاقتها، والوسع: اسم لما يسع الإنسان ولا يضيق عليه، واختلفوا في تأويله فذهب ابن عباس رضي الله عنه وعطاء وأكثر المفسرين إلى أنه أراد به حديث النفس الذي ذكر في قوله تعالى { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } كما ذكرنا، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: هم المؤمنون خاصة، وسَّع عليهم أمر دينهم ولم يكلفهم فيه إلا ما يستطيعون كما قال الله تعالى: \"يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر\"( 185-البقرة ) وقال الله تعالى: \"وما جعل عليكم في الدين من حرج\"( 78-الحج ) وسئل سفيان بن عيينة عن قوله عز وجل { لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا } قال: إلا يسرها ولم يكلفها فوق طاقتها، وهذا قول حسن لأن الوسع ما دون الطاقة.\rقوله تعالى: { لَهَا مَا كَسَبَتْ } أي للنفس ما عملت من الخير، لها أجره وثوابه { وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } من الشر وعليها وزره { رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا } أي لا تعاقبنا { إِنْ نَسِينَا } جعله بعضهم من النسيان الذي هو السهو، قال الكلبي كانت بنو إسرائيل إذا نسوا شيئا مما أمروا به أو أخطأوا عجلت لهم العقوبة، فحرم عليهم من شيء من مطعم أو مشرب على حسب ذلك الذنب، فأمر الله المؤمنين أن يسألوه ترك مؤاخذتهم بذلك، وقيل هو من النسيان الذي هو الترك كقوله تعالى: \"نسوا الله فنسيهم\"( 67-التوبة ).\rقوله تعالى: { أَوْ أَخْطَأْنَا } قيل معناه القصد والعمد يقال: أخطأ فلان إذا تعمد، قال الله تعالى: \"إنَّ قتلهم كان خطأ كبيرا\"( 31-الإسراء ) قال عطاء: إن نسينا أو أخطأنا يعني: إن جهلنا أو تعمدنا، وجعله الأكثرون من الخطأ الذي هو الجهل والسهو، لأن ما كان عمدا من الذنب فغير معفو عنه بل هو في مشيئة الله، والخطأ معفو عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما\r__________\r(1) أخرج الطبري وسعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن حكيم بن جابر قال: لما نزلت آمن الرسول، قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك فسل تعطه، فسأل: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) حتى ختم السورة بمسألة محمد صلى الله عليه وسلم انظر تفسير الطبري: 6 / 129 والدر المنثور: 2 / 133.","part":1,"page":357},{"id":396,"text":"استكرهوا عليه (1) .\rقوله تعالى: { رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا } أي عهدا ثقيلا وميثاقا لا نستطيع القيام به فتعذبنا بنقضه وتركه { كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا } يعني اليهود، فلم يقوموا به فعذبتهم، هذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والسدى والكلبي وجماعة. يدل عليه قوله تعالى: \"وأخذتم على ذلكم إصري\"( 81-آل عمران ) أي عهدي، وقيل: معناه لا تشدد ولا تغلظ الأمر علينا كما شددت على من قبلنا من اليهود، وذلك أن الله فرض عليهم خمسين صلاة وأمرهم بأداء ربع أموالهم في الزكاة ومن أصاب ثوبه نجاسة قطعها ومن أصاب ذنبا أصبح وذنبه مكتوب على بابه ونحوها من الأثقال والأغلال، وهذا معنى قول عثمان وعطاء ومالك بن أنس وأبي عبيدة وجماعة. يدل عليه قوله تعالى: \"ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم\"( 157-الأعراف ) وقيل: الإصر ذنب لا توبة له، معناه اعصمنا من مثله، والأصل فيه العقل والإحكام.\rقوله تعالى: { رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ } أي لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيقه وقيل هو حديث النفس والوسوسة حكي عن مكحول أنه قال: هو الغلمة، قيل الغُلْمة: شدة الشهوة، وعن إبراهيم قال: هو الحب، وعن محمد بن عبد الوهاب قال: العشق وقال ابن جريج: هو مسخ القردة والخنازير وقيل هو شماتة الأعداء، وقيل: هو الفرقة والقطيعة نعوذ بالله منها.\rقوله تعالى: { وَاعْفُ عَنَّا } أي تجاوز وامْحُ عنا ذنوبنا { وَاغْفِرْ لَنَا } استر علينا ذنوبنا ولا تفضحنا { وَارْحَمْنَا } فإننا لا ننال العمل إلا بطاعتك، ولا نترك معصيتك إلا برحمتك { أَنْتَ مَوْلانَا } ناصرنا وحافظنا وولينا { فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } .\rروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل { غُفْرَانَكَ رَبَّنَا } قال الله تعالى \"قد غفرت لكم\" وفي قوله لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا قال: \"لا أوأخذكم\" { رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا } قال: \"لا أحمل عليكم إصرا\" { وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ } قال: \"لا أحملكم\" { وَاعْفُ عَنَّا } إلى آخره قال \"قد عفوت عنكم، وغفرت لكم، ورحمتكم ونصرتكم على القوم الكافرين\" (2) .\rوكان معاذ بن جبل إذا ختم سورة البقرة قال: آمين.\r__________\r(1) لقد اشتهر بهذا اللفظ في كتب الفقه والأصول والمعروف ما أخرجه ابن ماجه في كتاب الطلاق باب طلاق المكره والناسي من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس بلفظ: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رجاله كلهم ثقات ولكن يوجد فيه انقطاع بين ابن عباس وعطاء وأشار إلى هذا البوصيري في الزوائد فقال إسناده صحيح إن سلم من الانقطاع وقد ورد بألفاظ أخرى يقوي بعضها بعضا. انظر إرواء الغليل للشيخ الألباني 1 / 123 والمعتبر في تخريج أحاديث المنهاج، والمختصر للزركشي ص154.\r(2) ذكره الطبري عند تفسير الآية: 6 / 142-143 وانظر تعليق محمود شاكر في الحاشية.","part":1,"page":358},{"id":397,"text":"أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أنا مسلم بن الحجاج، أنا أبو بكر بن أبي شيبة 52/ب أنا أبو أسامة حدثني مالك بن مِغْوَل عن الزبير بن عدي عن طلحة بن علي بن مصرّف عن مرة عن عبد الله قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يُعْرَجُ به من الأرض فَيُقْبَضُ منها، وإليها ينتهي ما يُهْبَطُ به فوقها فَيُقْبَضُ منها قال: \"إذ يغشى السدرة ما يغشى\"( 16-النجم ) قال: فراش من ذهب قال: وأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا: الصلوات الخمس وأعطي خواتِيْمَ سُورةِ البقرة، وغُفِرَ لمن لا يشرك بالله من أمته شيئا من المُقْحَمَاتِ\" (1) كبائر الذنوب.\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسين الإسفراييني أنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ، أنا يونس وأحمد بن شيبان قالا ثنا سفيان بن عيينة عن منصور عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن أبي مسعود رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأ بهما في ليلة كَفَتَاهُ\" (2) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أبو منصور السمعاني، أنا أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أنا العلاء بن عبد الجبار، أنا حماد بن سلمة، أخبرنا الأشعث بن عبد الرحمن الجرمي، عن أبي قلابة عن أبي الأشعث الصنعاني، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إن الله تعالى كتب كتابا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة فلا تقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان\" (3) .\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الإيمان، باب في ذكر سدرة المنتهى، برقم (173): 1 / 157.\r(2) رواه البخاري: في المغازي - باب: رقم 12-7 / 317-318 وفي فضائل القرآن. ومسلم: في صلاة المسافرين - باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة والحث على قراءة الآيتين من آخر البقرة برقم (255) و (256) 1 / 554-555. والمصنف في شرح السنة: 4 / 464، واختلف في معناه فقيل: أجزأتاه عن قيام الليل، وقيل: كفتاه أجرا وفضلا، وقيل: كفتاه من كل شيطان أو من كل آفة.\r(3) رواه الترمذي: في ثواب القرآن - باب: ما جاء في آخر سورة البقرة: 8 / 190 وقال: هذا حديث غريب. وابن حبان: في التفسير - تفسير سورة البقرة برقم (1726) ص 427 من موارد الظمآن. وأحمد: 4 / 274 عن النعمان بن بشير. والدارمي: في الفضائل - باب: فضل أول سورة البقرة وآية الكرسي: 2 / 449. والمصنف في شرح السنة: 4 / 467 - وقال: هذا حديث غريب - انظر حاشية شرح السنة.","part":1,"page":359},{"id":398,"text":"سورة آل عمران -مدنية بسم الله الرحمن الرحيم\r{ الم (1) اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ (3) }\rقوله تعالى { الم اللَّهُ } قال الكلبي والربيع بن أنس وغيرهما: نزلت هذه الآيات في وفد نجران وكانوا ستين راكبا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، وفي الأربعة عشر ثلاثة نفر يؤول إليهم أمرهم: العاقب: أمير القوم وصاحب مشورتهم، الذي لا يصدرون إلا عن رأيه، واسمه عبد المسيح، والسيد: ثمالهم وصاحب رحلهم واسمه الأيهم وأبو حارثة بن علقمة أسقفهم وحبرهم .\rدخلوا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى العصر، عليهم ثياب الحِبَرات جبب وأردية في [جمال] (1) رجال بلحارث بن كعب، يقول من رآهم : ما رأينا وفدا مثلهم، وقد حانت صلاتهم فقاموا للصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"دعوهم\" فصلوا إلى المشرق، [فسلم] (2) السيد والعاقب فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم \"أسلِما\" قالا أسلمنا قبلك قال \"كذبتما يمنعكما من الإسلام ادعاؤكما لله ولدا وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير\" قالا إن لم يكن عيسى ولدا لله فمن يكن أبوه؟ وخاصموه جميعا في عيسى، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم \"ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه\"؟ قالوا بلى قال: \"ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يحفظه ويرزقه\" قالوا: بلى، قال : \"فهل يملك عيسى من ذلك شيئا؟\" قالوا: لا قال: \"ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟\" قالوا: بلى، قال: \"فهل يعلم عيسى عن ذلك شيئا إلا ما عُلِّم؟ \" قالوا: لا قال: \"فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء [وربنا ليس بذي صورة وليس له مثل] (3) وربنا لا يأكل ولا يشرب\" قالوا: بلى، قال: \"ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غذي كما يغذى الصبي ثم كان يطعم ويشرب ويحدث؟\"، قالوا: بلى قال: \"فكيف يكون هذا كما زعمتم؟\" فسكتوا، فأنزل الله تعالى صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها (4) .\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) في \"ب\" فكلم .\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) أخرجه ابن إسحاق في السيرة: 2 / 45 - 46 من سيرة ابن هشام، والطبري في التفسير: 6 / 151 - 153 وعزاه السيوطي أيضا لابن المنذر عن محمد بن جعفر بن الزبير انظر الدر المنثور 2 / 141 - 142 .","part":2,"page":5},{"id":399,"text":"فقال عز من قائل { الم اللَّهُ } مفتوح الميم، موصول عند العامة، وإنما فتح الميم لالتقاء الساكنين حرك إلى أخف الحركات وقرأ أبو يوسف ويعقوب بن خليفة الأعشى عن أبي بكر { الم الله } مقطوعا سكن الميم على نية الوقف ثم قطع الهمزة للابتداء وأجراه على لغة من يقطع ألف الوصل .\rقوله تعالى { اللَّهُ } ابتداء وما بعده خبر، والحي القيوم نعت له.\r{ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ } أي القرآن { بِالْحَقِّ } بالصدق { مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } لما قبله من الكتب في التوحيد والنبوات والأخبار وبعض الشرائع { وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ } وإنما قال: وأنزل التوراة والإنجيل لأن التوراة والإنجيل أنزلا جملة واحدة، وقال في القرآن \"نزل\" لأنه نزل مفصلا والتنزيل للتكثير، والتوراة قال البصريون: أصلها وَوْرية على وزن فوعلة مثل: دوحلة وحوقلة، فحولت الواو الأولى تاءً وجعلت الياء المفتوحة ألفا فصارت توراة، ثم كتبت بالياء على أصل الكلمة، وقال الكوفيون: أصلها تفعلة مثل توصية وتوفية فقلبت الياء ألفا على لغة طيء فإنهم يقولون للجارية جاراة، وللتوصية توصاة، وأصلها من قولهم: ورى الزند إذا خرجت ناره، وأوريته أنا، قال الله تعالى: \" أفرأيتم النار التي تورون \"( الواقعة -71 ) فسمي التوراة لأنها نور وضياء، قال الله تعالى: \" وضياء وذكرى للمتقين \"( الأنبياء -48 ) وقيل هي من التوراة وهي كتمان [السر] (1) والتعريض بغيره، وكان أكثر التوراة معاريض من غير تصريح.\rوالإنجيل: إفعيل من النجل وهو الخروج ومنه سمي الولد نجلا لخروجه، فسمي الإنجيل به لأن الله تعالى أخرج به دارسا من الحق عافيا، ويقال: هو من النَّجَل وهو سعة العين، سمي به لأنه أنزل سعة لهم ونورا، وقيل: التوراة بالعبرانية تور، وتور معناه الشريعة، والإنجيل بالسريانية أنقليون ومعناه الإكليل.\r{ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4) إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ (5) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6) }\rقوله تعالى: { هُدًى لِلنَّاسِ } هاديًا لمن تبعه ولم يثنِّه لأنه مصدر { وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ } المفرق بين الحق والباطل، وقال السدي: في الآية تقديم وتأخير تقديرها وأنزل التوراة والإنجيل والفرقان هدى للناس.\rقوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّه عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ }\r{ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ } ذكرا أو أنثى،\r__________\r(1) في \"ب\" اليقين\" .","part":2,"page":6},{"id":400,"text":"أبيض أو أسود، حسنا أو قبيحا، تاما أو ناقصا، { لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيمُ } وهذا في الرد على وفد نجران من النصارى، حيث قالوا: عيسى ولد الله، فكأنه يقول: كيف يكون لله ولد وقد صوره الله تعالى في الرحم.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحيم بن أحمد بن محمد الأنصاري، أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، أنا علي بن الجعد، أنا أبو خيثمة زهير بن معاوية، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق \"إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، 53/أ ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه الملك\" أو قال: \"يبعث إليه الملك بأربع كلمات فيكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد\" قال: \"وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينها وبينه غير ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينه غير ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها\" (1) .\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني، أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، أنا أبو أحمد بن عيسى الجلودي، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان، أنا مسلم بن الحجاج، أنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا سفيان بن عيينه، عن عمرو بن دينار، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول: يا رب أشقي أو سعيد؟ فيكتب ذلك فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص\" (2) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في بدء الخلق - باب: ذكر الملائكة: 6 / 303 وفي الأنبياء وفي القدر ومسلم في القدر - باب: كيفية الخلق الآدمي في بطنه أمه . . . برقم (2643) 4 / 2036 - 2037 والمصنف في شرح السنة: 1 / 128 - 129 .\r(2) أخرجه مسلم في القدر - باب: كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه . . . برقم (2644) 4 / 37 .","part":2,"page":7},{"id":401,"text":"{ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الألْبَابِ (7) }\rقوله تعالى { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْه آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ } مبينات مفصلات، سميت محكمات من الإحكام، كأنه أحكمها فمنع الخلق من التصرف فيها لظهورها ووضوح معناها { هُنَّ أُمّ الْكِتَابِ } أي أصله الذي يعمل عليه في الأحكام وإنما قال: { هُنَّ أُمّ الْكِتَابِ } ولم يقل أمهات الكتاب لأن الآيات كلها في تكاملها واجتماعها كالآية الواحدة، وكلام الله واحد وقيل: معناه كل آية منهن أم الكتاب كما قال: \" وجعلنا ابن مريم وأمه آية \"( 50 -المؤمنون ) أي كل واحد منهما آية { وَأُخَرُ } جمع أخرى ولم يصرفه لأنه معدول عن الآخر، مثل: عمر وزفر { مُتَشَابِهَاتٌ } فإن قيل كيف فرق هاهنا بين المحكم والمتشابه وقد جعل كل القرآن محكما في مواضع أخر؟ . فقال: \" الر كتاب أحكمت آياته \"( 1-هود ) وجعله كله متشابها [في موضع آخر] (1) فقال: \"الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها \"( 23 -الزمر ).\rقيل: حيث جعل الكل محكما، أراد أن الكل حق ليس فيه عبث ولا هزل، وحيث جعل الكل متشابها أراد أن بعضه يشبه بعضا في الحق والصدق وفي الحسن وجعل هاهنا بعضه محكما وبعضه متشابها.\rواختلف العلماء فيهما فقال ابن عباس رضي الله عنهما: المحكمات هن الآيات الثلاث في سورة الأنعام \" قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم \"( 151 ) ونظيرها في بني إسرائيل \" وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه \"( 23 -الإسراء ) الآيات وعنه أنه قال: المتشابهات حروف التهجي في أوائل السور.\rوقال مجاهد وعكرمة: المحكم ما فيه من الحلال والحرام وما سوى ذلك متشابه يشبه بعضه بعضا في الحق ويصدق بعضه بعضا، كقوله تعالى: \" وما يضل به إلا الفاسقين \"( 26 -البقرة ) \" ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون \"( 100 -يونس ).\rوقال قتادة والضحاك والسدي: المحكم الناسخ الذي يعمل به، والمشتابه المنسوخ الذي يؤمن به ولا يعمل به. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: محكمات القرآن ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه وما يؤمن به ويعمل به، والمتشابهات منسوخه ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به، وقيل: المحكمات ما أوقف الله الخلق على معناه والمتشابه ما استأثر الله تعالى بعلمه لا سبيل لأحد إلى علمه، نحو الخبر عن أشراط الساعة من خروج الدجال، ونزول عيسى عليه السلام، وطلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة وفناء الدنيا.\rوقال محمد بن جعفر بن الزبير: المحكم ما لا يحتمل من التأويل غير وجه واحد والمتشابه ما احتمل أوجها.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".","part":2,"page":8},{"id":402,"text":"وقيل: المحكم ما يعرف معناه وتكون حججها واضحة ودلائلها لائحة لا تشتبه، والمتشابه هو الذي يدرك علمه بالنظر، ولا يعرف العوام تفصيل الحق فيه من الباطل. وقال بعضهم: المحكم ما يستقل بنفسه في المعنى والمتشابه ما لا يستقل بنفسه إلا بردِّه إلى غيره.\rقال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية [باذان] (1) المتشابه حروف التهجي في أوائل السور، وذلك أن رهطا من اليهود منهم حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف ونظراؤهما، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال له حيي: بلغنا أنه أنزل عليك { الم } فننشدك الله أنزلت عليك؟ قال: \"نعم\" قال: فإن كان ذلك حقا فإني أعلم مدة ملك أمتك، هي إحدى وسبعون سنة فهل أنزل غيرها؟ قال: \"نعم { المص } \" قال: فهذه أكثر هي إحدى وستون ومائة سنة، قال: فهل غيرها؟ قال: \"نعم { الر } \" . قال: هذه أكثر هي مائتان وإحدى وسبعون سنة ولقد خلطت علينا فلا ندري أبكثيره نأخذ أم بقليله ونحن ممن لا يؤمن بهذا فأنزل الله تعالى: { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْه آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمّ الْكِتَابِ وَأُخَر مُتَشَابِهَاتٌ } (2) .\r{ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم ْزَيْغٌ } أي ميل عن الحق وقيل شك { فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ } واختلفوا في المعنيِّ بهذه الآية . قال الربيع: هم وفد نجران خاصموا النبي صلى الله عليه وسلم في عيسى عليه السلام، وقالوا له: ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه؟ قال: \"بلى\" قالوا: حسبنا، فأنزل الله هذه الآية .\rوقال الكلبي: هم اليهود طلبوا علم أجل هذه الأمة واستخراجها بحساب الجمَّل. وقال ابن جريج: هم المنافقون وقال الحسن: هم الخوارج، وكان قتادة إذا قرأ هذه الآية: { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم ْزَيْغٌ } قال: إن لم يكونوا الحرورية والسبأية فلا أدري من هم، وقيل: هم جميع المبتدعة .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عبد الله بن مسلمة، أنا يزيد بن إبراهيم التستري، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة رضي الله عنهما قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْه آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمّ الْكِتَابِ وَأُخَر مُتَشَابِهَاتٌ } -إلى قوله { أُولُو الألْبَابِ } قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم \" (3) .\r__________\r(1) ساقط من \"ب\" .\r(2) أخرجه الطبري في التفسير مطولا: 1 / 216 - 218 وقال السيوطي في الدر المنثور: أخرجه ابن إسحاق والبخاري في تاريخه وابن جرير بسند ضعيف الدر المنثور 1 / 57 وذكره ابن كثير في التفسير : 1 / 76 وقال: هذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي وهو ممن لا يحتج بما انفرد به وانظر تعليق الشيخ محمود محمد شاكر على تفسير الطبري 1 / 218 - 220 .\r(3) أخرجه البخاري في التفسير - في تفسير سورة آل عمران - باب : منه آيات محكمات : 8 / 209 ومسلم في العلم - باب: النهي عن اتباع متشابه القرآن والتحذير من متبعيه برقم : (2665) 4 / 2053 والمصنف في شرح السنة : 1 / 220 - 221 .","part":2,"page":9},{"id":403,"text":"قوله تعالى : { ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ } طلب الشرك قاله الربيع والسدي، وقال مجاهد: ابتغاء الشبهات واللبس ليضلوا بها جهالهم { وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ } تفسيره وعلمه، دليله قوله تعالى \" سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا \"( 78 -الكهف ) وقيل: ابتغاؤه عاقبته، وهو طلب أجل هذه الأمة من حساب الجمل، دليله قوله تعالى \" ذلك خير وأحسن تأويلا \"( 35 -الإسراء ) أي عاقبة .\rقوله تعالى: { وَمَا يَعْلَم تَأْوِيلَه إِلا اللَّه وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } اختلف العلماء في نظم هذه الآية فقال قوم: الواو في قوله والراسخون واو العطف يعني: أن تأويل المتشابه يعلمه الله ويعلمه الراسخون في العلم وهم مع علمهم { يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ } وهذا قول مجاهد والربيع، وعلى هذا يكون قوله \"يقولون\" حالا معناه: والراسخون في العلم قائلين آمنا به، هذا كقوله تعالى: 53/ب \" ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى \"( 7 -الحشر ) ثم قال: \" للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم \"( 8 -الحشر ) إلى أن قال: \" والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم \"( 9 -الحشر ) ثم قال \" والذين جاءوا من بعدهم \"( 10 -الحشر ) وهذا عطف على ما سبق، ثم قال: \" يقولون ربنا اغفر لنا \"( 10 -الحشر ) يعني هم مع استحقاقهم الفيء يقولون ربنا اغفر لنا، أي قائلين على الحال .\rوروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول في هذه الآية : أنا من الراسخين في العلم، وروي عن مجاهد: أنا ممن يعلم تأويله.\rوذهب الأكثرون إلى أن الواو في قوله \"والراسخون\" واو الاستئناف، وتم الكلام عند قوله: { وَمَا يَعْلَم تَأْوِيلَه إِلا اللَّهُ } وهو قول أبي بن كعب وعائشة وعروة بن الزبير رضي الله عنهم ورواية طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما، وبه قال الحسن وأكثر التابعين واختاره الكسائي والفراء والأخفش، وقالوا: لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله ويجوز أن يكون للقرآن تأويل استأثر الله بعلمه لم يطلع عليه أحدا من خلقه كما استأثر بعلم الساعة، ووقت طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدجال، ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام ونحوها، والخلق متعبدون في المتشابه بالإيمان به وفي المحكم بالإيمان به والعمل، ومما يصدِّق ذلك قراءة عبد الله إنْ تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به، وفي حرف أُبي: ويقول الراسخون في العلم آمنا به.\rوقال عمر بن عبد العزيز: في هذه الآية انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا آمنا به كل من عند ربنا. وهذا قول أقيس في العربية وأشبه بظاهر الآية .\rقوله تعالى { وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } أي الداخلون في العلم هم الذين أتقنوا علمهم بحيث لا يدخل في معرفتهم شك، وأصله من رسوخ الشيء في الشيء وهو ثبوته يقال: رسخ الإيمان في قلب فلان يرسخ رسخا ورسوخا وقيل: الراسخون في العلم علماء مؤمني أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلام","part":2,"page":10},{"id":404,"text":"وأصحابه دليله قوله تعالى \" لكن الراسخون في العلم منهم \"( 162 -النساء ) يعني( المدارسين ) (1) علم التوراة وسئل مالك بن أنس رضي الله عنه عن الراسخين في العلم قال: العالم العامل بما علم المتبع له وقيل: الراسخ في العلم من وجد في علمه أربعة أشياء: التقوى بينه وبين الله، والتواضع بينه وبين الخلق،والزهد بينه وبين الدنيا، والمجاهدة بينه وبين نفسه.\rوقال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد والسدي: بقولهم آمنا به سماهم الله تعالى راسخين في العلم، فرسوخهم في العلم قولهم: آمنا به، أي بالمتشابه { كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا } المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ وما علمنا وما لم نعلم { وَمَا يَذَّكَّرُ } وما يتعظ بما في القرآن { إِلا أُولُو الألْبَابِ } ذوو العقول.\r{ رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) }\rقوله تعالى { رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا } أي ويقول الراسخون: ربنا لا تزغ قلوبنا أي لا تملْها عن الحق والهدى كما أزغت قلوب الذين في قلوبهم زيغ { بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } وفقتنا لدينك والإيمان بالمحكم والمتشابه من كتابك { وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ } أعطنا من عندك { رَحْمَةً } توفيقا وتثبيتا للذي نحن عليه من الإيمان والهدى، وقال الضحاك: تجاوزًا ومغفرة { إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ }\rأخبرنا أبو الفرج المظفر بن إسماعيل التميمي، أنا أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي، أنا أبو أحمد بن عدي الحافظ، أنا أبو بكر بن عبد الرحمن بن القاسم القرشي يعرف بابن الرواس الكبير بدمشق، أنا أبو مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني، أنا صدقة، أنا عبد الرحمن بن زيد بن جابر، حدثني بشر بن عبيد الله قال: سمعت أبا إدريس الخولاني يقول: حدثني النواس بن سمعان الكلابي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، إذا شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه\" وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول \"اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، والميزان بيد الرحمن يرفع قوما ويضع آخرين إلى يوم القيامة\" (2) .\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، حدثنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أنا حاجب بن أحمد الطوسي، أنا عبد الرحيم بن منيب، أنا يزيد بن هارون، أنا سعيد بن إياس الجُريري عن غنيم بن قيس عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"مثل القلب كريشة بأرض فلاة تقلبها\r__________\r(1) في \"ب\" الدارسين.\r(2) أخرجه الإمام أحمد في المسند عن النواس: 4 / 182 وابن ماجه في المقدمة - باب فيما أنكرت الجهمية: 1 / 72 وقال في الزوائد: إسناد صحيح والمصنف في شرح السنة: 1 / 166.","part":2,"page":11},{"id":405,"text":"الرياح ظهرا لبطن\" (1) .\r{ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9) }\r__________\r(1) أخرجه ابن ماجه في المقدمة برقم (88) 1 / 34 والإمام أحمد في المسند: 4 / 408 عن أبي موسى الأشعري بإسناد صحيح والمصنف في شرح السنة: 1 / 164 .","part":2,"page":12},{"id":406,"text":"{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12) }\rقوله تعالى: { رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِع النَّاسِ لِيَوْمٍ } أي لقضاء يوم، وقيل: اللام بمعنى في، أي في يوم { لا رَيْبَ فِيهِ } أي لا شك فيه، وهو يوم القيامة { إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِف الْمِيعَادَ } مفعال من الوعد.\rقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ } لن تنفع ولن تدفع { عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ } قال الكلبي: من عذاب الله، وقال أبو عبيدة من بمعنى عند، أي عند الله { شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُود النَّارِ }\r{ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ } قال ابن عباس رضي الله عنهما وعكرمة ومجاهد: كفعل آل فرعون وصنيعهم في الكفر والتكذيب، وقال عطاء والكسائي وأبو عبيدة: كسنة آل فرعون، وقال الأخفش: كأمر آل فرعون وشأنهم، وقال النضر بن شميل: كعادة آل فرعون، يريد عادة هؤلاء الكفار في تكذيب الرسول وجحود الحق كعادة آل فرعون، { وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } كفار الأمم الماضية؛ مثل عاد وثمود وغيرهم { كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُم اللَّهُ } فعاقبهم الله { بِذُنُوبِهِمْ } وقيل نظم الآية: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ } عند حلول النقمة والعقوبة مثل آل فرعون وكفار الأمم الخالية أخذناهم فلن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم { وَاللَّه شَدِيد الْعِقَابِ } .\rقوله تعالى: { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ } قرأ حمزة والكسائي بالياء فيهما، أي أنهم يغلبون ويحشرون، وقرأ الآخرون بالتاء فيهما، على الخطاب، أي: قل لهم: أنكم ستغلبون وتحشرون. قال مقاتل: أراد مشركي مكة معناه: قل لكفار مكة: ستغلبون يوم بدر وتحشرون إلى جهنم في الآخرة،","part":2,"page":12},{"id":407,"text":"فلما نزلت هذه الآية قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر \"إن الله غالبكم وحاشركم إلى جهنم\" (1) .\rوقال بعضهم المراد بهذه الآية: اليهود، وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: إن يهود أهل المدينة قالوا لما هزم رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين يوم بدر: هذا -والله -النبي الذي بشَّرَنا به موسى لا ترد له راية، وأرادوا اتباعه، ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى تنظروا إلى وقعة أخرى، فلما كان يوم أحد ونكب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شكوا فغلب عليهم الشقاء، 54/أ فلم يسلموا، وقد كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى مدة فنقضوا ذلك العهد وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكبا إلى مكة ليستفزهم، فأجمعوا أمرهم على قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية.\rوقال محمد بن إسحاق عن رجاله ورواه سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أيضا: أنه لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا ببدر ورجع إلى المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال: \"يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر وأسلِموا قبل أن ينزل بكم مثل ما نزل بهم فقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم\" فقالوا: يا محمد لا يغرنك أنك لقيت قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة وإنا والله لو قاتلناك لعرفت أنا نحن الناس، فأنزل الله تعالى { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ } (2) تهزمون { وَتُحْشَرُونَ } في الآخرة { إِلَى جَهَنَّمَ } { وَبِئْسَ الْمِهَادُ } الفراش، أي بئس ما مهد لهم يعني النار.\r{ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأولِي الأبْصَارِ (13) }\rقوله تعالى: { قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ } ولم يقل قد كانت لكم، والآية مؤنثة لأنه ردها إلى البيان أي قد كان لكم بيان، فذهب إلى المعنى.\rوقال الفراء: إنما ذُكِّرَ لأنه حالت الصفة بين الفعل والاسم المؤنث، فذكر الفعل وكل ما جاء من هذا النحو فهذا وجهه، فمعنى الآية: قد كان لكم آية أي عبرة ودلالة على صدق ما أقول أنكم ستغلبون. { فِي فِئَتَيْنِ } فرقتين وأصلها فيء الحرب لأن بعضهم يفيء إلى بعض { الْتَقَتَا } يوم بدر { فِئَةٌ تُقَاتِل فِي سَبِيلِ اللَّهِ } طاعة الله وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا سبعة\r__________\r(1) أخرجه ابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق: 2 / 120 والطبري في التفسير: 6 / 227 وفي التاريخ: 2 / 479 .\r(2) أخرجه ابن هشام في السيرة عن ابن إسحاق : 2 / 120 والطبري في التفسير: 6 / 227 وفي التاريخ: 2 / 479 .","part":2,"page":13},{"id":408,"text":"وسبعون رجلا من المهاجرين، ومائتان وستة وثلاثون من الأنصار، وصاحب راية المهاجرين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة، وكان فيهم سبعون بعيرا وفرسان فرس للمقداد بن عمرو وفرس لمرثد بن أبي مرثد وأكثرهم رجّاله وكان معهم من السلاح ستة أدرع وثمانية سيوف.\rقوله تعالى: { وَأُخْرَى كَافِرَةٌ } أي فرقة أخرى كافرة وهم مشركو مكة وكانوا تسعمائة وخمسين رجلا من المقاتلة رأسهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وفيهم مائة فرس وكانت حرب بدر أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم { يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ } قرأ أهل المدينة ويعقوب بالتاء يعني ترون يا معشر اليهود أهل مكة مثلي المسلمين وذلك أن جماعة من اليهود كانوا حضروا قتال بدر لينظروا على من تكون الدائرة فرأوا المشركين مثلي عدد المسلمين ورأوا النصرة مع ذلك للمسلمين فكان ذلك معجزة وآية، وقرأ الآخرون بالياء، واختلفوا في وجهه: فجعل بعضهم الرؤية للمسلمين ثم له تأويلان أحدهما يرى المسلمون المشركين مثليهم كما هم، فإن قيل: كيف قال: مثليهم وهم كانوا ثلاثة أمثالهم؟ قيل: هذا مثل قول الرجل وعنده درهم أنا أحتاج إلى مثلي هذا الدرهم يعني إلى مثليه سواه فيكون ثلاثة دراهم والتأويل الثاني -وهو الأصح -كان المسلمون يرون المشركين مثلي عدد أنفسهم، قلَّلهم الله تعالى في أعينهم حتى رأوهم ستمائة وستة وعشرين ثم قللهم الله في أعينهم في حالة أخرى حتى رأوهم مثل عدد أنفسهم. قال ابن مسعود رضي الله عنه: نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدا. ثم قللهم الله تعالى أيضا في أعينهم حتى رأوهم عددًا يسيرًا أقل من أنفسهم [قال ابن مسعود رضي الله عنه] (1) حتى قلت لرجل إلى جنبي : تراهم سبعين ؟ قال: أراهم مائة قال بعضهم: الرؤية راجعة إلى المشركين يعني يرى المشركون المسلمين مثليهم قللهم الله قبل القتال في أعين المشركين ليجترئ المشركون عليهم ولا ينصرفوا فلما أخذوا في القتال كثرهم الله في أعين المشركين ليجبنوا وقللهم في أعين المؤمنين ليجترؤوا فذلك قوله تعالى \" وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم \"( 44 -الأنفال ) .\rقوله تعالى: { رَأْيَ الْعَيْنِ } أي في رأي العين نصب بنزع حرف الصنعة { وَاللَّه يُؤَيِّد بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ } الذي ذكرت { لَعِبْرَةً لأولِي الأبْصَارِ } لذوي العقول، وقيل لمن أبصر الجمعين.\r{ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) }\rقوله تعالى : { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبّ الشَّهَوَاتِ } جمع شهوة وهي ما تدعو النفس إليه { مِنَ النِّسَاءِ }\r__________\r(1) ساقط من (أ) .","part":2,"page":14},{"id":409,"text":"بدأ بهن لأنهن حبائل الشيطان { وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ } جمع قنطار واختلفوا فيه فقال الربيع بن أنس: القنطار المال الكثير بعضه على بعض، وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: القنطار ألف ومائتا أوقية وقال ابن عباس رضي الله عنهما [والضحاك] (1) ألف ومائتا مثقال. وعنهما رواية أخرى اثنا عشر ألف درهم وألف [دينار] (2) دية أحدكم، وعن الحسن القنطار دية أحدكم، وقال سعيد بن جبير وعكرمة: هو مائة ألف ومائة مَنٍّ ومائة رطل ومائة مثقال ومائة درهم، ولقد جاء الإسلام يوم جاء وبمكة مائة رجل قد قنطروا، وقال سعيد بن المسيب وقتادة: ثمانون ألفا، وقال مجاهد سبعون ألفا، وعن السدي قال: أربعة آلاف مثقال، وقال الحكم: القنطار ما بين السماء والأرض من مال، وقال أبو نضرة: ملء مسك ثور ذهبا أو فضة.\rوسمي قنطارا من الإحكام، يقال: قنطرت الشيء إذا أحكمته، ومنه سميت القنطرة.\rقوله تعالى: { الْمُقَنْطَرَةِ } قال الضحاك: المحصنة المحكمة، وقال قتادة: هي الكثيرة المنضدة بعضها فوق بعض وقال يمان: [المدفونة] (3) وقال السدي المضروبة المنقوشة حتى صارت دراهم ودنانير، وقال [الفراء] (4) المضعفة، فالقناطير ثلاثة والمقنطرة تسعة { مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ } وقيل سمي الذهب ذهبا لأنه يذهب ولا يبقى، والفضة لأنها تنفضُّ أي تتفرق { وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ } الخيل جمع لا واحد له من لفظه واحدها فرس، كالقوم والنساء ونحوهما، المسومة قال مجاهد: هي المطهمة الحسان، وقال عكرمة: تسويمها حسنها، وقال سعيد بن جبير: هي الراعية، يقال: أسام الخيل وسوَّمها قال الحسن وأبو عبيدة: هي المعلمة من السيماء والسيماء العلامة، ثم منهم من قال: سيماها الشبه واللون وهو قول قتادة وقيل: الكي.\r{ وَالأنْعَامِ } جمع النعم، وهي الإبل والبقر والغنم جمع لا واحد له من لفظه { وَالْحَرْثِ } يعني الزرع { ذَلِكَ } الذي ذكرنا { مَتَاع الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } يشير إلى أنها متاع يفنى { وَاللَّه عِنْدَه حُسْن الْمَآبِ } أي المرجع، فيه تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة.\r__________\r(1) ساقط من أ.\r(2) في ب درهم.\r(3) في ب المدقومة.\r(4) في أ السدي.","part":2,"page":15},{"id":410,"text":"{ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) }","part":2,"page":16},{"id":411,"text":"{ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحَارِ (17) }\rقوله تعالى { قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْد َرَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ } قرأه العامة 54/ب بكسر الراء، وروى أبو بكر عن عاصم بضم الراء، وهما لغتان كالعُدوان والعِدوان.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا يحيى بن سليمان، حدثني ابن وهب، حدثني مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم \"إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير كله في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول : ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا\" (1) .\rقوله تعالى { وَاللَّه بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ }\r{ الَّذِينَ يَقُولُونَ } إن شئت جعلت محل الذين خفضًا ردًا على قوله { لِلَّذِينَ اتَّقَوْا } وإن شئت جعلته رفعا على الابتداء، ويحتمل أن يكون نصبا تقديره أعني الذين يقولون { رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا } صدقنا { فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } استرها علينا وتجاوز عنا { وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ }\r{ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ } إن شئت نصبتها على المدح، وإن شئت خفضتها على النعت، يعني الصابرين في أداء الأمر وعن ارتكاب النهي، وعلى البأساء والضراء وحين البأس، والصادقين في إيمانهم، قال قتادة: هم قوم صدقت نياتهم واستقامت قلوبهم وألسنتهم فصدقوا في السر والعلانية { وَالْقَانِتِينَ } المطيعين المصلين { وَالْمُنْفِقِينَ } أموالهم في طاعة الله { وَالْمُسْتَغْفِرِين َبِالأسْحَارِ } قال مجاهد وقتادة والكلبي: يعني المصلين بالأسحار وعن زيد بن أسلم أنه قال: هم الذين يصلون الصبح في الجماعة، وقيل بالسَّحَر لقربه من\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التوحيد . باب : كلام الرب مع أهل الجنة : 3 / 487 ومسلم في الجنة . باب : إحلال الرضوان على أهل الجنة فلا يسخط عليهم أبدا برقم (2829) 4 / 2176 .","part":2,"page":16},{"id":412,"text":"الصبُح وقال الحسن: مدوا الصلاة إلى السحر ثم استغفروا، وقال نافع كان ابن عمر رضي الله عنه يحيي الليل ثم يقول: يا نافع أسْحَرْنا؟ فأقول لا فيعاود الصلاة فإذا قلت: نعم قعد يستغفر الله ويدعو حتى يصبح.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو محمد بن الحسن بن أحمد المخلدي، حدثنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، أنا قتيبة [بن سعيد] (1) أنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل فيقول: أنا الملك أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له\" (2) .\rوحكي عن الحسن أن لقمان قال لابنه: يا بني لا تكن أعجز من هذا الديك يصوِّت من الأسحار وأنت نائم على فراشك .\r{ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) }\rقوله تعالى : { شَهِدَ اللَّه أَنَّه لا إِلَهَ إِلا هُوَ } قيل: نزلت هذه الآية في نصارى نجران. وقال الكلبي: قدم حبران من أحبار الشام على النبي صلى الله عليه وسلم فلما أبصرا المدينة قال: أحدهما لصاحبه ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي صلى الله عليه وسلم الذي يخرج في آخر الزمان؟ فلما دخلا عليه عرفاه بالصفة، فقالا له: أنت محمد، قال: نعم، قالا له: وأنت أحمد؟ قال: \"أنا محمد وأحمد\" قالا له: فإنا نسألك عن شيء فإن أخبرتنا به آمنا بك وصدقناك، فقال اسألا فقالا أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله عز وجل، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأسلم الرجلان (3) .\rقوله { شَهِدَ اللَّهُ } أي بين الله لأن الشهادة تبين، وقال مجاهد: حكم الله [وقيل: علم الله] (4) وقيل: أعلم الله أنه لا إله إلا هو .\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) أخرجه البخاري في التهجد . باب : الدعاء والصلاة من آخر الليل: 3 / 29 ومسلم في صلاة المسافرين باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه برقم (758) 1 / 521 والمصنف في شرح السنة : 4 / 63 - 64 .\r(3) انظر: البحر المحيط لأبي حيان: 2 / 401 - 402 والحديث من رواية الكلبي وهو متهم بالكذب . وانظر فيما سيأتي تفسير الآية (23) وأسباب النزول للواحدي ص (130).\r(4) ساقط من \"ب\".","part":2,"page":17},{"id":413,"text":"قال ابن عباس رضي الله عنهما: خلق الله الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة، وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة، فشهد بنفسه لنفسه قبل أن خلق الخلق حين كان ولم تكن سماء ولا أرض ولا بر ولا بحر (1) فقال: { شَهِدَ اللَّه أَنَّه لا إِلَهَ إِلا هُوَ }\rوقوله: { وَالْمَلائِكَةُ } أي وشهدت الملائكة قيل: معنى شهادة الله الإخبار والإعلام، ومعنى شهادة الملائكة والمؤمنين الإقرار. قوله تعالى { وَأُولُو الْعِلْمِ } يعني الأنبياء عليهم السلام.\rوقال ابن كيسان يعني: المهاجرين والأنصار وقال مقاتل: علماء مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه. قال السدي والكلبي: يعني جميع علماء المؤمنين. { قَائِمًا بِالْقِسْطِ } أي بالعدل. ونظم هذه الآية شهد الله قائمًا بالقسط، نصب على الحال، وقيل: نصب على القطع، ومعنى قوله { قَائِمًا بِالْقِسْطِ } أي قائما بتدبير الخلق كما يقال: فلان قائم بأمر فلان، أي مدبر له ومتعهد لأسبابه، وقائم بحق فلان أي مجاز له فالله جل جلاله مدبر رازق مجاز بالأعمال. { لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيمُ }\r{ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) }\r{ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ } يعني الدين المرضي الصحيح، كما قال تعالى : \" ورضيت لكم الإسلام دينا \"( 3 -المائدة ) وقال \" ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه \"( 85 -آل عمران ) وفتح الكسائي الألف من أن الدين ردا على أن الأولى تقديره شهد الله أنه لا إله إلا هو وشهد أن الدين عند الله الإسلام، أو شهد الله أن الدين عند الله الإسلام بأنه لا إله إلا هو، وكسر الباقون الألف على الابتداء والإسلام هو الدخول في السلم وهو الانقياد والطاعة، يقال: أسلم أي دخل في السلم واستسلم، قال قتادة في قوله تعالى { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ } قال: شهادة أن لا إله إلا الله والإقرار بما جاء من عند الله تعالى وهو دين الله الذي شرع لنفسه وبعث به رسله ودل عليه أولياءه [ولا يقبل غيره ولا يجزي إلا به] (2) .\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أنا أبو إسحاق الثعلبي، أنا أبو عمرو الفراتي، أنا أبو موسى عمران بن موسى، أنا الحسن بن سفيان، أنا عمار بن عمر بن المختار، حدثني أبي عن غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة فنزلت قريبا من الأعمش وكنت أختلف إليه فلما كانت ذات ليلة أردت أن أنحدر إلى\r__________\r(1) للعلماء في هذه المسألة قولان: فمنهم من قال بأن الله خلق الأرواح أولا، ومنهم من قال بأن الله تعالى خلق الأجساد أولا ولكل من الفريقين أدلة استدل بها على قوله. انظر: الروح لابن القيم ص (156 - 175).\r(2) ساقط من \"أ\".","part":2,"page":18},{"id":414,"text":"البصرة، فإذا الأعمش قائم من الليل يتهجد، فمر بهذه الآية { شَهِدَ اللَّه أَنَّه لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَة وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيمُ } ثم قال الأعمش : وأنا أشهد بما شهد الله به وأستودع الله هذه الشهادة وهي لي عند الله وديعة { إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ } قالها مرارا قلت لقد سمع فيها شيئا، فصليت معه وودعته، ثم قلت : إني سمعتك تقرأ آية ترددها فما بلغك فيها؟ [قال لي: أوما بلغك ما فيها؟ قلت: أنا عندك منذ سنتين لم تحدثني] (1) قال: والله لا أحدثك بها إلى سنة، فكتبت على بابه ذلك اليوم وأقمت سنة، فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمد قد مضت السنة قال: حدثني أبو وائل عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله: إن لعبدي هذا عندي عهدا، وأنا أحق من وفى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة\" (2) .\rقوله تعالى : { وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب َ } قال الكلبي : نزلت في اليهود والنصارى حين تركوا الإسلام أي وما اختلف الذين أوتوا الكتاب في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من بعد ما جاءهم العلم، يعني بيان نعته في كتبهم، وقال الربيع: إن موسى عليه السلام لما حضره الموت دعا سبعين رجلا من أحبار بني إسرائيل فاستودعهم 55/أ التوراة واستخلف يوشع بن نون، فلما مضى القرن الأول والثاني والثالث وقعت الفرقة بينهم وهم الذين أوتوا الكتاب من أبناء أولئك السبعين حتى أهرقوا بينهم الدماء، ووقع الشر والاختلاف، وذلك من بعد ما جاءهم العلم يعني بيان ما في التوراة { بَغْيًا بَيْنَهُمْ } أي طلبا للملك والرياسة، فسلط الله عليهم الجبابرة وقال محمد بن جعفر بن الزبير: نزلت في نصارى نجران ومعناها { وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } يعني الإنجيل في أمر عيسى عليه السلام وفرقوا القول فيه إلا من بعد ما جاءهم العلم بأن الله واحد وأن عيسى عبده ورسوله { بَغْيًا بَيْنَهُمْ } أي للمعاداة والمخالفة { وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيع الْحِسَابِ }\r__________\r(1) ساقط من المخطوط وأثبتناه من مجمع الزوائد.\r(2) قال السيوطي : أخرجه ابن عدي والطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان وضعفه والخطيب في تاريخه وابن النجار عن غالب القطان انظر : الدر المنثور للسيوطي 2 / 166 وذكره الهيثمي في المجمع 6 / 325 - 326 وقال: رواه الطبراني وفيه عمر بن المختار وهو ضعيف، وذكر ابن الجوزي له عدة روايات وقال : هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرد به عمر بن المختار، وعمر يحدث بالأباطيل قال العقيلي : لا يتابع عمار على حديثه ولا يعرف إلا به. انظر: العلل المتناهية في الأحاديث الواهية لابن الجوزي: 1 / 102 - 103 ميزان الاعتدال للذهبي: 3 / 223 .","part":2,"page":19},{"id":415,"text":"{ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20) }\rقوله تعالى: { فَإِنْ حَاجُّوكَ } أي خاصموك يا محمد في الدين، وذلك أن اليهود والنصارى قالوا لسنا على ما سميتنا به يا محمد إنما اليهودية والنصرانية نسب، والدين هو الإسلام ونحن عليه فقال الله تعالى { فَقُلْ أَسْلَمْت وَجْهِيَ لِلَّهِ } أي انقدت لله وحده بقلبي ولساني وجميع جوارحي، وإنما خص الوجه لأنه أكرم الجوارح من الإنسان وفيه بهاؤه، فإذا خضع وجهه للشيء خضع له جميع جوارحه، وقال الفراء: معناه أخلصت عملي لله { وَمَنِ اتَّبَعَنِ } أي ومن اتبعني أسلم كما أسلمت، وأثبت نافع وأبو عمرو الياء في قوله تعالى { اتبعني } على الأصل وحذفها الأخرون على الخط لأنها في المصحف بغير ياء.\rوقوله: { وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأمِّيِّينَ } يعني العرب { أَأَسْلَمْتُمْ } لفظه استفهام ومعناه أمر، أي أسلموا كما قال \" فهل أنتم منتهون \"( 91 -المائدة ) أي انتهوا، { فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا } فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقال أهل الكتاب: أسلمنا، فقال لليهود: أتشهدون أن عيسى كلمة الله وعبده ورسوله قالوا: معاذ الله، وقال النصارى : أتشهدون أن عيسى عبد الله ورسوله (1) ؟ قالوا : معاذ الله أن يكون عيسى عبدا فقال الله عز وجل { وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ } أي تبليغ الرسالة وليس عليك الهداية { وَاللَّه بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ } عالم بمن يؤمن وبمن لا يؤمن .\r{ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) }\rقوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ } يجحدون بآيات الله يعني القرآن، وهم اليهود والنصارى { وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ } قرأ حمزة: ويقاتلون الذين يأمرون، قال ابن جريج: كان الوحي يأتي على [أنبياء] (2) بني إسرائيل ولم يكن يأتيهم كتاب، فيذكِّرون قومهم فيُقتلون، فيقوم رجال ممن اتبعهم وصدقهم فيذكِّرون قومهم فيقتلون أيضا فهم الذين يأمرون بالقسط من الناس.\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أنا أبو إسحاق الثعلبي، أنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن فنجويه الدينوري، أنا أبو نصر منصور بن جعفر النهاوندي، أنا أحمد بن يحيى بن الجارود، أنا محمد بن عمرو بن حيان، أنا محمد بن( حمير ) (3) ، أنا أبو الحسن مولى بني أسد عن مكحول عن قبيصة بن ذؤيب الخزاعي\r__________\r(1) ساقط من (أ).\r(2) ساقط من (أ).\r(3) في \"أ\" نمير وهو خطأ.","part":2,"page":20},{"id":416,"text":"عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال: \"رجل قتل نبيا أو رجلا (1) أمر بالمعروف ونهى عن المنكر\" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ } إلى أن انتهى إلى قوله { وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ } ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا في أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة واثنا عشر رجلا من عُبَّاد بني إسرائيل أمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقتلوهم جميعا في آخر النهار في ذلك اليوم فهم الذين ذكرهم الله في كتابه وأنزل الآية فيهم\" (2) { فَبَشِّرْهُمْ } أخبرهم { بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } وجيع، وإنما أدخل الفاء على خبر إن وتقديره الذين يكفرون ويقتلون فبشرهم، لأنه لا يقال: إن زيدا فقائم.\r{ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (22) }\r__________\r(1) عطف \"رجلا\" على \"نبيا\" وفي الطبري: \" أو رجل أمر بالمنكر ونهى عن المعروف \" عطفا على \"رجل\" .\r(2) أخرجه الطبري في التفسير : 6 / 285 - 286 وعزاه السيوطي لابن أبي حاتم : الدر المنثور : 2 / 168 وقال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف : رواه البزار والطبراني وابن أبي حاتم والثعلبي من حديثه وفيه أبو الحسن مولى بني أسد وهو مجهول. انظر: الكافي الشاف ص 25 .","part":2,"page":21},{"id":417,"text":"{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) }\r{ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ } بطلت { أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِوَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ } وبطلان العمل في الدنيا أن لا يقبل وفي الآخرة ألا يجازى عليه .\rقوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ } يعني اليهود { يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ } اختلفوا في هذا الكتاب، فقال قتادة: هم اليهود دُعوا إلى حكم القرآن فأعرضوا عنه.\rوروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية: إن الله تعالى جعل القرآن حكمًا فيما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فحكم القرآن على اليهود والنصارى أنهم على غير الهدى فأعرضوا عنه، وقال الآخرون: هو التوراة.\rوروى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المدارس على جماعة من اليهود، فدعاهم إلى الله عز وجل. فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ فقال: على ملة إبراهيم، قالا إن إبراهيم كان يهوديا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:","part":2,"page":21},{"id":418,"text":"\"فهلمُّوا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم\" فأبيا عليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية (1)\rوروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا وامرأة من أهل خيبر زنيا وكان في كتابهم الرجم، فكرهوا رجمهما لشرفهما فيهم فرفعوا أمرهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجوا أن يكون عنده رخصة فحكم عليهما بالرجم فقال له النعمان بن أوفى وبحري بن عمرو: جُرْتَ عليهما يا محمد ليس عليهما الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"بيني وبينكم التوراة\" قالوا: قد أنصفتنا قال \"فمن أعلمكم بالتوراة\" قالوا رجل أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا، فأرسلوا إليه فقدم المدينة، وكان جبريل قد وصفه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم \"أنت ابن صوريا؟\" قال: نعم، قال: \"أنت أعلم اليهود\"؟ قال: كذلك يزعمون قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء من التوراة، فيها الرجم مكتوب، فقال له : \"اقرأ\" فلما أتى على آية الرجم وضع كفه عليها وقرأ ما بعدها على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عبد الله بن سلام: يا رسول الله قد جاوزها فقام فرفع كفه عنها ثم قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى اليهود بأن المحصن والمحصنة إذا زنيا وقامت عليهما البينة رجما، وإن كانت المرأة حبلى تربص بها حتى تضع ما في بطنها، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم باليهوديين فرجما، فغضب اليهود لذلك وانصرفوا فأنزل الله عز وجل { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ } (2) { لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ }\r{ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (25) }\r{ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّار إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ } والغرور هو الإطماع فيما لا يحصل منه شيء { مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } والافتراء اختلاق الكذب .\r55/ب قوله تعالى : { فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ } أي فكيف حالهم أو كيف يصنعون إذا جمعناهم { لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ } [وهو يوم القيامة] (3) { وَوُفِّيَتْ } [وفرت] { كُلّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ } أي جزاء ما كسبت\r__________\r(1) أخرجه الطبري في التفسير عن ابن عباس : 6 / 228 - 229 وابن شهاب في السيرة: 2 / 201 وعزاه السيوطي أيضا: لابن المنذر وابن أبي حاتم. انظر: الدر المنثور: 2 / 170 أسباب النزول ص (131).\r(2) القصة من رواية الكلبي عن ابن عباس والكلبي هذا هو : أبو النضر محمد بن السائب الكلبي وهو متهم بالكذب وقد مرض فقال لأصحابه في مرضه كل ما حدثنكم به عن أبي صالح: كذب انظر: تهذيب التهذيب : 9 / 157 - 159 الاسرائيليات والموضوعات في التفسير للشيخ محمد أبو شهبة وقد ثبت رجم اليهودين اللذين زنيا في الكتب الستة انظر: نصب الراية للزيلعي : 3 / 326 - 327 .\r(3) ساقط من \"ب\".","part":2,"page":22},{"id":419,"text":"من خير أو شر { وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ } أي لا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم .\r{ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) }\rقوله تعالى { قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ } قال قتادة ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يجعل ملك فارس والروم في أمته فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال ابن عباس رضي الله عنهما وأنس بن مالك رضي الله عنه لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وعد أمته ملك فارس والروم قال المنافقون واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد صلى الله عليه وسلم ملك فارس والروم؟ وهم أعز وأمنع من ذلك ألم يكف محمدا مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم؟ فأنزل الله هذه الآية { قُلِ اللَّهُمَّ } (1) قيل : معناه يا الله فلما حذف حرف النداء زيد الميم في آخره، وقال قوم: للميم فيه معنى، ومعناها يا الله أُمَّنا بخير أي: أقصدنا، حذف منه حرف النداء كقولهم: هلم إلينا، كان أصله هل أُمَّ إلينا، ثم كثرت في الكلام فحذفت الهمزة استخفافا وربما خففوا أيضا فقالوا: لا هُمَّ، قوله { مَالِكَ الْمُلْكِ } [يعني يا مالك الملك] (2) أي مالك العباد وما ملكوا، وقيل يا مالك السموات والأرض، وقال الله تعالى في بعض الكتب: \"أنا الله ملك الملوك، ومالك الملوك وقلوب الملوك ونواصيهم بيدي فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة وإن عصوني جعلتهم عليهم عقوبة فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إليَّ أعطفهم عليكم \" (3) .\rقوله تعالى: { تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ } قال مجاهد وسعيد بن جبير: يعني ملك النبوة وقال الكلبي: تؤتي الملك من تشاء محمدا وأصحابه { وَتَنْزِع الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ } أبي جهل وصناديد قريش وقيل: تؤتي الملك من تشاء: العرب وتنزع الملك ممن تشاء: فارس والروم، وقال السدي تؤتي الملك من تشاء، آتى الله الأنبياء عليهم السلام وأمر العباد بطاعتهم { وَتَنْزِع الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ } نزعه من الجبارين وأمر العباد بخلافهم، وقيل تؤتي من تشاء: آدم وولده وتنزع الملك ممن تشاء إبليس وجنوده.\rوقوله تعالى: { وَتُعِزّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلّ مَنْ تَشَاء } قال عطاء تعز من تشاء: المهاجرين والأنصار وتذل من تشاء: فارس والروم، وقيل تعز من تشاء محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى دخلوا مكة في عشرة آلاف ظاهرين عليها، وتذل من تشاء: أبا جهل وأصحابه حتى حُزَّت رؤوسهم وألقوا في القليب، وقيل تعز من\r__________\r(1) قال ابن حجر في الكافي الشاف ص (25) ذكره الواحدي في أسبابه ص (131) عن ابن عباس وأنس رضي الله عنهم ولم أجد له إسنادا.\r(2) ساقط من (أ).\r(3) رواه الطبراني في الأوسط. قال الهيثمي فيه إبراهيم بن راشد وهو متروك مجمع الزوائد: 5 / 249 وقال الألباني : ضعيف جدا سلسلة الأحاديث الضعيفة : 1 / 68 .","part":2,"page":23},{"id":420,"text":"تشاء بالإيمان والهداية، وتذل من تشاء بالكفر والضلالة، وقيل تعز من تشاء بالطاعة وتذل من تشاء بالمعصية، وقيل تعز من تشاء بالنصر وتذل من تشاء بالقهر، وقيل تعز من تشاء بالغنى وتذل من تشاء بالفقر، وقيل تعز من تشاء بالقناعة والرضى وتذل من تشاء بالحرص والطمع { بِيَدِكَ الْخَيْر } أي بيدك الخير والشر فاكتفى بذكر أحدهما قال تعالى : \" سرابيل تقيكم الحر \"( 81 -النحل ) أي الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما { إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }\r{ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27) }\rقوله تعالى { تُولِج اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ } أي تدخل الليل في النهار حتى يكون النهار خمس عشرة ساعة والليل تسع ساعاتٍ { وَتُولِج النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ } حتى يكون الليل خمس عشرة ساعة والنهار تسع ساعات، فما نقص من أحدهما زاد في الآخر { وَتُخْرِج الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِج الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ } قرأ أهل المدينة وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم \"الميِّت\" بتشديد الياء هاهنا وفي الأنعام ويونس والروم وفي الأعراف \"لبلد ميت\" وفي فاطر \"إلى بلد ميت\" زاد نافع \" أو من كان ميتا فأحييناه \"( 122 -الأنعام ) و \" لحم أخيه ميتا \"( 12 -الحجرات ) و \" الأرض الميتة أحييناها \"( 33 -يس ) فشددها، والآخرون يخففونها، وشدد يعقوب \" يخرِج الحي من الميت \" \"لحم أخيه ميتا\" قال ابن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة: معنى الآية: يخرج الحيوان من النطفة وهي ميتة، ويخرج النطفة من الحيوان.\rوقال عكرمة والكلبي: يخرج الحي من الميت أي الفرخ من البيضة ويخرج البيضة من الطير، وقال الحسن وعطاء. يخرج المؤمن من الكافر ويخرج الكافر من المؤمن، فالمؤمن حي الفؤاد، والكافر ميت الفؤاد قال الله تعالى : \" أوَ مَنْ كان ميتا فأحييناه \"( 122 -الأنعام ) وقال الزجاج: يخرج النبات الغضَّ الطري من الحب اليابس، ويخرج الحب اليابس من النبات الحي النامي { وَتَرْزُق مَنْ تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } من غير تضييق [ولا تقتير] (1) .\rأخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد الحنفي، أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أنا أبو جعفر عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم الهاشمي، أنا محمد بن علي بن زيد الصائغ، أنا محمد بن أبي الأزهر، أنا الحارث بن عمير، أنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما قال: قال\r__________\r(1) في ب ولا تعسير.","part":2,"page":24},{"id":421,"text":"رسول الله صلى الله عليه وسلم \"إن فاتحة الكتاب وآية الكرسي والآيتين من آل عمران( شهد الله -إلى قوله -إن الدين عند الله الإسلام -و -قل اللهم مالك الملك -إلى قوله -بغير حساب ) معلقات، ما بينهن وبين الله عز وجل حجاب، قلن: يا رب تهبطنا إلى أرضك وإلى من يعصيك؟ قال الله عز وجل: بي حلفت لا يقرؤكن أحد من عبادي دبر كل صلاة إلا جعلت الجنة مثواه على ما كان منه ولأسكننه في حظيرة القدس ولنظرت إليه بعيني المكنونة كل يوم سبعين مرة ولقضيت له كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة ولأعذته من كل عدو وحاسد ونصرته منهم\" (1) رواه الحارث عن عمرو وهو ضعيف.\r{ لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) }\rقوله عز وجل: { لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } قال ابن عباس رضي الله عنه: كان الحجاج بن عمرو بن أبي الحقيق وقيس بن زيد { يظنون } (2) بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعيد بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود لا يفتنونكم عن دينكم، فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم فأنزل الله تعالى هذه الآية.\rوقال مقاتل: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره وكانوا يظهرون المودة لكفار مكة.\rوقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل هذه الآية، ونهى المؤمنين عن مثل [فعلهم] (3) .\rقوله تعالى: { وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ } أي موالاة الكفار في نقل الأخبار إليهم وإظهارهم على عورة المسلمين { فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ } [أي ليس من دين الله في شيء] (4) ثم استثنى فقال { إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً } يعني: إلا أن تخافوا منهم مخافة، قرأ مجاهد ويعقوب \"تَقيَّة\" على وزن بقية لأنهم كتبوها بالياء ولم يكتبوها بالألف، مثل حصاة ونواة، وهي مصدر يقال تقيته 56/أ تقاة وتقى تقية وتقوى فإذا قلت اتقيت كان المصدر الاتقاء، وإنما قال تتقوا من الاتقاء ثم قال: تقاة ولم يقل اتقاء لأن معنى اللفظين إذا كان واحدا يجوز إخراج مصدر أحدهما على لفظ الآخر كقوله تعالى: \" وتبتل إليه تبتيلا \"( 8 -المزمل )\r__________\r(1) لم نجد الحديث فيما بين أيدينا من كتب السنة وقد عزاه المصنف للحارث في مسنده وضعفه.\r(2) في ب يظنوا. وفي الأسباب النزول للواحدي: \"يباطنون نفرا\" .\r(3) في ب قولهم: وانظر: أسباب النزول ص (134).\r(4) ساقط من أ .","part":2,"page":25},{"id":422,"text":"ومعنى الآية: أن الله تعالى نهى المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين، أو يكون المؤمن في قوم كفار يخافهم فيداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان دفعا عن نفسه من غير أن يستحل دما حراما أو مالا حراما، أو يظهر الكفار على عورة المسلمين، والتقية لا تكون إلا مع خوف القتل وسلامة النية، قال الله تعالى: \" إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان \"( 106 -النحل ) ثم هذا رخصة، فلو صبر حتى قتل فله أجر عظيم وأنكر قوم التقية [اليوم] (1) قال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت التقية في [بُدُوِّ] (2) الإسلام قبل استحكام الدين وقوة المسلمين، وأما اليوم فقد أعز الله الإسلام فليس ينبغي لأهل الإسلام أن يتقوا من عدوهم، وقال يحيى البكاء: قلت لسعيد بن جبير في أيام الحجاج: إن الحسن كان يقول لكم التقية باللسان والقلب مطمئن بالإيمان؟ فقال سعيد: ليس في الإسلام تقية إنما التقية في أهل الحرب { وَيُحَذِّرُكُم اللَّه نَفْسَهُ } أي يخوفكم الله عقوبته على موالاة الكفار وارتكاب المنهي عنه ومخالفة المأمور { وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ }\r{ قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) }\r__________\r(1) في أ إليهم .\r(2) في ب جدة .","part":2,"page":26},{"id":423,"text":"{ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30) }\r{ قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ } أي قلوبكم من مودة الكفار { أَوْ تُبْدُوهُ } موالاتهم قولا وفعلا { يَعْلَمْه اللَّهُ } وقال الكلبي: إن تسروا ما في قلوبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم من التكذيب أو تظهروه، بحربه وقتاله، يعلمه الله ويحفظه عليكم حتى يجازيكم به ثم قال: { وَيَعْلَمُ } رفع على الاستئناف { مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ } يعني إذا كان لا يخفى عليه شيء في السموات ولا في الأرض فكيف تخفى عليه موالاتكم الكفار وميلكم إليهم بالقلب؟ { وَاللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }\rقوله تعالى : { يَوْمَ تَجِد كُلّ نَفْسٍ } نصب يوما بنزع حرف الصفة أي في يوم، وقيل: بإضمار فعل أي: اذكروا واتقوا يوم تجد كل نفس { مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا } لم يبخس منه شيء كما قال الله تعالى: \" ووجدوا ما عملوا حاضرا \"( 49 -الكهف ) { وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ } جعله بعضهم خبرا في موضع النصب أي تجد محضرا ما عملت من الخير [والشر فتسر بما عملت من الخير] (1) وجعله\r__________\r(1) ساقط من ب .","part":2,"page":26},{"id":424,"text":"بعضهم خيرا مستأنفا، دليل هذا التأويل: قراءة ابن مسعود رضي الله عنهما \"وما عملت من سوء ودت لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا\".\rقوله تعالى: { تَوَدّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا } أي بين النفس { وَبَيْنَهُ } يعني وبين السوء { أَمَدًا بَعِيدًا } قال السدي: مكانا بعيدا، وقال مقاتل: كما بين المشرق والمغرب، والأمد الأجل والغاية التي ينتهي إليها، وقال الحسن: يَسُرُّ أحدهم أن لا يلقى عمله أبدا، وقيل يود أنه لم يعمله { وَيُحَذِّرُكُم اللَّه نَفْسَه وَاللَّه رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ }\r{ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32) }\rقوله تعالى: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُم اللَّه } نزلت في اليهود والنصارى حيث قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه (1) .\rوقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قريش وهم في المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم وعلقوا عليها بيض النعام وجعلوا في آذانها( الشُّنوُف ) (2) وهم يسجدون لها، فقال: يا معشر قريش والله لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل\" (3) فقالت له قريش إنما نعبدها حبًا لله ليقربونا إلى الله زلفى، فقال الله تعالى: قل يا محمد إن كنتم تحبون الله وتعبدون الأصنام ليقربوكم إليه فاتبعوني يحببكم الله، فأنا رسوله إليكم وحجته عليكم، أي اتبعوا شريعتي وسنتي يحببكم الله فحب المؤمنين لله اتباعهم أمره وإيثار طاعته وابتغاء مرضاته، وحب الله للمؤمنين ثناؤه عليهم وثوابه لهم وعفوه عنهم فذلك قوله تعالى: { وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ } .\rوقيل لما نزلت هذه الآية قال عبد الله بن أبي لأصحابه إن محمدا يجعل طاعته كطاعة الله ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى ابن مريم فنزل قوله تعالى: { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا } أعرضوا عن طاعتهما { فَإِنَّ اللَّهَ لايُحِبّ الْكَافِرِينَ } لا يرضى فعلهم ولا يغفر لهم.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا محمد بن سنان، أنا فليح، أنا هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى\" قالوا ومن يأبى؟ قال \"من أطاعني دخل\r__________\r(1) أسباب النزول للواحدي : ص (135).\r(2) القرط .\r(3) انظر : البحر المحيط : 2 / 431 وفي رواية الضحاك عن ابن عباس مجاهيل وأسباب النزول ص (135) .","part":2,"page":27},{"id":425,"text":"الجنة ومن عصاني فقد أبى\" (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا محمد بن عبادة، أنا يزيد نا سُليم بن حيان [وأثنى عليه]، (2) أنا سعيد بن ميناء قال: حدثنا أو سمعت جابر بن عبد الله يقول: جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم. فقال بعضهم: إنه نائم وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلا فاضربوا له مثلا فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارا وجعل فيها مأدبة وبعث داعيا، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة، فقالوا: أوِّلوها له يفقهها، فقالوا: أما الدار الجنة والداعي محمد صلى الله عليه وسلم فمن أطاع محمدا فقد أطاع الله ومن عصى محمدا فقد عصى الله ومحمد صلى الله عليه وسلم فرق بين الناس\" (3)\r{ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) }\rوقوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا } الآية قال ابن عباس رضي الله عنهما: قالت اليهود نحن من أبناء إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ونحن على دينهم فأنزل الله تعالى هذه الآية. يعني: إن الله اصطفى هؤلاء بالإسلام وأنتم على غير دين الإسلام { اصْطَفَى } اختار، افتعل من الصفوة وهي الخالص من كل شيء { آدَمَ } أبو البشر { وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ } قيل: أراد بآل إبراهيم وآل عمران إبراهيم عليه السلام وعمران أنفسهما كقوله تعالى \" وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون \"( 248 -البقرة ) يعني موسى وهارون.\rوقال آخرون: آل إبراهيم: إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وكان محمد صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم عليه السلام، وأما آل عمران فقال مقاتل: هو عمران بن يصهر بن فاهت بن لاوي بن يعقوب عليه السلام { والد } (4) موسى وهارون. وقال الحسن ووهب: هو عمران بن أشهم بن أمون من ولد سليمان بن\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الاعتصام - باب: الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم 13 / 249 . والمصنف في شرح السنة: 1 / 192 - 193 .\r(2) ساقط من ب .\r(3) أخرجه البخاري في الاعتصام - باب: الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم 13 / 249 . والمصنف في شرح السنة: 1 / 192 - 193 .\r(4) في ب وآل .","part":2,"page":28},{"id":426,"text":"داود عليهما السلام [والد] مريم وعيسى. وقيل: عمران بن ماثان وإنما خص هؤلاء بالذكر لأن الأنبياء والرسل كلهم من نسلهم { عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً } اشتقاقها من ذرأ بمعنى خلق، وقيل: من الذر لأنه استخراجهم من صلب آدم 56/ب كالذر، ويسمى الأولاد والآباء ذرية، فالأبناء ذرية لأنه ذرأهم، والآباء ذرية لأنه ذرأ الأبناء منهم، قال الله تعالى: \" وآية لهم أنا حملنا ذريتهم \"( 41 -يس ) أي آباءهم\r{ ذُرِّيَّةً } نصب على معنى واصطفى ذرية { بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ } أي بعضها من ولد بعض، [وقيل بعضها من بعض في التناصر] (1) وقيل: بعضها على دين بعض { وَاللَّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ }\r{ إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) }\rقوله تعالى : { إِذْ قَالَتِ امْرَأَة عِمْرَانَ } وهي حنة بنت قافوذا أم مريم، وعمران هو عمران بن ماثان وليس بعمران أبي موسى عليه السلام، وبينهما ألف وثمانون سنة، وكان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم وقيل: عمران بن أشهم.\rقوله تعالى: { رَبِّ إِنِّي نَذَرْت لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا } أي جعلت الذي في بطني محررًا نذرًا مني لك { فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيع الْعَلِيمُ } والنذر: ما يوجبه الإنسان على نفسه { مُحَرَّرًا } أي عتيقا خالصا لله مفرغا لعبادة الله ولخدمة الكنيسة لا أشغله بشيء من الدنيا، وكل ما أخلص فهو محرر يقال: حررت العبد إذا أعتقته وخلصته من الرق.\rقال الكلبي ومحمد بن إسحاق وغيرهما: كان المحرر إذا حرر جعل في الكنيسة يقوم عليها ويكنسها ويخدمها ولا يبرحها حتى يبلغ الحلم، ثم يخير إن أحب أقام وإن أحب ذهب حيث شاء وإن أراد أن يخرج بعد التخيير لم يكن له ذلك، ولم يكن أحد من الأنبياء والعلماء إلا ومن نسله محررًا لبيت المقدس، ولم يكن محررًا إلا الغلمان، ولا تصلح له الجارية لما يصيبها من الحيض والأذى، فحررت أم مريم ما في بطنها، وكانت القصة في ذلك أن زكريا وعمران تزوجا أختين، وكانت أشياع بنت قافوذا أم يحيى عند زكريا، وكانت حنة بنت قافوذا أم مريم عند عمران، وكان قد أمسك عن حنة الولد حتى أسنت وكانوا أهل بيت من الله بمكان، فبينما هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخا فتحركت بذلك نفسها للولد فدعت الله أن يهب لها ولدًا وقالت: اللهم لك علي إن رزقتني ولدًا أن أتصدق به على بيت المقدس\r__________\r(1) ساقط من \"أ\" .","part":2,"page":29},{"id":427,"text":"فيكون من سدنته وخدمته، فحملت بمريم فحررت ما في بطنها، ولم تعلم ما هو فقال لها زوجها: ويحك ما صنعت، أرأيت إن كان ما في بطنك أنثى لا تصلح لذلك؟ فوقعا جميعا في همٍّ من ذلك فهلك عمران وحنة حامل بمريم\r{ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) }\r{ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا } أي ولدتها إذا هي جارية، والهاء في قوله \"وضعتها\" راجعة إلى النذير لا إلى ما ولد لذلك أنث { قَالَتْ } حنة وكانت ترجو أن يكون غلامًا { رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى } اعتذارًا إلى الله عز وجل { وَاللَّه أَعْلَم بِمَا وَضَعَتْ } بجزم التاء إخبارًا عن الله عز وجل وهي قراءة العامة وقرأ ابن عامر وأبو بكر ويعقوب وضعت برفع التاء جعلوها من كلام أم مريم { وَلَيْسَ الذَّكَر كَالأنْثَى } في خدمة الكنيسة والعباد الذين فيها لعورتها وضعفها وما يعتريها من الحيض والنفاس { وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ } ومريم بلغتهم العابدة والخادمة، وكانت مريم أجمل النساء في وقتها وأفضلهن { وَإِنِّي أُعِيذُهَا } أمنعها وأجيرها { بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا } أولادها { مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } فالشيطان الطريد اللعين، والرجيم المرمي بالشهب.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا أبو اليمان، أنا شعيب عن الزهري، حدثني سعيد بن المسيب، قال: قال أبو هريرة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد، فيستهل الصبي صارخا من الشيطان غير مريم وابنها\" ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: \"وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم\" (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه بأصبعه حين يولد غير عيسى بن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب\" (2) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير تفسير سورة آل عمران - باب: وإني أعيذها . . . 8 / 212 . وأخرجه مسلم في الفضائل . باب فضائل عيسى برقم (2366) د / 1838 . والمصنف في شرح السنة : 14 / 406 .\r(2) أخرجه الإمام أحمد في المسند عن أبي هريرة 2 / 523 . والطبري في التفسير : 6 / 342. وذكره ابن كثير في البداية والنهاية عن الإمام أحمد 2 / 57 وقال: وهذا على شرط الصحيحين ولم يخرجوه من هذا الوجه. وانظر تعليق الشيخ محمود شاكر على تفسير الطبري 6 / 342.","part":2,"page":30},{"id":428,"text":"{ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37) }\rقوله { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ } أي تقبل الله مريم من حنة مكان المحرر، وتقبل بمعنى قبل ورضي، والقبول مصدر قبل يقبل قبولا مثل الولوع والوزوع ولم يأت غير هذه الثلاثة. وقيل: معنى التقبل التكفل في التربية والقيام بشأنها { وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } معناه: وأنبتها فنبتت نباتًا حسنًا وقيل هذا مصدر على غير [اللفظ] (1) وكذلك قوله { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ } [ومثله شائع كقولك تكلمت كلاما وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ } ] (2) أي سلك بها طريق السعداء { وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } يعني سوَّى خلقها من غير زيادة ولا نقصان فكانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في العام { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } قال أهل الأخبار: أخذت حنة مريم حين ولدتها فلفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد فوضعتها عند الأحبار، أبناء هرون وهم يومئذ يلون من بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة، فتنافس فيها الأحبار لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم فقال لهم زكريا: أنا أحقكم بها، عندي خالتها، فقالت له الأحبار: لا نفعل ذلك، فإنها لو تركت لأحق الناس لها لتركت لأمها التي ولدتها لكنا نقترع عليها فتكون عند من خرج سهمه، فانطلقوا وكانوا [تسعة وعشرين] (3) رجلا إلى نهر جار، قال السدي: هو نهر الأردن فألقوا اقلامهم في الماء على أن من ثبت قلمه في الماء فصعد فهو أولى بها.\rوقيل: كان على كل قلم اسم واحد منهم.\rوقيل : كانوا يكتبون التوراة فألقوا أقلامهم التي كانت بأيديهم في الماء [فارتز] (4) قلم زكريا فارتفع فوق الماء وانحدرت أقلامهم ورسبت في النهر، قاله محمد بن إسحاق وجماعة.\rوقيل: جرى قلم زكريا مصعدًا إلى أعلى الماء وجرت أقلامهم بجري الماء.\rوقال السدي وجماعة: بل ثبت قلم زكريا وقام فوق الماء كأنه في طين، وجرت أقلامهم مع جرية الماء\r__________\r(1) في ب الصدر.\r(2) ساقط من أ.\r(3) في ب سبعة وعشرين.\r(4) في ب فارتز فيه رزا.","part":2,"page":31},{"id":429,"text":"فذهب بها الماء فسهمهم وقرعهم زكريا، وكان زكريا رأس الأحبار ونبيهم فذلك قوله تعالى { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } قرأ حمزة والكسائي وعاصم بتشديد الفاء فيكون زكريا في محل النصب أي ضمنها الله زكريا وضمها إليه بالقرعة، وقرأ الآخرون بالتخفيف فيكون زكريا في محل الرفع أي ضمها زكريا إلى نفسه وقام بأمرها، وهو زكريا بن آذن بن مسلم بن صدوق، من أولاد سليمان بن داود عليهما السلام.\rوقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: زكريا مقصورا والآخرون يمدونه.\rفلما ضم زكريا مريم إلى نفسه بنى لها، بيتا واسترضع لها وقال محمد بن إسحاق ضمها إلى خالتها أم يحيى حتى 57/أ إذا شبت وبلغت مبلغ النساء بنى لها محرابا في المسجد، وجعل بابه في وسطها لا يرقى إليها إلا بالسلم مثل باب الكعبة لا يصعد إليها غيره، وكان يأتيها بطعامها وشرابها ودهنها كل يوم { كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ } وأراد بالمحراب الغرفة، والمحراب أشرف المجالس ومقدمها، وكذلك هو من المسجد، ويقال للمسجد أيضا محراب قال المبرد: لا يكون المحراب إلا أن يرتقى إليه بدرجة، وقال الربيع بن أنس: كان زكريا إذا خرج يغلق عليها سبعة أبواب فإذا دخل عليها غرفتها { وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا } أي فاكهة في غير حينها، فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف { قَالَ يَا مَرْيَم أَنَّى لَكِ هَذَا } قال أبو عبيدة: معناه من أين لك هذا؟ وأنكر بعضهم عليه، وقال: معناه من أي جهة لك هذا؟ لأن \"أنى\" للسؤال عن الجهة وأين للسؤال عن المكان { قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } أي من قطف الجنة، قال الحسن: حين ولدت مريم لم تلقم ثديا قط، كان يأتيها رزقها من الجنة، فيقول لها زكريا: أنى لك هذا؟ قالت: هو من عند الله تكلمت وهي صغيرة { إِنَّ اللَّهَ يَرْزُق مَنْ يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ }\rوقال محمد بن إسحاق: ثم أصابت بني إسرائيل أزمة وهي على ذلك من حالها حتى ضعف زكريا عن حملها فخرج على بني إسرائيل فقال يا بني إسرائيل: تعلمون والله لقد كبرت سني وضعفت عن حمل مريم بنت عمران فأيكم يكفلها بعدي؟ قالوا: والله لقد جهدنا وأصابنا من السنة ما ترى، فتدافعوها بينهم ثم لم يجدوا من حملها بدا، فتقارعوا عليها بالأقلام فخرج السهم على رجل نجار من بني إسرائيل يقال له: يوسف بن يعقوب وكان ابن عم مريم فحملها، فعرفت مريم في وجهه شدة مؤنة ذلك عليه فقالت له: يا يوسف أحسن بالله الظن فإن الله سيرزقنا، فجعل يوسف يرزق بمكانها منه، فيأتيها كل يوم من كسبه بما يصلحها فإذا أدخله عليها في الكنيسة أنماه الله، فيدخل عليها زكريا فيرى عندها فضلا من الرزق، ليس بقدر ما يأتيها به يوسف، فيقول: يا مريم أنى لك هذا قالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب (1) .\rقال أهل الأخبار فلما رأى ذلك زكريا قال: إن الذي قدر على أن يأتي مريم بالفاكهة في غير حينها\r__________\r(1) انظر سيرة ابن هشام: 2 / 49 فقد ذكره القصة مختصرة عن ابن إسحاق دون إسناد وفيها أنه خرج السهم على جريج الراهب.","part":2,"page":32},{"id":430,"text":"من غير سبب لقادر على أن يصلح زوجتي ويهب لي ولدا في غير حينه من الكبر فطمع في الولد، وذلك أن أهل بيته كانوا قد انقرضوا وكان زكريا قد شاخ وأيس من الولد.","part":2,"page":33},{"id":431,"text":"{ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) }\rقال الله تعالى { هُنَالِكَ } أي عند ذلك { دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ } فدخل المحراب [وأغلق الباب] (1) وناجى ربه { قَالَ رَبِّ } أي يا رب { هَبْ لِي } أعطني { مِنْ لَدُنْكَ } أي من عندك { ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً } أي ولدا مباركًا تقيًا صالحًا رضيًا، والذرية تكون واحدًا وجمعًا ذكرًا وأنثى، وهو هاهنا واحد، بدليل قوله عز وجل \" فهب لي من لدنك وليًا \"( 5 -مريم ) وإنما قال: طيبة لتأنيث لفظ الذرية { إِنَّكَ سَمِيع الدُّعَاءِ } أي سامعه، وقيل مجيبه، كقوله تعالى: \" إني آمنت بربكم فاسمعون \"( 25 -يس ) أي فأجيبوني\r{ فَنَادَتْه الْمَلائِكَةُ } قرأ حمزة والكسائي فناداه بالياء، والآخرون بالتاء، فمن قرأ بالتاء فلتأنيث لفظ الملائكة وللجمع مع أن الذكور إذا تقدم فعلهم وهم جماعة كان التأنيث فيها أحسن كقوله تعالى : \" قالت الأعراب \"( 14 -الحجرات ) وعن إبراهيم قال: كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما يُذَكِّر الملائكة في القرآن. قال أبو عبيدة: إنما نرى عبد الله اختار ذلك خلافا للمشركين في قولهم الملائكة بنات الله تعالى، وروى الشعبي أن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إذا اختلفتم في التاء والياء فاجعلوها ياءً وذكِّروا القرآن.\rوأراد بالملائكة هاهنا: جبريل عليه السلام وحده كقوله تعالى في سورة النحل \" ينزل الملائكة\" يعني جبريل( بالروح ) بالوحي، ويجوز في العربية أن يخبر عن الواحد بلفظ الجمع كقولهم: سمعت هذا الخبر من الناس، وإنما سمع من واحد، نظيره قوله تعالى: \" الذين قال لهم الناس \"( 173 -آل عمران ) يعني نعيم بن مسعود \"إن الناس\" يعني أبا سفيان بن حرب، وقال المفضل بن سلمة: إذا كان القائل رئيسا يجوز الإخبار عنه بالجمع لاجتماع أصحابه معه، وكان جبريل عليه السلام رئيس الملائكة وقلَّ ما يبعث إلا ومعه جمع، فجرى على ذلك.\rقوله تعالى : { وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ } أي في المسجد وذلك أن زكريا كان الحبر الكبير الذي يقرب القربان، فيفتح باب المذبح فلا يدخلون حتى يأذن لهم في الدخول، فبينما هو قائم يصلي في المحراب، يعني في المسجد عند المذبح يصلي، والناس ينتظرون أن يأذن لهم في الدخول فإذا هو برجل\r__________\r(1) في ب وغلق الأبواب .","part":2,"page":33},{"id":432,"text":"شاب عليه ثياب بيض ففزع منه فناداه، وهو جبريل عليه السلام يا زكريا { إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ } قرأ ابن عامر وحمزة { إن الله } بكسر الألف على إضمار القول تقديره: فنادته الملائكة فقالت { إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ } وقرأ الآخرون بالفتح بإيقاع النداء عليه، كأنه قال: فنادته الملائكة بأن الله يبشرك، قرأ حمزة يبشرك وبابه بالتخفيف كل القرآن إلا قوله: \" فبم تبشرون \"( 54 -الحجر ) فإنهم اتفقوا على تشديدها ووافقه الكسائي هاهنا في الموضعين وفي سبحان والكهف وعسق ووافق ابن كثير وأبو عمرو في \"عسق\" والباقون بالتشديد، فمن قرأ بالتشديد فهو من بشر يبشر تبشيرا، وهو أعرب اللغات وأفصحها. دليل التشديد قوله تعالى \" فبشر عباد \"( الزمر -17 ) \" وبشرناه بإسحاق \"( 112 -الصافات ) \"قالوا بشرناك بالحق\"( 55 -الحجر ) وغيرها من الآيات، ومن خفف فهو من بشر يبشر وهي لغة تهامة، وقرأه ابن مسعود رضي الله عنه { بِيَحْيَى } هو اسم لا يُجر لمعرفته وللزائد في أوله مثل يزيد ويعمر، وجمعه يحيون، مثل موسون وعيسون واختلفوا في أنه لم سُمي يحيى؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما: لأن الله أحيا به عقر أمه، قال قتادة: لأن الله تعالى أحيا قلبه بالإيمان وقيل: لأن الله تعالى أحياه بالطاعة حتى لم يعص ولم يهم بمعصية { مُصَدِّقًا } نصب على الحال { بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ } يعني عيسى عليه السلام، سمي عيسى كلمة الله لأن الله تعالى قال له: كن من غير أب فكان، فوقع عليه اسم الكلمة لأنه بها كان، وقيل : سمي كلمة لأنه يهتدي به كما يهتدى بكلام الله تعالى، وقيل: هي بشارة الله تعالى مريم بعيسى عليه السلام بكلامه على لسان جبريل عليه السلام. وقيل: لأن الله تعالى أخبر الأنبياء بكلامه في كتبه أنه يخلق نبيا بلا أب، فسماه كلمة لحصوله بذلك الوعد. وكان يحيى عليه السلام أول من آمن بعيسى عليه السلام وصدقه، وكان يحيى عليه السلام أكبر من عيسى بستة أشهر، وكانا ابني الخالة، ثم قتل يحيى قبل أن يرفع عيسى عليه السلام. وقال أبو عبيدة { بكلمة من الله } أي بكتاب من الله وآياته، تقول العرب: أنشدني كلمة فلان أي قصيدته.\rقوله تعالى : { وَسَيِّدًا } فعيل من ساد يسود وهو الرئيس الذي يتبع وينتهي إلى قوله، قال المفضل: أراد سيدا في الدين. قال الضحاك: السيد 57/ب الحسن الخلق. قال سعيد بن جبير: السيد الذي يطيع ربه عز وجل. وقال سعيد بن المسيب: السيد الفقيه العالم، وقال قتادة: سيد في العلم والعبادة والورع، وقيل: الحليم الذي لا يغضبه شيء. قال مجاهد: الكريم على الله تعالى، وقال الضحاك : السيد التقي، قال سفيان الثوري: الذي لا يحسد وقيل: الذي يفوق قومه في جميع خصال الخير، وقيل: هو القانع بما قسم الله له. وقيل: السخي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"من سيدكم يا بني سلمة\"؟ قالوا: جد بن قيس على أنّا نبخِّله قال: \"وأي داء أدوأ من البخل، لكن سيدكم عمرو بن الجموح\" (1) .\r__________\r(1) روي هذا الحديث من طرق عن جابر وأبي هريرة وأنس مرفوعا وروي مرسلا عن حبيب بن أبي ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد أخرجه البخاري في الأدب المفرد ص (90) طبعه مكتبة الآداب وأبو الشيخ الأصبهاني في كتاب الأمثال برقم (89 - 95) ص 56 - 59 وأبو نعيم في الحلية: 7 / 317 والحاكم في المستدرك: 3 / 219 عن أبي هريرة بلفظ \"بل سيدكم البراء بن معرور\" وقال: صحيح على شرط مسلم. وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح غير شيخ الطبراني مجمع الزوائد : 3 / 315 . وانظر : الإصابة لابن حجر : 4 / 615 - 616 أسد الغابة لابن الأثير: 4 / 206 - 207 مجمع الزوائد: 9 / 314 - 315 / 126 - 127 .","part":2,"page":34},{"id":433,"text":"قوله تعالى: { وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ } الحصور أصله من الحصر وهو الحبس. والحصور في قول ابن مسعود رضي الله عنه وابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة رضي الله عنهم وعطاء والحسن: الذي لا يأتي النساء ولا يقربهن، وهو على هذا القول فعول بمعنى فاعل يعني أنه يحصر نفسه عن الشهوات [وقيل : هو الفقير الذي لا مال] (1) له فيكون الحصور بمعنى المحصور يعني الممنوع من النساء. قال سعيد بن المسيب: كان له مثل هدبة الثوب وقد تزوج مع ذلك ليكون أغض لبصره. وفيه قول آخر: أن الحصور هو الممتنع من الوطء مع القدرة عليه. واختار قوم هذا القول لوجهين { أحدهما } : لأن الكلام خرج مخرج الثناء، وهذا أقرب إلى استحقاق الثناء، و{ الثاني } : أنه أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء.\r{ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40) }\rقوله تعالى { قَالَ رَبِّ } أي يا سيدي، قال لجبريل عليه السلام، هذا قول الكلبي وجماعة، وقيل: قاله لله عز وجل { أَنَّى يَكُونُ } أين يكون { لِي غُلامٌ } أي ابن { وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ } هذا من المقلوب أي وقد بلغت الكبر وشخت كما يقال بلغني الجهد أي أنا في الجهد، وقيل: معناه وقد الكبر وأدركني وأضعفني. قال الكلبي: كان زكريا يوم بُشِّر بالولد ابن ثنتين وتسعين سنة، وقيل: ابن تسع وتسعين سنة. وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: كان ابن عشرين ومائة سنة، وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة فذلك قوله تعالى: { وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ } أي عقيم لا تلد يقال: رجل عاقر وامرأة عاقر، وقد عقر بضم القاف يعقر عقرًا، وعقارة { قَالَ كَذَلِكَ اللَّه يَفْعَل مَا يَشَاء } فإن قيل لم قال زكريا بعدما وعده الله تعالى: { أنى يكون لي غلام } أكان شاكا في وعد الله وفي قدرته؟ قيل : إن زكريا لما سمع نداء الملائكة جاءه الشيطان فقال: يا زكريا إن الصوت الذي سمعت ليس هو من الله إنما هو من الشيطان، ولو كان من الله لأوحاه إليك كما يوحي إليك في سائر الأمور، فقال ذلك دفعًا للوسوسة، قاله عكرمة والسدي، وجواب آخر: وهو أنه لم يشك في وعد الله إنما شك في كيفيته أي كيف ذلك؟\r__________\r(1) في \"ب\": \"وقال سعيد بن المسيب: هو العنين الذي لا ماء له . . . \".","part":2,"page":35},{"id":434,"text":"{ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ (41) وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) }\rقوله تعالى { قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً } أي علامة أعلم بها وقت حمل امرأتي فأزيد في العبادة شكرا لك { قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ } تكف عن الكلام { ثَلاثَةَ أَيَّام } وتقبل بكليتك على عبادتي، لا أنه حبس لسانه عن الكلام، ولكنه نهي عن الكلام وهو صحيح سوي، كما قال في سورة مريم الآية( 10 ) { أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاث َلَيَالٍ سَوِيًّا } يدل عليه قوله تعالى: { وَسَبِّحْ بِالْعَشِي ِّوَالإبْكَارِ } فأمره بالذكر ونهاه عن كلام الناس .\rوقال أكثر المفسرين: عقل لسانه عن الكلام مع الناس ثلاثة أيام، وقال قتادة: أمسك لسانه عن الكلام عقوبة له لسؤاله الآية بعد مشافهة الملائكة إياه فلم يقدر على الكلام ثلاثة أيام، وقوله { إِلا رَمْزًا } أي إشارة، والإشارة قد تكون باللسان وبالعين وباليد، وكانت إشارته بالإصبع المسبحة، وقال الفراء: قد يكون الرمز باللسان من غير أن يبين، وهو الصوت الخفي أشبه الهمس، وقال عطاء: أراد به صوم ثلاثة أيام لأنهم كانوا أذا صاموا لم يتكلموا إلا رمزا { وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ } قيل: المراد بالتسبيح الصلاة، والعشي ما بين زوال الشمس إلى غروب الشمس ومنه سمي صلاة الظهر والعصر صلاتي العشي، والإبكار ما بين صلاة الفجر إلى الضحى .\rقوله تعالى: { وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ } يعني جبريل { يَا مَرْيَم إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ } اختارك { وَطَهَّرَك } قيل من مسيس الرجال وقيل من الحيض والنفاس، قال السدي: كانت مريم لا تحيض، وقيل: من الذنوب { وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ } قيل: على عالمي زمانها وقيل: على جميع نساء العالمين في أنها ولدت بلا أب، ولم يكن ذلك لأحد من النساء، وقيل: بالتحرير في المسجد ولم تحرر أنثى.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أحمد بن رجاء، أخبرنا النضر عن هشام أخبرنا أبي قال: سمعت عبد الله بن جعفر قال: سمعت عليا رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة رضي الله عنهما \" (1) ورواه وكيع وأبو معاوية عن هشام بن عروة وأشار وكيع\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الأنبياء . باب: وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين 6 / 470 . ومسلم في فضائل الصحابة . باب : فضائل خديجة أم المؤمنين برقم (2430) 4 / 1886 . والمصنف في شرح السنة : 14 / 156.","part":2,"page":36},{"id":435,"text":"إلى السماء والأرض .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا آدم، أنا شعبة، عن عمرو بن مرة عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام\" (1) .\rأخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرنا جدي عبد الرحمن بن عبد الصمد البزار، أخبرنا محمد بن زكريا العُذافري، أخبرنا إسحاق الديري، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم وآسية امرأة فرعون\" (2) .\r{ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) }\rقوله تعالى { يَا مَرْيَم اقْنُتِي لِرَبِّكِ } قالت لها الملائكة شفاهًا أي أطيعي ربك، وقال مجاهد أطيلي القيام في الصلاة لربك [والقنوت الطاعة] (3) وقيل: القنوت طول القيام قال الأوزاعي: لما قالت لها الملائكة ذلك قامت في الصلاة حتى ورمت قدماها وسالت دما وقيحا { وَاسْجُدِي وَارْكَعِي } قيل: إنما قدم السجود على الركوع لأنه كان كذلك في شريعتهم وقيل: بل كان الركوع قبل السجود في الشرائع كلها وليس الواو للترتيب بل للجمع، ويجوز أن يقول الرجل: رأيت زيدا وعمرا، وإن كان قد رأى عمرا قبل زيد { مَعَ الرَّاكِعِينَ } ولم يقل 58/أ مع الراكعات ليكون أعم وأشمل فإنه يدخل فيه الرجال والنساء وقيل: معناه مع المصلين في الجماعة.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الأنبياء باب قول الله تعالى (وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون . . إلى قوله وكانت من القانتين): 6 / 446 وفي باب قوله تعالى : (إذ قالت الملائكة يا مريم . . ) 6 / 472 . ومسلم في فضائل الصحابة. باب : فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها برقم (2430) 4 / 1886 . والمصنف في شرح السنة : 14 / 163.\r(2) أخرجه الترمذي في المناقب : باب: فضل خديجة رضي الله عنها 10 / 389 وقال: هذا حديث صحيح والإمام أحمد في المسند عن أنس: 3 / 135 وفي كتاب فضائل الصحابة 2 / 755. وابن حبان : ص (549) من موارد الظمآن والحاكم : 3 / 157 وصححه ووافقه الذهبي . وأبو نعيم في الحلية . 2 / 344 وعزاه الهيتمي للطبراني في الأوسط وقال: فيه سليمان الشاذكوني وهو ضعيف : انظر مجمع الزوائد : 9 / 223 . والمصنف في شرح السنة : 14 / 157 والحديث صحيح .\r(3) ساقط من ب .","part":2,"page":37},{"id":436,"text":"{ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) }","part":2,"page":38},{"id":437,"text":"{ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) }\rقوله تعالى: { ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ } يقول لمحمد صلى الله عليه وسلم { ذلك } الذي ذكرت من حديث زكريا ويحيى ومريم وعيسى { من أنباء الغيب } أي من أخبار الغيب { نوحيه إليك } رد الكناية إلى ذلك فلذلك ذكره { وَمَا كُنْتَ } يا محمد { لَدَيْهِمْ إْذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ } سهامهم في الماء للاقتراع { أَيُّهُمْ يَكْفُل مَرْيَمَ } يحضنها ويربيها { وَمَا كُنْت لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } في كفالتها .\rقوله تعالى: { إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَة يَا مَرْيَم إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْه اسْمُه الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَمَ } إنما قال: اسمه رد الكناية إلى عيسى واختلفوا في أنه لم سمي مسيحا، منهم من قال: هو فعيل بمعنى المفعول يعني أنه مسح من الأقذار وطهر من الذنوب، وقيل: لأنه مسح بالبركة، وقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن، وقيل مسحه جبريل بجناحه حتى لم يكن للشيطان عليه سبيل، وقيل: لأنه كان مسيح القدم لا أخمص له، وسمي الدجال مسيحا لأنه كان ممسوح إحدى العينين، وقال بعضهم هو فعيل بمعنى الفاعل، مثل عليم وعالم. قال ابن عباس رضي الله عنهما سمي مسيحا لأنه ما مسح ذا عاهة إلا برأ، وقيل: سمي بذلك لأنه كان يسيح في الأرض ولا يقيم في مكان، وعلى هذا القول تكون الميم فيه زائدة. وقال إبراهيم النخعي: المسيح الصديق. ويكون المسيح بمعنى الكذاب وبه سمي الدجال والحرف من الأضداد { وَجِيهًا } أي شريفا رفيعا ذا جاه وقدر { فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ } عند الله\r{ وَيُكَلِّم النَّاسَ فِي الْمَهْدِ } صغيرا قبل أوان الكلام كما ذكره في سورة مريم قال : \" إني عبد الله آتاني الكتاب \"( الآية -30 ) وحكي عن مجاهد قال: قالت مريم: كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثني وحدثته فإذا شغلني عنه إنسان سبح في بطني وأنا أسمع (1) قوله { وَكَهْلا } قال مقاتل: يعني إذا اجتمع قبل أن يرفع إلى السماء وقال الحسين بن الفضل: { وكهلا } بعد نزوله من السماء. وقيل: أخبرها أنه يبقى حتى يكتهل، وكلامه بعد الكهولة إخباره عن الأشياء المعجزة، وقيل: { وَكَهْلا } نبيًا بشرها بنبوة عيسى عليه السلام وكلامه في المهد معجزة وفي الكهولة دعوة. وقال مجاهد: { وَكَهْلا } أي حليمًا. والعرب تمدح الكهولة لأنها الحالة الوسطى في احتناك (2) السن واستحكام العقل وجودة الرأي والتجربة { وَمِنَ الصَّالِحِينَ }\r__________\r(1) لا يتناسب هذا القول مع نص الآية الكريمة ولم يذهب إليه غير مجاهد وقد أورده المؤلف بصيغة التضعيف .\r(2) في ب احتباك .","part":2,"page":38},{"id":438,"text":"أي: هو من العباد الصالحين.\r{ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ (48) وَرَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49) }\r{ قَالَتْ رَبِّ } يا سيدي تقوله لجبريل. وقيل: تقول لله عز وجل { أَنَّى يَكُون لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ } يصبني رجل، قالت ذلك تعجبًا إذ لم تكن جرت العادة بأن يولد ولد لا أب له { قَال َكَذَلِكِ اللَّه يَخْلُق مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا } أي كون الشيء { فَإِنَّمَا يَقُول لَه كُنْ فَيَكُونُ } كما يريد .\rقوله تعالى: { وَيُعَلِّمُه الْكِتَابَ } قرأ أهل المدينة وعاصم ويعقوب بالياء لقوله تعالى: { كَذَلِكِ اللَّه يَخْلُق مَا يَشَاءُ } وقيل: رده على قوله: { إن الله يبشرك } { وَيُعَلِّمُهُ } وقرأ الآخرون بالنون على التعظيم كقوله تعالى: { ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ } قوله: { الْكِتَابَ } أي الكتابة والخط { وَالْحِكْمَةَ } العلم والفقه { وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ } علمه الله التوراة والإنجيل\r{ وَرَسُولا } أي ونجعله رسولا { إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ } قيل: كان رسولا في حال الصبا، وقيل: إنما كان رسولا بعد البلوغ، وكان أول أنبياء بني إسرائيل يوسف وآخرهم عيسى عليهما السلام فلما بعث قال: { أَنِّي } قال الكسائي: إنما فتح لأنه أوقع الرسالة عليه، وقيل: معناه بأني { قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ } علامة { مِنْ رَبِّكُمْ } تصدق قولي وإنما قال: بآية وقد أتى بآيات لأن الكل دل على شيء واحد وهو صدقه في الرسالة، فلما قال ذلك عيسى عليه السلام لبني إسرائيل قالوا: وما هي قال: { أَنِّي } قرأ نافع بكسر الألف على الاستئناف، وقرأ الباقون بالفتح على معنى بإني { أَخْلُق } أي أصور وأقدر { لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ } قرأ أبو جعفر كهيئة الطائر هاهنا وفي المائدة، والهيئة الصورة المهيأة من قولهم: هيأت الشيء إذا قدرته وأصلحته { فَأَنْفُخ فِيهِ } أي في الطير { فَيَكُون طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ } قراءة الأكثرين بالجمع لأنه خلق طيرا كثيرا، وقرأ أهل المدينة ويعقوب فيكون طائرًا على الواحد هاهنا. وفي سورة المائدة ذهبوا إلى نوع واحد من الطير لأنه لم يخلق غير الخفاش وإنما خص الخفاش، لأنه أكمل الطير خلقًا لأن لها ثديًا وأسنانًا وهي تحيض. قال وهب: كان يطير ما دام الناس ينظرون إليه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا، ليتميز فعل الخلق من فعل الخالق،","part":2,"page":39},{"id":439,"text":"وليعلم أن الكمال لله عز وجل { وَأُبْرِئ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ } أي أشفيهما وأصححهما، واختلفوا في الأكمه، قال ابن عباس وقتادة: هو الذي ولد أعمى، وقال الحسن والسدي: هو الأعمى. وقال عكرمة: هو الأعمش. وقال مجاهد: هو الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل، { وَالأبْرَصَ } الذي به وضح، وإنما خص هذين لأنهما داءان عياءان، وكان الغالب في زمن عيسى عليه السلام الطب، فأراهم المعجزة من جنس ذلك. قال وهب: ربما اجتمع عند عيسى عليه السلام من المرضى في اليوم الواحد خمسون ألفا من أطاق منهم أن يبلغه بلغه ومن لم يطق مشى إليه عيسى عليه السلام وكان يداويهم بالدعاء على شرط الإيمان.\rقوله تعالى: { وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ } قال ابن عباس رضي الله عنهما (1) قد أحيا أربعة أنفس، عازر وابن العجوز، وابنة العاشر، وسام بن نوح، فأما عازر فكان صديقا له فأرسلت أخته إلى عيسى عليه السلام: أن أخاك عازر يموت وكان بينه وبينه مسيرة ثلاثة أيام فأتاه هو وأصحابه فوجدوه قد مات منذ ثلاثة أيام، فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره، فانطلقت معهم إلى قبره، فدعا الله تعالى فقام عازر وودكه يقطر فخرج من قبره وبقي وولد له .\rوأما ابن العجوز مر به ميتًا على عيسى عليه السلام على سرير يحمل فدعا الله عيسى فجلس على سريره، ونزل عن أعناق الرجال، ولبس ثيابه، وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله فبقي وولد له .\rوأما ابنة العاشر كان [أبوها] (2) رجلا يأخذ العشور ماتت له بنت بالأمس، فدعا الله عز وجل [باسمه الأعظم] (3) فأحياها [الله تعالى] (4) وبقيت [بعد ذلك زمنا] (5) وولد لها . وأما سام بن نوح عليه السلام فإن عيسى عليه السلام جاء إلى قبره فدعا باسم الله الأعظم فخرج من قبره وقد شاب نصف رأسه خوفا من قيام الساعة، ولم يكونوا يشيبون في ذلك الزمان فقال: قد قامت القيامة؟ قال: لا ولكن دعوتك باسم الله الأعظم، ثم قال له: مت قال: بشرط أن يعيذني الله من سكرات الموت فدعا الله ففعل.\rقوله تعالى: { وَأُنَبِّئُكُمْ } وأخبركم { بِمَا تَأْكُلُونَ } مما لم أعاينه { وَمَا تَدَّخِرُونَ } ترفعونه { فِي بُيُوتِكُمْ } حتى تأكلوه وقيل: كان يخبر 58/ب الرجل بما أكل البارحة وبما يأكل اليوم وبما ادخره للعشاء.\rوقال السدي: كان عيسى عليه السلام في الكتَّاب يحدث الغلمان بما يصنع آباؤهم ويقول للغلام: انطلق فقد أكل أهلك كذا وكذا، ورفعوا لك كذا وكذا، فينطلق الصبي إلى أهله ويبكي عليهم حتى يعطوه ذلك الشيء فيقولون: من أخبرك بهذا؟ . فيقول: عيسى فحبسوا صبيانهم عنه وقالوا: لا تلعبوا مع هذا الساحر فجمعوهم في بيت فجاء عيسى عليه السلام يطلبهم فقالوا: ليسوا هاهنا، فقال: فما في هذا\r__________\r(1) انظر : البحر المحيط : 2 / 467 .\r(2) ساقط من أ .\r(3) ساقط من أ .\r(4) ساقط من أ .\r(5) ساقط من أ .","part":2,"page":40},{"id":440,"text":"البيت؟ قالوا خنازير، قال عيسى كذلك يكونون ففتحوا عليهم فإذا هم خنازير ففشى ذلك في بني إسرائيل فهمت به بنو إسرائيل، فلما خافت عليه أمه حملته على [حُمير] (1) لها وخرجت( هاربة منهم ) (2) إلى أهل مصر، وقال قتادة: إنما هذا في المائدة وكان خوانا ينزل عليهم أينما كانوا كالمن والسلوى، وأمروا أن لا يخونوا ولا يخبؤا لغد فخانوا وخبؤا فجعل عيسى يخبرهم بما أكلوا من المائدة وبما أدخروا منها فمسخهم الله خنازير.\rقوله تعالى { إِنَّ فِي ذَلِكَ } الذي ذكرت { لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ }\r{ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) }\r{ وَمُصَدِّقًا } عطف على قوله ورسولا { لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأحِلَّ لَكُم ْبَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ } من اللحوم والشحوم، وقال أبو عبيدة: أراد بالبعض الكل يعني: كل الذي حرم عليكم، وقد يذكر البعض ويراد به الكل كقول لبيد: تَرَّاَكُ أَمْكِنةٍ إذا لم أَرْضَهَا ... أو تَرْتَبِطْ بعضَ النُّفُوسِ حِمامُها\rيعني: كل النفوس (3) .\rقوله تعالى : { وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ } يعني ما ذكر من الآيات وإنما وحدها لأنها كلها جنس واحد في الدلالة على رسالته { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ }\rقوله تعالى : { فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُم الْكُفْرَ } أي وجد قاله الفراء، وقال أبو عبيدة: عرف، وقال مقاتل: رأى { مِنْهُم الْكُفْرَ } وأرادوا قتله استنصر عليهم و { قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ } قال السدي: كان سبب ذلك أن عيسى عليه السلام لما بعثه الله عز وجل إلى بني إسرائيل وأمره بالدعوة نفته بنو إسرائيل وأخرجوه، فخرج هو وأمه يسيحان في الأرض، فنزل في قرية على رجل فأضافهما وأحسن إليهما،\r__________\r(1) في \"ب\" : على أتان.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) ولم يرتض هذا ابن سيده فقال : وليس هذا عندي على ما ذهب إليه أهل اللغة من أن البعض في معنى الكل هذا نقض ولا دليل في هذا البيت لأنه إنما عنى ببعض النفوس نفسه. انظر: لسان العرب: 7 / 119 شرح المعلقات السبع للأنباري ص (573).","part":2,"page":41},{"id":441,"text":"وكان لتلك المدينة جبار متعد فجاء ذلك الرجل يوما مهتمًا حزينًا فدخل منزله ومريم عند امرأته فقالت لها مريم: ما شأن زوجك أراه كئيبا، قالت: لا تسأليني، قالت: أخبريني لعل الله يفرج كربته، قالت: إن لنا ملكا يجعل على كل رجل منا يومًا أن يطعمه وجنوده ويسقيهم الخمر فإن لم يفعل عاقبه، واليوم نوبتنا وليس لذلك عندنا سعة، قالت: فقولي له لا يهتم فإني آمر ابني فيدعو له فيكفى ذلك، فقالت مريم لعيسى عليه السلام في ذلك، فقال عيسى: إن فعلت ذلك وقع شر، قالت: فلا تبال فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا، قال عيسى عليه السلام فقولي له إذا اقترب ذلك فاملأ قدورك وخوابيك ماًء ثم أعلمني ففعل ذلك، فدعا الله تعالى عيسى عليه السلام، فتحول ماء القدور مرقًا ولحمًا وماء الخوابي خمرًا لم ير الناس مثله قط فلما جاء الملك أكل فلما شرب الخمر قال: من أين هذا الخمر قال: من أرض كذا، قال [الملك] (1) فإن خمري من تلك الأرض وليست مثل هذه قال: هي من أرض أخرى، فلما خلط على الملك واشتد عليه قال: فأنا أخبرك عندي غلام لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه، وإنه دعا الله فجعل الماء خمرًا وكان للملك ابن يريد أن يستخلفه فمات قبل ذلك بأيام، وكان أحب الخلق إليه، فقال: إن رجلا دعا الله حتى جعل الماء خمرا [ليستجاب له] (2) حتى يحيي ابني، فدعا عيسى فكلمه في ذلك فقال عيسى: لا تفعل فإنه إن عاش وقع شر، فقال الملك: لا أبالي أليس أراه قال عيسى: إن أحييته تتركوني وأمي نذهب حيث نشاء، قال: نعم فدعا الله فعاش الغلام فلما رآه أهل مملكته قد عاش تبادروا بالسلاح، وقالوا: أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يريد أن يستخلف علينا ابنه فيأكلنا كما أكل أبوه فاقتتلوا فذهب عيسى وأمه فمر بالحواريين وهم يصطادون السمك، فقال: ما تصنعون؟ فقالوا: نصطاد السمك قال: أفلا تمشون حتى نصطاد الناس، قالوا: ومن أنت قال: أنا عيسى بن مريم عبد الله ورسوله من أنصاري إلى الله فآمنوا به وانطلقوا معه.\rقوله تعالى: { مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ } قال السدي وابن جريج: مع الله تعالى تقول العرب: الذود إلى الذود أبل أي مع الذود وكما قال الله تعالى: \" ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم \"( 2 -النساء ) أي مع أموالكم. وقال الحسن وأبو عبيدة: إلى بمعنى في أي من أعواني في الله أي في ذات الله وسبيله، وقيل إلى في موضعه معناه من يضم نصرته إلى نصرة الله لي واختلفوا في الحواريين قال مجاهد والسدي: كانوا صيادين يصطادون السمك سموا حواريين لبياض ثيابهم، وقيل: كانوا ملاحين. وقال الحسن: كانوا قصارين سموا بذلك لأنهم كانوا يحورون الثياب أي يبيضونها. وقال عطاء: سلمت مريم عيسى عليه السلام إلى أعمال شتى فكان آخر ما دفعته إلى الحواريين، وكانوا قصارين وصباغين فدفعته إلى رئيسهم ليتعلم منه فاجتمع عنده ثياب وعرض له سفر، فقال لعيسى: إنك قد تعلمت هذه الحرفة وأنا خارج في سفر لا\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) في \"ب\": ليجاء به إلى.","part":2,"page":42},{"id":442,"text":"أرجع إلى عشرة أيام وهذه ثياب الناس مختلفة الألوان، وقد أعلمت على كل واحد منها بخيط على اللون الذي يصبغ به فيجب أن تكون فارغًا منها وقت قدومي، وخرج فطبخ عيسى جبًا واحدًا على لون واحد وأدخل جميع الثياب وقال: كوني بإذن الله على ما أريد منك، فقدم الحواري والثياب كلها في الجب، فقال: ما فعلت؟ فقال: فرغت منها، قال: أين هي؟ قال: في الجب، قال: كلها، قال: نعم قال: لقد أفسدت تلك الثياب فقال: قم فانظر، فأخرج عيسى ثوبا أحمر، وثوبا أصفر، وثوبا أخضر، إلى أن أخرجها على الألوان التي أرادها، فجعل الحواري يتعجب فعلم أن ذلك من الله، فقال للناس: تعالوا فانظروا فآمن به هو وأصحابه فهم الحواريون، وقال الضحاك: سموا حواريين لصفاء [قلوبهم] (1) وقال ابن المبارك: سموا به لما عليهم من أثر العبادة ونورها، وأصل الحور عند العرب شدة البياض، يقال: رجل أحور وامرأة حوراء أي شديدة بياض العين، وقال الكلبي وعكرمة: الحواريون هم الأصفياء وهم كانوا أصفياء عيسى عليه السلام، وكانوا اثني عشر رجلا قال روح بن القاسم: سألت قتادة عن الحواريين قال: هم الذين يصلح لهم الخلافة، وعنه أنه قال: الحواريون هم الوزراء، وقال الحسن: الحواريون الأنصار، والحواري الناصر، والحواري في كلام العرب خاصة الرجل الذي يستعين به 59/أ فيما ينوبه .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا الحميدي، أخبرنا سفيان، أخبرنا محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس يوم الخندق فانتدب الزبير ثم ندبهم فانتدب الزبير فقال النبي صلى الله عليه وسلم \"إن لكل نبي حواريًا وحواريي الزبير\" (2) .\rقال سفيان الحواري الناصر، قال معمر: قال قتادة: إن الحواريين كلهم من قريش أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وحمزة وجعفر وأبو عبيدة بن الجراح وعثمان بن مظعون وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام رضي الله عنهم أجمعين.\r{ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْن أَنْصَار اللَّهِ } أعوان دين الله ورسوله { آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ } يا عيسى { بِأَنَّا مُسْلِمُونَ }\r__________\r(1) في ب: لحومهم .\r(2) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة : باب: مناقب الزبير بن العوام: 7 / 79 - 80 وفي الجهاد والمغازي . ومسلم : في فضائل الصحابة: باب: من فضائل طلحة والزبير لاضي الله عنهما برقم: (2415) 4 / 1879 . والمصنف في شرح السنة: 14 / 122 .","part":2,"page":43},{"id":443,"text":"{ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) }\r{ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ } من كتابك { وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ } عيسى { فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ } الذين شهدوا لأنبيائك بالصدق. وقال عطاء: مع النبيين لأن كل نبي شاهد أمته.","part":2,"page":43},{"id":444,"text":"قال ابن عباس رضي الله عنهما مع محمد صلى الله عليه وسلم وأمته لأنهم يشهدون للرسل بالبلاغ.\r{ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54) }\rقوله تعالى: { وَمَكَرُوا } يعني كفار بني إسرائيل الذي أحس عيسى منهم الكفر وبروا في قتل عيسى عليه السلام، وذلك أن عيسى عليه السلام بعد إخراج قومه إياه وأمه عاد إليهم مع الحواريين، وصاح فيهم بالدعوة فهموا بقتله وتواطؤوا على الفتك به فذلك مكرهم، قال الله تعالى: { وَمَكَرَ اللَّه وَاللَّه خَيْر الْمَاكِرِينَ } فالمكر من المخلوقين: الخبث والخديعة والحيلة، والمكر من الله: استدراج العبد وأخذه بغتة من حيث لا يعلم كما قال: \" سنستدرجهم من حيث لا يعلمون \"( 182 -الأعراف ) وقال الزجاج: مكر الله عز وجل مجازاتهم على مكرهم فسمي الجزاء باسم الابتداء لأنه في مقابلته كقوله تعالى: \" الله يستهزئ بهم \"( 15 -البقرة ) \" وهو خادعهم \"( 142 -النساء ) ومكر الله تعالى خاصة بهم في هذه الآية، وهو إلقاؤه الشبه على صاحبهم الذي أراد قتل عيسى عليه السلام حتى قتل.\rقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن عيسى استقبل رهطا من اليهود فلما رأوه قالوا: قد جاء الساحر ابن الساحرة، والفاعل ابن الفاعلة، وقذفوه وأمه فلما سمع ذلك عيسى عليه السلام دعا عليهم ولعنهم فمسخهم الله خنازير. فلما رأى ذلك يهوذا رأس اليهود وأميرهم فزع لذلك وخاف دعوته فاجتمعت كلمة اليهود على قتل عيسى عليه السلام، وثاروا إليه ليقتلوه فبعث الله إليه جبريل فأدخله في خوخة في سقفها روزنة فرفعه الله إلى السماء من تلك الروزنة، فأمر يهوذا رأس اليهود رجلا من أصحابه يقال له: ططيانوس أن يدخل الخوخة ويقتله، فلما دخل لم ير عيسى، فأبطأ عليهم فظنوا أنه يقاتله فيها، فألقى الله عليه شبه عيسى عليه السلام، فلما خرج ظنوا أنه عيسى عليه السلام فقتلوه وصلبوه، قال وهب: طرقوا عيسى في بعض الليل، ونصبوا خشبة ليصلبوه، فأظلمت الأرض، فأرسل الله الملائكة فحالت بينهم وبينه، فجمع عيسى الحواريين تلك الليلة وأوصاهم ثم قال: ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ويبيعني بدراهم يسيرة، فخرجوا وتفرقوا، وكانت اليهود تطلبه، فأتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال لهم: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثين درهما فأخذها ودلهم عليه. ولما دخل البيت ألقى الله عليه شبه عيسى، فرفع عيسى وأخذ الذي دلهم علي فقال: أنا الذي دللتكم عليه فلم يلتفتوا إلى قوله وقتلوه وصلبوه، وهم يظنون أنه عيسى، فلما صلب شبه عيسى، جاءت مريم أم عيسى وامرأة كان عيسى دعا لها فأبرأها الله من الجنون تبكيان عند المصلوب، فجاءهما عيسى عليه السلام فقال لهما: علام تبكيان؟ إن الله تعالى قد رفعني ولم يصبني إلا خير، وإن هذا شيء شبه لهم، فلما كان بعد سبعة أيام قال الله عز وجل لعيسى عليه السلام: اهبط على مريم المجدلانية اسم موضع في جبلها، فإنه لم يبك عليك أحد بكاءها، ولم يحزن حزنها ثم ليجتمع لك الحواريون فبثهم في","part":2,"page":44},{"id":445,"text":"الأرض دعاة إلى الله عز وجل فأهبطه الله عليها فاشتعل الجبل حين هبط نورًا، فجمعت له الحواريين فبثهم في الأرض دعاة ثم رفعه الله عز وجل إليه وتلك الليلة هي التي تدخن فيها النصارى، فلما أصبح الحواريون حدَّث كل واحد منهم بلغة من أرسله عيسى إليهم فذلك قوله تعالى { وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّه وَاللَّه خَيْر الْمَاكِرِينَ }\rوقال السدي : إن اليهود حبسوا عيسى في بيت وعشرة من الحواريين فدخل عليهم رجل منهم فألقى الله عليه شبهه، وقال قتادة ذكر لنا أن نبي الله عيسى عليه السلام قال لأصحابه أيكم يقذف عليه شبهي فإنه مقتول، فقال رجل من القوم: أنا يا نبي الله فقتل ذلك الرجل ومنع الله عيسى عليه السلام ورفعه إليه وكساه الله الريش وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وطار مع الملائكة فهو معهم حول العرش، وكان إنسيا ملكيا سمائيا أرضيا، قال أهل التواريخ: حملت مريم بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة، وولدت عيسى ببيت لحم من أرض أوري شلم لمضي خمس وستين سنة من غلبة الإسكندر على أرض بابل فأوحى الله إليه على رأس ثلاثين سنة، ورفعه الله من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضان، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فكانت نبوته ثلاث سنين، وعاشت أمه مريم بعد رفعه ست سنين.\r{ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) }\r{ إِذْ قَالَ اللَّه يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ } اختلفوا في بعض التوفي هاهنا، قال الحسن والكلبي وابن جريج: إني قابضك ورافعك في الدنيا إليِّ من غير موت، يدل عليه قوله تعالى: \" فلما توفيتني \"( 117 -المائدة ) أي قبضتني إلى السماء وأنا حي، لأن قومه إنما تنصروا بعد رفعه إلى السماء لا بعد موته، فعلى هذا للتوفي تأويلان، أحدهما: إني رافعك إلي وافيًا لم ينالوا منك شيئا، من قولهم توفيت كذا واستوفيته إذا أخذته تامًا والآخر: أني [مستلمك] (1) من قولهم توفيت منه كذا أي تسلمته، وقال الربيع بن أنس: المراد بالتوفي النوم [وكل ذي عين نائم] (2) وكان عيسى قد نام فرفعه الله نائما إلى السماء، معناه: أني منومك ورافعك إلي كما قال الله تعالى: \" وهو الذي يتوفاكم بالليل \"( 60 -الأنعام ) أي ينيمكم.\r__________\r(1) في \"أ\" مستسلمك.\r(2) ساقط من \"ب\".","part":2,"page":45},{"id":446,"text":"وقال بعضهم: المراد بالتوفي الموت، روى [عن] (1) علي بن طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن معناه: أني مميتك يدل عليه قوله تعالى: \" قل يتوفاكم ملك الموت \"( 11 -السجدة ) فعلى هذا له تأويلان: أحدهما ما قاله وهب: توفى 59/ب الله عيسى ثلاث ساعات من النهار ثم رفعه الله إليه، وقال محمد بن إسحاق: إن النصارى يزعمون أن الله تعالى توفاه سبع ساعات من النهار ثم أحياه ورفعه، والآخر ما قاله الضحاك وجماعة: إن في هذه الآية تقديمًا وتأخيرًا معناه أني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد إنزالك من السماء.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، أخبرنا علي بن الجعد، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"والذي نفس محمد بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عادلا يكسر الصليب، ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد\" (2) .\rويروى عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في نزول عيسى عليه السلام قال: \"وتهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويهلك الدجال فيمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون\" (3) .\rوقيل للحسين بن الفضل هل تجد نزول عيسى في القرآن؟ قال نعم: { وَكَهْلا } ولم يكتهل في الدنيا وإنما معناه وكهلا بعد نزوله من السماء.\rقوله تعالى: { وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا } أي مخرجك من بينهم ومنجيك منهم { وَجَاعِل الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } قال قتادة والربيع والشعبي ومقاتل والكلبي: هم أهل الإسلام الذين صدقوه واتبعوا دينه في التوحيد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فهو فوق الذين كفروا ظاهرين قاهرين بالعزة والمنعة والحجة، وقال الضحاك: يعني الحواريين فوق الذين كفروا، وقيل: هم أهل الروم، وقيل: أراد بهم النصارى فهم فوق اليهود إلى يوم القيامة، فإن اليهود قد ذهب ملكهم، وملك النصارى دائم إلى قريب من قيام الساعة، فعلى هذا يكون الاتباع بمعنى الادعاء والمحبة لا اتباع الدين. { ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } في الآخرة\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) أخرجه البخاري في الأنبياء. باب: نزول عيسى بن مريم عليهما السلام: 6 / 490. ومسلم في الإيمان. باب: نزول عيسى بن مريم حاكما بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم برقم (155) 1 / 135 - 136 . والمصنف في شرح السنة: 15 / 80 - 81 .\r(3) أخرجه أو داود - في الملاحم: باب: خروج الدجال: 6 / 177 وسكت عنه المنذري . وأحمد في المسند عن أبي هريرة: 2 / 406 ، 437 مطولا.","part":2,"page":46},{"id":447,"text":"{ فَأَحْكُم بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } من أمر الدين وأمر عيسى .\r{ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) }\r{ فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا } بالقتل والسبي والجزية والذلة { وَالآخِرَةِ } أي وفي الآخرة بالنار { وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ }\r{ وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ } قرأ الحسن وحفص بالياء، والباقون بالنون أي نوفي أجور أعمالهم { وَاللَّه لا يُحِبّ الظَّالِمِينَ } أي لا يرحم الكافرين ولا يثني عليهم بالجميل.\rقوله تعالى : { ذَلِكَ } أي هذا الذي ذكرته لك من الخبر عن عيسى ومريم والحواريين { نَتْلُوه عَلَيْكَ } [نخبرك به بتلاوة جبريل عليك] (1) { مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ } يعني القرآن والذكر ذي الحكمة، وقال مقاتل: الذكر الحكيم أي المحكم الممنوع من الباطل وقيل: الذكر الحكيم هو اللوح المحفوظ، وهو معلق بالعرش من درة بيضاء. وقيل من الآيات أي العلامات الدالة على نبوتك لأنها أخبار لا يعلمها إلا قارئ كتاب أو من يوحى إليه وأنت أمي لا تقرأ .\rقوله تعالى : { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ } الآية نزلت في وفد نجران وذلك أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: مالك تشتم صاحبنا؟ قال: وما أقول قالوا: تقول إنه عبد الله قال: أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول فغضبوا وقالوا هل رأيت إنسانا قط من غير أب؟ فأنزل الله تعالى { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ } (2) في كونه خلقه من غير أب كمثل آدم لأنه خُلق من غير أب وأم { خَلَقَه مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ } يعني لعيسى عليه السلام { كُنْ فَيَكُونُ } يعني فكان فإن قيل ما معنى قوله { خَلَقَه مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَه كُنْ فَيَكُونُ } ولا تكوين بعد الخلق؟ قيل معناه ثم خلقه ثم أخبركم أني قلت له: كن فكان من غير ترتيب في الخلق كما يكون في الولادة وهو مثل قول الرجل: أعطيتك اليوم درهما ثم أعطيتك أمس درهما أي ثم أخبرك أني أعطيتك أمس درهما. وفيما سبق من التمثيل دليل على جواز القياس لأن القياس هو رد فرع إلى أصل بنوع شبه وقد رد الله تعالى خلق عيسى إلى آدم عليهم السلام بنوع شبه.\r__________\r(1) ساقط من أ .\r(2) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (136).","part":2,"page":47},{"id":448,"text":"قوله تعالى : { الْحَقّ مِنْ رَبِّكَ } أي هو الحق وقيل جاءك الحق من ربك { فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } الشاكين الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته.\r{ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61) }\rقوله عز وجل: { فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ } أي جادلك في عيسى أو في الحق { مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ } بأن عيسى عبد الله ورسوله { فَقُلْ تَعَالَوْا } وأصله تعاليوا تفاعلوا من العلو فاستثقلت الضمة على الياء فحذفت، قال الفراء: بمعنى تعال كأنه يقول: ارتفع. قوله { نَدْعُ } جزم لجواب الأمر وعلامة الجزم سقوط الواو { أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ } قيل: أبناءنا أراد الحسن والحسين، ونساءنا فاطمة. وأنفسنا عنى نفسه وعليا رضي الله عنه والعرب تسمي ابن عم الرجل نفسه، كما قال الله تعالى: \" ولا تلمزوا أنفسكم \"( 11 -الحجرات ) يريد إخوانكم وقيل هو على العموم الجماعة أهل الدين { ثُمَّ نَبْتَهِلْ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي نتضرع في الدعاء، وقال الكلبي: نجتهد ونبالغ في الدعاء، وقال الكسائي وأبو عبيدة: نلتعن والابتهال الالتعان يقال: عليه بهلة الله أي لعنته: { فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ } منا ومنكم في أمر عيسى، فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية على وفد نجران ودعاهم إلى المباهلة قالوا: حتى نرجع وننظر في أمرنا ثم نأتيك غدا، فخلا بعضهم ببعض فقالوا للعاقب وكان ذا رأيهم: يا عبد المسيح ما ترى؟ قال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمدًا نبي مرسل، والله ما لاعن قوم نبيًا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم ذلك لنهلكن فإن أبيتم إلا الإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم محتضنا للحسين آخذا بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفها وهو يقول لهم: \"إذا أنا دعوت فأمنوا\" فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض منكم نصراني إلى يوم القيامة، فقالوا يا أبا القاسم: قد رأينا أن لا نلاعنك وأن نتركك على دينك ونثبت على ديننا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 60/أ /\"فإن أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم\" فأبوا فقال: \"فإني أنابذكم\" فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكنا نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة ألفًا في صفر وألفًا في رجب، فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك وقال: \"والذي نفسي بيده إن العذاب قد تدلى على أهل نجران ولو تلاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي نارا، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى هلكوا\" (1) .\r__________\r(1) قال ابن حجر في الكافي الشاف أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة من طريق محمد بن مروان السدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس بطوله وابن مروان متروك متهم بالكذب. ثم أخرج أبو نعيم نحوه عن الشعبي مرسلا ومنه: (فإن أبيتم المباهلة فأسلموا . . . .) انظر الكافي الشاف ص 26 . وأخرجه الطبري في التفسير 6 / 479 - 480 من طريق ابن إسحاق عن محمد بن جعفر ابن الزبير في قوله تعالى: (إن هذا لهو القصص الحق) فذكره مرسلا. وانظر: الدر المنثور للسيوطي: 2 / 229 - 233 وابن كثير: 1 / 371 - 372 .","part":2,"page":48},{"id":449,"text":"{ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) }\rقال الله تعالى: { إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَص الْحَقُّ } النبأ الحق { وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ } و \"من\" صلة تقديره وما إله إلا الله { وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيمُ }\r{ فَإِنْ تَوَلَّوْا } أعرضوا عن الإيمان { فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ } الذين يعبدون غير الله، ويدعون الناس إلى عبادة غير الله.\rقوله تعالى: { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } الآية قال المفسرون: قدم وفد نجران المدينة فالتقوا مع اليهود فاختصموا في إبراهيم عليه السلام، فزعمت النصارى أنه كان نصرانيا وهم على دينه وأولى الناس به، وقالت اليهود: بل كان يهوديا وهم على دينه وأولى الناس به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلا الفريقين بريء من إبراهيم ودينه بل كان إبراهيم حنيفا مسلما وأنا على دينه فاتبعوا دينه دين الإسلام، فقالت اليهود: يا محمد ما تريد إلا أن نتخذك ربا كما اتخذت النصارى عيسى ربا، وقالت النصارى: يا محمد ما تريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزير، فأنزل الله تعالى: { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ } (1) والعرب تسمي كل قصة لها شرح كلمة ومنه سميت القصيدة كلمة { سَوَاءٍ } عدل بيننا وبينكم مستوية، أي أمر مستو يقال: دعا فلان إلى السواء، أي إلى النصفة، وسواء كل شيء وسطه ومنه قوله تعالى: \" فرآه في سواء الجحيم \"( 55 -الصافات ) وإنما قيل للنصف سواء لأن أعدل الأمور وأفضلها أوسطها وسواء نعت لكلمة إلا أنه مصدر، والمصادر لا تثنى ولا تجمع ولا تؤنث، فإذا فتحت السين مددت، وإذا كسرت أو ضممت قصرت كقوله تعالى: \"مكانا سوى\"( 58 -طه ) ثم فسر الكلمة فقال: { أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ } ومحل أن رفع على إضمار هي، وقال الزجاج:\r__________\r(1) الدر المنثور: 2 / 235.","part":2,"page":49},{"id":450,"text":"رفع بالابتداء، وقيل: محله نصب بنزع حرف الصفة معناه بأن لا نعبد إلا الله وقيل: محله خفض بدلا من الكلمة أي تعالوا إلى أن لا نعبد إلا الله { وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًاوَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ } كما فعلت اليهود والنصارى، قال الله تعالى: \" اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله \"( 31 -التوبة ) وقال عكرمة: هو سجود بعضهم لبعض، أي لا تسجدوا لغير الله، وقيل: معناه لا نطيع أحدا في معصية الله { فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا } فقولوا أنتم لهم اشهدوا { بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } مخلصون بالتوحيد.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أبو اليمان الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرنا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أخبره أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارا بالشام في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عاهد فيها أبا سفيان وكفار قريش فأتوه وهو بإيلياء فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ودعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به دحية بن خليفة الكلبي إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا هو :\r\"بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم الإريسيين { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } (1) .\r{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإنْجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (65) هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (66) }\rقوله تعالى: { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاة وَالإنْجِيل إِلا مِنْ بَعْدِهِ } تزعمون أنه كان على دينكم، وإنما دينكم اليهودية والنصرانية، وقد حدثت اليهودية بعد نزول التوراة والنصرانية بعد نزول الإنجيل، وإنما أنزلت التوراة والإنجيل من بعد إبراهيم بزمان طويل، وكان بين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبين موسى وعيسى ألفا سنة { أَفَلا تَعْقِلُونَ } بطلان قولكم؟\rقوله تعالى: { هَا أَنْتُمْ } بتليين الهمزة حيث كان مدني، وأبو عمرو والباقون بالهمز، واختلفوا في أصله\r__________\r(1) أخرجه البخاري : في التفسير تفسير سورة آل عمران باب: قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم . . . 8 / 214 .","part":2,"page":50},{"id":451,"text":"فقال بعضهم: أصله: أأنتم وها تنبيه وقال الأخفش: أصله أأنتم فقلبت الهمزة الأولى هاء كقولهم هرقت الماء وأرقت { هَؤُلاءِ } أصله أولاء دخلت عليه هاء التنبيه وهي في موضع النداء، يعني يا هؤلاء أنتم { حَاجَجْتُمْ } جادلتم { فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ } يعني في أمر موسى وعيسى وادعيتم أنكم على دينهما وقد أنزلت التوراة والإنجيل عليكم { فَلِمَ تُحَاجُّون َفِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ } وليس في كتابكم أنه كان يهوديا أو نصرانيا، وقيل حاججتم فيما لكم به علم يعني في أمر محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم وجدوا نعته في كتابهم، فجادلوا فيه بالباطل، فلم تحاجّون في إبراهيم وليس في كتابكم، ولا علم لكم به؟ { وَاللَّه يَعْلَم وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } ثم برَّأ الله تعالى إبراهيم مما قالوا: فقال:\r{ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68) }\r{ مَا كَانَ إِبْرَاهِيم يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } والحنيف: المائل عن الأديان كلها إلى الدين المستقيم، وقيل: الحنيف: الذي يوحِّد ويحج ويضحي ويختن ويستقبل الكعبة. وهو أسهل الأديان وأحبها إلى الله عز وجل.\rقوله تعالى: { إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ } أي: من اتبعه في زمانه، { وَهَذَا النَّبِيُّ } يعني : محمدا صلى الله عليه وسلم { وَالَّذِينَ آمَنُوا } معه، يعني من هذه الأمة { وَاللَّه وَلِيّ الْمُؤْمِنِينَ }\rروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، ورواه محمد بن إسحاق عن ابن شهاب بإسناده، حديث هجرة الحبشة، لما هاجر جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وأناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة واستقرت بهم الدار وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة 60/ب وكان من أمر بدر ما كان فاجتمعت قريش في دار الندوة وقالوا: إن لنا في الذين عند النجاشي من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ثأرًا ممن قتل منكم ببدر، فاجمعوا مالا وأهدوه إلى النجاشي لعله يدفع إليكم من عنده من قومكم ولينتدب لذلك رجلان من ذوي رأيكم فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد مع الهدايا الأدم وغيره، فركبا البحر وأتيا الحبشة فلما دخلا على النجاشي سجدا له وسلما عليه وقالا له: إن قومنا لك ناصحون شاكرون ولصلاحك محبون وإنهم بعثونا إليك لنحذِّرك هؤلاء الذين قدموا عليك، لأنهم قوم رجل كذاب خرج فينا يزعم أنه رسول الله ولم يتابعه أحد منا إلا السفهاء، وإنا كنا قد ضيقنا عليهم الأمر وألجأناهم إلى شعب بأرضنا لا يدخل عليهم أحد، ولا يخرج منهم أحد قد قتلهم الجوع والعطش فلما اشتد عليهم الأمر بعث إليك ابن عمه ليفسد عليك دينك وملكك ورعيتك فاحذرهم وادفعهم إلينا لنكفيكهم، وقالا وآية ذلك أنهم إذا دخلوا عليك لا يسجدون لك ولا يُحَيُّونك بالتحية التي يحييك بها الناس رغبة عن دينك وسنتك، قال: فدعاهم النجاشي فلما حضروا، صاح جعفر بالباب: يستأذن عليك حزب الله، فقال النجاشي: مروا هذا الصائح فليعد كلامه، ففعل جعفر فقال النجاشي: نعم فليدخلوا بأمان الله وذمته، فنظر عمرو بن","part":2,"page":51},{"id":452,"text":"العاص إلى صاحبه فقال: ألا تسمع كيف يرطنون بحزب الله وما أجابهم به النجاشي، فساءهما ذلك ثم دخلوا عليه فلم يسجدوا له، فقال عمرو بن العاص: ألا ترى أنهم يستكبرون أن يسجدوا لك، فقال لهم النجاشي: ما منعكم أن تسجدوا لي وتحيوني بالتحية التي يحييني بها من أتاني من الآفاق؟ قالوا: نسجد لله الذي خلقك وملَّكك، وإنما كانت تلك التحية لنا ونحن نعبد الأوثان، فبعث الله فينا نبيا صادقا فأمرنا بالتحية التي رضيها الله وهي السلام تحية أهل الجنة، فعرف النجاشي أن ذلك حق وأنه في التوراة والإنجيل قال: أيكم الهاتف: يستأذن عليك حزب الله؟ قال جعفر: أنا، قال: فتكلم، قال: إنك ملك من ملوك أهل الأرض ومن أهل الكتاب ولا يصلح عندك كثرة الكلام ولا الظلم وأنا أحب أن أجيب عن أصحابي فمر هذين الرجلين فليتكلم أحدهما ولينصت الآخر فتسمع محاورتنا. فقال عمرو لجعفر: تكلم، فقال جعفر للنجاشي: سل هذين الرجلين أعبيد نحن أم أحرار؟ فإن كنا عبيدا أَبَقْنَا من أربابنا فارددنا إليهم، فقال النجاشي: أعبيد هم أم أحرار؟ فقال عمرو: بل أحرار كرام، فقال النجاشي: نجوا من العبودية. ثم قال جعفر: سلهما هل أهرقنا دما بغير حق فيقتص منا؟ قال النجاشي: إن كان قنطارا فعلي قضاؤه، فقال عمرو: لا ولا قيراطًا، قال النجاشي: فما تطلبون منهم؟ قال عمرو: كنا وهم على دين واحد وأمر واحد على دين آبائنا فتركوا ذلك وابتغوا غيره فبعثنا إليك قومهم لتدفعهم إلينا، فقال النجاشي: ما هذا الدين الذي كنتم عليه والدين الذي اتبعتموه أصدقني، قال جعفر: أما الدين الذي كنا عليه فتركناه فهو دين الشيطان، كنا نكفر بالله ونعبد الحجارة، وأما الدين الذي تحوَّلنا إليه فدين الله الإسلام جاءنا به من الله رسول وكتاب مثل كتاب عيسى بن مريم موافقا له، فقال النجاشي: يا جعفر تكلمت بأمر عظيم فعلى رسلك، ثم أمر النجاشي فضرب بالناقوس فاجتمع إليه كل قسيس وراهب، فلما اجتمعوا عنده قال النجاشي: أنشدكم الله الذي أنزل الإنجيل على عيسى هل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبيًا مرسلا فقالوا: اللهم نعم، قد بشرنا به عيسى وقال: من آمن به فقد آمن بي ومن كفر به فقد كفر بي، فقال النجاشي لجعفر: ماذا يقول لكم هذا الرجل وما يأمركم به وما ينهاكم عنه؟ فقال: يقرأ علينا كتاب الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويأمر بحسن الجوار وصلة الرحم وبر اليتيم ويأمرنا بأن نعبد الله وحده لا شريك له، فقال: اقرأ علي مما يقرأ عليكم فقرأ عليهم سورة العنكبوت والروم ففاضت عينا النجاشي وأصحابه من الدمع وقالوا: زدنا يا جعفر من هذا الحديث الطيب فقرأ عليهم سورة الكهف فأراد عمرو أن يُغْضب النجاشي فقال: إنهم يشتمون عيسى وأمه، فقال النجاشي: ما تقولون في عيسى وأمه فقرأ عليهم سورة مريم فلما أتى جعفر على ذكر مريم وعيسى عليهما السلام رفع النجاشي نُفثَهُ من سواكه قدر ما تُقْذَى العين فقال: والله ما زاد المسيح على ما تقولون هذا، ثم أقبل على جعفر وأصحابه فقال: اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي [يقول]: (1) آمنون من سبكم أو آذاكم غرم، ثم قال: أبشروا ولا تخافوا فلا دَهْوَرة (2) اليوم على حزب إبراهيم، قال عمرو: يا نجاشي ومن حزب إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاءوا من عنده ومن تبعهم. فأنكر ذلك المشركون وادعوا في دين إبراهيم، ثم رد النجاشي على عمرو وصاحبه المال الذي حملوه وقال: إنما هديتكم لي رشوة فاقبضوها فإن الله ملَّكني ولم يأخذ مني رشوة، قال جعفر: فانصرفنا فكنا في خير دار وأكرم جوار، وأنزل الله تعالى ذلك اليوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في خصومتهم في إبراهيم وهو بالمدينة قوله عز وجل { إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوه وَهَذَا النَّبِيّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّه وَلِيّ الْمُؤْمِنِينَ } (3) .\r{ وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (69) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70) }\r__________\r(1) ساقط من أ.\r(2) دهورة: جمعه وقذفه في مهواة.\r(3) أخرجه ابن إسحاق في السيرة عن أم سلمة: 1 / 211 - 215 ومن طريقه الإمام أحمد في المسند: 1 / 201 - 203 عن أم سلمة. وقال الهيثمي في المجمع: 6 / 27: \"رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح\" وذكره الواحدي في أسباب النزول ص (138 - 141).","part":2,"page":52},{"id":453,"text":"{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72) }\rقوله عز وجل { وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ } نزلت في معاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر حين دعاهم اليهود إلى دينهم، فنزلت { وَدَّتْ طَائِفَةٌ } (1) [تمنيت جماعة من أهل الكتاب] (2) يعني اليهود { لَوْ يُضِلُّونَكُمْ } عن دينكم ويردونكم إلى الكفر { وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ }\r{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ } يعني القرآن وبيان نعت محمد صلى الله عليه وسلم { وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ } أن نعته في التوراة والإنجيل مذكور.\r{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ } تخلطون الإسلام باليهودية والنصرانية، وقيل: لم تخلطون الإيمان بعيسى عليه السلام وهو الحق بالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وهو الباطل؟ وقيل: التوراة التي أنزلت على موسى بالباطل الذي حرفتموه وكتبتموه بأيديكم { وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أن محمدًا صلى الله عليه وسلم ودينه حق.\rقوله تعالى { وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا } الآية. قال الحسن والسدي : تواطأ اثنا عشر حبرا من يهود خيبر وقرى عيينة وقال 61/ب بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون\r__________\r(1) أسباب النزول ص (142) .\r(2) ساقط من ب .","part":2,"page":53},{"id":454,"text":"الاعتقاد ثم اكفروا آخر النهار وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمدًا ليس بذلك، وظهر لنا كذبه، فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينهم واتهموه وقالوا: إنهم أهل الكتاب وهم أعلم منَّا به فيرجعون عن دينهم (1) .\rوقال مجاهد ومقاتل والكلبي (2) هذا في شأن القبلة لما صرفت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود، فقال كعب بن الأشرف لأصحابه: آمنوا بالذي أنزل على محمد من أمر الكعبة وصلوا إليها أول النهار ثم اكفروا وارجعوا إلى قبلتكم آخر النهار لعلهم يقولون هؤلاء أهل الكتاب وهم أعلم فيرجعون إلى قبلتنا، فأطلع الله تعالى رسوله على سرهم وأنزل { وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا } { بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ } أوله سمي وجهًا لأنه أحسنه وأول ما يواجه الناظر فيراه { وَاكْفُرُوا آخِرَه لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } فيشكون ويرجعون عن دينهم.\r{ وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73) }\rقوله تعالى { وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ } هذا متصل بالأول من قول اليهود بعضهم لبعض { وَلا تُؤْمِنُوا } أي لا تصدقوا { إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ } وافق ملتكم واللام في \"لمن\" صلة، أي لا تصدقوا إلا من تبع دينكم اليهودية كقوله تعالى: \" قل عسى أن يكون ردف لكم \"( 72 -النحل ) أي: ردفكم. { قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ } هذا خبر من الله عز وجل أن البيان بيانه ثم اختلفوا: فمنهم من قال: كلام معترض بين كلامين، وما بعده متصل بالكلام الأول، إخبار عن قول اليهود بعضهم لبعض، ومعناه: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من العلم والكتاب والحكمة والآيات من المنِّ والسلوى وفَلْق البحر وغيرها من الكرامات. ولا تؤمنوا أن يحاجّوكم عند ربكم لأنكم أصح دينًا منهم. وهذا معنى قول مجاهد.\rوقيل: إن اليهود قالت لسفلتهم { وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ } { أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ } من العلم أي: لئلا يؤتى أحد، و\"لا\" فيه مضمرة، كقوله تعالى يبيِّن الله لكم أن تضلوا( النساء -176 ) أي: لئلا تضلوا، يقول: لا تصدقوهم لئلا يعلموا مثل ما علمتم فيكون لكم الفضل عليهم في العلم، ولئلا يحاجوكم عند ربكم فيقولوا: عرفتم أن ديننا حق، وهذا معنى قول ابن جريج.\rوقرأ الحسن والأعمش { إنْ يُؤْتَى } بكسر الألف، فيكون قول اليهود تامًا عند قوله: { إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ } وما بعده من قول الله تعالى يقول: قل يا محمد { إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى } أن بمعنى الجحد،\r__________\r(1) انظر: الطبري: 6 / 507 ، أسباب النزول ص (142).\r(2) أسباب النزول ص (142 - 143).","part":2,"page":54},{"id":455,"text":"أي ما يؤتي أحد مثل ما أوتيتم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم { أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ } يعني: إلا أن يجادلكم اليهود بالباطل فيقولوا: نحن أفضل منكم، فقوله عز وجل { عِنْدَ رَبِّكُمْ } أي عند فضل ربكم بكم ذلك، وهذا معنى قول سعيد بن جبير والحسن والكلبي ومقاتل. وقال الفراء: ويجوز أن يكون أو بمعنى حتى كما يقال: تعلق به أو يعطيك حقك أي حتى يعطيك حقك، ومعنى الآية: ما أعطي أحد مثل ما أعطيتم يا أمة محمد من الدين والحجة حتى يحاجوكم عند ربكم.\rوقرأ ابن كثير { آنْ يُؤْتَى } بالمد على الاستفهام وحينئذ يكون فيه اختصار تقديره: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا معشر اليهود من الكتاب والحكمة تحسدونه ولا تؤمنون به، هذا قول قتادة والربيع وقالا هذا من قول الله تعالى يقول: قل لهم يا محمد { إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ } بأن أنزل كتابا مثل كتابكم وبعث نبيًا حسدتموه وكفرتم به.\r{ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاء وَاللَّه وَاسِعٌ عَلِيمٌ } قوله أو يحاجوكم على هذه القراءة رجوع إلى خطاب المؤمنين وتكون \"أو\" بمعنى أن لأنهما حرفا شرط وجزاء يوضع أحدهما موضع الآخر أي وإن يحاجوكم يا معشر المؤمنين عند ربكم فقل يا محمد : إن الهدى هدى الله ونحن عليه، ويجوز أن يكون الجميع خطابا للمؤمنين، ويكون نظم الآية : أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم يا معشر المؤكمنين حسدوكم فقل { إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ } وإن حاجوكم { قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ }\rويجوز أن يكون الخبر عن اليهود قد تم عند قوله { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } وقوله تعالى: { وَلا تُؤْمِنُوا } كلام الله يثبِّت به قلوب المؤمنين لئلا يشكُّوا عند تلبيس اليهود وتزويرهم في دينهم، يقول لا تصدقوا يا معشر المؤمنين إلا من تبع دينكم، ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من الدين والفضل، ولا تصدقوا أن يحاجوكم في دينكم عند ربكم أو يقدروا على ذلك فإن الهدى هدى الله، و { إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم } فتكون الآية كلها خطاب الله للمؤمنين عند تلبيس اليهود لئلا يرتابوا .\r{ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74) وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) }\rقوله تعالى: { يَخْتَصّ بِرَحْمَتِهِ } أي بنبوته { مَنْ يَشَاء وَاللَّه ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }\rقوله تعالى: { وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْه بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ } الآية نزلت في اليهود أخبر الله","part":2,"page":55},{"id":456,"text":"تعالى أن فيهم أمانة وخيانة، والقنطار عبارة عن المال الكثير، والدينار عبارة عن المال القليل، يقول: منهم من يؤدي الأمانة وإن كثرت، ومنهم من لا يؤديها وإن قلت قال مقاتل: { وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْه بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ } هم مؤمنوا أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأصحابه، { وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْه بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ } يعني: كفار اليهود، ككعب بن الأشرف وأصحابه، وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله عز وجل { وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْه بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ } يعني: عبد الله بن سلام، أودعه رجل ألفا ومائتي أوقية من ذهب فأدَّاها إليه، { وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْه بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ } يعني: فنحاص بن عازُورَاء، استودعه رجل من قريش دينارا فخانه، قوله { يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ } قرأ أبو عمرو وأبو بكر وحمزة { يُؤَدِّهْ } { لا يُؤدهْ } و { نُصْلهْ } و { نُؤتِهْ } و { نُولِّهْ } ساكنة الهاء وقرأ أبو جعفر وقالون ويعقوب بالاختلاس كسرا، والباقون بالإشباع كسرا، فمن سكن الهاء قال لأنها وضعت في موضع الجزم وهو الياء الذاهبة، ومن اختلس فاكتفى بالكسرة عن الياء، ومن أشبع فعلى الأصل، لأن الأصل في الهاء الإشباع، { إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا } قال ابن عباس مُلِحًّا يريد يقوم عليه يطالبه بالإلحاح، وقال الضحاك: مواظبًا أي تواظب عليه بالاقتضاء، وقيل: أراد أودعته ثم استرجعته وأنت قائم على رأسه ولم تفارقه ردّه إليك، فإن فارقته وأخرته أنكره ولم يؤدهِ { ذَلِكَ } أي : ذلك الاستحلال والخيانة، { بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأمِّيِّينَ سَبِيلٌ } أي : في مال العرب إثم وحَرَجَ كقوله تعالى: { مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ } وذلك أن اليهود قالوا: أموال العرب حلال لنا، لأنهم ليسوا على ديننا ولا حرمة 61/أ لهم في كتابنا، وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم في دينهم.\rوقال الكلبي: قالت اليهود إن الأموال كلها كانت لنا فما في يد العرب منها فهو لنا وإنما ظلمونا وغصبونا فلا سبيل علينا في أخذنا إياه منهم.\rوقال الحسن وابن جريج ومقاتل: بايع اليهود رجالا من المسلمين في الجاهلية فلما أسلموا تقاضوهم بقية أموالهم فقالوا: ليس لكم علينا حق، ولا عندنا قضاء لأنكم تركتم دينكم، وانقطع العهد بيننا وبينكم وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتبهم فكذبهم الله عز وجل وقال عز من قائل: { وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } ثم قال ردا عليهم:\r{ بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76) }\r{ بَلَى } أي: ليس كما قالوا بل عليهم سبيل، ثم ابتدأ فقال { مَنْ أَوْفَى } أي: ولكن من أوفى { بِعَهْدِهِ } أي: بعهد الله الذي عهد إليه في التوراة من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وأداء الأمانة، وقيل: الهاء في عهده راجعة إلى الموفي { وَاتَّقَى } الكفر والخيانة ونقض العهد، { فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبّ الْمُتَّقِينَ }","part":2,"page":56},{"id":457,"text":"أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا قبيصة بن عقبة، أنا سفيان عن الأعمش عن عبد الله بن مُرّة عن مسروق عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \" أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا ومن كانت فيه خَصلةٌ منهن كانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى يدعها: إذا ائتُمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر\" (1) .\r{ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77) }\rقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا } قال عكرمة : نزلت في رؤوس اليهود، كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة في شأن محمد صلى الله عليه وسلم وبدّلوه وكتبوا بأيديهم غيره وحلفوا أنه من عند الله لئلا يفوتهم المآكل والرشا التي كانت لهم من أتْباعهم.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا موسى بن إسماعيل، أنا أبو عوانة عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"من حلف علي يمين صَبْرٍ يقتطع بها مالَ امرِئٍ مسلم لقيَ الله يومَ القيامة وهو عليه غضبان\" فأنزل الله تعالى تصديق ذلك { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا } إلى آخر الآية، فدخل الأشعث بن قيس فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ فقالوا: كذا وكذا، فقال: فيّ أنزلتْ كانتْ لي بئرٌ في أرض ابن عم لي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثتهُ فقال: \"هات بينتَكَ أو يمينه \" قلت: إذًا يحلفُ عليها يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"من حلف على يمين صَبْرٍ وهو فيها فاجرٌ يقتطع بها مالَ امرئٍ مسلم لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان\" (2) .\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي أنا محمد بن عيسى الجلودي، أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن الحجاج أنا قتيبة بن سعيد أنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل بن حجر، عن أبيه قال: جاء رجل من حضرموت ورجل من كِنْدة إلى النبي، فقال\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الإيمان باب علامة المنافق: 1 / 89 وفي المظالم باب وإذا خاصم فجر: 5 / 107، ومسلم في الإيمان باب بيان خصال المنافق برقم (106): 1 / 78. والمصنف في شرح السنة: 1 / 74.\r(2) أخرجه البخاري في الأيمان والنذور باب قول الله: \"إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا\": 11 / 558 و 11 / 544 بلفظ \"من حلف على يمين كاذبة\" وفي التفسير في تفسير سورة البقرة، وفي الإحكام، ومسلم في الإيمان باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار برقم (220): 1 / 112 والمصنف في شرح السنة: 10 / 99.","part":2,"page":57},{"id":458,"text":"الحضرمي: يا رسول الله إن هذا قد غلبني على أرض لي كانت لأبي، فقال الكندي: هي أرض في يدي أزرعها، ليس له فيها حق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي: \"ألك بينة\"؟ قال: لا قال: \"فلك يمينه\" قال: يا رسول الله إن الرجل فاجرٌ لا يبالي على ما يحلف عليه، قال: \"ليس لك منه إلا ذلك\" فانطلق ليحلف له، فلما أدبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أمَا لِئَن حلف على ماله ليأكله ظلما ليَلْقَيَنَّ الله وهو عنه مُعْرِض\" (1) ورواه عبد الملك بن عمير عن علقمة، وقال هو امرؤ القيس بن عابس الكندي وخصمه ربيعة بن عبدان.\rوروي لما همّ أن يحلف نزلت هذه الآية فامتنع امرؤ القيس أن يحلف، وأقر لخصمه بحقه ودفعه إليه. أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد السرخسي، أنا أبو مصعب عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن سعيد بن كعب عن أخيه عبد الله بن كعب بن مالك عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"من اقتطع حقَّ امرئٍ مسلم بيمينه حرّم الله عليه الجنة وأوجب له النار\" قالوا: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ قال: \"وإن كان قضيبا من أراك\" قالها ثلاث مرات (2) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عمرو بن محمد، أنا هشيم بن محمد أنا العوام بن حوشب عن إبراهيم بن عبد الرحمن عن عبد الله بن أبي أوفى أنّ رجلا أقام سلعة وهو في السوق فحلف بالله لقد أُعطي بها ما لم يعط ليُوقع فيها رجلا من المسلمين، فنزلت: { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا } (3) .\rقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ } أي: يستبدلون { بِعَهْدِ اللَّهِ } وأراد الأمانة، { وَأَيْمَانِهِمْ } الكاذبة { ثَمَنًا قَلِيلا } أي: شيئا قليلا من حطام الدنيا، { أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ } لا نصيب لهم { فِي الآخِرَةِ } ونعيمها، { وَلا يُكَلِّمُهُم اللَّهُ } كلاما ينفعهم ويسرهم، وقيل: هو بمعنى الغضب، كما يقول الرجل: إني لا أكلم فلانا إذا كان غضب عليه، { وَلا يَنْظُر إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } أي: لا يرحمهم ولا يحسن إليهم ولا يُنيلهم خيرًا، { وَلا يُزَكِّيهِمْ } أي: لا يثني عليهم بالجميل ولا يطهرهم من الذنوب، { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنا عبد الغفار بن محمد الفارسي، أنا محمد بن عيسى الجلودي، أنا إبراهيم بن محمد، أنا سفيان، أنا مسلم بن الحجاج، أنا محمد بن جعفر، عن شعبة عن علي بن مُدرك عن أبي\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الإيمان باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار برقم (223): 1 / 123 - 124.\r(2) أخرجه مسلم في الإيمان باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار برقم (218): 1 / 122 والمصنف في شرح السنة: 10 / 113.\r(3) أخرجه البخاري في التفسير في تفسير سورة آل عمران باب \"إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم\": 8 / 213.","part":2,"page":58},{"id":459,"text":"زرعة عن خرشة بن الحر عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم\" قال: قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات فقال أبو ذر: خابوا وخسروا مَنْ هم يا رسول الله؟ قال: \"المُسبل والمنّان والمنفق سلعته بالحَلِفَ الكاذب\" (1) في رواية: \"المسبل إزاره\".\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أنا أسيد أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي أنا أبو نصر محمد بن حمدويه المروزي، أنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل حلف يمينا على مال مسلم فاقتطعه، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد صلاة العصر أنه أعطي بسلعته أكثر مما أعطي وهو كاذب، ورجل منع فضل مالهِ فإن الله تعالى يقول: اليوم أمنعك فضل ما لم تعمل يداك\" (2) .\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الإيمان باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار والمن بالعطية . . . برقم (171): 1 / 102.\r(2) أخرجه البخاري في المساقاة باب من رأى أن صاحب الحوض والقربة أحق بمائه: 5 / 43، وفي التوحيد باب قول الله تعالى: \"وجوه يومئذ ناضرة\": 13 / 423 وفيه: \"ورجل منع فضل ماء\" بدل ماله. ومسلم في الإيمان باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار والمن بالعطية. . برقم (108): 1 / 103 وفيه أيضا: \" على فضل ماء\" بدل مال. والمصنف في شرح السنة: 6 / 170 10 / 142.","part":2,"page":59},{"id":460,"text":"{ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) }\rقوله تعالى: { وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا } يعني: من أهل الكتاب لفريقا أي: طائفة، وهم كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحييّ بن أخطب وأبو ياسر وشعبة بن عمر الشاعر، { يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ } أي: يعطفون ألسنتهم بالتحريف والتغيير وهو ما غيروا من صفة النبي صلى الله عليه وسلم وآية الرجم وغير ذلك، يقال: لوى لسانه على كذا أي: غيره، { لِتَحْسَبُوهُ } أي: لتظنوأ 62/أ ما حرفوا { مِنَ الْكِتَابِ } الذي أنزله الله تعالى، { وما هو من الكتاب وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ } عمدًا، { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنهم كاذبون، وقال الضحاك عن ابن عباس: إن الآية نزلت في اليهود والنصارى جميعا وذلك أنهم حرَّفوا التوراة والإنجيل وألحقوا بكتاب الله ما ليس منه.\rقوله تعالى : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَه اللَّه الْكِتَابَ } الآية قال مقاتل والضحاك: ما كان لبشر يعني: عيسى عليه السلام، وذلك أن نصارى نجران كانوا يقولون: إن عيسى أمرهم أن يتخذوه ربَّا فقال","part":2,"page":59},{"id":461,"text":"تعالى: { مَا كَانَ لِبَشَرٍ } يعني: عيسى { أَنْ يُؤْتِيَه اللَّه الْكِتَابَ } الإنجيل (1) .\rوقال ابن عباس وعطاء: { مَا كَانَ لِبَشَرٍ } يعني محمدا { أَنْ يُؤْتِيَه اللَّه الْكِتَابَ } أي القرآن، وذلك أن أبا رافع القرظي من اليهود، والرئيس (2) من نصارى أهل نجران قالا يا محمد تريد أن نعبدك ونتخذك ربَّا فقال: معاذ الله أن نأمر بعبادة غير الله ما بذلك أمرني الله، ولا بذلك أمرني (3) فأنزل الله تعالى هذه الآية (4) { مَا كَانَ لِبَشَرٍ } أي ما ينبغي لبشر، كقوله تعالى: \" ما يكون لنا أن نتكلم بهذا \"( سورة، النور الآية: 16 ) أي ما ينبغي لنا، والبشر: جميع بني آدم لا واحد له من لفظه، كالقوم والجيش ويوضع موضع الواحد والجمع، { أَنْ يُؤْتِيَه اللَّه الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ } الفهم والعلم وقيل: إمضاء الحكم عن الله عز وجل، { وَالنُّبُوَّةَ } المنزلة الرفيعة بالأنبياء، { ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا } أي: ولكن يقول كونوا، { رَبَّانِيِّينَ }\rواختلفوا فيه قال علي وابن عباس والحسن: كونوا فقهاء علماء وقال قتادة: حكماء وعلماء وقال سعيد بن جبير: العالم الذي يعمل بعلمه، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس: فقهاء معلمين.\rوقيل: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، وقال عطاء: علماء حكماء نُصحاء لله في خلقه، قال أبو عبيدة: سمعت رجلا عالمًا يقول: الرباني العالم بالحلال والحرام والأمر والنهي، (5) العالم بأنباء الأمة (6) ما كان وما يكون، وقيل: الربانيون فوق الأحبار، والأحبار: العلماء، والربانيون: الذين جمعوا مع العلم البصارة بسياسة الناس.\rقال المؤرّج : كونوا ربانيين تدينون لربكم، من الربوبية، كان في الأصل رَبيّ فأدخلت الألف للتفخيم، ثم أدخلت النون لسكون الألف، كما قيل: صنعاني وبهراني.\rوقال المبرد: هم أرباب العلم سُموا به لأنهم يربون العلم، ويقومون به ويربون المتعلمين بصغار العلوم\r__________\r(1) أسباب النزول للواحدي ص (146).\r(2) في ب \"ليس\" وهو خطأ. وفي الواحدي \"الرييس\" .\r(3) في ب: بعثني.\r(4) رواه ابن إسحاق في السيرة، وعنه أخرجه الطبري في التفسير: 6 / 539 وانظر: لباب النقول للسيوطي بهامش الجلالين ص 131.\r(5) في أ: الآمر والناهي .\r(6) الأمة: ساقط من: أ.","part":2,"page":60},{"id":462,"text":"قبل كبارها، وكل من قام بإصلاح شيء وإتمامه فقد ربَّه يربه، واحدها: \"ربان\"( كما قالوا: ريان ) (1) وعطشان وشبعان وعُريان ثم ضُمت إليه ياء النسبة (2) كما قالوا: لحياني ورقباني.\rوحكي عن علي رضي الله عنه أنه قال: هو الذي يرب علمه، بعمله قال محمد بن الحنفية لما مات ابن عباس: اليوم مات رباني هذه الأمة. { بِمَا كُنْتُمْ } أي: بما أنتم، كقوله تعالى: \" من كان في المهد صبيا \"( سورة مريم الآية 29 ) أي: من هو في المهد { تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ } قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي \" تعلِّمُون \" بالتشديد من التعليم وقرأ الآخرون \" تعلَمُون \" بالتخفيف من العلم كقوله: { وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ } أي: تقرؤون.\r{ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) }\rقوله { وَلا يَأْمُرَكُمْ } قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة ويعقوب بنصب الراء عطفا على قوله: ثم يقول، فيكون مردودا على البشر، أي: ولا يأمَرَ ذلك البشر، وقيل: على إضمار \"أن\" أي: ولا أن يأمَرَكم ذلك البشر، وقرأ الباقون بالرفع على الاستئناف، معناه: ولا يأمُرُكم الله، وقال ابن جريج وجماعة: ولا يأمرُكم محمد، { أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا } كفعل قريش والصابئين حيث قالوا: الملائكة بنات الله واليهود والنصارى حيث قالوا في المسيح وعُزير ما قالوا، { أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } قاله على طريق التعجب والإنكار، يعني: لا يقول هذا.\rقوله عز وجل: { وَإِذْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ } قرأ حمزة \" لما \" بكسر اللام وقرأ الآخرون بفتحها فمن كسر اللام فهي لام الإضافة دخلت على ما، ومعناه الذي يريد للذي آتيتكم أي: أخذ ميثاق النبيين لأجل الذي آتاهم من الكتاب والحكمة يعني أنهم أصحاب الشرائع ومن فتح اللام فمعناه: للذي آتيتكم بمعنى الخبر وقيل: بمعنى الجزاء أي: لئن آتيتكم ومهما آتيتكم وجواب الجزاء قوله { لَتُؤْمِنُنَّ }\r__________\r(1) ساقط من أ .\r(2) في ب: التشبيه وهو خطأ.","part":2,"page":61},{"id":463,"text":"قوله: { لَمَا آتَيْتُكُمْ } قرأ نافع وأهل المدينة \" آتيناكم \" على التعظيم كما قال: \" وآتينا داوود زبورا \"( النساء -163 ) \" وآتيناه الحكم صبيا \"( سورة مريم 12 ) وقرأ الآخرون بالتاء لموافقة الخط ولقوله: { وَأَنَا مَعَكُمْ }\rواختلفوا في المَعْنِىِّ بهذه الآية: فذهب قوم إلى أن الله تعالى أخذ الميثاق على النبيين خاصة أن يُبلِّغوا كتاب الله ورسالاته إلى عباده، وأن يُصدِّق بعضهم بعضًا وأخذ العهد على كل نبي أن يؤمن بمن يأتي بعده من الأنبياء وينصره إن أدركه، وإن لم يدركه أن يأمرَ قومَه بنصرته إن أدركوه، فأخذ الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى، ومن عيسى أن يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم.\r( وقال الآخرون: بما أخذ الله الميثاق منهم في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ) (1) فعلى هذا اختلفوا: منهم من قال: إنما أخذ الميثاق على أهل الكتاب الذين أرسَل منهم النبيين، وهذا قول مجاهد والربيع، ألا ترى إلى قوله { ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ } وإنما كان محمد صلى الله عليه وسلم مبعوثًا إلى أهل الكتاب دون النبيين يدل عليه أن في قراءة عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب { وَإِذْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } وأما القراءة المعروفة { وَإِذْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ } فأراد: أن الله أخذ ميثاق النبيين أن يأخذوا الميثاق على أممهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويُصدِّقوه وينصروه إن أدركوه.\rوقال بعضهم: أراد أخذ الله الميثاق على النبيين، وأممهم جميعا في أمر محمد صلى الله عليه وسلم فاكتفى بذكر الأنبياء لأن العهد مع المتبوع عهد على الأتباع، وهذا معنى قول ابن عباس، وقال علي بن أبي طالب: لم يبعث الله نبيا آدم ومن بعده إلا أخذ عليه العهد في أمر محمد، وأخذ العهد على قومه ليؤمِنُنَّ به ولئن بُعث وهم أحياء لينصرنه.\rقوله: { ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ } يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم، { لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ } يقول الله تعالى للأنبياء حين استخرج الذرية من صلب آدم عليه السلام، والأنبياء فيهم كالمصابيح والسرج، وأخذ عليهم الميثاق في أمر محمد صلى الله عليه وسلم { قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي } أي: قبلتم على ذلكم عهدي، والإصر: العهد الثقيل، { قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ } الله تعالى: { فَاشْهَدُوا } أي: فاشهدوا أنتم على أنفسكم وعلى أتباعكم، { وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ } عليكم وعليهم، وقال ابن عباس: فاشهدوا، أي: فاعلموا، وقال سعيد بن المسيب 62/ب قال الله تعالى للملائكة فاشهدوا عليهم كنايةً عن غير مذكور.\r{ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82) }\r{ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ } الإقرار، { فَأُولَئِكَ هُم الْفَاسِقُونَ } العاصون الخارجون عن الإيمان.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من أ.","part":2,"page":62},{"id":464,"text":"{ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) }","part":2,"page":63},{"id":465,"text":"{ قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) }\rقوله عز وجل: { أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ } وذلك أن أهل الكتاب اختلفوا فادّعى كل واحد أنه على دين إبراهيم عليه السلام واختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم عليه السلام\" فغضبوا وقالوا: لا نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك، فأنزل الله تعالى: { أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ } (1) قرأ أبو جعفر وأهل البصرة وحفص عن عاصم { يَبْغُون } بالياء لقوله تعالى { وَأُولَئِكَ هُم الْفَاسِقُونَ } وقرأ الآخرون بالتاء لقوله تعالى { لَمَا آتَيْتُكُمْ } ، { وَلَه أَسْلَمَ } خضع وانقاد، { مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا } فالطوع: الانقياد والاتباع بسهولة، والكره: ما كان بمشقة وإباءٍ من النفس.\rواختلفوا في قوله { طَوْعًا وَكَرْهًا } قال الحسن : أسلم أهل السموات طوعا وأسلم من في الأرض بعضهم طوعا وبعضهم كرها، خوفا من السيف والسبي، وقال مجاهد: طوعا المؤمن، وكرها ذلك الكافر، بدليل: \" ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال \"( الرعد -15 ) وقيل: هذا يوم الميثاق حين قال لهم: \" ألست بربكم قالوا بلى \"( الأعراف -172 ) فقال بعضهم: طوعا وبعضهم: كرها، وقال قتادة: المؤمن أسلم طوعا فنفعه، والكافر أسلم كرها في وقت البأس فلم ينفعه، قال الله تعالى: \" فلم يك ينفعُهم إيمانُهم لمّا رأوا بأسنا \"( غافر -85 ) وقال الشعبي: هو استعاذتهم به عند اضطرارهم كما قال الله تعالى: \" فإذا ركِبُوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدِّين \"( العنكبوت -65 ).\rوقال الكلبي: طوعا الذي { ولد } (2) في الإسلام، وكرها الذين أجبروا على الإسلام ممن يُسبى منهم فيجاء بهم في السلاسل، { وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } قرأ بالياء حفص عن عاصم ويعقوب كما قرأ { يَبْغُونَ } بالياء وقرأ الباقون بالتاء فيهما إلا أبا عمرو فإنه قرأ { يَبْغُونَ } بالياء و { تُرْجَعُونَ } بالتاء، وقال: لأن الأول خاص والثاني عام، لأن مرجع جميع الخلق إلى الله عز وجل.\rقوله تعالى: { قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّق بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْن لَه مُسْلِمُونَ }\r__________\r(1) انظر: تفسير القرطبي: 4 / 127، البحر المحيط لأبي حيان: 2 / 514، أسباب النزول للواحدي ص (146) .\r(2) ساقط من: أ .","part":2,"page":63},{"id":466,"text":"ذكر الملل والأديان واضطراب الناس فيها، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: { آمَنَّا بِاللَّهِ } الآية.\rقوله: { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ } نزلت في اثني عشر رجلا ارتدُّوا عن الإسلام وخرجوا من المدينة وأتوا مكة كفارا، منهم الحارث بن سويد الأنصاري، فنزلت فيهم { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْه وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }\r{ كَيْفَ يَهْدِي اللَّه قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ } لفظة استفهام ومعناه جحد، أي: لا يهدي الله، وقيل معناه: كيف يهديهم الله في الآخرة إلى الجنة والثواب { وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُم الْبَيِّنَات وَاللَّه لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }\r{ خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّف عَنْهُم الْعَذَاب وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ } وذلك: أن الحارث بن سويد لما لحق بالكفار ندم، فأرسل إلى قومه: أن سلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل لي من توبة؟ ففعلوا ذلك فأنزل الله تعالى: { إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }\r{ إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } (1) لما كان منه، فحملها إليه رجل من قومه وقرأها عليه فقال الحارث: إنك -والله -ما علمت لصدوق وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصدق منك وإن الله عز وجل لأصدق الثلاثة، فرجع الحارث إلى المدينة وأسلم وحسن إسلامه.\rقوله عز وجل: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا } قال قتادة والحسن: نزلت في\r__________\r(1) انظر: الطبري: 6 / 573، أسباب النزول ص (147).","part":2,"page":64},{"id":467,"text":"اليهود كفروا بعيسى عليه السلام والإنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم، ثم ازدادوا كفرا بكفرهم (1) بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن.\rوقال أبو العالية: نزلت في اليهود والنصارى كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم لما رأوه بعد إيمانهم بنعته وصفته في كتبهم ثم ازدادوا كفرا يعني: ذنوبا في حال كفرهم.\rقال مجاهد: نزلت في جميع الكفار أشركوا بعد إقرارهم بأن الله خالقهم، ثم ازدادُوا كفرا أي: أقاموا على كفرهم حتى هلكوا عليه (2) .\rقال الحسن: ازدادوا كفرًا كلما نزلت آية كفروا بها، فازدادوا كفرًا وقيل: ازدادوا كفرًا بقولهم: نتربص بمحمد ريبَ المنون.\rقال الكلبي: نزلت في الأحد عشر من أصحاب الحارث بن سويد، لما رجع الحارث إلى الإسلام أقاموا هم على الكفر بمكة وقالوا: نقيم على الكفر ما بدا لنا فمتى أردنا الرجعة ينزل فينا ما نزل في الحارث، فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فمن دخل منهم في الإسلام قُبلت توبتهُ ونزل فيمن مات منهم كافرا\r{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ } الآية.\rفإن قيل: قد وعد الله قبول توبة من تاب، فما معنى قوله: { لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُم الضَّالُّونَ } قيل: لن تُقبل توبتُهم إذا( رجعوا في حال المعاينة ) (3) كما قال: \" وليستِ التوبةُ للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموتُ قال إني تبت الآن \" سورة النساء الآية( 18 ) .\rوقيل هذا في أصحاب الحارث بن سويد حيث أمسكوا عن الإسلام، وقالوا: نتربص بمحمد فإن ساعده الزمان نرجع إلى دينه، لن يقبل منهم ذلك لأنهم متربصون غير محققين، وأولئك هم الضالون.\r{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91) }\rقوله عز وجل: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْء الأرْضِ } أي: قدر ما يملأ الأرض من شرقها إلى غربها، { ذَهَبًا } نصب على التفسير، كقولهم: عشرون درهمًا. { وَلَوِ افْتَدَى بِهِ } قيل: معناه لو افتدى به، والواو زائدة مقحمة، { أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ }\r__________\r(1) ساقط من: ب وانظر: أسباب النزول للواحدي ص (148)، الطبري: 6 / 578 - 579، الدر المنثور: 2 / 258.\r(2) انظر: الدر المنثور: 2 / 258 - 259، أسباب النزول ص (148).\r(3) في ب: إذا وقعوا في الحشرجة.","part":2,"page":65},{"id":468,"text":"أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا محمد بن بشار، أخبرنا غندر، أخبرنا شعبة، عن أبي عمران قال: سمعت أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"يقول الله لأهونِ أهل النار عذابا يوم القيامة: لو أنّ لك ما في الأرض من شيء أكنتَ تفدي به؟ فيقول: نعم فيقول: أردتُ منك أهونَ من ذلك وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي\" (1) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الرقاق باب من نوقش الحساب عذب: 11 / 400، وباب صفة الجنة والنار: 11 / 416، وفي الأنبياء باب خلق آدم وذريته. ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم باب طلب الكافر الفداء بملء الأرض ذهبا برقم (2805): 4 / 2160، والمصنف في شرح السنة: 15 / 242.","part":2,"page":66},{"id":469,"text":"{ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92) }\rقوله تعالى: { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ } يعني: الجنة، قاله ابن عباس وابن مسعود ومجاهد، وقال مقاتل بن حيان: التقوى، وقيل: الطاعة، وقيل: الخير، وقال الحسن: أن تكونوا أبرارًا.\rأخبرنا محمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا محمد بن حماد قال: أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله رضي الله عنه قال: قال 63/أ رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البِرَّ وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزالُ الرجلُ يصدقُ ويتحرَّى الصدقَ حتى يُكتَبَ عند الله صديقًا، وإياكم والكذبَ فإنّ الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزالُ الرجلُ يكذبُ ويتحرَّى الكذبَ حتى يُكتبَ عند الله كذابا\" (1) .\rقوله تعالى: { حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } أي: من أحبِّ أموالكم إليكم، روى الضحاك عن ابن عباس: أن المراد منه أداء الزكاة.\rوقال مجاهد والكلبي: هذه الآية نسختها آية الزكاة، وقال الحسن: كل إنفاق يبتغي به المسلم وجه الله حتى الثمرة ينال به هذا البِّر وقال عطاء: لن تنالوا البِّر أي: شرف الدين والتقوى حتى تتصدقُوا وأنتم أصحاء أشحاء.\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك يقول \"كان أبو طلحة الأنصاري أكثر أنصاريّ بالمدينة مالا وكان أحب أمواله إليه بِيْرُحَاء وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله يدخلها ويشرب من\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الأدب باب قول الله تعالى: \"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين\" : 10 / 507، ومسلم في البر والصلة باب قبح الكذب وحسن الصدق برقم (2607) 4 / 2013، والمصنف في شرح السنة : 13 / 152 .","part":2,"page":66},{"id":470,"text":"ماء فيها طيِّبٍ، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن الله تعالى يقول في كتابه: { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } وإن أحب أموالي إلي بيرُحاء وإنها صدقة لله أرجو برَّها وذُخَرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بخٍ بخٍ ذلك مالٌ رابح. أو قال: ذلك مال رابح وقد سمعتُ ما قلتَ فيها وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، فقال أبو طلحة أفعلُ يا رسول الله فقسّمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه\" (1) .\rوروي عن مجاهد قال: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سبي جلولاء يوم فُتحتْ فدعا بها فأعجبته، فقال: إن الله عز وجل يقول: { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } فأعتقها عمر (2) .\rوعن حمزة بن عبد الله بن عمر قال: خطرت على قلب عبد الله بن عمر هذه الآية { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } قال ابن عمر: فذكرتُ ما أعطاني الله عز وجل، فما كان شيء أعجب إليّ من فلانة، هي حرة لوجه الله تعالى، قال: لولا أنني لا أعود في شيء جعلته لله لنكحتها (3) .\r{ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ } أي: يعلمه ويجازي به.\r{ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94) }\rقوله تعالى: { كُلّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيل عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ } سبب نزول هذه الآية: أن اليهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: تزعم أنك على ملة إبراهيم؟ وكان إبراهيم لا يأكل لحوم الإبل وألبانها وأنت تأكلها، فلست على ملته! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"كان ذلك حلالا لإبراهيم عليه السلام\" فقالوا: كلُّ ما نحرمه اليوم كان ذلك حرامًا على نوح وإبراهيم حتى انتهى إلينا فأنزل الله تعالى هذه الآية (4) { كُلّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ } يريد: سِوَى الميتة والدم، فإنه لم يكن حلالا قط.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الزكاة باب الزكاة على الأقارب: 3 / 325، وفي الوكالة باب إذا قال الرجل لوكيله: ضعه حيث أراك الله: 4 / 493، وفي التفسير تفسير سورة آل عمران باب: \"لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون\" 8 / 223. وفي الوصايا والأشربة. وأخرجه مسلم في الزكاة باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين. . . برقم (998): 2 / 693 والمصنف في شرح السنة: 6 / 189 - 190.\r(2) الدر المنثور: 2 / 260 وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر.\r(3) أخرجه الطبري من رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد: 6 / 588، وانظر: الكافي الشاف لابن حجر ص 27، الدر المنثور: 2 / 260.\r(4) انظر: البحر المحيط: 3 / 2، أسباب النزول ص (148) .","part":2,"page":67},{"id":471,"text":"{ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيل عَلَى نَفْسِهِ } وهو يعقوب عليه السلام { مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ } يعني: ليس الأمر على ما قالوا من حرمة لحوم الإبل وألبانها على إبراهيم، بل كان الكلُّ حلالا له ولبني إسرائيل، وإنما حرّمها إسرائيل على نفسه قبل نزول التوراة، يعني: ليست في التوراة حرمتُها.\rواختلفوا في الطعام الذي حرّمه يعقوب على نفسه وفي سببه، قال أبو العالية وعطاء ومقاتل والكلبي: كان ذلك الطعام: لحمان الإبل وألبانها، وروي أن يعقوب مرض مرضًا شديدًا فطال سُقْمُه فنذر لئن عافاه الله من سقمه ليُحرِّمَنِّ أحبَّ الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحمان الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها فحرّمهما.\rوقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي والضحاك: هي العروق.\rوكان السبب في ذلك أنه اشتكى عرق النَّسا وكان أصل وجعه فيما روى جُويبر ومقاتل عن الضحاك: أن يعقوب كان نذر إن وهبه الله اثنى عشر ولدًا وأتى بيت المقدس صحيحًا أن يذبح آخرهم فتلقاه مَلك [من الملائكة] (1) فقال: يا يعقوب إنك رجل قوي فهل لك في الصراع، فعالجه فلم يصرعْ واحدٌ منهما صاحبَه فغمزه المَلك غمزة فعرض له عرق النسا من ذلك، ثم قال له: أمَا إني لو شئت أن أصرعك لفعلت ولكن غمزتك هذه الغمزة لأنك كنت نذرت إن أتيت بيت المقدس صحيحًا ذبحت آخر ولدك، فجعل الله لك بهذه الغمزة من ذلك مخرجًا، فلما قدمها يعقوب أراد ذبح ولده ونسي قول الملَكِ فأتاه الملَكُ وقال: إنما غمزتك للمخرج وقد وُفي نذرُك فلا سبيل لك إلى ولدك .\rوقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: أقبل يعقوب من حران يريد بيت المقدس حين هرب من أخيه عيصو: وكان رجلا بطيشًا قويًا فلقيه ملك فظن يعقوب أنه لص فعالجه أن يصرعه فغمز الملك فخذ يعقوب، ثم صعد إلى السماء ويعقوب عليه السلام ينظر إليه، فهاج به عرق النسا ولقي من ذلك بلاءً وشدةً وكان لا ينام بالليل من الوجع، ويبيت وله زقاء، أي: صياح، فحلف يعقوب لئن شفاه الله أن لا يأكل عرقًا ولا طعاما فيه عرق، فحرمه على نفسه، فكان بنوه بعد ذلك يتبعون العروق يخرجونها من اللحم.\rوروى جُويبر عن الضحاك عن ابن عباس: لمّا أصاب يعقوب عرق النس وصف له الأطباء أن يجتنب لحمان الإبل فحرمها يعقوب على نفسه.\rوقال الحسن: حرّم إسرائيل على نفسه لحم الجزور تعبدًا لله تعالى: فسأل ربَّه أن يجيز له ذلك فحرمه الله على ولده (2) .\r__________\r(1) ساقط من : أ.\r(2) انظر في هذه الأقوال: الدر المنثور: 2 / 263 - 264.","part":2,"page":68},{"id":472,"text":"ثم اختلفوا في حال هذا الطعام المحرم على بني إسرائيل بعد نزول التوراة، وقال السدي: حرّم الله عليهم في التوراة ما كانوا يحرمونه قبل نزولها، وقال عطية: إنما كان محرّمًا عليهم بتحريم إسرائيل فإنه كان قد قال: لئن عافاني الله لا يأكله لي ولدٌ، ولم يكن محرّمًا عليهم في التوراة، وقال الكلبي: لم يحرمه الله { عليهم } (1) في التوراة وإنما حُرم عليهم بعد التوراة بظلمهم، كما قال الله تعالى: \" فبظلمٍ من الذين هادوا حرمنا عليهم طيباتٍ أُحلّت لهم \"( سورة النساء الآية 160 ) وقال الله تعالى: { وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ } إلى أن قال: \" ذلك جزيناهم ببغيهم وإنّا لصادقون \"( سورة الأنعام الآية( 146 ) وكانت بنو إسرائيل إذا أصابوا ذنبًا عظيمًا حرّم الله عليهم طعامًا طيبًا أو صبّ عليهم رِجْزًا وهو الموت.\rوقال الضحاك: لم يكن شيء من ذلك حرامًا عليهم ولا حرمه الله في التوراة، وإنما حرموه على أنفسهم اتّباعًا لأبيهم، ثم أضافوا تحريمه إلى الله، فكذّبهم الله عز وجل فقال: { قُلْ } يا محمد { فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا } حتى يتبين أنه كما قلتم، { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } فلم يأتوا. 63/ب فقال الله عز وجل :\rفمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون\r{ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) }\r{ قُلْ صَدَقَ اللَّه فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } وإنما دعاهم إلى اتباع ملة إبراهيم لأن في اتباع ملة إبراهيم اتباعه صلى الله عليه وسلم.\rقوله تعالى: { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا } سبب [نزول هذه الآية] (2) أن اليهود قالوا للمسلمين: بيت المقدس قبلتنا، وهو أفضل من الكعبة وأقدم، وهو مهاجر الأنبياء، وقال المسلمون بل الكعبة أفضل، فأنزل الله تعالى: { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ }\r{ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَام إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَه كَانَ آمِنًا } وليس شيء من هذه الفضائل لبيت المقدس.\r__________\r(1) ساقط من: أ.\r(2) في أ: سبب نزولها.","part":2,"page":69},{"id":473,"text":"واختلف العلماء في قوله تعالى: { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ } فقال بعضهم: هو أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق [السماء] (1) والأرض، خلقه الله قبل الأرض بألفي عام، وكانت زَبْدَةٌ بيضاءَ على الماء فدُحيت الأرض من تحته، هذا قول عبد الله بن عمر ومجاهد وقتادة والسدي.\rوقال بعضهم: هو أول بيت بني في الأرض، رُوي عن علي بن الحسين: أن الله تعالى وضع تحت العرش بيتًا وهو البيت المعمور، وأمر الملائكة أن يطوفوا به، ثم أمر الملائكة الذين هم سكان الأرض أن يبنوا في الأرض بيتا على مثاله وقدره، فبنوا واسمه الضراح، وأمر مَنْ في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور.\rورُوي أن الملائكة بنوه قبل خلق آدم بألفي عام، وكانوا يحجونه، فلما حجه آدم، قالت الملائكة: بر حجك يا آدم حججنا هذا البيت قبلك بألف عام، ويرُوى عن ابن عباس أنه قال: أراد به أنه أول بيت بناه آدم في الأرض، وقيل: هو أول بيت مبارك وضع [في الأرض] (2) هدىً للناس، يروى ذلك عن علي بن أبي طالب، قال الضحاك: أول بيت وُضع فيه البركة وقيل: أول بيت وضع للناس يُحجُّ إليه . وقيل : أول بيت جعل قبلة للناس. وقال الحسن والكلبي: معناه: أول مسجد ومتعَبِّدٍ وضع للناس يعبد الله فيه كما قال الله تعالى: { في بيوت أذن الله أن ترفع } يعني المساجد (3) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا موسى بن إسماعيل، أخبرنا عبد الواحد، أنا الأعمش، أخبرنا إبراهيم بن يزيد التيمي، عن أبيه، قال سمعت أبا ذر يقول: قلت يا رسول الله أيُّ مسجد وُضع في الأرض أولا؟ قال: \"المسجد الحرام، قلت ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة، ثم أينما أدركتْكَ الصلاة بعدُ فصلِّ فإن الفضل فيه\" (4) .\rقوله تعالى: { لَلَّذِي بِبَكَّةَ } قال جماعة: هي مكة نفسها، وهو قول الضحاك، والعرب تعاقبت بين الباء والميم، فتقول: سَبَّدَ رأسه وسمَّده وضربة لازبٍ ولازم، وقال الآخرون: بكة موضع البيت ومكة اسم البلد كله.\rوقيل: بكة موضع البيت والمطاف، سميت بكة: لأن الناس يتباكون فيها، أي يزدحمون يبك بعضُهم بعضًا، ويصلي بعضهم بين يدي بعض ويمر بعضهم بين يدي بعض.\r__________\r(1) في أ: \"السموات\" .\r(2) ساقط من أ .\r(3) انظر الطبري: 7 / 19- 22 وقد رجح هذا القول الأخير.\r(4) أخرجه البخاري في الأنبياء باب حدثنا موسى بن إسماعيل: 6 / 407، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة برقم (520): 1 / 370.","part":2,"page":70},{"id":474,"text":"وقال عبد الله بن الزبير: سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة، أي تدقها فلم يقصدها جبار بسوء إلا قصمه الله.\rوأما مكة سميت بذلك لقلة مائها من قول العرب: مَكَّ الفصيل ضرْعَ أمه وأمتكه إذا امتص كل ما فيه من اللبن، وتدعى أم رحم لأن الرحمة تنزل بها.\r{ مُبَارَكًا } نصب على الحال أي: ذا بركة { وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ } لأنه قبلة المؤمنين { فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ } قرأ ابن عباس { آيَةٍ بَيِّنَةٍ } على الواحدان، وأراد مقام إبراهيم وحده، وقرأ الآخرون { آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ } بالجمع فذكر منها مقام إبراهيم [وهو الحجر] (1) الذي قام عليه إبراهيم، وكان أثر قدميه فيه فاندرس من كثرة المسح بالأيدي، ومن تلك الآيات: الحجر الأسود والحطيم وزمزم والمشاعر كلها، وقيل: مقام إبراهيم جميع الحرم، ومن الآيات في البيت أن الطير تطير فلا تعلو فوقه، وأن الجارحة إذا قصدت صيدًا فإذا دخل الصيدُ الحرم كفَّتْ عنه، وإنه بلد صدر إليه الأنبياء والمرسلون والأولياء والأبرار، وإن الطاعة والصدقة فيها تُضاعف بمائة ألف.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي، أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، أخبرنا أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري، أنا مالك بن أنس عن زيد بن رباح وعبيد الله بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله الأغرّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام\" (2) .\rقوله عز وجل: { وَمَنْ دَخَلَه كَانَ آمِنًا } أن يحاج فيه، وذلك بدعاء إبراهيم عليه السلام حيث قال: رب اجعلْ هذا بلدًا آمنا، وكانت العرب في الجاهلية يقتل بعضهم بعضا ويغير بعضهم على بعض ومن دخل الحرم أمن من القتل والغارة، وهو المراد من الآية على قول الحسن وقتادة وأكثر المفسرين قال الله تعالى: \" أولَمْ يروا أنا جعلنا حرمًا آمنًا ويُتخطّف الناسُ من حولهم \"( سورة العنكبوت الآية 67 ) وقيل: المراد به أن من دخله عام عمرة القضاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان آمنًا، كما قال تعالى: \" لتدخُلنَّ المسجدَ الحرام إن شاء الله آمنين \"( سورة الفتح الآية 27 ) وقيل: هو خبر بمعنى الأمر تقديره: ومن دخله فأمنُّوه، كقوله تعالى: \" فلا رفثَ ولا فسوقَ ولا جدال في الحج \"( البقرة -197 ) أي: لا ترفثوا ولا تفسقوا، حتى ذهب بعض أهل العلم إلى أن من وجب عليه القتل قصاصًا أو حدًا فالْتجأ إلى الحرم فلا يُستوفَى منه فيه، ولكنه [لا يُطعم] (3) ولا يُبايع ولا يُشاري حتى يخرج منه فيقتل، قاله ابن عباس،\r__________\r(1) ساقط من: أ.\r(2) أخرجه البخاري في الصلاة في مسجد مكة والمدينة باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة: 3 / 63، ومسلم في الحج - باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة برقم (1395): 2 / 1013، والمصنف في شرح السنة: 2 / 335.\r(3) ساقط من: أ .","part":2,"page":71},{"id":475,"text":"وبه قال أبو حنيفة، وذهب قوم إلى أن القتل الواجب بالشرع يُستوفى فيه أما إذا ارتكب الجريمة في الحرم يستوفى فيه عقوبته بالاتفاق.\rوقيل: معناه ومن دخله معظّمًا له متقربًا إلى الله عز وجل كان آمنًا يوم القيامة من العذاب.\rقوله عز وجل: { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا } أي: ولله فرضٌ واجبٌ على الناس حجُّ البيت، قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي وحفص { حِجّ الْبَيْتِ } بكسر الحاء في هذا الحرف خاصةً، وقرأ الآخرون بفتح الحاء، وهي لغة أهل الحجاز، وهما لغتان فصيحتان ومعناهما واحد.\rوالحج أحد أركان الإسلام، أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أنا عبد الله بن موسى، أنا حنظلة بن أبي سفيان، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسولُ الله، وإقامِ الصلاة وإيتاءِ الزكاة 64/أ والحج وصوم رمضان (1) .\rقال أهل العلم: ولِوُجوب الحج خمسُ شرائط: الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والاستطاعة، فلا يجب على الكافر ولا على المجنون، ولو حجا بأنفسهما لا يصح لأن الكافر ليس من أهل القربة ولا حكم [لفعل] (2) المجنون، ولا يجب على الصبي ولا على العبد، ولو حج صبي يعقل، أو عبد يصح حجهما تطوعًا لا يسقط به فرض الإسلام عنهما فلو بلغ الصبي، أو عُتق العبد بعدما حج واجتمع في حقه شرائط [وجوب] (3) الحج وجب عليه أن يحج ثانيًا، ولا يجب على غير المستطيع، لقوله تعالى: { مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا } غير أنه لو تكلف فحج يسقط عنه فرض الإسلام.\rوالاستطاعة نوعان، أحدهما: أن يكون مستطيعًا [بنفسه] (4) والآخر: أن يكون مستطيعًا بغيره، أما الاستطاعة بنفسه أن يكون قادرًا بنفسه على الذهاب ووَجَد الزادَ والراحلة، أخبرنا عبد الواحد بن محمد الكسائي الخطيب، ثنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، ثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سعيد بن سالم، عن إبراهيم بن يزيد، عن محمد بن عباد بن جعفر، قال: قعدنا إلى عبد الله\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الإيمان باب دعاؤكم إيمانكم: 1 / 49 ومسلم في الإيمان: باب أركان الإيمان برقم (19): 1 / 45 والمصنف في شرح السنة: 1 / 17.\r(2) في أ: قول .\r(3) ساقط من: أ.\r(4) في أ: \"ببدنه\".","part":2,"page":72},{"id":476,"text":"ابن عمر فسمعته يقول: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما الحاج؟ قال: \"الشعث التفل\" فقام رجل آخر فقال: يا رسول الله: أي الحج أفضل؟ قال: \"العجُّ والثج\" فقام رجل آخر فقال: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: \"زاد وراحلة\" (1) .\rوتفصيله: أن يجدَ راحلةً تصلح لمثله، ووجدَ الزادَ للذهاب والرجوع، فاضلا عن نفقة عياله ومن تلزمه نفقتهم وكسوتهم لذهابه ورجوعه، وعن دَيْن يكون عليه، ووجد رفقة يخرجُون في وقت جرت عادة أهل بلده بالخروج في ذلك الوقت، فإن خرجوا قبله أو أخروا الخروج إلى وقت لا يصلون إلا أن يقطعوا كل يوم أكثر من مرحلة لا يلزمهم الخروج [في ذلك الوقت] (2) ويشترط أن يكون الطريق آمنًا فإن كان فيه خوف من عدوٍ مسلمٍ أو كافرٍ أو رَصديّ يطلب شيئا لا يلزمه، ويُشترط أن تكون المنازل المأهولة معمورة يجد فيها الزاد والماء، فإن كانَ زمان جُدوبةٍ تفرّق أهلها أو غارتْ مياهها فلا يلزمه، ولو لم يجد الراحلة لكنه قادر على المشي، أو لم يجد الزاد ولكن يمكنه أن يكتسب في الطريق لا يلزمه الحج، ويستحب لو فعل، وعند مالك يلزمه.\rأما الاستطاعة بالغير هو: أن يكون الرجل عاجزًا بنفسه، بأن كان زَمِنًا أو به مرض غير مرجو الزوال، لكن له مال يمكنَّه أن يستأجر من يحج عنه، يجب عليه أن يستأجر، أو لم يكن له مال لكن بذل له ولدُه أو أجنبيّ الطاعةَ في أن يحج عنه، يلزمه أن يأمره إذا كان يعتمدُ صِدقَه، لأن وجوب الحج [يتعلق] (3) بالاستطاعة، ويقال في العرف: فلان مستطيع لبناء دار وإن كان لا يفعله بنفسه، وإنما يفعله بماله أو بأعوانه.\rوعند أبي حنيفة لا يجب الحج ببذل الطاعة، وعند مالك لا يجب على المعضوب في المال.\rوحُجّةُ من أوجبه ما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عباس أنه قال: كان الفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءته امرأة من خَثْعَم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله إن فريضة\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في التفسير تفسير سورة آل عمران: 8 / 348، وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن يزيد الخوزي المكي وقد تكلم بعض أهل العلم في إبراهيم بن يزيد من قبل حفظه. والشافعي في ترتيب المسند: 1 / 284. وأخرجه ابن ماجه في المناسك باب ما يوجب الحج برقم (2896): 2 / 967 والدارقطني في السنن: 2 / 217 والمصنف في شرح السنة: 7 / 14. قال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير: 2 / 221: \"وطرقه كلها ضعيفة، وقد قال عبد الحق: إن طرقه كلها ضعيفة، وقال أبو بكر ابن المنذر: لا يثبت الحديث في ذلك مسندا والصحيح من الروايات رواية الحسن مرسلة\".\r(2) ساقط من: أ.\r(3) في أ: \"معلق\".","part":2,"page":73},{"id":477,"text":"الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: \"نعم\" (1) .\rقوله تعالى: { وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ } قال ابن عباس والحسن وعطاء: جَحَدَ فَرْضَ الحج، وقال مجاهد: من كفر بالله واليوم الآخر.\rوقال سعيد بن المسيب: نزلت في اليهود حيث قالوا: الحج إلى مكة غير واجب.\rوقال السدي: هو من وجد ما يحج به ثم لم يحج حتى مات فهو كفرٌ به أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو الحسن الكَلَمَاتي، أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر، أخبرنا سهل بن عمار، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا شريك، عن الليث عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"من لم تَحْبسْه حاجةٌ ظاهرة أو مرض حابس أو سلطان جائر، ولم يحجَّ فليمتْ إنْ شاء يهوديا وإنْ شاء نصرانيًا\" (2) .\r{ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) }\rقوله تعالى: { قل يا أهل الكتاب لما تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون }\r{ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } أي: لم تصرفون عن دين الله، { مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا }\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الحج باب وجوب الحج وفضله: 3 / 378، وفي باب حج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة، وباب حج المرأة عن الرجل، ومسلم في الحج باب الحج عن العاجز لزمانة أو هو محرم ونحوه برقم (1334): 2 / 973. والمصنف في شرح السنة: 7 / 25.\r(2) روي هذا الحديث بألفاظ متقاربة عن عدد من الصحابة بطرق ضعيفة، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وقال العقيلي والدارقطني: لا يصح فيه شيء. قال ابن حجر: وله طرق أحدها: أخرجه سعيد بن منصور في السنن وأحمد وأبو يعلى والبيهقي من طرق عن شريك عن ليث بن أبي سليم عن ابن سابط عن أبي أمامة . . . وليث: ضعيف وشريك: سيئ الحفظ وقد خالفه سفيان فأرسله. ورواه أحمد في كتاب الإيمان له عن وكيع عن سفيان عن ليث عن ابن سابط. . . فذكره مرسلا، وذكره ابن أبي شيبة عن ليث مرسلا، وأورده أبو يعلى من طريق أخرى عن شريك عن ليث مخالفة للإسناد الأول. والثاني: عن علي مرفوعا: من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا. . ورواه الترمذي وقال: غريب وفي إسناده مقال، والحارث يضعّف. كتاب الحج باب ما جاء من التغليظ في ترك الحج: 3 / 541. والثالث: عن أبي هريرة مرفوعا، رواه ابن عدي من حديث عبد الرحمن القطابي عن أبي المهزم وهما متروكان. وله طرق صحيحة إلا أنها موقوفة رواها سعيد بن منصور والبيهقي عن عمر بن الخطاب. ثم قال: \"وإذا انضم هذا الموقوف إلى مرسل ابن سابط علم أن لهذا الحديث أصلا. ومحمله على من استحل الترك وتبين بذلك خطأ من ادعى أنه موضوع. والله أعلم\". تلخيص الحبير: 2 / 222 - 223 الكافي الشاف ص 28. وانظر: نصب الراية للزيلعي: 4 / 410 - 411 .","part":2,"page":74},{"id":478,"text":"تطلبونها، { عِوَجًا } زيغًا وميلا يعني: لم تصدون عن سبيل الله باغين لها عوجًا؟ قال أبو عبيدة: العِوج -بالكسر -في الدينِ والقولِ والعملِ والعَوَجُ -بالفتح -في الجدار، وكل شخص قائم، { وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّه بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } [أن في التوراة مكتوبًا] (1) نعت محمد صلى الله عليه وسلم وإن دين الله الذي لا يقبل غيره هو الإسلام.\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } قال زيد بن أسلم: إن شاسَ بن قيس اليهودي -وكان شيخا عظيم الكفر شديد الطعن على المسلمين -مرَّ على نفر من الأوس والخزرج في مجلس جمعهم يتحدثون، فغاظه ما رأى من ألفتهم وصلاح ذات بينهم في الإسلام بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة، قال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد لا والله ما لنا معهم إذا اجتمعوا بها من قرار، فأمر شابا من اليهود كان معه فقال: اعمد إليهم واجلس معهم ثم ذكرهم يومَ بُعاثٍ وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، وكان بُعاث يومًا اقتتلت فيه الأوس مع الخزرجِ وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج، ففعل وتكلم فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيّين على الرُّكَب، أوسَ بن قبطي أحد بني حارثة من الأوس، وجبار بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج، فتقاولا ثم قال أحدهِما لصاحبه: إن شئتم والله رددتها الآن جذعة، وغضب الفريقان جميعا وقالا قد فعلنا السلاحَ السلاحَ موعدكم الظاهرة، وهي حرة فخرجوا إليها، وانضمت الأوس والخزرج بعضها إلى بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين حتى جاءهم. فقال صلى الله عليه وسلم: يا معشر المسلمين أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام وقطع به عنكم أمر (2) الجاهلية، وألف بينكم؟ ترجعون إلى ما كنتم عليه كفارًا، الله الله !! فعرف القوم أنها نزغُة من 64/ب الشيطان وكيدٌ من عدوهم فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا وعانق بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين فأنزل الله تعالى فيهم هذه\r__________\r(1) في أ: \"أن التوراة فيها مكتوب\" .\r(2) في أ: \"إصر\" .","part":2,"page":75},{"id":479,"text":"الآية (1) .\r{ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ } قال جابر: فما رأيت قط يومًا أقبح أولا وأحسن آخرًا من ذلك اليوم، ثم قال الله تعالى على وجه التعجب:\r__________\r(1) قال ابن حجر في الكافي الشاف ص 29: \"أخرجه الطبري عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، وأخرجه ابن إسحاق في المغازي، وذكره ابن هشام فلم يذكر إسناد ابن إسحاق، وذكره الثعلبي والواحدي في أسبابه عن زيد ابن أسلم بغير إسناد\". وعزاه السيوطي أيضا لابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ. انظر: الدر المنثور: 4 / 278 - 279، أسباب النزول للواحدي ص (149 - 150). الطبري: 7 / 55 - 56 وسيرة ابن هشام: 2 / 556 - 557.","part":2,"page":76},{"id":480,"text":"{ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) }\r{ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ } يعني: ولِمَ تكفرون؟ { وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَات اللَّهِ } القرآن، { وَفِيكُمْ رَسُولُهُ } محمد صلى الله عليه وسلم.\rقال قتادة في هذه الآية علمان بيِّنان: كتابُ الله ونبيُّ الله أما نبيُّ الله فقد مضَى وأمّا كتاب الله فأبقاه بين أظهركم رحمةً من الله ونعمة.\rأخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الحميدي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، أنا أبو الفضل الحسن بن يعقوب بن يوسف العدل، أخبرنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب العبدي أنا أبو جعفر بن عوف أخبرنا أبو حيان يحيى بن سعيد بن حبان [عن يزيد بن حيان] (1) قال: سمعت زيد بن أرقم قال: \"قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد أيها الناس إنما أنا بشر يُوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيبه، وإني تارك فيكم الثقلين أولهما: كتابُ الله فيه الهدى والنور، فتمسكوا بكتاب الله وخذوا به فحثّ عليه ورغّب فيه ثم قال: وأهلُ بيتيّ أُذكِّرُكُمُ الله في أهل بيتي (2) .\rقوله تعالى { وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ } أي: يمتنع بالله ويستمسك بدينه وطاعته، { فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } طريقا واضح، وقال ابن جريج ومن يعتصم بالله أي: يُؤمن بالله، وأصل العصمة: المنع، فكل مانع شيئا فهو عاصم له.\r__________\r(1) زيادة من: ب.\r(2) قطعة من حديث أخرجه مسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب برقم (2408): 4 / 1873 - 1874، والمصنف في شرح السنة: 14 / 117 - 118.","part":2,"page":76},{"id":481,"text":"{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) }\rقوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } قال مقاتل بن حيان: كان بين الأوس والخزرج عداوة في الجاهلية وقتال حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فأصلح بينهم فافتخر بعده منهم رجلان: ثعلبة بن غنم من الأوس وأسعد بن زرارة من الخزرج، فقال الأوسي: منّا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، ومنّا حنظلة غسيل الملائكة، ومنا عاصم بن ثابت بن أفلح حميُّ الدبر، ومنّا سعد بن معاذ الذي اهتز [لموته] (1) عرش الرحمن ورضي الله بحكمه في بني قريظة.\rوقال الخزرجي: منّا أربعة أحكموا القرآن: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، ومنّا سعد بن عبادة خطيب الأنصار ورئيسهم، فجرى الحديث بينهما فغضبا وأنشدا الأشعار وتفاخرا، فجاء الأوس والخزرج ومعهم السلاح فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } (2) .\rوقال عبد الله بن مسعود وابن عباس: هو أن يُطَاع فلا يُعصى، قال مجاهد: أن تُجاهدوا في سبيل الله حق جهاده ولا تأخذكم في الله لَوْمَةُ لائمٍ وتقوموا لله بالقسط ولو على أنفسكم وآبائكم وأبنائكم. وعن أنس أنه قال: لا يتقي الله عبد حقَّ تقاته حتى يخزن لسانه.\rقال أهل التفسير: فلما نزلت هذه الآية شقَّ ذلك عليهم، فقالوا: يا رسول الله ومَنْ يقْوى على هذا؟ فأنزل الله تعالى: \" فاتقوا الله ما استطعتم \"( التغابن 16 ) فنسخت هذه الآية وقال مقاتل: ليس في آل عمران من المنسوخ إلا هذا. (3) .\r{ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } أي: مؤمنون، وقيل مخلصون مفوضون أموركم إلى الله عز وجل وقال الفضيل: مُحسنون الظّنَّ بالله.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أبو بكر العبدوسي، أخبرنا أبو بكر بن محمد بن حمدون بن خالد بن يزيد، أخبرنا سليمان بن سيف، أخبرنا وهب بن جرير، أنا شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يا أيها الناس اتقوا الله حقَّ تقاته فلو أن قطرةً من الزقوم قُطرتْ على الأرض لأمرَّتْ على أهل الدنيا معيشتَهم، فكيف بمن هو طعامه وليس له طعام غيره\"؟ (4) .\r__________\r(1) ساقط من: \"أ\" .\r(2) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (151).\r(3) انظر الطبري: 7 / 68 - 69 فقد ذكر الرأيين ولم يرجح أحدهما ونقل الشيخ محمود شاكر عن النحاس أنه رجح القول بعدم النسخ فراجعه.\r(4) أخرجه الترمذي في صفة جهنم باب ما جاء في صفة شراب أهل النار: 7 / 307، وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه في الزهد باب صفة النار برقم (4325) 2 / 1446، والحاكم في المستدرك: 2 / 294 وصححه على شرط الشيخين وابن حبان في موارد الظمآن للهيثمي ص 649، والإمام أحمد في المسند: 1 / 301 ، 338، والمصنف في شرح السنة: 15 / 246. وعزاه السيوطي أيضا: لابن المنذر وابن أبي حاتم والطيالسي والطبراني والبيهقي في البعث والنشور. . . انظر: الدر المنثور: 2 / 284. وانظر تفسير ابن كثير: 1 / 389. وصححه الألباني في تعليقه على المشكاة: 3 / 1582.","part":2,"page":77},{"id":482,"text":"{ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) }\rقوله عز وجل: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا } الحبل: السبب الذي [يُتوصّل] (1) به إلى البغية وسمي الإيمان حبلا لأنه سبب يتوصل به إلى زوال الخوف.\rواختلفوا في معناه هاهنا، قال ابن عباس: معناه تمسكوا بدين الله، وقال ابن مسعود: هو الجماعة، وقال: عليكم بالجماعة فإنها حبل الله الذي أمر الله به، وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة خيرٌ مما تحبون في الفرقة. وقال مجاهد وعطاء: بعهد الله، وقال قتادة والسدي: هو القرآن، ورُوي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إن هذا القرآن هو حبل الله وهو النور المبين، والشفاء النافع، وعصمةٌ لمن تمسّك به ونجاةٌ لمن تبعه\" (2) وقال مقاتل بن حيان: بحبل الله: أي بأمر الله وطاعته، { وَلا تَفَرَّقُوا } كما\r__________\r(1) في أ: \"يوصل\" .\r(2) أخرجه الترمذي عن علي رضي الله عنه في فضائل القرآن باب ما جاء في فضل القرآن: 8 / 218 - 221 وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات وإسناده مجهول، وفي حديث الحارث مقال، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 10 / 482. وله شاهد من حديث معاذ بن جبل قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الفتن فعظمها فقال علي بن أبي طالب يا رسول الله فما المخرج منها؟ قال: كتاب الله فيه حديث ما قبلكم. . . . رواه الطبراني وفيه عمرو بن واقد وهو متروك انظر: مجمع الزوائد: 7 / 165. وأخرجه الدارمي عن عبد الله بن مسعود في فضائل القرآن باب فضل من قرأ القرآن: 2 / 431، والحاكم في المستدرك: 1 / 555 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بصالح بن عمر، وقال الحافظ الذهبي: صالح ثقة أخرج له مسلم لكن إبراهيم بن مسلم الهجري ضعيف. ورواه الطبراني أيضا قال الهيثمي: 7 / 164: وفيه إبراهيم بن مسلم الهجري وهو متروك، وابن أبي شيبة في المصنف: 10 / 482 - 483 وعبد الرزاق في المصنف: 2 / 375 من طريق ابن عيينة عن إبراهيم الهجري، وأورده في كنز العمال من رواية ابن أبي شيبة وعزاه ابن كثير أيضا لأبي عبيد القاسم بن سلام. تفسير ابن كثير: 4 / 582. وعزاه ابن حجر للبزار أيضا وإسحاق من طريق الحارث قال البزار: \"لا نعلمه إلا من طريق علي، ولا نعلمه رواه عنه إلا الحارث. انظر: الكافي الشاف لابن حجر: ص 29. وقال: الحافظ ابن كثير بعد أن ساق رواية الترمذي: لم ينفرد بروايته حمزة الزيات، بل قد رواه محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي عن الحارث فبرئ حمزة من عهدته. . . . وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وقد وهم بعضهم في رفعه وهو كلام حسن صحيح على أنه قد روي له شاهد عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم ساق حديث أبي عبيد عنه. انظر فضائل القرآن الملحق بالتفسير لابن كثير: 4 / 582.","part":2,"page":78},{"id":483,"text":"[افترقت] (1) اليهود والنصارى، أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إن الله تعالى يرضى لكم ثلاثا، ويسخط لكم ثلاثا يرضى لكم أن تعبدوه ولا تُشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا وأن تُناصِحوُا من وَلَّى اللهُ أمرَكم، ويسخط لكم: قِيْلَ وقال، وإضاعةَ المال وكثرةَ السؤال\" (2) .\rقوله تعالى: { وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ } قال محمد بن إسحاق بن يسار وغيره من أهل الأخبار: كانت الأوس والخزرج أخوين لأب وأم فوقعتْ بينهما عداوةٌ بسبب قتيل، فتطاولت تلك العداوة والحربُ بينهم عشرين ومائة سنة إلى أن أطفأ الله عز وجل ذلك بالإسلام وألف [بينهم] (3) برسوله محمد صلى الله عليه وسلم وكان سبب ألفتهم أن سويد بن الصامت أخا بني عمرو بن عوف وكان شريفا يسميه قومه الكامل لجلَدِهِ ونسبه، قدم مكة حاجًا أو معتمرًا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بُعث وأُمر بالدعوة، فتصدى له حين سمع به ودعاه إلى الله عز وجل وإلى الإسلام فقال له سويد: فلعلّ الذي معك مثل الذي معي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: [وما الذي معك قال: مجلّة لقمان يعني حكمته فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم] (4) اعرضها علي فعرضها، فقال: إنَّ هذا لكَلامٌ حسن، معي أفضل من هذا قرآن أنزله الله عليّ نورًا وهدىً فتلا عليه القرآن ودعاه إلى الإسلام فلم [يَبْعُدْ] (5) منه وقال: إن هذا [ لقول] (6) حسن، ثم انصرف إلى المدينة فلم يلبث أن قتلته الخزرج قبل يوم بُعاث فإنَّ قومه ليقولون: قد قتل وهو مسلم.\rثم قدم أبو الحيسر أنس بن رافع ومعه 65/أ فئة من بني الأشهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحِلْفَ من قريش على قوم من الخزرج، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم فجلس إليهم، فقال: هل لكم إلى خيرٍ مما جئْتُم له؟ فقالوا: وما ذلك؟ قال: أنا رسول الله بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن لا يشركوا بالله شيئا، وأنزل علي الكتاب، ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن، فقال إياس بن معاذ وكان غلاما حدثا: أي قوم هذا والله خير مما جئتم له، فأخذ أبو الحيسر حفنة من البطحاء فضرب بها وجه إياس\r__________\r(1) في أ: \"تفرقت\".\r(2) أخرجه مسلم في الأقضية باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة . . . برقم (1715): 3 / 1340 وأخرج البخاري من حديث المغيرة أنه صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال، وأخرجه المصنف في شرح السنة: 1 / 202 - 203.\r(3) في أ: \"بين قلوبهم\".\r(4) زيادة من \"أ\" .\r(5) في أ: \"يبعده\".\r(6) في أ: \"القرآن\".","part":2,"page":79},{"id":484,"text":"وقال: دعنا منك فلعمري لقد جئنا لغير هذا، فصمت إياس وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم، وانصرفوا إلى المدينة وكانت وقعة بُعاث بين الأوس والخزرج، ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك.\rفلما أراد الله عز وجل إظهار دينه وإعزازَ نبيه خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقي فيه النفر من الأنصار يعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم، فلقي عند العقبة رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرًا، وهم ستة نفر: أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث وهو ابن عفراء، ورافع بن مالك العجلاني، وقطبة بن عامر بن حديدة، وعقبة بن عامر بن نابي، وجابر بن عبد الله، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أنتم؟ قالوا: نفرٌ من الخزرج، قال: أمن موالي يهود؟ قالوا: نعم: قال: أفلا تجلسون حتى أكلّمكم؟ قالوا: بلى، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله عز وجل وعرضَ عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن.\rقالوا: وكان مما صنع الله لهم به في الإسلام أن يهودًا كانوا معهم ببلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وهم كانوا أهل أوثان وشرك، وكانوا إذا كان منهم شيء قالوا: إن نبيا الآن مبعوثٌ قد أظل زمانه نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرَم، فلمّا كلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى الله عز وجل قال بعضهم لبعض: يا قوم تعلمون والله إنه النبي الذي تَوعَّدَكُم به يهود، فلا يسبقُنكَّم إليه، فأجابوه وصدقوه وأسلموا، وقالوا: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشرّ ما بينهم وعسى الله أن يجمعهم بك، وسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعزّ منك.\rثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين إلى بلادهم قد آمنوا به صلى الله عليه وسلم، فلما قدموا المدينة ذَكَرُوا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم فلم يبق دارٌ من دُور الأنصار إلا وفيها ذكرٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا وهم: أسعد بن زرارة، وعوف، ومعاذ ابنا عفراء، ورافع بن مالك بن العجلان، وذكوان بن عبد القيس، وعبادة بن الصامت، ويزيد بن ثعلبة، وعباس بن عبادة، وعقبة بن عامر، وقطبة بن عامر، وهؤلاء خزرجيّون وأبو الهيثم بن التيهان، وعويمر بن ساعدة من الأوس، فلقوه بالعقبة وهي العقبة الأولى، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء، على أن لا يشركوا بالله شيئًا ولا يسرقوا ولا يزنوا، إلى آخر الآية فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم شيئًا من ذلك فأُخذتم بحدّه في الدنيا فهو كفارةٌ له، وإن ستر عليكم فأمركم إلى الله إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم، قال: وذلك قبل أن يفرض عليهم الحرب.\rقال: فلما انصرف القوم بعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مُصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويُفقهَهم في الدين، وكان مُصعب يُسمى بالمدينة المقرئ، وكان منزله على أسعد بن زرارة، ثم إن أسعد بن زرارة خرج بمصعب فدخل به حائطًا، من حوائط بني ظفر،","part":2,"page":80},{"id":485,"text":"فجلسا في الحائط واجتمع إليهما رجال ممن أسلم، فقال سعد بن معاذ لأسيد بن حُضير: انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارنا ليسفها ضعفاءَنا فازجرهما، فإن أسعد بن زرارة ابن خالتي ولولا ذاك لكفيتكه، وكان سعد بن معاذ وأُسَيْد بن حضير سَيِّدَيْ قومِهما من بني عبد الأشهل وهما مشركان، فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إلى مصعب وأسعد وهما جالسان في الحائط، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب: هذا سيد قومه قد جاءك فأصدق الله فيه، قال مصعب: إن يجلسْ أكلمه قال: فوقف عليهما متشتّمًا فقال: ما جاء بكم إلينا تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلا إن كانت لكما في أنفسكما حاجة، فقال له مصعب: أوَ تجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كُفّ عنك ما تكره، قال: أنصفتَ ثم ركز حربته وجلس إليهما فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن فقالا والله لَعَرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم به، في إشراقه وتسهله، ثم قال: ما أحسن هذا الكلام وأجمله ! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له : تغتسلُ وتُطهرُ ثوبَيك ثم تشهد شهادة الحق [ثم تصلي ركعتين فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق] (1) ثم قام وركع ركعتين ثم قال لهما: إنَّ ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكما الآن، سعد بن معاذ، ثم أخذ حربته فانصرف إلى سعد وقومه، وهم جلوس في ناديهم فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب من عندكم، فلما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلمّتُ الرجلين فوالله ما رأيت بهما بأسًا وقد نهيتُهما فقالا فافعل ما أحببت، وقد حُدثتُ أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زُرارة ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليحقروك فقام سعد [مغضبًا] (2) مبادرًا للذي ذكر له من بني حارثة، فأخذ الحربة ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئا فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدًا إنما أراد أن يسمع منهما فوقف عليهما مَتشتمًا ثم قال لأسعد بن زرارة: لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، تغشانا في دارنا بما نكره وقد قال أسعد لمصعب: جاءك والله سيد قومه، إن يتبعك لم يخالفك منهم أحد، فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع فإن رضيت أمرًا ورغبتَ فيه قبلتَه، وإن كرهتَه عَزلنا عنك ما تكره، قال سعد: أنصفت، ثم ركز الحربة وجلس، فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن قالأ 65/ب فعرفنا والله في وجهه الإسلام: قبل أن يتكلم به في إشراقه وتسهله، ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ قالا تغتسل وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق ثم [تصلي] (3) ركعتين فقام واغتسل وطهر ثوبيه وشهد شهادة الحق وركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عامدا إلى نادي قومه ومعه أُسَيْد بن حضير فلما رآه قومه مقبلا قالوا: نحلف بالله لقد رجع سعد إليكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيًا وأيمننا نقيبةً قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله، قال: فما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجلُ ولا امرأةٌ إلا مسلم أو مسلمة، ورجع أسعد بن زرارة ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة، فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال مسلمون ونساء مسلمات إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف، وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت الشاعر، وكانوا يسمعون منه ويطيعونه فوقف بهم عن الإسلام حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومضى بدرٌ وأُحد والخندق.\rقالوا: ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة وخرج معه من الأنصار من المسلمين سبعون رجلا مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة فواعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام التشريق وهي بيعة العقبة الثانية.\rقال كعب بن مالك -وكان قد شهد ذلك -فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر أخبرناه وكنا نكتم عمن معنا من المشركين من قومنا أمرنا فكلمناه، وقلنا له: يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا وإنا نرغب بك عمّا أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا، ودعوناه إلى الإسلام فأسلم، وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد معنا العقبة، وكان نقيبا، فبتنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل مستخفين تسلل القطا، حتى اجتمعنا في الشِّعب عند العقبة، ونحن سبعون رجلا ومعنا امرأتان من نسائنا نسيبة بنت كعب أم عمارة إحدى نساء بني النجار، وأسماء بنت عمرو بن عدي أم منيع إحدى نساء بني سلمة، فاجتمعنا بالشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، ويتوثق له، فلما جلسنا كان أول من تكلم العباس بن عبد المطلب، فقال: يا معشر الخزرج -وكانت العرب يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج خزرجها وأوسها -إن محمدًا صلى الله عليه وسلم منّا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا وهو في عزّ من قومه ومنعة في بلده، وأنه قد أبى إلا الانقطاع إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مُسْلِمُوه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه فإنه في عزٍ ومنعةٍ.\rقال: فقلنا قد سمعنا ما قلت: فتكلمْ يا رسول الله وخذْ لنفسك ولربِّك ما شئت.\rقال: فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الإسلام، ثم قال أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه [أنفسكم ونساءكم] (4) وأبناءكم، قال: فأخذ البراء بن مَعْرُور بِيدِهِ ثم قال: والذي\r__________\r(1) زيادة من نشخة \"أ\".\r(2) في أ: \"مبغضا\" وهو خطأ.\r(3) في أ: : \"تركع\".\r(4) ساقطة من: \"أ\" و \"أنفسكم\" ساقطة من \"ب\".","part":2,"page":81},{"id":486,"text":"بعثك بالحق نبيا لنمنعك مما نمنع منه أُزُرَنَا فبايعنا يا رسول الله، فنحن أهل الحرب وأهل الحلقة ورثناها كابرا عن كابر.\rقال: [فاعترض] (1) القول -والبراءَ يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم -أبو الهيثم بن التيهان، فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الناس حبالا يعني العهود، وإنا قاطعوها فهل عسيتَ إن فعلنا نحن ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا، فتبسّم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: الدم الدم والهدم الهدم أنتم مني وأنا منكم أحاربُ من حاربتم وأسالم من سالمتم.\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبًا كفلاء على قومهم بما فيهم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم\" فأخرجوا اثني عشر نقيبًا تسعةً من الخزرج وثلاثةً من الأوس.\rقال عاصم بن عمرو بن قتادة: إن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العباس بن عُبادة بن نَضْلة الأنصاري: يا معشر الخزرج هل تدرون علاما تبايعون هذا الرجل؟ إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة واشرافكم قتلى أسلمتموه، فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خِزْيٌ في الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتُموه إليه من تهلكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة.\rقالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفيَّنا؟ قال: \"الجنة\" قال: ابسطْ يَدكَ فبسطَ يده فبايعوه، وأول من ضرب على يده البراء بن مَعْرُور ثم تتابع (2) القوم، فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت ما سمعتُه قط: يا أهل الجباجب هل لكم في مُذَمَّمٍ والصُّباة قد اجتمعوا على حربكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا عدو الله، هذا أزبّ العقبة، اسمع أي عدو الله أما والله لأفرغنّ لك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارفضوا إلى رحالكم.\rفقال العباس بن عبادة بن نضلة: والذي بعثك بالحق لئن شئت [لنميلن] (3) غدًا على أهل منًى بأسيافنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لم نُؤْمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم.\rقال فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها حتى أصبحنا فلما أصبحنا غدت علينا جِلّةُ قريش حتى جاؤونا في منازلنا، فقالوا: يا معشر الخزرج بلغنا أنكم جئتم صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا\r__________\r(1) في أ: \"فعرض\" .\r(2) في أ: (تبايع).\r(3) في ب: (لنملين) .","part":2,"page":83},{"id":487,"text":"وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم [منكم] (1) قال: فانبعث مَنْ هناك من مشركي قومنا يحلفون لهم بالله: ما كان من هذا شيء وما علمناه وصدقوا، ولم يعلموا، وبعضُنا ينظر إلى بعض، وقام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة [المخزومي] (2) وعليه نعلان جديدان، قال فقلت له كلمة كأني أريد أن 66/أ أشرك القوم بها فيما قالوا يا جابر أما تستطيع أن تتخذ وأنت سيد من ساداتنا مثل نعلي هذا الفتى من قريش، قال فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه ثم رمى بهما إلي وقال: والله لتنتعلنهما قال يقول أبو جابر رضي الله عنه: مه والله أحْفَظْتَ الفتى فاردد إليه نعليه، قال: لا أردهما فألٌ -والله -صالح والله لئن صدق الفأل [لأسلبنه] (3) .\rقال: ثم انصرف الأنصار إلى المدينة وقد شدّدوا العقد، فلما قدموها أظهروا الإسلام بها وبلغ ذلك قريشا فآذوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: \"إن الله تعالى قد جعل لكم إخوانًا ودارًا تأمنون فيها\" فأمرهم بالهجرة إلى المدينة واللحوق بإخوانهم من الأنصار.\rفأول من هاجر إلى المدينة أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، ثم عامر بن ربيعة ثم عبد الله بن جحش ثم تتابع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أرْسالا إلى المدينة فجمع الله أهل المدينة أوسها وخزرَجَها بالإسلام، وأصلح ذات بينهم بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم (4) .\rقال الله تعالى: { وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ } يا معشر الأنصار { إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً } قبل الإسلام { فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ } بالإسلام، { فَأَصْبَحْتُمْ } أي فصرتم، { بِنِعْمَتِهِ } برحمته وبدينه الإسلام، { إِخْوَانًا } في الدِّين والولاية بينكم { وَكُنْتُمْ } يا معشر الأوس والخزرج { عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ } أي على طرف حفرة مثل شفا البئر معناه: كنتم على طرف حفرة من النار ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلا أن تموتوا على كفركم، { فَأَنْقَذَكُمْ } الله { مِنْهَا } بالإيمان، { كَذَلِكَ يُبَيِّن اللَّه لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }\r{ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) }\r{ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ } أي: كونوا أمةً، { من } صلة ليست للتبعيض، كقوله تعالى: \" فاجتنبوا الرجس من الأوثان \"\r__________\r(1) ساقط من (أ) .\r(2) ساقط من (أ) .\r(3) في أ: (لأستغلبنه).\r(4) أخرج هذه القصة ابن إسحاق في المغازي 1 / 265 - 266 من سيرة ابن هشام مع الروض الأنف وعنه أخرجها الطبري في التفسير: 7 / 78 - 79.","part":2,"page":84},{"id":488,"text":"( الحج -30 ) لم يُرِدْ اجتناب بعض الأوثان بل أراد فاجتنبوا الأوثان، واللام في قوله { وَلْتَكُنْ } لام الأمر، { يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ } إلى الإسلام، { وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُم الْمُفْلِحُونَ }\rأخبرنا إسماعيل عبد القاهر، قال أنا عبد الغافر بن محمد، قال أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم (1) بن محمد بن سفيان، ثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر محمد بن أبي شيبة، أخبرنا وكيع، عن سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال قال أبو سعيد رضي الله عنهما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان\" (2) .\rأخبرنا أبو عبد الله بن الفضل الخرقي، قال أخبرنا أبو الحسن الطيسفوني، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني، أخبرنا علي بن حجر، أخبرنا إسماعيل بن جعفر، أنا عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهلي، عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"والذي نفسي بيده لتأمُرُنَّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر أو ليوشِكَنَّ الله أن يبعث عليكم عذابًا من عنده ثم لتدْعُنّه فلا يستجاب لكم\" (3) .\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، أنا علي بن الحسين الدراوردي أخبرنا أبو النعمان، أخبرنا عبد العزيز بن مسلم القِسمليّ، أنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم، قال: سمعت أبا بكر الصديق رضي الله عنه يقول: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"إن الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله تعالى بعذابه\" (4) .\r__________\r(1) في أ: عيسى بن محمد.\r(2) أخرجه مسلم في الإيمان باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان برقم (78): 1 / 69.\r(3) أخرجه الترمذي في الفتن باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: 6 / 391 وقال: هذا حديث حسن والإمام أحمد في المسند: 5 / 388 والمصنف في شرح السنة: 14 / 345. قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط والبزار عن أبي هريرة وفيه حبان بن علي وهو متروك وقد وثقه ابن معين في رواية وضعفه في أخرى. مجمع الزوائد: 7 / 266.\r(4) أخرجه أبو دواد في الملاحم باب الأمر والنهي: 6 / 187، وعزاه المنذري للنسائي، وأخرجه الترمذي في الفتن باب ما جاء في نزول العذاب إذا لم يغيروا المنكر: 6 / 388 - 389 وفي التفسير سورة المائدة 8 / 422 - 423 وقال: حديث حسن صحيح. وابن ماجه في الفتن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر برقم (4005): 2 / 1327 وأحمد في المسند: 1 / 7 وابن حبان ص (455) من موارد الظمآن والمصنف في شرح السنة: 14 / 344 وأبو بكر المروزي في مسند أبي بكر الصديق برقم (86 - 88) ص 130 - 131 وقال الحافظ ابن كثير في التفسير : 2 / 110 \" وقد روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة وابن حبان في صحيحه وغيرهم من طرق كثيرة عن جماعة كثيرة عن إسماعيل بن أبي خالد به متصلا مرفوعا ومنهم من رواه عنهم موقوفا على الصديق. وقد رجح رفعه الدارقطني وغيره\". وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني: 4 / 88 - 89.","part":2,"page":85},{"id":489,"text":"أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عمرو بن حفص بن غياث، أخبرنا أبي أنا الأعمش حدثني الشعبي أنه سمع النعمان بن بشير رضي الله عنه يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"مثل المداهن في حدود الله تعالى والواقع فيها، كمثل قوم اسْتَهَمُوا على سفينة فصار بعضهم في أسفلها وصار بعضهم في أعلاها، فكان الذين في أسفلها يمرون بالماء على الذين في أعلاها، فتأذوا به فأخذ فأسا فجعل ينقر أسفل السفينة، فأتوه فقالوا: مالك؟ فقال تأذيتم بي ولا بد لي من الماء (1) فإن أخذوا على يديه أنْجوه ونَجَّوا أنفسهم وإن تركوه أهلكوه وأهلكوا أنفسهم\" (2) .\r{ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) }\rقوله تعالى: { وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُم الْبَيِّنَاتُ } قال أكثر المفسرين: هم اليهود والنصارى، وقال بعضهم: المبتدعة من هذه الأمة، وقال أبو أمامة رضي الله عنه هم الحرورية بالشام.\rقال عبد الله بن شداد: وقف أبو أمامة وأنا معه على رأس (3) الحرورية بالشام فقال: هم كلاب النار، كانوا مؤمنين فكفروا بعد إيمانهم ثم قرأ { وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُم الْبَيِّنَاتُ } إلى قوله تعالى { أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ }\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو الحسن بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الله بن الزبير، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"من سرّه أن سره بحبوحة الجنة فعليه بالجماعة فإن الشيطان مع الفذ وهو من الاثنين أبعد\" (4) .\r__________\r(1) في أ: \"ماء\" .\r(2) أخرجه البخاري في الشهادات باب القرعة في المشكلات: 5 / 292 بلفظه، وأخرجه المصنف في شرح السنة: 14 / 342 بألفاظ مقاربة.\r(3) في أ: \"رؤوس\".\r(4) قطعة من حديث طويل في خطبة عمر بالجابية، أخرجه الترمذي: في الفتن باب ما جاء في لزوم الجماعة: 6 / 383 - 386 وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقد رواه ابن المبارك عن محمد بن سوقة، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة: برقم (86 - 88): 1 / 42 واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: 1 / 106 - 107 والحاكم في المستدرك: 1 / 114 وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وذكر له شاهدين. والإمام أحمد في المسند 1 / 18 عن عمر رضي الله عنه وصححه الألباني في تعليقه على السنة لابن أبي عاصم.","part":2,"page":86},{"id":490,"text":"قوله تعالى: { وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }\r{ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) }\r{ يَوْمَ تَبْيَضّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدّ وُجُوهٌ } { يَوْمَ } نصب على الظرف أي: في يوم وانتصاب الظرف على التشبيه بالمفعول، يريد: تبيض وجوه المؤمنين وتسودُّ وجوه الكافرين وقيل: تبيض وجوه المخلصين وتسود وجوه المنافقين.\rوعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ هذه الآية قال تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة.\rقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس إذا كان يوم القيامة رفع لكل قوم ما كانوا يعبدونه، فيسعى كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، وهو قوله تعالى: \" نوله ما تولى \"( النساء -115 ) فإذا انتهوا إليه حزنوا فتسودُّ وجوههم من الحزن، وبقي أهل القبلة واليهود والنصارى لم يعرفوا شيئا مما رفع لهم فيأتيهم الله فيسجد له من كان يسجد في الدنيا مطيعًا مؤمنًا ويبقى أهل الكتاب والمنافقون لا يستطيعون السجود، ثم يؤذن لهم فيرفعون رؤوسهم ووجوه المؤمنين مثل الثلج بياضًا والمنافقون وأهل الكتاب إذا نظروا إلى وجوه المؤمنين حزنُوا حزنًا شديدًا فاسودتْ وجوهُهم فيقولون: ربنا ما لنا مسودة وجوهنا فوالله ما كنا مشركين؟ فيقول الله للملائكة: \" انظروا كيف كذبوا على أنفسهم \"( الأنعام -24 ).\rقال أهل المعاني: ابيضاض الوجوه: إشراقها واستبشَارُها وسُرورها بعلِمها وبثوابِ الله، واسودِادها: حزنها وكآبتها وكسوفُها بعملها وبعذاب الله، يدل عليه قوله تعالى: \" للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهقُ وجوهَهم قترٌ ولا ذلة \"( يونس -26 ) وقال تعالى: \" والذين كسبوا السيئات جزاءُ سيئة بمثلها وترهقُهم ذلة \" 66/ب ( يونس -27 ) وقال: \" وجوهٌ يومئذ ناضرةٌ إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسِرَةٌ \"( القيامة 22 -24 ) وقال \" وجوهٌ يومئذ مُسْفِرةٌ ضاحكة مستبشرةٌ ووجوهٌ يومئذٍ عليها غَبَرةٌ \"( عبس 37 -40 ) .\r{ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّت ْوُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ } معناه: يقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم؟ { فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ }","part":2,"page":87},{"id":491,"text":"فإن قيل: كيف قال: أكفرتم بعد إيمانكم وهم (1) لم يكونوا مؤمنين؟ حُكي عن أُبي بن كعب أنه أراد به: الإيمان يوم الميثاق، حين قال لهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى يقول: أكفرتم بعد إيمانكم يوم الميثاق؟ وقال الحسن: هم المنافقون تكلموا بالإيمان بألسنتهم، وأنكروا بقلوبهم.\rوعن عكرمة: أنهم أهل الكتاب، آمنوا بأنبيائهم وبمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يُبعث فلما بُعث كفروا به.\rوقال قوم: هم من أهل قبلتنا، وقال أبو أمامة: هم الخوارج، وقال قتادة: هم أهل البدع.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا سعيد بن أبي مريم، عن نافع بن عمر، حدثني ابن أبي مليكة، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إني فرطكم على الحوض حتى أنظر مَنْ يرِدُ علي منكم (2) وسيُؤخذ ناسٌ دوني فأقول: يا رب مني ومن أمتي فيقال لي هل شعرتَ بما عملوا بعدك؟ والله ما برحُوا يرجعون على أعقابهم\". (3) .\rوقال الحارث الأعور: سمعت عليًا رضي الله عنه على المنبر يقول: إن الرجل ليخرج من أهله فما يؤوب إليهم حتى يعمل عملا يستوجب به الجنة وإن الرجل ليخرج من أهله فما يعود إليهم حتى يعمل عملا يستوجب به النار ثم قرأ { يَوْمَ تَبْيَضّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدّ وُجُوهٌ } الآية ثم نادى: هم الذين كفروا بعد الإيمان -وربِّ الكعبة.\rأخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن الطيسفوني، أنا عبد الله بن عمر الجوهري، أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني، أنا علي بن حجر، أنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يُصبح الرجل مؤمنًا ويُمسي كافرًا ويُمسي مؤمنًا ويُصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا\". (4) .\r{ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108) }\r__________\r(1) زيادة من (ب).\r(2) في أ: \"من أمتي\".\r(3) أخرجه البخاري في كتاب الفتن باب ما جاء في قول الله تعالى: \"واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة\": 13 / 3، ومسلم في الفضائل باب إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم وصفاته برقم (2293): 4 / 1794 واللفظ له.\r(4) أخرجه مسلم في الإيمان باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن برقم (118): 1 / 110 وأخرجه المصنف في شرح السنة: 15 / 15.","part":2,"page":88},{"id":492,"text":"{ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ (109) }\rقوله تعالى: { وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ } هؤلاء أهل الطاعة، { فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ } جنة الله . { هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }","part":2,"page":88},{"id":493,"text":"{ تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين }\r{ ولله ما في السموات وما في الأرض، وإلى الله ترجع الأمور }\r{ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) }\r{ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } قال عكرمة ومقاتل: نزلت في ابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حُذيفة رضي الله عنهم، وذلك أن مالك بن الصيف ووهب بن يهودا (1) اليهوديين قالا لهم: نحن أفضل منكم ودينُنَا خير مما تدعونَنا إليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\rوروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } الذين هاجروا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وقال جويبر عن الضحاك: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم خاصة الرواة والدعاة الذين أمر الله المسلمين بطاعتهم.\rوروي عن عمر بن الخطاب قال: كنتم خير أمةٍ أُخرجت للناس تكون لأولنا ولا تكون لآخرنا.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح، أنا أبو القاسم البغوي، أنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة عن أبي حمزة: سمعت زهدم بن مضرب بن عمران بن حصين رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم\". قال عمران: لا أدري أذكر النبي صلى الله عليه وسلم بعد قرنه مرتين أو ثلاثا وقال: إن بعدكم قوما يخونون ولا يؤتُمنون ويشهدون ولا يُستشهدون وينذرون ولا يُوفون ويظهر فيهم السِّمَن (2) \" .\rوبهذا الإسناد عن علي بن الجعد أخبرنا شعبة وأبو معاوية عن الأعمش عن ذكوان عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مُدَّ\r__________\r(1) في ب: \"يهود\".\r(2) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: 7 / 3، وفي الشهادات باب لا يشهد على شهادة جور. ومسلم في فضائل الصحابة باب فضل الصحابة برقم (2535): 4 / 1964 - 1965. والمصنف في شرح السنة: 14 / 67.","part":2,"page":89},{"id":494,"text":"أحدهم ولا نصيفه\" (1) .\rوقال الآخرون: هم جميع المؤمنين من هذه الأمة.\rوقوله { كُنْتُمْ } أي: أنتم كقوله تعالى: \" واذكروا إذ كنتم قليلا \"( الأعراف -86 ) وقال في موضع آخر: \" واذكروا إذ أنتم قليل \"( الأنفال -26 ) وقيل: معناه كنتم خير أمة عند الله في اللوح المحفوظ وقال قوم: قوله { لِلنَّاسِ } \"من\" صلة قولهِ \" خير أمة\" أي: أنتم خير الناس للناس.\rقال أبو هريرة معناه: كنتم خير الناس تجيئون بهم في السلاسل فتدخلونهم في الإسلام (2) .\rقال قتادة: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم لم يُؤْمرْ نبي قبله بالقتال فهم يقاتلون الكفار فيُدخلونهم في دينهم فهم خير أمة للناس.\rوقيل \"للناس\" صلة قوله \"أخرجت\" معناه: ما أخرج الله للناس أمة خيرًا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أنا أبو إسحاق الثعلبي، أنا أبو عبد الله الحسين بن محمد الحافظ، أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد بن حبيش المقري، أنا علي بن زنجويه، أخبرنا سلمة بن شبيب أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول في قوله تعالى: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } قال: \"إنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل\" (3) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أبو معشر إبراهيم بن محمد الفيركي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن زكريا بن يحيى، أخبرنا أبو الصلت، أخبرنا حماد بن زيد، أخبرنا علي بن زيد عن أبي نَضْرة عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"ألا وإن هذه الأمة توفي سبعين أمة هي أخْيَرُها وأكرمُها على الله عز وجل\" (4) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لو كنت متخذا خليلا: 7 / 21. ومسلم في فضائل الصحابة باب تحريم سب الصحابة رضي الله عنهم برقم (2540): 4 / 1967 والمصنف في شرح السنة 14 / 69.\r(2) أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه موقوفا في تفسير آل عمران باب \"كنتم خير أمة أخرجت للناس\" 8 / 224 وبمعناه مرفوعا في الجهاد باب الأسارى في السلال: 6 / 145.\r(3) أخرجه الترمذي في التفسير سورة آل عمران: 8 / 352 وقال: هذا حديث حسن وقد روى غير واحد هذا الحديث عن بهز بن حكيم نحو هذا ولم يذكروا فيه: كنتم خير أمة أخرجت للناس وابن ماجه في الزهد باب صفة أمة محمد صلى الله عليه وسلم برقم (4288): 2 / 1433، والدارمي في الرقاق باب في قول النبي صلى الله عليه وسلم: أنتم آخر الأمم: 2 / 313 والحاكم في المستدرك: 4 / 84 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد تابع سعيد بن إياس الجريري بهذا في رواية عن حكيم بن معاوية وأتى بزيادة في المتن. والطبري في التفسير: 2 / 25، 7 / 104 وأحمد في المسند: 4 / 447، 5 / 5. قال الحافظ ابن حجر في الفتح 8 / 325: \"وهو حديث حسن صحيح\". وانظر تعليق الشيخ محمود شاكر على الطبري: 2 / 25 - 26 و 7 / 104.\r(4) أخرجه ابن ماجه في الزهد باب صفة أمة محمد صلى الله عليه وسلم برقم (4288) 2 / 1433، وأحمد في المسند: 4 / 447 عن معاوية بن حيدة 5 / 5. قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله ثقات. مجمع الوائد: 10 / 397.","part":2,"page":90},{"id":495,"text":"أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد، أنا الفضل، بن الفضل أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب، قال عبد الرحمن يعني ابن المبارك أخبرنا حماد بن يحيى الأبَحُّ أنا ثابت البناني عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"مثل أمتي مثل المطر لا يُدرى أولهُ خيْرَ أم آخره\" (1) .\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أنا أبو إسحاق الثعلبي، أنا أبو محمد المخلدي، أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي، أخبرنا محمد بن عيسى التنيسي، أخبرنا عمرو بن أبي سلمة، أخبرنا صدقة بن عبد الله، عن زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم 67/أ قال: \"إن الجنة حُرّمَت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها، وحرمت على الأمم كلهم حتى تدخلها أمتي\" (2) .\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، قال: أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أنا أبو عبد الله الحسين بن محمد، أخبرنا أبو القاسم عمر بن محمد بن عبد الله بن حاتم الترمذي، أخبرنا جدي لأمي محمد بن عبد الله بن مرزوق، أنا عفّان بن مسلم، أنا عبد العزيز بن مسلم، أخبرنا أبو سنان يعني ضرار بن مرة، عن محارب بن دثار، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أهل الجنة عشرون ومائةُ صف ثمانون من هذه الأمة\" (3) .\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الأدب باب حدثنا قتيبة: 8 / 170 وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الدييع وأحمد في المسند: 3 / 130 - 143 عن أنس 4 / 319 عن عمار. وأخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في الأمثال ص 223. وقال ابن الربيع الشيباني في تمييز الطيب من الخبيث. . ص 168: \"وقول النووي في فتاوه إنه ضعيف متعقب\". ورواه الطبراني والبزار عن عمار قال الهيثمي في المجمع: 10 / 68: ورجال البزار رجال الصحيح غير الحسن بن قزعة وعبيد بن سليمان الأغر وهما ثقتان. وانظر: فيض القدير: 5 / 517.\r(2) قال الحافظ ابن كثير في التفسير: 1 / 397 \"رواه الدارقطني في الأفراد من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل عن الزهري عن سعيد ابن المسيب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. . . ثم قال الدارقطني: انفرد به ابن عقيل عن الزهري ولم يروه عنه سواه، وتفرد به زهير بن محمد عن ابن عقيل، وتفرد به عمرو بن أبي سلمة عن زهير. وقد رواه أبو أحمد بن عدي الحافظ. . . ورواه الثعلبي. قلت: وفيه صدقة بن عبد الله ضعيف (تقريب) وعبد الله بن محمد: احتج به محمد بن إسماعيل وإسحاق وقال أبو حاتم وغيره: ليّن الحديث (المغني للذهبي).\r(3) أخرجه الترمذي في الجنة باب ما جاء في كم صف أهل الجنة: 7 / 254 وقال: هذا حديث حسن، وابن ماجه في الزهد باب صفة أمة محمد صلى الله عليه وسلم برقم (429): 2 / 1434، والدارمي في الرقاق باب في صفوف أهل الجنة: 2 / 337، وأحمد في المسند: 1 / 453 عن ابن مسعود وفي\" 5 / 347 عن بريدة. وأخرجه الحاكم في المستدرك: 1 / 82. وعزاه في تحفة الأحوذي: 7 / 254 للبيهقي في البعث والنشور ولابن حبان.","part":2,"page":91},{"id":496,"text":"قوله تعالى: { تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْل الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُم الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُم الْفَاسِقُونَ } أي: الكافرون.\r{ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (111) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112) لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) }\rقوله تعالى : { لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى } قال مقاتل: إن رؤوس اليهود عمدُوا إلى مَنْ آمن منهم عبد الله بن سلام وأصحابه فآذوهم فأنزل الله تعالى: { لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى } يعني لا يضروكم أيها المؤمنون هؤلاء اليهود إلا أذىً باللسان: وعيدًا وطعنًا وقيل: كلمة كفر تتأذون بها { وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُم الأدْبَارَ } منهزمين، { ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ } بل يكون لكم النصر عليهم.\r{ ضُرِبَتْ عَلَيْهِم الذِّلَّة أَيْنَ مَا ثُقِفُوا } حيث ما وجدوا { إِلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ } يعني : أينما وجدوا استُضعفُوا وقُتلوا وسبوا فلا يأمنُون \"إلا بحبل من الله\": عهدٍ من الله تعالى بأن يسلموا، { وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ } المؤمنين ببذل جزية أو أمان يعني: إلا أن يعتصموا بحبل فيأمنوا.\rقوله تعالى: { وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ } رجعوا به ، { وَضُرِبَت عَلَيْهِم الْمَسْكَنَة ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ }\rقوله تعالى: { لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } قال ابن عباس رضي الله عنهما ومقاتل: لما أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه قالت أحبار اليهود: ما آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم إلا شرارُنا ولولا ذلك لما تركوا دين آبائهم فأنزل الله تعالى هذه الآية (1) .\rواختلفوا في وجهها فقال قوم: فيه اختصار تقديره: ليسوا سواء من أهل الكتاب أمةٌ قائمة وأخرى غير قائمة، فترك الأخرى اكتفاءً بذكر أحد الفريقين وقال الآخرون: تمام الكلام عند قوله { لَيْسُوا سَوَاءً }\r__________\r(1) انظر أسباب النزول للواحدي ص (152).","part":2,"page":92},{"id":497,"text":"وهو وقف لأنه قد جرى ذكر الفريقين من أهل الكتاب في قوله تعالى: { مِنْهُم الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُم الْفَاسِقُونَ } [ثم قال: { لَيْسُوا سَوَاءً } يعني: المؤمنين والفاسقين] (1) ثم وصف الفاسقين فقال: { لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى } ووصف المؤمنين بقوله { أُمَّةٌ قَائِمَةٌ }\rوقيل: قوله { مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ } ابتداء بكلام آخر، لأن ذكر الفريقين قد جرى، ثم قال: ليس هذان الفريقان سواء ثم ابتدأ فقال: من أهل الكتاب.\rقال ابن مسعود رضي الله عنه معناه: لا يستوي اليهود وأمة محمد صلى الله عليه وسلم القائمة بأمر الله الثابتة على الحق، المستقيمة، وقوله تعالى: { أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } قال ابن عباس: أي مهتدية قائمة على أمر الله لم يُضيِّعُوه ولم يتركوه.\rوقال مجاهد: عادلة. وقال السدي: مطيعة قائمة على كتاب الله وحدوده، وقيل: قائمة في الصلاة. وقيل: الأمة الطريقة.\rومعنى الآية: أي ذو أمة أي: ذو طريقة مستقيمة.\r{ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ } يقرؤون كتاب الله وقال مجاهد: يتبعون { آنَاءَ اللَّيْلِ } ساعاته، واحدها: إنيٌ مثل نحى وأنحاء، وإنيً وآناء مثل: مِعىً وأمعاء وإِني مثل منا وأمناء.\r{ وَهُمْ يَسْجُدُونَ } أي: يصلون لأن التلاوة لا تكون في السجود.\rواختلفوا في معناها فقال بعضهم: هي في قيام الليل، وقال ابن مسعود هي صلاة العتمة يصلونها ولا يصليها من سواهم من أهل الكتاب.\rوقال عطاء: \"ليسوا سواء من أهل الكتاب أمةٌ قائمة\" الآية يريد: أربعين رجلا من أهل نجران من العرب واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى وصدّقوا محمدًا صلى الله عليه وسلم وكان من الأنصار فيهم عدة قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم منهم أسعد بن زرارة والبراء بن معْرُور ومحمد بن سلمة ومحمود ابن مسلمة وأبو قيس صرمة (2) بن أنس كانوا موحدين، يغتسلون من الجنابة، ويقومون بما عرفوا من شرائع الحنيفية حتى جاءهم الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وسلم فصدقوه ونصروه.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) في ب: \"صدقة\".","part":2,"page":93},{"id":498,"text":"{ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (116) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117) }\rقوله تعالى: { يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك هم الصالحون }\r{ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ } قرأ حمزة والكسائي وحفص بالياء فيهما إخبار عن الأمة القائمة وقرأ الآخرون بالتاء فيهما لقوله { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } وأبو عمرو يرى القراءتين جميعا ومعنى الآية: وما تفعلوا من خير فلن تعدموا ثوابه بل يشكر لكم وتجازون عليه، { وَاللَّه عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ } بالمؤمنين .\r{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا } أي: لا تدفع أموالهم بالفدية ولا أولادهم بالنصرة شيئا من عذاب الله، وخصهما بالذكر لأن الإنسان يدفع عن نفسه تارة بفداء المال وتارة بالاستعانة بالأولاد. { وَأُولَئِكَ أَصْحَاب النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } وإنما جعلهم من أصحابها لأنهم أهلها لا يخرجون منها ولا يفارقونها، كصاحب الرجل لا يفارقه.\r{ مَثَل مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } قيل: أراد نفقات أبي سفيان وأصحابه ببدرٍ وأحد على عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال مقاتل: نفقة اليهود على علمائهم، قال مجاهد: يعني جميع نفقات الكفار [في الدنيا] (1) وصدقاتهم وقيل: أراد إنفاق المرائي الذي لا يبتغي به وجه الله تعالى، { كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ } [حكي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنها السموم الحارة التي تقتل وقيل: (2) ] فيها صر أي: صوتٌ، وأكثر المفسرين قالوا: فيها برد شديد، { أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ } زرع قوم، { ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ } بالكفر والمعصية ومنع حق الله تعالى، { فَأَهْلَكَتْهُ }\rفمعنى الآية: مثل نفقات الكفار في ذهابها وقت الحاجة إليها كمثل زرع أصابته ريح باردة فأهلكته أو نار فأحرقته فلم ينتفع أصحابه منه بشيء، { وَمَا ظَلَمَهُم اللَّهُ } بذلك، { وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بالكفر والمعصية.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) زيادة من \"ب\".","part":2,"page":94},{"id":499,"text":"{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119) }\rقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ } الآية قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان رجال من المسلمين يواصلون اليهود لما بينهم من القرابة والصداقة والحلف والجوار والرضاع، فأنزل الله تعالى هذه الآية ينهاهم عن مباطنتهم خوف الفتنة عليهم.\rوقال مجاهد: نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصافون المنافقين، فنهاهم الله تعالى عن ذلك (1) فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ } أي: أولياء وأصفياء من غير أهل ملتكم، وبطانة الرجل: خاصته تشبيها ببطانة الثوب التي تلي بطنه لأنهم يستبطنون أمره ويطلعون منه على ما لا يطلع عليه غيرهم.\rثم بين العلّة في النهي عن مباطنتهم فقال جل ذكره { لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا } 67/ب أي: لا يقصرون ولا يتركون جهدهم فيما يُورثكم الشَّر والفساد، والخَبَالُ: الشّرُّ والفساد، ونصب \"خَبَالا\" على المفعول الثاني لأن يألو يتعدى (2) إلى مفعولين وقيل: بنزع الخافض، أي بالخبال كما يقال أوجعته ضربا، { وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } أي: يودّون ما يشق عليكم من الضر والشر والهلاك. والعنت: المشقة { قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء } أي: البغض، معناه ظهرتْ أمارة العداوة، { مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } بالشتيمة والوقيعة في المسلمين، وقيل: بإطلاع المشركين على أسرار المؤمنين { وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ } من العداوة والغيظ ، { أَكْبَرُ } أعظم، { قَدْ بَيَّنَّا لَكُم الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ }\r{ هَا أَنْتُمْ } ها تنبيه وأنتم كناية للمخاطبين من الذكور، { أُولاءِ } اسم للمشار إليهم يريد أنتم أيها المؤمنون، { تُحِبُّونَهُمْ } أي: تحبون هؤلاء اليهود الذين نهيتكم عن مباطنتهم للأسباب التي بينكم من\r__________\r(1) انظر أسباب النزول للواحدي (153) تفسير الطبري: 7 / 141 سيرة ابن هشام: 2 / 207.\r(2) في أ: \"لأن الألو تتعدى\".","part":2,"page":95},{"id":500,"text":"القرابة والرضاع والمصاهرة، { وَلا يُحِبُّونَكُمْ } هم لما بينكم من مخالفة الدين، قال مقاتل: هم المنافقون يحبهم المؤمنون لما أظهروا من الإيمان، ولا يعلمون ما في قلوبهم، { وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ } يعني: بالكتب كلها وهم لا يؤمنون بكتابكم، { وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا } وكان بعضهم مع بعض { عَضُّوا عَلَيْكُم الأنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ } يعني: أطراف الأصابع واحدتها أنملة بضم الميم وفتحها، من الغيظ لما يرون من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم، وعض الأنامل عبارة عن شدة الغيظ وهذا من مجاز الأمثال، وإن لم يكن ثم عض، { قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ } أي: ابقوا إلى الممات بغيظكم، { إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } أي: بما في القلوب من خير وشر.\r{ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120) وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) }\rوقوله تعالى: { إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ } أي: تصبكم أيها المؤمنون بظهوركم على عدوكم وغنيمة تنالونها منهم، وتتابع الناس في الدخول في دينكم، وخصب في معايشكم { تَسُؤْهُمْ } تحزنهم، { وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ } مساءةٌ بإخفاق سرية لكم أو إصابة عدوٍ منكم، أو اختلاف يكون بينكم أو جدبٍ أو نكبة تصبكم { يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا } على أذاهم { وَتَتَّقُوا } وتخافوا ربكم { لا يَضُرُّكُمْ } أي: لا ينقصكم، { كَيْدُهُمْ شَيْئًا } قرأ ابن كثير ونافع وأهل البصرة { لا يَضُرُّكُمْ } بكسر الضاد خفيفة يقال: ضار يضير ضيرا، وهو جزم على جواب الجزاء، وقرأ الباقون بضم الضاد وتشديد الراء من ضَرّ يضُرّ ضّرًا مثل ردّ يردُّ رّدًا وفي رفعه وجهان. أحدهما: أنه أراد الجزم وأصله يضرركم فأدغمت الراء في الراء ونقلت ضمة الراء الأولى إلى الضاد وضمت الثانية اتباعا، والثاني: أن يكون لا بمعنى ليس ويضمر فيه الفاء تقديره: وإن تصبروا وتتقوا فليس يضركم كيدهم شيئا، { إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } عالم.\rقوله تعالى: { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } قال الحسن: هو يوم بدر، وقال مقاتل: يوم الأحزاب، وقال سائر المفسرين: هو يوم أحد لأن ما بعده إلى قريب من آخر السورة في حرب أحد.\rقال مجاهد والكلبي والواقدي: غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزل عائشة رضي الله عنها فمشى على رجليه إلى أُحد فجعل يصفُّ أصحابه للقتال كما يقوم القدح (1) .\r__________\r(1) انظر: الدر المنثور للسيوطي: 2 / 302.","part":2,"page":96},{"id":501,"text":"قال محمد بن إسحاق والسدي عن رجالهما: إن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بنزولهم استشار أصحابه ودعا عبد الله بن أُبي بن سلول ولم يدعُهُ قط قبلها فاستشاره، فقال عبد الله بن أبي وأكثر الأنصار: يا رسول الله أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منّا ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا، فدعهم يا رسول الله فإن أقاموا أقاموا بشرِّ مجلس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين. فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الرأي.\rوقال بعض أصحابه: يا رسول الله اخرج بنا إلى هذه الأكلب، لا يرون أنا جَبُنَّا عنهم وضَعُفْنَا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إني رأيت في منامي بقرا تذبح، فأوّلتُها خيرًا، ورأيتُ في ذُباب سيفي ثَلْمًا فأولتها هزيمةً ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة\" وكان يعجبه أن يدخلوا عليه بالمدينة (1) فيقاتلوا في الأزقة فقال رجال (2) من المسلمين ممن فاتهم يوم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أُحد: اخرج بنا إلى أعدائنا. فلم يزالوا برسول الله صلى الله عليه وسلم من حبهم للقاء القوم، حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبس لأمَتَه، فلما رأوه قد لبس السلاح ندموا، وقالوا: بئس ما صنعنا، نشير على رسول الله صلى الله عليه وسلم والوحي يأتيه، فقاموا واعتذروا إليه وقالوا: اصنع ما رأيت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمَته فيضعها حتى يقاتل\" (3) .\rوكان قد أقام المشركون بأحد يوم الأربعاء والخميس فراح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، بعدما صلى بأصحابه الجمعة وقد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج إليهم، فأصبح بالشعب من أُحد يوم السبت للنصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة، فكان من حرب أُحد ما كان، فذلك قوله تعالى : { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ } أي: واذكر إذا غدوت من أهلك { تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ } أي: تنزل المؤمنين { مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } أي: مواطن، ومواضع للقتال، يقال: بوأتُ القوم إذا وطنتهم وتبؤوا هم إذا تواطنوا قال الله تعالى: \" ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق \"( يونس -93 ) وقال \" أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا \"( يونس -87 ) وقيل تتخذ معسكرا، { وَاللَّه سَمِيعٌ عَلِيمٌ }\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) في ب: \"رجل\".\r(3) السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 126 وما بعدها مع الروض الأنف، المسند للإمام أحمد: 3 / 351، المستدرك للحاكم: 2 / 128 - 129 وصححه ووافقه الذهبي.","part":2,"page":97},{"id":502,"text":"{ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122) }\r{ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا } أي: تَجْبُنا وتضْعُفا وتتخلفّا والطائفتان بنو سلمة","part":2,"page":97},{"id":503,"text":"من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، ودنا جناحي العسكر وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أُحد في ألف رجل، وقيل: في تسعمائة وخمسين رجلا فلما بلغوا الشَّوْط (1) انخذل عبد الله بن أبي بثلث الناس ورجع في ثلاث مائة وقال: علام نقتل أنفسَنا وأولادَنا؟ فتبعهم أبو جابر السلمي فقال: أنشدكم بالله في نبيكم وفي أنفسكم، فقال عبد الله بن أُبي: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، وهمَّتْ بنو سلمة وبنو حارثة بالانصراف مع عبد الله بن أُبي فعصمهم الله فلم ينصرفوا فذكرهم الله عظيم نعمتهِ (2) فقال عز وجل { إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّه وَلِيُّهُمَا } ناصرهما وحافظهما.\r{ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل، 68/أ أنا محمد بن يوسف عن ابن عيينة عن عمرو عن جابر قال: نزلت هذه الآية فينا { إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّه وَلِيُّهُمَا } بنو سلمة وبنو حارثة، وما أحب أنها لم تنزل والله يقول: { وَاللَّه وَلِيُّهُمَا } (3) .\r{ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزِلِينَ (124) }\rقوله تعالى: { وَلَقَدْ نَصَرَكُم اللَّه بِبَدْرٍ } وبدر موضع بين مكة والمدينة وهو اسم لموضع، وعليه الأكثرون وقيل: اسم لبئر هناك، وقيل: كانت بدر بئرًا لرجل يقال له بدر، قاله الشعبي وأنكر الآخرون عليه.\rيذكر الله تعالى في هذه الآية منَّتَه عليهم بالنصرة يومَ بدر، { وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ } جمع: ذليل وأراد به قلة العدد فإنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا فنصرهم الله مع قلة عددهم، { فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }\r{ إِذْ تَقُول لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ } اختلفوا في هذه الآية فقال قتادة: كان هذا يوم بدر أمدهم الله تعالى بألفٍ من الملائكة كما قال: \" فاستجابَ لكم أني مُمدكم بألفٍ من الملائكة \"( الأنفال -9 ) ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف كما ذكر هاهنا { بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزِلِينَ }\r__________\r(1) اسم موضع بين المدينة وأحد. (معجم البلدان).\r(2) انظر : سيرة ابن هشام 2 / 128.\r(3) أخرجه البخاري في المغازي باب \"إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا. . \" 7 / 357.","part":2,"page":98},{"id":504,"text":"{ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) }\r{ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ } فصبروا يوم بدر فاتقوا فأمدهم الله بخمسة آلاف كما وعد قال الحسن: وهؤلاء الخمسة آلاف رِدْءُ المؤمنين إلى يوم القيامة.\rوقال ابن عباس ومجاهد: لم تقاتل الملائكة في المعركة إلا يوم بدر، وفيما سوى ذلك يشهدون القتال ولا يقاتلون، إنما يكونون عددًا ومددًا.\rقال محمد بن إسحاق: لما كان يوم أُحد انجلى القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقي سعد بن مالك يرمي وفتًى شابٌ يتنبَّل له كلما فني النبل أتاه به فنثره فقال ارم أبا إسحاق مرتين، فلما انجلت المعركة سئل عن ذلك الرجل يُعرف.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عبد العزيز بن عبد الله، أنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جده، عن سعد بن أبي وقاص قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد (1) ومعه رجلان يقاتلان عنه عليهما ثياب بيض كأشَدِّ القتالِ ما رأيتهما قبل ولا بعد (2) .\rورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال أخبرنا محمد بن بشر وأبو أسامة، عن مسعر، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن سعد يعني ابن أبي وقاص قال: \"رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض ما رأبتهما قبل ولا بعد\" يعني: جبريل وميكائيل (3) .\rوقال الشعبي: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين يوم بدر: أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمدّ المشركين فشق ذلك عليهم، فأنزل الله تعالى: { أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ } إلى قوله { مُسَوِّمِينَ } فبلغ كرزًا الهزيمةُ فرجع فلم يأتهم ولم يمدّهم فلم يمدّهم الله أيضا بالخمسة آلاف، وكانوا قد أمدوا بألف.\rوقال الآخرون: إنما وعد الله تعالى المسلمين يوم بدر إن صبروا على طاعته واتقوا محارمه: أن يمدَّهم أيضًا في حروبهم كلهِّا فلم يصبروا إلا في يوم الأحزاب، فأمدّهم الله حتى حاصروا قُريظة والنضير، قال\r__________\r(1) في أ: \"بدر\" وانظر: فتح الباري: 7 / 349.\r(2) أخرجه البخاري في المغازي باب: \"إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا\" 7 / 358، وفي اللباس باب الثياب البيض، ومسلم في الفضائل باب قتال جبريل وميكائيل عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد برقم (2306): 4 / 1802، والمصنف في شرح السنة: 13 / 292.\r(3) أخرجه مسلم في الفضائل باب في قتال جبريل وميكائيل عن النبي صلى الله عليه وسلم . .برقم (2306): 4 / 1802 .","part":2,"page":99},{"id":505,"text":"عبد الله بن أبي أوفى: كنا محاصري قريظة والنضير (1) ما شاء الله فلم يُفتح علينا فرجعنا فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسْلٍ فهو يغسل رأسه إذْ جاءه جبريل عليه السلام، فقال: وضعتم أسلحتكم ولم تضع الملائكة أوزارها؟ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخرقة فلف بها رأسه ولم يغسله، ثم نادى فينا فقمنا حتى أتينا قريظة والنضير (2) فيومئذ أمدنا الله تعالى بثلاثة آلاف من الملائكة، ففتح لنا فتحا يسيرا.\rوقال الضحاك وعكرمة: كان هذا يوم أُحد وَعَدهم الله المدَد إن صبرُوا فلم يصبروا فلم يمُدوا به (3) .\rقوله تعالى: { أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ } والإمداد: إعانة الجيش بالجيش، وقيل: ما كان على جهة القوة والإعانة يقال فيه: أمده إمدَادًا وما كان على جهة الزيادة يقال: مدّه مّدًا، ومنه قوله تعالى: \" والبحرُ يمده \"( لقمان -27 ) وقيل: المدّ في الشر والإمدادُ في الخير، يدل عليه قوله تعالى: \" ويمُدُّهم في طغيانهم يعمهون \"( البقرة -15 ) \" ونَمُدُّ له من العذاب مّدًا \"( مريم -79 ) وقال في الخير: { أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ } وقال: \" وأمددناكم بأموالٍ وبنين \"( الإسراء -26 ).\rقوله تعالى: { بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزِلِينَ } قرأ ابن عامر بتشديد الزاي على التكثير لقوله تعالى: \" ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة \"( سورة الأنعام -111 ) وقرأ الآخرون بالتخفيف دليله قوله تعالى: \" لولا أنزل علينا الملائكة \"( الفرقان -21 ) وقوله: \" وأنزل جنودا لم تروها \"( التوبة -26 ).\rثم قال: { بَلَى } نمدُّكم (4) { إِنْ تَصْبِرُوا } لعدوكم { وَتَتَّقُوا } أي: مخالفة نبيكم { وَيَأْتُوكُمْ } يعني المشركين { مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا } قال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة والحسن وأكثر المفسرين: من وجههم (5) هذا، وقال مجاهد والضحاك: من غضبهم هذا، لأنهم إنما رجعوا للحرب يوم أحد من غضبهم ليوم بدر، { يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ } لم يرد خمسة آلاف سوى ما ذكر (6) من ثلاثة آلاف بل أراد معهم وقوله { مُسَوِّمِينَ } أي: معلمين قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بكسر الواو وقرأ الآخرون بفتحها فمن كسر الواو فأراد أنهم سَوّموا خيلهم ومن فتحها أراد به أنفسهم، والتسويم: الإعلام من السَّومة وهي العلامة.\r__________\r(1) لم يرد في كتب السيرة أن قريظة والنضير حوصروا في زمن واحد كما توهمه الرواية هنا وانظر: السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 194 وما بعدها مع الروض الأنف، طبقات ابن سعد: 2 / 57 و 74.\r(2) انظر: المصنف لابن أبي شيبة 14 / 424 الاكتفاء في مغازي رسول الله . . .للكلاعي: 2 / 176.\r(3) في ب \"يمددهم\".\r(4) في أ: يمددكم.\r(5) في أ: \"وجوههم\".\r(6) في أ: ذكرنا.","part":2,"page":100},{"id":506,"text":"واختلفوا في تلك العلامة فقال عروة بن الزبير: كانت الملائكة على خيل بُلق عليهم عمائم صُفر، وقال علي وابن عباس رضي الله عنهم: كانت عليهم عمائم بيض قد أرسلوها بين أكتافهم،( وقال هشام بن عروة والكلبي: عمائم صفر مرخاة على أكتافهم ) (1) وقال الضحاك وقتادة: كانوا قد أعلموا بالعهن في نواصي الخيل وأذنابها، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر: \"تَسوَّمُوا فإن الملائكة قد تسوّمتْ بالصوف الأبيض في قلانسهم ومغافرهم\" (2) .\r{ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127) لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129) }\rقوله تعالى: { لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا } يقول: لقد نصركم الله ببدر ليقطع طرفًا أي: لكي يهلك طائفة من الذين كفروا وقال السدي: معناه ليهدم ركنًا من أركان الشرك بالقتل والأسر، فقُتل من قادتهم وسادتهم يوم بدر سبعون وأُسر سبعون ومن حَمَلَ الآية على حرب أُحد فقد قتل منهم يومئذ ستة عشر وكانت النصرة للمسلمين حتى خالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فانقلب عليهم، { أَوْ يَكْبِتَهُمْ } قال الكلبي: يهزمهم وقال يمان: يصرعهم لوجوههم، قال السدي: يلعنهم، وقال أبو عبيدة: يهلكهم، وقيل: يحزنهم، والمكبوت: الحزين وقيل أصله: يكبدهم أي: يصيب الحزن والغيظ 68/ب أكبادَهم، والتاء والدال يتعاقبان كما يقال سَبَتَ رأسه وسَبَده: إذا حلقه، وقيل: يكبتهم بالخيبة، { فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ } ينالوا شيئا مما كانوا يرجون من الظفر بكم.\rقوله تعالى : { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ } الآية، اختلفوا في سبب نزول هذه الآية فقال قوم: نزلت\r__________\r(1) زيادة من \"أ\".\r(2) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف كتاب الجهاد: 12 / 261 من طريق محمد بن أبي عدي عن ابن عون عن عمير بن إسحاق قال. . . وأخرجه أيضا في المغازي: 14 / 358 من طريق أبي أسامة عن ابن عون عن عمير بن إسحاق مرسلا، ورواه الطبري في التفسير: 7 / 186. وقال الواقدي: حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر عن محمود بن لبيد. . فذكره. . ورواه ابن سعد في الطبقات: 2 / 16. وانظر: الكافي الشاف لابن حجر ص (31).","part":2,"page":101},{"id":507,"text":"في أهل بئر معونة، وهم سبعون رجلا من القراء، بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بئر معونة في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أُحد ليُعلِّموا الناس القرآن والعلمَ أميرهم المنذر بن عمرو، فقتلهم عامر بن الطفيل فَوَجَدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وَجْدًا شديدًا، وقنت شهرًا في الصلوات كلها يدعو على جماعة من تلك القبائل باللّعن والسّنين فنزلت: { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ } (1)\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا حبان بن موسى، أخبرنا عبد الله يعني ابن المبارك، أخبرنا معمر، عن الزهري، حدثني سالم، عن أبيه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: \"اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد\" فأنزل الله تعالى { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ } (2) .\rوقال قوم: نزلت يوم أُحد، أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر (3) بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أخبرنا مسلم بن الحجاج، أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كُسرت رباعيتُه يوم أُحد وشُجَّ في رأسه، فجعل يسلتُ الدم عنه ويقول: \"كيف يُفلحُ قومٌ شجوا [رأس] (4) نبيهم، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى (5) [الله عز وجل] فأنزل الله تعالى: { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ } (6) .\rوعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: \"اللهم العن أبا سفيان اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن صفوان بن أمية\" فنزلت: { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } فأسلموا وحسن إسلامهم (7) .\rوقال سعيد بن المسيب ومحمد بن إسحاق (8) لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يوم أُحد ما\r__________\r(1) انظر: صحيح البخاري كتاب التفسير باب ليس لك من الأمر شيء: 8 / 225 - 226.\r(2) أخرجه البخاري في المغازي باب ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم: 7 / 365.\r(3) في \"أ\": عبد الغفار.\r(4) زيادة من \"ب\".\r(5) في \"أ\": يدعوهم إلى الإسلام.\r(6) أخرجه البخاري في المغازي: باب ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم: 7 / 365 ومسلم في الجهاد باب غزوة أحد برقم (1791): 3 / 1417.\r(7) أخرجه البخاري عن ابن عمر بلفظ:\"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام فنزلت: ليس لك من الأمر شيء\" في المغازي باب ليس لك من الأمر شيء: 7 / 365. وبلفظ المصنف أخرجه الترمذي في التفسير تفسير سورة آل عمران: 8 / 355 - 356 وقال: هذا حديث حسن غريب يستغرب من حديث عمر بن حمزة عن سالم وكذا رواه الزهري عن سالم عن أبيه. وأحمد في المسند: 2 / 93.\r(8) انظر: السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 141.","part":2,"page":102},{"id":508,"text":"بأصحابهم من جدع الآذان والأنوف وقطع المذاكير، قالوا: لئن أدالنا الله تعالى منهم لنفعلن بهم مثل ما فعلوا، ولنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أَحدٌ من العرب بأَحَد فأنزل الله تعالى هذه الآية.\rوقيل: أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو عليهم بالاستئصال فنزلت هذه الآية (1) وذلك لعلمه فيهم بأن كثيرًا منهم يسلمون. فقوله تعالى: { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ } أي: ليس إليك، فاللام بمعنى \"إلى\" كقوله تعالى: \" ربنَّا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان \"( سورة آل عمران -193 ) أي: إلى الإيمان: قوله تعالى: { أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ }( قال بعضهم: معناه حتى يتوب عليهم ) (2) أو: إلى أن يتوب عليهم، وقيل: هو نسق على قوله \"ليقطعَ طَرفًا\" وقوله: { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ } اعتراض بين نظم الكلام ونظم الآية (3) ليقطعَ طرفًا من الذين كفروا أو يكبتَهم أو يتوبَ عليهم أو يعذبَهم فإنهم ظالمون، ليس لك من الأمر شيء، بل الأمرُ أمري في ذلك كله.\rثم قال: { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ يَغْفِر لِمَنْ يَشَاء وَيُعَذِّب مَنْ يَشَاء وَاللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131) }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً } أراد به ما كانوا يفعلونه عند حلول أجل الدَّين من زيادة المال وتأخير الطلب، { وَاتَّقُوا اللَّهَ } في أمر الرِّبا فلا تأكلوه، { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }\rثم خوفهم فقال: { وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ }\r{ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) }\r__________\r(1) انظر: الطبري: 7 / 198.\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) في \"ب\" جاءت العبارة هكذا: اعتراض بين اللام ونظم الآية.","part":2,"page":103},{"id":509,"text":"{ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) }\r{ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } لكي ترحموا.\r{ وَسَارِعُوا } قرأ أهل المدينة والشام سارعوا بلا واو، { إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ } أي بادروا وسابقوا إلى الأعمال التي تُوجب المغفرة.","part":2,"page":103},{"id":510,"text":"قال ابن عباس رضي الله عنهما: إلى الإسلام، وروي عنه: إلى التوبة، وبه قال عكرمة، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إلى أداء الفرائض، وقال أبو العالية: إلى الهجرة، وقال الضحاك: إلى الجهاد، وقال مقاتل: إلى الأعمال الصالحة. رُوي عن أنس بن مالك أنها التكبيرة الأولى.\r{ وَجَنَّةٍ } أي وإلى جنة { عَرْضُهَا السَّمَاوَات وَالأرْضُ } أي: عرضها كعرض السموات والأرض، كما قال في سورة الحديد: \" وجنة عرضها كعرض السماء والأرض \"( سورة الحديد -21 ) أي: سَعَتُها، وإنما ذكر العرض على المبالغة لأن طول كل شيء في الأغلب أكثر من عرضه يقول: هذه صفة عَرْضِها فكيف طُولها؟ قال الزهري: إنما وصف عرضها فأما طولُها فلا يعلمه إلا الله، وهذا على التمثيل لا أنها كالسموات والأرض لا غير، معناه: كعرض السموات السبع والأرضين السبع عند ظنكم كقوله تعالى: \" خالدين فيها ما دامت السمواتُ والأرضُ \"( سورة هود -107 ) يعني: عند ظنكم وإلا فهما زائلتان، وروي عن طارق بن شهاب أن ناسًا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب وعنده أصحابه رضي الله عنهم وقالوا: أرأيتم قوله { وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَات وَالأرْضُ } فأين النار؟ فقال عمر: أرأيتم إذا جاء الليل أين يكون النهار، وإذا جاء النهار أين يكون الليل؟ فقالوا: إنه لمثلها في التوراة (1) ومعناه أنه حيث يشاء الله.\rفإن قيل: قد قال الله تعالى: \" وفي السماء رزقُكم وما تُوعَدُون \"( سورة الذاريات -22 ) وأراد بالذي وعَدَنا: الجنة فإذا كانت الجنة في السماء فكيف يكون عرضُها السموات والأرض؟ وقيل: إن باب الجنة في السماء وعرضها السموات والأرض كما أخبر، وسُئل أنس بن مالك رضي الله عنه عن الجنة: أفي السماء أم في الأرض؟ فقال: وأي أرض وسماء تسع الجنة؟ قيل: فأين هي؟ قال: فوق السموات السبع تحت العرش. وقال قتادة: كانوا يرون أن الجنة فوق السموات السبع وأن جهنم تحت الأرضين السبع { أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ }\r{ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) }\r{ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ } أي: في اليُسر والعُسر فأول ما ذكر من أخلاقهم الموجبة للجنة ذكر السَّخَاوةَ وقد جاء في الحديث . أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا\r__________\r(1) أخرجه الطبري في التفسير: 7 / 133، وأخرج ابن حبان عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد : أرأيت جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أرأيت هذا الليل قد كان ثم ليس شيء أين جعل؟ قال: الله أعلم. قال: فإن الله يفعل ما يشاء\". موارد الظمآن ص (428) ورواه الحاكم في المستدرك: 1 / 36 وصححه على شرط الشيخين وقال الهيثمي في المجمع: 6 / 327: \"رواه البزار ورجاله رجال الصحيح\". وانظر: تفسير الطبري بتعليق الشيخ شاكر: 7 / 212.","part":2,"page":104},{"id":511,"text":"أبو عمرو الفراتي، أخبرنا أبو العباس أحمد بن إسماعيل العنبري، أخبرنا أبو عبد الله بن حازم البغوي بمكة، أخبرنا أبو صالح بن أيوب الهاشمي، أخبرنا إبراهيم بن سعد، أخبرنا سعيد بن محمد، عن يحيى بن سعيد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"السَّخيُّ قريبٌ من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيدٌ من النار، والبخيلُ بعيد من الله بعيدٌ من الجنة بعيد من الناس قريب من النار، والجاهل السخي أحب إلى الله من عابد بخيل\" (1) .\r{ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ } أي: الجارعين الغيظَ عند امتلاء نفوسهم منه، والكظم: حبس الشيء عند امتلائه 69/أ وكظم الغيظ أن يمتلئ غيظًا فيردّه في جوفه ولا يُظهره. ومنه قوله تعالى: \" إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين \"( سورة غافر -18 ) أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو عمرو الفراتي، أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد الإسفرايني، أخبرنا أبو عبد الله بن محمد زكريا العلاني، أخبرنا رَوح بن عبد المؤمن، أخبرنا أبو عبد الرحمن المُقْري أخبرنا سعيد بن أبي أيوب قال: حدثني أبو مرحوم عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كظم غيظًا وهو يقدر على أن ينفذَه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيّره من أيّ الحور شاء \" . (2) .\r{ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ } قال الكلبي عن المملوكين سوء الأدب، وقال زيد بن أسلم ومقاتل: عمّن ظلمهم وأساء إليهم. { وَاللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ } (3) .\r{ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) }\rقوله تعالى: { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ } الآية قال ابن مسعود: قال المؤمنون: يا\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في البر والصلة باب ما جاء في السخاء: 6 / 95 - 96 وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث يحيى بن سعيد عن الأعرج عن أبي هريرة إلا من حديث سعيد بن محمد وقد خولف سعيد بن محمد في رواية هذا الحديث عن يحيى بن سعيد إنما يروى عن يحيى بن سعيد عن عائشة شيء مرسل. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الأوسط وفيه سعيد بن محمد الوراق وهو ضعيف. المجمع: 3 / 127. وانظر: فيض القدير للمناوي: 4 / 139.\r(2) أخرجه أبو دواد في الأدب باب فيمن كظم غيظا: 7 / 164 قال: المنذري وسهل بن معاذ بن أنس الجهني: ضعيف والذي روى عنه هذا الحديث: أبو مرحوم عبد الرحيم بم ميمون الليثي مولاهم المصري ولا يحتج بحديثه. وأخرجه الترمذي في البر والصلة باب في كظم الغيظ: 6 / 166 وقال: هذا حديث حسن غريب وأخرجه في القيامة أيضا. وأخرجه ابن ماجه في الزهد باب الحلم برقم (4186): 2 / 1400، وأحمد في المسند: 3 / 438. وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 2 / 317: لعبد بن حميد والبيهقي في الشعب.\r(3) في المطبوع هذه الزيادة: \"عن الثوري: الإحسان أن تحسن إلى المسيء فإن الإحسان إلى المحسن تجارة\". وليست في النسختين المخطوطتين.","part":2,"page":105},{"id":512,"text":"رسول الله كانت بنو إسرائيل أكرم على الله منّا، كان أحدهم إذا أذنب أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه اجدَعْ أنفك وأذنك، افعل كذا فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية (1) .\rوقال عطاء: نزلت في نبهان التمار وكنيته أبو معبد أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمرًا فقال لها إن هذا التمر ليس بجيد، وفي البيت أجود منه فذهب بها إلى بيته فضمّها إلى نفسه وقبَّلها فقالت له: اتق الله فتركها وندم على ذلك فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر ذلك له، فنزلت هذه الآية (2) .\rوقال مقاتل والكلبي: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين رجلين أحدهما من الأنصار والآخر من ثقيف فخرج الثقفي في غزاة واستخلف الأنصاريَّ على أهله فاشترى لهم اللحم ذات يوم فلما أرادت المرأة أن تأخذ منه دخل على أثرها وقبّل يدها، ثم ندم وانصرف ووضع التراب على رأسه وهام على وجهه، فلما رجع الثقفي لم يستقبله الأنصاري فسأل امرأته عن حاله فقالت: لا أكثر الله في الإخوان مثله ووصفت له الحال، والأنصاري يسيح في الجبال تائبًا مستغفرًا، فطلبه الثقفي حتى وجده فأتى به أبا بكر رجاء أن يجد عنده راحة وفرجا. فقال الأنصاري: هلكتُ: وذكر له القصة فقال أبو بكر: ويحك أما علمت أن الله تعالى يغار للغازي مالا يغار للمقيم، ثم أتيا عمر رضي الله عنه فقال مثل ذلك، فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال له مثل مقالتهما، فأنزل الله تعالى هذه الآية { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً } (3) يعني: قبيحة خارجة عما أذن الله تعالى له فيه، وأصل الفحش القبح والخروج عن الحدّ قال جابر: الفاحشة الزنا.\r{ أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ } ما دون الزنا من القبلة والمعانقة والنظر واللمس.\rوقال مقاتل والكلبي: الفاحشة ما دون الزنا من قبلة أو لمسة أو نظرة فيما لا يحل أو ظلموا أنفسهم بالمعصية.\rوقيل: فعلوا فاحشة الكبائر، أو ظلموا أنفسهم بالصغائر.\rوقيل: فعلوا فاحشة فعلا أو ظلموا أنفسهم قولا.\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 7 / 219، والواحدي في أسباب النزول ص (119) بسنده عن عطاء وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 2 / 326؛ لابن المنذر عن ابن عباس .\r(2) أسباب النزول للواحدي ص (118) وذكر القصة الحافظ ابن حجر في الإصابة: 6 / 418 - 419 في ترجمة نبهان التمار. قال: ذكر مقاتل بن سليمان في تفسيره عن الضحاك عن ابن عباس . . . ثم قال: وهكذا أخرجه عبد الغني بن سعيد الثقفي في تفسيره عن موسى بن عبد الرحمن عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس مطولا. ومقاتل: متروك والضحاك: لم يسمع من ابن عباس. وعبد الغني وموسى: هالكان. وأورد هذه القصة: الثعلبي والمهدوي ومكي والماوردي في تفاسيرهم بغير سند.\r(3) أسباب النزول للواحدي ص (118) بدون إسناد والكلبي ضعيف.","part":2,"page":106},{"id":513,"text":"{ ذَكَرُوا اللَّهَ } أي: ذكروا وعيد الله، وأن الله سائلهم، وقال مقاتل بن حيان: ذكروا الله باللسان عند الذنوب.\r{ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِر الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ } أي: وهل يغفر الذنوب إلا الله .\r{ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا } أي: لم يُقيموا ولم يثبتوا عليه ولكن تابوا وأنابوا واستغفروا، وأصل الإصرار: الثبات على الشيء وقال الحسن: إتيان العبد ذنبًا عمدًا إصرارٌ حتى يتوب.\rوقال السدي: الإصرار: السكوت وترك الاستغفار. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الرَّياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أنا يحيى بن يحيى، أنا عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن عثمان بن واقد العمري، عن أبي نصيرة، قال : لقيت مولى لأبي بكر رضي الله عنه فقلت له: أسمعتَ من أبي بكر شيئا؟ قال: نعم سمعتُه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \" ما أصرَّ مَنِ استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة\" (1) .\r{ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } قال ابن عباس والحسن ومقاتل والكلبي: وهم يعلمون أنها معصية، وقيل: وهم يعلمون أن الإصرار ضار، وقال الضحاك: وهم يعلمون أن الله يملك مغفرة الذنوب، وقال الحسين بن الفضل وهم يعلمون أن لهم ربا يغفر الذنوب، وقيل: وهم يعلمون أنّ الله لا يتعاظمه العفو عن الذنوب وإن كثُرت وقيل: وهم يعلمون أنهم إن استغفروا غفر لهم.\r{ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136) }\r{ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْر الْعَامِلِينَ }\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الوتر في الاستغفار: 2 / 150 والترمذي في الدعوات باب أحاديث شتى في الدعوات: 10 / 4 وقال: هذا حديث غريب إنما نعرفه من حديث أبي نصيرة وليس إسناده بالقوي، وأخرجه المروزي في مسند أبي بكر، الصديق برقم (121 - 122) ص 155 - 156. والحديث فيه أيضا مجهول وهو مولى أبي بكر وأخرجه الطبري في التفسير: 7 / 225 - 226. وأخرجه أبو يعلى والبزار وقال: البزار: لا نحفظه إلا من حديث أبي بكر بهذا الطريق وأبو نصيرة وشيخه لا يعرفان قال ابن حجر: له شاهد أخرجه الطبراني في الدعاء من حديث ابن عباس انظر: الكافي الشاف ص 32. وذكره ابن كثير في التفسير: 1 / 409 وقال: \"رواه أبو دواد والترمذي والبزار في مسنده من حديث عثمان بن واقد - وقد وثقه يحيى ابن معين به - وشيخه أبو بكر المقاسطي واسمه سالم بن عبيد : وثقه الإمام أحمد وابن حبان. وقول على بن المديني والترمذي: ليس إسناد هذا الحديث بذاك. فالظاهر: أنه لأجل جهالة مولى أبي بكر . ولكن جهالة مثله لا تضر لأنه تابعي كبير. ويكفيه نسبته إلى أبي بكر.","part":2,"page":107},{"id":514,"text":"ثوابُ المطيعين. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الريّاني، أنا حميد بن زنجويه، أنا عفان بن مسلم، أنا أبو عُوانة، أنا عثمان بن المغيرة عن علي بن ربيعة الأسدي، عن أسماء بن الحكم الفزاري، قال: سمعت عليًا رضي الله عنه يقول: إني كنت رجلا إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا ينفعني الله منه بما شاء أن ينفعني وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته فإذا حلف لي صدقته، وإنه حدثني أبو بكر وصدق أبو بكر أنه سمع رسول الله يقول: \"ما مِنْ عبدٍ مؤمنٍ يُذنبُ ذنبًا فيُحسِنُ الطهورَ ثم يقومُ فيصلي ثم يستغفر الله إلا غفرَ الله له\" ورواه أبو عيسى عن قتيبة عن أبي عُوانة وزاد: ثم قرأ: { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ } الآية (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أبو منصور السمعاني، أنا أبو جعفر الريَّاني، أنا حميد بن زنجويه، أنا هشام بن عبد الملك، أخبرنا همام، عن إسحاق، عن عبد الله بن أبي طلحة، قال: كان قاض بالمدينة يقال له عبد الرحمن بن أبي عَمْرة فسمعتُه يقول: سمعتُ أبا هريرة يقول: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"إن عبدًا أذنب ذنبًا فقال: أيْ ربِّ اذنبتُ ذنبًا فاغفرْهُ لي قال: فقال ربُّه عز وجل: علم عبدي أنّ له ربًا يغفر الذنب ويأخُذُ به، فغفر له فمكث ما شاء الله، ثم أصاب ذنبًا آخر فقال: ربِّ أذنبتُ ذنبًا فاغفرْهُ لي فقال ربه عز وجل: علم عبدي أنّ له ربًا يغفر الذنبَ ويأخُذُ بهِ قد غفرت لعبدي فليفعل ما شاء\" (2) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أبو منصور السمعاني، أنا أبو جعفر الريَّاني، أنا حميد بن زنجويه، أخبرنا النعمان السدوسي، أخبرنا المهدي بن ميمون، أخبرنا غيلان بن جرير، عن شهر بن حَوْشَب عن معدي كرب عن أبي ذر 69/ب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال: \"قال يا ابن آدم إنك ما دعوتَني ورَجُوتَني غفرت لك على ما كان فيك، ابنَ آدم إنّك إن تلقاني بِقُرَابِ الأرض خَطَايا لقيتُكَ\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الصلاة باب ما جاء في الصلاة عند التوبة : 2 / 442 - 444 وقال: حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأخرجه أيضا في التفسير، وابن حبان في التوبة ص (608) من موارد الظمآن والإمام أحمد في المسند عن أبي بكر: 1 / 10، وأبو داود الطيالسي في المسند: (ص2) ، وأبو بكر المروزي في مسند أبي بكر الصديق برقم (9 10) ص 42 - 43 وأخرجه الطبري في التفسير: 7 / 220. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 4 / 151 - 152 وقال: هذا حديث حسن لا يعرف إلا من حديث عثمان بن المغيرة ويروي عنه شعبة ومسعر وغير واحد. وعزاه السيوطي للنسائي وعبد حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب. وانظر: الدر المنثور: 2 / 327. قال ابن حجر في التهذيب: 1 / 235 : \"وهذا الحديث جيد الإسناد\". وقال ابن كثير في التفسير: 1 / 408 بعد أن ساق رواية الإمام أحمد: \" وهكذا رواه علي بن المديني والحميدي وأبو بكر بن أبي شيبة وأهل السنة وابن حبان في صحيحه والبزار والدارقطني من طرق عن عثمان بن المغيرة به. وقد ذكرنا طرقه والكلام عليه مستقصى في مسند أبي بكر الصديق رضي الله عنه وبالجملة: فهو حديث حسن\" ثم ذكر شواهد لصحته في الصحيحين. وانظر أيضا 1 / 554 من ابن كثير.\r(2) أخرجه البخاري في التوحيد باب قول الله تعالى \"يريدون أن يبدلوا كلام الله\": 13 / 466 ومسلم في التوبة باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت برقم (2758): 4 / 2112 والمصنف في شرح السنة: 5 / 72.","part":2,"page":108},{"id":515,"text":"بِقُرَابها مغفرة بعد أن لا تُشرِكَ بي شيئا، ابنَ آدم إنّكَ إن تُذنبْ حتى تبلغَ ذنوبك عنانَ السماء ثم تستغفرني أغفرُ لك\" (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين الحسني الشرفي، أنا أبو الأزهر، أحمد بن الأزهر أخبرنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، حدثني أبي عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: \" من علم أني ذُو قُدْرَةٍ على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي ما لم يُشركْ بي شيئا\" (2) قال ثابت البناني: بلغني أن إبليس بكى حين نزلت هذه الآية { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً } إلى آخرها.\r{ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) }\rقوله تعالى: { قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ } قال عطاء: شرائع، وقال الكلبي: مضتْ لكل أمة سُنّة ومنهاج إذا اتبعوها رضي الله عنهم، وقال مجاهد: قد خلت من قبلكم سُنَنٌ بالهلاك فيمن كذّب قبلكم، وقيل: سُنَنٌ أي: أمم والسُّنّةُ: الأمّةُ قال الشاعر: ما عاين الناسُ من فضل كفضلكم ... ولا رأوا مثلكم في سالف السّنَن\rوقيل معناه: أهل السنن، والسنة هي : الطريقة المتبعة في الخير والشر، يقال: سَنَّ فلانُ سُنَّةً حسنةً وسُنَّةً سيئةً إذا عمل عملا اقْتُدِي به مِنْ خيرٍ وشر.\rومعنى الآية: قد مضتْ وسلفتْ مني سننٌ فيمن كان قبلكم من الأمم الماضية الكافرة، بإمهالي واستدراجي إيَّاهم حتى يبلغ الكتاب فيهم أجلي الذي أجلتُه لإهلاكهم، وإدالة أنبيائي عليهم. { فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَة الْمُكَذِّبِينَ } أي: آخر أمر المكذبين، وهذا في حرب أحد، يقول الله عز وجل: فأنا أُمهلهم وأستدرجهم حتى يبلغ أجلي الذي أجلت في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم وأوليائه وإهلاك أعدائه .\r{ هَذَا } أي: هذا القرآن، { بَيَانٌ لِلنَّاسِ } عامة، { وَهُدًى } من الضلالة، { وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ }\r__________\r(1) أخرجه الإمام أحمد في المسند: 5 / 154، والدارمي في الرقاق باب إذا تقرب العبد إلى الله: 2 / 322. وله شاهد عند الترمذي في الدعوات باب غفران الذنوب مهما عظمت: 9 / 524 - 525. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 5 / 75.\r(2) أخرجه الحاكم في المستدرك: 4 / 262. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد وتعقبه الذهبي فقال: العدني واه. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 14 / 388. قال ابن حجر في التقريب: 1 / 34 \"وإبراهيم بن الحكم العدني: ضعيف وصل مراسيل\".","part":2,"page":109},{"id":516,"text":"خاصة.\r{ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) }\rقوله تعالى: { وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا } هذا حثُّ لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على الجهاد، زيادة على ما أصابهم من القتل والجرح يوم أُحد يقول الله تعالى: ولا تهنوا أي: لا تَضْعُفُوا ولا تجبنوا عن جهاد أعدائكم بما نالكم من القتل والجرح، وكان قد قتل يومئذ من المهاجرين خمسة منهم: حمزة بن عبد المطلب ومصعبُ بن عُمير، وقتل من الأنصار سبعون رجلا.\r{ وَلا تَحْزَنُوا } فإنكم { أَنْتُم الأعْلَوْنَ } أي تكون لكم العاقبةُ بالنصرة والظفر، { إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } يعني: إذ كنتم مؤمنين : أي: لأنكم مؤمنون، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشّعب فأقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم لا يعلون علينا، اللهم لا قوةَ لنا إلا بك وثابَ نفرٌ من المسلمين رماةٌ فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم (1) فذلك قوله تعالى: { وَأَنْتُم الأعْلَوْنَ } وقال الكلبي: نزلت هذه الآية بعد يوم أُحد حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بطلب القوم ما أصابهم من الجراح فاشتد ذلك على المسلمين فأنزل الله تعالى هذه الآية، دليله قوله تعالى: \" ولا تَهِنُوا في ابتغاء القوم \"( النساء -104 ).\r{ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ } قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر \" قرح \" بضم القاف حيث جاء، وقرأ الآخرون بالفتح وهما لغتان معناهما واحد كالجهد والجهد وقال الفراء القرح بالفتح: الجراحة وبالضم: ألم الجراحة هذا خطاب مع المسلمين حيث انصرفوا من أحد مع الكآبة والحزن، يقول الله تعالى: { إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ } يوم أُحد، { فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ } يوم بدر، { وَتِلْكَ الأيَّام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ } فيومٌ لهم ويومٌ عليهم أُديل المسلمون على المشركين يوم بدر حتى قتلوا منهم سبعين وأسَرُوا سبعين وأُديل المشركون من المسلمين يوم أُحد حتى جرحوا منهم سبعين وقتلوا خمسًا وسبعين.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عمرو بن خالد، أنا زهير، أخبرنا أبو إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب قال: جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الرّجّالة يوم أُحد وكانوا خمسين رجلا عبدَ الله بن جُبير، فقال: \"إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا\r__________\r(1) أخرجه الطبري في التفسير: 7 / 236 وفي التاريخ: 2 / 521 522 . وانظر سيرة ابن هشام 2 / 137.","part":2,"page":110},{"id":517,"text":"تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسلَ إليكم وإن رأيتُمونا هزمنا القومَ وأوطأناهم فلا تبرحُوا حتى أُرسل إليكم فهزموهم (1) قال: فأنا والله رأيتُ النساء يتشددن قد بدت خلاخلهن وأسوقهن رافعات ثيابهن، فقال أصحاب عبد الله بن جُبير: الغنيمة أيْ قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جُبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: والله لنأتينّ الناسَ فلنصيبن من الغنيمة، فلما أتوهم صُرفتْ وجُوهُهم فأقبلوا منهزمين. فذاك إذ يدعوهم الرسول في أُخراهُم فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلا فأصابوا منا سبعين.\rوكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر مائة وأربعين، سبعين أسيرًا وسبعين قتيلا فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد ثلاث مرات، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة ثلاث مرات ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب ثلاث مرات ثم رجع إلى أصحابه فقال: أمّا هؤلاء فقد قُتلوا فما مَلَك عمرُ نفسه فقال: كذبت والله يا عدو الله، إن الذين عددت لأحياء كلهم وقد بقي لك ما يسوءُك قال: يوم بيوم بدر، والحرب سِجَال إنكم ستجدون في القوم مُثلةً لم آمر بها ولم تسؤني، ثم أخذ يرتجز: اعل هُبَلُ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا تُجيبوه\"؟ قالوا: يا رسول الله ما نقول؟ قال: قولوا الله أعلى وأجلُّ\" قال: إن لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"ألا تَجيبوه\"؟ قالوا: يا رسول الله ما نقول؟ قال: قولوا الله مولانا ولا مولى لكم\" (2)\rوُروي هذا المعنى عن ابن عباس رضي الله عنهما وفي حديثه قال أبو سفيان: يوم بيوم وإن الأيام دَول والحرب سجال، فقال عمر رضي الله عنه: لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار\" (3) .\rقال الزجاج: الدولة تكون للمسلمين على الكفار، لقوله تعالى: { وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ } وكانت 70/أ يوم أَحد للكفار على المسلمين لمخالفتهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rقوله تعالى: { وَلِيَعْلَمَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا } يعني: إنما كانت هذه المُداولة ليعلم أي( أي: ليرى الله ) (4) الذين آمنوا فيميز (5) المؤمن من المنافق، { وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ } يُكرم أقوامًا بالشهادة، { وَاللَّه لا يُحِبّ الظَّالِمِينَ }\r__________\r(1) في \"أ\": \"فهزمهم\".\r(2) أخرجه البخاري في الجهاد باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب. . . 6 / 163 - 164 بلفظه وفي المغازي باب غزوة أحد: 7 / 349 - 350 بمعناه مطولا.\r(3) مسند الإمام أحمد: 1 / 288.\r(4) زيادة من (ب) .\r(5) في \"أ\": (فيتميز).","part":2,"page":111},{"id":518,"text":"{ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) }\r{ وَلِيُمَحِّصَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا } أي: يُطهرهم من الذنوب، { وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ } يُفنيهم ويُهلكهم معناه: أنهم إن قتلوكم فهو تطهيرٌ لكم، وإن قتلتموهم فهو محقهم واستئصالُهم.\r{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143) وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) }\r{ أَمْ حَسِبْتُمْ } أحسبتم؟ { أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ } [أي: ولم يعلم الله] (1) { الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ }\r{ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ } وذلك أن قوما من المسلمين تمنَّوا يومًا كيوم بدر ليقاتُلوا ويستشهِدُوا فأراهم الله يوم أُحد وقوله { تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ } أي: سببَ الموت وهو الجهاد من قبل أن تلقوه، { فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ } يعني: أسبابه.\rفإن قيل: ما معنى قوله { وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } بعد قوله: { فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ } قيل: ذكره تأكيدًا وقيل: الرؤية قد تكون بمعنى العلم، فقال: { وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } ليعلم أن المراد بالرؤية النظر، وقيل: وأنتم تنظرون إلى محمد صلى الله عليه وسلم.\rقوله عز وجل: { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ } قال أصحاب المغازي (2) خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالشّعب من أُحد في سبعمائة رجل، وجعل عبد الله بن جُبير وهو أخو خَوات بن جبير على الرّجالة وكانوا خمسين رجلا وقال: أقيموا بأصل الجبل وانضحوا عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا، فإن كانت لنا أو علينا فلا تبرحوا مكانكم حتى أرسل إليكم فإنّا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم فجاءت قريش وعلى ميمنتهم خالد بن الوليد وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل ومعهم النساء يضربن بالدفوف ويقلن الأشعار فقاتلوا حتى حميت الحرب فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفا فقال من يأخذ هذا السيف بحقه ويضرب به العدو حتى يثخن، فأخذه أبو دجانة سماك بن خرشة (3) الأنصاري فلما\r__________\r(1) زيادة من (ب).\r(2) انظر: سيرة ابن هشام 2 / 127 وما بعدها مع الروض الأنف طبقات ابن سعد: 2 / 36 وما بعدها.\r(3) في \"أ\": حرب وانظر: أسد الغابة: 2 / 451.","part":2,"page":112},{"id":519,"text":"أخذه اعتم بعمامة حمراء وجعل يتبختر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إنها لَمشيةٌ يبغضها الله تعالى إلا في هذا الموضع\" ففلق به هام المشركين وحمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على المشركين فهزموهم.\rوروينا عن البراء بن عازب قال: فأنا والله رأيت النساء يشتددن قد بدت خَلاخِلهنَّ وأسوقهن رافعاتٍ ثيابهن فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة والله لنأتينّ الناس فلَنُصيبنّ من الغنيمة فلما أتوهم صرفت وجوههم.\rوقال الزبير بن العوام: فرأيت هندًا وصواحباتها هاربات مصعدات في الجبل، باديات خدامهنّ ما دون أخذهن شيء فلما نظرت الرماة إلى القوم قد انكشفوا ورأوا أصحابهم ينتهبون الغنيمة أقبلوا يريدون النهب .\rفلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة واشتغال المسلمين بالغنيمة، ورأى ظهورهم خالية صاح في خيله من المشركين، ثم حمل على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من خلفهم فهزموهم وقتلوهم، ورمى عبد الله بن قمئة رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر (1) فكسر أنفه ورَباعيته وشجه في وجهه فأثقله وتفرق عنه أصحابه ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرة يعلوها، وكان قد ظاهر بين درعين فلم يستطع فجلس تحته طلحه فنهض حتى استوى عليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أوجَبَ طلحةُ\" (2) ووقعت هند والنسوة معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجدعن الآذان والأنوف حتى اتخذت هند من ذلك قلائد، وأعطتْها وحشيًا وبقرتْ عن كبدة حمزة ولاكتها فلم تستطع أن تُسيغها فلفظتها، وأقبل عبد الله بن قمئة يريد قتل النبي صلى الله عليه وسلم فذبَّ مُصعب بن عمير -وهو صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم -عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتله ابن قمئة، وهو يرى أنه قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع إلى المشركين وقال: إني قتلت محمدًا وصاح صارخٌ ألا إنّ محمدًا قد قتل، ويقال: إن ذلك الصارخ كان إبليس، فانكفأ الناس وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس: \"إلي عباد الله { إليَّ عبادَ الله } (3) فاجتمع إليه ثلاثون رجلا فَحموه حتى كشفوا عنه المشركين ورمى سعد بن أبي وقاص حتى اندقتْ سية قوسه ونثل (4) له رسول الله صلى الله عليه وسلم كنانته، وقال له: إرم فداك أبي وأمي، وكان أبو طلحة رجلا راميًا شديدا النزع كسر يومئذٍ (5) قوسين أو ثلاثا، وكان الرجل يمر بجعبة من النبل فيقول: انثرها لأبي طلحة، وكان إذا رمى أشرف النبي صلى الله عليه وسلم فينظر إلى موضع نبله وأصيبت يد طلحة بن عبيد الله فيبست حين وقَى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصيبت عين قتادة بن\r__________\r(1) في \"أ\" بالحجر.\r(2) أي عمل عملا أوجب له الجنة .\r(3) زيادة من \"ب\".\r(4) في \"أ\": (نار).\r(5) في \"أ\" : يوم أحد.","part":2,"page":113},{"id":520,"text":"النعمان يومئذ حين وقعت على وجنته، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانها، فعادت كأحسن ما كانت.\rفلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركه أبي بن خلف الجمحي، وهو يقول: لا نجوتُ إن نجوتَ فقال القوم: يا رسول الله ألا يعطف عليه رجل منّا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: دعوه حتى إذا دَنَا منه وكان أُبي قبل ذلك يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: عندي رمكة أعلفها كل يوم فَرْقَ ذُرة أقتُلُكَ عليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أنا أقتلك إن شاء الله، فلما دنا منه تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن الصمة ثم استقبله فطعنه في عنقه فخدشهً خدشة فتدهدًأ عن فرسه وهو يخور كما يخور الثور، ويقول: قتلني محمد، فأخذه أصحابه وقالوا: ليس عليك بأس قال: بلى لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومُضر لقتلتهم، أليس قال لي: أقتلك؟ فلو بزق عليّ بعد تلك المقالة لقتلني، فلم يلبث إلا يوما حتى مات بموضع يقال له سَرِف.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عمرو بن علي، أنا أبو عاصم، عن ابن جريج عن عمرو بن دينار، عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: اشتدّ غضبُ الله على من قتله نبي 70/ب واشتدّ غضبُ الله على من دَمىَّ وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) .\rقالوا: وفشا في الناس أن محمدًا قد قُتل فقال بعض المسلمين: ليتَ لنا رسولا إلى عبد الله بن أُبي فيأخذ لنا أمانًا من أبي سفيان، وبعض الصحابة جلسوا وألقوا بأيديهم، وقال أناس من أهل النفاق: إن كان محمدا قد قتل فالحقوا بدينكم الأول، فقال أنس بن النضر عمُّ أنس بن مالك: يا قوم إن كان قتل محمد فإن ربَّ محمد لم يُقتل وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومُوتُوا على ما مات عليه ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء يعني المسلمين، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء يعني المنافقين، ثم شدّ بسيفه فقاتل حتى قتل.\rثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق إلى الصخرة وهو يدعو الناس فأول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك، قال عرفتُ عينيه تحت المغفر تزهران فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إليّ أن اسكتْ فانحازت إليه طائفة من أصحابه، فلامهم النبي صلى الله عليه وسلم على الفِرار فقالوا: يا نبي الله فديناك بآبائنا وأُمهاتنا، أتانا الخبرُ بأنك قد قُتلت فرُعبت قلوبنا فولّينا مدبرين فأنزل الله تعالى هذه الآية (2) { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ }\r__________\r(1) أخرجه البخاري في المغازي باب ما أصاب النبي صلى الله عليه وسلم من الجراح يوم أحد: 7 / 372.\r(2) أخرجه ابن إسحاق في السيرة من طريق جعفر بن عبد الله بن أسلم مولى عمر بن الخطاب عن رجل من الأنصار من بني سلمة. . سيرة ابن هشام: 2 / 127 - 132 وانظر: الاكتفاء للكلاعي: 2 / 90 وما بعدها أسباب النزول للواحدي ص (158) الكافي الشاف لابن حجر ص (32 - 33).","part":2,"page":114},{"id":521,"text":"ومحمد هو المستغرق لجميع المحامد، لأنّ الحمد لا يستوجبه إلا الكامل والتحميد فوق الحمد، فلا يستحقه إلا المستولي على الأمر في الكمال، وأكرم الله نبيَّه وصفيه باسمين مشتقين من اسمه جلّ جلاله( محمد وأحمد ) وفيه يقول حسان بن ثابت: ألم تَرَ أن الله أرسل عبدَه ... ببرهانه والله أعلى وأمجدُ\rوشقَّ له من اسمه ليجلَّه ... فذو العرشِ محمود وهذا محمد\rقوله تعالى: { أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ } رجعتم إلى دينكم الأول، { وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَىعَقِبَيْهِ } فيرتّد عن دينه، { فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا } بارتداده وإنّما يضرُّ نفسه، { وَسَيَجْزِي اللَّه الشَّاكِرِينَ }\r{ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145) }\r{ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ } قال الأخفش: اللام في { لِنَفْسٍ } منقولة تقديره: وما كانت نفس لتموت، { إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ } بقضاء الله وقدره، وقيل: بعلمه وقيل: بأمره، { كِتَابًا مُؤَجَّلا } أي: كتَبَ لكل نفس أجلا لا يقدر أحدٌ على تغييره وتأخيره، ونصب الكتاب على المصدر، أي: كتب كتابًا، { وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا } يعني: من يرد بطاعته الدنيا ويعمل لها نؤته منها ما يكون جزاء لعمله، يريد نؤته منها ما نشاء بما قدرناه له كما قال: \" من كان يريد العاجلة عجّلنا له فيها ما نشاء لمن نُريد \"( سورة الإسراء -18 ) نزلت في الذين تركوا المركز يوم أُحد طلبا للغنيمة، { وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا } أي أراد بعمله الآخرة، قيل: أراد الذين ثبتوا مع أميرهم عبد الله بن جبير حتى قتلوا. { وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ } أي: المؤمنين المطيعين.\rأخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداوودي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن موسى بن الصلت أنا أبو إسحاق إبراهيم عبد الصمد الهاشمي، أنا أبو يحيى محمد بن عبد الله بن يزيد بن عبد الرحمن بن المقرئ، أنا أبي، أنا الربيع بن صبيح، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"من كانت نيته طلب الآخرة جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت نيته طلب الدنيا جعل الله الفقرَ بين عينيه وشتت عليه أمره ولا يأتيه منها إلا ما كتب له\" (1) .\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في القيامة باب رقم (14): 7 / 165 وفيه يزيد الرقاشي وهو ضعيف وله شاهد عند ابن ماجه من حديث زيد بن ثابت في الزهد باب الهم في الدنيا برقم (4105): 2 / 1375 قال في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات. وأخرجه ابن حبان برقم (72) ص (47) من موارد الظمآن وأحمد في المسند: 5 / 183 مطولا عن زيد بن ثابت. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 14 / 331. قال الهيثمي : رواه البزار وفيه إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف. مجمع الزوائد: 10 / 247.","part":2,"page":115},{"id":522,"text":"أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي بن محمد بن علي بن توبة الزرّاد، أخبرنا أبو بكر محمد بن إدريس بن محمد الجرجاني، وأبو أحمد محمد بن أحمد المعلم الهروي، قالا أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى الماليني، أخبرنا أبو العباس الحسن بن سفيان النسوي، أخبرنا حيان بن موسى وعبد الله بن أسماء ابن أخي جويرية بن أسماء، قال أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى فمن كانتْ هجرتُه إلى الله ورسولهِ فهجرتهُ إلى الله ورسوله ومن كانتْ هجرتهُ إلى دنيا يُصيبها أو امرأة يتزوّجها فهجرتهُ إلى ما هاجر إليه\" (1) .\r{ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) }\rقوله تعالى: { وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَه رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ } قرأ ابن كثير \" وكائن \" بالمد والهمزة على وزن فاعل وتليين الهمزة أبو جعفر، وقرأ الآخرون \" وكأيّن \" بالهمز والتشديد على وزن كعين، ومعناه: وكم، وهي كاف التشبيه ضُمت إلى أي الاستفهامية، ولم يقع للتنوين صورةٌ في الخط إلا في هذا الحرف خاصة ويقف بعض القراء على \" وكأيّ \" بلا نون والأكثرون على الوقوف بالنون قوله { قَاتَل } قرأ ابن كثير ونافع وأهل البصرة بضم القاف وقرأ الآخرون { قَاتَل } فمن قرأ { قَاتَل } فلقوله : { فَمَا وَهَنُوا } ويستحيل وصفهم بأنهم لم يهنوا بعدما قتلوا لقول سعيد بن جبير: ما سمعنا أن نبيا قتل في القتال ولأنّ { قَاتَل } أعم.\rقال أبو عبيد: إن الله تعالى إذا حمد من قاتل كان من قُتل داخلا فيه، وإذا حمد من قتل لم يدخل فيه غيرهم، فكان { قَاتَل } أعم.\rومن قرأ \"قتل\" ) فله ثلاثة أوجه: أحدها:\rأن يكون القتل راجعا إلى النبي وحده، فيكون تمام الكلام عند قوله \" قتل \" ويكون في الآية إضمار معناه: ومعه ربيون كثير، كما يقال: قتل فلان معه جيشٌ كثير أي: ومعه.\rوالوجه الثاني: أن يكون القتل نال النبي ومن معه من الربيين ويكون المراد: بعض من معه، تقول العرب قتلنا بني فلان وإنما قتلوا بعضهم ويكون قوله { فَمَا وَهَنُوا } راجعًا إلى الباقين.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في سبعة مواضع من الصحيح في بدء الوحي باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: 1 / 9 وفي الإيمان وفي العتق وفي مناقب الأنصار وفي النكاح وفي الإيمان والنذور وفي الحيل. وأخرجه مسلم في الإمارة باب قوله صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنية برقم (1907): 3 / 1515 - 1516.","part":2,"page":116},{"id":523,"text":"والوجه الثالث: أن يكون القتل للربيين لا غير.\rوقوله { رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ } قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: جموع كثيرة، وقال ابن مسعود: الربيون الألوف، وقال الكلبي الرَّبِّية الواحدة: عشرة آلاف، وقال الضحاك: الربية الواحدة: ألف، وقال الحسن: فقهاء علماء وقيل: هم الأتباع والربانيون الولاة، والربيون الرعية، وقيل: منسوب إلى الرب وهم الذين يعبدون الرب، { فَمَا وَهَنُوا } أي: فما جَبُنُوا، { لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا } عن الجهاد بما نالهم من ألم الجراح (1) وقَتْل الأصحاب. { وَمَا اسْتَكَانُوا } قال مقاتل: وما استسلموا وما خضعوا لعدوهم وقال السدي: وما ذلوأ 71/أ قال عطاء وما تضرعوا وقال أبو العالية: وما جبنوا ولكنهم صبروا على أمر رَبهّم وطاعة نبيهم وجهاد عدوهم، { وَاللَّه يُحِبّ الصَّابِرِينَ }\r{ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148) }\rقوله تعالى: { وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ } نصب على خبر كان والاسم في أن قالوا، ومعناه: وما كان قولهم عند قتل نبيهم، { إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } أي: الصغائر، { وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا } أي: الكبائر، { وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا } كي لا تزول، { وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } يقول فهلا فعلتم وقلتم مثل ذلك يا أصحاب محمد.\r{ فَآتَاهُم اللَّه ثَوَابَ الدُّنْيَا } النصرة والغنيمة، { وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ } الأجر والجنة، { وَاللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ }\rقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا } يعني: اليهود والنصارى وقال علي رضي الله عنه يعني: المنافقين في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم.\r{ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ } يُرجعوكم إلى أول أمركم الشرك بالله، { فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ } مغبونين.\rثم قال: { بَلِ اللَّه مَوْلاكُمْ } ناصُركم وحافظكُم على دينكم، { وَهُوَ خَيْر النَّاصِرِينَ }\r__________\r(1) في \"أ\": (الجرح).","part":2,"page":117},{"id":524,"text":"{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) }\r{ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ } وذلك أن أبا سفيان والمشركين لمّا ارتحلوا يوم أُحد متوجهين نحو مكة انطلقوا حتى إذا بلغوا بعض الطريق ندموا وقالوا: بئس ما صنعنا قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم، ارجعوا فاسْتَأْصِلُوهم فلمّا عزموا على ذلك قذف الله في قلوبهم الرُّعب حتى رجعوا عما همُّوا به.\rسنلقي أي: سنقذف في قلوب الذين كفروا الرعب الخوف وقرأ (1) أبو جعفر وابن عامر والكسائي ويعقوب { الرُّعُبَ } بضم العين وقرأ الآخرون بسكونها، { بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِمَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا } حُجةً وبُرهانًا، { وَمَأْوَاهُم النَّار وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ } مقام الكافرين.\rقوله تعالى: { وَلَقَدْ صَدَقَكُم اللَّه وَعْدَهُ } قال محمد بن كعب القرظي: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة من أُحد وقد أصابهم ما أصابهم، قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا؟ وقد وعدنا الله النصر فأنزل الله تعالى:\r{ وَلَقَدْ صَدَقَكُم اللَّه وَعْدَهُ } بالنصر والظفر وذلك أن النصر والظفر كان للمسلمين في الابتداء، { إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل أُحدًا خلف ظهره واستقبل المدينة وجعل عينين، وهو جبل عن يساره وأقام عليه الرماة وأمّر عليهم عبد الله بن جُبير وقال لهم: احموا ظهورنا فإن رأيتمونا قد غَنِمْنَا فلا تشركونا وإن رأيتمونا نُقتل فلا تَنْصرونا، وأقبل المشركون فأخذوا في القتال فجعل الرماة يرشقون خيل المشركين بالنبل والمسلمون يضربونهم بالسيوف، حتى ولّوا هاربين فذلك قوله تعالى { إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } أي تقتلونهم قتلا ذريعا بقضاء الله.\r__________\r(1) في \"أ\": (وقال).","part":2,"page":118},{"id":525,"text":"قال أبو عبيدة: الحسُّ: هو الاستئصال بالقتل.\r{ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ } أي: إن جبنتُم وقيل: معناه فلما فشلتم، { وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وَعَصَيْتُمْ } والواو زائدة في { وَتَنَازَعْتُم } يعني: حتى إذا فشلتم تنازعتم، وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: حتى إذا تنازعتم في الأمر وعصيتم فشلْتُم ومعنى التنازع الاختلاف.\rوكان اختلافهم أن الرماة اختلفوا حين انهزم المشركون فقال بعضهم: انهزم القوم فما مقامنا؟ وأقبلوا على الغنيمة وقال بعضهم: لا تجاوزوا أمرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت عبد الله بن جُبير في نفر يسير دون العشرة.\rفلما رأى خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل ذلك حملوا على الرماة فقتلوا عبد الله بن جبير وأصحابه، وأقبلوا على المسلمين وحالت الريح فصارت دَبُوَرًا بعد ما كانت صبَا (1) وانتقضت صفوف المسلمين واختلطوا فجعلوا يقتلون على غير شعار يضرب بعضهم بعضا ما يشعرون من الدهش، ونادى إبليس أن محمدًا قد قُتل وكان ذلك سبب الهزيمة للمسلمين.\rقوله تعالى: { وَعَصَيْتُمْ } يعني: الرسول صلى الله عليه وسلم وخالفتمُ أمره، { مِنْ بَعْدِمَا أَرَاكُمْ } الله { مَا تُحِبُّونَ } يا معشر المسلمين من الظفر والغنيمة، { مِنْكُمْ مَنْ يُرِيد الدُّنْيَا } يعني: الذين تركوا المركز وأقبلوا على النهب، { وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيد الآخِرَةَ } يعني: الذين ثبتوا مع عبد الله بن جُبير حتى قُتلوا قال عبد الله بن مسعود: ما شعرت أن أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى كان يوم أُحد ونزلت هذه الآية { ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ } أي: ردّكم عنهم بالهزيمة، { لِيَبْتَلِيَكُم } ليمتحنكم وقيل: لُينزل البلاء عليكم { وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة، { وَاللَّه ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ }\r{ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153) }\r{ إِذْ تُصْعِدُونَ } يعني: ولقد عفا عنكم إذ تُصْعِدُون هاربين، وقرأ أبو عبد الرحمن السُّلمي والحسن وقتادة { تُصْعِدُونَ } بفتح التاء والعين والقراءة المعروفة بضم التاء وكسر العين.\rوالإصعاد: السيرُ في مستوى الأرض والصُّعود: الارتفاع على الجبال والسطوح، قال أبو حاتم: يقال\r__________\r(1) الدبور: الريح التي تقابل الصَّبا والصَّبا: ريح تهب من مطلع الثريا.","part":2,"page":119},{"id":526,"text":"أصعدتَ إذا مضيتَ حيالَ وجهك وصعدتَ إذا ارتقيتَ في جبل أو غيره، وقال المبرد: أصعد إذا أبعد في الذهاب، وكلتا القراءتين صواب فقد كان يومئذ من المنهزمين مصعد وصاعد وقال المفضل: صعد وأصعد وصعَّد بمعنى واحد.\r{ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَد } أي: لا تعرجون ولا تقيمون على أحد ولا يلتفت بعضكم إلى بعض، { وَالرَّسُول يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ } أي: في آخركم ومن ورائكم إليّ عبادَ الله فأنا رسول الله من يكرُّ فله الجنة (1) ، { فَأَثَابَكُمْ } فجازاكم جعل الإثابة بمعنى العقاب، وأصلها في الحسنات لأنه وضعها موضع الثواب كقوله تعالى: { فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } جعل البشارة في العذاب (2) ومعناه: جعل مكان الثواب الذي كنتم ترجون (3) { غمًّا بغم } وقيل: الباء بمعنى على أي: غمًا على غمٍّ وقيل: غمَّا متصلا بغمٍّ فالغمُّ الأول: ما فاتهم من الظفر والغنيمة، والغمُّ الثاني: ما نالهم من القتل والهزيمة.\rوقيل: الغم الأولُّ ما أصابهم من القتل والجراح، والغم الثاني: ما سمعوا أن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد قتل فأنساهم الغمَّ الأول.\rوقيل: الغم الأول: إشراف خالد بن الوليد عليهم بخيل المشركين، والغم الثاني: حين أشرف عليهم أبو سفيان، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق يومئذ يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة، فلما رأوه وضع رجل سهمًا في قوسه وأراد أن يرميه، فقال أنا رسول الله ففرحوا حين وجدوأ 71/ب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرح النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى أن في أصحابه من يمتنع، فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه، ويذكرون أصحابهم الذين قُتلوا فأقبل أبو سفيان وأصحابه حتى وقفوا بباب الشعب، فلما نظر المسلمون إليهم أهمّهمْ ذلك وظنوا أنهم يميلون عليهم فيقتلونهم فأنساهم هذا ما نالهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس لهم أن يعلونا اللّهم إن تقتل هذه العصابة لا تُعبد في الأرض، ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم.\rوقيل: إنهم غمّوا الرسول بمخالفة أمره، فجازاهم الله بذلك الغمَّ غمَّ القتل والهزيمة.\rقوله تعالى: { لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ } من الفتح والغنيمة، { وَلا مَا أَصَابَكُمْ } أي: ولا على ما أصابكم من القتل والهزيمة، { وَاللَّه خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }\r__________\r(1) أخرجه الطبري في التاريخ: 2 / 519 - 520 وانظر البداية والنهاية: 4 / 23.\r(2) في \"أ\": \"العقاب\".\r(3) .","part":2,"page":120},{"id":527,"text":"{ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ (154) }\r{ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ } يا معشر المسلمين، { مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا } يعني: أمنًا والأمنَ الأمَنَةَ بمعنى واحد وقيل: الأمنَ يكون مع زوال سبب الخوف والأمَنَةُ مع بقاء سبب الخوف وكان سبب الخوف هنا قائما، { نُعَاسًا } بدل من الأمنة { يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ } قرأ حمزة والكسائي \" تغشى \" بالتاء ردًّا إلى الأمَنَةِ وقرأ الآخرون بالياء ردًّا على النعاس.\rقال ابن عباس رضي الله عنهما: أمنّهم يومئذ بنُعاس يغشاهم وإنما ينعس من يأمن، والخائف لا ينام.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن، أنا حسين بن محمد، أخبرنا شيبان عن قتادة أخبرنا أنس أن أبا طلحة قال: غشيَنَا النعاسُ ونحن في مصافنّا يوم أحد قال: فجعل سيفي يسقط من يدي فآخذه ويسقط وآخذه\" (1) .\rوقال ثابت عن أنس عن أبي طلحة قال: رفعت رأسي يوم أُحد فجعلت ما أرى أحدا من القوم إلا وهو يميل تحت جُحفتهِ من النعاس (2) .\rوقال عبد الله بن الزبير عن أبيه الزبير بن العوام لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتدّ علينا الحرب، أرسل الله علينا النوم والله إني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني ما أسمعه إلا كالحلم،\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير تفسير سورة آل عمران باب قوله تعالى : \"أمنة نعاسا\": 8 / 228 وفي المغازي. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 13 / 392 .\r(2) أخرجه الترمذي في تفسيره سورة آل عمران: 8 / 358 وقال: هذا حديث حسن صحيح وصححه الحاكم على شرط مسلم: 2 / 297 ووافقه الذهبي. وعزاه في تحفة الأحوذي للنسائي.","part":2,"page":121},{"id":528,"text":"يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا (1) فذلك قوله تعالى: { يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ } يعني: المؤمنين، { وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } يعني: المنافقين: قيل: أراد الله به تمييز المنافقين من المؤمنين فأوقع النعاسَ على المؤمنين حتى أمِنُوا ولم يُوقع على المنافقين فبقوا في الخوف وقد أهمّتْهم أنفسُهم أي: حملتهم على الهمِّ يقال: أمرٌ مهمُّ.\r{ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ } أي: لا ينصر محمدًا، وقيل: ظنوا أن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد قتل، { ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ } أي: كظن أهل الجاهلية والشرك، { يَقُولُونَ هَلْ لَنَا } ما لنا لفظهُ استفهام ومعناه: حجدٌ، { مِنَ الأمْرِ مِنْ شَيْءٍ } يعني: النصر، { قُلْ إِنَّ الأمْرَ كُلَّه لِلَّهِ } قرأ أهل البصرة برفع اللام على الابتداء وخبره في { لِلَّه } وقرأ الآخرون بالنصب على البدل وقيل: على النعت.\r{ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا } وذلك أن المنافقين قال بعضهم لبعض: لو كان لنا عقول لم نخرج (2) مع محمدٍ إلى قتال أهل مكة ولم يُقتل رؤساؤنا، وقيل: لو كنا على الحق ما قتلنا هاهنا.\rقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: يظنون بالله غيرَ الحق ظنَّ الجاهلية يعني: التكذيب بالقدر وهو قولهم { لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا } { قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ } قضي ، { عَلَيْهِم الْقَتْل إِلَى مَضَاجِعِهِمْ } مصارعهم ، { وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ } وليمتحن الله ، { مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ } يخرج ويظهر { مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّه عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } بما في القلوب من خير وشر.\r{ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155) }\r{ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ } أي انهزموا، { مِنْكُمْ } يا معشر المسلمين ، { يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ } جمع المسلمين وجمع المشركين يوم أُحد وكان قد انهزم أكثر المسلمين ولم يبقَ مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة عشر رجلا ستة من المهاجرين: وهم أبو بكر وعمر وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم.\rقوله تعالى: { إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُم الشَّيْطَانُ } أي: طلب زلّتهم كما يقال: استعجلت فلانًا إذا طلبت\r__________\r(1) أخرجه ابن إسحاق في المغازي والبزار في مسنده والطبري وابن أبي حاتم وأبو نعيم والبيهقي كلهم من طريق ابن إسحاق. انظر الكافي الشاف ص (33).\r(2) في \"أ\": ما خرجنا.","part":2,"page":122},{"id":529,"text":"عجلته وقيل: حملهم على الزَّلَة وهي الخطيئة وقيل: أزلَّ واستزلَّ بمعنى واحد، { بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا } أي : بشؤْم ذُنوبهم، قال بعضهم: بتركهم المركز، وقال الحسن: ما كسبوا هو قبولهم من الشيطان ما وسوس إليهم من الهزيمة، { وَلَقَدْ عَفَا اللَّه عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) }","part":2,"page":123},{"id":530,"text":"{ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158) فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا } يعني: المنافقين عبد الله بن أُبي وأصحابه، { وَقَالُوا لإخْوَانِهِمْ } في النفاق والكفر وقيل: في النسب، { إِذَا ضَرَبُوا فِي الأرْض } أي: سافروا فيها لتجارة أو غيرها، { أَوْ كَانُوا غُزًّى } أي: غزاة جمع غاز فقتلوا، { لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّه ذَلِكَ } يعني: قولهم وظنهم، { حَسْرَةً } غمًّا { فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّه يُحْيِي وَيُمِيت وَاللَّه بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي \" يعملون \" بالياء وقرأ الآخرون بالتاء.\r{ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ } قرأ نافع وحمزة والكسائي \" مِتَّمْ \" بكسر الميم وقرأ الآخرون بالضم فمن ضمه فهو من مات يموت كقولك: من قال يقول قلتُ بضم القاف ومن كسره فهو من مات يمات كقولك من خاف يخاف: خفتُ، { لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ } في العاقبة، { وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } من الغنائم قراءة العامة، \"تجمعون\" ) بالتاء لقوله { وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ } وقرأ حفص عن عاصم { يَجْمَعُونَ } بالياء يعني: خير (1) مما يجمع الناس.\r{ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ } في العاقبة.\rقوله تعالى: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ } أي: فبرحمة من الله و \" ما \" ) صلة كقوله { فَبِمَا نَقْضِهِمْ }\r__________\r(1) زيادةمن : (ب).","part":2,"page":123},{"id":531,"text":"{ لِنْتَ لَهُمْ } أي: سَهُلتْ لهم أخلاقُك وكثرةُ احتمالك ولم تسرع إليهم فيما كان منهم يوم أُحد، { وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا } يعني: جافيًا سيّء الخلق قليل الاحتمال، { غَلِيظَ الْقَلْبِ } قال الكلبي: فظًّا في القول غليظ القلب في الفعل، { لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ } أي: لنفروا وتفرقوا عنك، يقال: فضضتُهم فانفضُّوا أي فرقتهم فتفرقُوا { فَاعْف عَنْهُمْ } تجاوز عنهم ما أتوا يوم أُحد، { وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ } حتى أشفعك فيهم، { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْر } أي: استخرج آراءهم واعلم ما عندهم من قول العرب: شُرتُ الدابة وشَورتُها إذا استخرجت جريَها وشرتُ العسلَ وأشرتهُ إذا أخذتهُ من موضعه واستخرجتهُ.\rواختلفوا في المعنى الذي لأجله أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالمشاورة مع كمال عقله وجزالة (1) رأيه ونزول الوحي عليه ووجوب طاعته على الخلق فيما أحبُّوا وكرهوا.\rفقال بعضهم: هو خاص في المعنى أي: وشاروهم فيما ليس عندك فيه من الله تعالى عهد، قال الكلبي: يعني ناظرْهم في لقاء العدو ومكايد الحرب عند الغزو.\rوقال مقاتل وقتادة: أمر الله تعالى بمشاورتهم تطييبًا لقلوبهم، فإن ذلك أعطف لهم عليه وأذهب لأضغانهم، فإن سادات العرب كانوا إذا لم يشاوروا في الأمر شق ذلك عليهم.\rوقال الحسن: قد علم الله عز وجل 72/أ أنه ما به إلى مشاورتهم حاجة ولكنه أراد أن يستنّ به من بعده.\rأخبرنا أبو طاهر المطهر بن علي بن عبد الله الفارسي: أخبرنا أبو ذر محمد بن إبراهيم بن علي الصالحاني، أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان، أخبرنا علي بن العباس المقانعي أخبرنا أحمد بن ما هان، أخبرني أبي، أخبرنا طلحة بن زيد، عن عقيل عن الزهري عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: \"ما رأيت رجلا أكثر استشارة للرجال من رسول الله صلى الله عليه وسلم\" (2) .\rقوله تعالى : { فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ } لا على مشاورتهم أي: قُمْ بأمر الله وثق به واستعنه، { إِنَّ اللَّهَ يُحِبّ الْمُتَوَكِّلِينَ } .\r__________\r(1) في \"أ\" وجودة رأيه.\r(2) أخرجه الترمذي عن أبي هريرة في الجهاد باب ما جاء في المشورة: 5 / 373 - 374 قال: ويروى عن أبي هريرة: ما رأيت أحدا . . . وأخرجه المصنف في شرح السنة: 13 / 188 وفيه طلحة بن زيد القرشي أبو مسكين أو أبو محمد الرقي أصله من دمشق؛ متروك. قال أحمد وعلي وأبو دواد: كان يضع الحديث. انظر: التقريب: 1 / 378. قال ابن حجر في الكاف الشافي ص (33): أخرجه الشافعي: 2 / 177 (من ترتيب المسند) عن ابن عيينة عن الزهري عن أبي هريرة وهو منقطع وهو مختصر من الحديث الطويل في قصة الحديبية وغزوة الفتح وأخرجه ابن حبان من رواية عبد الرزاق عن عمر عن الزهري عن عروة عن المسور ومروان . . . \" .","part":2,"page":124},{"id":532,"text":"{ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160) }\r{ إِنْ يَنْصُرْكُم اللَّهُ } يُعنكْمُ الله ويمنعكم من عدوكم، { فَلا غَالِبَ لَكُمْ } مثل يوم بدر، { وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ } يترككم فلم ينصركم كما كان بأُحد والخذلان: القعودُ عن النُّصرة والإسلامُ للهلَكة، { فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ } أي: من بعد خذلانه، { وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } قيل: التوكل أن لا تعصي الله من أجل رزقك وقيل: أن لا تطلب لنفسك ناصرًا غير الله ولا لرزقك خازنًا غيره ولا لعملك شاهدا غيره.\rأخبرنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن شجاع البزَّار ببغداد، أخبرنا أبو بكر محمد بن جعفر بن محمد الهيثم الأنباري، أخبرنا محمد بن أبي العوام أخبرنا وهب بن جرير، أخبرنا هشام بن حسان عن الحسن عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يدخل سبعون ألفًا من أمتي الجنة بغير حساب\" قيل: يا رسول الله مَنْ هم؟ قال: \"هم الذين لا يكتوون ولا يسَتْرقُون ولا يتطيرّون وعلى ربهم يتوكلون\" فقال عكاشة بن محصن: يا رسول الله أدعُ الله أن يجعلني منهم قال: \"أنت منهم\" ثم قام آخر فقال: يا رسول الله أدعُ الله أن يجعلني منهم فقال: \"سبقك بها عكاشة\" (1) .\rأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، أنا عبد الله بن المبارك، عن حياة بن شريح، حدثني بكر بن عمرو، عن عبد الله بن هبيرة، أنه سمع أبا تميم الجيشاني يقول: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"لو أنكم تتوكّلوُن على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خِماصًا وتروح بطانا\" (2) .\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الإيمان باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب برقم (371): 1 / 198 وبلفظ مقارب أخرجه البخاري في الطب باب من اكتوى أو كوى غيره: 10 / 155. وأخرجه عن ابن عباس في الرقاق. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 14 / 300.\r(2) أخرجه الترمذي في الزهد - باب ما جاء في الزهادة في الدنيا: 7 / 8 وقال: هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وابن ماجه في الزهد - باب التوكل واليقين برقم (4164): 2 / 1394 وابن حبان في الزهد باب ما جاء في التوكل ص (632) من موارد الظمآن. وأحمد في المسند: 1 / 30 ، 52 والمصنف في شرح السنة: 14 / 301 وصححه الحاكم: 4 / 318 ووافقه الذهبي. وانظر: النهج السديد في تخريج أحاديث تيسير العزيز الحميد ص 190 - 191 .","part":2,"page":125},{"id":533,"text":"{ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (161) }\rقوله عز وجل: { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ } الآية روى عكرمة ومقسم عن ابن عباس رضي الله عنهما: إن هذه الآية نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض الناس أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) .\rوقال الكلبي ومقاتل: نزلت في غنائم أُحد حين ترك الرماة المركز للغنيمة وقالوا: نخشى أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم من أخذ شيئا فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر، فتركوا المركز ووقعوا في الغنائم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: \"لم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركزَ حتى يأتيكم أمري\"؟ قالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفًا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"بل ظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم\" فأنزل الله تعالى هذه الآية (2) .\rوقال قتادة: ذُكر لنا أنها نزلت في طائفة غلّت من أصحابه . (3) .\rوقيل: إن الأقوياء ألحوا عليه يسألونه من المغنم، فأنزل الله تعالى: { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ } فيعطي قومًا ويمنع آخرين بل عليه أن يقسم بينهم بالسوية (4) .\rوقال محمد بن إسحاق بن يسار : هذا في الوحي، يقول: ما كان لنبي أن يكتم شيئا من الوحي رغبة أو رهبة أو مداهنة.\rقوله تعالى : { وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ } قرأ ابن كثير وأهل البصرة وعاصم \"يغل\" ) بفتح الياء وضم الغين معناه: أن يخون والمراد منه الأمة وقيل: اللام فيه منقولة معناه: ما كان النبي ليَغُل وقيل: معناه ما كان يظن به ذلك ولا يليق به، وقرأ الآخرون بضم الياء وفتح الغين، وله وجهان أحدهما: أن يكون من الغلول أيضًا أي: ما كان لنبي أن يُخان يعني: أن تخونه أُمّتُه والوجه الآخر: أن يكون من الإغلال، معناه: ما كان لنبي أن يخون أي يُنسب إلى الخيانة.\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في أول كتاب الحروف: 6 / 3 من مختصر المنذري والترمذي في تفسير سورة آل عمران: 8 / 359 وقال: هذا حديث حسن غريب وقد روى عبد السلام بن حرب عن خُصيف نحو هذا وروى بعضهم هذا الحديث عن خُصيف عن مِقْسم. . ولم يذكر فيه ابن عباس وأخرجه الطبري في التفسير: 7 / 348 349. قال المنذري في مختصر سنن أبي داود: \"وفي إسناده خصيف: وهو ابن عبد الرحمن الحراني وقد تكلم فيه غير واحد\".\r(2) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (161) الطبعة الثانية.\r(3) انظر: أسباب النزول ص (161) تفسير الطبري: 7 / 353.\r(4) انظر: تفسير الطبري: 7 / 351 الدر المنثور: 2 / 363.","part":2,"page":126},{"id":534,"text":"{ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } قال الكلبي: يمثل له ذلك الشيء في النار ثم يقال له: انزلْ فخذْه فينزل فيحمله على ظهره فإذا بلغ موضعه وقع في النار ثم يُكلف أن ينزل إليه، فيخرجه ففعل ذلك به.\rأخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد الفقيه، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن ثور بن زيد الديلي عن أبي الغيث مولى بن مطيع عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر فلم نغنم ذهبا ولا فضة إلا الأموال والثياب والمتاع، قال فوجّه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو وادي القرى وكان رفاعة بن زيد وهب لرسول الله صلى الله عليه وسلم عبدًا أسود يقال له مِدْعَمٌ قال فخرجنا حتى إذا كنّا بوادي القرى فبينما مِدْعَمٌ يحط رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم عَائر فأصابه فقتله فقال الناس: هنيئًا له الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم تشتعل عليه نارا\" فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بِشرَاكٍ أو شراكين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"شِراك من نار أو شراكان من نار\" (1) .\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أخبرنا إبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حيان، عن أبي عمرة الأنصاري، عن زيد بن خالد الجهني، قال: توفي رجل يوم خيبر فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"صلوا على صاحبكم\" فتغيرت وجوه الناس لذلك فزعم زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إن صاحبكم قد غلّ في سبيل الله\" قال: ففتحنا متاعه فوجدنا خرزات من خرزات اليهود يساوين درهمين (2) .\rأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب المروزي، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من الأزد يُقال له ابن اللتبية على الصدقة فلما قَدِمَ قال: هذا لكم وهذا أهدي لي، فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال: \"ما بال العامل نبعثه على بعض أعمالنا فيقول هذا لكم وهذا أهدي لي، فهلا جلسَ في بيت أمه أو في بيت أبيه فينظر أيُهْدَى إليه أم لا فوالذي نفسي بيده لا يأخذ 72/ب أحد منها شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرًا له رُغاء أو\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الإيمان والنذور باب هل يدخل في الإيمان والنذور: الأرض والغنم. . . 11 / 593 ومسلم في الإيمان باب غلظ تحريم الغلول وأنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون برقم (115): 1 / 108 . والمصنف في شرح السنة: 11 / 116.\r(2) أخرجه أبو داود في الجهاد باب في تعظيم الغلول: 4 / 38 والنسائي في الجنائز باب الصلاة على من غل: 4 / 64 وابن ماجه في الجهاد باب الغلول برقم (2848): 2 / 950 ومالك في الموطأ: 2 / 458 وأحمد: 4 / 114 5 / 192. والمصنف في شرح السنة: 11 / 117.","part":2,"page":127},{"id":535,"text":"بقرة لها خُوار أو شاة لها تَيْعر\" ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه ثم قال: \"اللهمَّ هل بلغتُ\" (1) .\rوروى قيس بن أبي حازم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال: \"لا تصيبن شيئًا بغير إذني فإنه غلول، ومن يغْلُلْ يأت بما غَلَّ يوم القيامة\" (2) .\rوروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إذا وجدتم الرجل قد غلّ فاحرقوا متاعَه واضربُوه\" (3) .\rوروي عن عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه: \"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر حرقُوا متاع الغالّ وضربوه\" (4) . قوله تعالى: { وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ }\r{ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (163) }\r{ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ } وترك الغلول ، { كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّه } فعل ، { وَمَأْوَاه جَهَنَّم وَبِئْسَ الْمَصِيرُ }\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الهبة باب من لم يقبل الهدية لعلة: 5 / 220 وفي الجمعة وفي الحيل وفي الزكاة والأيمان والنذور. . . ومسلم في الإمارة باب تحريم هدايا العمال برقم (1832): 4 / 1463 - 1464 . والمصنف في شرح السنة: 5 / 496 - 497.\r(2) أخرجه الترمذي في الأحكام باب ما جاء في هدايا الأمراء: 4 / 564 وقال: حديث معاذ حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي أسامة عن داود الأودي. داود بن يزيد الأودي: ضعيف (التقريب: 1 / 235).\r(3) أخرجه أبو داود في الجهاد باب في عقوبة الغال: 4 / 39 - 40 والترمذي في الحدود باب ما جاء في الغال ما يصنع به: 5 / 29 وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وسألت محمدا عن هذا الحديث فقال: إنما روى هذا صالح بن محمد بن زائدة وهو أبو واقد الليثي وهو منكر الحديث قال محمد: وقد روي في غير حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في الغال ولم يأمر فيه بحرق متاعه. وأخرجه الدارمي في السير باب في عقوبة الغال: 2 / 231 بلفظ: \" من وجدتموه غل فاضربوه واحرقوا متاعه\" وصححه الحاكم في المستدرك: 2 / 128 ووافقه الذهبي فقال: صحيح. وأخرجه سعيد بن منصور في السنن: 2 / 269. قال: المنذري في تهذيب السنن: 4 / 40 \"وصالح بن محمد بن زائدة تكلم فيه غير واحد من الأئمة وقد قيل: إنه انفرد به وقال البخاري: وعامة أصحابنا يحتجون بهذا في الغلول وهذا باطل ليس بشيء. وقال الدارقطني: أنكروا هذا الحديث على صالح بن محمد قال: وهذا حديث لم يتابع عليه ولا أصل لهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمحفوظ أن سالم أمر بذلك وصحح أبو داود وقفه\".\r(4) أخرجه أبو داود في الجهاد باب عقوبة الغال: 4 / 41. وقال: وزاد فيه علي بن بحر عن الوليد ولم أسمعه منه: \" ومنعوه سهمه\" وقال ابن القيم رحمه الله : وعلة هذا الحديث أنه من رواية زهير بن محمد عن عمرو بن شعيب وزهير هذا ضعيف قال البيهقي: وزهير هذا يقال: هو مجهول وليس بالمكي وقد رواه أيضا مرسلا. وأخرجه الحاكم في المستدرك: 2 / 131 وقال: حديث غريب صحيح ولم يخرجاه. وكذا قال الذهبي. وقال الشوكاني: \"أخرجه أيضا: الحاكم والبيهقي وفي إسناده: زهير بن محمد وهو الخراساني نزيل مكة. وقال البيهقي: يقال هو غيره وأنه مجهول وقد رواه أيضا أبو داود من وجه آخر عن زهير موقوفا. قال في الفتح: وهو الراجح\". انظر: نيل الأوطار: 9 / 226.","part":2,"page":128},{"id":536,"text":"{ هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ } يعني: ذو درجات عند الله، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني من اتّبع رضوانَ الله ومن باءَ بسخَطٍ من الله مختلفو المنازل عند الله فلمن اتبع رضوان الله الثواب العظيم، ولمن باء بسخط من الله العذابُ الأليم. { وَاللَّه بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ }\r{ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (164) أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) }\r{ لَقَدْ مَنَّ اللَّه عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ } قيل: أراد به العرب لأنه ليس حيٌّ من أحياء العرب إلا وله فيهم نسب إلا بني تعلبة دليله قوله تعالى: { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ } وقال الآخرون: أراد به جميع المؤمنين ومعنى قوله تعالى: { مِنْ أَنْفُسِهِمْ } أي: بالإيمان والشفقة لا بالنسب ودليله قوله تعالى: { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ } { يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاته وَيُعَلِّمُهُم الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ } وقد كانوا ، { مِنْ قَبْلُ } أي: من قبل بعثه { لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ }\r{ أَوَلَمَّا } أي: حين { أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ } بأُحد، { قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا } يوم بدر وذلك أن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أُحد سبعين وقتل المسلمون منهم ببدر سبعين وأسروا سبعين، { قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا } من أين لنا هذا القتلُ والهزيمةُ ونحن مسلمون ورسول الله صلى الله عليه وسلم فينا؟ { قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ } روى عبيدة السلماني عن علي رضي الله عنه قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الفداء من الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أن يقدموا فتضرب أعناقهم، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس، فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا، لا بل نأخذ فداءهم فنقوى بها على قتال عدونا، ويستشهد منا عدتهم [فقتل منهم يوم أُحد] (1) سبعون عدد أسارى أهل بدر فهذا معنى قوله تعالى: { قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ } (2) أي: بأخذكم الفداء واختياركم القتل، { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }\r__________\r(1) زيادة من (ب).\r(2) أخرجه الطبري في التفسير: 7 / 367 وابن حبان مختصرا في موارد الظمآن ص (411) ، وذكره ابن كثير في التفسير وقال: وهكذا رواه النسائي والترمذي من حديث أبي داود الحفري عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة وروى أبو أسامة عن هشام نحوه وروي عن ابن سيرين عن عبيدة عن النبي صلى الله عليه وسلم. انظر تفسير ابن كثير: 1 / 426 تحفة الأحوذي: 5 / 188.","part":2,"page":129},{"id":537,"text":"{ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) الَّذِينَ قَالُوا لإخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168) وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) }\r{ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ } بأحد من القتل والجرح والهزيمة، { فَبِإِذْنِ اللَّهِ } أي: بقضائه وقدره، { وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ } أي: ليُميزّ وقيل ليرى.\r{ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } أي: لأجل دين الله وطاعته، { أَوِ ادْفَعُوا } عن أهلكم وحريمكم، وقال السدي: أي كثرّوا سوادَ المسلمين ورابطوا إن لم تُقاتلوا يكونُ ذلك دفعاً وقمعا للعدو، { قَالُوا لَوْ نَعْلَم قِتَالا لاتَّبَعْنَاكُمْ } وهم عبد الله بن أبيّ وأصحابه الذين انصرفوا عن أُحد وكانوا ثلاثمائة قال الله تعالى: { هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ } أي: إلى الكفر يومئذ أقربُ { مِنْهُمْ لِلإيمَانِ }( أي: إلى الإيمان ) (1) ، { يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِم } يعني: كلمة الإيمان { مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّه أَعْلَم بِمَا يَكْتُمُونَ }\r{ الَّذِينَ قَالُوا لإخْوَانِهِمْ } في النسب لا في الدين وهم شهداء أُحد { وَقَعَدُوا } يعني: قعد هؤلاء القائلون عن الجهاد { لَوْ أَطَاعُونَا } وانصرفوا عن محمد صلى الله عليه وسلم وقعدوا في بيوتهم { مَا قُتِلُوا قُلْ } يا محمد، { فَادْرَءُوا } فادفعوا ، { عَنْ أَنْفُسِكُم الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } إن الحذر لا يغني عن القدر.\rقوله تعالى: { وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا } الآية قيل: نزلت في شهداء بدر (2) وكانوا أربعة عشر رجلا ثمانية من الأنصار وستة من المهاجرين .\rوقال الآخرون: نزلت في شهداء أحد وكانوا سبعين رجلا أربعة من المهاجرين حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وعثمان بن شماس وعبد الله بن جحش وسائرهم من الأنصار (3) .\r__________\r(1) زيادة من (ب).\r(2) انظر: تفسير الطبري: 7 / 390 الدر المنثور للسيوطي: 2 / 372.\r(3) عزاه السيوطي لسعيد بن منصور وهو عنده في السنن في الجهاد باب جامع الشهادة: 2 / 319 وعبد بن حميد وابن أبي حاتم. الدر المنثور: 2 / 371 وانظر أسباب النزول ص (163).","part":2,"page":130},{"id":538,"text":"أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أنا حاجب بن أحمد الطوسي، أنا محمد بن حماد، أنا أبو معاوية عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق قال: سألنا عبد الله( هو بن مسعود ) رضي الله عنهما عن هذه الآية: { وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } الآية قال أما أنّا قد سألنا عن ذلك فقال: \"أرواحهم كطير خضر\" ويروى \"في جوف طير خضر لها قناديلُ معلقة بالعرش تسرحُ من الجنة في أيها شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش فبينما هم كذلك إذ اطلع عليهم ربُّك اطلاعة فقال: سلوني ما شئتم فقالوا : يا رب كيف نسألك ونحن نسرح في الجنة في أيها شئنا؟ فلما رأوا أن لا يتركوا من أن يسألوا شيئا قالوا: إنا نسألك أن تردَّ أرواحنا إلى أجسادنا نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أنهم لا يسألون إلا هذا تُركوا\" (1) .\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أنا أبو إسحاق الثعلبي، أنا عبد الله بن حامد أخبرنا أحمد بن محمد بن شاذان، أنا جيعوية أنا صالح بن محمد، أنا سليمان بن عمرو، عن إسماعيل بن أمية، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لما أصيب إخوانُكم يوم أُحد جعل الله عز وجل أرواحهم في أجواف طيرٍ خُضرٍ ترد أنهارَ الجنة وتأكل من ثمارها وتسرح من الجنة حيثُ شاءتْ وتأوي إلى قناديلَ من ذهب تحت العرش، فلما رأوا طيب مقيلهم ومطعمهم ومشربهم ورأوا ما أعدَّ الله لهم من الكرامة قالوا: ياليت قومنا يعلمون ما نحن فيه من النعيم وما صنع الله بنا كي يرغبوا في الجهاد ولا يتكلوا عنه فقال الله عز وجل أنا مخبرٌ عنكم ومبلغٌ إخوانكم ففرحوا بذلك واستبشروا فأنزل الله تعالى { وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا } إلى قوله { لا يُضِيع أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ } \" (2) .\rسمعت عبد الواحد بن أحمد المليحي، قال: سمعت الحسن بن أحمد القتيبي (3) قال: سمعتُ محمد (4) بن عبد الله بن يوسف قال: سمعت محمد بن إسماعيل البكري، قال: سمعت يحيى بن حبيب بن عربي\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الإمارة باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة. . . برقم (1887) 3 / 1502. والمصنف في شرح السنة : 10 / 364.\r(2) أخرجه أبو داود في الجهاد باب فضل الشهادة: 3 / 373 - 374 قال المنذري: وذكر الدارقطني أن عبد الله بن ادريس تفرد به عن محمد بن إسحاق وغيره يرويه عن ابن إسحاق لا يذكر فيه سعيد بن جبير. وأخرجه الحاكم في المستدرك: 2 / 88 ، 297 وصححه على شرط مسلم والإمام أحمد في المسند: 1 / 266 عن ابن عباس. والطبري في التفسير: 7 / 285 وانظر ما كتبه الشيخ أحمد شاكر عن الحديث في الموضع نفسه. وعزاه ابن حجر في الكافي الشاف ص (34) لابن أبي شيبة وأبي يعلى والبزار كلهم من حديث ابن عباس به وأتم منه. وأصل الحديث عند مسلم من حديث ابن مسعود السابق. وعزاه السيوطي أيضا لعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الدلائل. انظر: الدر المنثور: 2 / 371 وذكره ابن كثير في التفسير: 1 / 428 وصححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على مختصر سنن أبي داود: 3 / 374.\r(3) في \"أ\": \"الليثي\".\r(4) في \"أ\": \"أحمد\".","part":2,"page":131},{"id":539,"text":"قال: سمعتُ موسى بن إبراهيم قال: سمعت طلحة بن خراش قال: سمعتُ جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: \"يا جابر ما لي أراك منكسرا\"؟ قلتُ يا رسول الله استشهد أبي وترك عيالا ودينًا قال: \"أفلا أبشرك بما لقي الله به أباكَ\"؟ قلت: بلى يا رسول الله قال: 73/أ \"ما كلم الله تعالى أحدًا قط إلا من وراء حجاب، وإنه أحيا أباك فكلّمه كفاحًا قال: يا عبدي تمنَّ عليّ أعطِك قال: يا ربِّ أحيني فأقتل فيك الثانية، قال الرب تبارك وتعالى: إنه قد سبق منيّ أنهم لا يرجعون فأنزلت فيهم { وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا } (1) .\rأخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أنا أبو الحسن الطيسفوني، أنا عبد الله بن عمر الجوهري، أنا أحمد بن علي الكشميهني، أنا علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر، أنا حميد عن أنس رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ما من عبد يموتُ له عند الله خيرٌ يحبُّ أن يرجع إلى الدنيا وأنّ له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد لما يَرَى من فضلِ الشهادة، فإنه يحبُّ أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرةً أخرى\" (2) .\rوقال قوم: نزلت هذه الآية في شهداء بئر معونة (3) وكان سبب ذلك على ما روى محمد بن إسحاق عن أبيه إسحاق بن يسار عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وعن حميد الطويل عن أنس بن مالك وغيرهم من أهل العلم قال: قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر، مُلاعِبُ الأسِنَّة وكان سيد بني عامر بن صعصعة، على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأهدى إليه هدية فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبلها وقال لا أقبل هدية مشرك، فأسِلْم إن أردتَ أن أقبل هديتَك؟ ثم عرض عليه الإسلام وأخبره بما له فيه وما أعدّ الله للمؤمنين وقرأ عليه القرآن فلم يُسلم، ولم يبعد وقال: يا محمد إن الذي تدعو إليه حسنٌ جميل فلو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فيدعونهم إلى أمرك رجوتُ أن يستجيبوا لك.\rفقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إني أخشى عليهم أهل نجد\" .\rفقال أبو البراء: أنا لهم جار فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك.\rفبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة في سبعين رجلا من خيار المسلمين منهم\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في التفسير تفسير سورة آل عمران: 8 / 360 - 361 وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه ولا نعرفه إلا من حديث موسى بن إبراهيم وابن ماجه في المقدمة باب فيما أنكرت الجهمية. . برقم (190): 1 / 68 وفي الجهاد أيضا وابن أبي عاصم في السنة: 1 / 267 وصححه الحاكم في المستدرك : 3 / 203 وتعقبه الذهبي فقال: فيض بن وثيق: كذاب وزاد السيوطي نسبته للطبراني وابن خزيمة وابن مردويه والبيهقي في الدلائل \" الدر المنثور: 2 / 371\" وأخرجه الواحدي بسنده في أسباب النزول ص (162). وقال الألباني في تخريج السنة: إسناده حسن رجاله صدوقون على ضعف في موسى بن إبراهيم بن كثير.\r(2) أخرجه مسلم في الإمارة باب فضل الشهادة في سبيل الله برقم (1877): 3 / 1498 والمصنف في شرح السنة: 10 / 368.\r(3) انظر: تفسير الطبري: 7 / 392 أسباب النزول للواحدي ص (163).","part":2,"page":132},{"id":540,"text":"الحارث بن الصِّمَّة وحرام بن مِلْحان وعروة بن أسماء بن الصلت السلمي ونافع بن يزيد ابن ورقاء الخزاعي وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر رضي الله عنه، وذلك في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أُحد، فساروا حتى نزلوا بئر معونة وهي أرض بين أرض بني عامر وحرة بني سليم فلما نزلوها قال بعضهم لبعض أيكم يبلغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل هذا الماء؟ فقال حرام بن مِلحان: أنا فخرج بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل وكان على ذلك الماء فلما أتاهم حرام بن مِلحان لم ينظر عامر بن الطفيل في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال حرام بن ملحان: يا أهل بئر معونة إني رسولُ رسولِ الله إليكم إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله فآمنوا بالله ورسوله فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح فضرب به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر فقال: الله أكبر فزتُ وربِّ الكعبة.\rثم استصرخ عامر بن الطفيل بني عامر على المسلمين فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه وقالوا: لن نخفر أبا براء قد عقد لهم عقدًا وجوارًا ثم استصرخ عليهم قبائل من بني سُلَيْم -عُصَيَّة ورِعْلا وذكوان -فأجابوه فخرجوا حتى غشوا القومَ فأحاطوا بهم في رحالهم فلما رأوهم أخذوا السيوف فقاتلوهم حتى قُتلوا من عند آخرهم إلا كعب بن زيد فإنهم تركوه وبه رمق فارتثَّ من بين القتلى فضلوه فيهم (1) فعاش حتى قُتل يوم الخندق، وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري ورجل من الأنصار أحد بني عمرو بن عوف فلم ينبههما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على المعسكر! فقالا والله إن لهذا الطير لشأنًا فأقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة فقال الأنصاري لعمرو بن أمية الضمري: ماذا ترى؟ قال: أرى أن نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره فقال الأنصاري الله أكبر (2) لكني ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، ثم قاتل القوم حتى قتل وأخذوا عمرو بن أمية الضمري أسيرا فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل وجزَّ ناصيتهَ وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمِّه فقدم عمرو بن أمية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"هذا عمل أبي براء قد كنتُ لهذا كارها متخوفا\" فبلغ ذلك أبا براء فشقّ عليه إخفارُ عامر إياه وما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببه وجواره.\rوكان فيمن أصيب عامر بن فهيرة، فروى محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه أن عامر بن الطفيل كان يقول: مَنِ الرجلُ منهم لما قتل رأيته رُفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء من دونه؟ قالوا: هو عامر بن فهيرة، ثم بعد ذلك حمل ربيعة بن أبي براء على عامر بن الطفيل فطعنه على فرسه فقتله (3) .\r__________\r(1) زيادة من (ب).\r(2) زيادة من (ب).\r(3) انظر: السيرة النبوية لابن هشام مع الروض الأنف: 2 / 174 - 176.","part":2,"page":133},{"id":541,"text":"أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عبد الأعلى بن حماد، أنا يزيد بن زريع، أنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك: \"أن رِعْلا وذكوان وعصية وبني لحيان استمدُّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدو لهم فأمدَّهم بسبعين من الأنصار كنا نسميهم القراء في زمانهم، وكانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل، حتى كانوا ببئر معونة قتلوهم وغدروا بهم فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقنت شهرا يدعو في الصبح على أحياء من أحياء العرب على رِعْلٍ وذكوان وعصية وبني لحيان.\rقال أنس رضي الله عنه: فقرأنا، فيهم قرآنا، ثم إن ذلك رَفع: \"بَلِّغُوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا\" (1) ثم نسخت( فرفع بعدما قرأناه ) (2) زمانا وأنزل الله تعالى: { وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا } الآية.\rوقيل: إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة تحسروا على الشهداء، وقالوا: نحن في النعمة وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور، فأنزل الله تعالى تنفيسا عنهم وإخبارا عن حال قتلاهم (3) { وَلا تَحْسَبَنَّ } ولا تظننّ { الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } قرأ ابن عامر \"قتلوا\" ) بالتشديد، والآخرون بالتخفيف \"أمواتا \" ) كأموات من لم يُقْتلْ في سبيل الله { بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ } قيل أحياء في الدِّين وقيل: في الذكر، وقيل: لأنهم يُرزقون ويأكلون ويتمتعون كالأحياء، وقيل: لأن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة، وقيل: لأن الشهيد لا يبلى في القبر ولا تأكله الأرض.\rوقال عبيدة بن عمير: مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف من أُحد على مصعب بن عمير وهو مقتول فوقف عليه ودعا له 73/أ ثم قرأ { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ } ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، ألا فاتوهم وزوروهم وسلِّموا عليهم فوالذي نفسي بيده لا يُسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه\" (4) . { يُرْزَقُونَ } من ثمار الجنة وتحفها.\r{ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) }\r{ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُم اللَّه مِنْ فَضْلِهِ } رزقه وثوابه، { وَيَسْتَبْشِرُونَ } ويفرحون { بِالَّذِين َلَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ }\r__________\r(1) أخرجه البخاري في المغازي باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة: 7 / 385 ومسلم في المساجد باب استحباب القنوت في جميع الصلوات إذا نزلت بالمسلمين نازلة مختصرا برقم (677): 1 / 468. والمصنف في شرح السنة: 13 / 395 - 396.\r(2) في \"أ\" جاءت العبارة هكذا: (فرفعت بعد ما قرأناها).\r(3) انظر : أسباب النزول للواحدي ص (163).\r(4) أخرجه الحاكم في المستدرك: 2 / 248 وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وتعقبه الذهبي فقال: كذا قال وأنا أحسبه موضوعا وقطن لم يرو له البخاري وعبد الأعلى: لم يخرجا له . ورواه الطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله. قال: الهيثمي: وفيه عبد الأعلى بن عبد الله بن أبي فروة؛ وهو متروك. مجمع الوائد: 6 / 123.","part":2,"page":134},{"id":542,"text":"من إخوانهم الذين تركوهم أحياء في الدنيا على مناهج الإيمان والجهاد لعلمهم أنهم إذا استشهدوا ولحقوا بهم ونالوا من الكرامة ما نالوا فهم لذلك مستبشرون، { أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ }\r{ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) }\r{ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ } أي: وبأن الله، وقرأ الكسائي بكسر الألف على الاستئناف .\r{ لا يُضِيع أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ } أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، حدثنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"تكَفَّلَ الله لمن جاهد في سبيله لا يُخرجُه من بيته إلا الجهادُ في سبيله وتصديقُ كلمته أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرجَ منه مع ما نال من أجر وغنيمة\" (1) .\rوقال: \"والذي نفسي بيده لا يُكْلَمُ أحد في سبيل الله -والله أعلم بمن يُكْلم في سبيله -إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعبُ دمًا اللون لون الدم والريح ريح المسك\" (2) .\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسن بن محمد القاضي، أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي، أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، أنا علي بن الحسن الدارابجردي أنا عبد الله بن يزيد المقرئ، أنا سعيد، حدثني محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"الشهيدُ لا يجد ألم القتل إلا كما يجد أحدكم ألمَ القَرْصَةِ\" (3) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الخمس باب قول النبي صلى الله عليه وسلم \"أحلت لكم الغنائم\". 6 / 220 وفي التوحيد باب \"ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين\": 13 / 441. ومسلم في الإمارة باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله برقم (1876): 3 / 1496.\r(2) أخرجه مسلم في الإمارة في الموضع السابق والبخاري في الوضوء باب ما يقع من النجاسات. . . 1 / 344 وفي الجهاد باب من يجرح في سبيل الله: 6 / 20 والمصنف في شرح السنة: 10 / 365.\r(3) أخرجه النسائي في الجهاد باب ما يجد الشهيد من الألم: 6 / 36 وابن ماجه في الجهاد باب فضل الشهادة في سبيل الله برقم (2802): 2 / 937 والدارمي في الجهاد باب فضل الشهيد: 2 / 205. وأحمد في المسند: 2 / 297 والمصنف في شرح السنة: 10 / 365 وإسناده جيد.","part":2,"page":135},{"id":543,"text":"قوله تعالى: { الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ } الآية، وذلك أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أُحد فبلغوا الروحاء ندموا على انصرافهم وتلاوموا وقالوا: لا محمدًا قتلتم ولا الكواعب أردفتم، قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم؟ ارجعوا فاستأصلوهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأراد أن يُرهب العدو ويُريهم من نفسه وأصحابه قوةً فندب أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان، فانتدب عصابة منهم مع ما بهم من الجرح والقرح الذي أصابهم يوم أُحد ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا لا يخرجَنَّ معنا أَحدٌ إلا من حضر يومنا بالأمس فكلّمه جابر بن عبد الله، فقال: يا رسول الله إن أبي كان قد خلفني على أخوات لي سبع، وقال لي يا بني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجلَ فيهنَّ ولست بالذي أوثرك على نفسي في الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتخلفْ على أخواتك، فتخلفتُ عليهن فأذِنَ له رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج معه.\rوإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مُرْهبًا للعدو وليبلغهم أنه خرج في طلبهم فيظنوا به قوة وأن الذي أصابهم لم يوهنهم فينصرفوا.\rفخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وأبو عبيدة بن الجراح في سبعين رجلا رضي الله عنهم حتى بلغوا حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال (1) .\rوروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لعبد الله بن الزبير: يا ابن أختي أما والله إن أباك وجدك -تعني أبا بكر والزبير -لِمَنَ الذين قال الله عز وجل فيهم: { الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُم الْقَرْحُ } (2) فمر برسول الله صلى الله عليه وسلم معبد الخزاعي بحمراء الأسد وكانت خزاعة -مسلمهم وكافرهم -عيبة نصحِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة صفقتُهم معه لا يُخفونَ عنه شيئًا كان بها، ومعبد يومئذ مشرك فقال: يا محمد والله لقد عزَّ علينا ما أصابك في أصحابك ولوددنا أن الله تعالى كان قد أعفاك منهم، ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقي أبا سفيان ومن معه بالروحاء قد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: لقد أصبنا جُلَّ أصحابه وقادتهم لنكرنَّ على بقيتهم فلنفرغنَّ منهم، فلما رأى أبو سفيان معبدًا قال: ما وراءك يا معبدَ ؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط يتحرقون عليكم تحرقًا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم ونَدِموا على صنيعهم، وفيهم من الحنق عليكم شيءٌ لم أر مثله قط، قال: ويلك ما تقول ؟ قال: والله ما أراك ترحل حتى ترى نواصي الخيل،\r__________\r(1) انظر : سيرة ابن هشام : 2 / 143 - 144 تفسير الطبري: 7 / 400 - 401.\r(2) حديث صحيح أخرجه الحاكم وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي: 2 / 298 وهو في الصحيحين باختلاف في توجيه الخطاب لعروة بن الزبير أخرجه البخاري في المغازي باب (الذين استجابوا لله والرسول): 7 / 373 ومسلم.","part":2,"page":136},{"id":544,"text":"قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم، قال: فإني والله أنهاك عن ذلك فوالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتًا: كادَتْ تُهَدُّ مِنَ الأصواتِ رَاحلَتي ... إذْ سَالَتِ الأرضُ بالجُرْدِ الأبابيلِ\rفذكر أبياتا فردّ ذلك أبا سفيان ومن معه.\rومرّ به ركب من عبد القيس فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة قال:( ولم؟ قالوا: نريد الميرة ) (1) قال: فهل أنتم مبلّغون عني محمدًا رسالة وأحمل لكم إبلكم هذه زبيبًا بعكاظ غدًا إذا وافيتمونا؟ قالوا: نعم، قال: فإذا جئتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم وانصرف أبو سفيان إلى مكة، ومرّ الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه: \"حَسْبُنا الله ونِعْمَ الوكيل\" ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد الثالثة (2) . هذا قول أكثر المفسرين.\rوقال مجاهد وعكرمة: نزلت هذه الآية في غزوة بدر الصغرَى وذلك أن أبا سفيان يوم أحد حين أراد أن ينصرف قال: يا محمد موعد ما بيننا وبينك موسم بدر الصغرى لقابل إن شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ذلك بيننا وبينك إن شاء الله\" فلما كان العام المقبل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية مرّ الظهران ثم ألقى الله الرعب في قلبه فبدا له الرجوع فلقي نُعَيْمَ بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمرًا فقال له أبو سفيان: يا نعيم إني واعدتُ محمدًا وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر الصغرى وإنّ هذه عام جدب ولا يُصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن لا أخرج إليها وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا فيزيدهم ذلك جرأةً ولأن يكون الخلف من قبلهم أحب إلي من أن يكون من قبلي فَالْحَقْ بالمدينة فثبِّطْهم وأعلمْهم أنِّي في جمع كثير لا طاقة لهم بنا، ولك عندي عشرة من الإبل أضعها لك على يدي سهيل بن عمرو ويضمنها قال: فجاء سهيل فقال له نعيم يا أبا يزيد: أتضمن لي هذه القلائص وأنطلق إلى محمد وأثبّطه؟ قال: نعم فخرج نعيم حتى أتى المدينة 74/أ فوجد الناس يتجهزون لميعاد أبي سفيان فقال: أين تريدون؟ فقالوا: واعدَنا أبو سفيان بموسم بدر الصغرى أن نقتتل بها فقال: بئس الرأي رأيتم أتوكم في دياركم وقرارِكم فلم يفلت منكم إلا الشريدُ، فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم، والله لا يفلت منكم أحد، فكره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الخروج فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"والذي نفس محمد بيده لأخرجَنَّ ولو وحدي\" فأما الجبان فإنه رجع وأما الشجاع فإنه تأهب للقتال وقال: \"حسبنا الله ونعم الوكيل\".\r__________\r(1) جاءت العبارة في المطبوعة محرفة هكذا: (ولم يقولوا نريد الميرة) والتصحيح من تفسير الطبري.\r(2) انظر: سيرة ابن هشام: 2 / 144 تفسير الطبري\"7 / 406 - 409.","part":2,"page":137},{"id":545,"text":"فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه حتى وافوا بدرًا الصغرى فجعلوا يلقون المشركين ويسألونهم عن قريش فيقولون قد جمعوا لكم يريدون أن يرعبوا المسلمين فيقول المؤمنون: حسبنا الله ونعم الوكيل، حتى بلغوا بدرًا وكانت موضع سوق لهم في الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر ينتظر أبا سفيان وقد انصرف أبو سفيان من مجنة إلى مكة فلم يلقَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحدًا من المشركين ووافقوا السوق وكانت معهم تجارات ونفقات فباعوا وأصابوا بالدرهم درهمين وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين (1) فذلك قوله تعالى: { الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ } أي أجابوا ومحل \"الذين\" خفض على صفة المؤمنين تقديره: إن الله لا يُضيع أجر المؤمنين المستجيبين لله والرسول، { مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُم الْقَرْحُ } أي:( نالتهم الجراح ) (2) تم الكلام هاهنا ثم ابتداء فقال: { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ } بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجابته إلى الغزو، { وَاتَّقَوْا } معصيته { أَجْرٌ عَظِيمٌ }\r{ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) }\r__________\r(1) انظر تفسير الطبري: 7 / 411-412 وقد رجح القول الأول وهو قول أكثر المفسرين: 7 / 412 - 413.\r(2) في ب (نالهم الجرح).","part":2,"page":138},{"id":546,"text":"{ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) }\r{ الَّذِينَ قَالَ لَهُم النَّاسُ } ومحل \"الذين \" خفض أيضا مردودُ على الذين الأول وأراد بالناس: نعيم بن مسعود، في قول مجاهد وعكرمة فهو من العام الذي أريد به الخاص كقوله تعالى: { أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ } يعني: محمدًا صلى الله عليه وسلم وحده وقال محمد بن إسحاق وجماعة: أراد بالناس الركب من عبد القيس، { إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ } يعني أبا سفيان وأصحابه، { فَاخْشَوْهُمْ } فخافوهم واحذروهم فإنه لا طاقة لكم بهم، { فَزَادَهُمْ إِيمَانًا } تصديقًا ويقينًا وقوةً { وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ } أي: كافينا الله، { وَنِعْمَ الْوَكِيلُ } أي: الموكول إليه الأمور فعيل بمعنى مفعول.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أحمد بن يونس، أخبرنا أبو بكر، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: { حَسْبُنَا اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيلُ } قالها إبراهيم حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: { إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيلُ } (1) .\r{ فَانْقَلَبُوا } فانصرفوا، { بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ } بعافية لم يلقوا عدوا { وَفَضْلٍ } تجارة وربح وهو ما أصابوا\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير تفسير سورة آل عمران باب \"الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم\": 8 / 229.","part":2,"page":138},{"id":547,"text":"في السوق { لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ } يصبهم أذى ولا مكروه، { وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّه } في طاعة الله وطاعة رسوله وذلك أنهم قالوا: هل يكون هذا غزوًا فأعطاهم الله ثواب الغزو ورضي عنهم، { وَاللَّه ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ }\r{ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175) وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (177) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178) }\rقوله تعالى: { إِنَّمَا ذَلِكُم الشَّيْطَانُ } يعني: ذلك الذي قال لكم: { إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ } من فعل الشيطان ألقي في أفواههم ليرهبوهم ويجبنُوُا عنهم، { يُخَوِّف أَوْلِيَاءَهُ } أي يخوفكم بأوليائه، وكذلك هو في قراءة أبي بن كعب يعني: يخوّف المؤمنين بالكافرين قال السدي: يعظّم أولياءَهُ في صدورهم ليخافوهم يدل عليه قراءة عبد الله بن مسعود \"يخوفكم أولياءه\" ) { فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ } في ترك أمري { إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } مصدقين بوعدي فإني متكفل لكم بالنصرة والظفر.\rقوله عز وجل: { وَلا يَحْزُنْكَ } قرأ نافع \" يحزنك \" بضم الياء وكسر الزاي، وكذلك جميع القرآن إلا قوله { لا يحزنهم الفزعُ الأكبرُ } ضدّه أبو جعفر وهما لغتان: حزن يحزن وأحزن يحزن إلا أن اللغة الغالبة حزن يحزن، { الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ } قال الضحاك: هم كفار قريش وقال غيره: هم المنافقون يسارعون في الكفر بمظاهرة الكفار. { إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا } بمسارعتهم في الكفر، { يُرِيد اللَّه أَلا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ } نصيبًا في ثوابِ الآخرة، فلذلك خَذَلهم حتى سارعوا في الكفر، { وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }\r{ إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا } استبدلوا { الْكُفْرَ بِالإيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا } وإنما يضرون أنفسهم، { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }\r{ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا } قرأ حمزة هذا والذي بعده بالتاء فيهما، وقرأ الآخرون بالياء فمن قرأ بالياء \"فالذين \" في محل الرفع على الفاعل وتقديره (1) ولا يحسبن الكفار إملاءنا لهم خيرًا، ومن قرأ بالتاء\r__________\r(1) ساقط من (ب).","part":2,"page":139},{"id":548,"text":"يعني: ولا تحسبن يا محمد الذين كفروا، وإنما نصب على البدل من الذين، { أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ } والإملاء الإمهال والتأخير، يقال: عشت طويلا حميدًا وتمليت حينًا ومنه قوله تعالى: \"واهجرني مليا\"( مريم -46 ) أي: حينا طويلا ثم ابتدأ فقال: { إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ } نمهلهم { لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ }\rقال مقاتل: نزلت في مشركي مكة وقال عطاء: في قريظة والنضير.\rأخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله القفال، أنا أبو منصور أحمد بن الفضل البَرْوَنْجِرْدِيّ، أنا أبو أحمد بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي، أنا محمد بن يونس أنا أبو داود الطيالسي، أنا شعبة عن علي بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس خير؟ قال: \"من طال عمُرُه وحَسُنَ عمَلُه\" قيل: فأي الناس شر؟ قال: \"من طال عمرُه وساء عمَلُه\" (1) .\r{ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179) }\rقوله تعالى: { مَا كَانَ اللَّه لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ } اختلفوا فيها، فقال الكلبي: قالت قريش: يا محمد تزعم أن من خالفك فهو في النار والله عليه غضبان، وأن من اتبعك على دينك فهو في الجنة والله عنه راض، فأخبرنا بمن يُؤمن بك وبمن لا يُؤمن بك فأنزل الله تعالى هذه الآية.\rوقال السدي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"عُرضتْ علي أمتي في صورها في الطين كما عُرِضتْ على آدم وأُعْلِمْتُ من يؤمن بي ومن يكفر بي\" فبلغ ذلك المنافقين فقالوا استهزاء: زعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر ممن لم يخلق بعد، ونحن معه وما يعرفنا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: \"ما بال أقوام طعنوا في علمي لا تسألوني 74/ب عن شيء فيما بينكم وبين\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الزهد باب ما جاء في طول العمر للمؤمن: 6 / 622 وقال: هذا حديث حسن صحيح والدارمي في الرقاق باب أي المؤمنين خير؟: 2 / 308 والحاكم في المستدرك: 1 / 339 وصححه على شرط مسلم وأخرج أيضا عن جابر: \"ألا أنبئكم بخياركم من شراركم؟ قالوا: بلى قال: خياركم أطولكم أعمارا وأحسنكم عملا\" وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين وله شاهد صحيح على شرط مسلم ثم ذكر حديث أبي بكرة. وأخرجه الإمام أحمد: 4 / 188 ، 190 5 / 40 ، 43 ، 44 وفي مواضع أخرى والمصنف في شرح السنة: 14 / 287 ، 288 والطيالسي في المسند ص (116).","part":2,"page":140},{"id":549,"text":"الساعة إلا أنبأتكم به\" فقام عبد الله بن حذافة السهمي: فقال: من أبي يا رسول الله؟ قال: حذافة فقام عمر فقال: يا رسول الله رضينا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبالقرآن إمامًا وبك نبيًا فاعفُ عنا عفا الله عنك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"فهل أنتم منتهون\"؟ ثم نزل عن المنبر فأنزل الله تعالى هذه الآية (1) .\rواختلفوا في حكم الآية ونظمها، فقال ابن عباس رضي الله عنهما والضحاك ومقاتل والكلبي وأكثر المفسرين: الخطاب للكفار والمنافقين يعني { مَا كَانَ اللَّه لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ } يا معشر الكفار والمنافقين من الكفر والنفاق { حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ }\rوقال قوم: الخطاب للمؤمنين الذين أخبر عنهم، معناه: ما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من التباس المؤمن بالمنافق، فرجع من الخبر إلى الخطاب .\r{ حَتَّى يَمِيزَ } قرأ حمزة والكسائي ويعقوب بضم الياء والتشديد وكذلك التي في الأنفال، وقرأ الباقون بالخفيف يقال: ماز الشيء يميزُه ميزًا وميزّه تمييزًا إذا فرّقه فامتاز، وإنما هو بنفسه، قال أبو معاذ إذا فرقت بين شيئين قلت: مزت ميزًا، فإذا كانت أشياء قلت: ميزتها تمييزًا وكذلك إذا جعلت الشيء الواحد شيئين قلت: فَرَقَت بالتخفيف ومنه فرق الشعر، فإن جعلته أشياء قلت: فرَّقته تفريقًا، ومعنى الآية حتى يميزَ المنافق من المخلص، فميز الله المؤمنين من المنافقين يوم أحد حيث أظهروا النفاق وتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوقال قتادة: حتى يميز الكافر من المؤمن بالهجرة والجهاد.\rوقال الضحاك: { مَا كَانَ اللَّه لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ } في أصلاب الرجال وأرحام النساء يا معشر المنافقين والمشركين حتى يفرق بينكم وبين من في أصلابكم وأرحام نسائكم من المؤمنين وقيل: { حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ } وهو المذنب { مِنَ الطَّيِّبِ } وهو المؤمن يعني: حتى يحط الأوزار عن المؤمن بما يصيبه من نكبة ومحنة ومصيبة، { وَمَا كَانَ اللَّه لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ } لأنه لا يعلم الغيب (2) أحدٌ غيره، { وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ } فيُطلعه على بعض علم الغيب، نظيره قوله تعالى: \"عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا إلا من ارتضى من رسول\"( سورة الجن الآيتان: 26،27 ).\rوقال السدي: معناه وما كان الله ليطلع محمدًا صلى الله عليه وسلم على الغيب ولكن الله اجتباه، { فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ }\r__________\r(1) ذكره الواحدي بدون سند عن السدي إلى قوله : فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام. . . انظر: أسباب النزول ص (165) وأخرج الإمام أحمد في المسند: 3 / 162 عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر فلما سلم قام على المنبر. . . دون أن يذكر أن نزول الآية كان عقب ذلك. وأخرجه ابن عبد البر بسنده عن أنس في أسد الغابة: 3 / 212. وانظر: الإصابة لابن حجر: 4 / 57.\r(2) ساقطة من (أ) .","part":2,"page":141},{"id":550,"text":"{ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180) }\r{ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُم اللَّه مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ } أي: ولا يحسبن الباخلون البخل خيرًا لهم، { بَلْ هُوَ } يعني: البخل، { شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ } أي: سوف يطوقون { مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } يعني: يجعل ما منعه من الزكاة حيَّةً تُطَوق في عنقه يوم القيامة تنهشه من فوقه (1) إلى قدمه وهذا قول ابن مسعود وابن عباس وأبي وائل والشعبي والسدي.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا علي بن عبد الله المديني، أنا هاشم بن القاسم، أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاتَه مُثّلَ له ماله يوم القيامة شجاعًا أقرعَ له زبيبتان يُطَوَّقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه يعني شدقيه، ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا { وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ } الآية\" (2) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عمرو بن حفص بن غياث، أنا أبي، أنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: انتهيت إليه يعني: النبي صلى الله عليه وسلم قال (3) . \"والذي نفسي بيده، أو والذي لا إله غيره، أو كما حلف ما من رجل يكون له إبل أو بقر أو غنم لا يُؤدي حقها إلا أُتي بها يوم القيامة أعظم ما يكون وأسمنه تطؤه بأخفافها وتنطحُه بقرونها كلّما جازت أُخراها رُدتْ عليه أولاها حتى يُقضَى بين الناس\" (4) .\rقال إبراهيم النخعي: معنى الآية يجعل يوم القيامة في أعناقهم طوقًا من النار قال مجاهد: يَكلفون يوم القيامة أن يأتوا بما بخلوا به في الدنيا من أموالهم.\rوروى عطية عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم\r__________\r(1) في أ: (قرنة).\r(2) أخرجه البخاري في الزكاة باب إثم مانع الزكاة: 3 / 268 وفي التفسير وفي الحيل والمصنف في شرح السنة: 5 / 478.\r(3) في ب : (فقال).\r(4) أخرجه البخاري في الزكاة باب ليس دون خمس ذود صدقة: 3 / 323 ومسلم في الزكاة باب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة برقم (990): 2 / 686. والمصنف في شرح السنة: 5 / 477 - 478.","part":2,"page":142},{"id":551,"text":"ونبوته وأراد بالبخل كتمان العلم (1) كما قال في سورة النساء \"الذين يبخلونَ ويأمرون الناس بالبخل ويكتمُوُن ما آتاهم الله من فضله\"( النساء -37 ).\rومعنى قوله \"سيطُوقون ما بخلوا به يوم القيامة\" أي: يحملون وزرَه وإثمهُ كقوله تعالى: \"وهم يحملون أوزارَهم على ظهورهم\"( الأنعام -31 ).\r{ وَلِلَّهِ مِيرَاث السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } يعني: أنه الباقي الدائم بعد فناء خلقه وزوال أملاكهم فيموتون ويرثهم، نظيره قوله تعالى: \"إنا نحن نرثُ الأرض ومن عليها\"( مريم -40 ) { وَاللَّه بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } قرأ أهل البصرة ومكة يعلمون بالياء وقرأ الآخرون بالتاء.\r__________\r(1) انظر: تفسير الطبري : 7 / 432 الدر المنثور: 2 / 394 أسباب النزول للواحدي ص (165 - 166).","part":2,"page":143},{"id":552,"text":"{ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181) }\rقوله تعالى: { لَقَدْ سَمِعَ اللَّه قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْن أَغْنِيَاءُ } قال الحسن ومجاهد: لما نزلت: { مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِض اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } قالت اليهود: إن الله فقير استقرض منّا ونحن أغنياء، وذكر الحسن: أن قائل هذه المقالة حيي بن أخطب (1) .\rوقال عكرمة والسدي ومقاتل ومحمد بن إسحاق: كتب النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر رضي الله عنه إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضا حسنا فدخل أبو بكر رضي الله عنه ذات يوم بيت مدارسهم فوجد ناسًا كثيرًا من اليهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص بن عازوراء وكان من علمائهم، ومعه حبر آخر يقال له أشيع. فقال أبو بكر لفنحاص: اتق الله وأسلم فوالله إنك لتعلم أن محمدًا رسول الله قد جاءكم بالحق من عند الله تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة فآمِنْ وصَدِّقْ وأقْرِضِ الله قرضًا حسنًا يدخلك الجنة ويضاعف لك الثوابَ.\rفقال فنحاص: يا أبا بكر تزعم أن ربَّنا يستقرضُ أموالنا وما يستقرض إلا الفقير من الغني؟ فإن كان ما تقول حقًا فإن الله إذًا لفقير ونحن أغنياء، وأنه ينهاكم عن الربا ويعطينا، ولو كان غنيًا ما أعطانا الربا.\rفغضب أبو بكر رضي الله عنه وضرب وجه فنحاص ضربةً شديدةً وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربتُ عُنقَك يا عُدوَّ الله فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد انظر ما صنع بي صاحبك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه: \"ما حملك على ما صنعت\" ؟\r__________\r(1) انظر: تفسير الطبري: 7 / 444 الدر المنثور: 2 / 397.","part":2,"page":143},{"id":553,"text":"فقال: يا رسول الله إن عدو الله قال قولا عظيمًا زعم أن الله فقير وأنهم أغنياء فغضبتُ لله فضربت وجهه، فجحد ذلك فنحاص، فأنزل الله تعالى ردًّا على فنحاص وتصديقًا لأبي بكر رضي الله عنه: { لَقَدْ سَمِعَ اللَّه قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْن أَغْنِيَاءُ } \" (1) 75/أ\r{ سَنَكْتُب مَا قَالُوا } من الإفك والفرية على الله { فنجازيهم به } (2) وقال مقاتل: سنحفظ عليهم، وقال الواقدي: سنأمر الحفظة بالكتابة، نظيره قوله تعالى: { وإنا له كاتبون } ، { وَقَتْلَهُم الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُول ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ } قرأ حمزة \"سيكتب\" بضم الياء، \" وقتلهم \" برفع اللام \"ويقول\" بالياء و { ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ } أي: النار وهو بمعنى المحرق كما يقال: لهم عذاب أليم أي: مؤْلم.\r{ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ (182) الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (183) }\r{ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ } فيُعذب بغير ذنب.\rقوله تعالى: { الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا } الآية قال الكلبي: نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهوذا وزيد بن التابوت (3) وفنحاص بن عازوراء وحيي بن أخطب أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد تزعم أن الله تعالى بعثك إلينا رسولا وأنزل عليك الكتاب وأن الله تعالى قد عهد إلينا في التوراة { أَلا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ } يزعم أنه جاء من عند الله، { حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُه النَّارُ } فإن جئتنا به صدقناك؛ قال فأنزل الله تعالى: { الَّذِينَ قَالُوا } (4) أي: سمع الله قول الذين قالوا ومحل { الَّذِينَ } خفض ردًّا على { الَّذِينَ } الأول، { إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا } أي: أمرنا وأوصانا في كتبه أن لا نؤمن برسول أي: لا نصدق رسولا يزعم أنه جاء من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار فيكون دليلا على صدقه، والقربان: كل ما يتقرّب به العبد إلى الله تعالى من نسيكةٍ وصدقةٍ وعملٍ صالحٍ فُعْلان من القربة وكانت القرابين والغنائم لا تحل لبني إسرائيل وكانوا إذا قربوا قربانًا أو غنموا غنيمةً جاءت نارٌ\r__________\r(1) أخرجه ابن إسحاق في السيرة: 2 / 207 - 208 طبعة الحلبي وابن جرير الطبري في التفسير: 7 / 441 - 444 وابن المنذر وابن أبي حاتم - انظر: الدر المنثور: 2 / 396 أسباب النزول للواحدي ص (166).\r(2) ساقط من : (ب).\r(3) في أ: (الباقر) .\r(4) انظر: أسباب النزول ص (167) تفسير القرطبي: 4 / 295 .","part":2,"page":144},{"id":554,"text":"بيضاء من السماء لا دخان لها ولها دوي وحفيف (1) فتأكله وتحرق ذلك القربان وتلك الغنيمة فيكون ذلك علامة القبول وإذا لم يُقبل بقيت على حالها.\rوقال السدي: إن الله تعالى أمر بني إسرائيل من جاءكم يزعم أنه رسول الله فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار حتى يأتيكم المسيح ومحمد، فإذا أتياكم فآمنوا بهما فإنهما يأتيان بغير قربان قال الله تعالى إقامة للحجة عليهم، { قُلْ } يا محمد { قَدْ جَاءَكُمْ } يا معشر اليهود { رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ } القربان { فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ } يعني: زكريا ويحيى وسائر من قتلوا من الأنبياء، وأراد بذلك أسلافهم فخاطبهم بذلك لأنهم رضوا بفعل أسلافهم { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } معناه تكذيبهم مع علمهم بصدقك، كقتل آبائهم الأنبياء، مع الإتيان بالقربان والمعجزات، ثم قال معزيا لنبيه صلى الله عليه وسلم:\r{ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (184) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) }\r{ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ } قرأ ابن عامر \" وبالزبر \" أي: بالكتب المزبورة يعني: المكتوبة، واحدها زبور مثل: رسول ورُسُل، { وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ } الواضح المضيء.\rقوله عز وجل: { كُلّ نَفْسٍ } منفوسة، { ذَائِقَة الْمَوْتِ } وفي الحديث: \"لمّا خلق الله تعالى آدم اشتكت الأرض إلى ربها لما أخذ منها فوعدَها أن يرُدَّ فيها ما أخذ منها فما من أحد إلا يدفن في التربة التي خلق منها\" (2) ، { وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ } توفون جزاء أعمالكم، { يَوْمَ الْقِيَامَةِ } إن خيرا فخير وإن شرا فشر، { فَمَنْ زُحْزِحَ } نُجيِّ وأزيل، { عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ } ظفر بالنجاة ونجا من الخوف، { وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا إِلا مَتَاع الْغُرُورِ } يعني منفعة ومتعة كالفأس والقدر والقصعة ثم تزول ولا تبقى.\rوقال الحسن: كخضرة النبات ولعب البنات لا حاصل له.\r__________\r(1) في ب: (وهفيف).\r(2) لم يثبت بهذا اللفظ والذي يظهر والله أعلم أنه ليس بحديث وقد ذكره الخازن في تفسيره ولم يشر إلى أنه حديثه. انظر المطالب العالية 3 / 333 - 334 فقد ورد قريبا منه.","part":2,"page":145},{"id":555,"text":"قال قتادة: هي متاع متروكة يوشك أن تضمحل بأهلها فخذوا من هذا المتاع بطاعة الله ما استطعتم والغرور: الباطل.\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أنا حاجب بن أحمد الطوسي، أخبرنا محمد بن يحيى، أخبرنا بن هارون، أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يقول الله تعالى: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأتْ ولا أذن سمعتْ ولا خطر على قلب بشر\" واقرءوا إن شئتم \"فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون\"( السجدة -17 ) وإنَّ في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها واقرءوا إن شئتم: \"وظل ممدود\"( الواقعة -30 ) ولموضعُ سوطِ في الجنة خيرٌ من الدنيا وما عليها واقرءوا إن شئتم { فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغُرور } (1) .\r{ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ (186) }\r{ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ } الآية قال عكرمة ومقاتل والكلبي وابن جريج: نزلت الآية في أبي بكر وفنحاص بن عازوراء. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر إلى فنحاص بن عازوراء سيد بني قينقاع ليستمدّه، وكتب إليه كتابًا وقال لأبي بكر رضي الله عنه \"لا تفتاتَنَّ (2) عليّ بشيء حتى ترجع\" فجاء أبو بكر رضي الله عنه وهو متوشح بالسيف فأعطاه الكتاب فلما قرأه قال: قد احتاج ربُّك إلى أن نمده، فهم أبو بكر رضي الله عنه أن يضربه بالسيف ثم ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: \"لا تفتاتَنَّ علي بشيء حتى ترجع\" فكف فنزلت هذه الآية (3) .\rوقال الزهري: نزلت في كعب بن الأشرف فإنه كان يهجو رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ويسبُّ المسلمين،\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في تفسير سورة الواقعة: 9 / 179 - 180 وقال حسن صحيح وأحمد في المسند: 2 / 438 عن أبي هريرة وأخرج بعضه البخاري في التفسير باب \"فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين\" 9: 8 / 515 وفي بدء الخلق ومسلم في الجنة وصفة نعيمها برقم (2824): 4 / 2174. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 15 / 208 - 209.\r(2) كل من أحدث دونك شيئا ومضى عليه ولم يستشرك واستبد به دونك فقد فاتك بالشيء وافتات عليك له أو فيه. وهو \"افتعال\" من \"الفوت\" وهو السبق إلى الشيء دون ائتمار أو مشورة. وانظر: تعليق محمود شاكر على الطبري: 7 / 455 النهاية لابن الأثير: 3 / 477.\r(3) الطبري: 7 / 455 وعزاه السيوطي في لباب النقول ص (126) لابن أبي حاتم وابن المنذر وقال: \"إنه سند حسن\" وانظر: فتح الباري: 8 /231.","part":2,"page":146},{"id":556,"text":"ويحرض المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في شعره ويشبب بنساء المسلمين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"من لي بابن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله\"؟.\rفقال محمد بن مسلمة الأنصاري: أنا لك يا رسول الله، أنا أقتله قال: \"فافعل إن قدرت على ذلك\".\rفرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثًا لا يأكل ولا يشرب إلا ما تعلق نفسه، فذُكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاه وقال له: لم تركتَ الطعامَ والشرابَ؟ قال: يا رسول الله قلت قولا ولا أدري هل أفي به أم لا فقال: إنما عليك الجهد.\rفقال: يا رسول الله إنه لا بد لنا من أن نقول قال: قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك، فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة وسَلْكانُ بن سلام وأبو نائلة، وكان أخا كعب من الرضاعة، وعباد بن بشر والحارث بن أوس وأبو عيسى بن جُبير فمشى معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد ثم وجّههم، وقال: \"انطلقوا على اسم الله اللهم أعنهم\" ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك في ليلة مقمرة.\rفأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه فقدّموا أبا نائلة فجاءه فتحدث معه ساعة وتناشدا الشعر، وكان أبو نائلة يقول الشعر، ثم قال: ويحك يا ابن الأشرف إني قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكْتُمْ عليّ قال أفعل قال: كان قدوم هذا الرجل بلادنا بلاءً عادتنا العربُ ورمونا عن قوس واحدة، وانقطعت عنا السبل حتى ضاعت العيال وجهدت الأنفس، فقال كعب: أنا ابن الأشرف أمَا والله لقد كنت أخبرتك يا بن سلامة أن الأمر سيصير إلى هذا، فقال أبو نائلة: 75/ب إن معي أصحابا أردنا أن تبيعنا طعامَك ونرهنك ونوثّق لك وتحسن في ذلك قال: أترهنوني أبناءكم قال : إنا نستحي إن يعير أبناؤنا فيقال هذا رهينةُ وَسْقٍ وهذا رهينة وسْقَينْ قال: ترهنوني نساءكم قالوا: كيف نرهُنك نساءنا وأنت أجمل العرب ولا نأمنك وأية امرأة تمتنع منك لجمالك؟ ولكنا نرهنك الحلقة يعني: السلاح وقد علمت حاجتنا إلى السلاح، قال: نعم وأراد أبو نائلة أن لا ينكر السلاح إذا رآه فوعده أن يأتيه فرجع أبو نائلة إلى أصحابه فأخبرهم خبره.\rفأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه ليلا فهتف به أبو نائلة وكان حديث عهد بعرس، فوثب من ملحفته فقالت امرأته: أسمع صوتا يقطر منه الدم، وإنك رجل محارب وإن صاحب الحرب لا ينزل في مثل هذه الساعة فكلِّمْهم من فوق الحصن فقال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة وإن هؤلاء لو وجدوني نائمًا ما أيقظوني، وإن الكريم إذا دعي إلى طعنة بليل أجاب، فنزل إليهم فتحدث معهم ساعة ثم قالوا: يا بن الأشرف هل لك إلى أن نتماشى إلى شعب العجوز نتحدث فيه بقية ليلتنا هذه؟ قال: إن شئتم؟ فخرجوا يتماشون وكان أبو نائلة قال: لأصحابه إني فاتل شعره فأشّمه فإذا رأيتموني استمكنت","part":2,"page":147},{"id":557,"text":"من رأسه فدونكم فاضربوه، ثم إنه شامَ يدَه في فودِ رأسه ثم شَمَّ يدَه فقال: ما رأيت كالليلة طيبَ عروس قط، قال: إنه طيب أم فلان يعني امرأته، ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها حتى اطمأن ثم مشى ساعة فعاد لمثلها ثم أخذ بفودي رأسه حتى استمكن ثم قال: اضربوا عدو الله فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا قال محمد بن مسلمة فذكرت مغولا في سيفي فأخذته وقد صاح عدو الله صيحةً لم يبق حولَنَا حصن إلا أوقدت عليه نار، قال فوضعته في ثندوته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته ووقع عدو الله، وقد أُصيب الحارث بن أوس بجرح في رأسه أصابه بعض أسيافنا، فخرجنا وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث ونزفه الدم، فوقفنا له ساعة ثم أتانا يتبع آثارَنا فاحتملناه فجئنا به رسول الله آخر الليل وهو قائم يصلي فسلمنا عليه فخرج إلينا فأخبرناه بقتل كعب وجئنا برأسه إليه وتفل على جُرح صاحبنا.\rفرجعنا إلى أهلنا فأصبحنا وقد خافت يهود وقعتنا بعدو الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه\" فوثب مُحَيَّصَةُ بن مسعود على سُنَيْنَة رجل من تجار اليهود كان يلابسهم ويبايعهم فقتله وكان حُوَيِّصَة بن مسعود إذْ ذَاك لم يُسْلم وكان أسنَّ من محيصة فلما قتله جعل حويصة يضربه ويقول: أيْ عدو الله قتلته أما والله لرُبّ شحم في بطنك من ماله.\rقال محيصة: والله لو أمرني بقتلك من أمرني بقتله لضربت عنقك، قال: لو أمركَ محمد بقتلي لقتلتني؟ قال: نعم قال والله إن دينا بلغ بك هذا لعجب؟ ! فأسلم حويصة (1) وأنزل الله تعالى في شأن كعب: { لَتُبْلَوُنّ } لتخبرنّ اللام للتأكيد وفيه معنى القسم، والنون لتأكيد القسم { فِي أَمْوَالِكُمْ } بالجوائح والعاهات والخسران { وَأَنْفُسِكُمْ } بالأمراض وقيل: بمصائب الأقارب والعشائر، قال عطاء: هم المهاجرون أخذ المشركون أموالهم ورِبَاعَهم وعذّبُوهم وقال الحسن: هو ما فرض عليهم في أموالهم وأنفسهم من الحقوق، كالصلاة والصيام والحج والجهاد والزكاة، { وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } يعني: اليهود والنصارى، { وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا } يعني: مشركي العرب، { أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا } على أذاهم { وَتَتَّقُوا } الله ، { فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ } من حق الأمور وخيرها وقال عطاء: من حقيقة الإيمان.\r__________\r(1) أخرج القصة بطولها ابن إسحاق في السيرة: 2 / 123 - 126 واختصرها البخاري في المغازي باب قتل كعب: 7 / 337 - وانظر : تفسير الطبري: 7 / 456 - 458 وعزاه السيوطي في اللباب ص (146) لعبد الرزاق وكذلك ابن حجر في الفتح: 8 / 231.","part":2,"page":148},{"id":558,"text":"{ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187) }\r{ وَإِذْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّه لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ } قرأ ابن كثير وأهل البصرة","part":2,"page":148},{"id":559,"text":"وأبو بكر بالياء فيهما لقوله تعالى: { فَنَبَذُوه وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ } وقرأ الآخرون بالتاء فيها على إضمار القول، { فَنَبَذُوه وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ } أي: طرحوه وضيّعوه وتركوا العمل به، { وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا } يعني: المآكل والرُّشا، { فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ } قال قتادة: هذا ميثاق أخذه الله تعالى على أهل العلم فمن علم شيئا فليُعَلِّمْه وإياكم وكتمان العلم فإنه هلكة.\rوقال أبو هريرة رضي الله عنه: لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء ثم تلا هذه الآية { وَإِذْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } الآية.\rحدثنا أبو الفضل زياد بن محمد الحنفي، أخبرنا أبو معاذ الشاه بن عبد الرحمن، أخبرنا أبو بكر عمر بن سهل بن إسماعيل الدينوري، أخبرنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتيّ، أخبرنا أبو حذيفة موسى بن مسعود أخبرنا إبراهيم بن طهمان عن سماك بن حرب، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"من سُئل عن علم يَعْلَمَه فكتمه أُلِجْمَ يوم القيامة بلجام من نار\" (1) .\rوقال الحسن بن عمارة: أتيت الزهري بعد أن ترك الحديث فألفيته على بابه فقلت: إن رأيتَ أن تحدثني؟ فقال: أما علمتَ أني قد تركتُ الحديث؟ فقلت: إمّا أن تحدثني وإما أن أحدثك فقال: حدثني فقلت: حدثني الحكم بن عتيبة عن يحيى بن الجزار قال: سمعتُ علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلّموا حتى أخذ على أهل العلم أن يُعَلِّموا قال: فحدثني أربعين حديثا (2) .\r{ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188) }\rقوله : { لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا } الآية قرأ عاصم وحمزة والكسائي { لا تَحْسَبَنَّ } بالتاء،\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في العلم باب كراهية منع العلم: 5 / 251 والترمذي في العلم باب ما جاء في كتمان العلم: 7 / 407 - 408 وقال: حديث حسن. ونقل المنذري تحسين الترمذي له ثم قال: وقد روي عن أبي هريرة من طرق فيها مقال والطريق التي أخرجه بها أبو داود طريق حسن فإنه رواه عن التبوذكي وقد احتج به البخاري ومسلم - عن حماد بن مسلمة - وقد احتج به مسلم واستشهد به البخاري - عن علي بن الحكم وهو أبو الحكم البناني قال الإمام أحمد: ليس به بأس - عن عطاء بن أبي رباح وقد اتفق الإمامان على الاحتجاج به. وأخرجه أيضا ابن ماجه في المقدمة باب من سئل عن علمه فكتمه بلفظ \"ما من رجل يحفظ علما فيكتمه إلا أتي به يوم القيامة ملجما بلجام من نار\" برقم (261): 1 / 96. والحاكم في المستدرك: 1 / 101 وصححه على شرط الشيخين وأحمد في المسند: 1 / 161 ، 2 / 263 ومواضع أخرى وابن عبد البر في جامع بيان العلم ص 22 والمصنف في شرح السنة: 1 / 301.\r(2) أخرجه الحارث بن أبي أسامة أخبرنا عبد الوهاب الخفاقي حدثنا الحسن بن عمارة حدثني الحكم بن عتيبة عن يحيى بن الجزار قال سمعت عليا فذكره. . . والحسن متروك. ومن طريق الحارث رواه الثعلبي وذكره ابن عبد البر في العلم قال: ويروي عن علي. . وذكره صاحب الفردوس عن علي. انظر: الكافي الشاف ص (35).","part":2,"page":149},{"id":560,"text":"أي: لا تحسبن يا محمد الفارحين وقرأ الآخرون بالياء \"لا يحسبن\" الفارحُون فرحَهم مُنْجيا لهم من العذاب { فلا يحسبنهم } وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: بالياء وضم الباء خبرًا عن الفارحين، أي فلا يحسبُنّ أنفسهم، وقرأ الآخرون بالتاء وفتح الباء أي: فلا تحسبنّهم يا محمد وأعاد قوله { فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ } تأكيدًا وفي حرف عبد الله بن مسعود { لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ } غير تكرار.\rواختلفوا فيمن نزلت هذه الآية أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا سعيد بن أبي مريم، أنا محمد بن جعفر، حدثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري 76/أ أن رجالا من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يُحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت { لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا } (1) الآية .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا إبراهيم بن موسى، أنا هشام، أن ابن جريج أخبرهم: أخبرني ابن أبي مليكة أن علقمة بن وقاص أخبره أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقل له: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبًا لنعذبن أجمعون فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه إنمّا دعا النبي صلى الله عليه وسلم يهود فسألهم عن شيء فكتموه إياه فأخبروه بغيره فأروه أن قد استُحمدوا إليه بما أخبروه عنه فيما سألهم، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم، ثم قرأ ابن عباس رضي الله عنهما { وَإِذْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } كذلك حتى قوله: { يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا } (2) .\rقال عكرمة: نزلت في فنحاص وأُشيَع وغيرهما من الأحبار يفرحون بإضلالهم الناس وبنسبة الناس إياهم إلى العلم وليسوا بأهل العلم (3) . وقال مجاهد: هم اليهود فرحوا بإعجاب الناس بتبديلهم الكتاب وحمدهم إياهم عليه (4) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير تفسير سورة آل عمران باب \"لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا\" 8 / 233 ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم برقم (2777) : 4 / 2142.\r(2) أخرجه البخاري في الموضع السابق نفسه ومسلم في الموضع نفسه برقم (2778).\r(3) تفسير الطبري : 7 / 466.\r(4) تفسير الطبري: 7 / 469.","part":2,"page":150},{"id":561,"text":"وقال سعيد بن جبير: هم اليهود فرحوا بما أعطى الله آل إبراهيم وهم برآء من ذلك (1) .\rوقال قتادة ومقاتل: أتت يهود خيبر نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: نحن نعرفك ونصدقك وإنا على رأيكم ونحن لكم ردء، وليس ذلك في قلوبهم فلما خرجوا قال لهم المسلمون: ما صنعتم؟ قالوا: عرفناه وصدقناه فقال لهم المسلمون: أحسنتم هكذا فافعلوا فحمدوهم ودعوا لهم فأنزل الله تعالى هذه الآية (2) وقال: { يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا } قال الفراء بما فعلوا كما قال الله تعالى: \"لقد جئت شيئا فريا\"( مريم -27 ) أي: فعلت، { وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ } بمنجاة، { مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }\r{ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ (190) }\r{ وَلِلَّهِ مُلْك السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } يصرفها كيف يشاء ، { وَاللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }\r{ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ } أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسين الإسفرايني، أنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ، أنا أحمد بن عبد الجبار، أنا ابن فضيل، عن حصين بن عبد الرحمن، عن حبيب بن أبي ثابت، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه رَقَدَ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه استيقظ فتسوّك ثم توضأ وهو يقول: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } حتى ختم السورة ثم قام فصلى ركعتين فأطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف فنام حتى نفخ ثم فعل ذلك ثلاثَ مرات ست ركعات كل ذلك يستاك ثم يتوضأ ثم يقرأ هؤلاء الآيات، ثم أوتر بثلاث ركعات ثم أتاه المؤذن فخرج إلى الصلاة وهو يقول: \"اللهم اجعل في بصري نورًا وفي سمعي نورًا وفي لساني نورًا واجعل خلفي نورًا وأمامي نورًا واجعل من فوقي نورًا ومن تحتي نورًا اللهم أعطني نورا\" (3) .\rورواه كريب عن ابن عباس رضي الله عنهما وزاد: \"اللهم اجعل في قلبي نورًا وفي بصري نورًا وفي سمعي نورًا وعن يميني نورًا وعن يساري نورًا\" (4) .\r__________\r(1) تفسير الطبري : 7 / 469.\r(2) الطبري: 7 / 471. وقد رجح الطبري أن المعني بهم أهل الكتاب الذين أخبر الله عز وجل أنه أخذ ميثاقهم ليبين للناس: أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولا يكتمونه . انظر ص 471 - 472 منه.\r(3) أخرجه البخاري في الدعوات باب الدعاء إذا انتبه من الليل: 11 / 116 بنحوه ومسلم في صلاة المسافرين باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه برقم (763): 1 / 530 واللفظ له.\r(4) مسلم في الموضع نفسه: 1 / 529.","part":2,"page":151},{"id":562,"text":"قوله تعالى: { لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ } ذوي العقول ثم وصفهم فقال:\r{ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) }\r{ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ } قال علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهم والنخعي وقتادة: هذا في الصلاة يصلي قائمًا فإن لم يستطع فقاعدًا فإن لم يستطع فعلى جنب.\rأخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي، أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، أنا هناد أنا وكيع عن إبراهيم بن طهمان، عن حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن عمران بن حصين قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة المريض فقال: \"صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنب\" . (1) .\rوقال سائر المفسرين أراد به المداومة على الذكر في عموم الأحوال لأن الإنسان قلَ ما يخلو من إحدى هذه الحالات الثلاث، نظيره في سورة النساء \"فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبكم\" { النساء -103 } ، { وَيَتَفَكَّرُون َفِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } وما أبدع فيهما ليَدُلّهم ذلك على قدرة الله ويعرفوا أن لها صانعًا قادرًا مدبرًا حكيمًا قال ابن عون: الفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشية كما يحدث الماء للزرع النبات، وما جليت القلوب بمثل الأحزان ولا استنارت بمثل الفكرة، { رَبَّنَا } أي: ويقولون ربنا { مَا خَلَقْتَ هَذَا } ردّه إلى الخلق فلذلك لم يقل هذه ، { بَاطِلا } أي: عبثا وهزلا بل خلقته لأمر عظيم وانتصب الباطل بنزع الخافض، أي: بالباطل، { سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار }\r{ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } أي: أهنته، وقيل: أهلكته، وقيل: فضحته، لقوله تعالى: { ولا تخزونِ في ضيفي }( هود -78 ) فإن قيل: قد قال الله تعالى: \"يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه\"( التحريم -8 ) ومن أهل الإيمان من يدخل النار وقد قال: { إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } قيل: قال أنس وقتادة معناه: إنك من تخلد في النار فقد أخزيته (2) وقال سعيد بن المسيب هذه خاصة لمن لا يخرج منها (3) فقد روى أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: \"أن الله يدخل قومًا النارَ ثم يخرجون منها\" (4) . { وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ }\r__________\r(1) أخرجه البخاري في تقصير الصلاة باب إذا لم يطق قاعدا صلى على جنب: 2 / 587 والمصنف في شرح السنة: 4 / 109 .\r(2) تفسير الطبري: 7 / 477.\r(3) تفسير الطبري: 7 / 477.\r(4) أخرج البخاري عن أنس \" يخرج قوم من النار بعد ما مسهم منها سفع فيدخلون الجنة فيسميهم أهل الجنة: الجهنميين\" كتاب الرقاق باب صفة الجنة والنار: 11 / 416 وفي التوحيد: 13 / 434.","part":2,"page":152},{"id":563,"text":"{ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194) }","part":2,"page":153},{"id":564,"text":"{ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195) }\r{ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا } يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم قاله ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما، وأكثر الناس، وقال القرظي: يعني القرآن فليس كل أحد يلقى النبي صلى الله عليه وسلم، { يُنَادِي لِلإيمَانِ } أي إلى الإيمان، { أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ } أي: في جملة الأبرار.\r{ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ } أي: على ألِسنَةِ رسلك، { وَلا تُخْزِنَا } ولا تعذبنا ولا تهلكنا ولا تفضحنا ولا تهنا ، { يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِف الْمِيعَادَ }\rفإن قيل: ما وجه قولهم: { رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ } وقد علموا أن الله لا يخلف الميعاد؟ قيل: لفظه دعاء ومعناه خبر أي: لتؤتينا ما وعدتنا على رُسلك تقديره: { فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا } { وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ } لتؤتِيَنا ما وعدتنا على رُسلك من الفضل والرحمة وقيل: معناه ربنا واجلعنأ 76/ب ممن يستحقون ثوابَك وتؤتيهم ما وعدتهم على ألِسنَةِ رسلك لأنهم لم يتيقنوا استحقاقهم لتلك الكرامة فسألوه أن يجعلهم مستحقين لها، وقيل: إنما سألوه تعجيل ما وعدهم من النصر على الأعداء، قالوا: قد عَلِمنَا أنك لا تخلف ولكن لا صبرَ لنا على حلمك فعجِّل خزيهم وانصرنا عليهم.\rقوله تعالى: { فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي } أي: بأني، { لا أُضِيعُ } لا أحُبط ، { عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ } أيها المؤمنون { مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى } قال مجاهد: قالت أم سلمة يا رسول الله إني أسمع الله يذكر","part":2,"page":153},{"id":565,"text":"الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء فأنزل الله تعالى هذه الآية { بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ } (1) قال الكلبي: في الدين والنصرة والموالاة، وقيل: كلكم من آدم وحواء، وقال الضحاك: رجالكم شكل نسائكم ونساؤكم شكل رجالكم في الطاعة، كما قال: \"والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض\"( التوبة -71 ).\r{ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي } أي: في طاعتي وديني، وهم المهاجرون الذين أخرجهم المشركون من مكة، { وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا } قرأ ابن عامر وابن كثير \" وقتلوا \" بالتشديد وقال الحسن: يعني أنهم قطعوا في المعركة، والآخرون بالتخفيف وقرأ أكثر القراء: { وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا } يريد أنهم قاتلوا العدو ثم أنهم قتلوا وقرأ حمزة والكسائي { وَقُتِلُوا وَقَاتَلُوا } وله وجهان أحدهما: معناه وقاتل من بقي منهم، ومعنى قوله { وَقُتِلُوا } أي: قُتل بعضهم تقول العرب قتلنا بني فلان وإنما قتلوا بعضهم والوجه الآخر { وَقُتِلُوا } وقد قاتلوا، { لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَاالأنْهَار ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } نصب على القطع قاله الكسائي، وقال المبرد: مصدر أي: لأثيبنهم ثوابا، { وَاللَّه عِنْدَه حُسْن الثَّوَابِ }\r{ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرَارِ (198) }\rقوله عز وجل: { لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّب الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ } نزلت في المشركين، وذلك أنهم كانوا في رخاء ولين من العيش يتجرون ويتنعمون فقال بعض المؤمنين: إن أعداء الله تعالى فيما نَرَى من الخير ونحن في الجهد؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية { لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّب الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ } وضربهم في الأرض وتصرفهم في البلاد للتجارات وأنواع المكاسب فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد منه غيره.\r{ مَتَاعٌ قَلِيلٌ } أي: هو متاع قليل وبُلْغَةٌ فانية ومُتْعَةٌ زائلة، { ثُمَّ مَأْوَاهُمْ } مصيرهم ، { جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ } الفراش .\r{ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَار خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً } جزاء وثوابا، { مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } نصب على التفسير وقيل: جعل ذلك نزلا { وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرَارِ } من متاع الدنيا.\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في التفسير تفسير سورة النساء: 8 / 377 وصححه الحاكم في المستدرك: 2 / 300 على شرط البخاري والطبري في التفسير: 7 / 486 - 487. وعزاه السيوطي أيضا لسعيد بن منصور وابن المنذر وعيد الرزاق وابن أبي حاتم والطبراني عن أم سلمة أيضا. انظر : الدر المنثور : 2 / 412 ولباب النقول ص (150) بهامش الجلالين.","part":2,"page":154},{"id":566,"text":"أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عبد العزيز بن عبد الله، أنا سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن عبيد بن حُنَيْن أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مَشْرُبَةٍ وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف وإن عند رجليه قرظًا مصبورًا، وعند رأسه أُهب معلقة فرأيت أثر الحصير في جنبه، فبكيت فقال: ما يُبكيك؟ فقلت: يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه وأنت رسول الله؟ فقال: \"أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة\" (1) ؟ .\r{ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199) }\rقوله عز وجل: { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِن بِاللَّهِ } الآية قال ابن عباس وجابر وأنس وقتادة: نزلت في النجاشي ملك الحبشة، واسمه أصحمة وهو بالعربية عطية وذلك أنه لما مات نعاه جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه أخرجوا فصلوا على أخٍ لكم مات بغير أرضكم النجاشي، فخرج إلى البقيع وكشف له إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه وكبر أربع تكبيرات، واستغفر له فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني (2) لم يره قط وليس على دينه فأنزل الله تعالى هذه الآية (3) .\rوقال عطاء: نزلت في أهل نجران أربعين رجلا [من بني حارث بن كعب] (4) اثنين وثلاثين من أرض الحبشة وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى عليه السلام فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال ابن جريج: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه (5) .\r__________\r(1) قطعة من حديث أخرجه البخاري في التفسير تفسير سورة التحريم باب: تبتغي مرضاة أزواجك\" 8 / 657.\r(2) زايدة من (ب).\r(3) قال ابن حجر : ذكره الثعلبي من قول ابن عباس وقتادة وذكره الواحدي بلا إسناد ورواه الطبري وابن عدي في ترجمة أبي بكر الهذلي واسمه سلمى وهو ضعيف عن قتادة عن سعيد ابن المسيب عن جابر دون قوله: ونظر إلى أرض الحبشة. وأخرجه الطبراني في الأوسط من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه . انظر الكافي الشاف ص (37). وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي فكبر عليه أربعا\" رواه البزار والطبراني في الأوسط ورجال الطبراني رجال الصحيح. انظر مجمع الزوائد : 3 / 38 - 39 9 / 419. تفسير ابن كثير : 1 / 440. وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي ثابتة في الصحيحين. انظر البخاري : 2 / 116 ومسلم : 2 / 656 - 657.\r(4) زيادة من (ب) .\r(5) انظر: البحر المحيط: 3 / 148.","part":2,"page":155},{"id":567,"text":"وقال مجاهد: نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم (1) ، { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِن بِاللَّهِ } { وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ } يعني: القرآن، { وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ } يعني: التوراة والإنجيل، { خَاشِعِينَ لِلَّهِ } خاضعين متواضعين لله، { لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا } يعني: لا يحرفون كُتبَهم ولا يكتُمون صفة محمد صلى الله عليه وسلم لأجل الرياسة والمأكلة كفعل غيرهم من رؤساء اليهود، { أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200) }\rقوله عز وجل : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا } قال الحسن: اصبروا على دينكم ولا تدعوه لشدة ولا رخاء، وقال قتادة: اصبروا على طاعة الله.\rوقال الضحاك ومقاتل بن سليمان: على أمر الله.\rوقال مقاتل بن حيان: على أداء فرائض الله تعالى، وقال زيد بن أسلم: على الجهاد. وقال الكلبي: على البلاء، وصابروا يعني: الكفارَ، ورابطوا يعني: المشركين، قال أبو عبيدة، أي داوموا واثبتوا، والربطُ الشَّدُّ، وأصل الرباط أن يربط هؤلاء خيولهم، وهؤلاء خيولهم، ثم قيل: لكل مقيم في ثغر يدفعُ عمن وراءه، وإن لم يكن له مركب.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عبد الله بن منير، سمع أبا النضر، أنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"رباط يوم في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها، وموضع سَوط أحدكم من الجنة خيرٌ من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها\" (2) . .\rأخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، أخبرنا أبو محمد محمد بن علي بن محمد بن شريك الشافعي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم أبو بكر الجُورْبَذي، أنا يونس بن عبد الأعلى، أنا ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن شريح، عن عبد الكريم بن الحارث، عن أبي عبيدة بن عقبة، عن شرحبيل بن السِّمط عن سلمان الخير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"من رابط يومًا وليلةً في سبيل الله كان له أجرُ صيام\r__________\r(1) انظر : تفسير الطبري : 7 / 498 - 499 ، الدر المنثور: 2 / 388 وابن كثير: 1 / 440.\r(2) أخرجه البخاري في الجهاد باب فضل رباط يوم في سبيل الله. . 6 / 85، وقد ساق ابن كثير كثيرًا من الأحاديث في هذا المعنى في تفسيره للآية : 1 / 445 - 448.","part":2,"page":156},{"id":568,"text":"شهر مقيم، ومن مات مرابطًا جرى له مثل ذلك الأجر، وأجري عليه من الرزق، وأُمن من الفتان\" (1) .\rوقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه، ولكنه انتظار الصلاة خلف الصلاة، ودليل هذا التأويل ما أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أنا زاهر بن أحمد الفقيه، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"ألا أخبركم بما يمحو الله الخطايا ويرفع 77/أ به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط\" (2) .\r{ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُم ْتُفْلِحُونَ } قال بعض أرباب اللسان: اصبروا على النعماء وصابرُوا على البأساء والضراء ورابطوا في دار الأعداء واتقوا إله الأرض والسماء لعلكم تفلحون في دار البقاء.\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الإمارة، باب فضل الرباط في سبيل الله عز وجل - برقم (1913) : 3 / 1520، بلفظ \"رباط يوم وليلة\" والمصنف في شرح السنة : 10 / 352 . والفتان: يروي بضم الفاء وفتحها، فالضم جمع فاتن وهو الذي يضل الناس عن الحق ويفتنهم وبالفتح هو الشيطان، لأنه يفتن الناس عن الدين، وفتان: من أبنية المبالغة في الفتنة. انظر: النهاية: 3 / 410.\r(2) أخرجه مسلم في الطهارة - باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره برقم (251): 1 / 219، المصنف في شرح السنة: 1 / 320.","part":2,"page":157},{"id":569,"text":"سورة النساء -مدنية بسم الله الرحمن الرحيم\r{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) }","part":2,"page":158},{"id":570,"text":"قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ } يعني: آدم عليه السلام، { وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } يعني: حواء، { وَبَثَّ مِنْهُمَا } نشر وأظهر، { رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ } أي: تتساءلون به، وقرأ أهل الكوفة بتخفيف السين على حذف إحدى التاءين، كقوله تعالى: { ولا تعاونوا } ، { وَالأرْحَام } قراءة العامة بالنصب، أي: واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وقرأ حمزة بالخفض، أي: به وبالأرحام كما يقال: سألتك بالله والأرحام، والقراءة الأولى أفصح لأن العرب لا تكاد تنسق بظاهر على مكنى، إلا أن تعيد الخافض فتقول: مررتُ به وبزيد، إلا أنه جائز مع قلّته، { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } أي: حافظا.\rقوله تعالى: { وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ } قال مقاتل والكلبي: نزلت في رجل من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم طلب المال فمنعه عمه فترافعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، فلما سمعها العمُّ قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول نعوذ بالله من الحوب الكبير، فدفع إليه ماله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"من يوق شح نفسه ويطع ربه هكذا فإنه يَحُلّ دَارَه\"، يعني: جنته، فلما قبض الفتى ماله أنفق في سبيل الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"ثبت الأجر وبقي الوزر\" فقالوا: كيف بقي الوزر؟ فقال: \"ثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده\" (1) .\rوقوله { وَآتُوا } خطاب للأولياء والأوصياء، واليتامى: جمع يتيم، واليتيم: اسم لصغير لا أب له ولا جد، وإنما يدفع المال إليهم بعد البلوغ، وسماهم يتامى هاهنا على معنى أنهم كانوا يتامى.\r__________\r(1) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص (136) دون إسناد، عازيا للكلبي ومقاتل، وانظر: تفسير القرطبي: 5 / 8، البحر المحيط: 3 / 159 .","part":2,"page":159},{"id":571,"text":"{ وَلا تَتَبَدَّلُوا } أي: لا تستبدلوا، { الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ } أي: مالهم الذي هو حرام عليكم بالحلال من أموالكم، واختلفوا في هذا التبدل، قال سعيد بن المسيب والنخعي والزهري والسدي: كان أولياء اليتامى يأخذون الجيد من مال اليتيم ويجعلونه مكان الرديء، فربما كان أحدهما يأخذ الشاة السمينة من مال اليتيم ويجعل مكانها المهزولة، ويأخذ الدرهم الجيد ويجعل مكانه الزيف، ويقول: درهمٌ بدرهم، فنُهوا عن ذلك.\rوقيل: كان أهل الجاهلية لا يُورِّثون النساء والصبيان ويأخذ الأكبرُ الميراثَ، فنصيبه من الميراث طيب، وهذا الذي يأخذه خبيث، وقال مجاهد: لا تتعجل الرزقَ الحرام قبل أن يأتيَك الحلال.\r{ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ } أي: مع أموالكم، كقوله تعالى: { من أنصاري إلى الله } أي: مع الله، { إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا } أي: إثما عظيما.\r{ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا (3) }\rوقوله تعالى: { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ } الآية. اختلفوا في تأويلهم، فقال بعضهم: معناه إن خفتم يا أولياء اليتامى أن لا تعدلوا فيهنّ إذا نكحتموهن فانكحوا غيرهن من الغرائب مثنى وثُلاث ورُباعَ.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري، قال: كان عروة بن الزبير يحدث أنه سأل عائشة رضي الله عنها { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ } قالت: هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في جمالها ومالها ويريد أن يتزوجَها بأدنى من سنة نسائها، فنهوا عن نكاحهنّ إلا أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأمروا بنكاح من سواهنّ من النساء، قالت عائشة رضي الله عنها: ثم استفتى الناس رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ } إلى قوله تعالى { وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ } (1) . فبيّن الله تعالى في هذه الآية أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال أو مال، رغبوا في نكاحها ولم يلحقوها بسنتها بإكمال الصداق، وإذا كانت مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركوها والتمسوا غيرها من النساء، قال: فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يُقسطوا لها الأوْفَى من الصداق ويُعطوها حقَّها.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة النساء، باب \"وإن خفتم أن لا تقسطوا. . . . \" 8 / 239، ومسلم في التفسير برقم (3018): 4 / 2313 - 2314.","part":2,"page":160},{"id":572,"text":"قال الحسن: كان الرجل من أهل المدينة يكون عنده الأيتام وفيهن من يحل له نكاحها فيتزوجها لأجل مالها وهي لا تعجبه كراهية أن يدخله غريبٌ فيشاركه في مالها، ثم يسيء صحبتها ويتربص بها أن تموت ويرثها، فعاب الله تعالى ذلك، وأنزل الله هذه الآية.\rوقال عكرمة: كان الرجل من قريش يتزوج العشر من النساء والأكثر فإذا صار معدما من مُؤَنِ نسائه مالَ إلى مالِ يتيمه الذي في حجره فأنفقه، فقيل لهم: لا تزيدوا على أربع حتى لا يحوجكم إلى أخذ أموال اليتامى، وهذه رواية طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما.\rوقال بعضهم: كانوا يتحرجون عن أموال اليتامى ويترخصون في النساء، فيتزوجون ما شاءوا وربما عدلوا وربما لم يعدلوا، فلما أنزل الله تعالى في أموال اليتامى { وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ } أنزل هذه الآية { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى } يقول كما خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فكذلك خافوا في النساء أن لا تعدلوا فيهن فلا تتزوجوا أكثر مما يُمكنكم القيام بحقهن، لأن النساء في الضعف كاليتامى، وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة والضحاك والسدي (1) ، ثم رخص في نكاح أربع فقال: { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا } فيهن { فَوَاحِدَة } وقال مجاهد: معناه إن تحرجتم من ولاية اليتامى وأموالهم إيمانًا فكذلك تحرجوا من الزنا فانكحوا النساء الحلال نكاحًا طيبًا ثم بين لهم عددًا، وكانوا يتزوجون ما شاءوا من غير عدد، قوله تعالى: { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ } أي: مَنْ طَابَ كقوله تعالى: \"والسماء وما بناها\"( الشمس -5 ) أي ومن بناها \"قال فرعون وما رب العالمين\"( الشعراء -23 ) والعرب تضع \"من\" و \"ما\" كل واحدة موضع الأخرى، كقوله تعالى: \"فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين\"( النور -45 ) ، وطابَ أي: حلّ لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، معدولات عن اثنين، وثلاث، وأربع، ولذلك لا ينصرفنَ، والواو بمعنى أو، للتخيير، كقوله تعالى: \"أن تقوموا لله مثنى وفرادى\"( سبأ -46 ): \"أولى أجنحة مثنى وثلاث 77/ب ورباع\"( غافر -1 ) وهذا إجماع أن أحدًا من الأمة لا يجوز له أن يزيد على أربع نسوة، وكانت الزيادة من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، لا مشاركة معه لأحد من الأمة فيها، وروي أن قيس بن الحارث كان تحته ثمان نسوة فلما نزلت هذه الآية قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"طلق أربعا وأمسك أربعا\" قال فجعلت أقول للمرأة التي لم تلد يا فلانة أدبري والتي قد ولدت يا فلانة أقبلي (2) . وروي أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم\r__________\r(1) انظر في هذه الأقوال: الطبري: 7 / 534 - 539.\r(2) أخرجه أبو داود في الطلاق، باب فيمن أسلم وعنده نساء أكثر من أربعة أو اختان: 3 / 155 عن الحارث بن قيس الأسدي، وقال: وفي رواية : \" قيس بن الحارث\" وصوبه بعضهم، وابن ماجه في النكاح، باب الرجل يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة برقم (1952): 1 / 628، والبيهقي في السنن: 7 / 183 ، وابن أبي شيبة في المصنف: 4 / 317. قال المنذري: وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى: وقد ضعفه غير واحد من الأئمة، وقال أبو القاسم البغوي: ولا أعلم للحارث بن قيس حديثا غير هذا. وقال أبو عمر النمري - ابن عبد البر - : ليس له إلا حديث واحد، ولم يأت من وجه صحيح. انظر: مختصر سنن أبي داود: 3 / 156. ويشهد له الحديث الآتي بعده، وقد حسن الألباني هذا الحديث في إرواء الغليل: 6 / 295 - 296، وانظر: تحفة الطالب بمعرفة أحاديث مختصر ابن الحاجب لابن كثير ص 344 - 345.","part":2,"page":161},{"id":573,"text":"وعنده عشر نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: \"أمسك أربعا وفارق سائرهن\" (1) .\rوإذا جمع الحرُّ بين أربع نسوة حرائر يجوز، فأما العبد فلا يجوز له أن ينكح أكثر من امرأتين عند أكثر أهل العلم أخبرنا عبد الوهاب بن أحمد الخطيب، أنا عبد العزيز أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي، أنا سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن مولى أبي طلحة، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عتبة، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ينكح العبد امرأتين ويطلق طلقتين وتعتد الأمة بحيضتين، فإن لم تكن تحيض فبشهرين أو شهر ونصف\" (2) وقال ربيعة: يجوز للعبد أن ينكح أربع نسوة كالحر.\r{ فَإِنْ خِفْتُمْ } خشيتم، وقيل: علمتم، { أَلا تَعْدِلُوا } بين الأزواج الأربع، { فَوَاحِدَة } أي فانكحُوا واحدةً. وقرأ أبو جعفر { فَوَاحِدَةٌ } بالرفع، { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } يعني السراري لأنه لا يلزم فيهن من الحقوق ما يلزم في الحرائر، ولا قسم لهن، ولا وقف في عددهن، وذكر الأيمان بيان، تقديره: أو ما ملكتم، وقال بعض أهل المعاني: أو ما ملكت أيمانكم أي: ما ينفذ فيه إقسامكم، جعله من يمين الحلف، لا يمين الجارحة، { ذَلِكَ أَدْنَى } أقرب، { الآ تَعُوِلُوا } أي: لا تَجوُرَوا ولا تميلوا، يقال: ميزان عائل، أي: جائر مائل، هذا قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد: أن لا تضلوا، وقال الفراء: أن لا تجاوزوا ما فرض الله عليكم، وأصل العول: المجاوزة، ومنه عول الفرائض، وقال الشافعي رحمه الله: أن لا تكْثُر عيالكم، وما قاله أحد، إنما يقال من كثرة العيال : أعال يعيل إعالة، إذا كثر عياله. وقال أبو حاتم: كان الشافعي رضي الله عنه أعلم بلسان العرب منّا ولعله لغة، ويقال: هي لغة حمير، وقرأ طلحة بن مصرف { \" أن لا تعيلوا \" } وهي حجة لقول الشافعي رضوان الله عليه.\r{ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4) }\r{ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً } قال الكلبي ومجاهد: هذا الخطاب للأولياء، وذلك أن وليّ المرأة\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في النكاح، باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده عشر نسوة: 4 / 278، وقال: وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: هذا حديث غير محفوظ، والصحيح ما روى شعيب بن أبي حمزة وغيره عن الزهري وحمزة قال: حدثت عن محمد بن سويد الثقفي: أن غيلان . . . وأخرجه ابن ماجه في النكاح، باب الرجل يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة، برقم (1953): 1 / 628، ومالك في الموطأ بلاغا: 2 / 586 في الطلا، ، وابن حبان في كتاب النكاح، باب فيمن أسلم وتحته أكثر من عشر نسوة، برقم (1277) ص (310) من موارد الظمآن، والحاكم في المستدرك: 2 / 192 - 193، والبيهقي في السنن: 7 / 149 ، 181، وأحمد في المسند: 2 / 44. وانظر تلخيص الحبير: 3 / 168 - 169، تحفة الطالب لابن كثير ص 340 وما بعدها ، ومختصر المنذري، 3 / 156 - 157، ارواء الغليل للألباني: 6 / 291 - 295.\r(2) أخرجه الشافعي: 2 / 57 من ترتب المسند للإمام الشافعي، ومن طريقه البيهقي في سننه، وإسناده صحيح. والمصنف في شرح السنة: 9 / 60.","part":2,"page":162},{"id":574,"text":"كان إذا زوجها فإن كانت معهم في العشيرة لم يعطها من مهرها قليلا ولا كثيرًا، وإن كان زوجها غريبًا حملوها إليه على بعير ولم يعطوها من مهرها غير ذلك. فنهاهم الله عن ذلك وأمرهم أن يدفعوا الحق إلى أهله.\r[قال الحضرمي: كان أولياء النساء يُعطي هذا أُخته على أن يعطيه الآخرُ أُخته، ولا مهرَ بينهما، فنُهوا عن ذلك وأمروا بتسمية المهر في العقد. أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك عن نافع، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم \"نهى عن الشِّغَار\".\rوالشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوج الرجل الآخر ابنته، وليس بينهما صداق\" (1)\rوقال الآخرون: الخطاب للأزواج أمروا بإيتاء نسائهم الصداق، وهذا أصح، لأن الخطاب فيما قبل مع الناكحين، والصَّدُقَات: المهور، واحدها صدقة { نِحْلَة } قال قتادة: فريضةً، وقال ابن جريج: فريضة مسماة، قال أبو عبيدة: ولا تكون النحلة إلا مسماة معلومة، وقال الكلبي: عطية وهبة، وقال أبو عبيدة: عن طيب نفس] (2) ، وقال الزجاج: تدينا.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا الليث، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج\" (3) .\r{ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا } يعني: فإن طابت نفوسُهن بشيء من ذلك فوهبنً منكم، فنقل الفعل من النفوس إلى أصحابها فخرجت النفس مفسرا، فلذلك وحد النفس، كما قال الله تعالى: \"وضاق بهم ذرعا\"( هود -77 )( العنكبوت -33 ) \" وقَريّ عينا\"( مريم -26 ) وقيل: لفظها واحد ومعناها جمع، { فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا } سائغًا طيبًا، يقال هنأ في الطعام يهنأ بفتح النون في الماضي وكسرها في الباقي (4) ، وقيل: الهنأ: الطيب المساغ الذي لا ينغصه شيء، والمريء: المحمود العاقبة التام\r__________\r(1) أخرجه البخاري في النكاح باب الشغار: 9 / 162 ، ومسلم في النكاح، باب تحريم الشغار وبطلانه برقم (1415): 2 / 1034 ، والمصنف في شرح السنة: 9 / 97.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) أخرجه البخاري في الشروط، باب الشروط في المهر عند عقد النكاح: 5 / 323، وفي النكاح أيضا ، ومسلم في النكاح، باب الوفاء بالشروط في النكاح برقم (1418): 2 / 1035 - 1036، والمصنف في شرح السنة: 9 / 53.\r(4) في أ: (الغابر) .","part":2,"page":163},{"id":575,"text":"الهضم الذي لا يضر، قرأ أبو جعفر { هَنِيئًا مَرِيئًا } بتشديد الياء فيهما من غير همز، وكذلك \"بري\" ، \"وبريون\" ، \"وبريا\" \"وكهية\" والآخرون يهمزونها.\r{ وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا (5) }\rقوله تعالى: { وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا } اختلفوا في هؤلاء السفهاء فقال قوم: هم النساء، وقال الضحاك: النساء من أسفه السفهاء، وقال مجاهد: نهى الرجال أن يُؤتوا النساء أموالهم وهنّ سفهاء، مَنْ كُنّ، أزواجا أو بناتٍ أو أمهاتٍ، وقال آخرون: هم الأولاد، قال الزهري: يقول لا تعطِ ولدَك السفيه مالك الذي هو قيامك بعد الله تعالى فيفسده، وقال بعضهم: هم النساء والصبيان، وقال الحسن: هي امرأتك السفيهة وابنك السفيه، وقال ابن عباس: لا تعمد إلى مالك الذي خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو بنيك فيكونوا هم الذين يقومون عليك، ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك وأصلحه وكن أنت الذي تنفق عليهم في رزقهم ومَؤنتهم، قال الكلبي: إذا علم الرجل أنّ امرأته سفيهة مفسدة وأن ولده سفيه مفسد فلا ينبغي أن يسلط واحدًا منهما على ماله فيفسده. وقال سعيد بن جبير وعكرمة: هو مال اليتيم يكون عندك، يقول لا تؤته إيّاه وأنفق عليه حتى يبلغ، وإنّما أضاف إلى الأولياء فقال: { أَمْوَالَكُم } لأنهم قوامها ومدبروها.\rوالسفيه الذي لا يجوز لوليه أن يؤتيه ماله هو المستحق للحَجْرِ عليه، وهو أن يكون مبذرًا في ماله أو مفسدا في دينه، فقال جل ذكره: { وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ } أي: الجهال بموضع الحق أموالكم التي جعل الله لكم قياما.\rقرأ نافع وابن عامر { قِيَامًا } بلا ألف، وقرأ الآخرون { قِيَامًا } وأصله: قواما، فانقلبت الواو ياءً لانكسار ما قبلها، وهو ملاك الأمر وما يقوم به الأمر. وأراد هاهنا قِوام عيشكم الذي تعشيون به. قال الضحاك: به يقام الحج والجهاد وأعمال البِّر وبه فكاك الرقاب من النار.\r{ وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا } 78/أ أي: أطعموهم، { وَاكْسُوهُمْ } لمن يجب عليكم رزقه ومؤنته، وإنما قال { فِيهَا } يقل: منها، لأنه أراد: اجعلوا لهم فيها رزقا فإن الرزق من الله: العطيةُ من غير حدٍّ، ومن العباد أجراء (1) موقتٌ محدود. { وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا } عِدَة جميلة، وقال عطاء: إذا ربحتُ أعطيتُك وإن غنمتُ جعلتُ لك حظًا، وقيل: هو الدعاء، وقال ابن زيد: إن لم يكن ممن تجب عليكم نفقته، فقل له:\r__________\r(1) في ب (أجر).","part":2,"page":164},{"id":576,"text":"عافاك الله وإيّانا، بارك الله فيك، وقيل: قولا لينا تطيبُ به أنفسُهم.\r{ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6) }\rقوله تعالى: { وَابْتَلُوا الْيَتَامَى } الآية نزلت في ثابت بن رفاعة وفي عمه، وذلك أن رفاعة توفي وترك. ابنه ثابتا وهو صغير، فجاء عمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إن ابن أخي يتيم في حجري، فما يحل لي من ماله ومتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية (1) { وَابْتَلُوا الْيَتَامَى } اختبروهم في عقولهم وأديانهم وحفظهم أموالَهم، { حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ } أي: مبلغ الرجال والنساء، { فَإِنْ آنَسْتُم } أبصرتم، { مِنْهُمْ رُشْدًا } فقال المفسرون يعني: عقلا وصلاحًا في الدين وحفظًا للمال وعلمًا بما يصلحه. وقال سعيد بن جبير ومجاهد والشعبي : لا يدفع إليه ماله وإن كان شيخا حتى يؤنس منه رشده.\rوالابتلاء يختلف باختلاف أحوالهم فإن كان ممن يتصرف في السوق فيدفع الولي إليه شيئًا يسيرا من المال وينظر في تصرفه وإن كان ممن لا يتصرف في السوق فيتخبره في نفقة داره، والإنفاق على عبيده وأُجرائه، وتختبر المرأة في أمر بيتها وحفظ متاعها وغزلها واستغزالها، فإذا رأى حسن تدبيره، وتصرفه في الأمور مرارًا يغلب على القلب رشده، دفعَ المالَ إليه.\rواعلم أن الله تعالى علق زوال الحَجْرِ عن الصغير وجواز دفع المال إليه بشيئين : بالبلوغ والرَّشد، فالبلوغ يكون بأحد { أشياء أربعة } (2) ، اثنان يشترك فيهما الرجال والنساء، واثنان تختصان بالنساء:\rفما يشترك فيه الرجال والنساء أحدهما السن، والثاني الاحتلام، أما السن فإذا استكمل المولود خمس عشرة سنة حكم ببلوغه غلامًا كان أو جارية، لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي، أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: عُرضْتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم عام أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فردَّني، ثم عُرضتَ عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني (3) ، قال نافع:\r__________\r(1) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص (137) بدون إسناد. وانظر: الدر المنثور: 2 / 437، القرطبي: 5 / 34 ، وذكره ابن حجر بنحوه في الإصابة: 1 / 387 وقال: هذا مرسل رجاله ثقات.\r(2) في أ: (الأشياء الأربعة).\r(3) أخرجه البخاري في الشهادات، باب بلوغ الصبيان وشهادتهم : 5 / 276، ومسلم في الإمارة، باب بيان سن البلوغ برقم (1868): 3 / 1490.","part":2,"page":165},{"id":577,"text":"فحدثتُ بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز، فقال: هذا فرق بين المقاتلة والذريّة، وكتب أن يفرض لابن خمس عشرة سنة في المقاتلة، ومن لم يبلغها في الذرية. وهذا قول أكثر أهل العلم.\rوقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: بلوغ الجارية باستكمال سبع عشرة، وبلوغ الغلام باستكمال ثماني عشرة سنة.\rوأما الاحتلام فنعني به نزول المني سواء كان بالاحتلام أو بالجماع، أو غيرهما، فإذا وجدت ذلك بعد استكمال تسع سنين من أيهما كان حُكم ببلوغه، لقوله تعالى: { وَإِذَا بَلَغَ الأطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا } وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ في الجزية حين بعثه إلى اليمن: \"خُذْ من كل حالم دينارا\" (1) .\rوإما الإنبات، وهو نبات الشعر الخشن حول الفرج: فهو بلوغ في أولاد المشركين، لما روي عن عطية القرظي قال: كنت من سبي قريظة، فكانوا ينظرون فمن أنبت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم يقتل، فكنت ممن لم ينبت (2) .\rوهل يكون ذلك بلوغًا في أولاد المسلمين؟ فيه قولان، أحدهما: يكون بلوغًا كما في أولاد الكفار، والثاني: لا يكون بلوغا لأنه يمكن الوقوف على مواليد المسلمين بالرجوع إلى آبائهم، وفي الكفار لا يوقف على مواليدهم، ولا يقبل قول آبائهم فيه لكفرهم، فجعل الإنبات الذي هو أمارة البلوغ بلوغًا في حقهم.\rوأما ما يختص بالنساء: فالحيض والحَبَل، فإذا حاضت المرأة بعد استكمال تسع سنين يُحكم ببلوغها، وكذلك إذا ولدت يُحكم ببلوغها قبل الوضع بستة أشهر لأنها أقل مدة الحمل.\rوأما الرشد: فهو أن يكون مصلحًا في دينه وماله، فالصلاح في الدين هو أن يكون مجتنبًا عن الفواحش والمعاصي التي تسقط العدالة، والصلاح في المال هو أن لا يكون مبذرًا، والتبذير: هو أن ينفق ماله فيما لا يكون فيه محمدة دنيويّة ولا مثوبة أخرويّة، أو لا يُحسنُ التصرفَ فيها، فيغبن في البيوع فإذا بلغ الصبي وهو مفسد في دينه وغير مصلح لماله، دام الحجر عليه، ولا يدفع إليه ماله ولا ينفذ تصرفه.\rوعند أبي حنيفة رضي الله عنه إذا كان مصلحًا لماله زال الحجر عنه وإن كان مفسدا في دنيه، وإذا\r__________\r(1) قطعة من حديث أخرجه أبو داود في الزكاة، باب في زكاة السائمة : 2 / 195 ، والترمذي في الزكاة، باب ما جاء في زكاة البقر: 3 / 257، وقال: هذا حديث حسن. ثم قال: وروى بعضهم هذا الحديث عن سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق. . . وهذا أصح، وأخرجه النسائي في الزكاة، باب زكاة البقر: 5 / 26، والدارقطني: 2 / 102 ، والحاكم: 1 / 398 وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وأحمد في المسند: 5 / 230، 233، شرح السنة: 6 / 19، وانظر ما قاله ابن حجر في تلخيص الحبير: 4 / 122.\r(2) أخرجه أبو داود في الحدود، باب في الغلام يصيب الحد: 6 / 233، والترمذي في السير، باب ما جاء في الحلف: 5 / 208 وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في قطع السارق، باب القطع في السفر 8 / 92. وابن ماجه في الحدود، باب من لا يجب عليه الحد، برقم (2541): 2 / 849، والدارمي في السير، باب حد الصبي متى يقتل: 2 / 223، والإمام أحمد في المسند: 4 / 310، 5 / 312، وأخرجه ابن حبان، في موارد الظمآن، ص (360).","part":2,"page":166},{"id":578,"text":"كان مفسدا لماله قال: لا يدفع إليه المال حتى يبلغ خمسًا وعشرين سنة، غير أن تصرّفه يكون نافذًا قبله. والقرآن حجة لمن استدام الحجر عليه، لأن الله تعالى قال: { حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } أمر بدفع المال إليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد، والفاسق لا يكون رشيدًا وبعد بلوغه خمسًا وعشرين سنة، وهو مفسد لماله بالاتفاق غير رشيد، فوجب أن لا يجوز دفع المال إليه كما قبل بلوغ هذا السن.\rوإذا بلغ وأونس منه الرشد، زال الحجر عنه، ودفع إليه المال رجلا كان أو امرأة تزوج أو لم يتزوج.\rوعند مالك رحمه الله تعالى: إن كانت امرأة لا يدفع المال إليها ما لم تتزوج، فإذا تزوجت دفع إليها، ولكن لا ينفذ تصرفها إلا بإذن الزوج، ما لم تكبر وتُجرَّب.\rفإذا بلغ الصبي رشيدًا وزال الحجر عنه ثم عاد سفيهًا، نظر: فإن عاد مبذرًا لماله حجر عليه، وإن عاد مفسدًا في دينه فعلى وجهين: أحدهما: يعاد الحجر عليه كما يستدام الحجر عليه إذا بلغ بهذه الصفة، والثاني: لا يعاد لأن حكم الدوام أقوى من حكم الابتداء .\rوعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى: لا حجر على الحر العاقل البالغ بحال، والدليل على إثبات الحجر من اتفاق الصحابة رضي الله عنهم ما روي عن هشام بن عروة عن أبيه أن عبد الله بن جعفر ابتاع أرضا سبخة بستين ألف درهم، فقال علي: لآتين عثمان فلأحجرن عليك فأتى ابن جعفر الزبير فأعلمه بذلك [فقال الزبير: أنا شريكك في بيعتك، فأتى علي عثمان وقال : احجر على هذا] (1) ، فقال الزبير: أنا شريكه، فقال عثمان : كيف أحجر على رجل في بيع شريكه فيه الزبير (2) ، فكان ذلك اتفاقا منهم على جواز الحجر حتى احتال الزبير في دفعه.\rقوله تعالى: { وَلا تَأْكُلُوهَا } يا معشر الأولياء { إِسْرَافًا } بغير حق، { وَبِدَارًا } أي مبادرة { أَنْ يَكْبَرُوا } { أَن } في محل النصب، يعني: لا تبادروا كبرهم ورشدهم حذرًا من أن يبلغوا فيلزمكم تسليمها إليهم، ثم بين ما يحل لهم من مالهم فقال: { وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ } أي ليمتنع من مال اليتيم فلا يرزأه قليلا ولا كثيرًا، والعفة: الامتناع مما لا يحل { وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا } محتاجا إلى مال اليتيم وهو يحفظه ويتعهده فليأكل 78/ب بالمعروف.\rأخبرنا محمد بن الحسن المروزي، أخبرنا أبو سهل محمد بن عمر السجزي، أخبرنا الإمام أبو سليمان الخطابي، أخبرنا أبو بكر بن داسة التمار، أخبرنا أبو داؤد السجستاني، أخبرنا حميد بن مسعدة، أن خالد بن الحارث\r__________\r(1) ساقط من (ب).\r(2) أخرجه الشافعي في المسند: 2 / 160 - 161 (ترتيب المسند)، والبيهقي في السنن: 6 / 61، وصححه الألباني في الإرواء: 5 / 273.","part":2,"page":167},{"id":579,"text":"حدثهم أخبرنا حسين يعني المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني فقير وليس لي شيء ولي يتيمٌ؟ فقال: \"كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا متأثل\" (1) .\rواختلفوا في أنه هل يلزمه القضاء؟ فذهب بعضهم إلى أنه يقضي إذا أيسر، وهو المراد من قوله { فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ } فالمعروف القرض، أي: يستقرض من مال اليتيم إذا احتاج إليه، فإذا أيسر قضاه، وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني أنزلت نفسي من مال الله تعالى بمنزلة مال اليتيم: إن استغنيت استعففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرتُ قضيتُ (2) .\rوقال الشعبي: لا يأكله إلا أن يضطر إليه كما يضطر إلى الميتة.\rوقال قوم: لا قضاء عليه.\rثم اختلفوا في كيفية هذا الأكل بالمعروف، فقال عطاء وعكرمة: يأكل بأطراف أصابعه، ولا يسرف ولا يكتسي منه، ولا يلبس الكتان ولا الحُلل، ولكن ما سد الجوعة ووَارَى العورة.\rوقال الحسن وجماعة: يأكل من ثمر نخيله ولبن مواشيه بالمعروف ولا قضاء عليه، فأما الذهب والفضة فلا؛ فإن أخذ شيئا منه رده.\rوقال الكلبي: المعروف ركوب الدابة وخدمة الخادم، وليس له أن يأكل من ماله شيئا.\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، أنه قال سمعت القاسم بن محمد يقول: جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن لي يتيما وإن له إبلا أفأشرب من لبن إبله؟ فقال: إن كنت تبغي ضالة إبله وتَهْنَأ جرباها وتليطُ حوضها وتسقيها يوم وردها فاشرب غير مُضرٍ بنسلٍ ولا ناهكٍ في الحلْبِ (3) .\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في كتاب الوصايا، باب ما لولي اليتيم أن ينال من مال اليتيم: 4 / 151 - 152 ، والنسائي في الوصايا، باب ما للوصي من مال اليتيم إذا قام عليه: 6 / 256، وابن ماجه في الوصايا، باب قوله: ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف، برقم (2718): 2 / 907. والمصنف في شرح السنة: 8 / 305 . وزاد الحافظ ابن حجر نسبته لابن خزيمة وابن الجارود وابن أبي حاتم، وقال: إسناده قوي. انظر فتح الباري: 8 / 241.\r(2) أخرجه أبو يوسف في الخراج ص 39 ، 127، وقال ابن حجر: رواه ابن سعد وابن أبي شيبة والطبري، من رواية إسرائيل وسفيان كلاهما عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب قال . . . ورواه سعيد بن منصور عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن البراء قال: قال لي عمر . . . انظر : الكافي الشاف ص (39) .\r(3) أخرجه الطبري: 7 / 588، وعزاه ابن حجر لعبد الرزاق من رواية يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد، وقال أخرجه الطبري من طريقه والثعلبي والواحدي من وجه آخر عن القاسم، ورواه البغوي من طريق مالك عن يحيى بن سعيد عن القاسم، وهو في الموطأ. انظر: الكافي الشاف ص (39).","part":2,"page":168},{"id":580,"text":"وقال بعضهم: والمعروف أن يأخذ من جميع ماله بقدر قيامه وأجرة عمله، ولا قضاء عليه، وهو قول عائشة وجماعة من أهل العلم.\rقوله تعالى : { فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ } هذا أمر إرشاد، ليس بواجب، أمر الولي بالإشهاد على دفع المال إلى اليتيم بعدما بلغ لتزول عنه التهمة وتنقطع الخصومة، { وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا } محاسبا ومجازيا وشاهدا.","part":2,"page":169},{"id":581,"text":"{ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا (8) }\rقوله تعالى: { لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ } الآية، نزلت في أوس بن ثابت الأنصاري، توفي وترك امرأة يقال لها أم كُجّة وثلاث بنات له منها. فقام رجلان هما ابنا عم الميت ووَصِيّاه سويدٌ وعَرْفَجة، فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئا، وكانوا في الجاهلية لا يورِّثون النساء ولا الصغار، وإن كان الصغير ذكرًا وإنما كانوا يورِّثون الرجال، ويقولون: لا نعطي إلا من قاتل وحاز الغنيمة، فجاءت أم كُجّة فقالت: يا رسول الله إن أوس بن ثابت مات وترك عليّ بنات وأنا امرأته، وليس عندي ما أنفق عليهن، وقد ترك أبوهن مالا حسنًا، وهو عند سويد وعرفجة، ولم يعطياني ولا بناتي شيئا وهنَّ في حِجْري، لا يطعمن ولا يسقين، فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا يا رسول الله ولدها لا يركب فرسًا ولا يحمل كلا ولا يَنْكَأَ عدوًا، فأنزل الله عز وجل، { لِلرِّجَال } يعني: للذكور من أولاد الميت وأقربائه { نَصِيبٌ } حظ { مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ } من الميراث ، { وَلِلنِّسَاء } للإناث منهم، { نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ } أي: من المال، { أَوْ كَثُرَ } منه { نَصِيبًا مَفْرُوضًا } نصب على القطع، وقيل: جعل ذلك نصيبًا فأثبت لهنّ الميراث، ولم يبين كم هو، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سُويد وعرفجة لا تفرقا من مال أوس بن ثابت شيئًا، فإن الله تعالى جعل لبناته نصيبا مما ترك، ولم يبين كم هو حتى أنظر ما ينزل فيهن، فأنزل الله تعالى { يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ } فلما نزلت أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سويد وعرفجة \"أن ادفع إلى أم كُجّة الثُّمن مما رك وإلى بناته الثلثين، ولكما باقي المال (1) .\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 7 / 598 ، وذكره ابن حجر في الإصابة، في ترجمة أم كجه: 8 / 284، وقال: أخرجه أبو نعيم وأبو موسى من طريقه، ثم من رواية سفيان عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال. . . وقال: روايه عن سفيان هو إبراهيم بن هراسة : ضعيف. وقد خالفه بشر بن المفضل عن عبد الله بن محمد عن جابر، أخرجه أبو داود من طريقه. وقال: في الكافي الشاف ص (39): أورده الثعلبي ثم البغوي بغير سند، وقال الواحدي: قال المفسرون. . . وذكره وانظر: أسباب النزول للواحدي ص 137 - 138، الدر المنثور: 2 / 438 - 439.","part":2,"page":169},{"id":582,"text":"قوله تعالى: { وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ } يعني: قسمةَ المواريث، { أُولُو الْقُرْبَى } الذين لا يرثُون، { وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ } أي: فارضخوا لهم من المال قبل القسمة، { وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا }\rاختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال قوم: هي منسوخة، وقال سعيد بن المسيب والضحاك: كانت هذه قبل آية الميراث، فلما نزلت آية الميراث جعلت المواريث لأهلها، ونسخت هذه الآية.\rوقال الآخرون: هي محكمة، وهو قول ابن عباس والشعبي والنخعي والزهري، وقال مجاهد: هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم (1) .\rوقال الحسن: كانوا يعطون التابوت والأواني ورثَّ الثياب والمتاع والشيء الذي يستحيا من قسمته.\rوإن كان بعض الورثة طفلا فقد اختلفوا فيه، فقال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: إن كانت الورثة كبارًا رضخوا لهم، وإن كانت صغارًا اعتذروا إليهم، فيقول الولي والوصي: إني لا أملك هذا المال إنما هو للصغار، ولو كان لي منه شيء لأعطيتُكم، وإن يكبروا فسيعرفون حقوقك، هذا هو القول بالمعروف.\rوقال بعضهم: ذلك حق واجب في أموال الصغار والكبار، فإن كانوا كبارًا تولوا إعطاءهم، وإن كانوا صغارا أعطى وليهم. روى محمد بن سيرين أن عبيدة السلماني قسم أموال أيتام فأمر بشاة فذبحت فصنع طعاما لأهل هذه الآية، وقال: لولا هذه الآية لكان هذا من مالي.\rوقال قتادة عن يحيى بن يعمر: ثلاث آيات محكمات مدنيات تركهن الناس، هذه الآية وآية الاستئذان : { يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذي ملكت أيمانكم }( النور -58 ) الآية، وقوله تعالى { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى }( الحجرات -13 ) الآية.\rوقال بعضهم -وهو أولى الأقاويل -: إن هذا على الندب والاستحباب، لا على الحتم والإيجاب.\r{ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا (9) }\rقوله تعالى : { وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا } أولادًا صغارًا، خافوا عليهم،\r__________\r(1) انظر في تفصيل هذه الأقوال: تفسير الطبري: 8 / 7 وما بعدها.","part":2,"page":170},{"id":583,"text":"الفقر، هذا في الرجل يحضره الموت، فيقول من بحضرته: انظر لنفسك فإن أولادك وورثتك لا يغنون عنك شيئا، قدم لنفسك، أعتق وتصدق وأعط فلانا كذا وفلانا كذا، حتى يأتي على عامة ماله، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، وأمرهم أن يأمروه أن ينظر لولده ولا يزيد في وصيته على الثلث، ولا يُجحف بورثته كما لو كان هذا القائل هو الموصي يسره أن يحثه من بحضرته على حفظ ماله لولده، ولا يدعهم عالًة مع ضعفهم وعجزهم.\rوقال الكلبي: هذا الخطاب لولاة اليتامى يقول: من كان في حجره يتيم فليحسنْ إليه وليأت إليه في حقه ما يجب أن يفعل بذريته من بعده.\rقوله تعالى: { فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا } أي: عدلا والسديد: العدل، والصواب من القول، وهو أن يأمره بأن يتصدق 79/أ بما دون الثلث ويخلف الباقي لولده.\r{ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10) }\rقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا } قال مقاتل بن حيان: نزلت في رجل من بني غطفان، يقال له مَرْثَد بن زيد وَلِيَ مال ابن أخيه وهو يتيم صغير فأكله، فأنزل الله تعالى فيه { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا } (1) حرامًا بغير حق، { إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا } أخبر عن مآله، أي عاقبته تكون كذلك، { وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا } قراءة العامة بفتح الياء، أي: يدخلونها يقال: صَلي النار يصلاها صلا قال الله تعالى: \"إلا من هو صَالِ الجحيم\"( الصافات -163 )، وقرأ ابن عامر وأبو بكر بضم الياء، أي: يدخلون النار ويحرقون، نظيره قوله تعالى : \"فسوف نصليه نارًا\"( النساء -30 ) \"سأصليه سقر\"( المدثر -26 ) وفي الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"رأيت ليلة أسري بي قوما لهم مشافر كمشافر الإبل، إحداهما قالصة على منخريه والأخرى على بطنه، وخزنة النار يلقمونهم جمر جهنم وصخرها، فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما (2) .\r__________\r(1) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص (138) بدون إسناد، وانظر: تفسير القرطبي: 5 / 53.\r(2) أخرجه الطبري : 8 / 27 بأطول منه، وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة، وذكره ابن كثير في أول تفسير سورة الإسراء: 3 / 12 ، وعزاه السيوطي لابن أبي حاتم. انظر : الدر المنثور: 2 / 443. وفيه أبو هارون العبدي، وهو عمارة بن جوين - بجيم مصغرا - مشهور بكنيته: متروك، ومنهم من كذبه، شيعي من الرابعة. انظر: التقريب: 2 / 49. وذكره ابن هشام في السيرة: 1 / 250 مع الروض الأنف.","part":2,"page":171},{"id":584,"text":"{ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11) }\rقوله تعالى: { يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ } الآية، اعلم أن الوراثة كانت في الجاهلية بالذكورة والقوة فكانوا يُورِّثون الرجال دون النساء والصبيان، فأبطل الله ذلك بقوله: { لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ } الآية، وكانت أيضًا في الجاهلية وابتداء الإسلام بالمحالفة، قال الله تعالى: \"والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبَهم\"( النساء -33 ) ثم صارت الوراثة بالهجرة، قال الله تعالى \"والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من وَلايتهم من شيء حتى يهاجروا\"( الأنفال -72 ) فنسخ ذلك كله وصارت الوراثة بأحد الأمور الثلاثة بالنسب أو النكاح أو الولاء، فالمعنيُّ بالنسب أن القرابة يرث بعضهم من بعض، لقوله تعالى \"وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله\"( الأحزاب -6 ) ، والمعنيُّ بالنكاح: أن أحد الزوجين يرث صاحبه، وبالولاء: أن المُعْتِقَ وعصباته يرثون المُعْتَقَ، فنذكر بعون الله تعالى فصلا وجيزا في بيان من يرث من الأقارب. وكيفية توريث الورثة فنقول:\rإذا مات ميت وله مال فيبُدأ بتجهيزه ثم بقضاء ديونه ثم بإنفاذ وصاياه فما فضل يقسم بين الورثة.( ثم الورثة ) (1) على ثلاثة أقسام: منهم من يرث بالفرض ومنهم من يرث بالتعصيب، ومنهم من يرث بهما جميعا، فمن يرث بالنكاح لا يرث إلا بالفرض، ومن يرث بالولاء لا يرث إلا بالتعصيب، أما من يرث بالقرابة فمنهم من يرث بالفرض كالبنات والأخوات والأمهات والجدات، وأولاد الأم، ومنهم من يرث بالتعصيب كالبنين والأخوة وبني الأخوة والأعمام وبنيهم، ومنهم من يرث بهما كالأب يرث بالتعصيب إذا لم يكن للميت ولد، فإن كان للميت ابن: يرث الأب بالفرض السدس، وإن كان للميت بنت فيرث الأب السدس بالفرض ويأخذ الباقي بعد نصيب البنت بالتعصيب، وكذلك الجد، وصاحب التعصيب من يأخذ جميع المال عند الانفراد ويأخذ ما فضل عن أصحاب الفرائض.\rوجملة الورثة سبعة عشر: عشرة من الرجال وسبع من النساء، فمن الرجال: الابن وابن الابن وإن\r__________\r(1) زيادة من: (ب).","part":2,"page":172},{"id":585,"text":"سفل والأب والجد أبو الأب وإن علا والأخ سواء كان لأب وأم أو لأب أو لأم، وابن الأخ للأب والأم أو للأب وإن سفل والعم للأب والأم أو للأب وأبناؤهما وإن سفلوا، والزوج ومولى العتاق، ومن النساء البنت وبنت الابن وإن سفلت، والأم والجدة أم الأم وأم الأب، والأخت سواء كانت لأب وأم أو لأب أو لأم، والزوجة ومولاة العتاق.\rوستة من هؤلاء لا يلحقهم حجب الحرمان بالغير : الأبوان والولدان، والزوجان، لأنه ليس بينهم وبين الميت واسطة.\rوالأسباب التي توجب حرمان الميراث أربعة: اختلاف الدين والرق والقتل وعمي الموت.\rونعني باختلاف الدين أن الكافر لا يرث المسلم والمسلم لا يرث الكافر، لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أنا ابن عيينة عن الزهري عن علي بن حسين عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم\" (1) .\rفأما الكفار فيرث بعضهم من بعض مع اختلاف مللهم، لأن الكفر كله ملة واحدة، لقوله تعالى: \"والذين كفروا بعضهم أولياء بعض\"( الأنفال -73 ).\rوذهب بعضهم إلى أن اختلاف الملل في الكفر يمنع التوارث حتى لا يرث اليهودي النصراني ولا النصراني المجوسي، وإليه ذهب الزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق لقول النبي صلى الله عليه وسلم : \"لا يتوارث أهل ملتين شتى\" (2) ، وتأَوَّله الآخرون على الإسلام مع الكفر فكله ملة واحدة فتوريث بعضهم من بعض لا يكون فيه إثبات التوارث بين أهل ملتين شتى.\rوالرقيق لا يرث أحدًا ولا يرثه أحد لأنه لا ملك له، ولا فرق فيه بين القن والمدبَّر والمكاتَب وأمّ الولد.\rوالقتل يمنع الميراث عمدًا كان أو خطأ لما رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الفرائض باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم: 12 / 50، ومسلم في الفرائض برقم (1614) : 3 / 1233، والمصنف في شرح السنة: 8 / 368.\r(2) أخرجه أبو داود في الفرائض، باب هل يرث المسلم الكافر: 4 / 181، والترمذي في الفرائض، باب ما جاء في إبطال الميراث بين المسلم والكافر: 6 / 289 وقال: إن هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث جابر إلا من حديث ابن أبي ليلى، وابن ماجه في الفرائض، باب ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك برقم (2731): 2 / 911 ، والدارقطني في الفرائض ، 4 / 75 ، والدارمي في الفرائض، باب ميراث أهل الشرك من أهل الإسلام، عن عمر بلفظ: لا يتوارث أهل ملتين، وبلفظ : لا يتوارث ملتان شتى: 2 / 369 - 370 . وصححه الحاكم: 2 / 240، ووافقه الذهبي، وعزاه ابن حجر أيضا للنسائي وابن السكن (تلخيص الحبير: 3 / 84). والبيهقي: 6 / 218، وسعيد بن منصور في السنن، باب الفرائض عن أسامة وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وعن عمر بن الخطاب : 1 / 65 - 66 ، والإمام أحمد: 2 / 195 عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والمصنف في شرح السنة: 8 / 365.","part":2,"page":173},{"id":586,"text":"قال: \"القاتل لا يرث\" (1) .\rونعني بعمي الموت أن المتوارثَين إذا عمي موتهما بأن غرقا في ماء أو انهدم عليهما بناء فلم يدر أيهما سبق موته فلا يورَّث أحدهما من الآخر، بل ميراث كل واحد منهما لمن كانت حياته يقينا بعد موته من ورثته.\rوالسهام المحدودة في الفرائض ستة: النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس.\rفالنصف فرض ثلاثة: فرض الزوج عند عدم الولد وفرض البنت الواحدة للصلب أو بنت الابن عند عدم ولد الصلب، وفرض الأخت الواحدة للأب والأم أو للأب إذا لم يكن ولد لأب وأم.\rوالربع فرض الزوج إذا كان للميتة ولد وفرض الزوجة إذا لم يكن للميت ولد.\rوالثمن: فرض الزوجة إذا كان للميت ولد.\rوالثلثان فرض البنتين للصلب فصاعدا ولبنتي الابن فصاعدا عند عدم ولد الصلب، وفرض الأختين لأب وأم أو للأب فصاعدا.\rوالثلث فرض ثلاثة: فرض الأم إذا لم يكن للميت ولد ولا اثنان من الأخوات والأخوة، إلا في مسألتين: إحداهما زوج وأبوان، والثانية زوجة وأبوان، فإن للأم فيهما ثلث ما بقي بعد نصيب الزوج أو الزوجة، وفرض الاثنين فصاعدا من أولاد الأم، ذكَرُهم وأنثاهم فيه سواء، وفرض الجد مع الإخوة إذ لم يكن في المسألة صاحب فرض، وكان الثلث خيرا للجد من المقاسمة مع الإخوة.\rوأما السدس ففرض سبعة: فرض الأب إذا كان للميت ولد، وفرض الأم إذا كان للميت ولد أو اثنان من الإخوة والأخوات، وفرض الجد إذا كان للميت ولد ومع الإخوة والأخوات إذا كان في المسألة صاحب فرض، وكان السدس خيرًا للجد من المقاسمة مع الإخوة، وفرض الجدة والجدات وفرض الواحد من أولاد الأم ذكرًا أو أنثى، وفرض بنات الابن إذا كان للميت بنت واحدة للصلب تكملة 79/ب الثلثين، وفرض الأخوات للأب إذا كان للميت أخت واحدة لأب وأم تكملة الثلثين.\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الفرائض، باب ما جاء في إبطال ميراث القاتل: 6 / 290. وقال هذا حديث لا يصح، لا يعرف هذا إلا من هذا الوجه، وإسحاق بن أبي فروة قد تركه بعضهم، والعمل عند أهل العلم أن القاتل لا يرث. وأخرجه النسائي في الكبرى، وابن ماجه في الديات، باب القاتل لا يرث برقم (2645): 2 / 883، كلهم عن الليث عن إسحاق عن أبي فروة عن الزهري عن حميد عن أبي هريرة. قال: الزركشي: ورواه أبو داود والنسائي من جهة إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: لا يرث القاتل شيئا. وأخرجه ابن أبي عاصم في الديات ص 108 ورواية إسماعيل عن أهل الحجاز ضعيفة، انظر: المعتبر في تخريج أحاديث المنهج والمختصر للزركشي ص (168)، تلخيص الحبير: 3 / 84 - 85. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 8 / 367، وضعفه.","part":2,"page":174},{"id":587,"text":"أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا مسلم بن إبراهيم، أنا وهيب أنا ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأوْلَى رجِلِ ذكر\" (1) .\rوفي الحديث دليل على أن بعض الورثة يحجب البعض، والحجب نوعان حجب نقصان وحجب حرمان:\rفأما حجب النقصان فهو أن الولد وولد الابن يحجب الزوج من النصف إلى الربع والزوجة من الربع إلى الثمن، والأم من الثلث إلى السدس، وكذلك الاثنان فصاعدا من الإخوة يحجبون الأم من الثلث إلى السدس.\rوحجب الحرمان هو أن الأم تُسقط الجدات، وأولاد الأم -وهم الأخوة والأخوات للأم -يسقطون بأربعة: بالأب والجد وإن علا وبالولد وولد الابن وإن سفل، وأولاد الأب والأم يسقطون بثلاثة بالأب والابن وابن الابن وإن سفلوا، ولا يسقطون بالجد على مذهب زيد بن ثابت، وهو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم، وبه قال مالك والشافعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق رحمهم الله.\rوأولاد الأب يسقطون بهؤلاء الثلاثة وبالأخ للأب والأم، وذهب قوم إلى أن الأخوة جميعًا يسقطون بالجد كما يسقطون بالأب، وهو قول أبي بكر الصديق وابن عابس ومعاذ وأبي الدرداء وعائشة رضي الله عنهم، وبه قال الحسن وعطاء وطاوس وأبو حنيفة رحمهم الله.\rوأقرب العصبات يُسقط الأبعد من العصوبة، وأقربهم الابن ثم ابن الابن وإن سفل، ثم الأب ثم الجد أبو الأب وإن علا فإن كان مع الجد أحد من الإخوة أو الأخوات للأب والأم أو للأب فيشتركان في الميراث، فإن لم يكن جد فالأخ للأب والأم ثم الأخ للأب ثم بنو الإخوة يقدم أقربهم سواء كان لأب وأم أو لأب، فإن استويا في الدرجة فالذي هو لأب وأم أولى ثم العم للأب والأم ثم العم للأب ثم بنوهم على ترتيب بني الإخوة، ثم عم الأب ثم عم الجد على هذا الترتيب.\rفإن لم يكن أحد من عصبات النسب وعلى الميت ولاء فالميراث للمعتق، فإن لم يكن حيًا فلعصبات المعتق.\rوأربعة من الذكور يعصبون الإناث، الابن وابن الابن والأخ للأب والأم والأخ للأب، حتى لو مات عن ابن وبنت أو عن أخ وأخت لأب وأم أو لأب فإنه يكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، ولا يفرض\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الفرائض، باب ميراث الولد من أبيه وأمه: 12 / 11 ، ومسلم في الفرائض، باب: ألحقوا الفرائض بأهلها، برقم (1615): 3 / 1233، والمصنف في شرح السنة: 8 / 326.","part":2,"page":175},{"id":588,"text":"للبنت والأخت.\rوكذلك ابن الابن يعصب من في درجته من الإناث، ومن فوقه إذا لم يأخذ من الثلثين شيئا حتى لو مات عن بنتين وبنت ابن فللبنتين الثلثان ولا شيء لبنت الابن، فإن كان في درجتها ابن ابن أو أسفل منها ابن ابن ابن كان الباقي بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين.\rوالأخت للأب والأم وللأب تكون عصبة مع البنت حتى لو مات عن بنت وأخت كان النصف للبنت والباقي للأخت، فلو مات عن بنتين وأخت فللبنتين الثلثان والباقي للأخت.\rوالدليل عليه ما أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا آدم، أنا شعبة، أنا أبو قيس، قال: سمعت هذيل بن شرحبيل قال: سئل أبو موسى عن ابنة وبنت ابن وأخت فقال: للبنت النصف وللأخت النصف، وائتِ ابنَ مسعود فسيتابعني فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين أقضي فيها بما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم: للبنت النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين وما بقي فللأخت، فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود رضي الله عنه، فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحَبر فيكم (1) .\rرجعنا إلى تفسير الآية: واختلفوا في سبب نزولها. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أبو الوليد، أنا شعبة عن محمد بن المنكدر: سمعت جابرًا يقول جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا مريض لا أعقل فتوضأ وصبَّ علي من وضَوئه فعقلت، فقلت: يا رسول الله لِمَنِ الميراث إنما يرثني كلالة؟ فنزلت آية الفرائض (2) .\rوقال مقاتل والكلبي: نزلت في أم كُجّة امرأة أوس بن ثابت وبناته (3) .\rوقال عطاء: استشهد سعد بن الربيع النقيب يوم أُحد وترك امرأة وبنتين وأخًا، فأخذ الأخ المال فأتت امرأة سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنتي سعد [فقالت: يا رسول الله إن هاتين ابنتا سعد وإنّ سعد] (4) قُتل يوم أحد شهيدًا، وإن عمهما أخذ مالهما ولا تنكحان إلا ولهما مال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ارجعي فلعل الله سيقضي في ذلك\"، فنزل { يُوصِيكُمُ اللَّهُ } إلى آخرها، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمَّهما فقال له: \"أعط ابنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فهو لك\" (5) ، فهذا أول ميراث قسم في الإسلام.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الفرائض، باب ميراث ابنة ابن مع ابنة: 12 / 17. والمصنف في شرح السنة: 8 / 333.\r(2) أخرجه البخاري في التفسير، تفسير سورة النساء، باب \"يوصيكم الله في أولادكم\" 8 / 243 ، ومسلم في الفرائض، باب ميراث الكلالة برقم (1616): 3 / 1234.\r(3) انظر أسباب النزول للواحدي ص (137 - 138).\r(4) ساقط من: (أ) .\r(5) أخرجه أبو داود في الفرائض، باب ما جاء في الصلب: 4 / 166 - 167، والترمذي في الفرائض، باب ما جاء في ميراث البنات: 6 / 267 - 268 وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه في الفرائض، باب فرائض الصلب، برقم (2720): 2 / 908) والحاكم في المستدرك: 4 / 334 وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وأخرجه الواحدي بسنده عن جابر، في أسباب النزول ص (139).","part":2,"page":176},{"id":589,"text":"قوله عز وجل: { يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ } أي: يعهد إليكم ويفرض عليكم في أولادكم، أي: في أمر أولادكم إذا متم، للذكر مثل حظ الأنثيين. { فَإِنْ كُنَّ } يعني: المتروكات من الأولاد، { نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ } أي: ابنتين فصاعدًا { فَوْق } صلة، كقوله تعالى: \"فاضربوا فوق الأعناق\"( الأنفال -12 )، { فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ } يعني: البنت، { وَاحِدَة } قراءة العامة بالنصب على خبر كان، ورفعها أهل المدينة على معنى: إن وقعت واحدة، { فَلَهَا النِّصْفُ وَلأبَوَيْهِ } يعني لأبوي الميت، كناية عن غير مذكور، { لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ } أراد أن الأب والأم يكون لكل واحد منهما سدس الميراث عند وجود الولد أو ولد الابن، والأب يكون صاحب فرض { فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأمِّهِ الثُّلُثُ } قرأ حمزة والكسائي { فَلأمِّه } بكسر الهمزة استثقلالا للضمة بعد الكسرة، وقرأ الآخرون بالضم على الأصل { فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ } اثنان أو أكثر ذكورًا أو إناثًا { فَلأمِّهِ السُّدُسُ } والباقي يكون للأب إن كان معها أب، والإخوة لا ميراث لهم مع الأب، ولكنهم يحجبون الأم من الثلث إلى السدس.\rوقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا يحجب الإخوة الأم من الثلث إلى السدس إلا أن يكونوا ثلاثة، وقد تفرد به، وقال: لأن الله تعالى قال: { فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأمِّهِ السُّدُسُ } ولا يقال للاثنين إخوة، فنقول اسم الجمع قد يقع على التثنية لأن الجمع ضم شيء إلى شيء وهو موجود في الاثنين كما قال الله تعالى: \"فقد صغت قلوبكما\"( التحريم -4 ) ذكر القلب بلفظ الجمع، وأضافه إلى الاثنين 80/أ\rقوله تعالى: { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر { يُوصِي } بفتح الصاد على ما لم يُسَمَّ فاعلُه، وكذلك الثانية، ووافق حفص في الثانية، وقرأ الآخرون بكسر الصاد لأنه جرى ذكْرُ الميت من قبل، بدليل قوله تعالى: { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا } و{ تُوصُون }\rقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه \"إنكم تقرؤون الوصية قبل الدين، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدَّين قبل الوصية\" (1) . وهذا إجماع أن الدين مُقدّم على الوصية. ومعنى الآية الجمع لا الترتيب، وبيان أن\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الوصايا، باب ما جاء يبدأ بالدين قبل الوصية: 6 / 314 - 315 . وابن ماجه في الوصايا، باب الدين قبل الوصية برقم (1715): 2 / 906، وأبو داود الطيالسي في مسنده ص (25)، وأحمد في المسند: 1 / 131 عن علي، والحاكم في المستدرك: 4 / 336، والبيهقي في السنن: 6 / 267، وفيه الحارث الأعور، وهو ضعيف، وأخرج الحارث بن أبي أسامة في مسنده عن ابن عمر: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدين قبل الوصية وأن لا وصية لوارث\" : نصب الراية: 4 / 405. قال: ابن كثير: 1 / 460 \"رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وأصحاب التفاسير من حديث ابن إسحاق عن الحارث بن عبد الله الأعور عن علي بن أبي طالب، قال:... ثم قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث الحارث، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم. قلت - ابن كثير : لكن كان حافظا للفرائض معتنيا بها وبالحساب، فالله أعلم\". وقال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير: 3 / 95 \" والحارث وإن كان ضعيفا، فإن الإجماع منعقد على وفق ما روى\". وقد حسن الألباني الحديث في الارواء: 6 / 107، وانظر أيضا تفسير الطبري بتعليق الشيخ شاكر: 8 / 46 - 47 .","part":2,"page":177},{"id":590,"text":"الميراث مؤخر عن الدين والوصية جميعًا، معناه: من بعد وصية إن كانت، أو دين إن كان، فالإرث مؤخر عن كل واحد منهما.\r{ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ } يعني: الذين يرثونكم آباؤكم وأبناؤكم، { لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا } أي: لا تعلمون أنهم أنفع لكم في الدين والدنيا فمنكم من يظن أن الأب أنفع له، فيكون الابن أنفع له، ومنكم من يظن أن الابن أنفع له فيكون الأب أنفع له، وأنا العالم بمن هو أنفع لكم، وقد دبَّرت أمركم على ما فيه المصلحة فاتبعوه، وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أطوعكم لله عز وجل من الآباء والأبناء أرفعكم درجة يوم القيامة، والله تعالى يُشَفَّع المؤمنين بعضهم في بعض، فإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة رفع إليه ولده وإن كان الولد أرفع درجة رفع إليه والده لتقر بذلك أعينهم، { فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ } أي: ما قدر من المواريث، { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا } بأمور العباد، { حَكِيمًا } بنصب الأحكام.","part":2,"page":178},{"id":591,"text":"{ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12) }\rقوله تعالى: { وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ } وهذا في ميراث الأزواج، { وَلَهُنَّ الرُّبُعُ } يعني: للزوجات الربع، { مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ } هذا في ميراث الزوجات وإذا كان للرجل أربع نسوة فهن يشتركن في الربع والثمن.\rقوله تعالى : { وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ } تُورث كلالة، ونظم الآية: وإن كان رجل أو","part":2,"page":178},{"id":592,"text":"امرأة يُورث كلالة وهو نصب على المصدر، وقيل: على خبر ما لم يُسَمّ فاعلُه، وتقديره: إن كان رجل يورث ماله كلالة.\rواختلفوا في الكلالة فذهب أكثر الصحابة إلى أن الكلالة من لا وَلَدَ له ولا والِدَ له. وروي عن الشعبي قال: سئل أبو بكر رضي الله عنه عن الكلالة فقال: إني سأقول فيها قولا برأيي فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، أراه ما خلا الوالد والولد، فلما استخلف عمر رضي الله عنهما قال: إني لأستحيي من الله أن أرد شيئا قاله أبو بكر رضي الله عنه (1) .\rوذهب طاوس إلى أن الكلالة من لا ولد له، وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأحد القولين عن عمر رضي الله عنه (2) ، واحتج من ذهب إلى هذا بقول الله تعالى: { قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ } وبيانه عند العامة مأخوذٌ من حديث جابر بن عبد الله، لأن الآية نزلت فيه ولم يكن له يوم نزولها أب ولا ابن، لأن أباه عبد الله بن حرام قتل يوم أُحد، وآية الكلالة نزلت في آخر عمر النبي صلى الله عليه وسلم، فصار شأن جابر بيانًا لمراد الآية لنزولها فيه.\rواختلفوا في أن الكلالة اسم لمن؟ منهم من قال: اسم للميت، وهو قول علي وابن مسعود رضي الله عنهما، لأنه مات عن ذهاب طرفيه، فَكَلَّ عمود نَسَبِه، ومنهم من قال: اسم للورثة، وهو قول سعيد بن جبير، لأنهم يتكللون الميت من جوانبه، وليس في عمود نسبه أَحدٌ، كالإكليل يحيط بالرأس ووسط الرأس منه خالٍ، وعليه يدل حديث جابر رضي الله عنه حيث قال: إنما يرثني كلالة، أي: يرثني ورثة ليسوا بولدٍ ولا والدٍ،.\rوقال النضر بن شميل: الكلالة اسم للمال، وقال أبو الخير: سأل رجل عقبة عن الكلالة فقال: ألا تعجبون من هذا يسألني عن الكلالة، وما أعضل بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما أعضلت بهم الكلالة.\rوقال عمر رضي الله عنه \"ثلاث لأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بيَّنهن لنا أحب إلينا من الدنيا وما فيها: الكلالة والخلافة وأبواب الرّبا\" (3) .\rوقال معدان بن أبي طلحة: خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: إني لا أدع بعدي شيئا أهم عندي من الكلالة، ما راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما راجعُته في الكلالة، وما أغلظ لي في\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 8 / 54، والبيهقي في السنن: 6 / 223 - 224، وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وعبد الرزاق وابن المنذر. انظر الكافي الشاف ص (40).\r(2) انظر: تفسير الطبري: 8 / 57 - 59.\r(3) أخرجه الحاكم في المستدرك: 2 / 303 وصححه على شرط الشيخين، وفيه محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة. قال: الذهبي: بل ما خرجا لمحمد شيئا ولا أدرك عمر. وأخرجه أيضا عن عمرو بن مرة عن مرة عن عمر: 2 / 304 وقال: صحيح على شرط الشيخين. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف: 10 / 302، والبيهقي في السنن: 6 / 225. وانظر كنز العمال: 11 / 78.","part":2,"page":179},{"id":593,"text":"شيء ما أغلظ لي في الكلالة، حتى طعن بأصبعه في صدري قال: \"يا عمر ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء\" وإني إن أعشْ أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن (1) .\rوقوله ألا تكفيكَ آية الصيف؟ أراد: أن الله عز وجل أنزل في الكلالة آيتين إحداهما في الشتاء وهي التي في أول سورة النساء والأخرى في الصيف، وهي التي في آخرها، وفيها من البيان ما ليس في آية الشتاء، فلذلك أحاله عليها.\rقوله تعالى: { وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ } أراد به الأخ والأخت من الأم بالاتفاق، قرأ سعد بن أبي وقاص \"وله أخ أو أخت من أم\" ولم يقلْ لهما مع ذكر الرجل والمرأة من قبل، على عادة العرب إذا ذكرت اسمين ثم أخبرت عنهما، وكانا في الحكم سواء ربّما أضافت إلى أحدهما، وربّما أضافت إليهما، كقوله تعالى: \"واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة\"( البقرة -153 )، { فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ } فيه إجماع أن أولاد الأم إذا كانوا اثنين فصاعدا يشتركون في الثلث ذكَرُهم وأنثاهم، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خطبته: ألا إن الآية التي أنزل الله تعالى في أول سورة النساء في شأن الفرائض أنزلها في الولد والوالد. والآية الثانية في الزوج والزوجة والإخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء في الإخوة والأخوات من الأب والأم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ } أي: غير مُدخل الضرَرَ على الورثة بمجاوزته الثلث في الوصية، قال الحسن هو أن يوصي بدين ليس عليه، { وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ } قال قتادة: كره الله الضِّرار في الحياة وعند الموت، ونهى عنه وقدم فيه.\r{ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14) }\r{ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ } يعني: ما ذكر من الفروض المحدودة، { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }\r{ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ } 80/ب قرأ أهل\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الفرائض، باب ميراث الكلالة برقم (1617): 3 / 1236.","part":2,"page":180},{"id":594,"text":"المدينة وابن عامر \"نُدخله جنات، ونُدخله نارا\"، وفي سورة الفتح { ندخله } و { نعذبه } وفي سورة التغابن { نكفر } و { ندخله } وفي سورة الطلاق { ندخله } بالنون فيهن، وقرأ الآخرون بالياء.","part":2,"page":181},{"id":595,"text":"{ وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا (15) }\rقوله عز وجل: { وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ } يعني: الزنا، { مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ } يعني: من المسلمين، وهذا خطاب للحكام، أي: فاطلبوا عليهن أربعة من الشهود، وفيه بيان أن الزنا لا يثبت إلا بأربعة من الشهود. { فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ } فاحبسوهن، { فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا } وهذا كان في أول الإسلام قبل نزول الحدود، كانت المرأة إذا زنت حُبست في البيت حتى تموت، ثم نسخ ذلك في حق البكر بالجلد والتغريب، وفي حق الثيب بالجلد والرجم.\rأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أخبرنا الشافعي رضي الله عنه أخبرنا عبد الوهاب عن يونس عن الحسن عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"خُذوا عنّي خُذوا عنّي: قد جعل الله لهُنّ سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم\" (1) ، قال الشافعي رضي الله عنه: وقد حدثني الثقة أن الحسن كان يدخل بينه وبين عبادة حطَّانَ الرَّقاشي، ولا أدري أدخله عبد الوهاب بينهما فنزل عن كتابي أم لا.\rقال شيخنا الإمام: الحديث صحيح رواه مسلم بن الحجاج عن محمد بن المثنى عن عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن حطان بن عبد الله عن عبادة (2) ، ثم نُسخ الجلد في حق الثيب وبقي الرجم عند أكثر أهل العلم.\rوذهب طائفة إلى أنه يجمع بينهما. روي عن علي رضي الله عنه: أنه جَلَدَ شُرَاحَة الهَمْدانية يوم\r__________\r(1) أخرجه الشافعي في المسند: 2 / 77 (ترتيب المسند) وجاءت فيه العبارة الأخيرة هكذا: \" ولا أدري أدخله عبد الوهاب بينهما - فترك من كتابي حين حولت - وهو في الأصل أو لا؟ والأصل يوم كتبت هذا الكتاب غائب عني\". والمصنف في شرح السنة: 10 / 276.\r(2) أخرجه مسلم في الحدود، باب حد الزنا برقم (1690): 3 / 1316 .","part":2,"page":181},{"id":596,"text":"الخميس مائة ثم رجمها يوم الجمعة، وقال: \"جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم\" (1) .\rوعامة العلماء على أن الثيب لا يجلد مع الرجم لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا والغامدية ولم يجلدهما.\rوعند أبي حنيفة رضي الله عنه: التغريب أيضًا منسوخ في حق البكر. وأكثر أهل العلم على أنه ثابت، روى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ضَرَبَ وغَرّبَ، وأن أبا بكر رضي الله عنه ضَرَبَ وغَرَّبَ، وأن عمر رضي الله عنه ضَرَبَ وغَرَّبَ (2) .\rواختلفوا في أن الإمساك في البيت كان حدًا فنسخ أم كان حبسًا ليظهر الحد؟ على قولين.\r{ وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (16) }\rقوله تعالى: { وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُم } يعني: الرجل والمرأة، والهاء راجعة إلى الفاحشة، قرأ ابن كثير \"اللذان، واللذين، وهاتان، وهذان\" مشددة النون للتأكيد، ووافقه أهل البصرة في { فذانك } والآخرون بالتخفيف، قال أبو عبيد: خص أبو عمرو { فذانك } بالتشديد لقلة الحروف في الاسم { فَآذُوهُمَا } قال عطاء وقتادة: فعيروهما باللسان: أَمَا خِفْتَ الله؟ أما استحييت من الله حيث زنيت؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما: سُبُّوهما واشتموهما، قال ابن عباس: هو باللسان واليد يُؤذى بالتعيير وضرب النعال.\rفإن قيل: ذكر الحبس في الآية الأولى وذكر في هذه الآية الإيذاء، فكيف وجه الجمع؟. قيل: الآية الأولى في النساء وهذه في الرجال، وهو قول مجاهد، وقيل: الآية الأولى في الثيب وهذه في البكر.\r{ فَإِنْ تَابَا } من الفاحشة { وَأَصْلَحَا } العمل فيما بعد، { فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا } فلا تُؤْذُوهما، { إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا }\rوهذا كله كان قبل نزول الحدود، فنُسخت بالجلد والرجم، فالجلد في القرآن قال الله تعالى: \"الزانيةُ والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائةَ جلدة\"( النور -2 ) والرجم في السنة. أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد السرخسي، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة وزيد بن\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الحدود، باب رجم المحصن: 12 / 117.\r(2) أخرجه الترمذي في الحدود، باب ما جاء في النفي: 4 / 711 - 712 وقال: حديث غريب، وأخرجه الحاكم: 4 / 369 وصححه على شرط الشيخين ، والبيهقي في السنن: 8 / 223، وصححه الألباني في الارواء: 8 / 11، وانظر: نصب الراية : 3 / 331.","part":2,"page":182},{"id":597,"text":"خالد الجهني رضي الله عنهما أنهما أخبراه أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما: اقض يا رسول الله بيننا بكتاب الله، وقال الآخر وكان أفقههما: أجل يا رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي أن أتكلم، قال : تكلم، قال: إن ابني كان عسيفًا على هذا، فزنى بامرأته فأخبروني أن على ابني الرجم، فافتديتُ منه بمائة شاة وبجارية لي، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب سنة، وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أما والذي نفسي بيده لأقضيَنَّ بينكما بكتاب الله، أما غنمُك وجاريَتك فرَدٌّ عليك، وجلد ابنه مائة وغرَّبَه عاما، وأمر أُنيس الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها\" فاعترفت، فرجمها (1) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثني إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب عن عبيد بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس قال: قال عمر رضي الله عنه \"أن الله تعالى بعث محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله تعالى آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله تعالى، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى، والرجم في كتاب الله تعالى حقُّ على من زنى إذا أُحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف\" (2) .\rوجملة حد الزنا: أن الزاني إذا كان محصنا -وهو الذي اجتمع فيه أربعة أوصاف: العقل والبلوغ والحرية والإصابة بالنكاح الصحيح -فحدُّه الرجم، مسلمًا كان أو ذميًا، وهو المراد من الثيب المذكور في الحديث، وذهب أصحاب الرأي إلى أن الإسلام من شرائط الإحصان، ولا يرجم الذمي (3) ، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رجم يهوديين زنيا، وكانا قد أحصنا.\rوإن كان الزاني غير محصن بأن لم تجتمع فيه هذه الأوصاف نظر: إن كان غير بالغ أو كان مجنونًا فلا حدَّ عليه، وإن كان حُرًّا عاقلا بالغًا، غير أنه لم يُصب بنكاح صحيح فعليه جلد مائة وتغريب عام، وإن كان عبدا فعليه جلد خمسين، وفي تغريبه قولان، إن قلنا يُغَرَّب فيه قولان، أصحهما نصف سنة، كما يجلد خمسين على نصف حدِّ الحُرِّ.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الوكالة، باب الوكالة في الحدود: 4 / 491 - 492 وفي مواضع أخرى، ومسلم في الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا، برقم (1697): 3 / 1325، والمصنف في شرح السنة: 10 / 274 - 275.\r(2) أخرجه البخاري في الحدود، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت: 12 / 144 - 145 مطولا، ومسلم في الحدود، باب رجم الثيب في الزنا، برقم (1691): 3 / 1317. والمصنف في شرح السنة: 10 / 280.\r(3) انظر : أحكام القرآن للجصاص : 5 / 98 - 99 ، فقد ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم اليهوديين قبل اشتراط الإحصان بالإسلام.","part":2,"page":183},{"id":598,"text":"{ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) }\rقوله تعالى: { إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ } قال الحسن: يعني التوبة التي يقبلها، فيكون على بمعنى عند، وقيل: من الله، { لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ } قال قتادة: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن كل ما عُصي به الله فهو جهالة عمدًا كان أو لم يكن، وكل من عَصَى الله فهو جاهل. وقال مجاهد: المراد من الآية: العمد، قال الكلبي: لم يجهل أنه ذنب 81/أ لكنه جهل عقوبته، وقيل: معنى الجهالة: اختيارُهم اللذة الفانية على اللذة الباقية.\r{ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ } قيل: معناه قبل أن يحيط السوء بحسناته فيحبطها، وقال السُّدي والكلبي: القريب: أن يتوب في صحته قبل مرض موته، وقال عكرمة: قبل الموت، وقال الضحاك: قبل معاينة ملك الموت.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، أنا علي بن الجعد، أنا ابن ثوبان وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول، عن جبير بن نفير، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يُغرْغر\" (1) .\rوأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرّياني، أنا حميد بن زنجويه، أنا أبو الأسود، أنا ابن لهيعة، عن درَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إنّ الشيطان قال: وعزتِك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا أزال أغفر لهم ما استغفروني\" (2) .\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الدعوات، باب التوبة مفتوح بابها قبل الغرغرة: 9 / 521، وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجه في الزهد، باب ذكر التوبة، برقم (4253): 2 / 1420. وقال: في الزوائد: في إسناده الوليد بن مسلم، وهو مدلس، وقد عنعنه ، وكذلك مكحول الدمشقي. وصححه الحاكم: 4 / 257 ووافقه الذهبي. وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 2 / 132 وفي مواضع أخرى عن ابن عمر، والمصنف في شرح السنة: 5 / 90 - 91.\r(2) أخرجه الإمام أحمد: 3 / 29 ، 41 دون قوله: \"وارتفاع مكاني\". وأخرجه الحاكم: من طريق أخرى عن دراج 4 / 261 دون هذه الزيادة، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وقال: الهيثمي في مجمع الزوائد: 10 / 207 \"رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط، وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح، وكذلك أحد إسنادي أبي يعلى\". وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات: 1 / 221 وفيه ابن لهيعة عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري بمثل لفظ البغوي، وهو عنده في شرح السنة: 5 / 76 باللفظ نفسه. وهذه الزيادة منكرة قال الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: 1 / 164 \"وعلة هذه الزيادة عندي من ابن لهيعة وهي من تخاليطه\".","part":2,"page":184},{"id":599,"text":"قوله تعالى: { فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا }\r{ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) }\r{ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ } يعني: المعاصي { حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ } ووقع في النزع، { قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ } وهي حالة السَّوق حين تُساق روحه، لا يُقبل من كافر إيمانٌ ولا من عاص توبة، قال الله تعالى: \"فلم يكُ ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا\"( غافر -85 )، ولذلك لم ينفع إيمان فرعون حين أدركه الغرق. { وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا } أي: هيأنا وأعددنا، { لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا } نزلت في أهل المدينة كانوا في الجاهلية وفي أول الإسلام، إذا مات الرجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو قريبه من عصبته فألقى ثوَبه على تلك المرأة وعلى خبائها، فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الأول الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها غيره وأخذ صداقها، وإن شاء عضلها ومنعها من الأزواج يضارّها لتفتدي منه بما ورثته من الميت، أو تموت هي فيرثها، فإن ذهبت المرأة إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ولي زوجها ثوَبه فهي أحق بنفسها، فكانوا على هذا حتى توفي أبو قيس بن الأسلت الأنصاري وترك امرأته كبيشة بنت معن الأنصارية، فقام ابن له من غيرها يقال له حصن، وقال مقاتل بن حيان: اسمه قيس بن أبي قيس، فطرح ثوبه عليها فورث نكاحها، ثم تركها ولم ينفق عليها، يضارّها لتفتدي منه، فأتت كبيشةُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أبا قيس توفي ووَرِثَ نكاحي ابنه فلا هو ينفق علي ولا يدخل بي ولا يخلّي سبيلي، فقال: \"اقعدي في بيتك حتى يأتي فيك أمرُ الله\"، فأنزل الله تعالى هذه الآية:","part":2,"page":185},{"id":600,"text":"{ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها } (1) .\rقرأ حمزة والكسائي: كُرها بضم الكاف، هاهنا وفي التوبة وقرأ الباقون بالفتح، قال الكسائي: هما لغتان. قال الفراء: الكَره بالفتح ما أُكره عليه، وبالضم ما كان من قِبَل نفسه من المشقة .\r{ وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ } أي: لا تمنعوهنّ من الأزواج لتضجر فتفتدي ببعض مالها، قيل: هذا خطاب لأولياء الميت، والصحيح أنه خطاب للأزواج.\rقال ابن عباس رضي الله عنهما: هذا في الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيضارّها لتفتدي وتردّ إليه ما ساق إليها من المهر، فنهى الله تعالى عن ذلك، ثم قال: { إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ } فحينئذ يحل لكم إضرارهنّ ليفتدين منكم .\rواختلفوا في الفاحشة، قال ابن مسعود وقتادة: هي النشوز، وقال بعضهم وهو قول الحسن: هي الزنا، يعني: المرأة إذا نشزت، أو زنت حلَّ للزوج أن يسألها الخلع، وقال عطاء: كان الرجل إذا أصابت امرأتُه فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها، فنسخ الله تعالى ذلك بالحدود.\rوقرأ ابن كثير وأبو بكر \" مبيَّنة ومبيَّنات \" بفتح الياء، ووافق أهل المدينة والبصرة في \" مبينات \" والباقون بكسرها،.\r{ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } قال الحسن: رجع إلى أول الكلام، يعني { وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً } { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } والمعاشرة بالمعروف: هي الإجمال في القول والمبيت والنفقة، وقيل: هو أن يتصنَّع لها كما تتصنَّع له، { فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا } قيل: هو ولد صالح، أو يَعْطِفَه الله عليها.\r__________\r(1) ذكره الواحدي في أسباب النزول فقال قال المفسرون: كان أهل المدينة. . . ص 140 - 141 ، وانظر : تفسير الطبري: 8 / 104 - 108 ، والدر المنثور: 2 / 463.","part":2,"page":186},{"id":601,"text":"{ وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) }\r{ وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ } أراد بالزوج الزوجة ولم يكن من قبلها نشوز ولا فاحشة، { وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا } وهو المال الكثير، صداقا، { فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ } من القنطار، { شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ } استفهام بمعنى التوبيخ، { بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا } انتصابهما من وجهين أحدهما بنزع الخافض، والثاني بالإضمار تقديره: تصيبون في أخذه بهتانًا وإثمًا ثم قال: { وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ }","part":2,"page":186},{"id":602,"text":"{ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21) وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا (22) }\r{ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ } على طريق الاستعظام، { وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ } أراد به المجامعة، ولكن الله حييٌ يُكني، وأصل الإفضاء: الوصول إلى الشيء من غير واسطة.\r{ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } قال الحسن وابن سيرين والضحاك وقتادة: هو قول الوَلي عند العقد: زوجتُكَها على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وقال الشعبي وعكرمة: هو ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله تعالى واستحللتم فروجهنَّ بكلمة الله تعالى \" (1) .\rقوله عز وجل: { وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ } كان أهل الجاهلية ينكحون أزواج آبائهم، قال الأشعث بن سوار: تُوفي أبو قيس وكان من صالحي الأنصار فخطب ابنه قيس امرأة أبيه فقالت: إني اتخذتك ولدًا وأنت من صالحي قومك، ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأمره، فأتته فأخبرته، فأنزل الله تعالى: { وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ } (2) ، قيل: بعد ما سلف، وقيل: معناه لكن ما سلف، أي: ما مضى في الجاهلية فهو معفو عنه، { إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً } أي: إنه فاحشة، و \"كان\" فيه صلة، والفاحشة أقبح المعاصي، { وَمَقْتًا } أي: يُورث مقت الله، والمقت: أشدّ البُغض، { وَسَاءَ سَبِيلا } وبئس ذلك طريقًا وكانت العرب تقول لولد الرجل من امرأة أبيه { مقيت } وكان منهم الأشعث بن قيس وأبو معيط بن أبي عمرو بن أمية (3) .\rأخبرنا محمد بن 81/ب الحسن المروزي، أخبرنا أبو سهل محمد بن عمرو السجزي، أنا الإمام أبو سليمان الخطابي، أنا أحمد بن هشام الحضرمي، أنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي، عن حفص بن غياث، عن أشعث بن سوار، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب قال: مرّ بي خالي ومعه لواء فقلت: أين تذهب؟ قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه آتيه برأسه\" (4) .\r__________\r(1) قطعة من حديث جابر في حجة الوداع، أخرجه مسلم في الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم برقم (1218): 2 / 886 - 892.\r(2) انظر: أسباب النزول للواحدي ص 179، وعزاه السيوطي للفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي. انظر الدر المنثور: 2 / 468.\r(3) في أ: (أسد).\r(4) روي هذا الحديث بألفاظ مختلفة، فقد أخرجه أبو داود في الحدود، باب الرجل يزني بحريمه: 6 / 267، والترمذي في الحدود، باب ما جاء فيمن تزوج أمرأة أبيه: 4 / 598، وقال: حسن غريب، والنسائي في النكاح، باب نكاح ما نكح الآباء: 6 / 109 - 110، وابن ماجه في الحدود، باب من تزوج امرأة أبيه من بعده، برقم (2607): 2 / 869، والدارقطني في النكاح، باب الرجل يتزوج امرأة أبيه: 2 / 153، وأحمد في المسند: 4 / 295، والمصنف في شرح السنة: 10 / 305 وقال: هذا حديث حسن غريب، وفي سنده الأشعث بن سوار الكندي: ضعيف (التقريب). وقال: المنذري بعد أن ساق رواياته: وقد اختلف في هذا اختلافا كثيرا. وقال الشوكاني في نيل الأوطار : 8 / 322: \"وللحديث أسانيد كثيرة، ومنها ما رجاله رجال الصحيح\" وصححه الألباني في إرواء الغليل: 8 / 18 - 22.","part":2,"page":187},{"id":603,"text":"{ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأخِ وَبَنَاتُ الأخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23) }\rقوله تعالى: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ } الآية، بين الله تعالى في هذه الآية المحرمات بسبب الوُصْلة، وجملة المحرمات في كتاب الله تعالى أربع عشرة: سبعٌ بالنسب، وسبعٌ بالسبب.\rفأما السبع بالسبب فمنها اثنتان بالرضاع وأربع بالصهرية والسابعة المحصنات، وهن ذوات الأزواج.\rوأما السبع بالنسب فقوله تعالى: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ } وهي جمع أُمّ فيدخل فيهن الجدات وإن علونَ من قِبَل الأم ومن قِبَل الأب، { وَبَنَاتُكُم } جمع: البنت، فيدخل فيهن بنات الأولاد وإن سَفُلْنَ، { وَأَخَوَاتُكُمْ } جمع الأخت سواء كانت من قِبَل الأب والأم أو من قِبَل أحدهما، { وَعَمَّاتُكُم } جمع العمة، ويدخل فيهن جميع أخوات آبائك وأجدادك وإن علون، { وَخَالاتُكُم } جمع خالة، ويدخل فيهن جميع أخوات أمهاتك وجداتك، { وَبَنَاتُ الأخِ وَبَنَاتُ الأخْتِ } ويدخل فيهنّ بنات أولاد الأخ والأخت وإن سَفُلْنَ، وجملته: أنه يحرم على الرجل أصوله وفصوله وفصول أول أصوله وأول فصلِ من كل أصل بعده، والأصول هي الأمهات والجدات، والفصول البنات وبنات الأولاد، وفصول أول أصوله هي الأخوات وبنات الإخوة والأخوات، وأول فصل من كل أصل بعده هن العمات والخالات وإن علون.\rوأما المحرمات بالرضاع فقوله تعالى: { وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ }","part":2,"page":188},{"id":604,"text":"وجملته: أنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن سليمان بن يسار عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"يحرم من الرَّضاعة ما يحرم من الوِلادة\" (1) .\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، قال: أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها أخبرتها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عندها وأنها سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة، فقالت عائشة رضي الله عنها فقلت: يا رسول الله لو كان فلان حيًا -لعمها من الرضاعة -أيدخل علي؟ فقال رسول الله صلى الله \"نعم إن الرضاعة تحرم ما يحرم من الولادة\" (2) .\rوإنما تثبت حرمة الرضاع بشرطين، أحدهما: أن يكون قبل استكمال المولود حولين، لقوله تعالى \"والوالدات يُرضعن أولادهن حولين كاملين\"( البقرة -233 ) وروي عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا يحرمُ من الرضاعِ إلا ما فتقَ الأمعاء\" (3) . وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"لا رضاعَ إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم\" (4) ، وإنما يكون هذا في حال الصغر.\rوعند أبي حنيفة رضي الله عنه: مدة الرضاع ثلاثون شهرًا، لقوله تعالى: \"وحمله وفصاله ثلاثون شهرا\"( الأحقاف -15 )، وهو عند الأكثرين لأقل مدة الحمل، وأكثر مدة الرضاع وأقل مدة الحمل ستة أشهر.\rوالشرط الثاني أن يوجد خمس رضعات متفرقات، يروى ذلك عن عائشة رضي الله عنها، وبه قال عبد الله بن الزبير وإليه ذهب الشافعي رحمه الله تعالى.\rوذهب أكثر أهل العلم إلى أن قليل الرضاع وكثيره يحرِّم، وهو قول ابن عباس وابن عمر، وبه قال\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الرضاع، باب يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة، برقم (1444): 4 / 1068، والمصنف في شرح السنة: 9 / 73.\r(2) أخرجه البخاري في النكاح، باب \"وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم\": 9 / 139 - 140، وفي مواضع أخرى، ومسلم في الرضاع، باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة برقم (1444) : 4 / 1068، والمصنف في شرح السنة: 9 / 72 - 73.\r(3) أخرجه الترمذي في الرضاع، باب ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر دون الحولين: 4 / 313. وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه عن عبد الله بن الزبير بلفظ: لا رضاعة إلا ما فتق الأمعاء، برقم (1946): 1 / 626، وابن حبان في النكاح برقم (1250) ص (305) من موارد الظمآن، وابن ماجه في النكاح برقم (1946): 1 / 626، بلفظ \" لا رضاعة إلا ما فتق الأمعاء\". وانظر : إرواء الغليل: 7 / 221 -222.\r(4) أخرجه أبو داود في النكاح، باب في رضاعة الكبير: 3 / 11، قال: المنذري: سئل أبو حاتم الرازي عن أبي موسى الهلالي؟ فقال: هو مجهول وأبوه مجهول. وأخرجه البيهقي في السنن: 7 / 461، والدارقطني: 4 / 173، وأحمد: 1 / 432، والحديث ضعفه الألباني في ارواء الغليل: 7 / 223.","part":2,"page":189},{"id":605,"text":"سعيد بن المسيب وإليه ذهب سفيان الثوري، ومالك، والأوزاعي وعبد الله بن المبارك وأصحاب الرأي (1) .\rواحتج من ذهب إلى أن القليل لا يحرم بما أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، أنا أبو العباس الأصم، أنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أنا أنس بن عياض، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير يحدّث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"لا تُحرم المصة من الرضاع والمصتان\" هكذا روى بعضُهم هذا الحديث (2) ، ورواه عبد الله بن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الصحيح (3) .\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: كان فيما أنزل الله في القرأن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن (4) .\rوأما المحرمات بالصهرية فقوله: { وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ } وجملته: أَن كل من عقد النكاح على امرأة تحرم على الناكح أمهات المنكوحة وجداتها وإن علون من الرضاعة والنسب بنفس العقد.\r{ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } والربائب جمع: ربيبة: وهي بنت المرأة، سُميت رَبيبة لتربيته إيّاها، وقوله: { فِي حُجُورِكُمْ } أي: في تربيتكم، يقال: فلان في حجر فلان إذا كان في تربيته، { دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } أي: جامعتموهن.\rويحرم عليه أيضا بناتُ المنكوحة وبنات أولادها، وإن سَفُلْنَ من الرضاع والنسب بعد الدخول بالمنكوحة، حتى لو فارق المنكوحة قبل الدخول بها أو ماتَتْ جاز له أن ينكح بنتها، [ولا يجوز له أن ينكح أُمَّها] (5) لأن الله تعالى أطلق تحريم الأمهات وقال في تحريم الربائب.\r{ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } يعني: في نكاح بناتهن إذا فارقتُمُوهن أو متْنَ، وقال علي رضي الله عنه: أم المرأة لا تحرم إلا بالدخول بالبنت كالربيبة.\r{ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ } يعني: أزواج أبنائكم، واحدتُها: حَلِيلة، والذكر حَلِيل،\r__________\r(1) انظر : الإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر: 4 / 109 - 113.\r(2) انظر : سنن الترمذي مع التحفة: 4 / 307 - 308، إرواء الغليل للألباني : 7 / 220.\r(3) أخرجه مسلم في الرضاع - باب في المصة والمصتين، برقم (1450): 2 / 1073 - 1074، والمصنف في شرح السنة: 9 / 81، 4 / 111.\r(4) أخرجه مسلم في الرضاع، باب التحريم بخمس رضعات برقم (1452): 2 / 1075، والمصنف في شرح السنة: 9 / 80.\r(5) ساقط من نسخة: (أ).","part":2,"page":190},{"id":606,"text":"سميا بذلك لأن كُلّ واحد منهما [حلال لصاحبه، وقيل: سميا بذلك لأن كل واحد منهما] (1) يَحلُّ حيث يحلُّ صاحبه من الحلول وهو النزول، وقيل: إن كلَّ واحد منهما يحلّ إزارَ صاحبه من الحلَ وهو ضدّ العَقْل.\rوجملته: أنه يحرم على الرجل حلائل أبنائه وأبناء أولاده وإن سَفُلُوا من الرضاع والنسب بنفس العقد، وإنما قال \"من أصلابكم\" ليعلم أن حليلة المتبنَّي لا تحرم على الرجل الذي تبناه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة زيد بن حارثة، وكان زيد تبنَّاه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم.\rوالرابع من المحرمات بالصهرية: حليلةُ الأب والجدّ وإن علا فيحرم على الولد ووَلَدِ الولد بنفس العقد سواء كان الأب من الرضاع أو من النسب، لقوله تعالى: { وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ } وقد سبق ذكره.\rوكل امرأة تحرم عليك بعقد النكاح تحرم بالوطء في ملك اليمين، والوطء بشبهة النكاح، حتى لو وطئ امرأة 82/أ بالشبهة أو جارية بملك اليمين فتحرم على الواطئ أمُّ الموطوءة وابنتها وتحرم الموطوءة على أب الواطئ وعلى ابنه.\rولو زنى بامرأة فقد اختلف فيه أهل العلم: فذهبت جماعة إلى أنه لا تحرم على الزاني أمُّ المزني بها وابنتها، وتحرم الزانيةُ على أب الزاني وابنه، وهو قول علي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما، وبه قال سعيد بن المسيب وعُروة والزهري، وإليه ذهب مالك والشافعي رحمهم الله تعالى.\rوذهب قومٌ إلى التحريم، يُروَى ذلك عن عِمرانَ بن حصين وأبي هريرة رضي الله عنهما، وبه قال جابر بن زيد والحسن وهو قول أصحاب الرأي.\rولو لمس امرأة بشهوة أو قبَّلَها، فهل يُجعل ذلك كالدخول في إثبات حرمة المصاهرة؟ وكذلك لو لمس امرأة بشهوة فهل يجعل كالوطء في تحريم الربيبة؟ فيه قولان، أصحهما وهو قول أكثر أهل العلم: أنه تثبت به الحرمة، والثاني: لا تثبت كما لا تثبت بالنظر بالشهوة.\rقوله تعالى: { وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأخْتَيْنِ } لا يجوز للرجل أن يجمع بين الأختين في النكاح سواء كانت الأخوّة بينهما بالنسب أو بالرضاع، فإذا نكح امرأة ثم طلقها بائنًا جاز له نكاح أختها، وكذلك لو ملك أختين بملك اليمين لم يجز له أن يجمع بينهما في الوطء، فإذا وطئ إحداهما لم يحل له وطء الأخرى حتى يُحرّم الأولى على نفسه.\rوكذلك لا يجوز أن يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها، لما أخبرنا أبو الحسن السرخسي،\r__________\r(1) ساقط من نسخة (أ).","part":2,"page":191},{"id":607,"text":"أخبرنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"لا يُجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها\" (1) .\rقوله تعالى : { إِلا مَا قَدْ سَلَفَ } يعني: لكن ما مضى فهو معفوٌ عنه، لأنهم كانوا يفعلونه قبل الإسلام، وقال عطاء والسدي: إلا ما كان من يعقوب عليه السلام فإنه جمع بين ليَّا أم يهوذا وراحيل أم يوسف، وكانتا أختين. { إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا }\r__________\r(1) أخرجه البخاري في النكاح، باب لا تنكح المرأة على عمتها: 9 / 160، ومسلم في النكاح، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها. . برقم (1408): 2 / 1820. والمصنف في شرح السنة: 9 / 66.","part":2,"page":192},{"id":608,"text":"{ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (24) }\rقوله تعالى : { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } يعني: ذوات الأزواج، لا يحل للغير نكاحُهُنّ قبل مفارقة الأزواج، وهذه السابعة من النساء اللاتي حُرّمت (1) بالسبب.\rقال أبو سعيد الخدري: نزلت في نساء كُنَّ يهاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهن أزواج فيتزوجهن بعض المسلمين، ثم قدم أزواجهن مهاجرين فنهى الله المسلمين عن نكاحهن (2) ، ثم استثنى فقال: { إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } يعني: السبايا اللواتي سُبين ولهن أزواج في دار الحرب فيحِلُّ لمالِكِهنَّ وطؤهنَّ بعد الاستبراء، لأن بالسبي يرتفع النكاح بينها وبين زوجها.\rقال أبو سعيد الخدري: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حُنين جيشًا إلى أوطاس فأصابوا سبايا لهن أزواج من المشركين، فكرهوا غشيانهن، فأنزل الله تعالى هذه الآية (3) .\rوقال عطاء: أراد بقوله { إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } أن تكون أمته في نكاح عبدِهِ فيجوز أن ينزعَها منه.\r__________\r(1) في ب: (حرمن).\r(2) انظر الدر المنثور: 2 / 480.\r(3) أخرجه مسلم في الرضاع، باب وطء المسبية بعد الاستبراء. . . برقم (1456): 2 / 1079.","part":2,"page":192},{"id":609,"text":"وقيل: أراد بالمحصنات الحرائر، ومعناه: أن ما فوق الأربع حرام منهن إلا ما ملكت أيمانُكم، فإنه لا عدد عليكم في الجواري.\rقوله تعالى: { كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ } نصب على المصدر، أي: كتب الله عليكم كتاب الله، وقيل: نصب على الإغراء، أي: الزموا كتاب الله عليكم، أي: فرض الله تعالى.\rقوله تعال: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي وحفص \"أُحِل \" بضم الأول وكسر الحاء، لقوله { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ } وقرأ الآخرون بالنصب، أي: أحلّ الله لكم ما وراء ذلكم، أي: ما سوى ذلكم الذي ذكرتُ من المحرمات، { أَنْ تَبْتَغُوا } تطلبوُا، { بِأَمْوَالِكُم } أي تنكحوا بصداق أو تشترُوا بثمن، { مُحْصِنِينَ } أي: متزوجين أو مُتَعفِّفين، { غَيْرَ مُسَافِحِينَ } أي: غير زانين، مأخوذُ من سَفْحِ الماء وصبِّه وهو المنيُّ، { فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ } اختلفوا في معناه، فقال الحسن ومجاهد: أراد ما انتفعتم وتلذَّذتم بالجماع من النساء بالنكاح الصحيح، { فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } أي: مهورهن، وقال آخرون: هو نكاح المتعة وهو أن ينكح امرأة إلى مدة فإذا انقضت تلك المُدَّة بانَتْ منه بِلا طلاق، وتستبرئ رحمها وليس بينهما ميراث، وكان ذلك مباحًا في ابتداء الإسلام، ثم نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، أنا محمد بن عيسى الجلودي، أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أنا مسلم بن الحجاج، أنا محمد بن عبد الله بن نمير، أنا أبي، أنا عبد العزيز بن عمر، حدثني الربيع بن سبرة الجهني، أن أباه حدثه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \"يا أيها الناس إني كنت أذنْتُ لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله تعالى قد حرّم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخَلِّ سبيلَه ولا تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئا\" (1) .\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي، عن أبيهما، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن متعةِ النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية (2) .\rوإلى هذا ذهب عامة أهل العلم: أن نكاح المتعة حرام، والآية منسوخة.\r__________\r(1) أخرجه مسلم في النكاح، باب نكاح المتعة برقم (1406) 2 / 1025، والمصنف في شرح السنة : 9 / 100.\r(2) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة خيبر: 7 / 481، ومسلم في النكاح، باب نكاح المتعة برقم (1407): 2 / 1027، والمصنف في شرح السنة: 9 / 99. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: 7 / 482 - 483 \"قيل إن في الحديث تقديما وتأخيرا\"، والصواب: نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الإنسية وعن متعة النساء، وليس يوم خيبر ظرفا لمتعة النساء، لأنه لم يقع في غزوة خيبر تمتع بالنساء\". ثم بسط ذلك في كتاب النكاح.","part":2,"page":193},{"id":610,"text":"وكان ابن عباس رضي الله عنهما يذهب إلى أن الآية محكمة، ويُرخِّص في نكاح المتعة. ورُوي عن أبي نضرة قال سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن المتعة، فقال: أما تقرأ في سورة النساء: \" فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى \" ؟ قلت: لا أقرأها هكذا، قال ابن عباس: هكذا أنزل الله، ثلاث مرات.\rوقيل: إن ابن عباس رضي الله عنهما رجع عن ذلك (1) .\rورَوى سالم عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ما بال رجال ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها؟، لا أجدً رجلا نكحها إلا رجمتُه بالحجارة، وقال: هدم المتعةَ النكاحُ والطلاقُ والعدةُ والميراثُ (2) .\rقال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول: لا أعلم في الإسلام شيئا أحلّ ثم حُرّم ثم أُحلّ ثم حُرّم غيرَ المتعة.\rقوله تعالى: { فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } أي: مهورَهنّ، { فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ } فمن حمل ما قبله على نكاح المتعة أراد أنهما [إذا عَقَدَ عقدًا إلى أجل بمال] (3)\r__________\r(1) أخرجه الترمذي عن ابن عباس قال: إنما كانت المتعة في أول الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم، فتحفظ له متاعه وتصلح له شيئه، حتى إذا نزلت الآية: \" إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم\" قال ابن عباس فكل فرج سواهما فهو حرام. وفيه : موسى بن عبيدة: ضعيف. قال ابن حجر في الفتح: 9 / 173 \"روي عن ابن عباس الرجوع عن القول بجواز المتعة بأسانيد ضعيفة، وإجازة المتعة عنه أصح\". وقال ابن المنذر في الإشراف: 4 / 75 \"ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن نكاح المتعة، ودل قوله: \"ألا وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة\" على أن النسخ لا يجوز أن يقع عليه. وقد روينا أخبارا عن الأوائل بإباحة ذلك، وليس لها معنى ولا فيها فائدة مع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وممن نهى عن المتعة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. وقال القاسم بن محمد: تحريمها في القرآن: \"والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، فإنهم غير ملومين\" روي عن ابن مسعود أنه قال: نسختها آية الطلاق والعدة والميراث. وروي عن علي أنه قال ذلك. وقال ابن عمر: ما أعلمه إلا السفاح. وقال : ابن الزبير: المتعة: الزنا الصريح، ولا أعلم أحدا يعمل بها إلا رجمته. وقال الحسن البصري: ما كانت المتعة إلا ثلاثة أيام حتى حرمها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. وممن أبطل نكاح المتعة: مالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي، ولا أعلم أحدا يجيز اليوم نكاح المتعة إلا بعض الرافضة، ولا معنى لقول يخالف القائل به الكتاب والسنة\". هذا، وكان ابن عباس رضي الله عنه يتأول في إباحة المتعة للمضطر إليها بطول العزبة وقلة اليسار، ثم توقف عنه بعد أن قيل له: لقد سارت بفتياك الركبان. . . فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. والله ما بهذا أفتيت ولا هذا أردت، ولا أحللت إلا مثل ما أحل الله من الميته والدم ولحم الخنزير، وما تحل إلا للمضطر، وما هي إلا كالميتة والدم ولحم الخنزير. انظر: تفسير القرطبي: 5 / 129 - 133، فتح الباري: 9 / 166 - 174 معالم السنن للخطابي: 3 / 18، تلخيص الحبير: 3 / 154 - 156، نيل الأوطار: 7 / 304 - 310، ورسالة عن النكاح للشيخ محمد الحامد في مجموعة رسائله: ص5 - 97، خاتم النبيين للشيخ محمد أبو زهرة: 2 / 1089 - 1097، وعامة كتب الفقه في باب النكاح، الجزء الأول من شرح قانون الأحوال الشخصية للسباعي.\r(2) أخرجه ابن المنذر والبيهقي من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه انظر: فتح الباري: 9 / 173.\r(3) جاءت هذه العبارة في \"أ\" كما يلي: (إذا عقدا إلى أجل بمال).","part":2,"page":194},{"id":611,"text":"فإذا تم الأجل فإن شاءت المرأة زادتْ في الأجل وزاد الرجل في الأجر، وإن لم يتراضيا فارقها، ومن حمل الآية على الاستمتاع بالنكاح الصحيح، قال المراد بقوله { وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ } الإبراء عن المهر والافتداء والاعتياض { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا } [ فصل في قدر الصداق وفيما يستحب منه ]\rاعلم أنه لا تقدير لأكثر الصداق لقوله تعالى: { وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا } والمستحب أن لا يغالى فيه، قال عمر بن الخطاب: ألا لا تغالوا صدقة النساء فإنها لو كانت مَكْرُمة في الدنيا وتقوىً عند الله لكان أولاكم بها نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم ما علمتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نكح شيئًا من نسائه ولا أنكح شيئًا من بناته على أكثر من اثنتي عشرة أوقية (1) .\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا جعفر بن محمد المفلس، أنا هارون بن إسحاق، أنا يحيى بن محمد الحارثي، أنا عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن عبد الله بن الهادي، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة قال: سألت عائشة رضي الله عنها كم كان صداق النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه؟ قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونَشًا، قالت: أتدري ما النش؟ قلتُ: لا قالت: نصف أوقية، فتلك خمسمائة درهم، هذا صداق النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه (2) .\rأما أقل الصداق فقد اختلفوا فيه: فذهب جماعة إلى أنه لا تقدير لأقلّه، بل ما جاز أن يكون مبيعًا أو ثمنًا جاز أن يكون صداقًا، وهو قول ربيعة وسفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحق، قال عمر بن الخطاب: في ثلاث قبضات زبيب مهر، وقال سعيد بن المسيب: لو أصدقها سوطا جاز.\rوقال قوم: يتقدر: بنصاب السرقة، وهو قول مالك وأبي حنيفة، غير أن نصاب السرقة عند مالك ثلاثة دراهم وعند أبي حنيفة عشرة دراهم.\rوالدليل على أنه لا يتقدر: ما أخبرنا أبو الحسن السرخسي، قال: أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك، فقامت قيامًا طويلا فقام\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في النكاح، باب الصداق: 3 / 46، والترمذي في النكاح، باب ما جاء في مهور النساء: 4 / 255، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في النكاح، باب القسط في الأصدقة: 6 / 117، والدارمي في النكاح، باب كم كانت مهور أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناته: 2 / 141، والبيهقي في السنن: 7 / 234، وصححه الحاكم في المستدرك: 2 / 175، وابن حبان برقم (259) ص (307) من موارد الظمآن ، وأحمد في المسند: 1 / 40، 41،48.\r(2) أخرجه مسلم في النكاح، باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد. . . برقم (1426): 2 / 1042.","part":2,"page":195},{"id":612,"text":"رجل فقال: يا رسول الله زوجْنيها إن لم يكن لك فيها حاجة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"هل عندكَ من شيءٍ تصدقُها\"؟ قال: ما عندي إلا إزاري هذا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن أعطيتها جلست لا إزار لك، فالتمس شيئا\"، فقال: ما أجد، فقال: \"فالتمسْ ولو خَاتمًا من حديد\"، فالتمس فلم يجد شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"هل معك من القرآن شيء\"؟ قال: نعم سورة كذا وسورة كذا -لسور سمّاها -فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"قد زوجتُكَها بما معك من القرآن\" (1) .\rوفيه دليل على أنه لا تقدير لأقل الصداق، لأنه قال: \"التمس شيئًا\" فهذا يدل على جواز أي شيءٍ كان من المال، وقال: \"ولو خاتمًا من حديد\" ولا قيمة لخاتم الحديد إلا القليل التافه.\rوفي الحديث دليل على أنه يجوز تعليم القرآن صداقًا وهو قول الشافعي رحمه الله، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجوز، وهو قول أصحاب الرأي، وكل عمل جاز الاستئجار عليه مثل البناء والخياطة وغير ذلك من الأعمال جاز أن يجعل صداقًا، ولم يجوز أبو حنيفة رضي الله عنه أن يجعل منفعة الحرِّ صداقًا، والحديث حجة لمن جوّزه بعدما أخبر الله تعالى عن شعيب عليه السلام حيث زوّج ابنته من موسى عليهما السلام على العمل، فقال: \"إنّي أريد أن أُنِكحَكَ إحدَى ابنتيَّ هاتين على أن تأْجُرَني ثمانيَ حِجَج\"( القصص -27 ).\r{ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25) }\rقوله تعالى: { وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا } أي: فضلا وسعة، { أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ } الحرائر { الْمُؤْمِنَاتِ } قرأ الكسائي { الْمُحْصنِاتِ } بكسر الصاد حيث كان، إلا قوله في هذه السورة والمحصنات من النساء، وقرأ الآخرون بفتح جميعها، { فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُم } إمائكم، { الْمُؤْمِنَاتِ }\r__________\r(1) أخرجه البخاري في النكاح، باب تزويج المعسر: 9 / 131، ومسلم في النكاح، باب الصداق وجواز كونه تعليم قرآن. . برقم (1425): 2 / 1040 - 1041، والمصنف في شرح السنة: 9 / 117.","part":2,"page":196},{"id":613,"text":"أي: من لم يقدر على مهر الحرة المؤمنة، فليتزوج الأمة المؤمنة.\rوفيه دليل على أنه لا يجوز للحرّ نكاح الأمة إلا بشرطين، أحدهما: أن لا يجدَ مهرَ حرةٍ، والثاني أن يكون خائفًا على نفسه من العَنَتِ، وهو الزنا، لقوله تعالى في آخر الآية: { ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ } وهو قول جابر رضي الله عنه، وبه قال طاوس وعمرو بن دينار، وإليه ذهب مالك والشافعي.\rوجوّز أصحاب الرأي للحرّ نكاح الأمة إلا أن تكون في نكاحه حرة، أمّا العبد فيجوز له نكاح الأمة وإن كان في نكاحه حرة أو أمة، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه لا يجوز إذا كانتْ تحته حرّة، كما يقول في الحرّ.\rوفي الآية دليل على أنه لا يجوز للمسلم نكاح الأمة الكتابية لأنه قال { فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُم المؤمنات } جوز نكاح الأمة بشرط أن تكون مؤمنة، وقال في موضع آخر: \"وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامَكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب\"( المائدة -5 ) أي: الحرائر، جوز نكاح الكتابية، بشرط أن تكون حرّة، وجوّز أصحاب الرأي للمسلم نكاح الأمة الكتابية، وبالاتفاق يجوز وطؤها بملك اليمين.\r[ { وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ } أي: لا تتعرضوا للباطن في الإيمان وخُذوا بالظاهر فإنّ الله أعلم بإيمانكم] (1) .\r{ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ } قيل: بعضكم إخوة لبعض، وقيل: كلكم من نفس واحدة فلا تستنكفُوا من نكاح الإماء، { فَانْكِحُوهُن } يعني: الإماء { بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ } أي: مواليهن ، { وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } مهورهن، { بِالْمَعْرُوف } من غير مَطل وضرار، { مُحْصَنَاتٍ } عفائف بالنكاح، { غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ } أي: غير زانيات، { وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ } أي: أحباب تزنون بهن في السرّ، قال الحسن: المسافحة هي أن كل من دعاها تبعتْه، وذات أخدان أي: تختص بواحد لا تزني إلا معه، والعرب كانت تحرم الأولى وتجوّز الثانية، { فَإِذَا أُحْصِنَّ } قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بفتح الألف والصاد، أي: حفظن فروجهن، وقال ابن مسعود: أسلمنَ، وقرأ الآخرون: { أُحْصِنّ } بضم الألف وكسر الصاد، أي: زُوِّجْن { فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ } يعني: الزنا، { فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ } أي: ما على الحرائر الأبكار إذا زنين، { مِنَ الْعَذَابِ } يعني: الحدّ، فيُجلد الرقيق إذا زنى خمسين جلدة، وهل يُغَرّب؟ فيه قولان، فإن قلنا يغرّب فيغرّب نصف سنة على القول الأصح ولا رجم على العبيد.\rرُوي عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة قال: أمرني عمر بن الخطاب رضي الله عنه في فتية من\r__________\r(1) ساقط من نسخة (أ).","part":2,"page":197},{"id":614,"text":"قريش فجلدنا وَلائِدَ من وَلائِدَ (1) الإمارة خمسين في الزنا.\rولا فرق في حدّ المملوك بين من تزوج أو لم يتزوج عند أكثر أهل العلم، وذهب بعضهم إلى أنه لا حدّ على من لم يتزوج من المماليك إذا زنى، لأن الله تعالى قال: { فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ } وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما، وبه قال طاوس.\rومعنى الإحصان عند الآخرين الإسلام، وإن كان المراد منه التزويج فليس المراد منه أن التزويج شرط لوجوب الحدّ عليه، بل المراد منه التنبيه على أن المملوك وإن كان محصنًا بالتزويج فلا رجْمَ عليه، إنّما حدُّه الجلد بخلاف الحرّ، 83/أ فحدّ الأمة ثابت بهذه الآية، وبيان أنه بالجلد في الخبر وهو ما أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثني الليث، عن سعيد يعني المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنهم قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: \"إذا زنت أمةُ أحدكم فتبينَ زناها فَلْيجلدها الحدّ ولا يُثَرِّبْ عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعْها ولو بحبلٍ من شعر\" (2) .\rقوله تعالى: { ذَلِك } يعني: نكاح الأمة عند عدم الطَّول، { لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ } يعني: الزنا، يريد المشقةَ لغلبةِ الشهوة، { وَإِنْ تَصْبِرُوا } عن نكاح الإماء متعففين ، { خَيْرٌ لَكُمْ } لئلا يخلق الولد رقيقًا { وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }\r{ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) }\rقوله تعالى: { يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ } أي: أن يبين لكم، كقوله تعالى: \"وأمرت لأعدل بينكم\"( الشورى -15 ) أي: أن أعدل، وقوله: \"وأمرنا لِنُسلمَ لرب العالمين\"( الأنعام -71 ) ، وقال في موضع آخر \"وأُمرتُ أن أسلم\"( غافر -66 ).\rومعنى الآية: يريد الله أن يبين لكم، أي: يوضح لكم شرائع دينكم ومصالح أموركم، قال عطاء: يبين لكم ما يقربكم منه، قال الكلبي: يبين لكم أن الصبر عن نكاح الإماء خير لكم، { وَيَهْدِيَكُم } ويرشدكم، { سُنَنَ } شرائع، { الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ } في تحريم الأمهات والبنات والأخوات، فإنها كانت محرمة على من قبلكم.\r__________\r(1) جمع وليدة، وهي: الأمة.\r(2) أخرجه البخاري في البيوع، باب بيع المدبر: 4 / 421، ومسلم في الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنا برقم (1703): 3 / 1328، والمصنف في شرح السنة: 10 / 297 .","part":2,"page":198},{"id":615,"text":"وقيل: ويهديكم الملة الحنيفية وهي ملة إبراهيم عليه السلام، { وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ } ويتجاوز عنكم ما أصبتم قبل أن يبين لكم، وقيل: يرجع بكم من المعصية التي كنتم عليها إلى طاعته، وقيل: يوفقكم للتوبة { وَاللَّهُ عَلِيمٌ } بمصالح عباده في أمر دينهم ودنياهم، { حَكِيمٌ } فيما دبر من أمورهم.","part":2,"page":199},{"id":616,"text":"{ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا (28) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) }\r{ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ } إن وقع منكم تقصير في أمر دينه { وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا } عن الحق ، { مَيْلا عَظِيمًا } بإتيانكم ما حرّم عليكم، واختلفوا في الموصوفين باتّباع الشهوات، قال السدي: هم اليهود والنصارى، وقال بعضهم: هم المجوس لأنهم يُحلّون نكاح الأخوات وبنات الأخ والأخت، وقال مجاهد: هم الزناة يريدون أن تميلوا عن الحق فتزنون كما يزنون، وقيل: هم جميع أهل الباطل.\r{ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ } يسهلَ عليكم في أحكام الشرع، وقد سهل كما قال جلّ ذكره: \"ويضع عنهم إصرهم\"( الأعراف -157 ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"بعثتُ بالحنيفية السمحة السلهة\" (1) ، { وَخُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا } قال طاووس والكلبي وغيرهما في أمر النساء: لا يصبر عنهن، وقال ابن كيسان: { وَخُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا } يستميله هواه وشهوته، وقال الحسن: هو أنه خلق من ماء مهين، بيانه قوله تعالى: \"الله الذي خلقكم من ضعف\"( الروم -54 ).\rقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ } بالحرام، يعني: بالربا والقمار والغصب والسرقة والخيانة ونحوها، وقيل: هو العقود الفاسدة { إلا أن تكون تجارة } ، قرأ أهل الكوفة { تِجَارَةً } نصب على خبر كان، أي: إلا أن تكون الأموال تجارةً، وقرأ الآخرون بالرفع، أي: إلا أن تقع تجارةٌ، { عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } أي: بطيبة نفس كل واحد منكم.\rوقيل: هو أن يجيز كل واحد من المتبايعين صاحبه بعد البيع، فيلزم، وإلا فلهما الخيار ما لم يتفرقا\r__________\r(1) أخرجه الإمام أحمد في المسند: 5 / 266 عن أبي أمامة، والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه: 2 / 204، والطبراني في الكبير، وفيه علي بن يزيد الألهاني : ضعيف. انظر: مجمع الزوائد: 5 / 279. والحديث حسن لتعدد طرقه وشواهده. انظر: النهج السديد في تخريج أحاديث تيسير العزيز الحميد، ص (333 - 334).","part":2,"page":199},{"id":617,"text":"لما أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"المتبايعان كلُّ واحد منهما بالخيار على صاحبه، ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار\" (1) .\r{ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } قال أبو عبيدة: أي لا تُهلكوها، كما قال: \"ولا تُلقوا بأيديكم إلى التَّهْلُكة\"( البقرة -195 )، وقيل: لا تقتلوا أنفسكم بأكل المال بالباطل.\rوقيل: أراد به قتل المسلم نفسه، أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي، أنا ابن عيينة، عن أيوب، عن أبي قلابة عن ثابت بن الضحاك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"من قتل نفسه بشيء في الدنيا عُذِّب به يوم القيامة\" (2) .\rحدثنا أبو الفضل زياد بن محمد الحنفي، أخبرنا أبو معاذ عبد الرحمن المزني، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن حماد القاضي، أنا أبو موسى الزَّمِن، أنا وهب بن جرير، أخبرنا أبي، قال سمعت الحسن: أخبرنا جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"خرج برجل فيمن كان قبلكم أرابٌ فجزع منه ، فأخرج سكينًا فحزَّ بها يده فما رقأ الدمُ حتى مات\" فقال الله عز وجل: بادرني عبدي بنفسه فَحَرَّمْتُ عليه الجنة\" (3)\rوقال الحسن: { وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم } يعني: إخوانَكم، أي: لا يقتل بعضُكم بعضًا، { إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا سليمان بن حرب، أنا شعبة، عن علي بن مدرك، قال: سمعت أبا زرعة بن عمرو بن جرير عن جده قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: \"استنصت الناس\" ثم قال: \"لا ترجعُنَّ بعدي كفارا يضرب بعضُكم رقابَ بعض\" (4) .\r{ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا (31) }\r{ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ } يعني: ما سبق ذكره من المحرّمات، { عُدْوَانًا وَظُلْمًا } فالعدوان مجاوزة\r__________\r(1) أخرجه البخاري في البيوع، باب البيعان بالخيار ما لم يتفرقا : 4 / 328، ومسلم في البيوع، باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين برقم (1531): 3 / 1163، والمصنف في شرح السنة: 8 / 39.\r(2) أخرجه مسلم في الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، برقم (110): 1 / 104 والمصنف في شرح السنة: 10 / 154.\r(3) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب ما يذكر عن بني إسرائيل: 6 / 496 ، ومسلم في الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، برقم (113): 1 / 107 بلفظ مقارب، والمصنف في شرح السنة: 10 / 155.\r(4) أخرجه البخاري في الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: \" لا ترجعوا بعدي كفارا\" 13 / 26 وفي مواضع أخرى، ومسلم في الإيمان، باب معنى قوله صلى الله عليه وسلم: لا ترجعوا بعدي كفارا، برقم (65): 1 / 81 - 82. والمصنف في شرح السنة: 10 / 221 - 222.","part":2,"page":200},{"id":618,"text":"الحدّ والظلم وضع الشيء في غير موضعه، { فَسَوْفَ نُصْلِيهِ } ندخله في الآخرة، { نَارًا } يُصلى فيها، { وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا } هينا.\rقوله تعالى: { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ } اختلفوا في الكبائر التي جعل الله اجتنابها تكفيرًا للصغائر: أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا محمد بن مقاتل، أنا النضر، أخبرنا شعبة، أنا فراس، قال: سمعت الشعبي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"الكبائر: الإشراكُ بالله، وعقوقُ الوالدين، وقتلُ النفس، واليمينُ الغَمُوس\" (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا مسدد، أنا بشر بن المفضَّل، أنا الجريري، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟\" ثلاثًا قالوا: بلى يا رسول الله، قال: \"الإشراكُ بالله عز وجل، وعقوقُ الوالدين، وجلسَ وكان متكئًا فقال: ألا وقولُ الزور ألا وقول الزور، فما زال يكررُها حتى قلنا ليتَه سكت\" (2) .\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار، أنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتيّ، أنا محمد بن كثير، أنا سفيان الثوري، عن الأعمش ومنصور، وواصل الأحدب عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله رضي الله عنهما قال: قلتُ يا رسول الله أيُّ الذنب أعظم عند الله؟ قال: \"أن تجعلَ لله ندًّا وهو خلقك، قلت: ثم أيّ؟ قال: أن تقتل ولدَك خشية أن يأكل معك، قلتُ: ثم أيُّ؟ قال: أن تزاني حليلة جارك\" ، 83/ب فأنزل الله تعالى تصديق قول النبي صلى الله عليه وسلم : { وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ } (3) الآية.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الأيمان والنذور، باب اليمين الغموس: 11 / 555، وفي مواضع أخرى، والمصنف في شرح السنة: 1 / 85.\r(2) أخرجه البخاري في الشهادات، باب ما قيل في شهادة الزور: 5 / 261، وفي الأدب، ومسلم في الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، برقم (87): 1 / 91، والمصنف في شرح السنة: 1 / 83 - 84.\r(3) أخرجه البخاري في التفسير، تفسير سورة الفرقان، باب \"والذين لا يدعون مع الله إلها آخر\" 8 / 492، ومسلم في الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب، برقم (86): 1 / 90. والمصنف في شرح السنة: 1 / 82.","part":2,"page":201},{"id":619,"text":"أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثني سليمان، عن ثور بن زيد، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"اجتنبوا السبع الموبقات: ، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: \"الشركُ بالله والسّحرُ وقتلُ النفس التي حرَّمُ الله إلا بالحق، وأكل الرِّبا وأكل مال اليتيم، والتولي يومَ الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات\" (1) .\rوقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أكبر الكبائر: الإشراكُ بالله والأمنُ من مكر الله والقنوطُ من رحمة الله واليأسُ من روح الله (2) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا عبد الرحمن بن أبي شريح، أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي، أنا علي بن الجعد، أنا شعبة، عن سعيد بن إبراهيم، قال: سمعت حميد بن عبد الرحمن يحدث عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"من الكبائر أن يسبَّ الرجلُ والديه، قالوا: وكيف يسبّ الرجل والديه؟ قال: يسبُّ الرجلُ أبا الرجل فيسبُّ أباه ويسبُّ أمه\" (3) .\rوعن سعيد بن جبير: أن رجلا سأل ابن عباس رضي الله عنهما عن الكبائر: أسبع هي؟ قال: هن إلى السبعمائة أقرب إلا أنه لا كبيرةَ مع الاستغفار ولا صغيرةَ مع الإصرار، وقال: كل شيء عُصيَ الله به فهو كبيرة، فمن عمل شيئًا منها فليستغفر فإن الله لا يخلّد في النار من هذه الأمة إلا راجعًا عن الإسلام أو جاحدًا فريضة أو مكذبًا بقدر (4) .\rوقال عبد الله بن مسعود: ما نهى الله تعالى عنه في هذه السورة إلى قوله تعالى : \"إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه\" فهو كبيرة.\rوقال علي بن أبي طلحة: هي كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الوصايا، باب قول الله تعالى: \"إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما\": 5 / 393، ومسلم في الإيمان، باب الكبائر، برقم (89): 1 / 92، والمصنف في شرح السنة: 1 / 86.\r(2) أخرجه الطبري في التفسير: 8 / 242 - 244، والطبراني في الكبير بإسناد صحيح، انظر مجمع الزوائد: 1 / 104، وعبد الرزاق في المصنف: 10 / 459 - 460، والمصنف في شرح السنة: 1 / 87، وقال ابن كثير في التفسير: 1 / 485 \"هو صحيح إلى ابن مسعود بلا شك\".\r(3) أخرجه البخاري في الأدب، باب لا يسب الرجل والديه: 10 / 403، ومسلم في الإيمان، باب بيان الكبائر برقم (90) 1 / 92، والمصنف في شرح السنة: 13 / 16 - 17.\r(4) أخرجه الطبري في التفسير: 8 / 245.","part":2,"page":202},{"id":620,"text":"وقال الضحاك: ما أوعد الله عليه حدًا في الدنيا أو عذابًا في الآخرة.\rوقال الحسن (1) بن الفضل: ما سماه الله في القرآن كبيرًا أو عظيمًا نحو قوله تعالى: \"إنه كان حوبًا كبيرًا\"( النساء -2 )، \"إن قتلهم كان خطئًا كبيرًا\"( الإسراء -31 )، \"إن الشرك لظلمٌ عظيم\"( لقمان -13 )، \"إن كيدَكُنَّ عظيم\"( يوسف -28 ) \"سبحانك هذا بهتانٌ عظيم\"( النور -16 ) \"إن ذلكم كان عند الله عظيمًا\"( الأحزاب -53 ).\rقال سفيان الثوري: الكبائر ما كان فيه المظالم بينك وبين العباد، والصغائر ما كان بينك وبين الله تعالى، لأنّ الله كريم يعفو (2) ، واحتج بما أخبرنا الشيخ أبو القاسم عبد الله بن علي الكرماني، أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي، أنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن سعيد، أنا الحسين بن داؤد البلخي، أنا يزيد بن هارون، أنا حميد الطويل، عن أنس بن مالك رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ينادي مناد من بطنان العرش يوم القيامة: يا أمّة محمد إن الله عز وجل قد عفا عنكم جميعًا المؤمنين والمؤمنات، تواهبُوا المظالم وادخلوا الجنة برحمتي\" (3) .\rوقال مالك بن مغول: الكبائر ذنوب أهل البدع، والسيئات ذنوب أهل السنة.\rوقيل: الكبائر ذنوب العمد، والسيئات الخطأ والنسيان وما أكره عليه، وحديث النفس المرفوع عن هذه الأمة.\rوقيل: الكبائر ذنوب المستحلّين مثل ذنب إبليس، والصغائر ذنوب المستغفرين مثل ذنب آدم عليه السلام.\rوقال السدي: الكبائر ما نهى الله عنه من الذنوب الكبائر، والسيئات مقدِّماتُها وتوابعها مما يجتمع فيه الصالح والفاسق، مثل النظرة واللمسة والقبلة وأشباهها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، ويُصدِّق ذلك الفرجُ أو يكذبه\" (4) .\rوقيل: الكبائر ما يستحقره العباد، والصغائر ما يستعظمونه فيخافون مواقعته، كما أخبرنا عبد الواحد\r__________\r(1) في أ: (الحسين).\r(2) في أ: (كبير يغفر).\r(3) حديث موضوع في إسناده الحسين بن داود، أبو علي البلخي، قال الخطيب: ليس بثقة، حديثه موضوع. انظر: ميزان الاعتدال: 1 / 534. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 15 / 197. وانظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للألباني: 3 / 439 رقم (1279).\r(4) أخرجه أحمد في المسند: 1 / 412 ، 2 / 343 عن أبي هريرة، والطبراني وأبو يعلى والبزار وابن حبان عن أبي هريرة. قال الهيثمي في المجمع 6 / 256، سنده جيد، وقال المنذري صحيح. وانظر: فيض القدير للمناوي : 4 / 399، والمصنف في شرح السنة: 1 / 138.","part":2,"page":203},{"id":621,"text":"المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا أبو الوليد، أنا مهدي بن غيلان، عن أنس قال: إنّكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من الشعر، إنْ كنّا نعدُّها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات (1) .\rوقيل: الكبائر الشرك وما يؤدي إليه، وما دون الشرك فهو السيئات، قال الله تعالى: \"إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دُونَ ذلك لمن يشاء\"( النساء -48 ، 116 ).\rوقوله تعالى: { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } أي: من الصلاة إلى الصلاة ومِنَ الجمعة إلى الجمعة ومن رمضان إلى رمضان.\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنا عبد الغافر بن محمد، أنا محمد بن عيسى الجلودي، أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أنا مسلم بن الحجاج، حدثني هارون بن سعيد الأيلي أنا ابن وهب عن أبي صخر أن عمر بن إسحاق مولى زائدة حدثه عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: \"الصلواتُ الخمسُ والجمعةُ إلى الجمعةِ، ورمضانُ إلى رمضان، مكفِّراتُ لما بينهنّ إذا اجتنب الكبائر\" (2) .\rقوله تعالى: { وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا } أي: حسنا وهو الجنة، قرأ أهل المدينة { مَدْخَلا } بفتح الميم هاهنا وفي الحج، وهو موضع الدخول، وقرأ الباقون بالضم على المصدر بمعنى الإدخال.\r{ وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (32) }\rقوله تعالى: { وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ } الآية، قال مجاهد: قالت أم سلمة: يا رسول الله إن الرجال يغزون ولا نغزو ولهم ضعفُ ما لنا من الميراث، فلو كنّا رجالا غزونا كما غزوا وأخذنا من الميراث مثل ما أخذوا. فنزلت هذه الآية (3) .\rوقيل: لما جعل الله عز وجل للذكر مثل حظ الأنثيين في الميراث، قالت النساء: نحن أحقُّ وأحوج إلى الزيادة من الرجال، لأنّا ضعفاء وهم أقوى وأقدر على طلب المعاش، فأنزل الله تعالى: { وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ }\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الرقاق، باب ما يتقي من محقرات الذنوب: 11 / 329، والمصنف في شرح السنة: 14 / 398.\r(2) أخرجه مسلم في الطهارة، باب الصلوات الخمس برقم (233): 1 / 209، والمصنف في شرح السنة: 2 / 177.\r(3) أخرجه الواحدي بسنده في أسباب النزول ص (181)، ونظر: تفسير الطبري: 8 / 261، الدر المنثور: 2 / 507.","part":2,"page":204},{"id":622,"text":"وقال قتادة والسدي لما نزل قوله: { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ } قال الرجال إنّا لنرجو أن نُفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة فيكون أجرنا على الضِّعف من أجر النساء كما فُضّلنا عليهنّ في الميراث (1) فقال الله تعالى: { لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا } من الأجر { وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ }\rمعناه: أن الرجال والنساء في الأجر في الآخرة سواء، وذلك أن الحسنة تكون بعشر أمثالها يستوي فيها الرجال والنساء، وإن فضل الرجال في الدنيا على النساء.\rوقيل: معناه للرجال نصيب مما اكتسبوا من أمر الجهاد وللنساء نصيب مما اكتسبن من طاعة الأزواج وحفظ الفروج، يعني إن كان للرجال فضل الجهاد فللنساء فضل طاعة الأزواج وحفظ الفروج.\rقوله تعالى: { وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ } قرأ ابن كثير والكسائي وسلوا، وسل، وفسل إذا كان قبل السين واو أو فاء بغير همز، ونقل حركة الهمزة إلى السين، والباقون بسكون السين مهموزا. فنهى الله تعالى عن التمنيِّ لما فيه من دواعي الحسد، والحسد أن يتمنى زوالَ النعمة عن صاحبه ويتمنّاها لنفسه، وهو حرام، والغِبطة أن يتمنى لنفسه 84/أ مثل ما لصاحبه وهو جائز. قال الكلبي: لا يتمنى الرجلُ مالَ أخيه ولا امرأته ولا خادمه، ولكن ليقل اللهم ارزقني مثله، وهو كذلك في التوراة كذلك في القرآن. قوله: { وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ } قال ابن عباس: واسألوا الله من فضله: أي: من رزقه، قال سعيد بن جبير: من عبادته، فهو سؤال التوفيق للعبادة، قال سفيان بن عيينة: لم يأمرْ بالمسألة إلا ليُعطي. { إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا }\r{ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (33) }\rقوله تعالى : { وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ } أي: ولكل واحد من الرجال والنساء جعلنا موالي، أي: عصبة يُعطون { مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ } والوالدان والأقربون هم المورِّثون، [وقيل: معناه ولكل جعلنا موالي أي: ورثة، مما ترك أي: من الذين تركهم ويكون \" ما \" بمعنى { من } ، ثم فسر { الْمَوَالِي } فقال: \"الوالدان والأقربون\"، هم الوارثون] (2) .\r{ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ } قرأ أهل الكوفة { عَقَدَت } بلا ألف، أي: عقدت لهم أيمانكم، وقرأ\r__________\r(1) انظر أسباب النزول ص (181)، تفسير الطبري: 8 / 264، الدر المنثور: 2 / 507 .\r(2) ساقط من (ب).","part":2,"page":205},{"id":623,"text":"الآخرون: \" عاقدت أيمانكم \" والمعاقدة: المحالفة والمعاهدة، والأيمان جمع يمين، من اليد والقسم، وذلك أنهم كانوا عند المحالفة يأخذ بعضُهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد. ومحالفتهم أن الرجل كان في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك وهدمي هدمك وثأري ثأرك وحربي حربك وسِلْمِي سِلْمُك وترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من مال الحليف، وكان ذلك ثابتا في ابتداء الإسلام فذلك قوله تعالى: { فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } أي: أعطوهم حظَّهم من الميراث، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى \"وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله\"( الأحزاب 6 ).\rوقال إبراهيم ومجاهد: أراد فآتوهم نصيبهم من النصر والرفد ولا ميراث، وعلى هذا تكون هذه الآية غير منسوخة لقوله تعالى: \"أوفوا بالعقود\"( المائدة -1 ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة يوم فتح مكة: \"لا تحدثوا حِلْفًا في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهلية فتمسّكوا فيه فإنه لم يزدْه الإسلام إلا شِدّة\" (1) .\rوقال ابن عباس رضي الله عنهما: أنزلت هذه الآية في الذين آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار حين قَدِمُوا المدينة وكانوا يتوارثون بتلك المؤاخاة دون الرحم، فلما نزلت { وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ } نسخت، ثم قال: { وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث فيوصي له (2) . وقال سعيد بن المسيب: كانوا يتوارثون بالتبني وهذه الآية فيه ثم نسخ. { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا }\r__________\r(1) حديث مركب من حديثين، أخرجهما الطبري من حديث قيس بن عاصم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به\" 8 / 283. ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبة يوم الفتح: \"فوا بحلف فإنه لا يزيده الإسلام إلا شدة ولا تحدثوا حلفا في الإسلام\" 8 / 284. وفي الباب عن جبير بن مطعم مرفوعا \"لا حلف في الإسلام\" أخرجه الشيخان. انظر: الكافي الشاف لابن حجر ص 42، تفسير الطبري بتعليق محمود شاكر: 8 / 283 - 284 ، الدر المنثور: 2 / 510.\r(2) أخرجه البخاري في التفسير، سورة النساء باب \"ولكل جعلنا موالي. . . . \" 8 / 247. انظر: الدر المنثور: 2 / 511.","part":2,"page":206},{"id":624,"text":"{ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34) }\rقوله عز وجل: { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ } الآية نزلت في سعد بن الربيع وكان من النقباء وفي","part":2,"page":206},{"id":625,"text":"امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، قاله مقاتل، وقال الكلبي: امرأته حبيبة بنت محمد بن مسلمة، وذلك أنها نشزت عليه فلطمها، فانطلق أبوها معها إلى النبي صلى الله عليه وسلم [فقال: أفرشته كريمتي فلطمها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"لتقتص من زوجها\" ، فانصرفت مع أبيها] (1) لتقتص منه فجاء جبريل عليه السلام [فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"ارجعوا هذا جبريل أتاني بشيء\" ، فأنزل الله هذه الآية] (2) ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"أردنا أمرًا وأراد الله أمرًا، والذي أراد الله خير\" ، ورفع القصاص (3) .\rقوله تعالى: { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ } أي: مسلّطون على تأديبهن، والقوّام والقيم بمعنى واحد، والقوام أبلغ وهو القائم بالمصالح والتدبير والتأديب.\r{ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ } يعني: فضل الرجال على النساء بزيادة العقل والدين والولاية، وقيل: بالشهادة، لقوله تعالى: \"فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان\"( البقرة -282 ) وقيل: بالجهاد، وقيل: بالعبادات من الجمعة والجماعة، وقيل: هو أن الرجل ينكح أربعا ولا يحل للمرأة إلا زوج واحد، وقيل: بأن الطلاق بيده، وقيل: بالميراث، وقيل: بالدّية، وقيل: بالنبوّة.\r{ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ } يعني: إعطاء المهر والنفقة، أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار، أنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتيّ أنا أبو حذيفة، أنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظبيان أن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها\" (4) .\rقوله تعالى: { فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ } أي: مطيعات { حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ } أي: حافظات للفروج في غيبة الأزواج، وقيل: حافظات لسرهم { بِمَا حَفِظَ اللَّهُ } قرأ أبو جعفر { بِمَا حَفِظَ اللَّهُ } بالنصب، أي: يحفظن الله في الطاعة، وقراءة العامة بالرفع، أي: بما حفظهن الله بإيصاء الأزواج بحقهن وأمرهم بأداء المهر والنفقة.\rوقيل: حافظات للغيب بحفظ الله، أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أنا أبو إسحاق الثعلبي، أنا أبو عبد الله بن فنجوية، أخبرنا عمر بن الخطاب، أنا محمد بن إسحاق المسوحي، أنا الحارث بن عبد الله، أنا أبو معشر\r__________\r(1) ساقط من (ب).\r(2) ساقط من (ب).\r(3) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (144).\r(4) أخرجه ابن ماجه في النكاح، باب حق الزوج على المرأة برقم (1853): 1 / 595، وصححه ابن حبان برقم (1290) موارد الظمآن ص (314)، وأحمد في المسند: 4 / 381 عن عبد الله بن أبي أوفى، 5 / 227 - 228 عن معاذ بن جبل ، والمصنف في شرح السنة: 9 / 158.","part":2,"page":207},{"id":626,"text":"عن سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"خير النساء امرأة إن نظرتَ إليها سرتْكَ وإن أمرتها أطاعتْكَ وإذا غِبْتَ عنها حفظتْكَ في مالها ونفسها\" (1) ، ثم تلا { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ } الآية .\r{ وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ } عصيانهن، وأصل النشوز: التكبر والارتفاع، ومنه النشز للموضع المرتفع، { فَعِظُوهُنَّ } بالتخويف من الله والوعظ بالقول، { وَاهْجُرُوهُنَّ } يعني: إن لم ينزعن عن ذلك بالقول فاهْجُرُوهن { فِي الْمَضَاجِعِ } قال ابن عباس: يوليها ظهره في الفراش ولا يكلمها، وقال غيره: يعتزل عنها إلى فراش آخر، { وَاضْرِبُوهُن } يعني: إن لم ينزعن مع الهجران فاضربُوهن ضربًا غير مبرِّح ولا شائن، وقال عطاء: ضربًا بالسواك وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"حقُّ المرأة أن تُطعمها إذا طَعِمْتَ وتَكسوها إذا اكتسيتَ ولا تضرب الوجه ولا تُقَبِّحْ ولا تهجر إلا في البيت\" (2) .\r{ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا } أي: لا تجنُوا عليهن الذنوبَ، وقال ابن عُيينة: لا تكلفوهنّ محبتكم فإنّ القلبَ ليس بأيديهن. { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا } متعاليا من أن يُكَلِّفَ العبادَ مالا يُطيقونه، وظاهر الآية يدل على أنّ الزوج يجمع عليها بين الوعظ والهجران والضرب، فذهب بعضهم إلى ظاهرها وقال: إذا ظهر منها النشوز جمع بين هذه الأفعال، وحمل الخوف في قوله { وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ } على العلم كقوله تعالى: \"فمنْ خافَ من مُوصٍ جنفًا\"( البقرة -182 ) أي: علم، ومنهم من حملَ الخوفَ على الخشية لا على حقيقة العلم، كقوله تعالى: \"وإمّا تخافنَّ من قوم خيانةً\"( الأنفال -58 )، وقال: هذه الأفعال على ترتيب الجرائم، فإن خاف نُشوزَها بأن ظهرتْ أمارتُه منها مِنَ المُخَاشنة وسوءِ الخُلقُ وَعَظَها، 84/ب فإن أبدتِ النشوزَ هَجَرها، فإن أصرِّتْ على ذلك ضَرَبها.\r{ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35) }\rقوله تعالى: { وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا } يعني: شقاقًا بين الزوجين، [والخوفُ بمعنى اليقين، وقيل:\r__________\r(1) أخرجه النسائي في النكاح، باب أي النساء خير: 6 / 68، وصححه الحاكم في المستدرك: 2 / 161 - 162 على شرط مسلم، والطبري في التفسير: 8 / 295. وعزاه ابن حجر أيضا: للبزار بلفظ \"المرأة الصالحة إذا نظر إليها. . . \" وقال: رواه أبو داود والحاكم والترمذي من رواية مجاهد عن ابن عباس، وفي الباب عن أبي أمامة عند ابن ماجه وإسناده ساقط، انظر: الكافي الشاف ص (43).\r(2) أخرجه أبو داود في النكاح، باب في حق المرأة على زوجها: 3 / 67 -68 ، وابن ماجه في النكاح، باب في حق المرأة على الزوج برقم (1850): 1 / 594 ، وابن حبان برقم (1286) ص (313) من موارد الظمآن وصححه الحاكم في المستدرك: 2 / 187 - 188، ووافقه الذهبي. وعزاه المنذري للنسائي في الكبرى. وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 4 / 446 - 447 عن معاوية بن حيدة، والمصنف في شرح السنة: 9 / 160.","part":2,"page":208},{"id":627,"text":"هو بمعنى الظنّ يعني: إن ظننتم شقاق بينهما.\rوجملته: أنه إذا ظهر بين الزوجين] (1) شقاقٌ واشتبه حالهما فلم يفعل الزوج الصفح ولا الفرقة ولا المرأة تأدية الحق ولا الفدية وخرجا إلى ما لا يحل قولا وفعلا بعث الإمام حكمًا من أهله إليه وحكمًا من أهلها إليها، رجلين حرين عدلين، ليستطلع كلُّ واحد من الحكمين رأي من بُعث إليه إن كانت رغبتُه في الوصلة (2) أو في الفُرقة، ثم يجتمع الحكمان فينفذان ما يجتمع عليه رأيُهما من الصلاح، فذلك قوله عز وجل: { فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا } يعني: الحكمين، { يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا } يعني: بين الزوجين، وقيل: بين الحكمين، { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا } [أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي، أنا الثقفي، عن أيوب عن ابن سيرين عن] (3) عبيدة أنه قال في هذه الآية { وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا } قال: جاء رجل وامرأة إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومع كل واحد منهما فئام من الناس، فأمرهم عليّ رضي الله عنه فبعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها ثم قال للحكمين: أتدْريَان ما عليكما؟ إن رأيتما أن تجمعا جمعتُما وإن رأيتما أن تُفرقا فرقتُما، قالت المرأة رضيتُ بكتاب الله بما عليّ فيه ولي، فقال الرجل: أما الفُرقة فلا فقال علي رضي الله عنه: كذبتَ والله حتى تقر بمثل الذي أقرّتْ به (4) .\rواختلف القول في جواز بعث الحكمين من غير رضا الزوجين: وأصح القولين أنه لا يجوز إلا برضاهما، وليس لِحَكَمِ الزوج أن يُطَلّق دون رضاه، ولا لِحَكَمِ المرأة أن يخالع على مالها إلا بإذنها، وهو قول أصحاب الرأي لأنّ عليًا رضي الله عنه، حين قال الرجل: أما الفُرقة فلا قال: كذبتَ حتى تُقِرَّ بمثل الذي أقرَّتْ به. فثبت أن تنفيذ الأمر موقوف على إقراره ورضاه.\rوالقول الثاني: يجوز بعث الحكمين دون رضاهما، ويجوز لِحَكَمِ الزوج أن يُطَلِّق دُون رضاه ولِحَكَمِ المرأة أن يخلع دون رضاها، إذا رأيا الصلاح، كالحاكم يحكم بين الخصمين وإن لم يكن على وفْق مُرادِهما، وبه قال مالك، ومن قال بهذا قال: ليس المراد من قول علي رضي الله عنه للرجل حتى تُقِرّ: أن رضاه شرط، بل معناه: أن المرأة رضيتْ بما في كتاب الله [فقال الرجل: أما الفُرقة فلا يعني: الفُرقة ليست في كتاب الله] (5) ، فقال علي: كذبْتَ، حيث أنكرتَ أن الفرقة في كتاب الله، بل هي في كتاب الله، [فإن\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من (أ).\r(2) في ب : (الصلح) .\r(3) ما بين القوسين ساقط من (أ) وهكذا إلى نهاية الورقة (86 / أ) سقط الإسناد من نسخة (أ).\r(4) أخرجه الطبري في التفسير: 8 / 320 - 321، والشافعي في الأم: 5 / 177، وقال: حديث علي ثابت عندنا، وأخرجه البيهقي في السنن: 7 / 305 - 306. وإسناده صحيح. والمصنف في شرح السنة: 9 / 189 - 190.\r(5) ما بين القوسين ساقط من: (أ).","part":2,"page":209},{"id":628,"text":"قوله تعالى: { يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا } يشتمل على الفراق وغيره] (1) لأن التوفيق أن يخرج كل واحد منهما من الوِزْرِ وذلك تارة يكون بالفُرقة وتارًة بصلاح حالهما في الوصلة.\r{ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا (36) }\rقوله تعالى: { وَاعْبُدُوا اللَّهَ } أي: وحدوه وأطيعوه، { وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } [أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله بن بِشْران، أنا علي أبو إسماعيل محمد بن محمد الصفار، أنا أحمد بن منصور الرَّمادي، أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأودي] (2) عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: \"هل تدري يا معاذ ما حق الله على الناس؟ قال قلت: الله ورسولُه أعلم، قال: حقُّه عليهم أن يعبدوه ولا يُشركُوا به شيئا، أتدري يا معاذ ما حَقُّ الناس على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال : قلت الله ورسولُه أعلم، قال: فإنّ حقَّ الناس على الله أن لا يعذبهم، قال قلتُ: يا رسول الله ألا أُبشِّر الناسَ؟ قال: دعهم يعملون\" (3) .\rقوله تعالى: { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } برًا بهما وعطفًا عليهما، { وَبِذِي الْقُرْبَى } أي: أحسنُوا بذي القربى، { وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ } [أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عمرو بن زرارة، أنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم] (4) \"أنا وكافل اليتيم في الجنِّة هكذا، واشار بالسَّبابة والوُسْطَى وفرّج بينهما شيئَا\" (5) .\r[أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أنا عبد الله بن محمود، أنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، أنا عبد الله بن مبارك، عن يحيى بن أيوب، عن عبد الله بن زَحْر، عن علي بن يزيد عن القاسم] (6) عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"من مَسَحَ رأسَ يتيم لم يمسحه إلا لله كان له بكل شَعَرَةَ تَمُرّ عليها يَدُهُ\r__________\r(1) ما بين القوسين من (أ).\r(2) ما بين القوسين من (أ).\r(3) أخرجه البخاري في الجهاد، باب في اسم الفرس والحمار: 6 / 58، وفي التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته. . 13 / 347 ومسلم في الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا، برقم (48 - 50) 1 / 58 - 59 . والمصنف في شرح السنة : 1 / 93.\r(4) ما بين القوسين من أسانيد هذه الأحاديث ساقط من: (أ).\r(5) أخرجه البخاري في الأدب، باب فضل من يعول يتيما: 10 / 463، ومسلم في الزهد والرقائق عن أبي هريرة، باب الإحسان إلى الأرملة والمسكين برقم (2983): 4 / 2287. والمصنف في شرح السنة: 13 / 43.\r(6) ما بين القوسين من أسانيد هذه الأحاديث ساقط من: (أ).","part":2,"page":210},{"id":629,"text":"حسناتُ ، ومن أحسن إلى يتيمة أو يتيم عنده كنت أنا وهو في الجنة كَهَاتين وقَرَنَ بين أصبعيه\" (1)\rقوله تعالى: { وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى } أي: ذي القرابة، { وَالْجَارِ الْجُنُبِ } أي: البعيد الذي ليس بينك وبينه قرابة. [أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أبو عبد الرحمن بن أبي شريح، أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، أنا علي بن الجعد، أنا شعبة عن أبي عمران الجوني قال: سمعت] طلحة قال: قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيِّهما أهدي؟ قال: \"إلى أقربهما منك بابًا\" (2) .\rأخبرنا الأستاذ الإمام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، أنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفرايني، أنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق، أنا يزيد بن سنان، أخبرنا عثمان بن عمر، أخبرنا أبو عامر الخزاز، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا تحقرنّ مِنَ المعروف شيئًا ولو أن تلقَى أخاكَ بوجهٍ طَلْقٍ، وإذا طَبخْتَ مرقة فأكثرْ ماءها واغرف لجيرانك منها\" (3) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا محمد بن منهال، أنا يزيد بن زريع، أنا عمر بن محمد، عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سَيْوَرِّثُهَ\" (4) .\rقوله تعالى : { وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ } يعني: الرفيق في السفر، قاله ابن عباس رضي الله عنهما وجماعةٌ وعكرمة وقتادة، وقال عليّ وعبد الله والنخعي: هو المرأة تكون معه إلى جنبه، وقال ابن جريج وابن زيد: هو الذي يصحبك رجاء نَفْعِكَ.\r{ وَابْنَ السَّبِيلِ } قيل: هو المسافر لأنه مُلازِمٌ للسبيل، والأكثرون: على أنه الضيف، أخبرنا الأستاذ الإمام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، أنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الاسفراييني، أنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق، أنا شعيب بن عمرو الدمشقي، أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، أنه سمع نافع بن جبير، عن أبي شريح الخزاعي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"من كان يؤمُن بالله واليوم الآخر\r__________\r(1) أخرجه أحمد: 5 / 250 ، 265 وعزاه الهيثمي أيضا للطبراني، وقال: فيه علي بن يزيد الألهاني وهو ضعيف، مجمع الزوائد: 8 / 160، والمصنف في شرح السنة: 13 / 44.\r(2) أخرجه البخاري في الأدب، باب حق الجوار في قرب الأبواب: 10 / 447.\r(3) أخرجه مسلم في البر والصلة، باب استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء مختصرا، برقم (2626): 4 / 2026 والمصنف في شرح السنة: 6 / 197.\r(4) أخرجه البخاري في الأدب، باب الوصاة بالجار: 10 / 441، ومسلم في البر والصلة، باب الوصية بالجار والإحسان إليه، برقم (2625): 4 / 2025، والمصنف في شرح السنة: 13 / 71.","part":2,"page":211},{"id":630,"text":"فليُحسنْ إلى جاره، ومن كان يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر فلْيكُرْم ضيفَه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليَقُلْ خيرًا أو ليصمت\" (1) .\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب، عن مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح الكعبي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"من كان يُؤْمنُ بالله واليوم الآخر فليُكْرم جارَه، ومَنْ كان يؤمُن بالله واليوم الآخر فليقلْ خيرا أو ليصمتْ، ومن كانَ يؤمنُ بالله واليوم الآخر فليُكْرم ضيفَه، جائزته يوْمٌ وليلة، والضيافةُ ثلاثةُ أيام، وما كان بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحلُّ أن يثوي -أي: أن يقيم -عنده حتى يُحرِجَه\" (2) .\rقوله تعالى: { وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } أي: المماليك أحسنوا إليهم، أخبرنا محمد بن الحسن المروزي أخبرنا أبو العباس الطحان، أنا أبو أحمد محمد بن قريش، أنا علي بن عبد العزيز المكي أنا أبو عبيد القاسم بن سلام، أنا يزيد، عن همام، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن سفينة، عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في مرضه: \"الصلاةَ وما ملكتْ أيمانُكم\" (3) ، فجعل يتكلم وما يفيض بها لسانه.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عمر بن حفص، أنا أبي، أنا الأعمش، عن المعرور، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: رأيت عليه بُردًا وعلى غلامه بُرْدٌ، فقلتُ: لو أخذت هذا فلبسته كانا حُلَّةً وأعطيته ثوبًا آخر، فقال: كان بيني وبين رجل كلام وكانت أمه أعجمية فنِلتُ منها فذكرني إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي أساببت فلانًا؟ قلتُ: نعم، قال: أفنِلْتَ أمه؟ قلت: نعم، قال إنّكَ امرٌؤ فيك جاهلية، قلتُ: على ساعتي هذه من كبر السن؟ قال: نعم، هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن جعل الله أخاه تحت يده فليطعمْهُ مما يأكل وليلِبْسهُ مما يلبس ولا يُكلفْهُ من العمل ما يَغْلبه، فإن كلفه ما يغْلبه فليُعِنْه عليه\" (4) .\rأخبرنا الإمام أبو الحسين بن محمد القاضي، أنا أبو طاهر الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد بن عمرو بن\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب الوصاة بالجار ص (38) ومسلم في الإيمان، باب الحث على إكرام الجار والضيف، برقم (77): 1 / 96.\r(2) أخرجه البخاري في الأدب، باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره: 1 / 445، ومسلم في الإيمان، باب الحث على إكرام الجار، برقم (74): 1 / 68.\r(3) أخرجه ابن ماجه في الوصايا، باب هل أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم: 2 / 900 - 901، عن أنس وعن علي بلفظ آخر. قال في الزوائد: إسناده حسن لقصور أحمد بن المقدام عن درجة أهل الضبط، وباقي رجاله على شرط الشيخين. وأخرجه أحمد: 1 / 78 عن علي رضي الله عنه، وفي: 3 / 17 عن أنس.\r(4) أخرجه البخاري في الأدب، ما ينهي من السباب واللعن: 10 / 465 وفي مواضع أخرى، ومسلم في الإيمان، باب إطعام المملوك مما يأكل. . . برقم (1661): 3 / 1282 - 1283، والمصنف في شرح السنة: 9 / 339 - 340.","part":2,"page":212},{"id":631,"text":"حفص التاجر، أنا سهل بن عمار، أنا يزيد بن هارون، أخبرنا صدقة بن موسى، عن فرقد السبخي، عن مرة الطيب، عن أبي بكر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"لا يدخل الجنة سيئ المَلَكَةِ\" (1) .\r{ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا } المختال: المتكبر، والفخور: الذي يفتخر على الناس بغير الحق تكبرًا، ذكر هذا بَعْدَمَا ذكر من الحقوق، لأن المتكبر يمنع الحق تكبرًا.\rأخبرنا حسان بن سعيد المنيعي، أنا أبو طاهر الزيادي، أنا محمد بن الحسين القطان، أنا أحمد بن يوسف السلمي، أنا عبد الرزاق أنا معمر، عن همام بن منبه، قال: أنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"بينما رجل يتبختر في بُردين وقد أعجبته نفسُه خَسَفَ الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة\" (2) .\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"لا ينظرُ الله يوم القيامة إلى من جَرّ ثوبه خيلاء\" (3) .\r{ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (37) }\r{ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ } البخل في كلام العرب: منع السائل من فضل ما لديه، وفي الشرع: منع الواجب، { وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ } قرأ حمزة والكسائي { بِالْبَخَلِ } بفتح الباء والخاء، وكذلك في سورة الحديد، وقرأ الآخرون بضم الباء وسكون الخاء، نزلت في اليهود بخلوا ببيان صفة محمد صلى الله عليه وسلم وكتموها (4) .\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في البر باب ما جاء في الإحسان إلى الخادم: 6 / 77 وقال: هذا حديث غريب، وابن ماجه في الأدب، باب الإحسان إلى المماليك، برقم (3691): 2 / 1271، وقال في الزوائد: في إسناده: فرقد السبخي، وهو وإن وثقه ابن معين في رواية فقد ضعفه في أخرى . وقد ضعفه البخاري وغيره، وأخرجه أحمد: 1 / 4 وفي مواضع أخرى ، وأبو بكر المروزي في مسند الصديق برقم (97 -99)، ص (138 -140). قال: الهيثمي: رواه أحمد وأبو يعلي، وفيه: فرقد السبخي (وفي الميزان السنجي) وهو ضعيف. مجمع الزوائد: 4 / 236. وحسنه السيوطي في الجامع الصغير، انظر: فيض القدير: 6 / 449.\r(2) أخرجه البخاري في اللباس، باب من جر ثوبه من الخيلاء: 10 / 258، ومسلم في اللباس والزينة، باب تحريم التبختر في المشي مع أعجابه بثيابه، برقم (2088): 3 / 1654، واللفظ له . والمصنف في شرح السنة: 12 / 320 - 321.\r(3) أخرجه البخاري في اللباس، باب قول الله تعالى \"قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده\": 10 / 258 وفي مواضع أخرى، ومسلم في اللباس، باب تحريم جر الثوب خيلاء. . برقم (2085): 3 / 1651. والمصنف في شرح السنة: 12 / 9 - 10.\r(4) انظر الطبري: 8 / 352، وأسباب النزول للواحدي ص (145 - 146).","part":2,"page":213},{"id":632,"text":"قال سعيد بن جبير: هذا في كتمان العلم (1) .\rوقال ابن عباس رضي الله عنهما وابن زيد: نزلت في كردم بن زيد وحيي بن أخطب ورفاعة بن زيد بن التابوت وأسامة بن حبيب ونافع بن أبي نافع وبحري بن عمرو كانوا يأتون رجالا من الأنصار ويخالطونهم فيقولون لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر ولا تدرون ما يكون فأنزل الله تعالى هذه الآية: (2) { وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } يعني المال، وقيل: يعني يبخلون بالصدقة { وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا }\r__________\r(1) انظر الطبري: 8 / 352 ، وأسباب النزول للواحدي ص (145 - 146).\r(2) انظر الطبري: 8 / 353 ، أسباب النزول ص (146)، الدر المنثور: 8 / 352.","part":2,"page":214},{"id":633,"text":"{ وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (38) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (39) إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40) }\r{ وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ } محل \"الذين\" نصب، عطفًا على الذين يبخلون ، وقيل: خفض عطفًا على قوله: و { أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ } نزلتْ في اليهود، وقال السدي: في المنافقين، وقيل: في مشركي مكة 85/أ المتفقين على عَدَاوَةِ الرسول صلى الله عليه وسلم (1) .\r{ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا } صاحبًا وخليلا { فَسَاءَ قَرِينًا } أي: فبئس الشيطان قرينًا وهو نصب على التفسير، وقيل: على القطع بإلقاء الألف واللام كما تقول: نعم رجلا عبد الله، وكما قال تعالى: \"بئس للظالمين بدلا\"( الكهف -50 ) \"ساء مثلا\"( الأعراف -177 ).\r{ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ } أي: ما الذي عليهم وأي شيء عليهم؟ { لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا }\r{ إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } [أدخل ابن عباس يده في التراب ثم نفخ فيها وقال: كل واحد من هذه الأشياء ذرة، والمراد أنه لا يظلم. لا قليلا ولا كثيرًا] (2) . ونظمه: وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا فإن الله لا يظلم أي: لا يبخس ولا ينقص أحدًا من ثواب عمله مثقال ذرّة، وزن ذرّة،\r__________\r(1) انظر: الدر المنثور : 2 / 539.\r(2) ساقط من: (ب).","part":2,"page":214},{"id":634,"text":"والذرّة: هي النملة الحمراء الصغيرة، وقيل: الذرّ أجزاء الهباء في الكُوّة وكل جزء منها ذرّة ولا يكون لها وزن، وهذا مثلٌ، يريد: إن الله لا يظلم شيئًا، كما قال في آية أخرى: \"إن الله لا يظلم الناس شيئا\"( يونس 44 )\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو عمر بكر بن محمد المزني، أنا أبو بكر محمد بن عبد الله الحفيد، أنا الحسين بن الفضل البجلي، أنا عفان، أنا همام، أنا قتادة عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إن الله لا يظلمَ المؤمن حسنةً، يثاب عليها الرزق في الدنيا ويُجزَى بها في الآخرة\" ، قال: \"وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنة يُعطى بها خيرًا\" (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أبو الطيب الربيع بن محمد بن أحمد بن حاتم البزار الطوسي، أنا أحمد بن محمد بن الحسن، أن محمد بن يحيى حدثهم، أخبرنا عبد الرزاق وأخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرنا جدّي أبو سهل عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار، أنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إذا خَلَصَ المؤمنون من النار وأمِنُوا، فما مجادلة أحدكم لصاحبه في الحق يكون له في الدنيا بأشدَّ مجادلة من المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أُدخلو النار، قال: يقولون ربَّنا إخواننا كانوا يُصلون معنا ويَصُومون معنا ويَحُجون معنا فأدخلتَهُمُ النار، قال: فيقول ذهبوا فأَخرجُوا من عَرَفْتُم منهم فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم لا تأكلُ النار صورَهم فمنهم من أخذَتْهُ النارُ إلى أنصافِ ساقيه ومنهم من أخذتْه إلى كعبيه فيُخرجونهم، فيقولون: ربنا قد أخرجنا من أمرتنا، قال: ثم يقول: أخرجوا من كان في قلبه وزْنُ دينار مَنْ الإيمان، ثم مَنْ كان في قلبه وزنُ نصفِ دينار، حتى يقول: من كان في قلبه مثقال ذرةٍ\"، قال أبو سعيد رضي الله عنه: فمن لم يصدق هذا فليقرأ هذه الآية: \"إن الله لا يظلم مثقالَ ذرةٍ وإن تَكُ حسنَةً يُضاعِفْهَا ويُؤْتِ من لدنه أجرًا عظيمًا\" قال: فيقولون ربَّنا قد أخرجنا من أمرتنا فلم يبق في النار أحدٌ فيه خير، ثم يقول الله عز وجل: شفعتِ الملائكةُ، وشفعتِ الأنبياءُ ، وشَفع المؤمنون، وبقي أرحمُ الراحمين، قال: فيقبض قبضةً من النار، أو قال: قبضتين لم يعملوا لله خيرًا قط قد احترقُوا حتى صاروا حُممًا فيُؤْتَى بهم إلى ماء يقال له: ماء الحياة فيصب عليهم فينبتُون كما تنبت الحِبَّةَ في حَميلِ السيل، قال: فتخرج أجسادهم مثل اللؤلؤ في أعناقهم الخاتم: عتقاء الله فيقال لهم: ادخلوُا الجَنَّةَ فما تمنيتم أو رأيتم من شيء فهو لكم، قال فيقولون: ربّنا أعطيتنا ما لم تُعطِ أحدًا من العالمين، قال: فيقول فإن لكم أفضل منه، فيقولون: ربنا وما أفضل من ذلك؟ فيقول: \"رضاي عنكم فلا أسخط عليكم أبدًا\" (2) .\r__________\r(1) أخرجه مسلم في صفات المنافقين - باب جزاء المؤمن بحسناته. . برقم (2808): 4 / 2162، والمصنف في شرح السنة: 14 / 310.\r(2) أخرجه النسائي في الإيمان، باب زيادة الإيمان 8 / 112 - 113، وابن ماجه في المقدمة، باب في الإيمان برقم (60): 1 / 23، وأحمد في المسند 3 / 94، والمصنف في شرح السنة 15 / 181 - 182.","part":2,"page":215},{"id":635,"text":"أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أنا محمد بن أحمد بن الحرث، أنا محمد بن يعقوب الكسائي، أنا عبد الله بن محمود، أنا إبراهيم بن عبد الله بن الخلال، أنا عبد الله بن المبارك، عن ليث بن سعد، حدثني عامر بن يحيى، عن أبي عبد الرحمن المعافري، ثم الجيلي، قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن الله يستخلص رجلا من أمتي على رُؤوس الخلائق يوم القيامة فينشرُ عليه تسعةً وتسعين سجلا كل سجل مثل مدَّ البصر، ثم يقول الله: أتُنْكر من هذا شيئًا؟ أَظَلَمَكَ كتبتي الحافظُون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أفَلَكَ عذرٌ أو حسنةُ؟ فبُهِتَ الرجل، قال: لا يا رب، فيقول: بلى إنّ لك عندنا حسنة وإنه لا ظلم عليك اليوم، فتُخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا عبدُه ورسولُه، فيقول: احضرْ وَزْنَكَ، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، فيقول: إنك لا تُظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثَقُلتْ البطاقةُ، قال: فلا يثقل مع اسم الله شيء\" (1) . وقال قوم: هذا في الخصوم.\rورُوي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأوّلين والآخرين ثم نادى منادٍ ألا من كان يطلب مظلمة فليجيء إلى حقه فليأخذه، فيفرح المرء أن يذوب (2) له الحق على والده أو ولده أو زوجته أو أخيه، فيأخذ منه وإن كان صغيرًا، ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى: { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ } ويُؤْتَى بالعبدِ فينادي منادِ على رُؤوس الأولين والآخرين: هذا فلان ابن فلان فمن كان له عليه حق فليأتِ إلى حقِّه فيأخذه، ويقال آتِ هؤلاء حقوقَهم فيقول: يا رب من أين وقد ذهبت الدنيا، فيقول الله عز وجل لملائكته انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها فإنْ بقي مثقال ذرة من حسنة قالت الملائكة: يا ربنا بقي له مثقال ذرة من حسنة، فيقول: ضعّفُوها لعبدي وأدخلوه بفضل رحمتي الجنة. ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا } وإن كان عبدًا شقيًا قالت الملائكة: إلهنا فنيت حسناتُه وبقي طالبون؟ فيقول الله عز وجل: خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته، ثم صُكُّوا له صكًّا إلى النار (3) .\rفمعنى الآية (4) هذا التأويل: أن الله لا يظلم مثقال ذرة للخصم على الخصم بل أخذ له منه ولا\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الإيمان، باب فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله: 7 / 395 - 396، وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجه في الزهد، باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة برقم (4300): 2 / 1437. وصححه الحاكم على شرط مسلم: 1 / 6 ووافقه الذهبي، وأحمد: 2 / 212، وصححه ابن حبان في الزهد، باب في الخوف والرجاء برقم (2523) ص (625) من موارد الظمآن، والمصنف في شرح السنة: 15 / 134.\r(2) يقال: ذاب لي على فلان من الحق كذا ، يذوب: أي ثبت ووجب. وفي \"أ\" (يدرب).\r(3) أخرجه الطبري في التفسير: 8 / 363 - 364. وقال ابن كثير: ولبعض هذا الأثر شاهد في الحديث الصحيح.\r(4) ساقط من: (ب).","part":2,"page":216},{"id":636,"text":"يظلم مثقال ذرة تبقى له بل يثيبه عليها ويضَعِّفها له، فذاك قوله تعالى: { وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا } قرأ أهل الحجاز { حَسَنَةٌ } بالرفع، أي: وإن توجد حسنة، وقرأ الآخرون بالنصب على معنى: وإن تك زِنةُ الذرةِ حسنةً يضَاعِفْها، أي: يجعلها أضعافًا كثيرة. { وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا } قال أبو هريرة رضي الله عنه: إذا قال الله تعالى أجرًا عظيمًا فمن يقدر قدره؟ .\r{ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42) }\rقوله تعالى: { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ } [أي: فكيف الحال وكيف يصنعون إذا جئنا من كل أمة بشهيد] (1) يعني: بنبيها يشهد عليهم بما عملوا، { وَجِئْنَا بِكَ } يا محمد، { عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا } شاهدًا يشهد على جميع الأمم على من رآه وعلى من لم يره.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا محمد بن يوسف، أنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه 85/ب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"اقرأ علي\" ، قلتُ: يا رسول الله أأقرأُ عليكَ وعليكَ أنزل؟ قال: نعم فقرأت سورة النساء حتى إذا أتيتُ هذه الآية { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا } قال: \"حَسْبُكَ الآن\" فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان (2) .\rقوله عز وجل: { يَوْمَئِذ } أي يوم القيامة، { يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ } قرأ أهل المدينة وابن عامر \"تسوى \" بفتح التاء وتشديد السين على معنى تتسوى، فأدغمت التاء الثانية في السين، وقرأ حمزة والكسائي بفتح التاء وتخفيف السين على حذف تاء التفعل كقوله تعالى \"لا تَكَلَّمُ نفسٌ إلا بإذنه\"( هود -11 ) وقرأ الباقون بضم التاء وتخفيف السين على المجهول، أي: لو سُوِّيْت بهم الأرضُ وصاروا هم والأرض شيئًا واحدًا.\rوقال قتادة وأبو عبيدة: يعني لو تخرقت الأرض فساخوا فيها وعادوا إليها ثم تسوى بهم، أي: عليهم الأرض.\rوقيل: ودُّوا لو أنهم لم يُبعثوا لأنهم إنما نُقلوا من التراب، وكانت الأرض مستويةً عليهم.\r__________\r(1) ساقط من (ب).\r(2) أخرجه البخاري في التفسير ، باب \"فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد. . \" : 8 / 250 عن عمرو بن مرة، وفي مواضع أخرى ، ومسلم في صلاة المسافرين ، باب فضل استماع القرآن وطلب القراءة من حافظ. . . برقم (800): 1 / 551. والمصنف في شرح السنة 4 / 490.","part":2,"page":217},{"id":637,"text":"وقال الكلبي: يقول الله عز وجل للبهائم والوحوش والطير والسباع: كُونُوا تُرابًا فتسوى بهنَّ الأرض، فعند ذلك يتمنّى الكافر أن لو كان ترابًا كما قال الله تعالى: \"ويقولُ الكافرُ يا ليتني كنتُ ترابًا\"( النبأ 40 ) .\r{ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا } قال عطاء: ودُّوا لو تُسوى بهم الأرضُ وأنهم لم يكونُوا كَتَمُوا أمرَ محمدِ صلى الله عليه وسلم ولا نَعْتَه. وقال الآخرون: بل هو كلامٌ مستأنف، يعني: ولا يكتمون الله حديثا لأن ما عملوا لا يخفى على الله ولا يقدرون على كتمانه. وقال الكلبي وجماعة: { وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا } لأن جوارحَهم تشهدُ عليهم.\rقال سعيد بن جبير: قال رجل لابن عباس رضي الله عنهما: إني أجد في القرآن أشياء تختلفُ عليّ، قال: هاتِ ما اختلفَ عليك، قال: \"فَلا أنسابَ بينهم يومئذٍ ولا يتساءَلُون\"( المؤمنون -101 )، \"وأقبل بعضُهم على بعض يتساءَلون\"( الطور -25 ) وقال: \"ولا يكتُمُون الله حديثًا\" ، وقال \"والله ربّنا ما كنّا مشركين\"( الأنعام -23 ) فقد كَتَمُوا، وقال: \"أم السماءُ بناها\" ، إلى قوله تعالى: \"والأرض بعد ذلك دحاها\" ، فذكر خلق السماء قبل الأرض، ثم قال: \"أإنّكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين\" ، إلى قوله : \"طائعين\"( فصلت 9-11 ) فذكر في هذه الآية خلق الأرض قبل السماء، وقال: \"وكان الله غفورًا رحيمًا\" \"وكان الله عزيزًا حكيمًا\" فكأنه كان ثم مضى؟ .\rفقال ابن عباس رضي الله عنهما: فلا أنساب بينهم في النفخة الأولى قال الله تعالى: \"ونُفخَ في الصور فَصَعِقَ من في السموات ومَنْ في الأرض إلا مَنْ شاءَ الله\"( الزمر -68 ) ، فلا أنسابَ عند ذلك ولا يتساءَلُون، ثم في النفخة الآخرة { أقبل بعضهم على بعض يتساءَلُون } ، وأما قوله: { ما كنّا مشركين } { ولا يكتُمُون الله حديثًا } ، فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذُنوبَهُم، فيقول المشركون: تعالوا نَقُلْ لم نكن مشركين، فيُخْتَمُ على أفواههم وتنطق أيديهم فعند ذلك عُرف أن الله لا يُكْتَمُ حديثًا، وعنده { يوُّد الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض } ، و { خلق الأرض في يومين } ، ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسوَّاهنّ في يومين آخرَين ثم دحا الأرض، ودحيها : أن أخْرجَ منها الماء والمرعى وخَلَقَ الجبَالَ والآكَامَ وما بينهما في يومَين آخرين، فقال: : خلق الأرضَ في يومَين فجُعِلت الأرضُ وما فيها من شيء في أربعةِ أيام، وخُلقَتِ السمواتُ في يومَين، { وكان الله غفورا رحيمًا } أي: لم يزل كذلك، فلا يختلف عليك القرآنُ فإن كُلا من عند الله (1) .\rوقال الحسن: إنها مواطن، ففي موطن لا يتكلمون ولا تسمع إلا همسًا، وفي موطن يتكلمون ويكْذِبُون ويقولون: ما كنّا مشركين، وما كنّا نعمل من سوء، وفي موضع يعترفُون على أنفسهم وهو قوله:\r__________\r(1) أخرجه البخاري تعليقا في التفسير، في تفسير سورة حم السجدة ثم وصله في آخر الحديث فقال: حدثنيه يوسف بن عدي حدثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد عن المنهال بهذا، وأخرجه الطبري في التفسير: 8 / 373 - 374.","part":2,"page":218},{"id":638,"text":"{ فاعترفوا بذنبهم } وفي موضع لا يتساءَلُون، وفي موطن يَسألون الرجعة، وآخِرُ (1) تلك المواطن أن يُخْتمَ على أفواههم وتتكلم جُوارحهم، وهو قوله تعالى: { وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا } 86/أ\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43) }\rقوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى } الآية، والمراد من السُّكْرِ: السُّكْرُ من الخمر، عند الأكثرين، وذلك أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه صنَع طعامًا ودعا ناسًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأتاهم بخمر فشربوها قبل تحريم الخمر وسَكِرُوا فحضرتْ صلاة المغرب فقدَّمُوا رجلا ليصلي بهم فقرأ { قل يا أيها الكافرون } أعبد ما تعبدون، بحذف { لا } هكذا إلى آخر السورة، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فكانوا بعد نزول هذه الآية يجتنبون السُّكْرَ أوقات الصلوات حتى نزل تحريم الخمر (2) .\rوقال الضحاك بن مزاحم: أراد به سكر النوم، نهى عن الصلاة عند غلبة النوم، أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو القاسم جعفر بن محمد بن المغلِّس أنا هارون بن إسحاق الهمذاني، أخبرنا عبدة بن سليمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالتْ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم فإن أحدكم إذا صلى وهو ينعس لعله يذهبُ يستغفرُ فيسبُ نفسه\" (3) .\rقوله تعالى : { حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا } نصب على الحال، يعني: ولا تقربوا الصلاة وأنتم جُنُبٌ، يقال: رجل جُنُبٌ وامرأة جُنُبٌ، ورجال جُنُبٌ ونساء جُنُبٌ.\r__________\r(1) في ب (وأخس).\r(2) أخرجه أبو داود في الأشربة، باب في تحريم الخمر: 5 / 259، والترمذي في التفسير، في تفسير سورة النساء: 8 / 380، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح. وعزاه في تحفة الأحوذي للنسائي. وقال: المنذري: وفي إسناده عطاء بن السائب، ولا يعرف إلا من حديثه. وقال ابن معين: لا يحتج بحديثه ، وفرق مرة بين حديثه القديم وحديثه الحديث، ووافقه على التفرقة الإمام أحمد، انظر: مختصر السنن للمنذري: 5 / 259. وعزاه ابن حجر في الكافي الشاف ص (44) لأحمد وعبد بن حميد والبزار والحاكم والطبري بنحوه. وانظر: تفسير الطبري: 8 / 376.\r(3) أخرجه البخاري في الوضوء، باب الوضوء من النوم: 1 / 313، ومسلم في صلاة المسافرين، باب أمر من نعس في صلاته. . . برقم (786): 1 / 543. والمصنف في شرح السنة: 4 / 57.","part":2,"page":219},{"id":639,"text":"وأصل الجنابةِ: البُعْد وسُمّي جنبًا لأنه يتجنب موضع الصلاة، أو لمجانبته الناسَ وبُعدِهِ منهم، حتىّ يغتسلَ.\rقوله تعالى: { إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا } اختلفوا في معناه، فقالوا: [إلا أن تكونوا مسافرين ولا تجدون الماء فتيمَّمُوا، مَنَع الجنب من الصلاة حتى يغتسل] (1) إلا أن يكون في سفر ولا يجد ماء فيصلي بالتيمم، وهذا قول علي وابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد رضي الله عنهم.\rوقال الآخرون: المراد من الصلاة موضع الصلاة، كقوله تعالى: \"وبيَعٌ وصَلَوات\"( الحج -40 )، ومعناه: لا تقربُوا المسجدَ وأنتم جُنُبٌ إلا مجتازين فيه للخروج منه، مثل أن ينام في المسجد فيجنب أو تصيبه جنابة والماء في المسجد أو يكون طريقه عليه، فيمرّ فيه ولا يقيم وهذا قول عبد الله بن مسعود وسعيد بن المسيب والضحاك والحسن وعكرمة والنخعي والزهري، وذلك أنّ قوما من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد فتصيبهم الجنابة وَلا مَاءَ عندهم ولا ممرّ لهم إلا في المسجد، فرُخِّص لهم في العُبور.\rواختلف أهل العلم فيه: فأباح بعضهم المرورَ فيه على الإطلاق، وهو قول الحسن وبه قال مالك والشافعي رحمهم الله، ومنع بعضهم على الإطلاق وهو قول أصحاب الرأي، وقال بعضهم: يتيمم للمرور فيه.\rأما المُكْث فلا يجوز عند أكثر أهل العلم لِمَا روينا عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"وجَّهُوا هذه البيوت عن المسجد فإنّي لا أًحِلُّ المسجدَ لحائض ولا جنب\" (2) ، وجوَّز أحمد المكث فيه وضعّف الحديث لأن راويه مجهول، وبه قال المزني .\rولا يجوز للجنب الطواف كما لا يجوز له الصلاة ولا يجوز له قراءة القرآن، أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم البغوي أنا علي بن الجعد أنا شعبة أخبرني عمرو بن مرة قال سمعت عبد الله بن سلمة (3) يقول: دخلت على علي رضي الله عنه فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي الحاجة ويأكل معنا اللحم ويقرأ القرآن وكان لا يحجبه أو لا يحجزه عن قراءة القرآن شيء إلا الجنابة\" (4) .\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب الجنب يدخل المسجد: 1 / 157 - 158 من حديث عائشة، وابن ماجه في الطهارة، باب ما جاء في اجتناب الحائض المسجد من حديث أم مسلمة، برقم (645): 1 / 212، قال في الزوائد: إسناده ضعيف، محدوج لم يوثق، وأبو الخطاب مجهول، وقد نقل ابن القطان عن عبد الحق أنه حديث حسن. انظر: نصب الراية: 1 / 194 - 195، مختصر المنذري: 1 / 157 - 158، ارواء الغليل : 1 / 162.\r(3) في المخطوط: عبد الله بن مسلم، والتصويب من شرح السنة والتقريب.\r(4) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب في الجنب يقرأ القرآن: 1 / 156، والترمذي في الطهارة، باب ما جاء في الرجل يقرأ القرآن على كل حال ما لم يكن جنبا: 1 / 453 ، 454، وقال: حديث حسن صحيح ، والنسائي في الطهارة، باب حجب الجنب من قراءة القرآن: 1 / 144 ، وابن ماجه في الطهارة وسننها، باب ما جاء في قراءة القرآن على غير طهارة، رقم (594): 1 / 195 ، والحاكم: 4 / 107 وصححه ووافقه الذهبي، والإمام أحمد: 1 / 8 ومواضع أخرى. والمصنف في شرح السنة: 2 / 41 - 42. وانظر ما قاله المنذري في مختصر السنن: 1 / 156 وابن حجر في تلخيص الحبير: 1 / 139 - 140، ارواء الغليل للألباني: 1 / 241 - 245.","part":2,"page":220},{"id":640,"text":"وغُسل الجنابة يجب بأحد الأمرين: إما بنزول المني أو بالتقاء الختانين، وهو تغييب الحشفة في الفرج وإن لم يُنزل، وكان الحكم في الابتداء أنّ من جامع امرأته فأكسل لا يجب عليه الغسل ثم صار منسوخًا.\rأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي، أنا سفيان، عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب أنّ أبا موسى الأشعري سأل عائشة رضي الله عنها عن التقاء الختانين فقالت عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إذا التقى الختانان، أو مَسّ الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل\" (1) .\rقوله تعالى: { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى } جمع مريض، وأراد به مريضًا يضره إمساسُ (2) الماء مثل الجدري ونحوه، أو كان على موضع طهارته جراحة يخاف من استعمال الماء فيها التَّلَف أو زيادةَ الوجع، فإنه يصلي بالتيمم وإن كان الماء موجودًا، وإن كان بعض أعضاء طهارته صحيحًا والبعض جريحًا غسل الصحيح منها وتيمم للجريح، لما أخبرنا أبو طاهر عمر بن عبد العزيز القاشاني، أنا أبو عمر القاسم بن جعفر الهاشمي، أنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي، أنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، أنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي، أنا محمد بن سلمة عن الزبير بن خُرَيق عن جابر بن عبد الله قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجرٌ فشجَّه في رأسه، فاحتلم فسأل أصحابه: هلْ تجدون لي رخصة في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلمّا قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال: \"قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال إنّما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب -شك الراوي - 86/ب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده\" (3) .\rولم يجوّز أصحاب الرأي الجمع بين التيمم والغسل، وقالوا: إن كان أكثر أعضائه صحيحا غسل\r__________\r(1) أخرجه الشافعي في المسند: 1 / 38 (ترتيب مسند الإمام)، وأخرجه في الأم: 1 / 31، وأحمد في المسند: 6 / 97 عن عائشة، ومالك في الموطأ، كتاب الطهارة، باب واجب الغسل إذا التقى الختانان، موقوفا على عائشة: 1 / 46. وأصل الحديث مطولا عند مسلم في الحيض، باب نسخ (الماء من الماء) . . . برقم (349): 1 / 271 - 272، وأخرجه المصنف في شرح السنة: 2 / 5. وانظر: نصب الراية: 1 / 84 - 85، تلخيص الحبير: 1 / 134 - 135 .\r(2) في ب: (امتساس) .\r(3) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب في المجدور يتيمم: 1 / 208 عن جابر، وفيه الزبير بن خريق - مصغرا - مولى عائشة: لين الحديث، من الخامسة (تقريب)، وأخرجه ابن ماجه في التيمم، باب المجروح تصيبه الجنابة فيخاف على نفسه، برقم (572): 1 / 189 عن ابن عباس بنحوه. قال في الزوائد: إسناده منقطع. والدارمي عن ابن عباس، في الطهارة، باب المجروح تصيبه الجنابة: 1 / 192، وصححه الحاكم: 1 / 178 عن ابن عباس، والمصنف في شرح السنة: 2 / 120.","part":2,"page":221},{"id":641,"text":"الصحيح ولا يتيمم عليه، وإن كان الأكثر جريحًا اقتصر على التيمم.\rوالحديث حجة لمن أوجب الجمع بينهما.\rقوله تعالى : { أَوْ عَلَى سَفَرٍ } أراد أنه إذا كان في سفر طويلا كان أو قصيرًا، وعُدم الماءُ فإنه يصلي بالتيمم ولا إعادة عليه، لما رُوي عن أبي ذر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"إن الصّعيدَ الطّيبَ وضوءُ المسلم وإن لم يجدِ الماءَ عشْرَ سنين، فإذا وَجَد الماء فليمسّه بَشَرَهُ\" (1) .\rأمّا إذا لم يكن الرجل مريضًا ولا في سفر لكنه عدم الماء في موضع لا يُعدَمُ فيه الماءُ غالبا بأن كان في قرية انقطع ماؤها فإنه يصلي بالتيمم ثم يعيد إذا قدر على الماء عند الشافعي، وعند مالك والأوزاعي لا إعادة عليه، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه يؤخر الصلاة حتى يجد الماء (2) .\rقوله تعالى: { أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ } أراد به إذا أحدث، والغائط: اسم للمطمئن من الأرض، وكانت عادة العرب اتيان الغائط للحدث فكُنيَّ عن الحدث بالغائط، { أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ } قرأ حمزة والكسائي \" لمَسَتْمُ \" هاهنا وفي المائدة، وقرأ الباقون { لامَسْتُمُ النِّسَاءَ }\rواختلفوا في معنى اللمس والمُلامَسة، فقال قوم: المجامعة، وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة، وكنيّ باللمس [عن الجماع لأن الجماع لا يحصل إلا باللّمس] (3) .\rوقال قوم: هما التقاء البشرتين سواء كان بجماع أو غير جماع، وهو قول ابن مسعود وابن عمر، والشعبي والنخعي.\rواختلف الفقهاء في حكم الآية فذهب جماعة إلى أنه إذا أفضى الرجل بشيء من بدنه إلى شيء من بدن المرأة ولا حائل بينهما، ينتقض وضوؤهما، وهو قول ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما، وبه قال الزهري والأوزاعي والشافعي رضي الله عنهم.\rوقال مالك والليث بن سعد وأحمد وإسحاق: إن كان اللمس بشهوة نقض الطهر، وإن لم يكن\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب الجنب يتيمم: 1 / 205 - 206، والترمذي في الطهارة، باب ما جاء في التيمم للجنب إذا لم يجد الماء: 1 / 387 - 388، وقال هذا حديث حسن صحيح. والنسائي في الطهارة، باب الصلوات يتيمم واحد: 1 / 171، والحاكم في المستدرك: 1 / 176 - 177 وصححه ووافقه الذهبي، وأحمد: 5 / 146 ، 147. . وصححه ابن حبان في موارد الظمآن برقم (196) ص (75) وأخرجه البزار من طريق هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة مرفوعا، وصححه ابن القطان، ولكن قال الدارقطني: إن الصواب إرساله. انظر فتح الباري: 1 / 446.\r(2) عند الحنفية: إذا كان يرجو أو يطمع أن يجد الماء يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت المستحب، وقال بعضهم يؤخرها إلى آخر وقت الجواز، والأول أصح. انظر: الفتاوى الهندية: 1 / 30، فتح القدير: 1 / 94.\r(3) ساقط من: (أ).","part":2,"page":222},{"id":642,"text":"بشهوة فلا ينتقض.\rوقال قوم: لا ينتقض الوضوءُ باللمس بحال، وهو قول ابن عباس وبه قال الحسن والثوري.\rوقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا ينتقض إلا أن يحدثَ الانتشار (1) .\rواحتج من لم يوجب الوضوء باللمس بما أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبد الله، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: كنتُ أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضتُ رجلي وإذا قام بسطتًهما، قالت والبيوت يومئذٍ ليس فيها مصابيح (2) .\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كنتُ نائمةً إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم ففقدتُه من الليل فلمستُه بيدي فوضعتُ يدي على قدميه وهو ساجد وهو يقول: \"أعوذُ برضاك من سخطك وبمعافاتِك من عُقوبتك وبك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك\" (3) .\rواختلف قول الشافعي رضي الله عنه فيما لو لمس امرأة من محارمه كالأم والبنت والأخت أو لمس أجنبية صغيرة، أصح القولين أنه لا ينقض الوضوء لأنها ليست بمحل الشهوة كما لو لمس رجلا.\rواختلف قوله في انتقاض وضوء الملموس على قولين، أحدهما: ينتقض لاشتراكهما في الالتذاذ كما يجب الغسل عليهما بالجماع، والثاني: لا ينتقض لحديث عائشة رضي الله عنها حيث قالت: فوضعت يدي على قدميه وهو ساجد.\rولو لمس شعر امرأة أو سنها أو ظفرها لم ينتقض وضوؤه عنده.\rواعلم أن المُحْدِثَ لا تصح صلاته ما لم يتوضأ إذا وجد الماء أو يتيمم إذا لم يجد الماء. أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر الزيادي، أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، أنا أحمد بن يوسف السلمي، أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن همام بن منبه، أنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله\r__________\r(1) قال الحنفية ينتقض الوضوء بالملامسة الفاحشة كأن يكونا متجردين ويحدث الانتشار، لا بمجرد الانتشار. انظر : حاشية ابن عابدين: 1 / 146، الفتاوى الهندية: 1 / 13.\r(2) أخرجه البخاري في الصلاة، باب التطوع خلف المرأة: 1 / 588، ومسلم في الصلاة، باب الاعتراض بين يدي المصلي برقم (512): 1 / 367، والمصنف في شرح السنة: 2 / 457.\r(3) أخرجه مسلم في الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، برقم (486): 1 / 352.","part":2,"page":223},{"id":643,"text":"صلى الله عليه وسلم: \" لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ\" (1) .\rوالحدث هو خروج الخارج من أحد الفرجين عيْنًا كان أو أثرًا، والغلبة على العقل بجنون أو إغماء على أي حال كان، وأما النوم فمذهب الشافعي رضي الله عنه أنه يوجب الوضوء إلا أن ينام قاعدًا متمكنًا فلا وضوء عليه، لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أنا الشافعي، أنا الثقة عن حميد الطويل، عن أنس رضي الله عنهما قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء فينامون، أحسبه قال قعودًا حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون (2) .\rوذهب قوم إلى أن النوم يُوجب الوضوءَ بكل حال وهو قول أبي هريرة رضي الله عنه وعائشة رضي الله عنها، وبه قال الحسن وإسحاق والمُزَني، وذهب قوم إلى أنه لو نام قائمًا أو قاعدًا أو ساجدًا فلا وضوء عليه حتى ينام مضطجعا وبه قال الثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي.\rواختلفوا في مس الفرج من نفسه أو من غيره فذهب جماعة إلى أنه يوجب الوضوء وهو قول عمر وابن عباس وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وعائشة رضي الله عنها، وبه قال سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعروة بن الزبير، وإليه ذهب الأوزاعي والشافعي، وأحمد وإسحاق، وكذلك المرأة تمسُّ فرجَها، غير أن الشافعي رضي الله عنه يقول لا ينتقض إلا أن يمس ببطن الكف أو بطون الأصابع.\rواحتجوا بما أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر محمد بن محمد بن عمرو بن حزم أنه سمع عروة بن الزبير يقول: دخلتُ على مروان بن الحكم فذكرنا ما يكون منه الوضوء، فقال مروان: مِنْ مَسِّ الذكر الوضوء، فقال عروة: ما علمتُ ذلك، فقال مروان: أخبرتني بُسرةُ بنت صفوان أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ\" (3) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الوضوء، باب : لا تقبل صلاة بغير طهور: 1 / 234، ومسلم في الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة برقم (225): 1 / 204، والمصنف في شرح السنة: 1 / 328.\r(2) أخرجه مسلم في الحيض، باب الدليل على أن نوم الجالس لا ينقض الوضوء، بلفظ: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينامون ثم يصلون ولا يتوضؤون برقم (376): 1 / 284. وأخرجه بلفظ المصنف: أبو داود في الطهارة باب الوضوء من النوم: 1 / 143، والترمذي في الطهارة، باب ما جاء في الوضوء من النوم: 1 / 253 وقال: هذا حديث حسن صحيح. والشافعي في المسند: 1 / 34 (ترتيب المسند) والمصنف في شرح السنة: 1 / 338.\r(3) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر: 1 / 131، والترمذي في الطهارة، باب ما جاء في الوضوء من مس الذكر: 1 / 270 - 272 ، وقال: هذا حديث صحيح. والنسائي في الطهارة باب الوضوء من مس الذكر: 1 / 100، وابن ماجه في الطهارة، باب الوضوء من مس الذكر، برقم (479): 1 / 161، ومالك في الطهارة، باب الوضوء من مس الفرج: 1 / 42، والدارقطني في السنن: 1 / 146 ، 147، وقال: صحيح، والشافعي في المسند : 1 / 34 ، 35 (ترتيب المسند) وفي الأم: 1 / 15، وأحمد في المسند: 6 / 406 . والمصنف في شرح السنة: 1 / 340.","part":2,"page":224},{"id":644,"text":"وذهب جماعة إلى أنه لا يوجب الوضوء، روي ذلك عن علي وابن مسعود وأبي الدرداء وحذيفة وبه قال الحسن، وإليه ذهب الثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي.\rواحتجوا بما روي عن طلق بن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن مسِّ الرجل ذكرَه، فقال: \"هل هو إلا بضعةٌ منك\" ؟ ويُروى \"هل هو إلا بضعة أو مضغة منه\" (1) .\rومن أوجب الوضوء منه قال: هذا منسوخ بحديث بُسرة لأن أبا هريرة يروي أيضًا: أنّ الوضوء من مس الذكر (2) ، وهو متأخّر الإسلام، وكان قدوم طلق بن علي على رسول الله 87/أ صلى الله عليه وسلم أول زمن الهجرة حين كان يبني المسجد.\rواختلفوا في خروج النجاسة من غير الفرجين بالفصد والحجامة وغيرهما من القيء ونحوه، فذهب جماعة إلى أنه لا يُوجب الوضوءَ، رُوي ذلك عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس، وبه قال عطاء وطاوس والحسن وسعيد بن المسيب وإليه ذهب مالك والشافعي.\rوذهبت جماعة إلى إيجاب الوضوء بالقيء والرعاف والفصْد والحِجَامة منهم سفيان الثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق.\rواتفقوا على أن القليل منه وخروج الريح من غير السبيلين لا يُوجِبُ الوضوءَ ولو أوجب الوضوءَ كثيره لأوجب قليله كالفرج.\r{ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } اعلم أن التيمم من خصائص هذه الأمة، رَوَى حُذيفةُ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"فُضِّلْنَا على الناس بثلاثٍ: جُعلتْ صفوفُنا كصفُوف الملائكة، وجُعلتْ لنا\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب الرخصة في ذلك (الوضوء من مس الذكر): 1 / 133 ونقل المنذري فيه قول يحيى بن معين: \"لقد أكثر الناس في قيس بن طلق وأنه لا يحتج بحديثه، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن هذا الحديث فقال: قيس بن طلق ليس ممن تقوم به حجة، ووهنّاه ولم يثبتاه\". وأخرجه الترمذي في الطهارة، باب ما جاء في ترك الوضوء من مس الذكر: 1 / 274، والنسائي في الطهارة، باب الوضوء من ذلك: 1 / 101، وابن ماجه في الطهارة، باب الرخصة في ذلك برقم (483): 1 / 163، والدارقطني في الطهارة: 1 / 49 وابن حبان في الطهارة، باب ما جاء في مس الفرج برقم (207) ، ص (77) من موارد الظمآن، وأحمد: 4 / 22 - 23، والمصنف في شرح السنة: 1 / 342. وانظر: تلخيص الحبير: 1 / 125، نصب الراية: 1 / 60 - 76. وقد صحح الحديث: الدارقطني والطحاوي وعمرو بن علي الفلاس وابن المديني، والطبراني وابن حزم. وضعفه الشافعي وأبو حاتم وأبو زرعة والبيهقي وابن الجوزي، وادعى فيه النسخ: ابن حبان والطبراني وابن العربي والحازمي وآخرون.\r(2) أخرجه الشافعي في المسند: 1 / 35 (ترتيب المسند) وفي الأم: 1 / 15 - 16 ، والبيهقي في السنن: 1 / 133، والدارقطني: 1 / 147، وصححه الحاكم: 1 / 138 بلفظ: من مس فرجه. . وابن حبان برقم (210) ص (77) موارد الظمآن، وأحمد: 2 / 333، وأخرجه البخاري في التاريخ موقوفا على أبي هريرة. انظر: نصب الراية : 1 / 56. وقال النووي: في إسناده ضعف، لكنه يقوى بكثرة طرقه. انظر: المجموع: 2 / 37. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 1 / 341.","part":2,"page":225},{"id":645,"text":"الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء\" (1) .\rوكان بدء التيمم ما أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد السرخسي، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنّا بالبيداء أو بذات الجيش انقطعَ عقد لي فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التِمَاسِه وأقام الناس معه، وليسوا على ماء وليس معهم ماء فأتى الناسُ أبا بكر رضي الله عنه فقالوا ألا ترى ما صنعت عائشة أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس معه، وليسوا على ماء وليس معهم ماء فجاء أبو بكر رضي الله عنه ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام فقال: أحبستِ رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء، قالت: فعاتبني أبو بكر رضي الله عنه وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله تعالى آية التيمم { فَتَيَمَّمُوا } فقال أُسيد بن حُضير وهو أحد النقباء: ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت عائشة رضي الله عنها: فبعثنا البعيرَ الذي كنت عليه فوجدنا العقدَ تحتَهُ (2) .\rوأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عبيد بن إسماعيل، أنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها: أنها استعارتْ من أسماء قلادًة فهلكت: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسًا من أصحابه في طلبها فأدركتْهم الصلاةُ فصلوا بغير وضوء، فلمّا أتوا النبي صلى الله عليه وسلم شكوا ذلك إليه فنزلت آية التيمم. فقال أُسيد بن حضير: جزاك الله خيرًا فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجًا وجعل للمسلمين فيه بركة (3) .\r{ فَتَيَمَّمُوا } أي: اقصُدُوا، { صَعِيدًا طَيِّبًا } أي: ترابًا طاهرًا نظيفًا، قال ابن عباس رضي الله عنهما: الصعيدُ هو التراب.\rواختلف أهل العلم فيما يجوز به التيمم، فذهب الشافعي رحمه الله تعالى إلى أنه يختص بما يقع عليه اسم التراب مما يعلق باليد منه غبار، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"وجُعلتْ تربتُها لنا طهورًا\" (4) .\r__________\r(1) أخرجه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة برقم (522): 1 / 371.\r(2) أخرجه البخاري في التيمم، باب إذا لم يجد ماء ولا ترابا : 1 / 431 وفي مواضع أخرى، ومسلم في الحيض ، باب التيمم، برقم (367): 1 / 279، والمصنف في شرح السنة: 2 / 104 - 106 .\r(3) أخرجه البخاري في التيمم، باب إذا لم يجد ماء ولا ترابا : 1 / 440 ومسلم في الحيض، باب التيمم، برقم: (367): 1 / 279.\r(4) قطعة من حديث حذيفة السابق عند مسلم برقم (522): 1 / 371.","part":2,"page":226},{"id":646,"text":"وجوّز أصحاب الرأي التيمم بالزرنيخ والجص والنُّوْرة وغيرها من طبقات الأرض، حتى قالوا: لو ضرب يديه على صخرة لا غبار عليها أو على التراب ثم نفخ فيه حتى زال كله فمسح به وجهه ويديه صحّ تيممُه، وقالوا: الصعيد وجهُ الأرض، لما رُوي عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"جُعلتْ لي الأرض مسجدًا وطهورًا\" (1) .\rوهذا مجمل، وحديث حذيفة في تخصيص التراب مفسَّر، والمفسَّر من الحديث يقضي على المُجمل.\rوجوز بعضهم التيمم بكل ما هو متصل بالأرض من شجر ونبات، ونحوهما وقال: إن الصعيد اسم لما تصاعد على وجه الأرض.\rوالقصد إلى التراب شرطٌ لصحة التيمم، لأن الله تعالى قال: { فَتَيَمَّمُوا } والتيمم: القصد، حتى لو وقف في مهب الريح فأصابَ الغبارُ وجهَهُ ونوى لم يصح.\rقوله تعالى: { فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا } اعلم أن مسح الوجه واليدين واجب في التيمم، واختلفوا في كيفيته: فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يمسح الوجه واليدين مع المرفقين، بضربتين، يضرب كفيه على التراب فيمسح جميع وجهه، ولا يجب إيصال التراب إلى ما تحت الشعور، ثم يضرب ضربةً أخرى فيمسح يديه إلى المرفقين، لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد بن الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي، أنا إبراهيم بن محمد، عن أبي الحُويرث، عن الأعرج، عن أبي الصمة قال: مررتُ على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلمت عليه فلم يردَّ علي حتى قام إلى جدار فحته بعصًا كانت معه، ثم وضع يديه على الجدار فمسح وجهه وذراعيه ثم ردّ عليّ\" (2) ففيه دليلٌ على وجوب مسح اليدين إلى المرفقين كما يجب غسلهما في الوضوء إلى المرفقين، ودليلٌ على أن التيمم لا يصح ما لم يعلق باليد غبار التراب، لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم حتَّ الجدارَ بالعصا، ولو كان مجرد الضرب كافيًا لما كان حتَّه.\rوذهب الزهري إلى أنه يمسح اليدين إلى المنكبين، لما رُوي عن عمار أنه قال: تَيَمّمْنَا إلى المناكب.\rوذلك حكاية فعله لم ينقله عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما رُوي أنه قال: أجنبتُ فتمعكتَ في التراب، فلمّا سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم أمره بالوجه والكفين.\rوذهب جماعة إلى أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، وهو قول علي وابن عباس رضي الله عنهم،\r__________\r(1) أخرجه البخاري في أول كتاب التيمم: 1 / 435 - 436، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، برقم (521): 1 / 370، والمصنف في شرح السنة: 13 / 196.\r(2) أخرجه البخاري في التيمم، باب التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة: 1 / 441، ومسلم في الحيض باب التيمم برقم (369): 1 / 281، والمصنف في شرح السنة: 2 / 115.","part":2,"page":227},{"id":647,"text":"وبه قال الشعبي وعطاء بن أبي رباح ومكحول، وإليه ذهب الأوزاعي وأحمد وإسحاق، واحتجوا بما أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا آدم، أنا شعبة، أخبرنا الحكم، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي، عن أبيه قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: إني أجنبتُ فلم أصب الماء، فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأمّا أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكتُ فصليت فذكرتُ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفيه الأرضَ ونفخَ فيهما، ثم مسحَ بهما وجهَهُ وكفيه\" (1) .\rوقال محمد بن إسماعيل أنا محمد بن كثير عن شعبة بإسناده فقال عمار لعمر رضي الله عنه: تمعكتُ فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: \"يكفيك الوجه والكفان\" (2) .\rوفي الحديث دليل على أن الجنب إذا لم يجد الماء يصلي بالتيمم، وكذا الحائض والنفساء إذا طُهُرتَا وعُدمَتا الماء.\rوذهب عمر وابن مسعود رضي الله عنهما إلى أن الجنب لا يصلي 87/ب بالتيمم بل يؤخر الصلاة إلى أن يجد الماء فيغتسل، وحملا قوله تعالى: { أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ } على اللمس باليد دون الجماع، وحديث عمار رضي الله عنه حجة، وكان عمر نسي ما ذَكَرَ له عمار فلم يقنع بقوله. وروي أن ابن مسعود رضي الله عنه رجع عن قوله وجوّز التيمم للجنب، والدليل عليه أيضا: ما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي، أنا إبراهيم بن محمد بن عياد بن منصور، عن أبي رجاء العطاردي، عن عمران بن حصين رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلا كان جنبًا أن يتيمم ثم يصلي فإذا وجدَ الماءَ اغتسلَ (3) .\rوأخبرنا عمر بن عبد العزيز، أنا أبو القاسم بن جعفر الهاشمي، أنا أبو علي اللؤلؤي، أنا أبو داود السجستاني، أنا مسدد، أنا خالد الواسطي، عن خالد الحذاء، عن أبي عمرو، عن بجدان، عن أبي ذر رضي الله عنهم قال: اجتمعت غنيمة من الصدقة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا ذر ابْدُ فيها، فبدوت إلى الربذة\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التيمم، باب التيمم هل ينفخ فيهما؟ : 1 / 443، ومسلم في الحيض، باب التيمم، برقم (368): 1 / 280، والمصنف في شرح السنة: 2 / 109.\r(2) أخرجه البخاري في التيمم، باب التيمم للوجه والكفين: 1 / 445، ومسلم في الحيض، باب التيمم، برقم (368): 1 / 280، والصنف في شرح السنة: 2 / 109.\r(3) أخرجه البخاري في التيمم، باب الصعيد الطيب وضوء المسلم: 1 / 447 - 448 وفي الأنبياء، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الصلاة الفائتة . . . مطولا برقم (682): 1 / 474 - 476، والمصنف في شرح السنة: 20 / 111.","part":2,"page":228},{"id":648,"text":"وكانت تصيبني الجنابة فأمكث الخمس والست، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \"الصعيدُ الطيبُ وضوءُ المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماءَ فأمسّه جلدك فإنّ ذلك خير\" (1) .\rومسح الوجه واليدين في التيمم ، تارة يكون بدلا من غسل جميع البدن في حق الجنب والحائض والنفساء والميت، وتارة يكون بدلا عن غسل الأعضاء الأربع في حق المحدث، وتارة يكون بدلا عن غسل بعض أعضاء الطهارة، بأن يكون على بعض أعضاء طهارته جراحةٌ لا يمكنه غسل محلها، فعليه أن يتيمم بدلا عن غسله.\rولا يصح التيمم لصلاة الوقت إلا بعد دخول الوقت، ولا يجوز أن يجمع بين فريضتين بتيممٍ واحدٍ، لأن الله تعالى قال: { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ } إلى أن قال: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا } ظاهر الآية يدل على وجوب الوضوء أو التيمم إذا لم يجد الماء عند كل صلاة، إلا أن الدليل قدْ قامَ في الوضوء فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم فتح مكة الصلوات بوضوءٍ واحد، (2) فبقي التيمم على ظاهره، وهذا قول علي وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم، وبه قال الشعبي والنخعي وقتادة، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق.\rوذهب جماعة إلى أن التيمم كالطهارة بالماء يجوز تقديمه على وقت الصلاة، ويجوز أن يصلي به ما شاء من الفرائض ما لم يُحدث، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن والزهري والثوري وأصحاب الرأي.\rواتفقوا على أنه يجوز أن يصلي بتيمم واحد مع الفريضة ما شاء من النوافل، قبل الفريضة وبعدها، وأن يقرأ القرآن إن كان جنبًا، وإن كان تيممه بعذر السفر وعدم الماء فيشترط طلب الماء، وهو أن يطلبه من رحله ورفقائه.\rوإن كان في صحراء لا حائل دون نظره ينظر حَوَالَيْه، وإن كان دون نظره حائل قريب من تلِّ أو جدار عدل عنه، لأن الله تعالى قال: { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } ولا يُقال: لم يجد الماء: إلا لمن طلب.\rوعند أبي حنيفة رضي الله عنه: طلب الماء ليس بشرط، فإن رأي الماءَ ولكن بينه وبين الماء حائل من عدو أو سبع يمنعه من الذهاب إليه، أو كان الماء في البئر وليس معه آلة الاستقاء، فهو كالمعدوم، يصلي بالتيمم ولا إعادة عليه.\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب الجنب يتيمم: 1 / 205 - 206، والترمذي في الطهارة، مختصرا، باب ما جاء في التيمم للجنب إذا لم يجد الماء: 1 / 387 وقال: هذا حديث حسن صحيح . والبيهقي في السنن : 1 / 220، وصححه الحاكم في المستدرك: 1 / 176 - 177 ووافقه الذهبي.\r(2) انظر صحيح الإمام مسلم - كتاب الطهارة - باب جواز الصلوات كلها بوضوء واحد برقم (277) 1 / 232.","part":2,"page":229},{"id":649,"text":"{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44) }","part":2,"page":230},{"id":650,"text":"{ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (45) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا (46) }\rقوله عز وجل { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ } يعني: يهود المدينة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في رفاعة بن زيد ومالك بن دخشم، كان إذا تكلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم لَوَّيَا بألسنتهما (1) وعابَاهُ، فأنزل الله تعالى هذه الآية (2) { يَشْتَرُون } يستبدلون، { الضَّلالَة } يعني: بالهدى، { وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ } أي: عن السبيل يا معشر المؤمنين\r{ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ } منكم فلا تستنصِحُوهم فإنهم أعداؤكم، { وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا } قال الزجاج: معناه اكتفُوا بالله وليًا واكتفوا بالله نصيرًا.\r{ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا } قيل: هي متصلة بقوله { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ } { مِنَ الَّذِينَ هَادُوا } وقيل: هي مستأنفة، معناه: من الذين هادُوا مَنْ يُحرِّفون، كقوله تعالى: \"وما مِنَّا إلا له مقامٌ معلوم\"( الصافات -164 ) أي: مَنْ له مقام معلوم، يُريدُ: فريقٌ، { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ } يُغَيِّروُنَ الكلم { عَنْ مَوَاضِعِهِ } يعني: صفة محمد صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كانت اليهود يأتون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ويسألونه عن الأمر، فيُخبرهم، فيرى أنهم يأخذون بقوله، فإذا انصرفُوا من عنده حرَّفُوا كلامَه، { وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا } قولك { وَعَصَيْنَا } أمرك، { وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ } أي: اسمعْ منّا ولا نسمع منك، { غَيْرَ مُسْمَعٍ } أي: غير مقبول منك، وقيل: كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: اسمع، ثم يقولونَ في أنفسهم: لا سمعت، { وَرَاعِنَا } أي: ويقولون راعِنَا، يُريدُونَ به النسبة إلى الرُّعونة، { لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ } تحريفا { وَطَعْنًا } قدحا { فِي الدِّينِ } أن قوله: \"وراعنا\" من المراعاة، وهم يحرِّفُونه، يُريدون به الرُّعونة، { وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا } أي: انظر إلينا مكان قولهم رَاعِنا، { لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ } أي أعدل وأصوب، { وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا } إلا نفرًا قليلا منهم، وهو عبد الله بن سلام ومن أسلم معه منهم.\r__________\r(1) في ب: :(لسانهما).\r(2) انظر: الدر المنثور: 2 / 593.","part":2,"page":230},{"id":651,"text":"{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا (47) }\rقوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } يُخاطب اليهود، { آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا } يعني: القرآن، { مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ } يعني: التوراة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كلَّم أحبار اليهود: عبد الله بن صوريا وكعب بن الأشرف، فقال: \"يا معشر اليهود اتُقوا الله وأسلموا، فوالله إنّكم لتعلمون أنّ الذي جئْتُكم به لحق\"، قالوا: ما نعرف ذلك، وأصروا على الكفر، فنزلت هذه الآية (1) .\r{ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا } قال ابن عباس: نجعلها كخف البعير، وقال قتادة والضحاك: نُعميها (2) ، والمراد بالوجه العين، { فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا } أي: نطمسُ الوجه فنرده على القفا، وقيل: نجعل الوجوه منابت الشعر كوجوه القردة، لأن منابت شعور الآدميين في أدبارهم دون وجوههم، وقيل: معناه نمحو آثارها وما فيها من أنف وعين وفم وحاجب فنجعلها كالأقفاء، وقيل: نجعل عينيه على القفا فيمشي قهقرى.\rروي أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه لمّا سَمِعَ هذه الآية جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي أهله، ويده على وجهه، وأسلم وقال: يا رسول الله ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي، وكذلك كعب الأحبار لما سمع هذه الآية أسلم في زمن عمر رضي الله عنه، فقال: يا رب آمنتُ، يا رب أسلمتُ، مخافة أن يصيبَهُ وعيدُ هذه الآية (3) .\rفإن قيل: قد أوعدهم (4) بالطمس إن لم يُؤمنوا ثم لم يؤمنوا ولم يُفعل بهم ذلك؟ .\rقيل: هذا الوعيد باق، ويكون طمسٌ ومسخٌ في اليهود قبل قيام الساعة.\rوقيل: كان هذا وعيدًا بشرط، فلما أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه دفع ذلك عن الباقين.\rوقيل: أراد به القيامة، وقال مجاهد 88/أ أراد بقوله: { نَطْمِسَ وُجُوهًا } أي: نتركهم في الضلالة، فيكون المراد طمس وجه القلب، والردّ عن بصائر الهدى على أدبارها في الكفر والضلالة.\rوأصل الطمس: المحو والإفساد والتحويل، وقال ابن زيد: نمحُو آثارَهم من وجوههم ونواحيهم التي\r__________\r(1) أخرجه البخاري مطولا في مناقب الأنصار، باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة: 7 / 249 - 250.\r(2) في أ: (نعمها).\r(3) قطعة من الحديث السابق.\r(4) في المخطوطتين (وعدهم).","part":2,"page":231},{"id":652,"text":"هم بها، فنردّها على أدبارهم؟ حتى يعودوا إلى حيث جاؤوا منه بدءًا وهو الشام، وقال: قد مضى ذلك، وتأوله في إجلاء بني النضير إلى أذرعات وأريحاء من الشام { أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ } فنجعلهم قردة وخنازير، { وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا }\r{ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48) }\r{ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ } قال الكلبي: نزلت في وحشي بن حرب وأصحابه، وذلك أنه لمّا قتل حمزة كان قد جعل له على قتله أن يُعتق فلم يُوَفَّ له بذلك، فلما قدم مكة ندم على صنيعه هو وأصحابه فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا قد ندمنا على الذي صنعنا وأنه ليس يمنعنا عن الإسلام إلا أنا سمعناك تقول وأنت بمكة: \"والذين لا يدعون مع الله إلها آخر\" الآيات( الفرقان -68 ) ، وقد دعونا مع الله إلهًا آخر وقتلنا النفس التي حرّم الله وزنينا، فلولا هذه الآيات لاتبعناك، فنزلت: \"إلا من تابَ وآمَنَ وعملَ عملا صالحًا\" الآيتين،( الفرقان -70 -71 ) فبعث بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فلمّا قرأوا كتبوا إليه: إن هذا شرط شديد نخاف أن لا نعمل عملا صالحًا، فنزل : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ، فبعث بها إليهم فبعثوا إليه: إنّا نخاف أن لا نكون من أهل المشيئة فنزلت: \"قل يا عبادَي الذين أسرَفُوا على أنفسهم لا تَقْنَطٌوا مِنْ رحمةِ الله\"( الزمر -53 )، فبعث بها إليهم فدخلوا في الإسلام ورجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبل منهم، ثم قال لوحشي: أخبرني كيف قتلتَ حمزة؟ فلمّا أخبره قال: \"ويحك غيّب وجهك عني\"، فلحق وحشي بالشام فكان بها إلى أن مات (1) .\rوقال أبو مجلز عن ابن عمر رضي الله عنه لمّا نزلت: \"قل يا عباديَ الذين أسرَفُوا على أنفسهم\"، الآية قام رجل فقال: والشرك يا رسول الله، فسكتَ ثم قام إليه مرتين أو ثلاثا فنزلت { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ } (2) .\rوقال مُطرف بن عبد الله بن الشخير: قال ابن عمر رضي الله عنه: كنا على عهد محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مات الرجل على كبيرة شهدنا أنه من أهل النار حتى نزلت هذه الآية { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } فأمسكنا عن الشهادات (3) .\r__________\r(1) انظر: البحر المحيط: 3 / 268.\r(2) الطبري: 8 / 449، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 2 / 557 لابن أبي حاتم وابن المنذر.\r(3) انظر الطبري: 8 / 450، والدر المنثور: 2 / 556.","part":2,"page":232},{"id":653,"text":"حكي عن علي رضي الله عنه أن هذه الآية أرجى آية في القرآن \"ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء\" (1) .\r{ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى } اختلق، { إِثْمًا عَظِيمًا } أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أحمد بن الحسن الحيري، أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي، أنا محمد بن حماد، أنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلُ فقال: يا رسول الله ما الموجبتان؟ قال: \"مَنْ مات لا يُشركُ بالله شيئا دخل الجنة، ومَنْ مات يشركُ بالله شيئا دخل النار\" (2) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أبو معمر، أنا عبد الوارث، عن الحسين يعني: المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعَمُر حدثه أن أبا الأسود الدؤلي حدّثه أن أبا ذر حدّثه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثوبٌ أبيض وهو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ، فقال: \"ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة\" قلتُ: وإنْ زنى وإنْ سرق؟ قال \"وإنْ زنى وإنْ سرق\" قلتُ: وإنْ زنى وإنْ سرق ؟ قال: \"وإنْ زنى وإنْ سرق\" قلتُ: وإنْ زنى وإنْ سرق؟ قال: \"وإنْ زنى وإنْ سرق على رَغْمِ أنفِ أبي ذر\"، وكان أبو ذر إذا حدث بهذا قال: وإنْ رغم أنف أبي ذر (3) .\r{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا (49) }\rقوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ } الآية، قال الكلبي: نزلت في رجال من اليهود منهم بحري بن عمرو والنعمان بن أوفى ومرحب بن زيد، أتوا بأطفالهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد هل على هؤلاء من ذنب؟ فقال: لا قالوا: ما نحن إلا كهيئتهم، ما عَمِلْنا بالنهار يُكفَّر عنا بالليل، وما عَمِلْنَا بالليل يُكفّر عنا بالنهار، فأنزل الله تعالى هذه الآية. (4) .\rوقال مجاهد وعكرمة: كانوا يُقدِّمون أطفالهم في الصلاة، يزعمون أنهم لا ذنوب لهم، فتلك التزكية.\rوقال الحسن والضحاك وقتادة ومقاتل: نزلت في اليهود والنصارى حين قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه، \"وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى\"( البقرة -111 ) وقال عبد الله بن مسعود رضي\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في التفسير - سورة النساء: 8 / 399 - 400 وقال: هذا حديث حسن غريب وعزاه السيوطي أيضا للفريابي. الدر المنثور: 2 / 588.\r(2) أخرجه مسلم في الإيمان. باب: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة برقم (93) 1 / 94.\r(3) أخرجه البخاري في اللباس. باب الثياب البيض: 10 / 283. ومسلم في الإيمان. باب: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة برقم (94) 1 / 95، والمصنف في شرح السنة: 1 / 96 ، 97.\r(4) انظر أسباب النزول للواحدي ص 148 عن الكلبي بدون إسناد، لباب النقول للسيوطي ص 167، الدر المنثور : 2 / 560، قال ابن حجر في الكافي الشاف ص (44 - 45) ذكره الثعلبي عن الكلبي.","part":2,"page":233},{"id":654,"text":"الله عنه: هو تزكية بعضهم لبعض، روي طارق بن شهاب عن ابن مسعود قال: إن الرجل ليغدو من بيته ومعه دِينُه فيأتي الرجل لا يملك له ولا لنفسه ضرًا ولا نفعًا فيقول: والله إنك كيتَ وكيتَ!! ويرجع إلى بيته وما معه من دينه شيء، ثم قرأ: \"ألم تَرَ إلى الذين يُزَكُّون أنفسهم\"، الآية. قوله تعالى: { بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي } أي: يطهر ويبرئ من الذنوب ويصلح، { مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا } وهو اسم لما في شقِّ النَّواة، والقطمير اسم للقشرة التي على النَّواة، والنقير اسم للنقطة التي على ظهر النَّواة، وقيل: الفتيل من الفتل وهو ما يجعل بين الأصبعين من الوسخ عند الفتل.\r{ انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (50) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا (51) }","part":2,"page":234},{"id":655,"text":"{ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52) }\rقوله تعالى: { انْظُر } يا محمد، { كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ } يختلقون على الله، { الْكَذِبَ } في تغييرهم كتابه، { وَكَفَى بِهِ } بالكذب { إِثْمًا مُبِينًا }\rقوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ } اختلفوا فيهما فقال عكرمة: هما صنمان كان المشركون يعبدونهما من دون الله، وقال أبو عبيدة: هما كل معبود يُعبد من دون الله. قال الله تعالى \"أن اعبدوا الله واجتنبوا الطَّاغُوتَ\"( النحل -36 )، وقال عمر: الجِبْتُ: السحر، والطاغُوتُ: الشيطان. وهو قول الشعبي ومجاهد. وقيل: الجِبتُ: الأوثان، والطاغوت: شياطين الأوثان. ولكل صنمٍ شيطان، يُعبرِّ عنه، فيغترُّ به الناس. وقال محمد بن سيرين ومكحول: الجبتُ: الكاهن، والطاغوتُ: الساحر. وقال سعيد بن جبير وأبو العالية: الجبتُ: الساحر بلسان الحبشة، والطاغوتُ: الكاهن. ورُوي عن عكرمة: الجبتُ بلسان الحبشة: شيطان.\rوقال الضحاك: الجبت: حُييُّ بن أخطب، والطاغوتُ: كعب بن الأشرف. دليله قوله تعالى: \"يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت\"( النساء -60 ) أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحيٌ أنا أبو الحسين بن بشران، أنا إسماعيل بن محمد الصفار، أنا أحمد بن منصور الرمادي، أنا عبد الرزاق أنا معمر عن عوف العبدي عن حيان عن قَطَن بن قُبيصة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"العِيَافَةُ والطَّرْقُ والطِّيَرةُ مِنَ الجِبْتِ\" (1) .\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الطب - باب : في الخط وزجر الطير 5 / 373 وسكت عنه المنذري، وعزاه للنسائي وأحمد في المسند: 3 / 477 عن قبيصة و 5 / 60 وعبد الرزاق في المصنف برقم: (19502) والمصنف في شرح السنة: 12 / 177، وقد حسن النووي هذا الحديث. والعيافة: زجر الطير، والطرق: هو الضرب بالحصى، والطيرة التشاؤم بالطيور والظباء ونحوها.","part":2,"page":234},{"id":656,"text":"وقيل: الجبتُ كل ما حرم الله، والطاغوت كلُّ ما يُطغي الإنسان.\r{ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا } قال المفسرون: خرج كعب بن الأشرف في سبعين راكبًا من اليهود إلى مكة بعد وقعة أُحد ليُحالِفُوا قريشًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينقضوا العهد الذي كان بينهم 88/ب وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه، ونزلت اليهود في دُور قريش، فقال أهل مكة: إنكم أهل كتاب ومحمد صاحب كتاب ولا نأمَنُ أن يكون هذا مكرًا منكم فإن أردتم أن نخرج معكم فاسجدوا لهذين الصنمين وآمنوا بهما ففعلوا ذلك، فذلك قوله تعالى: { يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ }\rثم قال كعب لأهل مكة: ليجيء منكم ثلاثون ومنّا ثلاثون فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد ربَّ هذا البيت لنجهدنّ على قتال محمد ففعلوا.\rثم قال أبو سفيان لكعب: إنّك امرؤٌ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أمّيُّون لا نعلم، فأينا أهدَى طريقة، نحنُ أم محمد؟\rقال كعب: اعرضُوا عليَّ دينكم.\rفقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكوماء ونسقيهم الماء ونقري الضيف ونفك العاني ونصل الرحم ونُعمّر بيتَ ربِّنا ونطوف به ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم، ودينُنا القديم ودينُ محمد الحديث.\rفقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلا مما عليه محمد فأنزل الله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ } (1) يعني: كعبًا وأصحابه { يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ } يعني: الصنمين { وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا } أبي سفيان وأصحابه { هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا } محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم { سبيلا } دينا.\r__________\r(1) انظر الطبري: 8 / 466 - 469، الدر المنثور: 2 / 563، أسباب النزول للواحدي ص 149.","part":2,"page":235},{"id":657,"text":"{ أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا }\r{ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (54) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (55) }\r{ أَمْ لَهُمْ } يعني: ألَهُمْ؟ والميم صلة { نَصِيبٌ } حظ { مِنَ الْمُلْكِ } وهذا على جهة الإنكار، يعني: ليس لهم من الملك شيء ولو كان لهم من الملك شيء، { فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا } لحسدهم وبخلهم، والنقير: النقطة التي تكون في ظهر النواة ومنها تنبت النخلة، وقال أبو العالية: هو نقر الرجل الشيَء بطرف أصبعه كما ينقر الدرهم.\r{ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ } يعني: اليهود، ويحسدون الناس: قال قتادة: المراد بالناس العرب، حَسَدَهم اليهود على النُّبُوَّة، وما أكرمهم الله تعالى بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: أراد محمدًا صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقال ابن عباس والحسن ومجاهد وجماعة: المراد بالناس: رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده حسدوه على ما أحلَّ الله له من النساء، وقالوا: ما له هَمٌّ إلا النكاح، وهو المراد من قوله: { عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } وقيل: حسدوه على النُّبوة وهو المراد من الفضل المذكور في الآية، { فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } أراد بآل إبراهيم: داود وسليمان، وبالكتاب: ما أنزل الله عليهم وبالحكمة النُّبوة { وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا } فَمنْ فسَّرَ الفضلَ بكثرة النساء فسَّر المُلْكَ العظيم في حق داود وسليمان عليهما السلام بكثرة النساء، فإنه كان لسليمان ألف امرأة ثلاثمائة حرة وسبعمائة سرية، وكان لداود مائة امرأة (1) ، ولم يكن يومئذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تسع نسوة، فلما قال لهم ذلك سكتوا.\rقال الله تعالى: { فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ } يعني: بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهم عبد الله بن سلام وأصحابه، { وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ } أعرضَ عنه ولم يؤْمن به، { وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا } وقودًا، وقيل: المُلْك العظيم: مُلك سليمان. وقال السدي: الهاء في قوله { مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ } راجعة إلى إبراهيم، وذلك أن إبراهيم زرعَ ذات سنة، وزرع الناسُ فهلك زرع الناس وزكا زرع إبراهيم عليه السلام، فاحتاج إليه الناس فكان يقول: من آمن بي أعطيته فمن آمن به أعطاه، ومن لم يؤمن به منعه.\r__________\r(1) قال ابن كثير في البداية والنهاية: 2 / 29 \"وقد ذكر غير واحد من السلف أنه كانت لسليمان من النساء ألف امرأة، وسبعمائة بمهور، وثلاثمائة سراري. وقيل: بالعكس: ثلاثمائة حرائر وسبعمائة من الإماء\". وروى الطبري عن السدي أنه كان لسليمان مائة امرأة. انظر: تاريخ الطبري: 1 / 500.","part":2,"page":236},{"id":658,"text":"{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56) }\rقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا } ندخلهم نارًا، { كُلَّمَا نَضِجَتْ } احترقت { جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا } غير الجلود المحترقة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يبدلون جلودًا بيضاء كأمثال القراطيس.\rورُوي أن هذه الآية قُرئتْ عند عمر رضي الله عنه، فقال عمر رضي الله عنه للقارئ: أعدها فأعادها، وكان عنده معاذ بن جبل، فقال معاذ: عندي تفسيرها: تُبدّل في ساعة مائةَ مرة، فقال عمر رضي الله عنه: هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) .\rقال الحسن: تأكلهم النار كلَّ يوم سبعين ألف مرة كلَّما أكلتهم قيل لهم عُودُوا فيعودون كما كانوا.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا معاذ بن أسيد، أنا الفضل بن موسى، أنا الفضيل، عن أبي حازم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: \"ما بين مَنْكِبَي الكافر مسيرة ثلاثة أيّام للراكب المسرع\" (2) .\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنا عبد الغافر بن محمد، أنا محمد بن عيسى الجلودي، أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أنا مسلم بن الحجاج، أنا شريح بن يونس، أنا حميد بن عبد الرحمن، عن الحسن بن صالح، عن هارون بن سعد، عن أبي حازم، عن أبي هريرة رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ضرْسُ الكافر أو نابُ الكافر مثل أُحد، وغِلَظُ جلده مسيرة ثلاثة أيام\" (3) .\rفإن قيل: كيف تُعذب جلود لم تكن في الدنيا ولم تعصه؟\rقيل يُعاد الجلد الأول في كلِّ مرة.\rوإنما قال: { جُلُودًا غَيْرَهَا } لتبدُّل صفتها، كما تقول: صنعتُ من خاتمي خاتمًا غيره، فالخاتم الثاني هو الأول إلا أن الصناعة والصفة تبدلت، وكمن يترك أخاه صحيحًا ثم بعد مرة يراه مريضًا دنفًا فيقول:\r__________\r(1) قال ابن حجر في الكافي الشاف ص (45): أخرجه ابن عدي والطبراني، وفيه نافع بن يوسف السلمي. وأبو هرمز وهو ضعيف. وقال إسحاق بن راهويه في مسنده: سئل فضيل بن عياض عن هذه الآية فأخبرنا عن هشام عن الحسن قال: \"تبدل جلودهم كل يوم سبعين ألف مرة\".\r(2) أخرجه البخاري في الرقاق : باب: صفة الجنة والنار: 11 / 415 ، ومسلم في الجنة - باب: النار يدخلها الجبارون برقم: (2852) 4 / 2190 ، والمصنف في شرح السنة: 15 / 250، وهو موقوف على أبي هريرة رضي الله عنه.\r(3) أخرجه مسلم في الجنة وصفة نعيمها - باب: النار يدخلها الجبارون برقم (2851) 4 / 2189 .","part":2,"page":237},{"id":659,"text":"أنا غير الذي عهدتَ، وهو عين الأول، إلا أن صفته تغيرّت.\rوقال السدي: يُبدل الجلدُ جلدًا غيره من لحم الكافر ثم يعيد الجلد لحمًا ثم يُخرج من اللحم جلدًا آخر وقيل: يُعذَّب الشخص في الجلدِ لا الجلدُ، بدليل أنه قال: { لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ } ولم يقل: لتذوق وقال عبد العزيز بن يحيى: إن الله عز وجل يُلبس أهل النار جلودًا لا تألم، فيكون زيادة عذاب عليهم، كلّما احترق جلدٌ بدَّلهم جلدًا غيره، كما قال: \"سَرَابيلُهم مِنْ قَطِران\"( إبراهيم -50 ) فالسرابيل تُؤْلمهم وهي لا تَأْلَم. قوله تعالى: { لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا }\r{ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلا ظَلِيلا (57) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) }\r{ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلا ظَلِيلا } كنينًا لا تنسخه الشمس ولا يُؤذيهم حرٌ ولا بردٌ.\rقوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا } نزلت في عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد الدار، وكان سادِنَ الكعبة، فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح أغلق عثمانُ باب البيت وصَعَدَ السطح فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم المفتاحَ، فقيل: إنه مع عثمان، فطلبه منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى، وقال: لو علمتُ أنه رسول الله لم أمنعه المفتاح، فَلَوَى عليُّ رضي الله عنه يَدَهُ فأخذ منه المفتاحَ وفتح البابَ فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيتَ وصلى فيه ركعتين، فلمّا خرج سأله العباس المفتاح، أن يعطيه ويجمع له بين السِّقاية والسِّدانة، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرَّد المفتاحَ إلى عثمان ويعتذرَ إليه، ففعل ذلك علي رضي الله عنه، فقال له عثمان: أكرهت وآذيت ثم جئت ترفق، فقال علي: لقد أنزل الله تعالى في شأنك قرآنأ 89/أ وقرأ عليه الآية، فقال عثمان: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، وكان المفتاح معه، فلمّا مات دفعه إلى أخيه شيبة، فالمفتاح والسدانة في أولادهم إلى يوم القيامة (1) .\rوقيل: المراد من الآية جميع الأمانات. أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي الزراد، أنا أبو بكر محمد بن\r__________\r(1) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص (150) بدون إسناد، وقال ابن حجر: هكذا ذكره الثعلبي ثم البغوي بغير إسناد، وكذا ذكره الواحدي في الوسيط والأسباب، الكافي الشاف ص 45، وانظر الطبري: 8 / 491 ، وعزاه في الدر المنثور 2 / 570 لابن مردويه من طريق الكلبي عن ابن عباس.","part":2,"page":238},{"id":660,"text":"إدريس الجرجاني وأبو أحمد بن محمد بن أحمد المعلم الهروي، قال: أنا أبو الحسن علي بن عيسى الماليني، أنا الحسن بن سفيان النسوي، أنا شيبان بن أبي شيبة، أخبرنا أبو هلال عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال: قلّمَا خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"ألا لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له\" (1) .\rقوله تعالى: { وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ } أي: بالقسط، { إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا } أي: نعم الشيء الذي { يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا } أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أنا أبو جعفر محمد بن حمد بن عبد الجبار الزيات، أنا حميد بن زنجويه، حدثنا ابن عباد، ثنا بن عيينه عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس، أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"المقسطون عند الله على منابِرَ من نُور على يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، هم الذين يَعْدِلُون في حكمهم وأهليهم ومَا وَلُوا\" (2) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا عبد الرحمن بن أبي شريح، أنا القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، أنا علي بن الجعد، أنا فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"إن أحبَّ الناس إلى الله يومَ القيامةِ وأقربهم منه مجلسًا إمامٌ عادلٌ، وإن أبغضَ الناس إلى الله وأشدهم عذابًا إمامٌ جائرٌ\" (3) .\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا (59) }\rقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ } اختلفوا في { أُولِي الأمْرِ } قال ابن عباس وجابر رضي الله عنهم: هم الفقهاء والعلماء الذين يعلِّمون الناس معالِمَ دينهم، وهو قول الحسن والضحاك ومجاهد، ودليله قوله تعالى: \"ولو رَدُّوُه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطٌونَهُ منهم\"( النساء -83 ) .\rوقال أبو هريرة: هم الأمراء والولاة.\r__________\r(1) أخرجه أحمد في المسند: 3 / 135 ، 154 وفي السنة أيضا صفحة 97، ورواه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة من طريقين عن أنس، وصححه ابن حبان في موارد الظمآن برقم (36) ص 40، وللحديث شواهد ولذلك قال الذهبي: سنده قوي، وانظر: مشكاة المصابيح 1 / 17، فيض القدير 6 / 381، وأخرجه المصنف في شرح السنة: 1 / 75.\r(2) أخرجه مسلم في الإمارة - باب: فضيلة الإمام العادل. . . برقم (1827) 3 / 1458 . والمصنف في شرح السنة: 10 / 63.\r(3) أخرجه الترمذي في الأحكام، باب ما جاء في الإمام العادل: 4 / 559 - 560، وقال: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأحمد: 3 / 22، 55 عن أبي سعيد وفي سنده عندهما: عطية العوفي: صدوق يخطئ كثيرا، كان شيعيا مدلسا. (تقريب). وأخرجه المصنف في شرح السنة: 10 / 65.","part":2,"page":239},{"id":661,"text":"وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: حقٌّ على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة فإذا فعل ذلك فحق علي الرعية أن يسمعوا ويطيعوا.\rأخبرنا أبو علي حسان بن سعد المنيعي، أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي، أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، أنا أحمد بن يوسف السلمي، أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن همام بن منبه أنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني\" (1) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل أنا مسدد، أنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله حدثني، نافع، عن عبد الله رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"السمعُ والطاعةُ على المرءِ المسلم فيما أحبَّ وكَرِه، ما لم يُؤْمرْ بمعصية، فإذا أُمِرَ بمعصية فلا سمع ولا طاعة\" (2) .\r[أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن محمد الدراوردي] (3) أنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد، أخبرنا عبادة بن الوليد بن عبادة أن أباه أخبره عن عبادة بن الصامت قال: \"بايعنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على السمعِ والطاعةِ في اليُسرِ والعُسرِ والمَنْشَطِ والمَكْرِه، وعلى أَثَرٍة علينا وعلى أنْ لا نُنَازِعَ الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحق أينما كُنّا لا نخاف في الله لَوْمَةَ لائمٍ\" (4) .\rأخبرنا أبو عبد الله عبد الرحمن بن عبيد الله بن أحمد القفال، أنا أبو منصور أحمد بن الفضل البروجردي، أنا أبو بكر بن محمد بن همدان الصيرفي، أنا محمد بن يوسف الكديمي، قال أخبرنا أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن أبي التياح، عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر: \"اسمع وأطع ولو لعبدٍ حبشي كأن رأسه زبيبة\" (5) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الجهاد، باب يقاتل من وراء الإمام ويتقي به : 6 / 116، وفي الأحكام: 13 / 111، ومسلم في الإمارة - باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية برقم (1835): 3 / 1466. والمصنف في شرح السنة: 10 / 69.\r(2) أخرجه البخاري في الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام: 13 / 121، وفي الجهاد: 6 / 115 ، ومسلم في الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، برقم (1839): 3 / 1469، والمصنف في شرح السنة: 10 / 43.\r(3) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\r(4) أخرجه البخاري في الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: سترون بعدي أمورا تنكرونها: 13 / 5، وفي الأحكام: 13 / 192، ومسلم في الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، برقم (1709): 3 / 1470، والمصنف في شرح السنة\" 10 / 46.\r(5) أخرجه البخاري في الأذان، باب إمامة المفتون والمبتدع: 2 / 188، ومسلم في الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، برقم (1837): 3 / 1467، والمصنف في شرح السنة: 10 / 42.","part":2,"page":240},{"id":662,"text":"أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي، أنا أبو العباس، أنا محمد بن أحمد المحبوبي، أنا أبو عيسى الترمذي، أنا موسى بن عبد الرحمن الكندي، أنا زيد بن الحباب، أنا معاوية بن صالح، حدثني سليم بن عامر، قال: سمعت أبا أُمامة رضي الله عنه يقول: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حَجّةِ الوَدَاع فقال: \"اتُقوا الله وصَلُّوا خمسكم وصُومُوا شهرَكم وأدوا زكاةَ أموالِكُم وأطيعوا ذا أمركم تدخلوُا جنّة ربِّكُم\" (1) .\rوقيل: المراد أمراء السرايا، أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا صدقة بن الفضل، أنا حجاج بن محمد، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، في قوله تعالى: { وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ } قال: نزلتْ في عبيد الله بن حُذافة بن قيس بن عدي إذْ بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية (2)\rوقال عكرمة: أراد بأولي الأمر أبا بكر وعمر رضي الله عنهما. حدثنا أبو المظفر محمد بن أحمد التيمي أنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم، أخبرنا خيثمة بن سليمان بن حيدرة الأطرابلسي، أنا عمرو بن أبي عرزة بالكوفة، أخبرنا ثابت بن موسى العابد، عن سفيان بن عُيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي، عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إني لا أدري ما بقائي فيكم فاقْتَدُوا باللّذين من بعدي أبي بكرٍ وعمر\" (3) ، رضي الله عنهما.\rوقال عطاء: هم المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان بدليل قوله تعالى { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار } الآية. أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمود، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الخلال، أنا عبد الله بن المبارك، عن إسماعيل المكي، عن الحسن، عن أنس بن مالك رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"مثلُ أصحابي في أمتي كالملحِ في الطعامِ لا يَصْلَح الطعامُ إلا بالملح\" (4) قال: قال\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الصلاة، باب ما ذكر في فضل الصلاة، 3 / 238 وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأحمد: 5 / 251. وإسناده حسن. ورواه من طريق أخرى في: 5 / 262 وفيه ضعيف. وأخرجه ابن حبان والحاكم والبيهقي، ورواه الخلعي في فوائده. انظر: فيض القدير: 1 / 130، وأخرجه المصنف في شرح السنة: 1 / 23 - 24، وقال: هذا حديث حسن.\r(2) أخرجه البخاري في التفسير، سورة النساء، باب \"أطيعوا الله وأطيعوا الرسول\" 8 / 253، ومسلم في الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية برقم: (1834): 3 / 1465. وانظر: أسباب النزول للواحدي ص (152).\r(3) أخرجه الترمذي في المناقب: 10 / 149، وابن ماجه في المقدمة برقم (97): 1 / 37، والحاكم مختصرا: 3 / 75 وصححه ووافقه الذهبي، وأحمد: 5 / 382، 402 عن حذيفة ، والمصنف في شرح السنة: 14 / 101 وقال: حديث صحيح.\r(4) أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة: 1 / 58 عن الحسن مرسلا وفيه علتان: جهالة شيخ معمر، وإرسال الحسن البصري. وابن المبارك في الزهد ص (200)، ورواه أبو يعلي والبزار بنحوه، وفيه إسماعيل بن مسلم وهو ضعيف، وأخرجه المصنف في شرح السنة: 14 / 73. وانظر: مجمع الزوائد: 10 / 18، فيض القدير: 5 / 516 ، كشف الخفاء ومزيل الإلباس للعجلوني: 2 / 257 - 258.","part":2,"page":241},{"id":663,"text":"الحسن: قد ذهب ملحنا فكيف نصلح .\rقوله عز وجل: { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ } أي: اختلفتم، { فِي شَيْءٍ } من أمر دينكم، والتنازع، اختلاف الآراء وأصله من النزع فكأنّ المتنازعين يتجاذبان ويتمانعان، { فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول } أي: إلى كتاب الله وإلى رسوله ما دام حيا وبعد وفاته إلى سُنّته، والرُّد إلى الكتاب والسنة واجبٌ إن وُجد فيهما، 89/ب فإن لم يُوجد فسبيله الاجتهاد. وقيل: الرُّد إلى الله تعالى والرسول أن يقول لِمَا لا يعلم: الله ورسولُه أعلم. { إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ } أي: الرُّد إلى الله والرسول، { خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا } أي: أحسنُ مآلا وعاقبة.","part":2,"page":242},{"id":664,"text":"{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا (60) }\rقوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ } الآية قال الشعبي: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد، لأنه عرف أنه لا يأخذ الرّشوة ولا يميل في الحكم، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود لعلمه أنهم يأخذون الرشوة ويميلون في الحكم، فاتفقَا على أن يأتيَا كاهنًا في جُهينة فيتحاكما إليه، فنزلت هذه الآية (1) .\rقال جابر: كانت الطواغيت التي يتحاكمون إليها واحد في جُهينة وواحد في أسلم، وفي كل حي كهان.\rوقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: نزلت في رجل من المنافقين يقال له بشر، كان بينه وبين يهودي خصومة فقال اليهودي: ننطلق إلى محمد، وقال المنافق: بل إلى كعب بن الأشرف، وهو الذي سماه الله الطاغوت، فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى المنافق ذلك أتى معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهودي، فلما خرجا من عنده لزمه المنافق، وقال: انطلق بنا إلى عمر رضي الله عنه، فأتيا عمر، فقال اليهودي: اختصمتُ أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه يخاصم إليك، فقال عمر رضي الله عنه للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم، قال لهما رويدكما\r__________\r(1) أخرجه الواحدي بسنده عن الشعبي في أسباب النزول ص (154)، وابن جرير الطبري: 8 / 508، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 2 / 580 لابن المنذر.","part":2,"page":242},{"id":665,"text":"حتى أخرج إليكما فدخل عمر البيت وأخذ السيف واشتمل عليه ثم خرج فضرب به المنافق حتى برد، وقال: هكذا أقضي بين من لم يرضَ بقضاء الله وقضاء رسوله. فنزلت هذه الآية. وقال جبريل: إن عمر رضي الله عنه فرّق بين الحق والباطل، فسُمي الفاروق (1) .\rوقال السدي: كان ناس من اليهود أسلموا ونافق بعضُهم وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل رجل من بني قريظة رجلا من بني النضير قتل به أو أخذ ديته مائة وسق من تمر، وإذا قتل رجلُ من بني النضير رجلا من قريظة لم يقتل به وأعطى ديته ستين وسقًا، وكانت النضير وهم حلفاء الأوس أشرف وأكثر من قريظة وهم حلفاء الخزرج، فلما جاء الله بالإسلام وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، قتل رجل من النضير رجلا من قريظة فاختصموا في ذلك، فقالت بنو النضير: كنّا وأنتم قد اصطلحنا على أن نقتل منكم ولا تقتلون منّا، وديتُكم ستون وسْقًا وديتُنَا مائة وسْق، فنحن نعطيكم ذلك، فقالت الخزرج: هذا شيء كنتم فعلتموه في الجاهلية لكثرتكم وقِلَّتِنا فقهرتُمونا، ونحن وأنتم اليوم إخوة وديننا ودينكم واحد فلا فضل لكم علينا، فقال المنافقون منهم: انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي، وقال المسلمون من الفريقين: لا بلْ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأبى المنافقون وانطلقوا إلى أبي بردة ليحكم بينهم، فقال: أعظموا اللقمة، يعني الحظ، فقالوا: لك عشرة أوسق، قال: لا بل مائة وسق ديتي، فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوسق وأبى أن يحكم بينهم، فأنزل الله تعالى آية القصاص، وهذه الآية: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ } (2) يعني الكاهن أو كعب بن الأشرف، { وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا }\r{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) }\r{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا } أي: يُعرضون عنك إعراضا.\r{ فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ } هذا وعيد، أي: فكيف يصنعون إذا أصابتهم مصيبة، { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } يعني: عقوبةَ صدودِهم، وقيل: هي كل مُصيبة تُصيب جميع المنافقين في الدنيا\r__________\r(1) قال ابن حجر: ذكره الثعلبي من رواية الكلبي عن أبي عاصم عن ابن عباس، وذكره الواحدي في أسباب النزول ص (155).\r(2) أخرجه الطبري: 8 / 510، وعزاه السيوطي في الدر: 2 / 581 لابن أبي حاتم.","part":2,"page":243},{"id":666,"text":"والآخرة، وتم الكلام هاهنا، ثم عاد الكلام إلى ما سبق، يُخبر عن فعلهم فقال: { ثُمَّ جَاؤُوكَ } يعني: يتحاكمون إلى الطاغوت، { ثُمَّ جَاءُوكَ } [يحيونك ويحلفون] (1) .\rوقيل: أراد بالمصيبة قتل عمر رضي الله عنه المنافق، ثم جاؤوا يطلبون ديته، { يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا } ما أردنا بالعدُول عنه في المحاكمة أو بالترافع إلى عمر، { إِلا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا } قال الكلبي: إلا إحسانًا في القول، وتوفيقًا: صوابًا، وقال ابن كيسان: حقًا وعدلا نظيره: \"ليَحْلِفُنّ إن أردنا إلا الحسنىَ\"، وقيل: هو إحسان بعضهم إلى بعض، وقيل: هو تقريب الأمر من الحق، لا القضاء على أمر الحكم، والتوفيق: هو موافقة الحق، وقيل: هو التأليف والجمع بين الخصمين.\r{ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا (63) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) }\r{ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ } مِنَ النفاق، أي: علم أنّ ما في قلوبهم خلاف ما في ألسنتهم، { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } أي: عن عُقوبتهم وقيل: فأعرض عن قبول عذرهم وعظهم باللسان، وقل لهم قولا بليغًا، وقيل: هو التخويف بالله، وقيل: أن توعدهم بالقتل إن لم يتوبوا، قال الحسن: القول البليغ أن يقول لهم: إن أظهرتم ما في قلوبكم من النفاق قُتلتم لأنه يبلغ من نفوسهم كل مبلغ، وقال الضحاك: { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ } في الملأ { وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا } في السّر والخلاء، وقال: قيل هذا منسوخ بآية القتال.\rوله عز وجل { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ } أي: بأمر الله لأنّ طاعة الرسول وجبت بأمر الله، قال الزجاج: ليطاع بإذن الله لأن الله قد أذن فيه وأمر به، وقيل: إلا ليُطاع كلام تام كاف، بإذن الله تعالى أي: بعلم الله وقضائه، أي: وقوعُ طاعته يكون بإذن الله، { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ } بتحاكمهم إلى الطاغوت { جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا }\rقوله تعالى: { فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ } الآية.\r__________\r(1) في (أ) جاءت العبارة هكذا: (يجيئونك ويخافونك).","part":2,"page":244},{"id":667,"text":"أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير: أنّ الزبير رضي الله عنه كان يحدِّث أنه خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج (1) مِنَ الحرة كانا يسقيان به. كلاهما، فقال رسول الله للزبير: اسقِ يا زبير، ثم أرسل إلى جارك، فغضب الأنصاري، ثم قال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك؟ فتلونّ وجهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال للزبير: اسقِ ثم احبس الماءَ حتى يبلغ الجدر، فاستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ للزبير حقَّه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار 90/أ على الزبير برأي أراد به سعة له وللأنصاري، فلمّا أحْفَظَ الأنصاريُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم استوعى للزبير حقّه في صريح الحكم.\rقال عروة: قال الزبير: والله ما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك { فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } (2) الآية .\rوروي أن الأنصاري الذي خاصم الزبير كان اسمه حاطب بن أبي بلتعة فلما خَرَجَا مرَّ على المقداد فقال: لمن كان القضاء، فقال الأنصاري: قضَى لابن عمته ولَوَى شدقه ففطن له يهودي كان مع المقداد، فقال: قاتل الله هؤلاء يشهدون أنه رسول الله ثم يتهمونه في قضاءٍ يقضي بينهم، وايْمُ الله لقد أذنبنا ذنبًا مرّة في حياة موسى عليه السلام فدعا موسى إلى التوبة منه، فقال: اقتلوا أنفسكم ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفا في طاعة ربنا حتى رضي عنّا، فقال ثابت بن قيس بن شماس: أمّا والله إنّ الله ليعلم مني الصدقَ ولو أمرني محمد أن أقتل نفسي لفعلت، فأنزل الله في شأن حاطب بن أبي بلتعة: { فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ } (3) .\rوقال مجاهد والشعبي: نزلت في بِشْر المنافق واليهودي اللذين اختصما إلى عمر رضي الله عنه (4) .\rقوله تعالى: { فَلا } أي: ليس الأمر كما يزعمون أنهم مؤمنُون ثم لا يرضون بحكمك، ثم استأنف\r__________\r(1) الشراج : مجاري الماء من الحرار إلى السهل واحدها شرج، والحرة: أرض ذات حجارة سود، وفي المدينة عدد منها.\r(2) أخرجه البخاري في المساقاة، باب سكر الأنهار: 5 / 34، وفي الصلح: 5 / 309 - 310 ، ومسلم في الفضائل، باب وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم، برقم (2357): 4 / 1829 ، 183، والمصنف في شرح السنة: 8 / 283 - 284. وانظر: فتح الباري: 5 / 34.\r(3) حكى الواحدي وشيخه الثعلبي والمهدوي أنها نزلت في حاطب بن أبي بلتعة ومستندهم ما أخرجه ابن أبي حاتم مرسلا بسند قوي وتعقب بأن حاطبا وإن كان بدريا - فقد جاء في بعض الروايات: أن رجلا من الأنصار شهد بدرا - لكنه من المهاجرين. وأما بقية القصة ومرورهم على اليهودي فقد ذكرها الثعلبي بغير إسناد، انظر: فتح الباري: 5 / 35 - 36.\r(4) ذكر الحافظ ابن كثير أثرا في قصة المنافق واليهودي اللذين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم إلى عمر وقتل عمر للمنافق - وقال: غريب جدا أخرجه ابن أبي حاتم. انظر: تفسير ابن كثير: 1 / 522.","part":2,"page":245},{"id":668,"text":"القَسَم { وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ } ويجوز أن يكون { لا } في قوله { فَلا } صلة، كما في قوله { فَلا أُقْسِمُ } حتى يُحكِّمُوك: أي يجعلوك حكمًا، { فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } أي: اختلف واختلط من أمورهم والْتَبَسَ عليهم حُكمه، ومنه الشجر لالتفاف أغصانه بعضها ببعض، { ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا } قال مجاهد: شكًّا، وقال غيره: ضِيقًا، { مِمَّا قَضَيْتَ } قال الضحاك: إثْمًا، أي: يأثمون بإنكارهم ما قضيت، { وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } أي: وينقادوا لأمرك انقيادًا .","part":2,"page":246},{"id":669,"text":"{ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) }\rقوله تعالى: { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا } أي: فرضنا وأوجبنا، { عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } كما أمرنا بني إسرائيل { أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ } كما أمرنا بني إسرائيل بالخروج من مصر، { مَا فَعَلُوهُ } معناه: أنّا ما كتبنا عليهم إلا طاعة الرسول والرضَى بحكمه، ولو كتبْنَا عليهم القتل والخروج عن الدور ما كان يفعله، { إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ } نزلت في ثابت بن قيس وهو من القليل الذي استثنى الله، قال الحسن ومقاتل لما نزلت هذه الآية قال عمر وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم القليل، والله لو أمرنا لفعلنا والحمد لله الذي عافانا، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: \"إنّ من أمتي لرجالا الإيمانُ في قلوبهم أثبت من الجبال الرواسي\" (1) .\rقرأ ابن عامر وأهل الشام { إِلا قَلِيلا } بالنصب على الاستثناء، وكذلك هو في مصحف أهل الشام، وقيل: فيه إضمار، تقديره: إلا أن يكون قليلا منهم، وقرأ الآخرون قليل بالرفع على الضمير الفاعل في قوله { فَعَلُوه } تقديره: إلا نفر قليل فعلوه، { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ } مِنْ طاعة الرسول والرضى بحكمه، { لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا } تحقيقًا وتصديقًا لإيمانهم.\r{ وَإِذًا لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا } ثوابًا وافرًا.\r{ وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا } أي: إلى الصراط المستقيم.\r__________\r(1) ذكر ذلك الثعلبي عن الحسن ومقاتل. انظر: الكافي الشاف ص 46، تفسير ابن كثير: 1 / 523.","part":2,"page":246},{"id":670,"text":"قوله تعالى: { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ } الآية، نزلتْ في ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه يعرف الحزن في وجهه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ما غيرَّ لونك\"؟ فقال: يا رسول الله ما بي مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك اسْتَوْحَشْتُ وحشةً شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرتُ الآخرة فأخاف أن لا أراك لأنك ترفع مع النبيين، وإنّي إن دخلت الجنة كنتُ في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبدًا، فنزلت هذه الآية (1) .\rوقال قتادة: قال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: كيف يكون الحال في الجنة وأنتَ في الدرجات العُلَى ونحن أسفل منك؟ فكيف نراك؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية (2) .\r{ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ } في أداء الفرائض، { وَالرَّسُول } في السنن { فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ } أي لا تفوتهم رؤية الأنبياء ومجالستهم لا أنهم (3) يرفعون إلى درجة الأنبياء، { وَالصِّدِّيقِينَ } أفاضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والصدّيق المبالغ في الصدق، { وَالشُّهَدَاء } قيل: هم الذين استشهدوا في يوم أُحد، وقيل: الذين استشهدوا في سبيل الله، وقال عكرمة: النبيون هاهنا: محمد صلى الله عليه وسلم والصديقون أبو بكر، والشهداء عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، { وَالصَّالِحِينَ } سائر الصحابة رضي الله عنهم، { وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } يعني: رفقاء الجنّة، والعرب تضع الواحد موضع الجمع، كقوله تعالى: { ثم نخرجكم طفلا }( غافر -67 ) أي: أطفالا { ويولون الدُّبر } أي: الأدبار.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي، أنا أبو العباس السراج، أنا قتيبة بن سعد، أنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس أنّ رجلا قال: يا رسول الله الرجل يحبُّ قومًا ولمّا يلحق بهم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"المرء مَعَ من أحبَّ\" (4) .\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي وأبو عمرو محمد بن عبد الرحمن النسوي قالا أخبرنا أحمد بن الحسن الحيري، أنا أبو العباس الأصم، أنا أبو يحيى زكريا بن يحيى المروزي، أنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: \"وما أعددت لها\"؟ قال: فلم يذكر كثيرًا، إلا أنه يحب الله ورسولَه قال: \"فأنتَ مع من أحببت\" (5) .\r__________\r(1) أسباب النزول للواحدي ص (158) وانظر: الكافي الشاف ص (46).\r(2) الطبري: 8 / 534، الدر المنثور: 2 / 589، أسباب النزول للواحدي ص (159).\r(3) في (ب) (لأنهم).\r(4) البخاري في الأدب، باب علامة الحب في الله: 10 / 557 عن ابن مسعود وأبي موسى، ومسلم في البر والصلة - باب المرء مع من أحب، برقم (2640): 4 / 2034. والمصنف في شرح السنة: 13 / 61.\r(5) أخرجه البخاري في الأدب - باب علامة الحب في الله: 10 / 557 وفي الأحكام أيضا، ومسلم في البر والصلة والآداب، باب المرء مع من أحب، برقم (2639): 4 / 2032، والمصنف في شرح السنة: 13 / 61.","part":2,"page":247},{"id":671,"text":"{ ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (71) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (72) }\r{ ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا } أي: بثواب الآخرة، وقيل: بمن (1) أطاع رسول الله وأحبَّه، وفيه بيان أنهم لن ينالوا تلك الدرجة بطاعتهم، وإنّما نالوُها بفضل الله عز وجل.\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أنا حاجب بن أحمد الطوسي، أنا عبد الرحيم بن منيب، أنا يعلى بن عبيد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"قارِبُوا وسَدِّدُوا واعلمُوا أنه لا ينجو أحدُ منكم بِعَمَلِهِ\"، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: \"ولا أنا إلا أن يتغمدَنَي الله برحمة منه وفضل\" (2) .\rقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ } من عدوِّكم، أي: عدّتكم وآلتكم من السلاح، والحِذْرُ والحَذَرُ واحد، كالمِثْل والمَثَل والشِّبْهِ والشَّبَهِ، { فَانْفِرُوا } اخْرُجُوا { ثُبَاتٍ } أي: سرايا متفرقين سرية بعد سرية، والثبات جماعات في تفرقة واحدتها ثبة، { أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا } أي: مجتمعين كلكم مع النبي صلى الله عليه وسلم.\rقوله تعالى: { وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ } نزلت في المنافقين (3) 90/ب\rوإنما قال { مِنْكُم } لاجتماعهم مع أهل الإيمان في الجنسية والنسبِ وإظهارِ الإسلام، لا في حقيقة الإيمان، { لَيُبَطِّئَنّ } أي: ليتأخرنّ، وليتثاقلنَّ عن الجهاد، وهو عبد الله بن أبَيّ المنافق، واللام في { لَيُبَطِّئَنّ } لام القسم، والتبطئة: التأخر عن الأمر، يقال: ما أبطأ بك؟ أي: ما أخَّرَك عنّا؟ ويقال: أبْطَأَ إبطاءً وبطَّأَ يبطِّئُ تَبْطِئًة. { فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ } أي: قتلٌ وهزيمة، { قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ } بالقُعود، { إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا } أي: حاضرًا في تلك الغزاة فيصيبني ما أصابهم.\r__________\r(1) في ب: (لمن).\r(2) قطعة من حديث أخرجه البخاري في الإيمان، باب الدين يسر: 1 / 93 وفي مواضع أخرى، ومسلم في المنافقين، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله برقم (1816): 4 / 2170، وفي البر والصلة، والمصنف في شرح السنة 14 / 390.\r(3) قال مجاهد. انظر: ابن كثير: 1 / 525.","part":2,"page":248},{"id":672,"text":"{ وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (73) فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (74) }\r{ وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ } فتح وغنيمة { لَيَقُولَنَّ } هذا المنافق، وفيه تقديم وتأخير، وقوله { كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ } متصل بقوله { فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ } تقديره: فإن أصابتكم مصيبة قال: قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيدًا، كأنْ لمْ تكنْ بينكُمْ وبينَهُ مودةٌ أي: معرفة.\rقرأ ابن كثير وحفص ويعقوب { تَكُن } بالتاء، والباقون بالياء، أي: ولئن أصابكم فضلُ من الله لَيَقُولَنَّ: { يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ } في تلك الغزاة، { فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا } أي: آخذ نصيبًا وافرًا من الغنيمة، وقوله { فَأَفُوزَ } نصب على جواب التمني بالفاء، كما تقول: وددت أن أقوم فيتبعني الناس.\rقوله تعالى : { فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ } قيل: نزلت في المنافقين، ومعنى يشرون أي: يشترون، يعني الذين يختارون الدنيا على الآخرة، معناه: آمنوا ثم قاتلوا، وقيل: نزلت في المؤمنين المخلصين، معناه فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون أي: يبيعُون الحياة الدنيا بالآخرة ويختارُون الآخرة { وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ } يعني يستشهد، { أَوْ يَغْلِبْ } يظفر، { فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ } في كلا الوجهين { أَجْرًا عَظِيمًا } ويدغم أبو عمرو والكسائي الباء في الفاء حيث كَان .\rأخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"تكَفَّلَ الله لمن جاهدَ في سبيله لا يُخرجُهُ من بيتهِ إلا الجهادُ في سبيلهِ وتصديق كلمتهِ أن يُدخلَه الجنةَ أو يرجعَه إلى مسكنهِ الذي خرجَ منه معَ ما نال من أجرٍ أو غنيمة\" (1) .\rأخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني، أنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر الجوهري، أنا أحمد بن علي الكشميهني أنا علي بن حجر، أنا إسماعيل بن جعفر، أنا محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنهما أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"مَثَلُ المجاهد\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الخمس، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم \"أحلت لي الغنائم\": 6 / 220، وفي التوحيد، ومسلم في الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، برقم (1876): 3 / 1496.","part":2,"page":249},{"id":673,"text":"في سبيل الله كمثل القانتِ الصائمِ الذي لا يفتُرُ من صلاةٍ ولا صيامٍ حتى يُرجعهً الله إلى أهلهِ بما يرجعُه من غنيمةٍ وأجرٍ، أو يتوفاه فيدخله الجنة\" (1) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الجهاد - باب أفضل الناس مؤمن مجاهد: 6 / 6 ، ومسلم في الإمارة، باب فضل الشهادة في سبيل الله تعالى، برقم (1878): 1498، والمصنف في شرح السنة: 10 / 348 - 349.","part":2,"page":250},{"id":674,"text":"{ وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (75) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا (77) }\rقوله تعالى: { وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ } لا تجاهدون { فِي سَبِيلِ اللَّهِ } في طاعة الله، يعاتبهم على ترك الجهاد، { وَالْمُسْتَضْعَفِينَ } أي: عن المستضعفين، وقال ابن شهاب: في سبيل المستضعفين لتخليصهم، وقيل: في تخليص المستضعفين من أيدي المشركين، وكان بمكة جماعة، { مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ } يَلْقون من المشركين أذًى كثيرًا، { الَّذِين } يَدْعُون و { يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا } يعني: مكة، الظالم أي: المشرك، أهلها يعني القرية التي من صفتها أن أهلها مشركون، وإنما خفض (1) { الظَّالِمِ } لأنه نعتٌ للأهل، فلما عاد الأهل إلى القرية صار كأن الفعل لها، كما يقال مررت برجل حسنه عينه، { وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا } أي: من يلي أمرنا، { وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا } أي: من يمنع العدوَّ عنّا، فاستجاب الله دعوتهم، فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ولّى عليهم عتاب بن أسيد وجعله الله لهم نصيرًا ينصف المظلومين من الظالمين.\rقوله تعالى: { الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } أي: في طاعته، { وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ } أي: في طاعة الشيطان، { فَقَاتِلُوا } أيها المؤمنون { أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ } أي: حزبَه وجنودَه وهم الكفار، { إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ } مَكْرَهُ، { كَانَ ضَعِيفًا } كما فعل يوم بدر لمّا رأى الملائكة خاف أن يأخذوه فهرب وخذلهم.\rقوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ } الآية، قال الكلبي: نزلت في عبد الرحمن بن عوف الزهري، والمقداد بن الأسود الكندي، وقدامة بن مظعون الجمحي، وسعد بن أبي وقاص،\r__________\r(1) في أ: (خص).","part":2,"page":250},{"id":675,"text":"وجماعة كانوا يلقون من المشركين بمكة أذًى كثيرًا قبل أن يهاجروا، ويقولون: يا رسول الله ائذنْ لنا في قتالهم فإنهم قد آذَوْنَا، فيقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"كُفّوا أيديَكم فإني لم أؤمر بقتالهم\" (1) .\r{ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ } فلما هاجروا إلى المدينة وأمرهم الله بقتال المشركين شق ذلك على بعضهم، قال الله تعالى: { فَلَمَّا كُتِبَ } فُرضَ، { عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ } يعني: يخشون مشركي مكة، { كَخَشْيَةِ اللَّهِ } أي: كخشيتهم من الله، { أَوْ أَشَدُّ } أكثر، { خَشْيَةً } وقيل: معناه وأشدّ خشية، { وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ } الجهاد { لَوْلا } هلا { أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ } يعني: الموت أي: هلا تركتَنا حتى نموت بآجالنا؟ .\rواختلفوا في هؤلاء الذين قالوا ذلك، قيل: قاله قوم من المنافقين لأن قوله: { لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ } لا يليق بالمؤمنين.\rوقيل: قاله جماعة من المؤمنين لم يكونوا راسخين في العلم قالوه خوفًا وجبنًا لا اعتقادًا، ثم تابوا، وأهل الإيمان يتفاضلون في الإيمان.\rوقيل: هم قوم كانوا مؤمنين فلمّا فرض عليهم القتال نافقوا من الجبن وتخلّفوا عن الجهاد، { قُلْ } يا محمد، { مَتَاعُ الدُّنْيَا } أي: منفعتها والاستمتاع بها { قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ } أي: وثوابُ الآخرة خيرٌ وأفضل، { لِمَنِ اتَّقَى } الشرك ومعصية الرسول، { وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا } قرأ ابن كثير وأبو جعفر وحمزة والكسائي بالياء والباقون تظلمون بالتاء.\rأخبرنا أبو صالح أحمد بن عبد الملك المؤذن، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن معاوية الصيدلاني، أخبرنا الأصم، أنا عبد الله بن محمد بن شاكر، أنا محمد بن بشر العبدي، أنا مسعر بن كدام عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم، حدثني المستورد بن شداد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بِمَ يرجع\" (2) .\r__________\r(1) الواحدي في أسباب النزول ص 159 - 160، وأخرجه النسائي عن ابن عباس في السنن: 6 / 3، والحاكم: 2 / 66 ، 307.\r(2) أخرجه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة، برقم (2858): 4 / 2193.","part":2,"page":251},{"id":676,"text":"{ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79) }\rقوله عز وجل: { أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ } أي: ينزل بكم الموت، نزلت في المنافقين الذين قالوا في قتلى أُحد: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فردَّ 91/أ الله عليهم بقوله: { أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ } (1) ، { وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ } والبروج: الحصون والقلاع، والمشيّدة: المرفوعة المطوّلة، قال قتادة: معناه في قصوٍر محصنة، وقال عكرمة: مُجَصَّصَة، والشّيد: الجص، { وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ } نزلت في اليهود والمنافقين، وذلك أنهم قالوا لمّا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة: ما زِلْنَا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه.\rقال الله تعالى: { وَإِنْ تُصِبْهُمْ } يعني: اليهود { حَسَنَة } أي خصب ورخص في السعر، { يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } لنا، { وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ } يعني: الجدب وغلاء الأسعار { يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ } أي: من شؤم محمد وأصحابه، وقيل: المراد بالحسنة الظفر والغنيمة يوم بدر، وبالسيئة القتل والهزيمة يوم أُحد، يقولوا هذه من عندك أي: أنت الذي حملتنا عليه يا محمد، فعلى هذا يكون هذا من قول المنافقين، { قُلِ } لهم يا محمد، { كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } أي: الحسنة والسيئة كلها من عند الله، ثم عيّرهم بالجهل فقال: { فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ } يعني: المنافقين واليهود، { لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا } أي: لا يفقهون قولا وقيل: الحديث هاهنا هو القرآن أي: لا يفقهون معاني القرآن.\rقوله: { فَمَالِ هَؤُلاءِ } قال الفراء: كثرت في الكلام هذه الكلمة حتى توهّمُوا أنّ اللام متصلة بها وأنهما حرف واحد، ففصلوا اللام ممّا بعدها في بعضه، ووصلوها في بعضه، والاتصال القراءة، ولا يجوز الوقف على اللام لأنها لام خافضة.\rقوله عز وجل: { مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ } خير ونعمة { فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ } بليٍّة أو أمر تكرهه، { فَمِنْ نَفْسِكَ } أي: بذنوبك، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره، نظيره قوله تعالى: \"وما أصابكُم من مصيبةٍ فبما كسبتْ أيديكم\"( الشورى -30 ) ويتعلّق (2) أهل القدَرَ بظاهر هذه الآية،\r__________\r(1) الطبري: 9 / 8، الواحدي في أسباب النزول ص (160)، والدر المنثور: 2 / 595 - 596.\r(2) في ب: (وتعلق) .","part":2,"page":252},{"id":677,"text":"فقالوا: نفى الله تعالى السيئةَ عن نفسه ونسبها إلى العبد، فقال: { وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ } ولا متعلق لهم فيه، لأنه ليس المراد من الآية حسنات الكسب ولا سيآته من الطاعات والمعاصي، بل المراد منهم ما يُصيبهم من النِّعم والمِحَن، وذلك ليس من فعلهم بدليل أنه نسبها إلى غيرهم ولم ينسبها إليهم، فقال: { مَا أَصَابَكَ } ولا يقال في الطاعة والمعصية أصابني، إنّما يقال: أصبتها، ويقال في النِّعَم: أصابني، بدليل أنه لم يذكر عليه ثوابًا ولا عقابًا، فهو كقوله تعالى { فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه }( الأعراف -131 )، ولما ذكر حسنات الكسب وسيئاته نسبها إليه، ووعد عليها الثواب والعقاب، فقال { منْ جاءَ بالحسنةِ فَلَهُ عَشْرُ أمثالِها ومَنْ جاءَ بالسيئة فلا يُجْزَي إلا مثلَها }( الأنعام -160 ) .\rوقيل: معنى الآية: ما أصابك من حسنة من النصر والظفر يوم بدر فمن الله، أي: من فضل الله، وما أصابك من سيئة من القتل والهزيمة يوم أُحد فمن نفسك، أي: بذنب نفسك من مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم .\rفإن قيل كيف وجه الجمع بين قوله { قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } وبين قوله { فَمِنْ نَفْسِكَ } قيل: قوله { قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } أي: الخصبُ والجدبُ والنصرُ والهزيمةُ كلهُّا من عند الله، وقوله: { فَمِنْ نَفْسِكَ } أي: ما أصابك من سيئة من الله فبذنبِ نفسِك عقوبةَ لك، كما قال الله تعالى: \"وما أصابكم من مُصيبة فبما كَسَبَتْ أيديكم\"( الشورى -30 ) يدل عليه ما روَى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه قرأ { وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ } وأنا كتبتُها عليك.\rوقال بعضهم: هذه الآية متصلة بما قبلها، والقول فيه مضمر تقديره: فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا، يقولون: { مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ } { قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ } { وَأَرْسَلْنَاكَ } يا محمد { لِلنَّاسِ رَسُولا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا } على إرسالك وصدقك، وقيل: وكفى بالله شهيدًا على أن الحسنة والسيئة كلها من الله تعالى.","part":2,"page":253},{"id":678,"text":"{ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80) }\rقوله تعالى: { مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ } وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: \"من أطاعني فقد أطاع الله ومن أحبني فقد أحبَّ الله\" فقال بعض المنافقين: ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربَّا كما اتخذت النصارى عيسى بن مريم ربًا، فأنزل الله تعالى: { مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ } (1) أي: من يطع الرسول فيما أمر به فقد أطاع الله، { وَمَنْ تَوَلَّى } عن طاعته، { فَمَا أَرْسَلْنَاكَ } يا محمد،\r__________\r(1) قال ابن حجر في الكافي الشاف ص (46): لم أجده.","part":2,"page":253},{"id":679,"text":"{ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا } أي: حافظًا ورقيبًا، بلْ كل أمورهم إليه تعالى، وقيل: نسخ الله عز وجل هذا بآية السيف، وأمره بقتال من خالف الله ورسوله.\r{ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا (81) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا (82) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا (83) }\r{ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ } يعني: المنافقين يقولون باللسان للرسول صلى الله عليه وسلم: إنا آمنا بك فَمُرْنا فأمرك طاعة، قال النحويون: أي أمرُنا وشأنُنَا أن نطيعك، { فَإِذَا بَرَزُوا } خرجُوا، { مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ } قال قتادة والكلبي: بيَّتَ أي: غيّر وبدّل الذي عَهِدَ إليهم النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون التبييت بمعنى التبديل، وقال أبو عبيدة والقتيبي: معناه: قالوا وقدرُوا ليلا غير ما أعطوك نهارًا، وكل ما قدر بليل فهو تبييت، وقال أبو الحسن الأخفش: تقول العرب للشيء إذا قُدِّرَ، قدبُيِّتَ، يُشبهونه بتقدير بيوت الشعر، { وَاللَّهُ يَكْتُبُ } أي: يُثبتُ ويحفظ، { مَا يُبَيِّتُونَ } ما يُزورون ويُغيّرون ويقدرون، وقال الضحاك عن ابن عباس: يعني ما يُسرّون من النفاق، { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } يا محمد ولا تعاقبهم، وقيل: لا تُخبرْ بأسمائهم، منع الرسول صلى الله عليه وسلم من الإخبار بأسماء المنافقين، { وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا } أي: اتخذه وكيلا وكفى بالله وكيلا وناصرا .\rقوله تعالى: { أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ } يعني: أفلا يتفكّرون في القرآن، والتدبر هو النظر في آخر الأمر، ودُبر كل شيء آخره. { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا } أي تفاوتًا وتناقضًا كثيرًا، قاله ابن عباس، وقيل: لوجدوا فيه أي: في الإخبار عن الغيب بما كان وبما يكون اختلافًا كثيرًا، أفلا يتفكرون فيه فيعرفوا -بعدم التناقض فيه وصدق ما يخبر -أنه كلام الله تعالى لأن ما لا يكون من عند الله لا يخلو عن تناقض واختلاف.\rقوله تعالى: { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ } وذلك أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يبعث السرايا فإذا غَلَبُوا أو غُلِبُوا بادَرَ المنافقون يستخبرون عن حالهم، فيُفشون ويُحدِّثون به قبل أن","part":2,"page":254},{"id":680,"text":"يحدث به رسول الله صلى الله عليه وسلم 91/ب فيُضعفون به قلوبَ المؤمنين فأنزل الله تعالى { وَإِذَا جَاءَهُمْ } (1) يعني: المنافقين { أَمْرٌ مِنَ الأمْنِ } أي: الفتح والغنيمة { أَوِ الْخَوْفِ } القتل والهزيمة { أَذَاعُوا بِهِ } أشاعوه وأفشوه، { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ } أي: لو لم يحدثوا به حتى يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يحدث به، { وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ } أي: ذوي الرأي من الصحابة مثل أبي بكر وعمرو وعثمان وعلي رضي الله عنهم، { لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم } أي: يستخرجونه وهم العلماء، أي: عَلِمُوا ما ينبغي أن يُكتم وما ينبغي أن يُفشَى، والاستنباط: الاستخراج، يقال: استنبط الماءَ إذا استخرجه، وقال عكرمة: يستنبطونه أي: يحرصون عليه ويسألون عنه، وقال الضحاك: يتبعونه، يريد الذين سمعوا تلك الأخبار من المؤمنين والمنافقين، لو ردوه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى ذوي الرأي والعلم، لَعلِمَه الذين يستنبطونه منهم، أي: يحبون أن يعلموه على حقيقته كما هو.\r{ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ } كلكم { إِلا قَلِيلا } فإن قيل: كيف استثنى القليل ولولا فضله لاتبع الكلُّ الشيطان؟ قيل: هو راجع إلى ما قبله، قيل: معناه أذاعوا به إلا قليلا لم يفشه، عني بالقليل المؤمنين، وهذا قول الكلبي واختيار الفراء، وقال: لأنّ عِلْمَ السرِّ إذا ظهرَ عَلِمَه المستنبطُ وغيرُه، والإذاعة قد تكون في بعض دون بعض، وقيل: لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا ثم قوله: { وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ } كلام تام.\rوقيل: فضلُ الله: الإسلامُ ورحمتُه: القرآن، يقول لولا ذلك لابتعتم الشيطان إلا قليلا وهم قوم اهتدوا قبل مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن، مثل زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل وجماعة سواهما.\rوفي الآية دليل على جواز القياس، فإن من العلم ما يُدرك بالتلاوة والرواية وهو النّص، ومنه ما يدرك بالاستنباط وهو القياس على المعاني المودعة في النصوص.\r{ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلا (84) }\rقوله تعالى: { فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ } وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وَاعَدَ أبا سفيان بعد حرب أُحد موسم بدر الصغرى في ذي القعدة فلما بلغ الميعاد دعا الناس إلى الخروج فكرهه بعضهم، فأنزل الله عز وجل { فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ } (2) أي: لا تَدَعْ جهاد العدو والانتصار للمستضعفين من المؤمنين ولو وحدك، فإن الله قد وعدك النصرة وعاتبهم على ترك القتال، والفاء\r__________\r(1) الطبري: 8 / 570، وقارن بالدر المنثور: 2 / 601 - 602 .\r(2) انظر البداية والنهاية لابن كثير: 4 / 780، وانظر فيما سبق: ص (137 - 139).","part":2,"page":255},{"id":681,"text":"في قوله تعالى: { فَقَاتِل } جواب عن قوله { وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } فقاتل، { وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ } على القتال أي حضّهم على الجهاد ورغبّهم في الثواب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين راكبًا فكفاهم الله القتال، فقال جل ذكره { عَسَى اللَّهُ } أي: لعلّ الله، { أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا } أي: قتال الذين كفروا المشركين و \"عسى\" من الله واجب، { وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا } أي: أشدّ صولة وأعظم سلطانًا، { وَأَشَدُّ تَنْكِيلا } أي: عقوبة.\r{ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (85) }\rقوله عز وجل: { مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا } أي: نصيب منها، قال ابن عباس رضي الله عنهما: الشفاعة الحسنة هي الإصلاح بين الناس، والشفاعة السيئة هي المشي بالنميمة بين الناس.\rوقيل: الشفاعة الحسنة هي حُسنُ القول في الناس ينال به الثوابَ والخير، والسيئة هي: الغيبة وإساءة القول في الناس ينال به الشر.\rوقوله { كِفْلٌ مِنْهَا } أي: من وزرها، وقال مجاهد: هي شفاعة الناس بعضهم لبعض، ويُؤجر الشفيع على شفاعته وإن لم يُشفّع.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا سفيان الثوري، عن أبي بردة، أخبرني جدي أبو بردة، عن أبيه عن أبي موسى رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه رجل يسأل أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه، فقال: \"اشفعُوا لتُؤْجروا ليقضي الله على لسان نبيه ما شاء\" (1) .\rقوله تعالى : { وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مقيتًا } قال ابن عباس رضي الله عنهما: مقتدرًا مجازيًا، قال الشاعر: وذي ظعنٍ كففتُ النفسَ ... عنهُ وكنتُ على مساءته مُقيتًا\rوقال مجاهد: شاهدًا: وقال قتادة: حافظًا، وقيل: معناه على كل حيوان مقيتا (2) أي: يوصل القوت إليه.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الأدب، باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضا: 10 / 450، ومسلم في البر والصلة، باب استحباب الشفاعة برقم (2627): 4 / 2026 واللام في قوله: \"فليقض\" ليست للأمر ولا للتعليل، ويحتمل أن تكون للدعاء بمعنى: اللهم اقض. انظر: فتح الباري: 10 / 451.\r(2) في أ: (مقيت).","part":2,"page":256},{"id":682,"text":"وجاء في الحديث \"كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يَقُوتُ ويِقيْتُ\" (1) .\r{ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86) }\rقوله تعالى: { وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } التحية: هي دعاء الحياة، والمراد بالتحية ها هنا، السلام، يقول: إذا سلّم عليكم مُسلّم فأجيبُوا بأحسن منها أو رُدُّوها كما سلّم، فإذا قال: السلام عليكم، فقل: وعليكم السلامُ ورحمة الله، وإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله، فقل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فردّ مثله، رُوي أنّ رجلا سلّم على ابن عباس رضي الله عنهما، قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم زاد شيئا، فقال ابن عباس: إن السلام ينتهي إلى البركة (2) .\rوُروي عن عمران بن حصين: أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم، فردّ عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : \"عشرٌ\" ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرّد عليه فجلس، فقال: \"عشرون\" ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فردّ عليه، فقال: \"ثلاثون\" (3) .\rواعلم أن السلام سنة وردُّ السلام فريضة، وهو فرض على الكفاية، وكذلك السلام سنة على الكفاية فإذا سلّم واحدٌ من جماعة كان كافيا في السنة، وإذا سلّم واحدٌ على جماعة وردَّ واحدٌ منهم سقط الفرض عن جميعهم.\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محَمْشَ الزيادي، أنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر، أنا إبراهيم بن عبد الله بن عمر بن بكير الكوفي، أنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"والذي نفسي بيده لا تدْخُلُوا الجنَّةَ حتى تُؤْمنُوا ولا تُؤمنُوا حتى تحابوّا، أولا أدلّكم على شيء إذا فعلتمُوه تحاببتم؟ أفشُوا السلام بينكم\" (4) .\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الزكاة، باب في صلة الرحم: 2 / 261 عن عبد الله بن عمرو ، وأخرج مسلم في الزكاة، باب فصل النفقة على المملوك برقم (996): 2 / 692 عن عبد الله بن عمرو \" كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته\" والإمام أحمد في المسند: 2 / 160 ، 193 ، 195. وعزاه المنذري للنسائي، والمصنف في شرح السنة: 9 / 342.\r(2) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب السلام، باب العمل في السلام: 2 / 559. وعن الزيادة في السلام قال ابن حجر في الفتح: 11 / 6: \"وهذه الأحاديث الضعيفة إذا انضمت قوي ما اجتمعت عليه من مشروعية الزيادة على: وبركاته\".\r(3) أخرجه أبو داود في الأدب، باب كيف السلام: 8 / 68 - 69، والترمذي في الاستئذان، باب ما ذكر في فضل السلام: 7 / 462، وقال هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. من حديث عمران بن حصين. وفي الباب عن أبي سعيد وعلي وسهل بن حنيف، وعزاه المنذري في الترغيب والترهيب: 3 / 429 للنسائي والبيهقي بإسناد حسن، وانظر تحفة الأحوذي: 7 / 362 - 463، وابن كثير: 1 / 533.\r(4) أخرجه مسلم في الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، برقم (54): 1 / 74، والمصنف في شرح السنة: 12 / 258.","part":2,"page":257},{"id":683,"text":"أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا قتيبة، أنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ الإسلام خير؟ قال: \" أنْ تُطعمَ الطعامَ وتقرأ السلامَ على منْ عرفتَ ومَنْ لم تعرف\" (1) . ومعنى قوله: أيُّ الإسلام خير، يريد أيُّ خصال الإسلام خير.\rوقيل: { فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا } معناه أي إذا كان الذي سلّم مسلمًا، { أَوْ رُدُّوهَا } بمثلها إذا لم يكن مسلمًا.\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب عن مالك عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله 92/أ بن عمر رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن اليهود إذا سلم عليكم أحدهم : فإنما يقول السَّامُّ عليكم، فقلْ عليك\" (2) .\rقوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا } أي: على كل شيءٍ من رَدِّ السلام بمثله أو بأحسن منه، حسيبًا أي: محاسبًا مجازيًا، وقال مجاهد: حفيظًا، وقال أبو عبيدة: كافيًا، يقال: حسبي هذا أي كفاني.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الإيمان، باب إطعام الطعام من الإسلام: 1 / 55 وفي مواضع أخرى ، ومسلم في الإيمان باب بيان تفاضل الإسلام . .برقم (63): 1 / 65. والمصنف في شرح السنة: 12 / 260.\r(2) أخرجه البخاري في الاستئذان، باب كيف الرد على أهل الذمة بالسلام: 11 / 42، وفي مواضع أخرى ، ومسلم في السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم برقم (2164): 4 / 1706 والمصنف في شرح السنة: 12 / 270.","part":2,"page":258},{"id":684,"text":"{ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (87) فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا (88) }\rقوله تعالى: { اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ } اللام لامُ القسم تقديره: والله ليجمعنّكم في الموت وفي القبور، { إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } وسُميت القيامةَ قيامةً لأن الناس يقومون من قبورهم، قال الله تعالى: \"يوم يخرُجُون من الأجداثِ سراعًا\"( المعارج -43 ) وقيل: لقيامهم إلى الحساب، قال الله تعالى: \"يومَ يقوم الناس لربِّ العالمين\"،( المطففين-6 ) { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا } أي: قولا ووعدًا، وقرأ حمزة والكسائي { أَصْدَق } صاد ساكنة بعدها دال بإشمام الزاي.\r{ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ } اختلفوا في سبب نزولها فقال قوم: نزلت في الذين تخلِّفُوا يوم أُحد","part":2,"page":258},{"id":685,"text":"من المنافقين، فلما رجعوا قال بعضُ الصحابة رضي الله عنهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اقتلهم فإنّهم منافقون، وقال بعضهم: اعف عنهم فإنهم تكلّموا بالإسلام.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا أبو الوليد، أنا شعبة، عن عدي بن ثابت، قال: سمعت عبد الله بن يزيد، يحدث عن زيد بن ثابت، قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أُحد رجع ناسٌ ممن خرج معه وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فرقتين، فرقة تقول نقاتلهم وفرقة تقول لا نقاتلهم، فنزلت: { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا } وقال: \"إنها طَيْبُة تَنفي الذنوبَ كما تنفي النارُ خَبَثَ الفِضّة\" (1) .\rوقال مجاهد: قوم خرجوا إلى المدينة وأسلموا ثم ارتدُّوا واستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتّجرُون فيها فخرجوا وأقاموا بمكة، فاختلف المسلمون فيهم، فقائل يقول: هم منافقون، وقائل يقول: هم مؤمنون (2) .\rوقال بعضهم: نزلت في ناس من قريش قدِمُوا المدينة وأسلموا ثم نَدِمُوا على ذلك فخرجوا كهيئة المتنزهين حتى باعدوا (3) من المدينة فكتبُوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّا على الذي فارقناك عليه من الإيمان ولكنّا اجْتَوَيْنَا المدينة واشتقنا إلى أرضنا، ثم إنهم خرجوا في تجارة لهم نحو الشام فبلغ ذلك المسلمين، فقال بعضهم: نخرج إليهم فنقتلهم ونأخذ ما معهم لأنهم رَغِبُوا عن ديننا، وقالت طائفة: كيف تقتلون قومًا على دينكم إن لم يذَرُوا دِيارَهم، وكان هذا بعين النبي صلى الله عليه وسلم وهو سَاكِتٌ لا ينهى واحدًا من الفريقين، فنزلت هذه الآية (4) .\rوقال بعضهم: هم قوم أسلموا بمكة ثم لم يهاجروا وكانوا يظاهرون المشركين، فنزلت (5) { فَمَا لَكُمْ } يا معشر المؤمنين { فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ } أي: صرتم فيهم فئتين، أي: فرقتين، { وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ } أي: نَكَّسَهم وردَّهم إلى الكفر، { بِمَا كَسَبُوا } بأعمالهم غير الزاكية { أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا } أي: أن ترشدوا { مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ } وقيل: معناه أتقولون أنّ هؤلاء مهتدون وقد أضلّهم الله، { وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ } أي: من يضلله الله عن الهدى، { فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا } أي: طريقًا إلى الحق.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير، سورة النساء، باب \"فما لكم في المنافقين فئتين. . \" 8 / 256 ، ومسلم في أول كتاب صفات المنافقين برقم (2776): 4 / 2142.\r(2) انظر: الطبري: 9 / 9 - 10 ، أسباب النزول للواحدي ص (161).\r(3) في ب: (بعدوا).\r(4) انظر: الطبري: 9 / 12 - 13، أسباب النزول ص (161).\r(5) انظر: الطبري: 9 / 10 - 11 .","part":2,"page":259},{"id":686,"text":"{ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (89) إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا (90) }\rقوله تعالى: { وَدُّوا } تمنَّوا، يعني أولئك الذين رجعوا عن الدين تمنّوا { لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً } في الكفر، وقوله { فَتَكُونُونَ } لم يُردْ به جواب التمني لأن جواب التمني بالفاء منصوب، إنما أراد النسق، أي: وَدُّوا لو تكفرون ووَدُّوا لو تكونون سواء، مثل قوله \"ودُّوا لو تدهن فيدهنون\"( القلم -9 ) أي: ودّوا لَوْ تدهن وودّوا لَوْ تُدهنون، { فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ } منعَ من موالاتهم، { حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } معكم.\rقال عكرمة: هي هجرة أخرى، والهجرة على ثلاثة أوجه: هجرة المؤمنين في أول الإسلام، وهي قوله تعالى \" للفقراء المهاجرين \"( الحشر -8 ) وقوله: \"ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله\"( النساء -100 )، ونحوهما من الآيات، وهجرة المنافقين : وهي الخروج في سبيل الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صابرًا محتسبًا [كما حكى ها هنا] (1) مَنَعَ من موالاتهم حتى يهاجروا في سبيل الله، وهجرة سائر المؤمنين وهي ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"المهاجرُ من هَجَرَ ما نهى الله عنه\" (2) .\rقوله تعالى: { فَإِنْ تَوَلَّوْا } أعرضوا عن التوحيد والهجرة، { فَخُذُوهُم } أي: خذوهم أسارى، ومنه يقال للأسير أخيذ، { وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } في الحِلّ والحَرَمِ، { وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا } ثم استثنى طائفة منهم فقال:\r{ إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ } وهذا الاستثناء يرجع إلى القتل لا إلى الموالاة، لأنّ موالاة الكفار والمنافقين لا تجوز بحال، ومعنى { يَصِلُون } أي: ينتسبون إليهم ويتصلون بهم ويدخلون فيهم بالحِلَفِ والجوار، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يريدون ويلجأون إلى قوم، { بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ } أي: عهد، وهم الأسلميون، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وَادَعَ هلال بن عويمر الأسلمي قبل خروجه إلى مكة على أن لا يعينه ولا يُعين عليه، ومن وصل إلى هلال من قومه وغيرهم ولجأ إليه فلهم من الجوار مثل ما لهلال،.\r__________\r(1) ساقط من (ب).\r(2) أخرجه البخاري في الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده،: 1 / 57 وفي الرقاق، والمصنف في شرح السنة: 1 / 27.","part":2,"page":260},{"id":687,"text":"وقال الضحّاك عن ابن عباس: أراد بالقوم الذين بينكم وبينهم ميثاق بني بكر بن زيد بن مناة كانوا في الصلح والهدنة، وقال مقاتل: هم خُزاعة.\rوقوله: { أَوْ جَاءُوكُمْ } أي: يتصلون بقوم جاءوكم، { حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ } أي: ضاقت صدورهم، قرأ الحسن ويعقوب \"حصرةً \" ) منصوبة منونة أي: ضيقة صدورهم، [يعني القوم الذين جاءوكم وهم بنو مدلج، كانوا عاهدوا أن لا يقاتلوا المسلمين وعاهدوا قريشًا أن لا يقاتلوهم، حصرت: ضاقت صدورهم] (1) ، { أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ } أي: عن قتالكم للعهد الذي بينكم، { أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ } يعني: من أمِنَ منهم، ويجوز أن يكون معناه أنهم لا يقاتلونكم مع قومهم ولا يقاتلون قومهم معكم، يعني قريشًا قد ضاقت صُدُورُهم لذلك.\rوقال بعضهم: أو بمعنى الواو، كأنّه يقول: إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاءوكم حَصِرَتْ صدورُهم، أي: حصرت صدورهم عن قتالكم والقتال معكم، وهم قوم هلال الأسلميون وبنو بكر، نهى الله سبحانه عن قتال هؤلاء المرتدين إذا اتصلوا بأهل عهدٍ للمسلمين، لأنّ من انضم إلى قوم ذوي عهدٍ فله حكمهم في حقن الدم.\rقوله تعالى: { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ } يذكر منَّتَهُ على المسلمين بكفِّ بأس المعاهدين، يقول: إن ضيق صدورهم عن قتالكم لما ألقى الله في قلوبهم من الرعب وكفهم عن قتالكم، ولو شاء الله لسلطهم عليكم فَلَقَاتلوكم مع قومهم، { فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ } أي: اعتزلوا قتالكم، { فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ } ومن اتصل بهم، ويقال: يوم فتح مكة يقاتلوكم مع قومهم، { وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ } أي: الصلح فانقادوا واستسلموا { فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا } أي: طريقا بالقتل والقتال.\r{ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (91) }\rقوله تعالى: { سَتَجِدُونَ آخَرِينَ } قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: هم أسد وغَطَفَان كانوا حاضري المدينة تكلموا بالإسلام رياءً وهم غير مسلمين، وكان الرجل منهم يقول له قومه بماذا أسلمت؟ فيقول آمنت بهذا القرد وبهذا العقرب والخنفساء، وإذا لقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم 92/ب قالوا: إنا على دينكم، يريدون بذلك الأمنَ في الفريقين.\r__________\r(1) ساقط من: (أ).","part":2,"page":261},{"id":688,"text":"وقال الضحاك عن ابن عباس هم بنو عبد الدار كانوا بهذه الصفة، { يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ } فلا تتعرّضوا لهم، { وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ } فلا يتعرضوا لهم، { كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ } أي: دُعُوا إلى الشرك، { أُرْكِسُوا فِيهَا } أي: رجعوا وعادوا إلى الشرك، { فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ } أي: فإن لم يكفُّوا عن قتالكم حتى تسيروا إلى مكة، { وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ } أي: المفاداة والصلح، { وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ } ولم يقبضوا أيديهم عن قتالكم، { فَخُذُوهُم } أسراء، { وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } أي: وجدتموهم، { وَأُولَئِكُم } أي: أهل هذه الصفة، { جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا } أي: [حُجَّةً بينّةً ظاهرة بالقتل والقتال] (1) .\r__________\r(1) ساقط من: (أ).","part":2,"page":262},{"id":689,"text":"{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92) }\rقوله تعالى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا } الآية نزلت في عياش( بن أبي ربيعة ) (1) المخزومي، وذلك أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة فأسلم ثم خاف أن يُظهر إسلامَه لأهله فخرج هاربًا إلى المدينة، وتحصّن في أطمٍ من آطامها، فجزعت أمه لذلك جزعًا شديدًا وقالت لابنيها الحارث وأبي جهل بن هشام وهما أخواه لأمه: والله لا يظلني سقف ولا أذوق طعامًا ولا شرابًا حتى تأتوني به، فخرجا في طلبه، وخرج معهما الحارث بن زيد بن أبي أنيسة حتى أتوا المدينة، فأتوا عياشًا وهو في الأطم، قالا له: انزل فإن أمك لم يؤوها سقفُ بيت بعدك، وقد حلفت ألا تأكل طعامًا ولا تشرب شرابًا حتى ترجع إليها( ولك عهد الله ) (2) علينا أن لا نكرهك على شيء ولا نحول بينك وبين دينك، فلما ذكروا له جزع أمه وأوثقوا له بالله نزل إليهم فأخرجوه من المدينة ثم أوثقوه بنسعةٍ، فجلده كل واحد منهم مائة جلدة، ثم قدموا به على أمه فلما أتاها قالت: والله لا أحُلّكَ (3) من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به، ثم تركوه موثقًا مطروحًا في الشمس ما شاء الله، فأعطاهم الذي أرادوا فأتاه الحارث بن زيد فقال: يا عياش أهذا الذي\r__________\r(1) في أ: (بن ربيعة).\r(2) في أ: (ولك والله).\r(3) في ب: (لا أخليك).","part":2,"page":262},{"id":690,"text":"كنت عليه فوالله لئن كان هدى لقد تركت الهدى، ولئن كانت ضلالة لقد كنت عليها، فغضب عياش من مقالته، وقال: والله لا ألقاك خاليًا أبدا إلا قتلتك، ثم إن عياشًا أسلم بعد ذلك وهاجر ثم أسلم الحارث بن زيد بعده وهاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس عياش حاضرًا يومئذ ولم يشعر بإسلامه، فبينا عياش يسير بظهر قباء إذ لقي الحارثَ فقتله، فقال الناس: ويحك أي شيء صنعت؟ إنه قد أسلم، فرجع عياش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله قد كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت، وإني لم أشعر بإسلامه حتى قتلته، فنزل: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً } (1) .\rوهذا نهي عن قتل المؤمن كقوله تعالى: \"وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله\"( الأحزاب -53 ).\r{ إِلا خَطَأً } استثناء منقطع معناه: لكنْ إنْ وقَعَ خطأ، { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } أي: فعليه إعتاق رقبة مؤمنة كفارة، { وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ } كاملة، { إِلَى أَهْلِهِ } أي: إلى أهل القتيل الذي يرثونه، { إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا } أي: يتصدقوا بالدية فيعفوا ويتركوا الدية، { فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } أراد به إذا كان الرجل مسلمًا في دار الحرب منفردًا مع الكفار فقتله من لم يعلم بإسلامه فلا دية فيه، وعليه الكفارة، وقيل: المراد منه إذا كان المقتول مسلمًا في دار الإسلام وهو مِنْ نَسَبِ قوم كفار، وقرابتُهُ في دار الحرب حربٌ للمسلمين ففيه الكفارة ولا دية لأهله، وكان الحارث بن زيد من قوم كفار حرب للمسلمين وكان فيه تحرير رقبة ولم يكن فيه دية لأنه لم يكن بين قومه وبين المسلمين عهد.\rقوله تعالى: { وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } أراد به إذا كان المقتول كافرًا ذميًا أو معاهدًا فيجب فيه الدية والكفارة، والكفارة تكون بإعتاق رقبة مؤمنة سواء كان المقتول مسلمًا أو معاهدًا، رجلا كان أو امرأةً، حرًا كان أو عبدًا، وتكون في مال القاتل، { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } والقاتل إن كان واجدًا للرقبة أو قادرًا على تحصيلها بوجود ثمنها فاضلا عن نفقته ونفقة عياله وحاجته من مسكن ونحوه فعليه الإعتاق، ولا يجوز أن ينتقل إلى الصوم فإن عجز عن تحصيلها فعليه صومُ شهرين متتابعين، فإن أفطر يومًا متعمدًا في خلال الشهرين أو نسي النية ونوى صومًا آخر وجب عليه استئناف الشهرين.\rوإن أفطر يومًا بعذر مرضٍ أو سفرٍ فهل ينقطع التتابع؟ اختلف أهل العلم فيه، فمنهم من قال: ينقطع وعليه استئناف الشهرين، وهو قول النخعي وأظهر قولي الشافعي رضي الله عنه لأنه أفطر مختارًا، ومنهم من قال: لا ينقطع وعليه أن يبني، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن والشعبي.\r__________\r(1) ذكر القصة الطبري: 9 / 33 - 34، والواحدي عن الكلبي في أسباب النزول ص (162)، وعزاه السيوطي لابن المنذر وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، الدر المنثور: 2 / 615 - 616. وانظر: ابن كثير: 1 / 535.","part":2,"page":263},{"id":691,"text":"ولو حاضت المرأة في خلال الشهرين أفطرت أيام الحيض ولا ينقطع التتابع، فإذا طَهُرَتْ بَنَتْ على ما صامت، لأنه أمرٌ مكتوب على النساء لا يمكنهن الاحتراز عنه.\rفإن عجز عن الصوم فهل يخرج عنه بإطعام ستين مسكينًا؟ فيه قولان، أحدهما: يخرج كما في كفارة الظهار، والثاني: لا يخرج لأن الشرع لم يذكر له بدلا فقال: { فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ }\r{ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ } أي: جعل الله ذلك توبة لقاتل الخطأ { وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا } بمن قتل خطأ { حَكِيمًا } فيما حكم به عليكم.\rأما الكلام في بيان الدية، فاعلم أن القتل على ثلاثة أنواع: عمد محض، وشبه عمد، وخطأ محض.\rأما العمد المحض فهو: أن يقصد قتل إنسان بما يقصد به القتل غالبا فقتله ففيه القصاص عند وجود التكافؤ، أو دية مغلظة في مال القاتل حالَّة.\rوشبه العمد: أنْ يقصد ضربه بما لا يموت مثله من مثل ذلك الضرب غالبًا، بأن ضربه بعصًا خفيفة، أو حجر صغير ضربة أو ضربتين، فمات فلا قصاص فيه، بل يجب فيه دِيَةُ مغلّظة على عاقلته مؤجلة إلى ثلاث سنين.\rوالخطأ المحض هو: أن لا يقصد ضربه بل قصد شيئا آخر فأصابه فمات منه فلا قصاص فيه، بل تجب ديةٌ مخففة على عاقلته مؤجلة إلى ثلاث سنين.\rوتجب الكفارة في ماله في الأنواع كلها، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه: قتل العمد لا يوجب الكفارة ، لأنه كبيرة كسائر الكبائر.\rوديةُ الحر المسلم مائة من الإبل فإذا عدمت الإبل وجبت قيمتها من الدراهم أو الدنانير في قول، وفي قولٍ يجب بدل مقدر منها وهو ألف دينار، أو اثنا عشر ألف درهم، لما رُوي عن عمر رضي الله عنه: فرض الدية على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنى عشر ألف درهم\" (1) .\rوذهب قوم إلى أن الواجب في الدية مائة من الإبل، أو ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم، وهو قول عروة بن الزبير والحسن البصري رضي الله عنهما، وبه قال مالك.\rوذهب قوم إلى أنها مائة من الإبل أو ألف دينار، أو عشرة آلاف درهم، وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي.\r__________\r(1) انظر : سنن البيهقي: 8 / 76. مصنف عبد الرزاق: 9 / 296.","part":2,"page":264},{"id":692,"text":"93/أ ودية المرأة نصف دية الرجل، ودية أهل الذمة والعهد ثلث دِيةِ المسلم، إن كان كتابيًا، وإن كان مجوسيًا فخُمسُ الدِّيَة، رُوي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: دِيَةُ اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم، ودية المجوسي ثمانمائة (1) ، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وإليه ذهب الشافعي رضي الله عنه.\rوذهب قوم إلى أن دية الذمي والمعاهد مثل دِيَةِ المسلم، رُوي ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي.\rوقال قوم: دية الذمي نصف دية المسلم وهو قول عمر بن عبد العزيز، وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله.\rوالدية في العمد المحض وشبه العمد مغلّظة بالسِّن فيجب ثلاثون حُقّة وثلاثون جَذَعة وأربعون خَلِفَة (2) في بطونها أولادها، وهو قول عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت رضي الله عنهما، وبه قال عطاء، وإليه ذهب الشافعي رضي الله عنه، لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي رضي الله عنه، أنا ابن عيينة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن القاسم بن ربيعة، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"ألا إن في قتل العمد الخطأ بالسوط أو العصا مائة من الإبلِ مُغلّظة، منها أربعون خَلِفَة في بطونها أولادها\" (3) .\rوذهب قوم إلى أن الدِّية المغلّظة أرباعٌ: خمسٌ وعشرون بنت مخاض، وخمْسَ وعشرون بنت لبون، وخمسٌ وعشرون حُقّة، وخَمسٌ وعشرون جَذَعَة، وهو قول الزهري وربيعة وبه قال مالك وأحمد وأصحاب الرأي.\rوأما دِيةُ الخطأ فمخففة، وهي أخماسٌ بالاتفاق، غير أنهم اختلفوا في تقسيمها، فذهب قوم إلى أنها عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لَبُون، وعشرون ابن لبون، وعشرون حُقّة، وعشرون جَذَعَة، وهو قول عمر بن عبد العزيز وسليمان بن يسار والزهري وربيعة، وبه قال مالك والشافعي رحمهم الله، وأبدل قوم بني اللبون ببنات المخاض، يُروى ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه، وبه قال أحمد وأصحاب الرأي.\rودية الأطراف على هذا التقدير، ودية المرأة فيها على النصف من دية الرجل، والدية في قتل الخطأ وشبه العمد على العاقلة، وهم عصبات القاتل من الذكور، ولا يجب على الجاني منها شيء لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوجَبَها على العاقلة.\r__________\r(1) أخرجه الشافعي في المسند: 2 / 107 (ترتيب المسند)، الطبري في التفسير: 9 / 54، وانظر: شرح السنة: 10 / 205.\r(2) الخلفة - بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام - الحامل من النوق، وتجمع على خلفات، وخلائف . انظر النهاية لابن الأثير: 2 / 68.\r(3) أخرجه أبو داود في الديات، باب كم الدية؟ عن ابن عمرو: 6 / 354، والنسائي في القسامة، باب كم دية شبه العمد؟ عن عبد الله بن عمرو: 8 / 40، وابن ماجه في الديات، باب دية شبه العمد مغلظة، برقم (2628): 2 / 878، والدارقطني في الحدود: 3 / 105 والشافعي: 2 / 108 من ترتيب المسند، وأحمد: 2 / 11 عن ابن عمر، وفي مواضع أخرى. وصححه ابن حبان وقال ابن القطان: هو صحيح، ولا يضره الاختلاف. انظر: تلخيص الحبير: 4 / 15، نصب الراية: 4 / 331 - 333. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 10 / 186.","part":2,"page":265},{"id":693,"text":"{ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93) }\rقوله تعالى: { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا } الآية، نزلت في مِقْيَس بن صُبَابة الكناني، وكان قد أسلم هو وأخوه هشام، فوجد أخاه هشام قتيلا في بني النجار فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم معه رجلا من بني فهر إلى بني النجار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم إن علمْتم قاتل هشام بن صبابة أن تدفعوه إلى مقيس فيقتص منه، وإن لم تعلموا أن تدفعوا إليه ديَتَه، فأبلغهم الفهري ذلك فقالوا: سمعًا وطاعة لله ولرسوله، والله ما نعلم له قاتلا ولكنّا نؤدي ديَتَه، فأعطوه مائة من الإبل، ثم انصرفا راجعين نحو المدينة فأتى الشيطان مقيسًا فوسوس إليه، فقال: تقبل دية أخيك فتكون عليك مسبَّة، اقتل الذي معك فتكون نفس مكان نفس وفضل الدية؛ فتغفل الفهري فرماه بصخرة فشدخه، ثم ركب بعيرًا وساق بقيتها راجعًا إلى مكة كافرًا فنزل فيه: { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا } (1) { فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا } بكفره وارتدادِهِ، وهو الذي استثناه النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة، عمّن أمَنَهُ فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة.\rقوله تعالى: { وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ } أي: طرده عن الرحمة، { وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } اختلفوا في حكم هذه الآية.\rفحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن قاتل المؤمن عمدًا لا توبةَ له، فقيل له: أليس قد قال الله في سورة الفرقان: \"ولا يقتلون النفس التي حرَّمَ الله إلا بالحقِّ\" إلى أن قال \"ومن يَفْعَلْ ذلك يلق أثَامًا يُضاعفْ له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مُهَانًا إلا مَنْ تابَ\"( الفرقان 67 -70 )، فقال: كانت هذه في الجاهلية، وذلك أن أناسًا من أهل الشرك كانُوا قد قتلُوا وزنوا فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنّ الذي تدعوا إليه لحَسَنٌ، لو تخبرنا أنّ لِمَا عملنا كفارة، فنزلت \"والذين لا يدعون مع الله إلها آخر\" إلى قوله \"إلا مَنْ تَابَ وآمن\" (2) فهذه لأولئك.\rوأما التي في النساء فالرجل إذا عرف الإسلام وشرائعه ثم قتل فجزاؤه جهنم.\r__________\r(1) أخرجه الطبري في التفسير: 9 / 61 - 62 ، وانظر: الدر المنثور: 2 / 623، أسباب النزول للواحدي ص (163 - 164).\r(2) أخرجه البخاري: في التفسير - باب: (يا عبادي الذين أسرفوا. . . ) 8 / 549. ومسلم: في الإيمان - باب: كون الإسلام يهدم ما قبله برقم (122) 1 / 113.","part":2,"page":266},{"id":694,"text":"وقال زيد بن ثابت: لما نزلت التي في الفرقان \"والذين لا يدعُون مع الله إلها آخر\" ، عجبنا من لينها فلبثنا سبعة أشهر ثم نزلت الغليظة بعد اللّينة فنسخت اللينة، وأراد بالغليظة هذه الآية، وباللّينة آية الفرقان.\rوقال ابن عباس رضي الله عنهما: تلك آية مكية وهذه مدنية نزلت ولم ينسخها شيء.\rوالذي عليه الأكثرون، وهو مذهب أهل السنة: أن قاتل المسلم عمدًا توبته مقبولة لقوله تعالى: \"وإني لغفارٌ لمن تاب وآمن وعملَ صالحا\"( طه -82 ) وقال: \"إن الله لا يغفر أن يُشْرَكَ به ويغفرُ ما دون ذلكَ لمن يشاء\"( النساء -48 ) وما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما فهو تشديد ومبالغة في الزجر عن القتل، كما رُوي عن سفيان بن عُيينة أنه قال: إن لم يقتل يقال له: لا توبةَ لك، وإن قَتَلَ ثم جاء يُقال: لك توبة. ويُروى مثله عن ابن عباس رضي الله عنهما.\rوليس في الآية متعلق لمن يقول بالتخليد في النار بارتكاب الكبائر، لأن الآية نزلت في قاتل وهو كافر، وهو مقيس بن صبابة، وقيل: إنه وعيد لمن قتل مؤمنًا مستحلا لقتله بسبب إيمانه، ومن استحل قتل أهل الإيمان لإيمانهم كان كافرًا مخلدًا في النار، وقيل في قوله تعالى: { فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا } معناه: هي جزاؤه إن جازاه، ولكنه إن شاء عذبه وإن شاء غفر له بكرمه، فإنه وعد أنْ يغفر لمن يشاء.\rحكي أن عمرو بن عبيد جاء إلى أبي عمرو بن العلاء فقال له: هل يُخلفُ الله وعدَه؟ فقال: لا فقال: أليس قد قال الله تعالى { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا } فقال له أبو عمرو بن العلاء: من العجمة أُتِيْتَ يا أبا عثمان! إن العرب لا تعد الإخلاف في الوعيد خلفًا وذمًا، وإنما تعد إخلاف الوعد خلفًا وذمًا، وأنشد: وإنِّي وإنْ أوْعَدْتُه أو وَعَدْتُه ... لَمُخْلِفُ إيعادَيِ ومُنْجِزُ مَوْعِدِي\rوالدليل على أن غير الشرك لا يوجب التخليد في النار ما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة\" (1) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري، قال أخبرني أبو إدريس عائذ الله بن عبد الله أن، عبادة بن\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة برقم (93): 1 / 94، عن جابر، وأخرجه البخاري عن عبد الله ابن مسعود قال \"من مات يشرك بالله شيئا دخل النار، وقلت أنا: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة\". البخاري في الجنائز: 3 / 110، والمصنف في شرح السنة: 1 / 96.","part":2,"page":267},{"id":695,"text":"الصامت رضي الله عنه -وكان شهد يوم بدرًا وهو أحد النقباء ليلة العقبة -وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه: \"بايعوني على أن لا تُشْرِكُوا بالله شيئا ولا تسرقُوا ولا تزنُوا ولا تقتلُوا أولادَكم ولا تأتوا ببهتانٍ تفترونَه بينَ أيديكُم 93/ب وأرجلكم ولا تعصُوا في معروفٍ، فمنْ وفىَّ منكم فأجرُه على الله، ومن أصاب من ذلك شيئُا فعُوقِبَ في الدنيا فهو كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله، فهو إلى الله إن شاءَ عفا عنه وإن شاء عاقبه\"، فبايعناه على ذلك (1) .\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94) }\rقوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا } الآية، قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية في رجل من بني مرة بن عوف يقال له مرداس بن نهيك، وكان من أهل فدك وكان مسلمًا لم يُسلم من قومه غيره، فسمعوا بسريةٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم تريدهم، وكان على السرية رجل يقالُ له غالب بن فُضالة الليثي، فهربُوا وأقام الرجل لأنه كان على دين المسلمين، فلما رأى الخيل خاف أن يكونوا من غير أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فألجأ غنمه إلى عاقُول من الجبل، وصعد هو إلى الجبل فلما تلاحقت الخيلُ سمعهم يكبرون، فلمّا سمع التكبير عرف أنهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكبرّ ونزل وهو يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، السلام عليكم، فتغشاه أسامة بن زيد فقتله واستاق غنمه ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وجدًا شديدًا، وكان قد سبقهم قبل ذلك الخبر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"قتلتموه إرادَةَ ما مَعَه\"؟ ثم قرأ هذه الآية على أسامة بن زيد، فقال: يا رسول الله استغفر لي، فقال فكيف بلا إله إلا الله؟ قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، قال أسامة: فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيدها حتى وَددْتُ أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفرَ لي بعد ثلاث مرات، وقال: \"اعتقْ رقبةً\" (2) .\rوروى أبو ظبيان عن أسامة رضي الله عنه قال قلت: يا رسول الله إنّما قال خوفًا من السلاح، قال: \"أفلا شققتَ عن قلبه حتى تعلم أقالها خوفًا أم لا\" (3) ؟\rوقال عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مرَّ رجلٌ من بني سليم على نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومعه غنم له فسلّم عليهم، قالوا: ما سلم عليكم إلا ليتعوذ منكم فقاموا فقتلُوه وأخذوا غنمه فأتوا\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الإيمان، باب علامة الإيمان حب الأنصار: 1 / 64، وفي مواضع أخرى. ومسلم في الحدود، باب الحدود كفارة لأهلها برقم (1709): 3 / 1333. والمصنف في شرح السنة: 1 / 60 - 61.\r(2) عزاه ابن حجر للثعلبي من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. انظر: الكافي الشاف ص (48) ، وأخرجه الطبري من رواية أسباط عن السدي بتغيير بسيط تفسير الطبري: 9 / 78 - 79. وانظر الدر المنثور: 2 / 632 - 633، فتح الباري 8 / 258.\r(3) أخرجه البخاري في الديات ، باب ومن أحياها: 12 / 191، وفي مواضع أخرى، ومسلم في الإيمان- باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله، برقم (96) 1 / 96. والمصنف في شرح السنة: 10 / 241 - 242.","part":2,"page":268},{"id":696,"text":"بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } (1) . .\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } يعني إذا سافرتم في سبيل الله، يعني: الجهاد.\r{ فَتَبَيَّنُوا } قرأ حمزة والكسائي هاهنا في موضعين وفي سورة الحجرات بالتاء والثاء من التثبيت، أي: قفوا حتى تعرفوا المؤمنَ من الكافر، وقرأ الآخرون بالياء والنون من التبين، يقال: تَبَيَّنْتُ الأمرَ إذا تأملته، { وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَم } هكذا قراءة أهل المدينة وابن عامر وحمزة، أي: المقادة، وهو قول \"لا إله إلا الله محمد رسول الله\"، وقرأ الآخرون السلام، وهو السلام الذي هو تحية المسلمين لأنه كان قد سلّم عليهم، وقيل: السلّم والسلام واحد، أي: لا تقولوا لمن سلّم عليكم لستَ مؤمنًا، { تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } يعني: تطلبون الغُنم والغنيمة، و \"عرض الحياة الدنيا\" منافعها ومتاعها، { فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ } أي غنائم، { كَثِيرَة } وقيل: ثوابٌ كثير لمن اتّقَى قتلَ المؤمن، { كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ } قال سعيد بن جبير: كذلك كنتم تكتُمُون إيمانكم من المشركين { فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } بإظهار الإسلام، وقال قتادة: كنتم ضُلالا من قبل فمنَّ الله عليكم بالإسلام والهداية.\rوقيل معناه: كذلك كنتم من قبل تأمنْون في قومكم بلا إله إلا الله قبل الهجرة فلا تخيفوا من قالها فمنَّ الله عليكم بالهجرة، فَتَبَيَّنُوا أن تقتلوا مؤمنًا.\r{ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } قلت: إذا رأى الغزاةُ في بلد أو قرية شعارَ الإسلام فعليهم أن يكفُّوا عنهم، فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا قومًا فإن سمع أذانًا كفَّ عنهم، وإن لم يسمع أغار عليهم.\rأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي، أنا سفيان، عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق، عن ابن عصام، عن أبيه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في تفسير سورة النساء: 8 / 286 وقال: هذا حديث حسن، وأبو داود في الحروف: 6 / 4، وصححه الحاكم في المستدرك: 2 / 235، ووافقه الذهبي، وابن جرير في التفسير: 9 / 76، وابن أبي عاصم في الديات ص (36)، والإمام أحمد في المسند: 1 / 229، وانظر البخاري مع الفتح 8 / 258، وابن كثير: 1 / 539.","part":2,"page":269},{"id":697,"text":"كان إذا بعثَ سريةً قال: \"إذا رأيتم مسجدًا أو سمعتم مؤذنًا فلا تقتُلُوا أحدًا\" (1) .\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الجهاد، باب دعاء المشركين: 3 / 432، وعزاه المنذري للنسائي، والترمذي في السير، باب حدثنا محمد بن يحيى: 5 / 155، وقال: هذا حديث حسن غريب، والشافعي: 2 / 116 (من ترتيب المسند)، وأخرجه الطبراني في الكبير مطولا. . . انظر: الإصابة لابن حجر: 4 / 500 - 501، وسعيد بن منصور في السنن: 2 / 149 - 150، والمصنف في شرح السنة: 11 / 60.","part":2,"page":270},{"id":698,"text":"{ لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) }\rقوله تعالى: { لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } الآية، أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، ثنا عبد العزيز بن عبد الله، ثنا إبراهيم بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد الزهري، حدثني صالح بن كيسان، عن ابن شهاب عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أنه قال: رأيتُ مروان بن الحكم جالسًا في المسجد فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أنا زيد بن ثابت رضي الله عنه أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه { لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه } قال: فجاء ابنُ أم مكتوم وهو يُمْلِيها علي، فقال: يا رسول الله لو أستطيعُ الجهادَ لجاهدتُ، وكان رجلا أعمى، فأنزل الله تعالى عليه وفخذُهُ على فخذي، فثقلتْ علي حتى خفتُ أن ترضَّ فخذي، ثم سُرِّى عنه فأنزل الله { غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ } (1) .\rفهذه الآية في الجهاد والحثِّ عليه، فقال: { لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } عن الجهاد { غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ } قرأ أهل المدينة وابن عامر والكسائي بنصب الراء، أي: إلا أولي الضّرر، وقرأ الآخرون برفع الراء على نعت \" القاعدين \" يُريُد: لا يستوي القاعدون الذين هم غيرُ أولي الضرر، أي: غير أولي الزَّمَانَةِ والضّعف في البدن والبصر، { وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ } غير أولي الضرر فإنهم يساوون المجاهدين، لأن العذر أقعدهم.\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أنا حاجب بن أحمد الطوسي، أنا عبد الرحيم بن منيب، أنا يزيد بن هارون، أخبرنا حميد الطويل، عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا رجع من غزوة تبوك، فَدَنَا من المدينة قال: \"إنّ في المدينة لأقوامًا ما سرتُمْ من مسيرٍ ولا قطعتم من وادٍ إلا كانوا معكم فيه\"، قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال: \"نعم وهم بالمدينة حبسهم العذر\" (2)\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير، سورة النساء، باب \" لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله\" 8 / 259، ومسلم في الإمارة، باب سقوط فرض الجهاد عن المعذورين برقم (1898): 3 / 158.\r(2) أخرجه البخاري في الجهاد، باب من حبسه العذر عن الغزو: 6 / 47، وفي المغازي 8 / 126، ومسلم في الإمارة، باب ثواب من حبسه عن الغزو مرض أو عذر أخر، برقم (1911) 3 / 1518، والمصنف في شرح السنة: 10 / 376.","part":2,"page":270},{"id":699,"text":"ورَوى القاسم عن ابن عباس قال: { لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } عن بدر والخارجون إلى بدر.\rقوله تعالى: { فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً } أي: فضيلةً، وقيل: أراد بالقاعدين هاهنا أولي الضرر، فضّل الله المجاهدين عليهم درجةً لأن المجاهد باشر الجهاد مع النِّية وأولو الضرر كانت لهم نيةٌ ولكنّهم لم يباشروا، فنزلوا عنهم بدرجة، { وَكُلا } يعني المجاهد والقاعد { وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى } يعني: الجنة بإيمانهم، وقال مقاتل: يعني المجاهد والقاعد المعذُور، { وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا } يعني: 94/أ على القاعدين من غير عذر.\r{ دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96) }\r{ دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } قال ابن محيريز في هذه الآية: هي سبعون درجة ما بين كل درجتين عدو الفرس الجواد المضمَّر سبعين خريفا.\rوقيل: الدرجات هي الإسلام والجهاد والهجرة والشهادة فازَ بها المجاهدون، أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، أنا أبو محمد محمد بن علي بن محمد بن شريك الشافعي، أنا عبد الله بن مسلم أبو بكر الجُورَبْذِي، أنا يونس بن عبد الأعلى، أنا ابن وهب، حدثني أبو هانئ الخولاني، عن أبي عبد الرحمن الجبلي، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"يا أبا سعيد من رضيَ بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا وجبت له الجنة\" قال فعجب لها أبو سعيد فقال: أعِدْهَا علي يا رسول الله، ففعل، قال: \"وأخْرَى يرفع الله بها العبد مائة درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض\" قال: وما هي يا رسول الله؟ فقال: \"الجهاد في سبيل الله الجهاد في سبيل الله\" (1) .\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أنا أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن علي بن الشاه، أنا أبي، أنا أبو الحسن علي بن أحمد بن صالح المطرِّز، أنا محمد بن يحيى، أنا شريح بن النعمان، أنا فليح، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"من آمَنَ بالله ورسولهِ وأقامَ الصلاةَ وصامَ رمضانَ كانَ حقًّا على الله عز وجل أن يُدخلهُ الجنّةَ، جاهد في سبيل الله أو جلسَ في أرضه التي وُلد فيها\"، قالوا: أفلا نُنذر الناس بذلك؟ قال: \"إن في الجنّة مائة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل من الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتُمُ الله فاسألوه الفِرْدَوسَ\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الجهاد، باب أفضل الناس مؤمن مجاهد: 6 / 6، ومسلم في الإمارة، باب بيان ما أعده الله تعالى للمجاهدين في الجنة من الدرجات، برقم (1884): 3 / 1501، والمصنف في شرح السنة: 10 / 347.","part":2,"page":271},{"id":700,"text":"فإنه أوسط الجنّةِ وأعلى الجنّةِ وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة\" (1) .\rواعلمْ أن الجهاد في الجملة فرضٌ، غير أنه ينقسم إلى فرض العين وفرض الكفاية.\rففرض العين: أن يدخل الكفارُ دار قوم من المؤمنين، فيجب على كل مكلف من الرجال، ممن لا عذر له من أهل تلك البلدة الخروجُ إلى عدوهم، حرًا كان أو عبدًا، غنيًا كان أو فقيرًا، دفعًا عن أنفسهم وعن جيرانهم.\rوهو في حق من بَعُدَ منهم من المسلمين فرض على الكفاية، فإن لم تقع الكفاية بمن نزل بهم يجب على من بعد منهم من المسلمين عونُهم، وإن وقعت الكفاية بالنازلين بهم فلا فرض على الأبعدين إلا على طريق الاختيار، ولا يدخل في هذا القسم العبيد والفقراء، ومن هذا القبيل أن يكون الكفار قارِّين في بلادهم، فعلى الإمام أن لا يخلي سنة عن غزوة يغزوها بنفسه أو بسراياه حتى لا يكون الجهاد معطَّلا والاختيارُ للمطيق الجهاد مع وقوع الكفاية بغيره: أنْ لا يقعد عن الجهاد، ولكنْ لا يُفترض، لأنّ الله تعالى وعد المجاهد والقاعد الثوابَ في هذه الآية فقال: { وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى } ولو كان فرضًا على الكافة لاستحق القاعد العقاب لا الثواب.\r{ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) }\rقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ } الآية، نزلت في ناس من أهل مكة تكلَّمُوا بالإسلام ولم يهاجروا، منهم: قيس بن الفاكه بن المغيرة وقيس بن الوليد بن المغيرة وأشباههما، فلما خرج المشركون إلى بدر خرجوا معهم فقتلوا مع الكفار، فقال الله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ } أراد به ملك الموت وأعوانه، أو أراد ملك الموت وحده، كما قال تعالى: \"قل يتوفاكم ملك الموت الذي وُكِّلَ بكم\"( السجدة -11 ) ، والعرب قد تخاطب الواحد بلفظ الجمع { ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ } بالشرك، وهو نصب على الحال أي: في حال ظلمهم، قيل: أي بالمقام في دار الشرك لأن الله تعالى لم يقبل الإسلام بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلا بالهجرة، ثم نسخ ذلك بعد فتح مكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"لا هجرة بعد الفتح\" (2) ، وهؤلاء قُتلوا يومَ بدر وضربتِ الملائكة وجوههم وأدبارهم، وقالوا لهم: فِيْمَ كنتم؟ فذلك قوله تعالى: { قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ } أي: في ماذا كنتم؟ أو في أي الفريقين كنتم؟ أفي المسلمين؟\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الجهاد، باب درجات المجاهدين في سبيل الله: 6 / 11، وفي التوحيد، والمصنف في شرح السنة: 10 / 346.\r(2) أخرجه البخاري في الجهاد، باب وجوب النفير: 6 / 37، وفي الحج، ومسلم في الإمارة، باب المبايعة بعد فتح مكة برقم (1353): 3 / 1487، وفي الحج، والمصنف في شرح السنة: 10 / 370 عن ابن عباس.","part":2,"page":272},{"id":701,"text":"أم في المشركين؟ سؤال توبيخ وتعيير فاعتذروا بالضعف عن مقاومة أهل الشرك، و { قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ } عاجزين ، { فِي الأرْضِ } يعني أرض مكة، { قَالُوا } يعني: الملائكة { أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا } يعني: إلى المدينة وتخرجوا من مكة، من بين أهل الشرك؟ فأكذبهم الله تعالى وأعلمنا بكذبهم، وقال: { فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ } منزلهم { جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } أي: بئس المصير إلى جهنم.\r{ إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100) }\rثم استثنى أهل العذر منهم، فقال: { إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً } لا يقدرون على حيلة ولا على نفقة ولا قوة للخروج منها، { وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا } أي: لا يعرفون طريقًا إلى الخروج. وقال مجاهد: لا يعرفون طريق المدينة.\r{ فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ } يتجاوز عنهم، وعسَى من الله واجبٌ ، لأنه للإطماع، والله تعالى إذا أطمع عبدًا وصله إليه، { وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا } قال ابن عباس رضي الله عنهما: كنتُ أنا وأمي ممن عذر الله، يعني المستضعفين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو لهؤلاء المستضعفين في الصلاة.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا معاذ بن فضالة، أنا هشام، عن يحيى هو ابن أبي كثير، عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه \"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قال: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد في الركعة الآخرة من صلاة العشاء قنت اللّهم أنجِ عياشَ بن أبي ربيعة اللّهم أنجِ الوليدَ اللّهم أنجِ سلمةَ بن هشام اللّهم أنجِ المستضعفين من المؤمنين اللّهم اشْدُدُ وطأتَكَ على مضر، اللهم اجعلها سنين كسنيِّ يوسف \" (1) .\rقوله تعالى: { وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً } قال علي بن أبي\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير سورة آل عمران، باب ليس لك من الأمر شيء: 8 / 226، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة، برقم (675): 1 / 446 - 467. والمصنف في شرح السنة: 3 / 121 بلفظ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع فربما قال: إذا سمع الله لمن حمده. . . \".","part":2,"page":273},{"id":702,"text":"طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: { مُرَاغَمًا } أي: مُتَحَوَّلا يتحول إليه، وقال مجاهد: متزحزحًا عما يكره، وقال أبو عبيدة: المُراغم: يقال: راغمت قومي وهاجرتهم، وهو المُضْطَرَبُ والمَذْهَبُ.\rرُوي أنه لمّا نزلت هذه الآية سمعها رجل من بني ليث شيخ كبير مريض يقال له جُنْدُع بن ضَمْرة، فقال: والله ما أبيت الليلة بمكة، أخرجوني، فخرجوا به يحملونه على سرير حتى أتوا به التنعيم فأدركه الموت، فصفقَ يمينه على شماله ثم قال: اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك عليه رسولك، فمات فبلغ خبرُه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لو وَافَى المدينة لكان أتم وأوْفَى أجرًا، وضحك المشركون وقالوا: 94/ب ما أدرك هذا ما طلب، فأنزل الله: { وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ } (1) . أي: قبل بلوغه إلى مهاجره، { فَقَدْ وَقَعَ } أي: وجَبَ { أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } بإيجابه على نفسه فضْلا منه، { وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا }\r{ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (101) }\rقوله عز وجل: { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ } أي: سافرتم، { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ } أي: حرج وإثم { أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ } يعني من أربع ركعات إلى ركعتين، وذلك في صلاة الظهر والعصر والعشاء { إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ } أي: يغتالكم ويقتلكم { الَّذِينَ كَفَرُوا } في الصلاة، نظيره قوله تعالى: \"على خوفٍ من فرْعَوْنَ وملئهم أن يفتنهم\"( يونس -83 ) أي: يقتلهم.\r{ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا } أي: ظاهر العداوة.\rاعلم أن قصر الصلاة في السفر جائز بإجماع الأمة، واختلفوا في جواز الإتمام: فذهب أكثرهم إلى أن القصر واجب، وهو قول عمر وعلي وابن عمر وجابر وابن عباس رضي الله عنهما، وبه قال الحسن وعمر بن عبد العزيز وقتادة وهو قول مالك وأصحاب الرأي، لِمَا رُوي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: \"الصلاة أول ما فرضت ركعتين فأُقرتْ صلاة السفر وأُتمت صلاة الحضر\" (2) .\rوذهب قوم إلى جواز الإتمام، رُوي ذلك عن عثمان وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما، وبه قال الشافعي رضي الله عنه، إن شاءَ أتمَّ وإن شاءَ قصرَ، والقصرُ أفضل.\r__________\r(1) قال الهيثمي: أخرجه أبو يعلى ورجاله ثقات، مجمع الزوائد 7 / 10، والواحدي في أسباب النزول ص (208)، كلاهما عن ابن عباس انظر الدر المنثور 2 / 651، الطبري: 9 / 114 وما بعدها، أسد الغابة لابن الأثير 1 / 359 - 360.\r(2) أخرجه البخاري في التقصير، باب يقصر إذا خرج من موضعه: 2 / 569، ومسلم في المسافرين، باب صلاة المسافرين وقصرها، برقم (685): 1 / 478.","part":2,"page":274},{"id":703,"text":"[أخبرنا الإمام عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي، أنا إبراهيم بن محمد، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: \"كل ذلك قد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قصرَ الصلاةَ وأتمَّ\" (1) .\rوظاهر القرآن يدل على هذا ، لأنه قال: { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ } ولفظ لا جناح إنما يستعمل في الرخص لا فيما يكون حتمًا، فظاهر الآية [يوجب أنّ القصر] (2) لا يجوز إلا عند الخوف وليس الأمر على ذلك، إنمّا نزلت الآية على غالب أسفار النبي صلى الله عليه وسلم، وأكثرها لم يخل عن خوف العدو.\rوالقصر جائز في السفر في حال الأمن عند عامة أهل العلم، والدليل عليه ما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي، أنا مسلم بن خالد وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روّاد عن ابن جريج، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار، عن عبد الله بن بَابَاه، عن يعلى بن أمية، قال: قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنما قال الله تعالى { أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا } وقد أمن الناس، فقال عمر رضي الله عنه: عجبت مما عجبتُ منه، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \"صدقة تصدّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته\" (3) .\rأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي، أنا عبد الوهاب، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سافر رسول الله بين مكة والمدينة آمنًا لا يخاف إلا الله فصلى ركعتين\" (4) .\rوذهب قوم إلى أنّ ركعتي المسافر ليستا بقصر إنما القصر أن يصلي ركعة واحدة في الخوف، يُروى ذلك عن جابر رضي الله عنه وهو قول عطاء وطاووس والحسن ومجاهد ، وجعلوا شرط الخوف المذكور في الآية: باقيًا وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الاقتصار على ركعة واحدة لا يجوز خائفًا كان أو آمنًا.\rواختلف أهل العلم في مسافة القصر، فقالت طائفة : يجوز القصر في السفر الطويل والقصير ، رُوي\r__________\r(1) أخرجه الشافعي: 1 / 182 (ترتيب المسند)، والدارقطني: 2 / 189، من طريق طلحة وقال: طلحة ضعيف. وأخرجه من طريق أخر وقال: وهذا إسناد صحيح، والمصنف في شرح السنة: 4 / 166.\r(2) ساقط من: (أ).\r(3) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين، باب صلاة المسافرين، برقم (686): 1 / 478، والمصنف في شرح السنة: 4 / 168.\r(4) أخرجه الترمذي في الصلاة، باب ما جاء في التقصير في السفر: 3 / 109، وقال: هذا حديث صحيح، والنسائي في تقصير الصلاة في السفر: 3 / 117، والشافعي: 1 / 180، وأحمد: 1 / 215، والمصنف في شرح السنة: 4 / 170. وقال: ابن حجر: صححه النسائي.","part":2,"page":275},{"id":704,"text":"ذلك عن أنس رضي الله عنه ، وقال عمرو بن دينار: قال لي جابر بن زيد: اقصر بعرفة، أما عامة الفقهاء فلا يجوِّزون القصر في السفر القصير.\rواختلف في حد ما يجوز به القصر، فقال الأوزاعي: مسيرة يوم، وكان ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم يقصران ويفطران في أربعة بُرُدٍ، وهي ستة عشر فرسخًا، وإليه ذهب مالك وأحمد وإسحاق، وقول الحسن والزهري قريب من ذلك، قالا مسيرة يومين، وإليه ذهب الشافعي رضي الله عنه، قال: مسيرة ليلتين قاصدتين، وقال في موضع: ستة وأربعون ميلا بالهاشمي، وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي: مسيرة ثلاثة أيام.\rوقيل: قوله { إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا } متصل بما بعده من صلاة الخوف منفصل عمّا قبله، رُوي عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال: نزل قوله { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ } هذا القدر، ثم بعد حوْلٍ سألُوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الخوف فنزل: { إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا } { وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ } (1) الآية. ومثله في القرآن كثير أن يجيء الخبر بتمامه ثم يُنسق عليه خبر آخر، وهو في الظاهر كالمتصل به، وهو منفصل عنه، كقوله تعالى: \" الآن حَصْحَصَ الحقُّ أنا راوَدْتُهُ عن نفسه وإنه لمن الصّادقين\"( يوسف -51 )، وهذه حكاية عن امرأة العزيز، وقوله: \"ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب\"( يوسف -52 ) إخبار عن يوسف عليه السلام.\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 9 / 126، وقال ابن كثير في التفسير، بعد أن عزاه للطبري: هذا سياق غريب جدا، ولكن لبعضه شاهد من رواية أبي عياش الزرقي، واسمه زيد بن الصامت / تفسير ابن كثير: 1 / 549.","part":2,"page":276},{"id":705,"text":"{ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102) }\rقوله تعالى: { وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ } روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (1)\r__________\r(1) أخرجه بمعناه الحاكم في المستدرك: 3 / 30 وصححه على شرط البخاري، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 2 / 664 للبزار ، والواحدي في أسباب النزول ص 172 ، والطبري: 9 / 157، وقال الشيخ شاكر: وفيه النضر أبو عمر، هو نضر بن عبد الرحمن الخزار ، وهو ضعيف الحديث، سئل عنه أبو نعيم فقال: لا يسوى هذا - ورفع شيئا من الأرض - كان يجيء فيجلس عند الحماني، وكل شيء يسأل عنه، يقول: عكرمة عن ابن عباس.","part":2,"page":276},{"id":706,"text":"وجابر (1) رضي الله عنهم أن المشركين لمّا رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قاموا إلى الظهر يُصلون جماعة ندموا أن لو كانوا كبوُّا عليهم، فقال بعضهم لبعض: دعوهم فإن لهم بعدها صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم، يعني صلاة العصر، فإذا قاموا فيها فشدُّوا عليهم فاقتلوهم، فنزل جبريل عليه السلام فقال: يا محمد إنها صلاة الخوف وإن الله عز وجل يقول: { وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ } فعلّمه صلاة الخوف .\rوجملته: أن العدو إذا كانوا في معسكرهم في غير ناحية القبلة فيجعل الإمام القوم فرقتين فتقف طائفة وجاه العدو تحرسُهم، ويشرع الإمام مع طائفة في الصلاة، فإذا صلى بهم ركعة قام وثبت قائمًا حتى أتموا صلاتهم، ذهبوا إلى وِجَاه العدو ثم أتت الطائفة الثانية فصلى بهم الركعة الثانية، وثبت جالسًا حتى أتموا لأنفسهم الصلاة، ثم يُسَلِّم بهم، وهذه رواية سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى كذلك بذات الرقاع، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق.\rأنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات، عمن صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: أن طائفة صفّت معه وصفت طائفة وجَاهَ العدو فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائمًا فأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا وصفوا وجاه العدو وجاءت الطائفةُ الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت ثم ثبت جالسًا وأتموا لأنفسم ثم سلّم بهم (2) . قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت في صلاة الخوف (3) .\rوأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا مسدد أنا يحيى عن شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا (4) .\rوذهب قوم إلى أن الإمام إذا قام إلى الركعة الثانية تذهب الطائفة الأولى في خلال الصلاة إلى وِجَاهِ العدو وتأتي الطائفة الثانية فيُصلي بهم الركعة الثانية ويسلّم وهم لا يسلمون بل يذهبون إلى وِجَاهِ العدو، وتعود الطائفة الأولى فتتُّم صلاتَها، ثم تعود الطائفة الثانية فتتُّم صلاتَها، وهذه رواية عبد الله بن عمر رضي\r__________\r(1) بهذا المعنى مطولا عند مسلم في صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف، برقم (840): 1 / 575.\r(2) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة ذات الرقاع: 7 / 422 ، ومسلم في صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف، برقم (841): 1 / 575. وانظر: شرح السنة: 4 / 280.\r(3) انظر: الموطأ: 1 / 185، وقد أخرج مالك الحديث في صلاة الخوف من الموطأ: 1 / 183.\r(4) الحديث السابق نفسه، وهو في شرح السنة: 4 / 279.","part":2,"page":277},{"id":707,"text":"الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى كذلك. وهو قول أصحاب الرأي.\rأخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي، أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، أنا أبو عيسى الترمذي، أنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، أنا يزيد بن زريع، أنا معمر، عن الزهري، عن سالم عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا فقاموا في مقام أولئك وجاء أولئك فصلى بهم ركعة أخرى ثم سلم بهم، فقام هؤلاء فصلوا ركعتهم (1) .\rوكلتا الروايتين صحيحة، فذهب قوم إلى أن هذا من الاختلاف المباح، وذهب الشافعي رضي الله عنه إلى حديث سهل بن أبي حثمة لأنه أشد موافقة لظاهر القرآن وأحوط للصلاة وأبلغ في حراسة العدو، وذلك لأن الله تعالى قال: { فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ } أي: إذا صلّوا، ثم قال: { وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا } وهذا يدل على أن الطائفة الأولى قد صلوا، 95/أ وقال: { فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ } فمقتضاه أن يصلوا تمام الصلاة، فظاهره يدل أن كل طائفة تفارق الإمام بعد تمام الصلاة، والاحتياط لأمر الصلاة من حيث أنه لا يكثر فيها العمل والذهاب والمجيء والاحتياط لأمر الحرب من حيث أنهم إذا لم يكونوا في الصلاة كان أمكن للحرب والهرب إن احتاجوا إليه.\rولو صلى الإمام أربع ركعات بكل طائفة ركعتين جاز. أنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسين الإسفرايني، أنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ، قال أنا الضعاني، أنا عفان بن مسلم، ثنا أبان العطار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنّا بذات الرقاع وكنّا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال فجاء رجل من المشركين وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم معلّق بشجرة فأخذ سيف نبي الله صلى الله عليه وسلم فاخترطه فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتخافني؟ قال: لا. قال: فمن يمنعك مني؟ قال: الله يمنعني منك، قال فتهدده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأغمد السيف وعلّقه فنُودي بالصلاة، قال فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا فصلى بالطائفة الأخرى ركعتين: قال: فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتان\" (2) .\rأخبرنا عبد الوهاب بن الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنا الشافعي أخبرني الثقة ابن علية أو غيره، عن يونس، عن الحسن، عن جابر رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم\r__________\r(1) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة ذات الرقاع: 7 / 422، ومسلم في صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف، برقم (839): 1 / 574. والمصنف في شرح السنة: 4 / 276.\r(2) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة ذات الرقاع: 7 / 426، ومسلم في صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف، برقم (843): 1 / 576. والمصنف في شرح السنة: 4 / 287 - 288.","part":2,"page":278},{"id":708,"text":"كان يصلي بالناس صلاة الظهر في الخوف ببطن نخل، فصلى بطائفة ركعتين ثم سلم، ثم جاءت طائفة أخرى فصلى بهم ركعتين ثم سلم (1) .\rوروي عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف أنه صلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا\" (2) ورواه زيد بن ثابت وقال: \"كانت للقوم ركعة واحدة وللنبي صلى الله عليه وسلم ركعتان\" (3) .\rوتأوله قوم على صلاة شدة الخوف، وقالوا: الفرض في هذه الحالة ركعة واحدة.\rوأكثر أهل العلم على أن الخوف لا ينقص عدد الركعات، وإن كان العدو في ناحية القبلة في مستوى إن حملوا عليهم رأوهم صلى الإمام بهم جميعا وحرسوا في السجود، كما أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أنا أبو نعيم الإسفرايني، أنا أبو عوانة الحافظ، أنا عمار، أنا يزيد بن هارون، أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر رضي الله عنهما قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فصففنا خلفه صفين، والعدو بيننا وبين القبلة فكبر النبي صلى الله عليه وسلم وكبرنا جميعًا ثم ركع وركعنا جميعًا ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر للسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر نحر العدو فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود [ثم قاموا ثم] (4) تقدم الصف المؤخر، وتأخر المقدم ثم ركع النبي صلى الله عليه وسلم وركعنا جميعًا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعًا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرًا في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم وسلمنا جميعًا قال جابر رضي الله عنه: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائهم (5) .\rواعلم أن صلاة الخوف جائزة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم. عند عامة أهل العلم. ويحكى عن بعضهم عدم الجواز ولا وجه له.\r__________\r(1) أخرجه الشافعي في المسند: 1 / 176 - 177، والنسائي في صلاة الخوف: 3 / 178، والدارقطني في الصلاة، باب صلاة الخوف: 2 / 61، وفيه عنعنة الحسن البصري.\r(2) أخرجه أبو داود في صلاة الخوف، باب من قال: يصلي بكل طائفة ركعة ولا يقضون: 2 / 70 ، والنسائي في أول كتاب صلاة الخوف: 3 / 168 ، والطحاوي: 1 / 183، وابن جرير برقم: (10331) 9 / 135، وصححه الحاكم: 1 / 335 ووافقه الذهبي ، والإمام أحمد في المسند: 5 / 385 ، 399، وعزاه السيوطي لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن حبان - انظر الدر المنثور 2 / 661، وشرح السنة: 4 / 284.\r(3) أخرجه أبو داود في صلاة الخوف - باب من قال: يصلي بكل طائفة ركعة: 2 / 71، والنسائي في صلاة الخوف : 3 / 168. وانظر شرح السنة: 4 / 285.\r(4) في أ: (ثم قام وأتم).\r(5) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف، برقم (840): 1 / 574، والمصنف في شرح السنة: 4 / 291.","part":2,"page":279},{"id":709,"text":"وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه: كل حديث روي في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز، روي فيها ستة أوجه أو سبعة أوجه.\rوقال مجاهد (1) في سبب نزول هذه الآية عن ابن عياش الزرقي قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد فصلينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غرة لو حملنا عليهم، وهم في الصلاة فنزلت الآية بين الظهر والعصر.\rقوله تعالى: { وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ } أي: شهيدًا معهم فأقمت لهم الصلاة، { فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ } أي: فلتقف، كقوله تعالى: \"وإذا أظلم عليهم قاموا\"( البقرة -20 ) أي: وقفوا، { وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ } واختلفوا في الذين يأخذون أسلحتهم، فقال بعضهم: أراد هؤلاء الذين وقفوا مع الإمام يصلّون يأخذون الأسلحة في الصلاة، فعلى هذا إنما يأخذه إذا كان لا يشغله عن الصلاة، ولا يُؤْذي مَنْ بجنبه [فإذا شغلته حركته وثَقّلَتْهُ عن الصلاة كالجعبة والترس الكبير أو كان يؤذي من جنبه] (2) كالرمح فلا يأخذه.\rوقيل: وليأخذوا أسلحتهم أي: الباقون الذين قاموا في وجه العدو، { فَإِذَا سَجَدُوا } أي: صلوا، { فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ } يريد مكان الذين هم وِِجَاَه العدو، { وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا } وهم الذين كانوا في وجه العدو، { فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ } قيل: هؤلاء الذين أتوا، وقيل: هم الذين صلّوا، { وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا } يتمنى الكفار، { لَوْ تَغْفُلُونَ } أي: لو وجدُوكم غافلين، { عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً } فيقصدونَكم ويحملون عليكم حملة واحدة.\r{ وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ } رخّص في وضع السلاح في حال المطر والمرض، لأن السلاح يثقل حمله في هاتين الحالتين، { وَخُذُوا حِذْرَكُمْ } أي: راقبوا العدو كيلا يتغفلوكم، والحذر ما يُتقَى به من العدو.\rوقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه غزا محاربًا وبنى أنمار، فنزلوا ولا يرون من العدو أحدًا، فوضع الناس أسلحتهم، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة له قد وضع سلاحه حتى قطع الوادي والسماء تَرُشّ، فَحَاَل الوادي بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أصحابه فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظل شجرة فبصرَ به غَوْرَثُ بن الحارث المحاربي فقال: قتلني الله إن لم أقتله، ثم انحدر من الجبل ومعه السيف فلم يشعر به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو قائم على رأسه ومعه السيف قد سَلَّه من غِمْدِهِ فقال: يا محمد من يعصمك مني الآن؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله، ثم قال: اللّهم اكفني\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في صلاة الخوف 2 / 64، والنسائي في صلاة الخوف: 3 / 177 والمصنف في شرح السنة: 4 / 290.\r(2) ما بين القوسين ساقط من (أ).","part":2,"page":280},{"id":710,"text":"غورث بن الحارث بما شئتَ، ثم أهوى بالسيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضربه فأكبَّ لوجهِهِ من زَلْخٍة زُلِخَهَا من بين كتفيه، وندر سيفه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذه ثم قال: يا غورث من يمنعك مني الآن؟ قال: لا أحد، قال تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وأعطيكَ سيفكَ؟ 95/ب قال: لا ولكن أشهد أن لا أقاتلك أبدًا ولا أعين عليك عدوًا، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه، فقال غورث: والله لأنت خير مني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجل أنا أحق بذلك منك، فرجع غورث إلى أصحابه فقالوا: ويلك ما منعك منه؟ قال: لقد أهويُت إليه بالسيف لأضربه فوالله ما أدري من زلخني بين كتفي فخررت لوجهي، وذكر حاله قال: وسكن الوادي فقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم الوادي إلى أصحابه فأخبرهم الخبر وقرأ عليهم هذه الآية: (1) { وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ } أي: من عدِّوكم.\rوقال سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية كان عبد الرحمن بن عوف جريحًا.\r{ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } يُهانُون فيه، والجُنَاح: الإثم، من جنحت: إذا عدلت عن القصد.\r{ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103) }\r{ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ } يعني: صلاة الخوف، أي: فرغتم منها، { فَاذْكُرُوا اللَّهَ } أي صلُّوا لله { قِيَامًا } في حال الصحة، { وَقُعُودًا } في حال المرض، { وَعَلَى جُنُوبِكُمْ } عند الحرج والزمانة، وقيل: اذكروا الله بالتسبيح والتحميد والتهليل والتمجيد، على كل حال.\rأخبرنا عمرو بن عبد العزيز الكاشاني، أنا القاسم بن جعفر الهاشمي، أنا أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي، أنا أبو داود السجستاني، أنا محمد بن العلاء، أنا ابن أبي زائدة، عن أبيه، عن خالد بن سلمة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: \"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكُر الله على كل أحيانه\" (2) .\r{ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ } أي: سكنتم وأمنتم، { فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ } أي: أتموها أربعًا بأركانها، { إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا } قيل: واجبًا مفروضًا مقدرًا في الحضر أربع ركعات وفي السفر\r__________\r(1) أخبره ابن كثير مختصرا في التفسير، وقال أخرجه الإمام أحمد عن جابر، وقال: تفرد به من هذا الوجه: 1 / 549 - 550. وانظر: البداية والنهاية: 4 / 84.\r(2) أخرجه البخاري في الأذان، باب هل يتبع المؤذن فاه ها هنا وهنا، عن عائشة، تعليقا: 2 / 114. وفي الحيض، باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت: 1 / 407 عن ابن عباس بلفظ \"كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله في كل أحيانه\". ومسلم في الحيض، باب ذكر الله تعالى في حال الجنابة وغيرها، برقم (373): 1 / 282.","part":2,"page":281},{"id":711,"text":"ركعتان، وقال مجاهد: أي فرضًا مؤقّتًا وقتَّه الله عليهم.\rوقد جاء بيان أوقات الصلاة في الحديث، أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أنا حاجب بن أحمد الطوسي، أنا أبو بكر عبد الله بن هاشم، حدثنا وكيع، أنا سفيان، عن عبد الرحمن بن الحارس، عن عياش بن أبي ربيعة الزرقي، عن حكيم بن حكيم عن عبَّاد بن حُنَيفْ، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أمَّني جبريلُ عند البيت مرتين فصلّى بي المغرب حينَ أفطر الصائم، وصلّى بي العشاءَ حينَ غابَ الشّفقُ، وصلّى بي الفجرَ حين حَرُمَ الطعامُ والشرابُ على الصائم، وصلّى بي الغد الظهرَ حين كان ظلُّ كلِّ شيءٍ مثله، وصلّى بي العصَر حين كان ظِلُّ كل شيء مثليه، وصلّى بي المغربَ حينَ أفطرَ الصائم، وصلّى بي العشاء ثُلُثَ الليل الأول، وصلّى بي الفجرَ فأسفر، ثم التفتَ إلي قال: يا محمد هذا وقتُ النبيين من قبلك، الوقتُ ما بين هذين الوقتين\" (1) .\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو بكر بن الحسن الحيري، أنا وكيع، أنا حاجب بن أحمد، ثنا عبد الله بن هشام، ثنا وكيع ثنا بدر بن عثمان، ثنا أبو بكر بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن سائلا أتاه فسأله عن مواقيت الصلاة، قال: فلم يردَّ عليه شيئًا ثم أمر بلالا فأذن ثم أمره فأقام الصلاةَ حين انشقَّ الفجرُ فصلى، ثم أمره فأقام الظهرَ، والقائل يقول: قد زالت الشمس أو لم تزل، وهو كان أعلم منهم، ثم أمره فأقام العصرَ والشمس مرتفعةٌ بيضاء نقية، ثم أمره فأقام المغربَ حين وقعت الشمس، ثم أمره فأقام العشاءَ حين سقوط الشفقِ، قال: وصلى الفجرَ من الغد، والقائل يقول: طلعتِ الشمسُ أو لم تطلع، وصلى الظهر قريبًا من وقت العصر بالأمس وصلى العصر والقائل يقول قد احمرَّتِ الشمسُ وصلّى المغربَ قبل أن يغيبَ الشفقُ الأحمر، وصلى العشاء ثُلُثَ الليل الأول، ثم قال: أين السائل عن الوقت؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله، قال: \"ما بين هذين الوقتين وقت\" (2) .\r{ وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104) }\rقوله تعالى: { وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ } الآية، سبب نزولها أن أبا سفيان وأصحابه لمّا رجعوا يوم\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب المواقيت: 1 / 231 - 232، والترمذي في الصلاة، باب ما جاء في مواقيت الصلاة: 1 / 464 - 467، وقال: حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم: 1 / 196، وأحمد: 1 / 333، وزاد السيوطي نسبته لعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن خزيمة. انظر: الدر المنثور: 2 / 668. والمصنف في شرح السنة: 2 / 182 - 183.\r(2) أخرجه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة، باب أوقات الصلوات الخمس، برقم (614): 1 / 429، والمصنف في شرح السنة: 2 / 184.","part":2,"page":282},{"id":712,"text":"أُحد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم طائفة في آثارهم فشكوا ألم الجراحات، فقال الله تعالى: { وَلا تَهِنُوا } (1) أي: لا تضعُفوا { في ابتغاء القوم } في طلب أبي سفيان وأصحابه، { إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ } تتوجّعُون من الجراح، { فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ } أي: يتوجّعُون، يعني الكفار، { كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ } أي: وأنتم مع ذلك تأملون من الأجر والثواب في الآخرة والنصر في الدنيا ما لا يرجون، وقال بعض المفسرين: المراد بالرجاء الخوف، لأن كل راج خائف أن لا يدرك مأموله.\rومعنى الآية: وترجون من الله أي: تخافون من الله أي: تخافون من عذاب الله ما لا يخافون، قال الفراء رحمه الله: ولا يكون الرجاء بمعنى الخوف إلا مع الجحد، كقوله تعالى: \"قل للذين آمنوا يغْفِرُوا للذين لا يْرجُونَ أيام الله\"( الجاثية -14 ) أي: لا يخافون، وقال تعالى: \"ما لَكُم لا ترجُون لله وقَارًا\"( نوح -13 ) أي: لا تخافون لله عظمتَه، ولا يجوز رجوتُك بمعنى: خفتُك ولا خفتُك وأنتَ تريد رجوتك { وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا }\r{ إِنَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) }\rقوله تعالى: { إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ } الآية، روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار يقال له طعمة بن أبيرق من بني ظفر بن الحارث سرقَ درعًا من جار له يقال له قتادة بن النعمان، وكانت الدرع في جراب فيه دقيق فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى انتهى إلى الدار، ثم خبأها عند رجل من اليهود، يقال له زيد بن السمين، فالتمست الدرع عند طعمة فحلف: بالله ما أخذها وما له بها من علم، فقال أصحاب الدرع: لقد رأينا أثر الدقيق حتى دخل داره، فلما حلف تركوه واتبعوا أثر الدقيق إلى منزل اليهودي فأخذوه منه، فقال اليهودي دفعها إلي طعمة بن أبيرق، فجاء بنو ظفر وهم قوم طعمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه أن يُجادل عن صاحبهم ، وقالوا له: إنك إن لم تفعل افتضح صاحبنا، فهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُعاقب اليهودي. ويُروى عن ابن عباس رضي الله عنهما في رواية أخرى أن طعمة سرق الدرع في جراب فيه نخالة فخرق الجراب حتى كان يتناثر منه النخالة طول الطريق فجاء به إلى دار زيد السمين وتركه على بابه، وحمل الدرع إلى بيته، فلما أصبح صاحب الدرع جاء على أثر النخالة إلى دار زيد السمين فأخذه وحمله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهمّ النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع يد زيد اليهودي، وقال مقاتل: إنّ زيدًا\r__________\r(1) انظر: البحر المحيط: 3 / 342، سيرة ابن هشام مع الروض الأنف: 2 / 144، وفيما سبق في تفسير سورة آل عمران.","part":2,"page":283},{"id":713,"text":"السمين أودع درعًا عند طعمة فجحدها طعمة فأنزل الله تعالى هذه الآية (1) ، فقال: { إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ } بالأمر والنهي والفصل، { لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ } بما علّمكَ الله وأوحى إليك، { وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ } [طعمة] (2) { خَصِيمًا } معينًا مدافعًا عنه.\r__________\r(1) انظر : الطبري: 9 / 183، وأخرجه الترمذي مطولا في تفسير سورة النساء: 8 / 395 - 399 من رواية محمد بن سلمة عن ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أبيه عن جده قتادة بن النعمان، وقال الترمذي: غريب، ولا نعلم أسنده عن ابن إسحاق إلا محمد بن سلمة الحراني، ورواه يونس وغير واحد عن ابن إسحاق عن عاصم مرسلا. وأخرجه الحاكم في المستدرك: 4 / 385 - 388 وقال هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وعزاه في تحفة الأحوذي أيضا لابن المنذر وأبي الشيخ الأصبهاني.\r(2) ساقط من (أ).","part":2,"page":284},{"id":714,"text":"{ وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) }\r{ وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ } ممّا هممتَ من معاقبة اليهودي، وقال مقاتل: واستغفر الله من جِدَالِكَ عن طعمة { إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا }\r{ وَلا تُجَادِلْ } لا تُخاصم، { عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ } أي: يظلمون أنفسَهم بالخيانة والسرقة، { إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا } يريد خوانًا في الدرع، أثيمًا في رميه اليهودي، قيل: إنه خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم، والمُرادُ به غيره، كقوله تعالى: \"فإنْ كنتَ في شكٍّ مما أنزلنا إليك\"، والاستغفار في حق الأنبياء بعد النبوة على أحد الوجوه الثلاثة: إمّا لذنب تقدم على النبوة أو لذنوب أمته وقرابته، أو لمباح جاء الشرع بتحرِّيهِ (1) فيتركه بالاستغفار، فالاستغفار يكون معناه: السمع والطاعة لحكم الشرع.\r{ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ } أي: يستترون ويستحيون من الناس، يريد بني ظفر بن الحارث، { وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ } أي: لا يستترون ولا يستحيون من الله، { وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ } يقولون ويُؤَلِّفون، والتبييت: تدبير الفعل ليلا { مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ } وذلك أن قوم طعمة قالوا فيما بينهم: نرفع الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يسمع قوله ويمينه لأنه مسلم ولا يسمع من اليهودي فإنه كافر، فلم يرضَ الله ذلك\r__________\r(1) في ب (بتحريمه).","part":2,"page":284},{"id":715,"text":"منهم، { وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا } ثم يقول لقوم طعمة:\r{ هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا (109) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (112) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113) }","part":2,"page":285},{"id":716,"text":"{ لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114) }\r{ هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ } أي: يا هؤلاء، { جَادَلْتُم } أي: خاصمتم، { عَنْهُم } يعني: عن طعمة، وفي قراءة أُبيّ بن كعب: عنه { فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } والجدال: شدّة المخاصمة من الجَدْل، وهو شدة الفتل، فهو يريد فتل الخصم عن مذهبه بطريق الحجاج، وقيل: الجدال من الجَدَالة، وهي الأرض، فكأن كل واحد من الخصمين يروم قهرَ صاحبه وصرعه على الجدالة، { فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ } يعني: عن طعمة، { يَوْمَ الْقِيَامَةِ } إذا أخذه الله بعذابه، { أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا } كفيلا أي: من الذي يذبُّ عنهم، ويتولى أمرهم يوم القيامة؟ ثم استأنف فقال:\r{ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا } يعني السرقة، { أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ } برميه البريء، وقيل: ومَنْ يعمل سوءًا أي: شركًا أو يظلم نفسَه: يعني: إثمًا دونَ الشركِ، { ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ } أي: يتبْ إليه ويستغفرْهُ، { يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا } يعرض التوبةَ على طعمة في هذه الآية .\r{ وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا } يعني : يمين طعمة بالباطل، أي: ما سَرَقْتهُ إنّما سرقه اليهودي { فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ } فإنّما يضرُّ به نفسَه، { وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا } بسارق الدرع { حَكِيمًا } حَكَم بالقطع على السارق.\r{ وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً } أي: سرقة الدرع، { أَوْ إِثْمًا } يمينه الكاذبة، { ثُمَّ يَرْمِ بِهِ } أي: يقذف بما جَنَى { بَرِيئًا } منه وهو نسبة السرقة إلى اليهودي { فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا } البهتان: هو البهت، وهو الكذب الذي يُتحيرّ في عِظَمهِ، { وَإِثْمًا مُبِينًا } أي: ذنبًا بينًا، وقوله { ثُمَّ يَرْمِ بِهِ } ولم يقلْ بهما بعد ذكر الخطيئة والإثم، ردَّ الكنايةَ إلى الإثم، أو جعل الخطيئة والإثم كالشيء الواحد.\rقوله تعالى : { وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ } يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: { لَهَمَّت } لقد هَمّتْ أي:","part":2,"page":285},{"id":717,"text":"أضمرت، { طَائِفَةٌ مِنْهُمْ } يعني: قوم طعمة، { أَنْ يُضِلُّوكَ } يخطئوك في الحكم ويلبسوا عليك الأمر حتى تدافع عن طعمة، { وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ } يعني يرجع وَبَالُهُ عليهم، { وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ } يُريد أن ضرره يرجع إليهم، { وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ } يعني: القرآن، { وَالْحِكْمَة } يعني: القضاء بالوحي { وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ } من الأحكام، وقيل: من علم الغيب، { وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا }.\rقوله تعالى: { لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ } يعني: قوم طعمة، وقال مجاهد: الآية عامةٌ في حق جميع الناس، والنّجوي: هي الإسرار في التدبير، وقيل: النجوى ما ينفرد بتدبيره قوم سرًّا كان أو جهرًا، فمعنى الآية: لا خيرَ في كثير ممّا يدبرونه بينهم، { إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ } أي: إلا في نجوى من أمر بصدقة، فالنّجوى تكون فعلا وقيل: هذا استثناء منقطع، يعني: لكن من أمر بصدقة، وقيل النجوى ها هنا: الرجال المتناجون، كما قال الله تعالى \"وإذ هم نجوى\"( الإسراء -47 ). { إلا من أمر بصدقة } أي: حثّ عليها، { أَوْ مَعْرُوفٍ } أي: بطاعة الله وما يعرفه الشرع، وأعمالُ البِرّ كلّها معروف، لأنّ العقول تعرفها.\r{ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ } أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أنا حاجب بن أحمد الطوسي، أنا محمد بن حماد، أنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سالم هو ابن أبي الجعد، عن أم الدرداء رضي الله عنها، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ألا أخبرُكم بأفضلَ من درجة الصيام والصدقة والصلاة\" ؟ قال: قلنا بلى، قال: \"إصلاحُ ذاتِ البين. وفساد ذات البين هي الحالقة\" (1) .\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران، أنا إسماعيل\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الأدب المفرد ص (118)، وأبو داود في الأدب، باب في إصلاح ذات البين: 7 / 25، والترمذي في صفة القيامة، باب سوء ذات البين: 7 / 212 وقال: هذا حديث صحيح ، وأحمد في المسند: 6 / 444 ، 445 ، والمصنف في شرح السنة: 13 / 116.","part":2,"page":286},{"id":718,"text":"ابن محمد الصفار، أنا أحمد بن منصور الرمادي، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أمه أم كلثوم بنت عقبة، وكانت من المهاجرات الأوَل، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"ليس بالكذاب من أصلح بين الناس فقال خيرًا أو نَمَى خيرًا\" (1) .\rقوله تعالى: { وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ } أي: هذه الأشياء التي ذكرها، { ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ } أي: طلب رضاه، { فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ } في الآخرة، { أَجْرًا عَظِيمًا } قرأ أبو عمرو وحمزة { يُؤْتِيه } بالياء، يعني: يؤتيه الله، وقرأ الآخرون بالنون.\r{ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا (116) }\rقوله تعالى: { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ } نزلت في طعمة بن أبيرق وذلك أنه لمّا ظهرت عليه السرقة خاف على نفسه من قطع اليَدِ والفضيحة، فهرب إلى مكة وارتدّ عن الدين، فقال تعالى: { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ } أي: يخالفه، { مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى } التوحيد والحدود { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ } [أي: غير طريق المؤمنين { نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى } أي: نكله في الآخرة] (2) 96/ب إلى ما تولَّى في الدنيا، { وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا }\rرُوي أن طعمة بن أبيرق نزل على رجل من بني سليم من أهل مكة يقال له الحجاج بن عُلاط، فنقب بيته فسقط عليه حجر فلم يستطع أن يدخل ولا أن يخرج حتى أصبح، فأُخذ ليقتل، فقال بعضهم: دعوه فإنه قد لجأ إليكم فتركوه فأخرجوه من مكة، فخرج مع تجار من قضاعة نحو الشام، فنزلوا منزلا فسرق بعض متاعهم وهرب، فطلبوه وأخذوه ورموه بالحجارة حتى قتلوه، فصار قبره تلك الحجارة، وقيل: إنه ركب سفينة إلى جدة فسرق فيها كيسًا فيه دنانير فأخذ، فألقي في البحر، وقيل: إنه نزل في حرّة بني سليم وكان يعبد صنما إلى أن مات فأنزل الله تعالى فيه:\r{ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا } أي: ذهب عن الطريق وحُرم الخير كله، وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما (3) إنّ\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الصلح، باب ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس: 5 / 299 ، ومسلم في البر والصلة، باب تحريم الكذب وبيان المباح منه برقم (2606): 4 / 2011، والمصنف في شرح السنة : 13 / 117.\r(2) إلى هنا تنتهي الأحاديث التي سقط إسنادها من نسخة (أ)، وقد أشرنا لبداية ذلك في الورقة (94 / ب).\r(3) انظر : البحر المحيط لأبي حيان 3 / 351، قال ابن حجر في الكافي الشاف ص (49): وهو منقطع.","part":2,"page":287},{"id":719,"text":"هذه الآية نزلتْ في شيخ من الأعراب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبيَّ الله إني شيخ متهتك (1) في الذنوب، إلا أني لم أشرك بالله شيئا منذ عرفتهُ وآمنت به، ولم أَتّخذ من دونه وليًّا ولم أوَاقع المعاصي جرأة على الله، وما توهمت طرفة عين أني أُعجز الله هربًا، وإني لنادمٌ تائبٌ مستغفرٌ فما حالي؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.\r{ إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) }\rقوله تعالى: { إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا } نزلت في أهل مكة، أي: ما يعبدون، كقوله تعالى: \"وقال ربكم ادعوني\"( غافر -60 ) أي: اعبدوني، بدليل قوله تعالى: \"إن الذين يستكبرون عن عبادتي\"( غافر -60 ) ، قوله: { مِنْ دُونِهِ } أي: من دون الله، { إِلا إِنَاثًا } أراد بالإناث الأوثان لأنهم كانوا يسمونها باسم الإناث، فيقولون: اللات والعزى ومناة، وكانوا يقولون لصنم كل قبيلة: أنثىَ بني فلان فكان في كل واحدة منهن شيطان يتراءى للسدنة والكهنة ويكلمهم، ولذلك قال: { وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا } هذا قول أكثر المفسرين.\rيدل على صحة هذا التأويل -أن المراد بالإناث الأوثان -: قراءة ابن عباس رضي الله عنه { إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِثنًا } جَمْعُ جمعِ الوثن فصير الواو همزة (2) ، وقال الحسن وقتادة: إلا إناثًا أي: مواتًا لا روح فيه، لأن أصنامهم كانت من الجمادات، سّماها إناثا لأنه يخبر عن الموات، كما يخبر عن الإناث، ولأن الإناث أدون الجنسين، كما أن الموات أرذل من الحيوان، وقال الضحاك: أراد بالإناث الملائكة، وكان بعضهم يعبدون الملائكة ويقولون: الملائكة إناث، كما قال الله تعالى: \"وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا\"( الزخرف -19 ) { وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا مَرِيدًا } أي: وما يعبدون إلا شيطانًا مريدًا لأنهم إذا عبدُوا الأصنام فقد أطاعوا الشيطان، والمريد: المارد، وهو المتمرد العاتي الخارج عن الطاعة، وأراد: إبليس.\r{ لَعَنَهُ اللَّهُ } أي: أبعده الله من رحمته، { وَقَالَ } يعني: قال إبليس، { لأتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا } أي: حظًا معلومًا، فما أُطيع فيه إبليس فهو مفروضه، وفي بعض التفاسير: من كل ألف واحدٌ لله تعالى وتسعمائة وتسعة وتسعون لإبليس، وأصل الفرض في اللغة: القطع، ومنه الفرضة في\r__________\r(1) في ب: (منهمك).\r(2) انظر: تفسير الطبري: 9 / 210، معاني القرآن للفراء: 1 / 288 - 289.","part":2,"page":288},{"id":720,"text":"النهر وهي الثلمة تكون فيه، وفرض القوس والشِّراك: للشَّقِّ الذي يكون فيه الوَتَرُ والخيط الذي يشد به الشراك.\r{ وَلأضِلَّنَّهُمْ وَلأمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا (120) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (121) }","part":2,"page":289},{"id":721,"text":"{ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا (122) لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (123) }\r{ وَلأضِلَّنَّهُم } يعني: عن الحق، أي: لأغوينهم، يقوله إبليس، وأراد به التزيين، وإلا فليس إليه من الإضلال شيء، كما قال: \"لأزينَنّ لهم في الأرض\"( الحجر -39 ) { وَلأمَنِّيَنَّهُم } قيل: أمنّيَنَّهم ركوبَ الأهواء، وقيل: أُمنيِّنَهَّم أن لا جَنَّةَ ولا نارَولا بعث، وقيل: أمنيّنَهَّم إدراك الآخرة مع ركوب المعاصي، { وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأنْعَامِ } أي: يقطعونها ويشقونها، وهي البحيرة { وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ } قال ابن عباس رضي الله عنهما والحسن ومجاهد وسعيد بن المسيب والضحاك: يعني دين الله، نظيره قوله تعالى: \"لا تَبْديلَ لخلقِ الله\"( الروم -30 ) أي: لدين الله، يريد وضع الله في الدين بتحليل الحرام وتحريم الحلال.\rوقال عكرمة وجماعة من المفسرين: فليُغيرنّ خلق الله بالخِصاء والوشم وقطع الآذان حتى حرّم بعضهم الخصاء وجوزه بعضهم في البهائم، لأن فيه غرضًا ظاهرًا، وقيل: تغيير خلق الله هو أن الله تعالى خلق الأنعام للركوب والأكل فحرَّموها، وخلق الشمسَ والقمرَ والأحجارَ لمنفعة العباد فعبدوها من دون الله، { وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ } أي: ربًّا يطيعه، { فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا }\r{ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ } فوعدُهٌ وتمنيتُهُ ما يوقع في قلب الإنسان من طول العمر ونيل الدنيا، وقد يكون بالتخويف بالفقر فيمنعه من الإنفاق وصلة الرحم كما قال الله تعالى: \"الشيطانُ يعِدُكُم الفقرَ\"( البقرة -268 ) ويُمنّيهم بأنْ لا بعثَ ولا جنَّةَ ولا نار { وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا } أي: باطلا.\r{ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا } أي: مفرًا ومعدِلا عنها.\rقوله تعالى: { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ }","part":2,"page":289},{"id":722,"text":"أي: من تحت الغُرف والمساكن، { خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا }\rقوله تعالى: { لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ } الآية. قال مسروق وقتادة والضحاك: أراد ليس بأمانيكم أيها المسلمون ولا أماني أهل الكتاب يعني اليهود والنصارى، وذلك أنَّهم افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبيّنا قبلَ نبيّكم وكتابُنا قبل كتابكم فنحن أوْلَى بالله منكم، وقال المسلمون: نبيّنا خاتمُ الأنبياء وكتابُنا يقضي على الكتب، وقد آمنا بكتابكم ولم تؤمنوا بكتابنا فنحن أوْلى (1) .\rوقال مجاهد: { لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ } يا مشركي أهل الكتاب، وذلك أنهم قالوا: لا بعثَ ولا حسابَ، وقال أهل الكتاب: \"لن تمسّنا النار إلا أياما معدودة\"( البقرة -80 ) \"لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى\"( البقرة -111 ) ، فأنزل الله تعالى: { لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ } (2) أي: ليس الأمر بالأماني وإنّما الأمر بالعمل الصالح.\r{ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ } وقال ابن عباس وسعيد بن جبير وجماعة: الآية عامة في حق كل عامل.\rوقال الكبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: لما نزلت هذه الآية شقّت على المسلمين وقالوا: يا رسول الله وأيّنا لم يعمل سوءًا غيرك فكيف الجزاء؟ قال: \"منه ما يكون في الدنيا، فمنْ يعملْ حسنةً فله عشرُ حسنات، ومن جُوزي بالسيّئة نقصتْ واحدةٌ من عشر، وبقيتْ له تسعُ حسنات، فويل لمن غلبتْ آحادُه أعشارَه، وأمّا ما يكون جزاء في الآخرة فيقابل بين حسناته وسيئاته، فيلقى مكان كل سيئة حسنة وينظر في الفضل، فيعطي الجزاءَ في الجنة فيؤتي كلّ ذي فضلٍ فَضْلَه\" (3) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، ثنا أبو بكر محمد بن أحمد العبدوسي، ثنا أبو بكر أحمد بن سليمان الفقيه ببغداد، ثنا يحيى بن جعفر بن الزبرقان والحرث بن محمد، قالا ثنا روح هو ابن عبادة، ثنا موسى بن عبيدة، أخبرني مولى بن سباع: سمعت عبد الله بن عمر يحدث عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: كنت عند 97/أ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأُنزلتْ عليه هذه الآية: { مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يا أبا بكر ألا أقرئك آية أُنزلتْ عليّ؟ قال: قلتُ بلى، قال: فأقرأنيها، قال: ولا أعلم إلا أني وجدتُ انفصامًا في ظهري حتى تمطَّيت لها، فقال رسول\r__________\r(1) انظر: تفسير الطبري: 9 / 228 - 229 ، أسباب النزول للواحدي ص (211 - 212).\r(2) انظر: الدر المنثور: 2 / 693.\r(3) هذا الخبر من رواية الكلبي، تركه أهل الحديث لأنه كان كذابا، وقد سبقت ترجمته في المقدمة.","part":2,"page":290},{"id":723,"text":"الله صلى الله عليه وسلم: ما لك يا أبا بكر؟ فقلتُ يا رسول الله بأبي أنت وأمي وأيُّنا لم يعمل سوءًا؟ إنا لَمَجْزِيُّون بكل سوء عملناه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمّا أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله، وليست لكم ذنوب، وأمّا الآخرون فيُجمع ذلك لهم حتى يُجزوا يومَ القيامة\" (1) .\r{ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا (125) }\rقوله تعالى: { وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا } أي: مقدار النقير، وهو النقرة التي تكون في ظهر النَّواة، قرأ ابن كثير وأبو جعفر وأهل البصرة وأبو بكر { يَدْخُلُون } بضم الياء وفتح الخاء هاهنا وفي سورة مريم وحم المؤمن، زادَ أبو عمرو: \" يدخلونها \" في سورة فاطر، وقرأ الآخرون بفتح الياء وضم الخاء.\rروى الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: لما نزلت { لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ } قال أهل الكتاب: نحنُ وأنتم سواء، فنزلت هذه الآية: { وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ } الآية (2) ، ونزلت أيضا:\r{ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا } أحكمُ دينًا { مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ } أي أخلص عمله لله، وقيل: فوض أمره إلى الله، { وَهُوَ مُحْسِنٌ } أي: مُوحِّد، { وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ } يعني: دين إبراهيم عليه السلام، { حَنِيفًا } أي: مُسلمًا مُخلصًا، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ومن دين إبراهيم الصلاة إلى الكعبة\r__________\r(1) حديث صحيح بطرقه وشواهده، فقد أخرجه الترمذي في تفسير سورة النساء: 8 / 401 - 402، وقال: هذا حديث غريب، في إسناده مقال، وموسى بن عبيدة: يضعف في الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد وأحمد بن حنبل. ومولى بن سباع: مجهول. وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن أبي بكر، وليس له إسناد صحيح أيضا. وفي الباب عن عائشة ، والمروزي في مسند أبي بكر الصديق برقم (20) ص (58 ، 59). ومن طريق أخرى أخرجه أيضا الإمام أحمد في المسند: 1 / 181 ، والبيهقي في السنن: 3 / 373، وصححه ابن حبان برقم (1734) ص (429) من موارد الظمآن عن عائشة صححه، الحاكم في المستدرك: 3 / 74، ووافقه الذهبي. والمصنف في شرح السنة: 5 / 249 - 250، وانظر: كنز العمال: 1 / 380 - 381 ، سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني: 3 / 686. وقد صح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: لما نزلت (من يعمل سوءا يجز به) بلغت من المسلمين مبلغا شديدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:\"قاربوا وسددوا، ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة، حتى النكبة ينكبها، أو الشوكة يشاكها\" أخرجه مسلم في البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من فرض. . . برقم (2574): 4 / 1993.\r(2) انظر: تفسير الطبري: 9 / 228 - 229.","part":2,"page":291},{"id":724,"text":"والطواف بها ومناسك الحج، وإنما خُصَّ إبراهيم لأنه كان مقبولا عند الأمم أجمع، وقيل: لأنه بُعث على ملة إبراهيم وزيد له أشياء.\r{ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا } صفيًا، والخلّة: صفاء المودّة، وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: كان إبراهيم عليه السلام أبا الضيفان، وكان منزله على ظهر الطّريق يضيّف من مرَّ به من الناس، فأصاب الناسَ سَنَةٌ فحُشروا إلى باب إبراهيم عليه السلام يطلبون الطعامَ وكانت الميرة له كل سنة من صديق له بمصر، فبعث غلمانه بالإبل إلى الخليل الذي له بمصر، فقال خليله لغلمانه: لو كان إبراهيم عليه السلام إنما يريده لنفسه احتملنا ذلك له، فقد دخل علينا ما دخل على الناس من الشدة، فرجع رُسل إبراهيم عليه السلام، فمرُّوا ببطحاء فقالوا: [إنا لو] (1) حملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة، فإنّا نستحي أن نمرّ بهم وإبلنا فارغة، فملؤوا تلك الغرائر سهلة، ثم أتوا إبراهيم فأعلموه وسارة نائمة، فاهتم إبراهيم لمكان الناس ببابه، فغلبته عيناه فنام واستيقظت سارة وقد ارتفع النهار، فقالت: سبحان الله ما جاء الغلمان؟ قالوا: بلى، قالت: فما جاءوا بشيء؟ قالوا: بلى، فقامت إلى الغرائر ففتحتها فإذا هي أجود دقيق حُواري يكون، فأمرت الخبازين فخبزوا وأطعموا الناسَ فاستيقظ إبراهيم فوجد ريح الطعام، فقال: يا سارة من أين هذا؟ قالت: من عند خليلك المصري، فقال: هذا من عند خليلك الله، قال: فيومئذٍ اتخذه الله خليلا (2) . قال الزجاج: معنى الخليل الذي ليس في محبته خلل، والخلة: الصداقة، فسُمي خليلا لأنّ الله أحبه واصطفاه. وقيل: هو من الخلة وهي الحاجة، سُمي خليلا أي: فقيرًا إلى الله [لأنه لم يجعل فقره وفاقته إلا إلى الله عزّ وجل] (3) والأول أصح لأن قوله { وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلا } يقتضي الخلة من الجانبين، ولا يتصور الحاجة من الجانبين.\rثنا أبو المظفر بن أحمد التيمي، ثنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم، ثنا خيثمة بن سليمان بن حيدرة الاطرابلسي، ثنا أبو قلابة الرقاشي، ثنا بشر بن عمر، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لو كُنتُ متخذًا خليلا لاتخذتُ أبا بكر خليلا ولكنَّ أبا بكر أخي وصاحبي، ولقد اتخذ الله صاحبَكم خليلا\" (4) .\r{ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126) }\rقوله عز وجل: { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا } أي: أحاط\r__________\r(1) في \"ب\": (لو أنا).\r(2) هذا من رواية الكلبي، وقد تقدم أنه متروك لكذبه.\r(3) ما بين القوسين ساقط من: \"أ\".\r(4) أخرجه البخاري في فضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب \"لو كنت متخذا خليلا\": 7 / 17 عن ابن عباس، دون قوله \"ولقد اتخذ الله صاحبكم خليلا\"، ومسلم في فضائل الصحابة، باب فضائل أبي بكر الصديق، برقم (2383): 4 / 1855 ، والمصنف في شرح السنة: 4 / 77.","part":2,"page":292},{"id":725,"text":"علمه بجميع الأشياء.\r{ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127) }\rقوله تعالى: { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ } الآية: قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية في بنات أم كُجّة وميراثهن وقد مضت القصة في أول السورة (1) .\rوقالت عائشة رضي الله عنها: هي اليتيمة تكون في حجر الرجل، وهو وليها فيرغب في نكاحها إذا كانت ذات جمال ومال بأقل من سُنَّة صداقها، وإذا كانت مرغوبة عنها في قلة المال والجمال تركها، وفي رواية هي اليتيمة تكون في حجر الرجل قد شركته في ماله فيرغب أن يتزوجها لدمامتها ويكره أن يزوجها غيره فيدخل عليه في ماله فيحبسها حتى تموت فيرثها، فنهاهم الله عن ذلك. (2)\rقوله عز وجل: { وَيَسْتَفْتُونَك } أي: يستخبرونك في النساء، { قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ } قيل معناه ويفتيكم في ما يتلى عليكم، وقيل معناه: ونفتيكم ما يتلى عليكم، يريد: الله يفتيكم وكتابه يفتيكم فيهن، وهو قوله عز وجل: { وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ } قوله { فِي يَتَامَى النِّسَاءِ } هذا إضافة الشيء إلى نفسه لأنه أراد باليتامى النساء، { اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ } أي: لا تعطونهن، { مَا كُتِبَ لَهُنَّ } من صداقهن، { وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ } أي: في نِكَاحِهنّ لمالِهنّ وجمالهنّ بأقل من صداقهن، وقال الحسن وجماعة أراد أن تؤتونهن حقهن من الميراث، لأنهم كانوا لا يُوَرِّثُون النساءَ، وترغبون أن تنكحوهن، أي: عن نكاحهن لدمامتهن.\r{ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ } يريد: ويُفتيكم في المستضعفين من الولدان وهم الصغار، أن تعطوهم حقوقهم، لأنهم كانوا لا يُوَرِّثون الصغار، يريد ما يتلى عليكم في باب اليتامى من قوله { وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ }\r__________\r(1) انظر فيما سبق، تفسير قوله تعالى \"للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون\" الآية (7) من سورة النسارة.\r(2) انظر البخاري في التفسير - باب \"وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى\": 8 / 239.","part":2,"page":293},{"id":726,"text":"يعني بإعطاء حقوق الصغار، { وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ } أي: ويفتيكم في أن تقُوموا لليتامى بالقسط بالعدل في مُهورهن ومواريثهن، { وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا } يُجازيكم عليه.","part":2,"page":294},{"id":727,"text":"{ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128) }\rقوله تعالى: { وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا } الآية، نزلت في عمرة ويُقال في خولة (1) بنت محمد بن مسلمة، وفي زوجها سعد بن الربيع -ويقال رافع بن خديج-تزوجها وهي شابة فلما علاها الكِبرَ تزوّج عليها امرأة شابة، وآثرها عليها، وجفا ابنة محمد بن سلمة، فأتَتْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه فنزلت فيها هذه الآية (2) .\rوقال سعيد بن جبير: كان رجل له امرأة قد كبرت وله منها أولاد فأراد أن يطلقها ويتزوج عليها غيرها، فقالت: لا تطلقني ودعني أقوم على أولادي واقْسِمْ لي من كل شهرين إن شئت، وإن شئت فلا تَقْسِم لي. فقال: إن كان يصلح ذلك فهو أحب إليّ، فأتى 97/ب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فأنزل الله تعالى: { وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ } (3) أي علمت { مِنْ بَعْلِهَا } أي: من زوجها { نُشُوزًا } أي: بُغضًا، قال الكلبي: يعني ترك مضاجعتها، { أَوْ إِعْرَاضًا } بوجهه عنها وقلة مجالستها، { فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } أي: على الزوج والمرأة، أنْ يصالحا أي: يتصالحا، وقرأ أهل الكوفة { أَنْ يُصْلِحَا } من أصلح، { بَيْنَهُمَا صُلْحًا } يعني: في القِسْمة والنفقة، وهو أن يقول الزوج لها: إنك قد دخلت في السن وإني أريد أن أتزوج امرأة شابة جميلة أوثرها عليك في القسمة ليلا ونهارًا فإن رضيتِ بهذا فأقيمي وإن كرهتِ خلّيْتُ سبيلك، فإن رضيتْ كانتْ هي المحسنة ولا تُجبر على ذلك، وإنْ لم ترض بدون حقها من القسم كان على الزوج أن يوفّيها حقها من القسم والنفقة أو يسرحها بإحسان، فإن أمسكها ووفّاها حقها مع كراهية فهو مُحسن.\r__________\r(1) في أ: (خويلة).\r(2) انظر : الموطأ للإمام مالك، كتاب النكاح، باب جامع النكاح: 2 / 548 - 549، والمستدرك للحاكم: 2 / 308 ، أحكام القرآن للشافعي: 1 / 205 ، والسنن الكبرى للبيهقي: 7 / 296 ، تفسير الطبري: 9 / 275 ، أسباب النزول للواحدي ص (178).\r(3) بمعناه عن عائشة رضي الله عنها، أخرجه البخاري ومسلم. انظر: أسباب النزول للواحدي ص (175 - 176)، الدر المنثور: 2 / 710 - 711.","part":2,"page":294},{"id":728,"text":"وقال سليمان بن يسار في هذه الآية عن ابن عباس رضي الله عنهما: فإن صالحته عن بعض حقّها من القسْم والنفقة فذلك جائز ما رضيت، فإن أنكرته بعد الصلح فذلك لها ولها حقها (1) .\rوقال مقاتل بن حيان في هذه الآية: هو أن الرجل يكون تحته المرأة الكبيرة فيتزوج عليها الشابة، فيقول للكبيرة: [أعطيتَك من] (2) مالي نصيبًا على أن أقسم لهذه الشابة أكثر مما أَقْسِمُ لك فترضَى بما اصطلحا عليه، فإن أبتْ أن ترضى فعليه أن يَعْدِلَ بينهما في القسْم.\rوعن عليّ رضي الله عنه في هذه الآية قال: تكون المرأة عند الرجل فتنبوُ عينهُ عنها من دمامة أو كبر فتكره فرقته، فإن أعطته من مالها فهو له حل، وإن أعطته من أيامها فهو له حلٌّ (3) { وَالصُّلْحُ خَيْرٌ } يعني: إقامتها بعد تخييره إياها، والمصالحة على ترك بعض حقّها من القسم والنفقة خيرٌ من الفرقة، كما يُروَى أن سودة رضي الله عنها كانت امرأة كبيرة وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يُفارقها، فقالت: لا تطلقني وإنما بي أن أبعث في نسائك وقد جعلتُ نوبتي لعائشة رضي الله عنها فأمسكها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يقسم لعائشة يومها ويوم سودة رضي الله عنها (4) .\rقوله تبارك وتعالى: { وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ } يريد: شُحَّ كلِّ واحد من الزوجين بنصيبه من الآخر، والشُّح: أقبح البخل، وحقيقتهُ. الحرص على منع الخير، { وَإِنْ تُحْسِنُوا } أي: تصلحوا { وَتَتَّقُوا } الجورَ، وقيل: هذا خطاب مع الأزواج، أي: وإن تحسنوا بالإقامة معها على الكراهة وتتّقوا ظُلمَها { فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } فيجزيكم بأعمالكم.\r{ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (129) }\rقوله تعالى: { وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ } أي: لن تقدروا أن تُسووا بين النساء في الحب وميل القلب، { وَلَوْ حَرَصْتُمْ } على العدل، { فَلا تَمِيلُوا } أي: إلى التي تُحبونها، { كُلَّ الْمَيْلِ } في القسم والنّفقة، أي: لا تُتبعُوا أهواءَكم أفعالَكم، { فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ } أي فَتَدعُوا الأخرى كالمنوطة لا أيمًّا ولا ذاتَ بعل. وقال قتادة: كالمحبوسة، وفي قراءة أُبي بن كعب: كأنها مسجونة.\r__________\r(1) انظر: الدر المنثور: 2 / 712.\r(2) في أ: (أعطيك على أن أقسم من . . ).\r(3) أخرجه أبو داود الطيالسي وابن أبي حاتم والطبري. انظر: الطبري: 9 / 268 - 269 ، ابن كثير: 1 / 564.\r(4) انظر طبقات ابن سعد: 8 / 53، 169، وثبت أن سودة وهبت يومها لعائشة فيما أخرجه البخاري في النكاح، باب المرأة تهب يومها من زوجها لضرتها: 9 / 312، ومسلم في الرضاع، باب جواز هبتها نوبتها لضرتها برقم (1462): 2 / 1085، والمصنف في شرح السنة: 9 / 152.","part":2,"page":295},{"id":729,"text":"ورُوي عن أبي قلابة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقْسِمْ بين نسائه، فيعدل ويقول: \"اللّهم هذا قَسْمِي فيما أملك فلا تَلُمْنِي فيما تَمْلِكَ ولا أملك\" (1) ، ورواه بعضهم عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد عن عائشة رضي الله عنها متصلا.\rورُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"مَنْ كانت له امرأتان فمالَ إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقُّه مائل\" (2) . { وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا } الجورَ، { فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا }\r{ وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130) }\r{ وَإِنْ يَتَفَرَّقَا } يعني: الزوج والمرأة بالطلاق، { يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ } من رزقه، يعني: المرأة بزوج آخر والزوج بامرأة أخرى، { وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا } واسعَ الفضل والرحمة حكيمًا فيما أمر به ونهى عنه .\rوجملةُ حُكم الآية: أنّ الرجل إذا كانت تحته امرأتان أو أكثر فإنه يجب عليه التسوية بينهن في القسْم، فإن ترك التسوية بينهن في فعل القسْم عصى الله تعالى، وعليه القضاء للمظلومة، والتسوية، شرط في البيتوتة، أما في الجماع فلا لأنه يدور على النشاط وليس ذلك إليه ولو كانت في نكاحه حُرَّةٌ وأمَةٌ فإنه يبيت عند الحرّة ليلتين وعند الأمة ليلة واحدة، وإذا تزوج جديدة على قديمات عنده يخصُّ الجديدة بأن يبيت عندها سبع ليال على التوالي إن كانت بكرًا، وإن كانت ثيبًا فثلاث ليال ثم يُسوّي بعد ذلك بين الكل، ولا يجب قضاء هذه الليالي للقديمات.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، ثنا أحمد بن عبد الله النعيمي، ثنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا يوسف بن راشد، ثنا أبو أسامة، ثنا سفيان الثوري، ثنا أيوب وخالد، عن أبي قلابة عن أنس رضي الله عنه قال: مِنَ السنّة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعًا ، ثم قَسَمَ، وإذا تزوج\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في النكاح، باب في القسم بين النساء: 3 / 63 - 64 عن عائشة، والترمذي في النكاح باب ما جاء في التسوية بين الضرائر: 4 / 294، والنسائي في عشرة النساء، باب ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض: 7 / 63 - 64 وابن ماجه في النكاح، باب القسم بين النساء برقم (1971): 1 / 2633 وصححه ابن حبان برقم (1305) ص (317) من موارد الظمآن، وصححه الحاكم على شرط مسلم: 2 / 187 ووافقه الذهبي، والدارمي في النكاح، باب القسمة بين النساء: 2 / 144. وانظر: شرح السنة: 9 / 151 وذكر الترمذي والنسائي إنه روى مرسلا وذكر الترمذي أن المرسل أصح.\r(2) أخرجه أبو داود في الموضع السابق: 3 / 63، والترمذي في الموضع نفسه: 4 / 295، والنسائي في الموضع نفسه: 7 / 63، وابن ماجه، نفسه برقم (1969): 1 / 633، والدارمي: 2 / 143، وصححه ابن حبان (1307) ص (317). وقال الترمذي: ولا نعرفه مرفوعا إلا من حديث همام، وصححه الحاكم على شرط الشيخين 2 / 186 ومن العجب أن مخرج الطبعة الجديدة للبغوي قال في ص 487 من الجزء الأول: لم أجد من أخرجه من أئمة الحديث سوى البغوي ! !.","part":2,"page":296},{"id":730,"text":"الثيب أقام عندها ثلاثا، ثم قسم . قال أبو قلابة: ولو شئتُ لقلت: إن أنسًا رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم (1) .\rوإذا أراد الرجل سفَر حاجة فيجوز له أن يحمل بعض نسائه مع نفسه بعد أن يُقرع بينهنّ فيه، ثم لا يجب عليه أن يقضي للباقيات مدة سفره، وإن طالت إذا لم يزد مقامه في بلده على مدة المسافرين، والدليل عليه ما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، ثنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، ثنا أبو العباس الأصم، ثنا الربيع، ثنا الشافعي، ثنا عمي محمد بن علي بن شافع، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: \"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد السفر أقرَعَ بين نسائه فأيتهُن خرج سهْمُها خرج بها، أما إذا أراد سفر نقلة فليس له تخصيص بعضهن لا بالقرعة ولا بغيرها\" (2) .\r{ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (131) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا (132) }\rقوله تعالى: { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ } عبيدًا ومُلكًا { وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } يعني: أهل التوراة والإنجيل وسائر الأمم المتقدمة في كتبهم، { وَإِيَّاكُمْ } أهل القرآن في كتابكم، { أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ } أي: وحّدُوا اللهَ وأطيعوه، { وَإِنْ تَكْفُرُوا } بما أوصاكم الله به { فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ } قيل: فإن لله ملائكة في السموات والأرض هي أطوع له منكم، { وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا } عن جميع خلقه غير محتاج إلى طاعتهم، { حَمِيدًا } محمودًا على نعمه.\r{ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا } قال عكرمة عن ابن عباس: يعني شهيدًا أن فيها عبيدًا، وقيل: دافعًا ومجيرًا.\rفإن قيل: فأي فائدة في تكرار قوله تعالى { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ } قيل: لكلّ واحد منهما وجه، أمّا الأول: فمعناه لله ما في السموات وما في الأرض وهو يُوصيكم بالتقوى فاقبلوا وصيتَه، وأمّا الثاني فيقول: فإن لله ما في السموات وما في الأرض وكان الله غنيًّا أي: هو الغني وله الملك فاطلبوا منه ما تطلبون وأمّا الثالث فيقول: { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا } أي: له الملك فاتخذوه وكيلا ولا تتوكلوا على غيره.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في النكاح، باب إذا تزوج البكر على الثيب: 9 / 313 ، ومسلم في الرضاع، باب قدر ما تستحقه البكر والثيب من إقامة الزوج عندها عقب الزفاف، برقم (1461): 2 / 1084. والمصنف في شرح السنة: 9 / 155.\r(2) أخرجه البخاري في الهبة، باب هبة المرأة لغير زوجها وعتقها إذا كان لها زوج. . . 5 / 218 ، ومسلم في التوبة، باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف، برقم (2770) 4 / 2130 ، والمصنف في شرح السنة: 9 / 153.","part":2,"page":297},{"id":731,"text":"{ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (133) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (134) }","part":2,"page":298},{"id":732,"text":"{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135) }\rقوله تعالى: { إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } يُهلككم (1) { أَيُّهَا النَّاسُ } يعني: الكفار، { وَيَأْتِ بِآخَرِينَ } يقول بغيركم خير منكم وأطوع، { وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا } قادرًا.\r{ مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ } يُريد من كان يريد بعمله عَرَضًا من الدنيا ولا يريد بها الله عز وجل آتاه الله من عَرَضِ الدنيا أو دفع عنه فيها ما أراد الله، وليس له في الآخرة من ثواب، ومن أراد بعمله ثواب الآخرة آتاه الله من الدنيا ما أحب وجزاه الجنة في الآخرة: { وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ } يعني: كونوا قائمين بالشهادة بالقسط، أي: بالعدل لله، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كونوا قوامين بالعدل في الشهادة على من كانت، { وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ } في الرحم، أي: قُولُوا الحقَّ ولو على أنفسكم بالإقرار أو الوالدين والأقربين، فأقيموها عليهم لله، ولا تُحابوا غنيًا لغناه ولا ترحموا فقيرًا لفقره، فذلك قوله تعالى: { إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا } منكم أي أقيموا على المشهُود عليه وإن كان غنيًا وللمشهود له وإن كان فقيرًا فالله أولى بهما منكم، أي كِلُوا أمرَهما إلى الله. وقال الحسن: معناه الله أعلم بهما، { فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا } أي تجوروا وتميلوا إلى الباطل من الحق، وقيل: معناه لا تتبعوا الهوى لتعدلوا، أي: لتكونوا عادلين كما يقال: لا تتبع الهوى لترضي ربك.\r{ وَإِنْ تَلْوُوا } أي: تحرفوا الشهادة لتبطلوا الحق { أَوْ تُعْرِضُوا } عنها فتكتموها ولا تقيموها ، ويقال: تلووا أي تدافعوا في إقامة الشهادة، يقال: لَوَيْتهُ حقَّه إذا دفعتَه، ومطلتَه، وقيل: هذا خطاب مع الحكام في ليِّهم الأشداق، يقول: وإن تلووا أي تميلوا إلى أحد الخصمين أو تعرضوا عنه، قرأ ابن عامر وحمزة { تَلُوُوا } بضم اللام، قيل: أصله تلووا، فحذفت إحدى الواوين تخفيفًا، وقيل: معناه وإن تلوا القيام بأداء\r__________\r(1) ساقط من: (أ).","part":2,"page":298},{"id":733,"text":"الشهادة أو تعرضوا فتتركوا أداءَها { فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا (136) }\rقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ } الآية، قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في عبد الله بن سلام وأسد وأُسيد ابنى كعب، وثعلبة بن قيس وسلامّ بن أخت عبد الله بن سلامّ، وسلمة بن أخيه ويامين بن يامين فهؤلاء مُؤمُنوا أهل الكتاب أتَوْا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنا نُؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير ونكفر بما سواه من الكتب والرسل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"بل آمِنُوا بالله ورسولهِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، والقرآن وبموسى والتوارة، وبكل كتاب قبله\"، فأنزل الله هذه الآية (1) { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وبموسى عليه السلام والتوراة { آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ } محمد صلى الله عليه وسلم، { وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ } يعني القرآن، { وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزِلَ مِنْ قَبْلُ } من التوراة والإنجيل والزبور وسائر الكتب (2) .\rقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو \" نزل وأنزل \" بضم النون والألف، وقرأ الآخرون \" نزل وأنزل \" بالفتح أي أنزل الله.\r{ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا } فلما نزلت هذه الآية قالوا: فإنا نؤمن بالله ورسوله والقرآن وبكل رسولٍ وكتابٍ كان قبل القرآن، والملائكة واليوم الآخر لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون.\rوقال الضحاك: أراد به اليهود والنصارى، يقول: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } بموسى وعيسى { آمِنُوا } بمحمدٍ والقرآن، وقال مجاهد: أراد به المنافقين، يقول: يا أيها الذين آمنوا باللسان آمنوا بالقلب وقال أبو العالية وجماعة: هذا خطاب للمؤمنين يقول: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا } أي أقيمُوا واثبتُوا على الإيمان، كما يُقال للقائم: قُمْ حتى أرجع إليك، أي اثبت قائمًا، وقيل: المراد به أهل الشرك، يعني { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } باللات والعزى { آمِنُوا } بالله ورسوله.\r__________\r(1) ذكره السيوطي في الدر المنثور: 2 / 716، وانظر: أسباب النزول للواحدي ص (178 - 179).\r(2) في هامش نسخة الظاهرية (أ) ما يلي: ويجوز أن يراد بقوله \"يا أيها الذين آمنوا\" في وقت الميثاق، حين قالوا: بلى، \"آمنوا\" الآن \"بالله ورسوله\" الآية.","part":2,"page":299},{"id":734,"text":"{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا (137) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) }\rقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا } قال قتادة: هم اليهود آمَنُوا بموسى ثم كَفَرُوا من بعد بعبادتهم العجل، ثم آمَنُوا بالتوراة ثم كفروا بعيسى عليه السلام، ثم ازْدَادَوا كفرًا بمحمد صلى الله عليه وسلم.\rوقيل: هو في جميع أهل الكتاب آمَنُوا بنبيهم ثم كَفَرُوا به، وآمَنُوا بالكتاب الذي نزل عليه ثم كفروا به، وكفرهم به: تركهم إيّاه ثم ازدادوا كفرًا بمحمد صلى الله عليه وسلم.\rوقيل: هذا في قوم مرتدين آمنوا ثمّ ارتدوا ثمّ آمنوا ثمّ ارتدوا ثُمّ آمنوا ثم ارتدوا ثمّ آمنوا ثمّ ارتدوا .\rومثل هذا هلْ تُقبل توبته؟ حُكي عن علي رضي الله عنه: أنه لا تُقبل توبته بل يقتل، لقوله تعالى: { لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ } وأكثر أهل العلم على قبول توبته، وقال مجاهد: ثم ازدادوا كفرًا أي ماتوا عليه، { لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ } ما أقاموا على ذلك، { وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلا } أي طريقًا إلى الحق، فإن قيل: ما معنى قوله { لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ } ومعلوم أنه لا يغفر الشرك إن كان أول مرّة؟ .\rقيل: معناه أن الكافر إذا أسلم أول مرّة ودام عليه يُغفر له كفرُه السابق، فإن أسلم ثم كفر ثم أسلم ثم كفر لا يُغفر له كفرُه السابق، الذي كان يُغفر له لو دَامَ على الإسلام.\r{ بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ } أخبرهم يا محمد، { بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } والبشارة: كل خبر يتغير به بشرة الوجه سارًّا كان أو غير سار، وقال الزجاج: معناه اجعل في موضع بشارتك لهم العذاب، كما تقول العربك تحيّتُك الضرب وعِتَابُك السيف، أي: [بدلا لك] (1) من التحية، ثم وصف المنافقين فقال :\r{ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ } يعني: يتخذون اليهودَ أولياء وأنصارًا أو بطانة { مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ } أي: المعونة والظهور على محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه: وقيل: أيطلبون عندهم القوة والغلبة ، { فَإِنَّ الْعِزَّةَ } أي: الغلبة والقوة والقدرة، { لِلَّهِ جَمِيعًا }\r__________\r(1) في أ: (هلاكك).","part":2,"page":300},{"id":735,"text":"{ وَقَدْ نزلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) }","part":2,"page":301},{"id":736,"text":"{ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا (141) }\r{ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ } قرأ عاصم ويعقوب \"نزل \" بفتح النون والزاي، أي: نزل الله، وقرأ الآخرون \"نزل \" بضم النون وكسر الزاي، أي: عليكم يا معشر المسلمين، { أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ } يعني القرآن، { يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ } يعني: مع الذي يستهزئون، { حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } أي: يأخذوا في حديث غير الاستهزاء بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، وهذا إشارة إلى ما أنزل الله في سورة الأنعام \"وإذا رأيتَ الذين يخُوضُون في آياتنا فأَعرضْ عنهم حتى يخوُضوا في حديث غيرِه\"( الأنعام -68 ).\rوقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: دخل في هذه الآية كلُّ مُحْدِث في الدين وكلُّ مبتدع إلى يوم القيامة، { إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ } أي: إن قعدتم عندهم وهم يخوضون ويستهزئون ورضيتم به فأنتم كفار مثلهم، وإن خاضوا في حديث غيره فلا بأس بالقعود معهم مع الكراهة، وقال الحسن: لا يجوز القعود معهم وإن خاضوا في حديث غيره، لقوله تعالى: { وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } والأكثرون على الأول. وآية الأنعام مكية وهذه مدنية والمتأخر أوْلَى: { إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا }\r{ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ } [ينتظرون بكم الدوائر] (1) ، يعني: المنافقين، { فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ } يعني: ظفر وغنيمة، { قَالُوا } لكم { أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ } على دينكم في الجهاد، كنا معكم فاجعلوا لنا نصيبا من الغنيمة، { وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ } يعني دولة وظهور على المسلمين، { قَالُوا } يعني: المنافقين للكافرين، 98/ب { أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ } والاستحواذ: هو الاستيلاء والغلبة، قال تعالى: \"استحوذ عليهم الشيطان\"( المجادلة -19 ) أي: استولى وغلب، يقول: ألم نخبركم بعورة محمد\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من : (أ).","part":2,"page":301},{"id":737,"text":"صلى الله عليه وسلم وأصحابه ونطلعكم على سرهم؟\rقال المبرِّد: يقول المنافقون للكفار ألم نغلبكم على رأيكم { وَنَمْنَعْكُم } ونصرفكم، { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } أي: عن الدخول في جملتهم، وقيل: معناه ألم نستول عليكم بالنصرة لكم ونمنعكم من المؤمنين؟ أي: ندفع عنكم صولة المؤمنين بتخذيلهم عنكم ومراسلتنا إيّاكم بأخبارهم وأمورهم، ومُرادُ المنافقين بهذا الكلام إظهار المنة على الكافرين.\r{ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } يعني: بين أهل الإيمان وأهل النفاق، { وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا } قال عليُّ: في الآخرة، وقال عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهم: أي حجة، وقيل: ظهورًا على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.\r{ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا (142) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا (143) }\r{ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } أي يعاملونه معاملة المخادعين وهو خادعهم، أي: مجازيهم على خِداعهم وذلك أنهم يعطون نورًا يوم القيامة كما للمؤمنين، فيمضي المؤمنون بنورهم على الصراط، ويُطفأ نورُ المنافقين، { وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ } يعني: المنافقين { قَامُوا كُسَالَى } أي: متثاقلين لا يُريدون بها الله فإن رآهم أحد صلوا وإلا انصرفُوا فلا يُصلون، { يُرَاءُونَ النَّاسَ } أي: يفعلون ذلك مراءاةً للناس لا اتّباعًا لأمر الله، { وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا } قال ابن عباس رضي الله عنهما والحسن: إنما قال ذلك لأنهم يفعلونها رياءً وسمعة، ولو أرادوا بذلك القليلَ وجهَ الله تعالى لكان كثيرًا، وقال قتادة: إنما قلّ ذكرُ المنافقين لأن الله تعالى لم يقبله، وكلُّ ما قَبِلَ الله فهو كثير.\r{ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ } أي: مترددين متحيرّين بين الكفر والإيمان، { لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ } أي: ليسوا من المؤمنين فيجب لهم ما يجب للمؤمنين، وليسوا من الكفار فيُؤخذ منهم ما يُؤخذ من الكفار، { وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا } أي: طريقًا إلى الهُدى.\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني، قال أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، أنا محمد بن عيسى الجلودي، أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أنا مسلم بن الحجاج، أنا محمد بن المثنى، أنا عبد الوهاب، يعني الثقفي أنا عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى","part":2,"page":302},{"id":738,"text":"هذه مرّة وإلى هذه مرّة\" (1) .\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147) }\rقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } نهى الله المؤمنين عن موالاة الكفار، وقال: { أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا } أي حجة بينةً في عذابكم، ثم ذكر منازل المنافقين، فقال جلّ ذكره:\r{ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ } قرأ أهل الكوفة { فِي الدَّرْكِ } بسكون الراء والباقون بفتحها وهما لغتان كالظّعْن والظعَن والنّهْر والنّهَر، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: { فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ } في توابيت من حديد مقفلة في النار، وقال أبو هريرة: بيت مقفل عليهم تتوقد فيه النار من فوقهم ومن تحتهم، { وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا } مانعًا من العذاب.\r{ إِلا الَّذِينَ تَابُوا } مِنَ النفاق وآمنوا { وَأَصْلَحُوا } عملهم { وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ } وثقوا بالله { وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ } أراد الإخلاص بالقلب، لأن النفاق كفر القلب، فَزَوالهُ يكون بإخلاص القلب، { فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ } قال الفراء: من المؤمنين، { وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ } في الآخرة { أَجْرًا عَظِيمًا } يعني: الجنّة، وحُذفتِ الياء مِنْ { يُؤْتِ اللَّه } في الخط لسقوطها في اللفظ، وسقوطها في اللفظ لسكون اللام في \"الله\" .\rقوله تعالى: { مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ } أي: إن شكرتم نعماءَهُ { وَآمَنْتُمْ } به، فيه تقديم وتأخير، تقديره: إن آمنتم وشكرتم، لأن الشكر لا ينفع مع عدم الإيمان، وهذا استفهام بمعنى التقرير، معناه: إنه لا يعذب المؤمن الشاكر، فإن تعذيبه عبادَهُ لا يزيد في ملكه، وتركه عقوبتهم على فعلهم لا يُنْقِصُ من سلطانه، والشكرُ: ضد الكفر والكفر ستر النعمة، والشكر: إظهارُها، { وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا } فالشكر من الله تعالى هو الرضى بالقليل من عباده وإضعاف الثواب عليه، والشكر من العبد:\r__________\r(1) أخرجه مسلم في صفات المنافقين، برقم (2784): 4 / 2146.","part":2,"page":303},{"id":739,"text":"الطاعة، ومن الله: الثواب.","part":2,"page":304},{"id":740,"text":"{ لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149) }\rقوله: { لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِم } يعني: لا يحب الله الجهر بالقبح من القول إلا من ظلم، فيجوز للمظلوم أن يخبر عن ظلم الظالم وأن يدعو عليه، قال الله تعالى: \"وَلَمَنْ انتصرَ بعد ظلمه فأولئك ما عليهم مِنْ سَبيل\" ( الشورى -41 ) ، قال الحسن: دعاؤه عليه أن يقول: اللهم أعني عليه اللهم استخرجْ حقي منه، وقيل: إن شُتِم جاز أن يشتم بمثله لا يزيد عليه.\rأخبرنا أبو عبد الله الخرقي، أنا أبو الحسن الطيسفوني، أنا عبد الله بن عمر الجوهري، أنا أحمد بن علي الكشميهني، أنا علي بن حجر، أخبرنا إسماعيل بن جعفر، أنا العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"المستبان ما قالا فعلى البادئ ما لم يَعْتَدِ المظلوم\" (1) .\rوقال مجاهد هذا في الضيف إذا نزل بقوم فلم يقروه ولم يحسنوا ضيافته فله أن يشكو ويذكر ما صُنع به. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل، أنا قتيبة بن سعيد، أنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، أنه قال: قلنا يا رسول الله إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يُقرُوْنَنَا فما ترى؟ فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إنْ نزلتم بقوم فأمَرُوا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا فإن لم يفعلوا فخذُوا منهم حقَّ الضيف الذي ينبغي لهم\" (2) .\rوقرأ الضحاك بن مزاحم وزيد بن أسلم: { إِلا مَنْ ظَلَمَ } بفتح الظاء واللام، معناه: لكن الظالم اجهروا له بالسوء من القول، وقيل معناه: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول لكن يجهر من ظلم، والقراءة الأولى هي المعروفة، { وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا } لدعاء المظلوم، { عَلِيمًا } بعقاب الظالم.\rقوله تعالى: { إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا } يعني: حسنةً فيعملُ بها كُتِبتْ له عشرًا، وإنْ همَّ بها ولم يعملْها كِتُبَتْ له حسنةٌ واحدة، وهو قوله { أَوْ تُخْفُوهُ } وقيل المراد من الخير: المال، يُريدُ: إنْ تُبدوا صدقةً تُعطونها جهرًا أو تخفوها فتعطوها سرًا، { أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ } أي: عن مَظْلَمةٍ، { فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا } أولى بالتجاوز عنكم يوم القيامة.\r__________\r(1) أخرجه مسلم في البر والصلة - باب النهي عن السباب ، برقم (2587): 4 / 2000، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد ص (127)، والمصنف في شرح السنة: 13 / 133.\r(2) أخرجه البخاري في المظالم ، باب قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه 5 / 107 - 108 ، وفي الأدب، ومسلم في اللقطة- باب الضيافة ونحوها برقم (1727): 3 / 1353، والمصنف في شرح السنة: 11 / 339.","part":2,"page":304},{"id":741,"text":"{ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (151) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (152) يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (153) }\rقوله عز وجل: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ } الآية، نزلت في اليهود، وذلك أنهم آمنوا بموسى عليه السلام والتوراة وعزير، وكفروا بعيسى والإنجيل وبمحمد والقرآن، { وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا } أي: دينًا بين اليهودية والإسلام ومذهبًا يذهبون إليه.\r{ أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا } حقق كفرهم ليعلم أن الكفر ببعضهم كالكفر بجميعهم { وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا }\r{ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ } كُلِهَّم { وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ } يعني: بين الرُّسل وهم المؤمنون، يقولون: لا نُفَرِّق بين أحدٍ من رسله، { أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ } بإيمانهم بالله وكتبه ورسله، قرأ حفص عن عاصم { يُؤْتِيهِمْ } بالياء، أي: { يؤتيهم الله } (1) ، والباقون بالنون 99/أ { وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا }\rقوله تعالى: { يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ } الآية، وذلك أنّ كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازوراء من اليهود قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنْ كنتَ نبيًا فأتنا بكتاب جملةً من السماء، كما أتى به موسى عليه السلام، فأنزل الله عليه: { يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ } (2) .\r__________\r(1) ساقط من: (أ).\r(2) ذكره السيوطي في الدر المنثور: 2 / 726 ، وانظر: أسباب النزول للواحدي ص (197).","part":2,"page":305},{"id":742,"text":"وكان هذا السؤال منهم سؤال تحكّم واقتراح، لا سؤال انقياد، والله تعالى لا ينزل الآيات على اقتراح العباد. قوله: { فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ } أي: أعظم من ذلك، يعني: السبعين الذي خرج بهم موسى عليه السلام إلى الجبل، { فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً } أي: عيانًا، قال أبو عُبيدة: معناه قالوا جهرة أرنا الله، { فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ } يعني إلهًا، { مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ } ولم نستأصلهم، قيل: هذا استدعاء إلى التوبة، معناه: أن أولئك الذين أجرموا تابوا فعفونا عنهم، فتوبوا أنتم (1) حتى نعفوَ عنكم، { وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا } أي: حجةً بينةً من المعجزات، وهي الآيات التسع .\r{ وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (154) }\r__________\r(1) ساقط من (أ).","part":2,"page":306},{"id":743,"text":"{ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) }\rقوله تعالى: { وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ } قرأ أهل المدينة بتشديد الدال وفتح العين نافع برواية ورش ويجزمها الآخرون، ومعناه: لا تعتدوا ولا تظلموا باصطياد الحيتان فيه، { وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا }\rقوله تعالى: { فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ } أي: فبنقضهم، و \"ما\" صلة كقوله تعالى: \"فبما رحمة من الله\"( آل عمران -159 )، ونحوها، { وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } أي: ختم عليها، { فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا } يعني: ممن كذّب الرُّسلَ لا ممن طبعَ على قلبه، لأنّ من طَبعَ الله على قلبه لا يُؤمن أبدًا، وأراد بالقليل: عبدَ الله بن سلام وأصحابهَ، وقيل: معناه لا يؤمنون قليلا ولا كثيرًا.\r{ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا } حين رموها بالزنا.\r{ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ }","part":2,"page":306},{"id":744,"text":"وذلك أن الله تعالى ألقى شَبَه عيسى عليه السلام على الذي دلّ اليهودَ عليه، وقيل: إنهم حبسوا عيسى عليه السلام في بيت وجعلوا عليه رقيبًا فألقىَ الله تعالى شبه عيسى عليه السلام على الرقيب فقتلوه، وقيل غير ذلك، كما ذكرنا في سورة آل عمران (1) .\rقوله تبارك وتعالى: { وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ } في قتله، { لَفِي شَكٍّ مِنْهُ } أي: في قتله، قال الكلبي: اختلافهم فيه هو أن اليهود قالتْ نحن قتلناه، وقالتْ طائفة من النصارى نحن قتلناه، وقالت طائفة منهم ما قتله هؤلاء ولا هؤلاء بل رفعه الله إلى السماء، ونحن ننظر إليه، وقيل: كان الله تعالى ألقى شبه وجه عيسى عليه السلام على وجه صطيافوس ولم يلقه على جسده، فاختلفوا فيه فقال بعضهم قتلنا عيسى، فإن الوجه وجه عيسى عليه السلام وقال بعضهم لم نقتله لأن جسده ليس جسد عيسى عليه السلام، فاختلفوا. قال السدي: اختلافهم من حيث أنَّهم قالوا: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى؟ قال الله تعالى: { مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ } حقيقة أنه قتل أو لم يُقتل، { إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ } لكنهم يتبعون الظن في قتله. قال الله جل جلاله: { وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا } أي: { ما قتلوا عيسى يقينا } (2) .\r{ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159) }\r{ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ } وقيل قوله \"يقينا\" ترجع إلى ما بعده وقوله \"وما قتلوه\" كلام تام تقديره: بل رفعه الله إليه يقينًا، والهاء في \"ما قتلوه\" كناية عن عيسى عليه السلام، وقال الفراء رحمه الله: معناه وما قتلوا الذي ظنوا أنه عيسى يقينًا، ورُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما معناه: ما قتلوا ظنهم يقينًا، { وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا } منيعا بالنقمة من اليهود، { حَكِيمًا } حكم باللعنة والغضب عليهم، فسلّط عليهم ضيطوس بن اسبسيانوس الرومي فقتل منهم مقتلة عظيمة.\rقوله تعالى: { وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } أي: وما من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ بعيسى عليه السلام، هذا قول أكثر المفسرين وأهل العلم، وقوله \"قبل موته\" اختلفوا في هذه الكناية: فقال عكرمة ومجاهد والضحاك والسدي: إنها كناية عن الكتابي، ومعناه: وما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمننّ بعيسى عليه السلام قبل موته، إذا وقع في البأس حين لا ينفعه إيمانهُ سواء احترق أو غرق أو تردّى في بئر أو سقط عليه جدارٌ أو أكله سبعٌ أو مات فجأةً، وهذه رواية عن أبي طلحة عن ابن\r__________\r(1) انظر فيما سبق، تفسير سورة آل عمران، الآيات (52 - 55).\r(2) ما بين القوسين زيادة من (ب) .","part":2,"page":307},{"id":745,"text":"عباس رضي الله عنهم. قال: فقيل لابن عباس رضي الله عنهما: أرأيت إن خر من فوق بيت؟ قال: يتكلم به في الهواء قال: فقيل أرأيت إن ضرب عُنقُ أحدهم؟ قال: يتلجلج به لسانه.\rوذهب قومٌ إلى أن الهاء في \"موته\" كناية عن عيسى عليه السلام، معناه: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ بعيسى قبل موت عيسى عليه السلام، وذلك عند نزوله من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد إلا آمن به حتى تكون الملة واحدة، ملة الإسلام.\rوروينا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"يُوشك أنْ ينزلَ فيكم ابنُ مريمَ حكمًا عدلا يكسر الصّليبَ، ويقتلُ الخنزيرَ، ويضع الجزية، ويفيضُ المالُ حتى لا يقبله أحدُ، ويهلك في زمانه الملل كلَّها إلا الإسلام، ويقتلُ الدجالَ فيمكثُ في الأرض أربعين سنة ثم يتوفَّى ويُصلي عليه المسلمون\"، وقال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: { وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } قبل موت عيسى بن مريم، ثم يُعيدها أبو هريرة ثلاث مرات (1) .\rوروي عن عكرمة: أن الهاء في قوله { لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ } كناية عن محمد صلى الله عليه وسلم يقول لا يموت كتابي حتى يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم.\rوقيل: هي راجعة إلى الله عز وجل يقول: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمن بالله عز وجل، قبل موته عند المعاينة حين لا ينفعه إيمانهُ.\rقوله تعالى: { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ } يعني: عيسى عليه السلام، { عَلَيْهِمْ شَهِيدًا } أنّه قد بلّغهم رسالة ربه، وأقر بالعبودية على نفسه [كما قال تعالى مخبرا عنه \"وكنتُ عليهم شهيدًا ما دمتُ فيهم\"( المائدة -117 ) وكل نبي شاهد على أمته] (2) قال الله تعالى: \"فكيفَ إذا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أمّةٍ بشهيدٍ وجِئْنَا بِكَ على هؤلاءِ شهيدًا\"( النساء -41 ). .\r{ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) }\rقوله عز وجل: { فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا } وهو ما تقدم ذكره من نقضهم الميثاق وكفرهم بآيات الله وبُهتانهم على مريم، وقولهم: إنّا قتلنا المسيح { حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ } وهي ما ذكر في\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب نزول عيسى بن مريم عليهما السلام: 6 / 490 - 491، ومسلم في الإيمان، باب نزول عيسى بن مريم حاكما بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، برقم (155): 1 / 135، والمصنف في شرح السنة: 15 / 80 - 81 .\r(2) ما بين القوسين ساقط من (ب).","part":2,"page":308},{"id":746,"text":"سورة الأنعام (1) ، فقال: \"وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر\"( الأنعام -146 ).\rونظم الآية: فبظلم من الذين هادوا وهو ما ذكرنا، { وَبِصَدِّهِم } وبصرفهم أنفسَهم وغيرَهم، { عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا } أي: عن دين الله صدًا كثيرًا.\r{ وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161) لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162) }\r{ وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ } في التوراة { وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ } مِنَ الرشا في الحكم، والمآكل التي يصيبونها من عوامِّهم، عاقبناهم بأنْ حرّمنا عليهم طيبات، فكانُوا كلّما ارتكبوا كبيرةً حُرّم عليهم شيءٌ من الطيبات التي كانت حلالا لهم، قال الله تعالى: \"ذلكَ جَزَيْنَاهم بِبَغْيِهم وإنّا لصادقون\"( الأنعام -146 )، { وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا }\r{ لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ } يعني: ليس كل أهل الكتاب بهذه الصفة، لكن الراسخون البالغون في العلم أولو البصائر منهم، وأراد به الذين أسْلَموا من علماء اليهود مثل عبد الله بن سلام وأصحابه، { وَالْمُؤْمِنُونَ } يعني: المهاجرون والأنصار، { يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ } يعني: القرآن، { وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ } يعني: سائر الكتب المنزلة، { وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ } اختلفوا في وجه انتصابه، فحُكي عن عائشة 99/ب رضي الله عنها وأبان بن عثمان: أنه غلط من الكاتب ينبغي أن يكتب والمقيمون الصلاة وكذلك قوله في سورة المائدة \"إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون\"( المائدة -62 )، وقوله \"إن هذان لساحران\"( طه -63 ) قالوا: ذلك خطأ من الكاتب (2) .\r__________\r(1) انظر فيما سيأتي تفسير الآية في سورة الأنعام.\r(2) ردّ الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله هذا القول من وجوه عديدة، فقال: \"لو كان ذلك خطأ من الكاتب لكان الواجب أن يكون في كل المصاحف غير مصحفنا الذي كتبه لنا الكاتب الذي أخطأ في كتابه وفي اتفاق مصحفنا ومصحف أبي في ذلك ما يدل على أن الذي في مصحفنا من ذلك صواب غير خطأ. مع أن ذلك لو كان خطأ من جهة الخط لم يكن الذين أخذ عنهم القرآن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلّمون من علّموا ذلك من المسلمين على وجه اللحن، ولأصلحوه بألسنتهم ولقنوه الأمة تعليما على وجه الصواب. وفي نقل المسلمين جميعا ذلك قراءة على ما هو به في الخط مرسوما أدل الدليل على صحة ذلك وصوابه، وأن لا صنع في ذلك للكاتب\" تفسير الطبري: 9 / 397 - 398 بتعليق الشيخ شاكر. وانظر: الاتقان للسيوطي : 2 / 320 - 321 بتحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم.","part":2,"page":309},{"id":747,"text":"وقال عثمان: إن في المصحف لحنًا ستقيمه العرب بألسنتها، فقيل له: ألا تغيرّه؟ فقال: دعوه فإنه لا يُحلُّ حرامًا ولا يُحرِّم حلالا (1) .\rوعامة الصحابة وأهل العلم على أنه صحيح، واختلفوا فيه، قيل: هو نصب على المدح، وقيل: نصب بإضمار فعل تقديره: أعني المقيمين الصلاة وهم المؤتون الزكاة، وقيل: موضعه خفض.\rواختلفوا في وجهه، فقال بعضهم: معناه لكن الراسخون في العلم منهم ومن المقيمين الصلاة، وقيل: معناه يؤمنون بما أَنزل إليك وإلى المقيمين الصلاة، ثم قوله: { وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ } رجوع إلى النسق الأوّل، { وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا } قرأ حمزة سيؤتيهم بالياء والباقون بالنون.\r__________\r(1) قال ابن الأنباري في كتابه \"الرد على من خالف مصحف عثمان\": \"الأحاديث المروية عن عثمان في ذلك لا تقوم بها حجة، لأنها منقطعة غير متصلة، وما يشهد عقل بأن عثمان، وهو إمام الأمة الذي هو إمام الناس في وقته وقدوتهم يجمعهم على المصحف الذي هو الإمام فيتبين فيه خللا، ويشاهد في خطه زللا فلا يصلحه ! كلا والله ما يتوهم عليه هذا ذو إنصاف وتمييز، ولا يعتقد أنه أخر الخطأ في الكتاب ليصلحه من بعده، وسبيل الجائين من بعده: البناء على رسمه، والوقوف عند حكمه. ومن زعم أن عثمان أراد بقوله: \"أرى فيه لحنا. . \": أرى في خطه لحنا إذا أقمناه بألسنتنا كان لحن الخط غير مفسد ولا محرف من جهة تحريف الألفاظ وإفساد الإعراب فقد أبطل ولم يصب، لأن الخط منبئ عن النطق، فمن لحن في كتبه، فهو لاحن في نطقه. ولم يكن عثمان ليؤخر فسادا في هجاء ألفاظ القرآن من جهة كتب ولا نطق، ومعلوم أنه كان مواصلا لدرس القرآن، متقنا لألفاظه، موافقا على ما رسم في المصاحف المنفذة إلى الأمصار والنواحي\". انظر: الاتقان في علوم القرآن للسيوطي : 2 / 322.","part":2,"page":310},{"id":748,"text":"{ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا (163) }\rقوله تعالى: { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } هذا بناء على ما سبق من قوله \"يسألك أهل الكتاب أن تُنَزِّلَ عليهم كتابا من السماء\" { النساء -153 } ، فلما ذكر الله عيوبهم وذنوبهم غضبوا وجحدوا كل ما أنزل الله عز وجل، وقالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء، فنزل: \"وما قَدَرُوا الله حقَّ قَدْرِه إذ قالُوا ما أنزل الله على بشر مِنْ شيء\"( الأنعام -91 ) وأنزل: { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ } فذكر عدَّةً من الرسل الذين أوحى إليهم، وبدأ بذكر نوح عليه السلام لأنه كان أبا البشر مثل آدم عليه السلام، قال الله تعالى: \"وجعلنا ذريته هم الباقين\"( الصافات -77 ) ولأنه أول نبي من أنبياء الشريعة، وأول نذير على الشرك، وأول من عذبت أمته لردِّهم دعوته، وأهُلك أهل الأرض بدعائه وكان أطول الأنبياء","part":2,"page":310},{"id":749,"text":"عمرًا وجعلت معجزته في نفسه، لأنه عمّر ألف سنة فلم تسقط له سن ولم تشب له شعرة ولم تنتقص له قوة، ولم يصبر نبيٌّ على أذى قومه ما صبر هو على طول عمره.\rقوله تعالى: { وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ } وهم أولاد يعقوب، { وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا } قرأ الأعمش وحمزة: { زُبُورًا } والزُّبور بضم الزاي حيث كان، بمعنى: جمع زُبور، أي آتينا داود كُتبًا وصُحُفًا مزبورة، أي: مكتوبة، وقرأ الآخرون بفتح الزاي وهو اسم الكتاب الذي أنزل الله تعالى على داود عليه السلام، وكان فيه التحميد والتمجيد والثناء على الله عز وجل، وكان داود يبرزَ إلى البرية فيقوم ويقرأ الزّبورَ ويقوم معه علماء بني إسرائيل، فيقومون خلفه ويقوم الناس خلف العلماء، ويقوم الجنّ خلف الناس، الأعظمُ فالأعظم، والشياطين خلف الجن وتجيء الدواب التي في الجبال فيقمن بين يديه تعجبا لما يسمعن منه، والطير ترفرف على رؤوسهم، فلما قارف الذنب لم يرَ ذلك، فقيل له: ذاك أُنس الطاعة، وهذه وحْشَةُ المعصية.\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أنا أبو بكر الجوزقي، أنا أبو العباس، أنا يحيى بن زكريا، أنا الحسن بن حماد، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن طلحة بن يحيى، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لو رأيتني البارحة وأنا أستمع لقراءتك لقد أعطيتَ مِزْمارًا من مزامير آل داود\"، فقال: أمَا والله يا رسول الله لو علمتُ أنك تستمع لحَبّرته لحَبرّته\" (1) وكان عمر رضي الله عنه إذا رآه يقول: ذكِّرْنا يا أبا موسى، فيقرأ عنده.\r{ وَرُسُلا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164) }\rقوله تعالى: { وَرُسُلا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ } أي: وكما أوحينا إلى نوح وإلى الرسل، { وَرُسُلا } نصب بنزع حرف الصفة، وقيل: معناه وقصصنا عليك رسلا وفي قراءة أبيّ \" ورسل قد قصصناهم عليك من قبل \" { وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا } قال الفراء: العرب تسمي ما يُوصل إلى الإنسان كلامًا بأيّ طريق وصل، ولكن لا تحققه بالمصدر، فإذا حقق بالمصدر، ولم يكن إلا حقيقة الكلام -كالإرادة -يقال: أراد فلان إرادةً، يريدُ (2) حقيقة الإرادة،\r__________\r(1) أخرجه البخاري في فضائل القرآن، باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن : 9 / 92، ومسلم في صلاة المسافرين، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن برقم (793): 1 / 546، كلاهما دون قول أبي موسى: لو علمت لحبرته لك تحبيرا. قال ابن حجر في الفتح : 9 / 93 \"وأخرجه أبو يعلى من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه بزيادة فيه، فذكر الحديث فقال: أما إني لو علمت بمكانك لحيرته لك تحبيرا\".\r(2) في أ: (يراد).","part":2,"page":311},{"id":750,"text":"ويقال: أراد الجدار، ولا يقال أراد الجدار إرادةً لأنه مجاز غير حقيقة.\r{ رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزلَ إِلَيْكَ أَنزلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (166) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا (167) }\rقوله تعالى: { رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } فيقولوا: ما أرسلتَ إلينا رسولا وما أنزلتَ إلينا كتابًا، وفيه دليل على أنّ الله تعالى لا يعذب الخلق قبل بعثه الرسول، قال الله تعالى: \"وما كُنّا مُعذِّبينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولا\"( الاسراء -15 ) ، { وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، ثنا موسى بن إسماعيل، أنا أبو عوانة، أنا عبد الملك، عن ورَّاد كاتب المغيرة، عن المغيرة قال: قال سعد بن عُبادة رضي الله عنه: لو رأيتُ رجلا مع امرأتي لضربتهُ بالسيف غير مُصْفِح، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \"تعجبون من غيرة سعد؟ والله لأنا أغْيَرُ منه، والله أغيرُ مني، ومن أجل غيرة الله حرّم الله الفواحش ما ظهرَ منها ومَا بَطَن، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعثَ المُنذرين والمُبشرين، ولا أحد أحب إليه المدحة من الله، ومن أجل ذلك وعد اللهُ الجنةَ\" (1) .\rقوله تعالى: { لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ } (2) قال ابن عباس رضي الله عنهما أن رؤساء مكة أتوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد سأَلْنَا عنكَ اليهود وعن صفتك في كتابهم فزعموا أنهم لا يعرفونَكَ، ودخل عليه جماعة من اليهود فقال لهم: إني -والله -أعلم إنكم لتعلمون أني رسول الله، فقالوا: ما نعلم ذلك، فأنزل الله عز وجل: { لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ } إن جحدوك وكذّبوك { أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا }\r{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } بكتمان نَعْتِ محمد صلى الله عليه وسلم، { قَدْ ضَلُّوا ضَلالا بَعِيدًا }\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التوحيد، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم \"لا شخص أغير من الله\" 13 / 399، ومسلم في اللعان برقم (1499) : 2 / 1136، وأخرجه المصنف في شرح السنة: 9 / 266 - 267.\r(2) أخرجه الطبري: 9 / 409 عن ابن عباس، وانظر: أسباب النزول للواحدي ص (179).","part":2,"page":312},{"id":751,"text":"{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (169) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (170) }","part":2,"page":313},{"id":752,"text":"{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا (171) }\r{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا } قيل: إنما قال \"وظلموا\" -مع أن ظلمهم بكفرهم -تأكيدا، وقيل: معناه كفروا بالله وظلموا محمدا صلى الله عليه وسلم بكتمان نعته، { لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا } يعني: دين الإسلام.\r{ إِلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ } يعني اليهودية، { خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا } وهذا في حق من سبق حكمه فيهم أنهم لا يؤمنون .\r{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ } تقديره: فآمنوا يكن الإيمان خيرًا لكم، { وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا }\r{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ } نزلت في النصارى وهم أصناف: اليعقوبية والملكانية والنسطورية والمرقوسية فقالت اليعقوبية: عيسى هو الله، وكذلك الملكانية، وقالت النسطورية: عيسى هو ابن الله، وقالت: المرقوسية ثالث ثلاثة، فأنزل الله تعالى هذه الآية (1) .\rويقال الملكانية يقولون: عيسى هو الله، واليعقوبية يقولون: ابن الله، والنسطورية يقولون: ثالث ثلاثة. علَّمهم رجل من اليهود يقال له بَوْلَس، سيأتي في سورة التوبة إنْ شاء الله تعالى.\r__________\r(1) أسباب النزول للواحدي ص (218). وعن فرق النصارى ومذاهبها انظر: محاضرات في النصرانية للشيخ محمد أبو زهرة ص (183 - 196).","part":2,"page":313},{"id":753,"text":"وقال الحسن: يجوز أن تكون نزلت في اليهود والنصارى، فإنهم جميعًا غلوا في أمر عيسى، فاليهود بالتقصير، والنصارى بمجاوزة الحدّ، وأصل الغلو: مجاوزة الحدّ، وهو في الدين حرام.\rقال الله تعالى: { لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ } لا تُشدِّدوا في دينكم فتفتَرُوا على الله { وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ } لا تقولوا إنّ له شريكًا وولدًا { إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُه } وهي قوله \"كن\" فكان بشرًا من غير أب، [وقيل غيره] (1) ، { أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ } أي أعلمها وأخبرها بها، كما يقال: ألقيتُ إليك كلمة حسنة، { وَرُوحٌ مِنْهُ } قيل: هو روح كسائر الأرواح إلا أن الله تعالى أضافه إلى نفسه [تشريفا] (2) .\rوقيل: الروح هو النفخ الذي نفخه جبريل عليه السلام في دِرْعِ مريم فحملته بإذن الله تعالى، سميّ النفخ روحًا لأنه ريح 99/ب يخرج من الروح وأضافه إلى نفسه لأنه كان بأمره.\rوقيل: \"روح منه\" أي ورحمة، فكان عيسى عليه السلام رحمةً لمن تبعه وأمن به.\rوقيل: الروح: الوحي، أوحى إلى مريم بالبشارة، وإلى جبريل عليه السلام بالنفخ، وإلى عيسى أن كن فكان، كما قال الله تعالى: \"يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بالرُّوح مِنْ أمرِه\"( النحل -2 ) يعني: بالوحي، وقيل: أراد بالروح جبريل عليه السلام، معناه: وكلمته ألقاها إلى مريم، وألقاها إليها أيضًا روح منه بأمره وهو جبريل عليه السلام، كما قال: \"تنزل الملائكةُ والرُّوح\"( القدر -4 ) يعني: جبريل فيها، وقال: \"فأرسلنا إليها روحنا\"( مريم -17 )، يعني: جبريل.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أنا صدقة بن الفضل، أنا الوليد، عن الأوزاعي، حدثنا عمرو بن هاني، حدثني جُنادة بن أمية، عن عُبادة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"مَنْ شَهِدَ أنْ لا إله إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ له، وأنّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وأنّ عيسى عبدُ الله ورسولهُ وكلمته ألقاها إلى مريمَ ورُوحٌ منه، وأن الجنَّةَ والنّارَ حقٌ أدْخَلَه الله الجنة على ما كانَ من العمل\" (3) .\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\r(2) ما بين القوسين ساقط من: (أ).\r(3) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب قوله تعالى: \"يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم\": 6 / 474، ومسلم في الإيمان، باب: الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا، برقم (28): 1 / 57. والمصنف في شرح السنة: 1 / 101.","part":2,"page":314},{"id":754,"text":"{ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ } أي: ولا تقولوا هم ثلاثة، وكانت النصارى تقول: أب وابن وروح قدس، { انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ } تقديره: انتهوا يكن الانتهاء خيرًا لكم، { إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ } واعلم أنّ التبني لا يجوز لله تعالى، لأنّ التبني إنما يجوز لمن يُتصور له ولد، { لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا }\r{ لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) }\rقوله تعالى: { لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ } وذلك أنّ وفد نجران قالوا: يا محمد إنك تعيب صاحبنا فتقول: إنه عبد الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" إنّه ليس بعار لعيسى عليه السلام أن يكون عبدًا لله\"، فنزل: { لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ } لن يأنف ولن يتعظم، والاستنكاف: التكبر مع الأنفة، { وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ } وهم حملة العرش، لا يأنفون أن يكونوا عبيدًا لله، ويستدل بهذه الآية من يقول بتفضيل الملائكة على البشر، لأن الله تعالى ارتقى من عيسى إلى الملائكة، ولا يُرْتقي إلا إلى الأعلى، لا يقال: لا يستنكف فلان من هذا ولا عبده، إنّما يقال: فلان لا يستنكف من هذا ولا مولاه، ولا حجة لهم فيه لأنه لم يقل ذلك رفعًا لمقامهم على مقام البشر، بل رَّدًا على الذين يقولون الملائكة آلهة، كما ردّ على النصارى قولَهم المسيح ابن الله، وقال ردا على النصارى بزعمهم، فإنهم يقولون بتفضيل الملائكة. قوله تعالى: { وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا } قيل الاستنكاف هو التكبر مع الأنفة، والاستكبار هو العلو والتكبر من غير أنَفَةٍ.\r{ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (173) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) }\r{ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم من فضله } مِنَ التضعيف ما لا عين رأت ولا أُذنٌ سمعتْ ولا خطرَ على قلب بشر، { وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا } عن عبادته، { فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا }\rقوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ } يعني: محمدًا صلى الله عليه وسلم، هذا قول أكثر المفسرين، وقيل: هو القرآن، والبرهانُ: الحُجّة، { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا } مبينًا يعني القرآن.","part":2,"page":315},{"id":755,"text":"{ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (175) يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176) }\r{ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ } امتنعوا به من زيغ الشيطان، { فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ } يعني الجنّة، { وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا }","part":2,"page":316},{"id":756,"text":"قوله تعالى: { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ } نزلت في جابر بن عبد الله رضي الله عنه، قال: عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ وصبَّ عليَّ من وضوئه، فعقلتُ فقلتُ: يا رسول الله لمن الميراث إنما يرثني الكَلالَة؟ فنزلت \"يستفتُونَكَ قلِ اللهُ يُفتيكُمْ في الكَلالَةِ\" (1) ، وقد ذكرنا معنى الكَلالَةِ وحكمَ الآية في أول السورة (2) .\rوفي هذه الآية بيان حكم ميراث الأخوة للأب والأم أو للأب.\rقوله { يَسْتَفْتُونَك } أي : يستخبرونَكَ ويسألونَكَ، { قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ } { إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا } يعني إذا ماتت الأخت فجميع ميراثها للأخ، { إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ } فإن كان لها ابنٌ فلا شيء للأخ، وإن كان ولدها أنثى فللأخ ما فَضُلَ عن فرض البنات، { فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ } أراد اثنتين فصاعدًا، وهو أن من مات وله أخوات فلهنّ الثلثان، { وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ } ، { يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا } قال الفراء رحمة الله عليه وأبو عبيدة: معناه أن لا تضلوا، وقيل: معناه يبين الله لكم كراهة أن تضلوا، { وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، أنا عبد الله بن رجاء، أنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء رضي الله عنهم قال: آخرُ سورة نزلت\r__________\r(1) أخرجه البخاري في تفسير سورة النساء، باب يوصيكم الله في أولادكم: 8 / 243، وفي الوضوء، ومسلم في الفرائض - باب ميراث الكلالة، برقم (1616): 3 / 1234، والمصنف في شرح السنة: 8 / 336 - 337).\r(2) انظر فيما سبق ، تفسير الآية (12) من السورة.","part":2,"page":316},{"id":757,"text":"كاملة براءة، وآخر آية نزلت خاتمة سورة النساء { يستفتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفتيكُمْ في الكَلالَة } (1)\rوروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن آخر آيةٍ نزلتْ آية الربا، وآخر سورة نزلت { إذا جاء نصر الله والفتح } . ورُوي عنه أن آخر آية نزلت قوله تعالى \"واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله\"( البقرة -281 ).\rورُوي بعد ما نزلت سورة النصر عاشَ النبي صلى الله عليه وسلم عامًا، ونزلت بعدها سورة براءة وهي آخر سورة نزلت كاملةً فعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعدها ستة أشهر، ثم نزلت في طريق حجة الوداع \"يستفتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفتيكُم في الكَلالَة\" فسُميتْ آية الصيف، ثم نزلت وهو واقف بعرفة: \"اليومَ أكملتُ لكمْ دِيْنَكُمْ وأتممتُ عليكُمْ نِعْمَتِي\"( المائدة -3 ) فعاش بعدها أحدًا وثمانين يومًا، ثم نزلت آيات الرِّبا، ثم نزلت \"واتّقُوا يومًا تُرْجَعُونَ فيه إلى الله\" فعاش بعدها أحدًا وعشرين يومًا (2) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في تفسير سورة النساء، باب \"يستفتونك قل الله يفتيكم . . . \": 8 / 267، ومسلم في الفرائض- باب آخر آية أنزلت آية الكلالة برقم (1618): 3 / 1236 - 1237.\r(2) انظر هذه الأقوال ومن خرجها في: الاتقان للسيوطي: 1 / 101 - 106 .","part":2,"page":317},{"id":758,"text":"سورة المائدة\rمائة وعشرون آية، نزلت بالمدنية كلها إلا قوله: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } الآية، فإنها نزلت بعرفات. بسم الله الرحمن الرحيم\rروي عن أبي ميسرة قال: أنزل الله تعالى في هذه السورة ثمانية عشر حكما لم يُنزلها في غيرها، قوله: { وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلام } { وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ } { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } وتمام الطهور في قوله: { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ } { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ } { لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } الآية، { مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ } ذوقوله: { شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ } (1) . بسم الله الرحمن الرحيم\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1) }\rقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } أي بالعهود، قال الزجاج: هي أوكد العهود، يقال: عاقدت فلانا وعقدت عليه أي: ألزمته ذلك باستيثاق، وأصله من عقد الشيء بغيره ووصله به، كما\r__________\r(1) أخرجه الفريابي، وأبو عبيد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن أبي ميسرة. انظر الدر المنثور: 3 / 4.","part":2,"page":5},{"id":759,"text":"يُعقد الحبل بالحبل [إذا وُصل] (1) .\rواختلفوا في هذه العقود، قال ابن جريج: هذا خطاب لأهل الكتاب، يعني: يا أيها الذين آمنوا بالكتب المتقدمة أوفوا بالعهود التي عهدتُها إليكم في شأن محمد صلى الله عليه وسلم، وهو قوله: \"وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس\"(سورة آل عمران، 187).\rوقال الآخرون: هو عام، وقال قتادة: أراد بها الحِلْف الذي تعاقدوا عليه في الجاهلية، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: هي عهود الإيمان والقرآن، وقيل: هي العقود التي يتعاقدها الناس بينهم.\r{ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعَامِ } قال 100/ب الحسن وقتادة: هي الأنعام كلها، وهي الإبل والبقر والغنم، وأراد تحليل ما حرم أهل الجاهلية على أنفسهم من الأنعام.\rوروى أبو ظبيان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بهيمة الأنعام هي الأجنة، ومثله عن الشعبي قال: هي الأجنة التي توجد ميتة في بطون أمهاتها إذا ذُبحت أو نحرت، ذهب أكثر أهل العلم إلى تحليله.\r[قال الشيخ الإمام] (2) قرأت على أبي عبد الله محمد بن الفضل الخرقي فقلت: قُرئ على أبي سهل محمد بن عمر بن طرفة وأنت حاضر، فقيل له: حدثكم أبو سليمان الخطابي أنا أبو بكر ابن داسة أنا أبو داود السجستاني أنا مسدد أنا هشيم عن مجالد عن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهم قال قلنا: يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة فنجد في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ فقال: \"كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه\" (3) . وروى أبو الزبير عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) أخرجه أبو داود في الأضاحي، باب ما جاء في ذكاة الجنين: 4 / 118،\rوالترمذي في الصيد، باب ما جاء في ذكاة الجنين، بلفظ: \"ذكاة الجنين ذكاة أمه\" وقال: حديث حسن. والدارقطني في الصيد والذبائح والأطعمة: 4 / 274، والإمام أحمد في المسند: 3 / 31، 45، 53، والمصنف في شرح السنة: 11 / 228. كلهم رووه من طريق مجالد عن أبي الودّاك عن أبي سعيد الخدري. قال عبد الحق: لا يحتج بأسانيده كلها. وقال الغزالي: هو حديث صحيح لا يتطرق احتمال إلى متنه ولا ضعف إلى سنده. وقال الحافظ ابن حجر: في هذا نظر، والحق أن فيه ما تنتهض به الحجة، وهو مجموع طرقه، وطرق حديث جابر -الآتي بعد هذا مباشرة-\rانظر: تلخيص الحبير: 4 / 156-158، نصب الراية: 4 / 189-192، مختصر المنذري لسنن أبي داود: 4 / 119-121.","part":2,"page":6},{"id":760,"text":"قال\" \"ذكاة الجنين ذكاة أمه\" (1) .\rوشرط بعضهم الإشعار، قال ابن عمر: ذكاة ما في بطنها في ذكاتها إذا تم خلقه ونبت شعره، ومثله عن سعيد بن المسيب.\rوعند أبي حنيفة رضي الله عنه لا يحل أكل الجنين إذا خرج ميتا بعد ذكاة الأم.\rوقال الكلبي: بهيمة الأنعام: وحشيها، وهي الظباء وبقر الوحش، سميت بهيمة لأنها أبهمت عن التمييز، وقيل: لأنها لا نطق لها، { إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ } أي: ما ذكر في قوله: \"حرمت عليكم الميتة\" إلى قوله: \"وما ذبح على النصب\" ، { غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ } وهو نصب على الحال، أي: لا محلي الصيد، ومعنى الآية: أحلت لكم بهيمة الأنعام كلها إلا ما كان منها وحشيا فإنه صيد لا يحل لكم في حال الإحرام، فذلك قوله تعالى: { وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2) }\rقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ } نزلت في الحطم واسمه شريح بن ضبيعة البكري، أتى المدينة وخلّف خيله [خارج] (2) المدينة، ودخل وحده على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: إلى ما تدعو الناس؟ فقال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، [وأن محمدا رسول الله] (3) وإقام الصلاة\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الضحايا، باب ما جاء في ذكاة الجنين: 4 / 119، والدارمي في الأضاحي، باب في ذكاة الجنين: 2 / 84، والدارقطني: 4 / 273 بلفظ \"كل الجنين في بطن أمه\"، وصححه الحاكم في المستدرك على شرط مسلم ووافقه الذهبي: 4 / 114.\rوعزاه الهيثمي في المجمع: 4 / 35 والزيلعي في نصب الراية: 4 / 189 لأبي يعلى في مسنده. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 11 / 229.\rقال المنذري: في إسناده عبد الله بن أبي زياد المكي القداح، وفيه مقال. وقال الهيثمي: فيه حماد بن شعيب وهو ضعيف. وصححه الألباني في إرواء الغليل: 8 / 172.\r(2) في \"ب\": (ظاهر).\r(3) ساقط من \"ب\".","part":2,"page":7},{"id":761,"text":"وإيتاء الزكاة، فقال: [حسن] (1) إلا أن لي أمراء لا أقطع أمرا دونهم، ولعلي أسلم وآتي بهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: يدخل عليكم رجل من ربيعة يتكلم [بلسان] (2) شيطان، ثم خرج شريح من عنده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد دخل بوجه كافر وخرج بقفا غادر وما الرجل بمسلم، فمر بسرح المدينة فاستاقه وانطلق، فاتبعوه فلم يُدركوه، فلما كان العام القابل خرج حاجا في حجاج بكر بن وائل من اليمامة ومعه تجارة عظيمة، وقد قلد الهدي، فقال المسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم: هذا الحطم قد خرج حاجا فخلِّ بيننا وبينه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه قد قلد الهدي، فقالوا: يا رسول الله هذا شيء كنا نفعله في الجاهلية، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ } (3) .\rقال ابن عباس و مجاهد: هي مناسك الحج، وكان المشركون يحجون ويهدون، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فنهاهم الله عن ذلك.\rوقال أبو عبيدة: شعائر الله هي الهدايا المشعرة، والإشعار من الشعار، وهي العلامة، وإشعارها: إعلامها بما يُعرف أنها هدي، والإشعار هاهنا: أن يطعن في صفحة سنام البعير بحديدة حتى يسيل الدم، فيكون ذلك علامة أنها هدي، وهي سنة في الهدايا إذا كانت من الإبل، لما أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا أبو نعيم أنا أفلح عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: فتلت قلائد بدن النبي صلى الله عليه وسلم بيدي، ثم قلدها وأشعرها وأهداها، فما حَرُمَ عليه شيء كان أُحِلّ له (4) .\rوقاس الشافعي البقر على الإبل في الإشعار، وأما الغنم فلا تشعر بالجرح، فإنها لا تحتمل الجرح لضعفها، وعند أبي حنيفة: لا يشعر الهدي.\rوقال عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما: لا تحلوا شعائر الله هي أن تصيد وأنت محرم، بدليل قوله تعالى: \"وإذا حللتم فاصطادوا\" ، وقال السدي: أراد حرم الله، وقيل: المراد منه النهي عن القتل في الحرم، وقال عطاء: شعائر الله حرمات الله واجتناب سخطه واتباع طاعته.\rقوله: { وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ } أي: بالقتال فيه، وقال ابن زيد: هو النسيء، وذلك أنهم كانوا يحلونه في الجاهلية عاما ويحرمونه عاما، { وَلا الْهَدْيَ } وهو كل ما يهدى إلى بيت الله من بعير أو\r__________\r(1) في \"ب\": (حسبي).\r(2) في \"ب\": (بكلام).\r(3) انظر: تفسير الطبري: 9 / 472-473، الدر المنثور: 3 / 9-10، أسباب النزول للواحدي ص (219)، تفسير القرطبي: 6 / 43.\r(4) أخرجه البخاري في الحج، باب من أشعر وقلد بذي الحليفة: 3 / 542، ومسلم في الحج، باب استحباب بعث الهدي إلى الحرم... برقم (1321): 2 / 957، والمصنف في شرح السنة: 7 / 92.","part":2,"page":8},{"id":762,"text":"بقرة أو شاة، { وَلا الْقَلائِدَ } أي: الهدايا المقلدة، يريد ذوات القلائد، وقال عطاء: أراد أصحاب القلائد، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا أرادوا الخروج من الحرم قلدوا أنفسهم وإبلهم بشيء من لحاء شجر الحرم كيلا يتعرض لهم، فنهى الشرع عن استحلال شيء منها. وقال مطرف بن الشخير: هي القلائد نفسها وذلك أن المشركين كانوا يأخذون من لحاء شجر مكة ويتقلدونها فنهوا عن نزع شجرها.\rقوله تعالى: { وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ } أي: قاصدين البيت الحرام، يعني: الكعبة فلا تتعرضوا لهم، { يَبْتَغُون } يطلبون { فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ } يعني الرزق بالتجارة، { وَرِضْوَانًا } أي: على زعمهم؛ لأن الكافرين لا نصيب له في الرضوان، وقال قتادة: هو أن يصلح معاشهم في الدنيا ولا يعجل لهم العقوبة فيها، وقيل: ابتغاء الفضل للمؤمنين والمشركين عامة، وابتغاء الرضوان للمؤمنين خاصة؛ لأن المسلمين والمشركين كانوا يحجون، وهذه الآية إلى هاهنا منسوخة بقوله: \"فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم\"(سورة التوبة، 5) وبقوله: \"فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا\"(سورة التوبة، 28)، فلا يجوز أن يحج مشرك ولا أن يأمن كافر بالهدي والقلائد.\rقوله عز وجل: { وَإِذَا حَلَلْتُمْ } من إحرامكم، { فَاصْطَادُوا } أمر إباحة، أباح للحلال أخذ الصيد، كقوله تعالى: \"فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض\"(الجمعة، 10).\r{ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ } قال ابن عباس وقتادة: لا يحملنكم، يقال: جرمني فلان على أن صنعت كذا، أي حملني، وقال الفراء: لا يكسبنكم، يقال: جرم أي: كسب، وفلان جريمة أهله، أي: كاسبهم، وقيل: لا يدعونكم، { شَنَآنُ قَوْمٍ } أي: بغضهم وعداوتهم، وهو مصدر شنئت، قرأ ابن ابن عامر وأبو بكر { شَنَآنُ قَوْمٍ } بسكون النون الأولى، وقرأ الآخرون بفتحها، وهما لغتان، والفتح أجود، لأن المصادر أكثرها فعلان، بفتح العين مثل الضربان والسيلان والنسلان ونحوها، { أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر الألف على الاستئناف، وقرأ الآخرون بفتح الألف، أي: لأن صدوكم، ومعنى الآية: ولا يحملنكم عداوة قوم على الاعتداء لأنهم صدوكم. وقال محمد بن جرير: لأن هذه السورة نزلت بعد قصة الحديبية، وكان الصد قد تقدم، { أَنْ تَعْتَدُوا } عليهم بالقتل وأخذ الأموال، { وَتَعَاوَنُوا } أي: ليعين بعضكم بعضا، { عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى } قيل: البر متابعة الأمر، والتقوى مجانبة النهي، وقيل: البر: الإسلام، والتقوى: السنة، { وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ } قيل: الإثم: الكفر، والعدوان: الظلم، وقيل: الإثم: المعصية، والعدوان: البدعة.","part":2,"page":9},{"id":763,"text":"101\\أ أخبرنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري أنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن أبي طاهر الدقاق ببغداد أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن الزبير القرشي أنا الحسن بن علي بن عفان أنا زيد بن الحباب عن معاوية بن صالح حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير بن مالك الحضرمي عن أبيه عن النواس بن سمعان الأنصاري قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم، قال: \"البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس\" (1) . { وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } .\r__________\r(1) أخرجه مسلم في البر والصلة، باب تفسير البر والإثم، برقم (2553): 4 / 1980، والمصنف في شرح السنة: 13 / 76.","part":2,"page":10},{"id":764,"text":"{ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3) }\rقوله عز وجل { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ } أي: ما ذكر على ذبحه اسم غير الله تعالى، { وَالْمُنْخَنِقَة } وهي التي تختنق فتموت، قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة حتى إذا ماتت أكلوها، { وَالْمَوْقُوذَة } هي المقتولة بالخشب، قال قتادة: كانوا يضربونها بالعصا فإذا ماتت أكلوها، { وَالْمُتَرَدِّيَة } هي التي تتردى من مكان عال أو في بئر فتموت، { وَالنَّطِيحَة } وهي التي تنطحها أخرى فتموت، وهاء التأنيث تدخل في الفعيل إذا كان بمعنى الفاعل، فإذا كان بمعنى المفعول استوى فيه المذكر والمؤنث، نحو عين كحيل وكف خضيب، فإذا حذفت الاسم وأفردت الصفة، أدخلوا الهاء فقالوا: رأينا كحيلة وخضيبة، وهنا أدخل الهاء لأنه لم يتقدمها الاسم، فلو أسقط الهاء لم يدر أنها صفة مؤنث أم مذكر، ومثله الذبيحة والنسيكة، وأكيلة السبع { وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ } يريد ما بقي مما أكل السبع، وكان أهل الجاهلية يأكلونه، { إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ } يعني: إلا ما أدركتم ذكاته من هذه الأشياء.","part":3,"page":10},{"id":765,"text":"وأصل التذكية الإتمام، يقال: ذكيت النار إذا أتممت إشعالها، والمراد هنا: إتمام فري الأوداج وإنهار الدم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل غير السن والظفر\" (1) .\rوأقل الذكاة في الحيوان المقدور عليه قطع المري والحلقوم وكما له أن يقطع الودجين معهما، ويجوز بكل محدد يقطع من حديد أو قصب أو زجاج أو حجر إلا السن والظفر، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الذبح بهما، وإنما يحل ما ذكيته بعدما جرحه السبع وأكل شيئا منه إذا أدركته والحياة فيه مستقرة فذبحته، فأما ما صار بجرح السبع إلى حالة المذبوح، فهو في حكم الميتة، فلا يكون حلالا وإن ذبحته، وكذلك المتردية والنطيحة إذا أدركتها حية قبل أن تصير إلى حالة المذبوح فذبحتها تكون حلالا ولو رمى إلى صيد في الهواء فأصابه فسقط على الأرض فمات كان حلالا؛ لأن الوقوع على الأرض من ضرورته، فإن سقط على جبل أو شجر أو سطح ثم تردى منه فمات فلا يحل، وهو من المتردية إلا أن يكون السهم أصاب مذبحه في الهواء فيحل كيف ما وقع؛ لأن الذبح قد حصل بإصابة السهم المذبح.\r{ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ } قيل: النصب جمع واحده نصاب، وقيل: هو واحد وجمعه أنصاب مثل عنق وأعناق، وهو الشيء المنصوب.\rواختلفوا فيه، فقال مجاهد وقتادة: كانت حول البيت ثلاثمائة وستون حجرا منصوبة، كان أهل الجاهلية يعبدونها ويعظمونها ويذبحون لها، وليست هي بأصنام، إنما الأصنام هي المصورة المنقوشة، وقال الآخرون: هي الأصنام المنصوبة، ومعناه: وما ذبح على اسم النصب، قال ابن زيد: وما ذبح على النصب وما أهل لغير الله به: هما واحد، قال قطرب: على بمعنى اللام أي: وما ذبح لأجل النصب.\r{ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ } أي: ويحرم عليكم الاستقسام بالأزلام، والاستقسام هو طلب القسم والحكم من الأزلام، والأزلام هي: القداح التي لا ريش لها ولا نصل، واحدها: زَلْم، وزُلْم بفتح الزاي وضمها، وكانت أزلامهم سبعة قداح مستوية من شوحط (2) يكون عند سادن الكعبة، مكتوب على واحد: نعم، وعلى واحد: لا وعلى واحد: منكم، وعلى واحد: من غيركم، وعلى\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الذبائح والصيد، باب ما أنهر الدم من القصب والمروة والحديد: 9 / 631، ومسلم في الأضاحي، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إلا السن والظفر وسائر العظم، برقم(1968): 3 / 1558.\r(2) الشَّوْحَط: شجر تتخذ منه القسيّ. (القاموس المحيط: 2 / 680)، وانظر: الميسر والقداح، لابن قتيبة ص(44) وما بعدها.","part":3,"page":11},{"id":766,"text":"واحد: مُلْصَق، وعلى واحد: العقل، وواحد غُفْل ليس عليه شيء، فكانوا إذا أرادوا أمرا من سفر أو نكاح أو ختان أو غيره، أو تدارءوا في نسب أو اختلفوا في تحمّل عقل جاءوا إلى هُبل، وكان أعظم أصنام قريش بمكة، وجاءوا بمائة درهم فأعطوها صاحب القداح حتى يجيل القداح، ويقولون: يا إلهنا إنا أردنا كذا وكذا، فإن خرج نعم، فعلوا، وإن خرج لا لم يفعلوا ذلك حولا ثم عادوا إلى القداح ثانية، فإذا أجالوا على نسب، فإن خرج منكم كان وسطا منهم، وإن خرج من غيركم كان حليفا، وإن خرج ملصق كان على منزلته لا نسب له ولا حلف، وإذا اختلفوا في عقل فمن خرج عليه قدح العقل حمله، وإن خرج الغفل أجالوا ثانيا حتى يخرج المكتوب، فنهى الله عز وجل عن ذلك وحرمه، وقال: { ذَلِكُمْ فِسْقٌ } قال سعيد بن جبير: الأزلام حصى بيض كانوا يضربون بها، وقال مجاهد: هي كعاب فارس والروم التي يتقامرون بها، وقال الشعبي وغيره: الأزلام للعرب، والكعاب للعجم، وقال سفيان بن وكيع: هي الشطرنج، وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"العيافة والطرق والطيرة من الجبت\" (1) والمراد من الطرق: الضرب بالحصى.\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أنا ابن فنجوية أنا ابن الفضل الكندي أخبرنا الحسن بن داود الخشاب أنا سويد بن سعيد أنا [أبو المختار] (2) عن عبد الملك بن عمير عن رجاء بن حيوة عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"من تكهن أو استقسم أو تطير طيرة ترده عن سفره لم ينظر إلى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة\" (3) .\rقوله عز وجل: { الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ } يعني: أن ترجعوا إلى دينهم كفارا، وذلك أن الكفار كانوا يطمعون في عود المسلمين إلى دينهم فلما قوي الإسلام يئسوا، ويئس وأيس بمعنى واحد.\r{ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا } نزلت هذه الآية يوم الجمعة، يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع، والنبي صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته العضباء، فكادت عضد الناقة تندق من ثقلها فبركت.\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الطب، باب في الخط وزجر الطير: 5 / 373، وأحمد في المسند: 3 / 477، 5 / 60، والمصنف في شرح السنة: 12 / 177. وعزاه المنذري للنسائي. قال النووي: إسناده حسن. انظر: فيض القدير: 4 / 396.\r(2) في \"ب\": (أبو المحياة). وهو يحيى بن يعلى التيمي، ثقة من الثامنة. (التقريب).\r(3) عزاه الهيثمي للطبراني في الأوسط، وقال: فيه محمد بن الحسن بن أبي يزيد، وهو كذاب. مجمع الزوائد: 1 / 128. وأخرجه أبو نعيم في الحلية: 5 / 174، وقال: غريب من حديث الثوري عن عبد الملك، تفرد به محمد بن الحسن.","part":3,"page":12},{"id":767,"text":"أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل حدثني الحسن بن الصباح سمع جعفر بن عون أنا أبو العميس أنا قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا من اليهود قال له: \"يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرأونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: أية آية؟ قال: \"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا\" قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم بعرفة يوم الجمعة (1) . أشار عمر إلى أن ذلك اليوم كان عيدا لنا\".\rقال ابن عباس: كان في ذلك اليوم خمسة أعياد: جمعة وعرفة وعيد اليهود 101/ب والنصارى والمجوس، ولم تجتمع أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده.\rروى هارون بن عنترة عن أبيه قال: لما نزلت هذه الآية بكى عمر رضي الله عنه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: \"ما يبكيك يا عمر\"؟ فقال: أبكاني أنّا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذا كمل فإنه لم يكن شيء قط إلا نقص، قال: صدقت (2) .\rوكانت هذه الآية نعي النبي صلى الله عليه وسلم وعاش بعدها إحدى وثمانين يوما، ومات يوم الاثنين بعدما زاغت الشمس لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول [سنة إحدى عشرة من الهجرة، وقيل: توفي يوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول] (3) وكانت هجرته في الثاني عشر.\rقوله عز وجل: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } يعني: يوم نزول هذه الآية أكملت لكم دينكم، يعني الفرائض والسنن والحدود والجهاد والأحكام والحلال والحرام، فلم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام، ولا شيء من الفرائض. هذا معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما، وروي عنه أن آية الربا نزلت بعدها.\rوقال سعيد بن جبير وقتادة: أكملت لكم دينكم فلم يحج معكم مشرك.\rوقيل: أظهرت دينكم وأمّنتكم من العدو.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير، تفسير سورة المائدة، باب \"اليوم أكملت لكم دينكم...\": 8 / 270، وفي الإيمان، والاعتصام. وأخرجه مسلم في التفسير، برقم(3017): 4 / 2313.\r(2) أخرجه الطبري في التفسير: 9 / 519، وعزاه السيوطي لابن أبي شيبة. انظر الدر المنثور: 3 / 18.\r(3) ما بين القوسين ساقط من: \"ب\".","part":3,"page":13},{"id":768,"text":"قوله عز وجل: { وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي } يعني: وأنجزت وعدي في قول \"ولأتم نعمتي عليكم\"(سورة البقرة، 150)، فكان من تمام نعمته أن دخلوا مكة آمنين وعليها ظاهرين، وحجوا مطمئنين لم يخالطهم أحد من المشركين، { وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا } سمعت عبد الواحد المليحي قال: سمعت أبا محمد بن أبي حاتم، قال: سمعت أبا بكر النيسابوري سمعت أبا بكر محمد بن الحسن بن المسيب المروزي، سمعت أبا حاتم محمد بن إدريس الحنظلي، سمعت عبد الملك بن مسلمة أنا مروان المصري سمعت إبراهيم بن أبي بكر بن المنكدر رضي الله عنه، سمعت عمي محمد بن المنكدر سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"قال جبريل عليه السلام قال الله تعالى: هذا دين ارتضيته لنفسي ولن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق، فأكرموه بهما ما صحبتموه\" (1)\rقوله عز وجل: { فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ } أي: أُجهد في مجاعة، والمخمصة خلو البطن من الغذاء، يقال: رجل خميص البطن إذا كان طاويا خاويا، { غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ } أي: مائل إلى إثم وهو أن يأكل فوق الشبع، وقال قتادة غير متعرض لمعصية في مقصده، { فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } وفيه إضمار، أي: فأكله فإن الله غفور رحيم.\rأخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسن المروزي أنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سراج الطحان أنا أبو أحمد محمد بن قريش بن سليمان أنا أبو الحسن علي بن عبد العزيز المكي أنا أبو عبيد القاسم بن سلام أنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن أبي واقد الليثي قال رجل: يا رسول الله إنا نكون بالأرض فتصيبنا بها المخمصة فمتي تحل لنا الميتة؟ فقال: \"ما لم تصطبحوا أو\r__________\r(1) أخرجه الطبراني في الأوسط عن جابر، وبمعناه أيضا عن عمران بن حصين، ورواه الأصبهاني وذكره المنذري بصيغة التضعيف في الترغيب والترهيب: 3 / 383، 406. وقال الهيثمي: \"رواه الطبراني، وفيه عمرو بن الحصين العقيلي، وهو متروك\" مجمع الزوائد: 3 / 248، وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة برقم(1282): 3 / 441-442. وانظر: بحثا بعنوان: إن الدين عند الله الإسلام. في مجلة البحوث الإسلامية، العدد(16).","part":3,"page":14},{"id":769,"text":"تغتبقوا أو تحتفئوا بها بقلا فشأنكم بها\" (1) .\r{ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4) }\rقوله عز وجل: { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ } الآية، قال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين وهو زيد الخيل الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير، قالا يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت هذه الآية (2) .\rوقيل: سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بقتل الكلاب قالوا: يا رسول الله ماذا يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فنزلت هذه الآية (3) فلما نزلت أذِنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في اقتناء الكلاب التي يُنتفع بها، ونهى عن إمساك ما لا نفع فيه منها.\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران أنا إسماعيل بن محمد الصفار أنا أحمد بن منصور الرمادي أنا عبد الرزاق أنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع انتقص من أجره كل يوم قيراط\" (4) والأول أصح في سبب نزول هذه الآية.\r{ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ } يعني: الذبائح على اسم الله تعالى، وقيل: كل ما تستطيبه العرب\r__________\r(1) أخرجه الإمام أحمد في المسند: 5 / 218، والدارمي في الأضاحي، باب في أكل الميتة للمضطر: 2 / 88. وأخرجه أيضا: البيهقي والطبراني، ورجاله ثقات، إلا أن في إسناده انقطاعا، فإن حسان بن عطية لم يسمع من أبي واقد الليثي، واختلف في صحبة أبي واقد. وأخرجه المصنف أيضا في شرح السنة: 11 / 347، وساقه ابن كثير برواية الإمام أحمد وقال: \"هو إسناد صحيح على شرط الشيخين\". ومعنى قوله \"تحتفئوا بها بقلا\": قال أبو عبيد: بلغني أنه من الحفاء، مهموز مقصور، وهو أصل البردي الأبيض الرطب منه، وهو يؤكل، يقول: ما لم تقتلعوا هذا بعينه، فتأكلوه. وقيل: صوابه \"ما لم تحتفوها بها بقلا\" مخفف الفاء غير مهموز، وكل شيء استؤصل فقد احتفي، ومنه إحفاء الشعر، يقال: احتفى الرجل يحتفي: إذا أخذ من وجه الأرض بأطراف أصابعه. وقال: معنى الحديث: إنما لكم منها، يعني من الميتة، الصبوح: وهو الغداء، أو الغبوق: وهو العشاء، فليس لكم أن تجمعوهما من الميتة. وأنكروا هذا على أبي عبيد، وقالوا: معناه: إذا لم تجدوا صبوحا أو غبوقا، ولم تجدوا بقلة تأكلونها حلت لكم الميتة... انظر: شرح السنة: 11 / 347-348.\r(2) أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، انظر: الدر المنثور: 3 / 20، أسباب النزول للواحدي ص(222-223).\r(3) أخرجه الحاكم عن أبي رافع: 2 / 311 وصححه، ووافقه الذهبي، وانظر: أسباب النزول للواحدي ص(221)، الدر المنثور: 3 / 21.\r(4) أخرجه البخاري في الحرث والمزارعة، باب اقتناء الكلب للحرث: 5 / 5، بلفظ \"من أمسك كلبا فإنه ينقص كل يوم من عمله قيراط، إلا كلب حرث أو ماشية\".\rوأخرجه مسلم في المساقاة، باب الأمر بقتل الكلاب وبيان نسخه، وبيان تحريم اقتنائها إلا لصيد أو زرع أو ماشية ونحو ذلك (1575): 3 / 1203، والمصنف في شرح السنة: 11 / 209.","part":3,"page":15},{"id":770,"text":"وتستلذه من غير أن يرد بتحريمه نص من كتاب أو سنة { وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ } يعني: وأحل لكم صيد ما علمتم من الجوارح.\rواختلفوا في هذه الجوارح، فقال الضحاك والسدي: هي الكلاب دون غيرها، ولا يحل ما صاده غير الكلب إلا أن يدرك ذكاته، وهذا غير معمول به، بل عامة أهل العلم على أن المراد من الجوارح والكواسب من سباع البهائم كالفهد والنمر والكلب، ومن سباع الطير كالبازي والعُقاب والصقر ونحوها مما يقبل التعليم، فيحل صيد جميعها، سميت جارحة: لجرحها لأربابها أقواتهم من الصيد، أي: كسبها، يقال: فلان جارحة أهله، أي: كاسبهم، { مُكَلِّبِينَ } والمكلّب الذي يغري الكلاب على الصيد، ويقال للذي يعلمها أيضا: مكلِّب، والكلاب: صاحب الكلاب، ويقال للصائد بها أيضا كلاب، ونصب مكلبين على الحال، أي: في حال تكليبكم هذه الجوارح أي إغرائكم إياها على الصيد، وذكر الكلاب لأنها أكثر وأعم، والمراد جميع جوارح الصيد، { تُعَلِّمُونَهُنَّ } تؤدبونهن آداب أخذ الصيد، { مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ } أي: من العلم الذي علمكم الله، وقال السدي: أي كما علمكم الله، \"من\" بمعنى الكاف، { فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } أراد أن الجارحة المعلمة إذا خرجت بإرسال صاحبها فأخذت الصيد وقتلته كان حلالا والتعليم هو أن يوجد فيها ثلاثة أشياء: إذا أشليت استشلت، وإذا زُجِرَت انزجرت، وإذا أخذت الصيد أمسكت ولم تأكل، وإذا وجد ذلك منه مرارا وأقله ثلاث مرات كانت معلمة، يحل قتلها إذا خرجت بإرسال صاحبها.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا موسى بن إسماعيل أنا ثابت بن زيد عن عاصم عن الشعبي عن عدي بن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إذا أرسلت كلبك المعلم وسميت فأمسك وقتل فكل، وإن أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه، وإذا خالط كلابا لم يذكر اسم الله عليها فأمسكن وقتلن فلا تأكل فإنك لا تدري أيها قتل، وإذا رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل وإن وقع في الماء فلا تأكل\" (1)\rواختلفوا فيما إذا أخذت الصيد وأكلت منه شيئا: فذهب أكثر أهل العلم إلى تحريمه، وروي ذلك عن ابن عباس، وهو قول عطاء وطاوس والشعبي، وبه قال الثوري وابن المبارك وأصحاب الرأي\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الذبائح والصيد، باب الصيد إذا غاب عنه يومين أو ثلاثة: 9 / 610، ومسلم في الصيد والذبائح، باب الصيد بالكلاب المعلمة، برقم(1929): 3 / 1531 بلفظ مقارب، والمصنف في شرح السنة: 11 / 191-192.","part":3,"page":16},{"id":771,"text":"وهو أصح قولي الشافعي لقوله صلى الله عليه وسلم: \"وإن أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه\".\rورخص بعضهم في أكله، رُوي ذلك عن ابن عمر، وسلمان الفارسي، وسعد بن أبي وقاص، وبه قال مالك: لما رُوي عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله تعالى فكل وإن أكل منه\" (1) .\rوأما غير المعلم من 102\\أ الجوارح إذا أخذ صيدا، أو المعلم إذا خرج بغير إرسال صاحبه فأخذ وقتل فلا يكون حلالا إلا أن يدركه صاحبه حيا فيذبحه، فيكون حلالا.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عبد الله بن يزيد أنا حيوة أخبرني ربيعة بن يزيد الدمشقي عن أبي إدريس عن أبي ثعلبة الخشني قال قلت: يا نبي الله إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم، وبأرض صيد أصيد بقوسي وبكلبي الذي ليس بمعلم، وبكلبي المعلم فما يصح لي؟ قال: \"أما ما ذكرت من آنية أهل الكتاب فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل وما صِدْتَ بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل وما صِدْتَ بكلبك غير المعلّم فأدركت ذكاته فكل\" (2) .\rقوله عز وجل: { وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } ففيه بيان أن ذكر اسم الله عز وجل على الذبيحة شرط حالة ما يذبح، وفي الصيد حالة ما يرسل الجارحة أو السهم.\rأخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي أنا أبو الحسن علي بن محمد بن إبراهيم بن الحسن بن علوية الجوهري قال: حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد بن الأثرم المقري بالبصرة حدثنا عمر بن شيبة أنا ابن أبي عدي عن سعيد عن قتادة عن أنس قال: \"ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر، قال: رأيته واضعا قدمه على صفاحهما ويذبحهما بيده\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الضحايا، باب في الصيد: 4 / 136، والمصنف في شرح السنة: 11 / 195.\rقال المنذري في مختصر السنن: \"في إسناده داود بن عمرو الأودي الدمشقي، عامل واسط، وثقه يحيى بن معين، وقال الإمام أحمد: حديث مقارب، وقال أبو زرعة: لا بأس به... وقال أحمد بن عبد الله العجلي: ليس بالقوي\".\r(2) أخرجه البخاري في الذبائح والصيد، باب صيد القوس: 9 / 604-605، وباب ما جاء في التصيد: 9 / 612، وباب آنية المجوس: 9 / 622، ومسلم في الصيد والذبائح، باب الصيد بالكلاب المعلّمة، برقم (1930): 3 / 1532. والمصنف في شرح السنة: 11 / 199.","part":3,"page":17},{"id":772,"text":"ويقول بسم الله والله أكبر\" (1) .\r{ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5) }\rقوله عز وجل: { الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ } يعني: الذبائح على اسم الله عز وجل، { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ } يريد ذبائح اليهود والنصارى ومن دخل في دينهم من سائر الأمم قبل مبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم حلال لكم، فأما من دخل في دينهم بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فلا تحل ذبيحته، ولو ذبح يهودي أو نصراني على اسم غير الله كالنصراني يذبح باسم المسيح فاختلفوا فيه، قال عمر (2) لا يحل، وهو قول ربيعة، وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه يحل، وهو قول الشعبي وعطاء والزهري ومكحول، سئل الشعبي ومكحول عن النصراني يذبح باسم المسيح، قالا يحل فإن الله تعالى قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون، وقال الحسن: إذا ذبح اليهودي أو النصراني فذكر اسم غير الله وأنت تسمع فلا تأكله فإذا غاب عنك فكل فقد أحل الله لك.\rقوله عز وجل: { وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ } فإن قيل: كيف شرع لهم حل طعامنا وهم كفار ليسوا من أهل الشرع؟ قال الزجاج: معناه حلال لكم أن تطعموهم فيكون خطاب الحل مع المسلمين، وقيل: لأنه ذكر عقيبه حكم النساء، ولم يذكر حِلّ المسلمات لهم فكأنه قال حلال لكم أن تطعموهم حرام عليكم أن تزوجوهم.\rقوله عز وجل: { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } هذا راجع إلى الأول منقطع عن قوله: \"وطعامكم حل لهم\".\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الأضاحي، باب من ذبح بيده: 10 / 18، وفي أبوب أخرى. ومسلم في الأضاحي، باب استحباب الضحية، برقم(1966): 3 / 1556-1557، والمصنف في شرح السنة: 4 / 334.\r(2) في \"ب\": (ابن عمر).","part":3,"page":18},{"id":773,"text":"اختلفوا في معنى \" المحصنات \" فذهب أكثر العلماء إلى أن المراد منهن الحرائر، وأجازوا نكاح كل حرة، مؤمنة كانت أو كتابية، فاجرة كانت أو عفيفة، وهو قول مجاهد، وقال هؤلاء: لا يجوز للمسلم نكاح الأمة الكتابية لقوله تعالى: \"فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات\"(سورة النساء، 25) جوّز نكاح الأمة بشرط أن تكون مؤمنة، وجوّز أكثرهم نكاح الأمة الكتابية الحربية، وقال ابن عباس: لا يجوز وقرأ \"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله\" إلى قوله \"حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون\"(التوبة، 29)، فمن أعطى الجزية حل لنا نساؤه ومن لم يعطها فلا يحل لنا نساؤه.\rوذهب قوم إلى أن المراد من المحصنات في الآية: العفائف من الفريقين حرائر كن أو إماء وأجازوا نكاح الأمة الكتابية، وحرموا البغايا من المؤمنات والكتابيات، وهو قول الحسن، وقال الشعبي: إحصان الكتابية أن تستعف من الزنا وتغتسل من الجنابة.\r{ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } مهورهن { مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ } غير معالنين بالزنا، { وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ } أي: يسرون بالزنا، قال الزجاج: حرم الله الجماع على جهة السفاح وعلى جهة اتخاذ الصديقة، وأحله على جهة الإحصان وهو التزوج.\r{ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } قال مقاتل بن حيان: يقول ليس إحصان المسلمين إياهن بالذي يخرجهن من الكفر أو يغني عنهن شيئا وهى للناس عامة: \"ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين\".\rقال ابن عباس ومجاهد في معنى قوله تعالى: \"ومن يكفر بالإيمان\" أي: بالله الذي يجب","part":3,"page":19},{"id":774,"text":"الإيمان به.\rوقال الكلبي: بالإيمان أي: بكلمة التوحيد وهي شهادة أن لا إله إلا الله.\rوقال مقاتل: بما أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن، وقيل: من يكفر بالإيمان أي: يستحل الحرام ويحرّم الحلال فقد حبط عمله، وهو في الآخرة من الخاسرين قال ابن عباس: خسر الثواب.","part":3,"page":20},{"id":775,"text":"{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) }\rقوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ } أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة، كقوله تعالى: \"فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله\" ،(سورة النحل، 98)، أي: إذا أردت القراءة.\rوظاهر الآية يقتضي وجوب الوضوء عند كل مرة يريد القيام إلى الصلاة، لكن أعلمنا ببيان السنة وفعل النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد من الآية: \"إذا قمتم إلى الصلاة\" وأنتم على غير طُهر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ\" (1) .\rوقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق بين أربع صلوات بوضوء واحد، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد الحنيفي أنا أبو الحارث طاهر بن محمد الطاهري أنا أبو محمد الحسن بن محمد بن حليم أنا أبو الموجه محمد بن عمرو بن الموجه أنا عبدان أنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم فتح مكة الصلوات بوضوء واحد، ومسح على خفيه (2) .\rوقال زيد بن أسلم: معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة من النوم.\rوقال بعضهم: هو أمر على طريق الندب، ندب من قام إلى الصلاة أن يجدد لها طهارته وإن كان على طهر، روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات\" (3) .\rورُوي عن عبد الله بن حنظلة بن عامر \"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهرا أو\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الوضوء، باب لا تقبل صلاة بغير طهور: 1 / 234، وفي الحيل، باب في الصلاة: 12 / 329، ومسلم في الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، برقم(225) 1 / 204 بلفظ \"لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث...\"، والمصنف في شرح السنة: 1 / 328.\r(2) أخرجه مسلم في الطهارة، باب جواز الصلوات كلها بوضوء واحد (277): والمصنف في شرح السنة: 1 / 448.\r(3) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب الرجل يحدث الوضوء من غير حدث: 1 / 46، والترمذي في الطهارة، باب ما جاء في الوضوء لكل صلاة: 1 / 192، وقال: ... هو إسناد ضعيف، وأخرجه ابن ماجه في الطهارة، باب الوضوء على الطهارة، برقم(512): 1 / 171. قال في الزوائد: مدار الحديث على عبد الرحمن بن زيادة الإفريقي، وهو ضعيف، ومع ضعفه كان يدلس. وضعفه المصنف في شرح السنة 1 / 449.","part":3,"page":20},{"id":776,"text":"غير طاهر، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك لكل صلاة\" (1) .\rوقال بعضهم: هذا إعلام من الله سبحانه وتعالى لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا وضوء عليه إلا إذا قام إلى الصلاة دون غيرها من الأعمال، فأذن له أن يفعل بعد الحدث ما بَدَا له من الأفعال غير الصلاة، أخبرنا أبو القاسم الحنيفي أنا أبو الحارث الطاهري أنا الحسن بن محمد بن حليم أنا أبو الموجه أنا صدقة أنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار سمع سعيد بن الحويرث سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقول:(كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فرجع من الغائط فأتي بطعام فقيل له: ألا تتوضأ؟ \"فقال: لِمَ؟ أأصلي فأتوضأ؟) . (2)\rقوله عزّ وجلّ: { فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ } وحدُّ الوجه من مَنَابتِ شعر الرأس 102/ب إلى مُنتهى الذقن طولا وما بين الأذنين عرضا يجب غسل جميعه في الوضوء، ويجب أيضا إيصالُ الماء إلى ما تحت الحاجبين وأهداب العينين والشارب والعذار أو العنفقة وإن كانت كثيفة وأما العارض واللحية فإن كانت كثيفة لا تُرى البشرة من تحتها لا يجب غسل باطنها في الوضوء، بل يجب غسل ظاهرها.\rوهل يجب إمرار الماء على ظاهر ما استرسل من اللحية عن الذقن؟ فيه قولان:\rأحدهما: لا يجب، وبه قال أبو حنيفة، لأن الشعر النازل عن حد الرأس لا يكون حكمه حكم الرأس في جواز المسح عليه، كذلك النازل عن حدّ الوجه لا يكون حكمه حكم الوجه في وجوب غسله.\rوالقول الثاني: يجب إمرار الماء على ظاهره، لأن الله تعالى أمر بغسل الوجه، والوجه ما يقع به المواجهة من هذا العضو، ويقال في اللغة بقل وجه فلان وخرج وجهه: إذا نبتت لحيته.\rقوله تعالى: { وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ } أي: مع المرافق، كما قال الله تعالى: \"ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم\"(سورة النساء، 2) أي: مع أموالكم، وقال: \"من أنصاري إلى الله\"(سورة آل عمران، 52 وسورة الصف، 14)، أي: مع الله.\rوأكثر العلماء على أنه يجب غسل المرفقين، وفي الرِّجْل يجب غسل الكعبين، وقال الشعبي\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب في السواك: 1 / 40، قال المنذري: في إسناده محمد بن إسحاق بن يسار، وقد اختلف الأئمة في الاحتجاج بحديثه، وأخرجه الدارمي في الوضوء: 1 / 168، والإمام أحمد في المسند: 5 / 225.\r(2) أخرجه مسلم في الحيض، باب جواز أكل المحدث الطعام.برقم(374): 1 / 283، والمصنف في شرح السنة: 2 / 40.","part":3,"page":21},{"id":777,"text":"ومحمد بن جرير: لا يجب غسل المرفقين والكعبين في غسل اليد والرِّجْل لأن حرف \"إلى\" للغاية والحدّ، فلا يدخل في المحدود.\rقلنا: ليس هذا بحدّ ولكنه بمعنى مع كما ذكرنا، وقيل: الشيء إذا حدّ إلى جنسه يدخل فيه الغاية، وإذا حدّ إلى غير جنسه لا يدخل، كقوله تعالى: \"ثم أتموا الصيام إلى الليل\"(سورة البقرة، 187)، لم يدخل الليل فيه لأنه ليس من جنس النهار.\rقوله تعالى: { وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ } اختلف العلماء في قدر الواجب من مسح الرأس، فقال مالك: يجب مسح جميع الرأس كما يجب مسح جميع الوجه في التيمم، وقال أبو حنيفة: يجب مسح ربع الرأس، وعند الشافعي رحمه الله: يجب قدر ما يطلق عليه اسم المسح.\rواحتج من أجاز مسح بعض الرأس بما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا يحيى بن حسان عن حماد بن زيد وابن علية عن أيوب السختياني عن ابن سيرين عن عمرو بن وهب الثقفي عن المغيرة بن شعبة \"أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى عمامته وخفيه\"، (1) فأجاز بعض أهل العلم المسح على العمامة بهذا الحديث، وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق.\rولم يُجوّز أكثر أهل العلم المسح على العمامة بدلا من المسح على الرأس، وقالوا: في حديث المغيرة أن فرض المسح سقط عنه بمسح الناصية، وفيه دليل على أن مسح جميع الرأس غير واجب.\rقوله عزّ وجلّ: { وَأرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ } ، قرأ نافع وابن عامر والكسائي ويعقوب وحفص \"وأرْجُلَكم\" بنصب اللام، وقرأ الآخرون \"وأرْجُلِكم\" بالخفض، فمن قرأ \"وأرجلكم\" بالنصب فيكون عطفا على قوله: \"فاغسلوا وجوهكم وأيديكم\" أي: واغسلوا أرجلكم، ومن قرأ بالخفض فقد ذهب قليل من أهل العلم إلى أنه يمسح على رجلين، ورُوي عن ابن عباس أنه قال : الوضوء غسلتان ومسحتان، ويُروى ذلك عن عكرمة وقتادة، وقال الشعبي : نزل جبريل بالمسح وقال: ألا ترى المتيمم يمسح ما كان غسلا ويلغي ما كان مسحا ؟\rوقال محمد بن جرير الطبري يتخير المتوضئ بين المسح على الخفين وبين غسل الرجلين.\rوذهب عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين وغيرهم إلى وجوب غسل الرجلين، وقالوا:\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الطهارة ، باب المسح على الناصية والعمامة برقم (275) : 1 / 231 ، والمصنف في شرح السنة:1 / 451.","part":3,"page":22},{"id":778,"text":"خفض اللام في الأرجل على مجاورة اللفظ لا على موافقة الحكم، كما قال تبارك وتعالى: \"عذاب يوم أليم\"، فالأليم صفة العذاب، ولكنه أخذ إعراب اليوم للمجاورة، وكقولهم: جُحْرُ ضبٍ خربٍ، فالخرب نعت للجُحر، وأخذ إعراب الضبِّ للمجاورة.\rوالدليل على وجوب غسل الرجلين: ما أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الحميدي الخطيب أنا أبو عبد الله الحافظ أنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب أنا يحيى بن محمد بن يحيى أنا الحجبي ومسدد قالا أخبرنا أبو عوانة عن أبي بشر عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عمرٍو قال: \"تخلف عنّا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر سافرناه فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة صلاة العصر، ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادانا بأعلى صوته: \"ويل للأعقاب من النار\". (1)\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل حدثنا عبدان أنا عبد الله أنا معمر حدثني الزهري عن عطاء بن يزيد عن حمران مولى عثمان قال: \"رأيت عثمان رضي الله عنه توضأ فأفرغ على يديه ثلاثا ثم مضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثا ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثا ثم غسل يده اليسرى إلى المرفق ثلاثا، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثا ثم اليسرى ثلاثا ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال: من توضأ وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث نفسه فيهما بشيء غفر الله له ما تقدّم من ذنبه\". (2)\rوقال بعضهم: أراد بقوله { وَأَرْجُلَكُم } المسح على الخفين كما رُوي \"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع وضع يديه على ركبتيه\" (3) وليس المراد منه أنه لم يكن بينهما حائل، ويُقال: قبّل فلان رأس الأمير ويده، وإن كانت العمامة على رأسه، ويده في كمه.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو نعيم أنا زكريا عن عامر عن عروة بن المغيرة عن أبيه رضي الله عنهما قال: \"كنت مع\r__________\r(1) أخرجه البخاري في العلم ، باب من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم عنه: 1 / 189 ،ومسلم في الطهارة ، باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما ، برقم (241 / 214)، والمصنف في شرح السنة : 1 / 428.\r(2) أخرجه البخاري في الوضوء ، باب الوضوء ثلاثا ثلاثا : 1 / 259، وفي الصوم ، باب سواك الرطب واليابس : 4 / 158، ومسلم في الطهارة ، باب صفة الوضوء وكماله برقم(226):1 / 205.\r(3) أخرجه البخاري في الأذان ، باب سنة الجلوس في التشهد :2 / 305، وانظر: مسلم في المساجد ، باب الندب إلى وضع الأيدي على الركب في الركوع ونسخ التطبيق برقم (534-535): 1 / 379-380.","part":3,"page":23},{"id":779,"text":"النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة في سفر فقال: \"أمعك ماء\" فقلت: نعم، فنزل عن راحلته فمشى حتى توارى عني في سواد الليل، ثم جاء فأفرغت عليه من الإداوة فغسل وجهه ويديه، وعليه جبة من صوف فلم يستطع أن يُخرج ذراعيه منها حتى أخرجهما من أسفل الجبة فغسل ذراعيه، ثم مسح برأسه، ثم أهويت لأنزع خفيه فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين\"، فمسح عليهما. (1)\rقوله تعالى: { إِلَى الْكَعْبَيْنِ } فالكعبان هما العظمان الناتئان من جانبي القدمين، وهما مجتمع مفصل الساق والقدم، فيجب غسلهما مع القدمين كما ذكرنا في المرفقين.\rوفرائض الوضوء: غسل الأعضاء الثلاثة كما ذكر الله تعالى، ومسح الرأس، واختلف أهل العلم في وجوب النية: فذهب أكثرهم إلى وجوبها لأن الوضوء فيفتقر إلى النية كسائر العبادات، وذهب بعضهم إلى أنها غير واجبة وهو قول الثوري وأصحاب الرأي.\rواختلفوا في وجوب الترتيب، وهو أن يغسل أعضاءه على الولاء كما ذكر الله تبارك وتعالى: فذهب جماعة إلى وجوبه، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق رحمهم الله، ويروى ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه.\rواحتج الشافعي بقول الله تعالى: \"إن الصفا والمروة من شعائر الله\"،(سورة البقرة، 158). وبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالصفا، وقال: \"نبدأ بما بدأ الله به\" (2) وكذلك هاهنا بدأ الله تعالى بذكر غسل الوجه فيجب علينا أن نبدأ فعلا بما بدأ الله تعالى به ذكرا.\rوذهب جماعة إلى أن الترتيب 103\\أ سنّة، وقالوا: الواوات المذكورة في الآية للجميع لا للترتيب كما قال الله تعالى: \"إنما الصدقات للفقراء والمساكين\" الآية(سورة التوبة، 60)، واتفقوا على أنه لا تجب مراعاة الترتيب في صرف الصدقات إلى أهل السهمان، ومن أوجب الترتيب أجاب بأنه لم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه راعى الترتيب بين أهل السهمان، وفي الوضوء لم ينقل أنه توضأ إلا مرتبا كما ذكر الله تعالى، وبيان الكتاب يُؤخذ من السنة كما قال الله تعالى: \"يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا\"(سورة الحج، 77)، لما قدم ذكر الركوع على السجود، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل إلا كذلك\r__________\r(1) أخرجه البخاري في اللباس ، باب لبس جبة الصوف في الغزو: 10 / 268-269،ومسلم في الطهارة باب المسح على الخفين ، برقم (274): 1 / 230 . والمصنف في شرح السنة : 1 / 455.\r(2) أخرجه مسلم في الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم، برقم(1218): 2 / 886-888، وهو قطعة من حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ \"أبدأ بما بدأ...\"، والمصنف في شرح السنة: 7 / 136.","part":3,"page":24},{"id":780,"text":"فكان مراعاة الترتيب فيه واجبة، كذلك الترتيب هنا.\rقوله عز وجل: { وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا } أي: اغتسلوا، أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها \"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يُدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره، ثم يصبُّ على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله\" (1)\rقوله تعالى: { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ } فيه دليل على أنه يجب مسح الوجه واليدين بالصعيد وهو التراب، { مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ } بما فرض عليكم من الوضوء والغسل والتيمم، { مِنْ حَرَجٍ } ضيق، { وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ } من الأحداث والجنابات والذنوب، { وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } قال محمد بن كعب القرظي: إتمام النعمة تكفير الخطايا بالوضوء كما قال الله تعالى: \"ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر\"(سورة الفتح، 2)، فجعل تمام نعمته غفران ذنوبه.\rأخبرنا أبو الحسن عبد الوهاب بن محمد الكسائي أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن حمران: أن عثمان توضأ بالمقاعد ثلاثا ثلاثا ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"من توضأ وضوئي هذا خرجت خطاياه من وجهه ويديه ورجليه\" (2) .\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن حمران مولى عثمان: أن عثمان بن عفان رضي الله عنه جلس على المقاعد يوما فجاءه المؤذن فآذنه بصلاة العصر فدعا بماء فتوضأ، ثم قال: والله لأحدثنكم حديثا لولا\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الغسل، باب الوضوء قبل الغسل: 1 / 360، ومسلم في الحيض، باب صفة غسل الجنابة، برقم(316): 1 / 253-254، والمصنف في شرح السنة: 2 / 10.\r(2) أخرجه بهذا اللفظ الشافعي في المسند: 1 / 31 (ترتيب المسند)، وأخرجه البخاري في الوضوء، باب الوضوء ثلاثا ثلاثا: 1 / 259 بلفظ \"من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيها نفسه - غفر له ما تقدم من ذنبه\" ومسلم في الطهارة، باب خروج الخطايا مع ماء الوضوء، برقم(245): 1 / 216 بلفظ: \"من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره\". وأخرجه المصنف في شرح السنة: 1 / 324.","part":3,"page":25},{"id":781,"text":"آية في كتاب الله ما حدثتكموه، ثم قال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"ما من امرئ [مسلم] (1) يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يصلي الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها\" قال مالك: أراه يريد هذه الآية { وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي } (2) ورواه ابن شهاب (3) وقال عروة: الآية \"إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات\"(سورة البقرة، 159).\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا يحيى بن بكير أنا الليث عن خالد عن سعيد بن أبي هلال عن نعيم المجمر قال رقيت مع أبي هريرة رضي الله عنه على ظهر المسجد، فتوضأ قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع أن يطيل منكم غرته فليفعل\" (4) .\r{ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9) }\rقوله تعالى: { وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ } يعني: النعم كلها، { وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ } عهده الذي عاهدكم به أيها المؤمنون، { إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } وذلك حين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فيما أحبوا وكرهوا، وهو قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد ومقاتل: يعني الميثاق الذي أخذ عليهم حين أخرجهم من صلب آدم عليه السلام، { وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } بما في القلوب من خير وشر.\r__________\r(1) ليست في \"ب\".\r(2) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الطهارة، باب جامع الوضوء: 1 / 30-31.\r(3) أخرجه البخاري في الوضوء، باب الوضوء ثلاثا ثلاثا: 1 / 206، والمصنف في شرح السنة: 1 / 325.\r(4) أخرجه البخاري في الوضوء، باب فضل الوضوء والغر المحجلين من آثار الوضوء: 1 / 235، ومسلم في الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء، برقم(246): 1 / 216، والمصنف في شرح السنة: 1 / 425.","part":3,"page":26},{"id":782,"text":"قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ } أي: كونوا قائمين بالعدل [قوّالين] (1) بالصدق، أمرهم بالعدل والصدق في أفعالهم وأقوالهم، { وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ } ولا يحملنكم، { شَنَآنُ قَوْمٍ } بغض قوم، { عَلَى أَلا تَعْدِلُوا } أي: على ترك العدل فيهم لعداوتهم. ثم قال: { اعْدِلُوا } يعني: في أوليائكم وأعدائكم، { هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } يعني: إلى التقوى، { وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }\r{ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } وهذا في موضع النصب؛ لأن فعل الوعد واقع على المغفرة، ورفعها على تقدير أي: وقال لهم مغفرة وأجر عظيم.\r__________\r(1) في \"ب\": (قائلين).","part":3,"page":27},{"id":783,"text":"{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (10) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) }\rقوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُم } بالدفع عنكم، { إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ } بالقتل.\rقال قتادة: نزلت هذه الآية ورسول الله صلى الله عليه وسلم ببطن نخل فأراد بنو ثعلبة وبنو محارب أن يفتكوا به وبأصحابه إذا اشتغلوا بالصلاة فأطلع الله تبارك وتعالى نبيه على ذلك، وأنزل الله صلاة الخوف (1) .\rوقال الحسن: كان النبي صلى الله عليه وسلم محاصرا غطفان بنخل، فقال رجل من المشركين: هل لكم في أن أقتل محمدا؟ قالوا: وكيف تقتله؟ قال: أفتك به، قالوا: وددنا أنك قد فعلت ذلك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم متقلد سيفه، فقال: يا محمد أرني سيفك فأعطاه إيّاه فجعل الرجل يهز السيف وينظر مرة إلى السيف ومرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: من يمنعك مني يا محمد؟ قال: الله، فتهدده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فشام السيف ومضى، فأنزل الله تعالى هذه الآية (2) .\r__________\r(1) أخرجه الطبري عن قتادة: 6 / 146 (طبعة الحلبي)، وعزاه السيوطي أيضا لعبد بن حميد، انظر: الدر المنثور: 3 / 38.\r(2) انظر: الطبري: 6 / 146، أسباب النزول للواحدي ص(223-224). سيرة ابن هشام: 3 / 205-206، الدر المنثور: 3 / 36.","part":3,"page":27},{"id":784,"text":"وقال مجاهد وعكرمة والكلبي وابن يسار عن رجاله: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن عمرو الساعدي، وهو أحد النقباء ليلة العقبة، في ثلاثين راكبا من المهاجرين والأنصار إلى بني عامر بن صعصعة، فخرجوا فلقوا عامر بن الطفيل على بئر معونة، وهي من مياه بني عامر، فاقتتلوا، فقتل المنذر بن عمرو وأصحابه إلا ثلاثة نفر كانوا في طلب ضالة لهم، أحدهم عمرو بن أمية الضمري، فلم يرعهم إلا الطير تحوم في السماء، يسقط من بين خراطيمها علق الدم، فقال أحد النفر: قتل أصحابنا، ثم تولى يشتد حتى لقي رجلا فاختلفا ضربتين فلما خالطته الضربة رفع [رأسه] (1) إلى السماء وفتح عينيه وقال: الله أكبر الجنة ورب العالمين، فرجع صاحباه فلقيا رجلين من بني سليم وكان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قومهما موادعة، فانتسبا لهما إلى بني عامر فقتلاهما وقدم قومهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون الدية، فخرج ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم، حتى دخلوا على كعب بن الأشرف وبني النضير يستعينهم في عقلهما، وكانوا قد عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم على ترك القتال وعلى أن يعينوه في الديات، قالوا: نعم يا أبا القاسم قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة اجلسْ حتى نطعمك ونعطيك الذي سألته 103/ب فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فخلا بعضهم ببعض وقالوا: إنكم لن تجدوا محمدا أقرب منه الآن فمن يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه؟ فقال عمر بن جحاش: أنا، فجاء إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه فأمسك الله تعالى يده وجاء جبريل وأخبره، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة ثم دعا عليا فقال: لا تبرح مقامك، فمن خرج عليك من أصحابي فسألك عني فقل: توجه إلى المدينة، ففعل ذلك علي رضي الله عنه حتى تناهوا إليه ثم تبعوه، فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال: { فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } (2) .\r{ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12) }\rقوله عز وجل: { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا } وذلك أن الله عز وجل وعد موسى عليه السلام أن يورثه وقومه الأرض المقدسة وهي الشام، وكان يسكنها الكنعانيون الجبارون، فلما استقرت لبني إسرائيل الدار بمصر أمرهم الله تعالى بالسير إلى أريحاء من أرض الشام وهي الأرض المقدسة، وكانت لها ألف قرية في كل قرية ألف بستان، وقال: يا موسى إني كتبتها لكم دارا وقرارا فاخرج إليها وجاهد من فيها من العدو فإني ناصرك عليهم، وخذ من قومك اثني عشر نقيبا\r__________\r(1) في \"ب\": (طرفه).\r(2) انظر: تفسير الطبري: 6 / 145 (طبع الحلبي)، أسباب النزول للواحدي ص(224-225)، الدر المنثور للسيوطي: 3 / 37-38، سيرة ابن هشام: 2 / 563.","part":3,"page":28},{"id":785,"text":"من كل سبط نقيبا يكون كفيلا على قومه بالوفاء منهم على ما أمروا به، فاختار موسى النقباء وسار موسى ببني إسرائيل حتى قربوا من أريحاء فبعث هؤلاء النقباء يتجسسون له الأخبار ويعلمون علمها، فلقيهم رجل من الجبابرة يقال له عوج بن عنق، وكان طوله ثلاثة آلاف وثلثمائة وثلاث وثلاثين ذراعا وثلث ذراع، وكان يحتجر بالسحاب ويشرب منه ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها ثم يأكله، ويُروى أن الماء طبق ما على الأرض من جبل وما جاوز ركبتي عوج وعاش ثلاثة آلاف سنة حتى أهلكه الله على يدي موسى عليه السلام، وذلك أنه جاء [وقلع] (1) صخرة من الجبل على قدر عسكر موسى عليه السلام، وكان فرسخا في فرسخ، وحملها ليطبقها عليهم فبعث الله الهدهد فقوّر الصخرة بمنقاره فوقعت في عنقه فصرعته، فأقبل موسى عليه السلام وهو مصروع فقتله، وكانت أمه [عنق] (2) إحدى بنات آدم وكان مجلسها [جريبا] (3) من الأرض، فلما لقي عوج النقباء وعلى رأسه حزمة حطب أخذ الاثني عشر وجعلهم في حجزته وانطلق بهم إلى امرأته، وقال انظري إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم يريدون قتالنا، وطرحهم بين يديها وقال: ألا أطحنهم برجلي؟ فقالت امرأته: لا بل خلِّ عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا، ففعل ذلك (4) .\rورُوي أنه جعلهم في كُمِّه وأتى بهم إلى الملك فطرحهم (5) بين يديه، فقال الملك: ارجعوا فأخبروهم بما رأيتم، وكان لا يحمل عنقودا من عنبهم إلا خمسة أنفس منهم في خشبة، ويدخل في شطر الرمانة إذا نزع منها حبها خمسة أنفس، فرجع النقباء وجعلوا يتعرفون أحوالهم، وقال بعضهم لبعض يا قوم: إنكم إن أخبرتم بني إسرائيل خبر القوم ارتدوا عن نبي الله ولكن اكتموا، وأخبروا موسى وهارون فيريان رأيهما وأخذ بعضهم على بعضهم الميثاق بذلك، ثم إنهم نكثوا العهد وجعل كل واحد\r__________\r(1) في \"أ\": (وقوَّر).\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) زيادة من \"ب\":.\r(4) ذكر قصة عوج بن عنق هذه: الإمام الطبري في التفسير: 6 / 174-175 (طبع الحلبي)، والسيوطي في الدر المنثور: 3 / 48-49 وغيرهما من المفسرين. وهي من الروايات الإسرائيلية والخرافات التي دسّها أعداء الإسلام وروّجوا لها. وقد نقلها الحافظ ابن كثير رحمه الله عن الطبري وقال: \"وفي هذا الإسناد نظر\" ثم نقل رواية ابن أبي حاتم وقال: \"وهذا شيء يُسْتحى من ذكره، ثم هو مخالف لما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن\". ثم ذكروا أن هذا الرجل كان كافرا وأنه ولد زنية، وأنه امتنع من ركوب سفينة نوح، وأن الطوفان لم يصل إلى ركبتيه. وهذا كذب وافتراء. فإن الله تعالى ذكر أن نوحا دعا على أهل الأرض من الكافرين، فقال: \"ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا\" وقال تعالى: \"فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون، ثم أغرقنا بعد الباقين\"، وقال تعالى: \"لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم\"، وإذا كان ابن نوح الكافر غرق فكيف يبقى عوج بن عنق وهو كافر وولد زنية؟ هذا لا يسوغ في عقل ولا شرع. ثم في وجود رجل يقال له: عوج بن عنق نظر، والله أعلم\". تفسير ابن كثير: 2 / 39 طبعة دار الفكر، 1400 هـ. وذكر ابن قيم الجوزية رحمه الله هذه الرواية مثالا لما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه، ثم قال: \"وليس العجب من جرأة هذا الكذاب على الله، إنما العجب ممن يدخل هذا الحديث في كتب العلم من التفسير وغيره، ولا يبين أمره، وهذا عندهم ليس من ذرية نوح، وقد قال الله تعالى: \"وجعلنا ذريته هم الباقين\"، فأخبر أن كل من بقي على وجه الأرض من ذرية نوح، فلو كان للعوج - هذا - وجود لم يبق بعد نوح...وأيضا فإن بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، وسمكها كذلك، وإذا كانت الشمس في السماء الرابعة، فبيننا وبينها هذه المسافة العظيمة، فكيف يصل إليها طول ثلاثة آلاف ذراع، حتى يشوي في عينها الحوت؟ ولا ريب أن هذا وأمثاله من وضع زنادقة أهل الكتاب الذين قصدوا السخرية والاستهزاء بالرسل وأتباعهم\". نقد المنقول أو: المنار المنيف لابن القيم ص(44-45) وانظر: روح المعاني للآلوسي: 6 / 86-87، الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيثمي ص(188)، الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير للشيخ محمد أبو شهبة، ص(259-262). البداية والنهاية لابن كثير: 1 / 278.\r(5) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":29},{"id":786,"text":"منهم ينهى سبطه عن قتالهم ويخبرهم بما رأى: إلا رجلان فذلك قوله تعالى: \"ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا.\r{ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ } ناصركم على عدوكم، ثم ابتدأ الكلام فقال: { لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ } يا معشر بني إسرائيل، { وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ } نصرتموهم، وقيل: ووقرتموهم وعظمتموهم؛ { وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } قيل: هو إخراج الزكاة، وقيل: هو النفقة على الأهل، { لأكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } لأمحون عنكم سيئاتكم، { وَلأدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ } أي: أخطأ قصد السبيل، يريد طريق [الحق] (1) وسواء كل شيء: وسطه.\r{ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) }\r__________\r(1) في \"ب\": (الجنة).","part":3,"page":31},{"id":787,"text":"{ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14) }\r{ فَبِمَا نَقْضِهِمْ } أي: فبنقضهم، و \"ما\" صلة، { مِيثَاقَهُم } قال قتادة: نقضوه من وجوه لأنهم كذّبوا الرسل الذين جاءوا بعد موسى وقتلوا أنبياء الله ونبذوا كتابه وضيّعوا فرائضه { لَعَنَّاهُم } قال [عطاء] (1) أبعدناهم من رحمتنا، قال الحسن ومقاتل: عذبناهم بالمسخ، { وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً } قرأ حمزة والكسائي قسية بتشديد الياء من غير ألف، وهما لغتان مثل الذاكية والذكية، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: قاسية أي يابسة، وقيل: غليظة لا تلين، وقيل معناه: إن قلوبهم ليست بخالصة للإيمان بل إيمانهم مشوب بالكفر والنفاق، ومنه الدراهم القاسية وهي الردية المغشوشة.\r{ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ } قيل: هو تبديلهم نعت النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: تحريفهم بسوء التأويل، { وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ } أي: وتركوا نصيب أنفسهم مما أُمروا به من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبيان نعته، { وَلا تَزَالُ } [يا محمد] (2) { تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ } أي: على خيانة، فاعلة بمعنى المصدر كالكاذبة واللاغية، وقيل: هو بمعنى الفاعل والهاء للمبالغة مثل [روَّاية] (3) ونسابة وعلامة وحسابة، وقيل: على فرقة خائنة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: على خائنة أي: على معصية، وكانت خيانتهم نقضهم العهد ومظاهرتهم المشركين على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهمّهم بقتله وسمّه، ونحوهما من خياناتهم التي ظهرت، { إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ } لم يخونوا ولم ينقضوا العهد وهم الذين أسلموا من أهل الكتاب، { فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ } أي: أعرض عنهم ولا تتعرض لهم، { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }\r__________\r(1) في \"ب\": (قتادة).\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) في \"ب\": (راوية).","part":3,"page":31},{"id":788,"text":"وهذا منسوخ بآية السيف (1) .\rقوله عز وجل: { وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ } قيل: أراد بهم اليهود والنصارى فاكتفى بذكر أحدهما، والصحيح أن الآية في النصارى خاصة لأنه قد تقدم ذكر اليهود، وقال الحسن: فيه دليل على أنهم نصارى بتسميتهم لا بتسمية الله تعالى، أخذنا ميثاقهم في التوحيد والنبوة، { فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } بالأهواء المختلفة والجدال في الدين، قال مجاهد وقتادة: يعني بين اليهود والنصارى، وقال قوم: هم النصارى وحدهم صاروا فرقا منهم اليعقوبية والنسطورية والملكانية، وكل فرقة تكفّر الأخرى، { وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } في الآخرة.\r{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) }\rقوله عز وجل : { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ } يريد: يا أهل الكتابين، { قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ }\r__________\r(1) نقل هذا عن قتادة: الطبري في التفسير: 10 / 135. ثم رد القول بالنسخ بكلام نفيس قال فيه: \"والذي قاله قتادة غير مدفوع إمكانه، غير أن الناسخ الذي لا شك فيه من الأمر، هو ما كان نافيا كل معاني خلافه، الذي كان قبله.\rفأما ما كان غير ناف جميعه، فلا سبيل إلى العلم بأنه ناسخ إلا بخبر من الله جل وعز، أو من رسوله صلى الله عليه وسلم، وليس في قوله \"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون\" (التوبة) دلالة على الأمر بنفي معاني الصفح والعفو عن اليهود، وإن كان ذلك كذلك - وكان جائزا مع إقرارهم بالصغار وأدائهم الجزية بعد القتال، الأمر بالعفو عنهم في غدرة هموا بها، أو نكثة عزموا عليها، ما لم يصيبوا حربا دون أداء الجزية، ويمتنعوا من الأحكام اللازمة منهم - لم يكن واجبا أن يحكم لقوله \"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ...\" الآية، بأنه ناسخ قوله: \"فاعف عنهم واصفح، إن الله يحب المحسنين\". وقال الزركشي، رحمه الله، في كتابه \"البرهان في علوم القرآن\": \"ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف من أنها منسوخة بآية السيف قول ضعيف، فهو من المُنْسأ - بضم الميم - بمعنى: أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما، لعلة توجب ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر، ليس بنسخ، إنما النسخ: الإزالة، حتى لا يجوز امتثاله أبدا.. فليس حكم المسايفة ناسخا لحكم المسالمة، بل كل منهما يجب امتثاله في وقته\". انظر: البرهان للزركشي: 2 / 43-44، علوم القرآن للدكتور عدنان محمد زرزور ص (210-212).","part":3,"page":32},{"id":789,"text":"أي: من التوارة والإنجيل مثل صفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم وغير ذلك، { وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } أي: يعرض عن كثير مما أخفيتم فلا يتعرض له ولا يؤاخذكم به، { قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ } يعني: محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: الإسلام، { وَكِتَابٌ مُبِينٌ } أي: بيّن، وقيل: مبين وهو القرآن.\r{ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ } رضاه، { سُبُلَ السَّلامِ } قيل: السلام هو الله عز وجل، وسبيله دينه الذي شرع لعباده، وبعث به رسله، وقيل: السلام هو السلامة، كاللذاذ واللذاذة بمعنى واحد، والمراد به طرق السلامة، { وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } أي: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، { بِإِذْنِهِ } بتوفيقه وهدايته، { وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } 104\\أ وهو الإسلام.\rقوله عز وجل: { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ } وهم اليعقوبية من النصارى يقولون المسيح هو الله تعالى، { قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا } أي: من يقدر أن يدفع من أمر الله شيئا إذا قضاه؟ { إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }","part":3,"page":33},{"id":790,"text":"{ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) }\rقوله عز وجل: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } قيل: أرادوا أن الله تعالى لنا كالأب في الحنو والعطف، ونحن كالأبناء له في القرب والمنزلة، وقال إبراهيم النخعي: إن اليهود وجدوا في التوراة يا أبناء أحباري، فبدلوا يا أبناء أبكاري، فمن ذلك قالوا: نحن أبناء الله، وقيل: معناه نحن أبناء رسل الله.","part":3,"page":33},{"id":791,"text":"قوله تعالى: { قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ } يريد إن كان الأمر كما زعمتم أنكم أبناؤه وأحباؤه فإن الأب لا يعذب ولده، والحبيب لا يعذب حبيبه، وأنتم مقرون أنه معذبكم؟ وقيل: فلم يعذبكم أي: لِمَ عذّب من قبلكم بذنوبهم فمسخهم قردة وخنازير؟ { بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ } كسائر بني آدم مجزيون بالإساءة والإحسان، { يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ } فضلا { وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ } عدلا { وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ }\r{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20) }\r{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا } محمد صلى الله عليه وسلم، { يُبَيِّنُ لَكُمْ } أعلام الهدى وشرائع الدين، { عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ } أي انقطاع من الرسل.\rواختلفوا في مدة الفترة بين عيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم، قال أبو عثمان النهدي: ستمائة سنة، وقال قتادة: خمسمائة وستون سنة، وقال معمر والكلبي، خمسمائة وأربعون سنة (1) وسميت فترة لأن الرسل كانت تترى بعد موسى عليه السلام من غير انقطاع إلى زمن عيسى عليه السلام، ولم يكن بعد عيسى عليه السلام سوى رسولنا صلى الله عليه وسلم. { أَنْ تَقُولُوا } كيلا تقولوا، { مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }\r__________\r(1) قال الحافظ ابن كثير، رحمه الله في التفسير: 2 / 36 بعد أن ذكر نحوا مما قاله البغوي: \".. وقال الضحاك: أربعمائة وبضع وثلاثون سنة. وذكر ابن عساكر في ترجمة عيسى عليه السلام، عن الشعبي، أنه قال: ومن رفع المسيح إلى هجرة النبي صلى الله عليه وسلم تسعمائة وثلاث وثلاثون سنة. والمشهور: هو القول الأول، وهو أنها ستمائة سنة. ومنهم من يقول: ستمائة وعشرون سنة. ولا منافاة بينهما؛ فإن القائل الأول أراد: ستمائة سنة شمسية، والآخر أراد قمرية، وبين كل مائة سنة شمسية وبين القمرية نحو من ثلاث سنين. ولهذا قال تعالى في قصة أهل الكهف: \"ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا\" أي: قمرية، لتكميل ثلاثمائة الشمسية، التي كنت معلومة لأهل الكتاب. وكانت الفترة بين عيسى ابن مريم آخر أنبياء بني إسرائيل وبين محمد خاتم النبيين على الإطلاق كما ثبت في صحيح البخاري\". أي إن زمن الفترة وهي المدة الزمنية التي لم يبعث فيها رسول، هي ما بين عيسى وبعثة محمد صلى الله عليه وسلم.","part":3,"page":34},{"id":792,"text":"قوله عز وجل: { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ } [أي: منكم أنبياء] (1) { وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني أصحاب خدم وحشم، قال قتادة: كانوا أول من ملك الخدم ولم يكن لمن قبلهم خدم. ورُوي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم وامرأة ودابة يكتب ملكا\" (2) .\rوقال أبو عبد الرحمن الحُبُلي: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم، قال: فأنت من الأغنياء، قال: فإن لي خادما، قال: فأنت من الملوك (3) .\rقال السدي: وجعلكم ملوكا أحرارا تملكون أمر أنفسكم بعدما كنتم في أيدي القبط يستعبدونكم، قال الضحاك: كانت منازلهم واسعة فيها مياه جارية فمن كان مسكنه واسعا وفيه ماء جار فهو ملك { وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ } يعني عالمي زمانكم، قال مجاهد: يعني المنّ والسلوى والحَجَر وتظليل الغمام.\r{ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) }\rقوله تعالى: { يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } اختلفوا في الأرض المقدسة، قال مجاهد: هي الطور وما حوله، وقال الضحاك: إيليا وبيت المقدس، وقال عكرمة والسدي: هي أريحاء، وقال الكلبي: هي دمشق وفلسطين وبعض الأردن، وقال قتادة: هي الشام\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) عزاه السيوطي لابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري، (الدر المنثور: 3 / 46)، وذكره الحافظ ابن كثير في التفسير: 2 / 38 وقال: حديث غريب من هذا الوجه. والحديث فيه: ابن لهيعة: صدوق من السابعة، خلط بعد احتراق كتبه، ودراج بن أبي السمح: صدوق في حديثه عن أبي الهيثم ضعف. (التقريب).\r(3) أخرجه مسلم في الزهد والرقائق، برقم(2979): 4 / 2285.","part":3,"page":35},{"id":793,"text":"كلها، قال كعب: وجدت في كتاب الله المنزل أن الشام كنز الله في أرضه [وبها أكثر] (1) عباده.\rقوله عز وجل: { كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } يعني: كتب في اللوح المحفوظ أنها مساكن لكم، وقال ابن إسحاق: وهب الله لكم، وقيل: جعلها لكم، وقال السدي: أمركم الله بدخولها، [وقال قتادة] (2) أمروا بها كما أمروا بالصلاة، أي: فَرَض عليكم. { وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ } أعقابكم بخلاف أمر الله، { فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ } قال الكلبي: صعيد إبراهيم عليه السلام جبل لبنان فقيل له: انظر فما أدركه بصرك فهو مقدّس وهو ميراث لذريتك.\r{ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ } وذلك أن النقباء الذين خرجوا يتجسسون الأخبار لمّا رجعوا إلى موسى وأخبروه بما عاينوا، قال لهم موسى: اكتموا شأنهم ولا تخبروا به أحدا من أهل العسكر فيفشلوا، فأخبر كل رجل منهم قريبه وابن عمه إلا رجلان وفيَّا بما قال لهما موسى، أحدهما يوشع بن نون بن أفرائيم بن يوسف عليهم السلام فتى موسى، والآخر كالب بن يوفنا ختن موسى عليه السلام على أخته مريم بنت عمران، وكان من سبط يهود وهما من النقباء فعلمت جماعة من بني إسرائيل ذلك ورفعوا أصواتهم بالبكاء وقالوا يا ليتنا في أرض مصر، وليتنا نموت في هذه [البرية] (3) ولا يُدْخلنا الله أرضهم فتكون نساؤنا وأولادنا وأثقالنا غنيمة لهم، وجعل الرجل يقول لصاحبه: تعال نجعل علينا رأسا وننصرف إلى مصر، فذلك قوله تعالى إخبارا عنهم { قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ } أصل الجبار: المتعظم الممتنع عن القهر، يُقال: نخله جبارة إذا كانت طويلة ممتنعة عن وصول الأيدي إليها، وسُمي أولئك القوم جبارين لامتناعهم بطولهم وقوة أجسادهم، وكانوا من العمالقة وبقية قوم عاد، فلما قال بنو إسرائيل ما قالوا وهموا بالانصراف إلى مصر خرَّ موسى وهارون ساجدين، وخرق يوشع وكالب ثيابهما وهما اللذان أخبر الله تعالى عنهما في قوله تعالى: { قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ }\r{ قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) }\r{ قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ } أي: يخافون الله تعالى، قرأ سعيد بن جبير \"يخافون\"\r__________\r(1) في \"ب\": (وبها كنزه من عباده).\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) في \"ب\": (التربة).","part":3,"page":36},{"id":794,"text":"بضم الياء، وقال: الرجلان كانا من الجبارين فأسلما واتبعا موسى، { أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا } بالتوفيق والعصمة قالا { ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ } يعني: قرية الجبارين، { فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ } لأن الله تعالى منجز وعده، وإنا رأيناهم وأجسامهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة، فلا تخشوهم، { وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } فأراد بنو إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة وعصوهما.","part":3,"page":37},{"id":795,"text":"{ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَا هُنَا (24) قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) }\r{ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو نعيم أنا إسرائيل عن مخارق عن طارق بن شهاب قال سمعت ابن مسعود يقول: لقد شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا لأن أكون صاحبه أحب إليّ مما عدل به، أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول كما قال قوم موسى عليه السلام: \"اذهب أنت وربك فقاتلا\" ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك ومن خلفك، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسرّه ما قال (1) . فلما فعلت بنو إسرائيل ما فعلت من مخالفتهم أمر ربهم وهمهم بيوشع وكالب غضب موسى عليه السلام ودعا عليهم.\r{ قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي } [قيل: معناه وأخي 104/ب لا يملك إلا نفسه، وقيل: معناه لا يطيعني إلا نفسي وأخي] (2) { فَافْرُق } فافصل، { بَيْنَنَا } قيل: فاقض بيننا، { وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } العاصين.\rقال الله تعالى: { فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ } قيل: هاهنا تم الكلام معناه تلك البلدة محرمة\r__________\r(1) أخرجه البخاري في المغازي، باب قول الله تعالى \"إذ تستغيثون ربكم...\" 7 / 287.\r(2) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":37},{"id":796,"text":"عليهم أبدا لم يرد به تحريم تعبد، وإنما أراد تحريم منع، فأوحى الله تعالى إلى موسى: [بي حلفت] (1) لأحرمنّ عليهم دخول الأرض المقدسة غير عبدي يوشع وكالب، ولأتيهنّهم في هذه البرية { أَرْبَعِينَ سَنَةً } [يتيهون] (2) مكان كل يوم من الأيام التي تحبسون فيها سنة، ولألقين جيفهم في هذه القفار، وأما بنوهم الذين لم يعلموا الشر فيدخلونها، فذلك قوله تعالى: { فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً } { يَتِيهُونَ } يتحيرون، { فِي الأرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } أي: لا تحزن على مثل هؤلاء القوم، فلبثوا أربعين سنة في ستة فراسخ وهم ستمائة ألف مقاتل، وكانوا يسيرون كل يوم جادين فإذا أمسوا كانوا في الموضع الذي ارتحلوا عنه.\rوقيل: إن موسى وهارون عليهما السلام لم يكونا فيهم، والأصح أنهما كانا فيهم ولم يكن لهما عقوبة إنما كانت العقوبة لأولئك القوم، ومات في التيه كل من دخلها ممن جاوز عشرين سنة غير يوشع وكالب، ولم يدخل أريحاء أحد ممن قالوا إنا لن ندخلها أبدا فلما هلكوا وانقضت الأربعون سنة، ونشأت النواشئ من ذراريهم ساروا إلى حرب الجبارين.\rواختلفوا فيمن تولى تلك الحرب وعلى يدي من كان الفتح، فقال قوم: وإنما فتح موسى أريحاء وكان يوشع على مقدمته، فسار موسى عليه السلام إليهم فيمن بقي من بني إسرائيل، فدخلها يوشع فقاتل الجبابرة ثم دخلها موسى عليه السلام فأقام فيها ما شاء الله تعالى، ثم قبضه الله تعالى إليه، ولا يعلم قبره أحد، وهذا أصح الأقاويل لاتفاق العلماء أن عوج بن عنق قتله موسى عليه السلام.\rوقال الآخرون: إنما قاتل الجبارين يوشع ولم يسر إليهم إلا بعد موت موسى عليه السلام، [وقالوا: مات موسى] (3) وهارون جميعا في التيه.\r__________\r(1) زيادة من: \"ب\".\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":38},{"id":797,"text":"قصة وفاة هارون\rقال السدي: أوحى الله عز وجل إلى موسى أني متوفي هارون فأتِ به جبل كذا وكذا، فانطلق موسى وهارون عليهما السلام نحو ذلك الجبل فإذا هما بشجرة لم ير مثلها وإذا ببيت مبني وفيه سرير عليه فرش وإذا فيه ريح طيبة، فلما نظر هارون إلى ذلك أعجبه، فقال: يا موسى إني أحب أن أنام على هذا السرير قال: فنم عليه، فقال: إني أخاف أن يأتي ربُّ هذا البيت فيغضب عليّ، قال له موسى: لا ترهب إني أكفيك أمر رب هذا البيت فنم، قال: يا موسى نم أنت معي فإن جاء رب البيت غضب عليّ وعليك جميعا فلما ناما أخذ هارون الموت فلما وجد منيته قال: يا موسى خدعتني، فلما قبض رفع البيت وذهبت تلك الشجرة ورفع السرير به إلى السماء، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل وليس معه هارون قالوا: إن موسى قتل هارون وحسده لحب بني إسرائيل له، فقال موسى عليه السلام: ويحكم كان أخي فكيف أقتله، فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم دعا الله تعالى ونزل السرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض فصدقوه.\rوعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: صعد موسى وهارون عليهما السلام الجبل فمات هارون [وبقي موسىٍ] (1) فقالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام أنت قتلته فآذوه فأمر الله الملائكة فحملوه حتى مروا به على بني إسرائيل وتكلمت الملائكة بموته حتى عرف بنو إسرائيل أنه مات، فبرأه الله تعالى مما قالوا، ثم إن الملائكة حملوه ودفنوه فلم يطلع على موضع قبره أحد إلا الرخم فجعله الله أصم وأبكم.\rوقال عمرو بن ميمون: مات هارون قبل موت موسى عليه السلام في التيه، وكانا قد خرجا إلى بعض الكهوف فمات هارون ودفنه موسى وانصرف إلى بني إسرائيل، فقالوا: قتلته لحبنا إياه، وكان محببا في بني إسرائيل، فتضرع موسى عليه السلام إلى ربه عز وجل فأوحى الله إليه أن انطلق بهم إلى قبره فإني باعثه، فانطلق بهم إلى قبره [فناداه موسى] (2) فخرج من قبره ينفض رأسه، فقال: أنا قتلتك؟ قال: لا ولكني مت، قال: فعد إلى مضجعك، وانصرفوا.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) في \"ب\": (فنادى: يا هارون].","part":3,"page":39},{"id":798,"text":"وأما وفاة موسى عليه السلام، قال ابن إسحاق: كان موسى عليه الصلاة والسلام قد كره الموت وأعظمه فأراد الله أن يحبب إليه الموت، فنبأ يوشع بن نون فكان يغدو ويروح عليه، قال: فيقول له موسى عليه السلام يا نبي الله ما أحدث الله إليك؟ [فيقول له يوشع: يا نبي الله ألم أصحبك كذا وكذا سنة، فهل كنت أسألك شيئا مما أحدث الله إليك] (1) حتى تكون أنت الذي تبتدئ به وتذكره؟ ولا يذكر له شيئا، فلما رأى ذلك كره موسى الحياة وأحب الموت.\rأخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنا أحمد بن يوسف السلمي أنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه قال: أخبرنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"جاء ملك الموت إلى موسى بن عمران، فقال له: أجب ربك، قال: فلطم موسى عليه السلام عين ملك الموت ففقأها، قال: فرجع ملك الموت إلى الله تعالى فقال: إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت وقد فقأ عيني قال فرد الله إليه عينه، وقال: ارجع إلى عبدي فقل له: الحياة تريد؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور، فما وارت يدك من شعرة فإنك تعيش بها سنة، قال: ثم مه؟ قال: ثم تموت، قال: فالآن من قريب، ربِّ أدنني من الأرض المقدسة رمية بحجر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"والله لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جنب الطريق عند الكثيب الأحمر\" (2) .\rوقال وهب: خرج موسى لبعض حاجته فمرّ برهط من الملائكة يحفرون قبرا لم ير شيئا قط أحسن منه ولا مثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة، فقال لهم: يا ملائكة الله لم تحفرون هذا القبر؟ قالوا: لعبد كريم على ربه، فقال: إن هذا العبد من الله لهو بمنزلة ما رأيت كاليوم مضجعا قط، فقالت الملائكة: يا صفي الله تحب أن يكون لك؟ قال: وددت، قالوا: فانزل واضطجع فيه وتوجه إلى ربك، قال: فاضطجع فيه وتوجه إلى ربه ثم تنفس أسهل تنفس فقبض الله تبارك وتعالى روحه، ثم سوّت عليه الملائكة.\rوقيل: إن ملك الموت أتاه بتفاحة من الجنة فشمها فقبض روحه.\rوكان عمر موسى مائة وعشرين سنة فلما مات موسى عليه السلام وانقضت الأربعون سنة بعث\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) أخرجه البخاري في الجنائز، باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة: 3 / 206، وفي الأنبياء، وأخرجه مسلم في الفضائل، باب من فضائل موسى عليه السلام، برقم (2373): 4 / 1843، واللفظ له، وأخرجه المصنف في شرح السنة: 5 / 265.","part":3,"page":40},{"id":799,"text":"الله يوشع نبيا فأخبرهم أن الله قد أمره بقتال الجبابرة، فصدقوه وتابعوه فتوجه ببني إسرائيل إلى أريحاء ومعه تابوت الميثاق، فأحاط بمدينة أريحاء ستة أشهر، فلما كان السابع نفخوا في القِران وضج الشعب ضجة واحدة فسقط سور المدينة، ودخلوا فقاتلوا الجبارين وهزموهم وهجموا عليهم يقتلونهم، وكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها حتى يقطعونها، فكان القتال يوم الجمعة فبقيت منهم بقية وكادت الشمس تغرب وتدخل ليلة السبت، فقال: اللهم اردد الشمس عليّ وقال للشمس: إنك في طاعة الله سبحانه وتعالى وأنا في طاعته فسأل الشمس ان تقف والقمر أن يقيم حتى ينتقم من أعداء الله تعالى قبل دخول السبت، فردت عليه الشمس وزيدت في النهار ساعة حتى قتلتهم أجمعين، وتتبع ملوك الشام فاستباح منهم أحدا وثلاثين ملكا حتى غلب على جميع أرض الشام، وصارت الشام كلها لبني إسرائيل وفرق عماله في نواحيهأ 105\\أ وجمع الغنائم، فلم تنزل النار، فأوحى الله إلى يوشع أن فيها غلولا فمرهم فليبايعوا فبايعوه فالتصقت يد رجل منهم بيده فقال: هلم ما عندك فأتاه برأس ثور من ذهب مكلل بالياقوت والجواهر كان قد غلَّه، فجعله في القربان وجعل الرجل معه فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان، ثم مات يوشع ودفن في جبل أفرائيم، وكان عمره مائة وستا وعشرين سنة، وتدبيره أمر بني إسرائيل من بعد موسى عليه السلام سبعا وعشرين سنة.\r{ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) }\rقوله تعالى: { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ } وهما هابيل وقابيل (1) ويقال له قابين، { إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا } وكان سبب قربانهما على ما ذكره أهل العلم أن حواء كانت تلد لآدم عليه السلام في كل بطن غلاما وجارية، وكان جميع ما ولدته أربعين ولدا في عشرين بطنا أولهم قابيل وتوأمته أقليما، وآخرهم عبد المغيث وتوأمته أمة المغيث، ثم بارك الله عز وجل في نسل آدم عليه السلام، قال ابن عباس: لم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفا.\rواختلفوا في مولد قابيل وهابيل، فقال بعضهم: غشي آدم حواء بعد مهبطهما إلى الأرض بمائة سنة، فولدت له قابيل وتوأمته أقليما في بطن واحد، ثم ولدت هابيل وتوأمته لبودا في بطن.\r__________\r(1) هذه التسمية لابني آدم: \"قابيل، هابيل\" إنما هي من نقل العلماء عن أهل الكتاب، لم يرد بها نص في القرآن، ولا جاءت في سنة ثابتة، فيما نعلم، فلا علينا أن لا نجزم بها ولا نرجحها، وإنما هي قول قيل. انظر: عمدة التفسير للشيخ أحمد شاكر: 4 / 123.","part":3,"page":41},{"id":800,"text":"وقال محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: إن آدم كان يغشى حواء في الجنة قبل أن يصيب الخطيئة، فحملت فيها بقابيل وتوأمته أقليما، فلم تجد عليهما وحما ولا وصبا ولا طلقا حتى ولدتهما، ولم تر معهما دما فلما هبط إلى الأرض تغشاها فحملت بهابيل وتوأمته، فوجدت عليهما الوحم والوصب والطلق والدم، وكان آدم إذا شب أولاده يزوج غلام هذا البطن جارية بطن أخرى، فكان الرجل منهم يتزوج أية أخواته شاء إلا توأمته التي ولدت معه لأنه لم يكن يومئذ نساء إلا أخواتهم، فلما ولد قابيل وتوأمته أقليما ثم هابيل وتوأمته لبودا، وكان بينهما سنتان في قول الكلبي وأدركوا، أمر الله تعالى آدم عليه السلام أن ينكح قابيل لبودا أخت هابيل وينكح هابيل أقليما أخت قابيل، وكانت أخت قابيل أحسن من أخت هابيل، فذكر ذلك آدم لولده فرضي هابيل وسخط قابيل، وقال: هي أختي أنا أحق بها، ونحن من [ولادة] (1) الجنة وهما من [ولادة] (2) الأرض، فقال له أبوه: إنها لا تحل لك فأبى أن يقبل ذلك، وقال: إن الله لم يأمره بهذا وإنما هو من رأيه، فقال لهما آدم عليه السلام: فقربا قربانا فأيكما يقبل قربانه فهو أحق بها، وكانت القرابين إذا كانت مقبولة نزلت نار من السماء بيضاء فأكلتها، وإذا لم تكن مقبولة لم تنزل النار وأكلته الطير والسباع، فخرجا ليقربا [قربانا] (3) وكان قابيل صاحب زرع فقرب صبرة من الطعام من أردأ زرعه وأضمر في نفسه ما أبالي أيقبل مني أم لا لا يتزوج أختي أبدا، وكان هابيل صاحب غنم فعمد إلى أحسن كبش في غنمه فقرب به وأضمر في نفسه رضا الله عز وجل فوضعا قربانهما أعلى الجبل، ثم دعا آدم عليه السلام فنزلت نار من السماء وأكلت قربان هابيل ولم تأكل قربان قابيل (4) فذلك قوله عز وجل: { فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا } [يعني هابيل] (5) { وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ } يعني: قابيل فنزلوا على الجبل وقد غضب قابيل لرد قربانه وكان يضمر الحسد في نفسه إلى أن أتى آدم مكة لزيارة البيت، فلما غاب آدم أتى قابيل هابيل وهو في غنمه، { قَالَ لأقْتُلَنَّكَ } قال: ولِمَ؟ قال: لأن الله تعالى قبل قربانك وردّ قرباني، وتنكح أختي الحسناء وأنكح أختك الدميمة، فيتحدث الناس أنك خير مني ويفتخر ولدك على ولدي، { قَالَ } هابيل: وما ذنبي؟ { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ }\r__________\r(1) في \"ب\": (أولاد).\r(2) في \"ب\": (أولاد).\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) أخرج هذه القصة: الطبري في التفسير: 6 / 188، (طبع الحلبي) وساق ابن كثير عدة روايات في ذلك تتفق في المعنى: 2 / 42-44. وقال الشيخ أحمد محمد شاكر في عمدة التفسير: 4 / 124 \"هذا من قصص أهل الكتاب، ليس له أصل صحيح - ثم قد ساق الحافظ ابن كثير آثارا في هذا المعنى، مما امتلأت به كتب المفسرين\" وعلق على رواية الطبري التي نقلها ابن كثير فقال: وهو خبر - كما ترى - ليس من السنة النبوية - بل ظاهره يدل على أنه مما أخذه ابن عباس من كتب أهل الكتاب.\r(5) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":42},{"id":801,"text":"{ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) }\r{ لَئِنْ بَسَطْتَ } أي: مددت، { إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ } قال عبد الله بن عمر: وايم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين ولكن منعه التحرج أن يبسط إلى أخيه يده، وهذا في الشرع آدم جائز لمن أريد قتله أن ينقاد ويستسلم طلبا للأجر كما فعل عثمان رضي الله عنه، قال مجاهد: كتب عليهم في ذلك الوقت إذا أراد رجل قتل رجل أن لا يمتنع ويصبر.\r{ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ } ترجع، وقيل: تحتمل، { بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ } أي: بإثم قتلي إلى إثمك، أي: إثم معاصيك التي عملت من قبل، هذا قول أكثر المفسرين. وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: معناه إني أريد أن يكون عليك خطيئتي التي عملتها أنا إذا قتلتني وإثمك فتبوء بخطيئتي ودمي جميعا، وقيل: معناه أن ترجع بإثم قتلي وإثم معصيتك التي لم يتقبل لأجلها قربانك، أو إثم حسدك.\rفإن قيل: كيف قال إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك، وإرادة القتل والمعصية لا تجوز؟ قيل ليس ذلك بحقيقة إرادة ولكنه لما علم أنه يقتله لا محالة وطّن نفسه على الاستسلام طلبا للثواب فكأنه صار مريدا لقتله مجازا، وإن لم يكن مريدا حقيقة، وقيل: معناه إني أريد أن تبوء بعقاب قتلي فتكون إرادة صحيحة، لأنها موافقة لحكم الله عز وجل، فلا يكون هذا إرادة للقتل، بل لموجب القتل من الإثم والعقاب، { فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ }\rقوله عز وجل: { فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ } أي: طاوعته وشايعته وعاونته، { قَتْلَ أَخِيهِ } أي في قتل أخيه، [وقال مجاهد: فشجعته، وقال قتادة: فزينت له نفسه، وقال يمان: سهلت له نفسه ذلك، أي: جعلته سهلا] (1) تقديره: صوّرت له نفسه أن قتل أخيه طوع له أي سهل عليه، فقتله فلما قصد قابيل قتل هابيل لم يدر كيف يقتله، قال ابن جريج: فتمثل له إبليس وأخذ طيرا فوضع رأسه على حجر ثم شدخ رأسه بحجر آخر وقابيل ينظر إليه فعلّمه القتل، فرضخ قابيل رأس هابيل بين\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":43},{"id":802,"text":"حجرين (1) قيل: قتل وهو مستسلم، وقيل: اغتاله وهو في النوم فشدخ رأسه فقتله، وذلك قوله تعالى: { فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ } وكان لهابيل يوم قتل عشرون سنة.\rواختلفوا في موضع قتله [قيل: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم فاسودَّ جسم القاتل وسأله آدم عليه السلام عن أخيه فقال لم أكن عليه وكيلا فقال: بل قتلته ولذلك اسودَّ جسدك، مكث آدم مائة سنة لم يضحك قط منذ قتله] (2) .\rقال ابن عباس رضي الله عنهما: على جبل [ثور] (3) وقيل عند عقبة حراء، فلما قتله تركه بالعراء ولم يدر ما يصنع به لأنه كان أول ميت على وجه الأرض من بني آدم، وقصدته السباع، فحمله في جراب على ظهره أربعين يوما، وقال ابن عباس: سنة، حتى أروح، وعكفت عليه الطير والسباع تنتظر متى يرمى به فتأكله، فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه ثم حفر له بمنقاره وبرجله حتى مكن له ثم ألقاه في الحفرة وواراه، وقابيل ينظر إليه، فذلك قوله تعالى: 105/ب { فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيه }\r{ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31) }\r{ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيه } فلما رأى قابيل ذلك قال يا ويلتا كلمة تحسر فقيل لما رأى الدفن من الغراب أنه أكبر علما منه وأن ما فعله كان جهلا فندم وتحسر { قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي } أي: جيفته، وقيل: عورته لأنه قد سلب ثيابه، { فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ } على حمله على عاتقه لا على قتله، وقيل: على فراق أخيه، وقيل: ندم لقلة النفع بقتله فإنه أسخط والديه، وما انتفع بقتله شيئا ولم يكن ندمه على القتل وركوب الذنب.\rقال عبد المطلب بن عبد الله بن حنطب: لما قتل ابن آدم أخاه وجفت الأرض بما عليها سبعة أيام ثم شربت الأرض دمه كما يشرب الماء، فناداه آدم أين أخوك هابيل؟ قال: ما أدري ما كنت عليه\r__________\r(1) انظر: الطبري: 6 / 195 (طبع الحلبي)، تفسير ابن كثير: 2 / 46.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) في \"ب\": (فود).","part":3,"page":44},{"id":803,"text":"رقيبا، فقال الله تعالى: إن دم أخيك ليناديني من الأرض، فلم قتلت أخاك؟ قال: فأين دمه إن كنت قتلته؟ فحرم الله عز وجل على الأرض يومئذ أن تشرب دما بعده أبدا.\rوقال مقاتل بن سليمان عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: لما قتل قابيل هابيل وآدم عليه السلام بمكة اشتاك الشجر وتغيرت الأطعمة وحمضت الفواكه، وأمرّ الماء واغبرت الأرض، فقال آدم عليه السلام: قد حدث في الأرض حدث، فأتى الهند فإذا قابيل قد قتل هابيل فأنشأ يقول وهو أول من قال الشعر: تغيرت البلاد ومن عليها فوجه الأرض مغبر قبيح\rتغير كل ذي لون وطعم وقلّ بشاشة الوجه المليح\rورُوي: المليح.\rورُوي عن ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من قال إن آدم عليه السلام قال شعرا فقد كذب، إن محمدا صلى الله عليه وسلم والأنبياء كلهم عليهم السلام في النهي عن الشعر سواء، ولكن لما قتل قابيل هابيل رثاه آدم وهو سرياني، فلما قال آدم مرثيته قال لشيث: يا بني إنك وصي احفظ هذا الكلام ليتوارث فيرق الناس عليه، لم يزل ينقل حتى وصل إلى يعرب بن قحطان، وكان يتكلم بالعربية والسريانية وهو أول من خط بالعربية، وكان يقول الشعر فنظر في المرثية فرد المقدم إلى المؤخر والمؤخر إلى المقدم، فوزنه شعرا وزاد فيه أبيات منها: وما لي لا أجود بسكب دمع وهابيل تضمنه الضريح\rأرى طول الحياة عليّ غما فهل أنا من حياتي مستريح\rفلما مضى من عمر آدم عليه السلام مائة وثلاثون سنة، وذلك بعد قتل هابيل بخمس سنين ولدت له حواء شيثا، وتفسيره: هبة الله، يعني إنه خلف من هابيل علّمه الله تعالى ساعات الليل والنهار، وعلّمه عبادة الخلق في كل ساعة منها، وأنزل عليه خمسين صحيفة فصار وصي آدم وولي عهده، وأما قابيل فقيل له اذهب طريدا شريدا فزعا مرعوبا لا تأمن من تراه، فأخذ بيد أخته أقليما وهرب بها إلى عدن من أرض اليمن، فأتاه إبليس فقال له إنما أكلت النار قربان هابيل لأنه كان يعبد النار فانصب أنت نارا أيضا تكون لك ولعقبك، فبنى بيتا للنار فهو أول من عبد النار، وكان لا يمر به أحد إلا رماه، فأقبل ابن له أعمى ومعه ابن له، فقال ابنه: هذا أبوك قابيل، مرمى الأعمى أباه فقتله، فقال ابن الأعمى: قتلت أباك؟ فرفع يده فلطم ابنه، فمات فقال الأعمى: ويل لي قتلت أبي برميتي وقتلت ابني بلطمتي.","part":3,"page":45},{"id":804,"text":"وقال مجاهد: فعلقت إحدى رجلي قابيل إلى فخدها وساقها وعلقت من يومئذ إلى يوم القيامة ووجهه إلى الشمس ما دارت عليه، في الصيف حظيرة من نار وفي الشتاء حظيرة من ثلج.\rقال: واتخذ أولاد قابيل آلات اللهو من اليراع والطبول والمزامير والعيدان والطنابير، وانهمكوا في اللهو وشرب الخمر وعبادة النار والزنا والفواحش حتى غرّقهم الله بالطوفان أيام نوح عليه السلام، وبقي نسل شيث.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل أنا عمر بن حفص بن غياث ثنا أبي ثنا الأعمش حدثني عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سنّ القتل\" (1) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب خلق آدم، صلوات الله عليه، وذريته: 6 / 364، وفي الديات، وفي الاعتصام. وأخرجه مسلم في القسامة، باب بيان من سنّ القتل، برقم(1677) 3 / 1303-1304، والمصنف في شرح السنة: 1 / 234.","part":3,"page":46},{"id":805,"text":"{ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32) }\rقوله عز وجل: { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ } قرأ أبو جعفر من أجل ذلك بكسر النون موصولا وقراءة العامة بجزم النون، أي: من جراء ذلك القاتل وجنايته، يقال: أجل يأجل أجلا إذا جنى، مثل أخذ يأخذ أخذا، { كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ } قتلها فيقاد منه، { أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ } يريد بغير نفس وبغير فساد في الأرض من كفر أو زنا أو قطع طريق، أو نحو ذلك { فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا } اختلفوا في تأويلها، قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عكرمة: من قتل نبيا أو إماما عدلا فكأنما قتل الناس جميعا، ومن شدّ عضد نبي أو إمام عدل فكأنما أحيا الناس جميعا.\rقال مجاهد: من قتل نفسا محرمة يصلى النار بقتلها، كما يصلاها لو قتل الناس جميعا \"ومن أحياها\" من سلم من قتلها فقد سلم من قتل الناس جميعا.","part":3,"page":46},{"id":806,"text":"قال قتادة: عظم الله أجرها وعظّم وزرها، معناه من استحل قتل مسلم بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا في الإثم لأنهم لا يسلمون منه، { وَمَنْ أَحْيَاهَا } وتورع عن قتلها، { فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا } [في الثواب لسلامتهم منه. قال الحسن: فكأنما قتل الناس جميعا] (1) يعني: أنه يجب عليه من القصاص بقتلها مثل الذي يجب عليه لو قتل الناس جميعا، ومن أحياها: أي عُفِي عمن وجب عليه القصاص له فلم يقتله فكأنما أحيا الناس جميعا، قال سليمان بن علي قلت للحسن: يا أبا سعيد: هي لنا كما كانت لبني إسرائيل؟ قال: إي والذي لا إله غيره ما كانت دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا، { وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأرْضِ لَمُسْرِفُونَ }\r{ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) }\r{ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا } الآية. قال الضحاك: نزلت في قوم من أهل الكتاب كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فنقضوا العهد وقطعوا السبيل وأفسدوا في الأرض (2) .\rوقال الكلبي: نزلت في قوم هلال بن عويمر، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وداع هلال بن عويمر وهو أبو بردة الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه، وممن مرّ بهلال بن عويمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو آمن لا يهاج، فمرّ قوم من بني كنانة يريدون الإسلام بناس من أسلم من قوم هلال بن عويمر، ولم يكن هلال شاهدا [فشدوا] (3) عليهم فقتلوهم وأخذوا أموالهم فنزل جبريل عليه السلام بالقضاء فيهم، وقال سعيد بن جبير: نزلت في ناس من عُرَيْنَة وعُكْل أتو النبي صلى الله عليه وسلم وبايعوه على الإسلام وهم كذبة فبعثهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصدقة، فارتدوا وقتلوا الراعي 106\\أ واستاقوا الإبل.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) أخرجه الطبري عن ابن عباس قال: كان من أهل الكتاب بينهم وبين النبي عهد...، وأخرجه عن الضحاك قال: كان قوم بينهم وبين رسول الله ميثاق - ولم يذكر أنهم من أهل الكتاب. تفسير الطبري: 6 / 206 (طبع الحلبي) وعزاه السيوطي أيضا لعبد بن حميد: الدر المنثور: 3 / 69.\r(3) في \"ب\": (فهدوا إليهم).","part":3,"page":47},{"id":807,"text":"[أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا علي بن عبد الله ثنا الوليد بن مسلم ثنا الأوزاعي حدثني يحيى بن أبي كثير حدثني أبو قلابة الجرمي] (1) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم نفر من عُكْل فأسلموا واجتووا المدينة فأمرهم [النبي صلى الله عليه وسلم] (2) أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا فصحوا فارتدوا وقتلوا رعاتها واستاقوا الإبل، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في آثارهم، فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسَمَل أعينهم ثم لم يحسمهم حتى ماتوا.\rورواه أيوب عن أبي قلابة عن أنس رضي الله عنه قال: فقطع أيديهم وأرجلهم ثم أمر بمسامير فكحلهم بها وطرحهم بالحرة يستسقون فما يسقون حتى ماتوا، قال أبو قلابة: قتلوا وسرقوا وحاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فسادا (3) [وهو المراد من قوله تعالى: \"ويسعون في الأرض فسادا] (4) .\rواختلفوا في حكم هؤلاء العرنيين: فقال بعضهم: هي منسوخة لأن المثلة لا تجوز، وقال بعضهم: حكمه ثابت إلا السمل [والمثلة] (5) وروى قتادة عن ابن سيرين أن ذلك كان قبل أن [ينزل الحد] (6) وقال أبو الزناد: فلما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بهم أنزل الله الحدود ونهاه عن المثلة فلم يعد.\rوعن قتادة قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كان يحث على الصدقة وينهى عن المثلة (7) وقال سليمان التيمي عن أنس: إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين أولئك لأنهم سلموا أعين الرعاة. وقال الليث بن سعد: نزلت هذه الآية معاتبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعليما منه إياه عقوبتهم، وقال: إنما جزاؤهم هذا لا المثلة، ولذلك ما قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا إلا نهى عن المثلة.\rواختلفوا في المحاربين الذين يستحقون هذا الحد، فقال قوم: هم الذين يقطعون الطريق ويحملون السلاح، والمكابرون في الأمصار، وهو قول الأوزاعي ومالك والليث بن سعد والشافعي رحمهم الله.\r__________\r(1) سقط الإسناد من هذا الموضع إلى نهاية ورقة (106) من نسخة الظاهرية.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) أخرجه البخاري في المغازي، باب قصة عكل وعرينة: 7 / 458، وفي الحدود، ومسلم في القسامة، باب حكم المحاربين والمرتدين، برقم(1671): 3 / 1296-1297. والمصنف في شرح السنة: 10 / 256-257.\r(4) ساقط من \"ب\".\r(5) ساقط من \"ب\".\r(6) في \"ب\": (تنزل الحدود).\r(7) انظر: البخاري، كتاب المغازي: 7 / 458.","part":3,"page":48},{"id":808,"text":"وقال قوم: المكابرون في الأمصار ليس لهم حكم المحاربين في استحقاق هذه الحدود وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه.\rوعقوبة المحاربين ما ذكر الله سبحانه وتعالى: { أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ } فذهب قوم إلى أن الإمام بالخيار في أمر المحاربين بين القتل والقطع والصلب، [والنفي] (1) كما هو ظاهر الآية، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن والنخعي ومجاهد.\rوذهب الأكثرون إلى أن هذه العقوبات على ترتيب الجرائم لا على التخيير، [لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمدد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا إبراهيم بن محمد عن صالح مولى التوأمة] (2) عن ابن عباس رضي الله عنهما في قطاع الطريق إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، فإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض (3) .\rوهو قول قتادة والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي رحمهم الله تعالى.\r[وإذا قتل قاطع الطريق يُقتل] (4) حتما حتى لا يسقط بعفو ولي الدم، وإذا أخذ من المال نصابا وهو ربع دينار تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى، وإذا قتل وأخذ المال يُقتل ويُصلب.\rواختلفوا في كيفيته: فظاهر مذهب الشافعي رضي الله عنه أن يقتل ثم يصلب وقيل: يصلب حيا ثم يطعن حتى يموت مصلوبا، وهو قول الليث بن سعد، وقيل: يصلب ثلاثة أيام حيا ثم ينزل فيقتل، وإذا أخاف السبيل ينفى.\rواختلفوا في النفي: فذهب قوم إلى أن الإمام يطلبه ففي كل بلدة يوجد ينفى عنه، وهو قول سعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز، وقيل: يطلب لتقام الحدود عليه، وهو قول ابن عباس والليث بن\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) أخرجه الشافعي في المسند: 2 / 86 (ترتيب المسند) وفي سنده: إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، متروك. (التقريب). وصالح مولى التوأمة، وهو صالح بن نبهان صدوق اختلط بآخرة (تقريب).\r(4) زيادة من \"ب\".","part":3,"page":49},{"id":809,"text":"سعد، وبه قال الشافعي: وقال أهل الكوفة: النفي هو الحبس، وهو نفي من الأرض، وقال محمد بن جرير: ينفى من بلده إلى غيره ويحبس في السجن [في البلد الذي نُفي إليه حتى تظهر توبته. كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول من حبس في السجون] (1) وقال: أحبسه حتى أعلم منه التوبة، ولا أنفيه إلى بلد فيؤذيهم، { ذَلِكَ } الذي ذكرت من الحد، { لَهُمْ خِزْي } عذاب وهوان وفضيحة، { فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }\r{ إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34) }\r{ إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } فمن ذهب إلى أن الآية نزلت في الكفار، قال معناه: إلا الذين تابوا من شركهم وأسلموا قبل القدرة عليهم فلا سبيل عليهم بشيء من الحدود ولا تبعة عليهم فيما أصابوا في حال الكفر من دم أو مال، وأما المسلمون المحاربون فمن [تاب] (2) منهم قبل القدرة عليهم وهو قبل أن يظفر به الإمام تسقط عنه كل عقوبة وجبت حقا لله، ولا يسقط ما كان من حقوق العباد فإن كان قد قتل في قطع الطريق يسقط عنه بالتوبة قبل القدرة عليه تحتم القتل، ويبقى عليه القصاص لولي القتيل فإن شاء عفا عنه وإن شاء استوفاه، وإن كان قد أخذ المال يسقط عنه [القطع] (3) وإن كان قد جمع بينهما يسقط عنه تحتم القتل والصلب، ويجب ضمان المال وهو قول الشافعي رضي الله عنه.\rوقال بعضهم: إذا جاء تائبا قبل القدرة عليه لا يكون لأحد عليه تبعة في دم ولا مال إلا أن يوجد معه مال بعينه فيرده إلى صاحبه.\rوروي عن علي رضي الله عنه في حارثة بن يزيد كان خرج محاربا فسفك الدماء وأخذ المال، ثم جاء تائبا قبل أن يقدر عليه فلم يجعل علي رضي الله عنه عليه تبعة [في دم ولا مال، إلا أن يوجد معه مال فيرد إلى صاحبه] (4) أما من تاب بعد القدرة عليه فلا يسقط عنه شيء منها.\rوقيل: كل عقوبة تجب حقا لله عز وجل من عقوبات قطع الطريق وقطع السرقة وحد الزنا والشرب تسقط بالتوبة بكل حال، والأكثرون على أنها لا تسقط.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) في \"ب\": مات.\r(3) زيادة من \"ب\".\r(4) ما بين القوسين زيادة من \"ب\"، وانظر: الطبري: 6 / 221، الدر المنثور: 3 / 70.","part":3,"page":50},{"id":810,"text":"{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36) }","part":3,"page":51},{"id":811,"text":"{ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (37) وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا } اطلبوا ، { إِلَيْهِ الْوَسِيلَة } أي: القربة، فعيلة من توسل إلى فلان بكذا، أي: تقرب إليه وجمعها وسائل، { وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [تلخيصه: امتثلوا أمر الله تنجوا] (1) .\r{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ } أخبر أن الكافر لو ملك الدنيا كلها ومثلها معها ثم فدى بذلك نفسه من العذاب لم يقبل منه ذلك الفداء، { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }\r{ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا } فيه وجهان، أحدهما: أنهم يقصدون ويطلبون المخرج منها، كما قال الله تعالى: \"كلما أرادوا أن يخرجوا منها\"(الحج -22) والثاني: أنهم يتمنون ذلك بقلوبهم، كما قال الله تعالى إخبارا عنهم: \"ربنا أخرجنا منها\"(المؤمنون -107) { وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ }\r{ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } أراد به أيمانهما، وكذلك هو في مصحف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.\rوحكمه أن من سرق [نصابا] (2) من المال من حرز لا شبهة له فيه تقطع يده اليمنى من الرسغ، ولا يجب القطع في سرقة ما دون النصاب عند عامة أهل العلم، حكي عن ابن الزبير أنه كان يقطع في الشيء القليل، وعامة العلماء على خلافه.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) زيادة من \"ب\".","part":3,"page":51},{"id":812,"text":"واختلفوا في القدر الذي يقطع فيه: فذهب أكثرهم إلى أنه لا يقطع في أقل من ربع دينار، فإن سرق ربع دينار أو متاعا قيمته ربع دينار يقطع، وهو قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم، وبه قال عمر بن عبد العزيز والأوزاعي والشافعي رحمهم الله، لِما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا ابن عيينة عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"القطع في ربع دينار فصاعدا\" (1) .\rأخبرنا أبو الحسن الشيرزي أخبرنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع سارقا في مجن [ثمنه] (2) ثلاثة دراهم (3) .\rورُوي عن عثمان أنه قطع سارقا في أترجة قومت بثلاثة دراهم من صرف اثني عشر درهما بدينار. وهذا قول مالك رحمه الله تعالى أنه يقطع في ثلاثة دراهم.\rوذهب قوم إلى أنه لا تقطع في أقل من دينار أو عشرة دراهم، يُروى ذلك عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي.\rوقال قوم لا يقطع إلا في خمسة دراهم يُروى ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه وبه قال ابن أبي ليلى، أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عمر بن حفص بن غياث أخبرني أبي أنا الأعمش قال: سمعت أبا صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده\" (4) وقال الأعمش: كانوا يرون أنه بيض الحديد والحبل. يرون أن منها ما يساوي دراهم.\rويحتج بهذا الحديث من يرى القطع في الشيء القليل، وهو عند الأكثرين محمول على ما قاله الأعمش] (5) 106/ب لحديث عائشة رضي الله عنها \"وإذا سرق شيئا من غير حرز كثمر في حائط لا\r__________\r(1) أخرجه الشافعي في المسند: 2 / 83 والبخاري في الحدود، باب قول الله تعالى: \"والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما\" وفي كم يقطع؟: 12 / 96، ومسلم في الحدود، باب حد السرقة ونصابها، برقم(1684): 3 / 1312، والمصنف في شرح السنة: 10 / 312.\r(2) في \"ب\": (قيمته).\r(3) أخرجه البخاري، في الموضع السابق: 12 / 97، ومسلم في الموضع نفسه، برقم(1686): 3 / 1313، والمصنف في شرح السنة 10 / 313.\r(4) أخرجه البخاري في الحدود، باب لعن السارق إذا لم يسم: 12 / 81، ومسلم في الحدود في الموضع السابق برقم(1687): 3 / 1314، والمصنف في شرح السنة: 10 / 314.\r(5) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".","part":3,"page":52},{"id":813,"text":"حارس له أو حيوان في برية لا حافظ له، أو متاع في بيت منقطع عن البيوت لا قطع عليه\".\rورُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا آواه المُراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن\" (1) .\rوروي عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع\" (2) .\rوإذا سرق مالا له فيه شبهة كالعبد يسرق من مال سيده أو الولد يسرق من مال والده أو الوالد يسرق من مال ولده أو أحد الشريكين يسرق من مال المشترك شيئا: لا قطع عليه.\rوإذا سرق السارق أول مرة تقطع يده اليمنى من الكوع، ثم إذا سرق ثانيا تقطع رجله اليسرى من مفصل القدم.\rواختلفوا فيما إذا سرق ثالثا: فذهب أكثرهم إلى أنه تقطع يده اليسرى، ثم إذا سرق رابعا تقطع رجله اليمنى، ثم إذا سرق بعده شيئا يعزر ويحبس حتى تظهر توبته، وهو المروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهو قول قتادة، وبه قال مالك والشافعي لما رُوي عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال \"في السارق يسرق إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله\" (3) .\rوذهب قوم إلى أنه إن سرق ثالثا بعدما قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى لا يقطع بل يحبس، ورُوي ذلك عن علي رضي الله عنه، وقال: \"إني لأستحي أن لا أدع له يدا يستنجي بها ولا رجلا\r__________\r(1) أخرجه الإمام مالك في الموطأ، كتاب الحدود، باب ما يجب فيه القطع: 2 / 831، قال ابن عبد البر: \"لم تختلف رواة الموطأ في إرساله، ويتصل معناه من حديث عبد الله بن عمرو وغيره\". ووصله النسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، في قطع السارق، باب الثمر المعلق يُسْرق، وباب الثمر يسرق بعد أن يؤيه الجرين؛ 8 / 84-86، والمصنف في شرح السنة: 10 / 319.\r(2) أخرجه أبو داود في الحدود، باب القطع في الخلسة والخيانة: 6 / 224-225، والترمذي في الحدود باب ما جاء في الخائن والمختلس: 5 / 8-9 وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي في باب ما لا قطع فيه: 8 / 89، وابن ماجه في الحدود، باب الخائن والمنتهب والمختلس: 2 / 864، والدارمي في باب ما لا يقطع من السراق: 2 / 175، وصححه ابن حبان برقم (1502،1503) من موارد الظمآن، قال الزيلعي في نصب الراية: 3 / 364: \"سكت عنه عبد الحق في أحكامه، وابن القطان بعد، فهو صحيح عندهما\" وانظر: شرح السنة: 10 / 321-322.\r(3) أخرجه الدارقطني في السنن: 3 / 181، والطبراني والشافعي (مجمع الزوائد: 6 / 275، تلخيص الحبير: 4 / 68 وقال ابن حجر: إسناده ضعيف، وصححه الألباني بشواهده عند أبي داود والنسائي والبيهقي. انظر: إرواء الغليل: 8 / 86-89.","part":3,"page":53},{"id":814,"text":"يمشي بها\" (1) وهو قول الشعبي والنخعي، وبه قال الأوزاعي وأحمد وأصحاب الرأي. قوله تعالى: { جَزَاءً بِمَا كَسَبَا } نصب على الحال والقطع، ومثله: { نَكَالا } أي: عقوبة، { مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }\r{ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40) يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) }\r{ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ } أي: سرقته، { وَأَصْلَح } العمل، { فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } هذا فيما بينه وبين الله تعالى، فأما القطع فلا يسقط عنه بالتوبة عند الأكثرين، قال مجاهد: قطع السارق توبته، فإذا قطع حصلت التوبة، والصحيح أن القطع للجزاء على الجناية، كما قال: { جَزَاءً بِمَا كَسَبَا } فلا بد من التوبة بعد، وتوبته الندم على ما مضى والعزم على تركه في المستقبل، وإذا قطع السارق يجب عليه غرم ما سرق من المال عند أكثر أهل العلم، وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي: لا غرم عليه، وبالاتفاق إن كان المسروق باقيا عنده يسترد وتقطع يده لأن القطع حق الله تعالى والغرم حق العبد، فلا يمنع أحدهما الآخر، كاسترداد العين.\r__________\r(1) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: 9 / 509، وذكره ابن التركماني في الجوهر النقي في الرد على البيهقي المطبوع مع السنن: 8 / 274.","part":3,"page":54},{"id":815,"text":"قوله تعالى: { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به الجميع، وقيل: معناه ألم تعلم أيها الإنسان فيكون خطابا لكل أحد من الناس، { يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ } قال السدي واالكلبي: يعذب من يشاء: من مات على كفره، ويغفر لمن يشاء: [الكبيرة] (1) من تاب من كفره، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يعذب من يشاء على الصغيرة، ويغفر لمن يشاء على الكبيرة، { وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }\rقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ } أي: في موالاة الكفار فإنهم لم يعجزوا الله، { مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ } وهم المنافقون، { وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا } يعني: اليهود، { سَمَّاعُونَ } أي: قوم سماعون، { لِلْكَذِبِ } أي: قائلون للكذب، كقول المصلي: سمع الله لمن حمده، أي: قبل الله، وقيل: سماعون لأجل الكذب، أي يسمعون منك ليكذبوا عليك، وذلك أنهم كانوا يسمعون من الرسول صلى الله عليه وسلم ثم يخرجون ويقولون سمعنا منه كذا ولم يسمعوا ذلك منه، { سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوك } أي هم جواسيس، يعني: بني قريظة لقوم آخرين، وهم أهل خيبر.\rوذلك أن رجلا وامرأة من أشراف أهل خيبر زنيا وكانا محصنين، وكان حدهما الرجم في التوراة، فكرهت اليهود رجمهما لشرفهما، فقالوا: إن هذا الرجل الذي بيثرب ليس في كتابه الرجم ولكنه الضرب، فأرسلوا إلى إخوانكم من بني قريظة فإنهم جيرانه وصلح له فليسألوه عن ذلك. فبعثوا رهطا منهم مستخفين وقالوا لهم: سلوا محمدا عن الزانيين إذا أحصنا ما حدهما؟ فإن أمركم بالجلد فاقبلوا منه، وإن أمركم بالرجم فاحذروه ولا تقبلوا منه، وأرسلوا معهم الزانيين فقدم الرهط حتى نزلوا على بني قريظة والنضير فقالوا لهم: إنكم جيران هذا الرجل ومعه في بلده وقد حدث، فينا حدث فلان وفلانة قد فَجَرَا وقد أحصنا، فنحب أن تسألوا لنا محمدا عن قضائه فيه، فقالت لهم قريظة والنضير: إذًا والله يأمركم بما تكرهون.\rثم انطلق قوم، منهم كعب بن الأشرف وكعب بن أسد وسعية بن عمرو ومالك بن الصيف وكنانة بن أبي الحقيق وغيرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا ما حدهما في كتابك؟\rفقال صلى الله عليه وسلم: هل ترضون بقضائي؟ قالوا: نعم، فنزل جبريل عليه السلام بالرجم فأخبرهم بذلك\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":55},{"id":816,"text":"فأبوا أن يأخذوا به.\rفقال له جبريل عليه السلام: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا، ووصفه له.\rفقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"هل تعرفون شابا أمرد أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا؟ قالوا: نعم، قال: فأي رجل هو فيكم؟ فقالوا: هو أعلم يهودي بقي على وجه الأرض بما أنزل الله سبحانه وتعالى على موسى عليه السلام في التوراة.\rقال: فأرسلوا إليه، ففعلوا فأتاهم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: \"أنت ابن صوريا\"؟ قال: نعم، قال: وأنت أعلم اليهود؟ قال: كذلك يزعمون، قال: أتجعلونه بيني وبينكم؟ قالوا: نعم.\rفقال له النبي صلى الله عليه وسلم: \"أنشدك بالله الذي لا إله إلا هو، الذي أنزل التوراة على موسى عليه السلام وأخرجكم من مصر، وفلق لكم البحر وأنجاكم وأغرق آل فرعون، والذي ظلل عليكم الغمام وأنزل عليكم المن والسلوى، وأنزل عليكم كتابه وفيه حلاله وحرامه هل تجدون في كتابكم الرجم على من أحصن؟\".\rقال ابن صوريا: نعم والذي ذكرتني به لولا خشية أن تحرقني التوراة إن كذبت أو غيّرت ما اعترفت لك، ولكن كيف هي في كتابك يا محمد؟ قال: \"إذا شهد أربعة رهط عدول أنه قد أدخله فيها كما يدخل الميل في المكحلة وجب عليه الرجم\"، فقال ابن صوريا: والذي أنزل التوراة على موسى هكذا أنزل الله عز وجل في التوراة على موسى عليه السلام، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: \"فما كان أول ما ترخصتم به أمر الله؟\"، قال: كنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فكثر الزنا في أشرافنا حتى زنا ابن عم ملك لنا فلم نرجمه، ثم زنى رجل آخر من الناس فأراد ذلك الملك رجمه فقام دونه قومه، فقالوا: والله لا ترجمه حتى يرجم فلان -لابن عم الملك -فقلنا: تعالوا نجتمع فلنضع شيئا دون الرجم يكون على الوضيع والشريف، فوضعنا الجلد والتحميم، وهو أن يجلد أربعين جلدة بحبل مطلي بالقار ثم يسود وجوههما، ثم يحملان على حمارين ووجوههما من قبل دبر الحمار ويطاف بهما، فجعلوا هذا مكان الرجم، فقالت اليهود [لابن صوريا] (1) ما أسرع ما أخبرته به، وما كنا لما أثنينا عليك بأهل ولكنك كنت غائبا فكرهنا أن نغتابك، فقال لهم: إنه قد أنشدني بالتوراة ولولا خشية التوراة أن تهلكني لما أخبرته، فأمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم فرجما عند باب مسجده، وقال: اللهم\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":56},{"id":817,"text":"إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه، فأنزل 107\\أ الله عز وجل { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ } (1) .\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم قال: إن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟\" فقالوا: نفضحهم ويجلدون، قال عبد الله بن سلام: [كذبتم] (2) إن فيها لآية الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله: ارفع يدك، فرفع يده فإذا فيها آية الرجم، قالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما، فقال عبد الله بن عمر: فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة (3) .\rوقيل: سبب نزول هذه الآية القصاص، وذلك أن بني النضير كان لهم فضل على بني قريظة فقال بنو قريظة: يا محمد إخواننا بنو النضير وأبونا واحد وديننا واحد ونبينا واحد، إذا قتلوا منا قتيلا واحدا لم يقيدونا وأعطونا ديته سبعين وسقا من تمر، وإذا قتلنا منهم قتلوا القاتل وأخذوا منا الضعف مائة وأربعين وسقا من تمر، وإن كان القتيل امرأة قتلوا بها الرجل منا وبالرجل منهم الرجلين منا، وبالعبد الحر منا، وجراحتنا على التضعيف من جراحاتهم، فاقض بيننا وبينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية (4) .\rوالأول أصح لأن الآية في الرجم.\rقوله: { وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ } قيل: اللام بمعنى إلى، وقيل: هي لام كي، أي: يسمعون لكي يكذبوا عليك، واللام في قوله: { لِقَوْم } أي: لأجل قوم { آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ } وهم أهل خيبر ، { يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ } [جمع كلمة] (5) { مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِه } أي: من بعد وضعه مواضعه، ذكر الكناية ردا على لفظ الكلم، { يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ } أي: [إن] (6) أفتاكم\r__________\r(1) انظر: تفسير الطبري: 6 / 232، الدر المنثور: 3 / 78، ابن كثير: 2 / 60-61.\r(2) ساقط في ب.\r(3) أخرجه البخاري في المناقب، باب \"يعرفونه كما يعرفون أبناءهم...\" 6 / 631، وفي التفسير والتوحيد، واللفظ له، وأخرجه مسلم في الحدود، باب رجم اليهود، أهل الذمة في الزنا، برقم (1699): 3 / 1326.\r(4) انظر: تفسير الطبري: 6 / 243، الدر المنثور: 3 / 78، ابن كثير: 2 / 61-62.\r(5) زيادة من \"ب\".\r(6) في ب \"من أجل أن\".","part":3,"page":57},{"id":818,"text":"محمد صلى الله عليه وسلم بالجلد والتحميم فاقبلوا، { وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ } كفره وضلالته، قال الضحاك: هلاكه، وقال قتادة: عذابه، { فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا } فلن تقدر على دفع أمر الله فيه ، { أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُم } وفيه رد على من ينكر القدر ، { لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ } أي: للمنافقين واليهود، فخزي المنافقين الفضيحة وهتك الستر بإظهار نفاقهم، وخزي اليهود الجزية والقتل والسبي والنفي، ورؤيتهم من محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيهم ما يكرهون، { وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } الخلود في النار.","part":3,"page":58},{"id":819,"text":"{ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) }\rقوله تعالى: { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ } قرأ ابن كثير وأبو جعفر وأهل البصرة والكسائي \"للسحت\" بضم الحاء، والآخرون بسكونها، وهو الحرام، وأصله الهلاك والشدة، قال الله تعالى: { فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ }(طه، 61)، نزلت في حكام اليهود كعب بن الأشرف وأمثاله، كانوا يرتشون ويقضون لمن رشاهم.\rقال الحسن: كان الحاكم منهم إذا أتاه أحد برشوة جعلها في كمه فيريها إياه ويتكلم بحاجته فيسمع منه ولا ينظر إلى خصمه، فيسمع الكذب ويأكل الرشوة.\rوعنه أيضا قال: إنما ذلك في الحَكَم إذا رشوته ليحق لك باطلا أو يبطل [عنك] (1) حقا (2) . فأما أن يعطي الرجل الوالي يخاف ظلمه ليدرأ به عن نفسه فلا بأس، فالسحت هو الرشوة في الحكم على قول الحسن ومقاتل وقتادة والضحاك، وقال ابن مسعود: هو الرشوة في كل شيء، وقال ابن مسعود: من يشفع شفاعة ليرد بها حقا أو يدفع بها [ظلماٍ (3) فأهدي له فقبل فهو سحت، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن ما كنا نرى ذلك إلا الأخذ على الحكم، فقال: الأخذ على الحكم كفر (4) قال الله\r__________\r(1) في \"ب\": (لك).\r(2) انظر: الطبري: 6 / 239، الدر المنثور: 3 / 80-81.\r(3) في \"ب\": (باطلا).\r(4) الطبري: 6 / 240.","part":3,"page":58},{"id":820,"text":"تعالى: { يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } \"سورة المائدة، 44\".\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم البغوي ثنا علي بن الجعد أنا ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"لعن الله الراشي والمرتشي\". (1) .\rوالسحت كل كسب لا يحل.\rقوله عز وجل: { فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا } خيّر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في الحكم بينهم إن شاء حكم وإن شاء ترك.\rواختلفوا في حكم الآية اليوم هل للحاكم الخيار في الحكم بين أهل الذمة إذا تحاكموا إلينا؟ فقال أكثر أهل العلم: هو حكم ثابت، وليس في سورة المائدة منسوخ، وحكام المسلمين بالخيار في الحكم بين أهل الكتاب إن شاءوا حكموا وإن شاءوا لم يحكموا، وإن حكموا حكموا بحكم الإسلام، وهو قول النخعي والشعبي وعطاء وقتادة.\rوقال قوم: يجب على حاكم المسلمين أن يحكم بينهم، والآية منسوخة نسخها قوله تعالى: \"وأن احكم بينهم بما أنزل الله\"(سورة المائدة، 49)، وهو قول مجاهد وعكرمة، وروي ذلك عن ابن عباس (2) وقال: لم ينسخ من المائدة إلا آيتان، قوله تعالى: \"لا تحلوا شعائر الله\" نسخها قوله تعالى: \"اقتلوا المشركين\" وقوله: \"فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم\" نسخها قوله تعالى: \"وأن احكم بينهم بما أنزل الله\" فأما إذا تحاكم إلينا مسلم وذمي فيجب علينا الحكم بينهما لا يختلف القول فيه، لأنه لا يجوز للمسلم الانقياد لحكم أهل الذمة. قوله { وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْط } أي: بالعدل، { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } أي: العادلين، روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"المقسطون عند الله على منابر من نور\" (3) .\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الأقضية، باب في كراهية الرشوة: 5 / 207، والترمذي في الأحكام، باب ما جاء في الراشي والمرتشي في الحكم: 4 / 567، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه في الأحكام، باب التغليظ في الحيف والرشوة. 2 / 775. وصححه الحاكم: 4 / 102،103، ووافقه الذهبي. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 10 / 87-88.\r(2) انظر: الطبري: 6 / 744-747، الناسخ والمنسوخ لأبي القاسم هبة الله بن سلامة، ص(41-42)، أحكام القرآن للجصاص: 4 / 87-89.\r(3) أخرجه مسلم في الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل، برقم(1827): 3 / 1458، والمصنف في شرح السنة: 10 / 63-64.","part":3,"page":59},{"id":821,"text":"{ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43) إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) }\rقوله تعالى: { وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاة } هذا تعجيب للنبي صلى الله عليه وسلم، وفيه اختصار، أي: كيف يجعلونك حكما بينهم فيرضون بحكمك وعندهم التوراة؟ { فِيهَا حُكْمُ اللَّه } وهو الرجم، { ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ } أي بمصدقين لك.\rقوله عز وجل: { إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا } أي: أسلموا وانقادوا [لأمر] (1) الله تعالى، كما أخبر عن إبراهيم عليه السلام: \"إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين\"(سورة البقرة، 131)، وكما قال: \"وله أسلم من في السموات والأرض\"(سورة آل عمران، 83)، وأراد بهم النبيين الذين بعثوا من بعد موسى عليه السلام ليحكموا بما في التوراة، وقد أسلموا لحكم التوراة وحكموا بها، فإن من النبيين من لم يؤمر بحكم التوراة منهم عيسى عليه السلام، قال الله سبحانه وتعالى: \"لكل جعلنا منك شرعة ومنهاجا\"(سورة المائدة، 48).\rوقال الحسن والسدي: أراد به محمدا صلى الله عليه وسلم حكم على اليهود بالرجم، ذكر بلفظ الجمع كما قال: \"إن إبراهيم كان أمة قانتا\"(سورة النحل، 120).\rوقوله تعالى: { لِلَّذِينَ هَادُوا } فيه تقديم وتأخير، تقديره: فيها هدى ونور للذين هادوا. ثم قال: يحكم بها النبيون الذين أسلموا والربانيون، وقيل: هو على موضعه، ومعناه: يحكم بها النبيون الذين أسلموا على الذين هادوا، كما قال: \"وإن أسأتم فلها\"(سورة الإسراء، 7) أي: فعليها، وقال: \"أولئك لهم اللعنة\"(سورة الرعد، 25) أي: عليهم، وقيل: فيه حذف، كأنه قال: للذين هادوا وعلى الذين هادوا فحذف أحدهما اختصارا.\r__________\r(1) في \"ب\": (لحكم).","part":3,"page":60},{"id":822,"text":"{ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ } يعني العلماء: واحدهم حبر، وحبر بفتح الحاء وكسرها، والكسر أفصح، وهو العالم المحكم للشيء، قال الكسائي وأبو عبيد: هو من الحبر الذي يكتب به وقال قطرب هو من الحبر الذي هو بمعنى الجمال بفتح الحاء وكسرها، وفي الحديث \"يخرجُ من النار رجل قد ذهب حبره وسبره\" (1) أي: حسنه وهيئته، ومنه التحبير وهو التحسين، فسمى العالم حبرا لما عليه من جمال العلم وبهائه، وقيل: الربانيون هاهنا من النصارى، والأحبار من اليهود، وقيل: كلاهما من اليهود.\rقوله عز وجل: { بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّه } أي: استودعوا من كتاب الله، { وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ } أنه كذلك.\r{ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } قال قتادة 107/ب والضحاك: نزلت هذه الآيات الثلاث في اليهود دون من أساء من هذه الأمة. رُوي عن البراء بن عازب رضي الله عنه في قوله: { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } والظالمون والفاسقون كلها في الكافرين، وقيل: هي على الناس كلهم.\rوقال ابن عباس (2) وطاووس: ليس بكفر ينقل عن الملة، بل إذا فعله فهو به [كافر] (3) وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر.\rقال عطاء: هو كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، وقال عكرمة معناه: ومن لم يحكم بما أنزل الله جاحدا به فقد كفر، ومن أقرّ به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق.\rوسئل عبد العزيز بن يحيى الكناني عن هذه الآيات، فقال: إنها تقع على جميع ما أنزل الله لا على بعضه، فكل من لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق، فأما من حكم بما أنزل الله من التوحيد وترك الشرك، ثم لم يحكم [بجميع] (4) ما أنزل الله من الشرائع لم يستوجب حكم هذه الآيات. وقال العلماء: هذا إذا رد نص حكم الله عيانا عمدا، فأما من خفي عليه أو أخطأ في تأويل فلا (5) .\r__________\r(1) ذكره الزمخشري في الفائق: 1 / 251، وابن الأثير في النهاية: 1 / 327.\r(2) أخرجه الحاكم في المستدرك: 2 / 313 وصححه على شرط الشيخين.\r(3) في \"ب\": (كفر).\r(4) في \"ب\": (ببعض).\r(5) للشيخ أحمد محمد شاكر وأخيه محمود شاكر تعليق على هذه الآثار، في عمدة التفسير وفي تفسير الطبري، عند تفسير هذه الآية، ننقله هنا بتمامه: قال الشيخ أحمد شاكر في عمدة التفسير: 4 / 156-158 \"وهذه الآثار - عن ابن عباس وغيره - مما يلعب به المضللون في عصرنا هذا، من المنتسبين للعلم، ومن غيرهم من الجرآء على الدين: يجعلونها عذرا أو إباحة للقوانين الوثنية الموضوعة، التي ضربت على بلاد الإسلام. وهناك أثر عن أبي مجلز، في جدال الإباضية إياه، فيما كان يصنع بعض الأمراء من الجور، فيحكمون في بعض قضائهم بما يخالف الشريعة، عمدا إلى الهوى، أو جهلا بالحكم. والخوارج، من مذهبهم أن مرتكب الكبيرة كافر، فهم يجادلون يريدون من أبي مجلز أن يوافقهم على ما يرون من كفر هؤلاء الأمراء، ليكون ذلك عذرا لهم فيما يرون من الخروج عليهم بالسيف. وهذان الأثران رواهما الطبري: 12025، 12026. وكتب عليهما أخي السيد محمود محمد شاكر تعليقا نفيسا جدا، قويا صريحا. فرأيت أن أثبت هنا نص أولى روايتي الطبري، ثم تعليق أخي على الروايتين. فروى الطبري: 12025، عن عمران بن حدير: قال: \"أتى أبا مجلز ناس من بني عمرو بن سدوس، فقالوا: يا أبا مجلز، أرأيت قول الله \"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون\" أحق هو؟ قال: نعم، قال: \"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون\" أحق هو؟ قال: نعم، قالوا: \"ومن لم يحكم بما أنزل فأولئك هم الفاسقون\" أحق هو؟ قال: نعم. قال: فقالوا: يا أبا مجلز، فيحكم هؤلاء بما أنزل الله؟ قال: هو دينهم الذي يدينون به، وبه يقولون، وإليه يدعون. فإن هم تركوا شيئا منه عرفوا أنهم قد أصابوا ذنبا، فقالوا: لا والله، ولكنك تفرق! قال: أنتم أولى بهذا مني! لا أرى، وإنكم ترون هذا ولا تحرجون! ولكنها أنزلت في اليهود والنصارى وأهل الشرك، أو نحوا من هذا\". ثم روى الطبري: 12026 نحو معناه. وإسناداه صحيحان. فكتب أخي السيد محمود، بمناسبة هذين الأثرين ما نصه: اللهم إني أبرأ إليك من الضلالة. وبعد، فإن أهل الريب والفتن ممن تصدروا للكلام في زماننا هذا، قد تلمس المعذرة لأهل السلطان في ترك الحكم بما أنزل الله، وفي القضاء في الدماء والأعراض والأموال بغير شريعة الله التي أنزلها في كتابه. وفي اتخاذهم قانون أهل الكفر شريعة في بلاد الإسلام. فلما وقف على هذين الخبرين، اتخذهما رأيا يرى به صواب القضاء في الأموال والأعراض والدماء بغير ما أنزل الله، وأن مخالفة شريعة الله في القضاء العام لا تكفر الراضي بها، والعامل عليها. والناظر في هذين الخبرين لا محيص له عن معرفة السائل والمسئول، فأبو مجلز (لاحق بن حميد الشيباني السدوسي) تابعي ثقة، وكان يحب عليا رضي الله عنه. وكان قوم أبي مجلز، وهم بنو شيبان. من شيعة علي يوم الجمل وصفين. فلما كان أمر الحكمين يوم صفين، واعتزلت الخوارج، كان فيمن خرج على علي رضي الله عنه، طائفة من بني شيبان، ومن بني سدوس بن شيبان بن ذهل. وهؤلاء الذين سألوا أبا مجلز، ناس من بني عمرو بن سدوس (كما في الأثر: 12025)، وهم نفر من الإباضية (كما في الأثر: 12026)، والإباضية من جماعة الخوارج الحرورية، هم أصحاب عبد الله بن إباض التميمي، وهم يقولون بمقالة سائر الخوارج في التحكيم، وفي تكفير علي رضي الله عنه إذ حكم الحكمين، وأن عليا لم يحكم بما أنزل الله، في أمر التحكيم. ثم إن عبد الله بن إباض قال: إن من خالف الخوارج كافر ليس بمشرك، فخالف أصحابه، وأقام الخوارج على أن أحكام المشركين تجري على من خالفهم. ثم افترقت الإباضية بعد عبد الله بن إباض الإمام افتراقا لا ندري معه - في أمر هذين الخبرين - من أي الفرق كان هؤلاء السائلون، بيد أن الإباضية كلها يقول: إن دور مخالفيهم دور توحيد، إلا معسكر السلطان فإنه دار كفر عندهم. ثم قالوا أيضا: إن جميع ما افترض الله سبحانه على خلقه إيمان، وأن كل كبيرة فهي كفر نعمة، لا كفر شرك، وأن مرتكبي الكبائر في النار خالدون مخلدون فيها. ومن البين أن الذين سألوا أبا مجلز من الإباضية، إنما كانوا يريدون أن يلزموه الحجة في تكفير الأمراء، لأنهم في معسكر السلطان، ولأنهم ربما عصوا أو ارتكبوا بعض ما نهاهم الله عن ارتكابه. ولذلك قال لهم في الخبر الأول (رقم: 12025): \"فإن هم تركوا شيئا منه عرفوا أنهم قد أصابوا ذنبا\"، وقال لهم في الخبر الثاني: \"إنهم يعملون بما يعملون أنه ذنب\". وإذن، فلم يكن سؤالهم عما احتج به مبتدعة زماننا، من القضاء في الأموال والأعراض والدماء بقانون مخالف لشريعة أهل الإسلام، ولا في إصدار قانون ملزم لأهل الإسلام، بالاحتكام إلى حكم غير حكم الله في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم. فهذا الفعل إعراض عن حكم الله، ورغبة عن دينه، وإيثار لأحكام أهل الكفر على حكم الله سبحانه وتعالى، وهذا كفر لا يشك أحد من أهل القبلة على اختلافهم في تكفير القائل والداعي إليه. والذي نحن فيه اليوم، هو هجر لأحكام الله عامة بلا استثناء، وإيثار أحكام غير حكمه في كتابه وسنة نبيه، وتعطيل لكل ما في شريعة الله، بل بلغ الأمر مبلغ الاحتجاج على تفضيل أحكام القانون الموضوع، على أحكام الله المنزلة، وادعاء المحتجين لذلك بأن أحكام الشريعة إنما نزلت لزمان غير زماننا، ولعلل وأسباب انقضت، فسقطت الأحكام كلها بانقضائها. فأين هذا مما بيناه من حديث أبي مجلز والنفر من الإباضية من بني عمرو بن سدوس!! ولو كان الأمر على ما ظنوا في خبر أبي مجلز، أنهم أرادوا مخالفة السلطان في حكم من أحكام الشريعة. فإنه لم يحدث في تاريخ الإسلام أن سن حاكم حكما وجعله شريعة ملزمة للقضاء بها. هذه واحدة. وأخرى، أن الحاكم الذي حكم في قضية بعينها بغير حكم الله فيها، فإنه إما أن يكون حكم بها وهو جاهل، فهذا أمره أمر الجاهل بالشريعة. وإما أن يكون حكم بها هوى ومعصية، فهذا ذنب تناله التوبة، وتلحقه المغفرة. وإما أن يكون حكم بها متأولا حكما خالف به سائر العلماء، فهذا حكمه حكم كل متأول يستمد تأويله من الإقرار بنص الكتاب، وسنة رسول الله. وأما أن يكون كان في زمن أبي مجلز أو قبله أو بعده حاكم حكم بقضاء في أمر، جاحدا لحكم من أحكام الشريعة، أو مؤثرا لأحكام أهل الكفر على أحكام أهل الإسلام، فذلك لم يكن قط. فلا يمكن صرف كلام أبي مجلز والإباضيين إليه. فمن احتج بهذين الأثرين وغيرهما في غير بابهما، وصرفهما إلى غير معناهما، رغبة في نصرة سلطان، أو احتيالا على تسويغ الحكم بغير ما أنزل الله وفرض على عباده، فحكمه في الشريعة حكم الجاحد لحكم من أحكام الله: أن يستتاب، فإن أصر وكابر وجاحد حكم الله، ورضي بتبديل الأحكام = فحكم الكافر المصر على كفره معروف لأهل هذا الدين. وكتبه محمود محمد شاكر\".","part":3,"page":61},{"id":823,"text":"{ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأنْفَ بِالأنْفِ وَالأذُنَ بِالأذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) }\rقوله تعالى: { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا } أي: أوجبنا على بني إسرائيل في التوراة، { أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } يعني: نفس القاتل بنفس المقتول وفاء يقتل به، { وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ } تفقأ بها، { وَالأنْفَ بِالأنْفِ } يُجدع به، { وَالأذُنَ بِالأذُنِ } تُقطع بها، قال ابن عباس: أخبر الله تعالى بحكمه في التوراة وهو: أن النفس بالنفس إلى آخرها، فما بالهم يخالفون فيقتلون بالنفس النفسين، ويفقأون بالعين العينين، وخفف نافع الأذن في جميع القرآن وثقلها الآخرون، { وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ } تقلع بها وسائر الجوارح قياس عليها في القصاص، { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } فهذا تعميم بعد تخصيص، لأنه ذكر العين والأنف والأذن والسن، ثم قال: { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } أي فيما يمكن الاقتصاص منه كاليد والرجل واللسان ونحوها، وأما ما لا يمكن الاقتصاص منه من كسر عظم أو جرح لحم كالجائفة ونحوها فلا قصاص فيه، لأنه لا يمكن الوقوف على نهايته، وقرأ الكسائي \"والعين\" وما بعدها بالرفع، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو جعفر وأبو عمرو \"والجروح\" بالرفع فقط وقرأ الآخرون كلها بالنصب كالنفس.","part":3,"page":62},{"id":824,"text":"قوله تعالى: { فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ } أي بالقصاص { فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ } قيل: الهاء في \"له\" كناية عن المجروح وولي القتيل، أي: كفارة للمتصدق وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص والحسن والشعبي وقتادة.\rأخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي أنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أنا عبد الله الحسين بن محمد الدينوري أنا عمر بن الخطاب أنا عبد الله بن الفضل أخبرنا أبو خيثمة أنا جرير عن مغيرة عن الشعبي عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"من تصدق من جسده بشيء كفر الله عنه بقدره من ذنوبه\" (1) .\rوقال جماعة: هي كناية عن الجارح والقاتل، يعني: إذا عفا المجني عليه من الجاني فعفوه كفارة لذنب الجاني لا يؤاخذ به في الآخرة، كما أن القصاص كفارة له، فأما أجر العافي فعلى الله عز وجل، قال الله تعالى: \"فمن عفا وأصلح فأجره على الله\"(الشورى-40)، رُوي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما، وهو قول إبراهيم ومجاهد وزيد بن أسلم، { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }\r__________\r(1) أخرجه الترمذي بنحوه مطولا عن أبي الدرداء، في الديات، باب ما جاء في العفو: 4 / 650، وقال: هذا حديث غريب، ولا أعرف لأبي السفر سماعا من أبي الدرداء، وأخرجه ابن ماجه في الديات، باب العفو في القصاص برقم (2693): 2 / 898، والطبري في التفسير: 10 / 368، وابن أبي عاصم في الديات، والإمام أحمد في المسند: 5 / 316، 6 / 448. وذكره المنذري في الترغيب والترهيب: 3 / 305 من رواية الإمام أحمد وقال: رجاله رجال الصحيح. ومن رواية ابن ماجه وقال: إسناده حسن لولا الانقطاع.","part":3,"page":64},{"id":825,"text":"{ وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47) وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) }\rقوله تعالى: { وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ } أي: على آثار النبيين الذين أسلموا، { بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإنْجِيلَ فِيهِ }","part":3,"page":64},{"id":826,"text":"أي: في الإنجيل، { هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا } يعني الإنجيل، { لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ }\r{ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ } قرأ الأعمش وحمزة \"ولِيحكمَ\" بكسر اللام وفتح الميم، أي لكي يحكم، وقرأ الآخرون بسكون اللام وجزم الميم على الأمر، قال مقاتل بن حيان: أمر الله الربانيين والأحبار أن يحكموا بما في التوراة، وأمر القسيسين والرهبان أن يحكموا بما في الإنجيل، فكفروا وقالوا عزير ابن الله والمسيح ابن الله، { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } الخارجون عن أمر الله تعالى.\rقوله سبحانه وتعالى: { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ } يا محمد { الْكِتَابَ } القرآن، { بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ } أي: من الكتب المنزلة من قبل، { وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ } روى الوالبي عن ابن عباس رضي الله عنهما، أي شاهدا عليه وهو قول مجاهد وقتادة والسدي والكسائي.\rقال حسان: إن الكتاب مهيمن لنبينا ... والحق يعرفه ذوو الألباب\rيريد: شاهدا ومصدقا.\rوقال عكرمة: دالا وقال سعيد بن جبير وأبو عبيدة، مؤتمنا عليه، وقال الحسن: أمينا (1) وقيل: أصله مؤيمن، مفيعل من أمين، كما قالوا: مبيطر من البيطار، فقلبت الهمزة هاء، كما قالوا: أرقت الماء وهرقته، وإيهات وهيهات، ونحوها. ومعنى أمانة القرآن ما قال ابن جريج: القرآن أمين على ما قبله من الكتب، فما أخبر أهل الكتاب عن [كتابهم] (2) فإن كان في القرآن فصدقوا وإلا فكذبوا.\rوقال سعيد بن المسيب والضحاك قاضيا، وقال الخليل: رقيبا وحافظا، والمعاني متقاربة، ومعنى الكل: أن كل كتاب يشهد بصدقه القرآن فهو كتاب الله تعالى، وما لا فلا. { فَاحْكُمْ }\r__________\r(1) انظر معنى الهيمنة ووجوهها بالتفصيل في مقال: \"الإسلام وعلاقته بالديانات الأخرى\"، عثمان جمعة ضميرية، في العدد (21) من مجلة البحوث الإسلامية، بالرياض، ربيع الأول 1408هـ ص(315-320).\r(2) في \"ب\": (كتبهم).","part":3,"page":65},{"id":827,"text":"يا محمد، { بَيْنَهُمْ } بين أهل الكتاب إذا ترافعوا إليك، { بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ } بالقرآن، { وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ } أي لا تعرض عما جاءك من الحق ولا تتبع أهواءهم، { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } قال ابن عباس والحسن ومجاهد: أي سبيلا وسنة، فالشرعة والمنهاج الطريق الواضح، وكل ما شرعت فيه فهو شريعة وشرعة، ومنه شرائع الإسلام لشروع أهلها فيها، وأراد بهذا أن الشرائع مختلفة، ولكل أهل ملة شريعة.\rقال قتادة: الخطاب للأمم الثلاث: أمة موسى وأمه عيسى وأمه محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين، للتوراة شريعة والإنجيل شريعة وللفرقان شريعة، والدين واحد وهو التوحيد. { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } أي: على ملة واحدة، { وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ } ليختبركم، { فِي مَا آتَاكُمْ } من الكتب وبين لكم من الشرائع فيتبين المطيع من العاصي والموافق من المخالف، { فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ } فبادروا إلى الأعمال الصالحة، { إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }\r{ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) }\rقوله عز وجل: { وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال كعب بن [أسد] (1) وعبد الله بن [صوريا] (2) وشاس بن قيس من رؤساء اليهود بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم وأنا إن اتبعناك لم يخالفنا اليهود، وإن بيننا وبين الناس خصومات فنحاكمهم إليك فاقض لنا عليهم نؤمن بك، ويتبعنا غيرنا، ولم يكن قصدهم الإيمان، وإنما كان قصدهم التلبيس ودعوته إلى الميل في الحكم فأنزل الله عز وجل الآية (3) . { فَإِنْ تَوَلَّوْا } أي: أعرضوا عن الإيمان والحكم بالقرآن، { فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ } أي: فاعلم أن إعراضهم من أجل أن الله يريد أن يعجل لهم العقوبة في الدنيا ببعض ذنوبهم، { وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ } يعني اليهود، { لَفَاسِقُونَ }\r__________\r(1) في الأصل: (أسيد)، والتصويب من السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 567.\r(2) في السيرة لابن هشام: (صَلُوبا).\r(3) سيرة ابن هشام: 2 / 567، الطبري: 10 / 393، أسباب النزول للواحدي، ص(229).","part":3,"page":66},{"id":828,"text":"{ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ } 108\\أ قرأ ابن عامر \"تبغون\" بالتاء وقرأ الآخرون بالياء، أي: يطلبون، { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ }","part":3,"page":67},{"id":829,"text":"{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ } اختلفوا في نزول هذه الآية وإن كان حكمها عاما لجميع المؤمنين.\rفقال قوم: نزلت في عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي بن سلول، وذلك أنهما اختصما، فقال عبادة: إن لي أولياء من اليهود كثير عددهم شديدة شوكتهم، وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولايتهم وولاية اليهود، ولا مولى لي إلا الله ورسوله، فقال عبد الله: لكني لا أبرأ من ولاية اليهود، لأني أخاف الدوائر، ولا بد لي منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا الحباب ما نفست به من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه، قال: إذًا أقبل، فأنزل الله تعالى هذه الآية (1) .\rقال السدي: لما كانت وقعة أحد اشتدت على طائفة من الناس وتخوفوا أن يدال عليهم الكفار فقال رجل من المسلمين: أنا ألحق بفلان اليهودي وآخذ منه أمانا إني أخاف أن يدال علينا اليهود، وقال رجل آخر: أما أنا فألحق بفلان النصراني من أهل الشام وآخذ منه أمانا، فأنزل الله تعالى هذه الآية ينهاهما (2) .\rوقال عكرمة: نزلت في [أبي لبابة] (3) بن عبد المنذر بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة [حين حاصرهم] (4) فاستشاروه في النزول، وقالوا: ماذا يصنع بنا إذا نزلنا، فجعل أصبعه على حلقه أنه\r__________\r(1) انظر: تفسير الطبري: 10 / 395-396، الدر المنثور: 3 / 98،99، أسباب النزول ص(229).\r(2) انظر: تفسير الطبري: 6 / 276 (طبع الحلبي)، الدر المنثور: 3 / 99.\r(3) في \"ب\" (أبي أمامة) وهو خطأ.\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":3,"page":67},{"id":830,"text":"الذبح، أي: يقتلكم، فنزلت هذه الآية (1) .\r{ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } في العون والنصرة ويدهم واحدة على المسلمين، { وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ } [فيوفقهم ويعنهم] (2) { فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }\r{ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } أي: نفاق يعني عبد الله بن أبي وأصحابه من المنافقين الذين يوالون اليهود، { يُسَارِعُونَ فِيهِمْ } في معونتهم وموالاتهم، { يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ } دولة، يعني: أن يدول الدهر دولة فنحتاج إلى نصرهم إيانا، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه نخشى أن لا يتم أمر محمد فيدور الأمر علينا، وقيل: نخشى أن يدور الدهر علينا بمكروه من جدب وقحط فلا يعطونا الميرة والقرض، { فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ } قال قتادة ومقاتل: بالقضاء الفصل من نصر محمد صلى الله عليه وسلم على من خالفه، وقال الكلبي والسدي: فتح مكة، وقال الضحاك: فتح قرى اليهود مثل خيبر وفدك، { أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ } قيل: بإتمام أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: هو عذاب لهم، وقيل: إجلاء بني النضير، { فَيُصْبِحُوا } يعني هؤلاء المنافقون، { عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ } من موالاة اليهود ودس الأخبار إليهم، { نَادِمِينَ }\r{ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) }\r{ وَ } حينئذ، { َيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا } [قرأ أهل الكوفة: \"ويقولُ\" بالواو والرفع] (3) وقرأ أهل\r__________\r(1) انظر: الطبري: 6 / 276 (طبع الحلبي)، الدر المنثور: 3 / 99-100، وهنا نضع كلمة لشيخ المفسرين الإمام الطبري، رحمه الله يبين فيها الصواب من هذه الأقوال، قال: \"والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى المؤمنين جميعا أن يتخذوا اليهود والنصارى أنصارا وحلفاء على أهل الإيمان بالله ورسوله، وأخبر أن من اتخذهم نصيرا وحليفا ووليا من دون الله ورسوله والمؤمنين، فإنه منهم في التحزّب على الله ورسوله والمؤمنين، وأن الله ورسوله منه بريئان، وقد يجوز أن الآية نزلت في شأن عبادة بن الصامت وعبد الله بن أُبيّ بن سلول وحلفائهما من اليهود، ويجوز أن تكون نزلت في أبي لبابة بسبب فعله في بني قريظة، ويجوز أن تكون نزلت في شأن الرجلين اللذين ذكر السدي أن أحدهم همّ باللحاق بِدَهْلَكَ اليهودي والآخر بنصراني بالشام. ولم يصح بواحد من هذه الأقوال الثلاثة خبر يثبت بمثله حجة، فيسلم لصحته القول بأنه كما قيل. فإذا كان ذلك كذلك، فالصواب: أن يحكم لظاهر التنزيل بالعموم على ما عمّ، ويجوز ما قاله أهل التأويل فيه من القول الذي لا علم عندنا بخلافه، غير أنه لا شك أن الآية نزلت في منافق كان يوالي يهود أو نصارى خوفا على نفسه من دوائر الدهر، لأن الآية بعده تدل على ذلك\".\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":3,"page":68},{"id":831,"text":"البصرة بالواو ونصب اللام عطفا على { أَنْ يَأْتِيَ } أي: وعسى أن يقول الذين آمنوا، وقرأ الآخرون بحذف الواو ورفع اللام، وكذلك هو في مصاحف أهل [العالية] (1) استغناء عن حرف العطف بملابسة هذه الآية بما قبلها، يعني يقول الذين آمنوا في وقت إظهار الله تعالى نفاق المنافقين، { أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ } حلفوا بالله، { جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ } أي: حلفوا بأغلظ الأيمان، { إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ } أي: إنهم مؤمنون، يريد: أن المؤمنين حينئذ يتعجبون من كذبهم وحلفهم بالباطل. قال الله تعالى: { حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ } بطل كل خير عملوه، { فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ } خسروا الدنيا بافتضاحهم، والآخرة بالعذاب وفوات الثواب.\rقوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } قرأ أهل المدينة والشام \"يرتدد\" بدالين على إظهار التضعيف \"عن دينه\" فيرجع إلى الكفر.\rقال الحسن: علم الله تبارك وتعالى أن قوما يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم صلى الله عليه وسلم فأخبر أنه سيأتي بقوم يحبهم الله ويحبونه.\rواختلفوا في أولئك القوم من هم؟ قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن وقتادة: هم أبو بكر وأصحابه الذين قاتلوا أهل الردة ومانعي الزكاة (2) وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قبض ارتد عامة العرب إلا أهل مكة والمدينة والبحرين من عبد القيس، ومنع بعضهم الزكاة، وهمّ أبو بكر رضي الله عنه بقتالهم فكره ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال عمر رضي الله عنه: كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله عز وجل؟\" فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني [عناقا] (3) كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها\" (4) .\rقال أنس بن مالك رضي الله عنه: كرهت الصحابة قتال مانعي الزكاة وقالوا: أهل القبلة، فتقلد أبو بكر سيفه وخرج وحده، فلم يجدوا بدا من الخروج على أثره.\r__________\r(1) في \"ب\": (الشام).\r(2) انظر: تفسير الطبري: 6 / 283 (طبع الحلبي).\r(3) في \"ب\": (عقالا).\r(4) أخرجه البخاري في الزكاة، باب وجوب الزكاة 3 / 262، ومسلم في الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. برقم(20): 1 / 51-52، والمصنف في شرح السنة: 1 / 66-67.","part":3,"page":69},{"id":832,"text":"قال ابن مسعود: كرهنا ذلك في الابتداء ثم حمدناه عليه في الانتهاء.\rقال أبو بكر بن عياش: سمعت أبا حصين يقول: ما ولد بعد النبيين مولود أفضل من أبي بكر رضي الله عنه، لقد قام مقام نبي من الانبياء في قتال أهل الردة.\rوكان قد ارتد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث فرق:\rمنهم [بنو مذحج] (1) ورئيسهم ذو الخمار، عبهلة بن كعب، العنسي، ويلقب بالأسود، وكان كاهنا مشعبذا فتنبأ باليمن واستولى على بلادها، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل ومن معه من المسلمين، وأمرهم أن يحثوا الناس على التمسك بدينهم، وعلى النهوض إلى حرب الأسود، فقتله فيروز الديلمي على فراشه، قال ابن عمر رضي الله عنه فأتى الخبر النبي صلى الله عليه وسلم من السماء الليلة التي قُتل فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"قتل الأسود البارحة قتله رجل مبارك\"، قيل: ومن هو؟ قال: \"فيروز، [فازفيروز] (2) فبشر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بهلاك الأسود، وقبض صلى الله عليه وسلم من الغد؛ وأتى [خبر] (3) مقتل العنسي المدينة في آخر شهر ربيع الأول بعدما خرج أسامة وكان ذلك أول فتح جاء أبا بكر رضي الله عنه (4) .\rوالفرقة الثانية: بنو حنيفة باليمامة، ورئيسهم مسيلمة الكذاب، [واسمه ثمامة بن قيس] (5) وكان قد تنبأ في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر سنة عشر، وزعم أنه أُشرك مع محمد صلى الله عليه وسلم في النبوة، وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك، وبعث [بذلك] (6) إليه مع رجلين من أصحابه، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: [أتشهدان أن مسيلمة رسول الله؟ قالا نعم. قال النبي صلى الله عليه وسلم] (7) \"لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما\" ، ثم أجاب: \"من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد فإن الأرض لله يروثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين\"، ومرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفي، فبعث أبو بكر خالد بن الوليد إلى مسيلمة الكذاب في جيش كثير حتى أهلكه الله على يدي وحشي، غلام مطعم بن عدي الذي قتل حمزة بن عبد المطلب، بعد حرب شديد، وكان وحشي يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية وشر الناس في الإسلام (8) .\r__________\r(1) في \"ب\": (بنو مدحة).\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) انظر: تاريخ الطبري: 3 / 227 وما بعدها، البداية والنهاية 6 / 305-311 أسد الغابة لابن الأثير: 4 / 371. تفسير الطبري: 10 / 424-425.\r(5) ساقط من \"ب\".\r(6) زيادة من \"ب\".\r(7) زيادة من \"ب\".\r(8) انظر: سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب الرسل: 4 / 64، البداية والنهاية: 5 / 51، 6 / 200، سيرة ابن هشام: 2 / 600.","part":3,"page":70},{"id":833,"text":"والفرقة الثالثة: بنو أسد، ورئيسهم طليحة بن خويلد بن الوليد، وكان طليحة آخر من ارتد، وادعى النبوة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وأول من قوتل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم من أهل 108/ب الردة، فبعث أبو بكر خالد بن الوليد إليه، فهزمهم خالد بعد قتال شديد، وأفلت طليحة فمر على وجهه هاربا نحو الشام، ثم إنه أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه (1) .\rوارتد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم [في خلافة أبي بكر رضي الله عنه] (2) خلق كثير، حتى كفى الله المسلمين أمرهم ونصر دينه على يدي أبي بكر رضي الله عنه (3) .\rقالت عائشة: \"توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب واشرأب النفاق، ونزل بأبي بكر ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها\" (4) .\rوقال قوم: المراد بقوله: { فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } هم الأشعريون، روي عن عياض بن غنم الأشعري قال: لما نزلت هذه الآية: { فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"هم قوم هذا، وأشار إلى أبي موسى الأشعري\" (5) وكانوا من اليمن.\rأخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن الطيسفوني أنا أبو عبد الله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن [علي الكشميهني، حدثنا علي بن] (6) حجر أنا إسماعيل بن جعفر أنا محمد بن عمرو بن علقمه عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"أتاكم أهل اليمن هم أضعف قلوبا وأرق أفئدة، الإيمان يمان والحكمة يمانية\" (7)\rوقال الكلبي: هم أحياء من اليمن ألفان من النخع وخمسة آلاف من كندة وبجيلة، وثلاثة آلاف من أفياء الناس، فجاهدوا في سبيل الله يوم القادسية في أيام عمر رضي الله عنه.\r__________\r(1) انظر:البداية والنهاية: 6 / 314-319، 4 / 61.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) انظر: حروب الردة للشهيد المؤرخ الكلاعي ص(35) وما بعدها.\r(4) انظر: السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 665، حروب الردة للكلاعي ص(35). تاريخ الطبري، 3 / 225.\r(5) أخرجه الحاكم في المستدرك: 2 / 313 وصححه على شرط مسلم، وأخرجه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد: 7 / 16). والطبري في التفسير: 10 / 414-415.\r(6) زيادة من \"ب\" و \"شرح السنة\".\r(7) أخرجه البخاري في المغازي، باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن: 8 / 98، ومسلم في الإيمان، باب أهل الإيمان... (52): 1 / 71، والمصنف في شرح السنة: 14 / 201.","part":3,"page":71},{"id":834,"text":"قوله عز وجل: { أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } يعني: أرقاء رحماء، لقوله عز وجل: \"واخفض لهما جناح الذل من الرحمة\"، ولم يرد به الهوان، بل أراد به أن جانبهم ليِّن على المؤمنين، وقيل: هو من الذل من قولهم دابة ذلول، يعني أنهم متواضعون كما قال الله تعالى: \"وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا\"، { أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ } أي: أشداء غلاظ على الكفار يعادونهم ويغالبونهم، من قولهم: عزّه أي غلبه، قال عطاء: أذلة على المؤمنين: كالولد لوالده والعبد لسيده، أعزة على الكافرين: كالسبع على فريسته، نظيره قوله تعالى: \"أشداء على الكفار رحماء بينهم\". { يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ } يعني: لا يخافون في الله لوم الناس، وذلك أن المنافقين كانوا يراقبون الكفار ويخافون لومهم، وروينا عن عبادة بن الصامت قال: \"بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم\" (1) .\r{ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ } أي محبتهم لله ولين جانبهم للمسلمين، وشدتهم على الكافرين، من فضل الله عليهم، { وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ }\r{ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56) }\r{ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا } [روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلت في عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي بن سلول حين تبرأ عبادة من اليهود، وقال: أتولى الله ورسوله والذين آمنوا، فنزل فيهم من قوله: \"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء\"، إلى قوله: \"إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا\" (2) يعني عبادة بن الصامت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) . وقال جابر بن عبد الله: جاء عبد الله بن سلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن قومنا قريظة والنضير قد هجرونا وفارقونا وأقسموا أن لا يجالسونا، فنزلت هذه الآية، فقرأها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: \"يا رسول الله رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء\" (4) . وعلى هذا التأويل أراد بقوله: { وَهُمْ رَاكِعُونَ }\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس: 13 / 192، وفي الفتن، وأخرجه مسلم في الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، برقم(1709): 3 / 1470، والمصنف في شرح السنة: 10 / 46.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) انظر ما سبق، سبب نزول الآية (51) من السورة، والطبري: 10 / 424.\r(4) أخرجه الواحدي في أسباب النزول، (230) عن جابر وعن ابن عباس، وعزاه السيوطي لابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس بنحوه، الدر المنثور 3 / 105.","part":3,"page":72},{"id":835,"text":"صلاة التطوع بالليل والنهار، قاله ابن عباس رضي الله عنهما.\rوقال السدي: قوله: \"والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون\"، أراد به علي بن أبي طالب رضي الله عنه، مر به سائل وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه (1) .\rوقال جوبير عن الضحاك في قوله: { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا } قال: هم المؤمنون بعضهم أولياء بعض، وقال أبو جعفر محمد بن علي الباقر: { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا } نزلت في المؤمنين، فقيل له: إن أناسا يقولون إنها نزلت في علي رضي الله عنه، فقال: هو من المؤمنين (2) .\r{ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا } يعني: يتولى القيام بطاعة الله ونصرة رسوله والمؤمنين، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد المهاجرين والأنصار، { فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ } يعني: أنصار دين الله، { هُمُ الْغَالِبُونَ }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) }\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 10 / 325-326. وفيه عن السدي: هؤلاء جميع المؤمنين، ولكن علي بن أبي طالب مرَّ به سائل وهو راكع.. وانظر: الدر المنثور: 3 / 104-105.\r(2) أخرجه الطبري: 10 / 425، وانظر: الدر المنثور: 3 / 106.","part":3,"page":73},{"id":836,"text":"{ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (58) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59) }\rقوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا } قال ابن عباس كان رفاعة بن زيد بن التابوت وسويد بن الحارث قد أظهرا الإسلام، ثم نافقا وكان رجال من المسلمين يوادّونهما، فأنزل الله عز وجل هذه الآية (1) \"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا\" ، بإظهار ذلك بألسنتهم قولا وهم مستبطنون الكفر، { مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } يعني: اليهود، { وَالْكُفَّارَ } قرأ أهل البصرة والكسائي \"الكفار\"، بخفض الراء، [يعني:\r__________\r(1) انظر: سيرة ابن هشام: 1 / 568، تفسير الطبري: 6 / 290، أسباب النزول للواحدي ص(231)، الدر المنثور: 3 / 107.","part":3,"page":73},{"id":837,"text":"ومن الكفار] (1) وقرأ الآخرون بالنصب، أي: لا تتخذوا الكفار، و { أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ }\rقوله تعالى: { وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ } قال الكلبي: كان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نادى إلى الصلاة وقام المسلمون إليها، قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا، وصلوا لا صلوا، على طريق الاستهزاء، وضحكوا، فأنزل الله عز وجل هذه الآية (2) .\rوقال السدي: نزلت في رجل من النصارى بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمدا رسول الله، قال: حُرق الكاذبُ، فدخل خادمه ذات ليلة بنار [وهو وأهله نيام] (3) فتطايرت منها شرارة فاحترق البيت واحترق هو وأهله (4) .\rوقال الآخرون: إن الكفار لما سمعوا الأذان حسدوا المسلمين فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: يا محمد لقد أبدعت شيئا لم نسمع به فيما مضى من الأمم فإن كنت تدعي النبوة فقد خالفت -فيما أحدثت -الأنبياء قبلك، ولو كان فيه خير لكان أولى الناس به الأنبياء، فمن أين لك صياح كصياح [العنز] (5) ؟ فما أقبح من صوت وما أسمج من أمر، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ونزل \"ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله\"، الآية (6) .\rقوله عز وجل: { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا } الآية. قرأ الكسائي: \"هل تنقمون\"، بإدغام اللام في التاء، وكذلك يدغم لام هل في التاء والثاء والنون، ووافقه حمزه في التاء والثاء وأبو عمرو في \"هلْ ترى\" في موضعين.\rقال ابن عباس: أتى النبي صلى الله عليه وسلم نفر من اليهود، أبو ياسر بن أخطب ورافع بن أبي رافع وغيرهما، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل، فقال: أومن \"بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل\" إلى قوله: \"ونحن له مسلمون\" ، فلما ذكر عيسى عليه السلام جحدوا نبوته، وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم، ولا دينا شرا من دينكم، فأنزل الله هذه الآية (7) \"قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا\"\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) انظر: أسباب النزول للواحدي، ص(231)، الدر المنثور: 3 / 107.\r(3) في \"ب\" جاءت العبارة هكذا: (وهو نائم، هو وأهله).\r(4) انظر: الطبري: 6 / 291، الدر المنثور: 3 / 107-108، أسباب النزول، ص(231) البحر المحيط: 3 / 515.\r(5) في أسباب النزول \"العير\".\r(6) انظر: أسباب النزول للواحدي ص(231-232)، البحر المحيط: 3 / 515.\r(7) انظر: سيرة ابن هشام: 1 / 567، الطبري: 6 / 292، الدر المنثور: 3 / 108، أسباب النزول ص(232).","part":3,"page":74},{"id":838,"text":"أي: تكرهون منا، { إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ } أي: هل تكرهون منا إلا إيماننا وفسقكم، أي: إنما كرهتم إيماننا وأنتم تعلمون أنا على حق، لأنكم فسقتم بأن أقمتم على دينكم لحب الرياسة وحب الأموال.\r{ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (61) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62) لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63) }\rثم قال: { قُلْ } يا محمد، { هَلْ أُنَبِّئُكُمْ } أخبركم، { بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ } الذي ذكرتم، يعني قولهم لم نر أهل دين أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم ولا دينا شرا من دينكم، فذكر الجواب بلفظ الابتداء، 109\\أ وإن لم يكن الابتداء شرا كقوله تعالى: \"أفأنبأكم بشر من ذلكم النار\"(الحج، 72)، { مَثُوبَةً } ثوابا وجزاء، نصب على التفسير، { عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ } أي: هو من لعنه الله، { وَغَضِبَ عَلَيْهِ } يعني: اليهود، { وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ } فالقردة أصحاب السبت، والخنازير كفار مائدة عيسى عليه السلام.\rورُوي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الممسوخين كلاهما من أصحاب السبت، فشبانهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير. { وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ } أي: جعل منهم من عبد الطاغوت، أي: أطاع الشيطان فيما سوّل له، وتصديقها قراءة ابن مسعود: ومن عبدوا الطاغوت، وقرأ حمزة \"وعبُد\" بضم الباء \"الطاغوت\" بجر التاء، أراد العبد وهما لغتان عبْد بجزم الباء وعبُد بضم الباء، مثل سبْع وسبُع، وقيل: هو جمع العباد، وقرأ الحسن وعبد الطاغوت، على الواحد، { أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ } أي: عن طريق الحق.\r{ وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا } يعني: هؤلاء المنافقين، وقيل: هم الذين قالوا: \"آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار وكفروا آخره\"، دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: آمنا بك وصدقناك فيما قلت، وهم يسرون الكفر، { وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ } يعني: دخلوا كافرين وخرجوا كافرين، { وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ }","part":3,"page":75},{"id":839,"text":"{ وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ } يعني: من اليهود { يُسَارِعُونَ فِي الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ } قيل: الإثم المعاصي والعدوان الظلم، وقيل: الإثم ما كتموا من التوراة، والعدوان ما زادوا فيها، { وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ } الرِّشَا، { لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }\r{ لَوْلا } هلا { يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ } يعني: العلماء، قيل: الربانيون علماء النصارى والأحبار علماء اليهود، { عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ }\r{ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64) }\r{ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ } قال ابن عباس وعكرمة والضحاك وقتادة: إن الله تعالى كان قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر الناس مالا وأخصبهم ناحية فلما عصوا الله في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكذبوا به كف الله عنهم ما بسط عليهم من السعة، فعند ذلك قال فنحاص بن عازوراء: يد الله مغلولة، أي: محبوسة مقبوضة عن الرزق نسبوه إلى البخل، تعالى الله عن ذلك.\rقيل: إنما قال هذه المقالة فنحاص، فلما لم ينهه الآخرون ورضوا بقوله أشركهم الله فيها.\rوقال الحسن: معناه يد الله مكفوفة عن عذابنا فليس يعذبنا إلا ما تبرّ به قسمة قدر ما عبد آباؤنا العجل. والأول أولى لقوله: \"ينفق كيف يشاء\".\r{ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ } أي: [أمسكت] (1) أيديهم عن الخيرات. وقال الزجاج: أجابهم الله تعالى فقال: أنا الجواد وهم البخلاء وأيديهم هي المغلولة الممسكة. وقيل: هو من الغل في النار يوم القيامة لقوله تعالى: \"إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل\"(غافر، 71). { وَلُعِنُوا } عُذِّبوا، { بِمَا قَالُوا } فمن لعنهم أنهم مُسخوا قردة وخنازير وضربت عليهم الذلة والمسكنة في الدنيا وفي الآخرة بالنار، { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } ويد الله صفة من [صفاته] (2) كالسمع، والبصر والوجه، وقال جل\r__________\r(1) في \"ب\" (أمسك الله).\r(2) في \"ب\": (صفات ذاته).","part":3,"page":76},{"id":840,"text":"ذكره: \"لما خلقت بيدي\"(ص، 75)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"كلتا يديه يمين\" (1) والله أعلم بصفاته، فعلى العباد فيها الإيمان والتسليم.\rوقال أئمة السلف من أهل السنة في هذه الصفات: \"أمرُّوها كما جاءت بلا كيف\" .\r{ يُنْفِقُ } يرزق، { كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا } أي: كلما نزلت آية كفروا بها وازدادوا طغيانا وكفرا، [كلما نزلت آية] (2) { وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ } يعني: بين اليهود والنصارى، قاله الحسن ومجاهد: وقيل بين طوائف اليهود جعلهم الله مختلفين في دينهم متباغضين { إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ } يعني: اليهود أفسدوا وخالفوا حكم التوراة، فبعث الله عليهم بختنصر، ثم أفسدوا فبعث الله عليهم طيطوس الرومي، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المجوس، ثم أفسدوا فبعث الله عليهم المسلمين.\rوقيل: كلما أجمعوا أمرهم ليفسدوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأوقدوا نار المحاربة أطفأها الله، فردهم وقهرهم ونصر نبيه ودينه، هذا معنى قول الحسن، وقال قتادة: هذا عام في كل حرب طلبته اليهود فلا تلقى اليهود في البلد إلا وجدتهم من أذلِّ الناس، { وَيَسْعَوْنَ فِي الأرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ }\r__________\r(1) قطعة من حديث أخرجه الإمام مسلم في الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر... برقم(1827): 3 / 1458.\r(2) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":77},{"id":841,"text":"{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66) يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67) }\r{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا } بمحمد صلى الله عليه وسلم، { وَاتَّقَوْا } الكفر، { لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ }","part":3,"page":77},{"id":842,"text":"{ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ } يعني: أقاموا أحكامهما وحدودهما وعملوا بما فيهما، { وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ } يعني: القرآن، وقيل: كتب أنبياء بني إسرائيل، { لأكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ } قيل: من فوقهم هو المطر، ومن تحت أرجلهم نبات الأرض.\rقال ابن عباس رضي الله عنهما: لأنزلت عليهم القطر وأخرجت لهم من نبات الأرض.\rوقال الفراء أراد به التوسعة في الرزق كما يقال فلان في الخير من قرنه إلى قدمه، ونظيره قوله تعالى: \"ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض\"(الأعراف، 96).\r{ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ } يعني: مؤمني أهل الكتاب، عبد الله بن سلام وأصحابه، مقتصدة أي عادلة غير غالية، ولا مقصرة جافية، ومعنى الاقتصاد في اللغة: الاعتدال في العمل من غير غلو ولا تقصير.\r{ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ } كعب بن الأشرف وأصحابه، { سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ } بئس شيئا عملهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: عملوا القبيح مع التكذيب بالنبي صلى الله عليه وسلم.\rقوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ } الآية، روي عن مسروق قال: قالت عائشة رضي الله عنها من حدثك أن محمدا صلى الله عليه وسلم كتم شيئا مما أنزل الله فقد كذب، وهو يقول: \"يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك\" الآية (1) . روى الحسن: أن الله تعالى لما بعث رسوله ضاق ذرعا وعرف أن من الناس من يكذبه، فنزلت هذه الآية (2) .\rوقيل: نزلت في عيب اليهود، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الإسلام، فقالوا أسلمنا قبلك وجعلوا يستهزئون به، فيقولون له: تريد أن نتخذك حنانا كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم حنانا، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك سكت فنزلت هذه الآية، وأمره أن يقول لهم: \"يا أهل الكتاب لستم على شيء\" الآية.\rوقيل: بلغ ما أنزل إليك من الرجم والقصاص، نزلت في قصة اليهود.\rوقيل: نزلت في أمر زينب بنت جحش ونكاحها.\rوقيل: في الجهاد، وذلك أن المنافقين كرهوه، كما قال الله تعالى: \"فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت\"\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير، باب \"يا أيها الرسول بلغ...\" من سورة المائدة: 8 / 275، ومسلم في الإيمان. باب معنى قول الله عز وجل \"ولقد رآه نزلة أخرى\" برقم(177): 1 / 159.\r(2) أسباب النزول للواحدي ص(232-233)، الدر المنثور: 3 / 116-117.","part":3,"page":78},{"id":843,"text":"(محمد، 20) وكرهه بعض المؤمنين قال الله تعالى: \"ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم\" الآية(النساء، 70)، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمسك في بعض الأحايين عن الحث على الجهاد لما يعلم من كراهة بعضهم، فأنزل الله هذه الآية.\rقوله تعالى: { وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } قرأ أهل المدينة(رسالاته)، على الجمع والباقون رسالته على التوحيد.\rومعنى الآية: إن لم تبلّغ الجميع وتركت بعضه، فما بلغت شيئا، أي: جرمك في ترك تبليغ البعض كجرمك 109/ب في ترك تبليغ الكل، كقوله: \"ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا\"(النساء، 150-151)، أخبر أن كفرهم بالبعض محبط للإيمان بالبعض.\rوقيل: بلّغْ ما أنزل إليك أي: أظهر تبليغه، كقوله: \"فاصدع بما تؤمر\"(الحجر، 94) وإن لم تفعل: فإن لم تظهر تبليغه فما بلغت رسالته، أمره بتبليغ ما أنزل إليه مجاهرا محتسبا صابرا، غير خائف، فإن أخفيت منه شيئا لخوف يلحقك فما بلّغت رسالته.\r{ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } يحفظك ويمنعك من الناس، فإن قيل: أليس قد شج رأسه وكسرت رباعيته وأوذي بضروب من الأذى؟\rقيل: معناه يعصمك من القتل فلا يصلون إلى قتلك.\rوقيل: نزلت هذه الآية بعدما شج رأسه لأن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن.\rوقيل: والله يخصك بالعصمة من بين الناس، لأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم.\r{ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو اليمان أنا شعيب عن الزهري أنا سنان بن أبي سنان الدولي وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله أخبره أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قِبَل نجد، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قفل معه وأدركتهم القائلة في واد كثير العضاة، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق الناس يستظلون بالشجر، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة وعلق بها سيفه ونمنا نومة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا وإذا عنده أعرابي، فقال: \"إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صَلْتًا، فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: الله \"ثلاثا\"، ولم يعاقبه وجلس. (1) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الجهاد، باب من علق سيفه بالشجر في السفر عند القائلة: 6 / 96، وفي المغازي. ومسلم في صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف برقم(843): 1 / 576. واللفظ للبخاري.","part":3,"page":79},{"id":844,"text":"وروى محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الأعرابي سل سيفه وقال: من يمنعك مني يا محمد قال: الله، فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف من يده وجعل يضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا إسماعيل بن خليل أخبرنا علي بن مسهر أنا يحيى بن سعيد أنا عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم سهر فلما قدم المدينة قال ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة، إذ سمعنا صوت سلاح، فقال: من هذا؟ قال: أنا سعد بن أبي وقاص جئت لأحرسك، فنام النبي صلى الله عليه وسلم (1) .\rوقال عبد الله بن شقيق عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الآية: { وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة فقال لهم: \"أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله سبحانه وتعالى\" (2) .\r{ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (69) لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70) }\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الجهاد، باب الحراسة في الغزو في سبيل الله: 6 / 81، ومسلم في فضائل الصحابة باب في فضل سعد بن أبي وقاص، برقم(2410): 4 / 1875.\r(2) أخرجه الترمذي في التفسير، سورة المائدة: 8 / 411، وقال: هذا حديث غريب، وروى بعضهم هذا الحديث عن الجُريري عن عبد الله بن شقيق قال: كان النبي... ولم يذكروا فيه: عن عائشة. وصححه الحاكم في المستدرك: 2 / 313 ووافقه الذهبي، والطبري في التفسير 6 / 308. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: \"وإسناده حسن، واختلفوا في وصله وإرساله\". وزاد السيوطي نسبته: لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ والبيهقي، كلاهما في الدلائل، وابن مردويه. انظر: الدر المنثور: 3 / 118.","part":3,"page":80},{"id":845,"text":"{ وَحَسِبُوا أَلا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (71) }\rقوله عز وجل: { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ }","part":3,"page":80},{"id":846,"text":"أي: تقيموا أحكامهما وما يجب عليكم فيهما، { وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ } فلا تحزن، { عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ }\r{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى } وكان حقه: { والصائبين } وقد ذكرنا في سورة البقرة وجه ارتفاعه (1) . وقال سيبويه: فيه تقديم وتأخير تقديره: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى من آمن بالله إلى آخر الآية، والصابئون كذلك، وقوله: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا } أي: باللسان، وقوله: { مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ } أي: بالقلب، وقيل: الذين آمنوا على حقيقة الإيمان { مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ } أي: ثبت على الإيمان، { وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ }\rقوله تعالى: { لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } في التوحيد والنبوة، { وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا } عيسى ومحمدا صلوات الله وسلامه عليهما، { وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ } يحيى وزكريا.\r__________\r(1) انظر فيما سبق تفسير الآية (62) من سورة البقرة، في المجلد الأول.","part":3,"page":81},{"id":847,"text":"{ وَحَسِبُوا } ظنوا { أَلا تَكُونَ فِتْنَةٌ } أي: عذاب وقتل، وقيل: ابتلاء واختبار، أي: ظنوا أن لا يُبتلوا ولا يُعذبهم الله، قرأ أهل البصرة وحمزة والكسائي \" تكون \" برفع النون على معنى أنها لا تكون، ونصبها الآخرون كما لو لم يكن قبله لا { فَعَمُوا } عن الحق فلم يبصروه، { وَصَمُّوا } عنه فلم يسمعوه، يعني عموا وصموا بعد موسى صلوات الله وسلامه عليه، { ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ } ببعث عيسى عليه السلام، { ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ } بالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، { وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ }\r{ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74) }\r{ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ } وهم الملكانية واليعقوبية منهم، { وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ }\r{ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ } يعني: المرقوسية، وفيه إضمار معناه: ثالث ثلاثة آلهة، لأنهم يقولون: الإلهية مشتركة بين الله تعالى ومريم وعيسى، وكل واحد من هؤلاء إله فهم ثلاثة آلهة، يبين هذا قوله عز وجل للمسيح: \"أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله\"؟(المائدة، 116)، ومن قال: إن الله ثالث ثلاثة ولم يرد به الإلهية لا يكفر، فإن الله يقول: \"ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم\"(المجادلة، 7)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه: \"ما ظنك باثنين الله ثالثهما\" (1) . ثم قال ردا عليهم: { وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ } [ليصيبن] (2) { الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } خص الذين كفروا لعلمه أن بعضهم يؤمنون.\r{ أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ } ؟ قال الفراء: هذا أمر بلفظ الاستفهام كقوله تعالى: \"فهل أنتم منتهون\"(المائدة، 91)، أي: انتهوا، والمعنى: أن الله [يأمركم] (3) بالتوبة والاستغفار من هذا الذنب العظيم، { وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ }\rقوله تعالى: { مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ } [مضت] (4) { مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ } أي: ليس هو بإله بل هو كالرسل الذين مضوا لم يكونوا آلهة، { وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ } أي: كثيرة الصدق.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير، سورة التوبة، باب \"ثاني اثنين إذ هما في الغار...\" 8 / 325.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) في \"ب\": (يأمرهم).\r(4) ساقط في (ب).","part":3,"page":82},{"id":848,"text":"وقيل: سُميت صديقة لأنها صدقت بآيات الله، كما قال عز وجل في وصفها: \"وصدقت بكلمات ربها\"(التحريم، 12)، { كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ } أي: كانا يعيشان بالطعام والغذاء كسائر الآدميين، فكيف يكون إلها من لا يقيمه إلا أكل الطعام؟\rوقيل: هذا كناية عن الحدث، وذلك أن من أكل وشرب لا بد له من البول والغائط، ومَنْ هذه صفته كيف يكون إلها؟\rثم قال: { انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } أي يُصرفون عن الحق.\r{ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) }","part":3,"page":83},{"id":849,"text":"{ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) }\r{ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ } أي: لا تتجاوزوا الحد، والغلو والتقصير كل واحد منهما مذموم في الدين، وقوله: { غَيْرَ الْحَقِّ } أي: في دينكم المخالف للحق، وذلك أنهم خالفوا الحق في دينهم، ثم غلوا فيه بالإصرار عليه، { وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ } والأهواء جمع الهوى وهو ما تدعو إليه شهوة النفس { قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ } يعني: رؤساء الضلالة من فريقي اليهود والنصارى، والخطاب للذين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم نهوا عن اتباع أسلافهم فيما ابتدعوه بأهوائهم 110\\أ { وَأَضَلُّوا كَثِيرًا } يعني: من اتبعهم [على أهوائهم] (1) { وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ } عن قصد الطريق، أي: بالإضلال، فالضلال الأول من الضلالة، والثاني بإضلال من اتبعهم.\rقوله تعالى: { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ } يعني: أهل أيلة لما اعتدوا\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":3,"page":83},{"id":850,"text":"في السبت، وقال داود عليه السلام: اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة، { وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ } أي: على لسان عيسى عليه السلام، يعني: كفار أصحاب المائدة، لما لم يؤمنوا، قال عيسى: اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا خنازير، { ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ }\r{ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ } [أي: لا ينهى بعضهم بعضا] (1) { لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ }\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا الحسن محمد بن الحسين أنا أحمد بن محمد بن إسحاق أنا أبو يعلى الموصلي أنا وهب بن بقية أنا خالد -يعني ابن عبد الله الواسطي -عن العلاء بن المسيب عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل إذا عمل العامل منهم الخطيئة نهاه الناهي تعذيرا فإذا كان من الغد جالسه وآكله وشاربه كأنه لم يره على الخطيئة بالأمس، فلما رأى الله تبارك وتعالى ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض، وجعل منهم القردة والخنازير، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم عليهما السلام ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض ويلعنكم كما لعنهم\" (2) .\r{ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81) }\rقوله تعالى: { تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ } قيل: من اليهود كعب بن الأشرف وأصحابه، { يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا }\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من (ب).\r(2) روي من طرق وبألفاظ مختلفة عن أبي موسى وعن عبد الله بن مسعود، فقد أخرجه أبو داود في الملاحم، باب الأمر والنهي: 6 / 186، والترمذي في تفسير سورة المائدة: 8 / 412-413، وقال: هذا حديث حسن غريب. وقال بعضهم: يقول عن أبي عبيدة عن النبي صلى الله عليه وسلم: مرسل. وأخرجه ابن ماجه في الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر برقم (4006-4007) 2 / 1327-1328 مرسلا وموصولا، والإمام أحمد في المسند: 1 / 391، وعزاه الهيثمي للطبراني، وقال: رجاله رجال الصحيح. (مجمع الزوائد: 7 / 269). وقال المنذري: أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه، فهو منقطع.","part":3,"page":84},{"id":851,"text":"مشركي مكة حين خرجوا إليهم يجيشون على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس ومجاهد والحسن: منهم يعني من المنافقين يتولون اليهود، { لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ } بئس ما قدموا من العمل لمعادهم في الآخرة، { أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ } غضب الله عليهم، { وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ }\r{ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ } محمد صلى الله عليه وسلم، { وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ } يعني القرآن، { مَا اتَّخَذُوهُمْ } يعني الكفار، { أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ } أي خارجون عن أمر الله سبحانه وتعالى.\rقوله عز وجل: { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا } يعني: مشركي العرب، { وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى } لم يرد به جميع النصارى لأنهم في عداوتهم المسلمين كاليهود في قتلهم المسلمين وأسرهم وتخريب بلادهم وهدم مساجدهم وإحراق مصاحفهم، لا ولاء، ولا كرامة لهم، بل الآية فيمن أسلم منهم مثل النجاشي وأصحابه، [وقيل: نزلت في جميع اليهود وجميع النصارى، لأن اليهود أقسى قلبا والنصارى ألين قلبا منهم، وكانوا أقل مظاهرة للمشركين من اليهود] (1) .\rقال أهل التفسير: ائتمرت قريش أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين يؤذونهم ويعذبونهم، فافتتن من افتتن، وعصم الله منهم من شاء، ومنع الله تعالى رسوله بعمه أبي طالب، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بأصحابه ولم يقدر على منعهم ولم يُؤمرْ بعدُ بالجهاد أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة، وقال: \"إن بها ملكا صالحا لا يَظلم ولا يُظلم عنده أحد، فاخرجوا إليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجا\" وأراد به النجاشي، واسمه أصحمة وهو بالحبشة عطية، وإنما النجاشي اسم الملك، كقولهم قيصر وكسرى، فخرج إليهم سرا أحد عشر رجلا وأربع نسوة، وهم عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود، [وعبد الرحمن بن عوف] (2) وأبو حذيفة بن عتبة وامرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو، ومصعب بن عمير وأبو سلمة بن عبد الأسد وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية، وعثمان بن مظعون وعامر بن ربيعة وامرأته\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":3,"page":85},{"id":852,"text":"ليلى بنت أبي [حثمة] (1) وحاطب بن عمرو و[سهل] (2) بن بيضاء رضي الله عنهم، فخرجوا إلى البحر وأخذوا سفينة إلى أرض الحبشة بنصف دينار وذلك في رجب في السنة الخامسة من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الهجرة الأولى ثم خرج جعفر بن أبي طالب، وتتابع المسلمون إليها وكان جميع من هاجر إلى الحبشة من المسلمين اثنين وثمانين رجلا سوى النساء والصبيان.\rفلما علمت قريش بذلك وجهوا عمرو بن العاص وصاحبه بالهدايا إلى النجاشي وبطارقته ليردوهم إليهم، فعصمه الله، وذُكرت القصة في سورة آل عمران.\rفلما انصرفا خائبين، أقام المسلمون هناك بخير دار وأحسن جوار إلى أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلا أمره، وذلك في سنة ستة من الهجرة كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي على يد عمرو بن أمية الضمري ليزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان -وكانت قد هاجرت إليه مع زوجها فمات زوجها، -ويبعث إليه من عنده من المسلمين فأرسل النجاشي إلى أم حبيبة جارية يقال لها أبرهة تخبرها بخطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها، فأعطتها أوضاحا لها سرورا بذلك، فأذنت لخالد بن سعيد بن العاص حتى أنكحها على صداق أربعمائة دينار، وكان الخاطب لرسول الله صلى الله عليه وسلم النجاشي رحمه الله فأنفذ إليها النجاشي أربعمائة دينار على يد أبرهة، فلما جاءتها بها أعطتها خمسين دينارا فردته وقالت: أمرني الملك أن لا آخذ منك شيئا، وقالت: أنا صاحبة دهن الملك وثيابه، وقد صدَّقت محمدا صلى الله عليه وسلم وآمنت به، وحاجتي منك أن تقرئيه منك السلام، قالت نعم: وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بما عندهن من عود وعنبر، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراه عليها وعندها فلا ينكر.\rقالت أم حبيبة: فخرجنا إلى المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فخرج من خرج إليه وأقمت بالمدينة حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم، فدخلت عليه وكان يسألني عن النجاشي فقرأت عليه من أبرهة السلام فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما السلام، وأنزل الله عز وجل: \"عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة\" يعني: أبا سفيان مودة، يعني: بتزويج أم حبيبة، ولما جاء أبا سفيان تزويج أم حبيبة، قال: ذلك الفحل لا يُقرع أنفه (3) .\rوبعث النجاشي بعد قدوم جعفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ابنه أزهى بن أصحمة بن أبجر في ستين رجلا من الحبشة، وكتب إليه: يا رسول الله أشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا وقد بايعتك وبايعت\r__________\r(1) في الأصل (خيثمة)، والتصويب من السيرة النبوية.\r(2) في \"ب\": (وسهيل).\r(3) أي: كفء كريم، لا يرد.","part":3,"page":86},{"id":853,"text":"ابن عمك وأسملت لله رب العالمين، وقد بعثت إليك ابني أزهى، وإن شئت أن آتيك بنفسي فعلت والسلام عليك يا رسول الله، فركبوا سفينة في أثر جعفر وأصحابه حتى إذا كانوا في وسط البحر غرقوا، ووافى جعفر وأصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلا عليهم ثياب الصوف، منهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من [أهل] (1) الشام، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة يس إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا، وقال: آمنوا، وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى عليه السلام، فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية (2) { وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى } 110/ب يعني: وفد النجاشي الذين قدموا مع جعفر وهم السبعون، وكانوا أصحاب الصوامع.\rوقال مقاتل والكلبي كانوا أربعين رجلا اثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية روميون من أهل الشام.\r[وقال عطاء: كانوا ثمانين رجلا أربعون من أهل نجران من بني الحرث بن كعب، واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية روميون من أهل الشام] (3) .\rوقال قتادة: نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى عليه السلام، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم صدقوه وآمنوا به فأثنى الله عز وجل بذلك عليهم (4) . { ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ } أي علماء، قال قطرب: القس والقسيس العالم بلغة الروم، { وَرُهْبَانًا } الرهبان العبّاد أصحاب الصوامع، واحدهم راهب، مثل فارس وفرسان، وراكب وركبان، وقد يكون واحدا وجمعه رهابين، مثل قربان وقرابين، { وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ } لا يتعظمون عن الإيمان والإذعان للحق.\r{ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (82) }\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) انظر: سيرة ابن هشام: 1 / 321 وما بعدها، الطبري: 7 / 1-3 (الحلبي)، أسباب النزول للواحدي، ص (235-236).\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(4) أخرجه عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة. (الدر المنثور: 3 / 132).","part":3,"page":87},{"id":854,"text":"{ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) }\r{ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ } محمد صلى الله عليه وسلم، { تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ } تسيل، { مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ } قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء: يريد النجاشي ولأصحابه قرأ عليهم جعفر بالحبشة كهيعص، فما زالوا يبكون حتى فرغ جعفر من القراءة. { يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ }","part":3,"page":87},{"id":855,"text":"يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم، دليله قوله تعالى: \"لتكونوا شهداء على الناس\"(البقرة، 143).\r{ وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ } وذلك أن اليهود عيّروهم وقالوا لهم: لِمَ آمنتم؟ فأجابوهم بهذا، { وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ } أي: في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، بيانه( { أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ }(الأنبياء، 105).\r{ وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) }\r{ فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ } أعطاهم الله، { بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا } وإنما أنجح قولهم وعلق الثواب بالقول لاقترانه بالإخلاص، بدليل قوله: { وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ } يعني: الموحدين المؤمنين، وقوله من قبل: \"ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق\" يدل على أن الإخلاص والمعرفة بالقلب مع القول يكون إيمانا.\rقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ } الآية قال أهل التفسير: ذكّر النبي صلى الله عليه وسلم الناس يوما ووصف القيامة، فرقّ له الناس وبكوا، فاجتمع عشرة من أصحابه في بيت عثمان بن مظعون الجمحي، وهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر، وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي حذيفة، والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي، ومعقل بن مقرِّن رضي الله عنهم، وتشاوروا واتفقوا على أن يترهبوا ويلبسوا المسوح ويجبُّوا مذاكيرهم، ويصوموا الدهر، ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش، ولا يأكلوا اللحم والودك، ولا يقربوا النساء والطيب، ويسيحوا في الأرض، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى دار عثمان بن مظعون فلم يصادفه، فقال لامرأته أم حكيم بنت أبي أمية، واسمها الخولاء، وكانت عطارة: أحق ما بلغني","part":3,"page":88},{"id":856,"text":"عن زوجك وأصحابه؟ فكرهت أن تكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكرهت أن تبدي على زوجها، فقالت: يا رسول الله إن كان أخبرك عثمان بشيء فقد صدقك، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما دخل عثمان أخبرته بذلك فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم(ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا)؟ قالوا: بلى يا رسول الله، وما أردنا إلا الخير، فقال صلى الله عليه وسلم:(إني لم أؤمر بذلك)، ثم قال:(إن لأنفسكم عليكم حقا فصوموا وأفطروا وقوموا وناموا، فإني اقوم وأنام وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)، ثم جمع الناس وخطبهم فقال:(ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات [النساء] (1) ؟ أما إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء، ولا اتخاذ الصوامع، وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم الجهاد، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان واستقيموا يُستقم لكم، فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع)، فأنزل الله عز وجل هذه الآية (2) .\rأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة الكشميهني أنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث أنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي أنا عبد الله بن محمود أنا إبراهيم بن عبد الله الخلال أنا عبد الله بن المبارك عن رشدين بن سعد حدثني ابن أنعم عن سعد بن مسعود أن عثمان بن مظعون رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ائذن لنا في الاختصاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(ليس منا من خصى ولا اختصى، خصاء أمتي الصيام)، فقال: يا رسول الله ائذن لنا في السياحة، فقال:(إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله)، فقال: يا رسول الله ائذن لنا في الترهب، فقال:(إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد وانتظار الصلاة) (3) .\rورُوي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا قال: يا رسول الله إني أصبت من اللحم فانتشرت وأخذتني شهوة، فحرّمت اللحم، فأنزل الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ } (4)\r__________\r(1) في \"ب\": (الدنيا).\r(2) انظر: تفسير الطبري: 7 / 8-11، الدر المنثور: 3 / 141-142، أسباب النزول (236-237).\r(3) أخرجه المصنف في شرح السنة: 2 / 270-271، وفي مصابيح السنة: 1 / 225 (مشكاة المصابيح). والحديث ضعيف، لضعف رشدين بن سعد وزياد بن أنعم الأفريقي. وللقطعة الثانية من الحديث \"إن سياحة أمتي...\" شاهد عند أبي داود من حديث أبي أمامة في الجهاد باب النهي عن السياحة: 3 / 357. وانظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة: 3 / 479-480، مشكاة المصابيح: 1 / 225، مجمع الزوائد: 4 / 254.\r(4) أخرجه الترمذي في التفسير، سورة المائدة: 8 / 415، وقال: هذا حديث حسن غريب، ورواه بعضهم مرسلا، ليس فيه: عن ابن عباس، ورواه خالد الحذاء عن عكرمة مرسلا، وأخرجه الواحدي بسنده في أسباب النزول: ص (236)، وأخرج الطبري في التفسير: 7 / 8 الرواية التي أشار إليها الترمذي، وعزاه السيوطي أيضا لابن أبي حاتم وابن مردويه. انظر: الدر المنثور: 3 / 139، تفسير القرطبي: 6 / 260.","part":3,"page":89},{"id":857,"text":"يعني: اللذات التي تشتهيها النفوس، مما أحل لكم من المطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة، { وَلا تَعْتَدُوا } أي: ولا تجاوزوا الحلال إلى الحرام، وقيل: هو جبّ المذاكير { إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ }\r{ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا } قال عبد الله بن المبارك: الحلال ما أخذته من وجهه، والطيب ما غذى وأنمى، فأما الجوامد كالطين والتراب وما لا يغذي فمكروه إلا على وجه التداوي.\r{ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ } أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني أنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي أنا أبو سعيد الهيثم بن كليب أنا أبو عيسى الترمذي أخبرنا أحمد بن إبراهيم الدورقي وسلمة بن شبيب ومحمود بن غيلان قالوا: أخبرنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت:(كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل) (1) .\r{ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88) }\rقوله عز وجل: { لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما نزلت:(لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم)، قالوا: يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ وكانوا حلفوا على ما اتفقوا عليه، فأنزل الله: { لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ } (2) { وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأيْمَانَ } قرأ حمزة والكسائي [وأبو بكر] (3) (عقدتم) بالتحفيف، وقرأ ابن عامر(عاقدتم) بالألف وقرأ الآخرون(عقدتم) بالتشديد، أي: وكدتم، والمراد من الآية قصدتم\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الأشربة، باب الباذق، ومن نهى عن كل مسكر من الأشربة: 10 / 62، والمصنف في شرح السنة: 11 / 308.\r(2) أخرجه الطبري: 7 / 13. وانظر: أسباب النزول (237).\r(3) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":90},{"id":858,"text":"وتعمدتم، { فَكَفَّارَتُهُ } أي: كفارة ما عقدتم الأيمان إذا حنثتم، { إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ } واختلفوا في قدره: فذهب قوم إلى أنه يطعم كل مسكين مدا من الطعام بمد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو رطل وثلث من غالب قوت البلد، وكذلك في جميع الكفارات، وهو قول زيد بن ثابت وابن عباس وابن عمر، وبه قال سعيد بن المسيب والقاسم وسليمان بن اليسار وعطاء والحسن.\rوقال أهل العراق: عليه لكل مسكين مُدّان، 11\\أ وهو نصف صاع، يروى ذلك عن عمر وعلي رضي الله عنهما.\rوقال أبو حنيفة: إن أطعم من الحنطة فنصف صاع، وإن أطعم من غيرها فصاع، وهو قول الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير ومجاهد والحكم.\rولو غدّاهم وعشاهم لا يجوز، وجوّز أبو حنيفة، ويُروى ذلك عن علي رضي الله عنه.\rولا تجوز الدراهم والدنانير ولا الخبز ولا الدقيق، بل يجب إخراج الحب إليهم، وجوّز أبو حنيفة رضي الله عنه كل ذلك.\rولو صرف الكل إلى مسكين واحد [لا يجوز] (1) وجوز أبو حنيفة أن يصرف طعام عشرة إلى مسكين واحد في عشرة أيام، ولا يجوز أن يصرف إلا إلى مسلم حر محتاج، فإن صرف إلى ذمي أو عبد أو غني لا يجوز، وجوّز أبو حنيفة صرفها إلى أهل الذمة، واتفقوا على أن صرف الزكاة إلى أهل الذمة لا يجوز.\rقوله تعالى: { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } أي: من خير قوت عيالكم، وقال عبيدة السلماني: الأوسط الخبز والخل، والأعلى الخبز واللحم، والأدنى الخبز البحت والكل [يجزئ] (2) .\rقوله تعالى: { أَوْ كِسْوَتُهُمْ } كل من لزمته كفارة اليمين فهو فيها مخيّر إن شاء أطعم عشرة من المساكين، وإن شاء كساهم، وإن شاء أعتق رقبة، فإن اختار الكسوة، فاختلفوا في قدرها:\rفذهب قوم إلى أنه يكسو كل مسكين ثوبا واحدا مما يقع عليه اسم الكسوة، إزار أو رداء أو قميص أو سراويل أو عمامة أو كساء ونحوها، وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وعطاء وطاووس، وإليه ذهب الشافعي رحمه الله تعالى.\r__________\r(1) ساقط من (ب).\r(2) في \"ب\": (مجزٍ).","part":3,"page":91},{"id":859,"text":"وقال مالك: يجب لكل إنسان ما تجوز فيه صلاته، فيكسو الرجال ثوبا واحدا والنساء ثوبين درعا وخمارا.\rوقال سعيد بن المسيب لكل مسكين ثوبان.\rقوله عز وجل: { أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } وإذا اختار العتق يجب إعتاق رقبة مؤمنة، وكذلك جميع الكفارات مثل كفارة القتل والظهار والجماع في نهار رمضان يجب فيها إعتاق رقبة مؤمنة، وأجاز أبو حنيفة رضي الله عنه والثوري رضي الله عنه إعتاق الرقبة الكافرة في جميعها إلا في كفارة القتل، لأن الله تعالى قيّد الرقبة فيها بالإيمان، قلنا: المطلق يُحمل على المقيد [كما أن الله تعالى قيّد الشهادة بالعدالة في موضع فقال: \"وأشهدوا ذوي عدل منكم\"،(الطلاق، 2)، وأطلق في موضع، فقال: \"واستشهدوا شهيدين من رجالكم\"(البقرة، 282)، ثم العدالة شرط في جميعها حملا للمطلق على المقيد] (1) كذلك هاهنا، ولا يجوز إعتاق المرتد بالاتفاق عن الكفارة.\rويشترط أن يكون سليم الرق حتى لو أعتق عن كفارته مكاتبا أو أم ولد أو عبدا اشتراه بشرط العتق أو اشترى قريبه الذي يعتق عليه بنية الكفارة، يُعتق ولكن لا يجوز عن الكفارة، وجوّز أصحاب الرأي عتق المكاتب إذا لم يكن أدى شيئا من النجوم، وعتق القريب عن الكفارة ويشترط أن تكون الرقبة سليمة من كل عيب يضر بالعمل ضررا بيّنا حتى لا يجوز مقطوع إحدى اليدين، أو إحدى الرجلين، ولا الأعمى ولا الزَّمِن ولا المجنون المطبق، ويجوز الأعور والأصم ومقطوع الأذنين والأنف لأن هذه العيوب لا تضر بالعمل ضررا بينا.\rوعند أبي حنيفة رضي الله عنه كل عيب يفوِّت جنسا من المنفعة [على الكمال] (2) يمنع الجواز، حتى جوز مقطوع إحدى اليدين، ولم يجوز مقطوع الأذنين.\rقوله عز وجل: { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ } إذا عجز الذي لزمته كفارة اليمين عن الإطعام والكسوة وتحرير الرقبة، يجب عليه صوم ثلاثة أيام، والعجز أن لا يفضل من ماله عن قوته وقوت عياله وحاجته ما يطعم أو يكسو أو يعتق فإنه يصوم ثلاثة أيام.\rوقال بعضهم: إذا ملك ما يمكنه الإطعام وإن لم يفضل عن كفايته فليس له الصيام، وهو قول الحسن وسعيد بن جبير.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":92},{"id":860,"text":"واختلفوا في وجوب التتابع في هذا الصوم: فذهب جماعة إلى أنه لا يجب فيه التتابع بل إن شاء تابع وإن شاء فرّق، والتتابع أفضل وهو أحد قولي الشافعي، وذهب قوم إلى أنه يجب فيه التتابع قياسا على كفارة القتل والظهار، وهو قول الثوري وأبي حنيفة، ويدل عليه قراءة ابن مسعود رضي الله عنه صيام ثلاثة أيام متتابعات. { ذَلِكَ } أي: ذلك الذي ذكرت، { كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ } وحنثتم، فإن الكفارة لا تجب إلا بعد الحنث.\rواختلفوا في تقديم الكفارة على الحنث: فذهب قوم إلى جوازه، لما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير\" (1) . وهو قول عمر [وابن عمر] (2) وابن عباس وعائشة وبه قال الحسن وابن سيرين، وإليه ذهب مالك والأوزاعي والشافعي، إلا أن الشافعي يقول: إن كفّر بالصوم قبل الحنث لا يجوز لأنه بدني، إنما يجوز بالإطعام أو الكسوة أو العتق كما يجوز تقديم الزكاة على الحول، ولا يجوز تعجيل صوم رمضان قبل وقته، وذهب قوم إلى أنه لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث، وبه قال أبو حنيفة رضي الله عنه.\rقوله عز وجل { وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ } قيل: أراد به ترك الحلف، أي: لا تحلفوا، وقيل: وهو الأصح، أراد به: إذا حلفتم فلا تحنثوا، فالمراد منه حفظ اليمين عن الحنث هذا إذا لم تكن يمينه على ترك مندوب أو فعل مكروه، فإن حلف على فعل مكروه أو ترك مندوب، فالأفضل أن يحنث نفسه ويكفّر، لما أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا حجاج بن منهال أنا جرير بن حازم عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وُكِلْتَ إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفّر عن يمينك وأتِ الذي هو خير\" (3) .\rقوله تعالى: { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الأيمان، باب ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها أن يأتي الذي هو خير... برقم(1650): 3 / 1272، والمصنف في شرح السنة: 10 / 17.\r(2) ساقط من (ب).\r(3) أخرجه الإمام مسلم في الأيمان، في الموضع السابق، برقم(1652): 3 / 1273-1274، وفي الإمارة: 3 / 1456، والمصنف في شرح السنة 10 / 56، دون قوله \"وإذا حلفت على يمين...\".","part":3,"page":93},{"id":861,"text":"{ لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89) }","part":3,"page":94},{"id":862,"text":"{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) }\rقوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ } أي: القمار { وَالأنْصَابُ } يعني: الأوثان، سُميت بذلك لأنهم كانوا ينصبونها، واحدها نصب بفتح النون وسكون الصاد، ونُصب بضم النون مخففا ومثقلا { وَالأزْلامُ } يعني: الأقداح التي كانوا يستقسمون بها واحدها زَلَم { رِجْسٌ } خبيث مستقذر، { مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ } من تزيينه، { فَاجْتَنِبُوهُ } رد الكناية إلى الرجس، { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }\r{ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ } أما العدواة في الخمر فإن الشاربين إذا سكروا عربدوا وتشاجروا، كما فعل الأنصاري الذي شج سعد بن أبي وقاص بلحي الجمل أما العداوة في الميسر، قال قتادة: كان الرجل يقامر على الأهل والمال ثم يبقى حزينا مسلوب الأهل والمال مغتاظا على [حرفائه] (1) . { وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ } وذلك أن من اشتغل بشرب الخمر أو القمار ألهاه ذلك عن ذكر الله، وشوش عليه صلاته كما فعل بأضياف عبد الرحمن بن عوف، تقدم رجل ليصلي بهم صلاة المغرب 111/ب بعدما شربوا فقرأ \"قل يا أيها الكافرون\": أعبد ما تعبدون، بحذف لا (2) { فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ } أي: انتهوا، استفهام ومعناه أمر، كقوله تعالى: \"فهل أنتم شاكرون\"؟(سورة الأنبياء، 80).\r{ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا } المحارم والمناهي، { فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ }\rوفي وعيد شارب الخمر أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد الفوراني أنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني ثنا أبو الحسن محمد بن محمود المحمودي أنا أبو العباس الماسرجسي بنيسابور أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أخبرنا صالح بن قدامة حدثنا أخي عبد الملك بن قدامة\r__________\r(1) في \"ب\" (حؤفانه).\r(2) انظر: الدر المنثور: 3 / 164.","part":3,"page":94},{"id":863,"text":"عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"كل مسكر حرام، وإن ختما على الله أن لا يشربه عبد في الدنيا إلا سقاه الله تعالى يوم القيامة من طينة الخبال، هل تدرون ما طينة الخبال؟\" قال: \"عرق أهل النار\" (1) .\rوأخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة\" (2) .\rوأخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أحمد بن أبي أخبرنا أبو العباس الأصم أنا محمد بن إسحاق الصغاني حدثنا أبو نعيم حدثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز عن عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي من أهل مصر عن عبد الله بن عمر أنه قال: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: \"لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها\" (3) .\r{ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (92) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93) }\rقوله عز وجل: { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا } سبب نزول هذه الآية أن الصحابة رضوان الله عليهم قالوا لما نزل تحريم الخمر: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين\r__________\r(1) أخرجه المصنف في شرح السنة: 11 / 356، وفيه عبد الملك بن قدامة، وهو ضعيف، ويشهد له عدة أحاديث صحيحة عن جابر بن عبد الله وغيره منها حديث جابر عند مسلم، برقم(2002) في الأشربة وحديث ابن عمر عند مسلم برقم(2003) وهو الآتي.\r(2) أخرجه مسلم في الأشربة، باب عقوبة من شرب الخمر إذ1 لم يتب منها... برقم(2003): 3 / 1588، والمصنف في شرح السنة: 11 / 355.\r(3) أخرجه أبو داود في الأشربة، باب العنب بعصر للخمر: 5 / 260، وابن ماجه في الأشربة، باب لعنت الخمر على عشرة أوجه برقم (3380): 2 / 1121، والإمام أحمد في المسند: 2 / 97، وفيه: عبد الرحمن الغافقي. قال المنذري: سئل عنه ابن معين؟ فقال: لا أعرفه، وذكره ابن يونس في تاريخه وقال: روى عن ابن عمر، وأبو طعمة: رماه مكحول بالكذب، وللحديث شواهد يتقوى بها، لذلك قال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير، (4 / 73): \"صححه ابن السكن، وفي الباب عن أنس بن مالك: رواه الترمذي وابن ماجه، ورواته ثقات، وعن ابن عباس: رواه أحمد وابن حبان والحاكم، وعن ابن مسعود: ذكره ابن أبي حاتم في العلل، وعن أبي هريرة مرفوعا: \"إن الله حرم الخمر وثمنها، وحرم الميتة وثمنها، وحرم الخنزير وثمنه\". ورواه أبو داود، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص\".","part":3,"page":95},{"id":864,"text":"ماتوا وهم يشربون الخمر [ويأكلون] (1) من مال الميسر؟ فأنزل الله تعالى: { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا } وشربوا من الخمر وأكلوا من مال الميسر، { إِذَا مَا اتَّقَوْا } الشرك، { وَآمَنُوا } وصدّقوا، { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا } الخمر والميسر بعد تحريمهما، { وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا } ما حرّم الله عليهم أكله وشربه، { وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } وقيل: معنى الأول إذ ما اتقوا الشرك، وآمنوا وصدقوا ثم اتقوا، أي: داوموا على ذلك التقوى، { وَآمَنُوا } ازدادوا إيمانا، ثم اتقوا المعاصي كلها وأحسنوا، وقيل: أي: اتقوا بالإحسان، وكل محسن متق، { وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ }\rقوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ } الآية، نزلت عام الحديبية وكانوا محرمين ابتلاهم الله بالصيد، وكانت الوحوش تغشى رحالهم من كثرتها فهمّوا بأخذها فنزلت: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ } ليختبركم الله، وفائدة البلوى إظهار المطيع من العاصي، وإلا فلا حاجة له إلى البلوى بشيء من الصيد، وإنما بَعَّض، فقال { بِشَيْءٍ } لأنه ابتلاهم بصيد البر خاصة. { تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ } يعني: الفرخ والبيض وما لا يقدر أن يفر من صغار الصيد، { وَرِمَاحُكُمْ } يعني: الكبار من الصيد، { لِيَعْلَمَ اللَّهُ } ليرى الله، لأنه قد علمه، { مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ } أي: يخاف الله ولم يره، كقوله تعالى: \"الذين يخشون ربهم بالغيب\"(الأنبياء، 49) أي: يخافه فلا يصطاد في حال الإحرام { فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ } أي: صاد بعد تحريمه، { فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: [يوجع] (2) ظهره وبطنه جلدا، ويسلب ثيابه.\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94) }\rقوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } أي: محرمون بالحج والعمرة، وهو جمع حرام، يقال: رجل حرام وامرأة حرام، وقد يكون [من] (3) دخول الحرم، يقال:\r__________\r(1) في \"ب\": (وأكلوا).\r(2) في \"ب\": (يوسع).\r(3) في \"ب\": (بمعنى).","part":3,"page":96},{"id":865,"text":"أحرم الرجل إذا عقد الإحرام، وأحرم إذا دخل الحرم. نزلت في رجل يقال له أبو اليَسَر شدَّ على حمار وحش وهو محرم فقتله.\rقوله تعالى: { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا } اختلفوا في هذا العمد فقال قوم: هو العمد بقتل الصيد مع نسيان الإحرام، أما إذا قتله عمدا وهو ذاكر لإحرامه فلا حكم عليه، وأمره إلى الله لأنه أعظم من أن يكون له كفارة، وهو قول مجاهد والحسن.\rوقال آخرون: هو أن يعمد المحرم قتل الصيد ذاكرا لإحرامه فعليه الكفارة.\rواختلفوا فيما لو قتله خطأ، فذهب أكثر الفقهاء إلى أن العمد والخطأ سواء في لزوم الكفارة، قال الزهري: على المتعمد بالكتاب وعلى المخطئ بالسنة، وقال سعيد بن [جبير] (1) لا تجب كفارة الصيد بقتل الخطأ، بل يختص بالعمد.\rقوله عز وجل: { فَجَزَاءٌ مِثْلُ } قرأ أهل الكوفة ويعقوب \" فجزاءٌ \" منون، { مِثْلُ } رفع على البدل من الجزاء، وقرأ الآخرون بالإضافة { فَجَزَاءٌ مِثْلُ } { مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ } معناه أنه يجب عليه مثل ذلك الصيد من النعم، وأراد به ما يقرب من الصيد المقتول شبها من حيث الخلقة لا من حيث القيمة.\r{ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ } أي: يحكم بالجزاء رجلان عدلان، وينبغي أن يكونا فقيهين ينظران إلى أشبه الأشياء من النعم فيحكمان به، وممن ذهب إلى إيجاب المثل من النعم عمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وابن عمر وابن عباس، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم، حكموا في بلدان مختلفة وأزمان شتى بالمثل من النعم، يحكم حاكم في النعامة ببدنة وهي لا تساوي بدنة، وفي حمار الوحش ببقرة [وهي لا تساوي بقرة] (2) وفي الضبع بكبش وهي لا تساوي كبشا، فدل على أنهم نظروا إلى ما يقرب من الصيد شبها من حيث الخلقة [لا من حيث القيمة] (3) وتجب في الحمام شاة، وهو كل ما عب وهدر من الطير، كالفاختة والقمري.\rورُوي عن عمر وعثمان وابن عباس رضي الله عنهم أنهم قضوا في حمام مكة بشاة، أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن أبي\r__________\r(1) في \"ب\": المسيب.\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":97},{"id":866,"text":"الزبير المكي عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قضى في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة (1) .\rقوله تعالى: { هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ } أي: يُهدي تلك الكفارة إلى الكعبة، فيذبحها بمكة ويتصدق بلحمها على مساكين الحرم، { أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا } قال الفراء رحمه الله: العِدْل بالكسر: المثل من جنسه، والعَدْل بالفتح: المثل من غير جنسه، وأراد به: أنه في جزاء الصيد مخيّر بين أن يذبح المثل من النعم، فيتصدق بلحمه على المساكين الحرم، وبين أن يقوّم المثل دراهم، والدراهم طعاما، فيتصدق بالطعام على المساكين الحرم، أو يصوم عن كل مدٍّ من الطعام يوما وله أن يصوم حيث شاء لأنه لا نفع فيه للمساكين.\rوقال مالك: إن لم يخرج المثل يقوّم الصيد ثم يجعل القيمة طعاما فيتصدق به، أو يصوم.\rوقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا يجب المثل من النعم، بل يقوّم الصيد فإن شاء صرف تلك القيمة إلى شيء من النعم، وإن شاء إلى الطعام فيتصدق به، وإن شاء صام عن كل نصف صاع من بر أو صاع من غيره يوما.\rوقال الشعبي والنخعي جزاء الصيد على الترتيب والآية حجة لمن ذهب إلى التخيير.\rقوله 112\\أ تعالى: { لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ } أي: جزاء معصيته، { عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ } يعني: قبل التحريم، ونزول الآية، قال السدي: عفا الله عما سلف في الجاهلية، { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ } في الآخرة. { وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ } وإذا تكرر من المحرم قتل الصيد فيتعدد عليه الجزاء عند عامة أهل العلم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: إذا قتل المحرم صيدا متعمدا يسأل هل قتلت قبله شيئا من الصيد؟ فإن قال نعم لم يحكم عليه، وقيل له: اذهب ينتقم الله منك، وإن قال لم أقتل قبله شيئا حكم عليه، فإن عاد بعد ذلك لم يحكم عليه، ولكن يملأ ظهره وصدره ضربا وجيعا، وكذلك حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في وج وهو واد بالطائف (2) .\r__________\r(1) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الحج، باب فدية ما أصيب من الطير والوحش: 1 / 414، والشافعي في المسند: 1 / 330-331، والبيهقي في السنن: 5 / 183، وصححه الألباني في إرواء الغليل: 4 / 245، وانظر: تلخيص الحبير: 2 / 278.\r(2) قطعة من حديث أخرجه أبو داود في المناسك، باب في مال الكعبة: 2 / 441-442، بلفظ \"... إن صيد وَجّ وعضاهه حرم، محرم لله..\"، والإمام أحمد في المسند برقم(1416) طبع الحلبي، وصححه أحمد شاكر. قال المنذري: في إسناده محمد بن عبد الله بن إنسان الطائفي وأبوه، فأما محمد فسئل عنه الرازي فقال: ليس بالقوي، وفي حديثه نظر، وذكره البخاري في تاريخه الكبير ج1 ق1 / 140، وذكر له هذا الحديث، وقال: لم يتابع عليه. وذكر أباه وأشار إلى هذا الحديث، وقال: لم يصح حديثه. وقال البستي: عبد الله بن إنسان، روى عنه ابنه محمد ولم يصح حديثه. وقال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير: 2 / 280 \"سكت عليه أبو داود، وحسنه الترمذي وسكت عليه عبد الحق، وذكر الذهبي أن الشافعي صححه، وذكر الخلال أن أحمد ضعفه\". وقال النووي في المجموع: 7 / 449 \"رواه البيهقي وإسناده ضعيف\".","part":3,"page":98},{"id":867,"text":"واختلفوا في المحرم هل يجوز له أكل لحم الصيد أو لا؟ فذهب قوم إلى أنه لا يحل له بحال، ويروى ذلك عن ابن عباس، وهو قول طاووس وبه قال سفيان الثوري، واحتجوا بما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن عباس عن الصعب بن جثامة الليثي أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا، وهو بالأبواء أو بودّان، فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في وجهي، قال: \"إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم\" (1) .\rوذهب الأكثرون إلى أنه يجوز للمحرم أكله إذا لم يصطد بنفسه ولا اصطيد لأجله أو بإشارته، وهو قول عمر وعثمان وأبي هريرة، وبه قال عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، وإنما رد النبي صلى الله عليه وسلم على الصعب بن جثامة لأنه ظن أنه صيد من أجله.\rوالدليل على جوازه ما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله التيمي عن نافع مولى أبي قتادة عن أبي قتادة بن ربعي الأنصاري رضي الله عنه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان ببعض طريق مكة، تخلف مع أصحاب له محرمين وهو غير محرم فرأى حمارا وحشيا فاستوى على فرسه وسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا فسألهم رمحه فأبوا فأخذه ثم شدّ على الحمار فقتله، فأكل منه بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى بعضهم فلما أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن ذلك، فقال: \"إنما هي طعمة أطعمكموها الله تعالى\" (2) .\rأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع أنا الشافعي أنا إبراهيم بن محمد عن عمرو بن أبي عمرو عن المطلب بن حنطب عن\r__________\r(1) أخرجه البخاري في جزاء الصيد، باب إذا أهدى للمحرم حمارا وحشيا لم يقبل: 4 / 31، وفي الهبة، ومسلم في الحج، باب تحريم الصيد للمحرم، برقم(1193): 2 / 850، والمصنف في شرح السنة: 7 / 260.\r(2) أخرجه البخاري في الذبائح والصيد، باب ما جاء في التصيد: 9 / 613، ومسلم في الحج باب تحريم الصيد للمحرم، برقم(1196): 2 / 852.","part":3,"page":99},{"id":868,"text":"جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"لحم الصيد لكم في الإحرام حلال، ما لم تصيدوه أو يُصاد لكم\" (1) قال أبو عيسى: المطلب لا نعرف له سماعا من جابر بن عبد الله رضي الله عنه.\rوإذا أتلف المحرم شيئا من الصيد لا مثل له من النعم مثل بيض أو طائر دون الحمام ففيه قيمة يصرفها إلى الطعام، فيتصدق به أو يصوم عن كل مد يوما، واختلفوا في الجراد فرخص فيه قوم للمحرم وقالوا هو من صيد البحر، روي ذلك عن كعب الأحبار، والأكثرون على أنها لا تحل، فإن أصابها فعليه صدقة، قال عمر: في الجراد تمرة، ورُوي عنه وعن ابن عباس: قبضة من طعام.\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95) }\rقوله عز وجل: { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ } والمراد بالبحر جميع المياه، قال عمر رضي الله عنه: \"صيده ما اصطيد وطعامه ما رمي به\" (2) . وعن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة: طعامه ما قذفه الماء إلى الساحل ميتا.\rوقال قوم: هو المالح منه وهو قول سعيد بن جبير وعكرمة وسعيد بن المسيب وقتادة والنخعي.\rوقال مجاهد: صيده: طريه، وطعامه: مالحه، متاعا لكم أي: منفعة لكم، وللسيارة يعني: المارة.\rوجملة حيوانات الماء على قسمين: سمك وغيره، أما السمك فميتته حلال مع اختلاف أنواعها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"أحلت لنا ميتتان [ودمان: الميتتان] الحوت والجراد، والدمان: [الكبد والطحال] (3) ولا فرق بين أن يموت بسبب أو بغير سبب، وعند أبي حنيفة لا يحل إلا أن يموت بسبب من وقوع على حجر أو انحسار الماء عنه ونحو ذلك.\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في المناسك، باب لحم الصيد للمحرم: 2 / 362، بلفظ \"صيد البر لكم حلال..\"، والترمذي في الحج، باب ما جاء في أكل لحم الصيد للمحرم: 3 / 584، والنسائي في الحج، باب إذا أشار المحرم إلى الصيد فقتله حلال: 5 / 187، وصححه ابن حبان، ص(243) من الموارد، والحاكم: 1 / 452، والشافعي: 1 / 322-323 (ترتيب المسند)، والمصنف في شرح السنة: 7 / 263-264. والمطلب بن حنظب المخزومي: صدوق كثير التدليس والإرسال. وعمرو بن أبي عمرو: مختلف فيه وإن كان من رجال الصحيحين. انظر: تلخيص الحبير: 2 / 26.\r(2) انظر: تفسير الطبري: 8 / 63 (طبع الحلبي).\r(3) ما بين القوسين من \"شرح السنة\" ومن نسخة \"ب\"، والحديث أخرجه الشافعي في ترتيب المسند: 2 / 173، وابن ماجه في الأطعمة، باب الكبد والطحال، برقم(3314): 2 / 1102، والدارقطني في الصيد والذبائح: 4 / 271-272، والإمام أحمد: 2 / 97 عن ابن عمر مرفوعا. ورواه البيهقي موقوفا وقال: هذا إسناد صحيح، وهو في معنى المسند، السنن: 1 / 254. وعزاه الزيلعي أيضا لعبد بن حميد وابن حبان في الضعفاء، وأعله بعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال: كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم، حتى كثر ذلك في روايته من رفع الموقوفات وإسناد المراسيل، فاستحق الترك. انظر: نصب الراية: 4 / 201-202. وعزاه أيضا ابن حجر لابن مردويه في التفسير عن أبي سعيد مرفوعا، وقال: ذكره الدارقطني في العلل... والرواية الموقوفة التي صححها أبو حاتم وغيره هي في حكم المرفوع، لأن قول الصحابي: أحل لنا، وحرم علينا كذا، مثل قوله: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا، فيحصل الاستدلال بهذه الرواية، لأنها في معنى المرفوع\". تلخيص الحبير: 1 / 26. وأخرجه أيضا: المصنف في شرح السنة: 11 / 244.","part":3,"page":100},{"id":869,"text":"أما غير السمك فقسمان: قسم يعيش في البر كالضغدع والسرطان، فلا يحل أكله، وقسم يعيش في الماء ولا يعيش في البر إلا عيش المذبوح، فاختلف القول فيه، فذهب قوم إلى أنه لا يحل شيء منها إلا السمك، وهو معنى قول أبي حنيفة رضي الله عنه وذهب قوم إلى أن [ميت الماء كلها حلالٍ] (1) لأن كلها سمك، وإن اختلفت صورها، [كالجريث] (2) يقال له حية الماء، وهو على شكل الحية وأكله مباح بالاتفاق، وهو قول أبي بكر وعمر وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وأبي هريرة، وبه قال شريح والحسن وعطاء، وهو قول مالك وظاهر مذهب الشافعي.\rوذهب قوم إلى أن ما له نظير في البر يؤكل، فميتته من حيوانات البحر حلال، مثل بقر الماء ونحوه، وما لا يؤكل نظيره في البر لا يحل ميتته من حيوانات البحر، مثل كلب الماء والخنزير والحمار ونحوها.\rوقال الأوزاعي كل شيء عيشه في الماء فهو حلال، قيل: فالتمساح؟ قال نعم.\rوقال الشعبي: لو أن أهلي أكلوا الضفادع لأطعمتهم، وقال سفيان الثوري: أرجو أن لا يكون بالسرطان بأسا.\rوظاهر الآيه حجة لمن أباح جميع حيوانات البحر، وكذلك الحديث. أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن صفوان بن [سلمان] (3) عن سعيد بن سلمة من آل بني الأزرق أن المغيرة بن أبي بردة وهو من بني عبد الدار أخبره أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنا نركب في البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"هو الطهور ماؤه الحل ميتته\" (4) .\r__________\r(1) هذه العبارة جاءت في \"أ\" هكذا: (رميت الكل حلال).\r(2) في \"ب\": (كالحربة).\r(3) في \"ب\" (سليم).\r(4) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب الوضوء بماء البحر: 1 / 81، والترمذي في الطهارة، باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور: 1 / 225 وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في الطهارة، باب ماء البحر: 1 / 50، وابن ماجه في الطهارة، باب الوضوء بماء البحر: 1 / 50، ومالك في الموطأ: 1 / 22، وصححه الحاكم: 1 / 140-141، وابن حبان برقم(119)، وأخرجه الشافعي: 1 / 23 (ترتيب المسند) والدارقطني: 1 / 34-35، والمصنف في شرح السنة: 2 / 55. وانظر تلخيص الحبير: 1 / 9-12.","part":3,"page":101},{"id":870,"text":"أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا مسدد أنا يحيى عن ابن جريج أخبرني عمر أنه سمع جابرا رضي الله عنه يقول: غزوت جيش الخَبَط وأُمِّر أبو عبيدة، فجعنا جوعا شديدا فألقى البحر حوتا ميتا لم نر مثله، يقال له العنبر، فأكلنا منه نصف شهر، فأخذ أبو عبيدة عظما من عظامه، فمر الراكب تحته. وأخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا يقول: قال أبو عبيدة: كلوا فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: \"كلوا رزقا أخرجه الله إليكم، أطعمونا إن كان معكم\" فأتاه بعضهم بشيء منه فأكلوه (1) .\rقوله تعالى: { وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } 112/ب صيد البحر حلال للمحرم، كما هو حلال لغير المحرم، أما صيد البر فحرام على المحرم وفي الحرم، والصيد هو الحيوان الوحشي الذي يحل أكله، أما ما لا يحل أكله فلا يحرم بسبب الإحرام، وللمحرم أخذه وقتله، ولا جزاء على من قتله إلا المتولد بين ما لا يؤكل لحمه وما يؤكل، كالمتولد بين الذئب والظبي لا يحل أكله ويجب بقتله الجزاء على المحرم، لأن فيه جزاء من الصيد.\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك\r__________\r(1) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة سيف البحر: 8 / 78 واللفظ له، ومسلم في الصيد والذبائح، باب إباحة ميتات البحر، برقم(1935): 3 / 1535 والمصنف في شرح السنة: 11 / 246. وقد يعجب بعض الناس من ضخامة هذه الدابة: وقد يظن بعضهم أن في هذا مبالغة، وقد يدفعه ذلك إلى تكذيب الرواية. ونحن هنا أمام نص صحيح ووثيقة صادقة، فالحديث صحيح سندا، إذ اتفق على تخريجه البخاري ومسلم، وهما في أعلى درجات الصحة، والحديث صحيح متنا، وإليك مثلا قريبا من عجائب مخلوقات الله تعالى يدل على ذلك، ذكره المرحوم محمد فؤاد عبد الباقي في صحيح مسلم، في الجزء الذي خصصه للفهارس: 5 / 586: (1) نشرت جريدة الأهرام القاهرية، في العدد (24419)، بتاريخ: 27 / 9 / 1953 الصفحة الثانية، عمود 7، تحت عنوان: \"حوت يونس\": اجتازت شوارع باريس أمس سيارة نقل طولها (30) مترا، يقال إنها أطول سيارة نقل في العالم، وكانت تقل \"يونس\"، وهو حوت ضخم عمره (18) شهرا، وطوله (20) مترا، ووزنه (8000) كيلو جرام. وقد حنطه أصحابه وقاموا بعرضه على النظارة في النرويج والسويد والدنمارك والنمسا وألمانيا. وسيعرض في باريس هذا الأسبوع لقاء أجر معلوم. وقد أضيء باطنه بالمصابيح الكهربائية ليتسنى للنظارة رؤية جوفه. (2) نشرت جريدة \"الأخبار الجديدة\" في العدد (396) بتاريخ 27 / 9 / 1953، الصفحة الثانية، عمود 1و2، تحت عنوان: \"حوت طوله 20 مترا ووزنه 8 أطنان الناس يدخلون بطنه، (10) كل دفعة: باريس: دخل صباح اليوم \"أونا\" باريس دخول الفاتحين، يحرسه عشرات من رجال البوليس الراكب والراجل. أما \"أونا\" هذا: فهو حوت نرويجي ضخم.. ثم تابعت وصف الحوت فقالت: ويسمح للناس بدخول كرشه المضاء بالكهرباء. ويستطيع عشرة أشخاص أن يدخلوا بطنه مرة واحدة.. إلخ.","part":3,"page":102},{"id":871,"text":"عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور\" (1) .\rوروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"يقتل المحرم السبع العادي\" (2) وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"خمس قتلهن حلال في الحرم: الحية والعقرب والحدأة والفأرة والكلب العقور\" (3) .\rوقال سفيان بن عيينة: الكلب العقور كل سبع يعقر، ومثله عن مالك، وذهب أصحاب الرأي إلى وجوب الجزاء في قتل ما لا يؤكل لحمه، من الفهد والنمر والخنزير ونحوها إلا الأعيان المذكورة في الخبر، وقاسوا عليها الذئب فلم يوجبوا فيه الكفارة، وقاس الشافعي رحمه الله عليها جميع ما لا يؤكل لحمه لأن الحديث يشتمل على أعيان بعضها سباع ضارية وبعضها هوام قاتلة وبعضها طير لا يدخل في معنى السباع ولا هي من جملة [الهوام] (4) وإنما هي حيوان مستخبث اللحم، وتحريم الأكل يجمع الكل فاعتبره ورتب الحكم عليه.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في جزاء الصيد، باب ما يقتل المحرم من الدواب: 4 / 34، وفي بدء الخلق، ومسلم في الحج، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم، برقم(1199): 2 / 857. والمصنف في شرح السنة: 7 / 266.\r(2) أخرجه أبو داود في المناسك، باب ما يقتل المحرم من الدواب: 2 / 360 مطولا، والترمذي في الحج، باب ما يقتل المحرم من الدواب: 3 / 577، وقال: هذا حديث حسن، وابن ماجه في المناسك، باب ما يقتل المحرم: 2 / 1032، والإمام أحمد في المسند: 3 / 3، والمصنف في شرح السنة: 7 / 267. قال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير: 2 / 274 \"وفي إسناده زيد بن أبي زياد، وهو ضعيف\".\r(3) أخرجه أبو داود في الموضع السابق نفسه، والترمذي في الموضع السابق عن عائشة، وقال: حديث حسن صحيح وفي إسناد أبي داود: ابن عجلان. ويتقوى بالحديث السابق وغيره.\r(4) في \"ب\": (السباع).","part":3,"page":103},{"id":872,"text":"{ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96) جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97) }\rقوله عز وجل: { جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ } قال مجاهد: سميت كعبة لتربيعها، والعرب تسمي كل بيت مربع كعبة، قال مقاتل: سميت كعبة لانفرادها من البناء، وقيل: سميت كعبة لارتفاعها من الأرض، وأصلها من الخروج والارتفاع، وسمي الكعب عكبا لنتوئه، وخروجه من جانبي","part":3,"page":103},{"id":873,"text":"القدم، ومن قيل للجارية إذا قاربت البلوغ وخرج ثديها: تكعّبت. وسمي البيت الحرام: لأن الله تعالى حرّمه وعظّم حرمته. قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"إن الله تعالى حرّم مكة يوم خلق السموات والأرض\" (1) { قِيَامًا لِلنَّاسِ } قرأ ابن عامر(قيما) بلا ألف والآخرون: \"قياما\" بالألف، أي: قواما لهم في أمر دينهم ودنياهم، أما الدين لأن به يقوم الحج والمناسك، وأما الدنيا فيما يجبي إليه من الثمرات، وكانوا يأمنون فيه من النهار والغارة فلا يتعرض لهم أحد في الحرم، قال الله تعالى: { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ }(العنكبوت-67) { وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ } أراد به الأشهر الحرم وهي ذو العقده وذو الحجة والمحرم ورجب، أراد أنه جعل الأشهر الحرم قياما للناس يأمنون فيها القتال، { وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ } أراد أنهم كانوا يؤمنون بتقليد الهدي، فذلك القوام فيه.\r{ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فإن قيل: أي اتصال لهذا الكلام بما قبله؟ قيل: أراد أن الله عز وجل جعل الكعبة قياما للناس لأنه يعلم صلاح العباد كما يعلم ما في السموات وما في الأرض، وقال الزجاج: قد سبق في هذه السورة الإخبار عن الغيوب والكشف عن الأسرار، مثل قوله(سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين)، ومثل إخباره بتحريفهم الكتب ونحو ذلك، فقوله { ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ } راجع إليه.\r{ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99) قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الألْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100) }\r{ مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ } [التبليغ] (2) { وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ }\r{ قل لا يستوى الخبيث والطيب } أي الحلال والحرام، { وَلَوْ أَعْجَبَكَ } سرك { كَثْرَةُ الْخَبِيثِ }\r__________\r(1) أخرجه البخاري في المغازي، باب رقم(35): 8 / 26، ومسلم بنحوه في الحج، باب تحريم مكة وصيدها، برقم(1353): 2 / 986، والمصنف في شرح السنة: 7 / 294.\r(2) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":104},{"id":874,"text":"نزلت في شريح بن [ضبيعة] (1) البكري، وحجاج بن بكر بن وائل (2) { فَاتَّقُوا اللَّهَ } ولا تتعرضوا للحجاج وإن كانوا مشركين، وقد مضت القصة في أول السورة، { يَا أُولِي الألْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }\rقوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } الآية أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا حفص بن عمر أنا هشام عن قتادة عن أنس رضي الله عنه: سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة، فغضب فصعد المنبر فقال: \"لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم\"، فجعلت أنظر يمينا وشمالا فإذا كان رجل لاف رأسه في ثوبه يبكي، فإذا رجل كان إذا لاحى الرجال يُدعى لغير أبيه، فقال: يا رسول الله من أبي؟ قال \"حذافة\": ثم أنشأ عمر، فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا نعوذ بالله من الفتن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط، إني صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما وراء الحائط\"، وكان قتادة يذكر عند هذا الحديث هذه الآية { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } (3) .\rقال يونس عن ابن شهاب: أخبرني عبيد الله بن عبد الله قال: قالت أم عبد الله بن حذافة لعبد الله بن حذافة: ما سمعت بابن قط أعق منك، أأمنت أن تكون أمك قد فارقت بعض ما تقارف نساء أهل الجاهلية فتفضحها على أعين الناس؟ قال عبد الله بن حذافة والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته (4) . وروي عن عمر قال: يا رسول الله إنا حديثو عهد بجاهلية فاعف عنا يعف الله سبحانه وتعالى عنك، فسكن غضبه.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا الفضل بن سهل أخبرنا أبو النضر أنا أبو خيثمة أنا أبو جويرية عن ابن عباس قال: كان\r__________\r(1) في \"أ\": (ضبعة) وهو خطأ.\r(2) انظر فيما سلف، سبب نزول الآية الثانية من السورة، ص (7-8).\r(3) أخرجه البخاري في الفتن، باب التعوذ من الفتن: 13 / 43، ومسلم في الفضائل، باب توقيره صلى الله عليه وسلم وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه، برقم (2359): 4 / 1833-1834. ومعنى أَحْفَوه: أي أكثروا في الإلحاح والمبالغة فيه. يقال: أحفى وألحف وألحَّ، بمعنى. و\"لاحى\": من الملاحاة وهي المماراة والمجادلة. و\"أنشأ\": أي ابتدأ.\r(4) انظر: صحيح مسلم في الموضع السابق.","part":3,"page":105},{"id":875,"text":"قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } حتى فرغ من الآية كلها (1) . وروي عن علي رضي الله عنه قال: لما نزلت:(ولله على الناس حج البيت) قال رجل: يا رسول الله أفي كل عام فأعرض عنه حتى عاد مرتين أو ثلاثا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"ما يؤمنك أن أقول نعم؟ والله لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، فاتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه\"، فأنزل الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } (2) أي: إن تظهر لكم تسؤكم، أي: إن أمرتم بالعمل بها فإن من سأل عن الحج لم يأمن أن يؤمر به في كل عام فيسوءه، ومن سأل عن نسبه لم يأمن من أن يلحقه بغيره فيفتضح.\rوقال مجاهد (3) نزلت حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، ألا تراه ذكرها بعد ذلك؟ { وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ } 113\\أ معناه صبرتم حتى ينزل القرآن بحكم من فرض أو نهى أو حكم، وليس في ظاهره شرح ما بكم إليه حاجة ومست جاحتكم إليه، فإذا سألتم عنها حينئذ تبد لكم، { عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (102) }\r{ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ } كما سألت ثمود صالحا الناقة وسأل قوم عيسى المائدة، { ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ } فأهلكوا، قال أبو ثعلبة الخشني: \"إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى\r__________\r(1) أخرجه البخاري في تفسير سورة المائدة، باب \"لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم\": 8 / 280.\r(2) أخرجه الترمذي عن علي رضي الله عنه في تفسير سورة المائدة: 8 / 420 وقال هذا حديث حسن غريب من حديث علي. وابن ماجه في المناسك، برقم (2884): 2 / 963، قال في تحفة الأحوذي: \"وهو منقطع\". وأصل الحديث في صحيح مسلم من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، في كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر، برقم(1337): 2 / 975، وعند المصنف في شرح السنة: 7 / 3، وانظر: الدر المنثور: 3 / 206.\r(3) قارن بالدر المنثور للسيوطي: 3 / 208 فقد ذكر عن مجاهد أنها نزلت في السؤال عن الحج، كما سبق، وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر.","part":3,"page":106},{"id":876,"text":"عن أشياء فلا تنتهكوها وحد حدودا فلا تعتدوها، وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها (1) .\rقوله عز وجل: { مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ } أي: ما أنزل الله ولا أمر به، { وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ } قال ابن عباس في بيان هذه [الأوضاع] (2) البحيرة هي الناقة التي كانت إذا ولدت خمسة أبطن بحروا أذنها، أي: شقوها وتركوا الحمل عليها وركوبها، ولم يجزّوا وَبَرها ولم يمنعوها الماء والكلأ ثم نظروا إلا خامس ولدها فإن كان ذكرا نحروه وأكله الرجال والنساء، وإن كان أنثى بحروا أذنها، أي: شقوها وتركوها وحُرّم على النساء لبنها ومنافعها، وكانت منافعها خاصة للرجال، فإذا ماتت حلت للرجال والنساء.\rوقيل: كانت الناقة إذا تابعت اثنتي عشرة سنة إناثا سُيّبت فلم يُركب ظهرها ولم يُجزّ وبرُها ولم يشرب لبنها إلا ضيف، فما نتجت بعد ذلك من أنثى شق أذنها ثم خلي سبيلها مع أمها في الإبل، فلم تُركب ولم يُجزّ وبرُها ولم يشرب لبنها إلا ضيف، كما فعل بأمها، فهي البحيرة بنت السائبة.\rوقال أبو عبيد: السائبة البعير الذي يُسيّب، وذلك أن الرجل من أهل الجاهلية كان إذا مرض وغاب له قريب نذر فقال إن شفاني الله تعالى أو شفي مريضي أو عاد غائبي، فناقتي هذه سائبة، ثم يسيّبها فلا تحبس عن رعي ولا ماء ولا يركبها أحد فكانت بمنزلة البحيرة.\rوقال علقمة: هو العبد يُسيّب على أن لا ولاء عليه ولا عقل ولا ميراث. وقال صلى الله عليه وسلم: \"إنما الولاء لمن أعتق\" (3) .\rوالسائبة فاعلة بمعنى المفعولة، وهي المسيبة، كقوله تعالى { مَاءٍ دَافِقٍ } أي: مدفوق و { عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ }\r__________\r(1) أخرجه الدارقطني مرفوعا عن أبي ثعلبة، وفي السنن: كتاب الرضاع: 4 / 184، وحسنه النووي في الأربعين، وأخرجه أيضا عن أبي سعيد الخدري: 4 / 298 وفيه قصة في سندها: نهشل الخراساني، قال إسحاق بن راهويه: كان كذابا. وقال أبو حاتم: متروك. قال الحافظ ابن رجب: هذا الحديث من رواية مكحول عن أبي ثعلبة. وله علتان: إحداهما: أن مكحولا لم يصح له سماع من أبي ثعلبة. والثانية: أنه اختلف في رفعه ووقفه على أبي ثعلبة. وقد روي معنى الحديث مرفوعا من وجوه أخر. خرجه البزار في مسنده، والحاكم من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه. وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير عن أبي الدرداء، والبزار، وقال: إسناده حسن ورجاله موثقون. وعزا حديث أبي ثعلبة للطبراني في الكبير، وقال: رجاله رجال الصحيح، انظر: جامع العلوم والحكم ص (260-261)، مجمع الزوائد: 1 / 171.\r(2) في \"ب\": (الأوضاح).\r(3) أخرجه البخاري في الفرائض، باب الولاء لمن أعتق: 12 / 39، وفي العتق، ومسلم في العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق، برقم (1504): 2 / 1141، والمصنف في شرح السنة: 8 / 348.","part":3,"page":107},{"id":877,"text":"وأما الوصيلة: فمن الغنم كانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن فإذا كان السابع ذكرا ذبحوه، فأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركوها في الغنم وإن كان ذكرا وأنثى استحيوا الذكر من أجل الأنثى، وقالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوه، وكان لبن الأنثى حراما على النساء، فإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء جميعا.\rوأما الحام: فهو الفحل إذا ركب ولد ولده، ويقال: إذا نتج من صلبه عشرة أبطن، قالوا: حمي ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من كلأ ولا ماء، فإذا مات أكله الرجال والنساء.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة التي يمنح درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة كانوا يُسيّبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء.\rقال أبو هريرة: [قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قُصْبَه في النار، وكان أول من سيّب السوائب\" (1) .\rروى محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة] (2) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأكثم بن جون الخزاعي: \"يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة [بن خِنْدَق] (3) يجر قصبه في النار فما رأيت رجل أشبه برجل منك به ولا به منك\" وذلك أنه أول من غيّر دين إسماعيل ونصب الأوثان وبحر البحيرة وسيّب السائبة، ووصل الوصيلة وحمى الحام، \"فلقد رأيته في النار يؤذي أهل النار بريح قصبه\"، فقال أكثم: أيضرني شبهه يا رسول الله؟ فقال: \"لا إنك مؤمن وهو كافر\" (4) .\rقوله عز وجل: { وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ } في قولهم الله أمرنا بها { وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ }\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير، باب \"ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام\": 8 / 283، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها، باب النار يدخلها الجبارون، برقم(2856): 4 / 2191.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(4) أخرجه الطبري في التفسير: 11 / 118، وابن إسحاق في السيرة: 1 / 76، ونسبه ابن حجر أيضا لابن أبي عروبة وابن منده من طريق ابن إسحاق، ثم قال: والحديث مخرج عند مسلم من طريق سهيل بن صالح عن أبيه أخصر منه، دون قصة أكثم (وهو يشير إلى الحديث السابق). انظر: الإصابة: 1 / 107، أسد الغابة: 1 / 133، تفسير ابن كثير: 2 / 108، البداية والنهاية: 2 / 187-189.","part":3,"page":108},{"id":878,"text":"{ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (103) }","part":3,"page":109},{"id":879,"text":"{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (104) }\r{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ } في تحليل الحرث والأنعام وبيان الشرائع والأحكام، { قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا } من الدين، قال الله تعالى: { أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ }\rقوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } روينا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } وتضعونها في غير موضعها ولا تدرون ما هي، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"إن الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله تعالى بعقابه\" (1) .\rوفي رواية \"لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليستعملن الله سبحانه وتعالى عليكم شراركم فليسومونكم سوء العذاب، ثم ليدعون الله عز وجل خياركم فلا يستجاب [لكم] (2) \" (3) .\rقال أبو عبيد: خاف الصديق أن يتأول الناس الآية على غير متأولها فيدعوهم إلى ترك الأمر بالمعروف [والنهي عن المنكر] (4) فأعلمهم أنها ليست كذلك وأن الذي أذن في الإمساك عن تغييره من المنكر، هو الشرك الذي ينطق به المعاهدون من أجل أنهم يتدينون به، وقد صُولحوا عليه، فأما\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الملاحم، باب الأمر والنهي: 6 / 187، وعزاه المنذري للنسائي، وأخرجه الترمذي في الفتن، باب ما جاء في نزول العذاب إذا لم يغير المنكر: 6 / 388، وقال: حسن صحيح، وأخرجه أيضا في التفسير، وابن ماجه في الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (4005): 2 / 1327، وصححه ابن حبان برقم(1837) ص(455)، والإمام أحمد في المسند: 1 / 5،7، وأبو بكر المروزي في مسند الصديق ص(128-131)، والمصنف في شرح السنة: 14 / 344.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد: 13 / 92، ورواه الطبراني في الأوسط والبزار في مسنده. قال الهيثمي: وفيه حبان بن علي، وهو متروك، وقد وثقه ابن معين في رواية وضعفه في غيرها. وقال العراقي: كلا طريقيه ضعيف. انظر: مجمع الزوائد: 7 / 266، فيض القدير: 5 / 261.\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":3,"page":109},{"id":880,"text":"الفسوق والعصيان والريب من أهل الإسلام فلا يدخل فيه.\rوقال مجاهد وسعيد بن جبير: الآية في اليهود والنصارى، يعني: عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل من أهل الكتاب فخذوا منهم الجزية واتركوهم.\rوعن ابن مسعود قال في هذه الآية: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ما قُبلَ منكم فإن رُدّ عليكم فعليكم أنفسكم، ثم قال: إن القرآن قد نزل منه آي: قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، ومنه آي: قد وقع تأويلهن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنه آي يقع تأويلهن بعد رسول الله بيسير، ومنه آي يقع تأويلهن في آخر الزمان، ومنه آي: يقع تأويلهن يوم القيامة، ما ذكر من الحساب والجنة والنار، فما دامت قلوبكم وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا شيعا ولم يذق بعضكم بأس بعض، فأمروا وانهوا، وإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعا، وذاق بعضكم بأس بعض، فامرؤ ونفسه، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية (1)\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا أبو جعفر أحمد بن محمد العنزي أخبرنا عيسى بن نصر أنا عبد الله بن المبارك أنا عتبة بن أبي حكيم حدثني عمرو 113/ب بن جارية اللخمي أنا أبو أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت: يا أبا ثعلبة كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قول الله عز وجل { عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } فقال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \"بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت أمرا لا بد لك منه فعليك نفسك ودع أمر العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر، فمن صبر فيهن قبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله\" قال ابن المبارك: وزادني غيره قالوا: يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ قال: \"أجر خمسين منكم\" (2) .\rوقيل: نزلت في أهل الأهواء، قال أبو جعفر الرازي: دخل على صفوان بن محرز شاب من أهل الأهواء فذكر شيئا من أمره، فقال صفوان ألا أدلك على خاصة الله التي خص بها أولياءه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ }\r__________\r(1) الطبري: 11 / 143-144.\r(2) أخرجه أبو داود في الملاحم، باب الأمر والنهي: 6 / 188،189، والترمذي في تفسير سورة المائدة: 8 / 423-426 وقال: حديث حسن غريب، وابن ماجه في الفتن، باب قوله تعالى: \"يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم\" برقم(4014): 2 / 1330-1331، وابن حبان برقم(1850) ص(457) وصححه الحاكم: 4 / 322 ووافقه الذهبي. وله شواهد يتقوى بها، وأخرجه أيضا المصنف في شرح السنة: 14 / 347.","part":3,"page":110},{"id":881,"text":"قوله عز وجل: { إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا } الضال والمهتدي، { فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) }\rقوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ } سبب نزول هذه الآية ما روي أن تميم بن أوس الداري وعدي بن [بدّاء] (1) قد خرجا من المدينة للتجارة إلى أرض الشام، وهما نصرانيان، ومعهما بُدَيْل مولى عمرو بن العاص، وكان مسلما فلما اشتد وجعه أوصى إلى تميم وعدي، وأمرهما أن يدفعا متاعه إذا رجعا إلى أهله، ومات بديل ففتشا متاعه وأخذا منه إناء من فضة منقوشا بالذهب فيه ثلاثمائة مثقال فضة فغيباه، ثم قضيا حاجتهما، فانصرفا إلى المدينة، فدفعا المتاع إلى أهل البيت، ففتشوا وأصابوا الصحيفة فيها تسمية ما كان معه فجاءوا تميما وعديا فقالوا: هل باع صاحبنا شيئا من متاعه؛ قالا لا قالوا: فهل اتجر تجارة؟ قالا لا قالوا: هل طال مرضه فأنفق على نفسه قالا لا فقالوا: إنا وجدنا في متاعه صحيفة فيها تسمية ما كان معه وإنا قد فقدنا منها إناء من فضة مموها بالذهب فيه ثلاثمائة مثقال فضة، قالا ما ندري إنما أوصى لنا بشيء فأمرنا أن ندفعه إليكم فدفعناه وما لنا علم بالإناء، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأصرا على الإنكار، وحلفا فأنزل الله عز وجل هذه الآية { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ } (2) أي: ليشهد اثنان، لفضه خبر ومعناه أمر.\rوقيل: معناه: أن الشهادة فيما بينكم على الوصية عند الموت اثنان، واختلفوا في هذين الاثنينُ\r__________\r(1) في المخطوطتين (زيد) وهو خطأ. والتصويب من الترمذي وغيره.\r(2) انظر: الترمذي، تفسير سورة المائدة: 8 / 426-431، فقد ساق الرواية وقال: هذا حديث غريب وليس إسناده بصحيح. وأبو النَّضر الذي روى عنه محمد بن إسحاق هذا الحديث هو عندي: محمد بن السائب الكلبي، وقد تركه أهل العلم بالحديث.. وقد روي عن ابن عباس شيء من هذا على الاختصار من غير هذا الوجه. وانظر: الطبري: 11 / 185، أسباب النزول للواحدي ص(245)، أحكام القرآن لابن العربي 2 / 713-717. وعزاه السيوطي أيضا لابن أبي حاتم والنحاس في الناسخ والمنسوخ وأبي الشيخ وابن مردويه وأبي نعيم في المعرفة. انظر: الدر المنثور: 3 / 220-221.","part":3,"page":111},{"id":882,"text":"فقال قوم: هما الشاهدان اللذان يشهدان على وصية الموصي.\rوقال آخرون: هما الوصيان، لأن الآية نزلت فيهما ولأنه قال: { تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ } ولا يلزم الشاهد يمين، وجعل الوصي اثنين تأكيدا، فعلى هذا تكون الشهادة بمعنى الحضور، كقولك: شهدت وصية فلان، بمعنى حضرت، قال الله تعالى:(وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين)(النور -2) يريد الحضور { ذَوَا عَدْلٍ } أي: أمانة وعقل { مِنْكُمْ } أي: من أهل دينكم يا معشر المؤمنين { أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ } أي: من غير دينكم وملتكم في قول أكثر المفسرين، قاله ابن عباس وأبو موسى الأشعري، وهو قول سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومجاهد وعبيدة.\rثم اختلف هؤلاء في حكم الآية (1) فقال النخعي وجماعة: هي منسوخة وكانت شهادة أهل الذمة مقبولة في الابتداء ثم نسخت.\rوذهب قوم إلى أنها ثابتة، وقالوا: إذا لم نجد مسلمين فنشهد كافرين.\rوقال شريح: من كان بأرض غربة ولم يجد مسلما يشهده على وصيته فأشهد كافرين على أي دين كانا من دين أهل الكتاب أو عبدة الأوثان، فشهادتهم جائزة، ولا تجوز شهادة كافر على مسلم إلا على وصية في سفر.\rوعن الشعبي أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا ولم يجد مسلما يشهده على وصيته فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة بتركته وأتيا الأشعري، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فأحلفهما، وأمضى شهادتهما.\rوقال آخرون: قوله { ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ } أي: من حي الموصي أو آخران من غير حيّكم وعشيرتكم، وهو قول الحسن والزهري وعكرمة، وقالوا: لا تجوز شهادة كافر في شيء من الأحكام، { إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ } أي سرتم وسافرتم، { فِي الأرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ } فأوصيتم إليهما ودفعتم إليهما مالكم فاتهمهما بعض الورثة وادعوا عليهما خيانة فالحكم فيه أن { تَحْبِسُونَهُمَا } أي: تستوقفونهما، { مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ } أي: بعد الصلاة، و { مِنْ } صلة يريد بعد صلاة العصر، هذا\r__________\r(1) انظر بالتفصيل: أحكام القرآن للجصاص: 4 / 163 وما بعدها، أحكام القرآن للطبري الهراس 3 / 310-314، أحكام القرآن للشافعي، جمع البيهقي: 2 / 147-155.","part":3,"page":112},{"id":883,"text":"قول الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير وقتادة وعامة المفسرين، لأن جميع أهل الأديان يعظمون ذلك الوقت، ويجتنبون فيه الحلف الكاذب، وقال الحسن: أراد من بعد صلاة العصر، وقال السدي: من بعد صلاة أهل دينهما وملتهما لأنهما لا يباليان بصلاة العصر، { فَيُقْسِمَانِ } يحلفان، { بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ } أي: شككتم ووقعت لكم الريبة في قول الشاهدين وصدقهما، أي: في قول اللذين ليسا من أهل ملتكم، فإن كانا مسلمين فلا يمين عليهما، { لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا } أي: لا نحلف بالله كاذبين على عوض نأخذه أو مال نذهب به أو حق نجحده، { وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى } ولو كان المشهود له ذا قرابة منا، { وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ } أضاف الشهادة إلى الله لأنه أمر بإقامتها ونهى عن كتمانها، وقرأ يعقوب \" شهادة \" بتنوين، \" الله \" ممدود، وجعل الاستفهام عوضا عن حرف القسم، ويروى عن أبي جعفر \" شهادة \" بتنوين، \" الله \" بقطع الألف وكسر الهاء من غير استفهام على ابتداء اليمين، أي: والله: { إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ } أي إن كتمناها كنا من الآثمين.\rفلما نزلت هذه الآية صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ودعا تميما وعديا فاستحلفهما عند المنبر بالله الذي لا إله إلا هو أنهما لم يختانا شيئا مما دفع إليهما فحلفا على ذلك، وخلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيلهما.\rثم ظهر الإناء واختلفوا في كيفية ظهوره (1) فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم أنه وجد بمكة، فقالوا: إنا اشتريناه من تميم وعدي، وقال آخرون: لما طالت المدة أظهروه فبلغ ذلك بني سهم فأتوهما في ذلك، فقالا إنا كنا قد اشتريناه منه فقالوا لهما: ألم تزعما أن صاحبنا لم يبع شيئا من متاعه؟ قالا لم يكن عندنا بينة وكرهنأ 114\\أ أن نقر لكم به فكتمناه لذلك، فرفعهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل: { فَإِنْ عُثِرَ }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ (106) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107) }\r{ فَإِنْ عُثِرَ } أي: اطلع على خيانتهما، وأصل العثور: الوقوع على الشيء، { عَلَى أَنَّهُمَا } يعني: الوصيين { اسْتَحَقَّا } استوجبا، { إِثْمًا } بخيانتهما وبأيمانهما\r__________\r(1) انظر: الدر المنثور: 3 / 222.","part":3,"page":113},{"id":884,"text":"الكاذبة، { فَآخَرَانِ } من أولياء الميت، { يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا } يعني: مقام الوصيين، { مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ } بضم التاء على المجهول، هذا قراءة العامة، يعني: الذين استحق، { عَلَيْهِمُ } أي فيهم ولأجلهم الإثم وهم ورثة الميت استحق الحالفان بسببهم الإثم و(على) بمعنى في، كما قال الله(على ملك سليمان)(البقرة، 102) أي: في ملك سليمان، وقرأ حفص(استحق) بفتح التاء والحاء، وهي قراءة علي والحسن، أي: حق ووجب عليهم الإثم، يقال: حق واستحق بمعنى واحد، { الأوْلَيَانِ } نعت للآخران، أي: فآخران الأوليان، وإنما جاز ذلك و { الأوْلَيَانِ } معرفة والآخران نكرة لأنه لما وصف الـ\"آخران\"، فقال { مِنَ الَّذِينَ } صار كالمعرفة و { الأوْلَيَانِ } تثنية الأولى، والأولى هو الأقرب، وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم ويعقوب \" الأولين \" بالجمع فيكون بدلا من الذين، والمراد منهم أيضا أولياء الميت.\rومعنى الآية: إذا ظهرت خيانة الحالفين يقوم اثنان آخران من أقارب الميت، { فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا } يعني: يميننا أحق من يمينهما، نظيره قوله تعالى في اللعان:(فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله)(النور -6). والمراد بها الأيمان، فهو كقول القائل: أشهد بالله، أي: أقسم بالله، { وَمَا اعْتَدَيْنَا } في أيماننا، وقولنا أن شهادتنا أحق من شهادتهما، { إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ }\rفلما نزلت هذه الآية قام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان، فحلفا بالله بعد العصر فدفعا الإناء إليهما وإلى أولياء الميت، وكان تميم الداري بعدما أسلم يقول صدق الله ورسوله أنا أخذت الإناء، فأتوب إلى الله وأستغفره، وإنما انتقل اليمين إلى الأولياء لأن الوصيين ادعيا أنهما ابتاعاه.\rوالوصي إذا أخذ شيئا من مال الميت وقال: إنه أوصى لي به حلف الوارث، إذا أنكر ذلك، وكذلك لو ادعى رجل سلعة في يد رجل فاعترف ثم ادعى أنه اشتراها من المدعي، حلف المدعي أنه لم يبعها منه.\rويروى عن ابن عباس (1) رضي الله عنهما عن تميم الداري قال: كنا بعنا الإناء بألف درهم فقسمتها أنا وعدي، فلما أسلمت تأثمت فأتيت موالي الميت فأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها فأتوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحلف عمرو والمطلب فنزعت الخمسمائة من عدي، ورددت أنا الخمسمائة.\r__________\r(1) في رواية الترمذي السابقة في السنن: 8 / 426-431.","part":3,"page":114},{"id":885,"text":"فذلك قوله تعالى: { ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا }\r{ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا } أي: ذلك الذي حكمنا به من رد اليمين أجدر وأحرى أن يأتي الوصيان بالشهادة على وجهها وسائر الناس أمثالهم، أي أقرب إلى الإتيان بالشهادة على ما كانت، { أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ } أي: أقرب إلى أن يخافوا رد اليمن بعد يمينهم على [المدعي] (1) فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم فيفتضحوا ويغرموا فلا يحلفون كاذبين إذا خافوا هذا الحكم، { وَاتَّقُوا اللَّهَ } أن تحلفوا أيمانا كاذبة أو تخونوا أمانة، { وَاسْمَعُوا } الموعظة، { وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ }\r{ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108) }\r__________\r(1) في \"ب\": (المدعين).","part":3,"page":115},{"id":886,"text":"{ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ (109) }\rقوله عز وجل { يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ } وهو يوم القيامة، { فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ } أي: ما الذي أجابتكم أمتكم؟ وما الذي رد عليكم قومكم حين دعوتموهم إلى توحيدي وطاعتي؟ { قَالُوا } أي: فيقولون { لا عِلْمَ لَنَا } قال ابن عباس معناه: لا علم لنا إلا العلم الذي أنت أعلم به منا، وقيل: لا علم لنا بوجه الحكمة عن سؤالك إيانا عن أمر أنت أعلم به منا، وقال ابن جريج: لا علم لنا بعاقبة أمرهم وبما أحدثوا من بعد، دليله أنه قال: { إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ } أي: أنت الذي تعلم ما غاب ونحن لا نعلم إلا ما نشاهد.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا مسلم بن إبراهيم أنا وهيب أنا عبد العزيز عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"ليردن عليّ ناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني، فأقول: أصحابي، فيقال:","part":3,"page":115},{"id":887,"text":"لا تدري ما أحدثوا بعدك\" (1) .\rوقال ابن عباس والحسن ومجاهد والسدي: إن للقيامة أهوالا وزلازل تزول فيها القلوب عن مواضعها، فيفزعون من هول ذلك اليوم ويذهلون عن الجواب، ثم بعدما ثابت إليهم عقولهم يشهدون على أممهم.\rقوله تعالى: { إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ } قال الحسن: ذكر النعمة شكرها، وأراد بقوله { نِعْمَتِي } أي: نعمي، [قال الحسن] (2) لفظه واحد ومعناه جمع، كقوله تعالى:(وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها)، { وَعَلى وَالِدَتِكَ } مريم ثم ذكر النعم فقال: { إِذْ أَيَّدْتُكَ } قويتك، { بِرُوحِ الْقُدُسِ } يعني جبريل عليه السلام، { تُكَلِّمَ النَّاسَ } يعني: وتكلم الناس، { فِي الْمَهْدِ } صبيا، { وَكَهْلا } نبيا قال ابن عباس: أرسله وهو ابن ثلاثين سنة، فمكث في رسالته ثلاثين شهرا ثم رفعه الله إليه، { وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ } يعني الخط، { وَالْحِكْمَةَ } يعني العلم والفهم، { وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ } تجعل وتصور، { مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ } كصورة الطير، { بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا } حيا يطير، { بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ } وتصحح، { الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى } من قبورهم أحياء، { بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ } منعت وصرفت، { بَنِي إِسْرَائِيلَ } يعني اليهود، { عَنْكَ } حين هموا بقتلك، { إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } يعني: الدلالات والمعجزات، وهي التي ذكرنا.\r{ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ } يعني: ما جاءهم به من البينات، قرأ حمزة والكسائي \" ساحر مبين \" هاهنا وفي سورة هود والصف، فيكون راجعا إلى عيسى عليه السلام، وفي هود يكون راجعا إلى محمد صلى الله عليه وسلم.\r{ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ (110) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111) }\r{ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ } ألهمتهم وقذفت في قلوبهم، وقال أبو عبيدة يعني أمرت\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الرقائق، باب في الحوض... 11 / 464، ومسلم في الفضائل، باب إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم وصفاته، برقم(2304): 4 / 1800.\r(2) زيادة من \"ب\".","part":3,"page":116},{"id":888,"text":"و { إِلَى } صلة، والحواريون خواص أصحاب عيسى عليه السلام، { أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي } [عيسى] (1) { قَالُوا } حين وافقتهم { آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ }\r{ إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ } قرأ الكسائي \"هل تستطيع\" بالتاء \"ربك\" بنصب الباء وهو قراءة علي وعائشة وابن عباس ومجاهد، أي: هل تستطيع أن تدعو وتسأل ربك، وقرأ الآخرون \"هل يستطيع\" بالياء و \"ربك\" برفع الباء، ولم يقولوه شاكين في قدرة الله عز وجل، ولكن معناه: هل ينزل ربك أم لا؟ كما يقول الرجل لصاحبه هل تستطيع أن تنهض معي وهو يعلم أنه يستطيع، وإنما يريد هل يفعل ذلك أم لا وقيل: يستطيع بمعنى يطيع، يقال: أطاع واستطاع بمعنى واحد، كقولهم: أجاب واستجاب، معناه: هل يطيعك ربك بإجابة سؤالك؟ وفي الآثار من أطاع الله أطاعه الله، وأجرى بعضهم على الظاهر 114/ب فقالوا: غلط القوم، وقالوه قبل استحكام المعرفة وكانوا بشرا، فقال لهم عيسى عليه السلام عند الغلط، استعظاما لقولهم { اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } أي: لا تشكّوا في قدرته.\r{ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ } المائدة الخوان الذي عليه الطعام، وهي فاعلة من: ماده يميده إذا أعطاه وأطعمه، كقوله ماره يميره، وامتاد: افتعل منه، والمائدة هي المطعمة للآكلين الطعام، وسمي الطعام أيضا مائدة على الجواز، لأنه يؤكل على المائدة، وقال أهل الكوفة: سميت مائدة لأنها تميد بالآكلين، أي: تميل. وقال أهل البصرة: فاعلة بمعنى المفعول، أي تميد بالآكلين إليها، كقوله تعالى(عيشة راضية) أي: مرضية، { قَالَ } عيسى عليه السلام مجيبا لهم: { اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } فلا تشكّوا في قدرته، وقيل: اتقوا الله أن تسألوه شيئا لم يسأله الأمم قبلكم، فنهاهم عن اقتراح الآيات بعد الإيمان.\r{ إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113) }\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":117},{"id":889,"text":"{ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (114) }\r{ قَالُوا نُرِيدُ } أي: إنما سألنا لأنا نريد، { أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا } أكل تبرك لا أكل حاجة فنستيقن","part":3,"page":117},{"id":890,"text":"قدرته، { وَتَطْمَئِنَّ } وتسكن، { قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا } بأنك رسول الله، أي: نزداد إيمانا ويقينا، وقيل: إن عيسى ابن مريم أمرهم أن يصوموا ثلاثين يوما، فإذا أفطروا لا يسألون الله شيئا إلا أعطاهم، ففعلوا وسألوا المائدة، وقالوا: \"ونعلم أن قد صدقتنا\" في قولك، إنا إذا صمنا ثلاثين يوما لا نسأل الله تعالى شيئا إلا أعطانا، { وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ } لله بالوحدانية والقدرة، ولك بالنبوة والرسالة، وقيل: ونكون من الشاهدين لك عند بني إسرائيل إذا رجعنا إليهم.\r{ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ } عند ذلك، { اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ } وقيل: إنه اغتسل ولبس المسح وصلى ركعتين وطأطأ رأسه وغض بصره وبكى، ثم قال: اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء، { تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأوَّلِنَا وَآخِرِنَا } أي: عائدة من الله علينا حجة وبرهانا، والعيد: يوم السرور، سمي به للعود من الترح إلى الفرح، وهو اسم لما اعتدته ويعود إليك، وسمي يوم الفطر والأضحى عيدا لأنهما يعودان كل سنة، قال السدي: معناه نتخذ اليوم الذي أنزلت فيه عيدا لأولنا وآخرنا، أي: نعظمه نحن ومن بعدنا، وقال سفيان: نصلي فيه، قوله { لأوَّلِنَا } أي: لأهل زماننا { وَآخِرِنَا } أي: لمن يجيء بعدنا، وقال ابن عباس: يأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم، { وَآيَةً مِنْكَ } دلالة وحجة، { وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ }\r{ قَالَ اللَّهُ } تعالى مجيبا لعيسى عليه السلام، { إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ } يعني: المائدة وقرأ أهل المدنة وابن عامر وعاصم \"منزلها\" بالتشديد لأنها نزلت مرات، والتفعيل يدل على التكرير مرة بعد أخرى، وقرأ الآخرون بالتخفيف لقوله: أنزل علينا، { فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ } أي: بعد نزول المائدة { فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا } أي جنس عذاب، { لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ } يعني: عالمي زمانه، فجحد القوم وكفروا بعد نزول المائدة فمُسِخُوا قردة وخنازير، قال عبد الله بن عمر: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المنافقون ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون (1) .\rواختلف العلماء في المائدة هل نزلت أم لا؟ فقال مجاهد والحسن: لم تنزل لأن الله عز وجل لما أوعدهم على كفرهم بعد نزول المائدة خافوا أن يكفر بعضهم فاستعفوا، وقالوا: لا نريدها، فلم تنزل، وقوله: \"إني منزلها عليكم\"، يعني: إن سألتم (2) .\r__________\r(1) أخرجه ابن جرير الطبري موقوفا على عبد الله بن عمرو: 11 / 233، وصححه الشيخ أحمد شاكر في عمدة التفسير. وعزاه السيوطي أيضا لعبد بن حميد وأبي الشيخ موقوفا كذلك. الدر المنثور: 3 / 237.\r(2) ما ذهب إليه مجاهد والحسن رحمهما الله - رأي مرجوح، لم يستندا فيه إلى خبر صحيح. وهو مخالف لنص الآية \"إني منزلها عليكم\". ولذلك رجح البغوي وغيره رأي الجمهور، وهو الصحيح.","part":3,"page":118},{"id":891,"text":"والصحيح الذي عليه الأكثرون: أنها نزلت، لقوله تعالى: \"إني منزلها عليكم\"، ولا خلف في خبره، لتواتر الأخبار فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين.\rواختلفوا في صفتها فروى خلاس بن عمرو عن عمار بن ياسر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها نزلت خبزا ولحما، وقيل لهم: إنها مقيمة لكم ما لم تخونوا [وتخبؤوا] (1) فما مضى يومهم حتى خانوا وخبؤوا فمسخوا قردة وخنازير (2) .\rوقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن عيسى عليه السلام قال لهم: صوموا ثلاثين يوما ثم سلوا الله ما شئتم يعطكموه، فصاموا فلما فرغوا قالوا: يا عيسى إنا لو عملنا لأحد فقضينا عمله لأطعمنا، وسألوا الله المائدة فأقبلت الملائكة بمائدة يحملونها، علها سبعة أرغفة وسبعة أحوات حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم (3) .\rقال كعب الأحبار: نزلت [مائدة] منكوسة تطير بها الملائكة بين السماء والأرض، عليها كل الطعام إلا اللحم.\rوقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: أنزل على المائدة كل شيء إلا الخبز واللحم، قال قتادة كان عليها ثمر من ثمار الجنة.\rوقال عطية العوفي: نزلت من السماء سمكة فيها طعم كل شيء.\rوقال الكلبي: كان عليها خبز ورز وبقل.\rوقال وهب بن منبه: أنزل الله أقرصة من شعير وحيتانا وكان قوم يأكلون ثم يخرجون ويجيء آخرون فيأكلون حتى أكلوا جميعهم وفضل.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) أخرجه الطبري في التفسير عن عمار بن ياسر مرفوعا وموقوفا: 11 / 228،229، والترمذي في تفسير سورة المائدة: 8 / 433، وقال: \"هذا حديث غريب، ورواه أبو عاصم وغير واحد عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن خلاس عن عمار موقوفا، ولا نعرفه مرفوعا إلا من حديث الحسن بن قزعة... ولا نعلم للحديث المرفوع أصلا\".\r(3) ينبغي أن نذكر هنا بأن أصل القصة ثابت بالقرآن الكريم، ولا يتوقف فهم هذا على شيء من الروايات الكثيرة التي ساقها المفسرون لبيان صفة هذه المائدة وكيفية نزولها ووقت النزول... إلخ هذه الروايات المنقولة عن وهب بن منبه، وكعب الأحبار، وسلمان، وابن عباس، ومقاتل والكلبي وعطاء، وغيرهم. فإنها غير ثابتة الإسناد، وما قد يكون صحيح النسبة إلى قائله منها، لا يعني أنه صحيح في ذاته، فقد ينقل الخبر عن وهب مثلا بسند ثابت، ولكنه متلقى من أهل الكتاب، فينبغي تنزيه كتب التفسير عن أمثال هذه الروايات، ومنها ما ساقه البغوي هنا في تفسيره. هذا، وقد أشار ابن كثير والقرطبي وابن عطية وغيرهم إلى ضعف هذه الروايات الإسرائيلية. والله أعلم. انظر أيضا: الإسرائيليات والموضوعات د. محمد أبو شهبة ص(266-277).","part":3,"page":119},{"id":892,"text":"وعن الكلبي ومقاتل: أنزل الله خبزا وسمكا وخمسة أرغفة، فأكلوا ما شاء الله تعالى، والناس ألف ونيف فلما رجعوا إلى قراهم، ونشروا الحديث ضحك منهم من لم يشهد، وقالوا: ويحكم إنما سحر أعينكم، فمن أراد الله به الخير ثبَّته على بصيرته، ومن أراد فتنته رجع إلى كفره، ومسخوا خنازير ليس فيهم صبي ولا امرأة، فمكثوا بذلك ثلاثة أيام ثم هلكوا، ولم يتوالدوا ولم يأكلوا ولم يشربوا، وكذلك كل ممسوخ.\rوقال قتادة: كانت تنزل عليهم بكرة وعشيا حيث كانوا كالمن والسلوى لبني إسرائيل، وقال عطاء بن أبي رباح عن سلمان الفارسي لما سأل الحوارين المائدة لبس عيسى عليه السلام صوفا وبكى، وقال: \"اللهم أنزل علينا مائدة من السماء\" الآية فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة من فوقها وغمامة من تحتها، وهم ينظرون إليها وهي تهوي منقضة حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى، وقال: اللهم اجعلني من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عقوبة، واليهود ينظرون إلى شيء لم يروا مثله قط ولم يجدوا ريحا أطيب من ريحه، فقال عيسى عليه السلام: ليقم أحسنكم عملا فيكشف عنها ويذكر اسم الله تعالى، فقال شمعون الصفار رأس الحواريين: أنت أولى بذلك منا [فقام عيسى عليه السلام] (1) فتوضأ وصلى صلاة طويلة وبكى كثيرا، ثم كشف المنديل عنها، وقال: بسم الله خير الرازقين فإذا هو سمكة مشوية ليس عليها فلوسها ولا شوك عليها تسيل من الدسم وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل، وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث، وإذا خمسة أرغفة على واحد زيتون، وعلى الثاني عسل، وعلى الثالث سمن، وعلى الرابع جبن، وعلى الخامس قديد، فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا هذا أم من 115\\أ طعام الآخرة؟ فقال: ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة، ولكنه شيء افتعله الله تعالى بالقدرة الغالبة، كلوا مما سألتم يمددكم ويزدكم من فضله، قالوا: يا روح الله كن أول من يأكل منها، فقال عيسى عليه السلام: معاذ الله أن آكل منها ولكن يأكل منها من سألها فخافوا أن يأكلوا منها، فدعا لها أهل الفاقة والمرضى وأهل البرص والجذام والمقعدين والمبتلين، فقال: كلوا من رزق الله ولكم المهنأ ولغيركم البلاء، فأكلوا وصدر عنها ألف وثلاثمائة رجل وامراة من فقير ومريض وزَمِن ومبتلى كلهم شبعان، وإذا السمكة بهيئتها حين نزلت، ثم طارت سفرة المائدة صعدا وهم ينظرون إليها حتى توارت، فلم يأكل منها زَمِن ولا مريض ولا مبتلى إلا عُوفي ولا فقير إلا استغنى، وندم من لم يأكل منها فلبثت أربعين صباحا تنزل ضحى، فإذا نزلت اجتمعت الأغنياء والفقراء والصغار والكبار والرجال والنساء، ولا تزال منصوبة يؤكل\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":3,"page":120},{"id":893,"text":"منها حتى إذا فاء الفيء طارت وهم ينظرون في ظلها حتى توارت عنهم، وكانت تنزل غبا تنزل يوما ولا تنزل يوما كناقة ثمود، فأوحى الله تعالى [إلى عيسى عليه السلام] (1) اجعل مائدتي ورزقي للفقراء دون الأغنياء، فعظم ذلك على الأغنياء حتى شكّوا وشكّكُوا الناس فيها، وقالوا: أترون المائدة حقا تنزل من السماء؟ فأوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام: إني شرطت أن من كفر بعد نزولها عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، فقال عيسى عليه السلام:(إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) فمسخ منهم ثلاثمائة وثلاثون رجلا باتوا من ليلتهم على فرشهم مع نسائهم فأصبحوا خنازير يسعون في الطرقات والكناسات، ويأكلون العذرة في الحشوش فلما رأى الناس ذلك فزعوا إلى عيسى عليه السلام وبكوا فلما أبصرت الخنازير عيسى عليه السلام بكت وجعلت تطيف بعيسى عليه السلام وجعل عيسى يدعوهم بأسمائهم فيشيرون برءوسهم ويبكون ولا يقدرون على الكلام، فعاشوا ثلاثة أيام ثم هلكوا.\r{ قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115) }\rقوله عز وجل: { وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ } واختلفوا في أن هذا القول متى يكون، فقال السدي: قال الله تعالى هذا القول لعيسى عليه السلام حين رفعه إلى السماء لأن حرف \"إذ\" يكون للماضي، وقال سائر المفسرين: إنما يقول الله له هذا القول يوم القيامة بدليل قوله [من قبل] (2) (يوم يجمع الله الرسل)(المائدة، 109). وقال من بعدها(هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم)(المائدة، 119)، وأراد بهما يوم القيامة، وقد تجيء \"إذ\" بمعنى \"إذا\" كقوله عز وجل:(ولو ترى إذ فزعوا) أي: إذا فزعوا [يوم القيامة] (3) والقيامة وإن لم تكن بعد ولكنها كالكائنة لأنها آتية لا محالة.\rقوله: { أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ } ؟ فإن قيل: فما وجه هذا السؤال مع علم الله عز وجل أن عيسى لم يقله؟\rقيل هذا السؤال عنه لتوبيخ قومه وتعظيم أمر هذه المقالة كما يقول القائل لآخر: أفعلت كذا\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":3,"page":121},{"id":894,"text":"وكذا؟ فيما يعلم أنه لم يفعله، إعلاما واستعظاما لا استخبارا واستفهاما.\rوأيضا: أراد الله عز وجل أن يقر [عيسى عليه السلام عن] (1) نفسه بالعبودية، فيسمع قومه، ويظهر كذبهم عليه أنه أمرهم بذلك، قال أبو روق: وإذا سمع عيسى عليه السلام هذا الخطاب أرعدت مفاصله وانفجرت من أصل كل شعرة في جسده عين من دم، ثم يقول مجيبا لله عز وجل: { قَالَ سُبْحَانَكَ } تنزيها وتعظيما لك { مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ } قال ابن عباس: تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك، وقيل معناه: تعلم سري ولا أعلم سرك، وقال أبو روق تعلم ما كان مني في دار الدنيا ولا أعلم ما يكون منك في الآخرة، وقال الزجاج: النفس عبارة عن جملة الشيء وحقيقته، يقول: تعلم جميع ما أعلم من حقيقة أمري ولا أعلم حقيقة أمرك، { إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ } ما كان وما يكون.\r{ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) }\r{ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ } [وحدوه] (2) ولا تشركوا به شيئا، { وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ } أقمت، { فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي } قبضتني ورفعتني إليك، { كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } والحفيظ عليهم، تحفظ أعمالهم، { وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }\rقوله تعالى: { إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } فإن قيل كيف طلب المغفرة لهم وهم كفار، وكيف قال: وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم، وهذا لا يليق بسؤال المغفرة، قيل: أما الأول فمعناه إن تعذبهم بإقامتهم على كفرهم وإن تغفر لهم بعد الإيمان وهذا يستقيم على قول السدي: إن هذا السؤال قبل يوم القيامة لأن الإيمان لا ينفع في القيامة.\rوقيل: هذا في فريقين منهم، معناه: إن تعذب من كفر منهم وإن تغفر لمن آمن منهم.\rوقيل: ليس هذا على وجه طلب المغفرة ولو كان كذلك لقال: فإنك أنت الغفور الرحيم، ولكنه على تسليم الأمر وتفويضه إلى مراده.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":122},{"id":895,"text":"وأما السؤال الثاني: فكان ابن مسعود رضي الله عنه يقرأ وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور لالرحيم ، وكذلك هو في مصحفه، وأما على القراءة المعروفة قيل فيه تقديم وتأخير تقديره: إن تغفر لهم فإنهم عبادك وإن تعذبهم فإنك أنت العزيز الحكيم.\rوقيل: معناه إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز في الملك الحكيم في القضاء لا ينقص من عزك شيء، ولا يخرج من حكمك شيء، ويدخل في حكمته ومغفرته وسعة رحمته ومغفرته الكفار، لكنه أخبر أنه لا يغفر وهو لا يخلف خبره.\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي ثنا محمد بن عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج حدثني يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب أخبرني عمر بن الحارث أن بكر بن سوادة حدثه عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله تعالى في إبراهيم: \"رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني\"، الآية. وقول عيسى عليه السلام: \"إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم\" فرفع يديه وقال: اللهم أمتي وبكى فقال الله عز وجل: يا جبريل اذهب إلى محمد، وربك أعلم فسله ما يبكيه؟ فأتاه جبريل فسأله، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال الله، فقال الله تعالى: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك\" (1) .\r{ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) }\r{ قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ } 115/ب قرأ نافع(يوم) بنصب الميم، يعني: تكون هذه الأشياء في يوم، فحذف في فانتصب، وقرأ الآخرون بالرفع على أنه خبر(هذا) أي: ينفع الصادقين في الدنيا صدقهم في الآخرة، ولو كذبوا ختم الله على أفواههم ونطقت به جوارحهم فافتضحوا، وقيل: أرادوا بالصادقين النبيين.\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الإيمان، باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، وبكائه شفقة عليهم، برقم(202)،: 1 / 191، والمصنف في شرح السنة: 15 / 165-166.","part":3,"page":123},{"id":896,"text":"وقال الكلبي: ينفع المؤمنين إيمانهم، قال قتادة: متكلمان لا يخطئان يوم القيامة عيسى عليه السلام، وهو ما قص الله عز وجل، وعدو الله إبليس، وهو قوله: \"وقال الشيطان لما قضي الأمر\"، الآية، فصدق عدو الله يومئذ، وكان قبل ذلك كاذبا فلم ينفعه صدقه، وأما عيسى عليه السلام فكان صادقا في الدنيا والآخرة، فنفعه صدقه.\rوقال عطاء: هذا يوم من أيام الدنيا لأن الدار الآخرة دار جزاء لا دار عمل، ثم بيّن ثوابهم فقال: { لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } ثم عظّم نفسه. فقال: { لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }\r{ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120) }","part":3,"page":124},{"id":897,"text":"سورة الأنعام\r{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) }\rسورة الأنعام\rمكية، وهي مائة وخمس وستون آية، نزلت بمكة [جملة] (1) ليلا معها سبعون ألف ملك قد سدوا ما بين الخافقين، لهم زجل بالتسبيح والتحميد والتمجيد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم \"سبحان ربي العظيم سبحان ربي العظيم وخر ساجدا\" (2) .\rوروي مرفوعا: \"من قرأ سورة الأنعام يصلي عليه أولئك السبعون ألف ملك ليله ونهاره\" (3) .\rوقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت سورة الأنعام بمكة، إلا قوله: \"وما قدروا الله حق قدره\"، إلى آخر ثلاث آيات، وقوله تعالى: \"قل تعالوا أتل\"، إلى قوله: \"لعلكم تتقون\"، فهذه الست آيات مدنيات (4) .\r{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ } قال كعب الأحبار: هذه الآية أول آية في التوراة، وآخر آية في التوراة، قوله: \"الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا\" الآية(الإسراء-111).\rقال ابن عباس رضي الله عنهما: افتتح الله الخلق بالحمد، فقال:(الحمد لله الذي خلق السموات والأرض)، وختمه بالحمد فقال:(وقضي بينهم بالحق)، أي: بين الخلائق،(وقيل: الحمد لله رب العالمين) [الزمر-75].\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) انظر: الدر المنثور: 3 / 243-244.\r(3) أخرجه الثعلبي من حديث أبي بن كعب. وفيه: أبو عصمة، وهو متهم بالكذب. وأوله عند الطبراني في الصغير.. وفيه: يوسف بن عطية وهو ضعيف، وعنه أخرجه ابن مردويه في التفسير، وأبو نعيم في الحلية. انظر: الكافي الشاف لابن حجر ص(63)، الدر المنثور: 3 / 246.\r(4) أخرجه النحاس في الناسخ والمنسوخ عن ابن عباس. الدر المنثور: 3 / 244.","part":3,"page":125},{"id":898,"text":"قوله: \"الحمد لله\" حمد الله نفسه تعليما لعباده، أي: احمدوا الله الذي خلق السموات والأرض، خصهما بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، وفيهما العبر والمنافع للعباد، { وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ } والجعل بمعنى الخلق، قال الواقدي: كل ما في القرآن من الظلمات والنور فهو الكفر والإيمان، إلا في هذه الآية فإنه يريد بهما الليل والنهار.\rوقال الحسن: وجعل الظلمات والنور يعني الكفر والإيمان، وقيل: أراد بالظلمات الجهل وبالنور العلم.\rوقال قتادة: يعني الجنة والنار.\rوقيل: معناه خلق الله السموات والأرض، وقد جعل الظلمات والنور، لأنه خلق الظلمة والنور قبل السموات والأرض.\rقال قتادة: خلق الله السموات قبل الأرض، والظلمة قبل النور، والجنة قبل النار، وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إن الله تعالى خلق الخلق فى ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل\" (1) .\r{ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } أي: ثم الذين كفروا بعد هذا البيان بربهم يعدلون، أي: يشركون، وأصله من مساواة الشيء بالشيء، ومنه العدل، أي: يعدلون بالله غير الله تعالى، يقال: عدلت هذا بهذا إذا ساويته، وبه قال النضر بن شميل، الباء بمعنى عن، أي: عن ربهم يعدلون، أي يميلون وينحرفون من العدول، قال الله تعالى(عينا يشرب بها عباد الله) أي: منها.\rوقيل: تحت قوله \"ثم الذين كفروا بربهم يعدلون\" معنى لطيف، وهو مثل قول القائل: أنعمت عليكم بكذا وتفضلت عليكم بكذا، ثم تكفرون بنعمتي.\r{ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3) }\rقوله عز وجل: { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ } يعني آدم عليه السلام، خاطبهم به إذ كانوا من\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الإيمان، باب افتراق هذه الأمة: 7 / 401، وقال: هذا حديث حسن. وصححه ابن حبان ص(449) والحاكم: 1 / 30 ،31. وأخرجه الإمام أحمد: 2 / 176، 197. قال الهيثمي: رواه أحمد بإسنادين، والبزار والطبراني، ورجال أحد إسنادي أحمد ثقات. مجمع الزوائد: 7 / 194. وذكره الخطيب في مشكاة المصابيح: 1 / 37 وصححه الألباني.","part":3,"page":126},{"id":899,"text":"ولده. قال السدي: بعث الله تعالى جبريل عليه السلام إلى الأرض ليأتيه بطائفة منها، فقالت الأرض إني أعوذ بالله منك أن تنقص مني، فرجع جبريل ولم يأخذ وقال: يا رب إنها عاذت بك، فبعث ميكائيل، فاستعاذت فرجع، فبعث ملك الموت فعاذت منه بالله، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أخالف أمره، فأخذ من وجه الأرض فخلط الحمراء والسوداء والبيضاء، فلذلك اختلفت ألوان بني آدم، ثم عجنها بالماء العذب والملح والمر، فلذا اختلفت أخلاقهم فقال الله تعالى لملك الموت: رحم جبريل وميكائيل الأرض ولم ترحمها، لا جرم أجعل أرواح من أخلق من هذا الطين بيدك.\rورُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال \"خلق الله آدم عليه السلام من تراب وجعله طينا، ثم تركه حتى كان حمأ مسنونا ثم خلقه وصوّره وتركه حتى كان صلصالا كالفخار، ثم نفخ فيه روحه\" (1) .\rقوله عز وجل: { ثُمَّ قَضَى أَجَلا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ } قال الحسن وقتادة والضحاك: الأجل الأول من الولادة إلى الموت، والأجل الثاني من الموت إلى البعث، وهو البرزخ، وروي ذلك عن ابن عباس، وقال: لكل أحد أجلان أجل إلى الموت وأجل من الموت إلى البعث، فإن كان برا تقيا وصولا للرحم زيد له من أجل البعث في أجل العمر، وإن كان فاجرا قاطعا للرحم نقص من أجل العمر وزيد في أجل البعث، وقال مجاهد وسعيد بن جبير: الأجل الأول أجل الدنيا، والأجل الثاني أجل الآخرة، وقال عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما { ثُمَّ قَضَى أَجَلا } يعني: النوم تقبض فيه الروح ثم ترجع عند اليقظة، { وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ } يعني: أجل الموت، وقيل: هما واحد معناه: [ثم قضى أجلا] (2) يعني: جعل لأعماركم مدة تنتهون إليها، \"وأجل مسمى عنده\" يعني: وهو أجل مسمى عنده، لا يعلمه غيره، { ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ } تشكّون في البعث.\rقوله عز وجل: { وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأرْضِ } يعني: وهو إله السموات والأرض، كقوله:(وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله)، وقيل: هو المعبود في السموات والأرض، وقال محمد بن جرير: معناه هو في السموات يعلم سركم وجهركم في الأرض، [وقال الزجاج: فيه تقديم وتأخير تقديره: وهو الله، { يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ } في السموات والأرض] (3) { وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ } تعملون من الخير والشر.\r__________\r(1) رواه أبو يعلى، وفيه إسماعيل بن رافع، قال البخاري: ثقة مقارب الحديث، وضعفه الجمهور، وبقية رجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد: 8 / 197.\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":3,"page":127},{"id":900,"text":"{ وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6) وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) }\r{ وَمَا تَأْتِيهِمْ } يعني: أهل مكة، { مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ } مثل انشقاق القمر وغيره، وقال عطاء: يريد من آيات القرآن، { إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ } لها تاركين بها مكذبين.\r{ فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ } بالقرآن، وقيل: بمحمد صلى الله عليه وسلم، { لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } أي: أخبار استهزائهم وجزاؤه، أي: سيعلمون عاقبة 116\\أ استهزائهم إذا عذبوا.\rقوله عز وجل: { أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ } يعني: الأمم الماضية، والقرن: الجماعة من الناس، وجمعه قرون، وقيل: القرن مدة من الزمان، يقال ثمانون سنة، وقيل: ستون سنة، وقيل: أربعون سنة، وقيل: ثلاثون سنة، ويقال: مائة سنة، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن بُسْر المازني: \"إنك تعيش قرنا\"، فعاش مائة سنة (1)\rفيكون معناه على هذه الأقاويل من أهل قرن، { مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ } أي: أعطيناهم ما لم نعطكم، وقال ابن عباس: أمهلناهم في العمر مثل قوم نوح وعاد وثمود، يقال: مكنته ومكنت له، { وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا } يعني: المطر، مِفْعَال، من الدر، قال ابن عباس: مدرارا أي: متتابعا في أوقات الحاجات، وقوله: \"ما لم نمكن لكم\" من خطاب التلوين، رجع من الخبر من قوله: \"ألم يروا\" إلى خطاب، كقوله:(حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم) [يونس، 22].\rوقال أهل البصرة: أخبر عنهم بقوله \"ألم يروا\" وفيهم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم خاطبهم معهم، والعرب تقول: قلت لعبد الله ما أكرمه، وقلت: لعبد الله ما أكرمك، { وَجَعَلْنَا الأنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا } خلقنا وابتدأنا، { مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ }\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التاريخ الصغير، ص(93)، وانظر: الإصابة: 4 / 23، أسد الغابة: 3 / 125.","part":3,"page":128},{"id":901,"text":"قوله عز وجل: { وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ } الآية، قال الكلبي ومقاتل (1) نزلت في النضر بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية ونوفل بن خويلد، قالوا: يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند الله وأنك رسوله، فأنزل الله عز وجل: { وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ } مكتوبا من عندي، { فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ } أي: عاينوه ومسوه بأيديهم، وذكر اللمس ولم يذكر المعاينة لأن اللمس أبلغ في إيقاع العلم من [الرؤية] (2) فإن السحر يجري على المرئي ولا يجري على الملموس، { لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ } معناه: لا ينفع معهم شيء لما سبق فيهم من علمي.\r{ وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (8) }\r__________\r(1) انظر: أسباب النزول ص(246): تفسير القرطبي: 6 / 393.\r(2) في \"ب\" (المعاينة).","part":3,"page":129},{"id":902,"text":"{ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) }\r{ وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ } على محمد صلى الله عليه وسلم، { مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ } أي: لوجب العذاب، وفرغ من الأمر، وهذا سنة الله في الكفار أنهم متى اقترحوا آية فأنزلت ثم لم يؤمنوا استؤصلوا بالعذاب، { ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ } أي: لا يؤجلون ولا يمهلون، وقال قتادة: لو أنزلنا ملكا ثم لم يؤمنوا لعُجّل لهم العذاب ولم يؤخروا طرفة عين، وقال مجاهد: لقضي الأمر أي لقامت القيامة، وقال الضحاك: لو أتاهم ملك فى صورته لماتوا.\r{ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا } [يعني: لو أرسلنا إليهم ملكا] (1) { لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا } يعني في صورة [رجل] (2) آدمي، لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة، وكان جبريل عليه السلام يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي، وجاء الملكان إلى داود في صورة رجلين.\rقوله عز وجل: { وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ } أي: خلطنا عليهم ما يخلطون وشبّهنا عليهم فلا يدرون أملك هو أم آدمي، وقيل معناه شَبّهوا على ضعفائهم فشبّه عليهم، وعن ابن عباس رضي الله\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) زيادة من \"ب\".","part":3,"page":129},{"id":903,"text":"عنهما قال: هم أهل الكتاب فرقوا دينهم وحرفوا الكلم عن مواضعه، فلبس الله عليهم ما لبسوا على أنفسهم وقرأ الزهري { وَلَلَبَسْنَا } بالتشديد على التكرير والتأكيد.\r{ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ } كما استهزئ بك يا محمد يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم { فَحَاقَ } قال الربيع [بن أنس] (1) فنزل، وقال عطاء: حل، وقال الضحاك: أحاط، { بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } أي: جزاء استهزائهم من العذاب والنقمة.\r{ قُلْ } يا محمد لهؤلاء المكذبين المستهزئين، { سِيرُوا فِي الأرْضِ } معتبرين، يحتمل هذا: السير بالعقول والفكر، ويحتمل السير بالأقدام، { ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ } أي: آخر أمرهم وكيف أورثهم الكفر والتكذيب الهلاك، فحذّر كفار مكة عذاب الأمم الخالية.\r{ قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (12) وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) }\rقوله عز وجل: { قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } فإن أجابوك وإلا فـ { قُلْ } أنت، { لِلَّهِ } أمره بالجواب عقيب السؤال ليكون أبلغ في التأثير وآكد في الحجة، { كَتَبَ } أي: قضى، { عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } هذا استعطاف منه تعالى للمؤمنين عنه إلى الإقبال عليه وإخباره بأنه رحيم بالعباد لا يعجل بالعقوبة، ويقبل الإنابة والتوبة.\rأخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي أخبرنا أبو طاهر الزيادي أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنا أحمد بن يوسف السلمي أنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه قال ثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لما قضى الله الخلق كتب كتابا فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي\" (2) .\rوروى أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة: \"إن رحمتي [سبقت] (3) غضبي (4) .\r__________\r(1) زيادة من (ب).\r(2) أخرجه البخاري في التوحيد، باب قوله تعالى \"ويحذركم الله نفسه\": 13 / 384 وفي مواضع أخرى، ومسلم في التوبة باب في سعة رحمة الله، رقم(2751): 4 / 2107، والمصنف في شرح السنة: 14 / 376.\r(3) في \"ب\": (وسعت).\r(4) أخرجه البخاري في التوحيد، باب قول الله تعالى: \"ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين\": 3 / 440.","part":3,"page":130},{"id":904,"text":"أخبرنا الشيخ أبو القاسم عبد الله بن علي الكركاني أنا أبو طاهر الزيادي أنا حاجب بن أحمد الطوسي أنا عبد الرحمن المروزي أخبرنا عبد الله بن المبارك أنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن لله رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تتعاطف الوحوش على أولادها، وأخر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة\" (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا ابن أبي مريم ثنا أبو غسان حدثني زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم قال: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبي فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها، تسعى إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: \"أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ فقلنا: لا وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال: الله أرحم بعباده من هذه بولدها\" (2) .\rقوله عز وجل: { لَيَجْمَعَنَّكُمْ } اللام فيه لام القسم والنون نون التأكيد مجازه: والله ليجمعنكم، { إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } أي: في يوم القيامة، وقيل: معناه ليجمعنكم في قبوركم إلى يوم القيامة، { لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا } غبنوا، { أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ }\r{ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } أي: استقر، قيل: أراد ما سكن وما تحرك، كقوله:(سرابيل تقيكم الحر) أي: الحر والبرد، وقيل: إنما خص السكون بالذكر لأن النعمة فيه أكثر، قال محمد بن جرير: كل ما طلعت عليه الشمس وغربت فهو من ساكن الليل والنهار، والمراد منه جميع ما في الأرض. وقيل معناه: ما يمر عليه الليل والنهار، { وَهُوَ السَّمِيعُ } لأصواتهم، { الْعَلِيمُ } بأسرارهم.\r{ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) }\rقوله تعالى: { قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا } ؟ وهذا حين دعا إلى 116/ب دين آبائه، فقال تعالى: قل يا\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الأدب، باب جعل الله الرحمة في مائة جزء: 10 / 431، ومسلم في التوبة، في الموضع السابق (2752): 21084، والمصنف في شرح السنة: 14 / 377.\r(2) أخرجه البخاري في الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته: 10 / 426-427، ومسلم في التوبة في الموضع نفسه برقم(2754): 4 / 2109، والمصنف: 14 / 379.","part":3,"page":131},{"id":905,"text":"محمد أغير الله أتخذ وليا، [ربا ومعبودا وناصرا ومعينا] (1) ؟ { فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } أي: خالقهما ومبدعهما ومبتديهما، { وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ } أي: وهو يَرْزق ولا يُرْزَق كما قال:(ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون). { قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ } يعني: من هذه الأمة، والإسلام بمعنى الاستسلام لأمر الله، وقيل: أسلم أخلص، { وَلا تَكُونَنَّ } يعني: وقيل لي ولا تكونن، { مِنَ الْمُشْرِكِينَ }\r{ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) }\r{ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي } [فعبدت غيره] (2) { عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } يعني: عذاب يوم القيامة.\r{ مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ } يعني: من يصرف العذاب عنه، قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ويعقوب \" يصرف \" بفتح الياء وكسر الراء، أي: من يصرف الله عنه العذاب، لقوله: \"فقد رحمه\" وقرأ الآخرون بضم الياء وفتح الراء، { يَوْمَئِذٍ } يعني: يوم القيامة، { فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ } أي: النجاة البينة.\rقوله عز وجل: { وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ } بشدة وبلية، { فَلا كَاشِفَ لَهُ } لا رافع، { إِلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ } عافية ونعمة، { فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } من الخير والضر.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أبو عبد الله السلمي أنا أبو العباس الأصم أنا أحمد بن شيبان الرملي أنا عبد الله بن ميمون القداح أنا شهاب بن خراش، [هو ابن عبد الله] (3) عن عبد الملك بن عمير عن ابن عباس قال: أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة، أهداها له كسرى فركبها بحبل من شعر، ثم أردفني خلفه، ثم سار بي مليا ثم التفت إليّ فقال: يا غلام، فقلت: لبيك يا رسول الله، قال: \"احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، وقد مضى القلم بما هو كائن، فلو جهد الخلائق أن ينفعوك بما لم يقضه الله\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) زيادة من \"ب\".","part":3,"page":132},{"id":906,"text":"تعالى لك لم يقدروا عليه، ولو جهدوا أن يضروك بما لم يكتب الله تعالى عليك، ما قدروا عليه، فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين، فافعل فإن لم تستطع فاصبر فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا واعلم أن النصر مع الصبر، وأن مع الكرب الفرج، وأن مع العسر يسرا\" (1) .\r{ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) }\r__________\r(1) أخرجه الإمام أحمد في المسند من رواية حنش الصنعاني عن ابن عباس: 1 / 307، والترمذي مختصرا في القيامة، باب حدثنا بشر بن هلال: 7 / 219-220، وقال: هذا حديث حسن صحيح. ومثله في المسند: 1 / 293-303. وعبد بن حميد في المنتخب ص(214) وذكره ابن الأثير في جامع الأصول كما في سياق المصنف وقال: هذا الحديث ذكره رزين، ولم أجده في واحد من الأصول الستة، إلا ما أخرجه الترمذي، وهذا لفظه، ثم ساق رواية الترمذي. انظر: جامع الأصول: 11 / 686. ورواه أيضا عبد بن حميد في مسنده بإسناد ضعيف، وعزاه ابن الصلاح في الأحاديث الكلية إلى عبد بن حميد وغيره، وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس من طرق كثيرة... وطريق حنش التي خرجها الترمذي حسنة جيدة. انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب ص(174).","part":3,"page":133},{"id":907,"text":"{ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) }\r{ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } القاهر الغالب، وفي القهر زيادة معنى على القدرة، وهي منع غيره عن بلوغ المراد، وقيل: هو المنفرد بالتدبير الذي يجبر الخلق على مراده، فوق عباده هو صفة الاستعلاء الذي تفرد به الله عز وجل. { وَهُوَ الْحَكِيمُ } في أمره، { الْخَبِيرُ } بأعمال عباده.\rقوله عز وجل: { قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً } ؟ الآية، قال الكلبي: أتى أهل مكة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أرنا من يشهد أنك رسول الله فإنا لا نرى أحدا يصدقك، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر، فأنزل الله تعالى: { قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ } أعظم، { شَهَادَةً } ؟ فإن أجابوك، وإلا { قُلِ اللَّهُ } هو { شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } على ما أقول، ويشهد لي بالحق وعليكم بالباطل، { وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأنْذِرَكُمْ بِهِ } لأخوفكم به يا أهل مكة، { وَمَنْ بَلَغَ } يعني: ومن بلغه القرآن من العجم وغيرهم من الأمم إلى يوم القيامة.\rحدثنا أبو الفضل زياد بن محمد بن الحنفي أنا محمد بن بشر بن محمد المزني أنا أبو بكر","part":3,"page":133},{"id":908,"text":"محمد بن الحسن بن بشر النقاش أنا أبو شعيب الحراني أنا يحيى بن عبد الله بن الضحاك البابلي أنا الأوزاعي حدثني حسان بن عطية عن أبي كبشة [السلولي] (1) عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ معقده من النار\" (2) .\rأخبرنا أبو الحسن عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"نضر الله عبدا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها. فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم\" (3) .\rقال مقاتل: من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له، وقال محمد بن كعب القرظي: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدا صلى الله عليه وسلم وسمع منه، أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ؟ ولم يقل أخر لأن الجمع يلحقه التأنيث، كقوله عز وجل:(ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها)(الأعراف، 180)، وقال:(فما بال القرون الأولى).(طه، 51) { قُلْ } يا محمد إن شهدتم أنتم، فـ { لا أَشْهَدُ } ، أنا أن معه إلها، { قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ }\rقوله عز وجل: { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ } ، يعني: التوراة والإنجيل، { يَعْرِفُونَهُ } ، يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم بنعته وصفته، { كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ } ، من بين الصبيان. { الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ } ، غبنوا أنفسهم { فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ } ، وذلك أن الله جعل لكل آدمي منزلا في الجنة ومنزلا في النار، وإذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل أهل النار في الجنة، ولأهل النار منازل أهل الجنة في النار، وذلك الخسران.\r__________\r(1) في \"ب\": (السلوي).\r(2) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل: 6 / 496، والمصنف في شرح السنة: 1 / 243.\r(3) أخرجه الترمذي في العلم، باب الحث على تبليغ السماع، بنحوه، 7 / 417-418 وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه في المقدمة، باب من بلّغ علما، برقم (236): 1 / 86، والدارمي في المقدمة، باب كراهية أخذ الرأي: 1 / 75، والشافعي في كتاب العلم: 1 / 16، والإمام أحمد في المسند: 3 / 225 عن أنس، والمصنف في شرح السنة: 1 / 236، وللشيخ عبد المحسن العباد دراسة حديثية وفقهية لحديث \"نضر الله امرأ...\" طبع عام 1401هـ بمطابع الرشيد بالمدينة المنورة.","part":3,"page":134},{"id":909,"text":"قوله عز وجل: { وَمَنْ أَظْلَمُ } ، أكفر، { مِمَّنِ افْتَرَى } ، اختلق، { عَلَى اللَّهِ كَذِبًا } ، فأشرك به غيره، { أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ } ، يعني: القرآن، { إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } ، الكافرون.\r{ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) }\r{ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا } ، أي: العابدين والمعبودين، يعني: يوم القيامة، قرأ يعقوب \" يحشرهم \" هاهنا، وفي سبأ بالياء، ووافق حفص في سبأ، وقرأ الآخرون بالنون، { ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ } ، أنها تشفع لكم عند ربكم.\r{ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ } ، قرأ حمزة والكسائي ويعقوب \"يكن\" بالياء لأن الفتنة بمعنى الافتتان، فجاز تذكيره، وقرأ الآخرون بالتاء لتأنيث الفتنة، وقرأ ابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم \"فتنتهم\" بالرفع جعلوه اسم كان، وقرأ الآخرون بالنصب، فجعلوا الاسم قوله \"أن قالوا\" وفتنتهم الخبر، ومعنى قوله \"فتنتهم\" أي: قولهم وجوابهم، وقال ابن عباس وقتادة: معذرتهم والفتنة التجربة، فلما كان سؤالهم تجربة لإظهار ما في قلوبهم قيل فتنة.\rقال الزجاج في قوله: { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ } معنى لطيف وذلك مثل الرجل يفتتن بمحبوب ثم يصيبه فيه [محنة] (1) فيتبرأ من محبوبه، فيقال: لم تكن فتنت إلا هذا، كذلك الكفار فتنوا بمحبة الأصنام ولما رأوا العذاب تبرأوا منها، يقول الله عز وجل: { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ } في محبتهم الأصنام، { إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } ، قرأ حمزة والكسائي \" ربنا \" بالنصب على نداء المضاف، وقرأ الآخرون بالخفض على نعت والله، وقيل: 117\\أ إنهم إذا رأوا يوم القيامة مغفرة الله تعالى وتجاوزه عن أهل التوحيد قال بعضهم لبعض: تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجوا مع أهل التوحيد، فيقولون: والله ربنا ما كنا مشركين، فيختم على أفواههم وتشهد عليهم جوارحهم بالكفر.\rفقال عز وجل: { انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ } ، باعتذارهم بالباطل وتبريهم عن الشرك، { وَضَلَّ عَنْهُمْ } زال وذهب عنهم { مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } من الأصنام، وذلك أنهم كانوا يرجون شفاعتها ونصرتها، فبطل كله في ذلك اليوم.\r__________\r(1) في \"ب\": (فتنة).","part":3,"page":135},{"id":910,"text":"{ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (25) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26) }\rقوله عز وجل: { وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } الآية، قال الكلبي: اجتمع أبو سفيان بن حرب وأبو جهل بن هشام والوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف والحارث بن عامر، يستمعون القرآن فقالوا للنضر: يا أبا قتيلة ما يقول محمد؟ قال: ما أدري ما يقول إلا أني أراه يحرك لسانه ويقول أساطير الأولين، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية، وكان النضر كثير الحديث عن القرون وأخبارها (1) . فقال أبو سفيان: إني أرى بعض ما يقول حقا، فقال أبو جهل: كلا لا نقر بشيء من هذا، وفي رواية: للموت أهون علينا من هذا، فأنزل الله عز وجل: \"ومنهم من يستمع إليك\" وإلى كلامك، { وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } ، أغطية، جمع كنان، كالأعنة جمع عنان، { أَنْ يَفْقَهُوهُ } ، أن يعلموه، قيل: معناه أن لا يفقهوه، وقيل: كراهة أن يفقهوه، { وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا } ، صمما وثقلا هذا دليل على أن الله تعالى يقلّب القلوب فيشرح بعضها للهدى، ويجعل بعضها في أكنة فلا تفقه كلام الله ولا تؤمن، { وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ } ، من المعجزات والدلالات، { لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ } ، يعني: أحاديثهم وأقاصيصهم، والأساطير جمع: أسطورة، وإسطارة، وقيل: هي الترهات والأباطيل، وأصلها من سطرت، أي: كتبت.\r{ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ } أي: ينهون الناس عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم { وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ } ، أي: يتباعدون عنه بأنفسهم، نزلت في كفار مكة، قاله محمد بن الحنفية والسدي والضحاك، وقال قتادة: ينهون عن القرآن وعن النبي صلى الله عليه وسلم ويتباعدون عنه.\rوقال ابن عباس ومقاتل (2) نزلت في أبي طالب كان ينهى الناس عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم ويمنعهم وينأى عن الإيمان به، أي: يبعد، حتى رُوي أنه اجتمع إليه رءوس المشركين وقالوا: خذ شابا من أصبحنا وجها، وادفع إلينا محمدا، فقال أبو طالب: ما أنصفتموني أدفع إليكم ولدي لتقتلوه وأربي\r__________\r(1) انظر: أسباب النزول للواحدي، ص(247).\r(2) انظر: أسباب النزول للواحدي ص(247-248)، تفسير القرطبي: 6 / 406.","part":3,"page":136},{"id":911,"text":"ولدكم؟ وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاه إلى الإيمان، فقال: لولا أن تعيرني قريش لأقررت بها عينك، ولكن أذب عنك ما حييت. وقال فيه أبياتا: والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا\rفاصدع بأمرك ما عليك غضاضة وابشر بذاك وقر بذاك منك عيونا\rودعوتني وعرفت أنك ناصحي ولقد صدقت وكنت ثم أمينا\rوعرضت دينا قد علمت بأنه من خير أديان البرية دينا\rلولا الملامة أو حذار سبة لوجدتني سمحا بذاك مبينا\r{ وَإِنْ يُهْلِكُونَ } ، أي: ما يهلكون، { إِلا أَنْفُسَهُمْ } أي: لا يرجع وبال فعلهم إلا إليهم، وأوزار الذين يصدونهم عليهم، { وَمَا يَشْعُرُونَ } . .\r{ وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) }","part":3,"page":137},{"id":912,"text":"{ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30) }\rقوله عز وجل: { وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ } يعني: في النار، كقوله تعالى:(على ملك سليمان) أي: في ملك سليمان، وقيل: عرضوا على النار، وجواب \"لو\" محذوف معناه: لو تراهم في تلك الحالة لرأيت عجبا، { فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ } يعني: إلى الدنيا، { وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } قراءة العامة كلها بالرفع على معنى: يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب، ونكون من المؤمنين، وقرأ حمزة وحفص ويعقوب \"ولا نكذب ونكون\" بنصب الباء والنون على جواب التمني، أي: ليت ردنا وقع، وأن لا نكذب ونكون، والعرب تنصب جواب التمني بالواو كما تنصب بالفاء، وقرأ ابن عامر \"نكذب\" بالرفع و \"نكون\" بالنصب لأنهم تمنوا أن يكونوا من المؤمنين، وأخبروا عن أنفسهم أنهم لا يكذبون بآيات ربهم إن ردوا إلى الدنيا.\r{ بَلْ بَدَا لَهُمْ } قوله: \"بل\" تحته رد لقولهم، أي: ليس الأمر على ما قالوا إنهم لو ردوا لآمنوا، بل بدا لهم، ظهر لهم، { مَا كَانُوا يُخْفُونَ } يسرون، { مِنْ قَبْلُ } في الدنيا من كفرهم","part":3,"page":137},{"id":913,"text":"ومعاصيهم، وقيل: ما كانوا يخفون وهو قولهم \"والله ربنا ما كنا مشركين\"(الأنعام، 23)، فأخفوا شركهم وكتموا حتى شهدت عليهم جوارحهم بما كتموا وستروا، لأنهم كانوا لا يخفون كفرهم في الدنيا، إلا أن تجعل الآية في المنافقين، وقال المبرد: بل بدا لهم جزاء ما كانوا يخفون، وقال النضر بن شميل: بل بدا عنهم.\rثم قال { وَلَوْ رُدُّوا } إلى الدنيا { لَعَادُوا لِمَا } يعني إلى ما { نُهُوا عَنْهُ } من الكفر، { وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } في قولهم، لو رددنا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا وكنا من المؤمنين.\r{ وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ } هذا إخبار عن إنكارهم البعث، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، هذا من قولهم لو ردوا لقالوه.\rقوله عز وجل: { وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ } أي: على حكمه وقضائه ومسألته، وقيل: عرضوا على ربهم، { قَالَ } لهم وقيل: تقول لهم الخزنة بأمر الله، { أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ } ؟ يعني: أليس هذا البعث والعذاب بالحق؟ { قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا } إنه حق، قال ابن عباس: هذا في موقف، وقولهم: والله ربنا ما كنا مشركين في موقف آخر، وفي القيامة مواقف، ففي موقف يقرون، وفي موقف ينكرون. { قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ }\r{ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (32) قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) }\r{ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ } أي: خسروا أنفسهم بتكذيبهم المصير إلى الله بالبعث بعد الموت، { حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ } أي: القيامة { بَغْتَةً } أي: فجأة، { قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا } ندامتنا، [ذكر] (1) على وجه النداء للمبالغة، وقال سيبويه: كأنه يقول: أيتها الحسرة هذا أوانك، { عَلَى مَا فَرَّطْنَا } أي: قصرنا { فِيهَا } أي: في الطاعة، وقيل: تركنا في الدنيا من عمل الآخرة.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من\"أ\" واستدركناه في \"ب\".","part":3,"page":138},{"id":914,"text":"قال محمد بن جرير: (1) الهاء راجعة إلى الصفقة، وذلك أنه لما تبين لهم خسران صفقتهم ببيعهم الآخرة بالدنيا قالوا: يا حسرتنا على ما فرطنا فيها، أي: في الصفقة [فترك ذكر الصفقة] (2) اكتفاء بذكر بقوله { قَدْ خَسِرَ } لأن الخسران إنما يكون في صفقة بيع، والحسرة شدة الندم، حتى يتحسر النادم، كما يتحسر الذي تقوم به دابته في السفر البعيد، { وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ } أثقالهم وآثامهم، { عَلَى ظُهُورِهِمْ } قال السدي وغيره: إن المؤمن +إذ أخرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيبه ريحا فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: لا فيقول: أنا عملك الصالح فاركبني، فقد طالما ركبتك في الدنيا، فذلك قوله عز وجل:(يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا)(مريم، 85) أي: ركبانا، وأما الكافر فيستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحا، فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا. فيقول: أنا عملك الخبيث طالما ركبتني في الدنيأ 117/ب فأنا اليوم أركبك، فهذا معنى قوله: { وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ } { أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ } يحملون قال ابن عباس: بئس الحمل حملوا.\r{ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَعِبٌ وَلَهْوٌ } باطل وغرور لا بقاء لها { وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ } قرأ ابن عامر { وَلَدَارُ الآخِرَةِ } مضافا أضاف الدار إلى الآخرة، ويضاف الشيء إلى نفسه عند اختلاف اللفظين، كقوله:(وحب الحصيد)، وقولهم: ربيع الأول ومسجد الجامع، سميت الدنيا لدنوها، وقيل: لدناءتها، وسميت الآخرة لأنها بعد الدنيا، { خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ } الشرك، { أَفَلا تَعْقِلُونَ } أن الآخرة أفضل من الدنيا، قرأ أهل المدينة وابن عامر ويعقوب(أفلا تعقلون) بالتاء هاهنا وفي الأعراف وسورة يوسف ويس، ووافق أبو بكر في سورة يوسف، ووافق حفص إلا في سورة يس، وقرأ الآخرون بالياء فيهن.\rقوله عز وجل: { قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ } قال السدي: التقى الأخنس بن شريق وأبو جهل بن هشام، فقال الأخنس لأبي جهل يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس هاهنا أحد يسمع كلامك غيري، قال أبو جهل: والله إن محمدا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصيّ باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش؟ فأنزل الله عز وجل هذه الآية (3) .\rوقال ناجية بن كعب: قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم لا نتهمك ولا نكذبك، ولكنا نكذب الذي جئت\r__________\r(1) انظر: تفسير الطبري: 11 / 325، وفيه قوله: \"والهاء والألف في قوله: \"فيها\" من ذكر \"الصفقة\"، ولكن اكتفى بدلالة قوله: \"قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله\" عليها من ذكرها، إذ كان معلوما أن \"الخسران\" لا يكون إلا في صفقة بيع قد جرت\".\r(2) انظر: تفسير الطبري: 11 / 325، وفيه قوله: \"والهاء والألف في قوله: \"فيها\" من ذكر \"الصفقة\"، ولكن اكتفى بدلالة قوله: \"قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله\" عليها من ذكرها، إذ كان معلوما أن \"الخسران\" لا يكون إلا في صفقة بيع قد جرت\".\r(3) أسباب النزول، ص(249)، تفسير الطبري: 11 / 333.","part":3,"page":139},{"id":915,"text":"به، فأنزل الله تعالى: { قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ } (1) .\r{ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ } بأنك كاذب، { فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ } قرأ نافع والكسائي بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتشديد من التكذيب، والتكذيب هو أن تنسبه إلى الكذب، وتقول له: كذبت، والإكذاب هو أن تجده كاذبا، تقول العرب: أجدبت الأرض وأخصبتها إذا وجدتها جدبة ومخصبة، { وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ } يقول: إنهم لا يكذبونك في السر لأنهم عرفوا صدقك فيما مضى، وإنما يكذبون وحيي ويجحدون آياتي، كما قال: \"وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم\"(النمل، 94).\r{ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35) }\r{ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ } كذبهم قومهم كما كذبتك قريش، { فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا } بتعذيب من كذبهم، { وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ } لا ناقض لما حكم به، وقد حكم في كتابه بنصر أنبيائه عليهم السلام، فقال:(ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون)(الصافات، 171-172)، وقال:(إنا لننصر رسلنا)(غافر، 51) وقال:(كتب الله لأغلبن أنا ورسلي)(المجادلة، 21)، وقال الحسن بن الفضل: لا خلف [لعداته] (2) { وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ } و { مِنْ } صلة كما تقول: أصابنا من مطر.\r{ وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ } أي: عظم عليك وشق أن أعرضوا عن الإيمان بك، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص على إيمان قومه أشد الحرص، وكانوا إذ سألوا آية أحب أن يريهم الله تعالى ذلك طمعا في إيمانهم، فقال الله عز وجل: { فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا } تطلب وتتخد نفقا سربا\r__________\r(1) أخرجه الترمذي من طريق أبي كريب عن علي، في التفسير، سورة الأنعام: 8 / 437، ثم من طريق إسحاق بن منصور عن سفيان عن أبي إسحاق عن ناجية: أن أبا جهل... وذكر نحوه، ولم يذكر فيه عن علي، وقال: هذا أصح. وحديث علي أخرجه الحاكم في المستدرك: 2 / 315 وقال: صحيح على شرط الشيخين، فتعقبه الذهبي قائلا: \"ما خرّجا لناجية شيئا\". وانظر: أسباب النزول، ص(249)، الطبري: 11 / 334، القرطبي: 6 / 416.\r(2) في \"ب\" \"لعدته\".","part":3,"page":140},{"id":916,"text":"{ وَفِي الأرْضِ } ومنه نافقاء اليربوع، وهو أحد جحريه فيذهب فيه، { أَوْ سُلَّمًا } أي: درجا ومصعدا، { فِي السَّمَاءِ } فتصعد فيه، { فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ } فافعل، { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى } فآمنوا كلهم، { فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ } أي: بهذا الحرف، وهو قوله: { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى } وأن من يكفر لسابق علم الله فيه.","part":3,"page":141},{"id":917,"text":"{ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36) وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (37) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) }\r{ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ } يعني: المؤمنين الذين يسمعون الذكر فيتبعونه وينتفعون به دون من ختم الله على سمعه، { وَالْمَوْتَى } يعني الكفار، { يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } فيجزيهم بأعمالهم.\rقوله عز وجل: { وَقَالُوا } يعني: رؤساء قريش، { لَوْلا } هلا { نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ } ما عليهم في إنزالها.\rقوله عز وجل: { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } قيد الطيران بالجناح تأكيدا كما يقال نظرت بعيني وأخذت بيدي، { إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ } قال مجاهد: أصناف مصنفة تعرف بأسمائها يريد أن كل جنس من الحيوان أمة، فالطير أمة، والدواب أمة، والسباع أمة، تعرف بأسمائها مثل بني آدم، يعرفون بأسمائهم، يقال: الإنس والناس.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أبو عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم البغوي أنا علي بن الجعد أنا المبارك هو ابن فضالة عن الحسن عن عبد الله بن مغفل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(لولا أن الكلاب أمة لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها كل أسود بهيم) (1) .\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الضحايا، باب في اتخاذ الكلب للصيد وغيره: 4 / 132-133، والترمذي في الصيد، باب ما جاء في قتل الكلاب: 5 / 63، وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في الصيد والذبائح، باب صفة الكلاب التي أمر بقتلها: 7 / 185، وابن ماجه في الصيد، باب قتل الكلاب إلا كلب صيد أو زرع، برقم(3205): 2 / 1069، والدارمي في الصيد، باب في قتل الكلاب: 2 / 90، والإمام أحمد في المسند: 5 / 54، 56، والمصنف في شرح السنة: 11 / 211.","part":3,"page":141},{"id":918,"text":"وقيل: أمم أمثالكم يفقه بعضهم عن بعض، وقيل: أمم أمثالكم في الخلق والموت والبعث، وقال عطاء: أمم أمثالكم في التوحيد والمعرفة، قال ابن قتيبة: أمم أمثالكم في الغذاء وابتغاء الرزق وتوقي المهالك.\r{ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ } أي: في اللوح المحفوظ، { مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ } قال ابن عباس والضحاك: حشرها موتها، وقال أبو هريرة: يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطير، وكل شيء فيأخذ للجماء من القرناء، ثم يقول: كوني ترابا فحينئذ يتمنى الكافر ويقول:(يا ليتني كنت ترابا).\rأخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن الطيسفوني أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن علي الكشميهني أنا علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"لتردن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء\" (1) .\r{ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (39) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) }\rقوله عز وجل: { وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ } لا يسمعون الخير ولا يتكلمون به، { فِي الظُّلُمَاتِ } في ضلالات الكفر، { مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } وهو الإسلام.\rقوله تعالى: { قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ } هل رأيتم؟ والكاف فيه للتأكيد، وقال الفراء: العرب تقول أرأيتك، وهم يريدون أخبرنا، كما يقول: أرأيتك إن فعلت كذا ماذا تفعل؟ أي: أخبرني، وقرأ أهل\r__________\r(1) أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، برقم (2582): 4 / 1997.","part":3,"page":142},{"id":919,"text":"المدينة \"أرأيتكم، وأرأيتم، وأرأيت\" بتليين الهمزة الثانية، والكسائي بحذفها، قال ابن عباس: قل يا محمد لهؤلاء المشركين أرأيتكم، { إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ } قبل الموت، { أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ } يعني: القيامة، { أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ } في صرف العذاب عنكم، { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } وأراد أن الكفار يدعون الله في أحوال الاضطرار كما أخبر الله عنهم:(وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين)(لقمان، 32).\rثم قال: { بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ } أي: تدعون الله ولا تدعون غيره، { فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ } قيد الإجابة بالمشيئة [والأمور كلها بمشيئته] (1) { وَتَنْسَوْنَ } وتتركون، { مَا تُشْرِكُونَ }\r{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ } بالشدة والجوع، { وَالضَّرَّاءِ } المرض والزمانة، { لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } أي يتوبون ويخضعون، والتضرع السؤال بالتذلل.\r{ فَلَوْلا } فهلا { إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا } عذابنا، { تَضَرَّعُوا } فآمنوا فكشف عنهم، 118\\أ أخبر الله عز وجل أنه قد أرسل إلى قوم بلغوا من القسوة إلى أنهم أخذوا بالشدة في أنفسهم وأموالهم فلم يخضعوا ولم يتضرعوا، فذلك قوله: { وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } من الكفر والمعاصي.\r{ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) }\r__________\r(1) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".","part":3,"page":143},{"id":920,"text":"{ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) }\r{ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ } تركوا ما وعظوا وأمروا به، { فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ } قرأ أبو جعفر، \"فتَّحنا\" بالتشديد، في كل القرآن، وقرأ ابن عامر كذلك إذا كان عقبيه جمعاُوالباقون بالتخفيف وهذا فتح استدراج ومكر، أي: بدلنا مكان البلاء والشدة الرخاء والصحة، { حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا } وهذا فرح بطر مثل فرح قارون بما أصاب من الدنيا، { أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً } فجأة آمن ما كانوا، وأعجب ما كانت الدنيا إليهم، { فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ } آيسون من كل خير، وقال أبو عبيدة:","part":3,"page":143},{"id":921,"text":"المبلس النادم الحزين، وأصل الإبلاس: الإطراق من الحزن والندم، وروى عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(إذا رأيت الله يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على معصيته، فإنما ذلك استدراج)، ثم تلا \"فلما نسوا ما ذكروا به\" الآية (1) .\r{ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا } أي: آخرهم [الذين بدبرهم، يقال: دبر فلان القوم يدبرهم دبرا ودبورا إذا كان آخرهم] (2) ومعناه أنهم استؤصلوا بالعذاب فلم يبق منهم باقية، { وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } حمد الله نفسه على أن قطع دابرهم لأنه نعمة على الرسل، فذكر الحمد لله تعليما لهم ولمن آمن بهم، أن يحمدوا الله على كفايته شر الظالمين، وليحمد محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ربهم إذا أهلك المكذبين.\rقوله تعالى: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ } أيها المشركون، { إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ } حتى لا تسمعوا شيئا أصلا { وَأَبْصَارَكُمْ } حتى لا تبصروا شيئا، { وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ } حتى لا تفقهوا شيئا ولا تعرفوا مما تعرفون من أمور الدنيا، { مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ } ولم يقل بها مع أنه ذكر أشياء، قيل: معناه يأتيكم بما أخذ منكم، وقيل: الكناية ترجع إلى السمع الذي ذكر أولا ويندرج غيره تحته، كقوله تعالى:(والله ورسوله أحق أن يرضوه)(التوبة، 62). فالهاء راجعة إلى الله، ورضى رسوله يندرج في رضى الله تعالى، { انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ } أي: نبين لهم العلامات الدالة على التوحيد والنبوة، { ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ } يعرضون عنها مكذبين.\r{ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49) قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (50) }\r{ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً } فجأة، { أَوْ جَهْرَةً } معاينة ترونه عند نزوله، قال\r__________\r(1) أخرجه الإمام أحمد في المسند: 4 / 145، وفيه رشدين بن سعد، وهو ضعيف، وقال الهيثمي في المجمع: 10 / 245 \"رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه الوليد بن العباس المصري وهو ضعيف\" وعزاه في موضع آخر: 7 / 20 لأحمد والطبراني.\r(2) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".","part":3,"page":144},{"id":922,"text":"ابن عباس والحسن ليلا أو نهارا، { هَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ } المشركون.\rقوله عز وجل: { وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ } العمل، { فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } حين يخاف أهل النار، { وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } إذا حزنوا.\r{ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ } يصيبهم { الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } يكفرون.\r{ قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ } نزل حين اقترحوا الآيات فأمره أن يقول لهم: { لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ } أي خزائن رزقه فأعطيكم ما تريدون، { وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ } فأخبركم بما غاب مما مضى ومما سيكون، { وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ } قال ذلك لأن الملك يقدر على ما لا يقدر عليه الآدمي ويشاهد ما لا يشاهده الآدمي، يريد لا أقول لكم شيئا من ذلك فتنكرون قولي وتجحدون أمري، { إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ } أي: ما آتيكم به فمن وحي الله تعالى، وذلك غير مستحيل في العقل مع قيام الدليل والحجج البالغة، { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ } ؟ قال قتادة: الكافر والمؤمن، وقال مجاهد: الضال والمهتدي، وقيل: الجاهل والعالم، { أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ } أي: أنهما لا يستويان.\r{ وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51) وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) }\rقوله عز وجل: { وَأَنْذِرْ بِهِ } خوّف به أي: بالقرآن، { الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا } يجمعوا ويبعثوا إلى ربهم، وقيل: يخافون أي يعلمون، لأن خوفهم إنما كان من علمهم، { لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ } من دون الله، { وَلِيٌّ } قريب ينفعهم، { وَلا شَفِيعٌ } يشفع لهم، { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } فينتهون عما نهوا عنه، وإنما نفى الشفاعة لغيره -مع أن الأنبياء والأولياء يشفعون -لأنهم لا يشفعون إلا بإذنه.\r{ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ } قرأ ابن عامر \"بالغدوة\" بضم الغين وسكون الدال وواو بعدها، هاهنا وفي سورة الكهف، وقرأ الآخرون: بفتح العين والدال وألف بعدها.","part":3,"page":145},{"id":923,"text":"قال سلمان وخباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية، جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري وذووهم من المؤلفة قلوبهم، فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في ناس من ضعفاء المؤمنين، فلما رأوهم حوله حقروهم، فأتوه فقالوا: يا رسول الله لو جلست في صدر المجلس ونفيت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم، وكان عليهم جباب صوف لم يكن عليهم غيرها، لجالسناك وأخذنا عنك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهم: \"ما أنا بطارد المؤمنين\" قالوا فإنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا فرغنا فاقعد معهم إن شئت، قال: نعم، قالوا: اكتب لنا عليك بذلك كتابا، قال: فدعا بالصحيفة ودعا عليا ليكتب، قالوا ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبريل بقوله: { وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } إلى قوله: { بِالشَّاكِرِينَ } فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة من يده، ثم دعانا فأثبته، وهو يقول:(سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة)، فكنا نقعد معه فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله عز وجل:(واصبر نفسك ممع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه)(الكهف، 28)، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعد وندنو منه حتى كادت ركبنا تمس ركبته، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم، وقال لنا: \"الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي، معكم المحيا ومعكم الممات\" (1) .\rوقال الكلبي: قالوا له اجعل لنا يوما ولهم يوما، فقال: لا أفعل، قالوا: فاجعل المجلس واحدا فأقبل إلينا وولِّ ظهرك عليهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية: { وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ }\rقال مجاهد: قالت قريش: لولا بلال وابن أم عبد لبايعنا محمدا، فأنزل الله هذه الآية: { وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ } (2) قال ابن عباس: يعني يعبدون ربهم بالغداة والعشي، يعني: صلاة الصبح وصلاة العصر، ويروى عنه: أن المراد منه الصلوات الخمس، وذلك أن أناسا من الفقراء كانوا مع النبي عليه السلام، فقال ناس من الأشراف: إذا صلينا فأخر هؤلاء فليصلوا خلفنا، فنزلت الآية. وقال مجاهد: صليت الصبح مع سعيد بن المسيب، فلما سلم الإمام ابتدر\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 11 / 376-377، وابن ماجه في الزهد، برقم (4127): 2 / 382-383 قال في الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات، وقد روى مسلم والنسائي بعضه من حديث سعد، وانظر: صحيح مسلم، فضائل الصحابة، رقم (2413): 4 / 1887. وساقه ابن كثير في التفسير: 2 / 136 وقال: هذا حديث غريب فإن هذه الآية مكية والأقرع بن حابس وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر\". ولا وجه لهذه الغرابة، فعندما قالا ذلك لم يكونا من المسلمين.\r(2) عزاه السيوطي في الدر: 3 / 274 لعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.","part":3,"page":146},{"id":924,"text":"الناس القاص، فقال سعيد: ما أسرع الناس إلى هذا المجلس! قال مجاهد: فقلت يتأولون قوله تعالى { يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ } قال: أفي هذا هو، إنمأ 118/ب ذلك في الصلاة التي انصرفنا عنها الآن، وقال إبراهيم النخعي: يعني يذكرون ربهم، وقيل المراد منه: حقيقة الدعاء، { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } أي: يريدون الله بطاعتهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يطلبون ثواب الله فقال: { مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ } أي: لا تكلف أمرهم ولا يتكلفون أمرك، وقيل: ليس رزقهم عليك فتملّهم، { فَتَطْرُدَهُمْ } ولا رزقك عليهم، قوله { فَتَطْرُدَهُمْ } جواب لقوله { مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ } وقوله: { فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ } جواب لقوله { وَلا تَطْرُدِ } أحدهما جواب النفي والآخر جواب النهي.","part":3,"page":147},{"id":925,"text":"{ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54) }\rقوله عز وجل: { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا } أي: ابتلينا، { بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } أراد ابتلاء الغني بالفقير والشريف بالوضيع، وذلك أن الشريف إذا نظر إلى الوضيع قد سبقه بالإيمان امتنع من الإسلام بسببه فكان فتنة له فذلك قوله: { لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا } فقال الله تعالى: { أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ } فهو جواب لقوله { أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا } فهو استفهام بمعنى التقرير، أي: الله أعلم بمن شكر الإسلام إذ هداه الله عز وجل.\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا أبو العباس عبد الله بن محمد بن هارون الطيسفوني أنا أبو الحسن محمد بن أحمد الترابي ثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمرو بن بسطام ثنا أبو الحسن أحمد بن سيار القرشي أنا مسدد أنا جعفر بن سليمان عن المعلى بن زياد عن العلاء بن بشير المزني عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري قال: جلست في نفر من ضعفاء المهاجرين وإن بعضهم ليستتر ببعض من العري، وقارئ يقرأ علينا إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام علينا، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سكت القارئ، فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: \"ما كنتم تصنعون؟ قلنا يا رسول الله كان قارئ يقرأ علينا فكنا نستمع إلى كتاب الله تعالى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"الحمد لله","part":3,"page":147},{"id":926,"text":"الذي جعل من أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم\" قال: ثم جلس وسطنا ليدل نفسه فينا ثم قال بيده هكذا فتحلقوا، وبرزت وجوههم له، قال فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف منهم أحدا غيري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم وذلك مقدار خمسمائة سنة\" (1) .\rقوله عز وجل: { وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ } قال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله عز وجل نبيه عن طردهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام (2) .\rوقال عطاء: نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبلال وسالم وأبي عبيدة ومصعب بن عمير وحمزة وجعفر وعثمان بن مظعون وعمار بن ياسر والأرقم بن أبي الأرقم وأبي سلمة بن عبد الأسد رضي الله عنهم أجمعين.\r{ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } أي: قضى على نفسه الرحمة، { أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ } قال مجاهد: لا يعلم حلالا من حرام فمن جهالته ركب الذنب، وقيل: جاهل بما يورثه ذلك الذنب، وقيل: جهالته من حيث أنه آثر المعصية على الطاعة والعاجل القليل على الآجل الكثير، { ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ } رجع عن ذنبه، { وَأَصْلَحَ } عمله، قيل: أخلص توبته، { فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } قرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب \" أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ \" \" فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ \" بفتح الألف فيهما بدلا من الرحمة، أي: كتب على نفسه أنه من عمل منكم، ثم جعل الثانية بدلا عن الأولى، كقوله تعالى: \"أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون\"،(المؤمنون، 35)، وفتح أهل المدينة الأولى منهما وكسروا الثانية على الاستئناف، وكسرهما الآخرون على الاستئناف.\r{ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56) }\r{ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ } أي: وهكذا، وقيل: معناه وكما فصلنا لك في هذه السورة دلائلنا\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في كتاب العلم، باب في القصص: 5 / 255، قال المنذري: \"وفي إسناده زياد بن المعلى بن زياد، أبو الحسن، وفيه مقال، وأخرجه أحمد: 3 / 63، 96 عن أبي سعيد الخدري. والمصنف في شرح السنة: 14 / 191. وله شاهد عند الترمذي في الزهد وابن ماجه وابن حبان، فيتقوى به.\r(2) انظر: الطبري: 11 / 380، أسباب النزول ص(252).","part":3,"page":148},{"id":927,"text":"وإعلامنا على المشركين كذلك نفصل الآيات، أي: نميز ونبين لك حجتنا في كل حق ينكره أهل الباطل، { وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ } أي: طريق المجرمين، وقرأ أهل المدينة \"ولتستبين\" بالتاء، \"سبيل\" نصب على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، أي: ولتعرف يا محمد سبيل المجرمين، يقال: استبنت الشيء وتبينته إذا عرفته، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر \"وليستبين\" بالياء \"سبيل\" بالرفع، وقرأ الآخرون { وَلِتَسْتَبِينَ } بالتاء \"سبيل\" رفع، أي: ليظهر ويتضح السبيل، يُذكر ويُؤنث، فدليل التذكير قوله تعالى: \"وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا\"(الأعراف، 146)، ودليل الثأنيت قوله تعالى: \"لم تصدون عن سبيل الله من آمن به تبغونها عوجا\"(آل عمران، 99).\rقوله عز وجل: { قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ } في عبادة الأوثان وطرد الفقراء، { قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ } يعني: إن فعلت ذلك فقد تركت سبيل الحق وسلكت غير طريق الهدى.\r{ قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58) }\r{ قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ } أي: على بيان وبصيرة وبرهان، { مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ } أي: ما جئت به، { مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } قيل: أراد به استعجالهم العذاب، كانوا يقولون: \"إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة\"(الأنفال، 32) الآية، قيل: أراد به القيامة، قال الله تعالى: \"يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها\"(الشوري، 18)، { إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ } قرأ أهل الحجاز وعاصم يقص بضم القاف والصاد مشددا أي يقول الحق، لأنه في جميع المصاحف بغير ياء، ولأنه قال الحق ولم يقل بالحق، وقرأ الآخرون(يقضي) بسكون القاف والضاد مكسورة، من قضيت، أي: يحكم بالحق بدليل أنه قال: { وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ } والفصل يكون في القضاء وإنما حذفوا الياء لاستثقال الألف واللام، كقوله تعالى:(صال الجحيم) ونحوها، ولم يقل بالحق لأن الحق صفة المصدر، كأنه قال: يقضي القضاء الحق.\r{ قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي } وبيدي، { مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } من العذاب { لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ }","part":3,"page":149},{"id":928,"text":"أي: فرغ من العذاب [وأهلكتم] (1) أي: لعجلته حتى أتخلص منكم، { وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ }\r{ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59) }\r__________\r(1) في \"ب\": (وهلكتم).","part":3,"page":150},{"id":929,"text":"{ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) }\rقوله عز وجل: { وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ } مفاتح الغيب خزائنه، جمع مفتح.\rواختلفوا في مفاتح الغيب، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن الطيسفوني أنا عبد الله بن عمر الجوهري أنا أحمد بن علي الكشميهني أنا علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر أنا عبد الله بن دينار أنه سمع ابن عمر يقول: قال رسول الله: \"مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، لا يعلم ما تغيض الأرحام أحد إلا الله تعالى، [ولا يعلم ما في الغد إلا الله عز وجل] (1) ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري 119\\أ نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة أحد إلا الله\" (2) .\rوقال الضحاك ومقاتل: مفاتح الغيب خزائن الأرض، وعلم نزول العذاب.\rوقال عطاء: ما غاب عنكم من الثواب والعقاب.\rوقيل: انقضاء الآجال، وقيل: أحوال العباد من السعادة والشقاوة وخواتيم أعمالهم، وقيل: هي ما لم يكن بعد أنه يكون أم لا يكون، وما يكون كيف يكون، وما لا يكون أن لو كان كيف يكون؟ وقال ابن مسعود: \"أوتي نبيكم علم كل شيء إلا علم مفاتيح الغيب\" (3) .\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) أخرجه البخاري في الاستسقاء، باب لا يدري متى يجيء المطر إلا الله: 2 / 524، وفي التوحيد وفي التفسير. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 4 / 422.\r(3) أخرجه أحمد وأبو يعلى، ورجالهما رجال الصحيح، مجمع الزوائد: 8 / 263. وانظر: فتح الباري: 1 / 124 و 8 / 291، عالم الغيب والشهادة تأليف عثمان جمعة ضميرية ص (80-81).","part":3,"page":150},{"id":930,"text":"{ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } قال مجاهد: البر: المفاوز والقفار، والبحر: القرى والأمصار، لا يحدث فيهما شيء إلا يعلمه، وقيل: هو البر والبحر المعروف، { وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا } يريد ساقطة وثابتة، يعني: يعلم عدد ما يسقط من ورق الشجر وما يبقى عليه، وقيل: يعلم كم انقلبت (1) ظهرا لبطن إلى أن سقطت (2) على الأرض، { وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ } قيل: هو الحب المعروف في بطون الأرض، وقيل: هو تحت الصخرة في أسفل الأرضين، { وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: الرطب الماء، واليابس البادية، وقال عطاء: يريد ما ينبت وما لا ينبت، وقيل: ولا حي ولا ميت، وقيل: هو عبارة عن كل شيء، { إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } يعني أن الكل مكتوب في اللوح المحفوظ.\rقوله تعالى: { وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ } أي: يقبض أرواحكم إذا نمتم بالليل، { وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ } كسبتم، { بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ } أي: يوقظكم في النهار، { لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى } يعني: أجل الحياة إلى الممات، يريد استيفاء العمر على التمام، { ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ } في الآخرة، { ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ } يخبركم، { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }\r{ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62) قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) }\rقوله عز وجل: { وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً } يعني: الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم، وهو جمع حافظ، نظيره \"وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين\"(الانفطار، 11)، { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ } قرأ حمزة(توفيه) و(استهويه) بالياء وأمالهما، { رُسُلُنَا } يعني:\r__________\r(1) في \"أ\": (انقلب).\r(2) في \"ب\": (سقط).","part":3,"page":151},{"id":931,"text":"أعوان ملك الموت يقبضونه فيدفعونه إلى ملك الموت فيقبض روحه، كما قال:(قل يتوفاكم ملك الموت)، وقيل الأعوان يتوفونه بأمر ملك الموت، فكأن ملك الموت توفاه لأنهم يصدرون عن أمره، وقيل: أراد بالرسل ملك الموت وحده، فذكر الواحد بلفظ الجمع، وجاء في الأخبار: أن الله تعالى جعل الدنيا بين يدي ملك الموت كالمائدة الصغيرة فيقبض من هاهنا ومن هاهنا فإذا كثرت الأرواح يدعو الأرواح فتجيب له، { وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ } لا يقصرون.\r{ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ } يعني: الملائكة، وقيل: يعني العباد يردون بالموت إلى الله مولاهم الحق، فإن قيل الآية في المؤمنين والكفار جميعا وقد قال في آية أخرى: \"وأن الكافرين لا مولى لهم\"(محمد، 11)، فكيف وجه الجمع؟ فقيل: المولى في تلك الآية بمعنى الناصر ولا ناصر للكفار، والمولى هاهنا بمعنى الملك الذي يتولى أمورهم، والله عز وجل مالك الكل ومتولي الأمور، وقيل: أراد هنا المؤمنين خاصة يردون إلى مولاهم، والكفار فيه تبع، { أَلا لَهُ الْحُكْمُ } أي: القضاء دون خلقه، { وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ } أي: إذا حاسب فحسابه سريع لأنه لا يحتاج إلى فكرة ورؤية وعقد يد.\rقوله عز وجل: { قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ } قرأ يعقوب بالتخفيف، وقرأ العامة بالتشديد، { مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } أي: من شدائدهما وأهوالهما، كانوا إذا سافروا في البر والبحر فضلُّوا الطريق وخافوا الهلاك، دعوا الله مخلصين له الدين فينجيهم، فذلك قوله تعالى: { تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } أي: علانية وسرا، قرأ أبو بكر عن عاصم \" وخفية \" بكسر الخاء هاهنا وفي الأعراف، وقرأ الآخرون بضمها وهما لغتان، { لَئِنْ أَنْجَانَا } أي: يقولون لئن أنجيتنا، وقرأ أهل الكوفة: لئن أنجانا الله، { مِنْ هَذِهِ } يعني: من هذه الظلمات، { لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ } والشكر: هو معرفة النعمة مع القيام بحقها.\r{ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) }\r{ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا } قرأ أهل الكوفة وأبو جعفر \" ينجيكم \" بالتشديد، مثل قوله تعالى:","part":3,"page":152},{"id":932,"text":"\"قل من ينجيكم\" وقرأ الآخرون هذا بالتخفيف، { وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ } والكرب غاية الغم الذي يأخذ بالنفس، { ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ } يريد أنهم يقرون أن الذي يدعونه عند الشدة هو الذي ينجيهم ثم تشركون معه الأصنام التي قد علموا أنها لا تضر ولا تنفع.\rقوله عز وجل: { قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ } قال الحسن وقتادة: نزلت الآية في أهل الإيمان، وقال قوم نزلت في المشركين.\rقوله { عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ } يعني: الصيحة والحجارة والريح والطوفان، كما فعل بعاد وثمود وقوم شعيب وقوم لوط وقوم نوح، { أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } يعني: الرجفة والخسف كما فعل بقوم شعيب وقارون.\rوعن ابن عباس ومجاهد: { عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ } السلاطين الظلمة، ومن تحت أرجلكم العبيد السوء، وقال الضحاك: { مِنْ فَوْقِكُمْ } من قبل كباركم { أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } أي من أسفل منكم، { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا } أي: يخلطكم فرقا ويبث فيكم الأهواء المختلفة، { وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } يعني: السيوف المختلفة، يقتل بعضكم بعضا.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو النعمان أنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن جابر قال: لما نزلت هذه الآية { قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"أعوذ بوجهك\"، قال: { أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } قال: \"أعوذ بوجهك\"، قال: { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"هذا أهون أو هذا أيسر\" (1) .\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أنا أبو جعفر محمد بن علي دحيم الشيباني أخبرنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة أنا يعلى بن عبيد الطنافسي أنا عثمان بن حكيم عن عامر بن سعد بن وقاص عن أبيه، قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مررنا على مسجد بني معاوية فدخل فصلى ركعتين وصلينا معه فناجى ربه طويلا ثم قال: سألت ربي ثلاثا: سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعنيها\" (2)\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير، سورة الأنعام، باب \"قل هو القادر على أن يبعث عليكم...\" 8 / 291، وفي الاعتصام، وفي التوحيد. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 14 / 217.\r(2) أخرجه مسلم عن عثمان بن حكيم، في الفتن، باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض، برقم(2890): 4 / 2216. والمصنف في شرح السنة: 14 / 214-215.","part":3,"page":153},{"id":933,"text":"أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلوي أنا أبو بكر محمد بن أحمد بن دلوية الدقاق ثنا محمد بن إسماعيل البخاري ثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني أخي عن سليمان بن بلال عن عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري أن عبد الله بن عمر جاءهم ثم قال: \"إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا في مسجد فسأل الله ثلاثا فأعطاه اثنتين ومنعه واحدة، سأله أن لا يسلط على أمته عدوا من غيرهم يظهر عليهم فأعطاه ذلك، وسأله أن لا يهلكهم بالسنين فأعطاه ذلك 119/ب وسأله أن لا يجعل بأس بعضهم على بعض، فمنعه ذلك\" (1) .\rقوله عز وجل: { انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ }\r{ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67) وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68) }\r__________\r(1) أخرجه المصنف في شرح السنة: 14 / 214، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وروي عن خباب بن الأرت كذلك. قلت: أما حديث خباب فقد أخرجه الترمذي في الفتن، باب سؤال النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا في أمته: 6 / 397-398، وقال: هذا حديث حسن صحيح.","part":3,"page":154},{"id":934,"text":"{ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) }\r{ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ } أي: بالقرآن، وقيل: بالعذاب، { وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } برقيب، وقيل: بمسلط ألزمكم الإسلام شئتم أو أبيتم، إنما أنا رسول.\r{ لِكُلِّ نَبَإٍ } خبر من أخبار القرون، { مُسْتَقَرٌّ } حقيقة ومنتهى ينتهي إليه فيتبين صدقه من كذبه وحقه من باطله، إما في الدنيا وإما في الآخرة، { وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } وقال مقاتل: لكل خبر يخبره الله وقت [وقته] (1) ومكان يقع فيه من غير خلف ولا تأخير، وقال الكلبي: [لكل] (2) قول وفعل حقيقة، إما في الدنيا وإما في الآخرة وسوف تعلمون ما كان في الدنيا فستعرفونه وما كان في الآخرة فسوف يبدو لكم.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) ساقط من \"أ\".","part":3,"page":154},{"id":935,"text":"قوله عز وجل: { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا } يعني: في القرآن بالاستهزاء { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } فاتركهم [ولا تجالسهم] (1) { حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ } قرأ ابن عامر بفتح النون وتشديد السين وقرأ الآخرون بسكون النون وتخفيف السين، { الشَّيْطَانُ } نهينا، { فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } يعني: إذا جلست معهم ناسيا فقهم من عندهم بعدما تذكرت.\r{ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ } روي عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت هذه الآية: { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } قال المسلمون: كيف نقعد في المسجد الحرام ونطوف بالبيت وهم يخوضون أبدا؟ وفي رواية قال المسلمون: فإنا نخاف الإثم حين نتركهم ولا ننهاهم، فأنزل الله عز وجل: { وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ } الخوض، { مِنْ حِسَابِهِمْ } أي: من آثام الخائضين { مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى } أي: ذكروهم وعظوهم بالقرآن، والذكر والذكرى واحد، يريد ذكروهم ذكري، فتكون في محل النصب، { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } الخوض إذا وعظتموهم فرخص في مجالستهم على الوعظ لعله يمنعهم من ذلك الخوض، وقيل: لعلهم يستحيون.\r{ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70) قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71) }\rقوله عز وجل: { وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا } يعني: الكفار الذين إذا سمعوا آيات الله استهزءوا بها وتلاعبوا عند ذكرها، وقيل: إن الله تعالى جعل لكل قوم عيدا فاتخذ كل قوم دينهم -أي: عيدهم -لعبا ولهوا، وعيد المسلمين الصلاة والتكبير وفعل الخير مثل الجمعة والفطر والنحر، { وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ } أي: وعظ بالقرآن، { أَنْ تُبْسَلَ } أي: لأن لا تبسل، أي: لا\r__________\r(1) في \"أ\": (ولا تجادلهم).","part":3,"page":155},{"id":936,"text":"تسلم، { نَفْسٌ } للهلاك، { بِمَا كَسَبَتْ } قاله مجاهد وعكرمة والسدي، وقال ابن عباس: تهلك، وقال قتادة: أن تحبس، وقال الضحاك: تحرق، وقال ابن زيد: تؤخذ، ومعناه: ذكِّرهم ليؤمنوا، كيلا تهلك نفس بما كسبت، قال الأخفش: تبسل تجازى، وقيل: تفضح، وقال الفراء: ترتهن، وأصل الإبسال التحريم، والبسل الحرام، ثم جعل نعتا لكل شدة تتقى وتترك، { لَيْسَ لَهَا } أي لتلك النفس، { مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ } قريب، { وَلا شَفِيعٌ } يشفع في الآخرة، { وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ } أي: تفد كل فداء، { لا يُؤْخَذْ مِنْهَا } { أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا } أسلموا للهلاك، { بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ }\r{ قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا } إن عبدناه، { وَلا يَضُرُّنَا } إن تركناه، يعني: الأصنام ليس إليها نفع ولا ضر، { وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا } إلى الشرك [مرتدين] (1) { بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأرْضِ } ، أي: يكون مثلنا كمثل الذي استهوته الشياطين، أي: أضلته، { حَيْرَانَ } قال ابن عباس: كالذي استهوته الغيلان في +المهامة فأضلوه فهو حائر بائر، والحيران: المتردد في الأمر، لا يهتدي إلى مخرج منه، { لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا } هذا مثل ضربه الله تعالى لمن يدعو إلى الآلهة ولمن يدعو إلى الله تعالى، كمثل رجل في رفقة ضل به الغول عن الطريق يدعوه أصحابه من أهل الرفقة هلم إلى الطريق، ويدعوه الغول [هلم] (2) فيبقى حيران لا يدري أين يذهب، فإن أجاب الغول انطلق به حتى يلقيه إلى الهلكة، وإن أجاب من يدعوه إلى الطريق اهتدى (3) .\r{ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى } يزجر عن عبادة الأصنام، كأنه يقول: لا تفعل ذلك فإن الهدى هدى الله، لا هدى غيره، { وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ } أي: أن نسلم، { لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } والعرب تقول: أمرتك لتفعل وأن تفعل وبأن تفعل.\r{ وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73) }\r{ وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ } أي: وأمرنا بإقامة الصلاة والتقوى، { وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ }\r__________\r(1) في \"ب\": (متردين).\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) انظر: تفسير الطبري: 11 / 452.","part":3,"page":156},{"id":937,"text":"أي: تجمعون في الموقف للحساب.\r{ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ } قيل: الباء بمعنى اللام، أي: إظهارا للحق لأنه جعل صنعه دليلا على وحدانيته، { وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ } قيل: هو راجع إلى السموات والأرض والخلق، بمعنى: القضاء والتقدير، أي كل شيء قضاه وقدره قال له: كن، فيكون.\rوقيل: يرجع إلى القيامة، يدل على سرعة أمر البعث والساعة، كأنه قال: ويوم يقول للخلق: موتوا فيمومون، وقوموا فيقومون، { قَوْلُهُ الْحَقُّ } أي: الصدق الواقع لا محالة، يريد أن ما وعده حق كائن، { وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ } يعني: ملك الملوك يومئذ زائل، كقوله: \"مالك يوم الدين\"، وكما قال: \"والأمر يومئذ لله\"، والأمر له في كل وقت، ولكن لا أمر في ذلك اليوم لأحد مع أمر الله، والصور: قرن ينفخ فيه، قال مجاهد: كهيئة البوق، وقيل: هو بلغة أهل اليمن، وقال أبو عبيدة: الصور هو الصور وهو جمع الصورة، وهو قول الحسن: والأول أصح.\rوالدليل عليه ما أخبرنا محمد بن عبد الله [بن أبي توبة أنا أبو طاهر المحاربي أنا محمد بن يعقوب الكسائي أنا أبو عبد الله] (1) بن محمود أنا إبراهيم بن عبد الله الخلال أنا عبد الله بن المبارك عن سليمان التيمي عن أسلم عن بشر بن شغاف عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما الصور؟ قال: \"قرن ينفخ فيه\" (2) .\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الصفار أنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي أنا أبو حذيفة أنا سفيان عن الأعمش عن عطية بن سعد العوفي عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"كيف أنعم وصاحب الصور قد التقمه، وأصغى سمعه وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر\"؟ فقالوا: يا رسول الله وما تأمرنا؟ قال: \"قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل\" (3) .\rوقال أبو العلاء عن عطية: متى يؤمر بالنفخ فينفخ.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) أخرجه الترمذي في القيامة، باب ما جاء في الصور: 7 / 117، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وقد رواه غير واحد عن سليمان التيمي، ولا نعرفه إلا من حديثه، وأخرجه أيضا في التفسير: 9 / 116. وأخرجه الدارمي في الرقاق، باب في نفخ الصور: 2 / 325، وصححه الحاكم: 2 / 506، و4 / 560 ووافقه الذهبي. وابن حبان ص (637) من موارد الظمآن، والإمام أحمد في المسند: 2 / 162، 196.\r(3) حديث صحيح أخرجه الترمذي في صفة القيامة، باب ما جاء في الصور: 7 / 117-118 وقال هذا حديث حسن، وقد روي من غير هذا الوجه عن عطية عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، وأخرجه في تفسير سورة الزمر: 9 / 116، وصححه الحاكم من حديث ابن عباس: 4 / 559، وابن حبان ص(637)، وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 4 / 374 من حديث زيد بن أرقم. قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وأخرجه الطبراني من حديث زيد بن أرقم، وابن مردويه من حديث أبي هريرة، وأحمد والبيهقي من حديث ابن عباس... وفي أسانيد كل منها مقال\". وأخرجه المصنف في شرح السنة:\" 15 / 103 وقال: هذا حديث حسن.","part":3,"page":157},{"id":938,"text":"{ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ } يعلم ما غاب عن العباد وما يشاهدونه، لا يغيب عن علمه شيء، { وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ }","part":3,"page":158},{"id":939,"text":"{ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76) }\rقوله عز وجل: { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ } قرأ يعقوب \" آزر \" بالرفع، يعني: \" آزر \" والقراءة المعروفة بالنصب، وهو اسم أعجمي لا ينصرف فينتصب في موضع الخفض.\rقال محمد بن إسحاق والضحاك والكلبي: آزر اسم أبي إبراهيم وهو تارخ أيضا مثل إسرائيل ويعقوب وكان من كوثى (1) قرية من سواد الكوفة، وقال مقاتل بن حيان وغيره: آزر لقب لأبي إبراهيم، واسمه تارخ 120\\أ\rوقال سليمان التيمي: هو سب وعيب، ومعناه في كلامهم المعوج، وقيل: معناه الشيخ الهِمُّ بالفارسية، وقال سعيد بن المسيب ومجاهد: آزر اسم صنم، فعلى هذا يكون في محل النصب تقديره أتتخذ آزر إلها، قوله { أَصْنَامًا آلِهَةً } دون الله، { إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ }\r{ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ } أي: كما أريناه البصيرة في دينه، والحق في خلاف قومه، نريه { مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } والملكوت: الملك، زيدت فيه التاء للمبالغة، كالجبروت والرحموت والرهبوت، قال ابن عباس: يعني خلق السموات والأرض، وقال مجاهد وسعيد بن جبير: يعني آيات السموات والأرض، وذلك أنه أقيم على صخر وكشف له عن السموات والأرض حتى العرش وأسفل الأرضين ونظر إلى مكانه في الجنة، فذلك قوله تعالى: \"وآتيناه أجره في الدنيا\" يعني: أريناه مكانه في الجنة.\rوروي عن سلمان رضي الله عنه، ورفعه بعضهم [عن علي رضي الله عنه] (2) لما أري إبراهيم\r__________\r(1) بالضم ثم السكون ،والتاء مثلثة ،وألف مقصورة ،تكتب بالياء لأنها رابعة الاسم . انظر: معجم البلدان 40 / 487 .\r(2) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":158},{"id":940,"text":"ملكوت السموات والأرض أبصر رجلا على فاحشة فدعا عليه فهلك، ثم أبصر آخر فدعا عليه فهلك، ثم أبصر آخر فأراد أن يدعو عليه فقال له الرب عز وجل: \"يا إبراهيم إنك رجل مستجاب الدعوة، فلا تدعون على عبادي فإنما أنا من عبدي على ثلاث خصال إما أن يتوب فأتوب عليه، وإما أن أخرج منه نسمة تعبدني، وإما أن يبعث إلي فإن شئت عفوت عنه، وإن شئت عاقبته\" وفي رواية: \"وإما أن يتولى فإن جهنم من ورائه\" (1) .\rوقال قتادة: ملكوت السموات: الشمس والقمر والنجوم، وملكوت الأرض الجبال والشجر والبحار. { وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ } عطف على المعنى، ومعناه: نريه ملكوت السموات والأرض، ليستدل به وليكون من الموقنين.\r{ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا } الآية، قال أهل التفسير: ولد إبراهيم عليه السلام في زمن نمرود بن كنعان، وكان نمرود أول من وضع التاج على رأسه ودعا الناس إلى عبادته، وكان له كهان ومنجمون، فقالوا له: إنه يولد في بلدك هذه السنة غلام يغيّر دين أهل الأرض ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه، يقال: إنهم وجدوا ذلك في كتب الأنبياء عليهم السلام.\rوقال السدي: رأى نمرود في منامه كأن كوكبا طلع فذهب بضوء الشمس والقمر حتى لم يبق لهما ضوء، ففزع من ذلك فزعا شديدا، فدعا السحرة والكهنة فسألهم عن ذلك، فقالوا: هو مولود يولد في ناحيتك في هذه السنة، فيكون هلاكك وهلاك ملكك وأهل بيتك على يديه، قالوا: فأمر بذبح كل غلام يولد في ناحيته في تلك السنة، وأمر بعزل الرجال عن النساء، وجعل على كل عشرة رجال رجلا فإذا حاضت المرأة خلى بينها وبين زوجها، لأنهم كانوا لا يجامعون في الحيض، فإذا طهرت حال بينهما، فرجع آزر فوجد امرأته قد طهرت من الحيض فواقعها، فحملت بإبراهيم عليه السلام (2) .\rوقال محمد بن إسحاق: بعث نمرود إلى كل امرأة حبلى بقرية، فحبسها عنده إلا ما كان من أم إبراهيم عليه السلام، فإنه لم يعلم بحبلها لأنها كانت جارية حديثة السن، لم يعرف الحبل في بطنها.\rوقال السدي: خرج نمرود بالرجال إلى معسكر ونحاهم عن النساء تخوفا من ذلك المولود أن\r__________\r(1) قال السيوطي في الدر المنثور: 3 / 302 \"أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب. وشهر: صدوق كثير الأوهام.\r(2) انظر: الدر المنثور: 3 / 304. ونذكر هنا مرة أخرى: أن هذه التفصيلات التي ساقها المصنف رحمه الله لم يرد فيها نص صحيح يجب المصير إليه، ولا يتوقف فهم الآيات على هذه الروايات والأخبار.","part":3,"page":159},{"id":941,"text":"يكون، فمكث بذلك ما شاء الله ثم بدت له حاجة إلى المدينة، فلم يأتمن عليها أحدا من قومه إلا آزر، فبعث إليه ودعاه وقال له: إن لي حاجة أحببت أن أوصيك بها ولا أبعثك إلا لثقتي بك، فأقسمت عليك أن لا تدنو من أهلك، فقال آزر: أنا أشح على ديني من ذلك، فأوصاه بحاجته، فدخل المدينة وقضى حاجته، ثم قال: لو دخلت على أهلي فنظرت إليهم فلما نظر إلى أم إبراهيم عليه السلام لم يتمالك حتى واقعها، فحملت بإبراهيم عليه السلام.\rوقال ابن عباس رضي الله عنهما: لما حملت أم إبراهيم قال الكهان لنمرود: إن الغلام الذي أخبرناك به قد حملته أمه الليلة، فأمر نمرود بذبح الغلمان، فلما دنت ولادة أم إبراهيم عليه السلام وأخذها المخاض خرجت هاربة مخافة أن يطلع عليها فيقتل ولدها، فوضعته في نهر يابس ثم لفته في خرقة ووضعته في حلفاء، فرجعت فأخبرت زوجها بأنها ولدت، وأن الولد في موضع كذا وكذا فانطلق أبوه فأخذه من ذلك المكان وحفر له سربا عند نهر، فواراه فيه وسد عليه بابه بصخرة مخافة السباع، وكانت أمه تختلف إليه فترضعه.\rوقال محمد بن إسحاق: لما وجدت أم إبراهيم الطلق خرجت ليلا إلى مغارة كانت قريبة منها فولدت فيها إبراهيم عليه السلام وأصلحت من شأنه ما يصنع بالمولود، ثم سدت عليه المغارة ورجعت إلى بيتها ثم كانت تطالعه لتنظر ما فعل فتجده حيا يمص إبهامه.\rقال أبو روق: وقالت أم إبراهيم ذات يوم لأنظرن إلى أصابعه، فوجدته يمص من أصبع ماء، ومن أصبع لبنا، ومن أصبع عسلا ومن أصبع تمرا، ومن أصبع سمنا.\rوقال محمد بن إسحاق: كان آزر قد سأل أم إبراهيم عن حملها ما فعل؟ فقالت: ولدت غلاما فمات، فصدقها فسكت عنها، وكان اليوم على إبراهيم في الشباب كالشهر والشهر كالسنة فلم يمكث إبراهيم في المغارة إلا خمسة عشر شهرا حتى قال لأمه أخرجيني فأخرجته عشاء فنظر وتفكر في خلق السموات والأرض، وقال: إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لربي الذي ما لي إله غيره، ثم نظر إلى السماء فرأى كوكبا فقال: هذا ربي، ثم أتبعه بصره لينظر إليه حتى غاب، فلما أفل، قال: لا أحب الآفلين، ثم رأى القمر بازغا قال هذا ربي وأتبعه ببصره حتى غاب، ثم طلعت الشمس هكذا إلى آخره، ثم رجع إلى أبيه آزر وقد استقامت وجهته وعرف ربه وبرئ من دين قومه إلا أنه لم ينادهم بذلك، فأخبره أنه ابنه وأخبرته أم إبراهيم أنه ابنه، وأخبرته بما كانت صنعت في شأنه فسرَّ آزر بذلك وفرح فرحا شديدا.","part":3,"page":160},{"id":942,"text":"وقيل: إنه كان في السرب سبع سنين، وقيل: ثلاثة عشرة سنة، وقيل: سبعة عشرة سنة، قالوا: فلما شب إبراهيم عليه السلام، وهو في السرب قال لأمه: من ربي؟ قالت: أنا، قال: فمن ربك؟ قالت: أبوك، قال: فمن رب أبي؟ قالت: نمرود، قال: فمن ربه؟ قالت له: اسكت فسكت، ثم رجعت إلى زوجها، فقالت: أرأيت الغلام الذي كنا نحدث أنه يغيّر دين أهل الأرض فإنه ابنك، ثم أخبرته بما قال، فأتاه أبوه آزر، فقال له إبراهيم عليه السلام: يا أبتاه من ربي؟ قال: أمك، قال: ومن رب أمي؟ قال: أنا قال: ومن ربك؟ قال: نمرود قال: فمن رب نمرود؟ فلطمه لطمة وقال له: اسكت فلما جن عليه الليل دنا من باب السرب فنظر من خلال الصخرة فأبصر كوكبا، قال: هذا ربي.\rويقال: إنه قال لأبويه أخرجاني فأخرجاه من السرب وانطلقا به حين غابت الشمس، فنظر إبراهيم إلى الإبل والخيل والغنم، فسأل أباه ما هذه؟ فقال: إبل 120/ب وخيل وغنم، فقال: ما لهذه بدّ من أن يكون لها رب وخالق، ثم نظر فإذا المشتري قد طلع، ويقال: الزهرة، وكانت تلك الليلة في آخر الشهر فتأخر طلوع القمر فيها، فرأى الكوكب قبل القمر، فذلك قوله عز وجل: { فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ } أي: دخل، يقال: جن الليل وأجن الليل، وجنه الليل، وأجن عليه الليل يجن جنونا وجنانا إذا أظلم وغطى كل شيء، وجنون الليل سواده، { رَأَى كَوْكَبًا } قرأ أبو عمرو(رأى) بفتح الراء وكسر الألف، وبكسرهما ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر، فإن اتصل بكاف أو هاء فتحهما ابن عامر، وإن لقيها ساكن كسر الراء وفتح الهمزة حمزة وأبو بكر، وفتحهما الآخرون. { قَالَ هَذَا رَبِّي }\rواختلفوا في قوله ذلك: فأجراه بعضهم على الظاهر، وقالوا: كان إبراهيم عليه السلام مسترشدا طالبا للتوحيد حتى وفقه الله تعالى وآتاه رشده فلم يضره ذلك في حال الاستدلال، وأيضا كان ذلك في حال طفوليته قبل قيام الحجة عليه، فلم يكن كفرا (1) .\rوأنكر الآخرون هذا القول، وقالوا: لا يجوز أن يكون لله رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله موحد وبه عارف، ومن كل معبود سواه بريء وكيف يتوهم هذا على من عصمه الله وطهّره وآتاه رشده من قبل وأخبر عنه فقال: \"إذ جاء ربه بقلب سليم\"(الصافات، 84) وقال: \"وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض\"، أفتراه أراه الملكوت ليوقن فلما أيقن رأى كوكبا قال: هذا ربي معتقدا؟ فهذا ما لا يكون أبدا.\rثم قالوا: فيه أربعة أوجه من التأويل:\rأحدها: أن إبراهيم عليه السلام أراد أن يستدرج القوم بهذا القول ويعرفهم خطأهم وجهلهم\r__________\r(1) رجح هذا القول الطبري. وهو غير صحيح، فالراجح هو أن إبراهيم عليه السلام كان مناظرا لقومه في هذا. انظر: ابن كثير 2 / 152.","part":3,"page":161},{"id":943,"text":"في تعظيم ما عظموه، وكانوا يعظمون النجوم ويعبدونها، ويرون أن الأمور كلها إليها فأراهم أنه معظم ما عظموه وملتمس الهدى من حيث ما التمسوه، فلما أفل أراهم النقص الداخل على النجوم ليثبت خطأ ما يدّعون، ومثل هذا مثل الحواري الذي ورد على قوم يعبدون الصنم، فأظهر تعظيمه فأكرموه حتى صدروا في كثير من الأمور عن رأيه إلى أن دهمهم عدو فشاوروه في أمره، فقال: الرأي أن ندعو هذا الصنم حتى يكشف عنا ما قد أظلنا، فاجتمعوا حوله يتضرعون فلما تبين لهم أنه لا ينفع ولا يدفع دعاهم إلى أن يدعوا الله فدعوه فصرف عنهم ما كانوا يحذرون، فأسلموا.\rوالوجه الثاني من التأويل: أنه قاله على وجه الاستفهام تقديره: أهذا ربي؟ كقوله تعالى:(أفإن مت فهم الخالدون)(الأنبياء، 34)؟ أي: أفهم الخالدون؟ وذكره على وجه التوبيخ منكرا لفعلهم، يعني: ومثل هذا يكون ربا، أي: ليس هذا ربي.\rوالوجه الثالث: أنه على وجه الاحتجاج عليهم، يقول: هذا ربي بزعمكم؟ فلما غاب قال: لو كان إلها لما غاب، كما قال: [ذق إنك أنت العزيز الكريم](الدخان، 49)، أي: عند نفسك وبزعمك، وكما أخبر عن موسى أنه قال:] (1) (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه)(طه 97) يريد إلهك بزعمك.\rوالوجه الرابع: فيه إضمار وتقديره يقولون هذا ربي، كقوله(وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا)،(البقرة، 127) أي: يقولون ربنا تقبل منا. { فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ } وما لا يدوم.\r{ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) }\r{ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا } طالعا، { قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي } قيل: لئن لم يثبتني على الهدى، ليس أنه لم يكن مهتديا، والأنبياء لم يزالوا يسألون الله تعالى الثبات على\r__________\r(1) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".","part":3,"page":162},{"id":944,"text":"الإيمان، وكان إبراهيم يقول: { وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ }(إبراهيم، 35)، { لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ } أي: عن الهدى.\r{ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ } أي: أكبر من الكوكب والقمر، ولم يقل هذه مع أن الشمس مؤنثة لأنه أراد هذا الطالع، أو ردّه إلى المعنى، وهو الضياء والنور، لأنه رآه أضوأ من النجوم والقمر، { فَلَمَّا أَفَلَتْ } غربت، { قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ }\r{ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) }\rقوله عز وجل: { وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي } ولما رجع إبراهيم عليه السلام إلى أبيه، وصار من الشباب بحالة سقط عنه طمع الذباحين، وضمه آزر إلى نفسه جعل آزر يصنع الأصنام ويعطيها إبراهيم ليبيعها، فيذهب بها [إبراهيم عليه السلام] (1) وينادي من يشتري ما يضره ولا ينفعه، فلا يشتريها أحد، فإذا بارت عليه ذهب بها إلى نهر [فضرب] (2) فيه رءوسها، وقال: اشربي، استهزاء بقومه، وبما هم فيه من الضلالة، حتى فشا استهزاؤه بها في قومه [وأهل] (3) قريته، فحاجّه أي خاصمه وجادله قومه في دينه، { قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ } قرأ أهل المدينة وابن عامر بتخفيف النون، وقرأ الآخرون بتشديدها إدغاما لإحدى النونين في الأخرى، ومن خفف حذف إحدى النونين تخفيفا يقول: أتجادلونني في توحيد الله، وقد هداني للتوحيد والحق؟ { وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ } وذلك أنهم قالوا له: احذر الأصنام فإنا نخاف أن تمسك بسوء من خبل أو جنون لعيبك إياها، فقال لهم: ولا أخاف ما تشركون به، { إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا } وليس هذا باستثناء عن الأول بل هو استثناء منقطع، معناه لكن إن يشأ ربي شيئا أي سوء، فيكون ما شاء، { وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا } أي: أحاط علمه بكل شيء، { أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ }\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) في \"ب\": (فصوّب).\r(3) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":163},{"id":945,"text":"{ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ } يعني الأصنام، وهي لا تبصر ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع، { وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا } حجة وبرهانا، وهو القاهر القادر على كل شيء، { فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ } أولى، { بِالأمْنِ } أنا وأهل ديني أم أنتم؟ { إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ }","part":3,"page":164},{"id":946,"text":"{ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) }\rفقال الله تعالى قاضيا بينهما: { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ } لم يخلطوا إيمانهم بشرك، { أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ }\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا إسحاق ثنا عيسى بن يونس أنا الأعمش أنا إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: لما نزلت:(الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) شق ذلك على المسلمين فقالوا: يا رسول الله فأينا لا يظلم نفسه؟ فقال: ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى ما قال لقمان لابنه وهو يعظه: \"يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم\" (1) ؟(لقمان، 13).\rقوله عز وجل: { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ } حتى خصمهم وغلبهم بالحجة، قال مجاهد: هي قوله: { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ } وقيل: أراد به الحجاج الذي حاج نمرود على ما سبق في سورة البقرة (2) .\r{ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ } بالعلم قرأ أهل الكوفة ويعقوب(درجاتٍ) بالتنوين هاهنا وفي سورة يوسف، أي: نرفع درجات من نشاء بالعلم والفهم والفضيلة والعقل، كما رفعنا درجات إبراهيم حتى اهتدى وحاجّ قومه في التوحيد، { إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ }\r__________\r(1) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى \"ولقد آتينا لقمان الحكمة...\" 6 / 465.\r(2) انظر فيما سبق تفسير الآية (258).","part":3,"page":164},{"id":947,"text":"{ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلا هَدَيْنَا } 121\\أ ووفقنا وأرشدنا. { وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ } أي: من قبل إبراهيم، { وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ } أي ومن ذرية نوح عليه السلام، ولم يرد من ذرية إبراهيم لأنه ذكر في جملتهم يونس ولوطا ولم يكونا من ذرية إبراهيم { دَاوُدَ } يعني: داود بن أيشا، { وَسُلَيْمَانَ } يعني ابنه، { وَأَيُّوبَ } وهو أيوب بن أموص بن رازح بن روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم، { وَيُوسُفَ } هو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام، { وَمُوسَى } وهو موسى بن عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب. { وَهَارُونَ } هو أخو موسى أكبر منه بسنة، { وَكَذَلِكَ } أي: وكما جزينا إبراهيم على توحيده بأن رفعنا درجته ووهبنا له أولادا أنبياء أتقياء كذلك، { نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } على إحسانهم، وليس ذكرهم على ترتيب أزمانهم.\r{ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89) }\r{ وَزَكَرِيَّا } وهو زكريا بن اذن، { وَيَحْيَى } وهو ابنه، { وَعِيسَى } وهو ابن مريم بنت عمران، { وَإِلْيَاسَ } اختلفوا فيه، قال ابن مسعود: هو إدريس، وله اسمان مثل يعقوب وإسرائيل، والصحيح أنه غيره، لأن الله تعالى ذكره في ولد نوح، وإدريس جد أبي نوح وهو إلياس ياسين بن فنحاص بن عيزار بن هارون بن عمران { كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ }\r{ وَإِسْمَاعِيلَ } وهو ولد إبراهيم، { وَالْيَسَعَ } وهو ابن أخطوب بن العجوز، وقرأ حمزة والكسائي \" واليسع \" بتشديد اللام وسكون الياء هنا وفي ص { وَيُونُسَ } وهو يونس بن متى، { وَلُوطًا } وهو لوط بن هاران بن أخي إبراهيم، { وَكُلا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ } أي: عالمي زمانهم.\r{ وَمِنْ آبَائِهِمْ } من فيه للتبعيض، لأن آباء بعضهم كانوا مشركين، { وَذُرِّيَّاتِهِمْ } أي: ومن ذرياتهم. وأراد به ذرية بعضهم: لأن عيسى ويحيى لم يكن لهما ولد، وكان في ذرية بعضهم من كان","part":3,"page":165},{"id":948,"text":"كافرا، { وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ } اخترناهم واصطفيناهم، { وَهَدَيْنَاهُمْ } أرشدناهم، { إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }\r{ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ } دين الله، { يَهْدِي بِهِ } يرشد به، { مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا } أي: هؤلاء الذين سميناهم، { لَحَبِطَ } لبطل وذهب، { عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }\r{ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ } أي: الكتب المنزلة عليهم، { وَالْحُكْمَ } يعني: العلم والفقه، { وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ } الكفار يعني: أهل مكة، { فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ } يعني: الأنصار وأهل المدينة، قاله ابن عباس ومجاهد، وقال قتادة: فإن يكفر بها هؤلاء الكفار فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين، يعني: الأنبياء الثمانية عشر الذين ذكرهم الله هاهنا، وقال أبو رجاء العطاردي: معناه فإن يكفر بها أهل الأرض فقد وكلنا بها أهل السماء، وهم الملائكة، ليسوا بها بكافرين.\r{ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90) }","part":3,"page":166},{"id":949,"text":"{ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91) }\r{ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ } أي: هداهم الله، { فَبِهُدَاهُمُ } فبسنتهم وسيرتهم، { اقْتَدِهِ } الهاء فيها هاء الوقف، وحذف حمزة والكسائي الهاء في الوصل، والباقون بإثباتها وصلا ووقفا، وقرأ ابن عامر: \" اقتده \" بإشباع الهاء كسرا { قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ } ما هو، { إِلا ذِكْرَى } أي: تذكرة وعظة، { لِلْعَالَمِينَ }\rقوله تعالى: { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } أي ما عظموه حق عظمته، وقيل: ما وصفوه حق صفته، { إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ } قال سعيد بن جبير: جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف يخاصم النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: \"أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أما تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين\" وكان حبرا سمينا فغضب، وقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء (1) .\r__________\r(1) أخرجه الطبري في التفسير: 11 / 521-522، والواحدي في أسباب النزول، ص(253)، والبيهقي في الشعب عن كعب من قوله. ويروى عن مالك بن دينار قال: \"قرأت في الحكمة: إن الله يبغض كل حبر سمين\". وعزاه السيوطي لابن المنذر وابن أبي حاتم، واختصره ابن هشام في السيرة: 1 / 547. قال في المقاصد الحسنة: \"ما علمته في المرفوع، نعم روى أحمد في المسند: 3 / 471، و 4 / 339، والحاكم: 4 / 121-122 وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، والبيهقي بسند جيد عن جعدة الجشمي أنه صلى الله عليه وسلم نظر إلى رجل سمين، فأومأ إلى بطنه، وقال: لو كان هذا في غير هذا لكان خيرا لك\". وعزاه المنذري في الترغيب: 3 / 138 لابن أبي الدنيا والطبراني بإسناد جيد، والحاكم والبيهقي. وانظر أيضا: تمييز الطيب من الخبيث ص(53)، كشف الخفاء: 1 / 289-290، مجمع الزوائد: 5 / 31، الدر المنثور: 3 / 314، سلسلة الضعيفة للألباني: 3 / 265-267.","part":3,"page":166},{"id":950,"text":"وقال السدي: نزلت في فنخاص بن عازوراء، وهو قائل هذه المقالة (1) .\rوفي القصة: أن مالك بن الصيف لما سمعت اليهود منه تلك المقالة عتبوا عليه، وقالوا: أليس أن الله أنزل التوراة على موسى؟ فلِمَ قلت ما أنزل الله على بشر من شيء؟ فقال مالك بن الصيف أغضبني محمد فقلت ذلك، فقالوا له: وأنت إذا غضبت تقول [على الله] (2) غير الحق فنزعوه من الحبرية، وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف.\rوقال ابن عباس رضي الله عنهما: قالت اليهود: يا محمد أنزل الله عليك كتابا؟ قال: نعم، قالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتابا، فأنزل الله: \"وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء\"، فقال الله تعالى: { قُلْ } لهم، { مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ } (3) يعني التوراة، { تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا } أي: تكتبون عنه دفاتر وكتبا مقطعة تبدونها، أي: تبدون ما تحبون وتخفون كثيرا من نعت محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم. قرأ ابن كثير وأبو عمرو \" يجعلونه \" \" ويبدونها \" \" ويخفونها \" ، بالياء جميعا، لقوله تعالى { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } وقرأ الآخرون بالتاء، لقوله تعالى { قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى }\rوقوله { وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا } [الأكثرون على أنها خطاب لليهود، يقول: عُلِّمتم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ما لم تعلموا] (4) { أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ } قال الحسن: جعل لهم علم ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فضيعوه ولم ينتفعوا به.\rوقال مجاهد: هذا خطاب للمسلمين يذكّرهم النعمة فيما علّمهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم.\r{ قُلِ اللَّهُ } هذا راجع إلى قوله { قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى } فإن أجابوك وإلا فقل أنت: الله، أي: قل أنزله الله، { ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ }\r__________\r(1) أخرجه الطبري في التفسير: 11 / 522 وعزاه السيوطي لابن أبي حاتم وأبي الشيخ. الدر المنثور: 3 / 314.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) أخرجه الطبري: 11 / 523.\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":3,"page":167},{"id":951,"text":"{ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (92) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) }\r{ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ } أي: القرآن كتاب مبارك أنزلناه { مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ } يا محمد، قرأ أبو بكر عن عاصم \" ولينذر \" بالياء أي: ولينذر الكتاب، { أُمَّ الْقُرَى } يعني: مكة سميت أم القرى لأن الأرض دحيت من تحتها، فهي أصل الأرض كلها كالأم أصل النسل، وأراد أهل أم القرى { وَمَنْ حَوْلَهَا } أي: أهل الأرض كلها شرقا وغربا { وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ } بالكتاب، { وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ } يعني: الصلواات الخمس، { يُحَافِظُونَ } يداومون، يعني: المؤمنين.\rقوله عز وجل: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى } أي: اختلق { عَلَى اللَّهِ كَذِبًا } فزعم أن الله تعالى بعثه نبيا، { أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ } قال قتادة: نزلت في مسيلمة الكذاب الحنفي، وكان يسجع ويتكهن، فادعى النبوة وزعم أن الله أوحى إليه، وكان قد أرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهما: أتشهدان أن مسيلمة نبي؟ قالا نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما\" (1) .\rأخبرنا حسان بن سعيد المنيعي أنا أبو طاهر الزيادي أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان أنا أحمد بن يوسف السلمي أنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه أنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"بينا أنا نائم إذ أُتِيْتُ خزائن الأرض فوضع في يدي سواران من ذهب، فكبُرا علي وأهمّاني 121/ب فأوحي إلي أن انفخهما، فنفختهما فذهبا، فأولتهما الكذابَيْن اللذين أنا بينهما: صاحب صنعاء وصاحب اليمامة\" (2) أراد بصاحب صنعاء الأسود العنسي وبصاحب اليمامة مسيلمة الكذاب. .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في المغازي، باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة: 8 / 89، وفي التعبير، ومسلم في الرؤيا، باب رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم، برقم (2274): 4 / 1781 عن أبي هريرة وعن ابن عباس. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 12 / 252.\r(2) أخرجه مسلم في الرؤيا: 4 / 1781، وعبد الرزاق: 11 / 99، والطبري: 11 / 535، وأبو داود: 4 / 64، وأحمد: 1 / 390.","part":3,"page":168},{"id":952,"text":"قوله تعالى: { وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ } قيل: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح وكان قد أسلم وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم وكان +إذ أملى عليه: سميعا بصيرا، كتب عليما حكيما، وإذا قال: عليما حكيما، كتب: غفورا رحيما، فلما نزلت: \"ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين\"(المؤمنون، 12) أملاها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فعجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان، فقال: تبارك الله أحسن الخالقين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اكتبها فهكذا نزلت، فشكّ عبد الله، وقال: لئن كان محمد صادقا فقد أوحي إليّ كما أوحي إليه، فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين، ثم رجع عبد الله إلى الإسلام قبل فتح مكة إذ نزل النبي صلى الله عليه وسلم بمر الظهران (1) .\rوقال ابن عباس: قوله { وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ } يريد المستهزئين، وهو جواب لقولهم: { لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا }\rقوله عز وجل: { وَلَوْ تَرَى } يا محمد، { إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ } سكراته وهي جمع غمرة، وغمرة كل شيء: معظمه، وأصلها: الشيء الذي [يعمّ] (2) الأشياء فيغطيها، ثم وُضعت في موضع الشدائد والمكاره، { وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِم } بالعذاب والضرب، يضربون وجوههم وأدبارهم، وقيل بقبض الأرواح، { أَخْرِجُوا } أي: يقولون أخرجوا، { أَنْفُسَكُمُ } أي: أرواحكم كرها، لأن نفس المؤمن تنشط للقاء ربها، والجواب محذوف، يعني: لو تراهم في هذه الحال لرأيت عجبا، { الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ } أي: الهوان، { بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ } تتعظمون عن الإيمان بالقرآن ولا تصدقونه.\r{ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94) }\r{ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى } هذا خبر من الله أنه يقول للكفار يوم القيامة: ولقد جئتمونا فرادى وحدانا، لا مال معكم ولا زوج ولا ولد ولا خدم، وفرادى جمع فردان، مثل سكران وسكارى، وكسلان وكسالى، وقرأ الأعرج فَرْدَى بغير ألف مثل سكرى، { كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } عراة حفاة غرلا\r__________\r(1) انظر: الطبري: 11 / 534، 535، أسباب النزول ص(254)، الدر المنثور: 3 / 317.\r(2) في \"ب\": (يغمر).","part":3,"page":169},{"id":953,"text":"{ وَتَرَكْتُمْ } خلّفتم { مَا خَوَّلْنَاكُمْ } أعطيناكم من الأموال والأولاد والخدم، { وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ } خلف ظهوركم في الدنيا، { وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ } وذلك أن المشركين زعموا أنهم يعبدون الأصنام لأنهم شركاء الله وشفعاؤهم عنده، { لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } قرأ أهل المدينة والكسائي وحفص عن عاصم بنصب النون، أي: لقد تقطع ما بينكم من الوصل، أو تقطع الأمر بينكم. وقرأ الآخرون \"بينُكم\" برفع النون، أي: لقد تقطع [وصلكم] (1) وذلك مثل قوله: \"وتقطعت بهم الأسباب\"(البقرة، 166)، أي: الوصلات، والبين من الأضداد يكون وصلا ويكون هجرا، { وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ }\r__________\r(1) في \"أ\": (وصولكم).","part":3,"page":170},{"id":954,"text":"{ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95) فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) }\rقوله عز وجل: { إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى } الفلق الشق، قال الحسن وقتادة والسدي: معناه يشق الحبة عن السنبلة والنواة عن النخلة فيخرجها منها، والحب جمع الحبة، وهي اسم لجميع البذور والحبوب من البر والشعير والذرة، وكل ما لم يكن له نوى، [وقال الزجاج: يشق الحبة اليابسة والنواة اليابسة فيخرج منها أوراقا خضرا.\rوقال مجاهد: يعني الشقين اللذين فيهما، أي: يشق الحب عن النبات ويخرجه منه ويشق النوى عن النخل ويخرجها منه] (1) .\rوالنوى جمع النواة، وهي كل ما لم يكن حبا، كالتمر والمشمش والخوخ ونحوها.\rوقال الضحاك: فالق الحب والنوى يعني: خالق الحب والنوى، { يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ } تصرفون عن الحق.\r{ فَالِقُ الإصْبَاحِ } شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل وكاشفه [وهو أول ما يبدو من النهار\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":170},{"id":955,"text":"يريد مبدئ الصبح وموضحه] (1) .\rوقال الضحاك: خالق النهار، والإصباح مصدر كالإقبال والإدبار، وهو الإضاءة وأراد به الصبح. { وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا } يسكن فيه خلقه، وقرأ أهل الكوفة: \" وجعل \" على الماضي، \" الليل \" نصب اتباعا للمصحف، وقرأ إبراهيم النخعي { فَالِقُ الإصْبَاحِ } { وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا } أي: جعل الشمس والقمر بحساب معلوم لا يجاوزانه حتى ينتهيا إلى أقصى منازلهما، والحسبان مصدر كالحساب، { ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ }\rقوله عز وجل: { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ } أي خلقها لكم، { لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ }\rوالله تعالى خلق النجوم لفوائد:\rأحدها هذا: وهو أن [راكب البحر] (2) والسائر في القفار يهتدي بها في الليالي إلى مقاصده.\rوالثاني: أنها زينة للسماء كما قال: \"ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح\"(الملك، 5).\rومنها: رمي الشياطين، كما قال: \"وجعلناها رجوما للشياطين\"،(الملك، 5).\r{ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }\r{ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ } خلقكم وابتدأكم، { مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ } يعني: آدم عليه السلام، { فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ } قرأ ابن كثير وأهل البصرة \" فمستقر \" بكسر القاف، يعني: فمنكم مستقر ومنكم مستودع، وقرأ الآخرون بفتح القاف، أي: فلكم مستقر ومستودع.\rواختلفوا في المستقر والمستودع، قال عبد الله بن مسعود: فمستقر في الرحم إلى أن يولد، ومستودع في القبر إلى أن يبعث.\rوقال سعيد بن جبير وعطاء: فمستقر في أرحام الأمهات ومستودع في أصلاب الآباء، وهو رواية عكرمة عن ابن عباس قال سعيد بن جبير: قال لي ابن عباس هل تزوجت قلت: لا قال: إنه ما كان من مستودع في ظهرك فيستخرجه الله عز وجل.\rورُوي عن أُبيّ أنه قال: مستقر في أصلاب الآباء، ومستودع في أرحام الأمهات.\rوقيل: مستقر في الرحم ومستودع فوق الأرض، قال الله تعالى: \"ونقر في الأرحام ما نشاء\"(الحج، 5).\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) في \"ب\": (الراكب في البحر).","part":3,"page":171},{"id":956,"text":"وقال مجاهد: مستقر على ظهر الأرض في الدنيا ومستودع عند الله في الآخرة، ويدل عليه قوله تعالى: \"ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين\"(البقرة، 36).\rوقال الحسن: المستقر في القبور والمستودع في الدنيا، وكان يقول: يا ابن آدم أنت وديعة في أهلك ويوشك أن تلحق بصاحبك.\rوقيل: المستودع القبر والمستقر الجنة والنار، لقوله عز وجل في صفة الجنة والنار: \"حسنت مستقرا\"(الفرقان، 76) \"وساءت مستقرا\"(الفرقان، 66)، { قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ }\r{ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99) }\r{ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ } أي: بالماء، { نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ } أي من الماء، وقيل: من النبات، { خَضِرًا } يعني: أخضر، مثل العَوَر والأعور، يعني: ما كان رطبا أخضر مما ينبت من القمح والشعير ونحوهما، { نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا } أي متراكما بعضه على بعض 122\\أ مثل سنابل البر والشعير والأرز وسائر الحبوب، { وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا } والطلع أول ما يخرج من ثمر النخل، { قِنْوَانٌ } جمع قنو وهو العِذق، مثل صنو وصنوان، ولا نظير لهما في الكلام، { دَانِيَةٌ } أي: قريبة المتناول ينالها القائم والقاعد، وقال مجاهد: متدلية، وقال الضحاك: قصار ملتزقة بالأرض، وفيه اختصار معناه: ومن النخل ما قنوانها دانية ومنها ما هي بعيدة، فاكتفى بذكر القريبة عن البعيدة لسبقه إلى الأفهام، كقوله تعالى: \"سرابيل تقيكم الحر\"(النمل، 81) يعني: الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما { وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ } أي: وأخرجنا منه جنات، وقرأ الأعمش عن عاصم \" وجنات \" بالرفع نسقا على قوله \" قنوان \" وعامة القراء على خلافه، { وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ } يعني: وشجر الزيتون [وشجر] (1) الرمان، { مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ } قال قتادة: معناه مشتبها ورقها مختلفا ثمرها، لأن ورق الزيتون يشبه ورق الرمان، وقيل: مشتبه في المنظر مختلف في الطعم، { انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ } قرأ حمزة والكسائى بضم الثاء والميم، هذا وما بعده وفي \"يس\" على جمع\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":172},{"id":957,"text":"الثمار، وقرأ الآخرون [بفتحهما] (1) على جمع الثمرة، مثل: بقرة وبقر، { إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ } ونضجه وإدراكه، { إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }\r{ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) }\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":173},{"id":958,"text":"{ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) }\rقوله عز وجل: { وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ } يعني: الكافرين جعلوا لله الجن شركاء، { وَخَلَقَهُمْ } يعني: وهو خلق الجن.\rقال الكلبي: نزلت في الزنادقة، أثبتوا الشركة لإبليس في الخلق، فقالوا: [الله خالق] (1) النور والناس والدواب والأنعام، وإبليس خالق الظلمة والسباع والحيات والعقارب، وهذا كقوله: \"وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا\"،(الصافات، 158) وإبليس من الجنة، { وَخَرَقُوا } قرأ أهل المدينة \"وخرَّقوا\"، بتشديد الراء على التكثير، وقرأ الآخرون بالتخفيف، أي: اختلقوا { لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ } وذلك مثل قول اليهود عزير ابن الله، وقول النصارى المسيح ابن الله، وقول كفار العرب الملائكة بنات الله، ثم نزه نفسه فقال: { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ }\r{ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } أي: مبدعهما لا على مثال سبق، { أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ } أي: كيف يكون له ولد؟ { وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ } زوجة، { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }\r{ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ } فأطيعوه، { وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } بالحفظ له وبالتدبير فيه، { لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ } الآية، يتمسك أهل الاعتزال بظاهر هذه الآية في نفي رؤية الله عز وجل عيانا.\rومذهب أهل السنة: إثبات رؤية الله عز وجل عيانا جاء به القرآن والسنة، قال الله تعالى: \"وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة\"،(القيامة، 23)، وقال: \"كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون\"\r__________\r(1) في \"ب\": (خَلَق اللهُ).","part":3,"page":173},{"id":959,"text":"(المطففين، 15)، قال مالك رضي الله عنه: لو لم ير المؤمنون ربهم يوم القيامة لم يعيّر الله الكفار بالحجاب، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم: \"للذين أحسنوا الحسنى وزيادة\"(يونس، 26)، وفسره بالنظر إلى وجه الله عز وجل (1) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا يوسف بن موسى ثنا عاصم بن يوسف اليربوعي أنا أبو شهاب عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"إنكم سترون ربكم عيانا\" (2) .\r{ لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104) وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105) }\rوأما قوله: { لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ } علم أن الإدراك غير الرؤية لأن الإدراك هو: الوقوف على كُنهِ الشيء والإحاطة به، والرؤية: المعاينة، وقد تكون الرؤية بلا إدراك، قال الله تعالى في قصة موسى \"فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال: كلا\"(سورة الشعراء، 61)، وقال \"لا تخاف دركا ولا تخشى\"(سورة طه، 77)، فنفى الإدراك مع إثبات الرؤية، فالله عز وجل يجوز أن يُرى من غير إدراك وإحاطة كما يعرف في الدنيا ولا يحاط به، قال الله تعالى:(ولا يحيطون به علما)،(سورة طه، 110)، فنفى الإحاطة مع ثبوت العلم، قال سعيد بن المسيب: لا تحيط به الأبصار، وقال عطاء: كلت أبصار المخلوقبن عن الإحاطة به، وقال ابن عباس ومقاتل: لا تدركه الأبصار في الدنيا، وهو يُرى في الآخرة، قوله تعالى: { وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ } لا يخفى عليه شيء ولا يفوته، { وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: اللطيف بأوليائه [الخبير بهم، وقال الأزهري: معنى { اللَّطِيفُ } ] (3) الرفيق بعباده، وقيل: اللطيف الموصل الشيء باللين والرفق، وقيل: اللطيف الذي يُنسي العباد ذنوبهم لئلا يخجلوا، وأصل اللطف دقة النظر في الأشياء.\rقوله عز وجل: { قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ } يعني الحجج البينة التي تبصرون بها الهدى\r__________\r(1) انظر الروايات في الدر المنثور: 4 / 356-358.\r(2) قطعة من حديث، أخرجه البخاري في تفسير سورة (ق): 8 / 597، وفي التوحيد، وفي مواقيت الصلاة. ومسلم في المساجد، باب فضل صلاة الصبح والعصر، برقم (633): 1 / 439. والمصنف في شرح السنة: 2 / 224.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":3,"page":174},{"id":960,"text":"من الضلالة والحق من الباطل، { فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ } أي: فمن عرفها وآمن بها فلنفسه عمل، ونفعه له، { وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا } أي: من عمي عنها فلم يعرفها ولم يصدقها فعليها، أي: فبنفسه ضر، ووبال العمى عليه، { وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } برقيب أحصي عليكم أعمالكم، إنما أنا رسول إليكم أبلغكم رسالات ربي وهو الحفيظ عليكم الذي لا يخفى عليه شيء من أفعالكم.\r{ وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ } نفصلها ونبيّنها في كل وجه، { وَلِيَقُولُوا } قيل: معناه لئلا يقولوا، { دَرَسْتَ } وقيل: هذه اللام لام العاقبة أي عاقبة أمرهم أن يقولوا: درست، أي: قرأت على غيرك، وقيل: قرأت كتب أهل الكتاب، كقوله تعالى:(فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا)،(القصص، 8)، ومعلوم أنهم لم يلتقطوه لذلك، ولكن أراد أن عاقبة أمرهم أن كان عدوا لهم.\rقال ابن عباس: وليقولوا يعني: أهل مكة حين تقرأ عليهم القرآن درست، أي: تعلمت من يسار وجبر، كانا عبدين من سبي الروم، ثم قرأت علينا تزعم أنه من عند الله، من قولهم: درست الكتاب أدرس درسا ودراسة.\rوقال الفرَّاء: يقولون تعلمت من اليهود، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: \"دارست\" بالألف، [أي: قارأت أهل الكتاب من المدارسة بين اثنين، تقول:] (1) قرأت عليهم وقرأوا عليك. وقرأ ابن عامر ويعقوب: \"دَرَسَتْ\" بفتح السين وسكون التاء، أي: هذه الأخبار التي تتلوها علينا قديمة، قد درست وانمحت، من قولهم: درس الأثر يدرس دروسا. { وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } قال ابن عباس: يريد أولياءه الذين هداهم إلى سبيل الرشاد، وقيل: يعني أن تصريف الآيات ليشقى به قوم ويسعد به قوم آخرون، فمن قال درست فهو شقي ومن تبين له الحق فهو سعيد.\r{ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107) وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108) }\r{ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ } يعني: القرآن اعمل به، { لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ } فلا تجادلهم.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":175},{"id":961,"text":"{ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا } أي: لو شاء لجعلهم مؤمنين، { وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا } رقيبا قال عطاء: وما جعلناك عليهم حفيظا تمنعهم مني، أي: لم تبعث لتحفظ المشركين عن العذاب إنما بعثت مبلغا. { وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ }\rقوله عز وجل: { وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } الآية 122/ب قال ابن عباس: لما نزلت \"إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم\"(الأنبياء، 98) قال المشركون: يا محمد لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون ربك، فنهاهم الله تعالى أن يسبوا أوثانهم.\rوقال قتادة: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك، لئلا يسبوا الله فإنهم قوم جهلة.\rوقال السدي: لما حضرت أبا طالب الوفاة قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل فلنأمرنه أن ينهى عنا ابن أخيه فإنا نستحي أن نقتله بعد موته، فتقول العرب: كان يمنعه عمه فلما مات قتلوه. فانطلق أبو سفيان وأبو جهل والنضر بن الحارث وأمية وأُبيّ ابنا خلف وعقبة [بن أبي معيط وعمرو بن العاص، والأسود بن] (1) البختري إلى أبي طالب، فقالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا وإن محمدا قد آذانا وآلهتنا، فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا، ولندعنه وإلهه، فدعاه فقال: هؤلاء قومك يقولون نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك، فقد أنصفك قومك فاقبل منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطي كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم بها العجم؟\" قال أبو جهل: نعم وأبيك لنعطينكها وعشرة أمثالها، فما هي؟ قال: \"قولوا لا إله إلا الله\" فأبوا ونفروا، فقال أبو طالب: قل غيرها يا ابن أخي، فقال: يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي، فقالوا: لتكفن عن شتمك آلهتنا أو لنشتمنك ولنشتمن من يأمرك، فأنزل الله عز وجل: { وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } (2) يعني الأوثان، { فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا } أي: اعتداء وظلما، { بِغَيْرِ عِلْمٍ }\rوقرأ يعقوب \" عدوا \" بضم العين والدال وتشديد الواو، فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: \"لا تسبوا ربكم\"، فأمسك المسلمون عن سب آلهتهم.\rفظاهر الآية، وإن كان نهيا عن سب الأصنام، فحقيقته النهي عن سب الله، لأنه سبب لذلك.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) أخرجه ابن أبي حاتم عن السدي. انظر: الدر المنثور: 3 / 338-339، والواحدي في أسباب النزول ص(255)، وانظر: الترمذي: 9 / 99-101 مع تحفة الأحوذي، تاريخ الطبري: 2 / 323-324، مجمع الزوائد: 6 / 15، تفسير الطبري: 12 / 34-35.","part":3,"page":176},{"id":962,"text":"{ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ } [أي: كما زينا لهؤلاء المشركين عبادة الأوثان وطاعة الشيطان بالحرمان والخذلان، كذلك زينا لكل أمة عملهم] (1) من الخير والشر والطاعة والمعصية، { ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ } ويجازيهم، { بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }\r{ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (109) }\rقوله عز وجل: { وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ } الآية. قال محمد بن كعب القرظي والكلبي: قالت قريش يا محمد إنك تخبرنا أن موسى كان معه عصى يضرب بها الحجر فينفجر منه اثنتا عشرة عينا، وتخبرنا أن عيسى عليه السلام كان يحيي الموتى فأتنا من الآيات حتى نصدقك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي شيء تحبون؟ قالوا: تجعل لنا الصفا ذهبا أو ابعث لنا بعض أمواتنا حتى نسأله عنك أحق ما تقول أم باطل، أو أرنا الملائكة يشهدون لك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإن فعلت بعض ما تقولون أتصدقونني؟ قالوا: نعم والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعين، وسأل المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلها عليهم حتى يؤمنوا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الله أن يجعل الصفا ذهبا فجاءه جبريل عليه السلام، فقال له: اختر ما شئت إن شئت أصبح ذهبا ولكن إن لم يصدقوا عذبتهم، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل يتوب تائبهم، فأنزل الله عز وجل: { وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ } (2) أي: حلفوا بالله جهد أيمانهم، أي: بجهد أيمانهم، يعني أوكد ما قدروا عليه من الأيمان وأشدها.\rقال الكلبي ومقاتل: إذا حلف الرجل بالله، فهو جهد يمينه.\r{ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ } كما جاءت من قبلهم من الأمم، { لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ } يا محمد، { إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ } والله قادر على إنزالها، { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } وما يدريكم.\rواختلفوا في المخاطبين بقوله { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } فقال بعضهم: الخطاب للمشركين الذين أقسموا.\rوقال بعضهم: الخطاب للمؤمنين.\rوقوله تعالى: { أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ } قرأ ابن كثير وأهل البصرة وأبو بكر عن عاصم\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) أخرجه الطبري: 12 / 38، الواحدي ص(256)، وانظر الدر المنثور: 3 / 340.","part":3,"page":177},{"id":963,"text":"\" إنها \" بكسر الألف على الابتداء، وقالوا: تم الكلام عند قوله { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } فمن جعل الخطاب للمشركين قال: معناه: وما يشعركم أيها [المشركون] (1) أنها لو جاءت آمنتم؟ ومن جعل الخطاب للمؤمنين قال معناه: وما يشعركم أيها المؤمنون أنها لو جاءت آمنوا؟ لأن المسلمين كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله حتى يريهم ما اقترحوا حتى يؤمنوا فخاطبهم بقوله: { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } ثم ابتدأ فقال جل ذكره: { أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ } وهذا في قوم مخصوصين [حكم الله عليهم بأنهم لا يؤمنون]، وقرأ الآخرون: \"أنها\" بفتح الألف وجعلوا الخطاب للمؤمنين، واختلفوا في قوله: { لا يُؤْمِنُونَ } (2) فقال الكسائي: { لا } صلة، ومعنى الآية: وما يشعركم أيها المؤمنون أن الآيات إذا جاءت المشركين يؤمنون؟ كقوله تعالى \"وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون\"(الأنبياء، 95)، أي: يرجعون وقيل: إنها بمعنى لعل، وكذلك هو في قراءة أُبيّ، تقول العرب: اذهب إلى السوق أنك تشتري شيئا، أي: لعلك، وقال عدي بن زيد: أعاذل ما يدريك أن منيتي ... إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد (3)\rأي: لعل منيتي، وقيل: فيه حذف وتقديره: وما يشعركم أنها إذا جاءت [يؤمنون أو لا يؤمنون؟ وقرأ ابن عامر وحمزة \" لا تؤمنون \" بالتاء على الخطاب للكفار واعتبروا بقراءة أُبيّ: إذا جاءتكم] (4) لا تؤمنون، وقرأ الآخرون بالياء على الخبر، دليلها قراءة الأعمش: أنها إذا جاءتهم لا يؤمنون.\r{ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) }\r__________\r(1) في \"ب\": (المؤمنون).\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) انظر: جمهرة أشعار العرب: 2 / 509، طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض. لسان العرب مادة \"أنن\": 13 / 34.\r(4) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":178},{"id":964,"text":"{ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111) }\r{ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } قال ابن عباس: يعني ونحول بينهم وبين الإيمان، فلو جئناهم بالآيات التي سألوا ما آمنوا بها كما لم يؤمنوا به أول مرة، أي: كما لم يؤمنوا بما قبلها من الآيات من انشقاق القمر وغيره، وقيل: كما لم يؤمنوا به أول مرة، يعني معجزات موسى وغيره من الأنبياء عليهم السلام، كقوله تعالى(أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل)،(القصص، 48)، وفي الآية محذوف تقديره فلا يؤمنون كما لم يؤمنوا به أول مرة، وقال علي بن أبي طلحة عن","part":3,"page":178},{"id":965,"text":"ابن عباس: المرة الأولى دار الدنيا، يعني لو رُدّوا من الآخرة إلى الدنيا نقلب أفئدتهم وأبصارهم عن الإيمان كما لم يؤمنوا في الدنيا قبل مماتهم، كما قال: \"ولو رُدّوا لعادوا لما نُهوا عنه\"(الأنعام، 28) { وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } قال عطاء: نخذلهم وندعهم في ضلالتهم يتمادون.\r{ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ } فرأوهم عيانا، { وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى } بإحيائنا إياهم فشهدوا لك بالنبوة كما سألوا، { وَحَشَرْنَا } وجمعنا، { عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا } قرأ أهل المدينة وابن عامر \" قبلا \" بكسر القاف وفتح الباء، أي معاينة، وقرأ الآخرون بضم القاف والباء، هو جمع قبيل، وهو الكفيل، مثل رغيف ورُغف، وقضيب وقُضُب 123\\أ أي: ضُمناء وكُفلاء، وقيل: هو جمع قبيل وهو القبيلة، أي: فوجا فوجا، وقيل: هو بمعنى المقابلة والمواجهة، من قولهم: أتيتك قبلا لا دبرا إذا أتاه من قبل وجهه، { مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } ذلك، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ }\r{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) }\r{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا } أي: أعداء فيه تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم، يعني كما ابتليناك بهؤلاء القوم، فكذلك جعلنا لكل نبي قبلك أعداء، ثم فسّرهم فقال: { شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ } قال عكرمة والضحاك والسدي والكلبي: معناه شياطين الإنس التي مع الإنس، وشياطين الجن التي مع الجن، وليس للإنس شياطين، وذلك أن إبليس جعل جنده فريقين فبعث فريقا منهم إلى الإنس وفريقا منهم إلى الجن، وكلا الفريقين أعداء للنبي صلى الله عليه وسلم ولأوليائه، وهم الذين يلتقون في كل حين، فيقول [شيطان] (1) الإنس [لشيطان] الجن: أضللت صاحبي بكذا فأضل صاحبك بمثله، وتقول شياطين الجن لشياطين الإنس كذلك، فذلك وحي بعضهم إلى بعض.\rقال قتادة ومجاهد والحسن: إن من الإنس شياطين كما أن من الجن شياطين، والشيطان: العاتي المتمرد من كل شيء، قالوا: إن الشيطان إذا أعياه المؤمن وعجز من إغوائه ذهب إلى متمرد من الإنس وهو شيطان الإنس فأغراه بالمؤمن ليفتنه، يدل عليه ما روي عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"هل تعوذت بالله من شياطين الجن والإنس\"؟ فقلت: يا رسول الله وهل للإنس من شياطين؟\r__________\r(1) في الأصل \"شياطين\" في الموضعين.","part":3,"page":179},{"id":966,"text":"قال: \"نعم، هم شر من شياطين الجن\" (1) .\rوقال مالك بن دينار: إن شياطين الإنس أشد عليّ من شياطين الجن، وذلك أني إذا تعوذت بالله ذهب عني شيطان الجن، وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي عيانا.\rقوله تعالى: { يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ } أي: يلقي، { زُخْرُفَ الْقَوْلِ } وهو قول مموّه مزين بالباطل لا معنى تحته، { غُرُورًا } يعني: لهؤلاء الشياطين يزينون الأعمال القبيحة لبني آدم، يغرونهم غرورا، والغرور: القول الباطل، { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ } أي: ما ألقاه الشيطان من الوسوسة [في القلوب] (2) { فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ }\r{ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ } أي: تميل إليه، والصغو: الميل، يقال: صغو فلان معك، أي: ميله، والفعل منه: صغى يصغي، صغا، وصغى يصغى، ويصغو صغوا، والهاء في \"إليه\" راجعة إلى زخرف القول: { وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا } ليكتسبوا، { مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ } يقال: اقترف فلان مالا إذا اكتسبه، وقال تعالى:(ومن يقترف حسنة)(الشورى، 23)، وقال الزجاج: أي ليعملوا من الذنوب ما هم عاملون.\r{ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117) }\rقوله عز وجل: { أَفَغَيْرَ اللَّهِ } فيه اضمار أي: قل لهم يا محمد أفغير الله، { أَبْتَغِي } أطلب { حَكَمًا } قاضيا بيني وبينكم، وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل بيننا وبينك حكما فأجابهم به، { وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلا } مبينا فيه أمره ونهيه، يعني: القرآن، وقيل: مفصلا أي خمسا خمسا وعشرا وعشرا، كما قال:(لنثبت به فؤادك)(الفرقان، 32)، { وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ }\r__________\r(1) أخرجه النسائي في الاستعاذة، باب الاستعاذة من شر شياطين الإنس: 8 / 275، دون قوله \"هم شر من شياطين الجن\"، والإمام أحمد في المسند: 1 / 265.\r(2) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":180},{"id":967,"text":"يعني: علماء اليهود والنصارى الذين آتيناهم التوراة والإنجيل، وقيل: هم مؤمنو أهل الكتاب، وقال عطاء: هم رءوس أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد بالكتاب هو القرآن، { يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ } يعني: القرآن، قرأ ابن عامر [وحفص] (1) \" منزل \" بالتشديد من التنزيل لأنه أنزل نجوما متفرقة، وقرأ الآخرون بالتخفيف من الإنزال، لقوله تعالى: \"وهو الذي أنزل إليكم الكتاب\"، { مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } من الشاكين أنهم يعلمون ذلك.\rقوله عز وجل: { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ } قرأ أهل الكوفة ويعقوب \" كلمة \" على التوحيد، وقرأ الآخرون(كلمات) بالجمع، وأراد بالكلمات أمره ونهيه ووعده ووعيده، { صِدْقًا وَعَدْلا } أي: صدقا في الوعد والوعيد، وعدلا في الأمر والنهي، قال قتادة ومقاتل: صادقا فيما وعد وعدلا فيما حكم، { لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ } قال ابن عباس: لا رادّ لقضائه ولا مغيّر لحكمه ولا خلف لوعده، { وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } قيل: أراد بالكلمات القرآن لا مبدّل له، لا يزيد فيه المفترون ولا ينقصون.\r{ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } عن دين الله، وذلك أن أكثر أهل الأرض كانوا على الضلالة، وقيل: أراد أنهم جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في أكل الميتة، وقالوا: أتأكلون ما تقتلون ولا تأكلون ما قتله الله عز وجل؟ فقال: { وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ } أي: وإن تطعهم في أكل الميتة يضلوك عن سبيل الله، { إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ } يريد أن دينهم الذي هم عليه ظن [وهوى] (2) لم يأخذوه عن بصيرة، { وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ } يكذبون.\r{ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ } قيل: موضع \"من\" نصب بنزع حرف الصفة، أي: بمن يضل، وقال الزجاج: موضعه رفع بالابتداء، ولفظها لفظ الاستفهام، والمعنى: إن ربك هو أعلم أيُّ الناس من يضل عن سبيله، { وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } أخبر أنه أعلم بالفريقين الضالين والمعتدين فيجازي كلا بما يستحقه.\r{ فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) }\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":181},{"id":968,"text":"{ وَمَا لَكُمْ أَلا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) }\rقوله عز وجل: { فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } أي: كلوا مما ذبح على اسم الله، { إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ }","part":3,"page":181},{"id":969,"text":"وذلك أنهم كانوا يُحرّمون أصنافا من النعم ويحلون الأموات، فقيل لهم: أحلوا ما أحل الله وحرموا ما حرم الله.\rثم قال: { وَمَا لَكُمْ } يعني: أي شيء لكم، { أَلا تَأْكُلُوا } وما يمنعكم من أن تأكلوا { مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } من الذبائح، { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } قرأ أهل المدينة ويعقوب وحفص \" فصل \" و \" حرم \" بالفتح فيهما أي فصل الله ما حرمه عليكم، لقوله { اسْمَ اللَّهِ } وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بضم الفاء والحاء وكسر الصاد والراء على غير تسمية الفاعل، لقوله { ذُكِرَ } وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر \" فصل \" بالفتح و \" حرم \" بالضم، وأراد بتفصيل المحرمات ما ذكر في قوله تعالى \"حرمت عليكم الميتة والدم\"(المائدة، 3)، { إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ } من هذه الأشياء فإنه حلال لكم عند الاضطرار، { وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ } قرأ أهل الكوفة بضم الياء وكذلك قوله(ليضلوا) في سورة يونس، لقوله تعالى:(يضلوك عن سبيل الله)، وقيل: أراد به عمرو بن لحي فمن دونه من المشركين الذين اتخذوا البحائر والسوائب، وقرأ الآخرون بالفتح لقوله: { مَنْ يَضِلُّ } { بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ } حين امتنعوا من أكل ما ذكر اسم الله عليه ودعوا إلى أكل الميتة 123/ب { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ } الذين يجاوزون الحلال إلى الحرام.\r{ وَذَرُوا ظَاهِرَ الإثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (120) وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121) }\r{ وَذَرُوا ظَاهِرَ الإثْمِ وَبَاطِنَهُ } يعني: الذنوب كلها لأنها لا تخلو من هذين الوجهين، قال قتادة: علانيته وسره، وقال مجاهد: ظاهر الإثم ما يعمله بالجوارح من الذنوب، وباطنه ما ينويه ويقصده بقلبه كالمصر على الذنب القاصد له.\rوقال الكلبي: ظاهره الزنا وباطنه المخالة، وأكثر المفسرين على أن ظاهر الإثم الإعلان بالزنا، وهم أصحاب الروايات، وباطنه الاستسرار به، وذلك أن العرب كانوا يحبون الزنا فكان الشريف منهم يتشرف، فيسر به، وغير الشريف لا يبالي به فيظهره، فحرمهما الله عز وجل، وقال سعيد بن جبير: ظاهر الإثم نكاح المحارم وباطنه الزنا.","part":3,"page":182},{"id":970,"text":"وقال ابن زيد: ظاهر الإثم التجرد من الثياب والتعري في [الطواف] (1) والباطن الزنا، وروى حبان عن الكلبي: ظاهر الإثم طواف الرجال بالبيت نهارا عراة، وباطنه طواف النساء بالليل عراة، { إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ } في الآخرة، { بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ } [يكتسبون في الدنيا] (2) .\rقوله عز وجل: { وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: الآية في تحريم الميتات وما في معناها من المنخنقة وغيرها.\rوقال عطاء: الآية في تحريم الذبائح التي كانوا يذبحونها على اسم الأصنام.\rواختلف أهل العلم في ذبيحة المسلم إذا لم يذكر اسم الله عليها: فذهب قوم إلى تحريمها سواء ترك التسمية عامدا أو ناسيا، وهو قول ابن سيرين والشعبي، واحتجوا بظاهر هذه الآية.\rوذهب قوم إلى تحليلها، يروى ذلك عن ابن عباس وهو قول مالك والشافعي وأحمد رضوان الله عليهم أجمعين.\rوذهب قوم إلى أنه إن ترك التسمية عامدا لا يحل، وإن تركها ناسيا يحل، حكى الخرقي من أصحاب أحمد: أن هذا مذهبه، وهو قول الثوري وأصحاب الرأي.\rمن أباحها قال: المراد من الآية الميتات أو ما ذبح على غير اسم الله بدليل أنه قال: { وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } والفسق في ذكر اسم غير الله كما قال في آخر السورة { قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ } إلى قوله { أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ }\rواحتج من أباحها بما أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا يوسف بن موسى ثنا أبو خالد الأحمر قال سمعت هشام بن عروة يحدّث عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قالوا: يا رسول الله إن هنا أقواما حديث عهدهم بشرك يأتونا بلحمان لا ندري يذكرون اسم الله عليها أم لا؟ قال: اذكروا أنتم اسم الله وكلوا\" (3) .\rولو كانت التسمية شرطا للإباحة لكان الشك في وجودها مانعا من أكلها كالشك في أصل [الذبح] (4) .\r__________\r(1) في \"ب\": (الطرقات).\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) أخرجه البخاري في التوحيد، باب السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها: 13 / 379، وفي البيوع. والمصنف في شرح السنة: 11 / 194.\r(4) في \"أ\": (الذبائح).","part":3,"page":183},{"id":971,"text":"قوله تعالى: { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ } أراد أن الشياطين ليوسوسون إلى أوليائهم من المشركين ليجادلوكم، وذلك أن المشركين قالوا: يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ فقال: الله قتلها، قالوا: أفتزعم أن ما قتلت أنت وأصحابك حلال، وما قتله الكلب والصقر حلال، وما قتله الله حرام؟ فأنزل الله هذه الآية، { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ } في أكل الميتة، { إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } قال الزجاج: وفيه دليل على أن من أحل شيئا مما حرم الله أو حرم ما أحل الله فهو مشرك.\r{ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122) }\rقوله عز وجل: { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ } قرأ نافع \" ميِّتا \" و(لحم أخيه ميِّتا)(الحجرات، 12) و(الأرض الميتة أحييناها)(سورة يس، 33) بالتشديد فيهن، والآخرون بالتخفيف { فَأَحْيَيْنَاهُ } أي: كان ضالا فهديناه، كان ميتا بالكفر فأحييناه بالإيمان، { وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا } يستضيء به، { يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ } على قصد السبيل، قيل: النور هو الإسلام، لقوله تعالى \"يخرجهم من الظلمات إلى النور\"(البقرة، 257)، وقال قتادة: هو كتاب الله بينة من الله مع المؤمن، بها يعمل وبها يأخذ وإليها ينتهي، { كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ } المثل صلة، أي: كمن هو في الظلمات، { لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا } يعني: من ظلمة الكفر.\rقيل: نزلت هذه الآية في رجلين بأعيانهما، ثم اختلفوا فيهما، قال ابن عباس: جعلنا له نورا، يريد حمزة بن عبد المطلب، كمن مثله في الظلمات يريد أبا جهل بن هشام، وذلك أن أبا جهل رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بفرث، فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل وهو راجع من قنصه وبيده قوس، وحمزة لم يؤمن بعد، فأقبل غضبان حتى علا أبا جهل بالقوس وهو يتضرع إليه، ويقول: يا أبا يعلى أما ترى ما جاء به؟ سفّه عقولنا وسبّ آلهتنا وخالف آباءنا، فقال حمزة: ومن أسفه منكم؟ تعبدون الحجارة من دون الله، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فأنزل الله هذه الآية (1) .\rوقال الضحاك: نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل (2) .\r__________\r(1) انظر: أسباب النزول للواحدي ص(257-258)، وذكر قصة إسلام حمزة: ابن هشام في السيرة 1 / 291-292، والحاكم في المستدرك: 3 / 192 ولم يذكرا أن الآية نزلت في هذا.\r(2) تفسير الطبري: 12 / 89، أسباب النزول ص(258)، الدر المنثور: 3 / 352.","part":3,"page":184},{"id":972,"text":"وقال عكرمة والكلبي: نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل (1) .\r{ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } من الكفر والمعصية، قال ابن عباس: يريد زين لهم الشيطان عبادة الأصنام.\r{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123) وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (124) }\rقوله عز وجل: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا } أي: كما أن فساق مكة أكابرها، كذلك جعلنا فساق كل [قرية] (2) أكابرها، أي: عظماءها، جمع أكبر، مثل أفضل وأفاضل، وأسود وأساود، وذلك سنة الله تعالى أنه جعل في كل قرية أتباع الرسل ضعفاءهم، كما قال في قصة نوح عليه السلام:(أنؤمن لك واتبعك الأرذلون)(الشعراء، 111)، وجعل فساقهم أكابرهم، { لِيَمْكُرُوا فِيهَا } وذلك أنهم أجلسوا على كل طريق من طرق مكة أربعة نفر ليصرفوا الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، يقولون لكل من يقدم: إياك وهذا الرجل فإنه كاهن ساحر كذاب. { وَمَا يَمْكُرُونَ إِلا بِأَنْفُسِهِمْ } لأن وبال مكرهم يعود عليهم { وَمَا يَشْعُرُونَ } أنه كذلك.\rقوله تعالى: { وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ } يعني: مثل ما أوتي رسل الله من النبوة، وذلك أن الوليد بن المغيرة قال: لو كانت النبوة حقا لكنت أولى بها منك، لأني أكبر منك سنا وأكثر منك مالا فأنزل الله تعالى هذه الآية (3) .\rوقال مقاتل: نزلت في أبي جهل، وذلك أنه قال: زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف حتى إنا صرنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يوحى إليه، والله لا نؤمن به ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه، فأنزل الله عز وجل: { وَإِذَا جَاءَتْهُمْ } (4) حجة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: يعني أبا جهل، { لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ } يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم.\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 22 / 90، وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، انظر: الدر المنثور: 3 / 352.\r(2) في \"ب\": (أمة).\r(3) انظر: الدر المنثور: 3 / 353.\r(4) أخرج القصة ابن إسحاق، السيرة: 1 / 315-316، ولم يذكر أنها سبب لنزول الآية.","part":3,"page":185},{"id":973,"text":"ثم قال الله تعالى: { اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } قرأ ابن كثير وحفص رسالته على التوحيد، وقرأ الآخرون رسالاته بالجمع، يعني: الله أعلم بمن هو أحق بالرسالة. { سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ } ذل وهوان { عِنْدِ اللَّهِ } أي: من عند الله، { وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ } 124\\أ قيل: صغار في الدنيا وعذاب شديد في الآخرة.","part":3,"page":186},{"id":974,"text":"{ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (125) }\rقوله عز وجل: { فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ } أي: يفتح قلبه وينوره حتى يقبل الإسلام، ولما نزلت هذه الآية سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرح الصدر، فقال: \"نور يقذفه الله في قلب المؤمن فينشرح له وينفسح\"، قيل: فهل لذلك [أمارة؟] (1) قال: \"نعم، الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت\" (2) .\rقوله تعالى: { وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا } قرأ ابن كثير \" ضيقا \" بالتخفيف هاهنا وفي الفرقان، والباقون بالتشديد، وهما لغتان مثل: هَيْن وهيِّن ولين ولين، { حَرَجًا } قرأ أهل المدينة وأبو بكر بكسر الراء والباقون بفتحها، وهما لغتان أيضا مثل: الدنف والدنف، وقال سيبويه الحرج بالفتح: المصدر [كالطلب، ومعناه ذا حرج] (3) وبالكسر الاسم، وهو أشد الضيق، يعني: يجعل قلبه ضيقا حتى لا يدخله الإيمان، وقال الكلبي: ليس للخير فيه منفذ. وقال ابن عباس: إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه، وإذا ذكر شيئا من عبادة الأصنام ارتاح إلى ذلك.\rوقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الآية، فسأل أعرابيا من كنانة: ما الحرجة فيكم؟ قال: الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء، فقال عمر رضي الله عنه: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير.\r__________\r(1) في \"ب\": (من علامة).\r(2) أخرجه الطبري: 12 / 98-102، والبيهقي في الأسماء والصفات: 1 / 257-258 قال البيهقي: \"هذا منقطع\". وانظر: الدر المنثور: 3 / 354. فقد عزاه لابن المبارك في الزهد، وعبد الرزاق، والفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. وضعفه الشيخ محمود شاكر في تعليقه على الطبري. وقواه ابن كثير لتعدد طرقه: 2 / 176.\r(3) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":186},{"id":975,"text":"{ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ } قرأ ابن كثير: \" يصعد \" ، بالتخفيف، وقرأ أبو بكر عن عاصم \" يصاعد \" بالألف، أي يتصاعد، وقرأ الآخرون { يصّعّد } بتشديد الصاد والعين، أي: يتصعد، يعني: يشق عليه الإيمان كما يشق عليه صعود السماء، وأصل الصعود المشقة، ومنه قوله تعالى(سأرهقه صعودا) أي: عقبة شاقة، { كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ } قال ابن عباس: الرجس هو الشيطان، أي: يسلط عليه، وقال الكلبي: هو المأثم، وقال مجاهد: الرجس ما لا خير فيه. وقال عطاء: الرجس العذاب مثل الرجس. وقيل: هو النجس. روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء قال: \"[اللهم إني] (1) أعوذ بك من الرجس +والنجس\" (2) . وقال الزجاج: الرجس اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة.\r{ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126) لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (127) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128) }\rقوله عز وجل: { وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا } [أي: هذا الذي بيّنا، وقيل هذا الذي أنت عليه يا محمد طريق ربك ودينه الذي ارتضاه لنفسه مستقيما] (3) لا عوج فيه وهو الإسلام. { قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ }\r{ لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ } يعني: الجنة: قال أكثر المفسرين: السلام هو الله وداره الجنة، وقيل: السلام هو السلامة، [أي: لهم دار السلامة] (4) من الآفات، وهي الجنة. وسميت دار السلام لأن كل من دخلها سَلِمَ من البلايا والرزايا.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) أخرجه ابن ماجه، كتاب الطهارة، رقم (299): 1 / 109، وقال في الزوائد: إسناده ضعيف، أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة ص(12). من طريق إسماعيل بن رافع عن دريد بن نافع عن ابن عمر، وابن عساكر عن ابن مسعود. قال المنذري: \"هذا حديث ضعيف\" وقال العراقي: \"إسماعيل مختلف فيه، ورواية دريد بن نافع عن ابن عمر منقطعة\". انظر: فيض القدير للمناوي: 5 / 128 والذي ثبت في الصحيحين وفي السنن أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا دخل الخلاء: \"اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث\".\r(3) زيادة من \"ب\".\r(4) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":187},{"id":976,"text":"وقيل: سميت بذلك لأن جميع حالاتها مقرونة بالسلام، يقال في الابتداء:(ادخلوها بسلام آمنين)(الحجر، 46)،(والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم)(الرعد، 23)، وقال:(لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما)(الواقعة، 26)، وقال:(تحيتهم فيها سلام)(إبراهيم، 23)(سلام قولا من رب رحيم)(يس، 58). { وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } قال [الحسين] (1) بن الفضل: يتولاهم في الدنيا بالتوفيق وفي الآخرة بالجزاء.\rقوله عز وجل: { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ } قرأ حفص: { يَحْشُرُهُمْ } بالياء، { جَمِيعًا } يعني: الجن والإنس يجمعهم في موقف القيامة فيقول: { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ } والمراد بالجن: الشياطين، { قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ } أي: استكثرتم من الإنس بالإضلال والإغواء أي: أضللتم كثيرا، { وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإنْسِ } يعني: أولياء الشياطين الذي أطاعوهم من الإنس، { رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ }\rقال الكلبي: استمتاع الإنس بالجن هو أن الرجل كان إذا سافر ونزل بأرض قَفْرٍ وخاف على نفسه من الجن قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، فيبيت في جوارهم.\rوأما استمتاع الجن بالإنس: هو أنهم قالوا قد سدنا الإنس مع الجن، حتى عاذوا بنا فيزدادون شرفا في قومهم وعظما في أنفسهم، وهذا كقوله تعالى(وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا)(الجن، 6).\rوقيل: استمتاع الإنس بالجن ما كانوا يُلْقون إليهم من الأراجيف والسحر والكهانة وتزيينهم لهم الأمور التي يهوونها، وتسهيل سبيلها عليهم، واستمتاع الجن بالإنس طاعة الإنس لهم فيما يزينون لهم من الضلالة والمعاصي.\rقال محمد بن كعب: هو طاعة بعضهم بعضا وموافقة بعضهم [لبعض] (2) .\r{ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا } يعني: القيامة والبعث، { قَالَ } اللَّهِ تَعَالَى { النَّارُ مَثْوَاكُمْ } مقامكم، { خَالِدِينَ فِيهَا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ }\rاختلفوا في هذا الاستثناء كما اختلفوا في قوله:(خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك)(هود، 107).\r__________\r(1) في \"ب\": (الحسن).\r(2) في \"ب\": (بعضا).","part":3,"page":188},{"id":977,"text":"قيل: أراد إلا قدر مدة ما بين بعثهم إلى دخولهم جهنم، يعني: هم خالدون في النار إلا هذا المقدار.\rوقيل: الاستثناء يرجع إلى العذاب، وهو قوله { النَّارُ مَثْوَاكُمْ } أي: خالدين في النار سوى ما شاء الله من أنواع العذاب.\rوقال ابن عباس: الاستثناء يرجع إلى قوم سبق فيهم علم الله أنهم يسلمون فيخرجون من النار، و \"ما\" بمعنى \"من\" على هذا التأويل، { إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } قيل: عليم بالذي استثناه وبما في قلوبهم من البر والتقوى.\r{ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (130) }\r{ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [قيل: أي] (1) كما خذلنا عصاة الجن والإنس حتى استمتع بعضهم ببعض نولي بعض الظالمين بعضا، أي: نسلط بعضهم على بعض، فنأخذ من الظالم بالظالم، كما جاء: \"من أعان ظالما سلطه الله عليه\" (2) .\rوقال قتادة: نجعل بعضهم أولياء بعض، فالمؤمن ولي المؤمن [أين كان] (3) والكافر ولي الكافر حيث كان. وروي عن معمر عن قتادة: نتبع بعضهم بعضا في النار، من الموالاة، وقيل: معناه نولي ظلمة الإنس ظلمة الجن، ونولي ظلمة الجن ظلمة الإنس، أي: نكل بعضهم إلى بعض، كقوله تعالى:(نوله ما تولى)(النساء، 115)، وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيرها هو: أن الله تعالى إذا أراد بقوم خيرا ولّى أمرهم خيارهم، وإذا أراد بقوم شرا ولى أمرهم شرارهم.\r__________\r(1) في \"ب\": (يقول).\r(2) قال في اللآلئ: \"ذكره صاحب الفردوس بسنده من حدديث ابن مسعود\" وقال في المقاصد الحسنة: رواه ابن عساكر في تاريخه عن ابن مسعود رفعه، وفيه: ابن زكريا العدوي، متهم بالوضع، فهو آفته. وأورده الديلمي في الفردوس بلا سند عن ابن مسعود. انظر: كشف الخفاء: 2 / 297-298، فيض القدير: 6 / 72، تمييز الطيب من الخبيث، ص(177).\r(3) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":189},{"id":978,"text":"قوله عز وجل: { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ } اختلفوا في أن الجن هل أرسل إليهم منهم [رسول] (1) ؟ فسئل الضحاك عنه، فقال: بلى ألم تسمع الله يقول { أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ } يعني: بذلك رسلا من الإنس ورسلا من الجن. قال الكلبي: كانت الرسل من قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم يبعثون إلى الجن وإلى الإنس جميعا.\rقال مجاهد: الرسل من الإنس، والنذر من الجن، ثم قرأ(ولوا إلى قومهم منذرين)(الأحقاف، 29)، وهم قوم يسمعون كلام الرسل فيبلغون الجن ما سمعوا، وليس للجن رسل، فعلى هذا قوله \"رسل منكم\" ينصرف إلى أحد الصنفين وهم الإنس، كما قال تعالى:(يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان)(الرحمن، 22) 124/ب وإنما يخرج من الملح دون العذب، قال:(وجعل القمر فيهن نورا)(نوح، 16)، وإنما هو في سماء واحدة.\r{ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ } أي: يقرؤن عليكم، { آيَاتِي } كتبي { وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا } وهو يوم القيامة، { قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا } أنهم قد بلغوا، قال مقاتل: وذلك حين شهدت عليهم جوارحهم بالشرك والكفر. قال الله عز وجل: { وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا } حتى لم يؤمنوا، { وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ }\r{ ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131) }\r__________\r(1) في \"ب\": (رسل).","part":3,"page":190},{"id":979,"text":"{ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132) وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (134) }\r{ ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ } أي: ذلك الذي قصصنا عليك من أمر الرسل وعذاب من كذبهم، لأنه لم يكن ربك مهلك القرى بظلم، [أي: لم يكن مهلكهم بظلم] (1) أي: بشرك من أشرك، { وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ } لم ينذروا حتى يبعث إليهم رسلا ينذرونهم.\rوقال الكلبي: لم يهلكهم بذنوبهم من قبل أن يأتيهم الرسل.\rوقيل: معناه لم يكن ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل فيكون قد ظلمهم، وذلك أن الله\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".","part":3,"page":190},{"id":980,"text":"تعالى أجرى السنة أن لا يأخذ أحدا إلا بعد وجود الذنب، وإنما يكون مذنبا إذا أمر فلم يأتمر ونهي فلم ينته، يكون ذلك بعد إنذار الرسل.\r{ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا } يعني في الثواب والعقاب على قدر أعمالهم في الدنيا، فمنهم من هو أشد عذابا ومنهم من هو أجزل ثوابا، { وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } قرأ ابن عامر تعملون بالتاء والباقون بالياء.\r{ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ } عن خلقه، { ذُو الرَّحْمَةِ } قال ابن عباس: [ذو الرحمة] (1) بأوليائه وأهل طاعته، وقال الكلبي: بخلقه ذو التجاوز، { إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } يهلككم، وعيد لأهل مكة، { وَيَسْتَخْلِفْ } [يخلق] (2) وينشئ، { مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ } خلقا غيركم أمثل وأطوع، { كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ } أي: آبائهم الماضين قرنا بعد قرن.\r{ إِنَّ مَا تُوعَدُونَ } أي: ما توعدون من مجيء الساعة والحشر، { لآتٍ } كائن، { وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ } أي: بفائتين، يعني: يدرككم الموت حيث ما كنتم.\r{ قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135) وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136) وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (137) }\r{ قُلْ } يا محمد { يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ } قرأ أبو بكر عن عاصم { مَكَانَتِكُمْ } بالجمع حيث كان أي: على تمكنكم، قال عطاء: على حالاتكم التي أنتم عليها. قال الزجاج: اعملوا على ما أنتم عليه. يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حالة: على مكانتك يا فلان، أي: اثبت على ما أنت\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) زيادة من \"ب\".","part":3,"page":191},{"id":981,"text":"عليه، وهذا أمر وعيد على المبالغة يقول: قل لهم اعملوا على ما أنتم عاملون، { إِنِّي عَامِلٌ } ما أمرني به ربي عز وجل، { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ } أي: الجنة، قرأ حمزة والكسائي: يكون بالياء هنا وفي القصص، وقرأ الآخرون بالتاء لتأنيث العاقبة، { إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } قال ابن عباس: معناه لا يسعد من كفر بي وأشرك. قال الضحاك: لا يفوز.\rقوله عز وجل: { وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأنْعَامِ نَصِيبًا } الآية، كان المشركون يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم وثمارهم وسائر أموالهم نصيبا، وللأوثان نصيبا فما جعلوه لله صرفوه إلى الضيفان والمساكين، وما جعلوه للأصنام أنفقوه على الأصنام وخدمها، فإن سقط شيء مما جعلوه لله تعالى في نصيب الأوثان تركوه وقالوا: إن الله غني عن هذا، وإن سقط شيء من [نصيب] (1) الأصنام فيما جعلوه لله ردوه إلى الأوثان، وقالوا: إنها محتاجة، وكان إذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوه لله لم يبالوا به، وإذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوا للأصنام جبروه بما جعلوه لله، فذلك قوله تعالى { وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ } خلق { مِنَ الْحَرْثِ وَالأنْعَامِ نَصِيبًا } وفيه اختصار مجازه: وجعلوا لله نصيبا ولشركائهم نصيبا.\r{ فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ } قرأ الكسائي(بِزُعْمهم) بضم الزاي، والباقون بفتحها، وهما لغتان، وهو القول من غير حقيقة، { وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا } يعني: الأوثان، { فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ } ومعناه: ما قلنا أنهم [كانوا يتمون ما جعلوه للأوثان مما جعلوه لله، ولا] (2) يتمون ما جعلوه لله مما جعلوه للأوثان. وقال قتادة كانوا إذا أصابتهم سنة استعانوا بما جزَّءوا لله وأكلوا منه ووفروا ما جزَّءوا لشركائهم ولم يأكلوا منه [شيئا] (3) { سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } أي: بئس ما [يصنعون] (4) .\r{ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } أي: كما زين لهم تحريم الحرث والأنعام كذلك زين لكثير من المشركين، { قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ } قال مجاهد شركاؤهم، أي: شياطينهم زينوا وحسنوا لهم وأد البنات خيفة العيلة، سميت الشياطين شركاء لأنهم أطاعوهم في معصية الله وأضيف الشركاء إليهم لأنهم اتخذوها.\rوقال الكلبي: شركاؤهم: سدنة آلهتهم الذين كانوا يزينون للكفار قتل الأولاد، فكان الرجل\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) زيادة من \"ب\".\r(4) في \"ب\": (يقضون).","part":3,"page":192},{"id":982,"text":"منهم يحلف لئن ولد له كذا غلاما لينحرن أحدهم كما حلف عبد المطلب على ابنه عبد الله.\rوقرأ ابن عامر: \"زين\" بضم الزاي وكسر الياء، \"قتل\" رفع \"أولادهم\" نصب، \"شركائهم\" بالخفض على التقديم، كأنه قال: زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم، فصل بين الفعل وفاعله بالمفعول به، وهم الأولاد، كما قال الشاعر: فَزَجَّجْتُه مُتَمَكِّنًا ... زَجَّ القَلُوصِ أبي مَزَادَهْ\rأي: زج أبي مزادة القلوص، فأضيف الفعل وهو القتل إلى الشركاء، وإن لم يتولوا ذلك لأنهم هم الذين زينوا ذلك ودعوا إليه، فكأنهم فعلوه. قوله عز وجل { لِيُرْدُوهُمْ } ليهلكوهم، { وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ } ليخلطوا عليهم، { دِينَهُمْ } قال ابن عباس: ليدخلوا عليهم الشك في دينهم، وكانوا على دين إسماعيل فرجعوا عنه بلبس الشيطان، { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ } أي: لو شاء الله لعصمهم حتى ما فعلوا ذلك من تحريم الحرث والأنعام وقتل الأولاد، { فَذَرْهُمْ } يا محمد، { وَمَا يَفْتَرُونَ } يختلقون من الكذب، فإن الله تعالى لهم بالمرصاد.","part":3,"page":193},{"id":983,"text":"{ وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139) }\r{ وَقَالُوا } يعني: المشركين، { هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ } أي حرام، يعني: ما جعلوا لله ولآلهتهم من الحرث والأنعام على ما مضى ذكره. وقال مجاهد: يعني بالأنعام: البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، { لا يَطْعَمُهَا إِلا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ } يعنون الرجال دون النساء، { وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا } يعني: الحوامي كانوا لا يركبونها، { وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا } أي: يذبحونها باسم الأصنام لا باسم الله، وقال أبو وائل: معناه لا يحجون عليها ولا يركبونها لفعل الخير، لأنه لما جرت العادة بذكر اسم الله على فعل الخير عبّر بذكر الله تعالى عن فعل الخير. { افْتِرَاءً عَلَيْهِ } يعني: أنهم يفعلون ذلك ويزعمون أن الله أمرهم به افتراء عليه { سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ }\r{ وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا } أي: نسائنا. قال","part":3,"page":193},{"id":984,"text":"ابن عباس وقتادة والشعبي: أراد أجنة البحائر والسوائب، فما ولد منها حيا فهو خالص للرجال دون النساء، وما ولد ميتا أكله الرجال والنساء جميعا، وأدخل الهاء في ال \" خالصة \" للتأكيد كالخاصة والعامة، كقولهم: نسابة وعلامة، وقال الفراء: أدخلت الهاء لتأنيث الأنعام لأن ما في بطونها مثلها فأنثت بتأنيثها. وقال الكسائي: خالص وخالصة واحد، مثل وعظ وموعظة.\r{ وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً } قرأ ابن عامر [وأبو جعفر] (1) \" تكن \" بالتاء { مَيْتَةً } رفع، ذكر الفعل بعلامة التأنيث، لأن الميتة في اللفظ مؤنثة. وقرأ أبو بكر عن عاصم \" تكن \" بالتاء 125\\أ { مَيْتَةً } نصب، أي: وإن تكن الأجنة ميتة، وقرأ ابن كثير: { وَإِنْ يَكُنْ } بالياء { مَيْتَةً } رفع، لأن المراد بالميتة الميت، أي: وإن يقع ما في البطون ميتا، وقرأ الآخرون { وَإِنْ يَكُنْ } بالياء { مَيْتَةً } نصب، رده إلى { مَا } أي: وإن يكن ما في البطون ميتة، [يدل عليه أنه قال] (2) { فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ } ولم يقل فيها، وأراد أن الرجال والنساء فيه شركاء، { سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ } أي: بوصفهم، أو على وصفهم الكذب على الله تعالى { إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ }\r{ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (140) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141) }\r{ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ } قرأ ابن عامر وابن كثير \" قتلوا \" بتشديد التاء على التكثير، وقرأ الآخرون بالتخفيف. { سَفَهًا } جهلا. { بِغَيْرِ عِلْمٍ } نزلت في ربيعة ومضر وبعض العرب من غيرهم، كانوا يدفنون البنات أحياء مخافة السبي والفقر، وكان بنو كنانة لا يفعلون ذلك (3) .\r{ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ } يعني: البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، { افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ } حيث قالوا: إن الله أمرهم بها، { قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ }\r__________\r(1) في \"ب\": (وأبو حفص).\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) الدر المنثور: 3 / 366.","part":3,"page":194},{"id":985,"text":"قوله تعالى: { وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ } ابتدع. { جَنَّاتٍ } بساتين، { مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ } أي: +مسموكات مرفوعات وغير مرفوعات، وقال ابن عباس: معروشات: ما انبسط على وجه الأرض وانتشر مما يعرش، مثل: الكرم والقرع والبطيخ وغيرها، وغير معروشات. ما قام على ساق وبسق، مثل النخل والزرع وسائر الأشجار.\rوقال الضحاك: كلاهما، الكرم خاصة، منها ما عرش ومنها ما لم يعرش.\r{ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ } أي: وأنشأ النخل والزرع، { مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ } ثمره وطعمه منها الحلو والحامض والجيد والرديء، { وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا } في المنظر، { وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ } في المطعم مثل الرمانتين لونهما واحد وطعمهما مختلف، { كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ } هذا أمر إباحة.\r{ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } قرأ أهل البصرة وابن عامر وعاصم { حَصَادِهِ } بفتح الحاء، وقرأ الآخرون بكسرها ومعناهما واحد، كالصِّرام والصَّرام والجَزاز والجِزاز.\rواختلفوا في هذا الحق: فقال ابن عباس وطاووس والحسن وجابر بن زيد وسعيد بن المسيب: إنها الزكاة المفروضة من العشر ونصف العشر.\rوقال علي بن الحسين وعطاء ومجاهد وحماد والحكم: هو حق في المال سوى الزكاة، أمر بإتيانه، لأن الآية مكية وفرضت الزكاة بالمدينة.\rقال إبراهيم: هو الضغث. وقال الربيع: لقاط السنبل.\rوقال مجاهد: كانوا [يعلقون] (1) العذق عند الصرام فيأكل منه مَنْ مرَّ.\rوقال يزيد بن الأصم: كان أهل المدينة إذا صرموا يجيئون بالعذق فيعلقونه في جانب المسجد، فيجيء المسكين فيضربه بعصاه فيسقط منه فيأخذه.\rوقال سعيد بن جبير: كان هذا حقا يؤمر بإتيانه في ابتداء الإسلام فصار منسوخا بإيجاب العشر.\rوقال مِقْسَم عن ابن عباس: نسخت الزكاة كل نفقة في القرآن.\r{ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } قيل: أراد بالإسراف إعطاء الكل. قال ابن عباس في رواية الكلبي: إن ثابت بن قيس بن شماس صرم خمسمائة نخلة وقسمها في يوم واحد ولم يترك لأهله شيئا، فأنزل الله عز وجل هذه الآية. (2)\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) انظر: الدر المنثور: 3 / 369.","part":3,"page":195},{"id":986,"text":"قال السدي: لا تسرفوا أي لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء. قال الزجاج: على هذا إذا أعطى الإنسان كل ماله ولم يوصل إلى عياله شيئا فقد أسرف، لأنه قد جاء في الخبر \"ابدأ بمن تعول\" (1) . وقال سعيد بن المسيب: معناه لا تمنعوا الصدقة. فتأويل الآية على هذا: لا تتجاوز الحد في البخل والإمساك حتى تمنعوا الواجب من الصدقة.\rوقال مقاتل: لا تشركوا الأصنام في الحرث والأنعام.\rوقال الزهري: لا تنفقوا في المعصية، وقال مجاهد: الإسراف ما قصرت به عن حق الله عز وجل، وقال: لو كان أبو قبيس ذهبا لرجل فأنفقه في طاعة الله لم يكن مسرفا ولو أنفق درهما أو مدا في معصية الله كان مسرفا. وقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله فهو سرف وإسراف. وروى ابن وهب عن أبي زيد. قال: الخطاب للسلاطين، يقول: لا تأخذوا فوق حقكم.\r{ وَمِنَ الأنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142) }\r__________\r(1) قطعة من حديث أبي هريرة، أخرجه البخاري في الزكاة، باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى: 3 / 294، ومسلم في الزكاة، باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح، برقم(1034): 2 / 717، والمصنف في شرح السنة: 5 / 178، 179.","part":3,"page":196},{"id":987,"text":"{ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143) }\rقوله عز وجل: { وَمِنَ الأنْعَامِ } أي: وأنشأ من الأنعام، { حَمُولَةً } وهي كل ما يحمل عليها من الإبل، { وَفَرْشًا } وهي الصغار من الإبل التي لا تحمل. { كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } لا تسلكوا طريقه وآثاره في تحريم الحرث والأنعام، { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ }\rثم بيّن الحمولة والفرش فقال: { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ } نصبها على البدل من الحمولة والفرش، أي: وأنشأ من الأنعام ثمانية أزواج أصناف، { مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ } أي: الذكر والأنثى، [فالذكر زوج والأنثى] (1) زوج، والعرب تسمي الواحد زوجا إذا كان لا ينفك عن الآخر، والضأن النعاج، وهي ذوات الصوف من الغنم، والواحد ضائن والأنثى ضائنة، والجمع ضوائن، { وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ } قرأ ابن كثير وابن عامر وأهل البصرة \"من المعز\" بفتح العين، والباقون بسكونها، والمعز والمعزى جمع لا\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":196},{"id":988,"text":"واحد له من لفظه، وهي ذوات الشعر من الغنم، وجمع الماعز مَعِيْر، وجميع الماعزة مواعز، { قُلْ } يا محمد { آلذَّكَرَيْنِ حَرَّم } الله عليكم، يعني ذكر الضأن والمعز، { أَمِ الأنْثَيَيْنِ } يعني أنثى الضأن والمعز، { أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنْثَيَيْنِ } منهما، فإنها لا تشتمل إلا على ذكر أو أنثى، { نَبِّئُونِي } أخبروني { بِعِلْمٍ } قال الزجاج: فسِّروا ما حرمتم بعلم، { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } أن الله تعالى حرم ذلك.\r{ وَمِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144) قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145) }\r{ وَمِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنْثَيَيْنِ } وذلك أنهم كانوا يقولون: هذه أنعام وحرث حجر، وقالوا: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، وحرموا البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وكانوا يحرمون بعضها على الرجال والنساء، وبعضها على النساء دون الرجال، فلما قام الإسلام وثبتت الأحكام جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم، وكان خطيبهم مالك بن عوف أبو الأحوض الجشمي، فقال: يا محمد [بلغنا] (1) أنك تحرم أشياء مما كان آباؤنا يفعلونه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إنكم قد حرمتم أصنافا من الغنم على غير أصل، وإنما خلق الله هذه الأزواج الثمانية للأكل والانتفاع بها، فمن أين جاء هذا التحريم؟ من قِبَل الذكر أم من قبل الأنثى\"؟ فسكت مالك بن عوف وتحير فلم يتكلم. فلو قال جاء التحريم بسبب الذكور وجب أن يحرم جميع الذكور، وإن قال بسبب الأنوثة وجب أن يحرم جميع الإناث، وإن كان باشتمال الرحم عليه فينبغي أن يحرم الكل، لأن الرحم لا يشتمل إلا على ذكر أو أنثى، فأما تخصيص التحريم بالولد الخامس أو السابع أو البعض دون البعض 125/ب فمن أين؟.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".","part":3,"page":197},{"id":989,"text":"ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمالك: \"يا مالك: ما لك لا تتكلم؟ قال له مالك: بل تكلم وأسمع منك\".\r{ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ } حضورا { إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ } قيل: أراد به: عمرو بن لحي ومن جاء بعده على طريقته، { إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }\rثم بين أن التحريم والتحليل يكون بالوحي والتنزيل، فقال: { قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا } وروي أنهم قالوا: فما المحرم إذًا فنزل: { قُلْ } يا محمد { لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا } أي: شيئا محرما، { عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ } آكل يأكله، { إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً } قرأ ابن عامر وأبو جعفر \"تكون\" بالتاء، { ميتة } رفع أي: إلا أن تقع ميتة، وقرأ ابن كثير وحمزة \" تكون \" بالتاء، { مَيْتَةً } نصب على تقدير اسم مؤنث، أي: إلا أن تكون النفس، أو: الجثة ميتة، وقرأ الباقون \"يكون\" بالياء \"ميتة\" نصب، يعني إلا أن يكون [المطعوم] (1) ميتة، { أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا } أي: مهراقا سائلا قال ابن عباس: يريد ما خرج من الحيوان، وهن أحياء وما خرج من الأرواح وما يخرج من الأدواج عند الذبح، ولا يدخل فيه الكبد والطحال، لأنهما جامدان، وقد جاء الشرع بإباحتهما، ولا ما اختلط باللحم من الدم، لأنه غير سائل.\rقال عمران بن حُدَيْر: سألت أبا مجلز عما يختلط باللحم من الدم، وعن القِدْر يُرى فيها حمرة الدم؟ فقال: لا بأس به، إنما نهى عن الدم المسفوح.\rوقال إبراهيم: لا بأس بالدم في عرق أو مخ، إلا المسفوح الذي تعمد ذلك، وقال عكرمة: لولا هذه الآية لاتبع المسلمون من العروق ما يتبع اليهود.\r{ أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ } حرام، { أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ } وهو ما ذبح على غير اسم الله تعالى. فذهب بعض أهل العلم إلى أن التحريم مقصور على هذه الأشياء. يُروى ذلك عن عائشة وابن عباس قالوا: ويدخل في الميتة: المنخنقة والموقوذة، وما ذكر في أول سورة المائدة (2) .\rوأكثر العلماء على أن التحريم لا يختص بهذه الأشياء، والمحرم بنص الكتاب ما ذكر هنا (3) .\r__________\r(1) في \"ب\": (الطعام).\r(2) راجع فيما سبق، تفسير الآية (3) من سورة المائدة - في هذا الجزء. ص(10-12).\r(3) انظر: تفسير القرطبي: 7 / 116 وما بعدها، أحكام القرآن للطبري الهراس: 3 / 346-347.","part":3,"page":198},{"id":990,"text":"ذلك معنى قوله تعالى: \"قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما\"، وقد حرمت السنة أشياء يجب القول بها.\rمنها: ما أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ثنا عبد الغافر بن محمد بن عيسى الجلودي ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ثنا مسلم بن الحجاج، قال ثنا عبيد الله بن معاذ العنبري أخبرنا أبي أنا شعبة عن الحكم عن ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: \"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير\" (1) .\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي ثنا زاهر بن أحمد ثنا أبو إسحاق الهاشمي ثنا أبو مصعب عن مالك عن إسماعيل بن أبي حكيم عن عبيدة بن سفيان الحضرمي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"أكل كل ذي ناب من السباع حرام\" (2) .\rوالأصل عند الشافعي: أن ما لم يرد فيه نص تحريم أو تحليل، فإن كان مما أمر الشرع بقتله -كما قال: \"خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم\" (3) أو نهى عن قتله، كما روي أنه نهى عن قتل النحلة والنملة -فهو حرام، وما سوى ذلك فالمرجع فيه إلى الأغلب من عادات العرب، فما يأكله الأغلب منهم فهو حلال، وما لا يأكله الأغلب منهم فهو حرام، لأن الله تعالى خاطبهم بقوله:(قل أحل لكم الطيبات)، فثبت أن ما استطابوه فهو حلال.\r{ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } أباح أكل هذه المحرمات عند الاضطرار في غير العدوان.\r{ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (146) }\rقوله عز وجل: { وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا } يعني اليهود، { حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ } وهو ما لم يكن مشقوق الأصابع من البهائم والطير مثل: البعير والنعامة والأوز والبط، قال القتيبي: هو كل ذي مخلب\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الصيد والذبائح، باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع... برقم(1934): 3 / 1534. والمصنف في شرح السنة: 11 / 234.\r(2) أخرجه مسلم في الموضع السابق - برقم(1933): 3 / 1534. والمصنف في الموضع نفسه.\r(3) أخرجه البخاري في جزاء الصيد، باب ما يقتل المحرم من الدواب: 4 / 34، ومسلم في الحج باب ما يندب للمحرم وغيره قتله، برقم(1198): 2 / 856.","part":3,"page":199},{"id":991,"text":"من الطير وكل ذي حافر من [الدواب] (1) وحكاه عن بعض المفسرين، وقال: سمي الحافر ظفرا على الاستعارة.\r{ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا } يعني شحوم الجوف، وهي الثروب، وشحم الكليتين، { إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا } أي: إلا ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما، { أَوِ الْحَوَايَا } وهي المباعر، واحدتها: حاوية وحوية، أي: ما حملته الحوايا من الشحم. { أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ } يعني: شحم الإلية، هذا كله داخل في الاستثناء، والتحريم مختص بالثَّرْبِ (2) وشحم الكلية. أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا قتيبة أنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة \"إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام\" فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا هو حرام. ثم قال رسول الله عند ذلك: \"قاتل الله اليهود إن الله عز وجل لما حرم شحومهما جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه\" (3) .\r{ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ } أي: ذلك التحريم عقوبة لهم { بِبَغْيِهِمْ } أي: بظلمهم من قتلهم الأنبياء وصدهم عن سبيل الله وأخذهم الربا واستحلال أموال الناس بالباطل، { وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } في الإخبار عما حرمنا عليهم وعن بغيهم.\r__________\r(1) في \"أ\": (السباع).\r(2) الثرب: على وزن (فَلَس): شحم رقيق على الكرش والأمعاء.\r(3) أخرجه البخاري في البيوع، باب بيع الميتة والأصنام: 4 / 424، ومسلم في المساقاة، باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، برقم(1581): 3 / 207. والمصنف في شرح السنة: 8 / 30.","part":3,"page":200},{"id":992,"text":"{ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147) سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ (148) }\r{ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ } بتأخير العذاب عنكم، { وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ }","part":3,"page":200},{"id":993,"text":"[عذابه] (1) { عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ } إذا جاء وقته.\r{ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا } لما لزمتهم الحجة وتيقنوا بطلان ما كانوا عليه من الشرك بالله وتحريم ما لم يحرمه الله [قالوا] (2) { لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا } من قبل، { وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ } من البحائر والسوائب وغيرهما، أرادوا أن يجعلوا قوله: { لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا } حجة لهم على إقامتهم على الشرك، وقالوا إن الله تعالى قادر على أن يحول بيننا وبين ما نحن عليه حتى لا نفعله، فلولا أنه رضي بما نحن عليه وأراده منا وأمرنا به لحال بيننا وبين ذلك، فقال الله تعالى تكذيبا لهم: { كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } من كفار الأمم الخالية، { حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا } عذابنا.\rويستدل أهل القدر بهذه الآية، يقولون: إنهم لما قالوا: لو شاء الله ما أشركنا كذبهم الله ورد عليهم، فقال: \"كذلك كذب الذين من قبلهم\" .\rقلنا: التكذيب ليس في قولهم \"لو شاء الله ما أشركنا\" بل ذلك القول صدق ولكن في قولهم: إن الله تعالى أمرنا بها ورضي بما نحن عليه، كما أخبر عنهم في سورة الأعراف(الآية 28):(وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها) ، فالرد عليهم في هذا كما قال تعالى:(قل إن الله لا يأمر بالفحشاء).\rوالدليل على أن التكذيب ورد فيما قلنا لا في قولهم: \"لو شاء الله ما أشركنا\"، قوله: { كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } بالتشديد 126\\أ ولو كان ذلك خبرا من الله عز وجل عن كذبهم في قولهم: { لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا } لقال كذب الذين [من قبلهم] (3) بالتخفيف فكان ينسبهم إلى الكذب لا إلى التكذيب. وقال الحسن بن الفضل: لو ذكروا هذه المقالة تعظيما وإجلالا لله عز وجل، ومعرفة منهم به لما عابهم بذلك، لأن الله تعالى قال: { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا } وقال:(وما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله)(الأنعام، 111)، والمؤمنون يقولون ذلك، ولكنهم قالوه تكذيبا وتخرصا وجدلا من غير معرفة بالله وبما يقولون، نظيره قوله عز وجل:(وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم)(الزخرف، 20)، قال الله تعالى:(ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون)(الأنعام، 116).\rوقيل في معنى الآية: إنهم كانوا يقولون الحق بهذه الكلمة إلا أنهم كانوا يعدونه عذرا لأنفسهم ويجعلونه حجة لأنفسهم في ترك الإيمان، ورد عليهم في هذا لأن أمر الله بمعزل عن مشيئته وإرادته، فإنه مريد لجميع الكائنات غير آمر بجميع ما يريد، وعلى العبد أن يتبع أمره وليس له أن يتعلق\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":201},{"id":994,"text":"بمشيئته، فإن مشيئته لا تكون عذرا لأحد.\r{ قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ } أي: كتاب وحجة من الله، { فَتُخْرِجُوهُ لَنَا } حتى يظهر ما تدَّعون على الله تعالى من الشرك أو تحريم ما حرمتم، { إِنْ تَتَّبِعُونَ } ما تتبعون فيما أنتم عليه، { إِلا الظَّنَّ } من غير علم ويقين، { وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ } تكذبون.\r{ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149) قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150) قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) }\r{ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ } التامة على خلقه بالكتاب [والرسول] (1) والبيان، { فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } فهذا يدل على أنه لم يشأ إيمان الكافر، ولو شاء لهداه.\r{ قُلْ هَلُمَّ } يقال للواحد والاثنين والجمع، { شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ } أي: ائتوا بشهدائكم الذين يشهدون، { أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا } هذا راجع إلى ما تقدم من تحريمهم الأشياء على أنفسهم ودعواهم أن الله أمرهم به، { فَإِنْ شَهِدُوا } كاذبين، { فَلا تَشْهَدْ } أنت، { مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } أي: يشركون.\rقوله عز وجل: { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } وذلك أنهم سألوا وقالوا: أي شيء الذي حرم الله تعالى؟ فقال عز وجل: \"قل تعالوا أتل\" أقرأ ما حرم ربكم عليكم حقا يقينا لا ظنا ولا كذبا كما تزعمون.\rفإن قيل: ما معنى قوله \"حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا\" والمحرم هو الشرك لا ترك الشرك؟ .\r__________\r(1) في \"أ\": (والرسل).","part":3,"page":202},{"id":995,"text":"قيل: موضع \" أن \" رفع، معناه هو أن لا تشركوا، وقيل: محله نصب، واختلفوا في وجه انتصابه، قيل: معناه حرم عليكم أن تشركوا به، و \"لا\" صلة كقوله تعالى:(ما منعك أن لا تسجد)(الأعراف، 12)، أي: منعك أن تسجد. وقيل: تم الكلام عند قوله \"حرم ربكم\" ثم قال: عليكم أن لا تشركوا به شيئا على الإغراء. قال الزجاج: يجوز أن يكون هذا محمولا على المعنى، أي: أتل عليكم تحريم الشرك، وجائز أن يكون على معنى: أوصيكم ألا تشركوا به شيئا. { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ } فقر، { نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ } أي: لا تئدوا بناتكم خشية العيلة، فإني رازقكم وإياهم، { وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } [ما ظهر يعني: العلانية، وما بطن] (1) يعني: السر.\rوكان أهل الجاهلية يستقبحون الزنا في العلانية ولا يرون به بأسا في السر فحرم الله تعالى الزنا في العلانية والسر.\rوقال الضحاك: ما ظهر: الخمر، وما بطن: الزنا.\r{ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ } حرم الله تعالى قتل المؤمن والمعاهد إلا بالحق، إلا بما يبيح قتله من ردة أو قصاص أو زنا يوجب الرجم.\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ثنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري ثنا حاجب بن أحمد الطوسي ثنا محمد بن حماد ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة\" (2) .\r{ ذَلِكُمْ } الذي ذكرت { وَصَّاكُمْ بِهِ } أمركم به، { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) أخرجه البخاري في الديات، باب قول الله تعالى: \"أن النفس بالنفس..\" 12 / 201، ومسلم في القسامة، باب بيان ما يباح به دم المسلم (1676): 3 / 1302، والمصنف في شرح السنة: 10 / 147.","part":3,"page":203},{"id":996,"text":"{ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) }\r{ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } يعني: بما فيه صلاحه وتثميره. وقال مجاهد:","part":3,"page":203},{"id":997,"text":"هو التجارة فيه. وقال الضحاك: هو أن يبتغي له فيه ولا يأخذ من ربحه شيئا، { حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } قال الشعبي ومالك: الأشد: الحلم، حتى يكتب له الحسنات [وتكتب عليه] (1) السيئات. قال أبو العالية: حتى يعقل وتجتمع قوته. وقال الكلبي: الأشد ما بين الثمانية عشر سنة إلى ثلاثين سنة. وقيل: إلى أربعين سنة. وقيل: إلى ستين سنة. وقال الضحاك: عشرون سنة. وقال السدي: ثلاثون سنة. وقال مجاهد: الأشد ثلاث وثلاثون سنة.\rوالأشد جمع شد، مثل قد وأقد، وهو استحكام قوة شبابه وسنه، ومنه شد النهار وهو ارتفاعه. وقيل بلوغ الأشد أن يؤنس رشده بعد البلوغ.\rوتقدير الآية: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن على الأبد حتى يبلغ أشده، فادفعوا إليه ماله إن كان رشيدا.\r{ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ } بالعدل، { لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا } أي: طاقتها في إيفاء الكيل والميزان، أي: لم يكلف المعطي أكثر مما وجب عليه، ولم يكلف صاحب الحق الرضا بأقل من حقه، حتى لا تضيق نفسه عنه، بل أمر كل واحد منهما بما يسعه مما لا حرج عليه فيه.\r{ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا } فاصدقوا في الحكم والشهادة، { وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى } أي: ولو كان المحكوم والمشهود عليه ذا قرابة، { وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } تتعظون، قرأ حمزة والكسائي وحفص تذكرون [خفيفة] (2) الذال، كل القرآن، والآخرون بتشديدها.\rقال ابن عباس: هذه الآيات محكمات في جميع الكتب، لم ينسخهن شيء وهن محرمات على بني آدم كلهم، وهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار.\r{ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154) }\r{ وَأَنَّ هَذَا } أي: هذا الذي وصيتكم به في هاتين الآيتين { صِرَاطِي } طريقي وديني،\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) في \"ب\": (بتخفيف).","part":3,"page":204},{"id":998,"text":"{ مُسْتَقِيمًا } مستويا قويما، { فَاتَّبِعُوهُ } قرأ حمزة والكسائي \"وإن\" بكسر الألف على الاستئناف، وقرأ الآخرون: بفتح الألف، قال الفراء: والمعنى وأتل عليكم أن هذا صراطي مستقيما. وقرأ ابن عامر ويعقوب: بسكون النون. { وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ } أي: الطرق المختلفة التي عدا هذا الطريق، مثل اليهودية والنصرانية وسائر الملل، وقيل: الأهواء والبدع، { فَتَفَرَّقَ } فتميل، { بِكُمْ } وتشتت، { عَنْ سَبِيلِهِ } عن طريقه ودينه الذي ارتضى، وبه أوصى، { ذَلِكُمْ } الذي ذكرت، { وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }\rأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي المعروف 126/ب بأبي بكر بن أبي الهيثم أنا الحاكم أبو الفضل محمد بن الحسين الحدادي ثنا أبو يزيد محمد بن يحيى بن خالد ثنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبد الله قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا ثم قال: \"هذا سبيل الله، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، وقال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه\" ثم قرأ\" \"وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه\" الآية. (1)\rقوله عز وجل: { ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ } فإن قيل: لِمَ قال: \"ثم آتينا\" وحرف \"ثم\" للتعقيب وإيتاء موسى الكتاب كان قبل مجيء القرآن؟ قيل: معناه ثم أخبركم أنا آتينا موسى الكتاب، فدخل \"ثم\" لتأخير الخبر لا لتأخير النزول.\r{ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ } اختلفوا فيه، قيل: تماما على المحسنين من قومه، فتكون \"الذي\" بمعنى من، أي: على من أحسن من قومه، وكان بينهم محسن ومسيء، يدل عليه قراءة ابن مسعود: \"على الذين أحسنوا\" وقال أبو عبيدة: معناه على كل من أحسن، أي: أتممنا فضيلة موسى بالكتاب على المحسنين، يعني: أظهرنا فضله عليهم، والمحسنون هم الأنبياء والمؤمنون، وقيل: \"الذي أحسن\" هو موسى، و \"الذي\" بمعنى ما، أي: على ما أحسن موسى، تقديره: آتيناه الكتاب، يعني التوراة، إتماما عليه للنعمة، لإحسانه في الطاعة والعبادة، وتبليغ الرسالة وأداء الأمر.\rوقيل: الإحسان بمعنى العلم، وأحسن بمعنى علم، ومعناه: تماما على الذي أحسن موسى\r__________\r(1) أخرجه الدارمي في المقدمة ، باب كراهية أخذ الرأي : 1 / 67 ، والطبري في التفسير برقم (14168) ، وصححه الحاكم : 2 / 318 ، ووافقه الذهبي ، وأخرجه أيضا الآجري في الشريعة ص(10) واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة : 1 / 80-81 ، وابن أبي عاصم في السنة : 1 / 13 ، والإمام أحمد في المسند 1 / 435 . قال الهيثمي في المجمع : 7 / 22 : \" رواه أحمد والبزار ، وفيه عاصم بن بهدلة ، وهو ثقة وفيه ضعف \" وأخرجه المصنف في شرح السنة : 1 / 196-197 وانظر : تفسير ابن كثير : 2 / 191.","part":3,"page":205},{"id":999,"text":"من العلم والحكمة، أي آتيناه الكتاب زيادة على ذلك.\rوقيل: معناه تماما مني على إحساني إلى موسى.\r{ وَتَفْصِيلا } بيانا { لِكُلِّ شَيْءٍ } يحتاج إليه من شرائع الدين، { وَهُدًى وَرَحْمَةً } هذا في صفة التوراة، { لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ } قال ابن عباس: كي يؤمنوا بالبعث ويصدقوا بالثواب والعقاب.\r{ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (157) }\r{ وَهَذَا } يعني: القرآن، { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ } واعملوا بما فيه، { وَاتَّقُوا } وأطيعوا، { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }\r{ أَنْ تَقُولُوا } يعني: لئلا تقولوا، كقوله تعالى: \"يبين الله لكم أن تضلوا\"(النساء، 176)، أي: لئلا تضلا وقيل: معناه أنزلناه كراهة { أَنْ تَقُولُوا } قال الكسائي: معناه اتقوا أن تقولوا يا أهل مكة، { إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا } يعني: اليهود والنصارى، { وَإِنْ كُنَّا } وقد كنا، { عَنْ دِرَاسَتِهِمْ } قراءتهم، { لَغَافِلِينَ } لا نعلم ما هي، معناه أنزلنا عليكم القرآن لئلا تقولوا إن الكتاب أنزل على من قبلنا بلسانهم ولغتهم فلم نعرف ما فيه وغفلنا عن دراسته، فتجعلونه عذرا لأنفسكم.\r{ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ } وقد كان جماعة من الكفار قالوا ذلك لو أنا أنزل علينا ما أنزل على اليهود والنصارى لكنا خيرا منهم، قال الله تعالى: { فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ } حجة واضحة بلغة تعرفونها، { وَهُدًى } بيان { وَرَحْمَةٌ } ونعمة لمن اتبعه، { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ } أعرض، { عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ } شدة العذاب { بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ } [يعرضون] (1) .\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":206},{"id":1000,"text":"{ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158) }\rقوله تعالى: { هَلْ يَنْظُرُونَ } أي: هل ينتظرون بعد تكذيبهم الرسل وإنكارهم القرآن، { إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ } لقبض أرواحهم، وقيل: بالعذاب، قرأ حمزة والكسائي \"يأتيهم\" بالياء هاهنا وفي النحل، والباقون بالتاء، { أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ } بلا كيف، لفصل القضاء بين خلقه في موقف القيامة، { أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ } يعني طلوع الشمس من مغربها، عليه أكثر المفسرين ورواه أبو سعيد الخدري مرفوعا (1) . { يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ } أي: لا ينفعهم الإيمان عند ظهور الآية التي تضطرهم إلى الإيمان، { أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا } يريد: لا يقبل إيمان كافر ولا توبة فاسق { قُلِ انْتَظِرُوا } يا أهل مكة، { إِنَّا مُنْتَظِرُونَ } بكم العذاب.\rأخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي ثنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي ثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان ثنا أحمد بن يوسف السلمي ثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن همام بن منبه ثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعين، وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا\" (2) .\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أنا حاجب بن أحمد الطوسي أنا محمد بن حماد ثنا أبو معاوية الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبيدة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يدا الله بسطان لمسيء الليل ليتوب بالنهار، ولمسيء النهار ليتوب بالليل، حتى تطلع الشمس من مغربها\" (3) .\r__________\r(1) أخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى: \"أو يأتي بعض آيات ربك\" قال: \"طلوع الشمس من مغربها\". قال الترمذي: هذا حديث غريب، ورواه بعضهم ولم يرفعه، انظر: السنن، تفسير سورة الأنعام: 8 / 448-449. ويؤيد ما أخرجه أيضا عن أبي هريرة وهو الحديث الآتي بعده.\r(2) أخرجه البخاري في تفسير سورة الأنعام، باب قوله تعالى: \"هلم شهداءكم\": 8 / 297 ومسلم في الإيمان، باب بيان الزمن الذي لا يقبل الله فيه الإيمان، برقم(157: 1 / 137.\r(3) أخرجه مسلم في التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب، برقم(2759): 4 / 2113، بلفظ: \"إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب...\". والمصنف في شرح السنة: 5 / 82.","part":3,"page":207},{"id":1001,"text":"أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ثنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني أنا حميد بن زنجويه أنا النضر بن شميل أنا هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه\" (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أبو منصور السمعاني أنا أبو جعفر الرياني أنا حميد بن زنجويه أنا أحمد بن عبد الله أنا حماد بن زيد أنا عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال: أتيت صفوان بن عسال المرادي فذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أن الله عز وجل جعل بالمغرب بابا مسيرة عرضه سبعون عاما للتوبة لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله\"، وذلك قول الله تعالى: \"يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل\" (2) .\rوروى أبو حازم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا: الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها\". (3) .\r{ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159) }\rقوله عز وجل: { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ } قرأ حمزة والكسائي: \" فارقوا \" ، بالألف هاهنا وفي سورة الروم، أي: خرجوا من دينهم وتركوه وقرأ الآخرون: \"فرقوا\" مشددا، أي: جعلوا دين الله وهو واحد -دين إبراهيم عليه السلام الحنيفية -أديانا مختلفة، فتهود قوم وتنصر قوم، يدل عليه قوله عز وجل: { وَكَانُوا شِيَعًا } أي: صاروا فرقا مختلفة وهم اليهود والنصارى في قول مجاهد وقتادة والسدي.\rوقيل: هم أصحاب البدع والشبهات من هذه الأمة. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء.. باب استحباب الاستغفار، برقم(2703): 4 / 2076، والمصنف في شرح السنة 5 / 83.\r(2) أخرجه الترمذي في الدعوات، باب ما جاء في فضل التوبة والاستغفار: 9 / 517-519 مطولا، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه ابن ماجه في الفتن، باب طلوع الشمس من مغربها، برقم(4070) 2 / 1353، والطيالسي في المسند ص(160-161)، والمصنف في شرح السنة: 5 / 89.\r(3) أخرجه مسلم في الإيمان، باب بيان الزمن الذي لا يقبل الله فيه الإيمان، برقم(158): 1 / 138.","part":3,"page":208},{"id":1002,"text":"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: \"يا عائشة 127\\أ إن الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعا هم أصحاب البدع والشبهات من هذه الأمة\" (1) .\rحدثنا أبو الفضل زياد بن محمد بن زياد الحنفي أنا أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الأنصاري أنا أبو عبد الله محمد بن عقيل بن الأزهري بن عقيل الفقيه البلخي أنا الرمادي أحمد بن منصور أنا الضحاك بن مخلد أنا ثور بن يزيد نا خالد بن معدان عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي عن العرباض بن سارية قال: \"صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، وقال قائل: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا: فقال: \"أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا، فإن من يعيش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة\" (2) .\rوروي عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن بني إسرائيل تفرقت على اثنين وسبعين فرقة، وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا واحدة\"، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: \"ما أنا عليه وأصحابي\" (3) .\rقال عبد الله بن مسعود: \"فإن أحسن الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلمُ\r__________\r(1) عزاه ابن كثير لابن مردويه، وقال: \"وهو غريب.. ولا يصح رفعه\". ثم قال: \"والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفا له، فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد، لا اختلاف فيه ولا افتراق\". تفسير ابن كثير: 2 / 197.\r(2) أخرجه أبو داود في السنة، باب لزوم السنة: 7 / 11، وسكت عنه المنذري، وأخرجه الترمذي في العلم، باب ما جاء في الأخذ في السنة واجتناب البدع: 7 / 437-442، وقال: حديث حسن صحيح. وابن ماجه في المقدمة، برقم (42 و43): 1 / 15-16، والدارمي في المقدمة: 1 / 44، وصححه ابن حبان ص(102) من موارد الظمآن، وأخرجه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد: 1 / 74-75، والآجري في الشريعة ص(46-47)، وابن أبي عاصم في السنة: 1 / 17-19، وأخرجه الحاكم: 1 / 95 وقال: صحيح ليس له علة. والإمام أحمد: 4 / 126-127. والمصنف في شرح السنة: 1 / 205.\r(3) روي هذا الحديث من طرق كثيرة عن عدد من الصحابة بألفاظ مختلفة، فقد أخرجه أبو داود في السنة: 7 / 3-4، والترمذي في الإيمان، باب افتراق هذه الأمة: 7 / 397 وقال: حسن صحيح. وابن ماجه في الفتن برقم(3991): 2 / 1321، والدارمي في السير: 2 / 241، وابن حبان برقم(1834) من الموارد، وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي: 1 / 128-129، والإمام أحمد في المسند: 2 / 232. وأخرجه أيضا ابن أبي عاصم في السنة: 1 / 7، واللالكائي: 1 / 100، والآجري في الشريعة ص(14-16) وانظر: الوصية الكبري لشيخ الإسلام ابن تيمية بتحقيقنا، ص(45-46) طبع مكتبة الصديق.","part":3,"page":209},{"id":1003,"text":"وشر الأمور محدثاتها\" (1) . ورواه جابر مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) .\rقوله عز وجل: { لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ } قبل: لست من قتالهم في شيء، نسختها آية القتال (3) وهذا على قول من يقول: المراد في الآية اليهود والنصارى، ومن قال: أراد بالآية أهل الأهواء قال: المراد من قوله: \"لست منهم في شيء\" أي أنت منهم بريء وهم منك برآء، تقول العرب: إن فعلت كذا فلست مني ولست منك أي: كل واحد منا بريء من صاحبه، { إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ } يعني: في الجزاء والمكافآت، { ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } إذا وردوا للقيامة.\r{ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (160) قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) }\rقوله عز وجل: { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } أي: له عشر حسنات أمثالها، وقرأ يعقوب \"عشر\" منون، \"أمثالها\" بالرفع، { وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ }\rأخبرنا حسان بن سعيد المنيعي ثنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي ثنا أبو بكر محمد بن الحسن القطان ثنا محمد بن يوسف القطان ثنا محمد بن يوسف السلمي ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه ثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إذا أحسن أحدكم إسلامه فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الاعتصام، باب الاقتداء بالسنن: 13 / 251. والمصنف في شرح السنة 1 / 211. قال ابن حجر في الفتح: \"ظاهر سياق الحديث أنه موقوف، لكن القدر الذي له حكم الرفع منه، قوله: \"وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم\" فإن فيه إخبارا عن صفة من صفاته صلى الله عليه وسلم، وهو أحد أقسام المرفوع، وقلّ من نبه على ذلك. وهو كالمتفق عليه لتخريج المصنفين المقتصرين على الأحاديث المرفوعة - الأحاديث الواردة في شمائله صلى الله عليه وسلم، فإن أكثرها يتعلق بصفة خلقه وذاته، كوجهه وشعره، وكذا بصفة خلقه كحلمه وصفحه. وهذا مندرج في ذلك، مع أن الحديث جاء عن ابن مسعود مصرحا فيه بالرفع من وجه آخر أخرجه أصحاب السنن، ولكنه ليس على شرط البخاري\".\r(2) هذه الرواية أخرجها مسلم في كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة برقم (867): 2 / 592. والمصنف في شرح السنة: 1 / 211. وانظر فتح الباري: 13 / 253.\r(3) انظر فيما سبق التعليق على تفسير الآية (13) من سورة المائدة في هذا الجزء. ص(32-33).","part":3,"page":210},{"id":1004,"text":"حتى يلقى الله عز وجل\" (1) .\rوأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني ثنا عبد الغافر بن محمد الفارسي ثنا محمد بن عيسى الجلودي ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ثنا مسلم بن الحجاج ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا وكيع ثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يقول الله تبارك وتعالى: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة بمثلها أو أغفر، ومن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة\" (2) .\rقال ابن عمر: الآية في غير الصدقات من الحسنات، فأما الصدقات تضاعف سبعمائة ضعف.\rقوله عز وجل: { قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا } قرأ أهل الكوفة والشام \"قيما\" بكسر القاف وفتح الياء خفيفة، وقرأ الآخرون بفتح القاف وكسر الياء مشددا ومعناهما واحد وهو القويم المستقيم، وانتصابه على معنى هداني دينا قيما، { مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }\r{ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي } قيل: أراد بالنسك الذبيحة في الحج والعمرة، وقال مقاتل: نسكي: حجي، وقيل: ديني، { وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي } أي: حياتي ووفاتي، { لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } أي: هو يحييني ويميتني، وقيل: محياي بالعمل الصالح ومماتي إذا مت على الإيمان لله رب العالمين، وقيل: طاعتي في حياتي لله وجزائي بعد مماتي من الله رب العالمين. قرأ أهل المدينة: \"ومحياي\" بسكون الياء و \"مماتي\" بفتحها، وقراءة العامة \"محياي\" بفتح الياء لئلا يجتمع ساكنان.\rقوله تعالى: { لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } قال قتادة: وأنا أول المسلمين من هذه الأمة.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الإيمان، باب حسن إسلام المرء: 1 / 100، وبنحوه في التوحيد، ومسلم في الإيمان، باب إذا همّ العبد بحسنة كتبت، وإذا همّ بسيئة لم تكتب، برقم (129): 1 / 118-119، والمصنف في شرح السنة: 14 / 338.\r(2) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء، باب فضل الذكر والدعاء إلى الله تعالى، برقم (2687): 4 / 2068، والمصنف في شرح السنة: 5 / 25-26.","part":3,"page":211},{"id":1005,"text":"{ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165) }\r{ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا } قال ابن عباس رضي الله عنهما: سيدا وإلها { وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ } وذلك أن الكفار كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: ارجع إلى ديننا. قال ابن عباس: كان الوليد بن المغيرة يقول: اتبعوا سبيلي أحمل عنكم أوزاركم، فقال الله تعالى: { وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلا عَلَيْهَا } لا تجني كل نفس إلا ما كان من إثمه على الجاني، { وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } أي لا تحمل نفس حمل أخرى، أي: لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، { ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }\r{ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأرْضِ } يعني: أهلك أهل القرون الماضية وأورثكم الأرض يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم من بعدهم، فجعلكم خلائف منهم فيها تخلفونهم فيها وتعمرونها بعدهم، والخلائف جمع خليفة كالوصائف جمع وصيفة، وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة لأنه يخلفه. { وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ } أي: خالف بين أحوالكم فجعل بعضكم فوق بعض في الخلق والرزق والمعاش والقوة والفضل، { لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ } ليختبركم فيما رزقكم، يعني: يبتلي الغني والفقير والشريف والوضيع والحر والعبد، ليظهر منكم ما يكون عليه من الثواب والعقاب، { إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ } لأن ما هو آت فهو سريع قريب، قيل: هو الهلاك في الدنيا، { وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } قال عطاء: سريع العقاب لأعدائه غفور لأوليائه رحيم بهم.","part":3,"page":212},{"id":1006,"text":"سورة الأعراف\r{ المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ (3) وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4) }\rسورة الأعراف\rمكية كلها إلا خمس آيات، أولها \"واسألهم عن القرية التي كانت\" 128/أ\r{ المص }\r{ كِتَابٌ } أي: هذا كتاب، { أُنْزِلَ إِلَيْكَ } وهو القرآن، { فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ } قال مجاهد: شك، فالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمة. وقال أبو العالية: حرج أي ضيق، معناه لا يضيق صدرك بالإبلاغ وتأدية ما أرسلت به، { لِتُنْذِرَ بِهِ } أي: كتاب أنزل إليك لتنذر به، { وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } أي: عظة لهم، وهو رفع، مردود على الكتاب.\r{ اتَّبِعُوا } أي: وقل لهم اتبعوا: { مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ } أي: لا تتخذوا غيره أولياء تطيعونهم في معصية الله تعالى، { قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ } تتعظون، وقرأ ابن عامر: \" يتذكرون \" بالياء والتاء.\r{ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا } بالعذاب، { وَكَم } للتكثير و \"رب\" للتقليل، { فَجَاءَهَا بَأْسُنَا }","part":3,"page":213},{"id":1007,"text":"عذابنا، { بَيَاتًا } ليلا { أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } من القيلولة، تقديره: فجاءها بأسنا ليلا وهم نائمون، أو نهارا وهم قائلون، أي نائمون ظهيرة، والقيلولة الاستراحة نصف النهار، وإن لم يكن معها نوم. ومعنى الآية: أنهم جاءهم بأسنا وهم غير متوقعين له إما ليلا أو نهارا. قال الزجاج: و \"أو\" لتصريف العذاب، مرة ليلا ومرة نهارا، وقيل: معناه من أهل القرى من أهلكناهم ليلا ومنهم من أهلكناهم نهارا.\rفإن قيل: ما معنى أهلكناها فجاءها بأسنا؟ فكيف يكون مجيء البأس بعد الهلاك؟ قيل: معنى قوله: \"أهلكنا\" أي: حكمنا بإهلاكها فجاءها بأسنا. وقيل: فجاءها بأسنا هو بيان قوله \"أهلكناها\" مثل قول القائل: أعطيتني فأحسنت إلي، لا فرق بينه وبين قوله: أحسنت إلي فأعطيتني، فيكون أحدهما بدلا من الآخر.\r{ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5) فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (7) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) }\r{ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ } أي: قولهم ودعاؤهم وتضرعهم، والدعوى تكون بمعنى الادعاء وبمعنى الدعاء، قال سيبويه: تقول العرب اللهم أشركنا في صالح دعوى المسلمين أي في دعائهم، { إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا } عذابنا، { إِلا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } معناه لم يقدروا على رد العذاب، وكان حاصل أمرهم الاعتراف بالجناية حين لا ينفع الاعتراف.\r{ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ } يعني: الأمم عن إجابتهم الرسل، وهذا سؤال توبيخ لا سؤال استعلام، يعني: لنسألهم عما عملوا فيما بلغتهم الرسل، { وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ } عن الإبلاغ.\r{ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ } أي: لنخبرنهم عن علم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ينطق عليهم كتاب أعمالهم، كقوله تعالى:(هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق).(الجاثية، 29)، { وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ } عن الرسل فيما بلغوا، وعن الأمم فيما أجابوا.\rقوله عز وجل: { وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ } يعني: يوم السؤال، قال مجاهد: معناه والقضاء يومئذ العدل. وقال الأكثرون: أراد به وزن الأعمال بالميزان، وذاك أن الله تعالى ينصب ميزانا له لسان وكفتان كل كفة بقدر ما بين المشرق والمغرب.","part":3,"page":214},{"id":1008,"text":"واختلفوا في كيفية الوزن، فقال بعضهم: تُوزن صحائف الأعمال: وروينا: \"أن رجلا ينشر عليه تسعة وتسعون سجلا كل سجل مد البصر، فيخرج له بطاقة فيها شهادة أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة\" (1) .\rوقيل: توزن الأشخاص، وروينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة\" (2) .\rوقيل: توزن الأعمال، روي ذلك عن ابن عباس، فيؤتى بالأعمال الحسنة على صورة حسنة وبالأعمال السيئة على صورة قبيحة فتوضع في الميزان، والحكمة في وزن الأعمال امتحان الله عباده بالإيمان في الدنيا وإقامة الحجة عليهم في العقبى، { فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ } قال مجاهد: حسناته، { فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }\r{ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9) وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ (10) وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) }\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الإيمان، باب فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله: 7 / 395-397، وقال: حديث حسن غريب، وابن ماجه في الزهد، باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة، برقم(4300): 2 / 1437، وصححه الحاكم: 1 / 6، وابن حبان ص(625) من الموارد، وأخرجه الإمام أحمد: 2 / 213، والمصنف في شرح السنة: 15 / 134.\r(2) أخرجه البخاري في التفسير، باب \"أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم\": 8 / 426، ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم، باب صفة القيامة والجنة والنار، برقم(2785): 4 / 2147، والمصنف في شرح السنة: 15 / 143.","part":3,"page":215},{"id":1009,"text":"{ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) }\r{ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ } يجحدون، قال أبو بكر رضي الله عنه حين حضره الموت في وصيته لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا، وثقله عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الحق غدا أن يكون ثقيلا وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في","part":3,"page":215},{"id":1010,"text":"الدنيا، وخفته عليهم، وحق لميزان يوضع فيه الباطل غدا أن يكون خفيفا.\rفإن قيل: قد قال: \"من ثقلت موازينه\" ذكر بلفظ الجمع، والميزان واحد؟ قيل: يجوز أن يكون لفظه جمعا ومعناه واحد كقوله: \"يا أيها الرسل\"، وقيل: لكل عبد ميزان، وقيل: الأصل ميزان واحد عظيم، ولكل عبد فيه ميزان معلق به، وقيل جمعه: لأن الميزان يشتمل على الكفتين والشاهدين واللسان، ولا يتم الوزن إلا باجتماعها.\rقوله تعالى: { وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأرْضِ } أي: مكناكم والمراد من التمكين التمليك والقدرة، { وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ } أي: أسبابا تعيشون بها أيام حياتكم من التجارات والمكاسب والمآكل والمشارب والمعايش جمع المعيشة، { قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ } فيما صنعت إليكم.\rقوله عز وجل: { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } قال ابن عباس: خلقناكم، أي: أصولكم وآباءكم ثم صورناكم في أرحام أمهاتكم. وقال قتادة والضحاك والسدي: أما \"خلقناكم\" فآدم، وأما \"صورناكم\" فذريته. وقال مجاهد في خلقناكم: آدم، ثم صورناكم في ظهر آدم بلفظ الجمع، لأنه أبو البشر ففي خلقه خلق من يخرج من صلبه، وقيل: خلقناكم في ظهر آدم ثم صورناكم يوم الميثاق حين أخرجكم كالذر. وقال عكرمة: خلقناكم في أصلاب الرجال ثم صورناكم في أرحام النساء. وقال يمان: خلق الإنسان في الرحم ثم صوره وشق سمعه وبصره وأصابعه. وقيل: الكل آدم خلقه وصوّره و \"ثم\" بمعنى الواو.\r{ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ } فإن قيل: الأمر بسجود الملائكة كان قبل خلق بني آدم، فما وجه قوله \"ثم قلنا\" وثم للترتيب وللتراخي؟ قيل: على قول من يصرف الخلق والتصوير إلى آدم وحده يستقيم هذا الكلام، إما على قول من يصرفه إلى الذرية: فعنه أجوبة:\rأحدها \"ثم\" بمعنى الواو، أي: وقلنا للملائكة، فلا تكون للترتيب والتعقيب.\rوقيل: أراد \"ثم\" أخبركم أنا قلنا للملائكة اسجدوا.\rوقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره ولقد خلقناكم، يعني: آدم ثم قلنا للملائكة اسجدوا ثم صورناكم.\rقوله تعالى: { فَسَجَدُوا } يعني الملائكة، { إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ } لآدم.\r{ قَالَ } الله تعالى يا إبليس: { مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ } أي: وما منعك أن تسجد","part":3,"page":216},{"id":1011,"text":"و \"لا\" زائدة كقوله تعالى: \"وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون\" 128/ب (الأنبياء، 95). { قَالَ } إبليس مجيبا { أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ } لأنك { خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ } والنار خير وأنور من الطين.\rقال ابن عباس: أول من قاس إبليس فأخطأ القياس، فمن قاس الدين بشيء من رأيه قرنه الله مع إبليس.\rقال ابن سيرين: ما عبدت الشمس إلا بالقياس.\rقال محمد بن جرير: ظن الخبيث أن النار خير من الطين ولم يعلم أن الفضل لمن جعل الله له الفضل، وقد فضل الله الطين على النار من وجوه منها: أن من جوهر الطين الرزانة والوقار والحلم والصبر وهو الداعي لآدم بعد السعادة التي سبقت له إلى التوبة والتواضع والتضرع فأورثه الاجتباء والتوبة والهداية، ومن جوهر النار الخفة والطيش والحدة والارتفاع وهو الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار، فأورثه اللعنة والشقاوة، ولأن الطين سبب جمع الأشياء والنار سبب تفرقها ولأن التراب سبب الحياة، فإن حياة الأشجار والنبات به، والنار سبب الهلاك.\r{ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) }\rقوله تعالى: { قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا } أي: من الجنة، وقيل: من السماء إلى الأرض وكان له ملك الأرض فأخرجه منها إلى جزائر البحر وعرشه في البحر الأخضر، فلا يدخل الأرض إلا خائفا على هيئة السارق مثل شيخ عليه أطمار يروع فيها حتى يخرج منها.\rقوله تعالى: { فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ } بمخالفة الأمر، { فِيهَا } أي: في الجنة، فلا ينبغي أن يسكن في الجنة ولا السماء متكبر مخالف لأمر الله تعال: { فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ } من الأذلاء، والصغار: الذل والمهانة.\r{ قَالَ } إبليس عند ذلك، { أَنْظِرْنِي } أخرني وأمهلني فلا تمتني، { إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } من قبورهم وهو النفخة الأخيرة عند قيام الساعة، أراد الخبيث أن لا يذوق الموت.","part":3,"page":217},{"id":1012,"text":"{ قَالَ } الله تعالى، { إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ } المؤخرين، وبيّن مدة النظر والمهلة في موضع آخر فقال:(إلى يوم الوقت المعلوم)،(الحجر، 38)، وهو النفخة الأولى حين يموت الخلق كلهم.\r{ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي } اختلفوا في \"ما\" قيل: هو استفهام يعني فبأي شيء أغويتني؟ ثم ابتدأ فقال: { لأقْعُدَنَّ لَهُمْ } وقيل: \"ما\" الجزاء، أي: لأجل أنك أغويتني لأحقدن لهم. وقيل: هو \"ما\" المصدرية موضع القسم تقديره: فبإغوائك إياي لأقعدن لهم، كقوله \"بما غفر لي ربي\"(يس، 27)، يعني: لغفران ربي.\rوالمعنى بقدرتك عليّ ونفاذ سلطانك فيّ. وقال ابن الأنباري: أي فيما أوقعت في قلبي من الغي الذي كان سبب هبوطي من السماء، أغويتني: أضللتني عن الهدى. وقيل: أهلكتني، وقيل: خيبتني، { لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ } أي: لأجلسن لبني آدم على طريقك القويم وهو الإسلام.\r{ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: من بين أيديهم أي من قِبل الآخرة فأشككهم فيها، { وَمِنْ خَلْفِهِمْ } أرغبهم في دنياهم، { وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ } أشبه عليهم أمر دينهم. { وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ } أشهي لهم المعاصي، وروى عطية عن ابن عباس: { مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } من قِبَل دنياهم، يعني أزينها في قلوبهم، { وَمِنْ خَلْفِهِمْ } من قِبَل الآخرة فأقول: لا بعث، ولا نشور، ولا جنة، ولا نار، { وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ } من قِبَل حسناتهم، { وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ } من قِبَل سيئاتهم.\rوقال الحكم: من بين أيديهم: من قبل الدنيا يزينها لهم، ومن خلفهم: من قبل الآخرة يثبطهم عنها، وعن أيمانهم: من قبل الحق يصدهم عنه، وعن شمائلهم: من قبل الباطل يزينه لهم. وقال قتادة: أتاهم من بين أيديهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة ولا نار، ومن خلفهم: من أمور الدنيا يزينها لهم ويدعوهم إليها، وعن أيمانهم: من قبل حسناتهم بطأهم عنها، وعن شمائلهم: زين لهم السيئات والمعاصي ودعاهم إليها أتاك يا ابن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله. وقال مجاهد: من بين أيديهم وعن أيمانهم من حيث يبصرون، ومن خلفهم وعن شمائلهم حيث لا يبصرون. وقال ابن جريج: معنى قوله حيث لا يبصرون أي لا يخطئون وحيث لا يبصرون أي لا يعلمون أنهم يخطئون.\r{ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ } مؤمنين، فإن قيل: كيف علم الخبيث ذلك؟ قيل: قاله ظنا فأصاب، قال الله تعالى \"ولقد صدق عليهم إبليس ظنه\"(سبأ، 20).","part":3,"page":218},{"id":1013,"text":"{ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18) وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) }\r{ قَالَ } الله تعالى لإبليس، { اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا } أي: معيبا، والذيم والذأم أشد العيب، يقال: ذأمه يذأمه ذأما فهو مذءوم وذامه يذيمه ذاما فهو مذيم، مثل سار يسير سيرا، والمدحور: المبعد المطرود، يقال: دحره يدحره دحرا إذا أبعده وطرده. قال ابن عباس: مذءوما أي ممقوتا. وقال قتادة: مذءوما مدحورا: أي لعينا منفيا. وقال الكلبي: مذءوما، مدحورا: مقصيا من الجنة ومن كل خير. { لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ } من بني آدم، { لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ } اللام لام القسم، { مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ } أي: منك ومن ذريتك ومن كفار ذرية آدم أجمعين.\r{ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ } أي: إليهما، والوسوسة: حديث يلقيه الشيطان في قلب الإنسان { لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا } أي: أظهر لهما ما غطي وستر عنهما من عوراتهما، قيل: اللام فيه لام العاقبة وذلك أن إبليس لم يوسوس بهذا ولكن كان عاقبة أمرهم ذلك، وهو ظهور عورتهما، كقوله تعالى: \"فالتقطته آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا\"(القصص، 8)، ثم بين الوسوسة فقال: { وَقَال } يعني: إبليس لآدم وحواء { مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ } يعني: لئلا تكونا، كراهية أن تكونا ملكين من الملائكة يعلمان الخير والشر، { أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ } من الباقين الذين لا يموتون كما قال في موضع آخر: \"هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى\"(طه، 120).\r{ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ } أي: وأقسم وحلف لهما وهذا من المفاعلة التي تختص بالواحد، قال قتادة: حلف لهما بالله حتى خدعهما، وقد يخدع المؤمن بالله، فقال: إني خلقت قبلكما وأنا أعلم منكما فاتبعاني أرشدكما، وإبليس أول من حلف بالله كاذبا، فلما حلف ظن","part":3,"page":219},{"id":1014,"text":"آدم أن أحدا لا يحلف بالله كاذبا، فاغتر به.\r{ فَدَلاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) }\r{ فَدَلاهُمَا بِغُرُورٍ } أي: خدعهما، يقال: ما زال فلان يدلي لفلان بغرور، يعني: ما زال يخدعه ويكلمه بزخرف باطل من القول.\rوقيل: حطهما من منزلة الطاعة إلى حالة المعصية، ولا يكون التدلي إلا من علو إلى أسفل، والتدلية: إرسال الدلو في البئر، يقال: تدلى بنفسه ودلى غيره، قال الأزهري: أصله: تدلية العطشان البئر ليروى من الماء ولا يجد الماء 128/ب فيكون مدلى بغرور، والغرور: إظهار النصح مع إبطان الغش.\r{ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا } قال الكلبي: فلما أكلا منها، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قبل أن ازدردا أخذتهما العقوبة، والعقوبة أن \"بدت\" ظهرت لهما \"سوآتهما\" عوراتهما، وتهافت عنهما لباسهما حتى أبصر كل واحد منهما ما ووري عنه من عورة صاحبه، وكانا لا يريان ذلك. قال وهب: كان لباسهما من النور. وقال قتادة: كان ظفرا ألبسهما الله من الظفر لباسا فلما وقعا في الذنب بدت لهما سوآتهما فاستحيا، { وَطَفِقَا } أقبلا وجعلا { يَخْصِفَانِ } يرقعان ويلزقان ويصلان، { عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ } وهو ورق التين حتى صار كهيئة الثوب.\rقال الزجاج: يجعلان ورقة على ورقة ليسترا سوآتهما، وروي عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم \"كان آدم رجلا طوالا كأنه نخلة سحوق (1) كثير شعر الرأس، فلما وقع في الخطيئة بدت له سوأته، وكان لا يراها فانطلق هاربا في الجنة، فعرضت له شجرة من شجر الجنة فحبسته بشعره، فقال لها: أرسليني، قالت: لست بمرسلتك، فناداه ربه: يا آدم أمني تفر؟ قال: لا يا رب، ولكن استحييتك\" (2) .\r{ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ } يعني: الأكل منها، { وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ }\r__________\r(1) هي النخلة الطويلة المفرطة في الطول التي تبعد ثمرها عن المجتني.\r(2) أخرجه ابن جرير مرفوعا وموقوفا: 12 / 352 و354، قال ابن كثير: 2 / 207 \"وقد رواه ابن جرير وابن مردويه من طرق عن الحسن عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا، والموقوف أصح إسنادا\". وصححه السند إلى أُبي رضي الله عنه، لا تعني صحة الخبر في ذاته، فهذه التفصيلات الغيبية، لا دليل ثابت على صحتها، وغالبا ما تكون متلقاة من أهل الكتاب، والله أعلم.","part":3,"page":220},{"id":1015,"text":"أي: بيّن العداوة، قال محمد بن قيس: ناداه ربه يا آدم أكلت منها وقد نهيتك؟ قال: رب أطعمتني حواء، قال لحواء: لم أطعمتيه؟ قالت: أمرتني الحية، قال للحية: لم أمرتيها؟ قالت: أمرني إبليس، فقال الله تعالى: أما أنت يا حواء فكما أدميت الشجرة فتدمين كل شهر، وأما أنت يا حية فأقطع قوائمك فتمشين على بطنك ووجهك، وسيشدخ رأسك من لقيك، وأما أنت يا إبليس فملعون مدحور (1) .\r__________\r(1) تقدمت الإشارة إلى ضعف الروايات في ذلك، وأنها مستقاة من الإسرائيليات، وخبر محمد بن قيس هذا: أخرجه الطبري في التفسير: 1 / 530-531، 12 / 354، وفي التاريخ: 1 / 109.","part":3,"page":221},{"id":1016,"text":"{ قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25) يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) }\r{ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ } يعني في الأرض تعيشون، { وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ } أي: من الأرض تخرجون من قبوركم للبعث، قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: { تُخْرَجُونَ } بفتح التاء هاهنا وفي الزخرف، وافق يعقوب هاهنا وزاد حمزة والكسائي: \"وكذلك تخرجون\" في أول الروم، والباقون بضم التاء وفتح الراء فيهن.\r{ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ } أي: خلقنا لكم { لِبَاسًا } وقيل: إنما قال: \"أنزلنا\" لأن اللباس إنما يكون من نبات الأرض، والنبات يكون بما ينزل من السماء، فمعنى قوله: { أَنْزَلْنَا } أي: أنزلنا أسبابه. وقيل: كل بركات الأرض منسوبة إلى بركات السماء كما قال تعالى: \"وأنزلنا الحديد\"(سورة الحديد، 25)، وإنما يستخرج الحديد من الأرض.\rوسبب نزول هذه الآية: أنهم كانوا في الجاهلية يطوفون بالبيت عراة، ويقولون: لا نطوف في","part":3,"page":221},{"id":1017,"text":"ثياب عصينا الله فيها، فكان الرجال يطوفون بالنهار والنساء بالليل عراة.\rوقال قتادة: كانت المرأة تطوف وتضع يدها على فرجها وتقول: اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ ... وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ\rفأمر الله سبحانه بالستر فقال: { قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ } (1) يستر عوراتكم، واحدتها سوأة، سميت بها لأنه يسوء صاحبها انكشافها، فلا تطوفوا عراة، { وَرِيشًا } يعني: مالا في قول ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي: يقال: تريش الرجل إذا تمول، وقيل: الريش الجمال، أي: ما يتجملون به من الثياب، وقيل: هو اللباس.\r{ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ } قرأ أهل المدينة وابن عامر والكسائي \" ولباس \" بنصب السين عطفا على قوله { لِبَاسًا } وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء وخبره { خَيْرٌ } وجعلوا { ذَلِكَ } صلة في الكلام، ولذلك قرأ ابن مسعود وأبي بن كعب { وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ }\rواختلفوا في { وَلِبَاسُ التَّقْوَى } قال قتادة والسدي: لباس التقوى هو الإيمان. وقال الحسن: هو الحياء لأنه يبعث على التقوى.\rوقال عطية عن ابن عباس: هو العمل الصالح. وعن عثمان بن عفان، أنه قال: السمت الحسن.\rوقال عروة بن الزبير: لباس التقوى خشية الله، وقال الكلبي: هو العفاف. والمعنى: لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به مما خلق له من اللباس للتجمل.\rوقال ابن الأنباري: لباس التقوى هو اللباس الأول وإنما أعاده إخبارا أن ستر العورة خير من التعري في الطواف.\rوقال زيد بن علي: لباس التقوى الآلات التي يُتقى بها في الحرب كالدرع والمغفر والساعد والساقين.\rوقيل: لباس التقوى هو الصوف والثياب الخشنة التي يلبسها أهل الورع. { ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ }\r__________\r(1) انظر: أسباب النزول للواحدي ص(259-260)، ابن كثير: 2 / 209، 211.","part":3,"page":222},{"id":1018,"text":"{ يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (27) وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (28) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) }\r{ يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ } لا يضلنكم الشيطان، { كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ } أي: كما فتن أبويكم آدم وحواء فأخرجهما، { مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا } ليرى كل واحد سوأة الآخر، { إِنَّهُ يَرَاكُمْ } يعني أن الشيطان يراكم يا بني آدم، { هُوَ وَقَبِيلُهُ } جنوده. قال ابن عباس: هو وولده. وقال قتادة: قبيله: الجن والشياطين، { مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ } قال مالك بن دينار: إن عدوا يراك ولا تراه لشديد الخصومة والمؤنة إلا من عصم الله، { إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ } قرناء وأعوانا، { لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ } وقال الزجاج: سلطانهم عليهم يزيدون في غيهم كما قال:(إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا) [مريم-83].\r{ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً } قال ابن عباس ومجاهد: هي طوافهم بالبيت عراة. وقال عطاء: الشرك والفاحشة، اسم لكل فعل قبيح بلغ النهاية في القبح. { قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا } وفيه إضمار معناه: وإذا فعلوا فاحشة فنهوا عنها قالوا وجدنا عليها آباءنا. قيل: ومن أين أخذ آباؤكم؟ قالوا: { وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ }\r{ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ } قال ابن عباس: بلا إله إلا الله، وقال الضحاك: بالتوحيد. وقال مجاهد والسدي: بالعدل. { وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } قال مجاهد والسدي: يعني وجّهوا وجوهكم حيث ما كنتم في الصلاة إلى الكعبة. وقال الضحاك: إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد فصلوا فيه ولا يقولن أحدكم أصلي في مسجدي. وقيل: معناه اجعلوا سجودكم لله خالصا، { وَادْعُوهُ } واعبدوه، { مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } الطاعة والعبادة، { كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ } قال ابن عباس: إن الله تعالى بدأ خلق بني آدم مؤمنا وكافرا 129/أ كما قال: \"هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن\"(التغابن، 2)، ثم يعيدهم يوم القيامة كما خلقهم مؤمنا وكافرا. قال مجاهد: يبعثون على ما ماتوا عليه.","part":3,"page":223},{"id":1019,"text":"أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي حدثنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أنبأنا محمد بن عبد الله الصفار حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي حدثنا أبو حذيفة حدثنا سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يبعث كل عبد على ما مات عليه، المؤمن على إيمانه والكافر على كفره\" (1) .\rوقال أبو العالية: عادوا على عمله فيهم. قال سعيد بن جبير: كما كتب عليكم تكونون.\rقال محمد بن كعب: من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة صار إليها وإن عمل أهل السعادة، كما أن إبليس كان يعمل بعمل أهل السعادة ثم صار إلى الشقاوة، ومن ابتداء خلقه على السعادة صار إليها وإن عمل بعمل أهل الشقاء، وكما أن السحرة كانت تعمل بعمل أهل الشقاوة فصاروا إلى السعادة.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنبأنا أبو القاسم البغوي ثنا علي بن الجعد حدثنا أبو غسان عن أبي حازم قال: سمعت سهل بن سعد يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن العبد يعمل فيما يرى الناس بعمل أهل الجنة وإنه من أهل النار، وإنه ليعمل فيما يرى الناس بعمل أهل النار وإنه من أهل الجنة، وإنما الأعمال بالخواتيم\" (2) .\rوقال الحسن ومجاهد: كما بدأكم وخلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئا، كذلك تعودون أحياء يوم القيامة كما قال الله تعالى: \"كما بدأنا أول خلق نعيده\"(الأنبياء، 104)، قال قتادة: بدأهم من\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الجنة وصفة نعيمها، باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت، برقم(2878): 4 / 2206، والمصنف في شرح السنة: 14 / 402 - دون قوله \"المؤمن على إيمانه\".\r(2) أخرجه مسلم في الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، برقم (112): 1 / 106، وفيه قصة، وأخرجه المصنف في شرح السنة: 1 / 150.","part":3,"page":224},{"id":1020,"text":"التراب وإلى التراب يعودون، نظيره قوله تعالى: \"منها خلقناكم وفيها نعيدكم\"(طه، 55).\r{ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30) }","part":3,"page":225},{"id":1021,"text":"{ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) }\rقوله عز وجل: { فَرِيقًا هَدَى } أي هداهم الله، { وَفَرِيقًا حَقَّ } وجب { عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ } أي: بالإرادة السابقة، { إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ } فيه دليل على أن الكافر الذي يظن أنه في دينه على الحق والجاحد والمعاند سواء.\rقوله تعالى: { يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } قال أهل التفسير: كانت بنو عامر يطوفون بالبيت عراة، فأنزل الله عز وجل: \"يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد\"، يعني الثياب. قال مجاهد: ما يواري عورتك ولو عباءة.\rقال الكلبي: الزينة ما يواري العورة عند كل مسجد لطواف أو صلاة.\r{ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا } قال الكلبي: كانت بنو عامر لا يأكلون في أيام حجهم من الطعام إلا قوتا ولا يأكلون دسما، يعظمون بذلك حجهم، فقال المسلمون: نحن أحق أن نفعل ذلك يا رسول الله، فأنزل الله عز وجل: \"وكلوا\" يعني اللحم والدسم \"واشربوا\" اللبن (1) { وَلا تُسْرِفُوا } بتحريم ما أحل الله لكم من اللحم والدسم، { إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } الذين يفعلون ذلك. قال ابن عباس: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة. قال علي بن الحسين بن واقد: قد جمع الله الطب كله في نصف آية فقال: \"كلوا واشربوا ولا تسرفوا\".\rقوله عز وجل: { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ } يعني لبس الثياب في الطواف، { وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ } يعني اللحم والدسم في أيام الحج.\rوعن ابن عباس وقتادة: والطيبات من الرزق ما حرم أهل الجاهلية من البحائر والسوائب.\r{ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ } فيه حذف تقديره: هي للذين آمنوا وللمشركين في الحياة الدنيا فإن أهل الشرك يشاركون المؤمنين في طيبات الدنيا، وهي في الآخرة خالصة للمؤمنين لا حظ للمشركين فيها.\rوقيل: هي خالصة يوم القيامة من التنغيص والغم للمؤمنين، فإنها لهم في الدنيا مع التنغيص والغم.\rقرأ نافع { خَالِصَةً } رفع، أي: قل هي للذين آمنوا مشتركين في الدنيا، وهي في الآخرة خالصة يوم القيامة للمؤمنين. وقرأ الآخرون بالنصب على القطع، { كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }\r__________\r(1) انظر: أسباب النزول للواحدي، ص(260).","part":3,"page":225},{"id":1022,"text":"{ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (33) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (34) يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (35) }\r{ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } يعني: الطواف عراة { مَا ظَهَرَ } طواف الرجال بالنهار { وَمَا بَطَنَ } طواف النساء بالليل. وقيل: هو الزنا سرا وعلانية.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي وائل عن عبد الله قال قلت: أنت سمعت هذا من عبد الله؟ قال: نعم، فرفعه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا أحد أغير من الله، فلذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله فلذلك مدح نفسه\" (1) .\rقوله عز وجل: { وَالإثْمَ } يعني: الذنب والمعصية. وقال الضحاك: الذنب الذي لا حد فيه. قال الحسن: الإثم: الخمر. قال الشاعر: شربت الإثم حتى ضل عقلي ... كذاك الإثم تذهب بالعقول\r{ وَالْبَغْيَ } الظلم والكبر، { بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا } حجة وبرهانا، { وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ } في تحريم الحرث والأنعام، في قول مقاتل. وقال غيره: هو عام في تحريم القول في الدين من غير يقين.\r{ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ } مدة، وأكل وشرب. وقال ابن عباس وعطاء والحسن: يعني وقتا لنزول العذاب بهم، { فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ } وانقطع أكلهم، { لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ } أي: ولا يتقدمون. وذلك حين سألوا العذاب فأنزل الله هذه الآية.\rقوله تعالى: { يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ } أي: أن يأتيكم. قيل: أراد جميع الرسل.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير، سورة الأنعام، باب \"ولا تقربوا الفواحش\": 8 / 296، وفي التوحيد، وفي النكاح، ومسلم في التوبة، باب غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش، برقم(2760): 4 / 2113-2114.","part":3,"page":226},{"id":1023,"text":"وقال مقاتل: أراد بقوله: { يَا بَنِي آدَمَ } مشركي العرب وبالرسل محمدا صلى الله عليه وسلم وحده، { يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي } قال ابن عباس: فرائضي وأحكامي، { فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ } أي: اتقى الشرك وأصلح عمله. وقيل: أخلص ما بينه وبين ربه { فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } إذا خاف الناس، { وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } أي: إذا حزنوا.\r{ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (36) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (37) }\r{ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا } تكبروا عن الإيمان بها، وإنما ذكر الاستكبار لأن كل مكذب وكافر متكبر. قال الله تعالى \"نهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون\"(الصافات، 35)، { أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }\rقوله تعالى: { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا } جعل له شريكا، { أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ } بالقرآن، { أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ } أي: حظهم مما كتب لهم في اللوح المحفوظ. واختلفوا فيه، قال الحسن والسدي: ما كتب لهم من العذاب وقضى عليهم من سواد الوجوه وزرقة العيون. قال عطية عن ابن عباس: كتب لمن يفتري على الله أن وجهه مسود، قال الله تعالى: \"ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة\"(الزمر، 60).\rوقال سعيد بن جبير ومجاهد: ما سبق لهم من الشقاوة والسعادة.\rوقال ابن عباس وقتادة 129/ب والضحاك: يعني أعمالهم التي عملوها وكتب عليهم من خير وشر يجزي عليها.\rوقال محمد بن كعب القرظي: ما كتب لهم من الأرزاق والآجال والأعمال فإذا فنيت، { جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ } يقبضون أرواحهم يعني ملك الموت وأعوانه، { قَالُوا } يعني يقول الرسل للكافر، { أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ } تعبدون، { مِنْ دُونِ اللَّهِ } سؤال تبكيت وتقريع، { قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا } بطلوا وذهبوا عنا، { وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ } اعترفوا عند معاينة الموت، { أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ }","part":3,"page":227},{"id":1024,"text":"{ قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ (38) وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) }\r{ قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ } يعني: يقول الله لهم يوم القيامة ادخلوا في أمم، أي: مع جماعات، { قَدْ خَلَتْ } مضت، { مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ فِي النَّارِ } يعني كفار الأمم الخالية، { كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا } يريد أختها في الدين لا في النسب، فتلعن اليهود اليهود والنصارى النصارى، وكل فرقة تلعن أختها ويلعن الأتباع القادة، ولم يقل أخاها لأنه عنى الأمة والجماعة، { حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا } أي: تداركوا وتلاحقوا واجتمعوا في النار، { جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ } قال مقاتل: يعني أخراهم دخولا النار وهم الأتباع، { لأولاهُمْ } أي: لأولاهم دخولا وهم القادة، لأن القادة يدخلون النار أولا. وقال ابن عباس: يعني آخر كل أمة لأولاها، وقال السدي: أهل آخر الزمان لأولاهم الذين شرعوا لهم ذلك الدين، { رَبَّنَا هَؤُلاءِ } الذين، { أَضَلُّونَا } عن الهدى يعني القادة { فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ } أي: ضعف عليهم العذاب، { قَالَ } الله تعالى، { لِكُلٍّ ضِعْفٌ } يعني للقادة والأتباع ضعف من العذاب، { وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ } ما لكل فريق منكم من العذاب.\rقرأ الجمهور: \"ولكن لا تعلمون\"، وقرأ أبو بكر \"لا يعلمون\" بالياء، أي: لا يعلم الأتباع ما للقادة ولا القادة ما للأتباع.\r{ وَقَالَتْ أُولاهُمْ } يعني القادة { لأخْرَاهُمْ } للأتباع، { فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ } لأنكم كفرتم كما كفرنا فنحن وأنتم في الكفر سواء وفي العذاب سواء، { فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ }\r{ إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ } بالتاء، خفف أبو عمرو، وبالياءُ","part":3,"page":228},{"id":1025,"text":"خفف حمزة والكسائي، والباقون بالتاء مشددة، { أَبْوَابُ السَّمَاءِ } لأدعيتهم ولا لأعمالهم. وقال ابن عباس: لأرواحهم لأنها خبيثة لا يصعد بها بل يهوى بها إلى سجين، إنما تفتح أبواب السماء لأرواح المؤمنين وأدعيتهم وأعمالهم، { وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ } أي: حتى يدخل البعير في ثقب الإبرة، والخياط والمخيط الإبرة، والمراد منه: أنهم لا يدخلون الجنة أبدا لأن الشيء إذا علق بما يستحيل كونه يدل ذلك على تأكيد المنع، كما يقال: لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب أو يبيض القار، يريد لا أفعله أبدا. { وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ }\r{ لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) }\r{ لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ } أي: فراش، { وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ } أي: لحف، وهي جمع غاشية، يعني ما غشاهم وغطاهم، يريد إحاطة النار بهم من كل جانب، كما قال الله، \"لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل\"(الزمر، 16)، { وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ }\r{ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا } أي: طاقتها وما لا تحرج فيه ولا تضيق عليه، { أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }\r{ وَنَزَعْنَا } وأخرجنا، { مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ } من غش وعداوة كانت بينهم في الدنيا فجعلناهم إخوانا على سرر متقابلين لا يحسد بعضهم بعضا على شيء خص الله به بعضهم. { تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ } روى الحسن عن علي رضي الله عنه قال: فينا والله أهل بدر نزلت: { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِين } (1) .\rوقال علي رضي الله عنه أيضا: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال\r__________\r(1) قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص(64): \"ورواه ابن سعد من رواية جعفر بن محمد عن أبيه، والطبري من رواية معمر عن قتادة عن علي، وكلاهما منقطع. وفي ابن أبي شيبة من رواية ربحي عن علي، وهو متصل\".","part":3,"page":229},{"id":1026,"text":"لهم الله عز وجل: { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ }\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا الصلت بن محمد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن قتادة عن أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا\" (1) .\rوقال السدي في هذه الآية: إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة وجدوا عند بابها شجرة، في أصل ساقها عينان، فشربوا من إحداهما، فينزع ما في صدورهم من غل، فهو الشراب الطهور، واغتسلوا من الأخرى فجرت عليهم نضرة النعيم فلن يشعثوا ولن يسحنوا بعدها أبدا، أي إلى هذا، يعني طريق الجنة.\rوقال سفيان الثوري: معناه هدانا لعمل هذا ثوابه، { وَمَا كُنَّا } قرأ ابن عامر: \"ما كنا\" بلا واو، { لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ } هذا قول أهل الجنة حين رأوا ما وعدهم الرسل عيانا، { وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } قيل: هذا النداء إذا رأوا الجنة من بعيد نودوا أن تلكم الجنة.\rوقيل: هذا النداء يكون في الجنة.\rأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة الخطيب أنبأنا أبو طاهر محمد بن الحارث أنبأنا محمد بن يعقوب الكسائي أنبأنا عبد الله بن محمد أنبأنا إبراهيم بن عبد الله الخلال حدثنا عبد الله بن المبارك عن سفيان عن أبي إسحاق عن الأغر عن أبي سعيد وعن أبي هريرة قالا ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا، فذلك قوله: \"ونودوا أن تلكم الجنة، أورثتموها بما كنتم تعملون\"، هذا حديث صحيح أخرجه مسلم بن الحجاج عن إسحاق بن إبراهيم وعبد الرحمن بن حميد عن عبد الرزاق عن سفيان الثوري بهذا الإسناد مرفوعا (2) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الرقاق، باب القصاص يوم القيامة: 11 / 395، وفي المظالم، والمصنف في شرح السنة: 15 / 196.\r(2) أخرجه مسلم في الجنة، باب في دوام نعيم أهل الجنة، برقم(2837): 4 / 2182.","part":3,"page":230},{"id":1027,"text":"وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ما من أحد إلا وله منزله في الجنة ومنزله في النار، فأما الكافر فإنه يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنة\" (1) .\r__________\r(1) أخرجه ابن أبي حاتم. انظر تفسير ابن كثير: 2 / 135.","part":3,"page":231},{"id":1028,"text":"{ وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ (45) وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) }\rقوله تعالى: { وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا } من الثواب، { حَقًّا } أي صدقا، { فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ } من العذاب، { حَقًّا قَالُوا نَعَمْ } قرأ الكسائي بكسر العين حيث كان، والباقون بفتحها وهما لغتان، { فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ } أي: نادى مناد أسمع الفريقين، { أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ } قرأ أهل المدينة والبصرة وعاصم: \"أن\" خفيف، \"لعنة\"، رفع، وقرأ الآخرون بالتشديد، \"لعنةَ الله\" نصب على الظالمين، أي: الكافرين، 130/أ\r{ الَّذِينَ يَصُدُّونَ } أي: يصرفون الناس، { عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } طاعة الله، { وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } أي: يطلبونها زيغا وميلا أي: يطلبون سبيل الله جائرين عن القصد.\rقال ابن عباس: يصلّون لغير الله، ويعظمون ما لم يعظمه الله. والعِوَج -بكسر العين -في الدين والأمر والأرض وكل ما لم يكن قائما، وبالفتح في كل ما كان قائما كالحائط والرمح ونحوهما. { وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ }\r{ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ } يعني: بين الجنة والنار، وقيل: بين أهل الجنة وبين أهل النار حجاب، وهو السور الذي ذكر الله تعالى في قوله: \"فضرب بينهم بسور له باب\"(الحديد، 13).\rقوله تعالى: { وَعَلَى الأعْرَافِ رِجَالٌ } والأعراف هي ذلك السور الذي بين الجنة والنار، وهي جمع عُرف، وهو اسم للمكان المرتفع، ومنه عرف الديك لارتفاعه عما سواه من جسده. وقال السدي: سمي ذلك السور أعرافا لأن أصحابه يعرفون الناس.\rواختلفوا في الرجال الذين أخبر الله عنهم أنهم على الأعراف: فقال حذيفة وابن عباس: هم","part":3,"page":231},{"id":1029,"text":"قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، فوقفوا هناك حتى يقضي الله فيهم ما يشاء، ثم يُدخلهم الجنة بفضل رحمته، وهم آخر من يدخل الجنة.\rأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة أنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث أنا محمد بن يعقوب الكسائي أنا عبد الله بن محمود أنا إبراهيم بن عبد الله الخلال ثنا عبد الله بن المبارك عن أبي بكر الهذلي قال: قال سعيد بن جبير، يحدث عن ابن مسعود قال: يحاسب الناس يوم القيامة فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، ثم قرأ قول الله تعالى:(فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم)(الأعراف 8-9). ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة أو يرجح (1) . قال: ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط، ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا سلام عليكم، وإذا صرفوا أبصارهم إلى أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين، فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نورا يمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويعط كل عبد [يومئذ] (2) نورا فإذا أتوا على الصراط سلب الله نور كل منافق ومنافقة، [فلما] (3) رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون قالوا ربنا أتمم لنا نورنا.\rفأما أصحاب الأعراف فإن النور لم ينزع من بين أيديهم، ومنعتهم [سيئاتهم] (4) أن يمضوا فبقي في قلوبهم الطمع إذ لم ينزع النور من بين أيديهم، فهنالك يقول الله: \"لم يدخلوها وهم يطمعون\"، وكان الطمع النور الذي [بين أيديهم] (5) ثم أدخلوا الجنة، وكانوا آخر أهل الجنة دخولا.\rوقال شرحبيل بن سعد: أصحاب الأعراف قوم خرجوا في الغزو بغير إذن آبائهم، ورواه مقاتل في تفسيره مرفوعا: هم رجال غزوا في سبيل الله [عصاة لآبائهم فقتلوا، فأعتقوا من النار بقتلهم في سبيل الله] (6) وحبسوا عن الجنة بمعصية آبائهم، فهم آخر من يدخل الجنة.\rوروي عن مجاهد: أنهم أقوام رضي عنهم أحد الأبوين دون الآخر، يُحبسون على\r__________\r(1) أخرجه الطبري في التفسير: 8 / 190-191 (طبع الحلبي)، وانظر: الدر المنثور: 3 / 461.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) في \"ب\": (فإذا).\r(4) في \"أ\": (السيئات).\r(5) في \"أ\": (في قلوبهم).\r(6) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":232},{"id":1030,"text":"[الأعراف] (1) إلى أن يقضي الله بين الخلق، ثم يدخلون الجنة.\rوقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: هم الذين ماتوا في الفترة ولم يبدلوا دينهم.\rوقيل: هم أطفال المشركين. وقال الحسن: هم أهل الفضل من المؤمنين علوا على الأعراف فيطلعون على أهل الجنة وأهل النار جميعا، ويطالعون أحوال الفريقين.\rقوله تعالى: { يَعْرِفُونَ كُلا بِسِيمَاهُمْ } أي: يعرفون أهل الجنة ببياض وجوههم وأهل النار بسواد وجوههم. { وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ } أي: إذا رأوا أهل الجنة قالوا سلام عليكم، { لَمْ يَدْخُلُوهَا } يعني: أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة، { وَهُمْ يَطْمَعُونَ } في دخولها، قال أبو العالية: ما جعل الله ذلك الطمع فيهم إلا كرامة [يريد] (2) بهم، قال الحسن: الذي جعل الطمع في قلوبهم يوصلهم إلى ما يطمعون.\r{ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) وَنَادَى أَصْحَابُ الأعْرَافِ رِجَالا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49) }\r{ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ } تعوذوا بالله، { قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } يعني: الكافرين في النار.\r{ وَنَادَى أَصْحَابُ الأعْرَافِ رِجَالا } كانوا عظماء في الدنيا من أهل النار، { يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ } في الدنيا من المال والولد، { وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ } عن الإيمان. قال الكلبي: ينادون وهم على السور: يا وليد بن المغيرة ويا أبا جهل بن هشام ويا فلان، ثم ينظرون إلى الجنة فيرون فيها الفقراء والضعفاء ممن كانوا يستهزءون بهم، مثل سلمان وصهيب وخباب وبلال وأشباههم، فيقول أصحاب الأعراف لأولئك الكفار: { أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ }\r{ أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ } حلفتم، { لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ } أي: حلفتم أنهم لا يدخلون الجنة. ثم يقال لأهل الأعراف: { ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ } وفيه قول آخر: أن\r__________\r(1) في \"ب\": (الصراط).\r(2) في \"ب\": (يريدها).","part":3,"page":233},{"id":1031,"text":"أصحاب الأعراف إذا قالوا لأهل النار ما قالوا، قال لهم أهل النار: إن دخل أولئك الجنة وأنتم لم تدخلوها. فيعيرونهم بذلك، ويقسمون أنهم يدخلون النار، فتقول الملائكة الذين حبسوا أصحاب الأعراف على الصراط لأهل النار: أهؤلاء، يعني: أصحاب الأعراف، الذين أقسمتم يا أهل النار أنهم لا ينالهم الله برحمة، ثم قالت الملائكة لأصحاب الأعراف: \"ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون\" فيدخلون الجنة.\r{ وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51) }","part":3,"page":234},{"id":1032,"text":"{ وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53) }\rقوله تعالى: { وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا } أي: صبوا، { عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ } أي: أوسعوا علينا مما رزقكم الله من طعام الجنة.\rقال عطاء عن ابن عباس: لما صار أصحاب الأعراف إلى الجنة طمع أهل النار في الفرج، وقالوا: يا رب إن لنا قرابات من أهل الجنة، فأذن لنا حتى نراهم ونكلمهم، فينظروا إلى قرابتهم في الجنة وما هم فيه من النعيم فيعرفونهم ولم يعرفهم أهل الجنة لسواد وجوههم، فينادي أصحاب النار أصحاب الجنة بأسمائهم، وأخبروهم بقراباتهم: أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله، { قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ } يعني: الماء والطعام.\r{ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا } وهو ما زين لهم الشيطان من تحريم البحيرة وأخواتها، والمكاء والتصدية حول البيت، وسائر الخصال الذميمة، التي كانوا يفعلونها في الجاهلية. وقيل: دينهم أي عيدهم، { وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ } نتركهم في النار، { كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا } أي: كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا، { وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ }","part":3,"page":234},{"id":1033,"text":"{ وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ } يعني: القرآن { فَصَّلْنَاهُ } بيناه، { عَلَى عِلْمٍ } منا لما يصلحهم، { هُدًى وَرَحْمَةً } أي: جعلنا القرآن هاديا وذا رحمة، { لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } 130/ب\r{ هَلْ يَنْظُرُونَ } أي: هل ينتظرون، { إِلا تَأْوِيلَهُ } قال مجاهد: جزاءه. وقال السدي: عاقبته. ومعناه: هل ينتظرون إلا ما يئول إليه أمرهم، في العذاب ومصيرهم إلى النار. { يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ } أي: جزاؤه وما يئول إليه أمرهم، { يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ } اعترفوا به حين لا ينفعهم الاعتراف، { فَهَلْ لَنَا } اليوم، { مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ } إلى الدنيا، { فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ } أهلكوها بالعذاب، { وَضَلَّ } [وبطل] (1) { عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ }\r{ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) }\rقوله تعالى: { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } أراد به في مقدار ستة أيام لأن اليوم من لدن طلوع الشمس إلى غروبها، ولم يكن يومئذ يوم ولا شمس ولا سماء، قيل: ستة أيام كأيام الآخرة وكل يوم كألف سنة. وقيل: كأيام الدنيا، قال سعيد بن جبير: كان الله عز وجل قادرا على خلق السموات والأرض في لمحة ولحظة، فخلقهن في ستة أيام [تعليما] (2) لخلقه التثبت والتأني في الأمور وقد جاء في الحديث: \"التأني من الله والعجلة من الشيطان\" (3) .\r{ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } قال الكلبي ومقاتل: استقر. وقال أبو عبيدة: صعد. وأولت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء، وأما أهل السنة فيقولون: الاستواء على العرش صفة لله تعالى، بلا كيف، يجب على الرجل الإيمان به، ويكل العلم فيه إلى الله عز وجل. وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله:(الرحمن على العرش استوى) [طه-5]، كيف استوى؟ فأطرق رأسه مليًّا، وعلاه\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) في \"ب\": (تعظيما).\r(3) أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد بن منيع والحارث بن أبي أسامة، وأخرجه أيضا البيهقي في السنن عن أنس بن مالك: 10 / 104، وعزاه الهيثمي أيضا لأبي يعلى، وقال: رجاله رجال الصحيح. انظر: المطالب العالية لابن حجر: 3 / 35، كشف الخفاء للعجلوني: 1 / 350، وأخرجه المصنف في شرح السنة: 13 / 176. وله شاهد عند الترمذي في البر، باب ما جاء في التأني والعجلة: 6 / 153، عن سهل بن سعد بلفظ: \"الأناة من الله...\" وقال: هذا حديث غريب، وقد تكلم بعض أهل العلم في عبد المهيمن بن عباس، وضعفه من قبل حفظه.","part":3,"page":235},{"id":1034,"text":"الرحضاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أظنك إلا ضالا ثم أمر به فأخرج.\rوروي عن سفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك وغيرهم من علماء السنة في هذه الآيات التي جاءت في الصفات المتشابهة: أمِرّوها كما جاءت بلا كيف.\rوالعرش في اللغة: هو السرير. وقيل: هو ما علا فأظل، ومنه عرش الكروم. وقيل: العرش الملك.\r{ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ } قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر ويعقوب: \"يُغشّي\" بالتشديد هاهنا وفي سورة الرعد، والباقون بالتخفيف، أي: يأتي الليل على النهار فيغطيه، وفيه حذف أي: ويغشي النهار الليل، ولم يذكره لدلالة الكلام عليه وذكر في آية أخرى فقال: \"يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل\" [الزمر-5]، { يَطْلُبُهُ حَثِيثًا } أي: سريعا، وذلك أنه إذا كان يعقب أحدهم الآخر ويخلفه، فكأنه يطلبه. { وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ } قرأ ابن عامر كلها بالرفع على الابتداء والخبر، والباقون بالنصب، وكذلك في سورة النحل عطفا على قوله: \"خلق السموات والأرض\"، أي: خلق هذه الأشياء مسخرات، أي: مذللات { بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ } له الخلق لأنه [خلقهم] (1) وله الأمر، يأمر في خلقه بما يشاء. قال سفيان بن عيينة: فرق الله بين الخلق والأمر فمن جمع بينهما فقد كفر.\r{ تَبَارَكَ اللَّهُ } أي: تعالى الله وتعظم. وقيل: ارتفع. والمبارك المرتفع. وقيل: تبارك تفاعل من البركة وهي النماء والزيادة، أي: البركة تكتسب وتنال بذكره.\rوعن ابن عباس قال: جاء بكل بركة. وقال الحسن: تجيء البركة من قِبَله وقيل: تبارك: تقدس. والقدس: الطهارة. وقيل: تبارك الله أي: باسمه يتبرك في كل شيء. وقال المحققون: معنى هذه [الصفة] (2) ثبت ودام بما لم يزل ولا يزال. وأصل البركة الثبوت. ويقال: تبارك اللهُ ولا يقال: متبارك ولا مبارك، لأنه لم يرد به التوقيف. { رَبِّ الْعَالَمِينَ }\r__________\r(1) في \"ب\": (أمرهم).\r(2) في \"ب\": (الآية).","part":3,"page":236},{"id":1035,"text":"{ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56) }\r{ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا } تذللا واستكانة، { وَخُفْيَةً } أي سرا. قال الحسن: بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت، وإن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله سبحانه يقول: \"ادعوا ربكم تضرعا وخفية\"، وإن الله ذكر عبدا صالحا ورضي فعله فقال: \"إذ نادى ربه نداء خفيا\" [مريم-3]. { إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } قيل: المعتدين في الدعاء، وقال أبو مجلز: هم الذين يسألون منازل الأنبياء عليهم السلام.\rأخبرنا عمر بن عبد العزيز الفاشاني، أنبأنا القاسم بن جعفر الهاشمي، أنبأنا أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي، ثنا أبو داود السجستاني، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد يعني ابن سلمة، أنبأنا سعيد الجريري، عن أبي نعامة أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: يا بني سل الله الجنة وتعوذ من النار، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء\" (1) .\rوقيل: أراد به الاعتداء بالجهر [والصياح] (2) قال ابن جريج: من الاعتداء رفع الصوت والنداء بالدعاء والصياح.\rوروينا عن أبي موسى قال لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا\" (3) . وقال عطية: هم الذين يدعون على المؤمنين فيما لا يحل، فيقولون: اللهم أخزهم اللهم العنهم.\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب الإسراف في الماء: 1 / 87، وابن ماجه في الدعاء، باب كراهية الاعتداء في الدعاء، برقم(3864) بلفظ: \"سيكون قوم يعتدون في الدعاء...\": 2 / 1271، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي: 1 / 504، وابن حبان، برقم (171) ص(70-71) من موارد الظمآن، والإمام أحمد في المسند: 1 / 172،183 عن سعد بن أبي وقاص، و 4 / 86،87، 5 / 55 من حديث عبد الله بن مغفل. وساقه ابن كثير في التفسير: 2 / 222-223 وقال: \"وهو إسناد حسن لا بأس به\".\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) أخرجه البخاري في الجهاد، باب غزوة خيبر: 7 / 470، وفي الدعوات وفي التوحيد وفي الجهاد، وأخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب خفض الصوت بالذكر، برقم (2704): 4 / 2076، والمصنف في شرح السنة: 5 / 66.","part":3,"page":237},{"id":1036,"text":"{ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا } أي لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسل وبيان الشريعة، والدعاء إلى طاعة الله، وهذا معنى قول الحسن والسدي والضحاك والكلبي.\rوقال عطية: لا تعصوا في الأرض فيمسك الله المطر ويهلك الحرث بمعاصيكم. فعلى هذا معنى قوله: \"بعد إصلاحها\" أي: بعد إصلاح الله إياها بالمطر والخصب.\r{ وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا } أي: خوفا منه ومن عذابه، وطمعا فيما عنده من مغفرته وثوابه. وقال ابن جريج: خوف العدل وطمع الفضل. { إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } ولم يقل قريبة، قال سعيد بن جبير: الرحمة هاهنا الثواب فرجع النعت إلى المعنى دون اللفظ كقوله:(وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه) [النساء-8] ولم يقل منها لأنه أراد الميراث والمال.\rوقال الخليل بن أحمد: القريب والبعيد يستوي فيهما في اللغة: المذكر والمؤنث والواحد والجمع. قال أبو عمرو بن العلاء: القريب في اللغة يكون بمعنى القرب وبمعنى المسافة، تقول العرب: هذه امرأة قريبة منك إذا كانت بمعنى القرابة، وقريب منك إذا كانت بمعنى المسافة.\r{ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57) }","part":3,"page":238},{"id":1037,"text":"{ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58) }\rقوله تعالى: { وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا } قرأ عاصم \"بُشرا\" بالباء وضمها وسكون الشين 131/أ هاهنا وفي الفرقان وسورة النمل، ويعني: أنها تبشر بالمطر بدليل قوله تعالى:(الرياح مبشرات) [الروم-46]، [وقرأ حمزة والكسائي \"نشرا\" بالنون وفتحها، وهي الريح الطيبة اللينة، قال الله تعالى]: (1) (والناشرات نشرا) [المرسلات-3]، وقرأ ابن عامر بضم النون وسكون الشين، وقرأ الآخرون بضم النون والشين، جمع نشور، مثل صبور وصبر ورسول ورسل، أي: متفرقة وهي الرياح التي تهب من كل ناحية { بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } أي: قدام المطر.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":3,"page":238},{"id":1038,"text":"أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنبأنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنبأنا أبو العباس الأصم أنبأنا الربيع أنبأنا الشافعي أنبأنا الثقة عن الزهري عن ثابت بن قيس عن أبي هريرة قال: أخذت الناس ريح بطريق مكة وعمر حاج فاشتدت، فقال عمر رضي الله عنه لمن حوله: ما بلغكم في الريح فلم يرجعوا إليه شيئا، فبلغني الذي سأل [عمر عنه من أمر الريح] (1) فاستحثثت راحلتي حتى أدركت عمر رضي الله عنه، وكنت في مؤخر الناس، فقلت: يا أمير المؤمنين أخبرت أنك سألت عن الريح وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"الريح من روح الله تأتي بالرحمة وبالعذاب فلا تسبوها، وسلوا الله من خيرها وتعوذوا به من شرها\" (2) ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري بإسناده (3) .\r{ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ } حملت الرياح { سَحَابًا ثِقَالا } بالمطر، { سُقْنَاهُ } وردّ الكناية إلى السحاب، { لِبَلَدٍ مَيِّتٍ } أي: إلى بلد ميت محتاج إلى الماء، وقيل: معناه لإحياء بلد ميت لا نبات فيه { فَأَنْزَلْنَا بِهِ } أي: بالسحاب. وقيل: بذلك البلد الميت { الْمَاءَ } يعني: المطر، { فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى } استدل بإحياء الأرض بعد موتها على إحياء الموتى، { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } قال أبو هريرة وابن عباس: إذا مات الناس كلهم في النفخة الأولى أرسل الله عليهم مطرا كمنيّ الرجال من ماء تحت العرش يدعى ماء الحيوان، فينبتون في قبورهم نبات الزرع حتى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيهم الروح، ثم يلقي عليهم النوم فينامون في قبورهم، ثم يحشرون بالنفخة الثانية وهم يجدون طعم النوم في رءوسهم وأعينهم، فعند ذلك يقولون:(يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا) [يس-52].\rقوله عز وجل: { وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ } هذا مثل ضربه الله عز وجل للمؤمن والكافر فمثل المؤمن مثل البلد الطيب، يصيبه المطر فيخرج نباته بإذن ربه، { وَالَّذِي خَبُثَ } يريد الأرض السبخة التي { لا يَخْرُجُ } نباتها، { إِلا نَكِدًا } قرأ أبو جعفر بفتح الكاف، وقرأ الآخرون بكسرها، أي: عسرا قليلا بعناء ومشقة.\r__________\r(1) ساقط من (ب).\r(2) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، ص(264)، وأبو داود في الأدب، باب القول إذا هاجت الريح: 8 / 4، واللفظ له، وابن ماجه في الأدب، باب النهي عن سب الريح: 2 / 1228، والشافعي في المسند: 1 / 175-176، والنسائي في عمل اليوم والليلة ص(520)، والطحاوي في مشكل الآثار: 1 / 399، والبيهقي في الدعوات الكبير (انظر: مشكاة المصابيح: 1 / 480)، وصححه ابن حبان ص(488)، من الموارد، والحاكم في المستدرك 4 / 285، والإمام أحمد في المسند: 2 / 268، وأخرجه المصنف في شرح السنة: 4 / 391، وإسناده صحيح.\r(3) انظر: المصنف للإمام عبد الرزاق: 11 / 89.","part":3,"page":239},{"id":1039,"text":"فالأول: مثل المؤمن الذي إذا سمع القرآن وعاه وعقله وانتفع به، والثاني: مثل الكافر الذي يسمع القرآن فلا يؤثر فيه، كالبلد الخبيث الذي لا يتبين أثر المطر فيه { كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ } نبينها، { لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ }\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا محمد بن العلاء حدثنا حماد بن أسامة عن يزيد بن عبد الله عن أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به\" (1) .\r{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (60) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (62) }\rقوله تعالى: { لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ } وهو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس، وهو أول نبي بعث بعد إدريس، وكان نجارا بعثه الله إلى قومه وهو ابن خمسين سنة. وقال ابن عباس: ابن أربعين سنة. وقيل: بعث وهو ابن مائتين وخمسين سنة (2) . وقال مقاتل: ابن مائة سنة. وقال ابن عباس: سمي نوحا لكثرة ما ناح على نفسه.\rواختلفوا في سبب نوحه فقال بعضهم: لدعوته على قومه بالهلاك، وقيل: لمراجعته ربه في شأن ابنه كنعان. وقيل: لأنه مر بكلب مجذوم، فقال: اخسأ يا قبيح فأوحى الله تعالى إليه: أعبتني أم عبت الكلب؟ { فَقَالَ } لقومه، { يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } قرأ أبو جعفر والكسائي { مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ }\r__________\r(1) أخرجه البخاري في العلم، باب فضل من علِم وعلّم: 1 / 175، ومسلم في الفضائل، باب بيان ما بعث النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى والعلم، برقم(2282): 2 / 1787. والمصنف في شرح السنة: 1 / 287.\r(2) في \"ب\": (مائة وخمسين سنة).","part":3,"page":240},{"id":1040,"text":"بكسر الراء حيث كان، على نعت الإله، وافق حمزة في سورة فاطر:(هل من خالق غير الله)(فاطر-3)، وقرأ الآخرون برفع الراء على التقديم، تقديره: ما لكم غيره من إله، { إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ } إن لم تؤمنوا، { عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ }\r{ قَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ } خطأ وزوال عن الحق، { مُبِينٍ } بيّن.\r{ قَالَ } نوح، { يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ } ولم يقل ليست، لأن معنى الضلالة: الضلال أو على تقديم الفعل، { وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ }\r{ أُبَلِّغُكُمْ } قرأ أبو عمرو: \"أبلغكم\" بالتخفيف حيث كان من الإبلاغ. لقوله:(لقد أبلغتكم) [الأعراف-93] ، { رِسَالاتِ رَبِّي } [\"ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم\"، وقرأ الآخرون بالتشديد من التبليغ، لقوله تعالى:(بلغ ما أنزل إليك)(المائدة-67)، رسالات ربي] (1) { وَأَنْصَحُ لَكُمْ } يقال نصحته ونصحت له، والنصح أن يريد لغيره من الخير ما يريد لنفسه، { وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ } أن عذابه لا يرد عن القوم المجرمين.\r{ أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (64) وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (65) قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (67) }\r{ أَوَعَجِبْتُمْ } ألف استفهام دخلت على واو العطف، { أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: موعظة. وقيل: بيان. وقيل: رسالة. { عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ } عذاب الله إن لم تؤمنوا، { وَلِتَتَّقُوا } أي: لكي تتقوا الله، { وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } لكي ترحموا.\r{ فَكَذَّبُوهُ } يعني: كذبوا نوحا، { فَأَنْجَيْنَاهُ } من الطوفان، { وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ } في\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":3,"page":241},{"id":1041,"text":"السفينة، { وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ } أي: كفارا، قال ابن عباس: عميت قلوبهم عن معرفة الله. قال الزجاج: عموا عن الحق والإيمان، يقال رجل عم عن الحق وأعمى في البصر. وقيل: العمي والأعمى كالخضر والأخضر. قال مقاتل: عموات عن نزول العذاب بهم وهو الغرق.\rقوله تعالى: { وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا } أي: وأرسلنا إلى عاد -وهو عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح عليه السلام -، وهي عاد الأولى \"أخاهم\" في النسب لا في الدين \"هودا\"، وهو هود بن عبد الله بن رباح بن الجلود بن عاد بن عوص. وقال ابن إسحاق: هو بن شالخ بن ارفخشذ بن سام بن نوح، { قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ } أفلا تخافون نقمته؟\r{ قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ } يا هود، { فِي سَفَاهَةٍ } في حمق وجهالة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: تدعونا إلى دين لا نعرفه، { وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ } أنك رسول الله إلينا.\r{ قَالَ } هود، { يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } 131/ب","part":3,"page":242},{"id":1042,"text":"{ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71) فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (72) }\r{ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ } ناصح أدعوكم إلى التوبة أمين على الرسالة. قال الكلبي: كنت فيكم قبل اليوم أمينا.\r{ أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ } يعني نفسه، { لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ }","part":3,"page":242},{"id":1043,"text":"يعني في الأرض، { مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ } أي: من بعد إهلاكهم، { وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً } أي: طولا وقوة. قال الكلبي والسدي: كانت قامة الطويل منهم مائة ذراع، وقامة القصير منهم ستون ذراعا. وقال أبو حمزة الثمالي: سبعون ذراعا. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ثمانون ذراعا. وقال مقاتل: كان طول كل رجل اثني عشر ذراعا. وقال وهب: كان رأس أحدهم مثل القبة العظيمة وكان عين الرجل تفرخ فيها الضباع، وكذلك مناخرهم. { فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ } نعم الله، واحدها إليَّ وآلاء مثل مِعَيّ وأمعاء، وقفا وأقفاء، ونظيرها:(آناء الليل)(الزمر-9)، واحدها أنا وآناء، { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }\r{ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا } من الأصنام، فأتنا بما تعدنا ، من العذاب، { إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ }\r{ قَالَ } هود، { قَدْ وَقَعَ } وجب ونزل، { عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ } أي عذاب، والسين مبدلة من الزاي، { وَغَضَبٌ } أي: سخط، { أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا } وضعتموها، { أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ } قال أهل التفسير: كانت لهم أصنام يعبدونها سموها أسماء مختلفة، { مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ } حجة وبرهان، { فَانْتَظِرُوا } نزول العذاب، { إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ }\r{ فَأَنْجَيْنَاهُ } يعني هودا عند نزول العذاب، { وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا } أي: استأصلناهم وأهلكناهم عن آخرهم، { وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ }\rوكانت قصة عاد على ما ذكر محمد بن إسحاق وغيره: (1) أنهم كانوا قوما ينزلون اليمن وكانت مساكنهم بالأحقاف، وهي رمال بين عمان وحضرموت، وكانوا قد فشوا في الأرض كلها وقهروا أهلها بفضل قوتهم التي آتاهم الله عز وجل، وكانوا أصحاب أوثان يعبدونها، صنم يقال له صدى، وصنم يقال له صمود، وصنم يقال له الهباء، فبعث الله إليهم هودا نبيا، وهو من أوسطهم نسبا وأفضلهم حسبا، فأمرهم أن يوحدوا الله ويكفوا عن ظلم الناس ولم يأمرهم بغير ذلك، فكذبوه فقالوا من أشد منا قوة فبنوا المصانع وبطشوا بطشة الجبارين، فلما فعلوا ذلك أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين حتى جهدهم ذلك.\r__________\r(1) ساق هذه القصة الحافظ ابن كثير في التفسير: 2 / 226-227 وفي البداية والنهاية: 1 / 126-127. وأشار إلى حديث يشبه هذه القصة، أخرجه الإمام أحمد في المسند: 3 / 482، والترمذي في التفسير، تفسير سورة الذاريات: 9 / 159-162، ورواه أيضا النسائي من حديث سلام بن أبي المنذر عن عاصم بن بهدلة، ومن طريقه ابن ماجه أيضا عن أبي وائل عن الحارث بن حسان البكري، انظر: ابن كثير، الموضع السابق، الدر المنثور: 7 / 622، مجمع الزوائد:6 / 9-12.","part":3,"page":243},{"id":1044,"text":"وكان الناس في ذلك الزمان إذا نزل بهم بلاء فطلبوا الفرج كانت طلبتهم إلى الله عز وجل عند بيته الحرام بمكة مسلمهم ومشركهم، فيجتمع بمكة ناس كثير شتى، مختلفة أديانهم وكلهم معظّم لمكة، وأهل مكة يومئذ العماليق سموا عماليق، لأن أباهم عمليق بن لاذا بن سام بن نوح، وكان سيد العماليق إذ ذاك بمكة رجل يقال له معاوية بن بكر وكانت أم معاوية كلهدة بنت الخيبري رجل من عاد، فلما قحط المطر عن عاد وجهدوا قالوا جهزوا وافدا منكم إلى مكة فليستسقوا لكم، فبعثوا قيل بن عنز ولقيم بن هزال من هزيل، وعقيل بن صندين بن عاد الأكبر، ومرثد بن سعد بن عفير وكان مسلما يكتم إسلامه، وجلهمة بن الخيبري خال معاوية بن بكر، ثم بعثوا لقمان بن عاد الأصغر بن صندين بن عاد الأكبر، فانطلق كل رجل من هؤلاء ومعه رهط من قومه حتى بلغ عدد وفدهم سبعين رجلا.\rفلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجا من الحرم، فأنزلهم وأكرمهم وكانوا أخواله وأصهاره فأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان، قينتان لمعاوية بن بكر، وكان مسيرهم شهرا ومقامهم شهرا فلما رأى معاوية بن بكر طول مقامهم وقد بعثهم قومهم يتغوثون بهم من البلاء الذي أصابهم شق ذلك عليه، وقال هلك أخوالي وأصهاري وهؤلاء مقيمون عندي وهم ضيفي، والله ما أدري كيف أصنع بهم، أستحي أن آمرهم بالخروج إلى ما بعثوا إليه، فيظنون أنه ضيق مني بمقامهم عندي، وقد هلك من وراءهم من قومهم جهدا وعطشا، فشكا ذلك من أمرهم إلى قينتيه الجرادتين، فقالتا: قل شعرا نغنيهم به، لا يدرون من قاله، لعل ذلك أن يحركهم، فقال معاوية بن بكر: ألا يا قيل ويحك قم فهينم ... لعل الله يسقينا غماما\rفيسقي أرض عاد إن عادا ... قد أمسوا لا يبينون الكلاما\rمن العطش الشديد فليس نرجو ... به الشيخ الكبير ولا الغلاما\rوقد كانت نساؤهم بخير ... فقد أمست نساؤهم أيامى\rوإن الوحش تأتيهم جهارا ... فلا تخشى لعادي سهاما\rوأنتم هاهنا فيما اشتهيتم ... نهاركمو وليلكمو التماما\rفقبح وفدكم من وفد قوم ... ولا لقوا التحية والسلاما\rفلما غنّتهم الجرادتان هذا قال بعضهم لبعض: يا قوم إنما بعثكم قومكم يتغوثون بكم من البلاء الذي نزل بهم، وقد أبطأتم عليهم، فادخلوا هذا الحرم فاستسقوا لقومكم، فقال مرثد بن سعد بن","part":3,"page":244},{"id":1045,"text":"عفير، وكان قد آمن بهود سرا: إنكم والله لا تُسقون بدعائكم، ولكن إن أطعتم نبيكم وأنبتم إلى ربكم سقيتم، فأظهر إسلامه عند ذلك وقال: عصت عاد رسولهم فأمسوا ... عطاشا ما تبلهم السماء\rلهم صنم يقال له صمود ... يقابله صداء والهباء\rفبصرنا الرسول سبيل رشد ... فأبصرنا الهدى وجلى العماء\rوإن إله هود هو إلهي ... على الله التوكل والرجاء\rفقالوا لمعاوية بن بكر: احبس عنا مرثد بن سعد فلا يقدمن معنا مكة، فإنه قد اتبع دين هود، وترك ديننا، ثم خرجوا إلى مكة يستسقون لعاد، فلما ولوا إلى مكة خرج مرثد بن سعد من منزل معاوية حتى أدركهم قبل أن يدعوا الله بشيء مما خرجوا له، فلما انتهى إليهم قام يدعو الله، وبها وفد عاد يدعون، فقال: اللهم أعطني سؤلي وحدي ولا تدخلني في شيء مما يدعوك به وفد عاد، وكان قِيْلُ بن عنز رأس وفد عاد، فقال وفد عاد: اللهم أعط قيلا ما سألك واجعل سؤلنا مع سؤله.\rوكان قد تخلف عن وفد عاد -حين دعوا -لقمان بن عاد، وكان سيد عاد، حتى إذا فرغوا من دعوتهم قام، فقال: اللهم إني جئتك وحدي في حاجتي فأعطني سؤلي، وسأل الله طول العمر فعمر عمر سبعة أنسر، وقال قِيْلُ بن عنز حين دعا: يا إلهنا إن كان هود صادقا فاسقنا فإنا قد هلكنا، فأنشأ الله سحائب ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء، ثم ناداه مناد من السحايب [يا قيل] (1) اختر لنفسك وقومك من هذه السحائب [ما شئت] (2) فقال قيل: 132/أ اخترت السحابة السوداء فإنها أكثر السحاب ماء فناداه مناد: اخترت رمادا رمددا لا تبقي من آل عاد أحدا، وساق الله سبحانه وتعالى السحابة السوداء التي اختارها قيل بما فيها من النقمة إلى عاد حتى خرجت عليهم من واد لهم يقال له \"المغيث\" فلما رأوها استبشروا وقالوا: هذا عارض ممطرنا، يقول الله تعالى:(بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها)(الأحقاف-24-25) أي: كل شيء مرت به.\rوكان أول من أبصر ما فيها وعرف أنها ريح مهلكة امرأة من عاد يقال لها مهدد، فلما تبينت ما فيها صحت ثم صعقت، فلما أفاقت قالوا لها: ماذا رأيت؟ قالت: رأيت الريح فيها كشهب النار أمامها رجال يقودونها، فسخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما، فلم تدع من آل عاد أحدا إلا هلك، واعتزل هود ومن معه من المؤمنين في حظيرة ما يصيبه هو ومن معه من الريح إلا ما تلين عليه الجلود وتلذ الأنفس، وإنها لتمر من عاد بالظعن فتحملهم بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة،\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) زيادة من \"ب\".","part":3,"page":245},{"id":1046,"text":"وخرج وفد عاد من مكة حتى مروا بمعاوية بن بكر فنزلوا عليها فبينما هم عنده إذا أقبل رجل على ناقة في ليلة مقمرة مساء ثالثة من مصاب عاد فأخبرهم الخبر، فقالوا له فأين فارقت هودا وأصحابه؟ فقال: فارقتهم بساحل البحر فكأنهم شكوا فيما حدثهم به، فقالت هزيلة بنت بكر: صدق ورب مكة.\rوذكروا أن مرثد بن سعد ولقمان بن عاد، وقيل بن عنز حين دعوا بمكة، قيل لهم: قد أعطيتكم مُنَاكم فاختاروا لأنفسكم، إلا أنه لا سبيل إلى الخلود، ولا بد من الموت، فقال مرثد: اللهم أعطني صدقا وبرا فأعطي ذلك، وقال لقمان: أعطني يا رب عمرا، فقيل له: اختر، فاختار عمر سبعة أنسر، فكان يأخذ الفرخ حين يخرج من بيضته فيأخذ الذكر منها لقوته، حتى إذا مات أخذ غيره فلم يزل يفعل ذلك حتى أتى على السابع، وكان كل نسر يعيش ثمانين سنة، وكان آخرها لبد فلما مات لبد مات لقمان معه.\rوأما قيل فإنه قال: أختار أن يصيبني ما أصاب قومي فقيل له: إن الهلاك، فقال: لا أبالي لا حاجة لي في البقاء بعدهم، فأصابه الذي أصاب عادا من العذاب فهلك.\rقال السدي: بعث الله على عاد الريح العقيم فلما دنت منهم نظروا إلى الإبل والرجال، تطير بهم الريح بين السماء والأرض، فلما رأواها تبادروا البيوت فدخلوها وأغلقوا أبوابهم، فجاءت الريح فقلعت أبوابهم فدخلت عليهم فأهلكتهم فيها، ثم أخرجتهم من البيوت، فلما أهلكهم الله أرسل عليهم طيرا سوداء فنقلتهم إلى البحر فألقتهم فيه.\rوروي أن الله عز وجل أمر الريح فأهالت عليهم الرمال، فكانوا تحت الرمل سبع ليال وثمانية أيام لهم أنين تحت الرمل، ثم أمر الريح فكشفت عنهم الرمال فاحتملتهم فرمت بهم في البحر ولم تخرج ريح قط إلا بمكيال إلا يومئذ فإنها عتت على الخزنة فغلبتهم فلم يعلموا كم كان مكيالها.\rوفي الحديث: \"إنها خرجت عليهم على قدر خرق الخاتم\" (1) وروي عن علي رضي الله عنه: أن قبر هود عليه السلام بحضرموت في كثيب أحمر. وقال عبد الرحمن بن سابط: بين الركن والمقام وزمزم قبر تسعة وتسعين نبيا، وإن قبر هود وشعيب وصالح وإسماعيل عليهم السلام في تلك البقعة. ويروى: أن النبي من الأنبياء إذا هلك قومه جاء هو والصالحون معه إلى مكة يعبدون الله فيها حتى يموتوا.\r__________\r(1) جاء قريب من هذا في رواية الإمام أحمد والترمذي في الموضع السابق، وليس مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بل السياق يدل على أنه من راوي القصة.","part":3,"page":246},{"id":1047,"text":"{ وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) }","part":3,"page":247},{"id":1048,"text":"{ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ (74) قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) }\rقوله عز وجل: { وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا } وهو ثمود بن عابر بن أرم بن سام بن نوح، وأراد هاهنا القبيلة.\rقال أبو عمرو بن العلاء: سميت ثمود لقلة مائها، والثمد: الماء القليل، وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى { أَخَاهُمْ صَالِحًا } أي: أرسلنا إلى ثمود أخاهم في النسب، لا في الدين صالحا، وهو صالح بن عبيد بن آسف بن ماشيح بن عبيد بن خادر بن ثمود، { قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ } حجة من ربكم على صدقي ، { هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ } أضافها إليه على التفضيل والتخصيص، كما يقال بيت الله، { لَكُمْ آيَةٌ } نصب على الحال، { فَذَرُوهَا تَأْكُلْ } العشب، { فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ } لا تصيبوها بعقر، { فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }\r{ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ } أسكنكم وأنزلكم، { فِي الأرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا } كانوا ينقبون في الجبال البيوت ففي الصيف يسكنون بيوت الطين، وفي الشتاء بيوت الجبال. وقيل: كانوا ينحتون البيوت في الجبل لأن بيوت الطين ما كانت تبقى مدة أعمارهم لطول أعمارهم، { فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ } والعيث: أشد الفساد.\r{ قَالَ الْمَلأ } قرأ ابن عامر:(وقال الملأ) بالواو { الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ } يعني الأشراف والقادة الذين تعظموا عن الإيمان بصالح، { لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا } يعني الأتباع، { لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ }","part":3,"page":247},{"id":1049,"text":"يعني: قال الكفار للمؤمنين، { أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ } إليكم، { قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ }\r{ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79) }\r{ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } جاحدون.\r{ فَعَقَرُوا النَّاقَةَ } قال الأزهري: العقر هو قطع عرقوب البعير، ثم جعل النحر عقرا لأن ناحر البعير يعقره ثم ينحره، { وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ } والعتو الغلو في الباطل، يقال: عتا يعتو عتوا: إذا استكبروا، والمعنى: عصوا الله وتركوا أمره في الناقة وكذبوا نبيهم. { وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } أي: من العذاب، { إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ }\r{ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ } وهي زلزلة الأرض وحركتها وأهلكوا بالصيحة والرجفة، { فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ } قيل: أراد الديار. وقيل: أراد في أرضهم وبلدتهم، ولذلك وحد الدار، { جَاثِمِينَ } خامدين ميتين. قيل: سقطوا على وجوههم موتى عن آخرهم.\r{ فَتَوَلَّى } أعرض صالح، { عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ } فإن قيل: كيف خاطبهم بقوله لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم بعدما هلكوا بالرجفة؟\rقيل: كما خاطب النبي صلى الله عليه وسلم الكفار من قتلى بدر حين ألقاهم في القليب، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [\"والذي نفس محمد بيده\"] (1) ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يجيبون\" (2) .\r__________\r(1) زيادة من \"ب\" ومن صحيح البخاري.\r(2) قطعة من حديث أنس بن مالك، أخرجه البخاري في المغازي، باب قتل أبي جهل: 7 / 300-301. وأخرج أيضا في الموضع نفسه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قليب بدر، فقال: \"هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ ثم قال: إنهم الآن يسمعون ما أقول\" فذُكِر لعائشة فقالت: إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق، ثم قرأت: \"إنك لا تسمع الموتى\" حتى قرأت الآية. فكان هذا مما استدركته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها على ابن عمر رضي الله عنهما وأنه وهم في قوله \"ليسمعون\"، وإنما هو بلفظ \"إنهم ليعلمون\". قال البيهقي: العلم لا يمنع من السماع. والجواب عن الآية: أنه لا يُسْمِعُهم وهم موتى. ولكن الله أحياهم حتى سمعوا، كما قال قتادة. ولم ينفرد عمر ولا ابنه - رضي الله عنهما - بحكاية ذلك، بل وافقهما: أبو طلحة، وللطبراني من حديث ابن مسعود مثله بإسناد صحيح، ومن حديث عبد الله بن سيدان نحوه، وفيه: \"قالوا يا رسول الله وهل يسمعون\"؟ قال: \"يسمعون كما تسمعون، ولكن لا يجيبون\"، وفي حديث ابن مسعود: \"ولكنهم اليوم لا يجيبون\". ومن الغريب أن في المغازي لابن إسحاق رواية يونس بن بكير بإسناد جيد عن عائشة مثل حديث أبي طلحة وفيه: \"ما أنتم بأسمع لما أقول منهم\" وأخرجه أحمد بإسناد حسن، فإن كان محفوظا فكأنها رجعت عن الإنكار، لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة، لكونها لم تشهد القصة. انظر بالتفصيل: فتح الباري: 7 / 303-304، الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة للزركشي: ص(99-100)، الروض الأنف للسهيلي: 2 / 74.","part":3,"page":248},{"id":1050,"text":"وقيل: خاطبهم ليكون عبرة لمن خلفهم.\rوقيل: في الآية تقديم وتأخير تقديرها: فتولى عنهم، وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة 132/ب ربي فأخذتهم الرجفة.\rوكان قصة ثمود على ما ذكره محمد بن إسحاق ووهب وغيرهما: أن عاد لما هلكت وانقضى أمرها عمرت ثمود بعدها، واستخلفوا في الأرض فدخلوا فيها وكثروا وعمروا، حتى جعل أحدهم يبني المسكن من المدر فينهدم والرجل حي، فلما رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتا، وكانوا في سعة من معاشهم فعثوا وأفسدوا في الأرض وعبدوا غير الله، فبعث الله إليهم صالحا وكانوا قوما عربا، وكان صالح من أوسطهم نسبا وأفضلهم حسبا وموضعا، فبعثه الله إليهم غلاما شابا، فدعاهم إلى الله حتى شمط وكبر لا يتبعه منهم إلا قليل مستضعفون، فلما ألح عليهم صالح بالدعاء والتبليغ وأكثر لهم التحذير والتخويف سألوه أن يريهم آية تكون مصداقا لما يقول، فقال لهم: أيّ آية تريدون؟ قالوا: تخرج معنا غدا إلى عيدنا، وكان لهم عيد يخرجون فيه بأصنامهم في يوم معلوم من السنة فتدعو إلهك وندعو آلهتنا، فإن استجيب لك اتبعناك وإن استجيب لنا اتبعتنا، فقال لهم صالح: نعم، فخرجوا بأوثانهم إلى عيدهم، وخرج صالح معهم فدعوا أوثانهم، وسألوها أن لا يستجاب لصالح في شيء مما يدعو به، ثم قال جندع بن عمرو بن حوّاس وهو يومئذ سيد ثمود: يا صالح أخرج لنا من هذه الصخرة -لصخرة منفردة في ناحية من الحجر يقال لها الكاثبة -ناقة مخترجة جوفاء وبراء عشراء","part":3,"page":249},{"id":1051,"text":"-والمخترجة ما شاكل البخت من الإبل -، فإن فعلت صدقناك وآمنا بك، فأخذ عليهم صالح مواثيقهم لئن فعلت لتصدقني ولتؤمنن بي، قالوا: نعم، فصلى صالح ركعتين ودعا ربه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها، ثم تحركت الهضبة فانصدعت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء كما وصفوا لا يعلم ما بين جنبيها عظما إلا الله، وهم ينظرون ثم نتجت سقيا مثلها في العظم، فآمن به جندع بن عمرو ورهط من قومه، وأراد أشراف ثمود أن يؤمنوا به ويصدقوه فنهاهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم ورباب بن صمغر وكان كاهنهم وكانوا من أشراف ثمود.\rفلما خرجت الناقة قال لهم صالح: هذه ناقة الله، لها شرب ولكم شرب يوم معلوم، فمكثت الناقة ومعها سقيها في أرض ثمود، ترعى الشجر وتشرب الماء، فكانت ترد الماء غبا، فإذا كان يومها وضعت رأسها في بئر في الحجر يقال لها بئر الناقة فما ترفع رأسها حتى تشرب كل ماء فيها، فلا تدع قطرة، ثم ترفع رأسها فتنفشخ حتى تفحج لهم فيحلبون ما شاءوا من لبن، فيشربون ويدخرون، حتى +يملئوا أوانيهم كلها ثم تصدر من غير الفج الذي وردت منه لا تقدر أن تصدر من حيث ترد، يضيق عنها، حتى إذا كان الغد كان يومهم فيشربون ما شاءوا من الماء ويدخرون ما شاءوا ليوم الناقة، فهم من ذلك في سعة ودعة، وكانت الناقة تُصيِّف إذا كان الحر بظهر الوادي، فتهرب منها المواشي، أغنامهم وبقرهم وإبلهم، فتهبط إلى بطن الوادي في حره وجدبه، وتشتو ببطن الوادي إذا كان الشتاء، فتهرب مواشيهم إلى [ظهر] (1) الوادي في البرد والجدب فأضر ذلك بمواشيهم للبلاء والاختبار، فكبر ذلك عليهم فعتوا عن أمر ربهم وحملهم ذلك على عقر الناقة، فأجمعوا على عقرها.\rوكانت امرأتان من ثمود إحداهما يقال لها عنيزة بنت غنم بن مجلز تكنى بأم غنم، وكانت امرأة ذؤاب بن عمرو وكانت عجوزا مسنة، وكانت ذات بنات حسان وذات مال من إبل وبقر وغنم، وامرأة أخرى يقال لها صدوف بنت المحيا وكانت جميلة غنية ذات مواشي كثيرة، وكانتا من أشد الناس عداوة لصالح وكانتا تحبان عقر الناقة [لما أضرت] (2) بهما من مواشيهما فتحيلتا في عقر الناقة فدعت صدوف رجلا من ثمود يقال له الحباب لعقر الناقة، وعرضت عليه نفسها إن هو فعل فأبى عليها فدعت ابن عم لها يقال له مصدع بن مهرج بن المحيا، وجعلت له نفسها على أن يعقر الناقة وكانت من أحسن الناس وأكثرهم مالا فأجابها إلى ذلك ودعت عنيزة بنت غنم قدار بن سالف، وكان رجلا أحمر أزرق قصيرا، يزعمون أنه كان لزانية، ولم يكن لسالف، ولكنه ولد على فراش سالف، فقالت: أعطيك أيّ\r__________\r(1) في \"ب\": (بطن).\r(2) ساقط من \"أ\".","part":3,"page":250},{"id":1052,"text":"بناتي شئت على أن تعقر الناقة، وكان قدار عزيزا منيعا في قومه.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا هشام عن أبيه أنه أخبره عبد الله بن زمعة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب وذكر الناقة والذي عقرها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إذ انبعث أشقاها)(الشمس-12)، انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في قومه مثل أبي زمعة (1) .\rرجعنا إلى القصة، قالوا: فانطلق قدار بن سالف ومصدع بن مهرج فاستغويا غواة ثمود فاتبعهم سبعة نفر فكانوا تسعة رهط، فانطلق قدار وصدع وأصحابهما فرصدوا الناقة حين صدرت عن الماء، وقد كمن لها قدار في أصل صخرة على طريقها، وكمن لها مصدع في طريق آخر فمرت على مصدع، فرماها بسهم فانتظم به في عضلة ساقها، وخرجت بنت غنم عنيزة، وأمرت ابنتها، وكانت من أحسن الناس، فأسفرت لقدار ثم ذمرته (2) فشد على الناقة بالسيف فكشفت عرقوبها فخرت ورغت رغاة واحدة تحذر سقبها (3) ثم طعن في لبتها فنحرها، وخرج أهل البلدة واقتسموا لحمها وطبخوه، فلما رأى سقبها ذلك انطلق حتى أتى جبلا منيفا يقال له: صنو، وقيل: اسمه قارة، وأتى صالح فقيل له: أدرك الناقة فقد عقرت، فأقبل وخرجوا يتلقونه ويعتذرون إليه: يا نبي الله إنما عقرها فلان ولا ذنب لنا، فقال صالح: انظروا هل تدكرون فصيلها، فإن أدركتموه فعسى أن يُرْفَع عنكم العذاب، فخرجوا يطلبونه، فلما رأوه على الجبل ذهبوا ليأخذوه، فأوحى الله تعالى إلى الجبل فتطاول في السماء حتى ما تناله الطير.\rوجاء صالح فلما رآه الفصيل بكى حتى سالت دموعه، ثم رغا ثلاثا، وانفجرت الصخرة فدخلها. فقال صالح لكل رغوة أجل يوم فتمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب.\rوقال ابن إسحاق: اتبع السقب أربعة نفر من التسعة الذين عقروا الناقة، وفيهم مصدع بن مهرج وأخوه ذاب بن مهرج، فرماه مصدع بسهم فانتظم قلبه، ثم جر برجله فأنزله، فألقوا لحمه مع لحم أمه، وقال لهم صالح: انتهكتم حرمة الله فأبشروا بعذاب الله ونقمته، قالوا وهم يهزءون به: ومتى ذلك يا صالح؟ وما آية ذلك؟ وكانوا يسمون الأيام فيهم: الأحد أول، والاثنين أهون، والثلاثاء\r__________\r(1) أخرجه البخاري في تفسير سورة \"والشمس وضحاها\": 8 / 705، وفي النكاح، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون، برقم(2855): 4 / 2191، والمصنف في شرح السنة: 9 / 182.\r(2) الذمر: التحريض على القتال.\r(3) السقب: ولد الناقة ساعة يولد.","part":3,"page":251},{"id":1053,"text":"دبار والأربعاء 133/أ جبار، والخميس مؤنس والجمعة العروبة، والسبت شيار، وكانوا عقروا الناقة يوم الأربعاء، فقال لهم صالح حين قالوا ذلك: تصبحون غداة يوم مؤنس ووجوهكم مصفرة، ثم تصبحون يوم العروبة ووجوهكم محمرة، ثم تصبحون يوم شيار ووجوهكم مسودة، ثم يصبحكم العذاب يوم أول.\rفلما قال لهم صالح ذلك قال التسعة الذين عقروا الناقة: هلم فلنقتل صالحا فإن كان صادقا عجلناه قبلنا، وإن كان كاذبا قد كنا ألحقناه بناقته، فأتوه ليلا ليبيتوه في أهله، فدمغتهم الملائكة بالحجارة، فلما أبطأوا على أصحابهم أتوا منزل صالح فوجدوهم قد رضخوا بالحجارة، فقالوا لصالح: أنت قتلتهم، ثم هموا به فقامت عشيرته دونه ولبسوا السلاح، وقالوا لهم: والله لا تقتلونه أبدا فقد وعدكم أن العذاب نازل بكم بعد ثلاث، فإن كان صادقا لم تزيدوا ربكم عليكم إلا غضبا وإن كان كاذبا فأنتم من وراء ما تريدون، فانصرفوا عنهم ليلتهم فأصبحوا يوم الخميس ووجوههم مصفرة كأنما طليت بالخلوق، صغيرهم وكبيرهم، ذكرهم وأنثاهم، فأيقنوا بالعذاب وعرفوا أن صالحا قد صدقهم، فطلبوه ليقتلوه، وخرج صالح هاربا منهم حتى جاء إلى بطن من ثمود يقال لهم بني غنم، فنزل على سيدهم، رجل يقال له نفيل ويكنى بأبي هدب، وهو مشرك فغيبه، ولم يقدروا عليه، فغدوا على أصحاب صالح يعذبونهم ليدلوهم عليه، فقال رجل من أصحاب صالح يقال له مبدع بن هرم: يا نبي الله إنهم ليعذبوننا لندلهم عليك، أفندلهم؟ قال: نعم، فدلهم عليه، وأتوا أبا هدب فكلموه في ذلك، فقال: نعم عندي صالح وليس لكم عليه سبيل، فأعرضوا عنه وتركوه وشغلهم عنه ما أنزل الله بهم من عذابه، فجعل بعضهم يخبر بعضا بما يرون في وجوههم فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم ألا قد مضى يوم من الأجل، فلما أصبحوا اليوم الثاني إذا وجوههم محمرة كأنما خضبت بالدماء فصاحوا وضجوا وبكوا، وعرفوا أنه العذاب، فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم: ألا قد مضى يومان من الأجل وحضركم العذاب، فلما أصبحوا اليوم الثالث إذا وجوههم مسودة كأنما طليت بالقار، فصاحوا جميعا: ألا قد حضركم العذاب.\rفلما كان ليلة الأحد خرج صالح من بين أظهرهم ومن أسلم معه إلى الشام، فنزل رملة فلسطين، فلما أصبح القوم تكفنوا وتحنطوا وألقوا أنفسهم إلى الأرض يقلبون أبصارهم إلى السماء مرة وإلى الأرض مرة، لا يدرون من أين يأتيهم العذاب، فلما اشتد الضحى من يوم الأحد أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة، وصت كل شيء له صوت في الأرض، فقطعت قلوبهم في صدورهم، فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلا هلك كما قال الله تعالى: \"فأصبحوا في دارهم جاثمين\"ُ","part":3,"page":252},{"id":1054,"text":"إلا جارية مقعدة يقال لها ذريعة بنت سالف، وكانت كافرة شديدة الكفر والعداوة لصالح، فأطلق الله رجليها بعدما عاينت العذاب، فخرجت كأسرع ما يرى شيء قط حتى أتت قزح، وهو واد القرى، فأخبرتهم بما عاينته من العذاب وما أصاب ثمود، ثم استقت من الماء فسقيت فلما شربت ماتت.\rوذكر السدي في عقر الناقة وجها آخر قال: فأوحى الله تعالى إلى صالح عليه السلام أن قومك سيعقرون ناقتك، فقال لهم ذلك فقالوا: ما كنا نفعل، فقال صالح: إنه يولد في شهركم هذا غلام يعقرها فيكون هلاككم على يديه، فقالوا: لا يولد لنا ولد في هذا الشهر إلا قتلناه، قال: فولد لتسعة منهم في ذلك الشهر فذبحوا أبناءهم ثم ولد للعاشر فأبى أن يذبح ابنه، وكان لم يولد له قبل ذلك، وكان ابنه أزرق أحمر فنبت نباتا سريعا وكان إذا مر بالتسعة ورأوه قالوا: لو كان أبناؤنا أحياء لكانوا مثل هذا، فغضب التسعة على صالح لأنه كان سبب قتل أولادهم، فتقاسموا بالله لنبيتنه وأهله، قالوا: نخرج ليرى الناس أنا قد خرجنا إلى سفر فنأتي الغار فنكون فيه، حتى إذا كان الليل وخرج صالح إلى مسجده أتيناه فقتلناه، ثم رجعنا إلى الغار فكنا فيه فانصرفنا إلى رحلنا فقلنا: ما شهدنا مهلك أهله، وإنا لصادقون، فيصدقوننا، يظنون أنا قد خرجنا إلى سفر. وكان صالح لا ينام معهم في القرية، وكان يبيت في مسجد يقال له مسجد صالح، فإذا أصبح أتاهم فوعظهم وذكّرهم وإذا أمسى خرج إلى المسجد فبات فيه فانطلقوا فدخلوا الغار، فسقط عليهم الغار فقتلهم، فانطلق رجال ممن قد اطلع على ذلك منهم فإذا هم رضخ، فرجعوا يصيحون في القرية: أي عباد الله ما رضي صالح أن أمرهم بقتل أولادهم حتى قتلهم، فاجتمع أهل القرية على عقر الناقة.\rوقال ابن إسحاق: كان تقاسم التسعة على تبييت صالح بعد عقرهم الناقة كما ذكرنا.\rقال السدي وغيره: فلما ولد ابن العاشر، يعني: قذار، شب في اليوم شباب غيره في الجمعة، وشب في شهر شباب غيره في السنة، فلما كبر جلس مع أناس يصيبون من الشراب، فأرادوا ماء يمزجون به شرابهم، وكان ذلك اليوم شرب الناقة، فوجدوا الماء قد شربته الناقة، فاشتد ذلك عليهم وقالوا: ما نصنع نحن باللبن؟ لو كنا نأخذ هذا الماء الذي تشربه هذه الناقة فنسقيه أنعامنا وحروثنا كان خيرا لنا، فقال ابن العاشر: هل لكم في أن أعقرها لكم؟ قالوا: نعم، فعقروها.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنبانا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمد بن يوسف ثنا محمد بن إسماعيل ثنا محمد بن مسكين ثنا يحيى بن حسان بن حيان أبو زكريا ثنا سليمان عن عبد الله بن دينار","part":3,"page":253},{"id":1055,"text":"عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر، في غزوة تبوك، أمرهم أن لا يشربوا من بئر بها ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجنا منها واستقينا، فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين ويهريقوا ذلك الماء\" (1) . وقال نافع عن ابن عمر: فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا من آبارها وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة (2) .\rوروى أبو الزبير عن جابر قال: لما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر في غزوة تبوك قال لأصحابه: لا يدخلن أحد منكم القرية ولا تشربوا من مائهم ولا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ثم قال: أما بعد فلا تسألوا رسولكم الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا رسولهم، فبعث الله الناقة فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج وتشرب ماءهم يوم ورودها، وأراهم مرتقى الفصيل من القارة، فعتوا عن أمر ربهم وعقروها، فأهلك الله تعالى من تحت أديم السماء منهم في مشارق الأرض ومغاربها إلا رجلا واحدا يقال له أبو رُغَال، وهو أبو ثقيف كان في حرم الله، فمنعه 133/ب حرم الله من عذاب الله، فلما خرج أصابه ما أصاب قومه فدفن ودفن معه غصن من ذهب، وأراهم قبر أبي رغال، فنزل القوم فابتدروا بأسيافهم وحفروا عنه واستخرجوا ذلك الغصن (3) .\rوكانت الفرقة المؤمنة من قوم صالح أربعة آلاف خرج بهم صالح إلى حضرموت، فلما دخلوها مات صالح فسمى حضرموت ثم بنى الأربعة آلاف مدينة يقال لها حاصوراء، قال قوم من أهل العلم توفي بمكة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وأقام في قومه عشرين سنة.\r{ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) }\rقوله تعالى: { وَلُوطًا } أي: وأرسلنا لوطا. وقيل: معناه واذكر لوطا. وهو لوط بن هاران بن تارخ ابن أخي إبراهيم، { إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ } وهم أهل سدوم وذلك أن لوطا شخص من أرض بابل [سافر] (4) مع عمه إبراهيم عليه السلام مؤمنا به مهاجرا معه إلى الشام، فنزل إبراهيم فلسطين وأنزل\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب قول الله تعالى: \"وإلى ثمود أخاهم صالحا\": 6 / 378، ومسلم في الزهد، باب \"لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم\" برقم(2981): 4 / 2286 بلفظ قريب.\r(2) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب قول الله تعالى: \"وإلى ثمود أخاهم صالحا\": 6 / 378.\r(3) أخرجه الطبري في التفسير: 8 / 230 (طبع الحلبي)، والإمام أحمد في المسند مختصرا: 3 / 296، وصححه الحاكم: 2 / 340-341، ووافقه الذهبي، وعزاه الهيثمي للطبراني في الأوسط والبزار وأحمد، وقال: رجال أحمد رجال الصحيح وعزاه أيضا ابن حجر لابن حبان. انظر: مجمع الزوائد: 7 / 37-38، الكافي الشاف ص(65)، الدر المنثور: 3 / 492.\r(4) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":254},{"id":1056,"text":"لوطا الأردن، فأرسله الله عز وجل إلى أهل سدوم فقال لهم، { أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ } يعني: إتيان الذكران، { مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ } قال عمرو بن دينار ما يرى ذكر على ذكر في الدنيا إلا كان من قوم لوط.\r{ إِنَّكُمْ } قرأ أهل المدينة وحفص(إنكم) بكسر الألف على الخبر، وقرأ الآخرون على الاستئناف، { لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ } في أدبارهم، { شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ } فسَّر تلك الفاحشة يعني أدبار الرجال أشهى عندكم من فروج النساء، { بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ } مجاوزون الحلال إلى الحرام.\rقال محمد بن إسحاق: كانت لهم ثمار وقرى لم يكن في الأرض مثلها فقصدهم الناس فآذوهم، فعرض لهم إبليس في صورة شيخ، فقال: إن فعلتم بهم كذا نجوتم، فأبوا فلما ألح عليهم الناس قصدوهم فأصابوهم غلمانا صباحا، فأخذوهم وقهروهم على أنفسهم فأخبثوا واستحكم ذلك فيهم. قال الحسن: كانوا لا ينكحون إلا الغرباء.\rوقال الكلبي: إن أول من عمل عمل قوم لوط إبليس، لأن بلادهم أخصبت فانتجعها أهل البلدان، أي: فتمثل لهم إبليس في صورة شاب، ثم دعا إلى دبره، فنكح في دبره، فأمر الله تعالى السماء أن تحصبهم وأمر الأرض أن تخسف بهم.","part":3,"page":255},{"id":1057,"text":"{ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84) وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85) }\rقوله عز وجل: { وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا } قال بعضهم لبعض: { أَخْرِجُوهُمْ } يعني: لوطا وأهل دينه، { مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } يتنزهون عن أدبار الرجال.","part":3,"page":255},{"id":1058,"text":"{ فَأَنْجَيْنَاهُ } يعني: لوطا، { وَأَهْلَهُ } المؤمنين، وقيل: أهله: ابنتاه، { إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ } يعني: الباقين في العذاب، وقيل: معناه كانت من الباقين المعمرين، قد أتى عليها دهر طويل فهلكت مع من هلك من قوم لوط، وإنما قال: \"من الغابرين\" لأنه أراد: ممن بقي من الرجال فلما ضم ذكرها إلى ذكر الرجال قال: \"من الغابرين\".\r{ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا } يعني: حجارة من سجيل. قال وهب: الكبريت والنار، { فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ } قال أبو عبيدة: يقال في العذاب: أمطر، وفي الرحمة: مطر.\rقوله تعالى: { وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا } أي: وأرسلنا إلى ولد مدين -وهو مدين بن إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام -وهم أصحاب الأيكة: أخاهم شعيبا في النسب لا في الدين. قال عطاء: هو شعيب بن توبة بن مدين بن إبراهيم. وقال ابن إسحاق: هو شعيب بن ميكائيل بن يسخر بن مدين بن إبراهيم، وأم ميكائيل بنت لوط. وقيل: هو شعيب بن يثرون بن مدين وكان شعيب أعمى وكان يقال له خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه، وكان قومه أهل كفر وبخس للمكيال والميزان.\r{ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ } فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: \"قد جاءتكم بينة من ربكم\" ولم تكن لهم آية؟.\rقيل: قد كانت لهم آية إلا أنها لم تذكر، وليست كل الآيات مذكورة في القرآن.\rوقيل: أراد بالبينة مجيء شعيب.\r{ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ } أتموا الكيل، { وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ } لا تظلموا الناس حقوقهم ولا تنقصوهم إياها، { وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا } أي: ببعث الرسل والأمر بالعدل، وكل نبي بعث إلى قوم فهو صلاحهم، { ذَلِكُمْ } الذي ذكرت لكم وأمرتكم به، { خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } مصدقين بما أقول.\r{ وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) }\r{ وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ } أي: على كل طريق، { تُوعِدُونَ } تهددون، { وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ }","part":3,"page":256},{"id":1059,"text":"دين الله، { مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا } زيغا، وقيل: تطلبون الاعوجاج في الدين والعدول عن القصد، وذلك أنهم كانوا يجلسون على الطريق فيقولون لمن يريد الإيمان بشعيب، إن شعيب كذاب فلا يفتننك عن دينك ويتوعدون المؤمنين بالقتل ويخوفونهم، وقال السدي: كانوا عشارين. { وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكُمْ } فكثر عددهم، { وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ } أي: آخر أمر قوم لوط.\r{ وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87) }","part":3,"page":257},{"id":1060,"text":"{ قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89) }\r{ وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا } أي: إن اختلفتم في رسالتي فصرتم فرقتين مكذبين ومصدقين، { فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا } بتعذيب المكذبين وإنجاء المصدقين، { وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ }\r{ قَالَ الْمَلأ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ } يعني الرؤساء الذين تعظموا عن الإيمان به، { لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا } لترجعن إلى ديننا الذي نحن عليه، { قَالَ } شعيب { أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ } يعني: لو كنا، أي: وإن كنا كارهين لذلك فتجبروننا عليه؟\r{ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا } بعد إذ أنقذنا الله منها، { إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا } يقول إلا أن يكون قد سبق لنا في علم الله ومشيئته أنا نعود فيها فحينئذ يمضي قضاء الله فينا وينفذ حكمه علينا.\rفإن قيل: ما معنى قوله: \"أو لتعودن في ملتنا\"، \"وما يكون لنا أن نعود فيها\"، ولم يكن شعيب قط على ملتهم حتى يصح قولهم ترجع إلى ملتنا؟","part":3,"page":257},{"id":1061,"text":"قيل: معناه: أو لتدخلن في ملتنا، فقال: وما كان لنا أن ندخل فيها.\rوقيل: معناه إن صرنا في ملتكم. ومعنى عاد صار.\rوقيل: أراد به قوم شعيب لأنهم كانوا كفارا فآمنوا فأجاب شعيب عنهم.\rقوله تعال: { وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا } أحاط علمه بكل شيء، { عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا } فيما توعدوننا به، ثم عاد شعيب بعدما أيس من فلاحهم فقال: { رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا } أي: اقض بيننا، { بِالْحَقِّ } والفتاح: القاضي، { وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ } أي: الحاكمين.\r{ وَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) }\r{ وَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا } وتركتم دينكم، { إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ } مغبونون، وقال عطاء: جاهدون. قال الضحاك: عجزة.\r{ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ } قال الكلبي: الزلزلة، وقال ابن عباس وغيره: فتح الله عليهم بابا من جهنم، فأرسل عليهم حرا شديدا، فأخذ بأنفاسهم ولم ينفعهم ظل ولا ماء، فكانوا يدخلون الأسراب ليتبردوا فيها، فإذا دخلوها وجدوها أشد حرا من الظاهر، فخرجوا هربا إلى البرية فبعث الله سحابة فيها ريح طيبة فأظلتهم 134/أ وهي الظلة، فوجدوا لها بردا ونسيما فنادى بعضهم بعضا حتى اجتمعوا تحت السحابة، رجالهم ونساؤهم وصبيانهم، ألهبها الله عليهم نارا، ورجفت بهم الأرض فاحترقوا كما يحترق الجراد المقلي، وصاروا رمادا.\rوروي أن الله تعالى حبس عنهم الريح سبعة أيام ثم سلط عليهم الحر. قال يزيد الجريري: سلط الله عليهم الحر سبعة أيام ثم رفع لهم جبل من بعيد، فأتاه رجل فإذا تحته أنهار وعيون فاجتمعوا تحته كلهم فوقع ذلك الجبل عليهم، فذلك قوله(عذاب يوم الظلة)(الشعراء-89)، قال قتادة: بعث الله شعيبا إلى أصحاب الأيكة وأصحاب مدين، أما أصحاب الأيكة فأهلكوا بالظلة، وأما أصحاب مدين فأخذتهم الصيحة، صاح بهم جبريل عليه السلام صيحة فهلكوا جميعا. قال أبو عبد الله البجلي: كان أبو جاد وهوز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت ملوك مدين، وكان ملكهم في زمن شعيب عليه","part":3,"page":258},{"id":1062,"text":"السلام يوم الظلة كلمن، فلما هلك قالت ابنته تبكيه: كلمن قد هد ركني ... هلكه وسط المحله\rسيد القوم أتاه ... الحتف نارا تحت ظله\rجعلت نارا عليهم ... دارهم كالمضمحله\rوقوله تعالى: { كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا } أي: لم يقيموا ولم ينزلوا فيها، من قولهم: غنيت بالمكان إذا قمت به، والمغاني المنازل واحدها مغنى، وقيل: كأن لم يتنعموا فيها. { الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ } لا المؤمنين كما زعموا.\r{ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93) وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (95) }\r{ فَتَوَلَّى } أعرض { عَنْهُمْ } شعيب شاخصا من بين أظهرهم حين أتاهم العذاب، { وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى } أحزن { عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ } والأسى: الحزن، والأسى: الصبر.\rقوله تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ } فيه إضمار، يعني: فكذبوه، { إِلا أَخَذْنَا } عاقبنا { أَهْلَهَا } حين لم يؤمنوا، { بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ } قال ابن مسعود: البأساء: الفقر، والضراء: المرض، وهذا معنى قول من قال: البأساء في المال، والضراء في النفس، وقيل: البأساء البؤس وضيق العيش، والضراء والضر سوء الحال. وقيل: البأساء في الحرب والضراء: الجدب، { لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ } لكي يتضرعوا فيتوبوا.\r{ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ } يعني: مكان البأساء والضراء الحسنة، يعني: النعمة والسعة والخصب والصحة، { حَتَّى عَفَوْا } أي: كثروا وازدادوا، وكثرت أموالهم، [يقال: عفا الشعر إذا كثر. قال مجاهد: كثرت أموالهم وأولادهم] (1) { وَقَالُوا } من غرتهم وغفلتهم بعد ما صاروا إلى\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":3,"page":259},{"id":1063,"text":"الرخاء، { قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ } أي: هكذا كانت عادة الدهر قديما لنا ولآبائنا، ولم يكن ما مسنا من الضراء عقوبة من الله، فكونوا على ما أنتم عليه كما كان آباؤكم فإنهم لم يتركوا دينهم لما أصابهم من الضراء، قال الله تعالى: { فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً } فجأة آمن ما كانوا { وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } بنزول العذاب.","part":3,"page":260},{"id":1064,"text":"{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99) أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (100) }\r{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ } يعني: المطر من السماء والنبات من الأرض. وأصل البركة: المواظبة على الشيء، أي: تابعنا عليهم المطر والنبات ورفعنا عنهم القحط والجدب، { وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } من الأعمال الخبيثة.\r{ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى } الذين كفروا وكذبوا، يعني: أهل مكة وما حولها، { أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا } عذابنا، { بَيَاتًا } ليلا { وَهُمْ نَائِمُونَ }\r{ أَوَأَمِنَ } قرأ أهل الحجاز والشام: \"أوْ أمن\" بسكون الواو، والباقون بفتحها، { أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى } أي: نهارا، والضحى: صدر النهار، ووقت انبساط الشمس، { وَهُمْ يَلْعَبُونَ } ساهون لاهون.\r{ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ } ومكر الله استدراجه إياهم بما أنعم عليهم في دنياهم. وقال عطية: يعني أخذه وعذابه.\r{ أَوَلَمْ يَهْدِ } قرأ قتادة ويعقوب: \"نهد\" بالنون على التعظيم، والباقون بالياء على التفريدُ","part":3,"page":260},{"id":1065,"text":"يعني أوَلم نبين، { لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِنْ بَعْدِ } هلاك { أَهْلِهَا } الذين كانوا فيها قبلهم { أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ } أي: أخذناهم وعاقبناهم، { بِذُنُوبِهِمْ } كما عاقبنا من قبلهم، { وَنَطْبَعُ } نختم { عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ } الإيمان ولا يقبلون الموعظة، قال الزجاج: قوله { وَنَطْبَعُ عَلَى } منقطع عما قبله لأن قوله { أَصَبْنَاهُمْ } ماض و \" نطبع \" مستقبل.\r{ تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101) وَمَا وَجَدْنَا لأكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102) }\r{ تِلْكَ الْقُرَى } أي: هذه القرى التي ذكرت لك أمرها وأمر أهلها، يعني: قرى قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وشعيب، { نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا } أخبارها لما فيها من الاعتبار، { وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } بالآيات والمعجزات والعجائب، { فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ } أي: فما كانوا ليؤمنوا بعد رؤية المعجزات والعجائب بما كذبوا من قبل رؤيتهم تلك العجائب، نظيره قوله عز وجل:(قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين)(المائدة-102).\rقال ابن عباس والسدي: يعني فما كان هؤلاء الكفار الذين أهلكناهم ليؤمنوا عند إرسال الرسل بما كذبوا من قبل يوم أخذ ميثاقهم حين أخرجهم من ظهر آدم، فأقروا باللسان وأضمروا التكذيب. وقال مجاهد: معناه فما كانوا لو أحييناهم بعد إهلاكهم ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل هلاكهم، لقوله عز وجل:(ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه)(الأنعام-28).\rقال يمان بن رباب: هذا على معنى أن كل نبي أنذر قومه بالعذاب فكذبوه، يقول: ما كانوا ليؤمنوا بما كذب به أوائلهم من الأمم الخالية، بل كذبوا بما كذب أوائلهم، نظيره قوله عز وجل:(كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون)(الذاريات-52). { كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ } أي: كما طبع الله على قلوب الأمم الخالية التي أهلكها، كذلك يطبع الله على قلوب الكفار الذين كتب عليهم أن لا يؤمنوا من قومك.\r{ وَمَا وَجَدْنَا لأكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ } أي: وفاء بالعهد الذي عاهدهم يوم الميثاق، حين أخرجهم من صلب آدم { وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ } أي: ما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين ناقضين للعهد.","part":3,"page":261},{"id":1066,"text":"{ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103) وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (104) }","part":3,"page":262},{"id":1067,"text":"{ حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107) }\rقوله تعالى: { ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ } أي: من بعد نوح وهود وصالح وشعيب، { مُوسَى بِآيَاتِنَا } بأدلتنا، { إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا } فجحدوا بها، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه، فظلمهم وضع الكفر موضع الإيمان، { فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ } وكيف فعلنا بهم.\r{ وَقَالَ مُوسَى } لما دخل على فرعون، { يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } إليك، فقال فرعون: كذبت فقال موسى:\r{ حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ } 134/ب أي: أنا خليق بأن لا أقول على الله إلا الحق، فتكون \" على \" بمعنى الباء كما يقال: رميت بالقوس ورميت على القوس، وجئت على حال حسنة وبحال حسنة، يدل عليه قراءة أبيّ والأعمش \" حقيق بأن لا أقول على الله إلا الحق \" وقال أبو عبيدة: معناه حريص على أن لا أقول على الله إلا الحق، وقرأ نافع(عَلَيَّ) بتشديد الياء أي حق واجب علي أن لا أقول على الله إلا الحق. { قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ } يعني العصا، { فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } أي: أطلق عنهم وخلّهم يرجعون إلى الأرض المقدسة، وكان فرعون قد استخدمهم في الأعمال الشاقة من ضرب اللبن ونقل التراب ونحوهما.\rفقال فرعون مجيبا لموسى: { قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ }\r{ فَأَلْقَى } موسى { عَصَاهُ } من يده { فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ } والثعبان: الذكر العظيم من الحيات، فإن قيل: أليس قال في موضع:(كأنها جان)(النمل-10)، والجان الحية الصغيرة؟ قيل: إنها كانت كالجان في الحركة والخفة، وهي في جثتها حية عظيمة.\rقال ابن عباس والسدي: إنه لما ألقى العصا صارت حية عظيمة صفراء شعراء فاغرة فاها ما بين لحييها ثمانون ذراعا وارتفعت من الأرض بقدر ميل، وقامت له على ذنبها واضعة لحيها الأسفل في","part":3,"page":262},{"id":1068,"text":"الأرض والأعلى على سور القصر، وتوجهت نحو فرعون لتأخذه، وروي أنها أخذت قبة فرعون بين نابيها فوثب فرعون من سريره هاربا وأحدث.\rقيل: أخذه البطن في ذلك اليوم أربعمائة مرة، وحملت على الناس فانهزموا وصاحوا ومات منهم خمسة وعشرون ألفا قتل بعضهم بعضا ودخل فرعون البيت وصاح يا موسى أنشدك بالذي أرسلك خذها وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذها موسى فعادت عصا كما كانت ثم قال فرعون: هل معك آية أخرى؟ قال: نعم.\r{ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108) قَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112) }\r{ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ } فأدخل يده في جيبه ثم نزعها، وقيل: أخرجها من تحت إبطه فإذا هي بيضاء لها شعاع غلب نور الشمس، وكان موسى آدم، ثم أدخلها جيبه فصارت كما كانت.\r{ قَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ } يعنون أنه ليأخذ بأعين الناس حتى يخيل إليهم العصا حية والآدم أبيض، ويُري الشيء بخلاف ما هو به.\r{ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ } يا معشر القبط، { مِنْ أَرْضِكُمْ } مصر، { فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } أي: تشيرون إليه، هذا يقوله فرعون وإن لم يذكره، وقيل: هذا من قول الملأ لفرعون وخاصته.\r{ قَالُوا } يعني الملأ { أَرْجِهْ } قرأ ابن كثير وأهل البصرة وابن عامر بالهمزة وضم الهاء، وقرأ الآخرون بلا همز، ثم نافع برواية ورش والكسائي يشبعان الهاء كسرا، ويسكنها عاصم وحمزة، ويختلسها أبو جعفر وقالون.\rقال عطاء، معناه أخره. وقيل: احبسه، { وَأَخَاهُ } معناه أشاروا عليه بتأخير أمره وترك التعرض له بالقتل، { وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ } يعني الشرط والمدائن، وهي مدائن الصعيد من نواحي مصر، قالوا: أرسل إلى هذا المدائن رجالا يحشرون إليك من فيها من السحرة، وكان رؤساء السحرة بأقصى مدائن الصعيد، فإن غلبهم موسى صدقناه وإن غلبوا علمنا أنه ساحر.","part":3,"page":263},{"id":1069,"text":"فذلك قوله: { يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ } قرأ حمزة والكسائي: \"سحار\" هاهنا وفي سورة يونس، ولم يختلفوا في الشعراء أنه \"سحار\".\rقيل: الساحر: الذي يَعْلمُ السحر ولا يُعَلِّم، والسحَّار: الذي يعلّم، وقيل: الساحر من يكون سحره في وقت دون وقت، والسحار من يديم السحر.\rقال ابن عباس وابن إسحاق والسدي: قال فرعون لما رأى من سلطان الله في العصا ما رأى: إنا لا نغالب إلا بمن هو +أعلم منه، فاتخذ غلمانا من بني إسرائيل فبعث بهم إلى قرية يقال لها الفرحاء يعلمونهم السحر، فعلموهم سحرا كثيرا، وواعد فرعون موسى موعدا فبعث إلى السحرة فجاءوا ومعلمهم معهم، فقال له: ماذا صنعت؟ قال: قد علمتهم سحرا لا يطيقه سحرة أهل الأرض إلا أن يكون أمرا من السماء، فإنه لا طاقة لهم به، ثم بعث فرعون في مملكته فلم يترك في سلطانه ساحرا +إلا أتى به.\rواختلفوا في عددهم، فقال مقاتل: كانوا اثنين وسبعين، اثنان من القبط، وهما رأسا القوم، وسبعون من بني إسرائيل.\rوقال الكلبي: كان الذين يعملونهم رجلين مجوسيين من أهل نينوي، وكانوا سبعين غير رئيسهم.\rوقال كعب: كانوا اثني عشر ألفا. وقال السدي: كانوا بضعة وثلاثين ألفا.\rوقال عكرمة: كانوا سبعين ألفا. وقال محمد بن المنكدر: كانوا ثمانين ألفا، وقال مقاتل: كان رئيس السحرة شمعون. وقال ابن جريج: رئيس السحرة يوحنا.\r{ وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لأجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114) قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117) }\r{ وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ } واجتمعوا، { قَالُوا } لفرعون { إِنَّ لَنَا لأجْرًا } أي جُعْلا ومالا","part":3,"page":264},{"id":1070,"text":"{ إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ } قرأ أهل الحجاز وحفص: \"أن لنا\" على الخبر، وقرأ الباقون بالاستفهام، ولم يختلفوا في الشعراء أنه مستفهم.\r{ قَالَ } فرعون { نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ } في المنزلة الرفيعة عندي مع الأجر، قال الكلبي: يعني أول من يدخل وآخر من يخرج.\r{ قَالُوا } يعني السحرة { يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ } عصاك { وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ } لعصيّنا وحبالنا.\r{ قَالَ } موسى بل { أَلْقُوا } أنتم، { فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ } أي: صرفوا أعينهم عن إدراك حقيقة ما فعلوه من التمويه والتخييل، وهذا هو السحر، { وَاسْتَرْهَبُوهُمْ } أي: أرهبوهم وأفزعوهم، { وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ } وذلك أنهم ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا فإذا هي حيات كأمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضا. وفي القصة أن الأرض كانت ميلا في ميل صارت حيات وأفاعي في أعين الناس.\r{ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ } فألقاها فصارت حية عظيمة حتى سدت الأفق. قال ابن زيد: كان اجتماعهم بالإسكندرية. ويقال: بلغ ذنب الحية من وراء البحيرة ثم فتحت فاها ثمانين ذراعا، { فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ } قرأ حفص: \"تلقف\" ساكنة اللام، خفيفة، حيث كان، وقرأ الآخرون: بفتح اللام وتشديد القاف، أي: تبتلع، { مَا يَأْفِكُونَ } يكذبون من التخاييل وقيل: يزوِّرون على الناس. فكانت تلتقم حبالهم وعصيهم واحدا واحدا حتى ابتعلت الكل وقصدت القوم الذين حضروا فوقع الزحام عليهم فهلك منهم في الزحام خمسة وعشرون ألفا، ثم أخذها موسى فصارت عصا كما كانت.\r{ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) }","part":3,"page":265},{"id":1071,"text":"{ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122) قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لأصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124) }\r{ فَوَقَعَ الْحَقُّ } قال الحسن ومجاهد: ظهر الحق، { وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } 135/أ من السحرُ","part":3,"page":265},{"id":1072,"text":"وذلك أن السحرة قالوا: لو كان ما يصنع موسى سحرا لبقيت حبالنا وعصيّنا فلما فقدت علموا أن ذلك من أمر الله.\r{ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ } ذليلين مقهورين .\r{ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ } لله تعالى. قال مقاتل: ألقاهم الله. وقيل: ألهمهم الله أن يسجدوا فسجدوا. وقال الأخفش: من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا.\r{ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } فقال فرعون: إياي تعنون فقالوا، { رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ }\r{ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ } قال مقاتل: قال موسى لكبير السحرة تؤمن بي إن غلبتك؟ فقال: لآتين بسحر لا يغلبه سحر، ولئن غلبتني لأومنن بك، وفرعون ينظر.\r{ قَالَ } لهم { فِرْعَوْنُ } حين آمنوا { آمَنْتُمْ بِهِ } قرأ حفص \"آمنتم\" على الخبر هاهنا وفي طه والشعراء، وقرأ الآخرون بالاستفهام أآمنتم به، { قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ } أصدقتم موسى من غير أمري إياكم، { إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ } أي: صنيع صنعتموه أنتم وموسى: { فِي الْمَدِينَةِ } في مصر قبل خروجكم إلى هذا الموضع لتستولوا على مصر، { لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } ما أفعل بكم.\r{ لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ } وهو أن يقطع من كل شق طرفا. قال الكلبي: لأقطعن أيديكم اليمنى وأرجلكم اليسرى، { ثُمَّ لأصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ } على شاطئ [نهر] (1) مصر.\r{ قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126) وَقَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127) }\r{ قَالُوا } يعني السحرة لفرعون، { إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ } راجعون في الآخرة.\r{ وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا } أي: ما تكره منا. وقال الضحاك وغيره: وما تطعن علينا. وقال عطاء: ما لنا عندك من ذنب تعذبنا عليه، { إِلا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا } ثم فزعوا إلى الله عز وجل فقالوا:\r__________\r(1) في \"ب\": (بحر).","part":3,"page":266},{"id":1073,"text":"{ رَبَّنَا أَفْرِغْ } اصبب، { عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ } ذكر الكلبي: أن فرعون قطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم وذكر غيره: أنه لم يقدر عليهم لقوله تعالى:(فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون) [القصص-35].\r{ وَقَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ } له { أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأرْضِ } وأرادوا بالإفساد في الأرض دعاءهم الناس إلى مخالفة فرعون في عبادته، { وَيَذَرَكَ } أي: وليذرك، { وَآلِهَتَكَ } فلا يعبدك ولا يعبدها. قال ابن عباس: كان لفرعون بقرة يعبدها، وكان إذا رأى بقرة حسناء أمرهم أن يعبدوها، فلذلك أخرج السامري لهم عجلا. وقال الحسن: كان قد علق على عنقه صليبا يعبده. وقال السدي: كان فرعون قد اتخذ لقومه أصناما وأمرهم بعبادتها، وقال لقومه هذه آلهتكم وأنا ربها وربكم، فذلك قوله(أنا ربكم الأعلى)(النازعات-24)، وقرأ ابن مسعود وابن عباس والشعبي والضحاك: \"ويذرك وإلاهتك\" بكسر الألف، أي: عبادتك فلا يعبدك، لأن فرعون كان يُعْبَد ولا يَعْبُد وقيل: أراد بالآلهة الشمس. وكانوا يعبدونها قال الشاعر: تروحنا من اللعباء قصرا ... وأعجلنا الإلاهة أن تؤبا\r{ قَالَ } فرعون { سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ } قرأ أهل الحجاز: \"سنقتل\" بالتخفيف من القتل، وقرأ الآخرون بالتشديد من التقتيل على التكثير، { وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ } نتركهن أحياء، { وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ } غالبون. قال ابن عباس: كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل في العام الذي قيل أنه يولد مولود يذهب بملكك، فلم يزل يقتلهم حتى أتاهم موسى بالرسالة، وكان من أمره ما كان، فقال فرعون: أعيدوا عليهم القتل، فأعادوا عليهم القتل، فشكت ذلك بنو إسرائيل.\r{ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) }\r{ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأرْضَ لِلَّهِ } يعني أرض مصر، { يُورِثُهَا } يعطيها { مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } بالنصر والظفر. وقيل: السعادة والشهادة. وقيل: الجنة.","part":3,"page":267},{"id":1074,"text":"{ قَالُوا أُوذِينَا } قال ابن عباس: لما آمنت السحرة اتبع موسى ستمائة ألف من بني إسرائيل، فقالوا -يعني قوم موسى -إنا أوذينا، { مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا } بالرسالة بقتل الأبناء، { وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا } بإعادة القتل علينا. وقيل: فالمراد منه أن فرعون كان يستسخرهم قبل مجيء موسى إلى نصف النهار، فلما جاء موسى استسخرهم جميع النهار بلا أجر. وذكر الكلبي أنهم كانوا يضربون له اللَّبِن بتبن فرعون، فلما جاء موسى أجبرهم أن يضربوه بتبن من عندهم. { قَالَ } موسى { عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ } فرعون، { وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأرْضِ } أي: يسكنكم أرض مصر من بعدهم، { فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } فحقق الله ذلك بإغراق فرعون واستخلافهم في ديارهم وأموالهم فعبدوا العجل.\rقوله عز وجل: { وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ } أي: بالجدوب والقحط. تقول العرب: مستهم السنة، أي: جدب السنة وشدة السنة. وقيل: أراد بالسنين القحط سنة بعد سنة، { وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ } والغلات بالآفات والعاهات. وقال قتادة: أما السنين فلأهل البوادي، وأما نقص الثمرات فلأهل الأمصار، { لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } أي: يتعظون وذلك لأن الشدة ترقق القوب وترغبها فيما عند الله عز وجل.","part":3,"page":268},{"id":1075,"text":"{ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (131) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133) }\r{ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ } يعني: الخصب والسعة والعافية، { قَالُوا لَنَا هَذِهِ } أي: نحن أهلها ومستحقوها على العادة التي جرت لنا في سعة أرزاقنا ولم يروها تفضلا من الله عز وجل فيشكروا عليها، { وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ } جدب وبلاء ورأوا ما يكرهون، { يَطَّيَّرُوا } يتشاءموا، { بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ } وقالوا: ما أصابنا بلاء حتى رأيناهم، فهذا من شؤم موسى وقومه.\rقال سعيد بن جبير ومحمد بن المنكدر: كان ملك فرعون أربعمائة سنة، وعاش ستمائة وعشرين سنة لا يرى مكروها، ولو كان له في تلك المدة جوع يوم أو حمى ليلة، أو وجع ساعة، لما ادعى الربوبية قط. قال الله تعالى { أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ } أي: انصباؤهم من الخصب والجدب","part":3,"page":268},{"id":1076,"text":"والخير والشر كله من الله. وقال ابن عباس: طائرهم ما قضى الله عليهم وقدّر لهم. وفي رواية عنه: شؤمهم عند الله ومن قِبَل الله. أي: إنما جاءهم الشؤم بكفرهم بالله. وقيل: معناه الشؤم العظيم الذي لهم عند الله من عذاب النار، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ } أن الذي أصابهم من الله.\r{ وَقَالُوا } يعني: القبط لموسى { مَهْمَا تَأْتِنَا } متى ما كلمة تستعمل للشرط والجزاء، { تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ } من علامة، { لِتَسْحَرَنَا بِهَا } لتنقلنا عما نحن عليه من الدين، { فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ } بمصدقين.\r{ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ } قال ابن عباس 135/ب وسعيد بن جبير وقتادة ومحمد بن إسحاق -دخل كلام بعضهم في بعض -: لما آمنت السحرة، ورجع فرعون مغلوبا، أبى هو وقومه إلا الإقامة على الكفر والتمادي في الشر، فتابع الله عليهم الآيات وأخذهم بالسنين ونقص من الثمرات، فلما عالج منهم بالآيات الأربع: العصا، واليد، والسنين، ونقص الثمار، فأبوا أن يؤمنوا فدعا عليهم، فقال: يا رب إن عبدك فرعون علا في الأرض وبغى وعتا وإن قومه قد نقضوا عهدك، رب فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة ولقومي عظة ولمن بعدهم آية وعبرة، فبعث الله عليهم الطوفان، وهو الماء، أرسل الله عليهم الماء وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة مختلطة، فامتلأت بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم ومن جلس منهم غرق، ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة، وركد الماء على أرضهم لا يقدرون أن يحرثوا ولا يعملوا شيئا، ودام ذلك عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت.\rوقال مجاهد وعطاء: الطوفان الموت. وقال وهب: الطوفان الطاعون بلغة اليمن، وقال أبو قلابة: الطوفان الجدري، وهم أول من عذبوا به فبقي في الأرض.\rوقال مقاتل: الطوفان الماء طغى فوق حروثهم.\rوروى ابن ظبيان عن ابن عباس قال: الطوفان أمر من الله طاف بهم، ثم قرأ(فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون)(القلم-19).\rقال نحاة الكوفة: الطوفان مصدر لا يُجْمَعُ، كالرجحان والنقصان.\rوقال أهل البصرة: هو جمع، واحدها طوفانة، فقال لموسى ادع لنا ربك يكشف عنا المطر فنؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فرفع عنهم الطوفان، فأنبت الله لهم في تلك السنة شيئا لم ينتبه لهم قبل ذلك من الكلأ والزرع والثمر وأخصبت بلادهم، فقالوا: ما كان هذا الماء إلا","part":3,"page":269},{"id":1077,"text":"نعمة علينا وخصبا، فلم يؤمنوا وأقاموا شهرا في عافية، فبعث الله عليهم الجراد فأكل عامة زروعهم وثمارهم وأوراق الشجر حتى كانت تأكل الأبواب وسقوف البيوت والخشب والثياب والأمتعة ومسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم، وابتلي الجراد بالجوع، فكان لا يشبع ولم يصب بني إسرائيل شيء من ذلك فعجوا وضجوا، وقالوا: يا موسى ادع لنا ربك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك، وأعطوه عهد الله وميثاقه، فدعا موسى عليه السلام فكشف الله عنهم الجراد بعدما أقام عليه سبعة أيام من السبت إلى السبت.\rوفي الخبر: \"مكتوب على صدر كل جرادة جند الله الأعظم\" (1) .\rويقال إن موسى برز إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجعت الجراد من حيث جاءت، وكانت قد بقيت من زروعهم وغلاتهم بقية، فقالوا: قد بقي لنا ما هو كافينا فما نحن بتاركي ديننا، فلم يفوا بما عاهدوا، وعادوا لأعمالهم السوء، فأقاموا شهرا في عافية، ثم بعث الله عليهم القمل.\r[واختلفوا في القمل] (2) فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: القمل السوس الذي يخرج من الحنطة. وقال مجاهد والسدي وقتادة والكلبي: القمل الدَّبى والجراد الطيارة التي لها أجنحة، والدبى الصغار التي لا أجنحة لها. وقال [عكرمة: هي بنات] (3) الجراد. وقال أبو عبيدة: وهو الحمْنَان وهو ضرب من القراد. وقال عطاء الخرساني: هو القمل. وبه قرأ أبو الحسن(القَمْل) بفتح القاف وسكون الميم.\rقالوا: أمر الله موسى أن يمشي إلى كثيب أعفر، بقرية من قرى مصر تدعى عين الشمس، فمشى موسى إلى ذلك الكثيب وكان أهيل فضربه بعصاه فانثال عليهم القمل، فتتبع ما بقي من حروثهم وأشجارهم وبناتهم فأكله، ولحس الأرض كلها وكان يدخل بين ثوب أحدهم وجلده فيعضه، وكان أحدهم يأكل الطعام فيمتلئ قملا.\rقال سعيد بن المسيب: القمل السوس الذي يخرج من الحبوب، وكان الرجل يخرج عشرة أجربة إلى الرحا فلا يرد منها ثلاثة أقفزة، فلم يصابوا ببلاء كان أشد عليهم من القمل، وأخذ أشعارهم\r__________\r(1) انظر: الدر المنثور: 7 / 522-523، ففيه جملة أخبار بهذا المعنى فيها ضعف ونكارة.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":270},{"id":1078,"text":"وأبشارهم وأشفار عيونهم وحواجبهم ولزم جلودهم كأنه الجدري عليهم ومنعهم النوم والقرار فصرخوا وصاحوا إلى موسى أنا نتوب فادع لنا ربك يكشف عنا البلاء، فدعا موسى عليه السلام الله فرفع الله القمل عنهم بعدما أقام عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت، فنكثوا وعادوا إلى أخبث أعمالهم. وقالوا: ما كنا قط أحق أن نستيقن أنه ساحر منا اليوم يجعل الرمل دواب. فدعا موسى بعدما أقاموا شهرا في عافية، فأرسل الله عليهم الضفادع فامتلأت منها بيوتهم وأفنيتهم وأطعمتهم وآنيتهم، فلا يكشف أحد إناء ولا طعاما إلا وجد فيه الضفادع، وكان الرجل يجلس في الضفادع إلى ذقنه، ويهم أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه، وكانت تثب في قدورهم فتفسد عليهم طعامهم وتطفئ نيرانهم، وكان أحدهم يضطجع فتركبه الضفادع فتكون عليه ركاما حتى ما يستطيع أن ينصرف إلى شقه الآخر، ويفتح فاه لأكلته فيسبق الضفدع أكلته إلى فيه، ولا يعجن عجينا الإ تشدخت فيه، ولا يفتح قدرا إلا امتلأت ضفادع، فلقوا منها أذى شديدا.\rروى عكرمة عن ابن عباس قال: كانت الضفادع برية، فلما أرسلها الله على آل فرعون سمعت وأطاعت فجعلت تقذف أنفسها في القدور وهي تغلي، وفي التنانير وهي تفور، فأثابها الله بحسن طاعتها برد الماء، فلما رأوا ذلك بكوا وشكوا ذلك (1) إلى موسى، وقالوا هذه المرة نتوب ولا نعود، فأخذ عهودهم ومواثيقهم، ثم دعا ربه فكشف عنهم الضفادع بعدما أقام سبعا من السبت إلى السبت، فأقاموا شهرا في عافية ثم نقضوا العهد وعادوا لكفرهم، فدعا عليهم موسى فأرسل الله عليهم الدم، فسال النيل عليهم دما وصارت مياههم دما وما يستقون من الآبار والأنهار إلا وجدوه دما عبيطا أحمر، فشكوا إلى فرعون وقالوا ليس لنا شراب، فقال: إنه سحركم، فقالوا: من أين سحرنا ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئا من الماء إلا دما عبيطا؟ وكان فرعون يجمع بين القبطي والإسرائيلي على الإناء الواحد فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء والقبطي دما [ويقومان إلى الجرة فيها الماء فيخرج للإسرائيلي ماء وللقبطي دم] (2) حتى كانت المرأة من آل فرعون تأتي المرأة من بني إسرائيل حين جهدهم العطش فتقول اسقني من مائك فتصب لها من قربتها فيعود في الإناء دما حتى كانت تقول اجعليه في فيك ثم مجيه في فيَّ فتأخذ في فيها ماء فإذا مجَّته 136/أ في فيها صار دما، وإن فرعون اعتراه العطش حتى إنه ليضطر إلى مضغ الأشجار الرطبة، فإذا مضغها يصير ماؤها في فيه ملحا أجاجا، فمكثوا في ذلك سبعة أيام لا يشربون إلا الدم.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":3,"page":271},{"id":1079,"text":"قال زيد بن أسلم: الدم الذي سلط عليهم كان الرعاف، فأتوا موسى وقالوا يا موسى ادع ربك يكشف عنا هذا الدم فنؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه عز وجل فكشف عنهم، فلم يؤمنوا، فذلك قوله عز وجل: { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ } يتبع بعضها بعضا. وتفصيلها أن كل عذاب يمتد أسبوعا، وبين كل عذابين شهرا، { فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ }\r{ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136) }\r{ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ } أي: نزل بهم العذاب وهو ما ذكر الله عز وجل من الطوفان وغيره.. وقال سعيد بن جبير: الرجز الطاعون، وهو العذاب السادس بعد الآيات [الخمس] (1) حتى مات منهم سبعون ألفا في يوم احد، فأمسوا وهو لا يتدافنون { قَالُوا } لموسى { يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ } أي: بما أوصاك.\rوقال عطاء: بما نبأك. وقيل: بما عهد عندك من إجابة دعوتك { لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ } وهو الطاعون { لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ }\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي ثنا زاهر بن أحمد ثنا أبو إسحاق الهاشمي ثنا أبو مصعب عن مالك عن محمد بن المنكدر عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه انه سمعه يسأل أسامة بن زيد: أسمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطاعون؟ فقال أسامة بن زيد: [قال رسول الله صلى الله عليه وسلم] (2) \"الطاعون رجز أرسل على بني إسرائيل أو على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه\" (3)\rقوله عز وجل: { فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ } يعني: إلى الغرق في اليم { إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ } ينقضون العهد.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) أخرجه البخاري في الأنبياء: 6 / 513، ومسلم في السلام، باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها، برقم (2218) 4 / 1737، والمصنف في شرح السنة: 5 / 254.","part":3,"page":272},{"id":1080,"text":"{ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ } يعني: البحر { بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ } أي: عن النقمة قبل حلولها غافلين. وقيل: معناه عن آياتنا معرضين.\r{ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137) }","part":3,"page":273},{"id":1081,"text":"{ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140) }\r{ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ } يُقهرون ويُستذلون بذبح الأبناء واستخدام النساء [والاستعباد وهم بنو إسرائيل] (1) { مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَهَا } يعني مصر والشام { الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا } بالماء والأشجار والثمار والخصب والسعة { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ } يعني: وفَّت كلمة الله وهي وعده إياهم بالنصر والتمكين في الأرض، وذلك قوله تعالى:(ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض) [القصص-5) { بِمَا صَبَرُوا } على دينهم وعلى عذاب فرعون { وَدَمَّرْنَا } أهلكنا { مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ } في أرض مصر من العمارات، { وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ } قال مجاهد: يبنون من البيوت والقصور. وقال الحسن: يعرشون من الأشجار والثمار والأعناب. وقرأ ابن عامر وأبو بكر { يَعْرِشُونَ } بضم الراء هاهنا وفي النحل، وقرأ الآخرون بكسرها.\rقوله تعالى: { وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ } قال الكلبي: عبر بهم موسى البحر يوم عاشوراء بعد مهلك فرعون وقومه فصامه شكرا لله عز وجل { فَأَتَوْا } فمروا { عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ } يقيمون قرأ حمزة والكسائي \" يعكفون \" بكسر الكاف وقرأ الآخرون بضمها وهما لغتان، { عَلَى أَصْنَامٍ } أوثان { لَهُمْ } يعبدونها من دون الله.\rقال ابن جريج: كانت تماثيل بقر، وذلك أول شأن العجل. قال قتادة: كان أولئك القوم من\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":273},{"id":1082,"text":"لخم وكانوا نزولا بالرقة، فقالت بنو إسرائيل لما رأوا ذلك: { قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا } أي: مثالا نعبده { كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } ولم يكن ذلك شكا من بني إسرائيل في وحدانية الله، وإنما معناه: اجعل لنا شيئا نعظمه ونتقرب بتعظيمه إلى الله عز وجل وظنوا أن ذلك لا يضر الديانة وكان ذلك لشدة جهلهم. { قَالَ } موسى { إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } عظمة الله.\r{ إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ } مهلك، { مَا هُمْ فِيهِ } والتتبير الإهلاك، { وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }\r{ قَالَ } يعني موسى { أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ } أي: أبغي لكم وأطلب، { إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } أي: على عالمي زمانكم.\rأخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أنا جدي أبو سهل عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار، أنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري، أنا إسحاق بن إبراهيم الديري أنا عبد الرزاق أنا معمر عن الزهري عن سنان بن أبي سنان الديلي عن أبي واقد الليثي، قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم قِبَلَ حنين، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما كان للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة يعكفون حولها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى \"اجعل لنا إلها كما لهم آلهة إنكم تركبون سنن من قبلكم\" (1) .\r{ وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141) وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) }\rقوله عز وجل: { وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ } قرأ ابن عامر \"أنجاكم\" وكذلك هو في مصاحف أهل الشام، { مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ } قرأ نافع \"يقتلون\" خفيفة، من القتل، وقرأ الآخرون بالتشديد على التكثير من التقتيل، { وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ }\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في أبواب الفتن، باب لتركبن سنن من كان قبلكم: 6 / 407-408 وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن إسحاق في السيرة: 4 / 84-85، والطيالسي في مسنده برقم(1346)، وابن أبي عاصم في السنة: 1 / 37، وابن حبان برقم(1835) من موارد الظمآن، والإمام أحمد في المسند: 5 / 218. وانظر: النهج السديد في تخريج أحاديث تيسير العزيز الحميد ص64-65.","part":3,"page":274},{"id":1083,"text":"{ وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً } ذي القعدة، { وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ } من ذي الحجة، { فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى } عند انطلاقه إلى الجبل للمناجاة { لأخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي } كن خليفتي، { فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ } أي أصلحهم بحملك إياهم على طاعة الله. وقال ابن عباس: يريد الرفق بهم والإحسان إليهم { وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ } أي: لا تطع من عصى الله ولا توافقه على أمره، وذلك أن موسى عليه السلام وعد بني إسرائيل وهم بمصر: أن الله إذا أهلك عدوهم أتاهم بكتاب فيه بيان ما يأتون وما يذرون! فلما فعل الله ذلك بهم سأل موسى ربه الكتاب، فأمره الله عز وجل أن يصوم ثلاثين يوما، فلما تمت ثلاثون أنكر خلوف فمه، فتسوك بعود خروب.\rوقال أبو العالية: أكل من لحاء شجرة، فقالت له الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك، فأفسدته بالسواك، فأمره الله تعالى أن يصوم عشرة أيام من ذي الحجة، وقال: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك، فكانت فتنتهم في العشر التي زادها.\r{ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) }\rقوله عز وجل: { وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا } أي: للوقت الذي 136/ب ضربنا له أن نكلمه فيه. قال أهل التفسير: إن موسى عليه السلام تطهر وطهر ثيابه لميعاد ربه لما أتى طور سيناء. وفي القصة: إن الله عز وجل أنزل ظلمة على سبعة فراسخ وطرد عنه الشيطان وطرد عنه هوام الأرض ونحى عنه الملكين وكشط له السماء ورأى الملائكة قياما في الهواء ورأى العرش بارزا وكلمه الله وناجاه حتى أسمعه، وكان جبريل عليه السلام معه فلم يسمع ما كلمه ربه وأدناه حتى سمع صرير القلم فاستحلى موسى عليه السلام كلام ربه واشتاق إلى رؤيته { قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ } قال الزجاج: فيه اختصار تقديره: أرني نفسك أنظر إليك. قال ابن عباس: أعطني النظر إليك. فإن قيل: كيف سأل الرؤية وقد علم أن الله تعالى لا يُرى في الدنيا؟ قال الحسن: هاج به الشوق فسأل الرؤية. وقيل: سأل الرؤية ظنا منه أنه يجوز أن يُرى في الدنيا { قَالَ } الله تعالى { لَنْ تَرَانِي } وليس لبشر أن يطيق النظر [إليَّ في الدنيا من نظر إلي] (1) في الدنيا مات فقال إلهي سمعت كلامك فاشتقت إلى النظر إليك ولأن انظر\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".","part":3,"page":275},{"id":1084,"text":"إليك ثم أموت أحب إلي من أن أعيش ولا أراك فقال الله عز وجل: { وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ } وهو أعظم جبل بمدين يقال له زبير.\rقال السدي: لما كلم الله موسى غاص الخبيث إبليس في الأرض حتى خرج بين قدمي موسى، فوسوس إليه: أن يكلمك شيطان فعند ذلك سأل موسى الرؤية فقال الله عز وجل: { لَنْ تَرَانِي } وتعلقت نفاة الرؤية بظاهر هذه الآية، وقالوا: قال الله تعالى: { لَنْ تَرَانِي } ولن تكون للتأبيد، ولا حجة لهم فيها ومعنى الآية: لن تراني في الدنيا أو في الحال، لأنه كان يسأل الرؤية في الحال و \"لن\" لا تكون للتأبيد، كقوله تعالى:(ولن يتمنوه أبدا) [البقرة-95]، إخبارا عن اليهود، ثم أخبر عنهم أنهم يتمنون الموت في الآخرة يقولون(يا مالك ليقض علنيا ربك) [الزخرف-77]، و(يا ليتها كانت القاضية) [الحاقة-27]، والدليل عليه أنه لم ينسبه إلى الجهل بسؤال الرؤية ولم يقل إني لا أرى حتى تكون لهم حجة بل علق الرؤية على استقرار الجبل واستقرار الجبل على التجلي غير مستحيل إذا جعل الله تعالى له تلك القوة، والمعلق بما لا يستحيل لا يكون محالا.\rقال الله تعالى: { وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي } قال وهب وابن إسحاق لما سأل موسى ربه الرؤية أرسل الله الضباب والصواعق والظلمة والرعد والبرق وأحاطت بالجبل الذي عليه موسى أربعة فراسخ من كل جانب، وأمر الله (1) ملائكة السماء أن يعترضوا على موسى فمرت به ملائكة السماء الدنيا كثيران البقر تنبع أفواههم بالتسبيح والتقديس بأصوات عظيمة كصوت الرعد الشديد، ثم أمر الله ملائكة السماء الثانية أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه، فهبطوا عليه أمثال الأسود لهم لجب بالتسبيح والتقديس، ففزع العبد الضعيف ابن عمران مما رأى وسمع واقشعرت كل شعرة في رأسه وجسده، ثم قال: لقد ندمت على مسألتي فهل ينجيني من مكاني الذي أنا فيه شيء؟ فقال له خير الملائكة ورأسهم: يا موسى اصبر لم سألت، فقليل من كثير ما رأيت.\rثم أمر الله ملائكة السماء الثالثة أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه، فهبطوا أمثال النسور لهم قصف ورجف شديد، وأفواههم تنبع بالتسبيح والتقديس كجلب الجيش العظيم ألوانهم كلهب النار، ففزع موسى واشتد نفسه وأيس من الحياة، فقال له خير الملائكة: مكانك يا ابن عمران حتى ترى ما لا تصبر عليه، ثم أمر الله تعالى ملائكة السماء الرابعة أن اهبطوا فاعترضوا على موسى بن\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":276},{"id":1085,"text":"عمران فهبطوا عليه لا يشبههم شيء من الذين مروا به قبلهم ألوانهم كلهب النار، وسائر خلقهم كالثلج الأبيض أصواتهم علية بالتقديس والتسبيح لا يقاربهم شيء من أصوات الذين مروا به قبلهم، فاصطكت ركبتاه وأرعد قلبه واشتد بكاؤه فقال له خير الملائكة ورأسهم: يا ابن عمران اصبر لما سألت فقليل من كثير ما رأيت.\rثم أمر الله تعالى ملائكة السماء الخامسة أن اهبطوا فاعترضوا على موسى فهبطوا عليه لهم سبعة ألوان فلم يستطع موسى أن يتبعهم بصره، لم ير مثلهم ولم يسمع مثل أصواتهم فامتلأ جوفه خوفا واشتد حزنه وكثر بكاؤه، فقال له خير الملائكة ورأسهم: يا ابن عمران مكانك حتى ترى بعض ما لا تصبر عليه.\rثم أمر الله ملائكة السماء السادسة أن اهبطوا على عبدي الذي طلب ليراني، فهبطوا عليه في يد كل ملك منهم مثل النخلة الطويلة، نار أشد ضوءا من الشمس، ولباسهم كلهب النار إذا سبحوا وقدسوا جاوبهم من كان قبلهم من ملائكة السموات، كلهم يقولون بشدة أصواتهم: سبوح قدوس، رب العزة أبدا لا يموت، في رأس كل ملك منهم أربعة أوجه، فلما رآهم موسى رفع صوته يسبح معهم [حين سبحوا] (1) وهو يبكي ويقول: رب اذكرني ولا تنس عبدك لا أدري أأنفلت مما أنا فيه أم لا؟ إن خرجت احترقت وإن مكثت مت، فقال له كبير الملائكة ورأسهم: قد أوشكت يا ابن عمران أن يشتد خوفك وينخلع قلبك فاصبر للذي سألت.\rثم أمر الله تعالى أن يحمل عرشه في ملائكة السماء السابعة فلما بدا نور العرش انفرج الجبل من عظمة الرب جل جلاله، ورفعت ملائكة السموات أصواتهم جميعا يقولون: سبحان القدوس رب العزة أبدا لا يموت بشدة أصواتهم، فارتج الجبل واندكت كل شجرة كانت فيه وخر العبد الضعيف موسى صعقا على وجهه ليس معه روحه، فأرسل الله برحمته الروح فتغشاه، وقلب عليه الحجر الذي كان عليه موسى وجعله كهيئة القبة لئلا يحترق موسى، فأقامه الروح مثل اللامة، فقام موسى يسبح الله تعالى ويقول آمنت بك ربي وصدقت أنه لا يراك أحد فيحيا، من نظر إلى ملائكتك انخلع قلبه فما أعظمك وأعظم ملائكتك أنت رب الأرباب وإله الآلهة وملك الملوك، ولا يعدلك شيء ولا يقوم لك شيء، رب تبت إليك الحمد لك لا شريك لك ما أعظمك وما أجلك رب العالمين، فذلك قوله تعالى: { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا } قال ابن عباس: ظهر 137/أ نور ربه للجبل، جبل زبير. وقال الضحاك: أظهر الله من نور الحجب مثل منخر ثور. وقال عبد الله بن سلام وكعب الأحبار: ما\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":277},{"id":1086,"text":"تجلى من عظمة الله للجبل إلا مثل سم الخياط حتى صار دكا. وقال السدي: ما تجلى إلا قدر الخنصر، يدل عليه ما روى ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال: \"هكذا\" ووضع الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر، فساخ الجبل (1) .\rوحكي عن سهل بن سعد الساعدي أن الله تعالى اظهر من سبعين ألف حجاب نورا قدر الدرهم فجعل الجبل دكا، أي: مستويا بالأرض، قرأ حمزة والكسائي(دكاء) ممدودا غير منون هاهنا وفي سورة الكهف، [وافق عاصم في الكهف] (2) وقرأ الآخرون(دكا) مقصورا منونا، فمن قصره فمعناه جعله مدقوقا: والدك والدق واحد، وقيل: معناه دكه الله دكا، أي: فتته كما قال:(كلا إذا دكت الأرض دكا دكا) [الفجر-21]، ومن قرأ بالمد أي: جعله مستويا أرضا دكاء.\rوقيل: معناه جعله مثل دكاء وهي الناقة التي لا سنام لها قال ابن عباس: جعله ترابا. وقال سفيان: ساخ الجبل في الأرض حتى وقع في البحر فهو يذهب فيه. وقال عطية العوفي: صار رملا هائلا. وقال الكلبي: جعله دكا أي كسرا جبالا صغارا.\rووقع في تعض التفاسير: صار لعظمته ستة أجبل وقعت ثلاثة بالمدينة: أحد وورقان ورضوي، ووقعت ثلاثة بمكة ثور وثبير وحراء (3) .\rقوله عز وجل: { وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا } قال ابن عباس والحسن: مغشيا عليه. وقال قتادة: ميتا. وقال الكلبي: خر موسى صعقا يوم الخميس يوم عرفة وأعطي التوراة يوم الجمعة يوم النحر.\rقال الواقدي: لما خر موسى صعقا قالت ملائكة السموات: ما لابن عمران وسؤال الرؤية؟ وفي بعض الكتب (4) أن ملائكة السموات أتوا موسى وهو مغشي عليه فجعلوا يركلونه بأرجلهم ويقولون يا\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في التفسير، سورة الأعراف: 8 / 451-452، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، ورواه أيضا من طريق عبد الوهاب الوراق وقال: هذا حديث حسن. وأخرجه الحاكم في المستدرك: 2 / 320-321.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) هذه الرواية الطويلة عن ابن إسحاق ووهب، في تفسير الآيات من الروايات الإسرائيلية، وفيها كثير من الكلام المتهافت، وعلامات الاختلاق ظاهرة عليها. ونضع هنا كلمة الشيخ محمد أبو شهبة تعليقا على هذه الرواية بعد أن ساق رواية البغوي، قال رحمه الله: \"وهذه المرويات وأمثالها، مما لا نشك أنها من إسرائيليات بني إسرائيل وكذبهم على الله، وعلى الأنبياء، وعلى الملائكة، فلا تلق إليه بالا. وليس تفسير الآية في حاجة إلى هذه المرويات. والآية ظاهرة واضحة، وليس فيها ما يدل على امتناع رؤية الله في الآخرة كما دل على ذلك القرآن الكريم والسنة الصحيحة المتواترة، وغاية ما تدل عليه: امتناع الرؤية البصرية في الدنيا، لأن العين الفانية لا تقدر أن ترى الذات الباقية. انظر: الإسرائيليات والموضوعات لأبي شهبة ص(277-281).\r(4) وهذه أيضا من الإسرائيليات المكذوبة، وهي تتفق مع طبيعة بني إسرائيل وموقفهم من الأنبياء وإطالة ألسنتهم بالسوء في حقهم، وتنقيصهم ما استطاعوا! وانظر: تفسير الآلوسي: 9 / 46.","part":3,"page":278},{"id":1087,"text":"ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزة. { فَلَمَّا أَفَاقَ } موسى من صعقته وثاب إليه عقله عرف أنه قد سأل أمرا لا ينبغي له { قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ } عن سؤال الرؤية { وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ } بأنك لا تُرى في الدنيا. وقال مجاهد والسدي: وأنا أول من آمن بك من بني إسرائيل.","part":3,"page":279},{"id":1088,"text":"{ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) }\r{ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ } اخترتك على الناس، قرأ ابن كثير وأبو عمرو \"إني\" بفتح الياء وكذلك \"أخي اشدد\" [طه-31] ، { بِرِسَالاتِي } قرأ أهل الحجاز برسالتي على التوحيد، والآخرون بالجمع، { وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ } أعطيتك { وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ } لله على نعمه.\rفإن قيل: فما معنى قوله \"اصطفيتك على الناس برسالاتي\" وقد أعطي غيره الرسالة؟ قيل :لما لم تكن الرسالة على العموم في حق الناس كافة استقام قوله اصطفيتك على الناس وإن شاركه فيه غيره، كما يقول الرجل: خصصتك بمشورتي وإن شاور غيره إذا لم تكن المشورة على العموم يكون مستقيما.\rوفي بعض القصة: أن موسى عليه السلام كان بعدما كلمه ربه لا يستطيع أحد أن ينظر إليه لما غشي وجهه من النور، ولم يزل على وجهه برقع حتى مات. وقالت له امرأته: أنا أيم منك منذ كلمك ربك فكشف لها عن وجهه فأخذها مثل شعاع الشمس فوضعت يدها على وجهها وخرجت لله ساجدة، وقالت: ادع الله أن يجعلني زوجتك في الجنة، قال: ذاك لك إن لم تتزوجي بعدي، فإن المرأة لآخر أزواجها.\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي أنا أبو إسحاق الثعلبي أنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي المزكي أنا أبو العباس محمد بن أحمد بن إسحاق السراج حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا راشد بن أسعد بن عبد الرحمن المغافري عن أبيه عن كعب الأحبار: أن موسى نظر في التوراة فقال: إني أجد أمة خير الأمم أخرجت للناس يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله وبالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، ويقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الدجال، رب اجعلهم أمتي، قال: هي أمة محمد يا موسى، فقال: ربي إني أجد أمة هم الحمادون رعاة الشمس المحكمون إذا أرادوا أمرا","part":3,"page":279},{"id":1089,"text":"قالوا نفعل إن شاء الله فاجعلهم أمتي، قال: هي أمة محمد، فقال: رب إني أجد أمة يأكلون كفاراتهم وصدقاتهم، وكان الأولون يحرقون صدقاتهم بالنار، وهم المستجيبون والمستجاب لهم الشافعون المشفوع لهم فاجعلهم أمتي، قال: هي أمة محمد، قال: يا رب إني أجد أمة إذا أشرف أحدهم على شرف كبّر الله فإذا هبط واديا حمد الله، الصعيد لهم طهور والأرض لهم مسجد حيث ما كانوا، يتطهرون من الجنابة طهورهم بالصعيد كطهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء، غر محجلون من آثار الوضوء فاجعلهم أمتي، قال: هي أمة محمد، فقال: رب إني أجد أمة إذا همّ أحدهم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة مثلها وإن عملها كتبت له ضعف عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وإذا همّ بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه وإن عملها كتبت له سيئة مثلها، فاجعلهم أمتي، قال: هي أمة أحمد، فقال: رب إني أجد أمة مرحومة ضعفاء يرثون الكتاب من الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ولا أجد أحدا منهم إلا مرحوما فاجعلهم أمتي، قال: هي أمة محمد، فقال: يا رب إني أجد أمة [مصاحفهم] (1) في صدورهم يلبسون ألوان ثياب أهل الجنة يصفون في صلاتهم صفوف الملائكة أصواتهم في مساجدهم كدوي النحل لا يدخل النار أحد منهم أبدا إلا من يرى الحساب مثل ما يرى الحجر من وراء الشحر، فاجعلهم أمتي، قال: هي أمة أحمد، فلما عجب موسى من الخير الذي أعطى الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته قال: يا ليتني من أصحاب محمد وأمته، فأوحى الله إليه ثلاث آيات يرضيه بهن: \"يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي\" إلى قوله: \"سأريكم دار الفاسقين، ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون\"، فرضي موسى كل الرضا\" (2) .\r{ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145) }\rقوله عز وجل: { وَكَتَبْنَا لَهُ } يعني لموسى، { فِي الألْوَاحِ } قال ابن عباس: يريد ألواح\r__________\r(1) في \"ب\": أناجيلهم.\r(2) عزاه السيوطي لأبي نعيم في الدلائل عن عبد الرحمن المغافري عن كعب الأحبار موقوفا عليه. انظر: الدر المنثور: 3 / 557-558، وبنحوه أخرجه الطبري أيضا عن قتادة سببا لنزول قوله تعالى: \"وألقى الألواح\" ولم يذكر ذلك البغوي في روايته. قال ابن عطية الأندلسي في تفسيره: 6 / 87 \"وهذا قول رديء لا ينبغي أن يوصف موسى عليه السلام به\". وقال الحافظ ابن كثير: \"وروى ابن جرير عن قتادة في هذا قولا غريبا، لا يصح إسناده إلى حكاية قتادة، وقد رده ابن عطية وغير واحد من العلماء، وهو جدير بالرد، وكأنه تلقاه قتادة عن بعض أهل الكتاب، وفيهم كذابون ووضاعون وأفاكون وزنادقة\". انظر : تفسير ابن كثير: 2 / 249. وقال القرطبي: \"ولا التفات لما روي عن قتادة إن صح، ولا يصح أن إلقاء الألواح إنما كان لما رأى من فضيلة أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يكن ذلك لأمته، وهذا قول رديء لا ينبغي أن يضاف إلى موسى عليه السلام\". تفسير القرطبي: 7 / 288.","part":3,"page":280},{"id":1090,"text":"التوراة، وفي الحديث: \"كانت من سدر الجنة طول اللوح اثنا عشر ذراعا\" (1) . وجاء في أحاديث خلق الله آدم بيده: \"وكتب التوراة بيده وغرس شجرة طوبى بيده\" (2) .\rوقال الحسن: كانت الألواح من خشب. قال الكلبي 137/ب كانت من زبرجدة خضراء. وقال سعيد بن جبير: كانت من ياقوت أحمر، وقال الربيع بن أنس: كانت الألواح من برد. قال ابن جريج: كانت من زمرد، أمر الله جبريل حتى جاء بها من عدن، وكتبها بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور وقال وهب: أمره الله بقطع الألواح من صخرة صماء ليّنها الله له فقطعها بيده ثم شققها بأصبعه، وسمع موسى صرير القلم بالكلمات العشرة وكان ذلك في أول يوم من ذي القعدة، وكانت الألواح عشرة أذرع على طول موسى. وقال مقاتل ووهب: { وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ } كنقش الخاتم. وقال الربيع بن أنس: نزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير، يقرأ الجزء منه في سنة، لم يقرأه إلا أربعة نفر: موسى، ويوشع، وعزير، وعيسى.\rوقال الحسن: هذه الآية في التوراة ألف آية يعني \"وكتبنا له في الألواح\" { مِنْ كُلِّ شَيْءٍ } مما أمروا به ونهوا عنه، { مَوْعِظَةً } نهيا عن الجهل، وحقيقة الموعظة: التذكرة والتحذير بما يخاف عاقتبه، { وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ } أي: تبيينا لكل شيء من الأمر والنهي، والحلال والحرام، والحدود والأحكام. { فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ } أي: بجد واجتهاد، وقيل: بقوة القلب وصحة العزيمة، لأنه إذا أخذه بضعف النية أداه إلى الفتور، { وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا } قال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: يحلوا حلالها، ويحرموا حرامها، ويتدبروا أمثالها، ويعملوا بمحكمها، ويقفوا عند متشابهها وكان موسى عليه السلام أشد عبادة من قومه، فأمر بما لم يؤمروا به.\rقال قطرب: بأحسنها أي بحسنها، وكلها حسن. وقيل: أحسنها الفرائض والنوافل، وهي ما يستحق عليها الثواب، وما دونها المباح، لأنه لا يستحق عليه الثواب. وقيل: بأحسنها بأحسن الأمرين في كل شيء كالعفو أحسن من القصاص، والصبر أحسن من الانتصار.\r{ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ } قال مجاهد: مصيرها في الآخرة. قال الحسن وعطاء: يعني\r__________\r(1) عزاه السيوطي لابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده. انظر: الدر المنثور: 3 / 548.\r(2) عزاه السيوطي لابن أبي الدنيا في صفة أهل الجنة وأبي الشيخ في العظمة، وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات: 2 / 47 \"إن الله عز وجل خلق ثلاثة أشياء بيده: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده وغرس الفردوس بيده\" وقال: هذا مرسل.","part":3,"page":281},{"id":1091,"text":"جهنم، يحذركم أن تكونوا مثلهم. وقال قتادة وغيره: سأدخلكم الشأم فأريكم منازل القرون الماضية الذين خالفوا أمر الله لتعتبروا بها. قال عطية العوفي: أراد دار فرعون وقومه وهي مصر، يدل عليه قراءة قسامة بن زهير: \"سأوريكم دار الفاسقين\"، وقال السدي: دار الفاسقين مصارع الكفار. وقال الكلبي: ما مروا عليه إذا سافروا من منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكوا.\r{ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (147) }\rقوله تعالى: { سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ } قال ابن عباس: يريد الذين يتجبرون على عبادي ويحاربون أوليائي حتى لا يؤمنوا بي، يعني: سأصرفهم عن قبول آياتي والتصديق بها عوقبوا بحرمان الهداية لعنادهم للحق، كقوله:(فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم).\rقال سفيان بن عيينة: سأمنعهم فهم القرآن. قال ابن جريج: يعني عن خلق السموات والأرض وما فيها أي أصرفهم عن أن يتفكروا فيها ويعتبروا بها. وقيل: حكم الآية لأهل مصر خاصة، وأراد بالآيات الآيات التسع التي أعطاها الله تعالى موسى عليه السلام. والأكثرون على أن الآية عامة { وَإِنْ يَرَوْا } [يعني: هؤلاء المتكبرين] (1) { كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ } قرأ حمزة والكسائي \"الرَّشَد\" بفتح الراء والشين، والآخرون بضم الراء وسكون الشين وهما لغتان كالسُّقم والسَّقم والبُخل والبَخل والحُزن والحَزن.\rوكان أبو عمرو يفرِّق بينهما، فيقول: الرُّشد -بالضم -الصلاح في الأمر، وبالفتح الاستقامة في الدين. معنى الآية: إن يروا طريق الهدى والسداد { لا يَتَّخِذُوهُ } لأنفسهم { سَبِيلا } { وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ } أي طريق الضلال { يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ } عن التفكير فيها والاتعاظ بها غافلين ساهين.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":3,"page":282},{"id":1092,"text":"{ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ } أي: ولقاء الدار الآخرة التي هي موعد الثواب والعقاب، { حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ } بطلت وصارت كأن لم تكن، { هَلْ يُجْزَوْنَ } في العقبى { إِلا مَا كَانُوا } أي إلا جزاء ما كانوا { يَعْمَلُونَ } في الدنيا.\r{ وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149) }\rقوله عز وجل: { وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ } أي: بعد انطلاقه إلى الجبل { مِنْ حُلِيِّهِمْ } التي استعاروها من قوم فرعون. قرأ حمزة والكسائي { مِنْ حُلِيِّهِمْ } بكسر الحاء [وقرأ يعقوب بفتح الحاء وسكون اللام] (1) واتخذ السامري منها { عِجْلا } وألقى في فمه من تراب أثر فرس جبريل عليه السلام فتحول عجلا { جَسَدًا } حيا ولحما ودما { لَهُ خُوَارٌ } وهو صوت البقر، وهذا قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، وجماعة أهل التفسير.\rوقيل: كان جسدا مجسدا من ذهب لا روح فيه، كان يسمع منه صوت.\rوقيل: كان يسمع صوت حفيف الريح يدخل في جوفه ويخرج، والأول أصح.\rوقيل: إنه ما خار إلا مرة واحدة، وقيل: كان يخور كثيرا كلما خار سجدوا له وإذا سكت رفعوا رءوسهم. وقال وهب: كان يسمع منه الخوار وهو لا يتحرك.\rوقال السدي: كان يخور ويمشي { أَلَمْ يَرَوْا } يعني: الذين عبدوا العجل { أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا } قال الله عز وجل: { اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ } أي: اتخذوه إلها وكانوا كافرين.\r{ وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ } أي ندموا على عبادة العجل، تقول العرب لكل نادم على أمر: قد سقط في يديه، { وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا } يتب علينا ربنا، { وَيَغْفِرْ لَنَا } يتجاوز عنا، { لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } قرأ حمزة والكسائي: \"ترحمنا وتغفر لنا\" بالتاء فيهما \"ربنا\" بنصب الباء. وكان هذا الندم والاستغفار منهم بعد رجوع موسى إليهم.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\" واستدركناه من \"ب\".","part":3,"page":283},{"id":1093,"text":"{ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151) }\rقوله عز وجل: { وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا } قال أبو الدرداء: الأسف شديد الغضب. وقال ابن عباس والسدي: أسِفا أي حزينا. والأسف أشد الحزن، { قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي } أي: بئس ما عملتهم بعد ذهابي، يقال: خلفه بخير أو بشر إذا أولاه في أهله بعد شخوصه عنهم خيرا أو شرا، { أَعَجِلْتُمْ } أسبقتم { أَمْرَ رَبِّكُمْ } قال الحسن: وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين 138/أ ليلة. وقال الكلبي: أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم. { وَأَلْقَى الألْوَاحَ } التي فيها التوراة وكان حاملا لها، فألقاها على الأرض من شدة الغضب.\rقالت الرواة: كانت التوراة سبعة أسباع، فلما ألقى الألواح تكسرت فرفعت ستة أسباعها وبقي سبع، فرفع ما كان من أخبار الغيب، وبقي ما فيه الموعظة والأحكام والحلال والحرام، { وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ } بذوائبه ولحيته { يَجُرُّهُ إِلَيْهِ } وكان هارون أكبر من موسى بثلاث سنين وأحب إلى بني إسرائيل من موسى، لأنه كان لين الغضب. { قَالَ } هارون عند ذلك { ابْنَ أُمَّ } قرأ أهل الكوفة والشام هاهنا وفي طه بكسر الميم، يريد يا ابن أمي، فحذف ياء الإضافة وأبقيت الكسرة لتدل على الإضافة كقوله: \"يا عباد\" وقرأ أهل الحجاز والبصرة وحفص: بفتح الميم على معنى يا ابن أماه.\rوقيل: جعله اسما واحدا وبناه على الفتح، كقولهم: حضرموت، وخمسة عشر، ونحوهما، وإنما قال ابن أم وكان هارون أخاه لأبيه وأمه ليرققه ويستعطفه.\rوقيل: كان أخاه لأمه دون أبيه، { إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي } يعني عَبَدَة العجل، { وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي } هموا وقاربوا أن يقتلوني، { فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ وَلا تَجْعَلْنِي } في مؤاخذتك عليّ { مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } يعني عبدة العجل.\r{ قَالَ } موسى لما تبين له عذر أخيه، { رَبِّ اغْفِرْ لِي } ما صنعت إلى أخي، { وَلأخِي } إن كان منه تقصير في الإنكار على عبدة العجل، { وَأَدْخِلْنَا } جميعا { فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ }","part":3,"page":284},{"id":1094,"text":"{ إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الألْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154) }\rقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ } أي: اتخذوه إلها { سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ } في الآخرة { وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } قال أبو العالية: هو ما أمروا به من قتل أنفسهم. وقال عطية العوفي: \"إن الذين اتخذوا العجل\" أراد اليهود الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم عيّرهم بصنيع آبائهم فنسبه إليهم { سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } أراد ما أصاب بني قريظة والنضير من القتل والجلاء.\rوقال ابن عباس رضي الله عنهما: هو الجزية، { وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ } الكاذبين، قال أبو قلابة هو -والله -جزاء كل مفتر إلى يوم القيامة أن يذله الله. قال سفيان بن عيينة: هذا في كل مبتدع إلى يوم القيامة.\rقوله تبارك وتعالى: { وَلَمَّا سَكَتَ } أي: سكن، { عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الألْوَاحَ } التي كان ألقاها وقد ذهبت ستة أسباعها { وَفِي نُسْخَتِهَا } اختلفوا فيه، قيل: أراد بها الألواح، لأنها نسخت من اللوح المحفوظ.\rوقيل: إن موسى لما ألقى الألواح تكسرت فنسخ منها نسخة أخرى فهو المراد من قوله: { وَفِي نُسْخَتِهَا }\rوقيل: أراد: وفيما نسخ منها. وقال عطاء: فيما بقي منها. وقال ابن عباس وعمرو بن دينار: لما ألقى موسى الألواح فتكسرت صام أربعين يوما فردت عليه في لوحين فكان فيه، { هُدًى وَرَحْمَةً } أي: هدى من الضلالة ورحمة من العذاب، { لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ } أي: للخائفين من ربهم، واللام في { لِرَبِّهِمْ } زيادة توكيد، كقوله:(رَدِفَ لكم) [النمل-72]، وقال","part":3,"page":285},{"id":1095,"text":"الكسائي: لما تقدمت قبل الفعل حسنت، كقوله:(للرؤيا تعبرون) [يوسف-43]، وقال قطرب: أراد من ربهم يرهبون. وقيل: أراد راهبون. وقيل: أراد راهبون لربهم.\r{ وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155) }\rقوله تعالى: { وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ } أي: من قومه، فانتصب لنزع حرف الصفة، { سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقَاتِنَا } فيه دليل على أن كلهم لم يعبدوا العجل. قال السدي: أمر الله تعال موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، فاختار موسى من قومه سبعين رجلا { فَلَمَّا } أتوا ذلك المكان قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فماتوا.\rقال ابن إسحاق: اختارهم ليتوبوا إليه مما صنعوا ويسألوا التوبة على من تركوا وراءهم من قومهم، فهذا يدل على أن كلهم عبدوا العجل.\rوقال قتادة، وابن جريج، ومحمد بن كعب: { أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ } لأنهم لم يزايلوا قومهم حين عبدوا العجل، ولم يأمروهم بالمعروف لم ينهوهم عن المنكر.\rوقال ابن عباس: إن السبعين الذين قالوا:(لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة)[البقرة-55]، كانوا قبل السبعين الذين أخذتهم الرجفة، وإنما أمر الله سبحانه وتعالى موسى عليه السلام أن يختار من قومه سبعين رجلا فاختارهم وبرز بهم ليدعوا ربهم، فكان فيما دعوا أن قالوا: اللهم أعطنا ما لم تعطه أحدا قبلنا، ولا تعطه أحدا بعدنا، فكره الله ذلك من دعائهم، فأخذتهم الرجفة.\rوقال وهب: لم تكن الرجفة صوتا، ولكن القوم لما رأوا تلك الهيبة أخذتهم الرعدة وقلقوا ورجفوا، حتى كادت أن تَبِيْنَ مفاصلهم، فلما رأى موسى ذلك رحمهم وخاف عليهم الموت، فاشتد عليه فقدهم، وكانوا له وزراء على الخير، سامعين مطيعين، فعند ذلك دعا وبكى وناشد ربه، فكشف الله عنهم تلك الرجفة، فاطمأنوا وسمعوا كلام ربهم، فذلك قوله عز وجل: { قَالَ } يعني موسى { رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ } يعني عن عبادة العجل { وَإِيَّايَ } بقتل القبطي. { أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا }","part":3,"page":286},{"id":1096,"text":"يعني عبدة العجل، وظن موسى أنهم عوقبوا باتخاذهم العجل، وقال هذا على طريق السؤال، يسأل: أتهلكنا بفعل السفهاء؟.\rوقال المبرد: قوله \"أهلكنا بما فعل السفهاء منا\" استفهام استعطاف، أي: لا تهلكنا، وقد علم موسى عليه السلام أن الله تعالى أعدل من أن يأخذ بجريرة الجاني غيره.\rقوله تعالى { إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ } أي: التي وقع فيها السفهاء، لم تكن إلا اختبارك وابتلاءك، أضللت بها قوما فافتتنوا، وهديت قوما فعصمتهم حتى ثبتوا على دينك، فذلك هو معنى قوله: { تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا } ناصرنا وحافظنا، { فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ }","part":3,"page":287},{"id":1097,"text":"{ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) }\r{ وَاكْتُبْ لَنَا } أوجب لنا { فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً } النعمة والعافية، { وَفِي الآخِرَةِ } أي: وفي الآخرة { حَسَنَةً } أي المغفرة والجنة، { إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ } أي: تبنا إليك، { قَالَ } الله تعالى: { عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ } من خلقي، { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ } عمت كل شيء، قال الحسن وقتادة: 138/ب وسعت رحمته في الدنيا البر والفاجر، وهي يوم القيامة للمتقين خاصة. وقال عطية العوفي: وسعت كل شيء ولكن لا تجب إلا للذين يتقون، وذلك أن الكافر يرزق، ويدفع عنه بالمؤمنين لسعة رحمة الله للمؤمنين، فيعيش فيها، فإذا صار إلى الآخرة وجبت للمؤمنين خاصة، كالمستضيء بنار غيره إذا ذهب صاحب السراج بسراجه.","part":3,"page":287},{"id":1098,"text":"قال ابن عباس -رضي الله عنهما -وقتادة، وابن جريج: لما نزلت: \"ورحمتي وسعت كل شيء\" قال إبليس: أنا من ذلك الشيء، فقال الله سبحانه وتعالى: { فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ } فتمناها اليهود والنصارى، وقالوا: نحن نتقي ونؤمن، ونؤتي الزكاة، فجعلها الله لهذه الأمة فقال:\r{ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ } الآية. قال نوف البكالي الحميري: لما اختار موسى قومه سبعين رجلا قال الله تعالى لموسى: أجعل لكم الأرض مسجدا وطهورا، تصلون حيث أردكتكم الصلاة إلا عند مرحاض أو حمام أو قبر، وأجعل السكينة في قلوبكم، وأجعلكم تقرأون التوراة عن ظهر قلوبكم، يقرؤها الرجل والمرأة، والحر والعبد، والصغير والكبير، فقال ذلك موسى لقومه، فقالوا: لا نريد أن نصلي إلا في الكنائس، ولا نستطيع حمل السكينة في قلوبنا، ولا نستطيع أن نقرأ التوراة عن ظهور قلوبنا، ولا نريد أن نقرأها إلا نظرا، فقال الله تعالى: \"فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة\" إلى قوله: \"أولئك هم المفلحون\"، فجعلها الله لهذه الأمة. فقال موسى عليه السلام: يا رب اجعلني نبيهم، فقال: نبيهم منهم، قال: رب اجعلني منهم فقال: إنك لن تدركهم، فقال موسى عليه السلام: يا رب أني أتيتك بوفد بني إسرائيل فجعلت وفادتنا لغيرنا، فأنزل الله تعالى:(ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) [الأعراف-159]، فرضي موسى (1) .\rقوله تعالى: { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ } وهو محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس رضي الله عنهما هو نبيكم كان أميا لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسب. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب\" (2) وهو منسوب إلى الأم، أي هو على ما ولدته أمه. وقيل هو منسوب إلى أمته، أصله أمتي فسقطت التاء في النسبة كما سقطت في المكي والمدني وقيل: هو منسوب إلى أم القرى وهي مكة.\r{ الَّذِي يَجِدُونَهُ } أي: يجدون صفته ونعته ونبوته، { مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ }\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أن أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا محمد بن سنان حدثنا فليح حدثنا هلال عن عطاء بن يسار قال لقيت عبد الله بن\r__________\r(1) رواية نوف البكالي هذه من الأخبار الإسرائيلية، فقد كان نوف راويا للقصص، وهو ابن زوجة كعب الأحبار، وله ترجمة في \"تهذيب التهذيب\". وانظر فيما يأتي التعليق على سبب نزول الآية من السورة. ص(291).\r(2) أخرجه البخاري في الصوم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: \"لا نكتب ولا نحسب\" 4 / 126، ومسلم في الصيام باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال.... برقم (1080) 2 / 761. والمصنف في شرح السنة: 6 / 228 عن ابن عمر رضي الله عنهما.","part":3,"page":288},{"id":1099,"text":"عمرو بن العاص، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة: قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن، يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ لا غليظ ولا سخَّاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا\" (1) .\rتابعه عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال عن عطاء عن ابن سلام أخبرنا الإمام الحسين بن محمد القاضي أنا أبو العباس عبد الله بن محمد بن هارون الطيسفوني أنا أبو الحسن محمد بن أحمد الترابي أنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمر بن بسطام أنا أبو الحسن أحمد بن سيار القرشي حدثنا عبد الله بن عثمان عن أبي حمزة عن الأعمش عن أبي صالح عن عبد الله بن ضمرة عن كعب -رضي الله عنه -قال: إني أجد في التوراة مكتوبا محمد رسول الله لا فظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح، أمته الحمادون يحمدون الله في كل منزلة ويكبرونه على كل نجد، يأتزرون على أنصافهم +ويوضئون أطرافهم، صفهم في الصلاة وصفهم في القتال سواء، مناديهم ينادي في جو السماء، لهم في جوف الليل دوي كدوي النحل، مولده بمكة ومهاجره بطابة وملكه بالشام (2) .\rقوله تعالى: { يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ } أي: بالإيمان، { وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ } أي: عن الشرك، وقيل: المعروف: الشريعة والسنة، والمنكر: ما لا يعرف في شريعة ولا سنة. وقال عطاء: يأمرهم بالمعروف: بخلع الأنداد، ومكارم الأخلاق، وصلة الأرحام، وينهاهم عن المنكر: عن عبادة الأوثان وقطع الأرحام. { وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ } يعني: ما كانوا يحرمونه في الجاهلية من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام { وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ } يعني: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، والزنا وغيرها من المحرمات. { وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ } قرأ ابن عامر \"آصارهم\" بالجمع. والإصر: كل ما يثقل على الإنسان من قول أو فعل.\rقال ابن عباس والحسن والضحاك والسدي ومجاهد: يعني العهد الثقيل كان أخذ على بني إسرائيل بالعمل بما في التوراة.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في البيوع، باب كراهية السخب في الأسواق: 4 / 342-343 وفي تفسير سورة الفتح، باب \"إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا\" 8 / 585.\r(2) أخرجه الدارمي في المقدمة، باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم في الكتب قبل مبعثه: 1 / 5، وابن سعد في الطبقات: 1 / 360، والبغوي في المصابيح: 4 / 36، وانظر: مشكاة المصابيح: 3 / 1607.","part":3,"page":289},{"id":1100,"text":"وقال قتادة: يعني التشديد الذي كان عليهم في الدين، { وَالأغْلالَ } يعني: الأثقال { الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ } وذلك مثل: قتل الأنفس في التوبة، وقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض النجاسة عن الثوب بالمقراض، وتعيين القصاص في القتل وتحريم أخذ الدية، وترك العمل في السبت، وأن صلاتهم لا تجوز إلا في الكنائس وغير ذلك من الشدائد. وشبهت بالأغلال التي تجمع اليد إلى العنق. { فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ } أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم. { وَعَزَّرُوهُ } وقّروه، { وَنَصَرُوهُ } على الأعداء { وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ } يعني: القرآن { أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }\r{ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159) }\rقوله تعالى: { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ } أي: آياته وهي القرآن. وقال مجاهد والسدي: يعني عيسى ابن مريم، ويقرأ \"كلمته\" { وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }\rقوله عز وجل: { وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى } يعني: بني إسرائيل 139/أ { أُمَّةٌ } أي: جماعة، { يَهْدُونَ بِالْحَقِّ } أي: يرشدون ويدعون إلى الحق. وقيل: معناه يهتدون ويستقيمون عليه، { وَبِهِ يَعْدِلُونَ } أي: بالحق يحكمون وبالعدل يقومون. قال الكلبي والضحاك والربيع: هم قوم خلف الصين، بأقصى الشرق على نهر [يجري الرمل] (1) يسمى نهر أوداف، ليس لأحد منهم مال دون صاحبه، يمطرون بالليل ويصحون بالنهار، ويزرعون حتى لا يصل إليهم منا أحد، وهم على الحق (2) .\rوذُكر: أن جبرائيل عليه السلام ذهب بالنبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به، فكلمهم [فقال لهم جبريل: هل تعرفون من تكلمون؟ قالوا: لا فقال لهم: هذا محمد النبي الأمي فآمنوا به] (3) فقالوا: يا رسول الله إن موسى عليه السلام أوصانا أن من أدرك منكم أحمد فليقرأ عليه منا السلام، فرد النبي صلى الله عليه وسلم على\r__________\r(1) في بعض النسخ: (مجرى الرمل).\r(2) انظر: الطبري: 13 / 173-174، البحر المحيط: 4 / 406.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":3,"page":290},{"id":1101,"text":"موسى وعليهم، ثم أقرأهم عشر سور من القرآن أنزلت بمكة، وأمرهم بالصلاة والزكاة، وأمرهم أن يقيموا مكانهم، وكانوا يسبتون، فأمرهم أن يجمِّعوا ويتركوا السبت (1) .\rوقيل: هم الذين أسلموا من اليهود في زمن النبي (2) صلى الله عليه وسلم. والأول أصح (3) .\r__________\r(1) انظر: الدر المنثور: 3 / 586، روح المعاني للآلوسي: 9 / 84.\r(2) انظر: البحر المحيط: 4 / 406.\r(3) هذه الروايات التي ساقها المصنف - رحمه الله - في تفسير الآية، من الإسرائيليات التي لو صح سندها إلى قائليها فإنه لا يحتج بها في هذه الأمور الغيبية التي لا نص عليها في الكتاب والسنة وقد استبعدها ابن عطية في تفسيره \"المحرر الوجيز\": 6 / 109. وقال الآلوسي في روح المعاني: 9 / 85 \"وضعّف هذه الحكاية ابن الخازن، وأنا لا أراها شيئا، ولا أظنك تجد لها سندا يعوّل عليه ولو ابتغيت نفقا في الأرض أو سلما في السماء\". ولهذا نثبت هنا خلاصة ما قاله ابن كثير - رحمه الله - في تفسير الآية الكريمة: \"يقول الله تعالى مخبرا عن بني إسرائيل أن منهم طائفة يتبعون الحق ويعدلون به، كما قال تعالى: \"من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون\" وقال تعالى: \"وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم، إن الله سريع الحساب\"... ثم أشار إلى رواية ابن جرير وقال: \"وقد ذكر ابن جرير في تفسيرها خبرا عجيبا\". وكذلك أبدى ابن عطية رحمه الله رأيه في تفسير الآية فقال: يحتمل أن يريد به وصف المؤمنين المتقين من بني إسرائيل، على عهد موسى عليه السلام وما والاه من الزمن.. ويحتمل: أن يريد الجماعة التي آمنت بمحمد، صلى الله عليه وسلم، من بني إسرائيل، على جهة الاستجلاب لإيمان جميعهم\". انظر: المحرر الوجيز: 6 / 108-109، الإسرائيليات والموضوعات لأبي شهبة ص (291-292).","part":3,"page":291},{"id":1102,"text":"{ وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162) }\rقوله عز وجل: { وَقَطَّعْنَاهُمُ } أي: فرّقناهم، يعني بني إسرائيل، { اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا }","part":3,"page":291},{"id":1103,"text":"قال الفراء: إنما قال: \"اثنتي عشرة\"، والسبط مذكر لأنه قال: \"أمما\" فرجع التأنيث إلى الأمم، وقال الزجاج: المعنى وقطعناهم اثنتي عشرة أمما، وإنما قال: \"أسباطا أمما\"، بالجمع وما فوق العشرة لا يفسر بالجمع، فلا يقال: أتاني اثنا عشر رجالا لأن الأسباط في الحقيقة نعت المفسر المحذوف وهو الفرقة، أي: وقطعناهم اثنتي عشرة فرقة أمما.\rوقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: وقطعناهم أسباطا أمما اثنتي عشرة، والأسباط القبائل واحدها سبط.\rقوله تعالى: { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ } في التيه، { أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ } انفجرت. وقال أبو عمرو بن العلاء: عرقت وهو الانبجاس، ثم انفجرت، { مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا } لكل سبط عين { قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ } كل سبط، { مَشْرَبَهُمْ } وكل سبط بنو أب واحد.\rقوله تعالى: { وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ } في التيه تقيهم حر الشمس، { وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }\r{ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ } قرأ أهل المدينة وابن عامر ويعقوب: \"نغفر\" بالتاء وضمها وفتح الفاء. وقرأ الآخرون بالنون وفتحها وكسر الفاء، { خَطِيئَاتِكُمْ } قرأ ابن عامر \"خطيئتكم\" على التوحيد ورفع التاء، [وقرأ أبو عمرو: \"خطاياكم\"، وقرأ أهل المدينة ويعقوب: \"خطيئاتكم\" بالجمع ورفع التاء] (1) . وقرأ الآخرون بالجمع وكسر التاء { سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ }\r{ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا } عذابا { مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ }\r{ وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163) }\rقوله تعالى: { وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ } قيل: هي \"مدين\"، [أي: سلْ\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":3,"page":292},{"id":1104,"text":"يا محمد هؤلاء اليهود الذي هم جيرانك سؤال توبيخ وتقريع عن القرية التي كانت حاضرة البحر] (1) أي: بقربه. قال ابن عباس: هي قرية يقال لها \"إيلة\" بين \"مدين\" و \"الطور\" على شاطئ البحر. وقال الزهري: هي \"طبرية الشام\". { إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ } أي: ظاهرة على الماء كثيرة، جمع شارع. وقال الضحاك: متتابعة.\rوفي القصة: أنها كانت تأتيهم يوم السبت مثل الكباش السمان البيض.\r{ وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ } كإتيانهم يوم السبت، قرأ الحسن: \"لا يُسبتون\" بضم الياء أي: لا يدخلون في السبت، والقراءة المعروفة بنصب الياء، ومعناه: لا يعظمون السبت، { كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ } نختبرهم، { بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } فوسوس إليهم الشيطان وقال: إن الله لم ينهكم عن الاصطياد وإنما نهاكم عن الأكل، فاصطادوا. أو قيل: وسوس إليهم أنكم إنما نهيتم عن الأخذ، فاتخذوا حيضا على شاطئ البحر، تسوقون الحيتان إليها يوم السبت، ثم تأخذونها يوم الأحد. ففعلوا ذلك زمانا ثم تجرأوا على السبت، وقالوا: ما نرى السبت إلا قد أُحلّ لنا، فأخذوا وأكلوا وباعوا، فصار أهل القرية أثلاثا، وكانوا نحوا من سعين ألفا، ثلث نهوا، وثلث لم ينهوا وسكتوا وقالوا: لِمَ تعظون قوما الله مهلكهم؟ وثلث هم أصحاب الخطيئة، فلما لم ينتهوا قال الناهون: لا نساكنكم في قرية واحدة فقسموا القرية بجدار للمسلمين باب وللمعتدين باب، ولعنهم داود عليه السلام، فأصبح الناهون ذات يوم ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إن لهم شأنا لعل الخمر غلبتهم فعَلَوا على الجدار، فإذا هم قردة، فعرفت القرود أنسابها من الإنس ولم تعرف الإنس أنسابها من القرود، فجعلت القرود يأتيها نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي، فيقول: ألم ننهكم فتقول برأسها: نعم، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".","part":3,"page":293},{"id":1105,"text":"{ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165) }\rقوله تعالى: { وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ } اختلفوا في الذين قالوا هذا،","part":3,"page":293},{"id":1106,"text":"قيل: كانوا من الفرقة الهالكة، وذلك أنهم لما قيل لهم انتهوا عن هذا العمل السيئ، قبل أن ينزل بكم العذاب وأنا نعلم أن الله منزل بكم بأسه إن لم تنتهوا أجابوا وقالوا:(لم تعظون قوما الله مهلكهم)، { أَوْ } علمتهم أنه { مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا } أي: قال الناهون { مَعْذِرَةً } أي: موعظتنا معذرة { إِلَى رَبِّكُمْ } قرأ حفص: \"معذرة\" بالنصب أي نفعل ذلك معذرة إلى ربكم. والأصح أنها من قول الفرقة الساكنة، قالوا لم تعظون قوما الله مهلكهم، قالوا معذرة إلى ربكم، ومعناه أن الأمر بالمعروف واجب علينا فعلينا موعظة هؤلاء عذرا إلى الله، { وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } أي: يتقون الله ويتركوا المعصية، ولو كان الخطاب مع المعتدين لكان يقول ولعلكم تتقون.\r{ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ } أي: تركوا ما وعظوا به، { أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا } يعني الفرقة العاصية، { بِعَذَابٍ بَئِيسٍ } أي: شديد وجيع، من البأس وهو الشدة.\rواختلف القراء فيه قرأ أهل المدينة وابن عامر \"بئيس\" بكسر الباء على وزن فعل، إلا أن ابن عامر يهمزه، وأبو جعفر ونافع لا يهمزان، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بفتح الباء وسكون الياء وفتح الهمزة على وزن فيعل مثل صيقل، وقرأ الآخرون على وزن فعيل مثل بعير وصغير.\r{ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: أسمع الله يقول: \"أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس\"، فلا أدري ما فعل بالفرقة الساكتة؟ قال عكرمة: قلت له: جعلني الله فداك ألا تراهم قد أنكروا وكرهوا ما هم عليه، وقالوا: لم تعظون قوما الله مهلكهم؟ وإن لم يقل الله أنجيتهم لم يقل: أهلكتهم، فأعجبه قولي، فرضي وأمر لي ببردين فكسانيهما.\rوقال يمان بن رباب: نجت 139/ب الطائفتان الذين قالوا لم تعظون قوما والذين قالوا معذرة إلى ربكم، وأهلك الله الذين أخذوا الحيتان. وهذا قول الحسن.\rوقال ابن زيد: نجت الناهية، وهلكت الفرقتان، وهذه أشد آية في ترك النهي عن المنكر.\r{ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167) }\rقوله تعالى: { فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ } قال ابن عباس: أبوا أن يرجعوا عن المعصية { قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ }","part":3,"page":294},{"id":1107,"text":"مبعدين، فمكثوا ثلاثة أيام ينظر إليهم الناس ثم هلكوا.\r{ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ } أي: آذن وأعلم ربك، يقال: تأذن وآذن، مثل: توعد وأوعد. وقال ابن عباس: تأذن ربك قال ربك. وقال مجاهد: أمر ربك. وقال عطاء: حكم ربك. { لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } أي: على اليهود، { مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ } بعث الله عليهم محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته يقاتلونهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، { إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ }\r{ وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (169) }\r{ وَقَطَّعْنَاهُمْ } وفرقناهم { فِي الأرْضِ أُمَمًا } فرقا فرقهم الله فتشتت أمرهم ولم تجتمع لهم كلمة، { مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ } قال ابن عباس ومجاهد: يريد الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنوا به { وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ } يعني الذين بقوا على الكفر.\rوقال الكلبي: منهم الصالحون هم الذين وراء نهر أوداف من وراء الصين (1) ومنهم دون ذلك، يعني: من هاهنا من اليهود، { وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ } بالخصب والعافية، { وَالسَّيِّئَاتِ } الجدب والشدة، { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } لكي يرجعوا إلى طاعة ربهم ويتوبوا.\rقوله عز وجل: { فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ } أي: جاء من هؤلاء الذين وصفناهم { خَلْفٌ } والخلف: القرن الذي يجيء بعد قرن. قال أبو حاتم: الخلف بسكون اللام الأولاد، الواحد والجمع فيه سواء، والخلف بفتح اللام: البدل سواء كان ولدا أو غريبا.\rوقال ابن الأعرابي: الخلّف بالفتح: الصالح، وبالجزم: الطالح.\rوقال النضر بن شميل: الخلف بتحريك اللام وإسكانها في القرن السوء واحد، وأما في\r__________\r(1) انظر الحاشية السابقة في آخر تفسير الآية (159) من هذه السورة. ص(291).","part":3,"page":295},{"id":1108,"text":"القرن الصالح فبتحريك اللام لا غير.\rوقال محمد بن جرير: أكثر ما جاء في المدح بفتح اللام، وفي الذم بتسكينها وقد يحرك في الذم ويسكن في المدح. { وَرِثُوا الْكِتَابَ } أي: انتقل إليهم الكتاب من آبائهم وهو التوراة، { يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى } فالعرض متاع الدنيا، والعَرْض، بسكون الراء، ما كان من الأموال سوى الدراهم والدنانير. وأراد بالأدنى العالَم، وهو هذه الدار الفانية، فهو تذكير الدنيا، وهؤلاء اليهود ورثوا التوراة فقرؤوها وضيّعوا العمل بما فيها، وخالفوا حكمها، يرتشون في حكم الله وتبديل كلماته، { وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا } ذنوبنا يتمنون على الله الأباطيل.\rأخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة أنبأنا أبو طاهر، محمد بن أحمد بن الحارث، أنبأنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أنبأنا عبد الله بن محمود، أنبأنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، أنبأنا عبد الله بن المبارك عن أبي بكر بن أبي مريم الغساني عن ضمرة بن حبيب عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله\" (1) .\r{ وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ } هذا إخبار عن حرصهم على الدنيا وإصرارهم على الذنوب، يقول إذا أشرف لهم شيء من الدنيا أخذوه حلالا كان أو حراما، ويتمنون على الله المغفرة وإن وجدوا من الغد مثله أخذوه. وقال السدي: كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيا إلا ارتشى في الحكم، فيقال له: ما لك ترتشي؟ فيقول: سيغفر لي، فيطعن عليه الآخرون، فإذا مات أو نزع وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه فيرتشي أيضا. يقول: وإن يأت الآخرين عرض مثله يأخذوه.\r{ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ } أي: أخذ عليهم العهد في التوراة أن لا يقولوا على الله الباطل، وهي تمني المغفرة مع الإصرار، وليس في التوراة ميعاد المغفرة مع الإصرار، { وَدَرَسُوا مَا فِيهِ } قرأوا ما فيه، فهم ذاكرون لذلك، ولو عقلوه لعملوا للدار الآخرة،\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في صفة القيامة، باب الكيس من دان نفسه: 7 / 156، وقال: هذا حديث حسن، وابن ماجه في الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له: 2 / 1423 برقم (4260)، وصححه الحاكم على شرط الشيخين 1 / 57، وتعقبه الذهبي فقال: قلت: لا والله، أبو بكر: واهٍ، وأخرجه أيضا في موضع آخر: 4 / 251. وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 4 / 124، والبغوي في شرح السنة: 14 / 309 وقال: هذا حديث حسن، وصححه في مصابيح السنة: 3 / 444. والحديث، فيه: أبو بكر بن مريم الغساني، وهو ضعيف، قال ابن طاهر: مدار الحديث عليه، وهو ضعيف جدا. انظر: فيض القدير للمناوي: 5 / 68.","part":3,"page":296},{"id":1109,"text":"ودرس الكتاب: قراءته وتدبره مرة بعد أخرى، { وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ }\r{ وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170) }","part":3,"page":297},{"id":1110,"text":"{ وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) }\r{ وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ } قرأ أبو بكر عن عاصم: \"يمسكون\" بالتخفيف، وقراءة العامة بالتشديد، لأنه يقال: مسكت بالشيء، ولا يقال أمسكت بالشيء، إنما يقال: أمسكته، وقرأ أبي بن كعب: \"والذين تمسكوا بالكتاب\"، على الماضي وهو جيد لقوله تعالى: { وَأَقَامُوا الصَّلاةَ } إذ قَلَّ ما يعطف ماض على مستقبل إلا في المعنى، [وأراد] (1) الذين يعملون بما في الكتاب، قال مجاهد: هم المؤمنون من أهل الكتاب، عبد الله بن سلام وأصحابه، تمسكوا بالكتاب الذي جاء به موسى فلم يحرّفوه ولم يكتموه ولم يتخذوه مأكلة. وقال عطاء: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. { وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ }\rقوله تعالى: { وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ } أي: فلقنا الجبل، وقيل: رفعناه { كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ } قال عطاء: سقيفة، والظلة: كل ما أظلك، { وَظَنُّوا } علموا { أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا } أي: وقلنا لهم خذوا، { مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ } بجد واجتهاد، { وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ } واعلموا به، { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } وذلك حين أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة، فرفع الله على رءوسهم جبلا. قال الحسن: فلما نظروا إلى الجبل خر كل رجل منهم ساجدا على حاجبه الأيسر ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل فرقا من أن يسقط عليه، ولذلك لا تجد يهوديا إلا ويكون سجوده على حاجبه الأيسر.\rقوله تعالى: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } الآية.\rأخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن زيد بن\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":297},{"id":1111,"text":"الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سئل عن هذه الآية: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } الآية. قال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم [يُسأل عنها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم] (1) \"إن الله عز وجل خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون. ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون، فقال رجل: ففيم العمل يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل إذا خلق العبد للجنة استعمله للجنة بعمل أهل الجنة، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله به الجنة 140/أ وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار، حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله به النار\" (2) وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن. ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر، وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وعمر رجلا.\rقال مقاتل وغيره من أهل التفسير: إن الله مسح صفحة ظهر آدم اليمنى فأخرج منه ذرية بيضاء كهيئة الذر يتحركون، ثم مسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر، فقال: يا آدم هذه ذريتك، ثم قال لهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، فقال للبيض: هؤلاء في الجنة برحمتي ولا أبالي وهم أصحاب اليمين، وقال للسود: هؤلاء في النار ولا أبالي، وهم أصحاب الشمال، ثم أعادهم جميعا في صلبه، فأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال وأرحام النساء. قال الله تعالى فيمن نقض العهد الأول: \"وما وجدنا لأكثرهم من عهد\" [الأعراف-102] .\rوقال بعض أهل التفسير: إن أهل السعادة أقروا طوعا وقالوا: بلى، وأهل الشقاوة قالوه تقية وكرها، وذلك معنى قوله: \"وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها\" [آل عمران-83].\rواختلفوا في موضع الميثاق؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: ببطن نَعْمان -واد إلا جنب\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) أخرجه أبو داود في السنة، باب في القدر: 7 / 71-72، والترمذي في تفسير سورة الأعراف: 8 / 452-455. وقال: هذا حديث حسن: ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر، ومالك في الموطأ، أول القدر: 2 / 898-899، وصححه الحاكم: 1 / 27، وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 1 / 44-45، وعزاه المزي في تحفة الأشراف: 8 / 113 للنسائي في الكبرى. والمصنف في شرح السنة: 1 / 139 والآجري في الشريعة ص(170). قال المنذري في تهذيب السنن: معنى هذا الحديث قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ثمانية يطول ذكرها. وانظر: ابن كثير: 2 / 263-264 وما كتبه الشيخ شاكر تعليقا في تفسير الطبري: 13 / 234-236، والتمهيد لابن عبد البر 6 / 3-5.","part":3,"page":298},{"id":1112,"text":"عرفة - (1) وروي عنه أيضا: أنه بدهناء من أرض الهند (2) وهو الموضع الذي هبط آدم عليه السلام عليه. وقال الكلبي: بين مكة والطائف، وقال السدي: أخرج الله آدم عليه السلام من الجنة فلم يهبط من السماء ثم مسح ظهره فأخرج ذريته. وروي: أن الله أخرجهم جميعا وصوّرهم وجعل لهم عقولا يعلمون بها وألسنا ينطقون بها ثم كلمهم قُبُلا -يعني عيانا -وقال ألست بربكم؟ وقال الزجاج وجائز أن يكون الله تعالى جعل لأمثال الذر فهما تعقل به، كما قال تعالى: \"قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم\" [ النمل-18].\rوروي أن الله تعالى قال لهم جميعا: اعملوا أنه لا إله غيري وأنا ربكم لا رب لكم غيري فلا تشركوا بي شيئا، فإني سأنتقم ممن أشرك بي ولم يؤمن بي، وإني مرسل إليكم رسلا يذكرونكم عهدي وميثاقي، ومنزل عليكم كتبا، فتكلموا جميعا، وقالوا: شهدنا أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك، فأخذ بذلك مواثيقهم، ثم كتب آجالهم وأرزقاهم ومصائبهم، فنظر إليهم آدم فرأى منهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: رب لولا سويت بينهم؟ قال: إني أحب أن أشكر، فلما قررهم بتوحيده وأشهد بعضهم على بعض أعادهم إلى صلبه فلا تقوم الساعة حتى يولد كل من أخذ ميثاقه (3) فذلك قوله تعالى: \"وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم\" أي: من ظهور بني آدم ذريتهم، قرأ أهل المدينة وأبو عمرو وابن عامر: \"ذرياتهم\" بالجمع وكسر التاء، وقرأ الآخرون \"ذريتهم\" على التوحيد، ونصب التاء.\rفإن قيل: ما معنى قوله \"وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم\" وإنما أخرجهم من ظهر آدم؟ قيل: إن الله أخرج ذرية آدم بعضهم من ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء في الترتيب، فاستغنى عن ذكر ظهر آدم لِمَا علم أنهم كلهم بنوه وأخرجوا من ظهره (4)\r__________\r(1) انظر: تفسير الطبري: 12 / 222، المستدرك للحاكم: 1 / 27، مجمع الزوائد للهيثمي: 7 / 25،188-189. وساقه الحافظ ابن كثير من رواية الإمام أحمد والنسائي في التفسير مرفوعا وذكر الروايات عن ابن عباس موقوفا وقال: هذا أكثر وأثبت. والله أعلم. التفسير: 2 / 263.\r(2) انظر: تفسير الطبري: 13 / 225 مع تعليق الشيخ شاكر.\r(3) انظر: الطبري: 3 / 238-239، المسند: 5 / 125، المستدرك 2 / 323، مجمع الزوائد 7 / 25.\r(4) قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله بعد أن ساق روايات أخذ الذرية والإشهاد: \"قد أكثر الناس من تخريج الآثار في هذا الباب، وأكثر المتكلمون من الكلام فيه. وأهل السنة مجتمعون على الإيمان بهذه الآثار واعتقادها وترك المجادلة فيها. وبالله العصمة والتوفيق\". التمهيد: 16 / 12.\rوساق الحافظ ابن كثير الروايات في التفسير: 2 / 262-265 ثم قال: \"... فهذه الأحاديث دالة على أن الله عز وجل استخرج ذرية آدم من صلبه، وميَّز ين أهل الجنة وأهل النار. وأما الإشهاد عليهم هناك بأنه ربهم فما هو إلا في حديث كلثوم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وفي حديث عبد الله بن عمرو، وقد بينا أنهما موقوفان، لا مرفوعان -... - ومن ثم قال القائلون من السلف والخلف: إن المراد بهذا الإشهاد إنما هو فطرهم على التوحيد كما في حديث أبي هريرة وعياض بن عمار المجاشعي، ومن رواية الحسن البصري عن الأسود بن سريع. وقد فسر الحسن البصري الآية بذلك...\".\rوانظر: تفسير الفخر الرازي: 15 / 50-56، سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني: 4 / 158-163، درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام ابن تيمية: 8 / 359، وما بعدها، تفسير القرطبي: 7 / 313 وما بعدها.","part":3,"page":299},{"id":1113,"text":"قوله تعالى: { وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى } أي: أشهد بعضهم على بعض: { شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا } قرأ أبو عمرو: \"أن يقولوا\" ويقولوا بالياء فيهما، وقرأ الآخرون بالتاء فيهما.\rواختلفوا في قوله: \"شهدنا\" قال السدي: هو خبر من الله عن نفسه وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم. وقال بعضهم: هو خبر عن قول بني آدم حين أشهد الله بعضهم على بعض، فقالوا بلى شهدنا. وقال الكلبي: ذلك من قول الملائكة، وفيه حذف تقديره: لما قالت الذرية: بلى قال الله للملائكة: اشهدوا، قالوا: شهدنا، قوله: \"أن يقولوا\" يعني: وأشهدهم على أنفسهم أن يقولوا، أي: لئلا يقولوا أو كراهية أن يقولوا، ومن قرأ بالتاء فتقدير الكلام: أخاطبكم: ألست بربكم لئلا تقولوا: { يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ } أي: عن هذا الميثاق والإقرار، فإن قيل: كيف تلزم الحجة على أحد لا يذكر الميثاق؟ قيل: قد أوضح الله الدلائل على وحدانيته وصدق رسله فيما أخبروا، فمن أنكره كان معاندا ناقضا للعهد ولزمته الحجة، وبنسيانهم وعدم حفظهم لا يسقط الاحتجاج بعد إخبار المخبر الصادق صاحب المعجزة.\r{ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) }\rقوله تعالى: { أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ } يقول: إنما أخذ الميثاق عليكم لئلا تقولوا أيها المشركون: إنما أشرك آباؤنا من قبل ونقضوا العهد وكنا ذرية من بعدهم، أي كنا أتباعا لهم فاقتدينا بهم، فتجعلوا هذا عذرا لأنفسكم وتقولوا: { أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ } أفتعذبنا بجناية آبائنا المبطلين، فلا يمكنهم أن يحتجوا بمثل هذا الكلام بعد تذكير الله تعالى بأخذ الميثاق على التوحيد.\r{ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ } أي: نبين الآيات ليتدبرها العباد، { وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } من الكفر إلى التوحيد.","part":3,"page":300},{"id":1114,"text":"قوله تعالى: { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا } الآية. اختلفوا فيه، قال ابن عباس (1) كان من بني إسرائيل. وروي عن علي بن أبي طلحة رضي الله عنه أنه كان من الكنعانيين من مدينة الجبارين (2) وقال مقاتل: هو من مدينة بلقا.\rوكانت قصته -على ما ذكره ابن عباس وابن إسحاق والسدي وغيرهم - (3) أن موسى لما قصد حرب الجبارين ونزل أرض بني كنعان من أرض الشام أتى قوم بلعم إلى بلعم -وكان عنده اسم الله الأعظم -فقالوا: إن موسى رجل حديد ومعه جند كثير، وأنه جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل، وأنت رجل مجاب الدعوة، فاخرج فادع الله أن يردهم عنا، فقال: ويلكم نبي الله ومعه الملائكة والمؤمنون كيف أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم، وإني إن فعلت هذا ذهبت دنياي وآخرتي، فراجعوه وألحوا عليه فقال: حتى أؤامر ربي، وكان لا يدعوه حتى ينظر ما يؤمر به في المنام فآمر في الدعاء عليهم، فقيل له في المنام لا تدع عليهم، فقال لقومه: إني قد آمرت ربي وإني قد نهيت فأهدوا إليه هدية فقبلها، ثم راجعوه فقال: حتى أؤامر، فآمر، فلم يوح إليه شيء، فقال: قد آمرت فلم يجز إلي شيء، فقالوا: لو كره ربك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك في المرة الأولى، فلم يزالوا يتضرعون إليه حتى فتنوه فافتتن فركب أتانا له متوجها إلى جبل يطلعه على عسكر بني إسرائيل يقال له حسبان، فلما سار 140/ب عليها غير كثير ربضت به، فنزل عنها فضربها حتى إذا أذلقها قامت فركبها، فلم تسر به كثيرا حتى ربضت، ففعل بها مثل ذلك فقامت، فركبها فلم تسر به كثيرا حتى ربضت، فضربها حتى أذلقها، أذن الله لها بالكلام فكلمته حجة عليه، فقالت: ويحك يا بلعم أين تذهب بي؟ ألا ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا؟ أتذهب بي إلى نبي الله والمؤمنين تدعو عليهم؟ فلم ينزع، فخلى الله سبيلها فانطلقت حتى إذا أشرفت به على جبل حسبان جعل يدعو عليهم ولا يدعو عليهم بشيء إلا صرف الله به لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف الله به لسانه إلى بني إسرائيل. فقال له قومه: يا بلعم أتدري ماذا تصنع إنما تدعو لهم علينا؟! فقال: هذا ما لا أملكه، هذا شيء قد غلب الله عليه، فاندلع لسانه فوقع على صدره، فقال لهم: قد ذهبت الآن مني الدنيا والآخرة فلم يبق إلا المكر والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال، جمِّلوا النساء وزيِّنوهن وأعطوهن\r__________\r(1) انظر: الطبري: 13 / 254، أسباب النزول للواحدي ص(261)، الدر المنثور: 3 / 608-609.\r(2) الطبري: 13 / 254-255.\r(3) انظر: الطبري: 13 / 264-267، تفسير ابن كثير: 2 / 267-268، البداية والنهاية: 1 / 322 وقال: \"هذا الذي ذكره ابن إسحاق في قصة بلعام صحيح قد ذكره غير واحد من السلف\".","part":3,"page":301},{"id":1115,"text":"السلع، ثم أرسلوهن إلى العسكر يبعنها فيه، ومروهن فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، فإنهم إن زنا رجل واحد منهم كفيتموهم، ففعلوا فلما دخل النساء العسكر مرت امرأة من الكنعانيين، اسمها كستى بنت صور، برجل من عظماء بني إسرائيل يقال له زمري بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب، فقام إليها فأخذ بيدها حين [أعجبه جمالها] (1) ثم أقبل بها حتى وقف بها على موسى، فقال: إني أظنك ستقول هذه حرام عليك؟ قال: أجل هي حرام عليك لا تقربها، قال: فوالله لا أطيعك في هذا، ثم دخل بها قبته فوقع عليها فأرسل الله الطاعون على بني اسرائيل في الوقت، وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى، وكان رجلا قد أعطي بسطة في الخلق وقوة في البطش، وكان غائبا حين صنع زمري بن شلوم ما صنع، فجاء والطاعون يجوس بني إسرائيل، فأخبر الخبر، فأخذ حربته وكانت من حديد كلها، ثم دخل عليهما القبة، وهما متضاجعان فانتظمهما بحربته، ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء، والحربة قد أخذها بذراعه واعتمد بمرفقه على خاصرته، وأسند الحربة إلى لحيته وكان بكر العيزار، وجعل يقول: اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك، ورُفع الطاعون، فحُسِب من هلك من بني إسرائيل في الطاعون فيما بين أن أصاب زمري المرأة إلى أن قتله فنحاص، فوجدوا قد هلك منهم سبعون ألفا في ساعة من النهار، فمن هنالك يعطي بنو إسرائيل ولد فنحاص من كل ذبيحة ذبحوها القبة والذراع واللحى، لاعتماده بالحربة على خاصرته، وأخذه إياها بذراعه، وإسناده إياها إلى لحيته، والبكر من كل أموالهم وأنفسهم، لأنه كان بكر العيزار وفي بلعم أنزل الله تعالى: \"واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا\" الآية.\rوقال مقاتل: إن ملك البلقاء قال لبلعام: ادع الله على موسى، فقال: إنه من أهل ديني لا أدعو عليه، فنحت خشبة ليصلبه فلما رأى ذلك خرج على أتان له ليدعو عليه، فلما عاين عسكرهم قامت به الأتان ووقفت فضربها، فقالت: لِمَ تضربني؟ إني مأمورة وهذه نار أمامي قد منعتني أن أمشي فرجع وأخبر الملك فقال: لتدعون عليه أو لأصلبنك، فدعا على موسى بالاسم الأعظم: أن لا يدخل المدينة، فاستجيب له ووقع موسى وبنو إسرائيل في التية بدعائه، فقال موسى: يا رب بأيّ ذنب وقعنا في التيه؟ فقال: بدعاء بلعام. قال: فكما سمعت دعاءه عليّ فاسمع دعائي عليه، [فدعا موسى عليه السلام] (2) أن ينزع عنه الاسم الأعظم والإيمان، فنزع الله عنه المعرفة وسلخه منها فخرجت من صدره كحمامة بيضاء، فذلك قوله: \"فانسلخ منها\".\r__________\r(1) في \"أ\" (أعجبته).\r(2) زيادة من نسخة \"ب\".","part":3,"page":302},{"id":1116,"text":"وقال عبد الله بن عمرو بن العاص، وسعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم: نزلت هذه الآية في أمية بن أبي الصلت الثقفي، وكانت قصته: أنه كان قد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسل رسولا فرجا أن يكون هو ذلك الرسول، فلما أرسل محمد صلى الله عليه وسلم حسده وكفر به، وكان صاحب حكمة وموعظة حسنة، وكان قصد بعض الملوك فلما رجع مر على قتلى بدر، فسأل عنهم فقيل: قتلهم محمد، فقال: لو كان نبيا ما قتل أقرباءه، فلما مات أمية أتت أخته فارعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وفاة أخيها فقالت: بينما هو راقد أتاه آتيان فكشفا سقف البيت، فنزلا فقعد أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: وعى؟ قال أزكى؟ قال: أبى، قالت: فسألته عن ذلك فقال: خير أريد بي، فصرف عني فغشي عليه، فلما أفاق قال: كل عيش وإن تطاول دهرا ... صائر مرة إلى أن يزولا\rليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في قلال الجبال أرعى الوعولا\rإن يوم الحساب يوم عظيم ... شاب فيه الصغير يوما ثقيلا\rثم قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنشديني من شعر أخيك، فأنشدته بعض قصائده، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"آمن شعره وكفر قلبه\"، فأنزل الله عز وجل { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا } الآية (1) .\rوفي رواية عن ابن عباس: أنها نزلت في البسوس، رجل من بني إسرائيل وكان قد أعطي له ثلاث دعوات مستجابات، وكانت له امرأة له منها ولد، فقالت: اجعل لي منها دعوة، فقال لك منها واحدة فما تريدين؟ قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل، فدعا لها فجعلت أجمل النساء في بني إسرائيل، فلما علمت أنه ليس فيهم مثلها رغبت عنه، فغضب الزوج ودعا عليها فصارت كلبة نباحة، فذهبت فيها دعوتان، فجاء بنوها وقالوا: ليس لنا على هذا قرار، قد صارت أمنا كلبة نباحة، والناس يعيِّروننا بها، ادع الله أن يردّها إلى الحال التي كانت عليها، فدعا الله فعادت كما كانت، فذهبت فيها الدعوات كلها (2) . والقولان الأولان أظهر (3) .\r__________\r(1) انظر: تفسير الطبري: 13 / 255-257، أسباب النزول ص261، الدر المنثور: 3 / 609.\r(2) أسباب النزول (261-262)، الدر المنثور 3 / 608، البحر المحيط: 4 / 422.\r(3) قال أبو حيان في البحر المحيط: 4 / 423: \"والأولى في مثل هذا إذا ورد عن المفسرين أن تُحمل أقاويلهم على التمثيل، لا على الحصر في معين. فإنه يؤدي إلى الاضطراب والتناقض\". وقال إمام المفسرين، الطبري رحمه الله: \"والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتلو على قومه خبر رجل كان صالحا آتاه الله حججه وأدلته، وهي \"الآيات\"... وجائز أن يكون الذي آتاه الله ذلك: \"بلعم\"، وجائز أن يكون \"أمية\" ولا خبر بأي الرجلين المعنيّ - يوجب الحجة، ولا في العقل دلالة على أي ذلك، المعنيّ به من أيٍّ. فالصواب أن يقال فيه ما قال الله، ونقرّ بظاهر التنزيل، على ما جاء به الوحي من الله\" التفسير 13 / 259-260.","part":3,"page":303},{"id":1117,"text":"وقال الحسن وابن كيسان: نزلت في منافقي أهل الكتاب الذين كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم.\rوقال قتادة: هذا مثل ضربه الله عز وجل لمن عُرض عليه الهدى فأبى أن يقبله، فذلك قوله \"واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا\". قال ابن عباس والسدي: اسم الله الأعظم. قال ابن زيد: كان لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه. وقال ابن عباس في رواية أخرى: أوتي كتابا من كتب الله فانسلخ، أي: خرج منها كما تنسلخ، أي: خرج منها كما تنسلخ الحية من جلدها. { فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ } أي: لحقه وأدركه، { فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ }\r{ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) }\r{ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا } أي: رفعنا درجته ومنزلته 141/أ بتلك الآيات. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: لرفعناه بعلمه بها. وقال مجاهد وعطاء: لرفعنا عنه الكفر وعصمناه بالآيات. { وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ } أي: سكن إلى الدنيا ومال إليها. قال الزجاج: خلد وأخلد واحد. وأصله من الخلود وهو الدوام والمقام، يقال: أخلد فلان بالمكان إذا أقام به، والأرض هاهنا عبارة عن الدنيا، لأن ما فيها من القفار والرباع كلها أرض، وسائر متاعها مستخرج من الأرض. { وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } انقاد لما دعاه إليه الهوى، قال ابن زيد: كان هواه مع القوم. قال عطاء: أراد الدنيا وأطاع شيطانه. وهذه أشد آية على العلماء، وذلك أن الله أخبر أنه آتاه [آية] (1) من اسمه الأعظم والدعوات المستجابة والعلم والحكمة، فاستوجب بالسكون إلى الدنيا واتباع الهوى تغيير النعمة عليه والانسلاخ عنها، ومَن الذي يَسْلَمُ من هاتين الخلتين إلا من عصمه الله؟\rأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة أنا محمد بن أحمد بن الحارث، أنا محمد بن يعقوب الكسائي، أنا عبد الله بن محمود، أنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، أنا عبد الله بن المبارك عن زكريا بن أبي زائدة، عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن كعب بن مالك الأنصاري عن\r__________\r(1) في \"ب\": (آياته).","part":3,"page":304},{"id":1118,"text":"أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه\" (1) .\rقوله تعالى: { فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ } يقال: لهث الكلب يلهث لهثا: إذا أدلع لسانه. قال مجاهد: هو مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعمل به.\rوالمعنى: إن هذا الكافر إن زجرته لم ينزجر، وإن تركته لم يهتد، فالحالتان عنده سواء، كحالتي الكلب: إن طرد وحمل عليه بالطرد كان لاهثا، وإن ترك وربض كان لاهثا. قال القتيبي: كل شيء يلهث إنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب، فإنه يلهث في حال الكلال وفي حال الراحة وفي حال العطش، فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته فقال: إن وعظته فهو ضال وإن تركته فهو ضال كالكلب إن طردته لهث، وإن تركته على حاله لهث، نظيره قوله تعالى:(وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون) [الأعراف-193]، ثم عم بهذا التمثيل جميع من يكذب بآيات الله فقال: { ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } وقيل: هذا مثل لكفار مكة وذلك أنهم كانوا يتمنون هاديا يهديهم ويدعوهم إلى طاعة الله، فلما جاءهم نبي لا يشكّون في صدقه كذّبوه فلم يهتدوا تُركوا أو دُعوا.\r{ سَاءَ مَثَلا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (178) }\r{ سَاءَ مَثَلا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا } أي: بئس مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا، وتقديره: ساء مثلا مثل القوم، فحذف مثل وأقيم القوم مقامه فرُفع، { وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ }\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الزهد، باب رقم(30): 7 / 46 وقال: هذا حديث صحيح، وصححه ابن حبان ص(612) من موارد الظمآن، وأخرجه الدارمي في الرقاق: 2 / 304، والمصنف في شرح السنة: 14 / 257-258، وعزاه ابن رجب الحنبلي أيضا: للنسائي، وقال: وروي من وجه آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأسامة بن زيد، وأبي سعيد، وعاصم بن عدي الأنصاري رضي الله عنهم. وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 3 / 456 ،460. وانظر: \"شرح حديث ما ذئبان جائعان\" لابن رجب الحنبلي في مجموعة الرسائل المنيرية: 3 / 1 وما بعدها.","part":3,"page":305},{"id":1119,"text":"{ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179) وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180) }\r{ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ } أخبر الله تعالى أنه خلق كثيرا من الجن والإنس للنار، وهم الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية بالشقاوة، ومن خلقه الله لجهنم فلا حيلة له في الخلاص منها.\rأخبرنا أبو بكر يعقوب بن أحمد بن محمد بن علي الصيرفي، أنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي، أنا أحمد بن محمد بن أبي حمزة البلخي، حدثنا موسى بن محمد بن الحكم الشطوي، حدثنا حفص بن غياث، عن طلحة بن يحيى، عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت: أدرك النبي صلى الله عليه وسلم جنازة صبي من صبيان الأنصار، فقالت عائشة: طوبى له عصفور من عاصفير الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"وما يدريك؟ إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم\" (1) . وقيل: اللام في قوله \"لجهنم\" لام العاقبة، أي: ذرأناهم، وعاقبة أمرهم جهنم، كقوله تعالى: \"فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا\"(القصص 8)، ثم وصفهم فقال: { لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا } أي لا يعلمون بها الخير والهدى. { وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا } طريق الحق وسبيل الرشاد، { وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا } مواعظ القرآن فيتفكرون فيها ويعتبرون بها، ثم ضرب لهم مثلا في الجهل والاقتصار على الأكل والشرب، فقال: { أُولَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ } أي: كالأنعام في أن همتهم في الأكل والشرب والتمتع بالشهوات، بل هم أضل لأن الأنعام تميز بين المضار والمنافع، فلا تقدم على المضار، وهؤلاء يقدمون على النار معاندة، مع العلم بالهلاك، { أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ }\rقوله تعالى: { وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } قال مقاتل: وذلك أن رجلا دعا الله في صلاته ودعا الرحمن، فقال بعض مشركي مكة: إن محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه يدّعون (2) أنهم يعبدون ربا\r__________\r(1) أخرجه مسلم في القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة... برقم(2662): 4 / 2050، والمصنف في شرح السنة: 1 / 141.\r(2) في \"ب\": (يزعمون).","part":3,"page":306},{"id":1120,"text":"واحدا، فما بال هذا يدعو اثنين؟ فأنزل الله عز وجل: \"ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها\". والحسنى تأنيث الأحسن كالكبرى والصغرى، فادعوه بها.\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران، أنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار، أنا أحمد بن منصور المرادي حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة إنه وتر يحب الوتر\" (1) .\r{ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ } قرأ حمزة: \"يلحدون\" -بفتح الياء والحاء حيث كان -وافقه الكسائي في النحل، والباقون بضم الياء وكسر الحاء، ومعنى الإلحاد هو: الميل عن [المقصد] (2) يقال: ألحد يلحد إلحادا، ولحد يلحد لحودا: إذا مال. قال يعقوب بن السكيت: الإلحاد هو العدول عن الحق، وإدخال ما ليس منه فيه، يقال: ألحد في الدين، ولحد، وبه قرأ حمزة.\r{ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ } هم المشركون عدلوا بأسماء الله تعالى عما هي عليه، فسموا بها أوثانهم فزادوا ونقصوا، فاشتقوا اللات من \"الله\" والعزى من \"العزيز\"، ومناة من \"المنان\"، هذا قول ابن عباس ومجاهد.\rوقيل: هو تسميتهم الأصنام آلهة. وروي عن ابن عباس: يلحدون في أسمائه أي يكذبون. وقال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله: تسميته بما لم يُسَمَّ به، ولم ينطق به كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوجملته: أن أسماء الله تعالى على التوقيف 141/ب فإنه يسمى جوادا ولا يسمى سخيا، وإن كان في معنى الجواد، ويسمى رحيما ولا يسمى رفيقا، ويسمى عالما ولا يسمى عاقلا وقال تعالى: \"يخادعون الله وهو خادعهم\"(النساء 142) وقال عز من قائل: \"ومكروا ومكر الله\"(آل عمران-54)، ولا يقال في الدعاء: يا مخادع، يا مكار، بل يدعى بأسمائه التي ورد بها التوقيف على وجه التعظيم، فيقال: يا الله، يا رحمن، يا رحيم، يا عزيز، يا كريم ونحو ذلك. { سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } في الآخرة.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الدعوات ، باب لله مائة اسم غير واحد :11 / 214 وفي الشروط ، وفي التوحيد ، ومسلم في الذكر والدعاء ، باب في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها ، برقم (2677) :4 / 2062 ، والمصنف في شرح السنة : 5 / 30 .\r(2) في \"ب\": (القصد).","part":3,"page":307},{"id":1121,"text":"{ وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ (184) }\rقوله تعالى: { وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ } أي: عصابة، { يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ } قال عطاء عن ابن عباس: يريد أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهم المهاجرون والتابعون لهم بإحسان. وقال قتادة: بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال: \"هذه لكم وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها، ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون\" (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، أنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحميدي، حدثني الوليد، حدثني ابن جابر، وهو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني عمير بن هانئ أنه سمع معاوية رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك\" (2) . وقال الكلبي: هم من جميع الخلق.\r{ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ } قال عطاء: سنمكر بهم من حيث لا يعلمون. وقيل: نأتيهم من مأمنهم، كما قال: \"فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا\"(الحشر-2)، قال الكلبي: يزين لهم أعمالهم ويهلكهم. وقال الضحاك: كلما جدَّدوا معصية جددنا لهم نعمة. قال سفيان الثوري: نسبغ عليهم النعمة وننسيهم الشكر. قال أهل المعاني: الاستدراج أن يتدرج إلى الشيء في خفية قليلا قليلا فلا يباغت ولا يجاهر، ومنه درج الصبي إذا قارب بين خطاه في المشي، ومنه درج الكتاب إذا طواه شيئا بعد شيء.\r{ وَأُمْلِي لَهُمْ } أي: أمهلهم وأطيل لهم مدة عمرهم ليتمادوا في المعاصي، { إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ } أي: إن أخذي قوي شديد، قال ابن عباس: إن مكري شديد. قيل: نزلت في المستهزئين، فقتلهم الله في ليلة واحدة.\r__________\r(1) تفسير الطبري: 13 / 286.\r(2) أخرجه البخاري في المناقب، باب رقم(28): 6 / 632، ومسلم في الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ...\" برقم(1037): 3 / 1524، والمصنف في شرح السنة: 14 / 212.","part":3,"page":308},{"id":1122,"text":"قوله تعالى: { أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ } قال قتادة ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قام على الصفا ليلا فجعل يدعو قرشا فخذا فخذا: يا بني فلان، يا بني فلان، يحذرهم بأس الله ووقائعه، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون، بات يصوت إلى الصباح، فأنزل الله تعالى: \"أولم يتفكروا ما بصاحبهم\" (1) محمد صلى الله عليه وسلم: { مِنْ جِنَّةٍ } جنون، { إِنْ هُوَ } ما هو، { إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ } ثم حثهم على النظر المؤدي إلى العلم فقال:\r{ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (187) }\r{ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ } فيهما { مِنْ شَيْءٍ } أي: وينظروا إلى ما خلق الله من شيء ليستدلوا بها على وحدانيته. { وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ } أي: لعل أن يكون قد اقترب أجلهم فيموتوا قبل أن يؤمنوا ويصيروا إلى العذاب، { فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ } أي: بعد القرآن يؤمنون. يقول: بأي كتاب غير ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يصدِّقون، وليس بعده نبي ولا كتاب، ثم ذكر علة إعراضهم عن الإيمان فقال:\r{ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ } قرأ أهل البصرة وعاصم بالياء ورفع الراء، وقرأ حمزة والكسائي بالياء وجزم الراء، لأن ذكر الله قد مر قبله، وجزم الراء مردود على \"يضلل\" وقرأ الآخرون: بالنون ورفع الراء على أنه كلام مستأنف. { فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } يترددون متحيرين.\rقوله تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا } قال قتادة: قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بيننا وبينك قرابة فأسر إلينا متى الساعة؟ فأنزل الله تعالى: \"يسئلونك عن الساعة\" (2) يعني: القيامة، { أَيَّانَ مُرْسَاهَا } قال ابن عباس رضي الله عنهما: منتهاها. وقال قتادة: قيامها، وأصله الثبات، أي: مثبتها؟ { قُلْ } يا محمد { إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي } استأثر بعملها ولا يعلمها إلا هو، { لا يُجَلِّيهَا }\r__________\r(1) أخرجه الطبري في التفسير: 13 / 289 بإسناد صحيح إلى قتادة. انظر: الكافي الشاف ص(66).\r(2) أخرجه الطبري: 13 / 292، 298.","part":3,"page":309},{"id":1123,"text":"لا يكشفها ولا يظهرها. وقال مجاهد: لا يأتي بها، { لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } يعني: ثقل علمها وخفي أمرها على أهل السموات والأرض، وكل خفي ثقيل. قال الحسن: يقول إذا جاء ثقلت وعظمت على أهل السموات والأرض، { لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً } فجأة على غفلة.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، حدثنا أحمد بن عبد الله النعيمي، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، حدثنا أبو الزناد عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال \"لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها\" (1) .\r{ يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا } أي: عالم بها من قولهم أحفيت في المسألة، أي: بالغت فيها، معناه: كأنك بالغت في السؤال عنها حتى علمتها، { قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } أن علمها عند الله حتى سألوا محمدا صلى الله عليه وسلم عنها.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الرقاق، باب حدثنا أبو اليمان : 11 / 352 ، ومسلم في الفتن ، باب قرب الساعة (2954):4 / 2270 . والمصنف في شرح السنة :15 / 26-27.","part":3,"page":310},{"id":1124,"text":"{ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188) }\r{ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن أهل مكة قالوا: يا محمد، ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتريه وتربح فيه عند الغلاء؟ وبالأرض التي يريد أن تجذب فترتحل منها إلى ما قد أخصبت؟ فأنزل الله تعالى \"قل لا أملك لنفسي نفعا\" (1) أي: لا أقدر لنفسي نفعا، أي: اجتلاب نفع بأن أربح ولا ضرا، أي دفع ضر بأن ارتحل من أرض تريد أن تجدب إلا ما شاء الله أن أملكه.\r{ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ } أي: لو كنت أعلم الخصب والجدب لاستكثرت من الخير، أي: من المال لسنة القحط { وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ } أي: الضر والفقر والجوع.\r__________\r(1) أسباب النزول للواحدي ص(263).","part":3,"page":310},{"id":1125,"text":"وقال ابن جريج: \"قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا\" يعني: الهدى والضلالة،(ولو كنت أعلم الغيب) أي: متى أموت، لاستكثرت من الخير، يعني: من العمل الصالح وما مسني السوء.\rقال ابن زيد: واجتنبت ما يكون من الشر واتقيته.\rوقيل: معناه ولو كنت أعلم الغيب أي متى الساعة لأخبرتكم حتى تؤمنوا وما مسني السوء بتكذيبكم. وقيل: ما مسني السوء: ابتداء، يريد: وما مسني الجنون لأنهم كانوا ينسبونه إلى الجنون. { إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ } لمن لا يصدق بما جئت به، { وَبَشِيرٌ } بالجنة، { لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يصدِّقون.\r{ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) }\rقوله تعالى: { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ } يعني: آدم، { وَجَعَلَ } وخلق { مِنْهَا زَوْجَهَا } يعني: حواء، { لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا } ليأنس بها ويأوي إليها 142/أ { فَلَمَّا تَغَشَّاهَا } أي: واقعها وجامعها { حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا } وهو أول ما تحمل المرأة من النطفة يكون خفيفا عليها، { فَمَرَّتْ بِهِ } أي: استمرت به وقامت وقعدت به، لم يثقلها، { فَلَمَّا أَثْقَلَتْ } أي: كبر الولد في بطنها وصارت ذات ثقل بحملها ودنت ولادتها، { دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا } يعني آدم وحواء، { لَئِنْ آتَيْتَنَا } يا ربنا { صَالِحًا } أي: بشرا سويا مثلنا، { لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ } قال المفسرون: فلما حملت حواء أتاها إبليس في صورة رجل، فقال لها: ما الذي في بطنك؟ قالت: ما أدري. قال: إني أخاف أن يكون بهمية، أو كلبا، أو خنزيرا، وما يدريك من أين يخرج؟ من دبرك فيقتلك، أو من [قبلك] (1) وينشق بطنك، فخافت حواء من ذلك، وذكرت ذلك لآدم عليه السلام فلم يزالا في هم من ذلك، ثم عاد إليها فقال: إني من الله بمنزلة، فإن دعوت الله أن يجعله خلقا سويا مثلك ويسهل عليك خروجه تسمّيه عبد الحارث؟ -وكان اسم إبليس في الملائكة الحارث -فذكرت ذلك لآدم، فقال: لعله صاحبنا الذي قد علمتِ، فعاودها إبليس، فلم يزل بهما حتى غرهما، فلما ولدت سمياه\r__________\r(1) في \"ب\": (فيك).","part":3,"page":311},{"id":1126,"text":"عبد الحارث (1) .\rقال الكلبي: قال إبليس لها: إن دعوت الله فولدت إنسانا أتسمينه بي؟ قالت: نعم، فلما ولدت قال سميه بي، قالت: وما اسمك قال الحارث، ولو سمى لها نفسه لعرفته فسمته عبد الحارث.\rوروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت حواء تلد لآدم فيسميه عبد الله، وعبيد اللهُ\r__________\r(1) حديث ضعيف أخرجه الترمذي في تفسير سورة الأعراف : 8 / 460، وقال: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم عن قتادة، ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه، ورواه الإمام أحمد في المسند: 5 / 11، والطبراني في الكبير برقم(6895)، والحاكم: 2 / 545، والطبري: 13 / 309، وعمر بن إبراهيم، صدوق، في حديثه عن قتادة ضعف، قال أحمد: يروي عن قتادة أحاديث مناكير. وقال ابن عدي: يروي عن قتادة أشياء لا يوافق عليها، وحديثه خاصة عن قتادة مضطرب. (تهذيب التهذيب). وساق الحافظ ابن كثير رواية ابن عباس، وعزاها أيضا لابن أبي حاتم في تفسيره، وكذا ابن مردويه ثم قال: الحديث معلول من ثلاثة أوجه:\r(أحدها) أن عمر بن إبراهيم هذا هو البصري وقد وثقه ابن معين، ولكن قال أبو حاتم الرازي لا يحتج به، ولكن رواه ابن مردويه من حديث المعتمر عن أبيه عن الحسن عن سمرة مرفوعا، فالله أعلم.\r(الثاني) أنه قد روي من قول سمرة نفسه، ليس مرفوعا، كما قال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى حدثنا المعتمر عن أبيه، حدثنا بكر بن عبد الله عن سليمان التيمي عن أبي العلاء بن الشخير عن سمرة بن جندب قال سمى آدم ابنه عبد الحارث.\r(الثالث) أن الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا، فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعا لما عدل عنه. قال ابن جرير حدثنا ابن وكيع حدثنا سهل بن يوسف عن عمر وعن الحسن (وجعلا له شركاء فيما آتاهما) قال: كان هذا في بعض أهل الملل، ولم يكن بآدم.\rوحدثنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا محمد بن ثور عن معمر قال: قال الحسن عني بها ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده يعني (جعلا له شركاء فيما آتاهما). وحدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة قال كان الحسن يقول هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادا فهودوا ونصروا.\rوهذه أسانيد صحيحة عن الحسن رضي الله عنه أنه فسر الآية بذلك، وهو أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث عنده محفوظا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عدل عنه هو ولا غيره ولا سيما مع تقواه لله وورعه فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب، من آمن منهم: مثل: كعب أو وهب بن منبه وغيرهما - كما سيأتي بيانه إن شاء الله - إلا أننا برئنا من عهده المرفوع والله أعلم.\rفأما الآثار: فقال محمد بن إسحاق بن يسار: عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: كانت حواء تلد لآدم عليه السلام أولادا فيعبدهم لله، ويسميهم: عبد الله، وعبيد الله، ونحو ذلك، فيصيبهم الموت، فأتاهما إبليس فقال: إنكما لو سميتماه بغير الذي تسميانه به لعاش، قال فولدت له رجلا فسماه عبد الحارث ففيه أنزل الله يقول ( هو الذي خلقكم من نفس واحدة ) - إلى قوله - (جعلا له شركاء فيما آتاهما) إلى آخر الآية.\rوقال العوفي: عن ابن عباس قوله في آدم: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة) - إلى قوله - (فمرت به) شكت أحملت أم لا؟ (فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين) فأتاهما الشيطان فقال: هل تدريان ما يولد لكما؟ أم هل تدريان ما يكون أبهيمة أم لا؟ وزين لهما الباطل إنه غوي مبين، وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين فماتا، فقال لهما الشيطان: إنكما إن لم تسمياه بي لم يخرج سويا ومات كما مات الأول، فسميا ولدهما عبد الحارث، فذلك قول الله تعالى: (فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما) الآية. وقال عبد الله بن أبي سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: (فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما) قال الله تعالى: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها) آدم (حملت) فأتاهما إبليس لعنه الله فقال إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة لتطيعاني أو لأجعلن له قرني أيل، فيخرج من بطنك فيشقه ولأفعلن ولأفعلن، يخوفهما، فسمياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا ثم حملت الثانية فأتاهما أيضا فقال أنا صاحبكما الذي فعلت ما فعلت لتفعلن أو لأفعلن - يخوفهما - فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتا ثم حملت الثالث فأتاهما أيضا فذكر لهما فأدركهما حب الولد فسمياه عبد الحارث فذلك قوله تعالى (جعلا له شركاء فيما آتاهما) رواه ابن أبي حاتم.\rوقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس جماعة من أصحابه كمجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة، ومن الطبقة الثانية: قتادة والسدي وغير واحد من السلف وجماعة من الخلف، ومن المفسرين من المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة، وكأنه والله أعلم أصله مأخوذ من أهل الكتاب فإن ابن عباس رواه عن أبي بن كعب كما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو الجماهر حدثنا سعيد يعني ابن بشير عن عقبة عن قتادة عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال لما حملت حواء أتاها الشيطان فقال لها أتطيعيني ويسلم لك ولدك، سميه عبد الحارث فلم تفعل فولدت فمات ثم حملت فقال لها مثل ذلك فلم تفعل ثم حملت الثالثة فجاءها فقال إن تطيعيني يسلم وإلا فإنه يكون بهيمة فهيبهما فأطاعا.\rوهذه الآثار يظهر عليها والله أعلم أنها من آثار أهل الكتاب، وقد صح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال \"إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم\".\rثم أخبارهم على ثلاثة أقسام: فمنها ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله ومنها ما علمنا كذبه بما دل على خلافه من الكتاب والسنة أيضا، ومنها: ما هو مسكوت عنه، فهو المأذون في روايته بقوله عليه السلام \"حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج\"، وهو الذي لا يصدق ولا يكذب لقوله: (فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم): وهذا الأثر هو من القسم الثاني أو الثالث فيه نظر، فأما من حدث به من صحابي أو تابعي فإنه يراه من القسم الثالث، وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري رحمه الله في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته، ولهذا قال الله: (فتعالى الله عما يشركون)، ثم قال: فذكر آدم وحواء أولا كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس.\rوانظر: تفسير الفخر الرازي: 15 / 90-93، الإسرائيليات والموضوعات للشيخ محمد أبي شهبة ص(292-301)، المنهج السديد في تخريج أحاديث تيسير العزيز الحميد ص(236).","part":3,"page":312},{"id":1127,"text":"وعبد الرحمن، فيصيبهم الموت، فأتاهما إبليس وقال: إن سركما أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد الحارث، فولدت فسمياه عبد الحارث فعاش. وجاء في الحديث: \"خدعهما إبليس مرتين مرة في الجنة ومرة في الأرض\".\rوقال ابن زيد: ولد لآدم ولد فسماه عبد الله فأتاهما إبليس فقال لهما: ما سميتما ابنكما؟ قالا عبد الله -وكان قد ولد لهما قبل ذلك ولد فسمياه عبد الله فمات -فقال إبليس: أتظنان أن الله تارك عبده عندكما، لا والله ليذهبن به كما ذهب بالآخر، ولكن أدلكم على اسم يبقى لكما ما بقيتما، فسمياه عبد شمس. والأول أصح، فذلك قوله: { فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا }\r{ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا } بشرا سويا { جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا } قرأ أهل المدينة وأبو بكر: \"شركا\" بكسر الشين والتنوين، أي: شركة. قال أبو عبيدة: أي حظا ونصيبا، وقرأ الآخرون: \"شركاء\" بضم الشين ممدودا على جمع شريك، يعني: إبليس، أخبر عن الواحد بلفظ الجمع. أي: جعلا له شريكا إذ سمياه عبد الحارث، ولمن يكن هذا إشراكا في العبادة ولا أن الحارث ربهما، فإن آدم كان نبيا معصوما من الشرك، ولكن قصد إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد وسلامة أمه، وقد يطلق اسم","part":3,"page":313},{"id":1128,"text":"العبد على من لا يراد به أنه مملوك، كما يطلق اسم الرب على ما لا يراد به أنه معبود هذا، كالرجل إذا نزل به ضيف يسمي نفسه عبد الضيف، على وجه الخضوع لا على أن الضيف ربه، ويقول للغير: أنا عبدك. وقال يوسف لعزيز مصر: إنه ربي، ولم يرد به أنه معبوده، كذلك هذا.\rوقوله: { فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } قيل: هذا ابتداء كلام وأراد به إشراك أهل مكة، ولئن أراد به ما سبق فمستقيم من حيث أنه كان الأولى بهما أن لا يفعلا ما أتيا به من الإشراك في الاسم.\rوفي الآية قول آخر: وهو أنه راجع إلى جميع المشركين من ذرية آدم، وهو قول الحسن وعكرمة، ومعناه: جعل أولادهما شركاء، فحذف الأولاد وأقامهما مقامهم، كما أضاف فعل الآباء إلى الأبناء في تعييرهم بفعل الآباء فقال: \"ثم اتخذتم العجل\"، \"وإذ قتلتم نفسا\" خاطب به اليهود الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك الفعل من آبائهم. وقيل: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادا فهودوا ونصروا، وقال ابن كيسان: هم الكفار سموا أولادهم عبد العزى وعبد اللات وعبد مناة ونحوه. وقال عكرمة: خاطب كل واحد من الخلق بقوله خلقكم أي خلق كل واحد من أبيه وجعل منها زوجها، أي: جعل من جنسها زوجها، وهذا قول حسن، لولا قول السلف مثل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وسعيد بن المسيب وجماعة المفسرين أنه في آدم وحواء.\r{ أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (192) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (193) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (194) }\rقال الله تعالى: { أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا } يعني: إبليس والأصنام، { وَهُمْ يُخْلَقُونَ } أي: هم مخلوقون.\r{ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا } أي: الأصنام لا تنصر من أطاعها، { وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ } قال الحسن: لا يدفعون عن أنفسهم مكروه من أراد بهم بكسر أو نحوه ثم خاطب المؤمنين فقال: { وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى }","part":3,"page":314},{"id":1129,"text":"{ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى } إن تدعوا المشركين إلى الإسلام، { لا يَتَّبِعُوكُمْ } قرأ نافع بالتخفيف وكذلك: \"يتبعهم الغاوون\" في الشعراء(الآية 224) وقرأ الآخرون بالتشديد فيهما وهما لغتان، يقال: تبعه تبعا وأتبعه إتباعا. { سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ } إلى الدين، { أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ } عن دعائهم لا يؤمنون، كما قال: \"سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون\"(البقرة-6) وقيل: \"وإن تدعهم إلى الهدى\" يعني: الأصنام، لا يتبعوكم لأنها غير عاقلة.\r{ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } يعني الأصنام، { عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ } يريد أنها مملوكة أمثالكم. وقيل: أمثالكم في التسخير، أي: أنهم مسخرون مذللون لما أريد منهم. قال مقاتل: قوله \"عباد أمثالكم\" أراد به الملائكة، والخطاب مع قوم كانوا يعبدون الملائكة. والأول أصح.\r{ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } أنها آلهة، قال ابن عباس: فاعبدوهم، هل يثيبونكم أو يجاوزونكم إن كنتم صادقين أن لكم عندها منفعة؟ ثم بيّن عجزهم فقال: { أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا }\r{ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ (195) }","part":3,"page":315},{"id":1130,"text":"{ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (197) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (198) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) }\r{ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا } قرأ أبو جعفر بضم الهاء هنا وفي القصص والدخان، وقرأ الآخرون بكسر الطاء، { أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا } أراد أن قدرة المخلوقين تكون بهذه الجوارح والآلات، وليست للأصنام هذه الآلات، فأنتم مفضلون عليها بالأرجل الماشية والأيدي الباطشة والأعين الباصرة والآذان السامعة، فكيف تعبدون من أنتم أفضل وأقدر منهم؟ { قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ } يا معشر المشركين، { ثُمَّ كِيدُونِ } أنتم وهم، { فَلا تُنْظِرُونِ } أي: لا تمهلوني واعجلوا في كيدي.\rقوله: { إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ } يعني القرآن، أي أنه يتولاني وينصرني كما أيدني بإنزال الكتاب، { وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد الذين لا يعدلون","part":3,"page":315},{"id":1131,"text":"بالله شيئا فالله يتولاهم بنصره فلا يضرهم عداوة من عاداهم 142/ب\r{ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَسْمَعُوا } يعني الأصنام، { وَتَرَاهُمْ } يا محمد { يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ } يعني الأصنام، { وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ } وليس المراد من النظر حقيقة النظر، إنما المراد منه: المقابلة، تقول العرب: داري تنظر إلى دارك، أي: تقابلها. وقيل: وتراهم ينظرون إليك أي: كأنهم ينظرون إليك، كقوله تعالى: \"وترى الناس سكارى\"(الحج 2)، أي: كأنهم سكارى هذا قول [أكثر] (1) المفسرين. وقال الحسن: \"وإن تدعوهم إلى الهدى\" يعني: المشركين لا يسمعوا ولا يعقلوا ذلك بقلوبهم، وتراهم ينظرون إليك بأعينهم وهم لا يبصرون بقلوبهم.\rقوله تعالى: { خُذِ الْعَفْوَ } قال عبد الله بن الزبير: أمر الله نبيه عليه الصلاة والسلام أن يأخذ العفو من أخلاق الناس. وقال مجاهد: خذ العفو يعني العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تجسس، وذلك مثل قبول الاعتذار والعفو والمساهلة وترك البحث عن الأشياء ونحو ذلك.\rورُوي أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: \"ما هذا؟ قال لا أدري حتى أسأله، ثم رجع فقال: إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك\" (2) .\rوقال ابن عباس رضي الله عنهما والسدي والضحاك والكلبي: يعي خُذْ ما عفا لك من الأموال وهو الفضل عن العيال، وذلك معنى قوله: \"يسألونك ماذا ينفقون قل العفو\"(البقرة-219)، ثم نسخت هذه بالصدقات المفروضات. قوله تعالى: { وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ } أي: بالمعروف، وهو كل ما يعرفه الشرع. وقال عطاء: وأمر بالعرف يعني بلا إله إلا الله. { وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } أبي جهل وأصحابه، نسختها آية السيف. وقيل: إذا تسفه عليك الجاهل فلا تقابله بالسفه، وذلك مثل قوله: \"وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما\"(الفرقان-63)، وذلك سلام المتاركة. قال جعفر الصادق: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية.\r__________\r(1) ساقط من ب\".\r(2) أخرجه الطبري من طريق سفيان بن عيينة عن أبي المرادي: 13 / 303، قال ابن حجر في \"الكافي الشاف\" ص(66): \"هذا منقطع، وأخرجه ابن مردويه موصولا من حديث جابر وحديث قيس بن سعد، وزاد في أوله: لما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حمزة قال: والله لأمثلن بسبعين منهم - فجاء جبريل بهذه الآية، فذكر الحديث\". وانظر: جامع الأصول لابن الأثير: 2 / 143-144 مع حاشية المحقق.","part":3,"page":316},{"id":1132,"text":"أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد [الجرجاني] (1) ثنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي، ثنا الهيثم بن كليب، ثنا أبو عيسى الترمذي، ثنا محمد بن بشار، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الله الجدلي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: \"لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا متفحشا ولا سخابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح\" (2) .\rثنا أبو الفضل زياد بن محمد الحنفي ثنا أبو سعيد عبد الملك بن أبي عثمان الواعظ ثنا عماد بن محمد البغدادي ثنا أحمد بن محمد عن سعيد الحافظ ثنا محمد بن إسماعيل ثنا عمر بن إبراهيم يعني الكوفي ثنا يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن الله بعثني لتمام مكارم الأخلاق وإتمام محاسن الأفعال\" (3) .\r{ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) }\rقوله تعالى: { وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ } أي: يصيبك ويعتريك ويعرض لك من الشيطان نزغ نخسة، والنزغ من الشيطان الوسوسة. وقال الزجاج: النزغ أدنى حركة تكون من الآدمي، ومن الشيطان أدنى وسوسة. وقال عبد الرحمن بن زيد: لما نزلت هذه الآية: \"خذ العفو\"، قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"كيف يا رب والغضب\"؟ فنزل: \"وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله\" (4) أي: استجر بالله { إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }\r{ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا } يعني المؤمنين، { إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ } قرأ ابن كثير وأهل البصرة والكسائي: \"طيف\"، وقرأ الآخرون \"طائف\" بالمد والهمز، وهما لغتان كالميت والمائت، ومعناهما: الشيء يلم بك. وفرق قوم بينهما، فقال أبو عمرو: الطائف ما يطوف حول الشيءُ والطيف: اللمة والسوسة، وقيل: الطائف ما طاف به من وسوسة الشيطان، والطيف اللمم والمس.\r__________\r(1) في \"أ\": \"الجوزجاني\".\r(2) أخرجه الترمذي في البر، باب ما جاء في خُلُق النبي صلى الله عليه وسلم: 6 / 157-158، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه أيضا في كتابه المفرد \"الشمائل المحمدية\" ص(200) بشرح الباجوري. والإمام أحمد في المسند: 6 / 236، وإسناده صحيح، والمصنف في شرح السنة: 13 / 237.\r(3) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عمر بن إبراهيم القرشي، وهو ضعيف (انظر: مجمع الزوائد: 8 / 188)، والبغوي في مصابيح السنة: 4 / 41، وهو في مشكاة المصابيح برقم (7570)، وشرح السنة: 13 / 202.\r(4) انظر: تفسير الطبري: 13 / 333.","part":3,"page":317},{"id":1133,"text":"{ تَذَكَّرُوا } عرفوا، قال سعيد بن جبير: هو الرجل يغضب الغضبة فيذكر الله تعالى فيكظم الغيظ. وقال مجاهد: هو الرجل يهم بالذنب فيذكر الله فيدعه. { فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ } أي يبصرون مواقع خطاياهم بالتذكر والتفكر. قال السدي: إذا زلوا تابوا. وقال مقاتل: إن المتقي إذا أصابه نزغ من الشيطان تذكر وعرف أنه معصية، فأبصر فنزغ عن مخالفة الله.\r{ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (202) وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203) وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204) }\rقوله: { وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ } يعني إخوان الشياطين من المشركين يمدونهم، أي: يمدهم الشيطان. قال الكلبي: لكل كافر أخ من الشياطين. { فِي الْغَيِّ } أي: يطلبون هم الإغواء حتى يستمروا عليه. وقيل: يزيدونهم في الضلالة. وقرأ أهل المدينة: \"يمدونهم\" بضم الياء وكسر الميم، من الإمداد، والآخرون: بفتح الياء وضم الميم وهما لغتان بمعنى واحد. { ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ } أي: لا يكفون. قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات، ولا الشياطين يمسكون عنهم، فعلى هذا قوله: \"ثم لا يقصرون\" من فعل المشركين والشياطين جميعا. قال الضحاك ومقاتل: يعني المشركين لا يقصرون عن الضلالة ولا يبصرونها، بخلاف ما قال في المؤمنين: \"تذكروا فإذا هم مبصرون\".\r{ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ } يعني: إذا لم تأت المشركين بآية، { قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا } هلا افتعلتها وأنشأتها من قبل نفسك واختيارك؟ تقول العرب: اجتبيت الكلام إذا اختلقته. قال الكلبي: كان أهل مكة يسألون النبي صلى الله عليه وسلم الآيات تعنتا فإذا تأخرت اتهموه وقالوا: لولا اجتبيتها؟ أي: هلا أحدثتها وأنشأتها من عندك؟ { قُلْ } لهم يا محمد { إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي } ثم قال: { هَذَا } يعني: القرآن { بَصَائِرُ } حجج وبيان وبرهان { مِنْ رَبِّكُمْ } واحدتها بصيرة، وأصلها ظهور الشيء واستحكامه حتى يبصره الإنسان، فيهتدي به يقول: هذا دلائل تقودكم إلى الحق. { وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }\rقوله عز وجل: { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } اختلفوا في سبب نزول هذه الآية فذهب جماعة إلى أنها في القراءة في الصلاة، روي عن أبي هريرة كانوا يتكلمون 143/أ","part":3,"page":318},{"id":1134,"text":"في الصلاة بحوائجهم فأمروا بالسكوت والاستماع إلى قراءة القرآن (1) . وقال قوم: نزلت في ترك الجهر بالقراءة خلف الإمام (2) .\rوروى زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة قال: نزلت هذه الآية في رفع الأصوات وهم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة (3) .\rوقال الكلبي: كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حين يسمعون ذكر الجنة والنار (4) .\rوعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه سمع ناسا يقرأون مع الإمام فلما انصرف قال: أما آن لكم أن تفقهوا وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا كما أمركم الله (5) ؟ وهذا قول الحسن والزهري والنخعي: أن الآية في القراءة في الصلاة.\rوقال سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد: إن الآية في الخطبة، أمروا بالإنصات لخطبة الإمام يوم الجمعة (6) .\rوقال سعيد بن جبير: هذا في الإنصات يوم الأضحى والفطر ويوم الجمعة، وفيما يجهر به الإمام (7) .\rوقال عمر بن عبد العزيز: [يجب] (8) الإنصات لقول كل واعظ.\r__________\r(1) انظر: تفسير الطبري: 13 / 345،349، (وفيه: إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف)، وسنن البيهقي: 2 / 155، أسباب النزول للواحدي ص(264). وعزاه السيوطي في الدر: (3 / 636) لابن المنذر، وابن أبي حاكم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، وابن أبي شيبة.\r(2) جاء في ذلك آثار عديدة انظرها في: الدر المنثور 3 / 635، أسباب النزول للواحدي ص(264).\r(3) رواه الدارقطني في السنن: 1 / 326 وقال: فيه عبد الله بن عامر: ضعيف. وانظر: نصب الراية للزيلعي: 2 / 14، إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام لأبي الحسنات اللكنوي ص(77) طبع الهند.\r(4) أخرجه عبد الرزاق وابن المنذر عن الكلبي.\r(5) أخرجه الطبري: 13 / 346، وعزاه السيوطي لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ عن ابن مسعود، انظر: الدر المنثور: 13 / 635.\r(6) انظر: الطبري: 13 / 352، الدر المنثور: 3 / 637، أسباب النزول ص(264). وقال ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" 6 / 196: \"وأما قول من قال إنها نزلت في الخطبة، فضعيف، لأن الآية مكية، والخطبة لم تكن إلا بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة. وكذلك ما ذكره الزهراوي (؟) من أنها نزلت بسبب فتى من الأنصار كان يقرأ في الصلاة والنبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصلاة. وانظر: القراءة خلف الإمام للبيهقي.\r(7) أخرجه أبو الشيخ - كما في الدر المنثور، وانظر إمام الكلام للكنوي ص(81).\r(8) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":319},{"id":1135,"text":"والأول أولاها، وهو أنها في القراءة في الصلاة لأن الآية مكية والجمعة وجبت بالمدينة (1) . واتفقوا على أنه مأمور بالإنصات حالة ما يخطب الإمام.\rأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ثنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ثنا أبو العباس الأصم ثنا الربيع ثنا الشافعي ثنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت\" (2) .\rواختلف أهل العلم في القراءة خلف الإمام في الصلاة: فذهب جماعة إلى إيحابها سواء جهر الإمام بالقراءة أو أسر. رُوي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن عباس، ومعاذ، وهو قول الأوزاعي والشافعي.\rوذهب قوم إلى أنه يقرأ فيما أسر الإمام فيه بالقراءة ولا يقرأ إذا جهر، يروى ذلك عن ابن عمر، وهو قول عروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وبه قال الزهري ومالك وابن المبارك وأحمد وإسحاق.\rوذهب قوم إلى أنه لا يقرأ سواء أسر الإمام أو جهر، يروى ذلك عن جابر، وبه قال الثوري وأصحاب الرأي (3) ويتمسك من لا يرى القراءة خلف الإمام بظاهر هذه الآية، ومن أوجبها قال الآية في غير الفاتحة وإذا قرأ الفاتحة يتبع سكتات الإمام ولا ينازع الإمام في القراءة.\rوالدليل عليه: ما أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، ثنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي، ثنا أبو العباس المحبوبي، ثنا أبو عيسى الترمذي، ثنا هناد، ثنا عبدة بن سليمان، عن\r__________\r(1) وهذا الذي رجحه شيخ المفسرين، الطبري رحمه الله حيث قال في التفسير: 13 / 352-353: \"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: أمروا باستماع القرآن في الصلاة إذا قرأ الإمام، وكان من خلفه ممن يأتم به يسمعه، وفي الخطبة.\rوإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب، لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"وإذا قرأ فأنصتوا\" وإجماع الجميع على أن على من سمع خطبة الجمعة ممن عليه الجمعة، الاستماع والإنصات لها، مع تتابع الأخبار بالأمر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه لا وقت يجب على أحد استماع القرآن والإنصات لسامعه، من قارئه، إلا من هاتين الحالتين، على اختلاف في إحداهما، وهي حالة أن يكون خلف إمام مؤتم به وقد صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا من قوله: \"إذا قرأ الإمام فأنصتوا\" فالإنصات خلفه لقراءته واجب على من كان به مؤتما سامعا قراءته، بعموم ظاهر القرآن والخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم\".\rوانظر بحثا نفيسا في هذا لأبي الحسنات اللكنوي في كتابه \"إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف لإمام\" ص 75 وما بعدها، بتحقيقنا.\r(2) أخرجه البخاري في الجمعة: باب الإنصات والإمام يخطب: 2 / 414، ومسلم في الكتاب والباب نفسه برقم(851): 2 / 583، والمصنف في شرح السنة: 4 / 583.\r(3) انظر هذه الآراء مع أدلتها في: التمهيد لابن عبد البر: 11 / 22-56، الاستذكار: 2 / 166-193، إمام الكلام للكنوي، فقد جمع فيه الأقوال مع الأدلة وناقشها بتجرد، ورجح ما يساعد عليه الدليل.","part":3,"page":320},{"id":1136,"text":"محمد بن إسحاق عن مكحول، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم الصبح فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: \"إني أراكم تقرأون وراء إمامكم\"؟ قال: قلنا يا رسول الله إي والله، قال: \"لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها\" (1) .\r{ وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206) }\rقوله تعالى: { وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ } قال ابن عباس: يعني بالذكر: القراءة في الصلاة، يريد يقرأ سرا في نفسه، { تَضَرُّعًا وَخِيفَةً } خوفا، أي: تتضرع إليّ وتخاف مني هذا في صلاة السر. وقوله: { وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ } أراد في صلاة الجهر لا تجهر جهرا شديدا، بل في خفض وسكون، يسمع من خلفك، وقال مجاهد وابن جريج: أمر أن يذكروه في الصدور بالتضرع إليه في الدعاء والاستكانة دون رفع الصوت والصياح بالدعاء { بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ } أي: بالبكر والعشيات، واحد آصال: أصيل مثل يمين وأيمان، وهو ما بين العصر والمغرب.\r{ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ } يعني: الملائكة المقربين بالفضل والكرامة، { لا يَسْتَكْبِرُونَ } لا يتكبرون، { عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ } وينزهونه ويذكرونه، فيقولون: سبحان الله. { وَلَهُ يَسْجُدُونَ }\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنبأنا أحمد بن الحسن الحيري، أنبأنا حاجب بن أحمد الطوسي، ثنا عبد الرحيم بن منيب، ثنا يعلى بن عبيد عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، فيقول: يا ويله أمر هذا بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار\" (2)\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ثنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، ثنا أبو جعفر\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب من ترك القراءة في صلاته: 1 / 390، والترمذي في الصلاة، باب ما جاء في القراءة خلف الإمام: 2 / 226-227، وقال: حديث عبادة حديث حسن، والدارقطني: 1 / 318 وقال: إسناد حسن. وصححه الحاكم: 1 / 318، وابن حبان ص(127) من موارد الظمآن، وأخرجه البخاري في جزء القراءة خلف الإمام، والبيهقي أيضا في القراءة: وأخرجه المصنف في شرح السنة: 3 / 82.\r(2) أخرجه مسلم في الإيمان، باب إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة(81): 1 / 87 والمصنف في شرح السنة: 3 / 147.","part":3,"page":321},{"id":1137,"text":"محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، ثنا حميد بن زنجويه، ثنا محمد بن يوسف، ثنا الأوزاعي، عن الوليد بن هشام، عن معدان قال: سألت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: حدثني حديثا ينفعني الله به، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها سيئة\" (1) .\r__________\r(1) أخرجه ابن ماجه في الإقامة باب ما جاء في كثرة السجود، برقم(1423): 1 / 457، والإمام أحمد في المسند: 5 / 276، 280. وأخرجه مسلم في الصلاة، باب فضل السجود والحث عليه برقم(488) بلفظ: \"عليك بكثرة السجود لله فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك..\".","part":3,"page":322},{"id":1138,"text":"سورة الأنفال\r{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفَالِ قُلِ الأنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1) }\r{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفَالِ } الآية، قال أهل التفسير: سبب نزول هذه الآية هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: \"من أتى مكان كذا فله من النفل كذا ومن قتل قتيلا فله كذا ومن أسر أسيرا فله كذا\"، فلما التقوا تسارع إليه الشبان وأقام الشيوخ ووجوه الناس عند الرايات، فلما فتح الله على المسلمين جاءوا يطلبون ما جعل لهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الأشياخ: كنا ردءا لكم ولو انهزمتم لانحزتم إلينا، فلا تذهبوا بالغنائم دوننا، وقام أبو اليسر بن عمرو الأنصاري أخو بني سلمة فقال: يا رسول الله إنك وعدت أن من قتل قتيلا فله كذا ومن أسر أسيرا فله كذا وإنا قد قتلنا منهم سبعين وأسرنا منهم سبعين، فقام سعد بن معاذ رضي الله عنه فقال: والله يا رسول الله ما منعنا أن نطلب ما طلب هؤلاء زهادة في الأجر ولا جبن عن العدو، ولكن كرهنا أن نعري مصافك [فيعطف عليه] (1) خيل من المشركين 143/ب فيصيبوك، فأعرض\r__________\r(1) في \"ب\": (فتعطف علينا).","part":3,"page":323},{"id":1139,"text":"عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال سعيد: يا رسول الله إن الناس كثير والغنيمة دون ذلك، فإن تعط هؤلاء [الذين] (1) ذكرت لا يبقى لأصحابك كبير شيء، فنزلت: \"يسألونك عن الأنفال\" (2) .\rوقال ابن إسحاق: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما في العسكر فجمع فاختلف المسلمون فيه، فقال من جمعه: هو لنا، قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل كل امرئ ما أصاب، وقال الذين كانوا يقاتلون العدو: لولا نحن ما أصبتموه، وقال الذين كانوا يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد رأينا أن نقتل العدو وأن نأخذ المتاع ولكنا خفنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كرة العدو، وقمنا دونه فما أنتم بأحق به منا (3) .\rوروى مكحول عن أبي أمامة الباهلي قال: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال، قال: فينا معشر أصحاب بدر نزلت، حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا عن بواء -يقول على السواء -وكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وصلاح ذات البين (4) .\rوقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: لما كان يوم بدر قتل أخي عمير، وقتلت سعيد بن العاص بن أمية، وأخذت سيفه، وكان يسمى ذا الكثيفة، فأعجبني فجئت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله إن الله قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف. فقال: ليس هذا لي ولا لك، اذهب فاطرحه في القَبَض، فطرحته ورجعت، وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلاحي، وقلت: عسى أن يعطى هذا السيف من لم يَبْلُ بلائي فما جاوزت إلا قليلا حتى جاءني الرسول، وقد أنزل الله عز وجل: \"يسألونك عن الأنفال\"، الآية. فخفت أن يكون قد نزل فيَّ شيء، فلما انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"يا سعد إنك سألتني السيف وليس لي، وإنه قد صار لي الآن فاذهب فخذه فهو لك\" (5) .\r__________\r(1) في \"ب\": (الذي).\r(2) جاء هذا السبب في نزول الآية، في جملة أحاديث جمع بينها المصنف، رحمه الله، وهي عند الطبري من طرق، بسند صحيح إلى ابن عباس رضي الله عنهما. انظر: تفسير الطبري: 13 / 367-369، المستدرك: 2 / 326-327، السنن الكبرى للبيهقي: 6 / 315. وانظر: الدر المنثور: 4 / 6، تفسير ابن كثير: 2 / 283-284.\r(3) سيرة ابن هشام: 1 / 641-642 (طبع الحلبي).\r(4) انظر: تفسير الطبري: 13 / 370-371، والمستدرك: 2 / 326، والبيهقي: 6 / 292، المسند للإمام أحمد: 5 / 322، سيرة ابن هشام: 1 / 642. وقال الهيثمي بعدما عزاه للإمام أحمد: \"ورجال الطريقين ثقات\". وانظر تعليق الشيخ محمود شاكر على تفسير الطبري في الموضع السابق، وابن كثير: 2 / 284.\r(5) الطبري: 13 / 373 من طرق عدة، وأخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، وأبو عبيد في الأموال، وصححه الحاكم: 2 / 132 ووافقه الذهبي. انظر: تعليق محمود شاكر على الطبري. والقَبَضُ،: - بالتحريك - بمعنى المقبوض، وهو ما جمع من الغنيمة قبل أن تُقْسم.","part":3,"page":324},{"id":1140,"text":"وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت المغانم لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ليس لأحد فيها شيء، وما أصاب سرايا المسلمين من شيء أتوه به فمن حبس منه إبرة أو سلكا فهو غلول (1) .\rقوله: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفَالِ } أي: عن حكم الأنفال وعلمها، وهو سؤال استخبار لا سؤال طلب، وقيل: هو سؤال طلب. قاله الضحاك وعكرمة. وقوله: { عَنِ الأنْفَالِ } أي: من الأنفال، عن بمعنى من. وقيل: عن صلة أي: يسألونك الأنفال، وهكذا قراءة ابن مسعود بحذف عن. والأنفال: الغنائم، واحدها: نَفَل، وأصله الزيادة، يقال: نفلتك وأنفلتك، أي: زدتك، سميت الغنائم أنفالا لأنها زيادة من الله تعالى لهذه الأمة على الخصوص.\rوأكثر المفسرين على أن الآية في غنائم بدر. وقال عطاء: هي ما شذ من المشركين إلى المسلمين بغير قتال، من عبد أو أمة ومتاع فهو للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع به ما شاء.\rقوله تعالى: { قُلِ الأنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ } [يقسمها كما شاء] (2) واختلفوا فيه، فقال مجاهد وعكرمة والسدي: هذه الآية منسوخة بقوله عز وجل: \"واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول\" الآية. كانت الغنائم يومئذ للنبي صلى الله عليه وسلم فنسخها الله عز وجل بالخمس (3) .\rوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي ثابتة غير منسوخة، ومعنى الآية: قل الأنفال لله مع الدنيا والآخرة وللرسول يضعها حيث أمره الله تعالى، أي: الحكم فيها لله ولرسوله، وقد بيّن الله مصارفها في قوله عز وجل: \"واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه\" الآية (4) .\r__________\r(1) الطبري: 13 / 378، والبيهقي: 6 / 293 مطولا، وعزاه السيوطي أيضا لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه: الدر المنثور: 4 / 8. وإسناده منقطع لأن علي بن أبي طلحة لم يسمع تفسير من ابن عباس.\r(2) في \"ب\": (يقسمانها كما شاءا).\r(3) انظر: الناسخ والمنسوخ، لأبي القاسم هبة بن سلامة، ص(48-49)، وهو مروي عن مجاهد وعكرمة. انظر: الطبري: 13 / 380-381.\r(4) أخرجه الطبري: 13 / 381، ورجح أنها محكمة غير منسوخة فقال: \"والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله جل ثناؤه أخبر أنه جعل الأنفال لنبيه صلى الله عليه وسلم، ينفّل من شاء، فنفّل القاتل السَّلَبَ وجعل للجيش في البدأة (ابتداء سفر الغزو) الربع، وفي الرجعة الثلث بعد الخمس. ونفّل قوما بعد سهمانهم بعيرا بعيرا في بعض المغازي. فجعل الله تعالى ذكره حكم الأنفال إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، ينفل على ما يرى مما فيه صلاح المسلمين، وعلى من بعده من الأئمة أن يستنوا بسنته في ذلك. وليس في الآية دليل على أن حكمها منسوخ، لاحتمالها ما ذكرت من المعنى الذي وصفت، وغير جائز أن يحكم بحكم قد نزل به القرآن أنه منسوخ، إلا بحجة يجب التسليم لها، فقد دللنا في غير موضع من كتبنا أن لا منسوخ إلا ما أبطل حكمه حادث حكم بخلافه، ينفيه من كل معانيه، أو يأتي خبر يوجب الحجة أن أحدهما ناسخ للآخر\".","part":3,"page":325},{"id":1141,"text":"{ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ } أي: اتقوا الله بطاعته وأصلحوا الحال بينكم بترك المنازعة والمخالفة، وتسليم أمر الغنيمة إلى الله والرسول صلى الله عليه وسلم. { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ }\r{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) }\r{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ } يقول ليس المؤمن الذي يخالف الله ورسوله، إنما المؤمنون الصادقون في إيمانهم، { الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } خافت وفرقت قلوبهم، وقيل: إذا خُوِّفوا بالله انقادوا خوفا من عقابه. { وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا } تصديقا ويقينا. وقال عمير بن حبيب وكانت له صحبة: إن للإيمان زيادة ونقصانا، قيل: فما زيادته؟ قال: إذا ذكرنا الله عز وجل وحمدناه فذلك زيادته، وإذا سهونا وغفلنا فذلك نقصانه، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي: إن للإيمان فرائض وشرائط وشرائع وحدودا وسننا فمن استكملها استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان. { وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } أي: يفوضون إليه أمورهم ويثقون به ولا يرجون غيره ولا يخافون سواه.\r{ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا } يعني يقينا: قال ابن عباس: برئوا من الكفر. قال مقاتل: حقا لا شك في إيمانهم. وفيه دليل على أنه ليس لكل أحد أن يصف نفسه بكونه مؤمنا حقا لأن الله تعالى إنما وصف بذلك قوما مخصوصين على أوصاف مخصوصة، وكل أحد لا يتحقق وجود تلك الأوصاف فيه.\rوقال ابن أبي نجيح: سأل رجل الحسن فقال: أمؤمن أنت؟ فقال: إن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب، فأنا بها مؤمن، وإن كنت تسألني عن قوله: \"إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم\" الآية، فلا أدري أمنهم أنا أم لا؟\rوقال علقمة: كنا في سفر فلقينا قوما فقلنا: من القوم؟ قالوا: نحن المؤمنون حقا، فلم ندر ما نجيبهم حتى لقينا عبد الله بن مسعود فأخبرناه بما قالوا، قال: فما رددتم عليهم؟ قلنا: لم نرد عليهم","part":3,"page":326},{"id":1142,"text":"شيئا، قال أفلا قلتم أمن أهل الجنة أنتم؟ إن المؤمنين أهل الجنة.\rوقال سفيان الثوري: من زعم أنه مؤمن حقا أو عند الله، ثم لم يشهد أنه في الجنة فقد آمن بنصف الآية دون النصف.\r{ لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ } قال عطاء: يعني درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم. وقال الربيع بن أنس: سبعون درجة ما بين كل درجتين حَضَرُ الفرس المئُضَمَّر سبعين 144/أ سنة (1) . { وَمَغْفِرَةٌ } لذنوبهم { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } حسن يعني ما أعد لهم في الجنة.\r{ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) }\rقوله تعالى: { كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ } اختلفوا في الجالب لهذه الكاف التي في قوله { كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ } قال المبرد: تقديره الأنفال لله وللرسول وإن كرهوا، كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن كرهوا. وقيل: تقديره امض لأمر الله في الأنفال وإن كرهوا كما مضيت لأمر الله في الخروج من البيت لطلب العير وهم كارهون.\rوقال عكرمة: معناه فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن ذلك خير لكم، كما أن إخراج محمد صلى الله عليه وسلم من بيته بالحق خير لكم، وإن كرهه فريق منكم.\rوقال مجاهد: معناه كما أخرجك ربك من بيتك بالحق على كره فريق منهم، كذلك يكرهون القتال ويجادلون فيه.\rوقيل: هو راجع إلى قوله: \"لهم درجات عند ربهم\"، تقديره: وَعْدُ [الله] (2) الدرجات لهم حق ينجزه الله عز وجل كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، فأنجز الوعد بالنصر والظفر.\r__________\r(1) تفسير الطبري: 13 / 390.\r(2) ساقط من \"ا\".","part":3,"page":327},{"id":1143,"text":"وقيل: الكاف بمعنى على، تقديره: امض على الذي أخرجك ربك.\rوقال أبو عبيدة: هي بمعنى القسم مجازا، والذي أخرجك، لأن \"ما\" في موضع الذي، وجوابه \"يجادلونك\"، وعليه يقع القسم، تقديره: يجادلونك والله الذي أخرجك ربك من بيتك بالحق. وقيل: الكاف بمعنى \"إذ\" تقديره: واذكر إذ أخرجك ربك.\rقيل: المراد بهذا الإخراج هو إخراجه من مكة إلى المدينة. والأكثرون على أن المراد منه إخراجه من المدينة إلى بدر، أي: كما أمرك ربك بالخروج من بيتك إلى المدينة بالحق قيل: بالوحي لطلب المشركين { وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } منهم، { لَكَارِهُونَ }\r{ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ } أي: في القتال، { بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ } وذلك أن المؤمنين لما أيقنوا بالقتال كرهوا ذلك، وقالوا: لم تعلمنا أنا نلقى العدو فنستعد لقتالهم، وإنما خرجنا للعير، فذلك جدالهم بعدما تبين لهم أنك لا تصنع إلا ما أمرك، وتبين صدقك في الوعد، { كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ } لشدة كراهيتهم القتال ، { وَهُمْ يَنْظُرُونَ } فيه تقديم وتأخير، تقديره: وإن فريقا من المؤمنين لكارهون كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون يجادلونك في الحق بعدما تبيّن. قال ابن زيد: هؤلاء المشركون جادلوه في الحق كأنما يساقون إلى الموت حين يدعون إلى الإسلام لكراهيتهم إياه وهم ينظرون.\rقوله تعالى: { وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ } قال ابن عباس وابن الزبير ومحمد بن إسحاق والسدي (1) أقبل أبو سفيان من الشام في عير لقريش في أربعين راكبا من كفار قريش، فيهم: عمرو بن العاص، ومخرمة بن نوفل الزهري، وفيها تجارة كثيرة، وهي اللطيمة (2) حتى إذا كانوا قريبا من بدر، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فندب أصحابه إليه وأخبرهم بكثرة المال وقلة العدد، وقال: هذه عير قريش فيها أموالكم فاخرجوا إليها لعل الله تعالى أن ينفلكموها، فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربا.\rفلما سمع أبو سفيان بمسير النبي صلى الله عليه وسلم استأجر ضمضم بن عمرو الغفاري، فبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم ويخبرهم أن محمدا قد عرض لعيرهم في أصحابه، فخرج ضمضم سريعا إلى مكة.\r__________\r(1) الطبري: 13 / 399 وابن إسحاق في السيرة: 1 / 607 (طبع الجلبي) وعزاه السيوطي أيضا لابن المنذر. انظر: الدر المنثور: 4 / 26.\r(2) اللطيمة: العير التي تحمل الطيب وبز التجارة.","part":3,"page":328},{"id":1144,"text":"وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له: يا أخي والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفزعتني وخشيت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة، فاكتم عليّ ما أحدثك. قال لها: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته ألا انفروا يا آل غدر (1) لمصارعكم في ثلاث، فأرى الناس قد اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة ثم صرخ بمثلها بأعلى صوته ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث، ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس، فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضَّت فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار من دورها إلا دخلتها منها فلقة (2) .\rفقال العباس: والله إن هذه لرؤيا رأيت! فاكتميها ولا تذكريها لأحد.\rثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان له صديقا فذكرها له واستكتمه إياها، فذكرها الوليد لأبيه عتبة ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش.\rقال العباس: فغدوت أطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآني أبو جهل قال: يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا، قال: فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم، فقال لي أبو جهل: يا بني عبد المطلب متى حدثت هذه النبيَّة فيكم؟\rقلت: وما ذاك؟\rقال: الرؤيا التي رأت عاتكة؟\rقلت: وما رأت؟\rقال: يا بني عبد المطلب أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم؟ قد زعمت عاتكة في رؤياها انه قال انفروا في ثلاث فسنتربص بكم هذه الثلاث، فإن يك ما قالت حقا فسيكون، وإن تمض الثلاث، ولم يكن من ذلك شيء، نكتب عليكم كتابا إنكم أكذب أهل بيت في العرب.\rفقال العباس: والله ما كان مني إليه كبير إلا أني جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئا، ثم\r__________\r(1) آل: مضاف إلى غُدُرٍ، معدول به من \"الغادر\" للمبالغة.\r(2) الفلقة - بالكسر - الكِسْرة.","part":3,"page":329},{"id":1145,"text":"تفرقنا فلما أمسيت لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم تكن عندك غيرة لشيء مما سمعت؟\rقال: قلت والله قد فعلت ما كان مني إليه من كثير، وأيم الله لأتعرضن له فإن عاد لأكفينكه.\rقال: فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب أرى أن قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه، قال: فدخلت المسجد فرأيته، فوالله إني لأمشي نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فأقع به، وكان رجلا خفيفا، حديد الوجه، حديد اللسان، حديد النظر، إذ خرج نحو باب المسجد يشتد.\rقال: قلت في نفسي: ما له لعنه الله؟ أكل هذا فرقا 144/ب مني أن أشاتمه؟ قال: فإذا هو قد سمع ما لم أسمع، صوت ضمضم بن عمرو، وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره، وقد جدع بعيره (1) وحوّل رحله وشق قميصه وهو يقول: يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث. قال: فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر، فتجهز الناس سراعا فلم يتخلف من أشراف قريش أحد إلا أن أبا لهب قد تخلف وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة.\rفلما اجتمعت قريش للمسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة بن الحارث، فقالوا: نخشى أن يأتونا من خلفنا فكاد ذلك أن يثنيهم، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم وكان من أشراف بني بكر، فقال: أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه.\rفخرجوا سراعا، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، في ليال مضت من شهر رمضان، حتى إذا بلغ واديا يقال له ذَفِران، فأتاه الخبر عن مسير قريش ليمنعوا عيرهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالروحاء أخذ عينا للقوم فأخبره بهم.\rوبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا عينا له من جهينة حليفا للأنصار يدعى عبد الله بن أريقط فأتاه بخبر القوم وسبقت العير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل جبريل وقال: إن الله وعدكم إحدى الطائفتين إما العير وإما قريشا، وكانت العير أحب إليهم، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في طلب العير وحرب النفير، فقام أبو بكر فقال فأحسن، ثم قام عمر فقال فأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض\r__________\r(1) أي: قطع أنف بعيره.","part":3,"page":330},{"id":1146,"text":"لما أراك الله فنحن معك فوالله ما نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد يعني مدينة الحبشة، لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له بخير.\rثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أشيروا علي أيها الناس\" وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم عدد الناس وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا على من دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم.\rفلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟\rقال: أجل.\rقال: قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئتنا به هو الحق أعطيناك على ذلك [عهودا ومواثيق] (1) على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر عند الحرب صدق في اللقاء ولعل الله تعالى يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، فسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه ذلك، ثم قال: \"سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم\".\rقال ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان\"، قال ويضع يده على الأرض هاهنا وهاهنا، قال فما ماط أحد عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله تعالى: { وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ } أي: الفريقين إحداهما أبو سفيان مع العير والأخرى أبو جهل مع النفير.\r{ وَتَوَدُّونَ } أي: تريدون { أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ } يعني العير التي ليس فيها قتال. والشوكة: الشدة والقوة. ويقال السلاح.\r__________\r(1) في \"ب\": (عهودنا ومواثيقنا).","part":3,"page":331},{"id":1147,"text":"{ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ } أي يظهره ويعليه، { بِكَلِمَاتِهِ } بأمره إياكم بالقتال. وقيل [بعداته] (1) التي سبقت من إظهار الدين وإعزازه، { وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ } أي: يستأصلهم حتى لا يبقى منهم أحد، يعني: كفار العرب.\r{ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8) }\r__________\r(1) في \"أ\": (بعداوته).","part":3,"page":332},{"id":1148,"text":"{ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) }\r{ لِيُحِقَّ الْحَقَّ } ليثبت الإسلام، { وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ } أي: يفني الكفر { وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ } المشركون. وكانت وقعة بدر يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة ليلة من شهر رمضان.\rقوله تعالى: { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ } تستجيرون به من عدوكم وتطلبون منه الغوث والنصر. روي عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين، وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا دخل العريش هو وأبو بكر الصديق رضي الله عنه، واستقبل القبلة ومد يده فجعل يهتف بربه عز وجل: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إنك إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض، فما زال يهتف بربه عز وجل مادا يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأخذ أبو بكر رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك منا شدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله عز وجل \"إذ تستغيثون ربكم\" (1) { فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ } مرسل إليكم مددا وردءا لكم، { بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ } قرأ أهل المدينة ويعقوب \"مردفين\" بفتح الدال، أي: أردف الله المسلمين وجاء بهم مددا. وقرأ الآخرون بكسر الدال، أي: متتابعين بعضهم في إثر بعض، يقال: أردفته وردفته بمعنى تبعته.\rيُروى أنه نزل جبريل في خمسمائة وميكائيل في خمسمائة في [صورة] (2) الرجال على خيل بلق عليهم ثياب بيض وعلى رءوسهم عمائم بيض، قد أرخوا أطرافها بين أكتافهم (3) .\rوروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ناشد ربه عز وجل وقال أبو بكر: إن الله منجز لك ما وعدك فخفق رسول\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر (1763): 3 / 1383-1385، والمصنف في شرح السنة: 13 / 379.\r(2) في \"ب\": (صفة).\r(3) أخرجه ابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عباس: انظر: الدر المنثور: 4 / 27.","part":3,"page":332},{"id":1149,"text":"الله صلى الله عليه وسلم خفقة وهو في العريش ثم انتبه، فقال: \"يا أبا بكر أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرس يقوده على ثناياه النقع\" (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا إبراهيم بن موسى، ثنا عبد الوهاب، ثنا خالد، عن عكرمة عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: \"هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب\" (2) .\rوقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيض ويوم حنين عمائم خضر، ولم تقاتل الملائكة 145/أ في يوم سوى يوم بدر من الأيام، وكانوا يكونون فيما سواه عددا ومددا (3) .\rوروي عن أبي أسيد مالك بن ربيعة قد شهد بدرا أنه قال بعدما ذهب بصره: لو كنت معكم اليوم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة (4) .\r{ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ (11) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12) }\rقوله تعالى: { وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ } يعني: الإمداد بالملائكة، { إِلا بُشْرَى } أي: بشارة { وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }\r{ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ } قرأ ابن كثير وأبو عمرو: \"يغشاكم\" بفتح الياء، \"النعاس\" رفع على أن الفعل له، كقوله تعالى في سورة آل عمران \"أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم\"(آل عمران-154)\r__________\r(1) قطعة من الحديث السابق.\r(2) أخرجه البخاري في المغازي، باب شهود الملائكة بدرا: 7 / 312.\r(3) رواه الطبراني موقوفا على ابن عباس. وفيه عمار بن أبي مالك الجنبي، ضعّفه الأزدي. انظر: مجمع الزوائد: 6 / 83.\r(4) عزاه السيوطي لابن مردويه والبيهقي في الدلائل، الدر المنثور: 4 / 34.","part":3,"page":333},{"id":1150,"text":"وقرأ أهل المدينة: \"يغشيكم\" بضم الياء وكسر الشين مخففا، \"النعاس\" نصب، كقوله تعالى: \"كأنما أغشيت وجوههم\"، وقرأ الآخرون بضم الياء وكسر الشين مشددا، \"النعاس\" نصب، على أن الفعل لله عز وجل، كقوله تعالى: \"فغشاها ما غشى\"(النجم-54)، والنعاس: النوم الخفيف. { أَمَنَةً } أمنا { مِنْهُ } مصدر أمنت أمنا وأمنة وأمانا. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: النعاس في القتال أمنة من الله وفي الصلاة وسوسة من الشيطان.\r{ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ } وذلك أن المسلمين نزلوا يوم بدر على كثيب أعفر، تسوخ فيه الأقدام وحوافر الدواب، وسبقهم المشركون إلى ماء بدر وأصبح المسلمون بعضهم محدثين وبعضهم مجنبين، وأصابهم الظمأ، ووسوس إليهم الشيطان، وقال: تزعمون أنكم على الحق وفيكم نبي الله وأنكم أولياء الله وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم تصلون محدثين ومجنبين، فكيف ترجون أن تظهروا عليهم؟ فأرسل الله عز وجل عليهم مطرا سال منه الوادي فشرب المؤمنون واغتسلوا، وتوضأوا وسقوا الركاب، +وملأوا الأسقية، وأطفأ الغبار، ولبَّد الأرض حتى ثبتت عليها الأقدام، وزالت عنهم وسوسة الشيطان، وطابت أنفسهم، فذلك قوله تعالى: \"وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به\" من الأحداث والجنابة.\r{ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ } وسوسته، { وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ } باليقين والصبر { وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ } حتى لا تسوخ في الرمل بتلبيد الأرض. وقيل: يثبت به الأقدام بالصبر وقوة القلب.\r{ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ } الذين أمد بهم المؤمنين، { أَنِّي مَعَكُمْ } بالعون والنصر، { فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا } أي: قووا قلوبهم. قيل: ذلك التثبيت حضورهم معهم القتال ومعونتهم، أي: ثبتوهم بقتالكم معهم المشركين.\rوقال مقاتل: أي: بشروهم بالنصر، وكان الملك يمشي أمام الصف في صورة الرجل ويقول: أبشروا فإن الله ناصركم. { سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ } قال عطاء: يريد الخوف من أوليائي، { فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْنَاقِ } قيل: هذا خطاب مع المؤمنين. وقيل: هذا خطاب مع الملائكة، وهو متصل بقوله \"فثبتوا الذين آمنوا\"، وقوله: \"فوق الأعناق\" قال عكرمة: يعني الرءوس لأنها فوق الأعناق. وقال الضحاك: معناه فاضربوا الأعناق، وفوق صلة كما قال تعالى: \"فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب\"،(محمد-4)، وقيل: معناه فاضربوا على الأعناق. فوق بمعنى: على.","part":3,"page":334},{"id":1151,"text":"{ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } قال عطية: يعني كل مفصل. وقال ابن عباس وابن جريج والضحاك: يعني الأطراف. والبنان جمع بنانة، وهي أطراف أصابع اليدين والرجلين. قال ابن الأنباري: ما كانت الملائكة تعلم كيف يقتل الآدميون، فعلّمهم الله عز وجل.\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القادر الجرجاني، أنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، أنا محمد بن عيسى الجلودي، ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، ثنا مسلم بن الحجاج، ثنا زهير بن حرب، ثنا عمرو بن يونس الحنفي، ثنا عكرمة بن عمار، ثنا أبو زميل هو سماك الحنفي ثنا عبد الله بن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذا سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا، فنظر إليه فإذا هو قد حطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث ذلك رسول صلى الله عليه وسلم فقال: \"صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة\". فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين (1) وروي عن أبي داود المازني وكان شهد بدرا قال: إني لأتبع رجلا من المشركين لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيري (2) .\rوروى أبو أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: والله، لقد رأيتنا يوم بدر، وإن أحدنا ليشير بسيفه إلى المشرك، فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف (3) .\rوقال عكرمة، قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، وأسلمت أم الفضل وأسلمت، وكان العباس يهاب قومه ويكره خلافهم، وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه، وكان أبو لهب عدو الله قد تخلف عن بدر وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحاب بدر كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزا وكنت رجلا ضعيفا وكنت أعمل القداح وأنحتها في حجرة زمزم، فوالله إني لجالس أنحت القداح، وعندي أم الفضل جالسة، إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجر رجليه حتى جلس على طنب (4) الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري، فبينما هو جالس إذ قال الناس هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم، فقال أبو لهب: إلي يا ابن أخي فعندك الخبر، فجلس\r__________\r(1) قطعة من حديث ابن عباس الذي أخرجه مسلم. آنفا. و \"حيزوم\": اسم فرس جبريل.\r(2) أخرجه عبد بن حميد وابن مردويه. انظر : الدر المنثور: 4 / 35 - 36.\r(3) عزاه السيوطي لأبي الشيخ وابن مردويه 4 / 33.\r(4) الطنب: حَبْل الخِباء، والجمع: أطناب.","part":3,"page":335},{"id":1152,"text":"إليه والناس قيام عليه، قال: يا ابن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال: لا شيء والله إن كان إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا ويأسروننا كيف شاءوا وايم الله مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض، لا والله ما تليق شيئا ولا يقوم لها شيء، قال أبو رافع فرفعت طنب الحجرة بيدي، ثم قلت: تلك والله الملائكة، قال فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة، فثاورته، فاحتملني فضرب بي الأرض، ثم برك علي يضربني، وكنت رجلا ضعيفا فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة، فأخذته فضربته به ضربة 145/ب فلقت في رأسه شجة منكرة، وقالت: تستضعفه أن غاب عنه سيده؟ فقام موليا ذليلا فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته\" (1) .\rوروى مقسم عن ابن عباس قال: كان الذي أسر العباس أبو اليسر، كعب بن عمرو أخو بني سلمة، وكان أبو اليسر رجلا مجموعا، وكان العباس رجلا جسيما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي اليسر، كيف أسرت العباس؟ قال: يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده، هيئته كذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لقد أعانك عليه ملك كريم\" (2) .\r{ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (13) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (14) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16) }\r{ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ } خالفوا الله، { وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }\r{ ذَلِكُمْ } أي: هذا العذاب والضرب الذي عجلته لكم أيها الكفار ببدر، { فَذُوقُوهُ } عاجلا { وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ } أي: واعلموا وأيقنوا أن للكافرين أجلا في المعاد، { عَذَابِ النَّارِ }\r__________\r(1) رواه الطبراني والبزار، وفي إسناده حسن بن عبد الله، وثقه أبو حاتم وغيره، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات. (مجمع الزوائد: 6 / 89).\r(2) أخرجه الإمام أحمد في المسند: 1 / 353 وقال الهيثمي في المجمع: 6 / 86 \"رواه أحمد وفيه راوٍ لم يسمَّ، وبقية رجاله ثقات\".","part":3,"page":336},{"id":1153,"text":"روى عكرمة عن ابن عباس قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ من بدر: عليك بالعير ليس دونها شيء، فناداه العباس وهو أسير في وثاقه: لا يصلح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لمه؟ قال: لأن الله تعالى وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك (1) .\rقوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا } أي مجتمعين متزاحمين بعضكم إلى بعض، والتزاحف: التداني في القتال: والزحف مصدر؛ لذلك لم يجمع، كقولهم: قوم عدل ورضا. قال: الليث: الزحف جماعة يزحفون إلى عدولهم بمرة، فهم الزحف والجمع: الزحوف. { فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبَارَ } يقول : فلا تولوهم ظهوركم، أي تنهزموا فإن المنهزم يولى دبره.\r{ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ } ظهره ، { إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ } أي منعطفا يرى من نفسه الانهزام، وقصده طلب الغرة وهو يريد الكرة، { أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ } أي : منضما صائرا إلى جماعة من المؤمنين [يريد] (2) العود إلى القتال. ومعنى الآية النهي عن الانهزام من الكفار والتولي عنهم، إلا على نية التحرف للقتال والانضمام إلى جماعة من المسلمين ليستعين بهم ويعودون إلى القتال، فمن ولى ظهره لا على هذه النية لحقه الوعيد، كما قال تعالى: { فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } اختلف العلماء في هذه الآية فقال أبو سعيد الخدري: هذا في أهل بدر خاصة، ما كان يجوز لهم الانهزام لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان معهم، ولم يكن لهم فئة يتحيزون إليها دون النبي صلى الله عليه وسلم، ولو انحازوا لانحازوا إلى المشركين، فأما بعد ذلك فإن المسلمين بعضهم فئة لبعض (3) فيكون الفار متحيزا إلى فئة فلا يكون فراره كبيرة، وهو قول الحسن وقتادة والضحاك.\rقال يزيد بن أبي حبيب (4) أوجب الله النار لمن فر يوم بدر، فلما كان يوم أحد بعد ذلك قال:\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في تفسير سورة الأنفال: 8 / 471 - 472 وقال: هذا حديث حسن، والإمام أحمد في المسند: 1 / 314. وعزاه السيوطي: للفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبي يعلى، وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبي الشيخ وابن مردويه. (الدر المنثور: 4 / 28).\r(2) في \"أ\": (يريدون).\r(3) أخرجه الطبري في التفسير: 13 / 437، ورواه مختصرا أبو داود في الجهاد، باب التولي يوم الزحف: 3 / 439، والحاكم: 2 / 327، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وعزاه السيوطي: لعبد بن حميد، والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في الناسخ والمنسوخ، وأبي الشيخ وابن مردويه، (الدر المنثور: 4 / 36).\r(4) أخرجه الطبري: 13 / 438.","part":3,"page":337},{"id":1154,"text":"\"إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم\"(آل عمران -155) ، ثم كان يوم حنين بعده فقال: \"ثم وليتم مدبرين\"(التوبة 0 25) \"ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء\"(التوبة -27).\rوقال عبد الله بن عمر: كنا في جيش بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاص الناس حيصة فانهزمنا، فقلنا: يا رسول الله نحن [الفرارون] (1) قال: \"بل أنتم الكرارون، أنا فئة المسلمين\" (2) .\rوقال محمد بن سيرين: لما قتل أبو عبيدة جاء الخبر إلى عمر فقال: لو انحاز إلي كنت له فئة فأنا فئة كل مسلم (3) .\rوقال بعضهم: حكم الآية عام في حق كل من ولى منهزما. جاء في الحديث: \"من الكبائر الفرار من الزحف\" (4) .\rوقال عطاء بن أبي رباح: هذه الآية منسوخة بقوله عز وجل: \"الآن خفف الله عنكم\"(الأنفال -66) فليس لقوم أن يفروا من [مثلهم] (5) فنسخت تلك إلا في هذه العدة (6) وعلى هذا أكثر أهل العلم أن المسلمين إذا كانوا على الشطر من عدوهم لا يجوز لهم أن يفروا أو يولوا ظهورهم إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة، وإن كانوا أقل من ذلك جاز لهم أن يولوا ظهورهم وينحازوا عنهم (7) قال ابن عباس:\"من فر من ثلاثة فلم يفر، ومن اثنين فقد فر\" (8) .\r__________\r(1) في \"أ\" (الفارُّون).\r(2) أخرجه الترمذي في الجهاد، باب ما جاء في الفرار من الزحف: 5 / 378 وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي زياد، وأبو داود في الجهاد، باب التولي يوم الزحف: 3 / 438، وسعيد بن منصور في السنن: 2 / 209 - 210، والشافعي في المسند: 2 / 116، والحميدي في المسند: 2 / 302، ومعنى حاصوا حيصة أي: جالوا جولة يغلبون الفرار.\r(3) أخرجه الطبري في التفسير: 13 / 439 ، 440، وفيه: أن عمر لما بلغه قتل أبي عبيد قال: . . .\r(4) عزاه السيوطي لابن أبي شيبة (الدر المنثور: 4 / 38)، وقد ورد في أحاديث كثيرة عدّ الفرار من الزحف كبيرة من الكبائر.\r(5) في \"ب\": مثليهم.\r(6) أخرجه الطبري: 13 / 439.\r(7) انظر: أحكام القرآن لابن العربي: 2 / 843 - 844، أحكام القرآن للجصاص: 4 / 226 - 228، شرح السير الكبير للسرخسي: 1 / 123 - 125، وراجع: منهج الإسلام في الحرب والسلام، تأليف عثمان جمعة ص (150 - 154).\r(8) أخرجه الطبري: 13 / 440، والشافعي: 2 / 116، وسعيد بن منصور في السنن: 2 / 209، وقال الهيثمي: رواه الطبراني مرفوعا ورجاله ثقات. (مجمع الزوائد: 5 / 328). وننقل هنا ترجيح الطبري رحمه الله في أن الآية محكمة غير منسوخة حيث قال في التفسير: 13 / 440 - 441: \"وأولى التأولين في هذه الآية بالصواب عندي، قول من قال: حكمها محكم، وأنها نزلت في أهل بدر، وحكمها ثابت في جميع المؤمنين، وأن الله حرم على المؤمنين إذا لقوا العدو، أن يولوهم الدبر منهزمين إلا لتحرف لقتال، أو لتحيز إلى فئة من المؤمنين حيث كانت من أرض الإسلام، وأن من ولاهم الدبر بعد الزحف لقتال منهزما بغير نية إحدى الخلتين اللتين أباح الله التولية بهما، فقد استوجب من الله وعيده، إلا أن يتفضل عليه بعفوه. وإنما قلنا: هي محكمة غير منسوخة، لما قد بينا في غير موضع من كتابنا هذا وغيره-: أنه لا يجوز أن يحكم لحكم آية بنسخ، وله في غير النسخ وجه، إلا بحجة يجب التسليم لها، من خبر يقطع العذر، أو حجة عقل. ولا حجة من هذين المعنيين تدل على نسخ حكم قول الله عز وجل: (ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة).","part":3,"page":338},{"id":1155,"text":"{ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17) }\rقوله تعالى: { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ } قال مجاهد (1) سبب هذه الآية أنهم لما انصرفوا عن القتال كان الرجل يقول: أنا قتلت فلانا ويقول الآخر مثله، فنزلت الآية. ومعناه: فلم تقتلوهم أنتم بقوتكم ولكن الله قتلهم [بنصره] (2) إياكم وتقويته لكم.\rوقيل: لكن الله قتلهم بإمداد الملائكة.\r{ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى } قال أهل التفسير والمغازي: ندب (3) رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، فانطلقوا حتى نزلوا بدرا، ووردت عليهم روايا قريش، وفيهم أسلم، غلام أسود لبني الحجاج، وأبو يسار، غلام لبني العاص بن سعيد، فأتوا بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهما: أين قريش؟ قالا هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى -والكثيب: العقنقل -فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما: كم القوم؟ قالا كثير، قال: ما عدتهم؟ قالا لا ندري، قال: كم ينحرون كل يوم؟ قالا يوما عشرة ويوما تسعة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"القوم ما بين التسعمائة إلى الألف\" ثم قال لهما: فمن فيهم من أشراف قريش؟ قالا عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختري ابن هشام، وحكيم بن حزام، والحارث بن عامر، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها\" (4) فلما أقبلت قريش ورآها رسول الله تصوب من العقنقل، وهو الكثيب الذي جاءوا منه إلى الوادي، قال لهم: هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها [تحادك] (5) وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، فأتاه جبريل عليه السلام وقال له: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فلما التقى الجمعان تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم كفا من حصى عليه تراب، فرمى به في وجوه القوم، وقال: شاهت\r__________\r(1) انظر: الدر المنثور: 4 / 39.\r(2) في \"ب\" (بنصرته).\r(3) ندبته: بعثته ودعوته.\r(4) الأفلاذ: جمع فلذ، والفلذ: جمع فلذة، وهي القطعة؛ وهو استعارة أراد : لباب قريش وأشرافها، لأن الفلذ من أشرف الأعضاء. (من هامش التفسير).\r(5) تحادك: تعادك. وفي \"أ\" تجادل.","part":3,"page":339},{"id":1156,"text":"الوجوه، فلم يبق منهم مشرك إلا دخل في عينيه وفمه ومنخريه منها شيء، فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم (1) .\rوقال قتادة، وابن زيد: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ يوم بدر ثلاث حصيات فرمى بحصاة في ميمنة القوم وبحصاة في ميسرة القوم وبحصاة بين أظهرهم، وقال: شاهت الوجوه، فانهزموا، فذلك قوله تعالى: \"وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى\"، إذ ليس في وسع أحد من البشر أن يرمي كفا من 146/أ الحصا إلى وجوه جيش فلا يبقى فيهم عين إلا ويصيبها منه شيء.\rوقيل: معناه الآية وما بلغت إذ رميت ولكن الله بلغ.\rوقيل: وما رميت بالرعب في قلوبهم إذ رميت بالحصباء ولكن الله رمى بالرعب في قلوبهم حتى انهزموا، { وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا } أي: ولينعم على المؤمنين نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة، { إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ } لدعائكم، { عَلِيمٌ } بنياتكم.\r{ ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19) }\r{ ذَلِكُمْ } الذي ذكرت من القتل والرمي والبلاء الحسن، { وَأَنَّ اللَّهَ } قيل: فيه إضمار، أي: [واعلموا] (2) أن الله { مُوهِنُ } مضعف، { كَيْدِ الْكَافِرِينَ } قرأ ابن كثير ونافع وأهل البصرة: \"موهن\" بالتشديد والتنوين، \"كيد\" نصب، وقرأ الآخرون \"موهن\" بالتخفيف والتنوين إلا حفصا، فإنه يضيفه فلا ينون ويخفض \"كيد\".\rقوله تعالى: { إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ } وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر لما التقى الناس: اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لم نعرف فأحنه الغداة، فكان هو المستفتح على نفسه (3) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال: قال\r__________\r(1) انظر : سيرة ابن هشام: 1 / 616 وما بعدها. (طبع الحلبي)، والمسند للإمام أحمد: 1 / 117.\r(2) في : \"أ\": (وأعلم).\r(3) انظر: سيرة ابن هشام: 1 / 628. ومعنى: أحِنْه: أهلكه، والمستفتح: الحاكم على نفسه بهذا الدعاء.","part":3,"page":340},{"id":1157,"text":"عبد الرحمن بن عوف: إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان، حديثا السن، فكأني لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه: يا عم أرني أبا جهل، فقلت: يا ابن أخي وما تصنع به؟ فقال: عاهدت الله عز وجل إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه. فقال لي الآخر سرا من صاحبه مثله، فما سرني أني بين رجلين بمكانهما، فأشرت لهما إليه، فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه، وهما ابنا عفراء (1) .\rوأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا محمد بن المثنى، ثنا ابن أبي عدي، عن سليمان التيمي عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم: \"من ينظر لنا ما صنع أبو جهل\"؟ قال: فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، قال: فأخذ بلحيته فقال: أنت أبو جهل؟ فقال: وهل فوق رجل قتله قومه أو قتلتموه (2) .\r[قال محمد بن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر قال: قال معاذ بن عمرو بن الجموح لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوه أمر بأبي جهل بن هشام أن يلتمس في القتلى، فقال: اللهم لا يعجزنك، قال فلما سمعتها جعلته من شأني فعمدت نحوه فضربته ضربة أطنت (3) قدمه بنصف ساقه. قال: وضربني ابنه عكرمة على عاتقي، فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جنبي، وأجهضني (4) القتال عنه، فلقد قاتلت عامة يومي، وإني لأسحبها خلفي، فلما آذتني جعلت عليها قدمي، ثم تمطيت بها حتى طرحتها، ثم مر بأبي جهل وهو عقير معوذ بن عفراء، فضربه حتى أثبته، فتركه وبه رمق، فمر عبد الله بن مسعود [بأبي جهل] (5) قال عبد الله بن مسعود: وجدته بآخر رمق فعرفته فوضعت رجلي على عنقه، ثم قلت: هل أخزاك الله يا عدو الله؟ قال: وبماذا أخزاني، أعمد من رجل قتلتموه (6) أخبرني لمن الدائرة؟ قلت: لله ولرسوله.\rوروي عن ابن مسعود أنه قال: قال لي أبو جهل: لقد ارتقيت يا رويعي الغنم مرتقى صعبا، ثم\r__________\r(1) أخرجه البخاري في المغازي، باب إذا أكثبوكم فارموهم: 7 / 307 - 308، ومسم في الجهاد والسير، باب استحقاق القاتل سلب القتيل، برقم (1752): 3 / 172.\r(2) أخرجه البخاري في المغازي، باب قتل أبي جهل: 7 / 293.\r(3) أطنت قدمه: أطارَتْها.\r(4) أجهضني: غلبني واشتدَّ علي.\r(5) من سيرة ابن هشام.\r(6) قال السهيلي في الروض الأنف: 2 / 72: \"أي: هل فوق رجل قتله قومه؟ وهو معنى تفسير ابن هشام حيث قال: أي ليس عليه عار . . . \".","part":3,"page":341},{"id":1158,"text":"احتززت رأسه، ثم جئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله هذا رأس أبي جهل، فقال: آلله الذي لا إله غيره (1) ؟ قلت: نعم، والذي لا إله غيره، ثم ألقيته بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله عز وجل] (2) .\rوقال السدي والكلبي: كان المشركون حين خرجوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من مكة أخذوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين وأفضل الدينين ففيه نزلت: \"إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح\" أي: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر (3) .\rوقال عكرمة: قال المشركون والله لا نعرف ما جاء به محمد فافتح بيننا وبينه بالحق، فأنزل الله عز وجل: \"إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح\" (4) أي: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء (5) .\rوقال أبي بن كعب: هذا خطاب لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى للمسلمين: \"إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح\" أي: إن تستنصروا فقد جاءكم الفتح والنصر.\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أحمد بن الحسن الحيري، أنا حاجب بن أحمد، ثنا عبد الرحيم بن منيب، ثنا الفضل بن موسى، ثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن خباب رضي الله عنه قال: شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة، فقلنا: ألا تدعو الله لنا ، ألا تستنصر لنا؟ فجلس محمارا لونه أو وجهه فقال لنا : قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل، ويحفر له في الأرض ثم يجاء بالمنشار فيجعل فوق رأسه ثم يجعل بفرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم وعصب، وما يصرفه عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب منكم من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله ، ولكنكم تعجلون\" (6) .\r__________\r(1) قال السهيلي أيضا: 2 / 72: \"قول النبي صلى الله عليه وسلم: \"الله الذي لا إله إلا هو\" بالخفض - عند سيبويه وغيره- لأن الاستفهام عوض من الخافض عنده، وإذا كنت مخبرا قلت: \"الله\" بالنصب، لا يجيز المبرِّد غيره، وأجاز سيبويه الخفض أيضا، لأنه قَسَم ، وقد عرف أن المقسم به مخفوض الباء أو الواو، ولا يجوز إضمار حرف الجر إلا في مثل هذا الموضع أو ما كثر استعماله جدا، كما روى أن رؤبَةَ كان يقول إذا قيل له: كيف أصبحت؟ خير عافاك الله\".\r(2) انظر: سيرة ابن هشام: 2 / 71 - 72 مع الروض الأنف للسهيلي 1 / 634 - 636 (طبع الحلبي)، وقد جاءت هذه الرواية في نسخة \"ب\" بعد قول السدي والكلبي الذي يليها مباشرة، وهو ما وضعناه بين القوسين.\r(3) تفسير الطبري: 13 / 453 ، أسباب النزول للواحدي ص (269).\r(4) أسباب النزول للواحدي ص (269).\r(5) تفسير الطبري: 13 / 451، الدر المنثور: 4 / 42.\r(6) أخرجه البخاري بلفظ قريب، في المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام: 6 / 619، وفي مناقب الأنصار: 7 / 164 - 165 وذكره المصنف في مصابيح السنة: 4 / 74.","part":3,"page":342},{"id":1159,"text":"قوله: { وَإِنْ تَنْتَهُوا } يقول للكفار، إن تنتهوا عن الكفر بالله وقتال نبيه صلى الله عليه وسلم، { فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا } لحربه وقتاله، { نَعُدْ } بمثل الواقعة التي وقعت بكم يوم بدر. وقيل: وإن تعودوا إلى الدعاء والاستفتاح نعد للفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم، { وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ } جماعتكم، { شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ } قرأ أهل المدينة وابن عامر وحفص \"وأن الله\" بفتح الهمزة، أي: ولأن الله مع المؤمنين، كذلك \"لن تغني عنكم فئتكم شيئا\"، وقيل: هو عطف على قوله: \"ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين\"، وقرأ الآخرون: \"وإن الله\" بكسر الألف على الابتداء.\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) }\rقوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ } أي: لا تعرضوا عنه، { وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ } القرآن ومواعظه.\r{ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ } أي: يقولون بألسنتهم سمعنا بآذاننا وهم لا يسمعون، أي لا يتعظون ولا ينتفعون بسماعهم فكأنهم لم يسمعوا.\rقوله تعالى: { إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ } أي: شر من دب على وجه الأرض [من خلق الله] (1) { الصُّمُّ الْبُكْمُ } عن الحق فلا يسمعونه ولا يقولونه، { الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ } أمر الله عز وجل، سماهم دواب لقلة انتفاعهم بعقولهم، كما قال تعالى: \"أولئك كالأنعام بل هم أضل\" ،(الأعراف -179) قال ابن عباس: هم نفر من بني عبد الدار بن قصي، كانوا يقولون: نحن صم بكم عمي عما جاء به محمد، فقتلوا جميعا بأحد، وكانوا أصحاب اللواء لم يسلم منهم إلا رجلان مصعب بن عمير وسويبط بن حرملة.\r146/ب { وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ } أي: لأسمعهم سماع التفهم والقبول، { وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ } بعد أن علم أن لا خير فيهم ما انتفعوا بذلك، { لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ } لعنادهم وجحودهم الحق\r__________\r(1) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".","part":3,"page":343},{"id":1160,"text":"بعد ظهوره. وقيل: إنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: أحيي لنا قصيا فإنه كان شيخا مباركا حتى يشهد لك بالنبوة فنؤمن بك، فقال الله عز وجل: \"ولو أسمعهم\" كلام قصي \"لتولوا وهم معرضون\" .\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) }\rقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ } يقول أجيبوهما بالطاعة، { إِذَا دَعَاكُمْ } الرسول صلى الله عليه وسلم، { لِمَا يُحْيِيكُمْ } أي: إلى ما يحييكم. قال السدي: هو الإيمان، لأن الكافر ميت فيحيا بالإيمان.\rوقال قتادة: هو القرآن فيه الحياة وبه النجاة والعصمة في الدارين.\rوقال مجاهد: هو الحق.\rوقال ابن إسحاق: هو الجهاد أعزكم الله به بعد الذل.\rوقال القتيبي: بل الشهادة قال الله تعالى في الشهداء: \"بل أحياء عند ربهم يرزقون\"(آل عمران 0 169).\rوروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على أبي بن كعب، رضي الله عنه، وهو يصلي، فدعاه فعجل أبي في صلاته، ثم جاء فقال رسول الله: \"ما منعك أن تجيبني إذ دعوتك؟ قال: كنت في الصلاة، قال: أليس يقول الله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } ؟ [فقال: لا جرم يا رسول الله لا تدعوني إلا أجبت وإن كنت مصليا\" (1) ] (2) .\rقوله تعالى: { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ } قال سعيد بن جبير وعطاء: يحول بين المؤمن والكفر، وبين الكافر والإيمان.\r__________\r(1) أخرجه الطبري في التفسير: 13 / 467 بهذا اللفظ، وأخرجه بنحوه الترمذي في فضائل القرآن - باب ما جاء في فضل فاتحة الكتاب: 8 / 178 - 180 وقال: هذا حديث حسن صحيح . والإمام أحمد في المسند: 2 / 412 - 413، وأخرجه البخاري بغير هذا السياق في التفسير 8 / 156، وفي فضائل القرآن. وقال المنذري: رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم باختصار عن أبي هريرة عن أُبي، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. انظر: الكافي الشاف ص (68 - 69) تحفة الأحوذي: 8 / 180.\r(2) ما بين القوسين من نسخة \"ب\".","part":3,"page":344},{"id":1161,"text":"وقال الضحاك: يحول بين الكافر والطاعة، ويحول بين المؤمن والمعصية.\rوقال مجاهد: يحول بين المرء وقلبه فلا يعقل ولا يدري ما يعمل.\rوقال السدي: يحول بين الإنسان وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر إلا بإذنه.\rوقيل: هو أن القوم لما دعوا إلى القتال في حالة الضعف ساءت ظنونهم واختلجت صدورهم فقيل لهم: قاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه فيبدل الخوف أمنا والجبن جرأة. { وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } فيجزيكم بأعمالكم.\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أحمد بن الحسن الحيري، أنا حاجب بن أحمد الطوسي، أنا محمد بن حماد، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كان رسول الله يكثر أن يقول: \"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك\"، قالوا: يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال: \"القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها\" (1) .\r{ وَاتَّقُوا فِتْنَةً } اختبارا وبلاء { لا تُصِيبَنَّ } قوله: \"لا تصيبن\" ليس بجزاء محض، ولو كان جزاء لم تدخل فيه النون، لكنه [نفي] (2) وفيه طرف من الجزاء كقوله تعالى: \"يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده\"(النمل -18) وتقديره واتقوا فتنة إن لم تتقوها أصابتكم، فهو كقول القائل: انزل عن الدابة لا تطرحنك، فهذا جواب الأمر بلفظ النهي، معناه إن تنزل لا تطرحك.\rقال المفسرون: نزلت هذه الآية في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعناه: اتقوا فتنة تصيب الظالم وغير الظالم.\rقال الحسن: نزلت في علي وعمار وطلحة والزبير رضي الله عنهم. قال الزبير: لقد قرأنا هذه الآية زمانا وما أرانا من أهلها فإذا نحن المعنيون بها، يعني ما كان يوم الجمل (3) .\r__________\r(1) أخرجه بهذا اللفظ: الإمام أحمد في المسند: 3 / 112 ، 257، والترمذي بزيادة \"كيف شاء\" في القدر، باب ما جاء أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن: 6 / 349، وأخرجه مسلم من رواية عبد الله بن عمرو، في القدر، باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء برقم (2654): 4 / 2045. وذكره البغوي في مصابيح السنة: 1 / 141.\r(2) في \"أ\" (نهي).\r(3) تفسير الطبري: 13 / 472 - 473 وفيه: نزلت في علي وعمار وطلحة. . .","part":3,"page":345},{"id":1162,"text":"وقال السدي ومقاتل والضحاك وقتادة: هذا في قوم مخصوصين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابتهم الفتنة يوم الجمل (1) .\rوقال ابن عباس: أمر الله عز وجل المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بعذاب يصيب الظالم وغير الظالم (2) .\rأخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أنا أبو طاهر الحارثي، أنا محمد بن يعقوب الكسائي، أنا عبد الله بن محمود، أنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، ثنا عبد الله بن المبارك، عن سيف بن أبي سليمان ، قال: سمعت عدي بن عدي الكندي يقول: حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة\" (3) . وقال ابن زيد: أراد بالفتنة افتراق الكلمة ومخالفة بعضهم بعضا (4) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به\" (5) .\rقوله { لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً } يعني: العذاب، { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }\r__________\r(1) تفسير الطبري: 13 / 473.\r(2) تفسير الطبري: 13 / 474 دون قوله \"يصيب الظالم وغير الظالم\".\r(3) أخرجه الإمام أحمد في المسند: 4 / 192، والطحاوي في مشكل الآثار: 2 / 66، وعبد الله بن المبارك في الزهد، برقم (1352) ص (476)، والمصنف في شرح السنة: 14 / 346.\r(4) قارن قوله الآخر في الطبري: 13 / 475 قال: الفتنة: الضلالة.\r(5) أخرجه البخاري في الفتن، باب تكون الفتنة، القاعد فيها خير من القائم: 13 / 29، وفي الأنبياء، وفي المناقب، وأخرجه مسلم في الفتن، باب نزول الفتن كمواقع القطر، برقم (2886): 4 / 2212، والمصنف في شرح السنة: 15 / 22.","part":3,"page":346},{"id":1163,"text":"{ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) }\rقوله تعالى : { وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأرْضِ } يقول: واذكروا يا معشر","part":3,"page":346},{"id":1164,"text":"المهاجرين إذ أنتم قليل في العدد، مستضعفون في أرض مكة، في ابتداء الإسلام، { تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ } يذهب بكم الناس، يعني: كفار مكة. وقال عكرمة: كفار العرب : وقال وهب: فارس والروم، { فَآوَاكُمْ } إلى المدينة، { وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ } أي: قواكم يوم بدر بالأنصار. وقال الكلبيك قواكم يوم بدر بالملائكة، { وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ } يعني: الغنائم، أحلها لكم ولم يحلها لأحد قبلكم، { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28) }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ } قال السدي: كانوا يسمعون الشيء من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيفشونه، حتى يبلغ المشركين (1) .\rوقال الزهري والكلبي: نزلت الآية في أبي لبابة، هارون بن عبد المنذر الأنصاري، من بني عوف بن مالك، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصر يهود قريظة إحدى وعشرين ليلة، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح على ما صالح عليه إخوانهم من بني النضير، على أن يسيروا إلى إخوانهم إلى أذرعات وأريحاء من أرض الشام، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم ذلك إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأبوا وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر، وكان مناصحا لهم، لأن ما له وولده وعياله كانت عندهم، فبعثه 147/أ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآتاهم، فقالوا له: يا أبا لبابة ما ترى أننزل على حكم سعد بن معاذ؟ فأشار أبو لبابة بيده على حلقة أنه الذبح، فلا تفعلوا، قال أبو لبابة: والله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله ثم انطلق على وجهه ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم وشد نفسه على سارية من سواري المسجد وقال: والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله علي فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره قال: أما لو جاءني لاستغفرت له فأما إذا فعل ما فعل فإني لا أطلقه حتى يتوب الله عليه، فمكث سبعة أيام، لا يذوق طعاما ولا شرابا حتى خر مغشيا عليه ثم تاب الله عليه، فقيل له: يا أبا لبابة قد تيب عليك، فقال: لا والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني، فجاءه فحله بيده، ثم قال أبو لبابة: يا رسول الله إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي كله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"يجزيك الثلث فتصدق به\"، فنزلت فيه \"لا تخونوا\r__________\r(1) الطبري: 13 / 483.","part":3,"page":347},{"id":1165,"text":"الله والرسول\" (1) . { وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ } أي: [ولا تخونوا أماناتكم] (2) { وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أنها أمانة. وقيل: وأنتم تعلمون أن ما فعلتم، من الإشارة إلى الحلق، خيانة.\rقال السدي: إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم.\rوقال ابن عباس: لا تخونوا الله بترك فرائضه والرسول بترك سنته وتخونوا أمانتكم.\rقال ابن عباس: هي ما يخفى عن أعين الناس من فرائض الله، والأعمال التي ائتمن الله عليها.\rقال قتادة: اعلموا أن دين الله أمانة فأدوا إلى الله عز وجل ما ائتمنكم عليه من فرائضه وحدوده، ومن كانت عليه أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها.\r{ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ } قيل: هذا أيضا في أبي لبابة، وذلك أن أمواله وأولاده كانوا في بني قريظة، فقال ما قال خوفا عليهم.\rوقيل: هذا في جميع الناس. أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي -إملاء -وأخبرنا أبو بكر محمد بن محمد بن الحسن الطوسي، قالا حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الإسفراييني أنا محمد بن محمد بن [رزمويه] (3) حدثنا يحيى بن محمد بن غالب، حدثنا يحيى بن يحيى ، حدثنا عبد الله بن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بصبي فقبله وقال: \"أما إنهم مبخلة مجبنة وإنهم لمن ريحان الله عز وجل\" (4) .\r{ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } لمن نصح الله ورسوله وأدى أمانته.\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29) }\rقوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ } بطاعته وترك معصيته، { يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا }\r__________\r(1) انظر : تفسير الطبري: 13 / 481، سيرة ابن هشام: 2 / 237 - 238، أسباب النزول للواحدي ص (269 - 270)، الدر المنثور: 4 / 48 - 49.\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) في \"ب\" (ذرقويه).\r(4) أخرجه المصنف في شرح السنة: 13 / 35، وفيه ابن لهيعة، وهو سيئ الحفظ، وللحديث شواهد يتقوى بها، عند أحمد: 6 / 409، والترمذي في البر والصلة.","part":3,"page":348},{"id":1166,"text":"قال مجاهد: مخرجا في الدنيا والآخرة.\rوقال مقاتل بن حيان: مخرجا في الدين من الشبهات.\rوقال عكرمة: نجاة أي يفرق بينكم وبين ما تخافون.\rوقال الضحاك: بيانا. وقال ابن إسحاق: فصلا بين الحق والباطل يظهر الله به حقكم ويطفىء باطل من خالفكم. والفرقان مصدر كالرجحان والنقصان. { وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } يمح عنكم ما سلف من ذنوبكم، { وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ }\r{ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) }\rقوله تعالى: { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا } هذه الآية معطوفة [على قوله] (1) { وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ } واذكر إذ يمكر بك الذين كفروا، وإذ قالوا اللهم، لأن هذه السورة مدنية وهذا المكر والقول إنما كانا بمكة، ولكن الله ذكرهم بالمدينة كقوله تعالى \"إلا تنصروه فقد نصره الله\"(التوبة آية 40) وكان هذا المكر على ما ذكره ابن عباس وغيره من أهل التفسير:\rأن قريشا فرقوا لما أسلمت الأنصار أن يتفاقم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاجتمع نفر من كبارهم في دار الندوة، ليتشاوروا في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت رءوسهم: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأبو سفيان، وطعيمة بن عدي، وشيبة بن ربيعة، والنضر بن الحارث، وأبو البختري بن هشام وزمعة بن الأسود، وحكيم بن حزام، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وأمية بن خلف، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من نجد، سمعت باجتماعكم، فأردت أن أحضركم، ولن تعدموا مني رأيا ونصحا، قالوا: ادخل فدخل، فقال أبو البختري: أما أنا فأرى أن تأخذوا محمدا وتحبسوه في بيت، وتشدوا وثاقه، وتسدوا باب البيت غير كوة تلقون إليه طعامه وشرابه، وتتربصوا به ريب المنون حتى يهلك فيه، كما هلك من كان قبله من الشعراء. قال: فصرخ عدوا الله الشيخ النجدي وقال: بئس الرأي رأيتم والله لئن حبستموه في بيت فخرج أمره من وراء الباب الذي غلقتم دونه إلى أصحابه فيوشك أن يثبوا عليكم ويقاتلوكم ويأخذوه من أيديكم، قالوا: صدق الشيخ، فقال هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤي: أما أنا فأرى أن تحملوه على بعير تخرجوه من أظهركم فلا\r__________\r(1) في \"ب\": (على ما قبلها).","part":3,"page":349},{"id":1167,"text":"يضركم ما صنع ولا أين وقع إذا غاب عنكم واسترحتم منه، فقال إبليس: ما هذا لكم برأي تعتمدون عليه، تعمدون إلى رجل قد أفسد أحلامكم فتخرجونه إلى غيركم فيفسدهم ألم تروا إلى حلاوة منطقه وحلاوة لسانه وأخذ القلوب بما تسمع من حديثه؟ والله لئن فعلتم ذلك ليذهبن وليستميل قلوب قوم ثم يسير بهم إليكم فيخرجكم من بلادكم، قالوا: صدق الشيخ: فقال أبو جهل والله لأشيرن عليكم برأي ما أرى غيره إني أرى أن تأخذوا من كل بطن من قريش شابا نسيبا وسيطا فتيا ثم يعطى كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يضربوه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها ولا أظن هذا الحي من بني هاشم +يقوون على حرب قريش كلها، وأنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل فتؤدي قريش ديته، فقال إبليس: صدق هذا الفتى، وهو أجودكم رأيا، القول ما قال لا أرى رأيا غيره فتفرقوا على قول أبي جهل وهم مجمعون له. فأتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك وأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأذن الله له عند ذلك بالخروج إلى المدينة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أن ينام في مضجعه وقال له: تسيح ببردتي هذه فإنه لن يخلص إليك منهم أمر تكرهه، ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ قبضة من تراب فأخذ الله أبصارهم عنه فجعل ينثر التراب على رءوسهم وهو يقرأ : \"إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا\" إلى قوله \"فهم لا يبصرون\"(سورة يس 8 -9) 147/ب ومضى إلى الغار من ثور هو وأبو بكر، وخلف عليا بمكة حتى يؤدي عنه الودائع التي قبلها وكانت الودائع تودع عنده صلى الله عليه وسلم لصدقه وأمانته، وبات المشركون يحرسون عليا في فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم يحسبون أنه النبي صلى الله عليه وسلم فلما أصبحوا ثاروا إليه فرأوا عليا رضي الله عنه، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري، فاقتصوا أثره وأرسلوا في طلبه فلما بلغوا الغار رأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخله لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاثا، ثم قدم المدينة، ذلك قوله تعالى: \"وإذ يمكر بك الذين كفروا\" (1) .\r{ لِيُثْبِتُوكَ } ليحبسوك ويسجنوك ويوثقوك، { أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ } قال الضحاك: يصنعون ويصنع الله، والمكر التدبير وهو من الله التدبير بالحق. وقيل: يجازيهم جزاء المكر { وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ }\r{ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (31) }\r{ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا } يعني النضر بن الحارث، { قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا }\r__________\r(1) انظر : الطبري: 13 / 496 وما بعدها مع تعليق الشيخ محمود شاكر، مجمع الزوائد: 7 / 27، الدر المنثور 4 / 51 - 52.","part":3,"page":350},{"id":1168,"text":"وذلك أنه كان يختلف تاجرا إلى فارس والحيرة فيسمع أخبار رستم واسفنديار، وأحاديث العجم ويمر باليهود والنصارى فيراهم +يقرؤن التوراة والإنجيل ويركعون ويسجدون، فجاء إلى مكة فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ويقرأ القرآن فقال النضر: قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا (1) { إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ } أخبار الأمم الماضية وأسماؤهم وما سطر الأولون في كتبهم. والأساطير: جمع اسطورة، وهي المكتوبة، من قولهم سطرت أي كتبت (2) .\r{ وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) }\rقوله تعالى: { وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ } الآية نزلت في النضر بن الحارث من بني عبد الدار (3) .\rقال ابن عباس: لما قص رسول الله صلى الله عليه وسلم شأن القرون الماضية، قال النضر: لو شئت لقلت مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين -أي: ما هذا إلا ما سطره الأولون في كتبهم -فقال له عثمان بن مظعون رضي الله عنه: اتق الله فإن محمدا يقول الحق، قال: فأنا أقول الحق، قال عثمان: فإن محمدا يقول لا إله إلا الله، قال وأنا أقول لا إله إلا الله، ولكن هذه بنات الله، يعني الأصنام، ثم قال: اللهم إن كان هذا الذي يقول محمد هو الحق من عندك -\"والحق\" نصب بخبر كان، وهو عماد وصلة -{ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ } كما أمطرتها على قوم لوط، { أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } أي: ببعض ما عذبت به الأمم، وفيه نزل: \"سأل سائل بعذاب واقع\" (4) .(المعارج -1). .\rوقال عطاء: لقد نزل في النضر بن الحارث بضع عشرة آية فحاق به ما سأل من العذاب يوم بدر (5) .\rقال سعيد بن جبير: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ثلاثة صبرا من قريش: طعيمة بن عدي\r__________\r(1) انظر : الطبري : 13 / 503 - 504، أسباب النزول للواحدي ص (270)، المدر المنثور: 4 / 55.\r(2) انظر: الطبري: 11 / 308 - 310 ، 13 / 503.\r(3) تفسير الطبري 13 / 505 - 506 ، الدر المنثور 4 / 55.\r(4) انظر : الدر المنثور: 8 / 277.\r(5) الدر المنثور : 8 / 278.","part":3,"page":351},{"id":1169,"text":"وعقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث (1) .\rوروى أنس رضي الله عنه أن الذي قاله أبو جهل.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، حدثنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا محمد بن النضر، ثنا عبيد الله بن معاذ، ثنا أبي، ثنا شعبة، عن عبد الحميد صاحب الزيادي، سمع أنس بن مالك قال: قال أبو جهل: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فنزلت: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ } (2) .\rقوله تعالى: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ } اختلفوا في معنى هذه الآية، فقال محمد بن إسحاق: هذا حكاية عن المشركين أنهم قالوها وهي متصلة بالآية الأولى، وذلك أنهم كانوا يقولون إن الله لا يعذبنا ونحن نستغفره، ولا يعذب أمة ونبيها معها، فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم يذكر جهالتهم وغرتهم واستفتاحهم على أنفسهم: \"وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك\" الآية، وقالوا (3) \"وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون\" ثم قال ردا عليهم: \"وما لهم ألا يعذبهم الله\"؟ وإن كنت بين أظهرهم وإن كانوا يستغفرون \"وهم يصدون عن المسجد الحرام\" (4) .\rوقال الآخرون: هذا كلام +مستأنف يقول الله عز وجل إخبارا عن نفسه: \"وما كان الله ليعذبهم\".\rواختلفوا في تأويلها، فقال الضحاك وجماعة: تأويلها وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم مقيم بين أظهرهم، قالوا: أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مقيم بمكة، ثم خرج من بين أظهرهم وبقيت بها بقية من المسلمين يستغفرون، فأنزل الله تعالى: \"وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون\"، ثم خرج أولئك من بينهم فعذبوا، وأذن الله في فتح مكة، فهو العذاب الذي وعدهم (5) .\r__________\r(1) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: 14 / 372، وأبو عبيد في الأموال (154) (طبع قطر) من طريق هشيم عن أبي بشر، وفيه: مطعم ابن عدي بدلا من طعيمة ثم قال: هكذا حديث هشيم، فأما أهل العلم بالمغازي فينكرون مقتل مطعم بن عدي، يقولون: مات بمكة موتا قبل بدر، وإنما قتل أخوه طعيمة بن عدي، ولم يقتل صبرا، قتل في المعركة. ومما يصدِّق قولهم الحديث الذي ذكرناه عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبير بن مطعم - حين كلمه في الأسارى -: شيخ لو كان أتانا لشفعناه - يعني أباه مطعم بن عدي - فكيف يكون مقتولا يومئذ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول فيه هذه المقالة؟ وأما مقتل عقبة والنضر: فلا يختلفون فيه. (الأموال لأبي عبيد ص 154 - 155).\r(2) أخرجه البخاري في التفسير، باب: وإذا قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق 8 / 308.\r(3) جاء السياق في الطبري هكذا: \"وقال حين نعى عليهم سوء أعمالهم: \"وما كان الله ليعذبهم. . \" وهو أتم.\r(4) أخرجه الطبري في التفسير: 13 / 512 - 513.\r(5) الطبري: 13 / 510 - 511 .","part":3,"page":352},{"id":1170,"text":"قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لم يعذب الله قرية حتى يخرج النبي منها والذين آمنوا ويلحق بحيث أمر. فقال: \"وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون\" (1) يعني المسلمين فلما خرجوا قال الله تعالى: \"وما لهم ألا يعذبهم الله\" ، فعذبهم الله يوم بدر.\rوقال أبو موسى الأشعري: كان فيكم أمانان \"وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم\" ، \"وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون\" فأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد مضى والاستغفار كائن فيكم إلى يوم القيامة (2) .\rوقال بعضهم: هذا الاستغفار راجع إلى المشركين وذلك أنهم كانوا يقولون بعد الطواف: غفرانك غفرانك (3) .\rوقال يزيد بن رومان: قالت قريش إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، فلما أمسوا ندموا على ما قالوا، فقالوا غفرانك اللهم، فقال الله عز وجل \"وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون\" (4) .\rوقال قتادة والسدي: معناه : وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون، أي: لو استغفروا، ولكنهم لم يكونوا يستغفرون، ولو أنهم أقروا بالذنب، واستغفروا، لكانوا مؤمنين (5) .\rوقيل: هذا دعاء إلى الإسلام والاستغفار بهذه الكلمة، كالرجل يقول لغيره لا أعاقبك وأنت تطيعني، أي أطعني حتى لا أعاقبك.\rوقال مجاهد وعكرمة: وهم يستغفرون أي يسلمون. يقول: لو أسلموا لما عذبوا (6) . وروى الوالبي عن ابن عباس: أي وفيهم من سبق له من الله أن يسلم ويؤمن ويستغفر (7) وذلك مثل: أبي سفيان، وصفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، وحكيم بن حزام وغيرهم.\r__________\r(1) الطبري: 13 / 511.\r(2) أخرجه الترمذي في التفسير: 8 / 472 - 473 مرفوعا وقال: \"هذا حديث غريب وإسماعيل بن إبراهيم يضعف في الحديث\". وأخرجه الطبري موقوفا على أبي موسى : 13 / 513.\r(3) الطبري: 13 / 511.\r(4) الطبري: 13 / 512.\r(5) الطبري: 13 / 514.\r(6) الطبري: 13 / 515.\r(7) الطبري: 13 / 516.","part":3,"page":353},{"id":1171,"text":"وروى عبد الوهاب عن مجاهد: وهم يستغفرون أي وفي أصلابهم من يستغفر (1) .\r__________\r(1) قال الطبري رحمه الله : 13 / 517 \"وأولى هذه الأقوال عندي في ذلك بالصواب، قول من قال: تأويله: \"وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم\" يا محمد، وبين أظهرهم مقيم، حتى أخرجك من بين أظهرهم ، لأني لا أهلك قرية وفيها نبيها - \"وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون\" ، من ذنوبهم وكفرهم، ولكنهم لا يستغفرون من ذلك ، بل هم مصرون عليه، فهم للعذاب مستحقون ثم قيل: \"وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام\" بمعنى: وما شأنهم، وما يمنعهم أن يعذبهم الله وهم لا يستغفرون الله من كفرهم فيؤمنوا به، وهم يصدون المؤمنين بالله ورسوله عن المسجد الحرام\"؟ .","part":3,"page":354},{"id":1172,"text":"{ وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (34) وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35) }\rقوله تعالى: { وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ } أي: وما يمنعهم من أن يعذبوا، يريد بعد خروجك من بينهم، { وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } أي: يمنعون المؤمنين 148/أ من الطواف بالبيت.\rوقيل: أراد بالعذاب الأول عذاب الاستئصال، وأراد بقوله \"وما لهم أن ألا يعذبهم الله\" أي: بالسيف.\rوقيل: أراد بالأول عذاب الدنيا، وبهذه الآية عذاب الآخرة.\rوقال الحسن: الآية الأولى وهي قوله: \"وما كان الله ليعذبهم\" منسوخة بقوله تعالى: \"وما لهم ألا يعذبهم الله\" (1) .\r{ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ } قال الحسن: كان المشركون يقولون نحن أولياء المسجد الحرام، فرد الله عليهم بقوله: \"وما كانوا أولياءه\" أي: أولياء البيت، { إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ } أي: ليس أولياء البيت، { إِلا الْمُتَّقُونَ } يعني: المؤمنين الذين يتقون الشرك، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ }\rقوله تعالى: { وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً } قال ابن عباس والحسن:\r__________\r(1) قال الإمام الطبري، رحمه الله : \"لا وجه لقول من قال: ذلك منسوخ بقوله: \"وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام\"، الآية، لأن قوله جل ثناؤه \"وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون\" خبر، والخبر لا يجوز أن يكون فيه نسخ، وإنما يكون النسخ للأمر أو النهي\" التفسير: 13 / 518.","part":3,"page":354},{"id":1173,"text":"المكاء: الصفير، وهي في اللغة اسم طائر أبيض، يكون بالحجاز له صفير، كأنه قال: إلا صوت مكاء، والتصدية التصفيق.\rقال ابن عباس: كانت قريش تطوف بالبيت وهم عراة يصفرون ويصفقون (1) .\rقال مجاهد: كل نفر من بني عبد الدار يعارضون النبي صلى الله عليه وسلم في الطواف، +ويستهزءون به، ويدخلون أصابعهم في أفواههم ويصفرون. فالمكاء: جعل الأصابع في الشدق. والتصدية الصفير، ومنه الصدى الذي يسمعه المصوت في الجبل.\rقال جعفر بن ربيعة: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن قوله عز وجل \"إلا مكاء وتصدية\" فجمع كفيه ثم نفخ فيهما صفيرا (2) .\rقال مقاتل: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى في المسجد قام رجلان عن يمينه فيصفران ورجلان عن شماله فيصفقان ليخلطوا على النبي صلى الله عليه وسلم صلاته، وهم من بني عبد الدار (3) .\rقال سعيد بن جبير: التصدية صدهم المؤمنين عن المسجد الحرام ، وعن الدين، والصلاة. وهي على هذا التأويل: التصددة بدالين، فقلبت إحدى الدالين ياء، كما يقال تظنيت من الظن، وتقضى البازي إذا البازي كسر، أي تقضض البازي. قال ابن الأنباري: إنما سماه صلاة لأنهم أمروا بالصلاة في المسجد فجعلوا ذلك صلاتهم. { فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ }\r{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) }\rقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } أي: ليصرفوا عن دين الله.\rقال الكلبي ومقاتل: نزلت في المطعمين يوم بدر وكانوا اثنى عشر رجلا أبو جهل بن هشام، وعتبة، وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وأبو البختري بن هشام، والنضر بن الحرث، وحكيم بن حزام، وأبي بن خلف، وزمعة بن الأسود، والحارث بن عامر بن نوفلُ\r__________\r(1) الطبري : 13 / 522.\r(2) الطبري : 13 / 522.\r(3) انظر : الدر المنثور: 4 / 61 (عن ابن عباس).","part":3,"page":355},{"id":1174,"text":"والعباس بن عبد المطلب، وكلهم من قريش، كان يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزر (1) .\rوقال الحكم بن عيينة: نزلت في أبي سفيان أنفق على المشركين يوم أحد أربعين أوقية (2) .\rقال الله تعالى: { فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً } يريد: ما أنفقوا في الدنيا يصير حسرة عليهم في الآخرة، { ثُمَّ يُغْلَبُونَ } ولا يظفرون، { وَالَّذِينَ كَفَرُوا } منهم، { إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ } خص الكفار لأن منهم من أسلم.\r{ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ (38) }\r{ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ } [في سبيل الشيطان] (3) { مِنَ الطَّيِّبِ } يعني: الكافر من المؤمن فينزل المؤمن الجنان والكافر النيران.\rوقال الكلبي: العمل الخبيث من العمل الصالح الطيب، فيثب على الأعمال الصالحة الجنة، وعلى الأعمال الخبيثة النار.\rوقيل: يعني: الإنفاق الخبيث في سبيل الشيطان من الإنفاق الطيب في سبيل الله.\r{ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ } أي: فوق بعض، { فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا } أي: يجمعه ومنه السحاب المركوم، وهو المجتمع الكثيف، فيجعله في جهنم { أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } رده إلى قوله: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ } . . . { أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } الذين خسرت تجارتهم، لأنهم اشتروا بأموالهم عذاب الآخرة.\r{ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا } عن الشرك { يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ } أي: ما مضى من ذنوبهم قبل الإسلام، { وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ } في نصر الله أنبياءه وإهلاك أعدائه. قال يحيى بن معاذ الرازي: توحيد لم يعجز عن هدم ما قبله من كفر، أرجو أن لا يعجز عن هدم ما بعده من ذنب.\r__________\r(1) انظر : سيرة ابن هشام : 1 / 671 ، أسباب النزول للواحدي ، ص (271).\r(2) انظر: الطبري: 13 / 531، أسباب النزول ص (272)، الدر المنثور: 4 / 63.\r(3) ما بين القوسين ساقط من\"ب\".","part":3,"page":356},{"id":1175,"text":"{ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) }","part":3,"page":357},{"id":1176,"text":"{ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41) }\r{ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ } أي: شرك. قال الربيع: حتى لا يفتن مؤمن عن دينه { وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ } أي: ويكون الدين خالصا لله لا شرك فيه، { فَإِنِ انْتَهَوْا } عن الكفر، { فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } قرأ يعقوب \"تعملون\" بالتاء، وقرأ الاخرون بالياء.\r{ وَإِنْ تَوَلَّوْا } عن الإيمان وعادوا إلى قتال أهله، { فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ } ناصركم ومعينكم، { نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ }\rقوله تعالى: { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ } الآية. الغنيمة والفيء: اسمان لمال يصيبه المسلمون من أموال الكفار. فذهب جماعة إلى أنهما واحد، وذهب قوم إلى أنهما مختلفان: فالغنيمة: ما أصابه المسلمون منهم عنوة بقتال، والفيء: ما كان عن صلح بغير قتال. فذكر الله عز وجل في هذه الآية حكم الغنيمة فقال: \"فأن لله خمسه وللرسول\" (1) .\rذهب أكثر المفسرين والفقهاء إلى أن قوله: \"لله\" افتتاح كلام على سبيل التبرك وإضافة هذا المال إلى نفسه لشرفه، وليس المراد منه أن سهما من الغنيمة لله منفردا، فإن الدنيا والآخرة كلها لله عز وجل. وهو قول الحسن وقتادة وعطاء وإبراهيم والشعبي، قالوا: سهم الله وسهم الرسول واحد. والغنيمة تقسم خمسة أخماس، أربعة أخماسها لمن قاتل عليها، والخمس لخمسة أصناف كما ذكر الله عز وجل، \"وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل\".\rقال بعضهم: يقسم الخمس على ستة أسهم، وهو قول أبي العالية، سهم لله: فيصرف إلى\r__________\r(1) انظر : الطبري: 13 / 545 - 548، القرطبي: 8 / 1 وما بعدها، أحكام القرآن لابن العربي: 2 / 855 وما بعدها، أحكام القرآن للجصاص: 4 / 229 وما بعدها الخراج لأبي يوسف: ص (19 - 30)، الخراج ليحيى بن آدم: ص 18 - 45، الأموال لأبي عبيد ص (28) وما بعدها. ففيها تفصيل لآراء العلماء والمفسرين في قسمة الفيء والغنيمة.","part":3,"page":357},{"id":1177,"text":"الكعبة. والأول أصح، أن خمس الغنيمة يقسم على خمسة أسهم، سهم كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، واليوم هو لمصالح المسلمين وما فيه قوة الإسلام، وهو قول الشافعي رحمه الله.\rوروى الأعمش عن إبراهيم قال: كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يجعلان سهم النبي صلى الله عليه وسلم في الكراع والسلاح.\rوقال قتادة: هو للخليفة بعده. وقال بعضهم: سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مردود في الخمس والخمس لأربعة أصناف.\rقوله: { وَلِذِي الْقُرْبَى } أراد أن سهما من الخمس 148/ب لذوي القربى وهم أقارب النبي صلى الله عليه وسلم، واختلفوا فيهم، فقال قوم: جميع قريش. وقال قوم: هم الذين لا تحل لهم الصدقة.\rوقال مجاهد وعلي بن الحسين: هم بنو هاشم.\rوقال الشافعي: هم بنو هاشم وبنو المطلب وليس لبني عبد شمس ولا لبني نوفل منه شيء، وإن كانوا إخوة، والدليل عليه ما:\rأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أنا عبد العزيز أحمد الخلال، ثنا أبو العباس الأصم، أنبأنا الربيع، أنبأنا الشافعي، أنبأنا الثقة، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن جبير بن مطعم عن أبيه قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذي القربى بين بني هاشم وبني المطلب، ولم يعط منه أحدا من بني عبد شمس ولا بني نوفل شيئا (1) .\rوأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، ثنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع أنا الشافعي، أنا مطرف بن مازن عن معمر بن راشد، عن ابن شهاب، أخبرني محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب أتيته أنا وعثمان بن عفان فقلنا: يا رسول الله هؤلاء إخواننا من بني هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله منهم، أرأيت إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا أو منعتنا، وإنما قرابتنا وقرابتهم واحدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد هكذا وشبك\r__________\r(1) أخرجه الشافعي في المسند: 2 / 112. وانظر: البخاري - كتاب المغازي، باب غزوة خيبر: 7 / 484، والمصنف في شرح السنة: 11 / 126.","part":3,"page":358},{"id":1178,"text":"بين أصابعه\" (1) .\rواختلف أهل العلم في سهم ذوي القربى هل هو ثابت اليوم؟ .\rفذهب أكثرهم إلى أنه ثابت، وهو قول مالك والشافعي.\rوذهب أ صحاب الرأي إلى أنه غير ثابت، وقالوا: سهم رسول الله وسهم ذوي القربى مردودان في الخمس، وخمس الغنيمة لثلاثة أصناف اليتامى والمساكين وابن السبيل.\rوقال بعضهم: يعطى للفقراء منهم دون الأغنياء.\rوالكتاب والسنة يدلان على ثبوته، والخلفاء بعد الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يعطونه، ولا يفضل فقير على غني لأن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده كانوا يعطون العباس بن عبد المطلب مع كثرة ماله، فألحقه الشافعي بالميراث الذي يستحق باسم القرابة، غير أنه يعطى القريب والبعيد. وقال: يفضل الذكر على الأنثى فيعطى الرجل سهمين والأنثى سهما واحدا.\rقوله: { وَالْيَتَامَى } وهو جمع اليتيم، واليتيم الذي له سهم في الخمس هو الصغير المسلم، الذي لا أب له، إذا كان فقيرا، { وَالْمَسَاكِينِ } هم أهل الفاقة والحاجة من المسلمين، { وَابْنَ السَّبِيلِ } هو المسافر البعيد عن ماله، فهذا مصرف خمس الغنيمة ويقسم أربعة أخماس الغنيمة بين الغانمين الذين شهدوا الوقعة، للفارس منهم ثلاثة أسهم، وللراجل سهم واحد، لما:\rأخبرنا أبو صالح أحمد بن عبد الملك المؤذن، أنا عبد الله بن يوسف أنا أبو سعيد بن الأعرابي ثنا سعدان بن نصر ثنا أبو معاوية عن عبيد الله عن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم: سهما له وسهمين لفرسه\" (2) وهذا قول أكثر أهل العلماء وإليه ذهب الثوري، والأوزاعي، ومالك، وابن المبارك، والشافعي وأحمد وإسحاق.\rوقال أبو حنيفة رضي الله عنه: للفارس سهمان، وللراجل سهم واحد.\r__________\r(1) أخرجه الشافعي في المسند: 2 / 111، وأبو داود في الخراج والإمارة، باب في بيان مواضع قسم الخمس: 4 / 220 - 221، والنسائي في قسم الفيء: 7 / 130 - 131 ، وابن ماجه في الجهاد، باب قسمة الخمس: 2 / 961، والمصنف في شرح السنة: 11 / 125 - 126، الطبري في التفسير: 13 / 556.\r(2) أخرجه البخاري في الجهاد، باب سهام الفرس: 6 / 67، ومسلم في الجهاد والسير، باب كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين برقمي(1762): 3 / 1382، والمصنف في شرح السنة: 11 / 101.","part":3,"page":359},{"id":1179,"text":"ويرضخ (1) للعبيد والنسوان والصبيان إذا حضروا القتال، ويقسم العقار الذي استولى عليه المسلمون كالمنقول. وعند أبي حنيفة: يتخير الإمام في العقار: بين أن يقسمه بينهم، وبين أن يجعله وقفا على المصالح.\rوظاهر الآية لا يفرق بين العقار والمنقول.\rومن قتل مشركا في القتال يستحق سلبه من رأس الغنيمة، لما روي عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين: \"من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه\" (2) . والسلب: كل ما يكون على المقتول من ملبوس وسلاح، وفرسه الذي هو راكبه.\rويجوز للإمام أن ينفل بعض الجيش من الغنيمة، لزيادة عناء وبلاء يكون منهم في الحرب، يخصهم به من بين سائر الجيش ويجعله أسوة الجماعة في سهمان الغنيمة:\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة، سوى قسم عامة الجيش (3) .\rوروي عن حبيب بن مسلمة الفهري، قال: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم نفل الربع في البدأة والثلث في الرجعة (4) .\rواختلفوا في أن النفل من أين يعطى؟ فقال قوم: من خمس الخمس، سهم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول سعيد بن المسيب، وبه قال الشافعي، وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: \"مالي مما أفاء الله عليكم إلا\r__________\r(1) الرَّضْخُ: العطيَّة القليلة.\r(2) أخرجه البخاري في المغازي، باب قول الله تعالى: \"ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم\" 8 / 34 - 35، وأخرجه أيضا في الجهاد، وأخرجه مسلم في الجهاد والسير، باب استحقاق سلب القتيل: (1751): 3 / 1370، والمصنف في شرح السنة: 11 / 105 - 106.\r(3) أخرجه البخاري في فرض الخمس، باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين: 6 / 237، ومسلم في الجهاد والسير، باب الأنفال، برقم (1750: 3 / 1369) والمصنف في شرح السنة: 11 / 112.\r(4) أخرجه أبو داود في الجهاد، باب فيمن قال: الخمس قبل النفل: 4 / 57، والترمذي في السير، باب في النفل: 5 / 176، من حديث عبادة، وقال: حديث حسن، وقال: وفي الباب عن ابن عباس وحبيب بن مسلمة ومعن بن يزيد وابن عمر وسلمة بن الأكوع، وأخرجه ابن ماجه في النفل برقم (2852): 2 / 951 - 952. قال في الزوائد: إسناده حسن وصححه ابن حبان برقم (1672) ص (403) من موارد الظمآن، أخرجه سعيد بن منصور في السنن: 2 / 262، والإمام أحمد في المسند: 4 / 160.","part":3,"page":360},{"id":1180,"text":"الخمس والخمس مردود فيكم\" (1) .\rوقال قوم: هو من الأربعة الأخماس بعد إفراز الخمس كسهام الغزاة، وهو قول أحمد وإسحاق.\rوذهب بعضهم إلى أن النفل من رأس الغنيمة قبل الخمس كالسلب للقاتل. وأما الفيء: وهو ما أصابه المسلمون من أموال الكفار بغير إيجاف خيل ولا ركاب، بأن صالحهم على مال يؤدونه، ومال الجزية، وما يؤخذ من أموالهم إذا دخلوا دار الإسلام للتجارة، أو يموت واحد منهم في دار الإسلام ولا وارث له، فهذا كله فيء.\rومال الفيء كان خالصا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، قال عمر رضي الله عنه: إن الله قد خص رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره (2) ثم قرأ: \"وما أفاء الله على رسوله منهم\"\rإلى قوله: \"قدير\" \"الحشر -6\" ، وكانت هذه خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفق على أهله وعياله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله عز وجل.\rواختلف أهل العلم في مصرف الفيء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال قوم: هو للأئمة بعده. وللشافعي فيه قولان: أحدهما، للمقاتلة الذين أثبتت أساميهم في ديوان الجهاد، لأنهم القائمون مقام النبي صلى الله عليه وسلم في إرهاب العدو. والقول الثاني: أنه لمصالح المسلمين، ويبدأ بالمقاتلة فيعطون منه كفايتهم، ثم بالأهم فالأهم من المصالح.\rواختلف أهل العلم في تخميس الفيء: فذهب الشافعي إلى أنه يخمس خمسه لأهل الغنيمة، على خمسة أسهم. وأربعة أخماسه للمقاتلة وللمصالح.\rوذهب الأكثرون: إلى أن الفيء لا يخمس، بل مصرف جميعه واحد، 149/أ ولجميع المسلمين فيه حق:\rأخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أنا جدي عبد الصمد بن عبد الرحمن البزاز، أنا محمد بن زكريا العذافري، أنا إسحاق الدبري، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان: أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: \"ما على وجه الأرض\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الجهاد، باب الإمام يستأثر بشيء من الفيء لنفسه بلفظ أخر: 4 / 62، والنسائي في الفيء: 7 / 131 - 132، والإمام أحمد في المسند: 4 / 128، 5 / 316، وعزاه في الدر المنثور: 4 / 67 لابن أبي حاتم.\r(2) جاء ذلك في روايات صحيحة كثيرة مطولة - ساقها السيوطي في الدر المنثور: 8 / 101 - 103.","part":3,"page":361},{"id":1181,"text":"مسلم إلا له في هذا الفيء حق، إلا ما ملكت أيمانكم\" (1) .\rوأخبرنا أبو سعيد الطاهري أنبأنا جدي عبد الصمد بن عبد الرحمن البزاز أنبأنا محمد بن زكريا العذافري أنبأنا أبو إسحاق الدبري ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن أيوب عن عكرمة بن خالد عن مالك بن أوس بن الحدثنان قال: قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه \"إنما الصدقات للفقراء والمساكين\" حتى بلغ \"عليم حكيم\" \"التوبة -60\" فقال: هذه لهؤلاء ثم قرأ: \"واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه\" حتى بلغ \"وابن السبيل\"، ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ \"ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى\" حتى بلغ \"للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا\" \"الحشر -7 -9\" ثم قال: هذه استوعبت المسلمين عامة، فلئن عشت، فليأتين الراعي وهو بسرو حمير نصيبه منها، لم يعرق فيها جبينه\" (2) .\rقوله تعالى: { إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ } قيل: أراد \"اعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول\" يأمر فيه بما يريد، فاقبلوه إن كنتم آمنتم بالله { وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا } أي: إن كنتم آمنتم بالله وبما أنزلنا على عبدنا، يعني: قوله: \"يسألونك عن الأنفال\" { يَوْمَ الْفُرْقَانِ } يعني يوم بدر، فرق الله بين الحق والباطل وهو { يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ } حزب الله وحزب الشيطان، وكان يوم الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان، { وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } على نصركم مع قلتكم وكثرتهم.\r{ إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42) }\r{ إِذْ أَنْتُمْ } أي: إذ أنتم نزول يا معشر المسلمين، { بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا } أي: بشفير الوادي الأدنى إلى المدينة، والدنيا. تأنيث الأدنى ، { وَهُمْ } يعني عدوكم من المشركين، { بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى }\r__________\r(1) أخرجه الشافعي: 2 / 127، وعبد الرزاق في المصنف برقم (20039)، وأبو عبيد في الأموال ص (243) طبع قطر، ويحيى بن آدم في الخراج ص (42)، والبيهقي: 6 / 347، وفيه: عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف من السابعة (تقريب). وانظر: إرواء الغليل للألباني: 5 / 83، كنز العمال: 4 / 525.\r(2) أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم (20040) وأبو عبيد، بنحوه، في الأموال ص (25) و (244) ورواه البخاري مطولا بنحوه في فرض الخمس وفي المغازي وفي التفسير، ومسلم في الجهاد. وانظر: البيهقي: 6 / 352، شرح السنة: 11 / 131 - 134.","part":3,"page":362},{"id":1182,"text":"بشفير الوادي الأقصى من المدينة، والقصوى تأنيث الأقصى.\rقرأ ابن كثير وأهل البصرة \"بالعدوة\" بكسر العين فيهما، والباقون بضمهما، وهما لغتان كالكسوة والكسوة والرشوة والرشوة. { وَالرَّكْبُ } يعني: العير يريد أبا سفيان وأصحابه، { أَسْفَلَ مِنْكُمْ } أي: في موضع أسفل منكم إلى ساحل البحر، على ثلاثة أميال من بدر، { وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ } وذلك أن المسلمين خرجوا ليأخذوا العير وخرج الكفار ليمنعوها، فالتقوا على غير ميعاد، فقال تعالى: \"ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد\"، لقلتكم وكثرة عدوكم، { وَلَكِنّ } الله جمعكم على غير ميعاد، { لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا } من نصر أوليائه وإعزاز دينه وإهلاك أعدائه، { لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ } أي: ليموت من يموت على بينة رآها وعبرة عاينها وحجة قامت عليه. { وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ } ويعيش من يعيش على بينة لوعده: \"وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا\" \"الإسراء -15). وقال محمد بن إسحاق: معناه ليكفر من كفر بعد حجة قامت عليه، ويؤمن من آمن على مثل ذلك، فالهلاك هو الكفر، والحياة هي الإيمان.\rوقال قتادة: ليضل من ضل عن بينة، ويهدي من اهتدى على بينة.\rقرأ أهل الحجاز وأبو بكر ويعقوب: \"حيي\" ببائين، مثل \"خشي\" وقرأ الآخرون: بياء واحدة مشددة، لأنه مكتوب بياء واحدة.\r{ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ } لدعائكم، { عَلِيمٌ } بنياتكم.\r{ إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (43) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ (44) }\rقوله تعالى: { إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ } يريك يا محمد المشركين، { فِي مَنَامِكَ } أي: نومك. وقال الحسن: في منامك أي في عينك، لأن العين موضع النوم، { قَلِيلا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ } لجبنتم { وَلَتَنَازَعْتُمْ } أي: اختلفتم { فِي الأمْرِ } أي: في الاحجام والإقدام، { وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ } أي سلمكم من المخالفة والفشل، { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } قال ابن عباس: علم ما","part":3,"page":363},{"id":1183,"text":"في صدوركم من الحب لله عز وجل:\r{ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلا } قال مقاتل: وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أن العدو قليل قبل لقاء العدو، وأخبر أصحابه بما رأى، فلما التقوا ببدر قلل الله المشركين في أعين المؤمنين.\rقال ابن مسعود رضي الله عنه: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، فأسرنا رجلا فقلنا كم كنتم؟ قال: ألفا.\r{ وَيُقَلِّلُكُمْ } يا معشر المؤمنين { فِي أَعْيُنِهِمْ } قال السدي: قال ناس من المشركين: إن العير قد انصرفت فارجعوا، فقال أبو جهل: الآن إذا برز لكم محمد وأصحابه؟ فلا ترجعوا حتى تستأصلوهم، إنما محمد وأصحابه أكلة جزور، فلا تقتلوهم، واربطوهم بالحبال -يقوله من القدرة التي في نفسه -: قال الكلبي: استقل بعضهم بعضا ليجترؤا على القتال، فقلل المشركين في أعين المؤمنين لكي لا يجبنوا، وقلل المؤمنين في أعين المشركين لكي لا يهربوا، { لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا } من إعلاء الإسلام وإعزاز أهله وإذلال الشرك وأهله. { كَانَ مَفْعُولا } كائنا ، { وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) }","part":3,"page":364},{"id":1184,"text":"{ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) }\rقوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً } أي: جماعة كافرة { فَاثْبُتُوا } لقتالهم، { وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا } أي: ادعوا الله بالنصر والظفر بهم، { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي: كونوا على رجاء الفلاح.\rقوله تعالى : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا } لا تختلفوا، { فَتَفْشَلُوا } أي: تجبنوا وتضعفوا، { وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } قال مجاهد: نصرتكم. وقال السدي: جراءتكم وجدكم. وقال مقاتل بن حيان: حدتكم. وقال النضر بن شميل: قوتكم. وقال الأخفش: دولتكم. والريح ها هنا كناية عن نفاذ الأمر وجريانه على المراد، تقول العرب: هبت ريح فلان إذا أقبل أمره على ما يريد.\rقال قتادة وابن زيد: هو ريح النصر لم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله عز وجل تضرب وجوه العدو.","part":3,"page":364},{"id":1185,"text":"ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: \"نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور\" (1) .\rوعن النعمان بن مقرن قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر (2) .\rقوله عز وجل: { وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا عبد الله بن محمد، ثنا معاوية بن عمرو، ثنا أبو إسحاق، عن موسى بن عقبة، عن سالم أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله وكان كاتبا له قال: كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى فقرأته أن رسول 149/ب الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس فقال: \"يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف\"، ثم قال: اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم\" (3) .\r{ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48) }\rقوله تعالى: { وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا } فخرا وأشرا، { وَرِئَاءَ النَّاسِ } قال الزجاج: البطر الطغيان في النعمة وترك شكرها، والرياء: إظهار الجميل ليرى وإبطان القبيح، { وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } نزلت في المشركين حين أقبلوا إلى بدر ولهم\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الاستسقاء، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : نصرت بالصبا: 2 / 520، وفي بدء الخلق، والأنبياء، ومسلم في الاستسقاء، باب في ريح الصبا والدَّبُور برقم (900): 2 / 617، والمصنف في شرح السنة: 4 / 387.\r(2) أخرجه أبو داود في الجهاد، باب في أي وقت يستحب اللقاء؟: 4 / 7، والترمذي في السير، باب ما جاء في الساعة التي يستحب فيها القتال: 5 / 238، وقال: حديث حسن صحيح، والحاكم: 2 / 116، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، والإمام أحمد في المسند: 5 / 444 - 445، وعزاه المنذري في مختصر السنن للنسائي.\r(3) أخرجه البخاري في الجهاد، باب كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يقاتل أول النهار. . . 6 / 130 ، ومسلم في الجهاد والسير، باب كراهية تمني لقاء العدو (1742) 3 / 1362، والمصنف في شرح السنة: 11 / 38 - 39.","part":3,"page":365},{"id":1186,"text":"بغي وفخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تجادلك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني\"، قالوا: لما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم فقد نجاها الله، فارجعوا، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد بدرا، وكان بدر موسما من مواسم العرب يجتمع لهم بها سوق كل عام، فنقيم بها ثلاثا فننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا أبدا، فوافوها فسقوا +كئوس المنايا مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القيان، فنهى الله عباده المؤمنين أن يكونوا مثلهم وأمرهم بإخلاص النية والحسبة في نصر دينه ومؤازرة نبيه صلى الله عليه وسلم (1) .\rقوله تعالى: { وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ } وكان تزيينه أن قريشا لما اجتمعت للسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر من الحرب، فكاد ذلك أن يثنيهم فجاء إبليس في جند من الشياطين معه رايته، فتبدى لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، { وَقَالَ } لهم { لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ } أي: مجير لكم من كنانة، { فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ } أي التقى الجمعان رأى إبليس الملائكة نزلوا من السماء علم أنه لا طاقة له بهم، { نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ } قال الضحاك: ولى مدبرا. وقال النضر بن شميل: رجع القهقرى على قفاه هاربا. قال الكلبي: لم التقوا كان إبليس في صف المشركين على صورة سراقة آخذا بيد الحارث بن هشام، فنكص على عقبيه، فقال له الحارث: أفرارا من غير قتال؟ فجعل يمسكه فدفع في صدره وانطلق وانهزم الناس، فلما قدموا مكة قالوا هزم الناس سراقة، فبلغ ذلك سراقة، فقال: بلغني أنكم تقولون: إني هزمت الناس، فوالله ما شعرت بمسيركم، حتى بلغني هزيمتكم! فقالوا: أما أتيتنا في يوم كذا؟ فحلف لهم. فلما أسلموا علموا أن ذلك كان الشيطان.\rقال الحسن في قوله: { وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ } قال: رأى إبليس جبريل متعجرا ببرد يمشي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، وفي يده اللجام يقود الفرس، ما ركب.\rوقال قتادة: كان إبليس يقول: إني أرى ما لا ترون وصدق. وقال { إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ } وكذب والله ما به من مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة به ولا منعة فأوردهم وأسلمهم، وذلك عادة عدو الله لمن أطاعه، إذا التقى الحق والباطل أسلمهم وتبرأ منهم.\rوقال عطاء: إني أخاف الله أن يهلكني فيمن يهلك.\r__________\r(1) انظر - فيما سبق - تفسير الآية (7) من السورة، والروايات التي ساقها المصنف هناك.","part":3,"page":366},{"id":1187,"text":"وقال الكلبي: خاف أن يأخذه جبريل عليه السلام ويعرف حاله فلا يطيعوه.\rوقيل: معناه إني أخاف الله أي أعلم صدق وعده لأوليائه لأنه كان على ثقة من أمره.\r{ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ } وقيل: معناه إني أخاف الله عليكم والله شديد العقاب. وقيل: انقطع الكلام عند قوله أخاف الله ثم يقول الله: والله شديد العقاب.\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن إبراهيم بن أبي علية، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"ما رؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله تعالى عن الذنوب العظام، إلا ما كان من يوم بدر\"، فقيل: وما رأى يوم بدر؟ قال: \"أما إنه قد رأى جبريل عليه السلام وهو يزع الملائكة\". هذا حديث مرسل (1) .\r{ إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49) وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50) }\rقوله تعالى: { إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } شك ونفاق، { غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ } يعني: غر المؤمنين دينهم، هؤلاء قوم كانوا مستضعفين بمكة قد أسلموا، وحبسهم أقرباؤهم من الهجرة، فلما خرجت قريش إلى بدر، أخرجوهم كرها، فلما نظروا إلى قلة المسلمين ارتابوا وارتدوا، وقالوا: غر هؤلاء دينهم، فقتلوا جميعا، منهم: قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة المخزوميان، والحارث بن زمعة بن الأسود بن المطلب، وعلي بن أمية بن خلف الجمحي، والعاص بن منبه بن الحجاج. قال الله تعالى: { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ } أي: ومن يسلم أمره إلى الله ويثق به، { فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ } قوي يفعل بأعدائه ما يشاء، { حَكِيمٌ }\r{ وَلَوْ تَرَى } يا محمد، { إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ } أي: يقبضون أرواحهم. اختلفوا فيه، قيل: هذا عند الموت، تضرب الملائكة وجوه الكفار وأدبارهم بسياط النار.\r__________\r(1) أخرجه مرسلا\" الإمام مالك في الموطأ، كتاب الحج، باب جامع الحج: 1 / 422، وعبد الرزاق في المصنف : 5 / 17 - 18 والمصنف في شرح السنة: 7 / 158.","part":3,"page":367},{"id":1188,"text":"وقيل: أراد الذين قتلوا من المشركين ببدر كانت الملائكة يضربون، { وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ } قال سعيد بن جبير ومجاهد: يريد أستاههم، ولكن الله حيي يكني. قال ابن عباس: كان المشركون إذا أقبلوا بوجوههم إلى المسلمين ضربت الملائكة وجوههم بالسيوف، وإذا ولو أدركتهم الملائكة فضربوا أدبارهم.\rوقال ابن جريج: يريد ما أقبل منهم وما أدبر، أي: يضربون أجسادهم كلها، والمراد بالتوفي: القتل. { وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ } أي: وتقول لهم الملائكة: ذوقوا عذاب الحريق. وقيل: كان مع الملائكة مقامع من حديد يضربون بها الكفار، فتلتهب النار في جراحاتهم، فذلك قوله تعالى: \"وذوقوا عذاب الحريق\". وقال الحسن: هذا يوم القيامة تقول لهم خزنة جهنم: ذوقوا عذاب الحريق. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يقولون لهم ذلك بعد الموت.\r{ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ (51) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (52) }","part":3,"page":368},{"id":1189,"text":"{ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (54) }\r{ ذَلِكَ } أي: ذلك الضرب الذي وقع بكم، { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } أي: بما كسبت أيديكم، { وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ }\r{ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ } كفعل آل فرعون وصنيعهم وعادتهم، معناه: أن عادة هؤلاء في كفرهم كعادة آل فرعون. قال ابن عباس: هو أن آل فرعون أيقنوا أن موسى نبي من الله فكذبوه، كذلك هؤلاء جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم بالصدق فكذبوه، فأنزل الله بهم عقوبة كما أنزل بآل فرعون. 150/أ { وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } أي: { كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ }\r{ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } أراد: أن الله تعالى لا يغير ما أنعم على قوم حتى يغيروا هم ما بهم، بالكفران وترك الشكر، فإذا فعلوا ذلك غير الله ما بهم، فسلبهم النعمة.","part":3,"page":368},{"id":1190,"text":"وقال السدي: نعمة الله محمد صلى الله عليه وسلم أنعم الله به على قريش وأهل مكة، فكذبوه وكفروا به فنقله الله إلى الأنصار، { وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }\r{ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ } كصنع آل فرعون، { وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } من كفار الأمم، { كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ } أهلكنا بعضهم بالرجفة وبعضهم بالخسف وبعضهم بالمسخ وبعضهم بالريح وبعضهم بالغرق، فكذلك أهلكنا كفار بدر بالسيف، لما كذبوا بآيات ربهم، { وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ } يعني: الأولين والآخرين.\r{ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) }\r{ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ } قال الكلبي ومقاتل: يعني يهود بني قريظة، منهم كعب بن الأشرف وأصحابه.\r{ الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ } يعني عاهدتهم وقيل: أي: عاهدت معهم. وقيل أدخل \"من\" لأن معناه: أخذت منهم العهد، { ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ } وهم بنو قريظة، نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعانوا المشركين بالسلاح على قتال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا فعاهدهم الثانية، فنقضوا العهد +ومالئوا الكفار على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق، وركب كعب بن الأشرف إلى مكة، فوافقهم على مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم، { وَهُمْ لا يَتَّقُونَ } لا يخافون الله تعالى في نقض العهد.\r{ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ } تجدنهم، { فِي الْحَرْبِ } قال مقاتل: إن أدركتهم في الحرب وأسرتهم، { فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ } قال ابن عباس: فنكل بهم من ورائهم. وقال سعيد بن جبير: أنذر بهم من خلفهم. وأصل التشريد: التفريق والتبديد، معناه فرق بهم جمع كل ناقض، أي: افعل بهؤلاء الذين نقضوا عهدك وجاءوا لحربك فعلا من القتل والتنكيل، يفرق منك ويخافك من خلفهم من أهل مكة واليمن، { لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } يتذكرون ويعتبرون فلا ينقضون العهد.","part":3,"page":369},{"id":1191,"text":"{ وَإِمَّا تَخَافَنَّ } أي: تعلمن يا محمد، { مِنْ قَوْمٍ } معاهدين، { خِيَانَةً } نقض عهد بما يظهر لكم منهم آثار الغدر كما ظهر من قريظة والنضير، { فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ } فاطرح إليهم عهدهم، { عَلَى سَوَاءٍ } يقول: أعلمهم قبل حربك إياهم أنك قد فسخت العهد بينك وبينهم حتى تكون أنت وهم في العلم بنقض العهد سواء، فلا [يتوهموا] (1) أنك نقضت العهد بنصب الحرب معهم، { إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ }\rأخبرنا محمد بن الحسن المروزي، أنا أبو سهل محمد بن عمر بن طرفة السجزي، أنا أبو سليمان الخطابي أنا أبو بكر محمد بن بكر بن محمد بن عبد الرزاق بن داسة التمار، ثنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، ثنا حفص بن عمر النمري، ثنا شعبة عن أبي الفيض عن [سليم] (2) بن عامر عن رجل من حمير قال: كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم، حتى إذا انقضى العهد غزاهم، فجاء رجل على فرس وهو يقول: الله أكبر الله أكبر، وفاء لا غدر، فنظر فإذا هو عمرو بن عبسة، فأرسل إليه معاوية فسأله فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء\". فرجع معاوية رضي الله عنه (3) .\r{ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (59) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (60) }\rقوله عز وجل: { وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا } قرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة وحفص \"يحسبن\" بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء، \"سبقوا\" أي: فأتوا، نزلت في الذين انهزموا يوم بدر من المشركين. فمن قرأ بالياء يقول \"لا يحسبن الذين كفروا\" أنفسهم سابقين فائتين في عذابنا، ومن قرأ\r__________\r(1) في \"ب\": (فلا يتوهموا).\r(2) في \"ب\": (سليمان).\r(3) أخرجه أبو داود في الجهاد، باب في الإمام يكون بينه وبين العدو، فيسير إليه: 4 / 63 - 64، والترمذي في السير، باب ما جاء في الغدر: 5 / 203 - 204 ، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن حبان ص (405) من موارد الظمآن، والإمام أحمد في المسند: 4 / 113، وعزاه المنذري أيضا للنسائي.","part":3,"page":370},{"id":1192,"text":"بالتاء فعلى الخطاب. قرأ ابن عامر: { إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ } بفتح الألف، أي: لأنهم لا يعجزون، ولا يفوتونني. وقرأ الآخرون بكسر الألف على الابتداء.\rقوله تعالى: { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ } الإعداد: اتخاذ الشيء لوقت الحاجة. { مِنْ قُوَّةٍ } أي: من الآلات التي تكون لكم قوة عليهم من الخيل والسلاك.\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنبأنا عبد الغافر بن محمد، أنا محمد بن عيسى الجلودي، ثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مسلم بن الحجاج ثنا هارون بن معروف ثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي علي، ثمامة بن شفي أنه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، وهو على المنبر: \"وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي\" (1) .\rوبهذا الإسناد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول \"ستفتح عليكم الروم ويكفيكم الله عز وجل فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه\" (2) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا أبو نعيم، ثنا عبد الرحمن بن الغسيل، عن حمزة بن أبي أسيد عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر حين صففنا لقريش وصفوا لنا: \"إذا أكثبوكم فعليكم بالنبل\" (3) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، ثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، ثنا حميد بن زنجويه، ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، ثنا هشام الدستوائي عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة عن أبي نجيح السلمي قال: حاصرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم الطائف فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: \"من بلغ بسهم في سبيل الله فهو له درجة في الجنة\" ، قال: فبلغت يومئذ ستة عشر سهما. وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل محرر\" (4) .\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الإمارة، باب فضل الرمي، برقم (1917): 3 / 1522.\r(2) أخرجه مسلم في الإمارة، باب فضل الرمي، برقم (1917): 3 / 1522.\r(3) أخرجه البخاري في الجهاد، باب التحريض على الرمي: 6 / 91، والمصنف في شرح السنة: 11 / 61.\r(4) أخرجه أبو داود في العتق، باب أي الرقاب أفضل: 5 / 425، والترمذي في فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل الرمي: 5 / 267 - 268، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في الجهاد، باب فضل من رمى بسهم: 6 / 27، والحاكم: 2 / 121، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، والإمام أحمد في المسند: 4 / 386، والمصنف في شرح السنة: 1 / 383.","part":3,"page":371},{"id":1193,"text":"أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو الحسين علي بن محمد بن بشران، أنا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا أحمد بن منصور الرمادي، ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن يحيى بن كثير، عن زيد بن سلام، عن عبد الله بن زيد بن الأزرق عن عقبة بن عامر الجهني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إن الله يدخل بالسهم الواحد الجنة ثلاثة: صانعه، والممد به، والرامي به في سبيل الله\" (1) .\rوروي عن خالد بن زيد عن عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر في الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به ومنبله، وارموا واركبوا، وإن ترموا أحب 150/ب إلي من أن تركبوا، كل شيء يلهو به الرجل باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته فإنهن من الحق. ومن ترك الرمي بعدما علمه رغبة عنه فإنه نعمة تركها أو قال كفرها\" (2) .\rقوله: { وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ } يعني: ربطها واقتناؤها للغزو. وقال عكرمة: القوة الحصون ومن رباط الخيل الإناث. وروي عن خالد بن الوليد أنه كان لا يركب في القتال إلا الإناث لقلة صهيلها. وعن أبي محيريز قال: كان الصحابة رضي الله عنهم يستحبون ذكور الخيل عند الصفوف وإناث الخيل عند البيات والغارات.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا أبو نعيم، ثنا زكريا عن عامر، ثنا عروة البارقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الأجر والمغنم\" (3) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف، ثنا محمد بن إسماعيل، ثنا علي بن حفص، ثنا ابن المبارك، ثنا طلحة بن أبي سعيد قال: سمعت سعيدا المقبري يحدث أنه سمع أبا هريرة يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا وتصديقا بوعده، فإن شبعه، وريه، وروثه، وبوله في ميزانه يوم القيامة\" (4) .\r__________\r(1) أخرجه عبد الرزاق في المصنف برقم (19522)، وأحمد في المسند: 4 / 154، وعبد الله بن زيد الأزرق لم يوثقه غير ابن حبان. وذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.\r(2) أخرجه أبو داود في الجهاد، باب في الرمي: 3 / 370، والترمذي في فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل الرمي: 5 / 265 - 266، وقال: هذا حديث حسن. (دون قوله: ومن ترك الرمي). والنسائي في الخيل، باب تأديب الرجل فرسه: 6 / 222 - 223، وابن ماجه في الجهاد، باب الرمي في سبيل الله (2811): 2 / 940 بلفظ الترمذي وصححه الحاكم: 2 / 95 ووافقه الذهبي. والإمام أحمد: 4 / 144.\r(3) أخرجه البخاري في الجهاد، باب الجهاد ماض مع البر والفاجر: 6 / 56، ومسلم في الإمارة، باب الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: (1872): 3 / 1493، والمصنف في شرح السنة: 10 / 385.\r(4) أخرجه البخاري في الجهاد، باب من احتبس فرسا: 6 / 57، والمصنف في شرح السنة: 10 / 388.","part":3,"page":372},{"id":1194,"text":"أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنا زاهر بن أحمد، أنبأنا أبو إسحاق الهاشمي، أنبأنا أبو مصعب، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"الخيل ثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وهي لرجل وزر، فأما التي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله، فأطال لها في مرج أو روضة فما أصابت في طيلها من ذلك المرج أو الروضة كان له حسنات، ولو أنها قطعت طيلها ذلك فاستنت شرفا أو شرفين، كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه، ولم يرد أن يسقيها كان ذلك له حسنات، فهي لذلك الرجل أجر، وأما التي هي له ستر: فرجل ربطها تغنيا وتعففا، ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها، فهي له ستر، وأما التي هي له وزر: فرجل ربطها فخرا ورياء، ونواء لأهل الإسلام، فهي على ذلك وزر\" وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمر فقال: \"ما أنزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: \"فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره\" (1) { تُرْهِبُونَ بِهِ } تخوفون { عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ } أي: وترهبون آخرين، { مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ } قال مجاهد ومقاتل وقتادة: هم بنو قريظة. وقال السدي: هم أهل فارس. وقال الحسن وابن زيد: هم المنافقون، لا تعلمونهم، لأنهم معكم يقولون: لا إله إلا الله. وقيل: هم كفار الجن.\r{ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } يوفى لكم أجره، { وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ } لا تنقص أجوركم.\r{ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) }\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الجهاد، باب الخيل لثلاثة. . . : 6 / 63 - 64، وفي الشرب والأنبياء والتفسير والاعتصام، ومسلم في الزكاة بأطول من هذا - باب إثم مانع الزكاة (987): 2 / 680 - 682، والمصنف في شرح السنة: 6 / 24.","part":3,"page":373},{"id":1195,"text":"{ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) }\rقوله تعالى: { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ } أي: مالوا إلى الصلح، { فَاجْنَحْ لَهَا } أي: مل إليها وصالحهم. روي عن قتادة والحسن: أن هذه الآية منسوخة (1) بقوله تعالى: \"فاقتلوا المشركين حيث\r__________\r(1) أخرجه الطبري في التفسير: 10 / 34 (طبع الحلبي) ثم قال عنه إنه \"قول لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل، وقد دللنا في غير موضع من كتابنا هذا - التفسير - وغيره، وعلى أن الناسخ لا يكون إلا ما نفى حكم المنسوخ من كل وجه، فأما ما كان بخلاف ذلك فغير كائن ناسخا، وقول الله في براءة \"فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم\" غير ناف حكمه حكم قوله: \"وإن جنحوا للسلم فاجنح لها\" لأن قوله: \"وإن جنحوا للسلم\" إنما عني به بنو قريظة، وكانوا يهودا أهل كتاب، وقد أذن الله جل ثناؤه للمؤمنين بصلح أهل الكتاب، ومتاركتهم الحرب، على أخذ الجزية منهم. وأما قوله: \"فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم\" فإنما عني به مشركي العرب من عبدة الأوثان الذين لا يجوز قبول الجزية منهم، فليس في إحدى الآيتين نفي حكم الأخرى. بل كل واحدة منهما محكمة فيما أنزلت فيه\".","part":3,"page":373},{"id":1196,"text":"وجدتموهم\" \"براءة -5\" { وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ } ! ثم بالله، { إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }\r{ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ } يغدروا ويمكروا بك. قال مجاهد: يعني بني قريظة. { فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ } كافيك الله، { هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ } أي: بالأنصار.\r{ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ } أي: بين الأوس والخزرج، كانت بينهم إحن وثارات في الجاهلية، فصيرهم الله إخوانا بعد أن كانوا أعداء، { لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }\rقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } قال سعيد بن جبير: أسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة، ثم أسلم عمر بن الخطاب فتم به الأربعون، فنزلت هذه الآية (1) .\rواختلفوا في محل \"من\" فقال أكثر المفسرين محله خفض، عطفا على الكاف في قوله: \"حسبك الله\" وحسب من اتبعك، وقال بعضهم: هو رفع عطفا على اسم الله معناه: حسبك الله ومتبعوك من المؤمنين.\r{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (65) الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66) مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) }\rقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ } أي: حثهم على القتال.\r__________\r(1) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (273).","part":3,"page":374},{"id":1197,"text":"{ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ } رجلا { صَابِرُونَ } محتسبون، { يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ } من عدوهم يقهروهم، { وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ } صابرة محتسبة، { يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا } ذلك { بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ } أي: إن المشركون يقاتلون على غير احتساب ولا طلب ثواب، ولا يثبتون إذا صدقتموهم القتال، خشية أن يقتلوا. وهذا خبر بمعنى الأمر، وكان هذا يوم بدر فرض الله على الرجل الواحد من المؤمنين قتال عشرة من الكافرين، فثقلت على المؤمنين، فخفف الله عنهم، فنزل:\r{ الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا } أي: ضعفا في الواحد عن قتال العشرة وفي المائة عن قتال الألف، وقرأ أبو جعفر: \"ضعفاء\" بفتح العين والمد على الجمع، وقرأ الآخرون بسكون العين، { فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ } من الكفار، { وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } فرد من العشرة إلى الاثنين، فإن كان المسلمون على الشطر من عدوهم لا يجوز لهم أن يفروا.\rوقال سفيان قال ابن شبرمة: وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا .\rقرأ أهل الكوفة: \"وإن يكن منكم مائة\"، بالياء فيهما وافق أهل البصرة في الأول والباقون بالتاء فيهما. وقرأ عاصم وحمزة \"ضعفاء\" بفتح الضاد هاهنا وفي سورة الروم، والباقون بضمها.\rوقوله تعالى: { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى } قرأ أبو جعفر وأهل البصرة: \"تكون\" بالتاء والباقون بالياء، وقرأ أبو جعفر: \"أسارى\"، والآخرون. \"أسرى\".\rوروى الأعمش عن عمر بن مرة عن أبي عبيد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ما تقولون في هؤلاء\"؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك فاستبقهم +واستأن بهم، لعل الله أن يتوب عليهم، وخذ منهم فدية، تكون لنا قوة على الكفار، وقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك قدمهم نضرب أعناقهم، مكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، ومكني من فلان -نسيب لعمر -فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر، 151/أ وقال عبد الله بن رواحة يا رسول الله انظر واديا كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم أضرم عليهم نارا. فقال له العباس: قطعت رحمك. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبهم، ثم دخل، فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول ابن رواحة، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال \"إن الله تعالى ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، ويشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال: \"فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم\"","part":3,"page":375},{"id":1198,"text":"\"إبراهيم -36\"، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى حيث قال: \"إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم\" \"المائدة -118\"، وإن مثلك يا عمر مثل نوح حيث قال: \"رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا\" \"نوح -26\"، ومثل موسى قال: \"ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم\" \"يونس -88\"، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أنتم اليوم عالة فلا يفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق\"، قال عبد الله ابن مسعود إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع علي الحجارة من السماء من ذلك اليوم، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إلا سهيل بن بيضاء\" (1) . قال ابن عباس: قال عمر بن الخطاب فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين [يبكيان] (2) قلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة، لشجرة قريبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله تعالى: \"ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض\" إلى قوله: \"فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا\" \"الأنفال 67 -69\" فأحل الله الغنيمة لهم (3) . بقوله: \"له أسرى\" جمع أسير مثل قتلى وقتيل.\rقوله: { حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ } أي: يبالغ في قتال المشركين وأسرهم، { تُرِيدُونَ } أيها المؤمنون { عَرَضَ الدُّنْيَا } بأخذكم الفداء، { وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ } يريد لكم ثواب الآخرة بقهركم المشركين ونصر دين الله عز وجل، \"والله عزيز حكيم\".\rوكان الفداء لكل أسير أربعين أوقية، والأوقية أربعون درهما.\rقال ابن عباس رضي الله عنهما: كان هذا يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله في الأسارى \"فإما منا بعد وإما فداء\"، \"محمد -4\" فجعل الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في أمر الأسارى بالخيار إن شاءوا قتلوهم وإن شاءوا استبعدوهم ، وإن شاءوا فادوهم،\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في التفسير، تفسير سورة الأنفال: 8 / 476، وقال: هذا حديث حسن. وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه (فهو منقطع)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: 14 / 370 - 372، ومن طريقه: البيهقي في السنن: 6 / 321، وأخرجه أبو عبيد في الأموال ص (135) (طبع قطر). وصححه الحاكم: 3 / 21 - 22، ووافقه الذهبي، والطبري: 10 / 43 (طبع الحلبي) والواحدي ص (274)، وانظر: مجمع الزوائد: 6 / 86 - 87. وفي رواية الطبري: ومثلك يا بن رواحة كمثل موسى. . .\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) الطبري: 10 / 44 (طبع الحلبي).","part":3,"page":376},{"id":1199,"text":"وإن شاءوا أعتقوهم (1) .\r{ لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69) }\rقوله تعالى: { لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ } قال ابن عباس: كانت الغنائم حراما على الأنبياء والأمم فكانوا إذا أصابوا شيئا من الغنائم [جعلوه] (2) للقربان، فكانت تنزل نار من السماء فتأكله، فلما كان يوم بدر أسرع المؤمنون في الغنائم وأخذوا الفداء، فأنزل الله عز وجل: \"لولا كتاب من الله سبق\" (3) يعني لولا قضاء من الله سبق في اللوح المحفوظ بأنه يحل لكم الغنائم.\rوقال الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير: لولا كتاب من الله سبق أنه لا يعذب أحدا ممن شهد بدرا مع النبي صلى الله عليه وسلم (4) .\rوقال ابن جريج: لولا كتاب من الله سبق أنه لا يضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون، وأنه لا يأخذ قوما فعلوا أشياء بجهالة (5) { لَمَسَّكُمْ } لنا لكم وأصابكم، { فِيمَا أَخَذْتُمْ } من الفداء قبل أن تؤمروا به، { عَذَابٌ عَظِيمٌ }\rقال ابن إسحاق: لم يكن من المؤمنين أحد ممن أحضر إلا حب الغنائم إلا عمر بن الخطاب فإنه أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الأسرى، وسعد بن معاذ قال: يا رسول الله كان الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لو نزل عذاب من السماء ما نجا منه غير عمر بن الخطاب وسعد بن معاذ\" (6) .\rفقال الله تعالى: { فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } روي أنه لما نزلت الآية الأولى كف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أيديهم عما أخذوا من الفداء فنزل: { فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ }\r__________\r(1) عزاه السيوطي لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما. (الدر المنثور: 4 / 108).\r(2) في \"أ\"\" (كان).\r(3) عزاه السيوطي لابن مردويه. (الدر: 4 / 111).\r(4) انظر: الطبري: 10 / 47.\r(5) انظر: الطبري: 10 / 47.\r(6) أخرجه الطبري: 14 / 71. قال الحافظ ابن حجر في \"الكافي الشاف\" ص (71) : \"ورواه الواقدي في المغازي من وجه آخر منقطع، بمعناه، وروى ابن مردويه من حديث ابن عمر رفعه: \"لو نزل العذاب ما أفلت منه إلا ابن الخطاب\"، وانظر: الأموال لأبي عبيد ص (136 - 137).","part":3,"page":377},{"id":1200,"text":"الآية. وروينا عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي\" (1) .\rأخبرنا حسان بن سعيد المنيعي، أنا أبو طاهر الزيادي، أنا محمد بن الحسين القطان، ثنا أحمد بن يوسف السلمي، ثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر عن همام، ثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله: \"لم تحل الغنائم لأحد من قبلنا، وذلك بأن الله رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا\". (2) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التيمم: 1 / 435 - 436، وفي المساجد، والجهاد، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، برقم (521): 1 / 370 - 371 ، والمصنف في شرح السنة: 13 / 196.\r(2) أخرجه البخاري في فرض الخمس، باب \"لم تحل الغنائم لأحد من قبلنا. . . \" 6 / 220، ومسلم مطولا، واللفظ له، في الجهاد، باب تحليل الغنائم. . . (1747): 3 / 1366 - 1367.","part":3,"page":378},{"id":1201,"text":"{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (70) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (71) }\rقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأسْرَى } قرأ أبو عمرو وأبو جعفر: \"من الأسارى\" بالألف، والباقون بلا ألف.\rنزلت في العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه وكأن أسر يوم بدر، وكان أحد العشرة الذين ضمنوا طعام أهل بدر، وكان يوم بدر نوبته ، وكان خرج بعشرين أوقية من الذهب ليطعم بها الناس، فأراد أن يطعم ذلك اليوم فاقتتلوا [وبقيت] (1) العشرون أوقية معه، فأخذت منه في الحرب، فكلم النبي صلى الله عليه وسلم أن يحتسب العشرين أوقية من فدائه فأبى وقال: \"أما شيء خرجت تستعين به علينا فلا أتركه لك\" وكلف فداء ابني أخيه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، فقال العباس: يا محمد تركتني أتكفف قريشا ما بقيت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة وقلت لها: إني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا، فإن حدث بي حدث فهو لك ولعبد الله ولعبيد الله وللفضل وقثم\"، يعني نبيه، فقال له العباس: وما يدريك؟ قال: أخبرني به ربي عز وجل، قال العباس: أشهد أنك صادق! وأن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، ولم يطلع عليه أحد إلا الله عز وجل، فذلك قوله تعالى: \"يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى\" الذين أخذت منهم الفداء، { إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا } أي إيمانا، { يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ } من الفداء، { وَيَغْفِرْ لَكُمْ }\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".","part":3,"page":378},{"id":1202,"text":"ذنوبكم { وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [قال العباس رضي الله عنه] (1) فأبدلني الله عنها عشرين عبدا 151/ب كلهم تاجر يضرب بمال كثير وأدناهم يضرب بعشرين ألف درهم مكان عشرين أوقية، وأعطاني زمزم وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي عز وجل (2) .\rقوله عز وجل: { وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ } يعني الأسارى، { فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ } ببدر، { وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } قال ابن جريج: أراد بالخيانة الكفر، أي: إن كفروا بك فقد كفروا بالله من قبل فأمكن منهم المؤمنين ببدر حتى قتلوهم وأسروهم، وهذا تهديد لهم إن عادوا إلى قتال المؤمنين ومعاداتهم.\r{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) }\rقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا } أي: هجروا قومهم وديارهم، يعني المهاجرين. { وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا } رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين معه، أي: أسكنوهم منازلهم، { وَنَصَرُوا } أي: ونصروهم على أعدائهم وهم الأنصار رضي الله عنهم، { أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } دون أقربائهم من الكفار. قيل: في العون والنصرة. وقال ابن عباس: في الميراث وكانوا يتوارثون بالهجرة، فكان المهاجرون والأنصار يتوارثون دون ذوي الأرحام، وكان من آمن ولم يهاجر لا يرث من قريبه المهاجر حتى كان فتح مكة وانقطعت الهجرة، وتوارثوا بالأرحام حيث\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) أخرجه الواحدي في أسباب النزول عن الكلبي ص (276)، والطبري: 14 / 73، والحاكم في المستدرك: 3 / 324 عن عائشة وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 7 / 28: \"رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار، ورجال الأوسط رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع وفي الصحيح بعضه\" وانظر: الكافي الشاف ص (71).","part":3,"page":379},{"id":1203,"text":"ما كانوا، وصار ذلك منسوخا بقوله عز وجل: (1) \"وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله\" \"الأحزاب -6\" { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ } يعني الميراث، { حَتَّى يُهَاجِرُوا } قرأ حمزة: \"ولا يتهم\" بكسر الواو، والباقون بالفتح، وهما واحد كالدلالة والدلالة. { وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ } أي: استنصركم المؤمنون الذين لم يهاجروا، { فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ } عهد فلا تنصروهم عليهم، { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }\r{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } في العون والنصرة. وقال ابن عباس: في الميراث، أي: يرث المشركون بعضهم من بعض، { إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ } قال ابن عباس: إلا تأخذوا في الميراث بما أمرتكم به.\rوقال ابن جريج: إلا تعاونوا وتناصروا.\rوقال ابن إسحاق: جعل الله المهاجرين والأنصار أهل ولاية في الدين دون من سواهم، وجعل الكافرين بعضهم أولياء بعض، ثم قال: { إِلا تَفْعَلُوهُ } وهو أن يتولى المؤمن الكافر دون المؤمن { تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } فالفتنة في الأرض قوة الكفر، والفساد الكبير ضعف الإسلام.\r{ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا } لا مرية ولا ريب في إيمانهم. قيل: حققوا إيمانهم بالهجرة والجهاد وبذل المال في الدين، { لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } في الجنة. فإن قيل: أي معنى في تكرار هذه الآية؟ قيل: المهاجرون كانوا على طبقات: فكان بعضهم أهل الهجرة الأولى، وهم الذي هاجروا قبل الحديبية، وبعضهم أهل الهجرة الثانية، وهم الذين هاجروا بعد صلح الحديبية قبل فتح مكة، وكان بعضهم ذا هجرتين هجرة الحبشة والهجرة إلى المدينة، فالمراد من الآية الأولى الهجرة الأولى، ومن الثانية الهجرة الثانية.\r{ وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75) }\rقوله: { وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ } أي: معكم، يريد: أنتم\r__________\r(1) انظر : الطبري: 14 / 68 بتحقيق محمود شاكر.","part":3,"page":380},{"id":1204,"text":"منهم وهو منكم، { وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض } وهذا نسخ التوارث بالهجرة ورد الميراث إلى ذوي الأرحام.\rقوله { فِي كِتَابِ اللَّهِ } أي: في حكم الله عز وجل. وقيل: أراد بكتاب الله القرآن، يعني: القسمة التي بينها في سورة النساء، { إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }","part":3,"page":381},{"id":1205,"text":"سورة التوبة\rقال مقاتل: هذه السورة مدنية إلا آيتين من آخر السورة.\rقال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: سورة التوبة؟ قال: هي الفاضحة ما زالت تنزل: \"ومنهم..\"، \"ومنهم..\" حتى ظنوا أنها لم تُبْق أحدا منهم إلا ذكر فيها، قال: قلت سورة الأنفال؟ قال: تلك سورة بدر، قال: قلت: سورة الحشر؟ قال: قل سورة بني النضير (1) .\rأخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أنا أبو إسحاق أحمد بن محمد إبراهيم الثعلبي، أنبأنا أبو الحسين علي بن محمد بن الحسين الجرجاني، أنبأنا أبو أحمد عبد الله بن عديّ الحافظ، أنبأنا أحمد بن علي بن المثنى، حدثنا عبيد الله القواريري، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا عوف بن أبي جميلة الأعرابي، حدثني يزيد الفارسي، حدثني ابن عباس رضي الله عنهما قال: قلت لعثمان بن عفان رضي الله عنه: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة، وهي من المئين، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما \"بسم الله الرحمن الرحيم\" ووضعتموها في السبع الطوال؟.\rفقال عثمان: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مما يأتي عليه الزمان، وهو ينزل عليه السُّوَر ذوات العدد، فإذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده، فيقول: ضعوا هذه الآية في السورة التي يُذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال مما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر ما نزل، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، وقُبِض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبيِّنْ لنا أنها منها، فمن ثم قرنتُ بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتها في السبع الطوال (2) .\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر المنثور: (4 / 120) لأبي عبيد وابن المنذر وابن مردويه، مختصرا.\r(2) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب من جهر بها (بسم الله الرحمن الرحيم): 1 / 380، والترمذي في التفسير: 8 / 477-480، وقال: هذا حديث حسن (وفي نسخة: حسن صحيح) لا نعرفه إلا من حديث عوف عن يزيد الفارسي عن ابن عباس، ويزيد الفارسي روى عن ابن عباس غير حديث، ويقال: هو يزيد بن هرمز. وأخرجه ابن حبان ص (125) من موارد الظمآن، والحاكم: 2 / 221، 330، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. والإمام أحمد في المسند: 1 / 57، 69. وعزاه ابن كثير للنسائي (تفسير ابن كثير: 4 / 588) ورواه الحافظ ابن حجر في \"موافقة الخبر الخبر ص68، 69\" بإسناده إلى أبي داود وحسنه، وقال: رجاله رجال الصحيح إلا يزيد الفارسي، وضعف أحمد شاكر هذا الحديث في تعليقه على المسند: 1 / 329، وقال: هو حديث ضعيف، بل هو حديث لا أصل له، يدور في كل رواياته على يزيد الفارسي الذي رواه عن ابن عباس، تفرد به عنه عوف بن أبي جميلة الأعرابي وهو ثقة. ومن قبل: ضعفه ابن عطية فقال: هذا القول يضعفه النظر أن يختلف في كتاب الله هكذا. انظر: المحرر الوجيز: 6 / 398. وانظر أيضا: تفسير ابن كثير: 2 / 332، 4 / 106، 588، فضائل القرآن (الملحق بالتفسير) لابن كثير: ص (17-18)، شرح السنة للبغوي: 4 / 518، والدر المنثور: 4 / 119، فتح القدير للشوكاني: 2 / 331-332.","part":4,"page":7},{"id":1206,"text":"{ بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2) }\rقوله تعالى: { بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } أي هذه براءة من الله. وهي مصدر كالنَّشاءة والدَّناءة.\rقال المفسرون: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، كان المنافقون يرجفون الأراجيف وجعل المشركون ينقضون عهودا كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر الله عز وجل بنقض عهودهم، وذلك قوله عز وجل: \"وإما تخافن من قوم خيانة\" الآية (الأنفال -58).\rقال الزجاج: براءة أي: قد برئ الله تعالى ورسوله من إعطائهم العهود والوفاء لهم بها إذا نكثوا.\r{ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } الخطاب مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي عاهدهم وعاقدهم، لأنه عاهدهم وأصحابه راضون بذلك، فكأنهم عاقدوا وعاهدوا.\r{ فَسِيحُوا فِي الأرْضِ } رجع من الخبر إلى الخطاب، أي: قل لهم: سيحوا، أي: سيروا في الأرض، مقبلين ومدبرين، آمنين غير خائفين أحدا من المسلمين. { أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ } أي: غير فائتين ولا سابقين، { وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ } أي: مذلُّهم بالقتل في الدنيا والعذاب في الآخرة.\rواختلف العلماء في هذا التأجيل وفي هؤلاء الذين برئ الله ورسوله إليهم من العهود التي كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم:\rفقال جماعة: هذا تأجيل من الله تعالى 152/أ للمشركين، فمن كانت مدة عهده أقل من أربعة","part":4,"page":8},{"id":1207,"text":"أشهر: رفعه إلى أربعة أشهر، ومن كانت مدة عهده أكثر من أربعة أشهر: حطَّه إلى أربعة أشهر، ومن كانت مدة عهده بغير أجل محدود: حدَّه بأربعة أشهر، ثم هو حرب بعد ذلك لله ورسوله، فَيُقْتل حيث أدرك ويؤسر إلا أن يتوب (1) .\rوابتداء هذا الأجل: يوم الحج الأكبر، وانقضاؤه إلى عشر من شهر ربيع الآخر.\rفأما من لم يكن له عهد فإنما أجله انسلاخ الأشهر الحُرُم، وذلك خمسون يوما. وقال الزهري: الأشهر الأربعة شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم (2) لأن هذه الآية نزلت في شوال، والأول هو الأصوب، وعليه الأكثرون.\rوقال الكلبي: إنما كانت الأربعة الأشهر لمن كان له عهد دون أربعة أشهر، فأتم له أربعة أشهر، فأما من كان له عهد أكثر من أربعة أشهر فهذا أمر بإتمام عهده بقوله تعالى: \"فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم\". (3) قال الحسن: أمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بقتال من قاتله من المشركين، فقال: \"قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم\" فكان لا يقاتل إلا مَنْ قاتله، ثم أمره بقتال المشركين والبراءة منهم، وأجَّلهم أربعة أشهر، فلم يكن لأحد منهم أجل أكثر من أربعة أشهر، لا من كان له عهد قبل البراءة ولا من لم يكن له عهد، فكان الأجل لجميعهم أربعة أشهر، وأحلَّ دماء جميعهم من أهل العهد وغيرهم بعد انقضاء الأجل.\rوقيل: نزلت هذه قبل تبوك.\rقال محمد بن إسحاق ومجاهد وغيرهما: نزلت في أهل مكة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاهد قريشا عام الحديبية على: أن يضعوا الحرب عشر سنين يَأْمَنُ فيها الناس، ودخلت خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل بنو بكر في عهد قريش، ثم عَدَتْ بنو بكر على خزاعة فنالت منها، وأعانتهم قريش بالسلاح، فلما تظاهر بنو بكر وقريش على خزاعة ونقضوا عهدهم، خرج عمرو بن سالم الخزاعي، حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: لا هُمَّ إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتْلدا\rفانصر هداك الله نصرا أبدا ... وادعُ عبادَ الله يأتوا مددا\rأبيض مثل الشمس يسمو صعدا ... إن سِيْم خَسْفا وجهُه تربَّدا\rهم بَيَّتونا بالهجير هُجَّدا ... وقتلونا رُكَّعا وسُجَّدا\rكنت لنا أبا وكنا ولدا ... ثَمَّتَ أسلمنا ولم نَنزعْ يدا\rفيهم رسول الله قد تجرَّدا ... في فَيْلَقٍ كالبحر يجري مُزْبدا\rإن قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكَّدا\rوزعموا أن لست تنجي أحدا ... وهم أذلُّ وأقلُّ عددا\r__________\r(1) تفسير الطبري: 14 / 96-97.\r(2) تفسير الطبري: 14 / 101.\r(3) تفسير الطبري: 14 / 102.","part":4,"page":9},{"id":1208,"text":"فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا نصرتُ إن لم أنصركم\"، وتجهز إلى مكة سنة ثمان من الهجرة.\rفلما كان سنة تسع أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحج، ثم قال: إنه يحضر المشركون فيطوفون عراة، فبعث أبا بكر تلك السنة أميرا على الموسم ليقيم للناس الحج، وبعث معه بأربعين آية من صدر براءة ليقرأها على أهل الموسم، ثم بعث بعده عليا، كرَّم الله وجهه، على ناقته العضباء ليقرأ على الناس صدر براءة، وأمره أن يؤذِّن بمكة ومنى وعرفة: أن قد بَرِئَتْ ذمة الله وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم من كل مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.\rفرجع أبو بكر فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أنزل في شأني شيء؟ قال: لا ولكن لا ينبغي لأحد أن يبلِّغ هذا إلا رجل من أهلي، أما ترضى يا أبا بكر أنك كنت معي في الغار وأنك صاحبي على الحوض؟ قال: بلى يا رسول الله.\rفسار أبو بكر رضي الله عنه أميرا على الحج، وعلي رضي الله عنه ليؤذِّن ببراءة، فلما كان قبل يوم التروية بيوم خطب أبو بكر الناس وحَدَّثهم عن مناسكهم، وأقام للناس الحج، والعرب في تلك السنة على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية من الحج، حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه، فأذَّن في الناس بالذي أمر به، وقرأ عليهم سورة براءة (1) .\rوقال زيد بن يُثَيْع (2) سألنا عليًا بأي شيء بعثت في تلك الحجة؟ قال: بعثت بأربع: لا يطوف بالبيت عريان، ومَنْ كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فهو إلى مدته، ومَنْ لم يكن له عهد فأجله أربعة\r__________\r(1) انظر: سيرة ابن هشام: 2 / 394-396، 545-546، تفسير الطبري: 14 / 96-97.\r(2) زيد بن يُثَيْع - بضم التحتانية، وقد تبدل همزة، بعدها مثلثة ثم تحتانية ساكنة ثم مهملة، الهمداني الكوفي - ثقة، مخضرم - من الثانية (التقريب) وفي الأصل كانت \"تبيع\".","part":4,"page":10},{"id":1209,"text":"أشهر، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يجتمع المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا (1) .\rثم حج النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر حجة الوداع.\rفإن قال قائل: كيف بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه ثم عزله وبعث عليًا رضي الله عنه؟.\rقلنا: ذكر العلماء أن رسول الله لم يعزل أبا بكر رضي الله عنه، وكان هو الأمير، وإنما بعث عليا رضي الله عنه لينادي بهذه الآيات، وكان السبب فيه: أن العرب تعارفوا فيما بينهم في عقد العهود ونقضها، أن لا يتولى ذلك إلا سيدهم، أو رجل من رَهْطِه، فبعث عليًا رضي الله عنه إزاحة للعلة، لئلا يقولوا: هذا خلاف ما نعرفه فينافي نقضَ العهد.\rوالدليل على أن أبا بكر رضي الله عنه كان هو الأمير: ما أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إسحاق، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر رضي الله عنه في تلك الحجة في مؤذنين يوم النحر نؤذن بمنى: ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. قال حميد بن عبد الرحمن: ثم أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فأمره أن يؤذِّن ببراءة. قال أبو هريرة فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر: ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان (2) .\r{ وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) } .\rقوله عز وجل: { وَأَذَان } عطف على قوله: \"براءة\" أي: إعلام. ومنه الأذان بالصلاة، يقال: آذنته فأذن، أي: أعلمته. وأصله من الأذن، أي: أوقعته في أذنه.\r{ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأكْبَرِ } واختلفوا في يوم الحج الأكبر: روى عكرمة عن ابن عباس: أنه يوم عرفة، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن الزبير. وهو قول عطاء وطاوس\r__________\r(1) تفسير الطبري: 14 / 106، ورواه الترمذي في الحج: 3 / 610، وفي التفسير: 8 / 488 وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه الإمام أحمد في المسند برقم (4) ورقم (594) بتحقيق الشيخ أحمد شاكر. وانظر: فتح الباري: 8 / 319.\r(2) أخرجه البخاري في الصلاة، باب ما يستر من العورة: 1 / 477-478، ومسلم في الحج، باب لا يحج بالبيت مشرك.. برقم (1347): 2 / 982.","part":4,"page":11},{"id":1210,"text":"ومجاهد وسعيد بن المسيب.\rوقال جماعة: هو يوم النحر، روي عن يحيى بن الجزار قال: خرج علي رضي الله عنه يوم النحر على بغلة بيضاء، يريد الجبانة، فجاءه رجل وأخذ بلجام دابته وسأله عن يوم الحج الأكبر؟ فقال: يومك هذا، خل سبيلها. ويروى ذلك عن عبد الله بن أبي أوفى والمغيرة بن شعبة. وهو قول الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير والسدي.\rوروى ابن جريج عن مجاهد: يوم الحج الأكبر حين الحج أيام منى كلها، وكان سفيان الثوري يقول: يوم الحج الأكبر أيام منى كلها، مثل: يوم صفين ويوم الجمل ويوم بُعاث، يراد به: الحين والزمان، لأن هذه الحروب دامت أياما كثيرة .\rوقال عبد الله بن الحارث بن نوفل: يوم الحج الأكبر اليوم الذي حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو قول ابن سيرين، لأنه اجتمع فيه حج المسلمين وعيد اليهود والنصارى والمشركين، 152/ب ولم يجتمع قبله ولا بعده.\rواختلفوا في الحج الأكبر: فقال مجاهد: الحج الأكبر: القِران، والحج الأصغر: إفراد الحج.\rوقال الزهري والشعبي وعطاء: الحج الأكبر: الحج، والحج الأصغر: العمرة؛ قيل لها الأصغر لنقصان أعمالها.\rقوله تعالى: { أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ } أي: ورسوله أيضا بريء من المشركين. وقرأ يعقوب \"ورسوله\" بنصب اللام أي: أن الله ورسوله برئ، { فَإِنْ تُبْتُمْ } رجعتم من كفركم وأخلصتم التوحيد، { فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ } أعرضتم عن الإيمان، { فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } .\r{ إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) } .\r{ إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } هذا استثناء من قوله: \"براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين\" إلا مِنْ عَهْد الذين عاهدتم من المشركين، وهم بنو ضمرة، حي من كنانة، أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بإتمام عهدهم إلى مدتهم، وكان قد بقي من مدتهم تسعة أشهر، وكان السبب","part":4,"page":12},{"id":1211,"text":"فيه: أنهم لم ينقضوا العهد، وهذا معنى قوله تعالى: { ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا } من عهدهم الذي عاهدتموهم عليه، { وَلَمْ يُظَاهِرُوا } لم يعاونوا، { عَلَيْكُمْ أَحَدًا } من عدوكم. وقرأ عطاء بن يسار: \"لم ينقضوكم\" بالضاد المعجمة من نقض العهد، { فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ } فأوفوا لهم بعهدهم، { إِلَى مُدَّتِهِمْ } إلى أجلهم الذي عاهدتموهم عليه، { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ } .\r{ فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) } .\rقوله تعالى { فَإِذَا انْسَلَخَ } انقضى ومضى { الأشْهُرُ الْحُرُمُ } قيل: هي الأشهر الأربعة: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم.\rوقال مجاهد وابن إسحاق: هي شهور العهد، فمن كان له عهد فعهده أربعة أشهر، ومن لا عهد له: فأجله إلى انقضاء المحرم خمسون يوما، وقيل لها \"حُرُم\" لأن الله تعالى حَّرم فيها على المؤمنين دماء المشركين والتعرض لهم.\rفإن قيل: هذا القدر بعض الأشهر الحرم والله تعالى يقول: \"فإذا انسلخ الأشهر الحرم\"؟.\rقيل: لما كان هذا القدر متصلا بما مضى أطلق عليه اسم الجمع، ومعناه: مضت المدة المضروبة التي يكون معها انسلاخ الأشهر الحرم.\rقوله تعالى: { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } في الحل والحرم، { وَخُذُوهُمْ } وأسروهم ، { وَاحْصُرُوهُم } أي: احبسوهم.\rقال ابن عباس رضي الله عنه: يريد إن تَحَصَّنوا فاحصروهم، أي: امنعوهم من الخروج.\rوقيل: امنعوهم من دخول مكة والتصرف في بلاد الإسلام.\r{ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ } أي: على كل طريق، والمرصد: الموضع الذي يرقب فيه العدو، من رصدت الشيء أرصده: إذا ترقبته، يريد: كونوا لهم رصدا لتأخذوهم من أي وجه توجهوا.\rوقيل: اقعدوا لهم بطريق مكة، حتى لا يدخلوها.","part":4,"page":13},{"id":1212,"text":"{ فَإِنْ تَابُوا } من الشرك، { وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ } يقول: دعوهم فليتصرفوا في أمصارهم ويدخلوا مكة، { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ } لمن تاب، { رَحِيمٌ } به.\rوقال الحسين بن الفضل: هذه الآية نسخت كل آية في القرآن فيها ذكر الإعراض والصبر على أذى الأعداء (1) .\r{ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (6) } .\r__________\r(1) تقدم في مناسبة سابقة أن بعض العلماء رحمهم الله قد توسع في هذه القضية، فجعل آية السيف ناسخة لكل آية في القرآن فيها أمر بالصبر أو الصفح أو المسالمة، ولا يسلم لهم ذلك فإنه لا تنافي بينها، وهي من \"المنسأ\" كما يقول الزركشي وغيره، وليست من المنسوخ.","part":4,"page":14},{"id":1213,"text":"{ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) } .\rقوله تعالى: { وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ } أي: وإن استجارك أحد من المشركين الذين أمرتك بقتالهم وقتلهم، أي: استأمنك بعد انسلاخ الأشهر الحرم ليسمع كلام الله. { فَأَجِرْهُ } فأعِذْه وآمنه، { حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ } فيما له وعليه من الثواب والعقاب، { ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ } أي: إن لم يسلم أبلغه مأمنه، أي: الموضع الذي يأمن فيه وهو دار قومه، فإن قاتلك بعد ذلك فقدرت عليه فاقتله، { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ } أي: لا يعلمون دين الله تعالى وتوحيده فهم محتاجون إلى سماع كلام الله. قال الحسن: وهذه الآية محكمة إلى يوم القيامة.\rقوله تعالى: { كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ } هذا على وجه التعجب، ومعناه جحد، أي: لا يكون لهم عهد عند الله، ولا عند رسوله، وهم يغدرون وينقضون العهد، ثم استثنى فقال جلَّ وعلا { إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } قال ابن عباس: هم قريش. وقال قتادة: هم أهل مكة الذين عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية.\rقال الله تعالى: { فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ } أي: على العهد، { فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ } فلم يستقيموا، ونقضوا العهد، وأعانوا بني بكر على خزاعة، فضرب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح أربعة أشهر يختارون من أمرهم: إما أن يُسلموا، وإما أن يلحقوا بأي بلاد شاؤوا، فأسلموا قبل الأربعة الأشهر.","part":4,"page":14},{"id":1214,"text":"قال السدي والكلبي وابن إسحاق: هم من قبائل بكر: بنو خزيمة وبنو مُدْلج وبنو ضُمْرة وبنو الدَّيل، وهم الذين كانوا قد دخلوا في عهد قريش يوم الحديبية، ولم يكن نقض العهد إلا قريش وبنو الديل من بني بكر، فأمر بإتمام العهد لمن لم ينقض وهم بنو ضمرة.\rوهذا القول أقرب إلى الصواب؛ لأن هذه الآيات نزلت بعد نقض قريش العهد وبعد فتح مكة، فكيف يقول لشيء قد مضى: \"فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم\"؟ وإنما هم الذين قال عز وجل: \"إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا\" كما نقصتكم قريش، ولم يظاهروا عليكم أحدًا كما ظاهرت قريش بني بكر على خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ } .\r{ كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلا وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8) } .\rقوله تعالى: { كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ } هذا مردود على الآية الأولى تقديره: كيف يكون لهم عهد عند الله [كيف] (1) وإن يظهروا عليكم! { لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلا وَلا ذِمَّةً } قال الأخفش: كيف لا تقتلونهم وهم إن يظهروا عليكم أي: يظفروا بكم، لا يرقبوا: لا يحفظوا؟ وقال الضحاك: لا ينتظروا. وقال قطرب: لا يراعوا فيكم إلا. قال ابن عباس والضحاك: قرابة. وقال يمان: رَحِما. وقال قتادة: الإلُّ الحَلِفُ. وقال السدي: هو العهد. وكذلك الذمة، إلا أنه كرر لاختلاف اللفظين. وقال أبو مجلز ومجاهد: الإل هو الله عز وجل. وكان عبيد بن عمير يقرأ: \"جبر إلّ\" بالتشديد، يعني: \"عبد الله\". وفي الخبر أن ناسًا قدموا على أبي بكر من قوم مسيلمة الكذاب، فاستقرأهم أبو بكر كتاب مسيلمة فقرؤوا، فقال أبو بكر رضي الله عنه: إن هذا الكلام لم يخرج من إل، أي: من الله.\rوالدليل على هذا التأويل قراءة عكرمة \"لا يرقبون في مؤمن إيلا\" بالياء، يعني: الله عز وجل. مثل جبرائيل وميكائيل. ولا ذمة أي: عهدا. { يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ } أي: يعطونكم بألسنتهم خلاف ما في قلوبهم، { وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ } الإيمان، { وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ } .\rفإن قيل: هذا في المشركين وكلهم فاسقون فكيف قال: \"وأكثرهم فاسقون\"؟\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".","part":4,"page":15},{"id":1215,"text":"قيل: أراد بالفسق: نقض العهد، وكان في المشركين مَنْ وفى بعهده، وأكثرهم نقضوا، فلهذا قال: \"وأكثرهم فاسقون\".\r{ اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) } .\r{ اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا } وذلك أنهم نقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بأكلة أطعمهم إياها أبو سفيان. قال مجاهد: أطعم أبو سفيان 153/أ حلفاءه، { فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ } فمنعوا الناس من الدخول في دين الله. وقال ابن عباس رضي الله عنه: وذلك أن أهل الطائف أمدُّوهم بالأموال ليقووهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، { إِنَّهُمْ سَاءَ } بئس { مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } .\r{ لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً } يقول: لا تبقوا عليهم أيها المؤمنون كما لا يُبْقون عليكم لو ظهروا، { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ } بنقض العهد.\r{ فَإِنْ تَابُوا } من الشرك، { وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ } أي: فهم إخوانكم، { فِي الدِّينِ } لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، { وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ } ونبين الآيات { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } قال ابن عباس: حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة. قال ابن مسعود: أمرتهم بالصلاة والزكاة فمن لم يزك فلا صلاة له.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن الزهري، حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر رضي الله عنه بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله\"؟ فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدُّونها إلى","part":4,"page":16},{"id":1216,"text":"رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. قال عمر رضي الله عنه: فوالله ما هو إلا أن قد شرح صدرَ أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق (1) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عمرو بن عباس، حدثنا ابن المهدي، حدثنا منصور بن سعد عن ميمون بن سِِيَاهٍ عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"من صلَّى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا: فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله\" (2) .\r{ وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12) } .\rقوله تعالى: { وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ } نقضوا عهودهم، { مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ } عقدهم، يعني: مشركي قريش، { وَطَعَنُوا } قدحوا { فِي دِينِكُمْ } عابوه. فهذا دليل على أن الذمي إذا طعن في دين الإسلام ظاهرا لا يبقى له عهد، { فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ } قرأ أهل الكوفة والشام: \"أئمة\" بهمزتين حيث كان، وقرأ الباقون بتليين الهمزة الثانية. وأئمة الكفر: رؤوس المشركين وقادتهم من أهل مكة.\rقال ابن عباس: نزلت في أبي سفيان بن حرب، وأبي جهل بن هشام، وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، وسائر رؤساء قريش يومئذ الذين نقضوا العهد، وهم الذين همُّوا بإخراج الرسول (3) وقال مجاهد: هم أهل فارس والروم (4) .\rوقال حذيفة بن اليمان: ما قُوتِل أهل هذه الآية ولم يأت أهلها بعد (5) { إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ } أي: لا عهود لهم، جمع يمين. قال قطرب: لا وفاء لهم بالعهد. وقرأ ابن عامر: \"لا إيمان لهم\" بكسر الألف، أي: لا تصديق لهم ولا دين لهم. وقيل: هو من الأمان، أي لا تؤمنوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم، { لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ } أي: لكي ينتهوا عن الطعن في دينكم والمظاهرة عليكم. وقيل: عن الكفر.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم: 13 / 250، ومسلم في الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله.. برقم (20): 1 / 51-52.\r(2) أخرجه البخاري في الصلاة، باب فضل استقبال القبلة: 1 / 496.\r(3) أخرجه الطبري في التفسير: 14 / 154، وبنحوه مطولا: البخاري: 8 / 322. وانظر: الدر المنثور: 4 / 136.\r(4) في الدر المنثور: عن مجاهد قال أبو سفيان.\r(5) انظر: الطبري: 14 / 155-156، فتح الباري: 8 / 323.","part":4,"page":17},{"id":1217,"text":"{ أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) } .","part":4,"page":18},{"id":1218,"text":"{ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15) } .\rثم حض المسلمين على القتال، فقال جل ذكره: { أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ } نقضوا عهودهم، وهم الذين نقضوا عهد الصلح بالحديبية وأعانوا بني بكر على قتال خزاعة. { وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ } من مكة حين اجتمعوا في دار الندوة، { وَهُمْ بَدَءُوكُمْ } بالقتال، { أَوَّلَ مَرَّةٍ } يعني: يوم بدر، وذلك أنهم قالوا حين سَلِمَ العير: لا ننصرف حتى نستأصل محمدا وأصحابه.\rوقال جماعة من المفسرين: أراد أنهم بدؤوا بقتال خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.\r{ أَتَخْشَوْنَهُمْ } أتخافونهم فتتركون قتالهم؟ { فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ } في ترك قتالهم، { إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } .\r{ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ } يقتلهم الله بأيديكم، { وَيُخْزِهِمْ } ويذلهم بالأسر والقهر، { وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ } ويبرئ داء قلوب قوم، { مُؤْمِنِينَ } مما كانوا ينالونه من الأذى منهم. وقال مجاهد والسدي: أراد صدور خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أعانت قريش بني بكر عليهم، حتى نكؤوا فيهم فشفى الله صدورهم من بني بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين.\r{ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ } كربها ووَجْدَها بمعونة قريش بكرا عليهم، ثم قال مستأنفًا: { وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ } فيهديه إلى الإسلام كما فعل بأبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو، { وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة: \"ارفعوا السيف إلا خزاعة من بني بكر إلى العصر\". (1)\r__________\r(1) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: 14 / 487، وأبو عبيد في الأموال ص (131).","part":4,"page":18},{"id":1219,"text":"{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (16) مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) } .\rقوله تعالى: { أَمْ حَسِبْتُمْ } أظننتم { أَنْ تُتْرَكُوا } قيل: هذا خطاب للمنافقين. وقيل: للمؤمنين الذين شق عليهم القتال. فقال: أم حسبتم أن تُتركوا فلا تؤمروا بالجهاد، ولا تمتحنوا، ليظهر الصادق من الكاذب، { وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ } ولم يرّ الله { الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً } بطانةً وأولياء يوالونهم ويفشون إليهم أسرارهم. وقال قتادة: وليجة خيانة. وقال الضحاك: خديعة. وقال عطاء: أولياء. وقال أبو عبيدة: كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة، والرجل يكون في القوم وليس منهم وليجة. فوليجة الرجل: مَنْ يختص بدخيلة أمره دون الناس، يقال: هو وليجتي، وهم وليجتي للواحد والجمع. { وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } .\rقوله تعالى: { مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ } الآية.\rقال ابن عباس رضي الله عنهما: لما أسر العباس يوم بدر عيره المسلمون بالكفر وقطيعة الرحم، وأغلظ علي رضي الله عنه له القول. فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا؟.\rفقال له علي رضي الله عنه: ألكم محاسن؟ فقال نعم: إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحاج، فأنزل الله عز وجل ردا على العباس: \"ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله\" (1) أي: ما ينبغي للمشركين أن يعمروا مساجد الله.\rأوجب على المسلمين منعهم من ذلك؛ لأن المساجد إنما تعمر لعبادة الله وحده، فمن كان كافرا بالله فليس من شأنه أن يعمرها. فذهب جماعة إلى أن المراد منه: العمارة المعروفة من بناء المساجد 153/ب ومُرَمَّمَته عند الخراب فيمنع منه الكافر حتى لو أوصى به لا تمتثل. وحمل بعضهم\r__________\r(1) أسباب النزول للواحدي ص (278).","part":4,"page":19},{"id":1220,"text":"العمارة ها هنا على دخول المسجد والقعود فيه. قال الحسن: ما كان للمشركين أن يتركوا فيكونوا أهل المسجد الحرام.\rقرأ ابن كثير وأهل البصرة: \"مسجد الله\" على التوحيد، وأراد به المسجد الحرام، لقوله تعالى: \"وعمارة المسجد الحرام\"، ولقوله تعالى \"فلا يقربوا المسجد الحرام\"، وقرأ الآخرون: { مَسَاجِدَ اللَّهِ } بالجمع والمراد منه أيضا المسجد الحرام. قال الحسن: إنما قال مساجد لأنه قبلة المساجد كلها. قال الفراء: ربما ذهبت العرب بالواحد إلى الجمع وبالجمع إلى الواحد، ألا ترى أن الرجل يركب البرذون فيقول: أخذت في ركوب البراذين؟ ويقال: فلان كثير الدرهم والدينار، يريد الدراهم والدنانير؟.\rقوله تعالى: { شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ } أراد: وهم شاهدون، فلما طرحت \"وهم\" نصبت، قال الحسن: لم يقولوا نحن كفار، ولكن كلامهم بالكفر شاهد عليهم بالكفر.\rوقال الضحاك عن ابن عباس: شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم للأصنام، وذلك أن كفار قريش كانوا نصبوا أصنامهم خارج البيت الحرام عند القواعد، وكانوا يطوفون بالبيت عراة، كلما طافوا شوطا سجدوا لأصنامهم، ولم يزدادوا بذلك من الله تعالى إلا بُعْدا.\rوقال السدي: شهادتهم على أنفسهم بالكفر هو أن النصراني يُسأل من أنت؟ فيقول: أنا نصراني، واليهودي يقول: أنا يهودي، ويقال للمشرك: ما دينك؟ فيقول: مشرك. قال الله تعالى: { أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ } لأنها لغير الله عز وجل، { وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ } .\rوقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: معناه شاهدين على رسولهم بالكفر؛ لأنه ما من بطن إلا ولدته.\r{ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18) } .\rثم قال تعالى: { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ } ولم يَخَفْ في الدين غير الله، ولم يترك أمر الله لخشية غيره، { فعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ } و \"عسى\" من الله واجب، أي: فأولئك هم المهتدون، والمهتدون هم المتمسكون بطاعة الله عز وجل التي تؤدي إلى الجنة.","part":4,"page":20},{"id":1221,"text":"أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الرحمن النسوي، حدثنا محمد بن الحسين الحيري، حدثنا محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن الفرج الحجازي، حدثنا بقية، حدثنا أبو الحجاج، المهدي، عن عمرو بن الحارث، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد فاشهدوا له بالإيمان\" فإن الله قال: { إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } (1) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، أنبأنا محمد بن إسماعيل، حدَّثنا علي بن عبد الله، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن مطرف، عن يزيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"من غدا إلى المسجد أو راح أعدَّ الله له نزلَه من الجنة كلما غدا أو راح\" (2) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا أبو عاصم، عن عبد الحميد بن جعفر، حدثني أبي عن محمود بن لبيد، أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أراد بناء المسجد فكره الناسُ ذلك، وأحبوا أن يَدَعَه، فقال عثمان: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: \"مَنْ بنى لله مسجدا بنى الله له كهيئته في الجنة\" (3) .\rوأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أنا أبو طاهر الزيادي، أخبرنا محمد بن الحسين القطان، حدثنا علي بن الحسين الدارابَجِرْدِيّ، حدثنا أبو عاصم بهذا الإسناد، وقال: \"بنى الله له بيتا في الجنة\" (4) .\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة: 7 / 366، وقال: هذا حديث حسن غريب، وفي تفسير سورة التوبة: 8 / 490 وقال: حسن غريب، وابن ماجه في المساجد، باب لزوم المساجد وانتظار الصلاة، برقم (802): 1 / 263، والدارمي في الصلاة، باب المحافظة على الصلوات: 1 / 222، وصححه ابن حبان، ص (99) من موارد الظمآن، والحاكم: 1 / 212، 2 / 232 وتعقبه الذهبي فقال: درّاج كثير المناكير. وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 3 / 68، 76 وضعفه الألباني في تعليقه على المشكاة: 1 / 244 وسلسلة الضعيفة: 4 / 178.\r(2) أخرجه البخاري في صلاة الجماعة، باب فضل من غدا إلى المسجد أو راح: 2 / 148، ومسلم في المساجد، باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا.. برقم (669): 1 / 463، والمصنف في شرح السنة: 2 / 352.\r(3) أخرجه البخاري في الصلاة، باب من بنى مسجدا: 1 / 544، ومسلم في المساجد، باب فضل بناء المساجد برقم (533): 1 / 378 بنحوه. والمصنف في شرح السنة: 2 / 347.\r(4) انظر: المراجع السابقة نفسها.","part":4,"page":21},{"id":1222,"text":"{ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) } .\rقوله عز وجل: { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ } الآية.\rأخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، حدثنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، حدَّثنا عبد الله بن حامد بن محمد الوزان، حدثنا أحمد بن محمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله المعافري، حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي، حدثنا معاوية بن سلام، عن زيد بن سلام، عن أبي سلام، حدثنا النعمان بن بشير قال: كنتُ عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد أن أسقي الحاج. وقال الآخر: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد أن أعمر المسجد الحرام. وقال الآخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتما، فزجرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يوم الجمعة، ولكن إذا صليتُ دخلت، فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما اختلفتم فيه، ففعل فأنزل الله عز وجل: \"أجعلتم سقاية الحاجِّ وعمارة المسجد الحرام\"، إلى قوله: \"والله لا يهدي القوم الظالمين\" (1) .\rوقال ابن عباس رضي الله عنهما: قال العباس حين أُسِر يوم بدر: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأخبر أن عمارتهم المسجد الحرام وقيامهم على السقاية لا ينفعهم مع الشرك بالله، والإيمان بالله، والجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم خيرٌ مما هم عليه (2) .\rوقال الحسن، والشعبي، ومحمد بن كعب القرظي، نزلت في علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وطلحة بن شيبة، افتخروا فقال طلحة: أنا صاحب البيت بيدي مفتاحه، وقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها، وقال علي، ما أدري ما تقولون لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد فأنزل الله عز وجل هذه الآية: { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ } (3) .\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الإمارة، باب فضل الشهادة في سبيل الله، برقم (1879): 3 / 1499، والواحدي في أسباب النزول ص (279).\r(2) انظر: تفسير الطبري: 14 / 170، أسباب النزول للواحدي ص (279).\r(3) أخرجه الطبري: 14 / 171، والواحدي ص (279-280). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في \"منهاج السنة النبوية\": (5 / 18-19) من طبعة جامعة الإمام: \"هذا اللفظ لا يعرف في شيء من كتب الحديث المعتمدة، بل ودلالات الكذب عليه ظاهرة. منها: أن طلحة بن شيبة لا وجود له، وإنما خادم الكعبة هو شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، وهذا مما يبين لك أن الحديث لم يصح.. وقول علي: \"صليت ستة أشهر قبل الناس\" فهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة، فإن بين إسلامه وإسلام زيد وأبي بكر وخديجة يوما أو نحوه فكيف يصلي قبل الناس بستة أشهر\". ؟ .","part":4,"page":22},{"id":1223,"text":"والسِّقاية: مصدر كالرعاية والحماية.\rقوله: { وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } فيه اختصار تقديره: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كإيمان من آمن بالله وجهاد من جاهد في سبيل الله ؟.\rوقيل: السقاية والعمارة بمعنى الساقي والعامر. وتقديره: أجعلتم ساقي الحاجّ وعامر المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله؟ وهذا كقوله تعالى: \"والعاقبة للتقوى\" أي: للمتقين، يدل عليه قراءة عبد الله بن الزبير وأبي بن كعب \"أجعلتم سُقاة الحاج وعَمَرة المسجد الحرام\"، على جمع الساقي والعامر.\r{ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني إسحاق بن إبراهيم، حدثنا أبو أسامة، حدثنا يحيى بن مهلب، عن حسين، عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى السقاية فاستسقى، فقال العباس: يا فضل اذهب إلى أمك فأتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراب من عندها، 154/أ فقال: اسقني، فقال: يا رسول الله إنهم يجعلون أيديهم فيه، قال: اسقني، فشرب منه، ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها، فقال: اعملوا فإنكم على عمل صالح، ثم قال: لولا أن تُغْلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه، وأشار إلى عاتقه (1) .\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنا عبد الغافر بن محمد، حدَّثنا محمد بن عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مسلم بن الحجاج، حدَّثني محمد بن منهال الضرير، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حميد الطويل عن بكر بن عبد الله المزني قال: كنت جالسا مع ابن عباس عند الكعبة فأتاه أعرابي فقال: ما لي أرى بني عمكم يسقون العسل واللبن وأنتم تسقون النبيذ؟ أمن حاجة بكم؟ أم من بخل؟ فقال ابن عباس: الحمد لله ما بنا حاجة ولا بخل، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته وخلفه أسامة فاستسقى، فأتيناه بإناء من نبيذ فشرب وسقى فضله أسامة، وقال: أحسنتم وأجملتم كذا فاصنعوا، فلا نريد تغيير ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم. (2)\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الحج، باب سقاية الحاج: 3 / 491.\r(2) أخرجه مسلم في الحج، باب وجوب المبيت بمنى ليالي أيام التشريق.. برقم (1316): 2 / 953.","part":4,"page":23},{"id":1224,"text":"{ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) } .","part":4,"page":24},{"id":1225,"text":"{ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23) } .\rقوله تعالى: { الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً } فضيلة، { عِنْدِ اللَّهِ } من الذين افتخروا بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام. { وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ } الناجون من النار.\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ } قال مجاهد: هذه الآية متصلة بما قبلها، نزلت في قصة العباس وطلحة وامتناعهما من الهجرة (1) .\rوقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: قال: لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالهجرة إلى المدينة، فمنهم من يتعلق به أهله وولده، يقولون: ننشدك بالله أن لا تضيعنا. فيرق لهم فيقيم عليهم ويدع الهجرة، فأنزل الله عز وجل هذه الآية (2) .\rوقال مقاتل: نزلت في التسعة الذين ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بمكة، فنهى الله عن ولايتهم، فأنزل الله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ } (3) بطانة وأصدقاء فتفشون إليهم أسراركم وتؤثرون المقام معهم على الهجرة، { إِنِ اسْتَحَبُّوا } اختاروا { الْكُفْرَ عَلَى الإيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ }\r__________\r(1) تفسير الطبري: 14 / 176. وعزاه السيوطي لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ. انظر: الدر المنثور: 4 / 157.\r(2) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص (280)، وعزاه ابن حجر للثعلبي من رواية جويبر عن الضحاك عن ابن عباس. انظر: الكافي الشاف ص (74).\r(3) عزاه ابن حجر للثعلبي. المرجع السابق.","part":4,"page":24},{"id":1226,"text":"فيطلعهم على عورة المسلمين ويؤثر المقام معهم على الهجرة والجهاد، { فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } وكان في ذلك الوقت لا يقبل الإيمان إلا من مهاجر، فهذا معنى قوله: { فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } .\r{ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) } .\rثم قال تعالى: { قُلْ } يا محمد للمتخلفين عن الهجرة: { إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ } وذلك أنه لما نزلت الآية الأولى قال الذين أسلموا ولم يهاجروا: إن نحن هاجرنا ضاعت أموالنا وذهبت تجاراتنا وخربت دورنا وقطعنا أرحامنا، فنزل: { قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ } قرأ أبو بكر عن عاصم: \"عشيراتكم\" بالألف على الجمع، والآخرون بلا ألف على التوحيد، لأن جمع العشيرة عشائر { وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا } اكتسبتموها { وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا } أي: تستطيبونها يعني القصور والمنازل، { أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا } فانتظروا ، { حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ } قال عطاء: بقضائه. وقال مجاهد ومقاتل: بفتح مكة وهذا أمر تهديد، { وَاللَّهُ لا يَهْدِي } لا يوفق ولا يرشد { الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } الخارجين عن الطاعة.\rقوله تعالى: { لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ } أي مشاهد، { كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ } وحنين واد بين مكة والطائف. وقال عروة: إلى جنب ذي المجاز.\rوكانت قصة حنين على ما نقله الرواة (1) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة وقد بقيت عليه أيام من شهر رمضان، ثم خرج إلى حنين لقتال هوازن وثقيف في اثني عشر ألفا، -عشرة آلاف من المهاجرين\r__________\r(1) انظر: سيرة ابن هشام: 2 / 437 وما بعدها، الدر المنثور: 4 / 158 وما بعدها.","part":4,"page":25},{"id":1227,"text":"وألفان من الطلقاء، قال عطاء كانوا ستة عشر ألفا.\rوقال الكلبي: كانوا عشرة آلاف، وكانوا يومئذ أكثر ما كانوا قط، والمشركون أربعة آلاف من هوازن وثقيف، وعلى هوازن مالك بن عوف النَّصْري، وعلى ثقيف كنانة بن عبد ياليل الثقفي، فلما التقى الجمعان قال رجل من الأنصار يقال له سلمة بن سلامة بن وقش: لن نغلب اليوم عن قلة، فساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامه، ووكلوا إلى كلمة الرجل. وفي رواية: فلم يرض الله قوله، ووكلهم إلى أنفسهم فاقتتلوا قتالا شديدا، فانهزم المشركون وخلوا عن الذراري، ثم نادوا: يا حماة السواد اذكروا الفضائح، فتراجعوا وانكشف المسلمون.\rقال قتادة: وذكر لنا أن الطلقاء انجفلوا يومئذ بالناس فلما انجفل القوم هربوا.\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، [أخبرنا عبد العزيز] (1) أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا أبو خيثمة عن أبي إسحاق قال: قال رجل للبراء بن عازب: يا أبا عمارة فررتم يوم حنين؟ قال : لا والله ما ولَّى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه خرج شُبَّان أصحابِه وأخِفَّاؤُهُم وهم حُسَّرٌ ليس عليهم سلاح، أو كثيرُ سلاح، فلقوا قوما رماة لا يكاد يسقط لهم سهم، جمع هوازن وبني نَصْر، فرشقوهم رشقا ما يكادون يخطئون، فأقبلوا هناك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به، فنزل واستنصر وقال: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، ثم صَفَّهم (2) .\rورواه محمد بن إسماعيل عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق. وزاد قال: فما رُئي من الناس يومئذ أشد منه (3) .\rورواه زكريا عن أبي إسحاق. وزاد قال البراء: كنا إذا احمرَّ البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذي به يعني النبي صلى الله عليه وسلم (4) .\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) أخرجه مسلم في الجهاد والسير، باب غزوة حنين، برقم (1776): 3 / 1400.\r(3) أخرجه البخاري في الجهاد، باب من قال: خذها وأنا ابن فلان.. 6 / 164.\r(4) أخرجه مسلم في الموضع السابق: 3 / 1401.","part":4,"page":26},{"id":1228,"text":"وروى شعبة عن أبي إسحاق قال: قال البراء: إن هوازن كانوا قوما رماة، وإنا لما لقيناهم حملنا عليهم، فانهزموا، فأقبل المسلمون على الغنائم فاستقبلونا بالسهام، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يفرّ.\rقال الكلبي: كان حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة من المسلمين وانهزم سائر الناس.\rوقال آخرون: لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ غير: العباس بن عبد المطلب، وأبي سفيان بن الحارث، وأيمن بن أم أيمن، فقتل يومئذ بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان 154/ب حدثنا مسلم بن الحجاج، قال: حدثنا أبو طاهر، أحمد بن عمرو بن سرح، حدثنا أبو وهب، أخبرنا يونس عن ابن شهاب، قال: حدثني كثير بن عباس بن عبد المطلب قال: قال عباس: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فلزمتُ أنا وأبو سفيان بن الحارث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نفارقه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي، فلما التقى المسلمون والكفار ولَّى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يُرْكِض بغلته قِبَل الكفار، وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفُّها إرادةَ أن لا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيْ عباسُ: نادِ أصحاب السَّمُرة، فقال عباس -وكان رجلا صَيِّتا-فقلت بأعلى صوتي: أين اصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأن عَطْفَتُهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك يا لبيك، قال: فاقتتلوا والكفار، والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار يا معشر الأنصار، ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال: هذا حين حََمِيَ الوَطِيسُ (1) ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصياتٍ فرمى بهنَّ وجوه الكفار، ثم قال: انهزموا وربِّ محمد، فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى، قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدَّهم كليلا وأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا (2) .\rوقال سلمة بن الأكوع: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حُنينًا قال فلما غَشُوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب الأرض، ثم استقبل به وجوههم، فقال \"شاهت الوجوه\"، فما خلق\r__________\r(1) لم تسمع هذه الكلمة إلا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. والوطيس: حفرة تحتفر تحت الأرض، فتوقد فيها النار، ويصغر رأسها، ويخرق فيها خرق للدخان، ثم يوضع فيها اللحم ويُسَدُّ، ثم يؤتى من الغد واللحم غاب لم يحترق. ولحمها شواء. وهي مجاز في شدة الحرب.\r(2) أخرجه مسلم في الجهاد والسير، باب في غزوة حنين، برقم (1775): 3 / 1398-1399، والمصنف في شرح السنة: 14 / 31-32.","part":4,"page":27},{"id":1229,"text":"الله منهم إنسانا إلا ملأ عينه ترابا بتلك القبضة، فولوا مدبرين، فهزمهم الله عز وجل فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمهم بين المسلمين (1) .\rقال سعيد بن جبير: أمدَّ الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين (2) .\rوفي الخبر: أن رجلا من بني نضر يقال له شجرة، قال للمؤمنين بعد القتال: أين الخيل الُبلْق والرجال الذين عليهم ثياب بيض، ما كنا نراكم فيهم إلا كهيئة الشامة وما كنا قتلنا إلا بأيديهم؟ فأخبروا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تلك الملائكة.\rقال الزهري: وبلغني أن شيبة بن عثمان بن طلحة (3) قال: استدبرتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وأنا أريد قتله بطلحة بن عثمان وعثمان بن طلحة، وكانا قد قتلا يوم أحد، فأطلع الله رسوله صلى الله عليه وسلم على ما في نفسي فالتفتَ إليَّ وضرب في صدري وقال: أعيذك بالله يا شيبة، فأرعدت فرائصي، فنظرت إليه فهو أحب إلي من سمعي وبصري، فقلت: أشهد أنك رسول الله، وأن الله قد أطلعك على ما في نفسي.\rفلما هزم الله المشركين وولّوا مدبرين، انطلقوا حتى أتوا أوطاس وبها عيالهم وأموالهم، فبعث رسول الله رجلا من الأشعريين يقال له أبو عامر وأمَّرَه على جيش المسلمين إلى أوطاس، فسار إليهم فاقتتلوا، وقتل دريد بن الصمة، وهزم الله المشركين وسبى المسلمون عيالهم، وهرب أميرهم مالك بن عوف النصري، فأتى الطائف فتحصَّنَ بها وأُخِذَ مالُه وأهله فيمن أخذ. وقُتل أمير المسلمين أبو عامر (4) .\rقال الزهري: أخبرني سعيد بن المسيب أنهم أصابوا يومئذ ستة آلاف سبي، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى الطائف فحاصرهم بقية ذلك الشهر، فلما دخل ذو القعدة وهو شهر حرام انصرف عنهم، فأتى الجعرانة فأحرم منها بعمرة وقسَّم فيها غنائم حنين وأوطاس، وتألف أناسا، منهم أبو سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، والأقرع بن حابس، فأعطاهم (5) .\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الموضع السابق، برقم (1777): 3 / 1402.\r(2) عزاه السيوطي لابن أبي حاتم. الدر المنثور: 4 / 161.\r(3) انظر: سيرة ابن هشام: 2 / 444.\r(4) سيرة ابن هشام: 2 / 449، 453، طبقات ابن سعد: 2 / 151-152.\r(5) انظر: إمتاع الأسماع للمقريزي: 1 / 422-423.","part":4,"page":28},{"id":1230,"text":"أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، حدثنا الزهري، أخبرني أنس بن مالك رضي الله عنه أن أناسا من الأنصار قالوا لرسول الله -حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء، فطفق يعطي رجالا من قريش المائة من الإبل-فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشا ويدعنا وسيوفُنا تَقْطُرُ من دمائهم؟ قال أنس: فُحدِّث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار، فجمعهم في قُبَّةٍ من أدم ولم يَدْعُ معهم أحدا غيرهم، فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما كان حديثٌ بلغني عنكم؟ فقال له فقهاؤهم أما ذوُو رأينا يا رسول الله، فلم يقولوا شيئا، وأما أناس منا حديثةٌ أسنانُهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشًا ويترك الأنصار وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأعطي رجالا حديثي عهد بكفر، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون إلى رحالكم برسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فوالله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، قالوا: بلى يا رسول الله قد رضينا، فقال لهم: \"إنكم سترون بعدي أَثَرَةً شديدة، فاصبروا حتى تَلْقَوا الله ورسوله على الحوض\" (1) .\rوقال يونس عن ابن شهاب: \"فإني أعطي رجالا حديثي عهد بالكفر أتألفهم\"، وقال: \"فاصبروا حتى تَلْقَوا الله ورسوله فإني على الحوض\"، قالوا: سنصبر (2) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا عمرو بن يحيى عن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال: لما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئا، فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصابه الناس، فخطبهم فقال: \"يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي وكنتم متفرقين فألَّفكم الله بي وكنتم عالةً فأغناكم الله بي؟ كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمَنُّ قال: ما يمنعكم أن تجيبوا رسولَ الله كلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمَنُّ قال: لو شئتم قُلْتُم كذا وكذا، أتَرْضَوْن أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبوا بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس واديا أو شعبا لسلكت وادي\r__________\r(1) أخرجه البخاري في فرض الخمس، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة: 6 / 250-251، ومسلم في الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم، برقم (1059): 2 / 733-734.\r(2) في رواية مسلم، في الموضع السابق.","part":4,"page":29},{"id":1231,"text":"الأنصار وشعبهم، الأنصار شِعَارٌ والناسُ دِثار، إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض\" (1) .\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا محمد بن 155/أ أبي عمر المكي، حدثنا سفيان عن عمر بن سعيد بن مسروق عن أبيه عن عباية بن رفاعة، عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس كل إنسان منهم مائة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك، فقال عباس بن مرداس: فما كان حِصْنٌ ولا حابس ... يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ في الْمَجْمَعِ\rأَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ العُبَيْـ ... دِ بين عُيَيْنَةَ والأقرعِ\rوما كنتُ دون امرئٍ منهما ومن تَخْفِضِ اليومَ لا يُرْفَعِ\rقال: فأتمَّ له رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة (2) .\rوفي الحديث: أن ناسا من هوازن أقبلوا مسلمين بعد ذلك، فقالوا: يا رسول الله أنت خيرُ الناس وأَبَرُّ الناس، وقد أُخِذَتْ أبناؤنا ونساؤنا وأموالنا (3) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سعيد بن عفير، حدثني الليث، حدثني عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير: أن مروان والمسور بن مخرمة أخبراه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين، فسألوه أن يردَّ إليهم أموالهم وسَبْيَهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن معي من ترون وأحبُّ الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي، وإما المال. قالوا: فإنا نختار سبينا. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأثنى على الله عز وجل بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء جاؤوا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك لهم فليفعل، ومن أحب أن يكون على حظ حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا، فليفعل فقال الناس: قد طيبنا ذلك\r__________\r(1) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة الطائف: 8 / 47، ومسلم في الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام، برقم (1061): 2 / 738، والمصنف في شرح السنة: 14 / 34.\r(2) أخرجه مسلم في الموضع السابق برقم (1060) 2 / 737.\r(3) ذكره الثعلبي بغير سند، وذكره ابن إسحاق وموسى بن عقبة في المغازي مطولا. انظر: الكافي الشاف ص (74)، فتح الباري: 8 / 38.","part":4,"page":30},{"id":1232,"text":"يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لا ندري مَنْ أذِن منكم في ذلك ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم، فرجع الناس، فكلمهم عرفاؤهم ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا (1) . فأنزل الله تعالى في قصة حنين: { لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ } حتى قلتم: لن نغلب اليوم من قلة، { فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ } كثرتكم، { شَيْئًا } يعني إن الظفر لا يكون بالكثرة، { وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ } أي برحبها وسعتها، { ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ } منهزمين.\r{ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ26 } .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في المغازي، باب قوله تعالى: \"ويوم حنين...\": 8 / 32-33.","part":4,"page":31},{"id":1233,"text":"{ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (27) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28) } .\r{ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ } بعد الهزيمة، { سَكِينَتَهُ } يعني: الأمنَة والطمأنينة، وهي فعيلة من السكون { عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا } يعني: الملائكة. قيل: لا للقتال، ولكن لتجبين الكفار وتشجيع المسلمين، لأنه يُروى: أن الملائكة لم يقاتلوا إلا يوم بدر، { وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا } بالقتل والأسر وسبي العيال وسلب الأموال، { وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ } .\r{ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ } فيهديه إلى الإسلام، { وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .\rقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } الآية، قال الضحاك وأبو عبيدة: نَجِس: قذر. وقيل: خبيث. وهو مصدر يستوي فيه الذكر والأنثى والتثنية والجمع، فأما النّجْس: بكسر النون وسكون الجيم، فلا يقال على الانفراد، إنما يقال: رِجْسٌ نِجْسٌ، فإذا أفرد قيل: نَجِس، بفتح النون وكسر الجيم، وأراد به: نجاسة الحكم لا نجاسة العين، سُمّوا نَجَسًا على الذم. وقال قتادة: سماهم نجسا لأنهم يُجنبون فلا يغتسلون ويُحْدثون فلا يتوضؤون.","part":4,"page":31},{"id":1234,"text":"قوله تعالى: { فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ } أراد منعهم من دخول الحرم لأنهم إذا دخلوا الحرم فقد قربوا من المسجد الحرام، وأراد به الحرم وهذا كما قال الله تعالى: \"سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام\" [الإسراء -1]، وأراد به الحرم لأنه أسري به من بيت أم هانئ.\rقال الشيخ الإمام الأجل: وجملة بلاد الإسلام في حق الكفار على ثلاثة أقسام:\rأحدها: الحرم، فلا يجوز للكافر أن يدخله بحال، ذميا كان أو مستأمنا، لظاهر هذه الآية، وإذا جاء رسول من بلاد الكفار إلى الإمام والإمام في الحرم لا يأذن له في دخول الحرم، بل يبعث إليه من يسمع رسالته خارج الحرم. وجوز أهل الكوفة للمعاهد دخول الحرم.\rوالقسم الثاني من بلاد الإسلام: الحجاز، فيجوز للكافر دخولها بالإذن ولكن لا يقيم فيها أكثر من مقام السفر وهو ثلاثة أيام، لما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"لئن عشت إن شاء الله تعالى لأخرجنَّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلما\" (1) . فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوصى فقال: \"أخرجوا المشركين من جزيرة العرب\" (2) فلم يتفرغ لذلك أبو بكر رضي الله عنه، وأجلاهم عمر رضي الله عنه في خلافته، وأجَّل لمن يقدم منهم تاجرا ثلاثا. وجزيرة العرب من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول، وأما العرض فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام.\rوالقسم الثالث: سائر بلاد الإسلام، يجوز للكافر أن يقيم فيها بذمة وأمان، ولكن لا يدخلون المساجد إلا بإذن مسلم.\rقوله: { بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا } يعني: العام الذي حج فيه أبو بكر رضي الله عنه بالناس، ونادى علي كرَّم الله وجهه ببراءة، وهو سنة تسع من الهجرة.\rقوله { وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً } وذلك أن أهل مكة كانت معايشهم من التجارات وكان المشركون يأتون مكة بالطعام ويتجرون، فلما مُنِعوا من دخول الحرم خافوا الفقر، وضيق العيش، وذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: { وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً } فقرًا وفاقة. يقال: عال يعيل عَيْلة، { فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الجهاد، باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، برقم (1767): 3 / 1388، والمصنف في شرح السنة: 11 / 182.\r(2) أخرجه البخاري في باب إخراج اليهود من جزيرة العرب من كتاب الجزية: 6 / 271، مطولا، ومسلم في الوصية، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه، برقم (1637) 3 / 1257-1258، والمصنف في شرح السنة: 11 / 180-181.","part":4,"page":32},{"id":1235,"text":"قال عكرمة: فأغناهم الله عز وجل بأن أنزل عليهم المطر مدرارا فكثر خيرهم. وقال مقاتل: أسلم أهل جدة وصنعاء وجريش من اليمن وجلبوا الميرة الكثيرة إلى مكة فكفاهم الله ما كانوا يخافون. وقال الضحاك وقتادة: عوضهم الله منها الجزية فأغناهم بها.\r{ قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) } .\rوذلك: قوله تعالى: { قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } قال مجاهد: نزلت هذه الآية حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال الروم، فغزا بعد نزولها غزوة تبوك (1) .\rوقال الكلبي: نزلت في قريظة والنضير من اليهود، فصالحهم وكانت أول جزية أصابها أهل الإسلام، وأول ذل أصاب أهل الكتاب 155/ب بأيدي المسلمين.\rقال الله تعالى: { قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ } فإن قيل: أهل الكتاب يؤمنون بالله واليوم الآخر؟ قيل: لا يؤمنون كإيمان المؤمنين، فإنهم إذا قالوا عزير ابن الله والمسيح ابن الله، لا يكون ذلك إيمانا بالله. { وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ } أي: لا يدينون الدين الحق، أضاف الاسم إلى الصفة. وقال قتادة: الحق هو الله، أي: لا يدينون دين الله، ودينه الإسلام. وقال أبو عبيدة: معناه ولا يطيعون الله تعالى طاعة أهل الحق. { مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } يعني: اليهود والنصارى. { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ } وهي الخراج المضروب على رقابهم، { عن يد } عن قهر وذل. قال أبو عبيدة: يقال لكل من أعطى شيئا كرها من غير طيب نفس: أعطاه عن يد. وقال ابن عباس: يعطونها بأيديهم ولا يرسلون بها على يد غيرهم. وقيل: عن يد أي: عن نقد لا نسيئة. وقيل: عن إقرار بإنعام المسلمين عليهم بقبول الجزية منهم، { وَهُمْ صَاغِرُونَ } أذلاء مقهورون. قال عكرمة: يعطون الجزية عن قيام، والقابض جالس. وعن ابن عباس قال: تُؤْخَذ منه ويُوطأ عنقه.\rوقال الكلبي: إذا أعطى صفع في قفاه.\rوقيل: يؤخذ بلحيته ويضرب في لهزمتيه.\r__________\r(1) انظر: الدر المنثور: 4 / 167.","part":4,"page":33},{"id":1236,"text":"وقيل: يُلَبَّبُ ويجر إلى موضع الإعطاء بعنف.\rوقيل: إعطاؤه إياها هو الصغار.\rوقال الشافعي رحمه الله: الصغار هو جريان أحكام الإسلام عليهم.\rواتفقت الأمة على جواز أخذ الجزية من أهل الكتابين، وهم اليهود والنصارى إذا لم يكونوا عربًا.\rواختلفوا في الكتابي العربي وفي غير أهل الكتاب من كفار العجم، فذهب الشافعي: إلى أنَّ الجزية على الأديان لا على الأنساب، فتؤخذ من أهل الكتاب عربا كانوا أو عجمًا، ولا تؤخذ من أهل الأوثان بحال، واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من أكيدر دومة، وهو رجل من العرب يقال: إنه من غسان، وأخذ من أهل ذمة اليمن، وعامّتُهم عرب.\rوذهب مالك والأوزاعي: إلى أنها تُؤْخَذ من جميع الكفار إلا المرتد.\rوقال أبو حنيفة: تؤخذ من أهل الكتاب على العموم، وتؤخذ من مشركي العجم، ولا تؤخذ من مشركي العرب. وقال أبو يوسف: لا تؤخذ من العربي، كتابيا كان أو مشركا، وتؤخذ من العجمي كتابيا كان أو مشركا.\rوأما المجوس: فاتفقت الصحابة رضي الله عنهم على أخذ الجزية منهم.\rأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار سمع بَجَالة يقول: لم يكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هَجَر (1) .\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الجزية والموادعة - باب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب: 6 / 257.","part":4,"page":34},{"id":1237,"text":"في أمرهم؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"سُنُّوا بهم سنة أهل الكتاب\" (1) .\rوفي امتناع عمر رضي الله عنه عن أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن [بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر، دليل على أن رأي الصحابة كان على أنها لا تُؤخذ] (2) من كل مشرك، وإنما تؤخذ من أهل الكتاب.\rواختلفوا في أن المجوس: هل هم من أهل الكتاب أم لا؟ فروي عن علي رضي الله عنه قال: كان لهم كتاب يدرسونه فأصبحوا، وقد أسري على كتابهم، فرفع من بين أظهرهم (3) .\rواتفقوا على تحريم ذبائح المجوس ومناكحتهم بخلاف أهل الكتابين.\rأما من دخل في دين اليهود والنصارى من غيرهم من المشركين نُظِر: إن دخلوا فيه قبل النسخ والتبديل يقرون بالجزية، وتحل مناكحتهم وذبائحهم، وإن دخلوا في دينهم بعد النسخ بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم لا يُقَرون بالجزية، ولا تحل مناكحتهم وذبائحهم، ومن شككنا في أمرهم أنهم دخلوا فيه بعد النسخ أو قبله: يقرون بالجزية تغليبا لحقن الدم، ولا تحل مناكحتهم وذبائحهم تغليبا للتحريم، فمنهم نصارى العرب من تنوخ وبهراء وبني تغلب، أقرَّهم عمر رضي الله عنه على الجزية، وقال: لا تحل لنا ذبائحهم.\rوأما قدر الجزية: فأقله دينار، لا يجوز أن ينقص منه، ويقبل الدينار من الفقير والغني والوسط لما أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال:\r__________\r(1) أخرجه مالك في الموطأ، باب الزكاة: 1 / 278، والشافعي: 2 / 130 (ترتيب المسند)، وأبو عبيد في الأموال ص (42)، وابن أبي شيبة في المصنف: 3 / 224، والخطيب في تاريخ بغداد: 10 / 88، والبيهقي في السنن: 9 / 189، والمصنف في شرح السنة: 11 / 169. وقال ابن عبد البر: هذا حديث منقطع، لكن معناه يتصل من وجوه حسان. وانظر: نصب الراية: 3 / 448-449، مجمع الزوائد: 6 / 13، إرواء الغليل: 5 / 88.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) جاء ذلك في خبر عن علي رضي الله عنه أخرجه الشافعي في المسند: 2 / 131، وفيه سعيد بن المرزبان: مجروح. قال يحيى بن سعيد القطان: لا أستحل أروي عنه. وانظر: نصب الراية: 3 / 449-450.","part":4,"page":35},{"id":1238,"text":"بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فأمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله معافر (1) . فالنبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يأخذ من كل حالم، أي بالغ، دينارا ولم يفصل بين الغني والفقير والوسط، وفيه دليل على أنها لا تجب على الصبيان وكذلك لا تجب على النسوان، إنما تؤخذ من الأحرار العاقلين البالغين من الرجال.\rوذهب قوم إلى أنه على كل موسر أربعة دنانير، وعلى كل متوسط ديناران، وعلى كل فقير دينار، وهو قول أصحاب الرأي.\r{ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) } .\rقوله تعالى: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ } روى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود: سلام بن مشكم، والنعمان بن أوفى، وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف، فقالوا: كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا وأنت لا تزعم أن عزيرًا ابن الله؟ فأنزل الله عز وجل: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّه } (2) .\rقرأ عاصم والكسائي ويعقوب \" عزير \" بالتنوين والآخرون بغير تنوين؛ لأنه اسم أعجمي ويشبه اسما مصغرا، ومن نوَّن قال: لأنه اسم خفيف، فوجهه أن يصرف، وإن كان أعجميا مثل نوح وهود ولوط. واختار أبو عبيدة التنوين وقال: لأن هذا ليس بمنسوب إلى أبيه، إنما هو كقولك زيد ابن الأمير وزيد ابن أختنا، فعزيز مبتدأ وما بعده خبر له.\rوقال عبيد بن عمير: إنما قال هذه المقالة رجل واحد من اليهود اسمه فنحاص بن عازوراء (3) .\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الزكاة، باب ما جاء في زكاة البقر: 3 / 257 وقال: هذا حديث حسن. وأبو داود في الإمارة، باب في أخذ الجزية: 4 / 249، والنسائي في الزكاة: 5 / 25-26، وابن حبان في موارد الظمآن ص (794) والإمام أحمد في المسند: 5 / 230، 233، وصححه الحاكم: 1 / 398، وأخرجه المصنف في شرح السنة: 11 / 172.\r(2) أخرجه الطبري في التفسير: 14 / 202، وابن إسحاق في السيرة: 1 / 570، وعزاه السيوطي أيضا مع الرواية الأخرى لابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه. الدر المنثور: 4 / 170-171.\r(3) تفسير الطبري: 14 / 201، وأخرجه ابن المنذر عن ابن جريج. الدر المنثور: 4 / 171.","part":4,"page":36},{"id":1239,"text":"وهو الذي قال: \"إن الله فقير ونحن أغنياء\" \"آل عمران -181\".\rوروى عطية العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنما قالت اليهود عزير ابن الله من أجل أن عزيرًا كان فيهم وكانت التوراة عندهم والتابوت فيهم، فأضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق، فرفع الله عنهم التابوت وأنساهم التوراة ونسخها من صدورهم، فدعا الله عزير وابتهل إليه أن يرد إليه الذي نسخ من صدورهم، فبينما هو يصلي مبتهلا إلى الله تعالى نزل نور من السماء فدخل جوفه فعادت إليه التوراة فأذَّن في قومه، وقال: يا قوم قد آتاني الله التوراة ردَّها إلي! فعلق به 156/أ الناس يعلمهم، فمكثوا ما شاء الله تعالى، ثم إن التابوت نزل بعد ذهابه منهم، فلما رأوا التابوت عرضوا ما كان فيه على الذي كان يعلمهم عزير فوجدوه مثله، فقالوا: ما أوتي عزير هذا إلا أنه ابن الله (1) .\rوقال الكلبي: إن بختنصر لما ظهر على بني إسرائيل وقتل منهم مَنْ قرأ التوراة، وكان عزير إذ ذاك صغيرًا فاستصغره فلم يقتله، فلما رجع بنو إسرائيل إلى بيت المقدس وليس فيهم مَنْ يقرأ التوراة بعث الله عزيراً ليجدد لهم التوراة وتكون لهم آية بعد مائة سنة، يقال: أتاه ملك بإناء فيه ماء فسقاه فمثلت التوراة في صدره، فلما أتاهم قال أنا عزير فكذبوه وقالوا: إن كنت كما تزعم فأمْلِ علينا التوراة، فكتبها لهم، ثم إن رجلا قال: إن أبي حدثني عن جدي أن التوراة جعلت في خابية ودفنت في كرم، فانطلقوا معه حتى أخرجوها، فعارضوها بما كتب لهم عزير فلم يجدوه غادر منها حرفا، فقالوا: إن الله لم يقذف التوراة في قلب رجل إلا لأنه ابنه، فعند ذلك قالت اليهود: عزير ابن الله.\rوأما النصارى فقالوا: المسيح ابن الله، وكان السبب فيه أنهم كانوا على دين الإسلام إحدى وثمانين سنة بعدما رُفِع عيسى عليه السلام يُصَلُّون إلى القبلة، ويصومون رمضان، حتى وقع فيما بينهم وبين اليهود حرب، وكان في اليهود رجل شجاع يقال له \"بولص\" قتل جملة من أصحاب عيسى عليه السلام، ثم قال لليهود: إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا به والنار مصيرنا، فنحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار، فإني أحتال وأُضِلُّهم حتى يدخلوا النار، وكان له فرس يقال له العقاب يقاتل عليه فعرقب فرسه وأظهر الندامة، ووضع على رأسه التراب، فقال له النصارى: من أنت؟ قال: بولص عدوكم، فنوديت من السماء: ليست لك توبة إلا أن تَتَنَصَّر، وقد تبت. فأدخلوه الكنيسة، ودخل بيتا\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 14 / 202-203. وانظر الدر المنثور: 4 / 171.","part":4,"page":37},{"id":1240,"text":"سنة لا يخرج منه ليلا ولا نهارًا حتى تعلَّم الإنجيل، ثم خرج وقال: نوديت أن الله قَبِلَ توبتك، فصدقوه وأحبوه، ثم مضى إلى بيت المقدس، واستخلف عليهم نسطورا وعلَّمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثة، ثم توجَّه إلى الروم وعَلَّمَهُم اللاهوت والناسوت، وقال: لم يكن عيسى بإنس ولا بجسم، ولكنه ابن الله، وعلَّم ذلك رجلا يقال له \"يعقوب\" ثم دعا رجلا يقال له مَلْكا، فقال: إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى، فلما استمكن منهم دعا هؤلاء الثلاثة واحدًا واحدًا، وقال لكل واحد منهم: أنت خالصتي، وقد رأيت عيسى في المنام فرضي عني. وقال لكل واحد منهم: إني غدًا أذبح نفسي، فادْعُ الناس إلى نِحْلتك. ثم دخل المذبح نفسه وقال: إنما أفعل ذلك لمرضاة عيسى، فلما كان يوم ثالثه دعا كل واحد منهم الناسَ إلى نِحْلَتِه، فتبع كُلَّ واحد طائفةٌ من الناس، فاختلفوا واقتتلوا فقال الله عز وجل: { وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ } ، { ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ } يقولون بألسنتهم من غير علم. قال أهل المعاني: لم يذكر الله تعالى قولا مقرونا بالأفواه والألسن إلا كان ذلك زورًا.\r{ يُضَاهِئُون } قرأ عاصم بكسر الهاء مهموزا، والآخرون بضم الهاء غير مهموز، وهما لغتان يقال: ضاهيته وضاهأته، ومعناهما واحد. قال ابن عباس رضي الله عنه: يشابهون. والمضاهاة المشابهة. وقال مجاهد: يُواطئون وقال الحسن: يوافقون، { قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ } قال قتادة والسدي: ضاهت النصارى قول اليهود من قبل، فقالوا: المسيح ابن الله، كما قالت اليهود: عزير ابن الله. وقال مجاهد: يضاهئون قول المشركين من قبل الذين كانوا يقولون اللات والعزى ومناة بنات الله. وقال الحسن: شبّه كفرَهم بكفر الذين مضوا من الأمم الكافرة كما قال في مشركي العرب: \"كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم\" (البقرة -188). وقال القتيبي: يريد أن مَنْ كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى يقولون ما قال أوّلهم، { قَاتَلَهُمُ اللَّهُ } قال ابن عباس: لعنهم الله. وقال ابن جريج: أي: قتلهم الله. وقيل: ليس هو على تحقيق المقاتلة ولكنه بمعنى التعجب، { أَنَّى يُؤْفَكُونَ } أي: يصرفون عن الحق بعد قيام الأدلة عليه.\r{ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) } .\r{ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا } أي: علماءهم وقرّاءهم، والأحبار: العلماء، وأحدها حِبر،","part":4,"page":38},{"id":1241,"text":"وحَبر بكسر الحاء وفتحها، والرهبان من النصارى أصحاب الصوامع فإن قيل: إنهم لم يعبدوا الأحبار والرهبان؟ قلنا: معناه أنهم أطاعوهم في معصية الله واستحلوا ما أحلّوا وحرّموا ما حرّموا، فاتخذوهم كالأرباب. رُوي عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: أتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال لي: \"يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك\"، فطرحته ثم انتهيت إليه وهو يقرأ: { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ } حتى فرغ منها، قلت له: إنّا لسنا نعبدهم، فقال: \"أليس يُحرمون ما أحلّ الله فتحرمونه ويحلّون ما حرّم الله فتستحلونه\"؟ قال قلت: بلى، قال: \"فتلك عبادتهم\" (1) .\rقال عبد الله بن المبارك: وهل بدل الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها\r{ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ } أي: اتخذوه إلها، { وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } .\r__________\r(1) أخرجه الطبري في التفسير: 14 / 210. ورواه مختصرا الترمذي في تفسير سورة براءة: 8 / 492-494، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث. وعزاه السيوطي أيضا: لابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبي الشيخ وابن مردويه والبيهقي. انظر: الدر المنثور: 4 / 174، الكافي الشاف ص (75)، جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ص (437).","part":4,"page":39},{"id":1242,"text":"{ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33) } .\r{ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ } أي: يبطلوا دين الله بألسنتهم وتكذيبهم إياه. وقال الكلبي: النور القرآن، أي: يريدون أن يردوا القرآن بألسنتهم تكذيبا، { وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ } أي: يعلي دينه ويظهر كلمته ويتم الحق الذي بعث به محمدا صلى الله عليه وسلم { وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } .\r{ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ } يعني: الذي يأبى إلا إتمام دينه هو الذي أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، { بِالْهُدَى } قيل: بالقرآن. وقيل: ببيان الفرائض، { وَدِينِ الْحَقِّ } وهو الإسلام، { لِيُظْهِرَهُ }","part":4,"page":39},{"id":1243,"text":"ليعليه وينصره، { عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ } على سائر الأديان، { وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } .\rواختلفوا في معنى هذه الآية: فقال ابن عباس: الهاء عائدة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: ليعلمه شرائع الدين كلها فيظهره عليها حتى لا يخفى عليه منها شيء.\rوقال الآخرون: الهاء راجعة إلى دين الحق، وظهوره على الأديان هو أن لا يدان الله تعالى إلا به. وقال أبو هريرة والضحاك: وذلك عند نزول عيسى بن مريم لا يبقى أهل دين إلا دخل في الإسلام. 156 / ب وروينا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في نزول عيسى عليه السلام قال: \"ويهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام\" (1) وروى المقداد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلام إما بعز عزيز أو ذل ذليل\" (2) إما يعزهم الله فيجعلهم من أهله، فيعز به، أو يذلهم فيدينون له.\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب، حدثنا أبو جعفر محمد سليمان بن منصور، حدثنا أبو مسلم بن إبراهيم بن عبد الله الكجي، حدثنا أبو عاصم النبيل، حدثنا عبد الحميد، هو ابن جعفر، عن الأسود بن العلاء، عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنه قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى\"، قالت: قلت: يا رسول الله ما كنت أظن أن يكون ذلك بعدما أنزل الله تعالى عليك: \"هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون\". ثم قال: \"يكون ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله تعالى ريحا طيبة، فتقبض من كان في قلبه مثقال ذرة من خير، ثم يبقى مَنْ لا خير فيه، فيرجع الناس إلى دين آبائهم\" (3) .\rقال الحسين بن الفضل: معنى الآية ليظهره على الدين كله بالحجج الواضحة.\rوقيل: ليظهره على الأديان التي حول النبي صلى الله عليه وسلم فيغلبهم.\rقال الشافعي رحمه الله: فقد أظهر الله رسوله صلى الله عليه وسلم على الأديان كلها بأن أبان لكل مَنْ سمعه أنه\r__________\r(1) قطعة من حديث أبي هريرة، أخرجه الإمام أحمد في المسند: 2 / 437. وقال الحافظ ابن حجر: رواه أحمد وأبو داود بإسناد صحيح من طريق عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة مرفوعا.\r(2) أخرجه الإمام أحمد في المسند: 6 / 4. وذكره الهيثمي من رواية المقداد وتميم الداري وقال: رواه أحمد والطبراني، ورجال الطبراني رجال الصحيح. مجمع الزوائد: 6 / 14. هذا، وفي نسخة \"أ\" جاء في الرواية: \"يعز عزيزا ويذل ذليلا\".\r(3) أخرجه مسلم في الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى تعبد دوس ذا الخلصة برقم (2907): 4 / 2230 والمصنف في شرح السنة: 15 / 91-92.","part":4,"page":40},{"id":1244,"text":"الحق، وما خالفه من الأديان باطل، وقال: وأظهره بأن جماع الشرك دينان: دين أهل الكتاب، ودين أميين فقهر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأميين حتى دانوا بالإسلام طوعًا وكرهًا، وقتل أهل الكتاب وسبى، حتى دان بعضهم بالإسلام، وأعطى بعضهم الجزية صاغرين، وجرى عليهم حكمه، فهذا ظهوره على الدين كله، والله أعلم.\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34)} .\rقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ } يعني، العلماء والقراء من أهل الكتاب، { لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ } [يريد: ليأخذون] (1) الرشا في أحكامهم، ويحرفون كتاب الله، ويكتبون بأيديهم كتبا يقولون: هذه من عند الله، ويأخذون بها ثمنا قليلا من سفلتهم، وهي المآكل التي يصيبونها منهم على تغيير نعت النبي صلى الله عليه وسلم، يخافون لو صدقوهم لذهبت عنهم تلك المآكل، { وَيَصُدُّونَ } ويصرفون الناس، { عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } دين الله عز وجل.\r{ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } قال ابن عمر رضي الله عنهما: كل مال تُؤَدّى زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونا. وكل مالٍ لا تُؤَدّى زكاته فهو كنز وإن لم يكن مدفونا. ومثله عن ابن عباس.\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثني سويد بن سعيد، حدثنا حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم أن أبا صالح بن ذكوان أخبره أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ما مِنْ صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يومُ القيامة صُفِّحتْ له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جبينه، وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضي الله بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقَّها، ومن حقها حلبها يوم وِرْدِهَا إلا إذا كان يوم القيامة، بُطِحَ لها بقاع قرقر، أوفر ما كانت، لا يفقد منها فصيلا واحدا، تطؤه بأخفافها، وتعضُّه بأفواهها، كلما مر عليه\r__________\r(1) في \"أ\": (يريدون يأخذون).","part":4,"page":41},{"id":1245,"text":"أُولاها رُدّ عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضي بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، ولا صاحب بَقَرٍ ولا غنم، لا يؤدي منها حقّها، إلا إذا كان يوم القيامة، بُطِحَ لها بِقاعٍ قرقرٍ لا يفقد منها شيئا ليس فيها عقصاء، ولا جلحاء، ولا عضباء، تنطحه بقرونها، وتطؤُه بأظلافها، كلما مرَّ عليه أُولاها، رُدَّ عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضي الله بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار\" (1) .\rوروينا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته، مُثِّل له ماله يوم القيامة شجاعًا أقرع، له زبيبتان يُطوّقه يوم القيامة، فيأخذ بِلِهْزِمَتَيْهِ، يعني: شِدْقَيْهِ، ثم يقول: أنا مالُك، أنا كنزك، ثم تلا { وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ } الآية (2) .\rوروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: كل مال زاد على أربعة آلاف درهم فهو كنز أَدَّيْتَ منه الزكاة أو لم تُؤَدِّ، وما دونها نفقة (3) .\rوقيل: ما فضل عن الحاجة فهو كنز. أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل الكعبة، فلما رآني قال: \"هم الأخسرون وَرَبِّ الكعبة\"، قال: فجئت حتى جلست، فلم أتقار أن قمت فقلت: يا رسول الله فداك أبي وأمي، من هم؟ قال: \"هم الأكثرون أموالا إلا من قال: هكذا وهكذا وهكذا، من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، وقليل ما هم\" (4)\rوروي عن أبي ذر رضي الله عنه أنه كان يقول: من ترك بيضاء، أو حمراء، كوي بها يوم القيامة (5) .\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الزكاة، باب إثم مانع الزكاة -برقم (987): 2 / 680-681، والمصنف في شرح السنة: 5 / 480.\r(2) أخرجه البخاري في الزكاة: باب إثم مانع الزكاة: 3 / 268، والمصنف في شرح السنة: 5 / 478.\r(3) أخرجه الطبري في التفسير: 14 / 219-220.\r(4) أخرجه البخاري في الأيمان -باب كيف كان يمين النبي صلى الله عليه وسلم: 11 / 524، ومسلم في الزكاة، باب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة- برقم (990): 2 / 686.\r(5) أخرجه الإمام أحمد في المسند: 5 / 168، والطبري: 14 / 220. وعزاه ابن حجر أيضا للبخاري في التاريخ - وابن مردويه من طريق عبد الله بن عبد الواحد الثقفي عن أبي النجيب الشامي عن أبي ذر، وعن ثوبان أخرجه ابن مردويه والطبراني في مسند الشاميين بلفظ أخر. انظر: الكافي الشاف ص (75-76).","part":4,"page":42},{"id":1246,"text":"وروي عن أبي أمامة قال: مات رجل من أهل الصفة، فوجد في مئزره دينار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم \"كية\"، ثم توفي آخر فوجد في مئزره ديناران، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"كيتان\" (1) .\rوالقول الأول أصح؛ لأن الآية في منع الزكاة لا في جمع المال الحلال. قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"نعم المال الصالح للرجل الصالح\" (2) .\rوروى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزلت هذه الآية، كبر ذلك على المسلمين وقالوا: ما يستطيع أحد منا أن يدع لولده شيئا، فذكر عمر ذلك لرسول الله فقال: \"إن الله عز وجل لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم\" (3) .\rوسئل ابن عمر رضي الله عنهما عن هذه الآية؟ فقال: كان ذلك قبل أن تنزل الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله طهرا للأموال.\rوقال ابن عمر: ما أبالي لو أن لي مثل أحد ذهبا أعلم عدده 157/أ أزكيه وأعمل بطاعة الله.\rقوله عز وجل: { وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } ولم يقل: ولا ينفقونهما، وقد ذكر الذهب والفضة جميعا. قيل: أراد الكنوز وأعيان الذهب والفضة. وقيل: ردّ الكناية إلى الفضة لأنها أعمّ، كما قال تعالى: \"واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة\" \"البقرة -45\"، ردّ الكناية إلى الصلاة لأنها أعمّ، وكقوله تعالى: \"وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها\" (الجمعة -11) رد الكناية إلى التجارة لأنها أعم، { فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } أي: أنذرهم.\r{ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35) } .\r{ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ } أي: تدخل النار فيوقد عليها أي على الكنوز،\r__________\r(1) أخرجه الإمام أحمد: 1 / 101. قال ابن حجر: رواه أحمد وابن أبي شيبة وأبو يعلى والطبراني والطبري - من طريق شهر بن حوشب.. ورواه ابن حبان من حديث ابن مسعود بالشطر الثاني. انظر: الكافي الشاف ص (76).\r(2) أخرجه الإمام أحمد: 4 / 197، 202، والمصنف في شرح السنة: 10 / 91.\r(3) أخرجه أبو داود في الزكاة، باب حقوق المال: 2 / 250، وصححه الحاكم: 2 / 333، والبيهقي: 4 / 83، وذكره المصنف في المصابيح: 2 / 10. وذكره الهيثمي في المجمع: 7 / 30 وقال: رواه أبو يعلى وفيه عثمان بن عمير وهو ضعيف. وانظر: الدر المنثور: 4 / 178.","part":4,"page":43},{"id":1247,"text":"{ فَتُكْوَى بِهَا } فتحرق بها، { جِبَاهُهُم } أي: جباه كانزيها، { وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ } روي عن ابن مسعود قال: إنه لا يوضع دينار على دينار ولا درهم على درهم، ولكن يوسع جلده حتى يوضع كل دينار ودرهم في موضع على حدة.\rوسئل أبو بكر الوراق: لِمَ خصّ الجباه والجنوب والظهور بالكي؟ قال: لأن الغني صاحب الكنز إذا رأى الفقير قبض وجهه، وزوى ما بين عينيه، وولاه ظهره، وأعرض عنه بكشحه.\rقوله تعالى: { هَذَا مَا كَنَزْتُمْ } أي: يقال لهم: هذا ما كنزتم، { لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ } أي: تمنعون حقوق الله تعالى في أموالكم. وقال بعض الصحابة: هذه الآية في أهل الكتاب. وقال الأكثرون: هي عامة في أهل الكتاب والمسلمين، وبه قال أبو ذر رضي الله عنه.\r{ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36) } .","part":4,"page":44},{"id":1248,"text":"{ إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (37) } .\rقوله تعالى: { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ } أي: عدد الشهور، { عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ } وهي المحرم وصفر وربيع الأول وشهر ربيع الثاني وجمادى الأولى وجمادى الآخرة ورجب وشعبان وشهر رمضان وشوال وذو القعدة وذو الحجة. وقوله: { فِي كِتَابِ اللَّهِ } أي : في حكم الله. وقيل: في اللوح المحفوظ. قرأ أبو جعفر: اثنا عشر، وتسعة عشر، وأحد عشر، بسكون الشين، وقرأ العامة بفتحها، { يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْض } والمراد منه: الشهور الهلالية، وهي الشهور التي يعتد بها المسلمون في صيامهم وحجهم وأعيادهم وسائر أمورهم، وبالشهور الشمسية تكون السنة ثلاث مائة وخمسة وستين يوما وربع يوم، والهلالية تنقص عن ثلاث مائة وستين يوما بنقصان الأهلة. والغالب أنها تكون ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما، { مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ } من الشهور أربعة حرم وهي: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، واحد فرد وثلاثة سرد، { ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } أي: الحساب المستقيم.\r{ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ } قيل: قوله \"فيهن\" ينصرف إلى جميع شهور السنة، أي: فلا تظلموا فيهن أنفسكم بفعل المعاصي وترك الطاعة. وقيل: \"فيهن\" أي: في الأشهر الحرم. قال قتادة: العمل الصالح أعظم أجرا في الأشهر الحرم، والظلم فيهن أعظم من الظلم فيما سواهن، وإن","part":4,"page":44},{"id":1249,"text":"كان الظلم على كل حال عظيما. وقال ابن عباس: فلا تظلموا فيهن أنفسكم يريد استحلال الحرام والغارة فيهن. قال محمد بن إسحاق بن يسار: لا تجعلوا حلالها حراما، ولا حرامها حلالا كفعل أهل الشرك وهو النسيء.\r{ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً } جميعا عامة، { كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } واختلف العلماء في تحريم القتال في الأشهر الحرم. فقال قوم: كان كبيرا ثم نسخ بقوله: { وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً } كأنه يقول فيهن وفي غيرهن. وهو قول قتادة، وعطاء الخراساني، والزهري، وسفيان الثوري، وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم غزا هوازن بحنين، وثقيفا بالطائف، وحاصرهم في شوال وبعض ذي القعدة. وقال آخرون: إنه غير منسوخ: قال ابن جريج: حلف بالله عطاء بن أبي رباح: ما يحل للناس أن يغزوا في الحرم، ولا في الأشهر الحرم، إلا أن يقاتلوا فيها وما نسخت.\rقوله تعالى: { إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ } قيل: هو مصدر كالسعير والحريق. وقيل: هو مفعول كالجريح والقتيل، وهو من التأخير. ومنه النسيئة في البيع، يقال: أنسأ الله في أجله أي أخر، وهو ممدود مهموز عند أكثر القراء، وقرأ ورش عن نافع من طريق البخاري: بتشديد الياء من غير همز، وقد قيل: أصله الهمزة فخفف.\rوقيل: هو من النسيان على معنى المنسي أي: المتروك. ومعنى النسيء: هو تأخير تحريم شهر إلى شهر آخر، وذلك أن العرب كانت تعتقد تعظيم الأشهر الحرم، وكان ذلك مما تمسكت به من ملة إبراهيم عليه السلام، وكانت عامة معايشهم من الصيد والغارة، فكان يشق عليهم الكف عن ذلك ثلاثة أشهر على التوالي، وربما وقعت لهم حرب في بعض الأشهر الحرم فيكرهون تأخير حربهم، فنسؤوا أي: أخَّروا تحريم ذلك الشهر إلى شهر آخر، وكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر، فيحرمون صفر ويستحلون المحرم، فإذا احتاجوا إلى تأخير تحريم صفر أخروه إلى ربيع، هكذا شهرا بعد شهر، حتى استدار التحريم على السنة كلها. فقام الإسلام وقد رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله عز وجل فيه، وذلك بعد دهر طويل، فخطب النبي صلى الله عليه وسلم في حجته.","part":4,"page":45},{"id":1250,"text":"كما: أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف الفربري، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا محمد بن سلام، حدثنا عبد الواحد حدثنا عبد الوهاب، حدثنا أيوب عن محمد بن سيرين، عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إنَّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خَلَقَ السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان\". وقال: \"أيّ شهر هذا؟ قلنا الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس ذو الحجة؟ قلنا: بلى، قال: أيّ بلد هذا؟ قلنا الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس البلد الحرام؟ قلنا: بلى، قال: فأيَ يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى، قال: فإن دماءكم وأموالكم، قال محمد: أحسبه قال: وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضُلالا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض مَنْ يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه، ألا هل بلغت ألا هل بلغت\" (1) ؟\rقالوا: وكان قد استمر النسيء بهم، فكانوا ربما يحجون في بعض السنين في شهر 157/ب ويحجون من قابل في شهر آخر.\rقال مجاهد: كانوا يحجون في كل شهر عامين، فحجوا في شهر ذي الحجة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، وكذلك في الشهور، فوافقت حجة أبي بكر رضي الله عنه قبل حجة الوداع السنة الثانية من ذي القعدة، ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم في العام القابل حجة الوداع، فوافق حجُّه شهر الحج المشروع وهو ذو الحجة، فوقف بعرفة يوم التاسع، وخطب اليوم العاشر بمنى، وأعلمهم أن أشهر النسيء قد تناسخت باستدارة الزمان، وعاد الأمر إلى ما وضع الله عليه حساب الأشهر يوم خلق الله السموات والأرض، وأمرهم بالمحافظة عليه لئلا يتبدل في مستأنف الأيام.\rواختلفوا في أول من نسأ النسيء: فقال ابن عباس والضحاك وقتادة ومجاهد: أول من نسأ النسيء بنو مالك بن كنانة، وكانوا ثلاثة: أبو ثمامة جناد بن عوف بن أمية الكناني. وقال الكلبي: أول\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الأضاحي - باب من قال: الأضحى يوم النحر: 10 / 7-8، ومسلم في القيامة، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض، برقم (1679): 3 / 1305، والمصنف في شرح السنة: 7 / 215-216.","part":4,"page":46},{"id":1251,"text":"من فعل ذلك رجل من بني كنانة يقال: له نعيم بن ثعلبة، وكان يكون أميرا على الناس بالموسم، فإذا هم الناس بالصدر، قام فخطب الناس فقال: لا مردَّ لما قضيت، أنا الذي لا أعاب ولا أجاب، فيقول له المشركون: لبيك، ثم يسألونه أن ينسأهم شهرا يغيرون فيه، فيقول: فإن صفرًا العام حرام، فإذا قال ذلك حلُّوا الأوتار، ونزعوا الأسنة والأزجة، وإن قال حلال عقدوا الأوتار وشدُّوا الأزجة، وأغاروا. وكان من بعد نعيم بن ثعلبة رجل يقال له: جنادة بن عوف، وهو الذي أدركه النبي صلى الله عليه وسلم.\rوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو رجل من بني كنانة يقال له: القلمس، قال شاعرهم: \"وفينا ناسئ الشهر القلمس\"، وكانوا لا يفعلون ذلك إلا في ذي الحجة إذا اجتمعت العرب للموسم.\rوقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: إن أول من سن النسيء عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف.\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنبأنا عبد الغافر بن محمد، أنبأنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثني زهير بن حرب، حدثنا جرير، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف أبا بني كعب، وهو يجر قُصْبَه في النار\" (1) .\rفهذا الذي ذكرنا هو النسيء الذي ذكره الله تعالى فقال: { إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ } يريد زيادة كفر على كفرهم، { يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا } قرأ حمزة والكسائي وحفص: { يُضَلُّ } بضم الياء وفتح الضاد، كقوله تعالى: \"زين لهم سوء أعمالهم\"، وقرأ يعقوب بضم الياء وكسر الضاد، وهي قراءة الحسن ومجاهد على معنى \" يضل \" به الذين كفروا الناس، وقرأ الآخرون بفتح الياء وكسر الضاد، لأنهم هم الضالون لقوله: { يُحِلُّونَه } يعني النسيء { عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا } أي: ليوافقوا، والمواطأة: الموافقة، { عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ } يريد أنهم لم يحلوا شهرا من الحرام إلا حرموا مكانه شهرا من الحلال، ولم يحرموا شهرا من الحلال إلا أحلوا مكانه شهرا من الحرام، لئلا يكون الحرام أكثر من أربعة أشهر، كما حرم الله فيكون موافقة العدد، { فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ } قال ابن عباس: زين لهم الشيطان، { وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ }\r__________\r(1) سبق تخريجه في سورة المائدة 3 / 108. وليس في الحديث ما يدل على أن عمرو بن لحي أول من سنَّ النسيء.","part":4,"page":47},{"id":1252,"text":"{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ (38) إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) } .\rقوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأرْضِ } الآية، نزلت في الحث على غزوة تبوك، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من الطائف أمر بالجهاد لغزوة الروم، وكان ذلك في زمان عسرة من الناس، وشدة من الحر، حين طابت الثمار والظلال، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورَّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حَرٍّ شديد، واستقبل سفرا بعيدا، ومفاوز هائلة، وعدوًا كثيرًا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم، فشقّ عليهم الخروج وتثاقلوا فأنزل الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ } (1) أي: قال لكم رسول الله صلى الله: { انْفِرُوا } أخرجوا في سبيل الله { اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأرْض } أي: لزمتم أرضكم ومساكنكم، { أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ } أي: بخفض الدنيا ودعتها من نعيم الآخرة. { فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ } .\rثم أوعدهم على ترك الجهاد، فقال تعالى: { إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } في الآخرة. وقيل: هو احتباس المطر عنهم في الدنيا. وسأل نجدة بن نفيع ابن عباس عن هذه الآية، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر حيًّا من أحياء العرب، فتثاقلوا عليه، فأمسك عنهم المطر، فكان ذلك عذابهم (2) { وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ } خيرًا منكم وأطوع. قال سعيد بن جبير: هم أبناء فارس. وقيل: هم أهل اليمن، { وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا } بترككم النفير. { وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }\r__________\r(1) انظر، الطبري: 14 / 253، أسباب النزول للواحدي ص (283)، الدر المنثور: 4 / 190.\r(2) أخرجه الطبري: 14 / 254-255، وصححه الحاكم في المستدرك: 2 / 118، وأخرجه أبو داود في السنن مختصرا: 3 / 367، والبيهقي في السنن: 9 / 48. وانظر: الدر المنثور: 4 / 193-194.","part":4,"page":48},{"id":1253,"text":"{ إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40) } .\rقوله تعالى: { إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ } هذا إعلام من الله عز وجل أنه المتكفل بنصر رسوله وإعزاز دينه، أعانوه أو لم يعينوه، وأنه قد نصره عند قلة الأولياء، وكثرة الأعداء، فكيف به اليوم وهو في كثرة من العَدَد والعُدَد؟ { إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا } من مكة حين مكروا به وأرادوا تبيينه وهموا بقتله، { ثَانِيَ اثْنَيْنِ } أي هو أحد الاثنين، والاثنان: أحدهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآخر أبو بكر الصديق رضي الله عنه، { إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ } وهو نقب في جبل ثور بمكة، { إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا } قال الشعبي: عاتب الله عز وجل أهل الأرض جميعا في هذه الآية غير أبي بكر الصديق رضي الله عنه.\rأخبرنا أبو المظفر محمد بن أحمد التميمي، أنبأنا محمد بن عبد الرحمن بن عثمان، أنبأنا خيثمة بن سليمان، حدثنا أحمد بن عبد الله الدورقي، حدثنا سعيد بن سليمان، عن علي بن هاشم عن كثير النَّوَّاء عن جُمَيْع بن عُمَيْر قال: أتيت ابن عمر رضي الله عنهما فسمعته يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه: \"أنت صاحبي في الغار، وصاحبي على الحوض\" (1) .\rقال الحسين بن الفضل: مَنْ قال إن أبا بكر لم يكن صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافر لإنكاره نص القرآن. وفي سائر الصحابة إذا أنكر يكون مبتدعا، لا يكون كافرًا.\rوقوله عز وجل: { لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا } لم يكن حزن أبي بكر جُبْنًا منه، وإنما كان إشفاقًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال: إن أقتل فأنا رجل واحد وإن قُتِلْتَ هلكت الأمة 158/أ\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في المناقب، باب بشارة لأبي بكر وعمر: 10 / 154، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح. والمصنف في شرح السنة: 14 / 82. وقال: هذا حديث حسن غريب. وفي الحديث: كثير بن إسماعيل أو ابن نافع النَّواء: ضعيف من السادسة. (تقريب).","part":4,"page":49},{"id":1254,"text":"وروي أنه حين انطلق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار جعل يمشي ساعة بين يديه، وساعة خلفه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: مالك يا أبا بكر؟ قال: أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك، فلما انتهيا إلى الغار قال مكانك يا رسول الله حتى استبرئ الغار، فدخل فاستبرأه ثم قال: انزل يا رسول الله، فنزل فقال عمر: والذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر (1) .\rأخبرنا أبو المظفر التميمي، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن عثمان المعروف بابن أبي النظر، أخبرنا خيثمة بن سليمان، حدثنا أبو قلابة الرقاشي، حدثنا حيان بن هلال، حدثنا همام بن يحيى، حدثنا ثابت البناني، حدثنا أنس بن مالك أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه حدَّثهم، قال: نظرتُ إلى أقدام المشركين فوق رؤوسنا ونحن في الغار فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر تحت قدميه أبصرنا، فقال: يا أبا بكر ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما ؟ (2) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، حدثنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لم أعقل أبويَّ قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمرّ علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشيا، فلما ابتلي المسلمون.. قال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين: \"إني أريت دار هجرتكم، ذات نخل، بين لابتين وهما الحرتان\". فهاجر مَنْ هاجر قِبَل المدينة ورجع عامة مَنْ كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر رضي الله عنه قِبَل المدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"على رِسْلِكَ فإني أرجو أن يؤذن لي\" فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: \"نعم\" فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه، وعلف راحلتين -كانتا عنده-ورق السَّمُر، وهو الخبْط، أربعة أشهر .\rقال ابن شهاب. قال عروة: قالت عائشة رضي الله عنها: فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نَحْرِ الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مُتَقَنِّعًا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداءً له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستأذن، فأذن له، فدخل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: أَخْرِجْ مَنْ عندك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر المنثور: (4 / 197-198) للبيهقي في الدلائل، ولابن عساكر عن ضبة بن محصن. قال ابن كثير في البداية والنهاية: (3 / 180) في هذا السياق غرابة ونكارة. وأخرجه ابن إسحاق مختصرا: 1 / 486. وقال ابن كثير عن هذه الرواية: وهذا فيه انقطاع من طرفيه، وساقه من رواية أبي القاسم البغوي مطولا، وقال: وهذا مرسل، وقد ذكرنا له شواهد.\r(2) أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب مناقب المهاجرين: 7 / 8-9، ومسلم في فضائل الصحابة، باب فضائل أبي بكر رضي الله عنه، برقم (2381): 4 / 1854، والمصنف في شرح السنة: 13 / 365.","part":4,"page":50},{"id":1255,"text":"بأبي أنت يا رسول الله، قال: \"فإني قد أذن لي في الخروج\" فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"نعم\" قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتيَّ هاتين، قال رسول الله: \"بالثمن\" قالت عائشة رضي الله عنها: فجهزناهما أحَثَّ الجهاز، وصنعنا لهما سُفْرَةً في جِرَابٍ، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين، قالت: ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور، فمكثا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة، كبائت فيها، فلا يسمع أمرًا يُُكَادَانِ به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فُهَيْرَةَ، مولى أبي بكر، مِنْحَةً من غنمٍ، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رِسْلٍ، وهو لبن منحتهما وَرَضِيفُهُمَا حتى يَنْعِقَ بهما عامر بن فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بني الدِّيل، وهو من بني عبد بن عدي هاديًا خِرِّيتًا، والخِرِّيتُ: الماهر بالهداية، قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش فَأَمِنَاهُ، فدفعا إليه راحلتيهما وواعده غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فُهَيْرَةَ والدليل فأخذ بهم على طريق السواحل.\rقال ابن شهاب: وأخبرني عبد الرحمن بن مالك الْمُدْلِجِيّ، وهو ابن أخي سراقة بن مالك بن جُعْشُم: أن أباه أخبره أنه سمع سراقة بن مالك بن جعشم يقول: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج، أقبل رجل منهم، حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال: يا سراقة إني قد رأيت آنفا أَسْوِدَةً بالساحل أراها محمدا وأصحابه، قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا، ثم لبثتُ في المجلس ساعة، ثم قمتُ فدخلت البيت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء أكمة، فتحبسها عليّ، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت، فخططت بزُجِّه الأرض، وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها فدفعتها تقرب بي حتى دنوت منهم فعثرت بي فرسي، فخررت عنها فقمت، فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره، فركبت فرسي وعصيت الأزلام، تقرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات، فساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها غبار ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت","part":4,"page":51},{"id":1256,"text":"من الحبس عنهم أن سيظهر أمر النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية وأخبرتهم خبر ما يريد الناس بهم وعرضت عليهم الزاد والمتاع، فلم يرزآني ولم يسألاني شيئا إلا أن قالا أخف عنا، فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر بن فُهَيْرَةَ فكتب في رقعة من أدم، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rقال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام، فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثياب بياض، وسمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوما بعدما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم صامتا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يحيي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك، فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة، وأسَّسَ المسجد الذي أسس على التقوى، وصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ركب راحلته، فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مربدًا للتمر، لسهيل وسهل، غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بركت به راحلته: هذا إن شاء الله المنزل. ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين، فَسَاوَمَهُمَا بالمربد ليتخذه مسجدا فقالا بل نهبه لك يا رسول الله، ثم بناه مسجدا، وطفق رسول الله ينقل معهم اللّبِنَ في بنيانه ويقول وهو ينقل اللّبن: هذا الحِمَالُ لا حِمَالُ خَيْبَرْ هذا أبَرّ ربنا وأَطْهَرْ\rويقول: اللهم إن الأجر أجر الآخره فارحم الأنصار والمهاجره\rفتمثل ببيت رجلٍ من المسلمين لم يسمَّ لي.","part":4,"page":52},{"id":1257,"text":"قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمثل ببيت شعر تام غير هذه الأبيات (1) .\rقال الزهري: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الغار أرسل الله تعالى زوجا من حمام حتى باضا في أسفل النقب، والعنكبوت حتى نسجت بيتا، وفي القصة: أنبت يمامة على فم الغار، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم أعمِ أبصارهم 158/ب عنّا فجعل الطلب يضربون يمينا وشمالا حول الغار يقولون: لو دخلا هذا الغار لتكسر بيض الحمام وتفسخ بيت العنكبوت (2) .\rقوله عز وجل: { فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } قيل: على النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عباس: على أبي بكر رضي الله عنه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كانت عليه السكينة من قبل، { وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا } وهم الملائكة نزلوا يصرفون وجوه الكفار وأبصارهم عن رؤيته. وقيل: ألقوا الرعب في قلوب الكفار حتى رجعوا. وقال مجاهد والكلبي: أعانه بالملائكة يوم بدر، أخبر أنه صرف عنه كيد الأعداء في الغار ثم أظهر نصره بالملائكة يوم بدر.\r{ وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى } وكلمتهم الشرك، وهي السفلى إلى يوم القيامة، { وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا } إلى يوم القيامة. قال ابن عباس: هي قول لا إله إلا الله. وقيل كلمة الذين كفروا: ما قدروا بينهم في الكيد به ليقتلوه، وكلمة الله: وعد الله أنه ناصره. وقرأ يعقوب: { وَكَلِمَةَ اللَّهِ } بنصب التاء على العطف { وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار، باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة: 7 / 230-233 والمصنف في شرح السنة: 13 / 354-362. وقد اختصر جملا منه في التفسير، أشرنا إليها بنقاط.\r(2) ذكر ذلك ابن عساكر عن زيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة. وهو حديث غريب جدا، من هذا الوجه كما قال الحافظ ابن كثير في البداية: 3 / 182.","part":4,"page":53},{"id":1258,"text":"{ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41) } .\rقوله تعالى: { انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا } قال الحسن والضحاك ومجاهد وقتادة وعكرمة: شبانا وشيوخا. وعن ابن عباس: نشاطا وغير نشاط. وقال عطية العوفي: ركبانا ومشاة. وقال أبو صالح: خفافا من المال، أي فقراء، وثقالا أي: أغنياء. وقال ابن زيد: الثقيل الذي له الضيعة، فهو ثقيل يكره أن يدع ضيعته، والخفيف الذي لا ضيعة له. ويروى عن ابن عباس قال: خفافا أهل الميسرة","part":4,"page":53},{"id":1259,"text":"من المال، وثقالا أهل العسرة. وقيل: خفافا من السلاح، أي: مقلين منه، وثقالا أي: مستكثرين منه. وقال الحكم بن عتيبة: مشاغيل وغير مشاغيل. وقال مرة الهمذاني: أصحاء ومرضى. وقال يمان بن رباب: عزابا ومتأهلين. وقيل: خفافا من حاشيتكم وأتباعكم، وثقالا مستكثرين بهم. وقيل: خفافا مسرعين خارجين ساعة سماع النفير، وثقالا بعد التروي فيه والاستعداد له.\r{ وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } قال الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل له: إنك عليل صاحب ضر، فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل، فإن لم يمكني الحرب كثَّرت السواد وحفظت المتاع.\rوقال عطاء الخراساني عن ابن عباس: نُسخت هذه الآية بقوله: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} (1) .\rوقال السدي: لما نزلت هذه الآية اشتد شأنها على الناس فنسخها الله تعالى وأنزل: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى} (2) الآية.\rثم نزل في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك: (3) .\r{ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (42) عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43) لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45) وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) } .\r{ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا } واسم كان مضمر، أي: لو كان ما تدعونهم إليه عرضا قريبا، أي: غنيمة قريبة المتناول، { وَسَفَرًا قَاصِدًا } أي قريبا هينا، { لاتَّبَعُوك } لخرجوا معك، { وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ } أي: المسافة، والشقة: السفر البعيد، لأنه يشق على الإنسان. وقيل: الشقة الغاية التي يقصدونها، { وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ } يعني باليمين الكاذبة، { وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } في أيمانهم وإيمانهم، لأنهم كانوا مستطيعين.\r{ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ } قال عمرو بن ميمون: اثنان فعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين، وأخذه الفدية من أسارى بدر، فعاتبه الله كما تسمعون.\r__________\r(1) انظر: الناسخ والمنسوخ لابن سلامة ص (52)، أسباب النزول (283-284) ابن كثير: 2 / 360.\r(2) أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي. الدر المنثور: 4 / 208.\r(3) أسباب النزول للواحدي ص (284).","part":4,"page":54},{"id":1260,"text":"قال سفيان بن عيينة: انظروا إلى هذا اللطف بدأ بالعفو قبل أن يعيره بالذنب.\rوقيل: إن الله عز وجل وقَّره ورفع محله بافتتاح الكلام بالدعاء له، كما يقول الرجل لمن يخاطبه إذا كان كريما عنده: عفا الله عنك ما صنعت في حاجتي؟ ورضي الله عنك ألا زرتني. وقيل معناه: أدام الله لك العفو.\r{ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ } أي: في التخلف عنك { حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا } في أعذارهم، { وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ } فيها، أي: تعلم من لا عذر له. قال ابن عباس رضي الله عنه: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف المنافقين يومئذ.\r{ لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ } أي: لا يستأذنك في التخلف، { وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ } .\r{ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ } أي شكت ونافقت، { فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ } متحيرين.\r{ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ } إلى الغزو، { لأعَدُّوا لَهُ } أي: لهيؤوا له { عُدَّةً } أهبة وقوة من السلاح والكراع، { وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ } خروجهم، { فَثَبَّطَهُمْ } منعهم وحبسهم عن الخروج، { وَقِيلَ اقْعُدُوا } في بيوتكم، { مَعَ الْقَاعِدِينَ } يعني: مع المرضى والزَّمْنى. وقيل: مع النسوان والصبيان. قوله عز وجل: { وَقِيلَ } أي: قال بعضهم لبعض: اقعدوا. وقيل: أوحى إلى قلوبهم وألهموا أسباب الخذلان.","part":4,"page":55},{"id":1261,"text":"{ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا وَلأوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47) } .","part":4,"page":56},{"id":1262,"text":"{ لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (48) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (49) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (50) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (52) قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلا وَهُمْ كَارِهُونَ (54) } .\r{ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ } وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم بالجهاد لغزوة تبوك، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عسكره على ثنية الوداع، وضرب عبد الله بن أبي على [ذي جدة (1) ] أسفل من ثنية الوداع، ولم يكن بأقل العسكرين، فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب، فأنزل الله تعالى يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم (2) { لَوْ خَرَجُوا } يعني المنافقين { فيكم } أي معكم، { مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا } أي: فسادا وشرا. ومعنى الفساد: إيقاع الجبن والفشل بين المؤمنين بتهويل الأمر، { وَلأوْضَعُوا } أسرعوا، { خِلالَكُم } وسطكم بإيقاع العداوة والبغضاء بينكم بالنميمة ونقل الحديث من البعض إلى البعض. وقيل: { وَلأوْضَعُوا خِلالَكُم } أي: أسرعوا فيما يخلّ بكم. { يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ } أي: يطلبون لكم ما تفتنون به، يقولون: لقد جُمع لكم كذا وكذا، وإنكم مهزومون وسيظهر عليكم عدوكم ونحو ذلك. وقال الكلبي: يبغونكم الفتنة يعني: الْعَيْبَ والشرَّ. وقال الضحاك: الفتنة الشرك، ويقال: بغيته الشر والخير أبغيه بُغَاءً إذا الْتَمَسْتُه له، يعني: بغيت له.\r{ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ } قال مجاهد: معناه وفيكم محبون لهم يؤدون إليهم ما يسمعون منكم، وهم الجواسيس. وقال قتادة: معناه وفيكم مطيعون لهم، أي: يسمعون كلامهم ويطيعونهم. { وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ } .\r{ لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ } أي: طلبوا صدَّ أصحابك عن الدين وردَّهم إلى الكفر، وتخذيل الناس عنك قبل هذا اليوم، كفعل عبد الله بن أبي يوم أحد حين انصرف عنك بأصحابه. { وَقَلَّبُوا لَكَ الأمُورَ } وأجالوا فيك وفي إبطال دينك الرأي، بالتخذيل عنك 159/أ وتشتيت أمرك، { حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ } النصر والظفر، { وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ } دين الله، { وَهُمْ كَارِهُونَ } .\rقوله تعالى: { وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي } نزلت في جَدِّ بن قَيْسٍ المنافق، وذلك\r__________\r(1) في \"أ\": (ذي حلوة). و \"ذو جدة\" الطريق الواضح المسلوك.\r(2) أسباب النزول للواحدي ص (284).","part":4,"page":56},{"id":1263,"text":"أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تجهز لغزوة تبوك قال: يا أبا وهب هل لك في جلاد بني الأصفر؟ يعني الروم، تتخذ منهم سراري ووصفاء، فقال جد: يا رسول الله لقد عرف قومي أني رجل مغرم بالنساء، وإني أخشى إن رأيت بنات بني الأصفر أن لا أصبر عنهن، ائْذَنْ لي في القعود ولا تفتني بهن وأعينُك بمالي. قال ابن عباس: اعتلَّ جد بن قيس ولم تكن له علة إلا النفاق، فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أذنت لك فأنزل الله عز وجل (1) : { ومنهم } يعني من المنافقين { مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي } في التخلف { وَلا تَفْتِنِّي } ببنات الأصفر. قال قتادة: ولا تؤثمني: { أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا } أي: في الشرك والإثم وقعوا بنفاقهم وخلافهم أمْرَ الله وأمر رسوله، { وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ } [مطبقة بهم] (2) وجامعة لهم فيها.\r{ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ } نصرة وغنيمة، { تسؤهم } تُحزنُهم، يعني: المنافقين، { وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ } قتل وهزيمة، { يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا } حَذَرَنا، أي: أخذنا بالحزم في القعود عن الغزو، { مِنْ قَبْلُ } أي: من قبل هذه المصيبة، { وَيَتَوَلَّوْا } ويدبروا { وَهُمْ فَرِحُونَ } مسرورون بما نالك من المصيبة.\r{ قُلْ } لهم يا محمد { لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا } أي: علينا في اللوح المحفوظ { هُوَ مَوْلانَا } ناصرنا وحافظنا. وقال الكلبي: هو أولى بنا من أنفسنا في الموت والحياة، { وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } .\r{ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا } تنتظرون بنا أيها المنافقون، { إِلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ } إما النصر والغنيمة أو الشهادة والمغفرة. وروينا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"تكفل الله لمن جاهد في\r__________\r(1) انظر: تفسير الطبري: 14 / 287-288، أسباب النزول للواحدي ص (284-285).\r(2) في \"ب\": (مطيفة بهم).","part":4,"page":57},{"id":1264,"text":"سبيله لا يُخْرِجه من بيته إلا الجهاد في سبيله، وتصديق كلمته: أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة\" (1) .\rقوله عز وجل { وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ } إحدى السوءتين إما: { أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ } فيهلككم كما أهلك الأمم الخالية، { أَوْ بِأَيْدِينَا } أي: بأيدي المؤمنين إن أظهرتم ما في قلوبكم، { فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ } قال الحسن: فتربصوا مواعيد الشيطان إنا متربصون مواعيد الله من إظهار دينه واستئصال مَنْ خالفه.\r{ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا } أمر بمعنى الشرط والجزاء، أي: إن أنفقتم طوعا أو كرها. نزلت في جد بن قيس حين استأذن في القعود، قال أعينكم بمالي، يقول: إن أنفقتم طوعا أو كرها { لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ } أي: لأنكم، { كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ } .\r{ وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ } قرأ حمزة والكسائي: \" يقبل \" بالياء لتقدم الفعل، وقرأ الباقون بالتاء لأن الفعل مسند إلى جمع مؤنث وهو النفقات، فأنث الفعل ليعلم أن الفاعل مؤنث، { نَفَقَاتُهُمْ } صدقاتهم، { إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِه } أي: المانع من قبول نفقاتهم كفرهم، { وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى } متثاقلون لأنهم لا يرجون على أدائها ثوابا، ولا يخافون على تركها عقابا، فإن قيل: كيف [ذم] (2) الكسل في الصلاة ولا صلاة لهم أصلا؟ قيل: الذم واقع على الكفر الذي يبعث على الكسل، فإن الكفر مكسل، والإيمان منشط، { وَلا يُنْفِقُونَ إِلا وَهُمْ كَارِهُونَ } لأنهم يعدونها مغرما ومنعها مغنما.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الخمس، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: \"أحلت لكم الغنائم\": 6 / 220، ومسلم في الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، برقم (1876): 3 / 1496.\r(2) في \"أ\": ذكر.","part":4,"page":58},{"id":1265,"text":"{ فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (55) وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57) } .\r{ فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ } والإعجاب هو السرور بما يتعجب منه، يقول: لا تستحسن ما أنعمنا عليهم من الأموال والأولاد لأن العبد إذا كان من الله في استدراج كثَّر الله ماله وولده، { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } فإن قيل: أي تعذيب في المال والولد وهم يتنعمون بها في الحياة الدنيا؟\rقيل: قال مجاهد وقتادة: في الآية تقديم وتأخير، تقديره: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة.\rوقيل: التعذيب بالمصائب الواقعة في المال والولد.\rوقال الحسن: يعذبهم بها في الدنيا بأخذ الزكاة منها والنفقة في سبيل الله. وقيل: يعذبهم بالتعب في جمعه، والوجل في حفظه، والكره في إنفاقه، والحسرة على تخليفه عند من لا يحمده، ثم يُقْدم على مَلِك لا يعذره. { وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ } أي: تخرج، { وَهُمْ كَافِرُونَ } أي: يموتون على الكفر.\r{ وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ } أي: على دينكم، { وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ } [يخافون أن يظهروا ما هم عليه] (1) .\r{ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً } حرزا وحصنا ومعقلا. وقال عطاء: مهربا. وقيل: قوما يأمنون فيهم. { أَوْ مَغَارَاتٍ } غِيرانا في الجبال، جمع مغارة وهو الموضع الذي يغور فيه، أي يستتر. وقال عطاء: سراديب. { أَوْ مُدَّخَلا } موضع دخول فيه، وأصل: مدتخل مفتعل، من أدخل يدخل. قال مجاهد: محرزا. وقال قتادة: سربا. وقال الكلبي: نفقا في الأرض كنفق اليربوع. وقال الحسن: وجها يدخلونه على خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقرئ: {مَدْخلا} بفتح الميم وتخفيف الدال، وكذلك قرأ\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".","part":4,"page":59},{"id":1266,"text":"يعقوب، { لَوَلَّوْا إِلَيْهِ } لأدبروا إليه هربا منكم، { وَهُمْ يَجْمَحُونَ } يسرعون في إباء ونفور لا يرد وجوههم شيء. ومعنى الآية: أنهم لو يجدون مخلصا منكم ومهربا لفارقوكم.\r{ وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58) } .\rقوله تعالى { وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ } الآية نزلت في ذي الخويصرة التميمي، واسمه حرقوص بن زهير، أصل الخوارج.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال: \"بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسمًا فينا، أتاه ذو الخُوَيْصرة، وهو رجل من بني تميم فقال: يا رسول اعدل، فقال: \"ويلك فمن يعدل إذا لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل\"، فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله ائذنْ لي فيه فأضرب عنقه، فقال له: \"دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يُجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يَمْرُقُ السهم من الرَّمِيَّة ينظر إلى نَصْلِه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رِصَافِهِ فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه، وهو قدْحُه، فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى قُذَذِهِ فلا يوجد فيه شيء، قد سَبَقَ الفَرْث والدم آيتهم: رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فُرْقَةٍ من الناس\". قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فَالْتُمِسَ، فَوُجِدَ، فَأُتِيَ به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نعته (1) .\rوقال الكلبي: قال رجل 159/ب من المنافقين يقال له [أبو الْجَوَّاظِ] (2) : لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لم تقسم بالسوية، فأنزل الله تعالى (3) { وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ } أي: يعيبك في أمرها وتفريقها\r__________\r(1) أخرجه البخاري في المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام: 6 / 617-618، ومسلم في الزكاة، باب ذكر قتال الخوارج وصفاتهم، برقم (1064) 2 / 744-745. والمصنف في شرح السنة: 10 / 224.\r(2) في \"ب\": (ذو الحواط).\r(3) أسباب النزول للواحدي ص (286).","part":4,"page":60},{"id":1267,"text":"ويطعن عليك فيها. يقال: لمزه وهمزه، أي: عابه، يعني أن المنافقين كانوا يقولون إن محمدا لا يعطي إلا من أحب. وقرأ يعقوب { يَلْمِزُكَ } حيث كان. وقال مجاهد: يلمزك أي: يروزك يعني: يختبرك. { فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ } قيل: إن أعطوا كثيرا فرحوا وإن أعطوا قليلا سخطوا.\r{ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (59) إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60) } .\r{ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ } أي: قنعوا بما قسم لهم الله ورسوله { وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ } كافينا الله، { سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ } ما نحتاج إليه { إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ } في أن يوسع علينا من فضله، فيغنينا عن الصدقة وغيرها من أموال الناس. وجواب \"لو \" محذوف أي: لكان خيرا لهم وأعود عليهم.\rقوله تعالى: { إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ } الآية، بيَّن الله تعالى في هذه الآية أهل سهمان الصدقات وجعلها لثمانية أصناف. وروي عن زياد بن الحارث الصُدائي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته، فأتاه رجل وقال: أعطني من الصدقة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك\" (1)\rقوله تعالى { لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ } فأحد أصناف الصدقة: الفقراء، والثاني: المساكين.\rواختلف العلماء في صفة الفقير والمسكين، فقال ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة وعكرمة والزهري: الفقير الذي لا يسأل، والمسكين: الذي يسأل.\rوقال ابن عمر: ليس بفقير من جمع الدرهم إلى الدرهم والتمرة إلى التمرة، ولكن من أنقى\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الزكاة، باب من يعطى من الصدقة: 2 / 230-231، والدارقطني في الزكاة 2 / 137، والبيهقي في السنن: 4 / 174. وقال المنذري: في إسناده عبد الرحمن بن زياد الأفريقي وقد تكلم فيه غير واحد.","part":4,"page":61},{"id":1268,"text":"نفسه وثيابه لا يقدر على شيء، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف.\rوقال قتادة: الفقير: المحتاج الزَّمِنُ، والمسكين: الصحيح المحتاج.\rوروي عن عكرمة أنه قال: الفقراء من المسلمين، والمساكين من أهل الكتاب.\rوقال الشافعي: الفقير من لا مال له ولا حرفة تقع منه موقعا، زَمِنا كان أو غير زَمِن، والمسكين من كال له مال أو حرفة ولا يغنيه، سائلا أو غير سائل. فالمسكين عنده أحسن حالا من الفقير لأن الله تعالى قال: \"أما السفينة فكانت لمساكين\" {الكهف -79} أثبت لهم ملكا مع اسم المسكنة.\rوعند أصحاب الرأي: الفقير أحسن حالا من المسكين.\rوقال القتيبي: الفقير: الذي له البُلْغَة من العيش، والمسكين: الذي لا شيء له.\rوقيل: الفقير من له المسكن والخادم، والمسكين من لا ملك له. وقالوا: كل محتاج إلى شيء فهو مفتقر إليه وإن كان غنيا عن غيره، قال الله تعالى: \"أنتم الفقراء إلى الله\" (غافر -15)، والمسكين المحتاج إلى كل شيء ألا ترى كيف حضَّ على إطعامه، وجعل طعام الكفارة له ولا فاقة أشد من الحاجة إلى سدّ الجوعة.\rوقال إبراهيم النخعي: الفقراء هم المهاجرون، والمساكين من لم يهاجروا من المسلمين.\rوفي الجملة: الفقر والمسكنة عبارتان عن الحاجة وضعف الحال، فالفقير المحتاج الذي كسرت الحاجة فقار ظهره، والمسكين الذي ضعفت نفسه وسكنت عن الحركة في طلب القوت.\rأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، حدثنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا الربيع، أنبأنا الشافعي، أنبأنا سفيان بن عيينة عن هشام، يعني: ابن عروة، عن أبيه، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار: أن رجلين أخبراه أنهما أتيا رسول الله فسألاه عن الصدقة [فصعَّد فيهما وصوَّب] (1) فقال: \"إن شئتما أعطيتكما ولاحظّ فيها لغني ولا لذي قوة مكتسب\" (2) .\rواختلفوا في حد الغنى الذي يمنع أخذ الصدقة: فقال الأكثرون: حدُّه أن يكون عنده ما يكفيه وعياله سنة، وهو قول مالك والشافعي.\rوقال أصحاب الرأي: حدُّه أن يملك مائتي درهم.\r__________\r(1) ما بين القوسين من مسند الشافعي.\r(2) أخرجه أبو داود في الزكاة، باب فيمن يعطى من الصدقة: 2 / 233، والنسائي في الزكاة، باب مسألة الغني المكتسب: 5 / 99-100، والشافعي في المسند: 1 / 244، والطحاوي في شرح معاني الآثار: 2 / 15، والمصنف في شرح السنة: 6 / 81. قال الإمام أحمد: ما أجوده من حديث! انظر: التلخيص الحبير: 3 / 108.","part":4,"page":62},{"id":1269,"text":"وقال قوم: من ملك خمسين درهما لا تحل له الصدقة، لما روينا عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح\"، قيل: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: \"خمسون درهما أو قيمتها من الذهب\" (1) . وهو قول الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق. وقالوا لا يجوز أن يعطى الرجل من الزكاة أكثر من خمسين درهما. وقيل: أربعون درهما لما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا\" (2) .\rقوله تعالى: { وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا } وهم السعاة الذين يتولون قبض الصدقات من أهلها ووضعها في حقها، فيعطون من مال الصدقة، فقراء كانوا أو أغنياء، فيعطون أجر مثل عملهم.\rوقال الضحاك ومجاهد: لهم الثمن من الصدقة.\r{ وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ } فالصنف الرابع من المستحقين للصدقة هم: المؤلفة قلوبهم، وهم قسمان: قسم مسلمون، وقسم كفار. فأما المسلمون: فقسمان، قسم دخلوا في الإسلام ونيتهم ضعيفة فيه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم تألفًا كما أعطى عيينة بن بدر، والأقرع بن حابس، والعباس بن مرداس ، أو أسلموا ونيتهم قوية في الإسلام، وهم شرفاء في قومهم مثل: عدي بن حاتم، والزِّبْرِقان بن بدر، فكان يعطيهم تألفًا لقومهم، وترغيبًا لأمثالهم في الإسلام، فهؤلاء يجوز للإمام أن يعطيهم من خمس خمس الغنيمة، والفيء سهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم من ذلك ولا يعطيهم من الصدقات.\rوالقسم الثاني من مؤلفة المسلمين: أن يكون قوم من المسلمين بإزاء قوم كفار في موضع مُتَنَاطٍ (3) لا تبلغهم جيوش المسلمين إلا بمؤنة كثيرة وهم لا يجاهدون، إما لضعف نيتهم أو لضعف حالهم، فيجوز للإمام أن يعطيهم من سهم الغزاة من مال الصدقة. وقيل: من سهم المؤلفة. ومنهم قوم بإزاء جماعة من مانعي الزكاة يأخذون منهم الزكاة يحملونها إلى الإمام، فيعطيهم الإمام من سهم المؤلفة من الصدقات. وقيل: من سهم سبيل الله.\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الزكاة، باب من يعطى من الصدقة وحد الغنى: 2 / 226، والترمذي في الزكاة، باب ما جاء من تحل له الزكاة: 3 / 313-314 وقال: حديث حسن، وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث. وأخرجه النسائي في الزكاة، باب حد الغنى: 5 / 97، وابن ماجه في الزكاة، باب من سأل عن ظهر غنى، برقم (1840): 1 / 589، والمصنف في شرح السنة: 6 / 83.\r(2) أخرجه أبو داود في الزكاة، باب من يعطى من الصدقة: 2 / 228-229، والنسائي في الزكاة، باب إذا لم يكن له دراهم وكان له عدلها: 5 / 98-99، والمصنف في شرح السنة: 6 / 84.\r(3) متناط: متناءٍ بعيد.","part":4,"page":63},{"id":1270,"text":"روي أن عدي بن حاتم جاء أبا بكر الصديق بثلاثمائة من الإبل من صدقات قومه فأعطاه أبو بكر منها ثلاثين بعيرا.\rوأما الكفار من المؤلفة: فهو مَنْ يُخشى شره منهم، أو يرجى إسلامه، فيريد الإمام أن يعطي هذا حذرًا من شره، أو يعطي ذلك ترغيبا له في الإسلام 160/أ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيهم من خمس الخمس، كما أعطى صفوان بن أمية لِمَا يرى من ميله إلى الإسلام، أما اليوم فقد أعزَّ الله الإسلام فله الحمد، وأغناه أن يُتَأَلَّف عليه رجال، فلا يُعطى مشرك تألفًا بحال، وقد قال بهذا كثير من أهل العلم أن المؤلفة منقطعة وسهمهم ساقط. روي ذلك عن عكرمة، وهو قول الشعبي، وبه قال مالك والثوري، وأصحاب الرأي، وإسحاق بن راهويه.\rوقال قوم: سهمهم ثابت، يروى ذلك عن الحسن، وهو قول الزهري، وأبي جعفر محمد بن علي، وأبي ثور، وقال أحمد: يعطون إن احتاج المسلمون إلى ذلك.\rقوله تعالى: { وَفِي الرِّقَابِ } والصنف الخامس: هم الرقاب، وهم المكاتبون، لهم سهم من الصدقة، هذا قول أكثر الفقهاء، وبه قال سعيد بن جبير، والنخعي، والزهري، والليث بن سعد، والشافعي. وقال جماعة: يشترى بسهم الرقاب عبيد فيُعتقون. وهذا قول الحسن، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق.\rقوله تعالى: { وَالْغَارِمِين } الصنف السادس هم: الغارمون، وهم قسمان: قسم دانوا لأنفسهم في غير معصيته، فإنهم يُعْطَون من الصدقة إذا لم يكن لهم من المال ما يفي بديونهم، فإن كان عندهم وفاء فلا يُعْطَون، وقسم أدانوا في المعروف وإصلاح ذات البين فإنهم يُعْطَون من مال الصدقة ما يقضون به ديونهم، وإن كانوا أغنياء.\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنبأنا زاهر بن أحمد، أنبأنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المساكين فأهدى المسكين للغني، أو لعامل عليها\" (1) .\rورواه معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم متصلا بمعناه (2) .\r__________\r(1) رواه مرسلا: مالك في الموطأ، كتاب الزكاة، باب أخذ الصدقة ومن يجوز له أخذها: 1 / 268، وأبو داود في الزكاة، باب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني: 2 / 234-235.\r(2) أخرجه أبو داود في الموضع السابق نفسه، وابن ماجه في الزكاة برقم (1841): 1 / 590. والمصنف في شرح السنة: 6 / 89.","part":4,"page":64},{"id":1271,"text":"أما من كان دَيْنه في معصية فلا يُدفع إليه.\rوقوله تعالى: { وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ } أراد بها: الغزاة، فلهم سهم من الصدقة، يُعطَون إذا أرادوا الخروج إلى الغزو، وما يستعينون به على أمر الغزو من: النفقة، والكسوة، والسلاح، والحمولة، وإن كانوا أغنياء، ولا يُعطى منه شيء في الحج عند أكثر أهل العلم.\rوقال قوم: يجوز أن يصرف سهم في سبيل الله إلى الحج. ويُروى ذلك عن ابن عباس، وهو قول الحسن، وأحمد، وإسحاق.\rقوله تعالى: { وَابْنِ السَّبِيلِ } الصنف الثامن: هم أبناء السبيل، فكل من يريد سفرا مباحا ولم يكن له ما يقطع به المسافة يُعطى من الصدقة بقدر ما يقطع به تلك المسافة، سواء كان له في البلد المنتقل إليه مال أو لم يكن.\rوقال قتادة: ابن السبيل هو الضيف.\rوقال فقهاء العراق: ابن السبيل: الحاجّ المنقطع.\rقوله تعالى: { فَرِيضَةً } أي: واجبةً { مِنَ اللَّهِ } وهو نصب على القطع، وقيل: على المصدر، أي: فرض الله هذه الأشياء فريضة. { وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .\rاختلف الفقهاء في كيفية قسم الصدقات، وفي جواز صرفها إلى بعض الأصناف:\rفذهب جماعة إلى أنه لا يجوز صرفها كلها إلى بعضهم مع وجود سائر الأصناف، وهو قول عكرمة، وبه قال الشافعي، قال: يجب أن تقسم زكاة كل صنف من ماله على الموجودين من الأصناف الستة، الذين سُهْمانهم ثابتة قسمة على السواء، لأن سهم المؤلفة ساقط، وسهم العامل إذا قسم بنفسه، ثم حصة كل صنف منهم لا يجوز أن تصرف إلى أقل من ثلاثة منهم إن وجد منهم ثلاثة أو أكثر، فلو فاوت بين أولئك الثلاث يجوز، فإن لم يوجد من بعض الأصناف إلا واحد صرف حصة ذلك الصنف إليه ما لم يخرج عن حدِّ الاستحقاق، فإن انتهت حاجته وفضل شيء ردَّه إلى الباقين.\rوذهب جماعة إلى أنه لو صرف الكل إلى صنف واحد من هذه الأصناف، أو إلى شخص واحد منهم يجوز، وإنما سمَّى الله تعالى هذه الأصناف الثمانية إعلاما منه أن الصدقة لا تخرج عن هذه","part":4,"page":65},{"id":1272,"text":"الأصناف، لا إيجابا لقسمها بينهم جميعا. وهو قول عمر، وابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير وعطاء، وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي، وبه قال أحمد، قال: يجوز أن يضعها في صنف واحد وتفريقها أولى.\rوقال إبراهيم: إن كان المال كثيرا يحتمل الإجزاء قسَّمه على الأصناف، وإن كان قليلا جاز وضعه في صنف واحد.\rوقال مالك: يتحرى موضع الحاجة منهم، ويُقَدَّم الأوْلى فالأوْلَى من أهل الخُلَّة والحاجة، فإن رأى الخلة في الفقراء في عام أكثر قدَّمهم، وإن رآها في عام في صنف آخر حولها إليهم.\rوكل من دُفِعَ إليه شيء من الصدقة لا يزيد على قدر الاستحقاق، فلا يزيد الفقير على قدر غناه، فإذا حصل أدنى اسم الغنى لا يُعطى بعده، فإن كان محترفا لكنه لا يجد آلة حرفته: فيعطى قدر ما يحصل به آلة حرفته، ولا يزاد العامل على أجر عمله، والمُكاتب على قدر ما يُعتق به، وللغريم على قدر دينه، وللغازي على قدر نفقته للذهاب والرجوع والمقام في مغزاه وما يحتاج إليه من الفرس والسلاح، ولابن السبيل على قدر إتيانه مقصده أو مآله.\rواختلفوا في نقل الصدقة عن بلد المال إلى موضع آخر، مع وجود المستحقين فيه: فكرهه أكثر أهل العلم، لما أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أنبأنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، حدثنا زكريا بن إسحاق المكي، حدثنا يحيى بن عبد الله بن الصيفي عن أبي معبد عن ابن عباس أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معاذًا إلى اليمن فقال: \"إنك تأتي قومًا أهل كتاب فادْعُهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فَأَعْلِمْهُمْ أن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فَأَعْلِمْهُمْ أن الله قد فرض عليهم صدقة تُؤخذ من أغنيائهم فتردُّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوةَ المظلوم، فإنه ليس بينه وبين الله حجاب\" (1) .\rفهذا يدل على أن صدقة أغنياء كل قوم تُردّ على فقراء ذلك القوم.\rواتفقوا على أنه إذا نقل من بلد إلى بلد آخر أُدِّي مع الكراهة، وسقط الفرض عن ذمته، إلا ما\r__________\r(1) أخرجه الشيخان وقد تقدم.","part":4,"page":66},{"id":1273,"text":"حُكي 160/ب عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه ردّ صدقة حملت من خراسان إلى الشام إلى مكانها من خراسان.\r{ وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61) } .\r{ وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ } نزلت في جماعة من المنافقين كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم، ويقولون ما لا ينبغي، فقال بعضهم: لا تفعلوا، فإنا نخاف أن يبلغه ما تقولون فيقع بنا. فقال الجُلاس بن سُوَيْد منهم: بل نقول ما شئنا، ثم نأتيه فننكر ما قلنا، ونحلف فيصدقنا بما نقول، فإنما محمد أُذُنٌ (1) أي: أذن سامعة، يقال: فلان أُذُنٌ وأُذْنَةٌ على وزن فُعْلَة إذا كان يسمع كل ما قيل له ويقبله. وأصله من أذن يأذن أذنا أي: استمع. وقيل: هو أذن أي: ذو أذن سامعة.\rوقال محمد بن إسحاق بن يسار: نزلت في رجل من المنافقين يقال له نبتل بن الحارث، وكان رجلا أذلم، ثائر شعر الرأس، أحمر العينين، أسفع الخدين، مشوَّه الخلقة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"من أحب أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث\"، وكان ينم حديث النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنافقين، فقيل له: لا تفعل، فقال: إنما محمد أذن فمن حدَّثه شيئًا صدقه، فنقول ما شئنا، ثم نأتيه ونحلف بالله فيصدقنا. فأنزل الله تعالى هذه الآية (2) .\rقوله تعالى: { قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ } قرأه العامة بالإضافة، أي: مستمع خير وصلاح لكم، لا مستمع شر وفساد. وقرأ الأعمش والبُرْجُمِيّ عن أبي بكر: { أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ } مرفوعين منونين، يعني: أن يسمع منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم ولا يقبل قولكم، ثم كذبهم فقال: { يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ } أي: لا بل يؤمن بالله، { وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ } أي: يصدق المؤمنين ويقبل منهم لا من المنافقين. يقال: أمنته وأمنت له بمعنى صدقته. { وَرَحْمَةٌ } قرأ حمزة: \" ورحمة \" بالخفض على معنى أذن خير لكم، وأذن رحمة، وقرأ الآخرون: \"ورحمة\" بالرفع، أي: هو أذن خير، وهو رحمة { لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ } لأنه كان سبب إيمان المؤمنين. { وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .\r__________\r(1) أسباب النزول للواحدي ص (286)، سيرة ابن هشام: 1 / 521.\r(2) ذكره ابن إسحاق بلاغا: 1 / 521، وانظر: الطبري: 14 / 324، أسباب النزول ص (286)والدر المنثور: 4 / 227.","part":4,"page":67},{"id":1274,"text":"{ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (63) يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (64) } .\r{ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ } قال قتادة والسدي: اجتمع ناس من المنافقين فيهم الجلاس بن سويد، ووديعة بن ثابت، فوقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إن كان ما يقول محمد حقا فنحن شر من الحمير، وكان عندهم غلام من الأنصار يقال له عامر بن قيس، فحقروه وقالوا هذه المقالة، فغضب الغلام وقال: والله إن ما يقول محمد حق وأنتم شر من الحمير، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فدعاهم وسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحلفوا أن عامرا كذاب. وحلف عامر أنهم كذبة فصدقهم النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل عامر يدعو ويقول: اللهم صدِّق الصادق وكذِّب الكاذب فأنزل الله تعالى هذه الآية (1) .\rوقال مقاتل والكلبي: نزلت في رهط من المنافقين تخلّفوا عن غزوة تبوك، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوه يعتذرون إليه ويحلفون، فأنزل الله تعالى هذه الآية\" { يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ } .\r{ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } يخالف الله ورسوله أن يكونوا في جانب واحد من الله ورسوله، { فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ } أي: الفضيحة العظيمة.\r{ يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ } أي: يخشى المنافقون، { أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ } أي: تنزل على المؤمنين، { سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ } أي: بما في قلوب المنافقين من الحسد والعداوة للمؤمنين، كانوا يقولون فيما بينهم ويُسرون ويخافون الفضيحة بنزول القرآن في شأنهم.\rقال قتادة: هذه السورة تسمى الفاضحة والمبعثرة والمثيرة، أثارت مخازيهم ومثالبهم.\rقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أنزل الله تعالى ذكر سبعين رجلا من المنافقين بأسمائهم وأسماء آبائهم ثم نسخ ذكر الأسماء رحمة للمؤمنين، لئلا يعير بعضهم بعضا، لأن أولادهم كانوا مؤمنين.\r__________\r(1) انظر: الدر المنثور: 4 / 228، أسباب النزول ص: (287)، الطبري: 14 / 329.","part":4,"page":68},{"id":1275,"text":"{ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ } مظهر { مَا تَحْذَرُونَ } .\rقال ابن كيسان: نزلت هذه الآية في اثني عشر رجلا من المنافقين، وقفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على العقبة لما رجع من غزوة تبوك ليفتكوا به إذا علاها، ومعهم رجل مسلم يخفيهم شأنه، وتنكروا له في ليلة مظلمة، فأخبر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قدَّروا، وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم، وعمار بن ياسر يقود برسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته، وحذيفة يسوق به، فقال لحذيفة: اضرب وجوه رواحلهم فضربها حتى نحاها، فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحذيفة: من عرفت من القوم؟ قال: لم أعرف منهم أحدًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"فإنهم فلان وفلان حتى عدَّهم كلهم، فقال حذيفة: ألا تبعث إليهم فتقتلهم؟ فقال: أكره أن تقول العرب. لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم، بل يكفيناهم الله بالدُّبَيْلَة\" (1) .\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنبأنا عبد الغافر بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي نضرة عن قيس بن عبادة قال: قلنا لعمار: أرأيت قتالكم أرأيا رأيتموه؟ فإن الرأي يخطئ ويصيب، أو عهدا عهده إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ما عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يعهده إلى الناس كافة، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إن في أمتي -قال شعبة وأحسبه قال: حدثني حذيفة قال في أمتي-اثنا عشر منافقا لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها، حتى يلج الجمل في سم الخياط، ثمانية منهم تكفيهم الدبيلة، سراج من النار يظهر في أكتافهم، حتى ينجم من صدورهم\" (2) .\r{ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) } .\rقوله تعالى: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ } الآية، وسبب نزول هذه الآية على ما قال الكلبي ومقاتل وقتادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسير في غزوة تبوك وبين يديه ثلاثة نفر من المنافقين، اثنان يستهزئان بالقرآن والرسول، والثالث يضحك.\rقيل: كانوا يقولون: إن محمدا يزعم أنه يغلب الروم ويفتح مدائنهم ما أبعده من ذلك!\rوقيل كانوا يقولون: إن محمدا يزعم أنه نزل في أصحابنا المقيمين بالمدينة قرآن، وإنما هو قوله وكلامه، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك؛ فقال: احبسوا علي الركب، فدعاهم وقال لهم: قلتم\r__________\r(1) انظر: الدر المنثور: 4 / 244.\r(2) أخرجه مسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، برقم (2779): 4 / 2143.","part":4,"page":69},{"id":1276,"text":"كذا وكذا، فقالوا: إنما كنا نخوض ونلعب، أي كنا نتحدث ونخوض في الكلام كما يفعل الركب لقطع الطريق بالحديث واللعب.\rقال عمر (1) فلقد 161/أ رأيت عبد الله بن أبي يشتد قدام رسول الله صلى الله عليه وسلم والحجارة تنكبه وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون، ما يلتفت إليه ولا يزيد عليه (2) .\rقوله تعالى: { قُلْ } أي: قل يا محمد { أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ } كتابه، { وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ } .\r{ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66) } .\r{ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ } فإن قيل: كيف قال: كفرتم بعد إيمانكم، وهم لم يكونوا مؤمنين؟.\rقيل: معناه:أظهرتم الكفر بعدما أظهرتم الإيمان.\r{ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ } أي: نتب على طائفة منكم، وأراد بالطائفة واحدًا، { نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ } بالاستهزاء. قرأ عاصم: \"نَعْفُ\" بالنون وفتحها وضم الفاء، \"نُعَذِّب\" بالنون وكسر الذال، { طَائِفَةً } نصب. وقرأ الآخرون: \"يُعْفَ\" بالياء وضمها وفتح الفاء، { تُعَذَّب } بالتاء وفتح الذال، \"طائفٌ\" رفعٌ على غير تسمية الفاعل.\rوقال محمد بن إسحاق: الذي عفا عنه رجلٌ واحد، هو مَخْشِيّ بن حُمَيِّر الأشجعي، يقال هو الذي كان يضحك ولا يخوض، وكان يمشي مجانبا لهم وينكر بعض ما يسمع، فلما نزلت هذه الآية تاب من نفاقه، وقال: اللهم إني لا أزال أسمع آية تقرأ أُعْنَى بها تقشعر الجلود منها، وتجب (3) منها القلوب، اللهم اجعل وفاتي قتلا في سبيلك لا يقول أحد أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت، فأُصيب يوم اليمامة، فما أحد من المسلمين إلا عُرِفَ مصرعُه غيره (4) .\r__________\r(1) هكذا في النسختين: \"قال عمر\". والصواب: \"ابن عمر\".\r(2) انظر: تفسير الطبري: 14 / 333-334، أسباب النزول للواحدي ص (288)، الدر المنثور: 4 / 230-231.\r(3) وجب قلبه يجب وجيبا: خفق واضطرب.\r(4) سيرة ابن هشام: 2 / 525. وفيه: مخشِّن بن حمير، ويقال: مَخْشِيّ.","part":4,"page":70},{"id":1277,"text":"{ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68) } .","part":4,"page":71},{"id":1278,"text":"{ كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (69) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70) وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72) } .\rقوله تعالى: { الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ } أي: هم على دين واحد. وقيل: أمرهم واحد بالاجتماع على النفاق، { يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ } بالشرك والمعصية، { وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ } أي عن الإيمان والطاعة، { وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ } أي: يمسكونها عن الصدقة والإنفاق في سبيل الله ولا يبسطونها بخير، { نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ } تركوا طاعة الله، فتركهم الله من توفيقه وهدايته في الدنيا، ومن رحمته في الآخرة، وتركهم في عذابه، { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } .\r{ وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ } كافيتهم جزاء على كفرهم، { وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ } أبعدهم من رحمته، { وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ } دائم.\r{ كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ } أي: فعلتم كفعل الذين من قبلكم بالعدول من أمر الله، فلعنتم كما لعنوا { كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً } بطشا ومنعة، { وَأَكْثَرَ أَمْوَالا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ } فتمتعوا أو انتفعوا بخلاقهم؛ بنصيبهم من الدنيا باتباع الشهوات ورضوا به عوضا عن الآخرة، { فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ } أيها الكفار والمنافقون، { كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ } وسلكتم سبيلهم، { وَخُضْتُم } في الباطل والكذب على الله تعالى، وتكذيب رسله، وبالاستهزاء بالمؤمنين، { كَالَّذِي خَاضُوا } أي: كما خاضوا. وقيل: كالذي يعني كالذين خاضوا، وذلك أن \"الذي\" اسم ناقص، مثل \"ما\" و \"من\" يعبر به عن الواحد والجميع، نظيره قوله تعالى: \"كمثل الذي استوقد نارا\" ثم قال: \"ذهب الله بنورهم\" (البقرة -17).","part":4,"page":71},{"id":1279,"text":"{ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } أي: كما حبطت أعمالهم وخسروا كذلك حبطت أعمالكم وخسرتم.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن عبد العزيز، حدثنا أبو عمر الصنعاني من اليمن، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم\"، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: \"فمن\"؟ وفي رواية أبي هريرة: \"فهلِ الناسُ إلا هُمْ\"، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: \"أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سَمْتًا وَهَدْيًا تتبعون عملهم حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ غير أني لا أدري أتعبدون العِجْلَ أم لا؟\" (1) .\rقوله تعالى: { أَلَمْ يَأْتِهِمْ } يعني المنافقين، { نَبَأُ } خبر، { الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } حين عصوا رُسلنا، وخالفوا أمرنا كيف عذبناهم وأهلكناهم. ثم ذكرهم، فقال: { قَوْمِ نُوحٍ } أهلكوا بالطوفان، { وَعَاد } أهلكوا بالريح { وَثَمُود } بالرجفة، { وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ } بسلب النعمة وهلاك نمرود، { وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ } يعني قوم شعيب أهلكوا بعذاب يوم الظلة، { وَالْمُؤْتَفِكَاتِ } المنقلبات التي جعلنا عاليها سافلها وهم قوم لوط، { أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } فكذَّبوهم وعصوهم كما فعلتم يا معشر الكفار، فاحذروا تعجيل النقمة، { فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } .\rقوله تعالى: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } في الدين واتفاق الكلمة والعون والنصرة. { يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ } بالإيمان والطاعة والخير، { وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } عن الشرك\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الاعتصام، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: \"لتتبعن سنن من كان قبلكم..\" 13 / 300، ومسلم في العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى، برقم (2669): 4 / 2054، والمصنف في شرح السنة: 14 / 392.","part":4,"page":72},{"id":1280,"text":"والمعصية وما لا يُعرف في الشرع، { وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ } المفروضة، { وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } .\r{ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً } منازل طيبة، { فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ } أي: بساتين خلد وإقامة، يقال: عدن بالمكان إذا أقام به.\rقال ابن مسعود: هي بُطْنَان الجنة، أي: وسطها.\rقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن في الجنة قصرا يقال له: \"عدن\" حوله البروج والمروج، له خمسة آلاف باب لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد.\rوقال الحسن: قصر من ذهب لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل.\rوقال عطاء بن السائب: \"عدن\" نهر في الجنة [جنانه] (1) على حافتيه.\rوقال مقاتل والكلبي: \"عدن\" أعلى درجة في الجنة، وفيها عين التسنيم، والجنان حولها، محدقة بها، وهي مغطاة من حين خلقها الله تعالى حتى ينزلها أهلها: الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون، ومن شاء الله، وفيها قصور الدر واليواقيت والذهب، فتهب ريح طيبة من تحت العرش فتدخل عليهم كثبان المسك الأذفر الأبيض.\r{ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ } أي: رضا الله عنهم أكبر من ذلك، { ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } روينا عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"يقول الله عز وجل لأهل الجنة يا أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا ومالنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطه أحدا من خلقك، فيقول: أفلا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: ربنا وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا\" (2) .\r__________\r(1) في \"ب\": (جنباته).\r(2) أخرجه البخاري في التوحيد، باب كلام الرب مع أهل الجنة: 13 / 487، وفي الرقاق أيضا، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب إحلال الرضوان على أهل الجنة برقم (2829) 4 / 2176، والمصنف في شرح السنة: 15 / 231-232.","part":4,"page":73},{"id":1281,"text":"{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (73) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (74) } .\rقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ } بالسيف والقتل، { وَالْمُنَافِقِينَ } واختلفوا في صفة جهاد المنافقين، قال ابن 161/ب مسعود: بيده فإن لم يستطع فبلسانه وإن لم يستطع فبقلبه، وقال لا تلق المنافقين إلا بوجه مكفهر (1) . وقال ابن عباس: باللسان وترك الرفق. وقال الضحاك: بتغليظ الكلام. وقال الحسن وقتادة: بإقامة الحدود عليهم. { وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ } في الآخرة،. { جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } قال عطاء: نسخت هذه الآية كل شيء من العفو والصفح.\rقوله تعالى: { يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا } قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في ظل حجرة فقال: \"إنه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم بعيني شيطان، فإذا جاء فلا تكلموه\"، فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \"علام تشتمني أنت وأصحابك\"؟ فانطلق الرجل، فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله، ما قالوا، فأنزل الله عز وجل هذه الآية (2) .\rوقال الكلبي: نزلت في الجُلاس بن سويد، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم بتبوك، فذكر المنافقين وسمَّاهم رجسا وعابهم، فقال جلاس: لئن كان محمد صادقا لنحن شر من الحمير. فسمعه عامر بن قيس، فقال: أجل إن محمدا لصادق وأنتم شر من الحمير، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه عامر بن قيس فأخبره بما قال الجلاس، فقال الجلاس: كذب علي يا رسول الله، وأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلفا عند المنبر، فقام الجلاس عند المنبر بعد العصر فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما قاله، ولقد كذب عليَّ عامر، ثم قام عامر فحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد قاله وما\r__________\r(1) أخرجه الطبري عن ابن مسعود: 14 / 358. ومعنى: بوجه مكفهر: عابس منقبض، لا طلاقة فيه ولا بشر ولا انبساط.\r(2) أخرجه الطبري: 14 / 363، وصحح الشيخ شاكر إسناده. وزاد السيوطي نسبته للطبراني وأبي الشيخ وابن مردويه. الدر المنثور: 4 / 241.","part":4,"page":74},{"id":1282,"text":"كذبت عليه، ثم رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم أنزل على نبيك تصديق الصادق منا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون: آمين. فنزل جبريل عليه السلام قبل أن يتفرقا بهذه الآية، حتى بلغ: { فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ } فقام الجلاس فقال: يا رسول الله أسمع [الله عز وجل] (1) قد عرض علي التوبة، صدق عامر بن قيس فيما قاله، لقد قلته وأنا أستغفر الله وأتوب إليه، فقبل رسول الله ذلك منه وحسنت توبته.\rقوله تعالى: { وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ } أي: أظهروا الكفر بعد إظهار الإيمان والإسلام. وقيل: هي سب النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: كلمة الكفر قول الجلاس: لئن كان محمد صادقا لنحن شر من الحمير. وقيل: كلمة الكفر قولهم \"لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل\"، (المنافقين -8 ) وستأتي تلك القصة [في موضعها في سورة المنافقين] (2) { وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا } قال مجاهد: همَّ المنافقون بقتل المسلم الذي سمع قولهم: لنحن شر من الحمير، لكي لا يفشيه.\rوقيل: همَّ اثنا عشر رجلا من المنافقين وقفوا على العقبة في طريق تبوك ليفتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء جبريل عليه السلام وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم، فأرسل حذيفة لذلك.\rوقال السدي: قالوا إذا قدمنا المدينة عقدنا على رأس عبد الله بن أبي تاجا، فلم يصلوا إليه.\r{ وَمَا نَقَمُوا } وما كرهوا وما أنكروا منهم، { إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ } وذلك أن مولى الجلاس قُتِل، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بديته اثني عشر ألف درهم فاستغنى. وقال الكلبي: كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم في ضنك من العيش، فلما قدم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم استغنوا بالغنائم.\r{ فَإِنْ يَتُوبُوا } من نفاقهم وكفرهم { يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا } يعرضوا عن الإيمان، { يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا } بالخزي، { وَالآخِرَةِ } أي: وفي الآخرة بالنار، { وَمَا لَهُمْ فِي الأرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ } .\r{ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) } .\rقوله تعالى: { وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ } الآية. أخبرنا أبو سعيد الشريحي، حدثنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو عبد الله بن حامد الأصفهاني، حدثنا أحمد بن\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) زيادة من المطبوع.","part":4,"page":75},{"id":1283,"text":"محمد بن إبراهيم السمرقندي، حدثنا محمد بن نصر، حدثني أبو الأزهر أحمد بن الأزهر، حدثنا مروان بن محمد بن شعيب حدثنا معان (1) بن رفاعة عن علي بن يزيد (2) عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة الباهلي قال: جاء ثعلبة بن حاطب الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه\"، ثم أتاه بعد ذلك فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أما لك في رسول الله أسوة حسنة؟ والذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال معي ذهبا وفضة لسارت\" ثم أتاه بعد ذلك فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا فوالذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالا لأعطين كل ذي حق حقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"اللهم ارزق ثعلبة مالا\".\rقال: فاتخذ غنما فَنَمَتْ كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها، فنزل واديا من أوديتها وهي تنمو كالدود، فكان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر، ويصلي في غنمه سائر الصلوات، ثم كثرت ونمت حتى تباعد بها عن المدينة، فصار لا يشهد إلا الجمعة، ثم كثرت فنمت فتباعد أيضا حتى كان لا يشهد جمعة ولا جماعة. فكان إذا كان يوم الجمعة خرج يتلقى الناس يسألهم عن الأخبار، فذكره صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: ما فعل ثعلبة؟ قالوا: يا رسول الله اتخذ ثعلبة غنما ما يسعها واد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة\". فأنزل الله آية الصدقات، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من بني سليم ورجلا من جهينة وكتب لهما أسنان الصدقة، كيف يأخذان؟ وقال لهما: \"مرا بثعلبة بن حاطب، و[بفلان]، رجلٍ من بني سليم فخذا صدقاتهما، فخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية، انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إلي، فانطلقا وسمع بهما السلمي فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة ثم استقبلهما بها فلما رأوها قالوا: ما هذه عليك. قال: خذاه فإن نفسي بذلك طيبة، فمرا على الناس فأخذا الصدقات، ثم رجعا إلى ثعلبة، فقال: أروني كتابكما فقرأه، ثم قال: ما هذه إلا أخت الجزية، اذهبا حتى أرى رأيي.\rقال فأقبلا فلما رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يكلماه قال: يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة، ثم دعا للسلمي بخير، فأخبراه بالذي صنع ثعلبة، فأنزل الله تعالى فيه: { وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ } 162/أ الآية، إلى قوله: { وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أقارب ثعلبة\r__________\r(1) في \"أ\" (معاذ) (بالذال).\r(2) في الأصل: (زيد) وهو خطأ.","part":4,"page":76},{"id":1284,"text":"فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال: ويحك يا ثعلبة لقد أنزل الله فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أن يقبل منه الصدقة، فقال: إن الله عز وجل منعني أن أقبل منك صدقتك، فجعل يحثو التراب على رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا عملك وقد أمرتك فلم تطعني، فلما أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبض صدقته، رجع إلى منزله. وقُبِض رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم أتى أبا بكر فقال: اقبل صدقتي، فقال أبو بكر: لم يقبلها منك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أنا أقبلها؟ فقُبِض أبو بكر ولم يقبلها. فلما وَلِيَ عمر أتاه فقال: اقبل صدقتي، فقال: لم يقبلها منك رسول الله ولا أبو بكر، أنا أقبلها منك؟ فلم يقبلها فلما وَلِيَ عثمان أتاه فلم يقبلها منه، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان (1) .\rقال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة: أتى ثعلبة مجلسا من الأنصار فأشهدهم لئن آتاني الله من فضله آتيت منه كل ذي حق حقه، وتصدقت منه، ووصلت الرحم، وأحسنت إلى القرابة، فمات ابن عم له [فورَّثه] (2) مالا فلم يف بما قال، فأنزل الله تعالى هذه الآية (3) .\rوقال الحسن ومجاهد: نزلت في ثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير، وهما من بني عمرو بن عوف، خرجا على ملأ قعودٍ وقالا والله لئن رزقنا الله [مالا] (4) لنصدقن، فلما رزقهما الله عز وجل بخلا به (5) فقوله عز وجل { وَمِنْهُم } يعني: المنافقين { مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ } ولنؤدين حقّ الله منه. { وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ } نعمل بعمل أهل الصلاح فيه؛ من صلة الرحم والنفقة في الخير.\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 14 / 370-372، والواحدي في أسباب النزول ص (290-292)، وابن الأثير في أسد الغابة: 1 / 284-285، وأشار إلى أنه مخرج عن ابن منده وأبي نعيم وابن عبد البر في الاستيعاب 10 / 210، وعزاه الهيثمي للطبراني وقال: \"فيه علي بن يزيد الألهاني، وهو متروك\". وعزاه السيوطي في الدر: 4 / 246 والهيثمي في المجمع: 7 / 21 للحسن بن سفيان وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ والعسكري في الأمثال وابن مردويه وأبي نعيم في معرفة الصحابة، وابن عساكر. ومعان بن رفاعة السلمي: لين الحديث، وعلي بن يزيد: ضعيف بمرة. فالخبر ضعيف. قال فيه ابن حجر: \"وهذا إسناد ضعيف جدا\" وقال الشيخ محمود شاكر: \"هو ضعيف كل الضعف -ليس له شاهد من غيره- وفي بعض رواته ضعف شديد\". وفي كون المراد بالآية ثعلبة بن حاطب. نظر. فإنه بدري. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"لا يدخل النار أحد شهد بدرا والحديبية\" وحكى صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى أنه قال لأهل بدر: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) فمن يكون بهذه المثابة كيف يعقبه الله نفاقا في قلبه، وينزل فيه ما ينزل؟ وثعلبة بن حاطب رضي الله عنه، الذي شهد بدرا، قتل في غزوة أحد، وفي هذ الرواية أنه هلك في عهد عثمان رضي الله عنه، فتأكد أنه ليس هو ثعلبة بن حاطب البدري. وانظر: الكافي الشاف ص (77)، الإصابة: 1 / 401، الحاوي للفتاوى: 2 / 183.\r(2) في (أ): فورث منه.\r(3) انظر: الطبري: 14 / 373-374، الدر المنثور: 4 / 247.\r(4) ساقط من \"أ\".\r(5) الطبري: 14 / 374-375.","part":4,"page":77},{"id":1285,"text":"{ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلامُ الْغُيُوبِ (78) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) } .\r\"فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون\". { فَأَعْقَبَهُم } فأخلفهم، { نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ } أي: صيَّر عاقبة أمرهم النفاق، يقال: أعقب فلانا ندامة إذا صيَّر عاقبة أمره ذلك. وقيل: عاقبهم بنفاق قلوبهم. يقال: عاقبتُه وأعقبته بمعنى واحد. { إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } يريد حرمهم التوبة إلى يوم القيامة، { بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } .\rأخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، حدثنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني، حدثنا عبد الله بن عمر الجوهري، حدَّثنا أحمد بن علي الكشميهني، حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر أخبرنا أبو سهيل نافع بن مالك عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعَدَ أخلف، وإذا ائتُمِنَ خان\" (1) .\rقوله عز وجل: { أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ } يعني: ما أضمروا في قلوبهم وما تناجوا به بينهم، { وَأَنَّ اللَّهَ عَلامُ الْغُيُوبِ } .\rقوله عز وجل: { الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ } الآية.\rقال أهل التفسير: حثَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم، وقال: يا رسول الله مالي ثمانية آلاف جئتك بأربعة آلاف فاجعلها في سبيل الله، وأمسكتُ أربعة آلاف لعيالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"بارك الله لك فيما أعطيتَ وفيما أمسكتَ\"، فبارك الله في\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الإيمان، باب علامات المنافق: 1 / 89، ومسلم في الإيمان، باب خصال المنافق، برقم (59): 1 / 78، والمصنف في شرح السنة: 1 / 72.","part":4,"page":78},{"id":1286,"text":"ماله حتى إنه خلَّف امرأتين يوم مات فبلغ ثُمُنُ ماله لهما مائة وستين ألف درهم. وتصدَّق يومئذ عاصم بن عدي العجلاني بمائة وَسْقٍ من تمر. وجاء أبو عقيل الأنصاري واسمه الحباب بصاع من تمر، وقال: يا رسول الله بتُّ ليلتي أجر بالجرير الماء حتى نِلْتُ صاعين من تمر فأمسكتُ أحدهما لأهلي وأتيتُك بالآخر فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينثره في الصدقة، فلمزهم المنافقون، فقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا رياءً، وإن الله ورسوله لغنيَّان عن صاع أبي عقيل، ولكنه أراد أن يُذكِّر بنفسه ليعطى من الصدقة، فأنزل الله عز وجل: (1)\r{ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ } أي: يعيبون { الْمُطَّوِّعِين } المتبرعين { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ } يعني: عبد الرحمن بن عوف وعاصمًا. { وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ } أي: طاقتهم، يعني: أبا عقيل. والجهد: الطاقة، بالضم لغة قريش وأهل الحجاز. وقرأ الأعرج بالفتح. قال القتيبي: الجهد بالضم الطاقة وبالفتح المشقة. { فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ } يستهزئون منهم، { سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ } أي: جازاهم الله على السخرية، { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .\r__________\r(1) انظر: الطبري: 14 / 383-388، الدر المنثور: 4 / 249-250.","part":4,"page":79},{"id":1287,"text":"{ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80) فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83) } .\r{ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } لفظه أمر، ومعناه خبر، تقديره: استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم. { إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ } وذكر عدد السبعين للمبالغة في اليأس على طمع المغفرة.\rقال الضحاك: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن الله قد رخص لي فلأزيدن على السبعين لعل الله أن يغفر لهم\"، فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم } (1) .\r{ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } .\r{ فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ } عن غزوة تبوك. والمخلف: المتروك { بِمَقْعَدِهِمْ } أي بقعودهم\r__________\r(1) الطبري: 14 / 395، الدر المنثور: 4 / 253.","part":4,"page":79},{"id":1288,"text":"{ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ } قال أبو عبيدة: أي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: مخالفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين سار وأقاموا، { وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ } وكانت غزوة تبوك في شدة الحر، { قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ } يعلمون وكذلك هو في مصحف عبد الله بن مسعود.\r{ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا } في الدنيا، { وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا } في الآخرة. تقديره: فليضحكوا قليلا فسيبكون كثيرا، { جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } .\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أنبأنا السيد أبو الحسن محمد بن [الحسين العلوي] قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الحسين الشرقي، حدثنا عبد الله بن هاشم، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا شعبة عن موسى بن أنس عن أنس رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا\" (1) .\rأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، حدثنا أبو طاهر محمد بن أحمد الحارث، حدثنا [أبو الحسن محمد بن] (2) يعقوب الكسائي حدثنا عبد الله بن محمود، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك عن عمران بن زيد الثعلبي، حدثنا يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"يا أيها الناس ابكوا، فإن لم تستطيعوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون في النار حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول، ثم تنقطع الدموع، فتسيل الدماء فتقرَّح العيون، فلو أن سُفُنًا أُجْرِيَتْ فيها لَجَرَتْ\" (3) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير، باب قوله تعالى: \"لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم\": 8 / 280، ومسلم في الفضائل، باب توقيره صلى الله عليه وسلم، برقم (2359): 4 / 1832، والمصنف في شرح السنة: 14 / 368-369.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) قال الهيثمي: رواه أبو يعلى وأضعف من فيه يزيد الرقاشي، وقد وُثِّق على ضعفه. انظر: المجمع: 10 / 391، وأخرجه المصنف في شرح السنة: 15 / 252.","part":4,"page":80},{"id":1289,"text":"قوله تعالى: { فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ } أي: ردك يا محمد من غزوة تبوك، { إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ } يعني: من المخلفين. وإنما قال: \"طائفة منهم\" لأنه ليس كل من تخلف عن غزوة تبوك كان منافقا، { فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ } معك في غزوة أخرى، { فَقُل } لهم { لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا } في سفر، { وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } في غزوة تبوك { فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ } أي: مع النساء والصبيان، وقيل مع الزمنى والمرضى.\rوقال 162/ب ابن عباس: مع الذين تخلفوا بغير عذر.\rوقيل: { مَعَ الْخَالِفِينَ } قال الفراء: يقال: صاحب خالف إذا كان مخالفا.\r{ وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84) وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (85) وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (86) } .","part":4,"page":81},{"id":1290,"text":"{ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (87) لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89) وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (90) } .\r{ وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا } الآية. قال أهل التفسير: بعث عبد الله بن أُبَيّ بن سلول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مريض، فلما دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له أهلككَ حبُّ اليهود؟ فقال: يا رسول الله إني لم أبعث إليك لتؤنبني، إنما بعثت إليك لتستغفر لي، وسأله أن يكفنه في قميصه ويصلي عليه.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، حدثنا أحمد بن عبد الله النعيمي، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى بن بكير، حدثني الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أنه قال: لما مات عبد الله بن أُبَيّ بن سلول دُعِيَ له رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وَثَبْتُ إليه، فقلت: يا رسول الله أتصلي على ابن أُبَيّ بن سلول وقد قال يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ أعدِّد عليه قوله، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: \"أخِّر عني يا عمر\" فلما أكثرتُ عليه قال: إني خُيّرتُ فاخترتُ، لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها، قال: فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرف فلم يمكث إلا يسيرًا حتى نزلت الآيتان من براءة: { وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ } إلى قوله: { وَهُمْ فَاسِقُونَ } قال: فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، والله ورسوله أعلم (1) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، حدثنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان قال عمرو: سمعت جابر بن عبد الله قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي بعدما أدخل في حفرته فأمر به فأخرج فوضعه على ركبتيه ونفث في فيه من ريقه وألبسه قميصه. فالله أعلم وكان كسا عباسا قميصا.\rقال سفيان: وقال هارون: وكان على رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصان فقال ابن عبد الله: يا رسول الله [ألبس أبي] قميصك الذي يلي جلدك (2) .\rوروي عن جابر قال: لما كان يوم بدر أتى بالعباس ولم يكن عليه ثوب فوجدوا قميص عبد الله بن\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الجنائز، باب ما يكره من الصلاة على المنافقين.. 3 / 228.\r(2) أخرجه البخاري في الجنائز، باب هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة؟ 3 / 214.","part":4,"page":81},{"id":1291,"text":"أبي يقدر عليه، فكساه النبي صلى الله عليه وسلم إياه، فلذلك نزع النبي صلى الله عليه وسلم قميصه الذي ألبسه عبد الله. قال ابن عيينة: كانت له عند النبي صلى الله عليه وسلم يد فأحب أن يكافئه (1) .\rوروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كُلِّم فيما فعل بعبد الله بن أبي فقال صلى الله عليه وسلم: \"وما يغني عنه قميصي وصلاتي من الله شيئا والله إني كنت أرجو أن يُسلم به ألف من قومه\"، ورُوي أنه أسلم به ألف من قومه لما رأوه يتبرك بقميص النبي صلى الله عليه وسلم (2) .\rقوله: { وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ } ولا تقف عليه، ولا تتولَّ دفنه، من قولهم: قام فلان بأمر فلان: إذا كفاه أمره. { إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ } فما صلى النبي صلى الله عليه وسلم بعدها على منافق ولا قام على قبره حتى قُبض.\rقوله تعالى: \" ولا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون \"\r{ وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْل منهم } ذوو الغنى والسَّعة منهم في القعود، { وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ } في رحالهم.\r{ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ } يعني النساء. وقيل: مع أدنياء الناس وسفلتهم. يقال: فلان خَالِفَةُ قومه إذا كان دونهم. { وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ } .\r{ لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ } يعني:\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الجهاد، باب الكسوة للأسارى: 6 / 144.\r(2) أخرجه الطبري: 14 / 409-410، والخازن: 3 / 108، وعزاه السيوطي لأبي الشيخ. انظر: الدر المنثور: 4 / 259، أسباب النزول للواحدي ص (295).","part":4,"page":82},{"id":1292,"text":"الحسنات، وقيل: الجواري الحسان في الجنة. قال الله تعالى: {فيهن خيرات حسان}، جمع خَيْرَة (1) وحُكِيَ عن ابن عباس: أنَّ [الخير] (2) لا يعلم معناه إلا الله كما قال جل ذكره: \"فلا تعلم نفسٌ ما أُخْفِيَ لهم من قُرةِ أعين\" (السجدة-17). { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }\rقوله تعالى: { وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ } الآية، قرأ يعقوب ومجاهد: { َ الْمُعَذِّرُونَ } بالتخفيف وهم المبالغون في العذر، يقال في المَثَل: \"لقد أُعذر من أنذر\" أي: بالغ في العذر مَنْ قدم النذارة، وقرأ الآخرون \" المعذِّرون \" بالتشديد أي: المقصرون، يقال: عَذَّرَ أي: قصَّر، وقال الفراء: المعذرون المعتذرون أدغمت التاء في الذال ونقلت حركة التاء إلى العين.\rوقال الضحاك: المعذرون هم رهط عامر بن الطفيل جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم دفاعا عن أنفسهم فقالوا: يا نبي الله إن نحن غزونا معك تُغير أعراب طيء على حلائلنا وأولادنا ومواشينا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"قد أنبأني الله من أخباركم وسيغني الله عنكم\" (3) .\rوقال ابن عباس: هم الذين تخلفوا بعذر بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم (4) .\r{ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ } يعني: المنافقين.\rقال أبو عمرو بن العلاء: كلا الفريقين كان مسيئا قوم تكلفوا عذرا بالباطل، وهم الذين عناهم الله تعالى بقوله: { وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ } وقوم تخلفوا عن غير تكلف عذر فقعدوا جرأة على الله تعالى، وهم\r__________\r(1) قال الطبري: \"الخيرات\": هي خيرات الآخرة، وذلك، نساؤها، وجناتها، ونعيمها. واحدتها: \"خَيْرَة\"، كما قال الشاعر: ولقد طَعَنْتُ مُجَامِعَ الرَّبَلاَتِ ... رَبَلاَتِ هِنْدٍ خَيْرَةِ الْمَلَكَاتِ\r\"والخيرة\" من كل شيء، الفاضلة. انظر: تفسير الطبري: 14 / 414-415.\r(2) في \"أ\": (الخيرات).\r(3) انظر: البحر المحيط: 5 / 84.\r(4) انظر: تفسير الطبري: 14 / 418.","part":4,"page":83},{"id":1293,"text":"المنافقون فأوعدهم الله بقوله: { سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .\r{ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92) } .\rثم ذكر أهل العذر، فقال جل ذكره: { لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ } قال ابن عباس: يعني الزمنى والمشايخ والعجزة. وقيل: هم الصبيان وقيل: النسوان، { وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ } يعني الفقراء { حَرَجٌ } مأثم. وقيل: ضيق في القعود عن الغزو، { إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ } في مغيبهم وأخلصوا الإيمان والعمل لله وبايعوا الرسول. { مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ } أي: من طريق بالعقوبة، { وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .\rقال قتادة: نزلت في عائذ بن عمرو وأصحابه (1) .\rوقال الضحاك: نزلت في عبد الله بن أم مكتوم وكان ضرير البصر (2) .\rقوله تعالى: { وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ } معناه: أنه لا سبيل على الأولين ولا على هؤلاء الذين أتوك وهم سبعة نفر سُمُّوا البكائين: معقل بن يسار، وصخر بن خنساء، وعبد الله بن كعب الأنصاري، وعُلْبَة (3) بن زيد الأنصاري، وسالم بن عمير، وثعلبة بن غنمة (4) وعبد الله بن مُغَفَّل المزني، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إن الله قد ندبنا إلى الخروج معك فاحملنا (5) .\rواختلفوا في قوله: { لِتَحْمِلَهُم } قال ابن عباس: سألوه أن يحملهم على الدواب.\rوقيل سألوه أن يحملهم على الخفاف المرفوعة والنعال 163/أ المخصوفة، ليغزوا معه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"لا أجد ما أحملكم عليه\" تولوا، وهم يبكون، فذلك قوله تعالى: { تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ }\r__________\r(1) انظر: الطبري: 14 / 420.\r(2) قارن بالدر المنثور: 4 / 262.\r(3) في الأصل: (علية)، وفي المطبوع: (عبلة). والتصويب من الروض الأنف للسهيلي: 2 / 321.\r(4) في \"أ\" (عثمة).\r(5) أخرجه الطبري: 14 / 423، وانظر: السيرة لابن هشام: 2 / 518، أسباب النزول للواحدي ص (296)، إمتاع الأسماع للمقريزي: 1 / 448.","part":4,"page":84},{"id":1294,"text":"{ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (93) } .","part":4,"page":85},{"id":1295,"text":"{ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (94) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (96) } .\r{ إِنَّمَا السَّبِيلُ } بالعقوبة، { عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ } في التخلف { وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ } مع النساء والصبيان، { وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ } .\r{ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ } يروى أن المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك كانوا بضعة وثمانين نفرا، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم جاؤوا يعتذرون بالباطل. قال الله تعالى: { قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ } لن نصدقكم، { قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ } فيما سلف، { وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ } في المستأنف أتتوبون من نفاقكم أم تقيمون عليه؟ { ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } .\r{ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ } إذا انصرفتم إليهم من غزوكم، { لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ } لتصفحوا عنهم ولا تؤنبوهم، { فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ } فدعوهم وما اختاروا لأنفسهم من النفاق، { إِنَّهُمْ رِجْسٌ } نجس أي: إن عملهم قبيح، { وَمَأْوَاهُم } في الآخرة، { جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } .\rقال ابن عباس: نزلت في جد بن قيس ومعتب بن قشير وأصحابهما وكانوا ثمانين رجلا من المنافقين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة: \"لا تجالسوهم ولا تكلموهم\" (1) .\rوقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن أبي حلف للنبي صلى الله عليه وسلم بالله الذي لا إله إلا هو لا يتخلف عنه بعدها، وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يرضى عنه، فأنزل الله عز وجل هذه الآية، ونزل:\r__________\r(1) انظر الرواية عن ابن عباس مطولة في: الطبري: 14 / 426-427. وقوله صلى الله عليه وسلم: \"لا تجالسوهم...\" عزاه السيوطي لابن أبي حاتم وأبي الشيخ. انظر: الدر المنثور: 4 / 266.","part":4,"page":85},{"id":1296,"text":"{ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } (1) .\r{ الأعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97) وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98) وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (99) } .\r{ الأعْرَابُ } أي: أهل البدو، { أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا } من أهل الحضر، { وَأَجْدَرُ } أخلق وأحرى، { أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ } وذلك لبعدهم عن سماع القرآن ومعرفة السنن، { وَاللَّهُ عَلِيمٌ } بما في قلوب خلقه { حَكِيمٌ } فيما فرض من فرائضه.\r{ وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا } قال عطاء: لا يرجو (2) على إعطائه ثوابا، ولا يخاف على إمساكه عقابا، إنما ينفق خوفا أو رياء والمغرم التزام ما لا يلزم. { وَيَتَرَبَّصُ } وينتظر { بِكُمُ الدَّوَائِرَ } يعني: صروف الزمان، التي تأتي مرة بالخير ومرة بالشر. وقال يمان بن رئاب: يعني ينقلب الزمان عليكم فيموت الرسول ويظهر المشركون، { عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ } [عليهم] (3) يدور البلاء والحزن. ولا يرون في محمد ودينه إلا ما يسوءهم.\rوقرأ ابن كثير وأبو عمرو: { دَائِرَةُ السَّوْءِ } ها هنا وفي سورة الفتح، بضم السين، معناه: الضر والبلاء والمكروه. وقرأ الآخرون بفتح السين على المصدر. وقيل: بالفتح الردة والفساد، وبالضم الضر والمكروه.\r{ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } نزلت في أعراب أسد وغطفان وتميم (4) . ثم استثنى فقال:\r{ وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } قال مجاهد: هم بنو مُقَرِّن من مزينة. وقال الكلبي: أسلم وغفار وجهينة.\r__________\r(1) انظر: البحر المحيط: 4 / 89-90.\r(2) في \"ب\": (يرجون... يخافون).\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (297)، الدر المنثور: 4 / 266.","part":4,"page":86},{"id":1297,"text":"أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أنبأنا جدي عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار، أنبأنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري، أنبأنا إسحاق بن إبراهيم الدَّبَرِيُّ، أنبأنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أسلمُ وغِفَارٌ وشيءٌ من جُهَيْنَةَ ومُزَيْنَةَ خيرٌ عند الله يوم القيامة من تَميمٍ وأسدِ بن خُزَيْمَةَ وهَوَازِنَ وغَطَفَانَ\" (1) .\r{ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ } القربات جمع القربة، أي: يطلب القربة إلى الله تعالى، { وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ } أي: دعاءه واستغفاره، قال عطاء: يرغبون في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم. { أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ } قرأ نافع برواية ورش \"قُرُبة\" بضم الراء، والباقون بسكونها. { سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ } في جنته، { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في المناقب، باب ذكر أسلم... 6 / 543، ومسلم في فضائل الصحابة، باب فضائل غفار، برقم (2521): 4 / 1955، والمصنف في شرح السنة: 14 / 65.","part":4,"page":87},{"id":1298,"text":"{ وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) } .\r{ وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ } الآية. قرأ يعقوب بالرفع عطفا على قوله: \"والسابقون\".\rواختلفوا في السابقين الأولين، قال سعيد بن المسيب، وقتادة، وابن سيرين وجماعة: هم الذين صلُّوا إلى القبلتين.\rوقال عطاء بن أبي رباح: هم أهل بدر.\rوقال الشعبي: هم الذين شهدوا بيعة الرضوان، وكانت بيعة الرضوان بالحديبية.\rواختلفوا في أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد امرأته خديجة، مع اتفاقهم على أنها أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال بعضهم: أول من آمن وصلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو قول جابر، وبه قال مجاهد وابن إسحاق، أسلم وهو ابن عشر سنين.\rوقال بعضهم: أول من آمن بعد خديجة أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وهو قول ابن عباس وإبراهيم النخعي والشعبي.\rوقال بعضهم: أول من أسلم زيد بن حارثة، وهو قول الزهري وعروة بن الزبير.\rوكان إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يجمع بين هذه الأقوال فيقول: أول من أسلم من الرجال أبو بكر","part":4,"page":87},{"id":1299,"text":"رضي الله عنه، ومن النساء خديجة، ومن الصبيان علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومن العبيد زيد بن حارثة.\rقال ابن إسحاق: فلما أسلم أبو بكر رضي الله عنه أظهر إسلامه ودعا إلى الله وإلى رسوله، وكان رجلا محببا سهلا وكان أنسب قريش وأعلمها بما كان فيها، وكان تاجرا ذا خُلقٍ ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر؛ لعلمه وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه، فأسلم على يديه -فيما بلغني-: عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلى رسول صلى الله عليه وسلم حين استجابوا له فأسلموا وصلوا، فكان هؤلاء الثمانية النفر الذين سبقوا إلى الإسلام (1) . ثم تتابع الناس في الدخول في الإسلام، أما السابقون من الأنصار: فهم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، وكانوا ستة (2) في العقبة الأولى، وسبعين في الثانية، والذين آمنوا حين قدم عليهم مصعب بن عمير يعلمهم القرآن، فأسلم معه خلق كثير وجماعة من النساء والصبيان.\rقوله عز وجل: { وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ } الذين هاجروا قومهم وعشيرتهم وفارقوا أوطانهم. { وَالأنْصَارِ } أي: ومن الأنصار، وهم الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه من أهل المدينة وآووا أصحابه، { وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ } قيل: هم بقية المهاجرين والأنصار سوى 163/ب السابقين الأولين.\rوقيل: هم الذين سلكوا سبيلهم في الإيمان والهجرة أو النصرة إلى يوم القيامة.\rوقال عطاء: هم الذين يذكرون المهاجرين والأنصار بالترحم والدعاء.\rوقال أبو صخر حميد بن زياد: أتيت محمد بن كعب القرظي فقلت له: ما قولك في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة محسنهم ومسيئهم، فقلت من أين تقول هذا؟ فقال: يا هذا اقرأ قول الله تعالى: { وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ } إلى أن قال: { رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ } وقال: { وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ } شرط في التابعين شريطة وهي أن يتبعوهم في أفعالهم الحسنة دون السيئة.\rقال أبو صخر: فكأني لم أقرأ هذه الآية قط (3) .\rروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا\r__________\r(1) انظر: سيرة ابن هشام: 1 / 249-252 (طبعة الحلبي).\r(2) في \"أ\": (سبعة).\r(3) عزاه السيوطي في الدر: 4 / 272 لأبي الشيخ وابن عساكر.","part":4,"page":88},{"id":1300,"text":"ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه\" (1) .\rثم جمعهم الله عز وجل في الثواب فقال: { رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ } قرأ ابن كثير: {من تحتها الأنهار}، وكذلك هو في مصاحف أهل مكة، { خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } .\r{ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101) } .\rقوله تعالى: { وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأعْرَابِ مُنَافِقُونَ } وهم من مُزينة وجُهينة وأشجع وأسلم وغفار، كانت منازلهم حول المدينة، يقول: من هؤلاء الأعراب منافقون، { وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ } أي: ومن أهل المدينة من الأوس والخزرج قوم منافقون، { مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ } أي: مرنوا على النفاق، يقال: تمرد فلان على ربِّه أي: عتا، ومرد على معصيته، أي: مرن وثبت عليها واعتادها. ومنه: المريد والمارد. قال ابن إسحاق: لجوا فيه وأبوا غيره.\rوقال ابن زيد: أقاموا عليه ولم يتوبوا.\r{ لا تَعْلَمُهُمْ } أنت يا محمد، { نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ } اختلفوا في هذين العذابين.\rقال الكلبي والسدي: قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا يوم الجمعة فقال: \"اخرج يا فلان فإنك منافق اخرج يا فلان. أخرج ناسا من المسجد وفضحهم، فهذا هو العذاب الأول. والثاني: عذاب القبر\" (2) .\rوقال مجاهد: الأول: القتل والسبي، والثاني: عذاب القبر. وعنه رواية أخرى: عُذِّبُوا بالجوع مرتين.\rوقال قتادة: الدُّبَيْلة في الدنيا وعذاب القبر.\rوقال ابن زيد: الأولى المصائب في الأموال والأولاد في الدنيا، والأخرى عذاب الآخرة.\rوعن ابن عباس: الأولى إقامة الحدود عليهم، والأخرى عذاب القبر.\rوقال ابن إسحاق: هو ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام ودخولهم فيه من غير حسبة ثم عذاب القبر.\rوقيل: إحداهما ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم، والأخرى عذاب القبر.\rوقيل: الأولى إحراق مسجدهم، مسجد الضرار، والأخرى إحراقهم بنار جهنم (3) . { ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ } أي: إلى عذاب جهنم يخلدون فيه.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم \"لو كنت متخذا خليلا...\": 7 / 21، ومسلم في فضائل الصحابة، باب تحريم سبّ الصحابة، برقم (2541): 4 / 1967-1968، والمصنف في شرح السنة 14 / 69.\r(2) أخرجه الطبري من رواية السدي عن أبي مالك عن ابن عباس: 14 / 441-442، وعزاه الهيثمي للطبراني في الأوسط أيضا، وقال: فيه الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي وهو ضعيف. انظر: مجمع الزوائد: 7 / 34.\r(3) انظر هذه الأقوال في: الطبري: 14 / 441-445، الدر المنثور: 4 / 274. قال الطبري رحمه الله: \"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال: إن الله أخبر أنه يعذِّب هؤلاء الذين مردوا على النفاق مرتين ولم يضع لنا دليلا يوصل به إلى علم صفة ذينك العذابين - وجائز أن يكون بعض ما ذكرنا عن القائلين ما أنبئنا عنهم. وليس عندنا علم بأيِّ ذلك من أيّ. غير أن في قوله جل ثناؤه: \"ثم يردون إلى عذاب عظيم\"، دلالة على أن العذاب في المرتين كلتيهما قبل دخولهم النار. والأغلب من إحدى المرتين أنها في القبر\".","part":4,"page":89},{"id":1301,"text":"{ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102) } .\rقوله تعالى: { وَآخَرُونَ } أي: ومن أهل المدينة، أو: من الأعراب آخرون، ولا يرجع هذا إلى المنافقين، { اعْتَرَفُوا } أقرُّوا، { بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا } وهو إقرارهم بذنوبهم وتوبتهم { وَآخَرَ سَيِّئًا } أي: بعمل آخر سيئ، وضع الواو موضع الباء، كما يقال: خلطت الماء واللبن، أي: باللبن.\rوالعمل السيئ: هو تخلُّفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوالعمل الصالح: هو ندامتهم وربطهم أنفسهم بالسواري وقيل: غزواتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم.\r{ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } نزلت هذه الآية في قوم تخلَّفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، ثم ندموا على ذلك، وقالوا: نكون في الظلال مع النساء، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الجهاد واللأواء! فلما قرب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة قالوا والله لَنُوثِقَنَّ أنفسنا بالسواري فلا نُطلقها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقها، ويعذرنا، فأوثقوا أنفسهم بسواري المسجد فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بهم فرآهم فقال: مَنْ هؤلاء؟ فقالوا: هؤلاء الذين تخلفوا عنك فعاهدوا الله عز وجل أن لا يُطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت تطلقهم وترضى عنهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا أقسم بالله لا أُطْلِقهم ولا أعذرهم حتى أومر بإطلاقهم، رغبوا عني وتَخَلَّفوا عن الغزو مع المسلمين! فأنزل الله هذه الآية فأرسل إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلقهم وعذرهم، فلما أطلقوا قالوا: يا رسول الله هذه أموالنا التي خَلَّفَتْنا عنك فتصدق بها وطَهِّرْنَا واستغفر لنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا\"، فأنزل الله تعالى: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً } الآية (1) .\rواختلفوا في أعداد هؤلاء التائبين، فروي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كانوا عشرة منهم أبو لبابة. وروى عطية عنه: أنهم كانوا خمسة أحدهم أبو لبابة. وقال سعيد بن جبير وزيد بن أسلم: كانوا ثمانية. وقال الضحاك وقتادة: كانوا سبعة. وقالوا جميعا: أحدهم أبو لبابة (2) .\rوقال قوم: نزلت في أبي لبابة خاصة. واختلفوا في ذنبه، قال مجاهد: نزلت في أبي لبابة حين قال لقريظة: إن نزلتم على حكمه فهو الذبح وأشار إلى حلقه (3) .\r__________\r(1) انظر: تفسير الطبري: 14 / 447-450، أسباب النزول ص (297-298).\r(2) انظر في هذه الأقوال: الطبري: 14 / 447-450، الدر المنثور: 4 / 275 وما بعدها.\r(3) الطبري: 14 / 451-452.","part":4,"page":90},{"id":1302,"text":"وقال الزهري: نزلت في تخلفه عن غزوة تبوك فربط نفسه بسارية، وقال: والله لا أحلُّ نفسي ولا أذوق طعاما ولا شرابا، حتى أموت أو يتوب الله علي! فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاما ولا شرابا حتى خر مغشيا عليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقيل له: قد تِيْبَ عليك!، فقال: والله لا أحلُّ نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فحله بيده، ثم قال أبو لبابة: يا رسول الله إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال: يجزيك يا أبا لبابة الثلث (1) .\rقالوا جميعا: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلث أموالهم، وترك الثلثين، لأن الله تعالى قال: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ } ولم يقل: خذ أموالهم. قال الحسن وقتادة: هؤلاء سوى الثلاثة الذين خلفوا.\r{ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) } .\rقوله تعالى: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ } بها من ذنوبهم، { وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا } أي: ترفعهم من منازل المنافقين إلى منازل المخلصين. وقيل: تنمي أموالهم { وَصَلِّ عَلَيْهِمْ } أي: ادع لهم واستغفر لهم. وقيل: هو قول الساعي [للمصدق] (2) إذا أخذ الصدقة منه: آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت. والصلاة في اللغة : الدعاء. { إِنَّ صَلاتَكَ } قرأ حمزة والكسائي: 164/أ \"صلاتك\" على التوحيد؛ ونصب التاء ها هنا وفي سورة هود \"أصلاتك\" وفي سورة المؤمنين \"على صلاتهم\" [كلهن على التوحيد] (3) وافقهما حفص ها هنا وفي سورة هود. وقرأ الآخرون بالجمع فيهن ويكسرون التاء ها هنا.\r{ سَكَنٌ لَهُمْ } أي: إن دعاءك رحمة لهم. قاله ابن عباس. وقيل: طمأنينة لهم، وسكون لهم، أن الله عز وجل قد قَبِلَ منهم. وقال أبو عبيدة: تثبيتٌ لقلوبهم. { وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } .\rواختلفوا في وجوب الدعاء على الإمام عند أخذ الصدقة: قال بعضهم: يجب. وقال بعضهم: يُستحب. وقال بعضهم: يجب في صدقة الفرض ويستحب في صدقة التطوع. وقيل: يجب على الإمام، ويستحب للفقير أن يدعو للمعطي.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة قال: سمعت عبد الله بن أبي أوْفَى -وكان من أصحاب الشجرة-قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوْمُه بصدقة قال: \"اللهم صلِّ عليهم\"، فأتاه أبي بصدقته فقال: \"اللهم صلِّ على آل أبي أوفى\" (4) .\r__________\r(1) الطبري: 14 / 452.\r(2) زيادة من المطبوع، يقتضيها السياق.\r(3) زيادة من المطبوع، يقتضيها السياق.\r(4) أخرجه البخاري في الزكاة، باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة: 3 / 361، ومسلم في الزكاة، باب الدعاء لمن أتى بصدقة، برقم (1078): 2 / 756-757، والمصنف في شرح السنة: 5 / 485.","part":4,"page":91},{"id":1303,"text":"وقال ابن كيسان: ليس هذا في صدقة الفرض إنما هو في صدقة كفارة اليمين.\rوقال عكرمة: هي صدقة الفرض، فلما نزلت توبة هؤلاء قال الذين لم يتوبوا من المتخلّفين: هؤلاء كانوا معنا بالأمس لا [يُكَلَّمُونَ] (1) ولا يُجَالَسُون، فما لهم؟\r{ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (106) } .\rفقال تعالى: { أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ } أي: يقبلها، { وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } .\rأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، أنبأنا الربيع بن سليمان، أنبأنا الشافعي، أنبأنا سفيان بن عيينة، عن ابن عجلان، عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: \"والذي نفسي بيده ما من عبد يتصدق بصدقة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا طيبا ولا يصعد إلى السماء إلا طيب إلا كأنما يضعها في يد الرحمن عز وجل فيربيها له كما يربي أحدكم فَلُوَّه، حتى إن اللقمة لتأتي يوم القيامة وإنها لمثل الجبل العظيم، ثم قرأ: { أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ } (2) .\rقوله تعالى: { وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } قال مجاهد: هذا وعيد لهم. قيل: رؤية النبي صلى الله عليه وسلم بإعلام الله تعالى إياه، ورؤية المؤمنين بإيقاع المحبة في قلوبهم لأهل الصلاح، والبغضة لأهل الفساد.\rقوله تعالى: { وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } قرأ أهل المدينة والكوفة غير أبي بكر: \"مرجون\" بغير همز، والآخرون: بالهمز، والإرجاء: التأخير، مرجون: مؤخرون. لأمر الله: لحكم الله عز وجل فيهم، وهم الثلاثة الذين تأتي قصتهم من بعدُ: كعب بن مالك،\r__________\r(1) في \"ب\": يكالمون.\r(2) أخرجه الشافعي بإسناد حسن: المسند: 1 / 220، والمصنف في شرح السنة: 6 / 131، وصححه الحاكم على شرط الشيخين 2 / 335، وأصل معنى الحديث ثابت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه. انظر: تعليق الشيخ شاكر على الطبري: 6 / 18-20.","part":4,"page":92},{"id":1304,"text":"وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، لم يبالغوا في التوبة والاعتذار كما فعل أبو لبابة، فوقفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسين ليلة ونهى الناس عن مكالمتهم (1) ومخالطتهم، حتى شقَّهم القلق وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وكانوا من أهل بدر فجعل أناس يقولون: هلكوا، وآخرون يقولون: عسى الله أن يغفر لهم، فصاروا مُرْجَئِيْنَ لأمر الله [لا يدرون] (2) أيعذبهم أم يرحمهم، حتى نزلت توبتهم بعد خمسين ليلة (3) .\r__________\r(1) في \"أ\" (مخالطتهم).\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) انظر: الطبري: 14 / 466، أسباب النزول ص (298).","part":4,"page":93},{"id":1305,"text":"{ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) } .\rقوله تعالى: { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا } قرأ: أهل المدينة والشام \"الذين\" بلا واو، وكذلك هو في مصاحفهم، وقرأ الآخرون: \"والذين\" بالواو. { مَسْجِدًا ضِرَارًا } نزلت هذه الآية في جماعة من المنافقين، بنوا مسجدا يضارُّون به مسجد قباء، وكانوا اثني عشر رجلا من أهل النفاق: وديعة بن ثابت، وجذام بن خالد، ومن داره أُخْرِج هذا المسجد، وثعلبة بن حاطب، وجارية بن عامر، وابناه مجمع وزيد، ومعتب بن قشير، وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف، وأبو حبيبة بن الأزعر، ونبتل بن الحارث، وبجاد بن عثمان، ورجل يقال له: بَحْزَج، (1) بنوا هذا المسجد ضرارا، يعني: مضارة للمؤمنين، { وَكُفْرًا } بالله ورسوله، { وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ } ؛ لأنهم كانوا جميعا يصلون في مسجد قباء، فبنوا مسجد الضرار، ليصلي فيه بعضهم، فيؤدي ذلك إلى الاختلاف وافتراق الكلمة، وكان يصلي بهم مجمع بن جارية.\rفلما فرغوا من بنائه أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة، والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنَّا نحب أن تأتينا وتصلي بنا فيه وتدعوا لنا بالبركة، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إني على جناح سفر، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه\" (2) .\r__________\r(1) في \"أ\": (بخدج) وفي \"ب\": \"بخرج\" والمثبت من الطبري: 14 / 469، 471 مع تعليق الشيخ محمود شاكر.\r(2) انظر في قصة مسجد الضرار: الطبري: 14 / 468-475، أسباب النزول ص (298-300)، سيرة ابن هشام: 2 / 530، الدر المنثور: 4 / 482 وما بعدها، وضعفه الألباني في تخريج \"فقه السيرة\" للغزالي ص (427). وقال ابن حجر: ذكره الثعلبي بغير إسناد...، وفي سياق الطبري: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث مالك بن الدخشم ومعن بن عدي. ولم يذكر وحشيًّا وعامر بن السكن. ورواه ابن مردويه من طريق ابن إسحاق، قال: ذكر الزهري عن ابن أكيمة الليثي عن ابن أخي رهم أنه سمع أبا رهم الغفاري؛ فذكر نحوه. وأما كونهم بنوه بسبب أبي عامر الراهب: فرواه ابن مردويه من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما. انظر: الكافي الشاف ص (81).","part":4,"page":93},{"id":1306,"text":"{ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ } أي: انتظارًا وإعدادًا لمن حارب الله ورسوله. يقال: أرصدت له: إذا أعددت له. وهو أبو عامر الراهب وكان أبو عامر هذا رجلا منهم، وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة، وكان قد ترهَّب في الجاهلية وتنصَّر ولبس المُسوح، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قال له أبو عامر: ما هذا الذي جئت به؟ قال: جئت بالحنيفية دين إبراهيم، قال أبو عامر: فإنا عليها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"إنك لست عليها\"، قال: بلى ولكنك أدخلت في الحنيفية ما ليس منها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"ما فعلت ولكنّي جئت بها بيضاء نقية\"، فقال أبو عامر: أمات اللهُ الكاذبَ منا طريدا وحيدا غريبا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم \"آمين\". وسماه أبا عامر الفاسق.\rفلما كان يوم أحد قال أبو عامر لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم، فلم يزل يقاتله إلى يوم حُنين، فلما انهزمت هوازن يئس وخرج هاربا إلى الشام فأرسل إلى المنافقين أنِ استعدوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح، وابنوا لي مسجدا فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتٍ بجند من الروم، فأُخْرِج محمدا وأصحابه، فبنوا مسجد الضرار إلى جنب مسجد قباء، فذلك قوله تعالى: { وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } وهو أبو عامر الفاسق، ليصلي فيه إذا رجع من الشام.\rقوله: { مِنْ قَبْلُ } يرجع إلى أبي عامر يعني حارب الله ورسوله من قبل أي: من قبل بناء مسجد الضرار.\r{ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا } ما أردنا ببنائه، { إِلا الْحُسْنَى } إلا الفعلة الحسنى وهو الرفق بالمسلمين والتوسعة على أهل الضعف والعجز عن المسير إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.\r{ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } في قيلهم وحلفهم. روي لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك ونزل بذي أوَان موضع قريب من المدينة أتوه فسألوه إتيان مسجدهم فدعا 164/ب بقميصه ليلبسه ويأتيهم، فنزل عليه القرآن وأخبره الله تعالى خبر مسجد الضرار وما همُّوا به، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدُّخْشُم، ومعن بن عدي، وعامر بن السكن، ووحشيا قاتل حمزة، وقال لهم: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهلُه فاهدموه واحرقوه، فخرجوا سريعا حتى أتوا بني سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدُّخْشُم، فقال مالك: أنظروني حتى أخرج إليكم بنار من أهلي، فدخل أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا، ثم خرجوا يشتدُّون، حتى دخلوا المسجد وفيه أهله، فحرَّقوه وهدموه، وتفرق عنه أهله، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ ذلك كناسة تلقى فيه الجِيَف والنتن والقمامة. ومات أبو عامر الراهب بالشام وحيدا فريدا غريبا.","part":4,"page":94},{"id":1307,"text":"وروي أن بني عمرو بن عوف، الذين بنوا مسجد قباء، أتوا عمر بن الخطاب في خلافته ليأذن لمجمع بن حارثة فيؤمهم في مسجدهم، فقال: لا ولا نعمة عين، أليس بإمام مسجد الضرار؟ فقال له مجمع: يا أمير المؤمنين: لا تعجل عليَّ، فوالله لقد صلَّيت فيه وإني لا أعلم ما أضمروا عليه، ولو علمتُ ما صلَّيت معهم فيه، كنت غلاما قارئا للقرآن، وكانوا شيوخا لا يقرؤون القرآن فصلَّيت ولا أحسب إلا أنهم يتقربون إلى الله تعالى، ولم أعلم ما في أنفسهم، فعذره عمر وَصدَّقه وأمره بالصلاة في مسجد قباء.\rوقال عطاء: لما فتح الله على عمر الأمصار أمر المسلمين أن يبنوا المساجد، وأمرهم أن لا يبنوا في مدينتهم مسجدين يضار أحدهما صاحبه.\r{ لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) } .\rقوله تعالى: { لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا } قال ابن عباس: \"لا تصل فيه\" منع الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصلي في مسجد الضرار. { لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى } اللام لام الابتداء. وقيل: لام القسم، تقديره: والله لمسجد أسس، أي: بُني أصله على التقوى، { مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ } أي: من أول يوم بني ووضع أساسه، { أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ } مصليا.\rواختلفوا في المسجد الذي أسس على التقوى: فقال ابن عمر، وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدري: هو مسجد المدينة، مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، والدليل عليه:\rما أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنبأنا عبد الغافر بن محمد، حدثنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا محمد بن حاتم، حدثنا يحيى بن سعيد، عن حميد الخراط قال: سمعت أبا سلمة عبد الرحمن قال: مَرَّ بي عبد الرحمن بن أبي سعيد، قال: فقلت له: كيف سمعت أباك يذكر في المسجد الذي أسس على التقوى؟ فقال: قال أبي: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت بعض نسائه فقلت: يا رسول الله أيُّ المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفًا من الحصباء فضرب به الأرض، ثم قال: هو مسجدكم هذا، مسجد المدينة، قال: فقلت: أشهد أني سمعت أباك هكذا يذكره (1) .\rوأخبرنا أبو الحسن الشَّيْرَزي أنبأنا زاهر بن أحمد، أنبأنا أبو إسحاق الهاشمي، أنبأنا أبو مصعب، عن مالك عن خُبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي\" (2) .\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الحج، باب بيان أن المسجد الذي أسس على التقوى و مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة برقم (1398): 2 / 1015.\r(2) أخرجه البخاري في فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل ما بين القبر والمنبر: 3 / 70، ومسلم في الحج، باب ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة، برقم (1391): 2 / 1011. والمصنف في شرح السنة: 2 / 338.","part":4,"page":95},{"id":1308,"text":"وذهب قوم إلى أنه مسجد قباء، وهو رواية عطية عن ابن عباس، وهو قول عروة بن الزبير [وسعيد بن جبير] (1) وقتادة:\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي مسجد قباء كلَّ سبت ماشيا وراكبا، وكان عبد الله بن عمر يفعله (2) .\rوزاد نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلي فيه ركعتين (3) .\rقوله تعالى: { فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا } من الأحداث والجنابات والنجاسات. وقال عطاء: كانوا يستنجون بالماء ولا ينامون بالليل على الجنابة.\rأخبرنا أبو طاهر عمر بن عبد العزيز القاشاني، أنبأنا أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، أنبأنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمرو اللؤلؤي، حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، أخبرنا محمد بن العلاء، حدثنا معاوية بن هشام، عن يونس بن الحارث، عن إبراهيم بن أبي ميمونة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"نزلت هذه الآية في أهل قباء\": { فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا } قال: \"كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية\" (4) . { وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ } أي المتطهرين.\r{ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) } .\r{ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ } قرأ نافع وابن عامر \"أُسِّسَ\" بضم الهمزة وكسر السين، \"بنيانُه\" برفع النون فيهما جميعا على غير تسمية الفاعل. وقرأ الآخرون \"أَسَّسَ\" فتح الهمزة والسين، \"بنيانَه\": بنصب النون،\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) أخرجه البخاري، في الموضع السابق: 3 / 69، ومسلم في الحج، باب فضل مسجد قباء، برقم (1399): 2 / 1016-1017.\r(3) في رواية مسلم في الموضع السابق.\r(4) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب الاستنجاء بالماء: 1 / 39، والترمذي في تفسير سورة التوبة: 8 / 503، وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي الباب عن أبي أيوب وأنس بن مالك ومحمد بن عبد الله بن سلام، وأخرجه ابن ماجه في الطهارة، باب الاستنجاء بالماء، برقم (357). وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه برقم (286). وانظر: تلخيص الحبير: 1 / 112-113، خلاصة البدر المنير لابن الملقن: 1 / 50.","part":4,"page":96},{"id":1309,"text":"على تسمية الفاعل. { عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ } أي: على طلب التقوى ورضا الله تعالى خير { أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا } على شفير، { جُرُفٍ } قرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر \"جُرْف\" ساكنة الراء، وقرأ الباقون بضم الراء وهما لغتان، وهي البئر التي لم تُطْوَ. قال أبو عبيدة: هو الهوة وما يجرفه السيل من الأودية فينجرف (1) بالماء فيبقى واهيا، { هَارٍ } أي: هائر وهو الساقط يقال: هار يهور فهو هائر، ثم يقلب فيقال: هار مثل شاك وشائك وعاق وعائق. وقيل: هو مِنْ يهار: إذا انهدم، ومعناه: الساقط الذي يتداعى بعضه في إثْر بعض، كما ينهار الرمل والشيء الرخو. { فَانْهَارَ بِهِ } أي: سقط بالباني { فِي نَارِ جَهَنَّمَ } يريد بناء هذا المسجد الضرار كالبناء على شفير جهنم فيهور بأهلها فيها. قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد صيَّرهم النفاقُ إلى النار.\r{ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } قال قتادة (2) : والله ما تناهى أن وقع في النار، وذكر لنا أنه حفرت بقعة فيه، فرُئي الدخان يخرج منها. وقال جابر بن عبد الله: رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار (3) .\r{ لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110) إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) } .\r{ لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً } أي: شكًّا ونفاقا، { فِي قُلُوبِهِمْ } يحسبون أنهم كانوا في بنيانه محسنين كما حُبب العجل إلى قوم موسى. قاله ابن عباس رضي الله عنهما. وقال الكلبي: حسرة وندامة لأنهم ندموا على بنائه. وقال السدي: لا يزال هدم بنائهم ريبة وحزازة وغيظا في قلوبهم.\r{ إِلا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ } أي: تتصدَّع قلوبهم فيموتوا. قرأ ابن عامر، وأبو جعفر، وحمزة، وحفص: \"تَقطّع\" بفتح التاء أي: تتقطع. والآخرون بضمها. وقرأ يعقوب وحده: \"إلى أن\" خفيف، على الغاية، \"تُقطع\" بضم التاء، خفيف، من القطع يدل عليه تفسير الضحاك وقتادة: لا يزالون في شك منه إلى أن\r__________\r(1) في \"ب\" (فينحفر). أي: يصير فيها حفرة.\r(2) تفسير الطبري: 14 / 492-493.\r(3) أخرجه الطبري: 14 / 495، وصححه الحاكم: 4 / 596 ووافقه الذهبي، وزاد السيوطي نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه. الدر المنثور: 4 / 292، وعزاه ابن حجر في المطالب العالية: 3 / 340 لمسدد بزيادة.","part":4,"page":97},{"id":1310,"text":"يموتوا فيستيقنوا. { وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .\rقوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ } الآية. قال محمد بن كعب القرظي: لما بايعتِ الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة 165/أ بمكة وهم سبعون نفسا، قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت.\rفقال: أشترط لربي عز وجل: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي، أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم.\rقالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟\rقال: الجنة، قالوا: رَبِحَ البيع لا نقيل ولا نستقيل (1) فنزلت: { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ } (2) .\rوقرأ الأعمش: \" بالجنة \" .\r{ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ } قرأ حمزة والكسائي: \"فَيَقْتُلوُن\" بتقديم المفعول على الفاعل بمعنى يقتل بعضهم بعضا، ويقتل الباقون. وقرأ الآخرون بتقديم الفاعل. { وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا } أي: ثواب الجنة لهم وعدٌ وحقٌ { فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ } يعني أن الله عز وجل وعدهم هذا الوعد، وبيَّنه في هذه الكتب. وقيل (3) : فيه دليل على أن أهل الملل كلهم أُمروا بالجهاد على ثواب الجنة، ثم هَنَّأهم فقال: { وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا } فافرحوا { بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } قال عمر رضي الله عنه: إن الله عز وجل بايعك وجعل الصفقتين لك.\rوقال قتادة: ثَامَنَهُمُ الله عز وجل فأغْلَى لهم (4) .\rوقال الحسن: اسمعوا إلى بيعة ربيحة بايع الله بها كل مؤمن. وعنه أنه قال: إن الله أعطاك الدنيا فاشتر الجنة ببعضها.\rثم وصفهم فقال: { التَّائِبُونَ } قال الفراء: استؤنفت بالرفع لتمام الآية وانقطاع الكلام. وقال\r__________\r(1) \"أقاله البيع يقيلُه إقالة\" و \"تقايل البيعان\": إذا فسخا البيع، وعاد المبيع إلى مالكه، والثمن إلى المشتري، إذا كان قد ندم أحدهما أو كلاهما. وتكون \"الإقالة\" في البيعة والعهد. و \"استقالة\": طلب إليه أن يقيله.\r(2) أخرجه الطبري: 14 / 499. وانظر: الكافي الشاف ص (81) أسباب النزول ص (300).\r(3) قيل: ساقطة من \"أ\".\r(4) \"ثامنت الرجل في المبيع\": إذا قاولْتهُ في ثمنه وفاوضته، وساومته على بيعه واشترائه وانظر: الطبري: 14 / 499.","part":4,"page":98},{"id":1311,"text":"الزجاج: التائبون رفع للابتداء، وخبره مضمر. المعنى: التائبون -إلى آخر الآية-لهم الجنة أيضا. أي: من لم يجاهد غير معاند ولا قاصد لترك الجهاد، لأن بعض المسلمين يُجزي عن بعض في الجهاد، [فمن كانت هذه صفته] (1) فله الجنة أيضا، وهذا أحسن، فكأنه وعد الجنة لجميع المؤمنين، كما قال: \"وكلا وعد الله الحسنى\" (النساء-95)، فمن جعله تابعا للأول كان الوعد بالجنة خاصا للمجاهدين الموصوفين بهذه الصفة (2) .\r__________\r(1) ما بين القوسين في \"ب\".\r(2) في \"ب\": الصفات.","part":4,"page":99},{"id":1312,"text":"{ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112) } .\rقوله تعالى: { التَّائِبُونَ } أي: الذين تابوا من الشرك وبرئوا من النفاق، { الْعَابِدُونَ } المطيعون الذين أخلصوا العبادة لله عز وجل { الْحَامِدُونَ } الذين يحمدون الله على كل حال في السراء والضراء.\rوروينا عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"أول من يُدْعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله في السراء والضراء\" (1) . { السَّائِحُونَ } قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما: هم الصائمون (2) .\rوقال سفيان بن عيينة: إنما سمي الصائم سائحا لتركه اللذات كلها من المطعم والمشرب والنكاح.\rوقال عطاء: السائحون الغزاة المجاهدون في سبيل الله. روي عن عثمان بن مظعون، رضي الله عنه، أنه قال: يا رسول الله ائذن لي في السياحة، فقال: \"إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله\" (3) .\rوقال عكرمة: السائحون هم طلبة العلم.\r{ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ } يعني: المصلين، { الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ } بالإيمان، { وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ } عن الشرك. وقيل: المعروف: السنة، والمنكر: البدعة. { وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ } القائمون بأوامر الله. وقال الحسن: أهل الوفاء ببيعة الله. { وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ }\r__________\r(1) أخرجه الحاكم في المستدرك: 1 / 502 وصححه على شرط مسلم، وأبو نعيم في الحلية: 5 / 69، قال الهيثمي: \"رواه الطبراني في الثلاثة، بأسانيد، وفي أحدها: قيس بن الربيع: وثقه شعبة والثوري وغيرهما، وضعفه يحيى القطان وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح، ورواه البزار بنحوه، وإسناده حسن\" مجمع الزوائد: 10 / 95. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 5 / 50، وفي سنده حبيب بن أبي ثابت، مدلس وقد عنعن.\r(2) روي مرفوعا وموقوفا. والموقوف صحيح. انظر: الطبري: 14 / 502-504، الدر المنثور: 4 / 297-298، تفسير ابن كثير: 2 / 393.\r(3) حديث ضعيف رواه الطبراني، وفيه: معلى بن هلال، وهو متروك. والمصنف في شرح السنة: 2 / 370-371، ورواه أبو داود في الجهاد من طريق أبي أمامة. وفي إسناده: رشدين بن سعد. وانظر: مجمع الزوائد: 4 / 254 فقد روى الهيثمي أوله، وسلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني: 3 / 479.","part":4,"page":99},{"id":1313,"text":"{ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113) } .\r{ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ } اختلفوا في سبب نزول هذه الآية.\rقال قوم: سبب نزولها: ما أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب، عن الزهري، حدَّثني سعيد بن المسيب عن أبيه. قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة: فقال: أي عمِّ قل: لا إله إلا الله كلمة أحَاجّ لك بها عند الله. فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن مِلّةِ عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيدان بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنك، فأنزل الله تعالى: { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } وأنزل في أبي طالب: \"إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء\" (1) .\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنبأنا عبد الغافر بن محمد، أنبأنا محمد بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثني محمد بن حاتم بن ميمون، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا يزيد بن كيسان، حدثني أبو حازم الأشجعي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله لعمه: \"قل لا إله إلا الله أشهدُ لك بها يوم القيامة\" فقال: لولا أن تُعَيِّرني قريش، فيقولون: إنما حمله على ذلك الْجَزَعُ، لأقررت بها عينك. فأنزل الله عز وجل: { إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } (2) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل [ثنا عبد الله بن يوسف] (3) حدثني الليث حدثني يزيد بن الهاد عن عبد الله بن خباب عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر عنده عمه فقال: \"لعلّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضَحْضَاحٍ من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه\" (4) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الجنائز، باب إذا قال المشرك عند الموت: لا إله إلا الله: 3 / 222، وفي مناقب الأنصار: 7 / 193، ومسلم في الإيمان، باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ما لم يشرع في النزع، برقم (24): 1 / 54، والمصنف في شرح السنة: 5 / 55.\r(2) أخرجه مسلم، في الموضع السابق: 1 / 55.\r(3) ساقط من \"أ\" واستدركناه من الصحيح.\r(4) أخرجه البخاري في فضائل الأنصار، باب قصة أبي طالب: 1 / 193، وفي الرقاق: 11 / 417، ومسلم في الإيمان، باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب... برقم (210): 1 / 195، والمصنف في شرح السنة: 15 / 241.","part":4,"page":100},{"id":1314,"text":"وقال أبو هريرة وبريدة: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أتى قبر أمه آمنة فوقف عليه حتى حميت الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها فنزلت: { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ } (1) الآية.\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، حدثنا عبد الغافر بن محمد، حدثنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، أنبأنا محمد بن عبيد، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال: \"استأذنت ربي عز وجل في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت\" (2) .\r{ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ (114) } .\rقال قتادة قال النبي صلى الله عليه وسلم: \": \"لأستغفرن لأبي. كما استغفر إبراهيم لأبيه\" فأنزل الله تعالى هذه الآية: { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } (3) .\rوقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لما أنزل الله عز وجل خبرا عن إبراهيم عليه السلام قال لأبيه: \"سلام عليك سأستغفر لك ربي\" سمعت رجلا يستغفر لوالديه وهما مشركان، فقلت له: 165/ب تستغفر لهما وهما مشركان؟ فقال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه؟ فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فأنزل الله عز وجل: \"قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم\"، إلى قوله: \"إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك\" (4) (الممتحنة -4) .\rقوله تعالى: { وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ } قال بعضهم: الهاء في إياه عائدة إلى إبراهيم عليه السلام. والوعد كان من أبيه، وذلك أن أباه كان وعده أن يسلم، فقال له إبراهيم: سأستغفر لك ربي يعني إذا أسلمتَ.\rوقال بعضهم: الهاء راجعة إلى الأب، وذلك أن إبراهيم وعد أباه أن يستغفر له رجاء إسلامه. وهو قوله: \"سأستغفر لك ربي\". يدل عليه قراءة الحسن: \"وعدها أباه\" بالباء الموحدة.\r__________\r(1) أخرجه الطبري عن سليمان بن بريدة عن أبيه: 14 / 512، والإمام أحمد في المسند: 5 / 359 مطولا وبغير هذا اللفظ.\r(2) أخرجه مسلم في الجنائز، باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل في زيارة قبر أمه، برقم (977): 2 / 672.\r(3) أخرجه الطبري مطولا: 14 / 513.\r(4) أخرجه الترمذي في التفسير، سورة التوبة: 8 / 505، وقال: هذا حديث حسن، وفيه: فنزلت: (ما كان للنبي والذين آمنوا...) وصححه الحاكم: 2 / 335، وأخرجه أحمد والنسائي وابن أبي شيبة وأبو يعلى والبزار. انظر: الكافي الشاف ص (82) تحفة الأحوذي: 8 / 505.","part":4,"page":101},{"id":1315,"text":"والدليل على أن الوعد من إبراهيم، وكان الاستغفار في حال شرك الأب، قوله تعالى: \"قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم\"، إلى أن قال: \"إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك\" (الممتحنة -4) فصرح أن إبراهيم ليس بقدوة في هذا الاستغفار، وإنما استغفر له وهو مشرك لمكان الوعد رجاء أن يسلم.\r{ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ } لموته على الكفر، { تَبَرَّأَ مِنْهُ } وقيل: فلما تبين له في الآخرة أنه عدو لله تبرأ منه [أي: يتبرأ منه] (1) وذلك ما:\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثني أخي عبد الحميد عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"يلقى إبراهيمُ أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قَتَرةٌ وغَبَرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تَعْصِني؟! فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم عليه السلام: يا رب إنك وعدتني أن لا تُخْزِيَنِي يوم يُبْعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين. ثم يقال يا إبراهيم: ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بِذِبْحٍ (2) مُلْتَطِخٍ فيؤْخذ بقوائمه فيلقى في النار\" (3) وفي رواية: يتبرأ منه يومئذ.\rقوله تعالى: { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ } اختلفوا في معنى الأواه، جاء في الحديث: \"إن الأواه الخاشع المتضرع\" (4) .\rوقال عبد الله بن مسعود: الأواه الدَّعَّاء.\rوعن ابن عباس قال: هو المؤمن التواب.\rوقال الحسن وقتادة: الأواه الرحيم بعباد الله.\rوقال مجاهد: الأواه الموقن.\rوقال عكرمة: هو المستيقن بلغة الحبشة.\rوقال كعب الأحبار: هو الذي يكثر التأوّه، وكان إبراهيم عليه السلام يكثر أن يقول: آهٍ من النار، قبل أن لا ينفع أهٍ.\rوقيل: هو الذي يتأوه من الذنوب.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) هكذا في الأصل. وفي البخاري \"بذبح\" وهو كذلك في شرح السنة. والذبح: الضبع الذكر.\r(3) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب واتخذ الله إبراهيم خليلا: 6 / 386-387، وفي تفسير سورة الشعراء، والمصنف في شرح السنة: 15 / 118-119.\r(4) أخرجه الطبري: 14 / 531، 532، وعزاه السيوطي أيضا لابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن شداد بن الهاد. وهو تابعي ثقة، فالحديث مرسل، وفي سند الحديث: عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب، وهو ثقة، متكلم في روايته عن شهر. انظر: تعليق محمود شاكر على الطبري: 14 / 532.","part":4,"page":102},{"id":1316,"text":"وقال عقبة بن عامر: الأواه الكثير الذكر لله تعالى.\rوعن سعيد بن جبير قال: الأواه المسبِّح. وروي عنه: الأواه: المعلِّم للخير.\rوقال النخعي: هو الفقيه.\rوقال عطاء: هو الراجع عن كل ما يكره الله. وقال أيضا: هو الخائف من النار.\rوقال أبو عبيدة: هو المتأوه شَفَقًا وفَرَقا المتضرع يقينًا. يريد أن يكون تضرعه يقينًا ولزوما للطاعة.\rقال الزجاج: قد انتظم في قول أبي عبيدة أكثر ما قيل في الأواه.\rوأصله: من التأوّهِ وهو أن يسمع للصدر صوت من تنفس الصعداء، والفعل منه أوه وتأوه، والحليم الصفوح عمن سبَّه أو ناله بالمكروه، كما قال لأبيه، عند وعيده، وقوله: \"لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا سلام عليك سأستغفر لك ربي\" {مريم -46}.\rوعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: الحليم السيد (1)\r{ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .\rقوله تعالى: \"وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم\" الآية. معناه: ما كان الله ليحكم عليكم بالضلالة بترك الأوامر باستغفاركم للمشركين، { حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ } يريد حتى يتقدم إليكم بالنهي، فإذا تبين ولم تأخذوا به فعند ذلك تستحقون الضلال.\rقال مجاهد: (2) بيان الله للمؤمنين في ترك الاستغفار للمشركين خاصة، وبيانه لهم في معصيته وطاعته عامة، فافعلوا أو ذروا.\rوقال الضحاك: ما كان الله ليعذب قوما حتى يبين لهم ما يأتون وما يذرون.\rوقال مقاتل والكلبي: هذا في المنسوخ وذلك أن قوما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا، ولم تكن الخمر حراما، ولا القبلة مصروفة إلى الكعبة، فرجعوا إلى قومهم وهم على ذلك ثم حُرمت الخمر وصرفت القبلة، ولا علم لهم بذلك، ثم قدموا بعد ذلك المدينة فوجدوا الخمر قد حرمت والقبلة قد صُرفت، فقالوا: يا رسول الله قد كنت على دين ونحن على غيره فنحن ضُلال؟ فأنزل الله تعالى: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ } (3) يعني: ما كان الله ليبطل عمل قوم قد علموا بالمنسوخ حتى يتبين (4) لهم الناسخ. { إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .\r{ إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (116) لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) } .\rثم عظم نفسه فقال:\r__________\r(1) انظر في هذه الأقوال: الطبري: 14 / 523 وما بعدها -وقد رجح أن الصواب هو ما قاله عبد الله بن مسعود الذي رواه عنه زر: أنه الدعاء- والدر المنثور: 4 / 305-307.\r(2) الطبري: 14 / 536-537.\r(3) انظر: زاد المسير: 3 / 510، البحر المحيط: 5 / 106.\r(4) في \"ب\" (يبين).","part":4,"page":103},{"id":1317,"text":"{ إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ } يحكم بما يشاء، { يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ } .\rقوله عز وجل: { لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ } الآية، تاب الله أي: تجاوز وصفح. ومعنى توبته على النبي صلى الله عليه وسلم بإذنه للمنافقين بالتخلف عنه. وقيل: افتتح الكلام به لأنه كان سبب توبتهم، فذكره معهم، كقوله تعالى: \" فأن لله خمسه وللرسول \" (الأنفال -41)، ونحوه. { وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ } أي: في وقت العسرة، ولم يرد ساعة بعينها، وكانت غزوة تبوك تسمى غزوة العسرة، والجيش يسمى جيش العسرة. والعسرة: الشدة، وكانت عليهم غزوة عسرة في الظَّهر والزاد والماء.\rقال الحسن: كان العشرة منهم يخرجون على بعير واحد يعتقبونه، يركب الرجل ساعة، ثم ينزل فيركب صاحبه كذلك، وكان زادهم التمر المسوس والشعير المتغير، وكان النفر منهم يخرجون ما معهم إلا التمرات بينهم، فإذا بلغ الجوع من أحدهما أخذ التمرة فلاكَها حتى يجد طعمها ثم يعطيها صاحبه فيمصها، ثم يشرب عليها جرعة من ماء كذلك حتى يأتي على آخرهم، ولا يبقى من التمرة إلا النواة، فمضوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك على صدقهم ويقينهم (1) .\rوقال عمر بن الخطاب: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، وحتى إن كان الرجل ليذهب فيلتمس الماء فلا يرجع حتى نظن أن رقبته ستنقطع، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع الله لنا.. قال: \"أتحب ذلك؟\" قل: نعم، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماءُ فأظلّتْ ثم سَكبت، فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جازت (2) العسكر (3) . { مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ } قرأ حمزة وحفص: \"يزيغ\" بالياء لقوله: \"كاد\"\r__________\r(1) انظر: البحر المحيط: 5 / 108، المحرر الوجيز: 7 / 69.\r(2) في \"ب\": (حادت).\r(3) أخرجه الطبري: 14 / 541، وصححه الحاكم على شرط الشيخين: 1 / 159، وأبو نعيم في دلائل النبوة ص (190) باب ذكر ما كان في غزوة تبوك. وقال الهيثمي في المجمع: 6 / 194-195: \"رواه البزار، والطبراني في الأوسط، ورجال البزار ثقات\". وزاد السيوطي نسبته لابن خزيمة، وابن حبان، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، والضياء في المختارة. انظر: الدر المنثور: 4 / 308.","part":4,"page":104},{"id":1318,"text":"ولم يقل: كادتْ. وقرأ الآخرون بالتاء. والزيغ: الميلَ، أي: من بعد ما 166/أ كاد تميل، { قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ } أي: قلوب بعضهم، ولم يُردِ الميل عن الدين، بل أراد الميل إلى التخلُّف والانصراف للشدة التي عليهم. قال الكلبي: هَمّ ناسٌ بالتخلُّف ثم لحقوه.\r{ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ } فإن قيل: كيف أعاد ذكر التوبة وقد قال في أول الآية: { لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ } ؟ .\rقيل: ذكر التوبة في أول الآية قبل ذكر الذنب، وهو محض الفضل من الله عز وجل، فلما ذكر الذنب أعاد ذكر التوبة، والمراد منه قبولها.\r{ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } قال ابن عباس: من تاب الله عليه لم يعذبه أبدا.\rقوله عز وجل: { وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا } أي خُلِّفوا عن غزوة تبوك. وقيل: خُلِّفوا أي: أرجئ أمرهم، عن توبة أبي لبابة وأصحابه، وهؤلاء الثلاثة هم: كعب بن مالك الشاعر، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، كلهم من الأنصار.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك -وكان قائد كعب من بنيه حين عَمِيَ-قال: سمعتُ كعبَ بن مالك يحدِّث حين تخلّف عن [غزوة] (1) تبوك، قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخّلفت عن غزوة بدر، ولم يُعاتب أحدًا تخلّف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوِّهم على غير ميعاد، ولقد شهدتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب أنّ لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذْكَرَ في الناس منها، وكان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا وَرّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا ومفازا وعدوا كثيرا، فجلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهْبَة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ -يريد الديوان-قال كعب: فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال، فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون\r__________\r(1) في \"أ\": (قصة).","part":4,"page":105},{"id":1319,"text":"معه فطفقت أغْدُو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئا، وأقول في نفسي: أنا قادر عليه إذا أردت، فلم يزل يتمادى بي الأمر حتى اشتد بالناس الجِدُّ، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، ولم أقضِ من جهازي شيئا. فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئا، ثم غدوت ثم رجعت ولم أقضِ شيئًا فلم يزل يتمادى بي حتى أسرعوا، وتفارط الغزو، وهممت أن أرتحل فأُدرِكهم، وليتني فعلت، فلم يُقَدّرْ لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفتُ فيهم أحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق أو رجلا ممن عَذَرَ الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: \"ما فعل كعب؟\" فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه بُرْدَاه ونَظَرُهُ في عِطْفَيه، فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rقال كعب بن مالك: فلما بلغني أنه توجه قافلا حضرني هَمّي، فطفقت أتذكر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدا؟ واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبدا بشيء فيه كذب، فأجمعتُ صِدْقََهُ، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلّفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا فَقَبِل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، وَوَكَل سرائرهم إلى الله، فجئته فلما سلمتُ عليه تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَبِ، ثم قال: تعال، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: \"ما خلَّفك ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟\" فقلت: بلى يا رسول الله، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يُسْخِطَك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت أقوى قط ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمَّا هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك.\rفقمت وثار رجال من بني سلمة فاتّبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت في أن لا تكونَ اعتذرتَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلّفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوالله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع وأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت: من هما قالوا: مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي.\rقال: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة مِنْ بين مَنْ تخلف عنه، فاجتنبَنا","part":4,"page":106},{"id":1320,"text":"الناس وتغيّروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشَبَّ القوم وأَجْلَدَهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرَّك شفتيه بِرَدِّ السلام علي أم لا؟. ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي وإذا التفتُ نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه فوالله ما ردَّ علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسوَّرْتُ الجدار.\rقال: فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: مَنْ يدلُّ على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له نحوي، حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان فقرأته فإذا فيه: أما بعد: فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مَضْيَعَةٍ، فالْحَقْ بنا نُواسِكَ، فقلت لما قرأته: وهذا أيضا من البلاء، فتيممت به التنور فسجرته.\rحتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسولٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ فقال: لا بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبيَّ بمثل ذلك، فقلت لامرأتي الحقي بأهلك وكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر.\rقال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه؟ قال: \"لا ولكن لا يقربك\"، قالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا.\rقال كعب: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه. فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يدريني ما يقول لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب، فلبثتُ بعد ذلك عشر ليالٍ حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا، فلما صليت الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله قد ضاقتْ علي نفسي وضاقتْ علي الأرض بما رَحُبَتْ سمعتُ صوت صارخ أَوْفَى على جبلِ سَلْعٍ، يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر. فخررت لله ساجدا وعرفت أنه قد جاء فرج، وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا، وذهب قِبَلَ صاحبيّ مبشِّرون، وركض رجل إليّ فرسا وسعى ساع من أسلم، فَأوْفَى على الجبل فكان الصوتُ أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعتُ له ثوبيَّ فكسوته إياهما","part":4,"page":107},{"id":1321,"text":"ببشراه، ووالله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرتُ ثوبين فلبستهما وانطلقتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بالتوبة ويقولون: لِيَهنِكَ توبةُ الله عليك. قال كعب: حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس، فقام إليَّ طلحة بن عبيد الله يُهَرْوِلُ حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إليَّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة.\rقال كعب: فلما سلمتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يَبرُقُ وجهه من السرور: \"أَبْشِرْ بخير يومٍ مرَّ عليك منذ ولدتك أمك\"! قال قلت: أمِنْ عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: لا بل من عند الله، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلت: [يا رسول الله] (1) إن من توبتي أن انخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك، قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر.\rفقلت: يا رسول الله إنما نجاني الله بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت، فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت. وأنزل الله على رسوله: { لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ } إلى قوله: { وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } (2) .\rوروى إسحاق بن راشد عن الزهري بهذا الإسناد عن كعب، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامي وكلام صاحبيَّ، فلبثت كذلك حتى طال عليّ الأمر، وما من شيء أهم إليَّ من أن أموت ولا يصلي عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يموت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكون من الناس بتلك المنزلة، فلا يكلمني أحد منهم ولا يصلي عليّ! وأنزل الله توبتنا على نبيه صلى الله عليه وسلم حين بقي الثلث الأخير من الليل، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند أم سلمة وكانت أم سلمة محسنة في شأني، معينة في أمري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يا أم سلمة تِيْبَ على كعب\" قالت: أفلا أرسل إليه فأبشره؟ قال: إذًا يحطمكم الناس، فيمنعونكم النوم سائر الليلة، حتى إذا صلى صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر آذن بتوبة الله علينا (3) .\r__________\r(1) ساقطة من \"أ\" والمثبت من \"ب\" وصحيح البخاري.\r(2) أخرجه البخاري في المغازي، باب حديث كعب بن مالك...: 8 / 113-116، ومسلم في التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه، برقم (2769): 4 / 2120-2128.\r(3) سيرة ابن هشام: 2 / 534-535.","part":4,"page":108},{"id":1322,"text":"{ وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) مَا كَانَ لأهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) } .\rقوله تعالى: { وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ } اتسعت، { وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ } غما وهما، { وَظَنُّوا } أي: تيقنوا، { أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ } لا مفزع من الله، { إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا } أي: ليستقيموا على التوبة فإن توبتهم قد سبقت. { إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } .\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } قال نافع: مع محمد وأصحابه. وقال سعيد بن جبير: مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وقال ابن جريج: مع المهاجرين، لقوله تعالى: \" للفقراء المهاجرين \" إلى قوله \" أولئك هم الصادقون \" (الحشر -8). وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: مع الذين صدقت نياتهم واستقامت قلوبهم وأعمالهم وخرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك بإخلاص نية. وقيل: مع الذين صدقوا في الاعتراف بالذنب ولم يعتذروا بالأعذار الكاذبة.\rوكان ابن مسعود يقرأ: { وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } وقال ابن مسعود: إن الكذب لا يصلح في جِدٍّ ولا هزل، ولا أن يعد أحدكم صبيه شيئا ثم لا ينجز له، اقرؤوا إن شئتم وقرأ هذه الآية.\rقوله تعالى: { مَا كَانَ لأهْلِ الْمَدِينَةِ } ظاهره خبر، ومعناه نهي، كقوله تعالى: \"وما كان لكم أن تؤذوا 167/أ رسول الله\" (الأحزاب -53){ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ } سكان البوادي: مزينة، وجهينة، وأشجع، وأسلم، وغفار. { أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ } إذا غزا. { وَلا يَرْغَبُوا } أي: ولا أن يرغبوا، { بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ } في مصاحبته ومعاونته والجهاد معه. قال الحسن: لا يرغبوا بأنفسهم أن يصيبهم","part":4,"page":109},{"id":1323,"text":"من الشدائد فيختاروا الخفض والدعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مشقة السفر ومقاساة التعب. { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ } في سفرهم، { ظَمَأٌ } عطش، { وَلا نَصَبٌ } تعب، { وَلا مَخْمَصَةٌ } مجاعة، { فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا } أرضا، { يَغِيظُ الْكُفَّارَ } وطؤهم إياه { وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا } أي: لا يصيبون من عدوهم قتلا أو أسرا أو غنيمة أو هزيمة، { إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا يزيد بن أبي مريم، حدثنا عباية بن رفاعة قال: أدركني أبو عبس وأنا ذاهب إلى الجمعة فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار\" (1) .\rواختلفوا في حكم هذه الآية، قال قتادة: هذه خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا غزا بنفسه لم يكن لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر، فأما غيره من الأئمة والولاة فيجوز لمن شاء من المسلمين أن يتخلف عنه إذا لم يكن بالمسلمين إليه ضرورة (2) .\rوقال الوليد بن مسلم: سمعت الأوزاعي، وابن المبارك، وابن جابر، وعمر (3) بن عبد العزيز يقولون في هذه الآية: إنها لأول هذه الأمة وآخرها (4) .\rوقال ابن زيد: هذا حين كان أهل الإسلام قليلا فلما كثروا نسخها الله تعالى وأباح التخلف لمن يشاء، فقال: { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً } (5) .\r{ وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (121) } .\rقوله تعالى: { وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً } أي: في سبيل الله، { صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً } ولو عِلاقَةَ (6) سوط، { وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا } لا يجاوزون واديا في مسيرهم مقبلين أو مدبرين. { إِلا كُتِبَ لَهُمْ } يعني: آثارهم وخطاهم، { لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } روي عن خريم بن فاتك قال: قال رسول\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الجمعة، باب المشي إلى الجمعة...: 2 / 390، والمصنف في شرح السنة: 10 / 353.\r(2) انظر: الطبري: 14 / 562، المحرر الوجيز: 7 / 76، البحر المحيط: 5 / 112.\r(3) في الطبري: \"سعيد بن عبد العزيز\".\r(4) الطبري: 14 / 563، والمراجع السابقة.\r(5) المراجع السابقة. وقد رد الطبري رحمه الله دعوى النسخ. انظر: التفسير: 14 / 563-564.\r(6) العِلاقة: ما يعلق به السيف ونحوه.","part":4,"page":110},{"id":1324,"text":"الله صلى الله عليه وسلم: \"من أنفق نفقة في سبيل الله كتب له سبعمائة ضعف\" (1) .\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا جرير عن الأعمش، عن أبي عمرو الشيباني، عن أبي مسعود الأنصاري قال: جاء رجل بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة\" (2) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا الحسين [حدثني يحيى بن أبي كثير] (3) حدثني أبو سلمة، حدثني بُسْر بن سعيد، حدثني زيد بن خالد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خَلَفَ غازيا في سبيل الله بخير فقد غزا\" (4) .\r{ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122) } .\rقوله عز وجل: { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً } الآية. قال ابن عباس في رواية الكلبي: لما أنزل الله عز وجل عيوب المنافقين في غزوة تبوك كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث السرايا فكان المسلمون ينفرون جميعا إلى الغزو ويتركون النبي صلى الله عليه وسلم وحده، فأنزل الله عز وجل هذه الآية (5) وهذا نفي بمعنى النهي.\rقوله تعالى: { فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ } أي: فهلا خرج إلى الغزو من كل قبيلة جماعة [ويبقى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة] (6) { لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ } يعني الفرقة القاعدين، يتعلمون القرآن والسنن والفرائض والأحكام، فإذا رجعت السرايا أخبروهم بما أُنزل بعدهم، فتمكث السرايا يتعلمون ما نزل بعدهم، وتبعث سرايا أخر، فذلك قوله: { وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ } وليعلموهم بالقرآن ويخوفوهم به، { إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } لا يعملون بخلافه.\rوقال الحسن: هذا التفقه والإنذار راجع إلى الفرقة النافرة، ومعناه: هلا نفر فرقة ليتفقهوا، أي: ليتبصروا بما يريهم الله من الظهور على المشركين ونصرة الدين، ولينذروا قومهم من الكفار إذا رجعوا إليهم\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل النفقة في سبيل الله: 5 / 254 وقال هذا حديث حسن، والنسائي في الجهاد، باب فضل النفقة في سبيل الله 6 / 49، وصححه ابن حبان (396) من الموارد والحاكم: 2 / 872، وقال الألباني في تعليقه على المشكاة: إسناده صحيح.\r(2) أخرجه مسلم في الإمارة، باب فضل الصدقة في سبيل الله: برقم (1892): 3 / 1505، والمصنف في شرح السنة: 10 / 359.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(4) رواه البخاري في الجهاد. باب: فضل من جهز غازيا أو خلفه بخير: 6 / 49، ومسلم في الإمارة: باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله... من طريق بكير بن الأشج عن بسر بن سعيد عن زيد بن خالد الجهني برقم (1895): 3 / 1507 والمصنف في شرح السنة 10 / 359.\r(5) أسباب النزول للواحدي ص (304).\r(6) ساقط من \"أ\".","part":4,"page":111},{"id":1325,"text":"من الجهاد فيخبروهم بنصر الله رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لعلهم يحذرون أن يعادوا النبي صلى الله عليه وسلم، فينزل بهم ما نزل بأصحابهم من الكفار (1) .\rوقال الكلبي: لها وجه آخر وهو أن أحياء من بني أسد من خزيمة أصابتهم سنة شديدة فأقبلوا بالذراري حتى نزلوا المدينة فأفسدوا طرقها بالعذرات وأغلوا أسعارها فنزل قوله: { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ } (2) أي: لم يكن لهم أن ينفروا كافة ولكن من كل قبيلة طائفة ليتفقهوا في الدين.\rوقال مجاهد: نزلت في ناس خرجوا في البوادي ابتغاء الخير من أهلها فأصابوا منهم معروفا، ودَعَوا من وجدوا من الناس إلى الهدى، فقال الناس لهم: ما نراكم إلا وقد تركتم صاحبكم وجئتمونا، فوجدوا في أنفسهم من ذلك حرجًا، وأقبلوا كلهم من البادية حتى دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية، أي: هلا نَفَر من كل فرقة طائفةٌ ليتفقهوا في الدين ويستمعوا ما أنزل بعدهم ولينذروا قومهم، يعني: الناس كلهم إذا رجعوا إليهم ويدعوهم إلى الله، لعلهم يحذرون بأس الله ونقمته، وقعدت طائفة يبتغون الخير (3) .\rأخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أنبأنا أبو الحسن الطيسفوني، حدثنا عبد الله بن عمر الجوهري، حدثنا أحمد بن علي الكشميهني حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر، حدثنا عبد الله بن أبي سعيد بن أبي هند عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"مَنْ يرد الله به خيرا يُفَقِّهْهُ في الدين\" (4) .\rأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، حدثنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أنبأنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"تجدون الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا\" (5) .\rوالفقه: هو معرفة أحكام الدين، وهو ينقسم إلى فرض عين وفرض كفاية، ففرض العين مثل: علم الطهارة والصلاة، والصوم، فعلى كل مكلف معرفته، قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"طلب العلم فريضة على كل\r__________\r(1) وهذا المعنى الذي رجحه الإمام الطبري ووجَّهه توجيها سديدا:التفسير: 14 / 573-574.\r(2) انظر: الطبري: 14 / 569، الدر المنثور: 4 / 323.\r(3) الطبري: 14 / 566.\r(4) أخرجه البخاري في العلم، باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين: 1 / 164، وفي المناقب، ومسلم في الزكاة، باب النهي عن المسألة برقم (1037): 2 / 718، والمصنف في شرح السنة: 1 / 385.\r(5) أخرجه البخاري في المناقب، باب قوله تعالى: \"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى\" 6 / 525-526، ومسلم في فضائل الصحابة، باب خيار الناس، برقم (2526): 4 / 1958، والمصنف في شرح السنة: 1 / 286.","part":4,"page":112},{"id":1326,"text":"مسلم\" (1) . وكذلك كل عبادة أوجبها الشرع على كل واحد، يجب عليه معرفة علمها، مثل: علم الزكاة إن كان له مال، وعلم الحج إن وجب عليه.\rوأما فرض الكفاية فهو: أن يتعلم حتى يبلغ درجة 167/ب الاجتهاد ورتبة الفتيا، فإذا قعد أهل بلد عن تعلمه عصوا جميعا، وإذا قام من كل بلد واحد فتعلَّمه سقط الفرض عن الآخرين، وعليهم تقليده فيما يقع لهم من الحوادث، روى أبو أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم\" (2) .\rوعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد\" (3) .\rقال الشافعي: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة.\r__________\r(1) في \"ب\": (ومسلمة). والحديث رواه ابن ماجه في المقدمة، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، برقم (424): 1 / 81. قال في الزوائد: إسناده ضعيف لضعف حفص بن سلمان. وعزاه في كنز العمال: 10 / 130-131 لابن عدي والبيهقي والطبراني والخطيب. وقد روي الحديث من طرق كثيرة عن عدد من الصحابة، وكل طريق منها لا يخلو من ضعف، ولكنها لكثرتها تقوي الحديث، لذلك حسنه المزي وابن القطان، وصححه السيوطي لغيره، وذكره في الأحاديث المتواترة. وقال في المقاصد الحسنة: قد ألحق بعض المصنفين بهذا الحديث: \"ومسلمة\" وليس لها ذكر في شيء من طرقه وإن كان معناها صحيحا. انظر: تمييز الطيب من الخبيث لابن الديبع: ص (116)، كشف الخفاء: 2 / 56-57، نظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني ص (35-37).\r(2) أخرجه الترمذي في العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة: 7 / 456-457، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح. والدارمي عن مكحول مرسلا بسند حسن في المقدمة، باب من قال: العلم الخشية وتقوى الله: 1 / 88، وأخرجه أيضا عن الحسن مرفوعا في باب فضل العلم والعالم: 1 / 97-98. والمصنف في شرح السنة: 1 / 278، وابن عبد البر في جامع بيان العلم: 1 / 46. وانظر: تعليق الألباني على المشكاة: 1 / 74-75.\r(3) أخرجه الترمذي في العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة، 7 / 450 وقال: هذا حديث غريب، ولا نعرفه إلا من هذا الوجه، وابن ماجه في المقدمة، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم برقم (222): 1 / 81. وفيه روح بن جناح، وهو ضعيف جدا، متهم بالوضع. وأخرجه ابن عبد البر عن ابن عباس، وعن أبي هريرة أيضا في جامع بيان العلم: 1 / 52-53. وفيه: يزيد بن عياض، وهو كذاب. انظر: تعليق الألباني على المشكاة: 1 / 75، وشرح السنة: 1 / 278.","part":4,"page":113},{"id":1327,"text":"{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } .\rقوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ } الآية، أمروا بقتال الأقرب فالأقرب إليهم في الدار والنسب، قال ابن عباس رضي الله عنهما: مثل بني قريظة والنضير وخيبر ونحوها.","part":4,"page":113},{"id":1328,"text":"وقيل: أراد بهم الروم لأنهم كانوا سكان الشام [وكان الشام] (1) أقرب إلى المدينة من العراق، { وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً } شِدَّةً وحمية. قال الحسن: صبرًا على جهادهم، { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } بالعون والنصرة.\r{ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125) أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (126) } .\rقوله تعالى: { وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا } يقينا. كان المنافقون يقولون هذا استهزاء، قال الله تعالى: { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا } يقينا وتصديقا، { وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } يفرحون بنزول القرآن.\r{ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } شك ونفاق، { فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ } أي: كفرا إلى كفرهم، فعند نزول كل سورة ينكرونها يزداد كفرهم بها.\rقال مجاهد: هذه الآية إشارة إلى الإيمان: يزيد وينقص.\rوكان عمر يأخذ بيد الرجل والرجلين من أصحابه فيقول: تعالوا حتى نزداد إيمانا.\rوقال علي بن أبي طالب: إن الإيمان يبدو لُمْظَة (2) بيضاء في القلب، فكلما ازداد الإيمان عظما ازداد ذلك البياض حتى يبيض القلب كله، وإن النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب فكلما ازداد النفاق ازداد ذلك السواد حتى يسود القلب كله، وايم الله لو شققتم عن قلب مؤمن لوجدتموه أبيض ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود (3) .\rقوله: { وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ } .\rقوله: { أَوَلا يَرَوْنَ } قرأ حمزة ويعقوب: \"ترون\" بالتاء على خطاب النبي المؤمنين، وقرأ الآخرون بالياء، خبر عن المنافقين المذكورين. { أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ } يُبتلون { فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ } بالأمراض\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) في النهاية لابن الأثير: يبدأ لمظة. واللمظة: -بالضم-: مثل النكتة، من البياض.\r(3) أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث: 3 / 460، وابن المبارك في الزهد، وخشيش في الاستقامة، والبيهقي، واللالكائي في السنة، والأصبهاني في المحجة. انظر: كنز العمال: 1 / 406-407.","part":4,"page":114},{"id":1329,"text":"والشدائد. وقال مجاهد: بالقحط والشدة. وقال قتادة: بالغزو والجهاد. وقال مقاتل بن حيان: يفضحون بإظهار نفاقهم. وقال عكرمة: ينافقون ثم يؤمنون ثم ينافقون. وقال يمان: ينقضون عهدهم في السنة مرة أو مرتين. { ثُمَّ لا يَتُوبُونَ } من نقض العهد ولا يرجعون إلى الله من النفاق، { وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ } أي: لا يتعظون بما يرون من تصديق وعد الله بالنصر والظفر للمسلمين.\r{ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (127) لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129) } .\r{ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ } فيها عيب المنافقين وتوبيخهم، { نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ } يريدون الهرب يقول بعضهم لبعض إشارة، { هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ } أي: أحد من المؤمنين، إن قمتم، فإن لم يرهم أحد خرجوا من المسجد، وإن علموا أن أحدا يراهم أقاموا وثبتوا، { ثُمَّ انْصَرَفُوا } عن الإيمان بها. وقيل: انصرفوا عن مواضعهم التي يسمعون فيها، { صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } عن الإيمان. قال أبو إسحاق الزجاج: أضلّهمُ الله مجازاة على فعلهم ذلك، { بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ } عن الله دينه. قال ابن عباس رضي الله عنهما: \"لا تقولوا إذا صليتم انصرفنا من الصلاة فإن قوما انصرفوا فصرف الله قلوبهم، ولكن قولوا قد قضينا الصلاة\" (1) .\rقوله تعالى: { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ } تعرفون نسبه وحسبه، قال السدي: من العرب، من بني إسماعيل. قال ابن عباس: ليس من العرب قبيل إلا وقد ولدت النبي صلى الله عليه وسلم، وله فيهم نسب.\rوقال جعفر بن محمد الصادق: لم يصبه شيء من ولاد الجاهلية من زمان آدم عليه السلام.\rأخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن حامد، حدثنا حامد بن محمد، أخبرنا علي بن عبد العزيز، حدثنا محمد بن أبي نعيم، حدثنا هشيم، حدثني المدني -يعني: أبا معشر-عن أبي الحويرث، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ما وَلَدَني من سفاح أهل الجاهلية شيء، ما وَلَدَنِي إلا نِكَاحٌ كنكاح الإسلام\" (2) .\rوقرأ ابن عباس والزهري وابن محيصن \"من أَنْفَسكم\" بفتح الفاء، أي: من أشرفكم وأفضلكم. { عَزِيزٌ عَلَيْهِ } شديد عليه، { مَا عَنِتُّمْ } قيل \"ما\" صلة أي: عنتكم، وهو دخول المشقة والمضرة\r__________\r(1) أخرجه الطبري في التفسير: 14 / 583، وصححه الحاكم: 2 / 338، ووافقه الذهبي.\r(2) قال الهيثمي في المجمع 8 / 214: \"رواه الطبراني عن المديني عن أبي الحويرث، ولم أعرف المديني ولا شيخه، وبقية رجاله وثِّقوا\". وعزاه في كنز العمال 11 / 430 أيضا للبيهقي وابن عساكر.","part":4,"page":115},{"id":1330,"text":"عليكم. وقال القتيبي: ما أعنتكم وضركم. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ما ضللتم.\rوقال الضحاك والكلبي: ما أتممتم.\r{ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ } أي: على إيمانكم وصلاحكم. وقال قتادة: حريص عليكم أي: على ضالكم أن يهديه الله، { بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } قيل: رؤوف بالمطيعين رحيم بالمذنبين.\r{ فَإِنْ تَوَلَّوْا } إن أعرضوا عن الإيمان وناصبوك الحرب { فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } .\rروي عن أبي بن كعب قال: آخر ما نزل من القرآن هاتان الآيتان { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ } إلى آخر السورة. وقال: هما أحدث الآيات بالله عهدًا (1) .\r__________\r(1) أخرجه الحاكم: 2 / 338، والإمام عبد الله بن أحمد في زوائد المسند: 5 / 117، وعزاه ابن حجر في المطالب العالية 3 / 337 لإسحاق بن راهويه، كلهم دون قوله: \"هما أحدث الآيات...\". وقال الهيثمي في المجمع: 7 / 36: \"رواه عبد الله بن أحمد، والطبراني، وفيه علي بن زيد بن جدعان، وهو ثقة سيئ الحفظ، وبقية رجاله ثقات\".","part":4,"page":116},{"id":1331,"text":"سورة يونس\rسورة يونس عليه الصلاة والسلام مكية إلا ثلاث آيات من قوله: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك} إلى آخرها. بسم الله الرحمن الرحيم\r{ الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (1) } .\r{ الر } و\"المر\" قرأ أهل الحجاز والشام وحفص: بفتح الراء فيهما. وقرأ الآخرون: بالإمالة. قال ابن عباس والضحاك: \" الر \" أنا الله أرى، و \" المر \" أنا الله أعلم وأرى.\rوقال سعيد بن جبير \" الر \" و\" حم \" و\" ن \" حروف اسم الرحمن، وقد سبق الكلام في حروف التهجي (1) .\r{ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ } أي: هذه، وأراد بالكتاب الحكيم القرآن. وقيل: أراد بها الآيات التي أنزلها من قبل ذلك، ولذلك قال: \"تلك\"، وتلك إشارة إلى غائب مؤنث، والحكيم: المحكم بالحلال والحرام، والحدود والأحكام، فعيل بمعنى مُفْعَل، بدليل قوله: \" كتاب أحكمت آياته \" (هود -1).\rوقيل: هو بمعنى الحاكم، فعيل بمعنى فاعل، دليله قوله عز وجل: \" وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس \" (البقرة -213).\rوقيل: هو بمعنى المحكوم، فعيل بمعنى المفعول. قال الحسن: حكم فيه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وبالنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، وحكم فيه بالجنة لمن أطاعه وبالنار لمن عصاه.\r__________\r(1) راجع فيما سبق: 1 / 58-59. وانظر هذ الأقوال كلها في: الطبري: 1 / 205-224.","part":4,"page":117},{"id":1332,"text":"{ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (2) إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (3) } .\rقوله تعالى: { أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا } العجب: حالة تعتري الإنسان من رؤية شيء على خلاف العادة.\rوسبب نزول الآية: 168/أ أن الله عز وجل لما بعث محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا قال المشركون: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا. فقال تعالى: { أَكَانَ لِلنَّاسِ } (1) يعني: أهل مكة، الألف فيه للتوبيخ، { عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، { أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ } أي: أعلمهم مع التخويف، { وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ } واختلفوا فيه: قال ابن عباس: أجرا حسنا بما قدَّموا من أعمالهم. قال الضحاك: ثواب صدق. وقال الحسن: عمل صالح أسلفوه يقدمون عليه. وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: هو السعادة في الذكر الأول. وقال زيد بن أسلم: هو شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم. وقال عطاء: مقام صدق لا زوال له، ولا بؤس فيه. وقيل: منزلة رفيعة (2) .\rوأضيف القدم إلى الصدق وهو نعته، كقولهم: مسجد الجامع، وحب الحصيد، وقال أبو عبيدة: كل سابق في خير أو شر فهو عند العرب قدم، يقال: لفلان قدم في الإسلام، وله عندي قدم صدق وقدم سوء، وهو يؤنث فيقال: قدم حسنة، وقدم صالحة. { قال الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ } قرأ نافع وأهل البصرة والشام: \"لسحر\" بغير ألف يعنون القرآن، وقرأ ابن كثير وأهل الكوفة: \"لساحر\" بالألف يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم.\rقوله عز وجل: { إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ } يقضيه وحده، { مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ } معناه: أن الشفعاء لا يشفعون\r__________\r(1) أخرجه الطبري عن ابن عباس: 15 / 13، وانظر: أسباب النزول ص (305)، الدر المنثور: 4 / 340 وعزاه لابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه مطولا.\r(2) انظر في هذه الأقوال: الطبري: 15 / 13-16 وقال: \"وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قول من قال: معناه: أن لهم أعمالا صالحة عند الله يستوجبون بها منه الثواب\" ثم ساق على ذلك شواهد من الشعر.","part":4,"page":120},{"id":1333,"text":"إلا بإذنه، وهذا رد على النضر بن الحارث فإنه كان يقول: إذا كان يوم القيامة تشفعني اللات والعزى.\rقوله تعالى: { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ } يعني: الذي فعل هذه الأشياء ربكم لا رب لكم غيره، { فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ } تتعظون.\r{ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (4) هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) } .\r{ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا } صدقا لا خلف فيه. نصب على المصدر، أي: وعدكم وعدا حقا { إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } أي: يحييهم ابتداء ثم يميتهم ثم يحييهم، قراءة العامة: { إِنَّه } بكسر الألف على الاستئناف، وقرأ أبو جعفر \"أنه\" بالفتح على معنى بأنه { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ } بالعدل، { وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ } ماء حار انتهى حره، { وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ } .\r{ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً } بالنهار، { وَالْقَمَرَ نُورًا } بالليل. وقيل: جعل الشمس ذات ضياء، والقمر ذا نور، { وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ } أي: قدر له، يعني: هيأ له منازل لا يجاوزها ولا يقصر دونها، ولم يقل: قدرهما.\rقيل: تقدير المنازل ينصرف إليهما غير أنه اكتفى بذكر أحدهما، كما قال: \" والله ورسوله أحق أن يرضوه \" (التوبة -62).\rوقيل: هو ينصرف إلى القمر خاصة لأن القمر يعرف به انقضاء الشهور والسنين، لا بالشمس.\rومنازل القمر ثمانية وعشرون منزلا وأسماؤها: الشرطين، والبطين، والثرياء، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنسر، والطوف، والجبهة، والزبرة، والصرفة، والعواء، والسماك، والغفر، والزباني، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعايم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، وفرع الدلو المقدم، وفرع الدلو المؤخر، وبطن الحوت.\rوهذه المنازل مقسومة على البروج، وهي اثنا عشر برجا: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت.","part":4,"page":121},{"id":1334,"text":"ولكل برج منزلان وثلث منزل، فينزل القمر كل ليلة منزلا منها، ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين، وإن كان تسعا وعشرين فليلة واحدة، فيكون تلك المنازل ويكون مقام الشمس في كل منزلة ثلاثة عشر يوما، فيكون انقضاء السنة مع انقضائها.\rقوله تعالى: { لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ } أي: قدر المنازل \"لتعلموا عدد السنين\" دخولها وانقضاءها، { والحساب } يعني: حساب الشهور والأيام والساعات. { مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ } ردّه إلى الخلق والتقدير، ولو ردّه إلى الأعيان المذكورة لقال: تلك. { إِلا بِالْحَقِّ } أي: لم يخلقه باطلا بل إظهارا لصنعه ودلالة على قدرته. { يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص ويعقوب: \"يفصل\" بالياء، لقوله: \"ما خلق\" وقرأ الباقون: \"نفصل\" بالنون على التعظيم.\r{ إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (6) } .","part":4,"page":122},{"id":1335,"text":"{ إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (8) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9) } .\r{ إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ } يؤمنون.\r{ إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا } أي: لا يخافون عقابنا ولا يرجون ثوابنا. والرجاء يكون بمعنى الخوف والطمع، { وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا } فاختاروها وعملوا لها، { وَاطْمَأَنُّوا بِهَا } سكنوا إليها. { وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ } أي: عن أدلتنا غافلون لا يعتبرون. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: عن آياتنا عن محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن غافلون معرضون.\r{ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } من الكفر والتكذيب.\rقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ } فيه إضمار، أي: يرشدهم ربهم بإيمانهم إلى جنة، { تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ } قال مجاهد: يهديهم على الصراط إلى الجنة، يجعل لهم نورًا يمشون به.\rوقيل: \" يهديهم \" معناه يثيبهم ويجزيهم.\rوقيل: معناه بإيمانهم يهديهم ربهم لدينه، أي: بتصديقهم هداهم \" تجري من تحتهم الأنهار \" أي: بين","part":4,"page":122},{"id":1336,"text":"أيديهم، كقوله عز وجل: \" قد جعل ربك تحتك سريا \" (مريم -24) لم يُرِدْ به أنه تحتها وهي قاعدة عليه، بل أراد بين يديها.\rوقيل: تجري من تحتهم أي: بأمرهم، { فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ } .\r{ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10) وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11) } .\r{ دَعْوَاهُم } أي: قولهم وكلامهم. وقيل: دعاؤهم. { فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ } وهي كلمة تنزيه، تنزه الله من كل سوء. وروينا: \"أن أهل الجنة يُلهمون الحمد والتسبيح، كما يُلهمون النَّفَسَ\" (1) .\rقال أهل التفسير: هذه الكلمة علامة بين أهل الجنة والخدم في الطعام، فإذا أرادوا الطعام قالوا: سبحانك اللهم، فأتوهم في الوقت بما يشتهون على الموائد، كل مائدة مِيلٌ في ميل، على كل مائدة سبعون ألف صَحْفَة، وفي كل صَحْفَة لون من الطعام لا يشبه بعضُها بعضًا، فإذا فرغوا من الطعام حمدوا الله، فذلك، قوله تعالى: 168/ب { وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } (2)\rقوله تعالى: { وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ } أي: يُحَيِّي بعضهم بعضا بالسلام. وقيل: تحية الملائكة لهم بالسلام.\rوقيل: تأتيهم الملائكة من عند ربهم بالسلام.\r{ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } يريد: يفتتحون كلامهم بالتسبيح، ويختمونه بالتحميد.\rقوله عز وجل: { وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ } قال ابن عباس: هذا في قول الرجل عند الغضب لأهله وولده: لعنكم الله، ولا بارك فيكم. قال قتادة: هو دعاء الرجل على نفسه وأهله وماله بما يكره أن يستجاب. معناه: لو يعجل الله الناس إجابة دعائهم في الشر والمكروه استعجالهم\r__________\r(1) عن جابر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: \"إن أهل الجنة يأكلون فيا ويشربون، ولا يتفلون ولا يبولون ولا يتغوَّطون ولا يمتخطون\" قالوا: فما بال الطعام؟ قال: جشاء ورشح كرشح المسك. يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس\". رواه مسلم، في الجنة وصفة نعيمها، باب في صفات الجنة وأهلها.. (3835): 4 / 2180-2181.\r(2) ساق السيوطي عدة روايات في ذلك. الدر المنثور: 4 / 345-346.","part":4,"page":123},{"id":1337,"text":"بالخير، أي: كما يحبون استعجالهم بالخير، { لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ } قرأ ابن عامر ويعقوب: \"لقَضَى\" بفتح القاف والضاد، { أَجَلَهُمْ } نصب، أي: لأهلك مَنْ دعا عليه وأماته. وقال الآخرون: \"لقُضي\" بضم القاف وكسر الضاد \"أَجَلُهُمْ\" رفع، أي: لفرغ من هلاكهم وماتوا جميعا.\rوقيل: إنها نزلت في النضر بن الحارث حين قال: \" اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء \" (1) الآية (الأنفال -32) يدل عليه قوله عز وجل: { فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا } لا يخافون البعث والحساب، { فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } .\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصلاحي، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران، حدثنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار، أنبأنا أحمد بن منصور الزيادي، حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن همام بن منبِّه، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"اللهم إني اتخذت عندك عهدا لن تُخْلِفَنِيهْ، فإنما أنا بشر فيصدر مني ما يصدر من البشر، فأي المؤمنين آذَيْتُه، أو شتمتُه، أو جلدتُه، أو لعنتُه فاجعلها له صلاةً وزكاةً وقربةً، تُقَرِّبه بها إليك يوم القيامة\" (2) .\r{ وَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (12) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13) } .\rقوله تعالى: { وَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ الضُّرُّ } الجَهْد والشدة، { دَعَانَا لِجَنْبِهِ } أي: على جنبه مضطجعا، { أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا } يريد في جميع حالاته، لأن الإنسان لا يعدو إحدى هذه الحالات. { فَلَمَّا كَشَفْنَا } دفعنا { عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ } أي استمر على طريقته الأولى قبل أن يصيبه الضر، ونسي ما كان فيه من الجهد والبلاء، كأنه لم يدعنا إلى ضر مسه أي: لم يطلب منا كشف ضُرّ مَسَّه. { كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ } المجاوزين الحد في الكفر والمعصية، { مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } من العصيان. قال ابن جريج: كذلك زيِّن للمسرفين ما كانوا يعملون من الدعاء عند البلاء وترك الشكر عند الرخاء. وقيل: معناه كما زَيّن لكم أعمالكم زَيّن للمسرفين الذين كانوا من قبلكم أعمالهم.\rقوله عز وجل: { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا } أشركوا، { وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ }\r__________\r(1) انظر: المحرر الوجيز: 7 / 113.\r(2) أخرجه البخاري في الدعوات، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: \"من آذيته فاجعله له زكاة ورحمة\": 11 / 171، ومسلم في البر والصلة، باب من لعنه النبي صلى الله عليه وسلم أو سبه... برقم (2601): 4 / 2008، والمصنف في شرح السنة: 5 / 8.","part":4,"page":124},{"id":1338,"text":"أي: كما أهلكناهم بكفرهم، { نَجْزِي } نعاقب ونهلك، { الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ } الكافرين بتكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم، يُخَوّف كفار مكة بعذاب الأمم الخالية المكذبة.\r{ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14) } .","part":4,"page":125},{"id":1339,"text":"{ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (16) } .\r{ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ } أي: خلفاء، { فِي الأرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ } أي: من بعد القرون التي أهلكناهم، { لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } وهو أعلم بهم. وروينا عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"ألا إن هذه الدنيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون\" (1) .\rقوله عز وجل: { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ } قال قتادة (2) : يعني مشركي مكة. وقال مقاتل (3) هم خمسة نفر: عبد الله بن أمية المخزومي، والوليد بن المغيرة، ومكرز بن حفص، وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس العامري، والعاص بن عامر بن هاشم. { قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا } هم السابق ذكرهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت تريد أن نؤمن بك { ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا } ليس فيه ترك عبادة اللات والعزى ومناة، وليس فيه عيبها، وإن لم ينزلها الله فقلْ أنت من عند نفسك، { أَوْ بَدِّلْهُ } فاجعل مكان آية عذاب آية رحمة، أو مكان حرام حلالا أو مكان حلال حراما، { قُل } لهم يا محمد، { مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي } من قِبَلِ نفسي { إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ } أي: ما أتبع إلا ما يوحي إليّ فيما آمركم به وأنهاكم عنه، { إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } .\r{ قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ } يعني: لو شاء الله ما أنزل القرآن عليّ. { وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ } أي: ولا أعلمكم الله. قرأ البزي عن ابن كثير: \"ولأدراكم به\" بالقصر به على الإيجاب، يريد: ولا علّمكم\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الرقاق، باب أكثر أهل الجنة الفقراء... برقم (2742): 4 / 2098، والمصنف في شرح السنة: 9 / 12.\r(2) في أسباب النزول للواحدي ص (305): مجاهد. وانظر: الدر المنثور: 4 / 347.\r(3) أسباب النزول ص (305).","part":4,"page":125},{"id":1340,"text":"به من غير قراءتي عليكم. وقرأ ابن عباس: \"ولا أنذرتُكم به\" من الإنذار. { فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا } حينا وهو أربعون سنة، { مِنْ قَبْلِهِ } من قبل نزول القرآن ولم آتكم بشيء. { أَفَلا تَعْقِلُونَ } أنه ليس من قِبَلي، ولبث النبي صلى الله عليه وسلم فيهم قبل الوحي أربعين سنة ثم أوحى الله إليه فأقام بمكة بعد الوحي ثلاث عشرة سنة، ثم هاجر فأقام بالمدينة عشر سنين وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة.\rوروى أنس: أنه أقام بمكة بعد الوحي عشر سنين وبالمدينة عشر سنين، وتوفي وهو ابن ستين سنة. والأول أشهر وأظهر (1) .\r{ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (17) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18) وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (19) } .\rقوله تعالى: { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا } فزعم أن له شريكا أو ولدا { أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ } بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن، { إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ } لا ينجو المشركون.\r{ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ } إن عصوه وتركوا عبادته، { وَلا يَنْفَعُهُمْ } إن عبدوه، يعني: الأصنام، { وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ } أتخبرون الله، { بِمَا لا يَعْلَمُ } الله صحته. ومعنى الآية: أتخبرون الله أن له شريكا، أو عنده شفيعا بغير إذنه، ولا يعلم الله لنفسه شريكا؟! { فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } قرأ حمزة والكسائي: \"تشركون\" بالتاء، ها هنا وفي سورة النحل موضعين، وفي سورة الروم، وقرأ الآخرون كلها بالياء.\rقوله تعالى: { وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً } أي: على الإسلام. وقد ذكرنا الاختلاف فيه في سورة البقرة (2) { فَاخْتَلَفُوا } وتفرَّقوا إلى مؤمن وكافر، { وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ } بأن جعل\r__________\r(1) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 13 / 54، 14 / 291، وابن سعد في الطبقات: 2 / 308، وعبد الرزاق: 3 / 599. وانظر: الدر المنثور: 4 / 348-349، كنز العمال: رقم (4750).\r(2) انظر فيما سبق: 1 / 243-244.","part":4,"page":126},{"id":1341,"text":"لكل أمة أجلا. وقال الكلبي: هي إمهال هذه الأمة وأنه لا يهلكهم بالعذاب في الدنيا، { لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } بنزول العذاب وتعجيل العقوبة للمكذبين، وكان ذلك فصلا بينهم، { فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } وقال الحسن: ولولا كلمة سبقت من ربك، مضت في حكمه أنه: لا يقضي بينهم فيما اختلفوا فيه بالثواب والعقاب دون القيامة، لقضي بينهم في الدنيا فأدخل المؤمن الجنة والكافر النار، ولكنه سبق من الله الأجل فجعل موعدهم يوم القيامة.\r{ وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (20) } .","part":4,"page":127},{"id":1342,"text":"{ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (21) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) } .\r{ وَيَقُولُون } يعني: أهل مكة، { لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ } أي: على محمد صلى الله عليه وسلم { آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ } على ما نقترحه، { فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ } يعني: قل إنما سألتموني الغيب وإنما الغيب لله، لا يعلم أحد لِمَ لَمْ يفعل ذلك ولا يعلمه إلا هو. وقيل: الغيب نزول الآية 169/أ لا يعلم متى ينزل أحد غيره، { فَانْتَظِرُوا } نزولها { إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ } وقيل: فانتظروا قضاء الله بيننا بالحق بإظهار المحق على المبطل.\rقوله عز وجل: { وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ } يعني: الكفار، { رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ } أي: راحة ورخاء من بعد شدة وبلاء. وقيل: القطر بعد القحط، { مَسَّتْهُم } أي: أصابتهم، { إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا } قال مجاهد: تكذيب واستهزاء. وقال مقاتل بن حيان: لا يقولون: هذا من رزق الله، إنما يقولون: سُقِينَا بِنَوْءِ كذا، وهو قوله: \" وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون \" (الواقعة -82).\r{ قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا } أعجل عقوبة وأشدُّ أخذًا وأقدر على الجزاء، يريد عذابه في إهلاككم أسرع إليكم مما يأتي منكم في دفع الحق، { إِنَّ رُسُلَنَا } حفظتنا، { يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ } وقرأ يعقوب: \"يمكرون\" بالياء.\rقوله تعالى: { هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ } يجريكم ويحملكم، وقرأ أبو جعفر وابن عامر: \"ينشركم\" بالنون والشين من النشر وهو البسط والبث، \"في البِرِّ\" ، على ظهور الدواب، وفي { البحر } على","part":4,"page":127},{"id":1343,"text":"الفلك، { حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ } أي: في السفن، تكون واحدا وجمعا { وَجَرَيْنَ بِهِمْ } يعني: جرت السفن بالناس، رجع من الخطاب إلى الخبر، { بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ } ليِّنة، { وَفَرِحُوا بِهَا } أي: بالريح، { جَاءَتْهَا رِيحٌ } أي: جاءت الفلك ريح، { عَاصِف } شديدة الهبوب، ولم يقل ريح عاصفة، لاختصاص الريح بالعصوف. وقيل: الريح تذكر وتؤنث. { وَجَاءَهُم } يعني: ركبانَ السفينة، { الْمَوْج } وهو حركة الماء واختلاطه، { مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا } أيقنوا { أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ } دَنَوا من الهلكة، أي: أحاط بهم الهلاك، { دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } أي: أخلصوا في الدعاء لله ولم يدعوا أحدًا سوى الله. وقالوا { لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا } يا ربنا، { مِنْ هَذِهِ } الريح العاصف، { لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ } لك بالإيمان والطاعة.\r{ فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23) إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) } .\r{ فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأرْضِ } يظلمون ويتجاوزون إلى غير أمر الله عز وجل في الأرض، { بِغَيْرِ الْحَقِّ } أي: بالفساد. { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ } لأن وباله راجع عليها، ثم ابتدأ فقال: { مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } أي: هذا متاع الحياة الدنيا، خبر ابتداء مضمر، كقوله: \" لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ \"(الأحقاف -35) ، أي: هذا بلاغ. وقيل: هو كلام متصل والبغي: ابتداء، ومتاع: خبره.\rومعناه: إنما بغيكم متاع الحياة الدنيا، لا يصلح [زادًا لمعاد] (1) لأنكم تستوجبون به غضب الله.\rوقرأ حفص: \"متاع\" بالنصب، أي تتمتعون متاع الحياة الدنيا، { ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } .\rقوله عز وجل: { إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } في فنائها وزوالها، { كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ }\r__________\r(1) في \"أ\" (لزاد المعاد).","part":4,"page":128},{"id":1344,"text":"أي: بالمطر، { نَبَاتُ الأرْضِ } قال ابن عباس: نبت بالماء من كل لون، { مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ } من الحبوب والثمار، { وَالأنْعَامُ } من الحشيش، { حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا } حسنها وبهجتها، وظهر الزهر أخضر وأحمر وأصفر وأبيض { وَازَّيَّنَت } أي: تزينت، وكذلك هي في قراءة ابن مسعود: \"تزينت\". { وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا } على جذاذها وقطافها وحصادها، ردّ الكناية إلى الأرض. والمراد: النبات إذ كان مفهوما، وقيل: ردَّها إلى الغلَّة. وقيل: إلى الزينة. { أَتَاهَا أَمْرُنَا } قضاؤنا، بإهلاكها، { لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا } أي: محصودة مقطوعة، { كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ } كأن لم تكن بالأمس، وأصله مِنْ غني بالمكان إذا أقام به. وقال قتادة: معناه إن المتشبِّث بالدنيا يأتيه أمر الله وعذابه أغفل ما يكون. { كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } .\r{ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (25) } .\rقوله تعالى: { وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ } قال قتادة: السلام هو الله، وداره: الجنة. وقيل: السلام بمعنى السلامة، سُميت الجنة دار السلام لأنّ مَنْ دخلها سَلِمَ من الآفات. وقيل: المراد بالسلام التحية سُميت الجنة دار السلام، لأن أهلها يحيي بعضُهم بعضا بالسلام والملائكة تسلم عليهم. قال الله تعالى: \" والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم \" (الرعد -23).\rوروينا عن جابر قال: جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم [فقال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إنّ العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا:] (1) إن لصاحبكم هذا مثلا. قال: فاضربوا له مثلا. فقال بعضهم: مثله كمثل رجل بنى دارا، وجعل فيها مأدبة، وبعث داعيًا، فمن أجاب الداعي: دخل الدار، وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي: لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة، [فقالوا أوّلُوها له يَفْقَهْهَا، قال بعضهم: إنه نائم، وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا:] (2) فالدار الجنة والداعي محمد صلى الله عليه وسلم، فمن أطاع محمدًا فقد أطاع الله، ومَنْ عصى محمدًا فقد عصى الله، ومحمد فَرَّق بين الناس\" (3) .\r{ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } فالصراط المستقيم هو الإسلام، عمَّ بالدعوة لإظهار الحجة، وخُصَّ بالهداية استغناءً عن الخلق.\r__________\r(1) ما بين القوسين من صحيح البخاري وشرح السنة للمصنف، وهو أيضا في المطبوع.\r(2) ما بين القوسين من صحيح البخاري وشرح السنة للمصنف، وهو أيضا في المطبوع.\r(3) أخرجه البخاري في الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم: 13 / 249، والمصنف في شرح السنة: 1 / 192.","part":4,"page":129},{"id":1345,"text":"{ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26) } .\rقوله تعالى: { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } أي: للذين أحسنوا العمل في الدنيا الحسنى، وهي الجنة، وزيادة: وهي النظر إلى وجه الله الكريم، هذا قول جماعة من الصحابة، منهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وحذيفة، وأبو موسى، وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم، وهو قول الحسن، وعكرمة وعطاء، ومقاتل، والضحاك، والسدي.\rأخبرنا أبو سعيد أحمد بن [محمد بن] (1) العباس الْحُمَيْدِيّ، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو العباس محمد بن يعقوب إملاء، حدَّثنا أبو بكر محمد بن إسحاق الصنعاني، حدثنا الأسود بن عامر، حدَّثنا حماد بن سلمة عن ثابت -يعني البناني-عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب رضي الله عنه قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } قال: إذا دخل أهل الجنةِ الجنةَ وأهل النارِ النارَ نادى منادٍ: يا أهل الجنة إنّ لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكُمُوه، قالوا: ما هذا الموعود؟ (2) ألم يثقِّلْ موازيننا، ويبيِّضْ وجوهنا، ويدخلْنَا الجنة، ويُجِرِنْا من النار؟ قال: فيرفع الحجاب فينظرون إلى وجه الله عز وجل. قال: فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إليه\" (3) .\rوروي عن ابن عباس: أن الحسنى هي: أن الحسنة بمثلها والزيادة هي التضعيف عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف (4) . وقال مجاهد: الحسنى: حسنة مثل حسنة، والزيادة المغفرة والرضوان (5) .\r{ وَلا يَرْهَقُ } لا يغشى { وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ } غبار، جمع قترة. قال ابن عباس وقتادة: سواد الوجه، { وَلا ذِلَّةٌ } هَوَان. قال قتادة: كآبة. قال ابن أبي ليلى: هذا بعد نظرهم إلى ربهم. { أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) في \"ب\": (الموعد).\r(3) أخرجه مسلم في الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى، برقم (181-182): 1 / 163، والمصنف في شرح السنة: 15 / 230.\r(4) أخرجه الطبري عن ابن عباس: 15 / 70.\r(5) الطبري: 15 / 71. وقال رحمه الله: \"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تبارك وتعالى وَعَد المحسنين من عباده على إحسانهم الحسنى، أن يجزيهم على طاعتهم إياه الجنة، وأن تبيضَّ وجوههم، ووعدهم مع الحسنى الزيادة عليها. ومن الزيادة على إدخالهم الجنة: أن يكرمهم بالنظر إليه، وأن يعطيهم غُرَفًا من لآلئ، وأن يزيدهم غفرانًا ورضوانًا. كل ذلك من زيادات عطاء الله إياهم على الحسنى التي جعلها الله لأهل جناته. وعمَّ ربنا جل ثناؤه بقوله: \"وزيادة\" الزيادات على \"الحسنى\" فلم يخصص منها شيئا دون شيء. وغير مُسْتَنْكَرٍ من فضل الله أن يجمع ذلك لهم، بل ذلك كله مجموع لهم إن شاء الله. فأولى الأقوال في ذلك بالصواب: أن يُعَمَّ، كما عمَّه عز ذكره\".","part":4,"page":130},{"id":1346,"text":"{ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (27) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (28) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (29) هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (30) } .\r{ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا } 169/ب أي: لهم مثلها، كما قال: \" ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها \"(الأنعام -160) . { وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ } و \"من\" صلة، أي: مالهم من الله عاصم، { كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ } ألبست، { وُجُوهُهُمْ قِطَعًا } جمع قطعة، { مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا } نصبت على الحال دون النعت، ولذلك لم يقل: مظلمة، تقديره: قِطَعا من الليل في حال ظلمته، أو قطعا من الليل المظلم. وقرأ ابن كثير والكسائي ويعقوب: \"قِطْعا\" ساكنة الطاء، أي بعضا، كقوله: \"بِقِطْع من الليل\" (هود -81) . { أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .\rقوله تعالى: { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ } [أي: الزموا مكانكم] (1) { أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ } يعني: الأوثان، معناه: ثم نقول للذين أشركوا: الزموا أنتم وشركاؤكم مكانكم، ولا تبرحوا. { فَزَيَّلْنَا } ميزنا وفرقنا { بَيْنَهُمْ } أي: بين المشركين وشركائهم، وقطعنا ما كان بينهم من التواصل في الدنيا، وذلك حين يتبرأ كل معبود من دون الله ممن عبده، { وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ } يعني: الأصنام، { مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ } بطلبتنا فيقولون: بلى، كنا نعبدكم، فتقول الأصنام:\r{ فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ } أي: ما كنا عن عبادتكم إيانا إلا غافلين، ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نعقل.\rقال الله تعالى: { هُنَالِكَ تَبْلُو } أي: تُختبر. وقيل: معناه: تعلم وتقف عليه، وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب: \"تتلو\" بتاءين، أي: تقرأ، { كُلُّ نَفْسٍ } صحيفتها. وقيل: معناه تتبع كل نفس { مَا أَسْلَفَتْ }\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".","part":4,"page":131},{"id":1347,"text":"ما قدمت من خير أو شر. وقيل: معناه تعاين، { وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ } إلى حكمه فيتفرد فيهم بالحكم، { مَوْلاهُمُ الْحَقِّ } الذي يتولى ويملك أمورهم: فإن قيل: أليس قد قال: \" وأن الكافرين لا مولى لهم \"(محمد -11)؟ قيل: المولى هناك بمعنى الناصر، وها هنا بمعنى: المالك، { وَضَلَّ عَنْهُمْ } زال عنهم وبطل، { مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } في الدنيا من التكذيب.\r{ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (31) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32) كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (33) } .","part":4,"page":132},{"id":1348,"text":"{ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (34) } .\rقوله تعالى: { قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ } أي: من السماء بالمطر، ومن الأرض بالنبات، { أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأبْصَار } أي: من إعطائكم السمع والأبصار، { وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ } يخرج الحي من النطفة والنطفة من الحي، { وَمَنْ يُدَبِّرُ الأمْرَ } أي: يقضي الأمر، { فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ } هو الذي يفعل هذه الأشياء، { فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ } أفلا تخافون عقابه في شرككم؟ وقيل: أفلا تتقون الشرك مع هذا الإقرار؟.\r{ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ } الذي يفعل هذه الأشياء هو ربكم، { الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ } أي: فأين تصرفون عن عبادته وأنتم مقرون به؟.\r{ كَذَلِك } قال الكلبي: هكذا، { حَقَّتْ } وجبت، { كَلِمَةُ رَبِّكَ } حكمه السابق، { عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا } كفروا، { أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ } قرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر \"كلمات ربك\" بالجمع ها هنا موضعين، وفي المؤمن، والآخرون على التوحيد.\rقوله: { قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ } أوثانكم { مَن يَبْدَأُ الْخَلْقَ } ينشئ الخلق من غير أصل ولا مثال، { ثُمَّ يُعِيدُهُ } ثم يحييه من بعد الموت كهيئته، فإن أجابوك وإلا فـ { قُلْ } أنت: { اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ } أي: تصرفون عن قصد السبيل.","part":4,"page":132},{"id":1349,"text":"{ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لا يَهِدِّي إِلا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35) وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36) } .\r{ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي } يرشد، { إِلَى الْحَقِّ } فإذا قالوا: لا -ولا بد لهم من ذلك-{ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ } أي إلى الحق.\r{ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي } قرأ حمزة والكسائي: ساكنة الهاء، خفيفة الدال، وقرأ الآخرون: بتشديد الدال، ثم قرأ أبو جعفر، وقالون: بسكون الهاء، وأبو عمرو بِرَوْمِ الهاء بين الفتح والسكون، وقرأ حفص: بفتح الياء وكسر الهاء، وأبو بكر بكسرهما، والباقون بفتحهما، ومعناه: يهتدي -في جميعها-فمن خفَّف الدال، قال: يقال: هديته فهدى، أي: اهتدى، ومَنْ شدَّد الدال أدغم التاء في الدال، ثم أبو عمرو يروم على مذهبه في إيثار التخفيف، ومَنْ سكَّن الهاء تركها على حالتها كما فعل في \"تعدوا\" و \"يخصمون\" ومَنْ فتح الهاء نقل فتحة التاء المدغمة إلى الهاء، ومَنْ كسر الهاء فلالتقاء الساكنين، وقال الجزم يُحَرَّكُ إلى الكسر، ومن كسر الياء، مع الهاء أتبع الكسرةَ الكسرةَ.\rقوله تعالى: { إِلا أَنْ يُهْدَى } معنى الآية: الله الذي يهدي إلى الحق أحق بالاتباع أم الصنم الذي لا يهتدي إلا أن يُهدَى؟.\rفإن قيل: كيف قال: \"إلا أن يُهْدى\"، والصنم لا يتصور أن يهتدي ولا أن يُهْدَى؟.\rقيل: معنى الهداية في حق الأصنام الانتقال، أي: أنها لا تنتقل من مكان إلى مكان إلا أن تُحمل وتُنقل، يتَبَيَّنُ به عجز الأصنام.\rوجواب آخر وهو: أنَّ ذِكْرَ الهداية على وجه المجاز، وذلك أن المشركين لما اتخذوا الأصنام آلهة وأنزلوها منزلة مَنْ يسمع ويعقل عبّر عنها بما يُعبّر عمن يعلم ويعقل، ووُصِفَتْ بصفة مَنْ يعقل.\r{ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } كيف تقضون حين زعمتم أن لله شريكا؟\rقوله تعالى: { وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلا ظَنًّا } منهم، يقولون: إن الأصنام آلهة، وإنها تشفع لهم في الآخرة ظنا منهم، لم يَرِدْ به كتاب ولا رسول، وأراد بالأكثر: جميع من يقول ذلك، { إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا } أي: لا يدفع عنهم من عذاب الله شيئا. وقيل: لا يقوم مقام العلم، { إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ }","part":4,"page":133},{"id":1350,"text":"{ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (37) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (39) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (40) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (41) } .\rقوله تعالى: { وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ } قال الفراء: معناه: وما ينبغي لمثل هذا القرآن أن يُفْتَرى من دون الله، كقوله تعالى: \" وما كان لنبي أن يغل \"(آل عمران -161) .\rوقيل: \"أَنْ\" بمعنى اللام، أي: وما كان هذا القرآن لِيُفْتَرَى من دون الله.\rقوله: { وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ } أي: بين يدي القرآن من التوراة والإنجيل.\rوقيل: تصديق الذي بين يدي القرآن من القيامة والبعث، { وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ } تبيين ما في الكتاب من الحلال والحرام والفرائض والأحكام، { لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } .\r{ أَمْ يَقُولُونَ } قال أبو عبيدة: \"أم\" بمعنى الواو، أي: ويقولون، { افْتَرَاه } اختلق محمد القرآن من قِبَلِ نفسه، { قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ } شبه القرآن { وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ } ممن تعبدون، { مِنْ دُونِ اللَّهِ } ليعينوكم على ذلك، { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } أن محمدا افتراه ثم قال:\r{ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ } يعني: القرآن، كذبوا به ولم يحيطوا بعلمه، { وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ } أي: عاقبة ما وعد الله في القرآن، أنه يؤول إليه أمرهم من العقوبة، يريد: أنهم لم يعلموا ما يؤول إليه عاقبة أمرهم. { كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } أي: كما كذب هؤلاء الكفار بالقرآن كذلك كذَّب الذين من قبلهم من كفار الأمم الخالية، { فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ } آخر أمر المشركين بالهلاك.\r{ وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ } أي: من قومك مَنْ يؤمن بالقرآن، { وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ } لعلم الله السابق فيهم، { وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ } 170/أ الذين لا يؤمنون.\r{ وَإِنْ كَذَّبُوكَ } يا محمد، { فَقُلْ لِي عَمَلِي } وجزاؤه، { وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ } وجزاؤه، { أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ } هذا كقوله تعالى: \" لنا أعمالنا ولكم أعمالكم \"(القصص -55)،","part":4,"page":134},{"id":1351,"text":"\" لكم دينكم وليَ دين \"(الكافرون -6).\rقال الكلبي ومقاتل: هذه الآية منسوخة بآية الجهاد (1) .\rثم أخبر أن التوفيق للإيمان به لا بغيره:\r{ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ (42) } .\r__________\r(1) ورواه الطبري أيضا عن ابن زيد: 15 / 95. وانظر: الدر المنثور: 4 / 364. وانظر فيما سبق: 3 / 32 تعليق (1).","part":4,"page":135},{"id":1352,"text":"{ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ (43) إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (44) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (45) } .\rفقال: { وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ } بأسماعهم الظاهرة فلا ينفعهم، { أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ } يريد: سمع القلب، { وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ } .\r{ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ } بأبصارهم الظاهرة، { أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ } يريد عمى القلب، { وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ } وهذا تسلية من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم يقول: إنك لا تقدر أن تسمع من سلبته السمع، ولا أن تهدي من سلبته البصر، ولا أن توفق للإيمان من حكمت عليه أن لا يؤمن.\r{ إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا } لأنه في جميع أفعاله متفضل عادل، { وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بالكفر والمعصية.\rقوله تعالى: { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ } قرأ حفص بالياء، والآخرون بالنون، { كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ } قال الضحاك: كأن لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من النهار. وقال ابن عباس: كأن لم يلبثوا في قبورهم إلا قدر ساعة من النهار، { يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ } يعرف بعضهم بعضا حين بعثوا من القبور كمعرفتهم في الدنيا، ثم تنقطع المعرفة إذا عاينوا أهوال القيامة. وفي بعض الآثار: أن الإنسان يعرف يوم القيامة من بجنبه ولا يكلمه هيبة وخشية. (1)\r{ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } والمراد من الخسران: خسران النفس، ولا شيء أعظم منه.\r__________\r(1) عزاه السيوطي لابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن الحسن. الدر المنثور: 4 / 365 .","part":4,"page":135},{"id":1353,"text":"{ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (46) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (47) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (49) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (50) } .\rقوله تعالى: { وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ } يا محمد، { بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ } في حياتك من العذاب، { أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ } قبل تعذيبهم، { فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ } في الآخرة، { ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ } فيجزيهم به، \"ثم\" بمعنى الواو، تقديره: والله شهيد. قال مجاهد: فكان البعض الذي أراه قتلهم ببدر، وسائر أنواع العذاب بعد موتهم.\rقوله عز وجل: { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ } وكذبوه، { قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ } أي عُذِّبوا في الدنيا وأهلكوا بالعذاب، يعني: قبل مجيء الرسول، لا ثواب ولا عقاب. وقال مجاهد ومقاتل: فإذا جاء رسولهم الذي أرسل إليهم يوم القيامة قُضِيَ بينه وبينهم بالقسط، { وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ } لا يعذبون بغير ذنب ولا يُؤاخذون بغير حجة ولا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم.\r{ وَيَقُولُونَ } أي: ويقول المشركون: { مَتَى هَذَا الْوَعْدُ } الذي تعدنا يا محمد من العذاب. وقيل: قيام الساعة، { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } أنت يا محمد وأتباعك.\r{ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي } لا أقدر لها على شيء، { ضَرًّا وَلا نَفْعًا } أي: دفع ضر ولا جلب نفع، { إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ } أن أملكه، { لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ } مدة مضروبة، { إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ } وقت فناء أعمارهم، { فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ } أي: لا يتأخرون ولا يتقدمون.\rقوله تعالى: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا } ليلا { أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ } أي: ماذا يستعجل من الله المشركون. وقيل: ماذا يستعجل من العذاب المجرمون، وقد وقعوا فيه؟ وحقيقة المعنى: أنهم كانوا يستعجلون العذاب، فيقولون: \" اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم \" (الأنفال -32). فيقول الله تعالى: { مَاذَا يَسْتَعْجِلُ } يعني: أيش (1) يعلم\r__________\r(1) أي شي؟.","part":4,"page":136},{"id":1354,"text":"المجرمون ماذا يستعجلون ويطلبون، كالرجل يقول لغيره وقد فعل قبيحا ماذا جنيت على نفسك.\r{ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (51) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (52) وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (53) } .","part":4,"page":137},{"id":1355,"text":"{ وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (54) أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (55) هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (56) } .\r{ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ } قيل: معناه أهنالك؟ وحينئذ، وليس بحرف عطف، \" إذا ما وقع \" نزل العذاب، { آمَنْتُمْ بِهِ } أي بالله في وقت اليأس. وقيل: آمنتم به أي صدَّقتم بالعذاب وقت نزوله، { آلآن } فيه إضمار، أي: يقال لكم: آلآن تؤمنون حين وقع العذاب؟ { وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ } تكذيبا واستهزاء.\r{ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا } أشركوا، { ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ } في الدنيا.\r{ وَيَسْتَنْبِئُونَك } أي: يستخبرونك يا محمد، { أَحَقٌّ هُوَ } أي: ما تعدنا من العذاب وقيام الساعة، { قُلْ إِي وَرَبِّي } أي: نعم وربي، { إِنَّهُ لَحَقٌّ } لا شك فيه، { وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ } أي: بفائتين من العذاب، لأن من عجز عن شيء فقد فاته.\r{ وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ } أي: أشركت، { مَا فِي الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ } يوم القيامة، والافتداء ها هنا: بذل ما ينجو به من العذاب. { وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ } قال أبو عبيدة: معناه: أظهروا الندامة، لأنه ليس ذلك اليوم يوم تصبّر وتصنّع. وقيل: معناه أخفوا أي: أخفى الرؤساء الندامةَ من الضعفاء، خوفًا من ملامتهم وتعبيرهم، { لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ } فرغ من عذابهم، { وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ }","part":4,"page":137},{"id":1356,"text":"{ ألا إن لله ما في السموات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون هو يحيي ويميت وإليه ترجعون } .\r{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59) } .\rقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ } تذكرة، { مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ } أي: دواء للجهل، لما في الصدور. أي: شفاء لعمى القلوب، والصدر: موضع القلب، وهو أعز موضع في الانسان لجوار القلب، { وَهُدًى }من الضلالة، { وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } والرحمة هي النعمة على المحتاج، فإنه لو أهدى ملك إلى ملك شيئا لا يقال قد رحمه، وإن كان ذلك نعمة لأنه لم يضعها في محتاج.\rقوله تعالى: { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ } قال مجاهد وقتادة: فضل الله: الإيمان، ورحمته: القرآن (1) . وقال أبو سعيد الخدري: فضل الله القرآن ورحمته أن جعلنا من أهله (2) .\rوقال ابن عمر: فضل الله: الإسلام، ورحمته: تزيينه في القلب.\rوقال خالد بن معدان: فضل الله: الإسلام، ورحمته: السُّنن.\rوقيل: فضل الله: الإيمان، ورحمته: الجنة.\r{ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا } أي: ليفرح المؤمنون أن جعلهم الله من أهله، { هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } أي: مما يجمعه الكفار من الأموال. وقيل: كلاهما خبر عن الكفار.\rوقرأ أبو جعفر وابن عامر: \"فليفرحوا\" بالياء، و\"تجمعون\" بالتاء، وقرأ يعقوب كليهما بالتاء مختلف عنه خطابًا للمؤمنين.\r{ قُلْ } يا محمد لكفار مكة، { أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ } عبَّر عن الخلق بالإنزال، لأن ما في الأرض من خير، فمما أنزل الله من رزق، من زرع وضرع، { فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالا } هو ما حرموا من الحرث ومن الأنعام كالبحيرة، والسائبة، والوصيلة والحام. قال الضحاك: هو قوله تعالى: \" وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا \" 170/ب (الأنعام -136) . { قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُم } في هذا التحريم والتحليل، { أَمْ } بل، { عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ } وهو قولهم: \" والله أمرنا بها \".\r__________\r(1) انظر: الطبري: 15 / 107.\r(2) الطبري: 15 / 106 وانظر الدر المنثور: 4 / 367-368، وفيهما سائر الأقوال.","part":4,"page":138},{"id":1357,"text":"{ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (60) وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61) } .","part":4,"page":139},{"id":1358,"text":"{ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) } .\r{ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } أيحسبون أن الله لا يؤاخذهم به ولا يعاقبهم عليه، { إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ } .\rقوله عز وجل: { وَمَا تَكُونُ } يا محمد، { فِي شَأْنٍ } عمل من الأعمال، وجمعه شُؤون، { وَمَا تَتْلُو مِنْه } من الله، { مِن قُرْآنٍ } نازل، وقيل: منه أي من الشأن من قرآن، نزل فيه ثم خاطبه وأمته فقال: { وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } أي: تدخلون وتخوضون فيه، الهاء عائدة إلى العمل، والإفاضة: الدخول في العمل. وقال ابن الأنباري: تندفعون فيه. وقيل: تُكْثِرون فيه. والإفاضة: الدفع بكثرة.\r{ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ } يغيب عن ربك، وقرأ الكسائي \"يَعْزِب\" بكسر الزاي، وقرأ الآخرون بضمها، وهما لغتان. { مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ } أي: مثقال ذرة، و\"من\" صلة، والذرة هي: النملة الحميراء الصغيرة. { فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ } أي: من الذرة، { وَلا أَكْبَرَ } قرأ حمزة ويعقوب: برفع الراء فيهما، عطفا على موضع المثقال قبل دخول \"من\"، وقرأ الآخرون: بنصبهما، إرادة للكسرة، عطفا على الذرة في الكسر. { إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } وهو اللوح المحفوظ.\rقوله تعالى: { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } واختلفوا فيمن يستحق هذا الاسم. قال بعضهم: هم الذين ذكرهم الله تعالى فقال:\r{ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } وقال قوم: هم المتحابّون في الله عز وجل.\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفَّار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن [ابن] (1) أبي حسين\r__________\r(1) من \"شرح السنة\" و\"مصنف عبد الرزاق\"، و\"مسند الإمام أحمد\".","part":4,"page":139},{"id":1359,"text":"عن شهر بن حوشب، عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: \"إن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء لقربهم ومقعدهم من الله يوم القيامة\"، قال: وفي ناحية القوم أعرابي فجثا على ركبتيه ورمى بيديه ثم قال: حدثنا يا رسول الله عنهم من هم؟ قال: فرأيت في وجه النبي صلى الله عليه وسلم البشر، فقال: \"هم عباد من عباد الله من بلدان شتى وقبائل، لم يكن بينهم أرحام يتواصلون بها، ولا دنيا يتباذلون بها، يتحابون بروح الله، يجعل الله وجوههم نورا، ويجعل لهم منابر من لؤلؤ قدام الرحمن، يفزع الناس ولا يفزعون، ويخاف الناس ولا يخافون\" (1) .\rورواه عبد الله بن المبارك عن عبد الحميد بن بهرام قال: حدثنا شهر بن حوشب، حدثني عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: مَنْ أولياء الله؟ فقال: الذين إذا رؤوا ذُكر الله\" (2) .\rويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: \"إن أوليائي من عبادي الذين يُذْكَرُون بذكري وأُذْكَرُ بذكرهم\" (3) .\r{ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64) } .\r{ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ } اختلفوا في هذه البشرى: رُوي عن عبادة بن الصامت قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: \"لهم البشرى في الحياة الدنيا\"، قال: \"هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له\" (4) .\r__________\r(1) أخرجه عبد الرزاق في المصنف: 11 / 201-202، والطبري: 15 / 122، والإمام أحمد في المسند: 5 / 341، 343، والمصنف في شرح السنة: 13 / 50، وذكره في المصابيح: 3 / 379، وله شاهد من حديث ابن عمر أخرجه الحاكم وصححه: 4 / 170-171 وأقره الذهبي، ومن حديث أبي هريرة عند ابن حبان برقم (2508) ص (621) من موارد الظمآن. ومن حديث عمر رضي الله عنه أخرجه أبو داود، وإسحاق بن راهويه، وهناد 1 / 564، وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، وأبو نعيم. والبيهقي في الشعب. انظر: الدر المنثور: 4 / 372، الكافي الشاف ص (84)، مجمع الزوائد: 10 / 276-279، الزهد للإمام هناد بن السري: 1 / 564-565 مع تعليق المحقق. والحديث إسناده صحيح بشواهده.\r(2) أخرجه ابن المبارك في الزهد، ص (248-249).\r(3) أخرجه الإمام أحمد في المسند: 3 / 430. قال الهيثمي في المجمع: 1 / 58 \"رواه أحمد، وفيه رشدين بن سعد، وهو ضعيف، وذكره أيضا: 1 / 89 من رواية الطبراني في الكبير، وقال: \"فيه رشدين، وهو ضعيف\". وانظر: الدر المنثور: 4 / 371.\r(4) أخرجه الترمذي في الرؤيا، باب ذهبت النبوة وبقيت المبشرات: 6 / 554، وابن ماجه في الرؤيا، برقم (3898): 2 / 1283، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي: 2 / 340، 4 / 391، والدارمي في الرؤيا: 2 / 123، والإمام أحمد في المسند: 5 / 315، 321، والطيالسي ص (79). قال ابن حجر: في فتح الباري: \"ورواته ثقات إلا أن أبا سلمة لم يسمعه من عبادة\". وانظر: الكافي الشاف ص (84).","part":4,"page":140},{"id":1360,"text":"أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري، حدثني سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"لم يبق من النبوة إلا المبشرات\"، قالوا: وما المبشرات؟ قال: \"الرؤيا الصالحة\" (1) .\rوقيل: البشرى في الدنيا هي: الثناء الحسن، وفي الآخرة: الجنة.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا عبد الرزاق بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة عن أبي عمران الجوني قال: سمعت عبد الله بن الصامت قال: قال أبو ذر: يا رسول الله الرجل يعمل لنفسه ويحبه الناس؟ قال: \"تلك عاجل بشرى المؤمن\" (2) . وأخرج مسلم بن الحجاج هذا الحديث عن يحيى بن يحيى عن حماد بن زيد عن أبي عمران، وقال: \"ويحمده الناس عليه\". (3) .\rوقال الزهري وقتادة: هي نزول الملائكة بالبشارة من الله تعالى عند الموت، قال الله تعالى: \" تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون \" (فصلت -30)\rوقال عطاء عن ابن عباس: البشرى في الدنيا، يريد: عند الموت تأتيهم الملائكة بالبشارة، وفي الآخرة عند خروج نفس المؤمن، يُعْرَجُ بها إلى الله، ويُبشَّر برضوان الله.\rوقال الحسن: هي ما بشَّر الله المؤمنين في كتابه من جنته وكريم ثوابه، كقوله: \" وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات \" (البقرة -25)، \" وبشر المؤمنين \" (الأحزاب -47)\" وأبشروا بالجنة \" (فصلت -30).\rوقيل: بشَّرهم في الدنيا بالكتاب والرسول أنهم أولياء الله، ويبشرهم في القبور وفي كتب أعمالهم بالجنة (4) .\r{ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ } لا تغيير لقوله، ولا خُلْفَ لوعده. { ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التعبير، باب المبشرات: 12 / 375، والمصنف في شرح السنة: 12 / 202.\r(2) شرح السنة للبغوي: 14 / 327.\r(3) أخرجه مسلم في البر والصلة، باب إذا أثني على الصالح فهي بشرى لا تضره، برقم (2642): 4 / 2034-2035، والمصنف في شرح السنة: 14 / 328.\r(4) ساق الإمام الطبري رحمه الله، الأقوال في تفسير \"البشرى\" التي بشَّر الله بها هؤلاء القوم، ثم قال: \"وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب، أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن لأوليائه المتقين، البشرى في الحياة الدنيا. ومن البشارة في الحياة الدنيا: الرؤيا الصالحة، يراها المسلم أو ترى له، ومنها بشرى الملائكة إياه، عند خروج نفسه، برحمة الله، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم...، ومنها بشرى الله إياه ما وعده في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من الثواب الجزيل... وكل هذه المعاني من بشرى الله إياه في الحياة الدنيا بشَّره بها، ولم يخصص الله من ذلك معنى دون معنى، فذلك مما عمَّهُ جل ثناؤه: أن لهم البشرى في الحياة الدنيا. وأما في الآخرة فالجنة\" انظر: تفسير الطبري: 15 / 140-141.","part":4,"page":141},{"id":1361,"text":"{ وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (65) أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ (66) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (67) قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (68) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (69) } .\r{ وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ } يعني: قول المشركين تَمَّ الكلام ها هنا ثم ابتدأ، فقال: { إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ } يعني الغلبة والقدرة لله { جَمِيعًا } هو ناصرك، وناصر دينك، والمنتقم منهم.\rقال سعيد بن المسيب: إن العزة لله جميعا يعني: أن الله يعز من يشاء، كما قال في آية أخرى: \" ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين \" (المنافقون -8)، وعزة الرسول والمؤمنين بالله فهي كلها لله.\r{ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } .\r{ أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ } هو استفهام معناه: وأي شيء يتّبع الذين يدعون من دون الله شركاء؟\rوقيل: وما يتبعون حقيقة، لأنهم يعبدونها على ظن أنهم شركاء فيشفعون لنا، وليس على ما يظنون. { إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ } يظنون أنها تُقَرِّبهم إلى الله تعالى، { وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ } يكذبون.\r{ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا } مضيئا يبصر فيه، كقولهم: ليل نائم وعيشة راضية. قال قطرب: تقول العرب: أظلم الليل وأضاء النهار وأبصر، أي: صار ذا ظلمة وضياء وبصر، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } سمعَ الاعتبار أنه مما لا يقدر عليه إلا عالم قادر.\r{ قَالُوا } يعني: المشركين، { اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا } وهو قولهم الملائكة بنات الله، { سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ } عن خلقه، { لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ } عبيدا وملكًا، { إِنْ عِنْدَكُمْ } ما عندكم، { مِنْ سُلْطَانٍ } حجة وبرهان، و\"من\" صلة.\r{ قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ } 171/أ لا ينجون، وقيل: لا يبقون في الدنيا ولكن:","part":4,"page":142},{"id":1362,"text":"{ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70) } .","part":4,"page":143},{"id":1363,"text":"{ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (71) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) } .\r{ مَتَاعٌ } قليل يتمتعون به وبلاغ ينتفعون به إلى انقضاء آجالهم: و\"متاع\" رفع بإضمار، أي: هو متاع، { فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ } .\rقوله تعالى: { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ } أي: اقرأ يا محمد على أهل مكة خبر نوح { إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ } وهم ولد قابيل، { يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ }عَظُم وثقل عليكم، { مَقَامِي } طول مكثي فيكم { وَتَذْكِيرِي } ووعظي إياكم { بِآيَاتِ اللَّهِ } بحججه وبيناته، فعزمتم على قتلي وطردي { فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ } أي: أحكموا أمركم واعْزِمُوا عليه، { وَشُرَكَاءَكُم } أي: وادعوا شركاءكم، أي: آلهتكم، فاستعينوا بها لتجتمع معكم.\rوقال الزجاج: معناه: فأجمعوا أمركم مع شركائكم، فلما ترك \"مع\" انتصب. وقرأ يعقوب: \"وشركاؤكم\" رفع، أي: فأجمعوا أمركم أنتم وشركاؤكم.\r{ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً } أي: خفيا مبهما، من قولهم: غَمَّ الهلال على الناس، أي: أشكل عليهم، { ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ } أي: أمضوا ما في أنفسكم وافرغوا منه، يقال: قضى فلان إذا مات ومضى وقضى دينه إذا فرغ منه.\rوقيل: معناه: توجَّهوا إليّ بالقتل والمكروه.\rوقيل فاقضوا ما أنتم قاضون، وهذا مثل قول السحرة لفرعون: \" فاقض ما أنت قاض \" (طه -72) ، أي: اعمل ما أنت عامل.\r{ وَلا تُنْظِرُونِ } ولا تؤخرون وهذا على طريق التعجيز، أخبر الله عن نوح أنه كان واثقا بنصر الله تعالى غير خائف من كيد قومه، علمًا منه بأنهم وآلهتهم ليس إليهم نفع ولا ضر إلا أن يشاء الله.\r{ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ } أعرضتم عن قولي وقبول نصحي، { فَمَا سَأَلْتُكُمْ } على تبليغ الرسالة والدعوة، { مِنْ أَجْرٍ } جُعْل وعِوَض، { إِنْ أَجْرِيَ } ما أجري وثوابي، { إِلا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ } أي: من المؤمنين. وقيل: من المستسلمين لأمر الله.","part":4,"page":143},{"id":1364,"text":"{ فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (74) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (75) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (76) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (78) } .\r{ فَكَذَّبُوهُ } يعني نوحا { فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ } أي: جعلنا الذين معه في الفلك سكان الأرض خلفاء عن الهالكين. { وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ } أي: آخر أمر الذين أنذرتهم الرسل فلم يؤمنوا.\r{ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلا } أي: من بعد نوح رسلا. { إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } بالدلالات الواضحات، { فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ } أي: بما كذب به قوم نوح من قبل، { كَذَلِكَ نَطْبَعُ } أي: نختم، { عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ } .\r{ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ } يعني: أشراف قومه، { بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ } .\r{ فَلَمَّا جَاءَهُمْ } يعني: جاء فرعون وقومه، { الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ } .\r{ قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا } تقدير الكلام: أتقولون للحقِّ لما جاءكم سحر أسحر هذا، فحذف السحر الأول اكتفاء بدلالة الكلام عليه. { وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ } .\r{ قَالُوا } يعني: فرعون وقومه لموسى، { أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا } لتصرفنا. وقال قتادة: لتلوينا، { عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ } الملك والسلطان، { فِي الأرْضِ } أرض مصر. وقرأ أبو بكر: \"ويكون\" بالياء، { وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ } بمصدقين.","part":4,"page":144},{"id":1365,"text":"{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ79 فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ80 فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (82) فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83) } .\r{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ }\r{ فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ } {فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ } قرأ أبو عمرو وأبو جعفر: \"آلسحر\" بالمدّ على الاستفهام، وقرأ الآخرون بلا مدٍّ ، يدل عليه قراءة ابن مسعود \"ما جئتم به سحر\" بغير الألف واللام. { إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ } .\r{ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ } بآياته، { وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ } .\r{ فَمَا آمَنَ لِمُوسَى } لم يصدِّق موسى مع ما آتاهم به من الآيات، { إِلا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ } اختلفوا في الهاء التي في \"قومه\"، قيل: هي راجعة إلى موسى، وأراد بهم مؤمني بني إسرائيل الذين كانوا بمصر وخرجوا معه. قال مجاهد: كانوا أولاد الذين أرسل إليهم موسى من بني إسرائيل، هلك الآباء وبقي الأبناء.\rوقال الآخرون: الهاء راجعة إلى فرعون. روى عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هم ناسٌ يسير من قوم فرعون آمنوا، منهم امرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون، وخازن فرعون، وامرأة خازنه، وماشطته، وعن ابن عباس رواية أخرى: أنهم كانوا سبعين ألف بيت من القبط من آل فرعون، وأمهاتهم من بني إسرائيل فجعل الرجل يتبع أمه وأخواله.\rوقيل: هم قوم نجوا من قتل فرعون، وذلك أن فرعون لما أمر بقتل أبناء بني إسرائيل كانت المرأة من بني إسرائيل إذا ولدت ابنا وهبته لقبطية خوفا من القتل، فنشؤوا عند القبط، وأسلموا في اليوم الذي غُلِبت السحرة.\rقال الفراء: سُمّوا ذرية؛ لأن آباءهم كانوا من القبط وأمهاتهم من بني إسرائيل، كما يُقال لأولاد أهل فارس الذين سقطوا إلى اليمن: الأبناء، لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم.","part":4,"page":145},{"id":1366,"text":"{ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ } قيل: أراد بفرعون آل فرعون، أي: على خوف من آل فرعون وملئهم، كما قال: \" واسئل القرية \" (يوسف -82) أي: أهل القرية. وقيل: إنما قال: \"وملئهم\" وفرعون واحد؛ لأن الملك إذا ذكر يفهم منه هو وأصحابه، كما يقال: قَدِمَ الخليفة يُرادُ هو ومن معه. وقيل: أراد ملأ الذرية، فإن ملأهم كانوا من قوم فرعون. { أَنْ يَفْتِنَهُمْ } أي: يصرفهم عن دينهم ولم يقل يفتنوهم لأنه أخبر عن فرعون وكان قومه على مثل ما كان عليه فرعون، { وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ } لمتكبر، { فِي الأرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ } المجاوزين الحدّ، لأنه كان عبدًا فادّعى الربوبية.\r{ وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (86) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87) } .\r{ وَقَالَ مُوسَى } لمؤمني قومه، { يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ } .\r{ فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا } اعتمدنا، ثم دعوا فقالوا، { رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } أي: لا تُظهرْهُمْ علينا ولا تُهلكنا بأيديهم، فيظنوا أنا لم نكن على الحق فيزدادوا طغيانًا. وقال مجاهد: لا تعذبنا بعذابٍ من عندك، فيقول قوم فرعون: لو كانوا على الحق لما عُذِّبوا ويظنوا أنهم خير منّا فيُفتتنوا.\r{ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ } .\rقوله تعالى: { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ } هارون، { أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا } يقال: تَبَوَّأ فلان لنفسه بيتا ومضجعا إذا اتخذه، وبوأته أنا إذا اتخذتُه له، { وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً } قال أكثر المفسرين: 171/ب كانت بنو إسرائيل لا يصلون إلا في كنائسهم وبِيَعِهم، وكانت ظاهرة، فلما أُرسل موسى أمر فرعون بتخريبها ومنعهم من الصلاة فأُمروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلوا فيها خوفًا من فرعون، هذا قول إبراهيم وعكرمة عن ابن عباس.\rوقال مجاهد: خاف موسى ومَنْ معه من فرعون أن يصلوا في الكنائس الجامعة، فأُمروا بأن يجعلوا في بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة، يصلون فيها سرًّا. معناه: واجعلوا بيوتكم إلى القبلة.\rوروى ابن جريج عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت الكعبة قِبْلَةَ موسى ومَنْ معه.\r{ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } يا محمد.","part":4,"page":146},{"id":1367,"text":"{ وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ (88) } .","part":4,"page":147},{"id":1368,"text":"{ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (89) } .\rقوله تعالى: { وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً } من متاع الدنيا، { وَأَمْوَالا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ } اختلفوا في هذه اللام، قيل: هي لام كي، معناه: آتيتهم كي تفتنهم فيضلوا ويضلوا، كقوله: \" لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه \" (الجن -16) .\rوقيل: هي لام العاقبة يعني: فيضلوا وتكون عاقبة أمرهم الضلال، كقوله: \" فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا \" (القصص -8) .\rقوله: { رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ } قال مجاهد: أهلِكْها، والطمس: المحق. وقال أكثر أهل التفسير: امسخها وغيِّرها عن هيئتها.\rوقال قتادة: صارت أموالهم وحروثُهم وزروعُهم وجواهرهم حجارةً.\rوقال محمد بن كعب: جعل سكَّرهم حجارة (1) ، وكان الرجل مع أهله في فراشه فصارَا حجرين، والمرأة قائمة تخبز فصارت حجرًا.\rقال ابن عباس رضي الله عنه: بلغنا أن الدراهم والدنانير صارت حجارة منقوشة كهيئتها صحاحًا وأنصافًا وأثلاثًا.\rودعا عمر بن عبد العزيز بخريطة فيها أشياء من بقايا آل فرعون فأخرج منها البيضة مشقوقة والجوزة مشقوقة وإنها لحجر.\rقال السدي: مسخ الله أموالهم حجارة، والنخيل والثمار والدقيق والأطعمة، فكانت إحدى الآيات التسع.\r{ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ } أي: أَقْسِهَا واطبعْ عليها حتى لا تلين ولا تنشرح للإيمان، { فَلا يُؤْمِنُوا } قيل: هو نصب بجواب الدعاء بالفاء. وقيل: هو عطف على قوله \"ليضلوا\" أي: ليضلوا فلا يؤمنوا. وقال الفراء: هو دعاء محله جزم، فكأنه قال: اللهم فلا يؤمنوا، { حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ } وهو الغرق. قال السدي: معناه أمِتْهُم على الكفر.\r{ قَال } \" الله تعالى لموسى وهارون، { قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا } إنما نسب إليهما والدعاء كان من موسى لأنه رُوي أن موسى كان يدعو وهارون يؤمِّن، والتأمين دعاء. وفي بعض القصص: كان بين دعاء\r__________\r(1) انظر: الطبري: 15 / 179-182، الدر المنثور: 4 / 384.","part":4,"page":147},{"id":1369,"text":"موسى وإجابته أربعون سنة (1) . { فَاسْتَقِيمَا } على الرسالة والدعوة، وامضيا لأمري إلى أن يأتيهم العذاب { وَلا تَتَّبِعَانِّ } نهي بالنون الثقيلة، ومحله جزم، يقال في الواحد: لا تتبعنَّ بفتح النون؛ لالتقاء الساكنين، وبكسر النون في التثنية لهذه العلة. وقرأ ابن عامر بتخفيف النون لأن نون التأكيد تثقَّل وتخفف، { سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ } يعني: ولا تسلكا طريق الذين يجهلون حقيقة وَعْدي، فإن وعدي لا خُلْف فيه، ووعيدي نازل بفرعون وقومه.\r{ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) } .\r{ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ } عبرنا بهم { فَأَتْبَعَهُم } لحقهم وأدركهم، { فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ } يقال: \"أتبعه وتَبِعه\" إذا أدركه ولحقه، و\"اتّبعه\" بالتشديد إذا سار خلفه واقتدى به. وقيل: هما واحد. { بَغْيًا وَعَدْوًا } أي: ظلما واعتداء. وقيل: بغيا في القول وعدوا في الفعل. وكان البحر قد انفلق لموسى وقومه، فلما وصل فرعون بجنوده إلى البحر هابوا دخوله فتقدمهم جبريل على فرس وَدِيْقٍ (2) وخاض البحر، فاقتحمت الخيول خلفه، فلما دخل آخرهم وهمَّ أولهم أن يخرج انطبق عليهم الماء. وقوله تعالى: { حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ } أي: غمره الماء وقرب هلاكه، { قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ } قرأ حمزة والكسائي \"إنه\" بكسر الألف أي: آمنت وقلت إنه. وقرأ الآخرون \"أنه\" بالفتح على وقوع آمنت عليها { لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ } فدسَّ جبريل عليه السلام في فيه من حمأة البحر.\rوقال: { آلآن وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ } وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"لما أغرق الله فرعون قال: آمنت أنه لا إله إلا الذين آمنت به بنو إسرائيل، فقال جبريل عليه السلام: يا محمد فلو رأيتني وأنا آخذ من حال (3) البحر فأدسه في فِيْهِ مخافةَ أن تدركه (4) الرحمة\" (5) . فلما أخبر موسى قومه بهلاك فرعون وقومه قالت بنو إسرائيل ما مات فرعون فأمر الله البحر\r__________\r(1) انظر: الطبري: 15 / 187.\r(2) يقال: أتان وفرس ودوق ووديق، وودقت وداقا: أرادت الفحل.\r(3) في \"ب\" (حمأ).\r(4) في \"أ\": (يدركه جانب الرحمة).\r(5) أخرجه الترمذي في تفسير سورة يونس: 8 / 225، وقال: هذا حديث حسن، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي: 1 / 57، 4 / 249، وابن حبان ص (432)، والطبري: 14 / 190-192، والطيالسي ص (341) والإمام أحمد في المسند: 1 / 340. وانظر: الكافي الشاف ص (85). وقد زعم الزمخشري في \"الكشاف\" أن ما جاء في الحديث من قول جبريل عليه السلام: \"خشية أن تدركه الرحمة\" \"من زيادات الباهتين لله وملائكته. وفيه جهالتان: إحداهما أن الإيمان بالقلب، كإيمان الأخرس، فحال البحر لا يمنعه. والأخرى: أن من كره إيمان الكافر وأحب بقاءه على الكفر فهو كافر، لأن الرضا بالكفر كفر\". الكشاف: 2 / 202. وردَّ عليه الحافظ ابن حجر فقال: \"وهذا إفراط منه في الجهل بالمنقول والغضّ من أهله، فإن الحديث صحيح الزيادات، وقد أخرجه الترمذي وصححه، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، وإسحاق، والبزار، وأبو داود الطيالسي كلهم من رواية شعبة... ثم ساق الروايات بأسانيدها - ثم قال: وأما الوجهان اللذان ذكرهما الزمخشري، فللحديث توجيه وجيه، لا يلزم منه ما ذكره الزمخشري، وذلك أن فرعون كان كافرا كفر عناد.. ألا ترى إلى قصته حيث توقف النيل، وكيف توجه منفردا وأظهر أنه مخلص، فأجرى له النيل، ثم تمادى على طغيانه وكفره، فخشي جبريل أن يعاود تلك العادة فيظهر الإخلاص بلسانه فتدركه رحمة الله فيؤخره في الدنيا، فيستمر في غيه وطغيانه فدسَّ في فمه الطين، ليمنعه التكلم بما يقتضي ذلك. هذا وجه الحديث، ولا يلزم منه جهل ولا رضا بكفر. بل الجهل كل الجهل ممن اعترض على المنقول الصحيح برأيه الفاسد. وأيضا: فإن إيمانه في تلك الحالة -على تقدير أنه كان صادقا- بقلبه لا يقبل، لأنه وقع في حال الاضطرار، ولذلك عقب في الآية بقوله: \"الآن وقد عصيت قبل\" وفيه إشارة في قوله تعالى: \"فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا\". انظر: الكافي الشاف ص (85-86).","part":4,"page":148},{"id":1370,"text":"فألقى فرعون على الساحل أحمر قصيرًا كأنه ثور فرآه بنو إسرائيل فمن ذلك الوقت لا يقبل الماءُ مَيْتًا فذلك قوله: { فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ } .\r{ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92) وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93) } .\r{ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ } أي نلقيك على نجوة من الأرض، وهي: المكان المرتفع. وقرأ يعقوب \"نُنْجِيك\" بالتخفيف، { بِبَدَنِك } بجسدك لا روح فيه. وقيل: ببدنك: بدرعك، وكان له درع مشهور مرصّع بالجواهر، فرأوه في درعه فصدّقُوا. { لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً } عبرةً وعظةً، { وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ } .\r{ وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ } [أنزلنا بني إسرائيل] (1) بعد هلاك فرعون، { مُبَوَّأَ صِدْقٍ } منزل صدق، يعني: مصر. وقيل الأردن وفلسطين، وهي الأرض المقدسة التي كتب الله [ميراثًا] (2) لإبراهيم وذريته. قال الضحاك: هي مصر والشام، { وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ } الحلالات، { فَمَا اخْتَلَفُوا } يعني\r__________\r(1) ساقط من: \"أ\".\r(2) زيادة من \"ب\".","part":4,"page":149},{"id":1371,"text":"اليهود الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في تصديقه وأنه نبي، { حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ } يعني: القرآن والبيان بأنه رسول [الله] (1) صدق، ودينه حق.\rوقيل: حتى جاءهم معلومهم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، لأنهم كانوا يعلمونه قبل خروجه، فالعلم بمعنى المعلوم كما يقال للمخلوق: خَلْقٌ، قال الله تعالى: \" هذا خلق الله \" (لقمان -11)، ويقال: هذا الدرهم ضَرْبُ الأمير، أي: مضروبه.\r{ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } من الدين.\r{ فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (95) } .\rقوله تعالى: { فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ } يعني: القرآن { فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ } فيخبرونك أنه مكتوب عندهم في التوراة.\rقيل: هذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره على عادة العرب، فإنهم يخاطبون الرجل ويريدون به غيره، كقوله تعالى: \" يا أيها النبي اتق الله \" 172/أ (الأحزاب -1) ، خاطب النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به المؤمنون، بدليل أنه قال: \" إن الله كان بما تعملون خبيرا \" ولم يقل: \"بما تعمل\" وقال: \" يا أيها النبي إذا طلقتم النساء \" (الطلاق -1) .\rوقيل: كان الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بين مصدق ومكذّب وشاك، فهذا الخطاب مع أهل الشك، معناه: إن كنت أيها الإنسان في شك مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان رسولنا محمد، فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك.\rقال ابن عباس ومجاهد والضحاك: يعني مَنْ آمن مِنْ أهل الكتاب؛ كعبد الله بن سلام وأصحابه، فيشهدون على صدق محمد صلى الله عليه وسلم ويخبرونك بنبوته.\rقال الفراء: عَلِمَ الله سبحانه وتعالى أن رسوله غيرُ شاكٍّ، لكنه ذكره على عادة العرب، يقول الواحد منهم لعبده: إنْ كنتَ عبدي فأطعني، ويقول لولده: افعل كذا وكذا إن كنت ابني، ولا يكون بذلك على وجه الشك.\r{ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ } من الشاكين.\r{ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ } وهذا كله خطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد منه غيره.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\" .","part":4,"page":150},{"id":1372,"text":"{ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ (97) } .","part":4,"page":151},{"id":1373,"text":"{ فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (98) } .\rقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ } وجبت عليهم، { كَلِمَةُ رَبِّكَ } قيل: لعنته. وقال قتادة: سخط الله. وقيل: \"الكلمة\" هي قوله: هؤلاء في النار ولا أبالي. { لا يُؤْمِنُونَ } .\r{ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ } دلالة، { حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ } قال الأخفش: أنَّث فعل \"كل\" لأنه مضاف إلى المؤنث وهي قوله: \"آية\" ولفظ \"كل\" للمذكر والمؤنت سواء.\rقوله تعالى: { فَلَوْلا كَانَتْ } أي: فهلا كانت، { قَرْيَة } ومعناه: فلم تكن قرية لأن في الاستفهام ضربا من الجحد، أي: أهل قرية، { آمَنَت } عند معاينة العذاب، { فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا } في [حالة البأس] (1) { إِلا قَوْمَ يُونُسَ } فإنه نفعهم إيمانهم في ذلك الوقت. و\"قوم\" نصب على الاستثناء المنقطع، تقديره: ولكن قوم يونس، { لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ } وهو وقت انقضاء آجالهم.\rواختلفوا في أنهم هل رأوا العذاب عيانا أم لا؟ فقال بعضهم: رأوا دليل العذاب؟ والأكثرون على أنهم رأوا العذاب عيانا بدليل قوله: \" كشفنا عنهم عذاب الخزي \" والكشف يكون بعد الوقوع أو إذا قرب.\rوقصة الآية -على ما ذكره عبد الله بن مسعود، وسعيد بن جبير، ووهب وغيرهم (2) -أن قوم يونس كانوا بنينوى، من أرض الموصل، فأرسل الله إليهم يونس يدعوهم إلى الإيمان فدعاهم فأبوا، فقيل له: أخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث، فأخبرهم بذلك، فقالوا: إنا لم نجرب عليه كذبا فانظروا فإن بات فيكم تلك الليلة فليس بشيء، وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصبحكم، فلما كان في جوف تلك الليلة خرج يونس من بين أظهرهم، فلما أصبحوا تغشاهم العذاب فكان فوق رؤوسهم قدر ميل.\rوقال وهب: غامت السماء غيما أسود هائلا يدخن دخانا شديدا، فهبط حتى [تغشاهم في\r__________\r(1) في \"ب\": (في حال اليأس).\r(2) انظر: تفسير الطبري: 15 / 207-210، الدر المنثور: 4 / 392-393، البداية والنهاية لابن كثير: 1 / 231 وما بعدها، تفسير ابن كثير: 2 / 434.","part":4,"page":151},{"id":1374,"text":"مدينتهم] (1) واسودت سطوحهم، فلما رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك، فطلبوا يونس نبيهم فلم يجدوه، وقذف الله في قلوبهم التوبة، فخرجوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم [وصبيانهم] (2) ودوابهم، ولبسوا المسوح وأظهروا الإيمان والتوبة، وأخلصوا النية وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس والأنعام فحنَّ بعضها إلى بعض، وعلت أصواتها، واختلطت أصواتها بأصواتهم، وعجُّوا وتضرعوا إلى الله عز وجل، وقالوا آمنا بما جاء به يونس، فرحمهم ربهم فاستجاب دعاءهم وكشف عنهم العذاب بعد ما أضلهم، وذلك يوم عاشوراء، وكان يونس قد خرج فأقام ينتظر العذاب وهلاك قومه فلم يرَ شيئا، وكان مَنْ كذب ولم تكن له بينة قتل، فقال يونس: كيف أرجع إلى قومي وقد كذبتهم؟ فانطلق عاتبا على ربه مغاضبا لقومه، فأتى البحر فإذا قوم يركبون سفينة، فعرفوه فحملوه بغير أجر، فلما دخلها وتوسطت بهم ولججت، ووقفت السفينة لا ترجع ولا تتقدم، قال أهل السفينة: إن لسفينتنا لشأنا، قال يونس: قد عرفت شأنها ركبها رجل ذو خطيئة عظيمة، قالوا ومن هو؟ قال: أنا، اقذفوني في البحر، قالوا: ما كنا لنطرحك من بيننا حتى نعذر في شأنك، واستهموا فاقترعوا ثلاث مرات فأدحض سهمه، والحوت عند رِجْل السفينة فاغرًا فاه ينتظر أمر ربه فيه، فقال يونس: إنكم والله لتهلكن جميعا أو لَتَطْرَحُنَّنِي فيها، فقذفوه فيه وانطلقوا وأخذه الحوت.\rوروي: أن الله تعالى أوحى إلى حوت عظيم حتى قصد السفينة، فلما رآه أهل السفينة مثل الجبل العظيم وقد فغر فاه ينظر إلى مَنْ في السفينة كأنه يطلب شيئا خافوا منه، ولما رآه يونس زجَّ نفسه في الماء.\rوعن ابن عباس: أنه خرج مغاضبا لقومه فأتى بحر الروم فإذا سفينة مشحونة، فركبها فلما لججت السفينة، تكفَّأت حتى كادوا أن يغرقوا، فقال الملاحون: ها هنا رجل عاص أو عبد آبق، وهذا رسم السفينة إذا كان فيها آبق لا تجري، ومن رسمنا أن نقترع في مثل هذا فمن وقعت عليه القرعة ألقيناه في البحر، ولأن يغرق واحد خير من أن تغرق السفينة بما فيها، فاقترعوا ثلاث مرات، فوقعت القرعة في كلها على يونس، فقال يونس: أنا الرجل العاصي والعبد الآبق، فألقى نفسه في الماء فابتلعه حوت، ثم جاء حوت آخر أكبر منه وابتلع هذا الحوت، وأوحى الله إلى الحوت لا تؤذي منه شعرة، فإني جعلت بطنك سجنه ولم أجعله طعاما لك.\rوروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نُودي الحوت: إنا لم نجعل يونس لك قوتا، إنما جعلنا بطنك له حرزا ومسجدا.\rوروي: أنه قام قبل القرعة فقال: أنا العبد العاصي والآبق، قالوا: من أنت؟ قال: أنا يونس بن متى، فعرفوه فقالوا: لا نلقيك يا رسول الله، ولكن نُساهم فخرجت القرعة عليه، فألقى نفسه في الماء.\r__________\r(1) في\"ب\": (غشي مدينتهم).\r(2) ليست في \"أ\".","part":4,"page":152},{"id":1375,"text":"قال ابن مسعود رضي الله عنه: ابتلعه الحوت فأهوى به إلى قرار الأرض السابعة، وكان في بطنه أربعين ليلة فسمع تسبيح الحصى، فنادى في الظلمات: أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فأجاب الله له فأمر الحوت، فنبذه على ساحل البحر، وهو كالفرخ الممعط، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين، وهو الدباء، فجعل يستظل تحتها ووكل به وعلة يشرب من 172/ب لبنها، فيبست الشجرة، فبكى عليها فأوحى الله إليه: تبكي على شجرة يبست، ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون وأردت أن أهلكهم، فخرج يونس فإذا هو بغلام يرعى، فقال: من أنت يا غلام؟ قال: من قوم يونس، قال: إذا رجعت إليهم فأخبرهم أني لقيت يونس، فقال الغلام: قد تعلم أنه إن لم تكن لي بينة قُتِلتُ، قال يونس عليه السلام: تشهد لك هذه البقعة وهذه الشجرة، فقال له الغلام: فمُرْها، فقال يونس: إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له، قالتا: نعم، فرجع الغلام، فقال للملك: إني لقيت يونس فأمر الملك بقتله، فقال: إنّ لي بينة، فأرسلوا معي، فأتى البقعة والشجرة، فقال: أنشدكما بالله هل أشهدكما يونس؟ قالتا: نعم، فرجع القوم مذعورين، وقالوا للملك: شهد له الشجرة والأرض، فأخذ الملك بيد الغلام وأجلسه في مجلسه، وقال: أنت أحق بهذا المكان مني، فأقام لهم أمرهم ذلك الغلام أربعين سنة.\r{ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (100) قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (101) } .\rقوله تعالى: { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ } يا محمد، { لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وذلك أنه كان حريصا على أن يؤمن جميع الناس، فأخبره الله جل ذكره: أنه لا يؤمن إلا من قد سبق له من الله السعادة، ولا يضل إلا من سبق له الشقاوة.\r{ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ } وما ينبغي لنفس. وقيل: ما كانت نفس، { أَنْ تُؤْمِنَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ } قال ابن عباس: بأمر الله. وقال عطاء: بمشيئة الله. وقيل: بعلم الله. { وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ } قرأ أبو بكر: \"ونجعل\" بالنون، والباقون بالياء، أي: ويجعل الله الرجس أي: العذاب وهو الرجز، { عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ } عن الله أمره ونهيه.\r{ قُلِ انْظُرُوا } أي: قل للمشركين الذين يسألونك الآيات انظروا، { مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ } من الآيات والدلائل والعبر، ففي السموات الشمس والقمر والنجوم وغيرها، وفي الأرض","part":4,"page":153},{"id":1376,"text":"الجبال والبحار والأنهار والأشجار وغيرها، { وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ } الرسل، { عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ } وهذا في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون.\r{ فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (102) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (104) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (105) } .\r{ فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ } يعني: مشركي مكة، { إِلا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا } مضوا، { مِنْ قَبْلِهِمْ } من مكذبي الأمم، قال قتادة: يعني وقائع الله في قوم نوح وعاد وثمود. والعرب تسمى العذاب أياما، والنعيم أياما، كقوله: \" وذكِّرهم بأيام الله \" (إبراهيم -5)، وكل ما مضى عليك من خير وشر فهو أيام، { قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ } .\r{ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا } قرأ يعقوب \"نُنجي\" خفيف مختلف عنه، { وَالَّذِينَ آمَنُوا } معهم عند نزول العذاب معناه: نجينا، مستقبل بمعنى الماضي، { كَذَلِك } كما نجيناهم، { حَقًّا } واجبا، { عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ } قرأ الكسائي وحفص ويعقوب \"ننجي\" بالتخفيف والآخرون بالتشديد، ونجَّى وأنجى بمعنى واحد.\rقوله تعالى: { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي } الذي أدعوكم إليه.\rفإن قيل: كيف قال: إن كنتم في شك، وهم كانوا يعتقدون بطلان ما جاء به؟.\rقيل: كان فيهم شاكّون، فهم المراد بالآية، أو أنهم لما رأوا الآيات اضطربوا وشكُّوا في أمرهم وأمر النبي صلى الله عليه وسلم.\rقوله عز وجل: { فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } من الأوثان، { وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ } يميتكم ويقبض أرواحكم، { وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } .\rقوله: { وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا } قال ابن عباس: عملك. وقيل: استقم على الدين حنيفا. { وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }","part":4,"page":154},{"id":1377,"text":"{ وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (106) } .","part":4,"page":155},{"id":1378,"text":"{ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (109) } .\r{ وَلا تَدْعُ } ولا تعبد، { مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ } إن أطعته، { وَلا يَضُرُّكَ } إن عصيته، { فَإِنْ فَعَلْتَ } فعبدت غير الله، { فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ } الضارِّين لأنفسهم الواضعين للعبادة في غير موضعها.\r{ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ } أي: يصبك بشدة وبلاء، { فلا كَاشِفَ لَهُ } فلا دافع له، { إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْر } رخاء ونعمة وسعة، { فلا رَادَّ لِفَضْلِهِ } فلا مانع لرزقه، { يُصِيبُ بِهِ } بكل واحد من الضر والخير، { مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } .\r{ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ } يعني: القرآن والإسلام، { فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } أي: على نفسه، ووباله عليه، { وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } بكفيل، أحفظ أعمالكم. قال ابن عباس: نسختها آية القتال (1) .\r{ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ } بنصرك وقهر عدوك وإظهار دينه، { وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ } فحكم بقتال المشركين وبالجزية على أهل الكتاب يعطونها عن يد وهم صاغرون.\r__________\r(1) انظر فيما سبق: 3 / 32 تعليق (1)، الفوز الكبير للدهلوي ص (53، 60).","part":4,"page":155},{"id":1379,"text":"سورة هود\rمكية إلا قوله: { وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ } وهي مائة وثلاث وعشرون آية. بسم الله الرحمن الرحيم\r{ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) } .\r{ الر كِتَابٌ } أي: هذا كتاب، { أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ } قال ابن عباس: لم ينسخ بكتاب كما نسخت الكتب والشرائع به، { ثُمَّ فُصِّلَتْ } بُيِّنَتْ بالأحكام والحلال والحرام. وقال الحسن: أحكمت بالأمر والنهي، ثم فُصِّلَتْ بالوعد والوعيد. قال قتادة: أحكمت أحكمها الله فليس فيها اختلاف ولا تناقض وقال مجاهد: فُصِّلت أي: فُسِّرت. وقيل: فصلت أي: أنزلت شيئا فشيئًا، { مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } .\r{ أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ } أي: وفي ذلك الكتاب: أن لا تعبدوا إلا الله، ويكون محل \"أن\" رفعًا. وقيل: محله خَفْض، تقديره: بأن لا تعبدوا إلا الله، { إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ } أي: من الله { نَذِيرٌ } للعاصين، { وَبَشِيرٌ } للمطيعين.\r{ وَأَن } عطف على الأول، { اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ } أي: ارجعوا إليه بالطاعة. قال الفراء: \"ثم\" هنا بمعنى الواو، أي: وتوبوا إليه، لأن الاستغفار هو التوبة، والتوبة هي الاستغفار.","part":4,"page":156},{"id":1380,"text":"وقيل: أن استغفروا [ربكم من المعاصي ثم توبوا] (1) إليه في المستأنف (2) .\r{ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا } يعيشكم عيشًا [حسنا في خفض ودعة وأمن وسعة] (3) . قال بعضهم: العيش الحسن هو الرضا بالميسور والصبر على المقدور.\r{ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } إلى حين الموت، { وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَه } أي: ويؤت كل ذي عمل صالح في الدنيا أجره وثوابه في الآخرة. وقال أبو العالية: مَنْ كثرت طاعته في الدنيا زادت درجاته في الآخرة [في الجنة] (4) ، لأن الدرجات تكون بالأعمال.\rوقال ابن عباس: مَنْ زادت حسناته على سيئاته دخل الجنة، ومَنْ زادت سيئاته على حسناته دخل النار، ومَنْ استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب (5) الأعراف، ثم يدخل الجنة بعد.\rوقيل: يؤت كل ذي فضل فضله 173/أ يعني: مَنْ عمل لله عز وجل وفَّقه الله فيما يستقبل على طاعته.\r{ وَإِنْ تَوَلَّوْا } أعرضوا، { فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ } وهو يوم القيامة.\r{ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4) أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5) } .\rقوله تعالى: { أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ } قال ابن عباس: (6) نزلت في الأخنس بن شريق وكان رجلا حلو الكلام حلو المنظر، يَلْقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يحب، وينطوي بقلبه على ما يكره.\rقوله: \" يثنون صدورهم \" أي: يُخفون (7) ما في صدورهم من الشحناء والعداوة.\rقال عبد الله بن شداد: نزلت في بعض المنافقين كان إذا مرَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم ثنى صدره وظهره، وطأطأ رأسه، وغطّى وجهه كي لا يراه النبي صلى الله عليه وسلم (8) .\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) في \"ب\": (المستقبل).\r(3) في \"ب\" (في سعة ودعة وأمن).\r(4) ساقط من \"ب\".\r(5) زيادة من \"ب\".\r(6) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (306)، القرطبي: 9 / 5.\r(7) في \"ب\": (يجمعون).\r(8) انظر: تفسير الطبري: 15 / 233-234.","part":4,"page":160},{"id":1381,"text":"وقال قتادة:كانوا يَحْنُون صدورهم كي لا يسمعوا كتاب (1) الله تعالى ولا ذكره (2) .\rوقيل: كان الرجل من الكفار يدخل بيته ويرخي ستره ويحني ظهره ويتغشى بثوبه. ويقول: هل يعلم الله ما في قلبي.\rوقال السدي: يثنون أي: يعرضون بقلوبهم، من قولهم: ثنيت عناني. وقيل: يعطفون، ومنه: ثني الثوب.\rوقرأ ابن عباس: \"يَثْنَوْنِي\" (3) على وزن \"يَحْلَوْلي\" جعل الفعل للمصدر، ومعناه المبالغة في الثني.\r{ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ } أي: من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال مجاهد: ليستخفوا من الله إن استطاعوا، { أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ } يغطون رؤوسهم بثيابهم، { يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } قال الأزهري: معنى الآية من أولها إلى آخرها: إن الذين أضمروا عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخفى علينا حالهم.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحسن (4) بن محمد بن صَبَّاح، حدثنا حجاج قال: قال ابن جريج أخبرني محمد بن عباد بن جعفر أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يقرأ: { أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ } فقال: سألته عنها قال: كان أناس يستحيون أن يتخلَّوا فيفضوا إلى السماء، وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم (5) .\r__________\r(1) في \"ب\": (كلام).\r(2) انظر: الطبري: 15 / 235.\r(3) في الطبري: (تثنوني) بالتاء الفوقية، على مثال: \"تحلولي الثمرة\"، \"تفعوعل\".\r(4) في \"ب\": (الحسين)، وكذلك في الطبري: والمثبت من \"أ\" وهو كذلك في البخاري.\r(5) أخرجه البخاري في التفسير، باب: \"ألا إنهم يثنون صدورهم...\" 8 / 349. وانظر الطبري: 15 / 236-237.","part":4,"page":161},{"id":1382,"text":"{ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6) } .\rقوله تعالى: { وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ } أي: ليس دابة، \"من\" صلة. والدابة: كل حيوان يدب على وجه الأرض.\rوقوله { إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا } أي: هو المتكفل بذلك فضلا وهو إلى مشيئته إن شاء رزق وإن شاء لم يرزق.\rوقيل: \"على\" بمعنى: \"من\" أي: من الله رزقها.","part":4,"page":161},{"id":1383,"text":"وقال مجاهد (1) : ما جاءها من رزق فمن الله عز وجل، وربما لم يرزقها حتى تموت جوعا.\r{ وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا } قال ابن مقسم (2) : ويُروَى ذلك عن ابن عباس، مستقرها: المكان الذي تأوي إليه، وتستقر فيه ليلا ونهارا، ومستودعها: الموضع الذي تدفن فيه إذا ماتت.\rوقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (3) : المستقر أرحام الأمهات، والمستودع [المكان الذي تموت فيه] (4) [وقال عطاء: المستقر: أرحام الأمهات والمستودع: أصلاب الآباء] (5) .\rورواه سعيد بن جبير، وعلي بن أبي طلحة، وعكرمة عن ابن عباس (6) .\rوقيل المستقر: الجنة أو النار، والمستودع القبر، لقوله تعالى في صفة الجنة والنار: \"حسنت مستقرا ومقاما\" (الفرقان -76).\r{ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } أي: كلٌّ مثبت في اللوح المحفوظ قبل أن خلقها.\r{ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) } .\rقوله تعالى: { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء } قبل أن خلق [السماء والأرض] (7) وكان ذلك الماء على متن الريح (8) .\rقال كعب: (9) خلق الله عز وجل ياقوتة خضراء، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد، ثم خلق الريح، فجعل الماء على متنها، ثم وضع العرش على الماء.\r__________\r(1) الطبري: 15 / 240.\r(2) الطبري: 15 / 241-242.\r(3) المرجع السابق.\r(4) في \"ب\": (أصلاب الآباء).\r(5) ساقط من \"ب\".\r(6) الطبري: 15 / 242. والذي رجحه أن قوله تعالى: \"ويعلم مستقرها\" حيث تستقر فيه، وذلك مأواها الذي تأوي إليه ليلا أو نهارا \"ومستودعها\" الموضع الذي يودعها، إما بموتها فيه أو دفنها... لأن الله جل ثناؤه أخبر أن ما رزقت الدواب من رزق فمنه، فأولى أن يتبع ذلك أنه يعلم مثواها ومستقرها، دون الخبر عن علمه بما تتضمنه الأصلاب والأرحام. انظر: الطبري 15 / 241 و243.\r(7) في \"ب\": (السماء).\r(8) أخرج ذلك عن ابن عباس: الطبري: 15 / 349 وفي التاريخ كذلك: 1 / 21، وصححه الحاكم في المستدرك: 2 / 341 ووافقه الذهبي.\r(9) كعب الأحبار من رواة الإسرائيليات ولم نجد من ذكر هذا غيره.","part":4,"page":162},{"id":1384,"text":"قال ضمرة: إن الله تعالى كان عرشه على الماء ثم خلق السموات والأرض، وخلق القلم فكتب به ما هو خالق وما هو كائن من خلقه، ثم إن ذلك الكتاب سبَّح الله ومجَّده ألف عام قبل أن يخلق شيئا من خلقه (1)\r{ لِيَبْلُوَكُمْ } ليختبركم، وهو أعلم، { أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا } أَعْمَلُ بطاعة الله، وأَوْرَعُ عن محارم الله تعالى. { وَلَئِنْ قُلْتَ } يا محمد، { إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ } أي: { مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ } يعنون القرآن.\rوقرأ حمزة والكسائي: \"ساحر\" يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم.\r{ وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (8) وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) } .\r{ وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ } إلى أجل محدود، وأصل الأمة: الجماعة، فكأنه قال: إلى انقراض أمة ومجيء أمة أخرى { لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ } أيُّ شيء يحبسه؟ يقولونه استعجالا للعذاب واستهزاء، يعنون: أنه ليس بشيء.\rقال الله تعالى: { أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ } يعني: العذاب، { لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ } لا يكون مصروفا عنهم، { وَحَاقَ بِهِمْ } نزل بهم، { مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون } أي: وبال استهزائهم.\rقوله تعالى: { وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً } نعمة وسعة، { ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ } أي: سلبناها منه، { إِنَّهُ لَيَئُوس } قنوط في الشدة، { كَفُورٌ } في النعمة.\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 15 / 249. وقد ساق الحافظ ابن كثير رحمه الله بعض الأحاديث في تفسير الآية منها حديث الإمام أحمد والشيخين عن عمران بن حصين.. وفيه \"كان الله ولم يكن شيء قبله - وفي رواية: غيره ، وفي رواية: معه - وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض\". وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض، بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء\". وأخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن لقيط بن عامر قال: قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: \"كان في عماء ما تحته هواء، وما فوقه هواء، ثم خلق العرش بعد ذلك\". انظر: تفسير ابن كثير: 2 / 438.","part":4,"page":163},{"id":1385,"text":"{ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11) فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12) } .\r{ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ } بعد بلاء أصابه، { لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي } زالت الشدائد عني، { إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ } أشِرٌ بَطِرٌ، والفرح: لذة في القلب بنيل المشتهى، والفخر: هو التطاول على الناس بتعديد المناقب، وذلك منهيٌّ عنه.\r{ إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا } قال الفراء: هذا استثناء منقطع، معناه: لكن الذين صبروا { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } فإنهم إن نالتهم شدة صبروا، وإن نالوا نعمة شكروا، { أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ } لذنوبهم، { وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } وهو الجنة.\r{ فَلَعَلَّك } يا محمد، { تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ } فلا تبلِّغه إياهم. وذلك أن كفار مكة لما قالوا: \" ائت بقرآن غير هذا \" (يونس -15) ليس فيه سب آلهتنا ، همَّ النبي صلى الله عليه وسلم أن يَدَعَ آلهتهم ظاهرا، فأنزل الله تعالى:\r{ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ } (1) يعني: سب الآلهة، { وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ } أي: فلعلك يضيق صدرك { أَنْ يَقُولُوا } أي: لأن يقولوا، { لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ } ينفقه { أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ } يصدقه، قاله عبد الله بن أمية المخزومي.\rقال الله تعالى: { إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ } ليس عليك إلا البلاغ، { وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } حافظ.\r__________\r(1) انظر: المحرر الوجيز لابن عطية: 7 / 249 - وقال بعد أن ذكر سبب النزول: \"فخاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على هذه الصورة من المخاطبة، ووقفه بها توقيفا رادا على أقوالهم ومبطلا لها، وليس المعنى أنه صلى الله عليه وسلم هم بشيء من هذا فزجر عنه. فإنه لم يرد قط ترك شيء مما أوحي إليه، ولا ضاق صدره، وإنما كان يضيق صدره بأقوالهم وأفعالهم وبعدهم عن الإيمان\". ثم قال بعد ذلك \"...ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد عظم عليه ما يلقى من الشدة فمال إلى أن يكون من الله تعالى إذن في مساهلة الكفار بعض المساهلة، ونحو ذلك من الاعتقادات التي تليق به صلى الله عليه وسلم كما جاءت بذلك آيات الموادعة\".","part":4,"page":164},{"id":1386,"text":"{ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ (15) } .\r{ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ } بل يقولون اختلقه، {قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ } .\rفإن قيل: قد قال في سورة يونس: \" فأتوا بسورة مثله \" ، وقد عجزوا عنه فكيف قال: { فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ } فهو كرجل يقول لآخر: أعطني درهما فيعجز، فيقول: أعطني عشرة؟.\rالجواب: قد قيل سورة 172/ب هود نزلت أولا.\rوأنكر المبرد هذا، وقال: بل نزلت سورة يونس أولا وقال: معنى قوله في سورة يونس: \"فأتوا بسورة مثله\"، أي: مثله في الخبر عن الغيب والأحكام والوعد والوعيد، [فعجزوا فقال لهم في سورة هود: إن عجزتم عن الإتيان بسورة مثله في الأخبار والأحكام والوعد والوعيد] (1) فأتوا بعشر سور مثله من غير خبر ولا وعد ولا وعيد، وإنما هي مجرد البلاغة (2) ، { وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ } واستعينوا بمن استطعتم، { مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } .\r{ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ } يا أصحاب محمد. وقيل: لفظه جمع والمراد به الرسول صلى الله عليه وسلم وحده. { فَاعْلَمُوا } قيل: هذا خطاب مع المؤمنين. وقيل: مع المشركين، { أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ } يعني: القرآن. وقيل: أنزله وفيه علمه، { وَأَنْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ } أي: فاعلموا أن لا إله إلا هو، { فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } لفظه استفهام ومعناه أمر، أي: أسلموا.\rقوله تعالى: { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } أي: من كان يريد بعمله الحياة الدنيا، { وَزِينَتَهَا } نزلت في كل من عمل عملا يريد به غير الله عز وجل (3) { نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا } أي: نوف لهم\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) وقال ابن الزبير الغرناطي في ملاك التأويل: 1 / 39 \"...لما قيل هنا: مفتريات، فوسع عليهم، ناسبه التوسعة في العدد المطلوب؛ لأن الكلام المفترى أسهل فناسبته التوسعة. أما الوارد في السورتين قبلُ -سورة البقرة الآية 23، وسورة يونس الآية 38- فلم يذكر لهم فيهما أن يكون مفترى عليه، بل السابق من الآيتين: المماثلة مطلقا، وذلك أصعب وأشق عليهم مع عجزهم في كل حال، فوقع الطلب حيث التضييق بسورة واحدة، وحيث التوسعة بعشر سور مناسبة جليلة واضحة وقد جاوب بما هذا معناه وبعضُ المفسرين\". وانظر: الكشاف: 1 / 48-50.\r(3) وهذا مروي بسند صحيح عن سعيد بن جبير في الآية، قال: \"من عمل للدنيا نوفيه في الدنيا\". أخرجه هناد في الزهد: 2 / 274، وابن أبي شيبة في المصنف: 13 / 519 بلفظ \"وُفِّيه في الدنيا\" والطبري: 15 / 263. وعزاه السيوطي أيضا لابن أبي حاتم بلفظ: \"هو الرجل يعمل للدنيا لا يريد به الله\".","part":4,"page":165},{"id":1387,"text":"أجور أعمالهم في الدنيا بسعة الرزق ودفع المكاره وما أشبهها. { وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ } أي: في الدنيا لا ينقص حظهم.\r{ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16) أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (17) } .\r{ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا } [أي: في الدنيا] (1) { وَبَاطِلٌ } { مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } .\rاختلفوا في معنى هذه الآية (2) قال مجاهد: هم أهل الرياء. وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر\"، قالوا: يا رسول الله وما الشرك الأصغر؟ قال: \"الرياء\" (3) .\rقيل: هذا في الكفار (4) ، وأما المؤمن: فيريد الدنيا والآخرة، وإرادته الآخرة غالبة فيجازَى بحسناته في الدنيا، ويثاب عليها في الآخرة.\rوروينا عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إن الله عز وجل لا يظلم المؤمن حسنة، يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيُطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يعطي بها خيرا\" (5) .\rقوله تعالى: { أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ } بيان، { مِنْ رَبِّهِ } قيل: في الآية حذف، ومعناه: أفمن كان\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) في \"ب\": (المعنى بهذه الآية).\r(3) أخرجه الإمام أحمد في المسند: 5 / 428-429، والمصنف في شرح السنة: 14 / 324. قال الهيثمي في المجمع: 1 / 102 : \"رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح\" وقال المنذري في الترغيب والترهيب: 1 / 69: \"رواه أحمد بإسناد جيد، وابن أبي الدنيا والبيقي في الزهد وغيره\" ثم قال: \"وقد رواه الطبراني بإسناد جيد عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج. وقيل: إن حديث محمود هو الصواب دون ذكر رافع بن خديج فيه. والله أعلم\". وانظر: النهج السديد في تخريج أحاديث تيسير العزيز الحميد ص (46).\r(4) انظر: الطبري: 15 / 265.\r(5) أخرجه مسلم في صفات المنافقين، باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة برقم (2808): 4 / 2161، والمصنف في شرح السنة: 14 / 310.","part":4,"page":166},{"id":1388,"text":"على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها، أو مَنْ كان على بينة من ربه كمن هو في الضلالة والجهالة، والمراد بالذي هو على بينة من ربه: النبي صلى الله عليه وسلم.\r{ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ } أي: يتبعه من يشهد به بصدقه. واختلفوا في هذا الشاهد (1) فقال ابن عباس، وعلقمة، وإبراهيم، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، وأكثر أهل التفسير: إنه جبريل عليه السلام.\rوقال الحسن وقتادة: هو لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوروى ابن جريج عن مجاهد قال: هو ملك يحفظه ويسدده.\rوقال الحسين بن الفضل: هو القرآن ونظمه وإعجازه.\rوقيل: هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه. قال علي: ما من رجل من قريش إلا وقد نزلت فيه آية من القرآن، فقال له رجل: وأنت أيُّ شيء نزل فيك؟ قال: { وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ } (2) .\rوقيل: شاهد منه هو الإنجيل (3) .\r{ وَمِنْ قَبْلِهِ } أي: ومن قبل مجيء محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: من قبل نزول القرآن. { كِتَابُ مُوسَى } أي: كان كتاب موسى، { إِمَامًا وَرَحْمَة } لمن اتبعها، يعني: التوراة، وهي مصدقة للقرآن، شاهدة للنبي صلى الله عليه وسلم، { أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } يعني: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: أراد الذين أسلموا من أهل الكتاب.\r{ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ } أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: بالقرآن، { مِنَ الأحْزَابِ } من الكفار من أهل الملل كلها، { فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ } .\rأخبرنا حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر الزيادي، أخبرنا محمد بن الحسين القطان، أخبرنا أحمد بن يوسف السلمي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، ولا يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار\" (4) .\r__________\r(1) انظر هذه الأقوال الآتية في: الطبري: 15 / 270-276.\r(2) أخرجه الطبري بسند فيه جابر الجعفي، وهو ضعيف، وكان رافضيا من أتباع عبد الله بن سبأ، وكذلك ضعّف هذا القول ابن كثير في التفسير: 2 / 441 وقال: \"هو ضعيف لا يثبت له قائل\".\r(3) ورجح الطبري رحمه الله أن أولى الأقوال في تأويل قوله تعالى: \"ويتلوه شاهد منه\" هو قول من قال: \"هو جبريل\" لدلالة قوله: \"ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة\" على صحة ذلك. التفسير: 15 / 276. وقال ابن كثير رحمه الله: \" هو ما أوحاه الله إلى الأنبياء من الشرائع المطهرة المكملة المعظمة المختتمة بشريعة محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، ولهذا قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وأبو العالية والضحاك وإبراهيم النخعي والسدي وغير واحد في قوله تعالى: \"ويتلوه شاهد منه\": إنه جبريل عليه السلام وعن علي رضي الله عنه والحسن وقتادة هو محمد صلى الله عليه وسلم. وكلاهما قريب في المعنى لأن كلا من جبريل ومحمد صلوات الله عليهما بلَّغ رسالة الله تعالى، فجبريل إلى محمد، ومحمد إلى الأمة\" التفسير: 2 / 441.\r(4) أخرجه مسلم من وجه آخر عن أبي هريرة، بلفظ \"... من هذه الأمة يهودي ولا نصراني...\" كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، برقم (153): 1 / 134، والمصنف باللفظ أعلاه، شرح السنة: 1 / 104 وهو كذلك عند أبي عوانة: 1 / 104 والإمام أحمد في المسند برقم (8188) طبعة الحلبي، وهمام بن منبه في الصحيفة برقم (91) ص (409). والمراد بالأمة في هذا الحديث: كل من أُرسل إليه محمد صلى الله عليه وسلم ولزمته حجته، سواء صدقه أو لم يصدقه. وعلى هذا يتناول اللفظ جميع أمة الدعوة، من هو موجود في زمنه صلى الله عليه وسلم، ومن يتجدد وجوده بعده إلى يوم القيامة، فكلهم يجب عليه الدخول في طاعته صلى الله عليه وسلم. وقوله: ولا يهودي ولا نصراني: من عطف الخاص على العام، وإنما ذكر تنبيها على من سواهما... وقال القرطبي: إذا كانت الرواية من غير عطف \"يهودي\" و \"نصراني\" فهما بدل من الأمة. أما بالعطف -كما في رواية البغوي هنا- فلا يدخل اليهودي ولا النصراني في الأمة المذكورة. وقال العراقي: ويحتمل أن يراد بهذه الأمة: العرب الذين هم عبدة الأوثان، وحينئذ فعطف اليهودي والنصراني على بابه، لعدم دخولهما فيما تقدم، وقوله في روايتنا: \"ولا يهودي ولا نصراني\" يوافق ذلك. انظر: صحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله عنه، بتحقيق وشرح الدكتور رفعت فوزي عبد المطلب ص (409-410) والمراجع مشار إليها.","part":4,"page":167},{"id":1389,"text":"قوله تعالى: { فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ } أي: في شك منه، { إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ } .\r{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) } .\r{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا } فزعم أن له ولدا أو شريكا، أي: لا أحد أظلم منه، { أُولَئِك } يعني: الكاذبين والمكذبين، { يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ } فيسألهم عن أعمالهم.\r{ وَيَقُولُ الأشْهَادُ } يعني: الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمالهم، قاله مجاهد (1) .\rوعن ابن عباس رضي الله عنهما: إنهم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وهو قول الضحاك (2) .\rوقال قتادة: الخلائق كلهم.\rوروينا عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كَنَفَهُ ويسترُه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته\"، وأما الكفار والمنافقون [فينادي بهم على رؤوس الخلائق] (3) ، { هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ } (4) .\r__________\r(1) انظر: تفسير الطبري: 15 / 283، الدر المنثور: 4 / 412-413.\r(2) انظر: تفسير الطبري: 15 / 283، الدر المنثور: 4 / 412-413.\r(3) في \"ب\": \"فيقول الأشهاد\" والمثبت من \"أ\" وهو الموافق لرواية البخاري.\r(4) أخرجه البخاري في المظالم، باب قول الله تعالى: \"ألا لعنة الله على الظالمين\" 5 / 96، وفي التوحيد، وفي الرقاق. وأخرجه مسلم في التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله، برقم (2766): 4 / 2120، والمصنف في شرح السنة: 15 / 132-133. وقوله في الحديث: \"فيضع عليه كنفه\" بفتح الكاف والنون، بعدها فاء - المراد بالكنف: الستر، وقد جاء مفسرا بذلك في رواية عبد الله بن المبارك عن محمد بن سواء عن قتادة فقال في آخر الحديث: قال عبد الله بن المبارك: كنفه: ستره. أخرجه البخاري في \"خلق أفعال العباد\". والمعنى: أنه تحيط به عنايته التامة. ومن رواه بالمثناة المكسورة -كتفه- فقد صحَّف، على ما جزم به جمع من العلماء. انظر: فتح الباري: 13 / 477.","part":4,"page":168},{"id":1390,"text":"{ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19) } .","part":4,"page":169},{"id":1391,"text":"{ أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (20) أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (21) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ (22) } .\r{ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } يمنعون عن دين الله، { وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ } .\r{ أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ } قال ابن عباس: سابقين. قال قتادة: هاربين. وقال مقاتل: فائتين. { فِي الأرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ } يعني أنصارا وأعوانا يحفظونهم من عذابنا، { يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ } أي: يزاد في عذابهم. قيل: يضاعف العذاب عليهم لإضلالهم الغير واقتداء الأتباع بهم.\r{ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ } قال قتادة: صم عن سماع الحق فلا يسمعونه، وما كانوا يبصرون الهدى. قال ابن عباس رضي الله عنهما: أخبر الله عز وجل أنه حال بين أهل الشرك وبين طاعته في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا قال: \" ما كانوا يستطيعون السمع \" وهو طاعته، وفي الآخرة قال: \" فلا يستطيعون \"، خاشعة أبصارهم.\r{ أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ } غبنوا أنفسهم، { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } يزعمون من شفاعة 174/أ الملائكة والأصنام.\r{ لا جَرَمَ } أي: حقا. وقيل: بلى. وقال الفراء: لا محالة، { أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ } يعني: من غيرهم، وإن كان الكل في الخسار (1) .\r__________\r(1) في \"ب\": (الخسارة).","part":4,"page":169},{"id":1392,"text":"{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (23) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأعْمَى وَالأصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا أَفَلا تَذَكَّرُونَ (24) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) } .\r{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا } قال ابن عباس: خافوا. قال قتادة: أنابوا. وقال مجاهد: اطمأنوا. وقيل: خشعوا. وقوله: { إِلَى رَبِّهِمْ } أي: لربهم. { أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .\r{ مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ } المؤمن والكافر، { كَالأعْمَى وَالأصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا } قال الفراء: لم يقل هل يستوون، لأن الأعمى والأصم في حَيِّز كأنهما واحد؛ لأنهما من وصف الكافر، والبصير والسميع في حيز كأنهما واحد، لأنهما من وصف المؤمن، { أَفَلا تَذَكَّرُونَ } أي (1) تتعظون .\rقوله تعالى: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ } قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب (2) \"أني\" بفتح الهمزة أي: بأني، وقرأ الباقون بكسرها، أي: فقال إني، لأن في الإرسال معنى القول: إني لكم نذير مبين.\r{ أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ } أي: مؤلم. قال ابن عباس: بعث نوح عليه السلام بعد أربعين سنة، ولبث يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة، وعاش بعد الطوفان ستين سنة، وكان عمره ألفا وخمسين سنة.\rوقال مقاتل: بعث وهو ابن مائة سنة.\rوقيل: بعث وهو ابن خمسين سنة.\rوقيل: بعث وهو ابن مائتين وخمسين سنة، ومكث يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة، وعاش بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة، فكان عمره ألفا وأربعمائة وخمسين سنة، قال الله تعالى: \" فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما \" (العنكبوت -14) أي: فلبث فيهم داعيا.\r__________\r(1) في \"ب\": [أفلا].\r(2) ساقطة من \"ب\".","part":4,"page":170},{"id":1393,"text":"{ فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28) } .","part":4,"page":171},{"id":1394,"text":"{ وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالا إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) } .\r{ فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ } والملأ هم الأشراف والرؤساء. { وَمَا نَرَاكَ } يا نوح، { إِلا بَشَرًا } آدميا، { مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا } سَفَلَتُنا، والرذل: الدُّون من كل شيء والجمع: أَرْذُل، ثم يجمع على أراذل، مثل: كَلْب وأَكْلُب وأَكالب، وقال في سورة الشعراء: \" واتبعك الأرذلون \" يعني: السفلة. وقال عكرمة: الحاكة والأساكفة، { بَادِيَ الرَّأْيِ } قرأ أبو عمرو \"بادئ\" بالهمز، أي: أول الرأي، يريدون أنهم اتبعوك في أول الرأي من غير رَوِيَّة وتفكر، ولو تفكروا لم يتبعوك. وقرأ الآخرون بغير همز، أي ظاهر الرأي من قولهم: بدا الشيء: إذا ظهر، معناه: اتبعوك ظاهرا من غير أن يتدبروا ويتفكروا باطنا. قال مجاهد: رأي العين، { وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ } .\r{ قَالَ } نوح، { يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي } أي: بيان من ربي { وَآتَانِي رَحْمَةً } أي: هدى ومعرفة، { مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ } أي: خَفِيَتْ والتبست عليكم. وقرأ حمزة والكسائي وحفص: \"فَعُمِّيَتْ عليكم\" بضم العين وتشديد الميم، أي: شُبِّهت ولُبِّست عليكم. { أَنُلْزِمُكُمُوهَا } أي: أنلزمكم البينة والرحمة، { وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ } لا تريدونها. قال قتادة: لو قدر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن يلزموا [قومهم الإيمان لألزموهم] (1) ولكن لم يقدروا.\rقوله: { وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالا } أي: على الوحي وتبليغ الرسالة، كناية عن غير مذكور، { إِنْ أَجْرِيَ } ما ثوابي، { إِلا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا } هذا دليل على أنهم طلبوا منه طرد المؤمنين، { إِنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِم } [أي: صائرون إلى] (2) ربهم في المعاد فيجزي من طردهم، { وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ }\r__________\r(1) في \"ب\": (قومهم لألزموا).\r(2) ساقط من \"أ\".","part":4,"page":171},{"id":1395,"text":"{ وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (30) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (31) قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (33) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34) } .\r{ وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ } من يمنعني من عذاب الله، { إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ } تتعظون.\r{ وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ } فآتي منها ما تطلبون، { وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ } فأخبركم بما تريدون. وقيل: إنهم لما قالوا لنوح: إن الذين آمنوا بك إنما اتبعوك في ظاهر ما ترى منهم، قال نوح مجيبا لهم: ولا أقول لكم: عندي خزائن غيوبِ الله، التي يعلم منها ما يضمر الناس، ولا أعلم الغيب، فأعلم ما يسترونه في نفوسهم، فسبيلي قبول ما ظهر من إيمانهم، { وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ } هذا جواب قولهم: \" وما نراك إلا بشرا مثلنا \". { وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ } أي: تحتقره وتستصغره أعينكم، يعني: المؤمنين، وذلك أنهم قالوا: هم أراذلنا، { لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا } أي: توفيقا وإيمانا وأجرا، { اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ } من الخير والشر مني، { إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ } لو قلت هذا.\r{ قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا } خاصمتنا، { فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } من العذاب { إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } .\r{ قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ } يعني: بالعذاب، { وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ } بفائتين.\r{ وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي } أي نصيحتي، { إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ } يضلكم، { هُوَ رَبُّكُمْ } له الحكم والأمر { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } فيجزيكم بأعمالهم.","part":4,"page":172},{"id":1396,"text":"{ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (35) وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37) } .\r{ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني نوحا عليه السلام. وقال مقاتل: يعني محمدا صلى الله عليه وسلم. { قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي } أي: إثمي ووبال جرمي. والإجرام: كسب الذنب. { وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ } لا أؤاخذ بذنوبكم.\rقوله تعالى: { وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ } روى الضحاك عن ابن عباس: أن قوم نوح عليه السلام كانوا يضربون نوحا حتى يسقط، فيلقونه في لبد (1) ويلقونه في قعر بيت، يظنون أنه قد مات فيخرج في اليوم الثاني ويدعوهم إلى الله عز وجل.\rروي أن شيخا منهم جاء يتوكأ على عصا، ومعه ابنه، فقال: يا بني لا يغرنك هذا الشيخ المجنون، فقال له: يا أبت أمكني من العصا، فأخذ العصا من أبيه، فضرب نوحا حتى شجه شجة منكرة، فأوحى الله عز وجل إليه (2) { أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ } { فَلا تَبْتَئِسْ } أي: فلا تحزن، { بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } فإني مهلكهم ومنقذك منهم فحينئذ دعا نوح عليهم: \" فقال رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا \" (نوح -26) .\rوحكى محمد بن إسحاق عن عبيد بن عمير الليثي أنه بلغه (3) أنهم كانوا يبطشون به فيخنقونه حتى يغشى عليه، فإذا أفاق قال: ربِّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، حتى إذا تمادوا في المعصية واشتد عليه منهم البلاء، وانتظر الجيل بعد الجيل فلا يأتي قرن إلا كان أخبث من الذي قبله حتى إن كان الآخر منهم ليقول: قد كان هذا مع آبائنا وأجدادنا هكذا مجنونا لا يقبلون منه شيئا، فشكا إلى الله تعالى فقال: 174/ب \" رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا \" إلى أن قال: \" رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا \"، فأوحى الله تعالى إليه:\r{ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا } قال ابن عباس بمرأى منا. وقال مقاتل: بعلمنا. وقيل: بحفظنا.\r__________\r(1) اللَّبَد: الصوف، ويقال: ماله سَبَدٌ ولا لَبَدٌ: لا شعر له ولا صوف. أي: ماله قليل ولا كثير.\r(2) عزاه السيوطي لإسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس: 4 / 417، وما ينفرد به ابن عساكر وأمثاله: ضعيف.\r(3) انظر: الطبري: 15 / 313-314، وهو أيضا في التاريخ للطبري: 1 / 92-93.","part":4,"page":173},{"id":1397,"text":"{ وَوَحْيِنَا } بأمرنا. { وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ } بالطوفان، قيل: معناه لا تخاطبني في إمهال (1) الكفار، فإني قد حكمت بإغراقهم. وقيل: لا تخاطبني في ابنك كنعان وامرأتك واعلة فإنهما هالكان مع القوم.\rوفي القصة (2) أن جبريل أتى نوحا عليه السلام فقال: إن ربك عز وجل يأمرك أن تصنع الفلك، قال: كيف أصنع ولست بنجار؟ فقال: إن ربك يقول اصنع فإنك بعيني، فأخذ القدوم وجعل يصنع ولا يخطئ. وقيل: أوحى الله إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ (3) الطائر.\r__________\r(1) في \"ب\": (إهلاك).\r(2) التي رواها الطبري كما سبق.\r(3) في \"ب\": (خرطوم).","part":4,"page":174},{"id":1398,"text":"{ وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) } .\rقوله تعالى: { وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ } فلما أمره الله تعالى أن يصنع الفلك أقبل نوح عليه السلام على عمل الفلك ولَهَا عن قومه، وجعل يقطع الخشب ويضرب الحديد، ويهيئ عدة الفلك من القارّ وغيره، وجعل قومه يمرون به وهو في عمله ويسخرون منه، ويقولون: يا نوح قد صرت نجارا بعد النبوة؟ وأعقم الله أرحام نسائهم فلا يولد لهم ولد (1) .\rوزعم أهل التوراة (2) أن الله أمره أن يصنع الفلك من خشب الساج، وأن يصنعه من أَزْوَر (3) ، وأن يطليه بالقار (4) من داخله وخارجه، وأن يجعل طوله ثمانين ذراعا وعرضه خمسين ذراعا وطوله في السماء ثلاثين ذراعا، والذراع إلى المنكب، وأن يجعله ثلاثة أطباق: سفلى ووسطى وعليا ويجعل فيه كوى، ففعله نوح كما أمره الله عز وجل.\rوقال ابن عباس: اتخذ نوح السفينة في سنتين وكان طول السفينة ثلثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعا وطولها في السماء ثلاثون ذراعا، وكانت من خشب الساج وجعل لها ثلاثة بطون، فحمل في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام، وفي البطن الأوسط الدواب والأنعام، وركب هو ومن معه في البطن\r__________\r(1) من القصة السابقة عن ابن إسحاق في رواية الطبري.\r(2) زعم أهل التوراة! وزعم مطية الكذب، ونحن متعبدون بتصديق ما في الكتاب الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.\r(3) \"أَزْوَر\" من \"الزَّوْر\" -بفتح فسكون- وهو الصدر، و\"الزَّوَر\" بفتحتين- وهو عوج الصدر، وهو أن يستدقَّ جوشن الصدر، ويخرج الكلكل، كأنه عُصِر من جانبيه. انظر: حاشية الطبري: 15 / 314.\r(4) القار: الزفت، قال في القاموس: شيء أسود تطلى به الإبل والسفن، أو هو الزفت.","part":4,"page":174},{"id":1399,"text":"الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد.\rوقال قتادة: كان بابها في عرضها.\rورُوي عن الحسن: كان طولها ألفا ومائتي ذراع وعرضها ست مائة ذراع. والمعروف الأول: أن طولها ثلثمائة ذراع.\rوعن زيد بن أسلم قال: مكث نوح عليه السلام مائة سنة يغرس الأشجار ويقطعها، ومائة سنة يعمل الفلك.\rوقيل: غرس الشجر أربعين سنة وجفَّفه أربعين سنة.\rوعن كعب الأحبار أن نوحا عمل السفينة في ثلاثين سنة، ورُوي أنها كانت ثلاث طبقات، الطبقة السفلى للدواب والوحوش، والطبقة الوسطى فيها الإنس، والطبقة العليا فيها الطير، فلما كثرت أرواث الدواب أوحى الله إلى نوح أن اِغْمِزْ ذنب الفيل فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة، فأقبلا على الروث، فلما وقع الفار بجوف السفينة فجعل يقرضها ويقرض حبالها، فأوحى الله تعالى إليه أن اضرب بين عيني الأسد فضرب فخرج من منخره سنور وسنورة، فأقبلا على الفار (1) .\rقوله تعالى: { وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ } كانوا يقولون: إن هذا الذي يزعم أنه نبي قد صار نجارا، وروي أنهم كانوا يقولون له: يا نوح ماذا تصنع؟ فيقول أصنع بيتا يمشي على الماء، فيضحكون منه، { قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ } إذا عاينتم عذاب الله، { كَمَا تَسْخَرُونَ } فإن قيل: كيف تجوز السخرية من النبي؟ قيل: هذا على ازدواج الكلام، يعني إن تستجهلوني فإني أستجهلكم إذا نزل العذاب بكم. وقيل: معناه إن تسخروا منا فسترون عاقبة سخريتكم.\r{ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (39) } .\r{ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ } يهينه، { وَيَحِلُّ عَلَيْهِ } يجب عليه، { عَذَابٌ مُقِيمٌ } دائم.\r__________\r(1) هذه التفصيلات عن السفينة وطولها وطبقاتها وما حمل فيها، وعن المخلوقات وكيفية خلقها من بعضها... إلخ ذكرها الطبري والسيوطي أيضا، وهي من الإسرائيليات التي اختلقها اليهود وأضرابهم على مر العصور، وكانت شائعة مشهورة في الجاهلية، فلما جاء الإسلام نشرها أهل الكتاب الذين أسلموا بين المسلمين، وهؤلاء رووها بحسن نية، ولم يزيّفوا اعتمادا على أن ظاهرها البطلان. وقد أشار ابن كثير رحمه الله إلى غرابة رواية ابن إسحاق التي سلفت عند البغوي. انظر الإسرائيليات والموضوعات، للشيخ محمد أبي شهبة ص (301-305)، تفسير ابن كثير: 2 / 445-446.","part":4,"page":175},{"id":1400,"text":"{ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ (40) } .\r{ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا } عذابنا، { وَفَارَ التَّنُّورُ } اختلفوا في التنور (1) قال عكرمة والزهري: هو وجه الأرض، وذلك أنه قيل لنوح: إذا رأيت الماء فار على وجه الأرض فاركب السفينة.\rوروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: فار التنور أي: طلع الفجر ونور الصبح.\rوقال الحسن ومجاهد والشعبي: إنه التنور الذي يخبز فيه، وهو قول أكثر المفسرين (2) .\rورواية عطية عن ابن عباس قال الحسن: كان تنورا من حجارة، كانت حواء تخبز فيه فصار إلى نوح عليه السلام، فقيل لنوح: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك.\rواختلفوا في موضعه (3) ، قال مجاهد والشعبي: كان في ناحية الكوفة، [وكان الشعبي يحلف: ما فار التنور إلا من ناحية الكوفة] (4) . وقال: اتخذ نوح السفينة في جوف مسجد الكوفة. وكان التنور على يمين الداخل مما يلي باب كندة، وكان فوران الماء منه عَلَمًا لنوح عليه السلام.\rوقال مقاتل: كان ذلك تنور آدم، وكان بالشام بموضع يقال له: عين وردة.\rوروي عن ابن عباس: أنه كان بالهند.\rوالفوران: الغليان.\rقوله تعالى: { قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا } أي في السفينة، { مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ } الزوجان: كل اثنين لا يستغني أحدهما عن الآخر، يقال لكل واحد منهما زوج، يقال: زوج خف وزوج نعل، والمراد بالزوجين ها هنا: الذكر والأنثى.\rقرأ حفص ها هنا وفي سورة المؤمنين\" \"مِنْ كُلٍّ\" بالتنوين أي: من كل صنف زوجين اثنين، ذكره تأكيدا.\rوفي القصة: أن نوحا عليه الصلاة والسلام قال: يا رب كيف أحمل من كل زوجين اثنين؟ فحشر الله إليه السباع والطير، فجعل يضرب بيده في كل جنس فيقع الذكر في يده اليمنى والأنثى في يده اليسرى، فيحملها في السفينة.\r{ وَأَهْلَك } أي: واحمل أهلك، أي: ولدك وعيالك، { إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ } بالهلاك،\r__________\r(1) انظر في هذا: الطبري: 15 / 318-321.\r(2) ورجح هذا الطبري فقال: \"وأولى الأقوال عندنا بتأويل قوله: \"التنور\" قول من قال: \"هو التنور الذي يخبز فيه\"، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب. وكلام الله لا يُوَجَّه إلا إلى الأغلب الأشهر من معانيه عند العرب، إلا أن تقوم حجة على شيء منه بخلاف ذلك، فيسلم لها. وذك أنه جل ثناؤه إنما خاطبهم بما خاطبهم به لإفهامهم معنى ما خاطبهم به\". الطبري: 15 / 321.\r(3) انظر: الطبري: 15 / 320-321.\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":4,"page":176},{"id":1401,"text":"يعني: امرأته واعلة وابنه كنعان، { وَمَنْ آمَنَ } يعني: واحمل مَنْ آمن بك، كما قال الله تعالى:\r{ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ } واختلفوا في عددهم (1) : قال قتادة وابن جريج ومحمد بن كعب القرظي: لم يكن في السفينة إلا ثمانية نفر: نوح، وامرأته (2) ، وثلاثة بنين له سام وحام ويافث، ونساؤهم.\r[وقال الأعمش: كانوا سبعة نوح وثلاثة بنين له، وثلاث كنائن له] (3) .\rوقال ابن إسحاق: كانوا عشرة سوى نسائهم، نوح وبنوه سام وحام ويافث وستة أناس ممن كان آمن به وأزواجهم جميعا.\rوقال مقاتل: كانوا اثنين وسبعين نفرًا رجلا وامرأةً وبنيه الثلاثة ونساءَهم، فجميعهم ثمانية وسبعون، نصفهم رجال ونصفهم نساء.\rوعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان في سفينة نوح ثمانون رجلا أحدهم جرهم.\rقال مقاتل: 175/أ حمل نوح معه جسد آدم فجعله معترضا بين الرجال والنساء وقصد نوحًا جميعُ الدواب والطيور ليحملها.\rقال ابن عباس رضي الله عنهما: أول ما حمل نوح الدرة وآخر ما حمل الحمار، فلما دخل الحمار ودخل صدره تعلق إبليس بذنبه، فلم يستقل رجلاه، فجعل نوح يقول: ويحك ادخل: فنهض فلم يستطع، حتى قال نوح: ويحك ادخل وإن الشيطان معك كلمة زلت على لسانه، فلما قالها نوح خلَّى الشيطان سبيله فدخل ودخل الشيطان، فقال له نوح: ما أدخلك عليَّ يا عدو الله؟ قال: ألم تقل ادخل وإن كان الشيطان معك، قال: اخرج عني يا عدو الله، قال: مالك بُدٌّ من أن تحملني معك، فكان فيما يزعمون في ظهر الفلك.\rوروي عن بعضهم: أن الحية والعقرب أتيا نوحا فقالتا: احملنا، فقال: إنكما سبب الضر والبلاء، فلا أحملكما، فقالتا له: احملنا ونحن نضمن لك أن لا نضر أحدا ذكرك فمن قرأ حين خاف مضرتهما \" سلام على نوح في العالمين \" ما ضرَّتَاه.\rقال الحسن: لم يحمل نوح في السفينة إلا ما يلد ويبيض، فأما ما يتولد من الطين من حشرات الأرض كالبق والبعوض فلم يحمل منها شيئا (4) .\r__________\r(1) انظر في هذه الأقوال: الطبري: 15 / 325-327 وقال: \"والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله: \"وما آمن معه إلا قليل\"، يصفهم بأنهم كانوا قليلا، ولم يَحُدَّ عددهم بمقدار، ولا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح. فلا ينبغي أن يُتجاوز في ذلك حدُّ الله، إذا لم يكن لمبلغ عدد ذلك حدّ من كتاب الله، أو أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم\".\r(2) قال ابن كثير رحمه الله: \"وقيل: بل امرأة نوح كانت معهم في السفينة. وهذا فيه نظر، بل الظاهر أنها هلكت، لأنها كانت على دين قومها، فأصابها ما أصابهم، كما أصاب امرأة لوط ما أصاب قومها، والله أعلم وأحكم\" التفسير: 2 / 446.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(4) هذه القصص وأمثالها، ذكرها السيوطي في الدر: 4 / 423 وما بعدها. قال ابن عطية في المحرر الوجيز: 7 / 295 \"... وهذا كله قصص لا يصح إلا لو استند، والله أعلم كيف كان\". وانظر فيما سبق ص (175) تعليق (1).","part":4,"page":177},{"id":1402,"text":"{ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43) } .\r{ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا } أي: وقال لهم نوح اركبوا فيها أي في السفينة، { بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } قرأ حمزة والكسائي وحفص: \"مَجْريها\" بفتح الميم أي: جريها \"ومُرْساها\" [بضمها] (1) ، وقرأ محمد بن محيصن \"مَجْريها ومَرساها بفتح الميمين من جرت ورست، أي\" [بسم الله] (2) جريها ورسوها، وهما مصدران. وقرأ الآخرون: \"مُجراها ومُرساها\" بضم الميمين من أجريت وأرسيت، أي: بسم الله إجراؤها وإرساؤها [وهما أيضا مصدران] (3) ، كقوله: \" أنزلني منزلا مباركا \" (المؤمنون -29) و\" أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق \" (الإسراء 80) والمراد منها: الإنزال والإدخال والإخراج. { إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } قال الضحاك: كان نوح إذا أراد أن تجري السفينة قال: بسم الله، فجرت، وإذا أراد أن ترسوَ قال: بسم الله، فَرَسَتْ.\r{ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ } والموج ما ارتفع من الماء إذا اشتدت عليه الريح، شبَّهه بالجبال في عظمه وارتفاعه على الماء. { وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ } كنعان، وقال عبيد بن عمير: سام، وكان كافرا، { وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ } عنه لم يركب في السفينة: { يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا } [قرأ ابن عامر وحمزة وعاصم ويعقوب] (4) بإظهار الباء، والآخرون يدغمونها في الميم، { وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ } فتهلك.\r{ قَالَ } له ابنه { سَآوِي } سأصير وألتجئ، { إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ } يمنعني من الغرق، { قَالَ } له نوح { لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ } من عذاب الله، { إِلا مَنْ رَحِمَ } قيل: \"من\" في محل الرفع، أي لا مانع من عذاب الله إلا الله الراحم. وقيل: \"من\" في محل النصب، معناه لا معصوم إلا من رحمه الله، كقوله: \" في عِيشَة راضية \" (الحاقة -21) أي: مرضية، { وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ } فصار، { مِنَ الْمُغْرَقِينَ }\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ساقط من\" \"ب\".\r(3) ساقط من \"أ\". وانظر في هذ القراءات وتوجيهها: الطبري 15 / 327-330.\r(4) ساقط من\" \"أ\".","part":4,"page":178},{"id":1403,"text":"وروي أن الماء علا على رؤوس الجبال قدر أربعين ذراعا. [وقيل: خمسة عشر ذراعا] (1) .\rوروي أنه لما كثر الماء في السكك خشيت أم لصبي عليه، وكانت تحبه حبا شديدا، فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثه، فلما بلغها الماء ارتفعت حتى بلغت ثلثيه، فلما بلغها ذهبت حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء رقبتها رفعت الصبي بيديها حتى ذهب بها الماء، فلو رحم الله منهم أحدا لرحم أم الصبي (2) .\r{ وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) } .\r{ وَقِيلَ } يعني: بعدما تناهى أمر الطوفان: { يَا أَرْضُ ابْلَعِي } تَشَرَّبِي، { مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي } أمسكي، { وَغِيضَ الْمَاءُ } نقص ونضب، يقال: غاض الماء يغيض غيضا إذا نقص، وغاضه الله أي أنقصه، { وَقُضِيَ الأمْرُ } فرغ من الأمر وهو هلاك القوم { وَاسْتَوَت } يعني السفينة استقرت، { عَلَى الْجُودِيِّ } جبل بالجزيرة بقرب الموصل، { وَقِيلَ بُعْدًا } هلاكا، { لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } .\rوروي أن نوحا عليه السلام بعث الغراب ليأتيه بخبر الأرض فوقع على جيفة فلم يرجع فبعث الحمامة فجاءت بورق زيتون في منقارها ولطخت رجليها بالطين، فعلم نوح أن الماء قد نضب، فقيل إنه دعا على الغراب بالخوف فلذلك لا يألف البيوت، وطوق الحمامة الخضرة التي في عنقها ودعا لها بالأمان، فمن ثم تأمن وتألف البيوت (3) .\rوروي أن نوحا عليه السلام ركب السفينة لعشر مضت من رجب وجرت بهم السفينة ستة أشهر، ومرت بالبيت فطافت به سبعا (4) وقد رفعه الله من الغرق وبقي موضعه، وهبطوا يوم عاشوراء، فصام نوح، وأمر جميع من معه بالصوم شكرا لله عز وجل.\r__________\r(1) ساقط من\" \"ب\".\r(2) أخرجه الحاكم: 2 / 342 وصححه وقال الذهبي إسناده مظلم، وموسى ليس بذاك. وقد ذكر في القصة أن الله تعالى أيبس أصلاب الآباء وأعقم أرحام النساء قبل العذاب بأربعين سنة، وقيل: بسبعين سنة، ولم يكن فيهم صبي وقت العذاب، لقوله تعالى \"وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم\"، فلم يوجد التكذيب من الأطفال، فحكاية أم الصبي عجيبة. ويمكن أن يقال: يجوز أن سن بلوغهم فوق السبعين لطول أعمارهم فكان فيهم الصبيان فعمهم العذاب. وقد يقال إن في ذلك روايتين: الأولى أنه أيبس أصلاب آبائهم وأعقم أرحام نسائهم قبل العذاب بأربعين سنة أو سبعين، ولم يكن فيهم صبي وقت العذاب. وفي رواية لم يكن ذلك الإيباس والإعقام، فيوجد فيهم الصبيان وقت العذاب تبعا لآبائهم المكذبين في عذاب الدنيا، أما في عذاب الآخرة ففيه مذهبان وقولان. فعند البعض هم في الآخرة مع آبائهم المكذبين، وعند البعض هم في الجنة، وهو الأصح والأقوى. انتهى ملتقطا من حاشية \"أ\" بشيء من التصرف.\r(3) انظر فيما سلف ص (177) تعليق (4).\r(4) قال الساجي: حدثنا الربيع، حدثنا الشافعي قال: قيل لعبد الرحمن بن زيد: حدثك أبوك عن جدك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن سفينة نوح طافت بالبيت سبعا وصلت خلف المقام ركعتين؟ قال نعم. قال الساجي: وهو منكر الحديث، وقال الطحاوي: حديثه عند أهل العلم بالحديث في النهاية من الضعف، وقال الحاكم وأبو نعيم: روى عن أبيه أحاديث موضوعة. انظر: التهذيب: 6 / 162، والتعليق السابق.","part":4,"page":179},{"id":1404,"text":"وقيل: ما نجا من الكفار من الغرق غير عُوج بن عُنُق كان الماء إلى حجزته، وكان سبب نجاته أن نوحا احتاج إلى خشب ساج للسفينة فلم يمكنه نقله فحمله عوج إليه من الشام، فنجاه الله تعالى من الغرق لذلك (1) .\r{ وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) } .\r__________\r(1) قال العلامة ابن القيم، رحمه الله، وقد ذكر حديث عوج بن عنق مثالا على ما قامت الشواهد الصحيحة على بطلانه: \"... وليس العجب من جرأة مثل هذا الكذّاب على الله، إنما العجب ممن يُدْخل هذا الحديث في كتب العلم من التفسير وغيره، ولا يبيِّن أمره. وهذا عندهم من ذرية نوح، وقد قال الله تعالى: \"وجعلنا ذريته هم الباقين\" (الصافات 37) فأخبر أن كل من بقي على وجه الأرض فهو من ذرية نوح، فلو كان لعوج -هذا- وجود لم يبق بعد نوح. المنار المنيف في الصحيح والضعيف ص (77)، وانظر: رسالة السيوطي بعنوان: الأوج في خبر عوج، ضمن الحاوي للفتاوى: 2 / 573-578، البداية والنهاية لابن كثير:\" 1 / 114، الأسرار المرفوعة لملا علي القاري ص (425-427) مع تعليق المحقق.","part":4,"page":180},{"id":1405,"text":"{ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) } .\rقوله تعالى: { وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي } وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي؟ { وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ } لا خلف فيه، { وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ } حكمت على قوم بالنجاة وعلى قوم بالهلاك.\r{ قَالَ } الله عز وجل: { يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ } قرأ الكسائي ويعقوب: \"عَمِلَ\" بكسر الميم وفتح اللام \"غيرَ\" بنصب الراء على الفعل، أي: عمل الشرك والتكذيب. وقرأ الآخرون بفتح الميم ورفع اللام وتنوينه، \"غير\" برفع الراء معناه: أن سؤالك إياي أن أنجيه عمل غير صالح، { فَلا تَسْأَلْن } يا نوح، { مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } .\rقرأ أهل الحجاز والشام \"فلا تسألنِّ\" (1) بفتح اللام وتشديد النون، ويكسرون النون غير ابن كثير فإنه يفتحها، وقرأ الآخرون بجزم اللام وكسر النون خفيفة، ويُثبت أبو جعفر وأبو عمرو وورش ويعقوب الياء في الوصل.\r{ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ }\r__________\r(1) في \"ب\": (فلا تسألني).","part":4,"page":180},{"id":1406,"text":"واختلفوا في هذا الابن؛ (1) قال مجاهد والحسن: كان ولد حنث (2) من غير نوح، ولم يعلم بذلك نوح، ولذلك قال: { مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } وقرأ الحسن \"فخانتاهما\" (التحريم -10).\rوقال أبو جعفر الباقر: كان ابن امرأته وكان يعلمه نوح ولذلك قال \"من أهلي\" ولم يقل مني.\rوقال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك والأكثرون (3) : إنه كان ابن نوح عليه السلام من صلبه. وقال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط. وقوله: { إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } أي: من أهل الدين (4) 175/ب لأنه كان مخالفا له في الدين، وقوله: \"فخانتاهما\" أي: في الدين والعمل الصالح لا في الفراش.\rوقوله: { إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ } يعني: أن تدعو بهلاك الكفار ثم تسأل نجاة كافر.\r{ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (47) قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48) } .\r{ قَالَ } نوح { رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ } .\r{ قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ } إنزل من السفينة، { بِسَلامٍ مِنَّا } أي [بأمن وسلامة منا] (5) ،\r__________\r(1) انظر في هذه الأقوال: الطبري: 15 / 340-346.\r(2) في \"أ\": (خبيث). و\"الحنث\" (بكسر الحاء وسكون النون): الذنب والمعصية. وفي الحديث: \"يكثر فيهم أولاد الحنث\" أي: أولاد الزنى. ويُروى: \"الخبث\" (بالخاء مضمومة والثاء) من \"الخبث\" وهو الفساد والفجور. وفي الحديث: \"إذا كثر الخبث كان كذا وكذا...\" أي: الفسق والفجور. وفي الحديث: \"أنه أُتيَ برجل مخدج سقيم، وُجِد مع أَمَة يخبث بها\" أي: يزني بها ويقال: \"هو ابن خبثة\" لابن الزنية، ولد لغير رشدة. انظر: تعليق الشيخ محمود شاكر على الطبري: 15 / 340.\r(3) وهو ما رجحه الطبري، قال: \"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: تأويل ذلك: إنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم، لأنه كان لدينك مخالفا وبي كافرا = وكان ابنه، لأن الله تعالى ذكره قد أخبر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أنه ابنه فقال: \"ونادى نوح ابنه\"، وغير جائز أن يخبر أنه \"ابنه\" فيكون بخلاف ما أخبر. وليس في قوله: \"إنه ليس من أهلك\" دلالة على أنه ليس بابنه، إذ كان قوله \"ليس من أهلك\" محتملا من المعنى ما ذكرنا، ومحتملا \"إنه ليس من أهل دينك\" ثم يحذف \"الدين\" فيقال: \"إنه ليس من أهلك\" كما قيل: \"واسأل القرية التي كنا فيها\" (يوسف - 82). انظر: الطبري: 15 / 346.\r(4) في \"ب\": (دينك).\r(5) ساقط من \"ب\".","part":4,"page":181},{"id":1407,"text":"{ وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ } البركة هي: ثبوت الخير، ومنه: بروك البعير. وقيل: البركة ها هنا هي: أن الله تعالى جعل ذريته هم الباقين إلى يوم القيامة، { وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ } أي: على ذرية أمم ممن كان معك في السفينة، يعني على قرون تجيء من بعدك، من ذرية من معك، من ولدك وهم المؤمنون، قال محمد بن كعب القرظي: دخل فيه كل مؤمن إلى قيام الساعة { وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ } هذا ابتداء، أي: أمم سنمتعهم في الدنيا، { ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } وهم الكافرون وأهل الشقاوة.\r{ تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49) وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلا مُفْتَرُونَ (50) يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (51) وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52) } .\r{ تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ } أخبار الغيب، { نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا } من قبل نزول القرآن، { فَاصْبِرْ } على القيام بأمر الله وتبليغ الرسالة وما تلقى من أذى الكفار كما صبر نوح، { إِنَّ الْعَاقِبَةَ } آخر الأمر بالسعادة والنصرة { لِلْمُتَّقِينَ } .\rقوله تعالى: { وَإِلَى عَادٍ } أي: وأرسلنا إلى عاد، { أَخَاهُمْ هُودًا } في النسب لا في الدين، { قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ } [وحدوا الله] (1) { مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلا مُفْتَرُونَ } ما أنتم [في إشراككم] (2) إلا كاذبون.\r{ يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْه } أي: على تبليغ الرسالة، { أَجْرًا } جعلا { إِنْ أَجْرِيَ } ما ثوابي، { إِلا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي } خلقني، { أَفَلا تَعْقِلُونَ } .\r{ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ } أي: آمنوا به، والاستغفار ها هنا بمعنى الإيمان، { ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ } من عبادة غيره ومن سالف ذنوبكم، { يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا } أي: يرسل المطر عليكم متتابعا، مرة بعد أخرى في أوقات الحاجة، { وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ } أي: شدة مع شدتكم. وذلك أن الله عز وجل\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) ساقط من \"ب\".","part":4,"page":182},{"id":1408,"text":"حبس عنهم القطر ثلاث سنين، وأعقم أرحام نسائهم فلم يلدن، فقال لهم هود عليه السلام: إن آمنتم أرسل الله عليكم المطر، فتزدادون مالا ويعيد أرحام الأمهات إلى ما كانت، فيلدن فتزدادون قوة بالأموال والأولاد. وقيل: تزدادون قوة في الدين إلى قوة البدن. { وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ } أي: لا تدبروا مشركين .\r{ قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) } .","part":4,"page":183},{"id":1409,"text":"{ إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) } .\r{ قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ } أي: ببرهان وحجة واضحة على ما تقول، { وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ } أي: بقولك، { وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ } بمصدقين.\r{ إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا } أي: أصابك { بِسُوءٍ } يعني: لست تتعاطى ما نتعاطاه من مخالفتنا وسب آلهتنا إلا أن (1) بعض آلهتنا اعتراك، أي: أصابك بسوء بخبل وجنون، وذلك أنك سببت آلهتنا فانتقموا منك بالتخبيل لا نحمل أمرك إلا على هذا، { قال } لهم هود، { إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ } على نفسي، { وَاشْهَدُوا } يا قوم { أنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } .\r{ مِنْ دُونِهِ } يعني: الأوثان، { فَكِيدُونِي جَمِيعًا } فاحتالوا في مكركم (2) وضري أنتم وأوثانكم، { ثُمَّ لا تُنْظِرُون } [لا تؤخرون ولا تمهلون] (3) .\r{ إِنِّي تَوَكَّلْتُ } أي: اعتمدت { عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا } قال الضحاك: يحييها ويميتها.\rقال الفراء: مالكها والقادر عليها.\rوقال القتيبي: يقهرها، لأن من أخذت بناصيته فقد قهرته.\rوقيل: إنما خصَّ الناصية بالذكر لأن العرب تستعمل ذلك إذا وصفت إنسانا بالذلة، فتقول: ناصية فلان بيد فلان، وكانوا إذا أسروا إنسانا وأرادوا إطلاقه والمَنَّ عليه جزُّوا ناصيته ليعتدوا بذلك فخرًا عليه، فخاطبهم الله بما يعرفون.\r__________\r(1) في \"ب\": (إلا لأن).\r(2) في \"ب\": (مكري).\r(3) زيادة من المطبوع.","part":4,"page":183},{"id":1410,"text":"{ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } يعني: إن ربي وإن كان قادرا عليهم فإنه لا يظلمهم ولا يعمل إلا بالإحسان والعدل، فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بعصيانه. وقيل: معناه إن دين ربي إلى صراط مستقيم.\rوقيل (1) فيه إضمار، أي: إن ربي يحثكم ويحملكم على صراط مستقيم.\r{ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (60) } .\r{ فَإِنْ تَوَلَّوْا } أي: تتولوا، يعني: تعرضوا عمَّا دعوتكم إليه، { فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ } أي: إن أعرضتم يهلككم الله عز وجل ويستبدل بكم قوما غيركم أطوع منكم، يوحدونه ويعبدونه، { وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا } بتوليكم وإعراضكم، إنما تضرون أنفسكم. وقيل: لا تنقصونه شيئا إذا أهلككم لأن وجودكم وعدمكم عنده سواء، { إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ } أي: لكل شيء حافظ، يحفظني من أن تنالوني بسوء.\rقوله تعالى: { وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا } عذابنا، { نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ } وكانوا أربعة آلاف. { بِرَحْمَة } بنعمة { مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } وهو الريح التي أهلك بها عادًا، وقيل: العذاب الغليظ: عذاب يوم القيامة، أي: كما نجيناهم في الدنيا من العذاب كذلك نجيناهم في الآخرة.\r{ وَتِلْكَ عَادٌ } ردَّه إلى القبيلة، { جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ } يعني: هودًا وحده، ذكره بلفظ الجمع لأن مَنْ كذّب رسولا كان كمن كذَّب جميع الرسل، { وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } أي: واتبع السفلة والسقاط أهل التكبر والعناد، والجبار: المتكبر، والعنيد: الذي لا يقبل الحق، يقال: عَنَدَ الرجل يعند عنودا إذا أبى أن يقبل الشيء وإن عرفه. قال أبو عبيدة (2) العنيد والعاند والعنود والمعاند: المعارض لك بالخلاف.\r{ وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً } أي: أُرْدِفُوا لعنة تلحقهم وتنصرف معهم واللعنة: هي الإبعاد والطرد عن الرحمة، { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ } أي: وفي يوم القيامة أيضا لعنوا كما لعنوا في الدنيا والآخرة،\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) في \"ب\": (عبيد).","part":4,"page":184},{"id":1411,"text":"{ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ } أي: بربهم، [يقال: كفرته وكفرت به، كما] (1) يقال: شكرتُه وشكرتُ له ونصحتُه ونصحتُ له. { أَلا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ } قيل: بعدًا من رحمة الله. وقيل: هلاكًا. وللبعد معنيان: أحدهما ضد القرب، يقال منه: بَعُدَ يبعُدُ بُعْدًا، [والآخر: بمعنى الهلاك، يقال منه: بَعِدَ يَبْعَدُ بَعْدًا وبُعْدًا] (2) .\r{ وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) } .\rقوله تعالى: { وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا } أي: أرسلناإلى ثمود أخاهم صالحا في النسب [لا في الدين] (3) { قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ } وحّدوا الله عز وجل (4) ، { مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرْضِ } ابتدأ خلقَكُم، { مِنَ الأرْضِ } وذلك أنهم من آدم عليه السلام وآدم خُلق من الأرض، { وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا } أي: جعلكم عُمَّارها وسُكَّانَها، وقال الضحاك: أطال عمركم فيها حتى كان الواحد منهم يعيش ثلثمائة سنة إلى ألف سنة. وكذلك 176/أ قوم عاد.\rقال مجاهد: أعمركم من العُمرى، أي: جعلها لكم ما عشتم. وقال قتادة: أسكنكم فيها.\r{ فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ } من المؤمنين، { مُجِيبٌ } لدعائهم.\r{ قَالُوا } يعني ثمود، { يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا } القول، [أي: كنا نرجو] (5) أن تكون سيدا فينا. وقيل: كنا نرجو أن تعود إلى ديننا، وذلك أنهم كانوا يرجون رجوعه إلى دين عشيرته، فلما أظهر دعاءهم إلى الله عز وجل وترك الأصنام زعموا أن رجاءهم انقطع عنه، فقالوا { أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا } [من قبل] (6) من الآلهة، { وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ } موقع للريبة والتهمة، يقال: أربته إرابة إذا فعلت به فعلا يوجب له الريبة.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) في \"ب\": (وحدوه).\r(5) ساقط من \"ب\".\r(6) ساقط من \"ب\".","part":4,"page":185},{"id":1412,"text":"{ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63) وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) } .\r{ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً } نبوة وحكمة، { فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ } أي: من يمنعني من [عذاب] (1) الله، { إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ } قال ابن عباس: معناه: غير بصارة في خسارتكم.\rقال الحسين (2) بن الفضل: لم يكن صالح عليه السلام في خسارة حتى قال: \" فما تزيدونني غير تخسير \"، وإنما المعنى: ما تزيدونني بما تقولون إلا نسبتي إياكم إلى الخسارة.\rوالتفسيق والتفجير في اللغة هو: النسبة إلى الفسق والفجور، وكذلك التخسير هو: النسبة إلى الخسران.\r{ وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً } نصب على الحال والقطع، وذلك أن قومه طلبوا منه أن يخرج ناقة عشراء من هذه الصخرة، وأشاروا إلى صخرة، فدعا صالح عليه السلام فخرجت منها ناقة وولدت في الحال ولدا مثلها (3) ، فهذا معنى قوله: { هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ } من العشب والنبات فليست عليكم مؤنتها، { وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ } ولا تصيبوها بعقر، { فَيَأْخُذَكُمْ } إن قتلتموها، { عَذَابٌ قَرِيبٌ } .\r{ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ } صالح، { تَمَتَّعُوا } عيشوا (4) ، { فِي دَارِكُمْ } أي: في دياركم، { ثَلاثَة أَيَّامٍ } ثم تهلكون، { ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ } أي: غير كذب.\rروي أنه قال لهم: يأتيكم العذاب بعد ثلاثة أيام فتصبحون في اليوم الأول ووجوهكم مصفرة، وفي اليوم الثاني محمرة، وفي اليوم الثالث مسودة، فكان كما قال، وأتاهم العذاب اليوم الرابع.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) في \"ب\": (الحسن).\r(3) انظر فيما سبق، سورة الأعراف: 3 / 249-250.\r(4) في \"ب\": (تعيشوا).","part":4,"page":186},{"id":1413,"text":"{ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ (68) وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) } .\rقوله تعالى: { فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا } بنعمة منا، { وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ } أي: من عذابه وهوانه. قرأ أبو جعفر ونافع والكسائي: \"خزي يومئذ\" و\"عذاب يومئذ\" بفتح الميم. وقرأ الباقون بالكسر. { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ } .\r{ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا } كفروا، { الصَّيْحَة } وذلك أن جبريل عليه السلام صاح عليهم صيحة واحدة فهلكوا جميعا. وقيل: أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة وصوت كل شيء في الأرض، فتقطعت قلوبهم في صدورهم. وإنما قال: \"وأخذ\" الصيحة مؤنثة، لأن الصيحة بمعنى الصياح. { فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ } صرعى هلكى.\r{ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا } يقيموا ويكونوا فيها { أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ } قرأ حمزة وحفص ويعقوب: \"ثمود\" غير منون، وكذلك في سورة الفرقان والعنكبوت والنجم، وافق أبو بكر في النجم، وقرأ الباقون بالتنوين، وقرأ الكسائي: \"لثمود\" بخفض الدال والتنوين، والباقون بنصب الدال، فمن جره فلأنه اسم مذكر، ومن لم يجره جعله اسما للقبيلة.\rقوله تعالى: { وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى } أراد بالرسل الملائكة. واختلفوا في عددهم (1) ، فقال ابن عباس وعطاء: كانوا ثلاثة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل.\rوقال الضحاك: كانوا تسعة.\rوقال مقاتل: كانوا اثني عشر ملكا.\rوقال محمد بن كعب: كان جبريل ومعه سبعة.\rوقال السدي: كانوا أحد عشر ملكا على صورة الغلمان الوضاء وجوههم.\r{ بِالْبُشْرَى } بالبشارة بإسحاق ويعقوب. وقيل: بإهلاك قوم لوط.\r__________\r(1) انظر في هذه الأقوال: البحر المحيط: 5 / 241.","part":4,"page":187},{"id":1414,"text":"{ قَالُوا سَلامًا } أي: سلَّموا سلاما، { قَالَ } إبراهيم { سَلام } أي: عليكم سلام: وقيل: هو رفع على الحكاية، كقوله تعالى: \" وقولوا حطة \" {البقرة 85 والأعراف 161}، وقرأ حمزة والكسائي \"سِلْم\" ها هنا وفي سورة الذاريات بكسر السين بلا ألف. قيل: هو بمعنى السلام. كما يقال: حِل وحَلال، وحِرم وحرام. وقيل: هو بمعنى الصلح، أي: نحن سلم أي صلح لكم غير حرب.\r{ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ } والحنيذ والمحنوذ: هو المشوي على الحجارة في خدّ من الأرض، وكان سمينا يسيل دسما، كما قال في موضع آخر: \" فجاء بعجل سمين \" {الذاريات -26}: قال قتادة: كان عامة مال إبراهيم البقر.\r{ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) } .\r{ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ } أي: إلى العجل، { نَكِرَهُمْ } أنكرهم، { وَأَوْجَسَ } أضمر، { مِنْهُمْ خِيفَةً } خوفا. قال مقاتل: وقع في قلبه، وأصل الوجوس: الدخول، كان الخوف دخل قلبه. وقال قتادة: وذلك أنهم كانوا إذا نزل بهم ضيف فلم يأكل من طعامهم ظنوا أنه لم يأت بخير وإنما جاء بشر. { قَالُوا لا تَخَفْ } يا إبراهيم [إنا رسل ربك. يعني:] (1) ، { إِنَّا } ملائكة الله { أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ } .\r{ وَامْرَأَتُه } سارة بنت هاران بن أحور (2) وهي ابنة عم إبراهيم. { قَائِمَةٌ } من وراء الستر تسمع كلامهم. وقيل: كانت قائمة تخدم الرسل، وإبراهيم جالس معهم. { فَضَحِكَت } قال مجاهد وعكرمة: ضحكت أي: حاضت في الوقت، تقول العرب: ضحكت الأرنب، أي: حاضت. والأكثرون على أنَّ المراد منه الضحك المعروف.\rواختلفوا في سبب ضحكها، قيل: ضحكت لزوال الخوف عنها وعن إبراهيم حين قالوا: لا تخف. وقال السدي: لما قرّب إبراهيم الطعام إليهم فلم يأكلوا خاف إبراهيم وظنهم لصوصا فقال لهم: ألا تأكلون؟ قالوا: إنا لا نأكل طعاما إلا بثمن، فقال إبراهيم: فإن له ثمنا، قالوا وما ثمنه؟ قال تذكرون اسم الله على أوله وتحمدونه على آخره، فنظر جبريل إلى ميكائيل وقال: حُقَّ لهذا أن يتخذه ربه خليلا. فلما رأى إبراهيم وسارة أيديهم لا تصل إليه ضحكت سارة، وقالت: يا عجبا لأضيافنا إنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم وهم لا يأكلون طعامنا.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) في \"ب\": (مأخوذ).","part":4,"page":188},{"id":1415,"text":"وقال قتادة: ضحكت من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم.\rوقال مقاتل والكلبي: ضحكت من خوف إبراهيم من ثلاثة [في بيته] (1) وهو فيما بين خدمه وحشمه.\rوقال: ضحكت سرورا بالبشارة.\rوقال ابن عباس ووهب: ضحكت تعجبا من أن يكون لها ولد على كبر سنِّها وسنِّ زوجها.\rوعلى هذا القول تكون الآية على التقديم والتأخير، تقديره: وامرأته قائمة فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، فضحكت، وقالت: يا ويلتا أألد وأنا عجوز؟.\rقوله تعالى: { فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ } أي: من بعد إسحاق، { يَعْقُوبَ } أراد به والد الولد فبشرت أنها تعيش حتى 176/ب ترى ولد ولدها قرأ ابن عامر وحمزة وحفص يعقوب بنصب الباء، أي: من وراء إسحاق يعقوب. وقيل: بإضمار فعل، أي: ووهبنا له [من وراء] (2) يعقوب. وقرأ الباقون بالرفع على حذف حرف الصفة. وقيل: ومن بعد إسحاق يحدث يعقوب، فلما بشرت بالولد ضحكت فصكت وجهها، أي: ضربت وجهها تعجبا.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) ساقط من \"ب\".","part":4,"page":189},{"id":1416,"text":"{ قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73) } .\r{ قَالَتْ يَا وَيْلَتَى } نداء ندبة (1) وهي كلمة يقولها الإنسان عند رؤية ما يتعجب منه، أي: يا عجبا. والأصل يا ويلتاه. { أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ } وكانت ابنة تسعين سنة في قول ابن إسحاق. وقال مجاهد: تسعا وتسعين سنة. { وَهَذَا بَعْلِي } زوجي، سمي بذلك لأنه قيّم أمرها، { شَيْخًا } ؛ نصب على الحال، وكان سن إبراهيم مائة وعشرين سنة في قول ابن إسحاق. وقال مجاهد: مائة سنة، وكان بين البشارة والولادة سنة، { إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ } .\r{ قَالُوا } يعني الملائكة، { أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ } معناه: لا تعجبي من أمر الله، فإن الله عز وجل إذا أراد شيئا كان. { رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ } أي: بيت إبراهيم عليه السلام. قيل: هذا على معنى الدعاء من الملائكة، وقيل: معنى الخير والرحمة والنعمة.\r__________\r(1) في \"ب\": (تعجب).","part":4,"page":189},{"id":1417,"text":"والبركات جمع البركة، وهي ثبوت الخير. وفيه دليل على أن الأزواج من أهل البيت.\r{ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ } فالحميد: المحمود في أفعاله، والمجيد: الكريم، وأصل المجد الرفعة.\r{ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) } .\r{ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ } الخوف، { وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى } بإسحاق ويعقوب، { يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ } فيه إضمار، أي: أخذ وظل يجادلنا.\rقيل: معناه يكلمنا لأن إبراهيم عليه السلام لا يجادل ربه عز وجل إنما يسأله ويطلب إليه.\rوقال عامة أهل التفسير: معناه يجادل رسلنا، وكانت مجادلته أنه قال للملائكة: أرأيتم لو كان في مدائن لوط خمسون من المؤمنين أتهلكونهم؟ قالوا: لا قال: أو أربعون؟ قالوا: لا قال: أو ثلاثون؟ قالوا: لا حتى بلغ خمسة، [قالوا: لا] (1) ، قال: أرأيتم إن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا قال إبراهيم عليه السلام عند ذلك: إن فيها لوطا. قالوا: نحن أعلم بمن فيها، لننجيه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين.\r{ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ } قال ابن جريج: وكان في قرى قوم لوط أربعة آلاف ألف، فقالت الرسل عند ذلك لإبراهيم.\r{ يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا } أي: أعرض عن هذا المقال ودع عنك الجدال، { إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ } أي: عذاب ربك [وحكم ربك] (2) ، { وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ } نازل بهم، { عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ } أي: غير مصروف عنهم.\rقوله تعالى: { وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا } يعني: هؤلاء الملائكة، { لُوطًا } على صورة غلمان مرد حسان الوجوه، { سِيءَ بِهِمْ } أي: حزن لوط بمجيئهم، يقال: سؤته فسيء، كما يقال: سررته فسر. { وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا } أي: قلبا. يقال: ضاق ذرع فلان بكذا: إذا وقع في مكروه لا يطيق الخروج منه، وذلك أن لوطا عليه السلام لما نظر إلى حسن وجوههم وطيب روائحهم أشفق عليهم من قومه أن يقصدوهم بالفاحشة، وعلم أنه سيحتاج إلى المدافعة عنهم.\r{ وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ } أي: شديد كأنه عصب به الشر والبلاء، أي: شدّ.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) ساقط من \"ب\".","part":4,"page":190},{"id":1418,"text":"قال قتادة والسدي: خرجت الملائكة من عند إبراهيم عليه السلام نحو قرية لوط فأتوا لوطا نصف النهار، وهو في أرض له يعمل فيها.\rوقيل: إنه كان يحتطب. وقد قال الله تعالى لهم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوطٌ أربع شهادات، فاستضافوه فانطلق بهم، فلما مشى ساعة قال لهم: ما بلغكم أمر أهل هذه القرية؟ قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله إنها لشر قرية في الأرض عملا. يقول ذلك أربع مرات، فدخلوا معه منزله.\rوروي: أنه حمل الحطب وتبعته الملائكة فمرّ على جماعة من قومه فغمزوا فيما بينهم، فقال لوط: إنَّ قومي شر خلق الله، ثم مرّ على قوم آخرين، فغمزوا، فقال مثله، ثم مرّ بقوم آخرين فقال مثله، فكان كلما قال لوط هذا القول قال جبريل للملائكة: اشهدوا، حتى أتى منزله.\rورُوي: أنّ الملائكة جاؤوا إلى بيت لوط فوجدوه في داره ولم يعلم بذلك أحد إلا أهل بيت لوط، فخرجت امرأته فأخبرت قومها، وقالت: إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قط (1) .\r{ وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) } .\r{ وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } قال ابن عباس [وقتادة] (2) : يسرعون إليه. وقال مجاهد: يهرولون، وقال الحسن: مشي بين مشيتين. قال شمر بن عطية: بين الهرولة [والجمز] (3) .\r{ وَمِنْ قَبْلُ } أي: من قبل مجيئهم إلى لوط، { كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ } كانوا يأتون الرجال في أدبارهم. { قَالَ } لهم لوط حين قصدوا أضيافه وظنوا أنهم غلمان، { يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } يعني: بالتزويج، وفي (4) أضيافه ببناته، وكان في ذلك الوقت، تزويج المسلمة من الكافر جائزًا كما زوّج النبي صلى الله عليه وسلم ابنته من عتبة بن أبي لهب، وأبي العاص بن الربيع قبل الوحي، وكانا كافرين (5) .\rوقال الحسين بن الفضل: عرض بناته عليهم بشرط الإسلام.\rوقال مجاهد وسعيد بن جبير: قوله: { هَؤُلاءِ بَنَاتِي } أراد: نساءهم، وأضاف إلى نفسه لأن كل\r__________\r(1) انظر: الطبري: 15 / 408-409، 424-425، الدر المنثور: 4 / 457 وما بعدها.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) في \"ب\": (الخبب).\r(4) هكذا في الأصل، ولعلها \"وقى\".\r(5) ذكره ابن هشام والطبراني والبيهقي في الدلائل انظر: الكافي الشاف ص (86-87).","part":4,"page":191},{"id":1419,"text":"نبي أبو أمته. وفي قراءة أبي بن كعب: \" النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجُه أمهاتُهم \" {الأحزاب -6} وهو أب لهم.\rوقيل: ذكر ذلك على سبيل الدفع لا على التحقيق، ولم يرضوا هذا.\r{ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي } [أي: خافوا الله ولا تخزونِ في ضيفي] (1) ، أي: لا تسوءوني ولا تفضحوني في أضيافي. { أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ } صالح سديد. قال عكرمة: رجل يقول لا إله إلا الله. وقال ابن إسحاق: رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.\r{ قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80) قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) } .\r{ قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ } يا لوط، { مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ } أي: لسن أزواجا لنا فنستحقهن بالنكاح. وقيل: معناه مَا لنَا فيهن من حاجة وشهوة. { وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ } من إتيان الرجال.\r{ قَالَ } لهم لوط عند ذلك: { لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً } أراد قوة البدن، أو القوة بالأتباع، { أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ } أي: أنضم إلى عشيرة مانعة. وجواب \"لو\" مضمر أي لقاتلناكم وحُلْنا بينكم وبينهم . قال أبو هريرة: ما بعث الله بعده نبيا إلا في منعة من عشيرته.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، أنبأنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب بن أبي حمزة، أنبأنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"يغفر الله للوط إنْ كانَ لَيأوي إلى رُكنٍ شديد\" (2) .\rقال ابن عباس وأهل التفسير: أغلق لوط بابه والملائكة معه في الدار، وهو يناظرهم ويناشدهم من وراء الباب 177/أ وهم يعالجون تسوّر الجدار، فلما رأتِ الملائكة ما يلقى لوط بسببهم:\r{ قَالُوا يَا لُوطُ } إنَّ ركنك لشديد، { إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ } فافتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب فدخلوا فاستأذن جبريل ربه عز وجل في عقوبتهم، فأذن له، فقام في الصورة التي\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب \"ولوطا إذ قال لقومه: أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون\" :6 / 415.","part":4,"page":192},{"id":1420,"text":"يكون فيها فنشر جناحه وعليه وشاح من دُرٍّ منظوم، وهو برَّاق الثنايا، أجلى الجبين، ورأسه حُبُك (1) مثل المرجان، كأنه الثلج بياضا وقدماه إلى الخضرة، فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم وأعماهم، فصاروا لا يعرفون الطريق ولا يهتدون إلى بيوتهم، فانصرفوا وهم يقولون: النجاء النجاء، فإن في بيت لوط أسحر قوم في الأرض سحرونا، وجعلوا يقولون: يا لوط كما أنت حتى تصبح فسترى ما تلقى منا غدا. يُوعِدونه، فقال (2) لوط للملائكة: متى موعد إهلاكهم؟ فقالوا: الصبح، فقال: أريد أسرع من ذلك فلو أهلكتموهم الآن، فقالوا { أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ } ثم قالوا، { فَأَسْرِ } يا لوط، { بِأَهْلِكَ } .\rقرأ أهل الحجاز \"فَاسْرِ وأنِ اسرِ\" بوصل الألف [حيث وقع في القرآن] (3) من سرى يَسْري، وقرأ الباقون بقطع الألف من أسرى يُسري، ومعناهما واحد وهو المسير بالليل.\r{ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ } قال ابن عباس: بطائفة من الليل. وقال الضحاك: ببقية. وقال قتادة: بعد مضي أوله وقيل: إنه السحر الأول.\r{ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا امْرَأَتَكَ } قرأ ابن كثير وأبو عمرو: \"امرأتُك\" برفع التاء على الاستثناء من الالتفات، أي: لا يلتفت منكم أحد إلا امرأتُك فإنها تلتفت فتهلك، وكان لوط قد أخرجها معه ونهى من تبعه، ممن أسرى بهم أن يلتفت، سوى (4) زوجته، فإنها لما سمعت هدة العذاب التفتت، وقالت: يا قوماه، فأدركها حجر فقتلها.\rوقرأ الآخرون: بنصب التاء على الاستثناء من الإسراء، أي: فأسر بأهلك إلا امرأتك فلا تَسْرِ بها وخَلِّفها مع قومها، فإن هواها إليهم، وتصديقه قراءة ابن مسعود \"فأسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك ولا يلتفت منكم أحد\".\r{ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ } من العذاب، { إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ } أي: موعد هلاكهم وقت الصبح، فقال لوط: أريد أسرع من ذلك، فقالوا { أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ } .\r__________\r(1) يعني \"حبك الشعر\" وهو الجعد المتكسر منه. وانظر: الطبري: 15 / 430 مع التعليق عليه.\r(2) هكذا في المخطوط. وفي المطبوع جاء قبل قول لوط: \"قالت الملائكة: لا تخف، إنا أرسلنا لإهلاكهم، فقال لوط...\".\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) هكذا في الأصل وفي المطبوع ولعلها: فلم يلتفت سوى زوجته - كما جاء في هامش \"أ\".","part":4,"page":193},{"id":1421,"text":"{ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83) وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) } .\rقوله: { فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا } عذابنا، { جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا } وذلك أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت قرى قوم لوط المؤتفكات وهي خمس مدائن، وفيها أربعمائة ألف، وقيل: أربعة آلاف ألف، فرفع المدائن كلها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة، ونباح الكلاب، فلم يكفأ لهم إناء ولم ينتبه نائم، ثم قلبها فجعل عاليها سافلها. { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا} أي على شذاذها ومسافريها. وقيل: بعدما قلبها أمطر","part":4,"page":193},{"id":1422,"text":"عليها، { حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ } قال ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير :(سنك وكل) فارسي معرب.\rوقال قتادة وعكرمة: السجيل الطين، دليله قوله عز وجل: { لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ }(الذاريات -33) .\rقال مجاهد: (1) أولها حجر وآخرها طين.\rوقال الحسن: كان أصل الحجارة طينا فشددت.\rوقال الضحاك: يعني الآجر.\rوقيل: السجيل اسم السماء الدنيا . (2)\rوقيل: هو جبال في السماء، قال الله تعالى { وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ }(النور -43) .\rقوله تعالى: { مَنْضُودٍ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: متتابع، يتبع بعضها بعضا، مفعول من النضد، وهو وضع الشيء بعضه فوق بعض.\r{ مُسَوَّمَة } من نعت الحجارة، وهي نصب على الحال، ومعناها معلمة: قال ابن جريج: عليها سيما لا تشاكل حجارة الأرض.\rوقال قتادة وعكرمة: عليها خطوط حمر على هيئة الجزع.\rوقال الحسن والسدي: كانت مختومة عليها أمثال الخواتيم.\rوقيل: مكتوب على كل حجر اسم من رُمي به.\r{ عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ } يعني: تلك الحجارة، { مِنَ الظَّالِمِينَ } أي: من مشركي مكة، { بِبَعِيدٍ } وقال قتادة وعكرمة: يعني ظالمي هذه الأمة، والله ما أجار الله منها ظالما بعد.\rوفي بعض الآثار: \"ما من ظالم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة\".\rوروي: أن الحجر اتبع شذاذهم ومسافريهم أين كانوا في البلاد، ودخل رجل منهم الحرم فكان الحجر معلقا في السماء أربعين يوما حتى خرج فأصابه فأهلكه.\rقوله عز وجل: { وَإِلَى مَدْيَنَ } أي: وأرسلنا إلى ولد مدين،\r__________\r(1) في ب\": قال ابن عباس.\r(2) قاله أبو العالية وابن زيد. وهذا ضعيف، لوصفه بـ \"منضود\". انظر: البحر المحيط: 5 / 249.","part":4,"page":194},{"id":1423,"text":"{ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ } أي: لا تبخسوا، وهم كانوا يطففون مع ِشْركهم، { إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ } قال ابن عباس: موسرين في نعمة. وقال مجاهد: في خصب وسعة، فحذرهم زوال النعمة، وغلاء السعر، وحلول النقمة، إن لم يتوبوا. فقال: { وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ } يحيط بكم فيهلككم.\r{ وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) } .\r{ وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ } أتموهما، { بِالْقِسْطِ } بالعدل. وقيل: بتقويم لسان الميزان، { وَلا تَبْخَسُوا } لا تنقصوا، { النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ } .\r{ بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني ما أبقى الله لكم من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن خير مما تأخذونه بالتطفيف. وقال مجاهد: بقية الله: أي طاعة الله، خير لكم إن كنتم مؤمنين بأن ما عندكم من رزق الله وعطائه. { وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } بوكيل. وقيل: إنما قال ذلك لأنه لم يؤمر بقتالهم.\r{ قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا } من الأوثان. قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان شعيب عليه السلام كثير الصلاة. لذلك قالوا هذا. وقال الأعمش: يعني: أقراءتك. { أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ } من الزيادة والنقصان.\rوقيل: كان شعيب عليه السلام نهاهم عن قطع الدنانير والدراهم وزعم أنه محرم عليهم، فقالوا: أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء من قطعها (1) .\r{ إِنَّكَ لأنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: أرادوا: السفيه الغاوي، والعرب تصف الشيء بضده فتقول: للديغ سليم وللفلاة مفازة. [وقيل] (2) قالوا على وجه الاستهزاء.\rوقيل: معناه الحليم الرشيد بزعمك.\rوقيل:هو على الصحة أي إنك يا شعيب فينا حليم رشيد، لا يجمل بك شق عصا قومك ومخالفة دينهم، كما قال قوم صالح عليه السلام: { قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا }(هود -62) .\r__________\r(1) انظر: الطبري: 15 / 450-451.\r(2) في \"ب\": (وقد) وهو أليق بالسياق.","part":4,"page":195},{"id":1424,"text":"{ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) } .","part":4,"page":196},{"id":1425,"text":"{ وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90) } .\r{ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ } بصيرة وبيان، { مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا } حلالا. وقيل: كثيرا. وكان شعيب 177/ب عليه السلام كثير المال. وقيل: الرزق الحسن: العلم والمعرفة. { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ } أي: ما أريد أن أنهاكم عن شيء ثم أرتكبه. { إِنْ أُرِيدُ } ما أريد فيما [آمركم به وأنهاكم عنه] (1) { إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ } والتوفيق: تسهيل سبيل الخير والطاعة. { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } اعتمدت، { وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } أرجع فيما ينزل بي من النوائب. وقيل: في المعاد.\r{ وَيَا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ } لا يحملنكم، { شِقَاقِي } خلافي { أَنْ يُصِيبَكُمُ } أي: على فعل ما أنهاكم عنه، { مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ } من الغرق، { أَوْ قَوْمَ هُودٍ } من الريح، { أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ } من الصيحة، { وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ } وذلك أنهم كانوا [حديثي عهد بهلاك] (2) قوم لوط.\r[وقيل: معناه وما دار قوم لوط منكم ببعيد، وذلك أنهم كانوا جيران قوم لوط] (3) .\r{ وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ } وللودود (4) معنيان: أحدهما، أنه محب للمؤمنين، وقيل: هو بمعنى المودود أي محبوب المؤمنين. وجاء في الخبر: إن شعيبا عليه السلام كان خطيب الأنبياء عليهم السلام (5) .\r__________\r(1) في \"ب\": (أمرتكم به إلى ما أنهاكم عنه).\r(2) في \"ب\": (جيران).\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) في \"ب\" (وللود...).\r(5) ذكره أبو الشيخ عن سفيان. انظر: فتح القدير للشوكاني: 2 / 522.","part":4,"page":196},{"id":1426,"text":"{ قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) } .\r{ قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ } ما نفهم، { كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا } وذلك أنه كان ضرير البصر، فأرادوا ضعف البصر (1) ، { وَلَوْلا رَهْطُكَ } عشيرتك وكان في منعة من قومه، { لَرَجَمْنَاكَ } لقتلناك. والرجم: أقبح القتل. { وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا } عندنا، { بِعَزِيزٍ } .\r{ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ } أي: مكان رهطي أهيب عندكم من الله، أي: إن تركتم قتلي لمكان رهطي فالأولى أن تحفظوني في الله. { وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا } أي: نبذتم أمر الله وراء ظهوركم وتركتموه، { إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } .\r{ وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ } أي: على تؤدتكم وتمكنكم. يقال: فلان يعمل على مكانته إذا عمل على تؤدة وتمكن. { إِنِّي عَامِلٌ } على تمكني، { سَوْفَ تَعْلَمُونَ } أيُّنا الجاني على نفسه، والمخطئ في فعله، فذلك قوله: { مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ } يذلّه { وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ } قيل: \"من\" في محل النصب، أي: فسوف تعلمون الكاذب. وقيل: محله رفع، تقديره: ومن هو كاذب يعلم كذبه ويذوق وبال أمره. { وَارْتَقِبُوا } وانتظروا العذاب { إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ } منتظر.\r{ وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ } قيل: إن جبريل عليه السلام صاح بهم صيحة فخرجت أرواحهم. وقيل: أتتهم صيحة من السماء فأهلكتهم. { فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ } ميتين.\r__________\r(1) قال ابن عطية رحمه الله: وهذا ضعيف لا تقوم عليه حجة، بضعف بصره أو بدنه، والظاهر من قولهم: \"ضعيفا\" أنه ضعيف الانتصار والقدرة، وأن رهطه الكفرة كانوا يراعون فيه. وقال أبو روق: إن الله لم يبعث نبيا أعمى، ولا نبيا به زمانة. انظر: المحرر الوجيز: 7 / 384، البحر المحيط: 5 / 256.","part":4,"page":197},{"id":1427,"text":"{ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (96) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) } .","part":4,"page":198},{"id":1428,"text":"{ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (100) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101) وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ (104) يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) } .\r{ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا } أي: كأن لم [يقيموا ولم يكونوا] (1) { فِيهَا أَلا بُعْدًا } هلاكا، { لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ } هلكت { ثَمُودُ } .\rقوله عز وجل: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ } حجة بينة.\r{ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ } بسديد.\r{ يَقْدُمُ قَوْمَهُ } يتقدمهم، { يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ } فأدخلهم { النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ } أي: بئس المدخل والمدخول فيه.\r{ وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ } أي: في هذه الدنيا، { لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ } أي: العون المعان. وقيل: العطاء المعطى، وذلك أنهم ترادفت عليهم اللعنتان، لعنة في الدنيا ولعنة في الآخرة.\r{ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ } عامر، { وَحَصِيدٌ } خراب. وقيل: منها قائم بقيت الحيطان وسقطت السقوف. وحصيد أي: انمحى أثره. وقال مقاتل: قائم يُرى له أثر وحصيد لا يُرى له أثر، وحصيد بمعنى محصود.\r{ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ } بالعذاب والهلاك، { وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ } بالكفر والمعصية. { فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ } عذاب ربك، { وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ } أي: غير تخسير، وقيل: تدمير.\r{ وَكَذَلِك } وهكذا، { أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن اسماعيل، حدثنا\r__________\r(1) في \"ب\": (يكونوا فيها).","part":4,"page":198},{"id":1429,"text":"صدقة بن الفضل، أنبأنا أبو معاوية، أنبأنا يزيد بن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته\"، قال: ثم قرأ: { وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ } (1) الآية.\rقوله عز وجل: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً } لعبرة، { لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ } يعني يوم القيامة، { وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ } أي: يشهده أهل السماء والأرض.\r{ وَمَا نُؤَخِّرُه } أي: وما نؤخر ذلك اليوم، فلا نقيم عليكم القيامة [وقرأ يعقوب، وما يؤخره بالياء] (2) { إِلا لأجَلٍ مَعْدُودٍ } [معلوم] (3) عند الله.\r{ يَوْمَ يَأْتِ } قرئ بإثبات الياء وحذفها، { لا تَكَلَّمُ } أي: لا تتكلم { نَفْسٌ إِلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ } أي: فمنهم من سبقت له الشقاوة ومنهم مَنْ سبقت له السعادة.\rأخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أنبأنا جدي أبو سهل عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار، أنبأنا أبو بكر محمد بن زكريا العُذَافِريّ، أنبأنا إسحاق بن إبراهيم بن عباد الدَّبَرِيُّ، أنبأنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن منصور، عن سعيد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: خرجنا على جنازة فبينا نحن بالبقيع إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيده مِخْصرة، فجاء فجلس، ثم نكت بها الأرض ساعة، ثم قال: \"ما من نفس منفوسة إلا قد كُتِبَ مكانها من الجنة أو النار، إلا وقد كُتِبت شقية أو سعيدة\"، قال: فقال رجل: أفلا نتكل على كتابنا يا رسول الله وندع العمل؟ قال: \"لا ولكن اعملوا فكل مُيَسَّر لما خُلِقَ له، أما أهل الشقاء فييسّرون لعمل أهل الشقاء، وأما أهل السعادة فييسَّرون لعمل أهل السعادة\"، قال: ثم تلا { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى } (4) (الليل -10)\r__________\r(1) أخرجه البخاري في تفسير سورة هود، باب \"وكذلك أخذ ربك...\" 8 / 354، ومسلم في البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، برقم (2583): 4 / 1997-1998. والمصنف في شرح السنة: 14 / 358.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) أخرجه البخاري في الجنائز، باب موعظة المحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله: 3 / 225، وفي تفسير سورة \"والليل إذا يغشى\" وفي الأدب وفي القدر، وأخرجه مسلم في القدر، باب كيفية الخلق الآدمي، برقم (2647): 4 / 2039-2040، والمصنف في شرح السنة: 1 / 131-132.","part":4,"page":199},{"id":1430,"text":"{ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) } .\rقوله: { فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: الزفير: الصوت الشديد، والشهيق الصوت الضعيف. وقال الضحاك ومقاتل: الزفير أول نهيق الحمار، والشهيق آخره إذا ردده في جوفه. وقال أبو العالية: الزفير في الحلق والشهيق في الصدر.\r{ خَالِدِينَ فِيهَا } لابثين مقيمين فيها، { مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأرْضُ } قال الضحاك: ما دامت سموات الجنة والنار وأرضهما وكل ما علاك وأظلَّك فهو سماء، وكل ما استقرت عليه قدمك فهو أرض.\rوقال أهل المعاني: هذا عبارة عن التأبيد على عادة العرب، يقولون: لا آتيك ما دامت السموات والأرض، ولا يكون كذا ما اختلف الليل والنهار، يعنون: أبدا.\rقوله تعالى: { إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ } .\rاختلفوا في هذين الاستثناءين، فقال بعضهم: الاستثناء في أهل الشقاء يرجع إلى قوم من المؤمنين يدخلهم الله النار بذنوب اقترفوها، ثم يخرجهم منها فيكون ذلك 178/أ استثناء من غير الجنس، لأن الذين أخرجوا من النار سعداء استثناهم [الله من جملة الأشقياء] (1) وهذا كما:\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن اسماعيل، حدثنا حفص بن عمر، حدثنا هشام، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"ليُصِيبَنَّ أقواما سَفْعٌ من النار بذنوب أصابوها، عقوبة، ثم يدخلهم الله الجنة بفضل رحمته، فيقال لهم: الجهَنَّمِيُّون\" (2) .\rوأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا مسدد، أخبرنا يحيى، عن الحسن بن ذكوان، أنبأنا أبو رجاء، حدثني عمران بن حصين رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"يخرج قوم من النار بشفاعة محمد، فيدخلون الجنة ويسمون الجهنميين\" (3) .\rوأما الاستثناء في أهل السعادة فيرجع إلى مدة لبثهم في النار قبل دخول الجنة.\r__________\r(1) في \"ب\": (من الأشقياء).\r(2) أخرجه البخاري في الرقاق، باب صفة الجنة والنار: 11 / 416، وفي التوحيد، باب ما جاء في قول الله تعالى: \"إن رحمة الله قريب من المحسنين\": 13 / 434، والمصنف في شرح السنة: 15 / 183. وسفع من النار؛ أي: سواد من لفح النار، أو علامة منها.\r(3) أخرجه البخاري في الموضع السابق: 11 / 418، والمصنف في شرح السنة: 15 / 183-184.","part":4,"page":200},{"id":1431,"text":"وقيل: إلا ما شاء ربك من الفريقين من تعميرهم في الدنيا واحتباسهم في البرزخ ما بين الموت والبعث، قبل مصيرهم إلى الجنة أو النار. يعني: هم خالدون في الجنة أو النار إلا هذا المقدار.\rوقيل: إلا ما شاء ربك: سوى ما شاء ربك، [معناه خالدين فيها ما دامت السموات والأرض سوى ما شاء ربك] (1) . من الزيادة على قدر مدة بقاء السموات والأرض، وذلك هو الخلود فيها، كما تقول: لفلان عليّ ألف إلا الألفين، أي: سوى الألفين اللتين تقدمتا.\rوقيل: إلا بمعنى الواو، أي: وقد شاء ربك خلود هؤلاء في النار وهؤلاء في الجنة، كقوله: { لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا }(البقرة -150)، أي: ولا الذين ظلموا.\rوقيل: معناه ولو شاء ربك لأخرجهم منها ولكنه لا يشاء أنه حكم لهم بالخلود.\rقال الفراء: هذا الاستثناء استثناه الله ولا يفعله، كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وعزيمتك أن تضربه (2) .\r{ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ } .\r{ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108) } .\r{ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا } قرأ حمزة والكسائي وحفص { سُعِدُوا } بضم السين [وكسر العين] ، أي: رُزِقوا السعادة، وسُعِدَ وأُسعِدَ بمعنى واحد. وقرأ الآخرون بفتح السين قياسا على \"شقوا\". { فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّموَاتُ وَالأرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ } قال الضحاك: إلا ما مكثوا في النار حتى أدخلوا الجنة. قال قتادة: الله أعلم بثنياه. { عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ } أي غير مقطوع. قال ابن زيد: أخبرنا الله تعالى بالذي يشاء لأهل الجنة، فقال: { عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ } ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار.\r__________\r(1) ساقط من (ب) .\r(2) قال الطبري رحمه الله: وأولى الأقوال في تأويل هذه الآية بالصواب، القول الذي ذكرناه عن قتادة والضحاك: من أن ذلك استثناء في أهل التوحيد من أهل الكبائر، أنه يدخلهم النار خالدين فيها أبدا، إلا ما شاء من تركهم فيها أقل من ذلك، ثم يخرجهم فيدخلهم الجنة. وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصحة في ذلك: لأن الله جل ثناؤه أوعد أهل الشرك به الخلود في النار، وتظاهرت بذلك الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغير جائز أن يكون استناء في أهل الشرك، وأن الأخبار قد تواترت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يدخل قوما من أهل الإيمان بذنوب أصابوها النار، ثم يخرجهم منها فيدخلهم الجنة. فغير جائز أن يكون ذلك استثناء في أهل التوحيد قبل دخولها، مع صحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا = وإنا إن جعلناه استثناء في ذلك كنا قد دخلنا في قول من يقول: \"لا يدخل الجنة فاسق، ولا النار مؤمن\" وذلك خلاف مذهب أهل العلم، وما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فسد هذان الوجهان، فلا قول قال به القدوة من أهل العلم، إلا الثالث -أي هذا الراجح- انظر: الطبري: 15 / 484-485.","part":4,"page":201},{"id":1432,"text":"وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد، وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابا (1) .\rوعن أبي هريرة رضي الله عنه مثله (2) .\rومعناه عند أهل السنة إن ثبت: أن لا يبقى فيها أحد من أهل الإيمان. وأما مواضع الكفار فممتلئة أبدا.\r__________\r(1) انظر: فتح القدير للشوكاني: 2 / 527.\r(2) عزاه السيوطي لإسحاق بن راهويه. الدر المنثور: 4 / 478، وانظر: فتح القدير، الموضع نفسه، وفيه رده على الزمخشري.","part":4,"page":202},{"id":1433,"text":"{ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (109) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (110) وَإِنَّ كُلا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (111) } .\r{ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ } في شك، { مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ } أنهم ضُلال، { مَا يَعْبُدُونَ إِلا كَمَا يَعْبُدُ } فيه إضمار، أي: كما كان يعبد، { آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ } حظهم من الجزاء. { غَيْرَ مَنْقُوصٍ } .\r{ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ } التوراة، { فَاخْتُلِفَ فِيهِ } فمِنْ مصدق به ومكذب، كما فعل قومك بالقرآن، يُعزي نبيه صلى الله عليه وسلم { وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ } في تأخير العذاب عنهم، { لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } أي: لَعُذِّبوا في الحال وفُرِغ من عذابهم وإهلاكهم، { وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ } موقع في الريبة والتهمة.\r{ وَإِنَّ كُلا } قرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر: \"وإنْ كلا\" ساكنة النون على تخفيف إن الثقيلة، والباقون بتشديدها، { لَمَّا } شددها هنا وفي يس والطارق: ابن عامر وعاصم وحمزة، [وافق أبو جعفر ها هنا، وفي الطارق وفي الزخرف، بالتشديد عاصم وحمزة] (1) والباقون بالتخفيف، فمن شدد قال الأصل فيه: { وَإِنَّ كُلا } [لمن ما، فوصلت من الجارة بما، فانقلبت النون ميما للإدغام، فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت إحداهن، فبقيت لما بالتشديد، و \"ما\" ها هنا بمعنى: مَنْ، هو اسم لجماعة من الناس، كما قال تعالى: { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ }(النساء -3)، أي: من طاب لكم، والمعنى: وإنَّ كلا لمن جماعة ليوفينهم] (2) .\rومن قرأ بالتخفيف قال: \"ما\" صلة [زيدت بين اللامين ليفصل بينهما كراهة اجتماعهما، والمعنى] (3) وإن كلا ليوفينهم.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":4,"page":202},{"id":1434,"text":"وقيل \"ما\" بمعنى مَنْ، تقديره: لمن ليوفينهم، واللام في \"لما\" لام التأكيد [التي تدخل على خبر إن] (1) ، وفي ليوفينَّهم لام القسم، [والقسم مضمر] (2) تقديره: والله، { لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ } أي: جزاء أعمالهم، { إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } .\r{ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (113) } .\rقوله عز وجل: { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ } أي: استقم على دين ربك، والعمل به، والدعاء إليه كما أمرت، { وَمَنْ تَابَ مَعَكَ } أي: ومن آمن معك فليستقيموا، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعلب (3) .\rأخبرنا الإمام الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان، أخبرنا والدي إملاء، حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق، حدثنا محمد بن العلاء بن كريب، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت، يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال: \"قل آمنت بالله ثم استقم\" (4) .\r{ وَلا تَطْغَوْا } لا تجاوزوا أمري ولا تعصوني، وقيل: معناه ولا تغلوا فتزيدوا على ما أمرتُ ونهيتُ.\r{ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } لا يخفى عليه من أعمالكم شيء. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشدّ عليه من هذه الآية، ولذلك قال: \"شيبتني هود وأخواتها\" (5) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبدالسلام بن مُطَهَّر ، ثنا عمر بن علي، عن معن بن محمد الغفاري، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إن الدين يُسر ولن يشادَّ الدينَ أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدُّلْجة\" (6) .\rقوله عز وجل: { وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا } قال ابن عباس رضي الله عنهما: ولا تميلوا. والركون:\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) عزاه في كنز العمال: 2 / 495 لسعيد بن منصور وابن المبارك وأحمد في الزهد وعبد بن حميد والحاكم وابن المنذر ورسته في الإيمان والصابوني في المائتين.\r(4) أخرجه مسلم في الإيمان، باب جامع أوصاف الإسلام، برقم (38): 1 / 65، والمصنف في شرح السنة: 1 / 31.\r(5) سيأتي تخريجه قريبا في ختام السورة.\r(6) أخرجه البخاري في الإيمان، باب الدين يسر: 1 / 93، والمصنف في شرح السنة: 4 / 49-50. والدلجة: هي السير آخر الليل، وقيل: الليل كله.","part":4,"page":203},{"id":1435,"text":"هو المحبة والميل بالقلب، وقال أبو العالية: لا ترضوا بأعمالهم. قال السدي: لا تداهنوا الظلمة. وعن عكرمة: لا تطيعوهم. وقيل: لا تسكنوا إلى الذين ظلموا. { فَتَمَسَّكُمُ } فتصيبكم، { النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ } أي: أعوان يمنعونكم من عذابه، { ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ } .\r{ وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) } .\rقوله عز وجل: { وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ } أي: الغداة والعشي. [يعني: صلاة الصبح والمغرب] (1) ، قال مجاهد: طرفا النهار صلاة [الصبح] (2) والظهر والعصر. \"وزُلَفًا من الليل\"، صلاة المغرب والعشاء.\rوقال مقاتل: صلاة الفجر والظهر طرف، وصلاة العصر والمغرب طرف، وزُلَفًا من الليل، يعني: صلاة العشاء.\rوقال الحسن: طرفا النهار. الصبح والعصر، وزلفا من الليل: المغرب والعشاء. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: طرفا النهار الغداة والعشي، يعني صلاة الصبح والمغرب.\rقوله: { وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ } أي: 178/ب ساعاته واحدتها زلفة . وقرأ أبو جعفر \"زُلُفًا\" بضم اللام.\r{ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } يعني: إن الصلوات الخمس يذهبن الخطيئات.\rرُوي أنها نزلت في أبي اليَسَر، قال: أتتني امرأة تبتاع تمرا فقلت لها: إن في البيت تمرا أطيب منه: فدخلت معي البيت، فأهويت إليها فقبلتها، فأتيتُ أبا بكر رضي الله عنه فذكرت ذلك له فقال: استر على نفسك وتب، فأتيت عمر رضي الله عنه فذكرت ذلك له، فقال: استر على نفسك وتُبْ، فلم أصبر فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: \"أخلفتَ غازيا في سبيل الله في أهله بمثل هذا، حتى ظن أنه من أهل النار؟ فأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أوحى الله إليه: { وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ } الآية، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألهذا خاصة أم للناس عامة؟ قال: \"بل للناس عامة\" (3) .\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) أخرجه الترمذي في تفسير سورة هود، عن أبي اليسر: 8 / 538-539، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب... وفي الباب عن أبي أمامة وواثلة بن الأسقع وأنس بن مالك. وأبو اليَسَر: اسمه كعب بن عمرو. وأخرجه أيضا النسائي والبزار وابن مردويه والطبراني والطبري. وانظر: الدر المنثور: 4 / 482، فتح الباري: 8 / 356، الكافي الشاف ص (88). أسباب النزول للواحدي ص (306-310).","part":4,"page":204},{"id":1436,"text":"أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل أنبأنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا يزيد بن زريع عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رجلا أصاب من أمرأة قبلة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأنزل الله تعالى { وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } قال الرجل: يا رسول الله ألي هذا؟ قال: \"لجميع أمتي كلهم\" (1) .\rوأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنبأنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، أنبأنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثني أبو طاهر، وهارون بن سعيد الأيلي، قالا حدثنا ابن وهب، عن أبي صخر، أن عمر بن إسحاق مولى زائدة حدَّثه عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: \"الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر\" (2) .\rوأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا محمد الحسين بن أحمد المخلدي، أنبأنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، أنبأنا قتيبة، أنبأنا الليث وبكر بن مضر، عن ابن الهادي، عن محمد ابن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا. قال: فكذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا\" (3) .\rقوله عز وجل: { ذَلِك } أي: ذلك الذي ذكرنا. وقيل: هو إشارة إلى القرآن، { ذِكْرَى } عظة { لِلذَّاكِرِينَ } أي لمن ذكره.\r{ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115) } .\r{ وَاصْبِرْ } يا محمد على ما تلقى من الأذى. وقيل: على الصلاة، ونظيره { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا }(طه -132) { فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } في أعمالهم.. قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني المصلين.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير، سورة هود، باب \"وأقم الصلاة طرفي النار...\" 8 / 355.\r(2) أخرجه مسلم في الطهارة، باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة... برقم (233): 1 / 209، والمصنف في شرح السنة: 2 / 177.\r(3) أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة، باب الصلوات الخمس كفارة: 2 / 11، ومسلم في المساجد، باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا، برقم (667): 1 / 462-463. والمصنف في شرح السنة: 2 / 175.","part":4,"page":205},{"id":1437,"text":"{ فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأرْضِ إِلا قَلِيلا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117) } .","part":4,"page":206},{"id":1438,"text":"{ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) } .\rقوله عز وجل: { فَلَوْلا } فهلا { كَانَ مِنَ الْقُرُونِ } التي أهلكناهم، { مِنْ قَبْلِكُمْ } والآية للتوبيخ { أُولُو بَقِيَّة } أي: أولو تمييز. وقيل: أولو طاعة. وقيل: أولو خير. يقال: فلان ذو بقية إذا كان فيه خير. معناه: فهلا كان من القرون من قبلكم من فيه خير ينهى عن الفساد في الأرض؟ [وقيل: معناه أولو بقية من خير. يقال: فلان على بقية من الخير إذا كان على خصلة محمودة] (1) .\r{ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأرْضِ } أي يقومون بالنهي عن الفساد، ومعناه جحد، أي: لم يكن فيهم أولو بقية. { إِلا قَلِيلا } هذا استثناء منقطع معناه: لكن قليلا { مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ } وهم أتباع الأنبياء كانوا ينهون عن الفساد في الأرض. { وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا } نعموا، { فِيهِ } والمُترَف: المُنَعّم. وقال مقاتل بن حيان: خولوا. وقال الفراء: [عُودوا من النعيم واللذات وإيثار الدنيا] (2) أي: واتبع الذين ظلموا ما عودوا من النعيم واللذات وإيثار الدنيا على الآخرة. { وَكَانُوا مُجْرِمِينَ } كافرين.\r{ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ } أي: لا يهلكهم بشركهم، { وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ } فيما بينهم يتعاطون الإنصاف ولا يظلم بعضهم بعضا، وإنما يهلكهم إذا تظالموا، وقيل: لا يهلكهم بظلم منه وهم مصلحون في أعمالهم، ولكن يهلكهم بكفرهم وركوبهم السيئات.\rقوله عز وجل: { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ } كلهم { أُمَّةً وَاحِدَةً } على دين واحد. { وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } على أديان شتى من بين يهودي ونصراني، ومجوسي، ومشرك.\r{ إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ } معناه: لكن من رحم ربك فهداهم إلى الحق، فهم لا يختلفون، { وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } قال الحسن وعطاء: وللاختلاف خلقهم. وقال أشهب: سألْتُ مالكًا عن هذه الآية، فقال: خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) ساقط من \"ب\".","part":4,"page":206},{"id":1439,"text":"وقال أبو عبيدة: الذي أختاره قول من قال: خلق فريقا لرحمته وفريقا لعذابه.\rوقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: وللرحمة خلقهم، يعني الذين رحمهم.\rوقال الفراء: خلق أهل الرحمة للرحمة، وأهل الاختلاف للاختلاف.\rوحاصل (1) الآية: أن أهل الباطل مختلفون، وأهل الحق متفقون، فخلق الله أهل الحق للاتفاق، وأهل الباطل للاختلاف.\r{ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ } وتم حكم ربك، { لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } .\r{ وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (121) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (122) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123) } .\r{ وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ } معناه: وكل الذي تحتاج إليه من أنباء الرسل، أي: من أخبارهم وأخبار أممهم نقصها عليك لنثبت به فؤادك، لنزيدك يقينا ونقوي قلبك، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمعها كان في ذلك تقوية لقلبه على الصبر على أذى قومه.\r{ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ } قال الحسن وقتادة: في هذه الدنيا.\rوقال غيرهما: في هذه السورة. وهذا قول الأكثرين.\rخصَّ هذه السورة تشريفا، وإن كان قد جاءه الحق في جميع السور.\r{ وَمَوْعِظَةٌ } أي: وجاءتك موعظة، { وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } .\r{ وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ } أمر تهديد ووعيد، { إِنَّا عَامِلُونَ } .\r{ وَانْتَظِرُوا } ما يحل بنا من رحمة الله، { إِنَّا مُنْتَظِرُونَ } ما يحل بكم من نقمة الله.\r{ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأرْض } أي: علم ما غاب عن العباد فيهما، { وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ } في المعاد.\rقرأ نافع وحفص: \"يرجع\" بضم الياء وفتح الجيم: أي: يرد. وقرأ الآخرون بفتح الياء وكسر الجيم، أي: يعود الأمر كله إليه حتى لا يكون للخلق أمر.\r__________\r(1) في \"ب\" (ومحصول...).","part":4,"page":207},{"id":1440,"text":"{ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ } وثق به، { وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } قرأ أهل المدينة والشام وحفص ويعقوب: \"تعملون\" بالتاء ها هنا وفي آخر سورة النمل. وقرأ الآخرون بالياء فيهما.\rقال كعب: خاتمة التوراة خاتمة سورة هود (1) .\rأخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أنبأنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي، أنبأنا أبو سعيد 179/أ الهيثم بن كليب، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، حدثنا معاوية بن هشام، عن شيبان، عن أبي إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله قد شبت، فقال صلى الله عليه وسلم: \"شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت\" (2) .\rويروى: \"شيبتني هود وأخواتها\" (3) .\r__________\r(1) أخرجه الطبري عن كعب: 11 / 252، 15 / 545، ورجال إسناده ثقات. وقال السيوطي في الدر المنثور: 4 / 493 \"أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن الضريس في فضائل القرآن، وابن جرير، وأبو الشيخ\".\r(2) أخرجه الترمذي في تفسير سورة الواقعة: 9 / 184، وقال: \"هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه\"، وأخرجه في كتاب المفرد \"الشمائل\" ص (46)، وصححه الحاكم في المستدرك: 2 / 343، والمصنف في شرح السنة: 14 / 372. وأخرجه ابن أبي شيبة، والبزار، والطبراني، وذكره الدارقطني في العلل، وأخرجه البيهقي عن عمر بن الخطاب. وابن سعد. وابن عدي من رواية يزيد الرقاشي عن أنس. انظر: المطالب العالية: 3 / 342، الكافي الشاف ص (87)، فيض القدير للمناوي: 4 / 168، ومجمع الزوائد: 7 / 37.\r(3) أخرجه الترمذي في \"الشمائل المحمدية\" ص (47) عن أبي جحيفة السوائي، والمصنف في شرح السنة: 14 / 374، والطبراني عن عقبة بن عامر. وقال البوصيري: \"رواه أبو يعلى، والترمذي في الشمائل، ورواته ثقات\". انظر: فيض القدير: 4 / 168-169، المطالب العالية: 3 / 342.","part":4,"page":208},{"id":1441,"text":"سورة يوسف\r( سورة يوسف عليه السلام مكية (1) ) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3) } .\r{ الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ } أي: البيِّن حلاله وحرامه، وحدوده وأحكامه. قال قتادة: مبين -والله-بركتُه وهداه ورشدُه، فهذا مِنْ بان أي: ظهر.\rوقال الزجاج: مبيّن الحق من الباطل والحلال من الحرام، فهذا من أبان بمعنى أظهر.\r{ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ } يعني: الكتاب، { قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } أي: أنزلناه بلغتكم، لكي تعلموا معانيه، وتفهموا ما فيه.\r{ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ } أي: نقرأ عليك { أَحْسَنَ الْقَصَصِ } والقاصُّ هو الذي يتبع (2) الآثار ويأتي بالخبر على وجهه.\rمعناه: نبّين لك أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية أحسن البيان.\r__________\r(1) قال ابن عباس وقتادة: مكية، إلا ثلاث آيات من أولها، ونقل القرطبي عنهما: إلا أربع آيات. انظر: البحر المحيط: 5 / 277، القرطبي: 9 / 118.\r(2) في \"ب\": يتتبع.","part":4,"page":209},{"id":1442,"text":"وقيل: المراد منه: قصة يوسف عليه السلام خاصة، سماها أحسن القصص لِمَا فيها من العِبَر والحِكَم والنُّكَتِ والفوائد التي تصلح للدين والدنيا، من سِيَرِ الملوك والمماليك، والعلماء، ومكر النساء، والصبر على أذى الأعداء، وحسن التجاوز عنهم بعد الالتقاء، وغير ذلك من الفوائد.\rقال خالد بن معدان: سورة يوسف وسورة مريم يتفكه بهما أهل الجنة في الجنة.\rوقال ابن عطاء: لا يسمع (1) سورة يوسف محزون الا استراح إليها.\rقوله عز وجل: { بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } \"ما\" المصدر، أي: بإيحائنا إليك، { هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ } وقد كنت، { مِنْ قَبْلِهِ } أي: [قبل وحينا] (2) { لَمِنَ الْغَافِلِينَ } لمن الساهين عن هذه القصة لا تعلمها.\rقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلاه عليهم زمانا فقالوا: يا رسول الله لو حدثتنا، فأنزل الله عز وجل: { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ }(الزمر -23) فقالوا: يا رسول الله لو قصصتَ علينا، فأنزل الله عز وجل: { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ } فقالوا: يا رسول الله لو ذكرتنا، فأنزل الله عز وجل (3) أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ }(الحديد -16).\r{ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) } .\rقوله عز وجل: { إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأبِيهِ } أي: واذكر إذ قال يوسف لأبيه، ويوسف اسم عبري [عُرِّبَ] (4) ، ولذلك لا يجري [عليه الإعراب] وقيل هو عربي (5) .\rسئل أبو الحسن الأقطع عن يوسف؟ فقال: الأسف في اللغة: الحزن، والأسيف: العبد، واجتمعا في يوسف عليه السلام فسُمّي به.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل قال: قال عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الصمد، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار،\r__________\r(1) في \"ب\": يتتبع.\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) أخرجه الطبري: 15 / 55، وصححه ابن حبان ص (432) من موارد الظمآن، والحاكم: 2 / 345 ووافقه الذهبي، ومن طريقه أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص (311). وأخرجه أيضا: إسحاق بن راهويه، والبزار، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ وابن مردويه. انظر: الدر المنثور: 4 / 496، المطالب العالية: 3 / 343.\r(4) ساقط من \"ب\".\r(5) ساقط من \"ب\".","part":4,"page":212},{"id":1443,"text":"عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إنّ الكريمَ ابن الكريمِ ابنِ الكريم ابنِ الكريم يوسفُ بنُ يعقوبَ بن إسحاق بن إبراهيم (1) .\r{ يَا أَبَتِ } قرأ أبو جعفر وابن عامر { يَا أَبَتَ } بفتح التاء في جميع القرآن على تقدير: يا أبتاه.\rوقرأ الآخرون: { يَا أَبَتِ } بكسر التاء لأن أصله: يا أبتْ، والجزم يحرك إلى الكسر.\r{ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا } أي نجما من نجوم السماء، ونصب الكواكب على التفسير.\r{ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ } ولم يقل رأيتها إليَّ ساجدة، والهاء والميم والياء والنون من كنايات مَنْ يعقل، لأنه لما أخبر عنها بفعل مَنْ يعقل عبر عنها بكناية من يعقل كقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنََكُمْ }(النمل -18) .\rوكان النجوم في التأويل أخواته (2) ، وكانوا أحد عشر رجلا يستضاء بهم كما يستضاء بالنجوم، والشمس أبوه، والقمر أمه. قاله قتادة.\rوقال السدي: القمر خالته، لأن أمه راحيل كانت قد ماتت .\rوقال ابن جريج: القمر أبوه والشمس أمه؛ لأن الشمس مؤنثة والقمر مذكر.\rوكان يوسف عليه السلام ابن اثنتي عشرة سنة حين رأى هذه الرؤيا.\rوقيل: رآها ليلة الجمعة ليلة القدر فلما قصها على أبيه.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء - باب قول الله تعالى: \"لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين\": 6 / 419، وفي تفسير سورة يوسف، باب \"ويتم نعمته عليك\": 8 / 361، وفي المناقب أيضا: ورواه مسلم مختصرا، وأخرجه المصنف في شرح السنة: 13 / 126. انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني: 4 / 152.\r(2) في \"ب\": إخوته.","part":4,"page":213},{"id":1444,"text":"{ قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5) } .\r{ قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ } وذلك أن رؤيا الأنبياء عليهم السلام وحي فعلم يعقوب أن الإخوة إذا سمعوها حسدوه فأمره بالكتمان، { فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا } فيحتالوا في إهلاكك لأنهم يعلمون تأويلها فيحسدونك. واللام في قوله \"لك\" صلة، كقوله تعالى: { لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ }(الأعراف -154). وقيل: هو مثل قولهم نصحتك ونصحت لك، وشكرتك وشكرت لك. { إِنَّ الشَّيْطَانَ للإنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ } أي: يزين لهم الشيطان، ويحملهم على الكيد، لعداوته القديمة.","part":4,"page":213},{"id":1445,"text":"أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا عبد الرحمن بن أبي شريح، أنبأنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أنبأنا شعبة عن عبد ربه بن سعيد قال: سمعت أبا سلمة قال: كنت أرى الرؤيا تهمني حتى سمعتُ أبا قتادة يقول: كنت أرى الرؤيا فتمرضني، حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: \"الرؤيا الصالحة من الله تعالى، [والحُلْمُ من الشيطان] (1) ، فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يحدِّثْ به إلا مَنْ يحب، وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرِّها، ومن شرِّ الشيطان وَلْيَتْفُلْ ثلاثا، ولا يحدِّثْ به أحدا فإنها لن تضر\" (2) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا عبد الرحمن بن أبي شريح، أنبأنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أنبأنا شعبة عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عدس، عن أبي رزين العقيلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"الرؤيا جزءٌ من أربعينَ أو ستةٍ وأربعينَ جزءاً من النبوة وهو على رِجْل طائرٍ فإذا حدَّث بها وقعت\"، وَأَحْسبُهُ قال: \"لا تُحدِّثْ بها إلا حبيبا أو لبيبا\" (3) .\r{ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6) } .\rقوله عز وجل: { وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ } يصطفيك ربك يقوله يعقوب ليوسف، أي: كما رفع منزلتك بهذه الرؤيا، فكذلك يصطفيك ربك، { وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ } يريد تعبير الرؤيا، سمي تأويلا لأنه يؤول أمره إلى ما رأى في منامه، والتأويل ما يؤول إلى عاقبة الأمر، { وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } يعني: بالنبوة، { وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ } أي: على أولاده فإنّ أولاده كلهم كانوا أنبياء، { كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ } فجعلهما نبيين، { إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .\rوقيل: المراد من إتمام النعمة على إبراهيم الخلَّة.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) أخرجه البخاري في التعبير، باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة: 12 / 373، ومسلم في أول كتاب الرؤيا، برقم (2261): 4 / 1772، والمصنف في شرح السنة: 12 / 206.\r(3) أخرجه أبو داود في الأدب، باب الرؤيا: 7 / 298-299، والترمذي في الرؤيا، باب ما جاء في تعبير الرؤيا: 6 / 558-559، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". وابن ماجه في تعبير الرؤيا، باب \"الرؤيا إذا عبرت وقعت...\" برقم (3914): 2 / 1288، وصححه الحاكم: 4 / 390، ووافقه الذهبي، وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 4 / 10، والمصنف في شرح السنة وقال: هذا حديث حسن: 12 / 213. وقوله \"على رجل طائر\" مثل، ومعناه: أنها لا تستقر قرارها ما لم تعبر. وأما تحديثه بها الحبيب فلأنه لا يستقبلك في تفسيرها إلا بما تحب، واللبيب يخبرك بحقيقتها أو بأقرب ما يعلم منها.","part":4,"page":214},{"id":1446,"text":"وقيل: إنجاؤه من النار، وعلى إسحاق إنجاؤه من الذبح (1) .\r__________\r(1) هذا على القول بأن الذبيح هو إسحاق عليه السلام، والصحيح الثابت خلافه، ولذلك نضع هنا كلمة ضافية لابن القيم وشيخه ابن تيمية رحمهما الله، فيها إبطال القول بأن الذبيح مو إسحاق. قال ابن القيم في \"زاد المعاد\": (1 / 71-75): \"وأما القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجها. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: هذا القول إنما هو متلقى عن أهل الكتاب، مع أنه باطل بنص كتابهم، فإن فيه: إن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه بكره، وفي لفظ: وحيده، ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده، والذي غرَّ أصحاب هذا القول أن في التوراة التي بأيديهم: اذبح ابنك إسحاق، قال: وهذه الزيادة من تحريفهم وكذبهم، لأنها تناقض قوله: اذبح بكرك ووحيدك، ولكن اليهود حسدت بني إسماعيل على هذا الشرف، وأحبوا أن يكون لهم، وأن يسوقوه إليهم، ويحتازوه لأنفسهم دون العرب، ويأبى الله إلا أن يجعل فضله لأهله. وكيف يسوغ أن يُقال: إن الذبيح إسحاق، والله تعالى قد بشر أم إسحاق به وبابنه يعقوب، فقال تعالى عن الملائكة: إنهم قالوا لإبراهيم لما أتوه بالبشرى: (لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب) (هود - 70، 71) فمحال أن يبشرها بأنه يكون لها ولد، ثم يأمر بذبحه، ولا ريب أن يعقوب عليه السلام داخل في البشارة، فتناول البشارة لإسحاق ويعقوب في اللفظ واحد، وهذا ظاهر الكلام وسياقه. فإن قيل: لو كان الأمر كما ذكرتموه لكان \"يعقوب\" مجرورا عطفا على إسحاق، فكانت القراءة \"ومن وراء إسحاقَ يعقوبَ\" أي: ويعقوب من وراء إسحاق. قيل: لا يمنع الرفع أن يكون يعقوب مبشرا به، لأن البشارة قول مخصوص، وهي أول خبر سار صادق. وقوله تعالى: \"ومن وراء إسحاق يعقوب\" جملة متضمنة لهذه القيود، فتكون بشارة، بل حقيقة البشارة هي الجملة الخبرية. ولما كانت البشارة قولا، كان موضع هذه الجملة نصبا على الحكاية بالقول، كأن المعنى: وقلنا لها: من وراء إسحاق يعقوب، والقائل إذا قال: بشرت فلانا بقدوم أخيه وثَقَلِه في أَثَره، لم يعقل منه إلا بشارته بالأمرين جميعأ. هذا مما لا يستريب ذو فهم فيه البتة، ثم يضعف الجر أمر آخر، وهو ضعف قولك: مررت بزيد ومن بعده عمرو، ولأن العاطف يقوم مقام حرف الجر، فلا يفصل بينه وبين المجرور، كما لا يفصل بين حرف الجار والمجرور. ويدل عليه أيضا أن الله سبحانه لما ذكر قصة إبراهيم وابنه الذبيح في سورة (الصافات) قال: \"فلما أسلما وتله للجبين، وناديناه أن يا إبراهيم، قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين، إن هذا لهو البلاء المبين، وفديناه بذبح عظيم، وتركنا عليه في الآخرين، سلام على إبراهيم. كذلك نجزي المحسنين. إنه من عبادنا المؤمنين\" (الصافات: 103 - 111) ثم قال تعالى: \"وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين\" (الصافات -112). فهذه بشارة من الله تعالى له شكرا على صبره على ما أمر به، وهذا ظاهر جدا في أن المبشَّر به غير الأول، بل هو كالنص فيه. فإن قيل: فالبشارة الثانية وقعت على نبوته، أي: لما صبر الأب على ما أمر به، وأسلم الولد لأمر الله، جازاه الله على ذلك بأن أعطاه النبوة. قيل: البشارة وقعت على المجموع: على ذاته ووجوده، وأن يكون نبيا، ولهذا نصب \"نبيا\" على الحال المقدر، أي: مقدرا نبوته، فلا يمكن إخراج البشارة أن تقع على الأصل، ثم تخص بالحال التابعة الجارية مجرى الفضلة، هذا مُحال من الكلام، بل إذا وقعت البشارة على نبوته، فوقوعها على وجوده أولى وأحرى. وأيضا فلا ريب أن الذبيح كان بمكة، ولذلك جعلت القرابين يوم النحر بها، كما جعل السعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار تذكيرا لشأن إسماعيل وأمه، وإقامة لذكر الله، ومعلوم أن إسماعيل وأمه هما اللذان كانا بمكة دون إسحاق وأمه، ولهذا اتصل مكان الذبح وزمانه بالبيت الحرام الذي اشترك في بنائه إبراهيم وإسماعيل، وكان النحر بمكة من تمام حج البيت الذي كان على يد إبراهيم وابنه إسماعيل زمانا ومكانا، ولو كان الذبح بالشام كما يزعم أهل الكتاب ومن تلقى عنهم، لكانت القرابين والنحر بالشام، لا بمكة. وأيضا فإن الله سبحانه سمى الذبيح حليما. لأنه لا أحلم ممن أسلم نفسه للذبح طاعة لربه. ولما ذكر إسحاق سماه عليما، فقال تعالى: \"هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما. قال سلام قوم منكرون\" (الذاريات- 24، 25) إلى أن قال: \"قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم\" (الذاريات - 28) وهذا إسحاق بلا ريب، لأنه من امرأته، وهي المبشرة به، وأما إسماعيل، فمن السرية. وأيضا فإنهما بشرا به على الكبير واليأس من الولد، وهذا بخلاف إسماعيل، فإنه ولد قبل ذلك. وأيضا فإن الله سبحانه أجرى العادة البشرية أن بكر الأولاد أحب إلى الوالدين ممن بعده، وإبراهيم عليه السلام لما سأل ربه الولد، ووهبه له، تعلقت شعبة من قلبه بمحبته، والله تعالى قد اتخذه خليلا، والخلة منصب يقتضي توحيد المحبوب بالمحبة، وأن لا يشارك بينه وبين غيره فيها، فلما أخذ الولد شعبة من قلب الوالد، جاءت غيرة الخلة تنتزعها من قلب الخليل، فأمره بذبح المحبوب، فلما أقدم على ذبحه، وكانت محبة الله أعظم عنده من محبة الولد، خلصت الخلة حينئذ من شوائب المشاركة، فلم يبق في الذبح مصلحة، إذ كانت المصلحة إنما هي في العزم وتوطين النفس عليه، فقد حصل المقصود، فنسخ الأمر، وفدي الذبيح، وصدق الخليل الرؤيا، وحصل مراد الرب. ومعلوم أن هذا الامتحان والاختبار إنما حصل عند أول مولود، ولم يكن ليحصل في المولود الآخر دون الأول، بل لم يحصل عند المولود الآخر من مزاحمة الخلة ما يقتضي الأمر بذبحه، وهذا في غاية الظهور. وأيضأ فإن سارة امرأة الخليل صلى الله عليه وسلم غارت من هاجر وابنها أشد الغيرة، فإنها كانت جارية، فلما ولدت إسماعيل وأحبه أبوه، اشتدت غيرة \"سارة\"، فأمر الله سبحانه أن يبعد عنها \"هاجر\" وابنها، ويسكنها في أرض مكة لتبرد عن \"سارة\" حرارة الغيرة، وهذا من رحمته تعالى ورأفته، فكيف يأمره سبحانه بعد هذا أن يذبح ابنها، ويدع ابن الجارية بحاله، هذا مع رحمة الله لها وإبعاد الضرر عنها وجبره لها، فكيف يأمر بعد هذا بذبح ابنها دون ابن الجارية، بل حكمته البالغة اقتضت أن يأمر بعد هذا بذبح ولد السرية، فحينئذ يرق قلب السيدة عليها وعلى ولدها، وتتبدل قسوة الغيرة رحمة، ويظهر لها بركة هذه الجارية وولدها، وأن الله لا يضيع بيتا هذه وابنها منهم، وليرى عباده جبره بعد الكسر، ولطفه بعد الشدة، وأن عاقبة صبر \"هاجر\" وابنها على البعد والوحدة والغربة والتسليم إلى ذبح الولد آلت إلى ما آلت إليه، من جل آثارهما ومواطئ أقدامهما مناسك لعباده المؤمنين، ومتعبدات لهم إلى يوم القيامة، وهذه سنته تعالى فيمن يريد رفعه من خلقه أن يمن عليه بعد استضعافه وذله وانكساره. قال تعالى: \"ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين\" (القصص - 5) وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. وانظر: \"الإسرائيليات والموضوعات\" للشيخ محمد أبو شهبة ص (353-363).","part":4,"page":215},{"id":1447,"text":"وقيل: بإخراج يعقوب 179/ب والأسباط من صلبه.\rقال ابن عباس رضي الله عنهما: كان بين رؤيا يوسف هذه وبين تحقيقها بمصير أبويه وإخوته إليه أربعون سنة، وهو قول أكثر أهل التفسير.\rوقال الحسن البصري: كان بينهما ثمانون سنة. فلما بلغت هذه الرؤيا إخوة يوسف حسدوه وقالوا: ما رضي أن يسجد له إخوته حتى يسجد له أبواه فَبَغَوْهُ.\r{ لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (7) } .\rيقول الله تعالى: { لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ } أي: في خبره وخبر إخوته. وأسماؤهم: روبيل، وهو أكبرهم، وشمعون، ولاوي، ويهوذا، وزبالون، وقيل: زبلون، وآشر، وأمهم ليا بنت ليان وهي ابنة خال يعقوب عليه السلام، ووُلِدَ له من سريتين له، اسم إحداهما زلفة والأخرى يلهمة (1) أربعة أولاد: دان، ونفتالي، وقيل: نفتولي، وجاد، وأشير. ثم توفيت ليا فتزوج يعقوب عليه السلام أختها راحيل فولدت له يوسف وبنيامين. [وقيل: وابن يامين] (2) ، فكان بنو يعقوب عليه السلام اثني عشر رجلا.\r__________\r(1) في \"ب\" لمهمة.\r(2) ساقط من \"ب\". وقال ابن الجوزي في زاد المسير: 4 / 183: وإنما قيل له: ابن يامين، لأن أمه ماتت نفساء، ويامين بمعنى الوجع.","part":4,"page":216},{"id":1448,"text":"{ آيَاتٌ } قرأ ابن كثير \" آية \" على التوحيد، أي: عظة وعبرة، وقيل: عجب.\rوقرأ الآخرون: { آيَاتٌ } على الجمع.\r{ لِلسَّائِلِينَ } وذلك أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف عليه السلام.\rوقيل: سألوه عن سبب انتقال ولد يعقوب من كنعان إلى مصر. فذكر لهم قصة يوسف، فوجدوها موافقة لما في التوراة [فتعجبوا منها] (1) . فهذا معنى قوله: { آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ } [أي: دلالة على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: آيات للسائلين ولمن لم يسأل، كقوله: { سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ }(فصلت -10) ] (2) .\rوقيل: معناه عبرة للمعتبرين، فإنها تشتمل على حسد إخوة يوسف، وما آل إليه أمرهم في الحسد، وتشتمل على رؤياه، وما حقق الله منها، وتشتمل على صبر يوسف عليه السلام عن قضاء الشهوة، وعلى الرق وفي السجن، وما آل إليه أمره من الملك، وتشتمل على حزن يعقوب وصبره وما آل إليه أمره من الوصول إلى المراد وغير ذلك من الآيات.\r{ إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (8) } .\r{ إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ } اللام فيه جواب القسم تقديره: والله ليوسف، { وَأَخُوهُ } بنيامين، { أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا } كان يوسف وأخوه بنيامين من أم واحدة، وكان يعقوب عليه السلام شديد الحب ليوسف عليه السلام، وكان إخوته يرون من الميل إليه ما لا يرونه مع أنفسهم فقالوا هذه المقالة (3) ، { وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } جماعة وكانوا عشرة.\rقال الفراء: العصبة هي العشرة فما زاد.\rوقيل: العصبة ما بين الواحد إلى العشرة.\rوقيل: ما بين الثلاثة إلى العشرة.\rوقال مجاهد: ما بين العشرة إلى خمسة عشر.\rوقيل: ما بين العشرة إلى الأربعين.\rوقيل: جماعة يتعصب بعضها لبعض لا واحد لها من لفظها كالنَّفَر والرَّهْط.\r{ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ } أي خطأ بيِّن في إيثاره يوسف وأخاه علينا، وليس المراد من الضلال\r__________\r(1) في \"ب\": فعجبوا منه.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) قال ابن عطية: 7 / 440: \"وكان حب يعقوب ليوسف عليه السلام وبنيامين لصغرهما وموت أمهما، وهذا من \"حب الصغير فطرة البشر\". وقد قيل لابنة الحسن: أي بنيك أحب إليك؟ قالت: الصغير حتى يكبر، والغائب حتى يقدم، والمريض حتى يفيق\".","part":4,"page":217},{"id":1449,"text":"عن الدين، ولو أرادوه لكفروا به، بل المراد منه: الخطأ في تدبير أمر الدنيا، يقولون: نحن أنفع له في أمر الدنيا وإصلاح أمر معاشه ورعي مواشيه، فنحن أولى بالمحبة منه، فهو مخطئ في صرف محبته إليه.\r{ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (10) } .\r{ اقْتُلُوا يُوسُفَ } اختلفوا في قائل هذا القول؛ فقال وهب: قاله شمعون. وقال كعب: قاله دان.\r{ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا } أي: إلى أرض يُبْعَدُ (1) عن أبيه. وقيل: في أرض تأكله السباع.\r{ يَخْلُ لَكُمْ } يخلصْ لكم وَيصْفُ لكم. { وَجْهُ أَبِيكُمْ } عن (2) شغله بيوسف، { وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ } من بعد قتل يوسف، { قَوْمًا صَالِحِينَ } تائبين، أي: توبوا بعدما فعلتم هذا يعفُ الله عنكم. وقال مقاتل: يُصْلِحْ أمركم فيما بينكم وبين أبيكم.\r{ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ } وهو يهوذا، وقال [قتادة] (3) : روبيل، وكان ابن خالة يوسف، وكان أكبرهم سنا وأحسنهم رأيا فيه. والأول أصح أنه يهوذا، نهاهم عن قتله، وقال: القتل كبيرة عظيمة. { وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ } قرأ أبو جعفر، ونافع: \"غيابات الجب\" على الجمع في الحرفين، وقرأ الباقون \"غيابة الجب\" على الواحد، أي: في أسفل الجب وظلمته. والغيابةُ: كلُّ موضعٍ ستر عنك الشيء وغيَّبه. والجُبُّ: البئر غير المطوية لأنه جُبَّ، أي: قطع ولم يطوَ.\r{ يَلْتَقِطْهُ } يأخذه، والالتقاط: أخذ الشيء من حيث لا يحتسبه (4) ، { بَعْضُ السَّيَّارَةِ } أي: بعض المسافرين، فيذهب به إلى ناحية أخرى، فتستريحوا منه، { إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ } أي: إن عزمتم على فعلكم، وهم كانوا يومئذ بالغين، ولم يكونوا أنبياء بعد.\rوقيل: لم يكونوا بالغين، وليس بصحيح؛ بدليل أنهم قالوا: \"وتكونوا من بعده قوما صالحين\" (5) .\r__________\r(1) في \"أ\": بعيد.\r(2) في \"ب\": من.\r(3) في \"ب\": مقاتل قاله.\r(4) في \"ب\": يحس به.\r(5) قال السدي ومقاتل بن سليمان: إنهم أرادوا صلاح الحال عند أبيهم، وهذا يشبه أن يكون قصدهم في تلك الحال، ولم يكونوا حينئذ أنبياء. وقال الجمهور: \"صالحين\" معناه بالتوبة، وهو الأظهر من اللفظ، وحالهم أيضا تعطيه، لأنهم مؤمنون بنوا على عظيمة وعلّلوا أنفسم بالتوبة. انظر: المحرر الوجيز لابن عطية: 4 / 443. ومال الحافظ ابن كثير إلى الرأي الأول، فقال في التفسير: (2 / 470-471): \"اعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف، وظاهر هذا السياق يدل على خلاف ذلك. ومن الناس من يزعم أنهم أُوحي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر، ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل. ولم يذكروا سوى قوله تعالى: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط) وهذا فيه احتمال لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم: الأسباط، كما يقال للعرب: قبائل، وللعجم: شعوب، يذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل فذكرهم إجمالا لأنهم كثيرون، ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف، ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم. والله أعلم\".","part":4,"page":218},{"id":1450,"text":"\" وقالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا \" والصغير لا ذنب له.\rوقال محمد بن إسحاق: اشتمل فعلهم على جرائم من قطع الرحم، وعقوق الوالدين، وقلة الرأفة بالصغير، الذي لا ذنب له، والغدر بالأمانة، وترك العهد والكذب مع أبيهم. وعفا الله عنهم ذلك كله حتى لا ييئس أحد من رحمة الله.\rوقال بعض [أهل العلم] (1) إنهم عزموا على قتله وعصمهم الله رحمة بهم، ولو فعلوا لهلكوا أجمعين، وكل ذلك كان قبل أن أنبأهم الله تعالى (2) .\rوسئل أبو عمرو بن العلاء: كيف قالوا \"نرتع ونلعب\" وهم أنبياء؟ قال: كان ذلك قبل أن نَبَّأهم الله تعالى، فلما أجمعوا على التفريق بينه وبين والده بضرب من الحيل.\r{ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) } .\r{ قَالُوا } ليعقوب، { يَا أَبَانَا مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ } قرأ أبو جعفر: { تَأْمَنَّا } بلا إشمام (3) ، وهو رواية عن نافع [وقرأ الباقون: { تَأْمَنَّا } بإشمام الضمة في النون الأولى المدغمة، وهو إشارة إلى الضمة، من غير إمحاض، ليعلم أن أصله: لا تأمنُنا بنونين على تفعلنا، فأدغمتِ النون الاولى في الثانية] (4) ، بدؤوا بالإنكار عليه في ترك إرساله معهم كأنهم قالوا: إنك لا ترسله معنا أتخافنا عليه؟.\r{ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ } قال مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير، وذلك أنهم قالوا لأبيهم: \"أرسله معنا\" فقال أبوهم: \"إني ليحزنني أن تذهبوا به\" فحينئذ قالوا: { مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ } النصح ها هنا هو: القيام بالمصلحة، وقيل: البر والعطف، معناه: إنا عاطفون عليه، قائمون بمصلحته، نحفظه حتى نردَّه إليك.\r__________\r(1) في \"ب\": بعضهم.\r(2) هذا على القول بأن الله نبأهم فيما بعد، وهو ما قال عنه ابن كثير: فيه نظر.\r(3) في \"ب\": شمة.\r(4) ساقط من \"ب\".","part":4,"page":219},{"id":1451,"text":"{ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (14) } .","part":4,"page":220},{"id":1452,"text":"{ فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (15) } .\r{ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا } إلى الصحراء، { يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ } قرأ أبو عمرو، وابن عامر، بالنون فيهما وجزم العين من \"نرتع\" وقرأ أهل الكوفة بالياء فيهما وجزم العين من \"يرتع\" يعني يوسف، وقرأ يعقوب: \"نرتع\" بالنون \"ويلعب\" بالياء.\rوالرتع هو : الاتساع في الملاذ. يقال: رتع فلان في ماله إذا أنفقه في شهواته، يريد ونتنعم ونأكل ونشرب ونلهو وننشط.\rوقرأ أهل الحجاز: { يرتع } بكسر العين، وهو [يفتعل] (1) من الرعي.\rثم ابن كثير قرأ بالنون فيهما أي: نتحارس ويحفظ بعضُنا بعضاً.\rوقرأ أبو جعفر ونافع بالياء إخبارا عن يوسف، أي: يرعى الماشية كما نرعى نحن.\r{ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } 180/أ\r{ قَالَ } لهم يعقوب، { إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ } أي: يحزنني ذهابكم به، والحزن ها هنا: ألم القلب بفراق المحبوب، { وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ } وذلك أن يعقوب كان رأى في المنام أن ذئبا شدَّ على يوسف، فكان يخاف من ذلك، فمن ثم قال هذه المقالة (2) .\r{ قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } عشرة، { إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ } عجزة ضعفاء.\r{ فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا } أي: عزموا، { أَنْ يَجْعَلُوهُ } يلقوه، { فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ }\r__________\r(1) في \"أ\": تفعيل.\r(2) ضعف ابن عطية هذا القول، لأن يعقوب لو رأى ذلك لكان وحيا، فإما أن يخرج على وجهه وذلك لم يكن، وإما أن يعرف يعقوب لمعرفته بالعبارة مثل هذا المرئي، فكان يتشكاه بعينه، اللهم إلا أن يكون قوله \"أخاف أن يأكله الذئب\" بمعنى أخاف أن يصيبه مثل ما رأيت من أمر الذئب، وهذا بعيد. وكذلك يقول الربيع بن ضبع الفزاري:والذئبَ أخشاه إن مَرَرْتُ به ... وَحْدِي وأَخْشَى الريحَ والمطرا\rإنما خصصه لأنه كان حيوان قطره العادي. ويحتمل أن يخصصه يعقوب عليه السلام لصغر سن يوسف، أي: أخاف عليه هذا الحقير فما فوقه. وكذلك خصصه الربيع في البيت السابق لحقارته وضعفه في الحيوان. انظر: المحرر الوجيز: 4 / 450-451، البحر المحيط: 5 / 286.","part":4,"page":220},{"id":1453,"text":"هذه الواو زائدة (1) ، تقديره: أوحينا إليه، كقوله تعالى: { فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ }(الصافات -103) أي: ناديناه، { لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } يعني: أوحينا إلى يوسف عليه السلام لتصدقنّ رؤياك ولتخبرنّ إخوتك بصنيعهم هذا وهم لا يشعرون بوحي الله وإعلامه إيَّاه ذلك، قاله مجاهد.\rوقيل: معناه: وهم لا يشعرون يوم تخبرهم أنك يوسف، وذلك حين دخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون.\rوذكر وَهْبٌ وغيره: أنهم أخذوا يوسف عليه السلام بغاية الإكرام وجعلوا يحملونه، فلما برزوا إلى البرية ألقوه وجعلوا يضربونه فإذا ضربه واحد منهم استغاث بالآخر فضربه الآخر، فجعل لا يرى منهم رحيما فضربوه حتى كادوا يقتلونه وهو يصيح: يا أبتاه لو تعلم ما يصنع بابنك بنو الإماء، فلما كادوا أن يقتلوه قال لهم يهوذا: أليس قد أعطيتموني موثقا أن لا تقتلوه، فانطلقوا به إلى الجُبِّ ليطرحوه فيه، وكان ابن اثنتي عشرة سنة -وقيل: ثماني عشرة سنة-فجاؤوا به إلى بئر على غير الطريق واسعة الأسفل ضيقة الرأس. قال مقاتل: على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب عليه السلام. وقال كعب: بين مدين ومصر. وقال وهب: بأرض الأردن. وقال قتادة: هي بئر بيت المقدس فجعلوا يدلونه في البئر فيتعلق بشفير البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه فقال: يا إخوتاه رُدّوا عليّ القميص أتوارى به في الجب، فقالوا: ادعُ الشمسَ والقمرَ والكواكِبَ تواريك (2) ، قال: إني لم أرَ شيئا، فألقوه فيها.\rوقيل: جعلوه في دلو وأرسلوه فيها حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت فكان في البئر ماء فسقط فيه، ثم أوى إلى صخرة فيها فقام عليها.\rإنهم لمّا ألقوه فيها جعل يبكي فنادوه فظن أن رحمةً أدركتهم فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فيقتلوه، فمنعهم يهوذا وكان يهوذا يأتيه بالطعام، وبقي فيها ثلاث ليال (3) .\r__________\r(1) هذا على رأي الكوفيين من النحاة، يزاد عندهم بعد \"لما\" و \"حتى\" -\"إذا\" وعلى ذلك خرَّجوا قوله تعالى: (فلما أسلما وتله للجبين، وناديناه) أي: ناديناه. قال أبو حيان: وهو قول مردود لأنه ليس في القرآن شيء زائد لغير معنى. وقال البصريون: ليس في الآية زيادة، لأن جواب \"لما\" محذوف تقديره: \"فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب عظمت فتنتهم\" وقدره بعضهم: \"جعلوه فيها\" قال أبو حيان: وهذا أولى، إذ يدل عليه قوله: \"وأجمعوا أن يجعلوه\". انظر: المحرر الوجيز: 4 / 452، البحر المحيط: 5 / 287.\r(2) في \"ب\": تؤنسك.\r(3) قال أبو حيان في أمثال هذه الروايات عن وهب وكعب وغيرهما: \"وذكر المفسرون أشياء كثيرة تتضمن كيفية إلقائه في غيابة الجب، ومحاورته لهم بما يلين الصخر، وهم لا يزدادون إلا قساوة. ولم يتعرض القرآن الكريم ولا الحديث الصحيح لشيء منها فيوقف عليها في كتب التفسير\". انظر: البحر المحيط: 5 / 287.","part":4,"page":221},{"id":1454,"text":"{ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا } الأكثرون على أن الله تعالى أوحى إليه بهذا وبعث إليه جبريل عليه السلام يؤنسه ويبشره بالخروج، ويخبره أنه ينبئهم بما فعلوه ويجازيهم عليه وهم لا يشعرون (1) .\rقال ابن عباس رضي الله عنهما: ثم إنهم ذبحوا سخلة وجعلوا دمها على قميص يوسف عليه السلام.\r{ وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18) } .\r{ وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ } قال أهل المعاني: جاؤوا في ظلمة العِشاء ليكونوا أجرأ على الاعتذار بالكذب. وروي أن يعقوب عليه السلام سمع صياحهم وعويلهم فخرج وقال: ما لكم يا بَنِيَّ هل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا. قال: فما أصابكم وأين يوسف؟؟.\r{ قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ } أي: نترامى وننتضل، وقال السدي: نشتد على أقدامنا. { وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا } أي: عند ثيابنا وأقمشتنا. { فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا } بمصدق لنا، { وَلَوْ كُنَّا } وإن كنَّا { صَادِقِينَ } .\rفإن قيل: كيف قالوا ليعقوب أنت لا تصدق الصادق؟.\rقيل: معناه إنك تتهمنا في هذا الأمر لأنك خفتنا في الابتداء واتهمتنا في حقه.\rوقيل: معناه لا تصدقنا لأنه لا دليل لنا على صدقنا وإن كنَّا صادقين عند الله.\r{ وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِب } أي: بدم هو كذب، لأنه لم يكن دم يوسف. وقيل: بدم مكذوب فيه، فوضع المصدر موضع الاسم.\rوفي القصة: أنهم لطخوا القميص بالدم ولم يشقُّوه، فقال يعقوب عليه السلام: كيف أكله الذئب ولم يشق قميصه؟ فاتهمهم.\r{ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ } زيَّنت، { لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } معناه: فأمري صبر جميل أو فعلي صبر جميل.\r__________\r(1) قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون الوحي حينئذ إلى يوسف برسول، ويحتمل أن يكون بإلهام أو نوم، وكل ذلك قد قيل. وقال الحسن: أعطاه الله النبوة في الجب. وهذا بعيد. انظر: المحرر الوجيز: 4 / 453.","part":4,"page":222},{"id":1455,"text":"وقيل: فصبر جميل أختاره.\rوالصبر الجميل الذي لا شكوى فيه ولا جزع.\r{ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } أي: أستعين بالله على الصبر، على ما تكذبون.\rوفي القصة: أنهم جاؤوا بذئب ، وقالوا: هذا الذي أكله. فقال له يعقوب: يا ذئب أنت أكلت ولدي وثمرة فؤادي؟ فأنطقه الله عز وجل، فقال: تالله ما رأيت وجه ابنك قط.\rقال: كيف وقعت بأرض كنعان؟.\rقال: جئت لصلة قرابة [فصادني هؤلاء] (1) فمكث يوسف في البئر ثلاثة أيام (2) .\r{ وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19) } .\r{ وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ } وهم القوم المسافرون، سُمّوا سيارة لأنهم يسيرون في الأرض، كانت رفقة من مدين تريد مصر، فأخطؤوا الطريق فنزلوا قريبا من الجب، وكان الجب في [قفرٍ بعيدٍ] (3) من العمران للرعاة والمارة، وكان ماؤه مالحا (4) فعذب حين ألقي يوسف عليه السلام فيه، فلما نزلوا أرسلوا رجلا من أهل مدين يقال له مالك بن ذعر (5) ، [لطلب الماء] (6) فذلك قوله عز وجل: { فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ } والوارد الذي يتقدم الرفقة إلى الماء فيهيئ الأرشية والدلاء.\r{ فَأَدْلَى دَلْوَهُ } أي: أرسلها في البئر، يقال: أدليتُ الدلو إذا أرسلتها في البئر، ودلوتها إذا أخرجتها، فتعلق يوسف بالحبل فلما خرج إذا هو بغلام أحسن ما يكون.\rقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"أعطي يوسف شطر الحُسْن\" (7) .\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) هذا كله مما لم يرد فيه نص في كتاب الله ولا حديث ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من الأمور الغيبية، ولا يتوقف فهم الآية على شيء من هذه الروايات المأخوذة بجملتها من الإسرائيليات حتى ولو كان لبعضها إسناد إلى بعض المفسرين من التابعين رحمهم الله.\r(3) في \"أ\": في قفرة بعيدا.\r(4) في \"ب\": ملحا.\r(5) في \"ب\": دعر. بالدال المهملة.\r(6) زيادة من \"ب\".\r(7) قطعة من حديث الإسراء، أخرجه مسلم في الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم برقم (162): 1 / 145-147 وفيه: \"... فإذا أنا بيوسف صلى الله عليه وسلم إذا هو قد أعطي شطر الحسن\". والحديث أخرجه بلفظ المصنف: ابن أبي شيبة، وأحمد، والحاكم، والواحدي في التفسير، انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة: 3 / 470، كشف الخفا ومزيل الإلباس: 1 / 160-161، مجمع الزوائد: 8 / 203، المطالب العالية: 3 / 273، الدر المنثور: 4 / 531.","part":4,"page":223},{"id":1456,"text":"ويقال: إنه ورث ذلك الجمال من جدته سارة، وكانت قد أعطيت سُدسَ الحُسنِ.\rقال ابن إسحاق ذهب يوسف وأمه بثلثي الحسن (1) .\rفلما رآه مالك بن ذعر، { قَالَ يَا بُشْرَى } قرأ الأكثرون هكذا بالألف وفتح الياء، بَشَّر المستقي أصحابه يقول (2) : أبشروا. وقرأ أهل الكوفة: يا بشرى، بغير إضافة، يريد نادى المستقي رجلا من أصحابه اسمه بشرى. { هَذَا غُلامٌ } وروى ابن مجاهد عن أبيه: أن جدران البئر كانت تبكي على يوسف حين أخرج منها. { وَأَسَرُّوه } أَخْفَوْهُ، { بِضَاعَة } قال مجاهد: أسره مالك بن ذعر وأصحابه من التجار الذين معهم وقالوا: هو بضاعة استبضعها بعض أهل الماء إلى مصر خيفة أن يطلبوا منهم فيه المشاركة.\rوقيل: أراد أن إخوة يوسف أسروا 180/ب شأن يوسف وقالوا هذا عبد لنا [أبِقَ] (3) .\rقال الله تعالى: { وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } فأتى يهوذا يوسف بالطعام فلم يجده في البئر، فأخبر بذلك إخوته، فطلبوه فإذا هم بمالك وأصحابه نزولا فأتوهم فإذا هم بيوسف، فقالوا هذا عبد آبق منّا. ويقال: إنهم هدّدوا يوسف حتى لم يعرف حاله. وقال مثل قولهم، ثم باعوه، فذلك قوله عز وجل:\r{ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20) } .\r{ وَشَرَوْه } أي: باعوه، { بِثَمَنٍ بَخْسٍ } قال الضحاك، ومقاتل، والسدي: حرام لأن ثمن الحرِّ حرام، وسُمي الحرام بخسا لأنه مبخوس البركة.\rوعن ابن عباس وابن مسعود: بخس أي زيوف.\rوقال عكرمة والشعبي: بثمن قليل.\r{ دَرَاهِمَ } بدل من الثمن، { مَعْدُودَة } ذكَّر العدد عبارة عن قلتها.\rوقيل: إنما قال معدودة لأنهم كانوا في ذلك الزمان لا يَزِنُون ما كان أقل من أربعين درهما، إنما كانوا يعدونها عدّاً، فإذا بلغت أوقية وزنوها.\rواختلفوا في عدد تلك الدراهم: قال ابن عباس وابن مسعود وقتادة: عشرون درهما، فاقتسموها درهمين درهمين.\rوقال مجاهد: اثنان وعشرون درهما.\rوقال عكرمة: أربعون درهما (4) .\r__________\r(1) قال الألباني: منكر باطل بهذا اللفظ، لمخالفته للحديث الصحيح، ولأن إسناده واهٍ جدا. وانظر: المراجع السابقة.\r(2) في \"ب\": فقال.\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) قال الإمام أبو جعفر الطبري في التفسير: (16 / 15-16): \"والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنهم باعوه بدراهم معدودة غير موزونة، ولم يحد مبلغ ذلك بوزن ولا عدد، ولا وضع عليه دلالة في كتاب ولا خبر من الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد يحتمل أن يكون كان عشرين، ويحتمل أن يكون كان اثنين وعشرين، وأن يكون كان أربعين، وأقل من ذلك وأكثر. وأي ذلك كان، فإنها كانت معدودة غير موزونة، وليس في العلم بمبلغ وزن ذلك فائدة تقع في دين، ولا في الجهل به دخول ضر فيه. والإيمان بظاهر التنزيل فرض. وما عداه فموضوع عنا تكلف علمه\".","part":4,"page":224},{"id":1457,"text":"{ وَكَانُوا } يعني: إخوة يوسف، { فِيه } أي: في يوسف { مِنَ الزَّاهِدِينَ } لأنهم لم يعلموا منزلته عند الله.\rوقيل: كانوا في الثمن من الزاهدين، لأنهم لم يكن قصدهم تحصيل الثمن، إنما كان قصدهم تبعيد يوسف عن أبيه.\rثم انطلق مالك بن ذعر وأصحابه بيوسف، فتبعهم إخوته يقولون: استوثقوا منه لا يأبق، قال: فذهبوا به حتى قدموا مصر، وعرضه مالك على البيع فاشتراه قطفير قاله ابن عباس.\rوقيل: إظفير صاحب أمر الملك، وكان على خزائن مصر يسمى العزيز، وكان الملك يومئذ بمصر ونواحيها الريان بن الوليد بن شروان من العمالقة.\rوقيل: إن هذا الملك لم يمت حتى آمن واتَّبَع يوسف على دينه، ثم مات ويوسف حي.\rقال ابن عباس رضي الله عنهما: لمّا دخلوا مصر تلقى قطفير مالك بن ذعر فابتاع منه يوسف بعشرين دينارا وزوج نعل وثوبين أبيضين.\rوقال وهب بن منبه: قدمت السيارة بيوسف مصر فدخلوا به السوق يعرضونه للبيع، فترافع الناس في ثمنه حتى بلغ ثمنه وزنه ذهبا ووزنه فضة ووزنه مسكا وحريرا، وكان وزنه أربعمائة رطل، وهو ابن ثلاث عشرة سنة فابتاعه قطفير من مالك بن ذعر بهذا الثمن، فذلك قوله تعالى:\r{ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (21) } .\r{ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ } واسمها: راعيل، وقيل: زليخا، { أَكْرِمِي مَثْوَاهُ } أي: منزله ومقامه، والمثوى: موضع الإقامة.\rوقيل: أكرميه في المطعم والملبس والمقام.\rوقال قتادة وابن جريج: منزلته.\r{ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا } أي: نبيعه بالربح إن أردنا البيع، أو يكفينا إذا بلغ بعض أمورنا.\r{ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا } أي: نتبنَّاه.","part":4,"page":225},{"id":1458,"text":"قال ابن مسعود رضي الله عنه: أفرس الناس ثلاثة: العزيز في يوسف، حيث قال لامرأته: أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا، وابنة شعيب عليه السلام حيث قالت لأبيها في موسى عليه السلام: يا أبتِ استأجره، وأبو بكر في عمر رضي الله عنهما حيث استخلفه (1) .\r{ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرْضِ } [أي: في أرض مصر] (2) أي: كما أنقذنا يوسف من القتل وأخرجناه من الجب، كذلك [مكنا له] (3) في الأرض فجعلناه على خزائنها.\r{ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ } أي: [مكَّنّا له] (4) في الأرض لكي نعلمه من تأويل الأحاديث، وهي عبارة عن الرؤيا.\r{ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ } قيل: الهاء في أمره كناية عن الله تعالى، يقول: إن الله غالب على أمره يفعل ما يشاء، لا يغلبه شيء ولا يردُّ حكمه رادّ.\rوقيل: هي راجعة إلى يوسف عليه السلام معناه: إن الله مستول على أمر يوسف بالتدبير [والحياطة] (5) لا يَكِلُه إلى أحد حتى يبلغ منتهى علمه فيه.\r{ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُون } ما الله به صانع.\r{ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22) } .\r{ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ } منتهى شبابه وشدته وقوته. قال مجاهد: ثلاثا وثلاثين سنة.\rوقال السدي: ثلاثين سنة.\rوقال الضحاك: عشرين سنة.\rوقال الكلبي: الأشدُّ ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة.\rوسئل مالك رحمه الله عن الأشد قال: هو الحلم (6) .\r{ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا } فالحكم: النبوة، والعلم: الفقه في الدين.\r__________\r(1) صححه الحاكم على شرط الشيخين وأقره الذهبي، المستدرك: 2 / 346، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: (10 / 268): \"رواه الطبراني بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح إن كان محمد بن كثير هو العبدي، وإن كان الثقفي فقد وثق على ضعف كثير فيه\".\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) في \"ب\": مكناه.\r(4) في \"ب\": مكناه.\r(5) في \"ب\": والإحاطة.\r(6) قال الإمام الطبري: (16 / 23) \"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبر أنه آتى يوسف لما بلغ أشده حكما وعلما =والأشد: هو انتهاء قوته وشبابه= وجائز أن يكون آتاه ذلك وهو ابن ثماني عشرة سنة، وجائز أن يكون آتاه وهو ابن عشرين سنة، وجائز أن يكون آتاه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة - ولا دلالة له في كتاب الله، ولا أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا في إجماع الأمة، على أي ذلك كان. وإذا لم يكن ذلك موجودا من الوجه الذي ذكرت، فالصواب أن يقال فيه كما قال الله عز وجل، حتى تثبت حجة بصحة ما قيل في ذلك من الوجه الذي يجب التسليم له، فيسلم لها حينئذ\".","part":4,"page":226},{"id":1459,"text":"وقيل: حكما يعني: إصابة في القول: وعلما: بتأويل الرؤيا.\rوقيل: الفرق بين الحكيم والعالم، أن العالم: هو الذي يعلم الأشياء، والحكيم: الذي يعمل بما يوجبه العلم.\r{ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: المؤمنين. وعنه أيضا: المهتدين. وقال الضحاك: الصابرين على النوائب كما صبر يوسف عليه السلام.","part":4,"page":227},{"id":1460,"text":"{ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) } .\r{ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ } يعني: امرأة العزيز. والمراودة: طلب الفعل، والمراد ها هنا أنها دعته إلى نفسها ليواقعها، { وَغَلَّقَتِ الأبْوَابَ } أي: أطبقتها، وكانت سبعة، { وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ } أي: هلمَّ وأَقْبِلْ.\rقرأه أهل الكوفة والبصرة: {هَيْتَ لك} بفتح الهاء والتاء.\rوقرأ أهل المدينة والشام: {هِيْتَ} بكسر الهاء وفتح التاء.\rوقرأ ابن كثير: {هَيْتُ} بفتح الهاء وضم التاء.\rوقرأ السلمي وقتادة: {هِئْتُ لك} بكسر الهاء وضم التاء مهموزا، يعني: تهيأت لك، وأنكره أبو عمرو والكسائي، وقالا لم يُحْكَ هذا عن العرب.\rوالأول هو المعروف عند العرب.\rقال ابن مسعود رضي الله عنه: أقرأني النبي صلى الله عليه وسلم { هَيْتَ لَكَ } (1) .\rقال أبو عبيدة (2) كان الكسائي يقول: هي لغة لأهل حوران رفعت إلى الحجاز معناها [إليَّ] (3) تعالَ.\rوقال عكرمة: هي أيضا بالحورانية هلم.\rوقال مجاهد وغيره: هي لغة عربية وهي كلمة حثّ وإقبال على الشيء.\rقال أبو عبيدة: إن العرب لا تثني { هَيْتَ } ولا تجمع ولا تؤنث، وإنها بصورة (4) واحدة في كل حال.\r__________\r(1) أخرجه الحاكم في المستدرك: 2 / 346 وصححه على شرط الشيخين. وانظر: تفسير الطبري: 16 / 30-31 مع تعليق الشيخ محمود شاكر.\r(2) في \"ب\" أبو عبيد. وانظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 / 305.\r(3) زيادة من \"ب\".\r(4) في \"أ\": بصوت.","part":4,"page":227},{"id":1461,"text":"{ قَالَ } يوسف لها عند ذلك: { مَعَاذَ اللَّهِ } أي: أعوذ بالله وأعتصم بالله مما دعوتني إليه، { إِنَّهُ رَبِّي } يريد أن زوجك قطفير (1) سيدي { أَحْسَنَ مَثْوَايَ } أي: أكرم منزلي. هذا قول أكثر المفسرين.\rوقيل: الهاء راجعة إلى الله تعالى، يريد: أن الله تعالى ربي أحسن مثوايَ، أي: آواني، ومن بلاء الجبِّ عافاني.\r{ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } يعني: إن فعلت هذا فخنته في أهله بعد ما أكرم مثواي فأنا ظالم، ولا يفلح الظالمون.\rوقيل: لا يفلح الظالمون: أي لا يسعد الزناة.\r{ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) } .\r{ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا } والهمُّ هو: المقاربة من الفعل من غير دخول فيه. فهمُّها: عزمُها على المعصية والزنى.\rوأما همُّه: فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: حلّ الهِميَان وجلس منها مجلس الخائن (2) .\rوعن مجاهد قال: حلَّ سراويله وجعل يعالج ثيابه. وهذا قول أكثر المتقدمين مثل سعيد بن جبير والحسن (3) .\rوقال الضحاك: جرى الشيطان فيما بينهما فضرب بإحدى يديه إلى جيد يوسف وباليد 181/أ الأخرى إلى جيد المرأة حتى جمع بينهما.\rقال أبو عبيد القاسم بن سلام: وقد أنكر قوم هذا القول، والقول ما قال متقدمو هذه الأمة، وهم كانوا أعلم بالله أن يقولوا في الأنبياء عليهم السلام من غير علم.\rوقال السدي وابن إسحاق: لما أرادت امرأة العزيز مراودة يوسف عليه السلام عن نفسه جعلت تذكر له محاسن نفسه ، وتُشَوِّقه إلى نفسها، فقالت: يا يوسف ما أحسن شعرك!.\rقال: هو أول ما ينتثر من جسدي.\rقالت: ما أحسن عينيك!\r__________\r(1) في تفسير الطبري: (إطفير).\r(2) أخرجه ابن جرير وأبو الشيخ وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس موقوفا. انظر: الدر المنثور: 4 / 521. وسيأتي التعليق على هذه الروايات قريبا.\r(3) ساق السيوطي الروايات عنهم في الدر المنثور: 4 / 521-522.","part":4,"page":228},{"id":1462,"text":"قال: هي أول ما تسيل على وجهي في قبري.\rقالت: ما أحسن وجهك!\rقال: هو للتراب يأكله (1) .\rوقيل: إنها قالت: إن فراش الحرير مبسوط، فقم فاقض حاجتي.\rقال: إذًا يذهب نصيبي من الجنة.\rفلم تزل تطمعه وتدعوه إلى اللذة، وهو شاب يجد من شبق الشباب ما يجده الرجل، وهي امرأة حسناء جميلة، حتى لان لها ممَّا يرى من كلفها، وهمّ بها، ثم إن الله تعالى تدارك عبده ونبيه بالبرهان الذي ذكره (2) .\rوزعم بعض المتأخرين: أن هذا لا يليق بحال الأنبياء عليهم السلام (3) ، وقال: تمَّ الكلام عند قوله: { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ } ثم ابتدأ الخبر عن يوسف عليه السلام فقال: { وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ } على التقديم والتأخير، أي: لولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها، ولكنه رأى البرهان فلم يهم.\rوأنكره النحاة وقالوا: إن العرب لا تُؤخّر {لولا} عن الفعل، فلا تقول: لقد قمت (4) لولا زيد، [وهو يريد لولا زيدٌ لَقُمْتُ] (5) .\rوقيل: همت بيوسف أن يفترشها، وهمَّ بها يوسف أي: تمنى أن تكون له زوجة.\r__________\r(1) انظر: تفسير الطبري: 16 / 34.\r(2) أخرجه الطبري في الموضع السابق.\r(3) وأبدى ابن عطية وجها أن هذا لم يكن في حال النبوة، فقال في \"المحرر الوجيز\": (7 / 477-478): \"والذي أقول في هذه الآية: إن كون يوسف نبيا في وقت هذه النازلة: لم يصح، ولا تظاهرت به رواية. وإذا كان ذلك فهو مؤمن قد أوتي حكما وعلما، ويجوز عليه الهم الذي هو إرادة الشيء دون مواقعته، وأن يستصحب الخاطر الرديء على ما في ذلك من الخطيئة، وإن فرضناه نبيا -في ذلك الوقت- فلا يجوز عليه -عندي- إلا الهم الذي هو الخاطر، ولا يصح عليه شيء مما ذكر من حل تَكَّةٍ ونحو ذلك؛ لأن العصمة مع النبوة. وما روي من أنه قيل له: \"تكون في ديوان الأنبياء وتفعل فعل السفهاء\" فإنما معناه: العدة بالنبوة فيما بعد. وللهم بالشيء مرتبتان: فالأولى: تجوز عليه مع النبوة، والثانية الكبرى: لا تقع إلا مع غير نبي، لأن استصحاب خاطر المعصية والتلذذ بها معصية في نفسها تكتب...\". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في \"دقائق التفسير\": (3 / 272-273): \"الهم: اسم جنس تحته نوعان، كما قال الإمام أحمد: الهم همان: هم خطرات، وهم إصرار. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن العبد إذا هم بسيئة لم تكتب عليه، وإذا تركها لله كتبت له حسنة... ويوسف هم هما تركه لله، لذلك صرف الله عنه السوء والفحشاء لإخلاصه... وأما ما ينقل من أنه حل سراويله وجلس مجلس الرجل من المرأة، وأنه رأى صورة يعقوب عاضا على يده، وأمثال ذلك، فكله مما لم يخبر الله به ولا رسوله، وما لم يكن كذلك فهو مأخوذ عن اليهود الذين هم من أعظم الناس كذبا على الأنبياء وقدحا فيهم، وكل من نقله من المسلمين فعنهم نقله. لم ينقل من ذلك أحد عن نبينا صلى الله عليه وسلم حرفا واحدا\".\r(4) في \"ب\": همت.\r(5) ساقطة من \"ب\".","part":4,"page":229},{"id":1463,"text":"وهذا التأويل وأمثاله غير مرضية لمخالفتها أقاويل القدماء من العلماء الذين يؤخذ عنهم الدين والعلم (1) .\rوقال بعضهم: إن القدر الذي فعله يوسف عليه السلام كان من الصغائر، والصغائر تجوز على الأنبياء عليهم السلام (2) .\r__________\r(1) قال العلامة الشنقيطي في تفسيره \"أضواء البيان: تفسير القرآن بالقرآن\" (3 / 60-62): \"والجواب الثاني- وهو اختيار أبي حيان: أن يوسف لم يقع منه هم أصلا، بل هو منفي عنه لوجود البرهان. وهذا الذي اختاره أبو حيان وغيره هو أجرى الأقوال على قواعد اللغة العربية، لأن الغالب في القرآن وفي كلام العرب: أن الجواب المحذوف يذكر قبله ما يدل عليه، كقوله: \"فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين\": أي: إن كنتم مسلمين فتوكلوا عليه، فالأول: دليل الجواب المحذوف لا نفس الجواب، لأن جواب الشروط وجواب \"لولا\" لا يتقدم، ولكن يكون المذكور قبله دليلا عليه كالآية المذكورة. وكقوله: \"قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين\"، أي: إن كنتم صادقين فهاتوا برهانكم. وعلى هذا القول: معنى الآية، وهم بها لولا أن رأى برهان ربه، أي: لولا أن رآه هم بها. فما قبل \"لولا\" هو دليل الجواب المحذوف، كما هو الغالب في القرآن واللغة. ونظير ذلك قوله تعالى: \"إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها\"، فما قبل \"لولا\" دليل الجواب، أي: لولا أن ربطنا على قلبها لكادت تبدي به. واعلم أن جماعة من علماء العربية أجازوا تقديم جواب \"لولا\" وتقديم الجواب في سائر الشروط: وعلى هذا القول يكون جواب \"لولا\" في قوله: \"لولا أن رأى برهان ربه\"، هو ما قبله من قوله: \"وهم بها\". وإلى جواز التقديم المذكور ذهب الكوفيون، ومن أعلام البصريين: أبو العباس المبرد، وأبو زيد الأنصاري\". وقال الشيخ أبو حيان الأندلسي في \"البحر المحيط\" (5 / 294-295) ما نصه: \"طوَّل المفسرون في تفسير هذين الهمَّيْن، ونسب بعضهم ليوسف ما لا يجوز نسبته لآحاد الفساق، والذي أختاره أن يوسف عليه السلام لم يقع منه هم بها البتة، بل هو منفي لوجود رؤية البرهان، كما تقول: لقد فارقت لولا أن عصمك الله، ولا تقول: إن جواب \"لولا\" متقدم عليها، وإن كان لا يقوم دليل على امتناع ذلك، بل صريح أدوات الشرط العاملة مختلف في جواز تقديم أجوبتها عليها، وقد ذهب إلى ذلك الكوفيون، ومن أعلام البصريين أبو زيد الأنصاري وأبو العباس المبرد، بل نقول: إن جواب \"لولا\" محذوف لدلالة ما قبله عليه، كما تقول جمهور البصريين في قول العرب: أنت ظالم إن فعلت، فيقدرونه: إن فعلت فأنت ظالم، ولا يدل قوله: أنت ظالم على ثبوت الظلم، بل هو مثبت على تقدير وجود الفعل، وكذلك هنا التقدير: لولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها، فكان موجد الهمِّ على تقدير انتفاء رؤية البرهان، ولكنه وجد رؤية البرهان، فانتفى الهمُّ\". وبعد أن رد على الزجاج اعتراضا لغويا، قال: \"وأما أقوال السلف -والتي ساق بعضها الإمام البغوي هنا- فنعتقد أنه لا يصح عن أحد منهم شيء من ذلك، لأنها أقوال متكاذبة يناقض بعضها بعضا مع كونها قادحة في فساق المسلمين فضلا عن المقطوع لهم بالعصمة. والذى روي عن السلف لا يساعد عليه كلام العرب لأنهم قدَّروا جواب \"لولا\" محذوفا ولا يدل عليه دليل، لأنهم لم يقدروا \"لهمَّ بها\"، ولا يدل كلام العرب على أن يكون المحذوف من معنى ما قبل الشرط، لأن ما قبل الشرط دليل عليه، ولا يُحذف الشيء لغير دليل عليه\". ثم يقول أبو حيان: \"وقد طهرنا كتابنا هذا -أي: تفسيره البحر المحيط- عن نقل ما في كتب التفسير مما لا يليق ذكره، واقتصرنا على ما دل عليه لسان العرب ومساق الآيات التي وردت في هذه السورة مما يدل على العصمة وبراءة يوسف عليه السلام من كل ما يشين\" وانظر: \"الإسرائيليات والموضوعات\" لمحمد محمد أبو شهبة ص (307-319)، تفسير المنار لمحمد رشيد رضا: (12 / 280-286).\r(2) انظر فيما سبق ص (218) هامش (5).","part":4,"page":230},{"id":1464,"text":"روي أن يوسف عليه السلام لما دخل على الملك حين خرج من السجن وأقرَّتِ المرأة، قال يوسف: { ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } قال له جبريل: ولا حين هممتَ بها يا يوسف؟ فقال يوسف عند ذلك: { وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي } الآية (1) .\rوقال الحسن البصري: إن الله تعالى لم يذكر ذنوب الأنبياء عليهم السلام في القرآن ليعيِّرهم، ولكن ذكرها ليبّين موضع النعمة عليهم، ولئلا ييئس أحد من رحمته (2) .\rوقيل: إنه ابتلاهم بالذنوب ليتفرد بالطهارة والعزة، ويلقاه جميع الخلق يوم القيامة على انكسار المعصية.\rوقيل: ليجعلهم أئمة لأهل الذنوب في رجاء الرحمة وترك الإياس من المغفرة والعفو.\rوقال بعض أهل الحقائق: الهمُّ همَّان: همُّ ثابتٌ، وهو إذا كان معه عزم وعقد ورضا، مثل همِّ امرأة العزيز، والعبد مأخوذ به، وهمٌّ عارض وهو الخطرة، وحديث النفس من غير اختيار ولا عزم، مثل همِّ يوسف عليه السلام، فالعبد غير مأخوذ به ما لم يتكلم أو يعمل.\rأخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي، أنبأنا أبو طاهر محمد بن محمد محمش الزيادي، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"قال الله عز وجل: إذا تحدَّث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بعشر أمثالها،\r__________\r(1) ليس هذا من كلام يوسف عليه السلام، بل هو من كلام امرأة العزيز كما يدل القرآن على ذلك دلالة بينة، لا يرتاب فيها من تدبر القرآن، حيث قال تعالى: \"وقال الملك ائتوني به، فلما جاءه الرسول، قال: ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن، إن ربي بكيدهن عليم. قال: ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه؟ قلن: حاش لله ما علمنا عليه من سوء. قالت امرأة العزيز: الآن حصحص الحق، أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين. ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب، وأن الله لا يهدي كيد الخائنين، وما أبرئ نفسي، إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، إن ربي غفور رحيم\". فهذا كلام امرأة العزيز، ويوسف إذ ذاك في السجن لم يحضر بعد إلى الملك، ولا سمع كلامه ولا رآه. ولكن لما ظهرت براءته في غيبته كما قالت امرأة العزيز: \"ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب\" أي: لم أخنه في حال مغيبه عني وإن كنت في حال شهوده راودته. فحينئذ \"قال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي، فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين\". وقد قال كثير من المفسرين: إن هذا من كلام يوسف، ومنهم من لم يذكر إلا هذا القول، وهو قول في غاية الفساد، ولا دليل عليه، بل الأدلة تدل على نقيضه. انظر: \"دقائق التفسير\" لشيخ الإسلام ابن تيمية: (3 / 273).\r(2) ويوسف عليه السلام لم يذكر الله تعالى عنه أنه ارتكب ذنبا، وهو سبحانه لا يذكر لنبي من الأنبياء ذنبا إلا ذكر استغفاره منه، ولم يذكر عن يوسف استغفارا من تلك الكلمة، كما لم يذكر عنه استغفارا من مقدمات الفاحشة، فعلم أنه لم يفعل ذنبا في هذا ولا هذا، بل إن ما فعله كان من الحسنات المبرورة والمساعي المشكورة. انظر: دقائق التفسير\": (3 / 262، 280).","part":4,"page":231},{"id":1465,"text":"وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له، ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها\" (1) .\rقوله عز وجل: { لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ } اختلفوا في ذلك البرهان: قال قتادة وأكثر المفسرين: إنه رأى صورة يعقوب، وهو يقول له: يا يوسف تعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب في الأنبياء!.\rوقال الحسن وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة والضحاك: انفرج له سقف البيت فرأى يعقوب عليه السلام عاضَّاً على أصبعه (2) .\rوقال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: مُثِّل له يعقوب عليه السلام فضرب بيده في صدره فخرجت شهوته من أنامله (3) .\rوقال السدي: نُودي يا يوسف تواقعها! إنما مثلك ما لم تواقعها مثل الطير في جوف السماء لا يطاق، ومثلك إن تواقعها مثله إذا مات ووقع على الأرض لا يستطيع أن يدفع عن نفسه، ومثلك ما لم تواقعها مثل الثور الصعب الذي لا يطاق، ومثلك إن واقعتها مثل الثور يموت فيدخل النمل في أصل قرنيه لا يستطيع أن يدفعه عن نفسه.\rوعن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: { وَهَمَّ بِهَا } قال: حلَّ سراويله وقعد منها مقعد الرجل من امرأته، فإذا بكفٍّ قد بدت بينهما بلا معصم ولا عضد مكتوب عليها { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } (الانفطار -11) ، فقام هاربا وقامت، فلما ذهب عنهما الرعب عادت وعاد فظهرت تلك الكف مكتوبا عليها: { ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا }(الإسراء -32) فقام هاربا وقامت، فلما ذهب عنهما الرعب عادت وعاد، فظهر، ورأى تلك الكف مكتوبا عليها:{ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ }(البقرة -281) فقام هاربا وقامت، فلما ذهب عنهما الرعب عادت وعاد، فقال الله عز وجل لجبريل عليه السلام: أَدْرِكْ عبدي قبل أن يصيب الخطيئة، فانحطّ جبريل عليه السلام عاضَّاً على أصبعه، يقول: يا يوسف تعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب عند الله في الأنبياء (4) .\rوروي أنه مسحه بجناحه فخرجت شهوته من أنامله.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التوحيد، باب (يريدون أن يبدلوا كلام الله): 8 / 198، وفي الرقاق: باب من همَّ بحسنة عن ابن عباس، 7 / 178، ومسلم في الإيمان، باب إذا همَّ العبد بحسنة كتبت، وإذا همَّ بسيئة لم تكتب، برقم (205): 1 / 117، من طريق عبد الرزاق بسنده لصحيفة همام بن منبه، انظر: المصنف لعبد الرزاق، كتاب الجامع: 11 / 287، ومن طريقه أخرجها البغوي في شرح السنة: 14 / 337، 338. وراجع: صحيفة همام بن منبه بتحقيق الدكتور رفعت فوزي ص (188-189).\r(2) انظر الروايات عنهم في: الدر المنثور: 4 / 521-523.\r(3) إذا خرجت منه الشهوة فإنه لا فضل له في ترك الهم بها، لو أنه حصل منه.\r(4) وهل نزلت هذه الآيات الكريمة على أحد قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؟.","part":4,"page":232},{"id":1466,"text":"وقال محمد بن كعب القرظي: رفع يوسف رأسه إلى سقف البيت حين همَّ بها فرأى كتابا في حائط البيت: \"لا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا\".\rوروى عطية عن ابن عباس: في البرهان أنه رأى مثال الملك (1) .\rوقال جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنهما: البرهان النبوة التي أودعها الله في صدره حالت بينه وبين ما يسخط الله عز وجل (2) .\rوعن علي بن الحسين قال: كان في البيت صنم فقامت المرأة وسترته بثوب، فقال لها يوسف :لِمَ فعلتِ هذا؟.\rفقالت: استحييتُ منه أن يراني على المعصية.\rفقال يوسف: أتستحين مما لا يسمع ولا يبصر ولا يفقه؟ فأنا أحق أن أستحي من ربي، وهرب (3) .\r__________\r(1) انظر تخريج هذه الروايات في: الدر المنثور: 4 / 521-524.\r(2) وقريب من هذا القول قول من قال: إن البرهان أنه علم ما أحلَّ الله مما حرم الله، فرأى تحريم الزنى، روي عن محمد بن كعب القرظي. قال ابن قتيبة: رأى حجة الله عليه وهي البرهان. قال ابن الجوزي: في \"زاد المسير\": (4 / 209): \"وهذا هو القول الصحيح وما تقدَّمه فليس بشيء، وإنما هي أحاديث من أعمال القصاص، وقد أشرت إلى فسادها في كتاب \"المغني في التفسير\". وكيف يُظَنُّ بنبي لله كريم أنه يخوّف ويرعّب ويضطر إلى ترك هذه المعصية وهو مُصِرٌّ؟! وهذا غاية القبح.\r(3) قال الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره: (16 / 49) بعد أن ساق تلك الروايات المختلفة المضطربة: \"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله جل ثناؤه أخبر عن همِّ يوسف وامرأة العزيز كل واحد منهما بصاحبه، لولا أن رأى يوسف برهان ربه، وذلك آية من آيات الله زجرته عن ركوب ما همَّ به يوسف من الفاحشة = وجائز أن تكون تلك الآية صورة يعقوب، وجائز أن تكون صورة الملك، وجائز أن يكون الوعيد في الآيات التي ذكرها الله في القرآن على الزنى = ولا حجة للعذر قاطعة بأيّ ذلك كان من أيّ. والصواب أن يقال في ذلك ما قاله الله تبارك وتعالى، والإيمان به، وترك ما عدا ذلك إلى عالمه\". وقال الشيخ الشنقيطي في \"أضواء البيان\": (3 / 68): \"وهذه الأقوال التي رأيت نسبتها إلى هؤلاء العلماء منقسمة إلى قسمين: قسم لم يثبت نقله عمن نقل عنه بسند صحيح، وهذا لا إشكال في سقوطه. وقسم ثبت عن بعض من ذكر. ومن ثبت عنه منهم شيء من ذلك، فالظاهر الغالب على الظن، المزاحم لليقين: أنه إنما تلقاه عن الإسرائيليات؛ لأنه لا مجال للرأي فيه، ولم يرفع منه قليل ولا كثير إليه صلى الله عليه وسلم. وبهذا تعلم أنه لا ينبغي التجرؤ على القول في نبي الله يوسف بأنه جلس بين رجلي امرأة كافرة أجنبية، يريد أن يزني بها، اعتمادا على مثل هذه الروايات مع أن في الروايات المذكورة ما تلوح عليه لوائح الكذب، كقصة الكف التي خرجت له أربع مرات، وفي ثلاث منهن لا يبالي بها، لأن ذلك -على فرض صحته- فيه أكبر زاجر لعوام الفساق، فما ظنك بخيار الأنبياء! مع أننا قدمنا دلالة القرآن على براءته من جهات متعددة، وأوضحنا أن الحقيقة لا تتعدى أحد أمرين: إما أن يكون لم يقع منه هم بها أصلا، بناء على تعليق همه على عدم رؤية البرهان، وقد رأى البرهان. وإما أن يكون همه الميل الطبيعي المزموم بالتقوى. والعلم عند الله تعالى\".","part":4,"page":233},{"id":1467,"text":"قوله عز وجل: { لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ } جواب لولا محذوف، تقديره: لولا أن رأى برهان ربه لواقع المعصية.\r{ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ } فالسوء: الإثم. وقيل: السوء القبيح. والفحشاء: الزنى.\r{ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } قرأ أهل المدينة والكوفة: { الْمُخْلَصِينَ } بفتح اللام حيث كان إذا لم يكن بعده ذكر الدِّين، زاد الكوفيون \" مخلصا \" في سورة مريم ففتحوا.\rومعنى 181/ب { الْمُخْلَصِينَ } المختارين للنبوة، دليله: { إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَاِلصَةٍ }(ص -146).\rوقرأ الآخرون بكسر اللام، أي: المخلصين لله الطاعة والعبادة.\r{ وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) } .\r{ وَاسْتَبَقَا الْبَابَ } وذلك أن يوسف لما رأى البرهان قام مبادرا إلى باب البيت هاربا، وتبعته المرأة لتمسك الباب حتى لا يخرج يوسف، فسبق يوسف، وأدركته المرأة، فتعلَّقت بقميصه من خلفه، فجذبته إليها حتى لا يخرج.\r{ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ } أي: فشقَّته { مِنْ دُبُرٍ } أي: من خلف، فلما خرجا لقيا العزيز، وهو قوله:\r{ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ } أي: وجدا زوج المرأة قطفير عند الباب جالسا مع ابن عم لراعيل، فلما رأته هابته و { قَالَت } سابقةً بالقول لزوجها { مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا } يعني: الزنى، ثم خافت عليه أن يقتله فقالت: { إِلا أَنْ يُسْجَنَ } أي: يحبس، { أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي: ضرب بالسياط، فلما سمع يوسف مقالتها.\r{ قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي } يعني: طلبت مني الفاحشة فأبيت وفررت.\rوقيل: ما كان يريد يوسف أن يذكره، فلما قالت المرأة: ما جزاء من أراد بأهلك سوءا؟ ذكره، فقال: هي راودتني عن نفسي.\r{ وَشَهِدَ شَاهِدٌ } وحكم حاكم، { مِنْ أَهْلِهَا } اختلفوا في ذلك الشاهد:\rفقال سعيد بن جبير، والضحاك: كان صبيا في المهد، أنطقه الله عز وجل (1) ، وهو رواية العوفي عن\r__________\r(1) أخرجه عنهما: ابن جرير وأبو الشيخ وابن أبي شيبة وابن المنذر. انظر: الدر المنثور: 4 / 526.","part":4,"page":234},{"id":1468,"text":"ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة ابنة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى بن مريم عليه السلام\" (1) .\rوقيل: كان ذلك الصبي ابن خال المرأة.\rوقال الحسن وعكرمة وقتادة ومجاهد: لم يكن صبيا ولكنه كان رجلا حكيما ذا رأي (2) .\rقال السدي: هو ابن عم راعيل (3) ، فحكم فقال: { إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ } أي: من قدَّام، { فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ } .\r{ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29) } .\r{ فَلَمَّا رَأَى } قطفير، { قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ } عرف خيانة امرأته وبراءة يوسف عليه السلام، { قَالَ } لها { إِنَّهُ } أي: إن هذا الصنيع، { مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ } وقيل: إن هذا من قول الشاهد ثم أقبل قطفير على يوسف فقال:\r{ يُوسُفُ } أي: يا يوسف، { أَعْرِضْ عَنْ هَذَا } أي: عن هذا الحديث، فلا تذكره لأحد حتى لا يشيع.\rوقيل: معناه لا تكترث له، فقد بان عذرك وبراءتك.\rثم قال لامرأته: { وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ } أي: توبي إلى الله، { إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ }\r__________\r(1) رواه ابن جرير في التفسير عن ابن عباس: (16 / 55)، والإمام أحمد في المسند مطولا برقم (2822-2825) -طبعة الحلبي- ولم يرفعه وابن حبان في صحيحه ص (40) من موارد الظمآن. وقال الهيثمي في \"المجمع\": (1 / 65): \"رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط -وفيه عطاء بن السائب- وهو ثقة، ولكنه اختلط\". وأخرجه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة 2 / 497، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وعزاه السيوطي للبيهقي في الدلائل، وزاد ابن حجر نسبته لابن أبي شيبة وأبي يعلى والبيهقي في الشعب انظر: \"الكافي الشاف\" ص (89)، وصححه الشيخ محمود شاكر في تعليقه على الطبري، في الموضع السابق. وانظر: فتح الباري لابن حجر: 6 / 480.\r(2) انظر: الدر المنثور 4 / 526.\r(3) قال الطبري في التفسير: (2 / 59): \"والصواب من القول في ذلك، قول من قال: كان صبيا في المهد للخبر الذي ذكرناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه ذكر من تكلم في المهد، فذكر أن أحدهم صاحب يوسف\".","part":4,"page":235},{"id":1469,"text":"وقيل: إن هذا من قول الشاهد ليوسف ولراعيل.\rوأراد بقوله: {واستغفري لذنبك}، أي سلي زوجك أن لا يعاقبك ويصفح عنك { إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ } من المذنبين، حتى راودتِ شابّاً عن نفسه وخُنْتِ زوجك، فلما استعصم كذبتِ عليه، وإنما قال: \"من الخاطئين\" ولم يقل: من الخاطئات، لأنه لم يقصد به الخبر عن النساء بل قصد به الخبر عمن يفعل ذلك، تقديره: من القوم الخاطئين، كقوله تعالى: { وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ }(التحريم -12) بيانه قوله تعالى: { إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ }(النمل -43).\r{ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (30) } .","part":4,"page":236},{"id":1470,"text":"{ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) } .\rقوله تعالى: { وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ } الآية.\rيقول: شاع أمر يوسف والمرأة في المدينة مدينة مصر. وقيل: مدينة عين الشمس، وتحدث النساء بذلك وقلن -وهنّ خمس نسوة: امرأة حاجب (1) الملك، وامرأة صاحب الدواب، وامرأة الخباز، وامرأة الساقي، وامرأة صاحب السجن، قاله مقاتل.\rوقيل: هنَّ نسوة من أشراف مصر-:\r{ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا } أي: عبدها الكنعاني، { عَنْ نَفْسِهِ } أي: تطلب من عبدها الفاحشة، { قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا } أي: عَلِقَها حبا.\rقال الكلبي: حجب حبُّه قلبَها حتى لا تعقل سواه.\rوقيل: أحبَّتهُ حتى دخل حبه شغاف قلبها، أي: داخل قلبها.\rقال السدي: الشغاف جلدة رقيقة على القلب، يقول: دخل الحبُّ الجلدَ حتى أصاب القلب.\rوقرأ الشعبي والأعرج (2) { شَعَفَهَا } بالعين غير المعجمة، معناه: ذهب الحُبُّ بها كل مذهب. ومنه شعف الجبال وهو رؤوسها. { إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } أي: خطأ ظاهر. وقيل: معناه إنها تركت ما يكون عليه أمثالها من العفاف والستر.\r{ فَلَمَّا سَمِعَتْ } راعيل، { بِمَكْرِهِنّ } بقولهن وحديثهن، قاله قتادة والسدي.\r__________\r(1) في \"ب\": صاحب.\r(2) في \"ب\": الأعمش.","part":4,"page":236},{"id":1471,"text":"قال ابن اسحاق إنما قلن ذلك مكراً بها لِتُرِيَهُنَّ يوسف، وكان يوصف لهنّ حسنُه وجماله.\rوقيل: إنها أفشت إليهن سرَّها واستكتمتهن فأفشَيْن ذلك، فلذلك سمَّاه مكرا.\r{ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ } قال وهب: اتخذت مأدبة، ودعت أربعين امرأة، منهن هؤلاء اللاتي عَيَّرْنَها. { وَأَعْتَدَت } أي: أعدت، { لَهُنَّ مُتَّكَأً } أي: ما يتكأ عليه.\rوقال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة ومجاهد: متكأ أي: طعاما، سماه متكأ لأن أهل الطعام إذا جلسوا يتكئون على الوسائد، فسمى الطعام متكأ على الاستعارة. يقال: اتكأنا عند فلان أي: طعمنا (1) . ويقال: المتكأ ما اتكأت عليه للشرب أو الحديث أو الطعام (2) ، ويقرأ في الشواذ مَتْكَأً بسكون التاء.\rواختلفوا في معناه: فقال ابن عباس: [هو الأترج. ويروى عن مجاهد مثله. وقيل] (3) هو الأترج بالحبشة.\rوقال الضحاك: هو الرباورد (4) .\rوقال عكرمة: هو كل شيء يقطع بالسكين.\rوقال أبو زيد الأنصاري: كل ما يجز بالسكين فهو عند العرب متك، والمتك والبتك بالميم والباء: القطع، فزينت [المأدبة بألوان] (5) الفواكه والأطعمة، ووضعت الوسائد ودعت النسوة.\r{ وَآتَت } وأعطت، { كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا } فكُنَّ يأكلن اللحمَ حزَّاً بالسكين.\r{ وَقَالَتِ } ليوسف، { اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ } وذلك أنها كانت أجلسته في مجلس آخر، فخرج عليهن يوسف.\rقال عكرمة: كان فضل يوسف على الناس في الحسن كفضل القمر ليلة البدر على سائر النجوم.\rوروي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"رأيت ليلة أسري بي إلى السماء يوسف كالقمر ليلة البدر\" (6) .\rقال إسحاق بن أبي فروة: كان يوسف إذا سار في أزقة مصر يُرى تلألؤ وجهه على الجدران.\r__________\r(1) في \"أ\": أطعمنا.\r(2) في \"أ\": لشراب أو لحديث أو لطعام.\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) في \"ب\": الزماورد.\r(5) في \"ب\": بيتا بأنواع.\r(6) قال ابن حجر في \"الكافي الشاف\" ص (89): \"رواه الثعلبي من رواية أبي هارون العبدي عن أبي سعيد. وأخرجه الحاكم والبيهقي في الدلائل، وابن مردويه من هذا الوجه مطولا، وأبو هارون العبدي ضعيف\".","part":4,"page":237},{"id":1472,"text":"{ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ } أعظمنه، قال أبو العالية: هَالهُنَّ أمرُه وبُهتنَ. وقيل: أكبرنَه أي: حضن لأجله من جماله (1) . ولا يصح.\r{ وَقَطَّعْنَ } أي: حززن بالسكاكين التي معهن، { أَيْدِيَهُنّ } وهنَّ يحسبن أنهن يقطعن الأترج، ولم يجدن الألم لشغل قلوبهن بيوسف.\rقال مجاهد: 182/أ فما أحسسن إلا بالدم.\rوقال قتادة (2) : أَبَنَّ أيديهنّ حتى ألقينها.\rوالأصح كان قطعا بلا إبانة.\rوقال وهب: ماتت جماعة منهن (3) .\r{ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا } أي: معاذ الله أن يكون هذا بشرا. قرأ أبو عمرو: حاشى لله، بإثبات الياء في الوصل، على الأصل. وقرأ الآخرون بحذف الياء لكثرة ورودها على الألسن، واتباعا للكتاب.\rوقوله: { مَا هَذَا بَشَرًا } نصب بنزع حرف الصفة، أي: ليس هذا ببشر، { إِنْ هَذَا } أي: ما هذا، { إِلا مَلَكٌ } من الملائكة، { كَرِيمٌ } على الله تعالى.\r{ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (32) } .\r{ قَالَتْ } يعني: راعيل، { فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ } أي: في حبه، ثم صرحت بما فعلت، فقالت: { وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ } أي: فامتنع، وإنما صرحت به لأنها علمت أنه لا ملامة عليها منهنّ وقد أصابهنَّ ما أصابها من رؤيته، فقلنَ له: أطِعْ مولاتك. فقالتْ راعيل: { وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ } ولئن لم يطاوعني فيما دعوته إليه، { لَيُسْجَنَنَّ } أي: ليعاقبن بالحبس، { وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ } من الأذلاء. ونون التوكيد تثقل وتخفف، والوقف على قوله: { لَيُسْجَنَنَّ } بالنون لأنها مشددة، وعلى قوله { \"وليكونا \" } بالألف لأنها مخففة، وهي شبيهة بنون الإعراب في الأسماء، كقوله: رأيت رجلا وإذا وقفت، قلت: رأيت رجلا بالألف، ومثله:{ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ }(العلق -15، 16). فاختار يوسف عليه السلام السجن على المعصية حين توعدته المرأة.\r__________\r(1) وضعف هذا التفسير أيضا: الطبري: 16 / 76-77، وابن عطية في المحرر الوجيز: 7 / 495-496.\r(2) في \"ب\": مجاهد.\r(3) قال الطبري في التفسير: 16 / 79: \"والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عنهن أنهن قطعن أيديهن وهنّ لا يشعرن لإعظام يوسف، وجائز أن يكون ذلك قطعا بإبانة =وجائز أن يكون قطع حز وخدش= ولا قول في ذلك أصوب من التسليم لظاهر التنزيل\".","part":4,"page":238},{"id":1473,"text":"{ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35) } .\r{ قَالَ رَبِّ } أي: يا رب، { السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ } قيل: كان الدعاء منها خاصة، ولكنه أضاف إليهن خروجا من التصريح إلى التعريض.\rوقيل: إنهن جميعا دعونه إلى أنفسهن.\rوقرأ يعقوب وحده: السَّجْنُ بفتح السين. وقرأ العامة بكسرها.\rوقيل: لو لم يقل: السجن أحب إليّ لم يُبْتَلَ بالسجن، والأوْلى بالمرء أن يسأل الله العافية.\rقوله تعالى: { وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ } أَمِلْ إليهن وأتابعهن، يقال: صبا فلان إلى كذا يصبو صبوا وصبُوَّاً وصُبُوَّةً إذا مال واشتاق إليه.\r{ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ } فيه دليل على أن المؤمن إذا ارتكب ذنبا يرتكبه عن جهالة.\r{ فَاسْتَجَابَ لَهُ } أجاب له. { رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [لدعائه] (1) العليم بمكرهن.\r{ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ } أي: للعزيز وأصحابه في الرأي، وذلك أنهم أرادوا أن يقتصروا من أمر يوسف على الأمر بالإعراض. ثم بدا لهم أن يحبسوه. { مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ } الدالة على براءة يوسف مِنْ قَدِّ القميص، وكلام الطفل وقطع النساء أيديهن وذهاب عقولهن، { لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ } إلى مدَّة يرون فيه رأيهم.\rوقال عطاء: إلى أن تنقطع مقالة (2) الناس.\rقال عكرمة: سبع سنين.\rوقال الكلبي: خمس سنين.\rقال السدي: وذلك أن المرأة قالت لزوجها: إن هذا العبد العبراني قد فضحني في الناس، يخبرهم أني راودتُه عن نفسه، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر إلى الناس، وإما أن تحبسه، فحبسه، وذكر أن الله تعالى جعل ذلك الحبس تطهيرا ليوسف عليه السلام من همّه بالمرأة (3) .\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) في \"ب\": قالة.\r(3) تفسير الطبري: 16 / 93.","part":4,"page":239},{"id":1474,"text":"قال ابن عباس: عثر يوسف ثلاث عثرات: حين همَّ بها فسجن، وحين قال \"اذكرني عند ربك\" فلبث في السجن بضع سنين، وحين قال للإخوة \"إنكم لسارقون\"، فقالوا: \"إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل\" (1) .\r{ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) } .\rقوله تعالى: { وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ } وهما غلامان كانا [للريان بن الوليد بن شروان العمليق] (2) ملك مصر الأكبر، أحدهما: خبَّازه وصاحب طعامه، والآخر: ساقيه وصاحب شرابه. غضب الملك عليهما فحبسهما.\rوكان السبب فيه: أن جماعة من أهل مصر أرادوا المكر بالملك واغتياله، فضمنوا لهذين مالا ليسمَّا الملك في طعامه وشرابه فأجاباهم، ثم إن الساقي نكل عنه، وقبل الخباز الرشوة فسمَّ الطعام، فلما أحضر الطعام والشراب قال الساقي: لا تأكل أيها الملك فإن الطعام مسموم، وقال الخباز: لا تشرب فإن الشراب مسموم.\rفقال الملك للساقي: اشرب فشربه فلم يضره، وقال للخباز: كل من طعامك، [فأبى فجرب] (3) ذلك الطعام على دابة فأكلته فهلكت، فأمر الملك بحبسهما.\rوكان يوسف حين دخل السجن جعل ينشر علمه ويقول: إني أعبر الأحلام، فقال أحد الفتيين لصاحبه: هلمَّ فلنجرب هذا العبد العبراني، فَتَراءَيا له فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئا، قال ابن مسعود: ما رأيا شيئا وإنما تحالَما ليجرِّبَا يوسف.\rوقال قوم: بل كانا رأيا حقيقة، فرآهما يوسف وهما مهمومان، فسألهما عن شأنهما، فذكرا أنهما صاحبا الملك، حبسهما، وقد رأيا رؤيا غمتهما. فقال يوسف: قُصّا عليّ ما رأيتُما، فقصَّا عليه.\r{ قَالَ أَحَدُهُمَا } وهو صاحب الشراب، { إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا } أي: عنبا، سمي العنب خمرا باسم ما يؤول إليه، كما يقال: فلان يطبخ الآجر أي: يطبخ اللبن للآجر. وقيل: الخمر العنب بلغة عمان، وذلك أنه قال: إني رأيتُ كأني في بستان، فإذا بأصل حبلة عليها ثلاث عناقيد من عنب فجنيتها ، وكان كأس الملك بيدي فعصرتها فيه وسقيت الملك فشربه.\r__________\r(1) تفسير الطبري: 16 / 93.\r(2) في \"ب\": للوليد بن ثووان العمليقي.\r(3) في \"ب\": فإني مجرب.","part":4,"page":240},{"id":1475,"text":"{ وَقَالَ الآخَرُ } وهو الخباز: { إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ } وذلك أنه قال: إني رأيت كأن فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز وألوان الأطعمة وسباع الطير تنهش منه. { نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ } أخبرنا بتفسيره وتعبيره وما يؤول إليه أمر هذه الرؤيا.\r{ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } أي: العالمين بعبارة الرؤيا، والإحسان بمعنى العلم.\rورُوي أن الضحاك بن مزاحم سئل عن قوله: { إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } ما كان إحسانه؟ قال: كان إذا مرض إنسان في السجن عاده وقام عليه، وإذا ضاق [عليه المجلس] (1) وسع له، وإذا احتاج جمع له شيئا، وكان مع هذا يجتهد في العبادة، ويقوم الليل كله للصلاة (2) .\rوقيل (3) : إنه لما دخل السجن وجد فيه قوما اشتد بلاؤهم وانقطع رجاؤهم وطال حزنهم، فجعل يُسلِّيهم ويقول: أبشروا واصبروا تؤجروا، فيقولون: بارك الله فيك يا فتى ما أحسن وجهك وخلقك وحديثك، لقد بورك لنا في جوارك فمن أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف بن صفي الله يعقوب بن ذبيح الله اسحاق (4) بن خليل الله إبراهيم، فقال له عامل السجن: يا فتى والله لو استطعت لخلَّيْتُ سبيلك، ولكن سأحسن جوارك فتمكن في أيّ بيوت السجن شئت.\rويُروى أن الفتيين لمّا رأيا يوسف قالا له: لقد أحببناك حين رأيناك، فقال لهما يوسف: أنشدكما بالله أن لا تحباني، فوالله ما أحبني أحد قط إلا دخل عليّ من حبه بلاء، لقد أحبتني عمتي فدخل عليّ بلاء، ثم أحبني أبي فألقيت في الجب، وأحبتني 182/ب امرأة العزيز فحبست. فلما قصّا عليه الرؤيا كره يوسف أن يعبِّر لهما ما سألاه لِمَا علم في ذلك من المكروه على أحدهما، فأعرض عن سؤالهما وأخذ في غيره في إظهار المعجزة والدعاء إلى التوحيد (5) .\r{ قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37) } .\r{ قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ } قيل: أراد به في النوم يقول: لا يأتيكما طعام ترزقانه في نومكما، { إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ } في اليقظة.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) وقول الضحاك هذا، هو الذي رجحه أبو جعفر الطبري: 16 / 100.\r(3) رواه الطبري في التفسير: 16 / 99 عن قتادة، وقال في عقبه: \" وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب القول الذي ذكرناه عن الضحاك وقتادة \" .\r(4) راجع فيما سبق التعليق (1) في ص (215) عن الذبيح.\r(5) أخرجه الطبري في التفسير: 16 / 102، وعزاه السيوطي أيضا لابن أبي حاتم عن ابن إسحاق.","part":4,"page":241},{"id":1476,"text":"وقيل: أراد به في اليقظة، يقول: لا يأتيكما طعام من منازلكما ترزقانه، تُطعمانه وتأكلانه إلا نبأتكما بتأويله بقدره ولونه والوقت الذي يصل فيه إليكما.\r{ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا } قبل أن يصل إليكما، وأي طعام أكلتم وكم أكلتم ومتى أكلتم، فهذا مثل معجزة عيسى عليه السلام حيث قال: { وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ }(آل عمران -49) فقالا هذا فعل العرَّافين والكهنة (1) ، فمن أين لك هذا العلم؟ فقال: ما أنا بكاهن وإنما { ذَلِكُمَا } العلم، { مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ } وتكرار { هُمْ } على التأكيد.\r__________\r(1) العراف: هو الذي يزعم أنه يعرف الأمور الغيبية بمقدمات وأسباب قولية أو فعلية، يستدل بها على مواقعها، كالشيء يسرق، فيعرف المظنون به السرقة.. وجعله شيخ الإسلام ابن تيمية اسما للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم. والكاهن: هو الذي يدعي علم الغيب، كالإخبار بما سيقع في الأرض مع الاستناد إلى سبب. والأصل فيه: استراق الجن السمع من كلام الملائكة فيلقيه في أذن الكاهن. وهذه صورة لادعاء علم الغيب حرمها الإسلام، إذ لا يعلم الغيب إلا الله. انظر بالتفصيل: عالم الغيب والشهادة في التصور الإسلامي، تأليف عثمان جمعة ضميرية، ص (117-131).","part":4,"page":242},{"id":1477,"text":"{ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (38) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) } .\r{ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ } أظهر أنه من ولد الأنبياء { مَا كَانَ لَنَا } ما ينبغي لنا، { أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ } معناه: أن الله قد عصمنا من الشرك، { ذَلِكَ } التوحيد والعلم، { مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ } ما بين لهم من الهدى، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ } ثم دعاهما إلى الإسلام فقال:\r{ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ } جعلهما صاحبي السجن لكونهما فيه، كما يقال لسكان الجنة: أصحاب الجنة، ولسكان النار: أصحاب النار، { أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ } أي: آلهة شتَّى، هذا من ذهب، وهذا من فضة، وهذا من حديد، وهذا أعلى، وهذا أوسط، وهذا أدنى، متباينون لا تضر ولا تنفع، { خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } الذي لا ثاني له. القهار: الغالب على الكل. ثم بيَّن عجز الأصنام فقال:","part":4,"page":242},{"id":1478,"text":"{ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (40) يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41) وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42) } .\r{ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ } أي: من دون الله، وإنما ذُكر بلفظ الجمع وقد ابتدأ الخطاب للاثنين لأنه أراد جميعَ أهل السجن، وكل من هو على مثل حالهما من [أهل] (1) الشرك، { إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا } آلهة وأربابا خالية عن المعنى لا حقيقة لتلك الأسماء، { أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ } حجة وبرهان، { إِنِ الْحُكْمُ } ما القضاء والأمر والنهي، { إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } المستقيم، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } ثم فسَّر رؤياهما فقال: { يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا } .\r{ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا } وهو صاحب الشراب، { فَيَسْقِي رَبَّهُ } [يعني الملك] (2) { خَمْرًا } والعناقيد الثلاثة ثلاثة أيام يبقى في السجن ثم يدعوه الملك بعد الثلاثة (3) أيام، ويردّه إلى منزلته التي كان عليها، { وَأَمَّا الآخَرُ } يعني: صاحب الطعام فيدعوه الملك بعد ثلاثة أيام، والسلال الثلاث الثلاثة (4) أيام يبقى في السجن، ثم يخرجه، { فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ } .\rقال ابن مسعود: لمَّا سَمِعَا قول يوسف قالا ما رأينا شيئا إنمّا كنّا نلعب، قال يوسف: { قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } (5) ، أي: فُرغ من الأمر الذي عنه تسألان، ووجب حكم الله عليكما الذي أخبرتُكما به، رأيتُما أو لم ترَيا.\r{ وَقَال } يعني: يوسف عند ذلك، { لِلَّذِي ظَنَّ } علم { أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا } وهو الساقي، { اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ } يعني: سيدك الملك، وقل له: إن في السجن غلاما محبوسا ظلما طال حبسه.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) في \"ب\": ثلاثة.\r(4) في \"ب\": ثلاثة.\r(5) عزاه السيوطي في الدر المنثور: (4 / 540) لابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.","part":4,"page":243},{"id":1479,"text":"{ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ } قيل: أنسى الشيطان الساقي ذكر يوسف للملك، تقديره: فأنساه الشيطان ذكره لربه.\rقال ابن عباس وعليه الأكثرون: أنسى الشيطانُ يوسفَ ذكرَ ربّه حين ابتغى الفرج، من غيره واستعان بمخلوق، وتلك غفلة عرضت ليوسف من الشيطان (1) .\r{ فَلَبِث } فمكث، { فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ } واختلفوا في معنى البضع، فقال مجاهد: ما بين الثلاث إلى السبع.\rوقال قتادة: ما بين الثلاث إلى التسع.\rوقال ابن عباس: ما دون العشرة.\rوأكثر المفسرين على أن البضع في هذه الآية سبع سنين، وكان قد لبث قبله خمس سنين فجملتُه اثنتا عشرة سنة.\rوقال وهب: أصاب أيوب البلاء سبع سنين، وتُرك يوسف في السجن سبع سنين، وعذب بختنصر فحول في السباع سبع سنين (2) .\rقال مالك بن دينار: لما قال يوسف للساقي اذكرني عند ربك، قيل له: يا يوسف اتخذتَ من دوني وكيلا لأطيلنَّ حبسَك، فبكى يوسف، وقال: يا رب أنسى قلبي كثرةُ البلوى فقلتُ كلمةً ولن أعود (3) .\rوقال الحسن: دخل جبريل على يوسف في السجن، فلما رآه يوسف عرفه فقال له: يا أخا المنذرين\r__________\r(1) رجح أبو حيان أن الضمير عائد على الساقي، وهو القول الأول، وهو أيضا ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية من وجوه عديدة، فقال: \"... بل الشيطان أنسى الذي نجا منهما ذكر ربه، وهذا هو الصواب، فإنه مطابق لقوله: \"اذكرني عند ربك\" قال تعالى: \"فأنساه الشيطان ذكر ربه\"، والضمير يعود إلى القريب إذا لم يكن هناك دليل على خلاف ذلك، ولأن يوسف لم ينس ذكر ربه، بل كان ذاكرًا لربه... ثم قال بعد وجوه عديدة: فتبين أن قوله \"فأنساه الشيطان ذكر ربه\" أي: أنسى الفتى ذكر ربه، أن يذكر هذا لربه، ونسي ذكر يوسف ربه، والمصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول، ويوسف قد ذكر ربه ونسي الفتى ذكر يوسف ربه، وأنساه الشيطان أن يذكر ربه هذا الذكر الخاص، فإنه وإن كان يسقي ربه خمرا فقد لا يخطر هذا الذكر بقلبه، وأنساه الشيطان تذكير ربه، وإذكار ربه لما قال: \"اذكرني\" أمره بإذكار ربه فأنساه الشيطان إذكار ربه. فإذكار ربه أن يجعله ذاكرا فأنساه الشيطان أن يجعل ربه ذاكرا ليوسف، والذكر هو مصدر، وهو اسم فقد يضاف من جهة كونه اسما، فيعم هذا كله، أي: أنساه الذكر المتعلق بربه، والمضاف إليه\". ومما يبين أن الذي نسي ربه هو الفتى لا يوسف قوله بعد ذلك: \"وقال الذي نجا منهما، وادكر بعد أمة، أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون\"، وقوله: \"وادكر بعد أمة\" دليل على أنه نسي فادكر. انظر: دقائق التفسير لابن تيمية: 3 / 259-263، وراجع البحر المحيط لأبي حيان: 5 / 311-312.\r(2) قال الطبري في التفسير: (16 / 115): \"والصواب في البضع\" من الثلاث إلى التسع، إلى العشر، ولا يكون دون الثلاث. وكذلك ما زاد على العقد إلى المائة، وما زاد على المائة فلا يكون فيه \"بضع\".\r(3) أخرجه الطبري في التفسير: 16 / 111.","part":4,"page":244},{"id":1480,"text":"مالي أراك بين الخاطئين؟ فقال له جبريل: يا طاهر الطاهرين يقرأ عليك السلام رب العالمين، ويقول لك: أما استحييت مني أن استشفعتَ بالآدميين، فوعزتي لألبثنَّك في السجن بضع سنين، قال يوسف: وهو في ذلك عني راض؟ قال: نعم، قال: إذاً لا أبالي.\rوقال كعب: قال جبريل ليوسف إن الله تعالى يقول من خلقك؟ قال: الله، قال: فمن حبَّبكَ إلى أبيك؟ قال: الله، قال: فمن نجَّاك من كرب البئر؟ قال: الله، قال: فمن علَّمك تأويلَ الرؤيا؟ قال: الله، قال: فمن صرف عنك السوء والفحشاء؟ قال: الله، قال: فكيف استشفعت بآدمي مثلك؟ (1) .\rفلما انقضت سبع سنين -قال الكلبي: وهذا السبع سوى الخمسة (2) التي كانت قبل ذلك-ودَنَا فَرَجُ يوسف، رأى ملك مصر الأكبر رؤيا عجيبة هالته، وذلك أنه رأى سبع بقرات سمان، خرجت من البحر، ثم خرج عقبهن سبع بقرات عجاف في غاية الهزال، فابتلعت العجافُ السِّمانَ فدخلن في بطونهن، ولم يُرَ منهن شيء ولم يتبين على العجاف منها شيء، ثم رأى سبع سنبلات خضر قد انعقد حَبُّها، [وسبعا أخرى] (3) يابسات قد استحصدت، فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها ، ولم يبق من خضرتها شيء، فجمع السحرة والكهنة والحازة (4) والمعبرين وقصَّ عليهم رؤياه، فذلك قوله تعالى:\r__________\r(1) هذه الروايات عن الحسن ووهب ومالك بن دينار من الإسرائيليات، وهي بجملتها تعني أن يوسف عليه السلام لبث في السجن بضع سنين بسبب استشفاعه أو طلبه من الذي علم أنه ناج أن يذكره عند ربه، وكان الأولى أن يتوكل على الله ولا يقول اذكرني عند ربك، فلما نسي أن يتوكل على ربه جوزي بلبثه في السجن بضع سنين. وقد رَدَّ ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فقال في \"دقائق التفسير\": (3 / 261): \"ليس في قوله: (اذكرني عند ربك) ما يناقض التوكل، بل قد قال يوسف: (إن الحكم إلا لله) كما أن قول أبيه: (لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة) لم يناقض توكله؛ بل قال: (وما أغني عنكم من الله من شيء، إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون). وأيضا: فيوسف قد شهد الله له أنه من عباده المخلصين، والمخلص لا يكون مخلصا مع توكله على غير الله، فإن ذلك شرك، ويوسف لم يكن مشركا، لا في عبادته ولا في توكله، بل قد توكل على ربه في فعل نفسه بقوله: (وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين)، فكيف لا يتوكل عليه في أفعال عباده؟! وقوله: (اذكرني عند ربك) مثل قوله لربه (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) فلما سأل الولاية للمصلحة الدينية لم يكن هذا مناقضا للتوكل، ولا هو من سؤال الإمارة المنهي عنه. فكيف يكون قوله للفتى: (اذكرني....) مناقضا للتوكل، وليس فيه إلا مجرد إخبار الملك به، ليعلم حاله ليتبين الحق، ويوسف كان من أثبت الناس. ولهذا بعد أن طلب (وقال الملك ائتوني به) قال: (ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن؟ إن ربي بكيدهن عليم) فيوسف يذكر ربه في هذه الحال، كما ذكره في تلك... فلم يكن في قوله له: (اذكرني...) ترك لواجب، ولا فعل لمحرم، حتى يعاقبه الله على ذلك بلبثه في السجن بضع سنين. وكان القوم قد عزموا على حبسه إلى حين قبل هذا، ظلما له، مع علمهم ببراءته من الذنب، ولبثه في السجن كان كرامة من الله في حقه ليتم بذلك صبره وتقواه، فإنه بالصبر والتقوى نال ما نال\". وانظر: \"الإسرائيليات والموضوعات\" ص (320-321).\r(2) ظاهر الآيات لا يدل على أن هناك خمسا قبل ذلك، والله أعلم.\r(3) في \"ب\": وسبع أخر.\r(4) في هامش \"أ\": الحازة: المنجمون.","part":4,"page":245},{"id":1481,"text":"{ وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) } .","part":4,"page":246},{"id":1482,"text":"{ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعَالِمِينَ (44) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِي (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) } .\r{ وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ } فقال لهم، { يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ } .\r{ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ } أخلاط أحلام مشتبهة، أهاويلَ، واحدها (1) ضغث، وأصله الحزمة من أنواع الحشيش، والأحلام جمع الحُلْم، وهو الرؤيا، والفعل منه حلمت أحلم، بفتح اللام في الماضي وضمها في الغابر، حُلُما وحُلْما، مثقّلا ومخففا. { وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعَالِمِينَ } .\r{ وَقَالَ الَّذِي نَجَا } من القتل، { مِنْهُمَا } من الفتيين وهو الساقي، { وَادَّكَرَ } أي: تذكر قول يوسف اذكرني عندَ ربّك، { بَعْدَ أُمَّةٍ } بعد حين وهو سبع سنين. { أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ } وذلك أن الغلام جثا بين يدي الملك، وقال: إن في السجن رجلا يعبر الرؤيا، { فَأَرْسِلُونِ } وفيه اختصار تقديره: فأرسلني أيها الملك إليه، فأرسله فأتى السجن 183/أ قال ابن عباس: ولم يكن السجن في المدينة.\rفقال: { يُوسُف } يعني: يا يوسف، { أَيُّهَا الصِّدِّيقُ } والصديق الكثير الصدق، { أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ } فإن الملك رأى هذه الرؤيا، { لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ } أهل مصر، { لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } تأويل الرؤيا. وقيل: لعلهم يعلمون منزلتك في العلم.\rفقال لهم يوسف معبرا ومعلما: أمّا البقرات السمان والسنبلات الخضر: فسبع سنين مخاصيب، والبقرات العجاف والسنبلات [اليابسات] (2) فالسنون المجدبة، فذلك قوله تعالى إخبارا عن يوسف:\r__________\r(1) في \"ب\": واحدتها.\r(2) ساقط من \"أ\".","part":4,"page":246},{"id":1483,"text":"{ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلا قَلِيلا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلا قَلِيلا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50) } .\r{ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا } هذا خبر بمعنى الأمر، يعني: ازرعُوا سبعَ سنين على عادتكم في الزراعة.\rوالدأب: العادة. وقيل: بجدٍّ واجتهاد.\rوقرأ عاصم برواية حفص: { دَأَبًا } بفتح الهمزة، وهما لغتان، يقال: دأبت في الأمر أدأب دَأَبا ودَأْبا إذا اجتهدت فيه. { فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ } أمرهم بترك الحنطة في السنبلة لتكون أبقى على الزمان ولا تفسد، { إِلا قَلِيلا مِمَّا تَأْكُلُونَ } أي: مما تدرسون قليلا للأكل، أمرهم بحفظ الأكثر والأكل بقدر الحاجة.\r{ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ } سمى السنين المجدبة شدادا لشدّتها على الناس، { يَأْكُلْنَ } أي: يفنين ويُهلكن، { مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ } أي: يؤكل فيهن ما أعددتم (1) لهن من الطعام، أضاف الأكل إلى السنين على طريق التوسع { إِلا قَلِيلا مِمَّا تُحْصِنُونَ } تُحْرِزُونَ وتدَّخرون للبذر.\r{ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ } أي: يمطرون، من الغيث: وهو المطر. وقيل: ينقذون من قول العرب استغثت فلانا فأغاثني، { وَفِيهِ يَعْصِرُونَ } قرأ حمزة والكسائي: \" تعصرون \" بالتاء، لأن الكلام كله على الخطاب، وقرأ الآخرون بالياء ردا إلى الناس، ومعناه: يعصرون العنب خمرا، والزيتون زيتا، والسمسم دهنا. وأراد به كثرة النعيم والخير. وقال أبو عبيدة: يعصرون أي ينجون من الكروب والجدب، والعَصَر والعَصْرة: المنجاة والملجأ (2) .\r{ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ } وذلك أن الساقي لما رجع إلى الملك وأخبره بما أفتاه (3) يوسف من تأويل رؤياه، وعرف الملك أن الذي قاله كائن، قال: ائتوني به.\r__________\r(1) في \"ب\": قدمتم.\r(2) قول أبي عبيدة هذا في كتابه \"مجاز القرآن\": (1 / 313، 314) وقد ردَّه الطبري في التفسير: (16 / 131، 132) وقال: \"... وذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه: خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين\".\r(3) في \"ب\": أخبره.","part":4,"page":247},{"id":1484,"text":"{ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ } وقال له: أجب الملك، أبى أن يخرج مع الرسول حتى تظهر براءته ثم { قَالَ } للرسول: { ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ } يعني: سيدك الملك، { فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } ولم يصرح بذكر امرأة العزيز أدبا واحتراما.\rقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"لو لبثتُ في السجن طول ما لبثَ يوسف لأجبتُ الداعي\" (1) .\r{ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ } أي: إن الله بصنيعهن عالم، وإنما أراد يوسف بذكرهن بعد طول المدة حتى لا ينظر إليه الملك بعين التهمة، ويصير إليه بعد زوال الشك عن أمره، فرجع الرسول إلى الملك من عند يوسف برسالته، فدعا الملكُ النسوةَ وامرأة العزيز.\r{ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) } .\r{ قَالَ } لهن { مَا خَطْبُكُنَّ } ما شأنكن وأمركن، { إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ } خاطبهن والمراد امرأة العزيز، وقيل: إن امرأة العزيز راودته عن نفسه وسائر النسوة أَمَرْنَهُ بطاعتها فلذلك خاطبهن.\r{ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ } معاذ لله، { مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ } خيانة.\r{ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ } ظهر وتبين. وقيل: إن النسوة أقبلن على امرأة العزيز فقررنها [فأقرت] (2) ، وقيل: خافت أن يشهدن عليها فأقرت. { أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ } في قوله: هي راودتني عن نفسي، فلما سمع ذلك يوسف قال (3) :\r{ ذَلِك } أي: ذلك الذي فعلت من ردّي رسول الملك إليه، { لِيَعْلَم } العزيز، { أَنِّي لَمْ أَخُنْه }\r__________\r(1) أخرجه البخاري في تفسير يوسف، باب (فلما جاءه الرسول قال ارجع...): 8 / 366.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) هذا القول عن يوسف حكاه ابن جرير وابن أبي حاتم، ولم يذكرا غيره (انظر: الطبري 16 / 140، ابن كثير: 2 / 482). \"والأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام: أن ذلك من قول امرأة العزيز، تقول: إنما اعترفت بهذا على نفسي ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب في نفس الأمر، ولا وقع المحذور الأكبر، وإنما راودت هذا الشاب مراودة فامتنع، فلهذا اعترفت ليعلم أني بريئة...\" (انظر: ابن كثير: 2 / 482). وهذا التفسير ذكره الماوردي، وانتدب لنصره شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: \"هذا كله من كلام امرأة العزيز، ويوسف إذ ذاك في السجن لم يحضر بعد إلى الملك، ولا سمع كلامه ولا رآه. ولكن ظهرت براءته في غيبته كما قالت امرأة العزيز: (ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب) أي: لم أخنه في حال مغيبه عني وإن كنت في حال شهوده راودته\". انظر: دقائق التفسير: (2 / 273)، تفسير المنار: (12 / 323-324).","part":4,"page":248},{"id":1485,"text":"في زوجته، { بِالْغَيْبِ } أي: في حال غيبته، { وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ } قوله ذلك ليعلم من كلام يوسف اتصل بقول امرأة العزيز: أنا راودته عن نفسه، من غير تميز، لمعرفة السامعين (1) .\rوقيل: فيه تقديم وتأخير: معناه: ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطَّعن أيدِيَهنَّ إنَّ ربي بكيدهن عليم، ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب (2) .\rقيل: لما قال يوسف هذه المقالة، قال له جبريل: ولا حين هممت بها؟ فقال يوسف عند ذلك: وما أبرئ نفسي (3) .\rقال السدي: إنما قالت له امرأة العزيز: ولا حين حللت سراويلك يا يوسف؟ فقال يوسف: (4)\r__________\r(1) انظر التعليق السابق.\r(2) انظر التعليق السابق.\r(3) انظر التعليق السابق، وراجع فيما سبق ص (228) تعليق (2).\r(4) انظر التعليق السابق، وراجع فيما سبق ص (228) تعليق (2).","part":4,"page":249},{"id":1486,"text":"{ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) } .\r{ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي } من الخطأ والزلل فأزكيها، { إِنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ } بالمعصية { إِلا مَا رَحِمَ رَبِّي } أي: إلا من رحم ربي فعصمه، \" ما \" بمعنى من -كقوله تعالى:{ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ }(النساء -3) أي: مَنْ طاب لكم-وهم الملائكة، عصمهم الله عز وجل فلم يركّبْ فيهم الشهوة.\rوقيل: \"إلا ما رحم ربي\" إشارة إلى حالة العصمة عند رؤية البرهان.\r{ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ } فلما تبين للملك عذر يوسف عليه السلام وعرف أمانته وعلمه:\r{ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي } أي: أجعله خالصا لنفسي، { فَلَمَّا كَلَّمَهُ } فيه اختصار تقديره: فجاء الرسول يوسف فقال له: أجب الملك الآن.\rرُوي أنه قام ودعا لأهل السجن فقال: اللهم عطِّف عليهم قلوب الأخيار، ولا تُعَمِّ عليهم الأخبار، فهم أعلم الناس بالأخبار في كل بلد، فلما خرج من السجن كتب على باب السجن: هذا قبر الأحياء، وبيت الأحزان، وتجربة الأصدقاء، وشماتة الأعداء. ثم اغتسل وتنظف من درن السجن ولبس ثيابا حسانا وقصد الملك (1) .\r__________\r(1) انظر: البحر المحيط: 5 / 319. ومثل هذه الأخبار، والخبران التاليان مما لا يوقف على صحته، وساق المصنف ذلك بصيغة التمريض، ولا يتوقف فهم الآيات على شيء منها. والله أعلم.","part":4,"page":249},{"id":1487,"text":"قال وهب: فلما وقف بباب الملك قال: حسبي ربي من دنياي، وحسبي ربي من خلقه، عزّ جارُه، وجلّ ثناؤُه، ولا إله غيره. ثم دخل الدار فلما دخل على الملك قال: اللهم إني أسألك بخيرك من خيره، وأعوذ بك من شره وشر غيره. فلما نظر إليه الملك سلَّم عليه يوسف بالعربية فقال: الملك ما هذا اللسان؟ قال: لسان عمي إسماعيل، ثم دعا له بالعبرانية فقال الملك: ما هذا اللسان؟ قال هذا لسان آبائي، ولم يعرف الملك هذين اللسانين.\rقال وهب: وكان الملك يتكلم بسبعين لسانا فكلما تكلم بلسان أجابه يوسف بذلك اللسان وزاد عليه بلسان العربية والعبرانية، فأعجب الملك [ما رأى منه] (1) مع حداثة سنه، وكان يوسف يومئذ ابن ثلاثين سنة، فأجلسه و، { قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ } [المكانة في الجاه] (2) ، { أَمِينٌ } أي: صادق.\rوروي أن الملك قال له: إني أحب أن أسمع رؤياي منك شفاها.\rفقال يوسف: نعم أيها الملك، رأيتَ سبع بقرات سمان شهب غرٍّ حِسَان، كشفَ لك عنهنَّ النيل، فطلعنَ عليك من شاطئه تشخب أخلافهن لبنا، فبينما أنت تنظر إليهن ويعجبك حُسنهنّ إذ نضب النيلُ فغار ماؤه وبدا يبسه، فخرج من حمأته سبع بقرات عجاف شُعثٍ غُبرٍ مُتقلّصات [البطون، ليس لهن ضروع ولا أخلاف] (3) ، ولهن أنياب وأضراس وأكف كأكف الكلاب، وخراطيم كخراطيم السباع، فافترسن السمان افتراس السبع، فأكلن لحومهن، ومَزّقنَ جلودهنّ، وحطمنَ عظامهنّ، وتمششن مخهن، فبينما أنت تنظر وتتعجب 183/ب إذ سبع سنابل خضر وسبع أخر سود في منبت واحد [عروقهن في الثرى والماء، فبينما أنت تقول في نفسك أنى هذا؟ خضر مثمرات وهؤلاء سود يابسات، والمنبت واحد وأصولهنّ في الماء] (4) إذ هبت ريح فذرت الأوراق من اليابسات السود على الخضر المثمرات فاشتعلت فيهن النار، فاحترقن فصرن سودا فهذا ما رأيت، ثم انتبهتَ من نومك مذعورا.\rفقال الملك: والله ما شأن هذه الرؤيا -وإن كانت عجيبة-بأعجب مما سمعتُ منك، فما ترى في رؤياي أيها الصديق؟\rفقال يوسف عليه السلام:أرى أن تجمع الطعام وتزرع زرعا كثيرا في هذه السنين المخصبة،وتجعل الطعام في الخزائن بقصبه وسنبله ليكون القصب والسنبل عَلَفا للدواب،وتأمر الناس فيرفعون من طعامهم الخُمسَ، فيكفيك من الطعام الذي جمعته لأهل مصر ومن حولها، ويأتيك الخلق من النواحي للميرة فيجتمع عندك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد قبلك.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) في \"أ\": أي: ذو مكانة وجاه.\r(3) جاءت هذه العبارة في \"ب\" هكذا: (متقلصات الضروع ليس لهن بطون ولا أخلاف).\r(4) ساقط من \"أ\".","part":4,"page":250},{"id":1488,"text":"فقال الملك: ومن لي بهذا ومن يجمعه ويبيعه ويكفيني الشغل فيه؟.\r{ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) } .\rفـ { قَالَ } يوسف، { اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأرْضِ } الخزائن: جمع خزانة، وأراد خزائن الطعام والأموال، والأرض: أرض مصر، أي: خزائن أرضك.\rوقال الربيع بن أنس: على خراج مصر ودخله.\r{ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } أي: [حفيظ للخزائن عليم بوجوه مصالحها. وقيل: حفيظ عليم] (1) كاتب حاسب.\rوقيل: حفيظ لما استودعتني، عليم بما ولّيتني.\rوقيل: حفيظ للحساب (2) عليم بالألسن أعلم لغة كل من يأتيني.\rوقال الكلبي: حفيظ بتقديره في السنين الخصبة [في الأرض الجدبة] (3) عليم بوقت الجوع حين يقع، فقال له الملك. ومن أحق به منك؟! فولاه ذلك وقال له: إنك اليوم لدينا مكين، ذو مكانة ومنزلة، أمين على الخزائن.\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الفنجوي، حدثنا مخلد بن جعفر البقرجي، حدثنا الحسن بن علوية، حدثنا إسماعيل بن عيسى، حدثنا إسحاق بن بشر، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته، ولكنه أخره لذلك سنة فأقام في بيته سنة مع الملك\" (4) .\rوبإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما انصرمت السنة من اليوم الذي سأل الإمارة دعاه الملك فتوجه [وقلده بسيفه] (5) ووضع له سريرا من ذهب مكلّل بالدر والياقوت، وضرب عليه حلة من إستبرق، وطول السرير ثلاثون ذراعا، وعرضه عشرة أذرع، عليه ثلاثون فراشا وستون مقرمة، ثم أمره أن يخرج، فخرج متوَّجا، ولونه كالثلج، ووجهه كالقمر، يرى الناظر وجهه في صفاء لون وجهه، فانطلق\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) في \"ب\": حساب.\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) حديث موضوع. قال الحافظ ابن حجر في \"الكافي الشاف\" ص (90): \"أخرجه الثعلبي عن ابن عباس من رواية إسحاق بن بشر، عن جويبر، عن الضحاك عنه. وهذا إسناد ساقط\". قال الألباني: \"ومن طريق الثعالبي رواه الواحدي في تفسيره. (سلسلة الأحاديث الضعيفة) (1 / 335).\r(5) في \"ب\": وردّاه بسيفه.","part":4,"page":251},{"id":1489,"text":"حتى جلس على السرير، ودانت له الملوك، ودخل الملك بيته وفوّض إليه أمر مصر، وعزل قطفير عمّا كان عليه وجعل يوسف مكانه قاله ابن إسحاق (1) .\rوقال ابن زيد: وكان لملك مصر خزائن كثيرة فسلم سلطانه كله إليه وجعل أمره وقضاءه نافذا، قالوا: ثم إن قطفير هلك في تلك الليالي فزوج الملكُ يوسفَ راعيلَ امرأة قطفير، فلما دخل عليها قال: أليس هذا خيرا مما كنت تريدين؟ فقالت: أيها الصديق لا تلمني، فإني كنت امرأة حسناء ناعمة كما ترى في ملك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك فغلبتني نفسي فوجدها يوسف عذراء فأصابها فولدت له ولدين: أفراثيم بن يوسف، وميشا بن يوسف (2) .\rواستوثق ليوسف ملك مصر، أي: اجتمع، فأقام فيهم العدل، وأحبه الرجال والنساء، فذلك قوله تعالى:\r{ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَلأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (57) } .\r{ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرْضِ } يعني: أرض مصر ملكناه (3) ، { يَتَبَوَّأُ مِنْهَا } أي: ينزل { حَيْثُ يَشَاءُ } ويصنع فيها ما يشاء.\rقرأ ابن كثير: \" نشاء \" بالنون ردا على قوله: { مَكَّنَّا } وقرأ الآخرون بالياء ردا على قوله { يَتَبَوَّأُ } .\r{ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ } أي: بنعمتنا، { وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } قال ابن عباس ووهب: يعني الصابرين.\rقال مجاهد وغيره: فلم يزل يوسف عليه السلام يدعو الملك إلى الإسلام ويتلطف له حتى أسلم الملك وكثير من الناس. فهذا في الدنيا.\r{ وَلأجْرُ الآخِرَةِ } ثواب الآخرة، { خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } .\rفلما اطمأن يوسف في ملكه دبَّر في جمع الطعام بأحسن التدبير، وبنى الحصون والبيوت الكثيرة، وجمع فيها الطعام للسنين المجدبة، وأنفق بالمعروف حتى خلت السنون المخصبة ودخلت السنون المجدبة بهول لم يعهد الناس بمثله.\r__________\r(1) ساق ابن عطية هذ الرواية عن ابن إسحاق ثم قال: وروي في نحو هذا من القصص ما لا يوقف على صحته، ويطول الكلام بسَوْقه. انظر: المحرر الوجيز. (8 / 8).\r(2) ساق ابن عطية هذ الرواية عن ابن إسحاق ثم قال: وروي في نحو هذا من القصص ما لا يوقف على صحته، ويطول الكلام بسوقه. انظر: المحرر الوجيز. (8 / 8).\r(3) في \"أ\": مكناه.","part":4,"page":252},{"id":1490,"text":"ورُوي أنه كان قد دبر في طعام الملك وحاشيته كل يوم مرة واحدة نصف النهار (1) ، فلما دخلت سنة القحط كان أول من أخذه الجوع هو الملك في نصف الليل فنادى يا يوسف الجوعَ الجوعَ!.\rفقال يوسف: هذا أوان القحط.\rففي السنة الأولى من سني الجدب هلك كل شيء أعدُّوه في السنين المخصبة، فجعل أهل مصر يبتاعون من يوسف الطعام، فباعهم أول سنة بالنقود حتى لم يبق بمصر دينار ولا درهم إلا قبضه، وباعهم السنة الثانية بالحلي والجواهر حتى لم يبق في أيدي الناس منها شيء، وباعهم السنة الثالثة بالمواشي والدواب حتى احتوى عليها أجمع، وباعهم في السنة الرابعة بالعبيد والإماء حتى لم يبق في يد أحد عبد ولا أمة، وباعهم السنة الخامسة بالضياع والعقار والدور حتى احتوى عليها، وباعهم السنة السادسة بأولادهم حتى استرقهم، وباعهم السنة السابعة برقابهم [حتى استرقهم] (2) ، ولم يبق بمصر حر ولا حرة إلا صار عبدا له.\rفقال الناس: ما رأينا يوما كاليوم ملكا أجل ولا أعظم من هذا.\rثم قال يوسف للملك: كيف رأيت صنع ربي فيما خوَّلني فما ترى في ذلك؟\rفقال له الملك: الرأي رأيك ونحن لك تبع.\rقال: فإني أشهد الله وأشهدك أني أعتقت أهل مصر عن آخرهم، ورددْتُ عليهم أملاكهم (3) .\rوروي أن يوسف كان لا يشبع من طعام في تلك الأيام، فقيل له: أتجوع وبيدك خزائن الأرض؟.\rفقال: أخاف إن شبعت أن أنسى الجائع، وأمر يوسف عليه السلام طباخي الملك أن يجعلوا غداءه نصف النهار، وأراد بذلك أن يذوق الملك طعم الجوع فلا ينسى الجائعين، فمن ثم جعل الملوك غذاءهم نصف النهار.\rقال: وقصد الناسُ مصرَ من كل أوبٍ يمتارون الطعام فجعل يوسف لا يمكن أحدا منهم -وإن كان عظيما-من أكثر من حمل بعير تقسيطا بين الناس، وتزاحم الناس عليه وأصاب أرض كنعان وبلاد الشام ما أصاب الناس في سائر البلاد من القحط والشدة، ونزل بيعقوب ما نزل بالناس، فأرسل بنيه إلى مصر للميرة، وأمسك بنيامين أخا يوسف لأمه، فذلك قوله تعالى:\r__________\r(1) حكى الثعلبي أن يوسف عليه السلام كان لا يشبع في تلك السنين حتى لا ينسى الجيعان، وأنه إنما كان يأكل أكلة واحدة نصف النهار. قال: فمن ثم اقتدى به الملوك في ذلك. انظر: البداية والنهاية 1 / 219.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: (2 / 484): \"وما ذكره بعض المفسرين من أنه باعهم في السنة الأولى بالأموال...، الله أعلم بصحة ذلك، وهو من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب\".","part":4,"page":253},{"id":1491,"text":"{ وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (58) } .\r{ وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ } وكانوا عشرة، وكان منزلهم بالعرنات من أرض فلسطين، بغور الشام، وكانوا أهل بادية وإبل وشاة، فدعاهم يعقوب عليه السلام وقال: يا بني بلغني أن بمصر ملكا صالحا يبيع الطعام، فتجهزوا لتشتروا 184/أ منه الطعام، فأرسلهم فقدموا مصر، { فَدَخَلُوا عَلَيْهِ } على يوسف، { فَعَرَفَهُمْ } يوسف عليه السلام.\rقال ابن عباس ومجاهد: عرفهم بأول ما نظر إليهم.\rوقال الحسن: لم يعرفهم حتى تعرفوا إليه.\r{ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ } أي: لم يعرفوه. قال ابن عباس: وكان بين أن قذفوه في البئر وبين أن دخلوا عليه أربعون سنة، فلذلك أنكروه.\rوقال عطاء: إنما لم يعرفوه لأنه كان على سرير الملك وعلى رأسه تاج الملك.\rوقيل: لأنه كان بِزِيِّ ملوك مصر، عليه ثياب من حرير وفي عنقه طوق من ذهب، فلما نظر إليهم يوسف وكلموه بالعبرانية، قال لهم: أخبروني مَنْ أنتم وما أمركم فإني أنكرت شأنكم؟ قالوا نحن قوم من أرض الشام رعاة، أصابنا الجهد فجئنا نمتار.\rفقال: لعلكم جئتم تنظرون عورة بلادي.\rقالوا: لا والله ما نحن بجواسيس، إنما نحن إخوة بنو أب واحد، وهو شيخ صديق يقال له يعقوب (1) نبي من أنبياء الله.\rقال: وكم أنتم؟ قالوا: كنا اثني عشر، فذهب أخ لنا معنا إلى البرية، فهلك فيها، وكان أحبنا إلى أبينا.\rقال: فكم أنتم ها هنا؟.\rقالوا: عشرة.\rقال: وأين الآخر؟\rقالوا: عند أبينا، لأنه أخو الذي هلك لأمه (2) ، فأبونا يتسلَّى به.\rقال: فمن يعلم أن الذي تقولون حق؟\rقالوا: أيها الملك إنا ببلاد لا يعرفنا أحد [من أهلها] (3) .\r__________\r(1) في \"أ\": صديق.\r(2) في \"ب\": من أمه.\r(3) ساقط من \"ب\".","part":4,"page":254},{"id":1492,"text":"فقال يوسف: فأتوني بأخيكم الذي من أبيكم إن كنتم صادقين، وأنا أرضى بذلك.\rقالوا: فإن أبانا يحزن على فراقه وسنراود عنه أباه.\rقال: فَدَعُوا بعضكم عندي رهينة حتى تأتوني بأخيكم، فاقترعوا بينهم، فأصابت القرعة شمعون، وكان أحسنهم رأيا في يوسف، فخلّفوه عنده. فذلك قوله عز وجل:\r{ وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ (60) قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (61) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62) } .\r{ وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ } أي: حمَّل لكل واحد بعيرا بعدتهم، { قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ } يعني ينيامين، { أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ } أي: أُتمّه ولا أبخس الناس شيئا، فأزيدكم حمل بعير لأجل أخيكم، وأكرم منزلتكم وأحسن إليكم، { وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ } قال مجاهد: أي خير المضيفين. وكان قد أحسن ضيافتهم.\r{ فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي } أي: ليس لكم عندي طعام أكيله لكم { وَلا تَقْرَبُونِ } أي: لا تقربوا داري [وبلادي] (1) بعد ذلك وهو جزم على النهي.\r{ قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ } أي: نطلبه ونسأله أن يرسله معنا، { وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ } ما أمرتنا به.\r{ وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ } قرأ حمزة والكسائي وحفص: { لِفِتْيَانِهِ } بالألف والنون، وقرأ الباقون: (2) \" لفتيته \" بالتاء من غير ألف يريد لغلمانه، وهما لغتان مثل الصِّبْيان والصِّبْيَة، { اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ } ثمن طعامهم وكانت دراهم.\rوقال الضحاك عن ابن عباس: كانت النعال والأدم.\rوقيل: كانت ثمانية جرب من سويق المقل. والأول أصح.\r{ فِي رِحَالِهِمْ } أوعيتهم، وهي جمع رحل، { لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا } انصرفوا، { إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } .\rواختلفوا في السبب الذي فعله يوسف من أجله، قيل: أراد أن يريهم كرمه في ردِّ البضاعة وتقديم\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) في \"أ\": الآخرون.","part":4,"page":255},{"id":1493,"text":"الضمان في البر والإحسان، ليكون أدعى لهم إلى العود، لعلّهم يعرفونها، أي: كرامتهم علينا.\rوقيل: رأى لؤما أخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته مع حاجتهم إليه، فردَّه عليهم من حيث لا يعلمون تكرُّمًا.\rوقال الكلبي: تخوّف أن لا يكون عند أبيه من الورق ما يرجعون به مرة أخرى.\rوقيل:فعل ذلك لأنه علم أن ديانتهم تحملهم على ردّ البضاعة نفيا للغلط ولا يستحلون إمساكها.\r{ فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63) } .","part":4,"page":256},{"id":1494,"text":"{ قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) } .\r{ فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا } إنا قدمنا على خير رجل، أنزلنا وأكرمنا كرامة لو كان رجلا من أولاد يعقوب ما أكرمنا كرامته، فقال لهم يعقوب: إذا أتيتم ملك مصر فأقرئوه مني السلام، وقولوا له: إنّ أبانا يصلي عليك ويدعو لك بما أوليتنا، ثم قال: أين شمعون؟ قالوا: ارتهنه ملك مصر، وأخبروه بالقصة، فقال لهم: ولِمَ أخبرتموه؟ قالوا: إنه أخذنا وقال أنتم جواسيس -حيث كلمناه بلسان العبرانية-وقصُّوا عليه القصة، وقالوا يا أبانا:\r{ مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ } [قال الحسن: معناه يمنع منا الكيل] (1) إن لم تحمل أخانا معنا.\rوقيل: معناه أعطى باسم كل واحد حملا ومنع منا الكيل لبنيامين، والمراد بالكيل: الطعام، لأنه يكال.\r{ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا } بنيامين، { نَكْتَل } قرأ حمزة والكسائي: {يكتل} بالياء، يعني: يكْتَلْ لنفسه كما نحن نكتال، [وقرأ الآخرون: {نكتل} بالنون، يعني: نكتل نحن] (2) وهو الطعام. وقيل: نكتل له، { وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } .\r{ قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ } يوسف { مِنْ قَبْلُ } أي: كيف آمنكم عليه وقد فعلتم بيوسف ما فعلتم؟ { فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا } قرأ حمزة والكسائي وحفص: { حَافِظًا } بالألف على التفسير، كما يقال: هو خيرٌ رجلا وقرأ الآخرون: {حفظا} بغير ألف على المصدر، يعني: خيركم حفظا، يقول: حفظه خير من حفظكم. { وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ }\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":4,"page":256},{"id":1495,"text":"{ وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66) } .\r{ وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ } الذي حملوه من مصر، { وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ } ثمن الطعام، { رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي } أي: ماذا نبغي وأي شيء نطلب؟ وذلك أنهم ذكروا ليعقوب عليه السلام إحسان الملك إليهم، وحثّوه على إرسال بنيامين معهم، فلما فتحوا المتاع ووجدوا البضاعة، { هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا } أيُّ شيء نطلب بالكلام، فهذا هو العيان من الإحسان والإكرام، أَوْفَى لنا الكيل ورَدَّ علينا الثمن. أرادوا تطييب نفس أبيهم، { وَنَمِيرُ أَهْلَنَا } أي: نشتري لهم الطعام فنحمله إليهم. يقال: مارَ أهله يَمِيْر مَيْرا: إذا حمل إليهم الطعام من بلد [إلى بلد آخر] (1) . ومثله: امتار يمتار امتيارا. { وَنَحْفَظُ أَخَانَا } بنيامين، أي: مما تخاف عليه. { وَنَزْدَادُ } على أحمالنا، { كَيْلَ بَعِيرٍ } أي: حمل بعير يكال لنا من أجله، لأنه كان يعطي باسم كل رجل حمل بعير، { ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ } [أي: ما حملناه قليل لا يكفينا وأهلنا. وقيل: معناه نزداد كيل بعير ذلك كيل يسير] (2) لا مؤنة فيه ولا مشقة.\rوقال مجاهد: البعير ها هنا هو الحمار. كيل بعير، أي: حمل حمار، وهي لغة، يقال للحمار: بعير. وهم كانوا أصحاب حُمُرٍ، والأول أصح أنه البعير المعروف.\r{ قال } لهم يعقوب، { لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ } تعطوني { مَوْثِقًا } ميثاقا وعهدا، { مِنَ اللَّهِ } والعهد الموثَّق: المؤكّد بالقسم. وقيل: هو المؤكد [بإشهاد الله] (3) على نفسه { لَتَأْتُنَّنِي بِهِ } وأدخل اللام فيه لأن معنى الكلام اليمين، { إِلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ } قال مجاهد إلا أن تهلكوا جميعا.\rوقال قتادة: إلا أن تغلبوا حتى لا تطيقوا ذلك.\rوفي القصة: أن الإخوة ضاق الأمر عليهم وجهدوا أشد الجهد، فلم يجد يعقوب بدا من إرسال بنيامين معهم.\r{ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ } 184/ب أعطوه عهودهم (4) ، { قَال } يعني: يعقوب\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) في \"ب\": بالشهادة.\r(4) في \"ب\": عهدهم.","part":4,"page":257},{"id":1496,"text":"{ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } شاهد. وقيل: حافظ. قال كعب: لما قال يعقوب فالله خير حافظا، قال الله عز وجل: وعزتي لأرُدَّنَّ عليك كليهما بعدما توكَّلْت عليَّ.\r{ وَقَالَ يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (68) } .\r{ وَقَال } لهم يعقوب لما أرادوا الخروج من عنده، { يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ } وذلك أنه خاف عليهم العين؛ لأنهم كانوا أعطوا جمالا وقوة وامتداد قامةٍ، وكانوا ولد رجل واحد، فأمرهم أن يتفرقوا في دخولهم لئلا يصابوا بالعين، فإن العين حق (1) ، وجاء في الأثر: \"إنّ العَين تُدخلُ الرجلَ القبرَ، والجملَ القدرَ\" (2) .\rوعن ابراهيم النخعي: أنه قال ذلك لأنه كان يرجو أن يروا يوسف في التفرق. والأول أصح.\rثم قال: { وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ } معناه: إن كان الله قضى فيكم قضاء فيصيبكم مجتمعين كنتم أو متفرقين، فإن المقدور كائن والحذر لا ينفع من القدر، { إِنِ الْحُكْمُ } ما الحكم، { إِلا لِلَّهِ } هذا تفويض يعقوب أموره إلى الله، { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } اعتمدت، { وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ } .\r{ وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ } أي: من الأبواب المتفرقة. وقيل: كانت المدينة مدينة الفرماء ولها أربعة أبواب، فدخلوها من أبوابها، { مَا كَانَ يُغْنِي } يدفع { عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ } صَدَق اللهُ تعالى يعقوبَ فيما قال، { إِلا حَاجَةً } مراداً، { فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا } أشفق عليهم إشفاق الآباء على أبنائهم وجرى الأمر عليه، { وَإِنَّهُ } يعني: يعقوب عليه السلام، { لَذُو عِلْمٍ } يعني: كان يعمل ما يعمل عن علم لا عن جهل، { لِمَا عَلَّمْنَاهُ } أي: لتعليمنا إياه. وقيل: إنه لعامل بما علم.\r__________\r(1) انظر تفصيلا في تفسير القرطبي: 9 / 226-228.\r(2) حديث ضعيف أخرجه أبو نعيم في الحلية (7 / 90) عن جابر رضي الله عنه، وابن عدي في الكامل عن أبي ذر: 6 / 2403، وابن حبان في المجروحين: 2 / 107 وقد ضعفه السخاوي في المقاصد الحسنة وقد أشار إليه الذهبي فقال: إنه منكر وحسنه الشيخ الألباني في الصحيحة 3 / 250، وانظر: كشف الخفاء: 2 / 99-100.","part":4,"page":258},{"id":1497,"text":"قال سفيان: من لا يعمل بما يعلم لا يكون عالما. وقيل: وإنه لذو حفظ لما علَّمناه.\r{ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } ما يعلم يعقوب لأنهم لم يسلكوا طريق إصابة العلم. وقال ابن عباس: لا يعلم المشركون ما ألهم الله أولياءه.\r{ وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (69) } .\rقوله عز وجل: { وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ } قالوا: هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتيك به قد جئناك به، فقال: أحسنتم وأصبتم، وستجدون جزاء ذلك عندي، ثم أنزلهم وأكرمهم (1) ، ثم أضافهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة، فبقي بنيامين وحيدا، فبكى وقال: لو كان أخي يوسف حيا لأجلسني معه، فقال يوسف: لقد بقي أخوكم هذا وحيدا، فأجلسه معه على مائدته، فجعل يُواكله فلما كان الليل أمر لهم [بمثل ذلك] (2) وقال: لينم كل أخوين منكم على مثال، فبقى بنيامين وحده، فقال يوسف: هذا ينام معي على فراشي، فنام معه، فجعل يوسف يضمه إليه ويشم ريحه حتى أصبح، وجعل روبين يقول: ما رأينا مثل هذا، فلما أصبح، قال لهم: إني أرى هذا الرجل ليس معه ثان فسأضمه إليَّ فيكون منزله معي، ثم أنزلهم منزلا وأجرى عليهم الطعام، وأنزل أخاه لأمه معه، فذلك قوله تعالى:\r{ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ } أي: ضمَّ إليه أخاه فلما خلا به قال: ما اسمك؟ قال: بنيامين، قال: وما بنيامين؟ قال: ابن المثكل، وذلك أنه لما ولد هلكت أمه. قال: وما اسم أمك؟ قال: راحيل بنت لاوى، فقال: فهل لك من ولد؟ قال: نعم عشرة بنين، [قال: فهل لك من أخ لأمك، قال: كان لي أخ فهلك، قال يوسف] (3) أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك، فقال بنيامين: ومَنْ يجد أخاً مثلك أيها الملك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف عند ذلك وقام إليه وعانقه (4) ، وقال له: { قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ } أي: لا تحزن، { بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } بشيء فعلوه بنا فيما مضى، فإن الله تعالى قد أحسن إلينا، ولا تعَلّمْهم شيئا مما أعلمتك، ثم أوفى يوسف لإخوته الكيل، وحمل لهم بعيرا بعيرا، ولبنيامين بعيرا باسمه، ثم أمر بسقاية الملك فجعلت في رحل بنيامين.\r__________\r(1) في \"ب\" فأكرم مثواهم.\r(2) في \"ب\": بمثل. والمثل هي: الفرش، واحدها مثال.\r(3) ما بين القوسين من المطبوع، وهي زيادة تناسب السياق.\r(4) هذه التفصيلات في لقاء يوسف لأخيه أخرجها الطبري في التاريخ: 1 / 352 ولم يقم عليها دليل، وظاهر الآيات أنه اختلى بأخيه وأطلعه على شأن ما جرى له وعرفه أنه أخوه، وتواطأ معه أنه سيحتال على أن يبقيه عنده معززا مكرما معظما. انظر: ابن كثير: 2 / 486.","part":4,"page":259},{"id":1498,"text":"قال السدي: جعلت السقاية في رحل أخيه، والأخ لا يشعر.\rوقال كعب: لما قال له يوسف إني أنا أخوك، قال بنيامين: أنا لا أفارقك، فقال له يوسف: قد علمت اغتمام والدي بي وإذا حبستك ازداد غمه ولا يمكنني هذا إلا بعد أن أشهرك بأمر فظيع وأنسبك إلى ما لا يحمد (1) ، قال: لا أبالي، فافعل، ما بدا لك، فإني لا أفارقكَ، قال: فإني أدسُّ صاعي في رحلك ثم أنادي عليكم بالسرقة، ليهيأ لي ردّك بعد تسريحك. قال: فافعل فذلك قوله تعالى:\r__________\r(1) في \"ب\": يحمل.","part":4,"page":260},{"id":1499,"text":"{ فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (71) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72) } .\r{ فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ } وهي المشربة التي كان الملك يشرب منها.\rقال ابن عباس: كانت من زبرجد.\rوقال ابن إسحاق: كانت من فضة. وقيل: من ذهب، وقال عكرمة: كانت مشربة من فضة مرصعة بالجواهر، جعلها يوسف مكيالا لئلا يكال بغيرها، وكان يشرب منها.\rوالسقاية والصواع واحد، وجعلت في وعاء طعام بنيامين، ثم ارتحلوا وأمهلهم يوسف حتى انطلقوا وذهبوا منزلا.\rوقيل: حتى خرجوا من العمارة، ثم بعث خلفهم مَنْ استوقفهم وحبسهم.\r{ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ } نادى منادٍ، { أَيَّتُهَا الْعِيرُ } وهي القافلة التي فيها الأحمال. قال مجاهد: كانت العير حميرا. وقال الفراء: كانوا أصحاب إبل. { إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } قفوا. قيل: قالوه من غير أمر يوسف. وقيل: قالوه بأمره، وكان هفوة منه. وقيل: قالوه على تأويل أنهم سرقوا يوسف من أبيه، فلما انتهى إليهم الرسول، قال لهم: ألم نكرم ضيافتكم ونحسن منزلتكم، ونوفِّكم كيلكم، ونفعل بكم ما لم نفعل بغيركم؟ قالوا: بلى، وما ذاك؟ قالوا: سقاية الملك فقدناها، ولا نَتَّهِمُ عليها غيركم. فذلك قوله عز وجل:\r{ قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ } عطفوا على المؤذن وأصحابه، { مَاذَا تَفْقِدُونَ } ما الذي ضلّ عنكم. والفقدان: ضدّ الوجد.\r{ قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِير } من الطعام، { وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ } كفيل، يقوله المؤذن.","part":4,"page":260},{"id":1500,"text":"{ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76) } .\r{ قَالُوا } يعني: إخوة يوسف، { تَاللَّه } أي: والله، وخصت هذه الكلمة بأن أبدلت الواو فيها بالتاء في اليمين دون سائر أسماء الله تعالى. { لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأرْضِ } لنسرق في أرض مصر.\rفإن قيل: كيف قالوا لقد علمتم؟ ومن أين علموا ذلك؟.\rقيل: قالوا لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض، فإنا منذ قطعنا هذا الطريق لم نَرْزَأ أحدا شيئا فاسألوا عنا مَنْ مررنا به: هل ضررنا أحدا؟\rوقيل: لأنهم ردوا البضاعة التي جعلت في رحالهم ،قالوا: فلو كنا سارقين ما رددناها.\rوقيل: قالوا ذلك لأنهم كانوا معروفين بأنهم لا يتناولون ما ليس لهم، وكانوا إذا دخلوا مصر كمموا أفواه دوابهم كيلا تتناول شيئا من حروث الناس.\r{ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ } .\r{ قَالُوا } يعني المنادي وأصحابه { فَمَا جَزَاؤُهُ } أي: جزاء السارق، { إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ } في قولكم \"وما كنا سارقين\".\r{ قَالُوا } [يعني: إخوة يوسف] (1) ، { جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ } أي: فالسارق جزاؤه أن يسلَّم السارق بسرقته إلى المسروق منه فيسترقه سنة، وكان ذلك سُنَّة آل يعقوب في حكم السارق، وكان حكم ملك مصر أن يضرب السارق 185/أ ويغرم ضعفي قيمة المسروق، فأراد يوسف أن يحبس أخاه عنده، فرد الحكم إليهم ليتمكن من حبسه عنده على حكمهم.\r{ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } الفاعلين ما ليس لهم فعله من سرقة مال الغير.\rفقال الرسول عند ذلك: لا بدّ من تفتيش أمتعتكم.\rفأخذ في تفتيشها. ورُوي أنه ردّهم إلى يوسف فأمر بتفتيش أوعيتهم بين يديه.\r{ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ } لإزالة التهمة، { قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ } فكان يفتش أوعيتهم واحدا واحدا. قال\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".","part":4,"page":261},{"id":1501,"text":"قتادة: ذكر لنا أنه كان لا يفتح متاعا ولا ينظر في وعاء إلا استغفر الله تأثما مما قذفهم به حتى إذا لم يبق إلا رحل بنيامين، قال: ما أظن هذا أخذه، فقال إخوته: والله لا نترك حتى تنظر في رحله فإنه أطيب لنفسك ولأنفسنا، فلما فتحوا متاعه استخرجوه منه. فذلك قوله تعالى:\r{ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ } وإنما أَنَّث الكناية في قوله \"ثم استخرجها\" والصُّوَاع مذكر، بدليل قوله: \"ولمن جاء به حمل بعير\"؛ لأنه ردّ الكناية ها هنا إلى السقاية.\rوقيل: الصواع يذكر ويؤنث. فلما أخرج الصواع من رحل بنيامين نكس إخوته رؤوسهم من الحياء، وأقبلوا على بنيامين وقالوا: ما الذي صنعت فضحتنا وسودت وجوهنا يا بني راحيل؟ ما يزال لنا منكم البلاء، متى أخذت هذا الصواع؟ فقال بنيامين: بل بنو راحيل لا يزال لهم منكم بلاء ذهبتم بأخي فأهلكتموه في البرية، ووضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالكم، فأخذوا بنيامين رقيقا (1) .\rوقيل: إن ذلك الرجل أخذ برقبته ورده إلى يوسف كما يرد (2) السراق. { كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ } والكيد ها هنا جزاء الكيد، يعني: كما فعلوا في الابتداء بيوسف من الكيد فعلنا بهم. وقد قال يعقوب عليه السلام ليوسف: \"فيكيدوا لك كيدا\"، فكدنا ليوسف في أمرهم.\rوالكيد من الخلق: الحيلة، ومن الله تعالى التدبير بالحق. وقيل: كدنا: ألهمنا. وقيل: دبَّرنا. وقيل: أردنا. ومعناه: صنعنا ليوسف حتى ضم أخاه إلى نفسه، وحال بينه وبين إخوته.\r{ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ } فيضمه إلى نفسه، { فِي دِينِ الْمَلِكِ } أي: في حكمه. قاله قتادة. وقال ابن عباس: في سلطانه. { إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } يعني: إن يوسف لم يكن يتمكن من حبس أخيه في حكم الملك لولا ما كِدْنَا له بلطفنا حتى وجد السبيل إلى ذلك، وهو ما أجرى على ألسنة الإخوة أن جزاء السارق الاسترقاق، فحصل مراد يوسف بمشيئة الله تعالى.\r{ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ } بالعلم كما رفعنا درجة يوسف على إخوته. وقرأ يعقوب: \" يرفع \" و \" يشاء \" بالياء فيهما [وإضافة درجات إلى { مَنْ } في هذه السورة. والوجه أن الفعل فيهما مسند إلى الله تعالى وقد تقدم ذكره في قوله: { إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } أي: يرفع الله درجات من يشاء. وقرأ الباقون بالنون فيهما إلا أن الكوفيين قرؤوا: \" درجات \" بالتنوين، ومَنْ سواهم بالإضافة، أي: نرفع به نحن، والرافع أيضا هو الله تعالى] (3) .\r__________\r(1) انظر: تفسير الطبري: 16 / 200، تاريخ الطبري: 1 / 355.\r(2) في \"أ\": يرق.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":4,"page":262},{"id":1502,"text":"{ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ } قال ابن عباس: فوق كل عالمٍ عالمٌ إلى أن ينتهي العلم إلى الله تعالى. فالله تعالى فوق كل عالم.\r{ قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77) } .\r{ قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ } يريدون أخاً له من أمه، يعني: يوسف. واختلفوا في السرقة التي وصفوا بها يوسف عليه السلام، فقال سعيد بن جبير وقتادة: كان لجده، أبي أمه، صنم يعبده، فأخذه سرّاً، أو كسره وألقاه في الطريق لئلا يعبد (1) .\rوقال مجاهد: إن يوسف جاءه سائل يوما، فأخذ بيضة من البيت فناولها للسائل. وقال سفيان بن عيينة: أخذ دجاجة من الطير التي كانت في بيت يعقوب فأعطاها سائلا. وقال وهب: كان يخبئ الطعام من المائدة للفقراء (2) .\rوذكر محمد بن إسحاق: أن يوسف كان عند عمته ابنة إسحاق، بعد موت أمه راحيل، فحضنته عمته وأحبته حبا شديدا، فلما ترعرع وقعت محبة يعقوب عليه، فأتاها وقال: يا أختاه سلِّمي إليَّ يوسف، فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة. قالت: لا والله، فقال: والله ما أنا بتاركه، فقالت: دعه عندي أياما أنظر إليه لعلّ ذلك يسليني عنه، ففعل ذلك، فعمدت إلى منطقة لإسحاق كانوا يتوارثونها بالكبر، فكانت عندها لأنها كانت أكبر ولد إسحاق، فحزمت المنطقة على يوسف تحت ثيابه وهو صغير، ثم قالت: لقد فقدت منطقة إسحاق اكشفوا أهل البيت فكشفوا فوجدوها مع يوسف، فقالت: والله إنه لَسَلَمٌ لي، فقال يعقوب: إن كان فعل ذلك فهو سَلَمٌ لك (3) ، فأمسكته حتى ماتت، فذلك الذي قال إخوة يوسف: { إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ } (4) .\r{ فَأَسَرَّهَا } أضمرها { يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ } وإنما أتت الكناية لأنه عني بها الكلمة، وهي قوله: { قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا } [ذكرها سرا في نفسه ولم يصرح بها، يريد أنتم شر مكانا] (5)\r__________\r(1) أخرجه عنهما ابن جرير في التفسير: 16 / 195، وانظر: الدر المنثور: 4 / 564.\r(2) انظر: الدر المنثور: 4 / 564.\r(3) السلم (بفتحتين): انقياد المذعن المستخذي، كالأسير الذي لا يمتنع ممن أمره، يقال: \"أخذه سلما\" إذا أسره من غير حرب، فجاء به منقادا لا يمتنع. انظر: تعليق محمود شاكر على الطبري: 16 / 196.\r(4) أخرجه الطبري: 16 / 196-197 وعزاه السيوطي لابن إسحاق وابن جرير وابن حاتم. (الدر المنثور: 4 / 563). هذا، ولم يرد نص ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في تعيين المراد بالسرقة التي وصفوه بها، والله أعلم بالذي كان.\r(5) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":4,"page":263},{"id":1503,"text":"أي: منزلة عند الله ممن رميتموه بالسرقة في صنيعكم بيوسف، لأنه لم يكن من يوسف سرقة حقيقية، وخيانتكم (1) حقيقة، { وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ } تقولون.\r{ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78) } .\r__________\r(1) في \"ب\": جنايتكم.","part":4,"page":264},{"id":1504,"text":"{ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (79) } .\r{ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا } وفي القصة أنهم غضبوا غضبا شديدا لهذه الحالة، وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا، وكان روبيل إذا غضب لم يقم لغضبه شيء، وإذا صاح ألقت كل امرأة حامل سمعت صوته ولدها، وكان مع هذا إذا مسَّه أحد من ولد يعقوب سكن غضبه.\rوقيل: كان هذا صفة شمعون من ولد يعقوب.\rوروي أنه قال لإخوته: كم عدد الأسواق بمصر؟ فقالوا عشرة، فقال: اكفوني أنتم الأسواق وأنا أكفيكم الملك، أو اكفوني أنتم الملك وأنا أكفيكم الأسواق، فدخلوا على يوسف فقال روبيل: لتردن علينا أخانا أو لأصيحن صيحة لا تبقي بمصر امرأة حامل إلا ألقت ولدها وقامت كل شعرة في جسد روبيل فخرجت من ثيابه، فقال يوسف لابن له صغير: قم إلى جنب روبيل فمسه. وروي: خذ بيده فأتني به، فذهب الغلام فمسّه فسكن غضبه. فقال روبيل: إن ها هنا لَبَزْرًا من بَزْر (1) يعقوب، فقال يوسف: مَنْ يعقوب؟.\rورُوي أنه غضب ثانيا فقام إليه يوسف فركضه برجله وأخذ بتلابيبه، فوقع على الأرض وقال: أنتم معشر العبرانيين تظنون أنْ لا أحدَ أشدّ منكم؟\rفلما صار أمرهم إلى هذا ورأوا أن لا سبيل لهم إلى تخليصه خضعوا وذلوا، وقالوا: يا أيها العزيز إنّ له أباً شيخاً كبيراً يحبه، { فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ } بدلا منه، { إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } في أفعالك (2) . وقيل: من المحسنين إلينا في توفية الكيل وحسن الضيافة ورد البضاعة. وقيل: يعنون إن فعلت ذلك كنت من المحسنين.\r{ قال } يوسف، { مَعَاذَ اللَّهِ } أعوذ بالله، { أَنْ نَأْخُذَ إِلا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ } ولم يقل إلا من سرق تحرزا من الكذب، { إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ } إن أخذنا بريئا بمجرم.\r__________\r(1) البزر (بفتح فسكون): الولد، يقال: ما أكثر بزره! أي: ولده.\r(2) أخرجه الطبري مطولا في تاريخه: 1 / 355-356، ومختصرا في التفسير: 16 / 200-201.","part":4,"page":264},{"id":1505,"text":"{ فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80) } .\r{ فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ } أي: أيسوا من يوسف أن يجيبهم إلى ما سألوه. وقال أبو عبيدة: اسْتَيْئَسُوا استيقنوا أن الأخ لا يرد إليهم. { خَلَصُوا نَجِيًّا } أي: خلا بعضهم ببعض يتناجون ويتشاورون لا يخالطهم غيرهم.\rوالنجيُّ يصلح للجماعة كما قال ها هنا، ويصلح للواحد كقوله: { وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا }(مريم -52) 185/ب وإنما جاز للواحد والجمع لأنه مصدر جعل نعتا كالعدل والزور، ومثله النجوى يكون اسما ومصدرا، قال الله تعالى: { وإذْ همْ نجوى }(الإسراء -47)، أي: متناجون. وقال: { مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ }(المجادلة -7) ، وقال في المصدر { إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ }(المجادلة -10).\r{ قَالَ كَبِيرُهُمْ } يعني: في العقل والعلم لا في السن. قال ابن عباس والكلبي: هو يهوذا وهو أعقلهم. وقال مجاهد: هو شمعون، وكانت له الرئاسة على إخوته. وقال قتادة والسدي والضحاك: هو روبيل، وكان أكبرهم في السن، وهو الذي نهى الإخوة عن قتل يوسف (1) .\r{ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا } عهدا. { مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ } قصّرتم { فِي يُوسُفَ } واختلفوا في محل \" ما \" ؛ قيل: هو نصب بإيقاع العلم عليه، يعني: ألم تعلموا من قبل تفريطكم في يوسف.\r__________\r(1) ذكر هذه الروايات: السيوطي في الدر المنثور: 4 / 565، والطبري في التفسير: 16 / 206-208، وقال مرجحا إنه \"روبيل\": \"وأولى الأقوال في ذلك بالصحة، قول من قال: عني بقوله \"قال كبيرهم\" روبيل، لإجماع جميعهم على أنه كان أكبرهم سنا. ولا تفهم العرب في المخاطبة إذا قيل لهم: \"فلان كبير القوم\" مطلقا بغير وصل، إلا أحد معنيين: إما في الرياسة عليهم والسؤدد، وإما في السن. فأما في العقل؛ فإنهم إذا أرادوا ذلك وصوله فقالوا: \"هو كبيرهم في العقل\". فأما إذا أطلق بغير صلته بذلك، فلا يفهم إلا ما ذكرت. وقد قال أهل التأويل: لم يكن لشمعون =وإن كان من العلم والعقل بالمكان الذي جعله الله به= على إخوته رياسة وسؤدد، فيعلم بذلك أنه عنى بقوله: \"قال كبيرهم\". فإذا كان ذلك كذلك، فلم يبق إلا الوجه الآخر، وهو الكبر في السن. وقد قال الذين ذكرنا جميعا: \"روبيل كان أكبرهم سنا\" فصح بذلك القول الذي اخترناه\".","part":4,"page":265},{"id":1506,"text":"[وقيل: وهو في محل الرفع على الابتداء وتم الكلام عند قوله: { مِنَ اللَّهِ } ثم قال { وَمِنْ قَبْلُ } هذا تفريطكم في يوسف] (1) وقيل: { مَا } صلة. أي: ومن قبل هذا فرطتم في يوسف.\r{ فَلَنْ أَبْرَحَ الأرْضَ } التي أنا بها وهي أرض مصر { حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي } بالخروج منها ويدعوني، { أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي } بردِّ أخي إليّ، أو بخروجي وترك أخي. وقيل: أو يحكم الله لي بالسيف فأقاتلهم وأسترد أخي.\r{ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ } أعدل مَنْ فَصَل بين الناس.\r{ ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81) } .\r{ ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ } يقول الأخ المحتبس [بمصر] (2) لإخوته ارجعوا إلى أبيكم، { فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ } بنيامين، { سَرَقَ } قرأ ابن عباس والضحاك \"سُرِّق\" بضم السين وكسر الراء وتشديدها، يعني: نُسب إلى السرقة، كما يقال: خوَّنته أي نسبته إلى الخيانة.\r{ وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا } [يعني: ما قلنا هذا إلا بما علمنا] (3) فإنّا رأينا إخراج الصاع من متاعه. وقيل: معناه: وما شهدنا، أي: ما كانت منا شهادة في عمرنا على شيء إلا بما علمنا، وليست هذه شهادة منا إنما هو خبر عن صنيع ابنك بزعمهم.\rوقيل: قال لهم يعقوب عليه السلام: ما يدري هذا الرجل أن السارق يُؤخذ بسرقته إلا بقولكم، فقالوا: ما شهدنا عند يوسف بأن السارق يسترقُّ إلا بما علمنا، وكان الحكم ذلك عند الأنبياء؛ يعقوب وبنيه.\r{ وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ } قال مجاهد وقتادة: ما كنا نعلم أن ابنك سيسرق ويصير أمرنا إلى هذا ولو علمنا ذلك ما ذهبنا إليه، وإنما قلنا ونحفظ أخانا مما لنا إلى حفظه منه سبيل. وعن ابن عباس: ما كنا لليله ونهاره ومجيئه وذهابه حافظين. وقال عكرمة: وما كنا للغيب حافظين فلعلها دُسَّتْ بالليل في رحله.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) ساقط من \"ب\".","part":4,"page":266},{"id":1507,"text":"{ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) } .\r{ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا } أي: أهل القرية وهي مصر. قال ابن عباس: هي قرية من قرى مصر كانوا ارتحلوا منها إلى مصر. { وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا } أي: القافلة التي كنا فيها. وكان صَحِبَهم قومٌ من كنعان من جيران يعقوب. قال ابن إسحاق: عرف الأخ المحتبس بمصر أن إخوته أهل تهمة عند أبيهم لِما كانوا صنعوا في أمر يوسف، فأمرهم أن يقولوا هذا لأبيهم.\r{ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } فإن قيل: كيف استجاز يوسف أن يعمل مثل هذا بأبيه ولم يخبره بمكانه، وحبس أخاه مع علمه بشدة وجد أبيه عليه، وفيه معنى العقوق وقطيعة الرحم وقلة الشفقة؟. قيل: قد أكثر الناس فيه، والصحيح أنه عمل ذلك بأمر الله سبحانه وتعالى، أمره بذلك، ليزيد في بلاء يعقوب، فيضاعف له الأجر، ويلحقه في الدرجة بآبائه الماضين. وقيل: إنه لم يظهر نفسه لإخوته؛ لأنه لم يأمن أن يدبروا في أمره تدبيرا فيكتموه عن أبيه. والأول أصح.\r{ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ } زيَّنت، { أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا } وفيه اختصار معناه: فرجعوا إلى أبيهم وذكروا لأبيهم ما قال كبيرهم، فقال يعقوب: {بل سولت لكم أنفسكم أمرا}، أي: حمل أخيكم إلى مصر لطلب نفع عاجل. { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا } يعني: يوسف، وبنيامين، وأخاهم المقيم بمصر. { إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ } بحزني ووجدي على فقدهم، { الْحَكِيمُ } في تدبير خلقه.\rقوله تعالى: { وَتَوَلَّى عَنْهُمْ } وذلك أن يعقوب عليه السلام لما بلغه خبر بنيامين تتامَّ حزنه وبلغ جهده، وتهيج حزنه على يوسف فأعرض عنهم، { وَقَالَ يَا أَسَفَى } يا حزناه، { عَلَى يُوسُفَ } والأسفُ أشدُّ الحزن، { وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ } عمي بصره. قال مقاتل: لم يبصر بهما ست سنين، { فَهُوَ كَظِيمٌ } أي: مكظوم مملوء من الحزن ممسك عليه لا يبثه. وقال قتادة: يردد حزنه في جوفه ولم يقل إلا خيرا. قال الحسن: كان بين خروج يوسف من حجر أبيه إلى يوم التقى معه ثمانون عاما، لا تجفُّ عينا يعقوب وما على وجه الأرض يومئذ أكرم على الله من يعقوب.","part":4,"page":267},{"id":1508,"text":"{ قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (86) } .\r{ قَالُوا } يعني: أولاد يعقوب، { تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُف } أي: لا تزال تذكر يوسف، لا تفتر من حبه، و \" لا \" محذوفة من قوله { تَفْتَأ } يقال: ما فتئ يفعل كذا أي: ما زال، كقول امرئ القيس: فقلتُ يمينُ الله أَبْرَحُ قائمًا ... ولَوْ قَطَّعُوا رأسِي لَدَيْكِ وأَوْصَالِي (1)\rأي: لا أبرح. { حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا } قال ابن عباس: دفنا (2) وقال مجاهد: الحرض ما دون الموت، يعني: قريبا من الموت. وقال ابن إسحاق: فاسدا لا عقل لك.\rوالحرض: الذي فسد جسمه وعقله. وقيل: ذائبا من الهم. ومعنى الآية: حتى تكون دَنِفَ الجسم مخبول العقل.\rوأصل الحرض: الفساد في الجسم والعقل من الحزن والهرم، أو العشق (3) ، يقال: رجل حَرَض وامرأة حَرَض، ورجلان وامرأتان حَرَض، ورجال ونساء كذلك، يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث، لأنه مصدر وضع موضع الاسم (4) . { أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ } أي: من الميتين.\r{ قَالَ } يعقوب عليه السلام عند ذلك لما رأى غِلظتهم { إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ } والبثُّ: أشَدُّ الحزن، سمي بذلك لأن صاحبه لا يصبر عليه حتى يثبته أي يظهره، قال الحسن: بَثِّي أي: حاجتي.\rويُروى أنه دخل على يعقوب جارٌ له وقال: يا يعقوب مالي أراك قد تهشمت وفنيت ولم تبلغ من السن ما بلغ أبوك؟ قال: هشمني وأفناني ما ابتلاني الله به من همّ يوسف، فأوحى الله إليه: يا يعقوب\r__________\r(1) البيت في ديوان امرئ القيس ص (32) واستشهد به الطبري في: 4 / 425، 16 / 221، وابن قتيبة في المشكل ص (174). وفيها: قاعدا بدل قائما.\r(2) في \"ب\": دنفا.\r(3) ومنه قول العرجي:إني امرؤ لج بي حب فأحرضني ... حتى بليت; وحتى شفني السقم\rيعني بقوله \"فأحرضني\": أذابني فتركني محرضا.\r(4) فإذا وصف بهذا اللفظ ثُنِّي وجُمِع، وذُكِّر وأُنِّث. ووُحِّد \"حرض\" بكل حال ولم يدخله التأنيث؛ لأنه مصدر، فإذا أخرج على \"فاعل\" على تقدير الأسماء لزمه ما يلزم الأسماء من التثنية والجمع والتذكير والتأنيث. انظر: الطبري: 16 / 222.","part":4,"page":268},{"id":1509,"text":"أتشكوني إلى خلقي؟ فقال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرْها لي، فقال: قد غفرتها لك، فكان بعد ذلك إذا سئل قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله (1) .\rوروي أنه قيل له: يا يعقوب ما الذي أذهب بصرك وقوَّس ظهرك؟ قال: أذهب بصري بكائي على يوسف، وقوَّس ظهري حزني على أخيه. فأوحى الله إليه: أتشكوني؟ فوعزتي وجلالي لا أكشف ما بك حتى تدعوني.\rفعند ذلك قالإنما أشكو بثي وحزني إلى الله،فأوحى الله إليه: وعزتي وجلالي لو كانا ميتين لأخرجتهما لك، وإنما وجدت عليكم لأنكم ذبحتم شاة 186/أ فقام ببابكم مسكين فلم تطعموه منها شيئا، وإن أحب خلقي إليّ الأنبياء، ثم المساكين، فاصنع طعاما وادع إليه المساكين.\rفصنع طعاما ثم قال: من كان صائما فليفطر الليلة عند آل يعقوب (2) .\rوروي أنه كان بعد ذلك إذا تغدى أمر من ينادي: مَنْ أراد الغداء فليأت يعقوب، وإذا أفطر أمر مَنْ ينادي: مَنْ أراد أن يفطر فليأت يعقوب، فكان يتغدى ويتعشى مع المساكين (3) . وعن وهب بن منبه قال: أوحى الله تعالى إلى يعقوب: أتدري لِمَ عاقبتك وحبست عنك يوسف ثمانين سنة؟ قال: لا يا إلهي، قال: لأنك قد شويت عناقا وقترت على جارك، وأكلت ولم تطعمه.\rوروي: أن سبب ابتلاء يعقوب أنه ذبح عجلا بين يدي أمه وهي تخور (4) . وقال وهب والسدي وغيرهما: أتى جبريل يوسف عليه السلام في السجن فقال: هل تعرفني أيها الصديق؟\r__________\r(1) أخرجه الطبري في التفسير: 16 / 227-228 عن طلحة بن مصرّف اليامي موقوفا عليه، (وفي الأصل الإيامي) والمثبت من تهذيب التهذيب، فقد ترجم له وقال: كوفي، فاضل قارئ، من الخامسة.\r(2) أخرجه الحاكم في المستدرك عن أنس بن مالك: 2 / 348، وقال: \"هكذا في سماعي بخط يد حفص بن عمر بن الزبير. وأظن \"الزبير\" وهما من الراوي، فإنه حفص بن عمر بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري، ابن أخي أنس بن مالك، فإن كان كذلك فالحديث صحيح. ثم قال: وقد أخرج الإمام أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم هذا الحديث في التفسير مرسلا. وساقه الهيثمي من رواية أنس ثم قال: \"رواه الطبراني في الصغير والأوسط عن شيخه محمد بن أحمد الباهلي البصري وهو ضعيف جدا\". انظر: مجمع الزوائد: (7 / 40). وذكره ابن كثير في التفسير: (2 / 488-489) من رواية ابن أبي حاتم: وقال: \"هذا حديث غريب فيه نكارة\". وزاد السيوطي نسبته لابن أبي الدنيا في الفرج بعد الشدة، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان. انظر: الدر المنثور: 4 / 574.\r(3) انظر التعليق السابق.\r(4) انظر: زاد المسير لابن الجوزي: 4 / 275.","part":4,"page":269},{"id":1510,"text":"قال: أرى صورة طاهرة وريحا طيبة.\rقال: إني رسول رب العالمين وأنا الروح الأمين.\rقال: فما أدخلك مدخل المذنبين وأنت أطيب الطيبين ورأس المقربين [وأمين رب العالمين] (1) ?\rقال: ألم تعلم يا يوسف أن الله تعالى يطهر البيوت بطهر النبيين، وأن الأرض التي يدخلونها هي أطهر الأرضين، وأن الله تعالى قد طهر بك السجن وما حوله ، يا طُهر الطاهرين وابن الصالحين المخلصين.\rقال: وكيف لي باسم الصديقين وتعدّني من المخلصين الطاهرين، وقد أدخلت مدخل المذنبين وسميت باسم الفاسقين؟\rقال جبريل: لأنه لم يفتن قلبك ولم تطع سيدتك في معصية ربك لذلك سماك الله في الصديقين، وعدّك من المخلصين، وألحقك بآبائك الصالحين.\rقال يوسف: هل لك علم بيعقوب أيها الروح الأمين؟\rقال: نعم، وهبه الله الصبر الجميل وابتلاه بالحزن عليك فهو كظيم.\rقال: فكم قدّر حزنه؟\rقال: حزن سبعين ثكلى.\rقال: فما زاد له من الأجر يا جبريل؟\rقال: أجر مائة شهيد.\rقال: أفتراني لاقيه؟\rقال: نعم، فطابت نفس يوسف، وقال: ما أبالي بما لقيت إن رأيته (2) .\rقوله تعالى: { وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ } يعني: أعلم من حياة يوسف ما لا تعلمون.\rروي أن ملك الموت زار يعقوب فقال له: أيها الملك الطيب ريحه، الحسن صورته، هل قبضت روح ولدي في الأرواح؟ قال: لا فسكن يعقوب وطمع في رؤيته، وقال: وأعلم أن رؤيا يوسف صادقة وإني وأنتم سنسجد له.\rوقال السدي: لما أخبره ولده بسيرة الملك أحسَّت نفس يعقوب وطمع وقال لعله يوسف، فقال: يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه (3) .\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) أخرجه عنهما الطبري في التفسير: 16 / 229-231. ووهب يكثر من الروايات الإسرائيلية ورواية السدي ضعيفة.\r(3) انظر: تفسير القرطبي: 9 / 253. ورواه الطبراني في الصغير والأوسط عن شيخه محمد بن أحمد الباهلي وهو ضعيف جدا. انظر: مجمع الزوائد 7 / 40.","part":4,"page":270},{"id":1511,"text":"وروي عن عبد الله بن يزيد بن أبي فروة: أن يعقوب عليه السلام كتب كتابا إلى يوسف عليه السلام حين حبس بنيامين: من يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله (1) بن إبراهيم خليل الله [إلى ملك مصر] (2) أما بعد: فإنا أهل بيت وُكِّلَ بِنَا البلاء؛ أمَّا جدي إبراهيم فشدَّتْ يداه ورجلاه وألقي في النار، فجعلها الله عليه بردا وسلاما، وأما أبي فشدَّت يداه ورجلاه ووضع السكين على قفاه، ففداه الله، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إلي فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخا بالدم، فقالوا: قد أكله الذئب، فذهبت عيناي [من البكاء عليه] (3) ، ثم كان لي ابن وكان أخاه لأمه، وكنت أتسلَّى به، وإنك حبسته وزعمت أنه سرق، وإنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقا، فإن رددته عليَّ وإلا دعوتُ عليك دعوةً تدرك السابع من ولدك، فلما قرأ يوسف الكتاب لم يتمالك البكاء وعيل صبره، فأظهر نفسه على ما نذكره إن شاء الله تعالى (4) .\r__________\r(1) انظر التعليق رقم (1) ص (215).\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) أخرجه الحكيم الترمذي وأبو الشيخ عن وهب بن منبه، وهو ضعيف. انظر: الدر المنثور 4 / 579.","part":4,"page":271},{"id":1512,"text":"{ يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) } .\rقوله عز وجل: { يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا } تخبروا واطلبوا الخبر، { مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ } والتحسّس بالحاء والجيم لا يبعد أحدهما من الآخر، إلا أن التحسس بالحاء في الخير وبالجيم في الشر، والتحسس هو طلب الشيء بالحاسَّة. قال ابن عباس: معناه التمسوا { وَلا تَيْئَسُوا } ولا تقنطوا { مِنْ رَوْحِ اللَّهِ } أي: من رحمة الله، وقيل: من فرج الله. { إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } .\r{ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ } وفيه إضمار تقديره: فخرجوا راجعين إلى مصر حتى وصلوا إليها فدخلوا على يوسف عليه السلام. { قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ } أي: الشدة والجوع، { وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ } أي: قليلة رديئة كاسدة، لا تنفق في ثمن الطعام إلا بتجوز من البائع فيها، وأصل الإزجاء: السوق والدفع. وقيل: للبضاعة مزجاة لأنها غير نافقة، وإنما تجوز على دَفْعٍ من آخذها.","part":4,"page":271},{"id":1513,"text":"واختلفوا فيها، فقال ابن عباس: كانت دراهم رديئة زيوفا (1) .\rوقيل: كانت خَلَق الغرائر والحبال (2) .\rوقيل: كانت من متاع الأعراب من الصوف والأقط.\rوقال الكلبي ومقاتل: كانت الحبة الخضراء.\rوقيل: كانت من سويق المُقل (3) .\rوقيل: كانت الأدم والنعال (4) .\r{ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ } أي: أعطنا ما كنت تعطينا قَبْلُ بالثمن الجيد الوافي.\r{ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا } أي: تفضل علينا بما بين الثمنين الجيد والرديء ولا تنقصنا. هذا قول أكثر المفسرين.\rوقال ابن جريج والضحاك: وتصدق علينا برد أخينا إلينا (5) .\r{ إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي } يثيب، { الْمُتَصَدِّقِينَ } .\rوقال الضحاك: لم يقولوا إن الله يجزيك؛ لأنهم لم يعلموا أنه مؤمن.\rوسئل سفيان بن عيينة: هل حرمت الصدقة على أحد من الأنبياء سوى نبينا عليه الصلاة والسلام؟ فقال سفيان: ألم تسمع قوله تعالى: { وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ } (6) ، يريد أن الصدقة كانت حلالا لهم.\rوروي أن الحسن سمع رجلا يقول: اللهم تصدق علي، فقال: إن الله لا يتصدق وإنما يتصدق من يبغي الثواب، قل: اللهم أعطني أو تفضل عليّ (7) .\r__________\r(1) الدراهم التي ظهر فيها غش ورداءة.\r(2) \"الخلق\": البالي. \"الغرائر\": جمع غرارة، وهي وعاء من خيش ونحوه يوضع فيه القمح ونحوه، وهو أكبر من الجوالق. انظر: المعجم الوسيط: 2 / 648.\r(3) المقل: حمل الدوم: والدوم يشبه النخل.\r(4) قال الطبري في معنى \"وجئنا ببضاعة مزجاة\": بدراهم، أو ثمن لا يجوز في ثمن الطعام إلا لمن يتجاوز فيها... واختلف أهل التأويل في البيان عن تأويل ذلك، وإن كانت معاني بيانهم متقاربة\". التفسير: 16 / 234، 235.\r(5) قال الطبري تعقيبا على ما ذكره ابن جريج: وهذا القول وإن كان قولا له وجه، فليس بالقول المختار... لأن الصدقة في متعارف العرب إنما هي: إعطاء الرجل ذا حاجة بعض أملاكه ابتغاء ثواب الله عليه، وإن كان كل معروف صدقة. فتوجيه تأويل كلام الله إلى الأغلب من معناه في كلام من نزل القرآن بلسانه = أولى وأحرى.\r(6) أخرجه الطبري: 16 / 242. ورده ابن عطية بحديث (نحن معاشر الأنبياء لا تحل لنا الصدقة) انظر: المحرر الوجيز: 8 / 63.\r(7) وبمثله قال مجاهد، فقد سئل: هل يكره أن يقول الرجل في دعائه اللهم تصدق علي؟ فقال: نعم، إنما الصدقة لمن يبغي الثواب. انظر: الطبري: 16 / 243، الدر المنثور: 4 / 577.","part":4,"page":272},{"id":1514,"text":"{ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (89) قَالُوا أَئِنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) } .\r{ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ } اختلفوا في السبب الذي حمل يوسف على هذا القول، قال ابن إسحاق: ذكر لي أنهم لما كلموه بهذا الكلام أدركته الرقة فارفضَّ دمعه (1) ، فباح بالذي كان يكتم منهم (2) .\rوقال الكلبي: إنما قال ذلك حين حكى لإخوته أن مالك بن ذعر قال: إني وجدت غلاما في بئر، من حاله كيت وكيت، فابتعته بكذا درهما فقالوا: أيها الملك، نحن بعنا ذلك الغلام، فغاظ يوسف ذلك وأمر بقتلهم فذهبوا بهم ليقتلوهم، فولى يهوذا وهو يقول: كان يعقوب يحزن ويبكي لفقد واحد منا حتى كفّ بصره، فكيف إذا أتاه قتل بنيه كلهم؟ ثم قالوا له: إن فعلت ذلك فابعث بأمتعتنا إلى أبينا فإنه بمكان كذا وكذا، فذلك حين رحمهم وبكى، وقال ذلك القول (3) .\rوقيل: قاله حين قرأ كتاب أبيه إليه فلم يتمالك البكاء 186/ب فقال: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ فرقتُم بينهما، وصنعتُم ما صنعتُم إذ أنتم جاهلون بما يؤول إليه أمر يوسف؟ وقيل: مذنبون وعاصون. وقال الحسن: إذ أنتم شباب ومعكم جهل الشباب.\rفإن قيل: كيف قال ما فعلتم بيوسف وأخيه، وما كان منهم إلى أخيه، وهم لم يسعوا في حبسه؟ قيل: قد قالوا له في الصاع ما يزال لنا بلاء، وقيل: ما رأينا منكم يا بني راحيل خيرا. وقيل: لما كانا من أم واحدة كانوا يؤذونه من بعد فَقْدِ يوسف.\r{ قَالُوا أَئِنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ } قرأ ابن كثير وأبو جعفر: \" إنَّك \" على الخبر، وقرأ الآخرون على الاستفهام.\rقال ابن إسحاق: كان يوسف يتكلم من وراء ستر فلما قال يوسف: هل علمتم ما فعلتم، كشف عنهم الغطاء ورفع الحجاب، فعرفوه.\rوقال الضحاك عن ابن عباس: لما قال هذا القول تبسم يوسف فرأوا ثناياه كاللؤلؤ المنظوم فشبهوه بيوسف، فقالوا استفهاما أئنك لأنت يوسف؟.\r__________\r(1) ارفض الدمع وترفض: نزل وسال.\r(2) أخرجه الطبري في التفسير: 16 / 243.\r(3) رواه أبو صالح عن ابن عباس: انظر: زاد المسير لابن الجوزي: 4 / 279.","part":4,"page":273},{"id":1515,"text":"وقال عطاء عن ابن عباس: إن إخوة يوسف لم يعرفوه حتى وضع التاج عن رأسه، وكان له في قرنه علامة وكان ليعقوب مثلها ولإسحاق مثلها ولسارة مثلها شبه الشامة، فعرفوه فقالوا: أئنك لأنت يوسف.\rوقيل: قالوه على التوهم حتى، { قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي } (1) ، بنيامين، { قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا } أنعم علينا بأن جمع بيننا.\r{ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ } بأداء الفرائض واجتناب المعاصي، { وَيَصْبِرْ } عما حرم الله عز وجل عليه. قال ابن عباس: يتقي الزنى ويصبر عن العزوبة. وقال مجاهد: يتقي المعصية ويصبر على السجن، { فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } .\r{ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93) } .\r{ قَالُوا } معتذرين، { تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا } أي: اختارك الله وفضَّلك علينا، { وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ } أي: وما كنا في صنيعنا بك إلا مخطئين مذنبين. يقال: خَطِئَ خِطْئاً إذا تعمد، وأخطأ إذا كان غير متعمد (2) .\r{ قَالَ } يوسف وكان حليما، { لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ } لا تعيير عليكم اليوم، ولا أذكر لكم ذنبكم بعد اليوم، { يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } .\rفلما عّرفهم يوسف نفسه سألهم عن أبيه، فقال: ما فعل أبي بعدي؟ قالوا: ذهبت عيناه فأعطاهم قميصه، وقال:\r{ اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا } أي: يعد مبصرا. وقيل: يأتيني بصيرا لأنه كان قد دعاه.\r__________\r(1) راجع في هذه الأقوال: زاد المسير: 14 / 281.\r(2) قال الراغب الأصفهاني في كتابه \"المفردات في غريب القرآن\" ص (151): \"الخطأ: العدول عن الجهة، وذلك أَضْرُبٌ: أحدها: أن يريد غير ما تَحْسُن إرادته، فيفعله، وهذا هو الخطأ التام المأخوذ به الإنسان، يقال: خَطِئَ يَخْطَأ خِطْئًا وخِطأَة، قال تعالى: (وإن كنا لخاطئين). والثاني: أن يريد ما يَحْسُن فعله، لكن يقع منه خلاف ما يريد، فيقال: أَخْطَأَ إِخْطَاءً فهو مُخْطِئٌ. وهذا قد أصاب في الإرادة وأخطأ في الفعل، وهو المعنيّ بقوله عليه الصلاة والسلام: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان).. والثالث: أن يريد ما لا يحسن فعله ويتفق منه خلافه، فهذا مخطئ في الإرادة ومصيب في الفعل، فهو مذموم بقصده، وغير محمود على فعله...\". وانظر: تفسير الطبري: 2 / 110، 6 / 134، 16 / 245.","part":4,"page":274},{"id":1516,"text":"قال الحسن: لم يعلم أنه يعود بصيرا إلا بعد أن أعلمه الله عز وجل.\rوقال الضحاك: كان ذلك القميص من نسج الجنة.\rوعن مجاهد قال: أمره جبريل أن يرسل إليه قميصه، وكان ذلك القميص قميص إبراهيم عليه السلام، وذلك أنه جرد من ثيابه وألقي في النار عريانا، فأتاه جبريل بقميص من حرير الجنة، فألبسه إيّاه فكان ذلك القميص عند إبراهيم عليه السلام، فلما مات ورثه إسحاق، فلما مات ورثه يعقوب، فلما شبَّ يوسف جعل يعقوب ذلك القميص في قصبة، وسدَّ رأسها، وعلَّقها في عنقه، لما كان يخاف عليه من العين، فكان لا يفارقه. فلما ألقي في البئر عريانا جاءه جبريل عليه السلام وعلى يوسف ذلك التعويذ، فأخرج القميص منه وألبسه إيّاه، ففي هذا الوقت جاء جبريل عليه السلام إلى يوسف عليه السلام وقال: أرسل ذلك القميص، فإن فيه ريح الجنة لا يقع على سقيم ولا مبتلى إلا عوفي، فدفع يوسف ذلك القميص إلى إخوته وقال: ألقوه على وجه أبي يأت بصيرا، { وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ } (1) .\r{ وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94) } .\r{ وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ } أي خرجت من عريش مصر متوجهة إلى كنعان { قَالَ أَبُوهُمْ } أي: قال يعقوب لولد ولده، { إِنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ } .\rروي أن ريح الصبا استأذنت ربها في أن تأتي يعقوب بريح يوسف قبل أن يأتيه البشير.\rقال مجاهد: أصاب يعقوب ريح يوسف من مسيرة ثلاثة أيام. وحكي عن ابن عباس: من مسيرة ثمان (2) ليال.\rوقال الحسن: كان بينهما ثمانون فرسخا (3) .\rوقيل: هبت ريح فصفقت القميص، فاحتملت ريح القميص إلى يعقوب، فوجد ريح الجنة فعلم أن ليس في الأرض من ريح الجنة، إلا ما كان من ذلك القميص، فلذلك قال: إني لأجد ريح يوسف.\r{ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ } تُسَفِّهوني، وعن ابن عباس: تُجَهِّلوني. وقال الضحاك: تهرِّمون فتقولون: شيخ كبير قد خرف وذهب عقله. وقيل: تضعِّفوني. وقال أبو عبيدة: تضلّلوني. وأصل الفَنَدِ: الفساد.\r__________\r(1) عقَّب ابن عطية على هذه الروايات، فقال: \"وهذا كله يحتاج إلى سند، والظاهر: أنه قميص يوسف الذي هو منه بمنزلة قميص كل أحد، وهكذا تبين الغرابة في أن وجد ريحه من بُعْدٍ، ولو كان من قمص الجنة لما كان في ذلك غرابة، ولوجده كل أحد\". انظر: المحرر الوجيز: (8 / 71-72).\r(2) في \"ب\": ثلاث.\r(3) انظر: البداية والنهاية لابن كثير: 1 / 216.","part":4,"page":275},{"id":1517,"text":"{ قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (95) } .","part":4,"page":276},{"id":1518,"text":"{ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (96) قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98) } .\r{ قَالُوا } يعني: أولاد أولاده، { تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ } أي: خطئك القديم من ذكر يوسف لا تنساه، والضلال هو الذهاب عن طريق الصواب، فإن عندهم أن يوسف قد مات ويرون يعقوب قد لهج بذكره.\r{ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ } وهو المبشر عن يوسف، قال ابن مسعود: جاء البشير بين يدي العير. قال ابن عباس: هو يهوذا.\rقال [السدي: قال يهوذا] (1) أنا ذهبت بالقميص ملطخا بالدم إلى يعقوب فأخبرته أن يوسف أكله الذئب، فأنا أذهب إليه اليوم بالقميص فأخبره أن ولده حي فأفرحه كما أحزنته (2) .\rقال ابن عباس: حمله يهوذا وخرج حافيا حاسرا يعدو ومعه سبعة أرغفة لم يستوف أكلها حتى أتى أباه، وكانت المسافة ثمانين فرسخا.\rوقيل: البشير مالك بن ذعر.\r{ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ } يعني: ألقى البشيرُ قميصَ يوسف على وجه يعقوب، { فَارْتَدَّ بَصِيرًا } فعاد بصيرا بعدما كان عمِي وعادت إليه قوته بعد الضعف، وشبابه بعد الهرم وسروره بعد الحزن.\r{ قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ } من حياة يوسف وأن الله يجمع بيننا.\rورُوي أنه قال للبشير: كيف تركت يوسف؟ قال: إنه ملك مصر، فقال يعقوب: ما أصنع بالملك على أي دين تركتَه؟ قال: على دين الإسلام، قال: الآن تمت النعمة (3) .\r{ قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ } مذنبين.\r{ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي } قال أكثر المفسرين: أخَّر الدعاء إلى السَّحَر، وهو الوقت الذي\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) انظر: تفسير الطبري: 16 / 259.\r(3) قال ابن الجوزي في زاد المسير: (4 / 286): رواه يحيى بن يمان عن سفيان. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (4 / 583) لابن أبي حاتم عن الحسن موقوفا عليه.","part":4,"page":276},{"id":1519,"text":"يقول الله تعالى: \"هل من داع فأستجيب له\" (1) فلما انتهى يعقوب إلى الموعد قام إلى الصلاة بالسحر، فلما فرغ منها رفع يديه إلى الله عز وجل وقال: اللهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عنه، واغفر لأولادي ما أتوا إلى أخيهم يوسف، فأوحى الله تعالى إليه أني قد غفرتُ لك ولهم أجمعين.\rوعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: سوف أستغفر لكم [ربي يعني ليلة الجمعة (2) . قال وهب: كان يستغفر لهم كل] (3) ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة.\rوقال طاوس: أخَّر الدعاء إلى السَّحَر من ليلة الجمعة فوافق ليلة عاشوراء (4) . وعن الشعبي قال: سوف أستغفر لكم ربي، قال: أسأل يوسف إن عفا عنكم أستغفر لكم ربي (5) { إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } .\rروي أن يوسف كان 187/أ قد بعث مع البشير إلى يعقوب مائتي راحلة وجهازا كثيرا ليأتوا بيعقوب وأهله وأولاده، فتهيأ يعقوب للخروج إلى مصر، فخرجوا وهم اثنان وسبعون من بين رجل وامرأة. وقال مسروق: كانوا ثلاثة وتسعين (6) ، فلما دنا من مصر كلم يوسف الملك الذي فوقه، فخرج يوسف والملك في أربعة آلاف من الجنود وركب أهل مصر معهما يتلقون يعقوب، وكان يعقوب يمشي وهو يتوكأ على يهوذا فنظر إلى الخيل والناس فقال: يا يهوذا هذا فرعون مصر، قال: لا هذا ابنك، فلما دنا كل واحد من صاحبه ذهب يوسف يبدأ بالسلام، فقال جبريل: لا حتى يبدأ يعقوب بالسلام، فقال يعقوب: السلام عليك يا مذهب الأحزان (7) .\rوروي أنهما نزلا وتعانقا. وقال الثوري: لما التقى يعقوب ويوسف عليهما السلام عانق كل واحد منهما صاحبه وبكيا، فقال\r__________\r(1) إشارة إلى حديث أبي هريرة الصحيح: \"ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له\". أخرجه البخاري في التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل: 3 / 29، ومسلم في صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل، برقم (758): 1 / 521.\r(2) أخرج ابن جرير عن ابن عباس -رضي الله عنهما- مرفوعا: يقول حتى تأتي ليلة الجمعة. وهو قول أخي يعقوب لبنيه، التفسير: 16 / 262 ، وانظر تخريجه في تعليق محمود شاكر عليه. قال ابن كثير في \"البداية والنهاية\": (1 / 217) : \"وهذا غريب من هذا الوجه وفي رفعه نظر، والأشبه أن يكون موقوفا على ابن عباس رضي الله عنهما\".\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(4) انظر: تفسير القرطبي: 9 / 263.\r(5) المرجع السابق نفسه.\r(6) في \"ب\": ثلاثة وسبعين.\r(7) غالب هذه الأخبار متلقاة عن أهل الكتاب. انظر: البداية والنهاية لابن كثير: 1 / 217-218.","part":4,"page":277},{"id":1520,"text":"يوسف: يا أبت بكيتَ حتى ذهب بصرك ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟ قال: بلى يا بني، ولكن خشيتُ أن تسلب دينك فيحال بيني وبينك (1) .\r{ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) } .\rفذلك قوله تعالى: { فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ } أي: ضم إليه، { أَبَوَيْهِ } قال أكثر المفسرين: هو أبوه وخالته ليّا، وكانت أمه راحيل قد ماتت في نفاس بنيامين (2) .\rوقال الحسن: هو أبوه وأمه، وكانت حيَّة (3) .\rوفي بعض التفاسير أن الله عز وجل أحيا أمه حتى جاءت مع يعقوب إلى مصر (4) .\r{ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ } فإن قيل: فقد قال فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه فكيف قال ادخلوا مصر [إن شاء الله آمنين] (5) بعدما أخبر أنهم دخلوها؟ وما وجه هذا الاستثناء وقد حصل الدخول؟\rقيل: إن يوسف إنما قال لهم هذا القول حين تلقاهم قبل دخولهم مصر. وفي الآية تقديم وتأخير، والاستثناء يرجع إلى الاستغفار وهو من قول يعقوب لبنيه سوف أستغفر لكم ربي إن شاء الله (6) .\r__________\r(1) انظر: البحر المحيط: 5 / 347.\r(2) أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن وهب بن منبه، والطبري عن السدي. انظر: الدر المنثور: 4 / 587-588، الطبري: 16 / 267.\r(3) أخرجه الطبري عن ابن إسحاق، وقال: هو أولى بالصواب \"لأن ذلك هو الأغلب في استعمال الناس والمتعارف بينهم في \"أبوين\" إلا أن يصح ما يقال من أن أم يوسف كانت قد ماتت قبل ذلك بحجة يجب التسليم لها، فيسلَّم لها حينئذ\". انظر: تفسير الطبري: 16 / 267، المحرر الوجيز لابن عطية 8 / 79.\r(4) انظر: البحر المحيط: 5 / 347. وقال الآلوسي: 13 / 57: \"والظاهر أنه لم يثبت، ولو ثبت مثله لاشتهر\".\r(5) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(6) فصَّل الطبري ذلك فقال: \"... اختلف أهل التأويل في ذلك: فقال بعضهم: إن يعقوب إنما دخل على يوسف هو وولده، وآوى يوسف أبويه إليه قبل دخول مصر. قالوا: وذلك أن يوسف تلقَّى أباه تكرمة له قبل أن يدخل مصر، فآواه إليه، ثم قال له ولمن معه: (ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين) بها قبل الدخول... وهو قول السدي. وقال آخرون: بل قوله (إن شاء الله) استثناء من قول يعقوب لبنيه: (أستغفر لكم ربي). قال: وهو من المؤخر الذى معناه التقديم قالوا: وإنما معنى الكلام: قال: أستغفر لكم ربي إن شاء الله، إنه هو الغفور الرحيم، فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه، وقال: ادخلوا مصر، ورفع أبويه.. وهو قول ابن جريج. ثم رجّح القول الأول فقال: \"والصواب من القول في ذلك عندنا ما قاله السدي، وهو أن يوسف قال ذلك لأبويه ومَنْ معهما من أولادهما وأهاليهم قبل دخولهم مصر حين تلقَّاهم، لأن ذلك في ظاهر التنزيل كذلك، فلا دلالة تدل على صحة ما قال ابن جريج، ولا وجه لتقديم شيء من كتاب الله عن موضعه أو تأخيره عن مكانه إلا بحجة واضحة. انظر: تفسير الطبري: 16 / 264-266. وقد جوَّد الحافظ ابن كثير ردَّ الطبري على ابن جريج واختياره لقول السدي، ثم قال: (2 / 491): \"وما المانع أن يكون قال لهم-بعد ما دخلوا عليه وآواهم إليه-: ادخلوا مصر، وضمَّنه اسكنوا مصر إن شاء الله آمنين، أي: مما كنتم فيه من الجهد والقحط..\". وهذا التفسير ذكره ابن عطية: (8 / 79): فقال في تفسير قوله تعالى: (ادخلوا مصر) \"معناه: تمكّنوا واسكنو ا واستقرّوا، لأنهم قد كانوا دخلوا عليه\" ثم ذكر قول السدي، وقال: (8 / 80): \"وهذا الاستثناء هو الذي ندب إليه القرآن، أن يقوله الإنسان في جميع ما ينفذه في المستقبل\".. وذكر قول ابن جريج وقال: وفي هذا التأويل ضعف\". وانظر: تفسير القرطبي: (9 / 263).","part":4,"page":278},{"id":1521,"text":"وقيل: الاستثناء يرجع إلى الأمن من الجواز لأنهم كانوا لا يدخلون مصر قبله إلا بجواز (1) من ملوكهم، يقول: آمنين [من الجواز إن شاء الله تعالى (2) ، كما قال: { لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ }(الفتح -27)] (3) .\rوقيل: \" إن \" ها هنا بمعنى إذْ، يريد: إذْ شاء الله، كقوله تعالى: { وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين }(آل عمران -139). أي: إذ كنتم مؤمنين (4) .\r{ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ } أي: على السرير: أجلسهما. والرفع: هو النقل إلى العلو. { وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا } يعني: يعقوب وخالته وإخوته.\r__________\r(1) في زاد المسير: بالراء المهملة. ولعله أنسب.\r(2) قال في الكشاف: إن المشيئة تعلقت بالدخول المكيَّف بالأمن؛ لأن القصد إلى اتصافهم بالأمن في دخولهم، فكأنه قيل: اسلموا وأمنوا في دخولكم إن شاء الله... والتقدير: ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله دخلتم آمنين، فحذف الجزاء لدلالة الكلام. ثم اعترض بالجملة الجزائية بين الحال وذي الحال. وقال الطيبي: فكأنه أشار بقوله: فكأنه قيل... إلخ إلى أن في التركيب معنى الدعاء. انظر: الكشاف للزمخشري: 2 / 277، روح المعاني للآلوسي: 13 / 57.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(4) فتحصَّل من ذلك أربعة أقوال لخصها ابن الجوزي في زاد المسير: (4 / 289): أحدها: أن في الكلام تقديما وتأخيرا. والثاني: أن الاستثناء يعود إلى الأمن، ثم فيه قولان: أحدهما، أنه لم يثق بانصراف الحوادث عنهم. والثاني: أن الناس كانوا يخافون فيما خلا من ملوك مصر، فلا يدخلون إلا بجوارهم. والثالث: أنه يعود إلى دخول مصر، لأنه قال هذا حين تلقَّاهم. والرابع: أنَّ \"إِنْ\" بمعنى. \"إذ\".","part":4,"page":279},{"id":1522,"text":"وكانت تحية الناس يومئذ السجود، ولم يُرِدْ بالسجود وضعَ الجباه على الأرض، وإنما هو الانحناء والتواضع (1) .\rوقيل: وضعوا الجباه على الأرض وكان ذلك على طريق التحية والتعظيم، لا على طريق العبادة. وكان ذلك جائزا في الأمم السالفة فنسخ في هذه الشريعة (2) .\rورُوي عن ابن عباس أنه قال: معناه: خرُّوا لله عز وجل سٌجَدًا بين يدي يوسف (3) . والأول أصح (4) .\r{ وقال } يوسف عند ذلك: { يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا } وهو قوله: \"إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين\".\r{ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي } [ربي، أي] (5) : أنعم عليّ، { إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ } ولم يقل من الجُبِّ مع كونه أشد بلاء من السجن، استعمالا للكرم، لكيلا يخجل إخوته بعدما قال لهم: \"لا تثريب عليكم اليوم\"، ولأن نعمة الله عليه في إخراجه من السجن أعظم، لأنه بعد الخروج من الجب صار إلى العبودية\r__________\r(1) قاله سعيد بن جبير عن قتادة عن الحسن . انظر: تفسير القرطبي: 9 / 265 زاد المسير 4 / 290 .\r(2) قاله الثوري والضحاك وغيرهما، كما نقله القرطبي: 9 / 265، ونقله الطبري أيضا عن الضحاك وسفيان الثوري. قالوا: كان السجود تحية بينهم، وقال ابن زيد: ذلك السجود لشرفه، كما سجدت الملائكة لآدم لشرفه، ليس بسجود عبادة. قال الطبري: وإنما عني بذلك: أن ذلك كان منهم على الخلق، لا على وجه العبادة، ومما يدل على أن ذلك لم يزل من أخلاق الناس قديما قبل الإسلام على غير وجه العبادة من بعضهم لبعض قول أعشى بني ثعلبة: فلمَّا أتانا بُعَيْدُ الكَرَى ... سَجَدْنا له ورفعنا عَمَارا\rانظر: تفسير الطبري: 16 / 270.\r(3) أخرج الطبري عن ابن عباس، قال: رفع أبويه على السرير، وسجدا له، وسجد له إخوته. وهذا يخالف ما ذكره البغوي. قال النقاش: وهذا خطأ؛ والهاء راجعة إلى يوسف عليه السلام لقوله تعالى في أول السورة: (رأيتهم لي ساجدين)، وكان تحيتهم أن يسجد الوضيع للشريف، والصغير للكبير. انظر: تفسير الطبري: 16 / 269، تفسير القرطبي: 9 / 264.\r(4) أجمع المفسرون أن ذلك السجود -على أي وجه كان- إنما كان تحية لا عبادة؛ قال قتادة: هذه كانت تحية الملوك عندهم، وأعطى الله هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة. وقد لاحظ القرطبي أن هذا المنسوخ صار عادة في زمنه عند بعض الناس، فشنَّع عليهم قائلا: هذا الانحناء والتكفي الذي نُسخ عنا قد صار عادة بالديار المصرية، وعند العجم، وكذلك قيام بعضهم إلى بعض؛ حتى إن أحدهم إذا لم يقم له وجد في نفسه كأنه لا يُؤْبه به، وأنه لا قدر له، وكذلك إذا التقوا انحنى بعضهم لبعض، عادة مستمرة، ووراثة مستقرة، لا سيما عند التقاء الأمراء والرؤساء. نكبوا عن السُّنن، وأعرضوا عن السُّنن. وروى أنس بن مالك قال: قلنا يا رسول الله! أينحني بعضنا إلى بعض إذا التقينا؟ قال: لا، قلنا، أفيعتنق بعضنا بعضا؟ قال: لا. قلنا: أفيصافح بعضنا بعضا؟ قال: نعم (خرّجه أبو عمر بن عبد البر في التمهيد). انظر: تفسير القرطبي: 9 / 265-266، وراجع المحرر الوجيز: 8 / 80، تفسير ابن كثير: 2 / 491-492.\r(5) ساقط من \"أ\".","part":4,"page":280},{"id":1523,"text":"والرق، وبعد الخروج من السجن صار إلى الملك، ولأن وقوعه في البئر كان لحسد إخوته، وفي السجن مكافأة من الله تعالى لزلة كانت منه.\r{ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ } والبدو بسيط من الأرض يسكنه أهل المواشي بماشيتهم، وكانوا أهل بادية ومواشٍ، يقال: بدَا يبدُو إذا صار إلى البادية. { مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ } أفسد، { الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي } بالحسد.\r{ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ } أي: ذُو لُطف، { لِمَا يَشَاءُ } وقيل: معناه بِمَنْ (1) يشاء.\rوحقيقة اللطيف: الذي (2) يوصل الإحسان إلى غيره بالرفق { إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } .\rقال أهل التاريخ: أقام يعقوب بمصر عند يوسف أربعا وعشرين سنة في أغبط حال وأهنأ عيش، ثم مات بمصر، فلما حضرته الوفاة أوصى إلى ابنه يوسف أن يحمل جسده حتى يدفنه عند أبيه إسحاق، ففعل يوسف ذلك، ومضى به حتى دفنه بالشام، ثم انصرف إلى مصر.\rقال سعيد بن جبير: نُقل يعقوب عليه السلام في تابوت من ساج إلى بيت المقدس، فوافق ذلك اليوم الذي مات فيه العيص فَدُفِنَا في قبر واحد، وكانا وُلِدَا في بطن واحد، وكان عمرهما مائة وسبعا وأربعين سنة (3) .\rفلما جمع الله تعالى ليوسف شمله على أن نعيم الدنيا لا يدوم سأل الله تعالى حُسنَ العاقبة، فقال:\r{ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) } .\r{ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ } يعني: ملك مصر، والمُلْك: اتساع المقدور لمن له السياسة والتدبير. { وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ } يعني: تعبير الرؤيا. { فَاطِر } أي: يا فاطر، { السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ } أي: خالقهما { أَنْتَ وَلِيِّي } أي: معيني ومتولي أمري، { فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا } يقول اقبضني إليك مسلما، { وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } يريد بآبائي النبيين.\rقال قتادة: لم يسأل نبي من الأنبياء الموت إلا يوسف (4) .\r__________\r(1) في \"ب\": لمن.\r(2) في \"ب\": أنه يوصل.\r(3) هذه الأخبار متلقاة عن أهل الكتاب، وقد ذكرها المؤرخون مع أخبار غيرها، والله أعلم بصحتها، وقد أشار إلى ذلك الحافظ ابن كثير، بل إنه قال: وعند أهل الكتاب أن عمر يعقوب... إلخ. انظر: تفسير الطبري: 16 / 276، تاريخ الطبري: 1 / 363-364، البداية والنهاية لابن كثير: 1 / 220، تفسير ابن كثير: 2 / 492، الدر المنثور للسيوطي: 4 / 589-590.\r(4) وهو مروي عن ابن عباس أيضا: انظر الدر المنثور: 4 / 591، وانظر ما كتبه ابن كثير في التفسير: 2 / 493.","part":4,"page":281},{"id":1524,"text":"وفي القصة: لما جمع الله شمله وأوصل إليه أبويه وأهله اشتاق إلى ربِّه عز وجل فقال هذه المقالة.\rقال الحسن: عاش بعد هذا سنين كثيرة. وقال غيره: لما قال هذا القول لم يمض عليه أسبوع حتى توفي.\rواختلفوا في مدة غيبة يوسف عن أبيه، فقال الكلبي: اثنتان وعشرون سنة.\rوقيل: أربعون سنة.\rوقال الحسن: ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، وغاب عن أبيه ثمانين سنة، وعاش بعد لقاء يعقوب ثلاثا وعشرين سنة، ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة.\rوفي التوراة مات وهو ابن مائة وعشر سنين، وولد ليوسف من امرأة العزير ثلاثة أولاد: أفرائيم وميشا ورحمة امرأة أيوب المبتلي عليه السلام.\rوقيل: عاش يوسف بعد أبيه ستين سنة. وقيل: أكثر. واختلفت الأقاويل فيه.\rوتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة، فدفنوه في النيل في صندوق من رخام، وذلك أنه لما مات تشاحَّ الناس فيه فطلب أهل كل محلة أن يدفن في محلتهم رجاء بركته، حتى همُّوا بالقتال، فرأوا أن يدفنوه في النيل حيث يتفرق الماء بمصر ليجري الماء عليه وتصل بركته إلى جميعهم.\rوقال عكرمة: دفن في الجانب الأيمن 187/ب من النيل، فأخصب ذلك الجانب وأجدب الجانب الآخر، [فنقل إلى الجانب الأيسر فأخصب ذلك الجانب وأجدب الجانب الآخر] (1) ، فدفنوه في وسطه وقَدَّرُوا ذلك بسلسلة فأخصب الجانبان جميعا إلى أن أخرجه موسى فدفنه بقرب آبائه بالشام (2) .\r{ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) } .\r{ ذَلِك } الذي ذكرتُ، { مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ } أي: ما كنت يا محمد عند أولاد يعقوب، { إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ } أي: عَزَمُوا على إلقاء يوسف في الجب، { وَهُمْ يَمْكُرُونَ } بيوسف.\r{ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ } يا محمد، { وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ } على إيمانهم.\rورُوي أن اليهود وقريشًا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف، فلما أخبرهم على موافقة التوراة لم يسلموا، فحزن النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل له: إنهم لا يؤمنون وإن حرصت على إيمانهم (3) .\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) انظر المراجع السابقة.\r(3) قال ابن الأنباري: إن قريشا واليهود سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف وإخوته، فشرحها شرحا شافيا وهو يؤمِّل أن يكون ذلك سببا لإسلامهم، فخالفوا ظنَّه، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعزاه الله تعالى بهذه الآية. انظر: زاد المسير: 4 / 293، البحر المحيط: 5 / 350.","part":4,"page":282},{"id":1525,"text":"{ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) } .\r{ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ } أي: على تبليغ الرسالة والدعاء إلى الله تعالى، { مِنْ أَجْرٍ } جُعْلٍ (1) وجزاء، { إِنْ هُوَ } ما هو يعني القرآن، { إِلا ذِكْرٌ } عظة وتذكير، { لِلْعَالَمِينَ } .\r{ وَكَأَيِّن } وكم { مِنْ آيَةٍ } عِبْرةٍ وَدَلالة، { فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ } لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها.\r{ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ } فكان من إيمانهم إذا سُئِلُوا: مَنْ خلق السموات والأرض؟ قالوا: الله، وإذا قيل لهم: مَنْ ينزل القطر؟ قالوا: الله، ثم مع ذلك يعبدون الأصنام ويشركون (2) .\rوعن ابن عباس أنه قال: إنها نزلت في تلبية المشركين من العرب كانوا يقولون في تلبيتهم، لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك (3) .\rوقال عطاء: هذا في الدعاء، وذلك أن الكفار نسوا ربَّهم في الرخاء، فإذا أصابهم البلاء أخلصوا في الدعاء (4) ، كما قال الله تعالى: { وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } الآية(يونس -22) وقال تعالى: { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ }(العنكبوت -65)، وغير ذلك من الآيات.\r__________\r(1) الجُعل -بالضم- ومصدره الجَعْل -بالفتح- وهو الأجرة على الشيء فعلا أو قولا. انظر: النهاية لابن الأثير: 1 / 276 أنيس الفقهاء للقونوي ص (169).\r(2) وهو مروي عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد وعطاء والشعبي وقتادة والضحاك وابن زيد. انظر: تفسير الطبري: 16 / 286-288، ابن كثير: 2 / 495، الدر المنثور 4 / 593.\r(3) ثبت ذلك في الصحيحين، وفي صحيح مسلم: (2 / 843) أنهم كانوا إذا قالوا: لبيك لا شريك لك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ويلكم قد قد\" (أي: حسبكم لا تزيدوا على هذا) فيقولون: إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. هذا، ولم تذكر هذه الأحاديث أن الآيات نزلت في ذلك. فهي حكاية عن حالهم في الجاهلية وتلبيتهم هذه. وانظر: تفسير ابن كثير: 2 / 495.\r(4) انظر: البحر المحيط: 5 / 351. وهذه الأقوال التي تقدمت وغيرها من الأقوال الأخرى المروية، داخلة كلها في عموم الآية الكريمة، ولا تنافي بينها، فذلك كله كان واقعا منهم، فالآية تحكي هذا كله.","part":4,"page":283},{"id":1526,"text":"{ أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (107) قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) } .\r{ أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ } أي: عقوبة مجللة. قال مجاهد: عذاب يغشاهم، نظيره قوله تعالى: \"يوم يغشاهم العذاب من فوقهم\" الآية {العنكبوت -55}. قال قتادة: وقيعة. وقال الضحاك: يعني الصواعق والقوارع. { أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً } فجأة، { وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } بقيامها. قال ابن عباس: تهيج الصيحة بالناس وهم في أسواقهم.\r{ قُلْ } يا محمد، { هَذِه } الدعوة التي أدعُو إليها والطريقة التي أنا عليها، { سَبِيلِي } سُنَّتي ومنهاجي. وقال مقاتل: ديني، نظيره قوله:{ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ}(النحل -125) أي: إلى دينه. { أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَة } على يقين. والبصيرة: هي المعرفة التي تُمِّيزُ بها بين الحق والباطل، { أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي } أي: ومَنْ آمن بي وصدَّقني أيضا يدعو إلى الله. هذا قول الكلبي وابن زيد، قالوا: حقٌّ على مَنْ اتبعه أن يدعو إلى ما دعا إليه، ويذكّر بالقرآن (1) .\rوقيل: تَمَّ الكلام عند قوله: { أَدْعُو إِلَى اللَّهِ } ثم استأنف: { عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي } يقول: إني على بصيرة من ربي، وكل من اتبعني.\rقال ابن عباس: يعني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا على أحسن طريقة وأقصد هداية، معدن العلم، وكنز الإيمان وجند الرحمن.\r__________\r(1) انظر: تفسير الطبري: 16 / 293. والدعوة إلى الله هي الدعوة إلى الإيمان به، وبما جاءت به رسله، بتصديقهم فيما أخبروا به، وطاعتهم فيما أمروا؛ وذلك يتضمن الدعوة إلى الشهادتين، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والدعوة إلى الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره، والدعوة إلى أن يعبد العبد ربه كأنه يراه. وهذه الدرجات الثلاث التي هي: \"الإسلام\" و \"الإيمان\" و \"الإحسان\" داخلة في الديين، كما قال في الحديث الصحيح: \"هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم\" بعد أن أجابه عن هذه الثلاث.. فالدعوة إلى الله تكون بدعوة العبد إلى دينه، وأصل ذلك: عبادته وحده لا شريك له، كما بعث الله بذلك رسله وأنزل به كتبه.. فالرسل متفقون في الدين الجامع للأصول الاعتقادية والعملية. والرسول صلى الله عليه وسلم قام بهذه الدعوة إلى الله، وهي بإذنه سبحانه، لم يشرع دينا لم يأذن به الله، ومما يبين ذلك: أنه سبحانه يذكر أنه أمره بالدعوة إلى الله تارة، وتارة بالدعوة إلى سبيله، إذْ قد عُلِم أن الداعي الذي يدعو غيره إلى أمر لا بد له فيما يدعوه إليه من أمرين: أحدهما: المقصود المراد، والثاني: الوسيلة والطريق الموصل إلى المقصود، فلهذا يذكر الدعوة تارة إلى الله وتارة إلى سبيله، فإنه سبحانه هو المعبود المقصود بالدعوة. انظر: دقائق التفسير، لابن تيمية: 3 / 284 وما بعدها.","part":4,"page":284},{"id":1527,"text":"قال عبد الله بن مسعود: من كان مُسْتَنًّا فليستنّ بمن قد مات [فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة] (1) أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا خير هذه الأمة، وأبرَّها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلّفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه، [فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم] (2) ، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم (3) .\rقوله تعالى: { وَسُبْحَانَ اللَّهِ } أي: وقل سبحان الله تنزيهًا له عمّا أشركوا به. { وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } .\r{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (109) } .\r{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ } يا محمد، { إِلا رِجَالا } لا ملائكة، { نُوحِي إِلَيْهِمْ } قرأ حفص: { نُوحِي } بالنون وكسر الحاء وقرأ الآخرون بالياء وفتح الحاء.\r{ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى } يعني: من أهل الأمصار دون البوادي، لأن أهل الأمصار أعقل وأفضل وأعلم وأحلم.\r[وقال الحسن: لم يبعث الله نبيا من بدو، ولا من الجن، ولا من النساء. وقيل: إنما لم يبعث] (4) من أهل البادية لغلظهم وجفائهم.\r{ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ } يعني: هؤلاء المشركين المكذبين، { فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ } آخر أمر، { الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } يعني: الأمم المكذبة فيعتبروا.\r{ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا } يقول جلّ ذكرهُ: هذا فعلنا بأهل ولايتنا وطاعتنا؛ أن ننجيهم عند نزول العذاب، وما في الدار الآخرة خير لهم، فترك ما ذكرنا اكتفاءً، لدلالة الكلام عليه.\rقوله تعالى: { وَلَدَارُ الآخِرَةِ } قيل: معناه ولدار الحال الآخرة.\rوقيل: هو إضافة الشيء إلى نفسه، كقوله: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ}(الواقعة -95) وكقولهم: يوم الخميس، وربيع الآخر، { أَفَلا تَعْقِلُونَ } فتؤمِنُون.\r__________\r(1) ما بين القوسين من \"المسند\" للإمام أحمد، وهو في المطبوع، وساقط من النسختين الخطيتين.\r(2) ما بين القوسين من \"المسند\" للإمام أحمد، وهو في المطبوع، وساقط من النسختين الخطيتين.\r(3) أثر موقوف على ابن مسعود، رواه الإمام أحمد في المسند: (5 / 211) بتحقيق الشيخ أحمد شاكر قال الهيثمي في المجمع: (1 / 178): \"رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير، ورجاله موثقون\".\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":4,"page":285},{"id":1528,"text":"{ حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) } .\r{ حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا } اختلف القُرّاء في قوله: { كُذِّبُوا } .\rفقرأ أهل الكوفة وأبو جعفر: { كُذِبُوا } بالتخفيف وكانت عائشة تنكر هذه القراءة (1) .\rوقرأ الآخرون بالتشديد.\rفمن شدَّد قال: معناه حتى استيئس الرسلُ من إيمان قومهم.\r[روي عن مجاهد أنه قرأ: وقد كَذبوا بفتح الكاف والذال مخففة ولها تأويلان: أحدهما معناه: أن القوم المشركين ظنوا أن الرسل قد كُذِبُوا. والثاني: معناه: أن الرسل ظنوا -أي: علموا-أن قومهم قد افتروا على الله بكفرهم من إيمان قومهم] (2) .\rوظنوا: أي أيقنوا -يعني الرسل-أن الأمم قد كذَّبوهم تكذيبا لا يرجى بعد إيمانهم.\rوالظن بمعنى اليقين: وهذا معنى قول قتادة.\rوقال بعضهم: معناه: حتى إذا استيئسَ الرسل ممن كذَّبهم من قومهم أن يُصَدّقوهم وظنوا أن من آمن بهم من قومهم قد كذبوهم وارتدوا عن دينهم لشدة المحنة والبلاء عليهم واستبطاء النصر. ومن قرأ بالتخفيف قال: معناه: حتى إذا استيئس الرسل من إيمان قومهم وظنَّوا أي: ظنّ قومُهم أن الرسل قد كذبتهم في وعيد العذاب.\rورُوي عن ابن عباس: معناه ضعف قلوب الرسل يعني: وظنت الرسل أنهم كذبوا فيما وعدوا من النصر. وكانوا بشراً فضعفوا ويئسوا وظنوا أنهم أُخلِفُوا ثم تلا { حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ }\r__________\r(1) أخرج البخاري في تفسير سورة يوسف (8 / 367) عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة -رضي الله عنها- قالت له وهو يسألها عن قول الله تعالى: (حتى إذا استيئس الرسل) قال: قلت: أكذبوا أو كذبوا؟ قالت عائشة: كذبوا. قلت: فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم، فما هو بالظن. قالت: أجل لعمري، لقد استيقنوا بذلك. فقلت لها: وظنوا أنهم قد كذبوا؟ قالت: معاذ الله، لم تكن الرسل تظن ذلك بربها. قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر، حتى استيئس الرسل ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم، جاء نصر الله عند ذلك\". وهذه القراءة هي قراءة الجمهور، وانتصر لها الطبري في التفسير: 16 / 309.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\". ومن المطبوع أيضا.","part":4,"page":286},{"id":1529,"text":"(البقرة -214) أي: جاء الرسل نصرنا (1) .\r{ فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ } [قرأ العامة بنونينُ أي: نحن ننجي من نشاء] (2) . وقرأ ابن عامر وحمزة وعاصم ويعقوب بنون واحدة مضمومة وتشديد الجيم وفتح الياء على ما لم يسم فاعله لأنها مكتوبة في المصحف بنون واحدة فيكون محل { مَنْ } رفعا على هذه القراءة. وعلى القراءة الأولى يكون نصبا فنجي من نشاء عند نزول العذاب وهم المؤمنون المطيعون.\r{ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا } عذابنا { عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ } يعني: المشركين.\r{ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأولِي الألْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111) } .\r{ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ } 188/أ أي: في خبر يوسف وإخوتهُ { عِبْرَةٌ } عِظةٌ { لأولِي الألْبَابِ مَا كَانَ } يعني: القرآنُ { حَدِيثًا يُفْتَرَى } أي: يُختلقُ { وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي } أي: ولكنْ كان تصديق الذي { بَيْنَ يَدَيْهِ } من التوراة والإنجيل { وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ } مما يحتاج العباد إليه من الحلال والحرام والأمر والنهي { وَهُدًى وَرَحْمَةً } بيانا ونعمة { لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } .\r__________\r(1) في توجيه القراءتين والترجيح بينهما، انظر: تفسير الطبري: 16 / 296-311، البحر المحيط: 5 / 354-355، تفسير ابن كثير: 2 / 498-499، دقائق التفسير لابن تيمية: 3 / 301 وما بعدها.\r(2) ساقط من \"أ\".","part":4,"page":287},{"id":1530,"text":"سورة الرعد\rمكية إلا قوله: \"ولا يزال الذين كفروا\" ، وقوله: \"ويقول الذين كفروا لست مرسلا\" (1) [وهي ثلاث وأربعون آية] (2) . بسم الله الرحمن الرحيم\r{ المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (1) } .\r{ المر } قال ابن عباس: معناه: أنا الله أعلم وأرى (3) { تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ } يعني: تلك الأخبار التي قصصتها [عليك] (4) آيات التوراة والإنجيل والكتب المتقدمة، { وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ } يعني: وهذا القرآن الذي أنزل إليك، { مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ } أي: هو الحق فاعتصم به. فيكون محل \"الذي\" رفعا على الابتداء، والحق خبره.\r__________\r(1) أخرج النحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" عن ابن عباس، وسعيد بن منصور وابن المنذر عن سعيد بن جبير أن سورة الرعد مكية. وبه قال الحسن وعطاء وقتادة. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس، وابن مردويه عن ابن الزبير: أن سورة الرعد نزلت بالمدينة. وبه قال جابر ابن زيد. وروي عن ابن عباس أنها مدنية إلا آيتين نزلتا بمكة، ورواه ابن المنذر وأبو الشيخ عن قتادة. ومكية السورة شديدة الوضوح: سواء في طبيعة موضوعها، أو طريقة أدائها، أو في جوها العام الذي لا يخطئ تنسمه من يعيش فترة في ظلال القرآن. انظر: الدر المنثور: 4 / 599، الإتقان: 1 / 40-44، زاد المسير: 4 / 299، في ظلال القرآن: 13 / 2039.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) انظر فيما سبق: 1 / 58، وراجع تفسير الطبري: 1 / 205-224، 6 / 149، 12 / 294،292، 15 / 9، 16 / 319-320. طبعة دار المعارف، زاد المسير: 4 / 300.\r(4) ساقط من \"ب\".","part":4,"page":288},{"id":1531,"text":"وقيل: محلُّه خفض، يعني: تلك آيات الكتاب وآيات الذي أنزل إليك، ثم ابتدأ: \"الحق\"، يعني: ذلك الحق (1) .\rوقال ابن عباس: أراد بالكتاب القرآن، ومعناه: هذه آيات الكتاب، يعني القرآن، ثم قال: وهذا القرآن الذي أنزل إليك من ربك هو الحق.\r{ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ } قال مقاتل: نزلت في مشركي مكة حين قالوا: إن محمدا يقوله من تلقاء نفسه (2) فردّ قولهم ثم بين دلائل ربوبيته، فقال عَزَّ من قائل: { اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّموَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا } .\r{ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) } .\r{ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا } يعني: السَّواري، واحدها عمود، مثل: أديم وأَدَم، وعُمُد أيضا جمعه، مثل: رسول ورُسل.\rومعناه نفي العمد أصلا وهو الأصح، يعني: ليس من دونها دعامة تدعمها ولا فوقها علاقة تمسكها.\rقال إياس بن معاوية: السماء مقبَّبة على الأرض مثل القبة (3)\rوقيل: \"ترونها\" راجعة إلى العمد، [معناه] (4) لها عمد ولكن لا ترونها (5)\r__________\r(1) انظر في هذا وشواهده من العربية: تفسير الطبري: 16 / 321-322، البحر المحيط: 5 / 359، المحرر الوجيز: 8 / 109-110.\r(2) وقيل: المراد اليهود والنصارى. والأولى أنه عام يندرج تحته هؤلاء وأولئك. انظر: البحر المحيط: 5 / 359.\r(3) وهذا مروي أيضا عن قتادة، ويدل عليه تصريحه تعالى في سورة الحج أنه هو الذي يمسكها أن تقع على الأرض في قوله: (ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه). فعلى هذا يكون قوله (ترونها) تأكيدا لنفي ذلك. أي: هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها. وهذا هو الأكمل في القدرة. وعلى هذا يكون الضمير في قوله \"ترونها\" عائدا على \"السموات\"، وجملة \"ترونها\" في موضع الحال. انظر: تفسير الطبري: 16 / 325، تفسير ابن كثير: 2 / 500، أضواء البيان: 3 / 77-78، المحرر الوجيز: 8 / 110.\r(4) ساقط من \"ب\".\r(5) وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنه وعن مجاهد، والحسن، وقتادة، وغير واحد. وقال الطبري تعقيبا على هذين الرأيين: (16 / 325): \"وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال كما قال الله تعالى: \"الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها\" فهي مرفوعة بغير عمد نراها، كما قال ربنا -جل ثناؤه- ولا خبر بغير ذلك، ولا حجة يجب التسليم لها بقول سواه\".","part":4,"page":292},{"id":1532,"text":"وزعم: أن عمدها جبل قاف، وهو محيط بالدنيا، والسماء عليه مثل القبة (1) .\r{ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } علا [عليه] (2) { وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ } ذللهما لمنافع خلقه فهما مقهوران، { كُلٌّ يَجْرِي } أي: يجريان على ما يريد الله عز وجل، { لأجَلٍ مُسَمًّى } أي: إلى وقت معلوم وهو فناء الدنيا. [وقال ابن عباس] (3) : أراد بالأجل المسمى درجاتهما ومنازلهما ينتهيان إليها لا يجاوزانها، { يُدَبِّرُ الأمْرَ } يقضيه وحده، { يُفَصِّلُ الآيَاتِ } يبين الدلالات، { لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ } لكي توقنوا بوعده وتصدقوه.\r{ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) } .\r{ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ } بسطها، { وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ } جبالا ثابتة، واحدتها راسية، قال ابن عباس: كان أبو قبيس أول جبل وضع على الأرض (4) { وَأَنْهَارًا } وجعل فيها أنهارا. { وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ } أي: [صنفين اثنين] (5) أحمر وأصفر، وحلوا\r__________\r(1) التعبير بكلمة \"زعم\" تشير إلى تضعيف هذا الرأي، لأن زعم مطية الكذب، كما تقول العرب، ولذلك، نثبت هنا كلمة قيمة للحافظ ابن كثير، رحمه الله، في تفسيره لسورة (ق): (4 / 222) قال: \"روي عن بعض السلف أنهم قالوا: ق جبل محيط بجميع الأرض، يقال له: جبل قاف، وكأن هذا -والله أعلم- من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس لما رأى من جواز الرواية عنهم مما لا يصدق ولا يكذب. وعندي: أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يلبسون به على الناس أمر دينهم، كما افتري في هذه الأمة -مع جلالة قدر علمائها وحفاظها وأئمتها- أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما بالعهد من قدم، فكيف بأمة بني إسرائيل، مع طول المدى، وقلة الحفاظ النقاد فيهم، وشربهم الخمور، وتحريف علمائهم الكلم عن مواضعه وتبديل كتب الله وآياته! وإنما أباح الشارع الرواية عنهم في قوله: \"وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج\" فيما قد يجوزه العقل. فأما ما تحيله العقول ويحكم فيه بالبطلان ويغلب على الظنون كذبه: فليس من هذا القبيل. والله أعلم\". ثم قال: \"وقد أكثر من السلف من المفسرين، وكذا طائفة كثيرة من الخلف، من الحكاية عن كتب أهل الكتاب في تفسير القرآن المجيد، وليس بهم احتياج إلى أخبارهم، ولله الحمد والمنة\" ثم أورد أثرا غريبا لا يصح سنده عن ابن عباس، أخرجه ابن أبي حاتم الرازي عن جبل قاف المحيط بالأرض وقال: \"وإسناد الأثر فيه انقطاع\". هذا، وقد جمع الشيخ أحمد شاكر كلمات ابن كثير في الإسرائيليات في عمدة التفسير: 1 / 14-19.\r(2) في \"ب\": علمه.\r(3) في \"ب\": وقيل.\r(4) نقله القرطبي عن ابن عباس وعطاء: 9 / 280.\r(5) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":4,"page":293},{"id":1533,"text":"وحامضا، { يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ } أي: يلبس النهار بظلمة الليل، ويلبس الليل بضوء النهار، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فيستدلون. والتفكر (1) تصرف القلب في طلب معاني الأشياء.\r{ وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4) } .\r{ وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ } متقاربات يقرب بعضها من بعض، وهي مختلفة: هذه طيبة تنبت، وهذه سبخة لا تنبت، وهذه قليلة الريع، وهذه كثيرة الريع، { وَجَنَّاتٌ } بساتين، { مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ } رفعها كلها ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص، ويعقوب، عطفا على الجنات، وجرَّها الآخرون نسقاً على الأعناب. والصنوان: جمع صنو، وهو النخلات يجمعهن أصل واحد.\r{ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ } هي النخلة المنفردة بأصلها. وقال أهل التفسير (2) صنوان: مجتمع، وغير صنوان: متفرق. نظيره من الكلام: قنوان جمع قنو. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في العباس: \"عمّ الرجل صنو أبيه\" (3) . ولا فرق في الصنوان والقنوان بين التثنية والجمع إلا في الإعراب، وذلك أن النون في التثنية مكسورة غير منونة، وفي الجمع منونة.\r{ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ } قرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب \" يُسقى \" بالياء أي يسقى ذلك كله بماء واحد، وقرأ الآخرون بالتاء لقوله تعالى: { وَجَنَّاتٌ } ولقوله تعالى من بعد \"بعضها على بعض\"، ولم يقل بعضه. والماء جسم رقيق مائع به حياة كل نامٍٍ.\r{ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأكُلِ } في الثمر والطعم. قرأ حمزة والكسائي \" ويفضل \" بالياء، لقوله تعالى: {يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ } (الرعد -2) .\rوقرأ الآخرون بالنون على معنى: ونحن نفضل بعضها على بعض في الأكل، وجاء في الحديث [في قوله]: \"ونفضل بعضها على بعض في الأكل\"، قال: \"الفارسي، والدَّقَلُ، والحلو، والحامض\" (4) .\r__________\r(1) في \"أ\": والفكر.\r(2) انظر: تفسير الطبري: 16 / 335-340.\r(3) قطعة من حديث أبي هريرة، أخرجه مسلم في الزكاة، باب في تقديم الزكاة ومنعها، برقم (983): 2 / 676-677. وانظر فيما سبق: 1 / 154. تفسير الطبري: 16 / 338-339 مع تعليق محمود شاكر.\r(4) أخرجه الترمذي في التفسير: 8 / 544 وقال: \"هذا حديث حسن غريب، وقد رواه زيد بن أبي أنيسة عن الأعمش نحو هذا وسيف بن محمد هو أخو عمار بن محمد، وعمار أثبت منه، وهو ابن أخت سفيان الثوري\". وأخرجه الطبري في التفسير: 16 / 344، وعزاه السيوطي في الدر: 4 / 605 أيضا للبزار وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه. و\"الفارسي\" -من التمر- نوع منه، ولعله عني به (البَرْنِيّ) وهو ضرب من التمر أصفر مدور، عذب الحلاوة وهو أجوده وقالوا: إن لفظ \"البرني\" فارسي معرب. و\"الدقل\": أردأ أنواع التمر. انظر: تعليق محمود شاكر على الطبري: 16 / 343.","part":4,"page":294},{"id":1534,"text":"قال مجاهد: كمثل بني آدم، صالحهم وخبيثهم، وأبوهم واحد (1) .\rقال الحسن: هذا مثل ضربه الله تعالى لقلوب بني آدم، ويقول: كانت الأرض طينة واحدة في يد الرحمن عز وجل، فسطحها، فصارت قطعاً متجاورةً، فينزل عليها المطر (2) من السماء، فتخرج هذه زهرتها، وشجرها وثمرها ونباتها، وتخرج هذه سَبَخَها وملحها وخبيثها (3) وكل يُسقَى بماء واحد، كذلك الناس خلقوا من آدم عليه السلام فينزل من السماء تذكرة فترق قلوب فتخشع، وتقسو قلوب فتلهو.\rقال الحسن: والله ما جالس القرآن أحد إلا قام من عنده بزيادة أو نقصان، قال الله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا}(الإسراء -82). (4)\r{ إِنَّ فِي ذَلِكَ } الذي ذكرت { لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } .\r{ وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (5) } .\r{ وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ } العجب تغير النفس برؤية المستبعد في العادة، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعناه: إنك إن تعجب من إنكارهم النشأة الآخرة مع إقرارهم بابتداء الخلق [من الله عز وجل] (5) فعجب أمرهم.\rوكان المشركون ينكرون البعث، مع إقرارهم بابتداء الخلق من الله تعالى، وقد تقرر في القلوب أن الإعادة أهون من الابتداء، فهذا موضع العجب.\r__________\r(1) الطبري: 16 / 342.\r(2) في \"ب\": الماء.\r(3) في \"ب\": خبثا.\r(4) الطبري: 16 / 340.\r(5) ساقط من \"ب\".","part":4,"page":295},{"id":1535,"text":"وقيل: معناه: وإن تعجب من تكذيب المشركين واتخاذهم ما لا يضر ولا ينفع آلهة يعبدونها وهم قدْ رأوا من قدرة الله تعالى ما ضرب لهم به الأمثال فعجب قولهم، أي: فتعجب أيضا من قولهم: { أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا } بعد الموت، { أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } أي: نعاد خلقا جديدا كما كنا قبل الموت.\rقرأ نافع والكسائي ويعقوب \"أئذا\" مستفهما \"إنّا\" بتركه، على الخبر، ضده: أبو جعفر وابن عامر. وكذلك في \"سبحان\" في موضعين، والمؤمنون، والم السجدة، وقرأ الباقون بالاستفهام فيهما وفي 188/ب الصافات في موضعين هكذا إلا أن أبا جعفر يوافق نافعاً في أول الصافات فيقدم الاستفهام ويعقوب لا يستفهم الثانية {أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون}(الصافات -53).\rقال الله تعالى: { أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ } يوم القيامة { وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .","part":4,"page":296},{"id":1536,"text":"{ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7) } .\rقوله عز وجل: { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ } الاستعجال: طلب تعجيل الأمر قبل مجيء وقته، والسيئة ها هنا هي: العقوبة، والحسنة: العافية. وذلك أن مشركي مكة كانوا يطلبون العقوبة بدلا من العافية استهزاء منهم يقولون: \"اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم\"(الأنفال -32).\r{ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ } أي: مضت من قبلهم في الأمم التي عصت ربها وكذبت رسلها العقوبات. والمثلات جمع المَثُلَة بفتح الميم وضم الثاء، مثل: صَدُقَة وصَدُقَات (1) .\r{ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ } .\r{ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ } أي: على محمد صلى الله عليه وسلم { آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ } أي: علامة وحجة على نبوته، قال الله تعالى: { إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ } مُخَوِّف، { وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } أي: لكل قوم نبي يدعوهم إلى الله تعالى. وقال الكلبي: داعٍٍ يدعوهم إلى الحق أو إلى الضلالة.\r__________\r(1) الصدقات: مهور النساء.","part":4,"page":296},{"id":1537,"text":"وقال عكرمة: الهادي محمد صلى الله عليه وسلم، يقول: إنما أنت منذر وأنت هادٍ لكل قوم، أي: داعٍٍ. وقال سعيد بن جبير: الهادي هو الله تعالى (1) .\r{ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) } .\rقوله تعالى: { اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى } من ذكر أو أنثى، سَوِيِّ الخَلْق أو ناقص الخلق، واحدا أو اثنين أو أكثر { وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ } أي ما تنقص { وَمَا تَزْدَادُ } .\rقال أهل التفسير (2) غيض الأرحام: الحيض على الحمل؛ فإذا حاضت الحامل كان نقصانا في الولد، لأن دم الحيض غذاء الولد في الرحم، فإذا أهرقت الدم ينقص الغذاء فينتقص الولد، وإذا لم تحض يزداد الولد ويتمُّ، فالنقصان نقصان خلقة الولد بخروج الدم، والزيادة تمام خلقته باستمساك الدم.\rوقيل: إذا حاضت ينتقص (3) الغذاء وتزداد مدة الحمل حتى تستكمل تسعة (4) أشهر ظاهرا، فإن رأت (5) خمسة أيام دماً وضعت لتسعة أشهر وخمسة أيام، فالنقصان في الغذاء، والزيادة في المدة (6) .\r__________\r(1) ساق الطبري الأقوال في التفسير ثم قال: \"وقد بينت معنى \"الهداية\" وأنه الإمام المتبع الذي يقدم القوم. فإذا كان ذلك كذلك، فجائز أن يكون هو الله الذي يهدي خلقه، ويتبع خلقه هداه، ويأتمون بأمره ونهيه. وجائز أن يكون نبي الله الذي تأتم به أمته. وجائز أن يكون إماما من الأئمة يؤتم به، ويتبع منهاجه وطريقته أصحابه. وجائز أن يكون داعيا من الدعاة إلى خير أو شر. وإن كان ذلك كذلك، فلا قول أولى في ذلك بالصواب من أن يقال كما قال جل ثناؤه: إن محمدا هو المنذر من أرسل إليه بالإنذار، وإن لكل قوم هاديا يهديهم فيتبعونه ويأتمون به\". تفسير الطبري: 16 / 358.\r(2) انظر في هذه الأقوال وتخريجها: الدر المنثور: 4 / 608-610، تفسير الطبري: 16 / 359-365. واقرأ كتاب \"خلق الإنسان بين الطب والقرآن\" للدكتور محمد علي البار، فصل دورة الأرحام ص (69-82).\r(3) في \"ب\": ينقص.\r(4) في \"ب\": بسبعة.\r(5) في \"ب\": زادت .\r(6) هذه الأقوال في تفسير الآية بناء على أن الحامل تحيض، وهو مذهب مالك والشافعي في أحد قوليه. وقال عطاء والشعبي وغيرهما: لا تحيض. وبه قال أبو حنيفة، ودليله الآية. قال ابن عباس في تأويل الآية: إنه حيض الحبالى، وكذلك روي عن عكرمة ومجاهد، وهو قول عائشة، وأنها كانت تفتي النساء الحوامل إذا حضن أن يتركن الصلاة؛ والصحابة إذ ذاك متوافرون، ولم ينكر منهم أحد عليها، فصار كالإجماع. وقال أبو حنيفة: لو كانت الحامل تحيض، وكان ما تراه المرأة من الدم حيضا لما صح استبراء الأمة بحيض، وهو إجماع. وروي عن مالك في كتاب محمد ما يقتضي أنه ليس بحيض. انظر: تفسير القرطبي: 9 / 286. أحكام القرآن للجصاص: 4 / 397-399، تفسير ابن عطية: 8 / 130-131، أحكام القرآن لابن العربي: 3 / 1110.","part":4,"page":297},{"id":1538,"text":"وقال الحسن: غيضها: نقصانها من تسعة أشهر والزيادة، زيادتها على تسعة أشهر. وقيل النقصان: السَّقط، والزيادة: تمام الخلق. وأقل مدة الحمل: ستة أشهر، فقد يولد المولود لهذه المدة ويعيش (1) .\rواختلفوا في أكثرها: فقال قوم: أكثرها سنتان، وهو قول عائشة رضي الله عنها، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله. وذهب جماعة إلى أن أكثرها أربع سنين، وإليه ذهب الشافعي رحمه الله، قال حماد بن سلمة. إنما سمي هَرِِم بن حيَّان هرماً لأنه بقي في بطن أمه أربع سنين (2) . { وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ } أي: بتقدير وَحَدٍّ لا يجاوزه ولا يقصر عنه.\r__________\r(1) وذلك منتزع من قوله تعالى: \"وحمله وفصاله ثلاثون شهرا\" (الأحقاف - 15) مع قوله تعالى: \"والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة\" (البقرة 233) فبقي عن مدة الفصال من الثلاثين شهرا لمدة الحمل ستة أشهر. وكلام الأطباء يتفق مع هذا، فالطب يقرر أن أقل الحمل الذي يمكنه العيش بعده ستة أشهر، ولذلك قال ابن القيم رحمه الله: \"وأما أقل مدة الحمل: فقد تظاهرت الشريعة والطبيعة على أنها ستة أشهر\". انظر: تفسير القرطبي: 9 / 288، التبيان في إقسام القرآن لابن القيم ص (339)، خلق الإنسان بين الطب والقرآن، د. محمد علي البار ص (451-452).\r(2) وقد أنكر بعض المالكية وابن حزم أن يكون هناك حمل أكثر من تسعة أشهر، فقال ابن حزم: \"... ولا يجوز أن يكون حمل أكثر من تسعة أشهر ولا أقل من ستة أشهر... فمن ادعى أن حملا وفصالا يكون في أكثر من ثلاثين شهرا، فقد قال بالباطل والمحال ورد كلام الله عز وجل جهارا\". وبعد أن ذكر جملة أخبار وقصص تشير إلى أنه قد يكون أكثر من تسعة أشهر، قال: \"وكل هذه أخبار مكذوبة راجعة إلى من لا يصدق ولا يعرف من هو، ولا يجوز الحكم في دين الله تعالى بمثل هذا. وممن روي عنه مثل قولنا: عمر بن الخطاب -رضي الله عنه، فهو يقول: أيما رجل طلق امرأته فحاضت حيضة أو حيضتين ثم قعدت فلتجلس تسعة أشهر حتى تستبين حملها، فإن لم يستبن حملها في تسعة أشهر فلتعتد بعد التسعة الأشهر ثلاثة أشهر عدة التي قعدت عن المحيض. فهذا عمر لا يرى الحمل أكثر من تسعة أشهر، وهو قول محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وأبي سليمان، وأصحابنا. قال علي -ابن حزم-: إلا أن الولد قد يموت في بطن أمه فيتمادى بلا غاية حتى تلقيه متقطعا في سنين. فإن صح هذا فإنه حمل صحيح لا تنقضي عدتها إلا بوضعه كله...\". وهذا الذي انتصر له ابن حزم هو الذي عليه الأطباء فلا يزيد الحمل عندهم عن شهر بعد موعده، وإلا لمات الجنين في بطن أمه. ويعتبرون ما زاد عن ذلك نتيجة خطأ في الحساب، وأما ما يحكى عن مولودين لسنوات بعد الحمل، أو أن الحمل عند امرأة استمر لسنوات... فهو ما يسمونه \"الحمل الكاذب\" وهي حالة تصيب النساء اللاتي يبحثن عن الإنجاب دون أن ينجبن فينتفخ البطن بالغازات وتتوقف العادة الشهرية، وتعتقد المرأة بأنها حامل رغم تأكيد جميع الفحوصات المخبرية والطبية بأنها غير حامل. والله أعلم. انظر في هذا كله: تفسير القرطبي: 9 / 288-289، أحكام القرآن لابن العربي: 3 / 1109، الدر المنثور: 4 / 609. وقارن بـ: المحلى لابن حزم: 10 / 316-318، خلق الإنسان بين الطب والقرآن للدكتور محمد علي البار، ص (452-454).","part":4,"page":298},{"id":1539,"text":"{ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11) } .\r{ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ } الذي كل شيء دونه، { الْمُتَعَالِ } المستعلي على كل شيء بقدرته.\rقوله تعالى: { سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ } أي: يستوي في علم الله المُسِرّ بالقول والجاهر به، { وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ } أي: مستتر بظلمة الليل، { وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ } أي: ذاهب في سربه ظاهر. والسَّرْب -بفتح السين وسكون الراء-: الطريق (1) .\rقال القتيبي: سارب بالنهار: أي متصرف في حوائجه. قال ابن عباس [في هذه الآية] (2) هو صاحب ريبة، مستخفٍ بالليل، فإذا خرج بالنهار أرى الناس أنه بريء من الإثم (3) . وقيل: مستخف بالليل، أي: ظاهر، من قولهم: خفيت الشيء؛ إذا أظهرته، وأخفيته: إذا كتمته. وسارب بالنهار: أي متوارٍ داخل في سرب.\r{ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ } أي: لله تعالى ملائكة يتعاقبون فيكم بالليل والنهار، فإذا صعدت ملائكة الليل جاء في عقبها ملائكة النهار، وإذا صعدت ملائكة النهار جاء في عقبها ملائكة الليل. والتعقيب: العود بعد البدء، وإنما ذكر بلفظ التأنيث لأن واحدها معقِّب، وجمعه معقِّبة، ثم\r__________\r(1) اختلف أهل العلم بكلام العرب في \"السرب\": فقال بعضهم: \"هو آمن في سربه\"، بفتح السين. وقال بعضهم: \"هو آمن في سربه\" بكسر السين. انظر: الطبري: 16 / 367.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) الطبري: 16 / 367.","part":4,"page":299},{"id":1540,"text":"جمع الجمع معقِّبات، كما قيل: أبناوات (1) سعد ورجالات بكر.\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"يَتَعاقَبُون فيكم، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يَعْرُجُ الذين بَاتُوا فيكم، فيسألُهم ربهم -وهو أعلم بهم-: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلُّون وأتيناهم وهم يصلُّون\" (2) .\rقوله تعالى: { مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } يعني: من قدام هذا المستخفي بالليل والسارب بالنهار، ومن خلفه: من وراء ظهره، { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ } يعني: بأمر الله، أي: يحفظونه بإذن الله ما لم يجئ المقدور، فإذا جاء المقدور خلوا عنه. وقيل: يحفظونه من أمر الله: أي مما أمر الله به من الحفظ عنه.\rقال مجاهد: ما من عبد إلا وله ملك موكَّل به، يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوامّ، فما منهم شيء يأتيه يريده إلا قال وراءك! إلا شيء يأذن الله فيه فيصيبه.\rقال كعب الأحبار: لولا أن الله عز وجل وكّل بكم ملائكة يَذُبُّون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم لتخطَّفكم الجن. وقال عكرمة: الآية في الأمراء وحرسهم يحفظونهم من بين أيديهم ومن خلفهم (3) .\r__________\r(1) في \"ب\": انثاوات. وصححها الشيخ محمود شاكر في الطبري: سادات سعد، يقال: \"سيد\" و \"سادة\" و \"سادات.\r(2) أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر: 2 / 33، وفي بدء الخلق، ومسلم في المساجد، باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما برقم (632): 1 / 439، والمصنف في شرح السنة: 2 / 226. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: (2 / 34): \"قال القرطبي: الواو في قوله \"يتعاقبون\" علامة الفاعل المذكر المجموع على لغة بلحارث وهم القائلون: أكلوني البراغيث، ومنه قول الشاعر: \"بحوران يعصرن السليط أقاربه\" وهي لغة فاشية، وعليها حمل الأخفش قوله تعالى: (وأسروا النجوى الذين ظلموا) قال: وقد تعسف بعض النحاة في تأويلها وردها للبدل، وهو تكلف مستغنى عنه، فإن تلك اللغة مشهورة ولها وجه من القياس واضح..\".\r(3) ورجحه الطبري لأن قوله: (له معقبات) أقرب إلى قوله: (ومن هو مستخف بالليل) منه إلى (عالم الغيب) فهي لقربها منه أولى بأن تكون من ذكره، وأن يكون المعنى بذلك هذا مع دلالة قول الله تعالى: (وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له) على أنهم المعنيون بذلك. وذلك أنه -جل ثناؤه- ذكر قوما أهل معصية له وأهل ريبة، يستخفون بالليل ويظهرون بالنار، ويمتنعون عند أنفسهم بحرس يحرسهم، ومنعة تمنعهم من أهل طاعته أن يحولوا بينهم وبين ما يأتون من معصية الله. ثم أخبر أن الله -تعالى ذكره- إذا أراد بهم سوءا لم ينفعهم حرسهم، ولا يدفع عنهم حفظهم\". وأما ابن عطية فرجح التأويل الأول، وقال: وعلى كلا التأويلين ليست الضمائر لمعينين من البشر. انظر: تفسير الطبري: 16 / 374، المحرر الوجيز لابن عطية 8 / 137.","part":4,"page":300},{"id":1541,"text":"وقيل: الآية في المَلَكَيْن القاعِدَيْن عن اليمين وعن الشمال يكتبان الحسنات والسيئات، كما قال الله تعالى: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ } (ق -17). قال ابن جريج: معنى يحفظونه أي: يحفظون عليه أعماله من أمر الله، يعني: الحسنات والسيئات. وقيل: الهاء في قوله \"له\": راجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. روى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أنه قال: له معقبات يعني لمحمد صلى الله عليه وسلم حراس من الرحمن من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله [يعني: من شر الجن] (1) وطوارق الليل والنهار (2) .\rوقال عبد الرحمن بن زيد: نزلت هذه الآيات في عامر بن الطفيل، وأربد بن ربيعة، وكانت قصتهما على ما روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أقبل عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة، وهما عامريان، يريدان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو جالس في المسجد في نفر من أصحابه، فدخلا المسجد فاستشرف الناس لجمال عامر، وكان أعور وكان من [أجلَّ] (3) الناس 189/أ فقال رجل: يا رسول الله، هذا عامر بن الطفيل قد أقبل نحوك، فقال: دعه فإن يرد الله به خيرا يهده.\rفأقبل حتى قام عليه، فقال: يا محمد مالي إن أسلمت؟\rقال: \"لك ما للمسلمين وعليك ما على المسلمين\".\rقال: تجعل لي الأمر بعدك.\rقال: ليس ذلك إلي، إنما ذلك إلى الله عز وجل، يجعله حيث يشاء.\rقال: فتجعلني على الوبر وأنت على المدر، قال: لا.\rقال: فماذا تجعل لي؟\rقال: أجعل لك أعِنة الخيل تغزو عليها.\rقال: أوليس ذلك إليَّ اليوم؟ قم معي أكلمك. فقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوكان [عامر] (4) أوصى إلى أربد بن ربيعة إذا رأيتني أكلمه فَدُرْ من خلفه فاضربه بالسيف، فجعل يخاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويراجعه فدار أربد خلف النبي صلى الله عليه وسلم ليضربه، فاخترط من سيفه\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) هذا التفسير جاء ضمن حديث ابن عباس الآتي في قصة أربد، انظر التعليق التالي.\r(3) في \"ب\": أجمل.\r(4) ساقط من \"ب\".","part":4,"page":301},{"id":1542,"text":"شبرا، ثم حبسه الله تعالى عنه، فلم يقدر على سلّه، وجعل عامر يومئ إليه، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأى أربد وما صنع بسيفه، فقال: اللهم اكفنيهما بما شئت. فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم صحو قائظ فأحرقته، وولّى عامر هاربا وقال: يا محمد دعوت ربك فقتل أربد والله لأملأنها عليك خيلا جرداً وفتياناً مرداً.\rفقال النبي صلى الله عليه وسلم: يمنعك الله تعالى من ذلك، وأبناء قيلة يريد: الأوس والخزرج. فنزل عامر بيت امرأة سلولية، فلما أصبح ضمَّ عليه سلاحه وقد تغير لونه، فجعل يركض في الصحراء، ويقول: ابرز يا ملك الموت، ويقول الشعر، ويقول: واللات والعزى لئن أبصرت محمدا وصاحبه يعني ملك الموت لأنفذنَّهما برمحي، فأرسل الله إليه ملكاً فلطمه بجناحه فأرداه في التراب وخرجت على ركبتيه في الوقت غُدَّة عظيمة، فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول: غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية. ثم دعا بفرسه فركبه ثم أجراه حتى مات على ظهره فأجاب الله دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتل عامر بن الطفيل بالطعن وأربد بالصاعقة، وأنزل الله عز وجل في هذه القصة قوله: { سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ } يعني لرسول الله صلى الله عليه وسلم معقبات يحفظونه من بين يديه ومن خلفه من أمر الله (1) . [يعني تلك المعقبات من أمر الله] (2) . وفيه تقديم وتأخير.\rوقال لهذين: { إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ } من العافية والنعمة، { حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ }\r__________\r(1) انظر: تفسير الطبري: 16 / 379-381، تفسير القرطبي: 9 / 296، أسباب النزول للواحدي ص (314-315)، ابن كثير: 2 / 507. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: (7 / 42): \"رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وفي إسنادهما عبد العزيز بن عمران: ضعيف\". ورواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس ضعيفة. قال الطبري: وهذا القول الذي قاله ابن زيد في تأويل هذه الآية، قول بعيد من تأويل الآية، مع خلافه أقوال من ذكرنا قوله من أهل التأويل. وذلك أنه جعل \"الهاء\" في قوله: \"له معقبات\" من ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يجر له في الآية التي قبلها، ولا في التي قبل الأخرى ذكر، إلا أن يكون أراد أن يردها على قوله: \"إنما أنت منذر ولكل قوم هاد\"، \"وله معقبات\" فإن كان ذلك، فذلك بعيد، لما بينهما من الآيات بغير ذكر الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا كان ذلك كذلك، فكونها عائدة على \"من\" التي في قوله: \"ومن هو مستخف بالليل\" أقرب، لأنه قبلها، والخبر بعدها عنه. فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: سواء منكم -أيها الناس- من أسر القول ومن جهر به عند ربكم، ومن هو مستخف بفسقه وريبته في ظلمة الليل، وسارب يذهب ويجيء في ضوء النهار ممتنعا بجنده وحرسه الذين يتعقبونه من أهل طاعة الله أن يحولوا بينه وبين ما يأتي من ذلك، وأن يقيموا حد الله عليه، وذلك قوله: يحفظونه من أمر الله\". وكذلك قال ابن عطية في المحرر الوجيز: (8 / 137): \"وهذه الآية وإن كانت ألفاظها تنطبق على معنى القصة، فيضعف القول أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتقدم له ذكر فيعود الضمير في \"له\" عليه\".\r(2) ساقط من \"ب\".","part":4,"page":302},{"id":1543,"text":"من الحال الجميلة فيعصوا ربهم.\r{ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا } أي: عذابا وهلاكا { فَلا مَرَدَّ لَهُ } أي: لا رادَّ له { وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ } أي: ملجأ يلجؤون إليه. وقيل: والٍٍ يلي أمرهم ويمنع العذاب عنهم.\r{ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (12) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (13) } .\rقوله عز وجل: { هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا } قيل: خوفا من الصاعقة، طمعاً في نفع المطر. وقيل: الخوف للمسافر، يخاف منه الأذى والمشقة والطمع للمقيم يرجو منه البركة والمنفعة.\rوقيل: الخوف من المطر في غير مكانه وإبَّانه، والطمع إذا كان في مكانه وإبَّانه، ومن البلدان ما إذا أمطروا وقحطوا وإذا لم يمطروا أخصبوا.\r{ وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ } بالمطر. يقال: أنشأ الله السحابة فنشأت أي: أبداها فبدت، والسحاب جمع، واحدتها سحابة، قال علي رضي الله عنه: السحاب غربال الماء.\r{ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ } أكثر المفسرين على أن الرعد اسم ملك يسوق السحاب، والصوت المسموع منه تسبيحه (1) .\rقال ابن عباس: من سمع صوت الرعد فقال: سبحان الذي يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير، فإن أصابته صاعقة فعليَّ ديته.\rوعن عبد الله بن الزبير: أنه كان إذا سمع صوت الرعد ترك الحديث: وقال\" سبحان من يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته، ويقول: إن هذا الوعيد لأهل الأرض شديد (2) .\rوفي بعض الأخبار يقول الله تعالى: \"لو أن عبادي أطاعوني لسقيتهم المطر بالليل، ولأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولم أسمعهم صوت الرعد\" (3)\r__________\r(1) انظر فيما سبق: 1 / 69-70.\r(2) انظر: الأذكار للنووي ص (154) تفسير ابن كثير: 2 / 506 ففيهما الأذكار التي تقال عند سماع صوت الرعد.\r(3) حديث ضعيف أخرجه أبو داود الطيالسي في \"المسند\" ص (337) رقم (2586)، والإمام أحمد في المسند: 2 / 359 عن أبي هريرة رضي الله عنه. وصححه الحاكم في المستدرك: 2 / 349 فتعقبه الذهبي وقال: \"صدقة واه\"، وهو صدقة بن موسى الدقيقي، صدوق له أوهام (تقريب). وساقه ابن الجوزي في العلل المتناهية: 2 / 306، وضعفه الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح: 3 / 1461.","part":4,"page":303},{"id":1544,"text":"وقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: الرعد ملك موكل بالسحاب يصرفه إلى حيث يؤمر، وأن بحور الماء في نقرة إبهامه، وأنه يسبح الله تعالى، فإذا سبح لا يبقى مَلَكٌ في السماء إلا رفع صوته بالتسبيح فعندها ينزل القطر. { وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ } أي: تسبح الملائكة من خيفة الله عز وجل وخشيته. وقيل: أراد بهؤلاء الملائكة أعوان الرعد، جعل الله تعالى له أعوانا، فهم خائفون خاضعون طائعون.\rقوله تعالى: { وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ } جمع صاعقة، وهي: العذاب المهلك، ينزل من البرق فيحرق من يصيبه، { فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ } كما أصاب أربد بن ربيعة. وقال محمد بن علي الباقر: الصاعقة تصيب المسلم وغير المسلم ولا تصيب الذاكر.\r{ وَهُمْ يُجَادِلُونَ } يخاصمون، { فِي اللَّهِ } نزلت في شأن أربد بن ربيعة حيث قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ممَّ ربك أمن دُرٍّ أم من ياقوت أم من ذهب؟ فنزلت صاعقة من السماء فأحرقته (1) .\rوسئل الحسن عن قوله عز وجل: { وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ } الآية، قال: كان رجل من طواغيت العرب بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم نفراً يدعونه إلى الله ورسوله. فقال لهم: أخبروني عن رب محمد هذا الذي تدعونني إليه ممَّ هو؟ من ذهب أو فضة أو حديد أو نحاس؟ فاستعظم القوم مقالته فانصرفوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ما رأينا رجلا أكفر قلبا ولا أعتى على الله منه؟ فقال: ارجعوا إليه، فرجعواإليه فجعل لا يزيدهم على مثل مقالته الأولى، وقال: أجيب محمدا إلى رب لا أراه ولا أعرفه. فانصرفوا وقالوا: يا رسول الله ما زادنا على مقالته الأولى وأخبث.\rفقال: ارجعوا إليه، فرجعوا، فبينما هم عنده ينازعونه ويدعونه، وهو يقول هذه المقالة إذ ارتفعت سحابة، فكانت فوق رؤوسهم، فرعدت وبرقت، ورمت بصاعقة، فاحترق الكافر، وهم جلوس، فجاؤوا يسعون ليخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستقبلهم قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا لهم:احترق صاحبكم.فقالوا:من أين علمتم فقالوا: أوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم: { وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ } (2) .\r__________\r(1) انظر: تفسير ابن كثير: 2 / 507.\r(2) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (314)، الدر المنثور للسيوطي: 4 / 625، 626، البحر المحيط: 5 / 375، ابن كثير 2 / 507، وبنحوه عن أنس، أخرجه أبو يعلى والبزار، والطبراني في الأوسط. ورجال أبي يعلى رجال الصحيح غير ديلم بن غزوان، وهو ثقة، وفي رجال أبي يعلى والطبراني علي بن أبي شارة وهو ضعيف. انظر: مجمع الزوائد: 7 / 42.","part":4,"page":304},{"id":1545,"text":"{ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ } قال علي رضي الله عنه: شديد الأخذ (1) .\rوقال ابن عباس: شديد الحول (2) .\rوقال الحسن: شديد الحقد (3) .\rوقال مجاهد: شديد القوة (4) .\rوقال 189/ب أبو عبيدة: شديد العقوبة.\rوقيل: شديد المكر.\rوالمِحال والمُمَاحلة: المماكرة والمغالبة.\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 16 / 396. وقال الشيخ محمود شاكر: 16 / 392: وهذا إسناد منكر.\r(2) الطبري: 16 / 396.\r(3) نسبه السيوطي لأبي الشيخ عن عكرمة الدر المنثور: 4 / 627. وأخرج الطبري عن عكرمة قال: ما أصاب أربد من الصاعقة. وأخرج الطبري أيضا عن الحسن في تفسير الآية: يعني الهلاك. قال: إذا محل فهو شديد. وما إخال هذا التفسير الذي ذكره المصنف يصح عن الحسن رحمه الله ؛ لأننا وجدنا خلافه في الطبري، والله سبحانه وتعالى لا يليق وصفه بهذا. والله أعلم.\r(4) انظر الطبري: المرجع السابق.","part":4,"page":305},{"id":1546,"text":"{ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ (14) } .\r{ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ } أي: لله دعوة الصدق.\rقال علي رضي الله عنه: دعوة الحق التوحيد (1) .\rوقال ابن عباس: شهادة أن لا إله إلا الله (2) .\rوقيل: الدعاء بالإخلاص، والدعاء الخالص لا يكون إلا لله عز وجل (3) .\r{ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ } أي: يعبدون الأصنام من دون الله تعالى. { لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ } أي: لا يجيبونهم بشيء يريدونه من نفع أو دفع ضر، { إِلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ }\r__________\r(1) الطبري: 16 / 398.\r(2) الطبري: 16 / 398.\r(3) وهذه المعاني كلها متقاربة وليس بينها اختلاف.","part":4,"page":305},{"id":1547,"text":"أي: إلا كباسط كفيه ليقبض على الماء [والقابض على الماء] (1) لا يكون في يده شيء، ولا يبلغ إلى فيه منه شيء، كذلك الذي يدعو الأصنام، وهي لا تضر ولا تنفع، لا يكون بيده شيء.\rوقيل: معناه كالرجل العطشان الذي يرى الماء من بعيد، فهو يشير بكفه إلى الماء، ويدعوه بلسانه، فلا يأتيه أبدا، هذا معنى قول مجاهد.\rومثله عن علي وعطاء: كالعطشان الجالس على شفير (2) البئر، يمد يده إلى البئر فلا يبلغ قعر البئر إلى الماء، ولا يرتفع إليه الماء، فلا ينفعه بسط الكف إلى الماء ودعاؤه له، ولا هو يبلغ فاه، كذلك الذين يدعون الأصنام لا ينفعهم دعاؤها، وهي لا تقدر على شيء.\rوعن ابن عباس: كالعطشان إذا بسط كفيه في الماء لا ينفعه ذلك ما لم يغرف بهما الماء، ولا يبلغ الماء فاه ما دام باسطا كفيه. وهو مثل ضربه لخيبة الكفار (3) .\r{ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ } أصنامهم، { إِلا فِي ضَلالٍ } يضل عنهم إذا احتاجوا إليه، كما قال: {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ}(الأنعام -24 وغيرها).\rوقال الضحاك عن ابن عباس: وما دعاء الكافرين ربهم إلا في ضلال لأن أصواتهم محجوبة عن الله تعالى.\r{ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (15) } .\rقوله عزّ وجل: { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا } يعني: الملائكة والمؤمنين، { وَكَرْهًا } يعني: المنافقين والكافرين الذين أكرهوا على السجود بالسيف.\r{ وَظِلالُهُمْ } يعني: ظلال الساجدين طوعا وكرها تسجد لله عز وجل طوعا. قال مجاهد: ظل المؤمن يسجد طوعا وهو طائع، وظل الكافر يسجد طوعا وهو كاره.\r{ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ } يعني إذا سجد بالغدو أو العشي يسجد معه ظله. و\"الآصال\": جمع \"الأصُل\"، و\"الأصُل\" جمع \"الأصيل\"، وهو ما بين العصر إلى غروب الشمس.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) في \"أ\": شفة.\r(3) قال الطبري: 16 / 399: والعرب تضرب لمن سعى فيما لا يدركه مثلا، بالقابض على الماء. قال بعضهم: فإنّي وإيّاكم وشوقا إليكُمُ ... كقابضٍ ماءٍ لم تَسِقْهُ أنامِلُهُ\rوقوله: \"لم تَسِقْهُ\" من وسقت الشيء أسق وسقا: إذا حملته.","part":4,"page":306},{"id":1548,"text":"وقيل: ظلالهم أي: أشخاصُهم، بالغدو والآصال: بالبُكَرِ والعَشَايا. وقيل: سجود الظل تذليله لما أُريدَ له.\r{ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16) } .\rقوله تعالى: { قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ } أي: خالقُهما ومدبِّرهما [فسيقولون الله] (1) لأنهم يقرُّون بأن الله خالقهم وخالق السموات والأرض، فإذا أجابوك فقل أنت أيضا يا محمد: \"الله\". وروي أنه لما قال هذا للمشركين عطفوا عليه فقالوا: أجِِبْ أنت، فأمره الله عز وجل فقال: { قُلِ اللَّهُ } .\rثم قال الله لهم إلزاما للحجة: { قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ } معناه: إنكم مع إقراركم بأن الله خالق السموات والأرض اتخذتم من دونه أولياء فعبدتموها من دون الله، يعني: الأصنام، وهم { لا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا } فكيف يملكون لكم؟\rثم ضرب لهم مثلا فقال: { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ } كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن، { أَمْ هَلْ تَسْتَوِي } قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر \" يستوي \" بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء لأنه لا حائل بين الاسم والفعل المؤنث. { الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ } أي: كما لا يستوي الظلمات والنور لا يستوي الكفر والإيمان.\r{ أَمْ جَعَلُوا } أي: جعلوا، { شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ } أي: اشتبه ما خلقوه بما خلقه الله تعالى فلا يدرون ما خلق الله وما خلق آلهتهم.\r{ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } ثم ضرب الله تعالى مثلين للحق والباطل، فقال عز وجل:\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":4,"page":307},{"id":1549,"text":"{ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ (17) } .\r{ أَنْزَلَ } يعني: الله عز وجل، { مِنَ السَّمَاءِ مَاءً } يعني: المطر، { فَسَالَتْ } من ذلك الماء، { أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا } أي: في الصغر والكبر، { فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ } الذي حدث من ذلك الماء، { زَبَدًا رَابِيًا } الزَّبَد: الخَبَثُ الذي يظهر على وجه الماء، وكذلك على وجه القِدْر، \"رابياً\" أي عالياً مرتفعاً فوق الماء، فالماء الصافي الباقي هو الحق، والذاهب الزائل الذي يتعلق بالأشجار وجوانب الأودية هو الباطل.\rوقيل: قوله \"أنزل من السماء ماء\" : هذا مَثَلٌ للقرآن، والأودية مَثَلٌ للقلوب، يريد: ينزل القرآن، فتحمل منه القلوب على قدر اليقين والعقل والشك والجهل. فهذا أحد المَثَلَين. والمثل الآخر: قوله عز وجل: { وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ } .\rقرأ حمزة والكسائي وحفص { يُوقِدُونَ } بالياء لقوله تعالى: { مَا يَنْفَعُ النَّاسَ } ولا مخاطبة هاهنا. وقرأ الآخرون بالتاء \" ومما توقدون \" أي: ومن الذي توقدون عليه في النار. والإيقاد: جعل النار تحت الشيء ليذوب.\r{ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ } أي: لطلب زينة، وأراد الذهبَ والفضةَ؛ لأن الحلية تُطلبُ منهما، { أَوْ مَتَاعٍ } أي: طلب متاع وهو ما ينتفع به، وذلك مثل الحديد، والنحاس، والرصاص، والصُّفْرـ تذاب فيتخذ منها الأواني وغيرها مما ينتفع بها، { زَبَدٌ مِثْلُهُ } .\r{ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ } أي: إذا أُذيبَ فله أيضاً زبد مثل زبد الماء، فالباقي الصافي من هذه الجواهر مثل الحق، والزبد الذي لا ينتفع به مثل الباطل.\r{ فَأَمَّا الزَّبَدُ } الذي علا السيل والفِلِزّ، { فَيَذْهَبُ جُفَاءً } أي: ضائعا باطلا والجفاء ما رمى به الوادي من الزَّبَد، والقِدْرُ إلى جنباته. يقال: جفا الوادي وأَجْفَأ: إذا ألقى غُثاءهُ، وأَجْفَأَتِ القِدْر وجَفَأَت: إذا غَلت وألقَت زبدها، فإذا سكنت لم يبق فيها شيء.","part":4,"page":308},{"id":1550,"text":"معناه: إن الباطل وإن علا في وقتٍ فإنه يضمَحِلُّ. وقيل: \"جُفَاءً\" أي: متفرقا. يقال: جفأتِ الريحُ الغيَم إذا فَرَّقَتْه وذهبَت به.\r{ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ } يعني: الماء والفلز من الذهب والفضة والصفر والنحاس، { فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ } أي: يبقى ولا يذهب.\r{ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ } جعل الله تعالى هذا مثلا للحق والباطل، أي: أَنَّ الباطل كالزبد يذهب ويضيع، والحقّ كالماء والفلز يبقى في القلوب. وقيل: هذا تسلية للمؤمنين، يعني: أن أمر المشركين كالزبد يُرى في الصورة شيئاً وليس له حقيقة، وأمرُ المؤمنين كالماءِ المستقرِّ في مكانه له البقاءُ والثبات.\r{ لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (18) } .","part":4,"page":309},{"id":1551,"text":"{ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ (19) } .\rقوله تعالى: { لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لربهم } أجابوا لِرَبِّهِمُ فأطاعوه، { الْحُسْنَى } الجنة، { وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ } أي: لبذلوا ذلك يوم القيامة افتداءً من النار، { أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ } قال إبراهيم النخعي: سُوء الحساب: أن يحاسبَ الرجلُ بذنبه كلّه لا يغفر له من شيء 190/أ { وَمَأْوَاهُمْ } في الآخرة { جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ } الفِراش، أي: بئس ما مُهِِد لهم.\rقوله تعالى: { أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ } فيؤمن به ويعمل بما فيه، { كَمَنْ هُوَ أَعْمَى } عنه لا يعلمُه ولا يعملُ به. قيل: نزلت في حمزة وأبي جهل. وقيل: في عمار وأبي جهل (1) .\rفالأول حمزة أو عمار، والثاني أبو جهل، وهو الأعمى. أي: لا يستوي مَنْ يبصر الحق ويتبعُه ومَنْ لا يُبصرُه ولا يتبعُهُ.\r{ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ } يتعظ، { أُولُو الألْبَابِ } ذوو العقول.\r__________\r(1) ذكر ذلك ابن عطية في المحرر الوجيز: 8 / 160 ثم قال: \"وهي -بعد هذا- مثال في جميع العالم\".","part":4,"page":309},{"id":1552,"text":"{ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) } .\r{ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ } بما أمرهم الله تعالى به وفَرَضَهُ عليهم فلا يخُالفونه، { وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ } وقيل: أراد العهدَ الذي أخذه على ذرية آدم عليه السلام حين أخرجهم من صُلبه.\r{ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ } قيل: أراد به الإيمان بجميع الكتب والرسل ولا يفرقون بينهما. والأكثرون على أنه أراد به (1) صلة الرحم (2) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرّياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا ابن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي سلمة أنَّ عبد الرحمن بن عوف عادَ أبا الدرداء فقال -يعني عبد الرحمن-: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: فيما يحكي عن ربه عز وجل: \"أنا الله، وأنا الرحمن، وهي الرَّحِمُ، شققت لها من اسمي اسما، فمن وصلها وصَلْتُه ومن قطعها بَتَتُّه\" (3) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنبأنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الرَّياني، حدثني حميد بن زنجويه، حدثنا ابن أبي أويس (4) ، قال: حدثني سليمان بن بلال عن معاوية بن أبي مُزَرِّد، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"خلق الله الخلق فلما فرغ منه قامت الرَّحِمُ فأخذت بِِحَقْوَيِ الرحمن، فقال: مَهْ، قالت: هذا مقامُ العائذ بك من القطيعة، قال: ألا ترضين أن أصِلَ مَنْ وصلك وأقطعَ مَنْ قطعكِ؟ قالت: بلى يا ربِّ، قال: فذلك لك\"، ثم\r__________\r(1) جملة \"أراد به\" ساقطة من \"ب\".\r(2) ولم يذكر الطبري غيره، وأما ابن عطية فقال: \"ووصل ما أمر الله به أن يوصل، ظاهرة في القرابات، وهو مع ذلك يتناول جميع الطاعات\". المحرر الوجيز 8 / 160. وعلى ذلك فيدخل في معنى الآية أيضا الإيمان بجميع الكتب والرسل وسائر ما يجب الإيمان به.\r(3) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: 8 / 536، وعبد الرزاق في مصنفه: 11 / 172، وأخرجه أبو داود في الزكاة، باب صلة الرحم: 2 / 262، والترمذي في البر والصلة، باب ما جاء في قطيعة الرحم: 6 / 33، وقال: حديث صحيح. قال المنذري: وفي تصحيحه نظر، فإن يحيى بن معين قال: أبو سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه شيئا، وذكر غيره أن أبا سلمة وأخاه لهما سماع من أبيهما. وصححه الحاكم في المستدرك: 4 / 157-158، وابن حبان ص (498-499) من موارد الظمآن، وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 1 / 194، والمصنف في شرح السنة: 13 / 22. وانظر: مجمع الزوائد: 8 / 149.\r(4) في \"ب\": أوس.","part":4,"page":310},{"id":1553,"text":"قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (1) \"} (محمد -22).\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنبأنا أبو منصور السمعاني، أنبأنا أبو جعفر الرَّياني، حدثنا حميد بن زنجوَيه، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا كثير بن عبد الله اليشكري، حدثنا الحسن بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"ثلاثةٌ تحت العرشِ يوم القيامة: القرآنُ يُحَاجُّ العباد، له ظهرٌ وبطنٌ، والأمانةُ، والرَّحِمُ تنادي أَلا مَنْ وصَلني وصله الله ومَنْ قطعني قطَعه الله\" (2) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنبأنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الرَّياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث بن سعد، حدثني عُقيل عن ابن شهاب أخبرني أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"من أحبَّ أن يُبْسَطَ له في رزقه ويُنْسَأَ له في أثره فليصلْ رحمه\" (3) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شُريح، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، حدثنا علي بن الجعد، حدثنا شعبة، عن عُيينة بن عبد الرحمن قال: سمعت أبي يحدِّث عن أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"ما مِنْ ذَنْبٍ أحرى أن يُعَجِّل الله لصاحبه العقُوبَة في الدنيا مع ما يُدَّخرُ له في الآخرة من البغي وقطيعةِ الرّحِمِ\" (4) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الأدب، باب من وصل وصله الله: 10 / 417، وفي التفسير أيضا، وأخرجه مسلم في البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها برقم (2554): 4 / 1980-1981 وليس فيه \"فأخذت بحقوي الرحمن\" وفي بعض الروايات \"بحقو الرحمن\" وفي بعضها \"بحجزة الرحمن\"، انظر: فتح الباري 10 / 417-418. وأخرجه المصنف بهذا اللفظ في شرح السنة: 13 / 21، ثم قال: قيل في معنى التعلّق بحقْو الرحمن: إنه الاستجارة والاعتصام بالله سبحانه وتعالى، يقال: عُذْتُ بحِقْوِ فلان: إذا استجرت به. وقيل: الحقو: الإزار، وإزاره: عزّه، ولاذت الرحم بعزِّه من القطيعة، كما جاء في الحديث في دعاء المشتكي: \"أعوذ بعزة الله من شر ما أجد\" (أخرجه مالك، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه).\r(2) أخرجه المصنف في شرح السنة: 13 / 22-23، ونسبه السيوطي في الجامع الصغير للحكيم الترمذي في نوادره، ومحمد بن نصر في فوائده. قال المناوي في \"فيض القدير\": 3 / 317 \"وفيه كثير بن عبد الله اليشكري، متكلّم فيه\"، وقال الذهبي في \"الميزان\": 3 / 409: \"كثير بن عبد الله، عن الحسن بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، وعنه عن مسلم بن إبراهيم، قال العقيلي: لا يصح إسناده\" وذكر له هذا الحديث.\r(3) أخرجه البخاري في الأدب، باب من بسط له في الرزق لصلة الرحم: 10 / 415، ومسلم في البر والصلة، باب صلة الرحم، برقم (2557): 4 / 1982، والمصنف في شرح السنة: 13 / 18-19. وقوله: \"ينسأ في أثره\" معناه: يؤخَّر في أجله، يقال: نسأ الله في عمرك، وأنسأ عمرك. والأثر ها هنا: آخر العمر، وسمى الأجل أثرا؛ لأنه يتبع العمر.\r(4) أخرجه أبو داود في الأدب، باب في النهي عن البغي: 7 / 225، والترمذي في صفة القيامة، باب انظروا إلى مَنْ أسفل منكم: 7 / 213-214، وقال: هذا حديث صحيح، وابن ماجه في الزهد، باب البغي، برقم (4211): 2 / 1408، وصححه الحاكم في المستدرك: 4 / 163. وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 5 / 38، والمصنف في شرح السنة: 13 / 26.","part":4,"page":311},{"id":1554,"text":"أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشرَان، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور الزيادي، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"لا يدخل الجنَّةَ قاطِعٌ\" (1) .\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي، حدثنا أحمد بن إسحاق الصيدلاني، أخبرنا أبو نصر أحمد بن محمد بن نصر، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا عمرو بن عثمان قال سمعت موسى بن طلحة يذكر عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، أن أعرابياً عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير له فقال: أخبرني بما يقربني من الجنة ويباعدني من النار، قال صلى الله عليه وسلم: \"تعبد الله، لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم\" (2) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه حدثنا أبو يعلى وأبو نُعيم قالا حدثنا قطر، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ليس الواصلُ بالمكافئ ولكنَّ الواصلَ الذي إذا قُطِعَتْ رَحِمُه وَصَلَها\" (3) [رواه محمد بن إسماعيل عن محمد بن كثير عن سفيان عن قطر وقال: إذا قطعت رحمه وصلها] (4) .\rقوله تعالى: { وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ } .\r{ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) } .\r{ وَالَّذِينَ صَبَرُوا } على طاعة الله، وقال ابن عباس: على أمر الله عز وجل. وقال عطاء: على المصائب والنوائب. وقيل: عن الشهوات. وقيل: عن المعاصي.\r{ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ } طلب تعظيمه أن يخالفوه.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الأدب، باب إثم القاطع: 10 / 415، ومسلم في البر والصلة، باب صلة الرحم وتحريم قطيعتها، برقم (2556): 4 / 1981، والمصنف في شرح السنة: 13 / 26.\r(2) أخرجه البخاري في الزكاة، باب وجوب الزكاة؛ 13 / 261، ومسلم في الإيمان باب الإيمان الذي يُدْخِل الجنة، برقم (13): 1 / 42-43، والمصنف في شرح السنة: 1 / 21.\r(3) أخرجه البخاري في الأدب، باب ليس الواصل بالمكافئ: 10 / 423، والمصنف في شرح السنة: 13 / 30.\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":4,"page":312},{"id":1555,"text":"{ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً } يعني يؤدّون الزكاة.\r{ وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ } روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: يدفعون بالصالح من العمل السيئَ من العمل، وهو معنى قوله: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ }(هود -114). وجاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إذا عملت سيئةً فاعمل بجنبها حسنةً تمحها، السِرُّ بالسر والعلانيةُ بالعلانية\" (1) .\rأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أنبأنا محمد بن أحمد بن الحارث، أنبأنا محمد بن يعقوب الكسائي، أنبأنا عبد الله بن محمود، أنبأنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك عن ابن لهيعة، حدثني يزيد بن أبي حبيب، حدثنا أبو الخير، أنه سمع عقبة بن عامر رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجلٍ كانت عليه درعٌ ضَيّقَةٌ قد خنقته، ثم عَمِل حسنة، فانفكَّت عنه حلقة، ثم عمل أخرى فانفكت أخرى، حتى يخرج إلى الأرض\" (2) .\rوقال ابن كيسان: معنى الآية: يدفعون الذنب بالتوبة.\rوقيل: لا يكافئون الشَّر بالشِّر، ولكن يدفعون الشَّر بالخير.\rوقال القتيبي: معناه: إذا سُفِهَ عليهم حَلِمُوا، فالسفَهُ: السَّيِّئَةُ، والحلمُ: الحسنة.\rوقال قتادة: ردُّوا عليهم معروفا، نظيره قوله تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا}(الفرقان -63).\rوقال الحسن: إذا حُرِمُوا أعطوا ، وإذا ظُلِمُوا عَفَوْا ، وإذا قُطِعُوا وصلوا.\rقال عبد الله بن المبارك: هذه ثمان خلال مشيرة إلى ثمانية أبواب الجنة.\r{ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ } يعني الجنة، أي: عاقبتهم دار الثواب. ثم بيّن ذلك فقال: { جَنَّاتُ عَدْنٍ } .\r{ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) } .\r{ جَنَّاتُ عَدْنٍ } بساتين إقامة، 190/ب { يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ }\r__________\r(1) أخرجه الإمام أحمد: 5 / 169، قال الهيثمي في المجمع: (10 / 81): \"رواه أحمد ورجاله ثقات إلا أن شهر بن عطية حَدَّثَ به عن أشياخه عن أبي ذر، ولم يسَمِّ أحدا. وروى الإمام أحمد عن عطاء مرسلا في \"الزهد\": إذا عملت سيئة فأحدث عندها توبة: السر بالسر، والعلانية بالعلانية\". قال العراقي: وفيه انقطاع. انظر: فيض القدير: 1 / 406.\r(2) أخرجه الإمام أحمد في المسند: 4 / 145، وعزاه الهيثمي للطبراني، وقال: \"وأحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح\". وأخرجه المصنف في شرح السنة: 14 / 339. وفيه ابن لهيعة. وانظر: مجمع الزوائد: 10 / 201-202، فيض القدير للمناوي: 2 / 520.","part":4,"page":313},{"id":1556,"text":"قيل: من أبواب الجنة. وقيل: من أبواب القصور.\r{ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25) } .\r{ سَلامٌ عَلَيْكُمْ } أي: يقولون سلام عليكم.\rوقيل: يقولون: سلَّمكم الله من الآفات التي كنتم تخافونَ منها.\rقال مقاتل: يدخلون عليهم في مقدار يوم وليلة من أيام الدنيا ثلاث كرَّات، معهم الهدايا والتحف من الله عز وجل، يقولون سلام عليكم، { بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ } .\rأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن بقية بن الوليد، حدثني أرطاة بن المنذر قال: سمعت رجلا من مشيخة الجند يقال له أبو الحجاج يقول: جلست إلى أبي أمامة فقال: إن المؤمن ليكون متّكئًا على أريكته إذا أدخل الجنة، وعنده سِمَاطَان من خَدَمٍٍ، وعند طرف السِّماطين باب مبوَّبٌ (1) . فيُقْبِلُ مَلَك من ملائكة الله يستأذن، فيقوم أقصى الخدم (2) إلى الباب، فإذا هو بالمَلك يستأذن، فيقول للذي يليه: مَلَك يستأذن ويقول الذي يليه للذي يليه مَلَك يستأذن كذلك حتى يبلغ المؤمن، فيقول: ائذنوا له، [فيقول أقربهم إلى المؤمن] (3) : ائذنوا له، [ويقول الذي يليه للذي يليه: ائذنوا له] (4) كذلك حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب، فيفتح له فيدخل، فيسلم ثم ينصرف (5) .\r{ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ } هذا في الكفار. { وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ } أي: يؤمنون ببعض الأنبياء ويكفرون ببعض. وقيل: يقطعون الرحم (6) .\r__________\r(1) باب مُبَوَّب: مصنوع معقود، وإن شئت قلت: قد اتخذ له بوابا يحرسه.\r(2) في الأصل: أدنى الخدم. والمثبت من الدر المنثور والطبري: فهو أليق بالسياق.\r(3) ما بين القوسين من \"ب\".\r(4) ما بين القوسين من \"ب\".\r(5) أخرجه ابن جرير: 16 / 425-426، وفيه بقية بن الوليد: صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، وقد صرَّح هنا بالتحديث. ورواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن عياش عن أرطاة بن المنذر عن أبي الحجاج يوسف الألهاني، قال: سمعت أبا أمامة، فذكر نحوه. انظر: الدر المنثور: 4 / 640، تفسير ابن كثير: 2 / 512، حاشية الشيخ محمود شاكر على الطبري في الموضع السابق.\r(6) انظر فيما سبق تفسير الآية (21) من السورة ص (310) مع التعليق.","part":4,"page":314},{"id":1557,"text":"{ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ } أي: يعملون بالمعاصي، { أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ } يعني: النار، وقيل: سوء المنقلب لأن منقلب الناس دُورُهم.\r{ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ (26) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) } .\rقوله عز وجل: { اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ } أي: يُوسِّع على من يشاء ويُضيقُ على من يشاء.\r{ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا } يعني: مشركي مكة أَشروا وبَطَروا، والفرح: لذة في القلب بِنَيْل المشتهى، وفيه دليل على أن الفرح بالدنيا حرام.\r{ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ } أي: قليل ذاهب. قال الكلبي: كمثل السُكرجةِ والقَصعة والقدَح والقِدرِ ينتفع بها [ثم تذهب] (1) .\r{ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا } من أهل مكة، { لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ } [أي: يهدي إليه من يشاء بالإنابة. وقيل: يرشدُ إلى دينه من يرجع إليه بقلبه] (2) .\r{ الَّذِينَ آمَنُوا } في محل النصب، بدل من قوله: \"من أَنَابَ\"، { وَتَطْمَئِنُّ } تسكن، { قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ } قال مقاتل: بالقرآن، والسُّكون يكون باليقين، والاضطراب يكونُ بالشك، { أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } تسكن قلوب المؤمنين ويستقر فيها اليقين.\rقال ابن عباس: هذا في الحَلِفِ، يقول: إذا حلف المسلم (3) بالله على شيء تسكن قلوبُ المؤمنينَ إليه (4) .\rفإن قيل: أليس قد قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِر اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}(الأنفال -2) فكيف تكونُ الطمأنينةُ والوَجَل في حالةٍ واحدةٍ؟\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) في \"ب\": المؤمن.\r(4) ساقط من \"ب\".","part":4,"page":315},{"id":1558,"text":"قيل: الوَجَل عند ذكر الوعيد والعقاب، والطمأنينة عند ذكر الوعد والثواب، فالقلوب توجل إذا ذكرت عدل الله وشدة حسابه، وتطمئن إذا ذكرت فضل الله وثوابه (1) وكرمه.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".","part":4,"page":316},{"id":1559,"text":"{ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29) } .\r{ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } ابتداءٌ، { طُوبَى لَهُمْ } خبره.\rواختلفوا في تفسير { طُوبَى } (1) .\rروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: فَرَحٌ لهم وقُرّةُ عين.\rوقال عكرمة: نِعْمَ مالهم.\rوقال قتادة: حسنى لهم.\rوقال معمر عن قتادة: هذه كلمة عربية، يقول الرجل للرجل: طوبى لك، أي: أصبت خيرا.\rوقال إبراهيم: خير لهم وكرامة.\rوقال الفراء: [أصله من الطيب، والواو فيه لضمة الطاء، وفيه لغتان، تقول العرب: طوباك وطوبى لك أي: لهم الطيب] (2) .\r{ وَحُسْنُ مَآبٍ } أي: حسن المنقلب.\rقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: طوبى اسم الجنة بالحبشية.\rقال الربيع: هو البستان بلغة الهند.\rوروي عن أبي أمامة وأبي هريرة وأبي الدرداء قالوا: [طوبى شجرة في الجنة تُظِلُّ الجنانَ كلها. وقال عبيد بن عمير] (3) : هي شجرة في جنة عدن أصلها في دار النبي صلى الله عليه وسلم، وفي كل دار وغرفةٍ غصن منها لم يخلق الله لوناً ولا زهرةً إلا وفيها منها إلا السواد، ولم يخلق الله تعالى فاكهةً ولا ثمرة إلا وفيها منها. تنبع من أصلها عينان: الكافور والسلسبيل.\rقال مقاتل: كل ورقة منها تُظِلُّ أمة عليها مَلَكٌ يُسبِّح الله عز وجل بأنواع التسبيح (4) .\r__________\r(1) انظر في تفسير طوبى، والروايات في : الطبري: 16 / 434-444، الدر المنثور: 4 / 642-643.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(4) هذه الروايات، وغيرها من الروايات، التي تتضمن زيادات كثيرة عن الحديث الصحيح الذي سيأتي في تفسير \"طوبى\"، وفيها مبالغات كثيرة، وقد ساقها الطبري، وتعقب بعضها الحافظ ابن كثير -رحمه الله- هذه الروايات من الإسرائيليات، وحسبنا في تفسير \"طوبى\" الحديث الصحيح المتفق عليه الذي ساقه المصنف من رواية أبي هريرة رضي الله عنه. وانظر: الإسرائيليات والموضوعات لأبي شهبة ص (323-326). وأشار ابن عطية في المحرر الوجيز: 8 / 168 إلى تلك الروايات والمبالغات التي مقتضاها أن هذه الشجرة ليست في الجنة دار إلا وفيها من أغصانها، وأنها تثمر ثياب أهل الجنة، وأن منها الخيل بسُرُجها ولُجُمها... ونحو هذا مما لا يثبت سنده\".","part":4,"page":316},{"id":1560,"text":"وروي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما طوبى؟ قال: \"شجرةٌ في الجنة مسيرة مائة سنة، ثيابُ أهل الجنة تخرجُ من أكمَامِها\" (1) .\rوعن معاوية بن قُرّة عن أبيه يرفعه: \"طوبى شجرةٌ غرسها الله تعالى بيده، ونفخَ فيها من رُوحه، تنبت الْحُلِيَّ والحُلَل وإن أغصانها لَتُرى من وراء سُور الجنة\" (2) .\rأخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أنبأنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك عن إسماعيل بن أبي خالد، عن زيادٍ مولى بني مخزوم، أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: إنّ في الجنة لشجرةً يسير الراكب في ظلِّها مائة سنةٍ [لا يقطعها] (3) اقرؤوا إن شئتم: {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ}(الواقعة -30) فبلغ ذلك (4) كعباً فقال: صدق والذي أنزل التوراة على موسى عليه السلام والقرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، لو أنّ رجلا ركب حقّةً أو جذعة ثم دار بأصل تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط هَرِماً، إن الله تعالى غرسها بيده ونفخ فيها من رُوحه، وإنّ أفنانها لمن وراءِ سور الجنة، ما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة (5) .\rوبهذا الإسناد عن عبد الله بن المبارك عن معمر عن الأشعث بن عبد الله عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: في الجنة شجرة يقال لها طوبى، يقول الله عز وجل لها: تفتَّقِي لعبدي عما شئت فتنفتق له عن فرس بسرجه ولجامه وهيئته كما شاء، يفتق له عن الراحلة برحلها وزمامها\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 16 / 443-444، والإمام أحمد في المسند: 3 / 71، وابن حبان برقم (2625) ص (652) من موارد الظمآن، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: 90.000 مطولا. وانظر كنز العمال: 14 / 457، الدر المنثور: 4 / 644. والحديث من رواية \"دراج\" (أبو السمح)، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، وهو إسناد ضعيف. ونقل الإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه أن دراجا: روايته منكرة.\r(2) أخرجه الطبري في التفسير: 16 / 443، وفيه محمد بن زياد الجريري: وهو كذاب خبيث يضع الحديث. وفرات بن أبي الفرات: قال ابن معين عنه: ليس بشيء. انظر تعليق الشيخ محمود شاكر في الموضع السابق.\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) ساقط من \"ب\".\r(5) عزاه السيوطي بطوله في الدر المنثور لعبد بن حميد: 4 / 649، وقد أخرج عبد بن حميد في المنتخب ص (424) القطعة الأولى منه، وأخرجه عن أنس ص (356). وأخرج القطعة الأولى منه إلى قوله: (اقرؤوا إن شئتم...) البخاري في بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة: 6 / 319، ومسلم في الجنة باب إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها... برقم (2826): 4 / 2175، والمصنف في شرح السنة: 15 / 207.","part":4,"page":317},{"id":1561,"text":"[وهيئتها] (1) كما شاء وعن الثياب (2) .\r{ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30) } .\rقوله عز وجل { كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ } كما أرسلنا الأنبياء إلى الأمم أرسلناك إلى هذه الأمة، { قَدْ خَلَتْ } مضت، { مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ } لتقرأ، { عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ } .\rقال قتادة، ومقاتل، وابن جريج: الآية مدنية نزلت في صُلح الحديبية، وذلك أن سهيل بن عمرو لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم واتفقوا على أن يكتبوا كتاب الصلح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم 191/أ لعلي رضي الله عنه: اكتب \" بسم الله الرحمن الرحيم \"، قالوا: لا نعرف الرّحمن إلا صاحب اليمامة -يعنون مسيلمة الكذاب-اكتب كما كنتَ تكتب: \"باسمك اللهم\"، فهذا معنى قوله: { وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ } (3) .\rوالمعروف أن الآية مكية، وسبب نزولها: أن أبا جهل سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الحِجْر يدعُو يا الله يا رَحمن، فرجع إلى المشركين فقال: إن محمداً يدعو إلهين؛ يدعو الله، ويدعو إلهاً آخر يسمى الرحمن، ولا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة فنزلت هذه الآية، ونزل قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى (4) }(الإسراء -110).\rوروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنها نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: اسجدوا للرحمن، قالوا: وما الرحمن (5) ؟ قال الله تعالى: { قُلْ } لهم يا محمد إنَّ الرحمن الذي أنكرتم معرفته، { هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } اعتمدتُ { وَإِلَيْهِ مَتَابِ } أي: توبتي ومرجعي.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) وأخرجه الطبري: 16 / 438، وفيه شهر بن حوشب، وهو ضعيف. وعزاه السيوطي أيضا: لعبد الرزاق، وابن أبي الدنيا، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. انظر: الدر المنثور: 4 / 643.\r(3) أخرجه الطبري: 16 / 445-446، وزاد السيوطي نسبته لابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن قتادة، ولابن المنذر عن ابن جريج. انظر: الدر المنثور: 4 / 650، أسباب النزول للواحدي ص (315)، القرطبي: 9 / 317-318، البحر المحيط: 5 / 390.\r(4) انظر: تفسير القرطبي: 9 / 318، 13 / 64، البحر المحيط: 5 / 390.\r(5) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (315)، القرطبي: 9 / 318، البحر المحيط: 5 / 390.","part":4,"page":318},{"id":1562,"text":"{ وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31) } .\rقوله عز وجل: { وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ } الآية. نزلت في نفر من مشركي مكة؛ منهم أبو جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية؛ جلسوا خلف الكعبة وأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاهم، فقال له عبد الله بن أبي أمية: إن سرَّك أن نتبعك فسيِّر جبال مكة بالقرآن فأذهبها عنا حتى تنفسح، فإنها أرض ضيقة لمزارعنا، واجعل لنا فيها عيوناً وأنهاراً، لنغرس فيها الأشجار ونزرع، ونتخذ البساتين، فلستَ كما زعمت بأهون على ربك من داود عليه السلام حيث سخَّر له الجبال تُسبح معه، أو سخِّر لنا الريحَ فنركبَها إلى الشام لميرتنا وحوائجنا ونرجع في يومنا، فقد سُخرت الريحُ لسليمان كما زعمتَ، ولستَ بأهون على ربك من سليمان، وأَحْيِ لنا جدَّك قُصَيّاً أو مَنْ شئت من آبائنا وموتانا لنسأله عن أمرك أحقٌّ ما تقول أم باطل؟ فإن عيسى كان يحيي الموتى، ولستَ بأهون على الله منه فأنزل الله عز وجل: { وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ } (1) فأذهبت عن وجه الأرض، { أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ } أي: شققت فجعلت أنهاراً وعيوناً { أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى } واختلفوا في جواب \"لو\":\rفقال قوم جوابه محذوف، اكتفى بمعرفةِ السامعين مرادَه (2) وتقديره: لكان هذا القرآن، كقول الشاعر: (3) . فأقسم لو شيء أتانا رسوله سواك ولكن لم نجد لك مدفعا\rأراد: لرددناه، وهذا معنى قول قتادة قال: لو فعل هذا بقرآن قبل قرآنكم لفعل بقرآنكم.\rوقال آخرون: جواب لو مقدَّم. وتقدير الكلام: وهم يكفرون بالرحمن \"ولو أن قرآنا سيرت به الجبال\" (4) كأنه قال: لو سيرت به الجبال \"أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى\" لكفروا\r__________\r(1) انظر الطبري: 16 / 449-450، أسباب النزول للواحدي ص (316)، تفسير القرطبي: 9 / 318، البحر المحيط: 5 / 391، الدر المنثور: 4 / 651-653، تفسير ابن كثير: 2 / 416.\r(2) انظر: تفسير الطبري: 16 / 448-449، البحر المحيط: 5 / 391.\r(3) هو امرؤ القيس، والبيت في ديوانه ص (113). وانظر: الطبري: 15 / 277، 16 / 448.\r(4) انظر: تفسير الطبري: 16 / 446-447، البحر المحيط: 5 / 391.","part":4,"page":319},{"id":1563,"text":"بالرحمن ولم يؤمنوا، لما سبقَ من علمنا فيهم، كما قال: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا}(الأنعام -111) ثم قال:\r{ بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا } أي: في هذه الأشياء إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل.\r{ أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا } قال أكثر المفسرين: معناه أفلم يعلم. قال الكلبي: هي لغة النَّخَع (1) .\rوقيل: لغة هوازن، يدل عليه قراءة ابن عباس: \"أفلم يتبين الذين آمنوا\" (2) .\rوأنكر الفراء أن يكون ذلك بمعنى العلم، وزعم أنه لم يسمع أحدا من العرب يقول: يئست، بمعنى: علمت، ولكن معنى العلم فيه مضمر (3) .\rوذلك أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمعوا هذا من المشركين طمعوا في أن يفعل الله ما سألوا فيؤمنوا فنزل: { أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا } يعني: الصحابة رضي الله عنهم أجمعين من إيمان هؤلاء، أي لم ييئسوا علما، وكلُّ مَنْ علم شيئاً يئس من خلافه، يقول: ألم ييئسهم العلمُ: { أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا } .\r{ وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا } من كفرهم وأعمالهم الخبيثة { قَارِعَةٌ } أي: نازلة وداهية تقرعهم من أنواع البلاء، أحياناً بالجدب، وأحياناً بالسلب، وأحياناً بالقتل والأسر.\rوقال ابن عباس: أراد بالقارعة: السرايا التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعثهم إليهم.\r{ أَوْ تَحُلُّ } يعني: السرية والقارعة، { قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ } وقيل: أو تحلُّ: أي تنزل أنت يا محمد بنفسك قريبا من ديارهم، { حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ } قيل: يوم القيامة. وقيل: الفتح والنصر وظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم ودينه. { إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ } وكان الكفار يسألون هذه الأشياء على سبيل الاستهزاء فأنزل الله تسليةً لنبيه صلى الله عليه وسلم: { وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ }\r__________\r(1) انظر: تفسير الطبري: 6 / 450، 452-453 مع تعليق الشيخ محمود شاكر.\r(2) الطبري: 16 / 451.\r(3) انظر: تفسير الطبري: 16 / 451-452. هذا وقد رجح الطبري القول الأول الذي قال عنه البغوي إنه قول أكثر المفسرين، فقال: (16 / 455): \"والصواب من القول في ذلك ما قاله أهل التأويل، أن تأويل ذلك: \"أفلم يتبين ويعلم\"، لإجماع أهل التأويل على ذلك. فتأويل الكلام إذا: ولو أن قرآنا سوى هذا القرآن كان سيرت به الجبال، لسير بهذا القرآن أو قطعت به الأرض، لقطعت بهذا، أو كلم به الموتى، لكلم بهذا، ولكن لم يفعل ذلك بقرآن قبل هذا القرآن فيفعل بهذا \"بل لله الأمر جميعا\" يقول: ذلك كله إليه وبيده، يهدي من يشاء إلى الإيمان فيوفقه له، ويضل من يشاء فيخذله، أفلم يتبين الذين آمنوا بالله ورسول =إذ طمعوا في إجابتي من سأل نبيهم ما سأله من تسيير الجبال عنهم، وتقريب أرض الشام عليهم، وإحياء موتاهم= أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا إلى الإيمان به من غير إيجاد آية ولا إحداث شيء مما سألوا إحداثه؟ يقول تعالى ذكره: فما معنى محبتهم ذلك، مع علمهم بأن الهداية والإهلاك إلي وبيدي، أنزلت آية أو لم أنزلها، أهدي من أشاء بغير إنزال آية، وأضل من أردت مع إنزالها\".","part":4,"page":320},{"id":1564,"text":"{ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (32) أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) } .\r{ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ } كما استهزؤوا بك، { فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا } أمهلتهم وأطلت لهم المدة، ومنه \"المَلَوانِ\"، وهما: الليل والنهار، { ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ } عاقبتهم في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار، { فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ } أي: عقابي لهم.\r{ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } أي: حافظها، ورازقها، وعالم بها، ومجازيها بما عملت. وجوابه محذوف، تقديره: كمن ليس بقائم بل عاجز عن نفسه.\r{ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ } بينوا أسماءهم.\rوقيل: صِفُوهم ثم انظروا: هل هي أَهْل لأن تُعبد؟\r{ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ } أي: تُخبرون الله تعالى: { بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأرْضِ } فإنه لا يعلم لنفسه شريكاً ولا في الأرض إلها غيره، { أَمْ بِظَاهِرٍ } يعني: أم تتعلقون بظاهر، { مِنَ الْقَوْلِ } مسموعٍٍ، وهو في الحقيقة باطل لا أصل له.\rوقيل: بباطل من القول: قال الشاعر: وعَيَّرني الواشون أني أحبها وتلك شَكاةٌ ظاهرٌ عنك عارُها\rأي: زائل (1) .\r{ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ } كيدهم. وقال مجاهد: شركهم وكذبهم على الله.\r{ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ } أي: صرفوا عن الدين.\r__________\r(1) قال أبو منصور في تهذيب اللغة: الشكاة توضع موضع العيب والذم؛ وعير رجل عبد الله بن الزبير بأمه، فقال: يابن ذات النطاقين. فتمثل عبد الله بقول الهذلي: وتلك شكاة... أراد: أن تعييره إياه بأن أمه كانت ذات النطاقين ليس بعار، ومعنى قوله: \"ظاهر عنك عارها\" أي: ناب. أراد: أن هذا ليس عارا يلزق به وأنه يفتخر بذلك...\" انظر: لسان العرب لابن منظور: 14 / 440-441.","part":4,"page":321},{"id":1565,"text":"قرأ أهل الكوفة ويعقوب { وَصُدُّوا } وفي حم المؤمن { وَصُدَّ } بضم الصاد فيهما، وقرأ الآخرون بالفتح لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}(الحج -25)، وقوله {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}(النحل -88 وغيرها).\r{ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ } بخذلانه إياه، { فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } .\r{ لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (34) } .","part":4,"page":322},{"id":1566,"text":"{ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (35) وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (36) } .\r{ لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } بالقتل والأسر، { وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ } أشد، { وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ } مانع يمنعهم من العذاب.\rقوله عز وجل: { مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ } أي: صفة الجنة، كقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأعْلَى}(النحل -60) أي: الصفة العليا، { تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ } أي: صفة الجنة التي وعد المتقون أن الأنهار تجري من تحتها.\rوقيل: \"مثل\" صلةٌ مجازُها \"الجنة التي وُعد المتقون تجري من تحتها الأنهار\".\r{ أُكُلُهَا دَائِمٌ } أي: لا ينقطع ثمرها ونعيمها، { وَظِلُّهَا } أي: ظلها ظليل، لا يزول، وهو ردٌّ على الجهمية حيث قالوا إن نعيم الجنة يفنى (1) .\r{ تِلْكَ عُقْبَى } أي: عاقبة { الَّذِينَ اتَّقَوْا } يعني: الجنة، { وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ } .\rقوله عز وجل: { وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ } يعني: القرآن، وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم\r__________\r(1) قال شارح الطحاوية عند قول الطحاوي: \"والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبدا ولا تبيدان...\" قال: ص (491-493). \"فأما أبدية الجنة، وأنها لا تفنى ولا تبيد، فهذا مما يعلم بالضرورة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر به، قال تعالى: (وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ) أي غير مقطوع. وقد أكد الله خلود أهل الجنة بالتأبيد في عدة مواضع من القرآن، وأخبر أنهم: (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) (الدخان - 56). والأدلة من السنة على أبدية الجنة ودوامها كثيرة، كقوله: \"من يدخل الجنة ينعم ولا ييئس، ويخلد ولا يموت\" (رواه مسلم)، وقوله: \"ينادي مناد: يا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وأن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وأن تحيوا فلا تموتوا أبدا\" (رواه مسلم).","part":4,"page":322},{"id":1567,"text":"{ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ } من القرآن، { وَمِنَ الأحْزَابِ } يعني: الكفار الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم اليهود والنصارى، { مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ } هذا قول مجاهد وقتادة (1) .\rوقال الآخرون: كان ذكر الرحمن قليلا في القرآن في الابتداء فلما أسلم 191/ب عبد الله بن سلام وأصحابه ساءهم قلة ذكره في القرآن مع كثرة ذكره في التوراة، فلما كرر الله ذكره في القرآن فرحوا به فأنزل الله سبحانه وتعالى: { وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ } (2) يعني: مشركي مكة حين كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب الصلح: بسم الله الرحمن الرحيم ، قالوا: ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب، فأنزل الله عز وجل (3) {وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ}(الأنبياء -36) {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ}(الرعد -30). وإنما قال \"بعضه\" لأنهم كانوا لا ينكرون ذكر الله وينكرون ذكر الرحمن.\r{ قُلْ } يا محمد، { إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ } أي: مرجعي.\r{ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ (37) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (38) } .\r{ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا } يقول: كما أنزلنا إليك الكتابَ يا محمد، فأنكره الأحزاب، كذلك أنزلنا الحكم والدين عربياً. نُسِبَ إلى العرب لأنه نزل بلغتهم فكذب به الأحزاب. وقيل: نظم الآية: كما أنزلتُ الكتبَ على الرسل بلغاتهم، فكذلك أنزلنا عليك الكتاب حكماً عربياً.\r{ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ } في الملة. وقيل: في القبلة، { بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا وَاقٍ } يعني: من ناصر ولا حافظ.\rقوله تعالى: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ } روي أن اليهود، -وقيل: إن المشركين-قالوا:\r__________\r(1) انظر: الطبري: 16 / 473، الدر المنثور: 4 / 658.\r(2) ذكره الماوردي واختاره الزمخشري. انظر: البحر المحيط: 5 / 396، المحرر الوجيز: 8 / 179.\r(3) انظر فيما سبق تفسير الآية (30) من السورة ص (318).","part":4,"page":323},{"id":1568,"text":"إنَّ هذا الرجل ليست له همة إلا في النساء فأنزل الله تعالى: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً } (1) وما جعلناهم ملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون.\r{ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ } هذا جواب عبد الله بن أبي أمية. ثم قال:\r{ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ } يقول: لكل أمر قضاهُ اللهُ كتابٌ قد كتبه فيه ووقت يقع فيه.\rوقيل: لكل آجل أجَّلَهُ الله كتاب أثبت فيه. وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: أي، لكل كتاب أجلٌ ومدة، أي: الكتب المنزلة لكل واحدٍ منها وقت ينزل فيه.\r{ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39) } .\r{ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ } قرأ ابن كثير وأبو عمرو، وعاصم ويعقوب \" ويثبتُ \" بالتخفيف وقرأ الآخرون بالتشديد. واختلفوا في معنى الآية:\rفقال سعيد بن جبير، وقتادة: يمحو الله ما يشاء من الشرائع والفرائض فينسخه ويبدله، ويثبت ما يشاء منها فلا ينسخه (2) .\rوقال ابن عباس: يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا الرزق والأجل والسعادة والشقاوة (3) .\rوروينا عن حذيفة بن أُسَيْد عن النبي صلى الله عليه وسلم: \"يدخُلُ المَلَكُ على النُّطْفَةِ بعدما تستقرُّ في الرحم بأربعين، أو خمس وأربعين ليلة، فيقول: يا رب أَشَقِي أم سعيد؟ فَيُكْتَبَانِ، فيقول: إيْ ربِّ أذكرٌ أم أنثى؟ فَيُكْتَبَانِ، ويُكْتَبُ عملُه وأثرُه وأجلُه ورزقه، ثم تطوى الصحف فلا يُزاد فيها ولا يُنْقَصُ\" (4) .\rوعن عمر وابن مسعود -رضي الله عنهما-أنهما قالا يمحو السعادةَ والشقاوةَ أيضاً، ويمحو الرِزق والأجلَ ويثبتُ ما يشاء.\rوروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يطوف بالبيت وهو يبكي ويقول: اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبت عليَّ الشقاوة فامحني، وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب. ومثله عن ابن مسعود.\r__________\r(1) رواه الواحدي في أسباب النزول ص (317) عن الكلبي بدون إسناد، وانظر: تفسير القرطبي: 9 / 327، البحر المحيط: 5 / 397.\r(2) أخرجه الطبري: 16 / 39-40.\r(3) انظر: تفسير الطبري: 16 / 485-486، وسائر الأقوال في تفسير الآية في الصفحات التالية منه، وانظر: الدر المنثور: 4 / 659-665.\r(4) أخرجه مسلم في القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه، برقم (2644): 4 / 2037.","part":4,"page":324},{"id":1569,"text":"وفي بعض الآثار: أن الرجل يكون قد بقي من عمره ثلاثون سنة فيقطع رحمه فترد إلى ثلاثة أيام، والرجل يكون قد بقي من عمره ثلاثة أيام فيصل رحمه فيمد إلى ثلاثين سنة.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدَّثنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث بن سعد، حدثني زيادة بن محمد الأنصاري، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ينزل الله عز وجل في آخر ثلاث ساعات يَبْقَيْنَ من الليل، فينظر في الساعة الأولى منهن في أم الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت\" (1) .\rوقيل: معنى الآية: إنّ الحفظة يكتبون جميع أعمال بني آدم وأقوالهم، فيمحو الله من ديوان الحفظة ما ليس فيه ثوابٌ ولا عقاب، مثل قوله: أكلت، شربت، دخلت، خرجت، ونحوها من كلام هو صادق فيه، ويثبت ما فيه ثواب وعقاب، هذا قول الضحاك والكلبي.\rوقال الكلبي: يكتب القولَ كله، حتى إذا كان يوم الخميس طرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب.\rوقال عطية عن ابن عباس: هو الرجل يعمل بطاعة الله عز وجل ثم يعود لمعصيةِ الله فيموت على ضلالة فهو الذي يمحو، والذي يثبت: الرجل يعمل بطاعة الله، فيموت وهو في طاعةِ الله عز وجل فهو الذي يثبت.\rوقال الحسن: { يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ } أي من جاء أجلهُ يذهب به ويثبت مَنْ لم يجئ أجلُهُ إلى أجله.\rوعن سعيد بن جبير قال: { يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ } من ذنوب العباد فيغفرها ويثبت ما يشاء فلا يغفرها.\rوقال عكرمة: { يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ } من الذنوب بالتوبة، ويثبت بدل الذنوب حسنات، كما قال الله تعالى: {فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}(الفرقان -70). وقال السدي: { يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ } يعني القمر { وَيُثْبِتُ } يعني الشمس، بيانه قوله تعالى: {فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً }(الإسراء -12).\rوقال الربيع: هذا في الأرواح يقبضها الله عند النوم، فمن أراد موتَه مَحاه (2) فأمسكه،\r__________\r(1) أخرجه الطبري في التفسير: 16 / 489، وفيه زيادة بن محمد الأنصاري: منكر الحديث..\rقال الهيثمي في المجمع (10 / 154-155): \"رواه الطبراني في الكبير والأوسط والبزار بنحوه، وفيه زيادة بن محمد الأنصاري وهو منكر الحديث \".\r(2) في \"ب\": فجأة.","part":4,"page":325},{"id":1570,"text":"ومن أراد بقاءه أثبته وردَّه إلى صاحبه، بيانه قوله عز وجل: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} الآية(الزمر -42). { وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } أي: أصل الكتاب، وهو اللوح المحفوظ الذي لا يبدَّل ولا يغير.\rوقال عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: هما كتابان: كتابٌ سوى أم الكتاب، يمحو منه ما يشاء ويثبتُ، وأم الكتاب الذي لا يُغيّر منه شيء.\rوعن عطاء عن ابن عباس قال: إن لله تعالى لوحاً محفوظاً مسيرة خمسمائة عام، من درة بيضاء لها دفتان من ياقوت، لله في كل يوم ثلاثمائة وستون لحظة { يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } وسأل ابن عباس كعباً عن أم الكتاب؟ فقال: علم الله، ما هو خالق، وما خَلْقُه عاملون (1) .\r{ وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (40) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (41) } .\r{ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ } من العذاب قبل وفاتك، { أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ } قبل ذلك، { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ } ليس عليك إلا ذلك، { وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ } الجزاء يوم القيامة.\rقوله تعالى { أَوَلَمْ يَرَوْا } يعني: أهل مكة، الذين يسألون محمداً صلى الله عليه وسلم الآيات، { أَنَّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } أكثر المفسرين على أن المراد منه فتح ديار (2) الشرك، فإن ما زاد في ديار الإسلام فقد نقص من ديار الشرك، يقول: { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } فنفتَحُها لمحمد أرضاً بعد أرض حوالي أرضهم، أفلا يعتبرون؟ هذا قول ابن عباس وقتادة وجماعة (3) .\r__________\r(1) ورجح الطبري من هذه الأقوال قول الحسن ومجاهد، لأن الله تعالى ذكره توعد المشركين الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآيات بالعقوبة، وتهددهم بها، وقال لهم: \"وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب\" ، يعلمهم بذلك أن لقضائه فيهم أجلا مثبتا في كتاب، هم مؤخرون إلى وقت مجيء ذلك الأجل. ثم قال لهم: فإذا جاء ذلك الأجل، يجيء الله بما شاء ممن قد دنا أجله وانقطع رزقه، أو حان هلاكه أو اتضاعه من رفعة أو هلاك مال، فيقضي ذلك في خلقه، فذلك محوه، ويثبت ما شاء ممن بقي أجله ورزقه وأكله، فيتركه على ما هو عليه فلا يمحوه. وبهذا المعنى جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم ساق حديث أبي الدرداء الذي سبق تخريجه آنفا. انظر: تفسير الطبري: (16 / 488-489).\r(2) في \"ب\": بلاد.\r(3) انظر: الطبري: 16 / 493-494.","part":4,"page":326},{"id":1571,"text":"وقال قوم: هو خراب 192/أ الأرض، معناه: أَو لَمْ يروا أنا نأتي الأرض فنخربها، ونُهلك أهلَها، أفلا يخافون أن نفعل بهم ذلك (1) ؟\rوقال مجاهد: هو خراب الأرض وقبض أهلها (2) .\rوعن عكرمة قال: قبض الناس. وعن الشعبي مثله.\rوقال عطاء وجماعة: نقصانها موت العلماء، وذهاب الفقهاء (3) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"إنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْقِ عالماً اتَّخذ الناس رُؤساءَ جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضَلُّوا وأضَلُّوا\" (4) .\rوقال الحسن: قال عبد الله بن مسعود: موتُ العالم ثلمةٌ في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار (5) .\rوقال ابن مسعود رضي الله عنه: عليكم بالعلم قبل أن يُقبض وقَبضُه ذهابُ أهله (6) .\rوقال علي رضي الله عنه: إنما مثل الفقهاء كمثل الأكف إذا قطعت كفّ لم تَعُدْ.\rوقال سليمان: لا يزال الناس بخير ما بقي الأول حتى يتعلم الآخِرُ، فإذا هلك الأولُ قبل أن يتعلّم الآخر هَلكَ الناس.\rوقيل لسعيد بن جبير: ما علامة هلاك الناس؟ قال: هلاك عُلمائهم (7) .\r__________\r(1) الطبري: 16 / 494.\r(2) انظر: الطبري 16 / 495.\r(3) تفسير الطبري: 16 / 497، الدر المنثور: 4 / 665-666، وأخرج الحاكم في المستدرك: 2 / 350 عن ابن عباس في معنى الآية قال: ذهاب علمائها وفقهائها وخيار أهلها.\r(4) أخرجه البخاري في العلم، باب كيف يقبض العلم: 1 / 194، ومسلم في العلم، باب رفع العلم وقبضه، برقم (2673): 4 / 2058، والمصنف في شرح السنة: 1 / 4.\r(5) أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم ص (240) عن الحسن.\r(6) أخرجه عبد الرزاق في المصنف: 10 / 252، والطبراني في الكبير: 9 / 189، والدارمي في مقدمة السنن: 1 / 54، والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه: 1 / 43، والبيهقي في المدخل إلى السنن ص (272) وقال: هذا مرسل، وروي موصولا من طريق الشاميين. وانظر تعليق الدكتور محمد الأعظمي في الموضع نفسه.\r(7) قال الطبري في التفسير: (16 / 497-498) \"وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب قولُ مَنْ قال: \"أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها\"، بظهور المسلمين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عليها وقهرهم أهلها، أفلا يعتبرون بذلك، فيخافون ظهورهم على أرضهم وقهرهم إياهم؟ وذلك أن الله توعَّد الذين سألوا رسوله الآيات من مشركي قومه بقوله: \"وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب\"، ثم وبَّخَهم تعالى ذكره بسوء اعتبارهم بما يعاينون من فعل الله بضربائهم من الكفار، وهم مع ذلك يسألون الآيات، فقال: \"أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها\" بقهر أهلها، والغلبة عليها من أطرافها وجوانبها، وهم لا يعتبرون بما يرون من ذلك\".","part":4,"page":327},{"id":1572,"text":"{ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ } لا رادَّ لقضائه، ولا ناقض لحكمه، { وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } .\r{ وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (42) } .","part":4,"page":328},{"id":1573,"text":"{ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43) } .\r{ وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } يعني: من قبل مشركي مكة، والمكر: إيصالُ المكروه إلى الإنسان من حيث لا يشعر.\r{ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا } أي: عند الله جزاء مكرهم وقيل: إن الله خالق مكرهم جميعا، بيده الخيرُ والشرُ، وإليه النفع والضر، فلا يضر مَكْرُ أحدٍ أحدا إلا بإذنه.\r{ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ } قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو \" الكافر \" على التوحيد، وقرأ الآخرون: { الْكُفَّارُ } على الجمع. { لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ } أي: عاقبة الدار الآخرة حين يدخلون النار، ويدخل المؤمنون الجنة.\r{ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } إني رسوله إليكم { وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ } يريد: مؤمني أهل الكتاب يشهدون أيضاً على ذلك.\rقال قتادة: هو عبد الله بن سلام (1) .\rوأنكر الشعبي هذا وقال: السورة مكية، وعبد الله بن سلام أسلم بالمدينة.\rوقال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير { وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ } أهو عبد الله بن سلام؟ فقال: وكيف يكون عبد الله بن سلام وهذه السورة مكية (2) ؟\rوقال الحسن ومجاهد: { وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ } هو الله عز وجل (3) يدل عليه: قراءة عبد الله بن عباس، { وَمِنْ عندِه } بكسر الميم والدال، أي: من عند الله عز وجل، وقرأ الحسن\r__________\r(1) أخرجه الطبري عن قتادة: 16 / 503، وحكاه أيضا عن عبد الله بن سلام نفسه، ومجاهد.\r(2) أخرجه الطبري: 16 / 505، 506.\r(3) انظر: الطبري: 16 / 504، 506.","part":4,"page":328},{"id":1574,"text":"وسعيد بن جبير: { وَمِنْ عِندِه } بكسر الميم والدال { عُلِم الْكِتَابِ } على الفعل المجهول (1) دليل هذه القراءة قوله تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا}(الكهف -65) وقوله: {الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآَنَ}(الرحمن -1، 2). سورة إبراهيم\rمكية [وهي إحدى وخمسون] (2) آية إلا آيتين من قوله تعالى: \"ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا\" إلى قوله: \"فإن مصيركم إلى النار\" (3) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) } .\r{ الر كِتَابٌ } أي: هذا كتاب { أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ } يا محمد يعني: القرآن، { لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } أي: لتدعوهم من ظلمات الضلالة إلى نور الإيمان (4) . { بِإِذْنِ رَبِّهِمْ } [بأمر ربهم] (5) .\rوقيل: بعلم ربهم (6) .\r__________\r(1) قال الطبري: وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر بتصحيح هذه القراءة وهذا التأويل، غير أن في إسناده نظرا. ثم ساق حديثا منقطع الإسناد. انظر: تفسير الطبري 16 / 506. وقال الهيثمي فيه: \"رواه أبو يعلى، وفيه سليمان بن أرقم وهو متروك\" انظر: مجمع الزوائد: 7 / 155.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) أخرج النحاس في تاريخه عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: سورة إبراهيم عليه السلام نزلت بمكة سوى آيتين، وهما: \"ألم تر إلى الذين...\" نزلتا في قتلى بدر من المشركين. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وعن الزبير: نزلت سورة إبراهيم عليه السلام بمكة. قال ابن الجوزي: وهي مكية من غير خلاف علمناه بينهم إلا ما روي عن ابن عباس وقتادة.. انظر: الدر المنثور: 5 / 3، المحرر الوجيز: 8 / 192، البحر المحيط: 5 / 403، زاد المسير: 4 / 343.\r(4) انظر: الطبري: 16 / 511-512.\r(5) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(6) قال أبو جعفر الطبري في التفسير: (16 / 512): \"وأضاف تعالى ذكره إخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم لهم بذلك إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو الهادي خلقه، والموفق مَنْ أحب منهم للإيمان، إذ كان منه دعاؤهم إليه، وتعريفهم ما لهم فيه وعليهم. فبيّن بذلك صحة قول أهل الإثبات الذين أضافوا أفعال العباد إليهم كسبا، وإلى الله جل ثناؤه إنشاء وتدبيرا، وفساد قول أهل القدر الذين أنكروا أن يكون لله في ذلك صنع\".","part":4,"page":329},{"id":1575,"text":"{ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } أي: إلى دينه، و\"العزيز\"، هو الغالب، و\"الحميد\": هو المستحق للحمد.\r{ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (2) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (3) } .\r{ اللَّهِ الَّذِي } قرأ أبو جعفر، وابن عامر: \" اللهُ \" بالرفع على الاستئناف، وخبره فيما بعده. وقرأ الآخرون بالخفض نعتًا للعزيز الحميد (1) . وكان يعقوب إذا وصل خفض.\rوقال أبو عمرو: الخفض على التقديم والتأخير، مجازه: إلى صراط الله العزيز الحميد (2) { الَّذِي لَهُ ما فٍي السموات وَمَا فِي الأرضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } (3) .\r{ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ } يختارون، { الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } أي:\r__________\r(1) انظر: الطبري: 16 / 512-513.\r(2) قال الطبري: (16 / 513-514): \"وقد اختلف أهل العربية في تأويله إذا قرئ كذلك: فذكر عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقرؤه بالخفض، ويقول: معناه: بإذن ربهم إلى صراط (الله) العزيز الحميد الذي له ما في السموات. ويقول: هو من المؤخر الذي معناه التقديم، ويمثله بقول القائل: \"مررت بالظريف عبد الله\"، والكلام الذي يوضع مكان الاسم النعت، ثم يجعل الاسم مكان النعت، فيتبع إعرابه إعراب النعت الذي وضع موضع الاسم، كما قال بعض الشعراء: لو كنت ذا نبل وذا شزيب ... ما خفت شدات الخبيث الذيب\rوأما الكسائي؛ فإنه كان يقول فيما ذكر عنه؛ من خفض أراد أن يجعله كلاما واحدا، وأتبع الخفض الخفض، وبالخفض كان يقرأ\" ثم قال: \"والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان مشهورتان؛ قد قرأ بكل واحدة منهما أئمة من القراء، معناهما واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وقد يجوز أن يكون الذي قرأ بالرفع أراد معنى من خفض في إتباع الكلام بعضه بعضا، ولكنه رفع لانفصاله من الآية التي قبله، كما قال جل ثناؤه: \"إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم\" إلى آخر الآية ثم قال: \"التائبون العابدون\" (سورة التوبة: 111-112).\r(3) قال الطبري: (16 / 514): ومعنى قوله: \"الله الذي له ما في السموات وما في الأرض\"، الله الذي يملك جميع ما في السموات وما في الأرض. يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: أنزلنا إليك هذا الكتاب لتدعو عبادي إلى عبادة من هذه صفته، ويدعوا عبادة من لا يملك لهم ولا لنفسه ضرا ولا نفعا من الآلهة والأوثان. ثم توعد جل ثناؤه من كفر به، ولم يستجب لدعاء رسوله إلى ما دعاه إليه من إخلاص التوحيد له، فقال: \"وويل للكافرين من عذاب شديد\"، يقول: الوادي الذي يسيل من صديد أهل جهنم، لمن جحد وحدانيته، وعبد معه غيره، من عذاب الله الشديد\".","part":4,"page":334},{"id":1576,"text":"يمنعون الناس عن قبول دين الله، { وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } أي: يطلبونها زيغا وميلا يريد: يطلبون سبيل الله جائرين عن القصد.\rوقيل: الهاء راجعة إلى الدنيا، معناه: يطلبون الدنيا على طريق الميل عن الحق، أي: لجهة الحرام. { أُولَئِكَ فِي ضَلال بَعِيدٍ } (1) .\r{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5) } .\rقوله تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } بلغتهم ليفهموا عنه. فإن قيل: كيف هذا وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى كافة الخلق؟\rقيل: بُعِث من العرب بلسانهم، والناس تَبَعٌ لهم، ثم بثَّ الرسل إلى الأطراف يدعونهم إلى الله عز وجل ويترجمون لهم بألسنتهم (2) .\r{ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } .\r{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } أي: من الكفر إلى الإيمان بالدعوة، { وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ } قال ابن عباس وأبي بن كعب ومجاهد وقتادة: بنعم الله (3)\r__________\r(1) يعني: هؤلاء الكافرين الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، هم في ذهاب عن الحق بعيد، وأخذ على غير هدى، وجور عن قصد السبيل. انظر: تفسير الطبري: 16 / 515.\r(2) أورد محمد بن أبي بكر الأرزي هذا السؤال مطولا، وأجاب عنه من وجوه: الأول: إن نزول القرآن على النبي عليه الصلاة والسلام بلسان واحد كاف، لأن الترجمة لأهل بقية الألسن تغني عن نزوله لجميع الألسن، ويكفي التطويل، كما جرى في القرآن العزيز. الثاني: أن نزوله بلسان واحد أبعد عن التحريف والتبديل، وأسلم من التنازع والخلاف. الثالث: أنه لو نزل بألسنة الناس وكان معجزا في كل واحد منها، وكلم الرسول العربي كل أمة بلسانها كما كلم أمته التي هو منها لكان ذلك أمرا قريبا من القسر والإلجاء، بل على التمكين من الاختيار، فلما كان نزوله بلسان واحد كافيا كان أولى الألسنة قوم الرسول، لأنهم أقرب إليه وأفهم عنه. انظر: مسائل الرازي وأجوبتها من غرائب آي التنزيل، لمحمد بن عبد القادر الرازي الحنفي ص (157-158).\r(3) انظر: تفسير الطبري: 16 / 520-523، الدر المنثور: 5 / 6.","part":4,"page":335},{"id":1577,"text":"وقال مقاتل: بوقائع الله في الأمم السالفة. يقال: فلان عالم بأيام العرب، أي بوقائعهم، وإنما أراد بما كان في أيام الله من النعمة والمحنة، فاجتزأ بذكر الأيام عنها لأنها كانت معلومة عندهم (1) .\r{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } و\"الصبار\": الكثير الصبر، و\"الشكور\": الكثير الشكر، وأراد: لكل مؤمن، لأن الصبر والشكر من خصال المؤمنين.\r__________\r(1) ورد الطبري هذا القول والشاهد الذي استشهدوا به على ذلك، وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: (8 / 203): \"ولفظة الأيام\" تعم المعنيين، لأن التذكير يقع بالوجهين جميعا\".","part":4,"page":336},{"id":1578,"text":"{ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (6) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7) } .\r{ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ } (1) قال الفراء: العلة الجالبة لهذه الواو أن الله تعالى أخبرهم أن آل فرعون كانوا يعذبونهم بأنواع من العذاب غير التذبيح، وبالتذبيح، وحيث طرح الواو في \"يذبِّحون\" و\"يقتِّلون\" أراد تفسير العذاب الذي كانوا يسومونهم (2) { وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ } يتركوهن أحياء { وَفِي ذَلِكُمْ بَلاء مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ } (3) .\r{ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ } أي: أعلم، يقال: أذَّن وتأذَّن بمعنى واحد، مثل أَوْعَدَ وتَوَعَّدَ،\r__________\r(1) أخرج الطبري عن ابن عيينة في تفسيرها، قال: أيادي الله عندكم وأيامه.\r(2) وزاد الطبري ذلك بيانا فقال في التفسير: (16 / 524): \"وأدخلت الواو في هذا الموضع؛ لأنه أريد بقوله: \"ويذبحون أبناءكم\" الخبر عن أن آل فرعون كانوا يعذبون بني إسرائيل بأنواع من العذاب غير التذبيح وبالتذبيح. وأما في موضع آخر من القرآن، فإنه جاء بغير الواو: \"يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم\" (البقرة - 49) في موضع، وفي موضع: \"يقتلون أبناءكم\" (الأعراف - 141)، ولم تدخل الواو في المواضع التي لم تدخل فيها لأنه أريد بقوله: \"يذبحون\" وبقوله: \"يقتلون\": تبيينه صفات العذاب الذي كانوا يسومونهم. وكذلك العمل في كل جملة أريد تفصيلها، فبغير الواو تفصيلها، وإذا أريد العطف عليها بغيرها وغير تفصيلها فبالواو\". وراجع ما كتبه -بتفصيل أوسع- أبو جعفر بن إبراهيم بن الزبير الغرناطي في كتابه \"ملاك التأويل\" تحقيق د. محمود كامل أحمد: 1 / 53-57.\r(3) يقول تعالى: فيما يصنع بكم آل فرعون من أنواع العذاب، بلاء لكم من ربكم عظيم، أي: ابتلاء واختبار لكم، من ربكم عظيم. وقد يكون \"البلاء في هذا الموضع نعماء، وقد يكون من البلاء الذي يصيب الناس من الشدائد\". انظر: تفسير الطبري: 16 / 525.","part":4,"page":336},{"id":1579,"text":"{ لَئِنْ شَكَرْتُمْ } نعمتي فآمنتم وأطعتم { لأزِيدَنَّكُمْ } في النعمة.\rوقيل: الشكر: قيد الموجود، وصيد المفقود.\rوقيل: لئن شكرتم بالطاعة لأزيدنكم في الثواب.\r{ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ } نعمتي فجحدتموها ولم تشكروها، { إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ } (1) .\r{ وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (8) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9) } .\r{ وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ } أي: غنيٌّ عن خلقه، حميدٌ: محمود في أفعاله، لأنه فيها متفضِّل وعادل.\r{ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ } خبر الذين، { مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلا اللَّهُ } يعني: مَنْ كان بعد قوم نوح وعاد 192/ب وثمود.\rورُوي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية ثم قال: كذب النسَّابُون (2) .\rوعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: بين إبراهيم وبين عدنان ثلاثون قرنا لا يعلمهم إلا الله تعالى (3) .\rوكان مالك بن أنس يكره أن ينسِبَ الإنسان نفسه أبًا إلى آدم، وكذلك في حق النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا يعلم أولئك الآباءَ أحدٌ إلا الله عز وجل.\r__________\r(1) قال الطبري: (16 / 528): وقوله: \"ولئن كفرتم...\" يقول: ولئن كفرتم، أيها القوم، نعمة الله، فجحدتموها بترك شكره عليها وخلافه في أمره ونهيه، وركوبكم معاصيه = \"إن عذابي لشديد\"، أعذبكم كما أعذب مَنْ كفر بي من خلقي.\r(2) أخرجه الطبري: 16 / 529 و 530، وزاد السيوطي نسبته لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. انظر: الدر المنثور: 5 / 9.\r(3) وروي عن ابن عباس أنه قال: \"كان بين زمن موسى وبين زمن نوح قرون ثلاثون لا يعلمهم إلا الله\". وحكى عنه المهدوي أنه قال: \"كان بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون\"، وقال ابن عطية بعد أن ساق هاتين الروايتين في المحرر الوجيز: 8 / 206: \"وهذا الوقوف على عدتهم بعيد، ونفي العلم بها جملة أصح، وهو لفظ القرآن\". ونقل ابن الجوزي في زاد المسير: (2 / 348) عن ابن الأنباري، في تفسير الآية، قال: أي: لا يحصي عددهم إلا هو، على أن الله تعالى أهلك أمما من العرب وغيرها، فانقطعت أخبارهم، وعفت آثارهم، فليس يعلمهم أحد إلا الله. وانظر: تفسير القرطبي: 9 / 344، 345.","part":4,"page":337},{"id":1580,"text":"{ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } بالدلالات الواضحات، { فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ } قال ابن مسعود: عضوا على أيديهم غيظا (1) كما قال {عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ}(آل عمران -119).\rقال ابن عباس: لما سمعوا كتاب الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم (2) .\rقال مجاهد وقتادة: كذبوا الرسل وردوا ما جاؤوا به (3) يقال: رددت قول فلان في فيه أي كذبته.\rوقال الكلبي: يعني أن الأمم ردُّوا أيديهم في أفواه أنفسهم، أي: وضعوا الأيدي على الأفواه إشارة إلى الرسل أنِ اسكتوا .\rوقال مقاتل: فردوا أيديهم على أفواه الرسل يسكتونهم بذلك (4) .\rوقيل: الأيدي بمعنى النِّعم. معناه: ردوا ما لو قبلوا كانت أيادي ونعمًا في أفواههم، أي: بأفواههم، يعني بألسنتهم.\r{ وَقَالُوا } يعني الأمم للرسل، { إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ } موجب للريبة موقع للتهمة.\r{ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (10) } .\r{ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ } هذا استفهام بمعنى نفي ما اعتقدوه، { فَاطِرِ السمواتِ وَالأرْضِ } خالقهما (5) { يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ } أي: ذنوبكم و \"من\" صلة،\r__________\r(1) أخرجه عبد الرزاق، والفريابي، وأبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وصححه الحاكم في المستدرك، قال الهيثمي: \"رواه الطبراني عن شيخه عبد الله بن محمد وهو ضعيف\" انظر: الدر المنثور: 5 / 10، زاد المسير: 4 / 348، مجمع الزوائد: 7 / 43.\r(2) انظر: زاد المسير: 4 / 349، البحر المحيط: 5 / 408.\r(3) انظر: الدر المنثور: 5 / 10، وقد عزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة، ولأبي عبيد وابن المنذر عن مجاهد.\r(4) انظر: البحر المحيط: 5 / 408. وقال الطبري في التفسير: (16 / 535): \"وأشبه هذه الأقوال عندي بالصواب في تأويل هذه الآية: القول الذي ذكرناه عن عبد الله بن مسعود: أنهم ردوا أيديهم في أفواههم، فعضوا عليها، غيظا على الرسل، كما وصف الله جل وعز به إخوانهم من المنافقين، فقال: (وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ) (سورة آل عمران - 119)، فهذا هو الكلام المعروف، والمعنى المفهوم من \"رد اليد إلى الفم\".\r(5) في \"ب\": خالق السموات والأرض.","part":4,"page":338},{"id":1581,"text":"{ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } إلى حين استيفاء آجالكم فلا يعاجلكم بالعذاب.\r{ قَالُوا } للرسل: { إِنْ أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا } في الصورة، ولستم ملائكة وإنما { تُرِيدُونَ } بقولكم، { أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ } حجة بينة على صحة دعواكم.","part":4,"page":339},{"id":1582,"text":"{ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) وَمَا لَنَا أَلا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14) } .\r{ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } بالنبوة والحكمة، { وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ } (1) .\r{ وَمَا لَنَا أَلا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ } وقد عرفنا أن لا نَنَالَ شيئا إلا بقضائه وقدره، { وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا } بيَّنَ لنا الرشد، وبصَّرنَا طريق النجاة. { وَلَنَصْبِرَنَّ } اللام لام القسم، مجازه: والله لنصبرَن، { عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ } .\r{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا } يَعْنُون: إلا أن ترجعوا، أو حتى ترجعوا إلى ديننا (2) .\r{ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ } .\r{ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ } أي: من بعد هلاكهم.\r__________\r(1) أي: وما كان لنا أن نأتيكم بحجة وبرهان على ما ندعوكم إليه \"إلا بإذن الله\"، يقول: إلا بأمر الله لنا بذلك \"وعلى الله فليتوكل المؤمنون\" يقول: وبالله فليثق به مَنْ آمن به وأطاعه، فإنا به نثق، وعليه نتوكل. انظر: تفسير الطبري: 16 / 538.\r(2) قال الرازي: فإن قيل: كيف قالوا لرسلهم \"أو لتعودن...\" والرسل لم يكونوا على ملة الكفار قط... فالجواب من وجوه: الأول: أن العَوْد في كلام العرب يستعمل كثيرا بمعنى الصيرورة، يقولون: عاد فلان يكلمني، وعاد لفلان مال، وأشباه ذلك. ومنه قوله تعالى: \"حتى عاد كالعرجون القديم\". الثاني: أنهم خاطبوا الرسل بذلك بناء على زعمهم الفاسد واعتقادهم أن الرسل كانوا أولا على ملل قومهم، ثم انتقلوا عنها. الثالث: أنهم خاطبوا كل رسول ومَنْ آمن به، فغلبوا في الخطاب الجماعة على الواحد. انظر: مسائل الرازي وأجوبتها من غرائب آي التنزيل ص ( 159).","part":4,"page":339},{"id":1583,"text":"{ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي } أي: قيامه بين يدي كما قال: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}(الرحمن -46)، فأضاف قيام العَبدِ إلى نفسه، كما تقول: نَدِمتُ على ضربك، أي: على ضربي إياك، { وَخَافَ وَعِيدِ } أي عقابي.\r{ وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16) } .\rقوله عز وجل: { وَاسْتَفْتَحُوا } أي: استنصروا. قال ابن عباس ومقاتل: يعني الأمم، وذلك أنهم قالوا: اللهم إن كان هؤلاء الرسل صادقين فعذِّبْنا، نظيره قوله تعالى: {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ }(الأنفال -32).\rوقال مجاهد وقتادة: واستفتحوا يعني الرسل، وذلك أنهم لما يئسوا من إيمان قومهم استنصروا الله ودعوا على قومهم بالعذاب كما قال نوح عليه السلام، {رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا}(نوح -26) وقال موسى عليه السلام: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهَمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ}(يونس -88). ، الآية\r{ وَخَابَ } خسر. وقيل: هلك، { كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } والجبَّار: الذي لا يرى فوقه أحدا. والجبرية: طلب العلو بما لا غاية وراءه (1) . وهذا الوصف لا يكون إلا لله عز وجل.\rوقيل: الجبَّار: الذي يجبر الخلق على مرادهِ، والعنيد: المعاند للحق ومجانبه. قاله مجاهد.\rوعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: هو المُعْرض عن الحق.\rوقال مقاتل: هو المتكبر.\rوقال قتادة: \"العنيدُ\" الذي أبى أن يقول لا إله إلا الله (2) .\r{ مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ } أي: أمامه، كقوله تعالى {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ}(الكهف -76) أي: أمامهم (3) .\r__________\r(1) ومن \"الجبار\"، تقول: هو جبار بين الجَبَرية، والجَبْرِيَّة والجَبَرُوُّة، والجَبَروت. انظر: تفسير الطبري: 16 / 543.\r(2) انظر في هذه الأقوال: الدر المنثور: 5 / 14-15، والطبري: 16 / 543-545.\r(3) وكان بعض نحويي أهل البصرة يقول: إنما يعني بقوله: \"من ورائه\" أي من أمامه، لأنه وراء ما هو فيه، كما يقول لك: \"وكل هذا من ورائك\"، أي سيأتي عليك، وهو من وراء ما أنت فيه، لأن ما أنت فيه قد كان قبل ذلك وهو من ورائه. وكان بعض نحويي أهل الكوفة يقول: أكثر ما يجوز هذا في الأوقات، لأن الوقت يمر عليك، فيصير خلفك إذا جزته... انظر: تفسير الطبري: 16 / 547.","part":4,"page":340},{"id":1584,"text":"قال أبو عبيدة: هو من الأضداد (1) .\rوقال الأخفش: هو كما يقال هذا الأمر من ورائك يريد أنه سيأتيك، وأنا من وراء فلان يعني أصل إليه (2) .\rوقال مقاتل: \"من ورائه جهنم\" أي: بعده (3) .\r{ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ } أي: من ماءٍ هو صديد، وهو ما يسيل من أبدان الكفار من القَيْح والدم (4) .\rوقال محمد بن كعب: ما يسيل من فُروج الزُّناةِ، يُسْقَاه الكافر (5) .\r{ يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17) } .\r{ يَتَجَرَّعُهُ } أي: يتحسَّاهُ ويشربه، لا بمرةٍ واحدة، بل جرعةً جرعةً، لمرارتِه وحرارته، { ولا يَكَادُ يُسِيغُهُ } و\"يكاد\": صلة، أي: لا يسيغه، كقوله تعالى: {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا}(النور -40) أي: لم يَرَهَا.\rقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: لا يجيزه.\rوقيل: معناه يكاد لا يسيغه، ويسيغه فيغلي في جوفه.\r__________\r(1) انظر: الطبري: 16 / 547، وقال الزجاج: الوراء يكون بمعنى بمعنى الخلف والقدام... وليس من الأضداد. انظر: زاد المسير: 4 / 352.\r(2) انظر التعليق السابق.\r(3) قال ابن الأنباري: \"من ورائه\" أي: من بعد يأسه، فدل \"خاب\" على اليأس، فكنى عنه، وحملت \"وراء\" على معنى \"بعد\"، كما قال النابغة:\rحلفت فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مذهب\rأراد: ليس بعد الله مذهب. انظر: زاد المسير: 4 / 352.\r(4) انظر: الطبري 16 / 548، الدر المنثور: 5 / 15 وعزاه فيه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة، ولابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في \"البعث والنشور\" عن مجاهد. وانظر: زاد المسير: 4 / 352-353.\r(5) في زاد المسير: (4 / 353) عن محمد بن كعب: هو غُسالة أهل النار، وذلك ما يسيل من فروج الزناة. وقال ابن قتيبة: المعنى: يسقي الصديد مكان الماء، كأنه قال: يجعل ماؤه صديدا، ويجوز أن يكون على التشبيه، أي: يسقى ماءً كأنه صديد. انظر: القرطين أو كتابي مشكل القرآن وغريب القرآن لابن قتيبة، جمع بينهما: ابن مطرف الكناني: 1 / 236.","part":4,"page":341},{"id":1585,"text":"أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا محمد بن أحمد بن الحارث، أنبأنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الله بن بسر عن أبي أمامة -رضي الله عنه-عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: \"ويسقى من ماء صديد يتجرعه\"، قال: يقرب إلى فيه فيتكرهه، فإذا أُدني منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطَّع أمعاءه، حتى يخرج من دُبُره، يقول الله عز وجل: {وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ}(محمد -15)، ويقول: {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ} (1) (الكهف -29).\rوقوله عز وجل: { وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ } يعني: يجد هَمَّ الموت وألمه من كل مكان من أعضائه.\rقال إبراهيم التيمي: حتى من تحت كل شعرة من جسده.\rوقيل: يأتيه الموت من قدامه ومن خلفه، ومن فوقه ومن تحته، وعن يمينه وعن شماله.\r{ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ } فيستريح، قال ابن جريج: تعلق نفسه عند حنجرته فلا تخرج من فيه فيموت، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه فتنفعه الحياة. نظيرها {ثم لا يموت فيها ولا يحيا}(الأعلى -13).\r{ وَمِنْ وَرَائِهِ } أمامه، { عَذَابٌ غَلِيظٌ } شديد، وقيل: العذاب الغليظ الخلود في النار.\r{ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (18) } .\r{ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ } يعني: أعمال الذين كفروا بربهم -كقوله تعالى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ}(الزمر -60)-أي: ترى وجوه الذين كذبوا على الله مسودة، { كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ } وصف اليومَ بالعصوف، والعصُوف من صفة الريح لأن الريح تكون فيها، كما يقال: يوم حار ويوم بارد، لأن الحر والبرد فيه.\rوقيل: معناه: في يوم عاصف الريح، فحذف الريح لأنها قد ذكرت من قبل. وهذا مَثَلٌ ضربه\r__________\r(1) أخرجه الطبري في التفسير: 16 / 549-550، والترمذي في أبواب صفة جهنم، باب ما جاء في صفة شراب أهل النار: 7 / 303-304، وقال: \"هذا حديث غريب، هكذا قال محمد بن إسماعيل عن عبيد الله بن بسر، ولا يعرف عبيد الله بن بسر إلا في هذا الحديث\". وأخرجه الحاكم في المستدرك: 2 / 351 وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين\" ووافقه الذهبي، وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 5 / 265، والمصنف في شرح السنة: 15 / 243-244. وضعفه الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح: 3 / 1581.","part":4,"page":342},{"id":1586,"text":"الله لأعمال الكفار، يريد: أنهم لا ينتفعون بأعمالهم التي عملوها في الدنيا لأنهم أشركوا فيها غير الله كالرماد الذي ذَرَتْه الريح لا ينتفع به، فذلك قوله تعالى:\r{ لا يَقْدِرُونَ } يعني: الكفار { مِمَّا كَسَبُوا } في الدنيا، { عَلَى شَيْءٍ } في الآخرة، 193/أ { ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ } .","part":4,"page":343},{"id":1587,"text":"{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (20) وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (21) } .\r{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السموات وَالأرْضَ } قرأ حمزة والكسائي \"خالقُ السمواتِ والأرضَ\" وفي سورة النور \"خالق كل دابة\" مضافا.\rوقرأ الآخرون \" خلق \" على الماضي \" والأرض \" وكلٍّ بالنصب.\rو \" بالحق \" أي: لم يخلقهما باطلا وإنما خلقهما لأمرٍ عظيم، { إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } سواكم أَطْوَعَ لله منكم.\r{ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ } منيع شديد، يعني أن الأشياء تسهل في القدرة، لا يصعب على الله تعالى شيء وإن جلّ وعَظُم.\rقوله عز وجل: { وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا } [أي: خرجوا من قبورهم إلى الله وظهروا جميعا] (1) { فَقَالَ الضُّعَفَاءُ } يعني: الأتباع، { لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا } أي: تكبَّروا على الناس وهم القادة والرؤساء: { إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا } جمع تابع، مثل: حَرَس وحارس، { فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ } دافعون، { عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ } .\r{ قَالُوا } يعني القادة المتبوعين: { لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ } أي: لو هدانا الله لدعوناكم إلى الهدى، فلما أضلَّنا دعوناكم إلى الضلالة (2) ، { سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ } مهربٍ ولا منجاةٍ.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) في \"أ\": الضلال.","part":4,"page":343},{"id":1588,"text":"قال مقاتل: يقولون في النار: تعالوا نجزع، فيجزعون خمسمائة عام، فلا ينفعهم الجزع، ثم يقولون: تعالوا نصبر، فيصبرون خمسمائة عام فلا ينفعهم، فحينئذ يقولون: { سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ } (1) .\rقال محمد بن كعب القرظي (2) بلغني أن أهل النار استغاثوا بالخزنة. فقال الله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ}(غافر -49)، فردت الخزنة عليهم: \"أو لم تَكُ تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى\"، فردت الخزنة عليهم: {ادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ}(غافر -50) فلما يئسوا مما عند الخزنة نادوا: {يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ}(الزخرف -77) سألوا الموت، فلا يجيبهم ثمانين سنة والسنة ستون وثلاثمائة يوما، واليوم كألف سنة مما تعدون، ثم لحظ إليهم بعد الثمانين إنكم ماكثون، فلما يئسوا مما قَبْله قال بعضهم لبعض: إنه قد نزل بكم من البلاء ما ترون فهلموا فلنصبر، فلعل الصبر ينفعنا كما صبرَ أهل الدنيا على طاعة الله فنفعهم، فأجمعوا على الصبر، فطال صبرهم ثم جزعوا فنادوا: \"سواءٌ علينا أجَزِعْنا أم صبرنا ما لنا من مَحيص\"، أي: من منجى.\rقال: فقام إبليس عند ذلك فخطبهم، فقال: \"إن الله وعدكم وعد الحق\" الآية، فلما سمعوا مقالته مقتوا أنفسهم فنودُوا: {لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمَانِ فَتَكْفُرُونَ}(غافر -10) قالوا فنادوا الثانية: \"فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون\"، فردّ عليهم: {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} الآيات(السجدة -12، 13) فنادوا الثالثة: {رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ}(إبراهيم 44)، فردّ عليهم: {أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} الآيات(إبراهيم -44)، ثم نادوا الرابعة: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} فرد عليهم: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ}، الآية(فاطر -37) قال: فمكث عليهم ما شاء الله، ثم ناداهم: \"ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون\"، فلما سمعُوا ذلك قالوا: الآن يرحمنا، فقالوا عند ذلك: \"ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قومًا ضالين، ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون\"، قال عند ذلك: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ}(المؤمنون 105-108) فانقطع عند ذلك الرجاء والدعاء عنهم، فأقبل بعضهم على بعض ينبح بعضهم في وجوه بعض، وأطبقت عليهم النار.\r__________\r(1) رواه الطبراني عن كعب بن مالك مرفوعا، وأخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه وفيه أنس بن القاسم. قال ابن أبي حاتم: هو مجهول. انظر: مجمع الزوائد: 7 / 43، الدر المنثور: 5 / 17، الجرح والتعديل: 2 / 288.\r(2) انظر: الدر المنثور: 5 / 18، تفسير الطبري: 16 / 564.","part":4,"page":344},{"id":1589,"text":"{ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22) } .\rقوله تعالى: { وَقَالَ الشَّيْطَانُ } يعني: إبليس، { لَمَّا قُضِيَ الأمْرُ } أي: فرغ منه فأدخل أهل الجنةَ الجنة وأهلِ النار النار.\rوقال مقاتل: يوضع له منبر في النار، فيرقاه فيجتمع عليه الكفار باللائمة فيقول لهم:\r{ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ } فوفى لكم به، { وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ } وقيل: يقول لهم: قلت لكم لا بعث ولا جنة ولا نار. { وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ } ولاية. وقيل: لم آتكم بحجة فيما دعوتكم إليه، { إلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ } هذا استثناء منقطع معناه: لكن { دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ } بإجابتي ومتابعتي من غير سلطان ولا برهان، { مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ } بمُغِيثكم، { وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ } بمغيثيَّ.\rقرأ الأعمش وحمزة \" بمصرخيِّ \" بكسر الياء، والآخرون بالنصب لأجل التضعيف، ومَنْ كسر فلالتقاءِ الساكنين، حرِّكت إلى الكسر، لأن الياء أخت الكسرة، وأهل النحو لم يرضوه، وقيل: إنه لغة بني يربوع. والأصل(بمصرخيني) فذهبت النون لأجل الإضافة، وأدغمت ياء الجماعة في ياء الإضافة (1) .\r{ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ } أي: كفرت بجعلكُم إياي شريكًا في عبادته وتبرأت من ذلك.\r{ إِنَّ الظَّالِمِينَ } الكافرين، { لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .\rأخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أنبأنا محمد بن أحمد الحارث، أنبأنا محمد بن يعقوب الكسائي، أنبأنا عبد الله بن محمود، حَدَّثنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن رشدين بن سعد، أخبرني عبد الرحمن بن زياد، عن دخين الحجري، عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه-عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة ذكر الحديث ثم قال: \"يقول عيسى عليه السلام ذلكم النبيُّ الأمي، فيأتوني فيأذن الله لي أن أقوم فيثور من مجلسي من أطيب ريح شمَّها أحدٌ، حتى\r__________\r(1) انظر: البحر المحيط: 5 / 419، زاد المسير: 4 / 357.","part":4,"page":345},{"id":1590,"text":"آتي ربي عز وجل فيشفِّعني ويجعل لي نورًا من شعر رأسي إلى ظفر قدمي، ثم يقول الكفار: قد وجد المؤمنون مَنْ يشفع لهم فمن يشفع لنا؟ فيقولون: ما هو غير إبليس، هو الذي أضلَّنا، فيأتونه فيقولون له: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فقم أنت فاشفع لنا، فإنك أنت أضللتنا. فيقوم فيثور من مجلسه أنتن ريح شمَّها أحدٌ، ثم تعظم جهنم (1) ويقول عند ذلك: { إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ } الآية (2) .\r{ وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ (23) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) } .\rقوله عز وجل: { وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ } يسلِّم بعضهم على بعض، وتسلِّم الملائكة عليهم.\rوقيل: المحيِّي بالسلام هو الله عز وجل.\r{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مثلا } ألم تعلم، والمَثَلُ: قول سائر لتشبيه شيء بشيء. { كَلِمَةً طَيِّبَةً } وهي قول: لا إله إلا الله، { كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ } وهي النخلة يريد كشجرة طيبة الثمر (3) .\r__________\r(1) في \"ب\": \"يعظم لجهنم\" وكذلك في الطبري. وفي الطبعة البولاقية منه \"يعظم نحيبهم\". قال الشيخ شاكر: وهو غير ما اتفقت عليه المخطوطة، والدر المنثور، وابن كثير،... وأنا في شك من الكلمة، وظني أنا: \"يُقَطَّم لجهنم\" من قولهم: \"قطَّم الشارب\": إذا ذاق الشراب فكرهه، وزوى وجهه، وقطَّب.\r(2) أخرجه الدارمي في الرقائق، باب في الشفاعة: 2 / 327، وابن جرير الطبري في التفسير: 16 / 562-563. وعزاه السيوطي لابن المبارك في الزهد، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، وابن عساكر. وقال: \"أخرجوه بسند ضعيف\". وقال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه عبد الرحمن بن زياد، وهو ضعيف، وقال الشيخ محمود شاكر: وهذا خبر ضعيف، لا يقوم. ورشدين بن سعد المصري: ضعيف متروك، عنده معاضيل ومناكير. انظر: الدر المنثور: 5 / 18، مجمع الزوائد: 10 / 376، انظر: الدر المنثور: 5 / 18، تفسير ابن كثير: 2 / 530.\r(3) وهذا ما رجحه الطبري في التفسير: 16 / 573، لصحة الخبر في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هي؟ \"فوقع الناس في شجر البوادي. قال عبد الله: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: فقال: \"هي النخلة\". أخرجه البخاري في العلم، باب قول المحدث حدثنا وأخبرنا: 1 / 145، وفي البيوع وفي التفسير وفي مواضع أخرى، ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم، باب مثل المؤمن مثل النخلة، برقم (2811): 4 / 2164-2165، والمصنف في شرح السنة: 1 / 307.","part":4,"page":346},{"id":1591,"text":"وقال ظبيان عن ابن عباس (1) هي شجرة في الجنة (2) .\r{ أَصْلُهَا ثَابِتٌ } في الأرض، { وَفَرْعُهَا } أعلاها ، { فِي السَّمَاءِ } كذلك أصل هذه الكلمة: راسخٌ في قلب المؤمن بالمعرفة والتصديق، فإذا تكلم بها عرجت، فلا تحجب حتى تنتهي إلى الله عز وجل. قال الله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}(فاطر -10).\r__________\r(1) نقله عنه الطبري: 16 / 573، وابن الجوزي في زاد المسير: 4 / 358، وزاد قولا ثالثا فيها، وهو: أنها المؤمن، وأصله الثابت، أن يعمل في الأرض، ويبلغ عمله السماء، وهذا رواه عطية عن ابن عباس أيضا.\r(2) في \"ب\": الشام.","part":4,"page":347},{"id":1592,"text":"{ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) } .\r{ تُؤْتِي أُكُلَهَا } تعطي ثمرها، { كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا } 193/ب والحين في اللغة هو الوقت.\rوقد اختلفوا في معناه ها هنا فقال مجاهد وعكرمة: الحين ها هنا: سنة كاملة، لأن النخلة تثمر كل سنة.\rوقال سعيد بن جبير وقتادة والحسن: ستة أشهر من وقت إطلاعها إلى صرامها. ورُوي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما.\rوقيل: أربعة أشهر من حين ظهورها إلى إدراكها.\rوقال سعيد بن المسيب: شهران من حين تؤكل إلى حين الصرام.\rوقال الربيع بن أنس: \"كل حين\": أي: كل غدوة وعشية، لأن ثمر النخل يؤكل أبدا ليلا ونهارًا، صيفًا وشتاءً، إما تمرًا أو رُطَبًا أو بُسْرًا، كذلك عملُ المؤمن يصعدُ أول النهار وآخره وبَركةُ إيمانه لا تنقطع أبدًا، بل تصل إليه في كل وقت (1) .\rوالحكمةُ في تمثيل الإيمان بالشجرة: هي أن الشجرة لا تكون شجرة إلا بثلاثة أشياء: عِرق راسخ، وأصل قائم، وفرع عال، كذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء: تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأبدان.\r__________\r(1) انظر هذه الأقوال الخمسة في معنى \"الحين\" ، وقولا سادسا عن علي: أنه ثمانية أشهر، في: تفسير الطبري: 16 / 575-579، الدر المنثور: 5 / 24-25، وزاد المسير: 4 / 359، البحر المحيط: 5 / 422. قال الطبري: \"وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول مَنْ قال: عنى بالحين، في هذا الموضع؛ غدوة وعشية وكل ساعة؛ لأن الله تعالى ذكره ضرب ما تؤتي هذه الشجرة كل حين من الأكل لعمل المؤمن وكلامه مثلا، ولا شك أن المؤمن يُرفع له إلى الله في كل يوم صالح من العمل والقول، لا في كل سنة، أو في كل ستة أشهر، أو في كل شهرين، فإذا كان ذلك كذلك، فلا شك أن المَثَل لا يكون خلافا للممثَّل به في المعنى، وإذا كان ذلك كذلك كان بَيِّنًا صحة ما قلنا. فإن قال قائل: فأي نخلة تؤتي أكلها في كل وقت أكلا صيفا وشتاء؟ قيل: أما في الشتاء: فإن الطلع من أكلها، وأما في الصيف: فالبلح والبسر والرطب والتمر، وذلك كله من أكلها\".","part":4,"page":347},{"id":1593,"text":"أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أنبأنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني، أنبأنا عبد الله بن عمر الجوهري، أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني، حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر، حدثنا عبد الله بن دينار أنه سمع ابن عمر رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إنَّ من الشجر شجرةً لا يسقط ورقُها، وإنها مثل المسلم فحدِّثوني ما هي؟ قال عبد الله: فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت، ثم قالوا: حدِّثْنا ما هي يا رسول الله؟ قال: هي النخلة. قال عبد الله: فذكرت ذلك لعمر، فقال: لأنْ تكون قلتَ هي النخلة كان أحبَّ إلي من كذا وكذا\" (1) .\rوقيل: الحكمة في تشبيهها بالنخلة من بين سائر الأشجار: أن النخلة شبه (2) الأشجار بالإنسان من حيثُ إنها إذا قطع رأسها يبست، وسائر الأشجار تتشعب من جوانبها بعد قطع رؤوسها (3) ولأنها تشبه الإنسان في أنها لا تحمل إلا بالتلقيح ولأنها خلقت من فضل طينة آدم عليه السلام، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"أكرموا عمتكم\" قيل: ومَنْ عمتنا؟ قال: \"النخلة\" (4) { وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } (5) .\r{ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) } .\r{ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ } وهي الشرك، { كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ } وهي الحنظل (6) .\r__________\r(1) متفق عليه، وسبق تخريجه قبل قليل ص (346) تعليق (3).\r(2) في \"ب\": أشبه.\r(3) في \"ب\": رأسها.\r(4) حديث ضعيف أخرجه أبو نعيم في الحلية: 6 / 123، وأبو يعلى في مسنده، وابن أبي حاتم، وابن عدي في \"الكامل\": 6 / 2424، والعقيلي في \"الضعفاء\" وابن السني وابن مردويه معا في الطب، قال الهيثمي: فيه مسرور بن سعيد، وهو ضعيف. وقال العقيلي: حديثه غير محفوظ. انظر: مجمع الزوائد: 5 / 39، فيض القدير: 2 / 95، كشف الخفاء: 1 / 195، تمييز الطيب من الخبيث ص (36)، تنزيه الشريعة المرفوعة لابن عراق: 1 / 209، وانظر في الحكمة من تشبيه الإيمان بالنخلة أيضا: زاد المسير: 4 / 359-360.\r(5) أي: ويمثل الله الأمثال للناس، ويشبه لهم الأشباه ليتذكروا حجة الله عليهم، فيعتبروا بها ويتعظوا، فينزجروا عما هم عليه من الكفر به إلى الإيمان. انظر: تفسير الطبري: 16 / 567.\r(6) قال الطبري: 16 / 585: وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتصحيح قول من قال: هي الحنظلة، خبر فإن صح، فلا قول يجوز أن يقال غيره، وإلا فإنها شجرة بالصفة التي وصفها الله بها. ثم ساق حديثا للترمذي والحاكم عن أنس ضعفه الشيخ محمود شاكر. انظر: الطبري: 16 / 570-571، 585.","part":4,"page":348},{"id":1594,"text":"وقيل: هي الثوم.\rوقيل: هي الكشوث (1) وهي العَشَقَة (2) { اجْتُثَّتْ } يعني انقلَعَتَ، { مِنْ فَوْقِ الأرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ } ثبات.\rمعناه: وليس لها أصل ثابت في الأرض، ولا فرع صاعد إلى السماء، كذلك الكافر لا خير فيه، ولا يصعدُ له قول طيب ولا عمل صالح.\r{ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27) } .\rقوله تعالى: { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ } كلمة التوحيد، وهي قول: لا إله إلا الله { فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } يعني قبل الموت، { وَفِي الآخِرَةِ } يعني في القبر. هذا قول أكثر أهل التفسير.\rوقيل: \"في الحياة الدنيا\": عند السؤال في القبر، \"وفي الآخرة\": عند البعث.\rوالأول أصح (3) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، أخبرني علقمة بن مرثد قال: سمعت سعيد بن عبيدة، عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فلذلك قوله تعالى: { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ } (4) .\r__________\r(1) في \"ب\": الكشوب. وفي لسان العرب: 2 / 181: \"الكشوث، والأكشوث، والكشُوئي: كل ذلك نبات مجتث مقطوع الأصل. وقيل: لا أصل له، وهو أصغر يتعلق بأطراف الشوك وغيره. وقال الجوهري هو: نبت يتعلق بأغصان الشجر من غير أن يضرب بعرق في الأرض...\".\r(2) العَشَقَةُ: شجرة تخضر ثم تدق وتصفر، وهي عند المولدين: اللَّبْلاب، وجمعها العَشَق. انظر: لسان العرب 10 / 252.\r(3) وهو ما رجحه الطبري، حيث قال: (16 / 602): والصواب من القول في ذلك ما ثبت به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، وهو أن معناه: \"يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا\"، وذلك تثبيته إياهم في الحياة الدنيا بالإيمان بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم \"وفي الآخرة\" بمثل الذي ثبتهم به في الحياة الدنيا، وذلك في قبورهم حين يسألون عن الذي هم عليه من التوحيد والإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم.\r(4) أخرجه البخاري في التفسير، سورة إبراهيم، باب \"يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت\": 8 / 378، والمصنف في شرح السنة: 5 / 412.","part":4,"page":349},{"id":1595,"text":"وأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنبأنا عبد الغافر بن محمد، أنبأنا محمد بن عيسى الجلودي، أنبأنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أنبأنا مسلم بن الحجاج، حَدَّثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة بهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ } قال: نزلت في عذاب القبر يقال له: مَنْ ربك؟ فيقول: ربي الله، ونبيي محمد، فذلك قوله تعالى: { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ } الآية (1) .\rوأخبرنا عبد الواحد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدَّثنا عياش بن الوليد، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إنَّ العبدَ إذا وُضِع في قبره، وتولّى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فَيُقْعِدانه، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل، لمحمد صلى الله عليه وسلم؟ فأما المؤمن، فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، فيراهما جميعا\" قال قتادة: وذكر لنا أنه يُفْسَحُ له في قبره، ثم رجع إلى حديث أنس قال:\rوأما المنافق والكافر، فيقال له: ما كنتَ تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال له: لا دَرَيْتَ ولا تلَيْتَ، ويُضْرَب بمطارقَ من حديدٍ ضربةً، فيصيح صيحة يسمعها مَنْ يليه غيرَ الثَّقَلَيْن\" (2) .\rأخبرنا أبو الفرج المظفر بن إسماعيل التميمي، حدثنا أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي، أنبأنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ، حدثنا عبد الله بن سعيد، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا عنبسة بن سعيد بن كثير، حدثني جدي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إن الميت يسمع حِسَّ النِّعال إذا ولَّى عنه الناس مُدْبِرين، ثم يُجْلَسُ ويُوضَعُ كفنُه في عُنُقِه ثم يُسأل\" (3) .\rوروي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إذا قُبِر الميتُ أتاه مَلَكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر النَّكير، فيقولان: ما كنتَ تقول في هذا الرجل؟ فيقول: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبد الله ورسوله، فيقولان له: قد كنا نعلم أنك تقولُ هذا، ثم يُفْسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين، ثم ينَّور له فيه، ثم يقال: نمْ كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحبُّ أهله إليه، حتى يبعثه الله تعالى، وإن كان منافقًا أو كافرا قال:\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الجنة وصفة نعيمها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار برقم (2871): 4 / 220.\r(2) أخرجه البخاري في الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر: 3 / 232، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار، برقم (2870): 4 / 2200-2201، والمصنف في شرح السنة: 5 / 415.\r(3) أخرجه ابن حبان، في الجنائز، باب في الميت يسمع ويسأل، ص (196) من موارد الظمآن، والإمام أحمد في المسند: 2 / 347، والمصنف في شرح السنة: 5 / 413.","part":4,"page":350},{"id":1596,"text":"سمعت الناس يقولون قولا فقلت مثله، لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك فيقال للأرض التئمي عليه فتلتئم عليه، فتختلف أضلاعه، فلا يزال فيها معذَّبًا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك\" (1) .\rوروي عن البراء بن عازب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر قبض روح المؤمن وقال: \"فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه في قبره فيقولان له مَنْ ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ [فيقول: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد فينتهرانه ويقولان له الثانية: من ربك وما دينك ومن نبيك] (2) وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن فيثبته الله عز وجل، فيقول: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم فينادي منادٍ من السماء: أن صَدَق عبدي، قال: فذلك قوله تعالى: { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ } (3) . 194/أ\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أنبأنا أبو العباس عبد الله بن محمد بن هارون الطيسفوني، أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد الترابي، أنبأنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمر بن بسطام، أنبأنا أبو الحسن أحمد بن سيار القرشي، حدثنا إبراهيم بن موسى (4) الفراء أبو إسحاق حدثنا هشام بن يوسف حدثنا عبد الله بن يحيى عن هانئ مولى عثمان قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الرجل وقف عليه وقال: \"استغفروا لأخيكم واسألوا الله له التثبيت، فإنه الآن يسأل\" (5) .\rوقال عمرو بن العاص في سياق الموت وهو يبكي: فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فسنُّوا عليَّ التراب سنًا ، ثم أقيموا حول قبري قدر ما ينحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم ، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي.\rقوله تعالى: { وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ } أي: لا يهدي المشركين إلى الجواب بالصواب في القبر { وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ } من التوفيق والخذلان والتثبيت وترك التثبيت.\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الجنائز، باب ما جاء في عذاب القبر: 4 / 181-184، وقال: وهو حديث حسن غريب. وفي الباب عن علي، وزيد بن ثابت، وابن عباس والبراء بن عازب، وأبي أيوب، وأنس، وجابر، وعائشة، وأبي سعيد كلهم رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم في عذاب القبر. وأخرجه ابن حبان في الجنائز، باب الميت يسأل ويسمع، ص (197) من موارد الظمآن. وحسّنه الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح، وقال: هو على شرط مسلم: 1 / 47.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) قطعة من حديث طويل أخرجه أبو داود في السنة، باب المسألة في القبر: 7 / 139-141، والحاكم في المستدرك: 1 / 37، 39، والإمام أحمد في المسند: 4 / 295-296. وصححه الألباني في تعليقه على المشكاة 1 / 48. وأخرجه الطبري في التفسير من عدة طرق انظر: 16 / 589-595.\r(4) في \"ب\": ابن محمد.\r(5) أخرجه أبو داود في الجنائز، باب الاستغفار عند القبر للميت: 4 / 339 ، والبيهقي في السنن الكبرى: 4 / 56، وحسنه النووي في الأذكار ص (137)، وصححه الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح: 1 / 48.","part":4,"page":351},{"id":1597,"text":"{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30) } .\rقوله عز وجل: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا } الآية.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس: [في قوله تعالى] (1) { الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا } قال: هم والله كفار قريش (2) .\rوقال عمرو: هم قريش، ومحمد صلى الله عليه وسلم نعمة الله (3) .\r{ وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ } قال: البوار يوم بدر، قوله { بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ } أي: غيّروا نعمة الله عليهم في محمد صلى الله عليه وسلم حيث ابتعثه الله تعالى منهم كفرا كفروا به فأحلُّوا، أي: أنزلوا، قومهم ممن تابعهم على كفرهم دار البوار الهلاك، ثم بيَّن البوار فقال:\r{ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا } يدخلونها { وَبِئْسَ الْقَرَارُ } المستقر.\rوعن علي كرم الله وجهه: الذين بدلوا نعمة الله كفرًا: هم كفار قريش نحروا يوم بدر (4) .\rوقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هم الأفجران من قريش: بنو المغيرة، وبنو أمية، أما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين (5) .\r{ وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا } أمثالا [وليس لله تعالى ند] (6) { لِيُضِلُّوا } قرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء، وكذلك في الحج وسورة لقمان والزمر: {ليَضِلَّ } وقرأ الآخرون بضم الياء على معنى ليضلوا الناس، { عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا } عيشوا في الدنيا، { فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ }\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) أخرجه البخاري في تفسير سورة إبراهيم باب: \"ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا\": 8 / 378، بلفظ: هم كفار أهل مكة. وانظر: الدر المنثور: 5 / 41، الطبري: 13 / 222 (طبع الحلبي). وسائر الإحالات الآتية إلى تفسير الطبري ستكون -إن شاء الله تعالى- إلى هذه الطبعة، حيث كنا فيما سبق -غالبا- نعزو إلى طبعة دار المعارف بتحقيق الشيخ محمود شاكر.\r(3) عزاه السيوطي لابن جرير عن عطاء بن يسار: 5 / 42.\r(4) عزاه السيوطي لابن جرير، وابن المنذر، والحاكم في \"الكنى\"، الدر المنثور: 5 / 42.\r(5) أخرجه البخاري في \"التاريخ\" وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه. انظر: الدر المنثور: 5 / 41.\r(6) ساقط من \"ب\".","part":4,"page":352},{"id":1598,"text":"{ قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (31) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) } .","part":4,"page":353},{"id":1599,"text":"{ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) } .\r{ قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصلاةَ } قال الفراء: هو جزم على الجزاء، { وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خلالٌ } مخاللة وصداقة. [قرأ ابن كثير، وابن عمرو، ويعقوب: \"لا بيع فيه ولا خلال\" بالنصب فيهما على النفي العام. وقرأ الباقون: \"لا بيعٌ ولا خلال\" بالرفع والتنوين] (1) .\r{ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السموات وَالأرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ } { وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهَارَ } ذللها لكم، تجرُونها (2) حيث شئتم.\r{ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ } يجريان فيما يعود إلى مصالح العباد ولا يَفْتُرَان، قال ابن عباس دؤوبُهُما في طاعة الله عز وجل (3) .\r{ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ } يتعاقبان في الضياء والظلمة، والنقصان والزيادة.\r{ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } [يعني: وآتاكم من كل شيء سألتموه] (4) شيئًا، فحذف الشيء الثاني اكتفاءً بدلالة الكلام، على التبعيض.\rوقيل: هو على التكثير نحو قولك: فلان يعلم كلَّ شيء، وآتاه كل النَّاس، وأنت تعني بعضهم،\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) في \"ب\": تجروها.\r(3) الطبري: 13 / 225 (طبع الحلبي).\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":4,"page":353},{"id":1600,"text":"نظيره قوله تعالى: {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْء}(الأنعام -44).\rوقرأ الحسن \" مِنْ كلٍّ \" بالتنوين { مَا } على النفي يعني من كل ما لم تسألوه، يعني: أعطاكم أشياء ما طلبتموها ولا سألتموها (1) .\r{ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ } أي: نعم الله، { لا تُحْصُوهَا } أي: لا تطيقوا عدَّها ولا القيام بُشكرِها.\r{ إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } أي: ظالم لنفسه بالمعصية، كافرٌ بربّه عز وجل في نعمته.\rوقيل: الظلوم، الذي يشكر غير من أنعم عليه، والكافر: من يجحد مُنْعِمَه.\r{ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36) } .\rقوله عز وجل: { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ } يعني: الحرم، { آمِنًا } ذا أمن يؤمن فيه، { وَاجْنُبْنِي } أبعِدْني، { وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ } يقال: جَنَبْتُه الشيء، وأجْنَبْتُه جنبًا، وجَنَّبْتُهُ تَجْنِيْبًا واجتَنَبْتُهُ اجتنابًا بمعنى واحد.\rفإن قيل: قد كان إبراهيم عليه السلام معصومًا من عبادة الأصنام، فكيف يستقيم السؤال؟ وقد عبد كثير من بنيه الأصنام فأين الإجابة؟\rقيل: الدعاء في حقِّ إبراهيم عليه السلام لزيادة العصمة والتثبيت، وأما دعاؤه لبنيه: فأراد بنيه من صُلْبه، ولم يعبد منهم أحدٌ الصنم.\rوقيل: إن دعاءه لمن كان مؤمنًا من بنيه (2) .\r{ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ } يعني ضلَّ بهن كثير [من الناس] (3) عن طريق الهدى حتى عبدوهن، وهذا هو المقلوب، نظيره قوله تعالى: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه}(آل عمران -175)،\r__________\r(1) انظر: تفسير الطبري 13 / 226.\r(2) وقال محمد بن أبي بكر الرازي قيل: \"إنما سأل هذا السؤال في حالة خوف أذهله عن ذلك العلم -بالعصمة عن الكفر وعبادة الأصنام- لأن الأنبياء -عليهم السلام- أعلم الناس بالله، فيكونون أخوفهم منه، فيكون معذورا بسبب ذلك. وقيل: إن في حكمة الله تعالى وعلمه أن لا يبتلي نبيا من الأنبياء بالكفر، بشرط أن يكون متضرعا إلى ربه طالبا منه ذلك، فأجرى على لسانه هذا السؤال لتحقيق شرط العصمة\". انظر: مسائل الرازي وأجوبتها من غرائب آي التنزيل، ص (164).\r(3) ساقط من \"ب\".","part":4,"page":354},{"id":1601,"text":"أي: يخوفهم (1) بأوليائه.\rوقيل: نسب الإضلال إلى الأصنام لأنهن سبب فيه، كما يقول القائل: فتنتني الدنيا، نسب الفتنة إلى الدنيا لأنها سبب الفتنة (2) .\r{ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي } أي: مِنْ أهل ديني، { وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } قال السدي: معناه: ومن عصاني ثم تاب.\rوقال مقاتل بن حيان: ومن عصاني فيما دون الشرك.\rوقيل: قال ذلك قبل أن يعلمه الله أنه لا يغفر الشرك (3) .\r{ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) } .\rقوله عز وجل: { رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي } أدخل \"من\" للتبعيض، ومجاز الآية: أسكنت من ذريتي ولدًا، { بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ } وهو مكة؛ لأن مكة وادٍ بين جبلين، { عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ } سماه محرَّما لأنه يحرم عنده ما لا يحرم عند غيره.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن أيوب السختياني وكثير بن [أبي كثير بن] (4) المطلب بن أبي وداعة -يزيد أحدهما على الآخر-عن سعيد بن جبير [قال] (5) قال ابن عباس: أول ما اتَّخذ النساءُ المِنْطَقَ من قِبَلِ أمِّ إسماعيلَ، اتخذت مِنْطَقًا لتُعَفِّي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم عليه السلام، وبابنها إسماعيل، وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحدٌ وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر، وسقاءً فيه ماء، ثم قَفَلَ إبراهيم منطلقًا، فتبعتْه أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنْس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا،\r__________\r(1) في \"ب\": يخوفكم.\r(2) وانظر: مسائل الرازي وأجوبتها ص (164).\r(3) في \"ب\": أن يشرك به.\r(4) ليس في \"ب\".\r(5) ساقط من \"ب\".","part":4,"page":355},{"id":1602,"text":"وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعّنا 194/ب ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثَّنِيَّةِ حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات فرفع يديه، فقال: { رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ } حتى بلغ \"يشكرون\".\rوجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نَفِدَ ما في السِّقاء عطشتْ وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلبَّط أو قال يتلَوَّى، وانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف دِرْعِها، ثم سَعَتْ سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات.\rقال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"فلذلك سَعْيُ الناس بينهما\".\rفلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت: صه -تريد نفسها-ثم تسمعت فسمعت أيضا فقالت: قد أسمعتَ إن كان عندك غِوَاث، فإذا هي بالمَلَكِ عند موضع زمزم، فبحث بعقبه -أو قال بجناحه-حتى ظهر الماء فجعلت تَخُوضُه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعدما تغرف.\rقال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم\" أو قال: \"لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينًا مَعِينًا\".\rقال: فشربتْ وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة فإن هاهنا بيت الله، يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله.\rوكان موضع البيت مرتفعًا من الأرض كالرَّابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله فكانت كذلك، حتى مرَّت بهم رُفْقة من جُرْهُم -أو أهل بيت من جرهم-مقبلين من طريق كَداء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عائفًا، فقالوا: إنّ هذا الطائر ليدور على ماء، ولَعَهْدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جَرِيًّا أو جَرِيَّيْن فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ فقالت: نعم، ولكن لا حقَّ لكم في الماء، قالوا: نعم.\rقال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس، فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم وشبَّ الغلام وتعلم العربية منهم، وأَنْفَسَهُم وأعجبهم حين شبَّ، فلما أدرك زوَّجوه امرأةً منهم. وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعدما تزوج","part":4,"page":356},{"id":1603,"text":"إسماعيل يطالع تركته (1) ... ذكرنا تلك القصة في سورة البقرة (2) .\rقوله تعالى: { رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ } الأفئدة: جمع الفؤاد { تَهْوِي إِلَيْهِمْ } تشتاق وتحنُّ إليهم.\rقال السدي: معناه أمِلْ قلوبهم إلى هذا الموضع.\rقال مجاهد: لو قال أفئدة الناس لزاحمتكم فارس والروم والترك والهند.\rوقال سعيد بن جبير: لحجَّت اليهود والنصارى والمجوس، ولكنه قال: \"أفئدة من الناس\" وهم المسلمون.\r{ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ } ما رزقت سكان القرى ذوات الماء، { لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } .\r{ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ (38) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) } .\r{ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ } من أمورنا. وقال ابن عباس ومقاتل: من الوجد بإسماعيل وأمه حيث أسكنتهما بوادٍ غير ذي زرع. { وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ ولا فِي السَّمَاءِ } قيل: هذا صلة قول إبراهيم.\rوقال الأكثرون: يقول الله عز وجل: { وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ ولا فِي السَّمَاءِ } (3) .\r{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ } أعطاني، { إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ } قال ابن عباس: وُلد إسماعيل لإبراهيم وهو ابن تسع وتسعين سنة، ووُلد إسحاق وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة.\rوقال سعيد بن جبير: بُشِّر إبراهيم بإسحاق وهو ابن مائة وسبع عشرة سنة (4) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب يزفون النسلان في المشي: 6 / 396-398.\r(2) انظر فيما سبق: 1 / 147-148.\r(3) في البحر المحيط: 5 / 433 جاءت العبارة أوضح فقال: وقيل \"وما يخفى...\" الآية، من كلام الله عز وجل تصديقا لإبراهيم عليه السلام، كقوله تعالى: \"كذلك يفعلون\".\r(4) انظر: المحرر الوجيز: 8 / 256.","part":4,"page":357},{"id":1604,"text":"{ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41) وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ (42) } .\r{ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصّلاةِ } يعني: ممن يقيم الصلاة بأركانها ويحافظ عليها، { وَمِنْ ذُرِّيَّتِي } يعني: اجعل من ذريتي من يقيمون الصلاة.\r{ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ } أي: عملي وعبادتي، سمّى العبادة دعاءً، وجاء في الحديث: \"الدعاء مخ العبادة\" (1) .\rوقيل: معناه: استجبْ دعائي.\r{ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ } فإن قيل: كيف استغفر لوالديه وهما غيرُ مؤمنين؟ قيل: قد قيل إن أمه أسلمت.\rوقيل: أراد إن أسلما وتابا (2) .\rوقيل: قال ذلك قبل أن يتبين له أمر أبيه، وقد بيّن الله تعالى عذر خليله صلى الله عليه وسلم في استغفاره لأبيه في سورة التوبة (3) .\r{ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } أي: اغفر للمؤمنين كلهم، { يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ } أي: يبدو ويظهر. وقيل: أراد يوم يقوم الناس للحساب، فاكتفى بذكر الحساب لكونه مفهومًا.\rقوله عز وجل: { ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ } الغفلة معنى يمنع الإنسان من الوقوف على حقيقة الأمور، والآية لتسلية المظلوم وتهديد للظالم.\r__________\r(1) حديث ضعيف أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك، في الدعوات، باب ما جاء في فضل الدعاء: 8 / 311، وقال: \"هذا حديث غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة\". وعن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"الدعاء هو العبادة\"، ثم قرأ: \"وقال ربكم ادعوني أستجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين\" (سورة غافر - 40). أخرجه أبو داود في الصلاة، باب الدعاء: 2 / 141، والترمذي في الدعوات نفسه: 9 / 311-312، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\" وفي التفسير أيضا، وابن ماجه في السنن، كتاب الدعاء، برقم (3828): 2 / 1258، وصححه ابن حبان ص (595) من موارد الظمآن للهيثمي، والحاكم في المستدرك: 1 / 491، وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 4 / 276. وذكره المصنف البغوي في مصابيح السنة: 2 / 138 كتاب الدعوات في الحسان.\r(2) انظر: مسائل الرازي وأجوبتها، ص (166).\r(3) انظر فيما سبق ص (101) من سورة التوبة.","part":4,"page":358},{"id":1605,"text":"{ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ } أي: لا تغمض من هول ما ترى في ذلك اليوم، وقيل: ترتفع وتزول عن أماكنها.","part":4,"page":359},{"id":1606,"text":"{ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44) } .\r{ مُهْطِعِينَ } قال قتادة: مسرعين.\rقال سعيد بن جبير: الإهطاع النَّسَلان كعَدْوِ الذئب.\rوقال مجاهد: مديمي النظر.\rومعنى \"الإهطاع\": أنهم لا يلتفون يمينًا ولا شمالا ولا يعرفون مواطن أقدامهم.\r{ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ } أي: رافعي رؤوسهم.\rقال القتيبي: المُقْنِعُ: الذي يرفع رأسه ويقبل ببصره على ما بين يديه (1) .\rوقال الحسن: وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء، لا ينظر أحدٌ إلى أحد.\r{ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ } أي: لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة النظر، وهي شاخصة قد شغلهم ما بين أيديهم.\r{ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ } أي: خالية. قال قتادة: خرجت قلوبهم عن صدورهم، فصارت في حناجرهم، لا تخرج من أفواههم ولا تعود إلى أماكنها، فالأفئدة هواء لا شيء فيها، ومنه سمي ما بين السماء والأرض هواء لِخُلُوِّهِ.\rوقيل:خالية لا تعي شيئا ولا تعقل من (2) الخوف.\rوقال الأخفش: جوفاء لا عقول لها، والعرب تسمي كل أجوف خاوٍ هواء.\rوقال سعيد بن جبير: \"وأفئدتهم هواء\" أي: مترددة، تمور في أجوافهم، ليس لها مكان تستقرُّ فيه.\rوحقيقة المعنى: أن القلوب زائلة عن أماكنها، والأبصار شاخصة من هول ذلك اليوم.\r{ وَأَنْذِرِ النَّاسَ } خوفهم، { يَوْمَ } أي: بيوم، { يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ } وهو يوم القيامة، 195/أ { فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا } أشركوا، { رَبَّنَا أَخِّرْنَا } أمهلنا، { إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ } هذا سؤالهم الردّ\r__________\r(1) قال في غريب القرآن (1 / 237) من القرطين لابن مطرف الكناني: \"والمقنع رأسه: الذي رفعه، وأقبل بطرفه على ما بين يديه. والإقناع في الصلاة هو إتمامها\".\r(2) \"من\" للتعليل.","part":4,"page":359},{"id":1607,"text":"إلى الدنيا، أي: ارجِعْنا إليها، { نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ } فيجابون:\r{ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ } حلفتم في دار الدنيا، { مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ } عنها أي: لا تبعثون. وهو قوله تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ}(النحل -38) .\r{ وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمْثَالَ (45) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) } .\r{ وَسَكَنْتُمْ } في الدنيا، { فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ } بالكفر والعصيان، قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم. { وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ } أي: عرفتم عقوبتنا إيّاهم، { وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمْثَالَ } أي: بيَّنا أن مثلكم كمثلهم.\r{ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ } أي: جزاء مكرهم، { وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ } قرأ علي وابن مسعود: { وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ } بالدال، وقرأ العامة بالنون.\r{ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ } قرأ العامة لتزول بكسر اللام الأولى ونصب الثانية.\rمعناه: وما كان مكرهم.\rقال الحسن: إن كان مكرهم لأضعف من أن تزول منه الجبال.\rوقيل: معناه إن مكرهم لا يزيل أمر محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو ثابت كثبوت الجبال.\rوقرأ ابن جريج والكسائي: \" لتزول \" بفتح اللام الأولى ورفع الثانية، معناه: إن مكرهم وإن عظم حتى بلغ محلا يزيل الجبال لم يقدروا على إزالة أمر محمد صلى الله عليه وسلم.\rوقال قتادة: معناه وإن كان شركهم لتزول منه الجبال، وهو قوله تعالى: {وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا }(مريم -19).\rويُحكى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في معنى الآية: أنها نزلت في نمرود الجبَّار الذي حاجَّ إبراهيم في ربه، وذلك أنه قال: إن كان ما يقول إبراهيم حقًا فلا أنتهي حتى أصعد السماء فأعلم ما فيها، فعمد إلى أربعة أفرخ من النسور فربَّاها حتى شبت واتخذ تابوتًا، وجعل له بابًا من أعلى وبابًا من أسفل، وقعد نمرود مع رجل في التابوت، ونصب خشباتٍ في أطراف التابوت، وجعل على رؤوسها اللحم وربط التابوت بأرجل النسور، فَطِرْنَ وصعدن طمعًا في اللحم، حتى مضى يوم وأَبْعَدْنَ في الهواء، فقال نمرود لصاحبه: افتح الباب الأعلى وانظر إلى السماء هل قربناها، ففتح","part":4,"page":360},{"id":1608,"text":"[الباب ونظر] (1) فقال: إن السماء كهيئتها ثم قال: افتح الباب الأسفل وانظر إلى الأرض كيف تراها؟ ففعل، فقال: أرى الأرض مثل اللجَّة والجبال مثل الدخان، فطارت النسور يوما آخر، وارتفعت حتى حالت الريح بينها وبين الطيران، فقال لصاحبه: افتح البابين ففتح الأعلى فإذا السماء كهيئتها، وفتح الأسفل فإذا الأرض سوداء مظلمة، فنودي: أيها الطاغية أين تريد؟\rقال عكرمة: كان معه في التابوت غلام قد حمل معه القوس والنشَّاب فرمى بسهم فعاد إليه السهم متلطخًا بدم سمكة قذفت نفسها من بحر في الهواء -وقيل: طائر أصابها السهم-فقال: كفيت شغل إله السماء.\rقال: ثم أمر نمرود صاحبه أن يصوِّب الخشبات وينكص اللحم، ففعل، فهبطت النسور بالتابوت، فسمعت الجبال حفيف التابوت والنسور، ففزعت وظنت أنه قد حَدَثَ حدثٌ من السماء، وأن الساعة قد قامت، فكادت تزول عن أماكنها، فذلك قوله تعالى: { وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ } (2) .\r{ فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47) يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48) } .\r{ فلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ } بالنصر لأوليائه وهلاك أعدائه، وفيه تقديم وتأخير، تقديره: ولا تحسبن الله مخلف رسله وعده، { إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ } .\rقوله عز وجل: { يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْض وَالسَّمَوَاتُ } .\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن يوسف، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدَّثنا خالد بن مخلد، عن محمد بن جعفر بن أبي كثير، حدثني أبو حازم بن دينار عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه -قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يُحشر الناسُ يوم القيامة على أرض بيضاء عفراءَ كقُرْصة النَّقيِّ ليس فيها عَلَمٌ لأحد\" (3) .\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) روى الطبري هذه القصة عن علي، وسعيد بن جبير: 13 / 244-245. وضعف هذه القصة ابن عطية في المحرر الوجيز: 8 / 265 فقال: \"وفي هذه القصة كلها ضعف من طريق المعنى، وذلك أنه غير ممكن أن تصعد الأنسر كما وصف، وبعيد أن يغرر أحد بنفسه في مثل هذا\".\r(3) أخرجه البخاري في الرقاق، باب يقبض الله الأرض يوم القيامة: 11 / 372، ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم، باب في البعث والنشور، برقم (2790): 4 / 2150، والمصنف في شرح السنة: 15 / 122.","part":4,"page":361},{"id":1609,"text":"أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن خالدٍ -هو ابن يزيد-عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"تكون الأرض يوم القيامة خبزةً واحدة يتكفؤها الجبَّار بيده كما يتكفأ أحدكم خبزته في السفر، نزلا لأهل الجنة\" (1) .\rوعن ابن مسعود رضي الله عنه في هذه الآية قال: تبدل الأرض بأرض كفضة بيضاء نقية لم يسفك فيها دم ولم تعمل فيها خطيئة (2) .\rوقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: تبدل الأرض من فضة والسماء من ذهب (3) .\rوقال محمد بن كعب وسعيد بن جبير: تبدل الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه (4) .\rوقيل: معنى التبديل جعل السموات جنانًا وجعل الأرض نيرانًا.\rوقيل: تبديل الأرض تغييرها من هيئة إلى هيئة، وهي تسيير جبالها، وطمّ أنهارها، وتسوية أوديتها وقطع أشجارها، وجعلها قاعًا صفصفًا، وتبديل السموات: تغيير حالها بتكوير شمسها، وخسوف قمرها وانتثار نجومها، وكونها مرة كالدهان، ومرة كالمهل.\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا علي بن مسهر، عن داود -وهو ابن أبي هند-عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل: \"يوم تبدل الأرض غيرَ الأرض والسموات\" فأين يكون الناس يومئذ يا رسول الله؟ فقال: \"على الصراط\" (5) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الموضع السابق: 11 / 372، ومسلم في الموضع نفسه، برقم (2792): 4 / 2151، والمصنف في شرح السنة: 15 / 113.\r(2) أخرجه البزار، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في \"البعث\" مرفوعا، وأخرجه موقوفا: عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ في \"العظمة\"، والحاكم في المستدرك والبيهقي في البعث. قال البيهقي: \"والموقوف أصح\". انظر: الدر المنثور: 5 / 56-57.\r(3) أخرجه ابن أبي الدنيا في \"صفة الجنة\"، وابن جرير، وابن المنذر، وابن حاتم. وانظر: الدر المنثور: 5 / 57 .\r(4) أخرجه ابن جرير عنهما، انظر: التفسير: 13 / 252 (طبع الحلبي).\r(5) أخرجه مسلم في صفات المنافقين وأحكامهم، باب في البعث والنشور وصفة الأرض يوم القيامة، برقم (2791): 4 / 2150. والمصنف في شرح السنة: 15 / 107-108.","part":4,"page":362},{"id":1610,"text":"وروي عن ثوبان أن حبرًا من اليهود سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض؛ قال: \"هم في الظلمة دون الجسر\" (1) .\rوقوله تعالى: { وَبَرَزُوا } خرجوا من قبورهم، { لله الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.\r{ وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ (49) } .\r{ وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ } مشدودين بعضهم ببعض، { فِي الأصْفَادِ } في القيود والأغلال، واحدها صَفَد، وكل من شددته شدًا وثيقًا فقد صفدته.\rقال أبو عبيدة: صَفَدْتُ الرجل فهو مصفود، وصفَّدته بالتشديد فهو مصفَّد.\rوقيل: يقرن كل كافر مع شيطانه في سلسلة، بيانه قوله تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهَمْ}(الصافات -22)، يعني: قرناءهم من الشياطين.\rوقيل: معناه مقرنة أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأصفاد والقيود، ومنه قيل للحبل: قرَن.\r{ سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (50) } .\r{ سَرَابِيلُهُمْ } أي: قُمُصُهم، واحدها سربال. { مِنْ قَطِرَانٍ } هو الذي تهنأ به الإبل.\rوقرأ عكرمة ويعقوب \" منْ قطرآن \" على كلمتين منونتين 195/ب والقطر: النحاس، والصفر المذاب، والآن: الذي انتهى حرُّه، قال الله تعالى: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ}(الرحمن -44).\r{ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ } أي: تعلو.\r{ لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (51) هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبَابِ (52) } .\r{ لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ } من خير وشر، { إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } .\r{ هَذَا } أي: هذا القرآن، { بلاغٌ } أي: تبليغ وعظة، { لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا } وليخوفوا، { بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ } أي: ليستدلوا بهذه الآيات على وحدانية الله تعالى: { وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبَابِ } أي: ليتعظ أولو العقول.\r__________\r(1) قطعة من حديث طويل، أخرجه مسلم في الحيض، باب بيان صفة مني الرجل والمرأة، وأن الولد مخلوق من مائهما، برقم (315): 1 / 252.","part":4,"page":363},{"id":1611,"text":"سورة الحجر\rمكية (1)\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (1) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (2) } .\r{ آلر } قيل: معناه: أنا الله أرى (2) { تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ } أي: هذه آيات الكتاب، { وَقُرْآنٍ } أي: وآيات قرآن { مُبِينٍ } أي: بيَّن (3) الحلال من الحرام والحق من الباطل.\rفإن قيل: لِمَ ذكر الكتاب ثم قال { وَقُرْآنٍ مُبِينٍ } وكلاهما واحد؟\rقلنا: قد قيل كل واحد يفيد فائدة أخرى، فإن الكتاب: ما يكتب، والقرآن: ما يجمع بعضه إلى بعض.\rوقيل: المراد بالكتاب: التوراة والإنجيل، وبالقرآن هذا الكتاب.\r{ رُبَمَا } قرأ أبو جعفر ونافع وعاصم بتخفيف الباء والباقون بتشديدها، وهما لغتان، ورُبَّ للتقليل وكم للتكثير، ورُبَّ تدخل على الاسم، ورُبَما على الفعل، يقال: رُبَّ رجل جاءني، ورُبَمَا جاءني رجل، وأدخل ما هاهنا للفعل بعدها. { يَوَدُّ } يتمنى { الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ } .\rواختلفوا في الحال التي يتمنى الكافر فيها الإسلام.\rقال الضحاك: حالة المعاينة (4) .\r__________\r(1) مكية بالاتفاق، وهو مروي عن ابن عباس وابن الزبير. انظر: الدر المنثور: 5 / 61.\r(2) انظر فيما سبق: 1 / 58-59.\r(3) في \"ب\" يبين.\r(4) وفيه نظر، إذ لا يقين للكافر حينئذ بحال المسلمين. انظر: المحرر الوجيز: 8 / 279.","part":4,"page":364},{"id":1612,"text":"وقيل: يوم القيامة.\rوالمشهور أنه (1) حين يخرج الله المؤمنين من النار.\rوروي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إذا اجتمع أهل النار في النار، ومعهم من شاء الله من أهل القبلة، قال الكفار لمن في النار من أهل القبلة: ألستم مسلمين؟ قالوا بلى، قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم وأنتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها، فيغضب الله تعالى لهم [بفضل رحمته] (2) فيأمر بكل من كان من أهل القبلة في النار فيخرجون منها، فحينئذ يودُّ الذين كفروا لَوْ كانوا مسلمين (3) .\rفإن قيل: كيف قال \"ربما\" وهي للتقليل وهذا التمني يكثر من الكفار؟\rقلنا: قد تذكر \"ربما\" للتكثير، أو أراد: أن شغلهم بالعذاب لا يفرغهم للندامة إنما يخطر ذلك ببالهم أحيانا.\r{ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3) } .\r{ ذَرْهُمْ } يا محمد، يعني: الذين كفروا { يَأْكُلُوا } في الدنيا { وَيَتَمَتَّعُوا } من لذاتهم (4) { وَيُلْهِهِمُ } يشغلهم { الأمَلُ } عن الأخذ بحظهم من الإيمان والطاعة { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } إذا وردوا القيامة وذاقوا وبال ما صنعوا، وهذا تهديد ووعيد.\rوقال بعضُ أهل العلم: \"ذرهم\" تهديد، وقوله: \"فسوف يعلمون\" تهديد آخر، فمتى (5) يهنأ العيش بين تهديدين؟\rوالآية نسختها آية القتال (6) .\r__________\r(1) في \"ب\" وهو المشهور، أنه.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) أخرجه ابن جرير الطبري في التفسير: 14 / 2 (طبع الحلبي) وابن أبي عاصم في \"السنة\" 1 / 405-406، والحاكم في \"المستدرك: 2 / 442، وقال: صحيح ولم يخرجاه. قال الهيثمي في \"المجمع\" (7 / 45) \"رواه الطبراني، وفيه خالد بن نافع الأشعري، قال أبو داود: متروك. قال الذهبي: هذا تجاوز في الحد، فقد حدث عنه أحمد بن حنبل وغيره - وبقية رجاله ثقات\". وعزاه في \"كنز العمال\" (14 / 541) أيضا لابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في \"البعث والنشور\" وانظر: تفسير ابن كثير: 2 / 547. وصححه الألباني في \"ظلال الجنة في تخريج السنة\" 1 / 406.\r(4) في \"ب\" في لذاتها.\r(5) في \"أ\" فكيف.\r(6) ذكر هذا كثير من المفسرين، انظر: الناسخ والمنسوخ لأبي القاسم هبة الله بن سلامة ص (58) المحرر الوجيز: 8 / 281، زاد المسير: 4 / 382. هذا، وقد ألمحنا في موضع سابق من هذا التفسير إلى أن بعض العلماء توسعوا كثيرا في الحكم على كثير من آيات الصبر والمسالمة والإعراض عن المشركين وتهديدهم بالعذاب بالنسخ، وجعلوا آية القتال أو آية السيف ناسخة لأكثر من مائة آية في القرآن الكريم. وفي هذا غلو في القول بالنسخ، وخروج به عن مفهمومه الصحيح. انظر: علوم القرآن، لأستاذنا الدكتور عدنان محمد زرزور ص (210-212) واقرأ الفصل بكامله عن \"الناسخ والمنسوخ\".","part":4,"page":368},{"id":1613,"text":"{ وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (4) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (5) وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7) مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (8) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) } .\r{ وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ } أي: من أهل قرية { إِلا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ } أي: أجل مضروب لا يتقدم عليه، ولا يأتيهم العذاب حتى يبلغوه، ولا يتأخر عنهم.\r{ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا } \"من\" صلة، { وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ } أي: الموت لا يتقدم ولا يتأخر، وقيل: العذاب المضروب.\r{ وَقَالُوا } يعني: مشركي مكة { يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ } أي: القرآن، وأرادوا به محمدا صلى الله عليه وسلم { إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } وذكروا تنزيل الذكر على سبيل (1) الاستهزاء.\r{ لَوْ مَا } هلا { تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ } شاهدين لك بالصدق على ما تقول { إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } إنك نبي (2) .\r{ مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ } قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر بنونين \"الملائكة\" نصب، وقرأ أبو بكر بالتاء وضمها وفتح الزاي \"الملائكة\" رفع، وقرأ الباقون بالتاء وفتحها (3) وفتح الزاي \"الملائكة\" رفع. { إِلا بِالْحَقِّ } أي: بالعذاب ولو نزلت يعني الملائكة لعجلوا بالعذاب، { وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ } أي: مؤخرين، وقد كان الكفار يطلبون إنزال الملائكة عيانا فأجابهم الله تعالى بهذا. ومعناه: إنهم لو نزلوا أعيانًا لزال عن الكفار الإمهال وعُذِّبوا في الحال.\r{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ } يعني القرآن { وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } أي: نحفظ القرآن من الشياطين أن\r__________\r(1) في \"ب\" طريق.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) في \"ب\" وضمها.","part":4,"page":369},{"id":1614,"text":"يزيدوا فيه، أو ينقصوا منه، أو يبدلوا، قال الله تعالى: {لا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ}(فصلت-42) والباطل: هو إبليس، لا يقدر أن يزيد فيه ما ليس منه ولا أن ينقص منه ما هو منه.\rوقيل الهاء في \"له\" راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم أي: إنا لمحمد لحافظون ممن أراده بسوء كما قال جلّ ذكره: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}(المائدة-67).\r{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأوَّلِينَ (10) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (11) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ (13) وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) } .\rقوله تعالى: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ } أي: رسلا { فِي شِيَعِ الأوَّلِينَ } أي: في [الأمم والقرون الماضية] (1) .\rوالشيعة: هم القوم المجتمعون (2) المتفقة كلمتهم.\r{ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } كما فعلوا بك، ذكره (3) تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم.\r{ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ } أي: كما سلكنا الكفر والتكذيب والاستهزاء بالرسل (4) في قلوب شيع الأولين، كذلك [نسلكه: ندخله] (5) { فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ } يعني: مشركي مكة قومك. وفيه ردٌّ على القدرية (6) .\r{ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ } يعني: لا يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن { وَقَدْ خَلَتْ } مضت { سُنَّةُ الأوَّلِينَ } أي: وقائع الله تعالى بالإهلاك فيمن كذب الرسل من الأمم الخالية، يخوِّف أهل مكة.\r{ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ } يعني: على الذين يقولون لو ما تأتينا بالملائكة { بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ } أي: فظلت الملائكة يعرجون فيها، وهم يرونها عيانا، هذا قول الأكثرين.\r__________\r(1) في \"ب\" أمم الأولين الماضية.\r(2) في \"أ\" المجتمعة.\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) ساقط من \"ب\".\r(5) ساقط من \"ب\".\r(6) القدرية هم الذين ينكرون القدر، فيقولون: لا قدر والأمر أُنُف، ويزعمون أن كل عبد خالق لفعله، فالأمور يستأنف العلم بها، وتستأنف - بالتالي - إرادتها، وكأنهم بهذا ينفون الإرادة الأزلية والعلم الأزلي ليخرجوا فعل الإنسان عن نطاق قدرة الخلاق العليم. انظر: الوصية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية، بتحقيقنا، ص (57) تعليق (5).","part":4,"page":370},{"id":1615,"text":"وقال الحسن: معناه فظل هؤلاء الكفار يعرجون فيها أي: يصعدون. والأول أصح (1) .\r{ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15) } .\r__________\r(1) وهو مروي عن ابن عباس، وابن جريج، وقتادة، والضحاك، وإليه ذهب الطبري. واعتمد ابن كثير قول الحسن، وهو ما قاله ابن عطية كذلك. انظر: تفسير الطبري: 14 / 10-11 (طبع الحلبي) تفسير ابن كثير: 2 / 548، المحرر الوجيز: 8 / 288، زاد المسير: 4 / 386.","part":4,"page":371},{"id":1616,"text":"{ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) } .\r{ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ } سُدَّت { أَبْصَارُنَا } قاله ابن عباس (1) .\rوقال الحسن: سحرت.\rوقال قتادة: أخذت (2) .\rوقال الكلبي: عميت (3) .\rوقرأ ابن كثير \" سُكِرَتْ \" بالتخفيف، أي: حُبست ومُنعت النظر كما يسكر النهر لحبس الماء. { بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ } أي: عمل فينا السحر فَسَحَرَنا محمد -صلى الله عليه وسلم -.\rقوله عز وجل { وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا } والبروج: هي النجوم الكبار، مأخوذة من الظهور، يقال: تَبَرَّجت المرأة أي: ظهرت.\rوأراد بها: المنازل التي تنزلها الشمس، والقمر، والكواكب السيارة، وهي اثنا عشر برجًا: الحَمَل، والثَّور، والجَوْزاء، والسَّرَطان، والأسد، والسُّنْبُلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجَدْي، والدلو، والحوت (4) .\rوقال عطية: هي قصور في السماء عليها الحرس (5) .\r__________\r(1) وهو قول مجاهد والضحاك. انظر: تفسير الطبري: 14 / 12.\r(2) وهما قولان متقاربان، وأخرجهما الطبري عن ابن عباس وقتادة أيضا.\r(3) أخرجه الطبري: 14 / 13. وقد رجح الطبري قول من قال إن معنى ذلك: \"أخذت أبصارنا وسحرت، فلا تبصر الشيء على ما هو به، وذهب حد إبصارها، وانطفأ نوره، كما يقال للشيء الحار إذا ذهبت فورته وسكن حد حره: قد سَكَر يَسْكر.\r(4) وهو قول ابن عباس وأبي عبيدة وآخرين. انظر: زاد المسير: 4 / 387، الدر المنثور: 4 / 69.\r(5) كان في المطبوع \"ابن عطية\" وكذلك في البحر المحيط، وليس هذا الكلام لابن عطية، وإنما هو \"عطية\" كما في زاد المسير، وهو مروي أيضا عن ابن عباس. وقال ابن قتيبة: يقال هي اثنا عشر برجا، وأصل البرج: القصر والحسن. انظر: زاد المسير: 4 / 387، مشكل القرآن لابن قتيبة: (1 / 238) من القرطين لابن مطرف، الدر المنثور: 4 / 69.","part":4,"page":371},{"id":1617,"text":"{ وَزَيَّنَّاهَا } أي: السماء بالشمس والقمر والنجوم { لِلنَّاظِرِينَ } .\r{ وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (17) إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (18) } .\r{ وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ } مرجوم. وقيل: ملعون.\rقال ابن عباس: كانت الشياطين لا يحجبون عن السموات وكانوا يدخلونها، ويأتون بأخبارها فيلقون على الكهنة، فلما ولد عيسى عليه السلام 196/أ منعوا من ثلاث سموات، فلما ولد محمد صلى الله عليه وسلم منعوا من السموات أجمع، فما منهم من أحد يريد استراق السمع إلا رُمي بشهاب، فلما منعوا من تلك المقاعد ذكروا ذلك لإبليس، فقال (1) لقد حدث في الأرض حدث، قال: فبعثهم فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن، فقالوا: هذا والله ما حدث (2) .\r{ إِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ } لكن من استرق السمع { فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ } والشهاب: الشُّعلة من النار.\rوذلك أن الشياطين يركب بعضهم بعضًا إلى السماء الدنيا، ويستَرِقُون السمع من الملائكة، فيَرْمون بالكواكب فلا تخطئ أبدًا، فمنهم من تقتله ، ومنهم من تحرق وجهه أو جنبه أو يده أو حيث يشاء الله، ومنهم من تخبله فيصير غولا يضلّ الناس في البوادي (3) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمروٌ، قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إذا قضى الله الأمر في السماء ضربتِ الملائكةُ بأجنحتها\r__________\r(1) في \"ب\" فقالوا.\r(2) نقله عنه أبو حيان في البحر المحيط: 5 / 449 وابن الجوزي في زاد المسير 4 / 389، كلاهما دون قوله: فما منهم من أحد ... إلخ وانظر: تفسير القرطبي: 10 / 12، الدر المنثور: 8 / 303.\r(3) اختلف في الشهاب، هل يقتل أم لا؟ فقال ابن عباس: الشهاب يجرح ويحرق ويخبل ولا يقتل. وقال الحسن وطائفة: يقتل. فعلى هذا القول في قتلهم بالشهب قبل إلقاء السمع إلى الجن قولان: أحدهما - أنهم يقتلون قبل إلقائهم ما استرقوه من السمع إلى غيرهم؛ فعلى هذا لا تصل أخبار السماء إلى غير الأنبياء، ولذلك انقطعت الكهانة. والثاني: أنهم يقتلون بعد إلقائهم ما استرقوه إلى غيرهم من الجن، ولذلك ما يعودون إلى استراقه، ولو لم يصل لانقطع الاستراق وانقطع الإحراق. ذكره الماوردي. قال القرطبي: والقول الأول أصح. انظر: تفسير القرطبي: (10 / 11).","part":4,"page":372},{"id":1618,"text":"خُضْعَانًا (1) لقوله، كأنه سلسلةٌ على صَفْوان، فإذا فُزِّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق، وهو العليُّ الكبير، فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا بعضهم فوق بعض -ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدَّد بين أصابعه -فيسمعُ أحدهم الكلمةَ فيُلْقيها إلى مَنْ تحته، ثم يلقيَها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشِّهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذبُ معها مائة كذبة فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا، فيصدَّقُ بتلك الكلمة التي سمعت من السماء\" (2) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدَّثنا محمد بن أبي مريم، حدثنا الليث، حدثنا ابن جعفر، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: \"إنَّ الملائكة تنزل في العَنَان، وهو السحاب، فتذكر الأمر الذي قُضِيَ في السماء فتسترقُ الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه إلى الكُهَّان، فيكذبون معها مائة كذبةٍ من عند أنفسهم\" (3) .\rواعلم أن هذا لم يكن ظاهرًا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكره شاعر من العرب قبل زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ظهر في بدء أمره وكان ذلك أساسًا لنبوته عليه السلام (4) .\rوقال يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس بن شريق: إن أول من فزع للرمي بالنجوم هذا الحي من ثقيف وإنهم جاؤوا إلى رجل منهم يقال له عمرو بن أمية أحد بني علاج، وكان أهدى (5) العرب، فقالوا له: ألم ترَ ما حدث في السماء من القذف بالنجوم؟ قال: بلى، فانظروا فإن كانت معالم النجوم التي يُهتدى بها في البر والبحر وتعرف بها الأنواء من الصيف والشتاء لما يصلح الناس من معايشهم هي التي يرمى بها فهي -والله -طي الدنيا وهلاك الخلق الذي فيها، وإن كانت\r__________\r(1) \"خضعانا\" بفتحتين، من الخضوع. وفي رواية بضم أوله وسكون ثانيه، وهو مصدر بمعنى: خاضعين. انظر: فتح الباري: 8 / 538.\r(2) أخرجه البخاري في التفسير، باب: \"حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير\" 8 / 537، وفي باب \"إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين\" 8 / 380.\r(3) أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب ذكر الملائكة: 6 / 304، وفي مواضع أخرى.\r(4) قال ابن عطية في \"المحرر الوجيز\" (8 / 292) \"وفي الأحاديث ما يدل على أن الرجم كان في الجاهلية، ولكنه اشتد في وقت الإسلام، وحفظ السماء حفظا تاما\". وقال الزجاج: لم يكن إلا بعد النبي صلى الله عليه وسلم، بدليل أن الشعراء لم يشبهوا به في السرعة إلا بعد الإسلام. وذكر الزهري عن أبي رجاء العطاردي: كنا لا نرى الرجم بالنجوم قبل الإسلام\". وانظر تفصيلا أوسع في القرطبي: 10 / 12، 19 / 12-13، 15 / 66-67.\r(5) في \"ب\" أدهى.","part":4,"page":373},{"id":1619,"text":"نجوما غيرها، وهي والله ثابتة على حالها فهذا الأمر أراده الله تعالى بهذا الخلق (1) .\rقال معمر قلت للزهري: أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؟ قال: نعم، قلت: أفرأيت قوله تعالى: { وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ } [ جن-6 ] الآية ؟ قال: غلِّظت وشُدِّد أمرها حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم (2) .\rوقال ابن قتيبة: إن الرجم كان قبل مبعثه -صلى الله عليه وسلم -ولكن لم يكن [مثله] (3) في شدة الحراسة بعد مبعثه (4) .\rوقيل: إن النجم ينقض فيرمي الشياطين ثم يعود إلى مكانه، والله أعلم.\r{ وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20) } .\rقوله تعالى: { وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا } بسطناها على وجه الماء، يقال: إنها مسيرة خمسمائة سنة في مثلها دحيت من تحت الكعبة (5) { وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ } جبالا ثوابت، وقد كانت الأرض تميد إلى أن أرساها الله بالجبال { وَأَنْبَتْنَا فِيهَا } أي: في الأرض { مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ } مقدَّر معلوم.\rوقيل: يعني في الجبال، وهي جواهر من الذهب والفضة والحديد والنحاس وغيرها، حتى الزرنيخ والكحل كل ذلك يوزن وزنًا.\rوقال ابن زيد: هي الأشياء التي توزن وزنًا (6) .\r{ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ } جمع معيشة، قيل: أراد بها المطاعم والمشارب والملابس [وهي ما] (7) يعيش به الآدمي (8) في الدنيا { وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ } أي: جعلنا فيها من لستم له برازقين من الدوابِّ والأنعام، أي: جعلناها لكم وكفيناكم رزقها، و\"من\" في الآية بمعنى \"ما\" كقوله تعالى: {فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ}(النور-45).\r__________\r(1) انظر: تفسير القرطبي: 10 / 12.\r(2) رواه عبد الرزاق عن معمر. انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص (429) تحقيق السيد صقر.\r(3) استدركناها من \"تأويل مشكل القرآن\" لابن قتيبة واضطربت العبارة في المطبوع اضطرابا كثيرا، وفيها زيادات، ليست في \"تأويل المشكل\" ولا في النسخ الخطية.\r(4) انظر: \"تأويل مشكل القرآن\" لابن قتيبة ص (430).\r(5) انظر: البحر المحيط: 5 / 450. وذكر المصنف ذلك بصيغة التمريض، ولا دليل ثابت عن المعصوم صلى الله عليه وسلم في ذلك.\r(6) والمعنى الأول أعم وأحسن. انظر: المحرر الوجيز: 8 / 293.\r(7) في \"أ\" وقيل.\r(8) في \"ب\" المرء.","part":4,"page":374},{"id":1620,"text":"وقيل: \"من\" في موضعها؛ لأنه أراد المماليك مع الدواب.\rوقيل: \"من\" في محل الخفض عطفًا على الكاف والميم في \"لكم\".\r{ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) } .\r{ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ } [أي: وما من شيء] (1) { إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ } أي مفاتيح خزائنه. وقيل: أراد به المطر.\r{ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ } لكل أرضٍ حدٌّ مقدر، ويقال: لا تنزل من السماء قطرة إلا ومعها ملك يسوقها حيث يريد الله عز وجل ويشاء.\rوعن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده قال: في العرش مثال جميع ما خلق الله في البرّ والبحر، وهو تأويل قوله تعالى: \"وإن من شيء إلا عندنا خزائنه\" (2) .\r{ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ } أي: حوامل، لأنها تحمل الماء إلى السحاب، وهو جمع لاقحة، يقال: ناقة لاقحة إذا حملت الولد.\rقال ابن مسعود: يرسل الله الريح فتحمل الماء فيمر به السحاب، فيدرُّ كما تدر اللقحة ثم تمطر (3) .\rوقال أبو عبيدة: أراد باللواقح الملاقح واحدتها ملقحة، لأنها تلقح الأشجار.\rقال عبيد بن عمير: يبعث الله الريح المبشرة فتقمُّ الأرض قمًّا، ثم يبعث الله المثيرة فتثير السحاب، ثم يبعث الله المؤلِّفة السحاب بعضه إلى بعض فتجعله ركامًا، ثم يبعث اللواقح فتلقح الشجر (4) .\rوقال أبو بكر بن عياش: لا تقطر قطرة من السحاب إلا بعد أن تعمل الرياح الأربع فيه، فالصَّبَا تهيجه، والشَّمال تجمعه، والجَنوب تذره، والدَّبُور تفرقه.\rوفي الخبر أن: اللقح رياح الجنوب.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) نقله القرطبي في التفسير: 10 / 15.\r(3) أخرجه ابن جرير: 14 / 20، والبيهقي في السنن: 3 / 364، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والخرائطي في \"مكارم الأخلاق\" انظر: الدر المنثور: 5 / 72. قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (7 / 45) \"رواه الطبراني، وفيه يحيى الحماني وهو ضعيف\".\r(4) أخرجه ابن جرير الطبري: 14 / 21، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة. انظر: الدر المنثور: 5 / 73.","part":4,"page":375},{"id":1621,"text":"وفي [بعض] الآثار: ما هبت ريح الجنوب إلا وبعث عينًا غدقة (1) .\rوأما الريح العقيم: فإنها تأتي بالعذاب ولا تلقح.\rأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا من لا أتهم بحديثه، حدثنا العلاء بن راشد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما هبَّت ريح قط إلا جثا النبي صلى الله عليه وسلم على ركبتيه، وقال: اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابًا، اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا. قال ابن عباس: في كتاب الله عز وجل: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا}(القمر-19) {إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ}(الذاريات-41) وقال: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ}(الحجر-22) وقال: {أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ} (2) (الروم-41).\rقوله: { فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ } أي: جعلنا المطر لكم سقيًا، يقال: أسقى فلان فلانًا: إذا جعل له سقيا، وسقاه: إذا أعطاه ما يشرب. وتقول العرب: سقيت الرجل ماءً ولبنًا إذا كان لسقيه (3) 196/ب فإذا جعلوا له ماء لشرب أرضه ودوابه تقول: أسقيته.\r{ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ } يعني المطر في خزائننا لا في خزائنكم. وقال سفيان: بمانعين.\r{ وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23) } .\r{ وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ } بأن نميت جميعَ الخلائق، فلا يبقى حي سوانا.\rوالوارث من صفات الله عز وجل. قيل: الباقي بعد فناء الخلق.\rوقيل: معناه إن مصير الخلق إليه (4) .\r__________\r(1) أخرج البيهقي في السنن: 3 / 363 عن عبد الله مرفوعا: \"ما عام بأمطر من عام، ولا هبت جنوب إلا سال وادي\" وقال: كذا روي مرفوعا، والصحيح أنه موقوف.\r(2) أخرجه الشافعي في المسند: 1 / 75، وفيه العلاء بن راشد وهو مجهول، ورواه الطبراني، ومسدد، وأبو يعلى، والبيهقي في \"الدعوات الكبير\". قال الهيثمي: وفيه حسين بن قيس الملقب بحنش، وهو متروك. وقال البوصيري: رواه مسدد وأبو يعلى بسند ضعيف لضعف حسين بن قيس. انظر: مجمع الزوائد: 10 / 136، المطالب العالية: 3 / 238، مشكاة المصابيح: 1 / 481.\r(3) في \"ب\" لشفته.\r(4) قال البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (1 / 41) \"الوارث: ومعناه الباقي بعد ذهاب غيره. وربنا جل ثناؤه بهذه الصفة؛ لأنه يبقى بعد ذهاب الملاك الذين أمتعهم في هذه الدنيا بما آتاهم، لأن وجودهم ووجود الأملاك كان به، ووجوده ليس بغيره. وهذا الاسم مما يؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في خير الأسامي\". وانظر: \"المنهاج في شعب الإيمان\" للحليمي: 1 / 189.","part":4,"page":376},{"id":1622,"text":"{ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24) } .\r{ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ } قال ابن عباس: أراد بالمستقدمين الأموات وبالمستأخرين الأحياء.\rقال الشعبي: الأولين والآخرين.\rوقال عكرمة: المستقدمون (1) من خلق الله، والمستأخرون (2) من لم يخلق الله.\rقال مجاهد: المستقدمون القرون الأولى والمستأخرون أمة محمد صلى الله عليه وسلم.\rوقال الحسن: المستقدمون في الطاعة والخير، والمستأخرون المبطئون عنها (3) .\rوقيل: المستقدمون في الصفوف في الصلاة والمستأخرون فيها. وذلك أن النساء كن يخرجن إلى صلاة الجماعة فيقفن خلف الرجال، فربما كان من الرجال من في قلبه ريبة فيتأخر إلى آخر صفوف الرجال، ومن النساء من كانت في قلبها ريبة فتتقدم إلى أول صفوف النساء لتقرب من الرجال. فنزلت هذه الآية (4) .\rوقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها\" (5) .\rوقال الأوزاعي: أراد المصلين في أول الوقت والمؤخرين إلى آخره.\rوقال مقاتل: أراد بالمستقدمين والمستأخرين في صف القتال.\rوقال ابن عيينة: أراد من يسلم ومن لا يسلم (6) .\r__________\r(1) في \"ب\" المستقدمين، المستأخرين. في سائر المواضع في تفسير الآية.\r(2) في \"ب\" المستقدمين، المستأخرين. في سائر المواضع في تفسير الآية.\r(3) انظر في هذه الأقوال ونسبتها لأصحابها: تفسير الطبري: 14/ 23-26، البحر المحيط: 5 / 451، زاد المسير: 4 / 396-397، الدر المنثور: 5 / 73-76.\r(4) أورد السيوطي جملة آثار في ذلك منها ما أخرجه الطيالسي، وسعيد بن منصور، وأحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في السنن من طريق أبي الجوزاء عن ابن عباس، قال: كانت امرأة تصلي خلف رسول الله .. فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبطيه، فأنزل الله \"ولقد علمنا المستقدمين منكم والمستأخرين\". قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله عن هذا الأثر: \"حديث غريب جدا ... \" وقال أيضا: \"وهذا الحديث فيه نكارة شديدة ... والظاهر أنه من كلام أبي الجوزاء فقط، ليس فيه لابن عباس ذكر، وقد قال الترمذي: هذا أشبه أن يكون أًصح\" وقال ابن عطية: ما تقدم وما تأخر من الآية يضعف هذه التأويلات لأنها تذهب إيصال المعنى. انظر: تفسير ابن كثير: 2 / 550-551، الدر المنثور: 5 / 73، المحرر الوجيز: 8 / 303، الكافي الشاف لابن حجر ص93.\r(5) أخرجه مسلم في الصلاة، باب تسوية الصفوف وإقامتها، برقم (4400) 1 / 326، والمصنف في شرح السنة: 3 / 371.\r(6) قال الطبري: (14 / 26) \"وأولى الأقوال عندي في ذلك بالصحة، قول من قال: معنى ذلك: ولقد علمنا الأموات منكم يا بني آدم فتقدم موته، ولقد علمنا المستأخرين الذين استأخر موتهم، ممن هو حي، ومن هو حادث منكم ممن لم يحدث بعد، لدلالة ما قبله من الكلام وما بعده على أن ذلك كذلك. وجائز أن تكون الآية نزلت في شأن المستقدمين في الصف لشأن النساء والمستأخرين فيه لذلك، ثم يكون الله عز وجل عم بالمعنى المراد منه جميع الخلق، فقال جل ثناؤه لهم: قد علمنا ما مضى من الخلق وأحصيناهم، وما كانوا يعملون، ومن هو حي منكم، ومن هو حادث بعدكم أيها الناس، وأعمال جميعكم خيرها وشرها، وأحصينا جميع ذلك، ونحن نحشر جميعهم، فنجازي كلا بأعماله، إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا، فيكون ذلك تهديدا ووعيدا للمستأخرين في الصفوف لشأن النساء، ولكل من تعدى حد الله، وعمل بغير ما أذن له به، ووعدا لمن تقدم في الصفوف لسبب النساء، وسارع إلى محبة الله ورضوانه في أفعاله كلها\".","part":4,"page":377},{"id":1623,"text":"{ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (25) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) } .\r{ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } على ما علم منهم.\rوقيل: يميت الكلَّ، ثم يحشرهم، الأولين والآخرين.\rأخبرنا أبو صالح أحمد بن عبد الملك المؤذن، أخبرنا أبو سعيد الصيرفي، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان عن جابر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"من مات على شيء بعثه الله عليه\" (1) .\rقوله تعالى { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ } يعني: آدم عليه السلام، سمي إنسانًا لظهوره وإدراك البصر إياه. وقيل: من النسيان لأنه عهد إليه فنسي. { مِنْ صَلْصَالٍ } وهو الطين اليابس الذي إذا نقرته سمعت له صلصلةً، أي: صوتًا.\rقال ابن عباس: هو الطين الحر، الذي نضب عنه الماء تشقَّق، فإذا حرك تقعقع.\rوقال مجاهد: هو الطين المنتن. واختاره الكسائي، وقال: هو من صَلَّ اللحم وأصَلَّ، إذا أنتن (2) { مِنْ حَمَإٍ } والحمأ: الطين الأسود { مَسْنُونٍ } أي: متغيِّر. قال مجاهد وقتادة: هو المنتن المتغير.\r__________\r(1) أخرجه الحاكم في المستدرك: 4 / 313 عن جابر رضي الله عنه، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 3 / 313 عن جابر، والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه: 1 / 29، والمصنف في شرح السنة: 14 / 401. وصححه الألباني في \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" برقم (283) 1 / 510، وانظر: كنز العمال: 15 / 681. وأخرج مسلم من طريق جرير عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: \"يبعث كل عبد على ما مات عليه\" كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت، برقم (2878) 4 / 2206.\r(2) انظر: المحرر الوجيز: 8 / 303-305، البحر المحيط: 5 / 453.","part":4,"page":378},{"id":1624,"text":"وقال أبو عبيدة: هو المصبوب. تقول العرب: سننت الماء أي صببته.\rقال ابن عباس: هو التراب المبتلُّ المنتن، جعل صلصالا كالفخار (1) .\rوفي بعض الآثار: إن الله عز وجل خمر طينة آدم وتركه حتى صار متغيرًا أسود، ثم خلق منه آدم عليه السلام (2) .\r{ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27) } .\r{ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ } قال ابن عباس: هو أبو الجن كما أن آدم أبو البشر.\rوقال قتادة: هو إبليس خلق قبل آدم.\rويقال: الجانّ: أبو الجن، وإبليس أبو الشياطين.\rوفي الجن مسلمون وكافرون، ويحيون ويموتون، وأما الشياطين؛ فليس منهم مسلمون، ويموتون إذا مات إبليس.\rوذكر وهب: إن من الجن من يولد لهم ويأكلون ويشربون [بمنزلة الآدميين] (3) ومن الجن من هم بمنزلة الريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون.\r{ مِنْ نَارِ السَّمُومِ } والسموم ريح حارة تدخل مسامَّ الإنسان فتقتله. ويقال: السَّموم بالنهار والحَرور بالليل.\rوعن الكلبي عن أبي صالح: السموم نار لا دخان لها، والصواعق تكون منها وهي نار بين السماء وبين الحجاب، فإذا أحدث الله أمرًا خرقت الحجاب فهوت إلى ما أمرت، فالهدَّة التي تسمعون في خرق ذلك الحجاب.\rوقيل: نار السَّموم لهب النار.\rوقيل: من نار السموم أي: من نار جهنم.\rوعن الضحاك عن ابن عباس قال: كان إبليس من حي من الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السَّموم (4) وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، فأما الملائكة فإنهم خلقوا\r__________\r(1) انظر المحرر الوجيز: 8 / 305-306، زاد المسير: 4 / 397-398.\r(2) أخرج نحوا من هذا مطولا: ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفا عليه، وما انفرد به ابن عساكر فهو ضعيف غالبا. انظر: الدر المنثور: 5 / 77.\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) انظر: فيما سبق، تفسير سورة البقرة: 1 / 80-81.","part":4,"page":379},{"id":1625,"text":"من النور (1) .\r{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) } .\rقوله تعالى: { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا } أي: سأخلق بشرًا { مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ } .\r{ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ } عَدَّلْتُ صورته، وأتممت خلقه، { وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي } فصار بشرًا حيًا، والروح جسم لطيف يحيا به الإنسان، وأضافه إلى نفسه تشريفًا { فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ } سجود تحية لا سجود عبادة.\r{ فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ } الذين أمروا بالسجود { كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } .\rفإن قيل: لِمَ قال { كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } وقد حصل المقصود بقوله فسجد الملائكة؟\rقلنا: زعم الخليل وسيبويه أنه ذكر ذلك تأكيدا.\rوذكر المبرِّد: أن قوله { فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ } كان من المحتمل أنه سجد بعضهم فذكر \"كلهم\" ليزول هذا الإشكال، ثم كان [يحتمل أنهم سجدوا] (2) في أوقات مختلفة فزال ذلك الإشكال بقوله \"أجمعون\" (3)\rوروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه: إن الله عز وجل قال لجماعة من الملائكة: اسجدوا لآدم فلم يفعلوا فأرسل الله عليهم نارًا فأحرقتهم، ثم قال لجماعة أخرى: اسجدوا لآدم فسجدوا (4) .\r__________\r(1) أخرج الإمام مسلم في صحيحه: (4 / 2294) عن عائشة رضي الله عنها قلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم\".\r(2) في \"ب\" من المحتمل أن يسجدوا.\r(3) جاء هذا الجواب أوضح في \"مسائل الرازي وأجوبتها من غرائب آي التنزيل\" ص (167-168) قال: \"قال سيبويه والخليل: هو توكيد بعد توكيد، فيفيد زيادة تمكين المعنى وتقريره في الذهن، فلا يكون تحصيل الحاصل، بل تكون نسبة \"أجمعون\" كنسبة \"كلهم\" إلى أصل الجملة. وقال المبرد: قوله تعالى: \"أجمعون\" يدل على اجتماعهم في زمان السجود، و\"كلهم\" يدل على وجود السجود من الكل، فكأنه قال: فسجد الملائكة كلهم معا في زمان واحد. واختار ابن الأنباري هذا القول. واختار الزجاج وأكثر الأئمة قول سيبويه، وقالوا: لو كان الأمر كما زعم المبرد لكان \"أجمعون\" حالا، لوجود حد الحال فيه، وليس بحال؛ لأنه مرفوع، ولأنه معرفة كسائر ألفاظ التوكيد\".\r(4) أخرجه الطبري في التفسير: 14 / 31. وقال ابن كثير: (2 / 551) وفي ثبوت هذا عنه نظر، والظاهر أنه إسرائيلي ووصفه بأنه أثر غريب عجيب.","part":4,"page":380},{"id":1626,"text":"{ إِلا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31) } .","part":4,"page":381},{"id":1627,"text":"{ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) قَالَ لَمْ أَكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَلأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) }\r{ قَالَ لَمْ أَكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ } أراد: أنا [أفضل] (1) منه لأنه طينيّ، وأنا ناريّ، والنار تأكل الطين.\r{ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا } أي: من الجنة { فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } طريد.\r{ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ } قيل: إن أهل السموات يلعنون إبليس كما يلعنه أهل الأرض، فهو ملعون في السماء والأرض.\r{ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أراد الخبيث أن لا يموت.\r{ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ } أي: الوقت الذي يموت فيه الخلائق، وهو النفخة الأولى.\rويقال: إن مدة موت إبليس أربعون سنة وهي ما بين النفختين.\rويقال: لم تكن إجابة الله تعالى إياه في الإمهال إكراما له، بل كانت زيادة في بلائه وشقائه.\r{ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي } أضللتني. وقيل: خيَّبتَني من رحمتك { لأزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرْضِ } حُبَّ الدنيا ومعاصيك { وَلأغْوِيَنَّهُمْ } أي: لأضلنَّهم، { أَجْمَعِينَ }\r{ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ } المؤمنين الذين أخلصوا لك الطاعة والتوحيد، ومن فتح اللام، أي: مَنْ أخلصته بتوحيدك واصطفيته.\r__________\r(1) في \"ب\" خير.","part":4,"page":381},{"id":1628,"text":"{ قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (44) }\r{ قَالَ } الله تعالى { هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ } قال الحسن: معناه صراط إلي مستقيم.\rوقال مجاهد: الحق يرجع إلى الله تعالى، وعليه طريقه، ولا يعوج عليه شيء.\rوقال الأخفش: يعني: عليَّ الدلالة على الصراط المستقيم.\rقال الكسائي: هذا على التهديد والوعيد كما يقول الرجل لمن يخاصمه: طريقك عليَّ، أي: لا تفلت مني، كما قال عز وجل: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}(الفجر-14).\rوقيل: معناه على استقامته بالبيان والبرهان والتوفيق والهداية.\rوقرأ ابن سيرين، وقتادة، ويعقوب: عَلِيٌّ، من العُلُوّ أي: رفيع، وعبَّر بعضهم عنه: رفيع أن يُنال، مستقيم أن يُمال.\r{ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } 197/أ أي: قوة.\rقال أهل المعاني: يعني على قلوبهم.\rوسُئل سفيان بن عيينة عن هذه الآية فقال: معناه ليس لك عليهم سلطان تلقيهم في ذنب يضيق عنه عفوي، وهؤلاء ثنية الله الذين هداهم واجتباهم. { إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ }\r{ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ } يعني موعد إبليس ومن تبعه.\r{ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ } أطباق.\rقال علي رضي الله عنه: تدرون كيف أبواب النار؟ هكذا، ووضع [شعبة] إحدى يديه على الأخرى (1) أي: سبعة أبواب بعضها فوق بعض وإن الله وضع الجنان على العرض ووضع النيران بعضها فوق بعض.\rقال ابن جريج: النار سبع دَرَكاتٍ: أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية.\r{ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ } أي: لكل دركةٍ قَومٌ يسكنونها.\rوقال الضحاك: في الدركة الأولى أهل التوحيد الذين أدخلوا النار، يعذَّبون بقدر ذنوبهم ثم\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 14 / 35، ومنه زدنا كلمة \"شعبة\" وهو الراوي الذي حكى الإشارة بيديه.","part":4,"page":382},{"id":1629,"text":"يخرجون، وفي الثانية النصارى، وفي الثالثة اليهود، وفي الرابعة الصابئون، وفي الخامسة المجوس، وفي السادسة أهل الشرك، وفي السابعة المنافقون، فذلك قوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ}(النساء-145).\rوروي عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"لجهنَّم سبعة أبواب باب منها لمن سلَّ السيف على أمتي أو قال على أمة محمد\" (1) .\r{ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ (46) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47) لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48) نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) }\rقوله تعالى: { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } أي: في بساتين وأنهار.\r{ ادْخُلُوهَا } أي: يقال لهم ادخلوا الجنة { بِسَلامٍ } أي: بسلامة { آمِنِينَ } من الموت والخروج والآفات.\r{ وَنَزَعْنَا } أخرجنا { مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ } هو الشحناء والعداوة والحقد والحسد، { إِخْوَانًا } نصب على الحال { عَلَى سُرُرٍ } جمع سرير { مُتَقَابِلِينَ } يقابل بعضهم بعضا، لا ينظر أحد منهم إلى قفا صاحبه.\rوفي بعض الأخبار: إن المؤمن في الجنة إذا وَدَّ أن يلقى أخاه المؤمن سار سرير كل واحد منهما إلى صاحبه فيلتقيان ويتحدثان.\r{ لا يَمَسُّهُمْ } لا يصيبهم { فِيهَا نَصَبٌ } أي: تعب { وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ } هذه أنصُّ آية في القرآن على الخلود.\rقوله تعالى: { نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } قال ابن عباس: يعني لمن تاب منهم.\rوروي أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يومًا على نفر من أصحابه وهم يضحكون، فقال: \"أتضحكون وبين أيديكم النار\" فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآية، وقال: \"يقول لك ربك يا محمد لِمَ تقنط عبادي من رحمتي\" (2) ?\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في تفسير سورة الحجر: 8 / 551-552، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث مالك بن مغول، والإمام أحمد في المسند: 2 / 94. وعزاه السيوطي للبخاري في \"التاريخ\" ولابن مردويه. انظر: الدر المنثور: 5 / 81.\r(2) أخرجه الطبري عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: 14 / 39، وعزاه السيوطي لابن مردويه، الدر المنثور: 5 / 86، وذكره الواحدي في \"أسباب النزول\" ص (320)، والقرطبي في التفسير: 10 / 34، وأبو حيان في البحر: 5 / 457. وروى نحوه دون ذكر نزول جبريل، الطبراني عن عبد الله بن الزبير، وفيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف. انظر: مجمع الزوائد: 7 / 46.","part":4,"page":383},{"id":1630,"text":"{ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الألِيمُ (50) وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51) }","part":4,"page":384},{"id":1631,"text":"{ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52) قَالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (53) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَي (54) }\r{ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الألِيمُ } قال قتادة: بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: \"لو يعلم العبد قدر عفو الله لما تورع عن حرام، ولو يعلم قدر عذابه لبخع نفسه\" (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو بن أبي عمرو، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: \"إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائةَ رحمةٍ، فأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة، وأرسل في خَلْقِهِ كلهم رحمةً واحدة، فلو يعلمُ الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييئس من الجنة، ولو يعلمُ المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار\" (2) .\rقوله تعالى: { وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ } أي: عن أضيافه. والضيف: اسم يقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، وهم الملائكة الذين أرسلهم الله تعالى ليبشروا إبراهيم عليه السلام بالولد، ويهلكوا قوم لوط.\r{ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ } إبراهيم: { إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ } خائفون لأنهم لم يأكلوا طعامه.\r{ قَالُوا لا تَوْجَلْ } لا تخف { إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ } أي: غلام في صِغَرِه، عليم في كبره، يعني: إسحاق، فتعجب إبراهيم عليه السلام من كبره وكبر امرأته.\r{ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي } أي: بالولد { عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ } أي: على حال الكبر، قاله على طريق التعجب { فَبِمَ تُبَشِّرُونِ } فبأي شيء تبشرون؟ قرأ نافع بكسر النون وتخفيفها أي: تبشرون، وقرأ ابن كثير بتشديد النون أي: تبشرونني، أدغمت نون الجمع في نون الإضافة، وقرأ الآخرون بفتح النون وتخفيفها.\r__________\r(1) رواه الطبري عن قتادة بلاغا: 14 / 39، وزاد السيوطي نسبته لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. انظر: الدر المنثور: 5 / 86.\r(2) أخرجه البخاري في الرقاق، باب الرجاء مع الخوف: 11 / 301، والمصنف في شرح السنة: 14 / 378.","part":4,"page":384},{"id":1632,"text":"{ قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (55) قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ (56) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58) إِلا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (60) }\r{ قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ } أي بالصدق { فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ }\r{ قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ } قرأ أبو عمرو والكسائي ويعقوب: بكسر النون، والآخرون بفتحها، وهما لغتان: قَنِطَ يَقْنَط، وقَنَطَ يَقْنِط (1) أي: من ييئس { مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ } أي: الخاسرون، والقنوط من رحمة الله كبيرة كالأمن من مكره (2) .\r{ قَالَ } إبراهيم لهم { فَمَا خَطْبُكُمْ } ما شأنكم { أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ } ؟\r{ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ } مشركين.\r{ إِلا آلَ لُوطٍ } أتباعه وأهل دينه، { إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ } خفف الجيم حمزة والكسائي، وشدده الباقون.\r{ إِلا امْرَأَتَهُ } أي: امرأة لوط، { قَدَّرْنَا } قضينا { إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ } الباقين في العذاب،\r__________\r(1) رد أبو عبيدة القراءة بكسر النون، فقال ابن عطية في المحرر الوجيز: 8 / 327، وليس كما قال، لأنهم لا يجمعون إلا على قوي في اللغة مروي عندهم، وهي قراءة فصيحة.\r(2) روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الكبائر؟ فقال: \"الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله\". أخرج عبد الرزاق في \"المصنف\" (10 / 460) عن ابن مسعود قال: \"أكبر الكبائر الشرك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من روح الله\" وعزاه الهيثمي للطبراني وقال: \"إسناده صحيح\" مجمع الزوائد: (1 / 104). وقال الطحاوي: \"الأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام، وسبيل الحق بينهما لأهل الإسلام، فيجب أن يكون العبد خائفا راجيا، فإن الخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه وبين محارم الله، فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط. والرجاء المحمود: رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله، فهو راج لثوابه، أو رجل أذنب ذنبا، ثم تاب منه إلى الله، فهو راج لمغفرته. أما إذا كان الرجل متماديا في التفريط والخطايا، يرجو رحمة الله بلا عمل، فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب. وقد مدح الله تعالى أهل الخوف والرجاء بقوله: \"أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة، ويرجو رحمة ربه\" (الزمر-9) وقال: \"تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا\" (السجدة-16) فالرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك لكان أمنا، والخوف يستلزم الرجاء، ولولا ذلك لكان قنوطا ويأسا. وكل أحد إذا خفته، هربت منه، إلا الله انظر: شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي ص(357-358).","part":4,"page":385},{"id":1633,"text":"والاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي، فاستثنى امراة لوط من الناجين فكانت ملحقة بالهالكين.\rقرأ أبو بكر \"قدرنا\" هاهنا وفي سورة النمل بتخفيف الدال. والباقون بتشديدها.\r{ فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (61) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (62) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (63) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (64) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66) }\r{ قَالَ } لوط لهم { إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ } أي: أنا لا أعرفكم.\r{ قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ } أي: يشكُّون في أنه نازلٌ بهم، وهو العذاب، لأنه كان يوعدهم بالعذاب ولا يصدقونه.\r{ وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ } باليقين. وقيل: بالعذاب { وَإِنَّا لَصَادِقُونَ }\r{ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ } أي: سِرْ خلفهم { وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ } حتى لا يرتاعوا من العذاب إذا نزل بقومهم.\rوقيل: جعل الله ذلك علامة لمن ينجو من آل لوط.\r{ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ } قال ابن عباس: يعني الشام. وقال مقاتل: يعني زُغَر (1) وقيل: الأردن.\r{ وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ } أي: فرغنا إلى آل لوط من ذلك الأمر، أي: أحكمنا الأمر الذي أمرنا في قوم لوط، وأخبرناه: { أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ } يدل عليه قراءة عبد الله: وقلنا له إن دابر هؤلاء، يعني: أصلهم، { مَقْطُوعٌ } مستأصل، { مُصْبِحِينَ } إذا دخلوا في الصبح.\r__________\r(1) في \"ب\" \"زعر\" - بالعين المهملة الساكنة، أوله مفتوح - موضع بالحجاز، قال ياقوت الحموي في \"معجم البلدان\" (3 / 142-143) \"زغر\" بالغين المعجمة، بوزن زُفَر - قرية بمشارف الشام وإياها عنى أبو دؤاد الإيادي حيث قال: ككتابة الزغري غَشَّا ... ها من الذهب الدُّلامص\rوقيل: \"زغر\" اسم بنت لوط، عليه السلام، نزلت بهذه القرية فسميت باسمها؛ وقال حاتم الطائي: سقى الله رب الناس سحًا وديمة ... جنوب السراة من مآبٍ إلى زُعَر\rوجاء ذكر \"زغر\" في حديث الجساسة، الذي أخرجه مسلم في الفتن برقم (2942) 4 / 2261-2264.","part":4,"page":386},{"id":1634,"text":"{ وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67) قَالَ إِنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ (69) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (70) }","part":4,"page":387},{"id":1635,"text":"{ قَالَ هَؤُلاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (71) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) }\r{ وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ } يعني سدوم { يَسْتَبْشِرُونَ } بأضياف لوط، أي: يبشر بعضهم بعضًا، طمعًا في ركوب الفاحشة منهم.\r{ قَالَ } لوط لقومه { إِنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي } وحقٌّ على الرجل إكرام ضيفه { فَلا تَفْضَحُونِ } فيهم.\r{ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ } ولا تخجلون.\r{ قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ } أي: ألم ننهك عن أن تضيف أحدًا من العالمين.\rوقيل: ألم ننهك أن تُدخل الغرباء المدينة، فإنا نركب منهم الفاحشة.\r{ قَالَ هَؤُلاءِ بَنَاتِي } أزوجهن إياكم إن أسلمتم (1) فأتوا الحلال ودعوا الحرام { إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ } ما آمركم به.\rوقيل: أراد بالبنات نساء قومه لأن النبي كالوالد لأمته.\rقال الله تعالى: { لَعَمْرُكَ } يا محمد أي وحياتك { إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ } حيرتهم وضلالتهم، { يَعْمَهُونَ } يترددون.\rقال قتادة: يلعبون.\rرُوِي عن أبي الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما خلق الله نفسًا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم، وما أقسم الله تعالى بحياة أحد إلا بحياته (2) .\r__________\r(1) قال ابن عطية بعد أن ذكر الخلاف في تأويل قوله \"بناتي\" ... ويلزم من هذا التأويل أن يكون في شرعه جواز زواج الكافر للمؤمنة، وقد ورد أن المؤمنات به قليل جدا. وقال: ويحتمل أن يريد عليه السلام بقوله: \"هؤلاء بناتي\" بنات صلبه، ويكون ذلك على طريق المجاز، وهو لا يحقق في إباحة بناته، وهذا كما تقول لإنسان تراه يريد قتل آخر: اقتلني ولا تقتله، فإنما ذلك على جهة التشنيع عليه، والاستنزال من جهة ما، واستدعاء الحياء منه، وهذا كله من مبالغة القول الذي لا يدخله معنى الكذب، بل الغرض منه مفهوم، وعليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: \"ولو كمفحص قطاة\" .. إلى غير هذا من الأمثلة. انظر: المحرر الوجيز: 8 / 337-338.\r(2) أخرجه الطبري في التفسير: 14 / 44، والحارث بن أبي أسامة في مسنده، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي في \"الدلائل\" . وسكت عليه البوصيري. انظر: الدر المنثور: 5 / 89، المطالب العالية لابن حجر: 3 / 347.","part":4,"page":387},{"id":1636,"text":"{ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (76) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (77) وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الأيْكَةِ لَظَالِمِينَ (78) }\r{ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ } 197/ب أي: حين أضاءت الشمس، فكان ابتداء العذاب حين أصبحوا، وتمامه حين أشرقوا.\r\" فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ \" .\r{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ } قال ابن عباس: للناظرين.\rوقال مجاهد: للمتفرسين.\rوقال قتادة: للمعتبرين.\rوقال مقاتل: للمتفكرين (1) .\r{ وَإِنَّهَا } يعني: قرى قوم لوط { لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ } أي: بطريق واضح.\rوقال مجاهد: بطريق معلم (2) ليس يخفى ولا زائل.\r{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ } (3) .\r{ وَإِنْ كَانَ } وقد كان { أَصْحَابُ الأيْكَةِ } الغيضة { لَظَالِمِينَ } لكافرين، واللام للتأكيد، وهم قوم شعيب عليه السلام، كانوا أصحاب غياض وشجر ملتفٍّ، وكان عامة شجرهم الدَّوْم، وهو المُقْل (4) .\r__________\r(1) وهذه المعاني كلها متقاربة، فالله تعالى يقول: إن في الذي فعلنا بقوم لوط من إهلاكهم، وأحللنا بهم من العذاب لعلامات ودلالات للمتفرسين المعتبرين بعلامات الله وعِبره على عواقب أمور أهل معاصيه والكفر به، وإنما يعني - تعالى ذكره - بذلك قوم نبي الله صلى الله عليه وسلم من قريش، يقول: فلِقَومك يا محمد في قوم لوط، وما حلَّ بهم من عذاب الله حين كذَّبوا رسولهم، وتمادوا في غيِّهم وضلالهم، معتبر\". انظر: تفسير الطبري: 14 / 45.\r(2) في \"ب\" معلوم.\r(3) \"يقول تعالى ذكره: إن في صنيعنا بقوم لوط ما صنعنا بهم، لعلامة ودلالة بيِّنة لمن آمن بالله، على انتقامه من أهل الكفر به، وإنقاذه من عذابه، إذا نزل بقوم، أهل الإيمان به منهم\". انظر: تفسير الطبري: 14 / 47.\r(4) في \"المعجم الوسيط\" (1 / 305) \"الدَّوْم\" شجر عظام، من الفصيلة النخيلية، يكثر في صعيد مصر، وفي بلاد العرب، وثمرته في غلظ التفاحة ذات قشر صلب أحمر، وله نواة ضخمة ذات لبّ إسفنجي\". وفيه أيضا: (2 / 881) \"المُقْل\" حَمْلُ الدَّوْم، وهو يشبه النخل.","part":4,"page":388},{"id":1637,"text":"{ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (79) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (82) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (84) }\r{ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ } بالعذاب، وذلك (1) أن الله سلط عليهم الحرَّ سبعة أيام فبعث الله سحابة فالتجؤوا إليها يلتمسون الروح، فبعث الله عليهم منها نارًا فأحرقتهم، فذلك قوله تعالى: {فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ}(الشعراء-189).\r{ وَإِنَّهُمَا } يعني مدينتي قوم لوط وأصحاب الأيكة { لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ } بطريق واضح مستبين.\rقوله تعالى: { وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ } وهي مدينة ثمود قوم صالح، وهي بين المدينة والشام، { الْمُرْسَلِينَ } أراد صالحًا وحده. (2) .\r{ وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا } يعني: الناقة وولدها والبئر، فالآيات في الناقة؛ خروجها من الصخرة، وكبرها، وقرب ولادها، وغزارة لبنها { فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ }\r{ وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ } من الخراب ووقوع الجبل عليهم.\r{ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ } يعني: صيحة العذاب، { مُصْبِحِين } أي: داخلين في وقت الصبح.\r{ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } من الشرك والأعمال الخبيثة.\rأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أنبأنا محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، حدثنا عبد الله بن محمود، أنبأنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن الزهري، أخبرنا سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما مرَّ بالحجر قال: \"لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم\".\r__________\r(1) في \"أ\" روي.\r(2) وإنما ذكر بلفظ الجمع لأن من كذب بنبي واحد أو كفر، فقد كفر بسائر الأنبياء فإن الإيمان واجب بكل نبي بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض، فمن رد نبوته لحسد أو عصبية أو هوى ... يتبين أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء، وتصديقه له، ليس إيمانا شرعيا. وانظر تفصيلا أوسع لهذا في \"مجلة البحوث الإسلامية\" العدد (16) بعنوان \"إن الدين عند الله الإسلام\" كتبه: عثمان جمعة ضميرية.","part":4,"page":389},{"id":1638,"text":"قال: وتقنَّع بردائه وهو على الرَّحْل (1) .\rوقال عبد الرزاق عن معمر: \"ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى اجتاز الوادي\" (2) .\r{ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ (86) وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87) }\rقوله تعالى: { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَواتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ } يعني: القيامة { لآتِيَةٌ } يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته { فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ } فأعرض عنهم واعفُ عفوًا حسنًا. نسختها آية القتال (3) .\r{ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ } [بخلقه] (4) .\rقوله تعالى: { وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي } قال عمر وعلي: هي فاتحة الكتاب. وهو قول قتادة وعطاء والحسن وسعيد بن جبير.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا آدم، حدثنا ابن أبي ذئب، حدثنا سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أمّ القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم\" (5) .\rوعن ابن مسعود قال في السبع المثاني: هي فاتحة الكتاب، والقرآن العظيم: هو سائر القرآن (6) .\rواختلفوا في أنّ الفاتحة لِمَ سميت مثاني؟\rقال ابن عباس والحسن وقتادة: لأنها تُثنَّى في الصلاة، فتقرأ في كل ركعة (7) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب قول الله تعالى: \"وإلى ثمود أخاهم صالحا\" 6 / 378-379، ومسلم في الزهد، باب \"لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم\" برقم (2980) 4 / 2286. والمصنف في شرح السنة: 14 / 361.\r(2) المصنف لعبد الرزاق: 1 / 415، والبيهقي في السنن: 2 / 451.\r(3) انظر فيما سبق، تفسير الآية (3) من السورة: ص 78 تعليق (6).\r(4) ساقط من \"أ\".\r(5) أخرجه البخاري في تفسير سورة الحجر ، باب \"ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم\" : 8 / 381 وانظر : فتح الباري : الموضع نفسه .\r(6) أخرجه الطبري في التفسير: 14 / 55، وزاد السيوطي نسبته لابن الضريس، وابن المنذر، وابن مردويه. انظر: الدر المنثور: 5 / 94، زاد المسير: 4 / 413.\r(7) انظر: الطبري: 14 / 54-55، الدر المنثور: 5 / 95-96، زاد المسير: 4 / 413-414، ففيها تفصيل هذه الأقوال ونسبتها لأصحابها. وراجع فيما سبق: 1 / 49.","part":4,"page":390},{"id":1639,"text":"وقيل: لأنها مقسومة بين الله وبين العبد نصفين، نصفها ثناء ونصفها دعاء، كما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله عز وجل: \"قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين\" (1) .\rوقال الحسين (2) بن الفضل: سميت مثاني لأنها نزلت مرتين: مرة بمكة، ومرة بالمدينة، كل مرة معها سبعون ألف ملك.\rوقال مجاهد: سميت مثاني لأن الله تعالى استثناها وادَّخرها لهذه الأمة فما أعطاها غيرهم. وقال أبو زيد البلخي: [سميت مثاني] (3) لأنها تُثْنِي أهل الشر عن الفسق، من قول العرب: ثنيت عناني.\rوقيل: لأن أولها ثناء.\rوقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: إن السبع المثاني هي السبع الطوال، أولها سورة البقرة، وآخرها الأنفال مع التوبة. وقال بعضهم: سورة يونس بدل الأنفال.\rأخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، [أنا أبو إسحاق الثعلبي، حدثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي] (4) أخبرنا أبو بكر محمد بن حمدون بن خالد وعبد الله بن محمد بن مسلم قالا أنبأنا هلال بن العلاء، حدَّثنا حجاج بن محمد عن أيوب بن عتبة، عن يحيى بن كثير، عن شداد بن عبد الله، عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إن الله تعالى أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل وأعطاني مكان الزبور المثاني، وفضَّلني ربي بالمفصل\" (5) .\rوعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أوتي النبي صلى الله عليه وسلم السبع الطوال، وأعطي موسى ستًا فلما ألقى الألواح رُفع ثنتان وبقي أربع (6) .\r__________\r(1) وتمامه: \" ..، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: (الحمد لله رب العالمين) قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: (الرحمن الرحيم) قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي. وإذا قال: (مالك يوم الدين) قال: مجّدني عبدي، فإذا قال: (إياك نعبد وإياك نستعين) قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل\". أخرجه مسلم في الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة ... برقم (395) 1 / 296، والمصنف في شرح السنة: 3 / 47، وانظر فيما سبق: 1 / 57.\r(2) في \"ب\" الحسن.\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(5) تقدم تخريجه فيما سبق: 1 / 41، تعليق (3).\r(6) انظر فيما سبق تعليقا على الروايات عن إلقاء موسى للألواح 3 / 288 تعليق (1).","part":4,"page":391},{"id":1640,"text":"قال ابن عباس: وإنما سميت السبع الطوال مثاني لأن الفرائض والحدود والأمثال والخَبَر والعبر ثنيت فيها.\rوقال طاوس: القرآن كله مثاني قال الله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ}(الزمر-23). وسمي القرآن مثاني لأن الأنباء والقصص ثنيت فيه.\rوعلى هذا القول: المراد بالسبع: سبعة أسباع القرآن، فيكون تقديره على هذا: وهي القرآن العظيم وقيل: الواو مقحمة، مجازه: ولقد آتيناك سبعا من المثاني القرآن العظيم (1) .\r{ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) }\rقوله تعالى: { لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } يا محمد { إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا } أصنافًا { مِنْهُمْ } أي: من الكفار متمنيًا لها. نهى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم عن الرغبة في الدنيا ومزاحمة أهلها [عليها] (2) . { وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } أي: لا تغتمَّ على ما فاتك من مشاركتهم في الدنيا.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن العَنزيّ، حدثنا عيسى بن نصر، أنبأنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا جهم بن أوس، قال: سمعت عبد الله بن أبي مريم -ومرَّ به عبد الله بن رستم في موكبه، فقال لابن أبي مريم: إني لأشتهي مجالستك وحديثك، فلما مضى قال ابن مريم -سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا تغبطنَّ فاجرًا بنعمته، فإنك لا تدري ما هو لاقٍ بعد موته، إن له عند الله قاتلا لا يموت\" فبلغ ذلك وهب بن منبه فأرسل إليه وهب أبا داود الأعور، قال: يا أبا فلان ما قاتلا لا يموت؟ قال ابن أبي مريم: النار\" (3) .\rأخبرنا أبو منصور محمد بن عبد الملك المظفري السَّرخسي، أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن الفضل الفقيه، حدثنا أبو الحسن بن إسحاق، حدثنا إبراهيم بن عبد الله العبسي، أخبرنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه -قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"انظروا\r__________\r(1) تقدم فيما سبق أنه ليس في القرآن شيء من الحروف مقحم.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) رواه البخاري في \"التاريخ\" والطبراني في \"الأوسط\" والبيهقي، قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات. ورواه المصنف في شرح السنة: 14 / 294-295. وضعفه الألباني في تعليقه على المشكاة. انظر: فيض القدير للمناوي: 6 / 413، مجمع الزوائد: 10 / 355، مشكاة المصابيح: 3 / 1445.","part":4,"page":392},{"id":1641,"text":"إلى مَنْ هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى مَنْ هو فوقكم، فإنه أَجْدَرُ أن لا تَزْدَرُوا نعمةَ الله عليكم\" (1) .\rوقيل: هذه الآية متصلة بما قبلها لمَّا مَنَّ الله تعالى عليه بالقرآن نهاه عن الرغبة في الدنيا.\rرُوي أن سفيان بن عُيَيْنة 198/أ -رحمه الله -تأول قول النبي صلى الله عليه وسلم \"ليس منا من لم يتغن بالقرآن\" (2) أي: لم يستغن بالقرآن. فتأوَّل هذه الآية (3) .\rقوله تعالى: { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ } ليّن جناحك { لِلْمُؤْمِنِينَ } وارفق بهم، والجناحان لابن آدم جانباه.\r{ وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (89) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (90) }\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الزهد والرقائق، برقم (2963) 4 / 2275، والمصنف في شرح السنة: 14 / 293.\r(2) أخرجه البخاري في التوحيد، باب قول الله تعالى: \"وأسروا قولكم أو أجهروا به\" 3 / 501 وفي مواضع أخرى.\r(3) أخرج البخاري في فضائل القرآن، باب \"من لم يتغن بالقرآن\" (9 / 68) عن أبي هريرة مرفوعا: ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي أن يتغنى بالقرآن\" قال سفيان: تفسيره يستغني به\". قال في فتح الباري (9 / 69) ويمكن أن يستأنس بما أخرجه أبو داود، وابن الضريس، وصححه أبو عوانة عن ابن أبي مليكة عن عبيد الله بن نهيك قال: \"لقيني سعد بن أبي وقاص وأنا في السوق فقال: تُجَّار كَسَبَة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ليس منا من لم يتغن بالقرآن\" وقد ارتضى أبو عبيد تفسير يتغنى بيستغني - وقال: إنه جائز في كلام العرب، وأنشد الأعشى: وكنت امرأ زمنا بالعراق ... خفيف المناخ طويل التغني\rأي: كثير الاستغناء. وقال المغيرة بن حبناء: كلانا غني عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشدُّ تغانيا\rقال: فعلى هذا يكون المعنى: من لم يستغن بالقرآن عن الإكثار من الدنيا، فليس منا، أي: على طريقتنا. وأيّد ابن كثير تفسير سفيان بن عيينة للحديث فقال: وهو تفسير صحيح، ولكن ليس هو المقصود من الحديث. انظر: ابن كثير: 2 / 558. وردَّ الشافعي رحمه الله تفسير ابن عيينة بأنه لو كان معناه على الاستغناء، لكان \"يتغانى\" وتحسين الصوت هو يتغنى. انظر شرح السنة للبغوي: 4 / 487، وراجع حكم التغني بالقرآن واختلاف العلماء فيه وفي معناه في: فتح الباري: 9 / 69-72، تفسير القرطبي: 1 / 11 وما بعدها، التبيان في آداب حملة القرآن للنووي ص (87-90).","part":4,"page":393},{"id":1642,"text":"{ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (91) }\r{ كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ } قال الفراء: مجازه: أنذركم عذابًا كعذاب المقتسمين. حكي عن ابن عباس -رضي الله عنهما -أنه قال: هم اليهود والنصارى.\r{ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ } جزَّؤوه فجعلوه أعضاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه. وقال مجاهد: هم اليهود والنصارى قسموا كتابهم ففرقوه وبدَّلوه (1) .\r__________\r(1) في \"أ\" بدَّدوه.","part":4,"page":393},{"id":1643,"text":"وقيل: \"المقتسمون\" قوم اقتسموا القرآن. فقال بعضهم: سحر. وقال بعضهم: شعر. وقال بعضهم: كذب، وقال بعضهم: أساطير الأولين.\rوقيل: الاقتسام هو أنهم فرقوا القول في رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ساحر كاهن شاعر.\rوقال مقاتل: كانوا ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم، فاقتسموا عِقَاب (1) مكة وطرقها، وقعدوا على أنقابها يقولون لمن جاء من الحجاج: لا تغترُّوا بهذا الرجل الخارج الذي يدعي النبوة منّا. وتقول طائفة منهم: إنه مجنون، وطائفة: إنه كاهن، وطائفة: إنه شاعر، والوليد قاعد على باب المسجد نصبوه حكمًا فإذا سئل عنه قال: صدق (2) أولئك [يعني] (3) المقتسمين (4) .\rوقوله: { عِضِينَ } قيل: هو جمع عضو مأخوذ من قولهم: عضَّيت الشيء تعضيةً، إذا فرَّقته. ومعناه: أنهم جعلوا القرآن أعضاء، فقال بعضهم: سحر. وقال بعضهم: كهانة. وقال بعضهم: أساطير الأولين.\rوقيل: هو جمع عضة: يقال: عضة وعضين مثل برة وبرين وعزة وعزين، وأصلها: عضهة ذهبت هاؤها الأصلية، كما نقصوا من الشفة وأصلها شفهة، بدليل: أنك تقول في التصغير شفيهة، والمراد بالعضة الكذب والبهتان.\rوقيل: المراد بالعضين العَضْهُ، وهو السحر، يريد: أنهم سمَّوا القرآن سحرًا (5) .\r{ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) }\r{ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } يوم القيامة.\r{ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } في الدنيا، قال محمد بن إسماعيل قال عدَّة من أهل العلم: عن قوله \"لا إله إلا الله\" (6) .\rفإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانّ}(الرحمن-39).\rقال ابن عباس: لا يسألهم هل عملتم، لأنه أعلم بهم منهم، ولكن يقول: لِمَ عملتم كذا وكذا؟ واعتمده قطرب فقال: السؤال ضربان، سؤال استعلام، وسؤال توبيخ، فقوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانّ}(الرحمن-39)\r__________\r(1) عقاب: جمع عقبة، والعقبة هي المرقى الصعب من الجبال.\r(2) في \"ب\" سل.\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) انظر هذه الأقوال وتخريجها في الطبري: 14 / 61-64، الدر المنثور: 5 / 98، زاد المسير: 4 / 417-418، فتح الباري: 8 / 382.\r(5) انظر: زاد المسير: 4 / 418-419، الطبري: 4 / 64-66.\r(6) انظر: تفسير الطبري: 14 / 67.","part":4,"page":394},{"id":1644,"text":"يعني: استعلامًا. وقوله: \"لنسألنّهم أجمعين\" يعني توبيخًا وتقريعًا.\rوقال عكرمة عن ابن عباس في الآيتين: إن يوم القيامة يوم طويل فيه مواقف يسألون في بعض المواقف، ولا يسألون في بعضها. نظيره قوله تعالى: {هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ}(المرسلات-35)، وقال في آية أخرى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} (1) (الزمر-31).\r{ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) }\rقوله تعالى: { فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ } قال ابن عباس: أَظْهِرْه. ويروى عنه: أمضه.\rوقال الضحاك: أَعْلِم.\rوقال الأخفش: افْرُقْ، أي: افرق بالقرآن بين الحق والباطل.\rوقال سيبويه: اقض بما تؤمر، وأصل الصَّدْع: الفصل، والفرق: أمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بإظهار الدعوة.\rوروي عن عبد الله بن عبيدة قال: كان مستخفيًا حتى نزلت هذه الآية فخرج هو وأصحابه (2) .\r{ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ } نسختها آية القتال (3) .\r{ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ } يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: فاصدع بأمر الله، ولا تخف أحدًا غير الله عز وجل، فإن الله كافيك مَنْ عاداك كما كفاك المستهزئين، وهم خمسة نفر من رؤساء قريش: الوليد بن المغيرة المخزومي -وكان رأسهم -والعاص بن وائل السهمي، والأسود بن عبد المطلب بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن زمعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا عليه فقال: \"اللهم أعْمِ بصره واثْكله بولده، والأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة، والحارث بن قيس بن الطُّلاطلة، فأتى جبريل محمدًا صلى الله عليه وسلم، والمستهزئون يطوفون بالبيت، فقام جبريل وقام النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنبه، فمرَّ به الوليد بن المغيرة، فقال جبريل: يا محمد كيف تجد هذا ؟ فقال: بئس عَبْدُ الله، فقال: قد كُفِيْتَه، وأومأ إلى ساق الوليد، فمر برجل من خزاعة نبَّال يريش نبلا له وعليه بُرْد يمان، وهو يجرُّ إزاره، فتعلقت شظية من نَبْلٍ بإزاره فمنعه الكبر أن \"يطاطئ رأسه\" (4) فينزعها، وجعلت تضرب ساقه، فخدشته، فمرض منها فمات.\r__________\r(1) انظر: مسائل الرازي وأجوبتها من غرائب آي التنزيل، ص (140-141) و(169)، زاد المسير: 4 / 419-420.\r(2) انظر: زاد المسير: 4 / 420.\r(3) انظر فيما سبق التعليق (6) في تفسير سورة الحجر، الآية (3) ص (368).\r(4) في \"ب\" يطامن.","part":4,"page":395},{"id":1645,"text":"ومرَّ به العاص بن وائل فقال جبريل: كيف تجد هذا يا محمد؟ قال: بئس عبد الله، فأشار جبريل إلى أخمص رجليه، وقال: قد كفيته، فخرج على راحلته ومعه ابنان له يتنزه فنزل شعبًا من تلك الشعاب فوطئ على شبرقةٍ فدخلت منها شوكة في أخمص رجله، فقال: لدغت لدغت، فطلبوا فلم يجدوا شيئا، وانتفخت رجله حتى صارت مثل عنق البعير، فمات مكانه.\rومرَّ به الأسود بن المطلب، فقال جبريل: كيف تجد هذا؟ قال عبد سوء، فأشار بيده إلى عينيه، وقال: قد كفيته، فعمي.\rقال ابن عباس رماه جبريل بورقة خضراء فذهب بصره ووجعت عيناه، فجعل يضرب برأسه الجدار حتى هلك.\rوفي رواية الكلبي: أتاه جبريل وهو قاعد في أصل شجرة ومعه غلام له فجعل ينطح رأسه بالشجرة ويضرب وجهه بالشوك، فاستغاث بغلامه، فقال غلامه: لا أرى أحدا يصنع بك شيئًا غير نفسك، حتى مات، وهو يقول قتلني رب محمد.\rومرَّ به الأسود بن عبد يغوث، فقال جبريل: كيف تجد هذا يا محمد؟ قال: بئس عبد الله على أنه ابن خالي. فقال: قد كفيته، وأشار إلى بطنه فاستسقى [بطنه] (1) فمات حينًا.\rوفي رواية للكلبي أنه خرج من أهله فأصابه السَّمُوم فاسودَّ حتى عاد حبشيًا، فأتى أهله فلم يعرفوه، وأغلقوا دونه الباب حتى مات، وهو يقول: قتلني رب محمد.\rومرَّ به الحارث بن قيس فقال جبريل: كيف تجد هذا يا محمد؛ فقال: عبد سوء فأومأ إلى رأسه وقال: قد كفيته فامتخط قيحًا فقتله.\rوقال ابن عباس: إنه أكل حوتًا مالحًا فأصابه العطش فلم يزل يشرب عليه من الماء حتى انقد بطنه فمات (2) فذلك قوله تعالى: { إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ } بك وبالقرآن.\r{ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ }\r{ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96) }\rوقيل: [استهزاؤهم] (3) واقتسامهم: هو أن الله عز وجل لما أنزل في القرآن سورة البقرة،\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) انظر: تفسير الطبري: 14 / 69-72، زاد المسير: 4 / 421-423، الدر المنثور: 5 / 100-102، المحرر الوجيز: 359-361، البحر المحيط: 5 / 469-470، سيرة ابن هشام: 1 / 408-409.\r(3) ساقط من \"ب\".","part":4,"page":396},{"id":1646,"text":"وسورة النحل، وسورة النمل، وسورة العنكبوت، كانوا يجتمعون ويقولون استهزاء: هذا في (1) سورة البقرة، ويقول هذا في سورة النحل، ويقول هذا في سورة العنكبوت (2) فأنزل الله تعالى: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ }\r{ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) }\r{ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ } قال ابن عباس: فصلِّ بأمر ربك { وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ } 198/ب من المصلين (3) المتواضعين.\rوقال الضحاك: \"فسبح بحمد ربك\": قلْ سبحان الله وبحمده \"وكن من الساجدين\" المصلين.\rوروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة (4) .\r{ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ } أي الموت الموقن به، وهذا معنى ما ذكر في سورة مريم: \"وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا\" .\rأخبرنا المطهر بن علي الفارسي، أخبرنا محمد بن إبراهيم الصالحي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر أبو الشيخ الحافظ، حدثنا أمية بن محمد الصواف البصري، حدثنا محمد بن يحيى الأزدي، حدثنا أبي والهيثم بن خارجة قالا حدثنا إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم، عن أبي مسلم الخولاني عن جبير بن نفير رضي الله عنه قال: قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"وما أوحي إليَّ أن أجمع المال وأكون من التاجرين، ولكن أوحي إلي أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين (5) .\r__________\r(1) في \"ب\" إلى. وفي البحر المحيط: فمن قائل: البعوض لي، من قائل: النمل لي، وقائل العنكبوت لي، استهزاء.\r(2) انظر: البحر المحيط: 5 / 468 .\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب: وقت قيام النبي صلى الله عليه وسلم من الليل: 2 / 94 عن حذيفة، بلفظ: \"كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلَّى\" قال المنذري: وذكر بعضهم أنه روي مرسلا. وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 5 / 388، والبيهقي في الدلائل في قصة الخندق مطولا، انظر: الكافي الشاف ص (7) وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد: 6 / 274. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 4 / 155 ، وضعفه الألباني في تعليقه على المشكاة: 1 / 416 نعم ولكن الألباني حسّنه أخيرا في صحيح سنن أبي داود برقم 1171.\r(5) أخرجه أبو نعيم في الحلية: 2 / 131 مرسلا، ورواه السهمي موصولا في تاريخ جرجان ص (342) عن ابن مسعود. وعزاه السيوطي في الدر المنثور: (5 / 105) لسعيد بن منصور، وابن المنذر، والحاكم في \"التاريخ\" وابن مردويه، والديلمي في \"الفردوس\" وابن عدي في الكامل: 5 / 1897. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 14 / 237، وفيه شرحبيل بن مسلم، ضعفه ابن معين. انظر: الجرح والتعديل: 4 / 340.","part":4,"page":397},{"id":1647,"text":"وروي عن عمر رضي الله عنه قال: نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى مصعب بن عمير مقبلا وعليه إهاب كبش قد تنطق به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"انظروا إلى هذا الذي قد نوّر الله قلبه لقد رأيته بين أبويه يغذيانه (1) بأطيب الطعام والشراب، ولقد رأيت عليه حلّة شراها، أو شريت له، بمائتي درهم، فدعاه حبُّ الله ورسوله إلى ما ترونه\" (2) . والله أعلم.\r__________\r(1) في \"ب\" يغذوانه.\r(2) أخرجه أبو نعيم في الحلية: 1 / 108 بإسناد حسن، وانظر: المغني عن حمل الأسفار للعراقي 4 / 287 .","part":4,"page":398},{"id":1648,"text":"سورة النحل\rمكية [مائة وثمان وعشرون آية] (1) إلا قوله تعالى: { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } إلى آخر السورة (2) . بسم الله الرحمن الرحيم\r{ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1) }\r{ أَتَى } أي جاء ودنا وقرب، { أَمْرُ اللَّهِ } قال ابن عرفة: تقول العرب: أتاك الأمر وهو متوقع بعد، أي: أتى أمر الله وعدا فلا تستعجلوه وقوعا.\r{ أَمْرُ اللَّهِ } قال الكلبي وغيره: المراد منه القيامة.\rقال ابن عباس لما نزل قوله تعالى \"اقتربت الساعة\" (القمر-1 ) قال الكفار بعضهم لبعض: إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى تنظروا ما هو كائن، فلما لم ينزل شيء [قالوا: ما نرى شيئا فنزل قوله \"اقترب للناس حسابهم\"(الأنبياء-1 ) ، فأشفقوا، فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئا مما تخوفنا به] (3) فأنزل الله تعالى: { أَتَى أَمْرُ اللَّهِ } فوثب\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) روى مجاهد، وعطية، وابن أبي طلحة عن ابن عباس : أنها مكية كلها ، وهو مروي عن الحسن وعكرمة وعطاء .وقال ابن عباس في رواية: مكية إلا \"وإن عاقبتم ...\" الآية (126) فنزلت بعد قتل حمزة. وقال في رواية أخرى: هي مكية إلا ثلاث آيات نزلن بالمدينة، وهي قوله تعالى : \"ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا\" إلى قوله \"يعملون\" (الآيات 95-97). وقال الشعبي: مكية إلا: \"وإن عاقبتم\" إلى آخر الآيات (126-128). وقال قتادة: مكية إلا خمس آيات. وقال مقاتل: مكية إلا سبع آيات. وقال جابر ابن زيد: أنزل من أول النحل أربعون آية بمكة، وبقيتها بالمدينة. وعن علي بن زيد قال: كان يقال لسورة النحل: سورة النعم، لكثرة تعداد النِّعم فيها. انظر: زاد المسير: 4 / 425-426، الدر المنثور: 5 / 107.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":4,"page":7},{"id":1649,"text":"النبي صلى الله عليه وسلم ورفع الناس رءوسهم وظنوا أنها قد أتت حقيقة فنزلت { فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ } فاطمأنوا (1) .\rوالاستعجال: طلب الشيء قبل حينه.\rولما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بأصبعيه، وإن كادت لتسبقني\" (2) .\rقال ابن عباس: كان بعث النبي صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة ولما مر جبريل عليه السلام بأهل السموات مبعوثا إلى محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: الله أكبر قامت الساعة.\rوقال قوم: المراد بالأمر هاهنا: عقوبة المكذبين والعذاب بالسيف وذلك أن النضر بن الحارث قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، فاستعجل العذاب، فنزلت هذه الآية (3) . وقتل النضر يوم بدر صبرا.\r{ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } معناه تعاظم بالأوصاف الحميدة عما يصفه به المشركون.\r{ يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاتَّقُونِ (2)}\r{ يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ } قرأ العامة بضم الياء وكسر الزاي، و { الْمَلائِكَةَ } نصب. وقرأ يعقوب بالتاء وفتحها وفتح الزاي و \" الملائكة \" رفع، { يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ } بالوحي، سماه روحا لأنه يحيي به القلوب والحق.\rقال عطاء: بالنبوة.\rوقال قتادة: بالرحمة.\rقال أبو عبيدة: \"بالروح\" يعني مع الروح، وهو جبريل. { مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا } أعلموا: { أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاتَّقُونِ }\rوقيل: معناه مروهم بقول \"لا إله إلا الله\" منذرين مخوفين بالقرآن إن لم يقولوا.\r__________\r(1) أخرجه الواحدي في \"أسباب النزول\" ص (321) بدون إسناد، وبمعناه أخرجه الطبري: 14 / 75، وانظر: الدر المنثور: 5 / 108، القرطبي: 10 / 66.\r(2) أخرجه الإمام أحمد في \"المسند\": 2 / 50، قال ابن حجر في \"الفتح\": 11 / 348: \"أخرجه أحمد والطبري وسنده حسن\". وأصل الحديث في البخاري، كتاب الرقاق: 11 / 347، وفي مسلم في كتاب الفتن: 4 / 2268. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 15 / 98.\r(3) أسباب النزول للواحدي ص (321).","part":4,"page":8},{"id":1650,"text":"وقوله: \"فاتقون\" أي فخافون.\r{ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (3) خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4) وَالأنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6)}","part":4,"page":9},{"id":1651,"text":"{ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7) }\r{ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي: ارتفع عما يشركون. { خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ } جدل بالباطل، { مُبِينٌ }\rنزلت في أبي بن خلف الجمحي، وكان ينكر البعث جاء بعظم رميم فقال: أتقول إن الله تعالى يحيي هذا بعدما قد رم؟ كما قال جل ذكره \"وضرب لنا مثلا ونسي خلقه\" (يس-77) ، نزلت فيه أيضا (1) .\rوالصحيح أن الآية عامة، وفيها بيان القدرة وكشف قبيح ما فعلوه، من جحد نعم الله مع ظهورها عليهم (2) . قوله تعالى { وَالأنْعَامَ خَلَقَهَا } يعني الإبل والبقر والغنم، { لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ } يعني: من أوبارها وأشعارها وأصوافها ملابس ولحفا تستدفئون بها، { وَمَنَافِعُ } بالنسل والدر والركوب والحمل وغيرها، { وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } يعني لحومها. { وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ } زينة، { حِينَ تُرِيحُونَ } أي: حين تردونها بالعشي من مراعيها إلى مباركها التي تأوي إليها، { وَحِينَ تَسْرَحُونَ } أي: تخرجونها بالغداة من مراحها إلى مسارحها، وقدم الرواح لأن المنافع تؤخذ منها بعد الرواح، ومالكها يكون أعجب بها إذا راحت. { وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ } أحمالكم، { إِلَى بَلَدٍ } آخر غير بلدكم. قال عكرمة: البلد مكة، { لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأنْفُسِ } أي: بالمشقة والجهد. والشق: النصف أيضا أي: لم تكونوا بالغيه\r__________\r(1) أسباب النزول للواحدي ص (322)، القرطبي: 10 / 67، زاد المسير: 4 / 428.\r(2) وهذا ما رجحه الطبري حيث قال: \" عنى بالإنسان: جميع الناس، أخرج بلفظ الواحد، وهو في معنى الجميع\"، وإليه مال ابن عطية في تفسيره. ويدخل سبب النزول المذكور في معنى الآية وتبقى هي أعم. انظر: الطبري: 14 / 78، المحرر الوجيز: 8 / 370.","part":5,"page":9},{"id":1652,"text":"إلا بنقصان قوة النفس وذهاب نصفها.\rوقرأ أبو جعفر { بِشَقِّ } بفتح الشين، وهما لغتان، مثل: رَطل ورِطل.\r{ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ } بخلقه حيث جعل لهم هذه المنافع.\r{ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ (8) }\r{ وَالْخَيْلَ } يعني: وخلق الخيل، وهي اسم جنس لا واحد له من لفظه كالإبل والنساء، { وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } يعني وجعلها زينة لكم مع المنافع التي فيها.\rواحتج بهذه الآية من حرم لحوم الخيل، وهو قول ابن عباس، وتلا هذه الآية، فقال: هذه للركوب [وإليه ذهب] (1) الحكم، ومالك، وأبو حنيفة.\rوذهب جماعة إلى إباحة لحوم الخيل، وهو قول الحسن، وشريح، وعطاء، وسعيد بن جبير، وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق (2) .\rومن أباحها قال: ليس المراد من الآية بيان التحليل والتحريم بل المراد منه تعريف الله عباده نعمه وتنبيههم على كمال قدرته وحكمته، واحتجوا بما:\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد عن عمرو -هو ابن دينار-عن محمد بن علي، عن جابر رضي الله عنه قال: \"نهى النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر ورخص في لحوم الخيل\". (3) .\rأخبرنا أبو الفرج المظفر بن إسماعيل التميمي، أخبرنا أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي، أخبرنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ، حدثنا الحسن بن الفرج، حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا عبد الله بن عبد الكريم، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر: أنهم كانوا يأكلون لحوم الخيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم (4) .\r__________\r(1) في \"ب\": وهو قول.\r(2) انظر بالتفصيل: أحكام القرآن للجصاص: 5 / 2-4، أحكام القرآن لابن العربي: 3 / 1144-1147، أحكام القرآن للهراس الطبري: 4/170، تفسير القرطبي: 10 / 76-79.\r(3) أخرجه البخاري في الصيد والذبائح، باب لحوم الخيل: 9 / 648، ومسلم في الصيد والذبائح، باب في أكل لحوم الخيل، برقم (1941): 3 / 1541. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 11 / 254.\r(4) أخرجه أبو داود في الأطعمة، باب في أكل لحوم الخيل: 5 / 308، والترمذي في الأطعمة، باب ما جاء في لحوم الخيل: 5 / 505، والنسائي في الصيد والذبائح، باب الإذن في أكل لحوم الخيل: 7 / 202، وابن ماجه في الذبائح، باب لحوم البغال، برقم (3191): 2 / 1064، والطحاوي في شرح معاني الآثار: 2 / 322، والحاكم في المستدرك: 4 / 235، والإمام أحمد في المسند: 3 / 356، والمصنف في شرح السنة: 11 / 256. وأصل الحديث في الصحيحين، وانظر: نصب الراية: 4 / 197، تلخيص الحبير: 4 / 150.","part":5,"page":10},{"id":1653,"text":"ونهى عن لحوم البغال والحمير؛ روي عن المقدام بن معدي كرب عن خالد بن الوليد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير (1) وإسناده ضعيف.\r{ وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ } قيل: يعني ما أعد الله في الجنة لأهلها، وفي النار لأهلها، مما لم تره عين ولم تسمعه أذن ولا خطر على قلب بشر.\rوقال قتادة يعني: السوس في النبات والدود في الفواكه.\r{ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (9) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) }\rقوله تعالى: { وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ } يعني: بيان طريق الهدى من الضلالة. وقيل: بيان الحق بالآيات والبراهين 199/أ والقصد: الصراط المستقيم.\r{ وَمِنْهَا جَائِرٌ } يعني: ومن السبيل جائر عن الاستقامة معوج، فالقصد من السبيل: دين الإسلام، والجائر منها: اليهودية، والنصرانية، وسائر ملل الكفر.\rقال جابر بن عبد الله: \"قصد السبيل\": بيان الشرائع والفرائض.\rوقال عبد الله بن المبارك، وسهل بن عبد الله: \"قصد السبيل\" السنة، \"ومنها جائر\" الأهواء والبدع، دليله قوله تعالى: \"وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل\" (الأنعام-153) .\r{ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } نظيره قوله تعالى: \"ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها\"( السجدة-13 ) . قوله عز وجل: { هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ } تشربونه، { وَمِنْهُ شَجَرٌ } أي: من ذلك الماء شرب أشجاركم، وحياة نباتكم، { فِيهِ } يعني: في الشجر، { تُسِيمُونَ } ترعون مواشيكم.\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الأطعمة، باب في أكل لحوم الخيل: 5 / 308، وقال: \"وهذا منسوخ، وقد أكل الخيل جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ابن الزبير، وفضالة بن عبيد، وأنس بن مالك، وأسماء بنت أبي بكر، وسويد بن غفلة، رضي الله عنهم، وكانت قريش في عهد النبي صلى الله عليه وسلم تذبحها\". قال المنذري: والحديث ضعيف، وانظر أيضا: 5 / 316-317، كما ضعفه المصنف كما تراه. وأخرجه أيضا: النسائي في الصيد والذبائح، باب تحريم أكل لحوم الخيل: 7 / 202، وابن ماجه في الموضع السابق: 2 / 1066، والدارقطني في الصيد والذبائح: 4 / 287، والإمام أحمد في المسند. ونقل السندي في تعليقه على النسائي اتفاق العلماء على تضعيف الحديث، وقال بعضهم إنه منسوخ. وانظر: تلخيص الحبير: 4 / 150-151، نصب الراية: 4 / 196.","part":5,"page":11},{"id":1654,"text":"{ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) }\r{ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ } أي: ينبت الله لكم به، يعني بالماء الذي أنزل، وقرأ أبو بكر عن عاصم \" ننبت \" بالنون. { الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } { وَسَخَّرَ لَكُمُ } [ذلل لكم] (1) { اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ } مذللات، { بِأَمْرِهِ } أي: بإذنه، وقرأ حفص (2) { وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ } بالرفع على الابتداء. { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } { وَمَا ذَرَأَ } خلق، { لَكُمْ } لأجلكم، أي: وسخر ما خلق لأجلكم، { فِي الأرْضِ } من الدواب والأشجار والثمار وغيرها، { مُخْتَلِفًا } نصب على الحال، { أَلْوَانُهُ }\r{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } يعتبرون. { وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا } يعني: السمك، { وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } يعني: اللؤلؤ والمرجان، { وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ } جواري.\rقال قتادة: مقبلة ومدبرة، وهو أنك ترى سفينتين إحداهما تقبل والأخرى تدبر، تجريان بريح واحدة.\rوقال الحسن: \"مواخر\" أي: مملوءة.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) في \"ب\": جعفر.","part":5,"page":12},{"id":1655,"text":"وقال الفراء والأخفش: شواق تشق الماء بجناحيها.\rقال مجاهد: تمخر السفن الرياح.\rوأصل المخر: الرفع والشق، وفي الحديث: \"إذا أراد أحدكم البول فليستمخر الريح\" (1) أي لينظر من أين مجراها وهبوبها، فليستدبرها حتى لا يرد عليه البول.\rوقال أبو عبيدة: صوائخ، والمخر: صوت هبوب الريح عند شدتها.\r{ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ } يعني: التجارة، { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } إذا رأيتم صنع الله فيما سخر لكم.\r__________\r(1) أخرجه ابن حبان في المجروحين: (3 / 108) بلفظ: \"إذا أراد أحدكم الخلاء فلا يستدبر الريح\" وذكره الزمخشري في الفائق: (3 / 350) عن سراقة بن مالك قال لقومه: إذا أتى أحدكم الغائط فليكرم قبلة الله.. واستمخروا الريح\"، وذكره ابن الأثير في النهاية: (4 / 305) بنحوه، وأشار الزيلعي إليه في نصب الراية: (2 / 103) وعزاه للطبري في \"تهذيب الآثار\"، وروى الدارقطني في السنن: 1 / 57 بلفظ \".. ولا يستقبل الريح\" وقال: لم يروه غير مبشر بن عبيد، وهو متروك الحديث. قال ابن الأثير: والمخر في الأصل: الشق، يقال: مخرت السفينة الماء: إذا شقته بصدرها وجرت. واستمخروا الريح أي: اجعلوا ظهوركم إلى الريح عند البول؛ لأنه إذا ولاها ظهره أخذت عن يمينه ويساره، فكأنه قد شقها.","part":5,"page":13},{"id":1656,"text":"{ وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) }\r{ وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ } أي: [لئلا تميد بكم] (1) أي تتحرك وتميل.\rوالميد: هو الاضطراب والتكفؤ، ومنه قيل للدوار الذي يعتري راكب البحر: ميد.\rقال وهب: لما خلق الله الأرض جعلت تمور فقالت الملائكة: إن هذه غير مقرة أحدا على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال فلم تدر الملائكة مم خلقت الجبال.\r{ وَأَنْهَارًا وَسُبُلا } أي: وجعل فيها أنهارا وطرقا مختلفة، { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } إلى ما تريدون فلا تضلون. { وَعَلامَاتٍ } يعني: معالم الطرق. قال بعضهم: هاهنا تم الكلام ثم ابتدأ، { وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ }\rقال محمد بن كعب، والكلبي: أراد بالعلامات الجبال، فالجبال تكون علامات النهار، والنجوم علامات الليل.\rوقال مجاهد: أراد بالكل النجوم، منها ما يكون علامات ومنها ما يهتدون به.\rقال السدي: أراد بالنجم، الثريا، وبنات نعش، والفرقدين، والجدي، يهتدى بها إلى الطرق والقبلة.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".","part":5,"page":13},{"id":1657,"text":"وقال قتادة: إنما خلق الله النجوم لثلاثة أشياء: لتكون زينة للسماء، ومعالم للطرق، ورجوما للشياطين، فمن قال غير هذا فقد تكلف ما لا علم له به (1)\r{ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (17) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (19) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22) }\r{ أَفَمَنْ يَخْلُقُ } يعني: الله تعالى، { كَمَنْ لا يَخْلُقُ } يعني الأصنام، { أَفَلا تَذَكَّرُونَ } { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ } لتقصيركم في شكر نعمه، { رَحِيمٌ } بكم حيث وسع عليكم النعم، ولم يقطعها عنكم بالتقصير والمعاصي. { وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } يعني: الأصنام، وقرأ عاصم ويعقوب \" يدعون \" بالياء. { لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ } { أَمْوَاتٌ } أي: الأصنام { غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ } يعني: الأصنام { أَيَّانَ } متى (2) { يُبْعَثُونَ } والقرآن يدل على أن الأصنام تبعث وتجعل فيها الحياة فتتبرأ من عابديها.\rوقيل: ما يدري الكفار عبدة الأصنام متى يبعثون. قوله تعالى: { إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ } جاحدة، { وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ } متعظمون.\r__________\r(1) أخرجه البخاري تعليقا في بدء الخلق، باب في النجوم: 6 / 295، ووصله الطبري في التفسير: 14 / 91-92، وأخرجه عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وعبد بن حميد، وزاد في آخره: \"وإن ناسا جهلة بأمر الله، قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة: من غرس بنجم كذا كان كذا، ومن سافر بنجم كذا كان كذا، ولعمري ما من النجوم نجم إلا ويولد به الطويل والقصير، والأحمر والأبيض، والحسن والدميم. وما علم هذه النجوم وهذه الدابة وهذا الطائر شيء من الغيب\". انظر: فتح الباري: 6 / 295، تفسير ابن كثير: 4 / 397. وراجع حكم التنجيم وتفصيل القول فيه: تفسير القرطبي: 11 / 1، 19 / 28-29، فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص 365-370، عالم الغيب والشهادة تأليف عثمان جمعة ضميريه ص (128-131).\r(2) ساقط من \"ب\".","part":5,"page":14},{"id":1658,"text":"{ لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (23) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (24) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (25) }\r{ لا جَرَمَ } حقا { أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ }\rأخبرنا أبو سعيد بكر بن محمد بن محمد بن محمي البسطامي، أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن سختويه، أخبرنا أبو الفضل سفيان بن محمد الجوهري، حدثنا علي بن الحسن بن أبي عيسى الهلالي حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا شعبة، عن أبان بن تغلب، عن فضيل الفقيمي، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس، عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان\"، فقال رجل: يا رسول الله إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا؟ قال: \"إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس\" (1) . { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } يعني: لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، وهم مشركو مكة الذين اقتسموا عقابها (2) إذا سأل منهم الحاج: { مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ } أحاديثهم وأباطيلهم . { لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ } ذنوب أنفسهم، { كَامِلَةً } وإنما ذكر الكمال لأن البلايا التي تلحقهم في الدنيا وما يفعلون من الحسنات لا تكفر عنهم شيئا، { يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ } بغير حجة فيصدونهم عن الإيمان، { أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ } يحملون .\rأنبأنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني، حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا\" (3) .\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، برقم (91): 1 / 93، والمصنف في شرح السنة: 13 / 165.\r(2) جمع عقبة، وانظر فيما سبق، سورة الحجر، الآية (9): ص 369.\r(3) أخرجه مسلم في العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة، برقم (2674): 4 / 2060، والمصنف في شرح السنة: 1 / 232.","part":5,"page":15},{"id":1659,"text":"{ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (26) }","part":5,"page":16},{"id":1660,"text":"{ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (27) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) }\rقوله تعالى: { قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } وهو نمرود بن كنعان، بنى الصرح ببابل ليصعد إلى السماء.\rقال ابن عباس ووهب: كان طول الصرح في السماء خمسة آلاف ذراع.\rوقال كعب ومقاتل: كان طوله فرسخين، فهبت ريح (1) وألقت رأسه في البحر، وخر عليهم الباقي وهم تحته، ولما سقط الصرح تبلبلت ألسن الناس من الفزع يومئذ فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانا فلذلك سميت بابل، وكان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية (2) فذلك قوله تعالى: { فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ } أي: قصد تخريب بنيانهم 199/ب من أصولها { فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ } يعني أعلى البيوت { مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ } من مأمنهم. { ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ } يهينهم بالعذاب، { وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ } تخالفون المؤمنين فيهم، ما لهم لا يحضرونكم فيدفعون عنكم العذاب؟\rوكسر نافع النون من \"تشاقون\" على الإضافة، والآخرون بفتحها.\r{ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ } [وهم المؤمنون] (3) { إِنَّ الْخِزْيَ } الهوان، { الْيَوْمَ وَالسُّوءَ } أي: العذاب، { عَلَى الْكَافِرِينَ } { الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ } يقبض أرواحهم ملك الموت وأعوانه، قرأ حمزة \" يتوفاهم \" بالياء وكذا ما بعده، { ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ } بالكفر، ونصب على الحال أي: في حال كفرهم، { فَأَلْقَوُا السَّلَمَ }\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ليس في هذه التفصيلات عن الصرح وطوله... وتبلبل الألسنة... إلخ نص ثابت عن المعصوم، صلى الله عليه وسلم، يصار إليه، وهذا وأمثاله متلقى من الإسرائليات، والله أعلم.\r(3) ساقط من \"أ\".","part":5,"page":16},{"id":1661,"text":"أي: استسلموا وانقادوا وقالوا: { مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ } شرك، فقال لهم الملائكة: { بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } قال عكرمة: عنى بذلك من قتل من الكفار ببدر.\r{ فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29) وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32) }\r{ فَادْخُلُوا } أي: قال لهم ادخلوا { أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ } عن الإيمان.\r{ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا } وذلك أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي صلى الله عليه وسلم فإذا جاء سأل الذين قعدوا على الطرق عنه، فيقولون: ساحر، كاهن، شاعر، كذاب، مجنون، ولو لم تلقه خير لك، فيقول السائل: أنا شر وافد إن رجعت إلى قومي دون أن أدخل مكة فألقاه، فيدخل مكة فيرى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيخبرونه بصدقه وأنه نبي مبعوث. فذلك قوله: { وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا } يعني: أنزل خيرا (1) .\rثم ابتدأ فقال: { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ } كرامة من الله.\rقال ابن عباس: هي تضعيف الأجر إلى العشر.\rوقال الضحاك: هي النصر والفتح.\rوقال مجاهد: هي الرزق الحسن.\r{ وَلَدَارُ الآخِرَةِ } أي ولدار الحال الآخرة، { خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ } قال الحسن: هي الدنيا؛ لأن أهل التقوى يتزودون فيها للآخرة. وقال أكثر المفسرين: هي الجنة، ثم فسرها فقال: { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ } { الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ } مؤمنين طاهرين من الشرك.\rقال مجاهد: زاكية أفعالهم وأقوالهم.\r__________\r(1) انظر: زاد المسير: 4 / 442-443.","part":5,"page":17},{"id":1662,"text":"وقيل: معناه: إن وفاتهم تقع طيبة سهلة. { يَقُولُونَ } يعني: الملائكة لهم، { سَلامٌ عَلَيْكُمْ } وقيل: يبلغونهم سلام الله، { ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }\r{ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (33) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (34) }","part":5,"page":18},{"id":1663,"text":"{ وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (35) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36) }\rقوله عز وجل { هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ } لقبض أرواحهم، { أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ } يعني: يوم القيامة، وقيل: العذاب. { كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } أي: كفروا، { وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ } بتعذيبه إياهم، { وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } { فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا } عقوبات كفرهم وأعمالهم الخبيثة، { وَحَاقَ بِهِمْ } [نزل بهم] (1) { مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } { وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ } يعني: البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، فلولا أن الله رضيها لغَيَّر ذلك وهدانا إلى غيرها، { كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ } أي: ليس إليهم الهداية إنما إليهم التبليغ. { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا } أي: كما بعثنا فيكم، { أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } وهو كل معبود من دون الله ، { فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ } أي: هداه الله إلى دينه، { وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ }\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".","part":5,"page":18},{"id":1664,"text":"أي: وجبت بالقضاء السابق حتى مات على كفره، { فَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ } أي: مآل أمرهم، وهو خراب منازلهم بالعذاب والهلاك.\r{ إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (37) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (38) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (39) إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (40) }\r{ إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ } يا محمد، { فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ } قرأ أهل الكوفة \" يهدي \" بفتح الياء وكسر الدال أي: لا يهدي الله من أضله. وقيل: معناه لا يهتدي من أضله الله.\rوقرأ الآخرون بضم الياء وفتح الدال يعني من أضله الله فلا هادي له كما قال: \"ومن يضلل الله فلا هادي له\" (الأعراف-186) .\r{ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ } أي: مانعين من العذاب. قوله تعالى: { وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ } وهم منكرو البعث، قال الله تعالى ردا عليهم: { بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } { لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ } أي: ليظهر لهم الحق فيما يختلفون فيه { وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ } { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } يقول الله تعالى: إذا أردنا أن نبعث الموتى فلا تعب علينا في إحيائهم، ولا في شيء مما يحدث، إنما نقول له: كن، فيكون.\rأخبرنا حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن همام بن منبه، حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"قال الله: كذبني عبدي، ولم يكن ذلك له، وشتمني عبدي ولم يكن ذلك له، فأما تكذيبه إياي، أن يقول: لن يعيدنا كما بدأنا، وأما شتمه إياي، أن يقول: اتخذ الله ولدا، وأنا الصمد، لم ألد، ولم يكن لي كفوا أحد\" (1) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير، سورة البقرة، باب \"وقالوا: اتخذ الله ولدا سبحانه\" 8 / 168، .","part":5,"page":19},{"id":1665,"text":"{ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42) }","part":5,"page":20},{"id":1666,"text":"{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (43) }\rقوله تعالى { وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا } عذبوا وأوذوا في الله.\rنزلت في بلال، وصهيب، وخباب، وعمار، وعابس، وجبر، وأبي جندل بن سهيل، أخذهم المشركون بمكة فعذبوهم (1) .\rوقال قتادة: هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ظلمهم أهل مكة، وأخرجوهم من ديارهم حتى لحق طائفة منهم بالحبشة، ثم بوأهم الله المدينة بعد ذلك فجعلها لهم دار هجرة، وجعل لهم أنصارا من المؤمنين (2) .\r{ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً } وهو أنه أنزلهم المدينة.\rروي عن عمر بن الخطاب كان إذا أعطى الرجل [من المهاجرين] (3) عطاء يقول: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة أفضل، ثم تلا هذه الآية (4) .\rوقيل: معناه لنحسنن إليهم في الدنيا.\rوقيل: الحسنة في الدنيا التوفيق والهداية.\r{ وَلأجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } وقوله: \"لو كانوا يعلمون\"، ينصرف إلى المشركين لأن المؤمنين كانوا يعلمونه. { الَّذِينَ صَبَرُوا } في الله على ما نابهم (5) { وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ } نزلت في مشركي مكة حيث أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا، فهلا بعث إلينا ملكا (6) ؟\r__________\r(1) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (322)، زاد المسير: 4 / 448 وفيه \"عايش\" بدلا من \"عابس\"، ولم أجد لـ \"عايش\" ترجمة. وقارن بالمحرر الوجيز: 8 / 421.\r(2) انظر: الدر المنثور: 5 / 131، الطبري: 14 / 107.\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) انظر: البحر المحيط: 5 / 493، المحرر الوجيز: 8 / 422.\r(5) في \"ب\": فاتهم.\r(6) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (323)، الطبري: 14 / 109، الدر المنثور: 5 / 132-133.","part":5,"page":20},{"id":1667,"text":"{ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ } يعني مؤمني أهل الكتاب، { إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ }\r{ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (45) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (46) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (47) }\r{ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ } واختلفوا في الجالب للباء في قوله { بِالْبَيِّنَاتِ } قيل: هي راجعة إلى قوله: { وَمَا أَرْسَلْنَا } وإلا بمعنى غير، مجازه: وما أرسلنا من قبلك بالبينات 200/أ والزبر غير رجال يوحى إليهم ولم نبعث ملائكة.\rوقيل: تأويله وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا يوحى إليهم [أرسلناهم] (1) بالبينات والزبر. { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } أراد بالذكر الوحي، وكان النبي صلى الله عليه وسلم مبينا للوحي، وبيان الكتاب يطلب من السنة، { وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } { أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا } عملوا { السَّيِّئَاتِ } من قبل، يعني: نمرود بن كنعان وغيره من الكفار، { أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ } { أَوْ يَأْخُذَهُمْ } بالعذاب، { فِي تَقَلُّبِهِمْ } تصرفهم في الأسفار. وقال ابن عباس: في اختلافهم. وقال ابن جريج: في إقبالهم وإدبارهم، { فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ } بسابقين الله. { أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ } والتخوف: التنقص، أي: ينقص من أطرافهم ونواحيهم الشيء بعد الشيء حتى يهلك جميعهم، يقال: تخوفه الدهر وتخونه: إذا نقصه وأخذ ماله وحشمه.\rويقال: هذا لغة بني هزيل.\rوقال الضحاك والكلبي: من الخوف، أي: يعذب طائفة فيتخوف الآخرون أن يصيبهم مثل ما أصابهم.\r{ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ } حين لم يعجل بالعقوبة.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".","part":5,"page":21},{"id":1668,"text":"{ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (49) }\rقوله عز وجل: { أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ } -قرأ حمزة والكسائي بالتاء على الخطاب، وكذلك في سورة العنكبوت، والآخرون بالياء، خبرا عن الذين مكروا السيئات-إلى ما خلق الله من شيء من جسم قائم، له ظل، { يَتَفَيَّأُ } قرأ أبو عمرو، ويعقوب بالتاء والآخرون بالياء. { ظِلالُهُ } أي: تميل وتدور من جانب إلى جانب، فهي في أول النهار على حال، ثم تتقلص، ثم تعود في آخر النهار إلى حال أخرى سجدا لله، فميلانها ودورانها: سجودها لله عز وجل. ويقال للظل بالعشي: فيء؛ لأنه فاء، أي: رجع من المغرب إلى المشرق، فالفيء الرجوع. والسجود الميل. ويقال: سجدت النخلة إذا مالت.\rقوله عز وجل: { عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ } قال قتادة والضحاك: أما اليمين: فأول النهار، والشمال: آخر النهار، تسجد الظلال لله.\rوقال الكلبي: الظل قبل طلوع الشمس عن يمينك وعن شمالك وقدامك وخلفك، وكذلك إذا غابت، فإذا طلعت كان من قدامك، وإذا ارتفعت كان عن يمينك، ثم بعده كان خلفك، فإذا كان قبل أن تغرب الشمس كان عن يسارك، فهذا تفيؤه، وتقلبه، وهو سجوده.\rوقال مجاهد: إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله.\rوقيل: المراد من الظلال: سجود الأشخاص.\rفإن قيل لم وحد اليمين وجمع الشمائل؟\rقيل من شأن العرب في اجتماع العلامتين الاكتفاء بواحدة، كقوله تعالى: \"ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم\" (البقرة-7) ، وقوله: \"يخرجهم من الظلمات إلى النور\" (البقرة-257) .\rوقيل: اليمين يرجع إلى قوله: \"ما خلق الله\". ولفظ \"ما\" واحد، والشمائل: يرجع إلى المعنى.\r{ وَهُمْ دَاخِرُونَ } صاغرون. { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ } إنما أخبر بما لغلبة ما لا يعقل على من يعقل في العدد، والحكم للأغلب كتغليب المذكر على المؤنث، { مِنْ دَابَّةٍ } أراد من كل حيوان يدب. ويقال: السجود: الطاعة، والأشياء كلها مطيعة لله عز وجل من حيوان وجماد، قال الله تعالى: \"قالتا أتينا طائعين\" (فصلت-11) .","part":5,"page":22},{"id":1669,"text":"وقيل: سجود الأشياء تذللها وتسخرها لما أريدت له وسخرت له.\rوقيل: سجود الجمادات وما لا يعقل: ظهور أثر الصنع فيه، على معنى أنه يدعو الغافلين إلى السجود عند التأمل والتدبر فيه، قال الله تعالى: \"سنريهم آياتنا في الآفاق\" (فصلت-53) .\r{ وَالْمَلائِكَةُ } خص الملائكة بالذكر مع كونهم من جملة ما في السموات والأرض تشريفا ورفعا لشأنهم.\rوقيل: لخروجهم من الموصوفين بالدبيب إذ لهم أجنحة يطيرون بها.\rوقيل؛ أراد: ولله يسجد ما في السموات من الملائكة وما في الأرض من دابة، وتسجد الملائكة. { وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ }\r{ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50) وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52) }\r{ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ } كقوله: \"وهو القاهر فوق عباده\" (الأنعام-18) .\r{ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا محمد بن سمعان، حدثنا أبو بكر محمد بن إبراهيم الشعراني، حدثنا محمد بن يحيى الذهلي، حدثنا عبيد الله بن موسى العبسي، حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن مورق، عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، والذي نفسي بيده ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيها ملك يمجد الله، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم بالنساء على الفرشات، ولصعدتم إلى الصعدات تجأرون\"، قال أبو ذر: \"يا ليتني كنت شجرة تعضد\". رواه أبو عيسى عن أحمد بن منيع، عن أبي أحمد الزبيري، عن إسرائيل وقال: \"إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله\" (1) .\rقوله تعالى: { وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ } { وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَهُ الدِّينُ } الطاعة والإخلاص { وَاصِبًا } دائما ثابتا.\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الزهد، باب ما جاء في فضل البكاء من خشية الله: 6 / 601، وقال: \"هذا حديث حسن غريب\"، وابن ماجه في الزهد، باب الحزن والبكاء: 2 / 1402، وصححه الحاكم في المستدرك: 2 / 510، وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 5 / 173. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 14 / 369-370.","part":5,"page":23},{"id":1670,"text":"معناه: ليس من أحد يدان له ويطاع إلا انقطع ذلك عنه بزوال أو هلاك، غير الله عز وجل، فإن الطاعة تدوم له ولا تنقطع.\r{ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ } أي: تخافون، استفهام على طريق الإنكار.\r{ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54) }","part":5,"page":24},{"id":1671,"text":"{ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (55) وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (56) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (57) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) }\rقوله تعالى { وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ } أي: وما يكن بكم من نعمة فمن الله، { ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ } القحط والمرض، { فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ } تضجون وتصيحون بالدعاء والاستغاثة.\r{ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ } . { لِيَكْفُرُوا } ليجحدوا، [وهذه اللام تسمى لام العاقبة، أي: حاصل أمرهم هو كفرهم] (1) { بِمَا آتَيْنَاهُمْ } أعطيناهم من النعماء وكشف الضراء والبلاء، { فَتَمَتَّعُوا } أي: عيشوا في الدنيا المدة التي ضربتها لكم، { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } عاقبة أمركم. هذا وعيد لهم. { وَيَجْعَلُونَ لِمَا لا يَعْلَمُونَ } له حقا، أي: الأصنام، { نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } من الأموال ، وهو ما جعلوا للأوثان من حروثهم وأنعامهم، فقالوا: هذا لله بزعمهم، وهذا لشركائنا.\rثم رجع من الخبر إلى الخطاب فقال: { تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ } يوم القيامة، { عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ } في الدنيا. { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ } وهم خزاعة وكنانة، قالوا: الملائكة بنات الله تعالى: { سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ } أي: ويجعلون لأنفسهم البنين الذين يشتهونهم، فتكون \"ما\" في محل النصب، ويجوز أن تكون على الابتداء فتكون \"ما\" في محل الرفع. { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا } متغيرا من الغم والكراهية، { وَهُوَ كَظِيمٌ } وهو ممتلئ حزنا وغيظا فهو يكظمه أي: يمسكه ولا يظهره.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":5,"page":24},{"id":1672,"text":"{ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59) لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (60) }\r{ يَتَوَارَى } أي: يختفي، { مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ } من الحزن والعار، ثم يتفكر: { أَيُمْسِكُهُ } ذكر الكناية ردا على \"ما\" { عَلَى هُونٍ } أي: هوان، { أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ } 200/ب أي: يخفيه منه ، فيئده.\rوذلك: أن مضر وخزاعة وتميما كانوا يدفنون البنات أحياء، خوفا من الفقر عليهم، وطمع غير الأكفاء فيهن، وكان الرجل من العرب إذا ولدت له بنت وأراد أن يستحييها: ألبسها جبة من صوف أو شعر، وتركها ترعى له الإبل والغنم في البادية، وإذا أراد أن يقتلها: تركها حتى إذا صارت سداسية، قال لأمها: زينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئرا في الصحراء، فإذا بلغ بها البئر قال لها: انظري إلى هذه البئر، فيدفعها من خلفها في البئر، ثم يهيل على رأسها التراب حتى يستوي البئر بالأرض، فذلك قوله عز وجل: { أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ }\rوكان صعصعة عم الفرزدق إذا أحس بشيء من ذلك وجه إلى والد البنت إبلا يحييها بذلك، فقال الفرزدق يفتخر به (1) . وعمي الذي منع الوائدات ... فأحيا الوئيد فلم توأد\r{ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } بئس ما يقضون لله البنات ولأنفسهم البنين، نظيره: \"ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى\" (النجم-22) ، وقيل: بئس حكمهم وأد البنات. { لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ } يعني لهؤلاء الذين يصفون لله البنات ولأنفسهم البنين { مَثَلُ السَّوْءِ } صفة السوء من الاحتياج إلى الولد، وكراهية الإناث، وقتلهن خوف الفقر، { وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأعْلَى } الصفة العليا، وهي التوحيد وأنه لا إله إلا هو.\rوقيل: جميع صفات الجلال والكمال، من العلم، والقدرة، والبقاء، وغيرها من الصفات.\rقال ابن عباس: \"مثل السوء\": النار، و \"المثل الأعلى\": شهادة أن لا إله إلا الله.\r{ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }\r__________\r(1) انظر: تفسير القرطبي: 10 / 117.","part":5,"page":25},{"id":1673,"text":"{ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (61) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ (62) }\r{ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ } فيعاجلهم بالعقوبة على كفرهم وعصيانهم، { مَا تَرَكَ عَلَيْهَا } أي: على الأرض، كناية عن غير مذكور، { مِنْ دَابَّةٍ }\rقال قتادة في الآية: قد فعل الله ذلك في زمن نوح، فأهلك من على الأرض، إلا من كان في سفينة نوح عليه السلام (1)\rروي أن أبا هريرة سمع رجلا يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه، فقال: بئس ما قلت إن الحبارى تموت في وكرها بظلم الظالم (2) .\rوقال ابن مسعود: إن الجعل لتعذب في جحرها بذنب ابن آدم (3) .\rوقيل: معنى الآية: لو يؤاخذ الله آباء الظالمين بظلمهم انقطع النسل، ولم توجد الأبناء فلم يبق في الأرض أحد.\r{ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ } يمهلهم بحلمه إلى أجل، { مُسَمًّى } إلى منتهى آجالهم وانقطاع أعمارهم. { فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ } قوله عز وجل: { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ } لأنفسهم يعني البنات، { وَتَصِفُ } أي: تقول، { أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى } يعني البنين، محل \"إن\" نصب بدل عن الكذب.\rقال يمان: يعني بـ \"الحسنى\": الجنة في المعاد، إن كان محمد صادقا في البعث.\r{ لا جَرَمَ } حقا. قال ابن عباس: بلى، { أَنَّ لَهُمُ النَّارَ } في الآخرة، { وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ } قرأ نافع بكسر الراء أي: مسرفون.\rوقرأ أبو جعفر بتشديد الراء وكسرها أي: مضيعون أمر الله.\rوقرأ الآخرون بفتح الراء وتخفيفها أي: منسيون في النار، قاله ابن عباس.\r__________\r(1) أخرجه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر (الدر المنثور: 5 / 140).\r(2) أخرجه عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، والبيهقي في \"الشعب\" (الدر المنثور: 5 / 140).\r(3) أخرجه ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في \"الشعب\". انظر: الدر المنثور: 5 / 140.","part":5,"page":26},{"id":1674,"text":"وقال سعيد بن جبير: مبعدون.\rوقال مقاتل: متروكون.\rقال قتادة: معجلون إلى النار.\rقال الفراء: مقدَّمون إلى النار، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: \"أنا فرطكم على الحوض\" (1) أي: متقدمكم.\r{ تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64) }\r__________\r(1) قطعة من حديث أخرجه البخاري في الرقاق، باب الحوض وقول الله: \"إنا أعطيناك الكوثر\": 11 / 463، ومسلم في الطهارة، باب استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء، برقم (249): 1 / 218.","part":5,"page":27},{"id":1675,"text":"{ وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66) }\r{ تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ } كما أرسلنا إلى هذه الأمة، { فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ } الخبيثة، { فَهُوَ وَلِيُّهُمُ } ناصرهم، { اليوم } وقرينهم، سماه وليا لهم، لطاعتهم إياه، { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الآخرة. { وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ } من الدين والأحكام، { وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } أي: ما أنزلنا عليك الكتاب إلا بيانا وهدى ورحمة، فالهدى والرحمة عطف على قوله \"لتبين\". { وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً } يعني: المطر: { فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ } بالنبات ، { بَعْدَ مَوْتِهَا } يبوستها، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } سمع القلوب لا سمع الآذان. { وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً } لعظة، { نُسْقِيكُمْ } بفتح النون هاهنا وفي المؤمنين، قرأ نافع وابن عامر وأبو بكر ويعقوب والباقون بضمها وهما لغتان. { مِمَّا فِي بُطُونِهِ } قال الفراء: رد الكناية إلى النعم، والنعم والأنعام واحد.\rولفظ النعم مذكر، قال أبو عبيدة، والأخفش: النعم يذكر ويؤنث، فمن أنث فلمعنى الجمع،","part":5,"page":27},{"id":1676,"text":"ومن ذكر فلحكم اللفظ.\rقال الكسائي: رده إلى ما يعني في بطون ما ذكرنا.\rوقال المؤرج: الكناية مردودة إلى البعض والجزء، كأنه قال نسقيكم مما في بطونه اللبن، إذ ليس لكلها لبن، واللبن فيه مضمر.\r{ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ } وهو ما في الكرش من الثقل، فإذا خرج منه لا يسمى فرثا، { وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا } من الدم والفرث ليس عليه لون دم ولا رائحة فرث.\r{ سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ } هنيئا يجري على السهولة في الحلق.\rوقيل: إنه لم يغص أحد باللبن قط.\rقال ابن عباس: إذا أكلت الدابة العلف واستقر في كرشها وطحنته فكان أسفله فرثا، وأوسطه اللبن، وأعلاه الدم، والكبد مسلطة عليها، تقسمها بتقدير الله تعالى، فيجري الدم في العروق، واللبن في الضرع، ويبقى الفرث كما هو (1) .\r{ وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67) }\r{ وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأعْنَابِ } يعني: ولكم أيضا عبرة فيما نسقيكم ونرزقكم من ثمرات النخيل والأعناب، { تَتَّخِذُونَ مِنْهُ } والكناية في { مِنْهُ } عائدة إلى \"ما\" محذوفة أي: ما تتخذون منه، { سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا }\rقال قوم: \"السكر\": الخمر، و \"الرزق الحسن\": الخل، والزبيب، والتمر والرُّبُ، قالوا: وهذا قبل تحريم الخمر. وإلى هذا ذهب ابن مسعود، وابن عمر، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد.\rوقال الشعبي: \"السكر\": ما شربت و \"الرزق الحسن\": ما أكلت (2) .\rوروى العوفي عن ابن عباس: أن \"السكر\" هو الخل، بلغة الحبشة (3) .\rوقال بعضهم: \"السكر\" النبيذ المسكر، وهو نقيع التمر والزبيب إذا اشتد، والمطبوخ من العصير، وهو قول الضحاك والنخعي (4) .\rومن يبيح شرب النبيذ ومن حرمه يقول: المراد من الآية: الإخبار لا الإحلال.\r__________\r(1) انظر: تفسير القرطبي: 10 / 124-125، زاد المسير: 4 / 464.\r(2) انظر: تفسير القرطبي: 10 / 128، زاد المسير: 4 / 464، الدر المنثور: 5 / 142، أحكام القرآن للجصاص: 5 / 4.\r(3) انظر: القرطبي: 10 / 128، أحكام القرآن للجصاص: 5 / 4.\r(4) انظر: القرطبي: 10 / 128، أحكام القرآن للجصاص: 5 / 4.","part":5,"page":28},{"id":1677,"text":"وأولى الأقاويل أن قوله: { تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا } منسوخ، روى عن ابن عباس قال: \"السكر\" [ما حرم] (1) من ثمرها، و \"الرزق الحسن\": ما أحل.\rوقال أبو عبيدة: \"السكر\": الطُّعم، يقال هذا سكر لك أي: طُعم (2) .\r{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }\r{ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69) }\r{ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ } أي: ألهمها وقذف في أنفسها، ففهمته، والنحل: زنابير العسل، واحدتها نحلة.\r{ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ } يبنون، وقد جرت العادة أن أهلها يبنون لها الأماكن، فهي تأوي إليها، قال ابن زيد: هي الكروم. { ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ } 201/أ ليس معنى الكل العموم، وهو كقوله تعالى: \"وأوتيت من كل شيء\" (النمل-23) .\r{ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا } قيل: هي نعت الطرق، يقول: هي مذللة للنحل سهلة المسالك.\rقال مجاهد: لا يتوعر عليها مكان سلكته.\rوقال آخرون: الذلل نعت النحل، أي: مطيعة منقادة بالتسخير. يقال: إن أربابها ينقلونها من مكان إلى مكان ولها يعسوب إذا وقف وقفت وإذا سار سارت.\r{ يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ } يعني: العسل { مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ } أبيض وأحمر وأصفر. { فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ } أي: في العسل. وقال مجاهد: أي في القرآن، والأول أولى.\rأنبأنا إسماعيل بن عبد القاهر، حدثنا عبد الغافر بن محمد، حدثنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا محمد بن المثنى، أخبرنا محمد بن جعفر،حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) انظر: زاد المسير: 4 / 264.","part":5,"page":29},{"id":1678,"text":"فقال: إن أخي استطلق بطنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسقه عسلا فسقاه ثم جاء فقال: إني سقيته فلم يزده إلا استطلاقا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم له ثلاث مرات، ثم جاء الرابعة فقال: اسقه عسلا قال: قد سقيته فلم يزده إلا استطلاقا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"صدق الله وكذب بطن أخيك\"، فسقاه فبرأ (1) .\rقال عبد الله بن مسعود: العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور (2) .\rوروي عنه أنه قال عليكم بالشفاءين القرآن والعسل (3) .\r{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فيعتبرون.\r{ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (70) }\r{ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ } صبيانا أو شبانا أو كهولا { وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ } أردئه، قال مقاتل: يعني الهرم.\rقال قتادة: أرذل العمر تسعون سنة.\rروي عن علي قال: أرذل العمر خمس وسبعون سنة. وقيل: ثمانون سنة.\r{ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا } لكيلا يعقل بعد عقله الأول شيئا، { إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ }\rأنبأنا عبد الواحد المليحي، حدثنا أحمد بن عبد الله النعيمي، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، [حدثنا موسى بن إسماعيل] (4) حدثنا هارون بن موسى، حدثنا أبو عبد الله الأعور، عن شعيب، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو: \"أعوذ بك من البخل، والكسل، وأرذل العمر، وعذاب القبر، وفتنة الدجال، وفتنة المحيا والممات\" (5) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الطب، باب الدواء بالعسل، وقول الله تعالى: \"فيه شفاء للناس\": 10 / 139، ومسلم في السلام، باب التداوي بسقي العسل، برقم (2217): 4 / 1736-1737، واللفظ له، وأخرجه المصنف في شرح السنة: 12 / 147.\r(2) أخرجه ابن أبي شيبة، وابن جرير. انظر: الدر المنثور: 5 / 144.\r(3) أخرجه سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، موقوفا على ابن مسعود رضي الله عنه وأخرجه ابن ماجه، وابن مردويه، والحاكم -وصححه- والبيهقي ي \"شعب الإيمان\" مرفوعا من رواية ابن مسعود: انظر: الدر المنثور: 5 / 144.\r(4) ساقط من \"ب\".\r(5) أخرجه البخاري في تفسير سورة النحل، باب \"ومنكم من يرد إلى أرزل العمر\": 8 / 387-388، ومسلم في الذكر والدعاء، باب التعوذ من العجز والكسل وغيره، برقم (2706): 4 / 2080.","part":5,"page":30},{"id":1679,"text":"{ وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (71) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (72) }\r{ وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ } بسط عن واحد، وضيق على الآخر، وقلل وكثر.\r{ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } من العبيد، { فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ } أي: حتى يستووا هم وعبيدهم في ذلك. يقول الله تعالى: لا يرضون أن يكونوا هم ومماليكهم فيما رزقهم الله سواء، وقد جعلوا عبيدي شركائي في ملكي وسلطاني. يلزم به الحجة على المشركين.\rقال قتادة: هذا مثل ضربه الله عز وجل، فهل منكم أحد يشركه مملوكه في زوجته وفراشه وماله؟ أفتعدلون بالله خلقه وعباده؟؟\r{ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ } بالإشراك به، وقرأ أبو بكر بالتاء لقوله \"والله فضل بعضكم على بعض في الرزق\"، والآخرون بالياء لقوله: \"فهم فيه سواء\". قوله تعالى: { وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } يعني: النساء، خلق من آدم زوجته حواء. وقيل: \"من أنفسكم\" أي: من جنسكم أزواجا.\r{ وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً } قال ابن مسعود، والنخعي: الحفدة أختان الرجل على بناته.\rوعن ابن مسعود أيضا: أنهم الأصهار، فيكون معنى الآية على هذا القول: وجعل لكم من أزواجكم بنين وبنات، تزوجونهم فيحصل بسببهم الأختان والأصهار.\rوقال عكرمة، والحسن، والضحاك: هم الخدم.\rقال مجاهد: هم الأعوان، من أعانك فقد حفدك.\rوقال عطاء: هم ولد ولد الرجل، الذين يعينونه ويخدمونه.\rوقال قتادة: مهنة يمتهنونكم ويخدمونكم من أولادكم (1) .\rقال الكلبي ومقاتل: \"البنين\": الصغار، و \"الحفدة\": كبار الأولاد الذين يعينونه على عمله.\rوروى مجاهد، وسعيد بن جبير عن ابن عباس: أنهم ولد الولد.\r__________\r(1) في \"ب\": الأولاد.","part":5,"page":31},{"id":1680,"text":"وروى العوفي عنه: أنهم بنو امرأة الرجل ليسوا منه (1) .\r{ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ } من النعم والحلال، { أَفَبِالْبَاطِلِ } يعني الأصنام، { يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ } ؟ يعني التوحيد والإسلام.\rوقيل: \"الباطل\": الشيطان، أمرهم بتحريم البحيرة، والسائبة، و \"بنعمة الله\" أي: بما أحل الله لهم \"يكفرون\": يجحدون تحليله.\r__________\r(1) بعد أن ساق الطبري -رحمه الله- الروايات في تفسير الآية قال: (14 / 146-147): \"والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى أخبر عباده معرفهم نعمه عليهم، فيما جعل لهم من الأزواج والبنين، فقال تعالى: \"والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة\"، فأعلمهم أنه جعل لهم من أزواجهم بنين وحفدة. والحفدة في كلام العرب: جمع حافد.. والحافد في كلامهم: هو المتخفف في الخدمة والعمل. والحفد: خفة العمل. وإذا كان معنى الحفدة ما ذكرنا من أنهم المسرعون في خدمة الرجل، المتخففون فيها، وكان الله -تعالى ذكره- أخبرنا أن مما أنعم به علينا أن جعل لنا حفدة تحفد لنا، وكان أولادنا وأزواجنا الذين يصلحون للخدمة منا ومن غيرنا، وأختاننا الذين هم أزواج بناتنا، من أزواجنا وخدمنا من مماليكنا، إذا كانوا يحفدوننا، فيستحقون اسم حفدة. ولم يكن الله تعالى دل بظاهر تنزيله، ولا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا بحجة عقل، على أنه عنى بذلك نوعا من الحفدة، دون نوع منهم، وكان قد أنعم بكل ذلك علينا = لم يكن لنا أن نوجه ذلك إلى خاص من الحفدة دون عام، إلا ما اجتمعت الأمة عليه أنه غير داخل فيهم. وإذا كان ذلك كذلك؛ فلكل الأقوال -التي ذكرنا عمن ذكرنا- وجه في الصحة، ومخرج في التأويل. وإن كان أولى بالصواب من القول ما اخترنا، لما بينا من الدليل\".","part":5,"page":32},{"id":1681,"text":"{ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ (73) فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (74) }\r{ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ } يعني المطر، { وَالأرْضِ } يعني النبات، { شَيْئًا } قال الأخفش: هو بدل من الرزق، معناه: أنهم لا يملكون من أمر الرزق شيئا قليلا ولا كثيرا.\rوقال الفراء: نصب \"شيئا\" بوقوع الرزق عليه، أي: لا يرزق شيئا، { وَلا يَسْتَطِيعُونَ } ولا يقدرون على شيء، يذكر عجز الأصنام عن إيصال نفع أو دفع ضر. { فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ } يعني الأشباه. فتشبهونه بخلقه، وتجعلون له شريكا، فإنه واحد لا مثل له، { إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } خطأ ما تضربون من الأمثال.\r{ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (75) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (76) }\rثم ضرب مثلا [للكافرين والمؤمنين] (1) فقال جل ذكره:\r__________\r(1) في \"ب\": للمؤمن والكافر.","part":5,"page":32},{"id":1682,"text":"{ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ } هذا مثل الكافر، رزقه الله مالا فلم يقدم فيه خيرا، { وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا } هذا مثل المؤمن، أعطاه الله مالا فعمل فيه بطاعة الله، وأنفقه في رضاء الله، سرا وجهرا، فأثابه الله عليه الجنة (1) . { هَلْ يَسْتَوُونَ } ولم يقل يستويان لمكان \"من\" وهو اسم يصلح للواحد والاثنين والجمع، وكذلك قوله \"لا يستطيعون\" بالجمع لأجل ما.\rمعناه: هل يستوي هذا الفقير البخيل والغني السخي؟ كذلك لا يستوي الكافر العاصي والمؤمن المطيع. وروى ابن جريج عن عطاء في قوله تعالى: { عَبْدًا مَمْلُوكًا } أي: أبو جهل بن هشام { وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا } أبو بكر الصديق رضي الله عنه (2) . ثم قال:\r{ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ } يقول ليس الأمر كما تقولون، ما للأوثان عندهم من يد ولا معروف فتحمد عليه، إنما الحمد الكامل لله عز وجل، لأنه المنعم والخالق والرازق، ولكن أكثر الكفار لا يعلمون. ثم ضرب مثلا للأصنام فقال: { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ } كل: ثقل ووبال \"على مولاه\" ابن عمه، وأهل ولايته، { أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ } يرسله، { لا يَأْتِ بِخَيْرٍ } لأنه لا يفهم ما يقال له، ولا يفهم عنه، هذا مثل الأصنام، لا تسمع، ولا تنطق، ولا تعقل، { وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ } عابده، يحتاج إلى أن يحمله ويضعه ويخدمه.\r{ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ } يعني: الله تعالى قادر، متكلم، يأمر بالتوحيد، { وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [قال الكلبي: يعني يدلكم على صراط مستقيم.\r__________\r(1) وهذا التأويل رجحه الطبري: 14 / 148-149.\r(2) انظر: زاد المسير: 4 / 472.","part":5,"page":33},{"id":1683,"text":"وقيل: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم (1) .\rوقيل: كلا المثلين للمؤمن والكافر، يرويه عطية عن ابن عباس.\rوقال عطاء: الأبكم: أبي بن خلف، ومن يأمر بالعدل: حمزة، وعثمان بن عفان، وعثمان بن مظعون 201/ب\rوقال مقاتل: نزلت في هاشم بن عمرو بن الحارث بن ربيعة القرشي، وكان قليل الخير يعادي رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوقيل: نزلت في عثمان بن عفان ومولاه، كان عثمان ينفق عليه، وكان مولاه يكره الإسلام (2) .\r{ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (77) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78) }\r{ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ } في قرب كونها، { إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ } إذا قال له: \"كن\" فيكون، { أَوْ هُوَ أَقْرَبُ } بل هو أقرب، { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } نزلت في الكفار الذين يستعجلون القيامة استهزاء. قوله عز وجل: { وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ } قرأ الكسائي \"بطون إمهاتكم\" بكسر الهمزة، وقرأ حمزة بكسر الميم والهمزة، الباقون بضم الهمزة وفتح الميم، { لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا } تم الكلام، ثم ابتدأ فقال جل وعلا { وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ } لأن الله تعالى جعل هذه الأشياء لهم قبل الخروج من بطون الأمهات، وإنما أعطاهم العلم بعد الخروج، { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } نعمة الله.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) انظر هذه الأقوال في: تفسير الطبري: 14 / 150-151، الدر المنثور: 5 / 151-152، زاد المسير: 4 / 473، البحر المحيط: 5 / 519-520، أسباب النزول للواحدي ص (323). قال الطبري-رحمه الله-: \"وهذا مثل ضربه الله تعالى لنقسه والآلهة التي تعبد من دونه، فقال تعالى ذكره: \"وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء\" يعني بذلك الصنم أنه لا يسمع شيئا، ولا ينطق، لأنه إما خشب منحوت، وإما نحاس مصنوع لا يقدر على نفع لمن خدمه، ولا دفع ضر عنه، \"وهو كل على مولاه\"، يقول: وهو عيال على ابن عمه وحلفائه وأهل ولايته، فكذلك الصنم كل على من يعبده، يحتاج أن يحمله، ويضعه ويخدمه كالأبكم من الناس الذي لا يقدر على شيء فهو كل على بني أعمامه.. هل يستوي هذا الأبكم الكل على مولاه الذي لا يأتي بخير حيث توجه ومن هو ناطق متكلم يأمر بالحق، ويدعو إليه، وهو الله الواحد القهار، الذي يدعو عباده إلى توحيده وطاعته، يقول: لا يستوي هو -تعالى ذكره- والصنم الذي صفته ما وصف . وقوله : \"وهو على صراط مستقيم\" يقول: لا على طريق من الحق في دعائه إلى العدل، وأمره به مستقيم، لا يعوج عن الحق ولا يزول عنه\". انظر: تفسير الطبري: 14 / 150.","part":5,"page":34},{"id":1684,"text":"{ أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (79) }","part":5,"page":35},{"id":1685,"text":"{ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81) }\r{ أَلَمْ يَرَوْا } قرأ ابن عامر، وحمزة، ويعقوب: بالتاء، والباقون بالياء لقوله: \"ويعبدون\" (1) . { إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ } مذللات، { فِي جَوِّ السَّمَاءِ } وهو الهواء بين السماء والأرض. عن كعب الأحبار أن الطير ترتفع اثني عشر ميلا ولا يرتفع فوق هذا، وفوق الجو السكاك، وفوق السكاك السماء { مَا يُمْسِكُهُنَّ } في الهواء { إِلا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } { وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ } [التي هي من الحجر والمدر] (2) { سَكَنًا } أي: مسكنا تسكنونه، { وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأنْعَامِ بُيُوتًا } يعني الخيام، والقباب، والأخبية، والفساطيط من الأنطاع والأدم (3) { تَسْتَخِفُّونَهَا } أي: يخف عليكم حملها، { يَوْمَ ظَعْنِكُمْ } رحلتكم في سفركم، قرأ ابن عامر، وأهل الكوفة، ساكنة العين، والآخرون بفتحها، وهو أجزل اللغتين، { وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ } في بلدكم لا تثقل عليكم في الحالين.\r{ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا } يعني: أصواف الضأن، وأوبار الإبل، وأشعار المعز، والكنايات راجعة إلى الأنعام، { أَثَاثًا } قال ابن عباس: مالا. قال مجاهد: متاعا.\rقال القتيبي: \"الأثاث\": المال أجمع، من الإبل والغنم والعبيد، والمتاع.\rوقال غيره: هو متاع البيت من الفرش والأكسية.\r{ وَمَتَاعًا } بلاغا ينتفعون بها، { إِلَى حِينٍ } يعني الموت. وقيل: إلى حين تبلى. { وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالا } تستظلون بها من شدة الحر، وهي ظلال الأبنية والأشجار،\r__________\r(1) في الآية الثانية والسبعين من السورة: \"ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا...\" الآية.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) في هامش \"أ\": فائدة: لو قال: من الجلود، كان أحسن من قوله من الأنطاع والأدم.","part":5,"page":35},{"id":1686,"text":"{ وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا } يعني: الأسراب، والغيران، واحدها كن { وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ } قمصا من الكتان والقز، والقطن، والصوف، { تَقِيكُمُ } تمنعكم، { الْحَرَّ } قال أهل المعاني: أراد الحر والبرد فاكتفى بذكر أحدهما لدلالة الكلام عليه. { وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ } يعني: الدروع، والبأس: الحرب، يعني: تقيكم في بأسكم السلاح أن يصيبكم.\r{ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ } تخلصون له الطاعة.\rقال عطاء الخراساني: إنما أنزل القرآن على قدر معرفتهم، فقال: وجعل لكم من الجبال أكنانا، وما جعل [لهم] (1) من السهول أكثر وأعظم، ولكنهم كانوا أصحاب جبال كما قال: \"ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها\" لأنهم كانوا أصحاب وبر، وشعر، وكما قال: \"وينزل من السماء من جبال فيها من برد\" (النور-43) وما أنزل من الثلج أكثر، ولكنهم كانوا لا يعرفون الثلج. وقال: \"تقيكم الحر\" وما تقي من البرد أكثر، ولكنهم كانوا أصحاب حر.\r{ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (82) يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (83) }\r{ فَإِنْ تَوَلَّوْا } فإن أعرضوا فلا يلحقك في ذلك عتب ولا سمة تقصير، { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ } { يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ } قال السدي يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم، { ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا } يكذبون به.\rوقال قوم: هي الإسلام.\rوقال مجاهد، وقتادة: يعني ما عد لهم من النعم في هذه السورة، يقرون أنها من الله، ثم إذا قيل لهم: تصدقوا وامتثلوا أمر الله فيها، ينكرونها فيقولون: ورثناها من آبائنا.\rوقال الكلبي: هو أنه لما ذكر لهم هذه النعم قالوا: نعم، هذه كلها من الله، ولكنها بشفاعة آلهتنا.\rوقال عوف بن عبد الله: هو قول الرجل لولا فلان لكان كذا، ولولا فلان لما كان كذا (2) . { وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ } الجاحدون.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) قال الطبري: (14 / 158): \"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، وأشبهها بتأويل الآية، قول من قال: عنى بالنعمة التي ذكرها في قوله \"يعرفون نعمة الله\" النعمة عليهم بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم إليهم داعيا إلى ما بعثه بدعائهم إليه، وذلك أن هذه الآية بين آيتين كلتاهما خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعما بعث به، فأولى ما بينهما أن يكون في معنى ما قبله وما بعده، إذ لم يكن معنى يدل على انصرافه عما قبله وعما بعده...\".","part":5,"page":36},{"id":1687,"text":"{ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (84) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (85) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (86) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (87) }","part":5,"page":37},{"id":1688,"text":"{ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (88) }\rقوله عز وجل: { وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا } يعني رسولا { ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا } في الاعتذار، وقيل: في الكلام أصلا { وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } يسترضون، يعني: لا يكلفون أن يرضوا ربهم، لأن الآخرة ليست بدار تكليف، ولا يرجعون إلى الدنيا فيتوبون. وحقيقة المعنى في الاستعتاب: أنه التعرض لطلب الرضا، وهذا الباب منسد في الآخرة على الكفار. { وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا } كفروا، { الْعَذَابَ } يعني جهنم، { فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ } { وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا } يوم القيامة، { شُرَكَاءَهُمْ } أوثانهم، { قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ } أربابا ونعبدهم، { فَأَلْقَوْا } يعني الأوثان، { إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ } أي: قالوا لهم، { إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ } في تسميتنا آلهة ما دعوناكم إلى عبادتنا. { وَأَلْقَوْا } يعني المشركين { إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ } استسلموا وانقادوا لحكمه فيهم، ولم تغن عنهم آلهتهم شيئا، { وَضَلَّ } وزال، { عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } من أنها تشفع لهم. { الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } منعوا الناس عن طريق الحق { زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ } قال عبد الله: عقارب لها أنياب أمثال النخل الطوال.\rوقال سعيد بن جبير: حيات أمثال البخت (1) وعقارب أمثال البغال، تلسع إحداهن اللسعة يجد صاحبها حمتها أربعين خريفا.\rوقال ابن عباس ومقاتل: يعني خمسة أنهار من صفر مذاب كالنار تسيل من تحت العرش، يعذبون بها ثلاثة على مقدار الليل واثنان على مقدار النهار.\r__________\r(1) البخت: هي الإبل الخراسانية، وهي جمال طوال الأعناق، واحدها: بختي.","part":5,"page":37},{"id":1689,"text":"وقيل: إنهم يخرجون من حر النار إلى برد الزمهرير، فيبادرون من شدة الزمهرير إلى النار مستغيثين بها.\rوقيل: يضاعف لهم العذاب (1) . { بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ } في الدنيا بالكفر وصد الناس عن الإيمان.\r{ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) }\r{ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } يعني نبيها من أنفسهم، لأن الأنبياء كانت تبعث إلى الأمم منها.\r{ وَجِئْنَا بِكَ } يا محمد، { شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ } الذين بعثت إليهم.\r{ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا } بيانا، { لِكُلِّ شَيْءٍ } يحتاج إليه من الأمر والنهي، والحلال والحرام، والحدود والأحكام، { وَهُدًى } من الضلالة، { وَرَحْمَةً وَبُشْرَى } بشارة { لِلْمُسْلِمِينَ } قوله عز وجل: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ } بالإنصاف، { وَالإحْسَانِ } إلى الناس.\rوعن ابن عباس: \"العدل\": التوحيد، و \"الإحسان\": أداء الفرائض.\rوعنه: \"الإحسان\": الإخلاص في التوحيد، وذلك معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: \"الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه\" (2) .\rوقال مقاتل: \"العدل\": التوحيد، و \"الإحسان\": العفو عن الناس.\r{ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى } صلة الرحم.\r{ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ } 202/أ ما قبح من القول والفعل. وقال ابن عباس: الزنا، { وَالْمُنْكَرِ } ما لا يعرف في شريعة ولا سنة، { وَالْبَغْيِ } الكبر والظلم.\r__________\r(1) انظر هذه الأقوال في : الدر المنثور: 5 / 157-158، زاد المسير: 4 / 482. وقد اعتمد الطبري: (14 / 160-161) القول الأول. وانظر: تفسير ابن كثير: 2 / 582.\r(2) قطعة من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سؤال جبريل عليه السلام -عن الإسلام والإيمان، والإحسان، أخرجه البخاري في الإيمان، باب سؤال جبريل النبي عن الإيمان والإسلام والإحسان: 1 / 114، ومسلم في الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، برقم (8): 1 / 36-37، والمصنف في شرح السنة: 1 / 8-9.","part":5,"page":38},{"id":1690,"text":"وقال ابن عيينة: العدل استواء السر والعلانية، و \"الإحسان\" أن تكون سريرته أحسن من علانيته، و \"الفحشاء والمنكر\" أن تكون علانيته أحسن من سريرته.\r{ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } تتعظون.\rقال ابن مسعود: أجمع آية في القرآن هذه الآية (1) .\rوقال أيوب عن عكرمة: إن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على الوليد: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ } إلى آخر الآية فقال له: يا ابن أخي أعد فعاد عليه، فقال: إن له والله لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر (2) .\r{ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) }\rقوله تعالى: { وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ } والعهد هاهنا هو: اليمين.\rقال الشعبي: العهد يمين وكفارته كفارة يمين، { وَلا تَنْقُضُوا الأيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } تشديدها ، فتحنثوا فيها، { وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا } شهيدا بالوفاء.\r{ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية وإن كان حكمها عاما؟.\rقيل: نزلت في الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمرهم الله بالوفاء بها (3) .\rوقال مجاهد وقتادة: نزلت في حلف أهل الجاهلية (4) .\rوقال مجاهد وقتادة: نزلت في حلف أهل الجاهلية (5) . ثم ضرب الله مثلا لنقض العهد فقال: { وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ } { وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ } أي: من بعد غزله وإحكامه.\rقال الكلبي، ومقاتل: هي امرأة خرقاء حمقاء من قريش، يقال لها \"ريطة بنت عمرو بن سعد\r__________\r(1) انظر: الدر المنثور: 5 / 160، ففيه جملة آثار في ذلك.\r(2) انظر: سيرة ابن هشام: 1 / 270.\r(3) أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم عن مزيدة بن جابر. انظر: الدر المنثور: 5 / 161، زاد المسير: 4 / 484.\r(4) أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم عن مزيدة بن جابر. انظر: الدر المنثور: 5 / 161، زاد المسير: 4 / 484.\r(5) أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم عن مزيدة بن جابر. انظر: الدر المنثور: 5 / 161، زاد المسير: 4 / 484.","part":5,"page":39},{"id":1691,"text":"بن كعب بن زيد مناة بن تميم\" وتلقب بجعر، وكانت بها وسوسة، وكانت اتخذت مغزلا بقدر ذراع وصنارة مثل الأصبع، وفلكة عظيمة، على قدرها، وكانت تغزل الغز من الصوف والشعر والوبر، وتأمر جواريها بذلك، فكن يغزلن من الغداة إلى نصف النهار، فإذا انتصف النهار أمرتهن بنقض جميع ما غزلن فهذا كان دأبها (1) .\rومعناه: أنها لم تكف عن العمل، ولا حين عملت كفت عن النقض، فكذلك أنتم إذا نقضتم العهد، لا كففتم عن العهد، ولا حين عاهدتم وفيتم به.\r{ أَنْكَاثًا } يعني أنقاضا واحدتها \"نكث\" وهو ما نقض بعد الفتل، غزلا كان أو حبلا.\r{ تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ } أي: دخلا وخيانة وخديعة، و \"الدخل\" ما يدخل في الشيء للفساد.\rوقيل: \"الدخل\" و \"الدغل\": أن يظهر الوفاء ويبطن النقض.\r{ أَنْ تَكُونَ } أي: لأن تكون، { أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى } أي: أكثر وأعلى، { مِنْ أُمَّةٍ } قال مجاهد: وذلك أنهم كانوا يحالفون الحلفاء فإذا وجدوا قوما أكثر منهم وأعز نقضوا حلف هؤلاء وحالفوا الأكثر، فمعناه: طلبتم العز بنقض العهد، بأن كانت أمة أكثر من أمة. فنهاهم الله عن ذلك.\r{ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ } يختبركم الله بأمره إياكم بالوفاء بالعهد، { وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } في الدنيا.\r{ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (93) }\r__________\r(1) انظر: البحر المحيط: 5 / 531. وقال قتادة ومجاهد: ذلك ضرب مثل لمن نقض عهده بعد توكيده، لا على امرأة معينة وهذا أرجح وأظهر، سواء كان بمكة امرأة تنقض غزلها أم لا. انظر تفسير ابن كثير: 2 / 585، المحرر الوجيز: 8 / 500.","part":5,"page":40},{"id":1692,"text":"{ وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (94) }\r{ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } على ملة واحدة، وهي الإسلام، { وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ } بخذلانه إياهم، عدلا منه، { وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } بتوفيقه إياهم، فضلا منه، { وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } يوم القيامة. { وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلا } خديعة وفسادا، { بَيْنَكُمْ } فتغرون بها الناس، فيسكنون إلى أيمانكم، ويأمنون، ثم تنقضونها، { فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا } فتهلكوا بعدما كنتم آمنين والعرب تقول","part":5,"page":40},{"id":1693,"text":"لكل مبتلى بعد عافية، أو ساقط في ورطة بعد سلامة: زلت قدمه، { وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } قيل: معناه: سهلتم طريق نقض العهد على الناس بنقضكم العهد، { وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }\r{ وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (95) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (96) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) }\r{ وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا } يعني لا تنقضوا عهودكم، تطلبون بنقضها عرضا قليلا من الدنيا، ولكن أوفوا بها. { إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ } من الثواب لكم على الوفاء، { خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [فضل ما بين العوضين، ثم بين ذلك] (1) . فقال: { مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ } أي: الدنيا وما فيها يفنى، { وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ }\r{ وَلَنَجْزِيَنَّ } [قرأ أبو جعفر وابن كثير وعاصم بالنون والباقون بالياء] (2) { الَّذِينَ صَبَرُوا } على الوفاء في السراء والضراء، { أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }\rأخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن الطيسفوني، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، حدثنا أحمد بن علي الكشميهني، حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر، حدثنا عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، عن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى\" (3) . قوله تعالى: { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً } قال سعيد بن جبير وعطاء: هي الرزق الحلال.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) أخرجه الحاكم في المستدرك: 4 / 308، وصححه على شرط الشيخين، فتعقبه الذهبي بأن فيه انقطاعا. وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 4 / 175 ،412، والبيهقي في السنن: 3 / 370، وعزاه صاحب المشكاة له في \"شعب الإيمان\". قال الهيثمي: \"رواه أحمد والبزار والطبراني، ورجالهم ثقات\". انظر: مجمع الزوائد: 10 / 249، مشكاة المصابيح رقم (5179)، وكشف الخفاء ومزيل الإلباس للعجلوني: 1 / 491. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 14 / 239.","part":5,"page":41},{"id":1694,"text":"قال الحسن: هي القناعة.\rوقال مقاتل بن حيان: يعني العيش في الطاعة.\rقال أبو بكر الوراق: هي حلاوة الطاعة.\rوقال مجاهد وقتادة: هي الجنة. ورواه عوف عن الحسن. وقال: لا تطيب الحياة لأحد إلا في الجنة (1) .\r{ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }\r{ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) }\rقوله سبحانه وتعالى: { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ } أي: أردت قراءة القرآن { فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ } كقوله تعالى: \"إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا\"(المائدة-6) .\rوالاستعاذة سنة عند قراءة القرآن (2) .\rوأكثر العلماء على أن الاستعاذة قبل القراءة (3) .\rوقال أبو هريرة: بعدها (4) .\r__________\r(1) بعد أن ساق الطبري الروايات في تفسير الآية قال: \"وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: تأويل ذلك: فلنحيينه حياة طيبة بالقناعة، وذلك أن من قنعه الله بما قسم له من رزق لم يكثر للدنيا تعبه، ولم يعظم فيها نصبه، ولم يتكدر فيها عيشه باتباعه بقية ما فاته منها وحرصه على ما لعله لا يدركه فيها. وأما القول الذي روي عن ابن عباس: أنه الرزق الحلال، فهو محتمل أن يكون معناه الذي قلنا في ذلك من أنه تعالى يقنعه في الدنيا بالذي يرزقه من الحلال ، وإن قلَّ، فلا تدعوه نفسه إلى الكثير منه من غير حله، لا أنه يرزقه الكثير من الحلال. وذلك أن أكثر العاملين لله تعالى بما يرضاه من الأعمال لم نرهم رزقوا الرزق الكثير من الحلال في الدنيا، ووجدنا ضيق العيش عليهم أغلب من السعة\". انظر: تفسير الطبري: 14 / 172.\r(2) قال الطبري: (14 / 173): \"وليس قوله \"فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم\" بالأمر اللازم، وإنما هو إعلام وندب، وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أن من قرأ القرآن، ولم يستعذ بالله من الشيطان الرجيم، قبل قراءته أو بعدها، أنه لم يضيع قرضا واجبا\". وقال ابن الجوزي في زاد المسير: (4 / 490): والاستعاذة عند القراءة سنة في الصلاة وغيرها. قال ابن عطية: (8 / 507): وحكى النقاش عن عطاء: أن التعوذ واجب. وانظر: تفسير ابن كثير: 1 / 15 ، 2 / 587، المجموع للنووي: 3 / 284، والتبيان في آداب حملة القرآن للنووي ص (64-65).\r(3) انظر: تفسير الطبري: 14 / 173، القرطبي: 10 / 174-175، المحرر الوجيز: 8 / 507، أحكام القرآن لابن العربي: 3 / 1175.\r(4) نقل النووي في المجموع: (3 / 284) ذلك عن أبي هريرة، وابن سيرين، والنخعي، وأن أبا هريرة كان يتعوذ بعد فراغ الفاتحة، لظاهر الآية. والصحيح هو القول الأول -قبل القراءة- للأحاديث الدالة على تقدمها على التلاوة. وانظر: تفسير ابن كثير: 1 / 13-15، 2 / 587، أحكام القرآن لابن العربي: 3 / 1175.","part":5,"page":42},{"id":1695,"text":"ولفظه: أن يقول: \"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم\".\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة، سمعت عاصما عن ابن جبير بن مطعم، عن أبيه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، قال: فكبر، فقال: الله أكبر كبيرا، ثلاث مرات، [والحمد لله كثيرا، ثلاث مرات، وسبحان الله بكرة وأصيلا ثلاث مرات] (1) اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه، ونفثه.\rقال عمرو: ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعر، وهمزه: الموتة، والموتة الجنون، والاستعاذة بالله هي الاعتصام به (2) .\r{ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100) وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101) }\r{ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ } حجة وولاية، { عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } قال سفيان: ليس له سلطان على أن يحملهم على ذنب لا يغفر. { إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ } يطيعونه ويدخلون في ولايته، { وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ } أي: بالله مشركون. وقيل: الكناية راجعة إلى الشيطان، ومجازه الذين هم من أجله مشركون بالله. { وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ } يعني وإذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكما آخر، { وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ } أعلم بما هو أصلح لخلقه فيما يغير ويبدل من أحكامه، { قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ } يا محمد، { مُفْتَرٍ } مختلق، وذلك أن المشركين قالوا: إن محمدا يسخر بأصحابه، يأمرهم اليوم بأمر، وينهاهم عنه غدا، 202/ب ما هو إلا مفتر، يتقوله من تلقاء نفسه (3) .\rقال الله تعالى { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ } حقيقة القرآن، وبيان الناسخ من المنسوخ.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب ما يستفتح به في الصلاة من الدعاء: 1 / 372، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب لااستعاذة في الصلاة: 1 / 265، وصححه ابن حبان ص (123) من موارد الظمآن، والحاكم: 1 / 235، وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 4 / 80، والمصنف في شرح السنة: 3 / 43.\r(3) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (325).","part":5,"page":43},{"id":1696,"text":"{ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102) }","part":5,"page":44},{"id":1697,"text":"{ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103) }\r{ قُلْ نَزَّلَهُ } يعني القرآن، { رُوحُ الْقُدُسِ } جبريل، { مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ } بالصدق، { لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا } أي: ليثبت قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا ويقينا، { وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ } آدمي، وما هو من عند الله، واختلفوا في هذا البشر: قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم قينا بمكة، اسمه \"بلعام\"، وكان نصرانيا، أعجمي اللسان، فكان المشركون يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليه ويخرج، فكانوا يقولون إنما يعلمه \"بلعام\" (1) .\rوقال عكرمة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرئ غلاما لبني المغيرة يقال له \"يعيش\" (2) وكان يقرأ الكتب، فقالت قريش: إنما يعلمه \"يعيش\" (3) .\rوقال الفراء: قال المشركون إنما يتعلم من عايش مملوك كان لحويطب بن عبد العزى، وكان قد أسلم وحسن إسلامه، وكان أعجم اللسان (4) .\rوقال ابن إسحاق: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني كثيرا ما يجلس عند المروة إلى غلام رومي نصراني، عبد لبعض بني الحضرمي، يقال له \"جبر\"، وكان يقرأ الكتب (5) .\rوقال عبد الله بن مسلم الحضرمي كان لنا عبدان من أهل عين التمر يقال لأحدهما يسار، ويكنى \"أبا فكيهة\"، ويقال للآخر \"جبر\" وكانا يصنعان السيوف بمكة، وكانا يقرآن التوراة والإنجيل، فربما مر بهما النبي صلى الله عليه وسلم، وهما يقرآن، فيقف ويستمع.\rقال الضحاك: وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا آذاه الكفار يقعد إليهما ويستروح بكلامهما، فقال المشركون: إنما يتعلم محمد منهما، فنزلت هذه الآية (6) .\r__________\r(1) أخرجه ابن جرير: 14 / 177، وزاد السيوطي نسبته لابن أبي حاتم وابن مردويه بسند ضعيف. الدر المنثور: 5 / 167، زاد المسير: 4 / 492.\r(2) في الدر المنثور: \"مقيس\" ولعله تصحيف.\r(3) أخرجه ابن جرير عن عكرمة: 14 / 178، وانظر: زاد المسير: 4 / 492.\r(4) وقاله أيضا الزجاج، انظر: زاد المسير: 4 / 492.\r(5) أخرجه الطبري: 14 / 178.\r(6) أخرجه الطبري: 14 / 178، والواحدي في أسباب النزول ص (326)، وانظر: زاد المسير: 4 / 493.","part":5,"page":44},{"id":1698,"text":"قال الله تعالى تكذيبا لهم: { لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ } أي يميلون ويشيرون إليه، { أَعْجَمِيٌّ } \"الأعجمي\" الذي لا يفصح وإن كان ينزل بالبادية، والعجمي منسوب إلى العجم، وإن كان فصيحا، والأعرابي البدوي، والعربي منسوب إلى العرب، وإن لم يكن فصيحا، { وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ } فصيح وأراد باللسان القرآن، والعرب تقول: اللغة لسان، وروي أن الرجل الذي كانوا يشيرون إليه أسلم وحسن إسلامه.\r{ إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) }\r{ إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ } لا يرشدهم الله، { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ثم أخبر الله تعالى أن الكفار هم المفترون. فقال: { إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ } لا محمد صلى الله عليه وسلم.\rفإن قيل: قد قال: \"إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون\"، فما معنى قوله \"وأولئك هم الكاذبون\"؟ قيل: \"إنما يفتري الكذب\": إخبار عن فعلهم، \"وهم الكاذبون\" نعت لازم لهم، كقول الرجل لغيره: كذبت وأنت كاذب، أي: كذبت في هذا القول، ومن عادتك الكذب.\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو حفص عمر بن أحمد الجوهري، أخبرنا جدي أبو بكر محمد بن عمر بن حفص، حدثنا أبو بكر محمد بن الفرج الأزرق، حدثنا سعيد بن عبد الحميد بن جعفر، حدثنا يعلى بن الأشدق، عن عبد الله بن جراد قال قلت: يا رسول الله المؤمن يزني؟ قال: قد يكون ذلك، قال قلت: المؤمن يسرق؟ قال: قد يكون ذلك، قلت المؤمن يكذب؟ قال: لا\". قال الله: \"إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله\" (1) . { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ }\rقال ابن عباس: نزلت هذه الآية في عمار، وذلك أن المشركين أخذوه، وأباه ياسرا، وأمه سمية، وصهيبا، وبلالا وخبابا، وسالما، فعذبوهم، فأما سمية: فإنها ربطت بين بعيرين ووجئ قبلها\r__________\r(1) أخرجه الخرائطي في مساوئ الأخلاق ص 69 بتحقيق أبو النصر شلبي، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 5 / 168 لابن عساكر في تاريخه. وفيه يعلى بن الأشدق العقيلي؛ قال أبو حاتم: ليس بشيء، ضعيف الحديث، وقال ابن حبان: لا تحل الرواية عنه بحال، ولا الاحتجاج به. انظر الجرح والتعديل: 9 / 303 ، المجروحين لابن حبان: 3 / 142.","part":5,"page":45},{"id":1699,"text":"بحربة فقتلت، وقتل زوجها ياسر، وهما أول قتيلين قتلا في الإسلام، وأما عمار: فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها (1) .\rقال قتادة: أخذ بنو المغيرة عمارا وغطوه في بئر ميمون، وقالوا له: اكفر بمحمد، فتابعهم (2) على ذلك، وقلبه كاره، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن عمارا كفر فقال: كلا إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان (3) بلحمه ودمه، فأتى عمار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما وراءك؟ قال: شر يا رسول الله، نلت منك وذكرت آلهتهم (4) قال: كيف وجدت قلبك، قال مطمئنا بالإيمان، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسح عينيه وقال: إن عادوا لك فعد لهم بما قلت، فنزلت هذه الآية (5) .\rقال مجاهد: نزلت في ناس من أهل مكة، آمنوا فكتب إليهم بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن هاجروا، فإنا لا نراكم منا حتى تهاجروا إلينا، فخرجوا يريدون المدينة، فأدركتهم قريش في الطريق فكفروا كارهين (6) .\rوقال مقاتل: نزلت في جبر، مولى عامر بن الحضرمي، أكرهه سيده على الكفر فكفر مكرها (7) . { وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ } ثم أسلم مولى جبر وحسن إسلامه وهاجر جبر مع سيده، { وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا } أي: فتح صدره للكفر بالقبول واختاره، { فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }\rوأجمع العلماء على: أن من أكره على كلمة الكفر، يجوز له أن يقول بلسانه، وإذا قال بلسانه غير معتقد لا يكون كفرا، وإن أبى أن يقول حتى يقتل كان أفضل (8) .\rواختلف أهل العلم في طلاق المكره. فذهب أكثرهم إلى أنه لا يقع (9) .\r__________\r(1) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (326)، تفسير الطبري: 14 / 181، المستدرك: 2 / 357، الدر المنثور: 5 / 169-170.\r(2) في \"ب\": فبايعهم.\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) ساقط من \"ب\".\r(5) أخرجه الطبري: 14 / 181 ، وعبد بن حميد، وابن جرير، والحاكم. انظر: الدر المنثور: 5 / 172، القرطبي: 10 / 181، المستدرك: 2 / 357.\r(6) أخرجه ابن جرير، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. انظر. الدر المنثور: 5 / 171.\r(7) انظر: زاد المسير: 4 / 495-496.\r(8) انظر: تفسير الطبري: 14 / 182، القرطبي: 10 / 181،188-190، أحكام القرآن للجصاص: 4 / 13-14، أحكام القرآن لابن العربي: 3 / 1177-1179، زاد المسير: 4 / 496، تفسير ابن كثير: 2 / 589.\r(9) قال الشافعي، ومالك ، وأحمد: لا يقع طلاق المكره، وهو مروي عن عمر، وعلي، وابن عباس. وذكره ابن المنذر عن ابن الزبير، وابن عمر، وابن عباس، وعطاء، وطاوس، والحسن، وشريح، والقاسم، وسالم، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور. وأجازه أبو حنيفة، فقال: طلاق المكره يلزم، لأنه لم يعدم فيه أكثر من الرضا، وليس وجوده بشرط في الطلاق. وهذا مروي عن الشعبي، والنخعي، وأبي قلابة، والزهري، وقتادة.انظر بالتفصيل : تفسير القرطبي: 10 / 184 ، زاد المسير: 4 / 497، أحكام القرآن للجصاص: 5 / 14 - 15 أحكام القرآن لابن العربي: 3 / 1181.","part":5,"page":46},{"id":1700,"text":"{ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110) }\r{ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } لا يرشدهم. { أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ } عما يراد بهم. { لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ } أي المغبونون. { ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا } عذبوا ومنعوا من الإسلام، فتنهم المشركون، { ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا } على الإيمان والهجرة والجهاد، { إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا } من بعد تلك الفتنة والغفلة { لَغَفُورٌ رَحِيمٌ }\rنزلت في عياش بن أبي ربيعة، أخي أبي جهل من الرضاعة، وفي أبي جندل بن سهيل بن عمرو، والوليد بن الوليد بن المغيرة، وسلمة بن هشام وعبد الله بن أسيد الثقفي، فتنهم المشركون فأعطوهم بعض ما أرادوا ليسلموا من شرهم، ثم إنهم هاجروا بعد ذلك وجاهدوا (1) .\rوقال الحسن وعكرمة: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فاستزله الشيطان، فلحق بالكفار، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله يوم فتح مكة، فاستجاره له عثمان، وكان أخاه لأمه من الرضاعة، فأجاره رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إنه أسلم وحسن إسلامه، فأنزل الله هذه الآية (2) .\r__________\r(1) انظر: تفسير الخازن: 4 / 97. وهناك أقوال أخرى تجمع على عياش بن ربيعة بين من نزلت الآية فيهم، وذكر بعضهم عمارا رضي الله عنه، ورده ابن عطية. وانظر: الطبري: 14 / 184، الدر المنثور: 5 / 172-173، المحرر الوجيز: 8 / 524-525، زاد المسير: 4 / 497-498، أسباب النزول ص (237)، روح المعاني للآلوسي: 14 / 240، البحر المحيط: 5 / 540.\r(2) أخرجه الطبري عنهما: 14 / 184-185، وأخرج ابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس مثله. الدر المنثور: 5 / 172. وانظر: البحر المحيط: 5 / 541، زاد المسير: 4 / 498.","part":5,"page":47},{"id":1701,"text":"وقرأ ابن عامر \" فتنوا \" بفتح الفاء والتاء، ورده إلى من أسلم من المشركين فتنوا المسلمين.","part":5,"page":48},{"id":1702,"text":"{ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (111) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) }\r{ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ } تخاصم وتحتج، { عَنْ نَفْسِهَا } بما أسلفت من خير وشر، مشتغلا بها لا تتفرغ إلى غيرها، { وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ }\rروي أن عمر بن الخطاب قال 203/أ لكعب الأحبار: خوفنا، قال: يا أمير المؤمنين، والذي نفسي بيده، لو وافيت يوم القيامة بمثل عمل سبعين نبيا لأتت عليك ساعات وأنت لا تهمك إلا نفسك، وإن لجهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل منتخب، إلا وقع جاثيا على ركبتيه، حتى إبراهيم خليل الرحمن، يقول: يا رب لا أسألك إلا نفسي، وإن تصديق ذلك: الذي أنزل الله عليكم \"يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها\" (1) .\rوروى عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية قال: ما تزال الخصومة بين الناس يوم القيامة، حتى تخاصم الروح الجسد، فتقول الروح: يا رب، لم يكن لي يد أبطش بها، ولا رجل أمشي بها، ولا عين أبصر بها. ويقول الجسد: خلقتني كالخشب ليست لي يد أبطش بها، ولا رجل أمشي بها، ولا عين أبصر بها، فجاء هذا كشعاع النور، فبه نطق لساني، وأبصرت عيني، ومشت رجلي. فيضرب الله لهما مثلا أعمى ومقعد، دخلا حائطا فيه ثمار، فالأعمى لا يبصر الثمر، والمقعد لا يناله، فحمل الأعمى المقعد فأصابا من الثمر فعليهما العذاب (2) . قوله تعالى { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً } يعني: مكة، كانت آمنة، لا يهاج أهلها ولا يغار عليها، { مُطْمَئِنَّةً } قارة بأهلها، لا يحتاجون إلى الانتقال للانتجاع كما يحتاج إليه سائر العرب، { يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ } يحمل إليها من البر والبحر نظيره: \"يجبى إليه ثمرات كل شيء\" (القصص-57) .\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر المنثور: (5 / 173) لابن المبارك، وابن أبي شيبة، وأحمد في \"الزهد\" وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن كعب الأحبار. وانظر: زاد المسير: 4 / 499، روح المعاني: 14 / 240-241.\r(2) قال الآلوسي: (14 / 241): \"والظاهر هو عدم صحة هذا الخبر عن الحبر -ابن عباس- وهو أجل من أن يحمل المجادلة في الآية على ما ذكر. والحق أنه ليس فيه إلا الدلالة على عدم الاهتمام. وقال ابن عطية: (8 / 525)، وظاهر الآية: أن كل نفس تجادل، مؤمنة كانت أو كافرة، فإذا جادل الكفار بكذبهم وجحدهم الكفر شهدت عليهم الجوارح والرسل وغير ذلك بحسب الطوائف، فحينئذ لا ينطقون \"ولا يؤذن لهم فيعتذرون\" (المرسلات-36) فتجتمع آيات القرآن باختلاف المواطن. وقالت فرقة: قول كل أحد من الأنبياء وغيرهم: نفسي، نفسي، وهذا ليس بجدال ولا احتجاج، وإنما هو مجرد رغبة\".","part":5,"page":48},{"id":1703,"text":"{ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ } جمع النعمة، وقيل: جمع نعماء مثل بأساء وأبؤس، { فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ } ابتلاهم الله بالجوع سبع سنين، وقطعت العرب عنهم الميرة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جهدوا فأكلوا العظام المحرقة، والجيف، والكلاب الميتة، والعهن، وهو الوبر يعالج بالدم، حتى كان أحدهم ينظر إلى السماء فيرى شبه الدخان من الجوع، ثم إن رؤساء مكة كلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: هذا عاديت الرجال، فما بال النساء والصبيان؟ فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس بحمل الطعام إليهم وهم بعد مشركون. وذكر اللباس لأن ما أصابهم من الهزال والشحوب وتغير ظاهرهم عما كانوا عليه من قبل كاللباس لهم { وَالْخَوْفِ } يعني: بعوث النبي صلى الله عليه وسلم وسراياه التي كانت تطيف بهم. { بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ }\r{ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (115) وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (116) }\r{ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ } محمد صلى الله عليه وسلم، { فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ } { فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } (1) . { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } (2) . قوله تعالى { وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ } أي: لا تقولوا لوصف ألسنتكم، أو\r__________\r(1) +انظر فيما سبق، تفسير الآية (172) من سورة البقرة: 1 / 182-183.\r(2) انظر فيما سبق، تفسير الآية (173) من سورة البقرة: 1 / 183-184.","part":5,"page":49},{"id":1704,"text":"لأجل وصفكم الكذب، أي: أنكم تحلون وتحرمون لأجل الكذب لا لغيره، { هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ } يعني البحيرة والسائبة، { لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ } فتقولون إن الله أمرنا بهذا، { إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ } لا ينجون من عذاب الله.\r{ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118) }","part":5,"page":50},{"id":1705,"text":"{ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) }\r{ مَتَاعٌ قَلِيلٌ } يعني: الذي هم فيه متاع قليل، أو لهم متاع قليل في الدنيا. { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الآخرة. { وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ } يعني في سورة الأنعام، وهو قوله تعالى:\r\"وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر\" (الأنعام-146) الآية (1) .\r{ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ } بتحريم ذلك عليهم، { وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } فحرمنا عليهم ببغيهم. { ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا } معنى الإصلاح: الاستقامة على التوبة، { إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا } أي: من بعد الجهالة، { لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } قوله تعالى\" { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً } قال ابن مسعود: الأمة، معلم الخير، أي: كان معلمًا للخير، يأتم به أهل الدنيا، وقد اجتمع فيه من الخصال الحميدة ما يجتمع في أمة.\rقال مجاهد: كان مؤمنا (2) وحده والناس كلهم كفار.\rقال قتادة: ليس من أهل دين إلا يتولونه ويرضونه.\r{ قَانِتًا لِلَّهِ } مطيعا له، وقيل: قائما بأوامر الله تعالى، { حَنِيفًا } مسلما مستقيما على دين الإسلام. وقيل: مخلصا. { وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }\r__________\r(1) انظر تفسير الآية (146) من سورة الأنعام: 3 / 199.\r(2) في \"ب\": أمة.","part":5,"page":50},{"id":1706,"text":"{ شَاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123) إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (124) }\r{ شَاكِرًا لأنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ } اختاره، { وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } أي: إلى دين الحق. { وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً } يعني الرسالة والخلة وقيل: لسان الصدق والثناء والحسن.\rوقال مقاتل بن حيان: يعني الصلوات في قول هذه الأمة: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم.\rوقيل: أولادا أبرارا على الكبر.\rوقيل: القبول العام في جميع الأمم.\r{ وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } مع آبائه الصالحين في الجنة. وفي الآية تقديم وتأخير، مجازه: وآتيناه في الدنيا والآخرة حسنة، وإنه لمن الصالحين. { ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } يا محمد، { أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا } حاجا مسلما، (1) { وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }\rوقال أهل الأصول: كان النبي صلى الله عليه وسلم مأمور بشريعة إبراهيم إلا ما نسخ في شريعته، وما لم ينسخ صار شرعا له (2) . قوله تعالى: { إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ } قيل: معناه إنما جعل السبت لعنة على الذين اختلفوا فيه أي: خالفوا فيه.\rوقيل: معناه ما فرض الله تعظيم السبت وتحريمه إلا على الذين اختلفوا فيه أي: خالفوا فيه فقال قوم: هو أعظم الأيام، لأن الله تعالى فرغ من خلق الأشياء يوم الجمعة ثم سبت يوم السبت.\rوقال قوم: بل أعظم الأيام يوم الأحد، لأن الله تعالى ابتدأ فيه خلق الأشياء، فاختاروا تعظيم غير ما فرض الله عليهم، وقد افترض الله عليهم تعظيم يوم الجمعة.\r__________\r(1) وقال الطبري: مسلما على الدين الذي كان عليه إبراهيم، بريئا من الأوثان والأنداد التي يعبدها قومك، كما كان إبراهيم تبرأ منها. تفسير الطبري: 14 / 193.\r(2) انظر بالتفصيل: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم: 5 / 722 وما بعدها، تفسير القرطبي: 10 / 198.","part":5,"page":51},{"id":1707,"text":"قال الكلبي: أمرهم موسى عليه السلام بالجمعة، فقال: تفرغوا لله في كل سبعة أيام يوما فاعبدوه يوم الجمعة، ولا تعملوا فيه لصنعتكم، وستة أيام لصناعتكم، فأبوا وقالوا: لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله فيه من الخلق يوم السبت، فجعل ذلك اليوم عليهم وشدد عليهم فيه ثم جاءهم عيسى عليه السلام بيوم الجمعة، فقالوا لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا -يعنون اليهود-فاتخذوا الأحد فأعطى الله الجمعة هذه الأمة، فقبلوها وبورك لهم فيها.\rأخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، أنبأنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر عن همام بن منبه قال: حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم 203/ب قال: \"نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فهم لنا فيه تبع، فاليهود غدا، والنصارى بعد غد\" (1) .\rقال الله تعالى: { إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ } [قال قتادة: الذين اختلفوا فيه هم] (2) اليهود، استحله بعضهم، وحرمه بعضهم.\r{ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ }\r{ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) }\r{ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ } بالقرآن، { وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ } يعني مواعظ القرآن.\rوقيل: الموعظة الحسنة هي الدعاء إلى الله بالترغيب والترهيب.\rوقيل: هو القول اللين الرقيق من غير غلظة ولا تعنيف.\r{ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } وخاصمهم وناظرهم بالخصومة التي هي أحسن، أي: أعرض عن أذاهم، ولا تقصر في تبليغ الرسالة والدعاء إلى الحق، نسختها آية القتال (3) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الجمعة، باب فرض الجمعة: 2 / 354، ومسلم في باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة، برقم (855): 2 / 586. والمصنف في شرح السنة: 4 / 200.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) هذه الآية الكريمة نزلت بمكة المكرمة في وقت الأمر بمهادنة المشركين، وأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف ولين، دون مخاشنة وتعنيف، وهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة. فهي محكمة في جهة العصاة من الموحدين، ومنسوخة بالقتال في حق الكافرين. وقد قيل: إن من أمكنت معه هذه الأحوال من الكفار ورجي إيمانه بها دون قتال فهي محكمة، والله أعلم. تفسير القرطبي: 10 / 200، وأصل الكلام لابن عطية في المحرر الوجيز: 8 / 546، وانظر فيما سبق تفسير الآية (3) من سورة الحجر: 4 / 368 تعليق (6) و 3 / 373 تعليق (2).","part":5,"page":52},{"id":1708,"text":"{ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ }\r{ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) }\r{ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } هذه الآيات نزلت بالمدينة في شهداء أحد (1) وذلك أن المسلمين لما رأوا ما فعل المشركون بقتلاهم يوم أحد، من تبقير البطون، والمثلة السيئة -حتى لم يبق أحد من قتلى المسلمين إلا مثل به غير حنظلة بن الراهب فإن أباه أبا عامر الراهب كان مع أبي سفيان، فتركوا حنظلة لذلك-فقال المسلمون حين رأوا ذلك: لئن أظهرنا الله عليهم لنزيدن على صنيعهم، ولنمثلن بهم مثلة لم يفعلها أحد من العرب بأحد، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمه حمزة بن عبد المطلب وقد جدعوا أنفه وأذنه، وقطعوا مذاكيره وبقروا بطنه، وأخذت هند بنت عتبة قطعة من كبده فمضغتها، ثم استرطبتها لتأكلها فلم تلبث في بطنها حتى رمت بها فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أما إنها لو أكلته لم تدخل النار أبدا، حمزة أكرم على الله تعالى من أن يدخل شيئا من جسده النار فلما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمه حمزة، ونظر إلى شيء لم ينظر إلى شيء قط كان أوجع لقلبه منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"رحمة الله عليك فإنك ما علمت ما كنت إلا فاعلا للخيرات، وصولا للرحم، ولولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أفواج شتى، أما والله لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين منهم مكانك\"، فأنزل الله تعالى: { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا } الآية. { وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ } أي: ولئن عفوتم لهو خير للعافين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل نصبر، وأمسك عما أراد وكفر عن يمينه (2) .\r__________\r(1) قال ابن عطية: (4 / 546): أطبق أهل التفسير أن هذه الآية مدنية نزلت في شأن التمثيل بحمزة، رضي الله عنه، في يوم أحد. ووقع ذلك في صحيح البخاري، وفي كتب السير، وذهب النحاس إلى أنها مكية. وانظر: تفسير القرطبي: 10 / 201.\r(2) هذه الرواية ساقها الواحدي في أسباب النزول ص (329-330) عن المفسرين ولم يذكر لها إسنادا، وكذلك فعل الخازن في تفسيره: (4 / 131)، وفي هذا السياق ما هو صحيح ومنه ما هو ضعيف؛ وإليك بعض الروايات في ذلك: عن أبي بن كعب قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلا، ومن المهاجرين ستة منهم حمزة، فمثلوا بهم، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربين عليهم. قال: فلما كان يوم فتح مكة فأنزل الله تعالى: \"وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين\"، فقال رجل: لا قريش بعد اليوم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كفوا عن القوم إلا أربعة\". أخرجه الترمذي في التفسير: 8 / 559-560 وقال: هذا حديث حسن غريب، وأخرجه ابن حبان، كما في موارد الظمآن ص (411)، وصححه الحاكم في المستدرك: 2 / 359 و 446، ووافقه الذهبي، والطبراني في الكبير: 3 / 157، وعبد الله ابن الإمام أحمد في زوائد المسند: 5 / 135، وعزاه السيوطي للنسائي، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل. وأشار الحافظ ابن حجر إلى هذه الرواية وقال في الفتح (7 / 372): \"وهذه طرق يقوي بعضها بعضا\". وروى البزار والطبراني بإسناد فيه ضعف عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى حمزة قد مثل به قال: رحمة الله عليك.. -كما جاء في سياق المصنف- انظر: فتح الباري: 7 / 371، وراجع: طبقات ابن سعد: 3 / 12-13، سيرة ابن هشام: 2 / 91، 95-96، إمتاع الأسماع للمقريزي ص (153)، أسباب النزول للواحدي ص (329-331) وفيه سياق الروايات كلها، وكذلك الدر المنثور: 5 / 178-179، تفسير ابن كثير: 2 / 592.","part":5,"page":53},{"id":1709,"text":"قال ابن عباس والضحاك: كان هذا قبل نزول براءة حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال من قاتله ومنع من الابتداء بالقتال، فلما أعز الله الإسلام وأهله نزلت براءة، وأمروا بالجهاد نسخت هذه الآية (1) .\rوقال النخعي، والثوري، ومجاهد، وابن سيرين: الآية محكمة نزلت في من ظلم بظلامة، فلا يحل له أن ينال من ظالمه أكثر مما نال الظالم منه، أمر بالجزاء والعفو، ومنع من الاعتداء (2) . ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم:\r{ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128) }\r{ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ } أي: بمعونة الله وتوفيقه، { وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } في إعراضهم عنك، { وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ } أي: فيما فعلوا من الأفاعيل.\rقرأ ابن كثير هاهنا وفي النمل { ضَيْقٍ } بكسر الضاد وقرأ الآخرون بفتح الضاد، قال أهل الكوفة: هما لغتان مثل رطل ورطل.\rوقال أبو عمرو: \"الضيق\" بالفتح: الغم، وبالكسر: الشدة.\rوقال أبو عبيدة: \"الضيق\" بالكسر في قلة المعاش وفي المساكن، فأما ما كان في القلب والصدر فإنه بالفتح.\rوقال ابن قتيبة: الضيق تخفيف ضيق مثل هين وهين، ولين ولين، فعلى هذا هو صفة، كأنه قال: ولا تكن في أمر ضيق من مكرهم. { إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا } المناهي، { وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ } بالعون والنصرة.\r__________\r(1) أخرجه الطبري عن ابن عباس: 14 / 196، وانظر: الدر المنثور: 5 / 180، زاد المسير: 4 / 508.\r(2) الطبري: 14 / 197، القرطبي: 10 / 201، المحرر الوجيز: 8 / 548، زاد المسير: 4 / 508. قال الطبري -رحمه الله- والصواب من القول في ذلك: إن الله تعالى ذكره أمر من عوقب من المؤمنين بعقوبة أن يعاقب من عاقبه بمثل الذي عوقب به، إن اختار عقوبته، وأعلمه أن الصبر على ترك عقوبته، على ما كان منه إليه خير وعزم على نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصبر، وذلك أن ذلك هو ظاهر التنزيل، والتأويلات- التي ذكرناها عمن ذكروها عنه -محتملتها الآية كلها، فإذا كان ذلك كذلك، ولم يكن في الآية دلالة على أي ذلك عنى بها من خبر ولا عقل كان الواجب علينا الحكم بها.. وأن يقال: هي آية محكمة أمر الله -تعالى ذكره- عباده أن لا يتجاوزوا فيما وجب لهم قبل غيرهم من حق مال أو نفس، الحق الذي جعله الله لهم إلى غيره، وأنها غير منسوخة، إذ كان لا دلالة على نسخها، وأن للقول بأنها محكمة وجها صحيحا مفهوما\".","part":5,"page":54},{"id":1710,"text":"سورة الإسراء\rمكية وهي مائة وإحدى عشرة آية (1) .\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) }\r{ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا } سبحان الله: تنزيه الله تعالى من كل سوء، ووصفه بالبراءة من كل نقص على طريق المبالغة، ويكون \"سبحان\" بمعنى التعجب، \"أسرى بعبده\" أي: سيره، وكذلك سرى به، والعبد هو: محمد صلى الله عليه وسلم.\r{ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } قيل: كان الإسراء من مسجد مكة، روى قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق\" (2) فذكر حديث المعراج.\rوقال قوم: عرج به من دار أم هانئ بنت أبي طالب (3) ومعنى قوله: { مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ }\r__________\r(1) هي مكية في قول الجماعة، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنه، فيما أخرجه عنه: النحاس، وابن مردويه، قال: \"نزلت سورة بني إسرائيل بمكة\". وقال بعضهم: فيها مدني، وهو مروي أيضا عن ابن عباس، حيث قال: هي مكية إلا ثمان آيات. انظر: الدر المنثور: 5 / 181، زاد المسير: 5 / 3.\r(2) وهو مروي في الصحيحين وغيرهما، وسيأتي تخريجه قريبا.\r(3) أخرجه ابن إسحاق في السيرة قال: حدثني محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح باذان، عن أم هانئ بنت أبي طالب. انظر سيرة ابن هشام: 1 / 402-403، والطبري في التفسير: 15 / 2. قال الحافظ ابن كثير: (3 / 23): الكلبي متروك بمرة ساقط. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: (1 / 76): \"رواه الطبراني في الكبير، وفيه عبد الأعلى بن أبي المساور، متروك كذاب\".","part":5,"page":55},{"id":1711,"text":"أي: من الحرم (1) .\rقال مقاتل: كانت ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة، ويقال: كان في رجب. وقيل: كان في شهر رمضان (2) .\r{ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى } يعني: بيت المقدس، وسمي أقصى لأنه أبعد المساجد التي تزار. وقيل: لبعده من المسجد الحرام.\r{ الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ } بالأنهار والأشجار والثمار، وقال مجاهد: سماه مباركا لأنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة والوحي، ومنه يحشر الناس يوم القيامة.\r{ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا } من عجائب قدرتنا، وقد رأى هناك الأنبياء والآيات الكبرى.\r{ إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } ذكر \"السميع\" لينبه على أنه المجيب لدعائه، وذكر \"البصير\" لينبه على أنه الحافظ له في ظلمة الليل.\rوروي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول: ما فقد جسد النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الله أسرى بروحه (3) .\rوالأكثرون على أنه أسري بجسده في اليقظة، وتواترت الأخبار الصحيحة على ذلك (4) .\r__________\r(1) انظر زاد المسير: 5 / 4-5، تفسير الطبري: 15 / 2.\r(2) انظر الروايات في زمن الإسراء، في: الدر المنثور: 5 / 209-211، إمتاع الأسماع للمقريزي: 1 / 29، فتح الباري: 7 / 203، تفسير القرطبي: 10 / 210.\r(3) أخرجه ابن إسحاق في السيرة: 1 / 399-400، والطبري: 15 / 16 عن عائشة ومعاوية. وانظر: إمتاع الأسماع 1 / 30، الروض الأنف للسهيلي: 1 / 243-244، تفسير ابن كثير: 3 / 24، الشفا بتعريف حقوق المصطفى: 1 / 245-246. وقد تعقب الطبري رحمه الله هذا الرأي ورده ردا شديدا فقال: (15 / 16-17): \"والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله أسرى بعبده محمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، كما أخبر الله عباده، وكما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الله حمله على البراق حين أتاه به، وصلى هنالك بمن صلى من الأنبياء والرسل، فأراه ما أراه من الآيات. ولا معنى لقول من قال: أسري بروحه دون جسده، لأن ذلك لو كان كذلك لم يكن في ذلك ما يوجب أن يكون ذلك دليلا على نبوته، ولا حجة على رسالته، ولا كان الذين أنكروا حقيقة ذلك من أهل الشرك، وكانوا يدفعون به عن صدقه فيه، إذ لم يكن منكرا عندهم، ولا عند أحد من ذوي الفطرة الصحيحة من بني آدم أن يرى الرائي منهم في المنام ما على مسيرة سنة، فكيف ما هو على مسيرة شهر أو أقل! وبعد، فإن الله إنما أخبر في كتابه أنه أسرى بعبده، ولم يخبرنا أنه أسرى بروح عبده، وليس جائزا لأحد أن يتعدى ما قال الله إلى غيره...\". وانظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض: 1 / 252-256.\r(4) وجمع الحافظ ابن كثير رحمه الله روايات أحاديث الإسراء في أول تفسير السورة: 3 / 3-24 وقال: \"وإذا حصل الوقوف على مجموع هذه الأحاديث، صحيحها وحسنها وضعيفها، يحصل مضمون ما اتفقت عليه من مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس، وأنه مرة واحدة وإن اختلفت عبارات الرواة في أدائه، أو زاد بعضهم فيه أو نقص منه؛ فإن الخطأ جائز على من عدا الأنبياء عليهم السلام، ومن جعل من الناس -كل رواية خالفت الأخرى مرة على حدة، فأثبت إسراءات متعددة فقد أبعد وأغرب، وهرب إلى غير مهرب ولم يتحصل عل مطلب. وقد صرح بعضهم من المتأخرين بأنه عليه السلام أسري به مرة من مكة إلى بيت المقدس فقط، ومرة من مكة إلى السماء فقط، ومرة إلى بيت المقدس، ومنه إلى السماء، وفرح بهذا المسلك وأنه قد ظفر بشيء يخلص به من الإشكالات، وهذا بعيد جدا، ولم ينقل هذا عن أحد من السلف، ولو تعدد هذا التعدد لأخبر النبي صلى الله عليه وسلم به أمته، ولنقله الناس على التعدد والتكرر\".","part":5,"page":58},{"id":1712,"text":"أخبرنا أبو عمر عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يوسف، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا همام بن يحيى، حدثنا قتادة (ح) (1) قال البخاري: وقال لي خليفة العصفري، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد وهشام. قالا حدثنا قتادة (ح) عن مالك بن صعصعة رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم، حدثهم عن ليلة أسري به، (ح) قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن يونس عن ابن شهاب عن أنس قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ح) ، وأخبرنا أبو سعيد إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا أبو الحسن عبد الغافر بن محمد 204/أ [الفارسي أنبأنا أبو أحمد محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد] (2) بن سفيان، حدثنا أبو الحسين مسلم بن الحجاج، حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال -[دخل حديث بعضهم في بعض (3) -قال أبو ذر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:] (4) فرج عني سقف بيتي، وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا، فأفرغه في صدري، ثم أطبقه\".\rوقال مالك بن صعصعة: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به قال: \"بينما أنا في الحطيم،\r__________\r(1) إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر، فإن المحدثين يكتبون عند الانتقال من إسناد إلى إسناد آخر ما صورته (ح)، وهي حاء مفردة مهملة، إشارة إلى التحويل من سند إلى سند آخر... وبعضهم يقول إذا وصل إليها (الحديث)... ومنهم من يقول إذا انتهى إليها في القراءة: (حا) ويمر. وقال الحافظ عبد القادر الرهاوي: إنها حاء من حائل، أي: تحول بين الإسنادين، قال: ولا يلفظ بشيء عند الانتهاء إليها في القراءة، وأنكر كونها من \"الحديث\"، وغير ذلك. واختار ابن الصلاح أن يقول القارئ عند الانتهاء إليها: (حا) ويمر، فإنه أحوط الوجوه وأعدلها. انظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص (203-204) بتحقيق الشيخ الدكتور نور الدين عتر.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) إذا روى الراوي الحديث عن شيخين فأكثر، وبين ألفاظهم تباين، فإن ركب السياق من الجميع -كما فعل المصنف هنا- وساق الحديث بتمامه فإن هذا سائغ، فإن الأئمة تلقوه بالقبول. وقد بين المصنف ما في كل رواية من زيادة أو نقص. انظر: الباعث الحثيث لابن كثير: ص (123-124)، فتح الباري لابن حجر: 8 / 456-457.\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":5,"page":59},{"id":1713,"text":"وربما قال في الحجر (1) بين النائم واليقظان\"، وذكر بين رجلين (2) \"فأتيت بطست من ذهب مملوء حكمة وإيمانا فشق من النحر إلى مراق البطن (3) واستخرج قلبي فغسل ثم حشي ثم أعيد\" (4) .\rوقال سعيد وهشام: ثم غسل البطن بماء زمزم ثم ملئ إيمانا وحكمة، ثم أوتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، فركبته فانطلقت مع جبريل حتى أتيت بيت المقدس، قال: فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء، قال: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت، فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح، قيل من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به، فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت، فإذا فيها آدم، فقال لي: هذا أبوك آدم، فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح.\rوفي حديث أبي ذر: علونا السماء الدنيا، فإذا رجل قاعد عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة، إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح. قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة التي عن يمينه وشماله نسم بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى.\rثم صعد حتى أتى السماء الثانية فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت إذا\r__________\r(1) هو شك من قتادة. والمراد بالحطيم هنا: الحجر. انظر: فتح الباري: 7 / 204.\r(2) قال ابن حجر في الموضع السابق: ووقع في بدء الخلق من صحيح البخاري بلفظ \"وذكر بين الرجلين\" وهو مختصر، وقد أوضحته رواية مسلم من طريق سعيد عن قتادة بلفظ: \"إذ سمعت قائلا يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين فأتيت، فانطلق بي\".. والمراد بالرجلين حمزة وجعفر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم نائما بينهما.\r(3) \"مراق البطن\": بفتح الميم وتخفيف الراء وتشديد القاف، هو: ما أسفل من البطن ورق من جلده، وأصله مراقق، وسميت بذلك لأنها موضع رقة الجلد. انظر: فتح الباري: 6 / 308.\r(4) قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (7 / 304-305): \"وقد استنكر بعضهم وقوع شق الصدر ليلة الإسراء وقال: إنما كان ذلك وهو صغير في بني سعد. ولا إنكار في ذلك، فقد تواردت الروايات به، وثبت شق الصدر أيضا عند البعثة، كما أخرجه أبو نعيم في \"الدلائل\"، ولكل منهما حكمة؛ فالأول وقع فيه من الزيادة -كما عند مسلم من حديث أنس- \"فأخرج علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك\"، وكان هذا في زمن الطفولية، فنشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان. ثم وقع شق الصدر عند البعث زيادة في إكرامه ليتلقى ما يوحي إليه بقلب قوي في أكمل الأحوال من التطهير ثم وقع شق الصدر عند إرادة العروج إلى السماء ليتأهب للمناجاة. ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرة الثالثة كما تقرر في شرعه صلى الله عليه وسلم\". قارن بـ: الشفا للقاضي عياض: 1 / 254-255.","part":5,"page":60},{"id":1714,"text":"بيحيى وعيسى عليهما السلام، وهما ابنا خالة، قال: هذا يحيى وعيسى، فسلم عليهما، فسلمت فردا، ثم قالا مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح.\rثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت فإذا يوسف، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، قال: هذا يوسف فسلم عليه، فسلمت عليه فرد علي، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح، والنبي الصالح.\rثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت فإذا إدريس، قال هذا إدريس فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح.\rثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا هارون، قال: هذا هارون فسلم عليه، فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح.\rثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا موسى، قال: هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح، فلما جاوزت بكى قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي (1) .\rثم صعد بي إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا إبراهيم، قال: هذا أبوك إبراهيم، فسلم عليه، فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح، فرفع لي البيت المعمور، فسألت جبريل فقال: هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم.\r__________\r(1) قال العلماء: لم يكن بكاء موسى حسدا، معاذ الله، فإن الحسد في ذلك العالم منزوع عن آحاد المؤمنين، فكيف بمن اصطفاه الله تعالى، بل كان أسفا على ما فاته من الأجر الذي يترتب عليه رفع الدرجة بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم المستلزم لتنقيص أجره، لأن لكل نبي مثل أجر كل من اتبعه، ولهذا كان من اتبعه من أمته في العدد دون من اتبع نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، مع طول مدتهم بالنسبة لهذه الأمة. انظر: فتح الباري: 7 / 211 شرح السنة: 13 / 342.","part":5,"page":61},{"id":1715,"text":"وقال ثابت عن أنس: فإذا أنا بإبراهيم مسند ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، في أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: ما هذان يا جبريل؟ فقال: أما الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات.\rوأوحى إلي ما أوحى، ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى، فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم، قال: فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب خفف على أمتي فحط عني خمسا فرجعت إلى موسى فقلت: حط عني خمسا، قال: إن أمتك لا تطيق ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف.\rقال: فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى حتى قال: يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة.\rقال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. فقلت: سألت ربي حتى استحييت ولكني أرضى وأسلم، قال: فلما جاوزت نادى مناد: أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي، ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ (1) وإذا ترابها 204/ب المسك.\rقال ابن شهاب: فأخبرني ابن حزم (2) أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري، كانا يقولان: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى فيه صريف الأقلام (3) .\rقال ابن حزم وأنس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ففرض الله على أمتي خمسين صلاة (4) .\r__________\r(1) قباب اللؤلؤ. والجنابذ جمع جنبذة، وهي القبة. (شرح السنة: 13 / 347).\r(2) هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وروايته عن أبي حبة الأنصاري منقطعة، لأنه استشهد بأحد قبل مولد أبي بكر بدهر. فتح الباري: 1 / 462.\r(3) أي: ما يكتبه الملائكة من أقضية الله عز وجل، وما ينسخونه من اللوح المحفوظ. شرح السنة: 13 / 348.\r(4) هذا الحديث برواياته وطرقه التي ساقها المصنف، أخرجه البخاري في الصلاة باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء: 1 / 458-459، وفي بدء الخلق، باب ذكر الملائكة: 6 / 302-303، وفي مناقب الأنصار، باب المعراج: 7 / 201-202 وفي مواضع أخرى. وأخرجه مسلم في الإيمان، باب الإسراء برقم (162-164): 1 / 145-151، والمصنف في شرح السنة: 13 / 336-341، 343-344، 345-347.","part":5,"page":62},{"id":1716,"text":"وروى معمر عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم: أتي بالبراق ليلة أسري به ملجما مسرجا، فاستصعب عليه، فقال جبريل: أبمحمد تفعل هذا؟ فما ركبك أحد أكرم على الله منه، فارفض عرقا (1) .\rوقال ابن بريدة عن أبيه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لما انتهينا إلى بيت المقدس قال جبريل بأصبعه فخرق بها الحجر وشد بها البراق (2) .\rأنبأنا عبد الواحد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني محمود، أنبأنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري أخبرني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ليلة أسري بي لقيت موسى، قال: فنعته فإذا هو رجل -حسبته قال مضطرب-رجل الرأس كأنه من رجال شنوءة\". قال: ولقيت عيسى فنعته النبي صلى الله عليه وسلم فقال: \"ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس يعني: الحمام ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به، قال: وأتيت بإناءين: أحدهما لبن والآخر فيه خمر، فقيل لي: خذ أيهما شئت فأخذت اللبن فشربته، فقيل لي: هديت الفطرة [أو أصبت الفطرة] (3) أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك\" (4) .\rأنبأنا عبد الواحد المليحي حدثنا أحمد بن عبد الله النعيمي حدثنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: \"وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس\"، قال: هي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به إلى بيت المقدس. قال: والشجرة الملعونة في القرآن قال: هي شجرة الزقوم (5) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثني سليمان عن شريك بن عبد الله قال: سمعت\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في تفسير سورة الإسراء: 8 / 564، وقال: \"هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرزاق، وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 3 / 164، والطبري: 15 / 15، وزاد السيوطي نسبته لابن مردويه، وأبي نعيم، والبيهقي. انظر: الدر المنثور: 5 / 210.\r(2) أخرجه الترمذي في التفسير: 8 / 565، وقال: هذا حديث غريب، وأخرجه ابن حبان ص (39) من موارد الظمآن. وأخرجه البزار في مسنده وقال: \"لا نعلم رواه عن الزبير بن جنادة إلا أبو نميلة، ولا نعلم هذا الحديث إلا عن بريدة\". انظر: تفسير ابن كثير: 4 / 11.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(4) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: (واذكر في الكتاب مريم..) 6 / 476، وفي مواضع أخرى. ومسلم في الإيمان، باب الإسراء برقم (168): 1 / 154، والمصنف في شرح السنة: 13 / 352.\r(5) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار، باب المعراج: 7 / 203، وفي التفسير، وفي القدر، وأخرجه المصنف في شرح السنة: 13 / 348.","part":5,"page":63},{"id":1717,"text":"أنس بن مالك يقول: ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه، وتنام عينه ولا ينام قلبه وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى احتملوه ووضعوه عند بئر زمزم، فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده. وساق حديث المعراج بقصته. فقال: فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان، قال: هذا النيل والفرات عنصرهما واحد، ثم مضى به في السماء الثانية فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد فضرب يده فإذا هو مسك أذفر، قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك. وساق الحديث، وقال: ثم عرج بي إلى السماء السابعة، وقال: قال موسى: رب لم أظن أن ترفع علي أحدا، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى إليه فيما أوحى إليه خمسين صلاة كل يوم وليلة وقال فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات ثم احتبسه موسى عند الخمس فقال: يا محمد والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا فضعفوا عنه وتركوه فأمتك أضعف قلوبا وأجسادا وأبدانا وأبصارا وأسماعا، فارجع فليخفف عنك ربك، كل ذلك يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل ليشير عليه، ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة فقال: يا رب إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم فخفف عنا فقال الجبار: يا محمد، قال: لبيك وسعديك، قال: إنه لا يبدل القول لدي كما فرضت عليك في أم الكتاب فكل حسنة بعشر أمثالها فهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك فقال موسى: ارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"قد والله استحييت من ربي مما اختلفت إليه\"، قال: فاهبط بسم الله، فاستيقظ وهو في المسجد الحرام.\rوروى مسلم هذا الحديث مختصرا عن هارون بن سعيد الإيلي عن ابن وهب عن سليمان بن بلال (1) .\rقال شيخنا الإمام رضي الله عنه: قد قال بعض أهل الحديث ما وجدنا لمحمد بن إسماعيل ولمسلم في كتابيهما شيئا لا يحتمل مخرجا إلا هذا، وأحال الأمر فيه إلى شريك بن عبد الله، وذلك أنه ذكر فيه أن ذلك قبل أن يوحى إليه، واتفق أهل العلم على أن المعراج كان بعد الوحي بنحو من اثنتي عشرة سنة قبل الهجرة بسنة.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التوحيد، باب ما جاء في قوله عز وجل: (وكلم الله موسى تكليما): 13 / 477-479، ومسلم في الإيمان، باب الإسراء، برقم (162): 1 / 148.","part":5,"page":64},{"id":1718,"text":"وفيه أيضا: \"أن الجبار دنا فتدلى\". وذكرت عائشة أن الذي دنا فتدلى جبريل عليه السلام (1) .\rقال شيخنا الإمام رضي الله عنه: وهذا الاعتراض عندي لا يصح، لأن هذا كان رؤيا في النوم، أراه الله عز وجل قبل الوحي بدليل آخر الحديث: قال فاستيقظ وهو في المسجد الحرام، ثم عرج به في اليقظة بعد الوحي قبل الهجرة بسنة تحقيقا لرؤياه من قبل كما أنه رأى فتح مكة في المنام عام الحديبية سنة ست من الهجرة، ثم كان تحقيقه سنة ثمان ونزل قوله عز وجل (2) \"لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق\" (الفتح-27) .\rوروي أنه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به وكان بذي طوى قال: يا جبريل إن قومي لا يصدقوني، قال: يصدقك أبو بكر وهو الصديق (3) .\rقال ابن عباس وعائشة رضي الله عنهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما كانت ليلة أسري بي فأصبحت بمكة فضقت بأمري وعرفت أن الناس مكذبي فروي أنه عليه الصلاة والسلام قعد معتزلا حزينا فمر به أبو جهل فجلس إليه فقال له كالمستهزئ: هل استفدت من شيء؟ قال: نعم إني أسري بي الليلة قال: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس، قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا قال: نعم، فلم ير أبو جهل أنه ينكر مخافة أن يجحده الحديث قال: أتحدث قومك ما حدثتني؟ قال: نعم، قال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي هلموا، قال: فانفضت إليه المجالس فجاؤوا حتى جلسوا إليهما، قال: فحدث قومك ما حدثتني قال: نعم إني أسري بي الليلة، قالوا: إلى أين؟ قال: إلى بيت المقدس، قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: نعم قال: فمن بين مصفق ومن بين واضع يده على رأسه متعجبا، وارتد ناس ممن كان آمن به وصدقه وسعى رجل من المشركين إلى أبي بكر فقال: هل لك في صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس قال: أوقد قال ذلك؟ قال: نعم، 205/أ قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق قالوا: وتصدقه أنه ذهب إلى بيت المقدس في ليلة وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم إني لأصدقه بما هو أبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة فلذلك سمي أبو بكر الصديق.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في بدء الخلق: 6 / 313، ومسلم في الإيمان، باب معنى قول الله عز وجل: (ولقد رآه نزلة أخرى): 1 / 160-161.\r(2) انظر ما قيل في ذلك كله بالتفصيل: أعلام الحديث للخطابي: 4 / 1254-1257، فتح الباري: 13 / 479-487.\r(3) أخرجه ابن سعد في \"الطبقات الكبرى\": 1 / 215، والطبراني في \"الأوسط\" وسعيد بن منصور، وابن مردويه، عن أبي هريرة. انظر: الدر المنثور: 5 / 221-222.","part":5,"page":65},{"id":1719,"text":"قال: وفي القوم من قد أتى المسجد الأقصى، فقالوا: هل تستطيع أن تنعت لنا المسجد؟ قال: نعم قال: فذهبت أنعت وأنعت فما زلت أنعت حتى التبس علي [بعض النعت] قال: فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع دون دار عقيل فنعت المسجد وأنا أنظر إليه فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب ثم قالوا: يا محمد أخبرنا عن عيرنا هي أهم إلينا فهل لقيت منها شيئا؟ قال: نعم مررت على عير بني فلان وهي بالروحاء وقد أضلوا بعيرا لهم وهم في طلبه وفي رحالهم قدح من ماء فعطشت فأخذته فشربته ثم وضعته كما كان فسلوهم هل وجدوا الماء في القدح حين رجعوا إليه؟ قالوا: هذه آية قال: ومررت بعير بني فلان، وفلان وفلان راكبان قعودا لهما بذي طوى فنفر بعيرهما مني فرمى بفلان فانكسرت يده فسلوهما عن ذلك قالوا: وهذه آية قالوا: فأخبرنا عن عيرنا نحن؟ قال: مررت بها بالتنعيم قالوا: فما عدتها وأحمالها وهيئتها ومن فيها؟ قال: نعم هيئتها كذا وكذا وفيها فلان وفلان يقدمها جمل أورق عليه غرارتان مخيطتان تطلع عليكم عند طلوع الشمس قالوا: وهذه آية ثم خرجوا يشتدون نحو الثنية وهم يقولون والله لقد قص محمد شيئا وبينه حتى أتوا كدى فجلسوا عليه فجعلوا ينتظرون متى تطلع الشمس فيكذبونه إذ قال قائل منهم: والله هذه الشمس قد طلعت وقال آخر: وهذه والله الإبل قد طلعت يقدمها بعير أورق فيها فلان وفلان كما قال لهم فلم يؤمنوا \"وقالوا إن هذا إلا سحر مبين\" (1) .\rأنبأنا إسماعيل بن عبد القاهر أنبأنا عبد الغافر بن محمد أنبأنا محمد بن عيسى الجلودي أنبأنا إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج حدثني زهير بن حرب حدثنا حجر بن المثنى أنبأنا عبد العزيز -وهو ابن أبي سلمة-عن عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كربا ما كربت مثله قط قال: فرفعه الله لي أنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به ولقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي فإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة وإذا عيسى قائم يصلي أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود الثقفي وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم -يعني نفسه-فجاءت الصلاة فأممتهم فلما فرغت من الصلاة قال لي قائل: يا محمد هذا مالك صاحب النار فسلم عليه فالتفت إليه فبدأني بالسلام\" (2) .\r__________\r(1) أخرجه الإمام أحمد في المسند: 1 / 309، والنسائي في تفسيره: 1 / 646، والبزار، والطبراني، وابن أبي شيبة، وابن مردويه، وأبو نعيم في \"الدلائل\" والضياء في \"المختارة\"، وابن عساكر، بسند صحيح. انظر: مجمع الزوائد: 1 / 64-65، الدر المنثور: 5 / 222، وتفسير ابن كثير: 3 / 16-17.\r(2) أخرجه مسلم في الإيمان باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال برقم (172): 1 / 156-157. وانظر: شرح السنة: 13 / 353.","part":5,"page":66},{"id":1720,"text":"{ وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) }\rقوله عز وجل { وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلا } بأن لا { تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلا } ربا وكفيلا.\rقرأ أبو عمرو \"لا يتخذوا\" بالياء لأنه خبر عنهم والآخرون: بالتاء يعني: قلنا لهم لا تتخذوا. { ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا } قال مجاهد: هذا نداء يعني: يا ذرية من حملنا، { مَعَ نُوحٍ } في السفينة فأنجيناهم من الطوفان، { إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا } كان نوح عليه السلام إذا أكل طعاما أو شرب شرابا أو لبس ثوبا قال: الحمد لله فسمي عبدا شكورا (1) أي كثير الشكر. قوله عز وجل: { وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ } الآيات.\rروى سفيان بن سعيد الثوري عن منصور بن المعتمر عن ربعي بن حراش عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) \"إن بني إسرائيل لما اعتدوا وقتلوا الأنبياء بعث الله عليهم ملك فارس\r__________\r(1) أخرجه ابن جرير: 15 / 19 عن سلمان، ومجاهد، وقتادة وغيرهما، وصححه الحاكم على شرط الشيخين: 2 / 360 وذكر السيوطي جملة أخبار في ذلك، انظر: الدر المنثور: 5 / 236-237، وأخرج الإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة أو يشرب الشربة فيحمد الله عليها\". وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم -في حديث الشفاعة- قال: \"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة... -وفيه-: فيأنون نوحا فيقولون: يا نوح إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدا شكورا، فاشفع لنا إلى ربك\" وذكر الحديث بكماله.\r(2) أخرجه الطبري، انظر: التفسير: 15 / 22-43، تاريخ الطبري: 1 / 532-557، الدر المنثور: 5 / 243-244. وهذه الروايات الكثيرة التي ساقها المصنف رحمه الله في هؤلاء المسلطين على بني إسرائيل، من الإسرائيليات والموضوعات، وفيها من العجائب والغرائب والمبالغات ما لا يصدق، وفيها ما يحتمل الصدق أيضا، وقد نقل ابن جرير كثيرا منها عن ابن إسحاق، وواضح أن ابن إسحاق يذكر صراحة اسم أهل الكتاب، وأنهم يقولون كذا... أو عندهم كذا...، ونحن في غنية عن هذه الروايات جميعها. ونضع هنا كلمة قيمة للحافظ ابن كثير-رحمه الله- تعقيبا على هذه الروايات، قال: \"وقد اختلف المفسرون من السلف والخلف في هؤلاء المسلطين عليهم: من هم؟ فعن ابن عباس وقتادة،: أنه \"جالوت\" وجنوده.. وعن سعيد بن جبير: أنه ملك الموصل \"سنجاريب\" وجنوده. وعنه أيضا: أنه \"بختنصر\" ملك بابل. وقد ذكر ابن أبي حاتم له قصة عجيبة في كيفية ترقيه من حال إلى حال إلى أن ملك البلاد...\". ثم قال ابن كثير: \"وقد روى ابن جرير في هذا المكان حديثا أسنده عن حذيفة مرفوعا مطولا -وهو الحديث الذي ساقه البغوي هنا- وهو حديث موضوع لا محالة، لا يستريب في ذلك من عنده أدنى معرفة بالحديث. والعجب كل العجب، كيف راج عليه مع جلالة قدره وإمامته! وقد صرح شيخنا الحافظ العلامة أبو الحجاج المزي -رحمه الله- بأنه موضوع مكذوب، وكتب ذلك على حاشية الكتاب\". ثم قال مشيرا إلى سائر الروايات الأخرى: \"وقد وردت في هذا آثار كثيرة إسرائيلية، ولم أر تطويل الكتاب بذكرها؛ لأن منها ما هو موضوع، من وضع بعض زنادقتهم، ومنها ما قد يحتمل أن يكون صحيحا، ونحن في غنية عنها، ولله الحمد. وفيما قص الله علينا في كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله، ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم. وقد أخبر الله عنهم: أنهم لما طغوا وبغوا سلط الله عليهم عدوهم فاستباح بيضتهم، وسلك خلال بيوتهم، وأذلهم وقهرهم جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد، فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقا من الأنبياء والعلماء. وقد روى ابن جرير بسنده عن سعيد بن المسيب يقول: ظهر بختنصر على الشام فخرب بيت المقدس وقتلهم، ثم أتى دمشق فوجد بها دما يغلي على كبا، فسألهم ما هذا الدم.. فقتل على ذلك الدم سبعين ألفا من المسلمين وغيرهم فسكن، وهذا صحيح إلى سعيد بن المسيب، وهذا هو المشهور، وأنه قتل أشرافهم وعلماءهم حتى إنه لم يبق من يحفظ التوراة، وأخذ معه منهم أسرى من أبناء الأنبياء وغيرهم. وجرت أمور وكوائن يطول ذكرها، ولو وجدنا ما هو صحيح أو ما يقاربه لجاز كتابته وروايته، والله أعلم\". وانظر أيضا: الإسرائيليات والموضوعات للشيخ محمد أبو شهبة ص (327-334).","part":5,"page":67},{"id":1721,"text":"\"بختنصر\"، وكان الله ملكه سبعمائة سنة فسار إليهم حتى دخل بيت المقدس فحاصرها وفتحها وقتل على دم يحيى بن زكريا عليه السلام سبعين ألفا ثم سبى أهلها [والأبناء] (1) وسلب حلي بيت المقدس واستخرج منها سبعين ألفا ومائة ألف عجلة من حلي، قلت: يا رسول الله كان بيت المقدس عظيما؟ قال: أجل بناه سليمان بن داود من ذهب وفضة وياقوت وزبرجد، وكان عمده ذهبا، أعطاه الله ذلك، وسخر له الشياطين يأتونه بهذه الأشياء في طرفة عين فسار بها بختنصر حتى نزل بابل فأقام بنو إسرائيل في يده مائة سنة يستعبدهم المجوس وأبناء المجوس فيهم الأنبياء ثم إن الله رحمهم فأوحى إلى ملك من ملوك فارس يقال له \"كورش\" وكان مؤمنا أن يسير إليهم ليستنقذ بقايا بني إسرائيل فسار كورش لبني إسرائيل وأخذ حلي بيت المقدس حتى ردها إليه فأقام بنو إسرائيل بها مطيعين لله تعالى مائة سنة ثم إنهم عادوا في المعاصي فسلط الله عليهم ملكا يقال له \"أنطانيوس\" فغزا بني إسرائيل حتى أتاهم بيت المقدس فسبى أهلها وأحرق بيت المقدس وقال لهم يا بني إسرائيل إن عدتم في المعاصي عدنا عليكم ثانيا [بالسبي] (2) فعادوا فسلط الله عليهم ملك رومية يقال له \"فاقس بن أستيانوس\"، فغزاهم في البر والبحر فسباهم وسبى حلي بيت المقدس وأحرق بيت المقدس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا من صفة حلي بيت المقدس ويرده المهدي إلى بيت المقدس وهو ألف وسبعمائة سفينة يرمي بها على يافا حتى تنقل إلى بيت المقدس وبها يجمع الله الأولين والآخرين\".\rقال محمد بن إسحاق: كانت بنو إسرائيل فيهم الأحداث والذنوب وكان الله في ذلك متجاوزا عنهم محسنا إليهم وكان أول ما نزل بهم بسبب ذنوبهم كما أخبر على لسان موسى عليه السلام أن ملكا منهم كان يدعى \"صديقة\" (3) وكان الله تعالى إذا ملك الملك عليهم بعث معه نبيا يسدده ويرشده لا ينزل عليهم الكتب إنما يؤمرون باتباع التوراة والأحكام التي فيها.\rفلما ملك ذلك الملك بعث الله معه \"شعياء بن أصفيا\" وذلك قبل مبعث زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام و \"شعياء\" هو الذي بشر بعيسى ومحمد عليهما السلام، فقال: أبشري أورشليم، الآن يأتيك راكب الحمار ومن بعده صاحب البعير فملك ذلك الملك بني إسرائيل وبيت المقدس زمانا فلما انقضى ملكه عظمت فيهم الأحداث وشعياء معه بعث الله عليهم \"سنجاريب\" (4) ملك بابل معه ستمائة ألف راية فأقبل سائرا حتى نزل حول بيت المقدس والملك مريض في ساقه قرحة فجاء النبي شعياء وقال له: يا ملك بني إسرائيل إن سنجاريب ملك بابل قد نزل بك هو وجنوده بستمائة ألف راية وقد هابهم الناس وفرقوا فكبر ذلك على الملك فقال يا نبي الله هل أتاك وحي من الله فيما حدث فتخبرنا به كيف يفعل الله بنا وبسنجاريب وجنوده؟\rفقال: لم يأتني وحي فبينما هم على ذلك أوحى الله إلى شعياء النبي أن ائت ملك بني إسرائيل فمره أن يوصي وصيته ويستخلف -على ملكه من يشاء من أهل بيته-فأتى شعياء ملك بني إسرائيل \"صديقة\" فقال له: إن ربك قد أوحى إلي أن آمرك أن توصي وصيتك وتستخلف من شئت على ملكك من أهل بيتك فإنك ميت فلما قال ذلك شعياء لصديقة أقبل على القبلة فصلى ودعا وبكى فقال وهو يبكي وتضرع إلى الله بقلب مخلص: اللهم رب الأرباب وإله الآلهة يا قدوس المتقدس يا رحمن يا رحيم يا رءوف الذي لا تأخذه سنة ولا نوم اذكرني بعملي وفعلي وحسن قضائي على بني إسرائيل وذلك كله كان منك وأنت أعلم به مني سري وعلانيتي لك وأنت الرحمن فاستجاب له وكان عبدا صالحا فأوحى الله تعالى إلى شعياء أن يخبر صديقه أن ربه قد استجاب له ورحمه وأخر له أجله خمس عشرة سنة وأنجاه من عدوه سنجاريب فأتاه شعياء فأخبره بذلك فلما قال له ذلك ذهب عنه الوجع وانقطع عنه الحزن وخر ساجدا وقال: يا إلهي وإله آبائي لك سجدت وسبحت وكبرت وعظمت أنت الذي تعطي الملك لمن تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء عالم الغيب والشهادة أنت الأول والآخر والظاهر والباطن وأنت ترحم وتستجيب دعوة المضطرين وأنت الذي أجبت دعوتي ورحمت تضرعي.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) زيادة في \"ب\".\r(3) في الأصل بالهاء وفي الطبري بالتاء المربوطة.\r(4) في تاريخ الطبري \"سنحاريب\" بالحاء المهملة.","part":5,"page":68},{"id":1722,"text":"فلما رفع رأسه أوحى الله إلى شعياء أن قل للملك صديقه 205/ب فيأمر عبدا من عبيده فيأتيه بماء التين فيجعله على قرحته فيشفى يصبح وقد برأ ففعل وشفي.\rوقال الملك لشعياء: سل ربك أن يجعل لنا علما بما هو صانع بعدونا هذا.\rقال الله لشعياء: قل له: إني قد كفيتك عدوك وأنجيتك منهم وإنهم سيصبحون موتى كلهم إلا سنجاريب وخمسة نفر من كتابه.\rفلما أصبحوا جاء صارخ فصرخ على باب المدينة يا ملك بني إسرائيل إن الله قد كفاك عدوك فاخرج فإن سنجاريب ومن معه قد هلكوا فلما خرج الملك التمس سنجاريب فلم يوجد في الموتى فبعث الملك في طلبه فأدركه الطلب في مغارة وخمسة نفر من كتابه أحدهم بختنصر فجعلوهم في الجوامع ثم أتوا بهم إلى ملك بني إسرائيل فلما رآهم خر ساجدا من حين طلعت الشمس إلى العصر ثم قال لسنجاريب: كيف ترى فعل ربنا بكم؟ ألم يقتلكم بحوله وقوته ونحن وأنتم غافلون؟ فقال سنجاريب له: قد أتاني خبر ربكم ونصره إياكم ورحمته التي يرحمكم بها قبل أن أخرج من بلادي فلم أطع مرشدا ولم يلقني في الشقوة إلا [ذلة في الدنيا وعذاب في الآخرة] فلو سمعت أو عقلت ما غزوتكم.\rفقال صديقه: الحمد لله رب العالمين الذي كفاناكم بما شاء وإن ربنا لم يبقك ومن معك لكرامتك على ربك ولكنه إنما أبقاك ومن معك لتزدادوا شقوة في الدنيا وعذابا في الآخرة ولتخبروا من وراءكم بما رأيتم من فعل ربنا بكم فتنذروا من بعدكم ولولا ذلك لقتلكم ولدمك ولدم من معك أهون على الله من دم قراد لو قتلت.\rثم إن ملك بني إسرائيل أمر أمير حرسه فقذف في رقابهم الجوامع فطاف بهم سبعين يوما حول بيت المقدس وإيليا وكان يرزقهم كل يوم خبزتين من شعير لكل رجل منهم فقال سنجاريب لملك بني إسرائيل: القتل خير مما تفعل بنا فأمر بهم الملك إلى سجن القتل فأوحى الله إلى شعياء عليه السلام: أن قل لملك بني إسرائيل يرسل سنجاريب ومن معه لينذروا من وراءهم وليكرمهم وليحملهم حتى يبلغوا بلادهم فبلغ شعياء الملك ذلك ففعل [الملك صديقه] ما أمر به فخرج سنجاريب ومن معه حتى قدموا بابل فلما قدموا جمع الناس فأخبرهم كيف فعل الله بجنوده فقال له كهانه وسحرته يا ملك بابل قد كنا نقص عليك خبر ربهم وخبر نبيهم ووحي الله إلى نبيهم فلم تطعنا وهي أمة لا يستطيعها أحد مع ربهم وكان أمر سنجاريب تخويفا لهم ثم كفاهم الله تذكرة وعبرة.\rثم لبث سنجاريب بعد ذلك سبع سنين ثم مات واستخلف بختنصر ابن ابنه على ما كان عليه جده يعمل عمله فلبث سبع عشرة سنة ثم قبض الله ملك بني إسرائيل صديقه فمرج أمر","part":5,"page":70},{"id":1723,"text":"بني إسرائيل وتنافسوا الملك حتى قتل بعضهم بعضا ونبيهم شعياء معهم ولا يقبلون منه، فلما فعلوا ذلك قال الله لشعياء قم في قومك أوحي على لسانك فلما قام النبي شعياء أنطق الله لسانه بالوحي فقال: يا سماء اسمعي ويا أرض أنصتي فإن الله يريد أن يقص شأن بني إسرائيل الذين رباهم بنعمته واصطنعهم لنفسه وخصهم بكرامته وفضلهم على عباده وهم كالغنم الضائعة التي لا راعي لها فآوى شاردتها وجمع ضالتها وجبر كسرها وداوى مريضها وأسمن مهزولها وحفظ سمينها فلما فعل ذلك بطرت فتناطحت كباشها فقتل بعضها بعضا حتى لم يبق منها عظم صحيح يجبر إليه آخر كسير فويل لهذه الأمة الخاطئة الذين لا يدرون أنى جاءهم الخير أن البعير مما يذكر وطنه فينتابه وأن الحمار مما يذكر الأري الذي شبع عليه فيراجعه وأن الثور مما يذكر المرج الذي سمن فيه فينتابه وأن هؤلاء القوم لا يذكرون من حيث جاءهم الخير وهم أولو الألباب والعقول ليسوا ببقر ولا حمير وأني ضارب لهم مثلا فليسمعوه قل لهم كيف ترون في أرض كانت خواء زمانا خرابا مواتا لا عمران فيها وكان لها رب حكيم قوي فأقبل عليها بالعمارة وكره أن تخرب أرضه وهو قوي أو أن يقال ضيع وهو حكيم فأحاط عليها جدارا وشيد فيها قصورا وأنبط نهرا وصنف فيها غراسا من الزيتون والرمان والنخيل والأعناب وألوان الثمار كلها وولى ذلك واستحفظه ذا رأي وهمة حفيظا قويا أمينا فلما أطلعت جاء طلعها خروبا؟\rقالوا بئست الأرض هذه فنرى أن يهدم جدارها وقصرها ويدفن نهرها ويقبض قيمها ويحرق غرسها حتى تصير كما كانت أول مرة خرابا مواتا لا عمران فيها قال الله: قال لهم: فإن الجدار ديني وإن القصر شريعتي وإن النهر كتابي وأن القيم نبيي وإن الغراس هم وإن الخروب الذي أطلع الغراس أعمالهم الخبيثة وأني قد قضيت عليهم قضاءهم على أنفسهم وإنه مثل ضربته لهم يتقربون إلي بذبح البقر والغنم وليس ينالني اللحم ولا آكله ويدعون أن يتقربوا إلي بالتقوى والكف عن ذبح الأنفس التي حرمتها فأيديهم مخضوبة منها وثيابهم متزملة بدمائها يشيدون لي البيوت مساجد ويطهرون أجوافها وينجسون قلوبهم وأجسادهم ويدنسونها ويزوقون إلى المساجد ويزينونها ويخربون عقولهم وأحلامهم ويفسدونها فأي حاجة لي إلى تشييد البيوت ولست أسكنها؟ وأي حاجة لي إلى تزويق المساجد ولست أدخلها؟ إنما أمرت برفعها لأذكر وأسبح فيها.\rيقولون: صمنا فلم يرفع صيامنا [وصلينا فلم تنور صلاتنا] (1) وتصدقنا فلم يزك صدقتنا ودعونا بمثل حنين الحمام وبكينا بمثل عواء الذئاب في كل ذلك لا يستجاب لنا.\rقال الله: فاسألهم ما الذي يمنعني أن أستجيب لهم؟ ألست أسمع السامعين وأبصر الناظرين وأقرب\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".","part":5,"page":71},{"id":1724,"text":"المجيبين وأرحم الراحمين؟ فكيف أرفع صيامهم وهم يلبسونه بقول الزور ويتقوون عليه بطعمة الحرام؟ أم كيف أنور صلاتهم وقلوبهم صاغية إلى من يحاربني ويحادني وينتهك محارمي؟ أم كيف تزكى عندي صدقاتهم وهم يتصدقون بأموال غيرهم؟ إنما آجر عليها أهلها المغصوبين؟ أم كيف أستجيب دعاءهم وإنما هو قول بألسنتهم والفعل من ذلك بعيد إنما أستجيب للداعي اللين وإنما أسمع قول المستعفف المسكين وإن من علامة رضاي رضا المساكين.\rيقولون لما سمعوا كلامي وبلغتهم رسالتي: إنها أقاويل منقولة وأحاديث متوارثة وتأليف مما يؤلف السحرة والكهنة وزعموا أنهم لو شاءوا أن يأتوا بحديث مثله فعلوا ولوا شاءوا أن يطلعوا 206/أ على علم الغيب بما يوحي إليهم الشياطين اطلعوا وإني قد قضيت يوم خلقت السماء والأرض قضاء أثبته وحتمته على نفسي وجعلت دونه أجلا مؤجلا لا بد أنه واقع فإن صدقوا فيما ينتحلون من علم الغيب فليخبروك متى أنفذه؟ أو في أي زمان يكون؟ وإن كانوا يقدرون على أن يأتوا بما يشاؤون فليأتوا بمثل هذه القدرة التي بها أمضيت فإني مظهره على الدين كله ولو كره المشركون وإن كانوا يقدرون على أن يقولوا ما يشاؤون فليقولوا مثل الحكمة التي بها أدبر أمر ذلك القضاء إن كانوا صادقين وإني قد قضيت يوم خلقت السماء والأرض أن أجعل النبوة في الأجراء وأن أجعل الملك في الرعاء والعز في الأذلاء والقوة في الضعفاء والغنى في الفقراء والعلم في الجهالة والحكمة في الأميين فسلهم متى هذا ومن القائم به ومن أعوان هذا الأمر وأنصاره إن كانوا يعلمون فإني باعث لذلك نبيا أميا أمينا ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا متزين بالفحش ولا قوال للخنا أسدده لكل جميل وأهب له كل خلق كريم أجعل السكينة لباسه والبر شعاره والتقوى ضميره والحكمة معقوله والصدق والوفاء طبيعته والعفو والمعروف خلقه والعدل سيرته [والحق شريعته] (1) والهدى [والقرآن] إمامه، والإسلام ملته وأحمد اسمه أهدي به بعد الضلالة وأعلم به بعد الجهالة وأرفع به بعد الخمالة وأشهر به بعد النكرة وأكثر به بعد القلة وأغني به بعد العيلة وأجمع به بعد الفرقة وأؤلف به بين قلوب مختلفة وأهواء متشتة وأمم متفرقة وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر توحيدا لي وإيمانا وإخلاصا لي يصلون قياما وقعودا وركعا وسجودا ويقاتلون في سبيلي صفوفا وزحوفا ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء رضواني ألهمهم التكبير والتوحيد والتسبيح والتحميد والمدحة والتمجيد في مسيرهم ومجالسهم ومضاجعهم ومناقبهم ومثواهم يكبرون ويهللون ويقدسون على رءوس الأشراف ويطهرون لي الوجوه والأطراف يعقدون لي الثياب على الأنصاف قربانهم دماؤهم وأناجيلهم في صدورهم رهبان بالليل ليوث بالنهار ذلك فضلي أوتيه من أشاء وأنا ذو الفضل العظيم.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".","part":5,"page":72},{"id":1725,"text":"فلما فرغ شعياء من مقالته عدوا عليه ليقتلوه فهرب منهم فلقيته شجرة فانفلقت له فدخل فيها فأدركه الشيطان فأخذ بهدبة من ثوبه فأراهم إياها فوضعوا المنشار في وسطها فنشروها حتى قطعوها وقطعوه في وسطها واستخلف الله على بني إسرائيل بعد ذلك رجلا منهم يقال له ناشية بن أموص وبعث لهم أرمياء بن حلقيا نبيا وكان من سبط هارون بن عمران.\rوذكر ابن إسحاق أنه الخضر واسمه أرمياء سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فقام عنها وهي تهتز خضراء.\rفبعث الله أرمياء إلى ذلك الملك ليسدده ويرشده ثم عظمت الأحداث في بني إسرائيل وركبوا المعاصي واستحلوا المحارم فأوحى الله إلى أرمياء أن ائت قومك من بني إسرائيل فاقصص عليهم ما آمرك به وذكرهم نعمتي وعرفهم بأحداثهم فقال أرمياء: يا رب إني ضعيف إن لم تقوني عاجز إن لم تبلغني مخذول إن لم تنصرني قال الله تعالى: أولم تعلم أن الأمور كلها تصدر عن مشيئتي وأن القلوب والألسنة بيدي أقلبها كيف شئت إني معك ولن يصل إليك شيء معي فقام أرمياء فيهم ولم يدر ما يقول فألهمه الله عز وجل في الوقت خطبة بليغة بين فيها ثواب الطاعة وعقاب المعصية وقال في آخرها عن الله تعالى: وإني حلفت بعزتي لأقيضن لهم فتنة يتحير فيها الحليم ولأسلطن عليهم جبارا قاسيا ألبسه الهيبة وأنزع من صدره الرحمة يتبعه عدد مثل سواد الليل المظلم ثم أوحى الله إلى أرمياء: إني مهلك بني إسرائيل بيافث ويافث من أهل بابل -على ما ذكرنا في سورة البقرة-فسلط الله عليهم بختنصر فخرج في ستمائة ألف راية ودخل بيت المقدس بجنوده ووطئ الشام وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم وخرب بيت المقدس وأمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم ترسه ترابا ثم يقذفه في بيت المقدس ففعلوا ذلك حتى ملأوه ثم أمرهم أن يجمعوا من في بلدان بيت المقدس كلهم فاجتمع عنده كل صغير وكبير من بني إسرائيل فاختار منهم سبعين ألف صبي فلما خرجت غنائم جنده وأراد أن يقسمها فيهم قالت له الملوك الذين كانوا معه: أيها الملك لك غنائمنا كلها واقسم بيننا هؤلاء الصبيان الذين اخترتهم من بني إسرائيل فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه فأصاب كل رجل منهم أربعة غلمان وفرق من بقي من بني إسرائيل ثلاث فرق فثلثا أقر بالشام وثلثا سبي وثلثا قتل وذهب بناشئة بيت المقدس وبالصبيان السبعين الألف حتى أقدمهم بابل فكانت هذه الوقعة الأولى التي أنزل الله ببني إسرائيل بظلمهم فذلك قوله تعالى: \"فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد\" يعني: بختنصر وأصحابه.","part":5,"page":73},{"id":1726,"text":"ثم إن بختنصر أقام في سلطانه ما شاء الله ثم رأى رؤيا أعجبته إذ رأى شيئا أصابه فأنساه الله الذي رأى فدعا دانيال وحنانيا وعزازيا وميشائيل وكانوا من ذراري الأنبياء وسألهم عنها قالوا أخبرنا بها نخبرك بتأويلها قال: ما أذكرها ولئن لم تخبروني بها وبتأويلها لأنزعن أكتافكم فخرجوا من عنده فدعوا الله وتضرعوا إليه فأعلمهم بالذي سألهم عنه، فجاؤوه وقالوا: رأيت تمثالا قدماه وساقاه من فخار وركبتاه وفخذاه من نحاس وبطنه من فضة وصدره من ذهب ورأسه وعنقه من حديد قال: صدقتم قالوا: فبينما أنت تنظر إليه وقد أعجبك أرسل الله تعالى صخرة من السماء فدقته فهي التي أنستكها قال: صدقتم قال: فما تأويلها؟ قالوا: تأويلها أنك رأيت ملك الملوك فبعضهم كان ألين ملكا وبعضهم كان أحسن ملكا وبعضهم كان أشد ملكا الفخار أضعفه ثم فوقه النحاس أشد منه ثم فوق النحاس الفضة أحسن من ذلك وأفضل والذهب أحسن من الفضة وأفضل ثم الحديد ملكك فهو أشد وأعز مما كان قبله والصخرة التي رأيت أرسل الله من السماء فدقته نبي يبعثه الله من السماء فيدق ذلك أجمع ويصير الأمر إليه.\rثم إن أهل بابل قالوا 206/ب لبختنصر: أرأيت هؤلاء الغلمان من بني إسرائيل الذين كنا سألناك أن تعطيناهم ففعلت فإنا قد أنكرنا نساءنا منذ كانوا معنا لقد رأينا نساءنا انصرفت عنا وجوههن إليهم فأخرجهم من بين أظهرنا أو اقتلهم قال شأنكم بهم فمن أحب منكم أن يقتل من كان في يده فليفعل.\rفلما قربوهم للقتل بكوا إلى الله تعالى وقالوا: يا رب أصابنا البلاء بذنوب غيرنا فوعد الله أن يجيبهم، فقتلوا إلا من استبقى بختنصر منهم دانيال وحنانيا وعزازيا وميشائيل.\rثم لما أراد الله هلاك بختنصر انبعث فقال لمن في يده من بني إسرائيل: أرأيتم هذا البيت الذي خربته والناس الذين قتلت منهم؟ وما هذا البيت؟ قالوا: هذا بيت الله وهؤلاء أهله كانوا من ذراري الأنبياء فظلموا وتعدوا فسلطت عليهم بذنوبهم وكان ربهم رب السموات والأرض ورب الخلق كلهم يكرمهم ويعزهم فلما فعلوا ما فعلوا أهلكهم الله وسلط عليهم غيرهم فاستكبر وظن أنه بجبروته فعل ذلك ببني إسرائيل. قال: فأخبروني كيف لي أن أطلع إلى السماء العليا فأقتل من فيها وأتخذها ملكا لي فإني قد فرغت من الأرض، قالوا: ما يقدر عليها أحد من الخلائق قال: لتفعلن أو لأقتلنكم عن آخركم، فبكوا وتضرعوا إلى الله تعالى فبعث الله عليه بقدرته بعوضة فدخلت منخرة حتى عضت بأم دماغه فما كان يقر ولا يسكن حتى يوجأ له رأسه على أم دماغه فلما مات شقوا رأسه فوجدوا البعوضة عاضة على أم دماغه ليري الله العباد قدرته ونجى الله من بقي من بني إسرائيل في يديه فردوهم إلى الشام فبنوا فيه وكثروا حتى كانوا على أحسن ما كانوا عليه.","part":5,"page":74},{"id":1727,"text":"ويزعمون: أن الله تعالى أحيا أولئك الذين قتلوا فلحقوا بهم، ثم إنهم لما دخلوا الشام دخلوها وليس معهم عهد من الله تعالى وكانت التوراة قد احترقت وكان عزير من السبايا الذين كانوا ببابل فرجع إلى الشام يبكي عليها ليله ونهاره وقد خرج من الناس فهو كذلك إذ أقبل إليه رجل فقال يا عزير ما يبكيك؟ قال أبكي على كتاب الله وعهده الذي كان بين أظهرنا الذي لا يصلح دنيانا وآخرتنا غيره قال: أفتحب أن يرد إليك؟ ارجع فصم وتطهر وطهر ثيابك ثم موعدك هذا المكان غدا فرجع عزير فصام وتطهر وطهر ثيابه ثم عمد إلى المكان الذي وعده فجلس فيه فأتاه ذلك الرجل بإناء فيه ماء وكان ملكا بعثه الله إليه فسقاه من ذلك الإناء فمثلت التوراة في صدره فرجع إلى بني إسرائيل فوضع لهم التوراة فأحبوه حتى لم يحبوا حبه شيئا قط ثم قبضه الله وجعلت بنو إسرائيل بعد ذلك يحدثون الأحداث ويعود الله عليهم ويبعث فيهم الرسل ففريقا يكذبون وفريقا يقتلون حتى كان آخر من بعث الله فيهم من أنبيائهم زكريا ويحيى وعيسى وكانوا من بيت آل داود فمات زكريا وقيل قتل زكريا فلما رفع الله عيسى من بين أظهرهم وقتلوا يحيى بعث الله عليهم ملكا من ملوك بابل يقال له خردوش فسار إليهم بأهل بابل حتى دخل عليهم الشام فلما ظهر عليهم أمر رأسا من رءوس جنوده يدعى بيورزاذان صاحب القتل فقال: إني قد كنت حلفت بإلهي لئن أنا ظفرت على أهل بيت المقدس لأقتلنهم حتى تسيل دماءهم في وسط عسكري إلا أني لا أجد أحدا أقتله فأمره أن يقتلهم حتى بلغ ذلك منهم بيورزاذان ودخل بيت المقدس فقام في البقعة التي كانوا يقربون فيها قربانهم فوجد فيها دما يغلي فسألهم فقال: يا بني إسرائيل ما شأن هذا الدم يغلي؟ أخبروني خبره قالوا: هذا دم قربان لنا قربناه فلم يقبل منا فلذلك يغلي ولقد قربنا منذ ثمانمائة سنة القربان فيقبل منا إلا هذا فقال: ما صدقتموني فقالوا: لو كان كأول زماننا لتقبل منا ولكن قد انقطع منا الملك والنبوة والوحي فلذلك لم يقبل منا فذبح منهم بيورزاذان على ذلك الدم سبعمائة وسبعين زوجا من رءوسهم فلم يهدأ فأمر فأتى بسبعمائة غلام من غلمانهم فذبحهم على الدم فلم يهدأ فأمر بسبعة آلاف من شيبهم وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يبرد فلما رأى بيورزاذان الدم لا يهدأ قال لهم: يا بني إسرائيل ويلكم اصدقوني واصبروا على أمر ربكم فقد طال ما ملكتم في الأرض تفعلون فيها ما شئتم قبل أن لا أترك منكم نافخ نار أنثى ولا ذكر إلا قتلته فلما رأوا الجهد وشدة القتل صدقوا الخبر فقالوا: إن هذا الدم دم نبي كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله فلو أنا أطعناه فيها لكان أرشد لنا وكان يخبرنا بأمركم فلم نصدقه فقتلناه فهذا دمه فقال لهم بيورزاذان: ما كان اسمه؟ قالوا: يحيى بن زكريا قال الآن صدقتموني لمثل هذا انتقم ربكم منكم فلما رأى بيورزاذان أنهم صدقوه خر ساجدا وقال لمن حوله: أغلقوا أبواب المدينة وأخرجوا من كان هاهنا من جيش خردوش وخلا في بني إسرائيل ثم قال: يا يحيى بن","part":5,"page":75},{"id":1728,"text":"زكريا قد علم ربي وربك ما قد أصاب قومك من أجلك وما قتل منهم فاهدأ بإذن ربك قبل أن لا أبقي من قومك أحدا فهدأ الدم بإذن الله ورفع بيورزاذان عنهم القتل وقال آمنت بما آمنت به بنو إسرائيل وأيقنت أنه لا رب غيره وقال لبني إسرائيل: إن خردوش أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره وإني لست أستطيع [أن أعصيه] (1) قالوا له: افعل ما أمرت به فأمرهم فحفروا خندقا وأمر بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والإبل والبقر والغنم فذبحها حتى سال الدم في العسكر وأمر بالقتلى الذين قتلوا قبل ذلك فطرحوا على ما قتل من مواشيهم فلم يظن خردوش إلا أن ما في الخندق من بني إسرائيل فلما بلغ الدم عسكره أرسل إلى بيورزاذان أن ارفع عنهم القتل.\rثم انصرف إلى بابل وقد أفنى بني إسرائيل أو كاد [أن يفنيهم] (2) وهي الوقعة الأخيرة التي أنزل الله ببني إسرائيل وذلك قوله: { لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرْضِ مَرَّتَيْنِ } فكانت الوقعة الأولى بختنصر وجنوده [والأخرى خردوش وجنوده] وكانت أعظم الوقعتين فلم تقم لهم بعد ذلك راية وانتقل الملك بالشام ونواحيها إلى الروم اليونانية إلا 207/أ أن بقايا من بني إسرائيل كثروا وكانت لهم الرياسة ببيت المقدس ونواحيها على غير وجه الملك وكانوا في نعمة إلى أن بدلوا وأحدثوا الأحداث فسلط الله عليهم ططيوس بن اسبيانوس الرومي فأخرب بلادهم وطردهم عنها ونزع الله عنهم الملك والرياسة وضربت عليهم الذلة فليسوا في أمة إلا وعليهم الصغار والجزية وبقي بيت المقدس خرابا إلى أيام عمر بن الخطاب فعمره المسلمون بأمره.\rوقال قتادة: بعث الله عليهم جالوت في الأولى فسبى وقتل وخرب { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ } يعني في زمان داود، فإذا جاء وعد الآخرة بعث الله عليهم بختنصر فسبى وخرب، ثم قال: { عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ } فعاد الله عليهم بالرحمة ثم عاد القوم بشر ما بحضرتهم فبعث الله عليهم ما شاء من نقمته وعقوبته، ثم بعث الله عليهم العرب كما قال: { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ } فهم في العذاب إلى يوم القيامة.\rوذكر السدي بإسناده: أن رجلا من بني إسرائيل رأى في النوم أن خراب بيت المقدس على يدي غلام يتيم ابن أرملة من أهل بابل يدعى بختنصر وكانوا يصدقون فتصدق رؤياهم فأقبل ليسأل عنه حتى نزل على أمه وهو يحتطب فجاء وعلى رأسه حزمة حطب فألقاها ثم قعد فكلمه ثم أعطاه ثلاثة دراهم فقال: اشتر بهذا طعاما وشرابا فاشترى بدرهم لحما وبدرهم خبزا وبدرهم خمرا فأكلوا وشربوا وفعل في اليوم الثاني كذلك وفي اليوم الثالث كذلك، ثم قال: إني أحب\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) ساقط من \"ب\".","part":5,"page":76},{"id":1729,"text":"أن تكتب لي أمانا إن أنت ملكت يوما من الدهر [فقال: تسخر مني؟ فقال: إني لا أسخر منك، ولكن ما عليك أن تتخذ بها عندي يدا فكتب له أمانا وقال: أرأيت] (1) إن جئت والناس حولك قد حالوا بيني وبينك، قال: ترفع صحيفتك على قصبة فأعرفك فكتب له وأعطاه ثم إن ملك بني إسرائيل كان يكرم يحيى بن زكريا ويدني مجلسه وأنه هوي ابنة امرأته وقال ابن عباس: ابنة أخته فسأل يحيى بن زكريا عن تزويجها فنهاه عن نكاحها فبلغ ذلك أمها فحقدت على يحيى بن زكريا وعمدت حين جلس الملك على شرابه فألبستها ثيابا رقاقا حمرا وطيبتها وألبستها الحلي وأرسلتها إلى الملك وأمرتها أن تسقيه، فإن أرادها عن نفسها أبت عليه حتى يعطيها ما سألته فإذا أعطاها سألت رأس يحيى بن زكريا أن يؤتى به في طست ففعلت، فلما أرادها قالت لا أفعل حتى تعطيني ما أسألك قال: ما تسأليني؟ قالت: رأس يحيى بن زكريا في هذا الطست، فقال: ويحك سليني غير هذا، فقالت: ما أريد إلا هذا فلما أبت عليه بعث فأتي برأسه حتى وضع بين يديه والرأس يتكلم ويقول: لا تحل لك فلما أصبح إذا دمه يغلي فأمر بتراب فألقي عليه فرقى الدم يعني صعد الدم يغلي ويلقي عليه من التراب حتى بلغ سور المدينة وهو في ذلك يغلي، فبعث صخابين ملك بابل جيشا إليهم وأمر عليهم بختنصر فسار بختنصر وأصحابه حتى بلغوا ذلك المكان تحصنوا منه في مدائنهم فلما اشتد عليهم المقام أراد الرجوع فخرجت إليه عجوز من عجائز بني إسرائيل فقالت: تريد أن ترجع قبل المدينة؟ قال: نعم قد طال مقامي وجاع أصحابي قالت: أرأيت إن فتحت لك المدينة تعطيني ما أسألك فتقتل من أمرتك بقتله وتكف إذا أمرتك أن تكف؟ قال: نعم، قالت: إذا أصبحت تقسم جندك أربعة أرباع ثم أقم على كل زاوية ربعا ثم ارفعوا أيديكم إلى السماء فنادوا: إنا نستفتحك يا الله بدم يحيى بن زكريا فإنها سوف تتساقط ففعلوا فتساقطت المدينة ودخلوا من جوانبها، فقالت: كف يدك وانطلقت به إلى دم يحيى بن زكريا وقالت: اقتل على هذا الدم حتى يسكن فقتل عليه سبعين ألفا حتى سكن، فلما سكن قالت: كف يدك فإن الله لم يرض إذا قتل نبي حتى يقتل من قتله ومن رضي بقتله وأتاه صاحب الصحيفة بصحيفته فكف عنه وعن أهل بيته فخرب بيت المقدس وطرح فيه الجيف وأعانه على خرابه الروم من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا وذهب معه بوجوه بني إسرائيل وذهب بدانيال وقوم من أولاد الأنبياء وذهب معه برأس جالوت فلما قدم بابل وجد صخابين قد مات فملك مكانه وكان أكرم الناس عنده دانيال وأصحابه فحسدهم المجوس ووشوا بهم إليه وقالوا: إن دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك ولا يأكلون ذبيحتك فسألهم فقالوا: أجل إن لنا ربا نعبده ولسنا نأكل من ذبيحتكم، فأمر الملك بخد فخد لهم فألقوا فيه وهم ستة وألقى معهم بسبع ضار ليأكلهم فذهبوا ثم راحوا فوجدوهم جلوسا والسبع مفترش ذراعيه معهم لم يخدش منهم أحدا ووجدوا معهم رجلا سابعا فقال: ما هذا السابع إنما كانوا ستة فخرج السابع وكان ملكا فلطمه لطمة فصار في الوحوش ومسخه الله سبع سنين.\rوذكر وهب: أن الله مسخ بختنصر نسرا في الطير ثم مسخه ثورا في الدواب ثم مسخه أسدا في الوحوش فكان مسخه سبع سنين وقلبه في ذلك قلب إنسان ثم رد الله إليه ملكه فآمن فسئل وهب أكان مؤمنا؟ فقال وجدت أهل الكتاب اختلفوا فيه فمنهم من قال مؤمنا ومنهم من قال أحرق بيت المقدس وكتبه وقتل الأنبياء فغضب الله عليه فلم يقبل توبته.\rوقال السدي: ثم إن بختنصر لما رجع إلى صورته بعد المسخ ورد الله إليه ملكه كان دانيال وأصحابه أكرم الناس عليه فحسدهم المجوس وقالوا لبختنصر: إن دانيال إذا شرب الخمر لم يملك نفسه أن يبول وكان ذلك فيهم عارا فجعل لهم طعاما وشرابا فأكلوا وشربوا وقال للبواب: انظر أول من يخرج ليبول فاضربه بالطبرزين فإن قال أنا بختنصر فقل كذبت بختنصر أمرني فكان أول من قام للبول بختنصر فلما رآه البواب شد عليه فقال: ويحك أنا بختنصر فقال: كذبت بختنصر أمرني فضربه فقتله هذا ما ذكره في المبتدأ إلا أن رواية من روى أن بختنصر غزا بني إسرائيل عند قتلهم يحيى بن زكريا غلط عند أهل السير بل هم مجمعون على أن بختنصر إنما غزا بني إسرائيل عند قتلهم شعياء في عهد أرمياء ومن وقت أرمياء وتخريب بختنصر بيت المقدس إلى مولد يحيى بن زكريا أربعمائة وإحدى وستون سنة، 207/ب وذلك أنهم كانوا يعدون من لدن تخريب بختنصر بيت المقدس إلى حين عمارته في عهد كيرش بن أخشورش بن أصيهيد ببابل من قبل بهمن بن اسفنديار [سبعين سنة ثم من بعد عمارته إلى ظهور الإسكندر على بيت المقدس ثمان وثمانون سنة ثم من بعد مملكته] (2) إلى مولد يحيى بن زكريا ثلثمائة وستون سنة.\rوالصحيح من ذلك ما ذكر محمد بن إسحاق.\rقوله عز وجل: { وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ } أي: أعلمناهم وأخبرناهم فيما آتيناهم من الكتب أنهم سيفسدون.\rوالقضاء على وجوه: يكون أمرا، كقوله: \"وقضى ربك\" (الإسراء-23) .\rويكون حكما، كقوله: \"إن ربك يقضي بينهم\" (يونس-93، والنحل-78) .\rويكون خلقا كقوله: \"فقضاهن سبع سماوات\" (فصلت-2) .\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":5,"page":77},{"id":1730,"text":"وقال ابن عباس وقتادة: يعني وقضينا عليهم، و \"إلى\" بمعنى \"على\"، والمراد بالكتاب: اللوح المحفوظ.\r{ لَتُفْسِدُنَّ } لام القسم مجازه: والله لتفسدن، { فِي الأرْضِ مَرَّتَيْنِ } بالمعاصي والمراد بالأرض: أرض الشام وبيت المقدس، { وَلَتَعْلُنَّ } ولتستكبرن ولتظلمن الناس { عُلُوًّا كَبِيرًا }\r{ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) }\r{ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا } يعني: أولى المرتين.\rقال قتادة: إفسادهم في المرة الأولى ما خالفوا من أحكام التوراة، وركبوا المحارم.\rوقال ابن إسحاق: إفسادهم في المرة الأولى قتل شعياء بين الشجرة وارتكابهم المعاصي.\r{ بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا } قال قتادة: يعني جالوت الخزري وجنوده وهو الذي قتله داود.\rوقال سعيد بن جبير: يعني سنجاريب من أهل نينوى.\rوقال ابن إسحاق: بختنصر البابلي وأصحابه. وهو الأظهر.\r{ أُولِي بَأْسٍ } ذوي بطش، { شَدِيدٍ } في الحرب، { فَجَاسُوا } أي فطافوا وداروا { خِلالَ الدِّيَارِ } وسطها يطلبونكم ويقتلونكم والجوس طلب الشيء بالاستقصاء. قال الفراء: جاسوا قتلوكم بين بيوتكم.\r{ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا } قضاء كائنا لا خلف فيه. { ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ } يعني: الرجعة والدولة، { عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا } عددا، أي: من ينفر معهم وعاد البلد أحسن مما كان. { إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ } أي: لها ثوابها، { وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } أي: فعليها كقوله تعالى: \"فسلام لك\" (الواقعة-91) أي: عليك وقيل: فلها الجزاء والعقاب.","part":5,"page":79},{"id":1731,"text":"{ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ } أي: المرة الأخيرة من إفسادكم، وذلك قصدهم قتل عيسى عليه السلام حين رفع، وقتلهم يحيى بن زكريا عليهما السلام، فسلط الله عليهم الفرس والروم خردوش وطيطوس حتى قتلوهم وسبوهم ونفوهم عن ديارهم، فذلك قوله تعالى { لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ } أي: تحزن وجوهكم وسوء الوجه بإدخال الغم والحزن.\rقرأ الكسائي [ويعقوب] (1) . \" لنسوء \" بالنون وفتح الهمزة على التعظيم كقوله: \"وقضينا\" و \"بعثنا\" وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر بالياء [وفتح] (2) الهمزة [على التوحيد] (3) أي: ليسوء الله وجوهكم وقيل: ليسوء الوعد وجوهكم.\rوقرأ الباقون بالياء وضم الهمزة على الجمع أي ليسوء العباد أولوا البأس الشديد وجوهكم. { وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ } يعني: بيت المقدس ونواحيه { كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا } وليهلكوا { مَا عَلَوْا } أي: ما غلبوا عليه من بلادكم { تَتْبِيرًا }\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) في \"أ\" وضم.\r(3) ساقط من \"أ\".","part":5,"page":80},{"id":1732,"text":"{ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8) إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (10) }\r{ عَسَى رَبُّكُمْ } يا بني إسرائيل { أَنْ يَرْحَمَكُمْ } بعد انتقامه منكم فيرد الدولة إليكم { وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا } أي: إن عدتم إلى المعصية عدنا إلى العقوبة. قال قتادة: فعادوا فبعث الله عليهم محمدا صلى الله عليه وسلم فهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون.\r{ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا } سجنا ومحبسا من الحصر وهو الحبس.\rقال الحسن: حصيرا أي: فراشا. وذهب إلى الحصير الذي يبسط ويفرش. { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } أي: إلى الطريقة التي هي أصوب. وقيل: الكلمة التي هي أعدل وهي شهادة أن لا إله إلا الله، { وَيُبَشِّرُ } يعني: القرآن { الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ } بأن لهم { أَجْرًا كَبِيرًا } وهو الجنة. { وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } وهو النار.","part":5,"page":80},{"id":1733,"text":"{ وَيَدْعُ الإنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولا (11) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا (12) }\rوقوله تعالى: { وَيَدْعُ الإنْسَانُ } حذف الواو لفظا لاستقبال اللام الساكنة كقوله: \"سندع الزبانية\"( العلق-18 ) ، وحذف في الخط أيضا وهي غير محذوفة في المعنى. ومعناه: ويدعو الإنسان على ماله وولده ونفسه، { بِالشَّرِّ } فيقول عند الغضب: اللهم العنه وأهلكه ونحوهما، { دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ } أي: كدعائه ربه [بالخير] (1) أن يهب له النعمة والعافية ولو استجاب الله دعاءه على نفسه لهلك ولكن الله لا يستجيب بفضله { وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولا } بالدعاء على ما يكره أن يستجاب له فيه. قال جماعة من أهل التفسير وقال ابن عباس: ضجرا لا صبر له على السراء والضراء. قوله عز وجل { وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ } أي: علامتين دالتين على وجودنا ووحدانيتنا وقدرتنا { فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ } قال ابن عباس: جعل الله نور الشمس سبعين جزءا ونور القمر كذلك فمحا من نور القمر تسعة وستين جزءا فجعلها مع نور الشمس (2) .\rوحكى أن الله تعالى أمر جبريل فأمر جناحه على وجه القمر ثلاث مرات فطمس عنه الضوء وبقي فيه النور.\rوسأل ابن الكواء عليا عن السواد الذي في القمر؟ قال: هو أثر المحو (3) .\r{ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً } منيرة مضيئة يعني يبصر بها. قال الكسائي: تقول العرب أبصر النهار إذا أضاء بحيث يبصر بها { لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ } أي: لو ترك الله الشمس والقمر كما خلقهما لم يعرف الليل من النهار ولم يدر الصائم متى يفطر ولم يدر وقت الحج ولا وقت حلول الآجال ولا وقت السكون والراحة. { وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا }\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) عزاه السيوطي لعبد بن حميد، وابن المنذر. انظر: الدر المنثور: 5 / 248.\r(3) قال ابن كثير: (3 / 28): رواه ابن جرير من طرق متعددة جيدة.","part":5,"page":81},{"id":1734,"text":"{ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا (15) }\rقوله عز وجل { وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ } قال ابن عباس: عمله وما قدر عليه فهو ملازمه أينما كان.\rوقال الكلبي ومقاتل: خيره وشره معه لا يفارقه حتى يحاسبه به.\rوقال الحسن: يمنه وشؤمه.\rوعن مجاهد: ما من مولود إلا في عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد.\rوقال أهل المعاني: أراد بالطائر ما قضى الله عليه أنه عامله وما هو صائر إليه من سعادة أو شقاوة سمي 208/أ \"طائرا\" على عادة العرب فيما كانت تتفاءل وتتشاءم به من سوانح الطير وبوارحها. وقال أبو عبيدة والقتيبي: أراد بالطائر حظه من الخير والشر من قولهم: طار سهم فلان بكذا وخص العنق من بين سائر الأعضاء لأنه موضع القلائد والأطواق وغيرهما مما يزين أو يشين فجرى كلام العرب بتشبيه الأشياء اللازمة إلى الأعناق.\r{ وَنُخْرِجُ لَهُ } يقول الله تعالى: ونحن نخرج { يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا } وقرأ الحسن ومجاهد ويعقوب: \" ويخرج له \" بفتح الياء وضم الراء معناه: ويخرج له الطائر يوم القيامة كتابا. وقرأ أبو جعفر \" يخرج \" بالياء وضمها وفتح الراء.\r{ يَلْقَاهُ } قرأ ابن عامر وأبو جعفر \" يلقاه \" بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف يعني: يلقى الإنسان ذلك الكتاب أي: يؤتاه وقرأ الباقون بفتح الياء خفيفة أي يراه { مَنْشُورًا } وفي الآثار: إن الله تعالى يأمر الملك بطي الصحيفة إذا تم عمر العبد فلا تنشر إلى يوم القيامة. { اقْرَأْ كِتَابَكَ } أي: يقال له: اقرأ كتابك قوله تعالى: { كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا } محاسبا. قال الحسن: لقد عدل عليك من جعلك حسيب نفسك. قال قتادة: سيقرأ يومئذ من لم يكن قارئا في الدنيا. { مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ } لها ثوابه { وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } لأن عليها عقابه.\r{ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } أي: لا تحمل حاملة حمل أخرى من الآثام أي: لا يؤخذ أحد بذنب أحد. { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا } إقامة للحجة وقطعا للعذر، وفيه دليل على أن ما وجب وجب بالسمع لا بالعقل.","part":5,"page":82},{"id":1735,"text":"{ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) }\r{ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا } قرأ مجاهد: \" أمرنا \" بالتشديد أي: سلطنا شرارها فعصوا وقرأ الحسن وقتادة ويعقوب \" آمرنا \" بالمد أي: أكثرنا.\rوقرأ الباقون مقصورا مخففا أي: أمرناهم بالطاعة فعصوا ويحتمل أن يكون معناه جعلناهم أمراء ويحتمل أن تكون بمعنى أكثرنا يقال: أمرهم الله أي كثرهم الله. وفي الحديث: \"خير المال مهرة مأمورة\" (1) أي كثيرة النسل (2) . ويقال: منه أمر القوم يأمرون أمرا إذا كثروا وليس من الأمر بمعنى الفعل فإن الله لا يأمر بالفحشاء.\rواختار أبو عبيدة قراءة العامة وقال: لأن المعاني الثلاثة تجتمع فيها يعني الأمر والإمارة والكثرة.\r{ مُتْرَفِيهَا } منعميها وأغنياءها { فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ } وجب عليها العذاب { فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا } أي: خربناها وأهلكنا من فيها.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي حدثنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا يحيى بن بكر حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير أن زينب بنت أبي سلمة حدثته عن أم حبيبة بنت أبي سفيان عن زينب بنت جحش أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعا وهو يقول: \"لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها\" قالت زينب فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: \"نعم إذا كثر الخبث\" (3) .\r__________\r(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات: 7 / 56 (طبعة التحرير بمصر) والإمام أحمد في المسند: 3 / 468، والبيهقي في السنن: 10 / 64، والمصنف في شرح السنة: 10 / 387. قال ابن حجر في الكافي الشاف ص (98): \"رواه عبد بن حميد، وإسحاق، وابن أبي شيبة والحارث والطبراني وأبو عبيد، من رواية مسلم بن بديل عن إياس بن زهير عن سويد بن هبيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم\". وقال الهيثمي: (5 / 258): \"رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات\".\r(2) قاله أبو عبيد القاسم بن سلام -رحمه الله- في كتابه \"الغريب\". انظر: ابن كثير 3 / 34 ، البيهقي: 10 / 64.\r(3) أخرجه البخاري في الفتن باب يأجوج ومأجوج: 13 / 106، ومسلم في الفتن وأشراط الساعة باب اقتراب الفتن وفتح ردم يأجوج ومأجوج برقم (2880): 4 / 2207، والمصنف في شرح السنة: 14 / 397.","part":5,"page":83},{"id":1736,"text":"{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (17) }","part":5,"page":84},{"id":1737,"text":"{ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) }\rقوله: { وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ } أي: المكذبة { مِنْ بَعْدِ نُوحٍ } يخوف كفار مكة { وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا } قال عبد الله بن أبي أوفى: القرن مائة وعشرون سنة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول قرن وكان في آخره يزيد بن معاوية.\rوقيل: مائة سنة. وروي عن محمد بن القاسم عن عبد الله بن بسر المازني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده على رأسه وقال: \"سيعيش هذا الغلام قرنا\" (1) قال محمد بن القاسم فما زلنا نعد له حتى تم له مائة سنة ثم مات.\rقال الكلبي: ثمانون سنة. وقيل: أربعون سنة. { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ } يعني الدنيا أي: الدار العاجلة، { عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ } من البسط والتقتير { لِمَنْ نُرِيدُ } أن نفعل به ذلك أو إهلاكه { ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ } في الآخرة { جَهَنَّمَ يَصْلاهَا } يدخل نارها { مَذْمُومًا مَدْحُورًا } مطرودا مبعدا. { وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا } عمل عملها، { وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا } مقبولا. { كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ } أي: نمد كلا الفريقين من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة، { مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ } أي: يرزقهما جميعا ثم يختلف بهما الحال في المآل { وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ } رزق ربك { مَحْظُورًا } ممنوعا عن عباده فالمراد من العطاء: العطاء في الدنيا وإلا فلا حظ للكفار في الآخرة.\r__________\r(1) أخرجه ابن جرير: 15 / 58 ، وذكره البخاري في التاريخ الصغير ص(39) وأخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة كما في التهذيب: 5 / 139.","part":5,"page":84},{"id":1738,"text":"{ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا (21) لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا (22) وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا (23) }\r{ انْظُرْ } يا محمد { كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ } في الرزق والعمل [الصالح] (1) يعني: طالب العاجلة وطالب الآخرة، { وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا } { لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره.\rوقيل: معناه لا تجعل أيها الإنسان [مع الله إلها آخر] (2) { فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولا } مذموما من غير حمد مخذولا من غير نصر. قوله عز وجل { وَقَضَى رَبُّكَ } وأمر ربك قاله ابن عباس وقتادة والحسن.\rقال الربيع بن أنس: وأوجب ربك.\rقال مجاهد: وأوصى ربك.\rوحكي عن الضحاك بن مزاحم أنه قرأ ووصى ربك. وقال: إنهم ألصقوا الواو بالصاد فصارت قافا (3) .\r{ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } أي: وأمر بالوالدين إحسانا برا بهما وعطفا عليهما.\r{ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ } قرأ حمزة والكسائي بالألف على التثنية فعلى هذا قوله: { أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا } كلام مستأنف كقوله تعالى: \"ثم عموا وصموا كثير منهم\" (المائدة-71) وقوله: \"وأسروا النجوى الذين ظلموا\" (الأنبياء-3) وقوله: \"الذين ظلموا\" ابتداء وقرأ الباقون \" يبلغن \" على التوحيد.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) قال ابن الجوزي في \"زاد المسير\" (5 / 22): وهذا خلاف ما انعقد عليه الإجماع، فلا يلتفت إليه والخبر رواه أحمد بن منيع عن ابن عباس بسند ضعيف لضعف فرات بن السائب ورواه الطبري في التفسير: (15 / 63) عن الضحاك وفي سنده أبو إسحاق الكوفي وهو عبد الله بن ميسرة الحارثي ضعفه ابن معين وأحمد بن حنبل والنسائي والدارقطني.. وهشام الراوي عن أبي إسحاق هذا -وإن كان ثقة- موصوف بالتدليس وقد عنعن في هذا الخبر. انظر: المطالب العالية 3 / 348، زاد المسير، الموضع السابق، تعليق(1).","part":5,"page":85},{"id":1739,"text":"{ فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ } فيه ثلاث لغات قرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب: بفتح الفاء وقرأ أبو جعفر ونافع وحفص بالكسر والتنوين والباقون بكسر الفاء غير منون ومعناها واحد وهي كلمة كراهية.\rقال أبو عبيدة: أصل التف والأف الوسخ على الأصابع إذا فتلتها.\rوقيل: \"الأف\": ما يكون في المغابن من الوسخ و \"التف\": ما يكون في الأصابع.\rوقيل: \"الأف\": وسخ الأذن و \"التف\" وسخ الأظافر.\rوقيل: \"الأف\": وسخ الظفر و \"التف\": ما رفعته بيدك من الأرض من شيء حقير.\r{ وَلا تَنْهَرْهُمَا } ولا تزجرهما.\r{ وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا } حسنا جميلا لينا قال ابن المسيب: كقول العبد المذنب للسيد الفظ.\rوقال مجاهد: لا تسميهما ولا تكنهما وقل: يا أبتاه [يا أماه] (1) .\rوقال مجاهد في هذه الآية أيضا: إذا بلغا عندك من الكبر ما يبولان فلا تتقذرهما ولا تقل لهما أف حين تميط عنهما الخلاء والبول كما كانا يميطانه عنك صغيرا.\r{ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) }\r{ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ } أي: ألن جانبك لهما واخضع. قال عروة 208/ب بن الزبير: لن لهما حتى لا تمتنع عن شيء أحباه { مِنَ الرَّحْمَةِ } من الشفقة { وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } أراد: إذا كانا مسلمين.\rقال ابن عباس: هذا منسوخ بقوله: \"ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين\" (التوبة-13) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني حدثنا حميد بن زنجويه حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن يزيد عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن -يعني السلمي-عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"الوالد أوسط أبواب الجنة فحافظ إن شئت أو ضيع\" (2) .\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) أخرجه الترمذي في البر والصلة باب الفضل في رضا الوالدين: 6 / 24-25 وقال هذا حديث صحيح وابن ماجه في الأدب باب بر الوالدين: 2 / 1208 وصححه ابن حبان برقم (2023) ص (496) من موارد الظمآن والحاكم في المستدرك: 2 / 197 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (8 / 540) والطحاوي في مشكل الآثار: (2 / 158) والإمام أحمد في المسند: 5 / 196، 6 / 445، 448، والمصنف في شرح السنة: 13 / 10. وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم (914): 2 / 618-619.","part":5,"page":86},{"id":1740,"text":"أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي الزراد أخبرنا أبو بكر محمد بن إدريس الجرجاني أخبرنا أبو الحسن علي بن الحسين الماليني أخبرنا حسن بن سفيان حدثنا يحيى بن حبيب بن عدي حدثنا خالد بن الحارث عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"رضا الله في رضا الوالد وسخط الله في سخط الوالد\" (1) .\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار حدثنا أبو جعفر محمد بن غالب بن تمتام الضبي حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا عبد العزيز بن مسلم عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا يدخل الجنة منان ولا عاق ولا مدمن خمر\" (2) .\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف بن محمد بن باموية الأصفهاني أخبرنا أبو سعيد أحمد بن زياد البصري أخبرنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا ربعي بن علية عن عبد الرحمن بن إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي ورغم أنف رجل أتى عليه شهر رمضان فلم يغفر له ورغم أنف رجل أدرك أبويه الكبر فلم يدخلاه الجنة\" (3) .\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في البر باب الفضل في رضا الوالدين: 6 / 25 مرفوعا وموقوفا وقال: وهذا -الموقوف- أصح وأخرجه ابن حبان برقم (2026) ص (496) من موارد الظمآن وصححه الحاكم 4 / 152 والمصنف في شرح السنة: 13 / 12. وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم (516): 2 / 29-31، ومجمع الزوائد: 8 / 136، الكافي الشاف ص (98) كشف الحفاء: 1 / 520.\r(2) أخرجه الإمام أحمد في المسند: 3 / 28،44 عن أبي سعيد الخدري، والمصنف في شرح السنة: 13 / 17، وفيه: يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، وللحديث شواهد كثيرة عن عبد الله بن عمرو وأبي هريرة وأنس. انظر: سنن النسائي، كتاب الأشربة باب الرواية في المدمنين في الخمر: 8 / 318، وسنن الدارمي في الأشربة باب مدمن الخمر: 2 / 112، وابن حبان ص (498) من موارد الظمآن، والمصنف لابن أبي شيبة: 8 / 544، والمسند للإمام أحمد: 3 / 226، ومشكل الآثار للطحاوي 1 / 395، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: 2 / 285-291، وانظر: الدر المنثور: 5 / 266.\r(3) أخرجه الترمذي في الدعوات باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: رغم أنف رجل: 9 / 530-531، وقال: \"هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه\". والمصنف في شرح السنة: 3 / 198. وأخرج الحاكم القطعة الأولى منه في المستدرك: 1 / 549، وأخرج مسلم الثانية منه في البر والصلة، برقم (2551): 4 / 1978، وله شاهد عن كعب بن عجرة، أخرجه الحاكم في المستدرك: 4 / 153، وقال: \"صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي. وانظر: إرواء الغليل: 1 / 36، مشكاة المصابيح: 1 / 292، الترغيب والترهيب: 2 / 506-508، الكافي الشاف ص (137)، فتح الباري: 11 / 168، جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام لابن القيم ص (34-35).","part":5,"page":87},{"id":1741,"text":"{ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُورًا (25) }\r{ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ } من بر الوالدين وعقوقهما { إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ } أبرارا مطيعين بعد تقصير كان منكم في القيام بما لزمكم من حق الوالدين وغير ذلك { فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ } بعد المعصية { غَفُورًا }\rقال سعيد بن جبير في هذه الآية: هو الرجل يكون منه البادرة إلى أبويه لا يريد بذلك إلا الخير فإنه لا يؤاخذ به.\rقال سعيد بن المسيب: \"الأواب\": الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب.\rقال سعيد بن جبير: الرجاع إلى الخير.\rوعن ابن عباس قال: هو الرجاع إلى الله فيما يحزبه وينوبه.\rوعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: هم المسبحون، دليله قوله: \"يا جبال أوبي معه\" (سبأ-10) .\rقال قتادة: هم المصلون.\rقال عوف (1) العقيلي: هم الذين يصلون صلاة الضحى.\rأخبرنا أبو الحسن طاهر بن الحسين الروقي (2) الطوسي أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب أخبرنا أبو النضر محمد بن محمد بن يوسف حدثنا الحسن بن سفيان حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن هشام صاحب الدستوائي عن قتادة عن القاسم بن عوف عن زيد بن أرقم قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل قباء وهم يصلون صلاة الضحى فقال: \"صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال من الضحى\" (3) .\rوقال محمد بن المنكدر: \"الأواب\": الذي يصلي بين المغرب والعشاء.\rوروي عن ابن عباس أنه قال: إن الملائكة لتحف بالذين يصلون بين المغرب والعشاء وهي صلاة الأولين (4) .\r__________\r(1) في \"ب\" عون.\r(2) في \"ب\": الدورقي. والصواب ما أثبتناه.\r(3) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين، باب صلاة الأوابين حين ترمض الفصال، برقم (748): 1 / 516، والمصنف في شرح السنة: 4 / 145، وابن أبي شيبة في المصنف: 2 / 264.\r(4) راجع هذه الأقوال وغيرها في الطبري: 15 / 68-71، زاد المسير: 5 / 26-27. ورجح الطبري قول من قال: \"الأواب\": هو التائب من الذنب، الراجع من معصية الله إلى طاعته، ومما يكرهه إلى ما يرضاه؛ لأن الأواب إنما هو \"فعال\" من قول القائل: آب فلان من كذا، إما من سفره إلى نزله أو من حال إلى حال كما قال عبيد بن الأبرص: وكل ذي غيبة يؤوب ... بنات وغائب الموت لا يؤوب\rفهو يؤوب وهو رجل آئب من سفره وأواب من ذنوبه.","part":5,"page":88},{"id":1742,"text":"{ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) }","part":5,"page":89},{"id":1743,"text":"{ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلا مَيْسُورًا (28) }\rقوله تعالى: { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ } يعني صلة الرحم وأراد به: قرابة الإنسان وعليه الأكثرون.\rعن علي بن الحسين: أراد به قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم (1) .\r{ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا } أي: لا تنفق مالك في المعصية.\rوقال مجاهد: لو أنفق الإنسان ماله كله في الحق ما كان تبذيرا ولو أنفق مدا في باطل كان تبذيرا.\rوسئل ابن مسعود عن التبذير فقال: إنفاق المال في غير حقه.\rقال شعبة: كنت أمشي مع أبي إسحاق في طريق الكوفة فأتى على باب دار بني بجص وآجر فقال: هذا التبذير.\rوفي قول عبد الله: إنفاق المال في غير حقه (2) . { إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ } أي: أولياؤهم والعرب تقول لكل ملازم سنة قوم هو أخوهم { وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا } جحودا لنعمه. { وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ } نزلت في مهجع وبلال وصهيب وسالم وخباب كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم في الأحايين ما يحتاجون إليه ولا يجد فيعرض عنهم حياء منهم ويمسك عن القول فنزل { وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ } (3) وإن تعرض عن هؤلاء الذين أمرتك أن تؤتيهم { ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا } انتظار رزق من الله ترجوه أن يأتيك { فَقُلْ لَهُمْ قَوْلا مَيْسُورًا } لينا وهي العدة أي: عدهم وعدا جميلا وقيل: القول الميسور أن تقول: يرزقنا الله وإياك.\r__________\r(1) وأولى التأويلين بالصواب تأويل من تأول ذلك أنها بمعنى وصية الله عباده بصلة قرابات أنفسهم وأرحامهم من قبل آبائهم وأمهاتهم وذلك أن الله عز وجل عقب ذلك عقيب حضه عباده على بر الآباء والأمهات فالواجب أن يكون ذلك حضا على صلة أنسابهم دون أنساب غيرهم التي لم يجر لها ذكرا. انظر: تفسير الطبري: 15 / 72.\r(2) انظر: تفسير الطبري: 15 / 72-74، الدر المنثور: 5 / 274-275، زاد المسير: 5 / 27-28.\r(3) زاد المسير: 5 / 29، البحر المحيط: 6 / 30، وفي نزولها أقوال أخرى في المصدرين نفسيهما.","part":5,"page":89},{"id":1744,"text":"{ وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (30) وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31) }\r{ وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ } قال جابر: إني صبي فقال: يا رسول الله إن أمي تستكسيك درعا ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قميصه فقال للصبي: من ساعة إلى ساعة يظهر فعد وقتا آخر فعاد إلى أمه فقالت: قل له إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم داره فنزع قميصه فأعطاه إياه وقعد عريانا فأذن بلال بالصلاة فانتظروه فلم يخرج فشغل قلوب أصحابه فدخل عليه بعضهم فرآه عريانا فأنزل الله تعالى: \"ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك\" (1) يعني: ولا تمسك يدك عن النفقة في الحق كالمغلولة يده لا يقدر على مدها. { وَلا تَبْسُطْهَا } بالعطاء { كُلَّ الْبَسْطِ } فتعطي جميع ما عندك { فَتَقْعُدَ مَلُومًا } يلومك [سائلوك] (2) بالإمساك إذا لم تعطهم و\"الملوم\": الذي أتى بما يلوم نفسه أو يلومه غيره { مَحْسُورًا } منقطعا بك لا شيء عندك تنفقه يقال: حسرته بالمسألة إذا ألحفت عليه ودابة حسيرة إذا كانت كالة رازحة.\rقال قتادة: \"محسورا\" نادما على ما فرط منك. { إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ } يوسع { الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ } أي: يقتر ويضيق { إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا } قوله تعالى: { وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ } فقر { نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ } وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يئدون بناتهم خشية الفاقة فنهوا عنه وأخبروا أن رزقهم ورزق أولادهم على الله تعالى { إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا } قرأ ابن عامر وأبو جعفر \"خَطأ\" بفتح الخاء والطاء مقصورا. وقرأ ابن كثير بكسر الخاء ممدودا وقرأ الآخرون 209/أ بكسر الخاء وجزم الطاء ومعنى الكل واحد أي: إثما كبيرا.\r__________\r(1) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص (332-333)، وقال ابن حجر في \"الكافي الشاف\" ص (99): \"لم أجده\". وإذا صدرت هذه العبارة من أحد الحفاظ كابن حجر وغيره كانت كافية في الحكم على الحديث بالوضع. انظر: تنزيه الشريعة لابن عراق: 1 / 7-8، وبتفصيل أوسع في مقدمة التحقيق لكتاب \"المصنوع في معرفة الحديث الموضوع\" لملا على القاري ص (25-27).\r(2) ساقط من \"أ\".","part":5,"page":90},{"id":1745,"text":"{ وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا (32) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33) }\r{ وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا } { وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ } وحقها ما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إيمانه أو زنى بعد إحصانه أو قتل نفسا بغير نفس فيقتل بها\" (1) .\r{ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا } أي: قوة وولاية على القاتل بالقتل قاله مجاهد وقال الضحاك: سلطانه هو أنه يتخير فإن شاء استقاد منه وإن شاء أخذ الدية وإن شاء عفا.\r{ فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ } قرأ حمزة والكسائي: \" فلا تسرف \" بالتاء يخاطب ولي القتيل وقرأ الآخرون: بالياء على الغائب أي: لا يسرف الولي في القتل.\rواختلفوا في هذا الإسراف الذي منع منه فقال ابن عباس، وأكثر المفسرين: معناه لا يقتل غير القاتل وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا قتل منهم قتيل لا يرضون بقتل قاتله حتى يقتلوا أشرف منه.\rوقال سعيد بن جبير: إذا كان القاتل واحدا فلا يقتل جماعة بدل واحد وكان أهل الجاهلية إذا كان المقتول شريفا لا يرضون بقتل القاتل [وحده] (2) حتى يقتلوا معه جماعة من أقربائه.\rوقال قتادة: معناه لا يمثل بالقاتل (3) .\r{ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا } فالهاء راجعة إلى المقتول في قوله: { وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا } يعني: إن المقتول منصور في الدنيا بإيجاب القود على قاتله وفي الآخرة بتكفير خطاياه وإيجاب النار لقاتله هذا قول مجاهد.\rوقال قتادة: الهاء راجعة إلى ولي المقتول معناه: أنه منصور على القاتل باستيفاء القصاص منه أو الدية.\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الديات باب الإمام يأمر بالعفو في الدم: 6 / 301، عن أبي أمامة والترمذي في الفتن باب ما جاء لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: 3 / 373، وقال: حديث حسن وابن ماجه في الحدود باب لا يحل دم امرئ مسلم إلا في ثلاث برقم (2533): 2 / 847، والمصنف في شرح السنة: 10 / 148. وأخرج الشيخان عن ابن مسعود نحوه.\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) وهذه الأوجه في تأويل الآية غير خارجة عن الصواب وكلها تندرج في معنى الآية وفي النهي عن الإسراف في القتل. والله أعلم.","part":5,"page":91},{"id":1746,"text":"وقيل في قوله: { فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ } إنه أراد به القاتل المعتدي يقول: لا يتعدى بالقتل بغير الحق فإنه إن فعل ذلك فولي المقتول منصور من قبلي عليه باستيفاء القصاص منه.\r{ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا (34) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا (35) وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا (36) }\r{ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ } بالإتيان بما أمر الله به والانتهاء عما نهى الله عنه. وقيل: أراد بالعهد ما يلتزمه الإنسان على نفسه.\r{ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا } قال السدي: كان مطلوبا وقيل: العهد يسأل عن صاحب العهد فيقال: فيما نقضت كالمؤودة تسأل فيم قتلت؟ { وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ } قرأ حمزة والكسائي وحفص \" بالقسطاس \" بكسر القاف والباقون بضمه وهما لغتان وهو الميزان صغر أو كبر أي: بميزان العدل وقال الحسن: هو القبان قال مجاهد: هو رومي وقال غيره: هو عربي مأخوذ من القسط وهو العدل أي: زنوا بالعدل { الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا } أي: عاقبة. { وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } قال قتادة: لا تقل: رأيت ولم تره وسمعت ولم تسمعه وعلمت ولم تعلمه.\rوقال مجاهد: لا ترم أحدا بما ليس لك به علم.\rقال القتيبي: لا تتبعه بالحدس والظن. وهو في اللغة اتباع الأثر يقال: قفوت فلانا أقفوه وقفيته وأقفيته إذا اتبعت أثره وبه سميت القافية لتتبعهم الآثار.\rقال القتيبي: هو مأخوذ من القفا كأنه يقفو الأمور أي: يكون في إقفائها يتبعها ويتعرفها (1) .\rوحقيقة المعنى: لا تتكلم [أيها الإنسان] (2) بالحدس والظن.\r{ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا } قيل: معناه يسأل المرء عن سمعه وبصره وفؤاده.\r__________\r(1) انظر: القرطين لابن مطرف الكناني فقد تصرف المصنف بعبارة ابن قتيبة: 1 / 256.\r(2) ساقط من \"أ\".","part":5,"page":92},{"id":1747,"text":"وقيل: يسأل السمع والبصر والفؤاد عما فعله المرء.\rوقوله: { كُلُّ أُولَئِكَ } أي: كل هذه الجوارح والأعضاء وعلى القول الأول يرجع \"أولئك\" [إلى] (1) أربابها.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد بن الحسين أخبرنا أبو علي حامد بن محمد الرفاء حدثنا أبو الحسن علي بن عبد العزيز أخبرنا الفضل بن دكين حدثنا سعد بن أوس العبسي حدثني بلال بن يحيى العبسي أن شتير بن شكل أخبره عن أبيه شكل بن حميد قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا نبي الله علمني تعويذا أتعوذ به فأخذ بيدي ثم قال: \"قل: اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي وشر بصري وشر لساني وشر قلبي وشر مَنِيَّ\" قال: فحفظتها قال سعد المني ماؤه (2) .\r{ وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا (37) }\r{ وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا } أي بطرا وكبرا وخيلاء وهو تفسير المشي فلذلك أخرجه على المصدر، { إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ } أي لن تقطعها بكبرك حتى تبلغ آخرها { وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولا } أي لا تقدر أن تطاول الجبال وتساويها بكبرك. معناه: أن الإنسان لا ينال بكبره وبطره شيئا كمن يريد خرق الأرض ومطاولة الجبال لا يحصل على شيء.\rوقيل: ذكر ذلك لأن من مشى مختالا يمشي مرة على عقبيه ومرة على صدور قدميه فقيل له: إنك لن تنقب الأرض إن مشيت على عقبيك ولن تبلغ الجبال طولا إن مشيت على صدور قدميك.\rأخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي أخبرنا الهيثم بن كليب حدثنا أبو عيسى الترمذي حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا أبي عن المسعودي عن عثمان بن مسلم بن هرمز عن نافع بن جبير بن مطعم عن علي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم \"إذا مشى يتكفأ تكفؤا كأنما ينحط من صبب\" (3) .\r__________\r(1) في \"أ\": على.\r(2) أخرجه أبو داود في الصلاة باب في الاستعاذة: 2 / 160 والترمذي في الدعوات: 9 / 464-465، وقال: \"هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه\"، وأخرجه النسائي في الاستعاذة باب الاستعاذة من شر البصر: 8 / 260، وصححه الحاكم: 1 / 533، ووافقه الذهبي. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 5 / 168-169.\r(3) أخرجه الترمذي في المناقب باب من صفاته صلى الله عليه وسلم الجسمية: 1 / 116-117، وفي كتابه \"الشمائل المحمدية\" ص (85،86) بهامش شرح الباجوري، وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 1 / 96، والمصنف في شرح السنة: 12 / 319. وهو حديث صحيح.","part":5,"page":93},{"id":1748,"text":"أخبرنا أبو محمد الجرجاني أخبرنا أبو القاسم الخزاعي أخبرنا الهيثم بن كليم حدثنا أبو عيسى الترمذي حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن أبي يونس عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: \"ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن الشمس تجري في وجهه وما رأيت أحدا أسرع في مشيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما الأرض تطوى له إنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث\" (1) .\r{ كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38) }\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في المناقب باب في صفة النبي صلى الله عليه وسلم: 10 / 131-132، وقال: \"هذا حديث غريب\" وأخرجه في الشمائل ص (85) وصححه ابن حبان ص (521-522) من موارد الظمآن، وأخرجه ابن سعد في \"الطبقات\": 1 / 380. وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف.","part":5,"page":94},{"id":1749,"text":"{ ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (39) }\r{ كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا } قرأ ابن عامر وأهل الكوفة: برفع الهمزة وضم الهاء على الإضافة ومعناه: كل الذي ذكرنا من قوله: { وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ } { كَانَ سَيِّئُهُ } أي: سيئ ما عددنا عليك عند ربك مكروها؛ لأنه قد عد أمورا حسنة كقوله: { وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ } { وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ } وغير ذلك.\rوقرأ الآخرون: \" سيئة \" منصوبة منونة يعني: كل الذي ذكرنا من قوله: { وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ } إلى هذا 209/ب الموضع سيئة لا حسنة فيه إذ الكل يرجع إلى المنهي عنه دون غيره ولم يقل مكروهة لأن فيه تقديما وتأخيرا وتقديره: كل ذلك كان مكروها سيئة. [وقوله { مَكْرُوهًا } على التكرير لا على الصفة مجازه: كل ذلك كان سيئة وكان مكروها] (1) أو رجع إلى المعنى دون اللفظ لأن السيئة الذنب وهو مذكر. { ذَلِكَ } الذي ذكرنا { مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ } وكل ما أمر الله به أو نهى عنه فهو حكمه.\r{ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } خاطب النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآيات والمراد منه الأمة { فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا } مطرودا مبعدا من كل خير.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":5,"page":94},{"id":1750,"text":"{ أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا (40) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا نُفُورًا (41) قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلا (42) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (43) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44) }\rقوله عز وجل: { أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ } أي: اختاركم فجعل لكم الصفوة ولنفسه ما ليس بصفوة يعني: اختاركم { بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا } لأنهم كانوا يقولون الملائكة بنات الله { إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا } يخاطب مشركي مكة. قوله عز وجل: { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ } يعني: [ما ذكر من] (1) العبر والحكم والأمثال والأحكام والحجج والإعلام والتشديد للتكثير والتكرير { لِيَذَّكَّرُوا } أي: ليتذكروا ويتعظوا وقرأ حمزة والكسائي بإسكان الذال وضم الكاف وكذلك في الفرقان. { وَمَا يَزِيدُهُمْ } تصريفنا وتذكيرنا { إِلا نُفُورًا } ذهابا وتباعدا عن الحق. { قُلْ } يا محمد لهؤلاء المشركين { لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ } قرأ حفص وابن كثير \" يقولون \" بالياء وقرأ الآخرون بالتاء { إِذًا لابْتَغَوْا } لطلبوا يعني الآلهة { إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلا } بالمبالغة والقهر ليزيلوا ملكه كفعل ملوك الدنيا بعضهم ببعض.\rوقيل: معناه لطلبوا إلى ذي العرش سبيلا بالتقرب إليه.\rقال قتادة: لعرفوا الله وفضله وابتغوا ما يقربهم إليه.\rوالأول أصح. ثم نزه نفسه فقال عز من قائل: { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ } قرأ حمزة والكسائي \" تقولون \" بالتاء والآخرون بالياء { عُلُوًّا كَبِيرًا } { تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ } قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص ويعقوب: \" تسبح \" بالتاء وقرأ الآخرون بالياء للحائل بين الفعل والتأنيث.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".","part":5,"page":95},{"id":1751,"text":"{ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ } روي عن ابن عباس أنه قال: وإن من شيء حي إلا يسبح بحمده.\rوقال قتادة: يعني الحيوانات والناميات.\rوقال عكرمة: الشجرة تسبح والأسطوانة لا تسبح.\rوعن المقدام بن معد يكرب قال: إن التراب يسبح ما لم يبتل فإذا ابتل ترك التسبيح وإن الخرزة تسبح ما لم ترفع من موضعها فإذا رفعت تركت التسبيح وإن الورقة لتسبح ما دامت على الشجرة فإذا سقطت تركت التسبيح وإن الثوب ليسبح ما دام جديدا فإذا وسخ ترك التسبيح وإن الماء يسبح ما دام جاريا فإذا ركد ترك التسبيح وإن الوحش والطير تسبح إذا صاحت فإذا سكنت تركت التسبيح.\rوقال إبراهيم النخعي: وإن من شيء جماد إلا يسبح بحمده حتى صرير الباب ونقيض السقف.\rوقال مجاهد: كل الأشياء تسبح لله حيا كان أو ميتا أو جمادا، وتسبيحها سبحان الله وبحمده.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا محمد بن المثنى أخبرنا أبو أحمد الزبير أخبرنا إسرائيل عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: كنا نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقل الماء فقال: \"اطلبوا فضلة من ماء فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل فأدخل يده في الإناء ثم قال: حي على الطهور المبارك والبركة من الله فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل\" (1) .\rوقال بعض أهل المعاني: تسبح السموات والأرض والجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء ما دلت بلطيف تركيبها وعجيب هيئتها على خالقها فيصير ذلك بمنزلة التسبيح منها.\rوالأول هو المنقول عن السلف (2) .\rواعلم أن لله تعالى علما في الجمادات لا يقف عليه غيره فينبغي أن يوكل علمه إليه.\r{ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } أي لا تعلمون تسبيح ما عدا من يسبح بلغاتكم وألسنتكم { إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا }\r__________\r(1) أخرجه البخاري في المناقب باب علامات النبوة في الإسلام: 6 / 587 والمصنف في شرح السنة: 13 / 290.\r(2) انظر: تفسير ابن كثير: 3 / 43-44، زاد المسير: 5 / 39-40، ولشيخ الإسلام ابن تيمة -رحمه الله- رسالة في \"قنوت الأشياء كلها لله تعالى\" مطبوعة في مجموعة الرسائل والمسائل.","part":5,"page":96},{"id":1752,"text":"{ وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (45) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (46) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا (47) }\rقوله عز وجل: { وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا } يحجب قلوبهم عن فهمه والانتفاع به.\rقال قتادة: هو الأكنة والمستور بمعنى الساتر كقوله: \"إنه كان وعده مأتيا\" (مريم-61) مفعول بمعنى فاعل.\rوقيل مستور عن أعين الناس فلا يرونه.\rوفسره بعضهم بالحجاب عن الأعين الظاهرة، كما روي عن سعيد بن جبير أنه لما نزلت: \"تبت يدا أبي لهب\" جاءت امرأة أبي لهب ومعها حجر والنبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر فلم تره فقالت لأبي بكر: أين صاحبك لقد بلغني أنه هجاني؟ فقال: والله ما ينطق بالشعر ولا يقوله فرجعت وهي تقول قد كنت جئت بهذا الحجر لأرضخ رأسه فقال أبو بكر: ما رأتك يا رسول الله قال: لا لم يزل ملك بيني وبينها يسترني (1) . { وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } أغطية { أَنْ يَفْقَهُوهُ } كراهية أن يفقهوه. وقيل: لئلا يفقهوه، { وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا } ثقلا لئلا يسمعوه { وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ } يعني إذا قلت: لا إله إلا الله في القرآن وأنت تتلوه { وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا } جمع \"نافر\" مثل: قاعد وقعود وجالس وجلوس أي نافرين. { نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ } قيل: \"به\" صلة أي: يطلبون سماعه، { إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ } وأنت تقرأ القرآن { وَإِذْ هُمْ نَجْوَى } يتناجون في أمرك وقيل: ذو نجوى فبعضهم يقول: هذا مجنون وبعضهم يقول كاهن وبعضهم يقول: ساحر وبعضهم يقول: شاعر { إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ } يعني: الوليد بن المغيرة وأصحابه، { إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا } مطبوبا [وقال مجاهد] (2)\r__________\r(1) أخرجه أبو يعلى وابن أبي حاتم. وانظر: تفسير ابن كثير 3 / 44، 4 / 565-566، مجمع الزوائد: 7 / 144.\r(2) في \"أ\": (وقيل).","part":5,"page":97},{"id":1753,"text":"مخدوعا. وقيل: مصروفا عن الحق. يقال: ما سحرك عن كذا أي ما صرفك؟\rوقال أبو عبيدة: أي رجلا له سحر، والسحر: الرئة أي: إنه بشر مثلكم معلل بالطعام والشراب يأكل ويشرب قال الشاعر: أرانا موضعين لحتم غيب ... ونسحر بالطعام وبالشراب\r(1) أي نغذى ونعلل.\r{ انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا (48) وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (49) }\r__________\r(1) البيت لامرئ القيس. وانظر: الطبري: 15 / 96، لسان العرب، مادة \"سحر\": 4 / 349.","part":5,"page":98},{"id":1754,"text":"{ قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (51) }\r{ انْظُرْ } يا محمد { كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ } 210/أ الأشباه، قالوا: شاعر وساحر وكاهن ومجنون { فَضَلُّوا } فحاروا وحادوا { فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا } أي: وصولا إلى طريق الحق. { وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا } بعد الموت، { وَرُفَاتًا } قال مجاهد: ترابا وقيل: حطاما. و\"الرفات\": كل ما تكسر وبلى من كل شيء كالفتات والحطام. { أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا } { قُلْ } لهم يا محمد: { كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا } في الشدة والقوة وليس هذا بأمر إلزام بل هو أمر تعجيز أي: استشعروا في قلوبكم أنكم حجارة أو حديد في القوة. { أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ } قيل: السماء والأرض [والجبال] (1) .\rوقال مجاهد وعكرمة (2) وأكثر المفسرين: إنه الموت فإنه ليس في نفس ابن آدم شيء أكبر من الموت أي: لو كنتم الموت بعينه لأميتنكم ولأبعثنكم.\r{ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا } من يبعثنا بعد الموت؟ { قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ } خلقكم { أَوَّلَ مَرَّةٍ } ومن قدر على الإنشاء قدر على الإعادة { فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ } أي: يحركونها\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) في \"ب\": قتادة.","part":5,"page":98},{"id":1755,"text":"إذا قلت لهم ذلك مستهزئين بها { وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ } أي: البعث والقيامة { قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا } أي: هو قريب لأن عسى من الله واجب نظيره قوله تعالى: \"وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا\" (الأحزاب-63) .\r{ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا (52) وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (53) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلا (54) }\r{ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ } من قبوركم إلى موقف القيامة { فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ } قال ابن عباس: بأمره وقال قتادة: بطاعته وقيل: مقرين بأنه خالقهم وباعثهم ويحمدونه حين لا ينفعهم الحمد وقيل: هذا خطاب مع المؤمنين فإنهم يبعثون حامدين. { وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ } في الدنيا وفي القبور { إِلا قَلِيلا } لأن الإنسان لو مكث ألوفا من السنين في الدنيا وفي القبر عد ذلك قليلا في مدة القيامة والخلود قال قتادة: يستحقرون مدة الدنيا في جنب القيامة. قوله تعالى: { وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } قال الكلبي: كان المشركون يؤذون المسلمين فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأنزل الله تعالى: { وَقُلْ لِعِبَادِي } المؤمنين { يَقُولُوا } للكافرين { الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } ولا يكافؤوهم بسفههم. قال الحسن: يقول له: يهديك الله وكان هذا قبل الإذن في الجهاد والقتال (1) .\rوقيل: نزلت في عمر بن الخطاب شتمه بعض الكفار فأمره الله بالعفو (2) .\rوقيل: أمر الله المؤمنين بأن يقولوا ويفعلوا التي هي أحسن أي: الخلة التي هي أحسن.\rوقيل: \"الأحسن\" كلمة الإخلاص لا إله إلا الله.\r{ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِغُ بَيْنَهُمْ } أي: يفسد ويلقي العداوة بينهم { إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا } ظاهر العداوة. { رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ } يوفقكم فتؤمنوا { أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ } يميتكم على الشرك فتعذبوا قاله ابن جريج.\r__________\r(1) إشارة إلى أنها نسخت بآية القتال أو السيف، وقد سبق في أكثر من موضع إلى أن بعض العلماء أسرفوا في نسخ كثير من الآيات بآية السيف، والحق أنه لا نسخ في هذا كله.\r(2) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (333).","part":5,"page":99},{"id":1756,"text":"وقال الكلبي: إن يشأ يرحمكم فينجيكم من أهل مكة، وإن يشأ يعذبكم فيسلطهم عليكم. { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلا } حفيظا وكفيلا قيل: نسختها آية القتال.\r{ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا (55) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57) }\r{ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } أي: ربك العالم بمن في السموات والأرض فجعلهم مختلفين في صورهم وأخلاقهم وأحوالهم ومللهم.\r{ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ } قيل جعل أهل السموات والأرض مختلفين كما فضل بعض النبيين على بعض.\rقال قتادة في هذه الآية: اتخذ الله إبراهيم خليلا وكلم موسى تكليما وقال لعيسى: كن فيكون (1) وآتى سليمان ملكا لا ينبغي لأحد من بعده وآتى داود زبورا كما قال: { وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا } والزبور: كتاب علمه الله داود يشتمل على مائة وخمسين سورة كلها دعاء وتمجيد وثناء على الله عز وجل وليس فيها حرام ولا حلال ولا فرائض ولا حدود.\rمعناه: إنكم لم تنكروا تفضيل النبيين فكيف تنكرون فضل النبي صلى الله عليه وسلم وإعطاءه القرآن؟ وهذا خطاب مع من يقر بتفضيل الأنبياء عليهم السلام من أهل الكتاب وغيرهم. قوله عز وجل: { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ } وذلك أن المشركين أصابهم قحط شديد حتى أكلوا الكلاب (2) والجيف فاستغاثوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليدعو لهم قال الله تعالى: { قُلِ } للمشركين { ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ } أنها آلهة { فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ } القحط والجوع { عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلا } إلى غيركم أو تحويل الحال من العسر إلى اليسر. { أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ } يعني الذين يدعونهم المشركون آلهة يعبدونهم.\r__________\r(1) في \"ب\": فكان.\r(2) في \"ب\": الميتة.","part":5,"page":100},{"id":1757,"text":"قال ابن عباس ومجاهد: وهم عيسى وأمه وعزير والملائكة والشمس والقمر والنجوم \"يبتغون\" أي يطلبون إلى ربهم \"الوسيلة\" أي القربة. وقيل: الوسيلة الدرجة العليا أي: يتضرعون إلى الله في طلب الدرجة العليا.\rوقيل: الوسيلة كل ما يتقرب به إلى الله تعالى.\rوقوله: { أَيُّهُمْ أَقْرَبُ } معناه: ينظرون أيهم أقرب إلى الله فيتوسلون به وقال الزجاج: أيهم أقرب يبتغي الوسيلة إلى الله تعالى ويتقرب إليه بالعمل الصالح { وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ } جنته { وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا } أي يطلب منه الحذر.\rوقال عبد الله بن مسعود: نزلت الآية في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن فأسلم الجنيون ولم يعلم الإنس الذين كانوا يعبدونهم بإسلامهم فتمسكوا بعبادتهم فعيرهم الله وأنزل هذه الآية (1) .\rوقرأ ابن مسعود \" أولئك الذين تدعون \" بالتاء.\r{ وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (58) }\r{ وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ } وما من قرية { إِلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ } أي: مخربوها ومهلكوها أهلها { أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا } بأنواع العذاب إذا كفروا وعصوا وقال مقاتل وغيره: مهلكوها في حق المؤمنين بالإماتة ومعذبوها في حق الكفار بأنواع العذاب.\rقال عبد الله بن مسعود: إذا ظهر الزنا والربا في قرية أذن الله في هلاكها (2) .\r{ كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ } في اللوح المحفوظ { مَسْطُورًا } مكتوبا.\rقال عبادة بن الصامت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"إن أول ما خلق الله القلم فقال اكتب فقال ما أكتب؟ قال القدر وما كان وما هو كائن إلى الأبد\" (3) .\r__________\r(1) انظر: صحيح البخاري كتاب التفسير باب \"أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة\": 8 / 398، الدر المنثور: 5 / 305.\r(2) أخرجه الطبري: 15 / 107.\r(3) أخرجه أبو داود في السنة باب في القدر: 7 / 69 والترمذي في القدر باب ما جاء في الرضا بالقضاء: 6 / 368-369 وقال: \"هذا حديث غريب\" وفي تفسير سورة \"ن\": 9 / 233 وقال: \"هذا حديث حسن صحيح غريب\"، وأخرجه الإمام أحمد في \"المسند\": 5 / 317 والطيالسي في مسنده ص (79) وفيه عند الطيالسي: عبد الواحد بن سليم وهو ضعيف وله طرق يتقوى بها، وصححه الألباني في تعليقه على المشكاة: 1 / 34.","part":5,"page":101},{"id":1758,"text":"قوله عز وجل: { وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأوَّلُونَ } قال ابن عباس: سأل أهل مكة [رسول الله صلى الله عليه وسلم] (1) أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن ينحى الجبال عنهم فيزرعوا فأوحى الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم: إن شئت أن أستأني بهم فعلت وإن شئت أن أوتيهم ما سألوا 210/ب فعلت فإن لم يؤمنوا أهلكتهم كما أهلكت من كان قبلهم [من الأمم] (2) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"لا بل تستأني بهم\" فأنزل الله عز وجل (3)\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) أخرجه الإمام أحمد في المسند: 1 / 258 والحاكم في المستدرك: 2 / 362 والطبري: 15 / 108 والواحدي في أسباب النزول ص (333-334) والنسائي في تفسيره: 1 / 656 وزاد السيوطي نسبته للبزار وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في \"الدلائل\" والضياء في \"المختارة\" وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح وصححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند برقم (2333). انظر: الدر المنثور: 5 / 306-307 مجمع الزوائد: 7 / 50، ابن كثير: 3 / 48.","part":5,"page":102},{"id":1759,"text":"{ وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا (59) وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَانًا كَبِيرًا (60) }\r{ وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ } التي سألها كفار قريش { إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأوَّلُونَ } فأهلكناهم فإن لم يؤمن قومك بعد إرسال الآيات أهلكتهم لأن من سنتنا في الأمم إذا سألوا الآيات ثم لم يؤمنوا بعد إتيانها أن نهلكهم ولا نمهلهم وقد حكمنا بإهلاك هذه الأمة بالعذاب فقال جل ذكره: \"بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر\" (القمر-46) ثم قال:\r{ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً } مضيئة بينة { فَظَلَمُوا بِهَا } أي: جحدوا بها أنها من عند الله كما قال: \"بما كانوا بآياتنا يظلمون\"( الأعراف-9 ) أي: يجحدون وقيل: ظلموا أنفسهم بتكذيبها يريد فعاجلناهم بالعقوبة.\r{ وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ } أي: العبر والدلالات { إِلا تَخْوِيفًا } للعباد ليؤمنوا\rقال قتادة إن الله تعالى يخوف الناس (1) بما شاء من آياته لعلهم يرجعون. قوله عز وجل: { وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ } أي: هم في قبضته لا يقدرون على الخروج عن مشيئته فهو حافظك ومانعك منهم فلا تهبهم وامض إلى ما أمرك به من تبليغ الرسالة\r__________\r(1) في \"ب\": العباد.","part":5,"page":102},{"id":1760,"text":"كما قال: \"والله يعصمك من الناس\" (المائدة-67)\r{ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ } فالأكثرون على أن المراد منه ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم [ليلة المعراج من العجائب والآيات.\rقال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وسلم] (1) وهو قول سعيد بن جبير والحسن ومسروق وقتادة ومجاهد وعكرمة وابن جريج والأكثرين (2) والعرب تقول: رأيت بعين رؤية ورؤيا فلما ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس أنكر بعضهم ذلك وكذبوا فكان فتنة للناس.\rوقال قوم: [أسري بروحه دون بدنه (3) .\rوقال بعضهم: كان له معراجان: معراج رؤية بالعين ومعراج رؤيا بالقلب.\rوقال قوم] (4) . أراد بهذه الرؤيا ما رأى صلى الله عليه وسلم عام الحديبية أنه دخل مكة هو وأصحابه فجعل السير إلى مكة قبل الأجل فصده المشركون فرجع إلى المدينة وكان رجوعه في ذلك العام بعدما أخبر أنه يدخلها فتنة لبعضهم حتى دخلها في العام المقبل فأنزل الله تعالى: \"لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق\" (الفتح-27) (5) .\r{ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ } يعني شجرة الزقوم، مجازه: والشجرة الملعونة المذكورة في القرآن والعرب تقول لكل طعام كريه: طعام ملعون. وقيل: [معناه الملعون] (6) أكلها ونصب الشجرة عطفا على الرؤيا أي: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة إلا فتنة للناس فكانت الفتنة في الرؤيا ما ذكرنا.\rوالفتنة في الشجرة الملعونة من وجهين أحدهما: أن أبا جهل قال: إن ابن أبي كبشة يوعدكم بنار تحرق الحجارة ثم يزعم أنه ينبت فيها شجرة وتعلمون أن النار تحرق الشجرة.\rوالثاني أن عبد الله بن الزبعري قال: إن محمدا يخوفنا بالزقوم ولا نعرف الزقوم إلا الزبد والتمر وقال أبو جهل: يا جارية تعالي فزقمينا فأتت بالتمر والزبد فقال: يا قوم [تزقموا] (7) فإن هذا ما يخوفكم به محمد فوصفها الله تعالى في الصافات (8) .\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) أخرجه البخاري عن ابن عباس في تفسير سورة الإسراء: 8 / 398.\r(3) راجع فيما سبق من تفسير السورة: ص 58 تعليق (3).\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(5) انظر هذه الأقوال في تأويل الرؤيا في الدر المنثور: 5 / 309-310، زاد المسير: 5 / 53-54.\r(6) ساقط من \"أ\".\r(7) ساقط من \"ب\".\r(8) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (334) الدر المنثور: 5 / 310-311 زاد المسير: 5 / 55.","part":5,"page":103},{"id":1761,"text":"وقيل: الشجرة الملعونة هي: التي تلتوي على الشجر فتجففه يعني الكشوث (1) .\r{ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ } التخويف { إِلا طُغْيَانًا كَبِيرًا } أي: تمردا وعتوا عظيما.\r{ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (61) قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا (62) قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (63) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا (64) }\r{ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا } أي: خلقته من طين أنا جئت به وذلك ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن الله تعالى بعث إبليس حتى أخذ كفا من تراب الأرض من عذبها وملحها فخلق منه آدم فمن خلقه من العذب فهو سعيد وإن كان ابن كافرين ومن خلقه من الملح فهو شقي وإن كان ابن نبيين (2) . { قَالَ } يعني: إبليس { أَرَأَيْتَكَ } أي: أخبرني والكاف لتأكيد المخاطبة { هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ } أي: فضلته علي { لَئِنْ أَخَّرْتَنِي } أمهلتني { إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ } أي: لأستأصلنهم بالإضلال يقال: احتنك الجراد الزرع إذا أكله كله وقيل هو من قول العرب حنك الدابة يحنكها: إذا شد في حنكها الأسفل حبلا يقودها أي: لأقودنهم كيف شئت وقيل لأستولين عليهم بالإغواء { إِلا قَلِيلا } يعني المعصومين الذين استثناهم الله عز وجل في قوله: \"إن عبادي ليس لك عليهم سلطان\"( الحجر-42 ) . { قَالَ } الله: { اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ } أي: جزاءك وجزاء أتباعك { جَزَاءً مَوْفُورًا } وافرا مكملا يقال: وفرته أوفره وفرا. وقوله: { وَاسْتَفْزِزْ } واستخفف واستجهد { مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ } أي: من ذرية آدم\r__________\r(1) ذكره ابن الجوزي: (5 / 56) عن ابن عباس أيضا: وانظر فيما سبق تفسير الآية (26) من سورة إبراهيم: 4 / 348 تعليق (6).\r(2) أخرجه الطبري: 15 / 116 عن ابن عباس موقوفا.","part":5,"page":104},{"id":1762,"text":"{ بِصَوْتِكَ } قال ابن عباس وقتادة: بدعائك إلى معصية الله. وكل داع إلى معصية الله [فهو من جند إبليس.\rقال الأزهري: معناه ادعهم دعاء تستفزهم به إلى جانبك أي: تستخفهم] (1) .\rوقال مجاهد: بالغناء والمزامير (2) .\r{ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ } قيل: اجمع عليهم مكايدك وخيلك، ويقال: \"أجلبوا\" و\"جلبوا\" إذا صاحوا يقول: صِحْ بخيلك ورجلك وحُثَّهم عليه بالإغواء.\rقال مقاتل: استعن عليهم بركبان جندك ومشاتهم والخيل: الركبان والرجل: المشاة.\rقال أهل التفسير: كل راكب وماش في معاصي الله فهو من جند إبليس.\rوقال مجاهد وقتادة: إن له خيلا ورجلا من الجن والإنس، وهو كل من يقاتل في المعصية والرجل والرجالة والراجلة واحد يقال: راجل ورجل مثل: تاجر وتجر وراكب وركب وقرأ حفص ورجلك بكسر الجيم وهما لغتان.\r{ وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ } فالمشاركة في الأموال: كل ما أصيب من حرام أو أنفق في حرام هذا قول مجاهد والحسن وسعيد بن جبير.\rوقال عطاء: هو الربا وقال قتادة هو ما كان المشركون يحرمونه من الأنعام كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام.\rوقال الضحاك: هو ما كانوا يذبحونه لآلهتهم (3) .\rوأما الشركة في الأولاد: روي عن ابن عباس: أنها المؤودة.\rوقال مجاهد والضحاك: هم أولاد الزنا.\rوقال الحسن، وقتادة: هو أنهم هودوا أولادهم ونصروهم ومجسوهم.\rوعن ابن عباس رواية أخرى: هو تسميتهم الأولاد عبد الحارث وعبد شمس وعبد العزى وعبد الدار ونحوها (4) 211/أ\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) وأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال: إن الله تعالى قال لإبليس: واستفزز من ذرية آدم من استطعت أن تستفزه بصوتك ولم يخصص من ذلك صوتا دون صوت فكل صوت كان دعاء إليه وإلى عمله وإلى طاعته وخلافا للدعاء إلى طاعة الله فهو داخل في معنى صوته الذي قال الله تبارك اسمه له: \"واستفزز من استطعت منهم بصوتك\". الطبري: 15 / 118.\r(3) فكل ما أطيع الشيطان فيه من مال وعصى الله فيه، كإنفاق المال في حرام أو اكتسابه من حرام أو ذبح للآلهة أو تسييب أو بحر للشيطان وغير ذلك مما كان معصيا به أو فيه فقد شارك فاعل ذلك فيه إبليس فلا وجه لخصوص بعض دون بعض.\r(4) كل هذه الأوجه في الآية داخل في معناها دون تخصيص لوجه من الوجوه.","part":5,"page":105},{"id":1763,"text":"وروي عن جعفر بن محمد أن الشيطان يقعد على ذكر الرجل فإذا لم يقل: \"بسم الله\" أصاب معه امرأته وأنزل في فرجها كما ينزل الرجل.\rوروي في بعض الأخبار: إن فيكم مغربين قيل: وما المغربون؟ قال: الذين يشارك فيهم الجن (1) .\rوروي أن رجلا قال لابن عباس: إن امرأتي استيقظت وفي فرجها شعلة من نار؟ قال: ذلك من وطء الجن.\rوفي الآثار: أن إبليس لما أخرج إلى الأرض قال: يا رب أخرجتني من الجنة لأجل آدم فسلطني عليه وعلى ذريته قال: أنت مسلط فقال: لا أستطيعه إلا بك فزدني قال: استفزز من استطعت منهم بصوتك الآية فقال آدم: يا رب سلطت إبليس علي وعلى ذريتي وإني لا أستطيعه إلا بك قال: لا يولد لك ولد إلا وكلت به من يحفظونه قال: زدني قال: الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها قال: زدني قال: التوبة معروضة ما دام الروح في الجسد فقال: زدني قال: \"يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم\" الآية (2) (الزمر-53) .\rوفي الخبر: أن إبليس قال: يا رب بعثت أنبياء وأنزلت كتبا فما قراءتي؟ قال: الشعر قال: فما كتابي؟ قال: الوشم قال: ومن رسلي؟ قال: الكهنة قال: وأين مسكني؟ قال الحمامات قال: وأين مجلسي؟ قال: الأسواق قال: أي شيء مطعمي؟ قال: ما لم يذكر عليه اسمي قال: ما شرابه؟ قال: كل مسكر قال: وما حبالي؟ قال النساء قال: وما أذاني؟ قال: المزامير (3) .\rقوله عز وجل { وَعِدْهُمْ } أي: منهم الجميل في طاعتك. وقيل: قل لهم: لا جنة ولا نار ولا بعث.\r{ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا } والغرور تزيين الباطل بما يظن أنه حق.\rفإن قيل: كيف ذكر الله هذه الأشياء وهو يقول: \"إن الله لا يأمر بالفحشاء\" (الأعراف-28) ؟\rقيل: هذا على طريق التهديد كقوله تعالى: \"اعملوا ما شئتم\" (فصلت-40) وكقول القائل: افعل ما شئت فسترى (4) .\r__________\r(1) ضعيف أخرجه الحكيم الترمذي في \"نوادر الأصول\" عن عائشة رضي الله عنها. انظر: كنز العمال: 16 / 354 تفسير القرطبي: 10 / 289.\r(2) عزاه السيوطي للبيهقي في \"الشعب\" وابن عساكر بنحوه عن ثابت قال: بلغنا أن إبليس.. انظر: الدر المنثور: 5 / 313.\r(3) أخرجه ابن الجوزي في ذم الهوى ص (155) من طريق الطبراني في المعجم الكبير، وهو منكر تفرد به يحيى بن صالح، وثبت منه: \"وطعامك ما لم يذكر اسم الله عليه\".. انظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة: 4 / 67.\r(4) انظر: زاد المسير: 5 / 59.","part":5,"page":106},{"id":1764,"text":"{ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا (65) رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (66) }","part":5,"page":107},{"id":1765,"text":"{ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإنْسَانُ كَفُورًا (67) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلا (68) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (69) }\rقوله { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا } أي حافظا من يوكل الأمر إليه. قوله عز وجل { رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ } أي: يسوق ويجري لكم الفلك { فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ } لتطلبوا من رزقه { إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } { وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ } الشدة وخوف الغرق { فِي الْبَحْرِ ضَلَّ } أي: بطل وسقط { مَنْ تَدْعُونَ } من الآلهة { إِلا إِيَّاهُ } إلا الله فلم تجدوا مغيثا غيره وسواه { فَلَمَّا نَجَّاكُمْ } أجاب دعاءكم وأنجاكم من هول البحر وأخرجكم { إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ } عن الإيمان والإخلاص والطاعة كفرا منكم لنعمه { وَكَانَ الإنْسَانُ كَفُورًا } { أَفَأَمِنْتُمْ } بعد ذلك { أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ } يغور بكم { جَانِبَ الْبَرِّ } ناحية البر وهي الأرض { أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا } أي: يمطر عليكم حجارة من السماء كما أمطر على قوم لوط وقال أبو عبيدة والقتيبي: الحاصب الريح التي ترمي بالحصباء وهي الحصا الصغار { ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلا } قال قتادة: مانعا. { أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ } يعني في البحر { تَارَةً } مرة { أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ } قال ابن عباس: أي: عاصفا وهي الريح الشديدة.\rوقال أبو عبيدة: هي الريح التي تقصف كل شيء أي تدقه وتحطمه.\rوقال القتيبي: هي التي تقصف الشجر أي تكسره.","part":5,"page":107},{"id":1766,"text":"{ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا } ناصرا ولا ثائرا و\"تبيع\" بمعنى تابع أي تابعا مطالبا بالثأر. وقيل: من يتبعنا بالإنكار.\rقرأ ابن كثير وأبو عمرو \"أن نخسف ونرسل ونعيدكم فنرسل فنغرقكم\" بالنون فيهن لقوله \"علينا\" وقرأ الآخرون بالياء لقوله\" \"إلا إياه\" وقرأ أبو جعفر ويعقوب: \" فتغرقكم \" بالتاء يعني الريح.\r{ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا (70) }\rقوله عز وجل { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ } روي عن ابن عباس أنه قال: هو أنهم يأكلون بالأيدي وغير الآدمي يأكل بفيه من الأرض وروي عنه أنه قال: بالعقل.\rوقال الضحاك: بالنطق وقال عطاء: بتعديل القامة وامتدادها والدواب منكبة على وجوهها وقيل: بحسن الصورة وقيل: الرجال باللحى والنساء بالذوائب وقيل: بأن سخر لهم سائر الأشياء وقيل: بأن منهم خير أمة أخرجت للناس (1) .\r{ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } أي: حملناهم في البر على الدواب وفي البحر على السفن.\r{ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ } يعني: لذيذ المطاعم والمشارب قال مقاتل: السمن والزبد والتمر والحلوى وجعل رزق غيرهم ما لا يخفى.\r{ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا } وظاهر الآية أنه فضلهم على كثير ممن خلقهم لا على الكل.\rوقال قوم: فضلوا على جميع الخلق إلا على الملائكة.\rوقال الكلبي: فضلوا على الخلائق كلهم إلا على طائفة من الملائكة: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وأشباههم.\rوفي تفضيل الملائكة على البشر اختلاف فقال قوم: فضلوا على جميع الخلق وعلى الملائكة كلهم وقد يوضع الأكثر موضع الكل كما قال تعالى: \"هل أنبئكم على من تنزل الشياطين\" إلى قوله تعالى: \"وأكثرهم كاذبون\" (الشعراء-221-222) أي: كلهم.\r__________\r(1) انظر: زاد المسير: 5 / 63 تفسير القرطبي: 10 / 294، ورجح القرطبي أن التفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عمدة التكليف وبه يعرف الله ويفهم كلامه ويوصل إلى نعيمه وتقديم رسله إلا أنه لما لم ينهض بكل المراد من العبد بعثت الرسل وأنزلت الكتب فمثال الشرع: الشمس ومثال العقل: العين فإذا فتحت وكانت سليمة رأت الشمس وأدركت تفاصيل الأشياء وما تقدم من الأقوال بعضه أقوى من بعض وقد جعل الله في بعض الحيوان خصالا يفضل بها ابن آدم أيضا كجري الفرس وسمعه وإبصاره وقوة الفيل وشجاعة الأسد وكرم الديك وإنما التكريم والتفضيل بالعقل كما بيناه والله أعلم.","part":5,"page":108},{"id":1767,"text":"وفي الحديث عن جابر يرفعه قال: \"لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة: يا رب خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة فقال تعالى: لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له: كن فكان\" (1) .\rوالأولى أن يقال: عوام المؤمنين أفضل من عوام الملائكة وخواص المؤمنين أفضل من خواص الملائكة قال الله تعالى: \"إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية\" (البينة-7) .\rوروي عن أبي هريرة أنه قال: \"المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده\" (2) .\r{ يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا (71) }\rقوله عز وجل { يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِم } قال مجاهد وقتادة: بنبيهم وقال أبو صالح والضحاك: بكتابهم الذي أنزل عليهم.\rوقال الحسن وأبو العالية: بأعمالهم.\rوقال قتادة أيضا: بكتابهم الذي فيه أعمالهم بدليل سياق الآية.\r{ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ } ويسمى الكتاب إماما كما قال عز وجل: \"وكل شيء أحصيناه في إمام مبين\" (يس-12) .\rوعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: بإمام زمانهم الذي دعاهم في الدنيا إلى ضلالة أو هدى قال الله تعالى: \"وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا\" (الأنبياء-73) وقال: \"وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار\" (القصص-41) .\r__________\r(1) قال الحافظ ابن حجر في \"الكافي الشاف\" ص (100): \"أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" من طريق محمد بن ماهان حدثنا طلحة بن زيد عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ... فكان\" قال: لم يروه عن صفوان إلا طلحة وأبو غسان تفرد به طلحة محمد بن ماهان وعن أبي غسان حجاج الأعور أخرج طريق حجاج في \"المعجم الكبير\" ورجاله ثقات وله شاهد عند عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن زيد بن أسلم قال... موقوفا عليه وقال الدارقطني في \"العلل\": روى عبد المجيد بن أبي داود عن معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عمر فذكر نحوه قال: ورواه شريح بن يونس عن عبد المجيد موقوفا وهو أصح وله شاهد آخر عند الطبراني في \"مسند الشاميين\" والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" من رواية عبد ربه بن صالح عن عروة بن رويح أنه سمعه يحدث عن جابر...\". وذكره الخطيب في \"مشكاة المصابيح\": 3 / 1597 وعزاه للديلمي في \"مسند الفردوس\" والبيهقي في \"شعب الإيمان\".\r(2) أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" من رواية حماد بن سلمة عن أبي المهزم عن أبي هريرة موقوفا. وأخرجه ابن ماجه من هذه الطريق موقوفا: 2 / 1301، وأبو المهزم ضعيف. انظر: الكافي الشاف ص (100).","part":5,"page":109},{"id":1768,"text":"وقيل: بمعبودهم وعن سعيد بن المسيب قال: كل قوم يجتمعون إلى رئيسهم في الخير والشر.\rوقال محمد بن كعب: { بِإِمَامِهِم } قيل: يعني بأمهاتهم وفيه ثلاثة أوجه من الحكمة أحدها: لأجل عيسى عليه السلام والثاني: لشرف الحسن والحسين والثالث: لئلا يفتضح أولاد الزنا (1) .\r{ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا } أي لا ينقص من حقهم قدر فتيل (2) .\r{ وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا (72) }\r{ وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى } اختلفوا في هذه الإشارة فقال قوم: هي راجعة إلى النعم التي عددها الله تعالى في هذه الآيات من قوله: { رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ } إلى قوله { تَفْضِيلا } يقول: من كان منكم في هذه النعم التي قد عاين أعمى { فَهُوَ فِي } أمر { الآخِرَةِ } التي لم يعاين ولم ير { أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا } يروى هذا عن ابن عباس (3) .\rوقال الآخرون: هي راجعة إلى الدنيا يقول: من كان في هذه الدنيا أعمى القلب عن رؤية قدرة الله وآياته ورؤية الحق فهو في الآخرة أعمى أي: أشد عمى وأضل سبيلا أي: أخطأ طريقا (4) .\rوقيل: من كان في هذه الدنيا أعمى عن الاعتبار فهو في الآخرة أعمى عن الاعتذار.\rوقال الحسن: من كان في هذه الدنيا ضالا كافرا فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا لأنه في الدنيا تقبل توبته وفي الآخرة لا تقبل توبته (5) .\r__________\r(1) انظر هذه الأقوال وأقوالا أخرى في: تفسير القرطبي: 10 / 296-297، الطبري: 15 / 126-127، زاد المسير: 5 / 64-65، الدر المنثور: 5 / 316-317. وقال الطبري: وأولى الأقوال عندنا بالصواب قول من قال: معنى ذلك: يوم ندعو كل أناس بإمامهم الذي كانوا يقتدون به ويأتمون به في الدنيا لأن الأغلب من استعمال العرب \"الإمام\" فيما ائتم واقتدى به. وتوجيه معاني كلام الله إلى الأشهر أولى ما لم تثبت حجة بخلافه يجب التسليم لها.\r(2) \"الفتيل\" المفتول وسمي ما يكون في شق النواة فتيلا لكونه على هيئة المفتول وهو ما تفتله بين أصابعك من خيط أو وسخ ويضرب به المثل في الشيء الحقير وناقة فتلاء الذراعين: محكمة. انظر: مفردات القرآن للراغب الأصفهاني ص (371).\r(3) أخرجه الفريابي وابن حاتم. انظر: الدر المنثور: 5 / 317.\r(4) الدر المنثور: 5 / 317.\r(5) ورجح الطبري قول من قال معنى ذلك: ومن كان في هذه الدنيا أعمى عن حجج الله على أنه المنفرد بخلقها وتدبيرها وتصريف ما فيها فهو في أمر الآخرة التي لم يرها ولم يعاينها وفيما هو كائن فيها أعمى وأضل سبيلا يقول: وأضل طريقا منه في أمر الدنيا التي قد عاينها ورآها.. لأن الله تعالى لم يخصص في قوله: \"ومن كان في هذه أعمى\" عمى الكافر به عن بعض حججه عليه فيها دون بعض فيوجه ذلك إلى عماه عن نعمه بما أنعم به عليه من تكريمه بني آدم...\". انظر: تفسير الطبري: 15 / 128-129.","part":5,"page":110},{"id":1769,"text":"وأمال بعض القراء هذين الحرفين وفتحهما بعضهم وكان أبو عمرو يكسر الأول ويفتح الثاني فهو في الآخرة أشد عمى لقوله \"وأضل سبيلا\".\r{ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا (73) }\rقوله عز وجل: { وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } الآية اختلفوا في سبب نزولها:\rقال سعيد بن جبير: كان النبي صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر الأسود فمنعته قريش وقالوا: [لا تلم] (1) حتى تلم بآلهتنا وتمسها فحدث نفسه: ما علي أن أفعل ذلك والله تعالى يعلم أني لها كاره بعد أن يدعوني حتى أستلم الحجر الأسود (2) .\rوقيل: طلبوا منه أن يمس آلهتهم حتى يسلموا ويتبعوه فحدث نفسه بذلك فأنزل الله هذه الآية (3) .\rقال ابن عباس: قدم وفد ثقيف على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصال قال: وما هن؟ قالوا: أن لا ننحني -أي في الصلاة-ولا نكسر أصنامنا بأيدينا وأن تمتعنا باللات سنة من غير أن نعبدها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"لا خير في دين لا ركوع فيه ولا سجود وأما أن تكسروا أصنامكم بأيديكم فذاك لكم وأما الطاغية -يعني اللات والعزى-فإني غير ممتعكم بها\" فقالوا: يا رسول الله إنا نحب أن تسمع العرب أنك أعطيتنا ما لم تعط غيرنا فإن خشيت أن تقول العرب أعطيتهم ما لم تعطنا فقل: الله أمرني بذلك؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فطمع القوم في سكوته أن يعطيهم ذلك فأنزل الله عز وجل هذه الآية (4) . { وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ } ليصرفونك { عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } { لِتَفْتَرِيَ } لتختلق { عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا } لو فلعت ما دعوك إليه { لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا } أي: والوك وصافوك.\r__________\r(1) في \"ب\": لا ندعك.\r(2) أخرجه الطبري: 15 / 130 وابن أبي حاتم (الدر المنثور: 15 / 318) وذكره الواحدي في أسباب النزول ص (335) وانظر: القرطبي: 10 / 299. قال ابن الجوزي في \"زاد المسير\": (5 / 67-68): وهذا باطل لا يجوز أن يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ما ذكر عن عطية من أنه هم أن ينظرهم سنة وكل ذلك محال في حقه وفي حق الصحابة أنهم رووا ذلك.\r(3) عزاه السيوطي لابن أبي حاتم وابن إسحاق وابن مردويه عن ابن عباس وعن جابر من طريق الكلبي وهو ضعيف. انظر: الدر المنثور 5 / 318 وراجع التعليق السابق.\r(4) قال الحافظ ابن حجر في \"الكافي الشاف\" ص (100): \"لم أجده، وذكره الثعلبي عن ابن عباس من غير سند\" وذكره الواحدي أيضا في أسباب النزول ص (335) وهذه الروايات كلها أعرض عنها الحافظ ابن كثير رحمه الله ولم يذكرها في تفسيره.","part":5,"page":111},{"id":1770,"text":"{ وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا (74) إِذًا لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75) }","part":5,"page":112},{"id":1771,"text":"{ وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلا قَلِيلا (76) }\r{ وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ } على الحق بعصمتنا { لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ } أي: تميل { إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا } أي: قريبا من الفعل.\rفإن قيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم معصوما فكيف يجوز أن يقرب مما طلبوه وما طلبوه كفر؟\rقيل: كان ذلك خاطر قلب ولم يكن عزما وقد غفر (1) الله عز وجل عن حديث النفس.\rقال قتادة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول بعد ذلك: \"اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين\" (2) .\rوالجواب الصحيح هو أن الله تعالى قال: { وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا } وقد ثبته الله ولم يركن وهذا مثل قوله تعالى: \"ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا\" (النساء-83) [وقد تفضل فلم يتبعوا] (3) . { إِذًا لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ } أي: لو فعلت ذلك لأذقناك ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات يعني: أضعفنا لك العذاب في الدنيا والآخرة.\rوقيل: \"الضعف\": هو العذاب سمي ضعفا لتضاعف الألم فيه.\r{ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا } أي: ناصرا يمنعك من عذابنا. قوله تعالى: { وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا } اختلفوا في معنى الآية فقال بعضهم: هذه الآية مدنية قال الكلبي: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كره اليهود مقامه بالمدينة حسدا منهم فأتوه وقالوا: يا أبا القاسم لقد علمت ما هذه بأرض الأنبياء فإن أرض الأنبياء الشام [وهي الأرض المقدسة وكان بها إبراهيم والأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإن كنت نبيا مثلهم فأت الشام] (4) وإنما يمنعك من الخروج إليها مخافتك الروم وإن الله سيمنعك من الروم إن كنت رسوله\r__________\r(1) في \"ب\": عفا.\r(2) قال الحافظ ابن حجر في \"الكافي الشاف\" ص (101): \"لم أجده وذكره الثعلبي عن قتادة مرسلا\". وقد تقدم أن هذه العبارة كافية في الحكم عليه بالوضع وعدم اعتداد المصنف رحمه الله بالجواب وترجيحه غيره يدل على ضعفه عنده وقارن بالطبري: 15 / 131.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(4) ساقط من \"أ\".","part":5,"page":112},{"id":1772,"text":"فعسكر النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أميال من المدينة وفي رواية: إلى ذي الحليفة حتى يجتمع إليه أصحابه ويخرج فأنزل الله هذه الآية و\"الأرض\" هاهنا هي المدينة (1) .\rوقال مجاهد وقتادة: \"الأرض\" أرض مكة والآية مكية هم المشركون أن يخرجوه منها فكفهم الله عنه حتى أمره بالهجرة فخرج بنفسه وهذا أليق بالآية لأن ما قبلها خبر عن أهل مكة والسورة مكية (2) .\rوقيل: هم الكفار كلهم أرادوا أن يستفزوه من أرض العرب باجتماعهم وتظاهرهم عليه فمنع الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم ولم ينالوا منه ما أملوا والاستفزاز هو الإزعاج بسرعة.\r{ وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ } أي بعدك وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص ويعقوب { خِلافَكَ } اعتبارا بقوله تعالى: \"فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله\" (التوبة-81) ومعناهما واحد (3) . { إِلا قَلِيلا } أي: لا يلبثون بعدك إلا قليلا حتى يهلكوا فعلى هذا القول الأول: مدة حياتهم وعلى الثاني: ما بين خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة إلى أن قتلوا ببدر.\r{ سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلا (77) }\rقوله عز وجل: { سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا } أي: كسنتنا فانتصب بحذف الكاف وسنة الله في الرسل إذا كذبتهم الأمم أن لا يعذبهم ما دام نبيهم بين أظهرهم فإذا خرج نبيهم من بين أظهرهم عذبهم.\r{ وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلا } أي تبديلا.\r__________\r(1) قال الحافظ ابن حجر في \"الكافي الشاف\" ص (101): \"لم أجده وذكره السهيلي في \"الروض الأنف\" عن عبد المجيد بن بهرام عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم...\". وقال الحافظ ابن كثير: (3 / 54): قيل نزلت في اليهود إذ أشاروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسكنى الشام بلاد الأنبياء وترك سكنى المدينة. وهذا القول ضعيف لأن هذه الآية مكية وسكنى المدينة بعد ذلك وقيل: إنها نزلت بتبوك وفي صحته نظر. وروى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي عن يونس بن بكير عن عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم.. -وساق القصة- ثم قال: \"وفي هذا الإسناد نظر والأظهر أن هذا ليس بصحيح فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يغز تبوك عن قول اليهود وإنما غزاها امتثالا لقوله تعالى: \"يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار\"... وانظر: تفسير القرطبي: 10 / 301 أسباب النزول للواحدي ص (336) هذا وقد رجح المصنف -رحمه الله- الرواية الآتية على هذه الرواية.\r(2) وهو ما رجحه الطبري في تفسيره: 15 / 133، والقرطبي وانظر: أسباب النزول للواحدي ص (336).\r(3) أي معنى: \"خلافك\" و\"خلفك\" وبالثانية قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو عن عاصم وسياق المصنف يوحي أن في الأصل سقطا وليس كذلك لأن المثبت في النسخة الخطية القراءة الثانية \"خلفك\". وانظر: زاد المسير: 5 / 70.","part":5,"page":113},{"id":1773,"text":"{ أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) }\rقوله: { أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ } اختلفوا في الدلوك: روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: الدلوك هو الغروب وهو قول إبراهيم النخعي ومقاتل بن حيان والضحاك والسدي.\rوقال ابن عباس: وابن عمر وجابر: هو زوال الشمس وهو قول عطاء وقتادة ومجاهد والحسن وأكثر التابعين.\rومعنى اللفظ يجمعهما لأن أصل الدلوك الميل والشمس تميل إذا زالت وغربت.\rوالحمل على الزوال أولى القولين لكثرة القائلين به ولأنا إذا حملناه عليه كانت الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلها \"فدلوك الشمس\": يتناول صلاة الظهر والعصر و\"إلى غسق الليل\": يتناول المغرب والعشاء و\"قرآن الفجر\": هو صلاة الصبح (1) .\rقوله عز وجل: { إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ } أي: ظهور ظلمته وقال ابن عباس: بدو الليل وقال قتادة: وقت صلاة المغرب وقال مجاهد: غروب الشمس.\r{ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ } يعني: صلاة الفجر سمي صلاة الفجر قرآنا لأنها لا تجوز إلا بقرآن وانتصاب القرآن من وجهين أحدهما: أنه عطف على الصلاة أي: وأقم قرآن الفجر قاله الفراء وقال أهل البصرة: على الإغراء أي وعليك قرآن الفجر.\r{ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } أي: يشهده ملائكة الليل وملائكة النهار.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا أبو اليمان أنبأنا شعيب عن الزهري أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"تفضل صلاة الجميع على صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءا وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر\" ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: { إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } (2) .\r__________\r(1) انظر تفصيل ذلك في: تفسير القرطبي: 10 / 303-307، زاد المسير 5 / 72-74 أحكام القرآن للجصاص: 5 / 31-32 أحكام القرآن لابن العربي: 3 / 1219 وما بعدها.\r(2) أخرجه البخاري في الأذان باب فضل صلاة الفجر في جماعة: 2 / 137.","part":5,"page":114},{"id":1774,"text":"{ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79) }\rقوله تعالى: { وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ } أي: قم بعد نومك والتهجد لا يكون إلا بعد النوم يقال: تهجد إذا قام بعدما نام وهجد إذا نام.\rوالمراد من الآية: قيام الليل للصلاة.\rوكانت صلاة الليل 212/أ فريضة على النبي صلى الله عليه وسلم في الابتداء وعلى الأمة لقوله تعالى: \"يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا\" (المزمل-1) ثم نزل التخفيف فصار الوجوب منسوخا في حق الأمة بالصلوات الخمس وبقي الاستحباب: قال الله تعالى: \"فاقرؤوا ما تيسر منه\" (المزمل-20) وبقي الوجوب في حق النبي صلى الله عليه وسلم (1) .\rوروي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"ثلاث هن علي فريضة وهن سنة لكم الوتر [والسواك] (2) وقيام الليل\" (3) .\rقوله عز وجل: { نَافِلَةً لَكَ } أي: زيادة لك يريد: فضيلة زائدة على سائر الفرائض فرضها الله عليك.\rوذهب قوم إلى أن الوجوب صار منسوخا في حقه كما في حق الأمة فصارت نافلة وهو قول مجاهد وقتادة لأن الله تعالى قال: \"نافلة لك\" ولم يقل عليك (4) .\rفإن قيل: فما معنى التخصيص وهي زيادة في حق كافة المسلمين كما في حقه صلى الله عليه وسلم؟\rقيل: التخصيص من حيث إن نوافل العباد كفارة لذنوبهم والنبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فكانت نوافله لا تعمل في كفارة الذنوب فتبقى له زيادة في رفع الدرجات.\r__________\r(1) قال القرطبي: (10 / 308-309): وفي هذا بعد لوجهين: تسمية الفرض بالنفل وذلك مجاز لا حقيقة. الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: \"خمس صلوات فرضهن الله على العباد\" وقوله تعالى -في حديث المعراج-: \"هن خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدي\"، وهذا نص فكيف يقال افترض عليه صلاة زائدة على الخمس؟ هذا ما لا يصح وإن كان قد روي عنه عليه الصلاة والسلام: \"ثلاث علي فريضة...\".\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" وفيه موسى بن عبد الرحمن الصنعاني وهوكذاب انظر: مجمع الزوائد: 8 / 264. وعن ابن عباس أخرجه الإمام أحمد في المسند: 1 / 231، والبيهقي في السنن: 2 / 468 والحاكم في المستدرك: 1 / 300 قال الذهبي: ما تكلم الحاكم عليه وهو غريب منكر ويحيى ضعفه النسائي والدارقطني. وقال الهيثمي: أخرجه أحمد والبزار بأسانيد والطبراني في الكبير والأوسط وفي أسانيدها جابر الجعفي وهو ضعيف وأبو جناب الكلبي مدلس. وانظر: نصب الراية 2 / 115 تلخيص الحبير: 3 / 118 فيض القدير: 3 / 309 مجمع الزوائد: 8 / 264.\r(4) راجع: زاد المسير: 5 / 75-76 القرطبي: 10 / 308-309 أحكام القرآن للجصاص: 5 / 32-33.","part":5,"page":115},{"id":1775,"text":"أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب حدثنا أبو عيسى الترمذي حدثنا قتيبة وبشر بن معاذ قالا حدثنا أبو عوانة عن زياد بن علاقة عن المغيرة بن شعبة قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم حتى انتفخت قدماه فقيل له: أتتكلف هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: \"أفلا أكون عبدا شكورا\" (1) .\rأخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن عبد الله بن أبي بكرة عن أبيه عن عبد الله بن قيس بن مخرمة أنه أخبره عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: \"لأرمقن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة (2) فتوسدت عتبته أو فسطاطه فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم صلى ركعتين طويلتين ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما [ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما ثم صلى ركعتين دون التين قبلهما] (3) ثم أوتر فذلك ثلاث عشرة ركعة (4) .\rأخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه أخبره أنه سأل عائشة رضي الله عنها: كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ قال: فقالت ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثا. قالت عائشة فقلت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟ فقال: \"يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي\" (5) .\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفرايني أخبرنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق أخبرنا يونس بن هارون بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس وابن أبي ذئب وعمر بن الحارث أن ابن شهاب أخبرهم عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم \"يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير باب\"ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك\": 8 / 584، وفي التهجد باب قيام النبي صلى الله عليه وسلم الليل: 3 / 14، ومسلم في صفات المنافقين باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة برقم (2819): 4 / 2171، والمصنف في شرح السنة: 4 / 44 ورواية الترمذي في \"الشمائل المحمدية\" ص (159).\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(4) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه برقم (765): 1 / 531-532، والمصنف في شرح السنة 4 / 19.\r(5) أخبره البخاري في التهجد باب قيام النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان وغيره: 3 / 33، ومسلم في صلاة المسافرين باب صلاة الليل برقم (738) 1 / 509 والمصنف في شرح السنة: 4 / 504.","part":5,"page":116},{"id":1776,"text":"عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين ثم يوتر بواحدة فيسجد السجدة قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه فإذا سكت المؤذن من أذان الفجر وتبين له الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة فيخرج\" وبعضهم يزيد على بعض (1) .\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا عبد الرحمن بن منيب أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا حميد الطويل عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ما كنا نشاء أن نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل مصليا إلا رأيناه ولا نشاء أن نراه نائما إلا رأيناه وقال: كان يصوم من الشهر حتى نقول لا يفطر منه شيئا ويفطر حتى نقول لا يصوم منه شيئا (2) .\rقوله عز وجل: { عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا } عسى من الله تعالى واجب لأنه لا يدع أن يعطي عباده أو يفعل بهم ما أطمعهم فيه.\rوالمقام المحمود هو: مقام الشفاعة لأمته لأنه يحمده فيه الأولون والآخرون: أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني حدثنا حميد بن زنجويه أخبرنا عبد الله بن يزيد المقري أخبرنا حياة عن كعب عن علقمة عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول: ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة\" (3) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا علي بن عباس حدثنا سعيد بن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة\" (4) .\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الموضع السابق برقم (736): 1 / 508 والمصنف في شرح السنة: 4 / 7.\r(2) أخرجه البخاري في التهجد باب قيام النبي صلى الله عليه وسلم من نومه: 3 / 22 وفي مواضع أخرى وأخرجه المصنف في شرح السنة: 4 / 47.\r(3) أخرجه مسلم في الصلاة باب استحباب القول مثل قول المؤذن برقم (384): 1 / 288-289، والمصنف في شرح السنة: 2 / 274.\r(4) أخرجه البخاري في الأذان باب الدعاء عند النداء: 2 / 284.","part":5,"page":117},{"id":1777,"text":"أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا عبد الرحيم (1) بن منيب أخبرنا يعلى عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن لكل نبي دعوة مستجابة وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي وهي نائلة منكم -إن شاء الله-من مات لا يشرك بالله شيئا\" (2) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل قال: وقال حجاج بن منهال حدثنا همام بن يحيى حدثنا قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"يحبس المؤمنون يوم القيامة حتى يهتموا بذلك فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا فيأتون آدم فيقولون: أنت آدم أبو الناس خلقك الله بيده وأسكنك جنته وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب وأكله من الشجرة وقد نهي عنها ولكن ائتوا نوحا أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض.\rفيأتون نوحا فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب سؤاله ربه بغير علم ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن قال فيأتون إبراهيم فيقول: إني لست هناكم ويذكر ثلاث كذبات كذبهن ولكن ائتوا موسى عبدا آتاه الله التوراة وكلمه وقربه نجيا.\rقال: فيأتون موسى فيقول إني لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب بقتل النفس (3) ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وروح الله وكلمته.\rفيأتون عيسى فيقول: لست هناكم 212/ب ولكن ائتوا محمدا عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.\rقال: فيأتوني فأستأذن على ربي في داره (4) فيؤذن لي عليه فإذا رأيته وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول: ارفع رأسك يا محمد وقل تسمع واشفع تشفع وسل تعطه قال: فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حدا فأخرج فأخرجهم فأدخلهم الجنة.\r__________\r(1) في \"أ\": عبد الرحمن. والمثبت في \"ب\" ومن \"شرح السنة\".\r(2) أخرجه مسلم في الإيمان باب اختباء النبي صلى الله عليه وسلم دعوة الشفاعة لأمته برقم (199): 1 / 189، والمصنف في شرح السنة: 5 / 6.\r(3) في \"ب\": قتله القبطي.\r(4) قال الخطابي في \"أعلام الحديث\": (4 / 1257): \"وقوله: (في داره) يوهم مكانا، كاللفظة الأولى في القصة المتقدمة، وهي قوله: \"وهو مكانه\". ومعنى قوله: \"فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه\" أي: في داره التي دورها لأوليائه وهي الجنة كقوله عز وجل: \"والله يدعو إلى دار السلام\" (يونس-25) وكما يقال: بيت الله وحرم الله يريدون بيت الله الذي جعله مثابة للناس والحرم الذي جعله أمنا لهم...\". وانظر: فتح الباري 13 / 428، وعمدة القاري: 24 / 132.","part":5,"page":118},{"id":1778,"text":"قال قتادة: وسمعته أيضا يقول: فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه فإذا رأيته وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول: ارفع رأسك يا محمد وقل تسمع واشفع تشفع وسل تعطه قال: فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حدا فأخرج فأدخلهم الجنة [ثم أعود الثالثة فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه فإذا رأيته وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول ارفع رأسك يا محمد وقل تسمع واشفع تشفع وسل تعطه قال: فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حدا فأخرج فأدخلهم الجنة\"] (1) .\rقال قتادة: وقد سمعته أيضا يقول: \"فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن\" -أي وجب عليه الخلود-قال: ثم تلا هذه الآية: { عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا } [قال: \"وهذا المقام المحمود] (2) الذي وعده نبيكم صلى الله عليه وسلم\" (3) .\rوبهذا الإسناد قال: حدثنا [محمد بن إسماعيل حدثنا] (4) سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد حدثنا معبد بن هلال الغزي قال: ذهبنا إلى أنس بن مالك فذكر حديث الشفاعة بمعناه وقال: \"فأستأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن فأحمده بتلك المحامد وأخر له ساجدا فيقال: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع [وسل تعطه] (5) واشفع تشفع فأقول: يا رب أمتي أمتي فيقول: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان فأنطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا وذكر مثله فيقال: \"انطلق فأخرج من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من الإيمان فأنطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا وذكر مثله ثم يقال: انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان فأنطلق فأفعل فلما خرجنا من عند أنس مررنا بالحسن فسلمنا عليه فحدثناه بالحديث إلى هذا الموضع فقال: هيه فقلنا: لم يزدنا على هذا فقال: لقد حدثني وهو [يومئذ جميع] (6) منذ عشرين سنة كما حدثكم ثم قال: ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأقول يا ربي أتأذن فيمن قال لا إله إلا الله؟ فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله\" (7) .\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) أخرجه البخاري في التوحيد باب \"وجوه يومئذ ناضرة...\" 13 / 422.\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(5) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(6) في \"ب\": مجتمع جميعه.\r(7) أخرجه البخاري في التوحيد باب كلام الرب عز وجل يوم القيامة مع الأنبياء: 13 / 473، ومسلم في الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها برقم (193): 1 / 183-184.","part":5,"page":119},{"id":1779,"text":"وروي عن عبد الله بن عمر قال: \"إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم [فيشفع ليقضى بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب فيومئذ يبعثه الله مقاما محمودا يحمده أهل الجمع كلهم\" (1) .\rوأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف بن محمد] (2) بن ماموية حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان حدثنا محمد بن حموية حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا منصور بن أبي الأسود حدثنا الليث عن الربيع بن أنس عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"أنا أولهم خروجا [إذا بعثوا] (3) وأنا قائدهم إذا وفدوا وأنا خطيبهم إذا أنصتوا وأنا شفيعهم إذا حبسوا [وأنا مبشرهم إذا أيسوا] (4) الكرامة والمفاتيح يومئذ بيدي ولواء الحمد يومئذ بيدي وأنا أكرم ولد آدم على ربي يطوف علي ألف خادم كأنهم بيض مكنون أو لؤلؤ منثور\" (5) .\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أخبرنا عبد الغافر بن محمد أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج حدثني الحكم بن موسى حدثنا معقل بن زياد عن الأوزاعي حدثني أبو عمار حدثني عبد الله بن فروخ حدثني أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع\" (6)\rوالأخبار في الشفاعة كثيرة وأول من أنكرها عمرو بن عبيد وهو مبتدع باتفاق أهل السنة (7) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري تعليقا في الزكاة باب من سأل الناس تكثرا: 3 / 338، ورواه موصولا: الطبري في التفسير: 15 / 146 والبزار والطبراني في \"الأوسط\" وابن منده في \"الإيمان\" 30 / 833 وقال: \"هذا إسناد ثابت على رسم البخاري\". وانظر: فتح الباري: 3 / 339، الدر المنثور: 5 / 325.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(4) ما بين القوسين ساقط \"أ\".\r(5) أخرجه الترمذي في المناقب باب ما جاء في فضل النبي صلى الله عليه وسلم: 10 / 79، وقال: \"هذا حديث حسن غريب\" وفي بعض النسخ: \"غريب\" وأخرجه الدارمي في المقدمة باب ما أعطي النبي صلى الله عليه وسلم من الفضل: 1 / 26-27، والمصنف في شرح السنة: 13 / 203-204، وقال: \"هذا حديث غريب\" وفيه الليث بن أبي سليم وهو ضعيف. وانظر: مشكاة المصابيح: 3 / 1605.\r(6) أخرجه مسلم في الفضائل: باب تفضيل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على جميع الخلائق برقم (2278): 4 / 1782، والمصنف في شرح السنة: 13 / 203-204.\r(7) انظر احتجاج الخوارج على نفي الشفاعة لأهل الذنوب، وشبهتهم، والرد عليهم في: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: 1 / 116، 146-149، القرطبي: 10 / 310.","part":5,"page":120},{"id":1780,"text":"وروي عن يزيد بن صهيب الفقير قال: كنت قد شغفني رأي من رأي (1) الخوارج وكنت رجلا شابا فخرجنا في عصابة نريد أن نحج فمررنا على المدينة فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الجهنميين فقلت له: يا صاحب رسول الله ما هذا الذي يحدثون والله عز وجل يقول: \"إنك من تدخل النار فقد أخزيته\" (آل عمران-192) و \"كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها\" (السجدة-20) ؟ فقال لي: يا فتى تقرأ القرآن؟ قلت: نعم قال: هل سمعت بمقام محمد المحمود الذي يبعثه الله فيه؟ قلت: نعم قال: فإنه مقام محمد المحمود الذي يخرج الله به من يخرج من النار [ثم نعت وضع الصراط ومر الناس عليه] (2) وأن قوما يخرجون من النار بعدما يكونون فيها قال: فرجعنا وقلنا أترون هذا الشيخ يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) ؟.\rوروي عن أبي وائل عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إن الله عز وجل اتخذ إبراهيم خليلا وإن صاحبكم حبيب (4) الله وأكرم الخلق على الله\" ثم قرأ: { عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا } (5) [قال: يقعد على العرش] (6) .\r[وعن مجاهد في قوله تعالى: { عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا } قال: يجلسه على العرش] (7) .\rوعن عبد الله بن سلام قال: يقعده على الكرسي (8) .\r{ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (80) }\rقوله عز وجل: { وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ } والمراد من\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) أخرجه مسلم في الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلا برقم (191): 1 / 179.\r(4) في \"ب\": خليل.\r(5) قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\": (8 / 55): \"في الصحيح منه: \"وإن صاحبكم خليل الله\" فقط في أثناء حديث -رواه الطبراني- وفيه يحيى الحماني وهو ضعيف\".\r(6) ساقط من \"ب\".\r(7) ما بين القوسين ساقط من \"ب\". والخبر عن مجاهد أخرجه الطبري: 15 / 145.\r(8) قال الطبري: إن القول الأول في تفسير المقام المحمود بالشفاعة هو أولى بالصواب فقد صح به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وإن كان هذا هو الصحيح فإن ما قاله مجاهد غير مدفوع لا من جهة خبر ولا نظر وذلك لأنه لا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه ولا عن التابعين بإحالة ذلك. انظر: تفسير الطبري: 15 / 145-147، تفسير القرطبي: 10 / 311-312.","part":5,"page":121},{"id":1781,"text":"المدخل والمخرج: الإدخال والإخراج واختلف أهل التفسير فيه:\rفقال ابن عباس والحسن وقتادة: \"أدخلني مدخل صدق\": المدينة. \"وأخرجني مخرج صدق\": مكة، نزلت حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة (1) .\rوقال الضحاك: \"وأخرجني مخرج صدق\": من مكة آمنا من المشركين \"وأدخلني مدخل صدق\": مكة ظاهرا عليها بالفتح.\rوقال مجاهد: أدخلني في أمرك الذي أرسلتني به من النبوة مدخل صدق الجنة وأخرجني من الدنيا وقد قمت بما وجب علي من حقها مخرج صدق.\rوعن الحسن أنه قال: \"أدخلني مدخل صدق\": الجنة \"وأخرجني مخرج صدق\": من مكة.\rوقيل: أدخلني في طاعتك وأخرجني من المناهي وقيل: معناه أدخلني حيث ما أدخلتني بالصدق وأخرجني بالصدق، أي: لا تجعلني ممن يدخل بوجه ويخرج بوجه فإن ذا الوجهين لا يكون آمنا ووجيها عند الله.\rووصف الإدخال والإخراج بالصدق لما يؤول إليه الخروج والدخول من النصر والعز ودولة الدين كما وصف القدم بالصدق فقال: \"أن لهم قدم صدق عند ربهم\" (يونس-2) .\r{ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا } قال مجاهد: حجة بينة وقال الحسن: ملكا قويا تنصرني به على من ناوأني (2) وعزا ظاهرا أقيم به دينك. فوعده الله لينزعن ملك فارس والروم وغيرهما فيجعله له.\rقال قتادة: علم نبي الله صلى الله عليه وسلم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان [نصير] (3) فسأل سلطانا نصيرا: كتاب الله وحدوده وإقامة دينه.\r{ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81) }\rقوله عز وجل: { وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ } يعني القرآن { وَزَهَقَ الْبَاطِلُ } أي: الشيطان قال قتادة وقال السدي: \"الحق\": الإسلام و\"الباطل\": الشرك وقيل: \"الحق\": عبادة الله و\"الباطل\": عبادة الأصنام.\r{ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا } ذاهبا يقال: زهقت نفسه أي خرجت.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي حدثنا محمد بن يوسف حدثنا\r__________\r(1) أخرجه أحمد والترمذي عن ابن عباس. انظر: ابن كثير: 3 / 59، وهو ما رجحه الطبري في التفسير: (15 / 150).\r(2) في \"أ\": عاداني.\r(3) ساقط من \"أ\".","part":5,"page":122},{"id":1782,"text":"محمد بن إسماعيل حدثنا صدقة بن الفضل حدثنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب فجعل يطعنها بعود [في يده] (1) ويقول: \"جاء الحق وزهق الباطل\" \"جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد\" (2) .\r{ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا (82) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (83) }\r213/أ قوله عز وجل: { وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } قيل: \"من\" ليس للتبعيض ومعناه: وننزل من القرآن ما كله شفاء أي: بيان من الضلالة والجهالة يتبين به المختلف ويتضح به المشكل ويستشفى به من الشبهة ويهتدى به من الحيرة فهو شفاء القلوب بزوال الجهل عنها ورحمة للمؤمنين.\r{ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا } لأن الظالم لا ينتفع به والمؤمن من ينتفع به فيكون رحمة له.\rوقيل: زيادة الخسارة للظالم من حيث أن كل آية تنزل يتجدد منهم تكذيب ويزداد لهم خسارة.\rقال قتادة: لم يجالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان قضى الله الذي قضى شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا. قوله تعالى: { وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنْسَانِ أَعْرَضَ } عن ذكرنا ودعائنا { وَنَأَى بِجَانِبِهِ } أي تباعد عنا بنفسه أي ترك التقرب إلى الله بالدعاء وقال عطاء: تعظم وتكبر ويكسر النون والهمزة حمزة والكسائي ويفتح النون ويكسر الهمزة أبو بكر وقرأ ابن عامر وأبو جعفر \"وناء\" مثل جاء قيل: هو بمعنى نأى وقيل: ناء من النوء وهو النهوض والقيام.\r{ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ } الشدة والضرر { كَانَ يَئُوسًا } أي آيسا قنوطا. وقيل: معناه أنه يتضرع ويدعو عند الضر والشدة فإذا تأخرت الإجابة يئس ولا ينبغي للمؤمن أن ييأس من الإجابة وإن تأخرت فيدع الدعاء.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) أخرجه البخاري في التفسير باب: \"وقل جاء الحق وزهق الباطل...\": 8 / 400.","part":5,"page":123},{"id":1783,"text":"{ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلا (84) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا (85) }\rقوله عز وجل: { قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ } قال ابن عباس: على ناحيته.\rقال الحسن وقتادة (1) على نيته.\rوقال مقاتل: على خليقته.\rقال الفراء على طريقته التي جبل عليها.\rوقال القتيبي: على طبيعته وجبلته.\rوقيل: على السبيل الذي اختاره لنفسه وهو من الشكل يقال: لست على شكلي ولا شاكلتي وكلها متقاربة تقول العرب: طريق ذو شواكل إذا تشعبت منه الطرق. ومجاز الآية: كل يعمل على ما يشبهه كما يقال في المثل: كل امرئ يشبهه فعله.\r{ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلا } أوضح طريقا. قوله تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي } الآية.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا قيس بن حفص حدثنا عبد الواحد -يعني ابن زياد-حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: بينا أنا أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث (2) المدينة وهو يتوكأ على عسيب (3) معه فمر بنفر من اليهود فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح وقال بعضهم: لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء تكرهونه فقال بعضهم لنسألنه فقام رجل منهم فقال: يا أبا القاسم ما الروح؟ فسكت فقلت: إنه يوحى إليه فقمت فلما انجلى عنه الوحي قال: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا } (4) قال الأعمش: هكذا في قراءتنا.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) موضع الزرع.\r(3) جريدة النخل.\r(4) أخرجه البخاري في التفسير سورة الإسراء باب \"ويسألونك عن الروح\": 8 / 401، ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم باب سؤال اليهود النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح.. برقم (2794): 4 / 2152.","part":5,"page":124},{"id":1784,"text":"وروي عن ابن عباس أنه قال: إن قريشا قد اجتمعوا وقالوا: إن محمدا نشأ فينا بالأمانة والصدق وما اتهمناه بكذب وقد ادعى ما ادعى فابعثوا نفرا إلى اليهود بالمدينة واسألوهم عنه فإنهم أهل كتاب فبعثوا جماعة إليهم فقالت اليهود: سلوه عن ثلاثة أشياء فإن أجاب عن كلها أو لم يجب عن شيء منها فليس بنبي وإن أجاب عن اثنين ولم يجب عن واحدة فهو نبي فسلوه عن فتية فقدوا في الزمن الأول ما كان من أمرهم؟ فإنه كان لهم حديث عجيب وعن رجل بلغ شرق الأرض وغربها ما خبره وعن الروح؟ فسألوه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أخبركم بما سألتم غدا ولم يقل إن شاء الله فلبث الوحي -قال مجاهد: اثني عشرة ليلة وقيل: خمسة عشر يوما وقال عكرمة: أربعين يوما-وأهل مكة يقولون: وعدنا محمد غدا وقد أصبحنا لا يخبرنا بشيء حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم من مكث الوحي وشق عليه ما يقوله أهل مكة ثم (1) نزل جبريل بقوله: \"ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله\" ونزل في قصة الفتية (2) \"أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا\" ونزل فيمن بلغ الشرق والغرب \"ويسئلونك عن ذي القرنين\" ونزل في الروح \"ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي\" (3) .\rواختلفوا في الروح الذي وقع السؤال عنه فروي عن ابن عباس: أنه جبريل وهو قول الحسن وقتادة.\rوروي عن علي أنه قال: هو ملك له سبعون ألف وجه لكل وجه سبعون ألف لسان يسبح الله تعالى بكلها.\rوقال مجاهد: خلق على صور بني آدم لهم أيد وأرجل ورءوس وليسوا بملائكة ولا ناس يأكلون الطعام.\rوقال سعيد بن جبير: لم يخلق الله تعالى خلقا أعظم من الروح غير العرش لو شاء أن يبتلع السموات السبع والأرضين السبع ومن فيها بلقمة واحدة لفعل صورة خلقه على صورة خلق الملائكة وصورة وجهه على صورة الآدميين يقوم يوم القيامة عن يمين العرش وهو أقرب الخلق إلى الله عز وجل اليوم عند الحجب السبعين وأقرب إلى الله يوم القيامة وهو ممن يشفع لأهل التوحيد ولولا أن بينه وبين الملائكة سترا من نور لاحترق أهل السموات من نوره.\rوقيل: الروح هو القرآن.\r__________\r(1) في \"ب\": إذ.\r(2) في \"ب\": ونزل في الفتية.\r(3) أخرجه ابن إسحاق والطبري وابن المنذر وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل. انظر: الدر المنثور: 5 / 357، ابن كثير: 3 / 72 أسباب النزول ص (338).","part":5,"page":125},{"id":1785,"text":"وقيل: المراد منه عيسى عليه السلام فإنه روح الله وكلمه ومعناه: أنه ليس كما يقول اليهود ولا كما يقوله النصارى.\rوقال قوم: هو الروح المركب في الخلق الذي يحيا به الإنسان وهو الأصح.\rوتكلم فيه قوم فقال بعضهم: هو الدم ألا ترى أن الحيوان إذا مات لا يفوت منه شيء إلا الدم؟\rوقال قوم: هو نفس الحيوان بدليل أنه يموت باحتباس النفس.\rوقال قوم: هو عرض.\rوقال قوم: هو جسم لطيف.\rوقال بعضهم: الروح معنى اجتمع فيه النور والطيب والعلو والبقاء ألا ترى أنه إذا كان موجودا يكون الإنسان موصوفا بجميع هذه الصفات (1) فإذا خرج ذهب الكل (2) ؟\rوأولى الأقاويل: أن يوكل علمه إلى الله عز وجل وهو قول أهل السنة. قال عبد الله بن بريدة: إن الله لم يطلع على الروح ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا.\rوقوله عز وجل: { قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي } قيل من علم ربي.\r{ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا } أي: في جنب علم الله (3) قيل هذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم.\rوقيل: خطاب لليهود لأنهم كانوا يقولون أوتينا التوراة وفيها العلم الكثير.\rوقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم معنى الروح ولكن لم يخبر به أحدا لأن ترك إخباره به كان علما لنبوته.\rوالأول أصح لأن الله عز وجل استأثر بعلمه.\r{ وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلا (86) }\rقوله تعالى: { وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } يعني القرآن. معناه: إنا كما منعنا علم الروح عنك وعن غيرك لو شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك يعني القرآن { ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلا } أي: من يتوكل برد القرآن إليك.\r__________\r(1) في \"أ\": الأوصاف.\r(2) انظر هذه الأقوال في: زاد المسير: 5 / 82، الطبري: 15 / 156-157، ابن كثير: 3 / 62.\r(3) انظر: زاد المسير: 5 / 83.","part":5,"page":126},{"id":1786,"text":"{ إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (87) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) }\r{ إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } هذا استثناء منقطع معناه: ولكن (1) لا نشاء ذلك رحمة من ربك.\r{ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا } فإن قيل: كيف يذهب القرآن وهو كلام الله عز وجل؟\rقيل: المراد منه: محوه من المصاحف وإذهاب ما في الصدور.\rوقال عبد الله بن مسعود: اقرؤوا القرآن قبل أن يرفع فإنه لا تقوم الساعة حتى يرفع. قيل: هذه المصاحف ترفع فكيف بما في صدور الناس؟ قال يسري عليه ليلا فيرفع ما في صدورهم فيصبحون لا يحفظون شيئا ولا يجدون في المصاحف شيئا ثم يفيضون في الشعر (2) .\rوعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من حيث نزل له دوي حول العرش كدوي النحل فيقول الرب ما لك وهو أعلم؟ فيقول: يا رب أتلى ولا يعمل بي (3) . 213/ب قوله جل وعلا { قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ } لا يقدرون على ذلك { وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } عونا ومظاهرا.\rنزلت حين قال الكفار: لو نشاء لقلنا مثل هذا فكذبهم الله تعالى (4)\rفالقرآن معجز في النظم والتأليف والإخبار عن الغيوب وهو كلام في أعلى طبقات البلاغة لا يشبه كلام الخلق لأنه غير مخلوق ولو كان مخلوقا لأتوا بمثله\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\"، وأخرج نحوه أيضا موقوفا الطبراني بسند صحيح. انظر: الدر المنثور: 5 / 334، فتح الباري: 13 / 16. قال ابن الجوزي في \"زاد المسير\": (5 / 84): \"رد أبو سليمان الدمشقي صحة هذا الحديث بقوله عليه الصلاة والسلام: \"إن الله لا يقبض العلم انتزاعا...\" (متفق عليه). ثم قال: وحديث ابن مسعود مروي من طرق حسان، فيحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أراد بالعلم ما سوى القرآن فإن العلم ما يزال ينقرض حتى يكون رفع القرآن أخر الأمر\".\r(3) عزاه في كنز العمال: (4 / 2033) للديلمي في مسند الفردوس. وأشار السيوطي إلى أن العزو إليه مؤذن بالضعف.\r(4) انظر: البحر المحيط: 5 / 78.","part":5,"page":127},{"id":1787,"text":"{ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا (89) وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا (90) }\rقوله عز وجل: { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ } من كل وجه من العبر والأحكام والوعد والوعيد وغيرها { فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا } جحودا (1) . قوله عز وجل: { وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ } لن نصدقك { حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا } قرأ أهل الكوفة ويعقوب \" تفجر \" بفتح التاء وضم الجيم مخففا لأن الينبوع واحد وقرأ الباقون بالتشديد من التفجير واتفقوا على تشديد قوله: { فَتُفَجِّرَ الأنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا } لأن الأنهار جمع والتشديد يدل على التكثير ولقوله \"تفجيرا\" من بعد.\rوروى عكرمة عن ابن عباس: أن عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا سفيان بن حرب والنضر بن الحارث وأبا البختري بن هشام والأسود بن عبد المطلب وزمعة بن الأسود والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية وأمية بن خلف والعاص بن وائل ونبيها ومنبها ابني الحجاج اجتمعوا ومن اجتمع معهم بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا وهو يظن أنه بدا لهم في أمره بدء وكان عليهم حريصا يحب رشدهم حتى جلس إليهم فقالوا: يا محمد إنا بعثنا إليك لنعذر فيك وإنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك لقد شتمت الآباء وعبت الدين وسفهت الأحلام وشتمت الآلهة وفرقت الجماعة فما بقي أمر قبيح إلا وقد جئته فيما بينك وبيننا فإن كنت جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جعلنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت تطلب الشرف سودناك علينا وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا وإن كان هذا الأمر الذي بك رئي تراه حتى قد غلب عليك لا تستطيع رده بذلنا لك أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك وكانوا يسمون التابع من الجن: الرئي.\rفقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بي ما تقولون ما جئتكم بما جئتكم به لطلب أموالكم ولا الشرف عليكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولا وأنزل علي كتابا وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".","part":5,"page":128},{"id":1788,"text":"فقالوا: يا محمد إن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك فقد علمت أنه ليس أحد أضيق منا بلادا ولا أشد منا عيشا فسل لنا ربك الذي بعثك فليسير عنا هذه الجبال فقد ضيقت علينا ويبسط لنا بلادنا ويفجر فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق وليبعث لنا من مضى من آبائنا وليكن منهم قصي بن كلاب فإنه كان شيخا صدوقا فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل؟ فإن صدقوك صدقناك.\rفقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بهذا بعثت فقد بلغتكم ما أرسلت به فإن تقبلوه مني فهوحظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه أصبر لأمر الله.\rقالوا: فإن لم تفعل هذا فسل ربك أن يبعث لنا ملكا يصدقك، واسأله أن يجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه.\rفقال: ما بعثت بهذا ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا.\rقالوا: فأسقط السماء كما زعمت إن ربك لو شاء فعل.\rفقال: ذلك إلى الله إن شاء فعل ذلك بكم فعله.\rوقال قائل منهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا.\rفلما قالوا ذلك قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام معه عبد الله بن أبي أمية وهو ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب فقال: يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا عليك فلم تقبله منهم ثم سألوك لأنفسهم أمورا يعرفون بها منزلتك من الله تعالى فلم تفعل ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل فوالله لا أؤمن لك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما ترقى فيها وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي بنسخة منشورة معك ونفر من الملائكة يشهدون لك بما تقول وايم الله لو فعلت ذلك لظننت أن لا أصدقك فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزينا لما رأى من مباعدتهم فأنزل الله تعالى { وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ } (1) يعني: أرض مكة { يَنْبُوعًا } أي: عيونا.\r{ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا (91) }\r{ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ } بستان { مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا } تشقيقا.\r__________\r(1) انظر: سيرة ابن هشام: 1 / 295-297، تفسير الطبري: 15 / 164-166، أسباب النزول للواحدي ص (338-340)، تفسير ابن كثير: 3 / 63-64.","part":5,"page":129},{"id":1789,"text":"{ أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلا بَشَرًا رَسُولا (93) }\r{ أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا } قرأ نافع وابن عامر وعاصم بفتح السين أي: قطعا وهي جمع \"كسفة\" وهي: القطعة والجانب مثل: كسرة وكسر. وقرأ الآخرون بسكون السين على التوحيد وجمعه أكساف وكسوف أي: تسقطها طبقا [واحدا] (1) وقيل: أراد جانبها علينا وقيل: معناه أيضا القطع وهي جمع التكسير مثل سدرة وسدر في الشعراء وسبأ { كِسَفًا } بالفتح حفص وفي الروم ساكنة أبو جعفر وابن عامر.\r{ أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا } قال ابن عباس: كفيلا أي: يكفلون بما تقول وقال الضحاك: ضامنا وقال مجاهد: هو جمع القبيلة أي: بأصناف الملائكة قبيلة قبيلة [وقال قتادة: عيانا أي: تراهم القابلة] (2) أي معاينة [وقال الفراء: هو من قول العرب لقيت فلانا قبيلا وقبيلا أي: معاينة] (3) . { أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ } أي: من ذهب وأصله الزينة { أَوْ تَرْقَى } تصعد { فِي السَّمَاءِ } هذا قول عبد الله بن أبي أمية { وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ } لصعودك { حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ } أمرنا فيه باتباعك { قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي } وقرأ ابن كثير وابن عامر \" قال \" يعني محمدا وقرأ الآخرون على الأمر أي: قل يا محمد { هَلْ كُنْتُ إِلا بَشَرًا رَسُولا } أمره بتنزيهه وتمجيده على معنى أنه لو أراد أن ينزل ما طلبوا لفعل ولكن الله لا ينزل الآيات على ما يقترحه البشر وما أنا إلا بشر وليس ما سألتم في طوق البشر.\rواعلم أن الله تعالى قد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم من الآيات والمعجزات ما يغني عن هذا كله مثل: القرآن وانشقاق القمر وتفجير العيون من بين الأصابع وما أشبهها والقوم عامتهم كانوا متعنتين لم يكن قصدهم طلب (4) الدليل ليؤمنوا فرد الله عليهم سؤالهم.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(4) ساقط من \"أ\".","part":5,"page":130},{"id":1790,"text":"{ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا (94) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولا (95) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (96) }","part":5,"page":131},{"id":1791,"text":"{ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (97) }\rقوله عز وجل: { وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلا أَنْ قَالُوا } جهلا منهم { أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا } أراد: أن الكفار كانوا يقولون لن نؤمن لك لأنك بشر وهلا بعث الله إلينا ملكا؟ فأجابهم الله تعالى: { قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ } { قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ } مستوطنين مقيمين { لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولا } من جنسهم لأن القلب إلى الجنس أميل منه إلى غير الجنس. { قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } أني رسول الله إليكم (1) { إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا } 214/أ قوله عز وجل: { وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ } يهدونهم { وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ }\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا الحسن بن شجاع الصوفي المعروف بابن الموصلي أنبأنا أبو بكر بن الهيثم حدثنا جعفر بن محمد الصائغ حدثنا حسين بن محمد حدثنا سفيان عن قتادة عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"إن الذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه\" (2) .\rوجاء في الحديث: \"إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك\" (3) . { عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا }\r__________\r(1) ف \"ب\": أني رسوله إليكم.\r(2) أخرجه البخاري في تفسير سورة الفرقان باب \"الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم\": 8 / 492، ومسلم في المنافقين، باب يحشر الكافر على وجهه برقم (2806): 4 / 2161.\r(3) أخرجه الترمذي في تفسير سورة الإسراء: 8 / 579، وقال: \"هذا حديث حسن\" وأحمد في المسند: 2 / 354،363، والطبري في التفسير، والبيهقي، وابن مردويه. انظر: الدر المنثور: 5 / 341.","part":5,"page":131},{"id":1792,"text":"فإن قيل: كيف وصفهم بأنهم عمي وبكم وصم وقد قال: \"ورأى المجرمون النار\" (الكهف-53) وقال: \"دعوا هنالك ثبورا\" (الفرقان-13) وقال: \"سمعوا لها تغيظا وزفيرا\" (الفرقان-12) أثبت الرؤية والكلام والسمع؟\rقيل: يحشرون على ما وصفهم الله ثم تعاد إليهم هذه الأشياء.\rوجواب آخر قال ابن عباس: عميا لا يرون ما يسرهم بكما لا ينطقون بحجة صما لا يسمعون شيئا يسرهم.\rوقال الحسن: هذا حين يساقون إلى الموقف إلى أن يدخلوا النار.\rوقال مقاتل: هذا حين يقال لهم: \"اخسئوا فيها ولا تكلمون\" (المؤمنون-108) فيصيرون بأجمعهم عميا وبكما وصما لا يرون ولا ينطقون ولا يسمعون { مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ } قال ابن عباس: كلما سكنت أي سكن لهيبها وقال مجاهد: طفئت وقال قتادة: ضعفت وقيل: هو الهدوّ من غير أن يوجد نقصان في ألم الكفار لأن الله تعالى قال: \"لا يفتر عنهم\" (الزخرف-75) وقيل \"كلما خبت\" أي: أرادت أن تخبو { زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا } أي: وقودا.\rوقيل: المراد من قوله: { كُلَّمَا خَبَتْ } أي: نضجت جلودهم واحترقت أعيدوا فيها إلى ما كانوا عليه وزيد في تسعير النار لتحرقهم.\r{ ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (98) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلا لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلا كُفُورًا (99) }\r{ ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا } فأجابهم الله تعالى فقال: { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ } { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ } في عظمتها وشدتها { قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ } في صغرهم وضعفهم نظيره قوله تعالى: \"لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس\" (غافر-57) .\r{ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلا } أي: وقتا لعذابهم { لا رَيْبَ فِيهِ } أنه يأتيهم قيل: هو الموت وقيل: هو يوم القيامة { فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلا كُفُورًا } أي: جحودا وعنادا.","part":5,"page":132},{"id":1793,"text":"{ قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفَاقِ وَكَانَ الإنْسَانُ قَتُورًا (100) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (101) }\r{ قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي } أي: نعمة ربي وقيل: رزق ربي { إِذًا لأمْسَكْتُمْ } لبخلتم وحبستم { خَشْيَةَ الإنْفَاقِ } أي: خشية الفاقة قاله قتادة.\rوقيل: خشية النفاد يقال: أنفق الرجل أي أملق وذهب ماله ونفق الشيء أي: ذهب.\rوقيل: لأمسكتم عن الإنفاق خشية الفقر.\r{ وَكَانَ الإنْسَانُ قَتُورًا } أي: بخيلا ممسكا عن الإنفاق. قوله عز وجل: { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ } أي: دلالات واضحات فهي الآيات التسع.\rقال ابن عباس والضحاك: هي العصا واليد البيضاء والعقدة التي كانت بلسانه فحلها وفلق البحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم.\rوقال عكرمة وقتادة ومجاهد وعطاء: هي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا واليد والسنون ونقص الثمرات.\rوذكر محمد بن كعب القرظي: الطمس والبحر بدل السنين ونقص من الثمرات قال: فكان الرجل منهم مع أهله في فراشه وقد صار حجرين والمرأة منهم قائمة تخبز وقد صارت حجرا.\rوقال بعضهم: هن آيات الكتاب (1) .\rأخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أخبرني الحسن بن محمد الثقفي أخبرنا هارون بن محمد بن هارون العطار أنبأنا يوسف بن عبد الله بن ماهان حدثنا الوليد الطيالسي حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن مسلمة عن صفوان بن عسال المرادي أن يهوديا قال لصاحبه: تعال حتى نسأل هذا النبي فقال الآخر: لا تقل نبي فإنه لو سمع صارت أربعة أعين فأتياه فسألاه عن هذه الآية: { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ } فقال لا تشركوا بالله شيئا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تزنوا ولا تأكلوا الربا ولا تسحروا ولا تمشوا بالبرىء إلى سلطان ليقتله ولا تسرفوا ولا تقذفوا\r__________\r(1) انظر: تفسير الطبري: 15 / 171-173، زاد المسير: 5 / 92-93 الدر المنثور: 5 / 343-344، تفسير ابن كثير: 3 / 67-68.","part":5,"page":133},{"id":1794,"text":"المحصنة ولا تفروا من الزحف وعليكم خاصة اليهود أن لا تعدوا في السبت فقبلا يده وقالا نشهد أنك نبي قال: فما يمنعكم أن تتبعوني؟ قالا إن داود دعا ربه أن لا يزال في ذريته نبي وإنا نخاف إن تبعناك أن يقتلنا اليهود (1) .\r{ فَاسْأَلْ } يا محمد { بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ } موسى يجوز أن يكون الخطاب معه والمراد غيره ويجوز أن يكون خاطبه عليه السلام وأمره بالسؤال ليتبين كذبهم مع قومهم. { فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا } أي: مطبوبا سحروك قاله الكلبي.\rوقال ابن عباس: مخدوعا.\rوقيل مصروفا عن الحق.\rوقال الفراء وأبو عبيدة: ساحرا فوضع المفعول موضع الفاعل.\rوقال محمد بن جرير: معطى علم السحر فهذه العجائب التي تفعلها من سحرك (2) .\r{ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (102) }\r{ قَالَ } موسى { لَقَدْ عَلِمْتَ } قرأ العامة بفتح التاء خطابا لفرعون وقرأ الكسائي بضم التاء ويروى ذلك عن علي وقال: لم يعلم الخبيث أن موسى على الحق ولو علم لآمن ولكن موسى هو الذي علم (3) قال ابن عباس: علمه فرعون ولكنه عاند قال الله تعالى: \"وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا\" (النمل-14) .\rوهذه القراءة وهي نصب التاء أصح في المعنى وعليه أكثر القراء لأن موسى لا يحتج عليه بعلم نفسه ولا يثبت عن علي رفع التاء لأنه روي عن رجل من مراد عن علي وذلك أن الرجل مجهول ولم يتمسك بها أحد من القراء غير الكسائي (4) .\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في التفسير سورة الإسراء: 8 / 580، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\" والنسائي في تحريم الدم باب السحر: 7 / 111-112 والإمام أحمد في المسند: 4 / 239-240، والطبري في التفسير: 15 / 172، وأخرجه ابن ماجه مختصرا عن صفوان بن عسال أن قوما من اليهود قبلوا يد النبي صلى الله عليه وسلم ورجليه. قال الحافظ ابن كثير: (3 / 68): \"وهو حديث مشكل وعبد الله بن سلمة في حفظه شيء وقد تكلموا فيه ولعله اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر الكلمات فإنها وصايا في التوراة لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون والله أعلم\".\r(2) تفسير الطبري: 15 / 174.\r(3) قال الطبري: غير أن القراءة التي عليها قراء الأمصار خلافها وغير جائز عندنا خلاف الحجة فيما جاءت به من القراءة مجمعة عليه\". التفسير: 15 / 174.\r(4) وكذلك قال ابن الجوزي في \"زاد المسير\": (5 / 94): \"والقراءة الأولى -بفتح التاء- أصح لاختيار الجمهور ولأنه قد أبان موسى من المعجزات ما أوجب علم فرعون بصدقه فلم يرد إلا بالتعلل والمدافعة فكأنه قال: لقد علمت بالدليل والحجة \"ما أنزل هؤلاء\" يعني الآيات\".","part":5,"page":134},{"id":1795,"text":"{ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ } هذه الآيات التسع { إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ بَصَائِرَ } جمع بصيرة أي يبصر بها.\r{ وَإِنِّي لأظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا } قال ابن عباس: ملعونا. وقال مجاهد: هالكا وقال قتادة: مهلكا. وقال الفراء: أي مصروفا ممنوعا عن الخير. يقال: ما ثبرك عن هذا الأمر أي ما منعك وصرفك عنه (1) .\r{ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الأرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (103) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104) }\r__________\r(1) انظر: زاد المسير: 5 / 94-95.","part":5,"page":135},{"id":1796,"text":"{ وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلا (106) }\r{ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ } أي: أراد فرعون أن يستفز موسى وبني إسرائيل أي: يخرجهم { مِنَ الأرْضِ } يعني: أرض مصر { فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا } ونجينا موسى وقومه. { وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ } أي من بعد هلاك فرعون { لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ } يعني أرض مصر والشام { فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ } يعني يوم القيامة { جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا } أي: جميعا إلى موقف القيامة واللفيف: الجمع الكثير إذا كانوا مختلطين من كل نوع. يقال: لفت الجيوش إذا اختلطوا وجمع القيامة كذلك فيهم المؤمن والكافر والبر والفاجر.\rوقال الكلبي: \"فإذا جاء وعد الآخرة\": يعني مجيء عيسى من السماء \"جئنا بكم لفيفا\" أي: النزاع (1) من كل قوم من هاهنا ومن هاهنا لفوا جميعا. قوله عز وجل: { وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ } يعني القرآن { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا مُبَشِّرًا } للمطيعين { وَنَذِيرًا } للعاصين. { وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ } قيل: معناه: أنزلناه نجوما لم ينزل مرة واحدة بدليل قراءة ابن عباس: { وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ } بالتشديد وقراءة العامة بالتخفيف أي: فصلناه وقيل: بيناه وقال الحسن: معناه فرقنا به بين الحق والباطل { لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ } أي: على تؤدة وترتيل (2) وترسل في\r__________\r(1) في \"أ\": اليراع.\r(2) ساقط من \"ب\".","part":5,"page":135},{"id":1797,"text":"ثلاث وعشرين سنة { وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلا }\r{ قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا (108) وَيَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109) }\r{ قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا } هذا على طريق الوعيد والتهديد { إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ } قيل: هم مؤمنوا أهل الكتاب وهم الذين كانوا يطلبون الدين قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أسلموا بعد مبعثه مثل زيد بن عمر بن نفيل 214/ب وسلمان الفارسي وأبي ذر وغيرهم (1) .\r{ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ } يعني: القرآن (2) { يَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ } أي: يسقطون على الأذقان قال ابن عباس: أراد بها الوجوه { سُجَّدًا } { وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا } أي: كائنا واقعا . { وَيَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ يَبْكُونَ } أي: يقعون على الوجوه يبكون، البكاء مستحب عند قراءة القرآن (3) { وَيَزِيدُهُمْ } نزول القرآن { خُشُوعًا } خضوعا لربهم. نظيره قوله تعالى: \"إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا\" (مريم-58) .\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو عمرو بن بكر بن محمد المزني حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله الجنيد حدثنا الحسن بن الفضل البجلي أخبرنا عاصم عن علي بن عاصم حدثنا المسعودي هو عبد الرحمن بن عبد الله عن محمد بن عبد الرحمن مولى أبي طلحة (4) عن عيسى بن طلحة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا يلج النار من بكى من خشية الله حتى يعود\r__________\r(1) انظر: الطبري: 15 / 181، زاد المسير: 5 / 97.\r(2) وذلك لأن سياق الكلام عن القرآن الكريم ولم يجر لغيره من الكتب ذكر فيصرف الكلام إليه وهذا يرد قول من قال المراد به: ما أنزل إلى أهل الكتاب من عبد الله. راجع: الطبري: 15 / 181، زاد المسير: 5 / 97.\r(3) وقد وردت فيه أحاديث وآثار عن السلف كثيرة فمن ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم \"اقرءوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا\" (رواه ابن ماجه برقم (4196) في الزهد وإسناده ضعيف). وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه صلى بالجماعة الصبح فقرأ سورة يوسف فبكى حتى سالت دموعه على ترقوته وفي رواية: أنه كان في صلاة العشاء فيدل على تكريره منه. وعن أبي رجاء قال: رأيت ابن عباس وتحت عينيه مثل الشراك البالي (وهو السير الرقيق الذي يكون في التعل على ظهر القدم) من الدموع. انظر: التبيان في آداب حملة القرآن للنووي ص (68-69) وراجع القرطبي: 10 / 342.\r(4) في \"ب\": مولى طلحة. وفي شرح السنة: مولى آل طلحة.","part":5,"page":136},{"id":1798,"text":"اللبن في الضرع ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري مسلم أبدا\" (1) .\rأخبرنا أبو القاسم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري أخبرنا أبو القاسم عبد الخالق بن علي بن عبد الخالق المؤذن أخبرنا أحمد بن بكر بن محمد بن حمدان حدثنا محمد بن يونس الكديمي أنبأنا عبد الله بن محمد الباهلي حدثنا أبو حبيب الغنوي حدثنا بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"حرمت النار على ثلاث أعين: عين بكت من خشية الله وعين سهرت في سبيل الله وعين غضت عن محارم الله\" (2) .\r{ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا (110) }\rقوله عز وجل { قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ } قال ابن عباس: سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ذات ليلة فجعل يبكي ويقول في سجوده: يا الله يا رحمن فقال أبو جهل: إن محمدا ينهانا عن آلهتنا وهو يدعو إلهين! فأنزل الله تعالى هذه الآية (3) . ومعناه: أنهما اسمان لواحد.\r{ أَيًّا مَا تَدْعُوا } \"ما\" صلة معناه: أيا ما تدعوا من هذين الاسمين ومن جميع أسمائه { فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى }\r{ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا } أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشيم حدثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: { وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا } قال: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختف بمكة كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ } أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن ولا تخافت بها عن أصحابك فلا تسمعهم:\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في فضائل الجهاد باب ما جاء في فضل الغبار في سبيل الله: 5 / 260-261، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\" وأخرجه النسائي في الجهاد باب فضل من عمل في سبيل الله: 6 / 12، وصححه الحاكم: 4 / 260، وابن حبان برقم (1598) ص (385) من موارد الظمآن. والإمام أحمد في المسند: 2 / 505، والمصنف في شرح السنة: 14 / 364.\r(2) أخرجه المصنف في شرح السنة: 14 / 365، وفيه الكديمي،، وهو ضعيف، وفي الباب عن أبي ريحانة أخرجه الحاكم: 2 / 83، وقال الهيثمي في المجمع: (5 / 287): رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط ورجال أحمد ثقات، وروى النسائي طرفا منه ورواه أبو نعيم في الحلية: 5 / 206، وابن أبي شيبة في المصنف: 5 / 350.\r(3) أخرجه الطبري في التفسير: 15 / 182، وانظر: أسباب النزول للواحدي ص (341) الدر المنثور: 5 / 348، القرطبي: 10 / 342.","part":5,"page":137},{"id":1799,"text":"{ وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا } (1) .\rوبهذا الإسناد عن محمد بن إسماعيل قال: حدثنا مسدد عن هشيم عن أبي بشر بإسناده مثله وزاد { وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا } أسمعهم ولا تجهر حتى يأخذوا عنك القرآن (2) .\rوقال قوم: الآية في الدعاء وهو قول عائشة رضي الله عنها والنخعي ومجاهد ومكحول: أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا طلق بن غنام حدثنا زائدة عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها في قوله: \"ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها\" قالت: أنزل ذلك في الدعاء (3) .\rوقال عبد الله بن شداد: كان أعراب من بني تميم إذا سلم النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: \"اللهم ارزقنا مالا وولدا فيجهرون بذلك فأنزل الله هذه الآية: { وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ } (4) أي: لا ترفع صوتك بقراءتك أو بدعائك ولا تخافت بها (5) .\rوالمخافتة: خفض الصوت والسكوت \"وابتغ بين ذلك سبيلا\" أي: بين الجهر والإخفاء.\rأخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الخزاعي أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي حدثنا أبو عيسى الترمذي حدثنا محمود بن غيلان حدثنا يحيى بن إسحاق حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الله بن أبي رباح الأنصاري عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: \"مررت بك وأنت تقرأ وأنت تخفض من صوتك فقال: إني أسمعت من ناجيت فقال: ارفع قليلا وقال لعمر: مررت بك وأنت تقرأ وأنت ترفع صوتك فقال إني (6) أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان فقال اخفض قليلا\" (7) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في تفسير سورة الإسراء باب \"ولا تجهر بصلاتك ول تخافت بها\": 8 / 404-405، ومسلم في الصلاة الجهرية... برقم (446): 1 / 329.\r(2) أخرجه البخاري في التوحيد باب قول الله تعالى: \"أنزله بعلمه والملائكة يشهدون\": 13 / 463.\r(3) أخرجه البخاري في التفسير باب قول الله تعالى: \"أنزله بعلمه والملائكة يشهدون\": 8 / 405.\r(4) أخرجه الطبري في التفسير: 15 / 184، وزاد السيوطي نسبته لابن أبي شيبة وابن المنذر انظر: الدر المنثور: 5 / 351.\r(5) ورجح الطبري القول الأول الذي قاله ابن عباس لأن ذلك أصح الأسانيد التي روي عن صحابي فيه قول مخرجا وأشبه الأقوال بما دل عليه ظاهر التنزيل وذلك أن قوله: \"ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها\" عقيب قوله: \"قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن..\" وعقيب تقريع الكفار بكفرهم بالقرآن وذلك بعدهم منه ومن الإيمان=فإذا كان ذلك كذلك فالذي هو أولى وأشبه بقوله: \"ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها\": أن يكون من سبب ما هو في سياقه من الكلام ما لم يأت بمعنى يوجب صرفه عنه أو يكون على انصرافه عنه دليل يعلم به الانصراف عما هو في سياقه. تفسير الطبري: 15 / 188.\r(6) ساقط من \"ب\".\r(7) أخرجه أبو داود في التطوع باب رفع الصوت بالقراءة في صلاة الليل: 2 / 96، والترمذي في المواقيت باب ما جاء في القراءة في الليل: 2 / 526، وقال: حديث غريب. وإنما أسنده يحيى بن إسحاق عن حماد بن سلمة وأكثر الناس إنما رووا هذا الحديث عن ثابت عن عبد اله بن رباح مرسلا: قال المنذري: \"ويحيى بن إسحاق هذا هو البجلي السيلحيني وقد احتج به مسلم في صحيحه\" وصحح الألباني إسناده في تعليقه على المشكاة: 1 / 380، لأن الذي أسنده ثقة.","part":5,"page":138},{"id":1800,"text":"{ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111) }\r{ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا } أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يحمده على وحدانيته ومعنى الحمد لله هو: الثناء عليه بما هو أهله.\rقال الحسين بن الفضل: يعني: الحمد لله الذي عرفني أنه لم يتخذ ولدا.\r{ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ } قال مجاهد: لم يذل فيحتاج إلى ولي يتعزز به.\r{ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا } أي: وعظمه عن أن يكون له شريك أو ولي.\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا الإمام أبو الطيب سهل [بن محمد بن سليمان حدثنا أبو العباس الأصم حدثنا محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني حدثنا نضر بن حماد أبو الحارث الوراق حدثنا شعبة] (1) عن حبيب بن أبي ثابت قال: سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله في السراء والضراء\" (2) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو الحسن بن بشران أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي أنبأنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن قتادة أن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"الحمد لله رأس الشكر ما شكر الله عبد لا يحمده\" (3) .\rأخبرنا أبو الفضل بن زياد بن محمد الحنفي أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد الأنصاري\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: 12 / 19، وفي المعجم الصغير 1 / 103، وصححه الحاكم: 1 / 502 وأخرجه أبو نعيم في الحلية: 5 / 69، وعزاه في المشكاة للبيهقي في الشعب 2 / 714، وفيه نصر بن حماد وهو ضعيف. قال الهيثمي في المجمع (10 / 95): رواه الطبراني في الثلاثة بأسانيد، وفي أحدها قيس بن الربيع ثقة وشعبة والثوري وغيرهما وضعفه يحيى القطان وغيره وبقية رجاله رجال الصحيح ورواه البزار بنحوه وإسناده حسن\". وأخرجه المصنف في شرح السنة: 5 / 49، وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة: 2 / 93-94.\r(3) أخرجه عبد الرزاق في المصنف: 10 / 424، والبيهقي في الجامع لشعب الإيمان كما في المشكاة: 2 / 714، والمصنف في شرح السنة: 5 / 50. ورواه الخطابي في غريب الحديث والديلمي في الفردوس بسند رجاله ثقات وهو منقطع بين قتادة وابن عمرو. انظر: فيض القدير للمناوي: 3 / 418.","part":5,"page":139},{"id":1801,"text":"أخبرنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد حدثنا يحيى بن خالد بن أيوب المخزومي حدثنا موسى بن إبراهيم بن كثير بن بشر الخزامي الأنصاري عن طلحة بن خراش عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إن أفضل الدعاء الحمد لله وأفضل الذكر لا إله إلا الله\" (1) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي حدثنا علي بن الجعد حدثنا زهير حدثنا منصور عن هلال بن بشار عن الربيع بن عميلة عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أحب الكلام إلى الله تعالى أربع: لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله لا يضرك بأيهن بدأت\" (2) .\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الدعوات باب ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة: 9 / 325، وقال: \"هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث موسى بن إبراهيم والنسائي في عمل اليوم والليلة ص (840-841) وابن ماجه في الأدب باب فضل الحامدين برقم (3800) 2 / 1249 وصححه ابن حبان ص (578) من موارد الظمآن والحاكم في المستدرك: 1 / 503 ووافقه الذهبي وأخرجه المصنف في شرح السنة: 5 / 449، وذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: 3 / 484.\r(2) أخرجه مسلم في الآداب باب كراهية التسمية بالأسماء القبيحة برقم (2137): 3 / 1685. والمصنف في شرح السنة: 5 / 9.","part":5,"page":140},{"id":1802,"text":"سورة الكهف مائة وعشر آيات 215/أ وهي مكية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) }\r{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ } أثنى الله (1) على نفسه بإنعامه على خلقه وخص رسوله صلى الله عليه وسلم بالذكر لأن إنزال القرآن عليه كان نعمة عليه على الخصوص وعلى سائر الناس على العموم { وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا } { قَيِّمًا } فيه تقديم وتأخير معناه: أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا \"قيما\" أي: مستقيما. قال ابن عباس: عدلا. وقال الفراء: قيما على الكتب كلها أي: مصدقا لها ناسخا لشرائعها.\rوقال قتادة: ليس على التقديم والتأخير بل معناه: أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا ولكن جعله قيما ولم يكن مختلف على ما قال الله تعالى: \"ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا\" (النساء-82) .\rوقيل: معناه لم يجعله مخلوقا وروي عن ابن عباس في قوله: \"قرآنا عربيا غير ذي عوج\" (الزمر-28) أي: غير مخلوق.\r{ لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا } أي: لينذر ببأس شديد { مِنْ لَدُنْهُ } أي: من عنده { وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا } أي: الجنة.\r__________\r(1) لفظ الجلالة ساقط من \"ب\".","part":5,"page":141},{"id":1803,"text":"{ مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) }","part":5,"page":144},{"id":1804,"text":"{ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا (5) فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8) أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (9) }\r{ مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا } أي: مقيمين فيه. { وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا } . { مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ } أي: قالوه عن جهل لا عن علم { كَبُرَتْ } أي: عظمت { كَلِمَةً } نصب على التمييز يقال تقديره: كبرت الكلمة كلمة وقيل: من كلمة فحذف \"من\" فانتصب { تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } أي: تظهر من أفواههم { إِنْ يَقُولُونَ } ما يقولون { إِلا كَذِبًا } { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ } من بعدهم { إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ } أي: القرآن { أَسَفًا } أي حزنا وقيل غضبا. { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَهَا } فإن قيل: أي: زينة في الحيات والعقارب والشياطين؟\rقيل: فيها زينة على معنى أنها تدل على وحدانية الله تعالى.\rوقال مجاهد: أراد به الرجال خاصة وهم زينة الأرض. وقيل: أراد بهم العلماء والصلحاء وقيل: الزينة بالنبات والأشجار والأنهار كما قال: \"حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت\" (يونس-24) .\r{ لِنَبْلُوَهُمْ } لنختبرهم { أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا } أي: أصلح عملا. وقيل: أيهم أترك للدنيا. { وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا } فالصعيد وجه الأرض. وقيل: هو التراب \"جرزا\" يابسا أملس لا ينبت شيئا. يقال: جرزت الأرض إذا أكل نباتها. قوله تعالى: { أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا } يعني: أظننت يا محمد أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا أي: هم عجب من آياتنا.\rوقيل: معناه إنهم ليسوا بأعجب من آياتنا فإن ما خلقت من السموات والأرض وما فيهن من العجائب أعجب منهم.","part":5,"page":144},{"id":1805,"text":"و\"الكهف\": هو الغار في الجبل واختلفوا في \"الرقيم\": قال سعيد بن جبير: هو لوح كتب فيه أسماء أصحاب الكهف وقصصهم (1) -وهذا أظهر الأقاويل-ثم وضعوه على باب الكهف وكان اللوح من رصاص وقيل: من حجارة فعلى هذا يكون الرقيم بمعنى المرقوم أي: المكتوب والرقم: الكتابة.\rوحكى عن ابن عباس أنه اسم للوادي الذي فيه أصحاب الكهف وعلى هذا هو من رقمة الوادي وهو جانبه.\rوقال كعب الأحبار: هو اسم للقرية التي خرج منها أصحاب الكهف.\rوقيل: اسم للجبل الذي فيه الكهف .\r{ إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) }\rثم ذكر الله قصة أصحاب الكهف فقال: { إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ } أي صاروا إليه واختلفوا في سبب مصيرهم إلى الكهف (2)\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) ذكر هذه الروايات التي ساقها المصنف: الطبري في التفسير: 15/200-205، والسيوطي في الدر المنثور: 5 / 363-370، 373، والقرطبي: 10 / 358-360، والخازن: 4 / 160-165. وهذه الروايات بهذا التفصيل فيما يتعلق بخروج الفتية وأسمائهم واسم كلبهم.. إلخ بجملتها متلقاة عن أهل الكتاب الذين أسلموا وحملهم عنهم بعض الصحابة والتابعين وحكوه عنهم لغرابته والعجب منه ونضع هنا كلمات لبعض العلماء المحققين والمفسرين حيال هذه الروايات تغنينا عن التعليق على التفسير في مواضع كثيرة: قال الحافظ ابن كثير في التفسير: (3 / 76-79): \"... ولم يخبرنا الله تعالى بمكان هذا الكهف ولا في أي البلاد من الأرض إذ لا فائدة لنا فيه ولا قصد شرعي وقد تكلف بعض المفسرين فذكروا فيه أقوالا.. والله أعلم بأي بلاد الله هو ولو كان فيه مصلحة دينية لأرشدنا الله تعالى ورسوله إليه.. فأعلمنا تعالى بصفته ولم يعلمنا بمكانه\". وبعد أن عرض لبعض الأقوال عن كلب أصحاب الكهف ولونه قال: \"واختلفوا في لونه على أقوال لا حاصل لها ولا طائل تحتها ولا دليل عليها ولا حاجة إليها بل هي مما ينهى عنه؛ فإن مستندها رجم بالغيب\". وقال عن أسماء الفتية: \"... وفي تسميتهم بهذه الأسماء واسم كلبهم نظر في صحته والله أعلم فإن غالب ذلك متلقى من أهل الكتاب وقد قال تعالى: \"فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا\" أي: سهلا هينا فإن الأمر في معرفة ذلك لايترتب عليه كبير فائدة\". وقال في البداية والنهاية: (2 / 115): \".. وقد ذكر كثير من القصاص والمفسرين لهذا الكلب نبأ وخبرا طويلا أكثره متلقى من الإسرائيليات وكثير منها كذب ومما لا فائدة فيه كاختلافهم في اسمه ولونه\". وقال الأستاذ سيد قطب في كتابه \"في ظلال القرآن\": (15 / 2260-2261): \"تجيء قصة أصحاب الكهف فتعرض نموذجا للإيمان في النفوس المؤمنة كيف تطمئن به وتؤثره على زينة الأرض ومتاعها وتلجأ به إلى الكهف حين يعز عليها أن تعيش به مع الناس وكيف يرعى الله هذه النفوس المؤمنة ويقيها الفتنة ويشملها بالرحمة. وفي القصة روايات شتى وأقاويل كثيرة فقد وردت في بعض الكتب القديمة وفي الأساطير بصور شتى ونحن نقف فيها عند ما جاء في القرآن فهو المصدر الوحيد المستيقن ونطرح سائر الروايات والأساطير التي اندست في التفاسير بلا سند صحيح وبخاصة أن القرآن الكريم قد نهى عن استفتاء غير القرآن فيها وعن المراء فيها والجدل رجما بالغيب\". وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في \"أضواء البيان\": (4 / 20): \"واعلم أن قصة أصحاب الكهف وأسمائهم وفي أي محل من الأرض كانوا كل ذلك لم يثبت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء زائد على ما في القرآن وللمفسرين في ذلك أخبار كثيرة إسرائيلية أعرضنا عن ذكرها لعدم الثقة بها\". وراجع: الإسرائيليات والموضوعات للشيخ محمد أبو شهبة ص (235-237).","part":5,"page":145},{"id":1806,"text":"فقال محمد بن إسحاق بن يسار: مرج أهل الإنجيل وعظمت فيهم الخطايا وطغت فيهم الملوك حتى عبدوا الأصنام وذبحوا للطواغيت وفيهم بقايا على دين المسيح متمسكين بعبادة الله وتوحيده فكان ممن فعل ذلك من ملوكهم ملك من الروم يقال له \"دقيانوس\" عبد الأصنام وذبح للطواغيت وقتل من خالفه وكان ينزل قرى الروم ولا يترك في فدية نزلها أحدا إلا فتنه حتى يعبد الأصنام ويذبح للطواغيت أو قتله حتى نزل مدينة أصحاب الكهف وهي \"أفسوس\" فلما نزلها كبر على أهل الإيمان فاستخفوا منه وهربوا في كل وجه وكان \"دقيانوس\" حين قدمها أمر أن يتبع أهل الإيمان فيجمعوا له واتخذ شرطا من الكفار من أهلها يتبعون أهل الإيمان في أماكنهم فيخرجونهم إلى \"دقيانوس\" فيخيرهم بين القتل وبين عبادة الأوثان والذبح للطواغيت فمنهم من يرغب في الحياة ومنهم من يأبى أن يعبد غير الله فيقتل فلما رأى ذلك أهل الشدة في الإيمان بالله جعلوا يسلمون أنفسهم للعذاب والقتل فيقتلون ويقطعون ثم يربط ما قطع من أجسامهم على سور المدينة من نواحيها وعلى كل باب من أبوابها حتى عظمت الفتنة فلما رأى ذلك الفتية حزنوا حزنا شديدا فقاموا واشتغلوا بالصلاة والصيام والصدقة والتسبيح والدعاء وكانوا من أشراف الروم وكانوا ثمانية نفر بكوا وتضرعوا إلى الله وجعلوا يقولون: ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا إن عبدنا غيره اكشف عن عبادك المؤمنين هذه الفتنة وارفع عنهم هذا البلاء حتى يعلنوا عبادتك فبينما هم على مثل ذلك وقد دخلوا في مصلى لهم أدركهم الشرط فوجدوهم وهم سجود على وجوههم يبكون ويتضرعون إلى الله فقالوا لهم: ما خلفكم عن أمر الملك؟ انطلقوا إليه ثم خرجوا فرفعوا أمرهم إلى \"دقيانوس\" فقالوا: تجمع الناس للذبح لآلهتك وهؤلاء الفتية من أهل بيتك يستهزؤون بك ويعصون أمرك! فلما سمع بذلك بعث إليهم فأتى بهم تفيض أعينهم من الدمع معفرة وجوههم بالتراب فقال لهم: ما منعكم أن تشهدوا الذبح لآلهتنا التي تعبد في الأرض وتجعلوا أنفسكم أسوة لسادات من أهل مدينتكم؟ اختاروا: إما أن تذبحوا لآلهتنا وإما أن أقتلكم. فقال مكسلمينا وهو أكبرهم: إن لنا إلها ملأ السموات والأرض عظمة لن ندعو من دونه إلها أبدا له الحمد والتكبير والتسبيح من أنفسنا خالصا أبدا إياه نعبد وإياه نسأل النجاة والخير فأما الطواغيت فلن نعبدها أبدا فاصنع بنا ما بدا لك وقال أصحاب مكسلمينا لدقيانوس مثل ما قال","part":5,"page":146},{"id":1807,"text":"مكسلمينا فلما قالوا ذلك أمر فنزع عنهم لبوسا كان عليهم من لبوس عظمائهم ثم قال: سأفرغ لكم فأنجز لكم ما أوعدتكم من العقوبة وما يمنعني أن أعجل ذلك لكم إلا أني أراكم شبانا حديثة أسنانكم فلا أحب أن أهلككم حتى أجعل لكم أجلا تذكرون فيه وتراجعون عقولكم ثم أمر بحلية كانت عليهم من ذهب وفضة فنزعت عنهم ثم أمر بهم فأخرجوا من عنده.\rوانطلق دقيانوس إلى مدينة سوى مدينتهم قريبا منهم لبعض أموره فلما رأى الفتية خروجه بادروا قدومه وخافوا إذا قدم مدينتهم أن يذكرهم [وأن يعذبهم] (1) فائتمروا بينهم أن يأخذ كل رجل منهم نفقة من بيت أبيه فيتصدقوا منها ويتزودوا بما بقي ثم ينطلقوا إلى كهف قريب من المدينة في جبل يقال له بخلوس فيمكثون فيه ويعبدون الله حتى إذا جاء دقيانوس أتوه فقاموا بين يديه فيصنع بهم ما شاء فلما قال ذلك بعضهم لبعض عمد كل فتى منهم إلى بيت أبيه فأخذ نفقة فتصدق منها ثم انطلقوا بما بقي معهم واتبعهم كلب كان لهم حتى أتوا ذلك الكهف فلبثوا فيه.\rقال كعب الأحبار: مروا بكلب فتبعهم فطردوه ففعل ذلك مرارا فقال لهم الكلب: يا قوم ما تريدون مني؟ لا تخشون جانبي أنا أحب أحباب الله فناموا حتى أحرسكم.\rوقال ابن عباس: هربوا ليلا من دقيانوس وكانوا سبعة فمروا براع معه كلب فتبعهم على دينهم وتبعه كلبه فخرجوا من البلد إلى الكهف وهو قريب من البلد.\rقال ابن إسحاق: فلبثوا فيه ليس لهم عمل إلا الصلاة والصيام والتسبيح والتكبير والتحميد ابتغاء وجه الله وجعلوا نفقتهم إلى فتى منهم يقال له: تمليخا فكان يبتاع لهم أرزاقهم من المدينة سرا وكان من أحملهم وأجلدهم وكان إذا دخل المدينة يضع ثيابا كانت عليه حسانا ويأخذ ثيابا كثياب المساكين الذين يستطعمون فيها ثم يأخذ ورقة فينطلق إلى المدينة فيشتري لهم طعاما وشرابا ويتجسس لهم الخبر هل ذكر هو وأصحابه بشيء ثم يرجع إلى أصحابه فلبثوا بذلك ما لبثوا 215/ب ثم قدم دقيانوس المدينة فأمر عظماء أهلها فذبحوا للطواغيت ففزع من ذلك أهل الإيمان وكان تمليخا بالمدينة يشتري لأصحابه طعامهم فرجع إلى أصحابه وهو يبكي ومعه طعام قليل وأخبرهم أن الجبار قد دخل المدينة وأنهم قد ذكروا والتمسوا مع عظماء المدينة ففزعوا ووقعوا سجودا يدعون الله ويتضرعون إليه ويتعوذون من الفتنة ثم إن تمليخا قال لهم: يا إخوتاه ارفعوا رءوسكم واطعموا وتوكلوا على ربكم فرفعوا رءوسهم وأعينهم تفيض من الدمع فطعموا وذلك غروب الشمس ثم جلسوا يتحدثون ويتدارسون ويذكر بعضهم بعضا فبينما هم على ذلك إذ ضرب الله على آذانهم النوم في الكهف وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف فأصابه ما أصابهم وهم مؤمنون موقنون ونفقتهم عند رءوسهم.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":5,"page":147},{"id":1808,"text":"فلما كان من الغد فقدهم دقيانوس فالتمسهم فلم يجدهم فقال لبعضهم: لقد ساءني شأن هؤلاء الفتية الذين ذهبوا لقد كانوا ظنوا أن بي غضبا عليهم لجهلهم ما جهلوا من أمري ما كنت لأحمل عليهم إن هم تابوا وعبدوا آلهتي فقال عظماء المدينة: ما أنت بحقيق أن ترحم قوما فجرة مردة عصاة قد كنت أجلت لهم أجلا ولو شاؤوا لرجعوا في ذلك الأجل ولكنهم لم يتوبوا فلما قالوا ذلك غضب غضبا شديدا ثم أرسل إلى آبائهم فأتى بهم فسألهم عنهم فقال: أخبروني عن أبنائكم المردة الذين عصوني [ووعدهم بالقتل] (1) فقالوا له: أما نحن فلم نعصك فلم تقتلنا بقوم مردة قد ذهبوا بأموالنا فأهلكوها في أسواق المدينة ثم انطلقوا وارتقوا إلى جبل يدعى بخلوس؟ فلما قالوا له ذلك خلى سبيلهم وجعل لا يدري ما يصنع بالفتية فألقى الله في نفسه أن يأمر بالكهف فيسد عليهم وأراد الله أن يكرمهم ويجعلهم آية لأمة تستخلف من بعدهم وأن يبين لهم أن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور فأمر دقيانوس بالكهف أن يسد عليهم وقال: دعوهم كما هم في الكهف يموتون جوعا وعطشا ويكون كهفهم الذي اختاروا قبرا لهم وهو يظن أنهم أيقاظ يعلمون ما يصنع بهم وقد توفى الله أرواحهم وفاة النوم وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف قد غشيهم ما غشيهم يتقلبون ذات اليمين وذات الشمال.\rثم إن رجلين مؤمنين في بيت الملك دقيانوس يكتمان إيمانهما اسم أحدهما \"يندروس\" واسم الآخر \"روناس\" ائتمرا أن يكتبا شأن الفتية وأنسابهم وأسمائهم وخبرهم في لوح (2) من رصاص ويجعلاهما في تابوت من نحاس ويجعلا التابوت في البنيان وقالا لعل الله أن يظهر على هؤلاء الفتية قوما مؤمنين قبل يوم القيامة فيعلم من فتح عنهم حين يقرأ هذا الكتاب [خبرهم] (3) ففعلا وبنيا عليه فبقي \"دقيانوس\" ما بقي ثم مات هو وقومه وقرون بعده كثيرة وخلفت الملوك بعد الملوك.\rوقال عبيد بن عمير كان أصحاب الكهف فتيانا مطوقين مسورين ذوي ذوائب وكان معهم كلب صيدهم فخرجوا في عيد لهم عظيم في زي عظيم (4) وموكب وأخرجوا معهم آلهتهم التي يعبدونها وقد قذف الله في قلوب الفتية الإيمان وكان أحدهم وزير الملك فآمنوا وأخفى كل واحد منهم إيمانه فقالوا في أنفسهم نخرج من بين أظهر هؤلاء القوم لا يصيبنا عقاب بجرمهم فخرج شاب منهم حتى انتهى إلى ظل شجرة فجلس فيه ثم خرج آخر فرآه جالسا وحده فرجا أن يكون على مثل أمره من غير أن يظهر ذلك ثم خرج الآخر فاجتمعوا في مكان فقال بعضهم لبعض: ما جمعكم؟ وكل واحد يكتم صاحبه إيمانه مخافة على نفسه ثم قالوا: ليخرج كل فتى فيخلوا\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) في \"ب\": لوحين.\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) ساقط من \"ب\".","part":5,"page":148},{"id":1809,"text":"بصاحبه (1) ثم يفشي واحد سره إلى صاحبه ففعلوا فإذا هم جميعا على الإيمان وإذا كهف في الجبل قريب منهم فقال بعضهم لبعض: فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته، فدخلوا الكهف ومعهم كلب صيدهم فناموا ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا وفقدهم قومهم فطلبوهم فعمى الله عليهم آثارهم وكهفهم فكتبوا أسماءهم وأنسابهم في لوح: فلان وفلان وفلان أبناء ملوكنا فقدناهم في شهر كذا في سنة كذا في مملكة فلان بن فلان ووضعوا اللوح (2) في خزانة الملك وقالوا: ليكونن لهذا شأن ومات ذلك الملك وجاء قرن بعد قرن.\rوقال وهب بن منبه: جاء حواري عيسى عليه السلام إلى مدينة أصحاب الكهف فأراد أن يدخلها فقيل له: إن على بابها صنما لا يدخلها أحد إلا سجد له فكره أن يدخلها فأتى حماما قريبا من المدينة فكان يؤاجر نفسه من الحمامي ويعمل فيه ورأى صاحب الحمام في حمامه البركة وعلقه فتية من أهل المدينة فجعل يخبرهم خبر السماء والأرض وخبر الآخرة حتى آمنوا وصدقوه وكان شرط على صاحب الحمام أن الليل لي لا يحول بيني وبينه ولا بين الصلاة أحد وكان على ذلك حتى أتى ابن الملك بامرأة فدخل بها الحمام فعيره الحواري وقال: أنت ابن الملك وتدخل مع هذه؟ فاستحيا وذهب فرجع مرة أخرى فقال له مثل ذلك فسبه وانتهره ولم يلتفت إلى ذلك حتى دخلا معا فماتا في الحمام وأتى الملك فقيل له: قتل صاحب الحمام ابنك فالتمس فلم يقدر عليه وهرب (3) فقال: من كان يصحبه؟ فسموا الفتية فالتمسوا فخرجوا من المدينة فمروا بصاحب لهم على مثل إيمانهم فانطلق معهم ومعه كلب حتى آواهم الليل إلى الكهف فدخلوه (4) وقالوا: [نلبث هاهنا إلى الليل] (5) ثم نصبح إن شاء الله تعالى فترون رأيكم فضرب الله على آذانهم فخرج الملك في أصحابه يبتغونهم حتى وجدوهم فدخلوا الكهف فلما أراد رجل منهم دخوله أرعب فلم يطق أحد أن يدخله فقال قائل منهم: أليس لو قدرت عليهم قتلتهم؟ قال: بلى قال: فابن عليهم باب الكهف [واتركهم فيه يموتون جوعا وعطشا ففعل.\rقال وهب: فعبر زمان بعد زمان] (6) بعدما سد عليهم باب الكهف ثم إن راعيا أدركه المطر عند الكهف فقال لو فتحت هذا الكهف وأدخلت غنمي فيه من المطر لكان حسنا فلم يزل يعالجه حتى فتح ورد الله عليهم أرواحهم من الغد حين أصبحوا.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) ساقط من \"أ\".\r(5) في \"ب\": نبيت هنا الليلة.\r(6) ساقط من \"أ\".","part":5,"page":149},{"id":1810,"text":"وقال محمد بن إسحاق: ثم ملك أهل تلك البلاد رجل صالح يقال له: \"بيدروس\" فلما ملك بقي في ملكه ثمانيا وستين سنة فتحزب الناس في ملكه فكانوا أحزابا منهم من يؤمن بالله ويعلم أن الساعة حق ومنهم من يكذب بها فكبر ذلك على الملك الصالح فبكى وتضرع إلى الله وحزن حزنا شديدا لما رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحق ويقولون لا حياة إلا حياة الدنيا وإنما تبعث الأرواح ولا تبعث الأجساد فجعل \"بيدروس\" يرسل أن من يظن فيه خيرا وأنهم أئمة في الخلق فجعلوا يكذبون بالساعة حتى كادوا أن يحولوا الناس عن الحق وملة الحواريين فلما رأى ذلك الملك الصالح دخل بيته وأغلقه عليه ولبس مسحا وجعل تحته رمادا فجلس عليه فدأب ليله ونهاره زمانا يتضرع إلى الله تعالى ويبكي ويقول: أي رب قد ترى اختلاف هؤلاء فابعث إليهم آية تبين لهم [بطلان ما هم عليه] (1) ثم إن الرحمن الرحيم الذي يكره هلكة العباد أراد أن يظهر الفتية أصحاب الكهف ويبين للناس شأنهم ويجعلهم آية وحجة عليهم ليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها ويستجيب لعبده الصالح بيدروس ويتم نعمته عليه وأن يجمع من كان تبدد من المؤمنين فألقى الله في نفس رجل من أهل ذلك البلد الذي فيه الكهف وكان اسم ذلك الرجل \"أوليانوس\" أن يهدم ذلك البنيان الذي على فم الكهف فيبني به حظيرة لغنمه فاستأجر غلامين فجعلا (2) ينزعان تلك الحجارة ويبنيان تلك الحظيرة حتى نزعا ما على فم الكهف وفتحا باب الكهف وحجبهم الله عن الناس بالرعب فلما فتحا باب الكهف أذن الله ذو القدرة والسلطان محيي الموتى للفتية أن يجلسوا بين ظهراني الكهف فجلسوا فرحين مسفرة وجوههم طيبة أنفسهم فسلم بعضهم على بعض فكأنما استيقظوا من ساعتهم التي كانوا يستيقظون فيها إذا أصبحوا من ليلتهم ثم قاموا إلى الصلاة فصلوا كالذي كانوا يفعلون لا يرى في جوههم ولا ألوانهم شيء ينكرونه كهيئتهم حين رقدوا وهم يرون أن دقيانوس في طلبهم فلما قضوا صلاتهم قالوا ليمليخا صاحب نفقاتهم: أنبئنا ما الذي قال الناس في شأننا عشية أمس عند هذا الجبار؟ وهم يظنون أنهم رقدوا كبعض ما كانوا يرقدون وقد تخيل إليهم أنهم قد ناموا أطول مما كانوا ينامون حتى يتساءلوا بينهم فقال بعضهم لبعض كم لبثتم نياما؟ قالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم ثم قالوا: ربكم أعلم بما لبثتم وكل ذلك في أنفسهم يسير فقال لهم يمليخا: التمستم في المدينة فلم توجدوا وهو يريد أن يؤتى بكم اليوم فتذبحون للطواغيت أو يقتلكم فما شاء الله بعد ذلك فعل فقال لهم مكسلمينا: يا إخوتاه اعلموا أنكم ملاقوا الله فلا تكفروا بعد إيمانكم إذا دعاكم عدو الله.\rثم قالوا ليمليخا: انطلق إلى المدينة فتسمع ما يقال عليلنا بها وما الذي يذكر عند دقيانوس وتلطف ولا تشعرن بك أحدا وابتع لنا طعاما\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ساقط من \"أ\".","part":5,"page":150},{"id":1811,"text":"فائتنا به وزدنا على الطعام الذي جئنا به فقد أصبحنا جياعا ففعل يمليخا كما كان يفعل ووضع ثيابه وأخذ الثياب التي يتنكر فيها وأخذ ورقا [من نفقتهم التي كانت معهم والتي ضربت بطابع دقيانوس فكانت كخفاف الربع فانطلق يمليخا خارجا] (1) فلما مر بباب الكهف رأى الحجارة منزوعة 216/أ عن باب الكهف فعجب منها ثم مر ولم يبال بها حتى أتى باب المدينة مستخفيا فصد عن الطريق تخوفا أن يراه أحد من أهلها فيعرفه ولا يشعر أن دقيانوس وأهله قد هلكوا قبل ذلك بثلثمائة سنة فلما أتى يمليخا باب المدينة رفع بصره فرأى فوق ظهر الباب علامة تكون لأهل الإيمان إذا كان الإيمان ظاهرا فيها فلما رآها عجب وجعل ينظر إليها مستخفيا وجعل ينظر يمينا وشمالا ثم ترك ذلك الباب فتحول إلى باب آخر من أبوابها فرأى مثل ذلك فجعل يخيل إليه أن المدينة ليست بالتي كان يعرف ورأى ناسا كثيرا محدثين لم يكن يراهم قبل ذلك فجعل يمشي ويتعجب ويخيل إليه أنه حيران ثم رجع إلى الباب الذي أتى منه فجعل يتعجب بينه وبين نفسه ويقول: يا ليت شعري ما هذا؟ أما عشية أمس كان المسلمون يخفون (2) هذه العلامة ويستخفون بها وأما اليوم فإنها ظاهرة لعلي نائم؟ ثم يرى أنه ليس بنائم فأخذ كساءه فجعله على رأسه ثم دخل المدينة فجعل يمشي بين ظهري سوقها فيسمع ناسا يحلفون باسم عيسى ابن مريم فزاده فرقا ورأى أنه حيران فقام مسندا ظهره إلى جدار من جدر المدينة يقول في نفسه: والله ما أدري ما هذا أما عيشة أمس فليس على ظهر الأرض إنسان يذكر عيسى ابن مريم إلا قتل وأما الغداة فأسمعهم وكل إنسان يذكر اسم عيسى ولا يخاف أحدا ثم قال في نفسه: لعل هذه ليست بالمدينة التي أعرف والله ما أعرف مدينة قرب مدينتنا فقام كالحيران ثم لقي فتى فقال له: ما اسم هذه المدينة يا فتى؟ قال اسمها \"أفسوس\" فقال في نفسه: لعل بي مسا أو أمرا أذهب عقلي والله يحق لي أن أسرع الخروج منها قبل أن أخزى فيها أو يصيبني شر فأهلك ثم إنه أفاق فقال: والله لو عجلت الخروج من المدينة قبل أن يفطن بي لكان أيسر (3) بي.\rفدنا من الذين يبيعون الطعام فأخرج الورق التي كانت معه فأعطاها رجلا منهم فقال: بعني بهذه الورق طعاما فأخذها الرجل فنظر إلى ضرب الورق ونقشها فعجب منه ثم طرحها إلى رجل من أصحابه فنظر إليها ثم جعلوا يتطارحونها بينهم من رجل إلى رجل يتعجبون منها ثم جعلوا يتشاورون بينهم ويقول بعضهم لبعض: إن هذا أصاب كنزا خبيئا في الأرض منذ زمان ودهر طويل فلما رآهم يمليخا يتشاورون من أجله فرق فرقا شديدا وجعل يرتعد ويظن أنهم قد فطنوا به وعرفوه وأنهم إنما يريدون أن يذهبوا به إلى ملكهم دقيانوس وجعل\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) في \"ب\": يخبئون.\r(3) في \"ب\": أكيس.","part":5,"page":151},{"id":1812,"text":"أناس آخرون يأتونه فيتعرفونه [فلا يعرفونه] (1) فقال لهم وهو شديد الفرق منهم: افضلوا علي قد أخذتم ورقي فأمسكوها وأما طعامكم فلا حاجة لي به فقالوا له: من أنت يا فتى وما شأنك؟ والله لقد وجدت كنزا من كنوز الأولين وأنت تريد أن تخفيه عنا (2) فانطلق معنا وأرنا وشاركنا فيه نخف عليك ما وجدت فإنك إن لم تفعل نأت بك إلى السلطان فنسلمك إليه فيقتلك فلما سمع قولهم قال في نفسه (3) قد وقعت في كل شيء كنت أحذر منه فقالوا: يا فتى إنك والله لا تستطيع أن تكتم ما وجدت فجعل يمليخا لا يدري ما يقول لهم وما يرجع إليهم وفرق حتى ما [وجد ما] (4) يخبر إليهم شيئا فلما رأوه لا يتكلم أخذوا كساءه فطرحوه في عنقه ثم جعلوا يقودونه في سكك المدينة [صغيرهم وكبيرهم] (5) حتى سمع به من فيها [فسألوه؟ ما الخبر؟] (6) فقيل: هذا رجل عنده كنز فاجتمع إليه أهل المدينة صغيرهم وكبيرهم فجعلوا ينظرون إليه ويقولون: والله ما هذا الفتى من أهل هذه المدينة وما رأيناه فيها قط وما نعرفه قط فجعل يمليخا لا يدري ما يقول لهم فلما اجتمع عليه أهل المدينة فرق فسكت فلم يتكلم وكان مستيقنا أن أباه وإخوته بالمدينة وأن حسبه ونسبه من أهل المدينة من عظماء أهلها وأنهم سيأتونه إذا سمعوا به فبينا هو قائم كالحيران ينتظر متى يأتيه بعض أهله فيخلصه من أيديهم إذ اختطفوه وانطلقوا به إلى رئيسي المدينة ومدبريها اللذين يدبران أمرها وهما رجلان صالحان اسم أحدهما \"أريوس\" واسم الآخر \"طنطيوس\" (7) فلما انطلق به إليهما ظن يمليخا أنه ينطلق به إلى دقيانوس الجبار فجعل يلتفت يمينا وشمالا وجعل الناس يسخرون منه كما يسخرون من المجنون وجعل يمليخا يبكي ثم رفع رأسه إلى السماء فقال في نفسه (8) اللهم إله السماء وإله الأرض أفرغ اليوم علي صبرا وأولج معي روحا منك تؤيدني به عند هذا الجبار وجعل يبكي ويقول في نفسه: فرق بيني وبين إخوتي يا ليتهم يعلمون ما لقيت ولو أنهم يعلمون فيأتوني فنقوم جميعا بين يدي هذا الجبار فإنا كنا تواثقنا لنكونن معا ولا نكفر بالله ولا نشرك به شيئا، فرق بيني وبينهم فلن يروني ولن أراهم أبدا وكنا تواثقنا أن لا نفترق في حياة ولا موت أبدا يحدث به نفسه يمليخا فيما أخبر أصحابه حين رجع إليهم حتى انتهى إلى الرجلين الصالحين \"أريوس\" و\"طنطيوس\" (9) .\rفلما رأى يمليخا أنه لا يذهب به إلى دقيانوس\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) ساقط من \"أ\".\r(5) ساقط من \"ب\".\r(6) ساقط من \"أ\".\r(7) في \"أ\": أسطيوس.\r(8) ساقط من \"أ\".\r(9) في \"أ\": أسطيوس.","part":5,"page":152},{"id":1813,"text":"أفاق وذهب (1) عنه البكاء فأخذ أريوس [وطنطيوس] (2) الورق فنظرا إليها وعجبا منها ثم قال له أحدهما: أين الكنز الذي وجدت يا فتى؟ فقال يمليخا: ما وجدت كنزا ولكن هذا ورق آبائي ونقش هذه المدينة وضربها ولكن والله ما أدري ما شأني وما أقول لكم فقال أحدهما: فمن أنت؟ فقال يمليخا: أما أنا فكنت أرى أني من أهل هذه المدينة، فقالوا: ومن أبوك ومن يعرفك فيها فأنبأهم باسم أبيه فلم يجدوا أحدا يعرفه ولا أباه فقال له أحدهما: أنت رجل كذاب لا تنبئنا بالحق، فلم يدر يمليخا ما يقول لهم غير أنه نكس رأسه [وأطرق بصره] (3) إلى الأرض فقال بعض من حوله: هذا رجل مجنون، وقال بعضهم: ليس بمجنون ولكنه يحمق نفسه عمدا لكي ينفلت منكم فقال له أحدهما ونظر إليه نظرا شديدا: أتظن أنا نرسلك ونصدقك بأن هذا مال أبيك ونقش هذا الورق وضربها أكثر من ثلثمائة سنة وإنما أنت غلام شاب أتظن أنك تأفكنا وتسخر بنا ونحن شمط كما ترى وحولك سراة أهل المدينة وولاة أمرها وخزائن هذه البلدة بأيدينا وليس عندنا من هذا الضرب درهم ولا دينار وإني لأظنني سآمر بك فتعذب عذابا شديدا ثم أوثقك حتى تعترف بهذا الكنز الذي وجدته.\rفلما قال ذلك قال لهم يمليخا: أنبئوني عن شيء أسألكم عنه فإن فعلتم صدقتكم عما عندي، قالوا: سل لا نكتمك شيئا قال لهم: ما فعل الملك دقيانوس؟ قالوا: لا نعرف اليوم على وجه الأرض ملكًا يسمى دقيانوس ولم يكن إلا ملك هلك منذ زمان ودهر طويل وهلكت بعده قرون كثيرة فقال يمليخا: إني إذا لحيران وما يصدقني أحد من الناس بما أقول لقد كنا فتية [على دين واحد وهو الإسلام] (4) وإن الملك أكرهنا على عبادة الأوثان والذبح للطواغيت فهربنا منه عشية أمس فنمنا فلما انتبهنا خرجت لأشتري لهم طعاما وأتجسس الأخبار فإذا انا كما ترون فانطلقوا معي إلى الكهف الذي في جبل بنجلوس أريكم أصحابي فلما سمع أريوس ما يقول يمليخا قال: يا قوم لعل هذه آية من آيات الله جعلها الله لكم على يدي هذا الفتى فانطلقوا بنا معه يرينا أصحابه.\rفانطلق معه أريوس وأسطيوس وانطلق معهم أهل المدينة كبيرهم وصغيرهم نحو أصحاب الكهف لينظروا إليهم ولما رأى الفتية أصحاب الكهف يمليخا قد احتبس عنهم بطعامهم وشرابهم عن القدر الذي كان يأتي به ظنوا أنه قد أخذ فذهب به إلى ملكهم دقيانوس فبينما هم يظنون ذلك ويتخوفونه إذ سمعوا الأصوات وجلب الخيل مصعدة نحوهم فظنوا أنهم رسل الجبار دقيانوس بعث إليهم ليؤتى بهم فقاموا إلى الصلاة وسلم بعضهم على بعض وأوصى بعضهم بعضا قالوا انطلقوا بنا نأت أخانا يمليخا فإنه الآن بين يدي الجبار ينتظر متى نأتيه فبينما هم يقولون ذلك\r__________\r(1) في \"أ\": وسكن.\r(2) في \"أ\": أسطيوس.\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) ساقط من \"أ\".","part":5,"page":153},{"id":1814,"text":"وهم جلوس بين ظهري الكهف لم يروا إلا أريوس وأصحابه وقوفا على باب الكهف.\rوسبقهم يمليخا فدخل عليهم وهو يبكي فلما رأوه يبكي بكوا معه ثم سألوه عن شأنه فأخبرهم وقص عليهم النبأ كله فعرفوا عند ذلك أنهم كانوا نياما بأمر الله ذلك الزمان كله بأمر الله وإنما أوقظوا ليكونوا آية للناس وتصديقا للبعث وليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها.\rثم دخل على أثر يمليخا أريوس فرأى تابوتا من نحاس مختوما بخاتم من فضة فقام بباب الكهف ثم دعا رجلا من عظماء أهل المدينة ففتح التابوت عندهم (1) فوجدوا فيه لوحين من رصاص مكتوبا فيهما: أن مكسلمينا ومخشلمينا ويمليخا ومرطونس وكشطونس ويبرونس وديموس وبطيوس وحالوش كانوا فتية هربوا من ملكهم دقيانوس الجبار مخافة أن يفتنهم عن دينهم فدخلوا هذا الكهف فلما أخبر بمكانهم أمر بالكهف فسد عليهم بالحجارة وإنا كتبنا شأنهم وخبرهم ليعلمه من بعدهم إن عثر عليهم فلما قرأوه وعجبوا وحمدوا الله الذي أراهم آية البعث فيهم ثم رفعوا أصواتهم بحمد الله وتسبيحه ثم دخلوا على الفتية إلى الكهف فوجدوهم جلوسا بين ظهرانيهم مشرقة وجوههم لم تبل ثيابهم فخر أريوس وأصحابه سجودا وحمدوا الله الذي أراهم آية من آياته ثم كلم بعضهم بعضا وأنبأهم الفتية عن الذي لقوا من ملكهم دقيانوس [من إكراههم على عبادة الأوثان والذبح للطواغيت وإخفاء إيمانهم عنه وهربهم إلى الكهف] (2) ثم إن أريوس وأصحابه بعثوا بريدا إلى ملكهم الصالح بيدروس أن عجل إلينا لعلك تنظر إلى آية من آيات الله جعلها الله في ملكك وجعلها آية للعالمين لتكون لهم نورا وضياء وتصديقا للبعث فاعجل إلى فتية بعثهم الله عز وجل وقد كان توفاهم منذ أكثر من ثلثمائة سنة فلما أتى الملك الخبر رجع إليه عقله وذهب همه فقال: أحمدك الله رب السموات والأرض وأعبدك وأسبح لك تطولت علي ورحمتني فلم تطفئ النور الذي كنت جعلته لآبائي للعبد الصالح اسطنطينوس الملك.\rفلما نبأ به أهل المدينة ركبوا إليه وساروا معه حتى أتوا مدينة أفسوس فتلقاهم أهل المدينة وساروا معه حتى صعدوا نحو الكهف فلما رأى الفتية بيدروس فرحوا به وخروا سجدا على وجوههم وقام بيدروس فاعتنقهم وبكى وهم جلوس بين يديه على الأرض يسبحون الله ويحمدونه ثم قال الفتية لبيدروس: نستودعك الله [إيمانك وخواتيم أعمالك] (3) والسلام عليك ورحمة الله حفظك الله وحفظ ملكك ونعيذك بالله من شر الإنس والجن فبينما الملك قائم إذ رجعوا إلى مضاجعهم فناموا وتوفى الله تعالى أنفسهم وقام الملك إليهم فجعل ثيابهم عليهم وأمر أن يجعل كل رجل منهم في تابوت من ذهب فلما أمسى ونام أتوه في المنام فقالوا له:\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\". / 2 216 / ب / 2.\r(3) ساقط من \"ب\".","part":5,"page":154},{"id":1815,"text":"إننا لم نخلق من ذهب ولا من فضة ولكنا خلقنا من تراب وإلى التراب نصير فاتركنا كما كنا في الكهف على التراب حتى يبعثنا الله منه فأمر الملك حينئذ بتابوت من ساج فجعلوا فيه وحجبهم الله حين خرجوا من عندهم بالرعب فلم يقدر أحد على أن يدخل عليهم فأمر الملك فجعل على باب الكهف مسجدا يصلى فيه وجعل لهم عيدا عظيما وأمر أن يؤتى كل سنة.\rوقيل: إن يمليخا لما حمل إلى الملك الصالح قال له الملك: من أنت قال: أن رجل من أهل هذه المدينة وذكر أنه خرج أمس أو منذ أيام وذكر منزله وأقواما لم يعرفهم أحد وكان الملك قد سمع أن فتية فقدوا في الزمن الأول وأن أسماءهم مكتوبة على اللوح بالخزانة فدعا باللوح وقد نظر في أسمائهم فإذا هو من أولئك القوم وذكر أسماء الآخرين فقال يمليخا هم أصحابي فلما سمع الملك ذلك ركب ومن معه من القوم فلما أتوا باب الكهف قال يمليخا: دعوني حتى أدخل على أصحابي فأبشرهم فإنهم إن رأوكم معي أرعبتموهم فدخل فبشرهم فقبض الله أرواحهم وأعمى عليهم أثرهم فلم يهتدوا إليهم وذلك قوله عز وجل:\r{ إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ } أي: صاروا إلى الكهف، يقال: أوى فلان إلى موضع كذا أي: اتخذه منزلا إلى الكهف وهو غار في جبل بنجلوس واسم الكهف: \"خيرم\" (1) .\r{ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً } ومعنى الرحمة: الهداية في الدين. وقيل: الرزق { وَهَيِّئْ لَنَا } يسر لنا { مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا } أي: ما يلتمس من رضاك وما فيه رشدنا وقال ابن عباس: رشدا أي مخرجا من الغار في سلامة.\r{ فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12) }\r{ فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ } أي: أنمناهم وألقينا عليهم النوم. وقيل: معناه منعنا نفوذ الأصوات إلى مسامعهم فإن النائم إذا سمع الصوت ينتبه { فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا } أي: أنمناهم سنين معدودة وذكر العدد على سبيل التأكيد وقيل: ذكره يدل على الكثرة فإن القليل لا يعد في العادة. { ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ } يعني من نومهم { لِنَعْلَمَ } أي: علم المشاهدة { أَيُّ الْحِزْبَيْنِ } أي الطائفتين { أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا } وذلك أن أهل القرية تنازعوا في مدة لبثهم في الكهف. واختلفوا في قوله: \"أحصى لما لبثوا\" أحفظ لما مكثوا في كهفهم نياما أمدا أي: غاية وقال مجاهد: عددا ونصبه على التفسير.\r__________\r(1) راجع فيما سبق ص (145) تعليق (2) من نفس السورة.","part":5,"page":155},{"id":1816,"text":"{ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14) هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15) }","part":5,"page":156},{"id":1817,"text":"{ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا (16) }\r{ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ } [نقرأ عليك] (1) { نَبَأَهُمْ } خبر أصحاب الكهف { بِالْحَقِّ } بالصدق { إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ } شبان { آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى } إيمانا وبصيرة. { وَرَبَطْنَا } شددنا { عَلَى قُلُوبِهِمْ } بالصبر والتثبيت وقويناهم بنور الإيمان حتى صبروا على هجران دار قومهم ومفارقة ما كانوا فيه من العز وخصب العيش وفروا بدينهم إلى الكهف { إِذْ قَامُوا } بين يدي دقيانوس حين عاتبهم على ترك عبادة الصنم { فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا } قالوا ذلك لأن قومهم كانوا يعبدون الأوثان { لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } يعني: إن دعونا غير الله لقد قلنا إذا شططا، قال ابن عباس: جورا. وقال قتادة: كذبا. وأصل الشطط والإشطاط مجاوزة القدر والإفراط. { هَؤُلاءِ قَوْمُنَا } يعني: أهل بلدهم { اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ } أي: من دون الله { آلِهَةً } يعني: الأصنام يعبدونها { لَوْلا } أي: هلا { يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ } أي: على عبادتهم { بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ } بحجة واضحة تبين وتوضح أن الأصنام لا تستحق العبادة من دون الله] (2) { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا } وزعم أن له شريكا وولدا. ثم قال بعضهم لبعض: { وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ } يعني قومهم (3) { وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ } قرأ ابن مسعود \"وما يعبدون من دون الله\" وأما القراءة المعروفة فمعناها: أنهم كانوا يعبدون الله ويعبدون\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) في \"ب\": قومكم.","part":5,"page":156},{"id":1818,"text":"معه الأوثان يقولون (1) وإذ اعتزلتموهم وجميع ما يعبدون إلا الله فإنكم لم تعتزلوا عبادته { فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ } فالجأوا إليه { يَنْشُرْ لَكُمْ } يبسط لكم { رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ } يسهل لكم { مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا } أي: ما يعود إليه يسركم ورفقكم قرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر \"مرفقا\" بفتح الميم وكسر الفاء وقرأ الآخرون بكسر الميم وفتح الفاء ومعناهما واحد، وهو ما يرتفق به الإنسان.\r{ وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (17) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (18) }\rقوله تعالى: { وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ } قرأ ابن عامر ويعقوب: \"تزور\" بسكون الزاي وتشديد الراء على وزن تحمر وقرأ أهل الكوفة: بفتح الزاي خفيفة وألف بعدها وقرأ الآخرون بتشديد الزاي 217/أ وكلها بمعنى واحد أي: تميل وتعدل { عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ } أي: جانب اليمين { وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ } أي: تتركهم وتعدل عنهم { ذَاتَ الشِّمَالِ } أصل القرض القطع { وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ } أي: متسع من الكهف وجمعها فجوات قال ابن قتيبة: كان كهفهم مستقبل بنات نعش لا تقع فيه الشمس عند الطلوع ولا عند الغروب ولا فيما بين ذلك قال: اختار الله لهم مضطجعا (2) في مقناة لا تدخل عليهم الشمس فتؤذيهم بحرها وتغير ألوانهم وهم في متسع ينالهم برد الريح ونسيمها ويدفع عنهم كرب الغار وغمومه.\rوقال بعضهم (3) هذا القول خطأ وهو أن الكهف كان مستقبل بنات نعش فكانت الشمس لا تقع عليهم ولكن الله صرف الشمس عنهم بقدرته وحال بينها وبينهم ألا ترى أنه قال:\r{ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ } من عجائب صنع الله ودلالات قدرته التي يعتبر بها { مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ } أي: من يضلله الله ولم يرشده { فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا } معينا { مُرْشِدًا } قوله تعالى: { وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا } أي: منتبهين جمع يَقِظ ويَقُظ { وَهُمْ رُقُودٌ } نيام جمع\r__________\r(1) في \"ب\": يقول.\r(2) في \"ب\": مضطجعا.\r(3) انظر: زاد المسير: 5 / 117-118.","part":5,"page":157},{"id":1819,"text":"راقد مثل قاعد وقعود وإنما اشتبه حالهم لأنهم كانوا مفتحي الأعين (1) يتنفسون ولا يتكلمون.\r{ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ } مرة للجنب الأيمن ومرة للجنب الأيسر. قال ابن عباس: كانوا يقلبون في السنة مرة من جانب إلى جانب لئلا تأكل الأرض لحومهم. وقيل كان يوم عاشوراء يوم تقلبهم. وقال أبو هريرة: كان لهم في كل سنة تقلبان.\r{ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ } أكثر أهل التفسير على أنه كان من جنس الكلاب.\rوروي عن ابن جريج: أنه كان أسدا وسمي الأسد كلبا فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على عتبة بن أبي لهب فقال: \"اللهم سلط عليه كلبا من كلابك\" فافترسه أسد (2) .\rوالأول أصح (3) .\rقال ابن عباس: كان كلبا أغر. ويروى عنه: فوق القلطي (4) ودون الكردي [والقلطي: كلب صيني] (5) .\rوقال مقاتل: كان أصفر. وقال القرظي: كان شدة (6) صفرته تضرب إلى الحمرة. وقال الكلبي: لونه كالخلنج وقيل: لون الحجر.\rقال ابن عباس: كان اسمه قطمير وعن علي: اسمه ريان. وقال الأوزاعي: بتور. وقال السدي: تور وقال كعب: صهيلة (7) .\rقال خالد بن معدان: ليس في الجنة شيء من الدواب سوى كلب أصحاب الكهف وحمار بلعام.\rقوله { بِالْوَصِيدِ } قال مجاهد والضحاك: \"والوصيد\": فناء الكهف وقال عطاء: \"الوصيد\" عتبة الباب. وقال السدي: \"الوصيد\" الباب وهو رواية عكرمة عن ابن عباس.\rفإن قيل: لم يكن للكهف باب ولا عتبة؟\rقيل: معناه موضع الباب والعتبة كان الكلب قد بسط ذراعيه وجعل وجهه عليهم.\rقال السدي: كان أصحاب الكهف إذا انقلبوا انقلب الكلب معهم وإذا انقلبوا إلى اليمين كسر الكلب أذنه اليمنى ورقد عليها وإذا انقلبوا إلى الشمال كسر أذنه اليسر ورقد عليها.\r__________\r(1) في \"ب\": مفتحة أعينهم.\r(2) صححه الحاكم في المستدرك: 2 / 539 ووافقه الذهبي، وحسنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري: 4 / 39 وعزاه أيضا للبيهقي في الدلائل. انظر: الكافي الشاف ص (160).\r(3) في \"ب\": المعروف.\r(4) في الدر المنثور: القبطي والقلطي: القصير من الناس والسنانير والكلاب.\r(5) ساقط من \"ب\".\r(6) ساقط من \"ب\".\r(7) انظر: التعليق (2) ص (145) من السورة.","part":5,"page":158},{"id":1820,"text":"{ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ } يا محمد { لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا } لما ألبسهم الله من الهيبة حتى لا يصل إليهم أحد حتى يبلغ الكتاب أجله فيوقظهم الله تعالى من رقدتهم { وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا } خوفا قرأ أهل الحجاز بتشديد اللام والآخرون بتخفيفها.\rواختلفوا في أن الرعب كان لماذا (1) قيل من وحشة المكان.\rوقال الكلبي: لأن أعينهم كانت (2) مفتحة كالمستيقظ الذي يريد أن يتكلم وهم نيام.\rوقيل: لكثرة شعورهم وطول أظفارهم ولتقبلهم من غير حس ولا إشعار.\rوقيل: إن الله تعالى منعهم بالرعب لئلا يراهم أحد.\rوروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: غزونا مع معاوية نحو الروم فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف، فقال معاوية: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم. فقال ابن عباس رضي الله عنهم: لقد منع ذلك من هو خير منك، فقال: \"لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا\" فبعث معاوية ناسا فقال: اذهبوا فانظروا فلما دخلوا الكهف بعث الله عليهم ريحا فأخرجتهم (3) .\r{ وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19) }\rقوله تعالى: { وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ } أي: كما أنمناهم في الكهف وحفظنا أجسادهم من البلى على طول الزمان فكذلك (4) بعثناهم من النومة التي تشبه الموت { لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ } ليسأل بعضهم بعضا واللام فيه لام العاقبة لأنهم لم يبعثوا للسؤال.\r{ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ } وهو رئيسهم مكسلمينا { كَمْ لَبِثْتُمْ } في نومكم؟ وذلك أنهم استنكروا طول نومهم ويقال: إنهم راعهم ما فاتهم من الصلاة فقالوا ذلك.\r{ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا } وذلك أنهم دخلوا الكهف غدوة فقالوا فانتبهوا [حين انتبهوا] (5) عشية\r__________\r(1) في \"ب\": ماذا.\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) ذكره الثعلبي: انظر تفسير القرطبي: 10 / 389.\r(4) ساقط من \"أ\".\r(5) ساقط من \"أ\".","part":5,"page":159},{"id":1821,"text":"فقالوا: لبثنا يوما ثم نظروا وقد بقيت من الشمس بقية فقالوا: { أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } فلما نظروا إلى طول شعورهم وأظفارهم علموا أنهم لبثوا أكثر من يوم.\r{ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ } وقيل: إن رئيسهم مكلسلمينا لما سمع الاختلاف بينهم قال: دعوا الاختلاف ربكم أعلم بما لبثتم { فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ } يعني يمليخا.\rقرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر: بورقكم ساكنة الراء والباقون بكسرهما ومعناهما واحد وهي الفضة مضروبة كانت أو غير مضروبة.\r{ إِلَى الْمَدِينَةِ } قيل: هي طرسوس وكان اسمها في الجاهلية أفسوس فسموها في الإسلام طرسوس.\r{ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا } أي: أحل طعاما حتى لا يكون من غصب أو سبب حرام وقيل: أمروه أن يطلب ذبيحة مؤمن ولا يكون من ذبيحة من يذبح لغير الله وكان فيهم مؤمنون يخفون إيمانهم وقال الضحاك: أطيب طعاما وقال مقاتل بن حيان: أجود طعاما وقال عكرمة: أكثر وأصل الزكاة الزيادة وقيل: أرخص طعاما.\r{ فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ } أي: قوت وطعام تأكلونه { وَلْيَتَلَطَّفْ } وليترفق في الطريق وفي المدينة وليكن في ستر وكتمان 217/ب { وَلا يُشْعِرَنَّ } ولا يعلمن { بِكُمْ أَحَدًا } من الناس.\r{ إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (20) }","part":5,"page":160},{"id":1822,"text":"{ وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (21) }\r{ إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ } أي: يعلموا بمكانكم { يَرْجُمُوكُمْ } قال ابن جريج: يشتمونكم ويؤذونكم بالقول وقيل: يقتلوكم وقيل: كان من عاداتهم القتل بالحجارة وهو أخبث القتل وقيل: يضربوكم { أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ } أي: إلى الكفر { وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا } إن عدتم إليه. قوله عز وجل: { وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا } أي: اطلعنا { عَلَيْهِمْ } يقال: عثرت على الشيء: إذا اطلعت عليه وأعثرت غيري أي: أطلعته { لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } يعني قوم (1) بيدروس الذين أنكروا البعث { وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ } قال ابن عباس:\r__________\r(1) في \"ب\": أصحاب.","part":5,"page":160},{"id":1823,"text":"يتنازعون في البنيان فقال المسلمون: نبني عليهم مسجدا يصلي فيه الناس لأنهم على ديننا وقال المشركون: نبني عليهم (1) بنيانا لأنهم من أهل نسبنا.\rوقال عكرمة: تنازعوا في البعث، فقال المسلمون: البعث للأجساد والأرواح معا، وقال قوم: للأرواح دون الأجساد فبعثهم الله تعالى وأراهم أن البعث للأجساد والأرواح.\rوقيل: تنازعوا في مدة لبثهم. وقيل: في عددهم.\r{ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ } بيدروس الملك وأصحابه { لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا }\r{ سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (22) }\r{ سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ } روي أن السيد والعاقب وأصحابهما من نصارى أهل نجران كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال السيد -وكان يعقوبيا-: كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم وقال العاقب -وكان نسطوريا-: كانوا خمسة سادسهم كلبهم وقال المسلمون: كانوا سبعة ثامنهم كلبهم فحقق الله قول المسلمين بعدما حكى قول النصارى فقال: { سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ } (2) أي: ظنا وحدسا من غير يقين ولم يقل هذا في حق السبعة فقال: { وَيَقُولُونَ } يعني: المسلمين { سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ }\rاختلفوا في الواو في قوله: { وَثَامِنُهُمْ } قيل: تركها وذكرها سواء.\rوقيل: هي واو الحكم والتحقيق كأنه حكى اختلافهم وتم الكلام عند قوله ويقولون سبعة ثم حقق هذا القول بقوله { وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ } والثامن لا يكون إلا بعد السابع.\rوقيل: هذه واو الثمانية وذلك أن العرب تعد فتقول واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة وثمانية لأن العقد كامن عندهم سبعة كما هو اليوم عندنا عشرة نظيره قوله تعالى (3) \"التائبون\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) انظر: زاد المسير: 5 / 124، القرطبي: 10 / 382.\r(3) انظر: زاد المسير: 5 / 125 القرطبي: 10 / 382-383.","part":5,"page":161},{"id":1824,"text":"العابدون الحامدون\" إلى قوله: \"والناهون عن المنكر\" (التوبة-112) وقال في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم \"عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا\" (التحريم-5) .\r{ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ } أي: بعددهم { مَا يَعْلَمُهُمْ إِلا قَلِيلٌ } أي: إلا قليل من الناس. قال ابن عباس: أنا من القليل كانوا سبعة.\rوقال محمد بن إسحاق: كانوا ثمانية قرأ: { وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ } أي: حافظهم والصحيح هو الأول.\rوروي عن ابن عباس أنه قال: هم مكسلمينا ويمليخا ومرطونس وبينونس وسارينونس وذو نوانس وكشفيططنونس وهو الراعي والكلب قطمير (1) .\r{ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ } أي: لا تجادل ولا تقل في عددهم وشأنهم { إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا } إلا بظاهر ما قصصنا عليك يقول: حسبك ما قصصت عليك فلا تزد عليه وقف عنده { وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ } من أهل الكتاب { أَحَدًا } أي: لا ترجع إلى قولهم بعد أن أخبرناك.\r{ وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24) }\r{ وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّه } يعني: إذا عزمت على أن تفعل غدا شيئا فلا تقل: أفعل غدا حتى تقول إن شاء الله وذلك أن أهل مكة سألوه عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين فقال: أخبركم غدا ولم يقل إن شاء الله فلبث الوحي أياما ثم نزلت هذه الآية (2) . { وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } يعني: إذا عزمت على أن تفعل غدا شيئا فلا تقل: أفعل غدا حتى تقول إن شاء الله وذلك أن أهل مكة سألوه عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين فقال: أخبركم غدا ولم يقل إن شاء الله فلبث الوحي أياما ثم نزلت هذه الآية (3) .\r{ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } قال ابن عباس ومجاهد والحسن: معناه إذا نسيت الاستثناء ثم ذكرت فاستثن.\rوجوز ابن عباس الاستثناء المنقطع وإن كان إلى سنة وجوزه الحسن ما دام في المجلس وجوزه بعضهم إذا قرب الزمان فإن بعد فلا يصح. ولم [يجوز باستثناء] (4) جماعة حتى يكون متصلا بالكلام (5)\r__________\r(1) انظر فيما سبق ص (145) تعليق (2).\r(2) انظر: الدر المنثور: 5 / 337، زاد المسير: 5 / 127، تفسير ابن كثير: 3 / 72-73.\r(3) انظر: الدر المنثور: 5 / 337، زاد المسير: 5 / 127، تفسير ابن كثير: 3 / 72-73.\r(4) في \"ب\": يجوزه.\r(5) قال الطبري في التفسير: (5 / 229-230): \"وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: واذكر ربك إذا تركت ذكره لأن أحد معاني النسيان في كلام العرب: الترك. فإن قال قائل: أفجائز للرجل أن يستثني في يمينه إذ كان معنى الكلام ما ذكرت بعد مدة من حال حلفه؟ قيل: بل الصواب أن يستثنى ولو بعد حنثه في يمينه فيقول: إن شاء الله ليخرج بقيله ذلك مما ألزمه الله في ذلك بهذه الآية فيسقط عنه الحرج بتركه ما أمره بقيله من ذلك فأما الكفارة فلا تسقط عنه بحال إلا أن يكون استثناؤه موصولا بمينه\". ثم وجه رأي ابن عباس رضي الله عنهما ورأي من قال بأن له الاستثناء ما دام في مجلسه فقال: \"إن معناهم في ذلك نحو معنانا في أن ذلك له ولو بعد عشر سنين وأنه استثنائه وقيله إن شاء الله بعد حين من حال حلفه يسقط عنه الحرج الذي لو لم يقله كان لازما له؛ فأما الكفارة: فله لازمة بالحنث بكل حال إلا أن يكون استثناؤه كان موصولا بالحلف وذلك: أنا لا نعلم قائلا ممن قال: له الثنيا بعد حين يزعم أن ذلك يضع عنه الكفارة إذا حنث ففي ذلك أوضح الدليل على صحة ما قلنا في ذلك..\". وهذا ما رجحه ابن كثير أيضا: 3 / 80. وقال الجصاص في \"أحكام القرآن\": (5 / 41-42): \"هذا الضرب من الاستثناء يدخل لرفع حكم الكلام حتى يكون وجوده وعدمه سواء وذلك لأن الله تعالى ندبه الاستثناء بمشيئة الله تعالى لئلا يصير كاذبا بالحلف فدل على أن حكمه ما وصفنا. ويدل عليه أيضا قوله عز وجل حاكيا عن موسى عليه السلام: \"ستجدني إن شاء الله صابرا\" فلم يصبر ولم يك كاذبا؛ لوجود الاستثناء في كلامه، فدل على أن معناه ما وصفنا من دخوله في الكلام لرفع حكمه فوجب أن لا يختلف حكمه في دخوله على اليمين أو على إيقاع الطلاق أو على العتاق...\". ثم رجح أن الاستثناء لا يصح ولا يكون له هذا الأثر الذي وصفه إلا بأن يكون متصلا باليمين -وهي نقطة الاتفاق مع تأويل الطبري- وهو قول إبراهيم وعطاء والشعبي \"لأن الاستثناء بمنزلة الشرط لا يصلح ولا يثبت حكمه إلا موصولا بالكلام من غير فصل مثل قوله: أنت طالق إن دخلت الدار. فلو قال: أنت طالق ثم قال: إن دخلت الدار بعدما سكت لم يوجب ذلك تعلق الطلاق بالدخول ولو جاز هذا لجاز أن يقول لامرأته أنت طالق ثلاثة. ثم يقول بعد سنة: إن شاء الله فيبطل الطلاق ولا تحتاج إلى زوج ثان في إباحتها للزوج الأول وفي تحريم الله تعالى إياها عليه بالطلاق الثلاث إلا بعد زوج دلالة على بطلان الاستثناء بعد السكوت...\". وانظر قصة احتجاج أبي حنيفة لذلك على المنصور في: أضواء البيان للشنقيطي: 4 / 79. وراجع القرطبي: 10 / 386. فقد رجح أن الآية ليست في اليمين بشيء وإنما هي استفتاح كلام، على الأصح.","part":5,"page":162},{"id":1825,"text":"وقال عكرمة: معنى الآية: واذكر ربك إذا غضبت (1) .\rوقال وهب: مكتوب في الإنجيل: ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب.\rوقال الضحاك والسدي: هذا في الصلاة.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا الحسن بن أحمد المخلدي حدثنا أبو العباس السراج حدثنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها\" (2) .\r__________\r(1) انظر: أحكام القرآن للجصاص: 5 / 42. ونقل الطبري (15 / 229) عن عكرمة أيضا: اذكر ربك إذا عصيت (بالعين والصاد المهملتين).\r(2) أخرجه البخاري في المواقيت باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكر: 2 / 70 ومسلم في المساجد باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها برقم (579): 2 / 241. والمصنف في شرح السنة: 2 / 241.","part":5,"page":163},{"id":1826,"text":"{ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا } أي: يثبتني على طريق هو أقرب إليه وأرشد (1) .\rوقيل: أمر الله نبيه أن يذكره إذا نسي شيئا ويسأله أن يهديه لما هو خير له من ذكر ما نسيه (2) .\rويقال: هو أن القوم لما سألوه عن قصة أصحاب الكهف على وجه العناد أمره الله عز وجل أن يخبرهم أن الله سيؤتيه من الحجج على صحة نبوته ما هو أدل لهم من قصة أصحاب الكهف وقد فعل حيث أتاه من علم الغيب المرسلين ما كان أوضح لهم في الحجة وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف (3) .\rوقال بعضهم: هذا شيء أمر أن يقوله مع قوله \"إن شاء الله\" إذا ذكر الاستثناء بعد النسيان وإذا نسي الإنسان \"إن شاء الله\" فتوبته من ذلك أن يقول: \"عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا\" (4) .\r{ وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (25) }\rقوله عز وجل { وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ } يعني: أصحاب الكهف. قال بعضهم: هذا خبر عن أهل الكتاب أنهم قالوا ذلك. ولو كان خبرا من الله عز وجل عن قدر لبثهم لم يكن لقوله \"قل الله أعلم بما لبثوا\" وجه وهذا قول قتادة. ويدل عليه قراءة ابن مسعود: \"وقالوا لبثوا في كهفهم\" ثم رد الله تعالى عليهم فقال: \"قل الله أعلم بما لبثوا\" (5) .\rوقال الآخرون: هذا إخبار من الله تعالى عن قدر لبثهم في الكهف وهو الأصح.\r[وأما قوله: \"قل الله أعلم بما لبثوا\" فمعناه: أن الأمر من مدة لبثهم] (6) كما ذكرنا فإن نازعوك فيها فأجبهم وقل: الله أعلم بما لبثوا أي: هو أعلم منكم وقد أخبرنا بمدة لبثهم.\r__________\r(1) وهذا ما اعتمده ابن كثير ولم يذكر غيره.\r(2) انظر: البحر المحيط: 6 / 116.\r(3) انظر: زاد المسير: 5 / 129، البحر المحيط: 6 / 116.\r(4) وهذا ما اعتمده الطبري: 15 / 230.\r(5) وفي هذا الذي قاله قتادة نظر، فإن الذي بأيدي أهل الكتاب: أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة من غير تسع يعنون بالشمسية. ولو كان الله تعالى قد حكى قولهم لما قال: \"وازدادوا تسعا\". والظاهر من الآية إنما هو إخبار من الله لا حكاية عنهم -كما في القول الآتي الذي رجحه المصنف- وهو اختيار الطبري رحمه الله. ورواية قتادة قراءة ابن مسعود منقطعة ثم هي شاذة بالنسبة إلى قراءة الجمهور فلا يحتج بها والله أعلم. تفسير ابن كثير: 3 / 80-81 وانظر: الطبري: 15 / 231-232.\r(6) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":5,"page":164},{"id":1827,"text":"وقيل: إن أهل الكتاب قالوا: إن هذه المدة من لدن دخلوا الكهف إلى يومنا هذا ثلثمائة وتسع سنين فرد الله عليهم وقال: \"قل الله أعلم بما لبثوا\" يعني: بعد قبض أرواحهم إلى يومنا هذا لا يعلمه إلا الله 218/أ\rقوله تعالى: { ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ } قرأ حمزة والكسائي \"ثلثمائة\" بلا تنوين وقرأ الآخرون بالتنوين.\rفإن قيل: لم قال ثلثمائة سنين [ولم يقل سنة؟] (1) .\rقيل: نزل قوله: \"ولبثوا في كهفهم ثلثمائة\" فقالوا: أياما أو شهورا أو سنين؟ فنزلت \"سنين\".\rقال الفراء: ومن العرب من يضع سنين في موضع سنة.\rوقيل: معناه ولبثوا في كهفهم سنين ثلثمائة.\r{ وَازْدَادُوا تِسْعًا } قال الكلبي (2) قالت نصارى نجران أما ثلثمائة فقد عرفنا وأما التسع فلا علم لنا بها فنزلت.\r{ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26) }\r{ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا } روي عن علي أنه قال: عند أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلثمائة شمسية والله تعالى ذكر ثلثمائة قمرية والتفاوت بين الشمسية والقمرية في كل مائة سنة ثلاث سنين فيكون في ثلثمائة تسع سنين فلذلك قال: \"وازدادوا تسعا\".\r{ لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } فالغيب ما يغيب عن إدراك والله عز وجل لا يغيب عن إدراكه شيء.\r{ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ } أي: ما أبصر الله بكل موجود وأسمعه لكل مسموع! أي: لا يغيب عن سمعه وبصره شيء.\r{ مَا لَهُمْ } أي: ما لأهل السموات والأرض { مِنْ دُونِهِ } أي من دون الله { مِنْ وَلِيٍّ } ناصر { وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا } قرأ ابن عامر ويعقوب: \" ولا تشرك \" بالتاء على المخاطبة والنهي وقرأ الآخرون بالياء أي: لا يشرك الله في حكمه أحدا. وقيل: \"الحكم\" هنا علم الغيب أي: لا يشرك في علم غيبه أحدا.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) الكلبي هو محمد بن السائب ضعيف. وانظر: زاد المسير: 5 / 131.","part":5,"page":165},{"id":1828,"text":"{ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (27) }","part":5,"page":166},{"id":1829,"text":"{ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) }\rقوله عز وجل: { وَاتْلُ } واقرأ يا محمد { مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ } يعني القرآن واتبع ما فيه { لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ } قال الكلبي: لا مغير للقرآن. وقيل: لا مغير لما أوعد بكلماته أهل معاصيه. { وَلَنْ تَجِدَ } أنت { مِنْ دُونِهِ } إن لم تتبع القرآن { مُلْتَحَدًا } قال ابن عباس رضي الله عنهما: حرزا. وقال الحسن: مدخلا. وقال مجاهد: ملجأ. وقيل: معدلا. وقيل: مهربا. وأصله من الميل. قوله عز وجل: { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ } الآية نزلت في عيينة بن حصن الفزاري أتى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم وعنده جماعة من الفقراء فيهم سلمان وعليه شملة قد عرق فيها وبيده خوصة يشقها ثم ينسجها فقال عيينة للنبي صلى الله عليه وسلم: أما يؤذيك ريح هؤلاء ونحن سادات مضر وأشرافها فإن أسلمنا أسلم الناس وما يمنعنا من اتباعك إلا هؤلاء فنحهم عنك حتى نتبعك أو اجعل لنا مجلسا ولهم مجلسا فأنزل الله عز وجل: { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ } (1) أي: احبس يا محمد نفسك { مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ } طرفي النهار { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } أي: يريدون الله لا يريدون به عرضا من الدنيا.\rقال قتادة: نزلت في أصحاب الصفة وكانوا سبعمائة رجل فقراء في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرجعون إلى تجارة ولا إلى زرع ولا ضرع يصلون صلاة وينتظرون أخرى فلما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم \" (2) .\r{ وَلا تَعْدُ } أي: لا تصرف ولا تتجاوز { عَيْنَاكَ عَنْهُمْ } إلى غيرهم { تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } أي: طلب مجالسة الأغنياء والأشراف وصحبة أهل الدنيا.\r{ وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا } أي: جعلنا قلبه غافلا عن ذكرنا يعني: عيينة بن\r__________\r(1) انظر: الدر المنثور: 5 / 380-382، الطبري: 15 / 234-236، أسباب النزول للواحدي ص (344-345)، زاد المسير: 5 / 132.\r(2) انظر: الدر المنثور: 5 / 380، أسباب النزول ص (345) ابن كثير: 3 / 82.","part":5,"page":166},{"id":1830,"text":"حصن. وقيل: أمية بن خلف { وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } أي مراده في طلب الشهوات { وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } قال قتادة ومجاهد: ضياعا وقيل: معناه ضيع أمره (1) وعطل أيامه وقيل: ندما. وقال مقاتل ابن حيان: سرفا. وقال الفراء: متروكا. وقيل باطلا. وقيل: مخالفا للحق. وقال الأخفش: مجاوزا للحد (2) . قيل: معنى التجاوز في الحد هو قول عيينة: إن أسلمنا أسلم الناس وهذا إفراط عظيم.\r{ وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29) }\r{ وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ } أي: ما ذكر من الإيمان والقرآن معناه: قل يا محمد لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا: أيها الناس [قد جاءكم من ربكم الحق] (3) وإليه التوفيق والخذلان وبيده الهدى والضلال ليس إلي من ذلك شيء.\r{ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } هذا على طريق التهديد والوعيد كقوله: \"اعملوا ما شئتم\"( فصلت-40 ) (4) .\rوقيل معنى الآية: وقل الحق من ربكم ولست بطارد المؤمنين لهواكم فإن شئتم فآمنوا وإن شئتم فاكفروا فإن كفرتم فقد أعد لكم ربكم نارا أحاط بكم سرادقها وإن آمنتم فلكم ما وصف الله عز وجل لأهل طاعته (5) .\rوروي عن ابن عباس رضي الله عنهما في معنى الآية: من شاء الله له الإيمان آمن ومن شاء له الكفر كفر (6) وهو قوله: \"وما تشاؤن إلا أن يشاء الله\"( الإنسان-30 ) .\r{ إِنَّا أَعْتَدْنَا } أعددنا وهيأنا من الإعداد (7) وهو العدة { لِلظَّالِمِين } للكافرين { نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا } \"السرادق\": الحجرة التي تطيف (8) بالفساطيط.\r__________\r(1) في \"ب\": أمره.\r(2) انظر: زاد المسير: 5 / 133.\r(3) في \"ب\": الحق من ربكم.\r(4) قاله الزجاج: انظر: زاد المسير: 5 / 134 ابن كثير: 3 / 82.\r(5) وهو ما اعتمده الطبري: 15 / 237.\r(6) أخرجه الطبري عن ابن عباس: 15 / 237-238.\r(7) في \"ب\": العتاد.\r(8) في \"ب\": تحيط.","part":5,"page":167},{"id":1831,"text":"أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة أنبأنا محمد بن أحمد بن الحارث أنبأنا محمد بن يعقوب الكسائي أنبأنا عبد الله بن محمود أنبأنا إبراهيم بن عبد الله الخلال أنبأنا عبد الله بن المبارك عن رشدين بن سعد حدثني عمرو بن الحارث عن دراج بن أبي السمح عن أبي الهيثم بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: \"سرادق النار أربعة جدر كثف كل جدار مثل مسيرة أربعين سنة\" (1) .\rقال ابن عباس: هو حائط من نار.\rوقال الكلبي: هو عنق يخرج من النار فيحيط بالكفار كالحظيرة.\rوقيل: هو دخان يحيط بالكفار وهو الذي ذكره الله تعالى: \"انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب\"( المرسلات-30 ) .\r{ وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا } من شدة العطش { يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ }\rأخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة أنبأنا محمد بن أحمد بن الحارث أنبأنا محمد بن يعقوب الكسائي أنبأنا عبد الله بن محمود أنبأنا إبراهيم بن عبد الله الخلال حدثنا عبد الله بن المبارك عن رشدين 218/ب بن سعد حدثنا عمرو بن الحارث عن دراج بن أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" { بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ } قال كعكر الزيت فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه فيه\" (2) .\rوقال ابن عباس: هو ماء غليظ مثل دردي الزيت.\rوقال مجاهد: هو القيح والدم.\rوسئل ابن مسعود عن: \"المهل\" فدعا بذهب وفضة فأوقد عليهما النار حتى ذابا ثم قال: هذا أشبه شيء بالمهل (3) .\r{ يَشْوِي الْوُجُوهَ } ينضج الوجوه من حره.\r{ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ } النار { مُرْتَفَقًا } قال ابن عباس: منزلا وقال مجاهد: مجتمعا وقال عطاء: مقرا. وقال القتيبي: مجلسا. وأصل \"المرتفق\": المتكأ (4) .\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في أبواب صفة جهنم باب ما جاء في صفة شراب أهل النار: 7 / 306 وقال: \"هذا حديث إنما نعرفه من حديث رشدين وفي رشدين بن سعد مقال\" وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 3 / 29 والحاكم: 4 / 601 والطبري: 15 / 239 والمصنف في شرح السنة: 15 / 245. وإسناده ضعيف لضعف رشدين ودراج ضعيف.\r(2) أخرجه الترمذي في أبواب صفة جهنم باب ما جاء في صفة شراب أهل النار: 7 / 305-306، وأحمد: 3 / 70-71، والحاكم: 4 / 604، والمصنف في شرح السنة: 15 / 245، بنفس الإسناد، وهو ضعيف.\r(3) انظر هذه الأقوال في: زاد المسير: 5 / 135.\r(4) انظر: زاد المسير: 5 / 136.","part":5,"page":168},{"id":1832,"text":"{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا (30) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) }\rقوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا } فإن قيل: أين جواب قوله: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } ؟\rقيل: جوابه قوله: { أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي } وأما قوله: { إِنَّا لا نُضِيعُ } فكلام معترض (1) .\rوقيل: فيه إضمار معناه: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات فإنا لا نضيع أجرهم بل نجازيهم ثم ذكر الجزاء فقال (2) . { أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ } أي: إقامة يقال: عدن فلان بالمكان إذا أقام به سميت عدنا لخلود المؤمنين فيها { تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ } قال سعيد بن جبير: يحلى كل واحد منهم ثلاث أساور واحد من ذهب وواحد من فضة وواحد من لؤلؤ ويواقيت { وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ } وهو ما رق من الديباج { وَإِسْتَبْرَقٍ } وهو ما غلظ منه ومعنى الغلظ في ثياب الجنة: إحكامه وعن أبي عمران الجوني قال: السندس هو الديباج المنسوج بالذهب { مُتَّكِئِينَ فِيهَا } في الجنان { عَلَى الأرَائِكِ } وهي السرر في الحجال واحدتها أريكة { نِعْمَ الثَّوَابُ } أي نعم الجزاء { وَحَسُنَتْ } الجنان { مُرْتَفَقًا } أي: مجلسا ومقرا. { وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا رَجُلَيْنِ } الآية قيل: نزلت في أخوين من أهل مكة من بني مخزوم أحدهما مؤمن وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن عبد ياليل (3) [وكان زوج أم سلمة قبل النبي صلى الله عليه وسلم\r__________\r(1) زاد المسير: 5 / 137.\r(2) زاد المسير: 5 / 137.\r(3) انظر: البحر المحيط: 6 / 124.","part":5,"page":169},{"id":1833,"text":"والآخر كافر وهو الأسود بن عبد الأسد بن عبد ياليل] (1) .\rوقيل: هذا مثل لعيينة بن حصن وأصحابه مع سلمان وأصحابه شبههما برجلين من بني إسرائيل أخوين أحدهما مؤمن واسمه يهوذا في قول ابن عباس وقال مقاتل: يمليخا والآخر كافر واسمه قطروس وقال وهب: قطفير وهما اللذان وصفهما الله تعالى في سورة \"والصافات\" وكانت قصتهما على ما حكى عبد الله بن المبارك عن معمر عن عطاء الخراساني قال: كان رجلان شريكين لهما ثمانية آلاف دينار وقيل: كانا أخوين ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فاقتسماها فعمد أحدهما فاشترى أرضا بألف دينار فقال صاحبه: اللهم إن فلانا قد اشترى أرضا بألف دينار فإني أشتري منك أرضا في الجنة بألف دينار فتصدق بألف دينار ثم إن صاحبه بنى دارا بألف دينار فقال هذا: اللهم إن فلانا بنى دارا بألف دينار فإني أشتري منك دارا في الجنة بألف دينار فتصدق بذلك ثم تزوج صاحبه امرأة فأنفق عليها ألف دينار فقال هذا المؤمن: اللهم إني أخطب إليك امرأة من نساء الجنة بألف دينار فتصدق بألف دينار ثم اشترى صاحبه خدما ومتاعا بألف دينار فقال هذا: اللهم إني أشتري منك متاعا وخدما في الجنة بألف دينار فتصدق بألف دينار ثم أصابته حاجة شديدة فقال: لو أتيت صاحبي لعله ينالني منه معروف فجلس على طريقه حتى مر به في حشمه فقام إليه فنظر إليه الآخر فعرفه فقال: فلان؟ قال: نعم فقال: ما شأنك؟ قال: أصابتني حاجة بعدك فأتيتك لتصيبني بخير فقال: ما فعل مالك وقد اقتسمنا مالا واحدا (2) وأخذت شطره؟ فقص عليه قصته فقال: وإنك لمن المصدقين بهذا (3) ؟ اذهب فلا أعطيك شيئا فطرده فقضي لهما أن توفيا فنزل فيهما: \"فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قال قائل منهم إني كان لي قرين\"( الصافات-50،51 ) .\rوروي أنه لما أتاه أخذ بيده وجعل يطوف به ويريه أموال نفسه فنزل فيهما (4) .\r{ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا رَجُلَيْنِ } اذكر لهم خبر رجلين { جَعَلْنَا لأحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ } بستانين { مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ } أي: أطفناهما من جوانبهما بنخل والحفاف: الجانب وجمعه أحفة، يقال: حف به القوم أي: طافوا بجوانبه { وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا } أي: جعلنا حول الأعناب النخيل ووسط الأعناب الزرع.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) انظر: زاد المسير: 5 / 138-139، البحر المحيط: 6 / 124، تفسير القرطبي: 10 / 399-400. والقصة من رواية الكلبي وهو ضعيف.","part":5,"page":170},{"id":1834,"text":"وقيل: \"بينهما\" أي بين الجنتين زرعا يعني: لم يكن بين الجنتين موضع خراب.\r{ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) }","part":5,"page":171},{"id":1835,"text":"{ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) }\r{ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ } أي: أعطت كل واحدة من الجنتين { أُكُلَهَا } ثمرها تاما { وَلَمْ تَظْلِمْ } لم تنقص { مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا } قرأ العامة بالتشديد وقرأ يعقوب بتخفيف الجيم { خِلالَهُمَا نَهَرًا } يعني: شققنا وأخرجنا وسطهما نهرا. { وَكَانَ لَهُ } لصاحب البستان { ثَمَرٌ } قرأ عاصم وأبو جعفر ويعقوب { ثَمَرٌ } بفتح الثاء والميم وكذلك: \"بثمره\" وقرأ أبو عمرو: بضم الثاء ساكنة الميم وقرأ الآخرون بضمهما.\rفمن قرأ بالفتح هو جمع ثمرة وهو ما تخرجه الشجرة من الثمار المأكولة.\rومن قرأ بالضم فهي الأموال الكثيرة المثمرة من كل صنف جمع ثمار. وقال مجاهد: ذهب وفضة وقيل: جميع الثمرات.\rقال الأزهري: \"الثمرة\" تجمع على \"ثَمَر\" ويجمع \"الثمر\" على \"ثِمار\" ثم تجمع \"الثمار\" على \"ثُمُر\" (1) .\r{ فَقَالَ } يعني صاحب البستان { لِصَاحِبِهِ } المؤمن { وَهُوَ يُحَاوِرُهُ } يخاطبه ويجاوبه: { أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالا وَأَعَزُّ نَفَرًا } أي: عشيرة ورهطا. وقال قتادة: خدما وحشما. وقال مقاتل: ولدا تصديقه قوله تعالى: \"إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا\" (الكهف-39) . { وَدَخَلَ جَنَّتَهُ } يعني الكافر أخذ بيد أخيه المسلم يطوف به فيها ويريه أثمارها { وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ } بكفره { قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ } تهلك { هَذِهِ أَبَدًا } قال أهل المعاني: راقه حسنها وغرته زهرتها فتوهم أنها لا تفنى أبدا وأنكر البعث. فقال { وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً } كائنة { وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا } قرأ أهل الحجاز والشام هكذا على التثنية يعني من الجنتين وكذلك هو في مصاحفهم وقرأ الآخرون { مِنْهَا } أي: من الجنة التي دخلها { مُنْقَلَبًا } أي: مرجعا.\r__________\r(1) انظر: لسان العرب: 4 / 107 مادة \"ثمر\".","part":5,"page":171},{"id":1836,"text":"إن قيل: كيف قال: \"ولئن رددت إلى ربي\" وهو منكر البعث؟\rقيل: معناه ولئن رددت إلى ربي -على ما تزعم أنت-يعطيني هنالك خيرا منها فإنه لم يعطني هذه الجنة في الدنيا إلا ليعطيني في الآخرة أفضل منها.\r{ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالا وَوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) }\r{ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ } المسلم { وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ } أي خلق أصلك من تراب { ثُمَّ } خلقك { مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا } أي: عدلك بشرا 219/أ سويا ذكرا. { لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي } قرأ ابن عامر ويعقوب: \"لكنا\" بالألف في الوصل وقرأ الباقون بلا ألف واتفقوا على إثبات الألف في الوقف وأصله: \"لكن أنا\" فحذفت الهمزة طلبا للتخفيف لكثرة استعمالها ثم أدغمت إحدى النونين في الأخرى قال الكسائي فيه تقديم وتأخير مجازه: لكن الله هو ربي { وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا } { وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ } أي: هلا إذ دخلت جنتك { قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ } أي: الأمر ما شاء الله. وقيل: جوابه مضمر أي: ما شاء الله كان، وقوله: { لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ } أي: لا أقدر على حفظ مالي أو دفع شيء عنه إلا [بإذن الله] (1) .\rوروي عن هشام بن عروة عن أبيه أنه كان إذا رأى من ماله شيئا يعجبه أو دخل حائطا من حيطانه قال ما شاء الله لا قوة إلا بالله (2) .\rثم قال: { إِنْ تَرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالا وَوَلَدًا } و\"أنا\" عماد ولذلك نصب أقل (3) معناه: إن ترني أقل منك مالا وولدا فتكبرت وتعظمت علي. { فَعَسَى رَبِّي } فلعل ربي { أَنْ يُؤْتِيَنِي } يعطيني في الآخرة\r__________\r(1) في \"ب\": بالله.\r(2) أخرجه سعيد بن منصور، وابن أبي حاتم والبيهقي في \"شعب الإيمان\". انظر: الدر المنثور: 5 / 391.\r(3) انظر: تفسير الطبري: 15 / 249، زاد المسير: 5 / 145.","part":5,"page":172},{"id":1837,"text":"{ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا } أي: على جنتك { حُسْبَانًا } قال قتادة: عذابا وقال ابن عباس رضي الله عنه: نارا. وقال القتيبي: مرامي (1) { مِنَ السَّمَاءِ } وهي مثل صاعقة أو شيء يهلكها واحدتها: \"حسبانة\" { فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا } أي أرضا جرداء ملساء لا نبات فيها وقيل: تزلق فيها الأقدام وقال مجاهد: رملا هائلا.\r{ أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43) هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44) }\r{ أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا } أي: غائرا منقطعا ذاهبا لا تناله الأيدي ولا الدلاء و\"الغور\": مصدر وضع موضع الاسم مثل: زور وعدل { فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا } يعني: إن طلبته لم تجده. { وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } أي: أحاط العذاب بثمر جنته وذلك أن الله تعالى أرسل عليها نارا فأهلكتها وغار ماؤها { فَأَصْبَحَ } صاحبها الكافر { يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ } أي: يصفق بيده على الأخرى ويقلب كفيه ظهرا لبطن تأسفا وتلهفا { عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ } أي ساقطة { عَلَى عُرُوشِهَا } سقوفها { وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا } قال الله تعالى { وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ } جماعة { يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ } يمنعونه من عذاب الله { وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا } ممتنعا منتقما أي: لا يقدر على الانتصار لنفسه وقيل: لا يقدر على رد ما ذهب عنه. { هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ } يعني: في القيامة قرأ حمزة والكسائي \" الولاية \" بكسر الواو يعني السلطان وقرأ الآخرون بفتح الواو من: الموالاة والنصر كقوله تعالى: \"الله ولي الذين آمنوا\" (البقرة-257) قال القتيبي: يريد أنهم يولَّونه يومئذ ويتبرؤون مما كانوا يعبدون.\rوقيل: بالفتح: الربوبية وبالكسر: الإمارة.\r{ الْحَقِّ } برفع القاف: أبو عمرو والكسائي على نعت الولاية وتصديقه قراءة أبي: { هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ } وقرأ الآخرون بالجر على صفة الله كقوله تعالى: \"ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق\" (الأنعام-62) .\r__________\r(1) في \"ب\": مراملا.","part":5,"page":173},{"id":1838,"text":"{ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا } أفضل جزاء لأهل طاعته لو كان غيره يثيب { وَخَيْرٌ عُقْبًا } أي: عاقبة طاعته خير من عاقبة طاعة غيره فهو خير إثابة و\"عاقبة\": طاعة قرأ حمزة وعاصم \"عقبا\" ساكنة القاف وقرأ الآخرون بضمها.\r{ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45) }","part":5,"page":174},{"id":1839,"text":"{ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا (46) }\rقوله تعالى: { وَاضْرِبْ لَهُمْ } يا محمد أي: لقومك { مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ } يعني: المطر { فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ } خرج منه كل لون وزهرة { فَأَصْبَحَ } عن قريب { هَشِيمًا } يابسا قال ابن عباس وقال الضحاك: كسيرا والهشيم: ما يبس وتفتت من النباتات فأصبح هشيما { تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ } قال ابن عباس: تثيره (1) الرياح وقال أبو عبيدة: تفرقه. وقال القتيبي: تنسفه { وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا } قادرا. { الْمَالُ وَالْبَنُونَ } التي يفتخر بها عتبة وأصحابه الأغنياء { زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ليست من زاد الآخرة.\rقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: المال والبنون حرث الدنيا والأعمال الصالحة حرث الآخرة وقد يجمعها الله لأقوام.\r{ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ } اختلفوا فيها فقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد: هي قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وقد روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"أفضل الكلام أربع كلمات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر\" (2) .\rأخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد الحنفي أنبأنا أبو بكر محمد بن الحسن الحيري أخبرنا أبو جعفر عبد الله بن إسماعيل الهاشمي أنبأنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي حدثنا أبو معاوية عن\r__________\r(1) في \"ب\": تديره.\r(2) أخرجه البخاري تعليقا في الأيمان والنذور: 11 / 566، ووصله النسائي من طريق ضرار بن مرة عن أبي صالح عن أبي سعيد وأبي هريرة مرفوعا بلفظه وأخرجه مسلم من حديث سمرة بن جندب: 3 / 1675 بلفظ: \"أحب\" بدل: أفضل. وأخرجه ابن حبان من هذا الطريق بلفظ: \"أفضل\" ولحديث أبي هريرة طرق أخرى أخرجها النسائي وصححها ابن حبان. انظر: فتح الباري: 11 / 567.","part":5,"page":174},{"id":1840,"text":"الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس\" (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان أنبأنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار أنبأنا حميد بن زنجويه حدثنا عثمان عن أبي صالح حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"استكثروا من الباقيات الصالحات\" قيل: وما هن يا رسول الله؟ [قال: \"الملة\" قيل: وما هي يا رسول الله] (2) قال: \"التكبير والتهليل والتسبيح والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم\" (3) .\rوقال سعيد بن جبير ومسروق وإبراهيم: \"الباقيات الصالحات\" هي: الصلوات الخمس. ويروى هذا عن ابن عباس (4) .\rوعنه رواية أخرى: أنها الأعمال الصالحة (5) وهو قول قتادة.\rقوله تعالى { خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا } أي جزاء المراد { وَخَيْرٌ أَمَلا } أي ما يأمله الإنسان.\r{ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47) }\rقوله عز وجل: { وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ } قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: \"تسير\" بالتاء وفتح الياء { الجبال } رفع دليله: قوله تعالى: \"وإذا الجبال سيرت\" (التكوير-3) .\rوقرأ الآخرون بالنون وكسر الياء \"الجبال\" نصب وتسيير الجبال: نقلها من مكان إلى مكان.\r{ وَتَرَى الأرْضَ بَارِزَةً } أي: ظاهرة ليس عليها شجر ولا جبل ولا نبات كما قال: \"فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا\" (طه-107) .\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء برقم (2695): 4 / 2072. والمصنف في شرح السنة: 5 / 60.\r(2) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(3) أخرجه الإمام أحمد في المسند: 3 / 75 وابن حبان ص (579) من موارد الظمآن والحاكم: 1 / 512 وقال: \"هذا أصح إسناد المصريين فلم يخرجاه\". قال الهيثمي في المجمع: (10 / 87): \"رواه أحمد وأبو يعلى... وإسنادهما حسن\". وعزاه المنذري في الترغيب والترهيب: (2 / 431) لأحمد وأبي يعلى والنسائي وابن حبان والحاكم ونقل تصحيحه له. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 5 / 64-65. وفيه دراج عن أبي الهيثم. وهو ضعيف لكن للحديث شواهد.\r(4) انظر: الدر المنثور: 5 / 399 زاد المسير: 5 / 149.\r(5) الدر المنثور: 5 / 399.","part":5,"page":175},{"id":1841,"text":"قال عطاء: هو بروز ما في باطنها من الموتى وغيرهم فترى باطن الأرض ظاهرا.\r{ وَحَشَرْنَاهُمْ } جميعا إلى الموقف والحساب { فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ } أي: نترك منهم { أَحَدًا }\r{ وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (48) }\r{ وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا } أي صفا صفا فوجا فوجا لا أنهم صف واحد وقيل: قياما ثم يقال لهم يعني الكفار { لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } يعني أحياء وقيل: فرادى كما ذكر في سورة الأنعام (1) وقيل: غرلا.\r{ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا } يوم القيامة يقوله لمنكري البعث.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا معلى بن أسد حدثنا وهب عن ابن طاووس عن أبي هريرة رضي 219/ب الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين وراهبين واثنان على بعير وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير وتحشر بقيتهم النار تقيل معهم حيث قالوا وتبيت معهم حيث باتوا وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا\" (2) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا محمد بن كثير حدثنا سفيان بن المغيرة بن النعمان حدثني سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إنكم محشورون حفاة عراة غرلا\" ثم قرأ \"كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين\" (الأنبياء-104) وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم وإن ناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول أصحابي أصحابي فيقول: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم فأقول كما قال العبد الصالح: \"وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم\" إلى قوله: \"العزيز الحكيم\" (3) (المائدة 117-118) .\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي [أخبرنا زاهر بن أحمد السرخسي] (4) أخبرنا أبو القاسم جعفر\r__________\r(1) انظر تفسير الآية (94) من سورة الأنعام: 3 / 169.\r(2) أخرجه البخاري في الرقاق باب الحشر: 11 / 377 ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها برقم (2861): 4 / 2195، والمصنف في شرح السنة: 15 / 124-125.\r(3) أخرجه البخاري في الأنبياء باب قول الله تعالى: \"واتخذ الله إبراهيم خليلا\": 6 / 386 ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب فناء الدنيا وبيان يوم الحشر برقم (2680): 4 / 2194-2195، والمصنف في شرح السنة: 15 / 123.\r(4) ساقط من \"أ\".","part":5,"page":176},{"id":1842,"text":"بن محمد بن المغلس ببغداد حدثنا هارون بن إسحاق الهمذاني أنبأنا أبو خالد الأحمر عن حاتم بن أبي صغير عن ابن أبي مليكة عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله كيف يحشر الناس يوم القيامة؟ قال: \"عراة حفاة\" قالت: قلت والنساء؟ قال: \"والنساء\" قالت: قلت يا رسول الله نستحي قال: \"يا عائشة الأمر أشد من ذلك أن يهمهم أن ينظر بعضهم إلى بعض\" (1) .\r{ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) }\rقوله عز وجل: { وَوُضِعَ الْكِتَابُ } يعني: كتب [أعمال العباد] (2) توضع في أيدي الناس في أيمانهم وشمائلهم وقيل: معناه توضع بين يدي الله تعالى { فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ } خائفين { مِمَّا فِيهِ } من الأعمال السيئة { وَيَقُولُونَ } إذا رأوها { يَا وَيْلَتَنَا } يا هلاكنا و\"الويل\" و\"الويلة\": الهلكة وكل من وقع في هلكة دعا بالويل ومعنى النداء تنبيه المخاطبين { مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً } من ذنوبنا. قال ابن عباس: \"الصغيرة\": التبسم و\"الكبيرة\": القهقهة وقال سعيد بن جبير: \"الصغيرة\": اللمم واللمس والقبلة و\"الكبيرة\": الزنا. { إِلا أَحْصَاهَا } عدها (3) قال السدي: كتبها وأثبتها قال مقاتل بن حيان حفظها.\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أنبأنا أبو العباس عبد الله بن محمد بن هارون الطيسفوني أنبأنا أبو الحسن محمد بن أحمد الترابي أنبأنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمرو بن بسطام أنبأنا أبو الحسن أحمد بن يسار القرشي حدثنا يوسف بن عدي المصري حدثنا أبو ضمرة أنس بن عياض عن أبي حازم قال: لا أعلمه إلا عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إياكم ومحقرات الذنوب فإنما مثل محقرات الذنوب مثل قوم نزلوا بطن واد فجاء هذا بعود وجاء هذا بعود فأنضجوا خبزهم وإن محقرات الذنوب لموبقات (4) .\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب فناء الدنيا وبيان الحشر برقم (2859): 15 / 124.\r(2) في \"ب\": أعمالهم.\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) رواه الإمام أحمد في المسند: 5 / 331 ورجاله رجال الصحيح ورواه الطبراني في الثلاثة من طريقين ورجال أحدهما رجال الصحيح غير عبد الوهاب بن عبد الحكم وهو ثقة. انظر: مجمع الزوائد: 10 / 190، وأخرجه المصنف في شرح السنة: 14 / 399.","part":5,"page":177},{"id":1843,"text":"قوله تعالى: { وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا } مكتوبا مثبتا في كتابهم { وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } أي لا ينقص ثواب أحد عمل خيرا.\rوقال الضحاك: لا يؤاخذ أحدا بجرم لم يعمله.\rوقال عبد الله بن قيس: \"يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات فأما العرضتان: فجدال ومعاذير وأما العرضة الثالثة: فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله\" ورفعه بعضهم عن أبي موسى (1) .\r{ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا (50) }\rقوله عز وجل: { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ } يقول: واذكر يا محمد إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم { فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ } قال ابن عباس: كان من حي من الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم (2) . وقال الحسن: كان من الجن ولم يكن من الملائكة فهو أصل الجن كما أن آدم أصل الإنس (3) { فَفَسَقَ } أي خرج { عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } عن طاعة ربه { أَفَتَتَّخِذُونَهُ } يعني بابني آدم { وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ } أي أعداء.\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الزهد باب ما جاء في العرض: 7 / 111 عن الحسن عن أبي هريرة مرفوعا وقال: \"ولا يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة [فهو منقطع] وقد رواه بعضهم عن علي بن علي وهو الرفاعي عن الحسن عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم\". ومن هذا الوجه رواه ابن ماجه في الزهد برقم (4277): 2 / 1430، قال في الزوائد: \"إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع...\" والإمام أحمد في المسند: 4 / 414. وأخرجه البيهقي في \"البعث\" بسند حسن عن عبد الله بن مسعود موقوفا. انظر: فتح الباري: 11 / 403.\r(2) أخرجه الطبري: 1 / 502 (دار المعارف).\r(3) أخرجه الطبري: 1 / 506 وقال ابن كثير: (3 / 89) هذا إسناد صحيح عن الحسن. وقد رجح الطبري رحمه الله الرأي الأول وكأنه رجح غير الراجح كما فعل المصنف في: 1 / 82 (من هذه الطبعة). وظاهر القرآن أن إبليس كان من الجن وأنه خلق من نار وإذا أطلقت كلمة الجن فإنها تنصرف إلى الجن المعهودين وليس إلى قبيل من الملائكة يقال لهم \"الجن\" من نار السموم ولكن لم يقم الدليل على صحة ذلك... ولذلك بعد أن عرض الحافظ ابن كثير الروايات في ذلك قال: (3 / 90): \"وقد روي في هذا آثار كثيرة عن السلف إشارة إلى الروايات عن ابن عباس أن إبليس من الملائكة الذين خلقوا من نار واسمهم الجن -وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها والله أعلم بحال كثير منها ومنها ما قد يقطع بكذبه لمخالفته للحق الذي بأيدينا وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان وقد وضع فيها أشياء كثيرة وليس لهم من الحفاظ المتقنين الذين ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين كما لهذه الأمة من الأئمة والعلماء والسادة والأتقياء والبررة والنجباء من الجهابذة النقاد والحفاظ الجياد الذين دونوا الحديث وحرروه وبينوا صحيحه من حسنه من ضعيفه من منكره وموضوعه ومتروكه ومكذوبه وعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولين وغير ذلك من أصناف الرجال. كل ذلك صيانة للجناب النبوي والمقام المحمدي خاتم الرسل وسيد البشر صلى الله عليه وسلم أن ينسب إليه كذب أو يحدث عنه بما ليس منه، فرضي الله عنهم وأرضاهم وجعل جنات الفردوس مأواهم\".","part":5,"page":178},{"id":1844,"text":"روى مجالد عن الشعبي قال: إني لقاعد يوما إذ أقبل رجل فقال: أخبرني هل لإبليس زوجة؟ قلت: إن ذلك العرس ما شهدته، ثم ذكرت قوله تعالى: { أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي } فعلمت أنه لا تكون الذرية إلا من الزوجة، فقلت: نعم.\rوقال قتادة: يتوالدون كما يتوالد بنو آدم.\rوقيل: إنه يدخل ذنبه في دبره فيبيض فتنفلق البيضة عن جماعة من الشياطين.\rقال مجاهد: من ذرية إبليس: \"لاقيس\" و\"ولهان\" وهما صاحبا الطهارة والصلاة، و\"الهفاف\" و\"مرة\" وبه يكنى و\"زلنبور\" وهو صاحب [الأسواق، يزين اللغو والحلف الكاذبة ومدح السلع، و\"ثبر\" وهو صاحب المصائب] (1) يزين خمش الوجوه ولطم الخدود وشق الجيوب و\"الأعور\" وهو صاحب الزنا ينفخ في إحليل الرجل وعجز المرأة و\"مطوس\" وهو صاحب الأخبار الكاذبة يلقيها في أفواه الناس لا يجدون لها أصلا و\"داسم\" وهو الذي إذا دخل الرجل بيته ولم يسلم ولم يذكر اسم الله بصره من المتاع ما لم يرفع أو يحتبس موضعه وإذا أكل ولم يذكر اسم الله أكل معه (2) قال الأعمش: ربما دخلت البيت ولم أذكر اسم الله ولم أسلم فرأيت مطهرة فقلت ارفعوا هذه وخاصمتهم ثم أذكر اسم الله فأقول داسم داسم (3) .\rوروي عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان فاتقوا وسواس الماء\" (4) .\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) أخرج ذلك عن مجاهد، الطبري: 15 / 262 وذكرها ابن الجوزي: 5 / 154 وغيره وفي هجاء بعض الأسماء خلاف لم نشر إليه، إذ لا فائدة من ذلك وكل هذه الروايات لا يصح لها إسناد إلى المعصوم فنحن في غنية عنها. والله أعلم.\r(3) الطبري: 15 / 262، أي يقول في نفسه إن \"داسم\" هو الذي بصره المتاع.\r(4) أخرجه الترمذي في الطهارة باب كراهية الإسراف في الماء: 1 / 188-189، وابن ماجه في الطهارة، باب ما جاء في القصد في الوضوء: 1 / 146، وأحمد في المسند: 5 / 136، والمصنف في شرح السنة: 2 / 53. قال الترمذي في الموضع السابق: حديث أبي حديث غريب وليس إسناده بالقوي والصحيح عند أهل الحديث؛ لأنا لا نعلم أحدا أسنده غير خارجة. وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن الحسن من قوله، ولا يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء وخارجة ليس بالقوي وقال الذهبي في \"ميزان الاعتدال\": (1 / 625): خارجة بن مصعب: وهاه أحمد، وقال ابن معين: ليس بثقة، كذاب.. انفرد بخبر \"إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان\".","part":5,"page":179},{"id":1845,"text":"أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنبأنا عبد الغافر بن محمد أنبأنا محمد بن عيسى الجلودي أنبأنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنبأنا مسلم بن الحجاج حدثنا يحيى بن خلف الباهلي أنبأنا عبد الأعلى عن سعيد الجريري عن أبي العلاء؛ أن عثمان بن أبي العاص أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وبين قراءتي يلبسها علي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا\" قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني (1) .\rوأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنبأنا عبد الغافر بن محمد بن عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنبأنا مسلم بن الحجاج حدثنا أبو كريب محمد بن علاء أنبأنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا فيقول: ما صنعت شيئا، قال: ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه، ويقول: نِعمَ أنت\". قال الأعمش أراه قال: فيلتزمه (2) .\rقوله تعالى { بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا } قال قتادة: بئس ما استبدلوا طاعة إبليس وذريته بعبادة ربهم.\r{ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (51) }\r{ مَا أَشْهَدْتُهُمْ } ما أحضرتهم وقرأ أبو 220/أ جعفر \"ما أشهدناهم\" بالنون والألف على التعظيم أي: أحضرناهم يعني إبليس وذريته. وقيل: الكفار. وقال الكلبي: يعني الملائكة { خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ } يقول: ما أشهدتهم خلقا فأستعين بهم على خلقها وأشاورهم فيها، { وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا } أي: الشياطين الذين يضلون الناس عضدا، أي: أنصارا وأعوانا.\r__________\r(1) أخرجه مسلم في السلام باب التعوذ من شيطان الوسوسة في الصلاة، برقم (2203): 4 / 1728-1729.\r(2) أخرجه مسلم في صفات المنافقين وأحكامهم، باب تحريش الشيطان وبعثه سراياه، برقم (2813): 4 / 2167، والمصنف في شرح السنة: 14 / 410.","part":5,"page":180},{"id":1846,"text":"{ وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (52) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (53) }","part":5,"page":181},{"id":1847,"text":"{ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا (54) }\rقوله عز وجل: { وَيَوْمَ يَقُولُ } قرأ حمزة بالنون والآخرون بالياء أي: يقول الله لهم يوم القيامة: { نَادُوا شُرَكَائِيَ } يعني الأوثان { الَّذِينَ زَعَمْتُمْ } أنهم شركائي { فَدَعَوْهُمْ } فاستغاثوا بهم { فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ } أي: لم يجيبوهم ولم ينصروهم { وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ } يعني: بين الأوثان وعبدتها. وقيل: بين أهل الهدى وأهل الضلالة، { مَوْبِقًا } مهلكا قاله عطاء والضحاك. وقال ابن عباس: هو واد في النار. وقال مجاهد: واد في جهنم.\rوقال عكرمة: هو نهر في النار يسيل نارا على حافته حيات مثل البغال الدهم.\rقال ابن الأعرابي: وكل حاجز بين شيئين فهو موبق وأصله الهلاك يقال: أوبقه أي: أهلكه.\rقال الفراء: وجعلنا تواصلهم في الدنيا مهلكا لهم في الآخرة، والبين على هذا القول التواصل كقوله تعالى: \"لقد تقطع بينكم\" الأنعام-94 . على قراءة من قرأ بالرفع (1) . { وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ } أي: المشركون { فَظَنُّوا } أيقنوا { أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا } داخلوها وواقعون فيها { وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا } معدلا لأنها أحاطت بهم من كل جانب. قوله عز وجل: { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا } بينا { فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ } أي ليتذكروا ويتعظوا { وَكَانَ الإنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا } خصومة في الباطل.\rقال ابن عباس: أراد النضر بن الحارث وجداله في القرآن.\rقال الكلبي: أراد به أبي بن خلف الجمحي (2) .\rوقيل: المراد من الآية الكفار، لقوله تعالى: \"ويجادل الذين كفروا بالباطل\" (الكهف-56) .\rوقيل: هي على العموم، وهذا أصح.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمد بن يوسف أنبأنا محمد بن إسماعيل أخبرنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري أنبأنا علي بن الحسين أن\r__________\r(1) انظر في هذه الأقوال: زاد المسير: 5 / 158-159.\r(2) زاد المسير: 5 / 159.","part":5,"page":181},{"id":1848,"text":"الحسين بن علي أخبره: أن عليا أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة، فقال: \"ألا تصليان؟ قلت: يا رسول الله إن أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قلت له ذلك ولم يرجع إلي شيئا، ثم سمعته وهو مول يضرب فخذه وهو يقول: { وَكَانَ الإنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا } (1) .\r{ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا (55) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (56) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57) }\rقوله عز وجل: { وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى } القرآن والإسلام والبيان من الله عز وجل وقيل: إنه الرسول صلى الله عليه وسلم. { وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ } يعني: سنتنا في إهلاكهم إن لم يؤمنوا.\rوقيل: إلا طلب أن تأتيهم سنة الأولين من معاينة العذاب كما قالوا: \"اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم\" (الأنفال-32) .\r{ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا } قال ابن عباس: أي: عيانا من المقابلة. وقال مجاهد: فجأة، وقرأ أبو جعفر وأهل الكوفة: { قُبُلا } بضم القاف والباء، جمع قبيل أي: أصناف العذاب نوعا نوعا. { وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ } ومجادلتهم قولهم: \"أبعث الله بشرا رسولا\" (الإسراء-94) . \"ولولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم\" (الزخرف-31) وما أشبهه { لِيُدْحِضُوا } ليبطلوا { بِهِ الْحَقَّ } وأصل الدحض الزلق يريد ليزيلوا به الحق { وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا } فيه إضمار يعني وما أنذروا به وهو القرآن هزوا أي استهزاء . { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ } وعظ { بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا } تولى عنها وتركها ولم يؤمن\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التهجد باب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم على قيام الليل والنوافل من غير إيجاب: 3 / 10.","part":5,"page":182},{"id":1849,"text":"بها { وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } أي: ما عمل من المعاصي من قبل { إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } أغطية { أَنْ يَفْقَهُوهُ } أي: يفهموه يريد لئلا يفهموه { وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا } أي صمما وثقلا { وَإِنْ تَدْعُهُمْ } يا محمد { إِلَى الْهُدَى } إلى الدين { فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا } وهذا في أقوام علم الله منهم أنهم لا يؤمنون.\r{ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا (58) وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (59) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60) }\r{ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ } ذو النعمة { لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ } يعاقب الكفار { بِمَا كَسَبُوا } من الذنوب { لَعَجَّلَ لَهُمُالْعَذَابَ } في الدنيا { بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ } يعني البعث والحساب (1) { لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلا } ملجأ. { وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ } يعني: قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم { لَمَّا ظَلَمُوا } كفروا { وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا } أي: أجلا قرأ أبو بكر \" لمهلكهم \" بفتح الميم واللام، [وقرأ حفص بفتح الميم وكسر اللام، وكذلك في النمل \"مهلك\" أي لوقت هلاكهم] (2) وقرأ الآخرون بضم الميم وفتح اللام أي: لإهلاكهم. قوله عز وجل: { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ } عامة أهل العلم قالوا: إنه موسى بن عمران. وقال بعضهم: هو موسى بن ميشا من أولاد يوسف والأول أصح.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو بن دينار أخبرني سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل فقال ابن عباس: كذب عدو الله (3) حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:\r__________\r(1) في \"ب\": النشور.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) قال الحافظ ابن حجر نقلا عن ابن التين: \"لم يرد ابن عباس إخراج نوف عن ولاية الله، ولكن قلوب العلماء تنفر إذا سمعت غير الحق، فيطلقون أمثال هذا الكلام لقصد الزجر والتحذير منه، وحقيقته غير مرادة\". ثم قال ابن حجر: \"ويجوز أن يكون ابن عباس اتهم نوفا في صحة إسلامه، فلهذا لم يقل في حق الحر بن قيس هذه المقالة مع تواردهما عليه\". فتح الباري: (1 / 219).","part":5,"page":183},{"id":1850,"text":"\"إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه أن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: يا رب فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتا فتجعله في مكتل فحيث ما فقدت الحوت فهو ثم. فأخذ حوتا فجعله في مكتل ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رءوسهما فناما واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر، فاتخذ سبيله في البحر سربا وأمسك الله تعالى عن الحوت جرية المار فصار عليه مثل الطاق (1) فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال: ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمر به (2) وقال له فتاه: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا قال: فكان للحوت سربا ولموسى ولفتاه عجبا وقال موسى: ذلك ما كنا نبغ قال: رجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة فإذا رجل مسجي بثوب فسلم عليه موسى فقال الخضر عليه السلام: وأنى بأرضك السلام، فقال: أنا موسى قال: موسى بنى 220/ب إسرائيل؟ قال: نعم أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا، قال: إنك لن تستطيع معي صبرا يا موسى، إني على علم من الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله علمك الله لا أعلمه فقال موسى: ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا، فقال له الخضر: فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا، فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول، فلما ركبا في السفينة لم يضح إلا والخضر قد قلع (3) لوحا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها؟ لقد جئت شيئا إمرا! قال: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا؟ قال: لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا، قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"كانت الأولى من موسى نسيانا [والوسطى شرطا والثالثة عمدا\"] (4) قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر: ما [نقص] (5) علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر، ثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر برأسه فاقتلعه بيده فقتله (6) فقال له موسى: أقتلت نفسا زكية بغير نفس؟ لقد جئت شيئا نكرا، قال: ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا؟ قال: وهذه أشد من الأولى قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه، قال: كان مائلا فقال الخضر بيده فأقامه، فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال: \"هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا\" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص علينا من خبرهما\" (7) .\rقال سعيد بن جبير: فكان ابن عباس يقرأ: \"وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة (8) غصبا\"، وكان يقرأ: \"وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين\" (9) .\rوعن سعيد بن جبير في رواية أخرى عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"[قام موسى] (10) رسول الله فذكر الناس يوما حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب ولى فأدركه رجل فقال: أي رسول الله هل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال: لا -فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله-قيل: بلى [عبدنا الخضر] (11) قال: يا رب وأين؟ قال: بمجمع البحرين [قال: رب اجعل لي علما أعلم بك منه] (12) قال: فخذ حوتا ميتا حيث ينفخ فيه الروح وفي رواية قيل له: تزود حوتا مالحا فإنه حيث تفقد الحوت فأخذ حوتا فجعله في مكتل\" (13) .\rرجعنا إلى التفسير؛ قوله عز وجل: { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ } يوشع بن نون { لا أَبْرَحُ } أي لا أزال أسير (14) { حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ } قال قتادة: بحر فارس وبحر (15) الروم مما يلي المشرق. وقال محمد بن كعب طنجة. وقال أبي بن كعب: أفريقية (16) .\r__________\r(1) الطاق: عقد البناء، وما عقد أعلاه من البناء وبقي تحته خاليا أو هي الكوة.\r(2) في \"ب\": أمره الله به.\r(3) في \"ب\": خرق.\r(4) ساقطة من نسخة \"أ\".\r(5) ساقط من \"أ\".\r(6) ساقط من \"ب\".\r(7) أخرجه البخاري في العلم باب ما يستحب للعالم إذا سئل: أي الناس أعلم، فيكل العلم إلى الله: 1 / 217-218، ومسلم في الفضائل، باب فضائل الخضر: 4 / 1847-1850.\r(8) ساقط من \"ب\".\r(9) صحيح مسلم: 4 / 1850.\r(10) ساقط من \"أ\".\r(11) زيادة من \"أ\" وليست في الصحيح.\r(12) ما بين القوسين من صحيح البخاري.\r(13) أخرج هذه الرواية البخاري في تفسير سورة الكهف باب \"فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما...\" 8 / 411-412.\r(14) ليست في \"أ\".\r(15) ليست في \"أ\".\r(16) انظر: زاد المسير: 5 / 164، قال الحافظ في الفتح: 8 / 410، والسند إلى أبي بن كعب ضعيف وهذا اختلاف شديد.","part":5,"page":184},{"id":1851,"text":"{ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا } وإن كان حقبا أي دهرا طويلا وزمانا، وجمعه أحقاب، والحقب: جمع الحقب. قال عبد الله بن عمر: والحقب ثمانون سنة فحملا خبزا وسمكة مالحة حتى انتهيا إلى الصخرة التي عند مجمع البحرين ليلا وعندها عين تسمى ماء الحياة لا يصيب ذلك الماء شيئا إلا حي فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده (1) اضطربت في المكتل وعاشت ودخلت البحر.\r{ فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61) }\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".","part":5,"page":186},{"id":1852,"text":"{ فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62) }\rفذلك قوله تعالى: { فَلَمَّا بَلَغَا } يعني موسى وفتاه { مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا } أي: بين الفريقين { نَسِيَا } تركا { حُوتَهُمَا } وإنما كان الحوت مع يوشع وهو الذي نسيه وأضاف النسيان إليهما لأنهما جميعا تزوداه لسفرهما كما يقال: خرج القوم إلى موضع كذا وحملوا من الزاد كذا وإنما حمله واحد منهم.\r{ فَاتَّخَذَ } أي الحوت { سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا } أي مسلكا. [وروي عن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"انجاب الماء عن مسلك] (1) الحوت فصار كوة لم يلتئم فدخل موسى الكوة على أثر الحوت فإذا هو بالخضر\" (2) .\rقال ابن عباس: جعل الحوت لا يمس شيئا من البحر إلا يبس حتى صار صخرة (3) .\rوقال الكلبي: توضأ يوشع بن نون من عين الحياة فانتضح على الحوت المالح في المكتل من ذلك الماء فعاش ثم وثب في ذلك الماء فجعل يضرب بذنبه فلا يضرب بذنبه شيئا من الماء وهو ذاهب إلا يبس.\rوقد روينا أنهما لما انتهيا إلى الصخرة وضعا رءوسهما فناما واضطرب الحوت فخرج وسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سربا فأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ موسى نسي صاحبه أن يخبره فانطلقا حتى إذا كان من الغد (4) . قوله تعالى: { فَلَمَّا جَاوَزَا } يعني ذلك الموضع وهو مجمع البحرين { قَالَ } موسى { لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا } أي طعامنا والغداء ما يعد للأكل غدوة والعشاء ما يعد للأكل عشية\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) انظر: الدر المنثور: 5 / 423، ابن كثير: 3 / 93.\r(3) تفسير ابن كثير: 3 / 93.\r(4) انظر: البخاري 8 / 423.","part":5,"page":186},{"id":1853,"text":"{ لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا } أي: تعبا وشدة وذلك أنه ألقي على موسى الجوع بعد مجاوزة الصخرة ليتذكر الحوت ويرجع إلى مطلبه.\r{ قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (64) }\r{ قَالَ } له فتاه وتذكر { أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ } وهي صخرة كانت بالموضع الموعود قال معقل بن زياد: هي الصخرة التي دون نهر الزيت { فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ } أي تركته وفقدته وذلك أن يوشع حين رأى ذلك من الحوت قام ليدرك موسى فيخبره فنسي أن يخبره فمكثا يومهما حتى صليا الظهر من الغد.\rقيل في الآية إضمار معناه: نسيت أن أذكر لك أمر الحوت ثم قال:\r{ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ } أي: وما أنسانيه أن أذكر لك أمر الحوت إلا الشيطان وقرأ حفص: { أَنْسَانِيهُ } وفي الفتح: { عَلَيْهُ اللَّهَ } بضم الهاء.\rوقيل معناه أنسانيه لئلا أذكره.\r{ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا } قيل: هذا من قول يوشع، ويقول: طفر الحوت إلى البحر فاتخذ فيه مسلكا فعجبت من ذلك عجبا.\rوروينا في الخبر: كان للحوت سربا ولموسى وفتاه عجبا (1) .\rوقيل: هذا من قول موسى لما قال له يوشع واتخذ سبيله في البحر قال له موسى: عجبا كأنه قال: أعجب عجبا.\rقال ابن زيد: أي شيء أعجب من حوت يؤكل منه جهرا (2) ثم صار حيا بعدما أكل بعضه؟. { قَالَ } موسى { ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ } أي نطلب { فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا } أي: رجعا يقصان الأثر الذي جاء منه أي: يتبعانه فوجدا عبدا من عبادنا قيل: كان ملكا من الملائكة،\r__________\r(1) في رواية البخاري: \"... فوجدا في البحر كالطاق ممر الحوت فكان لفتاه عجبا وللحوت سربا\" كتاب التفسير باب \"قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة\": 8 / 423.\r(2) في \"ب\": دهرا.","part":5,"page":187},{"id":1854,"text":"والصحيح الذي جاء في التواريخ وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم 221/أ أنه الخضر (1) واسمه بليا بن ملكان (2) قيل: كان من نسل بني إسرائيل. وقيل: كان من أبناء الملوك الذين تزهدوا في الدنيا والخضر لقب له سمي بذلك لما:\rأخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي أنبأنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان حدثنا أحمد بن يوسف السلمي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إنما سمي خضرا لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز تحته خضرا\" (3) .\rقال مجاهد: سمي خضرا لأنه إذا صلى اخضر ما حوله.\rوروينا: أن موسى رأى الخضر مسجى بثوب فسلم عليه فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام؟ قال: أنا موسى أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا (4) .\rوفي رواية أخرى لقيه مسجى بثوب مستلقيا على قفاه بعض الثوب تحت رأسه وبعضه تحت رجليه. وفي رواية لقيه وهو يصلي. ويروى لقيه على طنفسة خضراء على كبد البحر فلذلك قوله تعالى:\r{ فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) }\r{ فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً } أي نعمة { مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا } أي: علم الباطن إلهاما ولم يكن الخضر نبيا عند أكثر أهل العلم (5) .\r__________\r(1) تقدم ذلك في الأحاديث السابقة وانظر: صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء باب حديث الخضر مع موسى عليه السلام: 6 / 431-433، وهو بفتح الخاء وكسر الضاد ويجوز إسكان الضاد مع كسر الخاء وفتحها.\r(2) انظر: المعارف لابن قتيبة ص 42 تهذيب الأسماء واللغات للنووي: 1 / 176، فتح الباري: 6 / 433.\r(3) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء باب حديث الخضر مع موسى: 6 / 433.\r(4) تقدم تخريج هذه الرواية والتي تليها.\r(5) بين أهل العلم خلاف في شأن الخضر هل هو نبي أم لا؟ وفي كونه باقيا إلى الآن ثم إلى يوم القيامة، ومال ابن الصلاح إلى بقائه وذكروا في ذلك حكايات وآثارا عن السلف وغيرهم وجاء في ذكره في بعض الأحاديث -أي بقاؤه حيا- ولا يصح شيء من ذلك وأشهرها حديث التعزية وإسناده ضعيف ورجح آخرون من المحدثين خلاف ذلك وبأنه لم ينقل أنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا حضر عنده ولا قاتل معه ولو كان حيا لكان من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لأنه عليه السلام كان مبعوثا إلى جميع الثقلين: الجن والإنس، وقد قال: \"لو كان موسى وعيسى حيين ما وسعهما إلا اتباعي\"، وأخبر قبل موته بقليل: أنه لا يبقى ممن هو على وجه الأرض إلى مائة سنة من ليلته تلك عين تطرف إلى غير ذلك من الدلائل. انظر: تفسير ابن كثير: 3 / 100-101، تفسير القرطبي: 11 / 41-42، المنار المنيف لابن القيم ص (67-76) مع تعليق المحقق، فتح الباري: 6 / 434-436، الزهر النضر في نبأ الخضر للحافظ ابن حجر العسقلاني، وهي رسالة منشورة في مجموعة الرسائل المنيرة: 2 / 195-234، تهذيب الأسماء واللغات للنووي: 1 / 176-177.","part":5,"page":188},{"id":1855,"text":"{ قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) }\rفلما { قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ } يقول: جئتك لأتبعك وأصحبك { عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا } قرأ أبو عمرو ويعقوب: \" رشدا \" بفتح الراء والشين وقرأ الآخرون: بضم الراء وسكون الشين أي صوابا وقيل: علما ترشدني به.\rوفي بعض الأخبار أنه لما قال له موسى هذا قال له الخضر: كفى بالتوراة علما وببني إسرائيل شغلا فقال له موسى: إن الله أمرني بهذا فحينئذ: { قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا } { قَالَ } له الخضر { إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا } وإنما قال ذلك لأنه علم أنه يرى أمورا منكرة ولا يجوز للأنبياء أن يصبروا على المنكرات . ثم بين عذره في ترك الصبر فقال: { وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا } أي علما. { قَالَ } موسى { سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا } إنما استثنى لأنه لم يثق من نفسه بالصبر { وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا } أي: لا أخالفك فيما تأمر. { قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي } فإن صحبتني ولم يقل: اتبعني ولكن جعل الاختيار إليه إلا أنه شرط عليه شرطا فقال: { فَلا تَسْأَلْنِي } قرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر بفتح اللام وتشديد النون والآخرون بسكون اللام وتخفيف النون { عَنْ شَيْءٍ } أعمله مما تنكره ولا تعترض عليه { حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا } حتى ابتدئ لك بذكره فأبين لك شأنه. { فَانْطَلَقَا } يمشيان على الساحل يطلبان سفينة يركبانها فوجدا سفينة فركباها فقال أهل السفينة: هؤلاء لصوص وأمروهما بالخروج فقال صاحب السفينة: ما هم بلصوص ولكني أرجو وجوه الأنبياء.\rوروينا عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم: \"مرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا","part":5,"page":189},{"id":1856,"text":"الخضر فحملوهم بغير نول فلما لججوا البحر أخذ الخضر فأسا فخرق لوحا من السفينة\" (1) فذلك قوله تعالى:\r{ حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ } له موسى { أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا } قرأ حمزة والكسائي: \"ليغرق\" بالياء وفتحها وفتح الراء \" أهلها \" بالرفع على اللزوم وقرأ الآخرون: بالتاء ورفعها وكسر الراء { أَهْلَهَا } بالنصب على أن الفعل للخضر.\r{ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا } أي: منكرا والإمر في كلام العرب الداهية وأصله: كل شيء شديد كثير (2) يقال: أمر القوم: إذا كثروا واشتد أمرهم.\rوقال القتيبي { إِمْرًا } أي: عجبا.\rوروي أن الخضر لما خرق السفينة لم يدخلها الماء. وروي أن موسى لما رأى ذلك أخذ ثوبه فحشى به الخرق. وروي أن الخضر أخذ قدحا من الزجاج ورقع به خرق السفينة.\r{ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74) }\r{ قَالَ } العالم وهو الخضر { أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا } { قَالَ } موسى { لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ } قال ابن عباس: إنه لم ينس ولكنه من معاريض الكلام فكأنه نسي شيئا آخر (3) وقيل: معناه بما تركت من عهدك والنسيان: الترك. وقال أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم: \"كانت الأولى من موسى نسيانا والوسطى شرطا والثالثة عمدا\" (4) . { وَلا تُرْهِقْنِي } ولا تغشني { مِنْ أَمْرِي عُسْرًا } وقيل: لا تكلفني مشقة يقال: أرهقته عسرا أي: كلفته ذلك يقول: لا تضيق علي أمري وعاملني باليسر ولا تعاملني بالعسر. { فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ } في القصة أنهما خرجا من البحر يمشيان فمرا بغلمان يلعبون فأخذ الخضر غلاما ظريفا وضيء الوجه فأضجعه ثم ذبحه بالسكين.\rقال السدي: كان أحسنهم وجها وكان وجهه يتوقد حسنا.\r__________\r(1) تقدم تخريجه وهو في البخاري باب العلم: 1 / 218.\r(2) في \"ب\": كبير.\r(3) انظر: البحر المحيط: 6 / 150، القرطبي: 11 / 22.\r(4) تقدم تخريجها ضمن رواية كعب في الصحيحين، وانظر البخاري: 5 / 326، مسلم: 4 / 1847-1850.","part":5,"page":190},{"id":1857,"text":"وروينا أنه أخذ برأسه فاقتلعه بيده وروى عبد الرزاق هذا الخبر وأشار بأصابعه الثلاث الإبهام والسبابة والوسطى وقلع برأسه.\rوروي أنه رضخ رأسه بالحجارة.\rوقيل: ضرب رأسه بالجدار فقتله (1) .\rقال ابن عباس: كان غلاما لم يبلغ الحنث وهو قول الأكثرين قال ابن عباس: لم يكن نبي الله يقول: أقتلت نفسا زكية إلا وهو صبي لم يبلغ.\rوقال الحسن: كان رجلا وقال شعيب الجبائي: كان اسمه حيسور.\rوقال الكلبي: كان فتى يقطع ويأخذ المتاع ويلجأ إلى أبويه (2) .\rوقال الضحاك: كان غلاما يعمل بالفساد وتأذى منه أبواه (3) .\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أخبرنا عبد الغافر بن محمد أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي أنبأنا إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج أنبأنا عبد الله بن مسلمة بن معتب حدثنا معمر بن سليمان عن أبيه عن رقية بن مصقلة عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا\" (4) .\r{ قَالَ } موسى { أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً } قرأ ابن كثير ونافع وأبو جعفر وأبو عمرو: \"\"زاكية\" بالألف وقرأ الآخرون: \"زكية\" قال الكسائي والفراء: معناهما واحد مثل: القاسية والقسية وقال أبو عمرو بن العلاء: \"الزاكية\": التي لم تذنب قط و\"الزكية\": التي أذنبت ثم تابت.\r{ بِغَيْرِ نَفْسٍ } أي: لم تقتل نفسا [بشيء] (5) وجب به عليها القتل.\r{ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا } أي: منكرا قال قتادة: النكر أعظم من الإمر لأنه حقيقة الهلاك وفي خرق السفينة كان خوف الهلاك.\rوقيل: الإمر أعظم لأنه كان فيه تغريق جمع كثير.\r__________\r(1) في البخاري أنه ذبح بالسكين وفي الصحيحين وفي الترمذي أن الخضر أخذ برأسه فاقتلعه بيده فقتله وفي لفظ؟ أنه أخذ حجرا فضرب به رأسه قال القرطبي: (11 / 21) \"ولا اختلاف بين هذه الأحوال فإنه يحتمل أن يكون دفعه أولا بالحجر ثم أضجعه فذبحه ثم اقتلع رأسه والله أعلم بما كان من ذلك وحسبك بما جاء في الصحيح\".\r(2) قال أبو حيان في البحر المحيط: (1 / 150) واختلف في اسم هذا الغلام واسم أبيه واسم أمه ولم يرد شيء من ذلك في الحديث.\r(3) انظر البحر المحيط: 6 / 150.\r(4) أخرجه مسلم في القدر باب معنى: \"كل مولود يولد على الفطرة\" برقم (2661): 4 / 2050.\r(5) زيادة من \"ب\".","part":5,"page":191},{"id":1858,"text":"قرأ نافع وابن عامر ويعقوب وأبو بكر هاهنا: { نُكْرًا } وفي سورة الطلاق بضم الكاف والآخرون بسكونها.","part":5,"page":192},{"id":1859,"text":"{ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77) }\r{ قَالَ } يعني الخضر: { أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا } قيل: زاد \"لك\" لأنه نقض العهد مرتين وفي القصة أن يوشع كان يقول لموسى: يا نبي 221/ب الله اذكر العهد الذي أنت عليه. { قَالَ } موسى { إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا } بعد هذه المرة { فَلا تُصَاحِبْنِي } وفارقني وقرأ يعقوب: \" فلا تصحبني \" بغير ألف من الصحبة.\r{ قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا } قرأ أبو جعفر ونافع وأبو بكر \" من لدني \" خفيفة النون وقرأ الآخرون بتشديدها قال ابن عباس: أي قد أعذرت فيما بيني وبينك.\rوقيل: حذرتني أني لا أستطيع معك صبرا. وقيل: اتضح لك العذر في مفارقتي.\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنبأنا عبد الغافر بن محمد أنبأنا محمد بن عيسى حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج حدثنا محمد بن عبد الله القيسي حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن رقية عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"رحمة الله علينا وعلى موسى\" وكان إذا ذكر أحدا من الأنبياء بدأ بنفسه \"لولا أنه عجل لرأى العجب ولكنه أخذته من صاحبه ذمامة (1) قال: { إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا } فلو صبر لرأى العجب\" (2) . قوله عز وجل: { فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ } قال ابن عباس: يعني: \"أنطاكية\" وقال ابن سيرين: هي \"الأبلة\" وهي أبعد الأرض من السماء وقيل: \"برقة\". وعن أبي هريرة: بلدة بالأندلس (3) { اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا }\r__________\r(1) أي: حياء وإشفاق من الذم واللوم.\r(2) أخرجه مسلم في الفضائل باب من فضائل الخضر عليه السلام برقم (2380 / 172): 4 / 185.\r(3) أقوال مضطربة بحسب اختلاف المفسرين في أي ناحية من الأرض كانت القصة والله أعلم بحقيقة ذلك. انظر: البحر المحيط 6 / 151 القرطبي: 11 / 24.","part":5,"page":192},{"id":1860,"text":"قال أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم: \"حتى إذا أتيا أهل قرية لئاما فطافا في المجالس فاستطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما\" (1) .\rوروي أنهما طافا في القرية فاستطعماهم فلم يطعموهما واستضافوهم فلم يضيفموهما.\rقال قتادة: شر القرى التي لا تضيف الضيف.\rوروي عن أبي هريرة قال: أطعمتهما امرأة من أهل بربر بعد أن طلبا من الرجال فلم يطعموهما فدعا لنسائهم ولعن رجالهم.\rقوله تعالى: { فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ } أي يسقط وهذا من مجاز كلام العرب لأن الجدار لا إرادة له وإنما معناه: قرب ودنا من السقوط كما تقول العرب: داري تنظر إلى دار فلان إذا كانت تقابلها.\r{ فَأَقَامَهُ } أي سواه وروي عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال الخضر بيده فأقامه (2) .\rوقال سعيد بن جبير: مسح الجدار بيده فاستقام وروي عن ابن عباس: هدمه ثم قعد يبنيه وقال السدي: بل طينا وجعل يبني الحائط.\r{ قَالَ } موسى { لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا } قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: \"لتخذت\" بتخفيف التاء وكسر الخاء وقرأ الآخرون: \"لتخذت\" بتشديد التاء وفتح الخاء وهما لغتان مثل اتبع وتبع { عَلَيْهِ } يعني على إصلاح الجدار { أَجْرًا } يعني جعلا معناه: إنك قد علمت أننا جياع وأن أهل القرية لم يطعمونا فلو أخذت على عملك أجرا.\r{ قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78) }\r{ قَالَ } الخضر: { هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ } يعني هذا وقت فراق بيني وبينك وقيل: هذا الإنكار على ترك الأجر هو المفرق بيننا. وقال الزجاج: معناه هذا فراق بيننا أي فراق اتصالنا وكرر \"بين\" تأكيدا.\r{ سَأُنَبِّئُكَ } أي سوف أخبرك { بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا } وفي بعض التفاسير أن موسى أخذ بثوبه فقال: أخبرني بمعنى ما عملت قبل أن تفارقني فقال: { أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ }\r__________\r(1) قطعة من الحديث السابق.\r(2) أي: أشار بيده فأقامه وهذا تعبير عن الفعل بالقول وهو شائع وهذا قطعة من حديث أبي السابق عند مسلم وبهذا يترجح هذا القول على الأقوال الأخرى. وانظر: الطبري: 15 / 290-291.","part":5,"page":193},{"id":1861,"text":"{ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) }\r{ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ } قال كعب: كانت لعشرة إخوة خمسة زمنى (1) وخمسة يعملون في البحر وفيه دليل على أن المسكين وإن كان يملك شيئا فلا يزول عنه اسم المسكنة إذا لم يقم ما يملك بكفايته { يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ } أي: يؤاجرون ويكتسبون بها { فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا } أجعلها ذات عيب.\r{ وَكَانَ وَرَاءَهُمْ } أي أمامهم { مَلِكٌ } كقوله: \"من ورائه جهنم\" (إبراهيم-16) .\rوقيل: \"وراءهم\" خلفهم وكان رجوعهم في طريقهم عليه والأول أصح يدل عليه قراءة ابن عباس \"وكان أمامهم ملك\" (2) .\r{ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا } أي: كل سفينة صالحة غصبا وكان ابن عباس يقرأ كذلك فخرقها وعيبها الخضر حتى لا يأخذها الملك الغاصب وكان اسمه الجلندي وكان كافرا.\rقال محمد بن إسحاق: اسمه \"متوله بن جلندي الأزدي\".\rوقال شعيب الجبائي: اسمه \"هدد بن بدد\" (3) .\rوروي أن الخضر اعتذر إلى القوم وذكر لهم شأن الملك الغاصب ولم يكونوا يعلمون بخبره وقال: أردت إذا هي مرت به أن يدعها لعيبها (4) فإذا جاوزه أصلحوها فانتفعوا بها قيل: سدوها بقارورة وقيل: بالقار. قوله عز وجل: { وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا } أي فعلمنا [وفي قراءة ابن عباس: \"وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين فخشينا\" أي: فعلمنا] (5) { أَنْ يُرْهِقَهُمَا } يغشيهما وقال الكلبي: يكلفهما { طُغْيَانًا وَكُفْرًا } قال سعيد بن جبير: فخشينا أن يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه.\r__________\r(1) أي: مصابون بمرض مزمن يقال: (زمن) الشخص _زمنا) و (زمانة) فهو (زمن) من باب تعب وهو مرض يدوم زمانا طويلا والقوم (زمنى) مثل مرضى.\r(2) انظر: الطبري: 16 / 1-2، زاد المسير: 5 / 178.\r(3) انظر: البخاري تفسير سورة الكهف: 8 / 421.\r(4) انظر: البخاري تفسير سورة الكهف: 8 / 421.\r(5) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":5,"page":194},{"id":1862,"text":"{ فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82) }\r{ فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا } قرأ أبو جعفر ونافع وأبو عمرو: بالتشديد هاهنا وفي سورة \"التحريم\" و \"القلم\" وقرأ الآخرون بالتخفيف وهما لغتان وفرق بعضهم فقال: \"التبديل\": تغيير الشيء أو تغيير حاله وعين الشيء قائم و\"الإبدال\": رفع الشيء ووضع شيء آخر مكانه { رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً } أي صلاحا وتقوى { وَأَقْرَبَ رُحْمًا } قرأ ابن عامر وأبو جعفر ويعقوب: بضم الحاء والباقون بجزمها أي: عطفا من الرحمة. وقيل: هو من الرحم والقرابة قال قتادة: أي أوصل للرحم وأبر بوالديه (1) .\rقال الكلبي: أبدلهما الله جارية فتزوجها نبي من الأنبياء فولدت له نبيا فهدى الله على يديه أمة من الأمم.\rوعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: أبدلهما الله جارية ولدت سبعين نبيا (2) .\rوقال ابن جريج: أبدلهما بغلام (3) .\rقال مطرف: فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل. ولو بقي لكان فيه هلاكهما فليرض امرؤ بقضاء الله تعالى فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب. قوله عز وجل: { وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ } وكان اسمهما أصرم وصريم { وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا } اختلفوا في ذلك الكنز روي عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"كان ذهبا وفضة\" (4) .\r__________\r(1) قال الطبري: (16 / 4) \"ولا وجه للرحم في هذا الموضع لأن المقتول كان الذي أبدل منه والديه ولدا لأبوي المقتول، فقرابتهما من والديه وقربهما منه في الرحم سواء\".\r(2) قال ابن عطية: وهذا بعيد ولا تعرف كثرة الأنبياء إلا في بني إسرائيل ولم تكن هذه المرأة منهم. (البحر المحيط:6 / 155).\r(3) انظر هذه الأقوال في الطبري: 16 / 3-4، زاد المسير: 5 / 180 وقد مال الطبري إلى أن المقصود بالآية أن الله تعالى أبدلهما بالغلام جارية.\r(4) أخرجه الترمذي في تفسير سورة الكهف: 8 / 600، والحاكم في المستدرك 2 / 369، وأخرجه البخاري في تاريخه والطبراني (تحفة الأحوزي: 8 / 601) ويزيد بن يوسف الصنعاني ضعيف قال الذهبي: \"متروك\" وإن كان حديثه أشبه بمعنى الكنز.","part":5,"page":195},{"id":1863,"text":"وقال عكرمة: كان مالا (1) .\rوعن سعيد بن جبير: كان الكنز صحفا فيها علم (2) .\rوعن ابن عباس: أنه قال كان لوحا من ذهب مكتوبا فيه: \"عجبا لمن أيقن بالموت كيف يفرح! عجبا لمن أيقن بالحساب كيف يغفل! عجبا لمن أيقن بالرزق كيف يتعب! عجبا لمن أيقن بالقدر كيف ينصب! عجبا لمن أيقن بزوال الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها! لا إله إلا الله محمد رسول الله\". وفي الجانب الآخر مكتوب: \"أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي خلقت الخير والشر فطوبى 222/أ لمن خلقته للخير وأجريته على يديه والويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه\" (3) وهذا قول أكثر المفسرين (4) وروي ذلك مرفوعا.\rقال الزجاج: الكنز إذا أطلق ينصرف إلى كنز المال، ويجوز عند التقييد أن يقال عنده كنز علم، وهذا اللوح كان جامعا لهما.\r{ وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا } قيل: كان اسمه \"كاسح\" وكان من الأتقياء. قال ابن عباس: حفظا بصلاح أبويهما.\rوقيل: كان بينهما وبين الأب الصالح سبعة آباء (5) .\rقال محمد بن المنكدر: إن الله يحفظ بصلاح العبد ولده [وولد ولده] (6) وعترته وعشيرته وأهل دويرات حوله فما يزالون في حفظ الله ما دام فيهم.\rقال سعيد بن المسيب: إني لأصلي فأذكر ولدي فأزيد في صلاتي.\rقوله عز وجل: { فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا } أي: يبلغا ويعقلا. وقيل: أن يدركا شدتهما وقوتهما. وقيل: ثمان عشرة سنة.\r{ وَيَسْتَخْرِجَا } حينئذ { كَنْزَهُمَا رَحْمَةً } نعمة { مِنْ رَبِّكَ }\r__________\r(1) أخرجه عنه الطبري: 16 / 6 وهو بمعنى حديث أبي الدرداء.\r(2) أخرجه الحاكم وصححه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: 2 / 369.\r(3) أخرجه الطبري: 16 / 5-6 وانظر: تفسير ابن كثير: 3 / 100.\r(4) وهذا يتنافى مع ظاهر الآية الكريمة ومع إطلاق لفظ الكنز الذي ذكره المصنف أيضا عن الزجاج عند الإطلاق، ولعل الراجح هو القول الأول، وإن كان الحديث فيه ضعيفا لكنه يتسق مع ظاهر الآية وإطلاق اللفظ، وسائر الأخبار ليست مرفوعة، ولذلك قال الطبري رحمه الله: (16 / 6). \"وأولى التأويلين في ذلك بالصواب القول الذي قال به عكرمة، لأن المعروف من كلام العرب أن الكنز اسم لما يكنز من مال، وأن كل ما كنز فقد وقع عليه اسم كنز، فإن التأويل مصروف إلى الأغلب من استعمال المخاطبين بالتنزيل، ما لم يأت دليل يجب من أجله صرفه إلى غير ذلك...\".\r(5) انظر في هذين القولين: زاد المسير: 5 / 182.\r(6) ساقط من \"ب\".","part":5,"page":196},{"id":1864,"text":"{ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي } أي باختياري ورأيي بل فعلته بأمر الله وإلهامه { ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا } أي لم تطق عليه صبرا و\"استطاع\" و\"اسطاع\" بمعنى واحد.\rروي أن موسى لما أراد أن يفارقه قال له: أوصني، قال: لا تطلب العلم لتحدث به واطلبه لتعمل به.\rواختلفوا في أن الخضر حي أم ميت (1) ؟ قيل: إن الخضر وإلياس حيان يلتقيان كل سنة بالموسم (2) . وكان سبب حياته فيما يحكى أنه شرب من عين الحياة وذلك أن ذا القرنين دخل الظلمات لطلب عين الحياة. وكان الخضر على مقدمته فوقع الخضر على العين فنزل واغتسل وتوضأ (3) وشرب وصلى شكرا لله عز وجل وأخطأ ذو القرنين الطريق فعاد (4) .\rوذهب آخرون إلى أنه ميت لقوله تعالى: \"وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد\" (الأنبياء-34) .\rوقال النبي صلى الله عليه وسلم بعدما صلى العشاء ليلة: \"أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو اليوم حي على ظهر الأرض أحد\" (5) . ولو كان الخضر حيا لكان لا يعيش بعده\".\r{ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) }\rقوله عز وجل: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا } خبرا واختلفوا في نبوته: فقال بعضهم: كان نبيا (6) .\r[وقال أبو الطفيل: سئل علي رضي الله عنه عن ذي القرنين أكان نبيا] (7) أم ملكا؟ قال: لم يكن نبيا ولا ملكا ولكن كان عبدا أحب الله وأحبه الله، ناصح الله فناصحه الله (8) .\r__________\r(1) انظر فيما سبق التعليق على الآية (65) من السورة.\r(2) خبر ضعيف. انظر: الزهر النضر لابن حجر: 2 / 201 (مجموعة الرسائل المنيرية).\r(3) زيادة من \"ب\".\r(4) المرجع السابق: 2 / 200-201، وانظر: ابن كثير: 3 / 101، وأشار إلى ضعف القصة من رواية الطبري بنحوه، القرطبي: 11 / 41 وقال: هذه الروايات كلها لا تقوم على ساق.\r(5) أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء: 2 / 73-74، ومسلم في فضائل الصحابة، باب قوله صلى الله عليه وسلم: \"لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة\" برقم (2537): 4 / 1965، والمصنف في شرح السنة: 2 / 192-193. وانظر: الزهر النضر لابن الحجر: 2 / 205-207 (مجموعة الرسائل المنيرية) قال ابن عمر رضي الله عنهما -في الرواية نفسها: \"فوهل الناس من مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك، فيما يتحدثون من هذه الأحاديث، عن مائة سنة، وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لايبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد، يريد بذلك: أن ينخرم ذلك القرن\" أي: ينقطع وينقضي.\r(6) قاله عبد الله بن عمرو، والضحاك بن مزاحم. انظر: زاد المسير: 5 / 184، البداية والنهاية: 2 / 103.\r(7) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(8) انظر: الطبري: 16 / 8.","part":5,"page":197},{"id":1865,"text":"وروي أن عمر رضي الله عنه سمع رجلا يقول لآخر: يا ذا القرنين فقال: تسميتم بأسماء النبيين فلم ترضوا حتى تسميتم بأسماء الملائكة (1) .\rوالأكثرون على أنه كان ملكا عادلا صالحا (2) .\rواختلفوا في سبب تسميته بـ \"ذي القرنين\" قال الزهري: لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها.\rوقيل: لأنه ملك الروم وفارس.\rوقيل: لأنه دخل النور والظلمة.\rوقيل: لأنه رأى في المنام كأنه أخذ بقرني الشمس.\rوقيل: لأنه كانت له ذؤابتان حسنتان.\rوقيل: لأنه كان له قرنان تواريهما العمامة.\rوروى أبو الطفيل عن علي أنه [قال سمي \"ذا القرنين\" لأنه] (3) أمر قومه بتقوى الله، فضربوه على قرنه الأيمن فمات فبعثه الله، ثم أمرهم بتقوى الله فضربوه على قرنه الأيسر فمات، فأحياه الله (4) .\rواختلفوا في اسمه قيل: اسمه \"مرزبان بن مرزبة اليوناني\" من ولد يونان بن يافث بن نوح. وقيل: اسمه \"الإسكندر بن فيلفوس بن ياملوس (5) الرومي\" (6) .\r__________\r(1) ذكره السهيلي عن عمر رضي الله عنه، وقال الحافظ ابن كثير: إنه غريب، البداية والنهاية: 2 / 103، وذكر مثله القرطبي عن علي رضي الله عنه: 11 / 46.\r(2) وهو مروي عن ابن عباس، ورجحه أيضا الحافظ ابن كثير، ورواه الطبري عن علي رضي الله عنه.\r(3) زيادة من نسخة \"ب\".\r(4) انظر هذه الأقوال وأقوالا أخرى في تسميته: الطبري: 16 / 8-9، زاد المسير: 5 / 183-184، الدر المنثور: 5 / 436 وما بعدها، تفسير القرطبي: 11 / 47-48، تفسير ابن كثير: 3 / 102، البداية والنهاية: 2 / 103.\r(5) في \"ب\": الإسكندر بن قيليس بن فيلوس الرومي.\r(6) انظرها مع أقوال أخرى في: زاد المسير 5 / 183، البداية والنهاية: 2 / 104-105. هذا، وليس على هذه الأقوال، ولا على سابقتها، خبر صحيح عن المعصوم صلى الله عليه وسلم.","part":5,"page":198},{"id":1866,"text":"{ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) }\rقوله عز وجل { إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرْضِ } أوطأنا، والتمكين: تمهيد الأسباب. قال علي: سخر له السحاب فحمله عليها، ومد له في الأسباب، وبسط له النور، فكان الليل والنهار عليه سواء، فهذا معنى تمكينه في الأرض وهو أنه سهل عليه السير فيها وذلل له طرقها.\r{ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ } أي: أعطيناه من كل شيء يحتاج إليه الخلق.","part":5,"page":198},{"id":1867,"text":"وقيل: من كل ما يستعين به الملوك على فتح المدن ومحاربة الأعداء.\r{ سَبَبًا } أي: علما يتسبب به إلى كل ما يريد ويسير به في أقطار الأرض، والسبب: ما يوصل الشيء إلى الشيء.\rوقال الحسن: بلاغا إلى حيث أراد. وقيل: قربنا إليه أقطار الأرض (1) .\r{ فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) }\r{ فَأَتْبَعَ سَبَبًا } أي: سلك وسار، قرأ أهل الحجاز، والبصرة: \"فاتبع\" و\"ثم اتبع\" موصولا مشددا، وقرأ الآخرون بقطع الألف وجزم التاء، وقيل: معناهما واحد.\rوالصحيح: الفرق بينهما، فمن قطع الألف فمعناه: أدرك ولحق، ومن قرأ بالتشديد فمعناه: سار، يقال: ما زلت أتبعه حتى أَتْبَعْتُه، أي: ما زلت أسير خلفه حتى لحقته.\rوقوله: \"سببا\" أي: طريقا. وقال ابن عباس: منزلا. { حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ } قرأ أبو جعفر وأبو عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر: \" حامية \" بالألف غير مهموزة، أي: حارة، وقرأ الآخرون: { حَمِئَةٍ } مهموزا بغير الألف، أي: ذات حماة، وهي الطينة السوداء.\rوسأل معاوية كعبا: كيف تجد في التوراة أن تغرب الشمس؟ قال: نجد في التوراة أنها تغرب في ماء وطين.\rقال القتيبي: يجوز أن يكون معنى قوله: { فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ } أي: عندها عين حمئة، أو في رأي العين.\r{ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا } أي: عند العين أمة، قال ابن جريج: مدينة لها اثنا عشر ألف باب، لولا ضجيج أهلها لسمعت وجبة الشمس حين تجب (2) .\r{ قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ } يستدل بهذا من زعم أنه كان نبيا فإن الله تعالى خاطبه والأصح: أنه لم يكن نبيا، والمراد منه: الإلهام (3) .\r__________\r(1) قال الحافظ ابن كثير: (3 / 102): \"... وهكذا ذو القرنين، يسر الله له الأسباب، أي: الطرق والوسائل إلى فتح الأقاليم والرساتيق والبلاد والأرض، وكسر الأعداء، وكبت ملوك الأرض، وإذلال أهل الشرك، قد أوتي من كل شيء مما يحتاج إلى مثله سببا، والله أعلم\".\r(2) في \"ب\": تغيب. وانظر: تفسير ابن كثير: 3 / 103 وقد أشار إلى أنها من الإسرائيليات.\r(3) انظر: زاد المسير: 5 / 189.","part":5,"page":199},{"id":1868,"text":"{ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ } يعني: إما أن تقتلهم إن لم يدخلوا في الإسلام { وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا } يعني: تعفو وتصفح وقيل: تأسرهم فتعلمهم الهدى (1) . خيره الله بين الأمرين.\r{ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (89) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (90) }\r{ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ } أي: كفر { فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ } أي: نقتله { ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ } في الآخرة { فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا } أي: منكرا يعني: بالنار، والنار أنكر من (2) القتل. { وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى } قرأ حمزة والكسائي وحفص ويعقوب: { جَزَاءً } منصوبا منونا أي: فله الحسنى \" جزاء \" نصب على المصدر [وهو مصدر وقع موقع الحال، أي: فله الحسنى مجزيا بها] (3) .\rوقرأ الآخرون: بالرفع على الإضافة، فالحسنى: الجنة أضاف الجزاء إليها كما قال: \"ولدار الآخرة خير\"( يوسف-9 ) ، والدار هي الآخرة.\rوقيل: المراد بـ \"الحسنى\" على هذه القراءة: الأعمال الصالحة. أي له جزاء الأعمال الصالحة.\r{ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا } أي: نلين له القول ونعامله باليسر من أمرنا. وقال مجاهد: \"يسرا\" أي: معروفا. { ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا } أي: سلك طرقا ومنازل. 222/ب { حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ } أي موضع طلوعها { وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا } قال قتادة والحسن: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر، وذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليه بناء فكانوا يكونون في أسراب لهم حتى إذا زالت الشمس عنهم خرجوا إلى معايشهم وحروثهم.\r__________\r(1) انظر: زاد المسير: 5 / 189.\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) ساقط من \"ب\".","part":5,"page":200},{"id":1869,"text":"وقال الحسن: كانوا إذا طلعت الشمس يدخلون الماء فإذا ارتفعت عنهم خرجوا يتراعون (1) كالبهائم.\rوقال الكلبي: هم قوم عراة يفترش أحدهم إحدى أذنيه، ويلتحف بالأخرى (2) .\r{ كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (91) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) }\rقوله عز وجل: { كَذَلِكَ } قيل: معناه كما بلغ مغرب الشمس كذلك بلغ مطلعها والصحيح أن معناه: كما حكم في القوم الذين هم عند مغرب الشمس كذلك حكم في الذين هم عند مطلع الشمس { وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا } يعني: بما عنده ومعه (3) من الجند والعدة والآلات \"خبرا\" أي: علما. { ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا } . { حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ } قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص: { السَّدَّيْنِ } و \" سدا \" هاهنا بفتح السين وافق حمزة والكسائي في \"سدا\" [وقرأ الآخرون: بضم السين وفي يس \"سدا\" بالفتح حمزة والكسائي وحفص] (4) وقرأ الباقون بالضم منهم من قال: هما لغتان معناهما واحد. وقال عكرمة: ما كان من صنعة بني آدم فهو السد بالفتح وما كان من صنع الله فهو سد (5) بالضم وقاله أبو عمرو. وقيل: \"السد\": بالفتح مصدر وبالضم اسم وهما هاهنا: جبلان سد ذو القرنين ما بينهما حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن ورائهم. { وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا } يعني: أمام السدين. { لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا } قرأ حمزة والكسائي: \"يفقهون\" بضم الياء وكسر القاف على معنى لا يفقهون غيرهم قولا وقرأ الآخرون: بفتح الياء والقاف أي لا يفقهون كلام غيرهم قال ابن عباس: لا يفقهون كلام أحد ولا يفهم الناس كلامهم. { قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ } فإن قيل: كيف قالوا ذلك وهم لا يفقهون؟\r__________\r(1) في \"ب\": فتراعوا.\r(2) ليس على هذه الأقوال دليل ثابت، وهي قضية غيبية تحتاج إلى نص عن المعصوم.\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) زيادة من \"ب\".\r(5) زيادة من \"ب\".","part":5,"page":201},{"id":1870,"text":"قيل: كلم عنهم مترجم، دليله: قراءة ابن مسعود: لا يكادون يفقهون قولا قال الذين من دونهم يا ذا القرنين.\r{ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ } قرأهما عاصم بهمزتين [وكذلك في الأنبياء، \"فتحت يأجوج ومأجوج\"] (1) والآخرون بغير همز [في السورتين] (2) وهما لغتان أصلهما من أجيج النار وهو ضوؤها وشررها شبهوا به لكثرتهم وشدتهم.\rوقيل: بالهمزة من شدة (3) أجيج النار وبترك الهمز اسمان أعجميان مثل: هاروت وماروت، وهم من أولاد يافث بن نوح.\rقال الضحاك: هم جيل من الترك. قال السدي: الترك سرية من يأجوج ومأجوج، خرجت فضرب ذو القرنين السد [فبقيت خارجه، فجميع الترك منهم. وعن قتادة: أنهم اثنان وعشرون قبيلة، بنى ذو القرنين السد] (4) على إحدى وعشرين قبيلة فبقيت قبيلة واحدة فهم الترك سموا الترك لأنهم تركوا خارجين.\rقال أهل التواريخ: أولاد نوح ثلاثة سام وحام ويافث، فسام أبو العرب والعجم والروم، وحام أبو الحبشة والزنج والنوبة، ويافث أبو الترك والخزر والصقالبة ويأجوج ومأجوج، قال ابن عباس في رواية عطاء: هم عشرة أجزاء وولد آدم كلهم جزء. روي عن حذيفة مرفوعا: إن يأجوج أمة ومأجوج أمة، كل أمة أربعمائة ألف أمة لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلهم قد حمل السلاح وهم من ولد آدم يسيرون إلى خراب الدنيا. وقيل: هم ثلاثة أصناف، صنف منهم أمثال الأرز شجر بالشام طوله عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم عرضه وطوله سواء، عشرون ومائة ذراع، وهؤلاء لا يقوم لهم جبل ولا حديد، وصنف منهم يفترش أحدهم [إحدى أذنيه] (5) ويلتحف الأخرى لا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه ومن مات منهم. أكلوه، مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان يشربون أنهار المشارق وبحيرة طبرية (6) .\rوعن علي أنه قال: منهم من طوله شبر ومنهم من هو (7) مفرط في الطول.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) زيادة من \"ب\".\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(5) في \"ب\": أذنه.\r(6) عزاه السيوطي في الدر المنثور: (5 / 457) لابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عدي، وابن عساكر، وابن النجار.\r(7) في \"ب\": طوله.","part":5,"page":202},{"id":1871,"text":"وقال كعب: هم نادرة في ولد آدم وذلك أن آدم احتلم ذات يوم وامتزجت نطفته بالتراب فخلق الله من ذلك الماء يأجوج ومأجوج فهم يتصلون بنا من جهة الأب دون الأم (1) .\rوذكر وهب بن منبه: أن ذا القرنين كان رجلا من الروم ابن عجوز، فلما بلغ كان عبدا صالحا. قال الله له: إني باعثك إلى أمم مختلفة ألسنتهم، منهم أمتان بينهما طول الأرض: إحداهما عند مغرب الشمس يقال لها ناسك، والأخرى عند مطلعها يقال لها منسك، وأمتان بينهما عرض الأرض: إحداهما في القطر الأيمن يقال لها هاويل، والأخرى في قطر الأرض الأيسر يقال لها تأويل، وأمم في وسط الأرض منهم الجن والإنس ويأجوج ومأجوج فقال ذو القرنين: بأي قوة أكابرهم؟ وبأي جمع أكاثرهم؟ وبأي لسان أناطقهم؟ قال الله عز وجل: إني سأطوفك وأبسط لك لسانك وأشد عضدك فلا يهولنك شيء وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء وأسخر لك النور والظلمة وأجعلهما من جنودك يهديك النور من أمامك وتحوطك الظلمة من ورائك.\rفانطلق حتى أتى مغرب الشمس فوجد جمعا وعددا لا يحصيه إلا الله، فكابرهم بالظلمة حتى جمعهم في مكان واحد فدعاهم إلى الله وعبادته فمنهم من آمن ومنهم من صد عنه فعمد إلى الذين تولوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت في أجوافهم وبيوتهم فدخلوا في دعوته فجند من أهل المغرب جندا عظيما فانطلق يقودهم والظلمة تسوقهم حتى أتى هاويل فعمل فيهم كعمله في ناسك، ثم مضى حتى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس فعمل فيها وجند منها جنودا كفعله في الأمتين ثم أخذ ناحية الأرض اليسرى فأتى تاويل فعمل فيها كعمله فيما قبلها، ثم عمد إلى الأمم التي في وسط الأرض، فلما دنا مما يلي منقطع الترك نحو المشرق قالت له أمة صالحة من الإنس: يا ذا القرنين إن بين هذين الجبلين خلقا أشباه البهائم يفترسون الدواب والوحوش [لهم أنياب وأضراس] (2) كالسباع يأكلون الحيات والعقارب وكل ذي روح خلق في الأرض وليس يزداد خلق كزيادتهم ولا شك أنهم سيملئون الأرض ويظهرون علينا ويفسدون فيها، فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا قال: ما مكني فيه ربي خير قال: أعدوا إلي الصخور والحديد والنحاس حتى أعلم علمهم.\rفانطلق حتى توسط بلادهم فوجدهم على مقدار واحد يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرجل المربوع منا لهم مخاليب كالأظفار في أيدينا وأنياب وأضراس كالسباع ولهم هدب من الشعر في\r__________\r(1) قال الحافظ ابن كثير: (3 / 104-105): وقد حكى النووي رحمه الله في \"شرح مسلم\" عن بعض الناس أن يأجوج ومأجوج خلقوا من مني خرج من آدم فاختلط بالتراب، فخلقوا من ذلك. فعلى هذا يكونون مخلوقين من آدم وليسوا من آدم وحواء، وهذا قول غريب جدا ثم لا دليل عليه لا من عقل ولا من نقل ولا يجوز الاعتماد هاهنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب لما عندهم من الأحاديث المفتعلة، والله أعلم.\r(2) زيادة من \"ب\".","part":5,"page":203},{"id":1872,"text":"أجسادهم ما يواريهم ويتقون به من الحر والبرد ولكل واحد منهم أذنان عظيمتان يفترش إحداهما ويلتحف بالأخرى يصيف في إحداهما ويشتو في 223/أ الأخرى يتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا، فلما عاين ذلك ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما فحفر له الأساس حتى بلغ الماء وجعل حشوه الصخر وطينه النحاس يذاب فيصب عليه فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض (1) .\rقوله تعالى: { قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ } قال الكلبي: فسادهم أنهم كانوا يخرجون أيام الربيع إلى أرضهم فلا يدعون فيها شيئا أخضر إلا أكلوه ولا شيئا (2) يابسا إلا احتملوا وأدخلوه أرضهم وقد لقوا منهم أذى شديدا وقتلا.\rوقيل: فسادهم أنهم كانوا يأكلون الناس.\rوقيل: معناه أنهم سيفسدون في الأرض عند خروجهم (3) .\r{ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا } قرأ حمزة والكسائي \" خراجا \" بالألف وقرأ الآخرون { خَرْجًا } بغير ألف وهما لغتان بمعنى واحد أي جعلا وأجرا من أموالنا.\rوقال أبو عمرو: \"الخرج\": ما تبرعت به و\"الخراج\": ما لزمك أداؤه. وقيل: \"الخراج\": على الأرض و\"الخرج\": على الرقاب. يقال: أد خرج رأسك وخراج مدينتك.\r{ عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا } أي حاجزا فلا يصلون إلينا.\r{ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) }\r{ قَالَ } لهم ذو القرنين: { مَا مَكَّنِّي فِيهِ } قرأ ابن كثير \" مكنني \" بنونين ظاهرين، وقرأ الآخرون بنون واحدة مشددة على الإدغام، أي: ما قواني عليه { رَبِّي خَيْرٌ } من جعلكم { فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ } معناه: إني لا أريد المال بل أعينوني بأبدانكم وقوتكم { أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا } أي: سدا، قالوا وما تلك القوة؟ قال: فعلة وصناع يحسنون البناء والعمل والآلة، قالوا: وما تلك الآية؟ قال:\r__________\r(1) أخرجه الطبري عن وهب بن منبه: 16 / 17-21، وعقب عليه الحافظ ابن كثير في التفسير:(3 / 105) فقال: ذكر ابن جرير هنا أثرا غريبا طويلا عجيبا في سير ذي القرنين وبنائه السد وكيفية ما جرى له، وفيه طول وغرابة ونكارة، في أشكالهم وصفاتهم وطولهم وقصر بعضهم وآذانهم، وروى ابن أبي حاتم في ذلك عن أبيه أحاديث غريبة، لا تصح أسانيدها والله أعلم\".\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) وهو رجحه الطبري: 16 / 22.","part":5,"page":204},{"id":1873,"text":"{ آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) }","part":5,"page":205},{"id":1874,"text":"{ قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98) }\r{ آتُونِي } أعطوني وقرأ أبو بكر: \" ائتوني \" أي جيئوني { زُبَرَ الْحَدِيدِ } أي قطع الحديد واحدتها زبرة، فأتوه بها وبالحطب وجعل بعضها على بعض، فلم يزل يجعل الحديد على الحطب والحطب على الحديد { حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ } قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب: بضم الصاد والدال وجزم أبو بكر الدال وقرأ الآخرون بفتحها وهما الجبلان ساوى: أي سوى بين طرفي الجبلين.\r{ قَالَ انْفُخُوا } وفي القصة: أنه جعل الفحم والحطب في خلال زبر الحديد، ثم قال: انفخوا، يعني: في النار.\r{ حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا } أي صار الحديد نارا، { قَالَ آتُونِي } قرأ حمزة وأبو بكر وصلا وقرأ الآخرون بقطع الألف. { أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا } أي: [آتوني قطرا أفرغ عليه، و\"الإفراغ\": الصب و\"القطر\": هو النحاس المذاب فجعلت النار تأكل الحطب ويصير النحاس] (1) مكان الحطب حتى لزم الحديد النحاس.\rقال قتادة: هو كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء. وفي القصة: أن عرضه كان خمسين ذراعا وارتفاعه مائتي ذراع وطوله فرسخ. { فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ } أن يعلوه من فوقه لطوله وملاسته { وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا } من أسفله لشدته ولصلابته وقرأ حمزة: { فَمَا اسْتَطَاعُوا } بتشديد الطاء أدغم تاء الافتعال في الطاء. { قَالَ } يعني ذا القرنين { هَذَا } أي السد { رَحْمَةٌ } أي: نعمة { مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي } قيل: يوم القيامة وقيل: وقت خروجهم { جَعَلَهُ دَكَّاءَ } قرأ أهل الكوفة { دَكَّاءَ } بالمد والهمز، أي: أرضا ملساء وقرأ الآخرون بلا مد أي: جعله مدكوكا مستويا مع وجه الأرض { وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا } وروى قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة يرفعه: \"أن يأجوج ومأجوج يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":5,"page":205},{"id":1875,"text":"فيعيده الله كما كان حتى إذا بلغت مدتهم حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله واستثنى فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه فيخرجون على الناس، فيتبعون المياه ويتحصن الناس في حصونهم منهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فيرجع فيها كهيئة الدم فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء فيبعث الله عليهم نغفا في أقفائهم (1) فيهلكون وإن دواب الأرض لتسمن وتشكر (2) من لحومهم شكرا\" (3) .\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أنبأنا عبد الغافر بن محمد الفارسي أنبأنا محمد بن عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج حدثنا محمد بن مهران الرازي حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن يحيى بن جابر الطائي عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه جبير بن نفير عن النواس بن سمعان قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في طائفة النخل فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا، فقال: \"ما شأنكم؟\" قلنا: يا رسول الله ذكرت الدجال ذات غداة فخفضت فيه ورفعت، حتى ظنناه في طائفة النخل فقال: \"غير الدجال أخوفني عليكم؟ إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم وإن يخرج ولست فيكم فكل امرئ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم إنه شاب قطط (4) عينه اليمنى (5) طافية كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف إنه خارج خلة بين الشام والعراق فعاث يمينا وعاث شمالا يا عباد الله! فاثبتوا\" قلنا: يا رسول الله فما لبثه في الأرض؟ قال: \"أربعون يوما يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم\" قلنا: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم؟ قال لا اقْدُرُوا له\r__________\r(1) \"النغف\": بفتح النون والغين المعجمة؛ دود يكون في أنوف الإبل والغنم، مفرده: \"نغفة\". و\"الأقفاء\": جمع \"قفا\" وهو ما وراء العنق.\r(2) يقال: شكرت الناقة -من باب سمع- إذا امتلأ ضرعها باللبن، وشكرت الدابة: إذا سمنت.\r(3) أخرجه الترمذي في التفسير: 8 / 597-599، وقال: \"هذا حديث حسن غريب إنما نعرفه من هذا الوجه..\"، وابن ماجه في الفتن، باب فتنة الدجال وخروج عيسى ابن مريم... برقم (4080): 2 / 1364-1365، وابن حبان ص (470) من موارد الظمآن صححه الحاكم على شرط الشيخين: 4 / 488، وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 2 / 510. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: (3 / 106): \"إسناده جيد قوي، ولكن متنه في رفعه نكارة، لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه لإحكام بنائه وصلابته وشدته، ولكن هذا قد روي عن كعب الأحبار: أنهم قبل خروجهم يأتونه فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلا القليل، فيقولون: غدا نفتحه فيأتون من الغد، وقد عاد كما كان.. مرتين ويلهمون أن يقولوا: إن شاء الله، فيصبحون وهو كما فارقوه، فيفتحونه. وهذا متجه، ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب، فإنه كان كثيرا ما كان يجالسه ويحدثه، فحدث به أبو هريرة، فتوهم بعض الرواة عنه أنه مرفوع، فرفعه والله أعلم\".\r(4) \"قطط\": شديد جعودة الشعر، مباعد للجعودة المحبوبة.\r(5) ساقط من \"ب\".","part":5,"page":206},{"id":1876,"text":"قدره قلنا: يا رسول الله وما إسراعه في الأرض؟ قال: \"كالغيث استدبرته الريح فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنوا به ويستجيبوا له فيأمر السماء فتمطر الأرض فتنبت فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرى وأسبغه ضروعا وأمده خواصر (1) ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردون عليه قوله، قال: فينصرف عنهم فيصبحون ممحلين (2) ليس بأيديهم شيء من أموالهم ويمر بالخربة فيقول لها أخرجي كنوزك فيتبعه كنوزها كيعاسيب النخل (3) ثم يدعو رجلا ممتلئا شبابا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض (4) ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه ويضحك فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي باب دمشق بين مهرورتين (5) واضعا كفيه على أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر وإذا رفعه تحدر منه مثل جمان اللؤلؤ فلا يحل لكافر يجد من ريح نفسه إلا مات ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه فيطلبه حتى يدركه بباب لد فيقتله ثم يأتي عيسى قوم قد عصمهم الله منه فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى إني قد أخرجت 223/ب عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور (6) ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها ويمر آخرهم فيقول: لقد كان بهذه مرة ماء ويحصر نبي الله وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار لأحدكم اليوم فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم (7) ونتنهم فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرا كأعناق البخت (8) فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله ثم يرسل الله مطرا لا يكن (9) منه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة (10) ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك وردي بركتك فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها ويبارك في الرَّسْل حتى أن اللقحة (11) من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس، فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر (12) فعليهم تقوم الساعة\" (13) .\rوبهذا الإسناد حدثنا مسلم بن الحجاج حدثنا علي بن حجر السعدي حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر والوليد بن مسلم بن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بهذا الإسناد نحو ما ذكرنا وزاد بعد قوله: -لقد كان بهذه مرة ماء-ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر (14) وهو جبل بيت المقدس فيقولون: لقد قلنا من في الأرض هلم فلنقتل من في السماء فيرمون بنشابهم (15) إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دما\" (16) .\rوقال وهب: إنهم كانوا يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه، ثم يأكلون الخشب والشجر، ومن ظفروا به من الناس، ولا يقدرون أن يأتوا مكة ولا المدينة ولا بيت المقدس.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل أنبأنا أحمد أنبأنا أبي أنبأنا إبراهيم عن الحجاج بن حجاج عن قتادة عن عبد الله بن أبي عتبة عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"ليحجن البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج\" (17) .\rوفي القصة: أن ذا القرنين دخل الظلمة فلما رجع توفي بشهر زور وذكر بعضهم: أن عمره كان نيفا وثلاثين سنة.\r__________\r(1) \"تروح\": ترجع آخر النهار. و\"السارحة\": هي الماشية التي تسرح، أي: تذهب أول النهار إلى المرعى، والذرى: الأعالي والأسنمة، جمع ذروة، بالضم وبالكسر. و\"أسبغة ضروعا\": أطوله، لكثرة اللبن وكذا \"أمده خواصر\"، لكثرة امتلائها من الشبع.\r(2) أي: أصابهم المحل، وهو الجدب والقحط.\r(3) هي ذكور النحل، أو: جماعة النحل لا ذكورها خاصةن لكنه كنى عن الجماعة باليعسوب، وهو أميرها.\r(4) \"الجزلة\" -بالفتح، ويحكى بالكسر- القطعة ومعنى \"رمية الغرض\": أنه يجعل بين الجزلتين مقدار رمية. هذا هو الظاهر المشهور، وقيل غير ذلك.\r(5) \"مهرورتين\" - بالدال المهملة، وروي بالمعجمة- ومعناه: لابس مهرورتين، أي: ثوبين مصبوغين بورس ثم بزعفران. وقيل: هما شقتان، والشقة: نصف الملاءة.\r(6) \"يدان\": تثنية يد، معناه: لا قدرة ولا طاقة. \"فحرز\": أي ضمهم، واجعله لهم حرزا، يقال: أحرزت الشيء أحرزه إحرازا، إذا حفظته وضممته إليك، وصنته عن الأخذ.\r(7) \"زهمهم\": أي: دسمهم.\r(8) \"البخت\": قال ابن منظور في \"لسان العرب\": البخت والبخيتة، دخيل في العربية، أعجمي معرب. وهي: الإبل الخراسانية، تنتج من عربية وفالج، وهي جمال طوال الأعناق.\r(9) أي: لا يمنع نزول الماء.\r(10) وروي بلفظ: \"الزَّلَقَة\" وبلفظ: \"الزُّلْقَة\" وكلها صحيحة، قيل معناه: كالمرآة، وقيل: كمصانع الماء، لأن الماء يستنقع فيها حتى تصير كالمصنع الذي يجتمع فيه الماء. وقيل: كالإجانة الخضراء. وقيل: كالروضة.\r(11) \"الرسل\" هو اللبن، و\"اللقحة\" -بالكسر وبالفتح- القريبة العهد بالولادة.\r(12) أي: يجامع الرجال النساء علانية بحضرة الناس، كما يفعل الحمير، ولا يكترثون لذلك، و\"الهرج\" -بإسكان الراء- الجماع.\r(13) أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفة ما معه، برقم (2137): 4 / 2250-2255.\r(14) في \"أ\": (أحمر)، وفي \"ب\": (الحمر) بالمهملة، والمثبت من صحيح مسلم. و\"الخمر\" هو الشجر الملتف الذي يستر من فيه. وقد فسره في الحديث أنه جبل بيت المقدس، لكثرة شجره.\r(15) أي: سهامهم، والواحدة: \"نشابة\".\r(16) أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال وصفة ما معه، برقم (2137): 4 / 2255.\r(17) أخرجه البخاري في الحج، باب قول الله تعالى: \"جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس\": 3 / 454، والمصنف في شرح السنة: 15 / 83.","part":5,"page":207},{"id":1877,"text":"{ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (99) وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (101) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلا (102) }\rقوله عز وجل { وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ } قيل: هذا عند فتح السد، يقول: تركنا يأجوج ومأجوج يموج، أي: يدخل بعضهم على بعض كموج الماء ويختلط بعضهم ببعض لكثرتهم.\rوقيل: هذا عند قيام الساعة، يدخل الخلق بعضهم في بعض ويختلط إنسيهم بجنيهم حيارى. { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ } لأن خروج يأجوج ومأجوج من علامات قرب الساعة { فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا } في صعيد واحد. { وَعَرَضْنَا } أبرزنا { جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا } حتى يشاهدوها عيانا. { الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ } أي: غشاء و\"الغطاء\": ما يغطى به الشيء ويستره { عَنْ ذِكْرِي } يعني: عن الإيمان والقرآن، وعن الهدى والبيان. وقيل: عن رؤية الدلائل.\r{ وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا } أي: سمع القبول والإيمان، لغلبة الشقاوة عليهم.\rوقيل: لا يعقلون وقيل: كانوا لا يستطيعون أي: لا يقدرون أن يسمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يتلوه عليهم لشدة عداوتهم له، كقول الرجل: لا أستطيع أن أسمع من فلان شيئا لعداوته. قوله عز وجل: { أَفَحَسِبَ } أفظن { الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ } أربابا يريد بالعباد: عيسى والملائكة كلا بل هم لهم أعداء ويتبرءون منهم.\rقال ابن عباس: يعني الشياطين أطاعوهم من دون الله. وقال مقاتل: الأصنام سموا (1) عبادا كما قال: \"إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم\" (الأعراف-194) وجواب هذا الاستفهام محذوف.\rقال ابن عباس: يريد إني لأغضب لنفسي، يقول: أفظن الذين كفروا أن يتخذوا غيري أولياء وإني لا أغضب لنفسي ولا أعاقبهم.\r__________\r(1) في \"ب\": سميت.","part":5,"page":209},{"id":1878,"text":"وقيل: أفظنوا أنهم ينفعهم أن يتخذوا عبادي (1) من دوني أولياء.\r{ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلا } أي: منزلا قال ابن عباس: هي مثواهم. وقيل: النزل ما يهيأ للضيف يريد (2) هي معدة لهم عندنا كالنزل للضيف.\r{ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) }\r{ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالا } يعني: الذين أتعبوا أنفسهم في عمل يرجون به فضلا ونوالا فنالوا هلاكا وبوارا كمن يشتري سلعة يرجو عليها ربحا فخسر وخاب سعيه.\rواختلفوا فيهم: قال ابن عباس وسعد بن أبي وقاص: هم اليهود والنصارى. وقيل: هم الرهبان. { الَّذِينَ } حبسوا أنفسهم في الصوامع. وقال علي بن أبي طالب: هم أهل حروراء (3) { ضَلَّ سَعْيُهُمْ } بطل عملهم واجتهادهم { فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا } أي عملا. { أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ } بطلت { أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا } أي لا نجعل لهم خطرا وقدرا، تقول العرب: \"ما لفلان عندي وزن\" أي: قدر لخسته.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا أحمد عن محمد بن يوسف عن محمد بن إسماعيل حدثنا محمد بن عبد الله حدثنا سعيد ابن مريم أنبأنا المغيرة عن أبي الزناد\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) ومعنى هذا عن علي رضي الله عنه: أن هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية كما تشمل اليهود والنصارى وغيرهم، لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص ولا هؤلاء، بل هي أعم من هذا فإن هذه الآية مكية قبل خطاب اليهود والنصارى وقبل وجود الخوارج بالكلية، وإنما هي عامة في كل من عبد الله على غير طريقة مرضية، يحسب أنه مصيب فيها وأن عمله مقبول وهو مخطئ وعمله مردود، كما قال تعالى: \"وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية\"، وقال تعالى: \"وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا\" انظر: تفسير ابن كثير: 3 / 108. وهو ما قاله الطبري أيضا حيث رجح أنه عني بها كل عامل عملا يحسبه فيه مصيبا، وأنه لله بفعله ذلك مطيع مرض، وهو بفعله ذلك لله مسخط، وعن طريق أهل الإيمان به جائر، كالرهبانية والشمامسة وأمثالهم من أهل الاجتهاد في ضلالتهم، وهم مع ذلك من فعلهم واجتهادهم بالله كفرة، من أهل أي دين كانوا. انظر: تفسير الطبري: 16 / 34.","part":5,"page":210},{"id":1879,"text":"عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة\"، وقال اقرؤوا ما شئتم: { فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا } (1) .\rقال أبو سعيد الخدري: يأتي أناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم في العظم كجبال تهامة فإذا وزنوها لم تزن شيئا فذلك قوله تعالى { فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا }\r{ ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا (107) }\r{ ذَلِكَ } الذي ذكرت من حبوط أعمالهم وخسة أقدارهم ثم ابتدأ فقال: { جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي } يعني القرآن { وَرُسُلِي هُزُوًا } أي سخرية ومهزوءا بهم. قوله تعالى { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ } روينا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة\" (2) .\rقال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس فيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر (3) .\rوقال قتادة: \"الفردوس\": ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها وأرفعها (4) .\rقال كعب: \"الفردوس\": هو البستان الذي فيه الأعناب (5) .\rوقال مجاهد: هو البستان بالرومية.\rوقال عكرمة: هي الجنة بلسان الحبش (6) .\rقال الزجاج: هو بالرومية منقول إلى 224/أ لفظ العربية.\rوقال الضحاك: هي الجنة الملتفة الأشجار.\rوقيل: هي الروضة المستحسنة.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير باب \"أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه...\": 8 / 426، ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم باب صفة القيامة والجنة والنار، برقم (2785): 4 / 2147.\r(2) قطعة من حديث أخرجه البخاري في التوحيد، باب \"وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم\": 13 / 404.\r(3) أخرجه الطبري: 16 / 36.\r(4) الطبري: 16 / 36، ورواه أيضا مرفوعا عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب: 16 / 38.\r(5) المرجع السابق 16 / 36 .\r(6) انظر: الطبري: 16 / 36، وساق جملة أحاديث تؤيد أن المعنى بالآية: إن الذين صدقوا بالله ورسوله، وأقروا بتوحيد الله وما أنزل من كتبه، وعملوا بطاعته، كانت لهم بساتين الفردوس، والفردوس معظم الجنة. انظر: 16 / 37-38.","part":5,"page":211},{"id":1880,"text":"وقيل: هي التي تنبت ضروبا من النبات، وجمعه فراديس.\r{ نزلا } قيل أي: منزلا. وقيل: ما يهيأ للنازل على معنى كانت لهم ثمار جنات الفردوس ونعيمها نزلا ومعنى \"كانت لهم\" أي: في علم الله قبل أن يخلقوا.\r{ خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلا (108) قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) }\r{ خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ } لا يطلبون { عَنْهَا حِوَلا } أي تحولا إلى غيرها، قال ابن عباس: لا يريدون أن يتحولوا عنها كما ينتقل الرجل من دار إذا لم توافقه إلى دار أخرى. قوله عز وجل: { قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي } قال ابن عباس: قالت اليهود [يا محمد] (1) تزعم أنا قد أوتينا الحكمة وفي كتابك ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ثم تقول: وما أوتيتم من العلم إلا قليلا؟ فأنزل الله هذه الآية (2) .\rوقيل: لما نزلت: \"وما أوتيتم من العلم إلا قليلا\"، قالت اليهود: أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء فأنزل الله تعالى (3) { قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا } سمي المداد مدادا لإمداد الكاتب وأصله من الزيادة ومجيء الشيء بعد الشيء.\rقال مجاهد: لو كان البحر مدادا للقلم والقلم يكتب { لَنَفِدَ الْبَحْرُ } أي ماؤه { قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ } قرأ حمزة والكسائي \" ينفد \" بالياء لتقدم الفعل والباقون بالتاء { كَلِمَاتُ رَبِّي } أي علمه وحكمه { وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } معناه: لو كان الخلائق يكتبون والبحر يمدهم لنفد البحر ولم تنفد كلمات ربي (4) ولو جئنا بمثل ماء البحر في كثرته مددا أو زيادة [و\"مددا\" منصوب على التمييز] (5) نظيره قوله تعالى: \"ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله\" (لقمان-27) . قوله عز وجل: { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ } قال ابن عباس:\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (346)، تفسير القرطبي: 11 / 68، البحر المحيط: 6 / 168، تفسير الخازن: 4 / 192.\r(3) انظر: زاد المسير: 5 / 201.\r(4) في \"ب\": الله.\r(5) ساقط من \"ب\".","part":5,"page":212},{"id":1881,"text":"علم الله رسوله التواضع لئلا يزهو على خلقه، فأمره أن يقر فيقول: إني آدمي مثلكم، إلا أني خصصت بالوحي وأكرمني الله به يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد لا شريك له { فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ } أي يخاف المصير إليه وقيل: يأمل رؤية ربه فالرجاء يكون بمعنى الخوف والأمل جميعا، قال الشاعر: ولا كل ما ترجو من الخير كائن ... ولا كل ما ترجو من الشر واقع\rفجمع بين المعنيين.\r{ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } أي: لا يرائي بعمله.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أنبأنا أبو نعيم أخبرنا سفيان عن سلمة هو ابن كهيل قال: سمعت جندبا يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"من سمع سمع الله به ومن يرائي يرائي الله به\" (1) .\rوروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر\"، قالوا: يا رسول الله وما الشرك الأصغر؟ قال: \"الرياء\" (2) .\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنبأنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم حدثنا أبي حدثنا شعيب قال: حدثنا الليث عن أبي الهاد عن عمرو عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن الله تبارك وتعالى يقول: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري فأنا منه بريء هو للذي عمله\" (3) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الرقاق، باب الرياء والسمعة: 11 / 335-336 ومسلم في البر والصلة باب إذا أثني على الصالح فهي بشرى لا تضره، برقم (2642): 4 / 2034-2035، والمصنف في شرح السنة: 14 / 323.\r(2) أخرجه الإمام أحمد: 5 / 428،429. والمصنف في شرح السنة: 14 / 324، قال الهيثمي: \"رجاله رجال الصحيح\" وقال المنذري: \"إسناده جيد\" ورواه ابن أبي الدنيا، والبيهقي في الزهد، وغيره. ومحمود بن لبيد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصح له منه سماع فيما أرى، وقد خرج أبو بكر بن خزيمة حديث محمود المتقدم في \"صحيحه\" مع أنه لا يخرج فيه شيئا من المراسيل. وذكر ابن أبي حاتم أن البخاري قال: له صحبة. قال: وقال أبي: لا يعرف له صحبة. ورجح ابن عبد البر أن له صحبة. وقد رواه الطبراني بإسناد جيد عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج، وقيل: إن حديث محمود هو الصواب دون ذكر رافع فيه، والله أعلم\". انظر: الترغيب والترهيب: 1 / 69، مجمع الزوائد: 1 / 102، وقارن بـ :النهج السديد في تخريج أحاديث تيسير العزيز الحميد ص (46).\r(3) أخرجه مسلم في الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله برقم (2985): 4 / 2289 بلفظ: \".. تركته وشركه\"، ورواه ابن ماجه في الزهد، باب الرياء والسمعة، برقم (4202): 2 / 1405، وقال في الزوائد: \"إسناد صحيح\". وأخرجه المصنف في شرح السنة: 14 / 325، وانظر: الترغيب والترهيب: 1 / 69 وراجع تفسير ابن كثير: 3 / 109-111 فقد ساق جملة أحاديث في الرياء.","part":5,"page":213},{"id":1882,"text":"أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنبأنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني حدثنا حميد بن زنجويه حدثنا حفص بن عمر حدثنا همام عن قتادة حدثنا سالم بن أبي الجعد الغطفاني عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال\" (1) .\rوأخبرنا عبد الواحد المليحي أنبأنا أبو منصور السمعاني حدثنا أبو جعفر الرياني حدثنا حميد بن زنجويه حدثنا أبو الأسود حدثنا ابن لهيعة عن زياد عن سهل -هو ابن معاذ-عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نورا من قدميه إلى رأسه (2) ومن قرأها كلها كانت له نورا من الأرض إلى السماء\" (3) (4) .\r__________\r(1) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين، باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي برقم (809): 1 / 555. والمصنف في شرح السنة: 4 / 469.\r(2) في \"أ\": \"من قرنه إلى قدميه\".\r(3) أخرجه الإمام أحمد في المسند: 3 / 439، قال الهيثمي: \"رواه أحمد والطبراني وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف وقد يحسن حديثه\". انظر: مجمع الزوائد: 7 / 52. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 14 / 469-470.\r(4) في آخر نسخة مكتبة الحرم المكي: \"تم المصنف الأول من تفسير البغوي بحمد الله وعونه، وافق الفراغ منه بقدس الشريف، في مدرسة الصلاحية -عمرها الله تعالى- يوم الثالث عشر من شوال من شهور سنة خمس وعشرين وثمانمائة هجرية. كاتبه العبد الفقير إلى الله الغني: سليمان بن أحمد بن أحمد بن سليمان الحدادي القرشي حامدا لله تعالى ومصليا على نبيه محمد وآله وأصحابه وأزواجه. يتلوه النصف الثاني؛ أول سورة مريم غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين أجمعين. آمين\". ثم يلي هذا سطر فيه تملك النسخة لراجي عفو ربه وغفرانه: محمد بن محمد الحريري عفا الله عنه.","part":5,"page":214},{"id":1883,"text":"سورة مريم مكية، وهي ثمان وتسعون آية (1)\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) }\rقوله عز وجل { كهيعص } قرأ أبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء، وضده ابن عامر، وحمزة، وبكسرهما: الكسائي وأبو بكر، والباقون بفتحهما.\rويظهر الدال عند الذال من \"صاد ذكر\" ابن كثير، ونافع، وعاصم [ويعقوب] (2) والباقون بالإدغام (3) .\rقال ابن عباس رضي الله عنهما: هو اسم من أسماء الله تعالى.\rوقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن.\rوقيل: اسم للسورة. وقيل: هو قسم أقسم الله به.\rويروى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله { كهيعص } قال: الكاف من كريم وكبير، والهاء من هاد، والياء من رحيم، والعين من عليم، وعظيم، والصاد من صادق.\r__________\r(1) سورة مريم مكية بالإجماع، فقد أخرج النحاس وابن مردويه عن ابن الزبير قال: نزلت سورة مريم بمكة. وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: نزلت سورة مريم بمكة. وأخرج الإمام أحمد وابن أبي حاتم، والبيهقي في \"الدلائل\" عن أم سلمة: أن النجاشي قال لجعفر ابن أبي طالب: هل معك مما جاء به -يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم- من الله شيء؟ قال: نعم، فقرأ عليه صدرا من \"كهيعص\" فبكى النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم، حين سمعوا ما تلي عليهم. ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة. انظر: \"الدر المنثور\": 5 / 476، \"تفسير القرطبي\": 11 / 72-73.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) انظر: \"زاد المسير\" لابن الجوزي: 5 / 204-205 \"البحر المحيط\": 6 / 172.","part":5,"page":215},{"id":1884,"text":"وقال الكلبي: معناه: كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فوق أيديهم، عالم ببريته، صادق في وعده (1) { ذِكْرُ } رفع بالمضمر، أي: هذا الذي نتلوه عليك ذكر { رَحْمَةِ رَبِّكَ } [وفيه تقديم وتأخير] (2) معناه: ذكر ربك { عَبْدَهُ زَكَرِيَّا } برحمته.\r{ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) }\r{ إِذْ نَادَى } دعا { رَبَّهُ } في محرابه { نِدَاءً خَفِيًّا } دعا سرا من قومه في جوف الليل. { قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ } ضعف ورق { الْعَظْمُ مِنِّي } من الكبر. قال قتادة: اشتكى سقوط الأضراس { وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ } أي: ابيض شعر الرأس { شَيْبًا } شمطا { وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا } يقول: عودتني الإجابة فيما مضى ولم تخيبني.\rوقيل: معناه لما دعوتني إلى الإيمان آمنت ولم أشق بترك الإيمان (3) . { وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ } و\"الموالي\": بنو العم. قال مجاهد: العصبة. وقال أبو صالح: الكلالة. وقال الكلبي: الورثة (4) { مِنْ وَرَائِي } أي: من بعد موتي.\rقرأ ابن كثير: { مِنْ وَرَائِي } بفتح الياء، والآخرون بإسكانها.\r{ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا } لا تلد { فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ } أعطني من عندك { وَلِيًّا } ابنا. { يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ } قرأ أبو عمرو والكسائي: بجزم الثاء فيهما، على جواب الدعاء، وقرأ الآخرون بالرفع على الحال والصفة، أي: وليا وارثا.\rواختلفوا في هذا الإرث؛ قال الحسن: معناه يرثني مالي ويرث من آل يعقوب النبوة والحبورة.\r__________\r(1) انظر هذه الأقوال في: \"الطبري\" 16 / 41-45، \"الدر المنثور\" 5 / 477-478، \"زاد المسير\" 5 / 205-206 وتقدم الكلام على الحروف المقطعة في فواتح السور فيما سبق: 1 / 58-59، وراجع \"تفسير الطبري\": 1 / 205-224، \"تفسير الواحدي\" 1 / 25-26.\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) هذه المعاني متقاربة، فالورثة هم العصبة، وبنو العم من الورثة، والكل من الأقارب.","part":5,"page":218},{"id":1885,"text":"وقيل: أراد ميراث النبوة والعلم.\rوقيل: أراد إرث الحبورة، لأن زكريا كان رأس الأحبار (1) .\rقال الزجاج: والأولى أن يحمل على ميراث غير المال لأنه يبعد أن يشفق زكريا وهو نبي من الأنبياء أن يرثه بنو عمه ماله.\rوالمعنى: أنه خاف تضييع بني عمه دين الله وتغيير أحكامه على ما كان شاهده من بني إسرائيل من تبديل الدين وقتل الأنبياء، فسأل ربه وليا (2) صالحا يأمنه على أمته ويرث نبوته وعلمه لئلا يضيع الدين. وهذا معنى قول عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما (3) .\r{ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا } أي برا تقيا مرضيا.\r{ يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) }\rقوله عز وجل: { يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ } وفيه اختصار، معناه: فاستجاب الله دعاءه فقال: يا زكريا إنا نبشرك، { بِغُلامٍ } بولد ذكر (4) { اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا } قال قتادة والكلبي: لم يسم أحد قبله يحيى (5) .\r__________\r(1) انظر هذه الأقوال في: \"تفسير القرطبي\": 16 / 47-48، \"زاد المسير\": 5 / 207-208، \"الدر المنثور\": 5 / 480.\r(2) في \"ب\": ولدا.\r(3) وهذا الذي مال إليه المصنف -رحمه الله- هو ما رجحه ابن كثير وأيده من وجوه، فقال: (3 / 112): \"وجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفا سيئا، فسأل الله ولدا يكون نبيا من بعده، ليسوسهم بنبوته ما يوحى إليه، فأجيب في ذلك، لا أنه خشي من وراثتهم له ماله، فإن النبي أعظم منزلة، وأجل قدرا من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده، وأن يأنف من ورائه عصباته له، ويسأل أن يكون له ولد ليحرز ميراثه دونهم. هذا وجه. والوجه الثاني: أنه لم يذكر أنه كان ذا مال، بل كان نجارا يأكل من كسب يديه، ومثل هذا لا يجمع مالا، ولا سيما الأنبياء، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا. والوجه الثالث: أنه قد ثبت في \"الصحيحين\" من غير وجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"لا نورث ما تركناه صدقة\" وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح: \"نحن معاشر الأنبياء لا نورث\" وعلى هذا فتعين حمل قوله: (فهب لي من لدنك وليا يرثني) على ميراث النبوة، ولهذا قال: (ويرث من آل يعقوب)، كقوله: (وورث سليمان داود) أي في النبوة، إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة، إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل: أن الولد يرث أباه. فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها. وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث: \"نحن معاشر الأنبياء لا نورث\" وعلى هذا فتعين حمل قوله: (فهب لي من لدنك وليا يرثني) على ميراث النبوة، ولهذا قال: (ويرث من آل يعقوب)، كقوله: (وورث سليمان داود) أي في النبوة، إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة، إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل: أن الولد يرث أباه. فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها. وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث: \"نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة\". ثم ساق -ابن كثير- بعض الآثار والروايات فيها ما يدل على أن الوراثة وراثة مال، وقال عنها: \"وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح\" والله أعلم. وانظر: \"مسائل الرازي وأجوبتها من غرائب آي التنزيل\" ص (209).\r(4) زيادة من \"ب\".\r(5) رجح الطبري هذا التأويل في \"التفسير\": 16 / 50. فإن اعترض معترض فقال: ما وجه المدحة باسم لم يسم به أحد قبله ونرى كثيرا من الأسماء لم يسبق إليها؟ فالجواب: أن وجه الفضيلة أن الله تعالى تولى تسميته، ولم يكل ذلك إلى أبويه، فسماه باسم لم يسبق إليه. انظر: \"زاد المسير\": 5 / 210-211.","part":5,"page":219},{"id":1886,"text":"وقال سعيد بن جبير وعطاء: لم نجعل له شبها ومثلا كما قال الله تعالى: \"هل تعلم له سميا\" أي مثلا.\rوالمعنى: أنه لم يكن له مثل، لأنه لم يعص ولم يهم بمعصية قط.\rوقيل: لم يكن له مثل في أمر النساء، لأنه كان سيدا وحصورا.\rوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: أي لم تلد العواقر مثله ولدا.\rوقيل: لم يرد الله به اجتماع الفضائل كلها ليحيى، إنما أراد بعضها، لأن الخليل والكليم كانا قبله، وهما أفضل منه.\r{ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10) }\r{ قَالَ رَبِّ أَنَّى } من أين { يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا } أي: وامرأتي عاقر (1) . { وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا } أي: يبسا، قال قتادة: يريد نحول العظم، يقال: عتا الشيخ يعتو عتيا وعسيا: إذا انتهى سنه وكبر، وشيخ عات وعاس: إذا صار إلى حالة اليبس والجفاف.\rوقرأ حمزة والكسائي: عتيا وبكيا وصليا وجثيا بكسر أوائلهن، والباقون برفعها، وهما لغتان. { قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ } يسير { وَقَدْ خَلَقْتُكَ } قرأ حمزة والكسائي \" خلقناك \" بالنون والألف على التعظيم، { مِنْ قَبْلُ } أي من قبل يحيى { وَلَمْ تَكُ شَيْئًا } { قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً } دلالة على حمل امرأتي { قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا } أي: صحيحا سليما من غير ما بأس ولا خرس.\rقال مجاهد: أي لا يمنعك من الكلام مرض.\r__________\r(1) وعلى هذا فـ \"كانت\": توكيد للكلام، كقوله تعالى: (كنتم خير أمة) (آل عمران-110) أي: أنتم خير أمة. وقيل معنى الآية: أنها كانت منذ كانت عاقرا، لم يحدث ذلك بها. ذكر هذين القولين ابن الأنباري واختار الأول منهما. انظر: \"زاد المسير\": 5 / 211.","part":5,"page":220},{"id":1887,"text":"وقيل: ثلاث ليال سويا أي متتابعات، والأول أصح (1) .\rوفي القصة: أنه لم يقدر فيها أن يتكلم مع الناس فإذا أراد ذكر الله تعالى انطلق لسانه (2) .\r{ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11) }\r__________\r(1) وهو أيضا ما رجحه الطبري: 16 / 52. وحكى القول الثاني عن ابن عباس رضي الله عنهما من رواية العوفي.. وانظر: \"تفسير ابن كثير\": 3 / 113.\r(2) أخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: حبس لسانه فكان لا يستطيع أن يكلم أحدا، وهو في ذلك يسبح ويقرأ التوراة، فإذا أراد كلام الناس لم يستطع أن يكلمهم. انظر: \"الدر المنثور\": 5 / 483، \"البحر المحيط\": 6 / 176 وراجع فيما سبق: 2 / 36.","part":5,"page":221},{"id":1888,"text":"{ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) }\rقوله عز وجل: { فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ } وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح لهم الباب فيدخلون ويصلون، إذ خرج عليهم زكريا متغيرا لونه فأنكروه، وقالوا: ما لك يا زكريا؟ { فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ } فأومأ إليهم، قال مجاهد: كتب لهم في الأرض، { أَنْ سَبِّحُوا } أي: صلوا لله (1) { بُكْرَةً } غدوة { وَعَشِيًّا } ومعناه: أنه كان يخرج على قومه بكرة وعشيا فيأمرهم بالصلاة، فلما كان وقت حمل امرأته ومنع الكلام حتى (2) خرج إليهم فأمرهم بالصلاة إشارة. قوله عز وجل: { يَا يَحْيَى } قيل: فيه حذف معناه: ووهبنا له يحيى وقلنا له: يا يحيى، { خُذِ الْكِتَابَ } يعني التوراة { بِقُوَّةٍ } بجد { وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: النبوة { صَبِيًّا } وهو ابن ثلاث سنين.\rوقيل: أراد بالحكم فهم الكتاب (3) فقرأ التوراة وهو صغير.\rوعن بعض السلف: من قرأ القرآن قبل أن يبلغ فهو ممن أوتي الحكم صبيا (4) . { وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا } رحمة من عندنا، قال الحطيئة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: تحنن علي هداك المليك ... فإن لكل مقام مقالا (5)\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) وهو الراجح عند الطبري وغيره من العلماء.\r(4) أخرجه ابن مردويه والبيهقي في \"شعب الإيمان\" عن ابن عباس مرفوعا. وأخرجه ابن أبي حاتم والديلمي موقوفا على ابن عباس أيضا انظر: \"الدر المنثور\" : 5 / 485، \"كشف الخفاء\" للعجلوني: 2 / 86، كنز العمال برقم (2452).\r(5) انظر: \"ديوان الحطيئة\" ص (222)، \"تفسير الطبري\": 16 / 57، \"البحر المحيط\": 6 / 177.","part":5,"page":221},{"id":1889,"text":"أي: ترحم.\r{ وَزَكَاةً } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني بالزكاة الطاعة والإخلاص.\rوقال قتادة رضي الله عنه: هي العمل الصالح، وهو قول الضحاك.\rومعنى الآية: وآتيناه رحمة من عندنا وتحننا على العباد، ليدعوهم إلى طاعة ربهم ويعمل عملا صالحا في إخلاص.\rوقال الكلبي: يعني صدقة تصدق الله بها على أبويه.\r{ وَكَانَ تَقِيًّا } مسلما ومخلصا مطيعا، وكان من تقواه أنه لم يعمل خطيئة ولا هم بها (1) .\r{ وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) }\r{ وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ } أي بارا لطيفا بهما محسنا إليهما. { وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا } و\"الجبار\": المتكبر، وقيل: \"الجبار\": الذي يضرب ويقتل على الغضب، و\"العصي\": العاصي. { وَسَلامٌ عَلَيْهِ } أي: سلامة له، { يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا } قال سفيان بن عيينة: أوحش 6/ب (2) ما يكون الإنسان في هذه الأحوال: يوم ولد فيخرج مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر لم ير مثله. فخص يحيى بالسلامة في هذه المواطن (3) . قوله عز وجل: { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ } في القرآن { مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ } تنحت واعتزلت { مِنْ أَهْلِهَا } من قومها { مَكَانًا شَرْقِيًّا } أي: مكانا في الدار مما يلي المشرق، وكان يوما شاتيا شديد البرد، فجلست في مشرقة تفلي رأسها.\rوقيل: كانت طهرت من المحيض، فذهبت لتغتسل.\r__________\r(1) أخرج الطبري في التفسير: 16 / 58، وأحمد في \"الزهد\" وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة قال: كان سعيد بن المسيب يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"ما من أحد يلقى الله يوم القيامة إلا ذا ذنب، إلا يحيى بن زكريا\". وقال الحسن: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"ما أذنب يحيى بن زكريا قط ولا هم بامرأة\". وكلاهما مرسل: انظر: \"الدر المنثور\": 5 / 486-487، \"تفسير ابن كثير\": 3 / 114-115، فقد ساق هذه الروايات وغيرها وأشار إلى ضعفها.\r(2) 6/ب بداية الصفحة الأولى في المجلد الثاني لمخطوط الظاهرية.\r(3) أخرجه الطبري عن سفيان بن عيينة: 16 / 58-59.","part":5,"page":222},{"id":1890,"text":"قال الحسن: ومن ثم اتخذت النصارى المشرق قبلة (1) .\r{ فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا (19) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) }\r{ فَاتَّخَذَتْ } فضربت { مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا } قال ابن عباس رضي الله عنهما: سترا.\rوقيل: جلست وراء جدار. وقال مقاتل: وراء جبل.\rوقال عكرمة: إن مريم كانت تكون في المسجد فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها، حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد، فبينما هي تغتسل من المحيض قد تجردت، إذ عرض لها جبريل في صورة شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر سوي الخلق، فذلك قوله:\r{ فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا } يعني: جبريل عليه السلام { فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا } وقيل: المراد من الروح عيسى عليه السلام، جاء في صورة بشر فحملت به والأول أصح فلما رأت مريم جبريل يقصد نحوها نادته من بعيد فـ: { قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا } مؤمنا مطيعا.\rفإن قيل إنما يستعاذ من الفاجر، فكيف قالت: إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا؟\rقيل: هذا كقول القائل: إن كنت مؤمنا فلا تظلمني. أي: ينبغي أن يكون إيمانك مانعا من الظلم وكذلك هاهنا.\rمعناه: وينبغي أن تكون تقواك مانعا لك من الفجور (2) . { قَالَ } لها جبريل: { إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأهَبَ لَكِ } قرأ نافع وأهل البصرة: \"ليهب لك\" بالياء، أي: ليهب لك ربك، وقرأ الآخرون: \"لأهب لك\" أسند الفعل إلى الرسول، وإن كانت الهبة من الله تعالى، لأنه أرسل به.\r{ غُلامًا زَكِيًّا } ولدا صالحا طاهرا من الذنوب. { قَالَتْ } مريم { أَنَّى } من أين { يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ } لم يقربني زوج { وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا } فاجرة؟ تريد أن الولد يكون من نكاح أو سفاح، ولم يكن هنا واحد منهما.\r__________\r(1) انظر هذه الأقوال وغيرها: الطبري 16 / 59-60، \"الدر المنثور\": 5 / 494، \"زاد المسير\": 6 / 216-217.\r(2) انظر بتفصيل أوسع: \"مسائل الرازي وأجوبتها عن غرائب آي التنزيل\" ص (210-211).","part":5,"page":223},{"id":1891,"text":"{ قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) }\r{ قَالَ } جبريل: { كَذَلِكِ } قيل: معناه كما قلت يا مريم ولكن، { قَالَ رَبُّكَ } وقيل هكذا قال ربك، { هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ } أي: خلق ولد بلا أب، { وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً } علامة، { لِلنَّاسِ } ودلالة على قدرتنا، { وَرَحْمَةً مِنَّا } ونعمة لمن تبعه على دينه، { وَكَانَ } ذلك، { أَمْرًا مَقْضِيًّا } محكوما مفروغا عنه لا يرد ولا يبدل. قوله عز وجل: { فَحَمَلَتْهُ } قيل: إن جبريل رفع درعها فنفخ في جيبه (1) فحملت حين لبست.\rوقيل: مد جيب درعها بأصبعه ثم نفخ في الجيب.\rوقيل: نفخ في كم قميصها. وقيل: في فيها.\rوقيل: نفخ جبريل عليه السلام نفخا من بعيد فوصل الريح إليها فحملت بعيسى في الحال (2) { فَانْتَبَذَتْ بِهِ } أي تنحت بالحمل وانفردت، { مَكَانًا قَصِيًّا } بعيدا من أهلها.\rقال ابن عباس رضي الله عنهما: أقصى الوادي، وهو وادي بيت لحم، فرارا من قومها أن يعيروها بولادتها من غير زوج.\rواختلفوا في مدة حملها ووقت وضعها؛ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: كان الحمل والولادة في ساعة واحدة.\rوقيل: كان مدة حملها تسعة أشهر كحمل سائر النساء.\r__________\r(1) في \"ب\": جيبها.\r(2) قال الشيخ الشنقيطي في \"أضواء البيان\": (4 / 241). أشار الله تعالى إلى كيفية حمل مريم: أنه نفخ فيها، فوصل النفخ إلى فرجها، فوقع الحمل بسبب ذلك، كما قال: \"ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا\" (سورة التحريم-12) وقال: \"والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا\" (سورة الأنبياء-91). والذي عليه الجمهور من العلماء: أن المراد بذلك النفخ نفخ جبريل فيها بإذن الله فحملت، كما تدل لذلك قراءة الجمهور في قوله تعالى: \"إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا\"، ولا ينافي ذلك إسناد الله جل وعلا النفخ المذكور لنفسه في قوله: \"فنفخنا\" لأن جبريل إنما أوقعه بإذنه وأمره ومشيئته، وهو تعالى الذي خلق الحمل من ذلك النفخ، فجبريل لا قدرة له على أن يخلق الحمل من ذلك النفخ، ومن أجل كونه بإذنه ومشيئته وأمره تعالى، ولا يمكن أن يقع النفخ المذكور ولا وجود الحمل منه إلا بمشيئته جل وعلا - أسنده إلى نفسه. وقول من قال: إن فرجها الذي نفخ فيه الملك هو جيب درعها ظاهر السقوط. بل النفخ الواقع في جيب الدرع وصل إلى الفرج المعروف فوقع الحمل.","part":5,"page":224},{"id":1892,"text":"وقيل: كان مدة حملها ثمانية أشهر، وكان ذلك آية أخرى لأنه لا يعيش ولد يولد لثمانية أشهر، وولد عيسى لهذه المدة وعاش.\rوقيل: ولدت لستة أشهر.\rوقال مقاتل بن سليمان: حملته مريم في ساعة، وصور في ساعة، ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها، وهي بنت عشر سنين (1) وكانت قد حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى (2) .\r{ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23) }\r{ فَأَجَاءَهَا } أي ألجأها وجاء بها، { الْمَخَاضُ } وهو وجع الولادة، { إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ } وكانت نخلة يابسة في الصحراء، في شدة الشتاء، لم يكن لها سعف.\rوقيل: التجأت إليها لتستند إليها وتتمسك بها على وجع الولادة، { قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا } تمنت الموت استحياء من الناس وخوف الفضيحة، { وَكُنْتُ نَسْيًا } قرأ حمزة وحفص { نَسْيًا } بفتح النون، [والباقون بكسرها] (3) وهما لغتان، مثل: الوَتر والوِتر، والجسر والجَسر، وهو الشيء المنسي\" و\"النسي\" في اللغة: كل ما ألقي ونسي ولم يذكر لحقارته.\r{ مَنْسِيًّا } أي: متروكا قال قتادة: شيء لا يعرف ولا يذكر. قال عكرمة والضحاك ومجاهد: جيفة ملقاة. وقيل: تعني لم أخلق.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) أوصل بعض المفسرين الأقوال في مدة حملها إلى سبعة أقوال، والظاهر من الآية المتبادر من التعقيب بحرف الفاء هو قول ابن عباس رضي الله عنه حيث قال: لم يكن إلا أن حملت فوضعت. واستغربه ابن كثير رحمه الله لأن الفاء وإن كانت للتعقيب، لكن تعقيب كل شيء بحسبه. ثم رجح رأي الجمهور فقال: \"فالمشهور الظاهر، والله على كل شيء قدير، أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن، وإن كان منشؤه خارقا للعادة. والسياق لا يذكر كيف حملته ولا كم حملته، هل كان حملا عاديا كما تحمل النساء، وتكون النفخة قد بعثت الحياة والنشاط في البويضة، فإذا هي علقة فمضغة فعظام ثم تكسى العظام باللحم ويستكمل الجنين أيامه المعهودة؟ إن هذا جائز، فبويضة المرأة تبدأ بعد التلقيح في النشاط والنمو حتى تستكمل تسعة أشهر قمرية، والنفخة تكون قد أدت دور التلقيح فسارت البويضة سيرتها الطبيعية. كما أنه من الجائز في مثل هذه الحالة الخاصة أن لا تسير البويضة بعد النفخة سيرة عادية، فتختصر المراحل اختصارا، ويعقبها تكون الجنين ونموه واكتماله في فترة وجيزة.. وليس في النص ما يدل على إحدى الحالتين، فلا نجري طويلا وراء تحقيق القضية التي لا سند لنا فيها. والله أعلم. انظر: \"زاد المسير\": 5 / 219، \"ابن كثير\": 3 / 117، \"في ظلال القرآن\" 4 / 2306-2307، طبعة دار الشروق، \"أضواء البيان\": 4 / 244.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":5,"page":225},{"id":1893,"text":"{ فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) }\r{ فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا } قرأ أبو جعفر ونافع وحمزة والكسائي وحفص: { مِنْ تَحْتِهَا } بكسر الميم والتاء، يعني جبريل عليه السلام، وكانت مريم على أكمة وجبريل وراء الأكمة تحتها فناداها.\rوقرأ الآخرون بفتح الميم والتاء، وأراد جبريل عليه السلام أيضا، ناداها من سفح الجبل.\rوقيل: هو عيسى لما خرج من بطن أمه ناداها: { أَلا تَحْزَنِي } وهو قول مجاهد والحسن (1) .\rوالأول قول ابن عباس رضي الله عنهما والسدي وقتادة والضحاك وجماعة: أن المنادي كان جبريل لما سمع كلامها وعرف جزعها ناداها ألا تحزني.\r{ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا } و\"السري\": النهر الصغير.\rوقيل: تحتك أي جعله الله تحت أمرك إن أمرتيه أن يجري جرى، وإن أمرتيه بالإمساك أمسك.\rقال ابن عباس رضي الله عنهما: ضرب جبريل عليه السلام -ويقال: ضرب عيسى عليه الصلاة والسلام-برجله الأرض فظهرت عين ماء عذب وجرى (2) .\rوقيل: كان هناك نهر يابس أجرى الله سبحانه وتعالى فيه الماء وحييت النخلة اليابسة، فأورقت وأثمرت وأرطبت.\rوقال الحسن: \"تحتك سريا\" يعني: عيسى وكان والله عبدا سريا، يعني: رفيعا (3) .\r__________\r(1) واختار التفسير ابن زيد وابن جرير الطبري في التفسير: (16 / 68) وذلك أنه من كناية ذكره أقرب منه من ذكر جبرائيل، فرده الذي هو أولى من رده على الذي هو أبعد منه، ألا ترى في سياق قوله: \"فحملته فانتبذت به مكانا قصيا\" يعني به: فحملت عيسى فانتبذت به، ثم قيل: \"فناداها\" نسقا على ذلك من ذكر عيسى والخبر عنه، ولعلة أخرى، وهي قوله: \"فأشارت إليه\" ولم تشر إليه إن شاء الله إلا وقد علمت أنه ناطق في حالة تلك، وللذي كانت قد عرفت ووثقت به منه بمخاطبته إياها بقوله لها: \"أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا\" وما أخبر الله عنه أنه قال لها: أشيري للقوم إليه، ولو كان ذلك قولا من جبرائيل، لكان خليقا أن يكون في ظاهر الخبر، مبينا أن عيسى سينطق، ويحتج عنها للقوم، وأمر منه لها بأن تشير إليه للقوم إذا سألوها عن حالها وحاله.\r(2) انظر: \"تفسير الخازن\": 4 / 197.\r(3) ورجح الطبري: (16 / 71) القول الأول فقال: \"وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قيل من قال: عني به الجدول، وذلك أنه أعلمها ما قد أعطاها الله من الماء الذي جعله الذي جعله عندها، وقال لها: \"وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي\" من هذا الرطب، \"واشربي\" من هذا الماء \"وقري عينا\" بولدك. و\"السري\" معروف من كلام العرب أنه النهر الصغير\". وقد رويت أحاديث مرفوعة في ذلك لا يصح منها شيء، وإن كان هو الأقرب إلى الصواب من قول من قال أن المراد بالسري \"عيسى\" عليه السلام، وإن كان من معاني \"السري\": الرفيع مكانة. انظر: \"الكافي الشاف\" ص (105-106)، \"تفسير ابن كثير\": 3 / 118، \"مجمع الزوائد\": 7 / 54-55، \"أضواء البيان\" للشنقيطي: 4 / 248-249.","part":5,"page":226},{"id":1894,"text":"{ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) }","part":5,"page":227},{"id":1895,"text":"{ فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) }\r{ وَهُزِّي إِلَيْكِ } يعني قيل لمريم: حركي { بِجِذْعِ النَّخْلَةِ } تقول العرب: هزه وهز به، كما يقول: حز رأسه وحز برأسه، وأمدد الحبل وأمدد به، { تُسَاقِطْ عَلَيْكِ } القراءة المعروفة بفتح التاء والقاف وتشديد السين، أي: تتساقط، فأدغمت إحدى التاءين في السين أي: تسقط عليك النخلة رطبا، وخفف حمزة السين وحذف التاء التي أدغمها غيره.\rوقرأ حفص بضم التاء وكسر القاف خفيف على وزن تفاعل. وتساقط بمعنى أسقط، والتأنيث لأجل النخلة.\rوقرأ يعقوب: \"يساقط\" بالياء مشددة ردة إلى الجذع.\r{ رُطَبًا جَنِيًّا } مجنيا. وقيل: الجني هو الذي بلغ الغاية، وجاء أوان اجتنائه. قال الربيع بن خثيم: ما للنفساء عندي خير من الرطب، ولا للمريض خير من العسل (1) . قوله سبحانه وتعالى: { فَكُلِي وَاشْرَبِي } أي: فكلي يا مريم من الرطب، واشربي من ماء (2) النهر { وَقَرِّي عَيْنًا } أي: طيبي نفسا. وقيل: قري عينك بولدك عيسى. يقال: أقر الله عينك 7/أ أي: صادف فؤادك ما يرضيك، فتقر عينك من النظر إلى غيره. وقيل: أقر الله عينه: يعني أنامها، يقال: قر يقر إذا سكن.\rوقيل: إن العين إذا بكت من السرور فالدمع بارد، وإذا بكت من الحزن فالدمع يكون حارا، فمن هذا قيل: أقر الله عينه وأسخن الله عينه.\r{ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا } أي: تري، فدخل عليه نون التأكيد فكسرت الياء لالتقاء الساكنين.\rمعناه: فإما ترين من البشر أحدا فيسألك عن ولدك { فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا } أي: صمتا وكذلك كان يقرأ ابن مسعود رضي الله عنه.\rوالصوم في اللغة الإمساك عن الطعام والشراب (3) والكلام (4) .\r__________\r(1) أخرجه سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، انظر: \"الدر المنثور\": 5 / 505.\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) انظر: \"لسان العرب\": 12 / 350-351.","part":5,"page":227},{"id":1896,"text":"قال السدي: كان في بني إسرائيل من أراد أن يجتهد صام عن الكلام، كما يصوم عن الطعام، فلا يتكلم حتى يمسي.\rوقيل: إن الله تعالى أمرها أن تقول هذا إشارة.\rوقيل أمرها أن تقول هذا القدر نطقا، ثم تمسك عن الكلام بعده.\r{ فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا } يقال: كانت تكلم الملائكة، ولا تكلم الإنس.\r{ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) }\r{ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ } قيل: إنها ولدته، ثم حملته في الحال إلى قومها.\rوقال الكلبي: حمل يوسف النجار مريم وابنها عيسى [عليهما السلام] (1) إلى غار، ومكثت أربعين يوما حتى طهرت من نفاسها (2) ثم حملته مريم عليها السلام إلى قومها. فكلمها عيسى عليه السلام في الطريق فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه، فلما دخلت على أهلها ومعها الصبي بكوا وحزنوا، وكانوا أهل بيت صالحين (3) { قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا } عظيما منكرا، قال أبو عبيدة: كل أمر فائق من عجب أو عمل فهو فري.\rقال النبي صلى الله عليه وسلم في عمر: \"فلم أر عبقريا يفري فريه\" (4) أي: يعمل عمله. { يَا أُخْتَ هَارُونَ } يريد يا شبيهة هارون، قال قتادة وغيره: كان هارون رجلا صالحا عابدا في بني إسرائيل. روي أنه اتبع جنازته يوم مات أربعون ألفا كلهم يسمى \"هارون\" من بني إسرائيل سوى سائر الناس [شبهوها به على] (5) معنى إنا ظننا أنك مثله في الصلاح. وليس المراد منه الأخوة في النسب، كما قال الله تعالى: \"إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين\" (الإسراء:27) أي أشباههم.\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد أخبرنا محمد بن عيسى أخبرنا إبراهيم بن محمد بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) عزاه السيوطي في الدر: (5 / 506) لسعيد بن منصور وابن عساكر عن ابن عباس، دون أن يذكر يوسف النجار. وتقدم أن الكلبي ضعيف.\r(3) انظر: \"البحر المحيط\": 6 / 187.\r(4) أخرجه البخاري في المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام: 6 / 629-630، ومسلم في فضائل الصحابة، باب فضائل عمر رضي الله عنه، برقم (2393): 4 / 1862.\r(5) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":5,"page":228},{"id":1897,"text":"حدثنا ابن إدريس عن أبيه عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل عن المغيرة بن شعبة قال: لما قدمت نجران سألوني، فقالوا: إنكم تقرءون: { يَا أُخْتَ هَارُونَ } وموسى قبل عيسى بكذا وكذا! فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن ذلك فقال: \"إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم\" (1) .\rوقال الكلبي: كان هارون أخا مريم من أبيها، وكان أمثل رجل في بني إسرائيل.\rوقال السدي: إنما عنوا به هارون أخا موسى، لأنها كانت من نسله كما يقال للتميمي: يا أخا تميم.\rوقيل: كان هارون رجلا (2) فاسقا في بني إسرائيل عظيم الفسق فشبهوها به (3) .\r{ مَا كَانَ أَبُوكِ } عمران { امْرَأَ سَوْءٍ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: زانيا، { وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ } حنة { بَغِيًّا } أي زانية، فمن أين لك هذا الولد؟\r{ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) }\r{ فَأَشَارَتْ } مريم { إِلَيْهِ } أي إلى عيسى عليه السلام: أن كلِّموه.\rقال ابن مسعود رضي الله عنه: لما لم تكن لها حجة أشارت إليه ليكون كلامه حجة لها (4) .\rوفي القصة: لما أشارت إليه غضب القوم، وقالوا مع ما فعلت تسخرين بنا؟ (5) .\r{ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا } أي: من هو في المهد، وهو حجرها.\rوقيل: هو المهد بعينه، و\"كان\" بمعنى: هو. وقال أبو عبيدة: \"كان\" صلة، أي: كيف نكلم صبيا في المهد. وقد يجيء \"كان\" حشوا في الكلام لا معنى له كقوله \"هل كنت إلا بشرا رسولا\" (الإسراء:93) أي: هل أنا (6) ؟\rقال السدي: فلما سمع عيسى كلامهم ترك الرضاع وأقبل عليهم.\rوقيل: لما أشارت إليه ترك الثدي واتكأ على يساره، وأقبل عليهم وجعل يشير بيمينه:\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الآداب، باب النهي عن التكني بأبي القاسم، برقم (2135): 3 / 1685، والمصنف في شرح السنة: 12 / 328.\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) انظر في ذه الأقوال: \"تفسير الطبري\": 16 / 77-78، \"الدر المنثور\": 5 / 507-508، زاد المسير\": 5 / 227. قال الطبري: \"والصواب من القول في ذلك ما جاء به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكرناه، وأنها نسبت إلى رجل من قومها\".\r(4) انظر \"تفسير الخازن\": 4 / 198.\r(5) انظر \"البحر المحيط\": 6 / 187.\r(6) انظر في هذا كله: \"تفسير الطبري\": 16 / 79، \"البحر المحيط\": 6 / 187، \"زاد المسير\": 5 / 228.","part":5,"page":229},{"id":1898,"text":"{ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) }\r{ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ } وقال وهب: أتاها زكريا عند مناظرتها اليهود، فقال لعيسى: انطق بحجتك إن كنت أمرت بها، فقال عند ذلك عيسى عليه السلام وهو ابن أربعين يوما -وقال مقاتل: بل هو يوم ولد-: إني عبد الله أقر على نفسه بالعبودية لله عز وجل أول ما تكلم لئلا يتخذ إلها (1) { آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا } قيل: معناه سيؤتيني الكتاب ويجعلني نبيا.\rوقيل: هذا إخبار عما كتب له في اللوح المحفوظ، كما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: متى كنت نبيا؟ قال: \"كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد\" (2) .\rوقال الأكثرون أوتي الإنجيل وهو صغير طفل، وكان يعقل عقل الرجال.\rوعن الحسن: أنه قال: ألهم التوراة وهو في بطن أمه (3) . { وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ } أي نفاعا حيث ما توجهت. وقال مجاهد: معلما للخير. وقال عطاء: أدعو إلى الله وإلى توحيده وعبادته. وقيل: مباركا على من تبعني.\r{ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ } أي: أمرني بهما.\rفإن قيل: لم يكن لعيسى مال فكيف يؤمر بالزكاة؟\rقيل: معناه بالزكاة لو كان لي مال وقيل: بالاستكثار من الخير.\r{ مَا دُمْتُ حَيًّا } { وَبَرًّا بِوَالِدَتِي } أي وجعلني برا بوالدتي، { وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا } أي عاصيا لربه. قيل: \"الشقي\": الذي يذنب ولا يتوب. { وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ } أي: السلامة عند الولادة من طعن الشيطان. { وَيَوْمَ أَمُوتُ }\r__________\r(1) انظر: \"زاد المسير\": 5 / 228، \"البحر المحيط\": 6 / 187.\r(2) صححه الحاكم في \"المستدرك\": 2 / 609، وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 5 / 379، والبخاري في تاريخه: 7 / 374.\r(3) والصواب في ذلك أنه سبحانه وتعالى عبر في الآية بالفعل الماضي عن المستقبل تنزيلا لتحقق وقوعه منزلة الوقوع بالفعل، ولهذا نظائر كثيرة في القرآن، فيكون التأويل الأول هو الراجح وما عداه فهو ضعيف. انظر: \"أضواء البيان\": 4 / 273-274.","part":5,"page":230},{"id":1899,"text":"أي عند الموت من الشرك، { وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا } من الأهوال. ولما كلمهم عيسى بهذا علموا براءة مريم، ثم سكت عيسى عليه السلام، فلم يتكلم بعد ذلك حتى بلغ المدة التي يتكلم فيها الصبيان.\r{ ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (36) فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37) }\r{ ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ } [قال الزجاج: أي ذلك الذي قال إني عبد الله عيسى ابن مريم] (1) { قَوْلَ الْحَقِّ } قرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب: { قَوْلَ الْحَقِّ } بنصب اللام وهو نصب على المصدر، أي: قال قول الحق، { الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ } أي: يختلفون، فقائل يقول: هو ابن الله، وقائل يقول: هو الله، وقائل يقول: هو ساحر كذاب.\rوقرأ الآخرون برفع اللام، يعني: هو قول الحق، أي هذا الكلام هو قول الحق، أضاف القول إلى الحق، كما قال: \"حق اليقين\"، و\"وعد الصدق\".\rوقيل: هو نعت لعيسى ابن مريم، يعني ذلك عيسى ابن مريم كلمة الله الحق هو الله { الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ } ويشكون ويختلفون ويقولون غير الحق. ثم نفى عن نفسه الولد فقال: { مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ } أي: ما كان من صفته اتخاذ الولد. وقيل: اللام منقولة أي ما كان الله ليتخذ من ولد، { سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا } إذا أراد أن يحدث أمرا { فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } { وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ } قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو: { أَنَّ اللَّهَ } بفتح الألف، يرجع إلى قوله: { وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ } وبأن الله ربي وربكم، وقرأ أهل الشام والكوفة ويعقوب بكسر الألف على الاستئناف 7/ب { فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ } { فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ } يعني: النصارى سموا أحزابا لأنهم تحزبوا ثلاث فرق في أمر عيسى: النسطورية والملكانية واليعقوبية. { فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ } يعني يوم القيامة.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":5,"page":231},{"id":1900,"text":"{ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (38) }","part":5,"page":232},{"id":1901,"text":"{ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (39) }\r{ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ } أي ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة حين لا ينفعهم (1) السمع والبصر! أخبر أنهم يسمعون ويبصرون في الآخرة ما لم يسمعوا ولم يبصروا في الدنيا.\rقال الكلبي: لا أحد يوم القيامة أسمع منهم ولا أبصر حين (2) يقول الله تعالى لعيسى: \"أأنت قلت للناس\" الآية( مريم-116 ) . { يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } أي: في خطأ بين. قوله عز وجل { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأمْرُ } فرغ من الحساب وأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وذبح الموت.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عمرو بن حفص بن غياث أخبرنا أبي أنبأنا الأعمش، أخبرنا أبو صالح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناد: يا أهل الجنة فيشرفون (3) وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي يا أهل النار فيشرفون وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ: { وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ } (4) .\rورواه أبو عيسى عن أحمد بن منيع، عن النضر بن إسماعيل عن الأعمش بهذا الإسناد، وزاد: \"فلولا أن الله تعالى قضى لأهل الجنة الحياة والبقاء لماتوا فرحا ولولا أن الله تعالى قضى لأهل النار الحياة والبقاء لماتوا ترحا\" (5) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا معاذ بن أسد أخبرنا عبد الله أخبرنا عمر بن محمد بن زيد عن\r__________\r(1) في \"ب\": لا ينفع.\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) في \"ب\": فيشرئبون.\r(4) أخرجه البخاري في التفسير، باب \"وأنذرهم يوم الحسرة\": 8 / 428، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها، باب النار يدخلها الجبارون.. برقم (2849): 4 / 2188، والمصنف في شرح السنة: 15 / 198.\r(5) سنن الترمذي، كتاب التفسير باب سورة مريم: 8 / 602-603، وقال: هذا حديث حسن صحيح.","part":5,"page":232},{"id":1902,"text":"أبيه أنه حدثه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إذا صار أهل الجنة إلى (1) الجنة وأهل النار إلى النار جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار. ثم يذبح ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم (2) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا أبو اليمان أخبرنا شعيب أخبرنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا يدخل أحد الجنة إلا رأى مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا ولا يدخل النار أحد إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن ليكون عليه حسرة\" (3) .\rأخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداوودي أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أخبرنا الحسين بن الحسن أخبرنا ابن المبارك أخبرنا يحيى بن عبد الله (4) قال: سمعت أبي قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ما من أحد يموت إلا ندم\"، قالوا: فما ندمه يا رسول الله؟ قال: \"إن كان محسنا ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون نزع\" (5) .\rقوله عز وجل: { وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ } أي: عما يفعل بهم في الآخرة { وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ } لا يصدقون.\r{ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) }\rقوله عز وجل: { إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا } أي: نميت سكان الأرض ونهلكهم جميعا، ويبقى الرب وحده فيرثهم، { وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } فنجزيهم بأعمالهم. قوله عز وجل: { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا } \"الصديق\": الكثير الصدق القائم عليه. وقيل: من صدق الله في وحدانيته وصدق أنبياءه ورسله وصدق بالبعث،\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) أخرجه البخاري في الرقاق باب صفة الجنة والنار: 11 / 415 ومسلم في الجنة، الموضع السابق: 4 / 2189. والمصنف في شرح السنة: 5 / 199.\r(3) أخرجه البخاري في الرقاق باب صفة الجنة والنار: 11 / 418 والمصنف في شرح السنة: 15 / 200.\r(4) في \"أ\" عبد الله. والذي أثبتناه ما جاء في شرح السنة، وكذلك أبو الحسن عبد الحميد بن محمد الداوودي هكذا جاء في المخطوط والذي أثبتناه في شرح السنة.\r(5) أخرجه الترمذي في الزهد باب ما جاء في ذهاب البصر: 7 / 84، وقال: \"هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه ويحيى بن عبيد الله قد تكلم فيه شعبة\". قال ابن حجر في \"التقريب\" ص (594): \"متروك وأفحش الحاكم فرماه بالوضع\". وأخرجه المصنف في شرح السنة: 15 / 117-118.","part":5,"page":233},{"id":1903,"text":"وقام (1) بالأوامر فعمل بها، فهو الصديق. و\"النبي\": العالي في الرتبة بإرسال الله تعالى إياه.\r{ إِذْ قَالَ لأبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) }\r{ إِذْ قَالَ } إبراهيم { لأبِيهِ } آزر وهو يعبد الأصنام { يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ } صوتا { وَلا يُبْصِرُ } شيئا { وَلا يُغْنِي عَنْكَ } أي لا يكفيك { شَيْئًا } { يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ } بالله والمعرفة { مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي } على ديني { أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا } مستقيما. { يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ } لا تطعه فيما يزين لك من الكفر والشرك { إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا } عاصيا \"كان\" بمعنى الحال أي: هو كذلك. { يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ } أي أعلم { أَنْ يَمَسَّكَ } يصيبك { عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ } أي: إن أقمت على الكفر { فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا } قرينا في النار. { قَالَ } أبوه مجيبا له: { أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ } لئن لم تسكت وترجع عن عيبك آلهتنا وشتمك إياها، { لأرْجُمَنَّكَ } قال الكلبي ومقاتل والضحاك: لأشتمنك ولأبعدنك عني بالقول القبيح (2) .\rقال ابن عباس لأضربنك. وقال عكرمة: لأقتلنك بالحجارة.\r{ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا } قال الكلبي: اجنبني طويلا. وقال مجاهد وعكرمة: حينا.\rوقال سعيد بن جبير: دهرا وأصل \"الحين\": المكث، ومنه يقال: فمكثت حينا \"والملوان\": الليل والنهار.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) وهو ما مال إليه الطبري، ولم يذكر غيره. 16 / 90-91.","part":5,"page":234},{"id":1904,"text":"وقال قتادة وعطاء: سالما وقال ابن عباس: اعتزلني سالما لا تصيبك مني معرة، يقال: فلان ملي بأمر كذا: إذا كان كافيا (1) .\r{ قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) }\r{ قَالَ } إبراهيم { سَلامٌ عَلَيْكَ } أي سلمت مني لا أصيبك بمكروه، وذلك أنه لم يؤمر بقتاله على كفره.\rوقيل: هذا سلام هجران ومفارقة. وقيل: سلام بر ولطف وهو جواب الحليم للسفيه. قال الله تعالى: \"وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما\" (الفرقان:63) .\rقوله تعالى: { سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي } قيل: إنه لما أعياه أمره ووعده أن يراجع الله فيه، فيسأله أن يرزقه التوحيد ويغفر له. معناه: سأسأل الله تعالى لك توبة تنال بها المغفرة.\r{ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا } برا لطيفا. قال الكلبي: عالما يستجيب لي إذا دعوته. قال مجاهد: عودني الإجابة لدعائي. { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } أي: أعتزل ما تعبدون من دون الله. قال مقاتل: كان اعتزاله إياهم أنه فارقهم من \"كوثى\" فهاجر منها إلى الأرض المقدسة، { وَأَدْعُو رَبِّي } أي: أعبد ربي { عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا } أي: عسى أن لا أشقى بدعائه وعبادته، كما تشقون أنتم بعبادة الأصنام.\rوقيل: عسى أن يجيبني إذا دعوته ولا يخيبني. { فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } فذهب مهاجرا { وَهَبْنَا لَهُ } بعد الهجرة { إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ } آنسنا وحشته [من فراقهم] (2) وأقررنا عينه، بأولاد كرام على\r__________\r(1) ساق الطبري هذه الأقوال، ثم قال: (16 / 92): \"وأولى القولين بتأويل الآية عندي قول من قال: معنى ذلك: واهجرني سويا، سليما من عقوبتي، لأنه عقيب قوله: ( لئن لم تنته لأرجمنك ) وذلك وعيد منه له إن لم ينته عن ذكر آلهته بالسوء أن يرجمه بالقول السيئ، والذي هو أولى بأن يتبع ذلك التقدم إليه بالانتهاء عنه قبل أن تناله العقوبة، فأما الأمر بطول هجره فلا وجه له\".\r(2) ساقط من \"ب\".","part":5,"page":235},{"id":1905,"text":"الله عز وجل { وَكُلا جَعَلْنَا نَبِيًّا } يعني: إسحاق ويعقوب.\r{ وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا (51) }","part":5,"page":236},{"id":1906,"text":"{ وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52) }\r{ وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا } قال الكلبي: المال والولد، وهو قول الأكثرين، قالوا: ما بسط لهم في الدنيا من سعة الرزق. وقيل: الكتاب والنبوة.\r{ وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا } 8/أ يعني ثناء حسنا رفيعا في كل أهل الأديان، فكلهم يتولونهم، ويثنون عليهم. قوله عز وجل { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا } غير مراء أخلص العبادة والطاعة لله عز وجل (1) وقرأ أهل الكوفة \" مخلصا \" بفتح اللام أي: مختارا اختاره الله عز وجل وقيل: أخلصه الله من الدنس. { وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا } { وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ } يعني: يمين موسى (2) والطور: جبل بين مصر ومدين. ويقال: اسمه \"الزبير\" وذلك حين أقبل من مدين ورأى النار فنودي \"يا موسى إني أنا الله رب العالمين\" (القصص:30) .\r{ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا } أي\" مناجيا، فالنجي المناجي، كما يقال: جليس ونديم.\rقال ابن عباس: معناه: قربه فكلمه، ومعنى التقريب: إسماعه كلامه.\r__________\r(1) هذا التفسير لقراءة \"مخلصا\" بكسر اللام ثم قال المصنف \"وقرأ أهل الكوفة.. بفتح اللام..\" فكأن الأصل أنه قدم القراءة بكسر اللام وفسر الآية عليها أولا.\r(2) نقل ابن الجوزي في \"زاد المسير\": (5 / 239) عن ابن الأنباري قال: \"إنما خاطب الله العرب بما يستعملون في لغتهم، ومن كلامهم: عن يمين القبلة وشمالها، يعنون: مما يلي يمين المستقبل لها وشماله، فنقلوا الوصف إلى ذلك اتساعا عند انكشاف المعنى، لأن الوادي لا يد له فيكون له يمين. وقال المفسرون: جاء النداء عن يمين موسى، فلهذا قال: \"الأيمن\" ولم يرد به يمين الجبل\".","part":5,"page":236},{"id":1907,"text":"وقيل: رفعه على الحجب حتى سمع صرير القلم (1) .\r{ وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (56) }\r{ وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا } وذلك حين دعا موسى فقال: \"واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي\" (طه:29-30) فأجاب الله دعاءه وأرسل هارون، ولذلك سماه هبة له (2) . قوله عز وجل: { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ } وهو إسماعيل بن إبراهيم جد النبي صلى الله عليه وسلم { إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ } قال مجاهد: لم يعد شيئا إلا وفى به.\rوقال مقاتل: وعد رجلا أن يقيم مكانه حتى يرجع إليه الرجل، فأقام إسماعيل مكانه ثلاثة أيام للميعاد حتى رجع إليه الرجل.\rوقال الكلبي: انتظره حتى حال عليه الحول (3) .\r{ وَكَانَ رَسُولا } إلى جرهم { نَبِيًّا } مخبرا عن الله عز وجل. { وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ } أي: قومه وقيل: أهله وجميع أمته { بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ } قال ابن عباس: يريد التي افترضها الله تعالى عليهم، وهي الحنيفية التي افترضت علينا، { وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا } قائما بطاعته. قيل: رضيه الله عز وجل لنبوته ورسالته. قوله عز وجل { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ } وهو جد أبي نوح واسمه \"أخنوخ\" سمي إدريس لكثرة درسه الكتب. وكان خياطا وهو أول من خط بالقلم، وأول من خاط الثياب، ولبس المخيط، وكانوا من قبله يلبسون الجلود، وأول من اتخذ السلاح، وقاتل الكفار وأول من نظر في علم\r__________\r(1) انظر: \"تفسير القرطبي\": 16 / 94-95، \"تفسير ابن كثير\" 3 / 125-126.\r(2) قال الطبري: (16 / 95) يقول: ووهبنا لموسى رحمة منا أخاه هارون \"نبيا\" يقول: أيدناه بنبوته وأعناه بها. وعن ابن عباس قال: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد: وهب له نبوته.\r(3) انظر: الطبري: 16 / 96، ابن كثير: 3 / 1126؛ ففيهما جملة آثار. وقال ابن جريج: لم يعد ربه عدة إلا أنجزها. يعني ما التزم عباده بنذر قط إلا قام بها ووفاها حقها.","part":5,"page":237},{"id":1908,"text":"النجوم (1) والحساب، { إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا }\r{ وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57) }\r{ وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا } قيل: يعني الجنة. وقيل: هي الرفعة بعلو الرتبة في الدنيا.\rوقيل: هو أنه رفع إلى السماء الرابعة (2) .\rروى أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى إدريس في السماء الرابعة ليلة المعراج (3) .\rوكان سبب رفع إدريس [إلى السماء] (4) على ما قاله كعب وغيره: أنه سار ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس فقال: يا رب أنا مشيت يوما فكيف بمن يحملها مسيرة خمسمائة عام في يوم واحد! اللهم خفف عنه من ثقلها وحرها (5) فلما أصبح الملك وجد من خفة الشمس وحرها ما لم يعرف فقال (6) يا رب ما الذي قضيت فيه؟ فقال: إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها وحرها فأجبته، فقال: رب اجعل بيني وبينه خلة، فأذن له حتى أتى إدريس فكان يسأله إدريس فقال له: إني أخبرت أنك أكرم الملائكة وأمكنهم عند ملك الموت، فاشفع لي إليه ليؤخر أجلي فأزداد شكرا وعبادة، فقال الملك: لا يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها، وأنا مكلمه فرفعه إلى السماء ووضعه عند مطلع الشمس، ثم أتى ملك الموت فقال لي حاجة إليك؛ صديق لي من بني آدم تشفع بي إليك لتؤخر أجله، قال: ليس ذلك إلي ولكن إن أحببت أعلمته أجله فيقدم لنفسه قال: نعم فنظر في ديوانه فقال: إنك كلمتني في إنسان ما أراه يموت أبدا، قال: وكيف؟ قال: لا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس قال فإني أتيتك وتركته هناك قال: فانطلق فلا أراك تجده إلا وقد مات فوالله ما بقي من أجل إدريس شيء فرجع الملك فوجده ميتا (7) .\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) قطعة من حديث طويل أخرجه البخاري: 7 / 201-202، ومسلم: 1 / 149-151. وقد تقدم تخريجه في سورة الإسراء.\r(4) ما بين المعكوفين ساقط من \"أ\".\r(5) يعني به الملك الموكل بالشمس.\r(6) أي: الملك الموكل بها.\r(7) ساق هذه الرواية القرطبي في التفسير: 11 / 118، وابن الجوزي في \"زاد المسير\": (5 / 243) وقال: وهذا المعنى مروي عن ابن عباس وكعب في آخرين. وعقب ابن كثير على هذه الروايات وأمثالها بأن فيها غرابة ونكارة، وهي من أخبار كعب الأحبار من الإسرائيليات. انظر: تفسير ابن كثير: 3 / 127.","part":5,"page":238},{"id":1909,"text":"واختلفوا في أنه حي في السماء أم ميت؟ فقال قوم: هو ميت وقال قوم: هو حي (1) وقالوا: أربعة من الأنبياء في الأحياء اثنان في الأرض: الخضر وإلياس واثنان في السماء: إدريس وعيسى.\rوقال وهب: كان يرفع لإدريس كل يوم من العبادة مثل ما يرفع لجميع أهل الأرض في زمانه فعجب منه الملائكة واشتاق إليه ملك الموت، فاستأذن ربه عز وجل في زيارته، فأذن له فأتاه في صورة بني آدم وكان إدريس يصوم الدهر فلما كان وقت إفطاره دعاه إلى طعامه فأبى أن يأكل معه، ففعل ذلك ثلاث ليال فأنكره إدريس، فقال له الليلة الثالثة: إني إريد أن أعلم من أنت؟ فقال: أنا ملك الموت استأذنت ربي أن أصحبك، قال: فلي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قال: تقبض روحي، فأوحى الله إليه أن اقبض روحه فقبض روحه وردها الله إليه بعد ساعة، قال له ملك الموت: ما في سؤالك من قبض الروح؟ قال لأذوق كرب الموت وغمه لأكون أشد استعدادا له، ثم قال إدريس له: إن لي إليك حاجة أخرى، قال: وما هي؟ قال: ترفعني إلى السماء لأنظر إليها وإلى الجنة والنار، فأذن الله في رفعه، فلما قرب من النار قال لي حاجة أخرى، قال: وما تريد؟ قال: تسأل مالكا حتى يفتح لي أبوابها فأردها ففعل، ثم قال: فما أريتني النار فأرني الجنة. فذهب به إلى الجنة فاستفتح فأوحى الله إليه أن اقبض روحه، فقبض روحه وردها الله إليه بعد ساعة، قال له ملك الموت: ما في ففتحت أبوابها فأدخله الجنة، ثم قال ملك الموت: اخرج لتعود إلى مقرك، فتعلق بشجرة وقال: لا أخرج منها، فبعث الله ملكا حكيما بينهما فقال له الملك: ما لك لا تخرج؟ قال: لأن الله تعالى قال: \"كل نفس ذائقة الموت\" (آل عمران:185) وقد ذقته، وقال: \"وإن منكم إلا واردها\" (مريم:71) ، وقد وردتها، وقال: \"وما هم منها بمخرجين\" (الحجر:48) فلست أخرج، فأوحى الله إلى ملك الموت بإذني دخل الجنة وبأمري لا يخرج فهو حي هناك، ذلك قوله تعالى: { وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا } (2) .\r{ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58) }\r{ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ } أي: إدريس ونوحا { وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ } أي: ومن ذرية من حملنا مع نوح في السفينة، يريد إبراهيم؛ لأنه ولد من سام بن نوح { وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ } يريد إسماعيل وإسحاق ويعقوب.\r__________\r(1) القول الأول هو الذي يتفق مع الروايات، والثاني مروي عن مجاهد قال: إدريس رفع ولم يمت، كما رفع عيسى. فإن أراد: أنه لم يمت إلى الآن ففي هذا نظر، وإن أراد أنه رفع حيا إلى السماء ثم قبض هناك، فلا ينافي ما تقدم عن كعب الأحبار، والله أعلم. انظر: \"البداية والنهاية\" لابن كثير: 1 / 100.\r(2) انظر: \"الدر المنثور\": 5 / 519-523، \"زاد المسير\": 5 / 241-242. وهذا الخبر من الإسرائيليات وقد أشار إلى ذلك ابن كثير رحمه الله.","part":5,"page":239},{"id":1910,"text":"قوله: { وَإِسْرَائِيلَ } أي: ومن ذرية إسرائيل وهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى.\rقوله: { وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا } هؤلاء كانوا ممن أرشدنا واصطفينا { إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا } \"سجدا\": جمع ساجد \"وبكيا\": جمع باك أخبر الله أن الأنبياء كانوا إذا سمعوا بآيات الله سجدوا وبكوا.\r{ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) }\rقوله عز وجل: { فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ } 8/ب أي: من بعد النبيين المذكورين خلف وهم قوم سوء، \"والخلف\" -بالفتح-الصالح، وبالجزم الطالح (1) .\rقال السدي: أراد بهم اليهود ومن لحق بهم.\rوقال مجاهد وقتادة: هم في هذه الأمة (2) .\r__________\r(1) وهو قول ابن الأعرابي واستشهدوا له بقول لبيد: ذهب الذين يعاشر في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب\rومنه قيل للردي من الكلام: خلف. ومنه المثل السائِر: \"سكت ألفا ونطق خلفا\". فخلف في الذم بالإسكان وخلف بالفتح في المدح هذا هو المستعمل المشهور. قال صلى الله عليه وسلم: \"يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له\". (رواه البيهقي، وقال الإمام أحمد: لا بأس به). وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر، قال حسان بن ثابت: لنا القدم الأولى إليك وخلف ... لأولنا في طاعة الله تاب\rوقال آخر: إنا وجدنا خلفا بئس الخلف ... أغلق عنا بابه ثم حلف\rلا يدخل البواب إلا من عرف ... عبدا إذا ما ناء بالحمل وقف\rانظر: \"تفسير القرطبي\": 7 / 310-311، وراجع فيما سبق، تفسير سورة الأعراف، الآية (169).\r(2) انظر: \"تفسير القرطبي\": 11 / 122، \"زاد المسير\": 5 / 245، وساق السيوط جملة روايات في ذلك: 5 / 526. وكونهم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ليس بوجيه -عند الشيخ الشنقيطي- لأن قوله تعالى: \"فخلف من بعدهم\" صيغة تدل على الوقوع في الزمن الماضي، ولا يمكن صرفها إلى المستقبل إلا بدليل يجب الرجوع إليه كما ترى والظاهر أنهم اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار الذين خلفوا أنبياءهم وصالحيهم قبل نزول الآية فأضاعوا الصلاة واتبعوا الشهولت. وعلى كل حال فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات يدخلون في الذم والوعيد المذكور في هذه الآية واتباع الشهوات المذكور في الآية عام في اتباع كل مشتهى يشغل عن ذكر الله وعن الصلاة. انظر: \"أضواء البيان\" 4 / 308.","part":5,"page":240},{"id":1911,"text":"{ أَضَاعُوا الصَّلاةَ } تركوا الصلاة المفروضة (1) .\rوقال ابن مسعود وإبراهيم: أخروها عن وقتها.\rوقال سعيد بن المسيب: هو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر، ولا العصر حتى تغرب الشمس (2) .\r{ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ } أي المعاصي وشرب الخمر، يعني آثروا شهوات أنفسهم على طاعة الله. وقال مجاهد: هؤلاء قوم يظهرون في آخر الزمان ينزو بعضهم على بعض في الأسواق والأزقة.\r{ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا } قال وهب: \"الغي\" نهر في جهنم بعيد قعره خبيث طعمه.\rوقال ابن عباس: \"الغي\" واد في جهنم وإن أودية (3) جهنم لتستعيذ من حره أعد للزاني المصر عليه ولشارب الخمر المدمن عليها ولآكل الربا الذي لا ينزع عنه ولأهل العقوق ولشاهد الزور (4) .\rوقال عطاء: \"الغي\": واد في جهنم يسيل قيحا ودما.\rوقال كعب: هو واد في جهنم أبعدها قعرا، وأشدها حرا في بئر تسمى \"الهيم\" كلما خبت جهنم فتح الله تلك البئر فيسعر بها جهنم (5) .\rأخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة أخبرنا محمد بن أحمد الحارثي أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي أخبرنا عبد الله بن محمود أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال وأخبرنا عبد الله بن المبارك عن هشيم بن بشير أخبرنا زكريا بن أبي مريم الخزاعي قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: \"إن ما بين شفير جهنم إلى قعرها مسيرة سبعين خريفا من حجر يهوي أو قال صخرة تهوي عظمها كعشر عشروات عظام سمان فقال له مولى لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد: هل تحت ذلك شيء يا أبا أمامة؟\r__________\r(1) وهو مروي عن محمد بن كعب القرطبي واختاره الزجاج. انظر: الطبري: 16 / 98، زاد المسير: 5 / 245، الدر المنثور: 5 / 526.\r(2) وهو مروي عن القاسم بن مخيمرة، وعمر بن عبد العزيز والنخعي ومجاهد. هذا وكل ما روي عن السلف -رحمه الله- في تأويل الآية داخل في معناها، لأن تأخيرها عن وقتها، وعدم إقامتها في الجماعة، والإخلال بشروطها، وجحد وجوبها، وتعطيل المساجد منها -وهذه كلها أقوال في تفسير الآية- كل ذلك إضاعة لها وإن كانت أنواع الإضاعة تتفاوت. انظر: \"تفسير القرطبي\" 11 / 122-125، \"أضواء البيان\": 4 / 308.\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) انظر: القرطبي: 11 / 125.\r(5) انظر القرطبي: نفسه.","part":5,"page":241},{"id":1912,"text":"قال: نعم غي وآثام\" (1) .\rوقال الضحاك: غيا وخسرانا. وقيل: هلاكا. وقيل: عذابا (2) .\rوقوله: { فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا } ليس معناه يرون فقط، بل معناه الاجتماع والملابسة (3) مع الرؤية.\r{ إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (60) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (61) لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلا سَلامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62) }\r{ إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا } . { جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ } ولم يروها { إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا } يعني: آتيا مفعول بمعنى فاعل.\rوقيل: لم يقل آتيا لأن كل من أتاك فقد أتيته والعرب لا تفرق بين قول القائل: أتت علي خمسون سنة وبين قوله: أتيت على خمسين سنة ويقول: وصل إلي الخير ووصلت إلى الخير.\rوقال ابن جرير: \"وعده\" أي: موعده وهو الجنة \"مأتيا\" يأتيه أولياؤه [أهل الجنة] (4) وأهل طاعته (5) . { لا يَسْمَعُونَ فِيهَا } في الجنة { لَغْوًا } باطلا وفحشا وفضولا من الكلام.\rوقال مقاتل: هو اليمين الكاذبة.\r{ إِلا سَلامًا } استثناء من غير جنسه يعني: بل يسمعون فيها سلاما أي: قولا يسلمون منه \"والسلام\" اسم جامع للخير لأنه يتضمن السلامة.\r__________\r(1) أخرج نحوه عن أبي أمامة مرفوعا: الطبري في التفسير: 16 / 100، وزاد السيوطي نسبته لابن مردويه والبيهقي في \"البعث\" والطبراني. قال الهيثمي في \"المجمع\": (10 / 389): \"وفيه ضعفاء وقد وثقهم ابن حبان وقال يخطئون\". وقال ابن كثير: (3 / 129): \"هذا حديث غريب ورفعه منكر\".\r(2) قال الطبري: (16 / 10): \"وكل هذه الأقوال متقاربات المعاني وذلك أن من ورد البئرين التين ذكرهما النبي صلى الله عليه وسلم والوادي الذي ذكره ابن مسعود في جهنم فدخل ذلك فقد لاقى خسرانا وشرا حْسب،ه به شرا\"!.\r(3) في \"ب\" الملامسة.\r(4) زيادة من \"ب\" وليست في الطبري.\r(5) عبارة الطبري في التفسير: (16 / 101): \"إن الله كان\" ووعده في هذا الموضع: موعوده وهو الجنة \"مأتيا\" يأتيه أولياؤه وأهل طاعته الذين يدخلهموها الله. وقال بعض نحوي الكوفة: خرج الخبر على أن الوعد هو المأتي ومعناه: أنه هو الذي يأتي. ولم يقل: وكان وعده آتيا لأن كل ما أتاك فأنت تأتيه وقال: ألا ترى أنك تقول: أتيت على خمسين سنة وأتت علي خمسون سنة وكل ذلك صواب..\".","part":5,"page":242},{"id":1913,"text":"معناه: إن أهل الجنة لا يسمعون ما يؤثمهم إنما يسمعون ما يسلمهم.\rوقيل: هو تسليم بعضهم على بعض وتسليم الملائكة عليهم.\rوقيل: هو تسليم الله عليهم.\r{ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا } قال أهل التفسير: ليس في الجنة ليل يعرف به البكرة والعشي بل هم في نور أبدا ولكنهم يأتون بأرزاقهم على مقدار طرفي النهار.\rوقيل: إنهم يعرفون وقت النهار برفع الحجب ووقت الليل بإرخاء الحجب.\rوقيل: المراد منه رفاهية العيش وسعة الرزق من غير تضييق.\rوكان الحسن البصري يقول: كانت (1) العرب لا تعرف من العيش أفضل من الرزق بالبكرة والعشي فوصف الله عز وجل جنته بذلك (2) .\r{ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (63) وَمَا نَتَنزلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64) }\r{ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا } أي: نعطي وننزل. وقيل: يورث عباده المؤمنين المساكن التي كانت لأهل النار لو آمنوا { مَنْ كَانَ تَقِيًّا } أي: المتقين من عباده. قوله عز وجل: { وَمَا نَتَنزلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ } أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا خلاد بن يحيى أخبرنا عمر بن ذر قال: سمعت أبي يحدث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"يا جبريل ما يمنعك أن تزورنا\" فنزلت: { وَمَا نَتَنزلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا } الآية. قال: كان هذا الجواب لمحمد صلى الله عليه وسلم\" (3) .\rوقال عكرمة والضحاك وقتادة ومقاتل والكلبي: احتبس جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله قومه عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح فقال: أخبركم غدا ولم يقل: إن شاء الله حتى شق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم ثم نزل بعد أيام فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أبطأت علي حتى ساء ظني واشتقت إليك\" فقال له جبريل: إني كنت أشوق ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذا حبست\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) انظر هذه الأقوال وجملة آثار في ذلك في: \"الدر المنثور\": 5 / 528-529، \"تفسير ابن كثير\": 3 / 120-121.\r(3) أخرجه البخاري في تفسير سورة مريم باب \"وما نتنزل إلا بأمر ربك\" 8 / 428-429، وفي التوحيد، باب \"ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين\": 13 / 440، والمصنف في شرح السنة: 13 / 325.","part":5,"page":243},{"id":1914,"text":"احتبست فأنزل الله: { وَمَا نَتَنزلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ } وانزل: \"والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى\" (1) .\r{ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ } أي: له علم ما بين أيدينا. واختلفوا فيه: فقال سعيد بن جبير وقتادة ومقاتل: { مَا بَيْنَ أَيْدِينَا } من أمر الآخرة والثواب والعقاب { وَمَا خَلْفَنَا } ما مضى من الدنيا { وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ } ما يكون من هذا الوقت إلى قيام الساعة (2) .\rوقيل { مَا بَيْنَ أَيْدِينَا } ما بقي من الدنيا { وَمَا خَلْفَنَا } ما مضى منها { وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ } أي: ما بين النفختين وبينهما أربعون سنة.\rوقيل: { مَا بَيْنَ أَيْدِينَا } ما بقي من الدنيا { وَمَا خَلْفَنَا } ما مضى منها { وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ } مدة حياتنا.\rوقيل: { مَا بَيْنَ أَيْدِينَا } بعد أن نموت { وَمَا خَلْفَنَا } قبل أن نخلق { وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ } مدة الحياة (3) .\rوقيل: { مَا بَيْنَ أَيْدِينَا } الأرض إذا أردنا النزول إليها { وَمَا خَلْفَنَا } السماء إذا نزلنا منها { وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ } الهواء يريد: أن ذلك كله لله عز وجل فلا نقدر على شيء إلا بأمره. { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } أي: ناسيا يقول: ما نسيك ربك أي: ما تركك والناسي التارك.\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 16 / 103-104، وابن إسحاق: 1 / 300-301 (سيرة ابن هشام) وعزاه اين حجر في الكافي الشاف ص (107) لأبي نعيم في الدلائل، وقال: وذكره الثعلبي عن عكرمة والضحاك. وانظر: الدر المنثور: 5 / 530، تفسير القرطبي: 11 / 128، أسباب النزول للواحدي ص (348).\r(2) انظر: الدر المنثور: 5 / 531.\r(3) انظر: زاد المسير: 5 / 531.","part":5,"page":244},{"id":1915,"text":"{ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65) }\r{ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ } أي: اصبر على أمره ونهيه { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا } قال ابن عباس رضي الله عنهما: مثلا (1) .\rوقال الكلبي: هل تعلم أحدا يسمى \"الله\" غيره (2) ؟\r__________\r(1) انظر: الطبري: 16 / 106، الدر المنثور: 5 / 531.\r(2) انظر: زاد المسير: 5 / 251.","part":5,"page":244},{"id":1916,"text":"{ وَيَقُولُ الإنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَوَلا يَذْكُرُ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (67) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68) ثُمَّ لَنَنزعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (69) }\rقوله عز وجل: { وَيَقُولُ الإنْسَانُ } يعني: أبي بن خلف الجمحي كان منكرا للبعث (1) قال: { أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا } قاله استهزاء وتكذيبا للبعث. قال الله عز وجل { أَوَلا يَذْكُرُ } أي يتذكر ويتفكر (2) وقرأ نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب \" يذكر \" خفيف { الإنْسَانُ } يعني: أبي بن خلف { أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا } أي: لا يتفكر هذا الجاحد في بدء خلقه فيستدل به على الإعادة ثم أقسم بنفسه فقال: { فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ } لنجمعنهم في المعاد يعني: المشركين المنكرين للبعث { وَالشَّيَاطِينَ } مع الشياطين وذلك أنه يحشر كل كافر مع شيطانه في سلسلة { ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ } قيل في جهنم 9/أ { جِثِيًّا } قال ابن عباس رضي الله عنه: جماعات جمع جثوة.\rوقال الحسن والضحاك: جمع \"جاث\" أي: جاثين على الركب.\rقال السدي: قائمين على الركب لضيق المكان. { ثُمَّ لَنَنزعَنَّ } لنخرجن { مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ } أي: من كل أمة وأهل دين من الكفار { أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا } عتوا، قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني جرأة. وقال مجاهد: فجورا، يريد: الأعتى فالأعتى.\rوقال الكلبي: قائدهم ورأسهم في الشر يريد أنه يقدم في إدخال من هو أكبر جرما وأشد كفرا.\rفي بعض الآثار: أنهم يحشرون جميعا حول جهنم مسلسلين مغلولين ثم يقدم الأكفر فالأكفر.\rورفع { أَيُّهُمْ } على معنى: الذي يقال لهم: أيهم أشد على الرحمن عتيا.\r__________\r(1) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (348)، والقرطبي: 11 / 131، وقال المهدوي: نزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه وهو قول ابن عباس وعن ابن جريج أنها نزلت في العاص بن وائل. انظر: الدر المنثور: 5 / 532، القرطبي: 11 / 131.\r(2) هذا تفسير لقراءة \"يذكر\" بالتشديد بدليل ما بعده وكأن المصنف رحمه الله يرجح أو يقدم هذه القراءة ثم فسر الآية على القراءة بالتخفيف فيما بعد.","part":5,"page":245},{"id":1917,"text":"وقيل: على الاستئناف ثم لننزعن [يعمل في موضع \"من كل شيعة\"] (1) .\r{ ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (70) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71) }\r{ ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا } أي: أحق بدخول النار يقال: صلي يصلي صليا، مثل: لقي يلقى لقيا وصلى يصلي صليا، مثل: مضى يمضي مضيا إذا دخل النار وقاسى حرها. قوله عز وجل: { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا } وما منكم إلا واردها وقيل: القسم فيه مضمر، أي: والله ما منكم من أحد إلا واردها، والورود هو موافاة المكان.\rواختلفوا في معنى الورود هاهنا، وفيما تنصرف إليه الكناية في قوله: { وَارِدُهَا } قال ابن عباس رضي الله عنهما وهو قول الأكثرين؛ معنى الورود هاهنا هو الدخول والكناية راجعة إلى النار وقالوا: النار يدخلها البر والفاجر ثم ينجي الله المتقين (2) فيخرجهم منها.\rوالدليل على أن الورود هو الدخول: قول الله عز وجل حكاية عن فرعون: \"يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار\" (هود:98) .\rوروى ابن عيينة عن عمرو بن دينار أن نافع بن الأزرق مارى ابن عباس رضي الله عنهما في الورود فقال ابن عباس رضي الله عنهما: هو الدخول. وقال نافع: ليس الورود الدخول، فتلا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قوله تعالى: \"إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون\" (الأنبياء:98) أدخلها هؤلاء أم لا؟ ثم قال: يا نافع أما والله أنت وأنا سنردها وأنا أرجو أن يخرجني الله منها وما أرى الله عز وجل أن يخرجك منها بتكذيبك (3) .\rوقال قوم: ليس المراد من الورود الدخول، وقالوا النار لا يدخلها مؤمن أبدا لقوله تعالى: \"إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها\" (الأنبياء:101-102) وقالوا: كل من دخلها لا يخرج منها. والمراد من قوله: { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا } الحضور والرؤية،\r__________\r(1) جاءت العبارة في \"ب\" هكذا: تعمل ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا في موضع من كل شيعة.\r(2) في \"ب\" الذين اتقوا.\r(3) أخرجه الطبري: 16 / 111، وهناد في الزهد: 1 / 213، والمروزي في زوائد الزهد ص (499) والبيهقي في البعث وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وسنده حسن. وانظر: الدر المنثور: 5 / 535، ابن كثير: 3 / 133.","part":5,"page":246},{"id":1918,"text":"لا الدخول كما قال الله تعالى: \"ولما ورد ماء مدين\" (القصص:23) أراد به الحضور (1) .\rوقال عكرمة: الآية في الكفار فإنهم يدخلونها ولا يخرجون منها (2) .\rوروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا } يعني: القيامة (3) والكناية راجعة إليها.\rوالآول أصح وعليه أهل السنة أنهم جميعا يدخلون النار ثم يخرج الله عز وجل منها أهل الإيمان بدليل قوله تعالى:\r{ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72) }\r{ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا } أي اتقوا الشرك وهم المؤمنون. والنجاة إنما تكون مما دخلت فيه (4) .\rوقرأ الكسائي ويعقوب: \" ننجي \" بالتخفيف. والآخرون: بالتشديد.\rوالدليل على هذا: ما أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا عبد الرحيم بن منيب أخبرنا سفيان عن الزهري عن\r__________\r(1) وهو قول عبيد بن عمير. انظر: زاد المسير: 5 / 256.\r(2) انظر: الطبري: 16 / 111، وهو مروي أيضا عن ابن عباس.\r(3) اختلفت الرواية عن ابن مسعود رضي الله عنه في الآية فنقل عنه هذا ونقل أنه فسرها بدخول النار وفسرها ثالثة بالمرور على الصراط. انظر: الطبري: 16 / 111، فتح القدير للشوكاني: 3 / 346، تفسير الخازن: 4 / 207.\r(4) اختلف المفسرون في تفسير الورود ورجوع الضمير على ما رأيت وهذا الذي رجحه المصنف رحمه الله وقال: إنه مذهب أهل السنة، رده أبو حيان والطبري وغيرهما. وأصول الأقوال في ذلك: 1- أن الخطاب للكافرين وعلى هذا فهم الذين يدخلون النار. 2- الخطاب عام في حق المؤمنين والكافرين واختلفوا في تفسير الورود على أقوال خمسة: أحدها: الدخول الثاني: المرور عليها، الثالث: الحضور، الرابع: أن ورود المسلمين عليها هو مرورهم على الصراط وورود المشركين: دخولهم النار، والخامس: أن ورود المؤمنين إليها: ما يصيبهم من الحمى في الدنيا. انظر: زاد المسير: (5 / 254-257). وأرجح هذه الأقوال: ما ذهب إليه الطبري رحمه الله حيث قال: (16 / 112): \"يردها الجميع ثم يصدر عنها المؤمنون فينجيهم الله ويهوي فيها الكفار، وورودهموها هو ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مرورهم على الصراط المنصوب على متن جهنم فناج مسلم ومكدس فيها\".. ثم ساق الأحاديث... وهو أيضا ما رجحه صاحب شرح العقيدة الطحاوية فقال: ص (478) \"والأظهر الأقوى: أنه المرور على الصراط\". وانظر: تفسير ابن كثير: 3 / 132-134، البحر المحيط: 6 / 209-210.","part":5,"page":247},{"id":1919,"text":"سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار إلا تحلة القسم\" (1) .\rوأراد بالقسم قوله: { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا }\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا مسلم بن إبراهيم أخبرنا هشام أخبرنا قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير\" (2) وقال أبان عن قتادة: \"من إيمان\" مكان \"خير\".\rأخبرنا أبو المظفر محمد بن إسماعيل بن علي الشجاعي أخبرنا أبو نصر النعمان بن محمد بن محمود الجرجاني أخبرنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري أخبرنا محمد بن عبد الوهاب أخبرنا محمد بن الفضل أبو النعمان أخبرنا سلام بن مسكين أخبرنا أبو الظلال عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أن رجلا في النار ينادي ألف سنة يا حنان يا منان فيقول الله عز وجل لجبريل: اذهب فائتني بعبدي هذا قال: فذهب جبريل فوجد أهل النار منكبين يبكون قال: فرجع فأخبر ربه عز وجل قال اذهب فإنه في موضع كذا وكذا قال: فجاء به قال: يا عبدي كيف وجدت مكانك ومقيلك؟ قال: يا رب شر مكان وشر مقيل قال، ردوا عبدي قال: ما كنت أرجو أن تعيدني إليها إذ أخرجتني منها قال الله تعالى لملائكته دعوا عبدي\" (3) .\rوأما قوله عز وجل: \"لا يسمعون حسيسها\" (الأنبياء:102) قيل: إن الله عز وجل أخبر عن وقت كونهم في الجنة أنهم لا يسمعون حسيسها فيجوز أن يكونوا قد سمعوا ذلك قبل دخولهم الجنة لأنه لم يقل: لم يسمعوا حسيسها ويجوز أن لا يسمعوا حسيسها عند دخولهم إياها لأن الله عز وجل يجعلها عليهم بردا وسلاما.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الأيمان والنذور باب قول الله تعالى: \"وأقسموا بالله جهد أيمانهم\" 11 / 541، ومسلم في البر والصلة والآداب باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه برقم (2632): 4 / 2028، والمصنف في شرح السنة: 5 / 451.\r(2) أخرجه البخاري في الإيمان باب زيادة الإيمان ونقصه: 1 / 103، ومسلم في الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها برقم (193): 1 / 182، والمصنف في شرح السنة: 15 / 191.\r(3) أخرجه الإمام أحمد في المسند: 3 / 230، والمصنف في شرح السنة: 15 / 193-194. وفيه أبو ظلال واسمه: هلال القسملي البصري ضعفه ابن معين وأبو داود والنسائي. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه عليه الثقات (التهذيب: 11 / 75-76).","part":5,"page":248},{"id":1920,"text":"وقال خالد بن معدان: يقول أهل الجنة ألم يعدنا ربنا أن نرد النار؟ فيقال بلى ولكنكم مررتم بها وهي خامدة (1) .\rوفي الحديث: تقول النار للمؤمن: \"جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي\" (2) .\rوروي عن مجاهد في قوله عز وجل: { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا } قال: من حم من المسلمين فقد وردها (3) .\rوفي الخبر: \"الحمى كير من جهنم وهي حظ المؤمن من النار\" (4) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا محمد بن المثنى أخبرنا يحيى عن هشام أخبرني أبي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء\" (5) .\r{ كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا } أي: كان ورودكم جهنم حتما لازما { مَقْضِيًّا } قضاه الله عليكم.\r{ ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا } أي اتقوا الشرك وقرأ الكسائي \" ننجي \" بالتخفيف والباقون بالتشديد { وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا } جميعا. وقيل: جاثين على الركب وفيه دليل على أن الكل دخلوها ثم أخرج الله منها المتقين وترك فيها الظالمين وهم المشركون.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد الليثي\r__________\r(1) رواه ابن إسحاق وأبو عبيد في \"الغريب\" وابن المبارك في الزهد عن خالد بن معدان. انظر: الكافي الشاف ص (107).\r(2) رواه أبو نعيم في الحلبة: 9 / 329، والخطيب في تاريخ بغداد: 5 / 194، 9 / 233، والطبراني في الكبير وابن عدي في الكامل والحكيم الترمذي في نوادر الأصول. وفي سنده: سليم بن منصور بن عمار وهو ضعيف. انظر: مجمع الزوائد: 10 / 360، كشف الخفاء: 1 / 373-374.\r(3) رواه الطبري: 16 / 111.\r(4) أخرجه الإمام أحمد: 5 / 252، والطحاوي في مشكل الآثار: 3 / 68، وصححه الألباني في \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\": 4 / 437-438. وانظر: الكافي الشاف ص (107).\r(5) أخرجه البخاري في الطب باب الحمى من فيح جهنم: 10 / 174، ومسلم في السلام باب لكل داء دواء برقم (2210): 4 / 1732، والمصنف في شرح السنة: 12 / 153.","part":5,"page":249},{"id":1921,"text":"أن أبا هريرة أخبرهما أن الناس قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: \"هل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب\" قالوا: لا يا رسول الله قال: \"فهل تمارون في الشمس ليس دونها سحاب\" قالوا: لا قال: فإنكم ترونه كذلك يحشر الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه فمنهم من يتبع الشمس ومنهم من يتبع القمر ومنهم من يتبع الطواغيت وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله عز وجل فيقول: أنا ربكم فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله فيقول: 9/ب أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا فيدعوهم ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أول من يجوز (1) من الرسل بأمته ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل وكلام الرسل يومئذ اللهم سلم سلم وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: نعم قال: فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تخطف الناس بأعمالهم فمنهم من يوبق بعمله ومنهم من يجردل ثم ينجو حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار أمر الله الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود فيخرجون من النار فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود فيخرجون من النار قد امتحشوا (2) فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل (3) ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد ويبقى رجل بين الجنة والنار وهو آخر أهل النار دخولا الجنة مقبل بوجهه قبل النار فيقول: يا رب اصرف وجهي عن النار قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها (4) فيقول: هل عسيت إن فعلت ذلك بك أن تسأل غير ذلك؟ فيقول: لا وعزتك. فيعطي الله ما شاء الله من عهد وميثاق فيصرف الله وجهه عن النار فإذا أقبل به على الجنة رأى بهجتها سكت ما شاء الله أن يسكت ثم قال: يا رب قدمني عند باب الجنة فيقول الله تبارك وتعالى: أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي كنت سألت فيقول: يا رب لا أكون أشقى خلقك فيقول: فما عسيت إن أعطيت ذلك أن تسأل غيره؟ فيقول: لا وعزتك لا أسألك غير ذلك فيعطي ربه ما شاء من عهد وميثاق فيقدمه إلى باب الجنة فإذا بلغ بابها فرأى زهرتها وما فيها من النضرة والسرور فسكت ما شاء الله أن يسكت فيقول يا رب أدخلني الجنة فيقول الله تعالى: ويلك يا ابن آدم ما أغدرك أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي أعطيت؟ فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك فيضحك الله منه ثم يأذن له في دخول الجنة فيقول: تمن فيتمنى حتى إذا انقطع أمنيته قال الله تعالى: تمن كذا وكذا أقبل يذكره ربه حتى إذا انتهت به الأماني قال الله تعالى: لك ومثله معه. قال أبو سعيد لأبي هريرة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"قال الله تعالى لك ذلك وعشرة أمثاله\" قال أبو هريرة لم أحفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قوله: لك ذلك ومثله معه. قال أبو سعيد إني سمعته يقول: \"ذلك لك وعشرة أمثاله\" (5) .\rورواه محمد بن إسماعيل عن محمود بن غيلان أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي هريرة بمعناه وقال: فيأتيهم الله عز وجل في غير الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا أتانا ربنا عرفناه فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه (6) .\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا محمد بن حماد أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يعذب أناس من أهل التوحيد في النار حتى يكونوا حمما ثم تدركهم الرحمة قال: فيخرون فيطرحون على أبواب الجنة قال: فيرش عليهم أهل الجنة الماء فينبتون كما تنبت القثاء في حمالة السيل ثم يدخلون الجنة\" (7) .\rأخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب أخبرنا أبو عيسى الترمذي أخبرنا هناد بن السري أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة السلماني عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إني لأعرف آخر أهل النار خروجا من النار رجل يخرج منها زحفا فيقال له: انطلق فادخل الجنة قال فيذهب ليدخل الجنة فيجد الناس قد أخذوا المنازل فيرجع فيقول: يا رب قد أخذ الناس المنازل فيقال: أتذكر الزمان الذي كنت فيه؟ فيقول: نعم فيقال له: تمن فيتمنى فيقال له: فإن لك الذي تمنيته وعشرة أضعاف الدنيا قال فيقول: أتسخر بي وأنت الملك؟ قال: فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه\" (8) .\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) احترقوا.\r(3) \"الحبة\" هي بزر البقول والعشب تنبت في البراري وجوانب السيول وجمعها \"حب\" و\"حميل السيل\": ما جاء به السيل من الطين أو غثاء.\r(4) \"قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها\" معناها: سمني وآذاني وأهلكني لهبها وشدة وهجها.\r(5) أخرجه البخاري في التوحيد باب قول الله تعالى: \"وجوه يومئذ ناضرة\" 13 / 419-420 ومسلم في الإيمان باب معرفة طريق الرؤية برقم (182): 1 / 163-167، والمصنف في شرح السنة: 15 / 173.\r(6) أخرجه البخاري في الرقاق باب الصراط جسر جهنم: 11 / 444-445.\r(7) أخرجه الترمذي في صفة جهنم باب ما جاء أن للنار نفسين وما ذكر من يخرج من النار من أهل التوحيد: 7 / 4324 - 4325، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\" والإمام أحمد: 3 / 77، والمصنف في شرح السنة: 15 / 191-192.\r(8) رواية الترمذي هذه أخرجها في صفة جهنم باب ما جاء أن للنار نفسين: 7 / 221-223 وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\" والحديث أخرجه أيضا: البخاري في الرقاق باب صفة الجنة والنار: 11 / 418-419 والمصنف في شرح السنة: 15 / 188-189.","part":5,"page":250},{"id":1922,"text":"أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا محمد بن حماد أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن أم مبشر عن حفصة أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إني لأرجو أن لا يدخل النار إن شاء الله أحد شهد بدرا والحديبية\" قال: قلت يا رسول الله أليس قد قال الله تعالى: { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا } قال: أفلم تسمعيه يقول: { ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا } (1) .\r{ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (73) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (74) }\rقوله عز وجل: { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ } واضحات { قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا } يعني: النضر بن الحارث وذويه من قريش { لِلَّذِينَ آمَنُوا } يعني فقراء (2) أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكانت فيهم قشافة وفي عيشهم خشونة وفي ثيابهم رثاثة وكان المشركون يرجلون شعورهم ويدهنون رءوسهم ويلبسون حرير ثيابهم فقالوا للمؤمنين: { أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا } منزلا ومسكنا [وهو موضع الإقامة.\rوقرأ ابن كثير: \" مقاما \" بضم الميم أي إقامة] (3) .\r{ وَأَحْسَنُ نَدِيًّا } أي مجلسا ومثله النادي فأجابهم الله تعالى فقال: { وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا } أي متاعا وأموالا. وقال مقاتل: لباسا وثيابا { وَرِئْيًا } قرأ أكثر القراء بالهمز أي: منظرا من \"الرؤية\" وقرأ ابن عامر وأبو جعفر ونافع غير ورش: \"وريا\" مشددا بغير همز وله تفسيران: أحدهما هو الأول بطرح الهمز والثاني: من الري الذي هو ضد العطش ومعناه: الارتواء من النعمة فإن المتنعم يظهر فيه ارتواء النعمة والفقير يظهر عليه ذيول الفقر.\r__________\r(1) أخرجه ابن ماجه في الزهد باب ذكر البعث: 2 / 1431 والإمام أحمد في المسند: 6 / 285 وهناد في الزهد: 1 / 328 وابن جرير في التفسير: 16 / 112 وابن أبي عاصم في السنة: 2 / 414 وأخرجه من طريق أخرى الإمام مسلم في فضائل الصحابة بنحوه برقم (2496): 4 / 1942 والإمام أحمد في المسند: 6 / 420 وأخرجها المصنف في شرح السنة: 14 / 193.\r(2) في \"أ\" نفرا من.\r(3) ساقط من \"أ\".","part":5,"page":252},{"id":1923,"text":"{ قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (75) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (76) }","part":5,"page":253},{"id":1924,"text":"{ أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا (77) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (78) }\r{ قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا } هذا أمر بمعنى الخبر معناه: يدعه في طغيانه ويمهله في كفره { حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ } وهو الأسر والقتل في الدنيا { وَإِمَّا السَّاعَةَ } يعني: القيامة فيدخلون النار { فَسَيَعْلَمُونَ } عند ذلك { مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا } منزلا { وَأَضْعَفُ جُنْدًا } أقل ناصرا أهم أم المؤمنون؟ لأنهم في النار والمؤمنون في الجنة وهذا رد عليهم في قوله { أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا } قوله عز وجل: { وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى } أي إيمانا وإيقانا على يقينهم 10/أ { وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ } الأذكار والأعمال الصالحة التي تبقى لصاحبها { خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا } عاقبة ومرجعا. قوله عز وجل: { أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا } أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عمرو بن حفص أخبرنا أبي أخبرنا الأعمش بن مسلم عن مسروق حدثنا خباب قال: كنت قينا فعملت للعاص بن وائل فاجتمع مالي عنده فأتيته أتقاضاه فقال لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد فقلت: أما والله حتى تموت ثم تبعث فلا قال: وإني لميت ثم مبعوث؟ قلت: نعم قال: فإنه سيكون لي ثم مال وولد فأقضيك فأنزل الله عز وجل: { أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا } (1) . قوله عز وجل: { أَطَّلَعَ الْغَيْبَ } قال ابن عباس: أنظر في اللوح المحفوظ؟ وقال مجاهد: أعلم علم الغيب حتى يعلم أفي الجنة هو أم لا؟\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير سورة مريم باب \"كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا\" 8 / 430-431 وانظر: أسباب النزول للواحدي ص (349).","part":5,"page":253},{"id":1925,"text":"{ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا } يعني قال لا إله إلا الله وقال قتادة: يعني عملا صالحا قدمه. وقال الكلبي: أعهد إليه أن يدخل الجنة؟\r{ كَلا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (79) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (80) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) }\r{ كَلا } رد عليه يعني: لم يفعل ذلك { سَنَكْتُبُ } سنحفظ عليه { مَا يَقُولُ } [فنجازيه به في الآخرة. وقيل: نأمر به الملائكة حتى يكتبوا ما يقول] (1) . { وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا } أي: نزيده عذابا فوق العذاب. وقيل: نطيل مدة عذابه. { وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ } أي ما عنده من المال والولد بإهلاكنا إياه وإبطال ملكه وقوله ما يقول لأنه زعم أن له مالا وولدا \"في الآخرة\" (2) أي لا نعطيه ونعطي غيره فيكون الإرث راجعا إلى ما تحت القول لا إلى نفس القول.\rوقيل: معنى قوله: { وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ } أي: نحفظ ما يقول حتى نجازيه به.\r{ وَيَأْتِينَا فَرْدًا } يوم القيامة بلا مال ولا ولد. قوله عز وجل: { وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً } يعني: مشركي قريش اتخذوا الأصنام آلهة يعبدونها { لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا } أي منعة حتى يكونوا لهم شفعاء يمنعونهم من العذاب. { كَلا } أي ليس الأمر كما زعموا { سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ } أي تجحد الأصنام والآلهة التي كانوا يعبدونها عبادة المشركين ويتبرؤون منهم كما أخبر الله تعالى \"تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون\"( القصص:63 ) .\r{ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا } أي أعداء لهم وكانوا أولياءهم في الدنيا.\rوقيل: أعوانا عليهم يكذبونهم ويلعنونهم. قوله عز وجل: { أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ } أي سلطناهم عليهم وذلك حين قال لإبليس: \"واستفزز من استطعت منهم بصوتك\" الآية (الإسراء-64) } { تَؤُزُّهُمْ أَزًّا }\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ساقط من \"أ\".","part":5,"page":254},{"id":1926,"text":"تزعجهم إزعاجا من الطاعة إلى المعصية \"والأز\" \"والهز\": التحريك أي: تحركهم وتحثهم على المعاصي.\r{ فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86) لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (87) }\r{ فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ } أي لا تعجل بطلب عقوبتهم { إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا } قال الكلبي: يعني الليالي والأيام والشهور والأعوام.\rوقيل: الأنفاس التي يتنفسون بها في الدنيا إلى الأجل الذي أجل لعذابهم. قوله عز وجل { يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا } أي: اذكر لهم يا محمد اليوم الذي يجمع فيه من اتقى الله في الدنيا بطاعته إلى الرحمن إلى جنته وفدا أي: جماعات جمع \"وافد\" مثل: راكب وركب وصاحب وصحب.\rوقال ابن عباس: ركبانا. وقال أبو هريرة: على الإبل.\rوقال علي بن أبي طالب: ما يحشرون والله على أرجلهم، ولكن على نوق رحالها الذهب ونجائب سرجها يواقيت إن هموا بها سارت وإن هموا بها طارت (1) . { وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ } الكافرين { إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا } أي مشاة. وقيل: عطاشا قد تقطعت أعناقهم من العطش. \"والورد\" جماعة يردون الماء ولا يرد احد الماء إلا بعد عطش. { لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا } يعني لا إله إلا الله.\rوقيل: معناه لا يشفع الشافعون إلا لمن اتخذ عند الرحمن عهدا يعني: المؤمنين كقوله: \"لا يشفعون إلا لمن ارتضى\" (الأنبياء:28) .\r__________\r(1) قال الحافظ ابن حجر في \"الكافي الشاف\" ص (108): \"رواه ابن أبي شيبة وعبد الله بن أحمد في زيادات المسند والطبري وابن أبي حاتم من رواية عبد الرحمن بن إسحاق بن النعمان بن سعد بن علي نحوه. وأخرجه ابن أبي داود في كتاب البعث من هذا الوجه مرفوعا. ورواه ابن عدي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا أيضا\". وانظر: \"تفسير ابن كثر\": 3 / 138-139، ففيه جملة روايات في ذلك.","part":5,"page":255},{"id":1927,"text":"وقيل: لا يشفع إلا من شهد أن لا إله إلا الله أي لا يشفع إلا المؤمن (1) .\r{ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) }\r{ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا } يعني اليهود والنصارى ومن زعم أن الملائكة بنات الله.\rوقرأ حمزة والكسائي \" ولدا \" بضم الواو وسكون اللام ها هنا وفي الزخرف وسورة نوح ووافق ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب في سورة نوح والباقون بفتح الواو واللام. وهما لغتان مثل: العرب والعرب والعجم والعجم. { لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا } قال ابن عباس منكرا. وقال قتادة ومجاهد: عظيما. وقال مقاتل: لقد قلتم قولا عظيما. \"والإد\" في كلام العرب: أعظم الدواهي (2) . { تَكَادُ السَّمَاوَاتُ } قرأ نافع \" يكاد \" بالياء هاهنا وفي حم عسق لتقدم الفعل وقرأ الباقون بالتاء لتأنيث السموات { يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ } هاهنا وفي \"حمعسق\" بالنون من الانفطار أبو عمرو وأبو بكر ويعقوب وافق ابن عامر وحمزة هاهنا لقوله تعالى: \"إذا السماء انفطرت\" (الانفطار:1) و\"السماء منفطر\" (المزمل:18) وقرأ الباقون بالتاء من التفطر ومعناهما واحد يقال: انفطر الشيء وتفطر أي تشقق.\r{ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا } أي: تنكسر كسرا.\rوقيل: { وَتَنْشَقُّ الأرْضُ } أي: تنخسف بهم \"والانفطار\" في السماء: أن تسقط عليهم { وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا } أي تنطبق عليهم.\r__________\r(1) وهذه الأوجه كلها حق وكل واحد منها يشهد له آيات كريمة وأحاديث شريفة فالمجرمون لا يملكون الشفاعة أي: لا يستحقون أن يشفع فيهم شافع يخلصهم مما هم فيه من الهول والعذاب وبالأحرى أن المجرمين لا يشفعون في غيرهم لأنهم إذا كانوا لا يستحقون أن يشفع فيهم غيرهم لكفرهم فشفاعتهم في غيرهم ممنوعة من باب أولى. وكذلك: لا يملك الشفاعة إلا المؤمنون الذين اتخذوا عند الله تعالى عهدا بشهادة التوحيد وبالعمل الصالح -وما في معنى هذا- فإنهم يشفع بعضهم في بعض كما قال تعالى: \"يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا\" وقد بين في مواضع أخر أن المعبودات التي يعبدونها من دون الله لا تملك الشفاعة وأن من شهد بالحق يملكها بإذن الله له في ذلك وهو قوله تعالى: \"ولا يملك الذين يدعون من دون الله الشفاعة إلا من شهد الحق\". انظر: \"أضواء البيان\": 4 / 494-495، وراجع: ابن كثير: 3 / 139 القرطبي: 11 / 154.\r(2) والعرب تقول لكل عظيم: \"إد\" و\"إمر\". وفي \"الإد\" ثلاث لغات: \"إد\" بكسر الألف و\"أد\" بفتح الألف و\"آد\" بفتح الألف ومدها انظر: تفسير الطبري: 16 / 129.","part":5,"page":256},{"id":1928,"text":"{ أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95) }","part":5,"page":257},{"id":1929,"text":"{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96) }\r{ أَنْ دَعَوْا } أي من أجل أن جعلوا { لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا } قال ابن عباس وكعب: فزعت السموات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين وكادت أن تزول وغضبت الملائكة واستعرت جهنم حين قالوا: اتخذ الله ولدا (1) .\rثم نفى الله عن نفسه الولد فقال: { وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا } أي ما يليق به اتخاذ الولد ولا يوصف به. { إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ } أي إلا آتيه يوم القيامة { عَبْدًا } ذليلا خاضعا يعني: أن الخلق كلهم عبيده. { لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا } أي: عد أنفاسهم وأيامهم وآثارهم فلا يخفى عليه شيء. { وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا } وحيدا ليس معه من الدنيا شيء. قوله عز وجل: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا } أي: محبة. قال مجاهد: يحبهم الله ويحببهم إلى عباده المؤمنين.\rأخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداوودي أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"إذا أحب الله العبد قال لجبرائيل: قد أحببت فلانا فأحبه فيحبه جبرائيل ثم ينادي في أهل السماء: إن الله عز وجل قد أحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض وإذا أبغض العبد\".\r__________\r(1) انظر: تفسير الطبري: 16 / 130 فقد روى أثرا مطولا عن ابن عباس وآخر عن كعب وقد جمع بينهما المصنف هنا باختصار.","part":5,"page":257},{"id":1930,"text":"قال مالك: لا أحسبه إلا قال في البغض مثل ذلك (1) .\rقال هرم بن حيان: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل إلا أقبل الله بقلوب أهل الإيمان إليه حتى يرزقه مودتهم (2) .\r{ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (97) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98) }\rقوله عز وجل: { فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ } أي سهلنا القرآن بلسانك يا محمد { لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ } يعني المؤمنين { وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا } شدادا في الخصومة جمع \"الألد\".\rوقال الحسن: صما عن الحق (3) .\rقال مجاهد: 10/ب \"الألد\": الظالم الذي لا يستقيم (4) .\rقال أبو عبيدة: \"الألد\" الذي لا يقبل الحق ويدعي الباطل. { وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ } هل ترى وقيل هل تجد { مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا } أي صوتا \"والركز\": الصوت الخفي (5) قال الحسن: بادوا جميعا فلم يبق منهم عين ولا أثر (6) .\r__________\r(1) أخرجه مالك في الموطأ كتاب الشعر باب المتحابين في الله: 2 / 953 والبخاري في الأدب باب الْمِقَةِ (المحبة) من الله: 10 / 461 ومسلم في البر والصلة والأدب باب إذا أحب الله عبدا حببه إلى عباده برقم (4237): (4 / 2030) والمصنف في شرح السنة: 13 / 55. وانظر فتح الباري: 10 / 462-463.\r(2) انظر: تفسير الطبري: 16 / 133.\r(3) أخرجه الطبري: 16 / 134.\r(4) الطبري: 16 / 133-134.\r(5) كما قال الشاعر لبيد بن ربيعة العامري: فتوجست ذكر الأنيس فراعها ... عن ظهر غيب والأنيس سقامها\rانظر: تفسير الطبري: 16 / 135.\r(6) أخرجه عبد بن حميد بنحوه. انظر: الدر المنثور: 5 / 547.","part":5,"page":258},{"id":1931,"text":"سورة طه مكية (1)\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ طه (1) مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) }\rأخبرنا عبد الواحد المليحي (2) أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجوية، أخبرنا ابن أبي أويس، حدثني أبي عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"أعطيت السورة التي ذكرت فيها البقرة من الذكر الأول، وأعطيت طه والطواسين من ألواح موسى، وأعطيت فواتح القرآن وخواتيم السورة التي ذكرت فيها البقرة من تحت العرش، وأعطيت المفصل نافلة\" (3) .\r{ طه } قرأ أبو عمرو بفتح الطاء وكسر الهاء، وبكسرهما حمزة والكسائي وأبو بكر، والباقون بفتحهما.\r__________\r(1) مكية كلها في قول الجميع، فقد أخرج النحاس وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة طه بمكة. وأخرجه أيضا ابن مردويه عن ابن الزبير. انظر: الدر المنثور: 5 / 548، زاد المسير: 5 / 268، تفسير القرطبي: 11 / 163.\r(2) جاء هذا الحديث في نسخة \"ب\" عقب الآية الأولى.\r(3) عزاه السيوطي في \"الدر المنثور\": 5 / 548 لابن مردويه، وفيه أبو بكر الهذلي، قال عنه ابن حجر: إخباري متروك الحديث. وأخرجه مطولا عن معقل بن يسار: البيهقي في السنن: 10 / 9، والحاكم في المستدرك: 1 / 561، 568، و 2 / 259، وابن السني في عمل اليوم والليلة ص: (322). وفيه عبيد الله بن أبي حميد وهو متروك. وانظر: فيض القدير للمناوي: 1 / 564.","part":5,"page":259},{"id":1932,"text":"قيل: هو قسم (1) . وقيل: اسم من أسماء الله تعالى (2) .\rوقال مجاهد، والحسن، وعطاء، والضحاك: معناه يا رجل.\rوقال قتادة: هو يا رجل بالسريانية.\rوقال الكلبي: هو يا إنسان بلغة عك (3) .\rوقال مقاتل بن حيان: معناه طأ الأرض بقدميك، يريد: في التهجد (4) .\rوقال محمد بن كعب القرظي: أقسم الله عز وجل بطوله وهدايته (5) .\rقال سعيد بن جبير: الطاء افتتاح اسمه الطاهر، والهاء افتتاح اسمه هاد (6) .\rوقال الكلبي: لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي بمكة اجتهد في العبادة حتى كان يراوح بين قدميه في الصلاة لطول قيامه، وكان يصلي الليل كله، فأنزل الله هذه الآية (7) وأمره أن يخفف على\r__________\r(1) رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. انظر : زاد المسير: 5 / 205، 270.\r(2) الطبري 16 / 36، البحر المحيط: 6 / 224، زاد المسير: 5 / 270.\r(3) انظر : الطبري : 16 / 135 - 136، زاد المسير: 5 / 270، البحر المحيط: 6 / 224. وهذا القول رجحه الطبري لأنها كلمة معروفة في قبيلة عك، وأن معناها فيهم: يا رجل وأنشدت لمتمم بن نويرة:هتفت بطه في القتال فلم يجب ... فخفت عليه أن يكون موائلا\r.\r(4) نقله عنه أيضا: ابن الجوزي في زاد المسير: 5 / 270. وروى عن عبد بن حميد في تفسيره، عن الربيع بن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله تعالى: \"طه\" ، يعني طأ الأرض بقدميك يا محمد. وروى ابن مردويه من طريق قيس بن الربيع عن علي: لما نزل \"يا أيها المزمل\" قام الليل كله حتى ورمت قدماه، فجعل يرفع رجلا ويضع الأخرى فهبط عليه جبريل فقال: طه طأ الأرض بقدميك يا محمد. وأخرجه البزار من وجه آخر عن علي رضي الله عنه. وأخرجه البيهقي في الشعب من وجه آخر عن ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما. انظر: الكافي الشاف لابن حجر ص (108)، ابن كثير: 3 / 142.\r(5) وهذا القول قريب المعنى من قول ابن عباس الذي رواه علي بن أبي طلحة. انظر : زاد المسير: 5 / 270.\r(6) وأخرج البزار عن علي نحوه: قال الهيثمي: 7 / 56: \"وفيه يزيد بن بلال، وقال البخاري: فيه نظر، وكيسان أبو عمرو: وثقه ابن حبان وضعفه ابن معين. وبقية رجاله رجال الصحيح\".\r(7) انظر: زاد المسير: 5 / 269 - 270. وقارن بأضواء البيان : 4 / 400 فقد ضعف هذا القول. وتقدم أن الطبري رجح أن المراد بها: يا رجل ولم يعهد هذا النداء في الكتاب الكريم، ولذلك رجح أبو حيان في البحر المحيط: (6 / 224) \"أن \"طه\" من الحروف المقطعة نحو \"يس\" و\"الر\" وما أشبهها\". وقال الشيخ الشنقيطي في \"أضواء البيان\": (4 / 399): وأظهر الأقوال فيه أنه من الحروف المقطعة في أوائل السور، ويدل لذلك أن الطاء والهاء المذكورتين في فاتحة هذه السورة جاءتنا في مواضع أخر لا نزاع فيها في أنهما من الحروف المقطعة. أما الطاء ففي فاتحة الشعراء \"طسم\" وفاتحة النمل \"طس\" وفاتحة القصص. وأما الهاء ففي فاتحة مريم في قوله تعالى: \"كهيعص\". . . وخير ما يفسر به القرآن القرآن\".","part":5,"page":262},{"id":1933,"text":"نفسه فقال: { مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى } وقيل: لما رأى المشركون اجتهاده في العبادة قالوا ما أنزل عليك القرآن يا محمد إلا لشقائك، فنزلت { مَا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى } (1) أي لتتعنى وتتعب، وأصل الشقاء في اللغة العناء.\r{ إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) تَنزيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلا (4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) }\r{ إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى } [أي لكن أنزلناه عظة لمن يخشى. وقيل: تقديره ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ما أنزلناه إلا تذكرة لمن يخشى] (2) . { تَنزيلا } بدل من قوله \"تذكرة\" { مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ } أي: من الله الذي خلق الأرض، { وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلا } يعني: العالية الرفيعة، وهي جمع العليا كقوله: كبرى وكبر، وصغرى وصغر. { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } . { لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا } يعني الهواء، { وَمَا تَحْتَ الثَّرَى } والثرى هو: التراب الندي. قال الضحاك: يعني ما وراء الثرى من شيء.\rوقال ابن عباس: إن الأرضين على ظهر النون، والنون على بحر، ورأسه وذنبه يلتقيان تحت العرش، والبحر على صخرة خضراء، خضرة السماء منها، وهي الصخرة التي ذكر الله في قصة لقمان \"فتكن في صخرة\" والصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى، وما تحت الثرى لا يعلمه إلا الله عز وجل، وذلك الثور فاتح فاه فإذا جعل الله عز وجل البحار بحرا واحدا سالت في جوف ذلك الثور، فإذا وقعت في جوفه يبست (3) .\r__________\r(1) انظر: تفسير الطبري: 16 / 137، أسباب النزول للواحدي ص (351) - القرطبي: 11 / 167.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) ذكر هذه الرواية القرطبي: 11 / 169 - 170. وهذه الرواية من الإسرائيليات التي لا يعول عليها في تفسير كتاب الله تعالى، ولو صحت نسبتها لابن عباس رضي الله عنهما، لأن صحة نسبتها إليه لا تعني صحتها في واقع الأمر لأنها متلقاة من الإسرائيليات. وانظر ما كتبه الحافظ ابن كثير رحمه الله في التفسير: 4 / 401 - 402.","part":5,"page":263},{"id":1934,"text":"{ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى (8) وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) }\r{ وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ } [أي: تعلن به] (1) { فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى } قال الحسن: \"السر\": ما أسر الرجل إلى غيره، \"وأخفى\" من ذلك: ما أسر من نفسه.\rوعن ابن عباس، وسعيد بن جبير: \"السر\" ما تسر في نفسك \"وأخفى\" من السر: ما يلقيه الله عز وجل في قلبك من بعد، ولا تعلم أنك ستحدث به نفسك، لأنك تعلم ما تسر به اليوم ولا تعلم ما تسر به غدا، والله يعلم ما أسررت اليوم وما تسر به غدا.\rوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: \"السر\": ما أسر ابن آدم في نفسه ، \"وأخفى\" ما خفي عليه مما هو فاعله قبل أن يعلمه.\rوقال مجاهد: \"السر\" العمل الذي تسرون من الناس، \"وأخفى\": الوسوسة.\rوقيل: \"السر\": هو العزيمة [\"وأخفى\": ما يخطر على القلب ولم يعزم عليه.\rوقال زيد بن أسلم: \"يعلم السر] (2) وأخفى\": أي يعلم أسرار العباد، وأخفى سره من عباده، فلا يعلمه أحد (3) . ثم وحد نفسه، فقال:. { اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى } قوله عز وجل: { وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى } أي: قد أتاك، استفهام بمعنى التقرير.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) انظر هذه الأقوال في: الطبري: 16 / 139 - 141 ، زاد المسير: 5 / 271. قال الطبري: والصواب من القول في ذلك قول من قال: معناه يعلم السر وأخفى من السر، لأن ذلك هو الظاهر من الكلام، ولو كان معنى ذلك ما تأوله ابن زيد لكان الكلام: وأخفى الله سره، لأن أخفى فعل واقع متعد؛ إذ كان بمعنى \"فعل\" - على ما تأوله ابن زيد - وفي انفراد \"أخفى\" من مفعوله - والذي يعمل فيه لو كان بمعنى فعل - الدليل الواضح على أنه بمعنى \"أفعل\"، وأن تأويل الكلام: فإنه يعلم السر وأخفى منه، فإذا كان ذلك تأويله فالصواب من القول في معنى أخفى من السر، أن يقال: هو ما علم الله مما أخفى عن العباد ولم يعلموه، مما هو كائن ولما يكن، لأن ما ظهر وكان فغير سر، وأن ما لم يكن وهو غير كائن، فلا شيء، وأن لم يكن وهو كائن: فهو أخفى من السر، لأن ذلك لا يعلمه إلا الله ثم من أعلمه ذلك من عباده.","part":5,"page":264},{"id":1935,"text":"{ إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) }\r{ إِذْ رَأَى نَارًا } وذلك أن موسى استأذن شعيبا في الرجوع من مدين إلى مصر لزيارة والدته وأخته، فأذن له فخرج بأهله وماله، وكانت أيام الشتاء، وأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام، وامرأته في سقمها، لا تدري أليلا أم نهارا. فسار في البرية غير عارف بطرقها، فألجأه المسير إلى جانب الطور الغربي الأيمن في ليلة مظلمة مثلجة شديدة البرد، وأخذ امرأته الطلق، فقدح زنده فلم يوره.\rوقيل: إن موسى كان رجلا غيورا فكان يصحب الرفقة بالليل ويفارقهم بالنهار، لئلا ترى امرأته، فأخطأ مرة الطريق في ليلة مظلمة شاتية، لما أراد الله عز وجل من كرامته، فجعل يقدح الزند فلا يوري، فأبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق من جانب الطور، { فَقَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا } (1) أقيموا، قرأ حمزة بضم الهاء هاهنا وفي القصص، { إِنِّي آنَسْتُ } أي: أبصرت، { نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ } شعلة من نار، والقبس قطعة من النار تأخذها في طرف عمود من معظم النار، { أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى } أي: أجد عند النار من يدلني على الطريق. { فَلَمَّا أَتَاهَا } رأى شجرة خضراء من أسفلها [إلى أعلاها، أطافت بها نار بيضاء تتقد كأضوإ ما يكون، فلا ضوء النار يغير] (2) خضرة الشجرة، ولا خضرة الشجرة تغير ضوء النار.\rقال ابن مسعود: كانت الشجرة سمرة خضراء.\rوقال قتادة، ومقاتل، والكلبي: كانت من العوسج.\rوقال وهب: كانت من العليق.\rوقيل: كانت شجرة العناب، روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما (3) .\rقال أهل التفسير: لم يكن الذي رآه موسى نارا بل كان نورا، ذكر بلفظ النار لأن موسى حسبه نارا.\rوقال أكثر المفسرين: إنه نور الرب عز وجل، وهو قول ابن عباس، وعكرمة، وغيرهما.\r__________\r(1) انظر: الطبري: 16 / 142 - 143، القرطبي: 11 / 171، البحر المحيط: 6 / 230.\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) انظر: الطبري: 16 / 143، البحر المحيط: 6 / 230، القرطبي: 11 / 171. وهذه الأقوال في الشجرة مما لم يرد نص عن النبي صلى الله عليه وسلم في تعيينها، وقد أعرض الحافظ ابن كثير عنها فلم يذكر شيئا منها في تفسير الآية.","part":5,"page":265},{"id":1936,"text":"وقال سعيد بن جبير: هي النار بعينها، وهي إحدى حجب الله تعالى، يدل عليه: ما روينا عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه\" (1) .\rوفي القصة أن موسى أخذ شيئا من الحشيش اليابس وقصد الشجرة وكان كلما دنا نأت منه النار، وإذا نأى دنت، فوقف متحيرا، وسمع تسبيح الملائكة، وألقيت عليه السكينة (2) .\r{ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) }\r{ نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ } قرأ أبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو، \"أني\" بفتح الألف، على معنى: نودي بأني. وقرأ الآخرون بكسر الألف، أي: نودي، فقيل: إني أنا ربك.\rقال وهب نودي من الشجرة، فقيل: يا موسى، فأجاب سريعا لا يدري من دعاه، فقال: إني أسمع صوتك ولا أرى مكانك فأين أنت؟ 11/أ قال: أنا فوقك ومعك، وأمامك وخلفك، وأقرب إليك من نفسك، فعلم أن ذلك لا ينبغي إلا لله، فأيقن به (3) .\rقوله عز وجل: { فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ } وكان السبب فيه ما روى عن ابن مسعود مرفوعا في قوله: { فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ } قال: كانتا من جلد حمار ميت. ويروى غير مدبوغ (4) .\rوقال عكرمة ومجاهد: أمر بخلع النعلين ليباشر بقدمه تراب الأرض المقدسة، فيناله بركتها لأنها قدست مرتين، فخلعهما موسى وألقاهما من وراء الوادي (5) .\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الإيمان، باب في قوله عليه السلام: إن الله لا ينام. . برقم (179): 1 / 161 - 162.\r(2) انظر: البحر المحيط: 6 / 230.\r(3) عزاه السيوطي: 5 / 554 - 555 للإمام أحمد في الزهد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\r(4) أخرجه الترمذي في اللباس، باب ما جاء في لبس الصوف: 5 / 410 وقال: \"هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث حميد الأعرج، وحميد هو ابن علي الأعرج، منكر الحديث\". ورواه الحاكم في المستدرك: 2 / 379 وصححه على شرط البخاري، فتعقبه الذهبي بقوله: \"بل ليس على شرط البخاري، وإنما غره أن في الإسناد حميد بن قيس كذا وهو خطأ إنما هو حميد الأعرج الكوفي ابن علي، أو ابن عمار، أحد المتروكين، فظنه المكي الصادق\".\r(5) قال الطبري مرجحا: \"وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: أمر الله - تعالى ذكره - بخلع نعليه ليباشر بقدميه بركة الوادي، إذ كان واديا مقدسا، وإنما قلنا ذلك أولى التأولين بالصواب لأنه لا دلالة في ظاهر التنزيل على أنه أمر بخلعهما من أجل أنهما من جلد حمار، ولا لنجاستهما، ولا خير بذلك عمن يلزم بقوله الحجة. وإن في قوله: \"إنك بالوادي المقدس\" بعقبه دليلا واضحا على أنه إنما أمره بخلعهما لما ذكرنا\". انظر: الطبري: 16 / 144. وانظر المعنى نفسه عند أبي حيان: 16 / 231. ونقل الحافظ ابن كثير: (3 / 144) عن سعيد بن جبير أنه - عليه السلام - أمر بخلع نعليه كما يؤمر الرجل أن يخلع نعليه إذا أراد أن يدخل الكعبة. وأبدى الشيخ الشنقيطي: (4 / 292) حكمة أخرى فقال: وأظهر الأقوال - والله تعالى أعلم-: أن الله أمره بخلع نعليه من قدميه ليعلمه التواضع لربه حين ناداه، فإن نداء الله لعبده أمر عظيم يستوجب من العبد كمال التواضع والخشوع. والله تعالى أعلم.","part":5,"page":266},{"id":1937,"text":"{ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ } أي المطهر، { طُوًى } وطوى اسم الوادي، وقرأ أهل الكوفة والشام: \" طوى \" بالتنوين هاهنا وفي سورة النازعات، وقرأ الآخرون بلا تنوين لأنه معدول عن \"طاو\" فلما كان معدولا عن وجهه كان مصروفا عن إعرابه، مثل عمر، وزفر، وقال الضحاك: \"طوى \" : واد مستدير عميق مثل الطوى في استدارته.","part":5,"page":267},{"id":1938,"text":"{ وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) }\r{ وَأَنَا اخْتَرْتُكَ } اصطفيتك برسالاتي، قرأ حمزة: \"وأنا \" مشددة النون، \"اخترناك\" على التعظيم. { فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى } إليك.:. { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي } ولا تعبد غيري، { وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي } قال مجاهد: أقم الصلاة لتذكرني فيها، وقال مجاهد: إذا تركت الصلاة ثم ذكرتها، فأقمها.\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحين أخبرنا أبو عمرو بكر بن محمد المزني، أخبرنا أبو بكر بن محمد بن عبد الله الحفيد، أخبرنا الحسين بن الفضل البجلي، أخبرنا عفان، أخبرنا قتادة عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم \"من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك\" (1) ثم قال: سمعته يقول بعد ذلك: { وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي } { إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا } قيل معناه إن الساعة آتية أخفيها. و \"أكاد \" صلة. وأكثر المفسرين قالوا: معناه: أكاد أخفيها من نفسي، وكذلك في مصحف أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود: أكاد أخفيها من نفسي فكيف يعلمها مخلوق.\rوفي بعض القراءات: فكيف أظهرها لكم. وذكر ذلك على عادة العرب إذا بالغوا في كتمان الشيء يقولون: كتمت سرك من نفسي، أي: أخفيته غاية الإخفاء، والله عز اسمه لا يخفى عليه شيء.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في المواقيت، باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكر. . : 2 / 70 ومسلم في المساجد، باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها برقم (684) 1 / 477، والمصنف في شرح السنة: 2 / 241.","part":5,"page":267},{"id":1939,"text":"وقال الأخفش: أكاد: أي أريد، ومعنى الآية: أن الساعة آتية أريد أخفيها.\rوالمعنى في إخفائها التهويل والتخويف، لأنهم إذا لم يعلموا متى تقوم الساعة كانوا على حذر منها كل وقت.\rوقرأ الحسن بفتح الألف أي أظهرها، يقال: خفيت الشيء: إذا أظهرته، وأخفيته: إذا سترته.\rقوله تعالى: { لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى } أي بما تعمل من خير وشر.\r{ فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) }\r{ فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا } فلا يصرفنك عن الإيمان بالساعة، { مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } مراده خالف أمر الله { فَتَرْدَى } أي: فتهلك. قوله عز وجل: { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى } سؤال تقرير، والحكمة في هذا السؤال: تنبيهه وتوقيفه على أنها عصا حتى إذا قلبها حية علم أنه معجزة عظيمة. وهذا على عادة العرب، يقول الرجل لغيره: هل تعرف هذا؟ وهو لا يشك أنه يعرفه، ويريد أن ينضم إقراره بلسانه إلى معرفته بقلبه. { قَالَ هِيَ عَصَايَ } قيل: وكانت لها شعبتان، وفي أسفلها سنان، ولها محجن. قال مقاتل: اسمها نبعة.\r{ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا } أعتمد عليها إذا مشيت وإذا أعييت وعند الوثبة، { وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي } أضرب بها الشجرة اليابسة ليسقط ورقها فترعاه الغنم.\rوقرأ عكرمة \" وأهس \" بالسين غير المعجمة، أي: أزجر بها الغنم، و\"الهس\": زجر الغنم.\r{ وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى } حاجات ومنافع أخرى، جمع \"مأربة\" بفتح الراء وضمها، ولم يقل: \" أخر \" لرءوس الآي. وأراد بالمآرب: ما يستعمل فيه العصا في السفر، وكان يحمل بها الزاد ويشد بها الحبل (1) فيستقي الماء من البئر، ويقتل بها الحيات، ويحارب بها السباع، ويستظل بها إذا قعد\r__________\r(1) في \"ب\" الدلو.","part":5,"page":268},{"id":1940,"text":"وغير ذلك.\rوروى عن ابن عباس: أن موسى كان يحمل عليها زاده وسقاءه، فجعلت متماشيه وتحدثه، وكان يضرب بها الأرض فيخرج ما يأكل يومه، ويركزها فيخرج الماء، فإذا رفعها ذهب الماء، وإذا اشتهى ثمرة ركزها فتغصنت غصن الشجرة وأورقت وأثمرت، وإذا أراد الاستقاء من البئر أدلاها فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدلو حتى يستقي، وكانت تضيء بالليل بمنزلة السراج، وإذا ظهر له عدو كانت تحارب وتناضل عنه (1) .\r{ قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) }\r{ قَالَ } الله تعالى: { أَلْقِهَا يَا مُوسَى } انبذها، قال وهب: ظن موسى أنه يقول ارفضها. { فَأَلْقَاهَا } على وجه الرفض (2) ثم حانت منه نظرة، { فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ } صفراء من أعظم ما يكون من الحيات، { تَسْعَى } تمشي بسرعة على بطنها وقال في موضع آخر: \"كأنها جان\" (النمل -10) وهي الحية الصغيرة الخفيفة الجسم، وقال في موضع: \"ثعبان\"، وهو أكبر ما يكون من الحيات.\rفأما الحية: فإنها تجمع الصغير والكبير والذكر والأنثى. وقيل: \"الجان\": عبارة عن ابتداء حالها، فإنها كانت حية على قدر العصا، ثم كانت تتورم وتنتفخ حتى صارت ثعبانا، \"والثعبان\": عبارة عن انتهاء حالها.\rوقيل: إنها كانت في عظم الثعبان وسرعة الجان.\rقال محمد بن إسحاق: نظر موسى فإذا العصا حية من أعظم ما يكون من الحيات صارت شعبتاها شدقين لها، والمحجن عنقا وعرفا، تهتز كالنيازك، وعيناها تتقدان كالنار تمر بالصخرة العظيمة مثل الخلفة من الإبل، فتلقمها وتقصف الشجرة العظيمة بأنيابها، ويسمع لأسنانها صريف عظيم. فلما عاين ذلك موسى ولى مدبرا وهرب، ثم ذكر ربه فوقف استحياء منه، ثم نودي: أن يا موسى أقبل وارجع حيث كنت، فرجع وهو شديد الخوف (3) .\r__________\r(1) قال الحافظ ابن كثير: (3 / 146): \"وقد تكلف بعضهم لذكر شيء من تلك المآرب التي أبهمت، فقيل: كانت تضيء له بالليل، وتحرس له الغنم إذا نام، ويغرسها فتصير شجرة تظله، وغير ذلك من الأقوال الخارقة للعادة. والظاهر: أنها لم تكن كذلك، ولو كانت كذلك لما استنكر موسى عليه السلام صيرورتها ثعبانا، فما كان يفر منها هاربا. ولكن كل ذلك من الأخبار الإسرائيلية\".\r(2) في \"ب\": الأرض.\r(3) انظر التعليق السابق.","part":5,"page":269},{"id":1941,"text":"{ قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) }\r{ قَالَ خُذْهَا } بيمينك، { وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الأولَى } هيئتها الأولى، أي: نردها عصا كما كانت، وكان على موسى مدرعة من صوف قد خلها بعيدان، فلما قال الله تعالى: خذها، لف طرف المدرعة على يده، فأمره الله تعالى أن يكشف يده فكشف.\rوذكر بعضهم: أنه لما لف كم المدرعة على يده قال له ملك: أرأيت لو أذن الله بما تحاذره أكانت المدرعة تغني عنك شيئا؟ قال: لا ولكني ضعيف، ومن ضعف خلقت، فكشف عن يده ثم وضعها في فم الحية فإذا هي عصا كما كانت، ويده في شعبتها في الموضع الذي كان يضعها إذا توكأ (1) .\rقال المفسرون: أراد الله عز وجل أن يري موسى ما أعطاه من الآية التي لا يقدر عليها مخلوق لئلا 11/ب يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون.\rوقوله: { سِيرَتَهَا الأولَى } نصب بحذف \"إلى\"، يريد: إلى سيرتها الأولى . قوله تعالى: { وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ } أي : إبطك، قال مجاهد: تحت عضدك، وجناح الإنسان عضده إلى أصل إبطه. { تَخْرُجْ بَيْضَاءَ } نيرة مشرقة، { مِنْ غَيْرِ سُوءٍ } من غير عيب والسوء هاهنا بمعنى البرص. قال ابن عباس: كان ليده نور ساطع يضيء بالليل والنهار كضوء الشمس والقمر، { آيَةً أُخْرَى } أي: دلالة أخرى على صدقك سوى العصا. { لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى } ولم يقل الكبر لرءوس الآي. وقيل: فيه إضمار، معناه: لنريك من آياتنا الكبرى، دليله قول ابن عباس: كانت يد موسى أكبر آياته. قال تعالى: { اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى } أي: جاوز الحد في العصيان والتمرد، فادعه إلى عبادتي. { قَالَ } موسى: { رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي } وسعه للحق، قال ابن عباس: يريد حتى لا أخاف غيرك، وذلك أن موسى كان يخاف فرعون خوفا شديدا لشدة شوكته وكثرة جنوده، وكان يضيق صدرا بما كلف من مقاومة فرعون وحده، فسأل الله أن يوسع قلبه للحق حتى يعلم أن أحدا لا يقدر على مضرته إلا بإذن الله، وإذا علم ذلك لم يخف فرعون وشدة شوكته وكثرة جنوده.\r__________\r(1) انظر التعليق السابق.","part":5,"page":270},{"id":1942,"text":"{ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) }\r{ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي } أي: سهل علي ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون. { وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي } وذلك أن موسى كان في حجر فرعون ذات يوم في صغره، فلطم فرعون لطمة وأخذ بلحيته، فقال فرعون لآسية امرأته: إن هذا عدوي وأراد أن يقتله، فقالت آسية: إنه صبي لا يعقل ولا يميز. وفي رواية أن أم موسى لما فطمته ردته، فنشأ موسى في حجر فرعون وامرأته آسية يربيانه، واتخذاه ولدا، فبينما هو يلعب يوما بين يدي فرعون وبيده قضيب يلعب به إذ رفع القضيب فضرب به رأس فرعون، فغضب فرعون وتطير بضربه، حتى هم بقتله، فقالت آسية: أيها الملك إنه صغير لا يعقل فجربه إن شئت، وجاءت بطشتين: في أحدهما الجمر، وفي الآخر الجواهر، فوضعتهما بين يدي موسى فأراد أن يأخذ الجواهر، فأخذ جبريل بيد موسى فوضعها على النار فأخذ جمرة فوضعها في فمه فاحترق لسانه وصارت عليه عقدة (1) . { يَفْقَهُوا قَوْلِي } يقول: احلل العقدة كي يفقهوا كلامي. { وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا } معينا وظهيرا ، { مِنْ أَهْلِي } والوزير من يوازرك ويعينك ويتحمل عنك بعض ثقل عملك، ثم بين من هو فقال: { هَارُونَ أَخِي } وكان هارون أكبر من موسى بأربع سنين، وكان أفصح منه لسانا وأجمل وأوسم، وأبيض اللون، وكان موسى آدم أقنى جعدا. { اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي } قو به ظهري. { وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي } أي: في النبوة وتبليغ الرسالة، وقرأ ابن عامر \"أشدد\" بفتح الألف \"وأشركه \" بضمها على الجواب، حكاية عن موسى، أي: أفعل ذلك، وقرأ الآخرون على الدعاء.\r__________\r(1) جزء من حديث \"الفتون\" عن ابن عباس موقوفا عليه، رواه الطبري في التفسير: 16 / 164 - 167، وعزاه الهيثمي لأبي يعلى، وقال: \"رجاله رجال الصحيح غير أصبغ بن زيد، والقاسم بن أبي أيوب وهما ثقتان\". وقال ابن كثير: \"رواه النسائي في السنن الكبرى، وأخرجه أبو جعفر ابن جرير، وابن أبي حاتم في تفسيرهما، كلهم من حديث يزيد بن هارون، وهو موقوف من كلام ابن عباس، وليس فيه مرفوع إلا قليل منه، وكأنه تلقاه ابن عباس رضي الله عنهما مما أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره. والله أعلم، وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك أيضا\". انظر: مجمع الزوائد: 7 / 66، وتفسير ابن كثير: 3 / 154، وتفسير النسائي: 1 / 646 - 747.","part":5,"page":271},{"id":1943,"text":"والمسألة، عطفا على ما تقدم من قوله: { قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي }\r{ كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37) }","part":5,"page":272},{"id":1944,"text":"{ إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) }\r{ كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا } قال الكلبي: نصلي لك كثيرا . { وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا } نحمدك ونثني عليك بما أوليتنا من نعمك. { إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا } خبيرا عليما. { قَالَ } الله تعالى: { قَدْ أُوتِيتَ } أعطيت، { سُؤْلَكَ } جميع ما سألته، { يَا مُوسَى } { وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ } أنعمنا عليك، { مَرَّةً أُخْرَى } يعني قبل هذه المرة وهي: { إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ } وحي إلهام، { مَا يُوحَى } ما يلهم. ثم فسر ذلك الإلهام وعدد نعمه عليه: { أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ } أي: ألهمناها أن اجعليه في التابوت، { فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ } يعني نهر النيل، { فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ } يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر، مجازه: حتى يلقيه اليم بالساحل: { يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ } يعني فرعون. فاتخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا ووضعت فيه موسى، وقيرت رأسه وخصاصه -يعني شقوقه -ثم ألقته في النيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينما فرعون جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذ بتابوت يجيء به الماء، فأمر الغلمان والجواري بإخراجه، فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبي من أصبح الناس وجها، فلما رآه فرعون أحبه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله تعالى:\r{ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي } قال ابن عباس: أحبه وحببه إلى خلقه: قال عكرمة: ما رآه أحد إلا أحبه. قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلا عشقه.\r{ وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } يعني لتربى بمرآي ومنظر مني، قرأ أبو جعفر \"ولتصنع \" .","part":5,"page":272},{"id":1945,"text":"بالجزم\r{ إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40) }\r{ إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ } واسمها مريم، متعرفة خبره، { فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ } ؟ أي على امرأة ترضعه وتضمه إليها؛ وذلك أنه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلما قالت ذلك لهم أخته قالوا: نعم، فجاءت بالأم فقبل ثديها، فذلك قوله تعالى:\r{ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا } بلقائك، { وَلا تَحْزَنْ } أي: لأن يذهب عنها الحزن.\r{ وَقَتَلْتَ نَفْسًا } قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان قتل قبطيا كافرا. قال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة، { فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ } أي من غم القتل وكربه، { وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا } قال ابن عباس رضي الله عنه: اختبرناك اختبارا. وقال الضحاك ومقاتل: ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا.\rوعن ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: أن الفتون وقوعه في محنة بعد محنة خلصه الله منها، أولها أن أمه حملته في السنة التي كان فرعون يذبح الأطفال، ثم إلقاؤه في البحر في التابوت، ثم منعه الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم أخذه بلحية فرعون حتى هم بقتله، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة، ثم قتله القبطي، وخروجه إلى مدين خائفا. فكان ابن عباس يقص القصة على سعيد بن جبير، فعلى هذا معنى: { وَفَتَنَّاكَ } خلصناك من تلك المحن، كما يفتن الذهب بالنار فيخلص من كل خبث فيه (1) \"والفتون\": مصدر.\r{ فَلَبِثْتَ } فمكثت، أي: فخرجت من مصر فلبثت، { سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ } يعني ترعى الأغنام عشر سنين، ومدين بلدة شعيب عليه السلام على ثمان مراحل من مصر ، هرب إليها موسى. وقال وهب: لبث عند شعيب عليه السلام ثمانيا وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر ابنته \"صفيرا\" بنت شعيب، وثمان عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له.\r{ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى } قال مقاتل: على موعد ولم يكن هذا الموعد مع موسى وإنما\r__________\r(1) انظر التعليق السابق.","part":5,"page":273},{"id":1946,"text":"كان موعدا في تقدير الله، قال محمد بن كعب: جئت على القدر الذي قدرت أنك تجيء.\rوقال عبد الرحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة، وهو القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء، وهذا معنى قول أكثر المفسرين ، أي على الموعد الذي وعده الله وقدره أنه يوحى إليه بالرسالة، وهو أربعون سنة.\r{ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) }\rقوله عز وجل: { وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي } أي اخترتك واصطفيتك لوحيي ورسالتي، يعني لتنصرف على إرادتي 12/أ ومحبتي، وذلك أن قيامه بأداء الرسالة [تصرف على] (1) إرادة الله ومحبته.\rقال الزجاج: اخترتك لأمري وجعلتك القائم بحجتي والمخاطب بيني وبين خلقي، كأني الذي أقمت (2) بك عليهم الحجة وخاطبتهم. { اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي } بدلائلي، وقال ابن عباس: يعني الآيات التسع التي بعث بها موسى { وَلا تَنِيَا } لا تضعفا، وقال السدي: لا تفترا. وقال محمد بن كعب: لا تقصرا { فِي ذِكْرِي } { اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى } قرأ أبو عمرو، وأهل الحجاز: \"لنفسي اذهب\"، \"وذكري اذهبا\"، و \"إن قومي اتخذوا\" (الفرقان -30) ، \"من بعدي اسمه\" (الصف -6) بفتح الياء فيهن، ووافقهم أبو بكر: \"من بعدي اسمه\"، وقرأ الباقون بإسكانها. { فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا } يقول: دارياه وارفقا معه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا تعنفا في قولكما.\rوقال السدي وعكرمة: كنياه فقولا يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد.\rوقال مقاتل: يعني القول اللين: \"هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى\" (النازعات -18،19) .\rوقيل: أمر باللطافة في القول لما له من حق التربية.\r__________\r(1) في \"ب\" تصرفه إلى.\r(2) في \"ب\" احتججت.","part":5,"page":274},{"id":1947,"text":"وقال السدي: القول اللين: أن موسى أتاه ووعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم، وملكا لا ينزع منه إلا بالموت، وتبقى عليه لذة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته، وإذا مات دخل الجنة، فأعجبه ذلك وكان لا يقطع أمرا دون هامان، وكان غائبا فلما قدم أخبره بالذي دعاه إليه موسى، وقال أردت أن أقبل منه، فقال له هامان: كنت أرى أن لك عقلا ورأيا، أنت رب، تريد أن تكون مربوبا؟ وأنت تعبد تريد أن تعبد؟ فقلبه عن رأيه (1) .\rوكان هارون يومئذ بمصر، فأمر الله موسى أن يأتي هارون وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى، فتلقاه إلى مرحلة، وأخبره بما أوحي إليه (2) .\r{ لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى } أي: يتعظ ويخاف فيسلم.\rفإن قيل: كيف قال: { لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ } وقد سبق علمه أنه لا يتذكر ولا يسلم؟.\rقيل: معناه اذهبا على رجاء منكما وطمع، وقضاء الله وراء أمركما.\rوقال الحسين بن الفضل: هو ينصرف إلى غير فرعون، مجازه: لعله يتذكر متذكر، ويخشى خاش إذا رأى بري وألطافي بمن خلقته وأنعمت عليه ثم ادعى الربوبية.\rوقال أبو بكر محمد بن عمر الوراق: \"لعل \" من الله واجب (3) ولقد تذكر فرعون وخشي حين لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك حين ألجمه الغرق، قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وأنا من المسلمين.\rوقرأ رجل عند يحيى بن معاذ هذه الآية: { فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا } فبكى يحيى، وقال: إلهي هذا رفقك (4) بمن يقول أنا الإله، فكيف رفقك (5) بمن يقول أنت الإله ؟! (6) .\r__________\r(1) انظر في هذه الأقوال ونسبتها: الطبري: 16 / 169، الدر المنثور: 5 / 580، زاد المسير: 5 / 287 - 288. وأقرب هذه الأقوال في تفسير القول اللين؛ أن الله تعالى أمرهما أن يقولا كلاما لطيفا سهلا رقيقا، ليس فيه ما يغضب وينفر. وقد بين الله جل وعلا المراد بالقول اللين في هذه الآية بقوله: \"اذهب إلى فرعون إنه طغى فقل هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى\". وهذا غاية لين الكلام ولطافته ورقته. وهو قول مقاتل، كما تقدم. انظر: تفسير ابن كثير 3 / 154، أضواء البيان: 5 / 413.\r(2) انظر: زاد المسير: 5 / 289.\r(3) تفسير القرطبي: 11 / 201. وانظر: الاتقان للسيوطي: 2 / 275 - 276 ففيه معاني حرف \"لعل\" في القرآن الكريم.\r(4) في \"ب\": برك.\r(5) في \"ب\": برك.\r(6) تفسير القرطبي: 11 / 201.","part":5,"page":275},{"id":1948,"text":"{ قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) }\r{ قَالا } يعني موسى وهارون: { رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعجل علينا بالقتل والعقوبة، يقال: فرط عليه فلان إذا عجل بمكروه، وفرط منه أمر أي بدر وسبق، { أَوْ أَنْ يَطْغَى } أي يجاوز الحد في الإساءة إلينا.\r{ قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (47) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (48) قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) }\r{ قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى } قال ابن عباس: أسمع دعاءكما فأجيبه، وأرى ما يراد بكما فأمنعه، لست بغافل عنكما، فلا تهتما. { فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ } أرسلنا إليك، { فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ } أي: خل عنهم وأطلقهم من أعمالك، { وَلا تُعَذِّبْهُمْ } لا تتعبهم في العمل. وكان فرعون يستعملهم في الأعمال الشاقة، { قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ } قال فرعون: وما هي؟ فأخرج يده، لها شعاع كشعاع الشمس، { وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى } ليس المراد منه التحية، إنما معناه سلم من عذاب الله من أسلم. { إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى } إنما يعذب الله من كذب بما جئنا به وأعرض عنه. { قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى } من إلهكما الذي أرسلكما؟ . { قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى } قال الحسن وقتادة: أعطى كل شيء صلاحه، وهداه لما يصلحه.\rوقال مجاهد: أعطى كل شيء صورته، لم يجعل خلق الإنسان كخلق البهائم، ولا خلق البهائم كخلق الإنسان، ثم هداه إلى منافعه من المطعم والمشرب والمنكح.\rوقال الضحاك: \"أعطى كل شيء خلقه: يعني اليد للبطش، والرجل للمشي، واللسان للنطق، والعين للنظر، والأذن للسمع.","part":5,"page":276},{"id":1949,"text":"وقال سعيد بن جبير: { أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ } يعني زوج، للإنسان المرأة، وللبعير الناقة، وللحمار الأتان، وللفرس الرمكة. { ثُمَّ هَدَى } أي: ألهمه كيف يأتي الذكر الأنثى (1) .\r{ قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأولَى (51) }\r__________\r(1) انظر هذه الأقوال في : الطبري: 16 / 171 - 172، الدر المنثور: 5 / 581 - 582. وقد اختار الطبري أن المعنى: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه في الصورة والهيئة، كالذكور من بني آدم، أعطاهم نظير خلقهم من الإناث أزواجا، وكالذكور من البهائم أعطاها نظير خلقها، وفي صورتها وهيئتها من الإناث أزواجا، فلم يعط الإنسان خلاف خلقه، فيزوجه بالإناث من البهائم، ولا البهائم بالإناث من الجن، ثم هداهم للمأتى الذي منه النسل والنما كيف يأتيه، ولسائر منافعه من المطاعم والمشارب وغير ذلك،. . لأنه سبحانه لا يعطى المعطى لنفسه، بل إنما يعطي ما هو غيره، لأن العطية تقتضي المعطي والعطية والمعطي، ولا تكون العطية هي المعطى، وإذا لم تكن هي هو، وكانت غيره، وكانت صورة كل خلق بعض أجزائه، كان معلوما أنه إذا قيل: أعطى الإنسان صورته إنما يعني أنه أعطى بعض المعاني التي به مع غيره دعي إنسانا. وإن كان هذا الذي اختاره الطبري رحمه الله لا ينفي إرادة بعض المعاني الأخرى التي تدل عليها الآية كما في قول الضحاك. والله أعلم.","part":5,"page":277},{"id":1950,"text":"{ قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى (52) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا وَأَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53) }\r{ قَالَ } فرعون: { فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأولَى } ومعنى \"البال\": الحال، أي: ما حال القرون الماضية والأمم الخالية، مثل قوم نوح وعاد وثمود فيما تدعونني إليه (1) فإنها كانت تعبد الأوثان وتنكر البعث؟ . { قَالَ } موسى: { عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي } أي: أعمالهم محفوظة عند الله يجازي بها.\rوقيل: إنما رد موسى علم ذلك إلى الله لأنه لم يعلم ذلك، فإن التوراة أنزلت بعد هلاك فرعون وقومه.\r{ فِي كِتَابٍ } يعني: في اللوح المحفوظ، { لا يَضِلُّ رَبِّي } أي: لا +يخطئ. وقيل: لا يضل (2) عنه شيء ولا يغيب عن شيء، { وَلا يَنْسَى } [أي: لا يخطيء] (3) ما كان من أمرهم حتى يجازيهم بأعمالهم. وقيل: لا ينسى أي: لا يترك، فينتقم من الكافر ويجازي المؤمن. { الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا } قرأ أهل الكوفة: { مَهْدًا } ها هنا، وفي الزخرف، فيكون مصدرا، أي: فرشا، وقرأ الآخرون: \"مهادا \" ، كقوله تعالى: \"ألم نجعل الأرض مهادا\"( النبأ: 16 ) ، أي: فراشا وهو اسم لما يفرش، كالبساط: اسم لما يبسط.\r__________\r(1) في \"ب\" تدعواني إليه.\r(2) في \"ب\" : لا يغيب.\r(3) ساقط من \"أ\".","part":5,"page":277},{"id":1951,"text":"{ وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا } [السلك: إدخال الشيء في الشيء، والمعنى: أدخل في الأرض لأجلكم طرقا تسلكونها] (1) قال ابن عباس: سهل لكم فيها طرقا تسلكونها.\r{ وَأَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً } يعني: المطر.\rتم الإخبار عن موسى، ثم أخبر الله عن نفسه بقوله: { فَأَخْرَجْنَا بِهِ } بذلك الماء { أَزْوَاجًا } أصنافا، { مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى } مختلف الألوان والطعوم والمنافع من بين أبيض وأحمر وأخضر وأصفر، فكل صنف منها زوج، فمنها للناس ومنها للدواب.\r{ كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأولِي النُّهَى (54) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (55) }\r{ كُلُوا وَارْعَوْا } [أي وارتعوا] (2) { أَنْعَامَكُمْ } تقول العرب: رعيت الغنم فرعت، أي: أسيموا أنعامكم ترعى.\r{ إِنَّ فِي ذَلِكَ } الذي ذكرت، { لآيَاتٍ لأولِي النُّهَى } لذوي العقول، واحدتها: \"نهية سميت نهية لأنها تنهى صاحبها عن القبائح والمعاصي .\rقال الضحاك: { لأولِي النُّهَى } الذين ينتهون عما حرم عليهم.\rقال قتادة: لذوي الورع. { مِنْهَا } أي من الأرض، { خَلَقْنَاكُمْ } يعني أباكم آدم.\rوقال 12/ب عطاء الخراساني (3) إن الملك ينطلق فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذره على النطفة فيخلق الله من التراب ومن النطفة (4) فذلك قوله تعالى: { مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ } أي:\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) أخرجه عبد بن حميد، وابن المنذر. انظر: الدر المنثور: 5 / 584. قال الشيخ الشنقيطي في \"أضواء البيان\" : (5 / 524) وهذا القول خلاف التحقيق، لأن القرآن يدل على أن مرحلة النطفة بعد مرحلة التراب بمهلة؛ فهي غير مقارنة لها ، بدليل الترتيب بينهما بـ \"ثم\" في قوله تعالى: \"يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة\".\r(4) قال الطبري: (16 / 175): من الأرض خلقناكم أيها الناس، فأنشأناكم أجساما ناطقة، وفي الأرض نعيدكم بعد مماتكم فنصيركم ترابا، كما كنتم قبل إنشائنا لكم، بشرا سويا.","part":5,"page":278},{"id":1952,"text":"عند الموت والدفن، { وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى } يوم البعث.\r{ وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (56) قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (57) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (58) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59) }\rقوله عز وجل: { وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ } يعني فرعون، { آيَاتِنَا كُلَّهَا } يعني: الآيات التسع التي أعطاها الله موسى، { فَكَذَّبَ } بها وزعم أنها سحر، { وَأَبَى } أن يسلم. { قَالَ } يعني فرعون { أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا } يعني: مصر، { بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى } أي: تريد أن تغلب على ديارنا فيكون لك الملك وتخرجنا منها. { فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا } أي: فاضرب بيننا أجلا وميقاتا، { لا نُخْلِفُهُ } [قرأ أبو جعفر \"لا نخلفه\" بجزم، لا نجاوزه] (1) { نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى } قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة ويعقوب: \"سوى \" بضم السين، وقرأ الآخرون بكسرها، وهما لغتان مثل: عدى وعدى وطوى وطوى.\rقال مقاتل وقتادة: مكانا عدلا بيننا وبينك.\rوعن ابن عباس: نصفا، ومعناه: تستوي مسافة الفريقين إليه.\rقال مجاهد: منصفا. وقال الكلبي: يعني سوى هذا المكان. { قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ } قال مجاهد، وقتادة، ومقاتل، والسدي: كان يوم عيد لهم، يتزينون فيه، ويجتمعون في كل سنة. وقيل: هو يوم النيروز.\rوقال ابن عباس وسعيد بن جبير: يوم عاشوراء (2) .\r{ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى } أي: وقت الضحوة نهارا جهارا، ليكون أبعد من الريبة.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) انظر هذه الأقوال في: الطبري: 16 / 177، الدر المنثور: 5 / 584 - 585.","part":5,"page":279},{"id":1953,"text":"{ فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (60) قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (61) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (63) }\r{ فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ } مكره وحيلته وسحرته، { ثُمَّ أَتَى } الميعاد. { قَالَ لَهُمْ مُوسَى } يعني: للسحرة الذين جمعهم فرعون، وكانوا اثنين وسبعين ساحرا، مع كل واحد حبل وعصا.\rوقيل: كانوا أربعمائة. وقال كعب: كانوا اثني عشر ألفا. وقيل أكثر من ذلك.\r{ وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ } قرأ حمزة والكسائي وحفص: { فَيُسْحِتَكُمْ } بضم الياء وكسر الحاء، وقرأ الباقون بفتح الياء والحاء وهما لغتان (1) . قال مقاتل والكلبي: فيهلككم. وقال قتادة: فيستأصلكم، { وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى } { فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ } أي : تناظروا وتشاوروا، يعني السحرة في أمر موسى سرا من فرعون.\rقال الكلبي: قالوا سرا: إن غلبنا موسى اتبعناه.\rوقال محمد بن إسحاق: لما قال لهم موسى : لا تفتروا على الله كذبا، قال بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر.\r{ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى } أي المناجاة، يكون مصدرا واسما، ثم { قَالَوا } وأسر بعضهم إلى بعض يتناجون: { إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ } يعني موسى وهارون .\rقرأ ابن كثير وحفص: { إِنْ } بتخفيف النون، { هَذَانِ } أي ما هذان إلا ساحران، كقوله: \"إن نظنك لمن الكاذبين\" (الشعراء: 186) ، أي ما نظنك إلا من الكاذبين، ويشدد ابن كثير النون من \"هذان\" .\rوقرأ أبو عمرو \"إن \" بتشديد النون \" هذين \" بالياء على الأصل.\rوقرأ الآخرون: \"إن \" بتشديد النون، \" هذان \" بالألف، واختلفوا فيه:\r__________\r(1) وعلى الأولى من \"أسحت\" رباعيا، والثانية من \"سحت\" ثلاثيا.","part":5,"page":280},{"id":1954,"text":"فروى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أنه خطأ من الكاتب (1) .\rوقال قوم: هذه لغة الحارث بن كعب، وخثعم، وكنانة، فإنهم يجعلون الاثنين في الرفع والنصب والخفض بالألف، يقولون: أتاني الزيدان [ورأيت الزيدان] (2) ومررت بالزيدان، [فلا يتركون] (3) ألف التثنية في شيء منها (4) وكذلك يجعلون كل ياء ساكنة انفتح ما قبلها ألفا، كما في التثنية، يقولون: كسرت يداه وركبت علاه، يعني يديه وعليه. وقال شاعرهم (5) تزود مني بين أذناه ضربة ... دعته إلى هابي التراب عقيم\rيريد بين أذنيه.\rوقال آخر (6) إن أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها\r__________\r(1) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في \"مجموع الفتاوى\": 15 / 252 - 256: \" وهذا الكلام ممتنع لوجوه: منها: تعدد المصاحف واجتماع جماعة على كل مصحف، ثم وصول كل مصحف إلى بلد كبير فيه كثير من الصحابة والتابعين +يقرءون القرآن، ويعتبرون ذلك بحفظهم، والإنسان إذا نسخ مصحفا غلط في بعضه عرف غلطه بمخالفة حفظة القرآن وسائر المصاحف، فلو قدر أنه كتب كاتب مصحفا ثم نسخ سائر الناس منه من غير اعتبار للأول والثاني أمكن وقوع +الغلظ في هذا، وهنا كل مصحف إنما كتبه جماعة، ووقف عليه خلق عظيم ممن يحصل التواتر بأقل منهم، ولو قدر أن الصحيفة كان فيها لحن فقد كتب منها جماعة لا يكتبون إلا بلسان قريش، ولم يكن لحنا، فامتنعوا أن يكتبوه بلسان قريش، فكيف يتفقون كلهم على أن يكتبوا: \"إن هذان\" وهم يعلمون أن ذلك لحن لا يجوز في شيء من لغاتهم، كما زعم بعضهم؟!... وأيضا: فإن القراء إنما قرأوا بما سمعوه من غيرهم، والمسلمون كانوا +يقرءون سورة \"طه\" على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وهي من أول ما نزل من القرآن، وهي مكية باتفاق الناس. . فالصحابة لابد أن +قرءوا هذا الحرف، ومن الممتنع أن يكونوا كلهم +قرءوه بالياء كأبي عمرو، فإنه لو كان كذلك لم يقرأها أحد إلا بالياء فعلم أنهم أو غالبهم كانوا +يقرءونها بالألف كما قرأها الجمهور. . . فهذا مما يعلم به قطعا أن عامة الصحابة إنما +قرءوها بالألف كما قرأ الجمهور، وكما هو مكتوب. . . \". وانظر فيما سبق تعليقا: 2 / 309 - 310 والمراجع المشار إليها هناك، وراجع: زاد المسير: 5 / 251 - 252.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) ساقط من: \"أ\".\r(4) وهذه اللغة وافقتها لغة قريش. وانظر بالتفصيل والشواهد الشعرية في : تفسير الطبري: 16 / 180 - 181، والبحر المحيط: 6 / 255، زاد المسير لابن الجوزي: 5 / 298، التبيان في إعراب القرآن للعكبري: 2 / 895، شرح الكافية الشافية لابن مالك الطائي: 1 / 188 - 190.\r(5) تفسير القرطبي: 11 / 217.\r(6) ينسب هذا الرجز إلى أبي النجم العجلي (الفضل بن قدامة) كما ينسب إلى رؤية بن العجاج، وأنشده أبو زيد في \"نوادر اللغة\". عن المفضل الضبي قال: أنشدني أبو الغول لبعض أهل اليمن. . . انظر: شرح الكافية الشافية، لابن مالك: 1 / 184 مع التعليق.","part":5,"page":281},{"id":1955,"text":"وقيل: تقدير الآية: إنه هذان، فحذف الهاء (1) .\rوذهب جماعة إلى أن حرف \"أن\" هاهنا، بمعنى نعم، أي نعم هذان (2) روى أن أعرابيا سأل ابن الزبير شيئا فحرمه، فقال: لعن الله ناقة حملتني إليك، فقال ابن الزبير: إن وصاحبها، أي نعم.\rوقال الشاعر (3) بكرت عليَّ عواذلي ... يلحينني وألومهنه\rويقلن شيب قد علا ... ك وقد كبرت فقلت إنه\rأي: نعم.\r{ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ } مصر (4) { بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى } قال ابن عباس: يعني بسراة قومكم وأشرافكم، يقال: هؤلاء طريقة قومهم أي أشرافهم (5) و { الْمُثْلَى } تأنيث \"الأمثل\"، وهو الأفضل، حديث الشعبي عن علي، قال: يصرفان وجوه الناس إليهما (6) .\rقال قتادة: طريقتهم المثلى يومئذ بنو إسرائيل كانوا أكثر القوم عددا وأموالا فقال عدو الله: يريدان أن يذهبا بهم لأنفسهم (7) .\rوقيل: { بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى } أي بسنتكم ودينكم الذي أنتم عليه (8) و { الْمُثْلَى } نعت الطريقة، تقول العرب: فلان على الطريقة المثلى، يعني: على الهدى المستقيم.\r__________\r(1) انظر : التبيان في إعراب القرآن، للعكبري: 2 / 895، البحر المحيط، 6 / 255.\r(2) قال أبو حيان: (6 / 255): ثبت ذلك في اللغة، فتحمل الآية عليه، و\"هذان لساحران\" مبتدأ وخبر وانظر زاد المسير: 5 / 399.\r(3) هو عبد الله بن قيس الرقيات. انظر: القرطبي: 11 / 218.\r(4) ساقط من \"ب\".\r(5) الطبري: 16 / 183.\r(6) الطبري: 16 / 183.\r(7) الطبري: 16 / 183.\r(8) رواه الطبري عن ابن زيد: (16 / 183)، وقال: وإن كان له وجه يحتمل الكلام، فإن تأويل أهل التأويل خلافه ، فلا أستجيز لذلك القول به.","part":5,"page":282},{"id":1956,"text":"{ فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (64) }","part":5,"page":283},{"id":1957,"text":"{ قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67) }\r{ فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ } قرأ أبو عمرو: \" فأجمعوا \" بوصل الألف وفتح الميم، من الجمع، أي لا تدعوا شيئا من كيدكم إلا جئتم به، بدليل قوله: \"فجمع كيده\"، وقرأ الآخرون بقطع الألف وكسر الميم. فقد قيل: معناه الجمع أيضا ، تقول العرب: أجمعت الشيء وجمعته بمعنى واحد.\rوالصحيح أن معناه العزم والإحكام، أي: أعزموا كلكم على كيده مجتمعين له، ولا تختلفوا فيختل أمركم.\r{ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا } أي جميعا، قاله مقاتل والكلبي، وقال قوم: أي مصطفين مجتمعين ليكون أشد لهيبتكم، وقال أبو عبيدة: الصف المجمع، ويسمى المصلى صفا. معناه: ثم ائتوا المكان الموعود.\r{ وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى } أي: فاز من غلب. { قَالَوا } يعني السحرة، { يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ } عصاك، { وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى } عصاه. { قَالَ } موسى: { بَلْ أَلْقُوا } أنتم أولا { فَإِذَا حِبَالُهُمْ } وفيه إضمار، أي فألقوا فإذا حبالهم { وَعِصِيُّهُمْ } جمع العصا، { يُخَيَّلُ إِلَيْهِ } قرأ ابن عامر ويعقوب \"تخيل\" بالتاء ردا إلى الحبال والعصي، وقرأ الآخرون بالياء ردوه إلى الكيد والسحر، { مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى }\rوفي القصة أنهم لما ألقوا الحبال والعصي أخذوا أعين الناس، فرأى موسى والقوم كأن الأرض امتلأت حيات، وكانت قد أخذت ميلا من كل جانب ورأوا أنها تسعى (1) . { فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى } أي وجد، وقيل: أضمر في نفسه خوفا، واختلفوا في خوفه: قيل: خوف طبع البشرية، وذلك أنه ظن أنها تقصده.\rوقال مقاتل: خاف على القوم أن يلتبس عليهم الأمر فيشكوا في أمره فلا يتبعوه.\r__________\r(1) ذكره الطبري: عن وهب بن منبه: 16 / 186.","part":5,"page":283},{"id":1958,"text":"{ قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأعْلَى (68) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) }\r{ قُلْنَا } لموسى: { لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأعْلَى } أي: الغالب، يعني: لك الغلبة والظفر. { وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ } يعني العصا، { تَلْقَفْ } تلتقم وتبتلع، { مَا صَنَعُوا } قرأ ابن عامر \"تلقف\" برفع الفاء هاهنا، وقرأ الآخرون بالجزم على جواب الأمر، { إِنَّمَا صَنَعُوا } إن الذي صنعوا، { كَيْدُ سَاحِرٍ } أي حيلة سحر، هكذا قرأ حمزة والكسائي: بكسر السين بلا ألف (1) ، وقرأ الآخرون: \"ساحر\" لأن إضافة الكيد 13/أ إلى الفاعل أولى من إضافته إلى الفعل، وإن كان ذلك لا يمتنع في العربية، { وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى } من الأرض، قال ابن عباس: لا يسعد حيث كان. وقيل: معناه حيث احتال. { فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ } لرئيسكم ومعلمكم، { الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ } أي: على جذوع النخل (2) { وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا } ؛ أنا على إيمانكم به، أو رب موسى على ترك الإيمان به؟ { وَأَبْقَى } أي: أدوم. { قَالُوا } يعني السحرة: { لَنْ نُؤْثِرَكَ } لن نختارك، { عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ }\r__________\r(1) وهذا إشارة إلى أن المصنف رحمه الله فسر الآية أولا على قراءة \"كيد ساحر\" بدليل ما بعده .\r(2) كما قال الشاعر (سويد بن أبي كاهل اليشكري): هم صلبوا العبدي في جذع نخلة ... بنات فلا عطست شيبان إلا بأجدعا\rيعني: على جذع نخلة. وإنما قيل: \"في جذوع\" لأن المصلوب على الخشبة يرفع في طولها، ثم يصير عليها، فيقال: صلب عليها. انظر تفسير الطبري: 16 / 188.","part":5,"page":284},{"id":1959,"text":"يعني الدلالات، قال مقاتل: يعني اليد البيضاء (1) والعصا.\rوقيل: كان استدلالهم أنهم قالوا لو كان هذا سحرا فأين حبالنا وعصينا.\rوقيل: { مِنَ الْبَيِّنَاتِ } يعني من التبيين والعلم.\rحكي عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: إنهم لما ألقوا سجدا ما رفعوا رءوسهم حتى رأوا الجنة والنار، ورأوا ثواب أهلها، ورأوا منازلهم في الجنة، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، { وَالَّذِي فَطَرَنَا } أي: لن نؤثرك على الله الذي فطرنا، وقيل: هو قسم، { فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ } أي: فاصنع ما أنت صانع، { إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } أي: أمرك وسلطانك في الدنيا وسيزول عن قريب.\r{ إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73) }\r{ إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ } فإن قيل: كيف قالوا هذا، وقد جاءوا مختارين يحلفون بعزة فرعون أن لهم الغلبة؟.\rقيل: روي عن الحسن أنه قال: كان فرعون يكره قوما على تعلم السحر لكيلا يذهب أصله، وقد كان أكرههم في الابتداء.\rوقال مقاتل: كانت السحرة اثنين وسبعين، اثنان من القبط وسبعون من بني إسرائيل، كان فرعون أكره الذين هم من بني إسرائيل على تعلم السحر، فذلك قولهم: { وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ }\rوقال عبد العزيز بن أبان: قالت السحرة لفرعون: أرنا موسى إذا نام، فأراهم موسى نائما وعصاه تحرسه، فقالوا لفرعون إن هذا ليس بساحر، إن الساحر إذا نام بطل سحره، فأبى عليهم إلا أن يتعلموا، فذلك قوله تعالى: { وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ }\r{ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى } قال محمد بن إسحاق: خير منك ثوابا، وأبقى عقابا.\rوقال محمد بن كعب: خير منك ثوابا (2) إن أطيع، وأبقى منك عذابا إن عصى، وهذا جواب لقوله: \"ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى\".\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) ساقط من \"أ\" .","part":5,"page":285},{"id":1960,"text":"{ إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلا (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (76) }","part":5,"page":286},{"id":1961,"text":"{ وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى (77) }\r{ إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا } قيل: هذا ابتداء كلام من الله تعالى . وقيل: من تمام قول السحرة { مُجْرِمًا } أي: مشركا، يعني: مات على الشرك، { فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا } فيستريح، { وَلا يَحْيَا } حياة ينتفع بها. { وَمَنْ يَأْتِهِ } قرأ أبو عمرو ساكنة الهاء ويختلسها أبو +جعفر، وقالون ويعقوب، وقرأ الآخرون بالإشباع، { مُؤْمِنًا } مات على الإيمان ، { قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلا } الرفيعة، و { الْعُلا } جمع، و \"العليا\" تأنيث الأعلى. { جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى } أي: تطهر من الذنوب. وقال الكلبي: أعطى زكاة نفسه وقال لا إله إلا الله.\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبيد السمسار، أخبرنا أبو أحمد حمزة بن محمد بن عباس الدهقان، أخبرنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي، أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الدري في أفق من آفاق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما\" (1) قوله عز وجل: { وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي } أي: سر بهم ليلا من أرض مصر، { فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ } أي اجعل لهم طريقا في البحر بالضرب بالعصا، { يَبَسًا } يابسا ليس فيه ماء ولا طين، وذلك أن الله أيبس لهم الطريق في البحر، { لا تَخَافُ دَرَكًا } قرأ حمزة\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الحروف: 6 / 8 ، والترمذي في المناقب، مناقب أبي بكر رضي الله عنه: 10 / 141 ، 142، وقال: \"هذا حديث حسن\"، ابن ماجه في المقدمة، باب فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم برقم (96) 1 / 37، والإمام أحمد في المسند: 3 / 27، وأشار إليه الدارمي في الرقاق، باب في غرف الجنة: 2 / 336. والمصنف في شرح السنة: 14 / 99، وفيه عطية العوفي، وقد تابعه أبو الوداك عند الإمام أحمد: 3 / 26.","part":5,"page":286},{"id":1962,"text":"\"لا تخف\" بالجزم على النهي، والباقون بالألف والرفع على النفي، لقوله تعالى: { وَلا تَخْشَى } قيل: لا تخاف أن يدركك فرعون من ورائك ولا تخشى أن يغرقك البحر أمامك.\r{ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ وَنزلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (81) }\r{ فَأَتْبَعَهُمْ } فلحقهم، { فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ } وقيل: معناه أمر فرعون جنوده أن يتبعوا موسى وقومه، والباء فيه زائدة وكان هو فيهم، { فَغَشِيَهُمْ } أصابهم، { مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ } وهو الغرق. [وقيل: غشيهم علاهم وسترهم بعض ماء اليم لا كله] (1) .\rوقيل: غشيهم من اليم ما غشيهم قوم موسى فغرقهم هم ، ونجا موسى وقومه. { وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى } أي: ما أرشدهم، وهذا تكذيب لفرعون في قوله: \"وما أهديكم إلا سبيل الرشاد\" (غافر : 29) . . قوله عز وجل : { يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ } فرعون، { وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ وَنزلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى } { كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ } قرأ حمزة والكسائي: \"أنجيتكم\"، و \"واعدتكم\"، و \"رزقتكم\" بالتاء على التوحيد، وقرأ الآخرون بالنون والألف على التعظيم، ولم يختلفوا في { وَنزلْنَا } لأنه مكتوب بالألف.\r{ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ } قال ابن عباس: لا تظلموا (2) . قال الكلبي: لا تكفروا النعمة فتكونوا طاغين.\rوقيل: لا تنفقوا في معصيتي.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) لم يذكر الطبري غير هذا القول، وأعرض من سائر الأقوال التي لا يساعد عليها السياق.","part":5,"page":287},{"id":1963,"text":"وقيل: لا تدخروا، ثم ادخروا فتدود، { فَيَحِلَّ } قرأ الأعمش، والكسائي: \"فيحل\" بضم الحاء \"ومن يحلل\" بضم اللام، أي: ينزل، وقرأ الآخرون بكسرها أي: يجب، { عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى } هلك وتردى في النار.\r{ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82) وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85) }\r{ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ } قال ابن عباس: تاب من الشرك، { وَآمَنَ } ووحد الله وصدقه، { وَعَمِلَ صَالِحًا } أدى الفرائض، { ثُمَّ اهْتَدَى } قال عطاء عن ابن عباس: علم أن ذلك توفيق من الله.\rوقال قتادة وسفيان الثوري: يعني لزم الإسلام حتى مات عليه.\rقال الشعبي، ومقاتل، والكلبي: علم أن لذلك ثوابا.\rوقال زيد بن أسلم: تعلم العلم ليهتدي به كيف يعمل.\rقال الضحاك: استقام. وقال سعيد بن جبير: أقام على السنة والجماعة (1) . { وَمَا أَعْجَلَكَ } أي: وما حملك على العجلة، { عَنْ قَوْمِكَ } وذلك أن موسى اختار من قومه سبعين رجلا حتى يذهبوا معه إلى الطور، ليأخذوا التوراة، فسار بهم ثم عجل موسى من بينهم شوقا إلى ربه عز وجل، وخلف السبعين، وأمرهم أن يتبعوه إلى الجبل، فقال الله تعالى له: { وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى } { قَالَ } مجيبا لربه تعالى: { هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي } أي: هم بالقرب مني يأتون من بعدي، { وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى } لتزداد رضا. { قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ } أي: ابتلينا الذين خلفتهم مع هارون، وكانوا ستمائة ألف، فافتتنوا بالعجل غير اثني عشر ألفا { مِنْ بَعْدِكَ } أي: من بعد انطلاقك إلى الجبل .\r__________\r(1) ذكر الطبري هذه الأقوال في التفسير: 16 / 194 - 195 واختار أن معنى قوله تعالى: \"ثم اهتدى\": يقول: ثم لزم ذلك فاستقام ولم يصنع شيئا منه، من أجل أن الاهتداء هو الاستقامة على هدى، ولا معنى للاستقامة عليه إلا وقد جمعه الإيمان والعمل الصالح والتوبة، فمن فعل ذلك وثبت عليه، فلا شك في اهتدائه.","part":5,"page":288},{"id":1964,"text":"{ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ } أي: دعاهم وصرفهم إلى 13/ب عبادة العجل وأضافه إلى السامري لأنهم ضلوا بسببه.\r{ فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (86) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (87) }\r{ فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا } حزينا. { قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا } صدقا أنه يعطيكم التوراة، { أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ } مدة مفارقتي إياكم، { أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ } ن أي: أردتم أن تفعلوا فعلا يجب عليكم به الغضب من ربكم، { فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي } { قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا } قرأ نافع، وأبو جعفر، وعاصم: \"بملكنا \" بفتح الميم، وقرأ حمزة والكسائي بضمها، وقرأ الآخرون بكسرها، أي: ونحن نملك أمرنا. وقيل: باختيارنا، ومن قرأ بالضم فمعناه بقدرتنا وسلطاننا، وذلك أن المرء إذا وقع في البلية والفتنة لم يملك نفسه.\r{ وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا } قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر، ويعقوب: \"حملنا\" بفتح الحاء، وتخفيف الميم. وقرأ الآخرون بضم الحاء وتشديد الميم، أي: جعلونا نحملها وكلفنا حملها، { أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ } من حلي قوم فرعون، سماها أوزارا لأنهم أخذوها على وجه العارية فلم يردوها. وذلك أن بني إسرائيل كانوا قد استعاروا حليا من القبط، وكان ذلك معهم حين خرجوا من مصر.\rوقيل: إن الله تعالى لما أغرق فرعون نبذ البحر حليهم فأخذوها، وكانت غنيمة، ولم تكن الغنيمة حلالا لهم في ذلك الزمان، فسماها أوزارا لذلك.\r{ فَقَذَفْنَاهَا } قيل: إن السامري قال لهم احفروا حفيرة فألقوها فيها حتى يرجع موسى.\rقال السدي (1) قال لهم هارون إن تلك غنيمة لا تحل، فاحفروا حفيرة فألقوها فيها حتى يرجع\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".","part":5,"page":289},{"id":1965,"text":"موسى، فيرى رأيه فيها، ففعلوا (1) . قوله: { فَقَذَفْنَاهَا } أي: طرحناها في الحفرة. { فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ } ما معه من الحلي فيها، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: أوقد هارون نارا وقال: اقذفوا فيها ما معكم، فألقوه فيها، ثم ألقى السامري ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل (2) .\rقال قتادة: كان قد أخذ قبضة من ذلك التراب في عمامته.\r__________\r(1) انظر: الطبري: 16 / 200.\r(2) انظر: الطبري: 16 / 201.","part":5,"page":290},{"id":1966,"text":"{ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (88) أَفَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا (89) وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (91) }\r{ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ } أي: تركه موسى هاهنا، وذهب يطلبه. وقيل: أخطأ الطريق وضل (1) . قال الله تعالى: { أَفَلا يَرَوْنَ أَلا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلا } أي: لا يرون أن العجل لا يكلمهم ولايجيبهم إذا دعوه، { وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا } وقيل: إن هارون مر على السامري وهو يصوغ العجل فقال له: ما هذا؟ قال: أصنع ما ينفع ولا يضر فادع لي، فقال هارون: اللهم أعطه ما سألك على ما في نفسه، فألقى التراب في فم العجل وقال كن عجلا يخور فكان كذلك بدعوة هارون (2) .\rوالحقيقة أن ذلك كان فتنة ابتلى الله بها بني إسرائيل. { وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ } من قبل رجوع موسى، { يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ } ابتليتم بالعجل، { وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي } على ديني في عبادة الله، { وَأَطِيعُوا أَمْرِي } في ترك عبادة العجل. { قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ } أي لن نزال، { عَلَيْهِ } على عبادته، { عَاكِفِينَ } مقيمين، { حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى } فاعتزلهم هارون في اثني عشر ألفا من الذين لم يعبدوا العجل، فلما رجع موسى\r__________\r(1) انظر: الطبري: 16 / 201.\r(2) انظر فيما سبق: 5 / 271 تخريج حديث \"الفتون\": وراجع تفسير ابن كثير: 3 / 163.","part":5,"page":290},{"id":1967,"text":"وسمع الصياح والجلبة وكانوا يرقصون حول العجل، قال للسبعين الذين معه: هذا صوت الفتنة، فلما رأى هارون أخذ شعر رأسه بيمينه ولحيته بشماله.\r{ قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلا تَتَّبِعَنِي أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94) قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) }\r{ قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا } أشركوا . { أَلا تَتَّبِعَنِي } أي: أن تتبعني و \" لا \" صلة أي تتبع أمري ووصيتي، يعني: هلا قاتلتهم وقد علمت أني لو كنت فيهم لقاتلتهم على كفرهم.\rوقيل: \"أن لا تتبعني\" أي: ما منعك من اللحوق بي وإخباري بضلالتهم، فتكون مفارقتك إياهم زجرا لهم عما أتوه، { أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي } أي خالفت أمري. { قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي } أي بشعر رأسي وكان قد أخذ ذوائبه، { إِنِّي خَشِيتُ } لو أنكرت عليهم لصاروا حزبين يقتل بعضهم بعضا، { أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } أي خشيت إن فارقتهم واتبعتك صاروا أحزابا يتقاتلون، فتقول أنت فرقت بين بني إسرائيل (1) { وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي } ولم تحفظ وصيتي حين قلت لك اخلفني في قومي، وأصلح أي ارفق بهم (2) ثم أقبل موسى على السامري { قَالَ فَمَا خَطْبُكَ } ما أمرك وشأنك؟ وما الذي حملك على ما صنعت؟ { يَا سَامِرِيُّ } { قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ } رأيت ما لم يروا وعرفت ما لم يعرفوا.\r__________\r(1) ذكر الطبري في التفسير: (16 / 204) أقوالا أخر زيادة على ما ذكر المصنف ورجح ما نسبه إلى ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن موسى عذل أخاه هارون على تركه اتباع أمره بمن اتبعه من أهل الإيمان، فقال له هارون: إني خشيت أن تقول: فرقت بين جماعتهم، فتركت بعضهم ورائي، وجئت ببعضهم. وانظر زاد المسير: 5 / 316.\r(2) انظر: الطبري: 16 / 204، الدر المنثور: 6 / 596.","part":5,"page":291},{"id":1968,"text":"قرأ حمزة والكسائي: \" ما لم تبصروا \" بالتاء على الخطاب، وقرأ الآخرون بالياء على الخبر.\r{ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ } أي من تراب أثر فرس جبريل، { فَنَبَذْتُهَا } أي ألقيتها في فم العجل.\rوقال بعضهم: إنما خار لهذا لأن التراب كان مأخوذا من تحت حافر فرس جبريل.\rفإن قيل: كيف عرفه ورأى جبريل من بين سائر الناس؟ .\rقيل: لأن أمه لما ولدته في السنة التي يقتل فيها البنون وضعته في الكهف حذرا عليه، فبعث الله جبريل ليربيه لما قضى على يديه من الفتنة (1) .\r{ وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ } أي زينت (2) { لِي نَفْسِي }\r{ قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97) }\r{ قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ } أي: ما دمت حيا، { أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ } أي: لا تخالط أحدا، ولا يخالطك أحد، وأمر موسى بني إسرائيل أن لا يخالطوه، ولا يقربوه.\rقال ابن عباس: لا مساس لك ولولدك، و \"المساس\" من المماسة، معناه: لا يمس بعضنا بعضا، فصار السامري يهيم في البرية مع الوحوش والسباع، لا يمس أحدا ولا يمسه أحد، عاقبه الله بذلك، وكان إذا لقي أحدا يقول: \"لا مساس\"، أي: لا تقربني ولا تمسني.\rوقيل: كان إذا مس أحدا أو مسه أحد حما جميعا حتى أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك، وإذا مس أحد من غيرهم أحدا منهم حما جميعا في الوقت (3) .\r{ وَإِنَّ لَكَ } يا سامري، { مَوْعِدًا } لعذابك، { لَنْ تُخْلَفَهُ } قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: { لَنْ تُخْلَفَهُ } بكسر اللام أي لن تغيب عنه، ولا مذهب لك عنه، بل توافيه يوم القيامة، وقرأ الآخرون بفتح اللام أي لن تكذبه ولن يخلفك الله، ومعناه: أن الله تعالى يكافئك على فعلك\r__________\r(1) روى الطبري: 16 / 204 - 205 عن ابن جريج قال: لما قتل فرعون الوالدان قالت أم السامري : لو نحيته عني حتى لا أراه، ولا أدري قتله، فجعلته في غار، فأتى جبريل، فجعل كف نفسه في فيه، فجعل يرضعه العسل واللبن، فلم يزل يختلف إليه حتى عرفه، فمن ثم معرفته إياه حين قال: \"فقبضت قبضة من أثر الرسول\". وانظر القرطبي: 11 / 239 - 240.\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) انظر: القرطبي: 11 / 241، زاد المسير: 5 / 319.","part":5,"page":292},{"id":1969,"text":"ولا تفوته (1) .\r{ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ } بزعمك، { الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا } أي ظلت ودمت عليه مقيما تعبده، والعرب تقول: ظلت أفعل كذا بمعنى ظللت، ومستُ بمعنى مسست.\r{ لَنُحَرِّقَنَّهُ } بالنار، قرأ أبو جعفر بالتخفيف من الإحراق، { ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ } لنذرينه، { فِي الْيَمِّ } في البحر، { نَسْفًا } روي أن موسى أخذ العجل فذبحه فسال منه دم، لأنه كان قد صار لحما ودما (2) ثم حرقه بالنار، ثم ذراه في اليم، قرأ ابن محيصن: \"لنحرقنه\" بفتح النون وضم الراء لنبردنه بالمبرد، ومنه قيل للمبرد المحرق. وقال السدي: أخذ موسى العجل فذبحه ثم حرقه بالمبرد، ثم ذراه في اليم.\r{ إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (98) }\r__________\r(1) ذكره الطبري: القولين: 16 / 206 - 207 وقال: والقول عندي أنهما قراءتان مشهورتان متقاربتا المعنى، لأنه لا شك أن الله موف وعده لخلقه يحشرهم لموقف الحساب، وأن الخلق موافون ذلك اليوم، فلا الله مخلفهم ذلك، ولا هم مخلفوه بالتخلف عنه، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب في ذلك.\r(2) انظر: الدر المنثور 5 / 597 ، القرطبي : 11 / 242 - 243.","part":5,"page":293},{"id":1970,"text":"{ كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (99) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (100) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلا (101) }\r{ إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا } وسع علمه كل شيء. { كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ } من الأمور، { وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا } يعني القرآن. { مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ } أي: عن القرآن، فلم يؤمن به ولم يعمل بما فيه، { فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا } حملا ثقيلا من الإثم. { خَالِدِينَ فِيهِ } مقيمين في عذاب الوزر، { وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلا } 14/أ أي بئس ما حملوا على أنفسهم من الإثم كفرا بالقرآن.","part":5,"page":293},{"id":1971,"text":"{ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (102) يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا عَشْرًا (103) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا يَوْمًا (104) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) }\r{ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ } قرأ أبو عمرو \"ننفخ \" بالنون وفتحها وضم الفاء لقوله: \"ونحشر \" ، وقرأ الآخرون بالياء وضمها وفتح الفاء على غير تسمية الفاعل، { وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ } المشركين، { يَوْمَئِذٍ زُرْقًا } والزرقة: هي الخضرة: في سواد العين، فيحشرون زرق العيون سود الوجوه. وقيل: { زُرْقًا } (1) أي عميا. وقيل: عطاشا. { يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ } أي يتشاورون بينهم ويتكلمون خفية، { إِنْ لَبِثْتُمْ } أي ما مكثتم في الدنيا، { إِلا عَشْرًا } أي عشر ليال. وقيل: في القبور. وقيل: بين النفختين، وهو أربعون سنة؛ لأن العذاب يرفع عنهم بين النفختين. استقصروا مدة لبثهم لهول ما عاينوا (2) . قال الله تعالى: { نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ } أي يتسارون (3) بينهم، { إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً } أوفاهم عقلا وأعدلهم قولا { إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا يَوْمًا } قصر ذلك في أعينهم في جنب ما استقبلهم من أهوال يوم القيامة. وقيل: نسوا مقدار لبثهم لشدة ما دهمهم. قوله عز وجل: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا } قال ابن عباس: سأل رجل من ثقيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كيف تكون الجبال يوم القيامة؟ فأنزل الله هذه الآية (4) .\rوالنسف هو القلع، أي: يقلعها من أصلها ويجعلها هباء منثورا.\r{ فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا (107) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا (108) يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا (109) }\r{ فَيَذَرُهَا } أي: فيدع أماكن الجبال من الأرض، { قَاعًا صَفْصَفًا } أي: أرضا ملساء مستوية لا نبات فيها، و \"القاع\": ما انبسط من الأرض، و \"الصفصف\": الأملس.\r__________\r(1) أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ، أن رجلا أتاه فقال: أرأيت قوله: \"ونحشر المجرمين يومئذ زرقا\" وأخرى عميا؟ قال: إن يوم القيامة فيه حالات: يكونون في حال زرقا وفي حال عميا. الدر المنثور: 5 / 598. وانظر : تفسير الطبري: 16 / 210.\r(2) ذكر هذه الأقوال صاحب زاد المسير: 5 / 321. وذكر ابن جرير أنه اللبث في الدنيا، الطبري 16 / 211.\r(3) في \"ب\" يتشاورون.\r(4) انظر : روح المعاني: 16 / 261.","part":5,"page":294},{"id":1972,"text":"{ لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا } قال مجاهد: انخفاضا وارتفاعا.\rوقال الحسن: \"العوج\": ما انخفض من الأرض، و \"الأمت\": ما نشز من الروابي، أي: لا ترى واديا ولا رابية.\rقال قتادة: لا ترى فيها صدعا ولا أكمة (1) . { يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ } أي صوت الداعي الذي يدعوهم إلى موقف القيامة، وهو إسرافيل، وذلك أنه يضع الصور في فيه، ويقول: أيتها العظام البالية والجلود المتمزقة واللحوم المتفرقة هلموا إلى عرض الرحمن (2) .\r{ لا عِوَجَ لَهُ } أي: لدعائه، وهو من المقلوب، أي: لا عوج لهم عن دعاء الداعي، لا يزيغون عنه يمينا وشمالا ولا يقدرون عليه بل يتبعونه سراعا.\r{ وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ } أي: سكنت وذلت وخضعت، ووصف الأصوات بالخشوع والمراد أهلها، { فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا } يعني صوت وطء الأقدام إلى المحشر، و \"الهمس\": الصوت الخفي كصوت أخفاف الإبل في المشي. وقال مجاهد: هو تخافت الكلام وخفض الصوت.\rوروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: تحريك الشفاه من غير نطق (3) . { يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ } يعني: لا تنفع الشفاعة أحدا من الناس، { إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ }\r__________\r(1) ساق الطبري الأقوال في معنى \"عوجا ولا أمتا\" ، وقال: (16 / 213): \"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عني بالعوج: الميل، وذلك أن ذلك هو المعروف من كلام العرب. فإن قال قائل: وهل في الأرض اليوم من عوج؟ فيقال: لا ترى فيها يومئذ عوجا. قيل: إن معنى ذلك: ليس فيها أودية وموانع تمنع الناظر أو السائر فيها عن الأخذ على الاستقامة كما يحتاج اليوم من أخذ في بعض سبلها إلى الأخذ يمينا، وأحيانا شمالا، لما فيها من الجبال والأودية والبحار. وأما الأمت فإنه عند العرب: الانثناء والضعف. مسموع منهم، فالواجب إذا كان ذلك معنى \"الأمت\" عندهم أن يكون أصوب الأقوال في تأويله: ولا ارتفاع ولا انخفاض\".\r(2) انظر : روح المعاني 16 / 264، أضواء البيان: 4 / 516.\r(3) انظر تفصيلا في نسبة هذه الأقوال: ابن كثير 3 / 166 - 167، والطبري : 16 / 214 - 215، زاد المسير: 16 / 264، والبحر المحيط: 6 / 280.","part":5,"page":295},{"id":1973,"text":"يعني إلا من أذن له أن يشفع، { وَرَضِيَ لَهُ قَوْلا } يعني: ورضى قوله، قال ابن عباس، يعني: قال لا إله إلا الله (1) وهذا يدل على أنه لا يشفع غير المؤمن.\r{ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (111) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا (112) }\r{ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } الكناية راجعة إلى الذين يتبعون الداعي، أي يعلم الله { مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } مَا قَدَّمُوا { وَمَا خَلْفَهُمْ } وما خلفوا من أمر الدنيا.\rوقيل: { مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } مِنَ الآخِرَةِ { وَمَا خَلْفَهُمْ } من الأعمال.\r{ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } قيل: الكناية ترجع إلى \"ما\" أي: هو يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، وهم لا يعلمونه. وقيل: الكناية راجعة إلى الله لأن عباده لا يحيطون به علما. { وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ } ذلت (2) وخضعت، ومنه قيل للأسير: عان. وقال طلق بن حبيب: هو السجود على الجبهة للحي القيوم، { وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا } قال ابن عباس: خسر من أشرك بالله، والظلم هو الشرك. { وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ } قرأ ابن كثير \"فلا يخف \" مجزوما على النهي جوابا لقوله تعالى : { وَمَنْ يَعْمَلْ } وقرأ الآخرون { فَلا يَخَافُ } مرفوعا على الخبر، { ظُلْمًا وَلا هَضْمًا } قال ابن عباس: لا يخاف أن يزاد على في سيئاته، لا ينقص من حسناته.\rوقال الحسن: لا ينقص من ثواب حسناته ولا يحمل عليه ذنب مسيء (3) .\rوقال الضحاك: لا يؤخذ بذنب لم يعمله ولا تبطل حسنة عملها (4) وأصل الهضم: النقص والكسر، ومنه هضم الطعام.\r__________\r(1) انظر : روح المعاني : 16 / 265، البحر المحيط: 6 / 280.\r(2) زيادة من \"ب\" .\r(3) ذكره القولين ابن جرير 16 / 218، وأخرج السيوطي قول ابن عباس عن ابن المنذر وابن أبي حاتم ، الدر المنثور: 5 / 601.\r(4) انظر: زاد المسير: 5 / 324.","part":5,"page":296},{"id":1974,"text":"{ وَكَذَلِكَ أَنزلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (113) }","part":5,"page":297},{"id":1975,"text":"{ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114) وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115) }\r{ وَكَذَلِكَ } أي كما بينا في هذه السورة، { أَنزلْنَاهُ } يعني أنزلنا هذا الكتاب، { قُرْآنًا عَرَبِيًّا } يعني: بلسان العرب، { وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ } أي صرفنا القول فيه بذكر الوعيد، { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } أي يجتنبون الشرك، { أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا } أي يجدد لهم القرآن عبرة وعظة فيعتبروا ويتعظوا بذكر عقاب الله للأمم الخالية. { فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ } جل الله عن إلحاد الملحدين وعما يقوله المشركون، { وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ } أراد النبي صلى الله عليه وسلم، كان إذا نزل عليه جبريل بالقرآن يبادر فيقرأ معه، قبل أن يفرغ جبريل مما يريد من التلاوة، ومخافة الانفلات والنسيان، فنهاه الله عن ذلك (1) وقال: { وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ } أي لا تعجل بقراءته { مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ } أي من قبل أن يفرغ جبريل من الإبلاغ، نظيره قوله تعالى: \"لا تحرك به لسانك لتعجل به\" (سورة القيامة: 16) وقرأ يعقوب: \" نقضي \" بالنون وفتحها وكسر الضاد، وفتح الياء: \" وحيه \" بالنصب.\rقال مجاهد وقتادة: معناه لا تقرئه أصحابك، ولا تمله عليهم حتى يتبين لك معانيه (2) .\r{ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا } يعني بالقرآن ومعانيه. وقيل: علما إلى ما علمت.\rوكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال: اللهم رب زدني علما وإيمانا ويقينا (3) . قوله تعالى: { وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ } يعني: أمرناه وأوحينا إليه أن لا يأكل من الشجرة من قبل هؤلاء الذين نقضوا عهدك وتركوا الإيمان بي، وهم الذين ذكرهم الله في قوله تعالى: \"لعلهم يتقون\"، { فَنَسِيَ } فترك الأمر، والمعنى أنهم نقضوا العهد، فإن آدم أيضا عهدنا إليه فنسي، { وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا } قال الحسن لم نجد له صبرا عما نهي عنه. وقال عطية العوفي: حفظا\r__________\r(1) انظر: الدر المنثور 5 / 602، وقاله صاحب أضواء البيان 4 / 519.\r(2) انظر: زاد المسير 5 / 326.\r(3) عزاه السيوطي في الدر المنثور لسعيد بن منصور وعبد بن حميد عن ابن مسعود 5 / 605.","part":5,"page":297},{"id":1976,"text":"لما أمر به.\rوقال ابن قتيبة: رأيا معزوما حيث أطاع عدوه إبليس الذي حسده وأبى أن يسجد له. و \"العزم\" في اللغة: هو توطين النفس على الفعل.\rقال أبو أمامة الباهلي: لو وزن حلم آدم بحلم جميع ولده لرجح حلمه (1) وقد قال الله: \"ولم نجد له عزما\".\rفإن قيل: أتقولون إن آدم كان ناسيا لأمر الله حين أكل من الشجرة؟ .\rقيل: يجوز أن يكون نسي أمره، ولم يكن النسيان في ذلك الوقت مرفوعا عن الإنسان، بل كان مؤاخذا به، وإنما رفع عنا (2) .\rوقيل: نسي عقوبة الله وظن أنه نهي تنزيها.\r{ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى (116) فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117) }\rقوله تعالى: { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى } أن يسجد. { فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ } حواء ، { فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى } يعني: تتعب وتنصب، ويكون عيشك من كد يمينك بعرق جبينك. قال السدي: يعني الحرث والزرع والحصيد والطحن والخبيز.\rوعن سعيد 14/ب بن جبير: قال أهبط إلى آدم ثور أحمر، فكان يحرث عليه، ويمسح العرق عن جبينه، فذلك [شقاؤه (3) .\rولم يقل: \"فتشقيا\" رجوعا به إلى آدم، لأن تعبه أكثر فإن الرجل] (4) هو الساعي على زوجته.\r__________\r(1) ذكر بعض هذه الأقوال الطبري: (16 / 221 - 222) وقال: \"وأصل العزم اعتقاد القلب على الشيء يقال منه: عزم فلان على كذا: إذا اعتقد عليه ونواه، ومن اعتقاد القلب: حفظ الشيء، ومنه الصبر على الشيء، لأنه لا يجزع جازع إلا من خور قلبه وضعفه، فإذا كان ذلك كذلك، فلا معنى لذلك أبلغ مما بينه الله تبارك وتعالى، وهو قوله: \"ولم نجد له عزما\" فيكون تأويله: ولم نجد له عزما قلب على الوفاء لله بعهده، ولا على حفظ ما عهد إليه\".\r(2) انظر تفصيلا لهذا في أضواء البيان 4 / 520 - 522.\r(3) انظر: زاد المسير 5 / 328.\r(4) ساقط من \"أ\".","part":5,"page":298},{"id":1977,"text":"وقيل: لأجل رءوس الآي.\r{ إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى (119) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى (120) فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) }\r{ إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا } أي في الجنة { وَلا تَعْرَى } { وَأَنَّكَ } قرأ نافع وأبو بكر بكسر الألف على الاستئناف، وقرأ الآخرون بالفتح نسقا على قوله: { أَلا تَجُوعَ فِيهَا } { وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ } لا تعطش، { فِيهَا وَلا تَضْحَى } يعني: لا تبرز للشمس فيؤذيك حرها. وقال عكرمة: لا تصيبك الشمس وأذاها (1) لأنه ليس في الجنة شمس، وأهلها في ظل ممدود. { فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ } يعني على شجرة إن أكلت منها بقيت مخلدا، { وَمُلْكٍ لا يَبْلَى } لا يبيد ولا يفنى . { فَأَكَلا } يعني آدم وحواء عليهما السلام، { مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ } بأكل الشجرة، { فَغَوَى } يعني فعل ما لم يكن له فعله. وقيل: أخطأ طريق الجنة (2) وضل حيث طلب الخلد بأكل ما نهي عن أكله، فخاب ولم ينل مراده.\rقال ابن الأعرابي: أي فسد عليه عيشه، وصار من العز إلى الذل، ومن الراحة إلى التعب.\rقال ابن قتيبة: يجوز أن يقال عصى آدم، ولا يجوز أن يقال: آدم عاص؛ لأنه إنما يقال عاص لمن اعتاد فعل المعصية، كالرجل يخيط ثوبه يقال: خاط ثوبه، ولا يقال هو خياط حتى يعاود ذلك ويعتاده (3) .\rحدثنا أبو الفضل زياد بن محمد الحنفي، أخبرنا أبو معاذ الشاه بن عبد الرحمن المزني، أخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري ببغداد، أخبرنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي، أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، عن طاوس سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : \"احتج آدم وموسى: فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، فقال آدم: يا موسى اصطفاك\r__________\r(1) عزاه السيوطي لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة: 5 / 605.\r(2) في \"ب\" الحق.\r(3) انظر : زاد المسير 5 / 329 - 330، القرطبي: 11 / 255 - 257.","part":5,"page":299},{"id":1978,"text":"الله بكلامه وخط لك التوراة بيده، أفتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فحج آدم موسى\" (1) .\rورواه عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة وزاد: \"قال آدم يا موسى بكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عاما، قال آدم: فهل وجدت فيها: وعصى آدم ربه فغوى؟ قال: نعم، قال: أفتلومني على أن عملت عملا كتبه الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى\" (2) .\r{ ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) }\r{ ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ } اختاره واصطفاه، { فَتَابَ عَلَيْهِ } بالعفو، { وَهَدَى } هداه إلى التوبة حين قالا ربنا ظلمنا أنفسنا. { قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ } يعني الكتاب والرسول، { فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى } روى سعيد بن جبر عن ابن عباس قال: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله في الدنيا من الضلالة، ووقاه الله يوم القيامة سوء الحساب، وذلك بأن الله يقول: { فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى } (3) .\rوقال الشعبي عن ابن عباس: أجار الله تعالى تابع القرآن من أن يضل في الدنيا ويشقى في الآخرة، وقرأ هذه الآية (4) . { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي } يعني: القرآن، فلم يؤمن به ولم يتبعه، { فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا }\r__________\r(1) أخرجه البخاري في القدر، باب تحاج آدم وموسى عند الله: 11 / 505، ومسلم في القدر، باب حجاج آدم موسى عليهما السلام برقم (2652): 4 / 4042، والمصنف في شرح السنة: 1 / 124.\r(2) أخرجه البخاري في القدر، باب تحاج آدم وموسى عند الله: 11 / 505، ومسلم في القدر، باب حجاج آدم موسى عليهما السلام برقم (2652): 4 / 4042، والمصنف في شرح السنة: 1 / 124.\r(3) أخرجه الطبري: 16 / 255 ، وعزاه السيوطي في \"الدر\" : (5 / 607) لابن أبي شيبة والطبراني وأبي نعيم في الحلية وابن مردويه عن ابن عباس.\r(4) عزاه السيوطي في \"الدر\": (5 / 607) للفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس.","part":5,"page":300},{"id":1979,"text":"ضيقا، روى عن ابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري أنهم قالوا: هو عذاب القبر. قال أبو سعيد: يضغط حتى تختلف أضلاعه (1) .\rوفي بعض المسانيد مرفوعا. \"يلتئم عليه القبر حتى تختلف أضلاعه فلا يزال يعذب حتى يبعث\" (2) .\rوقال الحسن: هو الزقوم والضريع والغسلين في النار.\rوقال عكرمة: هو الحرام. وقال الضحاك: هو الكسب الخبيث.\rوعن ابن عباس قال: الشقاء. وروى عنه أنه قال: كل مال أعطى العبد قل أم كثر فلم يتق فيه فلا خير فيه، وهو الضنك في المعيشة، وإن أقواما أعرضوا عن الحق وكانوا أولي سعة من الدنيا مكثرين، فكانت معيشتهم ضنكا، وذلك أنهم يرون أن الله ليس بمخلف عليهم فاشتدت عليهم معايشهم من سوء ظنهم بالله.\rقال سعيد بن جبير: يسلبه القناعة حتى لا يشبع (3) .\r{ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } قال ابن عباس: أعمى البصر. وقال مجاهد أعمى عن الحجة.\r{ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) }\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 16 / 227 - 228، وانظر الدر المنثور 5 / 607 - 609.\r(2) قطعة من حديث أبي هريرة المطول في سؤال الميت في قبره، أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: 3 / 383، والطبري: 13 / 215، 16 / 227 - 228، وصححه ابن حبان ص (197 - 198) من موارد الظمآن، والحاكم في المستدرك: 1 / 379، وهناد في الزهد: 1 / 420 - 422، 442 ورواه مختصرا: الإمام أحمد في المسند: 2 / 364. وله متابعات وشواهد، انظرها في التعليق على الزهد لهناد: 1 / 421 - 423.\r(3) انظر في هذه الأقوال ونسبتها: الطبري: 16 / 225 - 228، الدر المنثور: 5 / 607 - 609، زاد المسير: 5 / 330 - 332.","part":5,"page":301},{"id":1980,"text":"{ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127) }\r{ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا } بالعين أو بصيرا بالحجة. { قَالَ كَذَلِكَ } أي كما { أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا } فتركتها وأعرضت عنها، { وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى } تترك في النار. قال قتادة: نسوا من الخير ولم ينسوا من العذاب. { وَكَذَلِكَ } أي وكما جزينا من أعرض عن القرآن كذلك { نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ } أشرك،","part":5,"page":301},{"id":1981,"text":"{ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ } مما يعذبهم به في الدنيا والقبر، { وَأَبْقَى } وأدوم.\r{ أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأولِي النُّهَى (128) وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130) }\r{ أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ } يبين لهم القرآن، يعني: كفار مكة، { كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ } ديارهم ومنازلهم إذا سافروا. والخطاب لقريش كانوا يسافرون إلى الشام فيرون ديار المهلكين من أصحاب الحجر وثمود وقريات لوط.\r{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأولِي النُّهَى } لذوي العقول. { وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى } فيه تقديم وتأخير، تقديره: ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى، والكلمة الحكم بتأخير العذاب عنهم، أي ولولا حكم سبق بتأخير العذاب عنهم وأجل مسمى وهو القيامة لكان لزاما، أي لكان العذاب لازما لهم كما لزم القرون الماضية الكافرة. { فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ } نسختها آية القتال (1) { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ } ، أي صل بأمر ربك. وقيل: صل لله بالحمد له والثناء عليه، { قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ } يعني صلاة الصبح، { وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } صلاة العصر، { وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ } ساعاتها واحدها إنى، { فَسَبِّحْ } يعني صلاة المغرب والعشاء. قال ابن عباس: يريد أول الليل، { وَأَطْرَافَ النَّهَارِ } يعني صلاة الظهر، وسمى وقت الظهر أطراف النهار لأن وقته عند الزوال، وهو طرف النصف الأول انتهاء وطرف النصف الآخر ابتداء.\rوقيل: المراد من آناء الليل صلاة العشاء، ومن أطراف النهار صلاة الظهر والمغرب، لأن الظهر في\r__________\r(1) انظر فيما سبق: 3 / 32 تعليق (1).","part":5,"page":302},{"id":1982,"text":"آخر الطرف الأول من النهار، وفي أول الطرف الآخر، فهو في طرفين منه والطرف الثالث غروب الشمس، وعند ذلك يصلي المغرب.\r{ لَعَلَّكَ تَرْضَى } أي ترضى 15/أ ثوابه في المعاد، وقرأ الكسائي وأبو بكر عن عاصم \"ترضى\" بضم التاء أي تعطى ثوابه. وقيل: { تَرْضَى } أي يرضاك الله تعالى، كما قال: \"وكان عند ربه مرضيا\" (مريم: 55) وقيل: معنى الآية لعلك ترضى بالشفاعة، كما قال: \"ولسوف يعطيك ربك فترضى\" (الضحى:5) .\rأخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الخطيب الحميدي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني إملاء، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله السعدي، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله قال: كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: \"إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا\"، ثم قرأ { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } (1) .\r{ وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131) }\rقوله تعالى: { وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } قال أبو رافع: نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ضيف فبعثني إلى يهودي فقال لي: \"قل له إن رسول الله يقول لك بعني كذا وكذا من الدقيق وأسلفني إلى هلال رجب\" فأتيته فقلت له ذلك فقال: والله لا أبيعه ولا أسلفه إلا برهن، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: \"والله لئن باعني وأسلفني لقضيته وإني لأمين في السماء وأمين في الأرض، اذهب بدرعي الحديد إليه\" فنزلت هذه الآية: { وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } (2) لا تنظر، { إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ } أعطينا، { أَزْوَاجًا } أصنافا، { مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } أي زينتها وبهجتها، وقرأ يعقوب زهرة بفتح الهاء وقرأ العامة بجزمها، { لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } أي لنجعل ذلك فتنة لهم بأن أزيد لهم النعمة فيزيدوا كفرا وطغيانا، { وَرِزْقُ رَبِّكَ } في المعاد، يعني: الجنة، { خَيْرٌ وَأَبْقَى } قال أبي بن كعب: من لم يتعز\r__________\r(1) أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر: 2 / 33، ومسلم في المساجد، باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما برقم: (633): 1 / 439، والمصنف في شرح السنة: 2 / 224.\r(2) أخرجه إسحاق وابن أبي شيبة وأبو يعلي والبزار والطبري والطبراني وفيه موسى بن عبيدة الزبيري وهو متروك، الكافي الشاف ص (109) والواحدي في أسباب النزول: ص (352)، وانظر القرطبي: 11 / 263 فقد أيد بطلان هذه الرواية.","part":5,"page":303},{"id":1983,"text":"بعز الله تقطعت نفسه حسرات، ومن يتبع بصره فيما في أيد الناس بطل حزنه، ومن ظن أن نعمة الله في مطعمه ومشربه وملبسه فقد قل عمله وحضر عذابه.\r{ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132) وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأولَى (133) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (134) }\r{ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ } أي قومك. وقيل: من كان على دينك، كقوله تعالى: \"وكان يأمر أهله بالصلاة\" (مريم : 55) ، { وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا } أي اصبر على الصلاة، فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر.\r{ لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا } لا نكلفك أن ترزق أحدا من خلقنا، ولا أن ترزق نفسك وإنما نكلفك عملا { نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ } الخاتمة الجميلة المحمودة، { لِلتَّقْوَى } أي لأهل التقوى. قال ابن عباس: الذين صدقوك واتبعوك واتقوني.\rوفي بعض المسانيد أن النبي صلى الله عليه وسلم: \"كان إذا أصاب أهله ضرٌّ أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية (1) . قوله تعالى: { وَقَالُوا } يعني المشركين، { لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ } أي الآية المقترحة فإنه كان قد أتاهم بآيات كثيرة، { أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ } قرأ أهل المدينة والبصرة وحفص عن عاصم: \" تأتهم \" لتأنيث البينة، وقرأ الآخرون بالياء لتقدم الفعل، ولأن البينة هي البيان فرد إلى المعنى، { بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأولَى } أي بيان ما فيها، وهو القرآن أقوى دلالة وأوضح آية.\rوقيل: أو لم يأتهم بيان ما في الصحف الأولى: التوراة، والإنجيل، وغيرهما من أنباء الأمم أنهم اقترحوا الآيات، فلما أتتهم ولم يؤمنوا بها، كيف عجلنا لهم العذاب والهلاك، فما يؤمنهم إن أتتهم الآية أن يكون حالهم كحال أولئك. { وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ } من قبل إرسال الرسول وإنزال القرآن، { لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا }\r__________\r(1) رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات، مجمع الزوائد: 7 / 67.","part":5,"page":304},{"id":1984,"text":"هلا { أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا } يدعونا، أي: لقالوا يوم القيامة، { فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى } بالعذاب، والذل، والهوان، والخزي، والافتضاح.\r{ قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (135) }\r{ قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ } منتظر دوائر الزمان، وذلك أن المشركين قالوا نتربص بمحمد حوادث الدهر، فإذا مات تخلصنا، قال الله تعالى: { فَتَرَبَّصُوا } فانتظروا، { فَسَتَعْلَمُونَ } إذا جاء أمر الله وقامت القيامة، { مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ } المستقيم، { وَمَنِ اهْتَدَى } من الضلالة نحن أم أنتم؟.","part":5,"page":305},{"id":1985,"text":"سورة الأنبياء\rمكية بسم الله الرحمن الرحيم\r{ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3) }\r{ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ } قيل اللام بمعنى من، أي اقترب من الناس حسابهم، أي وقت محاسبة الله إياهم على أعمالهم، يعني يوم القيامة، نزلت في منكري البعث، { وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ } عن التأهب له. { مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ } يعني ما يحدث الله من تنزيل شيء من القرآن يذكرهم ويعظهم به.\rقال مقاتل: يحدث الله الأمر [بعد الأمر] (1) قيل: الذكر المحدث ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وبينه من السنن والمواعظ سوى ما القرآن، وأضافه إلى الرب عز وجل لأنه قال بأمر الرب، { إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ } أي استمعوه لاعبين لا يعتبرون ولا يتعظون. { لاهِيَةً } ساهية غافلة، { قُلُوبُهُمْ } معرضة عن ذكر الله، وقوله { لاهِيَةً } نعت تقدم الاسم، ومن حق النعت أن يتبع الاسم في الإعراب، وإذا تقدم النعت الاسم فله حالتان: فصل\r__________\r(1) زيادة من (ب).","part":5,"page":306},{"id":1986,"text":"ووصل، فحالته في الفصل النصب كقوله تعالى: { خشعا أبصارهم } (القمر: 7) ، { ودانية عليهم ظلالها } (الإنسان: 11) ، و { لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ } وفي الوصل حالة ما قبله من الإعراب كقوله، { أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها } (النساء : 75) ؛ { وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا } أي أشركوا، قوله: { وَأَسَرُّوا } فعل تقدم الجمع وكان حقه وأسر، قال الكسائي: فيه تقديم وتأخير، أراد: والذين ظلموا أسروا النجوى.\rوقيل: حمل \"الذين\" رفع على الابتداء، معناه: وأسروا النجوى، ثم قال: وهم الذين ظلموا.\rوقيل: رفع على البدل من الضمير في أسروا. قال المبرد: هذا كقولك إن الذين في الدار انطلقوا بنو عبد الله، على البدل مما في انطلقوا ثم بين سرهم الذي تناجوا به فقال: { هَلْ هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ } أنكروا إرسال البشر وطلبوا إرسال الملائكة.\r{ أَفَتَأْتُونَ } أي تحضرون السحر وتقبلونه، { وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ } تعلمون أنه سحر.\r{ قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (4) بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأوَّلُونَ (5) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6) }\rقل لهم يا محمد، { رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ } قرأ حمزة والكسائي وحفص: \"قال ربي\"، على الخبر عن محمد صلى الله عليه وسلم، { يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ } أي لا يخفي عليه شيء، { وَهُوَ السَّمِيعُ } لأقوالهم، { الْعَلِيمُ } بأفعالهم. { بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ } أباطيلها [وأقاويلها] (1) وأهاويلها رآها في النوم، { بَلِ افْتَرَاهُ } اختلقه، { بَلْ هُوَ شَاعِرٌ } يعني أن المشركين اقتسموا القول 15/ب فيه وفيما يقوله، قال بعضهم: أضغاث أحلام، وقال بعضهم: بل هو فرية، وقال بعضهم : بل محمد شاعر وما جاءكم به شعر. { فَلْيَأْتِنَا } محمد { بِآيَةٍ } إن كان صادقا { كَمَا أُرْسِلَ الأوَّلُونَ } من الرسل بالآيات. قال الله تعالى مجيبا لهم : { مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ } قبل مشركي مكة، { مِنْ قَرْيَةٍ } أي من أهل\r__________\r(1) زيادة من (ب).","part":5,"page":310},{"id":1987,"text":"قرية أتتهم الآيات، { أَهْلَكْنَاهَا } أهلكناهم بالتكذيب، { أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ } ؟، إن جاءتهم آية، معناه: أن أولئك لم يؤمنوا بالآيات لما أتتهم أفيؤمن هؤلاء؟ .\r{ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (7) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (8) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (9) لَقَدْ أَنزلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (10) }\rقوله عز وجل: { وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ } هذا جواب لقولهم: { هَلْ هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ } يعني: إنا لم نرسل الملائكة إلى الأولين إنما أرسلنا رجالا نوحي إليهم، { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ } يعني: أهل التوراة والإنجيل، يريد علماء أهل الكتاب، فإنهم لا ينكرون أن الرسل كانوا بشرا، وإن أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وأمر المشركين بمسألتهم لأنهم إلى تصديق من لم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم أقرب منهم إلى تصديق من آمن به. وقال ابن زيد: أراد بالذكر القرآن (1) أراد: فاسألوا المؤمنين العالمين من أهل القرآن، { إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } { وَمَا جَعَلْنَاهُمْ } أي الرسل، { جَسَدًا } ولم يقل أجسادا لأنه اسم الجنس، { لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ } هذا رد لقولهم { ما لهذا الرسول يأكل الطعام } (الفرقان: 7) ، يقول لم نجعل الرسل ملائكة بل جعلناهم بشرا يأكلون الطعام، { وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ } في الدنيا. { ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ } الذي وعدناهم بإهلاك أعدائهم، { فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ } أي أنجينا المؤمنين الذين صدقوهم، { وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ } أي المشركين المكذبين، وكل مشرك مسرف على نفسه. { لَقَدْ أَنزلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا } يا معشر قريش، { فِيهِ ذِكْرُكُمْ } أي شرفكم، كما قال: { وإنه لذكر لك ولقومك } (الزخرف: 44) ، وهو شرف لمن آمن به.\rقال مجاهد: فيه حديثكم. وقال الحسن: فيه ذكركم أي ذكر ما تحتاجون إليه من أمر دينكم، { أَفَلا تَعْقِلُونَ }\r__________\r(1) انظر: الطبري: 17 / 5.","part":5,"page":311},{"id":1988,"text":"{ وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (15) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ (16) }\r{ وَكَمْ قَصَمْنَا } أهلكنا، والقصم: الكسر، { مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً } أي كافرة، يعني أهلها، { وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا } أي: أحدثنا بعد هلاك أهلها، { قَوْمًا آخَرِينَ } { فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا } أي [رأوا] (1) عذابنا بحاسة البصر، { إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ } أي يسرعون هاربين. { لا تَرْكُضُوا } أي قيل لهم لا تركضوا لا تهربوا، { وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ } أي نعمتم به، { وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ } قال ابن عباس: عن قتل نبيكم. وقال قتادة: من دنياكم شيئا، نزلت هذه الآية في أهل حصورا، وهي قرية باليمن وكان أهلها العرب، فبعث الله إليهم نبيا يدعوهم إلى الله فكذبوه وقتلوه، فسلط الله عليهم بختنصر، حتى قتلهم وسباهم (2) فلما استمر فيهم القتل ندموا وهربوا وانهزموا، فقالت الملائكة لهم استهزاء: لا تركضوا وارجعوا إلى مساكنكم وأموالكم لعلكم تسألون.\rقال قتادة: لعلكم تسألون شيئا من دنياكم، فتعطون من شئتم وتمنعون من شئتم، فإنكم أهل ثروة ونعمة، يقولون ذلك استهزاء بهم، فاتبعهم بختنصر وأخذتهم السيوف، ونادى مناد في جو السماء: يا ثارات الأنبياء، فلما رأوا ذلك أقروا بالذنوب حين لم ينفعهم. { قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } . { فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ } أي تلك الكلمة وهي قولهم يا ويلنا، دعاؤهم يدعون بها ويرددونها.\r{ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا } بالسيوف كما يحصد الزرع، { خَامِدِينَ } ميتين. قوله عز وجل: { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ } أي عبثا وباطلا.\r__________\r(1) زيادة من (ب).\r(2) انظر: الطبري: 17 / 9.","part":5,"page":312},{"id":1989,"text":"{ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ (20) }\r{ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا } اختلفوا في اللهو، قال ابن عباس في رواية عطاء: اللهو المرأة، وهو قول الحسن وقتادة، وقال في رواية الكلبي: اللهو الولد، وهو قول السدي، وهو في المرأة أظهر لأن الوطء يسمى لهوا في اللغة، والمرأة محل الوطء { لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا } أي من عندنا من الحور العين لا من عندكم من أهل الأرض. وقيل: معناه لو كان جائزا ذلك في صفته لم يتخذه بحيث يظهر لهم ويستر ذلك حتى لا يطلعوا عليه.\rوتأويل الآية أن النصارى لما قالوا في المسيح وأمه ما قالوا رد الله عليهم بهذا وقال: { لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا } لأنكم تعلمون أن ولد الرجل وزوجته يكونان عنده، لا عند غيره { إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ } قال قتادة ومقاتل وابن جريج: { إِنْ } للنفي، أي: ما كنا فاعلين. وقيل: { إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ } للشرط أي إن كنا ممن يفعل ذلك لاتخذناه من لدنا، ولكنا لم نفعله لأنه لا يليق بالربوبية. { بَلْ } أي دع ذلك الذي قالوا فإنه كذب وباطل، { نَقْذِفُ } نرمي ونسلط، { بِالْحَقِّ } بالإيمان، { عَلَى الْبَاطِلِ } على الكفر، وقيل: الحق قول الله، أنه لا ولد له، والباطل قولهم اتخذ الله ولدا، { فَيَدْمَغُهُ } فيهلكه، وأصل الدمغ: شج الرأس حتى يبلغ الدماغ، { فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ } ذاهب، والمعنى: أنا نبطل كذبهم بما نبين من الحق حتى يضمحل ويذهب، ثم أوعدهم على كذبهم فقال: { وَلَكُمُ الْوَيْلُ } يا معشر الكفار، { مِمَّا تَصِفُونَ } الله بما لا يليق به من الصاحبة والولد. وقال مجاهد: مما تكذبون. { وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } عبيدا وملكا، { وَمَنْ عِنْدَهُ } يعني الملائكة، { لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } لا يأنفون عن عبادته ولا يتعظمون عنها، { وَلا يَسْتَحْسِرُونَ } لا يعيون، يقال: حسر واستحسر إذا تعب وأعيا. وقال السدي: لا يتعظمون (1) عن العبادة. { يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ } لا يضعفون ولا يسأمون، قال كعب الأحبار: التسبيح\r__________\r(1) في \"ب\" لا ينقطعون.","part":5,"page":313},{"id":1990,"text":"لهم كالنفس لبني آدم.\r{ أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24) }\r{ أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً } استفهام بمعنى الجحد، أي لم يتخذوا، { مِنَ الأرْضِ } يعني الأصنام من الخشب والحجارة، وهما من الأرض، { هُمْ يُنْشِرُونَ } يحيون الأموات، ولا يستحق الإلهية إلا من يقدر على الإحياء والإيجاد من العدم والإنعام بأبلغ وجوه النعم. { لَوْ كَانَ فِيهِمَا } أي في السماء والأرض، { آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ } أي غير الله { لَفَسَدَتَا } لخربتا وهلك من فيهما بوجود التمانع بين الآلهة لأن كل أمر صدر عن اثنين فأكثر لم يجر على النظام، ثم نزه نفسه فقال: { فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } أي عما يصفه به المشركون من الشريك والولد. { لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ } ويحكم على خلقه لأنه الرب { وَهُمْ يُسْأَلُونَ } أي الخلق يسألون، عن أفعالهم وأعمالهم (1) لأنهم عبيد 16/أ { أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً } استفهام إنكار وتوبيخ، { قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ } أي حجتكم على ذلك، ثم قال مستأنفا، { هَذَا } يعني القرآن. { ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ } فيه خبر من معي على ديني ومن يتبعني إلى يوم القيامة بما لهم من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية. { وَذِكْرُ } خبر، { مَنْ قَبْلِي } من الأمم السالفة ما فعل بهم في الدنيا وما يفعل بهم في الآخرة. وعن ابن عباس في رواية عطاء: ذكر من معي: القرآن، وذكر من قبلي: التوراة والإنجيل، ومعناه: راجعوا القرآن والتوراة والإنجيل وسائر الكتب هل تجدون فيها أن الله اتخذ ولدا، { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ }\r__________\r(1) في \"ب\": وأقوالهم.","part":5,"page":314},{"id":1991,"text":"{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29) }\r{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ } قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم نوحي إليه بالنون وكسر الحاء على التعظيم، لقوله { وَمَا أَرْسَلْنَا } وقرأ الآخرون بالياء وفتح الحاء على الفعل المجهول، { أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ } وحدون . قوله عز وجل: { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا } نزلت في خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله، { سُبْحَانَهُ } نزه نفسه عما قالوا، { بَلْ عِبَادٌ } أي هم عباد، يعني الملائكة، { مُكْرَمُونَ } { لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ } لا يتقدمونه بالقول ولا يتكلمون إلا بما يأمرهم به، { وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } معناه أنهم لا يخالفونه قولا ولا عملا. { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } أي ما عملوا وما هم عاملون. وقيل: ما كان قبل خلقهم وما يكون بعد خلقهم { وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنِ ارْتَضَى } قال ابن عباس: أي لمن قال لا إله إلا الله، وقال مجاهد: أي لمن رضي عنه (1) { وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } خائفون لا يأمنون مكره. { وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ } قال قتادة: عنى به إبليس حين دعا إلى عبادة نفسه وأمر بطاعة نفسه، فإن أحدا من الملائكة لم يقل إني إله من دون الله { فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } الواضعين الإلهية والعبادة في غير موضعها.\r__________\r(1) ذكر القولين الطبري: 17 / 16 - 17.","part":5,"page":315},{"id":1992,"text":"{ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (30) وَجَعَلْنَا فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) }\r{ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا } قرأ ابن كثير \" لم ير \" [بغير واو] (1) وكذلك هو في مصاحفهم، معناه: ألم يعلم الذين كفروا، { أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا } قال ابن عباس رضي الله عنهما وعطاء وقتادة: كانتا شيئا واحدا ملتزقتين { فَفَتَقْنَاهُمَا } فصلنا بينهما بالهواء، والرتق في اللغة: السد، والفتق: الشق.\rقال كعب: خلق الله السموات والأرض بعضها على بعض، ثم خلق ريحا فوسطها (2) ففتحها بها.\rقال مجاهد والسدي: كانت السموات مرتقة طبقة واحدة ففتقها فجعلها سبع سماوات، وكذلك الأرض كانتا مرتقة طبقة واحدة فجعلها سبع أرضين.\rقال عكرمة وعطية: كانت السماء رتقا لا تمطر والأرض رتقا لا تنبت، ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات. وإنما قال: { رَتْقًا } على التوحيد وهو من نعت السموات والأرض لأنه مصدر وضع موضع الاسم، مثل الزور والصوم ونحوهما. { وَجَعَلْنَا } [وخلقنا] (3) { مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ } أي: وأحيينا بالماء الذي ينزل من السماء كل شيء حي أي من الحيوان ويدخل فيه النبات والشجر، يعني أنه سبب لحياة كل شيء والمفسرون يقولون: [يعني] (4) أن كل شيء حي فهو مخلوق من الماء. كقوله تعالى: { والله خلق كل دابة من ماء } (النور: 45) ، قال أبو العالية: يعني النطفة، فإن قيل: قد خلق الله بعض ما هو حي من غير الماء؟ قيل: هذا على وجه التكثير، يعني أن أكثر الأحياء في الأرض مخلوقة من الماء أو بقاؤه بالماء، { أَفَلا يُؤْمِنُونَ }\r{ وَجَعَلْنَا فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ } جبالا ثوابت، { أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ } ؛ [يعني كي لا تميد بهم] (5) { وَجَعَلْنَا فِيهَا } في الرواسي: { فِجَاجًا } طرقا ومسالك، والفج: الطريق الواسع\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) في \"ب\" بوسطها.\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) زيادة من \"ب\".\r(5) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":5,"page":316},{"id":1993,"text":"بين الجبلين، أي جعلنا بين الجبال طرقا حتى يهتدوا إلى مقاصدهم، { سُبُلا } تفسير للفجاج، { لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ }\r{ وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (32) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33) }\r{ وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا } من أن تسقط، دليله قوله تعالى: { ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه } (الحج: 65) ، وقيل: محفوظا من الشياطين بالشهب، دليله قوله تعالى: { وحفظناها من كل شيطان رجيم } (الحجر: 17) ، { وَهُمْ } يعني الكفار، { عَنْ آيَاتِهَا } ما خلق الله فيها من الشمس والقمر والنجوم وغيرها، { مُعْرِضُونَ } لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها. { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء، وإنما قال: { يَسْبَحُونَ } ولم يقل يسبح على ما يقال لما لا يعقل، لأنه ذكر عنها فعل العقلاء من الجري والسبح، فذكر على ما يعقل.\rوالفلك: مدار النجوم الذي يضمها، والفلك في كلام العرب: كل شيء مستدير، وجمعه أفلاك، ومنه فلك المغزل.\rوقال الحسن: الفلك طاحونة كهيئة فلكة المغزل: يريد أن الذي يجري فيه النجوم مستدير كاستدارة الطاحونة.\rوقال بعضهم: الفلك السماء الذي فيه ذلك الكوكب، فكل كوكب يجري في السماء الذي قدر فيه، وهو معنى قول قتادة.\rوقال الكلبي (1) الفلك استدارة السماء.\rوقال آخرون: الفلك موج مكفوف دون السماء يجري فيه الشمس والقمر والنجوم (2) .\r__________\r(1) في \"ب\" الضحاك.\r(2) ذكر بعض هذه الأقوال وغيرها الطبري: 17 / 23، ثم قال: والصواب من القول في ذلك أن يقال: كما قال الله عز وجل (كل في فلك يسبحون) وجائز أن يكون ذلك الفلك كما قال مجاهد كحديد الرحى، وكما ذكر عن الحسن كطاحونة الرحى، وجائز أن يكون موجا مكفوفا، وأن يكون قطب السماء، وذلك أن الفلك في كلام العرب هو كل شيء دائر، فجمعه أفلاك، وقد ذكرت قول الراجز:\rباتت تناجي الفلك الدوارا\rوإن كان كل ما دار في كلامها، ولم يكن في كتاب الله، ولا في خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عمن يقطع بقوله العذر، دليل يدل على أي ذلك هو من أي كان الواجب أن نقول فيه ما قاله، ونسكت عما لا علم لنا به. فإذا كان الصواب في ذلك من القول عندنا ما ذكرنا، فتأويل الكلام: والشمس والقمر، كل ذلك في دائر يسبحون.","part":5,"page":317},{"id":1994,"text":"{ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35) }","part":5,"page":318},{"id":1995,"text":"{ وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (36) خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (37) }\rقوله عز وجل: { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ } دوام البقاء في الدنيا، { أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ } أي أفهم الخالدون إن مت؟ نزلت هذه الآية حين قالوا نتربص بمحمد ريب المنون (1) . { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ } نختبركم { بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ } بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، وقيل: بما تحبون وما تكرهون، { فِتْنَةً } ابتلاء لننظر كيف شكركم فيما تحبون، وصبركم فيما تكرهون، { وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } { وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ } [ما يتخذونك] (2) { إِلا هُزُوًا } [سخريا] (3) قال السدي: نزلت في أبي جهل مر به النبي صلى الله عليه وسلم فضحك، وقال: هذا نبي بني عبد مناف (4) { أَهَذَا الَّذِي } أي يقول بعضهم لبعض أهذا الذي، { يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ } أي يعيبها، يقال: فلان يذكر فلانا أي يعيبه، وفلان يذكر الله أي يعظمه ويجله، { وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ } وذلك أنهم كانوا يقولون لا نعرف الرحمن إلا مسيلمة، { وَهُمْ } الثانية صلة. قوله عز وجل: { خُلِقَ الإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ } اختلفوا فيه، فقال قوم: معناه أن بنيته وخلقته من العجلة وعليها طبع، كما قال: { وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولا } 16/ب (الإسراء: 11) .\r__________\r(1) ذكره صاحب زاد المسير: 5 / 350.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 5 / 630 لابن أبي حاتم.","part":5,"page":318},{"id":1996,"text":"قال سعيد بن جبير والسدي: لما دخلت الروح في رأس آدم وعينه نظر إلى ثمار الجنة فلما دخلت جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ الروح إلى رجليه عجلا إلى ثمار الجنة، فوقع فقيل: \"خلق الإنسان من عجل\"، والمراد بالإنسان آدم وأورث أولاده العجلة، والعرب تقول للذي يكثر منه الشيء: خلقت منه، كما تقول العرب: خلقت في لعب، وخلقت من غضب، يراد المبالغة في وصفه بذلك، يدل على هذا قوله تعالى: \"وكان الإنسان عجولا\".\rوقال قوم: معناه خلق الإنسان يعني آدم من تعجيل في خلق الله إياه، لأن خلقه كان بعد [خلق] (1) كل شيء في آخر النهار يوم الجمعة، فأسرع في خلقه قبل مغيب الشمس.\rقال مجاهد: فلما أحيا الروح رأسه قال يا رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس. وقيل: بسرعة وتعجيل على غير ترتيب خلق سائر الآدميين من النطفة والعلقة والمضغة وغيرها (2) .\rوقال قوم: من عجل، أي: من طين، قال الشاعر: والنبع في الصخرة الصماء منبتة ... والنخل ينبت بين الماء والعجل (3)\r{ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ } [نزل هذا في المشركين] (4) كانوا يستعجلون العذاب ويقولون: أمطر علينا حجارة من السماء، وقيل: نزلت في النضر بن الحارث (5) فقال تعالى: { سَأُرِيكُمْ آيَاتِي } أي مواعيدي فلا تستعجلون، أي فلا تطلبوا العذاب من قبل وقته، فأراهم يوم بدر، وقيل: كانوا يستعجلون القيامة.\r{ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (39) }\r{ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } فقال تعالى: { لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ } لا يدفعون { عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ } قيل: ولا عن ظهورهم السياط،\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) أورد هذه الأقوال الطبري: 17 / 26 -27 ثم قال: والصواب من القول في تأويل ذلك عندنا الذين ذكرناه عمن قال معناه: خلق الإنسان من عجل في خلقه: أي على عجل وسرعة في ذلك، وإنما قيل ذلك كذلك، لأنه بودر بخلقه مغيب الشمس في آخر ساعة من نهار يوم الجمعة، وفي ذلك الوقت نفخ فيه الروح. وإنما قلنا أولى الأقوال التي ذكرناها في ذلك بالصواب، لدلالة قوله تعالى: (سأريكم آياتي فلا تستعجلون) على ذلك. وأن أبا كريب حدثنا قال: حدثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن في الجمعة لساعة يقللها، قال: لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا آتاه الله إياه\" فقال عبد الله بن سلام: قد علمت أي ساعة هي، هي آخر ساعات النهار من يوم الجمعة، قال الله: (خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون).\r(3) البيت لبعض الحميرين، والعجل بلغتهم: الطين.\r(4) في \"ب\": (هذا في جواب قول المشركين).\r(5) ذكر القول صاحب زاد المسير: 5 / 351.","part":5,"page":319},{"id":1997,"text":"{ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ } يمنعون من العذاب، وجواب لو في قوله: { لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ } محذوف معناه: ولو علموا لما أقاموا على كفرهم، ولما استعجلوا، ولا قالوا: متى هذا الوعد؟ .\r{ بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (40) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (41) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (42) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (43) بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (44) }\r{ بَلْ تَأْتِيهِمْ } يعني الساعة { بَغْتَةً } فجأة، { فَتَبْهَتُهُمْ } أي تحيرهم، يقال: فلان مبهوت أي متحير، { فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ } يمهلون. { وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ } نزل، { بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } أي جزاء استهزائهم. { قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ } يحفظكم، { بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ } إن أنزل بكم عذابه، وقال ابن عباس: من يمنعكم من عذاب الرحمن، { بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ } عن القرآن ومواعظ الله، { مُعْرِضُونَ } { أَمْ لَهُمْ } أم: صلة فيه، وفي أمثاله { آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا } فيه تقديم وتأخير، تقديره: أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم، ثم وصف الآلهة بالضعف، فقال تعالى: { لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ } منع أنفسهم، فكيف ينصرون عابديهم، { وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ } قال ابن عباس: يمنعون. وقال عطية: عنه يجارون، تقول العرب: أنا لك جار وصاحب من فلان، أي مجير منه. وقال مجاهد: ينصرون. وقال قتادة: ولا يصبحون من الله بخير. { بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلاءِ } الكفار، { وَآبَاءَهُمْ } في الدنيا أي أمهلناهم. وقيل: أعطيناهم النعمة، { حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ } أي امتد بهم الزمان فاغتروا.\r{ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } يعني ما ننقص من أطراف المشركين ونزيد","part":5,"page":320},{"id":1998,"text":"في أطراف المؤمنين، يريد ظهور النبي صلى الله عليه وسلم وفتحه ديار الشرك أرضا فأرضا، { أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ } أم نحن.","part":5,"page":321},{"id":1999,"text":"{ قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (45) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (46) وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47) }\r{ قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ } أي أخوفكم بالقرآن، { وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ } قرأ ابن عامر بالتاء وضمها وكسر الميم، \"الصم\" نصب، جعل الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ الآخرون بالياء وفتحها وفتح الميم، \"الصم\" رفع، { إِذَا مَا يُنْذَرُونَ } يخوفون. { وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ } أصابتهم { نَفْحَةٌ } قال ابن عباس رضي الله عنهما طرف. وقيل: قليل. قال ابن جريج: نصيب، من قولهم نفح فلان لفلان من ماله أي أعطاه حظا منه . وقيل: ضربة من قولهم نفحت الدابة برجلها إذا ضربت، { مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } أي بإهلاكنا إنا كنا مشركين، دعوا على أنفسهم بالويل بعدما أقروا بالشرك. { وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ } أي ذوات القسط، والقسط: العدل، { لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا } لا ينقص من ثواب حسناته ولا يزاد على سيئاته، وفي الأخبار: إن الميزان له لسان وكفتان (1) .\rروى أن داود عليه السلام سأل ربه أن يريه الميزان فأراه كل كفة ما بين المشرق والمغرب، فغشي عليه، ثم أفاق فقال: يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات؟ فقال: يا داود إني [إذا] (2) رضيت على عبدي ملأتها بتمرة (3) .\r{ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ } قرأ أهل المدينة { مِثْقَالَ } برفع اللام هاهنا وفي سورة\r__________\r(1) أخرج اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 6 / 1173 عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: ذكر الميزان عند الحسن فقال: له لسان وكفتان. ويدل على ذلك أحاديث كثيرة: وانظر: شرح الطحاوية صفحة: (480 - 484)، لوامع الأنوار البهية للسفاريني: 2 / 184 - 186.\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) ذكره القرطبي في التذكرة، انظر: لوامع الأنوار البهية: 2 / 184.","part":5,"page":321},{"id":2000,"text":"لقمان، أي وإن وقع مثقال حبة، ونصبها الآخرون على معنى: وإن كان ذلك الشيء مثقال حبة أي زنة حبة من خردل، { أَتَيْنَا بِهَا } أحضرناها لنجازي بها.\r{ وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ } قال السدي: محصين، والحسب معناه: العد، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: عالمين حافظين، لأن من حسب شيئا علمه وحفظه.\r{ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (50) وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) }\rقوله عز وجل: { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ } يعني الكتاب المفرق بين الحق والباطل، وهو التوراة. وقال ابن زيد: الفرقان النصر على الأعداء، كما قال الله تعالى: { وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان } (الأنفال: 41) ، يعني يوم بدر، لأنه قال { وَضِيَاءً } أدخل الواو فيه أي آتينا موسى النصر والضياء وهو التوراة.\rومن قال: المراد بالفرقان التوراة، قال: الواو في قوله: { وَضِيَاءً } زائدة مقحمة، معناه: آتيناه التوراة ضياء، وقيل: هو صفة أخرى للتوراة، { وَذِكْرًا } تذكيرا ، { لِلْمُتَّقِينَ } { الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ } أي يخافونه ولم يروه، { وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ } خائفون. { وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزلْنَاهُ } يعني القرآن وهو ذكر لمن تذكر به، مبارك يتبرك به ويطلب منه الخير، { أَفَأَنْتُم } يا أهل مكة، { لَهُ مُنْكِرُونَ } جاحدون (1) وهذا استفهام توبيخ وتعبير. قوله عز وجل: { وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ } قال القرطبي: أي صلاحه، { مِنْ قَبْلُ } أي من قبل موسى وهارون، وقال المفسرون: رشده، أي هداه 17/أ من قبل أي من قبل البلوغ، وهو حين خرج من السرب وهو صغير، يريد هديناه صغيرا كما قال تعالى ليحيى عليه السلام: { وآتيناه الحكم صبيا } (مريم: 12) ، { وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ } أنه أهل للهداية والنبوة.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".","part":5,"page":322},{"id":2001,"text":"{ إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاعِبِينَ (55) قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56) وَتَاللَّهِ لأكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) }\r{ إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ } أي الصور، يعني الأصنام { الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } أي على عبادتها مقيمون. { قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ } فاقتدينا بهم. { قَالَ } إبراهيم، { لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } خطأ بين بعبادتكم إياها. { قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاعِبِينَ } يعنون أجاد أنت فيما تقول أم [انت من اللاعبين؟] (1) . { قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ } خلقهن، { وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ } أي على أنه الإله الذي لا يستحق العبادة غيره. وقيل: من الشاهدين على أنه خالق السموات والأرض. { وَتَاللَّهِ لأكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ } لأمكرن بها، { بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ } أي بعد أن تدبروا منطلقين إلى عيدكم.\rقال مجاهد وقتادة: إنما قال إبراهيم هذا سرا من قومه ولم يسمع ذلك إلا رجل واحد فأفشاه عليه، وقال: إنا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم.\rقال السدي: كان لهم في كل سنة مجمع وعيد وكانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها، ثم عادوا إلى منازلهم، فلما كان ذلك العيد قال أبو إبراهيم له: يا إبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا، فخرج معهم إبراهيم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه، وقال إني\r__________\r(1) في \"ب\" لاعب\".","part":5,"page":323},{"id":2002,"text":"سقيم، يقول أشتكي رجلي فلما مضوا نادى في آخرهم وقد بقي ضعفاء الناس، { وَتَاللَّهِ لأكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ } فسمعوها منه، ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة وهن في بهو عظيم مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه، والأصنام بعضها إلى جنب بعض كل صنم يليه أصغر منه إلى باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاما فوضعوه بين يدي الآلهة، وقالوا: إذا رجعنا وقد بركت الآلهة في طعامنا أكلنا، فلما نظر إليهم إبراهيم وإلى ما بين أيديهم من الطعام، قال لهم: على طريق الاستهزاء ألا تأكلون؟، فلما لم تجبه قال: ما لكم لا تنطقون؟. فراغ عليهم ضربا باليمين، وجعل يكسرهن في يده حتى إذا لم يبق إلا الصنم الأكبر علق الفأس في عنقه ثم خرج (1) فذلك قوله عز وجل.\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 17 / 38، وانظر الدر المنثور: 5 / 636 - 637.","part":5,"page":324},{"id":2003,"text":"{ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) }\r{ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا } قرأ الكسائي \" جذاذا \" بكسر الجيم أي كسرا وقطعا جمع جذيذ، وهو الهشيم مثل خفيف وخفاف، وقرأ الآخرون بضمه، مثل الحطام والرفات، { إِلا كَبِيرًا لَهُمْ } فإنه لم يكسره ووضع الفأس في عنقه، وقيل ربطه بيده وكانت اثنين وسبعين صنما بعضها من ذهب وبعضها من فضة وبعضها من حديد ورصاص وشَبّة وخشب وحجر، وكان الصنم الكبير من الذهب مكللا بالجواهر في عينيه ياقوتتان تتقدان. قوله تعالى: { لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ } قيل: معناه لعلهم يرجعون إلى دينه وإلى ما يدعوهم إليه إذا علموا ضعف الآلهة وعجزها، وقيل: لعلهم إليه يرجعون فيسألونه، فلما رجع القوم من عيدهم إلى بيت آلهتهم ورأوا أصنامهم جذاذا. { قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ } أي من المجرمين. { قَالُوا } يعني الذين سمعوا قول إبراهيم: { وتالله لأكيدن أصنامكم } ، { سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ } يعيبهم ويسبهم، { يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ } هو الذي نظن صنع هذا، فبلغ ذلك نمرود الجبار وأشراف قومه. { قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ } قال نمرود: يقول جيئوا به ظاهرا بمرأى من الناس، { لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ } عليه أنه الذي فعله، كرهوا أن يأخذوه بغير بينة، قال الحسن وقتادة والسدي، وقال","part":5,"page":324},{"id":2004,"text":"محمد بن إسحاق { لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ } أي يحضرون عقابه وما يصنع به\r{ قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) }\rفلما أتوا به، { قَالُوا } له { أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ } ؟:. { قَالَ } إبراهيم، { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا } غضب من أن تعبدوا معه هذه الصغار وهو أكبر منها فكسرهن، وأراد بذلك إبراهيم إقامة الحجة عليهم، فذلك قوله: { فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ } حتى يخبروا من فعل ذلك بهم.\rقال القتيبي: معناه بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون على سبيل الشرط، فجعل النطق شرطا للفعل، أي إن قدروا على النطق قدروا على الفعل، فأراهم عجزهم عن النطق، وفي [ضمنه] (1) أنا فعلت،.\rوروي عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله { بَلْ فَعَلَهُ } ويقول: معناه [فعله] (2) من فعله، والأول أصح لما روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، اثنتان منهن في ذات الله، قوله: { إني سقيم } (الصافات: 89) ، وقوله: { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ } وقوله لسارة { هذه أختي } (3) وقيل في قوله: { إِنِّي سَقِيمٌ } أي سأسقم، وقيل: سقم القلب أي مغتم بضلالتكم، وقوله لسارة: هذه أختي أي في الدين، وهذه التأويلات لنفي الكذب عن إبراهيم، والأولى هو الأول للحديث فيه، ويجوز أن يكون الله عز وجل أذن له في ذلك لقصد الصلاح وتوبيخهم والاحتجاج عليهم، كما أذن ليوسف حتى (4) أمر مناديه فقال لإخوته: { أيتها العير إنكم لسارقون } (يوسف: 70) . ولم يكونوا سرقوا. { فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ } أي فتفكروا بقلوبهم، ورجعوا إلى عقولهم، { فَقَالُوا } ما نراه إلا كما قال: { إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ } يعني بعبادتكم من لا يتكلم. وقيل: أنتم الظالمون هذا الرجل في سؤالكم إياه وهذه آلهتكم حاضرة فاسألوها.\r__________\r(1) في \"ب\" ضميره.\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب قول الله تعالى: (واتخذ الله إبراهيم خليلا) 6 / 388، ومسلم في الفضائل، باب من فضائل إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم، برقم (2371) 4 / 1840.\r(4) في \"ب\" حين.","part":5,"page":325},{"id":2005,"text":"{ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (67) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) }\r{ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ } قال أهل التفسير: أجرى الله الحق على لسانهم في القول الأول، ثم أدركتهم الشقاوة، فهو معنى قوله: { ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ } أي ردوا إلى الكفر بعد أن أقروا على أنفسهم بالظلم، يقال نكس المريض إذا رجع إلى حاله الأول، وقالوا: { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ } فكيف نسألهم؟ فلما اتجهت الحجة لإبراهيم عليه السلام. { قَالَ } لهم، { أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا } إن عبدتموه، { وَلا يَضُرُّكُمْ } إن تركتم عبادته. { أُفٍّ لَكُمْ } أي تبا وقذرا لكم، { وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ } أي أليس لكم عقل تعرفون هذا، فلما لزمتهم الحجة وعجزوا عن الجواب. { قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ } 17/ب أي: إن كنتم ناصرين لها.\rقال ابن عمر رضي الله عنهما: إن الذي قال هذا رجل من الأكراد (1) . وقيل: اسمه \"هيزن\" فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة (2) .\rوقيل: قاله نمرود، فلما أجمع نمرود وقومه على إحراق إبراهيم عليه السلام، حبسوه في بيت، وبنوا له بنيانا كالحظيرة (3) .\rوقيل: بنو أتونا بقرية يقال لها \"كوثى\" (4) ثم جمعوا له صلاب الحطب من أصناف الخشب مدة حتى كان الرجل يمرض فيقول لئن عافاني الله لأجمعن حطبا لإبراهيم، وكانت المرأة تنذر في بعض ما تطلب لئن أصابته لتحطبن في نار إبراهيم، وكان الرجل يوصي بشراء الحطب وإلقائه فيه، وكانت المرأة تغزل وتشتري الحطب بغزلها، فتلقيه فيه احتسابا (5) في دينها.\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 17 / 43، وانظر: الدر المنثور: 5 / 639.\r(2) أخرجه الطبري: 17 / 43، وانظر تفسير ابن كثير: 3 / 185.\r(3) أخرجه الطبري: 17 / 43، وانظر: البحر المحيط: 6 / 328.\r(4) بضم أوله، وبالثاء المثلثة، وهي بالعراق، ولد فيها إبراهيم عليه السلام.\r(5) انظر الطبري: 17 / 44، الدر المنثور: 5 / 641.","part":5,"page":326},{"id":2006,"text":"قال ابن إسحاق كانوا يجمعون الحطب شهرا فلما جمعوا ما أرادوا أشعلوا في كل ناحية من الحطب فاشتعلت النار واشتدت حتى أن كان الطير ليمر بها فيحترق من شدة وهجها، فأوقدوا عليها سبعة أيام.\rروي أنهم لم يعلموا كيف يلقونه فيها فجاء إبليس فعلمهم عمل المنجنيق فعملوا، ثم عمدوا إلى إبراهيم فرفعوه على رأس البنيان وقيدوه ثم وضعوه في المنجنيق مقيدا مغلولا (1) فصاحت السماء والأرض ومن فيها من الملائكة وجميع الخلق إلا الثقلين صيحة واحدة، أي ربنا إبراهيم خليلك يلقى في النار وليس في أرضك أحد يعبدك غيره فآذن لنا في نصرته، فقال الله عز وجل: إنه خليلي ليس لي غيره، وأنا إلهه وليس له إله غيري، فإن استغاث بشيء منكم أو دعاه فلينصره فقد أذنت له في ذلك، وإن لم يدع غيري فأنا أعلم به وأنا وليه فخلوا بيني وبينه، فلما أرادوا إلقاءه في النار أتاه خازن المياه فقال: إن أردت أخمدت النار (2) وأتاه خازن الرياح فقال: إن شئت طيرت النار في الهواء، فقال إبراهيم: لا حاجة لي إليكم حسبي الله ونعم الوكيل (3) .\rوروي عن أبي بن كعب أن إبراهيم قال حين أوثقوه ليلقوه في النار لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك (4) ثم رموا به في المنجنيق إلى النار، واستقبله جبريل فقال: يا إبراهيم لك حاجة؟ فقال أما إليك فلا (5) قال جبريل: فاسأل ربك، فقال إبراهيم حسبي من سؤالي علمه بحالي (6) .\rقال كعب الأحبار: جعل كل شيء يطفئ عنه النار إلا الوزغ فإنه كان ينفخ في النار (7) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبيد الله بن موسى وابن سلام عنه أخبرنا ابن جريج عن عبد الحميد بن جبير عن سعيد بن المسيب عن أم شريك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ، وقال: كان\r__________\r(1) انظر البحر المحيط: 6 / 328 .\r(2) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 5 / 640 للإمام أحمد في الزهد ولعبد بن حميد.\r(3) انظر البحر المحيط: 6 / 328 وقد عزاه لابن عباس، والدر المنثور: 5 / 641، وعند البخاري: 8 / 229 بلفظ: (كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل).\r(4) أخرجه الطبري: 17 / 45.\r(5) أخرجه الطبري: 17 / 45، وانظر: تفسير ابن كثير: 3 / 185.\r(6) ذكره ابن عراق في : \"تنزيه الشريعة\" 1 / 250 بلفظ: (علمه بحالي يغني عن سؤالي) حكاية عن الخليل عليه السلام، وقال: قال ابن تيمية: موضوع.\r(7) انظر القرطبي: 11 / 304.","part":5,"page":327},{"id":2007,"text":"\"ينفخ النار على إبراهيم\" (1) .\r{ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) }\rقال تعالى: { قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ } قال ابن عباس: لو لم يقل سلاما لمات إبراهيم من بردها، ومن المعروف في الآثار أنه لم يبق يومئذ نار في الأرض إلا طفئت، فلم ينتفع في ذلك اليوم بنار في العالم، ولو لم يقل وسلاما على إبراهيم بقيت ذات برد أبدا (2) .\rقال السدي: فأخذت الملائكة بضبعي إبراهيم فأقعدوه على الأرض، فإذا عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس (3) .\rقال كعب: ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه (4) قالوا: وكان إبراهيم في ذلك الموضع سبعة أيام (5) .\rقال المنهال بن عمرو: قال إبراهيم ما كنت أياما قط أنعم مني من الأيام التي كنت فيها في النار (6) .\rقال ابن يسار: وبعث الله عز وجل ملك الظل في صورة إبراهيم فقعد فيها إلى جنب إبراهيم يؤنسه، قالوا وبعث الله جبريل بقميص من حرير الجنة وطنفسة فألبسه القميص وأقعده على الطنفسة وقعد معه يحدثه (7) وقال جبريل: يا إبراهيم إن ربك يقول: أما علمت أن النار لا تضر أحبائي.\rثم نظر نمرود وأشرف على إبراهيم من صرح له فرآه جالسا في روضة والملك قاعد إلى جنبه وما حوله نار تحرق الحطب، فناداه: يا إبراهيم كبير إلهك الذي بلغت قدرته أن حال بينك وبين ما أرى، يا إبراهيم هل تستطيع أن تخرج منها؟ قال: نعم، قال: هل تخشى إن أقمت فيها أن تضرك؟ قال: لا قال: فقم فاخرج منها، فقام إبراهيم يمشي فيها حتى خرج منها، فلما خرج إليه قال له: يا إبراهيم من الرجل الذي رأيته معك في صورتك قاعدا إلى جنبك؟ قال: ذاك ملك الظل أرسله\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الأنبياء باب قول الله تعالى: (واتخذ الله إبراهيم خليلا) 6 / 389، ومسلم في باب السلام، باب استحباب قتل الوزغ، برقم (2237) 4 / 1757.\r(2) ذكر هذه الأقوال صاحب أضواء البيان: 4 / 589.\r(3) انظر: زاد المسير: 5 / 367.\r(4) أخرجه الطبري: 17 / 44.\r(5) انظر: زاد المسير: 5 / 367، القرطبي: 11 / 304.\r(6) أخرجه الطبري: 17 / 44 وابن كثير في التفسير: 4 / 185.\r(7) انظر زاد المسير: 5 / 367.","part":5,"page":328},{"id":2008,"text":"إلي ربي ليؤنسني فيها، فقال نمرود: يا إبراهيم إني مقرب إلى إلهك قربانا لما رأيت من قدرته وعزته فيما صنع بك حين أبيت إلا عبادته وتوحيده إني ذابح له أربعة آلاف بقرة، فقال له إبراهيم: إذا لا يقبل الله منك ما كنت على دينك حتى تفارقه إلى ديني، فقال: لا أستطيع ترك ملكي. ولكن سوف أذبحها له فذبحها له نمرود ثم كف عن إبراهيم، ومنعه الله منه (1) . قال شعيب الجبائي: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة (2) .\r{ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأخْسَرِينَ (70) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) }\rقوله عز وجل: { وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأخْسَرِينَ } قيل: معناه أنهم خسروا السعي والنفقة ولم يحصل لهم مرادهم.\rوقيل: معناه إن الله عز وجل أرسل على نمرود وعلى قومه البعوض فأكلت لحومهم وشربت دماءهم، ودخلت واحدة في دماغه فأهلكته. قوله عز وجل: { وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا } من نمرود وقومه من أرض العراق، { إِلَى الأرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ } يعني الشام بارك الله فيها بالخصب وكثرة الأشجار والثمار والأنهار، ومنها بعث أكثر الأنبياء. وقال أبي بن كعب: سماها مباركة لأنه ما من ماء عذب إلا وينبع أصله من تحت الصخرة التي هي ببيت المقدس.\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، أن عمر بن الخطاب قال لكعب: ألا تتحول إلى المدينة فيها مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبره، فقال كعب: إني وجدت في كتاب الله المنزل يا أمير المؤمنين أن الشام كنز الله من أرضه، وبها كنزه من عباده (3) .\rأخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرنا جدي عبد الصمد بن عبد الرحمن البزاز، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق الديري، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن شهر بن حوشب عن عبد 18/أ الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم\r__________\r(1) ذكره صاحب زاد المسير: 5 / 367 - 368.\r(2) أخرجه الطبري: 17 / 45.\r(3) عزاه المتقي في كنز العمال: 14 / 143 لابن عساكر.","part":5,"page":329},{"id":2009,"text":"يقول: \"إنها ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار الناس إلى مهاجر إبراهيم\" (1) .\rوقال محمد بن إسحاق: استجاب لإبراهيم رجال قومه حين رأوا ما صنع الله به من جعل النار عليه بردا وسلاما على خوف من نمرود وملئهم وآمن به لوط، وكان ابن أخيه وهو لوط بن هاران بن تارخ، وهاران هو أخو إبراهيم وكان لهما أخ ثالث يقال له ناخور بن تارخ، وآمنت به أيضا سارة وهي بنت عمه وهي سارة بنت هاران الأكبر، عم إبراهيم فخرج من كوثى من أرض العراق مهاجرا إلى ربه، ومعه لوط وسارة، كما قال الله تعالى: { فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي } (العنكبوت: 26) ، فخرج يلتمس الفرار بدينه والأمان على عبادة ربه، حتى نزل حران فمكث بها ما شاء الله، ثم خرج منها مهاجرا حتى قدم مصر، ثم خرج من مصر إلى الشام، فنزل السبع (2) من أرض فلسطين، وهي برية الشام، ونزل لوط بالمؤتفكة وهي من السبع على مسيرة يوم وليلة، وأقرب، فبعثه الله نبيا فذلك قوله تعالى : { وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ } (3) .\r{ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72) }\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الجهاد، باب في سكنى الشام 3 / 353 - 354، والحاكم: 4 / 486 - 487، وأحمد: 2 / 199، والمصنف في شرح السنة: 14 / 209 وشهر بن حوشب تكلم فيه غير واحد.\r(2) قال ياقوت: والسبع - بسكون الباء: ناحية في فلسطين، بين بيت المقدس والكرك، فيه سبع آبار، سمي الموضع بذلك، وكان ملكا لعمرو بن العاص أقام به لما اعتزل الناس، قال: وأكثر الناس يروي هذا بفتح الباء.\r(3) وأخرجه الطبري عن ابن إسحاق: 17 / 47 مع أقوال أخر، ثم قال مرجحا أن هجرة إبراهيم كانت من العراق إلى الشام: وإنما اخترنا ما اخترنا من القول في ذلك لأنه لا خلاف بين جميع أهل العلم أن هجرة إبراهيم من العراق كانت إلى الشام، وبها كان مقامه أيام حياته، وإن كان قد كان قدم مكة، وبنى بها البيت، وأسكنها إسماعيل ابنه مع أمه هاجر، غير أنه لم يقم بها، ولم يتخذها وطنا لنفسه، ولا لوط، والله إنما أخبر عن إبراهيم ولوط أنهما أنجاهما إلى الأرض التي بارك فيها للعالمين.","part":5,"page":330},{"id":2010,"text":"{ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73) }\r{ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً } قال مجاهد وعطاء: معنى النافلة العطية وهما جميعا من عطاء الله نافلة يعني عطاء، قال الحسن والضحاك: فضلا. وعن ابن عباس وأبي بن كعب وأبي زيد وقتادة رضي الله عنهم: النافلة هو يعقوب لأن الله عز وجل أعطاه إسحاق بدعائه حيث قال: { هب لي من الصالحين } (الصافات: 100) ، وزاد يعقوب [ولد الولد] (1) والنافلة الزيادة، { وَكُلا جَعَلْنَا صَالِحِينَ } يعني: إبراهيم وإسحاق ويعقوب. { وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً } يقتدى بهم في الخير، { يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا } يدعون الناس إلى ديننا،\r__________\r(1) في \"ب\" ولدا لولده.","part":5,"page":330},{"id":2011,"text":"{ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ } العمل بالشرائع، { وَإِقَامَ الصَّلاةِ } يعني: المحافظة عليها، { وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ } إعطاءها (1) { وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ } موحدين.\r{ وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (74) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (77) وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) }\r{ وَلُوطًا آتَيْنَاهُ } أي: وآتينا لوطا، وقيل: واذكر لوطا آتيناه، { حُكْمًا } يعني: الفصل بين الخصوم بالحق، { وَعِلْمًا } { وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ } يعني: سدوما وكان أهلها يأتون الذكران في أدبارهم ويتضارطون في أنديتهم مع أشياء أخر، كانوا يعملون من المنكرات، { إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ } { وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ } . { وَنُوحًا إِذْ نَادَى } دعا، { مِنْ قَبْلُ } أي من قبل إبراهيم ولوط، { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ } قال ابن عباس: من الغرق وتكذيب قومه. وقيل: لأنه كان أطول الأنبياء عمرا وأشدهم بلاء، والكرب: أشد الغم (2) . { وَنَصَرْنَاهُ } منعناه، { مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا } أن يصلوا إليه بسوء. وقال أبو عبيدة: أي على القوم، { إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ } قوله عز وجل : { وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ } اختلفوا في الحرث، قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم وأكثر المفسرين: كان الحرث كرما قد تدلت عناقيده. وقال قتادة: كان زرعا، { إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ } أي رعته ليلا فأفسدته، والنفش: الرعي بالليل والهمل بالنهار\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) ساقط من \"ب\".","part":5,"page":331},{"id":2012,"text":"وهما الرعي بلا راع، { وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ } أي: كان ذلك بعلمنا ومرأى منا لا يخفى علينا علمه. قال الفراء: جمع اثنين، فقال لحكمهم وهو يريد داود وسليمان لأن الاثنين جمع وهو مثل قوله: { فإن كان له إخوة فلأمه السدس } ( النساء: 11 ) ، وهو يريد أخوين.\rقال ابن عباس وقتادة والزهري: وذلك أن رجلين دخلا على داود أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الزرع: إن هذا انفلتت غنمه ليلا ووقعت في حرثي فأفسدته فلم يبق منه شيء، فأعطاه داود رقاب الغنم بالحرث، فخرجا فمرا على سليمان فقال: كيف قضى بينكما فأخبراه فقال سليمان: لو وليت أمرهما لقضيت بغير هذا.\rوروى أنه قال غير هذا أرفق بالفريقين، فأخبر بذلك داود فدعاه فقال كيف تقضي؟ ويروى أنه قال بحق النبوة والأبوة إلا أخبرتني بالذي هو أرفق بالفريقين، قال: ادفع الغنم إلى صاحب الحرث ينتفع بدرها ونسلها وصوفها ومنافعها ويبذر صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه، فإذا صار الحرث كهيئته يوم أكل دفع إلى أهله، وأخذ صاحب الغنم غنمه، فقال داود القضاء ما قضيت وحكم بذلك (1) .\rوقيل: إن سليمان يوم حكم كان ابن إحدى عشرة سنة، وأما حكم الإسلام [في هذه المسألة] (2) أن ما أفسدت الماشية المرسلة بالنهار من مال الغير فلا ضمان على ربها، وما أفسدت بالليل ضمنه ربها لأن في عرف الناس أن أصحاب الزرع يحفظونه بالنهار، والمواشي تسرح بالنهار وترد بالليل إلى المراح.\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن أبي شهاب، عن حرام بن سعد بن محيصة أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائطا فأفسدته فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضمانه على أهلها، وذهب أصحاب الرأي إلى أن المالك إذا لم يكن معها فلا ضمان عليه فيما أتلفت ماشيته ليلا كان أو نهارا (3) .\r__________\r(1) أخرج هاتين الروايتين الطبري: 17 / 51 - 54، وانظر: تفسير ابن كثير: 3 / 187.\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) أخرجه أبو داود في البيوع ، باب : المواشي تفسد زرع قوم: 5 / 202، وعزاه المنذري للنسائي في الكبرى، وابن ماجه في الأحكام، باب: الحكم فيما أفسدت المواشي برقم (2333) 2 / 781، ورواه الإمام مالك في الموطأ مرسلا: 2 / 747 - 748 ، وأحمد : 4 / 295 ، وعبد الرزاق 10 / 82، والبيهقي 8 / 341 - 342. قال: ابن عبد البر في التمهيد: 11 / 81 - 82، هكذا رواه جميع رواة الموطأ - فيما علمت - مرسلا، وكذلك رواه أصحاب ابن شهاب عن ابن شهاب مرسلا إلا أن ابن عيينة رواه عن الزهري عن سعيد بن المسيب وحرام بن سعد بن محيصة. . . ثم قال: هذا الحديث وإن كان مرسلا فهو حديث مشهور أرسله الأئمة وحدث به الثقات واستعمله فقهاء الحجاز وتلقوه بالقبول، وجرى في المدينة به العمل، وقد زعم الشافعي أنه تتبع مراسيل سعيد بن المسيب فألفاها صحاحا وأكثر الفقهاء يحتجون بها. وقال ابن التركماني في الجوهر النقي: 8 / 342 اضطرب إسناد هذا الحديث اضطرابا شديدا، واختلف فيه على الزهري على سبعة أوجه ذكرها ابن القطان.","part":5,"page":332},{"id":2013,"text":"{ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79) }\rقوله عز وجل : { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ } أي علمناه القضية وألهمناها سليمان، { وَكُلا } يعني داود وسليمان، { آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا } قال الحسن: لولا هذه الآية لرأيت الحكام قد هلكوا ولكن الله حمد هذا بصوابه وأثنى على هذا باجتهاده (1) . واختلف العلماء في أن حكم داود كان بالاجتهاد أم بالنص، وكذلك حكم سليمان.\rفقال بعضهم: فعلا بالاجتهاد. وقالوا يجوز الاجتهاد للأنبياء ليدركوا ثواب المجتهدين إلا أن داود أخطأ وأصاب سليمان. وقالوا: يجوز الخطأ على الأنبياء إلا أنهم لا يقرون عليه، فأما العلماء فلهم الاجتهاد في الحوادث إذا لم يجدوا فيها نص كتاب أو سنة، وإذا أخطأوا فلا إثم عليهم (2) [فإنه موضوع عنهم] (3) لما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد 18/ب الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي، أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن عبد الله بن الهادي، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن بشر\r__________\r(1) انظر : القرطبي: 11 / 309.\r(2) انظر تفصيلا في تفسير القرطبي: 11 / 308 - 310، وأضواء البيان 4 / 596 - 597 وقد رجح الشيخ الشنقيطي - رحمه الله - أن حكمهما - داود وسليمان عليهما السلام - كان باجتهاد لا بوحي، إذا يقول: وفي الآية قرينتان على أن حكمهما كان باجتهاد لا بوحي، وأن سليمان أصاب فاستحق الثناء باجتهاده وإصابته، وأن داود لم يصب فاستحق الثناء باجتهاده ولم يستوجب لوما ولا ذما بعدم إصابته، كما أثنى على سليمان بالإصابة في قوله: (ففهمناها سليمان)، وأثنى عليهما في قوله: (وكلا آتينا حكما وعلما) فدل قوله: (إذ يحكمان) على أنهما حكما فيها معا، كل منهما بحكم مخالف لحكم الآخر، ولو كان وحيا لما ساغ الخلاف، ثم قال: (ففهمناها سليمان) فدل ذلك على أنه لم يفهمها داود ، ولو كان حكمه فيها بوحي لكان مفهما إياها كما ترى. فقوله: (إذ يحكمان) مع قوله: (ففهمناها سليمان) قرينة على أن الحكم لم يكن بوحي بل باجتهاد، وأصاب فيه سليمان دون داود بتفهيم الله إياه ذلك. والقرينة الثانية: هي أن قوله تعالى: (ففهمناها) الآية يدل على أنه فهمه إياها من نصوص ما كان عندهم من الشرع، لا أنه أنزل عليه فيها وحيا جديدا ناسخا، لأن قوله تعالى: (ففهمناها) أليق بالأول من الثاني كما ترى.\r(3) زيادة من \"ب\".","part":5,"page":333},{"id":2014,"text":"ابن سعيد، عن أبي عن قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر\" (1) .\rوقال قوم: إن داود وسليمان حكما بالوحي، وكان حكم سليمان ناسخا لحكم داود، وهذا القائل يقول: لا يجوز للأنبياء الحكم بالاجتهاد لأنهم مستغنون عن الاجتهاد بالوحي، وقالوا: لا يجوز الخطأ على الأنبياء (2) واحتج من ذهب إلى أن كل مجتهد مصيب بظاهر الآية وبالخبر حيث وعد الثواب للمجتهد على الخطأ، وهو قول أصحاب الرأي، وذهب جماعة إلى أنه ليس كل مجتهد مصيبا بل إذا اختلف اجتهاد مجتهدين في حادثة كان الحق مع واحد لا بعينه، ولو كان كل واحد مصيبا لم يكن للتقسيم معنى، وقوله عليه السلام: \"وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر\"، لم يرد به أنه يؤجر على الخطأ بل يؤجر على اجتهاده في طلب الحق لأن اجتهاده عبادة، والإثم في الخطأ عنه موضوع إذا لم يأل جهده (3) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرنا أبو الزناد، عن عبد الرحمن الأعرج أنه سمع أبا هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"كانت امرأتان معهما ابناهما فجاء الذئب فذهب بابن إحداهما فقالت صاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان وأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله فهو ابنها فقضى به للصغرى\" (4) .\rقوله عز وجل: { وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ } أي وسخرنا الجبال والطير يسبحن مع داود إذا سبح، قال ابن عباس: كان يفهم تسبيح الحجر والشجر. قال وهب: كانت الجبال تجاوبه بالتسبيح وكذلك الطير. وقال قتادة: يسبحن أي يصلين معه إذا صلى. وقيل: كان داود إذا فتر يسمعه الله تسبيح الجبال والطير لينشط في التسبيح ويشتاق إليه. { وَكُنَّا فَاعِلِينَ }\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الاعتصام، باب: أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ: 13 / 318 ومسلم في الأقضية، باب: أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ برقم (1716) 3 / 1342 والمصنف في شرح السنة: 10 / 115.\r(2) انظر القرطبي : 11 / 308 - 310.\r(3) انظر القرطبي: 11 / 311 .\r(4) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب: قول الله تعالى: (ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب) 6 / 458 ومسلم في الأقضية، باب: بيان اختلاف المجتهدين برقم (1720) 3 / 1343.","part":5,"page":334},{"id":2015,"text":"يعني: ما ذكر من التفهيم وإيتاء الحكم والتسخير.\r{ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81) }\r{ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ } والمراد باللبوس هنا الدروع لأنها تلبس، وهو في اللغة اسم لكل ما يلبس ويستعمل في الأسلحة كلها، وهو بمعنى الملبوس كالجلوس والركوب، قال قتادة: أول من صنع الدروع وسردها وحلقها داود وكانت من قبل صفائح، والدرع يجمع الخفة والحصانة، { لِتُحْصِنَكُمْ } لتحرزكم وتمنعكم، { مِنْ بَأْسِكُمْ } أي حرب عدوكم، قال السدي: من وقع السلاح فيكم، قرأ أبو جعفر وابن عامر وحفص عن عاصم ويعقوب: { لِتُحْصِنَكُمْ } بالتاء، يعني الصنعة، وقرأ أبو بكر عن عاصم بالنون لقوله: { وَعَلَّمْنَاهُ } وقرأ الآخرون بالياء، جعلوا الفعل للبوس، وقيل: ليحصنكم الله عز وجل، { فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ } يقول لداود وأهل بيته. وقيل: يقول لأهل مكة فهل أنتم شاكرون نعمي بطاعة الرسول. قوله عز وجل: { وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً } أي وسخرنا لسليمان الريح، وهي هواء متحرك، وهو جسم لطيف يمتنع بلطفه من القبض عليه، ويظهر للحس بحركته، والريح يذكر ويؤنث، عاصفة شديدة الهبوب، فإن قيل: قد قال في موضع آخر تجري بأمره رخاء والرخاء اللين؟ قيل: كانت الريح تحت أمره إن أراد أن تشتد اشتدت، وإن أراد أن تلين لانت، { تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا } يعني الشام، وذلك أنها كانت تجري لسليمان وأصحابه حيث شاء سليمان، ثم تعود إلى منزله بالشام، { وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ } علمناه، { عَالِمِينَ } بصحة التدبير فيه علمنا أن ما يعطى سليمان من تسخير الريح وغيره يدعوه إلى الخضوع لربه عز وجل.\rقال وهب بن منبه: كان سليمان عليه السلام إذا خرج إلى مجلسه عكفت عليه الطير وقام له الجن والإنس حتى يجلس على سريره، وكان امرءا غزاء قل ما يقعد عن الغزو، ولا يسمع في ناحية من الأرض بملك إلا أتاه حتى يذله، كان فيما يزعمون إذا أراد الغزو أمر بمعسكره فضرب بخشب ثم نصب له على الخشب ثم حمل عليه الناس والدواب وآلة الحرب، فإذا حمل معه ما يريد أمر العاصفة من الريح فدخلت تحت ذلك الخشب فاحتملته حتى إذا استقلت به أمر الرخاء فمر به شهرا في روحته وشهرا في غدوته إلى حيث أراد، وكانت تمر بعسكره الريح الرخاء وبالمزرعة","part":5,"page":335},{"id":2016,"text":"فما تحركها، ولا تثير ترابا ولا تؤذي طائرا. قال وهب: ذكر لي أن منزلا بناحية دجلة مكتوب فيه [كتبه] (1) بعض صحابة سليمان إما من الجن وإما من الإنس نحن نزلناه وما بنيناه مبنيا وجدناه، غدونا من اصطخر فقلناه ونحن رائحون منه إن شاء الله فبائتون بالشام (2) .\rقال مقاتل: نسجت الشياطين لسليمان بساطا فرسخا في فرسخ ذهبا في إبريسم، وكان يوضع له منبر من الذهب في وسط البساط فيقعد عليه، وحوله ثلاثة آلاف كرسي من ذهب وفضة، يقعد الأنبياء على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس، وحول الناس الجن والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصبا البساط مسيرة شهر من الصباح إلى الرواح ومن الرواح إلى الصباح (3)\rوعن سعيد بن جبير قال: كان يوضع لسليمان ستمائة ألف كرسي فيجلس الإنس فيما يليه ثم يليهم الجن ثم تظلهم الطير ثم تحملهم الريح (4) .\rوقال الحسن: لما شغلت الخيل نبي الله سليمان عليه السلام حتى فاتته صلاة العصر غضب لله عز وجل فعقر الخيل فأبدله الله مكانها خيرا منها، وأسرع الريح تجري بأمره كيف شاء، فكان يغدو من إيلياء فيقيل باصطخر، ثم يروح 19/أ منها فيكون رواحها ببابل (5) .\rوقال ابن زيد: كان له مركب من خشب وكان فيه ألف ركن في كل ركن ألف بيت يركب معه فيه الجن والإنس، تحت كل ركن ألف شيطان يرفعون ذلك المركب، وإذا ارتفع أتت الريح الرخاء فسارت به وبهم، يقيل عند قوم بينه وبينهم شهر ويمسي عند قوم بينه وبينهم شهر، لا يدري القوم إلا وقد أظلهم معه الجيوش (6) .\r[وروي أن سليمان سار من أرض العراق غاديا فقال بمدينة مرو، وصلى العصر بمدينة بلخ، تحمله وجنوده الريح، وتظلهم الطير، ثم سار من مدينة بلخ متخللا بلاد الترك، ثم جاءهم إلى بلاد الصين يغدو على مسيرة شهر ويروح على مثل ذلك، ثم عطف يمنة عن مطلع الشمس على ساحل البحر حتى أتى على أرض القندهار، وخرج منها إلى أرض مكران وكرمان، ثم جاوزها حتى أتى أرض\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) أخرجه الطبري: 17 / 55 - 56.\r(3) انظر: البحر المحيط: 6 / 333.\r(4) ذكره ابن كثير في تفسيره: 3 / 188.\r(5) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 677 لعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\r(6) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 5 / 651 لابن أبي حاتم.","part":5,"page":336},{"id":2017,"text":"فارس فنزلها أياما وغدا منها فقال بكسكر ثم راح إلى الشام وكان مستقره بمدينة تدمر، وكان أمر الشياطين قبل شخوصه من الشام إلى العراق، فبنوها له بالصفاح والعمد والرخام الأبيض والأصفر، وفي ذلك يقول النابعة: إلا سليمان إذ قال المليك له ... قم في البرية فاحددها عن الفند\rوجيش الجن إني قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصفاح والعمد] (1)\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".","part":5,"page":337},{"id":2018,"text":"{ وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (82) وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) }\rقوله عز وجل : { وَمِنَ الشَّيَاطِينِ } أي وسخرنا له من الشياطين، { مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ } أي يدخلون تحت الماء فيخرجون له من قعر البحر الجواهر، { وَيَعْمَلُونَ عَمَلا دُونَ ذَلِكَ } أي دون الغوص، وهو ما ذكر الله عز وجل: { يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل } (سبأ: 13) الآية. { وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ } حتى لا يخرجوا من أمره. وقال الزجاج: معناه حفظناهم من أن يفسدوا ما عملوا. وفي القصة أن سليمان كان إذا بعث شيطانا مع إنسان ليعمل له عملا قال له: إذا فرغ من عمله قبل الليل أشغله بعمل آخر لئلا يفسد ما عمل، وكان من عادة الشياطين أنهم إذا فرغوا من العمل ولم يشتغلوا بعمل آخر خربوا ما عملوا وأفسدوه. قوله عز وجل: { وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ } أي دعا ربه، قال وهب بن منبه: كان أيوب عليه السلام رجلا من الروم وهو أيوب بن أموص بن رازخ بن روم بن عيس بن إسحاق بن إبراهيم، وكانت أمه من أولاد لوط بن هاران، وكان الله قد اصطفاه ونبأه وبسط عليه الدنيا، وكانت له البثنية من أرض الشام، كلها سهلها وجبلها، وكان له فيها من أصناف المال كله، من البقر والإبل والغنم والخيل والحمر ما لا يكون لرجل أفضل منه من العدة والكثرة، وكان له خمسمائة فدان، يتبعها خمسمائة عبد، لكل عبد امرأة وولد ومال، ويحمل آلة كل فدان أتان لكل أتان ولد من اثنين وثلاثة وأربعة وخمسة، وفوق ذلك، وكان الله عز وجل أعطاه أهلا وولدا من رجال ونساء، وكان برا تقيا رحيما بالمساكين، يطعم المساكين ويكفل الأرامل والأيتام، ويكرم الضيف ويبلغ ابن السبيل، وكان شاكرا لأنعم الله مؤديا لحق الله، قد امتنع من عدو الله إبليس أن يصيب منه ما يصيب من أهل الغنى من الغرة والغفلة والتشاغل عن أمر الله بما هو فيه من الدنيا، وكان معه ثلاثة نفر قد آمنوا","part":5,"page":337},{"id":2019,"text":"به وصدقوه رجل من أهل اليمن يقال له اليقين، ورجلان من أهل بلدة يقال لأحدهما يلدد والآخر صافر وكانوا كهولا وكان إبليس لا يحجب عن شيء من السموات، وكان يقف فيهن حيث ما أراد حتى رفع الله عيسى فحجب عن أربع سموات، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم حجب من الثلاث الباقية، فسمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب، وذلك حين ذكره الله وأثنى عليه، فأدركه البغي والحسد، فصعد سريعا حتى وقف من السماء موقفا كان يقفه، فقال إلهي نظرت في أمر عبدك أيوب فوجدته عبدا أنعمت عليه فشكرك وعافيته فحمدك، ولو ابتليته بنزع ما أعطيته لحال عما هو عليه من شكرك وعبادتك، ولخرج من طاعتك، قال الله تعالى: انطلق فقد سلطتك على ماله فانقض عدو الله إبليس حتى وقع إلى الأرض، ثم جمع عفاريت الجن ومردة الشياطين، وقال لهم: ماذا عندكم من القوة؟ فإني قد سلطت على مال أيوب، وهي المصيبة الفادحة والفتنة التي لا يصبر عليها الرجال، فقال عفريت من الشياطين أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصارا من نار وأحرقت كل شيء آتي عليه، قال له إبليس: فأت الإبل ورعاءها، فأتى الإبل حين وضعت رءوسها وثبتت في مراعيها، فلم يشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصار من نار لا يدنو منها أحد إلا احترق فأحرق الإبل ورعاءها، حتى أتى على آخرها، ثم جاء عدو الله إبليس في صورة قبيحة على قعود إلى أيوب فوجده قائما يصلي، فقال: يا أيوب أقبلت نار حتى غشيت إبلك فأحرقتها ومن فيها غيري، فقال أيوب: الحمد لله الذي هو أعطاها وهو أخذها، وقديما ما وطنت مالي ونفسي على الفناء، فقال إبليس: فإن ربك أرسل عليها نارا من السماء فاحترقت فتركت الناس مبهوتين يتعجبون منها، منهم من يقول ما كان أيوب يعبد شيئا وما كان إلا في غرور، ومنهم من يقول لو كان إله أيوب يقدر على أن يصنع شيئا لمنع [وليه] (1) ومنهم من يقول: بل هو الذي فعل ليشمت به عدوه ويفجع به صديقه.\rقال أيوب: الحمد لله حين أعطاني وحين نزع مني، عريانا خرجت من بطن أمي، وعريانا أعود في التراب، وعريانا أحشر إلى الله، ليس لك أن تفرح حين أعارك وتجزع حين قبض عاريته منك، الله أولى بك وبما أعطاك، ولو علم الله فيك أيها العبد خيرا لنقل روحك مع تلك الأرواح وصرت شهيدا، ولكنه علم منك شرا فأخرك، فرجع إبليس إلى أصحابه [خائبا] (2) خاسئا ذليلا فقال لهم: ماذا عندكم من القوة؟ فإني لم أكلم قلبه؟ قال عفريت: عندي من القوة ما شئت صحت صيحة لا يسمعها ذو روح إلا خرجت مهجة نفسه، فقال إبليس فأت الغنم ورعاتها، فانطلق حتى توسطها\r__________\r(1) في \"ب\" عن وليه أيوب.\r(2) زيادة من \"ب\".","part":5,"page":338},{"id":2020,"text":"ثم صاح صيحة فتجثمت أمواتا عن آخرها ومات رعاؤها، ثم جاء إبليس متمثلا بقهرمان الرعاة إلى أيوب وهو يصلي، فقال له مثل القول الأول، فرد عليه أيوب مثل الرد الأول ثم رجع إبليس إلى أصحابه فقال: ماذا عندكم من القوة فإني لم أكلم قلب أيوب، فقال عفريت عندي من القوة ما إذا شئت تحولت ريحا عاصفا تنسف كل شيء تأتي عليه، قال فأت الفدادين والحرث فانطلق ولم يشعروا حتى هبت ريح عاصف، فنسفت كل شيء من ذلك حتى كأنه لم يكن، ثم جاء إبليس متمثلا بقهرمان الحرث إلى أيوب وهو قائم يصلي، فقال له مثل القول الأول، فرد عليه أيوب مثل رده الأول كلما انتهى إليه هلاك مال من أمواله حمد الله وأحسن الثناء عليه، ورضي منه بالقضاء، ووطن نفسه بالصبر على البلاء، حتى لم يبق له مال.\rفلما رأى إبليس أنه قد أفنى ماله صعد [إلى السماء] (1) فقال إلهي إن أيوب يرى 19/ب أنك ما متعته بولده فأنت معطيه المال فهل مسلطي على ولده، فإنها المصيبة التي لا تقوم لها قلوب الرجال، قال الله تعالى: انطلق فقد سلطتك على ولده، فانقض عدو الله حتى جاء بني أيوب وهم في قصرهم فلم يزل يزلزل بهم حتى تداعى من قواعده، ثم جعل يناطح جدره بعضها ببعض ويرميهم بالخشب والجندل، حتى إذا مثل بهم كل مثلة رفع القصر فقلبه فصاروا منكسين، وانطلق إلى أيوب متمثلا بالمعلم الذي كان يعلمهم الحكمة وهو جريج مخدوش الوجه يسيل دمه ودماغه فأخبره، وقال: لو رأيت بنيك كيف عذبوا وقلبوا فكانوا منكسين على رءوسهم تسيل دماؤهم ودماغهم، ولو رأيت كيف شقت بطونهم وتناثرت أمعاؤهم لقطع قلبك، فلم يزل يقول هذا ونحوه حتى رق أيوب فبكي وقبض قبضة من التراب فوضعها على رأسه، وقال: ليت أمي لم تلدني، فاغتنم إبليس ذلك فصعد سريعا بالذي كان من جزع أيوب مسرورا به، ثم لم يلبث أيوب أن فاء وأبصر واستغفر، وصعد قرناؤه من الملائكة بتوبته فسبقت توبته إلى الله وهو أعلم، فوقف إبليس ذليلا فقال: يا إلهي إنما هون على أيوب المال والولد أنه يرى منك أنك ما متعته بنفسه فأنت تعيد له المال والولد فهل أنت مسلطي على جسده؟ فقال الله عز وجل: انطلق فقد سلطتك على جسده، ولكن ليس لك سلطان على لسانه ولا على قلبه، وكان الله عز وجل أعلم به لم يسلطه عليه إلا رحمة له ليعظم له الثواب ويجعله عبرة للصابرين وذكرى للعابدين في كل بلاء نزل بهم، ليتأسوا به في الصبر ورجاء للثواب، فانقض عدو الله سريعا فوجد أيوب ساجدا فعجل قبل أن يرفع رأسه فأتاه من قبل وجوهه فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها [جميع] (2) جسده، فخرج من قرنه إلى قدمه ثآليل مثل أليات\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) زيادة من \"ب\".","part":5,"page":339},{"id":2021,"text":"الغنم فوقعت فيه حكة فحك بأظفاره حتى سقطت كلها ثم حكها بالمسوح الخشنة حتى قطعها، ثم حكها بالفخار والحجارة الخشنة، فلم يزل يحكها حتى نغل لحمه، وتقطع وتغير وأنتن، وأخرجه أهل القرية فجعلوه على كناسة، وجعلوا له عريشا، فرفضه خلق الله كلهم غير امرأته، وهي رحمة بنت أفراثيم بن يوسف بن يعقوب كانت تختلف إليه بما يصلحه وتلزمه، فلما رأى الثلاثة من أصحابه وهم: يقن ويلدد وصافر ما ابتلاه الله به اتهموه ورفضوه من غير أن يتركوا دينه، فلما طال به البلاء انطلقوا إليه فبكتوه ولاموه وقالوا له: تب إلى الله من الذنب الذي عوقبت به، قال: وحضره معهم فتى حديث السن قد آمن به وصدقه، فقال لهم: إنكم تكلمتم أيها الكهول، وكنتم أحق بالكلام مني لأسنانكم، ولكن قد تركتم من القول أحسن من الذي قلتم، ومن الرأي أصوب من الذي رأيتم، ومن الأمر أجمل من الذي أتيتم، وقد كان لأيوب عليكم من الحق والذمم أفضل من الذي وصفتم، فهل تدرون أيها الكهول حق من انتقصتم وحرمة من انتهكتم، ومن الرجل الذي عبتم واتهمتم؟ الم تعلموا أن أيوب نبي الله وخيرته من خلقه وصفوته من أهل الأرض إلى يومكم هذا، ثم لم تعلموا ولم يطلعكم الله من أمره على أنه قد سخط عليه شيئا من أمره منذ آتاه الله ما آتاه إلى يومك هذا، ولا على أنه نزع منه شيئا من الكرامة التي أكرمه بها، ولا أن أيوب قال على الله غير الحق في طول ما صحبتموه إلى يومكم هذا، فإن كان البلاء هو الذي أزرى به عندكم ووضعه في أنفسكم فقد علمتم أن الله يبتلي المؤمنين والصديقين والشهداء والصالحين، وليس بلاؤه لأولئك بدليل على سخطه عليهم ولا لهوانه لهم، ولكنه كرامة وخيرة لهم، ولو كان أيوب ليس من الله بهذه المنزلة إلا أنه أخ أحببتموه على وجه الصحبة لكان لا يجمل بالحليم أن [يعذل] (1) أخاه عند البلاء، ولا يعيره بالمصيبة، ولا يعيبه بما لا يعلم وهو مكروب حزين، ولكنه يرحمه ويبكي معه، ويستغفر له، ويحزن لحزنه، ويدله على مراشد أمره، وليس بحليم ولا رشيد من جهل هذا، فالله الله أيها الكهول وقد كان في عظمة الله وجلاله، وذكر الموت ما يقطع ألسنتكم، ويكسر قلوبكم، ألم تعلموا أن لله عبادا أسكتتهم خشية من غير عي ولا بكم، وأنهم لهم الفصحاء البلغاء النبلاء الألباء العالمون بالله، ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله انقطعت ألسنتهم، واقشعرت جلودهم، وانكسرت قلوبهم، وطاشت عقولهم إعظاما وإجلالا لله عز وجل، فإذا استفاقوا من ذلك استبقوا إلى الله عز وجل بالأعمال الزاكية يعدون أنفسهم مع الظالمين والخاطئين، وإنهم لأبرار برءاء، ومع المقصرين والمفرطين، وأنهم لأكياس أقوياء، فقال أيوب: إن الله عز وجل يزرع الحكمة بالرحمة في قلب الصغير والكبير، فمتى نبتت في القلب يظهرها الله على اللسان، وليست تكون الحكمة من قبل السن والشيبة ولا طول التجربة، وإذا جعل الله العبد حكيما في الصبا لم تسقط منزلته عند الحكماء وهم يرون من الله سبحانه عليه نور الكرامة، ثم أعرض عنهم أيوب وأقبل على ربه مستغيثا به متضرعا إليه، فقال رب لأي شيء خلقتني ليتني إذ كرهتني لم تخلقني يا ليتني قد عرفت الذنب الذي أذنبت، والعمل الذي عملت، فصرفت وجهك الكريم عني، لو كنت أمتني فألحقتني بآبائي الكرام، فالموت كان أجمل بي ألم أكن للغريب دارا، وللمسكين قرارا، ولليتيم وليا، وللأرملة قيما، إلهي أنا عبدك إن أحسنت فالمن لك، وإن أسأت فبيدك عقوبتي، جعلتني +عرضا، وللفتنة نصبا، وقد وقع علي بلاء لو سلطته على جبل ضعف عن حمله، فكيف يحمله ضعفي وإن قضاءك هو الذي أذلني، وإن سلطانك هو الذي أسقمني وأنحل جسمي، ولو أن ربي نزع الهيبة التي في صدري وأطلق لساني حتى أتكلم بملء فمي بما كان ينبغي للعبد أن يحاج عن نفسه لرجوت أن يعافيني عند ذلك مما بي، ولكنه ألقاني وتعالى عني فهو يراني ولا أراه ويسمعني ولا أسمعه، لا نظر إلي فيرحمني، ولا دنا مني ولا أدناني فأدلي بعذري وأتكلم ببراءتي وأخاصم 20/أ عن نفسي (2) فلما قال ذلك أيوب وأصحابه عنده أظله غمام حتى ظن أصحابه أنه عذاب أليم، ثم نودي يا أيوب إن الله عز وجل يقول: ها أنا قد دنوت منك ولم أزل منك قريبا قم فأدل بعذرك، وتكلم ببراءتك، وخاصم عن نفسك، واشدد إزرك، وقم مقام جبار يخاصم جبارا إن استطعت، فإنه لا ينبغي أن يخاصمني إلا جبار مثلي، لقد +منتك نفسك يا أيوب أمرا ما تبلغ بمثل قوتك، أين أنت مني يوم خلقت الأرض فوضعتها على أساسها، هل كنت معي تمد بأطرافها؟ وهل علمت بأي مقدار قدرتها أم على أي شيء وضعت أكنافها؟ أبطاعتك حمل الماء الأرض أم بحكمتك كانت الأرض للماء غطاء؟ أين كنت مني يوم رفعت السماء سقفا في الهواء لا تعلق بسبب من فوقها ولا يقلها دعم من تحتها؟ حتى تبلغ من حكمتك أن تجري نورها أو تسير نجومها أو يختلف بأمرك ليلها ونهارها؟ أين أنت مني يوم نبعث الأنهار وسكرت البحار، أسلطانك حبس أمواج البحار على حدودها؟ أم قدرتك فتحت الأرحام حين بلغت مدتها؟ أين أنت مني يوم صببت الماء على التراب ونصبت شوامخ الجبال؟ هل تدري على أي شيء أرسيتها؟ وبأي مثقال وزنتها؟ أم هل لك من ذراع تطيق حملها؟ أم هل تدري من أين الماء الذي أنزلت من السماء؟ أم هل تدري من أي شيء أنشيء السحاب؟ أم هل تدري أين خزائن الثلج؟ أم أين جبال البرد أم أين خزانة الليل بالنهار [وخزانة النهار بالليل] (3) ؟ وأين خزانة الريح؟ وبأي لغة تتكلم الأشجار؟ ومن جعل العقول في أجواف الرجال؟ ومن شق الأسماع والأبصار؟ ومن ذلت الملائكة لملكه وقهر الجبارين بجبروته؟ وقسم الأرزاق بحكمته؟ في كلام كثير من آثار قدرته ذكرها لأيوب، فقال أيوب: صغر شأني وكل لساني وعقلي ورائي وضعفت قوتي عن هذا الأمر الذي تعرض لي يا إلهي، قد علمت أن كل الذي ذكرت صنع يديك وتدبير حكمتك وأعظم من ذلك وأعجب لو شئت عملت، لا يعجزك شيء ولا يخفى عليك خافية إذ لقيني البلاء ، يا إلهي فتكلمت ولم أملك لساني وكان البلاء هو الذي أنطقني، فليت الأرض انشقت لي فذهبت فيها ولم أتكلم بشيء يسخط ربي، وليتني مت بغمي في أشد بلائي قبل ذلك، إنما تكلمت حين تكلمت لتعذرني، وسكت حين سكت لترحمني، كلمة زلت مني فلن أعود، وقد وضعت يدي على فمي وعضضت على لساني، وألصقت بالتراب خدي، أعوذ بك اليوم منك واستجيرك من جهد البلاء فأجرني، وأستغيث بك من عقابك فأغثني، وأستعين بك على أمري فأعني، وأتوكل عليك فاكفني، وأعتصم بك فاعصمني، وأستغفرك فاغفر لي، فلن أعود لشيء تكرهه مني، قال الله تعالى: يا أيوب نفذ فيك علمي وسبقت رحمتي غضبي فقد غفرت لك، ورددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم لتكون لمن خلقت آية، وتكون عبرة لأهل البلاء وعزاء للصابرين، فاركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب فيه شفاؤك وقرب عن أصحابك قربانا فاستغفر لهم فإنهم قد عصوني فيك، فركض برجله فانفجرت له عين فدخل فيها فاغتسل فأذهب الله عنه كل ما كان به من البلاء، ثم خرج فجلس فأقبلت امرأته تلتمسه في مضجعه فلم تجده فقامت كالوالهة مترددة (4) ثم قالت: يا عبد الله هل لك علم بالرجل المبتلى الذي كان هاهنا؟ قال لها: هل تعرفينه إذا رأيتيه؟ قالت: نعم وما لي لا أعرفه، فتبسم وقال: أنا هو فعرفته بضحكه فاعتنقته. قال ابن عباس: فوالذي نفس عبد الله بيده ما فارقته من عناقه حتى مر بهما كل مال لهما وولد (5) .\rفذلك قوله تعالى: { وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ } واختلفوا في وقت ندائه والسبب الذي قال لأجله: أني مسني الضر، وفي مدة بلائه.\rروى ابن شهاب عن أنس يرفعه أن أيوب لبث في بلائه ثماني عشرة سنة (6) .\rوقال وهب: لبث أيوب في البلاء ثلاث سنين لم يزد يوما (7) .\rوقال كعب: كان أيوب في بلائه سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام.\rوقال الحسن: مكث أيوب مطروحا على كناسة في مزبلة لبني إسرائيل سبع سنين وأشهرا تختلف فيه الدواب لا يقربه أحد غير رحمة صبرت معه بصدق وتأتيه بطعام وتحمد الله معه إذا حمد، وأيوب على ذلك لا يفتر عن ذكر الله والصبر على ابتلائه (8) فصرخ إبليس صرخة جمع بها جنوده من أقطار الأرض، فلما اجتمعوا إليه قالوا: له حزنك؟ قال أعياني هذا العبد الذي لم أدع له مالا ولا ولدا فلم يزد إلا صبرا، ثم سلطت على جسده فتركته قرحة ملقاة على كناسة لا يقربه إلا امرأته، فاستعنت بكم لتعينوني عليه، فقالوا له أين مكرك الذي أهلكت به من مضى؟ قال : بطل ذلك كله في أيوب فأشيروا علي قالوا نشير عليك، من أين أتيت آدم حين أخرجته من الجنة؟ قال من قبل امرأته قالوا فشأنك بأيوب من قبل امرأته فإنه لا يستطيع أن يعصيها وليس أحد يقربه غيرها، قال: أصبتم، فانطلق حتى أتى امرأته وهي تصدق فتمثل لها في صورة رجل فقال: أين بعلك يا أمة الله؟ قالت هو ذاك يحك قروحه وتتردد الدواب في جسده، فلما سمعها طمع أن تكون كلمة جزع فوسوس إليها وذكرها ما كانت فيه من النعم والمال، وذكرها جمال أيوب وشبابه وما هو فيه من الضر وأن ذلك لا ينقطع عنهم أبدا، قال الحسن فصرخت فلما صرخت علم أن قد جزعت فأتاها بسخلة وقال ليذبح هذه لي أيوب ويبرأ، فجاءت تصرخ يا أيوب حتى متى يعذبك ربك، أين المال، أين الولد، أين الصديق، أين لونك الحسن، أين جسمك [الحسن] (9) اذبح هذه السخلة واسترح، قال أيوب أتاك عدو الله فنفخ فيك ويلك أرأيت ما تبكين 20/ب عليه من المال والولد والصحة من أعطانيه؟ قالت الله، قال فكم متعنا به؟ قالت ثمانين سنة، قال فمنذ كم ابتلانا؟ قالت منذ سبع سنين وأشهر، قال ويلك\r__________\r(1) في \"ب\" يعتزل.\r(2) أخرجه الطبري: 17 / 65 -68 دون أن يعلق بشيء على ما في الرواية من الإسرائيليات كما قال صاحب أضواء البيان: 4 / 681، ومنها ما ذكره جماعة من المفسرين: أن الله سلط الشيطان على ماله وأهله ابتلاء لأيوب ، فأهلك الشيطان ماله وولده، ثم سلطه على بدنه ابتلاء له فنفخ في جسده نفخة اشتعل منها، فصار في جسده ثآليل، فحكمها بأظافره حتى دميت، ثم بالفخار حتى تساقط لحمه، وعصم الله قلبه ولسانه (وغالب ذلك من الإسرائيليات) انتهى. وقال الدكتور محمد أبو شهبة في كتابه (الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير ص 391 - 392) بعد أن ساق عدة روايات في ابتلاء أيوب عليه السلام: والمحققون من العلماء على أن نسبة هذا إلى المعصوم - صلى الله عليه وسلم - إما من عمل بعض الوضاعين الذين يركبون الأسانيد للمتون، أو من غلط بعض الرواة ، وأن ذلك من إسرائيليات بني إسرائيل وافترائهم على الأنبياء. . . ثم قال: وقد دلك كتاب الله الصادق، على لسان نبيه محمد الصادق على أن الله - تبارك وتعالى - ابتلى نبيه: أيوب - عليه السلام - في جسده، وأهله، وماله وأنه صبر حتى صار مضرب الأمثال في ذلك. . . والذي يجب أن نعتقده أنه ابتلى، ولكن بلاءه لم يصل إلى حد هذه الأكاذيب، من أنه أصيب بالجذام وأن جسمه أصبح قرحة، وأنه ألقي على كناسة بني إسرائيل، يرعى في جسده الدود، وتعبث به دواب بني إسرائيل، أو أنه أصيب بمرض الجدري، وأيوب - عليه صلوات الله وسلامه - أكرم على الله من أن يقلى على مزبلة، وأن يصاب بمرض ينفر الناس من دعوته، ويقززهم منه، وأي فائدة تحصل من الرسالة وهو على هذه الحال المزرية التي لا يرضاها الله لأنبيائه ورسله.\r(3) زيادة من \"ب\".\r(4) متلددة: متلفتة يمينا وشمالا.\r(5) أخرجه الطبري: 17 / 68 - 69.\r(6) أخرجه الحاكم: 2 / 581 إلا أنه ذكر مدة البلاء خمس عشرة سنة، وابن حبان في موارد الظمآن ص 511، وعزاه السيوطي: 5 / 659 لابن أبي الدنيا وأبي يعلي وابن جرير وابن أبي حاتم، وذكره ابن كثير 3 / 189 من رواية ابن أبي حاتم عن أنس ابن مالك وقال: رفع هذا الحديث غريب جدا.\r(7) أخرجه الطبري: 17 / 66.\r(8) أخرجه الطبري: 17 / 69.\r(9) في \"ب\" الصحيح.","part":5,"page":340},{"id":2022,"text":"ما أنصفت ألا صبرت في البلاء ثمانين سنة كما كنا في الرخاء ثمانين سنة، والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة أمرتيني أن أذبح لغير الله طعامك وشرابك الذي أتيتني به علي حرام [أو حرام علي] (1) أن أذوق شيئا مما تأتيني به بعد إذ قلت لي هذا، فاعزبي عني، فلا أراك فطردها فذهبت، فلما نظر أيوب وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق (2) خر ساجدا وقال: رب { أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } فقيل له: ارفع رأسك فقد استجيب لك اركض برجلك فركض برجله فنبعت عين فاغتسل منها فلم يبق عليه من دائه شيء ظاهر إلا سقط وعاد إليه شبابه وجماله أحسن ما كان، ثم ضرب برجله فنبعت عين أخرى فشرب منها فلم يبق في جوفه داء إلا خرج فقام صحيحا وكسي حلة، قال: فجعل يلتفت فلا يرى شيئا مما كان له من أهل ومال إلا وقد أضعفه الله حتى والله ذكر لنا أن الماء الذي اغتسل منه تطاير على صدره جرادا من ذهب فجعل يضمه بيده، فأوحى الله إليه يا أيوب ألم أغنك؟ قال: بلى ولكنها بركتك فمن يشبع منها، قال فخرج حتى جلس على مكان مشرف، ثم إن امرأته قالت أرأيتك إن كان طردني إلى من أكله؟ أدعه يموت جوعا ويضيع فتأكله السباع لأرجعن إليه فلا كناسة ترى ولا تلك الحالة التي كانت، وإذا الأمور قد تغيرت فجعلت تطوف حيث كانت الكناسة وتبكي وذلك بعين أيوب، وهابت صاحب الحلة أن تأتيه فتسأله عنه، فدعاها أيوب فقال: ما تريدين يا أمة الله؟ فبكت وقالت: أردت ذلك المبتلي الذي كان منبوذا على الكناسة لا أدري أضاع أم ما فعل، فقال أيوب: ما كان منك فبكت، وقالت: بعلي، قال: فهل تعرفينه إذا رأيتيه؟ فقالت: وهل يخفى على أحد رآه؟ ثم جعلت تنظر إليه وهي تهابه، ثم قالت: أما أنه أشبه خلق الله بك إذ كان صحيحا، قال فإني أنا أيوب الذي أمرتني أن أذبح لإبليس، وإني أطعت الله وعصيت الشيطان ودعوت الله سبحانه فرد علي ما ترين (3) .\rوقال وهب: لبث أيوب في البلاء ثلاث سنين فلما غلب أيوب إبليس ولم يستطع منه شيئا اعترض امرأته في هيئة ليست كهيئة بني آدم في العظم والجسم والجمال على مركب ليس [من] (4) مراكب الناس له عظم وبهاء وكمال، فقال لها: أنت صاحبة أيوب هذا الرجل المبتلى؟ قالت: نعم، قال فهل تعرفيني؟ قالت: لا قال: أنا إله الأرض، وأنا الذي صنعت بصاحبك ما صنعت لأنه عبد. إله السماء وتركني فأغضبني، ولو سجد لي سجدة واحدة رددت عليه وعليك كل ما كان لكما من مال وولد، فإنه عندي ثم أراها إياهم ببطن الوادي الذي لقيها فيه، قال وهب: وقد سمعت\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) أخرجه الطبري: 17 / 70 - 71.\r(3) أخرجه الطبري: 17 / 71-72.\r(4) في \"ب\" في صورة.","part":5,"page":344},{"id":2023,"text":"أنه إنما قال لها لو أن صاحبك أكل طعاما ولم يسم الله عليه لعوفي مما به من البلاء (1) والله أعلم وفي بعض الكتب: إن إبليس قال لها: اسجدي لي سجدة حتى أرد عليك المال والأولاد وأعافي زوجك، فرجعت إلى أيوب فأخبرته بما قال لها [وما أراها] (2) قال لقد أتاك عدو الله ليفتنك عن دينك، ثم أقسم [إن عافاه الله] (3) ليضربنها مائة جلدة، وقال عند ذلك: مسني الضر من طمع إبليس في سجود حرمتي له، ودعائه إياها وإياي إلى الكفر، ثم إن الله عز وجل رحم [رحمة] (4) امرأة أيوب بصبرها معه على البلاء، وخفف عليها وأراد أن يبر يمين أيوب، فأمره أن يأخذ ضغثا يشتمل على مائة عود صغار فيضربها به ضربة واحدة كما قال تعالى: \"وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث\" (ص : 44) ، وروى أن إبليس اتخذ تابوتا وجعل فيه أدوية وقعد على طريق امرأته يداوي الناس فمرت به امرأة أيوب فقالت [يا شيخ] (5) إن لي مريضا أفتداويه؟ قال نعم [والله] (6) لا أريد شيئا إلا أن يقول إذا شفيته أنت شفيتني، فذكرت ذلك لأيوب فقال: هو إبليس قد خدعك، وحلف إن شفاه الله أن يضربها مائة جلدة.\rوقال وهب وغيره: كانت امرأة أيوب تعمل للناس وتجيئه بقوته، فلما طال عليه البلاء وسئمها الناس فلم يستعملها أحد التمست له يوما من الأيام ما تطعمه فما وجدت شيئا فجزت قرنا من رأسها، فباعته برغيف فأتته به، فقال لها: أين قرنك؟ فأخبرته (7) فحينئذ قال: { مَسَّنِيَ الضُّرُّ }\rوقال قوم: إنما قال ذلك حين قصدت الدود إلى قلبه ولسانه فخشي أن يفتر عن الذكر والفكر.\rوقال حبيب بن أبي ثابت: لم يدع الله بالكشف عنه حتى ظهرت له ثلاثة أشياء أحدها: قدم عليه صديقان حين بلغهما خبره فجاءا إليه ولم يبق له إلا عيناه ورأيا أمرا عظيما فقالا لو كان لك عند الله منزلة ما أصابك هذا. والثاني: أن امرأته طلبت طعاما فلم تجد ما تطعمه فباعت ذؤابتها وحملت إليه طعاما. والثالث: قول إبليس إني أداويه على أن يقول أنت شفيتني.\rوقيل: إن إبليس وسوس إليه أن امرأتك زنت فقطعت ذؤابتها فحينئذ عيل صبره، فدعا وحلف ليضربنها مائة جلدة. وقيل: معناه مسني الضر من شماتة الأعداء. حتى روى أنه قيل له [بعدما\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 17 / 66-67.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) في \"ب\" إن كان الله عافاه.\r(4) زيادة من \"ب\".\r(5) زيادة من \"ب\".\r(6) زيادة من \"ب\".\r(7) ذكره الطبري: 17 / 66 عن وهب بن منبه.","part":5,"page":345},{"id":2024,"text":"عوفي] (1) ما كان أشد عليك في بلائك قال: شماتة الأعداء. وقيل: قال ذلك حين وقعت دودة من فخذه فردها إلى موضعها.\rوقال كلي: فقد جعلني الله طعامك فعضته عضة زاد ألمها على جميع ما قاسى من عض الديدان. فإن قيل: إن الله سماه صابرا وقد أظهر الشكوى والجزع، بقوله: { أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ } و { مَسَّنِي الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ } (ص: 41) ، قيل: ليس هذا شكاية إنما هو دعاء بدليل قوله تعالى: { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ } على أن الجزع إنما هو في الشكوى إلى الخلق فأما الشكوى إلى الله عز وجل فلا يكون جزعا ولا ترك صبر كما قال يعقوب: { إِنَّمَا 21/أ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ } (يوسف: 86) . قال سفيان بن عيينة: وكذلك من أظهر الشكوى إلى الناس وهو راض بقضاء الله لا يكون ذلك جزعا كما روي أن جبريل دخل على النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه فقال: كيف تجدك؟ قال: \"أجدني مغموما وأجدني مكروبا\" (2) .\rوقال لعائشة حين قالت وارأساه، \"بل أنا وارأساه\" (3) .\r{ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84) }\rقوله عز وجل: { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ } وذلك أنه قال اركض برجلك فركض برجله فنبعت عين [ماء] (4) فأمره أن يغتسل منها ففعل فذهب كل داء كان بظاهره، ثم مشى أربعين خطوة فأمره أن يضرب برجله الأرض مرة أخرى ففعل فنبعت عين ماء بارد، فأمره فشرب منها فذهب كل داء كان بباطنه فصار كأصح ما يكون من الرجال وأجملهم.\r{ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ } واختلفوا في ذلك، فقال ابن مسعود وقتادة، وابن عباس، والحسن، وأكثر المفسرين: رد الله عز وجل إليه أهله وأولاده بأعيانهم أحياهم الله له وأعطاه مثلهم معهم، وهو ظاهر القرآن (5) .\rقال الحسن: آتاه الله المثل من نسل ماله الذي رده الله [إليه وأهله] (6) يدل عليه ما روى\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) قطعة من حديث طويل أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\": 3 / 139، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 9 / 35 \"فيه عبد الله ابن ميمون القداح، وهو ذاهب الحديث\".\r(3) أخرجه البخاري في المرضى، باب : ما رخص للمريض أن يقول: أني وجع، أو وارأساه. . . : 10 / 123.\r(4) ساقط من \"ب\".\r(5) أخرج الطبري هذه الأقوال: 17 / 72-73.\r(6) ساقط من \"ب\".","part":5,"page":346},{"id":2025,"text":"الضحاك وابن عباس أن الله عز وجل رد إلى المرأة شبابها فولدت له ستة وعشرين ذكرا (1) .\rقال وهب كان له سبع بنات وثلاثة بنين.\rوقال ابن يسار: كان له سبع بنين وسبع بنات.\rوروى عن أنس يرفعه: أنه كان له أندران أندر للقمح وأندر للشعير، فبعث الله عز وجل سحابتين فأفرغت إحداهما على أندر القمح الذهب وأفرغت الأخرى على أندر الشعير الورق حتى فاض (2) .\rوروى أن الله تعالى بعث إليه ملكا وقال: إن ربك يقرئك السلام بصبرك فاخرج إلى أندرك، فخرج إليه فأرسل الله عليه جرادا من ذهب فطارت واحدة فاتبعها وردها إلى أندره، فقال له الملك: أما يكفيك ما في أندرك؟ فقال هذه بركة من بركات ربي ولا أشبع من بركته (3) .\rأخبرنا حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي، أخبرنا محمد بن الحسين القطان، أخبرنا أحمد بن يوسف السلمي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام بن منبه، قال: أخبرنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"بينا أيوب يغتسل عريانا خر عليه جراد من ذهب فجعل أيوب يحثي في ثوبه، فناداه ربه [يا أيوب] (4) ألم أكن أغنيك عما ترى؟ قال: بلى يا رب وعزتك، ولكن لا غنى بي عن بركتك\" (5) . وقال قوم: أتى الله أيوب في الدنيا مثل أهله الذين هلكوا فأما الذين هلكوا فإنهم لم يردوا عليه في الدنيا (6) قال عكرمة: قيل لأيوب: إن أهلك لك في الآخرة فإن شئت عجلناهم لك في الدنيا وإن شئت كانوا لك في الآخرة، وآتيناك مثلهم في الدنيا فقال يكونون لي في الآخرة، وأوتى مثلهم في الدنيا (7) فعلى هذا يكون معنى الآية: وآتيناه أهله في الآخرة ومثلهم معهم في الدنيا وأراد بالأهل الأولاد، { رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا } أي نعمة من عندنا، { وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ } أي: عظة وعبرة لهم.\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 5 / 660 لابن مردويه وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس.\r(2) أخرجه الحاكم: 2 / 581 - 582 وصححه على شرط الشيخين.\r(3) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 5 / 660 لابن مردويه وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس.\r(4) زيادة من \"ب\".\r(5) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب: قول الله تعالى: (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر. . . ) 6 / 420، والمصنف في شرح السنة: 8 / 7.\r(6) ذكره الطبري: 17 / 72.\r(7) أخرجه الطبري: 17 / 72.","part":5,"page":347},{"id":2026,"text":"{ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (85) }\rقوله عز وجل : { وَإِسْمَاعِيلَ } يعني ابن إبراهيم، { وَإِدْرِيسَ } وهو أخنوخ، { وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ } على أمر الله، واختلفوا في ذا الكفل.\rقال عطاء: إن نبيا من أنبياء بني إسرائيل أوحى الله إليه أني أريد قبض روحك فاعرض ملكك على بني إسرائيل فمن تكفل لك أن يصلي بالليل لا يفتر، ويصوم بالنهار ولا يفطر، ويقضي بين الناس ولا يغضب، فادفع ملكك إليه ففعل ذلك، فقام شاب فقال: أنا أتكفل لك بهذا فتكفل، ووفى به فشكر الله له ونبأه فسمي ذا الكفل (1) .\rوقال مجاهد: لما كبر اليسع قال: [لو] (2) أني أستخلف رجلا على الناس يعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل، قال: فجمع الناس فقال: من يتقبل مني بثلاث أستخلفه: يصوم النهار ويقوم الليل، ولا يغضب، فقام رجل تزدريه العين، فقال: أنا فرده ذلك اليوم، وقال مثلها اليوم الآخر فسكت الناس، وقام ذلك الرجل فقال: أنا، فاستخلفه فأتاه إبليس في صورة شيخ ضعيف حين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام بالليل [والنهار] (3) إلا تلك النومة فدق الباب، فقال: من هذا؟ قال: شيخ كبير مظلوم، فقام ففتح الباب فقال: إن بيني وبين قومي خصومة، وإنهم ظلموني، وفعلوا وفعلوا فجعل يطول حتى حضر الرواح، وذهبت القائلة، فقال: إذا رحت فائتني [فإني] (4) آخذ حقك، فانطلق وراح، فكان في مجلسه ينظر هل يرى الشيخ فلم يره، فقام يبتغيه فلما كان الغد جلس يقضي بين الناس وينتظره فلا يراه، فلما رجع إلى القائلة فأخذ مضجعه أتاه فدق الباب، فقال: من هذا؟ فقال: الشيخ المظلوم ففتح [له الباب] (5) فقال: ألم أقل لك إذا قعدت فائتني؟ فقال: إنهم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا نحن نعطيك حقك وإذا قمت جحدوني، قال: فانطلق فإذا رحت فائتني، ففاتته القائلة وراح فجعل ينظر فلا يراه فشق عليه النعاس، فقال لبعض أهله: لا تدعن أحدا يقرب هذا الباب حتى أنام فإنه قد شق على النوم، فلما كان تلك الساعة جاء فلم يأذن له الرجل، فلما أعياه نظر فرأى كوة في البيت فتسور منها، فإذا هو في البيت يدق الباب من داخل، فاستيقظ فقال: يا فلان ألم آمرك، فقال: أما من قبلي فلم تؤت فانظر من أين أتيت، فقام إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه، وإذا الرجل معه في البيت، فقال: أتنام والخصوم ببابك؟ فعرفه فقال: أعدو\r__________\r(1) انظر زاد المسير: 5 / 379 - 380.\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) ساقط من \"أ\".\r(5) ساقط من \"ب\".","part":5,"page":348},{"id":2027,"text":"الله؟ قال: نعم أعييتني ففعلت ما ترى لأغضبك فعصمك الله، فسمي ذا الكفل لأنه تكفل بأمر فوفى به (1) .\rوقيل: إن إبليس جاءه وقال: إن لي غريما يمطلني فأحب أن تقوم معي وتستوفي حقي منه، فانطلق معه حتى إذا كان في السوق خلاه وذهب. وروى: أنه اعتذر إليه. وقال: إن صاحبي هرب.\rوقيل: إن ذا الكفل رجل كفل أن يصلي كل ليلة مائة ركعة 21/ب إلى أن يقبضه الله فوفى به .\rواختلفوا في أنه كان نبيا، فقال بعضهم: كان نبيا (2) . وقيل: هو إلياس. وقيل: زكريا. وقال أبو موسى: لم يكن نبيا ولكن كان عبدا صالحا (3) .\r{ وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (86) وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) }\r{ وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا } يعني ما أنعم الله عليهم من النبوة وصيرهم إليه في الجنة من الثواب، { إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ } قوله عز وجل: { وَذَا النُّونِ } أي: اذكر صاحب الحوت وهو يونس بن متى، { إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا } اختلفوا في معناه.\rفقال الضحاك: مغاضبا لقومه، وهو رواية العوفي وغيره عن ابن عباس، قال: كان يونس وقومه يسكنون فلسطين فغزاهم ملك فسبى منهم تسعة أسباط ونصفا وبقي سبطا ونصف، فأوحى الله إلى شعياء النبي أن سر إلى حزقيل الملك، وقل له حتى يوجه نبيا قويا فإني ألقي [الرعب] (4) في قلوب أولئك حتى يرسلوا معه بني إسرائيل، فقال له الملك فمن ترى، وكان في مملكته خمسة من الأنبياء، فقال يونس: إنه قوي أمين فدعا الملك يونس فأمره أن يخرج، فقال له يونس: هل أمرك الله بإخراجي؟ قال: لا قال: فهل سماني لك؟ قال: لا قال: فهاهنا غيري أنبياء أقوياء فألحوا\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 17 / 74.\r(2) قال ابن كثير: 3 / 191 (. . . وأما ذو الكفل فالظاهر من السياق أنه ما قرن مع الأنبياء إلا وهو نبي، وقال آخرون: إنما كان رجلا صالحا وكان ملكا عادلا وحكما مقسطا، وتوقف ابن جرير في ذلك فالله أعلم). وقال ابن جرير: 17 / 73 (... وبذي الكفل: رجلا تكفل من بعض الناس، إما من نبي وإما من ملك من صالحي الملوك بعمل من الأعمال، فقام به من بعده، فأثنى الله عليه حسن وفائه بما تكفل به، وجعله من المعدودين في عباده، مع حمد صبره على طاعة الله، والذي قلنا في أمره جاءت الأخبار عن سلف العلماء).\r(3) أخرجه الطبري: 17 / 75.\r(4) ساقط من \"أ\".","part":5,"page":349},{"id":2028,"text":"عليه فخرج من بينهم مغاضبا للنبي وللملك، ولقومه فأتى بحر الروم فركبه (1) .\rوقال عروة بن الزبير وسعيد بن جبير وجماعة: ذهب عن قومه مغاضبا لربه إذ كشف عن قومه العذاب بعدما أوعدهم، وكره أن يكون بين قوم قد جربوا عليه الخلف فيما أوعدهم، واستحيا منهم، ولم يعلم السبب الذي به رفع العذاب، وكان غضبه أنفة من ظهور خلف وعده، وأنه يسمى كذابا لا كراهية لحكم الله تعالى (2) .\rوفي بعض الأخبار أنه كان من عادة قومه أن يقتلوا من جربوا عليه الكذب فخشي أن يقتلوه لما لم يأتهم العذاب للميعاد، فغضب، والمغاضبة هاهنا كالمفاعلة التي تكون من واحد، كالمسافرة والمعاقبة، فمعنى قوله مغاضبا أي غضبان.\rوقال الحسن: إنما غضب ربه عز وجل من أجل أنه أمره بالمسير إلى قومه لينذرهم بأسه ويدعوهم إليه، فسأل ربه أن ينظره ليتأهب للشخوص إليهم، فقيل له إن الأمر أسرع من ذلك حتى سأل أن ينظر إلا أن يأخذ نعلا يلبسها فلم ينظر (3) وكان في خلقه ضيق [فذهب مغاضبا] (4) .\rوعن ابن عباس، قال: أتى جبريل يونس فقال: انطلق إلى أهل نينوى فأنذرهم، قال: ألتمس دابة قال: الأمر أعجل من ذلك، فغضب فانطلق إلى السفينة.\rوقال وهب بن منبه: إن يونس بن متى كان عبدا صالحا وكان في خلقه ضيق، فلما حمل عليه أثقال النبوة تفسخ تحتها تفسخ الربع (5) تحت الحمل الثقيل فقذفها من يده، وخرج هاربا منها، فلذلك أخرجه الله من أولي العزم من الرسل وقال لنبيه [محمد صلى الله عليه وسلم] (6) { فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل } (الأحقاف: 35) ، وقال: { ولا تكن كصاحب الحوت } (7) (القلم: 48) .\r__________\r(1) انظر زاد المسير: 5 / 381.\r(2) سبق تخريجه (سورة يونس).\r(3) انظر الطبري: 17 / 77.\r(4) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(5) ولد الناقة أول ما يحمل عليه.\r(6) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(7) أخرج القولين الطبري: 17 / 77 - 78 ثم قال: (وليس في واحد من هذين القولين من وصف نبي الله يونس صلوات الله عليه شيء إلا وهو دون ما وصفه بما وصفه الذين قالوا: ذهب مغاضبا لقومه، لأن ذهابه عن قومه مغاضبا لهم، وقد أمره الله تعالى بالمقام بين أظهرهم، ليبلغهم رسالته، ويحذرهم بأسه وعقوبته على تركهم الإيمان به والعمل بطاعته لا شك أن فيه ما فيه، ولولا أنه قد كان صلى الله عليه وسلم أتى ما قاله الذين وصفوه بإتيان الخطيئة، لم يكن الله تعالى ذكره ليعاقبه العقوبة التي ذكرها في كتابه، ويصفه بالصفة التي وصفه بها ، فيقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: (ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم) ويقول: (فالتقمه الحوت وهو مليم، فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون).","part":5,"page":350},{"id":2029,"text":"قوله عز وجل { فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ } أي لن نقضي بالعقوبة، قاله مجاهد وقتادة والضحاك والكلبي، وهو رواية العوفي عن ابن عباس يقال: قدر الله الشيء تقديرا وقدر يقدر قدرا بمعنى واحد، ومنه قوله: { نحن قدرنا بينكم الموت } (الواقعة: 60) في قراءة من قرأها بالتخفيف، دليل هذا التأويل قراءة عمر بن عبد العزيز والزهري: { فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ } بالتشديد، وقال عطاء وكثير من العلماء: معناه فظن أن لن نضيق عليه الحبس، من قوله تعالى: { الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر } (الرعد : 26) ، أي يضيق. وقال ابن زيد: هو استفهام معناه: أفظن أنه يعجز ربه، فلا يقدر عليه. وقرأ يعقوب يقدر [بضم الياء] (1) على المجهول خفيف.\rوعن الحسن قال: بلغني أن يونس لما أصاب الذنب انطلق مغاضبا لربه واستزله الشيطان حتى ظن أن لن نقدر عليه، وكان له سلف وعبادة فأبى الله أن يدعه للشيطان، فقذفه في بطن الحوت فمكث فيه أربعين من بين يوم وليلة (2) . وقال عطاء: سبعة أيام [وقيل: ثلاثة أيام] (3) . وقيل: إن الحوت ذهب به مسيرة ستة آلاف سنة. وقيل: بلغ به تخوم الأرض السابعة فتاب إلى ربه تعالى في بطن الحوت، وراجع نفسه فقال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، حين عصيتك وما صنعت من شيء فلن أعبد غيرك فأخرجه الله من بطن الحوت برحمته، والتأويلات المتقدمة أولى بحال الأنبياء أنه ذهب مغاضبا لقومه أو للملك، { فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ } أي ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت، { أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ }\rوروي عن أبي هريرة مرفوعا: أوحى الله إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له لحما ولا تكسر له عظما، فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه في البحر، فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسا فقال في نفسه ما هذا؟ فأوحى الله إليه: أن هذا تسبيح دواب البحر، قال: فسبح وهو في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه، فقالوا: يا ربنا نسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة، وفي رواية صوتا معروفا من مكان مجهول، فقال: ذاك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت، فقالوا العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح؟ قال: نعم فشفعوا له، عند ذلك\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) أخرجه الطبري: 17 / 79.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":5,"page":351},{"id":2030,"text":"فأمر الحوت فقذفه إلى الساحل (1) كما قال الله تعالى: { فنبذناه بالعراء وهو سقيم } (الصافات: 145) .\r{ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) }\rفلذلك قوله عز وجل: { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ } يعني: أجبناه، { وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ } من تلك الظلمات ، { وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ } من كل كرب إذا دعونا واستغاثوا بنا، قرأ ابن عامر وعاصم برواية أبي بكر: \" نجي \" بنون واحدة وتشديد الجيم وتسكين الياء لأنها مكتوبة في المصحف بنون واحدة، واختلف النحاة في هذه القراءة، فذهب أكثرهم إلى أنها لحن لأنه لو كان على ما لم يسم فاعله لم تسكن الياء ورفع المؤمنون، ومنهم من صوبها، وذكر الفراء أن لها وجها آخر وهو إضمار المصدر، أي نجا النجاء المؤمنين، ونصب المؤمنين كقولك: ضرب الضرب زيدا، ثم تقول ضرب زيدا بالنصب على إضماء المصدر، وسكن الياء في \" نجي \" كما يسكنون في بقي ونحوها، قال القتيبي من قرأ بنون واحدة والتشديد فإنما أراد ننجي من التنجية إلا أنه أدغم وحذف نونا طلبا للخفة ولم 22/أ يرضه النحويون لبعد مخرج النون من الجيم، والإدغام يكون عند قرب المخرج، وقراءة العامة { نُنْجِي } بنونين من الإنجاء، وإنما كتبت بنون واحدة لأن النون الثانية كانت ساكنة والساكن غير ظاهر على اللسان فحذفت كما فعلوا في إلا حذفوا النون من إن لخفائها (2) واختلفوا في أن رسالة يونس متى كانت؟ فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: كانت بعد أن أخرجه الله من بطن الحوت، بدليل أن الله عز وجل ذكره في سورة الصافات، { فنبذناه بالعراء } (الصافات: 145) ، ثم ذكر بعده: { وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون } (الصافات: 147) ، وقال الآخرون: إنها كانت من قبل بدليل قوله تعالى: { وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون } (الصافات: 139 -140) . قوله عز وجل: { وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ } دعا ربه، { رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا } وحيدا لا ولد لي وارزقني وارثا، { وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ } ثناء على الله بأنه الباقي بعد فناء الخلق وأنه أفضل من بقي حيا.\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 17 / 81، وقال الهيثمي في المجمع: 7 / 98 رواه البزار عن بعض أصحابه ولم يسمه، وفيه ابن إسحاق وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات. وانظر تفسير ابن كثير: 3 / 193، البداية والنهاية: 1 / 234.\r(2) ذكر هذه الوجوه في القراءات الطبري: 17 / 82 ثم قال: (والصواب من القراءة التي لا أستجيز غيرها في ذلك عندنا ما عليه قراء الأمصار، من قراءته بنونين، وتخفيف الجيم لإجماع الحجة من القراء عليها، وتخطئتها خلافه).","part":5,"page":352},{"id":2031,"text":"{ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) }","part":5,"page":353},{"id":2032,"text":"{ وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (91) إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92) }\r{ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى } ولدا { وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ } أي جعلناها ولودا بعد ما كانت عقيما، قاله أكثر المفسرين، وقال بعضهم: كانت سيئة الخلق فأصلحها له بأن رزقها حسن الخلق. { إِنَّهُمْ } يعني الأنبياء الذين سماهم في هذه السورة، { كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا } طمعا، { وَرَهَبًا } خوفا، رغبا من رحمة الله، ورهبا من عذاب الله، { وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ } أي متواضعين، قال قتادة: ذللا لأمر الله. قال مجاهد: الخشوع هو الخوف اللازم في القلب. { وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } حفظت من الحرام، وأراد مريم بنت عمران، { فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا } أي أمرنا جبرائيل حتى نفخ في جيب درعها، وأحدثنا بذلك النفخ المسيح في بطنها، وأضاف الروح إليه تشريفا لعيسى عليه السلام، { وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ } أي دلالة على كمال قدرتنا على خلق ولد من غير أب، ولم يقل آيتين وهما آيتان لأن معنى الكلام وجعلنا شأنهما وأمرهما آية ولأن الآية كانت فيهما واحدة، وهي أنها أتت به من غير فحل. قوله عز وجل : { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ } أي ملتكم ودينكم، { أُمَّةً وَاحِدَةً } أي دينا واحدا وهو الإسلام، فأبطل ما سوى الإسلام من الأديان، وأصل الأمة الجماعة التي هي على مقصد واحد فجعلت الشريعة أمة واحدة لاجتماع أهلها على مقصد واحد، ونصب أمة على القطع. { وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ }\r{ وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (93) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (94) وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (95) حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (96) }\r{ وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ } أي اختلفوا في الدين فصاروا فرقا وأحزابا، قال الكلبي: [فرقوا دينهم بينهم] (1) يلعن بعضهم بعضا ويتبرأ بعضهم من بعض، والتقطع هاهنا بمعنى التقطيع، { كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ } فنجزيهم بأعمالهم.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":5,"page":353},{"id":2033,"text":"{ فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ } لا يجحد ولا يبطل سعيه بل يشكر ويثاب عليه، { وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ } لعمله حافظون، وقيل: معنى الشكر من الله المجازاة. { وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ } قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر: \" وحرم \" بكسر الحاء بلا ألف، وقرأ الباقون بالألف \" حرام \" وهما لغتان مثل حل وحلال.\rقال ابن عباس: معنى الآية وحرام على قرية أي أهل قرية، { أَهْلَكْنَاهَا } أن يرجعوا بعد الهلاك، فعلى هذا تكون \" لا \" صلة، وقال آخرون: الحرام بمعنى الواجب، فعلى هذا تكون \" لا \" ثابتا معناه واجب على أهل قرية أهلكناهم { أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ } إلى الدنيا.\rوقال الزجاج: معناه وحرام على أهل قرية أهلكناهم أي حكمنا بهلاكهم أن تتقبل أعمالهم لأنهم لا يرجعون أي لا يتوبون، والدليل على هذا المعنى أنه قال في الآية التي قبلها: { فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه } أي يتقبل عمله، ثم ذكر هذه الآية عقيبه وبين أن الكافر لا يتقبل عمله. قوله عز وجل: { حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ } قرأ ابن عامر وأبو جعفر ويعقوب: \" فتحت \" بالتشديد على التكثير، وقرأ الآخرون بالتخفيف، { يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ } يريد فتح السد عن يأجوج ومأجوج، { وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ } أي نشز وتل، والحدب المكان المرتفع، { يَنْسِلُونَ } يسرعون النزول من الآكام والتلال كنسلان الذئب، وهو سرعة مشيه، واختلفوا في هذه الكناية، فقال قوم: عني بهم يأجوج ومأجوج بدليل ما روينا عن النواس بن سمعان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون\" (1) وقال قوم: أراد جميع الخلق يعني أنهم يخرجون من قبورهم، ويدل عليه قراءة مجاهد وهم من كل جدث بالجيم والثاء كما قال: { فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون } (يونس: 51) .\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال برقم (2137) 4 / 2250 - 2255.","part":5,"page":354},{"id":2034,"text":"أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني، أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أخبرنا مسلم بن حجاج، أخبرنا أبو خيثمة زهير بن حرب، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن فرات القزاز، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: اطلع النبي صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر، فقال: ما تذكرون؟ قالوا: نذكر الساعة. قال: \"إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات، فذكر الدخان والدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمغرف وخسف بالمشرق وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم\" (1) .\r{ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (97) }\rقوله عز وجل: { وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ } يعني القيامة، قال الفراء وجماعة: الواو في قوله واقترب [مقحمة فمعناه حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب] (2) الوعد الحق، كما قال الله تعالى: { فلما أسلما وتله للجبين وناديناه } (الصافات: 103) أي ناديناه، والدليل عليه ما روي عن حذيفة قال: لو أن رجلا اقتنى فلوا بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة (3) وقال قوم: لا يجوز طرح الواو، وجعلوا جواب حتى إذا فتحت في قوله يا ويلنا، فيكون مجاز الآية. حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج واقترب الوعد الحق، قالوا: يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا قوله: { فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا } وفي قوله \"هي\" ثلاثة أوجه:\rأحدها: أنها كناية عن الأبصار. ثم أظهر الأبصار بيانا، معناه فإذا 22/ب الأبصار شاخصة أبصار الذين كفروا.\rوالثاني: أن \"هي\" تكون عمادا كقوله: { فإنها لا تعمى الأبصار } (الحج:46) .\rوالثالث: أن يكون تمام الكلام عند قوله: \"هي\"، على معنى فإذا هي بارزة يعني من قربها كأنها حاضرة، ثم ابتدأ: { شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا } على تقديم الخبر على الابتداء، مجازها أبصار الذين كفروا شاخصة. قال الكلبي: شخصت أبصار الكفار فلا تكاد تطرف من شدة ذلك اليوم وهوله، يقولون، { يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا } اليوم، { بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ } بوضعنا\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الفتن، باب الآيات التي تكون قبل الساعة برقم (2901) 4 / 2225، والمصنف في شرح السنة: 15 / 45.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) أخرجه الطبري: 17 / 92.","part":5,"page":355},{"id":2035,"text":"العبادة في غير موضعها.\r{ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ (100) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) }\r{ إِنَّكُمْ } أيها المشركون { وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } يعني الأصنام، { حَصَبُ جَهَنَّمَ } أي وقودها. وقال مجاهد وقتادة: حطبها، والحصب في لغة أهل اليمن: الحطب. وقال عكرمة: هو الحطب بلغة الحبشة. قال الضحاك: يعني يرمون بهم في النار كما يرمى بالحصباء. وأصل الحصب الرمي، قال الله عز وجل: { أرسلنا عليهم حاصبا } ( القمر: 34 ) أي ريحا ترميهم بحجارة، وقرأ علي بن أبي طالب: حطب جهنم، { أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } أي فيها داخلون. { لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ } يعني الأصنام، { آلِهَةً } على الحقيقة، { مَا وَرَدُوهَا } أي ما دخل عابدوها النار، { وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ } يعني العابد والمعبودين. { لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ } قال ابن مسعود: في هذه الآية إذا بقي في النار من يخلد فيها جعلوا في توابيت من نار، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت أخرى [ثم تلك التوابيت في توابيت أخر] (1) عليها مسامير من نار، فلا يسمعون شيئا ولا يرى أحد منهم أن في النار أحدا يعذب غيره، ثم استثنى فقال:. { إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى } قال بعض أهل العلم: إن هاهنا بمعنى: إلا الذين سبقت لهم منا الحسنى، يعني السعادة والعدة الجميلة بالجنة، { أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } قيل: الآية عامة في كل من سبقت لهم من الله السعادة. وقال أكثر المفسرين: عني بذلك كل من عبد من دون الله وهو لله طائع ولعبادة من يعبده كاره، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد وصناديد قريش في الحطيم وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما فعرض له النضر بن الحارث، فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه ثم تلا عليه: { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } الآيات الثلاثة، ثم قام فأقبل عبد الله بن الزبعري السهمي فأخبره الوليد بن المغيرة بما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عبد الله: أما والله لو وجدته لخصمته، فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ابن الزبعري: أنت قلت:\r__________\r(1) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".","part":5,"page":356},{"id":2036,"text":"\"إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم\"؟ قال: نعم، قال: أليست اليهود تعبد عزيرا والنصارى تعبد المسيح، وبنو مليح يعبدون الملائكة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل هم يعبدون الشياطين فأنزل الله عز وجل: { إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى } (1) يعني عزيرا والمسيح والملائكة، { أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } وأنزل في ابن الزبعري: { ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون } (الزخرف: 58) ، وزعم جماعة أن المراد من الآية الأصنام، لأن الله تعالى قال: { وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } ولو أراد به الملائكة والناس لقال ومن تعبدون من دون الله (2) .\r__________\r(1) قال ابن حجر في الكافي الشاف: ص (111) ذكره الثعلبي ثم البغوي بغير إسناد، ولم أجده هكذا إلا ملفقا، فأما صدره ففي الطبراني الصغير من حديث ابن عباس. . . وأما قوله: وكانت صناديد قريش، فقصة أخرى ذكرها ابن إسحاق في المغازي والطبراني من طريق ابن عباس، وروى ابن مردويه والواحدي عن ابن عباس قال: لما نزلت (إنكم وما تعبدون من دون الله) شق ذلك على قريش. . . فذكر نحوه. انظر الطبري : 17 / 97، أسباب النزول للواحدي: ص 353 - 354، مجمع الزوائد: 7 / 68 - 69.\r(2) قال ابن حجر في الكافي الشاف: ص 111 - 112 اشتهر في السنة كثير من علماء العجم وفي كتبهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما أجهلك بلغة قومك، فإني قلت: (وما تعبدون) وهي لما لا يعقل، ولم أقل ومن تعبدون أ. هـ. وهو شيء لا أصل له ولا يوجد لا مسندا ولا غير مسند.","part":5,"page":357},{"id":2037,"text":"{ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102) لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (103) }\r{ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا } يعني صوتها وحركة تلهبها إذا نزلوا منازلهم في الجنة، والحس والحسيس: الصوت الخفي: { وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ } مقيمون كما قال: { وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين } (الزخرف: 71) . { لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأكْبَرُ } قال ابن عباس: الفزع الأكبر: النفخة الأخيرة بدليل قوله عز وجل: { ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض } (النمل: 87) ، قال الحسن: حين يؤمر بالعبد إلى النار. قال ابن جريج: حين يذبح الموت وينادى يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. وقال سعيد بن جبير والضحاك: هو أن تطبق عليهم جهنم وذلك بعد أن يخرج الله منها من يريد أن يخرجه (1) . { وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ } أي تستقبلهم الملائكة على أبواب الجنة +يهنئونهم، ويقولون: { هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ }\r__________\r(1) أخرج هذه الأقوال الطبري: 17 / 98 - 99، ثم رجح قائلا: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: ذلك عند النفخة الآخرة، وذلك أن من لم يحزنه ذلك الفزع الأكبر، وأمن منه، فهو مما بعده أحرى أن لا يفزع، وأن من أفزعه ذلك فغير مأمون عليه الفزع مما بعده.","part":5,"page":357},{"id":2038,"text":"{ يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104) وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) }\r{ يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ } قرأ أبو جعفر: \" تطوى \" بالتاء وضمها وفتح الواو، و \" السماء \" رفع على المجهول، وقرأ العامة بالنون وفتحها وكسر الواو، و \" السماء \" نصب، { كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ } قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم للكتب على الجمع، وقرأ الآخرون للكتاب على الواحد، واختلفوا في السجل، فقال السدي: السجل ملك يكتب أعمال العباد، واللام زائدة، أي كطي السجل للكتب كقوله { ردف لكم } (النمل: 72) ، اللام فيه زائدة، وقال ابن عباس ومجاهد والأكثرون: السجل الصحيفة للكتب أي لأجل ما كتب معناه كطي الصحيفة على مكتوبها، والسجل اسم مشتق من المساجلة وهي المكاتبة، والطي هو الدرج الذي هو ضد النشر، { كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ } أي كما بدأناهم في بطون أمهاتهم حفاة عراة غرلا كذلك نعيدهم يوم القيامة، نظيره قوله تعالى: { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة } (الأنعام: 94) ، وروي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إنكم محشورون حفاة عراة غرلا\"، ثم قرأ: { كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ } (1) { وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ } يعني الإعادة والبعث. قوله عز وجل: { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ } قال سعيد بن جبير ومجاهد: الزبور جميع الكتب المنزلة، والذكر أم الكتاب الذي عنده، والمعنى من بعد ما كتب ذكره في اللوح المحفوظ .\rوقال ابن عباس والضحاك: الزبور التوراة والذكر الكتب المنزلة من بعد التوراة .\rوقال الشعبي: الزبور كتاب داود، [والذكر التوراة. وقيل: الزبور زبور داود] (2) والذكر القرآن، وبعد بمعنى قبل، كقوله تعالى: { وكان وراءهم ملك } (الكهف: 97) : أي أمامهم 23/أ { والأرض بعد ذلك دحاها } (النازعات: 30) قبله، { أَنَّ الأرْضَ } يعني أرض الجنة، { يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ } قال مجاهد: يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم دليله قوله تعالى: { وقالوا الحمد لله الذي\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب قول الله تعالى: (واتخذ الله إبراهيم خليلا) 6 / 386، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة برقم (2860) 4 / 2194 والمصنف في شرح السنة: 15 / 122 - 123.\r(2) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".","part":5,"page":358},{"id":2039,"text":"صدقنا وعده وأورثنا الأرض } (الزمر: 74) ، وقال ابن عباس: أراد أن أراضي الكفار يفتحها المسلمون وهذا حكم من الله بإظهار الدين وإعزاز المسلمين. وقيل: أراد بالأرض الأرض المقدسة.\r{ إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (106) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (109) }\r{ إِنَّ فِي هَذَا } أي في هذا القرآن، { لَبَلاغًا } وصولا إلى البغية، أي من اتبع القرآن وعمل به وصل إلى ما يرجوه من الثواب. وقيل: بلاغا أي كفاية. يقال في هذا الشيء بلاغ وبلغة أي كفاية، والقرآن زاد الجنة كبلاغ المسافر، { لِقَوْمٍ عَابِدِينَ } أي المؤمنين الذين يعبدون الله، وقال ابن عباس: عالمين. وقال كعب الأحبار: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم أهل الصلوات الخمس وشهر رمضان. { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } قال ابن زيد: يعني رحمة للمؤمنين خاصة فهو رحمة لهم. [وقال ابن عباس: هو عام في حق من آمن ومن لم يؤمن فمن آمن فهو رحمة له] في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن فهو رحمة له في الدنيا بتأخير العذاب عنهم ورفع المسخ والخسف والاستئصال عنهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"إنما أنا رحمة مهداة\" (1) . { قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } أي أسلموا. { فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ } أي أعلمتكم بالحرب وأن لا صلح بيننا، { عَلَى سَوَاءٍ } أي إنذار بين يستوي في علمه لا استيذانا به دونكم لتتأهبوا لما يراد بكم، أي آذنتكم على وجه نستوي نحن وأنتم في العلم به، وقيل: لتستووا في الإيمان، { وَإِنْ أَدْرِي } أي وما أعلم. { أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ } يعني القيامة.\r__________\r(1) أخرجه الدارمي عن أبي صالح مرسلا، في المقدمة، باب كيف كان أول شأن النبي صلى الله عليه وسلم 1 / 9 ووصله الحاكم 1 / 35 وصححه على شرط الشيخين، وقال: \"فقد احتجا جميعا بمالك بن سعير، والتفرد من الثقات مقبول\" ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي في شعب الإيمان: 3 / 577 مرسلا من طريق الأعمش عن أبي صالح مرفوعا. ثم قال: رواه زياد بن يحيى الحساني عن مالك ابن سعير عن الأعمش موصولا بذكر أبي هريرة فيه، ثم ساقه بإسناده، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: 11 / 504، وابن سعد في الطبقات: 1 / 192 - 193 من طريق وكيع مرسلا، وقال الهيثمي في المجمع: 8 / 257 رواه البزار والطبراني في الصغير ورجال البزار رجال الصحيح، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة 1 / 803 - 805.","part":5,"page":359},{"id":2040,"text":"{ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (110) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (111) قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112) }\r{ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ } . { وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ } أي لعل تأخير العذاب عنكم كناية عن غير مذكور، { فِتْنَةٌ } اختبار، { لَكُم } ليرى كيف صنيعكم وهو أعلم، { وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ } أي تتمتعون إلى انقضاء آجالكم. { قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ } قرأ حفص عن عاصم: { قَالَ رَبِّ احْكُمْ } والآخرون: \" قل رب احكم \" افصل بيني وبين من كذبني بالحق، فإن قيل كيف قال احكم بالحق والله لا يحكم إلا بالحق؟ قيل: الحق هاهنا بمعنى العذاب كأنه استعجل العذاب لقومه فعذبوا يوم بدر، نظيره قوله تعالى: { ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق } (الأعراف: 89) ، وقال أهل المعاني: معناه رب احكم بحكمك الحق فحذف الحكم وأقيم الحق مقامه، والله تعالى يحكم بالحق طلب أو لم يطلب، ومعنى الطلب ظهور الرغبة من الطالب في حكمه الحق، { وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ } من الكذب والباطل.","part":5,"page":360},{"id":2041,"text":"سورة الحج مكية غير آيات من قوله عز وجل { هَذَانِ خَصْمَانِ } إلى قوله { وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ } .\rبسم الله الرحمن الرحيم { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2) }\r{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ } أي: احذروا عقابه بطاعته، { إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ } والزلزلة والزلزال شدة الحركة على الحالة الهائلة، واختلفوا في هذه الزلزلة:\rفقال علقمة والشعبي: هي من أشراط الساعة. [وقيل: قيام الساعة] (1) .\rوقال الحسن والسدي: هذه الزلزلة تكون يوم القيامة.\rوقال ابن عباس: زلزلة الساعة قيامها فتكون معها. { يَوْمَ تَرَوْنَهَا } يعني الساعة، وقيل: الزلزلة، { تَذْهَلُ } قال ابن عباس: تشغل، وقيل: تنسى، يقال: ذهلت عن كذا أي تركته واشتغلت بغيره. { كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ } أي: كل امرأة معها ولد ترضعه، يقال: امرأة مرضع، بلا هاء، إذا أريد به الصفة، مثل حائض وحامل، فإذا أرادوا الفعل أدخلوا الهاء. { وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا } أي: تسقط ولدها من هول ذلك اليوم.\r__________\r(1) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".","part":5,"page":361},{"id":2042,"text":"قال الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها بغير فطام وتضع الحامل ما في بطنها بغير تمام (1) وهذا يدل على أن هذه الزلزلة تكون في الدنيا لأن بعد البعث لا يكون حمل.\rومن قال: تكون في القيامة، قال هذا على وجه تعظيم الأمر لا على حقيقته، كقولهم: أصابنا أمر يشيب فيه الوليد، يريد شدته.\r{ وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى } قرأ حمزة والكسائي: \"سكرى وما هم بسكرى\" بلا ألف وهما لغتان في جمع السكران، مثل كسلى وكسالى.\rقال الحسن: معناه: وترى الناس سكارى من الخوف، وما هم بسكارى من الشراب.\rوقيل: معناه: وترى الناس كأنهم سكارى، { وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ }\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمش الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله بن عمر بن بكير الكوفي العبسي، أخبرنا وكيع عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم قم فابعث بعث النار، قال فيقول: لبيك وسعديك والخير كله في يديك، يا رب وما بعث النار؟ قال فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، قال: فحينئذ يشيب المولود، وتضع كل ذات حمل حملها وترى [الناس] (2) سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، قال: فيقولون: وأينا ذاك الواحد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"تسعمائة وتسعة وتسعون من يأجوج ومأجوج ومنكم واحد\"، فقال الناس: الله أكبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"والله إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، والله إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، والله إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، قال فكبر الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنتم يومئذ في الناس إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، أو الشعرة السوداء في الثور الأبيض\" (3) .\rوروي عن عمران بن حصين، وأبي سعيد الخدري، وغيرهما: أن هاتين الآيتين نزلتا في\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 17 / 114.\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب: قول الله تعالى (يسألونك عن ذي القرنين) 6 / 382، ومسلم في الإيمان، باب: قوله (يقول الله لآدم أخرج بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين برقم (222) 1 / 201 - 202 والمصنف في شرح السنة: 15 / 139 - 140.","part":5,"page":364},{"id":2043,"text":"غزوة 23/ب بني المصطلق ليلا فنادى [منادي] (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم فحثوا المطي حتى كانوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأها عليهم فلم ير أكثر باكيا من تلك الليلة، فلما أصبحوا لم يحطوا السروج عن الدواب، ولم يضربوا الخيام ولم يطبخوا قدرا، والناس ما بين باك أو جالس حزين متفكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أتدرون أي يوم ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذلك يوم يقول الله عز وجل لآدم قم فابعث بعث النار من ولدك، فيقول آدم: من كل كم؟ فيقول الله عز وجل: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحد في الجنة، قال: فكبر ذلك على المسلمين وبكوا وقالوا: فمن ينجو إذا يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشروا وسددوا وقاربوا فإن معكم خليقتين ما كانتا في قوم إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج، ثم قال: إني لأرجو [أن تكونوا] (2) ثلث أهل الجنة، فكبروا وحمدوا الله، ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، فكبروا وحمدوا الله، ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة، وإن أهل الجنة مائة وعشرون صفا، ثمانون منها أمتي، وما المسلمون في الكفار إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الدابة، بل كالشعرة السوداء في الثور الأبيض أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود. ثم قال: ويدخل من أمتي سبعون ألفا الجنة بغير حساب، فقال عمر: سبعون ألفا؟ قال: نعم ومع كل واحد سبعون ألفا، فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت منهم، فقام رجل من الأنصار فقال: ادع الله أن يجعلني منهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبقك بها عكاشة\" (3) .\r{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (4) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) }\rقوله عز وجل: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ } نزلت في النضر بن الحارث (4) كان كثير الجدل، وكان يقول: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، وكان ينكر البعث وإحياء من صار ترابا.\rقوله تعالى: { وَيَتَّبِعُ } أي: يتبع في جداله في الله بغير علم، { كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ } والمريد: المتمرد المستمر في الشر. { كُتِبَ عَلَيْهِ } قضي على الشيطان، { أَنَّهُ مَنْ تَوَلاهُ } اتبعه { فَأَنَّهُ } يعني الشيطان،\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) أخرجه الترمذي: 9 / 12 -13 حتى قوله: في ذراع الدابة، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والإمام أحمد 4 / 435 حتى قوله: أو الرقمة في ذراع الدابة، والحاكم: 2 / 385، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وعزاه ابن حجر في الكافي الشاف ص 112 للثعلبي والبغوي، ثم قال: وأما آخره فلم أره.\r(4) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 8 لابن أبي حاتم.","part":5,"page":365},{"id":2044,"text":"{ يُضِلُّهُ } أي: يضل من تولاه، { وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ } ثم ألزم الحجة على منكري البعث فقال: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ } في شك { مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ } يعني: أباكم آدم الذي هو أصل النسل، { مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ } يعني: ذريته، والنطفة هي المني، وأصلها الماء القليل وجمعها نطاف، { ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ } وهي الدم الغليظ المتجمد، وجمعها علق، وذلك أن النطفة تصير دما غليظا ثم تصير لحما، { ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ } وهي لحمة قليلة قدر ما يمضغ، { مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ }\rقال ابن عباس وقتادة: \"مخلقة\" أي تامة الخلق، \"وغير مخلقة\" غير تامة أي ناقصة الخلق.\rوقال مجاهد: مصورة وغير مصورة، يعني السقط.\rوقيل: \"المخلقة\" الولد الذي تأتي به المرأة لوقته، \"وغير المخلقة\" السقط.\rروي عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك بكفه وقال: أي رب مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قال: غير مخلقة، قذفها الرحم دما ولم تكن نسمة، وإن قال: مخلقة، قال الملك: أي رب أذكر أم أنثى، أشقي أم سعيد؟ ما الأجل ما العمل ما الرزق وبأي أرض يموت؟ فيقال له: اذهب إلى أم الكتاب فإنك تجد فيها كل ذلك، فيذهب فيجدها في أم الكتاب فينسخها، فلا يزال معه حتى يأتي على آخر صفته (1) .\r{ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ } كمال قدرتنا وحكمتنا في تصريف أطوار خلقكم ولتستدلوا بقدرته في ابتداء الخلق على قدرته على الإعادة.\rوقيل: لنبين لكم ما تأتون وما تذرون وما تحتاجون إليه في العبادة.\r{ وَنُقِرُّ فِي الأرْحَامِ مَا نَشَاءُ } فلا تمجه ولا تسقطه، { إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } وقت خروجها من الرحم تامة الخلق والمدة. { ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ } من بطون أمهاتكم { طِفْلا } أي: صغارا، ولم يقل:\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في \"نوادر الأصول\" وابن أبي حاتم.","part":5,"page":366},{"id":2045,"text":"أطفالا لأن العرب تذكر الجمع باسم الواحد. وقيل: تشبيها بالمصدر مثل عدل وزور. { ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ } يعني: الكمال والقوة.\r{ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى } من قبل بلوغ الكبر، { وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ } أي: الهرم والخرف، { لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا } أي: يبلغ من السن ما يتغير عقله فلا يعقل شيئا.\rثم ذكر دليلا آخر على البعث فقال: { وَتَرَى الأرْضَ هَامِدَةً } أي: يابسة لا نبات فيها، { فَإِذَا أَنزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ } المطر، { اهْتَزَّتْ } تحركت بالنبات وذلك أن الأرض ترتفع بالنبات فذلك تحركها، { وَرَبَتْ } أي: ارتفعت وزادت، وقيل: فيه تقديم وتأخير معناه: ربت واهتزت وربا نباتها، فحذف المضاف، والاهتزاز في النبات أظهر، يقال: اهتز النبات أي : طال وإنما أُنِّت لذكر الأرض. وقرأ أبو جعفر: \" وربأت \" بالهمزة، وكذلك في حم السجدة، أي: ارتفعت وعلت.\r{ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } أي: صنف حسن يبهج به من رآه، أي: يسر، فهذا دليل آخر على البعث.","part":5,"page":367},{"id":2046,"text":"{ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ (8) }\r{ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ } أي: لتعلموا أن الله هو الحق، { وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } . { وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ } . { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ } يعني النضر بن الحارث، { وَلا هُدًى } بيان { وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ }","part":5,"page":367},{"id":2047,"text":"{ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ (10) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) }\r{ ثَانِيَ عِطْفِهِ } أي: متبخترا لتكبره. وقال مجاهد، وقتادة: لاوي عنقه. قال عطية، وابن زيد: معرضا عما يدعى إليه تكبرا. وقال ابن جريج: يعرض عن الحق تكبرا. والعطف: الجانب، وعطفا الرجل: جانباه عن يمين وشمال وهو الموضع الذي يعطفه الإنسان أي يلويه ويميله عند الإعراض عن الشيء، نظيره قوله تعالى: { وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا } (لقمان: 7) ، وقال تعالى: { وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم } (المنافقون: 5) . { لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } 24/أ عن دين الله، { لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ } عذاب وهوان، وهو القتل ببدر، فقتل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط يوم بدر صبرا. { وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ } ويقال له: { ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ } فيعذبهم بغير ذنب وهو جل ذكره على أي وجه شاء تصرف في عبده، فحكمه عدل وهو غير ظالم. قوله عز وجل: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ } الآية نزلت في قوم من الأعراب كانوا يقدمون المدينة مهاجرين من باديتهم فكان أحدهم إذا قدم المدينة فصح بها جسمه ونتجت بها فرسه مهرا حسنا وولدت امرأته غلاما وكثر ماله، قال: هذا دين حسن وقد أصبت فيه خيرا واطمأن إليه، وإن أصابه مرض وولدت امرأته جارية وأجهضت رماكه (1) وقل ماله، قال: ما أصبت منذ دخلت في هذا الدين إلا شرا فينقلب عن دينه، وذلك الفتنة (2) فأنزل الله عز وجل:\r{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ } أكثر المفسرين قالوا: على شك وأصله من حرف الشيء وهو طرفه، نحو حرف الجبل والحائط الذي كالقائم عليه غير مستقر، فقيل للشاك في الدين إنه يعبد الله على حرف لأنه على طرف وجانب من الدين لم يدخل فيه على الثبات والتمكن وأصله كالقائم على حرف الجبل مضطرب غير مستقر، يعرض أن يقع في أحد جانبي الطرف لضعف قيامه، ولو عبدوا الله في الشكر على السراء والصبر على الضراء لم يكونوا على حرف، قال الحسن: هو المنافق\r__________\r(1) الأنثى من البراذين.\r(2) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص 355 عن المفسرين، وأخرجه الطبري: 17 / 122 - 123، وأخرج البخاري نحوه في التفسير: 8 / 442 عن ابن عباس.","part":5,"page":368},{"id":2048,"text":"يعبده بلسانه دون قلبه { فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ } صحة في جسمه، وسعة في معيشته، { اطْمَأَنَّ بِهِ } أي: رضي به وسكن إليه، { وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ } بلاء في جسده، وضيق في معيشته، { انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ } ارتد ورجع على عقبه إلى الوجه الذي كان عليه من الكفر، { خَسِرَ الدُّنْيَا } يعني هذا الشاك خسر الدنيا بفوات ما كان يؤمل، { وَالآخِرَةَ } بذهاب الدين والخلود في النار. قرأ يعقوب \" خاسر \" بالألف { وَالآخِرَةَ } جر. { ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } الظاهر.\r{ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (12) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13) }\r{ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ } إن عصاه ولم يعبده، { وَمَا لا يَنْفَعُهُ } إن أطاعه وعبده، { ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ } عن الحق والرشد. { يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ } هذه الآية من مشكلات القرآن وفيها أسئلة:\rأولها قالوا: قد قال الله في الآية الأولى \"يدعو من دون الله ما لا يضره\"، وقال هاهنا: \"لمن ضره أقرب\"، فكيف التوفيق بينهما؟\rقيل قوله في الآية الأولى \"يدعو من دون الله ما لا يضره\" أي: لا يضره ترك عبادته، وقوله: \"لمن ضره أقرب\" أي: ضر عبادته.\rفإن قيل: قد قال: \"لمن ضره أقرب من نفعه\" ولا نفع في عبادة الصنم أصلا؟.\rقيل: هذا على عادة العرب، فإنهم يقولون لما لا يكون أصلا بعيد، كقوله تعالى: { ذلك رجع بعيد } (ق:3) أي: لا رجع أصلا فلما كان نفع الصنم بعيدا، على معنى: أنه لا نفع فيه أصلا قيل: ضره أقرب، لأنه كائن.\rالسؤال الثالث: قوله { لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ } ما وجه هذه اللام؟ اختلفوا فيه، فقال بعضهم: هي صلة، مجازها: يدعو من ضره أقرب (1) وكذلك قرأها ابن مسعود. وقيل: \"لمن ضره\" أي إلى الذي ضره أقرب من نفعه. وقيل: \"يدعو\" بمعنى يقول: والخبر محذوف، أي يقول: لمن ضره أقرب من نفعه هو إله.\r__________\r(1) انظر مسائل الرازي وأجوبتها ص 272.","part":5,"page":369},{"id":2049,"text":"وقيل: معناه يدعو لمن ضره أقرب من نفعه يدعو، فحذف يدعو الأخيرة اجتزاء بالأولى، ولو قلت: يضرب لمن خيره أكثر من شره يضرب، ثم يحذف الأخير جاز.\rوقيل: على التوكيد، معناه: يدعو والله لمن ضره أقرب من نفعه.\rوقيل: \"يدعو من\" صلة قوله: \"ذلك هو الضلال البعيد\" يقول: ذلك هو الضلال البعيد يدعو، ثم استأنف فقال: \"لمن ضره أقرب من نفعه\" فيكون \"من\" في محل رفع بالابتداء وخبره: { لَبِئْسَ الْمَوْلَى } أي الناصر. وقيل: المعبود. { وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ } أي: الصاحب والمخالط، يعني: الوثن، والعرب تسمي الزوج عشيرا لأجل المخالطة.\r{ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (14) مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15) }\rقوله عز وجل: { إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } . { مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ } يعني نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم { فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ } بحبل { إِلَى السَّمَاءِ } أراد بالسماء سقف البيت على قول الأكثرين، أي: ليشدد حبلا في سقف بيته فليختنق به حتى يموت، { ثُمَّ لْيَقْطَعْ } الحبل بعد الاختناق. وقيل: \"ثم ليقطع\" أي ليمد الحبل حتى ينقطع فيموت مختنقا، { فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ } صنيعه وحيلته، { مَا يَغِيظُ } \"ما\" بمعنى المصدر، أي: هل يذهبن كيده وحيلته غيظه، معناه: فليختنق غيظا حتى يموت. وليس هذا على سبيل الحتم أي : أن يفعله لأنه لا يمكنه القطع والنظر بعد الاختناق والموت، ولكنه كما يقال للحاسد: إن لم ترض هذا فاختنق ومت غيظا.\rوقال ابن زيد: المراد من السماء السماء المعروفة.\rومعنى الآية: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه ويكيد في أمره ليقطعه عنه فليقطعه من أصله، فإن أصله من السماء، فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع عن النبي صلى الله عليه وسلم الوحي الذي يأتيه فلينظر هل يقدر على إذهاب غيظه بهذا الفعل.","part":5,"page":370},{"id":2050,"text":"وروي أن هذه الآية نزلت في قوم من أسد وغطفان، دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام وكان بينهم وبين اليهود حلف، وقالوا: لا يمكننا أن نسلم لأنا نخاف أن لا ينصر محمد ولا يظهر أمره فينقطع الحلف بيننا وبين اليهود، فلا يميروننا ولا +يئوننا فنزلت هذه الآية (1) .\rوقال مجاهد: \"النصر\" بمعنى الرزق (2) والهاء راجعة إلى { مَنْ } ومعناه: من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة. نزلت فيمن أساء الظن بالله عز وجل وخاف ألا يرزقه الله، \"فليمدد بسبب إلى السماء\"، أي: إلى سماء البيت، فلينظر هل يذهبن فعله ذلك ما يغيظ، وهو خيفة أن لا يرزق.\rوقد يأتي النصر بمعنى الرزق، تقول العرب: من ينصرني نصره الله. أي: من يعطني أعطاه الله، قال أبو عبيدة: تقول العرب: أرض منصورة، أي: ممطورة.\rقرأ أبو عمرو، ونافع، وابن عامر، ويعقوب: \"ثم ليقطع\" \"ثم ليقضوا\" بكسر اللام، والباقون بجزمها لأن الكل لام الأمر، زاد ابن عامر { وليوفوا نذورهم وليطوفوا } (الحج: 29) بكسر اللام فيهما، ومن كسر في: \"ثم ليقطع\" وفي \"ثم ليقضوا\" فرق بأن ثم مفصول من الكلام، والواو كأنها من نفس الكلمة كالفاء في قوله: \"فلينظر\".\r__________\r(1) ذكره الطبري: 17 / 128 بدون سند.\r(2) 24 / ب.","part":5,"page":371},{"id":2051,"text":"{ وَكَذَلِكَ أَنزلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (16) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18) }\r{ وَكَذَلِكَ } أي: مثل ذلك، يعني: ما تقدم من آيات القرآن، { أَنزلْنَاهُ } يعني: القرآن { آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ } { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا } يعني: عبدة الأوثان،، { إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ } يحكم بينهم، { يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } { أَلَمْ تَرَ } ألم تعلم، وقيل: { أَلَمْ تَرَ } [تقرأ] (1) بقلبك { أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ }\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".","part":5,"page":371},{"id":2052,"text":"قال مجاهد: سجودها تحول ظلالها. وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع ساجدا حين يغيب ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه. وقيل: سجودها بمعنى الطاعة فإنه ما من جماد إلا وهو مطيع لله خاشع له مسبح له كما أخبر الله تعالى عن السموات والأرض { قالتا أتينا طائعين } (فصلت: 11) ، وقال في وصف الحجارة { وإن منها لما يهبط من خشية الله } (البقرة: 74) ، وقال تعالى: { وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم } (الإسراء: 44) ، وهذا مذهب حسن موافق لقول أهل السنة.\rقوله: { وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ } أي: من هذه الأشياء كلها تسبح الله عز وجل \"وكثير من الناس\"، يعني المسلمين. { وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ } وهم الكفار لكفرهم وتركهم السجود وهم مع كفرهم تسجد ظلالهم لله عز وجل. والواو في قوله: { وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ } واو الاستئناف.\r{ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ } أي: يهنه الله { فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ } أي: من يذله الله فلا يكرمه أحد، { إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ } أي: يكرم ويهين فالسعادة والشقاوة بإرادته ومشيئته.\r{ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) }\rقوله عز وجل : { هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ } أي: جادلوا في دينه وأمره، والخصم اسم شبيه بالمصدر، فلذلك قال: { اخْتَصَمُوا } بلفظ الجمع كقوله: { وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب } ( ص\"21 ) ، واختلفوا في هذين الخصمين:\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، أخبرنا هشيم، أخبرنا أبو هاشم، عن أبي مجلز، عن قيس بن عباد قال: سمعت أبا ذر يقسم قسما أن هذه الآية: { هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ } نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة وعلي، وعبيدة بن الحارث، وعتبة، وشيبة ابني أبي ربيعة، والوليد بن عتبة (1) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في المغازي ، باب قتل أبي جهل: 7 / 297، ومسلم في التفسير، باب: في قوله تعالى (هذان خصمان اختصموا في ربهم) برقم: (3033) 4 / 2323.","part":5,"page":372},{"id":2053,"text":"وأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا حجاج بن منهال، حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي قال أخبرنا أبو مجلز، عن قيس بن عباد، عن علي بن أبي طالب قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، قال قيس: وفيهم نزلت: { هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ } قال: هم الذين بارزوا يوم بدر: علي وحمزة، وعبيدة، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة (1) .\rقال محمد بن إسحاق خرج -يعني يوم بدر -عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة ودعا إلى المبارزة فخرج إليه فتية من الأنصار ثلاثة: عوذ ومعوذ ابنا الحارث وأمهما عفراء، وعبد الله بن رواحة فقالوا: من أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار، فقالوا حين انتسبوا: أكفاء كرام، ثم نادى مناديهم: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يا عبيدة بن الحارث ويا حمزة بن عبد المطلب ويا علي بن أبي طالب، فلما دنوا قالوا من أنتم؟ فذكروا وقالوا: نعم أكفاء كرام فبارز عبيدة وكان أسن القوم عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز علي الوليد بن عتبة، فأما حمزة فلم يمهل أن قتل شيبة، وعلي الوليد، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتان كلاهما [أثبت] (2) صاحبه، فكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فذففا عليه واحتملا عبيدة إلى أصحابه، وقد قطعت رجله ومخها يسيل، فلما أتوا بعبيدة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألست شهيدا يا رسول الله؟ قال: \"بلى\"، فقال عبيدة: لو كان أبو طالب حيا لعلم أنا أحق بما قال منه (3) حيث يقول: ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل\rوقال ابن عباس وقتادة: نزلت الآية في المسلمين وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب: نحن أولى بالله وأقدم منكم كتابا، ونبينا قبل نبيكم، وقال المؤمنون: نحن أحق بالله آمنا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ونبيكم وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون نبينا وكتابنا وكفرتم به حسدا، فهذه خصومتهم في ربهم (4) .\rوقال مجاهد وعطاء بن أبي رباح والكلبي: هم المؤمنون والكافرون كلهم من أي ملة كانوا (5) .\rوقال بعضهم: جعل الأديان ستة في قوله تعالى: { إن الذين آمنوا والذين هادوا } (المائدة: 69) الآية، فجعل خمسة للنار وواحدا للجنة، فقوله تعالى: { هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ } ينصرف\r__________\r(1) أخرجه البخاري في المغازي، باب قتل أبي جهل: 7 / 296.\r(2) في \"ب\" أثخن.\r(3) انظر: السيرة النبوية لابن هشام مع الروض الأنف: 2 / 67 - 68.\r(4) أخرجه الطبري: 17 / 132 عن ابن عباس.\r(5) انظر الطبري: 17 / 132.","part":5,"page":373},{"id":2054,"text":"إليهم فالمؤمنون 25/أ خصم وسائر الخمسة خصم.\rوقال عكرمة: هما الجنة والنار اختصمتا كما أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي أخبرنا أبو طاهر الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد حسين القطان، أخبرنا أحمد بن يوسف السلمي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، قال: حدثنا أبو هريرة: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"تحاجت الجنة والنار فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وغرتهم؟ قال الله عز وجل للجنة: إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله فيها رجله فتقول قط قط، فهنالك تمتلئ ويزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدا، وأما الجنة فإن الله عز وجل ينشئ لها خلقا\" (1) . ثم بين الله عز وجل ما للخصمين فقال:\r{ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ } قال سعيد بن جبير: ثياب من نحاس مذاب، وليس من الآنية شيء إذا حمي أشد حرا منه وسمي باسم الثياب لأنها تحيط بهم كإحاطة الثياب.\rوقال بعضهم: يلبس أهل النار مقطعات من النار، { يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ } الحميم: هو الماء الحار الذي انتهت حرارته.\r{ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) }\r{ يُصْهَرُ بِهِ } أي: يذاب بالحميم، { مَا فِي بُطُونِهِمْ } يقال: صهرت الإلية والشحم بالنار إذا أذبتهما أصهرها صهرا، معناه يذاب بالحميم الذي يصب من فوق رءوسهم حتى يسقط ما في بطونهم من الشحوم والأحشاء، { وَالْجُلُودُ } أي: يشوي حرها جلودهم فتتساط.\rأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن زيد، عن أبي السمح، عن أبي جحيرة واسمه عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إن الحميم ليصب على رءوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه، وهو الصهر، ثم يعاد كما كان\" (2) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير، باب (وتقول هل من مزيد) 8 / 595، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها، باب : النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء برقم (2846) 4 / 2186، والمصنف في شرح السنة: 15 / 256 - 257.\r(2) أخرجه الترمذي في صفة أهل جهنم، باب ما جاء في صفة شراب أهل النار 7 / 302 - 303 وقال: هذا حديث غريب صحيح، والإمام أحمد: 2 / 374، والحاكم في المستدرك: 2 / 387، والطبري: 17 / 133 - 134، والمصنف في شرح السنة: 15 / 244، وقد ضعف الألباني إسناده في تعليقه على المشكاة: 3 / 1581.","part":5,"page":374},{"id":2055,"text":"{ وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23) }\rقوله تعالى: { وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ } سياط من حديد واحدتها: مقمعة، قال الليث: المقمعة شبه الجزر من الحديد، من قولهم: قمعت رأسه، إذا ضربته ضربا عنيفا، وفي الخبر: \"لو وضع مقمع من حديد في الأرض ثم اجتمع عليه الثقلان ما أقلوه من الأرض\" (1) . { كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ } أي: كلما حاولوا الخروج من النار لما يلحقهم من الغم والكرب الذي يأخذ بأنفاسهم { أُعِيدُوا فِيهَا } أي: ردوا إليها بالمقامع. وفي التفسير: إن جهنم لتجيش بهم فتلقيهم إلى أعلاها فيريدون الخروج منها فتضربهم الزبانية بمقامع من الحديد فيهوون فيها سبعين خريفا. { وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ } أي: تقول لهم الملائكة: ذوقوا عذاب الحريق، أي: المحرق، مثل الأليم والوجيع.\rقال الزجاج: هؤلاء أحد الخصمين. وقال في الآخر، وهم المؤمنون: { إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ } { إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ } جمع سوار، { وَلُؤْلُؤًا } قرأ أهل المدينة وعاصم \"ولؤلؤا\" هاهنا وفي سورة الملائكة بالنصب وافق يعقوب هاهنا على معنى ويحلون لؤلؤا، ولأنها مكتوبة في المصاحف بالألف، وقرأ الآخرون بالخفض عطفا على قوله: \"من ذهب\"، ويترك الهمزة الأولى في كل القرآن أبو جعفر وأبو بكر، واختلفوا في وجه إثبات الألف، فيه، فقال أبو عمرو: أثبتوها كما أثبتوا في: قالوا وكانوا، وقال الكسائي: أثبتوها للهمزة، لأن الهمزة حرف من الحروف { وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } أي: يلبسون في الجنة ثياب الإبريسم وهو الذي حرم لبسه في الدنيا على الرجال.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم البغوي، أخبرنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة، عن قتادة، عن داود السراج، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم\r__________\r(1) أخرجه الحاكم: 4 / 600 من رواية دراج، عن أبي الهيثم، والإمام أحمد: 3 / 29 قال الهيثمي في المجمع 10 / 388 رواه أحمد وأبو يعلى، وفيه ضعفاء وثقوا، وانظر الكافي الشاف ص (112)، الترغيب والترهيب: 4 / 474.","part":5,"page":375},{"id":2056,"text":"قال: \"من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه الله إياه في الآخرة، فإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو\" (1) .\r__________\r(1) أخرجه الحاكم: 4 / 191 وصححه ووافقه الذهبي، وأبو داود الطيالسي ص (294) وأخرجه أيضا عن عمر رضي الله عنه ص (10)، وأخرجه الشيخان عن أنس بن مالك بلفظ: (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة): البخاري في اللباس، باب: لبس الحرير للرجال: 10 / 284، ومسلم في اللباس،، باب تحريم الذهب والحرير على الرجال وإباحته للنساء، برقم (2073) 3 / 1645، والمصنف في شرح السنة: 12 / 30 - 31.","part":5,"page":376},{"id":2057,"text":"{ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (24) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) }\rقوله عز وجل : { وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ } قال ابن عباس: هو شهادة أن لا إله إلا الله. وقال ابن زيد: لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله [وسبحان الله] (1) . وقال السدي: أي القرآن. وقيل: هو قول أهل الجنة: \"الحمد لله الذي صدقنا وعده\". (الزمر:74) { وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ } إلى دين الله وهو الإسلام، \"والحميد\" هو الله المحمود في أفعاله. قوله عز وجل : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } عطف المستقبل على الماضي، لأن المراد من لفظ المستقبل الماضي، كما قال تعالى في موضع آخر: { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله } (النساء: 167) ، معناه: إن الذين كفروا فيما تقدم، ويصدون عن سبيل الله في الحال، أي: وهم يصدون. { وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } أي: ويصدون عن المسجد الحرام. { الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ } قبلة لصلاتهم ومنسكا ومتعبدا كما قال: { وضع للناس } (آل عمران: 96) . { سَوَاءً } قرأ حفص عن عاصم ويعقوب: \"سواء\" نصبا بإيقاع الجعل عليه لأن الجعل يتعدى إلى مفعولين. وقيل: معناه مستويا فيه، { الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي } وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء وما بعده خبر، وتمام الكلام عند قوله \" للناس \" وأراد بالعاكف: المقيم فيه، وبالبادي: الطارئ المنتاب إليه من غيره.\rواختلفوا في معنى الآية، فقال قوم: \"سواء العاكف فيه والباد\" أي: في تعظيم حرمته وقضاء النسك فيه. وإليه ذهب مجاهد والحسن وجماعة، وقالوا: المراد منه نفس المسجد الحرام. ومعنى التسوية: هو التسوية في تعظيم الكعبة في فضل الصلاة في المسجد الحرام والطواف بالبيت.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".","part":5,"page":376},{"id":2058,"text":"وقال آخرون: المراد منه جميع الحرم، ومعنى التسوية: أن المقيم والبادي سواء في النزول به، ليس أحدهما أحق بالمنزل يكون فيه من الآخر، غير أنه لا يزعج فيه أحد إذا كان قد سبق إلى منزل، وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وابن زيد، قالوا: هما سواء في [البيوت] (1) والمنازل.\rوقال عبد الرحمن بن سابط: كان الحجاج إذا قدموا مكة لم يكن أحد من أهل مكة بأحق بمنزله منهم. وكان عمر بن الخطاب ينهى الناس أن يغلقوا أبوابهم في الموسم، وعلى هذا القول لا يجوز بيع دور مكة وإجارتها، وعلى القول الأول -وهو الأقرب إلى الصواب -يجوز، لأن الله تعالى قال: { الذين أخرجوا من ديارهم } (الحج: 40) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: \"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن\" (2) فنسب الدار إليه نسب ملك، واشترى عمر دارا للسجن بمكة بأربعة آلاف درهم، فدل على جواز بيعها. وهذا قول طاوس وعمرو بن دينار، وبه قال الشافعي.\rقوله عز وجل: { وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ } أي: في المسجد الحرام بإلحاد بظلم وهو الميل إلى الظلم، الباء في قوله \"بإلحاد\" زائدة كقوله: { تنبت بالدهن } (المؤمنون: 20) ، ومعناه من يرد فيه إلحادا بظلم، قال الأعشى: \"ضمنت برزق عيالنا أرماحنا\"، أي: رزق عيالنا. وأنكر المبرد أن تكون الباء زائدة وقال: معنى الآية من تكن إرادته فيه بأن يلحد بظلم.\rواختلفوا في هذا الإلحاد، فقال مجاهد وقتادة: هو الشرك وعبادة غير الله.\rوقال قوم: هو كل شيء كان منهيا عنه من قول أو فعل حتى شتم الخادم.\rوقال عطاء: هو دخول الحرم غير محرم، أو ارتكاب شيء من محظورات الحرم، من قتل صيد، أو قطع شجر.\rوقال ابن عباس: هو أن تقتل فيه من لا يقتلك، أو تظلم فيه من لا يظلمك، وهذا معنى قول الضحاك.\rوعن مجاهد أنه قال: تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات.\rوقال حبيب بن أبي ثابت: وهو احتكار الطعام بمكة.\rوقال عبد الله بن مسعود في قوله: { وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } قال: لو أن رجلا هم بخطيئة لم تكتب عليه، ما لم يعملها، ولو أن رجلا هم بقتل رجل بمكة وهو بعدن\r__________\r(1) في \"ب\" السوق\".\r(2) قطعة من حديث أخرجه مسلم في الجهاد والسير، باب: فتح مكة برقم (1780) 3 / 1405 - 1407.","part":5,"page":377},{"id":2059,"text":"أبين، أو ببلد آخر أذاقه الله من عذاب أليم. وقال السدي: إلا أن يتوب.\rوروي عن عبد الله بن عمر أنه كان له فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الآخر، فسئل عن ذلك فقال: كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل كلا والله، وبلى والله (1) .\r{ وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) }\rقوله عز وجل: { وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ } أي: وطأنا قال ابن عباس: جعلنا. وقيل: بينا قال الزجاج: جعلنا مكان البيت [مبوءا لإبراهيم.\rوقال مقاتل بن حيان: هيأنا. وإنما ذكرنا مكان البيت] (2) لأن الكعبة رفعت إلى السماء زمان الطوفان، ثم لما أمر الله تعالى إبراهيم ببناء البيت لم يدر أين يبني فبعث الله ريحا خجوجا فكنست له ما حول البيت على الأساس (3) .\rوقال الكلبي: بعث الله سحابة بقدر البيت فقامت بحيال البيت وفيها رأس يتكلم يا إبراهيم ابن على قدري فبني عليه (4) . قوله تعالى: { أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا } أي: عهدنا إلى إبراهيم وقلنا له لا تشرك بي شيئا، { وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ } يعني: الذين يطوفون بالبيت، { وَالْقَائِمِينَ } أي: المقيمين، { وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } أي: المصلين. { وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ } أي: أعلم وناد في الناس، { بِالْحَجِّ } فقال إبراهيم وما يبلغ صوتي؟ فقال: عليك الأذان وعلي البلاغ، فقام إبراهيم على المقام فارتفع المقام حتى صار كأطول الجبال فأدخل أصبعيه في أذنيه، وأقبل بوجهه يمينا وشمالا وشرقا وغربا وقال: يا أيها الناس ألا إن ربكم قد بنى بيتا وكتب عليكم الحج إلى البيت فأجيبوا ربكم، فأجابه كل من كان يحج من أصلاب الآباء وأرحام\r__________\r(1) ذكر هذه الأقوال الطبري: 17 / 138 - 142، ثم قال: وأولى الأقوال التي ذكرناها في تأويل ذلك بالصواب : القول الذي ذكرناه عن ابن مسعود وابن عباس من أنه معنى بالظلم في هذا الموضع، كل معصية لله، وذلك أن الله عم بقوله: (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم)، ولم يخصص به ظلم دون ظلم في خير ولا عقل، فهو على عمومه.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) انظر الطبري: 17 / 143.\r(4) انظر الدر المنثور: 6 / 30.","part":5,"page":378},{"id":2060,"text":"الأمهات: لبيك اللهم لبيك (1) قال ابن عباس: فأول من أجابه أهل اليمن فهم أكثر الناس حجا.\rوروي أن إبراهيم صعد أبا قبيس ونادى (2) . وقال ابن عباس عني بالناس في هذه الآية أهل القبلة، وزعم الحسن أن قوله: \"وأذن في الناس بالحج\" كلام مستأنف وأن المأمور بهذا التأذين محمد صلى الله عليه وسلم أمر أن يفعل ذلك في حجة الوداع.\rوروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا\" (3) .\rقوله تعالى: { يَأْتُوكَ رِجَالا } مشاة على أرجلهم جمع راجل، مثل قائم وقيام وصائم وصيام، { وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ } أي: ركبانا على كل ضامر، والضامر: البعير المهزول. { يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ } أي: من كل طريق بعيد، وإنما جمع \"يأتين\" لمكان كل وإرادة النوق.\r{ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) }\r{ لِيَشْهَدُوا } ليحضروا، { مَنَافِعَ لَهُمْ } قال سعيد بن المسيب، ومحمد بن علي الباقر: العفو والمغفرة. وقال سعيد بن جبير: التجارة، وهي رواية ابن زيد عن ابن عباس، قال: الأسواق. وقال مجاهد: التجارة وما يرضى الله به من أمر الدنيا والآخرة (4) . { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ } يعني عشر ذي الحجة في قول أكثر المفسرين. قيل لها \"معلومات\" للحرص على علمها بحسابها من أجل وقت الحج في آخرها. ويروى عن علي 26/أ رضي الله عنه: أنها يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وفي رواية عطاء عن ابن عباس أنها يوم عرفة والنحر وأيام التشريق. وقال مقاتل: المعلومات أيام التشريق (5) . { عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ } يعني: الهدايا، والضحايا، تكون من النعم،\r__________\r(1) انظر الطبري: 17 / 144.\r(2) عزاه السيوطي: 6 / 35 لابن أبي حاتم عن ابن عباس.\r(3) اخرجه مسلم في الحج، باب: فرض الحج مرة في العمر برقم: (1337) 2 / 975 والمصنف في شرح السنة: 7 / 3.\r(4) ذكر هذه الأقوال الطبري: 17 / 146 - 147 ثم قال مرجحا: وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: عني بذلك: ليشهدوا منافع لهم من العمل الذي يرضي الله والتجارة، وذلك أن الله عم لهم منافع جميع ما يشهد له الموسم، ويأتي له مكة أيام الموسم من منافع الدنيا والآخرة، ولم يخصص من ذلك شيء من منافعهم بخبر ولا عقل، فذلك على العموم في المنافع التي وصفت.\r(5) سبق تخريج هذه الأقوال في المجلد الأول صفحة (234) هامش (1).","part":5,"page":379},{"id":2061,"text":"وهي الإبل والبقر والغنم.\rواختار الزجاج أن الأيام المعلومات: يوم النحر وأيام التشريق، لأن الذكر على بهيمة الأنعام يدل على التسمية على نحرها، ونحر الهدايا يكون في هذه الأيام. { فَكُلُوا مِنْهَا } أمر إباحة وليس بواجب، وإنما قال ذلك لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من لحوم هداياهم شيئا، واتفق العلماء على أن الهدي إذا كان تطوعا يجوز للمهدي أن يأكل منه وكذلك أضحية التطوع لما:\rأخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني، أخبرنا علي بن حجر، أخبرنا إسماعيل بن جعفر، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال في قصة حجة الوداع: وقدم علي ببدن من اليمن وساق رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة بدنة فنحر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا وستين بدنة بيده ونحر علي ما بقي، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تؤخذ بضعة من كل بدنة فتجعل في قدر، فأكلا من لحمها وحسيا من مرقها (1) .\rواختلفوا في الهدي الواجب بالشرع هل يجوز للمهدي أن يأكل منه شيئا؟ مثل دم التمتع والقران والدم الواجب بإفساد الحج وفواته وجزاء الصيد؟\rفذهب قوم إلى أنه لا يجوز أن يأكل منه شيئا، وبه قال الشافعي، وكذلك ما أوجبه على نفسه بالنذر، وقال ابن عمر: لا يأكل من جزاء الصيد والنذر، ويأكل مما سوى ذلك، وبه قال أحمد وإسحاق، وقال مالك: يأكل من هدي التمتع ومن كل هدي وجب عليه إلا من فدية الأذى وجزاء الصيد والمنذور، وعند أصحاب الرأي يأكل من دم التمتع والقران ولا يأكل من واجب سواهما.\rقوله عز وجل: { وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ } يعني: الزمن الفقير الذي لا شيء له و \"البائس\" الذي اشتد بؤسه، والبؤس شدة الفقر.\r{ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) }\r{ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ } التفث: الوسخ والقذارة من طول الشعر والأظافر والشعث، تقول العرب لمن تستقذره: ما أتفثك: أي: ما أوسخك. والحاج أشعث أغبر، لم يحلق شعره ولم يقلم ظفره، فقضاء التفث: إزالة هذه الأشياء ليقضوا تفثهم، أي: ليزيلوا أدرانهم، والمراد منه الخروج عن الإحرام بالحلق، وقص الشارب، ونتف الإبط، والاستحداد، وقلم الأظفار، ولبس الثياب. قال ابن عمر\r__________\r(1) قطعة من حديث جابر، أخرجه مسلم برقم (1218): 2 / 893، والمصنف في شرح السنة: 7 / 150.","part":5,"page":380},{"id":2062,"text":"وابن عباس: \"قضاء التفث\": مناسك الحج كلها. وقال مجاهد: هو مناسك الحج، وأخذ الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقلم الأظفار. وقيل: التفث هاهنا رمي الجمار. قال الزجاج: لا نعرف التفث ومعناه إلا من القرآن.\rقوله تعالى: { وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ } قال مجاهد: أراد نذر الحج والهدي وما ينذر الإنسان من شيء يكون في الحج أي: ليتموها بقضائها. وقيل: المراد منه الوفاء بما نذر على ظاهره. وقيل: أراد به الخروج. عما وجب عليه نذر أو لم ينذر. والعرب تقول لكل من خرج عن الواجب عليه وفى بنذره. وقرأ عاصم برواية أبي بكر \"وليوفوا\" بنصب الواو وتشديد الفاء.\r{ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } أراد به الطواف الواجب عليه وهو طواف الإفاضة يوم النحر بعد الرمي والحلق.\rوالطواف ثلاثة: طواف القدوم، وهو أن من قدم مكة يطوف بالبيت سبعا يرمل ثلاثا من الحجر الأسود إلى أن ينتهي إليه ويمشي إربعا، وهذا الطواف سنة لا شيء على من تركه.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أحمد هو أبو عيسى، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل القرشي أنه سأل عروة بن الزبير فقال: قد حج النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرتني عائشة أنه أول شيء بدأ به حين قدم أنه توضأ ثم طاف بالبيت ثم لم يكن عمرة، ثم حج أبو بكر فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم يكن عمرة، ثم عمر مثل ذلك، ثم حج عثمان فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت (1) .\rأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا أنس بن عياض، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم يسعى ثلاثة أطواف ويمشي أربعا، ثم يصلي سجدتين، ثم يطوف بين الصفا والمروة سبعا (2) .\rوالطواف الثاني: هو طواف الإفاضة يوم النحر بعد الرمي والحلق، وهو واجب لا يحصل التحلل من الإحرام ما لم يأت به.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الحج، باب: الطواف على وضوء: 3 / 496، ومسلم في الحج، باب: ما يلزم من طاف بالبيت وسعى برقم: (1235) 2 / 906 - 907، والمصنف في شرح السنة: 7 / 101 - 102.\r(2) أخرجه البخاري في الحج، باب: من طاف بالبيت إذا قدم مكة: 3 / 477 ومسلم في الحج، باب : استحباب الرمل في الطواف والعمرة برقم: (1261) 2 / 920، والمصنف في شرح السنة: 7 / 104 والشافعي في المسند: 1 / 347.","part":5,"page":381},{"id":2063,"text":"أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، أخبرنا الأعمش، أخبرنا إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: حاضت صفية ليلة النفر فقالت: ما أراني إلا حابستكم قال النبي صلى الله عليه وسلم \"عقري حلقي أطافت يوم النحر؟ قيل: نعم، قال: فانفري\" (1) فثبت بهذا أن من لم يطف يوم النحر طواف الإفاضة لا يجوز له أن ينفر.\rوالطواف الثالث: هو طواف الوداع لا رخصة فيه لمن أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر أن يفارقها حتى يطوف بالبيت سبعا، فمن تركه فعليه دم إلا المرأة الحائض يجوز لها ترك طواف الوداع.\rأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز أحمد الخلال، 26/ب أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاوس عن ابن عباس ، قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم الطواف بالبيت إلا أنه رخص للمرأة الحائض (2) .\rوالرمل مختص بطواف القدوم، ولا رمل في طواف الإفاضة والوداع.\rقوله: { بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } اختلفوا في معنى \"العتيق\": قال ابن عباس، وابن الزبير ومجاهد وقتادة: سمي عتيقا لأن الله أعتقه من أيدي الجبابرة أن يصلوا إلى تخريبه، فلم يظهر عليه جبار قط. قال سفيان بن عيينة: سمي عتيقا لأنه لم يملك قط، وقال الحسن وابن زيد: سمي به لأنه قديم وهو أول بيت وضع للناس، يقال: دينار عتيق أي قديم، وقيل: سمي عتيقا لأن الله أعتقه من الغرق، فإنه رفع أيام الطوفان (3) .\r{ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعَامُ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) }\r{ ذَلِكَ } أي: الأمر ذلك، يعني ما ذكر من أعمال الحج، { وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ } أي\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الحج، باب: الإدلاج من المحصب: 3 / 595، والمصنف في شرح السنة: 7 / 234.\r(2) أخرجه البخاري في الحج، باب: طواف الوداع 3 / 585، ومسلم في الحج، باب: وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض برقم (1328)، والمصنف في شرح السنة: 7 / 232. والشافعي في المسند: 1 / 364.\r(3) ذكر هذه الأقوال الطبري: 17 / 151 - 152 ثم قال: ولكل هذه الأقوال التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه في قوله: (البيت العتيق) وجه صحيح، غير أن الذي قاله ابن زيد أغلب معانيه عليه في الظاهر، غير أن الذي روي عن ابن الزبير أولى بالصحة، إن كان ما حدثني به محمد بن سهل البخاري - قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: أخبرني الليث، عن عبد الرحمن ابن خالد بن مسافر، عن الزهري، عن محمد بن عروة، عن عبد الله بن الزبير، قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إنما سمي البيت العتيق لأن الله أعتقه من الجبابرة فلم يظهر عليه قط - صحيحا\".","part":5,"page":382},{"id":2064,"text":"معاصي الله وما نهى عنه، وتعظيمها ترك ملابستها. قال الليث: حرمات الله ما لا يحل انتهاكها. وقال الزجاج: الحرمة ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه، وذهب قوم إلى أن معنى الحرمات هاهنا: المناسك، بدلالة ما يتصل بها من الآيات. وقال ابن زيد: الحرمات هاهنا: البيت الحرام، والبلد الحرام والشهر الحرام، والمسجد الحرام، والإحرام (1) . { فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ } أي: تعظيم الحرمات، خير له عند الله في الآخرة.\rقوله عز وجل: { وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعَامُ } أن تأكلوها إذا ذبحتموها وهي الإبل والبقر والغنم، { إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ } تحريمه، وهو قوله في سورة المائدة: { حرمت عليكم الميتة والدم } (المائدة: 3) ، الآية، { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ } أي: عبادتها، يقول: كونوا على جانب منها فإنها رجس، أي: سبب الرجس، وهو العذاب، والرجس: بمعنى الرجز. وقال الزجاج: { من } هاهنا للتجنيس أي: اجتنبوا الأوثان التي هي رجس، { وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ } يعني: الكذب والبهتان. وقال ابن مسعود: شهادة الزور، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قام خطيبا فقال: \"يا أيها الناس عدلت شهادة الزور بالشرك بالله\"، ثم قرأ هذه الآية (2) . وقيل: هو قول المشركين في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك لبيك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك.\r__________\r(1) انظر الطبري: 17 / 153.\r(2) أخرجه أبو داود في الأقضية، باب في شهادة الزور: 5 / 217، والترمذي في الشهادات 6 / 585، وقال: (هذا حديث إنما نعرفه من حديث سفيان بن زياد - يعني حديث خريم بن فاتك - وقد اختلفوا في رواية هذا الحديث عن سفيان بن زياد ولا نعرف لأيمن بن خريم سماعا من النبي صلى الله عليه وسلم). وابن ماجه في الأحكام، باب: شهادة الزور رقم (2372)، 2 / 794، والإمام أحمد: 4 / 178.","part":5,"page":383},{"id":2065,"text":"{ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31) }\r{ حُنَفَاءَ لِلَّهِ } مخلصين له، { غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ } قال قتادة: كانوا في الشرك يحجون، ويحرمون البنات والأمهات والأخوات، وكانوا يسمون حنفاء، فنزلت: \"حنفاء لله غير مشركين به\" أي: حجاجا لله مسلمين موحدين، يعني: من أشرك لا يكون حنيفا.\r{ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ } أي: سقط، { مِنَ السَّمَاءِ } إلى الأرض، { فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ } أي: تستلبه الطير وتذهب به، والخطف والاختطاف: تناول الشيء بسرعة. وقرأ أهل المدينة: فتخطفه بفتح الخاء وتشديد الطاء، أي: يتخطفه، { أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ } أي: تميل وتذهب به، { فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ }","part":5,"page":383},{"id":2066,"text":"أي: بعيد، معناه: بعد من أشرك من الحق كبعد من سقط من السماء فذهبت به الطير، أو هوت به الريح، فلا يصل إليه بحال. وقيل: شبه حال المشرك بحال الهاوي من السماء في أنه لا يملك لنفسه حيلة حتى يقع بحيث تسقطه الريح، فهو هالك لا محالة إما باستلاب الطير لحمه وإما بسقوطه إلى المكان السحيق، وقال الحسن: شبه أعمال الكفار بهذه الحال في أنها تذهب وتبطل فلا يقدرون على شيء منها.\r{ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33) }\r{ ذَلِكَ } يعني: الذي ذكرت من اجتناب الرجس وقول الزور، { وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ } قال ابن عباس \"شعائر الله\" البدن والهدي، وأصلها من الإشعار، وهو إعلامها ليعرف أنها هدي، وتعظيمها: استسمانها واستحسانها. وقيل \"شعائر الله\" أعلام دينه، \"فإنها من تقوى القلوب\"، أي: فإن تعظيمها من تقوى القلوب. { لَكُمْ فِيهَا } أي: في البدن قبل تسميتها للهدي، { مَنَافِعُ } في درها ونسلها وأصوافها وأوبارها وركوب ظهورها، { إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } وهو أن يسميها ويوجبها هديا، فإذا فعل ذلك لم يكن له شيء من منافعها، هذا قول مجاهد، وقول قتادة والضحاك، ورواه مقسم عن ابن عباس.\rوقيل: معناه لكم في الهدايا منافع بعد إيجابها وتسميتها هديا بأن تركبوها وتشربوا ألبانها عند الحاجة \"إلى أجل مسمى\"، يعني: إلى أن تنحروها، وهو قول عطاء بن أبي رباح.\rواختلف أهل العلم في ركوب الهدي.\rفقال قوم: يجوز له ركوبها والحمل عليها غير مضر بها، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، لما أخبر أبو الحسن السرخسي، أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة فقال له : \"اركبها، فقال يا رسول الله إنها بدنة، فقال: اركبها ويلك، في الثانية أو الثالثة\"، وكذلك قال له: \"اشرب لبنها بعدما فضل عن ري ولدها\" (1) .\rوقال أصحاب الرأي: لا يركبها.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الحج، باب: ركوب البدن 3 / 536، ومسلم في الحج، باب: جواز ركوب البدنة المهداة لمن احتاج إليها، برقم (1322) 2 / 960 والمصنف في شرح السنة: 7 / 195.","part":5,"page":384},{"id":2067,"text":"وقال قوم: لا يركبها إلا أن يضطر إليه.\rوقال بعضهم: أراد بالشعائر: المناسك ومشاهدة مكة. \"لكم فيها منافع\" بالتجارة والأسواق \"إلى أجل مسمى\" وهو الخروج من مكة.\rوقيل: \"لكم فيها منافع\" بالأجر والثواب في قضاء المناسك. \"إلى أجل مسمى\"، أي: إلى انقضاء أيام الحج.\r{ ثُمَّ مَحِلُّهَا } أي: منحرها، { إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ } أي: منحرها عند البيت العتيق، يريد أرض الحرم كلها، كما قال: { فلا يقربوا المسجد الحرام } (التوبة: 28) أي: الحرم كله.\rوروي عن جابر في قصة حجة الوداع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم 27/أ قال: \"نحرت هاهنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم\" (1) .\rومن قال: \"الشعائر\" المناسك، قال: معنى قوله \"ثم محلها إلى البيت العتيق\" أي: محل الناس من إحرامهم إلى البيت العتيق، أي: أن يطوفوا به طواف الزيادة يوم النحر.\r{ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) }\rقال الله تعالى: { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ } أي: جماعة مؤمنة سلفت قبلكم، { جَعَلْنَا مَنْسَكًا } قرأ حمزة والكسائي بكسر السين هاهنا وفي آخر السورة، على معنى الاسم مثل المسجد والمطلع، أي: مذبحا وهو موضع القربان، وقرأ الآخرون بفتح السين على المصدر، مثل المدخل والمخرج، أي: إراقة الدماء وذبح القرابين، { لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ } [عند نحرها وذبحها، وسماها بهيمة] (2) لأنها لا تتكلم، وقال: \"بهيمة الأنعام\" وقيدها بالنعم، لأن من البهائم ما ليس من الأنعام كالخيل والبغال والحمير، لا يجوز دخلها (3) في القرابين.\r{ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ } أي: سموا على الذبائح اسم الله وحده، فإن إلهكم إله واحد،\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الحج، باب: ما جاء أن عرفه كلها موقف، برقم (1218) 2 / 893، والمصنف في شرح السنة: 7 / 150.\r(2) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(3) في \"ب\" ذبحها.","part":5,"page":385},{"id":2068,"text":"{ فَلَهُ أَسْلِمُوا } انقادوا وأطيعوا، { وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ } قال ابن عباس وقتادة: المتواضعين. وقال مجاهد: المطمئنين إلى الله عز وجل، \"والخبت\" المكان المطمئن من الأرض. وقال الأخفش: الخاشعين. وقال النخعي: المخلصين. وقال الكلبي: هم الرقيقة قلوبهم. وقال عمرو بن أوس: هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا.\r{ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (35) وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) }\r{ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ } من البلاء والمصائب { وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ } أي: المقيمين للصلاة في أوقاتها، { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } يتصدقون. قوله عز وجل: { وَالْبُدْنَ } جمع بدنة سميت بدنة لعظمها وضخامتها، يريد: الإبل العظام الصحاح الأجسام، يقال بدن الرجل بدنا وبدانة إذا ضخم، فأما إذا أسن واسترخى يقال بدن تبدينا. قال عطاء والسدي: البدن: الإبل والبقر أما الغنم فلا تسمى بدنة. { جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } من أعلام دينه، سميت شعائر لأنها تشعر، وهو أن تطعن بحديدة في سنامها فيعلم أنها هدي، { لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ } النفع في الدنيا والأجر في العقبى، { فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا } عند نحرها، { صَوَافَّ } أي: قياما على ثلاث قوائم قد صفت رجليها وإحدى يديها، ويدها اليسرى معقولة فينحرها كذلك.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عبد الله بن مسلمة، أخبرنا يزيد بن زريع، عن يونس، عن زياد بن جبير قال: رأيت ابن عمر أتى على رجل قد أناخ بدنة ينحرها، قال: ابعثها قياما مقيدة سنة محمد صلى الله عليه وسلم (1) .\rوقال مجاهد: الصواف إذا عقلت رجلها اليسرى وقامت على ثلاث قوائم.\rوقرأ ابن مسعود: \"صوافن\" وهي أن تعقل منها يد وتنحر على ثلاث، وهو مثل صواف. وقرأ أبي والحسن ومجاهد: \"صوافي\" بالياء أي: صافية خالصة لله لا شريك له فيها.\r{ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا } أي: سقطت بعد النحر فوقعت جنوبها على الأرض. وأصل الوجوب:\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الحج ، باب: نحر الإبل مقيدة: 3 / 553، ومسلم في الحج، باب: نحر البدن قياما مقيدة، برقم (1320) 2 / 956، والمصنف في شرح السنة: 7 / 198.","part":5,"page":386},{"id":2069,"text":"الوقوع. يقال: وجبت الشمس إذا سقطت للمغيب، { فَكُلُوا مِنْهَا } أمر إباحة، { وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ } اختلفوا في معناهما:.\rفقال عكرمة وإبراهيم وقتادة: \"القانع\" الجالس في بيته المتعفف يقنع بما يعطى ولا يسأل، و \"المعتر\" الذي يسأل.\rوروى العوفي عن ابن عباس: \"القانع\" الذي لا يعترض ولا يسأل، و \"المعتر\" الذي يريك نفسه ويتعرض ولا يسأل، فعلى هذين التأويلين يكون \"القانع\": من القناعة، يقال: قنع قناعة إذا رضي بما قسم له.\rوقال سعيد بن جبير والحسن والكلبي: \"القانع\": الذي يسأل، \"والمعتر\": الذي يتعرض ولا يسأل، فيكون \"القانع\" من قنع يقنع قنوعا إذا سأل.\rوقرأ الحسن: \"والمعتري\" وهو مثل المعتر، يقال: عره واعتره وعراه واعتراه إذا أتاه يطلب معروفه، إما سؤالا أو تعرضا.\rوقال ابن زيد: \"القانع\": المسكين، \"والمعتر\": الذي ليس بمسكين، ولا يكون له ذبيحة يجيء إلى القوم فيتعرض لهم لأجل لحمهم (1) .\r{ كَذَلِكَ } أي: مثل ما وصفنا من نحرها قياما، { سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ } نعمة منا لتتمكنوا من نحرها، { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } لكي تشكروا إنعام الله عليكم.\r{ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37) }\r{ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا } وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا نحروا البدن لطخوا الكعبة\r__________\r(1) ذكر هذه الأقوال وغيرها الطبري: 17 / 167 - 170 ثم قال: (وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: عنى بالقانع: السائل، لأنه لو كان المعني بالقانع في هذا الموضع: المكتفي بما عنده، والمستغني به لقيل: وأطعموا القانع والسائل، ولم يقل: وأطعموا القانع والمعتر، وفي إتباع ذلك قوله: والمعتر، الدليل الواضح على أن القانع معني به السائل من قولهم: قنع فلان إلى فلان، بمعنى سأله وخضع إليه، فهو يقنع قنوعا، ومنه قول لبيد: وأعطاني المولى على حين فقره ... بنات إذا قال أبصر خلتي وقنوعي\rوأما القانع الذي هو بمعنى المكتفي، فإنه من قنعت، بكسر النون، أقنع قناعة، وقنوعا وقنعانا، وأما المعتر: فإنه الذي يأتيك معترا بك لتعطيه وتطعمه).","part":5,"page":387},{"id":2070,"text":"بدمائها قربة إلى الله، فأنزل الله هذه الآية: \"لن ينال الله لحومها ولا دماؤها\" قرأ يعقوب \"تنال وتناله\" بالتاء فيهما، وقرأ العامة بالياء. قال مقاتل: لن يرفع إلى الله لحومها ولا دماؤها، { وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ } ولكن ترفع إليه منكم الأعمال الصالحة والتقوى، والإخلاص ما أريد به وجه الله، { كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ } يعني: البدن، { لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ } أرشدكم لمعالم دينه ومناسك حجه، وهو أن يقول: الله أكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أبلانا وأولانا، { وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ } قال ابن عباس: الموحدين.\r{ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38) }","part":5,"page":388},{"id":2071,"text":"{ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) }\rقوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا } قرأ ابن كثير وأهل البصرة: \"يدفع\"، وقرأ الآخرون: \"يدافع\" بالألف، يريد: يدفع غائلة المشركين عن المؤمنين ويمنعهم عن المؤمنين. { إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ } أي: خوان في أمانة الله كفور لنعمته، قال ابن عباس: خانوا الله فجعلوا معه شريكا وكفروا نعمه. قال الزجاج: من تقرب إلى الأصنام بذبيحته وذكر عليها اسم غير الله فهو خوان كفور. قوله عز وجل: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا } 27/ب قرأ أهل المدينة والبصرة وعاصم: \"أذن\" بضم الألف والباقون بفتحها، أي: أذن الله، \"للذين يقاتلون\"، قرأ أهل المدينة وابن عامر وحفص \"يقاتلون\" بفتح التاء يعني المؤمنين الذين يقاتلهم المشركون، وقرأ الآخرون بكسر التاء يعني الذين أذن لهم بالجهاد \"يقاتلون\" المشركين.\rقال المفسرون: كان مشركو أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يزالون محزونين من بين مضروب ومشجوج، ويشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر بالقتال، حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل هذه الآية (1) وهي أول آية أذن الله فيها بالقتال، فنزلت هذه الآية بالمدينة.\rوقال مجاهد: نزلت هذه الآية في قوم بأعيانهم خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة، فكانوا\r__________\r(1) قال ابن حجر في الكافي الشاف ص (113): لم أجده هكذا. وعزاه الواحدي في الوسيط للمفسرين، قلت - ابن حجر -: هو منتزع من أحاديث، أقربها ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان قوله (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا) وذلك أن مشركي أهل مكة كانوا يؤذون المسلمين بمكة، فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في قتالهم بمكة، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أنزل الله عليه: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا).","part":5,"page":388},{"id":2072,"text":"يمنعون فإذن الله لهم في قتال الكفار الذين يمنعونهم من الهجرة (1) { بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا } أي: بسبب ما ظلموا، واعتدوا عليهم بالإيذاء، { وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ }\r{ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ (41) }\r{ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ } بدل \"عن الذين\" الأولى { إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ } أي: لم يخرجوا من ديارهم إلا لقولهم ربنا الله وحده.\r{ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } بالجهاد وإقامة الحدود، { لَهُدِّمَتْ } قرأ أهل الحجاز بتخفيف الدال، وقرأ الآخرون بالتشديد على التكثير، فالتخفيف يكون للقليل والتكثير، والتشديد يختص بالتكثير، { صَوَامِعُ } قال مجاهد والضحاك: يعني: صوامع الرهبان. وقال قتادة: صوامع الصابئين، { وَبِيَعٌ } بيع النصارى جمع \"بيعة\" وهي كنيسة النصارى، { وَصَلَوَاتٌ } يعني كنائس اليهود، ويسمونها بالعبرانية صلوتا، { وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا } يعني مساجد المسلمين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.\rومعنى الآية: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدم في شريعة كل نبي مكان صلاتهم، لهدم في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى البيع والصوامع، وفي زمن محمد صلى الله عليه وسلم المساجد.\rوقال ابن زيد: أراد بالصلوات صلوات أهل الإسلام، فإنها تنقطع إذا دخل العدو عليهم.\r{ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ } أي: ينصر دينه ونبيه، { إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } { الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ } قال الزجاج: هذا من صفة ناصريه، ومعنى \"مكناهم في الأرض\": نصرناهم على عدوهم حتى\r__________\r(1) عزاه السيوطي : 6 / 57 لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل.","part":5,"page":389},{"id":2073,"text":"يتمكنوا في البلاد. قال قتادة: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وقال الحسن: هم هذه الأمة { وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ } أي: آخر أمور الخلق ومصيرهم إليه، يعني: يبطل كل ملك سوى ملكه، فتصير الأمور إليه بلا منازع ولا مدع.\r{ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (42) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (44) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45) }\rقوله عز وجل : { وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ } يعزِّي نبيه صلى الله عليه وسلم، { فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ } { وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ } . { وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ } أي: أمهلتهم وأخرت عقوبتهم، { ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ } [عاقبتهم] (1) { فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } أي: إنكاري، أي: كيف أنكرت عليهم ما فعلوا من التكذيب بالعذاب والهلاك، يخوف به من يخالف النبي صلى الله عليه وسلم ويكذبه. { فَكَأَيِّنْ } فكم { مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا } بالتاء (2) هكذا قرأ أهل البصرة ويعقوب، وقرأ الآخرون: \"أهلكناها\" بالنون والألف على التعظيم، { وَهِيَ ظَالِمَةٌ } أي: وأهلها ظالمون، { فَهِيَ خَاوِيَةٌ } ساقطة { عَلَى عُرُوشِهَا } على سقوفها، { وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ } [أي: وكم من بئر معطلة] (3) متروكة مخلاة عن أهلها { وَقَصْرٍ مَشِيدٍ } قال قتادة والضحاك ومقاتل: رفيع طويل، من قولهم شاد بناءه إذا رفعه. وقال سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء: مجصص، من الشيد، وهو الجص. وقيل: إن البئر المعطلة والقصر المشيد باليمن، أما القصر فعلى قلة جبل، والبئر في سفحه، ولكل واحد منهما قوم كانوا في نعمة فكفروا فأهلكهم الله، وبقي البئر والقصر خاليين.\rوروى أبو روق عن الضحاك: أن هذه البئر كانت بحضرموت في بلدة يقال لها حاضوراء، وذلك\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) أي: أهلكتها.\r(3) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".","part":5,"page":390},{"id":2074,"text":"أن أربعة آلاف نفر ممن آمن بصالح، نجوا من العذاب، أتوا حضرموت ومعهم صالح فلما حضروه مات صالح، فسمي حضرموت، لأن صالحا لما حضر مات فبنوا حاضوراء وقعدوا على هذه البئر وأمروا عليهم رجلا فأقاموا دهرا وتناسلوا حتى كثروا، ثم إنهم عبدوا الأصنام وكفروا فأرسل الله إليهم نبيا يقال له حنظلة بن صفوان، كان حمالا فيهم، فقتلوه في السوق فأهلكهم الله، وعطلت بئرهم وخربت قصورهم (1) .\r{ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) }\r__________\r(1) انظر: البحر المحيط: 6 / 377.","part":5,"page":391},{"id":2075,"text":"{ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47) }\r{ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ } يعني: كفار مكة، فينظروا إلى مصارع المكذبين من الأمم الخالية، { فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا } يعني: ما يذكر لهم من أخبار القرون الماضية فيعتبرون بها، { فَإِنَّهَا } الهاء عماد، { لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } ذكر \"التي في الصدور\" تأكيدا كقوله: { يطير بجناحيه } (الأنعام: 38) معناه أن العمى الضار هو عمى القلب، فأما عمى البصر فليس بضار في أمر الدين، قال قتادة: البصر الظاهر: بلغة ومتعة، وبصر القلب: هو البصر النافع. { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ } نزلت في النضر بن الحارث حيث قال: إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء (1) { وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ } فأنجز ذلك يوم 28/أ بدر. { وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ } قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: \"يعدون\" بالياء هاهنا لقوله: { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ } وقرأ الباقون: بالتاء لأنه أعم، لأنه خطاب للمستعجلين والمؤمنين، واتفقوا في تنزيل \"السجدة\" أنه بالتاء.\rقال ابن عباس: يعني يوما من الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض.\rوقال مجاهد وعكرمة: يوما من أيام الآخرة، والدليل عليه ما روي عن أبي سعيد الخدري\r__________\r(1) سبق تخريجه سورة الأنفال عند الآية (32).","part":5,"page":391},{"id":2076,"text":"قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة، تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم، وذلك مقدار خمسمائة سنة\" (1) .\rقال ابن زيد: \"وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون\" هذه أيام الآخرة. وقوله: \"كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون\" يوم القيامة. والمعنى على هذا: أنهم يستعجلون بالعذاب، وإن يوما من أيام عذابهم في الآخرة ألف سنة.\rوقيل: معناه وإن يوما من أيام العذاب الذي استعجلوه في الثقل والاستطالة والشدة كألف سنة مما تعدون، فكيف تستعجلونه؟ هذا كما يقال: أيام الهموم طوال، وأيام السرور قصار.\rوقيل: معناه إن يوما عنده وألف سنة في الإمهال سواء، لأنه قادر متى شاء أخذهم لا يفوته شيء بالتأخير، فيستوي في قدرته وقوع ما يستعجلون به من العذاب وتأخره، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء.\r{ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (48) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (49) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (50) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (51) }\r{ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا } أي أمهلتها، { وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ } . { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ } . { فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } الرزق الكريم الذي لا ينقطع أبدا. وقيل: هو الجنة. { وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا } أي عملوا في إبطال آياتنا، { مُعَاجِزِينَ } قرأ ابن كثير وأبو عمرو: \"معجزين\" بالتشديد هاهنا وفي سورة سبأ أي: مثبطين الناس عن الإيمان، وقرأ الآخرون: \"معاجزين\" بالأف أي معاندين مشاقين. وقال قتادة: معناه ظانين ومقدرين أنهم يعجزوننا بزعمهم أن لا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار، ومعنى يعجزوننا، أي: يفوتوننا فلا نقدر عليهم. وهذا كقوله تعالى: { أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا } ( العنكبوت: 4 ) ، { أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } وقيل: \"معاجزين\" مغالبين، يريد كل واحد أن يظهر عجز صاحبه.\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في العلم، باب في القصص: 5 / 255 - 256 ، قال المنذري في إسناده المعلى بن زياد، وفيه مقال، ثم ساق شاهدا من حديث أبي هريرة أخرجه الترمذي وابن ماجه. والإمام أحمد: 3 / 63، والمصنف في شرح السنة: 14 / 191 - 192.","part":5,"page":392},{"id":2077,"text":"{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) }\rقوله عز وجل : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ } الآية. قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما من المفسرين: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم تولي قومه عنه وشق عليه ما رأى من مباعدتهم عما جاءهم به من الله تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب بينه وبين قومه لحرصه على إيمانهم، فكان يوما في مجلس قريش فأنزل الله تعالى سورة \"النجم\" فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ قوله: { أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى } ألقى الشيطان على لسانه بما كان يحدث به نفسه ويتمناه: \"تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترتجى\"، فلما سمعت قريش ذلك فرحوا به ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءته، فقرأ السورة كلها وسجد في آخر السورة فسجد المسلمون بسجوده، وسجد جميع من في المسجد من المشركين، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد إلا الوليد بن المغيرة وأبو أحيحة سعيد بن العاص، فإنهما أخذا حفنة من البطحاء ورفعاها إلى جبهتيهما وسجدا عليها، لأنهما كانا شيخين كبيرين فلم يستطيعا السجود. وتفرقت قريش وقد سرهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم ويقولون: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت ويخلق ويرزق ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، فإذا جعل لها نصيبا فنحن معه، فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل فقال: يا محمد ماذا صنعت؟ لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله عز وجل! فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم حزنا شديدا وخاف من الله خوفا كثيرا فأنزل الله هذه الآية يعزيه، وكان به رحيما، وسمع بذلك من كان بأرض الحبشة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبلغهم سجود قريش. وقيل: أسلمت قريش وأهل مكة فرجع أكثرهم إلى عشائرهم، وقالوا: هم أحب إلينا حتى إذا دنوا من مكة بلغهم أن الذي كانوا تحدثوا به من إسلام أهل مكة كان باطلا فلم يدخل أحد إلا بجوار أو مستخفيا، فلما نزلت هذه الآية قالت قريش: ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتنا عند الله فغير ذلك. وكان الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وقعا في فم كل مشرك فازدادوا شرا إلى ما كانوا عليه، وشدة على من أسلم.\rقال الله تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ } وهو الذي يأتيه جبريل بالوحي عيانا، { وَلا نَبِيٍّ } وهو الذي تكون نبوته إلهاما أو مناما، وكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا { إِلا إِذَا تَمَنَّى } قال بعضهم: أي: أحب شيئا واشتهاه وحدث به نفسه ما لم يؤمر به. { أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ } أي مراده.\rوعن ابن عباس قال: إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه ووجد إليه سبيلا وما من نبي إلا تمنى","part":5,"page":393},{"id":2078,"text":"أن يؤمن به قومه ولم يتمن ذلك نبي إلا ألقى الشيطان عليه ما يرضى به قومه، فينسخ الله ما يلقي الشيطان.\rوأكثر المفسرين 28/ب قالوا: معنى قوله: { تمنى } أي: تلا وقرأ كتاب الله تعالى. \"ألقى الشيطان في أمنيته\" أي: في تلاوته، قال الشاعر في عثمان حين قتل: تمنى كتاب الله أول ليلة ... وآخرها لاقى حمام المقادر\rواختلفوا في أنه كان يقرأ في الصلاة أو في غير الصلاة؟ فقال قوم: كان يقرأ في الصلاة. وقال قوم: كان يقرأ في غير الصلاة. فإن قيل كيف يجوز الغلط في التلاوة على النبي صلى الله عليه وسلم وكان معصوما من الغلط في أصل الدين، وقال جل ذكره في القرآن: { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } (فصلت: 42) يعني إبليس؟\rقيل: قد اختلف الناس في الجواب عنه، فقال بعضهم: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقرأ، ولكن الشيطان ذكر ذلك بين قراءته، فظن المشركون أن الرسول قرأه.\rوقال قتادة: أغفى النبي صلى الله عليه وسلم إغفاءة فجرى ذلك على لسانه بإلقاء الشيطان ولم يكن له خبر.\rوالأكثرون قالوا: جرى ذلك على لسانه بإلقاء الشيطان على سبيل السهو والنسيان ولم يلبث أن نبهه الله عليه.\rوقيل: إن شيطانا يقال له أبيض عمل هذا العمل، وكان ذلك فتنة ومحنة من الله تعالى يمتحن عباده بما يشاء (1) .\r__________\r(1) أن هذه القصة والمعروفة بقصة الغرانيق قد ذكرها أكثر المفسرين دون تعليق فقد ذكرها الطبري 17 / 186 - 190 وابن كثير في تفسيره 3 / 230 - 231 ثم قال: (وقد ذكرها محمد بن إسحاق في السيرة بنحو من هذا كلها مرسلات ومنقطعات والله أعلم). والذي يتتبع طرق هذه القصة يجد أن جميع طرقها مرسلة أو منقطعة أو معلة أو فيها جهالة فالطرق مهما كثرت وكانت ضعيفة لا تزيد الرواية إلا ضعفا. فإن قاعدة تقوية الحديث بكثرة الطرق لا تقبل على إطلاقها وهذا ما حققه الحافظ أبو عمرو بن الصلاح في مقدمته وغيره من علماء الحديث المحققين. لقد وقف على هذه القصة غير واحد من العلماء المحققين وبينوا زيف وبطلان هذه المرويات التي أوردها بعض المفسرين. فقد ذكر الإمام محمد بن علي بن محمد الشوكاني في تفسيره: 3 / 462 عند قوله تعالى: \"وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم\" فقال: \"ولم يصح شيء من هذا، ولا ثبت بوجه من الوجوه، ومع عدم صحته بل بطلانه فقد دفعه المحققون بكتاب الله سبحانه قال تعالى: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين) وقوله: (وما ينطق عن الهوى) وقوله: (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم). قال البزار: هذا حديث لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد متصل. وقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم أن رواة هذه القصة مطعون فيهم. وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: إن هذه القصة من وضع الزنادقة. وصنف في ذلك كتابا\". وللقاضي عياض في كتاب الشفاء 2 / 750 كلام حول نقض هذه القصة فيقول: (فاعلم أكرمك الله أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين: المأخذ الأول: يكفيك أن هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، والمتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم. المأخذ الثاني: فهو مبني على تسليم الحديث لو صح، وقد أعاذنا الله من صحته ولكن على كل حال فقد أجاب على ذلك أئمة المسلمين بأجوبة منها الغث والسمين. ثم سرد أحاديث بين زيفها ورد العلماء عليها. ويقول الإمام القرطبي في تفسيره 12 / 84 عند قوله تعالى: \"وما أرسلنا من قبلك من رسول. . . \" بعد أن سرد بعض الروايات \"ومما يدل على ضعفه أيضا وتوهينه من الكتاب قوله تعالى: (وإن كادوا ليفتنونك) الآيتين؛ فإنهما تردان الخبر الذي رووه، لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفتري، وأنه لولا أن ثبته لكان يركن إليهم. فمضمون هذا ومفهومه أن الله تعالى عصمه في أن يفتري وثبته حتى لم يركن إليهم قليلا فكيف كثيرا) +أ إن هذه الأقاويل يجب تنزيه رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وقد ثبت بطلان هذه القصة سندا ومتنا. ولمن أراد مزيد إطلاع فلينظر بحثا قيما للأستاذ الشيخ محمد ناصر الدين الألباني. (نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق) فقد سرد جميع الروايات وبين ضعفها وسرد أقوال المحدثين والعلماء المحققين في رد هذه القصة. انظر الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير، صفحة 440 - 452 لمحمد بن محمد أبو شهبة روح المعاني للألوسي 17 / 175 - 184 . الشفاء للقاضي عياض 2 / 750 وما بعده فتح القدير 3 / 461 تفسير القرطبي 12 / 79 وما بعدها في ظلال القرآن 5 / 611.","part":5,"page":394},{"id":2079,"text":"{ لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54) }\r{ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ } أي: يبطله ويذهبه، { ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ } فيثبتها، { وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } { لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } أي: محنة وبلية، شك ونفاق، { وَالْقَاسِيَةِ } يعني الجافية، { قُلُوبُهُمْ } عن قبول الحق وهم المشركون، وذلك أنهم افتتنوا لما سمعوا ذلك، ثم نسخ ورفع فازدادوا عتوا، وظنوا أن محمدا يقوله من تلقاء نفسه ثم يندم فيبطل، { وَإِنَّ الظَّالِمِينَ } المشركين { لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } أي: في خلاف شديد. { وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ } التوحيد والقرآن. وقال السدي: التصديق بنسخ الله تعالى، { أَنَّهُ } يعني: أن الذي أحكم الله من آيات القرآن هو { الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ } أي: يعتقدوا","part":5,"page":395},{"id":2080,"text":"أنه من الله، { فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ } أي: فتسكن إليه قلوبهم، { وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } أي: طريق قويم هو الإسلام.\r{ وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55) }","part":5,"page":396},{"id":2081,"text":"{ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (57) وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58) }\r{ وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ } أي: في شك مما ألقى الشيطان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: ما باله ذكرها بخير ثم ارتد عنها. وقال ابن جريج: \"منه\" أي من القرآن. وقيل: من الدين، وهو الصراط المستقيم. { حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً } يعني: القيامة. وقيل: الموت، { أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ } قال الضحاك وعكرمة: عذاب يوم لا ليلة له، وهو يوم القيامة.\rوالأكثرون على أن اليوم العقيم يوم بدر، لأنه ذكر الساعة من قبل وهو يوم القيامة. وسمي يوم بدر عقيما لأنه لم يكن في ذلك اليوم للكفار خير، كالريح العقيم التي لا تأتي بخير، سحاب ولا مطر، [والعقم في اللغة: المنع، يقال: رجل عقيم إذا منع من الولد] (1) . وقيل: لأنه لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه. وقال ابن جريج: لأنهم لم ينظروا فيه إلى الليل حتى قتلوا قبل المساء. { الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ } يعني يوم القيامة، { لِلَّهِ } وحده من غير منازع، { يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ } ثم بين الحكم، فقال تعالى: { فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ } { وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ } . { وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } فارقوا أوطانهم وعشائرهم في طاعة الله وطلب رضاه، { ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا } وهم كذلك، قرأ ابن عامر \"قتلوا\" بالتشديد { لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا } والرزق الحسن الذي لا ينقطع أبدا هو رزق الجنة، { وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } قيل: هو قوله: { بل أحياء عند ربهم يرزقون } (آل عمران: 169) .\r__________\r(1) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".","part":5,"page":396},{"id":2082,"text":"{ لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59) ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (61) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63) }\r{ لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلا يَرْضَوْنَهُ } لأن لهم فيه ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، { وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ } بنياتهم، { حَلِيمٌ } عنهم. { ذَلِكَ } أي: الأمر ذلك الذي قصصنا عليكم، { وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ } جازى الظالم بمثل ظلمه. قال الحسن: يعني قاتل المشركين كما قاتلوه، { ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ } أي: ظلم بإخراجه من منزله يعني: ما أتاه المشركون من البغي على المسلمين حتى أحوجوهم إلى مفارقة أوطانهم، نزلت في قوم من المشركين أتوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم فكره المسلمون قتالهم وسألوهم أن يكفوا عن القتال من أجل الشهر الحرام فأبى المشركون وقاتلوهم فذلك بغيهم عليهم، وثبت المسلمون لهم فنصروا عليهم (1) قال الله تعالى: { لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ } والعقاب الأول بمعنى الجزاء، { إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } عفا عن مساوئ المؤمنين وغفر لهم ذنوبهم. { ذَلِكَ } أي: ذلك النصر { بِأَنَّ اللَّهَ } القادر على ما يشاء، فمن قدرته أنه: { يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ } قرأ أهل البصرة وحمزة والكسائي وحفص: بالياء، وقرأ الآخرون: بالتاء، يعني المشركين، { مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ } العالي على كل شيء، { الْكَبِيرُ } العظيم الذي كل شيء دونه. { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً } بالنبات، { إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ } بأرزاق عباده واستخراج النبات من الأرض، { خَبِيرٌ } بما في قلوب العباد واستخراج النبات من الأرض، إذا تأخر المطر عنهم.\r__________\r(1) ذكره الطبري: 17 / 195 بغير سند، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 6 / 71 لابن أبي حاتم.","part":5,"page":397},{"id":2083,"text":"{ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64) }","part":5,"page":398},{"id":2084,"text":"{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأرْضِ إِلا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (65) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ (66) لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (67) }\r{ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ } عبيدا وملكا، { وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ } عن عباده، { الْحَمِيدُ } في أفعاله. { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ وَالْفُلْكَ } أي: وسخر لكم الفلك، { تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ } 29/أ وقيل: \"ما في الأرض\": الدواب تركب في البر، و \"الفلك\" تركب في البحر، { وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأرْضِ } يعني: لكيلا تسقط على الأرض، { إِلا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ } { وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ } أي: أنشأكم ولم تكونوا شيئا، { ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } عند انقضاء آجالكم، { ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } يوم البعث للثواب والعقاب، { إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ } لنعم الله. قوله عز وجل: { لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ } قال ابن عباس: يعني شريعة هم عاملون بها. وروي عنه أنه قال: عيدا قال قتادة ومجاهد: موضع قربان يذبحون فيه. وقيل: موضع عبادة. وقيل: مألفا يألفونه.\rوالمنسك في كلام العرب: الموضع المعتاد لعمل خير أو شر، ومنه \"مناسك الحج\" لتردد الناس إلى أماكن أعمال الحج.\r{ فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأمْرِ } يعني في أمر الذبائح. نزلت في بديل بن ورقاء، وبشر بن سفيان، ويزيد بن خنيس قالوا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ما لكم تأكلون مما تقتلون بأيديكم ولا تأكلون مما قتله الله (1) .\rقال الزجاج: معنى قوله { فَلا يُنَازِعُنَّكَ } أي: لا تنازعهم أنت، كما يقال: لا يخاصمك فلان،\r__________\r(1) انظر: القرطبي: 12 / 93.","part":5,"page":398},{"id":2085,"text":"أي: لا تخاصمه، وهذا جائز فيما يكون بين الإثنين، ولا يجوز: لا يضربنك فلان، وأنت تريد: لا تضربه، وذلك أن المنازعة والمخاصمة لا تتم إلا باثنين، فإذا ترك أحدهما فلا مخاصمة هناك.\r{ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ } إلى الإيمان بربك، { إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ } .\r{ وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (68) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (70) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (71) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (72) }\r{ وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ } . { اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } فتعرفون حينئذ الحق من الباطل. والاختلاف: ذهاب كل واحد من الخصمين إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر. { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّ ذَلِكَ } كله، { فِي كِتَابٍ } يعني اللوح المحفوظ، { إِنَّ ذَلِكَ } يعني: علمه لجميع ذلك، { عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } { وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنزلْ بِهِ سُلْطَانًا } حجة، { وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ } يعني أنهم فعلوا ما فعلوا عن جهل لا عن علم، { وَمَا لِلظَّالِمِينَ } للمشركين، { مِنْ نَصِيرٍ } مانع يمنعهم من عذاب الله. { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ } يعني: القرآن، { تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ } يعني الإنكار يتبين ذلك في وجوههم من الكراهية والعبوس، { يَكَادُونَ يَسْطُونَ } أي: يقعون ويبسطون إليكم أيديهم بالسوء. وقيل: يبطشون، { بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا } أي: بمحمد وأصحابه من شدة الغيظ. يقال: سطا عليه وسطا به، إذا تناوله بالبطش والعنف، وأصل السطو: القهر.\r{ قُلْ } يا محمد، { أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ } أي: بشر لكم وأكره إليكم من هذا القرآن","part":5,"page":399},{"id":2086,"text":"الذي تستمعون، { النَّارُ } أي: هي النار، { وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ }","part":5,"page":400},{"id":2087,"text":"{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74) اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75) }\r{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ } معنى ضرب: جعل، كقولهم: ضرب السلطان البعث على الناس، وضرب الجزية على أهل الذمة، أي جعل ذلك عليهم. ومعنى الآية: جعل لي شبه، وشبه بي الأوثان، أي: جعل المشركون الأصنام شركائي فعبدوها ومعنى { فَاسْتَمِعُوا لَهُ } أي: فاستمعوا حالها وصفتها. ثم بين ذلك فقال:\r{ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } يعني: الأصنام، قرأ يعقوب بالياء والباقون بالتاء { لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا } واحدا في صغره وقلته لأنها لا تقدر عليه. والذباب: واحد وجمعه القليل: أذبة، والكثير: ذبان، مثل غراب وأغربة، وغربان، { وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ } أي: خلقه، { وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ } قال ابن عباس: كانوا يطلون الأصنام بالزعفران ، فإذا جف جاء الذباب فاستلب منه.\rوقال السدي: كانوا يضعون الطعام بين يدي الأصنام فتقع الذباب عليه فيأكلن منه.\rوقال ابن زيد: كانوا يحلون الأصنام باليواقيت واللآلئ وأنواع الجواهر، ويطيبونها بألوان الطيب فربما تسقط منها واحدة فيأخذها طائر أو ذباب فلا تقدر الآلهة على استردادها، فذلك قوله: { وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا } أي: وإن يسلب الذباب الأصنام شيئا مما عليها لا يقدرون أن يستنقذوه منه، { ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ } قال ابن عباس: \"الطالب\": الذباب يطلب ما يسلب من الطيب من الصنم، و \"المطلوب\": الصنم يطلب الذباب منه السلب. وقيل: على العكس: \"الطالب\": الصنم و \"المطلوب\": الذباب. وقال الضحاك: \"الطالب\": العابد و \"المطلوب\": المعبود. { مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } ما عظموه حق عظمته وما عرفوه حق معرفته، ولا وصفوه حق صفته إن أشركوا به ما لا يمتنع من الذباب ولا ينتصف منه، { إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } { اللَّهُ يَصْطَفِي } يعني يختار { مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا } وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وغيرهم، { وَمِنَ النَّاسِ } أي: يختار من الناس رسلا مثل إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم","part":5,"page":400},{"id":2088,"text":"وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام، نزلت حين قال المشركون: \"أأنزل عليه الذكر من بيننا\" فأخبر أن الاختيار إليه، يختار من يشاء من خلقه (1) .\r{ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } أي: سميع لقولهم، بصير بمن يختاره لرسالته.\r{ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ (76) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) }\r{ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } قال ابن عباس: ما قدموا، { وَمَا خَلْفَهُمْ } ما خلفوا، وقال الحسن: \"ما بين أيديهم\": ما عملوا \"وما خلفهم\" ما هم عاملون من بعد وقيل: \"ما بين أيديهم: ملائكته وكتبه ورسله قبل أن خلقهم، \"وما خلفهم\" أي: يعلم ما هو كائن فنائهم. { وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ } { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا } أي: صلوا، لأن الصلاة لا تكون إلا بالركوع والسجود، { وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ } وحده، { وَافْعَلُوا الْخَيْرَ } قال ابن عباس 29/ب صلة الرحم ومكارم الأخلاق، { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } لكي تسعدوا وتفوزوا بالجنة. واختلف أهل العلم في سجود التلاوة عند قراءة هذه الآية.\rفذهب قوم إلى أنه يسجد عندها، وهو قول عمر، وعلي، وابن عمر، وابن مسعود ، وابن عباس، وبه قال ابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق . واحتجوا بما أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي، أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، أخبرنا أبو عيسى الترمذي، أخبرنا قتيبة، أخبرنا ابن لهيعة، عن مشرح بن عاهان، عن عقبة بن عامر قال: قلت يا رسول الله فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين؟ قال: \"نعم، ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما\" (2) .\r__________\r(1) انظر: القرطبي: 12 / 98.\r(2) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب: تفريع أبواب السجود، وكم سجدة في القرآن 2 / 117، والترمذي في الصلاة، باب: ما جاء في السجدة في الحج 3 / 178 - 179 وقال: (هذا حديث ليس إسناده بالقوي) ونقل المنذري قول الترمذي هذا وقال: \"وفي إسناده عبد الله بن لهيعة ومشرح بن هاعان، ولا يحتج بحديثهما\". وأخرجه الإمام أحمد: 1 / 151 ، والدارقطني: 1 / 408، والحاكم: 2 / 390 وقال: هذا حديث لم نكتبه مسندا إلا من هذا الوجه، وعبد الله بن لهيعة أحد الأئمة إنما نقم عليه اختلاطه في آخر عمره، وقد صحت الرواية فيه من قول عمر بن الخطاب. . . وأخرجه المصنف في شرح السنة: 3 / 304. وانظر: نصب الراية للزيلعي: 2 / 179.","part":5,"page":401},{"id":2089,"text":"وذهب قوم إلى أنه لا يسجد هاهنا، وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي.\rوعدة سجود القرآن أربعة عشر عند أكثر أهل العلم، منها ثلاث في المفصل.\rوذهب قوم إلى أنه ليس في المفصل سجود. روي ذلك عن أبي بن كعب، وابن عباس، وبه قال مالك. وقد صح عن أبي هريرة قال: سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: في \"اقرأ\" و \"إذا السماء انشقت\" (1) وأبو هريرة من متأخري الإسلام.\rواختلفوا في سجود صاد، فذهب الشافعي: إلى أنه سجود شكر ليس من عزائم السجود، ويروى ذلك عن ابن عباس (2) وذهب قوم إلى أنه يسجد فيها، روي ذلك عن عمر، وبه قال سفيان الثوري، وابن المبارك، وأصحاب الرأي، وأحمد، وإسحاق، فعند ابن المبارك، وإسحاق، وأحمد، وجماعة: سجود القرآن خمسة عشرة سجدة، فعدوا سجدتي الحج وسجدة ص، وروي عن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن (3) .\r{ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) }\rقوله عز وجل: { وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ } قيل: جاهدوا في سبيل الله أعداء الله \"حق جهاده\" هو استفراغ الطاقة فيه، قاله ابن عباس: وعنه أيضا أنه قال: لا تخافوا في الله لومة لائم فهو حق الجهاد، كما قال تعالى: { يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم } (المائدة: 54) .\rقال الضحاك ومقاتل: اعملوا لله حق عمله واعبدوه حق عبادته.\rوقال مقاتل بن سليمان: نسخها قوله (4) { فاتقوا الله ما استطعتم } (التغابن: 16) ، وقال أكثر المفسرين: \"حق الجهاد\": أن تكون نيته خالصة صادقة لله عز وجل. وقال السدي: هو أن يطاع فلا يعصى.\rوقال عبد الله بن المبارك: هو مجاهدة النفس والهوى، وهو الجهاد الأكبر، وهو حق الجهاد. وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة تبوك قال: \"رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد\r__________\r(1) أخرجه مسلم في المساجد، باب: سجود التلاوة برقم: (578) 1 / 406، والمصنف في شرح السنة: 3 / 301.\r(2) أخرجه البخاري في سجود القرآن، باب سجدة ص: 2 / 552، والمصنف في شرح السنة: 3 / 306.\r(3) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب: تفريع أبواب السجود: 2 / 117، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب: عدد سجود القرآن: 1 / 335 برقم: (1057)، والحاكم، 1 / 223 وقال: هذا حديث رواته مصريون قد احتج الشيخان بأكثرهم وليس في عدد سجود القرآن أتم منه ولم يخرجاه.\r(4) انظر فيما سبق: 3 / 2 تعليق (1).","part":5,"page":402},{"id":2090,"text":"الأكبر\" (1) وأراد بالجهاد الأصغر الجهاد مع الكفار، وبالجهاد الأكبر الجهاد مع النفس.\r{ هُوَ اجْتَبَاكُمْ } أي: اختاركم لدينه، { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } ضيق، معناه: أن المؤمن لا يبتلى بشيء من الذنوب إلا جعل الله له منه مخرجا، بعضها بالتوبة، وبعضها برد المظالم والقصاص، وبعضها بأنواع الكفارات، فليس في دين الإسلام ذنب لا يجد العبد سبيلا إلى الخلاص من العقاب فيه.\rوقيل: من ضيق في أوقات فروضكم مثل هلال شهر رمضان والفطر ووقت الحج إذا التبس ذلك عليكم، وسع ذلك عليكم حتى تتيقنوا.\rوقال مقاتل: يعني الرخص عند الضرورات، كقصر الصلاة في السفر، والتيمم، وأكل الميتة عند الضرورة، والإفطار بالسفر والمرض، والصلاة قاعدا عند العجز. وهو قول الكلبي.\rوروي عن ابن عباس أنه قال: الحرج ما كان على بني إسرائيل من الآصال التي كانت عليهم، وضعها الله عن هذه الأمة (2) .\r{ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ } أي كلمة أبيكم، نصب بنزع حرف الصفة. وقيل: نصب على الإغراء، أي: اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم، [وإنما أمرنا باتباع ملة إبراهيم] (3) لأنها داخلة في ملة محمد صلى الله عليه وسلم.\rفإن قيل: فما وجه قوله: { مِلَّةَ أَبِيكُمْ } وليس كل المسلمين يرجع نسبهم إلى إبراهيم؟ .\rقيل: خاطب به العرب وهم كانوا من نسل إبراهيم. وقيل: خاطب به جميع المسلمين، وإبراهيم أب لهم، على معنى وجوب احترامه وحفظ حقه كما يجب احترام الأب، وهو كقوله تعالى: { وأزواجه\r__________\r(1) قال ابن حجر في الكافي الشاف ص 114: \"ذكره الثعلبي بغير سند، وأخرجه البيهقي في \"الزهد\" من حديث جابر، قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم غزاة، فقال: قدمتم بخير مقدم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، قيل: وما الجهاد الأكبر؟ قال: مجاهدة العبد هواه\" قال: فيه ضعف قلت - ابن حجر - هو من رواية عيسى ابن إبراهيم عن يحيى بن يعلى عن ليث ابن أبي سليم، والثلاثة ضعفاء، وأورده النسائي في \"الكنى\" من قول إبراهيم بن أبي عبلة، أحد التابعين من أهل الشام. ورواه الخطيب البغدادي في التاريخ: 13 / 493، ونسبه العراقي في تخريج أحاديث الإحياء: 3 / 7 للبيهقي وقال: هذا إسناد فيه ضعف انظر كشف الخفاء: 1 / 511، ضعيف الجامع الصغير: 14 / 118، الأسرار المرفوعة في الأحاديث الموضوعة للقاري ص 211 - 212.\r(2) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 78 لابن أبي حاتم بلفظ: (الإصر الذي كان على بني إسرائيل وضع عنكم).\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":5,"page":403},{"id":2091,"text":"أمهاتهم } (الأحزاب: 6) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"إنما أنا لكم مثل الوالد [لوالده] (1) \" (2) .\r{ هُوَ سَمَّاكُمُ } يعني أن الله تعالى سماكم { الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ } يعني من قبل نزول القرآن في الكتب المتقدمة. { وَفِي هَذَا } أي: في الكتاب، هذا قول أكثر المفسرين. وقال ابن زيد: \"هو\" يرجع إلى إبراهيم أي أن إبراهيم سماكم المسلمين في أيامه، من قبل هذا الوقت، وفي هذا الوقت، وهو قوله: { ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك } (البقرة: 127) ، { لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ } يوم القيامة أن قد بلغكم، { وَتَكُونُوا } أنتم، { شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ } أن رسلهم قد بلغتهم، { فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ } أي: ثقوا بالله وتوكلوا عليه. قال الحسن: تمسكوا بدين الله. وروي عن ابن عباس قال: سلوا ربكم أن يعصمكم من كل ما يكره (3) . وقيل: معناه ادعوه ليثبتكم على دينه. وقيل: الاعتصام بالله هو التمسك بالكتاب والسنة، { هُوَ مَوْلاكُمْ } [وليكم] (4) وناصركم وحافظكم، { فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } الناصر لكم.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) قطعة من حديث أخرجه أبو داود في الطهارة، باب: كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة: 1 / 18 بلفظ: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد)، والنسائي في الطهارة، باب: النهي عن الاستطابة بالروث: 1 / 38، وابن ماجه في الطهارة، باب: الاستنجاء بالحجارة والنهي عن الروثة والرمة: 1 / 114 برقم (313)، والدارمي 11 / 172 - 173، وصححه ابن حبان برقم (128) ص (62)، وابن خزيمة: 1 / 44 والشافعي: 1 / 28، والمصنف في شرح السنة: 1 / 356 وقال هذا حديث صحيح.\r(3) انظر زاد المسير 5 / 457.\r(4) ساقط من \"ب\".","part":5,"page":404},{"id":2092,"text":"سورة المؤمنون\rمكية بسم الله الرحمن الرحيم\r{ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) }\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أحمد بن الحسين الحيري، أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي، أخبرنا محمد بن حماد، أخبرنا عبد 30/أ الرزاق، أخبرنا يونس بن سليمان، أملى علي يونس صاحب أيلة، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القارئ قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: كان إذا نزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي يسمع عند وجهه دوي كدوي النحل، فمكثنا ساعة -وفي رواية: فنزل علينا يوما فمكثنا ساعة -فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال: \" اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا، ثم قال: لقد أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة\"، ثم قرأ { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ } إلى عشر آيات.\rورواه أحمد بن حنبل، وعلي ابن المديني، وجماعة عن عبد الرزاق، وقالوا: \"وأعطنا ولا تحرمنا وأرضنا وارض عنا\" (1) .\rقوله تعالى: { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ } \"قد\" حرف تأكيد، وقال المحققون: \"قد\" تقرب الماضي من\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في التفسير، باب: ومن سورة المؤمنين: 9 / 16 - 17، والإمام أحمد: 1 / 34، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي: 1 / 535، والمصنف في شرح السنة: 5 / 177 وقال: \"هذا حديث حسن، ويونس صاحب أيلة: هو يونس بن يزيد الأيلي صاحب الزهري\".","part":5,"page":405},{"id":2093,"text":"الحال، يدل على أن الفلاح قد حصل لهم، وأنهم عليه في الحال، وهو أبلغ من تجريد ذكر الفعل، \"والفلاح\" النجاة والبقاء، قال ابن عباس: قد سعد المصدقون بالتوحيد وبقوا في الجنة. { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ } اختلفوا في معنى الخشوع، فقال ابن عباس: مخبتون أذلاء. وقال الحسن وقتادة: خائفون. وقال مقاتل: متواضعون. وقال مجاهد: هو غض البصر وخفض الصوت.\rوالخشوع قريب من الخضوع إلا أن الخضوع في البدن، والخشوع في القلب والبدن والبصر والصوت، قال الله عز وجل: \"وخشعت الأصوات للرحمن\" (طه -108) .\rوعن علي رضي الله عنه: هو أن لا يلتفت يمينا ولا شمالا. وقال سعيد بن جبير: هو أن لا يعرف من على يمينه ولا من على يساره، ولا يلتفت من الخشوع لله عز وجل.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا مسدد، أخبرنا أبو الأحوص، أخبرنا أشعث بن سليم، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال: \"هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد\" (1) .\rوأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو الحسن القاسم بن بكر الطيالسي ببغداد، أخبرنا أبو أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي، أخبرنا عبد الغفار بن عبيد الله، أخبرنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن أبي الأحوص، عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"لا يزال الله مقبلا على العبد ما كان في صلاته ما لم يلتفت فإذا التفت اعرض عنه\" (2) .\rوقال عمرو بن دينار: هو السكون وحسن الهيئة. وقال ابن سيرين وغيره: هو أن لا ترفع بصرك عن موضع سجودك.\rوقال أبو هريرة: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة فلما نزل: { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ } رموا بأبصارهم إلى مواضع السجود.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الأذان باب: الالتفات في الصلاة: 2 / 234، والمصنف في شرح السنة: 3 / 251.\r(2) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب : الالتفات في الصلاة: 1 / 429، والنسائي في السهو ، باب : التشديد في الالتفات في الصلاة: 3 / 8، وابن خزيمة في صحيحه: 1 / 244، والإمام أحمد: 5 / 172، والحاكم: 1 / 236 وقال: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأبو الأحوص هذا مولى بني الليث تابعي من أهل المدينة، وثقه الزهري وروى عنه، وجرت بينه وبين سعد ابن إبراهيم مناظرة في معناه\". والمصنف في شرح السنة: 3 / 252 وقال: \"صالح بن أبي الأخضر، ضعيف يروي عن الزهري\". وروى هذا الحديث عبد الله بن المبارك وغيره عن يونس عن الزهري قال المنذري: \"وأبو الأحوص - هذا - لا يعرف له اسم، وهو مولى بني ليث، وقيل: مولى بني غفار، ولم يرو عنه الزهري. قال يحيى بن معين: ليس هو بشيء، وقال أبو أحمد الكرابيسي : ليس بالمتين عندهم\". مختصر سنن أبي داود: 1 / 429 وقال: النووي في \"الخلاصة\": هو فيه جهالة، لكن الحديث لم يضعفه أبو داود فهو حسن عنده انظر: نصب الراية: 2 / 89.","part":5,"page":408},{"id":2094,"text":"أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا علي بن عبد الله، أخبرنا يحيى بن سعيد، أخبرنا ابن أبي عروبة، أخبرنا قتادة أن أنس بن مالك حدثهم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم\"، فاشتد قوله في ذلك حتى قال: \"لينتهن عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم\" (1) .\rوقال عطاء: هو أن لا تعبث بشيء من جسدك في الصلاة. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أبصر رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: \"لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه\" (2) .\rأخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، أخبرنا أبو العباس المحبوبي، أخبرنا أبو عيسى الترمذي، أخبرنا سعيد، عن عبد الرحمن المخزومي، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي الأحوص، عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى فإن الرحمة تواجهه\" (3) .\rوقيل: الخشوع في الصلاة هو جمع الهمة، والإعراض عما سواها، والتدبر فيما يجري على لسانه من القراءة والذكر.\r{ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) }\rقوله عز وجل: { وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ } قال عطاء عن ابن عباس: عن الشرك، وقال الحسن: عن المعاصي. وقال الزجاج: عن كل باطل ولهو وما لا يحل من القول والفعل. وقيل: هو معارضة الكفار بالشتم والسب: قال الله تعالى: \"وإذا مروا باللغو مروا كراما\" (الفرقان -72) ، أي: إذا سمعوا الكلام القبيح أكرموا أنفسهم عن الدخول فيه. { وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ } أي: للزكاة الواجبة مؤدون، فعبر عن التأدية بالفعل لأنها فعل. وقيل: الزكاة هاهنا هو العمل الصالح، أي: والذين هم للعمل الصالح فاعلون.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في السهو، باب: رفع البصر إلى السماء في الصلاة: 2 / 233، والمصنف في شرح السنة: 3 / 258 .\r(2) قال المناوي في \"الفتح السماوي\" (2 / 854): أخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول بسند ضعيف من حديث أبي هريرة، وفيه سليمان بن عمرو وهو أبو داود النخعي أحد من اتهم بوضع الحديث. وانظر: إرواء الغليل: 2 / 92 - 93، سلسلة الأحاديث الضعيفة: 1 / 143 - 144.\r(3) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب: مسح الحصى في الصلاة: 1 / 443، والترمذي في الصلاة، باب: ما جاء في كراهية مسح الحصى في الصلاة: 2 / 382، والنسائي في السهو، باب: النهي عن مسح الحصى في الصلاة: 3 / 6، وابن ماجه في الإقامة، باب: مسح الحصى برقم: (1027) 1 / 328، وابن حبان في المواقيت، باب: فيما ينهى عنه في الصلاة ص 131 من موارد الظمآن، والإمام أحمد: 5 / 150، والمصنف في شرح السنة: 3 / 158.","part":5,"page":409},{"id":2095,"text":"{ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) }\r{ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ } الفرج: اسم يجمع سوأة الرجل والمرأة، وحفظ الفرج: التعفف عن الحرام. { إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ } أي: من أزواجهم، و \"على\" بمعنى \"من\". { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } { ما } في محل الخفض، يعني أو ما ملكت أيمانهم، والآية في الرجال خاصة بدليل قوله: \"أو ما ملكت أيمانهم\" والمرأة لا يجوز أن تستمتع بفرج مملوكها. { فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } يعني يحفظ فرجه إلا من امرأته أو أمته فإنه لا يلام على ذلك، وإنما لا يلام فيهما إذا كان على وجه أذن فيه الشرع دون الإتيان في غير المأتي، وفي حال الحيض والنفاس، فإنه محظور وهو على فعله ملوم. { فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ } أي: التمس وطلب سوى الأزواج والولائد المملوكة، { فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ } الظالمون المتجاوزون من الحلال إلى الحرام 30/ب وفيه دليل على أن الاستمناء باليد حرام، وهو قول أكثر العلماء. قال ابن جريج: سألت عطاء عنه فقال: مكروه، سمعت أن قوما يحشرون وأيديهم حبالى فأظن أنهم هؤلاء. وعن سعيد بن جبير قال: عذب الله أمة كانوا يعبثون بمذاكيرهم. { وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ } قرأ ابن كثير \"لأمانتهم\" على التوحيد هاهنا وفي سورة المعارج، لقوله تعالى: \"وعهدهم\" والباقون بالجمع، كقوله عز وجل: \"إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها (النساء -57) ، { وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ } حافظون، أي: يحفظون ما ائتمنوا عليه، والعقود التي عاقدوا الناس عليها، يقومون بالوفاء بها، والأمانات تختلف فتكون بين الله تعالى وبين العبد كالصلاة والصيام والعبادات التي أوجبها الله عليه، وتكون بين العبيد كالودائع والصنائع فعلى العبد الوفاء بجميعها. { وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ } قرأ حمزة والكسائي \"صلاتهم\" على التوحيد، والآخرون صلواتهم على الجمع. { يُحَافِظُونَ } أي: يداومون على حفظها ويراعون أوقاتها، كرر ذكر الصلاة ليبين أن المحافظة عليها واجبة كما أن الخشوع فيها واجب. { أُولَئِكَ } أهل هذه الصفة، { هُمُ الْوَارِثُونَ } يرثون منازل أهل النار من الجنة.","part":5,"page":410},{"id":2096,"text":"وروي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله\" (1) وذلك قوله تعالى: { أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ }\rوقال مجاهد: لكل واحد منزل في الجنة ومنزل في النار ، فأما المؤمن فيبني منزله الذي له في الجنة ويهدم منزله الذي له في النار، وأما الكافر فيهدم منزله الذي في الجنة ويبني منزله الذي في النار.\rوقال بعضهم: معنى الوراثة هو أنه يئول أمرهم إلى الجنة وينالونها، كما يئول أمر الميراث إلى الوارث.\r{ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) }\rقوله تعالى: { الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ } وهو أعلى الجنة قد ذكرناه في سورة الكهف (2) { هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } لا يموتون ولا يخرجون، وجاء في الحديث: \"أن الله تعالى خلق ثلاثة أشياء بيده: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس الفردوس بيده، ثم قال: وعزتي لا يدخلها مدمن خمر، ولا ديوث\" (3) . قوله عز وجل: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ } يعني: ولد آدم، و \"الإنسان\" اسم الجنس، يقع على الواحد والجمع، { مِنْ سُلالَةٍ } روي عن ابن عباس أنه قال: السلالة صفوة الماء. وقال مجاهد: من بني آدم. وقال عكرمة: هو يسيل من الظهر، والعرب تسمي النطفة سلالة، والولد سليلا وسلالة، لأنهما مسلولان منه.\rقوله: { مِنْ طِينٍ } يعني: طين آدم. والسلالة تولدت من طين خلق آدم منه. قال الكلبي: من نطفة سلت من طين، والطين آدم عليه السلام، وقيل المراد من الإنسان هو آدم. وقوله: \"من سلالة: أي: سل من كل تربة. { ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً } يعني الذي هو الإنسان جعلناه نطفة، { فِي قَرَارٍ مَكِينٍ } حريز، وهو الرحم مُكّن [أي قد هيئ] (4) لاستقرارها فيه إلى بلوغ أمدها.\r__________\r(1) أخرجه ابن ماجه في الزهد، باب: صفة الجنة: 2 / 1453 برقم (4341) وقال: في الزوائد، هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.\r(2) راجع فيما سبق ، تفسير سورة الكهف.\r(3) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات: 2 / 47 مرسلا وأشار إلى تضعيفه بقوله: \"هذا مرسل، وفيه إن ثبت دلالة على أن الكتب هاهنا بمعنى الخلق\"، وعزاه في الكنز أيضا (6 / 131) للخرائطي في مساوئ الأخلاق وللديلمي في الفردوس.\r(4) ساقط من \"أ\".","part":5,"page":411},{"id":2097,"text":"{ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16) }\r{ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا } قرأ ابن عامر وأبو بكر \"عظما\"، { فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ } على التوحيد فيهما، وقرأ الآخرون بالجمع لأن الإنسان ذو عظام كثيرة. وقيل: بين كل خلقين أربعون يوما. { فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا } أي ألبسنا، { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ } اختلف المفسرون فيه، فقال ابن عباس: ومجاهد، والشعبي، وعكرمة، والضحاك، وأبو العالية: هو نفخ الروح فيه (1) . وقال قتادة: نبات الأسنان والشعر. وروى ابن جريج عن مجاهد: أنه استواء الشباب. وعن الحسن قال: ذكرا أو أنثى. وروى العوفي عن ابن عباس: أن ذلك تصريف أحواله بعد الولادة من الاستهلال إلى الارتضاع، إلى القعود إلى القيام، إلى المشي إلى الفطام، إلى أن يأكل ويشرب، إلى أن يبلغ الحلم، ويتقلب في البلاد إلى ما بعدها.\r{ فَتَبَارَكَ اللَّهُ } أي: استحق التعظيم والثناء بأنه لم يزل ولا يزال. { أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } المصورين والمقدرين. و \"الخلق\" في اللغة: التقدير. وقال مجاهد: يصنعون ويصنع الله والله خير الصانعين، يقال: رجل خالق أي: صانع.\rوقال ابن جريج: إنما جمع الخالقين لأن عيسى كان يخلق كما قال: \"إني أخلق لكم من الطين\" (آل عمران -49) فأخبر الله عن نفسه بأنه أحسن الخالقين (2) . { ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ } والميت -بالتشديد -والمائت الذي لم يمت بعد وسيموت، والميت -بالتخفيف -: من مات، ولذلك لم يجز التخفيف هاهنا، كقوله: \"إنك ميت وإنهم ميتون\" (الزمر -30) . { ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ } .\r__________\r(1) وهو ما رجحه الطبري في التفسير: (18 / 11) وذلك أنه بنفخ الروح فيه يتحول خلقا آخر إنسانا، وكان قبل ذلك بالأحوال التي وصفها الله أنه كان بها من نطفة وعلقة ومضغة وعظم، وبنفخ الروح فيه يتحول عن تلك المعاني كلها إلى معنى الإنسانية، كما تحول أبواه آدم بنفخ الروح في الطينة التي خلق منها إنسانا، وخلقا آخر غير الطين الذي خلق منه.\r(2) أخرج الطبري هذين القولين، ورجح قول مجاهد؛ لأن العرب تسمي كل صانع خالقا، ومنه قول زهير: ولأنت تفري ما خلقت وبعض ... بنات القوم يخلق ثم لا يفري\rانظر : تفسير الطبري : 18 / 11 ، زاد المسير: 5 / 463 - 464.","part":5,"page":412},{"id":2098,"text":"{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (17) }","part":5,"page":413},{"id":2099,"text":"{ وَأَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18) }\r{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ } أي: سبع سموات، سميت طرائق لتطارقها، وهو أن بعضها فوق بعض، يقال: طارقت النعل إذا جعلت بعضه فوق بعض. وقيل: سميت طرائق لأنها طرائق الملائكة. { وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ } أي كنا لهم حافظين من أن تسقط السماء عليهم فتهلكهم كما قال الله تعالى: \"ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه\" (الحج -65) .\rوقيل: ما تركناهم سدى بغير أمر ونهي.\rوقيل: وما كنا عن الخلق غافلين أي بنينا فوقهم سماء أطلعنا فيها الشمس والقمر والكواكب. { وَأَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ } يعلمه الله. قال مقاتل: بقدر ما يكفيهم للمعيشة، { فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ } يريد ما يبقى في الغدران والمستنقعات، ينتفع به الناس في الصيف عند انقطاع المطر. وقيل: فأسكناه في الأرض ثم أخرجنا منها ينابيع، فماء الأرض كله من السماء، { وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ } حتى تهلكوا عطشا وتهلك مواشيكم وتخرب أراضيكم 31/أ وفي الخبر: \"أن الله عز وجل أنزل أربعة أنهار من الجنة: سيحان، وجيحان، ودجلة، والفرات\" (1) .\rوروى مقاتل بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"إن الله عز وجل أنزل من الجنة خمسة أنهار: جيحون، وسيحون، ودجلة، والفرات، والنيل، أنزلها الله عز وجل من عين واحدة من عيون الجنة، من أسفل درجة من درجاتها، على جناحي جبريل، استودعها الله الجبال، وأجراها في الأرض، وجعل فيها منافع للناس، فذلك قوله عز وجل: \"وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض\"، فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله جبريل فرفع من الأرض القرآن، والعلم كله والحجر الأسود من ركن البيت، ومقام إبراهيم وتابوت موسى بما فيه، وهذه الأنهار الخمسة، فيرفع كل ذلك إلى السماء فذلك قوله تعالى: { وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ } فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد أهلها خير الدين والدنيا\" (2) .\rوروى هذا الحديث الإمام الحسن بن يوسف، عن عثمان بن سعيد بالإجازة، عن سعيد بن سابق الإسكندراني، عن مسلمة بن علي، عن مقاتل بن حيان (3) .\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر: 6 / 95 لابن أبي الدنيا عن ابن عطاف.\r(2) عزاه السيوطي في الدر: 6 / 95 لابن مردويه والخطيب بسند ضعيف وانظر: البحر المحيط: 6 / 400.\r(3) مسلمة بن علي الخشني متروك. انظر التقريب لابن حجر.","part":5,"page":413},{"id":2100,"text":"{ فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ (20) }\rقوله تعالى: { فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ } أي: بالماء، { جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا } في الجنات، { فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } شتاء وصيفا، وخص النخيل والأعناب بالذكر لأنها أكثر فواكه العرب. { وَشَجَرَةً } أي: وأنشأنا لكم شجرة { تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ } وهي الزيتون، قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو \"سيناء\" بكسر السين. وقرأ الآخرون بفتحها واختلفوا في معناه وفي \"سينين\" في قوله تعالى: \"وطور سينين\" (التين -2) قال مجاهد: معناه البركة، أي: من جبل مبارك. وقال قتادة: معناه الحسن، أي: من الجبل الحسن. وقال الضحاك: هو بالنبطية، ومعناه الحسن. وقال عكرمة: هو بالحبشية. وقال الكلبي: معناه الشجر، أي: جبل ذو شجر. وقيل: هو بالسريانية الملتفة بالأشجار. وقال مقاتل: كل جبل فيه أشجار مثمرة فهو سينا، وسينين بلغة النبط. وقيل: هو فيعال من السناء وهو الارتفاع. قال ابن زيد: هو الجبل الذي نودي منه موسى بين مصر وأيلة. وقال مجاهد: سينا اسم حجارة بعينها أضيف الجبل إليها لوجودها عنده. وقال عكرمة: هو اسم المكان الذي فيه هذا الجبل (1) .\r{ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ } قرأ ابن كثير وأهل البصرة ويعقوب \"تنبت\" بضم التاء وكسر الباء، وقرأ الآخرون بفتح التاء وضم الباء، فمن قرأ بفتح التاء فمعناه تنبت تثمر الدهن وهو الزيتون. وقيل: تنبت ومعها الدهن، ومن قرأ بضم التاء، اختلفوا فيه فمنهم من قال: الباء زائدة، معناه: تنبت الدهن، كما يقال: أخذت ثوبه وأخذت بثوبه، ومنهم من قال: نبت وأنبت لغتان بمعنى واحد، كما قال زهير: رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل (2)\rأي: نبت، { وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ } الصبغ والصباغ: الإدام الذي يلون الخبز إذا غمس فيه وينصبغ، والإدام كل ما يؤكل مع الخبز، سواء ينصبغ به الخبز أو لا ينصبغ. قال مقاتل: جعل\r__________\r(1) ذكر هذه الأقوال الطبري: 18 / 13 - 14 وقال مرجحا: \"والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن سيناء اسم أضيف إليه الطور يعرف به ، كما قيل جبلا طيئ، فأضيفا إلى طيئ، ولو كان القول في ذلك كما قال من قال: معناه: جبل مبارك، أو كما قال: من قال: معناه حسن، لكان الطور منونا، وكان قوله سيناء، من نعته، على أن سيناء بمعنى: مبارك وحسن، غير معروف في كلام العرب، فيجعل ذلك من نعت الجبل، ولكن القول في ذلك إن شاء الله، كما قال ابن عباس من أنه جبل عرف بذلك، وأنه الجبل الذي نودي منه موسى صلى الله عليه وسلم، وهو مع ذلك مبارك، لا أن معنى سيناء: معنى مبارك\".\r(2) انظر : \"شرح ديوان زهير\" ص (111)، \"تفسير الطبري\" 18 / 14 ، \"لسان العرب\" لابن منظور، مادة (نبت).","part":5,"page":414},{"id":2101,"text":"الله في هذه الشجرة أدما ودهنا، فالأدم: الزيتون، والدهن: الزيت، وقال: خص الطور بالزيتون لأن أول الزيتون نبت بها. ويقال: أن الزيتون أول شجرة نبتت في الدنيا بعد الطوفان.\r{ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (23) فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأنزلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأوَّلِينَ (24) إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26) }\rقوله عز وجل: { وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً } أي: آية تعتبرون بها، { نُسْقِيكُمْ } قرأ نافع بالنون [وفتحها] (1) وقرأ أبو جعفر هاهنا بالتاء وفتحها، { مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } { وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ } أي: على الإبل في البر، وعلى الفلك في البحر. قوله عز وجل: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ } وحدوه، { مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } معبود سواه، { أَفَلا تَتَّقُونَ } أفلا تخافون عقوبته إذا عبدتم غيره. { فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ } أي: يتشرف بأن يكون له الفضل عليكم فيصير متبوعا وأنتم له تبع، { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ } أن لا يعبد سواه، { لأنزلَ مَلائِكَةً } يعني بإبلاغ الوحي . { مَا سَمِعْنَا بِهَذَا } الذي يدعونا إليه نوح { فِي آبَائِنَا الأوَّلِينَ } وقيل: \"ما سمعنا بهذا\" أي: بإرسال بشر رسولا. { إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ } أي: جنون، { فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ } أي: إلى أن يموت فتستريحوا منه. { قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ } أي: أعني بإهلاكهم لتكذيبهم إياي.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".","part":5,"page":415},{"id":2102,"text":"{ فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27) }","part":5,"page":416},{"id":2103,"text":"{ فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) وَقُلْ رَبِّ أَنزلْنِي مُنزلا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزلِينَ (29) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30) ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (31) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (32) }\r{ فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا } أدخل فيها، يقال سلكته في كذا وأسلكته فيه، { مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ } أي من سبق عليه الحكم بالهلاك.\r{ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ } { فَإِذَا اسْتَوَيْتَ } اعتدلت { أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } أي: الكافرين. { وَقُلْ رَبِّ أَنزلْنِي مُنزلا مُبَارَكًا } قرأ أبو بكر عن عاصم \"منزلا\" بفتح الميم وكسر الزاي، أي يريد موضع النزول، قيل: هو السفينة بعد الركوب، وقيل: هو الأرض بعد النزول، ويحتمل أنه أراد في السفينة، ويحتمل بعد الخروج، وقرأ الباقون \"منزلا\" بضم الميم وفتح الزاي، أي إنزالا فالبركة في السفينة النجاة، وفي النزول بعد الخروج كثرة النسل من أولاده الثلاثة، { وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزلِينَ } { إِنَّ فِي ذَلِكَ } أي الذي ذكرت من أمر نوح والسفينة وإهلاك أعداء الله، { لآيَاتٍ } لدلالات على قدرته، { وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ } وقد كنا. وقيل: وما كنا إلا مبتلين أي: مختبرين إياهم بإرسال نوح ووعظه وتذكيره 31/ب لننظر ما هم عاملون قبل نزول العذاب بهم. { ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ } من بعد إهلاكهم، { قَرْنًا آخَرِينَ } { فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ } يعني: هودا وقومه. وقيل: صالحا وقومه. والأول أظهر، { أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ }","part":5,"page":416},{"id":2104,"text":"{ وَقَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (34) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36) إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37) إِنْ هُوَ إِلا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (39) }\r{ وَقَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الآخِرَةِ } أي المصير إلى الآخرة، { وَأَتْرَفْنَاهُمْ } نعمناهم ووسعنا عليهم، { فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ } أي: مما تشربون منه. { وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ } لمغبونون. { أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ } من قبوركم أحياء وأعاد \"أنكم\" لما طال الكلام، ومعنى الكلام: أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما مخرجون؟ وكذلك هو في قراءة عبد الله، نظيره في القرآن: \"ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها\" (التوبة -63) . { هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ } قال ابن عباس: هي كلمة بعد، أي: بعيد ما توعدون، قرأ أبو جعفر \"هيهات هيهات\" بكسر التاء، وقرأ نصر بن عاصم بالضم، وكلها لغات صحيحة فمن نصب جعله مثل أين وكيف، ومن رفع جعله مثل منذ وقط وحيث، ومن كسر جعله مثل أمس وهؤلاء، ووقف عليها أكثر القراء بالتاء، ويروى عن الكسائي الوقف عليها بالهاء. { إِنْ هِيَ } يعنون الدنيا، { إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا } قيل فيه تقديم وتأخير، أي: نحيا ونموت لأنهم كانوا ينكرون البعث بعد الموت. وقيل: يموت الآباء ويحيا الأبناء. وقيل: يموت قوم ويحيا قوم. { وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ } بمنشرين بعد الموت. { إِنْ هُوَ } يعني الرسول، { إِلا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ } بمصدقين بالبعث بعد الموت. { قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ } .\r{ قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (40) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (41) ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (42) }","part":5,"page":417},{"id":2105,"text":"{ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (43) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (44) }\r{ قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ } أي: عن قليل، و \"ما\" صلة،","part":5,"page":417},{"id":2106,"text":"{ لَيُصْبِحُنَّ } ليصيرن، { نَادِمِينَ } على كفرهم وتكذيبهم. { فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ } يعني صيحة العذاب، { بِالْحَقِّ } قيل: أراد بالصيحة الهلاك. وقيل: صاح بهم جبريل صيحة فتصدعت قلوبهم، { فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً } وهو ما يحمله السيل من حشيش وعيدان شجر، معناه: صيرناهم هلكى فيبسوا يبس الغثاء من نبات الأرض، { فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } { ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ } أي: أقواما آخرين. { مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا } أي: ما تسبق أمة أجلها أي: وقت هلاكها، { وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ } وما يتأخرون عن وقت هلاكهم. { ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى } أي: مترادفين يتبع بعضهم بعضا غير متواصلين، لأن بين كل نبيين زمانا طويلا وهي فعلى من المواترة، قال الأصمعي: يقال واترت الخبر أي أتبعت بعضه بعضا، وبين الخبرين [هنيهة] (1) .\rواختلف القراء فيه، فقرأ أبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: بالتنوين، ويقفون بالألف، ولا يميله أبو عمرو، وفي الوقف فيها كالألف في قولهم: رأيت زيدا، وقرأ الباقون بلا تنوين، والوقف عندهم يكون بالياء، ويميله حمزة والكسائي، وهو مثل قولهم: غضبى وسكرى، وهو اسم جمع مثل شتى، وعلى القراءتين التاء الأولى بدل من الواو، وأصله: \"وترى\" من المواترة والتواتر، فجعلت الواو تاء، مثل: التقوى والتكلان.\r{ كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا } بالهلاك، أي: أهلكنا بعضهم في إثر بعض، { وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ } أي: سمرا وقصصا، يتحدث من بعدهم بأمرهم وشأنهم، وهي\r__________\r(1) في \"ب\" مهلة.","part":5,"page":418},{"id":2107,"text":"جمع أحدوثة. وقيل: جمع حديث. قال الأخفش: إنما هو في الشر، وأما في الخير فلا يقال جعلتهم أحاديث وأحدوثة، إنما يقال صار فلان حديثا، { فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ }\r{ ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (45) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (49) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50) }\r{ ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ } أي بحجة بينة من اليد والعصا. وغيرهما. { إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا } تعظموا عن الإيمان، { وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ } متكبرين قاهرين غيرهم بالظلم. { فَقَالُوا } يعني فرعون وقومه، { أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا } يعني: موسى وهارون، { وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ } مطيعون متذللون، والعرب تسمي كل من دان للملك: عابدا له. { فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ } بالغرق. { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ } التوراة، { لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } أي لكي يهتدي به قومه. { وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً } دلالة على قدرتنا، ولم يقل آيتين، قيل: معناه شأنهما آية. وقيل: معناه جعلنا كل واحد منهما آية، كقوله تعالى: \"كلتا الجنتين آتت أكلها\" (الكهف -33) . { وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ } الربوة المكان المرتفع من الأرض، واختلفت الأقوال فيها، فقال عبد الله بن سلام: هي دمشق، وهو قول سعيد بن المسيب ومقاتل، وقال الضحاك: غوطة دمشق. وقال أبو هريرة: هي الرملة. وقال عطاء عن ابن عباس: هي بيت المقدس، وهو قول قتادة وكعب. وقال كعب: هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا. وقال ابن زيد: هي مصر. وقال السدي: أرض فلسطين (1) . { ذَاتِ قَرَارٍ } أي: مستوية منبسطة واسعة يستقر عليها ساكنوها. { وَمَعِينٍ } فالمعين الماء الجاري الظاهر الذي تراه العيون، مفعول من عانه يعينه إذا أدركه البصر.\r__________\r(1) ذكر هذه الأقوال الطبري: 18 / 25 - 27 ثم قال مرجحا: \"وأولى هذه الأقوال بتأويل ذلك: أنها مكان مرتفع ذو استواء، وماء ظاهر، وليس كذلك صفة الرملة، لأن الرملة لا ماء بها معين، والله تعالى ذكره وصف هذه الربوة بأنها ذات قرار ومعينط.","part":5,"page":419},{"id":2108,"text":"{ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) }\rقوله عز وجل : { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ } قال الحسن ومجاهد وقتادة والسدي والكلبي وجماعة: أراد به محمدا صلى الله عليه وسلم وحده على مذهب العرب في مخاطبة الواحد بلفظ الجماعة. وقال بعضهم: أراد به عيسى. وقيل: أراد به جميع الرسل عليهم السلام، { كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ } أي الحلالات، { وَاعْمَلُوا صَالِحًا } الصلاح هو الاستقامة على ما توجبه الشريعة، { إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } { وَإِنَّ هَذِهِ } قرأ أهل الكوفة: \"وإن\" بكسر الألف على الابتداء، وقرأ الباقون بفتح الألف، وخفف ابن عامر النون وجعل \"إن\" صلة، مجازة: وهذه { أُمَّتُكُمْ } وقرأ الباقون بتشديد النون على 32/أ معنى وبأن هذا، تقديره: بأن هذه أمتكم، أي ملتكم وشريعتكم التي أنتم عليها، { أُمَّةً وَاحِدَةً } أي ملة واحدة وهي الإسلام، { وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ } أي: اتقوني لهذا.\rوقيل: معناه أمرتكم بما أمرت به المرسلين من قبلكم، فأمركم واحد، { وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ } فاحذرون. وقيل: هو نصب بإضمار فعل، أي: اعلموا أن هذه أمتكم، أي ملتكم، أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون. { فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ } دينهم، { بَيْنَهُمْ } أي: تفرقوا فصاروا فرقا، يهودا ونصارى ومجوسا، { زُبُرًا } أي: فرقا وقطعا مختلفة، واحدها زبور وهو الفرقة والطائفة، ومثله الزبرة وجمعها زبر، ومنه: \"زبر الحديد\" (الكهف -96) . أي: صاروا فرقا كزبر الحديد. وقرأ بعض أهل الشام \"زبرا\" بفتح الباء، قال قتادة ومجاهد \"زبرا\" أي: كتبا، يعني دان كل فريق بكتاب غير الكتاب الذي دان به الآخرون. وقيل: جعلوا كتبهم قطعا مختلفة، آمنوا بالبعض، وكفروا بالبعض، وحرفوا البعض، { كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ } بما عندهم من الدين، { فَرِحُونَ } معجبون ومسرورون. { فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ } قال ابن عباس: في كفرهم وضلالتهم، وقيل: عمايتهم، وقيل: غفلتهم { حَتَّى حِينٍ } إلى أن يموتوا. { أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ } ما نعطيهم ونجعله مددا لهم من المال والبنين في الدنيا.","part":5,"page":420},{"id":2109,"text":"{ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ (56) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (59) }","part":5,"page":421},{"id":2110,"text":"{ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) }\r{ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ } أي: نجعل لهم في الخيرات، ونقدمها ثوابا لأعمالهم لمرضاتنا عنهم، { بَل لا يَشْعُرُونَ } أن ذلك استدراج لهم. ثم ذكر المسارعين في الخيرات فقال: { إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ } أي: خائفون، والإشفاق: الخوف، والمعنى أن المؤمنين بما هم عليه من خشية الله خائفون من عقابه، قال الحسن البصري: المؤمن من جمع إحسانا وخشية، والمنافق من جمع إساءة وأمنا (1) . { وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ } يصدقون. { وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ } . { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا } أي: يعطون ما أعطوا من الزكاة والصدقات، وروي عن عائشة أنها كانت تقرأ \"والذين يأتون ما أتوا\" (2) أي: يعملون ما عملوا من أعمال البر، { وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } أن ذلك لا ينجيهم من عذاب الله وأن أعمالهم لا تقبل منهم، { أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ } لأنهم يوقنون أنهم يرجعون إلى الله عز وجل. قال الحسن: عملوا لله بالطاعات [واجتهدوا فيها] (3) وخافوا أن ترد عليهم.\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا محمد بن حامد، حدثنا محمد بن الجهم، أخبرنا عبد الله بن عمرو، أخبرنا وكيع عن مالك بن مغول، عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله { وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق؟ قال: \"لا يا بنت الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه\" (4) .\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 18 / 32.\r(2) أخرجه الطبري: 18 / 33.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(4) أخرجه الترمذي في التفسير، تفسير سورة المؤمنون: 9 / 19 - 20 والإمام أحمد: 6 / 159، 206 ، والحاكم: 2 / 393 - 394 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والطبري: 18 / 34. وانظر: الدر المنثور: 6 / 105 ، سلسلة الأحاديث الصحيحة: 1 / 255 - 256.","part":5,"page":421},{"id":2111,"text":"{ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (62) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (63) حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64) }\rقوله عز وجل: { أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ } يبادرون إلى الأعمال الصالحات، { وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ } أي: إليها سابقون، كقوله تعالى: \"لما نهوا\" أي: إلى ما نهوا، ولما قالوا ونحوها، وقال ابن عباس في معنى هذه الآية: سبقت لهم من الله السعادة. وقال الكلبي: سبقوا الأمم إلى الخيرات. قوله: { وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا } أي: طاقتها، فمن لم يستطع القيام فليصل قاعدا، ومن لم يستطع الصوم فليفطر، { وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ } وهو اللوح المحفوظ، \"ينطق بالحق\" يبين بالصدق، ومعنى الآية: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها إلا ما أطاقت من العمل، وقد أثبتنا عمله في اللوح المحفوظ، فهو ينطق به ويبينه. وقيل: هو كتب أعمال العباد التي تكتبها الحفظة، { وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ } ولا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم. ثم ذكر الكفار، فقال: { بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ } أي: في غفلة وجهالة، { مِنْ هَذَا } أي: من القرآن، { وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ } أي: للكفار أعمال خبيثة من المعاصي والخطايا محكومة عليهم من دون ذلك، يعني من دون أعمال المؤمنين التي ذكرها الله تعالى في قوله \"إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون\"، { هُمْ لَهَا عَامِلُونَ } لا بد لهم من أن يعملوها، فيدخلوا بها النار، لما سبق لهم من الشقاوة. هذا قول أكثر المفسرين. وقال قتادة: هذا ينصرف إلى المسلمين، وأن لهم أعمالا سوى ما عملوا من الخيرات هم لها عاملون، والأول أظهر. { حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ } أي: أخذنا أغنياءهم ورؤساءهم، { بِالْعَذَابِ } قال ابن عباس: هو السيف يوم بدر. وقال الضحاك: يعني الجوع حين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \"اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف\" (1) فابتلاهم الله عز وجل بالقحط حتى أكلوا الكلاب والجيف. { إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ } يضجون ويجزعون ويستغيثون، وأصل الجأر: رفع الصوت بالتضرع.\r__________\r(1) قطعة من حديث أخرجه البخاري في الدعوات، باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة : 11 / 193 - 194، ومسلم في المساجد، باب: استحباب القنوت في جميع الصلاة، برقم (675) 1 / 466 - 467.","part":5,"page":422},{"id":2112,"text":"{ لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ (65) قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأوَّلِينَ (68) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69) }\r{ لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ } أي لا تضجوا، { إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ } لا تمنعون منا ولا ينفعكم تضرعكم. { قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ } يعني القرآن، { فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ } ترجعون القهقرى تتأخرون عن الإيمان. { مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ } اختلفوا في هذه الكناية، فأظهر الأقاويل أنها تعود إلى البيت الحرام كناية عن غير مذكور، أي: مستكبرين متعظمين بالبيت الحرام، وتعظمهم به أنهم كانوا يقولون نحن أهل حرم الله وجيران بيته، فلا يظهر علينا أحد، ولا نخاف أحدا، فيأمنون فيه وسائر الناس في الخوف، هذا قول ابن عباس ومجاهد، وجماعة، وقيل: \"مستكبرين به\" أي: بالقرآن فلم يؤمنوا به. والأول أظهر، المراد منه الحرم، { سَامِرًا } نصب على الحال، أي أنهم يسمرون بالليل في مجالسهم حول البيت، ووحد سامرا وهو بمعنى السمار لأنه وضع موضع الوقت، أراد تهجرون ليلا. وقيل: وحد سامرا، ومعناه الجمع 32/ب كقوله: \"ثم نخرجكم طفلا\" (الحج -5) ، { تَهْجُرُونَ } قرأ نافع \"تهجرون\" بضم التاء وكسر الجيم من الإهجار وهو الإفحاش في القول، أي: تفحشون وتقولون الخنا، وذكر أنهم كانوا يسبون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقرأ الآخرون: \"تهجرون\" بفتح التاء وضم الجيم، أي: تعرضون عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الإيمان والقرآن، وترفضونها: وقيل: هو من الهجر وهو القول القبيح، يقال هجر يهجر هجرا إذا قال غير الحق. وقيل +تهزئون وتقولون ما لا تعلمون، من قولهم: هجر الرجل في منامه إذا هذى. { أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا } أي: يتدبروا، { الْقَوْلَ } يعني: ما جاءهم من القول وهو القرآن، فيعرفوا ما فيه من الدلالات على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، { أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأوَّلِينَ } فأنكروا، يريد إنا قد بعثنا من قبلهم رسلا إلى قومهم كذلك بعثنا محمدا صلى الله عليه وسلم إليهم. وقيل: \"أم\" بمعنى بل، يعني: جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين فلذلك أنكروا. { أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ } محمدا صلى الله عليه وسلم، { فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ } قال ابن عباس: أليس قد عرفوا محمدا صلى الله عليه وسلم صغيرا وكبيرا، وعرفوا نسبه وصدقه وأمانته ووفاءه بالعهود. وهذا على سبيل التوبيخ","part":5,"page":423},{"id":2113,"text":"لهم على الإعراض عنه بعدما عرفوه بالصدق والأمانة.\r{ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (73) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74) }\r{ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ } جنون، وليس كذلك، { بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ } يعني بالصدق والقول الذي لا تخفى صحته وحسنه على عاقل، { وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ } { وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ } قال ابن جريج ومقاتل والسدي وجماعة: \"الحق\" هو الله، أي: لو اتبع الله مرادهم فيما يفعل، وقيل: لو اتبع مرادهم، فسمى لنفسه شريكا وولدا كما يقولون: { لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ } وقال الفراء والزجاج: والمراد بالحق القرآن أي: لو نزل القرآن بما يحبون من جعل الشريك والولد على ما يعتقدونه { لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ } وهو كقوله تعالى: \"لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا\" (الأنبياء -22) .\r{ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ } بما يذكرهم، قال ابن عباس: أي: بما فيه فخرهم وشرفهم، يعني القرآن، فهو كقوله تعالى: لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم\" (الأنبياء -10) ، أي: شرفكم، \"وإنه لذكر لك ولقومك\" (الزخرف -44) ، أي: شرف لك ولقومك. { فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ } يعني عن شرفهم، { مُعْرِضُونَ } { أَمْ تَسْأَلُهُمْ } على ما جئتهم به، { خَرْجًا } أجرا وجعلا { فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ } أي: ما يعطيك الله من رزقه وثوابه خير، { وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } قرأ حمزة والكسائي: \"خراجا\" \"فخراج\" كلاهما بالألف، وقرأ ابن عامر كلاهما بغير ألف، وقرأ الآخرون: \"خرجا\" بغير ألف \"فخراج\" بالألف. { وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } وهو الإسلام. { وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ } أي: عن دين الحق، { لَنَاكِبُونَ } لعادلون مائلون.","part":5,"page":424},{"id":2114,"text":"{ وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75) وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (77) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ (78) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (80) }\r{ وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ } قحط وجدوبة { لَلَجُّوا } تمادوا، { فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } ولم ينزعوا عنه. { وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ } وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على قريش أن يجعل عليهم سنين كسني يوسف، فأصابهم القحط، فجاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال أنشدك الله والرحم، ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ فقال: بلى، فقال: قد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فادع الله أن يكشف عنا هذا القحط، فدعا فكشف عنهم، فأنزل الله هذه الآية (1) { فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ } أي: ما خضعوا وما ذلوا لربهم، وأصله طلب السكون، { وَمَا يَتَضَرَّعُونَ } أي: لم يتضرعوا إلى ربهم بل مضوا على تمردهم. { حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ } قال ابن عباس: يعني القتل يوم بدر. وهو قول مجاهد، وقيل: هو الموت. وقيل: هو قيام الساعة، { إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ } آيسون من كل خير. { وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ } أي: أنشأ لكم الأسماع { وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ } لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا، { قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ } أي: لم تشكروا هذه النعم. { وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ } خلقكم، { فِي الأرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } تبعثون. { وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } أي: تدبير الليل والنهار في الزيادة والنقصان، قال الفراء: جعلهما مختلفين، يتعاقبان ويختلفان في السواد والبياض، { أَفَلا تَعْقِلُونَ } ما ترون من صنعة فتعتبرون.\r__________\r(1) انظر الطبري: 18 / 45، أسباب النزول للواحدي ص 362 - 363 ، الدر المنثور: 6 / 111، الصحيح المسند من أسباب النزول للشيخ مقبل بن هادي ص 100.","part":5,"page":425},{"id":2115,"text":"{ بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأوَّلُونَ (81) قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (83) قُلْ لِمَنِ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) }\r{ بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأوَّلُونَ } أي: كذبوا كما كذب الأولون. { قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ } لمحشورون، قالوا ذلك على طريق الإنكار والتعجب. { لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا } الوعد، { مِنْ قَبْلُ } أي: وعد آباءنا قوم ذكروا أنهم رسل الله فلم نر له حقيقة، { إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ } أكاذيب الأولين. { قُلْ } يا محمد مجيبا لهم، يعني أهل مكة، { لِمَنِ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا } من الخلق، { إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } خالقها ومالكها. { سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } ولا بد لهم من ذلك لأنهم يقرون أنها مخلوقة. { قُلْ } لهم إذا أقروا بذلك: { أَفَلا تَذَكَّرُونَ } فتعلمون أن من قدر على خلق الأرض ومن فيها ابتداء يقدر على إحيائهم بعد الموت. { قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } . { سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } قرأ العامة \"لله\" ومثله ما بعده، فجعلوا الجواب على المعنى، كقول القائل للرجل: من مولاك؟ فيقول: لفلان، أي أنا لفلان وهو مولاي. وقرأ أهل البصرة فيهما \"الله\" وكذلك هو في مصحف أهل البصرة، وفي سائر المصاحف، مكتوب بالألف كالأول، { قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ } تحذرون. { قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ } الملكوت الملك، والتاء فيه للمبالغة، { وَهُوَ يُجِيرُ } أي: يؤمن من يشاء { وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ } أي: لا يؤمن من أخافه الله، أو يمنع هو من السوء من يشاء، ولا يمنع منه من أراده بسوء، { إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } قيل: معناه أجيبوا إن كنتم تعلمون.","part":5,"page":426},{"id":2116,"text":"{ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89) }","part":5,"page":427},{"id":2117,"text":"{ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (90) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (92) قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (93) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (94) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (95) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96) }\r{ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ } أي: تخدعون وتصرفون عن توحيده وطاعته، والمعنى: كيف يخيل لكم الحق باطلا؟ { بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ } بالصدق { وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } فيما يدعون من الشريك 33/أ { مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ } أي: من شريك، { إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ } أي: تفرد بما خلقه فلم يرض أن يضاف خلقه وإنعامه إلى غيره، ومنع الإله الآخر من الاستيلاء على ما خلق. { وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ } أي: طلب بعضهم مغالبة بعض كفعل ملوك الدنيا فيما بينهم، ثم نزه نفسه فقال: { سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ } { عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ } قرأ أهل المدينة والكوفة غير حفص: \"عالم\" برفع الميم على الابتداء، وقرأ الآخرون بجرها على نعت الله في سبحان الله، { فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي: تعظم عما يشركون، ومعناه أنه أعظم من أن يوصف بهذا الوصف. قوله: { قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي } أي: إن أريتني، { مَا يُوعَدُونَ } أي: ما أوعدتهم من العذاب. { رَبِّ } أي: يا رب، { فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } أي: لا تهلكني بهلاكهم. { وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ } من العذاب لهم، { لَقَادِرُونَ } { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } أي: ادفع بالخلة التي هي أحسن، هي الصفح والإعراض والصبر، { السَّيِّئَةَ } يعني أذاهم، أمرهم بالصبر على أذى المشركين والكف عن المقاتلة، نسختها آية السيف (1) { نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ } يكذبون ويقولون من الشرك.\r__________\r(1) تقدم في أكثر من موضع أن العلماء توسعوا في نسخ كثير من أيات الصبر والمسالمة والحسنى بآية السيف، والحق أنه لا نسخ في هذا انظر فيما سبق : 3 / 32 - 33 .","part":5,"page":427},{"id":2118,"text":"{ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ (101) }\r{ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ } أي: أمتنع وأعتصم بك، { مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ } قال ابن عباس:/ نزعاتهم. وقال الحسن: وساوسهم. وقال مجاهد: نفخهم ونفثهم. وقال أهل المعاني: دفعهم بالإغواء إلى المعاصي، وأصل الهمز شدة الدفع. { وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ } في شيء من أموري، وإنما ذكر الحضور لأن الشيطان إذا حضره يوسوسه. ثم أخبر أن هؤلاء الكفار الذين ينكرون البعث يسألون الرجعة إلى الدنيا عند معاينة الموت، فقال: { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ } ولم يقل ارجعني، وهو يسأل الله وحده الرجعة، على عادة العرب فإنهم يخاطبون الواحد بلفظ الجمع على وجه التعظيم، كما أخبر الله تعالى عن نفسه فقال: \" { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (الحجر -9) ، ومثله كثير في القرآن. وقيل: هذا الخطاب مع الملائكة الذين يقبضون روحه ابتداء بخطاب الله لأنهم استغاثوا بالله أولا ثم رجعوا إلى مسألة الملائكة الرجوع إلى الدنيا. قوله تعالى: { لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ } أي: ضيعت أن أقول لا إله إلا الله. وقيل: أعمل بطاعة الله. قال قتادة: ما تمنى أن يرجع إلى أهله وعشيرته ولا ليجمع الدنيا ويقضي الشهوات، ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله، فرحم الله امرءا عمل فيما يتمناه الكافر إذا رأى العذاب،{ كَلا } كلمة ردع وزجر، أي: لا يرجع إليها،{ إِنَّهَا } يعني: سؤاله الرجعة،{ كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا } [ولا ينالها] (1) { وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ } أي أمامهم وبين أيديهم حاجز، { إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } والبرزخ الحاجز بين الشيئين، واختلفوا في معناه هاهنا، فقال مجاهد: حجاب بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا. وقال قتادة: بقية الدنيا. وقال الضحاك: البرزخ ما بين الموت إلى البعث. وقيل: هو القبر، وهم فيه إلى يوم يبعثون. { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ } اختلفوا في هذه النفخة، فروى سعيد بن جبير\r__________\r(1) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".","part":5,"page":428},{"id":2119,"text":"عن ابن عباس: أنها النفخة الأولى \"ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض\" (الزمر -68) ، { فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ } \"ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون\" (الزمر -68) ، \"وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون\" (الصافات -27) .\rوعن ابن مسعود: أنها النفخة الثانية، قال: يؤخذ بيد العبد والأمة يوم القيامة فينصب على رءوس الأولين والآخرين ثم ينادي مناد: هذا فلان ابن فلان، فمن كان له قبله حق فليأت إلى حقه، فيفرح المرء أن [يكون له] (1) الحق على والده وولده أو زوجته أو أخيه فيأخذ منه، ثم قرأ ابن مسعود \"فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون\" (2) .\rوفي رواية عطاء عن ابن عباس : أنها الثانية فلا أنساب بينهم أي: لا يتفاخرون بالأنساب يومئذ كما كانوا يتفاخرون في الدنيا، ولا يتساءلون سؤال تواصل كما كانوا يتساءلون في الدنيا: من أنت ومن أي قبيلة أنت؟ ولم يرد أن الأنساب تنقطع.\rفإن قيل: أليس قد جاء في الحديث: \"كل سبب ونسب ينقطع إلا نسبي وسببي\" (3) .\rقيل: معناه لا يبقى (4) يوم القيامة سبب ولا نسب إلا نسبه وسببه، وهو الإيمان والقرآن.\rفإن قيل: قد قال هاهنا{ وَلا يَتَسَاءَلُونَ } وقال في موضع آخر: \"وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون\" (الصافات -27) .\rالجواب: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن للقيامة أحوالا ومواطن، ففي موطن يشتد عليهم الخوف، فيشغلهم عظم الأمر عن التساؤل فلا يتساءلون، وفي موطن يفيقون إفاقة فيتساءلون (5) .\r{ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) }\r{ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }\r__________\r(1) في \"ب\" قد وجب.\r(2) أخرج الروايتين الطبري: 18 / 54.\r(3) قطعة من حديث أخرجه الحاكم في المستدرك: 3 / 142 عن عمر رضي الله عنه وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: منقطع، والطبراني : 3 / 37، قال الهيثمي: 4 / 272: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، والبيهقي: 7 / 114، وذكره ابن حجر في المطالب العالية: 4 / 177 ونسبه لابن أبي عمر، وقال البوصيري: رواته ثقات، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 117 للبزار والضياء في المختارة، وانظر: تفسير ابن كثير: 3 / 257.\r(4) في \"ب\" لا ينفع.\r(5) انظر مسائل الرازي وأجوبتها ص 238.","part":5,"page":429},{"id":2120,"text":"{ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) }","part":5,"page":430},{"id":2121,"text":"{ أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ (108) }\r{ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ } . { تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ } أي: تسفع، وقيل: تحرق، { وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ } عابسون.\rأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا محمد بن أحمد الحارثي، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن يزيد، عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"وهم فيها كالحون، قال: تشويه النار، فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته\" (1) وبهذا الإسناد عن عبد الله بن المبارك عن حاجب بن عمر عن الحكم ابن الأعرج قال: قال : أبو هريرة: \"يعظم الكافر في النار مسيرة سبع ليال، فيصير ضرسه مثل أحد، وشفاههم عند سررهم، سود زرق خسر مقبوحون\" (2) 33/ب قوله عز وجل: { أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ } يعني القرآن، تخوفون بها، { فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ } { قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا } قرأ حمزة والكسائي: \"شقاوتنا\" بالألف وفتح الشين، وهما لغتان أي: غلبت علينا شقوتنا التي كتبت علينا فلم نهتد. { وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ } عن الهدى. { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا } أي: من النار، { فَإِنْ عُدْنَا } لما تكره { فَإِنَّا ظَالِمُونَ } { قَالَ اخْسَئُوا } أبعدوا، { فِيهَا } كما يقال للكلب إذا طرد: اخسأ، { وَلا تُكَلِّمُونِ } في رفع العذاب، فإني لا أرفعه عنكم، فعند ذلك أيس المساكين (3) من الفرج، قال الحسن: هو آخر\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في التفسير، تفسير سورة المؤمنون: 9 / 20، وقال: \"هذا حديث حسن غريب صحيح\"، والإمام أحمد: 3 / 88، والحاكم: 2 / 395 وصححه ووافقه الذهبي، وعزاه ابن حجر في الكافي الشاف صفحة (116) للبيهقي في الشعب من رواية أبي السمح عن الهيثم بن أبي سعيد، وعزاه السيوطي أيضا: 6 / 118 لعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وأبي يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي نعيم في الحلية. وانظر: الترغيب والترهيب: 4 / 486، تفسير ابن كثير: 3 / 258.\r(2) انظر : كنز العمال: 14 / 529 - 530.\r(3) في \"ب\" المشركون.","part":5,"page":430},{"id":2122,"text":"كلام يتكلم به أهل النار ثم لا يتكلمون بعدها إلا الشهيق والزفير، ويصير لهم عواء كعواء الكلاب لا يفهمون ولا يفهمون، روي عن عبد الله بن عمرو: أن أهل جهنم يدعون مالكا خازن النار أربعين عاما: (1) \"يا مالك ليقض علينا ربك\" (الزخرف -77) فلا يجيبهم، ثم يقول: \"إنكم ماكثون\" (الزخرف -77) ، ثم ينادون ربهم: { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ } فيدعهم مثل عمر الدنيا مرتين ثم يرد عليهم: { اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ } فلا ينبس القوم بعد ذلك بكلمة إن كان إلا الزفير والشهيق.\rوقال القرطبي: إذا قيل لهم: \"اخسئوا فيها ولا تكلمون\" انقطع رجاؤهم، وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض، وأطبقت عليهم.\r{ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (111) }\r{ إِنَّهُ } الهاء في \"إنه\" عماد وتسمى أيضا المجهولة، { كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي } وهم المؤمنون { يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ } { فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا } قرأ أهل المدينة وحمزة والكسائي: \"سخريا\" بضم السين هاهنا وفي سورة ص، وقرأ الباقون بكسرهما، واتفقوا على الضم في سورة الزخرف. قال الخليل: هما لغتان مثل قولهم: بحر لجي، ولجى بضم اللام وكسرها، مثل كوكب دري ودري، قال الفراء والكسائي: الكسر بمعنى الاستهزاء بالقول، والضم بمعنى التسخير والاستعباد بالفعل، واتفقوا في سورة الزخرف بأنه بمعنى التسخير، { حَتَّى أَنْسَوْكُمْ } أي: أنساكم اشتغالكم بالاستهزاء بهم وتسخيرهم، { ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ } نظيره: \"إن الذين اجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون\" (المطففين -29) قال مقاتل: نزلت في بلال وعمار وخباب وصهيب وسلمان والفقراء من الصحابة، كان كفار قريش يستهزئون بهم (2) . { إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا } على أذاكم واستهزائكم في الدنيا، { أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ } قرأ حمزة والكسائي \"أنهم\" بكسر الألف على الاستئناف، وقرأ الآخرون بفتحها، فيكون في موضع المفعول الثاني إني جزيتهم اليوم بصبرهم الفوز بالجنة.\r__________\r(1) أخرجه الحاكم : 2 / 395 وصححه ووافقه الذهبي، لكن بلفظ \"يوما\" بدل عام.\r(2) انظر البحر المحيط: 6 / 423.","part":5,"page":431},{"id":2123,"text":"{ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلا قَلِيلا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ (115) }\r{ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ } قرأ حمزة والكسائي: \"قل كم لبثتم\" على الأمر. ومعنى الآية : قولوا أيها الكافرون، فأخرج الكلام مخرج الواحد، والمراد منه الجماعة، إذ كان معناه مفهوما، ويجوز أن يكون الخطاب لكل واحد منهم، أي قل يا أيها الكافرون، وقرأ ابن كثير: قل كم، على الأمر، وقال \"أن\" على الخبر، لأن الثانية جواب، وقرأ الآخرون: \"قال\" فيهما جميعا، أي: قال الله عز وجل للكفار يوم البعث: كم لبثتم؟ { فِي الأرْضِ } أي: في الدنيا وفي القبور { عَدَدَ سِنِينَ } { قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } نسوا مدة لبثهم في الدنيا لعظم ما هم بصدده من العذاب، { فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ } الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم ويحصونها عليهم. { قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ } أي: ما لبثتم في الدنيا، { إِلا قَلِيلا } سماه قليلا لأن الواحد وإن طال مكثه في الدنيا فإنه يكون قليلا في جنب ما يلبث في الآخرة، لأن لبثه في الدنيا وفي القبر متناه، { لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } قدر لبثكم في الدنيا . قوله عز وجل : { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا } لعبا وباطلا لا لحكمة، وهو نصب على الحال، أي: عابثين. وقيل: للعبث، أي: لتلعبوا وتعبثوا كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عقاب، وهو مثل قوله: \"أيحسب الإنسان أن يترك سدى\" (القيامة -36) ، وإنما خلقتم للعبادة وإقامة أوامر الله عز وجل ، و { وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ } أي: أفحسبتم أنكم إلينا لا ترجعون في الآخرة للجزاء، وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب لا \"ترجعون\" بفتح التاء وكسر الجيم.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا بشر بن عمر، أخبرنا عبد الله بن لهيعة، أخبرنا عبد الله بن هبيرة، عن حنش، أن رجلا مصابا مر به على ابن مسعود فرقاه في أذنيه: { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا } حتى ختم السورة فبرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"بماذا رقيت في أذنه\"؟ فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"والذي نفسي بيده لو أن رجلا موقنا قرأها على جبل لزال\" (1) .\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر : (6 / 122) للحكيم الترمذي، وأبي يعلى، وابن أبي حاتم، وابن السني في عمل اليوم والليلة ص (298)، وأبي نعيم في الحلية 1 / 7، وابن مردويه . وفي إسناده: سلام بن رزين، لا يعرف وحديثه باطل. وذكره الذهبي في الميزان: (2 / 175) وقال: قال العقيلي : حدثنا عبد الله ابن أحمد بن حنبل قال. . . وساق الحديث: فقال أبي: هذا موضوع، هذا حديث الكذابين.","part":5,"page":432},{"id":2124,"text":"{ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118) }\rثم نزه الله نفسه عما يصفه به المشركون، فقال جل ذكره: { فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ } يعني السرير الحسن. وقيل: المرتفع. { وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ } أي: لا حجة له به ولا بينة، لأنه لا حجة في دعوى الشرك، { فَإِنَّمَا حِسَابُهُ } جزاؤه، { عِنْدَ رَبِّهِ } يجازيه بعمله، كما قال تعالى: \"ثم إن علينا حسابهم\" (الغاشية -26) ، { إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ } لا يسعد من جحد وكذب. { وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ } .","part":5,"page":433},{"id":2125,"text":"سورة النور مدنية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ سُورَةٌ أَنزلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1) الزَّانِيَة وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) }\r{ سورة } أي: هذه سورة، { أَنزلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: \"وفرضناها\" بتشديد الراء، وقرأ الآخرون بالتخفيف، أي: أوجبنا ما فيها من الأحكام وألزمناكم العمل بها. وقيل: معناه قدرنا ما فيها من الحدود، والفرض: التقدير، قال الله عز وجل: \"فنصف ما فرضتم( البقرة-237 ) أي: قدرتم، ودليل التخفيف قوله عز وجل: \"إن الذي فرض عليك القرآن\" (القصص-85 ) وأما التشديد فمعناه: 34/أ وفصلناه وبيناه. وقيل: هو بمعنى الفرض الذي هو بمعنى الإيجاب أيضا، والتشديد للتكثير لكثرة ما فيها من الفرائض، أي: أوجبناها عليكم وعلى من بعدكم إلى قيام الساعة. { وَأَنزلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بينّات } واضحات، { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } تتعظون. قوله عز وجل: { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة } أراد إذا كانا حرين بالغين عاقلين بكرين غير محصنين \"فاجلدوا\": فاضربوا كل واحد منهما مائة جلدة، يقال جلده إذا ضرب جلده، كما يقال رأسه وبطنه، إذا ضرب رأسه وبطنه، وذكر بلفظ الجلد لئلا يبرح ولا يضرب\r__________\r(1) مدنية كلها بإجماع العلماء، أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة النور بالمدينة، وأخرج عن ابن الزبير مثله. انظر: الدر المنثور: 6 / 124، زاد المسير: 3 / 6.","part":6,"page":7},{"id":2126,"text":"بحيث يبلغ اللحم، وقد وردت السنة أنه يجلد مائة ويغرب عاما (1) وهو قول أكثر أهل العلم، وإن كان الزاني محصنا فعليه الرجم، ذكرناه في سورة النساء (2) .\r{ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ } رحمة ورقة، وقرأ ابن كثير \"رأفة\" بفتح الهمزة ولم يختلفوا في سورة الحديد أنها ساكنة لمجاورة قوله ورحمة، والرأفة معنى في القلب، لا ينهى عنه لأنه لا يكون باختيار الإنسان.\rروي أن عبد الله بن عمر جلد جارية له زنت، فقال للجلاد: اضرب ظهرها ورجليها، فقال له ابنه: لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله، فقال يا بني إن الله عز وجل لم يأمرني بقتلها وقد ضربت فأوجعت (3) .\rواختلفوا في معنى الآية، فقال قوم: لا تأخذكم بهما رأفة فتعطلوا الحدود ولا تقيموها، وهذا قول مجاهد وعكرمة وعطاء وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي. وقال جماعة: معناها ولا تأخذكم بهما رأفة فتخففوا الضرب ولكن أوجعوهما ضربا، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن، قال الزهري: يجتهد في حد الزنا والفرية ويخفف في حد الشرب. وقال قتادة: يجتهد في حد الزنا ويخفف في الشرب والفرية.\r{ فِي دِينِ اللَّهِ } أي: في حكم الله، { إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } معناه أن المؤمن لا تأخذه الرأفة إذا جاء أمر الله تعالى.\r{ وَلْيَشْهَد } وليحضر، { عَذَابَهُمَا } حدهما إذا أقيم عليهما { طَائِفَة } نفر، { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } قال مجاهد والنخعي: أقله رجل واحد فما فوقه، وقال عكرمة وعطاء: رجلان فصاعدا. وقال الزهري وقتادة: ثلاثة فصاعدا. وقال مالك وابن زيد: أربعة بعدد شهود الزنا.\r{ الزَّانِي لا يَنْكِح إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَة لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3) }\rقوله عز وجل: { الزَّانِي لا يَنْكِح، إِلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لايَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } اختلف العلماء في معنى الآية وحكمهاُ فقال قوم: قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء لا مال لهم ولا عشائر، وبالمدينة نساء بغايا يكرين أنفسهن، وهن يومئذ أخصب\r__________\r(1) أخرج البخاري في الشهادات، باب: شهادة القاذف والسارق والزاني: 5 / 255 عن زيد بن خالد رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أنه أمر فيمن زنى ولم يحصن بجلد مئة وتغريب عام\".\r(2) أخرج البخاري في الشهادات، باب: شهادة القاذف والسارق والزاني: 2 / 181-183.\r(3) أخرجه الطبري: 18 / 67 وانظر: الدر المنثور: 6 / 125-126.","part":6,"page":8},{"id":2127,"text":"أهل المدينة، فرغب أناس من فقراء المسلمين في نكاحهن لينفقن عليهم، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية (1) { وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } أن يتزوجوا تلك البغايا لأنهن كن مشركات، وهذا قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري والشعبي، ورواية العوفي عن ابن عباس.\rوقال عكرمة: نزلت في نساء بمكة والمدينة، منهن تسع لهن رايات كرايات البيطار يعرفن بها، منهن أم مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، وكان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية يتخذها مأكلة، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الجهة، فاستأذن رجل من المسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم في نكاح أم مهزول واشترطت له أن تنفق عليه، فأنزل الله هذه الآية (2) .\rوروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد الغنوي كان يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، وكانت بمكة بغي يقال لها عناق، وكانت صديقة له في الجاهلية، فلما أتى مكة دعته عناق إلى نفسها، فقال مرثد: إن الله حرم الزنا، قالت: فانكحني، فقال: حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أنكح عناقا؟ فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرد شيئا، فنزلت: { وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ } فدعاني فقرأها علي وقال لي: لا تنكحها (3) . فعلى قول هؤلاء كان التحريم خاصا في حق أولئك دون سائر الناس.\rوقال قوم: المراد من النكاح هو الجماع، ومعناه: الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة، والزانية لا تزني إلا بزان أو مشرك، وهو قول سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم. ورواية الوالبي عن ابن عباس، قال يزيد بن هارون: إن جامعها وهو مستحل فهو مشرك، وإن جامعها وهو محرم فهو زان، وكان ابن مسعود يحرم نكاح الزانية ويقول: إذا تزوج الزاني بالزانية فهما زانيان أبدا. وقال الحسن: الزاني المجلود لا ينكح إلا زانية مجلودة والزانية المجلودة لا ينكحها إلا زان مجلود. قال سعيد بن المسيب وجماعة: إن حكم الآية منسوخ، فكان نكاح الزانية حراما بهذه الآية فنسخها قوله تعالى: \"وأنكحوا الأيامى منكم\" فدخلت الزانية في أيامى المسلمين (4) .\r__________\r(1) قطعة من حديث عزاه السيوطي في الدر: (6 / 127) لابن أبي حاتم.\r(2) أخرجه الإمام أحمد: 2 / 159 وانظر: أسباب النزول للواحدي ص 364-366، تفسير الطبري: 18 / 71.\r(3) أخرجه أبو داود في النكاح، باب: قوله تعالى \"الزاني لا ينكح إلا زانية\" 3 / 6، والترمذي في تفسير سورة النور: 9 / 21-23 وقال: \"هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه\"، والنسائي في النكاح، باب: تزويج الزانية 6 / 66-67 من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وصححه الحاكم 2 / 166 وأقره الذهبي، والطبري: 18 / 71.\r(4) ذكر هذه الأقوال الطبري: 18 / 74-75. ثم قال مرجحا: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عنى بالنكاح في هذه الموضع: الوطء، وأن الآية نزلت في البغايا المشركات ذوات الرايات، وذلك لقيام الحجة على أن الزانية من المسلمات حرام على كل مشرك، وأن الزاني من المسلمين حرام عليه كل مشركة من عبدة الأوثان. فمعلوم إذ كان ذلك كذلك، أنه لم يعن بالآية أن الزاني من المؤمنين لا يعقد عقد نكاح على عفيفة من المسلمات، ولا ينكح إلا بزانية أو مشركة. وإذ كان ذلك كذلك، فبين أن معنى الآية: الزاني لا يزني إلا بزانية لا تستحل الزنا، أو بمشركة تستحله.","part":6,"page":9},{"id":2128,"text":"واحتج من جوز نكاح الزانية بما أخبرنا أبو الفرج المظفر بن إسماعيل التميمي، أخبرنا أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي، أخبرنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ، أخبرنا الحسن بن فرج، أخبرنا عمرو بن خالد الحراني، أخبرنا عبيد الله عن عبد الكريم الجزري، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن امرأتي لا تدفع يد لامس؟ قال: طلقها، قال: فإني أحبها وهي جميلة، قال: استمتع بها. وفي رواية غيره \"فأمسكها إذا\" (1) .\rوروي أن عمر بن الخطاب ضرب رجلا وامرأة 34/ب في زنى وحرص أن يجمع بينهما فأبى الغلام (2) .\r{ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) }\rقوله عز وجل: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَفَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } أراد بالرمي القذف بالزنا، وكل من رمى محصنا أو محصنة بالزنا، فقال له: زنيت أو يا زاني فيجب عليه جلد ثمانين جلدة، إن كان حرا، وإن كان عبدا فيجلد أربعين، وإن كان المقذوف غير محصن، فعلى القاذف التعزير.\rوشرائط الإحصان خمسة: الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والعفة من الزنى، حتى أن من زنى مرة في أول بلوغه ثم تاب وحسنت حالته وامتد عمره فقذفه قاذف فلا حد عليه. فإن أقر المقذوف على نفسه بالزنا أو أقام القاذف أربعة من الشهود على زناه سقط الحد عن القاذف، لأن الحد الذي وجب عليه حد الفرية وقد ثبت صدقه.\rوقوله: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ } أي: يقذفون بالزنا المحصنات، يعني المسلمات الحرائر العفائف { ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء } يشهدون على زناهن { فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } أي: اضربوهم ثمانين جلدة. { وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًاوَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في النكاح، باب: النهي عن تزويج من لم يلد من النساء: 3 / 5، والنسائي في النكاح، باب: تزويج الزانية: 6 / 67-68، وفي الطلاق، باب: ما جاء في الخلع: 6 / 170 وقال: \"هذا الحديث ليس بثابت، وعبد الكريم ليس بالقوي، وهارون بن رئاب أثبت منه وقد أرسل الحديث، وهارون ثقة وحديثه أولى بالصواب من حديث عبد الكريم. وقال السندي في حواشيه على النسائي: \"وقيل: هذا الحديث موضوع، ورد بأنه حسن صحيح، ورجال سنده رجال الصحيحين، فلا يلتفت إلى قول من حكم عليه بالوضع والله أعلم\".\r(2) أخرجه عبد الرزاق في المصنف: 7 / 203-204، وسعيد بن منصور في السنن: 1 / 224، والبيهقي: 7 / 155.","part":6,"page":10},{"id":2129,"text":"{ إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) }\r{ إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } اختلف العلماء في قبول شهادة القاذف بعد التوبة، وفي حكم هذا الاستثناء: فذهب قوم إلى أن القاذف ترد شهادته بنفس القذف، وإذا تاب وندم على ما قال وحسنت حالته قبلت شهادته، سواء تاب بعد إقامة الحد عليه أو قبله. لقوله تعالى: \"إلا الذين تابوا\"، وقالوا: الاستثناء يرجع إلى الشهادة وإلى الفسق، فبعد التوبة تقبل شهادته، ويزول عنه اسم الفسق. يروى ذلك عن ابن عباس وعمر، وهذا قول سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وطاوس وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والشعبي وعكرمة وعمر بن عبد العزيز والزهري وبه قال مالك والشافعي.\rوذهب قوم إلى أن شهادة المحدود في القذف لا تقبل أبدا وإن تاب، وقالوا: الاستثناء يرجع إلى قوله: { وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } وهو قول النخعي وشريح وأصحاب الرأي، وقالوا: بنفس القذف لا ترد شهادته ما لم يحد.\rقال الشافعي: وهو قبل أن يحد شر منه حين يحد، لأن الحدود كفارات، فكيف يردونها في أحسن حاليه ويقبلونها في شر حاليه. وذهب الشعبي إلى أن حد القذف يسقط بالتوبة، وقال: الاستثناء يرجع إلى الكل.\rوعامة العلماء على أنه لا يسقط بالتوبة إلا أن يعفو عنه المقذوف فيسقط، كالقصاص يسقط بالعفو، ولا يسقط بالتوبة.\rفإن قيل: إذا قبلتم شهادته بعد التوبة فما معنى قوله { أَبَدًا } ؟.\rقيل: معناه لا تقبل شهادته أبدا ما دام مصرا على قذفه، لأن أبد كل إنسان مدته على ما يليق بحاله. كما يقال: لا تقبل شهادة الكافر أبدا: يراد ما دام كافرا (1) . قوله عز وجل: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ } أي: يقذفون نساءهم، { وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ } يشهدون على صحة ما قالوا، { إِلا أَنْفُسَهُمْ } أي: غير أنفسهم، { فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ } قرأ حمزة والكسائي وحفص: \"أربع شهادات\" برفع العين على خبر الابتداء، أي: فشهادة أحدهم التي تدرأ الحد أربع شهادات، وقرأ الآخرون بالنصب، أي: فشهادة أحدهم أن يشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين.\r__________\r(1) انظر تفصيلا لهذه الأقوال مع الترجيح عند الطبري: 18 / 76-81.","part":6,"page":11},{"id":2130,"text":"{ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) }\r{ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ } قرأ نافع ويعقوب \"أن\" خفيفة وكذلك الثانية \"لعنة الله\" رفع، ثم يعقوب قرأ \"غضب\" برفع، وقرأ نافع \"غضب\" بكسر الضاد وفتح الباء على الماضي \"الله\" رفع، وقرأ الآخرون \"أن\" بالتشديد فيهما، \"لعنة\" نصب، و \"غضب\" بفتح الضاد على الاسم، \"الله\" جر، وقرأ حفص عن عاصم \"والخامسة\" الثانية نصب، أي: ويشهد الشهادة الخامسة، وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء وخبره في أن كالأولى.\rوسبب نزول هذه الآية ما أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك عن ابن شهاب أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن عويمر العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي الأنصاري فقال له: يا عاصم أرأيت لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ سل لي عن ذلك يا عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رجع عاصم إلى أهله جاءه عويمر فقال له: يا عاصم ماذا قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عاصم لعويمر، لم تأتني بخير، قد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة التي سألته عنها، فقال عويمر، والله لا أنتهي حتى أسأله عنها، فجاء عويمر ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسط الناس فقال: يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"قد أنزل فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها\"، فقال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فرغا من تلاعنهما قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله أن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال مالك قال ابن شهاب: فكانت تلك سنة المتلاعنين (1) .\rوقال محمد بن إسماعيل أخبرنا إسحاق، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا الأوزاعي، أخبرنا الزهري بهذا الإسناد بمثل معناه وزاد: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"انظروا فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الإليتين، خدلج الساقين، فلا أحسب عويمرا إلا قد صدق عليها، وإن جاءت به 35/أ أحيمر كأنه [وجوة] (2) فلا أحسب عويمر إلا قد كذب عليها\" فجاءت به على النعت الذي نعت رسول الله\r__________\r(1) أخرجه مالك في الموطأ، باب ما جاء في اللعان برقم (34): 2 / 566-567، وأخرجه البخاري في الطلاق، باب: اللعان ومن طلق بعد اللعان: 9 / 446، وفي مواضع أخرى، ومسلم في أول باب اللعان، برقم: (1492) 2 / 1129-1130، والمصنف في شرح السنة: 9 / 250.\r(2) لقد اشتهر بهذا اللفظ في كتب والأصول ما أخرجه ابن ماجه في كتاب الطلاق باب طلاق المكره والناسي من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عطاء عن ابن عباس بلفظ: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رجاله كلهم ثقات ولكن يوجد فيه انقطاع بين ابن عباس وعطاء وأشار إلى هذا البوصيري في الزوائد فقال: إسناده صحيح إن سلم من الانقطاع وقد ورد بألفاظ أخرى يقوي بعضها بعضا. انظر إرواء الغليل للشيخ الألباني 1 / 123 والمعتبر في تخريج أحاديث المنهاج، والمختصر للزركشي ص 154.","part":6,"page":12},{"id":2131,"text":"صلى الله عليه وسلم من تصديق عويمر (1) فكان بعد ينسب إلى أمه.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا محمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا أحمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن بشار، أخبرنا ابن أبي عدي، عن هشام بن حسان، أخبرنا عكرمة، عن ابن عباس، أن هلال بن أمية قذف امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"البينة أو حد في ظهرك\"، فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: \"البينة وإلا حد في ظهرك\"، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ } فقرأ حتى بلغ { إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ } فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهما، فجاء هلال فشهد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: \"إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب\"؟ ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا إنها موجبة، قال ابن عباس فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين (2) ، سابغ الإليتين (3) ، خدلج الساقين (4) ، فهو لشريك بن سحماء\"، فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن\" (5) .\rوروى عكرمة عن ابن عباس: قال لما نزلت: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ } الآية. قال سعد بن عبادة: لو أتيت لكاع وقد تفخذها رجل لم يكن لي أهيجه حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته ويذهب، وإن قلت ما رأيت إن في ظهري لثمانين جلدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما قال سيدكم\"؟ قالوا: لا تلمه، فإنه رجل غيور، ما تزوج امرأة قط إلا بكرا، ولا طلق امرأة له فاجترأ رجل منا أن يتزوجها، فقال سعد: يا رسول الله بأبي أنت وأمي والله إني لأعرف أنها من الله وأنها حق ولكن عجبت من ذلك لما أخبرتك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"فإن الله يأبى إلا ذلك\"، فقال صدق الله ورسوله، قال: فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى جاء ابن عم له يقال له هلال بن أمية من حديقة له، فرأى رجلا مع امرأته يزني بها، فأمسك حتى أصبح، فلما أصبح غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع أصحابه، فقال:\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الطلاق، باب: التلاعن في المسجد: 9 / 452-453، والمصنف في شرح السنة: 9 / 252.\r(2) شديد سوادهما.\r(3) تام الإليتين، عظيمهما.\r(4) عظيمهما.\r(5) أخرجه البخاري في تفسير سورة النور، باب: \"ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين\" 8 / 449 وفي مواضع أخرى، والمصنف في شرح السنة: 9 / 259-260.","part":6,"page":13},{"id":2132,"text":"يا رسول الله إني جئت أهلي عشاء فوجدت رجلا مع امرأتي، رأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أتاه به، وثقل عليه حتى عرف ذلك في وجهه، فقال هلال: والله يا رسول الله إني لأرى الكراهية في وجهك مما أتيتك به، والله يعلم إني لصادق وما قلت إلا حقا، وإني لأرجو أن يجعل الله لي فرجا، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضربه، فقال: واجتمعت الأنصار فقالوا ابتلينا بما قال سعد، يجلد هلال وتبطل شهادته، وإنهم لكذلك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يأمر بضربه، إذ نزل عليه الوحي، فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا أن الوحي قد نزل عليه، حتى فرغ، فأنزل الله عز وجل: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ } إلى آخر الآيات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أبشر يا هلال فإن الله قد جعل لك فرجا\" فقال: لقد كنت أرجو ذلك من الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسلوا إليها، فجاءت، فلما اجتمعا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل لها فكذبت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ فقال هلال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي قد صدقت وما قلت إلا حقا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاعنوا بينهما، فقيل لهلال: اشهد، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فقال له عند الخامسة: يا هلال اتق الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن عذاب الله أشد من عذاب الناس، وإن هذه الخامسة هي الموجبة التي توجب عليك العذاب، فقال هلال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشهد الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم قال للمرأة: اشهدي، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، فقال لها عند الخامسة ووقفها: اتقي الله فإن الخامسة موجبة وإن عذاب الله أشد من عذاب الناس، فتلكأت ساعة وهمت بالاعتراف ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت الخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما (1) ، وقضى بأن الولد لها ولا يدعى لأب ولا يرمى ولدها، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن جاءت به كذا وكذا فهو لزوجها وإن جاءت به كذا وكذا فهو للذي قيل فيه\"، فجاءت به غلاما كأنه جمل أورق، على الشبه المكروه، وكان بعد أميرا على مصر، لا يدري من أبوه.\rوقال ابن عباس في سائر الروايات، ومقاتل: لما نزلت: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ } الآية، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على المنبر فقام عاصم بن عدي الأنصاري فقال: جعلني الله فداك، إن رأى رجل منا مع امرأته رجلا فأخبر بما رأى جلد ثمانين جلدة، وسماه المسلمون فاسقا، ولا تقبل شهادته أبدا، فكيف لنا بالشهداء ونحن إذا التمسنا الشهداء كان الرجل فرغ من حاجته ومر؟ وكان لعاصم هذا ابن عم يقال له عويمر، وله امرأة يقال لها خولة بنت قيس بن محصن،\r__________\r(1) أخرجه مسلم في اللعان، برقم (1498): 2 / 1135، وأخرج بعضه المصنف في شرح السنة: 9 / 265.","part":6,"page":14},{"id":2133,"text":"فأتى عويمر 35/ب عاصما وقال: لقد رأيت شريك بن السمحاء على بطن امرأتي خولة، فاسترجع عاصم، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجمعة الأخرى، فقال: يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت بالسؤال الذي سألت في الجمعة الماضية في أهل بيتي، فأخبره وكان عويمر وخولة وشريك كلهم بني عم عاصم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم جميعا، وقال لعويمر:\"اتق الله في زوجتك وابنة عمك ولا تقذفها بالبهتان\" فقال: يا رسول الله أقسم بالله إني رأيت شريكا على بطنها وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر، وإنها حبلى من غيري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرأة: \"اتقي الله ولا تخبري إلا بما صنعت\" فقالت: يا رسول الله إن عويمرا رجل غيور، وإنه رآني وشريكا يطيل السمر ونتحدث، فحملته الغيرة على ما قال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لشريك: \"ما تقول\"؟ فقال: ما تقوله المرأة كذب، فأنزل الله عز وجل: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ } الآية، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نودي الصلاة جامعة، فصلى العصر ثم قال لعويمر: قم، فقام فقال: أشهد بالله بأن خولة لزانية وإني لمن الصادقين، ثم قال في الثانية أشهد أني رأيت شريكا على بطنها، وإني لمن الصادقين، ثم قال في الثالثة أشهد بالله إنها حبلى من غيري وإني لمن الصادقين، ثم قال في الرابعة أشهد بالله إني ما قربتها منذ أربعة أشهر وإني لمن الصادقين، ثم قال في الخامسة: لعنة الله على عويمر -يعني نفسه-إن كان من الكاذبين فيما قال، ثم أمره بالقعود، وقال لخولة: قومي فقامت، فقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإن عويمرا لمن الكاذبين، ثم قالت في الثانية أشهد بالله أنه ما رأى شريكا على بطني وإنه لمن الكاذبين، ثم قالت في الثالثة أشهد بالله إني حبلى منه وإنه لمن الكاذبين، ثم قالت في الرابعة أشهد بالله إنه ما رآني قط على فاحشة وإنه لمن الكاذبين، ثم قالت في الخامسة غضب الله على خولة -تعني نفسها-إن كان من الصادقين. ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وقال لولا هذه الأيمان لكان لي في أمرهما رأي، ثم قال: \"تحينوا بها الولادة فإن جاءت به [أصيهب] (1) [أثيبج] (2) يضرب إلى السواد فهو لشريك، وإن جاءت به أورق (3) جعدا جماليا (4) خدلج الساقين (5) فهو لغير الذي رميت به\". قال ابن عباس فجاءت بأشبه خلق الله بشريك (6) .\rوالكلام في حكم الآية: أن الرجل إذا قذف امرأته فموجبه موجب قذف الأجنبي في وجوب الحد عليه إن كانت محصنة، أو التعزير إن لم تكن محصنة، غير أن المخرج منهما مختلف؛ فإذا قذف\r__________\r(1) الأصيهب: تصغير الأصهب، وهو الذي يعلوه صهبة، وهي كالشقرة، وفي \"أ\": \"بأصهب\" بدلا من \"به أصيهب\".\r(2) الأثيبج: تصغير الأثبج، وهو الناتئ الثبج، والثبج: ما بين الكاهل ووسط الظهر وفي \"أ\" جاءت العبارة: \"أسلح أسحب\".\r(3) أورق: يميل لونه للون الرماد.\r(4) جماليا: الجمالي: العظيم الخلق، شبه خلقه بخلق الجمل.\r(5) الخدلج: العظيم الساقين.\r(6) أخرجه الطبري مختصرًا: 18 / 84.","part":6,"page":15},{"id":2134,"text":"أجنبيا يقام الحد عليه، إلا أن يقيم أربعة من الشهود على زناه، أو يقر به المقذوف فيسقط عنه حد القذف، وفي الزوجة إذا وجد أحد هذين أو لاعن يسقط عنه الحد، فاللعان في قذف الزوجة بمنزلة البينة، لأن الرجل إذا رأى مع امرأته رجلا ربما لا يمكنه إقامة البينة عليه ولا يمكنه الصبر على العار، فجعل الله اللعان حجة له على صدقه، فقال تعالى: \"فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين\"، وإذا أقام الزوج البينة على زناها أو اعترفت بالزنا سقط عنه الحد واللعان، إلا أن يكون هناك ولد يريد نفيه فله أن يلاعن لنفيه.\rوإذا أراد الإمام أن يلاعن بينهما يبدأ فيقيم الرجل ويلقنه كلمات اللعان، فيقول: قل أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به فلانة بالزنا، وإن كان قد رماها برجل بعينه سماه بعينه باللعان، وإن رماها بجماعة سماهم، ويقول الزوج كما يلقنه الإمام، وإن كان ولد أو حمل يريد نفيه يقول: وإن هذا الولد أو الحمل لمن الزنا ما هو مني، ويقول في الخامسة: علي لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما رميت به فلانة، وإذا أتى بكلمة منها من غير تلقين الحاكم لا تكون محسوبة، فإذا فرغ الرجل من اللعان وقعت الفرقة بينه وبين زوجته وحرمت عليه على التأبيد، وانتفى عنه النسب وسقط عنه حد القذف، ووجب على المرأة حد الزنا، إن كانت محصنة ترجم، وإن كانت غير محصنة تجلد وتغرب، فهذه خمسة أحكام تتعلق كلها بلعان الزوج.\r{ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9) }\rقوله عز وجل: { وَيَدْرَأُ } يدفع، { عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ } { وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ } وأراد بالعذاب الحد، كما قال في أول السورة: \"وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين\" أي: حدهما، ومعنى الآية: أن الزوج إذ لاعن وجب على المرأة حد الزنا، وإذا وجب عليها حد الزنا بلعانه فأرادت إسقاطه عن نفسها فإنها تلاعن، فتقوم وتشهد بعد تلقين الحاكم أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به، وتقول في الخامسة علي غضب الله إن كان زوجي من الصادقين فيما رماني به.\rولا يتعلق بلعانها إلا حكم واحد وهو سقوط الحد عنها، ولو أقام الزوج بينة على زناها فلا يسقط الحد عنها باللعان. وعند أصحاب الرأي: لا حد على من قذف زوجته، بل موجبه اللعان، فإن لم يلاعن يحبس حتى يلاعن، فإذا لاعن الزوج وامتنعت المرأة عن اللعان حبست حتى تلاعن.","part":6,"page":16},{"id":2135,"text":"وعند الآخرين اللعان حجة على صدقه، والقاذف إذا قعد عن إقامة الحجة على صدقه لا يحبس بل يحد كقاذف الأجنبي إذا قعد عن إقامة البينة.\rوعند أبي حنيفة موجب اللعان وقوع الفرقة ونفي النسب، وهما لا يحصلان إلا بلعان الزوجين جميعا، وقضاء القاضي.\rوفرقة اللعان فرقة فسخ عند كثير من أهل العلم وبه قال الشافعي، وتلك الفرقة متأبدة حتى لو كذب الزوج نفسه يقبل ذلك فيما عليه دون ما له، فيلزمه الحد ويلحقه الولد 36/أ ولكن لا يرتفع تأبيد التحريم.\rوعند أبي حنيفة فرقة اللعان فرقة طلاق فإذا كذب الزوج نفسه جاز له أن ينكحها. وإذا أتى ببعض كلمات اللعان لا يتعلق به الحكم. وعند أبي حنيفة إذا أتى بأكثر كلمات اللعان قام مقام الكل في تعلق الحكم به.\rوكل من صح يمينه صح لعانه حرا أو عبدا، مسلما أو ذميا، وهو قول سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والحسن، وبه قال ربيعة ومالك والثوري والشافعي وأكثر أهل العلم. وقال الزهري والأوزاعي وأصحاب الرأي: لا يجري اللعان إلا بين مسلمين حرين غير محدودين، فإن كان الزوجان أو أحدهما رقيقا أو ذميا أو محدودا في قذف فلا لعان بينهما.\rوظاهر القرآن حجة لمن قال يجري اللعان بينهما، لأن الله تعالى قال: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ } وَلَمْ يفصل بين الحر والعبد والمحدود وغيره كما قال: \"الذين يظاهرون من نسائهم\" (المجادلة-2 ) ، ثم يستوي الحر والعبد هنا في الظهار، ولا يصح اللعان إلا عند الحاكم أو خليفته.\rويغلظ اللعان بأربعة أشياء: بعدد الألفاظ، والمكان، والزمان، وأن يكون بمحضر جماعة من الناس. أما الألفاظ المستحقة فلا يجوز الإخلال بها، وأما المكان فهو أن يلاعن في أشرف الأماكن، إن كان بمكة فبين الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعند المنبر، وفي سائر البلاد ففي المسجد الجامع عند المنبر، والزمان هو أن يكون بعد صلاة العصر، وأما الجمع فأقلهم أربعة، والتغليظ بالجمع مستحب، حتى لو لاعن الحاكم بينهما وحده [جاز] (1) ، وهل التغليظ بالمكان والزمان واجب أو مستحب فيه قولان.\r{ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10) }\rقوله: { وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ } جواب لولا محذوف، يعني لعاجلكم بالعقوبة، ولكنه ستر عليكم ودفع عنكم الحد باللعان، وإن الله تواب يعود على من يرجع عن المعاصي بالرحمة، حكيم فيما فرض من الحدود.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".","part":6,"page":17},{"id":2136,"text":"{ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) }\rقوله عز وجل: { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ } الآيات سبب نزول هذه الآية ما أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله أخبرنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب قال: حدثني عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الإفك ما قالوا وكلهم حدثني طائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت له اقتصاصا وقد وعيت عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة وبعض حديثهم يصدق بعضا.\rقالوا: قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرا أقرع بين أزواجه وأيهن خرج سهمها خرج بها النبي صلى الله عليه وسلم معه قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما أنزل الحجاب فكنت أحمل في هودج وأنزل فيه فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع ظفار (1) قد انقطع فرجعتُ فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه. قالت: وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه وهم يحسبون أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلن ولم يغشهن اللحم إنما يأكل العلقة (2) من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها منهم داع ولا مجيب فتيممت منزلي الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فعرفني حين رآني وكان رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني،\r__________\r(1) جزع: خرز معروف في سواده بياض كالعروق، قال ابن القطاع: هو واحد لا جمع له، وقال ابن سيده: هو جمع واحدة جزعة وهو بالفتح.\r(2) ما يتبلغ به من العيش.","part":6,"page":18},{"id":2137,"text":"فخمرت وجهي بجلبابي، ووالله ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها، فقمت إليها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة وهم نزول.\rقالت: فهلك من هلك، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي بن سلول، قال عروة أخبرت أنه كان يشاع ويتحدث به عنده فيقره ويستمعه ويستوشيه.\rوقال عروة أيضا: لم يسم من أهل الإفك أيضا إلا حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش في ناس آخرين لا علم لي بهم غير أنهم عصبة، كما قال الله تعالى { وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ } قال: عبد الله بن أبي بن سلول، قال عروة: كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسانُ وتقول: إنه الذي قال: فإن أبي ووالدتي وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء\rقالت عائشة: فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمت شهرا، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم ثم يقول كيف تيكم؟ ثم ينصرف، فذلك يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت حين نقهت، فخرجت مع أم مسطح قبل المناصع وكان متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكُنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط، وكنا نتأذى بالكنف 36/ب أن نتخذها عند بيوتنا.\rقالت: فانطلقتُ أنا وأم مسطح -وهي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب، فاقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت أتسبين رجلا شهد بدرا؟ فقالت: أي هنتاه (1) أو لم تسمعي ما قال؟ قالت فقلت: ما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، قالت فازددت مرضا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: كيف تيكم؟ فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، قالت: فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: يا أمتاه ماذا يتحدث الناس؟ فقالت: يا بنية هوني عليك فوالله لقل ما كانت امرأة قط رضية (2) عند رجل يحبها لها ضرائر إلا أكثرن عليها. قالت فقلت: سبحان الله أو لقد تحدث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت\r__________\r(1) أي: حرف نداء للبعيد، وقد تستعمل للقريب حين ينزل منزلة البعيد، وهنتاه: بفتح الهاء وسكون النون وقد تفتح بعدها متناة وآخرها هاء ساكنة، وقد تضم: أي هذه، وقيل يلهى، كأنها نسبتها إلى قلة المعرفة بمكائد الناس .\r(2) في \"ب\" وضيئة.","part":6,"page":19},{"id":2138,"text":"تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل [بنوم] (1) ، ثم أصبحت أبكي.\rقالت: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم لهم في نفسه، فقال أسامة: أهلك ولا نعلم إلا خيرا، وأما علي فقال: يا رسول الله لم يضيق اللَّهُ عليك والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة، فقال: أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك؟ قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمرا قط أغمضه أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله.\rقالت: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم [من يومه] (2) فاستعذر من عبد الله بن أبي وهو على المنبر، فقال: يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما يدخل على أهلي إلا معي، قالت: فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل، فقال أنا يا رسول الله أعذرك فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، قالت: وقام رجل من الخزرج وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه وهو سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، قالت: وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنهُ فإنك منافق تجادل عن المنافقين، قالت: فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر، قالت: فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت.\rقالت: فبكيت يومي ذلك كله لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم [قالت وأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويوما لا أكتحل بنوم] (3) ولا يرقأ لي دمع حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي فبينا أبواي جالسان عندي، وأنا أبكي فاستأذنت عَلَيّ امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي.\rقالت: فبينا نحن على ذلك دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء، قالت: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال: أما بعد يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف ثم تاب تاب الله عليه.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) ساقط من \"أ\".","part":6,"page":20},{"id":2139,"text":"قالت: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته فاض (1) دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال، فقال أبي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال، فقالت أمي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيرا: إني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني، فوالله لا أجد لي ولكم مثلا إلا قول أبي يوسف حين قال: \"فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون\"(يوسف-18 ) ثم تحولت واضطجعت على فراشي وأنا أعلم والله يعلم أني حينئذ بريئة، وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يتلى، لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها، فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه الوحي (2) فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه ليتحدر منه العرق مثل الجمان، وهو في يوم شات، من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال: يا عائشة أما والله فقد برأك الله، قالت: فقالت لي أمي: قومي إليه فقلت: والله لا أقوم إليه فإني لا أحمد إلا الله، قالت: وأنزل الله تعالى: \"إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم\" العشر الآيات، فلما أنزل الله في براءتي قال أبو بكر الصديق، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله: { وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ } إلى قوله { غَفُورٌ رَحِيمٌ } قال أبو بكر الصديق: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا.\rقالت 37/أ عائشة: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش عن أمري فقال لزينب: ماذا علمت أو رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيرا، قالت عائشةُ وهي التي تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعصمها الله بالورع، قالت: وطفقت أختها حمنة تحارب لها فهلكت فيمن هلك.\rقال ابن شهاب: فهذا الذي بلغني من حديث هؤلاء الرهط، قالت عائشة: والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول: سبحان الله فوالذي نفسي بيده ما كشفت عن كنف أنثى قط. قالت:\r__________\r(1) في \"ب\": قلص.\r(2) ساقط من \"أ\".","part":6,"page":21},{"id":2140,"text":"ثم قتل بعد ذلك في سبيل الله (1) .\rورواه محمد بن إسماعيل عن يحيى بن بكير، أخبرنا الليث عن يونس عن ابن شهاب بإسناد مثله، وقال: وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه، إلى قوله: فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك (2) .\rورواه أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: ولقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتي فسأل عني خادمتي، فقالت: لا والله ما علمت عليها عيبا إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل خميرها أو عجينها، فانتهرها بعض أصحابه، فقال: اصدقي رسول الله حتى أسقطوا لهابه، فقالت: سبحان الله والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر، وفيه قالت: وأنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرُفع عنه وإني لأتبين السرور في وجهه وهو يمسح جبينهُ ويقول: أبشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتكُ فقال لي أبواي: قومي إليهُ فقلت: لا والله لا أقوم إليهُ ولا أحمده ولا أحمد أحداُ ولكن أحمد الله الذي برأنيُ لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه (3) .\rأما تفسير قوله: { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ } بالكذب، والإفُك: أسوأ الكذب، سمي إفكا لكونه مصروفا عن الحق، من قولهم: أفك الشيء إذا قلبه عن وجهه، وذلك أن عائشة كانت تستحق الثناء لما كانت عليه من الحصانة والشرف فمن رماها بالسوء قلب الأمر عن وجهه، { عُصْبَةٌ مِنْكُمْ } أي: جماعة منهم عبد الله بن أبي بن سلول، ومسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، زوجة طلحة بن عبيد الله، وغيرهم، { لا تَحْسَبُوهُ شَرًّالَكُمْ } يا عائشة ويا صفوان، وقيل: هو خطاب لعائشة ولأبويها وللنبي صلى الله عليه وسلم ولصفوان، يعني: لا تحسبوا الإفك شرا لكم، { بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ } لأن الله يأجركم على ذلك ويظهر براءتكم.\r{ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ } يعني من العصبة الكاذبة { مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ } أي: جزاء ما اجترح من الذنب على قدر ما خاض فيه، { وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ } أي: تحمل معظمه فبدأ بالخوض فيه، قرأ يعقوب \"كبره\" بضم الكاف، وقرأ العامة بالكسر، قال الكسائي: هما لغتان. قال الضحاك: قام بإشاعة الحديث، وهو عبد الله بن أبي بن سلول.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في المغازي، باب حديث الإفك: 7 / 431-435، وفي تفسير سورة النور: 8 / 452-455، وفي الشهادات: 5 / 269-272 وفي مواضع أخرى. وأخرجه مسلم في التوبة، باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف برقم (2770): 4 / 2129-2136 وأخرج المصنف أوله في شرح السنة: 9 / 153.\r(2) أخرجه مسلم في كتاب التفسير، سورة النور: 8 / 452-455.\r(3) في رواية البخاري معلقا بصيغةالجزم، باب \"إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة..\" 8 / 488، ومسلم في التوبة أيضا: 4 / 2137-2138.","part":6,"page":22},{"id":2141,"text":"وروى الزهري عن عروة عن عائشة { وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ } قالت: عبد الله بن أبي بن سلول (1) ، والعذاب الأليم هو النار في الآخرة.\rوقد روى ابن أبي مليكة عن عروة عن عائشة في حديث الإفك قالت: ثم ركبت وأخذ صفوان بالزمام فمررنا بملأ من المنافقين، وكانت عادتهم أن ينزلوا منتبذين من الناس، فقال عبد الله بن أبي، رئيسهم: من هذه؟ قالوا: عائشة قال: والله ما نجت منه وما نجا منها، وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقود بها (2) . وشرع في ذلك أيضا حسان، ومسطح، وحمنة، فهم الذين تولوا كبره.\rوقال قوم: هو حسان بن ثابت. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا بشر بن خالد، أخبرنا محمد بن جعفر عن شعبة عن سليمان عن أبي الضحى عن مسروق قال: دخلت على عائشة وعندها حسان بن ثابت ينشد شعرا يشبب بأبيات له، وقال: حصانٌ رَزانٌ ما تُزَنُّ بِرِيْبَةٍ ... وتُصبحُ غَرْثي من لُحومِ الغوافِلِ (3)\rفقالت له عائشة: لكنك لست كذلك، قال مسروق فقلت لها: لم تأذنين له أن يدخل عليك وقد قال الله تعالى: {وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} قالت: وأي عذاب أشد من العمى (4) ، وقالت: إنه كان ينافح أو يهاجي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) .\rويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالذين رموا عائشة فجلدوا الحد جميعا ثمانين ثمانين (6) .\r{ لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) }\rقوله عز وجل: { لَوْلا } هلا { إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِم } بإخوانهم { خَيْرًا } قال الحسن: بأهل دينهم لأن المؤمنين كنفس واحدة، نظيره قوله تعالى: \"ولا تقتلوا\r__________\r(1) انظر: البخاري 8 / 450، 452، صحيح مسلم: 4 / 2131.\r(2) انظر: فتح الباري 8 / 461.\r(3) الحصان: العفيفة، والرزان: الرزينة الثابتة التي لا يستخفها الطيش. وتزن: ترمى وتتهم. والريبة: التهمة والشك. وغرثى: جائعة، يريد لا تغتاب النساء، والغوافل: جمع غافلة، وهي التي غفل قلبها عن الشر.\r(4) قال الحافظ ابن كثير رحمه الله (3 / 273): \"ثم الأكثرون على أن المراد بذلك -الذي تولى كبر الإفك- إنما هو عبد الله بن أبي بن سلول -قبحه الله تعالى ولعنه- وهو الذي تقدم النص عليه في الحديث. وقال ذلك: مجاهد وغير واحد. وقيل: بل المراد به حسان بن ثابت، وهو قول غريب، ولولا أنه وقع في صحيح البخاري ما قد يدل على إيراد ذلك لما كان لإيراده كبير فائدة فإنه من الصحابة الذين لهم فضائل ومناقب، وأحسن مآثره أنه كان يذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعره...\".\r(5) أخرجه البخاري في التفسير، باب: \"ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم\" 8 / 485.\r(6) انظر: فتح الباري: 8 / 479، زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم: 3 / 263-264.","part":6,"page":23},{"id":2142,"text":"أنفسكم\" (النساء-29 ) \"فسلموا على أنفسكم \"( النور-61 ) . { وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ } أي كذب بين.\r{ لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) }\r{ لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ } أي: على ما زعموا، { فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِفَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ } فإن قيل: كيف يصيرون عند الله كاذبين إذ لم يأتوا بالشهداء ومن كذب فهو عند الله كاذب سواء أتى بالشهداء أو لم يأت؟ قيل: \"عند الله\" أي: في حكم الله وقيل: معناه كذبوهم بأمر الله وقيل: هذا في حق عائشة، ومعناه: أولئك هم الكاذبون في غيبي وعلمي. { وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ } خضتم { فيه } من الإفك { عَذَابٌ عَظِيمٌ } قال ابن عباس أي: عذاب لا انقطاع له، يعني: في الآخرة، لأنه ذكر عذاب الدنيا من قبل، فقال تعالى: \"والذي تولى 37/ب كبره منهم له عذاب عظيم\"، وقد أصابه، فإنه جلد وحد. وروت عمرة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية حد أربعة نفر: عبد الله بن أبي، وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش (1) .\r__________\r(1) أخرج الترمذي عن عائشة قالت: \"لما نزل عذري قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدهم\". تفسير سورة النور: 9 / 37، وقال: \"هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق\". ووقع تسمية هؤلاء الثلاثة: حسان بن ثابت، ومسطح بن اثاثة، وحمنة بنت جحش عند أبي داود في الحدود، باب في حد القذف: 6 / 283، وعزاه المنذري للنسائي وقال: \"وقد أسنده ابن إسحاق مرة، وأرسله أخرى\". وأخرجه ابن ماجه في الحدود، باب حد القذف: 2 / 857. وانظر: تفسير ابن كثير: 3 / 272. وأخرج الطبراني عن سعيد بن جبير مثل حديث عائشة الذي ساقه المصنف، وقال الهيثمي: \"وفيه ابن لهيعة، وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح\". مجمع الزوائد: 7 / 80. وانظر: فتح الباري: 9 / 481، تحفة الأحوذي: 9 / 37. وأخرج البزار وابن مردويه بسند حسن، عن أبي هريرة، وفيه: فحد رسول الله صلى الله عليه وسلم مسطحا، وحمنة، وحسان. انظر: الدر المنثور: 6 / 146، وراجع: زاد المعاد: 3 / 263-264.","part":6,"page":24},{"id":2143,"text":"{ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (19) }\rقوله عز وجل: { إِذْ تَلَقَّوْنَهُ } تقولونه، { بِأَلْسِنَتِكُم } قال مجاهد ومقاتل: يرويه بعضكم عن بعض. وقال الكلبي: وذلك أن الرجل منهم يلقى الرجل فيقول بلغني كذا وكذا يتلقونه تلقيا، وقال الزجاج: يلقيه بعضكم إلى بعض، وقرأت عائشة \"تلقونه\" بكسر اللام وتخفيف القاف من الولق وهو الكذب، { وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا } تظنون أنه سهل لا إثم فيه، { وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ } في الوزر. { وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ } هذا اللفظ هاهنا معناه التعجبُ { هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } أي: كذب عظيم يبهت ويتحير من عظمته. وفي بعض الأخبار أن أم أيوب قالت لأبي أيوب الأنصاري: أما بلغك ما يقول الناس في عائشة؟ فقال أبو أيوب: سبحانك هذا بهتان عظيم (1) فنزلت الآية على وفق قوله. { يَعِظُكُمُ اللَّهُ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يحرم الله عليكمُ وقال مجاهد: ينهاكم الله. { أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } { وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ } في الأمر والنهي، { وَاللَّهُ عَلِيمٌ } بأمر عائشة وصفوان، { حَكِيم } حكم ببراءتهما. قوله عز وجل: { إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ } يعني: تظهر، ويذيع الزنا، { فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ } يعني عبد الله بن أبي وأصحابه المنافقين، والعذاب في الدنيا الحد، وفي الآخرة النار، { وَاللَّهُ يَعْلَمُ } كذبهم وبراءة عائشة وما خاضوا فيه من سخط الله { وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ }\r__________\r(1) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص (373)، وانظر الطبري: 18 / 96، والدر المنثور: 6 / 159، فتح الباري: 9 / 470.","part":6,"page":25},{"id":2144,"text":"{ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (20) }","part":6,"page":26},{"id":2145,"text":"{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21) وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22) }\r{ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } جواب \"لولا\" محذوف، أي: لعاجلكم بالعقوبة، قال ابن عباس: يريد مسطحا، وحسان، وحمنة. قوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ } أي: بالقبائح من الأفعال، { وَالْمُنْكَر } ما يكرهه الله عز وجل، { وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا } قال مقاتل: ما صلح. وقال ابن قتيبة: ما طهر، { مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ } والآية على العموم عند بعض المفسرين، قالوا: أخبر الله أنه لولا فضله ورحمته بالعصمة ما صلح منكم أحد. وقال قوم: هذا الخطاب للذين خاضوا في الإفك، ومعناه: ما طهر من هذا الذنب ولا صلح أمره بعد الذي فعل، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، قال: ما قبل توبة أحد منكم، { أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي } يطهر، { مَنْ يَشَاءُ } من الذنب بالرحمة والمغفرة، { وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } قوله عز وجل { وَلا يَأْتَلِ } أي: ولا يحلف، وهو يفتعل من الألية وهي القسم، وقرأ أبو جعفر: \"يتأل\" بتقديم التاء وتأخير الهمزة، وهو يتفعل من الألية. { أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ } يعني أبا بكر الصديق { أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } يعني مسطحا، وكان مسكينا مهاجرا بدريا ابن خالة أبي بكر، حلف (1) أبو بكر أن لا ينفق عليه، { وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا } عنهم خوضهم في أمر عائشة، { أَلا تُحِبُّونَ } يخاطب أبا بكر، { أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } فلما قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بكر قال: بلى أنا أحب أن يغفر الله لي، ورجع\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".","part":6,"page":26},{"id":2146,"text":"إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا (1) .\rوقال ابن عباس والضحاك: أقسم ناس من الصحابة فيهم أبو بكر أن لا يتصدقوا على رجل تكلم بشيء من الإفك ولا ينفعوهم، فأنزل الله هذه الآية (2) .\r{ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23) }\rقوله عز وجل: { إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ } العفائف، { الغافلات } عن الفواحش، { المؤمنات } والغافلة عن الفاحشة أي: لا يقع في قلبها فعل الفاحشة وكانت عائشة كذلك، قوله تعالى: { لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ } عذبوا بالحدود وفي الآخرة بالنار، { وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } قال مقاتل: هذا في عبد الله بن أبي المنافق. روي عن خصيف قال: قلت لسعيد بن جبير: من قذف مؤمنة يلعنه الله في الدنيا والآخرة؟ فقال ذلك لعائشة خاصة (3) .\rوقال قوم: هي لعائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة دون سائر المؤمنات. روي عن العوام بن حوشب عن شيخ من بني كاهل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هذه في شأن عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ليس فيها توبة، ومن قذف امرأة مؤمنة فقد جعل الله له توبة ثم قرأ: { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء } إلى قوله: { إِلا الَّذِينَ تَابُوا } فجعل لهؤلاء توبة، ولم يجعل لأولئك توبة (4) .\rوقال الآخرون: نزلت هذه الآية في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وكان [ذلك] (5) حين نزلت الآية التي في أول السورة { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء } إلى قوله: { فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } فأنزل الله الجلد والتوبة (6) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير: باب: \"لولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم\" 8 / 455، ومسلم في التوبة، باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف، برقم (2770): 4 / 2129-2136.\r(2) أخرجه الطبري: 18 / 102-103.\r(3) عزاه السيوطي: (6 / 164) لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني. قال الهيثمي (6 / 79): رواه الطبراني وفيه يحيى الحماني وهو ضعيف.\r(4) قال الهيثمي (6 / 80): \"رواه الطبراني بأسانيد، وفي هذا الإسناد راو لم يسم، وبقية رجاله ثقات، وهو أمثلها\".\r(5) في \"ب\" كذلك حتى.\r(6) ذكر هذه الأقوال الطبري: 18 / 104-105 ثم قال مرجحا: \"وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: نزلت هذه الآية في شأن عائشة والحكم بها عام في كل من كان بالصفة التي وصفه الله بها فيها\".","part":6,"page":27},{"id":2147,"text":"{ يَوْمَ تَشْهَد عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25) الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26) }\r{ يَوْمَ تَشْهَدُ } قرأ حمزة والكسائي بالياء لتقديم الفعل، وقرأ الآخرون بالتاء، { عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ } وهذا قبل أن يختم على أفواههم، { وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم } يروى أنه { تختم } (1) الأفواه فتتكلم الأيدي والأرجل بما عملت في الدنيا. وقيل: معناه تشهد ألسنة بعضهم على بعض وأيديهم وأرجلهم، { بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } { يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ } جزاءهم الواجب. وقيل: حسابهم العدل. { وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ } يبين لهم حقيقة ما كان يعدهم في الدنيا. قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: وذلك أن عبد الله بن أبي كان يشك في الدين فيعلم يوم القيامة أن الله هو الحق 38/أ المبين. قوله عز وجل: { الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ } قال أكثر المفسرين: الخبيثات من القول والكلام للخبيثين من الناس. { وَالْخَبِيثُون } من الناس، { لِلْخَبِيثَاتِ } من القول، [والكلام] (2) ، { وَالطَّيِّبَاتُ } من القول، { لِلطَّيِّبِينَ } من الناس ، { وَالطَّيِّبُونَ } من الناس، { لِلطَّيِّبَاتِ } من القول، والمعنى: أن الخبيث من القول لا يليق إلا بالخبيث من الناس والطيب لا يليق إلا بالطيب من الناس، فعائشة لا يليق بها الخبيثات من القول لأنها طيبة رضي الله عنها فيضاف إليها طيبات الكلام من الثناء الحسن [وما يليق بها] (3) .\rوقال الزجاج: معناه لا يتكلم بالخبيثات إلا الخبيث من الرجال والنساء ولا يتكلم بالطيبات إلا الطيب من الرجال والنساء، وهذا ذم للذين قذفوا عائشة، ومدح للذين برؤوها بالطهارة.\rوقال ابن زيد: معناه الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء [أمثال عبد الله بن أبي والشاكين في الدين] (4) ، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء. يريد عائشة طيبها الله لرسوله الطيب صلى الله عليه وسلم.\r__________\r(1) في \"ب\": يختم على.\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) زيادة من \"ب\".\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":6,"page":28},{"id":2148,"text":"{ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ } يعني: عائشة وصفوان ذكرهما بلفظ الجمع كقوله تعالى: \"فإن كان له إخوة\" (النساء-11 ) أي: إخوان. وقيل: \"أولئك مبرؤون\" يعني الطيبين والطيبات منزهون، { مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } فالمغفرة هي العفو عن الذنوب، والرزق الكريم: الجنة.\rوروي أن عائشة كانت تفتخر بأشياء أعطيتها لم تعطها امرأة غيرها، منها أن جبريل أتى بصورتها في سرقة (1) من حرير، وقال هذه زوجتك. وروي أنه أتى بصورتها في راحته وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكرا غيرها، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه في حجرها، ودفن في بيتها، وكان ينزل عليه الوحي وهو معها في لحافه، ونزلت براءتها من السماء، وأنها ابنة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصديقه، وخلقت طيبة، ووعدت مغفرة ورزقا كريما (2) .\rوكان مسروق إذا روى عن عائشة يقول: حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم المبرأة من السماء (3) .\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) }\rقوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } قيل: معنى قوله: { حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا } أي: حتى تستأذنوا [وكان ابن عباس يقرأ حتى تستأذنوا] (4) ويقول: تستأنسوا خطأ من الكاتب (5) . وكذلك كان يقرأ أبي ابن كعب، والقراءة المعروفة تستأنسوا وهو بمعنى الاستئذان. وقيل: الاستئناس طلب الأنس، وهو أن ينظر هل في البيت إنسان فيؤذنهم إني داخل. وقال الخليل: الاستئناس الاستبصار من قوله: آنست نارا، أي: أبصرت. وقيل: هو أن يتكلم بتسبيحة أو تكبيرة أو يتنحنح، يؤذن أهل البيت.\rوجملة حكم الآية: أنه لا يدخل بيت الغير إلا بعد السلام والاستئذان. واختلفوا في أنه يقدم الاستئذان أم السلام؟ فقال قوم: يقدم الاستئذان فيقول: أأدخل سلام\r__________\r(1) شقة حرير بيضاء، والجمع، سرق مثل: قصبة وقصب.\r(2) هذه المناقب التي ذكرها المصنف لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ثابتة بأحاديث صحاح، انظرها في: جامع الأصول لابن الأثير: 9 / 132-143، كنز العمال: 12 / 133-138، الدر المنثور: 6 / 168-170.\r(3) انظر: حلية الأولياء: 2 / 44.\r(4) ساقط من \"أ\".\r(5) انظر فيما سبق تعليقا: 3 / 309، 310.","part":6,"page":29},{"id":2149,"text":"عليكم، لقوله تعالى: { حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا } أي: تستأذنوا، { وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا } والأكثرون على أنه يقدم السلام فيقول: سلام عليكم أأدخل. وفي الآية تقديم وتأخير تقديرها: حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا. وكذلك هو في مصحف عبد الله بن مسعود. وروي عن كلدة بن حنبل قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم ولم أسلم ولم أستأذن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ارجع فقل: السلام عليكم أأدخل (1) .\rوروي عن ابن عمر أن رجلا استأذن عليه فقال: أأدخل؟ فقال ابن عمر: لا فأمر بعضهم الرجل أن يسلم فسلم فأذن له (2) .\rوقال بعضهم: إن وقع بصره على إنسان قدم السلام، وإلا قدم الاستئذان، ثم سلم، وقال أبو موسى الأشعري وحذيفة: يستأذن على ذوات المحارم، ومثله عن الحسن، وإن كانوا في دار واحدة يتنحنح ويتحرك أدنى حركة.\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد عبد الله بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن سعيد الجريري، عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: سلم عبد الله بن قيس على عمر بن الخطاب ثلاث مرات فلم يأذن له فرجع فأرسل عمر في أثره فقال: لم رجعت؟ قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"إذا سلم أحدكم ثلاثا فلم يجب فليرجع\". قال عمر: لتأتين على ما تقول ببينة وإلا لأفعلن بك كذا وكذا غير أنه قد أوعده، قال: فجاء أبو موسى الأشعري ممتقعًا لونه وأنا في حلقة جالس، فقلنا: ما شأنك؟ فقال: سلمت على عمر، فأخبرنا خبره، فهل سمع أحد منكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: نعم كلنا قد سمعه، قال فأرسلوا معه رجلا منهم حتى أتى عمر فأخبره بذلك (3) .\rورواه بسر بن سعيد عن أبي سعيد الخدري، وفيه: قال أبو موسى الأشعري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع\" (4) . قال الحسن: الأول إعلام والثاني مؤامرة، والثالث استئذان بالرجوع.\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الأدب، باب: كيف الاستئذان: 8 / 56-57، والترمذي في الاستئذان، ما جاء في التسليم قبل الاستئذان: 7 / 490-491 وقال: \"هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن جريج. ورواه أبو عاصم عن ابن جريج مثل هذا\" والإمام أحمد: 3 / 414، والمصنف في شرح السنة: 12 / 284.\r(2) أخرجه عبد الرزاق في المصنف: 10 / 383، وذكره المصنف في شرح السنة: 12 / 284.\r(3) انظر الرواية في الجامع للإمام معمر: 10 / 380 وهو عند الشيخين كما سيأتي في التعليقة التالية.\r(4) أخرجه البخاري في الاستئذان، باب: التسليم والاستئذان ثلاثا: 11 / 26-27 وفي مواضع أخرى، ومسلم في الآداب، باب الاستئذان برقم (2153): 3 / 1694، والمصنف في شرح السنة: 12 / 280-281.","part":6,"page":30},{"id":2150,"text":"{ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28) }\rقوله عز وجل: { فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا } أي: إن لم تجدوا في البيوت أحدا يأذن لكم في دخولها فلا تدخلوها، { حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا } يعني: إذا كان في البيت قوم فقالوا: ارجع فليرجع ولا يقف على الباب ملازما، { هُوَ أَزْكَى لَكُمْ } يعني: الرجوع أطهر وأصلح لكم، قال قتادة: إذا لم يؤذن له فلا يقعد على الباب 38/ب فإن للناس حاجات، وإذا حضر ولم يستأذن وقعد على الباب منتظرا جاز.\rوكان ابن عباس يأتي باب الأنصار لطلب الحديث فيقعد على الباب حتى يخرج، ولا يستأذن، فيخرج الرجل ويقول: يا ابن عم رسول الله لو أخبرتني، فيقول: هكذا أمرنا أن نطلب العلم (1) وإذا وقف فلا ينظر من شق الباب إذا كان الباب مردودا: أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري، عن سهل بن سعد الساعدي أن رجلا اطلع على النبي صلى الله عليه وسلم من ستر الحجرة وفي يد النبي صلى الله عليه وسلم مدرى (2) ، فقال: \"لو علمت أن هذا ينظرني حتى آتيه لطعنت بالمدرى في عينيه، وهل جُعِلَ الاستئذان إلا من أجل البصر\" (3) .\rأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك جناح\" (4) .\rقوله تعالى: { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } من الدخول بالإذن وغير الإذن. ولما نزلت آية الاستئذان قالوا: كيف بالبيوت التي بين مكة والمدينة والشام وعلى ظهر الطريق،\r__________\r(1) أخرجه ابن عبد البر بسنده مطولا في جامع بيان العلم وفضله ص (140).\r(2) تطلق على نوعين: أحدهما: صغير يتخذ من آبنوس أو عاج أو حديد يكون طول المسلة يتخذ لفرق الشعر فقط، وهو مستدير الرأس على هيئة نصل السيف. وثانيهما: كبير وهو عود مخروط من آبنوس أو غيره، وفي رأسه قطعة منحوتة في قدر الكف، ولها مثل الأصابع، أولاهن معوجة مثل حلقة الإبهام المستعمل للتسريح.\r(3) أخرجه البخاري في الديات، باب: من اطلع في بيت قوم ففقأوا عينه فلا دية له: 12 / 243 ومسلم في الآداب باب تحريم النظر في بيت غيره برقم: (2156): 3 / 1698.\r(4) أخرجه البخاري في الديات، باب: من اطلع في بيت قوم ففقأوا عينه فلا دية له: 12 / 243 ومسلم في الآداب باب تحريم النظر في بيت غيره برقم: (2158): 3 / 1699 والمصنف في شرح السنة: 10 / 254 والشافعي: 2 / 101.","part":6,"page":31},{"id":2151,"text":"ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله عز وجل:\r{ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (29) قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) }\r{ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ } (1) ، أي: بغير استئذان، { فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ } يعني منفعة لكم. واختلفوا في هذه البيوت، فقال قتادة: هي الخانات والبيوت والمنازل المبنية للسابلة ليأووا إليها ويؤوا أمتعتهم إليها، جاز دخولها بغير استئذان، والمنفعة فيها بالنزول وإيواء المتاع والاتقاء من الحر والبرد.\rوقال ابن زيد: هي بيوت التجار وحوانيتهم التي بالأسواق يدخلونها للبيع والشراء وهو المنفعة. وقال إبراهيم النخعي: ليس على حوانيت السوق إذن. وكان ابن سيرين إذا جاء إلى حانوت السوق يقول: السلام عليكم أأدخل؟ ثم يلج. وقال عطاء: هي البيوت الخربة، والمتاع هو قضاء الحاجة فيها من البول والغائط. وقيل: هي جمع البيوت التي لا ساكن لها لأن الاستئذان إنما جاء لئلا يطلع على عورة فإن لم يخف ذلك فله الدخول بغير استئذان (2) ، { وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ } قوله عز وجل: { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ } أي: عن النظر إلى ما لا يحل النظر إليه. وقيل: \"مِنْ\" صلة أي: يغضوا أبصارهم. وقيل: هو ثابت لأن المؤمنين غير مأمورين بغض البصر أصلا لأنه لا يجب الغض عما يحل النظر إليه، وإنما أمروا بأن يغضوا عما لا يحل النظر إليه، { وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ } عما لا يحل، قال أبو العالية: كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا والحرام، إلا في هذا الموضع فإنه أراد به الاستتار حتى لا يقع بصر الغير عليه، { ذَلِكَ } أي: غض البصر وحفظ الفرج، { أَزْكَى لَهُمْ } أي: خير لهم وأطهر، { إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } عليم بما يفعلون، روي عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: \"يا علي لا تُتبعِ النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة\" (3) .\r__________\r(1) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص 375 وانظر: القرطبي: 12 / 213.\r(2) ذكره هذه الأقوال الطبري: 18 / 113-116.\r(3) أخرجه أبو داود في النكاح، باب: ما يؤمر به من غض البصر: 3 / 70 والترمذي في الأدب، باب: ما جاء في نظرة المفاجأة: 8 / 61 وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك، والدارمي في الرقاق باب: في حفظ السمع: 2 / 298 وصححه الحاكم: 2 / 194 على شرط مسلم ووافقه الذهبي، والإمام أحمد: 5 / 353 ، 357 وذكره المصنف في شرح السنة: 9 / 23.","part":6,"page":32},{"id":2152,"text":"وروي عن جرير بن عبد الله قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فقال: \"اصرف بصرك\" (1) . أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، حدثنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة، أخبرنا زيد بن الحباب، عن الضحاك بن عثمان قال: أخبرني زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد\" (2) .\r{ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) }\rقوله عز وجل: { وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ } عما لا يحل، { وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنّ } عمن لا يحل. وقيل أيضا: \"يحفظن فروجهن\" يعني: يسترنها حتى لا يراها أحد. وروي عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة إذ أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه، وذلك بعدما أمرنا بالحجاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احتجبا منه، فقلت: يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه\"؟ (3)\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الآداب، باب: نظرة الفجأة برقم: (2159): 3 / 1699 وذكره المصنف في شرح السنة: 9 / 23.\r(2) أخرجه مسلم في الحيض، باب تحريم النظر إلى العورات برقم: (338): 1 / 266 والمصنف في شرح السنة: 9 / 20.\r(3) أخرجه أبو داود في اللباس، باب في قوله تعالى: \"وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن\" 6 / 60-61 والترمذي في الأدب، باب: ما جاء في احتجاب النساء من الرجال: 8 / 61-62 وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". وعزاه المنذري للنسائي، وأخرجه الإمام أحمد: 6 / 296 وذكره المصنف في شرح السنة: 9 / 24.\rوقال أبو داود: \"هذا لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، ألا ترى إلى اعتداد فاطمة بنت قيس عند ابن أم مكتوم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس: \"اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده\"، وانظر: عون المعبود: 11 / 170.","part":6,"page":33},{"id":2153,"text":"قوله تعالى: { وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } أي لا يظهرن زينتهن لغير محرم، وأراد بها الزينة الخفية، وهما زينتان خفية وظاهرة، فالخفية: مثل الخلخال، والخضاب في الرجل، والسوار في المعصم، والقرط والقلائد، فلا يجوز لها إظهارها، ولا للأجنبي النظر إليها، والمراد من الزينة موضع الزينة.\rقوله تعالى: { إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } أراد به الزينة الظاهرة. واختلف أهل العلم في هذه الزينة الظاهرة التي استثناها الله تعالى: قال سعيد بن جبير والضحاك والأوزاعي: هو الوجه والكفان. وقال ابن مسعود: هي الثياب بدليل قوله تعالى: \"خذوا زينتكم عند كل مسجد\"(الأعراف-31 ) ، وأراد بها الثياب. وقال الحسن: الوجه والثياب. وقال ابن عباس: الكحل والخاتم والخضاب في الكف.\rفما كان من الزينة الظاهرة جاز للرجل الأجنبي النظر إليه إذا لم يخف فتنة وشهوة، فإن خاف شيئا منها غض البصر، وإنما رُخص في هذا القدر أن تبديه المرأة من بدنها لأنه ليس بعورة وتؤمر بكشفه في الصلاة، وسائر بدنها عورة يلزمها ستره.\rقوله عز وجل: { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنّ } أي: ليلقين بمقانعهن، { عَلَى جُيُوبِهِنّ } وصدورهن [ليسترن بذلك شعورهن وصدورهن] (1) وأعناقهن وأقراطهن. قالت عائشة 39/أ رحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله عز وجل: { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ } شققن مروطهن فاختمرن بها (2) .\r{ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } يعني: الزينة الخفية التي لم يبح لهن كشفها في الصلاة ولا للأجانب، وهو ما عدا الوجه والكفين { إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ } قال ابن عباس ومقاتل: يعني لا يضعن الجلباب ولا الخمار إلا لبعولتهن، أي إلا لأزواجهن، { أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ } فيجوز لهؤلاء أن ينظروا إلى الزينة الباطنة، ولا ينظرون إلى ما بين السرة والركبة، ويجوز للزوج أن ينظر إلى جميع بدنها غير أنه يكره له النظر إلى فرجها.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) أخرجه البخاري في التفسير، باب: \"وليضربن بخمرهن على جيوبهن\" 8 / 489.","part":6,"page":34},{"id":2154,"text":"قوله تعالى: { أَوْ نِسَائِهِنَّ } أراد أنه يجوز للمرأة أن تنظر إلى بدن المرأة إلا ما بين السرة والركبة كالرجل المحرم، هذا إذا كانت المرأة مسلمة، فإن كانت كافرة فهل يجوز للمسلمة أن تنكشف لها؟ اختلف أهل العلم فيه، فقال بعضهم: يجوز كما يجوز أن تنكشف للمرأة المسلمة لأنها من جملة النساء، وقال بعضهم: لا يجوز لأن الله تعالى قال: \"أو نسائهن\" والكافرة ليست من نسائنا ولأنها أجنبية في الدين، فكانت أبعد من الرجل الأجنبي. كتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح أن يمنع نساء أهل الكتاب أن يدخلن الحمام مع المسلمات (1)\rقوله تعالى: { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ } اختلفوا فيها، فقال قوم: عبد المرأة محرم لها، فيجوز له الدخول عليها إذا كان عفيفا، وأن ينظر إلى بدن مولاته إلا ما بين السرة والركبة، كالمحارم وهو ظاهر القرآن. وروي ذلك عن عائشة وأم سلمة، وروى ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها، وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال: \"إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك\" (2) . وقال قوم: هو كالأجنبي معها، وهو قول سعيد بن المسيب، وقال: المراد من الآية الإماء دون العبيد. وعن ابن جريج أنه قال: أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أنه لا يحل لامرأة مسلمة أن تتجرد بين يدي امرأة مشركة إلا أن تكون تلك المرأة المشركة أمة لها.\rقوله عز وجل: { أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ } قرأ أبو جعفر وابن عامر وأبو بكر \"غير\" بنصب الراء على القطع لأن \"التابعين\" معرفة و \"غير\" نكرة. وقيل: بمعنى \"إلا\" فهو استثناء، معناه: يبدين زينتهن للتابعين إلا ذا الإربة منهم فإنهن لا يبدين زينتهن لمن كان منهم ذا إربة. وقرأ الآخرون بالجر على نعت \"التابعين\" والإربة والأرب: الحاجة. والمراد بـ \"التابعين غير أولي الإربة\" هم الذين يتبعون القوم ليصيبوا من فضل طعامهم لا همة لهم إلا ذلك، ولا حاجة لهم في النساء، وهو قول مجاهد وعكرمة والشعبي. وعن ابن عباس أنه الأحمق العنين. وقال الحسن هو الذي لا ينتشر ولا يستطيع غشيان النساء ولا يشتهيهن. وقال سعيد بن جبير: هو المعتوه، وقال عكرمة: المجبوب. وقيل: هو المخنث. وقال مقاتل: الشيخ الهرم والعنين والخصي والمجبوب ونحوه.\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 18 / 121 وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 183 لسعيد بن منصور والبيهقي وابن المنذر.\r(2) أخرجه أبو داود في اللباس، باب العبد ينظر إلى شعر مولاته: 6 / 59 قال المنذري: \"في إسناده أبو جميع، سالم بن دينار الهجيمي البصري، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة الرازي: مصري لين الحديث، وهو سالم بن أبي راشد\". وأخرجه البيهقي: 7 / 95، وصححه الألباني في الإرواء: 6 / 206.","part":6,"page":35},{"id":2155,"text":"أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أحمد بن الحسين الحيري، أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن معقل بن محمد الميداني، أخبرنا محمد بن يحيى، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: كان رجل يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنَّث وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم يوما وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة فقال: إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"ألا أرى هذا يعلم ما هاهنا لا يدخلنَّ عليكن هذا\" فحجبوه (1) { أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ } أراد بالطفل الأطفال، يكون واحدا وجمعا، أي: لم يكشفوا عن عورات النساء للجماع فيطلعوا عليها. وقيل: لم يعرفوا العورة من غيرها من الصغر، وهو قول مجاهد. وقيل: لم يطيقوا أمر النساء. وقيل: لم يبلغوا حد الشهوة.\r{ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ } كانت المرأة إذا مشت ضربت برجلها ليسمع صوت خلخالها أو يتبين خلخالها، فنهيت عن ذلك.\r{ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا } من التقصير الواقع في أمره ونهيه، وقيل: راجعوا طاعة الله فيما أمركم به ونهاكم عنه من الآداب المذكورة في هذه السورة، { أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } قرأ ابن عامر: \"أيه المؤمنون\" و \"يآيه الساحر\" و \"أيُّه الثقلان\" بضم الهاء فيهن، ويقف بلا ألف على الخط، وقرأ الآخرون بفتح الهاءات على الأصل. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا وهب بن جرير، أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة، عن أبي بردة أنه سمع الأغر يحدث عن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"يا أيها الناس توبوا إلى ربكم، فإني أتوب إلى ربي كل يوم مائة مرة\" (2) .\rأخبرنا أبو الحسن عن عبد الرحمن بن محمد الداودي، أخبرنا محمد بن عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن حزيم الشاشي، أخبرنا أبو محمد عبد بن حميد الكشي، حدثني ابن أبي شيبة، أخبرنا عبد الله بن نمير، عن مالك بن مغول، عن محمد بن سوقة، عن نافع، عن ابن عمر قال: إن كنا لَنَعُدّ، لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس يقول: \"رب اغفر لي، وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم\" مائة مرة (3) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في اللباس، باب إخراج المتشبهين بالنساء عن البيوت، عن أم سلمة: 10 / 333 ومسلم في السلام باب منع المخنث من الدخول على النساء الأجانب، برقم (2181): 4 / 1716 والمصنف في شرح السنة: 12 / 122.\r(2) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والاستغفار، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه، برقم (2072): 4 / 2076 والمصنف في شرح السنة: 5 / 71.\r(3) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب في الاستغفار: 2 / 151 والترمذي في الدعوات، باب ما يقول إذا قام من مجلسه: 9 / 393 وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب. وابن ماجه في الأدب، باب الاستغفار، برقم (3814) والإمام أحمد في المسند: 2 / 21 وصححه ابن حبان برقم (2459) ص (609) من موارد الظمآن، وأخرجه عبد بن حميد في المنتخب ص (251) وابن السني في عمل اليوم والليلة ص (179). وانظر: مجمع الزوائد: 2 / 113 سلسلة الأحاديث الصحيحة: 2 / 89.","part":6,"page":36},{"id":2156,"text":"وجملة الكلام في بيان العورات: أنه لا يجوز للناظر أن ينظر إلى عورة الرجل، وعورته ما بين السرة إلى الركبة، وكذلك المرأة مع المرأة، ولا بأس بالنظر إلى سائر البدن إذا لم يكن خوف فتنة. وقال مالك وابن أبي ذئب: الفخذ ليس بعورة لما روي عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال أجرى نبي الله صلى الله عليه وسلم فرسا في زقاق خيبر وإن ركبتي لتمس 39/ب فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم، ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم (1) .\rوأكثر أهل العلم على أن الفخذ عورة، لما أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن الطيسفوني، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، حدثنا أحمد بن علي الكشميهني، أخبرنا علي بن حجر، أخبرنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن أبي كثير، عن محمد بن جحش، قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على معمر وفخذاه مكشوفتان، قال: \"يا معمر غط فخذيك، فإن الفخذين عورة\" (2) وروي عن ابن عباس وجَرْهَد بن خويلد، كان من أصحاب الصفة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الفخذ عورة\" (3)\rقال محمد بن إسماعيل: \"وحديث أنس أسند، وحديث جَرْهَد أَحْوط\" (4) . أما المرأة مع الرجل فإن كانت أجنبية حرة: فجميع بدنها في حق الأجنبي عورة، ولا يجوز النظر إلى شيء منها إلا الوجه والكفين، وإن كانت أمة: فعورتها مثل عورة الرجل، ما بين السرة\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الصلاة، باب ما يذكر في الفخذ: 1 / 479-480 وفي مواضع أخرى، ومسلم في الجهاد، باب غزوة خيبر، برقم (1365): 4 / 1426-1427. وذكره المصنف في شرح السنة: 9 / 21.\r(2) أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار: 2 / 285 والحاكم في المستدرك: 4 / 180 والإمام أحمد في المسند: 5 / 290. وعلقه البخاري: 1 / 479 وأخرجه المصنف في شرح السنة: 9 / 21.\rقال الحافظ في الفتح: \"وصله أحمد والمصنف في \"التاريخ\" والحاكم في \"المستدرك\"، كلهم من طريق إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبي كثير مولى محمد بن جحش عنه..\". وصححه بشواهده الشيخ الأرناؤوط في تعليقه على شرح السنة: 9 / 21-22.\r(3) أخرجه الترمذي في الاستئذان، باب ما جاء أن الفخذ عورة: 8 / 78-79 وقال: \"هذا حديث حسن، ما أرى إسناده بمتصل\".\rورواه البخاري تعليقا: 1 / 478، وقال الحافظ ابن حجر في \"الفتح\": \"وحديث جرهد موصول عند مالك في الموطأ، والترمذي وحسنه، وابن حبان وصححه. وضعفه المصنف في التاريخ للاضطراب في سنده، وقد ذكرت كثيرا من طرقه في تغريق التعليق\". وانظر: مشكل الآثار: 2 / 285-286، شرح معاني الآثار: 1 / 474.\r(4) في الموضع السابق: 1 / 478.","part":6,"page":37},{"id":2157,"text":"إلى الركبة، وكذلك المحارم بعضهم مع بعض. والمرأة في النظر إلى الرجل الأجنبي كهو معها. ويجوز للرجل أن ينظر إلى جميع بدن امرأته وأمته التي تحل له، وكذلك هي منه إلا نفس الفرج فإنه يكره النظر إليه، وإذا زوج الرجل أمته حرم عليه النظر إلى عورتها كالأمة الأجنبية، وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إذا زوج أحدكم عبده أمته فلا ينظرن إلى ما دون السرة وفوق الركبة\" (1) .\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في اللباس: باب في قوله تعالى: \"وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن\": 6 / 61، والبيهقي في السنن: 3 / 226 و229، و7 / 94، والدارقطني: 1 / 230. وحسنه الألباني في الإرواء: 2 / 207. وذكره المصنف في شرح السنة: 9 / 25.","part":6,"page":38},{"id":2158,"text":"{ وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32) }\rقوله عز وجل: { وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ } \"الأيامى\": جمع أيم، وهو من لا زوج له [من رجل أو امرأة، يقال: رجل أيم وامرأة أيمة، وأيم، ومعنى الآية: زوجوا أيها المؤمنون] (1) من لا زوج له من أحرار رجالكم ونسائكم، { وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُم } وهذا الأمر أمر ندب واستحباب.\rيستحب لمن تاقت نفسه إلى النكاح ووجد أهبة النكاح أن يتزوج، وإن لم يجد أهبة النكاح يكسر شهوته بالصوم، لما أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن الحسين الطوسي، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الإسفرايني، [أخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن مسعود، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أيوب البجلي، أخبرنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان] (2) عن الأعمش عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء\" (3) .\rوقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"تناكحوا تكاثروا فإني أباهي بكم الأمم حتى بالسقط\" (4)\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) أخرجه البخاري في النكاح، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: \"من استطاع الباءة فليتزوج\": 9 / 106، ومسلم في النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه، برقم (1400): 2 / 1018-1019، والمصنف في شرح السنة: 9 / 3.\r(4) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\": 6 / 173 عن سعيد بن أبي هلال مرسلا. قال الحافظ ابن حجر في \"تلخيص الحبير\" (3 / 116): \"أخرجه صاحب \"مسند الفردوس\" من طريق محمد بن الحارث عن محمد بن عبد الرحمن البيلماني عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: .. والمحمدان ضعيفان، وذكر البيهقي عن الشافعي أنه ذكره بلاغا.\rوفي الباب عن أبي أمامة أخرجه البيهقي.. وفيه محمد بن ثابت وهو ضعيف، وعن أنس صححه ابن حبان.. وعن حرملة بن النعمان أخرجه الدارقطني في \"المؤتلف والمختلف\" وابن قانع في \"الصحابة\"، وفي مسند ابن مسعود من \"علل الدارقطني\" نحوه، وعن عياض بن غنم أخرجه الحاكم، وإسناده ضعيف.. وذكر ألفاظهم. وانظر: كشف الخفاء: 1 / 380.","part":6,"page":38},{"id":2159,"text":"وقال صلى الله عليه وسلم: \"من أحب فطرتي فليستن بسنتي، ومن سنتي النكاح\" (1) . أما من لا تتوق نفسه إلى النكاح وهو قادر عليه فالتخلي للعبادة له أفضل من النكاح [عند الشافعي رحمه الله، وعند أصحاب الرأي النكاح أفضل] (2) .\rقال الشافعي: وقد ذكر الله تعالى عبدا كرمه فقال: \"وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين\"(آل عمران-39 ) ، والحصور الذي لا يأتي النساء مع القدرة عليه، وذكر القواعد من النساء ولم يندبهن إلى النكاح. وفي الآية دليل على أن تزويج النساء الأيامى إلى الأولياء؛ لأن الله تعالى خاطبهم به، كما أن تزويج العبيد والإماء إلى السادات، لقوله عز وجل: { وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُم } وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، روي ذلك عن عمر، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة، وعائشة، وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن، وشريح، وإبراهيم النخعي، وعمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب الثوري، والأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، والشافعي، واحمد وإسحاق. وجوز أصحاب الرأي للمرأة الحرة تزويج نفسها.\rوقال مالك: إن كانت المرأة دنيئة يجوز لها تزويج نفسها، وإن كانت شريفة فلا. والدليل على أن الولي شرط من جهة الأخبار: ما أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا محمد بن الحسن بن أحمد المخلدي، أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، أخبرنا قتيبة بن سعيد، أخبرنا أبو عوانة عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"لا نكاح إلا بولي\" (3)\r__________\r(1) أخرجه عبد الرزاق: 6 / 169، وسعيد بن منصور: 1 / 138 عن عبيد بن سعد مرفوعا، والبيهقي عن أبي هريرة: 7 / 78. قال الهيثمي في المجمع (4 / 252): \"رواه أبو يعلى ورجاله ثقات إن كان عبيد بن سعد صحابيا وإلا فهو مرسل\". وانظر: \"المطالب العالية\" لابن حجر: 2 / 36، \"الكامل\" لابن عدي: 7 / 2549.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) أخرجه أبو داود في النكاح، باب في الولي: 3 / 29، والترمذي في النكاح، باب ما جاء: لا نكاح إلا بولي: 4 / 226-227، وابن ماجه في النكاح برقم (1881): 1 / 605، وصححه الحاكم: 2 / 169، وابن حبان برقم (1243) ص (304)، وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 4 / 394.\rقال الترمذي (4 / 229-234): \"وحديث أبي موسى حديث فيه اختلاف.. وساق الاختلاف في إسناده ثم قال: ورواية هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم: \"لا نكاح إلا بولي\" عندي أصح؛ لأن سماعهم من أبي إسحاق في أوقات مختلفة، وإن كان شعبة والثوري أحفظ وأثبت من جميع هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق هذا الحديث..\" ثم قال: \"والعمل في هذا الباب على حديث النبي صلى الله عليه وسلم: \"لا نكاح إلا بولي\" عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منهم عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وأبو هريرة وغيرهم.\rوهكذا روي عن بعض فقهاء التابعين أنهم قالوا: لا نكاح إلا بولي. منهم سعيد بن المسيب والحسن البصري، وشريح وإبراهيم النخعي، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم. وبهذا يقول سفيان الثوري والأوزاعي ومالك وعبد الله بن مبارك والشافعي وأحمد وإسحاق. وانظر: نصب الراية للزيلعي: 3 / 182-184.","part":6,"page":39},{"id":2160,"text":"أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن ابن شهاب، عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل، ثلاثا، فإن أصابها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له\" (1)\rقوله عز وجل: { إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } قيل: الغنى هاهنا: القناعة. وقيل: اجتماع الرزقين، رزق الزوج ورزق الزوجة. وقال عمر: عجبت لمن ابتغى الغنى بغير النكاح، والله عز وجل يقول: { إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِه } [وروي عن بعضهم: أن الله تعالى وعد الغني بالنكاح وبالتفرق فقال تعالى: { إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِه } ] (2) ، ، وقال تعالى: \"وإن يتفرقا يغني الله كلا من سعته\"(النساء-130 ) .\r{ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33) }\r{ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا } أي: ليطلب العفة عن الحرام والزنا الذين لا يجدون ما لا ينكحون به للصداق والنفقة، { حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } أي: يوسع عليهم من رزقه.\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في النكاح، باب في الولي: 3 / 26-27، والترمذي في النكاح: 4 / 227-229، وقال: \"هذا حديث حسن، وقد روى يحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن أيوب، وسفيان الثوري، وغير واحد من الحفاظ عن ابن جريج نحو هذا\". وأخرجه ابن ماجه في النكاح برقم (1879): 1 / 605، وصححه الحاكم: 2 / 168 على شرط الشيخين، وابن حبان برقم (1248)، ص (305) من موارد الظمآن، والبيهقي: 7 / 105، 107، والمصنف في شرح السنة: 9 / 39.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":6,"page":40},{"id":2161,"text":"قوله تعالى: { وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ } أي: يطلبون المكاتبة، { مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ } سبب نزول هذه الآية ما روي أن غلاما لحويطب بن عبد العزى سأل مولاه أن يكاتبه فأبى عليه، فأنزل الله هذه الآية فكاتبه حويطب على مائة دينار، ووهب له منها عشرين دينارا فأداها، وقتل يوم حنين في الحرب (1)\rوالكتابة أن يقول الرجل لمملوكه: كاتبتك على كذا من المال، ويسمي مالا معلوما، يؤدي ذلك في نجمين أو نجوم معلومة في كل نجم كذا، فإذا أديت فأنت حر، والعبد يقبل ذلك، فإذا أدى المال عتق، ويصير العبد 40/أ أحق بمكاسبه بعد الكتابة، وإذا أعتق بعد أداء المال فما فضل في يده من المال، يكون له، ويتبعه أولاده الذين حصلوا في حال الكتابة في العتق، وإذا عجز عن أداء المال كان لمولاه أن يفسخ كتابته ويرده إلى الرق، وما في يده من المال يكون لمولاه، لما أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك عن نافع، أخبرنا عبد الله بن عمر كان يقول: \"المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته [شيء\" (2) . ورواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا: \"المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته] (3) درهم\" (4) .\rوذهب بعض أهل العلم إلى أن قوله تعالى: { فَكَاتِبُوهُم } أمر إيجاب، يجب على المولى أن يكاتب عبده الذي علم فيه خيرا إذا سأل العبد ذلك، على قيمته أو أكثر، وإن سأل على أقل من قيمته فلا يجب، وهو قول عطاء وعمرو بن دينار، ولما روي أن سيرين سأل أنس بن مالك أن يكاتبه فتلكأ عنه فشكا إلى عمر، فعلاه بالدرة وأمره بالكتابة فكاتبه (5) . وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه أمر ندب واستحباب. ولا تجوز الكتابة على أقل من نجمين عند الشافعي؛ لأنه عقد جوز إرفاقا بالعبد، ومن تتمة الإرفاق أن يكون ذلك المال عليه إلى أجل حتى يؤديه على مهل، فيحصل المقصود، كالدية في قتل\r__________\r(1) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (375)، الدر المنثور: 6 / 189، تفسير القرطبي: 12 / 184.\r(2) أخرجه مالك في الموطأ موقوفا على ابن عمر، كتاب المكاتب، باب القضاء في المكاتب: 2 / 787، والمصنف في شرح السنة: 9 / 373.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(4) أخرجه أبو داود في العتاق، باب في المكاتب يؤدي بعض كتابته..: 5 / 383. قال المنذري: وفيه إسماعيل بن عياش وهو ضعيف، وأخرجه المصنف في شرح السنة: 9 / 372-373.\r(5) أخرجه الطبري: 18 / 126، وعبد الرزاق في \"المصنف\": 8 / 372، وبمعناه عن قتادة عند البيهقي: 10 / 319، وعلقه البخاري: 5 / 184. وانظر: فتح الباري: 5 / 186-187.","part":6,"page":41},{"id":2162,"text":"الخطأ، وجبت على العاقلة على سبيل المواساة فكانت عليهم مؤجلة منجمة، وجوَّز أبو حنيفة الكتابة على نجم واحد وحالة (1) .\rقوله تعالى: { إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } اختلفوا في معنى الخير، فقال ابن عمر: قوة على الكسب. وهو قول مالك والثوري، وقال الحسن ومجاهد والضحاك: مالا كقوله تعالى: \"إن ترك خيرا\" (لبقرة-180 ) أي: مالا وروي أن عبدا لسلمان الفارسي قال له كاتبني، قال: ألك مال؟ قال: لا. قال: تريد أن تطعمني من أوساخ الناس، ولم يكاتبه (2) . قال الزجاج: لو أراد به المال لقال: إن علمتم لهم خيرا. وقال إبراهيم وابن زيد وعبيدة: صدقا وأمانة (3) وقال طاوس، وعمرو بن دينار: مالا وأمانة (4) وقال الشافعي: وأظهر معاني الخير في العبد: الاكتساب مع الأمانة، فأحب أن لا يمنع من كتابته إذا كان هكذا.\rأخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، أخبرنا أبو الحسن بن علي بن شريك الشافعي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم، أخبرنا أبو بكر الجوربذي، أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب أخبرني الليث عن محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"ثلاثة حق على الله عونهم: المكاتب الذي يريد الأداء، والناكح يريد العفاف، والمجاهد في سبيل الله\" (5) . وحكى محمد بن سيرين عن عبيدة: \"إن علمتم فيهم خيرا\" أي: أقاموا الصلاة (6) . وقيل: هو أن يكون العبد بالغا عاقلا فأما الصبي والمجنون فلا تصح كتابتهما لأن الابتغاء منهما لا يصح. وجوز أبو حنيفة كتابة الصبي المراهق.\rقوله عز وجل: { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } اختلفوا فيه، فقال بعضهم: هذا خطاب للموالي، يجب على المولى أن يحط عن مكاتبه من مال كتابته شيئا، وهو قول عثمان وعلي والزبير وجماعة، وبه قال الشافعي.\r__________\r(1) في \"أ\": فعلله.\r(2) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\": 8 / 374، والبيهقي: 10 / 320.\r(3) أخرجه عبد الرزاق: 8 / 370، 371، والبيهقي: 10 / 318.\r(4) انظر: مصنف عبد الرزاق: 8 / 370، والبيهقي: 10 / 318.\r(5) أخرجه الترمذي في فضائل الجهاد، باب ما جاء في المجاهد والمكاتب والناكح..: 5 / 296، وقال: \"هذا حديث حسن\"، والنسائي في النكاح، باب معونة الله الناكح الذي يريد العفاف: 6 / 61، وابن ماجه في العتق، باب المكاتب: 2 / 841-842، وصححه الحاكم: 2 / 160، وأخرجه المصنف في شرح السنة: 9 / 7.\r(6) أخرجه عنه عبد الرزاق في المصنف: 8 / 371.","part":6,"page":42},{"id":2163,"text":"ثم اختلفوا في قدره، فقال قوم: يحط عنه ربع مال الكتابة، وهو قول علي، ورواه بعضهم عن علي مرفوعا (1) ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يحط عنه الثلث. وقال الآخرون: ليس له حد بل عليه أن يحط عنه ما شاء (2) وهو قول الشافعي.\rقال نافع: كاتب عبد الله بن عمر غلاما له على خمسة وثلاثين ألف درهم فوضع عنه من آخر كتابته خمسة آلاف درهم (3) . وقال سعيد بن جبير: كان ابن عمر إذا كاتب مكاتبه لم يضع عنه شيئا من أول نجومه مخافة أن يعجز فترجع إليه صدقته، ووضع من آخر كتابته ما أحب (4) . وقال بعضهم: هو أمر استحباب. والوجوب أظهر. وقال قوم: أراد بقوله: \"وآتوهم من مال الله\" أي سهمهم الذي جعله الله لهم من الصدقات المفروضات، بقوله تعالى: \"وفي الرقاب\"(التوبة-60) وهو قول الحسن وزيد بن أسلم (5) . وقال إبراهيم: هو حث لجميع الناس على معونتهم (6)\rولو مات المكاتب قبل أداء النجوم، اختلف أهل العلم فيه: فذهب كثير منهم إلى أنه يموت رقيقا، وترتفع الكتابةُ سواء ترك مالا أو لم يترك، كما لو تلف المبيع قبل القبض يرتفع البيع. وهو قول عمر، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وبه قال عمر بن عبد العزيز، والزهري، وقتادة، وإليه ذهب الشافعي وأحمد. وقال قوم: إن ترك وفاءً بما بقي عليه من الكتابة كان حرًا وإن كان فيه فضل، فالزيادة لأولاده الأحرار، وهو قول عطاء، وطاوس، والنخعي، والحسن، وبه قال مالك، والثوري، وأصحاب الرأي. ولو كاتب عبده كتابة فاسدة يعتق بأداء المال لأن عتقه معلق بالأداء، وقد وجد وتبعه الأولاد والاكتساب كما في الكتابة الصحيحة، ويفترقان في بعض الأحكام: وهي أن الكتابة الصحيحة لا يملك المولى فسخها ما لم يعجز المكاتب عن أداء النجوم، [ولا تبطل بموت المولى، ويعتق بالإبراء\r__________\r(1) أخرجه عبد الرزاق عن علي مرفوعا: 7 / 375، والبيهقي: 10 / 329، وأخرجه البيهقي من طريق آخر موقوفا وقال: هذا هو الصحيح موقوف، وكذلك عبد الرزاق: 7 / 376، والطبري: 18 / 131.\r(2) انظر: الطبري: 18 / 131، المصنف لعبد الرزاق: 8 / 377.\r(3) أخرجه الطبري: 18 / 131.\r(4) أخرجه الطبري: 18 / 131، وعبد الرزاق: 8 / 377، والبيهقي: 3 / 330.\r(5) أخرجه الطبري: 18 / 131-132 ورجح الطبري هذا القول وهو قول من قال: عني به إيتاءهم سهمهم من الصدقة المفروضة. انظر بالتفصيل: 18 / 132.\r(6) أخرجه عبد الرزاق عن إبراهيم: 8 / 376-377.","part":6,"page":43},{"id":2164,"text":"عن النجومُ] (1) والكتابة الفاسدة يملك المولى فسخها قبل أداء المال، [حتى لو أدى المال] (2) بعد الفسخ لا يعتق ويبطل بموت المولى، ولا يعتق بالإبراء عن النجوم، وإذا عتق المكاتب بأداء المال لا يثبت التراجع في الكتابة الصحيحة، ويثبت في الكتابة الفاسدة، فيرجع المولى عليه بقيمة رقبته، وهو يرجع على المولى بما دفع إليه إن كان مالا.\rقوله عز وجل: { وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا } الآيةُ نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، كانت له جاريتان: معاذة ومسيكة، وكان يكرههما على الزنا بالضريبة يأخذها منهما، وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية، يؤجرون إماءهم، فلما جاء الإسلام 40/ب قالت معاذة لمسيكة: إن هذا الأمر الذي نحن فيه لا يخلو من وجهين، فإن يك خيرا فقد استكثرنا منه، وإن يك شرا فقد آن لنا أن ندعه، فأنزل الله هذه الآية (3) . وروي أنه جاءت إحدى الجاريتين يوما ببرد وجاءت الأخرى بدينار، فقال لهما: ارجعا فازنيا، قالتا: والله لا نفعل، قد جاء الإسلام وحرم الزنا، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكتا إليه، فأنزل هذه الآية (4)\r{ وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ } إماءكم { عَلَى الْبِغَاءِ } أي: الزنا { إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا } أي: إذا أردن، وليس معناه الشرط، لأنه لا يجوز إكراههن على الزنا وإن لم يردن تحصنا، كقوله تعالى: \"وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين\"( آل عمران-139 ) ، [أي: إذا كنتم مؤمنين] (5) وقيل: شرط إرادة التحصن لأن الإكراه إنما يكون عند إرادة التحصن، فإذا لم ترد التحصن بغت طوعا، والتحصن: التعفف. وقال الحسن بن الفضل: في الآية تقديم وتأخير تقديرها: وأنكحوا الأيامى منكم إن أردن تحصنا ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء.\r{ لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } أي: لتطلبوا من أموال الدنيا، يريد من كسبهن وبيع أولادهن، { وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ } يعني للمكرهات، والوزر على المكره. وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: لهن والله لهن والله.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) عزاه الواحدي في أسباب النزول ص (377) للمفسرين، وساق روايات أن الآية نزلت في عبد الله بن أبي كان يقول لجارية له: اذهبي فابغينا شيئا.. وهو في صحيح مسلم.\r(4) قاله مقاتل: انظر: أسباب النزول للواحدي ص 377-378.\r(5) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":6,"page":44},{"id":2165,"text":"{ وَلَقَدْ أَنزلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (34) اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35) }\rقوله عز وجل: { وَلَقَدْ أَنزلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ } من الحلال والحرام، { وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ } أي: شبها من حالكم بحالهم أيها المكذبون، وهذا تخويف لهم أن يلحقهم ما لحق من قبلهم من المكذبين، { وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ } للمؤمنين الذين يتقون الشرك والكبائر. قوله عز وجل: { اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ } قال ابن عباس: هادي أهل السماوات والأرض، فهم بنوره إلى الحق يهتدون وبهداه من الضلالة ينجون. وقال الضحاك: منوّر السموات والأرض، يقال: نور السماء بالملائكة ونور الأرض بالأنبياء. وقال مجاهد: مدبر الأمور في السموات والأرض (1) وقال أبي بن كعب والحسن وأبو العالية: مزِّين السموات والأرض، زين السماء بالشمس والقمر والنجوم، وزين الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين. ويقال: بالنبات والأشجار. وقيل: معناه الأنوار كلها منه، كما يقال: فلان رحمة أي منه الرحمة. وقد يذكر مثل هذا اللفظ على طريق المدح كما قال القائل: إذا سار عبد الله من مرو ليلة ... فقد سار منها نورها وجمالها\rقوله تعالى: { مَثَلُ نُورِهِ } أي: مثل نور الله تعالى في قلب المؤمن، وهو النور الذي يهتدي به، كما قال \"فهو على نور من ربه\" (الزمر-22 ) ، وكان ابن مسعود يقرأ: \"مثل نوره في قلب المؤمن\". وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: مثل نوره الذي أعطى المؤمن. وقال بعضهم: الكناية عائدة إلى المؤمن، أي: مثل نور قلب المؤمن، وكان أبي يقرأ: \"مثل نور من آمن به\" وهو عبد جُعل الإيمان والقرآن، في صدره. وقال الحسن وزيد بن أسلم: أراد بالنور القرآن. وقال سعيد بن جبير والضحاك: هو محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: أراد بالنور الطاعة، سمي طاعة الله نورا وأضاف هذه الأنوار إلى نفسه تفضيلا\r__________\r(1) ذكر هذه الأقوال الثلاثة الطبري: 18 / 135 ورجح القول الأول الذي قال به ابن عباس رضي الله عنهما.","part":6,"page":45},{"id":2166,"text":"{ كَمِشْكَاةٍ } وهي الكوة التي لا منفذ لها فإن كان لها منفذ فهي كوة. وقيل: المشكاة حبشية. قال مجاهد: هي القنديل (1) { فِيهَا مِصْبَاحٌ } أي: سراج، أصله من الضوء، ومنه الصبح، ومعناه: كمصباح في مشكاة، { الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ } يعني القنديل، قال الزجاج: إنما ذكر الزجاجة لأن النور وضوء النار فيها أبين من كل شيء، وضوءه يزيد في الزجاج، ثم وصف الزجاجة، فقال: { الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ } قرأ أبو عمر والكسائي: \"درىء\" بكسر الدال والهمزة، وقرأ حمزة وأبو بكر بضم الدال والهمزة، فمن كسر الدال فهو فعيل من الدرء، وهو الدفع، لأن الكوكب يدفع الشياطين من السماء، وشبهه بحالة الدفع لأنه يكون في تلك الحالة أضْوَأَ وأنورَ ويُقال: هو من درأ الكوكب إذا اندفع منقبضًا فيتضاعف ضوءه في ذلك الوقت. وقيل: \"دُري\" أي: طالع، يقال: درأ النجم إذا طلع وارتفع. ويقال: درأ علينا فلان أي طلع وظهر، فأما رفع الدال مع الهمزة كما قرأ حمزة، قال أكثر النحاة: هو لحن، لأنه ليس في كلام العرب فعيل بضم الفاء وكسر العين.\rقال أبو عبيدة: وأنا أرى لها وجهًا وذلك أنها دروء على وزن فعول من درات، مثل سبوح وقدوس، وقد استثقلوا كثرة الضمات فردوا بعضها إلى الكسر، كما قالوا: عتيًا وهو فعول من عتوت، وقرأ الآخرون { دُرِّيُّ } بضم الدال وتشديد الياء بلا همز، أي: شديد الإنارة، نُسِبَ إلى الدُّرِ في صفائه وحسنه، وإن كان الكوكب أكثر ضوءًا من الدر لكنه يَفْضُل الكواكبَ بضيائه، كما يفضل الدرّ، سائرَ الحب. وقيل: الكوكب الدري واحد من الكواكب الخمسة العظام، وهي زُحَل والمريخ، والمشترى، والزهرة، وعطارد. وقيل: شبهه بالكوكب، ولم يشبهه بالشمس والقمر، لأن الشمس والقمر يلحقهما الخسوف والكواكب لا يلحقها الخسوف.\r{ يُوقَد } قرأ أبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: \"تَوَقَّدَ\" بالتاء وفتحها وفتح الواو والدال وتشديد القاف على الماضي، يعني المصباح، أي: اتقد، يقال توقدت النار أي: اتقدت. وقرأ\r__________\r(1) قال الطبري: (18 / 140): \"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: ذلك مثل ضربه الله للقرآن في قلب أهل الإيمان به، فقال: مثل نور الله الذي أنار به لعباده سبيل الرشاد الذي أنزله إليهم فآمنوا به وصدَّقوا بما فيه في قلوب المؤمنين، مثل مشكاةٍ، وهي عمود القنديل الذي فيه الفتيلة، وذلك هو نظير الكوة التي في الحيطان التي لا منفذ لها، وذلك مثل القرآن، يقول: القرآن الذي في قلب المؤمن الذي أنار الله قلبه في صدره، ثم مثل الصدر في خلوصه من الكفر بالله والشك فيه، واستنارته بنور القرآن، واستضاءته بآيات ربه المبينات، ومواعظه فيها - بالكوكب الدري فقال: الزجاجة، ذلك صدر المؤمن الذي فيه قلبه كأنها كوكب دري\".","part":6,"page":46},{"id":2167,"text":"أهل الكوفة غير حفص \"تُوْقَد\" بالتاء وضمها وفتح القاف خفيفا، يعني الزجاجة أي: نار الزجاجة لأن الزجاجة لا توقد، وقرأ الآخرون بالياء وضمها خفيفًا يعني المصباح، { مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ } أي: من زيت شجرة مباركة، فحذف المضاف بدليل قوله تعالى { يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ } وأراد بالشجرة المباركة: الزيتونة 41/أ وهي كثيرة البركة، وفيها منافع كثيرة، لأن الزيت يسرج به، وهو أضوأ وأصفى الأدهان، وهو إدام وفاكهة، ولا يحتاج في استخراجه إلى إعصار بل كل أحد يستخرجه، وجاء في الحديث: \"أنه مصحة من الباسور\" (1) ، وهي شجرة تورق من أعلاها إلى أسفلها.\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو الحسن القاسم بن بكر الطيالسي، أخبرنا أبو أمية الطرسوسي، أخبرنا قبيصة بن عقبة، أخبرنا سفيان الثوري، عن عبد الله بن عيسى، عن عطاء الذي كان بالشام، وليس بابن أبي رباح، عن أسد بن ثابت وأبي أسلم الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة\" (2) .\rقوله تعالى: { لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ } أي: ليست شرقية وحدها حتى لا تصيبها الشمس إذا غربت، ولا غربية وحدها فلا تصيبها الشمس بالغداة إذا طلعت، بل هي ضاحية الشمس طول النهار، تصيبها الشمس عند طلوعها وعند غروبها، فتكون شرقية وغربية تأخذ حظها من الأمرين، فيكون زيتها أضوأ، وهذا كما يقال: فلان ليس بأسود ولا بأبيض، يريد ليس بأسود خالص ولا بأبيض خالص، بل اجتمع فيه كل واحد منهما، وهذا الرمان ليس بحلو ولا حامض، أي اجتمعت فيه الحلاوة والحموضة، هذا قول ابن عباس في رواية عكرمة والكلبي، والأكثرين. وقال السديّ وجماعة: معناه أنها ليست في مقناة لا تصيبها الشمس ولا في مضحاة لا يصيبها الظل، فهي لا تضرها شمس ولا ظل.\r__________\r(1) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير: 17 / 281، وابن أبي حاتم في العلل: 2 / 279 وقال: \"قال أبي: هذا كذب\" وذكره الذهبي في الميزان: (3 / 40) في ترجمة عثمان بن صالح وهو علة هذا الحديث؛ لينَّة أحمد بن صالح. قال الهيثمي في \"المجمع\": (6 / 100): \"رواه الطبراني، وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح، ولكن ذكر الذهبي هذا الحديث في ترجمة عثمان عن أبي صالح ونقل عن أبي حاتم أنه كذاب\". وزاد ابن حجر نسبته لأبي نعيم في الطب، والثعلبي، انظر: الكافي الشاف ص (119)، سلسلة الأحاديث الضعيفة: 1 / 228.\r(2) أخرجه الترمذي في الأطعمة، باب ما جاء في أكل الزيت: 5 / 585-586 وقال: \"هذا حديث غريب من هذا الوجه، إنما نعرفه من حديث عبد الله بن عيسى\" وصححه الحاكم: 2 / 398، وأخرجه الدارمي في السنن: 2 / 28، والإمام أحمد في المسند: 3 / 497، والمصنف في شرح السنة: 11 / 311.\rقال الألباني: \"روي من حديث عمر، وأبي أسيد، وأبي هريرة، وعبد الله بن عباس.. وساق طرقه إليهم ثم قال: وجملة القول أن الحديث بمجموع طريقي عمر وطريق أبي سعيد يرتقي إلى درجة الحسن لغيره على أقل الأحوال. والله أعلم\". انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة: 1 / 354-357.","part":6,"page":47},{"id":2168,"text":"وقيل: معناه أنها معتدلة ليست في شرق يضرها الحر، ولا في غرب يضرها البرد. وقيل: معناه هي شامية لأن الشام لا شرقي ولا غربي. وقال الحسن: ليست هذه من أشجار الدنيا ولو كانت في الدنيا لكانت شرقية أو غربية وإنما هو مثل ضربه الله لنوره (1) .\r{ يَكَادُ زَيْتُهَا } دهنها، { يُضِيءُ } من صفائهُ { وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ } أي: قبل أن تصيبه النار، { نُورٌ عَلَى نُورٍ } يعني نور المصباح على نور الزجاجة. واختلف أهل العلم في معنى هذا التمثيل، فقال بعضهم: وقع هذا التمثيل لنور محمد صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس لكعب الأحبار: أخبرني عن قوله تعالى: { مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ } فقال كعب: هذا مثل ضربه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، فالمشكاة صدره، والزجاجة قلبه، والمصباح فيه النبوة، توقد من شجرة مباركة هي شجرة النبوة، يكاد نور محمد وأمره يتبين للناس ولو لم يتكلم أنه نبي كما يكاد ذلك الزيت يضيء ولو لم تمسسه نار (2) . وروى سالم عن ابن عمر في هذه الآية قال: المشكاة: جوف محمد، والزجاجة: قلبه، والمصباح: النور الذي جعله الله فيه، لا شرقية ولا غربية: ولا يهودي ولا نصراني، توقد من شجرة مباركة: إبراهيم، نور على نور، قلب إبراهيم، ونور: قلب محمد صلى الله عليه وسلم (3) .\rوقال محمد بن كعب القرظي: \"المشكاة\" إبراهيم، و\"الزجاجة\": إسماعيل و\"المصباح\": محمد صلوات الله عليهم أجمعين سماه الله مصباحًا كما سماه سراجًا فقال تعالى: \"وسراجًا منيرًا\" ( الأحزاب-46 ) ، \"توقد من شجرة مباركة\" وهي إبراهيم، سماه مباركة لأن أكثر الأنبياء من صلبه، \"لا شرقية ولا غربية\" يعني: إبراهيم لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا ولكن كان حنيفًا مسلمًا لأن اليهود تصلي قِبَلَ المغرب والنصارى تصلي قِبَلَ المشرق يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، تكاد محاسن محمد صلى الله عليه وسلم تظهر للناس قبل أن يوحى إليه \"نور على نور\": نبي من نسل نبي، نور محمد على نور إبراهيم.\rوقال بعضهم: وقع هذا التمثيل لنور قلب المؤمن. روى أبو العالية عن أُبَيّ بن كعب قال: هذا مثل المؤمن، فالمشكاة نفسه والزجاجة صدره، والمصباح ما جعل الله فيه من الإيمان، والقرآن\r__________\r(1) ذكر الطبري هذه الأقوال، ثم قال: \"وأولى هذه الأقوال بتأويل ذلك، قول من قال: إنها شرقية غربية. وقال: ومعنى الكلام: ليست شرقية تطلع عليها الشمس بالعشي دون الغداة، ولكن الشمس تشرق عليها وتغرب، فهي شرقية غربية. وإنما قلنا ذلك أولى بمعنى الكلام؛ لأن الله إنما وصف الزيت يوقد على هذا المصباح بالصفاء والجودة، فإذا كان شجره شرقيا غربيا، كان زيته لا شك أجود وأصفى وأضوأ\". تفسير الطبري: 18 / 142-143.\r(2) عزاه السيوطي في \"الدر\": (6 / 198) لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وابن مردويه.\r(3) عزاه السيوطي في \"الدر\": (6 / 198) للطبراني وابن عدي وابن مردويه وابن عساكر.","part":6,"page":48},{"id":2169,"text":"في قلبه يوقد من شجرة مباركة وهي الإخلاص لله وحده، فمثله كمثل الشجرة التي التف بها الشجر خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس لا إذا طلعت ولا إذا غربت فكذلك المؤمن، قد احترس من أن يصيبه شيء من الفتن فهو بين أربع خلال إن أعطي شكر وإن ابتلي صبر، وإن حكم عدل، وإن قال صدق، يكاد زيتها يضيء أي: يكاد قلب المؤمن يعرف الحق قبل أن يتبين له لموافقته إياه نور على نور. قال أبي فهو يتقلب في خمسة أنوار: قوله نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة (1)\rقال ابن عباس: هذا مثل نور الله وهداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإذا مسته النار ازداد ضوءًا على ضوئه، كذلك يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد هدًى على هدًى ونورًا على نور (2) قال الكلبي: قوله { نُورٌ عَلَى نُورٍ } يعني: إيمان المؤمن وعمله. وقال السدي: نور الإيمان ونور القرآن. وقال الحسن وابن زيد (3) هذا مثل القرآن، فالمصباح هو القرآن فكما يُستضاء بالمصباح يُهتدى بالقرآن، والزجاجة قلب المؤمن والمشكاة فمه ولسانه والشجرة المباركة شجرة الوحي، \"يكاد زيتها يضيء\" تكاد حجة القرآن تتضح وإن لم يقرأ، نور على نور: يعني القرآن نور من الله عز وجل لخلقه مع ما أقام لهم من الدلائل والأعلام قبل نزول القرآن، فازداد بذلك نورًا على نور (4)\rقوله عز وجل: { يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: لدين الإسلام، وهو نور البصيرة، وقيل: القرآن { وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ } يبين الله الأشياء للناس تقريبًا للأفهام وتسهيلا لسبل الإدراك، { وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }\r{ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (36) }\rقوله: { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ } أي: ذلك المصباح في بيوت. وقيل: يوقد في بيوت، والبيوت: هي المساجد، قال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: \"المساجد بيوت الله في الأرض، وهي تضيء 41/ب لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض\".\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 18 / 138، وانظر: الدر المنثور: 6 / 197.\r(2) الطبري نفسه، الدر المنثور: 6 / 197.\r(3) الطبري: 18 / 137.\r(4) انظر ما سبق نقله عن الطبري في ترجيح أن ذلك مثل ضربه الله تعالى للقرآن في قلب أهل الإيمان به: ص (46).","part":6,"page":49},{"id":2170,"text":"وروى صالح بن حيان عن ابن بريدة في قوله تعالى\" \"في بيوت أذن الله\"، قال: إنما هي أربعة مساجد لم يبنها إلا نبي: الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل فجعلاها قبلة، وبيت المقدس بناه داود وسليمان، ومسجد المدينة بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومسجد قباء أسس على التقوى بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم (1)\rقوله: { أَنْ تُرْفَعَ } قال مجاهد: أن تبنى، نظيره قوله تعالى: \"وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت\" (لبقرة-127 ) ، قال الحسن: أي تعظم أي لا يذكر فيه الخنَا مِنَ القول. { وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يتلى فيها كتابه، { يُسَبِّح } قرأ ابن عامر وأبو بكر \"يُسَبَّح\" بفتح الباء على غير تسمية الفاعل، والوقف على هذه القراءة عند قوله\" \"والآصال\"، وقرأ الآخرون بكسر الباء، جعلوا التسبيح فعلا للرجال، { يُسَبِّحُ لَهُ } أي: يصلي، { لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ } أي بالغداة والعشي. قال أهل التفسير: أراد به الصلوات المفروضات. فالتي تؤدى بالغداة صلاة الصبح، والتي تؤدى بالآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين لأن اسم الأصيل يجمعهما. وقيل: أراد به صلاة الصبح والعصر.\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو بكر أحمد ابن الحسين الحيري، أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد بن معقل الميداني، حدثنا محمد بن يحيى، أخبرنا عبد الله بن رجاء، أخبرنا همام بن أبي حمزة، أن أبا بكر بن عبد الله بن قيس حدثه عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"من صلى البردين دخل الجنة\" (2) . وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: التسبيح بالغدو صلاة الضحى (3) أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن السمعان، أخبرنا أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا الهيثم بن حميد، أخبرني يحيى بن الحارث، عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"من مشى إلى صلاة مكتوبة وهو متطهر فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن مشى إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إيّاه فأجْرُه كأجر المعتمر، وصلاة على أثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين\" (4)\r__________\r(1) انظر: الدر المنثور: 6 / 203.\r(2) أخرجه البخاري في المواقيت، باب فضل صلاة الفجر: 2 / 52، ومسلم في المساجد، باب فضل صلاتي الصبح والعصر، برقم (635): 1 / 440، والمصنف في شرح السنة: 2 / 227.\r(3) عزاه السيوطي في \"الدر\": (6 / 206) لابن أبي شيبة والبيهقي في شعب الإيمان.\r(4) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب ما جاء في فضل المشي إلى الصلاة: 1 / 294. قال المنذري: \"القاسم بن عبد الرحمن فيه مقال\". والإمام أحمد: 5 / 268، والبيهقي في السنن: 3 / 49، والطبراني في الكبير: 8 / 150، 207، والمصنف في شرح السنة: 2 / 357، وانظر: نصب الراية: 3 / 151.","part":6,"page":50},{"id":2171,"text":"{ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38) }\r{ رِجَالٌ } قيل: خص الرجال بالذكر في هذه المساجد لأنه ليس على النساء جمعة ولا جماعة في المسجد، { لا تُلْهِيهِمْ } لا تشغلهم، { تِجَارَة } قيل خص التجارة بالذكر لأنها أعظم ما يشتغل به الإنسان عن الصلاة والطاعات، وأراد بالتجارة الشراء وإن كان اسم التجارة يقع على البيع والشراء جميعًا لأنه ذكر البيع بعد هذا، كقوله: \"وإذا رأوا تجارة\" ( الجمعة-11 ) يعني: الشراء، وقال الفراء: التجارة لأهل الجلب والبيع ما باعه الرجل على يديه. قوله: { وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ } عن حضور المساجد لإقامة الصلاة، { وإقام } أي: لإقامة، { الصلاة } حذف الهاء وأراد أداءها في وقتها، لأن من أخر الصلاة عن وقتها لا يكون من مقيمي الصلاة، وأعاد ذكر إقامة الصلاة مع أن المراد من ذكر الله الصلوات الخمس لأنه أراد بإقام الصلاة حفظ المواقيت. روى سالم عن ابن عمر أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فقام الناس وأغلقوا حوانيتهم فدخلوا المسجد، فقال ابن عمر: فيهم نزلت: { رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاة } (1)\r{ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ } المفروضة، قال ابن عباس رضي الله عنه: إذا حضر وقت أداء الزكاة لم يحبسوها. وقيل: هي الأعمال الصالحة. { يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأبْصَارُ } قيل: تتقلب القلوب عما كانت عليه في الدنيا من الشرك والكفر، وتنفتح الأبصار من الأغطية، وقيل: تتقلب القلوب بين الخوف والرجاء تخشى الهلاك وتطمع في النجاة، وتقلب الأبصار من هوله أي: ناحية يؤخذ بهم ذات اليمين أم ذات الشمال، ومن أين يؤتون الكتب أم من قبل الأيمان أم من قبل الشمائل، وذلك يوم القيامة. وقيل: تتقلب القلوب في الجوف فترتفع إلى الحنجرة فلا تنزل ولا تخرج، وتقلب البصر شخوصه من هول الأمر وشدته. { لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا } يريد: أنهم اشتغلوا بذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ليجزيهم الله أحسن ما عملوا، أي بأحسن ما عملوا، يريد: يجزيهم بحسناتهم، وما كان من مساوئ أعمالهم لا يجزيهم بها، { وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ } ما لم يستحقوه بأعمالهم، { وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ } ثم ضرب لأعمال الكفار مثلا فقال تعالى:\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 18 / 146، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم. انظر: الدر المنثور: 6 / 207.","part":6,"page":51},{"id":2172,"text":"{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40) }\r{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ } \"السراب\" الشعاع الذي يرى نصف النهار عند شدة الحر في البراري، يشبه الماء الجاري على الأرض يظنه من رآه ماء، فإذا قرب منه انفّش فلم يَرَ شيئًا و\"الآل\" ما ارتفع من الأرض، وهو شعاع يرى بين السماء والأرض بالغدوات شبه الملاءة يرفع فيه الشخوص يرى فيه الصغير كبيرًا والقصير طويلا و\"الرقراق\" يكون بالعشايا، وهو ما ترقرق من السراب، أي جاء وذهب. و\"القيعة\": جمع القاع وهو المنبسط الواسع من الأرض، وفيه يكون السراب، { يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ } أي: يتوهمه العطشان، { مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَه } أي: جاء ما قد رأى أنه ماء. وقيل: جاء موضع السراب، { لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا } على ما قدره وحسبهُ كذلك الكافر يحسب أن عمله نافعه فإذا أتاه مَلَك الموت واحتاج إلى عمله لم يجد عمله أغنى منه شيئًا ولا نفعه. { وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَه } أي: عند عمله، أي: وجد الله بالمرصاد. وقيل: قدم على الله، { فَوَفَّاهُ حِسَابَه } أي جزاء عمله، { وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ } { أَوْ كَظُلُمَاتٍ } وهذا مثل آخر ضربه الله لأعمال الكفار، يقول: مثل أعمالهم من فسادها وجهالتهم فيها كظلمات، { فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ } وهو العميق الكثير الماء، ولُجَّة البحر: معظمه، { يَغْشَاه } يعلوه، { مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ } متراكم، { مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ } 42/أ ، ، قرأ ابن كثير برواية القواس: \"سحاب\" بالرفع والتنوين، { ظُلُمَاتٌ } بالجر على البدل من قوله \"أو كظلمات\". وروى أبو الحسن البري عنه: \"سحاب، ظلماتٍ\" بالإضافة، وقرأ الآخرون \"سحابٌ ظلماتٌ\"، كلاهما بالرفع والتنوين، فيكون تمام الكلام عند قوله \"سحاب\" ثم ابتدأ فقال: { ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ } ظلمة السحاب وظلمة الموج وظلمة البحر بعضها فوق بعض، أي: ظلمة الموج على ظلمة البحر، وظلمة الموج فوق الموج، وظلمة السحاب على ظلمة الموج، وأراد بالظلمات أعمال الكافر وبالبحر اللجي قلبه، وبالموج ما يغشى قلبه من الجهل والشك والحيرة، وبالسحاب الختم والطبع على قلبه.","part":6,"page":52},{"id":2173,"text":"قال أبي بن كعب: في هذه الآية الكافر يتقلب في خمسة من الظلم: فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة إلى النار (1) .\r{ إِذَا أَخْرَجَ } يعني: الناظر، { يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } يعني لم يقرب من أن يراها من شدة الظلمة. وقال الفراء: \"يكد\" صلة، أي: لم يرها، [قال المبرد: يعني لم يرها] (2) إلا بعد الجهد، كما يقول القائل: ما كدت أراك من الظلمة وقد رآه، ولكن بعد يأس وشدة. وقيل: معناه قرب من رؤيتها ولم يرها، كما يقال: كاد النعام يطير. { وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ } قال ابن عباس: من لم يجعل الله له دينا وإيمانا فلا دين له. وقيل: من لم يهده الله فلا إيمان له ولا يهديه أحد. وقال مقاتل: نزلت هذه الآية في عتبة بن ربيعة بن أمية كان يلتمس الدين في الجاهلية ويلبس المسوح فلما جاء الإسلام كفر. والأكثرون على أنه عام في جميع الكفار (3) .\r{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (41) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (42) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنزلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصَارِ (43) }\rقوله عز وجل: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ } باسطات أجنحتهن بالهواء. قيل خص الطير بالذكر من جملة الحيوان لأنها تكون بين السماء والأرض فتكون خارجة عن حكم من في السماء والأرض، { كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } قال مجاهد: الصلاة لبني آدم، والتسبيح لسائر الخلق. وقيل: إن ضرب الأجنحة صلاة الطير وصوته تسبيحه. قوله: { كُلٌّ قَدْ عَلِمَ } أي: كل مصل ومسبح علم الله صلاته وتسبيحه. وقيل: معناه كل مصل ومسبح منهم قد علم صلاة نفسه وتسبيحه، { وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } . { وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ } . { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي } يعني: يسوق بأمره، { سَحَابًا } إلى حيث يريد، { ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ } أي: بجمع بين قطع السحاب المتفرقة بعضها إلى بعض، { ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا } متراكما بعضه فوق\r__________\r(1) الطبري: 18 / 151.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) انظر: البحر المحيط: 6 / 460.","part":6,"page":53},{"id":2174,"text":"بعض، { فَتَرَى الْوَدْقَ } يعني المطر، { يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ } وسطه وهو جمع الخلل، كالجبال جمع الجبل. { وَيُنزلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ } يعني: ينزل البرد، و\"من\" صلة، وقيل: معناه وينزل من السماء من جبال، أي: مقدار جبال في الكثرة من البرد، و\"من\" في قوله \"من جبال\" صلة، أي: وينزل من السماء جبالا من برد. وقيل: معناه وينزل من جبال في السماء تلك الجبال من برد. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أخبر الله عز وجل أن في السماء جبالا من برد، ومفعول الإنزال محذوف تقديره: وينزل من السماء من جبال فيها برد، فاستغنى عن ذكر المفعول للدلالة عليه. قال أهل النحو ذكر الله تعالى \"من\" ثلاث مرات في هذه الآية فقوله \"من السماء\" لابتداء الغاية، لأن ابتداء الإنزال من السماء، وقوله تعالى \"من جبال\" للتبعيض لأن ما ينزله الله تعالى بعض تلك الجبال التي في السماء، وقوله تعالى: \"من برد\" للتجنيس لأن تلك الجبال من جنس البرد. { فَيُصِيبُ بِهِ } يعني بالبرد { مَنْ يَشَاءُ } فيهلك زروعه وأمواله، { وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ } فلا يضره، { يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ } يعني ضوء برق السحاب، { يَذْهَبُ بِالأبْصَارِ } شدة ضوئه وبريقه، وقرأ أبو جعفر: \"يُذْهِب\" بضم الياء وكسر الهاء.","part":6,"page":54},{"id":2175,"text":"{ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأولِي الأبْصَارِ (44) }\r{ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ } يصرفهما في اختلافهما وتعاقبهما يأتي بالليل ويذهب بالنهار، ويأتي بالنهار ويذهب بالليل. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا الحميدي، أخبرنا سفيان، أخبرنا الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: \"يؤذيني ابن آدم، يسبُّ الدهرَ وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلِّب الليل والنهار\" (1) قوله تعالى: { إِنَّ فِي ذَلِكَ } يعني في ذلك الذي ذكرت من هذه الأشياء، { لَعِبْرَةً لأولِي الأبْصَارِ } يعني: دلالة لأهل العقول والبصائر على قدرة الله تعالى وتوحيده.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في تفسير سورة الجاثية: 8 / 574، ومسلم في الألفاظ من الأدب، باب النهي عن سب الدهر، برقم (2246): 4 / 1762.","part":6,"page":54},{"id":2176,"text":"{ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45) لَقَدْ أَنزلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (46) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) }\rقوله عز وجل: { وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ } قرأ حمزة والكسائي، \"خالقُ كُلِّ\" بالإضافة، وقرأ الآخرون \"خَلَقَ كُلَّ\" على الفعل، { مِنْ مَاءٍ } يعني: من نطفة، وأراد به كل حيوان يشاهد في الدنيا، ولا يدخل فيه الملائكة ولا الجن، لأنا لا نشاهدهم. وقيل: أصل جميع الخلق من الماء، وذلك أن الله تعالى خلق ماء ثم جعل بعضه ريحًا فخلق منها الملائكة، وبعضه نارًا فخلق منها الجن، وبعضها طينًا فخلق منها آدم، { فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ } كالحيات والحيتان والديدان، { وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ } مثل بني آدم والطير، { وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ } كالبهائم والسباع، ولم يذكر من يمشي على أكثر من أربع مثل حشرات الأرض، لأنها في الصورة كالتي يمشي على الأربع، وإنما قال: \"من يمشي\" و\"مَنْ\" إنما تستعمل فيمن يعقل دون من لا يعقل من الحيات والبهائم، لأنه ذكر كل دابة، فدخل فيه الناس وغيرهم، وإذا جمع اللفظ من يعقل ومن لا يعقل تجعل الغلبة لمن يعقل. { يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍقَدِيرٌ } { لَقَدْ أَنزلْنَا } إليك، { آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّه، يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } { وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا } يعني: المنافقين يقولونه، { ثُمَّ يَتَوَلَّى } يعرض عن طاعة الله ورسوله، { فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِك } 42/ب ، ، أي: من بعد قولهم: آمنَّا ويدعو إلى غير حكم الله. قال الله عز وجل: { وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ } نزلت هذه الآية في بِشْرٍ المنافق، كانت بينه وبين رجل من اليهود خصومة في أرض، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وقال المنافق نتحاكم إلى كعب بن الأشرف، فإن محمدًا يحيف علينا، فأنزل الله هذه الآية (1)\r__________\r(1) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (378)، البحر المحيط: 6 / 467، القرطبي: 12 / 293، وراجع فيما سبق: 2 / 242-243. والقصة من رواية الكلبي وهو ضعيف.","part":6,"page":55},{"id":2177,"text":"{ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُم الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (53) }\rوقال: { وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } الرسول بحكم الله، { إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ } أي عن الحكم. وقيل: عن الإجابة. { وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ } مطيعين منقادين لحكمه، أي: إذا كان الحق لهم على غيرهم أسرعوا إلى حكمه لثقتهم بأنه كما يحكم عليهم بالحق يحكم لهم أيضًا بالحق. { أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا } أي: شكوا، هذا استفهام ذم وتوبيخ، أي: هم كذلك، { أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ } أي: بظلم، { بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } لأنفسهم بإعراضهم عن الحق. { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ } إلى كتاب الله ورسوله، { لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } هذا ليس على طريق الخبر لكنه تعليم أدب الشرع على معنى أن المؤمنين كذا ينبغي أن يكونوا، ونصب القول على الخبر واسمه في قوله تعالى: { أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } أي: سمعنا الدعاء وأطعنا بالإجابة. { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: فيما ساءه وسره { وَيَخْشَ اللَّهَ } على ما عمل من الذنوب. { وَيَتَّقْهِ } فيما بعده، { فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ } الناجون، قرأ أبو عمرو وأبو بكر \"يتقه\" ساكنة الهاء، ويختلسها أبو جعفر ويعقوب وقالون، كما في نظائرها ويشبعها الباقون كسرا، وقرأ حفص \"يتَّقْهِ\" بسكون القاف واختلاس الهاء، وهذه اللغة إذا سقطت الياء للجزم يسكنون ما قبلها، يقولون: لم أشترْ طعامًا بسكون الراء. قوله عز وجل: { وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ } جهد اليمين أن يحلف بالله، ولا حلف فوق","part":6,"page":56},{"id":2178,"text":"الحلف بالله، { لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنّ } وذلك أن المنافقين كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أينما كنت نكن معك، لئن خرجت خرجنا، وإن أقمت أقمنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا، فقال تعالى: { قُل } لهم { لا تُقْسِمُوا } لا تحلفوا، وقد تم الكلام، ثم قال: { طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ } أي: هذه طاعة بالقول وباللسان دون الاعتقاد، وهي معروفة أي: أمر عرف منكم أنكم تكذبون وتقولون ما لا تفعلون، هذا معنى قول مجاهد رضي الله عنه. وقيل: معناه طاعة معروفة بنية خالصة أفضل وأمثل من يمين باللسان لا يوافقها الفعل. وقال مقاتل بن سليمان: لتكن منكم طاعة معروفة. { إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }","part":6,"page":57},{"id":2179,"text":"{ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (54) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) }\r{ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا } أي: تولوا عن طاعة الله ورسوله، { فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ } يعني: على الرسول ما كُلِّف وأُمر به من تبليغ الرسالة، { وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ } من الإجابة والطاعة، { وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ } أي: التبليغ البين. قوله عز وجل: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ } قال أبو العالية في هذه الآية: مكث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة بعد الوحي عشر سنين مع أصحابه، وأمروا بالصبر على أذى الكفار، وكانوا يُصْبِحُونَ ويُمْسُونَ خائفين، ثم أمروا بالهجرة إلى المدينة، وأمروا بالقتال وهم على خوفهم لا يفارق أحد منهم سلاحه، فقال رجل منهم: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟ فأنزل الله هذه الآية (1) { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ }\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 18 / 159-160 وعزاه السيوطي: (6 / 215) لعبد بن حميد وابن أبي حاتم، قال ابن حجر في الكافي الشاف ص (119-120): \"ووصله الحاكم: 2 / 401، وابن مردويه\"، وقال الهيثمي في المجمع (7 / 83): \"رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات\". وانظر: أسباب النزول للواحدي ص (379)، القرطبي: 12 / 297، الصحيح المسند من أسباب النزول للوادعي ص (108).","part":6,"page":57},{"id":2180,"text":"أدخل اللام لجواب اليمين المضمرة، يعني: والله ليستخلفنهم، أي: ليورثنهم أرض الكفار من العرب والعجم، فيجعلهم ملوكها وساستها وسكانها، { كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } قرأ أبو بكر عن عاصم: \"كما استخلف\" بضم التاء وكسر اللام على ما لم يسم فاعله، وقرأ الآخرون بفتح التاء واللام لقوله تعالى: \"وعد الله\". قال قتادة: { كَمَا اسْتَخْلَفَ } داود وسليمان وغيرهما من الأنبياء. وقيل: \"كما استخلف الذين من قبلهم\" أي: بني إسرائيل حيث أهلك الجبابرة بمصر والشام وأورثهم أرضهم وديارهم، { وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ } أي: اختار، قال ابن عباس: يوسع لهم في البلاد حتى يملكوها ويظهر دينهم على سائر الأديان، { وَلَيُبدِّلنَّهُمْ } قرأ ابن كثير وأبو بكر ويعقوب بالتخفيف من الإبدال، وقرأ الآخرون بالتشديد من التبديل، وهما لغتان، وقال بعضهم: التبديل تغيير حال إلى حال، والإبدال رفع الشيء وجعل غيره مكانه، { مِنْ بَعْدِخَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي } آمنين، { لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا } فأنجز الله وعده، وأظهر دينه، ونصر أولياءه، وأبدلهم بعد الخوف أمنًا وبسطًا في الأرض.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن الحكم، أخبرنا النضر، أخبرنا إسرائيل، أخبرنا سعيد الطاهري، أخبرنا محمد بن خليفة، عن عدي بن حاتم قال: بينا أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكى إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكى إليه قطع السبيل، فقال: \"يا عدي هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم أرها وقد أنبئت عنها\"، قال: \"فإن طالت بك حياة فَلَتَريَنَّ الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله\"، قلت فيما بيني وبين نفسي: فأين دعار طيء الذين قد سعروا البلاد؟، \"ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى\" قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: \"كسرى بن هرمز، لئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب وفضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه، وليَلْقَينَّ اللهَ أحدُكم يوم القيامة وليس بينه وبينه ترجمان يترجمُ فليقولنّ له: ألم أبعث إليك رسولا فيبلغك؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أعطك مالا 43/أ وأفضل عليك؟ فيقول: بلى فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنَّم، وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم\"، قال عدي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة\"، قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت ممن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترونَّ ما قال النبي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم يخرج ملء كفه (1)\r__________\r(1) أخرجه البخاري في المناقب، باب علامات النبوة: 6 / 610-611، والمصنف في شرح السنة: 15 / 31-33.","part":6,"page":58},{"id":2181,"text":"وفي الآية دلالة على خلافة الصديق وإمامة الخلفاء الراشدين. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم البغوي، أخبرنا علي بن الجعد، أخبرني حماد هو ابن مسلمة بن دينار، عن سعيد بن جمهان، عن سفينة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: \"الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون، مُلْكًا\". ثم قال: أمسك خلافة أبي بكر سنتين، وخلافة عمر عشرًا، وعثمان اثنتا عشر، وعلي ستة. قال علي: قلت لحماد: سفينة، القائل، لسعيد أمسك؟ قال: نعم (1) . قوله عز وجل: { وَمَنْ كَفَرَبَعْدَ ذَلِكَ } أراد به كفران النعمة، ولم يرد الكفر بالله، { فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } العاصون لله. قال أهل التفسير: أول من كفر بهذه النعمة وجحد حقها الذين قتلوا عثمان رضي الله عنه، فلما قتلوه غيرَّ الله ما بهم وأدخل عليهم الخوف حتى صاروا يقتتلون بعد أن كانوا إخوانًا.\rأخبرنا أبو المظفر محمد بن أحمد التميمي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم المعروف بابن أبي نصر، أخبرنا أبو الحسن خيثمة بن سليمان بن حيدرة المعروف بالطرابلسي، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن عباد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن حميد بن هلال قال: قال عبد الله بن سلام في عثمان: إن الملائكة لم تزل محيطة بمدينتكم هذه منذ قدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اليوم، فوالله لئن قتلتموه ليذهبون ثم لا يعودون أبدا، فوالله لا يقتله رجل منكم إلا لقي الله أجذم لا يَدَ لهُ، وإن سيف الله لم يزل مغمودًا عنكم، والله لئن قتلتموه ليسلنَّه الله ثم لا يغمده عنكم، إما قال: أبدًا، وإما قال: إلى يوم القيامة، فما قتل نبي قط إلا قتل به سبعون ألفًا، ولا خليفة إلا قتل به خمسة وثلاثون ألفًا (2)\r{ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (57) }\rقوله عز وجل: { وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } أي: افعلوها على رجاء الرحمة. { لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا } قرأ عامر وحمزة \"لا يحسبن\" بالياء، أي:\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في السنة، باب في الخلفاء: 7 / 27 بلفظ: \"ثم يؤتي الله الملك من يشاء..\"، والترمذي في الفتن، باب ما جاء في الخلافة: 6 / 476-477،وقال: \"هذا حديث حسن قد رواه غير واحد عن سعيد بن جمهان ولا نعرفه إلا من حديثه\". وصححه ابن حبان ص (369) من موارد الظمآن، وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 5 / 220، والمصنف في شرح السنة: 14 / 74-75.\r(2) أخرجه عبد الرزاق في الجامع من \"المصنف\": 11 / 455، واختصره ابن سعد في الطبقات: 3 / 83.","part":6,"page":59},{"id":2182,"text":"لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم { مُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ } وقرأ الآخرون بالتاء، يقول: لا تحسبن يا محمد الذين كفروا معجزين فائتين عنا، { وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58) }\rقوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم } الآية: قال ابن عباس رضي الله عنهما وجَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما من الأنصار يقال له مدلج بن عمرو إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقت الظهيرة ليدعوه، فدخل فرأى عمر بحالةٍ كره عمر رؤيته ذلك، فأنزل الله هذه الآية (1) وقال مقاتل: نزلت في أسماء بنت مرثد، كان لها غلام كبير، فدخل عليها في وقتٍ كرهته، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها، فأنزل الله تعالى (2) \"يا أيها الذين آمنوا ليستأنذكم: اللام لام الأمر. { الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم } يعني: العبيد والإماء، { وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ } من الأحرار، ليس المراد منهم الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء، بل الذين عرفوا أمر النساء ولكن لم يبلغوا.\r{ ثَلاثَ مَرَّاتٍ } أي: ليستأذنوا في ثلاث أوقات، { مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ } يريد المَقِيْل، { وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ } وإنما خص هذه الأوقات لأنها ساعات الخلوة ووضع الثياب، فربما يبدو من الإنسان ما لا يحب أن يراه أحد، أمر العبيد والصبيان بالاستئذان في هذه الأوقات، وأما غيرهم فليستأذنوا في جميع الأوقات { ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ } قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر: \"ثلاث\" بنصب الثاء بدلا عن قوله: \"ثلاث مرات\"، وقرأ الآخرون\r__________\r(1) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (380)، الكافي الشاف ص (120).\r(2) عزاه السيوطي في \"الدر\": (6 / 217) لابن أبي حاتم، وذكره الواحدي في أسباب النزول ص (380). وانظر: الكافي الشاف ص (120)، وابن كثير: 3 / 304.","part":6,"page":60},{"id":2183,"text":"بالرفع، أي: هذه الأوقات ثلاث عورات لكم، سميت هذه الأوقات عورات لأن الإنسان يضع فيها ثيابه فتبدو عورته، { لَيْسَ عَلَيْكُمْ } جناح، { وَلا عَلَيْهِمْ } يعني: على العبيد والخدم والصبيان، { جُنَاحٌ } في الدخول عليكم من غير استئذان، { بَعْدَهُن } أي: بعد هذه الأوقات الثلاثة، { طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ } أي: العبيد والخدم يطوفون عليكم فيترددون ويدخلون ويخرجون في أشغالهم بغير إذن، { بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ } أي: يطوف، { بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } واختلف العلماء في حكم هذه الآية: فقال قوم: منسوخ (1) .\rقال ابن عباس رضي الله عنه: لم يكن للقوم ستور ولا حجاب (2) ، فكان الخدم والولائد يدخلون فربما يرون منهم ما لا يحبون، فأمروا بالاستئذان، وقد بسط الله الرزق واتخذ الناس الستور فرأى أن ذلك أغنى عن الاستئذان (3) وذهب قوم إلى أنها غير منسوخة، روى سفيان عن موسى بن أبي عائشة قالت: سألت الشعبي عن هذه الآية: \"ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم\" أمنسوخة هي؟ قال: لا والله، قلت: إن الناس لا يعملون بها، قال: الله المستعان (4) وقال سعيد بن جبير في هذه الآية: إن ناسًا يقولون نسخت، والله ما نسخت، ولكنها مما تهاون به الناس (5) .\r__________\r(1) حكى ذلك عن سعيد بن المسيب، وحكاه القرطبي أيضا عن سعيد بن جبير، وهو خلاف الرواية عنه. انظر: زاد المسير: 6 / 62، القرطبي: 12 / 302.\r(2) في \"الدر المنثور\" و\"القرطبي\": (حجال) جمع (حَجَلَة) وهو بيت كالقبة يستر بالثياب ويكون له أزرار كبار.\r(3) عزاه السيوطي لأبي داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي. وانظر: الدر المنثور: 6 / 219. قال القرطبي: (12 / 303): \"هذا متن حسن، وهو يرد قول سعيد وابن جبير، فإنه ليس فيه دليل على نسخ الآية، ولكن على أنها كانت على حال ثم زالت، فإن كان مثل ذلك الحال فحكمها قائم كما كان، بل حكمها لليوم ثابت في كثير من مساكن المسلمين في البوادي والصحاري ونحوها\".\r(4) أخرجه الطبري: 18 / 162-163، ونسبه السيوطي: 6 / 319 للفريابي.\r(5) أخرجه الطبري: 18 / 163.","part":6,"page":61},{"id":2184,"text":"{ وَإِذَا بَلَغَ الأطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (59) }\rقوله تعالى: { وَإِذَا بَلَغَ الأطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ } أي: الاحتلام، يريد الأحرار الذين بلغوا، { فليستأذنوا } أي: يستأذنون في جميع الأوقات في الدخول عليكم، { كَمَااسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } الأحرار والكبار.","part":6,"page":61},{"id":2185,"text":"وقيل: يعني الذين كانوا مع إبراهيم وموسى وعيسى. { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ } دلالاته. وقيل: أحكامه، { وَاللَّهُ عَلِيمٌ } بأمور خلقه، { حَكِيم } بما دبر لهم. قال سعيد بن المسيب: يستأذن الرجل على أمه، فإنما أنزلت 43/ب هذه الآية في ذلك (1) . وسئل حذيفة: أيستأذن الرجل على والدته؟ قال: نعم، إن لم يفعل رأى منها ما يكره (2) .\r{ وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (60) لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61) }\rقوله تعالى: { وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ } يعني اللاتي قعدن عن الولد والحيض من الكبر، لا يلدن ولا يحضن، واحدتها \"قاعد\" بلا هاء. وقيل: قعدن عن الأزواج، وهذا معنى قوله: { اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا } أي: لا يردن الرجال لكبرهن، قال ابن قتيبة: سميت المرأة قاعدًا إذا كبرت، لأنها تكثر القعود (3) . وقال ربيعة الرأي: هن العُجَّز، اللائي إذا رآهن الرجال استقذروهن، فأما من كانت فيها بقية من جمال، وهي محل الشهوة، فلا تدخل في هذه الآية، { فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ } عند الرجال، يعني: يضعن بعض ثيابهن، وهي الجلباب والرداء الذي فوق الثياب، والقناع الذي فوق الخمار، فأما الخمار فلا يجوز وضعه، وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه وأبي بن كعب: \"أن يضعن من ثيابهن\"، { غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ } أي: من غير أن يردن بوضع الجلباب، والرداء إظهار زينتهن، والتبرُّج هو أن تظهر المرأة من محاسنها ما ينبغي لها أن تتنزه عنه. { وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ } فلا يلقين الجلباب والرداء، { خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } قوله تعالى: { لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَىالْمَرِيضِ حَرَجٌ } الآية، اختلف العلماء في هذه الآية، فقال ابن عباس رضي الله عنهما لما أنزل الله عز وجل قوله: \"يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل\"( النساء-29) ، تحرج المسلمون عن مؤاكلة\r__________\r(1) الطبري: 18 / 165.\r(2) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: 4 / 398 وفيه آثار أخرى.\r(3) قال ابن قتيبة في \"غريب القرآن\" (2 / 43) من \"القرطين\" لابن مطرف الكناني: \".. ولا أراها تسمت قاعدا إلا بالقعود، لأنها إذا أسنت عجزت عن التصرف وكثرة الحركة، وأطالت القعود، فقيل لها: \"قاعد\" بلا هاء، ليدل بحذف الهاء على أنه قعود كبر، كما قالوا: امرأة حامل، بلا هاء، ليدل بحذف الهاء على أنه حمل حبل، وقالوا في غير ذلك: قاعدة في بيتها، وحاملة على ظهرها\".","part":6,"page":62},{"id":2186,"text":"المرضى والزَّمنى والعمي والعرج، وقالوا الطعام أفضل الأموال، وقد نهانا الله عن أكل المال بالباطل. والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب، والأعرج لا يتمكن من الجلوس، ولا يستطيع المزاحمة على الطعام، والمريض يضعف عن التناول فلا يستوفي الطعام، فأنزل الله هذه الآية (1) وعلى هذا التأويل يكون \"على\" بمعنى \"في\" أي: ليس في الأعمى، يعني: ليس عليكم في مؤاكلة الأعمى والأعرج والمريض.\rوقال سعيد بن جبير والضحاك وغيرهما كان العرجان والعميان والمرضى يتنزهون عن مؤاكلة الأصحاء، لأن الناس يتقذرون منهم ويكرهون مؤاكلتهم، ويقول الأعمى: ربما أكل أكثر، ويقول الأعرج: ربما أخذ مكان الاثنين، فنزلت هذه الآية (2) . وقال مجاهد: نزلت الآية ترخيصًا لهؤلاء في الأكل من بيوت من سمَّى الله في هذه الآية، وذلك أن هؤلاء كانوا يدخلون على الرجل لطلب الطعام فإذا لم يكن عنده ما يطعمهم ذهب بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم أو بعض من سمى الله في هذه الآية، فكان أهل الزمانة يتحرجون من ذلك الطعام ويقولون ذهب بنا إلى بيت غيره؟ فأنزل الله هذه الآية (3) وقال سعيد بن المسيب: كان المسلمون إذا غزوا خلفوا زمناهم ويدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، فكانوا يتحرجون من ذلك ويقولون لا ندخلها\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 18 / 168، وذكره الواحدي ص (381)، وعزاه السيوطي: (6 / 224) أيضا لابن المنذر، وابن أبي حاتم والبيهقي. وانظر: مشكل القرآن لابن قتيبة ص (333).\r(2) الطبري: 18 / 168، الواحدي ص (381).\r(3) الطبري: 18 / 169، الواحدي ص (381)، وعزاه السيوطي: (6 / 223) لعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وإبراهيم، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي.","part":6,"page":63},{"id":2187,"text":"وهم غُيَّب، فأنزل الله هذه الآية رخصة لهم (1) قال الحسن: نزلت هذه الآية رخصة لهؤلاء في التخلف عن الجهاد. قال: تم الكلام عند قوله: \"ولا على المريض حرج\"، وقوله تعالى: { وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ } كلام منقطع عما قبله (2)\rوقيل: لما نزل قوله: \"لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل\" ( النساء-29 ) ، قالوا: لا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فأنزل الله عز وجل { وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ } (3) أي: لا حرج عليكم أن تأكلوا من بيوتكم. قيل: أراد من أموال عيالكم وأزواجكمُ وبيت المرأة كبيت الزوج. وقال ابن قتيبة: أراد من بيوت أولادكم، نَسَبَ بيوتَ الأولادِ إلى الآباء (4) كما جاء في الحديث: \"أنت ومالك لأبيك\" (5) ، { أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَه } قال ابن عباس رضي الله عنهما: عني بذلك وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته، لا بأس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته، ويشرب من لبن ماشيته، ولا يحمل ولا يدخر. وقال الضحاك: يعني في بيوت عبيدكم ومماليككم، وذلك أن السيد يملك منزل عبده والمفاتيح الخزائن، لقوله تعالى: \"وعنده مفاتح الغيب\" ( الأنعام-59 ) ويجوز أن يكون الذي يفتح به. قال عكرمة: إذا ملك الرجل\r__________\r(1) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص (381-382) وعزاه السيوطي لعبد بن حميد. وأخرجه البزار وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن النجار عن عائشة أيضا، وقال الهيثمي: \"رجال البزار رجال الصحيح\". انظر: الدر المنثور: 6 / 224، مجمع الزوائد: 7 / 83.\r(2) انظر: الطبري 18 / 169، ولم يعزه للحسن، وإنما عزاه لابن زيد، وذكره ابن الجوزي في زاد المسير: 6 / 64 عن الحسن وابن زيد.\r(3) عزاه السيوطي لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس. انظر: الدر المنثور: 6 / 224.\r(4) قال ابن قتيبة في \"مشكل القرآن\" ص (333-334): في الكلام على الآية الكريمة: \"أراد: ولا على أنفسكم أن تأكوا من أموال عيالكم وأزواجكم\".\rوقال بعضهم: أراد أن تأكلوا من بيوت أولادكم، فنسب بيوت الأولاد إلى الآباء؛ لأن الأولاد كسبهم، وأموالهم كأموالهم. يدلك على هذا: أن الناس لا يتوقون أن يأكلوا من بيوتهم، وأن الله سبحانه عدد القربات وهم أبعد نسبا من الولد، ولم يذكر الولد\".\r(5) أخرجه ابن ماجه عن جابر، في التجارات، باب ما للرجل من مال ولده، برقم (2291): 2 / 769، قال في الزوائد: \"وإسناده صحيح، ورجاله ثقات على شرط البخاري\"، والطبراني في الأوسط: 1 / 141، والطحاوي في مشكل الآثار: 2 / 230. ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مطولا رواه الإمام أحمد: 2 / 204، وأبو داود في البيوع، وابن ماجه في التجارات وابن الجارود في المنتقى. وانظر: الفتح السماوي للمناوي: 2 / 875-876 مع تعليق المحقق، إرواء الغليل: 3 / 323 و325، كشف الخفاء: 1 / 239-240.","part":6,"page":64},{"id":2188,"text":"المفتاح فهو خازن، فلا بأس أن يطعم الشيء اليسير. وقال السدي: الرجل يولي طعامه غيره يقوم عليه فلا بأس أن يأكل منه وقال قوم: \"ما ملكتم مفاتحه\" ما خزنتموه عندكم قال مجاهد وقتادة: من بيوت أنفسكم مما أحرزتم وملكتم.\r{ أَوْ صَدِيقِكُمْ } الصديق الذي صدقك في المودة. قال ابن عباس: نزلت في الحارث بن عمرو رضي الله عنه، خرج غازيًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلَّف مالك بن زيد على أهله، فلما رجع وجده مجهودًا فسأله عن حاله، فقال: تحرجت أن آكل طعامك بغير إذنك فأنزل الله هذه الآية (1) . وكان الحسن وقتادة يريان دخول الرجل بيت صديقه والتحرم بطعامه من غير استئذان منه في الأكل بهذه الآية. والمعنى: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا } من منازل هؤلاء إذا دخلتموها وإن لم يحضروا، من غير أن تتزودوا وتحملوا.\rقوله: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًاأَوْ أَشْتَاتًا } نزلت في بني ليث بن عمرو، وهم حي من بني كنانة كان الرجل منهم لا يأكل وحده حتى يجد ضيفًا يأكل معه، فربما قعد الرجل والطعام، بين يديه من الصباح إلى الرَّواح، وربما كانت معه الإبل الحُفَّل، فلا يشرب من ألبانها حتى يجد من يشاربه، فإذا أمسى ولم يجد أحدًا أكل، هذا قول قتادة والضحاك وابن جريج (2) وقال عطاء الخراساني عن ابن عباس رضي الله عنهما: كان الغني يدخل على الفقير من ذوي قرابته وصداقته فيدعوه إلى طعامه، فيقول: والله إني لأجنح، أي: أتحرج أن آكل معك وأنا غني وأنت فقير، فنزلت هذه الآية (3) . وقال عكرمة وأبو صالح: نزلت في قوم من الأنصار كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف 44/أ إلا مع ضيفهم، فرخص لهم أن يأكلوا كيف شاءوا، جميعًا أو أشتاتًا متفرقين (4) .\r__________\r(1) ذكره السيوطي في الدر المنثور: (6 / 225) من رواية الثعلبي عن ابن عباس.\r(2) انظر: الطبري 18 / 172، أسباب النزول ص (382)، الدر المنثور: 6 / 225.\r(3) الطبري: 18 / 172 .\r(4) الطبري: 18 / 172، وزاد السيوطي نسبته لابن المنذر، وذكره الواحدي ص (382) عن عكرمة. وقال الطبري: \"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال: إن الله وضع الحرج عن المسلمين أن يأكلوا جميعا معا إذا شاءوا، أو أشتاتا متفرقين إذا أرادوا. وجائز أن يكون ذلك نزل بسبب من كان يتخوف من الأغنياء الأكل مع الفقير، وجائز أن يكون نزل بسبب القوم الذين ذكر أنهم كانوا لا يطعمون وحدانا، وبسبب غير ذلك. ولا خبر بشيء من ذلك يقطع العذر، ولا دلالة في ظاهر التنزيل على حقيقة شيء منه، والصواب: التسليم لما دل عليه ظاهر التنزيل، والتوقف فيما لم يقم على صحته دليل\".","part":6,"page":65},{"id":2189,"text":"{ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ } أي: يسلم بعضكم على بعض، هذا في دخول الرجل بيت نفسه يسلم على أهله ومن في بيته، وهو قول جابر وطاوس والزهري وقتادة والضحاك وعمرو بن دينار (1) . وقال قتادة: إذا دخلت بيتك فسلِّمْ على أهلك فهو أحق من سَلَّمْتَ عليه، وإذا دخلت بيتًا لا أحد فيه فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. حُدِّثْنَا أن الملائكة ترد عليه (2) وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن لم يكن في البيت أحد فليقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام على أهل البيت ورحمة الله. وروى عمرو بن دينار عن ابن عباس (3) رضي الله عنهما في قوله تعالى: { فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ } قال: إذا دخلت المسجد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين (4) { تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّه } نصب على المصدر، أي: تحيون أنفسكم تحية، { مُبَارَكَةً طَيِّبَةً } وقال ابن عباس رضي الله عنهما: حسنة جميلة. وقيل: ذكر البركة والطيبة هاهنا لما فيه من الثواب والأجر { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }\r__________\r(1) انظر: زاد المسير: 6 / 67.\r(2) عزاه السيوطي : (6 / 228) لعبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي.\r(3) أخرجه الطبري: 18 / 174، وصححه الحاكم على شرط الشيخين: 2 / 401، وزاد السيوطي نسبته لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.\r(4) قال الطبري: (18 / 175): \"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال معناه: فإذا دخلتم بيوتا من بيوت المسلمين فليسلم بعضكم على بعض..، لأن الله جل ثناؤه قال: \"فإذا دخلتم بيوتا\" ولم يخصص من ذلك بيتا دون بيت، وقال: \"فسلموا على أنفسكم\" يعني: بعضكم على بعض، فكان معلوما إذ لم يخصص ذلك على بعض البيوت دون بعض، أنه معني به جميعها، مساجدها وغير مساجدها. ومعنى قوله: \"فسلموا على أنفسكم\" نظير قوله: \"ولا تقتلوا أنفسكم\"، وانظر: القرطبي 12 / 318.","part":6,"page":66},{"id":2190,"text":"{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ (62) }\rقوله عز وجل: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَاكَانُوا مَعَهُ } أي: مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، { عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ } يجمعهم من حرب حضرت، أو صلاة أو جمعة أو عيد أو جماعة","part":6,"page":66},{"id":2191,"text":"أو تشاور في أمر نزل، { لَمْ يَذْهَبُوا } يتفرقوا عنه، لم ينصرفوا عما اجتمعوا له من الأمر، { حَتَّى يَسْتَأْذِنُوه } قال المفسرون: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة وأراد الرجل أن يخرج من المسجد، لحاجة أو عذر، لم يخرج حتى يقوم بحيال رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يراه، فيعرف أنه إنما قام يستأذن، فيأذن لمن شاء منهم. قال مجاهد: وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده (1) .\rقال أهل العلم: وكذلك كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام لا يخالفونه ولا يرجعون عنه إلا بإذن، وإذا استأذن فللإمام إن شاء أذن له وإن شاء لم يأذن، وهذا إذا لم يكن له سبب يمنعه من المقام، فإن حدث سبب يمنعه من المقام بأن يكون في المسجد فتحيض منهم امرأة، أو يجنب رجل، أو يعرض له مرض، فلا يحتاج إلى الاستئذان. { إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ } أي: أمرهم، { فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ } في الانصراف، معناه إن شئت فأذن وإن شئت فلا تأذن، { وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }\r{ لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) }\r{ لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يقول احذروا دعاء الرسول عليكم إذا أسخطتموه، فإن دعاءه موجب لنزول البلاء بكم ليس كدعاء غيره (2) وقال مجاهد وقتادة: لا تدعوه باسمه كما يدعو بعضكم بعضًا: يا محمد، يا عبد الله، ولكن فَخِّمُوه وشَرِّفوه، فقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله، في لين وتواضع (3) .\r{ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ } أي: يخرجون { مِنْكُمْ لِوَاذًا } أي: يستر بعضهم بعضا ويروغ في خيفة، فيذهب \"واللِّواذ\" مصدر لاوَذَ يُلاوِذ، مُلاوَذَةً، ولواذًا.\r__________\r(1) زاد المسير: 6 / 67-68.\r(2) انظر: الطبري 17 / 177.\r(3) وهو مروي أيضا عن ابن عباس. انظر: الطبري 17 / 177، الدر المنثور: 6 / 230. ونقل ابن كثير القولين في التفسير: 3 / 308. ورجح الطبري قول ابن عباس الأول، لأن الذي قبل ذلك نهي من الله للمؤمنين أن يأتوا من الانصراف عنه في الأمر الذي يجمع جميعهم ما يكرهه، والذي بعده وعيد للمنصرفين بغير إذنه عنه، فالذي بينهما بأن يكون تحذيرا لهم سخطه أن يضطره إلى الدعاء عليهم، أشبه من أن يكون أمرا لهم بما لم يجر له ذكر من تعظيمه وتوقيره بالقول والدعاء\".","part":6,"page":67},{"id":2192,"text":"قيل: كان هذا في حفر الخندق، فكان المنافقون ينصرفون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مختفين. قال ابن عباس رضي الله عنهما: \"لواذًا\" أي: يلوذ بعضهم ببعض، وذلك أن المنافقين كان يثقل عليهم المقام في المسجد يوم الجمعة واستماع خطبة النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا يلوذون ببعض أصحابه فيخرجون من المسجد في استتار. ومعنى قوله: { قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ } للتهديد بالمجازاة. { فَلْيَحْذَرِالَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ } أي: أمره و\"عن\" صلة. وقيل: معناه يعرضون عن أمره وينصرفون عنه بغير إذنه. { أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ } أي لئلا تصيبهم فتنة، قال مجاهد: بلاء في الدنيا، { أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وجيع في الآخرة. وقيل: عذاب أليم عاجل في الدنيا. ثم عظم نفسه فقال:\r{ أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (64) }\r{ أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ } ملكًا وعبيدًا، { قَدْ يَعْلَمُ مَاأَنْتُمْ عَلَيْهِ } الإيمان والنفاق أي: يعلم، و\"قد\" صلة { وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ } يعني: يوم البعث، { فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا } الخير والشر، { وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه، حدثنا عبد الله بن محمد بن شيبة، حدثنا محمد بن إبراهيم الكرابيسي، حدثنا سليمان بن توبة، حدثنا أبو داود الأنصاري، أخبرنا محمد بن إبراهيم الشامي، حدثنا شعيب بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا تنزلوا النساء الغرف، ولا تعلِّموهن الكتابة، وعلموهن الغزل، وسورة النور\" (1)\r__________\r(1) أخرجه الحاكم: 2 / 396 وقال: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" فتعقبه الذهبي فقال: بل موضوع، وآفته عبد الوهاب، قال أبو حاتم: كذاب\". وقال الهيثمي في المجمع (4 / 93): \"رواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن إبراهيم الشامي، قال الدارقطني: كذاب\". وذكره ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\". ونسبه السيوطي أيضا للبيهقي في شعب الإيمان، وابن مردويه، انظر: الدر المنثور: 6 / 124.","part":6,"page":68},{"id":2193,"text":"سورة الفرقان مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ تَبَارَكَ الَّذِي نزلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2) }\r{ تَبَارَكَ } تفاعل، من البركة. عن ابن عباس: معناه: جاء بكل بركة، دليله قول الحسن: مجيء البركة من قبله. وقال الضحاك: تعظَّم، { الَّذِي نزلَ الْفُرْقَانَ } أي: القرآن، { عَلَى عَبْدِهِ } محمد صلى الله عليه وسلم. { لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا } أي: للجن والإنس. قيل: النذير هو القرآن. وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم (2) . { الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ } مما يطلق عليه صفة المخلوق، { فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا } فسواه وهيأه لما يصلح له، لا خلل فيه ولا تفاوت، وقيل: قدَّر لكل شيء تقديرًا من الأجل والرزق، فجرت المقادير على ما خلق.\r__________\r(1) وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة والجمهور، وحكي عن ابن عباس وقتادة في قول آخر عنهما أنها مكية إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة، وهي قوله تعالى: \"والذين لا يدعون مع الله إلها آخر\" إلى قوله: \"غفورا رحيما\" (الفرقان 68-70). وقال الضحاك: مدنية إلا من أولها إلى قوله الآية الثالثة: \"ولا نشورا\" فهو مكي.\rوقول الجمهور هو الراجح، ومكية السورة واضحة من موضوعها وأسلوبها، وهذا يتفق مع الرواية الراجحة. والله أعلم انظر: الدر المنثور: 6 / 234، القرطبي: 13 / 1، زاد المسير: 6 / 71، البحر المحيط: 6 / 480، المحرر الوجيز: 12 / 5.\r(2) القول الأول حكاه الماوردي، ورجح الطبري أنه النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يكن في الحقيقة تعارض بين المعنيين، فالقرآن هو الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ينذر به العالمين، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو رسول الله تعالى للعالمين. والله أعلم. انظر: الطبري 19 / 180، زاد المسير: 6 / 72.","part":6,"page":69},{"id":2194,"text":"{ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا (3) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا (5) قُلْ أَنزلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6) }\rقوله عز وجل: { وَاتَّخَذُوا } يعني عبدة الأوثان، { مِنْ دُونِهِ آلِهَةً } يعني: الأصنام، { لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا } أي: دفع ضر ولا جلب نفع، { وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً } أي: إماتةً وإحياءً، { وَلا نُشُورًا } أي: بعثا بعد الموت. { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا } يعني: المشركين، 44/ب يعني: النضر بن الحارث وأصحابه، { إِنَّ هَذَا } ما هذا القرآن، { إِلا إِفْكٌ } كذب، { افْتَرَاه } اختلقه محمد صلى الله عليه وسلم، { وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ } قال مجاهد: يعني اليهود (1) . وقال الحسن: هو عبيد بن الخضر الحبشي الكاهن. وقيل: جبر، ويسار، وعداس بن عبيد، كانوا بمكة من أهل الكتاب، فزعم المشركون أن محمدا صلى الله عليه وسلم يأخذ منهم، قال الله تعالى: { فَقَدْ جَاءُوا } يعني قائلي هذه المقالة، { ظُلْمًا وَزُورًا } أي: بظلم وزور. فلما حذف الباء انتصب، يعني جاؤوا شركًا وكذبًا بنسبتهم كلام الله تعالى إلى الإفك والافتراء. { وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا } يعني النضر بن الحارث كان يقول: إن هذا القرآن ليس من الله وإنما هو مما سَّطره الأولون مثل حديث رستم واسفنديار (2) \"اكتتبها\": انتسخها محمد من جبر، ويسار، وعداس، ومعنى \"اكتتب\" يعني طلب أن يكتب له، لأنه كان لا يكتب، { فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ } يعني تقرأ عليه ليحفظها لا ليكتبها، { بُكْرَةً وَأَصِيلا } غدوة وعشيًا. قال الله عز وجل ردًا عليهم: { قُلْ أَنزلَهُ } يعني القرآن، { الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ } يعني الغيب، { فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا }\r__________\r(1) حكاه الطبري، ولم يذكر غيره. وانظر سائر الأقوال في: البحر المحيط: 6 / 481، زاد المسير: 6 / 72-73.\r(2) انظر: الطبري: 18 / 182، الدر المنثور: 6 / 236، المحرر الوجيز لابن عطية: 12 / 7.","part":6,"page":72},{"id":2195,"text":"{ وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأسْوَاقِ لَوْلا أُنزلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنز أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا (8) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا (9) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (10) }\r{ وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ } يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم، { يَأْكُلُ الطَّعَامَ } كما نأكل نحن، { وَيَمْشِي فِي الأسْوَاقِ } يلتمس المعاش كما نمشي، فلا يجوز أن يمتاز عنَّا بالنبوة، وكانوا يقولون له: لست أنت بمَلَك ولا بملِك، لأنك تأكل والمَلَك لا يأكل، ولست بملِك لأن الملِك لا يتسوق، وأنت تتسوق وتتبذل. وما قالوه فاسد؛ لأن أكله الطعام لكونه آدميًا، ومشيه في الأسواق لتواضعه، وكان ذلك صفة له، وشيءٌ من ذلك لا ينافي النبوة. { لَوْلا أُنزلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ } فيصدقه، { فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا } داعيًا. { أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنز } أي: ينزل عليه كنز من السماء ينفقه، فلا يحتاج إلى التردد والتصرف في طلب المعاش، { أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ } بستان، { يَأْكُلُ مِنْهَا } قرأ حمزة والكسائي: \"نأكل\" بالنون أي: نأكل نحن منها، { وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا } مخدوعًا. وقيل: مصروفًا عن الحق. { انْظُرْ } يا محمد، { كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ } يعني الأشباه، فقالوا: مسحور، محتاج، وغيره، { فَضَلُّوا } عن الحق، { فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا } إلى الهدى ومخرجًا عن الضلالة. { تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ } الذي قالوا، أو أفضل من الكنز والبستان الذي ذكروا، وروى عكرمة عن ابن عباس قال: يعني خيرًا من المشي في الأسواق والتماس المعاش (1) . ثم بين ذلك الخير فقال: { جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا } بيوتًا مشيدة، والعرب تسمي كل بيت مشيَّد قصرًا، وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وعاصم برواية أبي بكر: \"ويجعلُ\" برفع اللام، وقرأ الآخرون بجزمها على محل الجزاء في قوله: \"إن شاء جعل لك\".\r__________\r(1) ذكر الطبري القولين: (18 / 185) ورجح قول مجاهد الأول، لأن المشركين استعظموا أن لا تكون له جنة يأكل منها، وأن لا يلقى إليه كنز، واستنكروا أن يمشي في الأسواق، وهو لله رسول، فالذي هو أولى بوعد الله إياه أن يكون وعدا بما هو خير ما كان عند المشركين عظيما، لا مما كان منكرا عندهم.","part":6,"page":73},{"id":2196,"text":"أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة الكشميهني، أخبرنا أبو طاهر محمد بن الحارث، أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن يحيى بن أيوب، حدثني عبد الله بن زخر، عن علي بن يزيد، عن القاسم بن أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا فقلت: لا يا رب، ولكن أشبع يومًا وأجوع يومًا، وقال ثلاثًا أو نحو هذا، فإذا جعت تضرعتُ إليك وذكرتُك، وإذا شبعتُ حمدتُك وشكرتُك\" (1) .\rحدثنا أبو طاهر المُطَهَّرُ بن علي بن عبيد الله الفارسي، أخبرنا أبو ذر محمد بن إبراهيم الصالحاني، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان المعروف بأبي الشيخ، أخبرنا أبو يعلى، حدثنا محمد بن بكار، حدثنا أبو معشر عن سعيد يعني المقبري، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لو شئتُ لسارت معي جبال الذهب، جاءني مَلَكٌ إن حُجِزْتَهُ لتساوي الكعبة، فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول: إن شئتَ نبيًا عبدًا، وإن شئت نبيًا مَلِكًا، فنظرت إلى جبريل فأشار إليَّ أنْ ضَعْ نفسك، فقلت: نبيًا عبدًا\" قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لا يأكل متكئًا يقول: \"آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد\" (2) .\r{ بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (11) }\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الزهد، باب ما جاء في الكفاف والصبر عليه: 7 / 14، وقال: \"هذا حديث حسن، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث ويكنى أبا عبد الملك\".\rوأخرجه ابن ماجه في الزهد، باب من لا يؤبه له: 2 / 1379، وقال في الزوائد: \"إسناده ضعيف لضعف أيوب بن سليمان، وصدقه بن عبد الله متفق على تضعيفه\". ورواه الإمام أحمد: 2 / 252 و5 / 254 وابن سعد في الطبقات: 1 / 381، وأبو نعيم في الحلية: 8 / 133.\r(2) قال الهيثمي: (9 / 19): \"رواه أبو يعلى وإسناده حسن\"، وعبد الرزاق: 10 / 417، وأخرج القطعة الأولى منه الخطيب في تاريخ بغداد: 11/102، والثانية: \"إنما أنا عبد..\" أخرجها عبد الرزاق في الجامع عن معمر: 10 / 417، والإمام أحمد في الزهد ص (5)، والمصنف في شرح السنة: 13 / 248.","part":6,"page":74},{"id":2197,"text":"{ إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12) }\rقوله عز وجل: { بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ } بالقيامة، { وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا } نارًا مستعرة. { إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } قال الكلبي والسدي: من مسيرة عام. وقيل: من مسيرة مائة سنة. وقيل: خمسمائة سنة. وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"من كذب علي متعمدا فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا\". قالوا: وهل لها من عينين؟ قال: نعم ألم تستمعوا قول الله تعالى: { إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } (1)\r__________\r(1) عزاه السيوطي: 6 / 238 للطبراني وابن مردويه، وأخرجه الطبري بلفظ: \"من يقول علي ما لم أقل..\" 18 / 187.","part":6,"page":74},{"id":2198,"text":"وقيل إذا رأتهم زبانيتها. { سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا } غليانًا، كالغضبان إذا غَلَى صدره من الغضب. { وَزَفِيرًا } صوتًا. فإن قيل: كيف يسمع التغيظ؟ قيل: معناه رأوا وعلموا أن لها تغيظًا وسمعوا لها زفيرًا، كما قال الشاعر: ورأيتُ زوجَكِ في الوَغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا\rأي وحاملا رمحًا (1) . وقيل: سمعوا لها تغيظًا، أي: صوت التغيظ من التلهب والتوقد، قال عبيد بن عمير: تزفر جهنم يوم القيامة زفرة فلا يبقى مَلَك مُقرَّب ولا نبي مرسل إلا خرَّ لوجهه.\r{ وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (14) قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (15) }\r{ وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا } قال ابن عباس: تضيق عليهم كما يضيق الزجُّ (2) . في الرمح، { مُقَرَّنِينَ } مصفدين قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال. وقيل: مقرنين مع الشياطين في السلاسل، { دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا } قال ابن عباس: ويلا. وقال الضحاك: هلاكًا، وفي الحديث: \"إن أول من يكسى حلة من النار إبليس، فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه، وذريتُه من خلفه، وهو يقول: يا ثبوراه، وهم ينادون: يا ثبورهم، حتى يقفوا على النار فينادون: يا ثبوراه، وينادي: يا ثبورهم، فيقال لهم (3) { لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا } 45/أ قيل: أي هلاككم أكثر من أن تدعوا مرة واحدة، فادعوا أدعية كثيرة. قوله عز وجل: { قُلْ أَذَلِكَ } يعني الذي ذكرته من صفة النار وأهلها، { خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً } ثوابًا، { وَمَصِيرًا } مرجعًا.\r__________\r(1) هذا أحد التخريجين، والثاني: تضمين \"متقلدا\" معنى \"متسلحا\"، فكذلك الآية، أي: سمعوا لها ورأوا تغيظا وزفيرا، أو ضمن معنى أدركوا، فيشمل التغيظ والزفير. انظر البحر المحيط: 6 / 485.\r(2) الزج: حديدة في أسفل الرمح.\r(3) أخرجه الطبري: 18 / 188، وعبد بن حميد في المنتخب ص (368)، والإمام أحمد في المسند: 3 / 152-153. وفي سنده علي بن زيد، وعزاه السيوطي لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في \"البعث\" بسند صحيح، عن أنس مرفوعا. انظر: الدر المنثور: 6 / 240، تفسير القرطبي: 13 / 8، ابن كثير: 3 / 312.","part":6,"page":75},{"id":2199,"text":"{ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولا (16) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (18) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (19) }\r{ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولا } مطلوبًا، وذلك أن المؤمنين سألوا ربهم في الدنيا حين قالوا: \"ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك\" (آل عمران-194) ، يقول: كان أعطى الله المؤمنين جنة خلد وعدًا، وعدهم على طاعتهم إياه في الدنيا ومسألتهم إياه ذلك. قال محمد بن كعب القرظي: الطلب من الملائكة للمؤمنين وذلك قولهم: \"ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم\" (غافر-8 ) . { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ } قرأ ابن كثير، وأبو جعفر، ويعقوب، وحفص: \"يحشرهم\" بالياء، وقرأ الباقون بالنون، { وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } قال مجاهد: من الملائكة والجن والإنس وعيسى وعزير. وقال عكرمة والضحاك والكلبي: يعني الأصنام، ثم يخاطبهم { فَيَقُولُ } قرأ ابن عامر بالنون والآخرون بالياء، { أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ } أخطأوا الطريق. { قَالُوا سُبْحَانَكَ } نزهوا الله من أن يكون معه إله، { مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ } يعني: ما كان ينبغي لنا أن نوالي أعداءك، بل أنت ولينا من دونهم. وقيل: ما كان لنا أن نأمرهم بعبادتنا ونحن نعبدك. وقرأ أبو جعفر \"أن نُتَّخَذَ\" بضم النون وفتح الخاء، فتكون \"من\" الثاني صلة. { وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ } في الدنيا بطول العمر والصحة والنعمة، { حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ } تركوا الموعظة والإيمان بالقرآن. وقيل: تركوا ذكرك وغفلوا عنه، { وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا } يعني هلكى غلب عليهم الشقاء والخذلان، رجل يقال له بائر، وقوم بور، وأصله من البوار وهو الكساد والفساد، ومنه بوار السلعة وهو كسادها. وقيل هو اسم مصدر كالزور، يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث. { فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ } هذا خطاب مع المشركين، أي: كذبكم المعبودون، { بِمَا تَقُولُونَ } إنهم آلهة، { فَمَا تَسْتَطِيعُونَ } قرأ حفص بالتاء يعني العابدين، وقرأ الآخرون بالياء يعني: الآلهة.","part":6,"page":76},{"id":2200,"text":"{ صَرْفًا } يعني: صرفًا من العذاب عن أنفسهم، { وَلا نَصْرًا } يعني: ولا نصر أنفسهم. وقيل: ولا نصركم أيها العابدون من عذاب الله بدفع العذاب عنكم. وقيل: \"الصرف\": الحيلة، ومنه قول العرب: إنه ليصرف، أي: يحتال، { وَمَنْ يَظْلِمْ } يشرك، { مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا }\r{ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20) }\rقوله عز وجل: { وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ } يا محمد، { إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ } روى الضحاك عن ابن عباس قال: لما عيرَّ المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، أنزل الله عز وجل هذه الآية (1) . يعني: ما أنا إلا رسول وما كنتُ بِدْعًا من الرسل، وهم كانوا بشرًا يأكلون الطعام، { وَيَمْشُونَ فِي الأسْوَاقِ } وقيل: معناه وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا قيل لهم مثل هذا أنهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق كما قال في موضع آخر: \"ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك\" (فصلت-43) .\r{ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً } أي بلية، فالغني فتنة للفقير، يقول الفقير: ما لي لم أكن مثله؟ والصحيح فتنة للمريض، والشريف فتنة للوضيع. وقال ابن عباس: أي جعلت بعضكم بلاءً لبعض لتصبروا على ما تسمعون منهم، وترون من خلافهم، وتتبعوا الهدى. وقيل: نزلت في ابتلاء الشريف بالوضيع؛ وذلك أن الشريف إذا أراد أن يسلم فرأى الوضيع قد أسلم قبله أَنِف، وقال: أُسْلِمُ بعده فيكون له عليَّ السابقة والفضل؟! فيقيم على كفره ويمتنع من الإسلام، فذلك افتتان بعضهم ببعض، وهذا قول الكلبي (2) وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل، والوليد بن عقبة، والعاص بن وائل، والنضر بن الحارث؛ وذلك أنهم لما رأوا أبا ذر، وابن مسعود، وعمارًا، وبلالا وصهيبًا، وعامرَ بن فهيرة، وذويهم، قالوا: نسلم فنكون مثل هؤلاء؟. وقال: نزلت في ابتلاء فقراء المؤمنين بالمستهزئين من قريش، كانوا يقولون: انظروا إلى هؤلاء\r__________\r(1) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص (383-384) مطولا، وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس. انظر: الدر المنثور: 6 / 237.\r(2) البحر المحيط: 6 / 491، وقال: والأولى أن قوله: \"وجعلنا بعضكم لبعض فتنة\" يشمل معاني هذه الألفاظ كلها، لأن بين الجميع قدرا مشتركا.","part":6,"page":77},{"id":2201,"text":"الذين اتبعوا محمدًا من موالينا وأراذلنا، فقال الله تعالى لهؤلاء المؤمنين: { أَتَصْبِرُون } يعني على هذه الحالة من الفقر والشدة والأذى.\r{ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا } بمن صبر وبمن جزع. أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن، أخبرنا أبو العباس الأصم، حدثنا زكريا بن يحيى المروزي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إذا نظر أحدكم إلى مَنْ فُضِّلَ عليه في المال والجسم فلينظر إلى مَنْ دونه في المال والجسم\" (1) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الرقاق، باب لينظر إلى من هو أسفل منه: 11 / 322، ومسلم في الزهد برقم (2963): 14 / 292، والمصنف في شرح السنة 14 / 292 .","part":6,"page":78},{"id":2202,"text":"{ وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنزلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (22) }\rقوله عز وجل: { وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا } أي: لا يخافون البعث، قال الفرَّاء: \"الرجاء\" بمعنى الخوف، لغة تهامة، ومنه قوله تعالى: \"ما لكم لا ترجون لله وقارا\" (نوح-13) ، أي: لا تخافون لله عظمة. { لَوْلا أُنزلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ } فتخبرنا أن محمدًا صادق، { أَوْ نَرَى رَبَّنَا } فيخبرنا بذلك. { لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا } أي: تعظموا. { فِي أَنْفُسِهِمْ } بهذه المقالة، { وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا } قال مجاهد: \"عتوًا\" طغوا في القول و\"العتُّو\": أشد الكفر وأفحشُ الظلم، وعتوهم طلبهم رؤية الله حتى يؤمنوا به. { يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ } عند الموت. وقيل: في القيامة. { لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ } للكافرين، وذلك أن الملائكة يبشرون المؤمنين يوم القيامة، ويقولون للكفار: لا بشرى لكم، هكذا قال عطية، وقال بعضهم: معناه أنه لا بشرى يوم القيامة للمجرمين، أي: لا بشارة لهم بالجنة، كما يُبَشَّرُ المؤمنون. { وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا } قال عطاء عن ابن عباس: تقول الملائكة حرامًا محرمًا أن يدخل الجنة، إلا من قال لا إله إلا الله. وقال مقاتل: إذا خرج الكفار من قبورهم قالت لهم الملائكة حرامًا محرمًا 45/ب عليكم أن يكون لكم البشرى. وقال بعضهم: هذا قول الكفار للملائكة. قال ابن جريج: كانت العرب إذا نزلت بهم شدة رأوا ما يكرهون، قالوا حجرًا محجورًا، فهم يقولونه إذا عينوا الملائكة.","part":6,"page":78},{"id":2203,"text":"قال مجاهد: يعني عَوْذًا معاذًا، يستعيذون به من الملائكة (1) .\r{ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا (24) }\r{ وَقَدِمْنَا } وعمدنا، { إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا } أي: باطلا لا ثواب له، فهم لم يعملوه لله عز وجل. واختلفوا في \"الهباء\"، قال علي\" هو ما يرى في الكُوَّة إذا وقع ضوء الشمس فيها كالغبار، ولا يمس بالأيدي، ولا يرى في الظل، وهو قول الحسن وعكرمة ومجاهد، و\"المنثور\": المتفرق. وقال ابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير: هو ما تسفيه الرياح وتذريه من التراب وحطام الشجر. وقال مقاتل: هو ما يسطع من حوافر الدوابِّ عند السير. وقيل: \"الهباء المنثور\": ما يرى في الكوة، و\"الهباء المنبث\": هو ما تطيره الرياح من سنابك الخيل (2) . قوله عز وجل: { أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا } أي: من هؤلاء المشركين المتكبرين، { وَأَحْسَنُ مَقِيلا } موضع قائلة، يعني: أهل الجنة لا يمر بهم يوم القيامة إلا قدر النهار من أوله إلى وقت القائلة حتى يسكنوا مساكنهم في الجنة. قال ابن مسعود: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، وقرأ \"ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم\" هكذا كان يقرأ (3) . وقال ابن عباس في هذه الآية: الحساب ذلك اليوم في أوله، وقال القوم حين قالوا في منازلهم في الجنة.\r__________\r(1) ذكر الطبري هذه الأقوال واختار منها أن الملائكة يقولون للمجرمين: حجرا محجورا، حراما محرما عليكم اليوم البشرى أن تكون لكم من الله. انظر: تفسير الطبري: 19 / 2-3.\r(2) انظر هذه الأقوال في الطبري: 19 / 4-5، الدر المنثور: 6 / 246، زاد المسير: 6 / 83. وقال ابن كثير رحمه الله (3 / 315): \"وحاصل هذه الأقوال: التنبيه على مضمون الآية، وذلك أنهم عملوا أعمالا اعتقدوا أنها على شيء، فلما عرضت على الملك الحَكَم العدل الذي لا يجور ولا يظلم أحدا، إذا أنها لا شيء بالكلية، وشبهت في ذلك بالشيء التافه الحقير المتفرق الذي لا يقدر صاحبه منه على شيء بالكلية، كما قال تعالى: \"مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح\". وقال أيضا: \"أخبر أنه لا يحصل لهؤلاء المشركين -من الأعمال التي ظنوا أنها منجاة لهم- شيء، وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي؛ إما الإخلاص فيها، وإما المتابعة لشرع الله. فكل عمل لا يكون خالصا وعلى الشريعة المرضية فهو باطل، فأعمال الكفار لا تخلو من واحد من هذين، وقد تجمعهما معا فتكون أبعد من القبول حينئذ\".\r(3) الطبري: 19 / 5.","part":6,"page":79},{"id":2204,"text":"قال الأزهري: \"القيلولة\" و\"المقيل\": الاستراحة نصف النهار، وإن لم يكن مع ذلك نوم، لأن الله تعالى قال: \"وأحسن مقيلا\"، والجنة لا نوم فيها. ويروى أن يوم القيامة يقصر على المؤمنين حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس (1) .\r{ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنزلَ الْمَلائِكَةُ تَنزيلا (25) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (26) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا (27) }\rقوله عز وجل: { وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ } أي: عن الغمام، الباء وعن يتعاقبان، كما يقال: رميت عن القوس وبالقوس، وتشقق بمعنى تتشقق، أدغموا إحدى التاءين، وقرأ أبو عمرو وأهل الكوفة بتخفيف الشين هاهنا، وفي سورة \"ق\" بحذف إحدى التاءين، وقرأ الآخرون بالتشديد، أي: تتشق بالغمام، وهو غمام أبيض رقيق مثل الضبابة، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم. { وَنزلَ الْمَلائِكَةُ تَنزيلا } قرأ ابن كثير: و\"نُنزلُ\" بنونين خفيف ورفع اللام، \"الملائكةَ\" نصب، قال ابن عباس: تشقق السماء الدنيا فينزل أهلها، وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس، ثم تشقق السماء الثانية فينزل أهلها، وهم أكثر ممن في السماء الدنيا، ومن الجن والإنس، ثم كذلك حتى تشقق السماء السابعة وأهل كل سماء يزيدون على أهل السماء التي قبلها، ثم ينزل الكروبيون ثم حملة العرش (2) . { الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ } أي: [الملك] (3) الذي هو الملك الحق حقًا ملك الرحمن يوم القيامة. قال ابن عباس: يريد أن يوم القيامة لا ملك يقضى غيره. { وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا } شديدًا، فهذا الخطاب يدل على أنه لا يكون على المؤمن عسيرا، وجاء في الحديث: \"أنه يهون يوم القيامة على المؤمنين حتى يكون عليهم أخف من صلاة مكتوبة صلوها في الدنيا\" (4) { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ } أراد بالظالم عقبة بن أبي معيط، وذلك أن عقبة كان لا يقدم من سفر إلا صنع طعامًا فدعا إليه أشراف قومه، وكان يكثر مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم فقدم ذات\r__________\r(1) أخرجه ابن جرير: 19 / 5 عن سعيد الصواف أنه بلغه أن يوم القيامة... إلخ.\r(2) انظر: الطبري 19 / 6-7، الدر المنثور: 6 / 248-249، ابن كثير: 3 / 217.\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) رواه الإمام أحمد في المسند: 3 / 75، وقال الهيثمي في المجمع: (10 / 337): \"رواه أحمد وأبو يعلى، وإسناده حسن على ضعف في رواية\". فيه: دراج أبو السمح عن أبي الهيثم، وابن لهيعة، وفيهم ضعف. وانظر: تفسير ابن كثير: 3 / 317.","part":6,"page":80},{"id":2205,"text":"يوم من سفر فصنع طعامًا فدعا الناس ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قرب الطعام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ما أنا بآكل طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله\" فقال عقبة: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم من طعامه، وكان عقبة صديقًا لأبَيِّ بن خلف، فلما أخبر أبي بن خلف قال له: يا عقبة صبأت؟ قال: لا والله ما صبأت، ولكن دخل علي رجل فأبى أن يأكل طعامي إلا أن أشهد له، فاستحييتُ أن يخرج من بيتي ولم يطعم، فشهدت له فطعم، فقال: ما أنا بالذي أرضى عنك أبدًا إلا أن تأتيه فتبزق في وجهه، ففعل ذلك عقبة، فقال عليه السلام: \"لا ألقاك خارجًا من مكة إلا علوتُ رأسك بالسيف\" فقتل عقبة يوم بدر صبرًا. وأما أبي بن خلف فقتله النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد بيده (1)\rوقال الضحاك: لما بزق عقبة في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد بزاقه في وجهه فاحترق خداه، وكان أثر ذلك فيه حتى الموت (2) . وقال الشعبي (3) كان عقبة بن أبي معيط خليل أمية بن خلف فأسلم عقبة، فقال أمية: وجهي من وجهك حرام أن بايعت محمدًا، فكفر وارتدَّ، فأنزل الله عز وجل: \"ويوم يعض الظالم\" يعني: عقبة بن أبي معيط بن عبد شمس بن مناف \"على يديه\" ندمًا وأسفًا على ما فرط في جنب الله، وأوبق نفسه بالمعصية والكفر بالله بطاعة خليله الذي صده عن سبيل ربه. قال عطاء: يأكل يديه حتى تبلغ مرفقيه ثم تنبتان، ثم يأكل هكذا، كلما نبتت يده أكلها تحسرا على ما فعل. { يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ } في الدنيا، { مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا } ليتني اتبعت محمدا صلى الله عليه وسلم، واتخذت معه سبيلا إلى الهدى. قرأ أبو عمرو: \"يَا ليتني اتخذت\" بفتح الياء، والآخرون بإسكانها.\r{ يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإنْسَانِ خَذُولا (29) }\r{ يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا } يعني: أبي بن خلف. { لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ } عن الإيمان والقرآن، { بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي } يعني: الذكر مع الرسول، { وَكَانَ الشَّيْطَانُ } وهو كل متمرد عات من الإنس والجن، وكل من صد عن سبيل الله فهو شيطان. { لِلإنْسَانِ خَذُولا } أي: تاركًا يتركه ويتبرأ منه عند نزول البلاء والعذاب، وحكم هذه الآية عام في حق كل متحابين اجتمعا على معصية الله.\r__________\r(1) أخرجه ابن مردويه وأبو نعيم في \"الدلائل\" بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس. الدر المنثور: 6 / 250، الفتح السماوي للمناوي: 2 / 880، أسباب النزول للواحدي ص (385).\r(2) أسباب النزول للواحدي ص (386)، القرطبي: 13 / 26.\r(3) أسباب النزول ص (385)، الطبري: 19 / 8 باختصار.","part":6,"page":81},{"id":2206,"text":"أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن العلاء، أخبرنا أبو أسامة، عن يزيد، عن أبي بردة، عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: 46/أ \"مَثَلُ الجليسِ الصالح والسوءِ، كحامِلْ المسك ونافخِ الكِير، فحاملُ المسك إمَّا أن يُحْذِيَك وإمَّا أن تبتاع منه، وإمَّا أن تجدَ منه ريحًا طيبة، ونافخُ الكير إمَّا أن يحرق ثيابك، وإمَّا أن تجد منه ريحًا خبيثة\" (1) .\rأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن حياة بن شريح، أخبرني سالم بن غيلان أن الوليد بن قيس التُّجيبي أخبره أنه سمع أبا سعيد الخدري -قال سالم: أو عن أبي الهيثم عن أبي سعيد-أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: \"لا تصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي\" (2) . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن كساب النيسابوري، أخبرنا أبو العباس الأصم، حدثنا حميد بن عياش الرملي، أخبرنا مؤمل بن إسماعيل، حدثنا زهير بن محمد الخراساني، حدثنا موسى بن وردان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"المرءُ على دين خليلهِ فلينظْر أحدُكم من يُخَالِلُ\" (3) .\r{ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30) }\r{ وَقَالَ الرَّسُولُ } يعني: ويقول الرسول في ذلك اليوم: { يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا } أي: متروكًا فأعرضوا عنه، ولم يؤمنوا به ولم يعملوا بما فيه. وقيل: جعلوه بمنزلة الهجر وهو الهذيان، والقوي السيء، فزعموا أنه شعر وسحر، وهو قول النخعي ومجاهد.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الذبائح، باب المسك: 9 / 660، ومسلم في البر والصلة، باب استحباب مجالسة الصالحين، برقم (2628): 4 / 2026، والمصنف في شرح السنة: 13 / 68.\r(2) أخرجه أبو داود في الأدب، باب من يؤمر أن يجالس: 7 / 185، وسكت عليه أبو داود والمنذري، والترمذي في الزهد: 7 / 76، وقال: \"هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه\"، والدارمي في الأطعمة: 2 / 103، وصححه الحاكم: 4 / 128، وابن حبان برقم (2049) من موارد الظمآن، وحسنه المصنف في شرح السنة: 13 / 68. وانظر: فيض القدير للمناوي: 6 / 405.\r(3) أخرجه أبو داود في الأدب: 7 / 186، قال المنذري: \"وفي إسناده موسى بن وردان، وقد ضعفه بعضهم، وقال بعضهم: لا بأس به، ورجح بعضهم في هذا الحديث الإرسال\".\rوالترمذي في الزهد: 7 / 49 وقال: \"هذا حديث حسن غريب\"، وصححه الحاكم: 4 / 171، وأخرجه الإمام أحمد: 2 / 303، و434، وذكره في المشكاة: 3 / 1397 وعزاه أيضا للبيهقي في \"شعب الإيمان\" وقال النووي: إسناده صحيح. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 13 / 70.","part":6,"page":82},{"id":2207,"text":"وقيل: قال الرسول يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم يشكوا قومه إلى الله يا رب: إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا فعزَّاه الله تعالى فقال: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ }\r{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نزلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا (32) }","part":6,"page":83},{"id":2208,"text":"{ وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلا (34) }\r{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا } يعني: كما جعلنا لك أعداء من مشركي قومك كذلك جعلنا، { لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ } يعني: المشركين. قال مقاتل: يقول لا يَكْبُرَنَّ عليك، فإن الأنبياء قبلك قد لَقِيَتْ هذا من قومهم، فاصبر لأمري كما صبروا، فإني ناصرك وهاديك، { وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا } { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نزلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً } كما أنزلت التوراة على موسى والإنجيل على عيسى والزبور على داود. قال الله تعالى: { كَذَلِكَ } فَعَلْتُ، { لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ } أي: أنزلناه متفرقًا ليقوى به قلبك فتعيه وتحفظه، فإن الكتب أنزلت على الأنبياء يكتبون ويقرءون، وأنزل الله القرآن على نبي أمي لا يكتب ولا يقرأ، ولأن من القرآن الناسخ والمنسوخ، ومنه ما هو جواب لمن سأل عن أمور، ففرقناه ليكون أوعى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأيسر على العامل به. { وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا } قال ابن عباس: بيَّنَّاه بيانًا، والترتيل: التبيين في ترسل وتثبت. وقال السدي: فصَّلناه تفصيلا. وقال مجاهد: بعضه في إثر بعض. وقال النخعي والحسن وقتادة: فرقناه تفريقًا، آيةً بعد آية. { وَلا يَأْتُونَكَ } يا محمد يعني: هؤلاء المشركين، { بِمَثَل } يضربونه في إبطال أمرك { إِلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ } يعني بما ترد به ما جاءوا به من المثل وتبطله، فسمي ما يوردون من الشبه مثلا وسمي ما يدفع به الشبه حقًا، { وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا } أي: بيانًا وتفصيلا و\"التفسير\": تفعيل، من الفَسْر، وهو كشف ما قد غطي. ثم ذكرَ مآل هؤلاء المشركين فقال: { الَّذِينَ } [أي: هم الذين] (1) { يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ } فيساقون ويجرون، { إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا } أي: مكانة ومنزلة، ويقال: منزلا ومصيرًا، { وَأَضَلُّ سَبِيلا } أخطأُ طريقًا.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".","part":6,"page":83},{"id":2209,"text":"{ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (35) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (36) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (37) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (38) }\r{ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا } مُعِيَنًا وظهيرًا . { فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا } يعني القبط، { فَدَمَّرْنَاهُمْ } فيه إضمار، أي: فكذبوهما فدمرناهم، { تَدْمِيرًا } أهلكناهم إهلاكًا. { وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ } أي: الرسول، ومن كذب رسولا واحدًا فقد كذب جميع الرسل، فلذلك ذكر بلفظ الجمع. { أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً } يعني: لمن بعدهم عبرة، { وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ } في الآخرة، { عَذَابًا أَلِيمًا } سوى ما حلَّ به من عاجل العذاب. { وَعَادًا وَثَمُودَ } أي: وأهلكنا عادًا وثمود، { وَأَصْحَابَ الرَّسِّ } اختلفوا فيهم، قال وهب بن منبه: كانوا أهل بئر قعودًا عليها، وأصحابَ مواشي، يعبدون الأصنام، فوجَّه الله إليهم شعيبًا يدعوهم إلى الإسلام، فتمادوا في طغيانهم، وفي أذى شعيب عليه السلام، فبينما هم حول البئر في منازلهم انهارت البئر، فخسف بهم وبديارهم ورباعهم، فهلكوا جميعًا. و\"الرسُّ\": البئر، وكل ركية لم تُطْوَ بالحجارة والآجر فهو رسٌّ. وقال قتادة والكلبي: \"الرس\" بئر بفَلْج اليمامة، قتلوا نبيهم فأهلكهم الله عز وجل. وقال بعضهم: هم بقية ثمود قوم صالح، وهم أصحاب البئر التي ذكر الله تعالى في قوله: \"وبئر معطلةٍ وقَصْرٍ مَشِيدْ\" (الحج-45) . وقال سعيد بن جبير: كان لهم نبي يقال له حنظلة بن صفوان فقتلوه فأهلكهم الله تعالى. وقال كعب ومقاتل والسدي: \"الرس\": بئر بإنطاكية قتلوا فيها حبيبًا النجار، وهم الذين ذكرهم الله في سورة يس. وقيل: هم أصحاب الأخدود، [والرسُّ هو الأخدود] (1) الذي حفروه. وقال عكرمة: هم قوم رسّوا نبيهم في بئر (2) . وقيل: الرسُّ المعدن، وجمعه رساس.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) لم يقم على هذه القوال في المعنى بأصحاب الرس دليل ثابت، ورجح الطبري أنهم أصحاب الأخدود، وبعض الأقوال السابقة مردودة بنصوص أخرى، والله أعلم. انظر: الطبري: 19 / 13-15، الدر المنثور: 6 / 256-257، زاد المسير: 6 / 90، البحر المحيط: 6 / 498-495، تفسير ابن كثير: 3 / 319-320.","part":6,"page":84},{"id":2210,"text":"{ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا } أي: وأهلكنا قرونًا كثيرًا بين عاد وأصحاب الرس.\r{ وَكُلا ضَرَبْنَا لَهُ الأمْثَالَ وَكُلا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (39) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا (40) وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا (41) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلا (42) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا (43) }\r{ وَكُلا ضَرَبْنَا لَهُ الأمْثَالَ } أي: الأشباه في إقامة الحجة عليهم، فلم نهلكهم إلا بعد الإنذار { وَكُلا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا } أي: أهلكنا إهلاكًا. وقال الأخفش: كسرنا تكسيرًا. قال الزجاج: كل شيء كسرتُه وفتَّته فقد تبَّرتَه. { وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ } يعني الحجارة، وهي قريات قوم لوط، وكانت خمس قرى، فأهلك الله أربعًا منها، ونجت واحدة، وهي أصغرها، وكان أهلها لا يعملون العمل الخبيث، { أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا } إذ مروا بهم في أسفارهم فيعتبروا ويتذكروا، لأن مدائن قوم لوط كانت على طريقهم عند ممرهم إلى الشام، { بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ } 46/ب لا يخافون، { نُشُورًا } بعثًا. قوله عز وجل: { وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ } يعني: ما يتخذونك، { إِلا هُزُوًا } أي: مهزوءًا به، نزلت في أبي جهلٍ، كان إذ مرَّ بأصحابه على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مستهزئًا: { أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا } (1) ؟! { إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا } أي: قد قارب أن يضلنا، { عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا } أي: لو لم نصبر عليها لصرفنا عنها، { وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلا } من أَخطأُ طريقًا. { أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ } وذلك أن الرجل من المشركين كان يعبد الحجر فإذا رأى حجرًا أحسن منه طرح الأول وأخذ الآخر فعبده. وقال ابن عباس: أرأيت من ترك عبادة الله وخالقه ثم هوي حجرًا فعبده ما حاله عندي؟ { أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا } أي: حافظًا، يقول: أفأنت\r__________\r(1) ذكره في البحر المحيط: 6 / 500، والآية فيها إخبار عن استهزاء المشركين بالنبي صلى الله عليه وسلم وتنقصهم له، وأبو جهل داخل في عموم أولئك المشركين.","part":6,"page":85},{"id":2211,"text":"عليه كفيل تحفظه من اتباع هواه وعبادة من يهوى من دون الله؟ أي: لست كذلك. قال الكلبي: نسختها آية القتال.","part":6,"page":86},{"id":2212,"text":"{ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا (44) أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا (45) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (46) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (47) }\r{ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ } ما تقول سماع طالب الإفهام، { أَوْ يَعْقِلُونَ } ما يعاينون من الحجج والإعلام، { إِنْهُمْ } ما هم، { إِلا كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا } لأن البهائم تهتدي لمراعيها ومشاربها وتنقاد لأربابها الذين يتعهدونها، وهؤلاء الكفار لا يعرفون طريق الحق، ولا يطيعون ربهم الذي خلقهم ورزقهم، ولأن الأنعام تسجد وتسبح لله وهؤلاء الكفار لا يفعلون. قوله عز وجل: { أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ } معناه ألم ترَ إلى مَدِّ ربِّك الظلَّ، وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، جعله ممدودًا لأنه ظل لا شمس معه، كما قال: \"في ظل الجنة\"، \"وظل ممدود\" (الواقعة-30) إذ لم يكن معه شمس. { وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا } دائمًا ثابتًا لا يزول ولا تذهبه الشمس. قال أبو عبيدة: \"الظل\": ما نسخته الشمس، وهو بالغداة، و\"الفيء\": ما نسخ الشمس، وهو بعد الزوال، سُمِّي فيئًا لأنه فاء من جانب المشرق إلى جانب المغرب، { ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا } أي: على الظل. ومعنى دلالتها عليه أنه لو لم تكن الشمس لما عرف الظل، ولولا النور لما عرفت الظلمة، والأشياء تعرف بأضدادها. { ثُمَّ قَبَضْنَاهُ } يعني الظل، { إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا } بالشمس التي تأتي عليه، و\"القبض\": جمع المنبسط من الشيء، معناه: أن الظل يعم جميع الأرض قبل طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس قبض الله الظلَّ جزءًا فجزءًا \"قبضا يسيرا\"، أي: خفيًا. { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا } أي: سترًا تستترون به، يريد أن ظلمته تغشى كل شيء، كاللباس الذي يشتمل على لابسه، { وَالنَّوْمَ سُبَاتًا } راحةً لأبدانكم وقطعًا لعملكم، وأصل \"السبت\": القطع، والنائم مسبوت لأنه انقطع عمله وحركته. { وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا } أي: يقظة وزمانًا، تنتشرون فيه لابتغاء الرزق، وتنتشرون لأشغالكم.","part":6,"page":86},{"id":2213,"text":"{ وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) }\r{ وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } يعني المطر { وَأَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا } وهو الطاهر في نفسه المطهر لغيره، فهو اسم لما يتطهر به، كالسَّحور اسم لما يتسحر به، والفَطور اسم لما يفطر به، والدليل عليه ما روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في البحر: \"هو الطهور ماؤه الحل ميتته\" (1) وأراد به المطهِّر، فالماء مطهر لأنه يطهر الإنسان من الحَدَث والنجاسة، كما قال في آية أخرى: \"ويُنزل عليكم من السماء ماءً ليطهركم به\" (الأنفال-11) ، فثبت به أن التطهير يختص بالماء.\rوذهب أصحاب الرأي إلى أن \"الطهور\" هو الطاهر، حتى جوزوا إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة، مثل الخل وماء الورد والمرق ونحوها (2) . ولو جاز إزالة النجاسة بها لجاز إزالة الحدث بها. وذهب بعضهم إلى أن \"الطهور\" ما يتكرر منه التطهير، كالصبور اسم لمن يتكرر منه الصبر، والشكور اسم لمن يتكرر منه الشكر، وهو قول مالك، حتى جوَّز الوضوء بالماء الذي توضأ منه مرة (3) . وإن وقع في الماء شيء غيرَّ طعمه أو لونه أو ريحه هل تزول طهوريته؟ نظر: إن كان الواقع شيئًا لا يمكن صون الماء عنه، كالطين والتراب وأوراق الأشجار، لا تزول، فيجوز الطهارة به كما لو تغير لطول المكث في قراره، وكذلك لو وقع فيه ما لا يخالطه، كالدهن يصب فيه فيتروح الماء\r__________\r(1) أخرجه الإمام مالك في الموطأ: 1 / 22، وأبو داود في باب الوضوء بماء البحر: 1 / 80، والترمذي في باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور: 1 / 224-225 وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\"، والنسائي في الطهارة: 1 / 50، 176، وابن ماجه في الوضوء بماء البحر: 1 / 136 ، 137 ، وصححه الحاكم: 1 / 140، وابن حبان برقم (119) وابن خزيمة: 1 / 59. والمصنف في شرح السنة: 2 / 55.\rقال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث؟ فقال: هو حديث صحيح. قال البيهقي: وإنما لم يخرجه البخاري ومسلم بن الحجاج في الصحيح لأجل اختلاف وقع في اسم سعيد بن سلمة والمغيرة ابن أبي بردة. انظر: تلخيص الحبير: 1 / 9.\r(2) قال الجصاص في أحكام القرآن: (5 / 201) \"الطهور، على وجه المبالغة في الوصف له بالطهارة وتطهير غيره، فهو طاهر مطهر، كما يقال: رجل ضروب وقتول، أي: يضرب ويقتل، وهو مبالغة في الوصف له بذلك\".\r(3) في المدونة: (1 / 4) \"وقال مالك: لا يتوضأ بماء قد توضئ به مرة، قال: ولا خير فيه... قلت: فلو لم يجد رجل ماء إلا ما قد توضئ به مرة، أيتيمم أم يتوضأ بما قد توضئ به مرة؟ قال: يتوضأ بذلك الماء الذي قد توضئ به مرة أحب إلي إذا كان الذي توضأ به طاهرا\".","part":6,"page":87},{"id":2214,"text":"برائحته يجوز الطهارة به، لأن تغيره للمجاورة لا للمخالطة. وإن كان شيئا يمكن صون الماء منه ويخالطه كالخل والزعفران ونحوهما تزول [طهوريته فلا يجوز الوضوء به. وإن لم يتغير أحد أوصافه، ينظر: إن كان الواقع فيه شيئًا طاهرًا لا تزول] (1) طهوريته، فتجوز الطهارة به، سواء كان الماء قليلا أو كثيرًا، وإن كان الواقع فيه شيئًا نجسًا، ينظر: فإن كان الماء قليلا أقل من القلتين ينجس الماء، وإن كان قدر قلتين فأكثر فهو طاهر يجوز الوضوء به. والقلتان خمس قرب، ووزنه خمسمائة رطل، والدليل عليه ما: أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي، حدثنا عبد الرحيم بن المنيب، أخبرنا جرير عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الماء يكون في الفلاة وما يَرِدُه من الدوابِّ والسِّباع؟ فقال: \"إذا كان الماء قُلَّتين ليس يحمل الخبث\" (2) وهذا قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وجماعة من أهل الحديث: أن الماء إذا بلغ هذا الحدّ لا ينجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير أحد أوصافه (3) .\rوذهب جماعة إلى أن الماء القليل لا ينجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير طعمه أو لونه أو ريحه، وهو قول الحسن وعطاء والنخعي والزهري. واحتجوا بما: أخبرنا أبو القاسم بن عبد الله بن محمد الحنفي، أخبرنا أبو الحارث طاهر بن محمد الطاهري، حدثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن حكيم، حدثنا أبو الموجه محمد بن عمرو بن الموجه، حدثنا صدقة بن الفضل 47/أ أخبرنا أبو أسامة عن الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج، عن أبي سعيد الخدري قال: قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة؟ وهي بئر يلقى في الحيض ولحوم الكلاب والنتن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن الماء طهور لا ينجسه شيء\" (4) .\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب ما ينجس من الماء: 1 / 56، والترمذي في باب الماء لا ينجسه شيء: 1 / 215، والنسائي في باب التوقيت في الماء: 1 / 46، وابن ماجه في مقدار الماء الذي لا ينجس: 1 / 172، والدارمي في الوضوء: 1 / 187، وابن خزيمة 1 / 49، والشافعي في الأم: 1 / 4، والإمام أحمد: 2 / 27.\r(3) انظر بالتفصيل: الأوسط في السنن والإجماع، لابن المنذر: 1 / 260 وما بعدها.\r(4) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب ما جاء في بئر بضاعة: 1 / 73، والترمذي في باب ما جاء أن الماء طهور لا ينجسه شيء: 1 / 203-205 وقال هذا حديث حسن، وقد جود أبو أسامة هذا الحديث فلم يرو أحد حديث أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد\"، وأخرجه النسائي في باب ذكر بئر بضاعة: 1 / 174، وابن ماجه: 1 / 173، والشافعي: 1 / 12 من ترتيب المسند، والدارقطني: 1 / 13، والإمام أحمد: 3 / 31، 86، وصححه الحاكم.","part":6,"page":88},{"id":2215,"text":"{ لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا (50) }\rقوله عز وجل: { لِنُحْيِيَ بِهِ } أي: بالمطر، { بَلْدَةً مَيْتًا } ولم يقل: \"ميتة\" لأنه رجع به إلى الموضع والمكان، { وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا } أي: نسقي من ذلك الماء أنعامًا، { وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا } أي: بشرًا كثيرًا، والأناسي: [جمع أنسي، وقيل] (1) جمع إنسان، وأصله: \"أناسين\" مثل: بستان وبساتين، فجعل الياء عوضًا عن النون. { وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ } يعني: المطر، مرة ببلدة ومرة ببلد آخر. قال ابن عباس: ما من عام بأمطر من عام ولكن الله يصرفه في الأرض، وقرأ هذه الآية (2) . وهذا كما روي مرفوعًا: \"ما من ساعة من ليل ولا نهار إلا السماء تمطر فيها يصرفه الله حيث يشاء\" (3) .\rوذكر ابن إسحاق وابن جريج ومقاتل وبلغوا به وابن مسعود يرفعه قال: \"ليس من سنة بأمطر من أخرى، ولكن الله قسم هذه الأرزاق، فجعلها في السماء الدنيا، في هذا القطر ينزل منه كل سنة بكيل معلوم ووزن معلوم، وإذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم، فإذا عصوا جميعًا صرف الله ذلك إلى الفيافي والبحار\" (4) . وقيل: المراد من تصريف المطر تصريفه وابلا وطلا ورذاذًا ونحوها. وقيل: التصريف راجع إلى الريح.\r{ لِيَذَّكَّرُوا } أي: ليتذكروا ويتفكروا في قدرة الله تعالى، { فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا } جحودا، وكفرانهم هو أنهم إذا مطروا قالوا مطرنا بنوء كذا. أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك بن أنس، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) صححه الحاكم في المستدرك: 2 / 403، وأخرجه الطبري: 19 / 22 من رواية الحسن بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وأخرجه الطبري أيضا من رواية ابن مسعود موقوفا.\rقال ابن حجر في الكافي الشاف ص (122): \".. وفي الباب عن ابن مسعود، أخرجه العقيلي من رواية علي بن حميد عن شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عنه. وقال: لا يتابع على رفعه. ثم أخرجه موقوفا من رواية عمر بن مرزوق عن شعبة، وقال: هذا أولى، وأورده ابن مردويه من وجه آخر عن ابن مسعود مرفوعا\". وانظر: الدر المنثور: 6 / 264، تفسير ابن كثير: 3 / 322.\r(3) صححه الحاكم في المستدرك: 2 / 403، وأخرجه الطبري: 19 / 22 من رواية الحسن بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وأخرجه الطبري أيضا من رواية ابن مسعود موقوفا.\rقال ابن حجر في الكافي الشاف ص (122): \".. وفي الباب عن ابن مسعود، أخرجه العقيلي من رواية علي بن حميد عن شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عنه. وقال: لا يتابع على رفعه. ثم أخرجه موقوفا من رواية عمر بن مرزوق عن شعبة، وقال: هذا أولى، وأورده ابن مردويه من وجه آخر عن ابن مسعود مرفوعا\". وانظر: الدر المنثور: 6 / 264، تفسير ابن كثير: 3 / 322.\r(4) صححه الحاكم في المستدرك: 2 / 403، وأخرجه الطبري: 19 / 22 من رواية الحسن بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وأخرجه الطبري أيضا من رواية ابن مسعود موقوفا.\rقال ابن حجر في الكافي الشاف ص (122): \".. وفي الباب عن ابن مسعود، أخرجه العقيلي من رواية علي بن حميد عن شعبة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عنه. وقال: لا يتابع على رفعه. ثم أخرجه موقوفا من رواية عمر بن مرزوق عن شعبة، وقال: هذا أولى، وأورده ابن مردويه من وجه آخر عن ابن مسعود مرفوعا\". وانظر: الدر المنثور: 6 / 264، تفسير ابن كثير: 3 / 322.","part":6,"page":89},{"id":2216,"text":"كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال \"أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي، وكافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنَوْء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب\" (1)\r{ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51) فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54) }\rقوله عز وجل: { وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا } رسولا ينذرهم، ولكن بعثناك إلى القرى كلها، وحملناك ثقل النذارة جميعها، لتستوجب بصبرك عليه ما أعددنا لك من الكرامة والدرجة الرفيعة. { فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ } فيما يدعونك إليه من موافقتهم ومداهنتهم. { وَجَاهِدْهُمْ بِهِ } أي: بالقرآن، { جِهَادًا كَبِيرًا } شديدًا. { وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ } خلطهما وأفاض أحدهما في الآخر، وقيل: أرسلهما في مجاريهما وخلاهما كما يرسل الخيل في المرج، وأصل \"المرج\": الخلط والإرسال، يقال: مرجت الدابة وأمرجتها إذا أرسلتها في المرعى وخليتها تذهب حيث تشاء، { هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ } شديد العذوبة، و\"الفرات\": أعذب المياه، { وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ } شديد الملوحة. وقيل: أُجاج أي: مرّ { وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا } أي: حاجزًا بقدرته لئلا يختلط العذب بالملح ولا الملح بالعذب، { وَحِجْرًا مَحْجُورًا } أي: سترًا ممنوعًا فلا يبغيان، ولا يفسد الملحُ العَذْبَ. { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ } من النطفة، { بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا } أي: جعله ذا نسب وصهر، قيل: \"النسب\" ما لا يحل نكاحه، و\"الصهر\": ما يحل نكاحه، فالنسبُ ما يوجب الحرمة، والصهرُ ما لا يوجبها، وقيل: -وهو الصحيح-: النسب: من القرابة، والصهر: الخلطة التي تشبه القرابة، وهو السبب المحرم للنكاح، وقد ذكرنا أن الله تعالى حرم بالنسب سبعًا وبالسبب سبعًا، في قوله (2) \"حُرّمتْ عليكم أمهاتُكم\" (النساء-23) ، { وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا }\r__________\r(1) أخرجه مالك في الاستسقاء، باب الاستمطار بالنجوم: 1 / 192، والبخاري في الاستسقاء، باب قول الله تعالى: \"وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون\": 2 / 522، وفي الصلاة والمغازي والتوحيد، ومسلم في الإيمان، باب كفر من قال مطرنا بالنوء، برقم (71): 1 / 83-84، والمصنف في شرح السنة: 4 / 419.\r(2) أخرجه مالك في الاستسقاء، باب الاستمطار بالنجوم: 1 / 192، والبخاري في الاستسقاء، باب قول الله تعالى: \"وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون\": 2/522، وفي الصلاة والمغازي والتوحيد، ومسلم في الإيمان، باب كفر من قال مطرنا بالنوء، برقم (71): 1 / 83-84، والمصنف في شرح السنة: 4 / 419.","part":6,"page":90},{"id":2217,"text":"{ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (55) }","part":6,"page":91},{"id":2218,"text":"{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (56) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا (57) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (58) الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (59) }\r{ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } يعني: هؤلاء المشركين، { مَا لا يَنْفَعُهُمْ } إن عبدوه، { وَلا يَضُرُّهُمْ } إن تركوه، { وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا } أي: معينًا للشيطان على ربه بالمعاصي. قال الزجاج: أي: يعاون الشيطان على معصية الله لأن عبادتهم الأصنام معاونة للشيطان. وقيل: معناه وكان الكافر على ربه ظهيرًا، أي: هينًا ذليلا كما يقال الرجل: جعلني بظهير، أي: جعلني هينًا. ويقال: ظهرت به، إذا جعله خلف ظهره فلم يلتفت إليه. { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا } أي: منذرًا. { قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ } على تبليغ الوحي، { مِنْ أَجْرٍ } فتقولوا إنما يطلب محمد أموالنا بما يدعونا إليه فلا نتبعه، { إِلا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا } هذا من الاستثناء المنقطع، مجازه: لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا بالإنفاق من ماله في سبيله فعل ذلك، والمعنى: لا أسألكم لنفسي أجرًا ولكن لا أمنع من إنفاق المال في طلب مرضاة الله واتخاذ السبيل إلى جنته. { وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ } أي: صل له شكرًا على نعمه. وقيل: قل: سبحان الله، والحمد لله. { وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا } عالمًا فيجازيهم بها. { الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا } بالرحمن. قال الكلبي: يقول فاسأل الخبير [بذلك، يعني: بما ذكر من خلق السموات والأرض والاستواء على العرش. وقيل:] (1) الخطاب للرسول والمراد منه غيره لأنه كان مصدقًا به، والمعنى: أيها الإنسان لا ترجح في طلب العلم بهذا إلى غيري. وقيل: الباء بمعنى \"عن\"، أي: فاسأل عنه خبيرا وهو الله عز وجل. وقيل: جبريل عليه السلام.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":6,"page":91},{"id":2219,"text":"{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (60) تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (61) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62) }\r{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ } ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب، كانوا يسمونه رحمن اليمامة. { أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا } قرأ حمزة والكسائي \"يأمرنا\" بالياء، أي: لما يأمرنا محمد بالسجود له، وقرأ الآخرون بالتاء، أي: لما تأمرنا أنت يا محمد، { وَزَادَهُم } يعني: زادهم قول القائل لهم: \"اسجدوا للرحمن\" { نُفُورًا } عن الدين والإيمان. قوله عز وجل 47/ب { تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا } قال الحسن ومجاهد وقتادة: \"البروج\": هي النجوم الكبار، سميت بروجًا لظهورها، وقال عطية العوفي: \"بروجًا\" أي: قصورًا فيها الحرس (1) كما قال: \"ولو كنتم في بروج مشيدة\" (النساء-78) . وقال عطاء عن ابن عباس: هي البروج الاثنا عشر التي هي منازل الكواكب السبعة السيارة، وهي الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت، فالحمل والعقرب بيتا المريخ، والثور والميزان بيتا الزهرة، والجوزاء والسنبلة بيتا عطارد، والسرطان بيت القمر، والأسد بيت الشمس، والقوس والحوت بيتا المشتري، والجدي والدلو بيتا زحل، وهذه البروج مقسومة على الطبائع الأربع فيكون نصيب كل واحد منها ثلاثة بروج تسمى المثلثات، فالحمل والأسد والقوس مثلثة نارية، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية.\r{ وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا } يعني الشمس، كما قال: \"وجعل الشمس سراجا\" (نوح-16) ، وقرأ حمزة والكسائي: \"سُرُجًا\" بالجمع، يعني النجوم. { وَقَمَرًا مُنِيرًا } والقمر قد دخل في \"السُّرْج\" على قراءة من قرأ بالجمع، غير أنه خصه بالذكر لنوع فضيلة، كما قال: \"فيها فاكهة ونخل ورمان\" (الرحمن-68) ، خص النخل والرمان بالذكر مع دخولهما في الفاكهة. { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً } اختلفوا فيها، قال ابن عباس والحسن وقتادة: يعني خلفًا وعوضًا، يقوم أحدهما مقام صاحبه، فمن فاته عمله في أحدهما قضاه في الآخر.\r__________\r(1) ذكر القولين الطبري: 19 / 29-30، ورجح أن البروج هي قصور في السماء، لأن ذلك في كلام العرب، كما في قوله تعالى: \"ولو كنتم في بروج مشيدة\". وقول الأخطلكأنها برج رومي يشيده ... بان بجص وآجر وأحجار\rيعني بالبرج: القصر.","part":6,"page":92},{"id":2220,"text":"قال شقيق: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، قال فاتتني الصلاةُ الليلةَ، فقال: أدرِكْ ما فاتك من ليلتك في نهارك، فإن الله عز وجل جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكَّر (1) . [قال مجاهد: يعني جعل كل واحد منهما مخالفًا لصاحبه فجعل هذا أسود وهذا أبيض (2) . وقال ابن زيد وغيره] (3) يعني يخلف أحدهما صاحبه إذا ذهب أحدهما جاء الآخر فهما يتعاقبان في الضياء والظلمة والزيادة والنقصان (4) . { لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ } قرأ حمزة بتخفيف الذال والكاف وضمها من الذكر، وقرأ الآخرون بتشديدهما أي: يتذكر ويتعظ { أَوْ أَرَادَ شُكُورًا } قال مجاهد: أي: شكر نعمة ربه عليه فيهما.\r{ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا (63) }\rقوله عز وجل: { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ } أي: أفاضل العباد. وقيل: هذه الإضافة للتخصيص والتفضيل، وإلا فالخلق كلهم عباد الله. { الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا } أي: بالسكينة والوقار متواضعين غير أَشِرين ولا مرحين، ولا متكبرين. وقال الحسن: علماء وحكماء. وقال محمد بن الحنفية: أصحاب وقار وعفة لا يسفهون، وإن سُفه عليهم حلموا، و\"الهَوْن\" في اللغة: والرفق واللين (5) . { وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ } يعني السفهاء بما يكرهون، { قَالُوا سَلامًا } قال مجاهد: سدادًا من القول (6) . وقال مقاتل بن حيان: قولا يسلمون فيه من الإثم. وقال الحسن: إن جهل عليهم جاهل حلموا ولم يجهلوا، وليس المراد منه السلام المعروف. وروي عن الحسن: معناه سلموا عليهم، دليله قوله عز وجل: \"وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم\" (القصص-55) . قال الكلبي وأبو العالية: هذا قبل أن يؤمر بالقتال، ثم نسختها آية القتال (7) . وروي عن الحسن البصري أنه كان إذا قرأ هذه الآية قال: هذا وصف نهارهم، ثم قرأ { وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا } قال: هذا وصف ليلهم.\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 19 / 30، والجصاص في أحكام القرآن: 5 / 212.\r(2) الطبري: 19 / 31، الجصاص: 5 / 212.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(4) الطبري: 19 / 31، الجصاص: 5 / 212.\r(5) انظر هذه الأقوال في: الطبري 19 / 33-34.\r(6) ورجحه الطبري: 19 / 34، والأقوال الآتية لا تنافي ذلك.\r(7) ورجحه الطبري: 3 / 32-33.","part":6,"page":93},{"id":2221,"text":"{ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) }\rقوله تعالى: { وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ } يقال لمن أدرك الليل: بات، نام أو لم ينم، يقال: بات فلان قَلِقًا، والمعنى: يبيتون لربهم بالليل في الصلاة، { سُجَّدًا } على وجوههم، { وَقِيَامًا } على أقدامهم. قال ابن عباس: من صلى بعد العشاء الآخرة ركعتين أو أكثر فقد بات لله ساجدًا وقائمًا (1) . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا أبو نعيم عن سفيان، عن عثمان بن حكيم، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله\" (2) قوله عز وجل: { وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا } أي: مُلِحًا دائمًا، لازمًا غير مفارقٍ من عذب به من الكفار، ومنه سمي الغريم لطلبه حقه وإلحاحه على صاحبه وملازمته إياه. قال محمد بن كعب القرظي: سأل الله الكفار ثمن نعمه فلم يؤدوا فأغرمهم فيه، فبقوا في النار. قال الحسن: كل غريم يفارق غريمه إلا جهنم. و\"الغرام\": الشر اللازم، وقيل: \"غرامًا\" هلاكًا. { إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا } أي: بئس موضع قرار وإقامة. { وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا } قرأ ابن كثير وأهل البصرة \"يقتروا\" بفتح الياء وكسر التاء، وقرأ أهل المدينة وابن عامر بضم الياء وكسر التاء، وقرأ الآخرون بفتح الياء وضم التاء، وكلها بلغات صحيحة. يقال: أقتر وقترَّ بالتشديد، وقترّ يُقَتِّر. واختلفوا في معنى الإسراف والإقتار، فقال بعضهم: \"الإسراف\": النفقة في معصية الله وإن قلت، و\"الإقتار\": منع حق الله تعالى. وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جريج. وقال الحسن في هذه الآية لم ينفقوا في معاصي الله ولم يمسكوا عن فرائض الله (3) .\r__________\r(1) انظر: مجمع الزوائد: 2 / 231.\r(2) أخرجه مسلم في المساجد، باب فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة، برقم (656): 1 / 454، والمصنف في شرح السنة: 2 / 231.\r(3) انظر:الطبري 19 / 37، الجصاص: 5 / 213، القرطبي: 13 / 72-73.","part":6,"page":94},{"id":2222,"text":"وقال قوم: \"الإسراف\": مجاوزة الحد في الإنفاق، حتى يدخل في حد التبذير، و\"الإقتار\": التقصير عمَّا لا بدَّ منه، وهذا معنى قول إبراهيم: لا يجيعهم ولا يعريهم ولا ينفق نفقة يقول الناس قد أسرف (1) . { وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا } قصدًا وسطًا بين الإسراف والإقتار، حسنة بين السيئتين. قال يزيد بن 48/أ أبي حبيب في هذه الآية: أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، كانوا لا يأكلون طعامًا للتنعم واللذة، ولا يلبسون ثوبًا للجمال، ولكن كانوا يريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع ويقويهم على عبادة ربهم، ومن الثياب ما يستر عوراتهم ويُكِنُّهم من الحر والقر (2) . قال عمر بن الخطاب: كفى سرفًا أن لا يشتهي الرجل شيئًا إلا اشتراه فأكله (3)\r__________\r(1) الطبري: 19 / 37-38، القرطبي: 13 / 73، قال الطبري: \"والصواب من القول في ذلك، قول من قال: الإسراف في النفقة الذي عناه الله في هذا الموضع: ما جاوز الحد الذي أباحه الله لعباده إلى ما فوقه، والإقتار: ما قصر عما أمر الله به. والقوام: بين ذلك...\".\r(2) أخرجه عنه الطبري: 19 / 38، وانظر القرطبي: 13 / 73.\r(3) أخرجه عبد الرزاق في التفسير عن ابن عيينة عن رجل عن الحسن عن عمر بن الخطاب، وهذا منقطع من طريقه، رواه الثعلبي، وأحمد في الزهد عن إسماعيل عن يونس عن الحسن كذلك، وراه ابن ماجه وأبو يعلى والبيهقي في الشعب من طريق نوح بن ذكوان عن الحسن عن أنس رضي الله عنه مرفوعا. والأول أصح\". انظر: الكافي الشاف لابن حجر ص (122).","part":6,"page":95},{"id":2223,"text":"{ وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) }\rقوله عز وجل: { وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } الآية. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف بن جريج أخبرهم قال: قال يعلى وهو يعلى بن مسلم، أن سعيد بن جبير، أخبره عن ابن عباس أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا فأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعوا إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملناه كفارة، فنزلت: \"والذين لا يدعون مع الله إلها آخر\" (1) . { وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ } ونزل: \"قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله\" (الزمر-53) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير، سورة الفرقان: 8 / 494، ومسلم في الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله برقم (122): 1 / 113، وفي التفسير، برقم (19): 4 / 2318، وانظر: أسباب النزول للواحدي ص (386).","part":6,"page":95},{"id":2224,"text":"أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل قال: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله أيُّ الذنب أكبر عند الله؟ قال: \"أن تدعو لله ندًا وهو خلقك\" قال\" ثم أي؟ قال: \"أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك\"، قال: ثم أي؟ قال: \"أن تزاني حليلة جارك\"، فأنزل الله تصديقها: \"والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما\" (1) قوله عز وجل: { وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ } أي: شيئًا من هذه الأفعال، { يَلْقَ أَثَامًا } قال ابن عباس رضي الله عنهما: إنما يريد جزاء الإثم. وقال أبو عبيدة: \"الآثام\": العقوبة. وقال مجاهد: \"الآثام\": واد في جهنم، يروى ذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص (2) ويروى في الحديث: \"الغي والآثام بئران يسيل فيها صديد أهل النار\" (3) .\r{ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) }\r{ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا } قرأ ابن عامر وأبو بكر \"يُضَاعفُ\" و \"يخلدُ\" برفع الفاء والدال على الابتداء، وشدد بن عامر: \"يضعف\"، وقرأ الآخرون بجزم الفاء والدال على جواب الشرط. { إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا } قال قتادة: إلا من تاب من ذنبه، وآمن بربه، وعمل عملا صالحًا فيما بينه وبين ربه. أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن محمد بن عبد الله، حدثنا موسى بن محمد، حدثنا موسى بن هارون الحمال، حدثنا إبراهيم بن محمد الشافعي، حدثنا عبد الله بن رجاء عن عبيد الله بن عمر، عن علي بن يزيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: قرأناها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سنتين: { وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } الآية، ثم نزلت: { إِلا مَنْ تَابَ } فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فرح بشيء قط كفرحه بها وفرحه بـ: \"إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر\" (4) ( الفتح 1 -2 )\r__________\r(1) أخرجه البخاري في تفسير سورة الفرقان، باب \"والذين لا يدعون مع الله إلها آخر\": 8 / 492.\r(2) انظر: الطبري 19 / 44-45، وهو أيضا قول مجاهد وعكرمة، وانظر: الزهد للإمام هناد: 1 / 369 مع تعليق المحقق.\r(3) أخرجه الطبري من حديث أبي أمامة رضي الله عنه مطولا: 19 / 44-45.\r(4) قال الهيثمي في المجمع: (7 / 84): \"رواه الطبراني من رواية علي بن زيد عن يوسف بن مهران، وقد وثقا وفيهما ضعف، وبقية رجاله ثقات. وله حديث في الصحيح غير هذا\". وزاد السيوطي نسبته لابن المنذر وابن مردويه. الدر المنثور: 6 / 279.","part":6,"page":96},{"id":2225,"text":"{ فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } فذهب جماعة إلى أن هذا التبديل في الدنيا؛ قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، والسدي، والضحاك: يبدلهم الله بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام، فيبدلهم بالشرك إيمانًا، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصانًا (1) . وقال قوم: يبدل الله سيئاتهم التي عملوها في الإسلام حسناتٍ يوم القيامة (2) وهو قول سعيد بن المسيب، ومكحول، يدل عليه ما: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم علي بن أبي أحمد الخزاعي، أخبرنا الهيثم بن كليب، أخبرنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا أبو عمار الحسين بن خريت، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"إني لأعلم آخر رجل يخرج من النار، يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، ويخبأ عنه كبارها، فيقال له عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، وهو مقر لا ينكر، وهو مشفق من كبارها، فيقال: أعطُوه مكان كل سيئة عملها حسنة، فيقول: ربِّ إنَّ لي ذنوبًا ما أراها ها هنا، قال أبو ذر: لقد رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدتْ نواجذه (3) . وقال بعضهم: إن الله عز وجل يمحو بالندم جميع السيئات، ثم يثبت مكان كل سيئة حسنة.\r{ وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71) }\rقوله عز وجل: { وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا } قال بعض أهل العلم: هذا في التوبة عن غير ما سبق ذكره في الآية الأولى من القتل والزنا، يعني: من تاب من الشرك وعمل صالحًا، أي: أدى الفرائض ممن لم يقتل ولم يَزْنِ، { فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ } أي: يعود إليه بعد الموت، { مَتَابًا } حسنًا يفضل به على غيره ممن قتل وزنى، فالتوبة الأولى وهو قوله: \"ومن تاب\" رجوع عن الشرك، والثاني رجوع إلى الله للجزاء والمكافأة.\r__________\r(1) انظر: الطبري: 19 / 46-47.\r(2) أخرجه الطبري: 19 / 47 عن سعيد، وقال: \"وأولى التأويلين بالصواب في ذلك، قول من تأوله: فأولئك يبدل الله سيئاتهم: أعمالهم في الشرك حسنات في الإسلام، بنقلهم عما يسخطه الله من الأعمال إلى ما يرضى.. لأن الأعمال السيئة قد كانت مضت على ما كانت عليه من القبح، وغير جائز تحويل عين قد مضت بصفة إلى خلاف ما كانت عليه إلا بتغييرها عما كانت عليه من صفتها في حال أخرى، فيجب -إن فعل ذلك كذلك- أن يصير شرك الكافر الذي كان شركا في الكفر بعينه إيمانا يوم القيامة بالإسلام، ومعاصيه كلها طاعة، وذلك ما لا يقوله ذو حجا\".\r(3) أخرجه مسلم في الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، برقم (190): 1 / 177، والمصنف في شرح السنة: 15 / 192.","part":6,"page":97},{"id":2226,"text":"وقال بعضهم: هذه الآية أيضًا في التوبة عن جميع السيئات. ومعناه: ومن أراد التوبة وعزم عليها فليتب لوجه الله. وقوله: { يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ } خبر بمعنى الأمر، أي: ليتب إلى الله. وقيل: معناه فليعلم أن توبته ومصيره إلى الله.\r{ وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72) }\r{ وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ } قال الضحاك وأكثر المفسرين: يعني الشرك (1) . وقال علي بن طلحة: يعني شهادة الزور. وكان عمر بن الخطاب: يجلد شاهد الزور أربعين جلدة، ويسخم وجهه، ويطوف به في السوق (2) . وقال ابن جريج: يعني الكذب (3) وقال مجاهد: يعني أعياد المشركين (4) . وقيل: النَّوْح (5) قال قتادة: لا يساعدون أهل الباطل 48/ب على باطلهم (6) . وقال محمد بن الحنفية: لا يشهدون اللهو والغناء (7) . قال ابن مسعود: \"الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع\" (8) . وأصل \"الزور\" تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته، فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق (9)\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 19 / 48، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك. الدر المنثور: 6 / 378.\r(2) أخرجه عبد الرزاق في المصنف: 8 / 326 و327، والبيهقي في السنن: 10 / 142.\r(3) الطبري: 19 / 49، الدر المنثور: 6 / 282.\r(4) وهو ما رواه الخطيب عن ابن عباس. الدر المنثور: 6 / 282.\r(5) وهو مروي عن الحسن. الدر المنثور: 6 / 283.\r(6) أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم، كما في الدر: 6 / 283.\r(7) أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم، كما في الدر: 6 / 283.\r(8) رواه البيهقي في السنن موقوفا على ابن مسعود: 10 / 223، ورواه في الشعب مرفوعا عن جابر، وروى عبد الرزاق القطعة الأولى منه عن إبراهيم في المصنف: 11 / 4. قال ابن حجر في \"تلخيص الحبير\" (4 / 199): رواه أبو داود بدون التشبيه، والبيهقي من حديث ابن مسعود مرفوعا، وفيه شيخ لم يسم، ورواه البيهقي أيضا موقوفا، وفي الباب عن أبي هريرة رواه ابن عدي، وقال ابن طاهر: أصح الأسانيد في ذبك أنه من قول إبراهيم\"، وعزاه الألباني في تعليقه على المشكاة: 3 / 1355 لابن أبي الدنيا في ذم الملاهي بإسناد ضعيف. وانظر: الفوائد المجموعة للشوكاني ص (254)، كشف الخفاء: 2 / 103.\r(9) قال الطبري عقب ذلك: (19 / 49): \"والشرك قد يدخل في ذلك لأنه محسن لأهله، حتى قد ظنوا أنه حق، وهو باطل. ويدخل فيه الغناء، لأنه أيضا مما يحسنه ترجيع الصوت، حتى يستحلي سامعه سماعه، والكذب أيضا قد يدخل فيه لتحسين صاحبه إياه، حتى يظن سامعه أنه حق، فكل ذلك مما يدخل في معنى الزور. فإذا كان ذلك كذلك، فأولى الأقوال بالصواب في تأويله أن يقال: والذين لا يشهدون شيئا من الباطل، لا شركا، ولا غناء ولا كذبا ولا غيره، وكل ما لزمه اسم الزور، لأن الله عم في وصفه إياهم أنهم لا يشهدون الزور، فلا ينبغي أن يخص من ذلك شيء إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل\".","part":6,"page":98},{"id":2227,"text":"{ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا } قال مقاتل: إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا وصفحوا، وهي رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد، نظيره قوله: \"وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه\" (القصص-55) ، قال السدي: وهي منسوخة بآية القتال (1) قال الحسن والكلبي: \"اللغو\": المعاصي كلها، يعني إذا مروا بمجلس اللهو والباطل مروا كرامًا مسرعين معرضين. يقال: تكرم فلان عما يشينه إذا تنزه وأكرم نفسه عنه (2) .\r{ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) }\r{ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا } لم يقعوا ولم يسقطوا، { عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا } كأنهم صم عمي، بل يسمعون ما يذكرون به فيفهمونه ويرون الحق فيه فيتبعونه. قال القتيبي (3) لم يتغافلوا عنها، كأنهم صم لم يسمعوها وعمي لم يروها. { وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا } قرأ بغير ألف: أبو عمرو، والكسائي، وأبو بكر. وقرأ الباقون بالألف على الجمع، { قُرَّةَ أَعْيُنٍ } أي: أولادًا أبرارًا أتقياء، يقولون اجعلهم صالحين فتقر أعينُنا بذلك. قال القرظي: ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله عز وجل. وقاله الحسن، ووحَّد القُرَّةَ لأنها مصدر، وأصلها من البرد، لأن العرب تتأذى من الحر وتستروح إلى البرد، وتذكر قرة العين عند السرور، وسخنة العين عند الحزن، ويقال: دمع العين عند السرور بارد، وعند الحزن حار. وقال الأزهري: معنى قرة الأعين: أن يصادف قلبه من يرضاه، فتقر عينه به عن النظر إلى غيره. { وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا } أي: أئمة يقتدون في الخير بنا، ولم يقل: أئمة، كقوله تعالى: \"إنا رسول رب العالمين\" (الشعراء-16) ، وقيل: أراد أئمة كقوله: \"فإنهم عدو لي\" (الشعراء-77) ، أي: أعداء، ويقال: أميرنا هؤلاء، أي: أمراؤنا. وقيل: لأنه مصدر كالصيام والقيام، يقال: أم إمامًا، كما يقال: قام قيامًا، وصام صيامًا. قال الحسن: نقتدي بالمتقين ويقتدي بنا المتقون. وقال ابن عباس: اجعلنا أئمة هداة، كما قال: \"وجعلناهم أئمة يهتدون بأمرنا\" (السجدة-24) ، ولا تجعلنا أئمة ضلالة كما قال: \"وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار\" (القصص-41) ، وقيل: هذا من المقلوب، يعني: واجعل المتقين لنا إمامًا، واجعلنا مؤتمين مقتدين بهم، وهو قول مجاهد.\r__________\r(1) قال الطبري عقب ذلك: 3 / 32-33. \"والشرك قد يدخل في ذلك لأنه محسن لأهله، حتى قد ظنوا أنه حق، وهو باطل. ويدخل فيه الغناء، لأنه أيضا مما يحسنه ترجيع الصوت، حتى يستحلي سامعه سماعه، والكذب أيضا قد يدخل فيه لتحسين صاحبه إياه، حتى يظن سامعه أنه حق، فكل ذلك مما يدخل في معنى الزور. فإذا كان ذلك كذلك، فأولى الأقوال بالصواب في تأويله أن يقال: والذين لا يشهدون شيئا من الباطل، لا شركا، ولا غناء ولا كذبا ولا غيره، وكل ما لزمه اسم الزور، لأن الله عم في وصفه إياهم أنهم لا يشهدون الزور، فلا ينبغي أن يخص من ذلك شيء إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل\".\r(2) انظر تأويل الطبري وترجيحه أيضا: 19 / 50.\r(3) انظر: القرطين لابن مطرف: 2 / 51-52.","part":6,"page":99},{"id":2228,"text":"{ أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (77) }\r{ أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ } أي: يثابون، { الْغُرْفَة } أي: الدرجة الرفيعة في الجنة، و\"الغرفة\": كل بناء مرتفع عال. وقال عطاء: يريد غرف الدر والزبرجد والياقوت في الجنة، { بِمَا صَبَرُوا } على أمر الله تعالى وطاعته. وقيل: على أذى المشركين. وقيل: عن الشهوات { وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا } قرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر: بفتح الياء وتخفيف القاف، كما قال: \"فسوف يلقون غيا\" (مريم-59) ، وقرأ الآخرون بضم الياء وتشديد القاف كما قال: \"ولقاهم نضرةً وسرورًا\" (الإنسان-11) ، وقوله: { تَحِيَّةً } أي مُلْكًا، وقيل: بقاءً دائمًا، { وَسَلامًا } أي: يسلم بعضهم على بعض. وقال الكلبي: يحيي بعضهم بعضًا بالسلام، ويرسل الرب إليهم بالسلام. وقيل: \"سلامًا\" أي: سلامة من الآفات. { خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا } أي: موضع قرار وإقامة. { قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي } قال مجاهد وابن زيد: أي: ما يصنع وما يفعل بكم. قال أبو عبيدة يقال: ما عبأت به شيئًا أي: لم أعدّه، فوجوده وعدمه سواء، مجازه: أي وزن وأي مقدار لكم عنده، { لَوْلا دُعَاؤُكُمْ } إيَّاه، وقيل: لولا إيمانكم، وقيل: لولا عبادتكم، وقيل: لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام، فإذا آمنتم ظهر لكم قدر. وقال قوم: معناها: قل ما يعبأ بخلقكم ربي لولا عبادتكم وطاعتكم إياه يعني إنه خلقكم لعبادته، كما قال: \"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون\" (الذاريات-56) وهذا قول ابن عباس ومجاهد. وقال قوم: \"قل ما يعبأ\" ما يبالي بمغفرتكم ربي لولا دعاؤكم معه آلهة، أو ما يفعل بعذابكم لولا شرككم، كما قال الله تعالى: \"ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم\" (النساء-147) . وقيل: ما يعبأ بعذابكم لولا دعاؤكم إياه في الشدائد، كما قال: \"فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله\" (العنكبوت-65) ، وقال: \"فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون\" (الأنعام-42) . وقيل: \"قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم\" يقول: ما خلقتكم ولي إليكم حاجة إلا أن تسألوني فأعطيكم وتستغفروني فأغفر لكم.\r{ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ } أيها الكافرون، يخاطب أهل مكة، يعني: إن الله دعاكم بالرسول إلى توحيده وعبادته فقد كذبتم الرسول ولم تجيبوه. { فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا } هذا تهديده لهم، أي: يكون تكذيبكم لزامًا، قال ابن عباس: موتًا. وقال أبو عبيدة: هلاكًا وقال ابن زيد: قتالا. والمعنى: يكون","part":6,"page":100},{"id":2229,"text":"التكذيب لازمًا لمن كذب، فلا يعطى التوبة حتى يجازى بعمله. وقال ابن جرير (1) عذابًا دائمًا لازمًا وهلاكًا مقيمًا يلحق بعضكم ببعض. واختلفوا فيه، فقال قوم: هو يوم بدر قتل منهم سبعون وأسر سبعون. وهو قول عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ومجاهد ومقاتل، يعني: أنهم قتلوا يوم بدر واتصل بهم عذاب الآخرة، لازمًا لهم. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عمر بن حفص بن غياث، أخبرنا أبي، أخبرنا الأعمش، حدثنا مسلم، عن مسروق قال: قال عبد الله: خمس قد مضين: الدُّخَان، والقمر، والرُّوم، والبَطْشَةُ، واللِّزام\" (2) { فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا } وقيل: اللزام هو عذاب الآخرة.\r__________\r(1) انظر: تفسير الطبري: 19 / 56-57.\r(2) أخرجه البخاري في تفسير سورة الفرقان، باب: \"فسوف يكون لزاما\": 8 / 496، ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم، باب الدخان، برقم (2798): 4 / 2157.","part":6,"page":101},{"id":2230,"text":"سورة الشعراء\rمكية إلا أربع آيات من آخر السورة من قوله { والشعراء يتبعهم الغاوون }\rوروينا عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:\"أعطيت طه والطواسين من [اللوح المحفوظ ]\"\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) }\r{ طسم } قرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر: طسم، وطس، وحم، ويس بكسر الطاء والياء والحاء، وقرأ أهل المدينة بين الفتح والكسر، وقرأ الآخرون بالفتح على التفخيم، وأظهر النون في يس عند الميم في \"طسم\": أبو جعفر، وحمزة، وأخفاها الآخرون. وروي عن عكرمة عن ابن عباس قال: \"طسم\" عجزت العلماء عن تفسيرها. وروى علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس: أنه قَسَمٌ، وهو من أسماء الله تعالى، وقال قتادة: اسم من أسماء القرآن. وقال مجاهد: اسم للسورة. قال محمد بن كعب القرظي: أقسم الله (1) بطوله وسنائه وملكه (2) .\r__________\r(1) لفظ الجلالة ساقط من \"أ\".\r(2) تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور، انظر فيما سبق: 1 / 58-59، وساق الحافظ ابن كثير الأقوال في الحروف المقطعة وخلاف العلماء في تفسيرها والحكمة التي اقتضت إيرادها، واستبعد ما لا يساعده الدليل، وقال: \"وقال آخرون: بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها، وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين، وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا، وقرره الزمخشري في كشافه ونصره أتم نصر، وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية، وشيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي، وحكاه لي عن ابن تيمية\". انظر: تفسير ابن كثير: 1 / 36-39.","part":6,"page":102},{"id":2231,"text":"{ تِلْكَ } أي: هذه الآيات، { آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ }\r{ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَأْ نُنزلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4) }\r{ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ } قاتل نفسك، { أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } أي: إن لم يؤمنوا، وذلك حين كذبه أهل مكة فشقَّ عليه ذلك، وكان يحرص على إيمانهم، فأنزل الله هذه الآية. { إِنْ نَشَأْ نُنزلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ } قال قتادة: لو شاء الله لأنزل عليهم آية يذلون بها، فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية الله. وقال ابن جريج: معناه: لو شاء الله لأراهم أمرًا من أمره، لا يعمل أحد منهم بعده معصية.\rوقوله عز وجل: { خَاضِعِينَ } ولم يقل خاضعة وهي صفة الأعناق، وفيه أقاويل: أحدها: أراد أصحاب الأعناق، فحذف الأصحاب وأقام الأعناق مقامهم، لأن الأعناق إذا خضعت فأربابها خاضعون، فجعل الفعل أولا للأعناق، ثم جعل خاضعين للرجال. وقال الأخفش: رد الخضوع على المضمر الذي أضاف الأعناق إليه. وقال قوم: ذكر الصفة لمجاورتها المذكر، وهو قوله \"هم\" على عادة العرب في تذكير المؤنث إذا أضافوه إلى مذكر، وتأنيث المذكر إذا أضافوه إلى مؤنث. وقيل: أراد فظلوا خاضعين فعبر بالعنق عن جميع البدن، كقوله: \"ذلك بما قدمت يداك\" (الحج-10) و\"ألزمناه طائره في عنقه\" (الإسراء-13) . وقال مجاهد: أراد بالأعناق الرؤساء والكبراء، أي: فظلت كبراؤهم خاضعين. وقيل: أراد بالأعناق الجماعات، يقال: جاء القوم عنقًا عنقًا، أي: جماعات وطوائف. وقيل: إنما قال خاضعين على وفاق رؤوس الآي ليكون على نسق واحد (1) .\r__________\r(1) قال أبو جعفر الطبري (19 / 62): \"وأولى الأقوال في ذلك وأشبهها بما قال أهل التأويل في ذلك: أن تكون الأعناق هي أعناق الرجال، وأن يكون معنى الكلام: فظلت أعناقهم ذليلة للآية التي ينزلها الله عليهم من السماء. وأن يكون قوله \"خاضعين\" مذكرا، لأنه خبر عن الهاء والميم في الأعناق، فيكون ذلك نظير قو جرير: أرى مرَّ السنين أخذن مني ... كما أخذ السرار من الهلال\rوذلك أن قوله: مر، لو أسقط من الكلام لأدى ما بقي من الكلام عنه لم يفسد سقوطه معنى الكلام عما كان به قبل سقوطه، وكذلك لو أسقطت الأعناق من قوله: \"فظلت أعناقهم\"، لأدى ما بقي من الكلام عنها، وذلك أن الرجال إذا ذلوا، فقد ذلت رقابهم، وإذا ذلت رقابهم فقد ذلوا\".","part":6,"page":106},{"id":2232,"text":"{ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (6) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9) وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) }\r{ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ } وعظ وتذكير، { مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ } أي: محدث إنزاله، فهو محدث في التنزيل. قال الكلبي: كلما نزل شيء من القرآن بعد شيء فهو أحدث من الأول، { إِلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ } أي: عن الإيمان به. { فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ } أي: فسوف يأتيهم، { أَنْبَاءُ } أخبار وعواقب، { مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } { أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ } صنف وضرب، { كَرِيمٍ } حسن من النبات مما يأكل الناس والأنعام، يقال: نخلة كريمة إذا طاب حملها، وناقة كريمة إذا كثر لبنها. قال الشعبي: الناس من نبات الأرض فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم (1) { إِنَّ فِي ذَلِكَ } الذي ذكرت، { لآيَةً } دلالة على وجودي وتوحيدي وكمال قدرتي، { وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ } مصدقين، أي: سبق علمي فيهم أن أكثرهم لا يؤمنون. وقال سيبويه: \"كان\" هاهنا صلة، مجازه: وما أكثرهم مؤمنين. { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ } العزيز بالنقمة من أعدائه، { الرَّحِيمُ } ذو الرحمة بأوليائه. قوله عز وجل: { وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى } واذكر يا محمد إذ نادى ربك موسى حين رأى الشجرة والنار، { أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } يعني: الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية، وظلموا بني إسرائيل باستعبادهم وسومهم سوء العذاب.\r__________\r(1) أخرجه الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. الدر المنثور: 6 / 289.","part":6,"page":107},{"id":2233,"text":"{ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (11) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14) قَالَ كَلا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17) }\r{ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ } ألا يصرفون عن أنفسهم عقوبة الله بطاعته. { قَالَ } يعني موسى، { رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ } { وَيَضِيقُ صَدْرِي } من تكذيبهم إياي، { وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي } قال: هذا للعقدة التي كانت على لسانه، قرأ يعقوب \"ويضيق\"، \"ولا ينطلق\" بنصب القافين على معنى وأن يضيق، وقرأ العامة برفعهما ردًا على قوله: \"إني أخاف\"، { فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ } ليؤازرني ويظاهرني على تبليغ الرسالة.\r{ وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ } أي: دعوى ذنب، وهو قتله القبطي، { فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ } أي: يقتلونني به. { قَالَ } الله تعالى، { كَلا } أي: لن يقتلوك، { فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ } سامعون ما يقولون، ذكر \"معكم\" بلفظ الجمع، وهما اثنان، أجراهما مجرى الجماعة. وقيل: أراد معكما ومع بني إسرائيل نسمع ما يجيبكم فرعون. { فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ولم يقل: رسولا رب العالمين، لأنه أراد الرسالة، أي: أنا ذو رسالة رب العالمين، كما قال كُثَيِّر: لقد كَذَبَ الوَاشُونَ مَا بُحْثُ عِندَهُم ... بسرٍ ولا أَرْسَلْتُهُمْ برسُولِ (1)\rأي: بالرسالة، وقال أبو عبيدة: يجوز أن يكون الرسول بمعنى الاثنين والجمع، تقول العرب: هذا رسولي ووكيلي وهذان وهؤلاء رسولي ووكيلي، كما قال الله تعالى: \"وهم لكم عدو\" (الكهف-50) ، وقيل: معناه كل واحد منا رسول رب العالمين (2) { أَنْ أَرْسِلْ } أي: بأن أرسل، { مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ } إلى فلسطين، ولا تستعبدهم، وكان فرعون استعبدهم أربعمائة سنة، وكانوا في ذلك الوقت ستمائة وثلاثين ألفا، فانطلق موسى إلى مصر وهارون بها فأخبره بذلك.\r__________\r(1) البيت هذا لكثير عزة، وقد استشهد به الطبري: 19 / 65، وأبو عبيدة: 2 / 84، وابن منظور في اللسان، مادة \"رسل\".\r(2) انظر: البحر المحيط: 7 / 8.","part":6,"page":108},{"id":2234,"text":"وفي القصة (1) أن موسى رجع إلى مصر وعليه جبة صوف وفي يده عصا، والمِكْتَلُ معلَّق في رأس العصا، وفيه زاده، فدخل دار نفسه وأخبر هارون بأن الله أرسلني إلى فرعون وأرسلني إليك حين تدعوَ فرعون إلى الله، فخرجت أمهما 49/ب وصاحت وقالت: إن فرعون يطلبك ليقتلك فلو ذهبتما إليه قتلكما فلم يمتنع موسى لقولها، وذهبا إلى باب فرعون ليلا ودقَّا الباب، ففزع البوَّابون وقال من بالباب؟ وروي أنه اطلع البواب عليهما فقال من أنتما؟ فقال موسى: أنا رسول رب العالمين، فذهب البواب إلى فرعون وقال: إنَّ مجنونًا بالباب يزعم أنه رسول رب العالمين، فترك حتى أصبح، ثم دعاهما. وروى أنهما انطلقا جميعًا إلى فرعون فلم يؤذن لهما سنة في الدخول عليه، فدخل البواب فقال لفرعون: هاهنا إنسان يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال فرعون: ائذن له لعلنا نضحك منه، فدخلا عليه وأدَّيا رسالة الله عز وجل، فعرف فرعون موسى؛ لأنه نشأ في بيته.\r{ قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) }\r__________\r(1) انظر: الدر المنثور: 6 / 292.","part":6,"page":109},{"id":2235,"text":"{ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) }\r{ قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا } صبيًا، { وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ } وهو ثلاثون سنة. { وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ } يعني: قتل القبطي، { وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ } قال الحسن والسدي: يعني وأنت من الكافرين بإلهك وكنت على ديننا هذا الذي تعيبه. وقال أكثر المفسرين: معنى قوله: \"وأنت من الكافرين\"، أي: من الجاحدين لنعمتي وحق تربيتي، يقول ربيناك فينا فكافأتنا أن قتلت منا نفسًا، وكفرت بنعمتنا. وهذا رواية العوفي عن ابن عباس، وقال: إن فرعون لم يكن يعلم ما الكفر بالربوبية (1) . { قَالَ } موسى، { فَعَلْتُهَا إِذًا } أي: فعلت ما فعلت حينئذ، { وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ } أي: من الجاهلين، أي لم يأتني من الله شيء (2) . وقيل: من الجاهلين بأن ذلك يؤدي إلى قتله. وقيل: من الضالين عن طريق الصواب من غير تعمد. وقيل: من المخطئين.\r__________\r(1) وهو ما رجحه الطبري: 19 / 66، فتأويل الكلام إذن: وقتلت الذي قتلت منا وأنت من الكافرين نعمتنا عليك، وإحساننا إليك في قتلك إياه. وقد قيل: معنى ذلك: وأنت الآن من الكافرين لنعمتي عليك، وتربيتي إياك.\r(2) اعتمده الطبري ولم يذكر غيره: 19 / 67.","part":6,"page":109},{"id":2236,"text":"{ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22) }\r{ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ } إلى مدين، { فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا } يعني النبوة، وقال مقاتل: يعني العلم والفهم، { وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ } { وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } اختلفوا في تأويلها: فحملها بعضهم على الإقرار وبعضهم على الإنكار. فمن قال هو إقرار، قال عدها موسى نعمة منه عليه حيث رباه، ولم يقتله كما قتل سائر غلمان بني إسرائيل، ولم يستعبده كما استعبد بني إسرائيل مجازه: بلى وتلك نعمة علي أن عبدت بني إسرائيل، وتركتني فلم تستعبدني. ومن قال: هو إنكار قال قوله: \"وتلك نعمة\" هو على طريق (1) الاستفهام، أي: أو تلك نعمة؟ حذف ألف الاستفهام، كقوله: \"أفهم الخالدون\" (الأنبياء-34) ؟ قال الشاعر (2) تَرُوحُ من الحيِّ أو تَبْتَكِرْ ... وماذا يَضُرُّكَ لو تَنْتَظِرْ?\rأي: أتروح من الحي؟ قال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة: لَمْ أَنْسَ يومَ الرَّحِيلِ وِفقَتَها ... وَطرْفُها في دموعِها غَرِقُ\rوقولُها والركابُ واقفةٌ ... تَتْرُكنِي هكذا وتَنْطَلِقُ?\rأي: أتتركني، يقول: تَمُنُّ عليَّ أن ربَّيتني، وتنسى جنايتك على بني إسرائيل بالاستعباد والمعاملات القبيحة؟. أو يريد: كيف تمنَّ عليَّ بالتربية وقد استعبدت قومي، ومن أهين قومه ذُلّ، فتعبيدك بني إسرائيل قد أحبط إحسانك إليَّ. وقيل معناه تمن علي بالتربية. وقوله: { أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ } أي: باستعبادك بني إسرائيل وقتلك أولادهم، دُفعت إليك حتى ربيتني وكفلتني ولو لم تستعبدهم وتقتلهم كان لي من أهلي من يربيني ولم يلقوني في اليم، فأي نعمة لك علي؟ قوله: { عَبَّدْتَ } أي: اتخذتهم عبيدًا، يقال: عبَّدتُ فلانًا، وأعبدته، وتعبدته، واستعبدته، أي: اتخذته عبدًا.\r__________\r(1) ساقط من\"ب\".\r(2) هو امرؤ القيس، والبيت في الطبري: 16 / 69.","part":6,"page":110},{"id":2237,"text":"{ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) }\r{ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ } يقول: أي شيء رب العالمين الذي تزعم أنك رسوله إلي؟ يستوصفه إلهه الذي أرسله إليه بـ \"ما\"، وهو سؤال عن جنس الشيء، والله منزه عن الجنسية، فأجابه موسى عليه السلام بذكر أفعاله التي يعجز عن الإتيان بمثلها. { قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ } إنه خالقهما. قال أهل المعاني: أي كما توقنون هذه الأشياء التي تعاينونها فأيقنوا أن إله الخلق هو الله عز وجل، فلما قال موسى ذلك تحير فرعون في جواب موسى. { قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ } من أشراف قومه. قال ابن عباس: كانوا خمس مائة رجل عليهم الأسورة، قال لهم فرعون استبعادًا لقول موسى: { أَلا تَسْتَمِعُونَ } وذلك أنهم كانوا يعتقدون أن آلهتهم ملوكهم. فزادهم موسى في البيان. { قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ } { قَالَ } يعني: فرعون: { إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } يتكلم بكلام لا نعقله ولا نعرف صحته، وكان عندهم أن من لا يعتقد ما يعتقدون ليس بعاقل، فزاد موسى في البيان: { قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ } { قَالَ } فرعون -حين لزمته الحجة وانقطع عن الجواب-تكبرا عن الحق: { لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ } من المحبوسين، قال الكلبي: كان سجنه أشد من القتل، لأنه كان يأخذ الرجل فيطرحه في مكان وحده فردًا لا يسمع ولا يبصر فيه شيئًا، يهوي به في الأرض. { قَالَ } له موسى حين توعده بالسجن: { أَوَلَوْ جِئْتُكَ } أي: وإن جئتك، { بِشَيْءٍ مُبِينٍ } بآية مبينة، ومعنى الآية: أتفعل ذلك وإن أتيتك بحجة بينة؟ وإنما قال ذلك موسى لأن من أخلاق الناس السكون إلى الإنصاف والإجابة إلى الحق بعد البيان.","part":6,"page":111},{"id":2238,"text":"{ قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32) وَنزعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) قَالَ لِلْمَلإ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) }","part":6,"page":112},{"id":2239,"text":"{ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) }\r{ قَالَ } له فرعون، { فَأْتِ بِهِ } فإنا لن نسجنك حينئذ، { إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } { فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ } فقال: وهل غيرها؟. { وَنزعَ } موسى ، { يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ } { قَالَ } فرعون { لِلْمَلإ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ } { يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } ؟ { قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ } . { يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ } . { فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ } وهو يوم الزينة. وروي عن ابن عباس قال: وافق ذلك اليوم يوم السبت، في أول يوم من السنة، وهو يوم النيروز. { وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ } 50/أ لتنظروا إلى ما يفعل الفريقان ولمن تكون الغلبة؟ { لَعَلَّنَا } لكي، { نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ } لموسى، وقيل: إنما قالوا ذلك على طريق الاستهزاء، وأرادوا بالسحرة موسى وهارون وقومهما. { فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ } . { قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ } . { قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ } .","part":6,"page":112},{"id":2240,"text":"{ فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (48) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49) قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) }\r{ فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ } . { فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ } . { فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ } . { قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } . { رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ } . { قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ } . { قَالُوا لا ضَيْرَ } لا ضرر، { إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ } { إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ } من أهل زماننا. { وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ } يتبعكم فرعون وقومه ليحولوا بينكم وبين الخروج من مصر.\rوروي عن ابن جريج قال: أوحى الله تعالى إلى موسى: أن اجمع بني إسرائيل كل أربعة أهل أبيات في بيت، ثم اذبحوا أولاد الضأن، فاضربوا بدمائها على أبوابكم، فإني سآمر الملائكة فلا يدخلوا بيتا على بابه دم، وسآمرها فتقتل أبكار آل فرعون من أنفسهم وأموالهم، ثم اخبزوا خبزًا فطيرًا فإنه أسرع لكم ثم أَسْرِ بعبادي حتى تنتهي إلى البحر، فيأتيك أمري، ففعل ذلك، فلما أصبحوا قال فرعون: هذا عمل موسى وقومه، قتلوا أبكارنا من أنفسنا، وأخذوا أموالنا. فأرسل في أثره ألف ألف وخمسمائة ألف ملك مسور مع كل ملك ألف، وخرج فرعون في الكرسي العظيم (1) .\r__________\r(1) انظر: الطبري: 19 / 76، الدر المنثور: 6 / 294.","part":6,"page":113},{"id":2241,"text":"{ فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) }\r{ فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ } يحشرون الناس يعني: الشُّرَطَ ليجمعوا السحرة. وقيل: حتى يجمعوا له الجيش، وذكر بعضهم: أنه كان له ألف مدينة واثنا عشرة ألف قرية. وقال لهم: { إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ } عصابة { قَلِيلُونَ } والشرذمة القطعة من الناس غير الكثير، وجمعها شراذم. قال أهل التفسير: كانت الشرذمة الذين قللهم فرعون ستمائة ألف. وعن ابن مسعود قال: كانوا ستمائة وسبعين ألفا ولا يحصى عدد أصحاب فرعون. (1) . { وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ } يقال: غاظه وأغاظه وغيظه إذا أغضبه، والغيظ والغضب واحد، يقول: أغضبونا بمخالفتهم ديننا وقتلهم أبكارنا وذهابهم بأموالنا التي استعاروها، وخروجهم من أرضنا بغير إذن منا. { وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ } قرأ أهل الحجاز والبصرة: \"حذرون\" و\"فرهين\" بغير ألف، وقرأ الآخرون \"حاذرون\" و\"فارهين\" بالألف فيهما، وهما لغتان. وقال أهل التفسير: حاذرون، أي: مُؤْدُون ومقوون، أي: ذوو أداة وقوة مستعدون شاكون في السلاح (2) ومعنى \"حذرون\" أي: خائفون شرهم. وقال الزجاج: \"الحاذر\": المستعد، و\"الحَذِر\": المتيقظ. وقال الفراء: \"الحاذر\": الذي يحذرك الآن، و\"الحذر\": المخوف. وكذلك لا تلقاه إلا حذرًا، والحَذَر: اجتناب الشيء خوفًا منه. { فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ } وفي القصة: البساتين كانت ممتدة على حافتي النيل، { وَعُيُونٍ } أنهار جارية. { وَكُنُوزٍ } يعني الأموال الظاهرة من الذهب والفضة. قال مجاهد: سماها كنوزًا لأنه لم يعط حق الله منها، وما لم يعط حق الله منه فهو كنز وإن كان ظاهرًا، قيل: كان لفرعون ثمانمائة ألف غلام، كل غلام على فرس عتيق، في عنق كل فرس طوق من ذهب، { وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } أي: مجلس حسن، قال المفسرون: أراد مجالس الأمراء والرؤساء التي كانت تحفها الأتباع. وقال مجاهد، وسعيد\r__________\r(1) الطبري: 19 / 76، زاد المسير: 6 / 125، معاني القرآن للنحاس: 5 / 79.\r(2) انظر: معاني القرآن للنحاس: 5 / 80.","part":6,"page":114},{"id":2242,"text":"بن جبير: هي المنابر (1) . وذكر بعضهم: أنه كان إذا قعد على سريره وضع بين يديه ثلاثمائة كرسي من ذهب يجلس عليها الأشراف عليهم الأقبية من الديباج مَخُوصة بالذهب.\r{ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (60) }\r__________\r(1) معاني القرآن الكريم للنحاس: 5 / 82، الدر المنثور: 6 / 298.","part":6,"page":115},{"id":2243,"text":"{ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) }\r{ كَذَلِكَ } كما وصفنا، { وَأَوْرَثْنَاهَا } بهلاكهم، { بَنِي إِسْرَائِيلَ } وذلك أن الله تعالى رد بني إسرائيل إلى مصر بعدما أغرق فرعون وقومه، فأعطاهم جميع ما كان لفرعون وقومه من الأموال والمساكن. { فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ } أي: لحقوهم في وقت إشراق الشمس، وهو إضاءتها، أي: أدرك قوم فرعون موسى وأصحابَهُ وقت شروق الشمس. { فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ } أي: تقابلا بحيث يرى كل فريق صاحبه، وكسر حمزة الراء من \"تراءى\" وفتحها الآخرون. { قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ } أي: سيدركنا قوم فرعون ولا طاقة لنا بهم. { قَالَ } موسى ثقة بوعد الله إياه: { كَلا } لن يدركونا، { إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ } يدلني على طريق النجاة. { فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ } أي: فضربه \"فانفلق\" فانشقَّ، { فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ } قطعة من الماء، { كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ } كالجبل الضخم، قال ابن جريج وغيره (1) لما انتهى موسى إلى البحر هاجت الريح، والبحر يرمي بموج مثل الجبال، فقال يوشع: يا مكلم الله أين أُمرتَ فقد غشينا فرعون والبحر أمامنا؟ قال موسى: هاهنا، فخاض يوشع الماء وجاز البحر، ما يواري حافر دابته الماء. وقال الذي يكتم إيمانه: يا مكلم الله أين أُمرتَ؟ قال: هاهنا، فكبح فرسه بلجامه حتى طار الزَّبَدُ من شدقيه، ثم أقحمه البحر، فارتسب في الماء، وذهب القوم يصنعون مثل ذلك، فلم يقدروا، فجعل موسى لا يدري كيف يصنع، فأوحى الله إليه: أن اضرب بعصاك البحر، فضربه فانفلق، فإذا الرجل واقف على فرسه لم يبتلْ سَرْجه ولا لِبْدُه.\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 19 / 80.","part":6,"page":115},{"id":2244,"text":"{ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) }\r50/ب { وَأَزْلَفْنَا } يعني: وقرَّبْنَا { ثَمَّ الآخَرِينَ } يعني: قوم فرعون، يقول: قدمناهم إلى البحر، وقربناهم إلى الهلاك، وقال أبو عبيدة: \"وأزلفنا\": جمعنا، ومنه ليلة المزدلفة أي: ليلة الجَمْع. وفي القصة أن جبريل كان بين بني إسرائيل وقوم فرعون وكان يسوق بني إسرائيل، ويقولون: ما رأينا أحسن سياقة من هذا الرجل، وكان يَزَعُ قوم فرعون، وكانوا يقولون: ما رأينا أحسن زعة من هذا (1) . { وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ } . { ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ } فرعون وقومه. وقال سعيد بن جبير: كان البحر ساكنًا قبل ذلك، فلما ضربه موسى بالعصا اضطرب فجعل يمد ويجزر. { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ } أي: من أهل مصر، قيل: لم يكن آمن من أهل مصر إلا آسية امرأة فرعون وحزبيل المؤمن، ومريم بنت ناقوسا التي دلت على عظام يوسف عليه السلام. { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } العزيز في الانتقام من أعدائه، الرحيم بالمؤمنين حين أنجاهم. قوله: { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ } . قوله: { إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ } أي شيءٍ تعبدون؟. { قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ } أي: نقيم على عبادتها. قال بعض أهل العلم: إنما قال: { فَنَظَلُّ } لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار، دون الليل، يقال: ظل يفعل كذا إذا فعل بالنهار. { قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ } أي: هل يسمعون دعاءكم، { إِذْ تَدْعُونَ } قال ابن عباس يسمعون لكم. { أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ } قيل بالرزق، { أَوْ يَضُرُّونَ } إن تركتم عبادتها.\r__________\r(1) أخرجه ابن عبد الحكم وعبد بن حميد عن مجاهد: انظر: الدر المنثور: 6 / 304.","part":6,"page":116},{"id":2245,"text":"{ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) }\r{ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } معناه: إنها لا تسمع قولا ولا تجلب نفعًا، ولا تدفع ضرًا، لكن اقتدينا بآبائنا. فيه إبطال التقليد في الدين. { قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأقْدَمُونَ } الأولون. { فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي } أي: أعداء لي، ووحَّده على معنى أن كلَّ معبودٍ لكم عدو لي. فإن قيل: كيف وصف الأصنام بالعداوة وهي جمادات؟ قيل: معناه فإنهم عدو لي لو عبدتهم يوم القيامة (1) كما قال تعالى: \"سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدًا\" (مريم-82) . وقال الفرَّاء (2) هو من المقلوب، أراد: فإني عدوٌّ لهم، لأن من عاديته فقد عاداك. وقيل: \"فإنهم عدو لي\" على معنى إني لا أتولاهم ولا أطلب من جهتهم نفعًا، كما لا يُتَوَلَّى العدو، ولا يُطْلب من جهته النفع.\rقوله: { إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ } اختلفوا في هذا الاستثناء، قيل: هو استثناء منقطع، كأنه قال: فإنهم عدو لي لكن رب العالمين وليي (3) . وقيل: إنهم كانوا يعبدون الأصنام مع الله، فقال إبراهيم: كل من تعبدون أعدائي إلا ربَّ العالمين (4) . وقيل: إنهم غير معبود لي إلا رب العالمين، فإني أعبده. وقال الحسين بن الفضل: معناه إلا من عَبَدَ ربَّ العالمين. ثم وصف معبوده فقال: { الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ } أي: يرشدني إلى طريق النجاة. { وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ } أي: يرزقني ويغذني بالطعام والشراب، فهو رازقي ومن عنده رزقي.\r__________\r(1) جعله النحاس من أصح ما قيل في معنى الآية. معاني القرآن: 5 / 87، الطبري: 19 / 84.\r(2) معاني القرآن للفراء: 2 / 281، ورده أبو حيان في البحر: 7 / 24.\r(3) وهو قول أكثر النحويين: انظر: البحر المحيط: 7 / 24، معاني القرآن للنحاس: 5 / 86، زاد المسير: 6 / 128.\r(4) قاله ابن زيد، زاد المسير: 6 / 128.","part":6,"page":117},{"id":2246,"text":"{ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) }","part":6,"page":118},{"id":2247,"text":"{ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) }\r{ وَإِذَا مَرِضْتُ } أضاف المرض إلى نفسه وإن كان المرض والشفاء كله من الله، استعمالا لحسن الأدب كما قال الخَضِرُ: \"فأردت أن أعيبها\" (الكهف-79) ، وقال: \"فأراد ربك أن يبلغا أشدهما\" (الكهف-82 ) . { فَهُوَ يَشْفِينِ } أي: يبرئني من المرض. { وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ } أدخل \"ثم\" هاهنا للتراخي، أي: يميتني في الدنيا ويحييني في الآخرة. { وَالَّذِي أَطْمَعُ } أي: أرجو، { أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ } أي: خطاياي يوم الحساب. قال مجاهد: هو قوله: \"إني سقيم\"، وقوله: \"بل فعله كبيرهم هذا\"، وقوله لسارة: \"هذه أختي\"، وزاد الحسن وقوله للكواكب: \"هذا ربي\". وأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص بن غياث، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قال: قلت يا رسول الله: ابن جدعان، كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المساكين، فهل ذاك نافعه؟ قال: \"لا ينفعه إنه لم يقل يوما، رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين\" (1) وهذا كله احتجاج من إبراهيم على قومه، وإخبار أنه لا يصلح للإلهية من لا يفعل هذه الأفعال. { رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا } قال ابن عباس: معرفة حدود الله وأحكامه. وقال مقاتل: الفهم والعلم. وقال الكلبي: النبوة (2) { وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } بمن قبلي من النبيين في المنزلة والدرجة. { وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ } أي: ثناء حسنًا، وذكرًا جميلا وقبولا عامًا في الأمم التي تجيء بعدي، فأعطاه الله ذلك، فجعل كل أهل الأديان يتولَّونه ويثنون عليه. قال القتيبي: وضع اللسان موضع القول على الاستعارة لأن القول يكون به. { وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ } أي: ممن تعطيه جنة النعيم.\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الإيمان، باب الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عمل، برقم (214): 1 / 196.\r(2) اعتمده الطبري ولم يذكر غيره، وهو مروي أيضا عن ابن عباس وانظر الأقوال في: زاد المسير: 6 / 130.","part":6,"page":118},{"id":2248,"text":"{ وَاغْفِرْ لأبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ (88) إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) }\r{ وَاغْفِرْ لأبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ } وقال هذا قبل أن يتبين له أنه عدو الله، كما سبق ذكره في سورة التوبة. { وَلا تُخْزِنِي } لا تفضحني، { يَوْمِ يُبْعَثُونَ } { يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } أي: خالص من الشرك والشك (1) فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد، هذا قول أكثر المفسرين. قال سعيد بن المسيب: القلب السليم هو الصحيح، وهو قلب المؤمن لأن قلب الكافر والمنافق مريض. قال الله تعالى: \"في قلوبهم مرض\" (البقرة-10) ، قال ابن عثمان النيسابوري: هو القلب الخالي من البدعة المطمئن على السنة (2) . { وَأُزْلِفَتِ } قربت { الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ } { وَبُرِّزَتِ } أظهرت، { الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ } للكافرين. { وَقِيلَ لَهُمْ } يوم القيامة، { أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ } { مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ } يمنعونكم 51/أ من العذاب، { أَوْ يَنْتَصِرُونَ } لأنفسهم. { فَكُبْكِبُوا فِيهَا } قال ابن عباس: جمعوا. وقال مجاهد: دُهْوِرُوا. وقال مقاتل: قذفوا. وقال الزجاج: طرح بعضهم على بعض. وقال القتيبي: ألقوا على رءوسهم. { هُمْ وَالْغَاوُونَ } يعني: الشياطين، قال قتادة، ومقاتل. وقال الكلبي: كفرة الجن. { وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ } وهم أتباعه ومن أطاعه من الجن والإنس. ويقال: ذريته. { قَالُوا } أي: قال الغاوون للشياطين والمعبودين، { وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ } مع المعبودين ويجادل بعضهم بعضًا.\r__________\r(1) انظر: الطبري: 19 / 87، معاني القرآن للنحاس: 5 / 88.\r(2) نقل ذلك كله ابن كثير في تفسيره: 3 / 341. وانظر: زاد المسير: 6 / 130.","part":6,"page":119},{"id":2249,"text":"{ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) وَمَا أَضَلَّنَا إِلا الْمُجْرِمُونَ (99) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (104) كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) }\r{تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ } . { إِذْ نُسَوِّيكُمْ } نعدلكم، { بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } فنعبدكم. { وَمَا أَضَلَّنَا } أي: ما دعانا إلى الضلال، { إِلا الْمُجْرِمُونَ } قال مقاتل: يعني الشياطين. وقال الكلبي: إلا أوَّلونا الذين اقتدينا بهم. وقال أبو العالية وعكرمة: يعني: إبليس، وابن آدم الأول، وهو قابيل، لأنه أول من سن القتل، وأنواع المعاصي. { فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ } أي: من يشفع لنا من الملائكة والنبيين والمؤمنين. { وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ } أي: قريب يشفع لنا، يقوله الكفار حين تشفع الملائكة والنبيون والمؤمنون، والصديق هو الصادق في المودة بشرط الدين. أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه، حدثنا محمد بن الحسين اليقطيني، أخبرنا أحمد بن عبد الله يزيد العقيلي، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا من سمع أبا الزبير يقول: أشهد لسمعت جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"إن الرجل ليقول في الجنة ما فعل صديقي فلان، وصديقه في الجحيم، فيقول الله تعالى: أخرجوا له صديقه إلى الجنة، فيقول من بقي: فما لنا من شافعين ولا صديقٍ حميم\" (1) قال الحسن: استكثروا من الأصدقاء المؤمنين فإن لهم شفاعة يوم القيامة. { فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً }أي: رجعة إلى الدنيا، { فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ } { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } العزيز الذي لا يغالب، فالله عزيز، وهو في وصف عزته رحيم. قوله عز وجل: { كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ } قيل للحسن البصري: يا أبا سعيد أرأيت قوله: { كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ } و { كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ } و { كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ } وإنما\r__________\r(1) ذكر القرطبي في التفسير: 13 / 118، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة وغيرها، وساقه المصنف بإسناده من طريق الثعلبي، وفيه جهالة من سمع ابا الزبير.","part":6,"page":120},{"id":2250,"text":"أرسل إليهم رسول واحد؟ قال: إن الآخر جاء بما جاء الأول، فإذا كذبوا واحدًا فقد كذبوا الرسل أجمعين.\r{ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ (111) }","part":6,"page":121},{"id":2251,"text":"{ قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114) إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ (115) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) }\r{ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ } في النسب لا في الدين. { نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ } { إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } على الوحي. { فَاتَّقُوا اللَّهَ } بطاعته وعبادته، { وَأَطِيعُونِ } فيما آمركم به من الإيمان والتوحيد. { وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ } ثوابي، { إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ } { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ } . { قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ } قرأ يعقوب: \"وأتباعك الأرذلون\" السفلة. وعن ابن عباس قال: الصاغة. وقال عكرمة الحاكة والأساكفة. { قَالَ } نوح، { وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } أي: ما أعلم أعمالهم وصنائعهم، وليس علي من دناءة مكاسبهم وأحوالهم شيء إنما كلفت أن أدعوهم إلى الله، ولي منهم ظاهر أمرهم. { إِنْ حِسَابُهُمْ } ما حسابهم، { إِلا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ } لو تعلمون ذلك ما عبتموهم بصنائعهم. قال الزجَّاج: الصناعات لا تضر في الديانات. وقيل: معناه: أي: لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم ويوفقهم ويخذلكم. { وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ } . { قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ } عما تقول، { لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ } قال مقاتل والكلبي: من المقتولين بالحجارة. وقال الضحاك: من المشتومين.","part":6,"page":121},{"id":2252,"text":"{ قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (122) كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (127) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) }\r{ قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ } فاحكم، { بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا } حكمًا، { وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } { فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ } الموقر المملوء من الناس والطير والحيوان كلها. { ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ } أي: أغرقنا بعد إنجاء نوح، وأهله: من بقي من قومه. { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ } { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } قوله عز وجل: { كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ } { إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ } يعني في النسب لا في الدين، { أَلا تَتَّقُونَ } { إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } على الرسالة، قال الكلبي: أمين فيكم قبل الرسالة، فكيف تتهموني اليوم؟. { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ } { وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ } { أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ } قال الوالبي عن ابن عباس: أي: بكل شرف. وقال الضحاك ومقاتل والكلبي: بكل طريق، وهو رواية العوفي عن ابن عباس، وعن مجاهد قال: هو الفج بين الجبلين. وعنه أيضا: أنه المنظرة. { آيَةً } أي: علامة، { تَعْبَثُونَ } بمن مر بالطريق، والمعنى: أنهم كانوا يبنون المواضع المرتفعة ليشرفوا على المارة والسابلة فيسخروا منهم ويعبثوا بهم. وعن سعيد بن جبير ومجاهد: هذا في بروج الحمام أنكر عليهم هود اتخاذها، بدليل قوله: { تَعْبَثُونَ } أي: تلعبون، وهم كانوا","part":6,"page":122},{"id":2253,"text":"يلعبون بالحمام. وقال أبو عبيدة: الريع: المكان المرتفع (1)\r{ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135) قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (136) }\r__________\r(1) انظر هذه الأقوال في الطبري: 19 / 93-94، زاد المسير: 6 / 135-136، وقال ابن كثير: (3 / 342): \"اختلف المفسرون في \"الريع\" بما حاصله: أنه المكان المرتفع عند جواد الطرق المشهورة، يبنون هناك بنيانا محكما هائلا باهرا، ولهذا قال: \"أتبنون بكل ريع آية\" أي: معلما بناء مشهورا، \"تعبثون\" أي: وإنما تفعلون ذلك عبثا، لا للاحتياج إليه، بل لمجرد اللعب واللهو وإظهار القوة، ولهذا أنكر عليهم نبيهم عليه السلام ذلك، لأنه تضييع للزمان وإتعاب للأبدان، في غير فائدة، واشتغال بما لا يجدي في الدنيا ولا في الآخرة \".","part":6,"page":123},{"id":2254,"text":"{ إِنْ هَذَا إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ (137) }\r{ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ } قال ابن عباس: أبنية. وقال مجاهد: قصورًا مشيدة. وعن الكلبي: أنها الحصون. وقال قتادة: مآخذ الماء، يعني الحياض، واحدتها مصنعة (1) { لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ } أي: كأنكم تبقون فيها خالدين. والمعنى: أنهم كانوا يستوثقون المصانع كأنهم لا يموتون. { وَإِذَا بَطَشْتُمْ } أخذتم وسطوتم، { بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ } قتلا بالسيف وضربًا بالسوط، \"والجبَّار\": الذي يقتل ويضرب على الغضب. { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ } . { وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ } أي: أعطاكم من الخير ما تعلمون، ثم ذكر ما أعطاهم فقال: { أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ } { وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } أي: بساتين وأنهار. 51/ب { إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ } قال ابن عباس: إن عصيتموني، { عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } { قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا } أي: مُسْتَوٍ عندنا، { أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ } الوعظ كلام يلين القلب بذكر الوعد والوعيد. قال الكلبي: نهيتنا أم لم تكن من الناهين لنا. { إِنَّ هَذَا } ما هذا، { إِلا خُلُقُ الأوَّلِينَ } قرأ ابن كثير، وأبو جعفر، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب: \"خَلْق\" بفتح الخاء وسكون اللام، أي: اختلاق الأولين وكذبهم دليل هذه القراءة قوله\r__________\r(1) قال الطبري: (19 / 95-96): \"والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن المصانع جمع مصنعة، والعرب تسمي كل بناء مصنعة، وجائز أن يكون ذلك البناء كان قصورا، وحصونا مشيدة، وجائز أن يكون كان مآخذ للماء، ولا خبر يقطع العذر بأي ذلك كان، ولا هو مما يدرك من جهة العقل. فالصواب أن يقال فيه ما قال الله: إنهم كانوا يتخذون مصانع\".","part":6,"page":123},{"id":2255,"text":"تعالى: \"وتخلقون إفكًا\"( العنكبوت-17 ) ، وقرأ الآخرون \"خُلُق\" بضم الخاء واللام، أي: عادة الأولين من قبلنا، وأمرهم أنهم يعيشون ما عاشوا ثم يموتون ولا بعث ولا حساب.\r{ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140) كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (145) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَا هُنَا آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) }\r{ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } { فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ } { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } قوله عز وجل: { كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا } أي: في الدنيا { آمِنِينَ } من العذاب. { فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا } ثمرها، يريد ما يطلع منها من الثمر، { هَضِيمٌ } قال ابن عباس: لطيف، ومنه: هضيم الكشح، إذا كان لطيفًا. وروى عطية عنه: يانع نضيج. وقال عكرمة: هو اللَّيِّن. وقال الحسن: هو الرخو. وقال مجاهد: متهشم متفتت إذا مُسَّ، وذلك أنه ما دام رطبا فهو هضيم، فإذا يبس فهو هشيم. وقال الضحاك ومقاتل: قد ركب بعضه بعضًا [حتى هضم بعضه بعضا] (1) أي: كسره. وقال أهل اللغة: هو المنضم بعضه إلى بعض في وعائه قبل أن يظهر. وقال الأزهري: الهضيم هو الداخل بعضه في بعض من النضج والنعومة. وقيل: هضيم أي: هاضم يهضم الطعام. وكل هذا للطافته (2) .\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) ذكر هذه الأقوال؛ الطبري: 19 / 99-100، ابن الجوزي: 6 / 138، القرطبي: 13 / 128، وفي الآية أقوال أخرى، قال الطبري: \"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، أن يقال: \"الهضيم\": هو المتكسر من لينه ورطوبته، وذلك من قولهم: هضم فلان حقه: إذا انتقصه وتحيفه، فكذلك الهضم في الطلع، إنما هو التنقص منه من رطوبته ولينه إما بمس الأيدي، وإما بركوب بعضه بعضا، وأصله مفعول صرف إلى فعيل\".","part":6,"page":124},{"id":2256,"text":"{ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (152) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) مَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155) }\r{ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ } وقرئ: \"فرهين\" قيل: معناهما واحد (1) . وقيل: فارهين أي: حادقين بنحتها، من قولهم فره الرجل فراهة فهو فاره، ومن قرأ \"فرهين\" قال ابن عباس: أَشِرين بطِرِين (2) . وقال عكرمة: ناعمين. وقال مجاهد: شرهين. قال قتادة: معجبين بصنيعكم، قال السدي: متجبرين. وقال أبو عبيدة: مرحين. وقال الأخفش فرحين. والعرب تعاقب بين الهاء والحاء مثل: مدحته ومدهته. قال الضحاك: كَيِّسِينَ (3) . { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ } قال ابن عباس: المشركين. وقال مقاتل: هم التسعة الذين عقروا الناقة. { الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ } بالمعاصي، { وَلا يُصْلِحُونَ } لا يطيعون الله فيما أمرهم به. { قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ } قال مجاهد وقتادة: من المسحورين المخدوعين، أي: ممن سُحِر مرة بعد مرة. وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أي: من المخلوقين المعللين بالطعام والشراب، يقال: سحره، أي: علله بالطعام والشراب، يريد: إنك تأكل الطعام والشراب ولست بَمَلك، بل: { مَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ } على صحة ما تقول، { إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } أنك رسول الله إلينا. { قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ } حظ ونصيب من الماء، { وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ }\r__________\r(1) ذهب إليه أبو عبيدة في \"مجاز القرآن\": 2 / 98.\r(2) قال أبو جعفر النحاس في \"معاني القرآن\": (5 / 97): \"وهذا أعرفها في اللغة، وهو قول أبي عمرو، وأبي عبيدة، فكأن الهاء مبدلة من حاء، لأنهما من حروف الحلق\".\r(3) قال الطبري بعد أن عرض الأقوال في تفسير القراءتين: (19 / 101) \"والصواب أنهما قراءتان معروفتان، مستفيضة القراءة بكل واحدة منهما، في علماء القراء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. ومعنى قراءة من قرأ (فارهين): حاذقين بنحتها، متخيرين لمواضع نحتها، كيسين، من الفراهة. ومعنى قراءة من قرأ (فارهين): مرحين أشرين، وقد يجوز أن يكون معنى: فاره وفره، واحدا..\".","part":6,"page":125},{"id":2257,"text":"{ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (156) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (157) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (159) }","part":6,"page":126},{"id":2258,"text":"{ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (164) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (171) }\r{ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ } بعقر، { فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ } { فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ } على عقرها حين رأوا العذاب. { فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ } { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } قوله تعالى: { كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ } قال مقاتل: يعني جماع الرجال. { مِنَ الْعَالَمِينَ } يعني من بني آدم. { وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ } قال مجاهد: تركتم أقبال النساء إلى أدبار الرجال، { بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ } معتدون، مجاوزون الحلال إلى الحرام. { قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ } من قريتنا. { قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ } المبغضين، ثم دعا فقال: { رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ } من العمل الخبيث. قال الله تعالى: { فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ } وهي امرأة لوط، بقِيَتْ في العذاب والهلاك.","part":6,"page":126},{"id":2259,"text":"{ ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ (172) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (174) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (175) كَذَّبَ أَصْحَابُ الأيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ (183) }","part":6,"page":127},{"id":2260,"text":"{ وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ (184) }\r{ ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ } أي: أهلكناكم. { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ } قال وهب بن منبه: الكبريت والنار. { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ } { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } قوله عز وجل: { كَذَّبَ أَصْحَابُ الأيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ } وهم قوم شعيب عليه السلام، قرأ العراقيون: \"الآيكة\" هاهنا وفي \"ص\" بالهمزة وسكون اللام وكسر التاء، وقرأ الآخرون: \"ليكة\" بفتح اللام والتاء غير مهموز، جعلوها اسم البلد، وهو لا ينصرف، ولم يختلفوا في سورة \"الحجر\" و\"ق\" أنهما مهموزان مكسوران، والأيكة: الغيضة من الشجر الملتف. { إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ } ولم يقل أخوهم؛ لأنه لم يكن من أصحاب الأيكة في النسب، فلما ذكر مدين قال أخاهم شعيبا لأنه كان منهم، وكان الله تعالى بعثه إلى قومه أهل مدين وإلى أصحاب الأيكة. { أَلا تَتَّقُونَ } { إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ } وإنما كانت دعوة هؤلاء الأنبياء كلهم فيما حكى الله عنهم على صيغة واحدة لا تفاقهم على الأمر بالتقوى والطاعة والإخلاص في العبادة 52/أ والامتناع من أخذ الأجر على الدعوة وتبليغ الرسالة. { أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ } الناقصين لحقوق الناس بالكيل والوزن.","part":6,"page":127},{"id":2261,"text":"{ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ } الخليقة، { الأوَّلِينَ } يعني: الأمم المتقدمين، والجبلة: الخَلْق، يقال: جُبل أي: خُلق.\r{ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (188) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (190) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191) وَإِنَّهُ لَتَنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) }\r{ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ وَمَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ } أي: من نقصان الكيل والوزن، وهو مجازيكم بأعمالكم، وليس العذاب إليَّ وما عليّ إلا الدعوة. { فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ } وذلك أنه أخذهم حرّ شديد، فكانوا يدخلون الأسراب فإذا دخلوها وجدوها أشد حرًا فخرجوا، فأظلَّتهم سحابة، وهي الظلة، فاجتمعوا تحتها، فأمطرت عليهم نارًا فاحترقوا، ذكرناه في سورة هود. { إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ } { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } قوله عز وجل: { وَإِنَّهُ } يعني القرآن. { لَتَنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ } { نزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ } قرأ أهل الحجاز، وأبو عمرو، وحفص: \"نزل\" خفيف، \"الروحُ الأمينُ\" برفع الحاء والنون، أي\" نزل جبريل بالقرآن. وقرأ الآخرون بتشديد الزاي وفتح الحاء والنون أي: نزل الله به جبريل، لقوله عز وجل: \"وإنه لتنزيل رب العالمين\". { عَلَى قَلْبِكَ } يا محمد حتى وعيته، { لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ } المخوفين. { بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } [قال ابن عباس: بلسان قريش ليفهموا ما فيه] (1) .\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":6,"page":128},{"id":2262,"text":"{ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأوَّلِينَ (196) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (197) وَلَوْ نزلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199) كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) }\r{ وَإِنَّهُ } أي: ذِكْرُ إنزال القرآن، قاله أكثر المفسرين. وقال مقاتل: ذِكْرُ محمد صلى الله عليه وسلم ونعته، { لَفِي زُبُرِ الأوَّلِينَ } { أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً } [قرأ ابن عامر: \"تكن\" بالتاء \"آية\" بالرفع، جعل الآية اسمًا وخبره: { أَنْ يَعْلَمَهُ } وقرأ الآخرون بالياء، \"آية\" ] (1) نصب ، جعلوا الآية خبر يكن، معناه: أو لم يكن لهؤلاء المنكرين (2) علم بني إسرائيل آية، أي: علامة ودلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لأن العلماء الذين كانوا من بني إسرائيل، كانوا يخبرون بوجود ذكره في كتبهم، وهم: عبد الله بن سلام وأصحابه (3) . قال ابن عباس: بعث أهل مكة إلى اليهود وهم بالمدينة فسألوهم عن محمد صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن هذا لزمانه، وإنا نجد في التوراة نعتَه وصفته، فكان ذلك آية على صدقه (4) .\rقوله تعالى: { أَنْ يَعْلَمَهُ } يعني: يعلم محمد صلى الله عليه وسلم، { عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ } قال عطية: كانوا خمسة عبد الله بن سلام، وابن يامين، وثعلبة، وأسد، وأسيد (5) . { وَلَوْ نزلْنَاهُ } يعني القرآن، { عَلَى بَعْضِ الأعْجَمِينَ } جمع الأعجمي، وهو الذي لا يفصح ولا يحسن العربية وإن كان عربيا في النسب، والعجمي: منسوب إلى العجم، وإن كان فصيحا. ومعنى الآية: ولو نزلناه على رجل ليس بعربي اللسان. { فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ } بغير لغة العرب، { مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ } وقالوا: ما نفقه قولك، نظيره قوله عز وجل: \"ولو جعلناه قرآنًا أعجميًا لقالوا لولا فُصِّلَتْ آياتُه\" (فصلت-44) ، وقيل: معناه ولو نزلناه على رجل ليس من العرب لما آمنوا به أنفةً من اتّباعه. { كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ } قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد: أدخلنا الشرك والتكذيب { فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ }\r__________\r(1) ما بين القوسين من \"أ\".\r(2) في \"ب\": المتكبرين.\r(3) وهو مروي عن مجاهد: انظر: الدر المنثور: 6 / 322، الطبري: 19 / 113.\r(4) انظر: زاد المسير 6 / 145.\r(5) نسبه السيوطي في الدر (6 / 323) لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن قتادة.","part":6,"page":129},{"id":2263,"text":"{ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الألِيمَ (201) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (202) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (203) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (204) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) }","part":6,"page":130},{"id":2264,"text":"{ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلا لَهَا مُنْذِرُونَ (208) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (209) وَمَا تَنزلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212) فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) }\r{ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ } أي: بالقرآن، { حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ } يعني: عند الموت. { فَيَأْتِيَهُمْ } يعني: العذاب، { بَغْتَةً } فجأة، { وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } به في الدنيا. { فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ } أي: لنؤمن ونصدق، يتمنون الرجعة والنَّظِرَة. قال مقاتل: لما أوعدهم النبي صلى الله عليه وسلم بالعذاب، قالوا: إلى متى توعدنا بالعذاب؟ متى هذا العذاب؟ قال الله تعالى: { أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ } كثيرة في الدنيا، يعني: كفار مكة، ولم نهلكهم. { ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ } يعني: بالعذاب. { مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ } به في تلك السنين. والمعنى: أنهم وإن طال تمتعهم بنعيم الدنيا فإذا أتاهم العذاب لم يغن عنهم طول التمتع شيئًا، ويكون كأنهم لم يكونوا في نعيم قط. { وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلا لَهَا مُنْذِرُونَ } رسل ينذرونهم. { ذِكْرَى } محلها نصب، أي: ينذرونهم، تذكره، وقيل: رفع أي: تلك ذكرى، { وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ } في تعذيبهم حيث قدمنا الحجة عليهم وأعذرنا إليهم. { وَمَا تَنزلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ } وذلك أن المشركين كانوا يقولون إن الشياطين يلقون القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فقال جل ذكره: \"وما تنزلت به\"، أي: بالقرآن، الشياطين. { وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ } أن ينزلوا بالقرآن، { وَمَا يَسْتَطِيعُونَ } ذلك. { إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ } أي: عن استراق السمع من السماء، { لَمَعْزُولُونَ } أي: محجوبون بالشهب مرجومون. { فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يحذر","part":6,"page":130},{"id":2265,"text":"به غيره، يقول: أنت أكرم الخلق علي ولو اتخذت إلهًا غيري لعذبتك.\r{ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ (214) }\r{ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ } روى محمد بن إسحاق، عن عبد الغفار بن القاسم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، عن عبد الله بن عباس، عن علي بن أبي طالب. قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم: { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ } دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \"يا علي إن الله يأمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فضقت بذلك ذرعًا وعرفت أني متى أباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمتُّ عليها جاءني جبريل، فقال لي: يا محمد إلا تفعل ما تؤمر يعذبك ربك، فاصنع لنا صاعًا من طعام واجعل عليه رِجْلَ شاةٍ، واملأ لنا عُسًّا من لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أبلغهم ما أُمرتُ به\". قال علي رضي الله عنه: ففعلت ما أمرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعوتهم له، وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه، فيهم أعمامه 52/ب أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب، فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعته فجئت به، فلما وضعته تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم جذبة من اللحم، فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة، ثم قال: \"خذوا باسم الله\" فأكل القوم حتى ما لهم بشيء حاجة، وايْمُ الله إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل مثل ما قدمت لجميعهم، ثم قال: \"اسقِ القومَ\" فجئتهم بذلك العُسِّ، فشربوا حتى رووا جميعًا، وايمُ الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله. فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب فقال: سحركم صاحبكم، فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الغد: \"يا علي إن هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعتَ من القوم فتفرق القوم قبل أن أكلمهم، فَعُدَّ لنا من الطعام بمثل ما صنعت ثم اجمعهم\"، ففعلت ثم جمعتهم فدعاني بالطعام فَقَرَّبْتُه، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا وشربوا ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \"يا بني عبد المطلب إني قد جئتكم بخيري الدنيا والآخرة. وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيكم يوازرني على أمري هذا؟ ويكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فأحجم القوم عنها جميعًا، فقلت -وأنا أحدثهم سنًا-أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه. قال: فأخذ برقبتي ثم قال: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا\"، فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لعلي وتطيع (1) .\r__________\r(1) أخرجه ابن إسحاق في المغازي، والبيهقي في \"الدلائل\" من طريقه من رواية ابن عباس. وأخرجه البزار وأبو نعيم في الدلائل من طريق عباد بن عبد الله الأسدي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.\rانظر: الكافي الشاف ص (123)، وراجع تفسير ابن كثير: 3 / 315-352 فقد قال: تفرد بهذا السياق عبد الغفار بن القاسم أبي مريم، وهو متروك كذاب شيعي، اتهمه علي بن المديني وغيره بوضع الحديث، وضعفه الأئمة رحمهم الله.","part":6,"page":131},{"id":2266,"text":"أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أبو أسامة، حدثنا الأعمش، حدثنا عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما: لما نزلت: { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ } \"ورهطك منهم المخلصين\" خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا، فهتف يا صاحباه، فقالوا: من هذا؟ فاجتمعوا إليه فقال: \"أرأيتكم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من صفح هذا الجبل أكنتم مصدقيّ\"؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبًا قال: \"فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد\" فقال أبو لهب: تبًا لك ما جمعتنا إلا لهذا، ثم قام: فنزلت \"تبت يدا أبي لهب وقد تب\" هكذا قرأ الأعمش يومئذ (1) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثني عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزلت { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ } صَعِدَ النبي على الصفا فجعل ينادي: \"يا بني فهر، يا بني عدي -لبطون قريش-حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: أرأيتَكم لو أخبرتُكم أنَّ خيلا بالوادي تريد أن تُغير عليكم أكنتم مُصَدِّقِيِّ؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا، قال: \"فإني نذيرٌ لكم بين يديْ عذابٍ شديدٍ\"، فقال أبو لهب: تبًا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: \"تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه مالك وما كسب\" (2)\r__________\r(1) أخرجه البخاري في تفسير سورة \"تبت\": 8 / 737، وفي الجنائز وفي سورة الشعراء وسبأ، وأخرجه مسلم في الإيمان، باب قوله تعالى: \"وأنذر عشيرتك الأقربين\"، برقم (208): 1 / 193-194، والمصنف في شرح السنة: 13 / 327. قال النووي في شرح صحيح مسلم (3 / 82) عند قوله \"ورهطك منهم المخلصين\": \"هو بفتح اللام، فظاهر هذه العبارة أن قوله: ورهطك منهم المخلصين، كان قرآنا أنزل ثم نسخت تلاوته، ولم تقع هذه الزيادة في روايات البخاري\". قلت: بل هي في رواية البخاري في الموضع السابق من التفسير: 8 / 737 من رواية أبي أسامة عن الأعمش. وقال ابن حجر: \"هذه الزيادة وصلها الطبري من وجه آخر عن عمرو بن مرة أنه كان يقرؤها كذلك. قال القرطبي: لعل هذه الزيادة كانت قرآنا فنسخت تلاوتها، ثم استشكل ذلك بأن المراد إنذار الكفار، والمخلص صفة المؤمن؟! والجواب عن ذلك: أنه لا يمتنع عطف الخاص على العام، فقوله: \"وأنذر عشيرتك\" عام فيمن آمن منهم ومن لم يؤمن، ثم عطف عليه الرهط المخلصين تنويها بهم وتأكيدا\".\rانظر: فتح الباري: 8 / 502، تفسير القرطبي: 13 / 143. وأما قراءة \"وقد تب\" كما في الرواية، فقال عنها ابن حجر في الفتح: (8 / 503): \"وليست هذه القرءاة فيما نقل القراء عن الأعمش، فالذي يظهر أنه قرأها حاكيا لا قارئا، ويؤيده قوله في هذا السياق: \"يومئذ\" فإنه يشعر بأنه كان لا يستمر على قراءتها كذلك، والمحفوظ أنها قراءة ابن مسعود وحده\". وقال البدر العيني في عمدة القاري: (20 / 7): وقوله: \"ورهطك منهم المخلصين\" إما تفسير لقوله: \"عشيرتك\" وإما قراءة شاذة رواها. قال الإسماعيلي: قرأها ابن عباس\".\r(2) أخرجه البخاري في تفسير سورة الشعراء، باب: \"وأنذر عشيرتك الأقربين\": 8 / 501، وفي سورة تبت: 8 / 737، ومسلم في الإيمان : 1 / 194، ولم يذكر الأعمش نزول الآية في الرواية.","part":6,"page":132},{"id":2267,"text":"{ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) }\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أنا أبا هريرة قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله تعالى: { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ } فقال: \"يا معشر قريش، أو كلمة نحوها، اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئَا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئَا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئَا، ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئًا\" (1) .\rأخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرني جدي أبو سهل بن عبد الصمد بن عبد الرحمن البزاز، أخبرنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عياض بن حمار المجاشعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن الله عز وجل أمرني أن أعلمكم ما جَهِلْتُم ممَّا علَّمني يومي هذا، وإنه قال: إن كلَّ مالٍ نَحَلْتُه عبادي فهو لهم حلال، وإني خلقت عبادي حُنَفَاءَ كلهم، فأتتهم الشياطين فاجْتَالَتْهم عن دينهم، وحرَّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأَمَرْتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا وإن الله نظر إلى أهل الأرض فَمَقَتَهم عَرَبَهم وعَجَمَهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وإن الله تعالى أمرني أن أخوف قريشًا، فقلت: يا رب إنهم إذا يَثْلَغُوا رأسي حتى يدعوه خُبْزَةً، فقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وقد أنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرؤه في المنام واليقظة، فاغزهم نُغْزِك، وأنفق ننفق عليك، وابعثْ جيشًا نمدِدْك بخمسة أمثالهم، وقاتلْ بمن أطاعك من عصاك، ثم قال: أهل الجنة ثلاثة: إمام مُقْسِط، ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم، ورجل غني متصدق، وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا دِين له، الذين هم فيكم تبعٌ لا يتبعون بذلك أهلا ولا مالا ورجل إن أصبح أصبح يخادعك عن أهلك ومالك، ورجل لا يخفي له طمع -وإن دق-إلا ذهب به، والشِّنْظِيرُ الفاحش. قال: وذكر البخل والكذب\" (2) . قوله عز وجل: { وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في تفسير سورة \"تبت\": 8 / 501-502، وفي الوصايا وفي الأنبياء، ومسلم في الإيمان: 1 / 192-193، والمصنف في شرح السنة: 13 / 329.\r(2) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ضمن روايته لكتاب \"الجامع\" للإمام معمر بن راشد: 11 / 120-121، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، برقم (2865): 4 / 2197-2198، والمصنف في شرح السنة: 14 / 407-408.","part":6,"page":133},{"id":2268,"text":"{ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220) }\r{ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ } من الكفر وعبادة غير الله . { وَتَوَكَّلْ } قرأ أهل المدينة، والشام: \"فتوكل\" بالفاء، وكذلك هو في مصاحفهم وقرأ الباقون بالواو \"وتوكل\"، { عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ } ليكفيك كيد الأعداء. { الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ } إلى صلاتك، 53/أ عن أكثر المفسرين. وقال مجاهد: الذي يراك أينما كنت. وقيل: حين تقوم لدعائهم. { وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ } أي: يرى تقلبك في صلاتك في حال قيامك وركوعك وسجودك وقعودك. قال عكرمة وعطية عن ابن عباس: في الساجدين أي: في المصلين. وقال مقاتل والكلبي: أي مع المصلين في الجماعة، يقول: يراك حين تقوم وحدك للصلاة ويراك إذا صليت مع المصلين في الجماعة. وقال مجاهد: يرى تقلب بصرك في المصلين، فإنه كان يبصر من خلفه كما يبصر من أمامه. أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"هل ترون قبلتي هاهنا، فوالله ما يخفي علي خشوعكم ولا ركوعكم، إني لأراكم من وراء ظهري\" (1) وقال الحسن: \"وتقلبك في الساجدين\" أي: تصرفك وذهابك ومجيئك في أصحابك المؤمنين. وقال سعيد بن جبير: يعني وتصرفك في أحوالك، كما كانت الأنبياء من قبلك. والساجدون: هم الأنبياء. وقال عطاء عن ابن عباس: أراد تقلبك في أصلاب الأنبياء من نبي إلى نبي حتى أخرجك في هذه الأمة (2) . { إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } .\r__________\r(1) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب قصر الصلاة في السفر، باب العمل في الصلاة: 1 / 167، والبخاري في الصلاة، باب عظة الإمام في إتمام الصلاة: 1 / 514، ومسلم في الصلاة، باب الأمر بتحسين الصلاة، برقم (424): 1 / 319، والمصنف في شرح السنة: 13 / 289.\r(2) ذكر هذه الأقوال: الطبري: 19 / 123-125، السيوطي: 6 / 331-332، ابن الجوزي: 6 / 148-149. ورجح الطبري أن أولى الأقول في تفسير الآية أنه: يرى تقلبك مع الساجدين في صلاتهم معك، حين تقوم معهم وتركع وتسجد، لأن ذلك هو الظاهر من معناه.","part":6,"page":134},{"id":2269,"text":"{ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنزلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنزلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) }\r{ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ } أخبركم، { عَلَى مَنْ تَنزلُ الشَّيَاطِينُ } هذا جواب قولهم: تنزل عليه شيطان، ثم بين فقال: { تَنزلُ } أي: تتنزل، { عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ } كذاب، { أَثِيمٍ } فاجر، قال قتادة: هم الكَهَنَةُ، يسترق الجنُّ السمعَ ثم يلقون إلى أوليائهم من الإنس. وهو قوله عز وجل: { يُلْقُونَ السَّمْعَ } { يُلْقُونَ السَّمْعَ } أي: يستمعون من الملائكة مستقرين، فيلقون إلى الكهنة، { وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ } لأنهم يخلطون به كذبًا كثيرًا. قوله عز وجل: { وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ } قال أهل التفسير: أراد شعراء الكفار الذين كانوا يهجون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر مقاتل أسماءهم، فقال: منهم عبد الله بن الزبعري السهمي، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي، ومشافع بن عبد مناف. وأبو عزة بن عبد الله الجمحي، وأمية بن أبي الصلت الثقفي، تكلموا بالكذب وبالباطل، وقالوا: نحن نقول مثل ما يقول محمد. وقالوا الشعر، واجتمع إليهم غواة من قومهم يستمعون أشعارهم حين يهجون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويروون عنهم وذلك (1) . قوله: { وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ } هم الرواة الذين يروون هجاء [النبي صلى الله عليه وسلم و (2) المسلمين. وقال قتادة ومجاهد: الغاوون هم الشياطين. وقال الضحاك: تهاجى رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما من الأنصار والآخر من قوم آخرين، ومع كل واحد منهما غواة من قومه، وهم السفهاء فنزلت هذه الآية. وهي رواية عطية عن ابن عباس (3) . { أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ } [من أودية الكلام] (4) { يَهِيمُونَ } جائرون وعن طريق الحق حائدون، والهائم: الذاهب على وجهه لا مقصد له.\r__________\r(1) انظر: زاد المسير: 6 / 150.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) الطبري: 19 / 127، وعزاه السيوطي أيضا لابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس.\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":6,"page":135},{"id":2270,"text":"قال ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية: في كل لغو يخوضون (1) وقال مجاهد: في كل فن يفتنون. وقال قتادة: يمدحون بالباطل ويستمعون ويهجون بالباطل (2) فالوادي مَثَلٌ لفنون الكلام، كما يقال: أنا في وادٍ وأنت في واد. وقيل: \"في كل وادٍ يهيمون\" أي: على كل حرف من حروف الهجاء يصوغون القوافي.\r{ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ (226) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227) }\r{ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ } أي: يكذبون في شعرهم، يقولون: فعلنا وفعلنا، وهم كذبة. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة عن الأعمش، عن ذكوان، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"لأن يمتلئَ جوفُ أحدِكم قَيْحًا، خيرٌ له من أن يمتلئ شعرًا\" (3) ثم استثنى شعراء المسلمين الذين كانوا يجيبون شعراء الجاهلية، ويهجون شعراء الكفار، وينافحون عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، منهم حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، فقال: { إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أنزل في الشعر ما أنزل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنَّما ترمونهم به نَضْحَ النَّبل\" (4) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الأدب، باب ما يجوز من الشعر: 10 / 537 تعليقا ووصله الطبري: 19 / 128.\r(2) الطبري: 19 / 128.\r(3) أخرجه البخاري في الأدب، باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن: 10 / 548، ومسلم في كتاب الشعر برقم (2257): 4 / 1769، والمصنف في شرح السنة: 12 / 380.\r(4) أخرجه عبد الرزاق في كتاب الجامع: 11 / 263، وصححه ابن حبان ص (494) من موارد الظمآن، والبيهقي في السنن: 10 / 239، والإمام أحمد في المسند: 3 / 456، 460، 6 / 387. والمصنف في شرح السنة: 12 / 378، وعزاه ابن حجر في الكافي الشاف ص (123) والمناوي في الفتح السماوي: 2 / 889 لابن سعد في الطبقات، وعزاه في المطالب العالية: 3 / 354، 355 لأبي يعلى. وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني رقم (1631).","part":6,"page":136},{"id":2271,"text":"أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي، أخبرنا الهيثم بن كليب، أخبرنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا جعفر بن سليمان، حدثنا ثابت، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء وابن رواحة يمشي بين يديه ويقول: خَلُّوا بَنِي الكفَّارِ عن سَبيلهِ ... اليومَ نضربُكم على تنزيلهِ\rضربًا يُزيل الهَامَ عن مَقِيْلهِ ... ويُذْهِلُ الخليلَ عن خلِيلِه\rفقال له عمر: يا ابنَ رواحةَ بين يديْ رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حَرَم الله تقول الشعر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"خلِّ عنه يا عمر، فلهي أسرع فيهم من نَضْحِ النَّبْلِ\" (1) أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا شعبة، أخبرني عدي أنه سمع البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان: \"اهجهم أو هاجهم وجبريل معك\" (2) .\rأخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم الخزاعي، أخبرنا الهيثم بن كليب، حدثنا أبو عيسى، حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري وعلي بن حجر -المعنى واحد-قالا حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم 53/ب يضع لحسان بن ثابت منبرًا في المسجد يقوم عليه قائمًا يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن الله يُؤيّد حَسانَ بروح القدس، ما ينافح أو يفاخر عن رسول الله\" (3) . أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغفار بن محمد، حدثنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث،\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الأدب، باب ما جاء في إنشاد الشعر: 8 / 138-140، وقال: \"هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه، وقد روى عبد الرزاق هذا الحديث أيضا عن معمر عن الزهري في غير هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء، وكعب بن مالك بين يديه. وهذا أصح عند بعض أهل الحديث؛ لأن عبد الله بن رواحة قتل يوم مؤتة، وإنما كانت عمرة القضاء بعد ذلك\"، وأخرجه أيضا في كتابه المفرد الشمائل المحمدية ص (145)، وأخرجه النسائي في المناسك، باب إنشاد الشعر في الحرم.. 2 / 25-26، وأبو نعيم في الحلية: 6 / 292، والمصنف في شرح السنة: 12 / 374، وانظر: فتح الباري: 7 / 502، سلسة الأحاديث الصحيحة للألباني رقم (593).\r(2) أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب ذكر الملائكة: 6 / 304، وفي المغازي: 7 / 416، وفي الأدب: 10 / 546، ومسلم في فضائل الصحابة، باب فضائل حسان برقم (2486): 4 / 1933، والمصنف في شرح السنة: 12 / 377.\r(3) أخرجه الترمذي في الأدب، باب ما جاء في إنشاد الشعر: 8 / 137، وقال: \"هذا حديث حسن غريب صحيح\"، وأخرجه في الشمائل ص (147)، وصححه الحاكم: 3 / 487، والمصنف في شرح السنة: 12 / 377. وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني: 3 / 177.","part":6,"page":137},{"id":2272,"text":"حدثني أبي عن جدي، حدثنا خالد بن زيد، حدثني سعيد بن أبي هلال عن عمارة بن غزية، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي عن سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"اهجوُا قريشًا فإنه أشدُّ عليهم من رشق النبل\"، فأرسل إلى ابن رواحة فقال: \"اهْجُهُمْ\"، فهجاهم فلم يُرْضِ، فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه ثم أدلع لسانه، فجعل يحرِّكه، فقال: والذي بعثك بالحق لأفْرِيَنَّهم بلساني فَرْيَ الأدِيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا تَعْجَل، فإن أبا بكر أعلم قريشٍ بأنسابها، وإن لي فيهم نسبا حتى يخلص لك نسبي\"، فأتاه حسان ثم رجع، فقال: يا رسول الله قد خلص لي نسبك، والذي بعثك بالحق لأسُلَّنَّك منهم كما تُسَلُّ الشعرة من العجين. قالت عائشة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان: \"إن روح القُدُس لا يزال يؤيدك، ما نافحت عن الله ورسوله\"، وقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"هاجهم حسَّانُ فشفى واشتفى\"، قال حسان: هَجَوْتَ محمدًا فَأَجبتُ عنه ... وعندَ الله في ذاكَ الجزاءُ\rهجوتَ محمدًا بَرًّا حَنِيفًا ... رسولَ الله شيمتُه الوفاءُ\rفإنَّ أبي ووالدتي وعِرضِي ... لِعِرضِ محمدٍ منكمْ وقاءُ\rفمَنْ يهجو رسولَ الله منكم ... ويَمْدَحُهُ وينصرُه سواءُ\rوجبريلُ رسولُ الله فينا ... وروحُ القُدْس ليس له كِفَاءُ (1)\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري، أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن أن مروان بن الحكم أخبره أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث أخبره أن أبي بن كعب أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إن من الشعر لحكمة\" (2) قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: الشعر كلام، فمنه حسنٌ، ومنه قبيح، فخذ الحسنَ ودع القبيح (3) وقال الشعبي: كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يقول الشعر، وكان عمر رضي الله تعالى عنه يقول الشعر، وكان علي رضي الله تعالى عنه أشعر الثلاثة (4) .\r__________\r(1) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة، باب فضائل حسان برقم (2490): 4 / 1935-1938، والمصنف في شرح السنة: 10 / 25.\r(2) أخرجه البخاري في الأدب، باب ما يجوز من الشعر والرجز: 10 / 537، والمصنف في شرح السنة: 12 / 369.\r(3) انظر: تفسير القرطبي: 13 / 150.\r(4) انظر المصنف لابن أبي شيبة: 8 / 698.","part":6,"page":138},{"id":2273,"text":"وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان ينشد الشعر في المسجد ويستنشده؛ فروي أنه دعا عمر بن أبي ربيعة المخزومي فاستنشده القصيدة التي قالها فقال: أمن آل نعم أنت غاد فمبكر ... غداة غد أم رائح فمهجر\rفأنشده ابن أبي ربيعة القصيدة إلى آخرها، وهي قريبة من سبعين بيتًا، ثم إن ابن عباس أعاد القصيدة جميعها، وكان حفظها بمرة واحدة. { وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا } أي: لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله، { وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا } قال مقاتل: انتصروا من المشركين، لأنهم بدءوا بالهجاء. ثم أوعد شعراء المشركين فقال: { وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا } أشركوا وهجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) { أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ } أي مرجع يرجعون بعد الموت. قال ابن عباس رضي الله عنهما: إلى جهنم والسعير. والله أعلم (2) .\r__________\r(1) وقيل المراد بهم أهل مكة، وقيل: الذين ظلموا من المشركين، والصحيح أن هذه الآية عامة في كل ظالم. انظر: تفسير ابن كثير: 3 / 356.\r(2) قطعة من حديث تقدم تخريجه، أخرجه البخاري في النكاح: 9 / 104، ومسلم في النكاح أيضا: 2 / 1020.","part":6,"page":139},{"id":2274,"text":"سورة النمل مكية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ (5) }\r{ طس } قال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله تعالى، وقد سبق الكلام في حروف الهجاء (1) . { تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ } أي: هذه آيات القرآن، { وَكِتَابٌ مُبِينٌ } أي: وآيات كتاب مبين. { هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } يعني: هو هدى من الضلالة، وبشرى للمؤمنين المصدقين به بالجنة. { الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } (2) . { إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ } القبيحة حتى رأوها حسنة، { فَهُمْ يَعْمَهُونَ } أي: يترددون فيها متحيرين. { أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ } شدة العذاب في الدنيا بالقتل والأسر ببدر، { وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ } لأنهم خسروا أنفسهم وأهليهم وصاروا إلى النار.\r__________\r(1) انظر الدر المنثور: 1 / 58-59، والطبري: 1 / 205-224 بتحقيق محمود شاكر، ابن كثير: 1 / 36-39.\r(2) انظر الدر المنثور: 1 / 62-63.","part":6,"page":140},{"id":2275,"text":"{ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6) إِذْ قَالَ مُوسَى لأهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) }\r{ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ } أي: تؤتى القرآن وتلقن (1) { مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ } أي: وحيا من عند الله الحكيم العليم. قوله عز وجل: { إِذْ قَالَ مُوسَى لأهْلِهِ } أي: واذكر يا محمد (2) إذ قال موسى لأهله في مسيره من مدين إلى مصر: { إِنِّي آنَسْتُ نَارًا } [أي: أبصرت نارًا] (3) . { سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ } أي: امكثوا مكانكم، سآتيكم بخبر عن الطريق، وكان قد ترك الطريق، { أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ } قرأ أهل الكوفة: \"بشهاب\" بالتنوين، جعلوا القبس نعتًا للشهاب، وقرأ الآخرون بلا تنوين على الإضافة، وهو إضافة الشيء إلى نفسه، لأن الشهاب والقبس متقاربان في المعنى، وهو العود الذي في أحد طرفيه نار، وليس في الطرف الآخر نار. وقال بعضهم: الشهاب هو شيء ذو نور، مثل العمود، والعرب تسمي كل أبيضٍ ذي نور شهابًا، والقبس: القطعة من النار، { لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } تستدفئون من البرد، وكان ذلك في شدة الشتاء. { فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا } أي: بورك على من في النار أو من في النار، والعرب تقول: باركه الله وبارك فيه، وبارك عليه، بمعنى واحد. وقال قوم: البركة راجعة إلى موسى والملائكة، معناه: بورك في من طلب النار، وهو موسى عليه السلام، { وَمَنْ حَوْلَهَا } وهم الملائكة 54/أ الذين حول النار، ومعناه: بورك فيك يا موسى وفي الملائكة الذين حول النار، وهذا تحية من عند الله عز وجل لموسى بالبركة، كما حيا إبراهيم على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه فقالوا: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت. ومذهب أكثر المفسرين أن المراد بالنار النور، ذكر بلفظ النار لأن موسى حسبه نارا، و\"من في النار\" هم الملائكة، وذلك أن النور الذي رآه موسى كان فيه ملائكة لهم زجل بالتقديس والتسبيح،\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) ساقط من \"أ\".","part":6,"page":144},{"id":2276,"text":"و\"من حولها\" هو موسى لأنه كان بالقرب منها، ولم يكن فيها. وقيل: \"من في النار ومن حولها\" جميعًا الملائكة. وقيل: \"من في النار\" موسى و\"من حولها\" الملائكة، وموسى وإن لم يكن في النار كان قريبًا منها، كما يقال: بلغ فلان المنزل، إذا قرب منه، وإن لم يبلغه بعد. وذهب بعضهم إلى أن البركة راجعة إلى النار. وروى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: معناه بوركت النار. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سمعت أبيًّا يقرأ: أن بوركت النار ومن حولها، و\"من\" قد تأتي بمعنى ما، كقوله تعالى: \"فمنهم من يمشي على بطنه\" (النور-45) ، و\"ما\" قد يكون صلة في الكلام، كقوله \"جندٌ ما هنالك\" (ص-11) ، ومعناه: بورك في النار وفيمن حولها، وهم الملائكة وموسى عليهم السلام، وسمَّى النار مباركة كما سمى البقعة مباركة فقال: \"في البقعة المباركة\".\rوروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن في قوله: { بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ } يعني قُدس من في النار، وهو الله، عنى به نفسه، على معنى أنه نادى موسى منها وأسمعه كلامه من جهتها (1) كما روي: أنه مكتوب في التوراة: \"جاء الله من سيناء، وأشرف من ساعين، واستعلى من جبال فاران\" (2) فمجيئه من سيناء: بعثة موسى منها، ومن ساعين بعثة المسيح منها، ومن جبال فاران بعثة المصطفى منها، وفاران مكة (3) . قيل: كان ذلك نوره عز وجل. قال سعيد بن جبير: كانت النار بعينها، والنار إحدى حجب الله تعالى، كما جاء في الحديث: \"حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه\" (4) ثم نزه الله نفسه وهو المنزه من كل سوء وعيب، فقال جل ذكره. { وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }\r{ يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) }\rثم تعرف إلى موسى بصفاته، فقال: { يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } والهاء في قوله { إِنَّهُ } عماد، وليس بكناية، وقيل: هي\r__________\r(1) ذكر هذه الأقوال الطبري: 19 / 133-135، وأبو جعفر النحاس في معاني القرآن: 5 / 116، والسيوطي في الدر المنثور: 6 / 341، والقرطبي: 13 / 158-159.\r(2) النص في العهد العتيق، سفر التثنية ص (355) طبع الكاثوليكية. وبلفظ \"ساعير\" بدلا من \"ساعين\" فيه، وفي النصوص التي نقلت عنه.\r(3) انظر بالتفصيل هذه البشارة ومدلولها ومطابقتها لما جاء في القرآن الكريم: الإسلام وعلاقته بالشرائع الأخرى، تأليف عثمان جمعة ص (81-83) والمراجع المشار إليها.\r(4) قطعة من حديث أبي موسى أخرجه مسلم في الإيمان، باب في قوله عليه السلام: إن الله لا ينام، برقم (179) 1 / 161، والمصنف في شرح السنة: 1 / 173.","part":6,"page":145},{"id":2277,"text":"كناية عن الأمر والشأن، أي: الأمر والشأن، أي: المعبود أنا (1)\r{ وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11) }\rثم أرى موسى آية على قدرته، فقال: { وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ } تتحرك، { كَأَنَّهَا جَانٌّ } وهي الحية الصغيرة التي يكثر اضطرابها، { وَلَّى مُدْبِرًا } هرب من الخوف، { وَلَمْ يُعَقِّبْ } لم يرجع، يقال: عقب فلان إذا رجع، وكل راجع معقب. وقال قتادة: ولم يلتفت، فقال الله عز وجل: { يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ } يريد إذا آمنتهم لا يخافون، أما الخوف الذي هو شرط الإيمان فلا يفارقهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"أنا أخشاكم لله\" (2) . وقوله: { إِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ } واختلف في هذا الاستثناء، قيل: هذا إشارة إلى أن موسى حين قتل القبطي خاف من ذلك، ثم تاب فقال: رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي، فغفر له. قال ابن جريج: قال الله تعالى لموسى: إنما أخفتك لقتلك النفس. وقال: معنى الآية: لا يخيف الله الأنبياء إلا بذنب يصيبه أحدهم، فإن أصابه أخافه حتى يتوب، فعلى هذا التأويل يكون الاستثناء صحيحًا وتناهى الخبر عن الرسل عند قوله: { إِلا مَنْ ظُلِمَ } ثم ابتدأ الخبر عن حال من ظلم من الناس كافة. وفي الآية متروك استُغني عن ذكره بدلالة الكلام عليه، تقديره: فمن ظَلَمَ ثم بدَّل حسنًا بعد سوء فإني غفور رحيم (3) .\rوقال بعض العلماء: ليس هذا باستثناء من المرسلين لأنه لا يجوز عليهم الظلم، بل هو استثناء من المتروك في الكلام، معناه: لا يخاف لديَّ المرسلون، إنما الخوف على غيرهم من الظالمين، إلا من ظلم ثم تاب، وهذا من الاستثناء المنقطع، معناه (4) لكن من ظلم من سائر الناس فإنه يخاف، فإن تاب وبدَّل حسنًا بعد سوء فإن الله غفور رحيم، يعني يغفر الله له ويزيل الخوف عنه (5) .\r__________\r(1) راجع: التبيان للعكبري: 2 / 1005، زاد المسير: 7 / 156.\r(2) قطعة من حديث رواه البخاري في النكاح، باب الترغيب في النكاح 9 / 104، ومسلم في الصيام، باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة برقم (1108) 2 / 779 بلفظ \"أما والله إني لأتقاكم لله، وأخشاكم له\".\r(3) هذا القول هو الذي رجحه الطبري: 19 / 137.\r(4) ساقط من \"أ\".\r(5) قال الحافظ ابن كثير رحمه الله معتمدا هذا القول (3 / 358): \"هذا استثناء منقطع، وفيه بشارة عظيمة للبشر، وذلك أن من كان على عمل سيئ ثم أقلع عنه ورجع وتاب وأناب، فإن الله يتوب عليه، كما قال: (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى)، وقال تعالى: (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه..) الآية. والآيات في هذا كثيرة جدا\". وكذلك رجحه أبو حيان في البحر المحيط.","part":6,"page":146},{"id":2278,"text":"وقال بعض النحويين: \"إلا\" هاهنا بمعنى: \"ولا\" (1) يعني: لا يخاف لديّ المرسلون ولا من ظلم ثم بدل حسنًا بعد سوء، يقول: لا يخاف لدي المرسلون ولا المذنبون التائبون، كقوله تعالى: \"لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم\" (البقرة-150) ، يعني: ولا الذين ظلموا (2)\r{ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) }\r__________\r(1) في الطبري والنحاس وغيرهما: (بمعنى الواو).\r(2) وهذا القول حكاه الفراء عن بعض النحويين ولم يرضه، وقال النحاس: \"وذا ليس بجيد في العربية\"، وقال أبو حيان: \"وهذا ليس بشيء؛ لأن معنى \"إلا\" مباين لمعنى \"الواو\" مباينة كثيرة، إذ الواو للإدخال و\"إلا\" للإخراج، فلا يمكن وقوع أحدهما موضع الآخر\". انظر: معاني القرآن للنحاس: 5 / 117، البحر المحيط: 7 / 57، زاد المسير: 6 / 157.","part":6,"page":147},{"id":2279,"text":"{ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14) وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15) }\rثم أراه الله آية أخرى فقال: { وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ } والجيب حيث جيب من القميص، أي: قطع، قال أهل التفسير: كانت عليه مدرعة من صوف لا كم لها ولا أزرار، فأدخل يده في جيبه وأخرجها، فإذا هي تبرق مثل البرق، فذلك قوله: { تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ } من غير برص، { فِي تِسْعِ آيَاتٍ } يقول هذه آية مع تسع آيات أنت مرسل بهن، { إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ } { فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً } بينة واضحة يبصر بها، { قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ } ظاهر. { وَجَحَدُوا بِهَا } أي: أنكروا الآيات ولم يقروا أنها من عند الله، { وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ } أي: علموا أنها من عند الله، قوله: { ظُلْمًا وَعُلُوًّا } أي: شركًا وتكبرًا عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى، { فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ } قوله عز وجل: { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا } أي: علم القضاء ومنطق الطير والدواب وتسخير الشياطين وتسبيح الجبال، { وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا } بالنبوة والكتاب وتسخير الشياطين والجن والإنس { عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ }","part":6,"page":147},{"id":2280,"text":"{ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) }\r{ وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ } 54/ب نبوته وعلمه وملكه دون سائر أولاده (1) وكان لداود تسعة عشر ابنًا، وأعطي سليمان ما أعطي داود من الملك، وزيد له تسخير الريح وتسخير الشياطين. قال مقاتل: كان سليمان أعظم ملكًا من داود وأقضى منه، وكان داود أشد تعبدًا من سليمان، وكان سليمان شاكرًا لنعم الله تعالى.\r{ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ } سمَّى صوت الطير منطقًا لحصول الفهم منه، كما يفهم من كلام الناس. روي عن كعب قال (2) صاح وَرَشان عند سليمان عليه السلام، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا قال: إنه يقول لدوا للموت وابنُوا للخراب، وصاحت فاختة، فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا قال: إنها تقول: ليت ذا الخلق لم يخلقوا، وصاح طاووس، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا قال: فإنه يقول: كما تدين تدان، وصاح هدهد، فقال: أتدرون ما يقول هذا؟ قالوا: لا قال: فإنه يقول: من لا يرحم لا يرحم، وصاح صرد، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا قال: فإنه يقول: استغفروا الله يا مذنبين، قال: وصاحت طوطى، فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا قال: فإنها تقول: كل حي ميت وكل حديد بال، وصاح خطاف، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا قال: فإنه يقول: قدموا خيرًا تجدوه، وهدرت حمامة، فقال: أتدرون ما تقول؟ قالوا: لا قال: فإنها تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه، وصاح قمري، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا قال: فإنه يقول: سبحان ربي الأعلى، قال: والغراب يدعو على العشَّار، والحِدَأة تقول: كل شيء هالك إلا الله، والقطاة تقول: من سكت سلم، والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همه، والضفدع يقول: سبحان ربي القدوس، والبازي يقول: سبحان ربي وبحمده، والضفدعة تقول: سبحان المذكور بكل لسان. وعن مكحول قال: صاح دراج عند سليمان، فقال: هل تدرون ما يقول؟ قالوا: لا قال: فإنه يقول: الرحمن على العرش استوى.\r__________\r(1) وليس المراد وراثة المال، إذ لو كان كذلك لم يخص سليمان وحده من بين سائر أولاد داود.. والأنبياء لا تورث أموالهم كما أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: \"نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه فهو صدقه\". انظر: تفسير ابن كثير: 3 / 359.\r(2) هذه الروايات عن كعب وغيره وهذه التفصيلات في كلام الطير مما ذكره المصنف رحمه الله، متلقاة من أهل الكتاب كرواية كعب هذه، ولا يتوقف فهم الآية عليها، وليس فيها نص صحيح مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والبحث في هذا مما لا طائل تحته. والله أعلم.","part":6,"page":148},{"id":2281,"text":"وعن فرقد السبخي قال مر سليمان على بلبل فوق شجر يحرك رأسه ويميل ذنبه، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول هذا البلبل؟ فقالوا الله ونبيه أعلم، قال يقول: أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء. وروي أن جماعة من اليهود قالوا لابن عباس: إنا سائلوك عن سبعة أشياء فإن أخبرتنا آمنا وصدقنا، قال: سلوا تفقهًا ولا تسألوا تعنتًا، قالوا: أخبرنا ما يقول القنبر في صفيره، والديك في صقيعه، والضفدع في نقيقه، والحمار في نهيقه، والفرس في صهيله، وماذا يقول الزرزور والدراج؟ قال: نعم، أما القنبر فيقول: اللهم العن مبغضي محمد وآل محمد، وأما الديك فيقول: اذكروا الله يا غافلين، وأما الضفدع فيقول: سبحان المعبود في لجج البحار، وأما الحمار فيقول: اللهم العن العشار، وأما الفرس فيقول: إذا التقى الصفان سبوح قدوس رب الملائكة والروح، وأما الزرزور فيقول: اللهم إني أسألك قوت يوم بيوم يا رازق، وأما الدراج فيقول: الرحمن على العرش استوى، قال: فأسلم اليهود وحسن إسلامهم.\rوروي عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جده عن الحسين بن علي قال: إذا صاح النسر قال: يا ابن آدم، عش ما شئت آخره الموت، وإذا صاح العقاب قال: في البعد من الناس أنس، وإذا صاح القنبر قال: إلهي العن مبغضي آل محمد، وإذا صاح الخطاف، قرأ: الحمد لله رب العالمين، ويمد الضالين كما يمد القارئ. قوله تعالى: { وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ } يؤتى الأنبياء والملوك، قال ابن عباس: من أمر الدنيا والآخرة. وقال مقاتل: يعني النبوة والملك وتسخير الجن والشياطين والرياح، { إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ } الزيادة الظاهرة على ما أعطى غيرنا. وروى أن سليمان عليه السلام أعطي مشارق الأرض ومغاربها، فملك سبعمائة سنة وستة أشهر، ملك جميع أهل الدنيا من الجن والإنس والدواب والطير والسباع (1) وأعطي على ذلك منطق كل شيء، وفي زمانه صنعت الصنائع العجيبة (2) .\r{ وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) }\rقوله عز وجل: { وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ وَالطَّيْرِ } في مسيره له، { فَهُمْ يُوزَعُونَ } فهم يكفون. قال قتادة: كان على كل صف من جنوده وزعة ترد [أولها على آخراها] (3) لئلا يتقدموا في المسير، والوازع الحابس، وهو النقيب. وقال مقاتل: يوزعون يساقون،\r__________\r(1) في هامش نسخة \"أ\": قوله: ملك جميع أهل الدنيا.. فيه نظر، لأنه عليه السلام ما علم بلقيس ولا ملكها إلا من الهدهد بعدما أخبره به، إلا أن نقول: ملك بعد ذلك الزمان والله أعلم.\r(2) أخرجه الحاكم في المستدرك: 2 / 588، عن جعفر بن محمد، وقال الذهبي: هذا باطل.\r(3) في \"ب\": أولها على آخرها.","part":6,"page":149},{"id":2282,"text":"وقال السدي: يوقفون. وقيل: يجمعون. وأصل الوزع الكف والمنع. قال محمد بن كعب القرظي: كان معسكر سليمان مائة فرسخ، خمسة وعشرون منها للإنس، وخمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب، فيها ثلثمائة صريحة (1) وسبعمائة سرية فيأمر الريح العاصف فترفعه، ويأمر الرخاء فتسير به، وأوحى الله إليه وهو يسير بين السماء والأرض: إني قد زدت في ملكك أنه لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء إلا جاءت به الريح، فأخبرتك (2) .\r{ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (18) }\rقوله عز وجل: { حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ } روي عن وهب بن منبه عن كعب قال: كان سليمان إذا ركب حمل أهله وخدمه وحشمه، وقد اتخذ مطابخ ومخابز (3) يحمل فيها تنانير الحديد وقدور عظام، يسع كل قدر عشر جزائر وقد اتخذ ميادين للدواب أمامه، فيطبخ الطباخون، ويخبز الخبازون، وتجري الدواب بين يديه بين السماء والأرض، والريح تهوي بهم، فسار من اصطخر إلى اليمن فسلك مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال سليمان: هذه دار هجرة نبي في آخر الزمان، طوبى لمن آمن به وطوبى لمن اتبعه، ورأى حول البيت أصنامًا تعبد من دون الله فلما جاوز سليمان البيت بكى البيت، 55/أ فأوحى الله إلى البيت ما يبكيك؟ فقال: يا رب أبكاني أن هذا نبي من أنبيائك وقوم من أوليائك مرّوا عليّ فلم يهبطوا ولم يصلوا عندي، والأصنام تُعبد حولي من دونك فأوحى الله إليه أنْ لا تبكِ، فإني سوف أملؤك وجوهًا سُجَّدًا، وأنزل فيك قرآنًا جديدًا وأبعث منك نبيًا في آخر الزمان أحب أنبيائي إليّ، وأجعل فيك عمّارًا من خلقي يعبدونني، وأفرض على عبادي فريضة يذفون إليك ذفيف النسور إلى وكرها، ويحنون إليك حنين الناقة إلى ولدها والحمامة إلى بيضتها، وأطهرك من الأوثان وعبدة الشياطين (4) ثم مضى سليمان حتى مرّ بوادي السدير وادٍ من الطائف، فأتى على وادي النمل، هكذا قال كعب: إنه وادٍ بالطائف. وقال قتادة ومقاتل: هو أرض بالشام. وقيل: واد كان يسكنه الجن، وأولئك النمل مراكبهم (5)\r__________\r(1) بمعنى منكوحة.\r(2) أخرجه الحاكم في المستدرك عن محمد بن كعب قال: بلغنا أن سليمان.. 2 / 589 وهو ضعيف.\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) هذه الرواية وامثالها من الإسرائيليات التي كان يحدث بها وهب وكعب، وليس في ذلك نص صحيح تقوم به الحجة.\r(5) قال الحافظ ابن كثير: (3 / 360): \"ومن قال من المفسرين إن هذا الوادي كان بأرض الشام أو بغيره، وإن هذه النملة كانت ذات جناحين كالذباب، أو غير ذلك من الأقاويل فلا حاصل لها\".","part":6,"page":150},{"id":2283,"text":"وقال نوف الحميري: كان نمل ذلك الوادي أمثال الذباب (1) . وقيل: كالبخاتي. والمشهور: أنه النمل الصغير. وقال الشعبي: كانت تلك النملة ذات جناحين. وقيل: كانت نملة عرجاء فنادت: { قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ } ولم تقل: ادخلن، لأنه لما جعل لهم قولا كالآدميين خوطبوا بخطاب الآدميين، { لا يَحْطِمَنَّكُمْ } لا يكسرنكم، { سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ } والحطم الكسر، { وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } فسمع سليمان قولها، وكان لا يتكلم خلق إلا حملت الريح ذلك فألقته في مسامع سليمان. قال مقاتل: سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال. قال الضحاك: كان اسم تلك النملة طاحية، قال مقاتل: كان اسمها جرمى (2) . فإن قيل: كيف يتصور الحطم من سليمان وجنوده وكانت الريح تحمل سليمان وجنوده على بساط بين السماء والأرض؟ قيل: كان جنوده ركبانًا وفيهم مشاة على الأرض تطوى لهم. وقيل: يحتمل أن يكون هذا قبل تسخير الله الريح لسليمان. قال أهل التفسير: علم النمل أن سليمان نبي ليس فيه جبرية ولا ظلم. ومعنى الآية: أنكم لو لم تدخلوا مساكنكم وطؤوكم ولم يشعروا بكم. ويروى أن سليمان لما بلغ وادي النمل حبس جنوده حتى دخل النمل بيوتهم.\r{ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) }\rقوله عز وجل: { فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا } قال الزجاج: أكثر ضحك الأنبياء التبسم. وقوله { ضَاحِكًا } أي: متبسمًا. قيل: كان أوله التبسم وآخره الضحك. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى بن سليمان، حدثني ابن وهب، أخبرنا عمرو، هو ابن الحارث، أخبرنا النضر،\r__________\r(1) قال ابن كثير في الموضع نفسه: \"هكذا رأيته مضبوطا بالياء المثناة من تحت، وإنما هو بالباء الموحدة، وذلك تصحيف، والله أعلم. والغرض: أن سليمان عليه السلام فهم قولها وتبسم ضاحكا من ذلك، وهذا أمر عظيم جدا.\r(2) لا طائل من البحث في صفات هذه النملة واسمها، ولا خبر في ذلك عن الرسول صلى الله عليه وسلم يصار إليه، وحسبنا ما أخبرنا الله تعالى به من كلام النملة وفهم سليمان له وما في ذلك من دلالة. والله أعلم. وانظر: البداية والنهاية لابن كثير: 2 / 19.","part":6,"page":151},{"id":2284,"text":"حدثه عن سليمان بن يسار، عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعًا قط ضاحكًا حتى أرى منه لَهَوَاتِه، إنما كان يتبسم (1) . أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم الخزاعي، أخبرنا الهيثم بن كليب، حدثنا أبو عيسى، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة عن عبد الله بن المغيرة عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء قال: ما رأيتُ أحدًا أكثر تبسمًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم (2) .\rقال مقاتل: كان ضحك سليمان من قول النملة تعجبًا، لأن الإنسان إذا رأى ما لا عهد له به تعجب وضحك، ثم حمد سليمان ربَّه على ما أنعم عليه. { وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي } ألهمني، { أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ } أي: أدخلني في جملتهم، وأثبت اسمى مع أسمائهم واحشرني في زمرتهم، قال ابن عباس: يريد مع إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ومن بعدهم من النبيين. وقيل: أدخلني الجنة برحمتك من عبادك الصالحين.\r{ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) }\rقوله عز وجل: { وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ } أي: طلبها وبحث عنها، والتفقد: طلب ما فُقِد، ومعنى الآية: طلب ما فقد من الطير، { فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ } أي: ما للهدهد لا أراه؟. تقول العرب: ما لي أراك كئيبًا؟ أي: مالك؟ والهدهد: طائر معروف. وكان سبب تفقده الهدهد وسؤاله عنه، قيل: إخلاله بالنوبة، وذلك أن سليمان كان إذا نزل منزلا يظله وجنده الطيرُ من الشمس، فأصابته الشمس من موضع الهدهد، فنظر فرآه خاليًا.\rوروي عن ابن عباس: أن الهدهد كان دليل سليمان على الماء وكان يعرف موضع الماء ويرى الماء تحت الأرض، كما يرى في الزجاجة، ويعرف قربه وبعده فينقر الأرض، ثم تجيء الشياطين فيسلخونه ويستخرجون الماء. قال سعيد بن جبير: لما ذكر ابن عباس هذا قال له نافع بن الأزرق: يا وصاف انظر ما تقول، إن الصبي منا يضع الفخ ويحثو عليه التراب، فيجيء الهدهد ولا يبصر الفخ حتى يقع في عنقه،\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير، باب: \"فلما روأه عارضا مستقبل أوديتهم\": 8 / 578، ومسلم في صلاة الاستسقاء، باب التعوذ عند رؤية الريح، برقم (899): 2 / 616-617، وذكره المصنف في مصابيح السنة: 1 / 1073.\r(2) أخرجه الترمذي في المناقب، باب في بشاشة النبي صلى الله عليه وسلم: 10 / 124،وقال: \"هذا حديث غريب\". وقد روي عن يزيد ابن أبي حبيب عن عبد الله بن الحارث بن جزء مثل هذا\". واخرجه الإمام أحمد في المسند: 4 / 190، وذكره المصنف في مصابيح السنة برقم (3686).","part":6,"page":152},{"id":2285,"text":"فقال له ابن عباس: ويحك إن القدر إذا جاء حال دون البصر. وفي رواية: إذا نزل القضاء والقدر ذهب اللب وعمي البصر (1) . فنزل سليمان منزلا فاحتاج إلى الماء فطلبوا فلم يجدوا، فتفقد الهدهد ليدل على الماء، فقال: ما لي لا أرى الهدهد، على تقرير أنه مع جنوده، وهو لا يراه، ثم أدركه الشك في غيبته، فقال: { أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ } يعني أكان من الغائبين؟ والميم صلة، وقيل: \"أم\" بمعنى \"بل\"، ثم أوعده على غيبته، فقال: { لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا }\r{ لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21) }\r{ لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا } واختلفوا في العذاب الذي أوعده به، فأظهر الأقاويل أن ينتف ريشه وذنبه ويلقيه في الشمس ممعطًا، لا يمتنع من النمل ولا من هوام الأرض (2) . وقال مقاتل وابن حيان: لأطلينّه بالقطران ولأشمسنّه. وقيل: لأودعنّه القفص. وقيل: لأفرقن بينه وبين إلفه. وقيل: لأحبسنّه مع ضده. { أَوْ لأذْبَحَنَّهُ } لأقطعن حلقه، { أَوْ لَيَأْتِيَنِّني بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ } بحجة بينة في غيبته، وعذر ظاهر، قرأ ابن كثير: \" ليأتيني \" بنونين، الأولى 55/ب مشددة، وقرأ الآخرون بنون واحدة مشددة.\rوكان سبب غيبة الهدهد على ما ذكره العلماء (3) أن سليمان لما فرغ من بناء بيت المقدس عزم على الخروج إلى أرض الحرم، فتجهز للمسير، واستصحب من الجن والإنس والشياطين والطيور والوحوش ما بلغ معسكره مائة فرسخ، فحملهم الريح، فلما وافى الحرم أقام به ما شاء الله أن يقيم، وكان ينحر كل يوم بمقامه بمكة خمسة آلاف ناقة ويذبح خمسة آلاف ثور وعشرين ألف شاة (4) وقال لمن حضره من أشراف قومه: إن هذا مكان يخرج منه نبي عربي صفته كذا وكذا، يعطي النصر على جميع من ناوأه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب والبعيد عنده في الحق سواء، لا تأخذه في الله لومة لائم. قالوا فبأي دين يدين يا نبي الله؟ قال: يدين بدين الحنيفية، فطوبى لمن أدركه وآمن به، فقالوا: كم بيننا وبين خروجه يا نبي الله؟ قال مقدار ألف عام فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل، قال: فأقام بمكة حتى قضى نسكه، ثم خرج من مكة صباحًا، وسار نحو اليمن فوافى صنعاء وقت الزوال، وذلك مسيرة شهر، فرأى أرضًا حسناء تزهو خضرتها فأحب\r__________\r(1) أخرجه الحاكم: 2 / 405-406 وصححه على شرط الشيخين، والطبري: 19 / 144، وعزاه السيوطي لابن أبي شيبة، وعبد ابن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. وانظر: الدر المنثور: 6 / 348.\r(2) اعتمد الطبري هذا القول ولم يذكر غيره: 19 / 146، وانظر: الدر المنثور: 6 / 349-350، تفسير ابن كثير: 3 / 361.\r(3) ما ذكره المصنف عن العلماء ظاهر أنه من الأخبار التي لا سند لها وهي بهذه التفصيلات غريبة.\r(4) في \"ب\": كبش.","part":6,"page":153},{"id":2286,"text":"النزول بها ليصلي ويتغدى، فلما نزل قال الهدهد: إن سليمان قد اشتغل بالنزول فارتفع نحو السماء فانظر إلى طول الدنيا وعرضها، ففعل ذلك، فنظر يمينًا وشمالا فرأى بستانًا لبلقيس، فمال إلى الخضرة فوقع فيه فإذا هو بهدهد فهبط عليه، وكان اسم هدْهد سليمان \"يعفور\" واسم هدهد اليمن \"عنفير\"، فقال عنفير اليمن ليعفور سليمان: من أين أقبلت وأين تريد؟ قال: أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود. فقال: ومن سليمان؟ قال ملك الجن والإنس والشياطين والطير والوحوش والرياح، فمن أين أنت؟ قال: أنا من هذه البلاد، قال: ومن ملكها؟ قال: امرأة يقال لها بلقيس، وإن لصاحبكم ملكًا عظيمًا ولكن ليس ملك بلقيس دونه، فإنها ملكة اليمن كلها، وتحت يدها اثنا عشر ألف (1) قائد، تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل، فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها؟ قال: أخاف أن يتفقدني سليمان في وقت الصلاة إذا احتاج إلى الماء، قال الهدهد اليماني: إن صاحبك يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة، فانطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها، وما رجع إلى سليمان إلا في وقت العصر. قال: فلما نزل سليمان ودخل عليه وقت الصلاة وكان نزل على غير ماء، فسأل الإنس والجن والشياطين عن الماء فلم يعلموا، فتفقد الطير، ففقد الهدهد، فدعا عريف الطير -وهو النسر-فسأله عن الهدهد، فقال: أصلح الله الملك، ما أدري أين هو، وما أرسلته مكانًا، فغضب عند ذلك سليمان، وقال: { لأعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا } الآية. ثم دعا العقاب سيد الطير فقال: علي بالهدهد الساعة، فرفع العقاب نفسه دون السماء حتى التزق بالهواء فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم ثم التفت يمينًا وشمالا فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن، فانقض العقاب نحوه يريده، فلما رأى الهدهد ذلك علم أن العقاب يقصده بسوء فناشده، فقال: بحق الله الذي قواك وأقدرك علي إلا رحمتني ولم تتعرض لي بسوء، قال: فولى عنه العقاب، وقال له: ويلك ثكلتك أمك، إن نبي الله قد حلف أن يعذبك أو يذبحك، ثم طارا متوجهين نحو سليمان، فلما انتهيا إلى المعسكر تلقاه النسر والطير، فقالوا له: ويلك أين غبت في يومك هذا؟ ولقد توعدك نبي الله، وأخبراه بما قال، فقال الهدهد: أوَما استثنى رسول الله؟ قالوا: بلى، قال: \"أو ليأتيني بسلطان مبين\"، قال: فنجوت إذًا، ثم طار العقاب والهدهد حتى أتيا سليمان وكان قاعدًا على كرسيه، فقال العقاب قد أتيتك به يا نبي الله، فلما قرب الهدهد رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض تواضعًا لسليمان، فلما دنا منه أخذ برأسه فمده إليه وقال: أين كنت؟ لأعذبنك عذابًا شديدًا، فقال الهدهد: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله تعالى، فلما سمع سليمان ذلك ارتعد وعفا عنه، ثم سأله فقال: ما الذي أبطأ بك عني؟ فقال الهدهد ما أخبر الله عنه في قوله: { فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ }\r{ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) }\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".","part":6,"page":154},{"id":2287,"text":"{ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) }\r{ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ } قرأ عاصم ويعقوب: { فَمَكَثَ } بفتح الكاف، وقرأ الآخرون بضمها وهما لغتان، { غَيْرَ بَعِيدٍ } أي: غير طويل، { فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ } والإحاطة: العلم بالشيء من جميع جهاته، يقول: علمتُ ما لم تعلم، وبلغتُ ما لم تبلغه أنت ولا جنودك، { وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ } قرأ أبو عمرو، والبزي عن ابن كثير من \"سبأ\" [و\"لسبأ\" في سورة سبأ، مفتوحة الهمزة، وقرأ القواص عن ابن كثير] (1) ساكنة بلا همزة، وقرأ الآخرون بالإجراء، فمن لم يجره جعله اسم البلد، ومن أجراه جعله اسم رجل، فقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن سبأ فقال: \"كان رجلا له عشرة من البنين تَيَامَنَ منهم ستة وتشاءم أربعة\" (2) . { بِنَبَإٍ } بخبر، { يَقِينٍ } فقال سليمان: وما ذاك؟ قال: { إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ } { إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ } وكان اسمها بلقيس بنت شراحيل، من نسل يعرب بن قحطان، وكان أبوها ملكًا عظيم الشأن، قد ولد له أربعون ملكًا هو آخرهم، وكان يملك أرض اليمن كلها، وكان يقول لملوك الأطراف: ليس أحد منكم كفؤًا لي، وأبى أن يتزوج فيهم، فزوجوه امرأة من الجن يقال لها ريحانة بنت السكن، فولدت له بلقيس، [ولم يكن له ولد غيرها، وجاء في الحديث: إن إحدى أبوي بلقيس كان جنيًا (3) . فلما مات أبو بلقيس] (4) طمعت في الملك فطلبت من قومها أن يبايعوها فأطاعها قوم وعصاها قوم آخرون، فملَّكوا عليهم رجلا وافترقوا فرقتين، كل فرقة استولت على طرف من أرض اليمن، ثم إن الرجل الذي ملكوه أساء السيرة في أهل مملكته حتى كان يمد يده إلى حرم رعيته ويفجر بهن، فأراد قومه خلعه فلم يقدروا عليه، فلما رأت ذلك بلقيس\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) أخرجه الترمذي في تفسير سورة سبأ: 9 / 88-89، وقال: هذا حديث غريب حسن، واختصره أبو داود في الحروف والقراءات: 6 / 8، عن فروة بن مسيك، وأخرجه الطبري في التفسير: 22 / 76-77، والإمام أحمد في المسند: 1 / 317، وأخرجه أيضا ابن أبي حاتم والحاكم وصححه من حديث ابن عباس، وله روايات في بعضها ضعف ينجبر بتعدد الطرق. انظر: فتح الباري: 8 / 535، مجمع الزوائد: 7 / 94، تفسير ابن كثير: 3 / 531-532، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، ترجمة \"فروة بن مسيك\": 5 / 369 حيث أشار إلى الحديث وقال: \"أخرجه ابن سعد، وأبو داود والترمذي، وابن السكن مطولا ومختصرا\"، زاد المسير: 6 / 165 مع حاشية المحقق.\r(3) أخرجه ابن جرير، وأبو الشيخ في \"العظمة\"، وابن مردويه، وابن عساكر، عن أبي هريرة مرفوعا. قال ابن كثير: \"هذا حديث غريب وفي سنده ضعف\"، انظر: الدر المنثور: 6 / 351، البداية والنهاية لابن كثير: 2 / 21.\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":6,"page":155},{"id":2288,"text":"أدركتها الغيرة فأرسلت إليه 56/أ تعرض نفسها عليه، فأجابها الملك، وقال: ما منعني أن أبتدئك بالخطبة إلا اليأس منك، فقالت لا أرغب عنك، كفؤ كريم، فاجمع رجال قومي واخطبني إليهم، فجمعهم وخطبها إليهم، فقالوا: لا نراها تفعل هذا، فقال لهم: إنها ابتدأتني فأنا أحب أن تسمعوا قولها فجاؤوها، فذكروا لها، فقالت: نعم أحببت الولد. فزوجوها منه، فلما زفت إليه خرجت في أناس كثير من حشمها، فلما جاءته سقته الخمر حتى سكر، ثم جزت رأسه وانصرفت من الليل إلى منزلها، فلما أصبح الناس رأوا الملك قتيلا ورأسه منصوب على باب دارها، فعلموا أن تلك المناكحة كانت مكرًا وخديعة منها، فاجتمعوا إليها وقالوا: أنت بهذا الملك أحق من غيرك، فملكوها (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عثمان بن الهيثم، أخبرنا عوف، عن الحسن، عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس ملكوا عليهم بنت كسرى قال: \"لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة\" (2) . قوله تعالى: { وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ } يحتاج إليه الملوك من الآلة والعدة، { وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ } سرير ضخم كان مضروبًا من الذهب مكللا بالدر والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، وقوائمه من الياقوت والزمرد، وعليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق. قال ابن عباس: كان عرش بلقيس ثلاثين ذراعًا في ثلاثين ذراعًا: وطوله في السماء ثلاثون ذراعًا. وقال مقاتل: كان طوله ثمانين ذراعًا وطوله في السماء (3) ثمانين ذراعًا. وقيل: كان طوله ثمانين ذراعًا وعرضه أربعين ذراعا وارتفاعه ثلاثين ذراعًا.\r{ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ24 أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26) قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) }\r__________\r(1) أشار الحافظ ابن كثير إلى هذه القصة وعزاها للثعلبي وغيره. انظر: البداية والنهاية: 2 / 21.\r(2) أخرجه البخاري في المغازي، باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر: 8 / 126، والمصنف في شرح السنة: 10 / 76. وقال: \"اتفقوا على أن المرأة لا تصلح أن تكون إمام ولا قاضيا، لأن الإمام يحتاج إلى الخروج لإقامة أمر الجهاد، والقيام بأمور المسلمين، والقاضي يحتاج إلى البروز لفصل الخصومات، والمرأة عورة لا تصلح للبروز، وتعجز لضعفها عن القيام بأكثر الأمور، ولأن المرأة ناقصة، والإمامة والقضاء من كمال الولايات، فلا يصلح لها إلا الكامل من الرجال..\".\r(3) في \"ب\": الهواء.","part":6,"page":156},{"id":2289,"text":"{ أَلا يَسْجُدُوا } قرأ أبو جعفر والكسائي: \"أَلا يسجدوا\" بالتخفيف، وإذا وقفوا يقفون \"ألا يا\": ألا يا ثم يبتدئون: \"اسجدوا\"، على معنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا، وجعلوه أمرًا من عند الله مستأنفًا، وحذفوا هؤلاء اكتفاء بدلالة \"يا\" عليها، وذكر بعضهم سماعًا من العرب: أَلا يا ارحمونا، يريدون ألا يا قوم، وقال الأخطل: أَلا يا اسْلَمِي يا هِنْدُ هِنْدَ بَنِي بَكْرِ ... وإنْ كانَ حَيَّانَا عِدًا آخِرَ الدَّهْرِ (1)\rيريد: ألا يا اسلمي يا هند، وعلى هذا يكون قوله \"أَلا\" كلامًا معترضًا من غير القصة، إما من الهدهد، وإما من سليمان. قال أبو عبيدة: هذا أمر من الله مستأنف يعني: يا أيها الناس اسجدوا. وقرأ الآخرون: \"ألا يسجدوا\" بالتشديد، بمعنى: وزين لهم الشيطان أعمالهم لئلا يسجدوا، { لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ } أي: الخفي المخبَّأ، { فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ } أي: ما خبأت. قال أكثر المفسرين: خبء السماء: المطر، وخبء الأرض: النبات. وفي قراءة عبد الله: \"يخرج الخبء من السموات والأرض\"، و\"من\" و\"في\" يتعاقبان، تقول العرب: لأستخرجن العلم فيكم، يريد: منكم. وقيل: معنى \"الخبء\" الغيب، يريد: يعلم غيب السموات والأرض. { وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ } قرأ الكسائي، وحفص، عن عاصم: بالتاء فيهما، لأن أول الآية خطاب على قراءة الكسائي بتخفيف ألا وقرأ الآخرون بالياء. { اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } أي: هو المستحقُّ للعبادة والسجود لا غيره. وعرش ملكة سبأ وإن كان عظيمًا فهو صغير حقير في جنب عرشه عز وجل، تم هاهنا كلام الهدهد، فلما فرغ الهدهد من كلامه. { قَالَ } سليمان للهدهد: { سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ } فيما أخبرت، { أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ } ؟ فدلَّهم الهدهد على الماء، فاحتفروا الركايا (2) وروي الناس والدواب، ثم كتب سليمان كتابًا: من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ: بسم الله الرحمن الرحيم، السلام على من اتبع الهدى،\r__________\r(1) البيت في لسان العرب مادة (عدا)، واستشهد به الطبري أيضا: 19 / 149.\r(2) الركايا: جمع ركية، وهي البئر.","part":6,"page":157},{"id":2290,"text":"أما بعد: فلا تعلوا علي واتوني مسلمين. قال ابن جريج لم يزد سليمان على ما قص الله في كتابه. وقال قتادة: وكذلك الأنبياء كانت تكتب جُمَلا لا يطيلون ولا يكثرون. فلما كتب الكتاب طبعه بالمسك وختمه بخاتمه. فقال للهدهد { اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ }\r{ اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) }\r( { اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ } قرأ أبو عمرو، وعاصم، وحمزة: ساكنة الهاء، ويختلسها أبو جعفر، ويعقوب وقالون كسرًا، [والآخرون بالإشباع كسرًا]، { ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ } تَنحَ عنهم فكنْ قريبًا منهم، { فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ } يردُّون من الجواب. وقال ابن زيد: في الآية تقديم وتأخير مجازها: اذهبْ بكتابي هذا فألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون، ثم تول عنهم، أي: انصرف إليَّ، فأخذ الهدهد الكتاب فأتى به إلى بلقيس، وكانت بأرض يقال لها \"مأرب\" من صنعاء على ثلاثة أيام، فوافاها في قصرها وقد غلّقت الأبواب، وكانت إذا رقدت غلّقت الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها، فأتاها الهدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها، فألقى الكتاب على نحرها، هذا قول قتادة. وقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره حتى وقف على رأس المرأة وحولها القادة والجنود فرفرف ساعة والناس ينظرون إليه، حتى رفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حِجْرها.\rوقال ابن منبه، وابن زيد: كانت لها كوة مستقبلة الشمس تقع الشمس فيها حين تطلع، فإذا نظرت إليها سجدت لها، فجاء الهدهد الكوة فسدها بجناحيه فارتفعت الشمس ولم تعلم، فلما استبطأت الشمس قامت تنظر، فرمى بالصحيفة إليها، فأخذت بلقيس الكتاب، وكانت قارئة، فلما رأت الخاتم أُرعدت وخضعت لأن ملك سليمان كان في خاتمه، وعرفت أن الذي أرسل الكتاب إليها أعظم مُلْكًا منها، فقرأت الكتاب، وتأخر الهدهد غير بعيد، فجاءت حتى قعدت على سرير مملكتها وجمعت الملأ من قومها، وهم اثنا عشر ألف قائد مع كل قائد مائة ألف مقاتل. وعن ابن عباس قال: كان مع بلقيس مائة ألف [قَيْل، مع كل قيل مائة ألف] والقَيْل الملك دون الملك الأعظم، وقال قتادة ومقاتل: كان أهل 56/ب مشورتها ثلثمائة وثلاثة عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف، قال: فجاءوا وأخذوا مجالسهم (1) . { قَالَتْ } هم بلقيس: { يَا أَيُّهَا الْمَلأ } وهم أشراف الناس وكبراؤهم { إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ }\r__________\r(1) انظر الأقوال السالفة في الدر المنثور: 6 / 353-354.","part":6,"page":158},{"id":2291,"text":"قال عطاء والضحاك: سمته كريمًا لأنه كان مختومًا. وروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"كرامة الكتاب ختمه\" (1) وقال قتادة ومقاتل: \"كتاب كريم\" أي: حسنٌ، وهو اختيار الزجاج، وقال: حسن ما فيه، وروي عن ابن عباس: \"كريم\"، أي: شريف لشرف صاحبه، وقيل: سمته كريمًا لأنه كان مصدرًا ببسم الله الرحمن الرحيم (2) ثم بينت ممن الكتاب فقالت: { إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ }\r{ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34) }\r{ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ } وبينت المكتوب فقالت: { وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } { أَلا تَعْلُوا عَلَيَّ } قال ابن عباس: أي: لا تتكبروا علي. وقيل: لا تتعظموا ولا تترفعوا علي. معناه: لا تمتنعوا من الإجابة، فإن ترك الإجابة من العلو والتكبر، { وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } مؤمنين طائعين. قيل: هو من الإسلام، وقيل: هو من الاستسلام. { قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي } أشيروا علي فيما عرض لي، وأجيبوني فيما أشاوركم فيه، { مَا كُنْتُ قَاطِعَةً } قاضية وفاصلة، { أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ } [أي: تحضرون] (3) . { قَالُوا } مجيبين لها: { نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ } في القتال، { وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ } عند الحرب، قال مقاتل: أرادوا بالقوة كثرة العدد، وبالبأس الشديد الشجاعة، وهذا تعريض منهم بالقتال إن أمرتهم بذلك، ثم قالوا: { وَالأمْرُ إِلَيْكِ } أيتها الملكة في القتال وتركه، { فَانْظُرِي } من الرأي، { مَاذَا تَأْمُرِينَ } تجدينا لأمرك مطيعين. { قَالَتْ } بلقيس مجيبة لهم عن التعريض للقتال: { إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً } عنوة،\r__________\r(1) رواه الطبراني في \"الأوسط\" من رواية محمد بن مروان، وهو السدي الصغير، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، واخرجه القضاعي في مسند البيهقي. ومحمد بن مروان متروك. انظر: الكافي الشاف ص (125)، مجمع الزوائد: 8 / 99.\r(2) أخرج هذه الأقوال الطبري في التفسير: 19 / 153.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":6,"page":159},{"id":2292,"text":"{ أَفْسَدُوهَا } خربوها، { وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً } أي: أهانوا أشرافها وكبراءها، كي يستقيم لهم الأمر، تحذِّرهم مسير سليمان إليهم ودخوله بلادهم، وتناهى الخبر عنها هاهنا، فصدق الله قولها فقال: { وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } أي: كما قالت هي يفعلون.\r{ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35) }\rثم قالت: { وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ } والهدية هي: العطية على طريق الملاطفة. وذلك أن بلقيس كانت امرأة لبيبة قد سيست وساست، فقالت للملأ من قومها: إني مرسلة إليهم، أي: إلى سليمان وقومه، بهدية أُصانِعُه بها عن ملكي وأختبره بها أَمِلكٌ هو أم نبي؟ فإن يكن ملكًا قبل الهدية وانصرف، وإن كان نبيًا لم يقبل الهدية ولم يُرْضِه منّا إلا أن نتبعه على دينه، فذلك قوله تعالى: { فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ } [فأهدت إليه] (1) وصفاء ووصائف، قال ابن عباس (2) ألبستهم لباسًا واحدًا كي لا يُعْرف ذكر من أنثى. وقال مجاهد: ألبس الغلمان لباس الجواري وألبس الجواري لباس الغلمان. واختلفوا في عددهم، فقال ابن عباس: مائة وصيف ومائة وصيفة (3) وقال مجاهد: [ومقاتل] (4) مائتا غلام ومائتا جارية.\rوقال قتادة، وسعيد بن جبير: أرسلت إليه بلبنة من ذهب في حرير وديباج. وقال ثابت البناني: أهدت إليه صفائح من الذهب في أوعية الديباج. وقيل: كانت أربع لبنات من ذهب. وقال وهب وغيره: عمدت بلقيس إلى خمسمائة غلام وخمسمائة جارية، فألبست الغلمان لباس الجواري، وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقا من ذهب وفي آذانهم أقراطا وشنوفا مرصعات بأنواع الجواهر، وألبست الجواري لباس الغلمان؛ الأقبية والمناطق، وحملت الجواري على خمسمائة رمكة (5) والغلمان على خمسمائة برذون، على كل فرس لجام من ذهب مرصع بالجواهر وغواشيها من الديباج الملون، وبعثت إليه خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة،\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) بعد أن عرض ابن كثير لهذه الروايات التي ساقها البغوي قال: (3 / 364) \"والله أعلم أكان ذلك أم لا؟ وأكثره مأخوذ من الإسرائيليات\"، وقال الشيخ محمد أبو شهبة ص (252): وأي ملك في الدنيا يتسع لفرش تسع فراسخ بلبنات الذهب والفضة؟!! وفي رواية وهب ما يدل على الأصل الذي جاءت منه هذه المرويات، وأن من روى ذلك من السف فإنما أخذه عن مسلمة أهل الكتاب وما كان أجدر كتب التفسير أن تنزه عن مثل هذا اللغو والخرافات التي تدسست إلى الرواية الإسلامية فأساءت إليها.\r(3) الوصيفة: الجارية.\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(5) أنثى البغال.","part":6,"page":160},{"id":2293,"text":"وتاجا مكللا بالدر والياقوت المرتفع، وأرسلت إليه المسك والعنبر والعود الألنجوج، وعمدت إلى حقه فجعلت فيها درة ثمينة غير مثقوبة وخرزة جزعية مثقوبة معوجة الثقب، ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو، وضمت إليه، رجالا من قومها أصحاب رأي وعقل، وكتبت معه كتابًا بنسْخة الهدية، وقالت فيه: إن كنتَ نبيًا فميِّزْ بين الوصائف والوصفاء، وأخبر بما في الحقة قبل أن تفتحها، واثقب الدر ثقبًا مستويًا، وأدخل خيطًا في الخرزة المثقوبة من غير علاج إنس ولا جنّ. وأمرت بلقيس الغلمان، فقالت: إذا كلمكم سليمان فكلموه بكلام تأنيث وتخنيث يشبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال.\rثم قالت للرسول: انظر إلى الرجل إذا دخلت عليه فإن نظر إليك نظر غضب فاعلم أنه ملك ولا يهولنك منظره، فإنّا أعزّ منه، وإن رأيت الرجل بشاشًا لطيفًا فاعلم أنه نبي مرسل فتفهَّم قوله، ورد الجواب. فانطلق الرسول بالهدايا، وأقبل الهدهد مسرعًا إلى سليمان فأخبره الخبر كله، فأمر سليمان الجنَّ أن يضربوا لبنات الذهب ولبنات الفضة ففعلوا، ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى تسعة فراسخ ميدانًا واحدًا بلبنات الذهب والفضة، وأن يجعلوا حول الميدان حائطًا، شُرفها من الذهب والفضة، ثم قال: أي الدوابِّ أحسن مما رأيتم في البر والبحر؟ قالوا: يا نبي الله إنا رأينا دوابًا في بحر كذا وكذا منطقة مختلفة ألوانها لها أجنحة وأعراف ونواصٍ، فقال: عليّ بها الساعة، فأتوا بها، فقال: شدُّوها عن يمين الميدان وعن يساره على لبنات الذهب والفضة، وألقُوا لها علوفَتها فيها، ثم قال للجن: عليّ بأولادكم، فاجتمع خلق كثير، فأقامهم على يمين الميدان ويساره، ثم قعد سليمان في مجلسه على سريره، ووضع له أربعة آلاف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يصطفوا صفوفًا فراسخ، وأمر الإنس فاصطفوا فراسخ وأمر الوحوش والسباع والهوام والطير، فاصطفوا فراسخ عن يمينه وعن يساره. فلما دنا القوم من الميدان 57/أ ونظروا إلى ملك سليمان ورأوا الدواب التي لم تر أعينهم مثلها تروث على لِبَنِ الذهب والفضة، تقاصرت أنفسهم ورموا بما معهم من الهدايا، وفي بعض الروايات [أن سليمان] (1) لما أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعًا على قدر موضع اللبنات التي معهم، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليًا وكل الأرض مفروشة خافوا أن يتهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان، فلما رأوا الشياطين نظروا إلى منظر عجيب، ففزعوا، فقالت لهم الشياطين: جُوزوا فلا بأس عليكم، فكانوا\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":6,"page":161},{"id":2294,"text":"يمرون على كردوس كردوس من الجن والإنس والطير والهوام والسباع والوحوش، حتى وقفوا بين يدي سليمان، فنظر إليهم سليمان نظرًا حسنًا بوجه طلق، وقال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاؤوا له، وأعطاه كتاب الملكة، فنظر فيه، ثم قال: أين الحقة؟ فأتى بها فحركها، وجاء جبريل فأخبره بما في الحقة، فقال: إن فيها درة ثمينة غير مثقوبة، وجزعة مثقوبة معوجة الثقب، فقال الرسول: صدقت، فاثقب الدرة، وأدخل الخيط في الخرزة، فقال سليمان: من لي بثقبها فسأل سليمان الإنس ثم الجن، فلم يكن عندهم علم ذلك، ثم سأل الشياطين، فقالوا: نرسل إلى الأرضة فجاءت الأرضة فأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال لها سليمان: ما حاجتك؟ فقالت: تصيّر رزقي في الشجرة، فقال لك ذلك.\rوروي أنه جاءت دودة تكون في الصفصاف فقالت: أنا أدخل الخيط في الثقب على أن يكون رزقي في الصفصاف، فجعل لها ذلك، فأخذت الخيط بفيها ودخلت الثقب وخرجت من الجانب الآخر. ثم قال: من لهذه الخرزة فيسلكها في الخيط؟ فقالت دودة بيضاء أنا لها يا رسول الله فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال سليمان: ما حاجتك؟ فقالت: تجعل رزقي في الفواكه، قال: لك ذلك، ثم ميز بين الجواري والغلمان، بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم، فجعلت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على اليد الأخرى ثم تضرب به الوجه، والغلام كما يأخذه من الآنية يضرب به وجهه، وكانت الجارية تصب الماء على بطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد، وكانت الجارية تصب الماء صبا وكان الغلام يحدر الماء على يديه حدرًا، فميّز بينهم بذلك، ثم ردّ سليمان الهدية، كما قال الله تعالى: { فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ }","part":6,"page":162},{"id":2295,"text":"{ فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) }\r{ فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ } قرأ حمزة، ويعقوب: \" أتمدوني \" بنون واحدة مشددة وإثبات الياء، وقرأ الآخرون: بنونين خفيفين، ويثبت الياء أهل الحجاز والبصرة، والآخرون يحذفونها، { فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ } أعطاني الله من النبوة والدين والحكمة والملك، { خَيْرٌ } أفضل، { مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ } لأنكم أهل مفاخرة في الدنيا ومكاثرة بها، تفرحون بإهداء بعضكم لبعض، فأما أنا فلا أفرح بها، وليست الدنيا من حاجتي، لأن الله تعالى قد مكنني فيها وأعطاني منها ما لم يعط أحدا، ومع ذلك أكرمني بالدين والنبوة، ثم قال للمنذر بن عمرو وأمير الوفد: { ارْجِعْ إِلَيْهِمْ }","part":6,"page":162},{"id":2296,"text":"{ ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37) قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) }\r{ ارْجِعْ إِلَيْهِمْ } بالهدية، { فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ } لا طاقة لهم، { بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا } أي: من أرضهم وبلادهم وهي سبأ، { أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ } ذليلون إن لم يأتوني مسلمين. قال وهب وغيره من أهل الكتب: فلما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان، قالت: قد عرفت -والله-ما هذا بملك وما لنا به طاقة، فبعثت إلى سليمان إني قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، ثم أمرت بعرشها فجعل في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض في آخر قصر من سبعة قصور لها، ثم أغلقت دونه الأبواب، ووكلت به حراسًا يحفظونه، ثم قالت لمن خلفت على سلطانها: احتفظ بما قِبَلِك وسرير ملكي، لا يخلص إليه أحد ولا يرينَّه حتى آتيك، ثم أمرت مناديا ينادي في أهل مملكتها يؤذنهم بالرحيل، وشخصت إلى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن، تحت يدي كل قيل ألوف كثيرة. قال ابن عباس: وكان سليمان رجلا مهيبا لا يبتدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فخرج يوما فجلس على سرير ملكه، فرأى رهجا قريبا منه، فقال: ما هذا؟ قالوا: بلقيس وقد نزلت منا بهذا المكان، وكان على مسيرة فرسخ من سليمان، قال ابن عباس: وكان بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ، فأقبل سليمان حينئذ على جنوده. { قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ } أي: مؤمنين، وقال ابن عباس: طائعين. واختلفوا في السبب الذي لأجله أمر سليمان بإحضار عرشها، فقال أكثرهم: لأن سليمان علم أنها إن أسلمت يحرم عليه مالها، فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها (1) . وقيل: ليريها قدرة الله عز وجل وعظم سلطانه في معجزة يأتي بها في عرشها (2) .\r__________\r(1) رواه الطبري (19 / 160) عن قتادة.\r(2) وهو ما رجحه الطبري: (19 / 161) قال: ليجعل ذلك حجة عليها في نبوته، ويعرفها بذلك قدرة الله وعظيم شأنه، أنها خلفته في بيت في جوف أبيات، بعضها في جوف بعض، مغلق مقفل عليها، فأخرجه الله من ذلك كله بغير فتح أغلاق وأقفال، حتى أوصله إلى وليه من خلقه، وسلمه إليه، فكان لها في ذلك أعظم حجة، على حقيقة ما دعاها إليه سليمان، وعلى صدق سليمان فيما أعلمها من نبوته\". وانظر: القرطبي: 13 / 202، ابن كثير: 3 / 364، زاد المسير: 6 / 173.","part":6,"page":163},{"id":2297,"text":"وقال قتادة: لأنه أعجبته صفته لما وصفه الهدهد، فأحب أن يراه (1) . قال ابن زيد: أراد أن يأمر بتنكيره وتغييره ليختبر بذلك عقلها (2) .\r{ قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40) }\r{ قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ } وهو المارد القوي، قال وهب: اسمه كوذى (3) وقيل: ذكوان، قال ابن عباس: العفريت الداهية. وقال الضحاك: هو الخبيث. وقال الربيع: الغليظ، قال الفراء: القوي الشديد، وقيل: هو صخرة الجني، وكان بمنزلة جبل يضع قدمه عند منتهى طرفه، { أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ } أي: من مجلسك الذي تقضي فيه، [قال ابن عباس: وكان له كل غداة مجلس يقضي فيه] (4) إلى منتهى النهار، { وَإِنِّي عَلَيْهِ } أي: على حمله، { لَقَوِيٌّ أَمِينٌ } على ما فيه من الجواهر، فقال سليمان: أريد أسرع من هذا. فـ { قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ } 57/ب واختلفوا فيه فقال بعضهم (5) هو جبريل. وقيل: هو ملك من الملائكة أيد الله به نبيه سليمان عليه السلام. وقال أكثر المفسرين: هو آصف بن برخيا، وكان صديقا يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى. وروى جويبر، ومقاتل، عن الضحاك عن ابن عباس قال: إن آصف قال لسليمان حين صلى: مد عينيك حتى ينتهي طرفك، فمد سليمان عينيه، فنظر نحو اليمين، ودعا آصف فبعث الله الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يخدون به خدا حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان.\r__________\r(1) ذكره القرطبي عن قتادة أيضا، انظر: 13 / 203.\r(2) أخرجه الطبري: 19 / 160-161، وانظر: القرطبي: 13 / 203، زاد المسير: 6 / 173، وهو مروي عن سعيد بن جبير أيضا.\r(3) في الطبري عن وهب قال: اسمه كوزن، وليس في ذلك خبر صحيح عن المعصوم صلى الله عليه وسلم ولا فائدة من البحث في معرفة هذا الاسم والله أعلم.\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(5) انظر هذه الأقوال في: الطبري: 19 / 162-163، الدر المنثور: 6 / 360-361، زاد المسير: 6 / 175، ابن كثير: 3 / 365.","part":6,"page":164},{"id":2298,"text":"وقال الكلبي: خر آصف ساجدا ودعا باسم الله الأعظم فغاب عرشها تحت الأرض حتى نبع عند كرسي سليمان. وقيل: كانت المسافة مقدار شهرين. واختلفوا في الدعاء [الذي دعا به] (1) آصف، فقال مجاهد، ومقاتل: يا ذا الجلال والإكرام. وقال الكلبي: يا حي يا قيوم. وروي ذلك عن عائشة. وروي عن الزهري قال: دعاء الذي عنده علم من الكتاب: يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلا أنت ائتني بعرشها. وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان، قال له عالم من بني إسرائيل آتاه الله علما وفهما: { أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ } قال سليمان: هات، قال: أنت النبي ابن النبي، وليس أحد أوجه عند الله منك، فإن دعوت الله وطلبت إليه كان عندك، فقال: صدقت، ففعل ذلك، فجيء بالعرش في الوقت.\rوقوله تعالى: { قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ } قال سعيد بن جبير: يعني: من قبل أن يرجع إليك أقصى من ترى، وهو أن يصل إليك من كان منك على مد بصرك. قال قتادة: قبل أن يأتيك الشخص من مد البصر. وقال مجاهد: يعني إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئا. وقال وهب: تمد عينيك فلا ينتهي طرفك إلى مداه، حتى أمثله بين يديك، { فَلَمَّا رَآهُ } يعني: رأى (2) سليمان العرش، { مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ } محمولا إليه من مأرب إلى (3) الشام في قدر ارتداد (4) الطرف، { قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ } نعمته، { أَمْ أَكْفُرُ } [فلا أشكرها] (5) { وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ } أي: يعود نفع شكره إليه، وهو أن يستوجب به تمام النعمة ودوامها، لأن الشكر قيد النعمة الموجودة وصيد النعمة المفقودة، { وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ } عن شكره، { كَرِيمٌ } بإفضال على من يكفر نعمه.\r{ قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (41) }\rقوله تعالى: { قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا } يقول: غيروا سريرها إلى حال تنكره إذا رأته، قال قتادة ومقاتل: هو أن يزاد فيه وينقص، وروى أنه جعل أسفله أعلاه وأعلاه أسفله، وجعل مكان الجوهر الأحمر أخضر ومكان الأخضر أحمر، { نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي } إلى عرشها فتعرفه، { أَمْ تَكُونُ مِنَ } الجاهلين، { الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ } إليه، وإنما حمل سليمان على ذلك كما ذكره وهب ومحمد بن كعب\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) في \"أ\": إمداد.\r(5) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":6,"page":165},{"id":2299,"text":"وغيرهما: أن الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشى إليه أسرار الجن وذلك أن أمها كانت جنية، وإذا ولدت له ولدا لا ينفكون من تسخير سليمان وذريته من بعده، فأساؤا الثناء عليها ليزهدوه فيها، وقالوا: إن في عقلها شيئا وإن رجلها كحافر الحمار وأنها شعراء الساقين فأراد سليمان أن يختبر عقلها بتنكير عرشها وينظر إلى قدميها ببناء الصرح (1) .\r{ فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (43) }\r{ فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ } قال مقاتل: عرفته لكنها شبهت عليهم كما شبهوا عليها. وقال عكرمة: كانت حكيمة لم تقل: نعم، خوفا من أن تكذب، ولم تقل: لا خوفا من التكذيب، قالت: كأنه هو، فعرف سليمان كمال عقلها حيث لم تقر ولم تنكر. وقيل اشتبه عليها أمر العرش، لأنها تركته في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها، وقيل لها: فإنه عرشك فما أغنى عنك إغلاق الأبواب، فقال: { وَأُوتِينَا الْعِلْمَ } بصحة نبوة سليمان بالآيات المتقدمة من أمر الهدية والرسل، { مِنْ قَبْلِهَا } من قبل الآية في العرش { وَكُنَّا مُسْلِمِينَ } منقادين طائعين لأمر سليمان. وقيل قوله: \"وأوتينا العلم من قبلها\" قاله سليمان، يقول: وأوتينا العلم بالله وبقدرته على ما يشاء من قبل هذه المرأة، وكنا مسلمين، هذا قول مجاهد (2) . وقيل: معناه وأوتينا العلم بإسلامها ومجيئها طائعة من قبل مجيئها وكنا مسلمين طائعين لله عز وجل. قوله عز وجل: { وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ } أي: منعها ما كانت تعبد من دون الله، وهو الشمس، أن تعبد الله، أي: صدها عبادة الشمس عن التوحيد وعبادة الله، فعلى هذا التأويل يكون \" ما \" في محل الرفع (3) .\r__________\r(1) هذه الروايات من الإسرائيليات المكذوبة على أنبياء الله تعالى، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله، بعد أن ذكر بعض المرويات في ذلك (3 / 367): \"والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب مما وجد في صحفهم من الأوابد والغرائب والعجائب مما كان وما لم يكن، ومما حرف وبدل ونسخ، وقد أغنانا الله سبحانه عن ذلك بما هو أصح منه وأنفع وأوضح وأبلغ، ولله الحمد والمنة\".\r(2) أخرجه الطبري: 19 / 167 وهو قول سعيد بن جبير، واستحسنه ابن كثير: 3 / 366، وأيده بأنها إنما أظهرت الإسلام بعد دخولها إلى الصرح.\r(3) انظر: الطبري 19 / 167، الدر المنثور: 6 / 362.","part":6,"page":166},{"id":2300,"text":"وقيل: معناه [صدها عن عبادة الله لا نقصان عقلها كما قالت الجن: إن في عقلها شيئا، بل كانت تعبد من دون الله] (1) . وقيل: معناه وصدها سليمان ما كانت تعبد من دون الله، أي: منعها ذلك وحال بينها وبينه، فيكون محل \"ما\" نصبا. { إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ } هذا استئناف، أخبر الله تعالى أنها كانت من قوم يعبدون الشمس، فنشأت بينهم ولم تعرف إلا عبادة الشمس.\r{ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44) }\rقوله عز وجل: { قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ } الآية، وذلك أن سليمان أراد أن ينظر إلى قدميها وساقيها من غير أن يسألها كشفها، لما قالت الشياطين: إن رجليها كحافر الحمار، وهي شعراء الساقين، أمر الشياطين فبنوا له صرحا أي: قصرا من زجاج، وقيل بيتا من زجاج كأنه الماء بياضا، وقيل: الصرح صحن الدار، وأجرى تحته الماء، وألقى فيه كل شيء من دواب البحر السمك والضفادع وغيرهما، ثم وضع سريره في صدره وجلس عليه وعكفت عليه الطير والجن والإنس. وقيل: اتخذ صحنا من قوارير وجعل تحتها تماثيل من الحيتان والضفادع، فكان الواحد إذا رآه ظنه ماء. وقيل: إنما بنى الصرح ليختبر فهمها كما فعلت هي بالوصفاء والوصائف (2) فلما جلس على السرير دعا بلقيس، فلما جاءت قيل لها ادخلي الصرح.\r__________\r(1) جاءت العبارة في \"ب\" هكذا: وصدها هذا عن عبادة الله ما كانت تعبد من دون الله.\r(2) راجع ما نقلناه عن ابن كثير تعليقا على هذه الروايات آنفا. وقال الطبري: (19 / 169): \"وجائز عندي أن يكون سليمان أمر باتخاذ الصرح للأمرين؛ الذي قاله وهب، والذي قاله محمد بن كعب القرظي، ليختبر عقلها وينظر إلى ساقها وقدمها، ليعرف صحة ما قيل فيها\".\rوالحق أن سليمان -عليه الصلاة والسلام- أراد ببنائه الصرح: أن يريها عظمة ملكه وسلطانه، وأن الله -سبحانه وتعالى- أعطاه من الملك، ومن أسباب العمران والحضارة ما لم يعطها، فضلا عن النبوة التي هي فوق الملك، والتي دونها أية نعمة، وحاشا لسليمان -عليه السلام- وهو الذي سأل الله أن يعطيه حكما يوافق حكمه -أي الله، فأوتيه- أن يتحايل هذا التحايل، حتى ينظر إلى ما حرم الله عليه، وهما ساقاها، وهو أجل من ذلك وأسمى.\rولولا أنها رأت من سليمان ما كان عليه من الدين المتين، والخلق الرفيع، لما أذعنت إليه لما دعاها إلى الله الواحد الحق، ولما ندمت على ما فرط منها من عبادة الكواكب والشمس، وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين. انظر: الإسرائيليات والموضوعات للشيخ محمد أبو شهبة ص: 249-250.","part":6,"page":167},{"id":2301,"text":"{ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً } 58/أ وهي معظم الماء، { وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا } لتخوضه إلى سليمان، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس قدما وساقا إلا أنها كانت شعراء الساقين، فلما رأى سليمان ذلك صرف بصره عنه وناداها (1) { قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ } مملس مستو، { مِنْ قَوَارِيرَ } وليس بماء، ثم إن سليمان دعاها إلى الإسلام، وكانت قد رأت حال العرش والصرح فأجابت، و { قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي } بالكفر. وقال مقاتل: لما رأت السرير والصرح علمت أن ملك سليمان من الله فقالت: رب إني ظلمت نفسي بعبادة غيرك، { وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } أي: أخلصت له التوحيد. وقيل: إنها لما بلغت الصرح وظنته لجة، قالت في نفسها: إن سليمان يريد أن يغرقني، وكان القتل علي أهون من هذا، فقولها: \"ظلمت نفسي\" تعني بذلك الظن.\rواختلفوا في أمرها بعد إسلامها، قال عون بن عبد الله: سأل رجل عبد الله بن عتبة: هل تزوجها سليمان؟ قال: انتهى أمرها إلى قولها: أسلمت مع سليمان لله رب العالمين، يعني: لا علم لنا وراء ذلك. وقال بعضهم: تزوجها، ولما أراد أن يتزوجها كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها، فسأل الإنس: ما يذهب هذا؟ قالوا: الموسى، فقالت المرأة: لم تمسني حديدة قط، فكره سليمان الموسى، وقال: إنها تقطع ساقيها، فسأل الجن فقالوا: لا ندري، ثم سأل الشياطين فقالوا: إنا نحتال لك حيلة حتى تكون كالفضة البيضاء، فاتخذوا النورة والحمام، فكانت النورة والحمامات من يومئذ (2) فلما تزوجها سليمان أحبها حبا شديدا، وأقرها على ملكها، وأمر الجن فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا، وهي: سلحين، وبينون، وعمدان. ثم كان سليمان يزورها في كل شهر مرة بعد أن ردها إلى ملكها ويقيم عندها ثلاثة أيام، يبتكر من الشام إلى اليمن، ومن اليمن إلى الشام، وولدت له فيما ذكر وروي عن وهب قال: زعموا أن بلقيس لما أسلمت قال لها سليمان: اختاري رجلا من قومك أزوجكه، قالت: ومثلي يا نبي الله تنكح الرجال وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان؟ قال: نعم، إنه لا يكون في الإسلام إلا ذلك، ولا ينبغي لك أن تحرمي ما أحل الله لك، فقالت: زوجني إن كان لا بد من ذلك ذا تبع ملك همذان فزوجه إياها، ثم ردها إلى اليمن، وسلط زوجها ذا تبع على اليمن، ودعا زوبعة أمير جن اليمن، فقال: اعمل لذي تبع ما\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) هذا وأمثاله من مفتريات يهود الذين يصورون الأنبياء وكأنهم لا هم لهم إلا اللذة والاحتيال لإزالة شعر الساقين إظهارا للمحاسن وإرواء للشهوة. وقد روى ابن أبي شيبة أثرا في ذلك، قال عنه ابن كثير: (3 / 367) \"هو منكر غريب جدا، ولعله من أوهام عطاء بن السائب على ابن عباس، والله أعلم، والأقرب في مثل هذه السياقات أنها متلقاة عن أهل الكتاب مما وجد في صحفهم..\".","part":6,"page":168},{"id":2302,"text":"استعملك فيه، فلم يزل بها ملكا يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان، فلما أن حال الحول، وتبينت الجن موت سليمان أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته: يا معشر الجن إن الملك سليمان قد مات، فارفعوا أيديكم فرفعوا أيديهم وتفرقوا، وانقضى ملك ذي تبع، وملك بلقيس مع ملك سليمان (1) . وقيل: إن الملك وصل إلى سليمان وهو ابن ثلاث عشرة سنة ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة.\r__________\r(1) انظر ما سبق نقلا عن الحافظ ابن كثير رحمه الله تعليقا على هذه المرويات.","part":6,"page":169},{"id":2303,"text":"{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (45) قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (46) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47) }\rقوله عز وجل: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ } [أي: أن] (1) { اعْبُدُوا اللَّهَ } وحده، { فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ } [مؤمن وكافر] (2) { يَخْتَصِمُونَ } في الدين، قال مقاتل: واختصامهم ما ذكر في سورة الأعراف: \"قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم\"، إلى قوله: \"يا صالح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين\" (الأعراف-75-77) . فـ { قَالَ } لهم صالح، { يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ } بالبلاء والعقوبة، { قَبْلَ الْحَسَنَةِ } العافية والرحمة، { لَوْلا } هلا { تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ } بالتوبة من كفركم، { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } { قَالُوا اطَّيَّرْنَا } أي: تشاءمنا، وأصله: تطيرنا، { بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ } قيل: إنما قالوا ذلك لتفرق كلمتهم. وقيل: لأنه أمسك عنهم المطر في ذلك الوقت وقحطوا، فقالوا: أصابنا هذا الضر والشدة من شؤمك وشؤم أصحابك. { قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ } أي: ما يصيبكم من الخير والشر عند الله بأمره، وهو مكتوب عليكم، سمي طائرا لسرعة نزوله بالإنسان، فإنه لا شيء أسرع من قضاء محتوم. قال ابن عباس: الشؤم أتاكم من عند الله لكفركم. وقيل: طائركم أي: عملكم عند الله، سمي طائرا لسرعة صعوده إلى السماء. { بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ } قال ابن عباس: تختبرون بالخير والشر، نظيره قوله تعالى: \"ونبلوكم بالشر والخير فتنة\" (الأنبياء-35) ، وقال محمد بن كعب القرظي: تعذبون.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":6,"page":169},{"id":2304,"text":"{ وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (48) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) }\rقوله تعالى: { وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ } يعني: مدينة ثمود، وهي الحجر، { تِسْعَةُ رَهْطٍ } من أبناء أشرافهم، { يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ } وهم الذين اتفقوا على عقر الناقة، وهم غواة قوم صالح، ورأسهم قدار بن سالف، وهو الذي تولى عقرها، كانوا يعملون بالمعاصي. قالوا { تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ } تحالفوا، يقول بعضهم لبعض: أي: احلفوا بالله أيها القوم. وموضع \"تقاسموا\" جزم على الأمر، وقال قوم: محله نصب على الفعل الماضي، يعني: أنهم تحالفوا وتواثقوا، تقديره: قالوا متقاسمين بالله، { لَنُبَيِّتَنَّهُ } أي: لنقتلنه بياتا أي: ليلا { وَأَهْلَهُ } أي: وقومه الذين أسلموا معه، وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي \"لتبيتنه\" و\"لتقولن\" بالتاء فيهما وضم لام الفعل على الخطاب، وقرأ الآخرون بالنون فيهما وفتح لام الفعل، { ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ } أي: لولي دمه، { مَا شَهِدْنَا } ما حضرنا، { مَهْلِكَ أَهْلِهِ } أي: إهلاكهم، ولا ندري من قتله، ومن فتح الميم فمعناه هلاك أهله، { وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } في قولنا ما شهدنا ذلك. { وَمَكَرُوا مَكْرًا } غدروا غدرا حين قصدوا تبييت صالح والفتك به، { وَمَكَرْنَا مَكْرًا } جزيناهم على مكرهم بتعجيل عقوبتهم، { وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } { فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا } قرأ أهل الكوفة \"أنا\" بفتح الألف ردا على العاقبة، أي: كانت العاقبة أنا دمرناهم، وقرأ الآخرون: 58/ب \"إنا\" بالكسر على الاسئناف، { دَمَّرْنَاهُمْ } أي: أهلكناهم التسعة. واختلفوا في كيفية هلاكهم، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أرسل الله الملائكة تلك الليلة إلى دار صالح يحرسونه، فأتى التسعة دار صالح شاهرين سيوفهم، فرمتهم الملائكة بالحجارة من حيث يرون الحجارة ولا يرون الملائكة، فقتلهم. قال مقاتل: نزلوا في سفح جبل ينظر بعضهم بعضا ليأتوا دار صالح، فجثم عليهم الجبل فأهلكهم. { وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ } أهلكهم الله بالصيحة.\r{ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53) وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55) }","part":6,"page":170},{"id":2305,"text":"{ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (57) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58) قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ (59) }\r{ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً } نصب على الحال أي: خالية، { بِمَا ظَلَمُوا } أي: بظلمهم وكفرهم،","part":6,"page":170},{"id":2306,"text":"{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً } لعبرة، { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } قدرتنا. { وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ } يقال: كان الناجون منهم أربعة آلاف. قوله تعالى: { وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ } وهي الفعلة القبيحة، { وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ } أي: تعلمون أنها فاحشة. وقيل: معناه يرى بعضكم بعضا وكانوا لا يستترون عُتُوًّا منهم. { أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } من أدبار الرجال. { فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا } قضينا عليها وجعلناها بتقديرنا، { مِنَ الْغَابِرِينَ } أي: الباقين في العذاب. { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا } وهو الحجارة، { فَسَاءَ } فبئس، { مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ } قوله تعالى: { قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ } هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يحمد الله على هلاك كفار الأمم الخالية. وقيل: على جميع نعمه. { وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى } قال مقاتل: هم الأنبياء والمرسلون (1) دليله قوله عز وجل: \"وسلام على المرسلين\".\rوقال ابن عباس في رواية أبي مالك هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم (2) . وقال الكلبي: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم (3) . وقيل: هم كل المؤمنين من السابقين واللاحقين (4) { آللَّهُ خَيْرٌ أَمْ مَا يُشْرِكُونَ } قرأ أهل البصرة وعاصم: { يُشْرِكُونَ } بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء، يخاطب أهل مكة، وفيه إلزام الحجة على المشركين بعد هلاك الكفار، يقول: آلله خير لمن عبده، أم الأصنام لمن عبدها؟ والمعنى: أن الله نجّى مَنْ عَبَدَهَ مِنَ الهلاك، والأصنام لم تُغْنِ شيئًا عن عابديها عند نزول العذاب.\r{ أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَأَنزلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمْ مَنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (61) }\r{ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ } معناه آلهتكم خير أم الذي خلق السموات والأرض، { وَأَنزلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً } يعني المطر، { فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ } ؟ بساتين جمع حديقة، قال الفراء: الحديقة البستان المحاط عليه، فإن لم يكن عليه حائط فليس بحديقة، { ذَاتَ بَهْجَةٍ } أي: منظر حسن، والبهجة: الحُسن يبتهج به من يراه، { مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا } أي: ما ينبغي لكم، لأنكم لا تقدرون عليها. { أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ } استفهام على طريق الإنكار، أي: هل معه معبود سواه أعانه على صنعه؟ بل ليس معه إله. { بَلْ هُمْ قَوْمٌ } يعني كفار مكة، { يَعْدِلُونَ } يشركون. { أَمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ قَرَارًا } لا تميد بأهلها، { وَجَعَلَ خِلالَهَا } وسطها (5) { أَنْهَارًا } تطرد بالمياه، { وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ } جبالا ثوابت، { وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ } العذب والمالح، { حَاجِزًا }\r__________\r(1) وهو مروي عن عبد الرحمن بن زيد، ورواه أبو صالح عن ابن عباس. انظر: زاد المسير: 6 / 184، ابن كثير: 3 / 370.\r(2) رواه الطبري عن ابن عباس وسفيان الثوري وهو رواية السدي. قال ابن كثير: ولا منافاة بينهما، فإنهم إذا كانوا من عباد الله الذين اصطفى، فالأنبياء بطريق الأولى والأحرى، والقصد أن الله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه بعد ذكره لهم ما فعل بأوليائه من النجاة والنصر والتأييد، وما أحل بأعدائه من الخزي والنكال والقهر، أن يحمدوه على جميع أفعاله، وأن يسلموا على عباده المصطفين الأخيار. انظر: الطبري: 20 / 2، زاد المسير: 6 / 185، الدر المنثور: 6 / 370 تفسير ابن كثير: 3 / 370، معاني القرآن للنحاس: 5 / 143.\r(3) انظر: زاد المسير: 6 / 185 فقد عزاه لابن السائب.\r(4) فيما روى عطاء عن ابن عباس: أنهم الذين وحدوا الله وآمنوا به. انظر: زاد المسير: 6 / 185.\r(5) ساقط من \"أ\".","part":6,"page":171},{"id":2307,"text":"مانعا لئلا يختلط أحدهما بالآخر، { أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ } توحيد ربه وسلطانه.\r{ أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ (62) أَمْ مَنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) }","part":6,"page":173},{"id":2308,"text":"{ أَمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (64) قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65) }\r{ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ } المكروب المجهود، { إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ } الضر (1) { وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ } سكانها يهلك قرنا وينشئ آخر. وقيل: يجعل أولادكم خلفاءكم وقيل: جعلكم خلفاء الجن في الأرض. { أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ } قرأ أبو عمرو بالياء والآخرون بالتاء (2) . { أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } إذا سافرتم، { وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } أي: قدام المطر، { أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } { أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } بعد الموت، { وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ } أي: من السماء المطر ومن الأرض النبات. { أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ } حجتكم على قولكم أن مع الله إلها آخر. { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } { قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ } نزلت في المشركين حيث سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن وقت قيام الساعة (3) { وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ }\r__________\r(1) ينبه الله تعالى أنه هو المدعو عند الشدائد، المرجو عند النوازل، كما قال تعالى: \"وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه\"، وقال تعالى: \"ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون\" وهكذا قال هاهنا: \"أمن يجب المضطر إذا دعاه\"، أي: من هو الذي لا يلجأ المضطر إلا إليه، والذي لا يكشف ضر المضرورين سواه؟!. انظر: تفسير ابن كثير: (3 / 371-372) وقد ساق جملة أحاديث في هذا المعنى.\r(2) أي: أإله مع الله يقدر على ذلك؟ أو أإله مع الله بعد هذا؟ وقد علم أن الله هو المتفرد بفعل ذلك وحده لا شرك له؟ \"قليلا ما تذكرون\"، أي: ما أقل تذكرهم فيما يرشدهم إلى الحق ويهديهم إلى الصراط المستقيم. انظر: تفسير ابن كثير: 3 / 372.\r(3) راجع تفسير ابن كثير: 3 / 373-374، عالم الغيب والشهادة في التصور الإسلامي تأليف عثمان جمعة ضميرية ص (78-81) و(86-91).","part":6,"page":173},{"id":2309,"text":"{ بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (66) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (68) }\r{ بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ } قرأ أبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: \"أدرك\" على وزن أفعل أي: بلغ ولحق، كما يقال: أدركه علمي إذا لحقه وبلغه، يريد: ما جهلوا في الدنيا وسقط علمه عنهم علموه في الآخرة. قال مجاهد: يدرك علمهم، { فِي الآخِرَةِ } ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم علمهم. قال مقاتل: بل علموا في الآخرة حين عاينوها ما شكوا وعموا عنه في الدنيا وهو قوله: { بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا } يعني: هم اليوم في شك من الساعة، وقرأ الآخرون: \"بل أدراك\" موصولا مشددا مع ألف بعد الدال المشددة، أي: تدارك وتتابع علمهم في الآخرة وتلاحق. وقيل: معناه اجتمع علمهم في الآخرة أنها كائنة، وهم في شك في وقتهم، فيكون بمعنى الأول. وقيل: هو على طريق الاستفهام، معناه: هل تدارك وتتابع علمهم بذلك في الآخرة؟ أي: لم يتتابع وضل وغاب علمهم به فلم يبلغوه ولم يدركوه، لأن في الاستفهام ضربا من الجحد يدل عليه. قراءة ابن عباس \"بلى\" بإثبات الياء، \"أدارك\" بفتح الألف على الاستفهام، أي: لم يدرك، وفي حرف أُبَي \"أم تدرك علمهم\"، والعرب تضع \"بل\" موضع \"أم\" و\"أم\" موضع \"بل\" (1) وجملة القول فيه: أن الله أخبر أنهم إذا بعثوا يوم القيامة يستوي علمهم في الآخرة وما وعدوا فيها من الثواب والعقاب، وإن كانت علومهم مختلفة في الدنيا. وذكر علي بن عيسى أن معنى \"بل\" هاهنا: \"لو\" ومعناه: لو أدركوا في الدنيا ما أدركوا في الآخرة 59/أ لم يشكوا.\rقوله عز وجل: { بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا } بل هم اليوم في الدنيا في شك من الساعة. { بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ } جمع عم، وهو الأعمى القلب. قال الكلبي: يقول هم جهلة بها. { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا } يعني مشركي مكة، { أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ } من قبورنا أحياء، قرأ أهل المدينة: \"إذا\" غير مستفهم، \"أئنا\" بالاستفهام، وقرأ ابن عامر، والكسائي: \"أإذا\" بهمزتين، [\"أإننا\" بنونين، وقرأ الآخرون باستفهامها. { لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا } أي: هذا البعث،] (2) { نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ } أي: من قبل محمد،\r__________\r(1) انظر في المعاني والقراءات السابقة. الطبري: 20 / 6-8.\r(2) ما بين القوسين من \"أ\".","part":6,"page":174},{"id":2310,"text":"وليس ذلك بشيء { إِنَّ هَذَا } ما هذا، { إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ } أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها.\r{ قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69) وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (70) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (71) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (72) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (73) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (75) إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) }\r{ قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ } { وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } على تكذيبهم إياك وإعراضهم عنك، { وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ } نزلت في المستهزئين الذين اقتسموا عقاب مكة. { وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } { قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ } أي: دنا وقرب، { لَكُمْ } وقيل: تَبِعَكم، والمعنى: ردفكم، أدخل اللام كما أدخل في قوله \"لربهم يرهبون\" (الأعراف-154) ، قال الفراء: اللام صلة زائدة، كما تقول: نقدته مائة، ونقدت له { بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ } من العذاب، فحل بهم ذلك يوم بدر. { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ } قال مقاتل: على أهل مكة حيث لم يعجل عليهم العذاب، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ } ذلك. { وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ } ما تخفي (1) { صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ } { وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ } أي: جملة غائبة من مكتوم سر، وخفي أمر، وشيء غائب، { فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } أي: في اللوح المحفوظ. { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ } أي: يبين لهم، { أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } من أمر الدين، قال الكلبي: إن أهل الكتاب اختلفوا فيما بينهم فصاروا أحزابا يطعن بعضهم على\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".","part":6,"page":175},{"id":2311,"text":"بعض، فنزل القرآن ببيان ما اختلفوا فيه.","part":6,"page":176},{"id":2312,"text":"{ وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79) إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81) }\r{ وَإِنَّهُ } يعني القرآن، { لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } { إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي } يفصل (1) { بَيْنَهُمْ } أي: بين المختلفين في الدين يوم القيامة، { بِحُكْمِهِ } الحق، { وَهُوَ الْعَزِيزُ } المنيع فلا يرد له أمر، { الْعَلِيمُ } بأحوالهم فلا يخفى عليه شيء. { فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ } البين. { إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى } يعني الكفار، { وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ } قرأ ابن كثير: \"لا يَسْمَع\" بالياء وفتحها وفتح الميم \"الصُّمُّ\" رفع، وكذلك في سورة الروم، وقرأ الباقون بالتاء وضمها وكسر الميم، \"الصُّمَّ\" نصب. { إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ } معرضين. فإن قيل ما معنى قوله: { وَلَّوْا مُدْبِرِينَ } وإذا كانوا صما لا يسمعون (2) سواء ولوا أو لم يولوا؟. قيل ذكره: عل سبيل التأكيد والمبالغة. وقيل: الأصم إذا كان حاضرا فقد يسمع برفع الصوت ويفهم بالإشارة، فإذا ولى لم يسمع ولم يفهم. قال قتادة: الأصم إذا ولى مدبرا ثم ناديته لم يسمع، كذلك الكافر لا يسمع ما يدعى إليه من الإيمان. ومعنى الآية: أنهم لفرط إعراضهم عما يدعون إليه كالميت الذي لا سبيل إلى إسماعه، والأصم الذي لا يسمع. { وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ } قرأ الأعمش، وحمزة: \"تهدي\" بالتاء وفتحها على الفعل \"العمي\" بنصب الياء هاهنا وفي الروم. وقرأ الآخرون بهادي بالباء على الاسم، \"العمي\" بكسر الياء، { عَنْ ضَلالَتِهِمْ } أي: ما أنت بمرشد من أعماه الله عن الهدى وأعمى قلب عن الإيمان، { إِنْ تُسْمِعُ } ما تسمع، { إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا } إلا من يصدق بالقرآن أنه من الله، { فَهُمْ مُسْلِمُونَ } مخلصون.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ساقط من \"أ\".","part":6,"page":176},{"id":2313,"text":"{ وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ (82) }\rقوله تعالى: { وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ } وجب العذاب عليهم، وقال قتادة: إذا غضب الله عليهم، { أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ } واختلفوا في كلامها، فقال السدي: تكلمهم ببطلان الأديان سوى دين الإسلام. وقال بعضهم: كلامها أن تقول لواحد: هذا مؤمن، وتقول لآخر: هذا كافر (1) . وقيل كلامها ما قال الله تعالى: { أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ } قال مقاتل تكلمهم بالعربية، فتقول: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون، تخبر الناس أن أهل مكة لم يؤمنوا بالقرآن والبعث.\rقرأ أهل الكوفة: \"أن الناس\" بفتح الألف، أي: بأن الناس، وقرأ الباقون بالكسر على الاستئناف، أي: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون قبل خروجها. قال ابن عمر: وذلك حين لا يؤمر بمعروف ولا ينهى عن منكر (2) . وقرأ سعيد بن جبير، وعاصم الجحدري، وأبو رجاء العطاردي: \"تكلمهم\" بفتح التاء وتخفيف اللام من \"الكلم\" وهو الجرح. قال أبو الجوزاء: سألت ابن عباس رضي الله عنهما عن هذه الآية: \"تُكَلِّمُهم أو تَكْلِمُهم\"؟ قال: كل ذلك تفعل، تُكَلِّم المؤمن، وتَكْلِمُ الكافر (3) . أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن الطيسفوني، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني، أخبرنا علي بن حجر، أخبرنا إسماعيل بن جعفر، أخبرنا العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"بادروا بالأعمال ستًا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدجال، ودابة الأرض، وخاصة أحدكم، وأمر العامة\" (4) . أخبرنا إسماعيل بن عبد الله، أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أخبرنا مسلم بن الحجاج، أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة، أخبرنا\r__________\r(1) ذكر أبو حيان القولين في البحر المحيط: 7 / 97.\r(2) الطبري: 20 / 14، الدر المنثور: 6 / 377 موقوفا، وروي مرفوعا عند ابن مردويه.\r(3) واستحسنه ابن كثير: (3 / 375) قال: وهو قول حسن ولا منافاة والله أعلم. وانظر: الدر المنثور: 6 / 378.\r(4) أخرجه مسلم في الفتن، باب في بقية أحاديث الدجال، برقم (2947): 4 / 2267، والمصنف في شرح السنة: 15 / 44.","part":6,"page":177},{"id":2314,"text":"محمد بن بشر، عن أبي حيان، عن أبي زرعة، عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى وأيهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريبا\" (1) .\rوأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن فنجويه، أخبرنا أبو بكر بن خرجة، أخبرنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي، أخبرنا هشيم بن حماد، أخبرنا عمرو بن محمد العبقري، عن طلحة عن عمرو، عن عبد الله بن عمير الليثي، عن أبي سريحة الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"يكون للدابة ثلاث خرجات من الدهر، فتخرج خروجا بأقصى اليمن فيفشو ذكرها بالبادية 59/ب ولا يدخل ذكرها القرية\"، يعني مكة، \"ثم تمكث زمانا طويلا ثم تخرج خرجة أخرى قريبا من مكة، فيفشو ذكرها بالبادية، ويدخل ذكرها القرية -يعني مكة-فبينما الناس يوما في أعظم المساجد على الله حرمة وأكرمها على الله عز وجل -يعني المسجد الحرام-لم يرعهم إلا وهي في ناحية المسجد تدنو وتدنو\" كذا قال ابن عمر، وما بين الركن الأسود إلى باب بني مخزوم عن يمين الخارج في وسط من ذلك فارفض الناس عنها وثبتت لها عصابة عرفوا أنهم لم يعجزوا الله، فخرجت عليهم تنفض رأسها من التراب فمرت بهم فجلت عن وجوههم حتى تركتها كأنها الكوكب الدرية، ثم ولت في الأرض لا يدركها طالب ولا يعجزها هارب، حتى أن الرجل ليقوم فيتعوذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول: يا فلان الآن تصلي؟ فيقبل عليها بوجهه فتسمه في وجهه، فيتجاور الناس في ديارهم، ويصطحبون في أسفارهم، ويشتركون في الأموال، يعرف الكافر من المؤمن، فيقال للمؤمن: يا مؤمن، ويقال للكافر: يا كافر\" (2)\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسن بن محمد، أخبرنا أبو بكر بن مالك القطيعي، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، أخبرنا أبي، حدثنا بهز، حدثنا حماد، هو بن أبي سلمة، أخبرنا علي بن زيد، عن أوس بن خالد، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"تخرج الدابة ومعها عصا موسى وخاتم سليمان، فتجلو وجه المؤمن بالعصا وتحطم (3) أنف الكافر\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الفتن، باب خروج الدجال (2941): 4 / 2260، والمصنف في شرح السنة: 15 / 93.\r(2) أخرجه الطبري في التفسير 20 / 14-15 موقوفا، ورفعه الحاكم: 4 / 484، قال الذهبي: \"وفيه طلحة بن عمرو، ضعفوه وتركه أحمد\"، وقال في الميزان: (2 / 340-342): \"ضعفه ابن معين وغيره، وقال البخاري وابن المديني: ليس بشيء\". وأخرجه الطيالسي في المسند ص (144)، وعزاه الهيثمي في المجمع (8 / 7) للطبراني، وزاد السيوطي في الدر (6 / 381) نسبته لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في \"البعث\"، وانظر: الفتح السماوي، 2 / 891-892.\r(3) في \"أ\" تختم.","part":6,"page":178},{"id":2315,"text":"بالخاتم، حتى أن أهل الخوان ليجتمعون فيقول هذا يا مؤمن ويقول هذا يا كافر\" (1) . وروي عن علي قال: ليست بدابة لها ذنب، ولكن لها لحية، كأنه يشير إلى أنه رجل (2) والأكثرون على أنها دابة. وروى ابن جريج عن أبي الزبير أنه وصف الدابة فقال: رأسها رأس الثور وعينها عين الخنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيل، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر (3) وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعا، ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان، فلا يبقى مؤمن إلا نكتته في مسجده بعصا موسى نكتة بيضاء يضيء بها وجهه، ولا يبقى كافر إلا نكتت وجهه بخاتم سليمان فيسود بها وجهه، حتى إن الناس يتبايعون في الأسواق: بكم يا مؤمن؟ بكم يا كافر؟ ثم تقول لهم الدابة: يا فلان أنت من أهل الجنة، ويا فلان أنت من أهل النار، فذلك قوله عز وجل: { وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرْضِ } الآية (4) .\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني عقيل بن محمد الجرجاني الفقيه، أخبرنا أبو الفرج المعافى بن زكريا البغدادي، أخبرنا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، أخبرنا أبو كريب، أخبرنا الأشجعي، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن ابن عمر قال: تخرج الدابة من صدع في الصفا كجري الفرس ثلاثة أيام وما خرج ثلثها (5) . وبه عن محمد بن جرير الطبري قال: حدثني [عصام بن داود] (6) بن الجراح، حدثنا أبي، حدثنا سفيان بن سعيد، أخبرنا منصور بن المعتمر عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدابة، قلت: يا رسول الله من أين تخرج؟ قال: \"من أعظم المساجد حرمة على الله، بينما عيسى يطوف بالبيت ومعه المسلمون إذ تضرب الأرض تحتهم، وتنشق الصفا مما يلي المشعر، وتخرج الدابة من الصفا أول ما يبدر منها رأسها ملمعة ذات وبر وريش، لن يدركها\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في تفسير سورة النمل: 9 / 44 وقال: \"هذا حديث حسن\"، وابن ماجه في الفتن، باب دابة الأرض: 2 / 1351-1352 والحاكم في المستدرك: 4 / 485-486 وسكت عنه الذهبي، ورواه الإمام أحمد: 2 / 295، والطبري في التفسير: 20 / 16. وفيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف.\r(2) انظر: ابن كثير 3 / 377، القرطبي: 13 / 236 وروي عنه غير هذا، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن النزال بن سبرة قال: قيل لعلي بن أبي طالب: إن ناسا يزعمون أنك دابة الأرض، فقال: والله إن لدابة الأرض ريشا وزغبا، ومالي ريش ولا زغب، وإن لها لحافر، ومالي من حافر. انظر: الدر المنثور: 6 / 382.\r(3) في \"أ\": بقر.\r(4) أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه، انظر: الدر المنثور 6 / 383.\r(5) أخرجه الطبري: 20 / 14، وعزاه السيوطي (6 / 382) لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم وابن المنذر.\r(6) في \"أ\": عاصم بن رواد.","part":6,"page":179},{"id":2316,"text":"طالب ولن يفوتها هارب، تسمي الناس مؤمنا وكافرا، أما المؤمن فتترك وجهه كأنه كوكب دري وتكتب بين عينيه مؤمن، وأما الكافر فتنكت بين عينيه نكتة سوداء، وتكتب بين عينيه كافرا\" (1) . وروي عن ابن عباس: أنه قرع الصفا بعصاه وهو محرم، وقال: إن الدابة لتسمع قرع عصاي هذه. وعن عبد الله بن عمر، قال: تخرج الدابة من شعب فيمس رأسها في السحاب ورجلاها في الأرض ما خرجتا، فتمر بالإنسان يصلي فتقول: ما الصلاة من حاجتك، فتخطمه (2) .\rوعن ابن عمر قال: تخرج الدابة ليلة جمع، والناس يسيرون إلى منى. وعن سهيل بن صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"بئس الشعب شعب أجياد\"، مرتين أو ثلاثا، قيل: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: \"تخرج منه الدابة فتصرخ ثلاث صرخات يسمعها من بين الخافقين\" (3) وقال وهب: وجهها وجه رجل وسائر خلقها كخلق الطير، فتخبر من رآها أن أهل مكة كانوا بمحمد والقرآن لا يوقنون (4) .\r{ وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84) }\rقوله تعالى: { وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا } أي: من كل قرن جماعة، { مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا } وليس \"من\" هاهنا للتبعيض، لأن جميع المكذبين يحشرون، { فَهُمْ يُوزَعُونَ } يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا ثم يساقون إلى النار. { حَتَّى إِذَا جَاءُوا } يوم القيامة، { قَالَ } الله لهم: { أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا } ولم تعرفوها حق معرفتها، { أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } حين لم تفكروا فيها. ومعنى الآية: أكذبتم\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 20 / 15، وقد تقدم الحديث نفسه من رواية حذيفة بن أسيد، قال الحافظ ابن كثير: (3 / 376): \"رواه ابن جرير من طريقين عن حذيفة بن أسيد موقوفا، والله أعلم. ورواه من رواية حذيفة بن اليمان مرفوعا، وأن ذلك في زمان عيسى ابن مريم وهو يطوف. ولكن إسناده لا يصح\". وانظر: مجمع الزوائد: 8 / 7.\r(2) أخرجه الطبري: 20 / 16، وعزاه السيوطي (6 / 383) لنعيم بن حماد في \"الفتن\" عن عمرو بن العاص.\r(3) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: 15 / 181، وابن مردويه، والبيهقي في \"البعث\" والطبراني في \"الأوسط\". وفيه رباح بن عبيد الله بن عمر، وهو ضعيف. انظر: الدر المنثور: 6 / 382، مجمع الزوائد: 8 / 7.\r(4) ويلاحظ في الروايات الآنفة أن فيها تعارضا واختلافا وضعفا في كثير منها، ولذلك قال أبو حيان في \"البحر المحيط\" (6 / 96-97): \"واختلفوا في ماهيتها -الدابة- وشكلها، ومحل خروجها، وعدد خروجها، ومقدار ما تخرج منها، وما تفعل بالناس، وما الذي تخرج به اختلافا مضطربا معارضا بعضه بعضا، ويكذب بعضه بعضا، ويكذب بعضه بعضا، فأطرحنا ذكره، لأن نقله تسويد للورق بما لا يصح وتضييع لزمان نقله\".","part":6,"page":180},{"id":2317,"text":"بآياتي غير عالمين بها، ولم تفكروا في صحتها بل كذبتم بها جاهلين؟\r{ وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (85) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (86) وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87) }\r{ وَوَقَعَ الْقَوْلُ } وجب العذاب، { عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا } بما أشركوا، { فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ } قال قتادة: كيف ينطقون ولا حجة لهم، نظيره قوله تعالى: \"هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون\" (المرسلات-36) ، وقيل: لا ينطقون لأن أفواههم مختومة. قوله عز وجل: { أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا } خلقنا (1) { اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا } مضيا (2) يبصر فيه، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يصدقون فيعتبرون. قوله تعالى: { وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ } والصور قرن ينفخ فيه 60/أ إسرافيل، وقال الحسن: الصور هي القرن، وأول بعضهم كلامه أن الأرواح تجمع في القرن ثم ينفخ فيه فتذهب الأرواح إلى الأجساد فتحيا الأجساد. وقوله: { فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ } أي: فصعق، كما قال في آية أخرى: \"فصعق من في السماوات ومن في الأرض\" (الزمر-68) ، أي: ماتوا، والمعنى أنهم يلقى عليهم الفزع إلى أن يموتوا. وقيل: ينفخ إسرافيل [في الصور] (3) . ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة القيام لرب العالمين (4) . قوله: { إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ } اختلفوا في هذا الاستثناء، روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل جبريل عن قوله: { إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ } قال: هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش (5) .\rوروى سعيد بن جبير، وعطاء عن ابن عباس: هم الشهداء لأنهم أحياء عند ربهم لا يصل\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(4) روى الطبري في ذلك حديثا مطولا مرفوعا: 20 / 19.\r(5) عزاه السيوطي في الدر (7 / 249) لأبي يعلى، والدارقطني في \"الأفراد\"، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في \"البعث\".","part":6,"page":181},{"id":2318,"text":"الفزع إليهم (1) . وفي بعض الآثار: \"الشهداء ثنية الله عزَّ وجلّ\" (2) أي: الذين استثناهم الله تعالى. وقال الكلبي، ومقاتل: يعني جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، فلا يبقى بعد النفخة إلا هؤلاء الأربعة، ثم يقبض الله روح ميكائيل، ثم روح إسرافيل، ثم روح ملك الموت، ثم روح جبريل فيكون آخرهم موتَا جبريل عليه السلام. (3) .\rويُروى أن الله تعالى يقول لملك الموت: خذ نفس إسرافيل، ثم يقول: من بقي يا ملك الموت؟ فيقول: سبحانك ربي تباركتَ وتعاليتَ يا ذا الجلال والإكرام، بقي جبريل وميكائيل وملك الموت، فيقول: خذ نفس ميكائيل، فيأخذ نفسه، فيقع كالطود العظيم، فيقول: من بقي؟ فيقول: سبحانك ربي تباركتَ وتعاليتَ، بقي جبريل وملك الموت، فيقول: مت يا ملك الموت، فيموت، فيقول: يا جبريل من بقي؟ فيقول: تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام وجهك الباقي الدائم وجبريل الميت الفاني، قال: فيقول يا جبريل لا بد من موتك، فيقع ساجدًا يخفق بجناحيه فيروى أن فضلِ خلقه على فضل ميكائيل كالطود العظيم على ظرب من الظراب (4) . ويروى أنه يبقى مع هؤلاء الأربعة حملة العرش (5) فيقبض روح جبريل وميكائيل، ثم أرواح حملة العرش، ثم روح إسرافيل، ثم روح ملك الموت.\rأخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني، أخبرنا عبد الله بن علي الجوهري، أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني، أخبرنا علي بن حجر، أخبرنا إسماعيل بن جعفر، أخبرنا محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من يرفع رأسه، فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أكان من استثنى الله عز وجل أم رفع رأسه قبلي؟ ومن قال أنا خير من يونس بن مَتّى فقد كذب\" (6)\r__________\r(1) انظر: الدر المنثور: 7 / 250، زاد المسير: 6 / 195.\r(2) عزاه السيوطي (7 / 250) لسعيد بن منصور وعبد بن حميد، عن أبي هريرة موقوفا. وهو مروي أيضا عن سعيد بن جبير، انظر أيضا: معاني القرآن للنحاس: 5 / 149.\r(3) انظر: زاد المسير: 6 / 195، الدر المنثور: 7 / 250.\r(4) رواه الفريابي، وعبد بن حميد، وأبو نصر السجزي في \"الإبانة\" وابن مردويه عن أنس. انظر: الدر المنثور: 7 / 250.\r(5) استثناء حملة العرش مروي عن عكرمة في الدر المنثور: 7 / 251.\r(6) أخرجه البخاري في مواضع كثيرة منها، تفسير سورة الزمر، وفي الأنبياء، ومسلم في الفضائل، باب من فضائل موسى عليه السلام، برقم (2373): 4 / 1843-1844، والمصنف في شرح السنة: 15 / 105. وقال: \"هذا حديث متفق على صحته، أخرجاه من أوجه عن أبي هريرة\".","part":6,"page":182},{"id":2319,"text":"قال الضحاك: هم رضوان، والحور، ومالك، والزبانية. وقيل: عقارب النار وحياتها (1) . قوله عز وجل: { وَكُلٌّ } أي: الذين أحيوا بعد الموت، { أَتَوْهُ } قرأ الأعمش، وحمزة، وحفص: \"أتوه\" مقصورًا بفتح التاء على الفعل، أي: جاءوه، وقرأ الآخرون بالمد وضم التاء كقوله تعالى: \"وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا\" (مريم-95) ، { دَاخِرِينَ } صاغرين.\r{ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) }\r__________\r(1) ذكره ابن الجوزي في \"زاد المسير\": 6 / 195 عن ابن شاقلا من الحنابلة، ونقل القرطبي: (13 / 241) وأبو حيان: (7 / 100) عن بعض العلماء أن الصحيح أنه لم يرد في تعيينهم خبر صحيح، والكل محتمل، والله أعلم. والذي اعتمده الطبري وابن كثير أن المراد بهم الشهداء، لأحاديث أخرى وردت في ذلك، إذ الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون.","part":6,"page":183},{"id":2320,"text":"{ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (89) }\rقوله عز وجل: { وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً } قائمة (1) واقفة، { وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ } أي: تسير سير السحاب حتى تقع على الأرض. فتستوي بها وذلك أن كل شيء عظيم وكل جمع كثير يقصر عنه البصر لكثرته وبعد ما بين أطرافه فهو في حسبان الناظر واقف وهو سائر، كذلك سير الجبال لا يرى يوم القيامة لعظمتها، كما أن سير السحاب لا يرى لعظمه وهو سائر، { صُنْعَ اللَّهِ } نصب على المصدر، { الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ } أي: أحكم، { إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ } قرأ ابن كثير، وأهل البصرة: بالياء والباقون بالتاء. { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ } بكلمة الإخلاص، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، قال أبو معشر: كان إبراهيم يحلف ولا يستثني: أن الحسنة لا إله إلا الله. وقال قتادة: بالإخلاص. وقيل: هل كل طاعة (2) { فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا } قال ابن عباس: فمنها يصل الخير إليه، يعني: له من تلك الحسنة خير يوم القيامة، وهو الثواب (3) والأمن من العذاب، أما أن يكون له شيء خير من الإيمان فلا لأنه ليس شيء خيرًا من قوله لا إله إلا الله. وقيل: فله خير منها يعني: رضوان الله، قال تعالى: \"ورضوان من الله أكبر\" (التوبة-72) ، وقال محمد بن كعب، وعبد الرحمن بن زيد: \"فله خير منها\" يعني:\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) انظر: الطبري: 20 / 22-23. ولا تنافي بين هذه الأقوال فإن كلمة التوحيد \"شهادة أن لا إله إلا الله\" هي كلمة الإخلاص، ولا طاعة إلا بإخلاص. والله أعلم.\r(3) ساقط من \"أ\".","part":6,"page":183},{"id":2321,"text":"الأضعاف، أعطاه الله تعالى بالواحدة عشرًا فصاعدًا (1) وهذا حسن لأن للأضعاف خصائص، منها: أن العبد يسأل عن عمله ولا يسأل عن الأضعاف، ومنها: أن للشيطان سبيلا إلى عمله وليس له سبيل إلى الأضعاف، ولا مطمع للخصوم في الأضعاف، ولأن الحسنة على استحقاق العبد والتضعيف كما يليق بكرم الرب تبارك وتعالى. { وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ } قرأ أهل الكوفة: \"من فزعٍ\" بالتنوين \"يومَئذٍ\" بفتح الميم، وقرأ الآخرون بالإضافة لأنه أعم فإنه يقتضي الأمن من جميع فزع ذلك اليوم، وبالتنوين كأنه فزع دون فزع، ويفتح أهل المدينة الميم من يومئذ.\r{ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (90) إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93) }\r{ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ } يعني الشرك، { فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ } يعني ألقوا على وجوههم، يقال: كَبَبْتُّ الرّجلَ: إذا ألقيتُه على وجهه، فانكبَّ وأكبَّ، وتقول لهم خزنة جهنم: { هَلْ تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } في الدنيا من الشرك. قوله تعالى: { إِنَّمَا أُمِرْتُ } يقول الله لرسوله صلى الله عليه وسلم قل إنما أمرت ، { أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ } يعني: مكة، { الَّذِي حَرَّمَهَا } جعلها الله حرمًا آمنًا، لا يسفك فيها دم، ولا يظلم فيها أحد، ولا يصاد صيدها، ولا 60/ب يختلى خلاها، { وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ } خَلْقًا وملكًا، { وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ } لله. { وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ } يعني: وأمرت أن أتلو القرآن، { فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ } أي: نفع اهتدائه يرجع إليه، { وَمَنْ ضَلَّ } عن الإيمان وأخطأ عن طريق الهدى، { فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ } من المخوفين فليس علي إلا البلاغ. نسختها آية القتال (2) . { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ } على نعمه، { سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ } يعني: يوم بدر، من القتل والسبي وضرب\r__________\r(1) راجع فيما سبق تفسير سورة الأنعام: 3 / 210-211.\r(2) راجع فيما سبق: 1 / 32-33 تعليق (1).","part":6,"page":184},{"id":2322,"text":"الملائكة وجوههم وأدبارهم، نظيره قوله عز وجل: [\"سأريكم آياتي فلا تستعجلون\" (الأنبياء-37) ، وقال مجاهد] (1) سيريكم آياته في السماء والأرض وفي أنفسكم، كما قال: \"سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم\" (فصلت-53) ، { فَتَعْرِفُونَهَا } يعني: تعرفون الآيات والدلالات، { وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } وعدهم بالجزاء على أعمالهم. سورة القصص\rمكية إلا قوله عزَّ وجلَّ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ } إلى قوله: {لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } وفيهالا آية نزلت بين مكة والمدينة ، وهي قوله عزَّ وجلَّ: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} (2) . بسم الله الرحمن الرحيم\r{ طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) }\r{ طسم }\r{ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ } { نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ } بالصدقُ { لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يصدقون بالقرآن.\r{ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا } استكبر وتجَّبر وتعظَّم { فِي الأرْضِ } أرض مصرُ { وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا } فِرَِقًا وأصنافًا في الخدمة والتسخيرُ { يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ } أراد بالطائفة: بني إسرائيلُ ثم فسّر الاستضعاف فقال: { يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ } سّمى هذا استضعافًا لأنهم عجزوا وضعفوا عن دفعه عن أنفسهمُ { إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ }\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) انظر: الدر المنثور: 6 / 389، زاد المسير: 6 / 200.","part":6,"page":185},{"id":2323,"text":"{ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) }","part":6,"page":190},{"id":2324,"text":"{ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) }\r{ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ } يعني: بني إسرائيل، { وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً } قادة في الخير يقتدى بهم. وقال قتادة: ولاة وملوكًا، دليله: قوله عز وجل: \"وجعلكم ملوكًا\" (المائدة-20) ، وقال مجاهد: دعاة إلى الخير. { وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ } يعني: أملاك فرعون وقومه يخلفونهم في مساكنهم.\r{ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ } نوطِّن لهم في أرض مصر والشام، ونجعلها لهم مكانًا يستقرون فيه، { وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا } قرأ الأعمش، وحمزة، والكسائي: \"ويرى\" بالياء وفتحها، { فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا } مرفوعات على أن الفعل لهم، وقرأ الآخرون بالنون وضمها، وكسر الراء، ونصب الياء ونصب ما بعده، بوقوع الفعل عليه، { مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ } والحذر هو التوقي من الضرر، وذلك أنهم أخبروا أن هلاكهم على يد رجل من بني إسرائيل فكانوا على وَجَلٍ منه، فأراهم الله ما كانوا يحذرون.\r{ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى } وحي إلهام لا وحي نبوة، قال قتادة: قذفنا في قلبها (1) ، وأم موسى يوخابذ بنت لاوى بن يعقوب، { أَنْ أَرْضِعِيهِ } واختلفوا في مدة الرضاع، قيل: ثمانية أشهر. وقيل: أربعة أشهر. وقيل: ثلاثة أشهر كانت ترضعه في حجرها، وهو لا يبكي ولا يتحرك (2) ، { فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ } يعني: من الذبح، { فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ } واليم: البحر، وأراد هاهنا النيل، { وَلا تَخَافِي } قيل: لا تخافي عليه من الغرق، وقيل: من الضيعة، { وَلا تَحْزَنِي } على فراقه، { إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ } روى عطاء عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال (3) .\r__________\r(1) انظر: الطبري: 20 / 29-30.\r(2) قال الإمام الطبري (20 / 30): \"وأولى قيل قيل في ذلك بالصواب، أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمر أم موسى أن ترضعه، فإذا خافت عليه من عدو الله فرعون وجنده أن تلقيه في اليم، وجائز أن تكون خافتهم عليه بعد أشهر من ولادها إياه، وأي ذلك كان، فقد فعلت ما أوحى الله إليها فيه، ولا خبر قامت به حجة، ولا فطرة في العقل لبيان أي ذلك كان من أي، فأولى الأقوال في ذلك بالصحة أن يقال كما قال جل ثناؤه. واليم الذي أمرت أن تلقيه فيه هو النيل\".\r(3) رواية الضحاك عن ابن عباس منقطعة، لأنه لم يسمع من ابن عباس شيئا.","part":6,"page":190},{"id":2325,"text":"إن بني إسرائيل لما كثروا بمصر، استطالوا على الناس، وعملوا بالمعاصي، ولم يأمروا بالمعروف ولم ينهو عن المنكر، فسلط الله عليهم القبط فاستضعفوهم إلى أن أنجاهم على يد نبيه. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إن أم موسى لما تقاربت ولادتها، وكانت قابلةٌ من القوابل التي وكلهن فرعون بحُبَالى بني إسرائيل مصافية لأم موسى، فلما ضرب بها الطلق أرسلت إليها فقالت: قد نزل بي ما نزل، فلينفعني حبك إيّاي اليوم، قالت: فعالجت قبالتها، فلما أن وقع موسى بالأرض هالها نورٌ بين عيني موسى، فارتعش كل مفصل منها، ودخل حب موسى قلبها. ثم قالت لها: يا هذا ما جئت إليك حين دعوتني إلا ومن رأيي قتل مولودك، ولكن وجدت لابنك هذا حبًا ما وجدت حب شيء مثل حبه، فاحفظي ابنك فإني أراه هو عدونا، فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون، فجاءوا إلى بابها ليدخلوا على أم موسى، فقالت أخته يا أماه هذا الحرس (1) بالباب، فلفَّتْ موسى في خرقة، فوضعته في التنور وهو مسجور، وطاش عقلها، فلم تعقل ما تصنع.\rقال: فدخلوا فإذا التنور مسجور، ورأوا أم موسى لم يتغير لها لون ولم يظهر لها لبن، فقالوا لها: ما أدخل عليك القابلة؟ قالت: هي مصافية لي فدخلت علي زائرة، فخرجوا من عندها، فرجع إليها عقلها فقالت لأخت موسى: فأين الصبي؟ قالت لا أدري، فسمعت بكاء الصبي من التنور فانطلقت إليه وقد جعل الله سبحانه وتعالى النار عليه بردًا وسلامًا، فاحتملته (2) قال: ثم إن أم موسى لما رأت إلحاح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها، فقذف الله في نفسها أن تتخذ له تابوتًا ثم تقذف التابوت في اليمِّ وهو النيل، فانطلقت إلى رجل نجار من قوم فرعون فاشترت منه تابوتًا صغيرًا، فقال لها النجار: ما تصنعين بهذا التابوت؟ قالت: ابن لي أخبئه في التابوت، وكرهت الكذب، قال ولم تقل: أخشى عليه كيد فرعون، فلما اشترت التابوت وحملته وانطلقت به انطلق النجار إلى الذباحين ليخبرهم بأمر أم موسى، فلما همَّ بالكلام أمسك الله لسانه فلم يطق الكلام، وجعل يشير بيده فلم يدر الأمناء ما يقول، فلما أعياهم أمره قال كبيرهم: اضربوه فضربوه وأخرجوه، فلما انتهى النجار إلى موضعه رد الله عليه لسانه فتكلم، فانطلق أيضًا يريد الأمناء فأتاهم ليخبرهم فأخذ الله لسانه وبصره فلم يطق الكلام ولم يبصر شيئًا، فضربوه وأخرجوه، فوقع في واد يهوى فيه حيران، فجعل الله عليه إن رد لسانه وبصره أن لا يدل عليه وأن يكون معه يحفظه حيث 61/أ ما كان، فعرف الله منه الصدق فردّ عليه لسانه وبصره فخر لله (3)\r__________\r(1) في \"أ\": الحارس.\r(2) ذكره القرطبي أيضا عن وهب، وهو فيما يظهر متلقى عن أخبار أهل الكتاب، فإن وهبا أدخل في التفسير كثيرا من مروياتهم كما قال الحافظ ابن كثير رحمه الله.\r(3) ساقط من \"أ\".","part":6,"page":191},{"id":2326,"text":"ساجدًا، فقال: يا رب دلَّني على هذا العبد الصالح، فدلَّه الله عليه، فخرج من الوادي فآمن به وصدقه، وعلم أن ذلك من الله عز وجل. وقال وهب بن منبه: لما حملت أم موسى بموسى كتمت أمرها جميع الناس، فلم يطلع على حبلها أحد من خلق الله، وذلك شيء ستره الله لما أراد أن يمن به على بني إسرائيل، فلما كانت السنة التي يولد فيها بعث فرعون القوابل وتقدم إليهن ففتشن النساء تفتيشا لم يفتشن قبل ذلك مثله (1) ، وحملت أم موسى بموسى (2) فلم ينتأ بطنها، ولم يتغير لونها، ولم يظهر لبنها، وكانت القوابل لا تتعرض لها، فلما كانت الليلة التي ولد فيها ولدته ولا رقيب عليها ولا قابلة، ولم يطلع عليها أحد إلا أخته مريم، فأوحى الله إليها \"أن أرضعيه، فإذا خفت عليه\" الآية، فكتمته أمه ثلاثة أشهر ترضعه في حجرها، لا يبكي ولا يتحرك، فلما خافت عليه عملت تابوتا له مطبقا ثم ألقته في البحر ليلا.\rقال ابن عباس وغيره: وكان لفرعون يومئذ بنت لم يكن له ولد غيرها، وكانت من أكرم الناس عليه، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى فرعون، وكان بها برص شديد، وكان فرعون قد جمع لها أطباء مصر والسحرة فنظروا في أمرها، فقالوا له: أيها الملك لا تبرأ إلا من قبل البحر، يوجد فيه شبه الإنسان فيؤخذ من ريقه فيلطخ به برصها فتبرأ من ذلك، وذلك في يوم كذا وساعة كذا حين تشرق الشمس، فلما كان يوم الاثنين غدا فرعون إلى مجلس كان على شفير النيل ومعه امرأته آسية بنت مزاحم، وأقبلت ابنة فرعون في جواريها حتى جلست على شاطئ النيل مع جواريها تلاعبهن وتنضح الماء على وجوههن، إذ أقبل النيل بالتابوت تضربه الأمواج، فقال فرعون: إن هذا لشيء في البحر قد تعلق بالشجرة ايتوني به، فابتدروه بالسفن من كل جانب حتى وضعوه بين يديه، فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه، فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نورا لم يره غيرها فعالجته ففتحت الباب فإذا هي بصبي صغير في مهده، وإذا نور بين عينيه، وقد جعل الله رزقه في إبهامه يمصه لبنا، فألقى الله لموسى المحبة في قلب آسية، وأحبه فرعون وعطف عليه، وأقبلت بنت فرعون، فلما أخرجوا الصبي من التابوت عمدت بنت فرعون إلى ما كان يسيل من ريقه فلطخت به برصها فبرأت، فقبلته وضمته إلى صدرها، فقال الغواة من قوم فرعون: أيها الملك إنا نظن أن ذلك المولود الذي تحذر منه بني إسرائيل هو هذا، رمي به في البحر فرقا منك فاقتله، فهم فرعون بقتله، قالت آسية: قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا، وكانت لا تلد، فاستوهبت موسى من فرعون فوهبه لها، وقال فرعون أما أنا فلا حاجة لي فيه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لو قال فرعون يومئذ هو قرة عين لي كما هو\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ساقط من \"أ\".","part":6,"page":192},{"id":2327,"text":"لك لهداه الله كما هداها\" (1) ، فقيل لآسية سميه فقالت: سميته موسى لأنا وجدناه في الماء والشجر فمو هو الماء، وسى هو الشجر (2) ، فذلك قوله عز وجل: { فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ }\r{ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (9) }\r{ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ } والالتقاط هو وجود الشيء من غير طلب، { لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا } وهذه اللام تسمى لام العاقبة ولام الصيرورة، لأنهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدوا وحزنا ولكن صار عاقبة أمرهم إلى ذلك، قرأ حمزة والكسائي: \"حُزْنًا\" بضم الحاء وسكون الزاي، وقرأ الآخرون بفتح الحاء والزاي، وهما لغتان، { إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ } عاصين (3) . آثمين.\rقوله تعالى: { وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ } قال وهب: لما وضع التابوت بين يدي فرعون فتحوه فوجد فيه موسى فلما نظر إليه قال عبراني من الأعداء فغاظه ذلك، وقال: كيف أخطأ هذا الغلام الذبح؟ وكان فرعون قد استنكح امرأة من بني إسرائيل يقال لها آسية بنت مزاحم وكانت من خيار النساء ومن بنات الأنبياء وكانت أما للمساكين ترحمهم وتتصدق عليهم وتعطيهم، قالت لفرعون وهي قاعدة إلى جنبه: هذا الوليد أكبر من ابن سنة وإنما أمرت أن يذبح الولدان لهذه السنة فدعه يكون قرة عين لي وذلك، { لا تَقْتُلُوهُ } وروي أنها قالت له: إنه أتانا من أرض أخرى ليس من بني إسرائيلُ { عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } أن هلاكهم على يديه، فاستحياه فرعون، وألقى الله عليه محبته وقال لامرأته: عسى أن ينفعك فأما أنا فلا أريد نفعه، قال وهب قال ابن عباس رضي الله عنهما: لو أن عدو الله قال في موسى كما قالت آسية: عسى أن ينفعنا، لنفعه الله، ولكنه أبى، للشقاء الذي كتبه الله عليه (4) .\r__________\r(1) انظر: الطبري: 20 / 32، مجمع الزوائد: 7 / 56 وما بعدها وقد تقدم تخريج حديث الفتون في تفسير سورة طه. وهذا قطعة منه.\r(2) في \"أ\": البحر.\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) انظر: الطبري: 20 / 34.","part":6,"page":193},{"id":2328,"text":"{ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) وَقَالَتْ لأخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (11) }\rوقوله تعالى: { وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا } أي: خاليا من كل شيء إلا من ذكر موسى وهمه، وهذا قول أكثر المفسرين (1) . وقال الحسن: \"فارغا\" أي: ناسيا للوحي الذي أوحى الله إليها حين أمرها أن تلقيه في البحر ولا تخاف ولا تحزن، والعهد الذي عهد أن يرده إليها ويجعله من المرسلين، فجاءها الشيطان فقال: كرهت أن يقتل فرعون ولدك فيكون لك أجره وثوابه وتوليت أنت قتله فألقيته في البحر، وأغرقته، ولما أتاها الخبر بأن فرعون أصابه في النيل قالت: إنه وقع في يد عدوه الذي فررت منه، فأنساها عظيم البلاء ما كان من عهد الله إليها. وقال أبو عبيدة: \"فارغا\" أي: فارغا من الحزن، لعلمها بصدق وعد الله تعالى، وأنكر القتيبي هذا، وقال: كيف يكون هذا والله تعالى يقول: \"إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها\"؟ والأول أصح.\rقول الله عز وجل: { إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ } قيل الهاء في \"به\" راجعة إلى موسى، أي: كادت لتبدي به أنه ابنها من شدة 61/ب وجدها. وقال عكرمة عن ابن عباس: كادت تقول: وابناه. وقال مقاتل: لما رأت التابوت يرفعه موج ويضعه آخر خشيت عليه الغرق فكادت تصيح من شفقتها. وقال الكلبي: كادت تظهر أنه ابنها، وذلك حين سمعت الناس يقولون لموسى بعدما شب: موسى بن فرعون، فشق عليها فكادت تقول: بل هو ابني. وقال بعضهم: الهاء عائدة إلى الوحي أي: كادت تبدي بالوحي الذي أوحى الله إليها أن يرده إليها (2) . { لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا } بالعصمة والصبر والتثبيت، { لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } المصدقين لوعد الله حين قال لها: { إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ }\r{ وَقَالَتْ لأخْتِهِ } أي: لمريم أخت موسى: { قُصِّيه } اتبعي أثره حتى تعلمي خبره، { فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ } أي: عن بعد، وفي القصة أنها كانت تمشي جانبا وتنظر اختلاسا تري أنها لا تنظره،\r__________\r(1) انظر الدر المنثور: 6 / 394-395، وهو ما رجحه الطبري: 20 / 37.\r(2) ذكر هذه الأقوال الطبري: 20 / 37-38، ثم قال: \"والصواب من القول في ذلك ما قاله الذين ذكرنا قولهم أنهم قالوا: إن كادت لتقول: يا بنياه! لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك، وأنه عقيب قوله: \"وأصبح فؤاد أم موسى فارغا\" فلأن يكون لو لم يكن ممن ذكرنا في ذلك إجماع على ذلك من ذكر موسى، لقربه منه، أشبه من أن يكون من ذكر الوحي..\".","part":6,"page":194},{"id":2329,"text":"{ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } أنها أخته وأنها ترقبه، قال ابن عباس: إن امرأة فرعون كل همها من الدنيا أن تجد له مرضعة، فكلما أتوا بمرضعة لم يأخذ ثديها، فذلك قوله عز وجل: { وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ }\r{ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (13) }","part":6,"page":195},{"id":2330,"text":"{ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) }\r{ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ } والمراد من التحريم المنع، والمراضع: جمع المرضع، { مِنْ قَبْلُ } أي: من قبل مجيء أم موسى، فلما رأت أخت موسى التي أرسلتها أمه في طلبه ذلك قالت لهم: هل أدلكم؟ وفي القصة أن موسى مكث ثمان ليال لا يقبل ثديا ويصيح وهم في طلب مرضعة له.\r{ فَقَالَت } يعني أخت موسى، { هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ } أي: يضمنونه (1) { لَكُمُ } ويرضعونه، وهي امرأة قد قتل ولدها فأحب شيء إليها أن تجد صغيرا ترضعه، { وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ } والنصح ضد الغش، وهو تصفية العمل من شوائب الفساد، قالوا: نعم فأتينا بها. قال ابن جريج والسدي: لما قالت أخت موسى: \"وهم له ناصحون\" أخذوها وقالوا: إنك قد عرفت هذا الغلام فدلينا على أهله. فقالت: ما أعرفه، وقلت هم للملك ناصحون. وقيل: إنها قالت: إنما قلت هذا رغبة في سرور الملك واتصالنا به. وقيل إنها لما قالت: \"هل أدلكم على أهل بيت\" قالوا لها: من؟ قالت: أميُ قالوا: ولأمك ابن؟ قالت: نعم هارون، وكان هارون ولد في سنة لا يقتل فيها، قالوا: صدقت، فأتينا بها، فانطلقت إلى أمها وأخبرتها بحال ابنها، وجاءت بها إليهم، فلما وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها، وجعل يمصه حتى امتلأ جنباه ريًا. قال السدي: كانوا يعطونها كل يوم دينارا فذلك قوله تعالى: { فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا }\r{ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا } برد موسى إليها، { وَلا تَحْزَنْ } أي: ولئلا تحزن، { وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } برده إليها، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ } أن الله وعدها رده إليها.\r{ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ } قال الكلبي: الأشد ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة. [قال مجاهد\r__________\r(1) في \"أ\": يضمونه.","part":6,"page":195},{"id":2331,"text":"وغيره: ثلاث وثلاثون سنة، { وَاسْتَوَى } أي: بلغ أربعين سنة] (1) ، ورواه (2) سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقيل: استوى انتهى شبابه { آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا } أي: الفقه والعقل والعلم في الدين، فعلم موسى وحكم قبل أن يبعث نبيا، { وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ }\r{ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) }\rقوله تعالى: { وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ } يعني: دخل موسى المدينة. قال السدي: هي مدينة \"منف\" من أرض مصر. وقال مقاتل: كانت قرية \"حابين\" على رأس فرسخين من مصر. وقيل: مدينة \"عين الشمس\" (3) ، { عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا } وقت القائلة واشتغال الناس بالقيلولة. وقال محمد بن كعب القرظي: دخلها فيما بين المغرب والعشاء. واختلفوا في السبب الذي من أجله دخل المدينة في هذا الوقت؛ قال السدي: وذلك أن موسى عليه السلام كان يسمى ابن فرعون، فكان يركب مراكب فرعون ويلبس مثل ملابسه، فركب فرعون يوما وليس عنده موسى، فلما جاء موسى قيل له: إن فرعون قد ركب، فركب في أثره فأدركه المقيل بأرض \"منف\" فدخلها نصف النهار، وليس في طرفها أحد، فذلك قوله عز وجل: { وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا } قال ابن إسحاق: كان لموسى شيعة من بني إسرائيل يستمعون منه ويقتدون به، فلما عرف ما هو عليه من الحق رأى فراق فرعون وقومه، فخالفهم في دينه حتى ذكر ذلك منه وخافوه وخافهم، فكان لا يدخل قرية إلا خائفا مستخيفا، فدخلها يوما على حين غفلة من أهلها. وقال ابن زيد: لما علا موسى فرعون بالعصا في صغره، فأراد فرعون قتله، قالت امرأته: هو صغير، فترك قتله وأمر بإخراجه من مدينته، فلم يدخل عليهم إلا بعد أن كبر وبلغ أشده فدخل المدينة على حين غفلة من أهلها، يعني: عن ذكر موسى، أي: من بعد نسيانهم خبره وأمره لبعد عهدهم به (4) .\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) في \"ب\": وهذه رواية.\r(3) في \"أ\": عين شمس.\r(4) أخرج هذه الأقوال الطبري: 20 / 43-44، ثم قال: \"وأولى الأقوال في الصحة بذلك أن يقال كما قال جل ثناؤه: (ولما بلغ أشده واستوى.. ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها)\": أي حسبنا هذا، إذ لم يرد نص صحيح في سبب دخوله عليه السلام المدينة على حين غفلة من أهلها.","part":6,"page":196},{"id":2332,"text":"وروي عن علي في قوله: \"حين غفلة\" كان يوم عيد لهم قد اشتغلوا بلهوهم ولعبهم. { فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ } يختصمان ويتنازعان، { هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ } بني إسرائيل، { وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ } من القبط، قيل: الذي كان من شيعته السامري، والذي من عدوه من القبط، قيل: طباخ فرعون اسمه فليثون. وقيل: \"هذا من شيعته. وهذا من عدوه\" أي: هذا مؤمن وهذا كافر، وكان القبطي يسخر الإسرائيلي ليحمل الحطب إلى المطبخ. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: لما بلغ موسى أشده لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل بظلم حتى امتنعوا كل الامتناع، وكان بنو إسرائيل قد عزوا بمكان موسى، لأنهم كانوا يعلمون أنه منهم، فوجد موسى رجلان يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل والآخر من آل فرعون، { فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ } فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، والاستغاثة: طلب الغوث، فغضب موسى واشتد غضبه؛ لأنه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم، ولا يعلم الناس إلا أنه من قبل الرضاعة من أم موسى، فقال للفرعوني: خل سبيله، فقال: إنما أخذته ليحمل الحطب إلى مطبخ أبيك، فنازعه، فقال الفرعوني 62/أ لقد هممت أن أحمله عليك، وكان موسى قد أوتي بسطة في الخلق وشدة في القوة والبطش، { فَوَكَزَهُ مُوسَى } وقرأ ابن مسعود: \"فلكزه موسى\"، ومعناهما واحد، وهو الضرب بجمع الكف. وقيل: \"الوكز\" الضرب في الصدر و\"اللكز\" في الظهر. وقال الفراء: معناهما واحد، وهو الدفع، قال أبو عبيدة: الوكز الدفع بأطراف الأصابع، وفي بعض التفاسير: عقد موسى ثلاثا وثمانين وضربه في صدره، { فَقَضَى عَلَيْهِ } أي: فقتله وفرغ من أمره، وكل شيء فرغت منه فقد قضيته وقضيت عليه، فندم موسى عليه السلام، ولم يكن قصده القتل، فدفنه في الرمل، { قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ } أي: بين الضلالة.\r{ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (17) }\r{ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي } بقتل القبطي من غير أمر، { فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }\r{ قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ } بالمغفرة، { فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا } عونا، { لِلْمُجْرِمِينَ } قال","part":6,"page":197},{"id":2333,"text":"ابن عباس: للكافرين، وهذا يدل على أن الإسرائيلي الذي أعانه موسى كان كافرا، وهو قول مقاتل، قال قتادة: لن أعين بعدها على خطيئة، قال ابن عباس: لم يستثن فابتلي به في اليوم الثاني.\r{ فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19) وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) }\r{ فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ } أي: في المدينة التي قتل فيها القبطي، { خَائِفًا } من قتله القبطي، { يَتَرَقَّبُ } ينتظر سوءا، والترقب: انتظار المكروه، قال الكلبي: ينتظر متى يؤخذ به، { فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ } يستغيثه ويصيح به من بُعْدٍ. قال ابن عباس: أُتي فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قتلوا منا رجلا فخذ لنا بحقنا، فقال: ابغوا لي قاتله ومن يشهد عليه، فلا يستقيم أن يقضي بغير بينة، فبينما هم يطوفون لا يجدون بينة إذ مر موسى من الغد فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيا فاستغاثه على الفرعوني فصادف موسى، وقد ندم على ما كان منه بالأمس من قتل القبطي، { قَالَ لَهُ مُوسَى } للإسرائيلي: { إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ } ظاهر الغواية قاتلت بالأمس رجلا فقتلته بسببك، وتقاتل اليوم آخر وتستغيثني عليه؟ وقيل: إنما قال موسى للفرعوني: إنك لغوي مبين بظلمك، والأول أصوب، وعليه الأكثرون أنه قال ذلك للإسرائيلي.\r{ فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا } وذلك أن موسى أدركته الرقة (1) بالإسرائيلي فمد يده ليبطش بالفرعوني، فظن الإسرائيلي أنه يريد أن يبطش به لما رأى من غضبه وسمع قوله: إنك لغوي مبين، { قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إِنْ تُرِيدُ } ما تريد، { إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأرْضِ } بالقتل ظلما، { وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ } فلما سمع القبطي ما قال الإسرائيلي علم أن موسى هوالذي قتل ذلك الفرعوني، فانطلق إلى فرعون وأخبره بذلك، وأمر فرعون بقتل موسى. قال ابن عباس: فلما أرسل فرعون الذباحين لقتل موسى أخذوا الطريق الأعظم.\r{ وَجَاءَ رَجُلٌ } من شيعة موسى، { مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ } أي: من آخرها، قال أكثر أهل التأويل: اسمه \"حزبيل\" مؤمن من آل فرعون، وقيل: اسمه \"شمعون\"، وقيل: \"شمعان\"، { يَسْعَى }\r__________\r(1) في \"أ\": الرأفة.","part":6,"page":198},{"id":2334,"text":"أي: يسرع في مشيه، فأخذ طريقا قريبا حتى سبق إلى موسى فأخبره وأنذروه حتى أخذ طريقا آخر، { قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ } يعني: أشراف قوم فرعون يتشاورون فيك، { لِيَقْتُلُوك } قال الزجاج: يأمر بعضهم بعضا بقتلك، { فَاخْرُجْ } من المدينة، { إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ } في الأمر لك بالخروج.\r{ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) }","part":6,"page":199},{"id":2335,"text":"{ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) }\r{ فَخَرَجَ مِنْهَا } موسى، { خَائِفًا يَتَرَقَّبُ } أي: ينتظر الطلب، { قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } الكافرين، وفي القصة: أن فرعون بعث في طلبه حين أخبر بهربه فقال اركبوا ثنيات الطريق فإنه لا يعرف كيف الطريق.\r{ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ } أي: قصد نحوها ماضيا إليها، يقال: داره تلقاء دار فلان، إذا كانت محاذيتها، وأصله من اللقاء، قال الزجاج: يعني سلك الطريق الذي تلقاء مدين فيها، ومدين هو مدين بن إبراهيم، سميت البلدة باسمه، وكان موسى قد خرج خائفا بلا ظهر ولا حذاء ولا زاد، وكانت مدين على مسيرة ثمانية أيام من مصر، { قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ } أي: قصد الطريق إلى مدين، قال ذلك لأنه لم يكن يعرف الطريق إليها قبل، فلما دعا جاءه ملك بيده عنزة فانطلق به إلى مدين. قال المفسرون: خرج موسى من مصر ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر والبقل، حتى يرى خضرته في بطنه، وما وصل إلى مدين حتى وقع خف قدميه. قال ابن عباس: وهو أول ابتلاء من الله عز وجل لموسى عليه السلام.\r{ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ } وهو بئر كانوا يسقون منها مواشيهم، { وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً } جماعة { مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ } مواشيهم، { وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ } يعني: سوى الجماعة، { امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ } يعني: تحبسان وتمنعان أغنامهما عن الماء حتى يفرغ الناس وتخلو لهم البئر، قال الحسن: تكفان الغنم عن أن تختلط بأغنام الناس، وقال قتادة: تكفان الناس عن أغنامهما. وقيل: تمنعان أغنامهما","part":6,"page":199},{"id":2336,"text":"عن أن تشذ وتذهب. والقول الأول أصوبها، لما بعده، وهو قوله: { قَالَ } يعني: موسى للمرأتين، { مَا خَطْبُكُمَا } ما شأنكما لا تسقيان مواشيكما مع الناس؟ { قَالَتَا لا نَسْقِي } أغنامنا، { حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ } قرأ أبو جعفر، وأبو عمرو، وابن عامر: \"يصدر\" بفتح الياء وضم الدال على اللزوم، أي: حتى يرجع الرعاء عن الماء، وقرأ الآخرون: بضم الياء وكسر الدال، أي: حتى يصرفوا هم مواشيهم عن الماء، و\"الرعاء\" جمع راع، مثل: تاجر وتجار. ومعنى الآية: لا نسقي مواشينا حتى يصدر الرعاء، لأنا امرأتان لا نطيق أن نسقي، ولا نستطيع أن نزاحم الرجال، فإذا صدروا سقينا مواشينا ما أفضلت مواشيهم في الحوض.\r{ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } لا يقدر أن يسقي مواشيه، فلذلك احتجنا نحن إلى سقي الغنم. واختلفوا في اسم أبيهما، فقال مجاهد، والضحاك، والسدي 62/ب والحسن: هو شعيب النبي عليه السلام. وقال وهب بن منبه، وسعيد بن جبير: هو يثرون (1) بن أخي شعيب، وكان شعيب قد مات قبل ذلك بعدما كف بصره، فدفن بين المقام وزمزم. وقيل: رجل ممن آمن بشعيب (2) قالوا: فلما سمع موسى قولهما رحمهما فاقتلع صخرة من رأس بئر أخرى كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلا جماعة من الناس.\r__________\r(1) قال ابن كثير: إن هذا موجود في كتب بني إسرائيل.\r(2) قال الطبري رحمه الله (20 / 62): \"وهذا مما لا يدرك علمه إلا بخير، ولا خبر بذلك تجب حجته، فلا قول في ذلك أولى بالصواب مما قاله الله جل ثناؤه..\". وبعد أن ذكر ابن كثير الآراء السالفة قال: (3 / 385-386): \"وقال آخرون: كان شعيب قبل زمان موسى عليه السلام بمدة طويلة لأنه قال لقومه: (وما قوم لوط منكم ببعيد) وقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل عليه السلام بنص القرآن، وقد علم أنه كان بين الخليل وموسى عليهما السلام مدة طويلة تزيد على أربعمائة سنة، كما ذكره غير واحد. وما قيل إن شعيبا عاش مدة طويلة إنما هو -والله أعلم- احتراز من هذا الإشكال، ثم من المقوي لكونه ليس بشعيب: أنه لو كان إياه لأوشك أن ينص على اسمه في القرآن هاهنا، وما جاء في بعض الأحاديث من التصريح بذكره في قصة موسى لم يصح إسناده\".\rولذلك قال الأستاذ سيد قطب في \"الظلال\" (5 / 2687) تعليق (1) -طبعة دار الشروق- \"... وأنا الآن أميل إلى ترجيح أنه ليس هو -شعيب- وإنما هو شيخ آخر من مدين. والذي يحمل على هذا الترجيح: أن هذا الرجل شيخ كبير. وشعيب شهد مهلك قومه، المكذبين له، ولم يبق معه إلا المؤمنون به، فلو كان هو شعيب -النبي- بين بقية قومه المؤمنين، ما سقوا قبل بنتي نبيهم الشيخ الكبير. فليس هذا سلوك قوم مؤمنين، ولا معاملتهم لنبيهم وبناته من أول جيل!. يضاف إلى هذا: أن القرآن لم يذكر شيئا عن تعليمه لموسى صهره، ولو كان شعيبا النبي سمعنا صوت النبوة في شيء من هذا مع موسى وقد عاش معه عشر سنوات\".","part":6,"page":200},{"id":2337,"text":"وقال ابن إسحاق: إن موسى زاحم القوم ونحاهم عن رأس البئر، فسقى غنم المرأتين. ويروى: أن القوم لما رجعوا بأغنامهم غطوا رأس البئر بحجر لا يرفعه إلا عشرة نفر، فجاء موسى ورفع الحجر وحده، وسقى غنم المرأتين. ويقال: إنه نزع ذنوبا واحدا ودعا فيه بالبركة، فروى منه جميع الغنم (1) ، فذلك قوله: { فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ }\r{ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) }\r{ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ } ظل شجرة، فجلس في ظلها من شدة الحر وهو جائع، { فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ } طعام، { فَقِير } قال أهل اللغة اللام بمعنى \"إلى\"، يقال: هو فقير له، وفقير إليه، يقول: إني لما أنزلت إلي من خير، أي: طعام، فقير محتاج، كان يطلب الطعام لجوعه. قال ابن عباس: سأل الله تعالى فلقة خبز يقيم بها صلبه. قال الباقر: لقد قالها وإنه لمحتاج إلى شق تمرة. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: لقد قال موسى: { رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } وهو أكرم خلقه عليه، ولقد افتقر إلى شق تمرة. وقال مجاهد: ما سأله إلا الخبز (2) . قالوا: فلما رجعتا إلى أبيهما سريعا قبل الناس وأغنامهما حُفَّل بطان، قال لهما: ما أعجلكما؟ قالتا: وجدنا رجلا صالحا رحمنا فسقى لنا أغنامنا، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي.\rقال الله تعالى: { فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ } قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ليست بسَّلْفَعٍ من النساء (3) خَرَّاجة ولاجة، ولكن جاءت مستترة قد وضعت كُمَّ درعها على وجهها استحياء، { قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا } قال أبو حازم سلمة بن\r__________\r(1) أخرج الفريابي، وابن أبي شيبة في \"المصنف\"، وعبد بن حميد وابن المنذر، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم -وصححه- عن عمر ابن الخطاب رضي عنه أثرا في ذلك ، وساقه ابن كثير مختصرا. انظر: المصنف: 11 / 530-531، المستدرك: 2 / 407، الطبري: 20 / 64، الدر المنثور: 6 / 405، وابن كثير: 3 / 385، وليس في شيء من الروايات التي ساقها المفسرون أي: حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم في دلائل قوة موسى عليه السلام، كرفع الحجر الذي يغطي البئر، وكان لا يرفعه -فيما قالوا- إلا عشرون أو أربعون أو أكثر أو أقل... إنما كان الرعاء يسقون فنحاهم موسى وسقى للمرأتين أو سقى لهما مع الرعاء.\rولا حاجة لما رواه كثير من المفسرين عن دلائل أمانته من قوله للفتاة: امشي خلفي ودليني على الطريق خوف أن يراها.. فهذا كله تكلف لا داعي له، ودفع لريبة لا وجود لها، وموسى -عليه السلام- عفيف النظر، نظيف الحس، وهي كذلك، والعفة والأمانة لا تحتاجان لكل هذا التكلف، فالعفة تنضح في التصرف العادي البسيط بلا تكلف ولا اصطناع!. انظر: في ظلال القرآن: 5 / 2687-2688.\r(2) انظر هذه الروايات في الدر المنثور: 6 / 406-407، والله أعلم بهذا كله، فليس في شيء منها خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم.\r(3) السلفع من النساء: الجريئة على الرجال، السليطة.","part":6,"page":201},{"id":2338,"text":"دينار: لما سمع ذلك موسى أراد أن لا يذهب، ولكن كان جائعًا فلم يجد بُدًا من الذهاب، فمشت المرأة ومشى موسى خلفها، فكانت الريح تضرب ثوبها فتصف ردفها، فكره موسى أن يرى ذلك منها، فقال لها: امشي خلفي ودليني على الطريق إن أخطأتُ، ففعلت ذلك، فلما دخل على شعيب إذا هو بالعشاء مهيأ، فقال: اجلس يا شاب فتعش، فقال موسى: أعوذ بالله، فقال شعيب: ولم ذاك ألست بجائع؟ قال: بلى، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضا لما سقيت لهما، وإنا من أهل بيت لا نطلب على عمل من أعمال الآخرة عوضا من الدنيا، فقال له شعيب: لا والله يا شاب، ولكنها عادتي وعادة آبائي، نقري الضيف، ونطعم الطعام، فجلس موسى وأكل (1) .\r{ فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ } يعني: أمره أجمعُ مِنْ قتله القبطي وقَصْدِ فرعون قتله، { قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } يعني: فرعون وقومه، وإنما قال هذا لأنه لم يكن لفرعون سلطان على مدين.\r{ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ (26) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) }\r{ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ } اتخذه أجيرًا ليرعى أغنامنا، { إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ } يعني: خير من استعملت من قوي على العمل وأدى الأمانة، فقال لها أبوها: وما علمك بقوته وأمانته؟ قالت: أما قوته: فإنه رفع حجرا من رأس البئر لا يرفعه إلا عشرة. وقيل: إلا أربعون رجلا وأما أمانته: فإنه قال لي امشي خلفي حتى لا تصف الريح بدنك.\r{ قَالَ } شعيب عند ذلك: { إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ } واسمها \"صفورة\" و\"ليا\" في قول شعيب الجبائي، وقال ابن إسحاق: \"صفورة\" و\"شرقا\" وقال غيرهما: الكبرى \"صفراء\" والصغرى \"صفيراء\". وقيل زوَّجه الكبرى. وذهب أكثرهم إلى أنه زوجه الصغرى منهما واسمها\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر (6 / 407) لابن عساكر عن أبي حازم، وما انفرد به ابن عساكر من الرواية فهو ضعيف، قال السيوطي في مقدمة زوائد الجامع الصغير: كل ما عزي لابن عدي في الكامل والخطيب في التاريخ والعقيلي في الضعفاء وابن عساكر.. فهو ضعيف.","part":6,"page":202},{"id":2339,"text":"\"صفورة\"، وهي التي ذهبت لطلب موسى (1) ، { عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ } يعني: أن تكون أجيرًا لي ثمان سنين، قال الفراء: يعني: تجعل ثوابي من تزويجها أن ترعى غنمي ثماني حجج، تقول العرب: آجرك الله بأجرك أي: أثابك، والحجج: السنون، واحدتها حجة، { فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ } أي: إن أتممت عشر سنين فذلك تفضل منك وتبرع، ليس بواجب عليك، { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ } أي: ألزمك تمام العشر إلا أن تتبرعُ { سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ } قال عمر: يعني: في حسن الصحبة والوفاء بما قلت.\r{ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28) }\r{ قَالَ } موسى، { ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ } يعني: هذا الشرط بيني وبينك، فما شرطت عليَّ فلك وما شرطتَ من تزويج إحداهما فلي (2) ، والأمر بيننا، تم الكلام، ثم قال: { أَيَّمَا الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ } يعني: أي الأجلين: و\"ما\" صلة، \"قضيت\": أتممت وفرغت منه، الثمان أو العشر، { فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ } لا ظلم عليَّ بأن أطالب بأكثر منهما، { وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ } قال ابن عباس ومقاتل: شهيد فيما بيني وبينك. وقيل: حفيظ. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن عبد الرحيم، أخبرنا سعيد بن سليمان، أخبرنا مروان بن شجاع، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، قال: سألني يهودي من أهل الحيرة: أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أدري حتى أقدم على خير العرب (3) فأسأله، فقدمت فسألت ابن عباس قال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال فعل (4) وروي عن أبي ذرِّ مرفوعًا: إذا سئلت أي الأجلين قضى موسى؟ فقل: خيرهما وأبرهما، وإذا سئلت: فأي المرأتين تزوج؟ فقل: الصغرى منهما، وهي التي جاءت، فقالت يا أبتِ استأجره، فتزوج أصغرهما وقضى أوفاهما (5) .\r__________\r(1) انظر: الدر المنثور 6 / 408، زاد المسير: 6 / 216-217، ابن كثير: 3 / 386، وليس في شيء من الأحاديث تعيين اسم الصغرى والكبرى. وسيأتي حديث أبي ذر مرفوعا في أنه تزوج الصغرى.\r(2) في \"أ\": علي.\r(3) في البخاري: حبر العرب.\r(4) أخرجه البخاري في الشهادات، باب من أمر بإنجاز الوعد: 5 / 289-290. والمراد بقوله: رسول الله صلى الله عليه وسلم: من اتصف بذلك ولم يرد شخصا بعينه.\r(5) أخرجه الطبراني في الأوسط: 2 / 19، والخطيب في تاريخ بغداد: 2 / 128.\rقال الهيثمي: (8 / 203): \"رواه الطبراني في الصغير والأوسط، والبزار باختصار، وفي إسناد الطبراني عويد بن أبي عمران الجوني ضعفه ابن معين وغيره، ووثقه ابن حبان، وبقية رجال الطبراني ثقات\" وانظر: 7 / 88 أيضا وساقه ابن كثير (3 / 387) من رواية البزار الذي قال: \"لا نعلم يروى عن أبي ذر إلا بهذا الإسناد\" وفي إسناده \"عويد..\" ومن حديثه رواه ابن أبي حاتم وفيه زيادة غريبة.","part":6,"page":203},{"id":2340,"text":"وقال وهب: أنكحه الكبرى (1) . وروي عن شداد بن أوس مرفوعًا: بكى شعيب النبي صلى الله عليه وسلم [من حب الله عز وجل] (2) حتى عمي فردّ الله عليه بصره، ثم بكى حتى عمي فردّ الله عليه بصره، ثم بكى حتى عمي فردّ الله عليه بصره، فقال الله: ما هذا البكاء؟ أشوقًا إلى الجنة أم خوفا من النار؟ قال: لا يا رب، ولكن شوقًا إلى لقائك، فأوحى الله إليه 63/أ إن يكن ذلك فهنيئًا لك لقائي [يا شعيب] (3) ، لذلك أخدمتك موسى كليمي (4) .\rولما تعاقدا هذا العقد بينهما أمر شعيب ابنته أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه، واختلفوا في تلك العصا؛ قال عكرمة: خرج بها آدم من الجنة فأخذها جبريل بعد موت آدم فكانت معه حتى لقي بها موسى ليلا فدفعها إليه (5) . وقال آخرون: كانت من آس الجنة، حملها آدم من الجنة فتوارثها الأنبياء، وكان لا يأخذها غير نبي إلا أكلته، فصارت من آدم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم حتى وصلت إلى شعيب، فكانت عصا الأنبياء عنده فأعطاها موسى. وقال السدي: كانت تلك العصا استودعها إياه مَلَك في صورة رجل، فأمر ابنته أن تأتيه بعصا فدخلت فأخذت العصا فأتته بها، فلما رآها شعيب قال لها: ردي هذه العصا، وأتيه بغيرها، فألقتها وأرادت أن تأخذ غيرها فلا يقع في يدها إلا هي، حتى فعلت ذلك ثلاث مرات فأعطاها موسى\r__________\r(1) لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في أيهما تزوج، الصغرى أم الكبرى، وحسبنا ما جاء في كتاب الله تعالى من أنه أراد أن ينكحه إحدى ابنتيه، ولو كان في معرفة اسمها فائدة لسماها الله تعالى في كتابه. والله أعلم.\r(2) ليست في المخطوطتين، وأثبتها من \"تاريخ بغداد\" حيث ساق الخطيب بسنده عن شداد بن أوس مرفوعا.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(4) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد: 6 / 315. وعزاه المتقي في كنز العمال: 11 / 498-499 للخطيب وابن عساكر عن شداد بن أوس، وقال: \"وفيه إسماعيل بن علي بن الحسن بن بندار بن المثنى الإستراباذي الواعظ، أبو سعيد، قال الخطيب: لم يكن موثوقا به في الرواية، والحديث منكر. وقال الذهبي في الميزان (1 / 329): هذا حديث باطل لا أصل له. وقال ابن عساكر: رواه الواحدي عن ابن الفتح محمد بن علي الكوفي عن علي بن الحسن بن بندار كما رواه ابنه إسماعيل عنه، فقد برئ من عهدته، والخطيب إنما ذكره لأنه حمل فيه على إسماعيل\". وذكره ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\": (1 / 49)، والألباني في \"الضعيفة\": (2 / 425) وقال: \"ضعيف جدا\".\r(5) أخرجه الطبري عن عكرمة: 20 / 67.","part":6,"page":204},{"id":2341,"text":"فأخرجها موسى معه، ثم إن الشيخ ندم وقال: كانت وديعة، فذهب في أثره، وطلب أن يرد العصا فأبى موسى أن يعطيه. وقال: هي عصاي، فرضيا أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما، فلقيهما ملك في صورة رجل فحكم أن يطرح العصا فمن حملها فهي له، فطرح موسى العصا فعالجها الشيخ ليأخذها فلم يطقها، فأخذها موسى بيده فرفعها فتركها له الشيخ (1) .\rثم إن موسى لما أتم الأجل وسلم شعيب، ابنته إليه، قال موسى للمرأة: اطلبي من أبيك أن يجعل لنا بعض الغنم، فطلبت من أبيها، فقال شعيب: لكما كل ما ولدت هذا العام على غير شيتها (2) . وقيل: أراد شعيب أن يجازي موسى على حسن رعيته إكرامًا له وصلةً لابنته، فقال له إني قد وهبت لك من الجدايا التي تضعها أغنامي هذه السنة كل أبلق وبلقاء، فأوحى الله إلى موسى في المنام أن اضرب بعصاك الماء الذي في مستقى الأغنام قال: فضرب موسى بعصاه الماء ثم سقى الأغنام منه فما أخطأت واحدة منها إلا وضعت حملها ما بين أبلق وبلقاء فعلم شعيب أن ذلك رزق ساقه الله عز وجل إلى موسى وامرأته فوفى له شرطه وسلم الأغنام إليه (3) .\r__________\r(1) أخرجه الطبري عن السدي: 20 / 66-67. وليس في شيء من الروايات خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم في بيان هذه العصا، ولا فائدة من البحث في مثل هذه الأمور.\r(2) ذكر الهيثمي في ذلك حديثا رواه البراز والطبراني وقال: في إسناده ابن لهيعة وفيه ضعف، وقد يحسن حديثه. انظر: مجمع الزوائد: 7 / 87-88، تفسير ابن كثير: 3 / 387-388 وقال: منار هذا الحديث على ابن لهيعة المصري، وفي حفظه سوء، وأخشى أن يكون رفعه خطأ، والله أعلم.\r(3) ذكر الهيثمي في ذلك حديثا رواه البراز والطبراني وقال: في إسناده ابن لهيعة وفيه ضعف، وقد يحسن حديثه. انظر: مجمع الزوائد: 7 / 87-88، تفسير ابن كثير: 3 / 387-388 وقال: منار هذا الحديث على ابن لهيعة المصري، وفي حفظه سوء، وأخشى أن يكون رفعه خطأ، والله أعلم.","part":6,"page":205},{"id":2342,"text":"{ فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) }\rقوله عز وجل: { فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأجَلَ } يعني أتمه وفرغ منه، { وَسَارَ بِأَهْلِهِ } قال مجاهد: لما قضى موسى الأجل مكث بعد ذلك عند صهره عشرًا آخر فأقام عنده عشرين سنة (1) ، ثم استأذنه في العود إلى مصر، فأذن له، فخرج بأهله إلى جانب مصر، { آنَسَ } يعني: أبصر، { مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا } وكان في البرية في ليلة مظلمة، شديدة البرد وأخذ امرأته الطلقُ، { قَالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ }\r__________\r(1) قال الحافظ ابن كثير: (3 / 388): \"وهذا القول لم أره لغيره، وقد حكاه عنه ابن أبي حاتم وابن جرير، فالله أعلم\". وانظر الطبري: 20 / 69، الدر المنثور: 6 / 411.","part":6,"page":205},{"id":2343,"text":"عن الطريق، لأنه كان قد أخطأ الطريق، { أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ } يعني: قطعة وشعلة من النار. وفيها ثلاث لغات، قرأ عاصم: \"جَذْوة\" بفتح الجيم، وقرأ حمزة بضمها، وقرأ الآخرون بكسرها، قال قتادة ومقاتل: هي العود الذي قد احترق بعضه، وجمعها \"جِذَىً\" (1) { لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } تستدفئون.\r{ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ (31) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (32) }\r{ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأيْمَنِ } من جانب الوادي الذي عن يمين موسى، { فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ } لموسى، جعلها الله مباركة لأن الله كلم موسى هناك وبعثه نبيا. وقال عطاء: يريد المقدسة، { مِنَ الشَّجَرَةِ } من ناحية الشجرة، قال ابن مسعود: كانت سَمُرة خضراء تبرق (2) ، وقال قتادة ومقاتل والكلبي: كانت عَوْسَجَة (3) . قال وهب من العُلَّيق (4) ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنها العنَّاب (5) ، { أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ }\r{ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ } تتحرك، { كَأَنَّهَا جَانٌّ } وهي الحية الصغيرة من سرعة حركتها، { وَلَّى مُدْبِرًا } هاربًا منها، { وَلَمْ يُعَقِّبْ } لم يرجع، فنودي: { يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ }\r{ اسْلُك } أدخل { يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ } برص، فخرجت ولها شعاع كضوء الشمس، { وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ } قرأ أهل الكوفة، والشام: بضم الراء وسكون الهاء، ويفتح الراء حفص، وقرأ الآخرون بفتحهما، وكلها لغات بمعنى الخوف\r__________\r(1) وانظر: لسان العرب، مادة (جذا)، الطبري: 20 / 69-70.\r(2) في الطبري: شجرة سمراء خضراء ترف. والسمرة: شجرة من العضاه، جيد الخشب.\r(3) شجرة من فصيلة الباذنجيات، شائكة الأغصان.\r(4) نبات شائك معرش من فصيلة الورديات، ثمره أحمر وربما كان أصفر، وله نوى صلب مستدير.\r(5) وكأن تحديد جنس الشجرة مأخوذ من أهل الكتاب. انظر: الطبري: 20 / 71، ابن كثير: 3 / 389.","part":6,"page":206},{"id":2344,"text":"ومعنى الآية: إذا هَلَكَ أمُر يدك وما ترى من شعاعها فأدخِلْها في جيبك تعدْ إلى حالتها الأولى. \"والجناح\": اليد كلها. وقيل: هو العضد. وقال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهم: أمره الله أن يضم يده إلى صدره (1) فيذهب عنه ما ناله من الخوف عند معاينة الحية، وقال: ما من خائف بعد موسى إلا إذا وضع يده على صدره زال خوفه. قال مجاهد: كل من فزع فضم جناحيه إليه ذهب عنه الفزع. وقيل: المراد من ضم الجناح: السكون، أي: سكن روعك واخفض عليك جانبك، لأن من شأن الخائف أن يضطرب قلبه ويرتعد بدنه، ومثله قوله: \"واخفضْ لهما جناح الذل من الرحمة\" (الإسراء-24) ، يريد الرفق، وقوله: \"واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين\" (الشعراء-215) ، أي: ارفق بهم وألِنْ جانبك لهم.\rقال الفراء: أراد بالجناح العصا، معناه: اضمم إليك عصاك. وقيل: \"الرَّهْب\" الكُمْ بلغة حمير، قال الأصمعي: سمعت بعض الأعراب يقول: أعطني ما في رهبك، أي: في كمك، معناه: اضمم إليك يدك وأخرجها من الكم، لأنه تناول العصا ويده في كمه. { فَذَانِكَ } يعني: العصا، واليد البيضاء، { بُرْهَانَان } آيتان، { مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ }\r{ قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34) }\r{ قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ }\r{ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا } وإنما قال ذلك للعقدة التي كانت في لسانه من وضع الجمرة في فيه (2) ، { فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا } عونًا، يقال ردأته أي: أعنته، قرأ نافع { ردًا } بفتح الدال\r__________\r(1) في \"أ\" عضده.\r(2) تقدم ذلك في حديث الفتون في سورة (طه)، وفي هذه السورة، وهو في الدر المنثور: 5 / 569-579، وذكره الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية: 1 / 300-307 وقال: هكذا ساق هذا الحديث الإمام النسائي، وأخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم في تفسيرهما من حديث يزيد بن هارون. والأشبه -والله أعلم- أنه موقوف، وكونه مرفوعا فيه نظر، وغالبه متلقى من الإسرائيليات، وفيه شيء يسير مصرح برفعه في أثناء الكلام، وفي بعض ما فيه نظر، ونكارة، والأغلب أنه كلام كعب الأحبار. وقد سمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك. والله أعلم.","part":6,"page":207},{"id":2345,"text":"من غير همز طلبًا للخفة، وقرأ الباقون بسكون الدال مهموزًا، { يُصَدِّقُنِي } قرأ عاصم، وحمزة: برفع القاف على الحال، أي: رداءً مصدقًا، وقرأ الآخرون بالجزم على جواب الدعاء والتصديق لهارون في قول الجميع، قال مقاتل: لكي يصدقني 63/ب فرعون، { إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ } يعني فرعون وقومه.\r{ قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (35) }","part":6,"page":208},{"id":2346,"text":"{ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأوَّلِينَ (36) وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (37) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38) }\r{ قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ } أي: نقويك بأخيك، وكان هارون يومئذ بمصر، { وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا } حجة وبرهانا، { فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا } أي: لا يصلون إليكما بقتل ولا سوء لمكان آياتنا، وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: ونجعل لكما سلطانًا بآياتنا بما نعطيكما من المعجزات فلا يصلون إليكما، { أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ } أي: لكما ولأتباعكما الغلبة على فرعون وقومه.\r{ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ } واضحات، { قَالُوا مَا هَذَا إِلا سِحْرٌ مُفْتَرًى } مختلق، { وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا } بالذي تدعونا إليه، { فِي آبَائِنَا الأوَّلِينَ }\r{ وَقَالَ مُوسَى } قرأ أهل مكة بغير واو، وكذلك هو في مصاحفهم، { رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ } بالمحق من المبطل، { وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ } العقبى المحمودة في الدار الآخرة، { إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } أي: الكافرون.\r{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ } فاطبخ لي الآجر، وقيل: إنه أول من اتخذ من الآجر وبنى به، { فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا } قصرا عاليا، وقيل: منارة، قال أهل التفسير (1) لما أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح، جمع هامان العمال والفعلة\r__________\r(1) في \"ب\": السير.","part":6,"page":208},{"id":2347,"text":"حتى اجتمع خمسون ألف بناء سوى الأتباع والأجراء، ومن يطبخ الآجر والجص وينجر الخشب ويضرب المسامير، فرفعوه وشيدوه حتى ارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد من الخلق، أراد الله عز وجل أن يفتنهم فيه، فلما فرغوا منه ارتقى فرعون فوقه وأمر بنشابة فرمى بها نحو السماء فردت إليه وهي ملطخة دما، فقال قد قتلت إله موسى، وكان فرعون يصعد على البراذين، فبعث الله جبريل جنح غروب الشمس فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع فوقعت قطعة منها على عسكر فرعون فقتلت منهم ألف ألف رجل، ووقعت قطعة في البحر وقطعة في المغرب، ولم يبق أحد ممن عمل فيه بشيء إلا هلك (1) ، فذلك قوله تعالى: { فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى } أنظر إليه وأقف على حاله، { وَإِنِّي لأظُنُّهُ } يعني موسى، { مِنَ الْكَاذِبِينَ } في زعمه أن للأرض والخلق إلها غيري، وأنه رسوله.\r{ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ (41) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (42) }\r{ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ } قرأ نافع، وحمزة، والكسائي ويعقوب: \"يَرْجِعون\" بفتح الياء وكسر الجيم، [والباقون بضم الياء وفتح الجيم] (2) .\r{ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ } فألقيناهم، { فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ }\r{ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً } قادة ورؤساء، { يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ } لا يمنعون من العذاب.\r{ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً } خزيًا وعذابًا، { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ } المبعدين (3) الملعونين، وقال أبو عبيدة: من المهلكين. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من\r__________\r(1) ذكره الطبري مختصرا عن السدي: 20 / 78، والقرطبي: 13 / 289 وقال مشيرا إلى تضعيف هذا القول: \"والله أعلم بصحة ذلك\".\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) في \"أ\": المعذبين.","part":6,"page":209},{"id":2348,"text":"المشوهين بسواد الوجوه وزرقة العيون، يقال: قَبَحه اللهُ وقَبَّحه: إذا جعله قبيحًا، ويقال: قبحه قبحًا، وقبوحًا، إذا أبعده من كل خير.\r{ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43) }","part":6,"page":210},{"id":2349,"text":"{ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45) }\rقوله تعالى: { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأولَى } يعني: قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم كانوا قبل موسى، { بَصَائِرَ لِلنَّاسِ } أي: ليبصروا بذلك الكتاب ويهتدوا به، { وَهُدًى } الضلالة لمن عمل به، { وَرَحْمَةٌ } لمن آمن به، { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } بما فيه من المواعظ والبصائر.\r{ وَمَا كُنْتَ } يا محمد (1) ، { بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ } يعني: بجانب الجبل الغربي، قاله قتادة والسدي، وقال الكلبي: بجانب الوادي الغربي. قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد حيث ناجى موسى ربه، { إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأمْرَ } يعني عهدنا إليه وأحكمنا الأمر معه بالرسالة إلى فرعون وقومه، { وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ } الحاضرين ذلك المقام فتذكره من ذات نفسك.\r{ وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا } خلقنا أمما بعد موسى عليه السلام، { فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ } أي: طالت عليهم المهلة فنسوا عهد الله وتركوا أمره، وذلك أن الله تعالى قد عهد إلى موسى وقومه عهودا في محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان به، فلما طال عليهم العمر وخلفت القرون بعد القرون نسوا تلك العهود وتركوا الوفاء بها. { وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا } مقيما، { فِي أَهْلِ مَدْيَنَ } كمقام موسى وشعيب فيهم، { تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا } تذكرهم بالوعد والوعيد، قال مقاتل: يقول لم تشهد أهل مدين فتقرأ على أهل مكة خبرهم، { وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } أي: أرسلناك رسولا وأنزلنا عليك كتابا فيه هذه الأخبار، فتتلوها عليهم ولولا ذلك لما علمتها ولم تخبرهم بها.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".","part":6,"page":210},{"id":2350,"text":"{ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46) وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47) }\r{ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ } بناحية الجبل الذي كلم الله عليه موسى، { إِذْ نَادَيْنَا } قيل: إذ نادَيْنَا موسى: خذ الكتابَ بقوّة (1) . وقال وهب: قال موسى: يا رب أرني محمدا، قال: إنك لن تصل إلى ذلك، وإن شئت ناديت أمته وأسمعتك صوتهم، قال: بلى يا رب، قال الله تعالى: يا أمة محمد فأجابوه من أصلاب آبائهم (2) وقال أبو زرعة بن عمرو بن جرير: ونادى يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني (3) .\rوروي عن ابن عباس رضي الله عنهما -ورفعه بعضهم-، قال الله: يا أمة محمد، فأجابوه من أصلاب الآباء وأرحام الأمهات: لبيك اللهم لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. قال الله تعالى: يا أمة محمد إن رحمتي سبقت غضبي وعفوي سبق عقابي، قد أعطيتكم من قبل أن تسألوني وقد أجبتكم من قبل أن تدعوني، وقد غفرت لكم من قبل أن تعصوني، من جاءني يوم القيامة بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبدي ورسولي دخل الجنة، وإن كانت ذنوبه أكثر من زبد البحر (4) . قوله تعالى: { وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } أي: ولكن رحمناك رحمة بإرسالك والوحي إليك وإطلاعك على الأخبار الغائبة عنك 64/أ ، { لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ } يعني: أهل مكة، { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ }\r{ وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ } عقوبة ونقمة، { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } الكفر والمعصية،\r__________\r(1) قال ابن الجوزي في زاد المسير: (إذ نادينا) موسى وكلمناه، هذا قول الأكثرين. (6 / 226).\r(2) ذكره القرطبي: 13 / 292، وتقدم في موضع سابق أن هذا من الأخبار المتلقاة عن أهل الكتاب مما أدخله وهب وغيره في مرويات التفسير، والله أعلم.\r(3) أخرجه النسائي في التفسير من سننه عن أبي زرعة عن أبي هريرة. قال ابن كثير: (3 / 392): \"وهكذا رواه ابن جرير: (20 / 81) وابن أبي حاتم من حديث جماعة عن حمزة، وهو ابن حبيب الزيات، عن الأعمش، ورواه ابن جرير (20 / 81) من حديث وكيع ويحيى بن عيسى عن الأعمش عن على بن مدرك عن أبي زرعة وهو ابن عمرو بن جرير أنه قال ذلك من كلامه. والله أعلم\". وزاد السيوطي في الدر (6 / 418) نسبته للفريابي والحاكم -وصححه-، وابن مردويه، وأبي نعيم والبيهقي معا في الدلائل عن أبي هريرة.\r(4) عزاه السيوطي لابن مردويه عن ابن عباس. انظر: الدر المنثور 6 / 418.","part":6,"page":211},{"id":2351,"text":"{ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا } هلا { أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } وجواب \"لولا\" محذوف، أي: لعاجلناهم بالعقوبة، يعني: لولا أنهم يحتجون بترك الإرسال إليهم لعاجلناهم بالعقوبة بكفرهم. وقيل: معناه لما بعثناك إليهم رسولا ولكن بعثناك إليهم لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.\r{ فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (49) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) }\r{ فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا } يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم، { قَالُوا } يعني: كفار مكة، { لَوْلا } هلا { أُوتِيَ } محمد، { مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى } [من الآيات كاليد البيضاء والعصاُ وقيل: مثل ما أوتي موسى] (1) كتابًا جملة واحدة. قال الله تعالى: { أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ } أي: فقد كفروا بآيات موسى كما كفروا بآيات محمدُ { قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا } قرأ أهل الكوفة: \"سحران\"، أي: التوراة والقرآن: \"تظاهرا\" يعني: كل سحر يقوي الآخر، نسب التظاهر إلى السحرين على الاتساع، قال الكلبي: كانت مقالتهم تلك حين بعثوا إلى رءوس اليهود بالمدينة، فسألوهم عن محمد فأخبروهم أن نعته في كتابهم التوراة، فرجعوا فأخبروهم بقول اليهود، فقالوا: سِحْرَانِ تظاهرا. وقرأ الآخرون: \"ساحران\" يعنون محمدًا وموسى عليه السلام، لأن معنى التظاهر بالناس وأفعالهم أشبه منه بالكتب، { وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ }\r{ قُلْ } يا محمد، { فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا } يعني: من التوراة والقرآن، { أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ }\r{ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ } أي: لم يأتوا بما طلبت، { فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":6,"page":212},{"id":2352,"text":"{ وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) }\r{ وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: بينا. قال الفراء: أنزلنا آيات القرآن يتبع بعضها بعضًا. قال قتادة: وصل لهم القول في هذا القرآن، يعني كيف صنع بمن مضى. قال مقاتل: بيّنا لكفار مكة بما في القرآن من أخبار الأمم الخالية كيف عذبوا (1) بتكذيبهم. وقال ابن زيد: وصلنا لهم خبر الدنيا بخبر الآخرة (2) حتى كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا، { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ }\r{ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ } من قبل محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقيل: من قبل القرآن، { هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ } نزلت في مؤمني أهل الكتاب؛ عبد الله بن سلام وأصحابه (3) . وقال مقاتل: بل هم أهل الإنجيل الذين قدموا من الحبشة وآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم (4) . [وقال سعيد بن جبير: هم أربعون رجلا قدموا مع جعفر من الحبشة على النبي صلى الله عليه وسلم] (5) ، فلما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة قالوا: يا نبي الله إن لنا أموالا [فإن أذنت لنا انصرفنا] (6) وجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها [فأذن لهم، فانصرفوا فأتوا بأموالهم، فواسوا بها المسلمين] (7) ، فنزل فيهم: { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ } إلى قوله تعالى: { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } (8) . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: نزلت في ثمانين من أهل الكتاب، أربعون من نجران، واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من الشام (9) . ثم وصفهم الله فقال: { وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ }\r__________\r(1) في \"أ\" : كيف عدوا.\r(2) في \"ب\": خير الدنيا بخير الآخرة.\r(3) أخرجه ابن أبي حاتم عن السدي. انظر: الدر المنثور: 6 / 426، زاد المسير: 6 / 229، البحر المحيط: 7 / 125.\r(4) انظر الدر المنثور: 2 / 87.\r(5) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(6) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(7) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(8) أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، انظر: الدر المنثور: 6 / 427. وأخرج الطبراني نحوه مطولا عن ابن عباس رضي الله عنهما بسند فيه من لا يعرف. انظر: أسباب النزول للسيوطي بهامش تفسير الجلالين ص (721) في أسباب نزول سورة الحديد.\r(9) انظر: زاد المسير 6 / 229، تفسير ابن كثير: 3 / 394-395، وراجع فيما سبق: 2 / 85-87. والله أعلم أي ذلك كان. \"وأيا كان الذين نزلت في أمرهم هذه الآيات، فالقرآن يرد المشركين إلى حادث وقع، يعلمونه ولا ينكرونه، كي يقفهم وجها لوجه أمام نموذج من النفوس الخالصة كيف تتلقى هذا القرآن، وتطمئن إليه، وترى فيه الحق، وتعلم مطابقته لما بين أيديها من الكتاب. ولا يصدها عنه صاد من هوى ولا من كبرياء، وتحتمل في سبيل الحق الذي آمنت به ما يصيبها من أذى وتطاول من الجهلاء، وتصبر على الحق في وجه الأهواء ووجه الإيذاء\". انظر: في ظلال القرآن: 5 / 2700-2701.","part":6,"page":213},{"id":2353,"text":"{ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55) }\r{ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ } يعني القرآن، { قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا } وذلك أن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كان مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، { إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ } أي: من قبل القرآن مسلمين مخلصين لله بالتوحيد مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه نبي حق.\r{ أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ } لإيمانهم بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، { بِمَا صَبَرُوا } على دينهم. قال مجاهد: نزلت في قوم من أهل الكتاب أسلموا فأوذوا (1) أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن حفص الجويني، أخبرنا أحمد بن سعيد الدارمي، أخبرنا عثمان، أخبرنا شعبة، عن صالح، عن الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل كانت له جارية فأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها، ورجل من أهل الكتاب آمن بكتابه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وعبد أحسن عبادة الله ونصح سيده\" (2) . قوله عز وجل: { وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يدفعون بشهادة أن لا إله إلا الله الشرك، قال مقاتل: يدفعون ما سمعوا من الأذى والشتم من المشركين بالصفح والعفو (3) ، { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } في الطاعة.\r{ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ } القبيح من القول، { أَعْرَضُوا عَنْهُ } وذلك أن المشركين كانوا يسبون مؤمني أهل الكتاب ويقولون: تبا لكم تركتم دينكم، فيعرضون عنهم ولا يردون عليهم،\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر: 6 / 427 لابن أبي شيبة وابن المنذر.\r(2) أخرجه البخاري في العلم، باب تعليم الرجل أمته وأهله: 1 / 90، ومسلم في الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس، برقم (97): 1 / 134، والمصنف في شرح السنة: 1 / 53.\r(3) انظر فيما سبق: سورة الرعد، الآية (22).","part":6,"page":214},{"id":2354,"text":"{ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ } لنا ديننا ولكم دينكم، { سَلامٌ عَلَيْكُمْ } ليس المراد منه سلام التحية، ولكنه سلام المتاركة، معناه: سلمتُم منّا لا نعارضكم بالشتم والقبيح من القول، { لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } أي: دين الجاهلين، يعني: لا نحب دينكم الذي أنتم عليه. وقيل: لا نريد أن نكون من أهل الجهل والسفه، وهذا قبل أن يؤمر المسلمون بالقتال (1) .\r{ إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56) وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (57) }\rقوله تعالى: { إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ } أي: أحببت هدايته. وقيل: أحببته لقرابته، { وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } قال مجاهد، ومقاتل: لمن قُدّر له الهدى، نزلت في أبي طالب قال له النبي صلى الله عليه وسلم: قل لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة، قال: لولا أن تعيرني قريش، يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع، لأقررت بها عينك، فأنزل الله تعالى هذه الآية (2) .\r{ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا } مكة، نزلت في الحرث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف، وذلك أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لنعلم أن الذي تقول حق، ولكنا إن اتبعناك على دينك خفنا أن تُخرجنا العرب من أرضنا مكة (3) . وهو معنى قوله: { نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا } 64/ب ، والاختطاف: الانتزاع بسرعة. قال الله تعالى: { أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا } وذلك أن العرب في الجاهلية كانت تغير بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضًا، وأهل مكة آمنون حيث كانوا، لحرمة الحرم، ومن المعروف أنه كان يأمن فيه الظباء من الذئاب والحمام من الحدأة، { يُجْبَى } قرأ أهل المدينة ويعقوب: \"تجبى\" بالتاء لأجل الثمرات، والآخرون بالياء للحائل بين الاسم المؤنث والفعل، أي: يجلب ويجمع، { إِلَيْهِ } يقال: جبيت الماء في الحوض أي: جمعته، قال مقاتل: يحمل إلى الحرم، { ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ } أن ما يقوله حق.\r__________\r(1) راجع فيما سبق: 3 / 32 تعليق (1).\r(2) أخرجه مسلم في الإيمان، باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت... برقم (24): 1 / 55، وأخرجه البخاري مطولا بلفظ آخر في التفسير: 8 / 506. وانظر: الدر المنثور 6 / 428، أسباب النزول للواحدي ص (390).\r(3) عزاه السيوطي في الدر (6 / 430) للنسائي وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما: وانظر: المحرر الوجيز: 12 / 177.","part":6,"page":215},{"id":2355,"text":"{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلا قَلِيلا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58) وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59) }","part":6,"page":216},{"id":2356,"text":"{ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ (60) أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61) }\rقوله عز وجل: { وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ } [أي من أهل قرية] (1) ، { بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا } أي: في معيشتها، أي: أشرت وطغت، قال عطاء: عاشوا في البطر فأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام، { فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلا قَلِيلا } قال ابن عباس رضي الله عنهما: لم يسكنها إلا المسافرون ومارُّ الطريق يومًا أو ساعة، معناه: لم تسكن من بعدهم إلا سكونًا قليلا. وقيل: معناه: لم يعمر منها إلا أقلها وأكثرها خراب، { وَكُنَّا نَحْن، الْوَارِثِينَ } \"إنا نحن نرث الأرض ومن عليها\" (مريم-40) .\r{ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى } أي: القرى الكافر أهلها، { حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولا } يعني: في أكبرها وأعظمها رسولا ينذرهم، وخص الأعظم ببعثة الرسول فيها، لأن الرسول يبعث إلى الأشراف، والأشراف يسكنون المدائن، والمواضع التي هي أم ما حولها، { يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا } قال مقاتل: يخبرهم الرسول أن العذاب نازل بهم إن لم يؤمنوا، { وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ } مشركون، يريد: أهلكتهم بظلمهم.\r{ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا } تتمتعون بها أيام حياتكم ثم هي إلى فناء وانقضاء، { وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ } أن الباقي خير من الفاني. قرأ عامة القراء: \"تعقلون\" بالتاء وأبو عمرو بالخيار بين التاء والياء.\r{ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا } أي الجنةُ { فَهُوَ لاقِيهِ } مصيبه ومدركه وصائر إليهُ { كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ويزول عن قريب { ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ } النار، قال\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".","part":6,"page":216},{"id":2357,"text":"قتادة: يعني المؤمن والكافر، قال مجاهد: نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وأبي جهل (1) . وقال محمد بن كعب: نزلت في حمزة وعلي، وأبي جهل (2) . وقال السدي: نزلت في عمار والوليد بن المغيرة (3) .\r{ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (62) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (64) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65) }\r{ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ } في الدنيا أنهم شركائي.\r{ قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ } وجب عليهم العذاب وهم رءوس الضلالة، { رَبَّنَا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا } أي: دعوناهم إلى الغي، وهم الأتباع، { أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا } أضللناهم كما ضللنا، { تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ } منهم { مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } برئ بعضهم من بعض وصاروا أعداء، كما قال تعالى: \"الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو\" (الزخرف-67) .\r{ وَقِيلَ } للكفار: { ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ } أي: الأصنام لتخلصكم من العذاب، { فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ } يجيبوهم، { وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ } وجواب \"لو\" محذوف على تقدير: لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا ما رأوا العذاب.\r{ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ } أي: يسأل الله الكفار، { فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ }\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 20 / 97، وذكره الواحدي في الأسباب ص (391) دون سند ولم ينسبه لأحد، المحرر الوجيز: 12 / 178.\r(2) أخرجه الطبري: 20 / 97، والواحدي (391) عن مجاهد.\r(3) أسباب النزول للواحدي ص (391). ونقل القرطبي عن القشيري قال: والصحيح أنها نزلت في المؤمن والكافر على التعميم. وقال الثعلبي: وبالجملة فإنها نزلت في كل كافر متع في الدنيا بالعافية والغنى، وله في الآخرة النار، وفي كل مؤمن صبر على بلاء الدنيا ثقة بوعد الله، وله في الآخرة الجنة\". تفسير القرطبي: 13 / 303. وكذلك ذهب ابن كثير (3 / 397) إلى أنها عامة، وهذا كقوله تعالى إخبارا عن ذلك المؤمن حين أشرف على صاحبه وهو في الدرجات، وذاك في الدركات فقال: \"ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين\" وقال تعالى: \"ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون\".","part":6,"page":217},{"id":2358,"text":"{ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ (66) فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (67) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (69) وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70) }\r{ فَعُمِّيَت } خفيت واشتبهتُ { عَلَيْهِمُ الأنْبَاءُ } أي: الأخبار والأعذار، وقال مجاهد: الحجج، { يَوْمَئِذ } فلا يكون لهم عذر ولا حجة، { فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ } لا يجيبون، وقال قتادة: لا يحتجون، وقيل: يسكتون لا يسأل بعضهم بعضا.\r{ فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ } السعداء الناجين.\rقوله تعالى: { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ } نزلت هذه الآية جوابا للمشركين حين قالوا: \"لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم\"، يعني: الوليد بن المغيرة، أو عروة بن مسعود الثقفي (1) ، أخبر الله تعالى أنه لا يبعث الرسل باختيارهم. قوله عز وجل: { مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ } قيل: \"ما\" للإثبات، معناه: ويختار الله ما كان لهم الخيرة، أي: يختار ما هو الأصلح والخير (2) . وقيل: هو للنفي (3) أي: ليس إليهم الاختيار، وليس لهم أن يختاروا على الله، كما قال تعالى: \"وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة\" (الأحزاب-36) ، \"والخيرة\": اسم من الاختيار يقام مقام المصدر، وهي اسم للمختار أيضا كما يقال: محمد خيرة الله من خلقه. ثم نزه نفسه فقال: { سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }\r{ وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ } يظهرون.\r{ وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأولَى وَالآخِرَةِ } يحمده أولياؤه في الدنيا، ويحمدونه في الآخرة في الجنة، { وَلَهُ الْحُكْمُ } فصل القضاء بين الخلق. قال ابن عباس رضي الله عنهما:\r__________\r(1) انظر أسباب النزول للسيوطي بهامش الجلالين ص (288-289).\r(2) وهو ترجيح الطبري: 20 / 100-101، وانظر: البحر المحيط: 7 / 129.\r(3) ورجح هذا: النحاس في معاني القرآن: 5 / 194، قال الحافظ ابن كثير: (3 / 398): \"والصحيح أنها نافية كما نقله ابن أبي حاتم عن ابن عباس وغيره أيضا. فإن المقام في بيان انفراده تعالى بالخلق والتقدير والاختيار وأنه لا نظير له في ذلك، ولهذا قال: \"سبحان الله وتعالى عما يشركون\" أي: من الأصنام والأنداد التي لا تخلق ولا تختار شيئا\".","part":6,"page":218},{"id":2359,"text":"حكم لأهل طاعته بالمغفرة ولأهل معصيته بالشقاء، { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }","part":6,"page":219},{"id":2360,"text":"{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (72) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (74) وَنزعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (75) }\rقوله عز وجل: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ } أخبروني (1) يا أهل مكةُ { إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا } دائما، { إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } لا نهار معه، { مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ } بنهار تطلبون فيه المعيشة، { أَفَلا تَسْمَعُونَ } سماع فهم وقبول.\r{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّه، عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } لا دليل فيه، { مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ } ما أنتم عليه من الخطأ.\r{ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ } أي: في الليل، { وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ } بالنهار، { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } نعم الله عز وجل.\r{ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ } كرر ذكر النداء للمشركين لزيادة التقريع والتوبيخ.\r{ وَنزعْنَا } أخرجنا، { مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا } يعني: رسولهم الذي أرسل إليهم، كما قال: \"فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد\" (النساء-41) ، { فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ } حجتكم بأن معي شريكا. { فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ } التوحيد، { لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } في الدنيا.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".","part":6,"page":219},{"id":2361,"text":"{ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) }\rقوله عز وجل: { إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى } كان ابن عمه؛ لأنه قارون بن يصهر 65/أ بن قاهث بن لاوي بن يعقوب عليه السلامُ وموسى بن عمران بن قاهث، وقال ابن إسحاق: كان قارون عم موسى، كان أخا عمران، وهما ابنا يصهر، ولم يكن في بني إسرائيل أقرأ للتوراة من قارون، ولكنه نافق كما نافق السامري، { فَبَغَى عَلَيْهِمْ } قيل: كان عاملا لفرعون على بني إسرائيل، فكان يبغي عليهم ويظلمهم، وقال قتادة: بغى عليهم بكثرة المال. وقال الضحاك: بغى عليهم بالشرك. وقال شهر بن حوشب: زاد في طول ثيابه شبرا، وروينا عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء\" (1) وقيل: بغى عليهم بالكبر والعلو. { وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ } هي جمع مفتح وهو الذي يفتح به الباب، هذا قول قتادة ومجاهد وجماعة، وقيل: مفاتحه: خزائنه، كما قال: \"وعنده مفاتح الغيب\" (الأنعام-59) ، أي: خزائنه، { لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ } أي: لَتُثْقِلُهم، وتميل بهم إذا حملوها لثقلها، قال أبو عبيدة: هذا من المقلوب، تقديره: ما إن العصبة لتنوء بها، يقال: ناء فلان بكذا إذا نهض به مثقلا.\rواختلفوا في عدد العصبة، قال مجاهد: ما بين العشرة إلى خمسة عشر، وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: ما بين الثلاثة إلى العشرة. وقال قتادة: ما بين العشرة إلى الأربعين. وقيل: أربعون رجلا. وقيل: سبعون. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان يحمل مفاتحه أربعون رجلا أقوى ما يكون من الرجال. وقال جرير عن منصور عن خيثمة، قال: وجدت في الإنجيل أن مفاتيح خزائن قارون وقر ستين بغلا ما يزيد منها مفتاح على أصبع لكل مفتاح كنز (2) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في اللباس، باب من جر إزاره: 10 / 254، ومسلم في اللباس، باب تحريم جر الثوب.. برقم (2085) 3 / 1652، والمصنف في شرح السنة: 12 / 9.\r(2) المحرر الوجيز لابن عطية: 12 / 186.","part":6,"page":220},{"id":2362,"text":"ويقال: كان قارون أينما ذهب يحمل معه مفاتيح كنوزه، وكانت من حديد، فلما ثقلت عليه جعلها من خشب، فثقلت فجعلها من جلود البقر على طول الأصابع، وكانت تحمل معه إذا ركب على أربعين بغلا (1) . { إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ } قال لقارون قومه من بني إسرائيل: { لا تَفْرَحْ } لا تبطر ولا تأشر ولا تمرح، { إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبّ، الْفَرِحِينَ } الأشِرين البطرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم.\r{ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) }\r{ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ } اطلب فيما أعطاك الله من الأموال والنعمة والجنة وهو أن تقوم بشكر الله فيما أنعم عليك وتنفقه في رضا الله تعالى، { وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا } قال مجاهد، وابن زيد: لا تترك أن تعمل في الدنيا للآخرة حتى تنجو من العذاب، لأن حقيقة نصيب الإنسان من الدنيا أن يعمل للآخرة. وقال السدي: بالصدقة وصلة الرحم. وقال علي: لا تنس صحتك وقوتك وشبابك وغناك أن تطلب بها الآخرة. أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن شاذان، أخبرنا أبو يزيد حاتم بن محبوب الشامي، أخبرنا حسين المروزي، أخبرنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا جعفر بن برقان، عن زياد بن الجراح، عن عمرو بن ميمون الأودي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل: وهو يعظه: \"اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك\" الحديث مرسل (2) . قال الحسن: أمر أن يقدم الفضل ويمسك ما يغنيه، قال منصور بن زاذان في قوله: \"ولا تنسَ نصيبك من الدنيا\"، قال: قوتك وقوت أهلك.\r{ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ } [أي: أحسن بطاعة الله] (3) كما أحسن الله إليك بنعمته.\r__________\r(1) انظر الأقوال السالفة كلها في: الطبري 20 / 105-110، الدر المنثور: 6 / 437-438. وهي أقوال كثيرة متضاربة ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والله أعلم أي ذلك كان.\r(2) أخرجه مرسلا - كما قال المصنف: أبو نعيم في حلية الأولياء: 4 / 148، والخطيب البغدادي في اقتضاء العلم العمل ص (218) بتحقيق الألباني، وابن أبي شيبة في المصنف: 13 / 223 ووصله الحاكم في المستدرك عن ابن عباس وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي: 4 / 306، وأخرجه المصنف في شرح السنة: 14 / 224، وابن المبارك في الزهد ص (2) بسند صحيح من مرسل عمرو بن ميمون. انظر: فتح الباري: 11 / 235.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":6,"page":221},{"id":2363,"text":"وقيل: أحسن إلى النار كما أحسن الله إليك، { وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأرْضِ } من عصى الله فقد طلب الفساد في الأرض، { إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ }","part":6,"page":222},{"id":2364,"text":"{ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) }\r{ قَالَ } يعني قارون، { إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي } أي: على فضل وخير علمه الله عندي فرآني أهلا لذلك، ففضلني بهذا المال عليكم كما فضلني بغيره. قيل: هو علم الكيمياء، قال سعيد بن المسيب: كان موسى يعلم الكيمياء فعلم يوشع بن نون ثلث ذلك العلم وعلم كالب بن يوقنا ثلثه وعلم قارون ثلثه، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه وكان ذلك سبب أمواله (1) . وقيل: \"على علم عندي\" بالتصرف في التجارات والزراعات وأنواع المكاسب. قوله تعالى: { أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ } الكافرة، { مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا } للأموال، { وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِم، الْمُجْرِمُونَ } قال قتادة: يدخلون النار بغير حساب ولا سؤال، وقال مجاهد: يعني لا يسأل الملائكة عنهم، لأنهم يعرفونهم بسيماهم. قال الحسن: لا يسألون سؤال استعلام وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ.\r{ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ } قال إبراهيم النخعي: خرج هو وقومه في ثياب حمر وصفر، قال ابن زيد: في سبعين ألفا عليهم المعصفرات. [قال مجاهد: علي براذين بيض عليها سرج الأرجوان] (2) قال مقاتل: خرج على بغلة شهباء عليها سرج من ذهب عليه الأرجوان، ومعه أربعة آلاف فارس عليهم وعلى دوابهم الأرجوان، ومعه ثلثمائة جارية بيض عليهن الحلي والثياب الحمر، وهن على البغال الشهب، { قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } من المال.\r__________\r(1) وهذا القول ضعيف لأن علم الكيمياء في نفسه علم باطل لأن قلب الأعيان لا يقدر عليها أحد إلا الله عز وجل: انظر بالتفصيل: تفسير ابن كثير: 3 / 400.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":6,"page":222},{"id":2365,"text":"{ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) }\r{ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني الأحبار من بني إسرائيل. وقال مقاتل: أوتوا العلم بما وعد الله في الآخرة، قالوا للذين تمنوا مثل ما أوتي قارون في الدنيا: { وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ } يعني ما عند الله من الثواب والجزاء خير { لِمَنْ آمَنَ } وصدق بتوحيد الله، { وَعَمِلَ صَالِحًا } مما أوتي قارون في الدنيا، { وَلا يُلَقَّاهَا إِلا الصَّابِرُونَ } قال مقاتل: لا يؤتاها، يعني الأعمال الصالحة. وقال الكلبي لا يعطاها في الآخرة. وقيل: لا يؤتى هذه الكلمة وهي قوله: \"ويلكم ثواب الله خير\" إلا الصابرون على طاعة الله وعن زينة الدنيا.\rقوله عز وجل: { فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ } قال أهل العلم بالأخبار: كان قارون أعلم بني إسرائيل بعد موسى وهارون عليهما السلام وأقرأهم للتوراة وأجملهم وأغناهم 65/ب وكان حسن الصوت فبغى وطغى، وكان أول طغيانه وعصيانه أن الله أوحى إلى موسى أن يأمر قومه أن يعقلوا في أرديتهم خيوطا أربعة في كل طرف خيطًا أزرق كلون السماء، يذكرون به إذا نظروا إليها، ويعلمون أني منزل منها كلامي، فقال موسى: يا رب أفلا تأمرهم أن يجعلوا أرديتهم كلها خضرًا فإن بني إسرائيل تحقر هذه الخيوط، فقال له ربه: يا موسى إن الصغير من أمري ليس بصغير فإذا هم لم يطيعوني في الأمر الصغير لم يطيعوني في الأمر الكبير، [فدعاهم موسى عليه السلام] (1) ، وقال: إن الله يأمركم أن تعلقوا في أرديتكم خيوطًا خضرًا كلون السماء لكي تذكروا ربكم إذا رأيتموها، ففعلت بنو إسرائيل ما أمرهم به موسى، واستكبر قارون فلم يطعه، وقال: إنما يفعل هذا الأرباب، بعبيدهم لكي يتميزوا عن غيرهم، فكان هذا بدء عصيانه وبغيه فلما قطع موسى ببني إسرائيل البحر جعلت الحبورة لهارون، وهي رياسة المذبح، فكان بنو إسرائيل يأتون بهديهم إلى هارون فيضعه على المذبح فتنزل نار من السماء فتأكله، فوجد قارون من ذلك من نفسه وأتى موسى فقال: يا موسى لك الرسالة ولهارون الحبورة، ولست، في شيء من ذلك، وأنا أقرأ التوراة، لا صبر لي على هذا. فقال له موسى: ما أنا جعلتها في هارون بل الله جعلها له. فقال قارون: والله لا أصدقك حتى تريني بيانه، فجمع موسى رؤساء بني إسرائيل فقال: هاتوا عصيكم، فحزمها وألقاها في قبته التي كان\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":6,"page":223},{"id":2366,"text":"يعبد الله فيها، فجعلوا يحرسون عصيهم حتى أصبحوا، فأصبحت عصا هارون قد اهتز لها ورق أخضر وكانت من شجر اللوز، فقال موسى: يا قارون ترى هذا؟ فقال قارون: والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر، واعتزل قارون، موسى بأتباعه، وجعل موسى يداريه للقرابة التي بينهما وهو يؤذيه في كل وقت ولا يزيد إلا عتوًا وتجبرًا ومعاداًة لموسى، حتى بنى دارًا وجعل بابها من الذهب، وضرب على جدرانها صفائح الذهب، وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون إليه ويروحون فيطعمهم الطعام ويحدثونه ويضاحكونه.\rقال ابن عباس رضي الله عنهما، فلما نزلت الزكاة على موسى أتاه قارون فصالحه عن كل ألف دينار على دينار، وعن كل ألف درهم على درهم، وعن كل ألف شاة على شاة، وعن كل ألف شيء على شيء، ثم رجع إلى بيته فحسبه فوجده كثيرًا فلم تسمح بذلك نفسه، فجمع بني إسرائيل فقال لهم: يا بني إسرائيل إن موسى قد أمركم بكل شيء فأطعتموه، وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم، فقالوا: أنت كبيرنا فمرنا بما شئت، فقال: آمركم أن تجيئوا بفلانة البغّي، فنجعل لها جُعْلا حتى تقذف موسى بنفسها، فإذا فعلت ذلك خرج بنو إسرائيل عليه ورفضوه، فدعوها فجعل لها قارون ألف درهم، وقيل ألف دينار، وقيل طستًا من ذهب، وقيل: قال لها إني أمولك وأخلطك بنسائي على أن تقذفي موسى بنفسك غدًا إذا حضر بنو إسرائيل، فلما كان من الغد جمع قارون بني إسرائيل ثم أتى موسى فقال: إن بني إسرائيل ينتظرون خروجك فتأمرهم وتنهاهم، فخرج إليهم موسى وهم في براح من الأرض، فقام فقال: يا بني إسرائيل من سرق قطعنا يده، ومن افترى جلدناه ثمانين، ومن زنا وليست له امرأة جلدناه مائة جلدة، ومن زنا وله امرأة رجمناه حتى يموت، فقال له قارون: وإن كنت أنتَ؟ قال: وإن كنت، أنا، قال: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة قال: ادعوها فإن قالت فهو كما قالت، فلما أن جاءت قال لها موسى: يا فلانة أنا فعلت بك ما يقول هؤلاء؟ وعظَّم عليها، وسألها بالذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوراة إلا صدقت، فتداركها الله تعالى بالتوفيق فقالت في نفسها: أحدث اليوم توبة أفضل من أن أؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالتْ: لا كذبوا ولكن جعل لي قارون جعلا على أن أقذفك بنفسي، فخرَّ موسى ساجدًا يبكي ويقول: اللهم إن كنت، رسولك فاغضبْ لي، فأوحى الله تعالى إليه: إني أمرت، الأرض أن تطيعك، فمرها بما شئت، فقال موسى: يا بني إسرائيل إن الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون فمن كان معه فليثبت مكانه ومن كان معي فليعتزل، فاعتزلوا ولم يبق مع قارون إلا رجلان، ثم قال موسى: يا أرض خذيهم فأخذت الأرض بأقدامهم.\rوفي رواية: كان على سريره وفرشه فأخذته حتى غيبت سريره ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم","part":6,"page":224},{"id":2367,"text":"إلى الركب، ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط، ثم قال: يا أرض (1) خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق، وقارون وأصحابه في كل ذلك يتضرعون (2) إلى موسى، ويناشده قارون الله والرحم، حتى روي أنه ناشده سبعين مرة وموسى عليه السلام في كل ذلك لا يلتفت إليه لشدة غضبه، ثم قال: يا أرض خذيهم فانطبقت عليهم الأرض، وأوحى الله إلى موسى ما أغلظ قلبك استغاث بك سبعين مرة فلم تغثه، أما وعزتي وجلالي لو استغاث بي مرة لأغثتُه، وفي بعض الآثار: لا أجعل الأرض بعدك طوعًا لأحد (3) . قال قتادة: خسف به فهو يتجلجل في الأرض كل يوم قامة رجل لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة. قال: وأصبحت بنو إسرائيل يتناجون فيما بينهم أن موسى إنما دعا على قارون ليستبد بداره وكنوزه وأمواله فدعا الله تعالى موسى حتى خسف بداره وكنوزه وأمواله الأرض، فذلك قوله عز وجل: { فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ } { فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ } جماعة، { يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ } يمنعونه من الله، { وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ } الممتنعين مما نزل به من الخسف.\r{ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82) }\r{ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأمْسِ } صار أولئك الذين تمنوا ما رزقه الله من المال والزينة يتندمون على ذلك التمني، والعرب تعبر عن الصيرورة بأضحى وأمسى وأصبح، تقول: أصبح فلان عالمًا (4) ، وأضحى معدمًا، وأمسى حزينًا، { يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ } اختلفوا في معنى هذه اللفظة، قال مجاهد: ألم تعلم، وقال قتادة: ألم ترَ. قال الفراء: هي كلمة تقرير 66/أ كقول الرجل: أما ترى إلى صنع الله وإحسانه. وذكر أنه أخبره من سمع أعرابية تقول لزوجها: أين ابنك؟ فقال: ويكأنه وراء البيت، يعني: أما ترينه وراء البيت. وعن الحسن: أنه كلمه ابتداء، تقديره: أن الله يبسط الرزق. وقيل: هو تنبيه بمنزلة ألا وقال قطرب: \"ويك\" بمعنى ويلك، حذفت منه اللام، كما قال عنترة: وَلَقَدْ شَفَى وَأَبْرَأَ سُقْمَهَا ... قَوْلُ الفَوَارِسِ وَيْكَ عَنْتَرَ أَقْدِمِ\r(5)\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) ذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره (3 / 402) وفي البداية والنهاية (1 / 309-311) هلاك قارون بسبب دعوة موسى واختلاف العلماء في سبب ذلك، ثم قال: وقد ذكر هنا كثير من المفسرين إسرائيليات كثيرة غريبة ضربنا عنها صفحًا وتركناها قصدا. وفي هذا إشارة إلى مصدر الروايات التي ساقها البغوي رحمه الله.\r(4) في \"ب\": غانما.\r(5) البيت لعنترة من شواهد الفراء والطبري.","part":6,"page":225},{"id":2368,"text":"أي: ويلك، و\"أن\" منصوب بإضمار اعلم أن الله، وقال الخليل: \"وي\" مفصولة من \"كأن\" ومعناها التعجب، كما تقول: وي لم فعلت ذلك! وذلك أن القوم تندموا فقالوا: وي! متندمين على ما سلف منهم وكأن معناه أظن ذلك وأقدره، كما تقول كأن: الفرج قد أتاك أي أظن ذلك وأقدره، { يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ } أي: يوسع ويضيق، { لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا } قرأ حفص، ويعقوب: بفتح الخاء والسين، وقرأ العامة بضم الخاء وكسر السين، { وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ }\r{ تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (84) }","part":6,"page":226},{"id":2369,"text":"{ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (85) }\rقوله تعالى: { تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ } قال الكلبي ومقاتل: استكبارًا عن الإيمان، وقال عطاء: \"علوًا\" واستطالةً على الناس وتهاونًا بهم. وقال الحسن: لم تطلبوا الشرف والعز عند ذي سلطان. وعن علي رضي الله عنه: أنها نزلت في أهل التواضع من الولادة وأهل القدرةٍ (1) ، { وَلا فَسَادًا } قال الكلبي: هو الدعاء إلى عبادة غير الله. وقال عكرمة: أخذ أموال الناس بغير حق. وقال ابن جريج ومقاتل: العمل بالمعاصي. { وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } أي: العاقبة المحمودة لمن اتقى عقاب الله بأداء أوامره واجتناب معاصيه. وقال قتادة: الجنة للمتقين.\r{ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ } . قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ } أي: أنزل عليك القرآن على قول أكثر المفسرينُ وقال عطاء: أوجب عليك العمل بالقرآن، { لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ } إلى مكة، وهو رواية العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما (2) ، وهو قول مجاهد. قال القتيبي: معاد الرجل: بلده، لأنه\r__________\r(1) أخرجه ابن مردويه وابن عساكر عن علي رضي الله عنه، انظر: الدر المنثور: 6 / 444.\r(2) أخرجه البخاري: 8 / 509-510.","part":6,"page":226},{"id":2370,"text":"ينصرف ثم يعود إلى بلده (1) ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا خرج من الغار مهاجرًا إلى المدينة سار في غير الطريق مخافة الطلب، فلما أمن ورجع إلى الطريق نزل الجحفة بين مكة والمدينة، وعرف الطريق إلى مكة اشتاق إليها، فأتاه جبريل عليه السلام وقال: أتشتاق إلى بلدك ومولدك؟ قال: نعم، قال: فإن الله تعالى يقول: { إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ } (2) ، وهذه الآية نزلت بالجحفة ليست بمكية ولا مدنية (3) .\rوروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما: \"لرادك إلى معاد\" إلى الموت (4) . وقال الزهري وعكرمة: إلى القيامة (5) . وقيل: إلى الجنة (6) . { قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى } [أي: يعلم من جاء بالهدى] (7) ، وهذا جواب لكفار مكة لما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك لفي ضلال، فقال الله عز وجل: قل لهم ربي أعلم من جاء بالهدى، يعني نفسه، { وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } يعني المشركين، ومعناه: أعلم بالفريقين.\r{ وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (86) }\rقوله تعالى: { وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ } أي: يوحي إليك القرآن، { إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } قال الفراء: هذا من الاستثناء المنقطع، معناه: لكن ربك رحمك فأعطاك القرآن، { فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ } أي: مُعِينًا لهم على دينهم. قال مقاتل: وذلك حين دعي إلى دين آبائه فذكر الله نعمه ونهاه عن مظاهرتهم على ما هم عليه.\r__________\r(1) (إلى بلده) ساقط من \"ب\". وعبارة ابن قتيبة في \"المشكل\" ص (425): ... \"لأنه يتصرف في البلاد، ويضرب في الأرض ثم يعود إلى بلده...\" وهي أوضح وأصح مما نقله المصنف رحمه الله.\r(2) أخرجه ابن أبي حاتم.\r(3) قال ابن كثير: (3 / 404) \"وهذا من كلام الضحاك يقتضي أن هذه الآية مدنية وإن كان مجموع السورة مكيا، والله أعلم\".\r(4) أخرجه الطبري: 20 / 125، وابن أبي حاتم. قال الحافظ في الفتح: (8 / 510): وإسناده لا بأس به.\r(5) أخرج ابن أبي حاتم من طريق مجاهد قال: \"يحييك يوم القيامة\" وأما الحسن والزهري فقالا: هو يوم القيامة، وروى ابن أبي يعلى من طريق أبي جعفر محمد بن علي قال: سألت أبا سعيد عن هذه الآية؟ فقال: معاده آخرته، وفي إسناده جابر الجعفي وهو ضعيف. انظر: فتح الباري: 8 / 510.\r(6) رواه الطبري: 20 / 124 وإسناده ضعيف كما في الموضع السابق من الفتح.\r(7) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":6,"page":227},{"id":2371,"text":"{ وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87) وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88) }\r{ وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ } يعني القرآن، { بَعْدَ إِذْ أُنزلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ } إلى معرفته وتوحيده، { وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: الخطاب في الظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أهل دينه، أي: لا تظاهروا الكفار ولا توافقوهم.\r{ وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ } أي: إلا هو، وقيل: إلا ملكه، قال أبو العالية: إلا ما أريد به وجهه، { لَهُ الْحُكْمُ } أي: فصل القضاء، { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } تردون (1) في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".","part":6,"page":228},{"id":2372,"text":"سورة العنكبوت مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2) }\r{ الم أَحَسِبَ النَّاسُ } [أَظَنَّ الناسُ] (2) ، { أَنْ يُتْرَكُوا } بغير اختبار ولا ابتلاء، { أَنْ يَقُولُوا } [أي: بأن يقولوا] (3) ، { آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ } لا يبتلون في أموالهم وأنفسهم؟ كلا لنختبرنهم ليبَّين المخلص من المنافق والصادق من الكاذب.\rواختلفوا في سبب نزول هذه الآية، قال الشعبي: نزلت في أناس كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام، فكتب إليهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه لا يقبل منكم إقرار بالإسلام حتى تهاجروا، فخرجوا عامدين إلى المدينة فاتبعهم المشركون فقاتلوهم فمنهم من قتل ومنهم من نجا، فأنزل الله هاتين الآيتين (4) .\r__________\r(1) سورة العنكبوت مكية كلها وذلك مروي عن ابن عباس، وابن الزبير، والحسن، وقتادة، وعطاء، وجابر بن زيد، ومقاتل. وفي رواية عن ابن عباس أنها مدنية. وقال هبة الله بن سلامة: نزل من أولها إلى رأس العشر بمكة، وباقيها بالمدينة، وفي الرويات بالعكس: أن الآيات الأولى مدنية، وذلك لذكر \"الجهاد\" فيها، وذكر \"المنافقين\".. والراجح أن السورة كلها مكية. وقد ورد في سبب نزول الآية الثامنة أنها نزلت في إسلام سعد بن أبي وقاص -كما سيجيء- وإسلام سعد كان في مكة بلا جدال. وهذه الآية ضمن الآيات الإحدى عشرة التي قيل إنها مدنية. لذلك يرجح الأستاذ سيد قطب -رحمه الله تعالى- مكية الآيات كلها. أما تفسير ذكر الجهاد فيها فيسير، لأنها واردة بصدد الجهاد ضد الفتنة، أي: جهاد النفس لتصبر ولا تفتن. وهذا واضح في السياق. وكذلك ذكر المنافقين، فقد جاء بصدد تصوير حالة نموذج من الناس. والسورة كلها متماسكة في خط واحد منذ البدء إلى الختام، انظر: الدر المنثور: 6 / 449، زاد المسير: 7 / 253، البحر المحيط: 7 / 139، تفسير القرطبي: 13 / 323، في ظلال القرآن: 5 / 2718، فيما سيأتي تفسير الآية (11) من السورة.\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) عزاه السيوطي في الدر: (6 / 449) لعبد بن حميد، وابن جرير الطبري، 20 / 129، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وذكره الواحدي في الأسباب ص (393). قال ابن عطية في \"المحرر الوجيز\": (12 / 199). \"وهذه الآية وإن كانت نزلت بهذا السبب وفي هذه الجماعة، فهي بمعناها باقية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، موجود حكمها بقية الدهر، وذلك أن الفتنة من الله تعالى والاختبار باق في ثغور المسلمين بالأسر ونكاية العدو وغير ذلك، وإذا اعتبرنا أيضا كل موضع، ففيه ذلك بالأمراض وأنواع المحن، ولكن التي تشبه نازلة المؤمنين مع قريش هي ما ذكرناه من أمر العدو في كل ثغر\".","part":6,"page":229},{"id":2373,"text":"وكأن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أراد بالناس الذين آمنوا بمكة: سلمة بن هشام، وعياش بن ربيعة، والوليد بن الوليد وعمار بن ياسر وغيرهم. وقال ابن جريج: نزلت في عمار بن ياسر، كان يعذب في الله عز وجل (1) . وقال مقاتل: نزلت في مِهْجَع بن عبد الله مولى عمر، كان أول قتيل من المسلمين يوم بدر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"سيد الشهداء مهجع، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة\"، فجزع أبواه وامرأته فأنزل الله فيهم هذه الآية (2) . وقيل: \"وهم لا يفتنون\" بالأوامر والنواهي، وذلك أن الله تعالى أمرهم في الابتداء بمجرد الإيمان، ثم فرض عليهم الصلاة، والزكاة، وسائر الشرائع، فشقّ على بعضهم، فأنزل الله هذه الآية، ثم عزّاهم فقال: { وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ }\r{ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4) }\r{ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } يعني الأنبياء والمؤمنين، فمنهم من نُشِرَ بالمنشار ومنهم من قتل، وابتلي بنو إسرائيل بفرعون فكان يسومهم سوء العذاب 66/ب ، { فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا } في قولهم آمنَّا، { وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ } والله أعلم بهم قبل الاختبار. ومعنى الآية: فليظهرنّ الله الصادقين من الكاذبين حتى يُوجِدَ معلومَه، وقال مقاتل: فليريّن الله. وقيل: ليمّيزن الله كقوله: \"ليميز الله الخبيث من الطيب\" (الأنفال-38) .\r{ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ } يعني الشرك، { أَنْ يَسْبِقُونَا } يُعْجزونا ويفوتونا، فلا نقدر على الانتقام منهم، { سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } بئس ما حكموا حين ظنوا ذلك.\r__________\r(1) أخرجه ابن المنذر عن ابن جريج عن ابن عمير وغيره. وأخرجه أيضا ابن سعد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن عساكر. انظر: الدر المنثور: 6 / 450، زاد المسير: 6 / 254.\r(2) ذكره الواحدي في الأسباب ص (393)، وقال الحافظ ابن حجر في \"الكافي الشاف\" ص (127): \"ذكره الثعلبي عن مقاتل..\" ثم قال: \"وسنده إلى مقاتل في أول كتابه. وفي \"الدلائل\" لابن أبي شيبة من طريق القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود قال: \"أول من استشهد يوم بدر مهجع مولى عمر\".","part":6,"page":232},{"id":2374,"text":"{ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيمُ (5) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6) }","part":6,"page":233},{"id":2375,"text":"{ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (7) وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) }\r{ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ } قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ومقاتل: من كان يخشى البعث والحساب. والرجاء بمعنى الخوف. وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه: من كان يطمع في ثواب الله، { فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ } يعني: ما وعد الله من الثواب والعقاب. وقال مقاتل: يعني: يوم القيامة لكائن. ومعنى الآية: أن من يخشى الله أو يأمله فليستعدّ له، وليعمل لذلك اليوم، كما قال: \"فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا\" الآية (الكهف-110) ، { وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }\r{ وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ } له ثوابه، و\"الجهاد\": هو الصبر على الشدة، ويكون ذلك في الحرب، وقد يكون على مخالفة النفس. { إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ } عن أعمالهم وعباداتهم.\r{ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ } لنبطلنّها، يعني: حتى تصبر بمنزلة ما لم يُعْمل، والتكفير: إذهاب السيئة بالحسنة، { وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ } أي: بأحسن أعمالهم وهو الطاعة، وقيل: نعطيهم أكثر مما عملوا وأحسن، كما قال: \"من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها\" (الأنعام-160) .\rقوله عز وجل: { وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا } أي: برًا بهما وعطفًا عليهما، معناه: ووصَيّنا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن. نزلت هذه الآية، والتي في سورة لقمان( الآية 15)، والأحقاف( الآية 15 ) في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه -وهو سعد بن مالك أبو إسحاق الزهري، وأمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس -لما أسلم، وكان من السابقين الأولين، وكان بارًا بأمه، قالت له أمه: ما هذا الدين الذي أحدثت؟ والله لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنتَ عليه، أو أموت فتعيّر بذلك أبد الدهر، ويقال: يا قاتل أمه. ثم إنها مكثت يومًا وليلة لم تأكل ولم تشرب [ولم","part":6,"page":233},{"id":2376,"text":"تستظل] (1) ، فأصبحت قد جهدت، ثم مكثت يومًا آخر لم تأكل ولم تشرب، فجاء سعد إليها وقال: يا أماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسًا نفسًا ما تركت ديني فكلي، وإن شئت فلا تأكلي، فلما أيست منه أكلت وشربت، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأمره بالبر بوالديه والإحسان إليهما وأن لا يطيعهما في الشرك، فذلك قوله عز وجل: { وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا } (2) . وجاء في الحديث: \"لا طاعة لمخلوق في معصية الله\" (3) . ثم أوعد بالمصير إليه فقال: { إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } أخبركم بصالح أعمالكم وسيئها فأجازيكم عليها.\r{ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (9) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10) }\r{ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ } في زمرة الصالحينُ وهم الأنبياء والأولياء، وقيل: في مدخل الصالحين، وهو الجنة.\rقوله تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ } أصابه بلاء من الناس افتتن، { جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ } أي: جعل أذى الناس وعذابهم كعذاب الله في الآخرة، أي: جزع من عذاب الناس ولم يصبر عليه، فأطاع الناس كما يطيع الله من يخاف عذابه، هذا قول السدي وابن زيد، قالا هو المنافق إذا أوذي في الله رجع عن الدين وكفر. { وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ } أي: فتح ودولة للمؤمنين، { لَيَقُولُنَّ } يعني: هؤلاء المنافقين للمؤمنين: { إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ } على عدوكم وكنّا مسلمين وإنما أكرهنا حتى قلنا ما قلنا، فكذبهم الله وقال:\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) ذكره الواحدي ص (394) والثعلبي، والواقدي هكذا بغير سند، والقصة في صحيح مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص بغير هذا السياق، في كتاب فضائل الصحابة، باب في فضل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، برقم (1748): 4 / 1877. وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول للوادعي ص (113).\r(3) أخرجه المصنف في شرح السنة: 10 / 44 من رواية النواس بن سمعان، والطبراني في الكبير، وأخرجه الطيالسي ص (115) والإمام أحمد: 5 / 66 وصححه الحاكم: 3 / 443 من رواية عمران بن حصين، وأخرجه الإمام أحمد من رواية ابن مسعود أيضا.","part":6,"page":234},{"id":2377,"text":"{ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ } من الإيمان والنفاق.\r{ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (11) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (12) }\r{ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا } صدقوا فثبتوا على الإسلام عند البلاء، { وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ } بترك الإسلام عند نزول البلاء. واختلفوا في نزول هذه الآية، قال مجاهد: نزلت في أناس كانوا يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاءٌ من الناس أو مصيبة في أنفسهم افتتنوا (1) . وقال عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في الذين أخرجهم المشركون إلى بدر (2) ، وهم الذين نزلت فيهم: \"إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم\" (النساء-97) . وقال قتادة: نزلت في القوم الذين ردهم المشركون إلى مكة (3) . وقال الشعبي: هذه الآيات العشر من أول السورة إلى هاهنا مدنية، وباقي السور مكية (4) .\r{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا } قال مجاهد: هذا من قول كفار مكة لمن آمن منهم. وقال الكلبي ومقاتل: قاله أو سفيان لمن آمن من قريش، \"اتبعوا سبيلنا\": ديننا وملة آبائنا، ونحن الكفلاء بكل تبعة من الله تصيبكم، فذلك قوله: { وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ } أوزاركم، قال الفرَّاء: لفظه أمر، ومعناه جزاء (5) مجازه: إن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم، كقوله: \"فليقله اليم بالساحل\" (طه-39) . وقيل: هو جزم على الأمر، كأنهم أمروا أنفسهم بذلك، فأكذبهم الله عز وجل فقال: { وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } فيما قالوا من حمل خطاياهم.\r__________\r(1) ذكره الواحدي في الأسباب ص (395)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: (6 / 452) للفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\r(2) انظر: الطبري: 20 / 123، أسباب النزول للواحدي ص (396).\r(3) انظر: الطبري: 20 / 133.\r(4) معاني القرآن للنحاس: 5 / 214، ورواه الطبري أيضا عن قتادة في الموضع السابق، وراجع فيما سبق تعليق (1) في أول السورة ص (231).\r(5) قال في معاني القرآن (2 / 314): هو أمر فيه تأويل الجزاء، وأنشد بيت دثار بن شيبان النمري: فقلت ادعي وأدع فإن أندى ... لصوت أن ينادي داعيان\r.","part":6,"page":235},{"id":2378,"text":"{ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (13) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) }","part":6,"page":236},{"id":2379,"text":"{ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (15) وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17) }\r{ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ } أوزار أعمالهم التي عملوها بأنفسهم، { وَأَثْقَالا مَعَ أَثْقَالِهِمْ } أي: أوزار من أضلوا وصدوا عن سبيل الله مع أوزارهم. نظيره قوله عز وجل: \"ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم\" (النحل-25) . { وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ } سؤال توبيخ وتقريع.\rقوله تعالى: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ } فغرقوا، { وَهُمْ ظَالِمُونَ } قال ابن عباس: مشركون.\r{ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ } يعني من الغرق، { وَجَعَلْنَاهَا } يعني السفينة { آيَةً } أي: عبرة، { لِلْعَالَمِينَ } فإنها كانت باقية على الجودي مدة مديدة. وقيل: جعلنا عقوبتهم للغرق عبرة. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: 67/أ بعث نوح لأربعين سنة، وبقي في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس وفشوَا، وكان عمره ألفًا وخمسين سنة.\rقوله عز وجل: { وَإِبْرَاهِيم } أي: وأرسلنا إبراهيم، { إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ } أطيعوا الله وخافوه، { ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ }\r{ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا } أصنامًا، { وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا } تقولون كذبا، قال مجاهد: تصنعون أصناما بأيدكم فتسمونها آلهة، { إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا } لا يقدرون أن يرزقوكم، { فَابْتَغُوا } فاطلبوا، { عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }","part":6,"page":236},{"id":2380,"text":"{ وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (18) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (22) }\r{ وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ } مثل عاد وثمود وغيرهم فأهلكوا، { وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ }\r{ أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ } كيف يخلقهم ابتداء نطفة ثم علقة ثم مضغة { ثُمَّ يُعِيدُهُ } في الآخرة عند البعث { إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ }\r{ قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ } فانظروا إلى ديارهم وآثارهم كيف بدأ خلقهم، { ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ } أي: ثم الله الذي خلقها ينشئها نشأة ثانية بعد الموت، فكما لم يتعذر عليه إحداثها مبدءًا لا يتعذر عليه إنشاؤها معيدًا. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: { النَّشْأَة } بفتح الشين ممدودة حيث وقعت، وقرأ الآخرون بسكون الشين مقصورة نظيرها الرّأفة والرآفة. { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }\r{ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ } تردون.\r{ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ } فإن قيل: ما وجه قوله: \"ولا في السماء\" والخطاب مع الآدميينُ وهم ليسوا في السماء؟.\rقال الفراء: معناه ولا من في السماء بمعجز، كقول حسان بن ثابت: فَمَنْ يَهْجُو رسولَ الله مِنْكُمْ ... وَيَمْدَحُهُ وينْصُرُهُ سَوَاءُ\rأراد: من يمدحه ومن ينصره، فأضمر \"من\"، يريد: لا يعجزه أهل الأرض في الأرض، ولا أهل السماء في السماء. وقال قطرب: معناه وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء لو كنتم فيها، كقول الرجل: ما يفوتني فلان هاهنا ولا بالبصرة، أي: ولا بالبصرة لو كان بها، { وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ } أي: من وليٍّ يمنعكم مني ولا نصير ينصركم من عذابي.","part":6,"page":237},{"id":2381,"text":"{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (23) }","part":6,"page":238},{"id":2382,"text":"{ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوه أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (24) وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (25) فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) }\r{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ } بالقرآن وبالبعث، { أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي } جنتي، { أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } فهذه الآيات في تذكير أهل مكة وتحذيرهم، وهي معترضة في قصة إبراهيم، فقال جل ذكره: { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ }\r{ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّار } وجعلها عليه بردًا وسلامًا، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يصدقون.\r{ وَقَالَ } يعني إبراهيم لقومه: { إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ } قرأ ابن كثير، والكسائي، وأبو عمرو، ويعقوب: \"مودةٌ\" رفعًا بلا تنوين، \"بينكم\" خفضًا بالإضافة على معنى: إن الذين اتخذتم من دون الله أوثانا هي مودة بينكم، { فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ثم تنقطع ولا تنفع في الآخرة. ونصب حمزة، وحفص: \"مودة\" من غير تنوين على الإضافة بوقوع الاتخاذ عليها. وقرأ الآخرون \"مودةَ\" منصوبة منونة \"بينَكم\" بالنصب، معناه: إنكم إنما اتخذتم هذه الأوثان مودةً بينكم في الحياة الدنيا تتواردون على عبادتها وتتواصلون عليها في الدنيا. { ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا } تتبرأ الأوثان من عابديها، وتتبرأ القادة من الأتباع، وتلعن القادة، { وَمَأْوَاكُمُ } جميعًا العابدون والمعبودون، { النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ }\r{ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ } يعني: صدقه، وهو أول من صدق إبراهيم وكان ابن أخيه، { وَقَالَ } يعني إبراهيم، { إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي } فهاجر من كوثى، وهو من سواد الكوفة، إلى حران ثم إلى الشام، ومعه لوط وامرأته سارة، وهو أول من هاجر، قال مقاتل: هاجر إبراهيم عليه السلام وهو ابن خمس وسبعين سنة، { إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }","part":6,"page":238},{"id":2383,"text":"{ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (27) وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (28) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) }\r{ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ } يقال: إن الله لم يبعث نبيًا بعد إبراهيم إلا من نسله، { وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا } وهو الثناء الحسن فكل أهل الأديان يتولونه، وقال السدي: هو الولد الصالح، وقيل: هو أنه رأى مكانه في الجنة، { وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ } أي: في زمرة الصالحين. قال ابن عباس: مثل آدم ونوح.\rقوله تعالى: { وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ } قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر: \"أئنكم\" بالاستفهام، وقرأ الباقون بلا استفهام، واتفقوا على استفهام الثانية، { لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ } وهي إتيان الرجال، { مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ }\r{ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ } وذلك أنهم كانوا يفعلون الفاحشة بمن يمّر بهم من المسافرين، فترك الناس الممر بهم. وقيل: تقطعون سبيل النسل بإيثار الرجال على النساء، { وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ } النادي، والندى، والمنتدى: مجلس القوم ومتحدثهم. أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو العباس بن سهل بن محمد المروزي، أخبرنا جدي لأمي أبو الحسن المحمودي، أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، أن بشر بن معاذ حدثهم: أخبرنا يزيد بن زريع، أخبرنا حاتم بن أبي صغيرة، عن سماك بن حرب، عن أبي صالح مولى أم هانئ بنت أبي طالب [عن أم هانئ] (1) قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: { وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ } قلت: ما المنكر الذي كانوا يأتونه؟ قال: \"كانوا يحذفون أهل الطرق ويسخرون بهم\" (2) .\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) أخرجه الترمذي في تفسير سورة العنكبوت: 9 / 49-50 وقال: \"هذا حديث حسن، إنما نعرفه من حديث حاتم بن أبي صغيرة عن سماك\" وصححه الحاكم على شرط الشيخين: 2 / 409، ووافقه الذهبي، وأخرجه الإمام أحمد: 6 / 341 والطبري: 20 / 145.\rقال السيوطي في الدر (6 / 460): \"أخرجه الفريابي، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وحسنه، وابن أبي الدنيا في كتاب \"الصمت\"، وابن جرير، وابن المنذر، وابن ابي حاتم، والشاشي في مسنده، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في \"الشعب\"، وابن عساكر\".","part":6,"page":239},{"id":2384,"text":"ويروى أنهم كانوا يجلسون في مجالسهم، وعند كل رجل منهم قصعة فيه حصى فإذا مرّ بهم عابر سبيل حذفوه فأيهم أصابه كان أولى به. وقيل: إنه كان يأخذ ما معه وينكحه 67/ب ويغرمه ثلاثة دراهم، ولهم قاضٍ بذلك. وقال القاسم بن محمد: كانوا يتضارطون في مجالسهم (1) . وقال مجاهد: كان يجامع بعضهم بعضًا في مجالسهم (2) . وعن عبد الله بن سلام قال: كان يبزق بعضهم على بعض. وعن مكحول قال: كان من أخلاق قوم لوط مضغ العلك وتطريف الأصابع بالحناء، وحل الإزار، والصفير، والحذف، واللواطية (3) ، { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ } لما أنكر عليهم لوط ما يأتونه من القبائح، { إِلا أَنْ قَالُوا } له استهزاء: { ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } أن العذاب نازل بنا، فعند ذلك.\r{ قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30) }\r__________\r(1) انظر: معاني القرآن للنحاس: 5 / 223،الدر المنثور: 6 / 461، زاد المسير: 6 / 269.\r(2) عزاه السيوطي (6 / 461) للفريابي، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والخرائطي في \"مساوئ الأخلاق\".\r(3) وهو مروي أيضا عن ابن عباس ومجاهد. وانظر الدر المنثور: 6 / 461، زاد المسير: 6 / 269. وقال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية (3 / 412): أي: يفعلون ما لا يليق من الأقوال والأفعال في مجالسهم التي يجتمعون فيها، لا ينكر بعضهم على بعض شيئا من ذلك\" ثم ذكر القوال في معنى هذا المنكر. ورجح الطبري (20 / 146) قول من قال: معناه: وتحذفون في مجالسكم المارة بكم، وتسخرون منهم، لما ذكر من الرواية بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أم هانئ.","part":6,"page":240},{"id":2385,"text":"{ وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (32) }\r{ قَالَ } لوط: { رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ } بتحقيق قولي في العذاب.\r{ وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى } من الله بإسحاق ويعقوب، { قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ } يعني قوم لوط،والقرية سدوم، { إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ }\r{ قَالَ } إبراهيم للرسل: { إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا } يعني: قالت الملائكة (1) { نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ }\r__________\r(1) في \"ب\": الرسل، وهم الملائكة.","part":6,"page":240},{"id":2386,"text":"قرأ حمزة والكسائي ويعقوب:\" { لَنُنْجينه } بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد، { وَأَهْلَهُ إِلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ } أي: الباقين في العذاب.\r{ وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (33) إِنَّا مُنزلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (34) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (35) وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ (36) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (37) }\r{ وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا } ظن أنهم من الإنس، { سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ } بمجيئهم { ذَرْعًا وَقَالُوا لا تَخَفْ } قومك علينا، { وَلا تَحْزَنْ } بإهلاكنا إيّاهم، { إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ } قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر، ويعقوب: \"مُنْجُوك\" بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتشديد.\r{ إِنَّا مُنزلُونَ } قرأ ابن عامر بالتشديد، وقرأ الآخرون بالتخفيف، { عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا } عذابًا، { مِنَ السَّمَاءِ } قال مقاتل: الخسف والحصب، { بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ }\r{ وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا } من قريات لوط، { آيَةٍ بَيِّنَةٍ } عبرة ظاهرة، { لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } يتدبرون الآيات تدبر ذوي العقول، قال ابن عباس: الآية البينة: آثار منازلهم الخربة. وقال قتادة: هي الحجارة التي أهلكوا بها أبقاها الله حتى أدركها أوائل هذه الأمة. وقال مجاهد: هي ظهور الماء الأسود على وجه الأرض (1) .\r{ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا } أي: وأرسلنا إلى مدين أخاهم شُعيبًا، { فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ } أي: واخشوا، { وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ }\r__________\r(1) جائز أن تكون هذه الآية هذا أو ذاك ولا نص في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الطبري رحمه الله (20 / 149): \"يقول تعالى ذكره: ولقد أبقينا من فعلتنا التي فعلنا بهم آية، يقول: عبرة بينة وعظة واعظة لقوم يعقلون عن الله حججه، ويتفكرون في مواعظه، وتلك الآية البينة هي عندي: عفو آثارهم ودروس معالمهم\".","part":6,"page":241},{"id":2387,"text":"{ وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) }","part":6,"page":242},{"id":2388,"text":"{ وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39) فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40) }\r{ وَعَادٍ وَثَمُودَ } أي: وأهلكنا عادًا وثمودًا، { وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ } يا أهل مكة، { مِنْ مَسَاكِنِهِمْ } منازلهم بالحِجْر واليمن، { وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ } عن سبيل الحق { وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ } قال مقاتل، والكلبي، وقتادة: كانوا معجبين في دينهم وضلالتهم، يحسبون أنهم على هدى، وهم على الباطل (1) ، والمعنى: أنهم كانوا عند أنفسهم مستبصرين. قال الفراء: كانوا عقلاء ذوي بصائر (2) .\r{ وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ } أي: أهلكنا هؤلاء، { وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ } بالدلالات، { فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ } أي: فائتين من عذابنا.\r{ فَكُلا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا } قوم لوط، و\"الحاصب\": الريح التي تحمل الحصباء، وهي الحصاه الصغار، { وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَة } يعني ثمود، { وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرْضَ } يعني قارون وأصحابه، { وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا } يعني: قوم نوح، وفرعون وقومه، { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } (3) .\r__________\r(1) وهو ما رجحه الطبري: 20 / 150.\r(2) معاني القرآن: 2 / 213 ورجحه القرطبي أيضا: 13 / 344.\r(3) يقول تعالى ذكره: ولم يكن الله ليهلك هؤلاء الأمم -الذين أهلكهم- بذنوب غيرهم، فيظلمهم بإهلاكه إياهم بغير استحقاق، بل إنما أهلكهم بذنوبهم، وكفرهم بربهم، وجحودهم نعمه عليهم، مع تتابع إحسانه عليهم، وكثرة أياديه عندهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بتصرفهم في نعم ربهم، وتقلبهم في آلائه، وعبادتهم غيره، ومعصيتهم من أنعم عليهم. تفسير الطبري: 20 / 152.","part":6,"page":242},{"id":2389,"text":"{ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42) وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ (43) }\r{ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ } يعني: الأصنام، يرجون نصرها ونفعها، { كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا } لنفسها تأوي إليه، وإن بيتها في غاية الضعف والوهاء، لا يدفع عنها حرًا ولا بردًا، وكذلك الأوثان لا تمللك لعباديها نفعًا ولا ضرًا. { وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ }\r{ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } قرأ أهل البصرة، وعاصم: \"يدعون\" بالياء لذكر الأمم قبلها، وقرأ الآخرون بالتاء.\r{ وَتِلْكَ الأمْثَالُ } الأشباهُ والمَثَلُ: كلام سائر يتضمن تشبيه الآخر بالأول، يريد: أمثال القرآن التي شبه بها أحوال كفار هذه الأمة بأحوال كفار الأمم المتقدمة، { نَضْرِبُهَا } نبينها، { لِلنَّاسِ } قال مقاتل: لكفار مكة، { وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ } أي: ما يعقل الأمثال إلا العلماء الذين يعقلون عن الله. أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، أخبرنا ابن برزة، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة، أخبرنا داود بن المحبر، أخبرنا عباد بن كثير، عن ابن جريج عن عطاء وأبي الزبير عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: { وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ } قال: \"العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه\" (1) .\r__________\r(1) أخرجه داود بن المحبر في كتاب \"العقل\"، ومن طريقه الحارث بن أبي أسامة في مسنده (بغية الباحث برقم 1030) من حديث جابر، والثعلبي والبغوي في التفسير، والواحدي من طريق الحارث. وأورده ابن الجوزي في \"الموضوعات\" وابن عراق في \"تنزيه الشريعة عن الأخبار الشنيعة والموضوعة\". وذكره الحافظ ابن حجر في \"المطالب العالية\" (3 / 215) في أحاديث من كتاب العقل لداود بن المحبر وقال: أودعها الحارث ابن أبي أسامة في مسنده، وهي موضوعة كلها، لا يثبت منها شيء. انظر: الكافي الشاف ص (127)، المطالب العالية: 3 / 213 و214 و216، الفتح السماوي للمناوي: 2 / 896-897، تنزيه الشريعة لابن عراق: 1 / 214.","part":6,"page":243},{"id":2390,"text":"{ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (44) اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45) }\rقوله عز وجل: { خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ } أي: للحق وإظهار للحق، { إِنَّ فِي ذَلِكَ } في خلقها، { لآيَة } لدلالة { لِلْمُؤْمِنِينَ } على قدرته وتوحيده.\r{ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ } يعني القرآن، { وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ } الفحشاء: ما قبح من الأعمال، والمنكر: ما لا يعرف في الشرع. قال ابن مسعود، وابن عباس: في الصلاة منتهى ومزدجر عن معاصي الله، فمن لم تأمره صلاته بالمعروف، ولم تنهه عن المنكر، لم يزدد بصلاته من الله إلا بعدًا (1) .\rوقال الحسن، وقتادة: من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فصلاته وبال عليه (2) . وروي عن أنس قال: كان فتى من الأنصار يصلي الصلوات الخمس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لا يدع شيئا من الفواحش إلا ركبه، فوصف لرسول الله صلى الله عليه وسلم حاله فقال: \"إن صلاته تنهاه يوما\"\r__________\r(1) أثر ابن مسعود أخرجه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات، وأخرجه أحمد في الزهد. وأما أثر ابن عباس فأخرجه الطبري: 20 / 155 والطبراني في الكبير من رواية العلاء بن المسيب عن ابن عباس موقوفا، ورواه الطبراني وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق ليث بن أبي سليم عن عطاء عن ابن عباس مرفوعا. وليث بن أبي سليم ثقة ولكنه مدلس. قال ابن حجر: وفي الباب عن ابن عمر، أخرجه الدارقطني في \"غرائب مالك\" وفي إسناده محمد بن الحسن البصري. قال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به، يروي عن مالك ما لا أصل له فالأثر ضعيف مرفوعا، صحيح موقوفا على ابن مسعود رضي الله عنه.\rانظر: مجمع الزوائد: 2 / 258، الكافي الشاف ص (127-128)، سلسلة الأحاديث الضعيفة: 2 / 414-415 برقم (985)، الدر المنثور: 6 / 464، و465، تفسير ابن كثير: 3 / 415-416. هذا، ومن شأن الصلاة عندما يقيمها المسلم ويؤدي فرضها وحدودها كما ينبغي، ويتدبر فيها وفيما يتلوه من القرآن أن تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر؛ وذلك لما فيها من تلاوة القرآن المشتمل على الموعظة، والصلاة تشغل كل بدن المصلي، فإذا دخل في صلاته وخشع وأخبت لربه واذكر أنه واقف بين يديه وأنه مطلع عليه ويراه، صلحت لذلك نفسه وتذللت وخامرها ارتقاب الله تعالى وظهرت على جوارحه هيبتها، وإن حصل أو بدر منه شيء يخالف ذلك فصلاته لن تزيده بعدا عن الله ومن يصلي خير ممن لا يصلي، انظر: تفسير القرطبي: 13 / 348.\r(2) أخرجه الطبري عن الحسن موقوفا: 20 / 155، ومن طريق أخرى مرفوعا مرسلا، وعن قتادة موقوفا من كلامه. قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف (128): أخرجه عبد الرزاق والطبري والبيهقي في \"الشعب\" من مرسل الحسن. انظر: الدر المنثور: 6 / 466.","part":6,"page":244},{"id":2391,"text":"فلم يلبث أن تاب وحسن حاله (1) . وقال ابن عون: معنى الآية أن الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر ما دام فيها (2) .\rوقيل: أراد بالصلاة القرآن، كما قال تعالى: \"ولا تجهر بصلاتك\" (الإسراء-110) ، أي: بقراءتك، وأراد 68/أ أنه يقرأ القرآن في الصلاة، فالقرآن ينهاه عن الفحشاء والمنكر (3) . أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم البغوي، أخبرنا علي بن الجعد، أخبرنا قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن رجلا يقرأ القرآن الليل كله فإذا أصبح سرق، قال: \"ستنهاه قراءته\" (4) .\rوفي رواية قيل: يا رسول الله إن فلانا يصلي بالنهار ويسرق بالليل، فقال: \"إن صلاته لتردعه\" (5) . قوله عز وجل: { وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ } أي: ذكر الله افضل الطاعات. أخبرنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن بشران ببغداد، أخبرنا أبو علي الحسين بن صفوان البردعي، أخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا،\r__________\r(1) قال الحافظ ابن حجر في \"الكافي الشاف\" ص (128): لم أجده، وقال الولي العراقي: لم أقف عليه. (الفتح السماوي: 2 / 897). وهذه العبارة إذا صدرت، وأمثالها، من أحد الحفاظ المعروفين ولم يتعقبه أحد من الحفاظ بعده، فهي كافية في الحكم على الحديث بالوضع. انظر مقدمة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة لكتاب \"المصنوع في معرفة الحديث الموضوع\" للقاري ص (25-27).\r(2) نقل ابن كثير هذا القول عن حماد بن أبي سليمان: 3 / 416، ونقل معناه مطولا عن ابن عون، وهو قول الكلبي وابن جريج كما في البحر المحيط: 7 / 153 والمحرر الوجيز: 12 / 226. ورد ابن عطية هذا القول فقال: وهذه عجمة، وأين هذا مما رواه أنس بن مالك (كما في التعليق السابق).\r(3) أخرجه الطبري عن ابن عمر: 20 / 154، ورجح القول الأول: أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فإن قال قائل: وكيف تنهى الصلاة عن الفحشاء والمنكر إن لم يكن معنيا بها ما يتلى فيها؟.\rقيل: تنهى من كان فيها، فتحول بينه وبين إتيان الفواحش، لأن شغله بها يقطعه عن الشغل بالمنكر، ولذلك قال ابن مسعود: من لم يطع صلاته لم يزدد من الله إلا بعدا، وذلك أن طاعته لها: إقامته إياها بحدودها، وفي طاعته لها مزدجر عن الفحشاء والمنكر.\r(4) رواه البزار من طريق زياد البكائي، وأبو يعلى من طريق أبي إسحاق الفزاري، كلاهما عن الأعمش عن أبي صالح عن جابر. قال البزار: اختلف فيه على الأعمش، فقيل: عنه أيضا عن أبي سفيان عن جابر. وقال الهيثمي: رجاله ثقات. انظر: الكافي الشاف ص (128)، مجمع الزوائد: 2 / 258، الفتح السماوي 2 / 897-898.\r(5) أخرجه الإمام أحمد عن أبي هريرة: 2 / 447 بلفظ \"... سينهاه ما يقول\"، والبزار، وإسحاق، وأبو يعلى كلهم من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال الهيثمي: رجال الصحيح. انظر: الكافي الشاف ص (128)، المجمع 2 / 258، الفتح السماوي: 2 / 897.","part":6,"page":245},{"id":2392,"text":"أخبرنا هارون بن معروف أبو علي الضرير، أخبرنا أنس بن عياض، حدثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن زياد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عياش، عن أبي تجربة، عن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، وأن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم\"؟ قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: \"ذكر الله\" (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا أبو جعفر بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا أبو الأسود، أخبرنا ابن لهيعة عن دراج، عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل أيّ، العباد أفضل، درجةً عند الله يوم القيامة؟ قال: \"الذاكرون الله كثيرًا\" قالوا: يا رسول الله ومن الغازي في سبيل الله؟ فقال: \"لو ضرب بسيفه الكفّار والمشركين حتى ينكسر أو يختضب دمًا، لكان الذاكر الله كثيرًا أفضل منه درجة\" (2) . وروينا أن أعرابيا قال: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: \"أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله\" (3) .\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني، أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أخبرنا مسلم بن الحجاج القشيري، أخبرنا أمية بن بِسْطام العَيْشِيُّ، أخبرنا يزيد، يعني:(ابن زريع) ، أخبرنا رَوْح بن القاسم، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في طريق مكة فمّر على جبل يقال له جَمْدَان،\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الدعوات، باب خير الأعمال: 9 / 317-318، وقال: وقد روى بعضهم هذا الحديث عن عبد الله بن سعيد مثل هذا بهذا الإسناد، وروى بعضهم عنه فأرسله. وأخرجه ابن ماجه في الأدب، باب فضل الذكر، برقم (3790): 2 / 1245،وصححه الحاكم في المستدرك: 1 / 496، ووافقه الذهبي، وأخرجه الإمام مالك في الموطأ: 1 / 211 موقوفا على أبي الدرداء، والإمام أحمد في المسند: 6 / 477، وأخرجه المصنف في شرح السنة: 5 / 16. وقال: \"هذا حديث حسن\". وانظر: الدر المنثور: 6 / 467، مجمع الزوائد: 10 / 73.\r(2) أخرجه الترمذي في الدعوات: 9 / 315-316، وقال: \"هذا حديث غريب إنما نعرفه من حديث دراج\"، والإمام أحمد: 3 / 75، والمصنف في شرح السنة: 5 / 17 وأشار المنذري في الترغيب إلى تضعيفه وقال: ورواه البيهقي مختصرا: 2 / 396، وفيه ابن لهيعة وقد اختلط، ودراج في حديثه عن أبي الهيثم ضعف.\r(3) أخرجه الترمذي عن عبد الله بن بسر في الدعوات، باب ما جاء في فضل الذكر: 9 / 314-315 وقال: \"هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه\"، وصححه الحاكم في المستدرك: 1 / 495 ووافقه الذهبي، وابن حبان ص (576) من موارد الظمآن، والإمام أحمد في المسند: 4 / 188، 190، وأبو نعيم في الحلية: 6 / 111، والمصنف في شرح السنة: 5 / 16 وإسناده صحيح.","part":6,"page":246},{"id":2393,"text":"فقال: \"سيروا، هذا جُمْدان، سبق المُفَرَّدون\"، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: \"الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات\" (1) .\rأخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصَّلت، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا خلاد بن أسلم، حدثنا النضر، أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت الأغَرَّ قال: أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: \"لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده\" (2) . وقال قوم: معنى قوله: \"ولذكر الله أكبر\" أي: ذكر الله إياكم أفضل من ذكركم إياه. ويروى ذلك عن ابن عباس (3) ، وهو قول مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير (4) ، ويروي ذلك مرفوعًا عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم (5) . وقال عطاء في قوله: \"إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر\"، قال: ولذكر الله أكبر من أن تبقى معه معصية. { وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ } قال عطاء: يريد لا يخفى عليه شيء.\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء، باب الحث على ذكر الله تعالى، برقم (1676): 4 / 2062.\r(2) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على قراءة القرآن، برقم (2700): 4 / 2074، والمصنف في شرح السنة: 5 / 10-11.\r(3) عزاه السيوطي: (6 / 466) للفريابي، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم -وصححه- والبيهقي في \"شعب الإيمان\". وهو أيضا قول ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم ورجح ابن عطية (12 / 227-228) أن المعنى: ولذكر الله أكبر، على الإطلاق، أي: هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر. فالجزء الذي منه في الصلاة يفعل ذلك، وكذلك يبفعل في غير الصلاة، لأن الانتهاء لا يكون إلا من ذكر مراقب...\r(4) انظر: الدر المنثور: 6 / 467.\r(5) عزاه السيوطي لابن السني، وابن مردويه، والديلمي 6 / 466، وما عزاه للديلمي مشعر بالضعف.","part":6,"page":247},{"id":2394,"text":"{ وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزلَ إِلَيْنَا وَأُنزلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46) }\rقوله تعالى: { وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ } لا تخاصموهم، { إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } أي: بالقرآن والدعاء إلى الله بآياته والتنبيه على حججهُ وأرادَ مَنْ قَبَلَ الجزية منهم، { إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } أي: أبوا أن يعطوا الجزية ونصبوا الحرب، فجادلوهم بالسيف حتى يسلموا أو يعطوا الجزية،","part":6,"page":247},{"id":2395,"text":"ومجاز الآية: إلا الذين ظلموكم، لأن جميعهم ظالم بالكفر. وقال سعيد بن جبير: هم أهل الحرب ومن لا عهد له. قال قتادة ومقاتل: صارت منسوخة (1) بقوله: \"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله\" (التوبة-29) . { وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزلَ إِلَيْنَا وَأُنزلَ إِلَيْكُمْ } يريد إذا أخبركم واحد منهم من قبل الجزية بشيء مما في كتبهم فلا تجادلوهم عليه، ولا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم.\r{ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا محمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن بشار، أخبرنا عثمان بن عمر، أخبرنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم\" (2) . أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرنا عبد الصمد بن عبد الرحمن البزاز، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، أخبرنا عبد الرازق، أخبرنا معمر عن الزهري، أخبرنا ابن أبي نملة الأنصاري أن أباه أبا نملة الأنصاري أخبره: أنه بينا هو جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه رجل من اليهود ومرّ بجنازة، فقال: يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"الله أعلم\"، فقال اليهودي: إنها تتكلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان باطلا لم تصدقوه وإن كان حقًا لم تكذبوه\" (3) .\r__________\r(1) انظر فيما سبق: 3 / 32، تعليق (1)، زاد المسير: 6 / 277، ورجح الطبري (21 / 2-3) أن الآية محكمة غير منسوخة، إذ لا يجوز أن يحكم على حكم الله في كتابه بأنه منسوخ إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل.\r(2) أخرجه البخاري في التوحيد، باب ما يجوز من تفسير التوراة وغيرها: 13 / 516، والمصنف في شرح السنة: 1 / 268. وانظر: الدر المنثور: 6 / 469.\r(3) أخرجه عبد الرزاق في المصنف: 11 / 110، وأبو داود في العلم، باب رواية حديث أهل الكتاب: 5 / 245، وصححه ابن حبان ص (58) من موارد الظمآن، وأخرجه الطبراني في الكبير: 22 / 349-351، والبيهقي في السنن: 2 / 10، والإمام أحمد في المسند: 4 / 136، وأخرجه ابن سعد، وابن أبي شيبة، وإسحاق.\rوأصله في البخاري مختصرا من حديث أبي هريرة (التعليق السابق) وانظر: الكافي الشاف ص (128)، الفتح السماوي: 2 / 898-899، الدر المنثور: 6 / 469. هذا، وللإمام الحافظ ابن كثير كلمات بشأن الإسرائليات والحديث عن أهل الكتاب منثورة في تفسيره، وقد جمعها الشيخ أحمد محمد شاكر في مقدمة مختصره \"عمدة التفسير\": (1 / 14-19) ينبغي مراجعتها.","part":6,"page":248},{"id":2396,"text":"{ وَكَذَلِكَ أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الْكَافِرُونَ (47) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) }\rقوله تعالى: { وَكَذَلِك } أي: كما أنزلنا إليهم الكتب، { أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } يعني: مؤمني أهل الكتاب، عبدَ الله بن سلام وأصحابه، { وَمِنْ هَؤُلاءِ } يعني: أهل مكة، { مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ } وهم مؤمنوا أهل مكةُ { وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الْكَافِرُونَ } 68/ب ، وذلك أن اليهود عرفوا أن محمدًا نبيٌ، والقرآن حقّ، فجحدوا. قال قتادة: الجحود إنما يكون بعد المعرفة.\r{ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو } يا محمد، { مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ } قبل ما أنزل إليك الكتاب، { وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ } ولا تكتبه، أي: لم تكن تقرأ ولا تكتب قبل الوحي، { إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ } يعني لو كنت تكتب أو تقرأ الكتب قبل الوحي لشك المبطلون المشركون من أهل مكة، وقالوا: إنه يقرؤه من كتب الأولين وينسخه منها، قاله قتادة. وقال مقاتل: \"المبطلون\" هم اليهود، ومعناه: إذًا لشكوا فيك واتهموك، وقالوا إن الذي نجد نعته في التوراة أمي لا يقرأ ولا يكتب وليس هذا على ذلك النعت (1) .\r__________\r(1) قال الحافظ ابن كثير: (3 / 418): \"أي: قد لبثت في قومك يا محمد -من قبل أن تأتي بهذا القرآن- عمرا لا تقرأ كتابا، ولا تحسن الكتابة، بل كل أحد من قومك وغيرهم، يعرف أنك رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب. وهكذا صفته في الكتب المتقدمة، كما قال تعالي: \"الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل..\" الآية. وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائما إلى يوم القيامة لا يحسن الكتابة، ولا يخط سطرا ولا حرفا بيده، بل كان له كتاب يكتبون بين يديه الوحي والرسائل إلى الأقاليم.\rومن زعم من متأخري الفقهاء -كالقاضي أبي الوليد الباجي ومن تابعه- أنه عليه الصلاة والسلام كتب يوم الحديبية: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله... فإنما حمله على ذلك رواية في صحيح البخاري: ثم أخذ فكتب. وهذه محمولة على الرواية الأخرى: ثم أمر فكتب. ولهذا اشتد النكير من فقهاء المشرق والمغرب على من قال بقول الباجي وتبرءوا منه.. وإنما أراد الرجل -أعني الباجي- فيما يظهر عنه: أنه كتب ذلك على وجه المعجزة، لا أنه كان يحسن الكتابة، كما قال صلى الله عليه وسلم إخبارا عن الدجال: \"مكتوب بين عينيه كافر\" وفي رواية: \"ك ف ر، يقرؤها كل مؤمن\". وما أورده بعضهم من الحديث أنه لم يمت صلى الله عليه وسلم حتى تعلم الكتابة، فضعيف لا أصل له. وانظر أيضا: \"الرد الشافي الوافر على من نفى أمية سيد الأوائل والأواخر\" تأليف أحمد بن حجر آل بن علي. وراجع فيما سبق: 3 / 288، المحرر الوجيز لابن عطية: 12 / 231.","part":6,"page":249},{"id":2397,"text":"{ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الظَّالِمُونَ (49) وَقَالُوا لَوْلا أُنزلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (52) }\r{ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ } قال الحسن: يعني القرآن آيات بينات، { فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ } يعني المؤمنين الذين حملوا القرآن. وقال ابن عباس رضي الله عنهما، وقتادة: بل هو -يعني محمدا صلى الله عليه وسلم-ذو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب، لأنهم يجدونه بنعته وصفته في كتبهم (1) ، { وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الظَّالِمُونَ }\r{ وَقَالُوا لَوْلا أُنزلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ } كما أنزل على الأنبياء من قبل، قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر: \"آية\" على التوحيد، وقرأ الآخرون: \"آيات من ربه\" لقوله عز وجل: { قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ } القادر على إرسالها إذا شاء أرسلها، { وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ } أنذر أهل المعصية بالنار، وليس إنزال الآيات بيدي.\r{ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ } هذا الجواب لقوله: \"لولا أنزل عليه آيات من ربه\" قال: { أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ } [يعني: أولم يكفهم من الآيات القرآن يتلى عليهم] (2) ، { إِنَّ فِي ذَلِكَ } في إنزال القرآن، { لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } أي: تذكيرا وعظة لمن آمن وعمل به.\r{ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا } أني رسوله وهذا القرآن كتابه، { يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ } قال ابن عباس: بغير الله. وقال مقاتل: بعبادة الشيطان، { وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ }\r__________\r(1) ذكر الطبري القولين (21 / 5-6) ورجح قول من قال: عنى بذلك: بل العلم بأنك ما كنت تتلو من قبل هذا الكتاب كتابا، ولا تخطه بيمينك -آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب.\rلأن قوله تعالى: \"بل هو آيات بينات...\" بين خبرين من إخبار الله عن رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فهو بأن يكون خبرا عنه أولى من أن يكون خبرا عن الكتاب الذي قد انقضى الخبر عنه قبل.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":6,"page":250},{"id":2398,"text":"{ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (53) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (54) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (55) يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56) }\r{ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ } نزلت في النضر بن الحارث حين قال: فأمطر علينا حجارة من السماء (1) { وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى } قال ابن عباس: ما وعدتك أني لا أعذب قومك ولا أستأصلهم وأؤخر عذابهم إلى يوم القيامة كما قال: \"بل الساعة موعدهم\" (القمر-46) ، وقال الضحاك: مدة أعمارهم، لأنهم إذا ماتوا صاروا إلى العذاب، وقيل: يوم بدر، { لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ } يعني: العذاب وقيل الأجل، { بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } بإتيانه.\r{ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ } أعاده تأكيدا، { وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ } جامعة لهم لا يبقى أحد منهم إلا بدخلها.\r{ يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ } يعني: إذا غشيهم العذاب أحاطت بهم جهنم، كما قال: \"لهم من جنهم مهاد ومن فوقهم غواش\" (الأعراف-41) ، { وَيَقُولُ ذُوقُوا } قرأ نافع، وأهل الكوفة: \"ويقول\" بالياء، أي: ويقول لهم الموكل بعذابهم: ذوقوا، وقرأ الآخرون بالنون؛ لأنه لما كان بأمره نسب إليه، { مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } أي: جزاء ما كنتم تعملون.\r{ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ } قال مقاتل والكلبي: نزلت في ضعفاء مسلمي مكة، يقول: إن كنتم في ضيق بمكة من إظهار الإيمان فاخرجوا منها إلى أرض المدينة، إن أرضي -يعني المدينة-واسعة آمنة (2) . قال مجاهد: إن أرضي المدينة واسعة فهاجروا وجاهدوا فيها (3) . وقال سعيد بن جبير: إذا عمل في أرض بالمعاصي فاخرجوا منها فإن أرضي واسعة. وقال عطاء: إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا فإن أرضي واسعة. وكذلك يجب على كل من كان في بلد يعمل فيها\r__________\r(1) انظر فيما سبق: 3 / 351.\r(2) انظر: البحر المحيط: 7 / 157، القرطبي: 13 / 357، زاد المسير: 6 / 281.\r(3) أخرجه الطبري: 21 / 9.","part":6,"page":251},{"id":2399,"text":"بالمعاصي ولا يمكنه تغيير ذلك أن يهاجر إلى حيث يتهيأ له العبادة (1) . وقيل: نزلت في قوم تخلفوا عن الهجرة بمكة، وقالوا: نخشى، إن هاجرنا، من الجوع وضيق المعيشة، فأنزل الله هذه الآية ولم يعذرهم بترك الخروج. وقال مطرف بن عبد الله: \"أرضي واسعة\" أي: رزقي لكم واسع فاخرجوا (2) .\r{ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (57) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (58) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (59) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (60) }\r{ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ } خوفهم بالموت ليهون عليهم الهجرة، أي: كل واحد ميت أينما كان فلا تقيموا بدار الشرك خوفا من الموت، { ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } فنجزيكم بأعمالكم، وقرأ أبو بكر: \"يرجعون بالياء\".\r{ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ } قرأ حمزة، والكسائي: بالثاء ساكنة من غير همز، يقال: ثوى الرجل إذا أقام، وأثويته: إذا أنزلته منزلا يقيم فيه. وقرأ الآخرون بالباء وفتحها وتشديد الواو وهمزة بعدها، أي: لننزلنهم، { مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا } علالي، { تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ }\r{ الَّذِينَ صَبَرُوا } على الشدائد ولم يتركوا دينهم لشدة لحقتهم، { وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } يعتمدون.\r{ وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا } وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمؤمنين الذين كانوا بمكة وقد آذاهم المشركون: \"هاجروا إلى المدينة\"، فقالوا: كيف نخرج إلى المدينة وليس لنا بها دار ولا مال، فمن يطعمنا بها ويسقينا؟ فأنزل الله: { وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ } (3) ذات حاجة إلى غذاء، { لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا } أي: لا ترفع رزقها معها ولا تدخر شيئا لغد مثل البهائم والطير، { اللَّه، يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ }\r__________\r(1) الطبري: 21 / 9، الدر المنثور: 6 / 474، زاد المسير: 6 / 281.\r(2) أخرجه الطبري عنه: 21 / 10، ورجح القول الأول، لدلالة قوله تعالى: \"فإياي فاعبدون\" على ذلك، وأن ذلك هو أظهر معنييه، وذلك أن الأرض إذا وصفها بسعة، فالغالب من وصفه إياها بذلك أنها لا تضيق جميعها على من ضاق عليه منها موضع، لا أنه وصفها بكثرة الخير والخصيب.\r(3) ذكره ابن الجوزي عن ابن عباس دون سند: 6 / 282، والقرطبي: 13 / 360، وفيه الحديث الضعيف الآتي.","part":6,"page":252},{"id":2400,"text":"حيث كنتم، { وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } السميع لأقوالكم: لا نجد ما ننفق بالمدينة، العليم بما في قلوبكم. وقال سفيان عن علي بن الأقمر: وكأين من دابة لا تحمل رزقها، قال: لا تدخر شيئا لغد. قال سفيان: ليس شيء من خلق الله يخبأ إلا الإنسان والفأرة والنملة (1) .\rأخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الثقفي، أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن الدقاق، أخبرنا محمد بن عبد العزيز، أخبرنا إسماعيل بن زرارة الرقي، أخبرنا أبو العطوف الجراح بن منهال، عن الزهري، عن عطاء بن أبي 69/أ رباح، عن ابن عمر قال: دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم [حائطا من حوائط الأنصار، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم] (2) يلقط الرطب بيده ويأكل، فقال: كل يا ابن عمر، قلت: لا أشتهيها يا رسول الله، قال: لكني أشتهيه، وهذه صبح رابعة منذ لم أطعم طعاما ولم أجده، فقلت إنا لله، الله المستعان، قال: يا ابن عمر لو سألت ربي لأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر أضعافا مضاعفة، ولكن أجوع يوما وأشبع يوما فكيف بك يا ابن عمر إذا عمرت وبقيت في حثالة من الناس يخبئون رزق سنة ويضعف اليقين، فنزلت (3) { وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا } الآية.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو محمد الحسين بن أحمد المخلدي، أخبرنا أبو العباس السراج، أخبرنا قتيبة بن سعيد، أخبرنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: كان لا يدخر شيئا لغد (4) .\r__________\r(1) انظر هذه الأقوال في: الطبري: 21 / 11، الدر المنثور: 6 / 475.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) عزاه السيوطي: (6 / 475) لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي، وابن عساكر بسند ضعيف. وأخرجه الواحدي في أسباب النزول ص (396-397). قال الحافظ ابن كثير: (3 / 421): \"هذا حديث غريب، وأبو العطوف الجزري ضعيف\". وقال القرطبي: (13 / 360): \"وهذا ضعيف، يضعفه أنه عليه الصلاة والسلام كان يدخر لأهله قوت سنتهم، (اتفق البخاري ومسلم عليه) وكانت الصحابة يفعلون ذلك، وهم القدوة وأهل اليقين والأئمة لمن بعدهم من المتقين المتوكلين\". وقال الشوكاني في \"فتح القدير\" (4 / 213): \"وهذا الحديث فيه نكارة شديدة لمخالفته لما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد كان يعطي نساءه قوت العام كما ثبت ذلك في كتب الحديث المعتبرة. وفي إسناده أبو العطوف الجزري وهو ضعيف\".\r(4) أخرجه الترمذي في الزهد، باب ما جاء في معيشة النبي صلى الله عليه وسلم وأهله: 7 / 26، وقال: \"هذا حديث غريب. وقد روى هذا غير جعفر بن سليمان عن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا\"، وصححه ابن حبان برقم (2139) ص (525) من موارد الظمآن. والمصنف في شرح السنة: 13 / 253، وقال المناوي في \"فيض القدير\" (5 / 183): وسند الحديث جيد. ولا ينافي هذا الحديث ما سبق من أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخر لعياله قوت سنة، فهو كان لا يدخر لنفسه صلى الله عليه وإنما كان يدخر لغيره كأهله، أو يملكهم ذلك ويقسمه لهم أسوة بغيرهم فيما كان يقسم للمسلمين مما أفاء الله عليه. والله أعلم.","part":6,"page":253},{"id":2401,"text":"وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا\" (1) . أخبرنا أبو منصور محمد بن عبد الملك المظفري، أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن الفضل الفقيه، أخبرنا أبو نصر بن حمدويه المطوعي، أخبرنا أبو الموجه محمد بن عمرو، أخبرنا عبدان، عن أبي حمزة، عن إسماعيل هو ابن أبي خالد، عن رجلين أحدهما زبيد اليامي، عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"أيها الناس ليس من شيء يقربكم إلى الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أمرتكم به، وليس شيء يقربكم إلى النار ويباعدكم من الجنة إلا وقد نهيتكم عنه، وإن الروح الأمين قد نفث في روعي أنه ليس من نفس تموت حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله، فإنه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته\" (2) وقال هشيم عن إسماعيل عن زبيد عمن أخبره عن ابن مسعود.\r{ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61) اللَّه يَبْسُط الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (62) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (63) }\rقوله تعالى: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ } يعني كفار مكة، { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ } (3) .\r{ اللَّه، يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } (4) .\r{ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ } على أن الفاعل لهذه الأشياء هو الله، { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ } وقيل: قل الحمد لله على\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الزهد، باب ما جاء في الزهادة في الدنيا: 7 / 8، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\"، وابن ماجه في الزهد، باب التوكل واليقين، برقم (4164): 2 / 1394، وصححه الحاكم في المستدرك: 4 / 318، وأخرجه الإمام أحمد: 1 / 30، 52، والمصنف في شرح السنة: 14 / 301.\r(2) أخرجه الحاكم: 2 / 4، والمصنف في شرح السنة: 14 / 303-304، وعزاه في المشكاة: (3 / 1458) للبيهقي في شعب الإيمان وله شواهد من حديث جابر والمطلب ساقها المصنف في شرح السنة والحاكم في المستدرك، فيتقوى الحديث بها.\r(3) أي: فأنى يصرفون عمن صنع ذلك، فيعدلون عن إخلاص العبادة له. الطبري: 21 / 11.\r(4) يقول تعالى ذكره: الله يوسع من رزقه لمن يشاء من خلقه، ويضيق فيقتر لمن يشاء منهم، يقول: فأرزاقكم وقسمتها بينكم ايها الناس بيدي دون كل أحد سواي، أبسط لمن شئت منها، وأقتر على من شئت... (إن الله بكل شيء عليم) يقول: إن الله عليم بمصالحكم، ومنهم لا يصلح له إلا البسط في الرزق، ومن لا يصلح له إلا التقتير عليه، وهو عالم بذلك. الطبري: 21 / 12.","part":6,"page":254},{"id":2402,"text":"إقراراهم لزوم الحجة عليهم، { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ } ينكرون التوحيد مع إقرارهم بأنه الخالق لهذه الأشياء.","part":6,"page":255},{"id":2403,"text":"{ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (66) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67) }\rقوله تعالى: { وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ } اللهو هو: الاستمتاع بلذات الدنيا، واللعب: العبث، سميت بهما لأنها فانية. { وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ } أي: الحياة الدائمة الباقية، و\"الحيوان\": بمعنى الحياة، أي: فيها الحياة الدائمة، { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } فناء الدنيا وبقاء الآخرة.\rقوله تعالى: { فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ } وخافوا الغرق، { دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } وتركوا الأصنام، { فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } هذا إخبار عن عنادهم وأنهم عند الشدائد يقرون أن القادر على كشفها هو الله عز وجل وحده، فإذا زالت عادوا إلى كفرهم. قال عكرمة: كان أهل الجاهلية إذا ركبوا البحر حملوا معهم الأصنام فإذا اشتدت بهم الريح ألقوها في البحر وقالوا يا رب يا رب.\r{ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ } هذا لام الأمر، ومعناه التهديد والوعيد، كقوله: \"اعملوا ما شئتم\" (فصلت-40) ، أي: ليجحدوا نعمة الله في إنجائه إياهم، { وَلِيَتَمتّعُوا } قرأ حمزة، والكسائي: ساكنة اللام، وقرأ الباقون بكسرها نسقا على قوله: \"ليكفروا\"، { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } وقيل: من كسر اللام جعلها لام كي وكذلك في ليكفروا، والمعنى لا فائدة لهم في الإشراك إلا الكفر والتمتع بما يتمتعون به في العالجة من غير نصيب في الآخرة.\r{ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ } يعني العرب، يسبي بعضهم بعضا، وأهل مكة آمنون، { أَفَبِالْبَاطِلِ } بالأصنام والشيطان، { يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ } بمحمد والإسلام، { يَكْفُرُون }","part":6,"page":255},{"id":2404,"text":"{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (68) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) }\r{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا } فزعم أن لله شريكا وأنه أمر بالفواحش، { أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ } بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، { لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ } استفهام بمعنى التقرير، معناه: أما لهذا الكافر المكذب مأوى في جهنم.\r{ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا } الذين جاهدوا المشركين لنصرة ديننا، { لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } لنثبتنهم على ما قاتلوا عليه. وقيل: لنزيدنهم هدى كما قال: \"ويزيد الله الذين اهتدوا هدى\" (مريم-76) ، وقيل: لنوقفنهم لإصابة الطريق المستقيمة، والطريق المستقيمة هي التي يوصل بها إلى رضا الله عز وجل. قال سفيان بن عيينة: إذا اختلف الناس فانظروا ما عليه أهل (1) الثغور، فإن الله قال: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } وقيل: المجاهدة هي الصبر على الطاعات. قال الحسن: أفضل الجهاد مخالفة الهوى. وقال الفضيل بن عياض: والذين جاهدوا في طلب العلم لنهدينهم سبل العمل به. وقال سهل بن عبد الله: والذين جاهدوا في إقامة السنة لنهدينهم سبل الجنة. وروي عن ابن عباس: والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ثوابنا. { وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } بالنصر والمعونة في دنياهم وبالثواب والمغفرة في عقباهم.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".","part":6,"page":256},{"id":2405,"text":"سورة الروم مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) }\r{ الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأرْضِ } سبب نزول هذه الآية على -ما ذكره المفسرون:-أنه كان بين فارس والروم قتال، وكان (2) المشركون يودُّون أن تغلب فارس الروم، لأن أهل فارس كانوا مجوسًا أميين، والمسلمون يودون غلبة الروم على فارس، لكونهم أهل كتاب، فبعث كسرى جيشًا إلى الروم واستعمل عليها 69/ب رجلا يقال له شهريراز، وبعث قيصر جيشًا إلى فارس واستعمل عليهم رجل يدعى يحفس، فالتقيا بأذرعات وبصرى، وهي أدنى الشام إلى أرض العرب والعجم، فغلبت فارس الروم، فبلغ ذلك المسلمون بمكة، فشقَّ عليهم، وفرح به كفار مكة، وقالوا للمسلمين: إنكم أهل كتاب، والنصارى أهل كتاب، ونحن أمِّيون وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الروم، وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرنَّ عليكم، فأنزل الله تعالى هذه الآيات، فخرج أبو بكر الصديق إلى الكفار، فقال: فرحتم بظهور إخوانكم، فلا تفرحوا فوالله ليظهرن على فارس [على ما] (3) أخبرنا بذلك نبينا، فقام إليه أبي بن خلف الجمحي فقال: كذبت، فقال: أنت أكذب يا عدو الله، فقال: اجعل بيننا أجلا أُناحِبُك عليه -والمناحبة: المراهنة-على عشر قلائص مني وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمت، وإن ظهرت فارس غرمتَ ففعلوا وجعلوا الأجل ثلاث سنين فجاء أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، وذلك قبل تحريم القمار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بين الثلاثة إلى التسع، فزايِدْه في الخطر ومادَّه في الأجل، فخرج\r__________\r(1) مكية بالإجماع دون خلاف. انظر: الدر المنثور: 6 / 478، المحرر الوجيز: 12 / 241. زاد المسير: 6 / 286، القرطبي: 14 / 1.\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) ساقط من \"أ\".","part":6,"page":257},{"id":2406,"text":"أبو بكر ولقي أُبيًّا، فقال: لعلك ندمت؟ قال: لا فتعال أزايدك في الخطر وأمادك في الأجل، فاجعلها مائة قلوص [ومائة قلوص] (1) إلى تسع سنين، وقيل إلى سبع سنين، قال قد فعلت: فلما خشي أُبيّ بن خلف أن يخرج أبو بكر من مكة أتاه فلزمه، وقال: إني أخاف أن تخرج من مكة فأقم لي كفيلا فكفل له ابنه عبد الله بن أبي بكر، فلما أراد أبي بن خلف أن يخرج إلى حد أتاه عبد الله بن أبي بكر فلزمه، فقال: لا والله لا أدعك حتى تعطيني كفيلا فأعطاه كفيلا. ثم خرج إلى أُحد ثم رجع أبي بن خلف فمات بمكة من جراحته التي جرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بارزه، وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية، وذلك عند رأس سبع سنين من مناحبتهم. وقيل: كان يوم بدر. قال الشعبي: لم تمض تلك المدة التي عقدوا المناحبة بين أهل مكة، وفيها صاحب، قمارهم أبي بن خلف، والمسلمون وصاحب قمارهم أبو بكر، وذلك قبل تحريم القمار، حتى غلبت الروم فارس وربطوا خيولهم بالمدائن وبنو الرومية فقمر أبو بكر أبيًا وأخذ مال الخطر من ورثته، وجاء به يحمله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: \"تصدَّق به\".\rوكان سبب غلبة الروم فارسًا -على ما قاله عكرمة وغيره-: أن شهريراز بعدما غلبت الروم لم يزل يطؤهم ويخرب مدائنهم حتى بلغ الخليج، فبينا أخوه فرخان جالس ذات يوم يشرب فقال لأصحابه: لقد رأيت كأني جالس على سرير كسرى، فبلغت كلمته كسرى، فكتب إلى شهريراز: إذا أتاك كتابي فابعث إلي برأس فرخان، فكتب إليه: أيها الملك إنك لن تجد مثل فرخان، إن له نكاية وصوتًا في العدو، فلا تفعل، فكتب إليه: إن في رجال فارس خلفًا منه، فعجِّلْ برأسه، فراجعه فغضب كسرى ولم يجبه، وبعث بريدًا إلى أهل فارس أني قد نزعت عنكم شهريراز واستعملت عليكم فرخان الملك، ثم دفع إلى البريد صحيفة صغيرة أمره فيها بقتل شهريراز، وقال: إذا ولى فرخان الملك وانقاد له أخوه فأعطه، فلما قرأ شهريراز الكتاب قال: سمعًا وطاعة، ونزل عن سريره وجلس فرخان ودفع إليه الصحيفة، فقال: ائتوني بشهريراز، فقدَّمه ليضرب عنقه، فقال: لا تعجل علي حتى أكتب وصيتي. قال: نعم، فدعا بالسفط فأعطاه ثلاث صحائف، وقال: كل هذا راجعت فيك كسرى، وأنت تريد أن تقتلني بكتاب واحد؟ فرد الملك إلى أخيه، وكتب شهريراز إلى قيصر ملك الروم إن لي إليك حاجة لا تحملها البُردُ، ولا تبلغها الصحف، فالقَنِي، ولا تلقني إلا في خمسين روميًا، فإني ألقاك في خمسين فارسيا. فأقبل قيصر في خمسمائة ألف رومي، وجعل يضع العيون بين يديه في الطرق، وخاف أن يكون قد مكر به، حتى أتاه عيونه أنه ليس معه إلا خمسون رجلا ثم بسط لهما فالتقيا في قبة ديباج ضربت لهما، ومع كل واحد منهما سكين، فدعوا بترجمان بينهما،\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".","part":6,"page":260},{"id":2407,"text":"فقال شهريراز: إن الذين خربوا مدائنك أنا وأخي بكيدنا وشجاعتنا، وإن كسرى حسدنا وأراد أن أقتل أخي فأبيت، ثم أمر أخي أن يقتلني، فقد خلعناه جميعا فنحن نقاتله معك. قال: قد أصبتما، ثم أشار أحدهما إلى صاحبه أن السرَّ بين اثنين فإذا جاوز اثنين فشا، فقتلا الترجمان معًا بسكينهما، فَأُدِيْلت الروم على فارس عند ذلك، فاتبعوهم يقتلونهم، ومات كسرى وجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ففرح ومن معه (1) ، فذلك قوله عز وجل: { الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأرْض } أي: أقرب أرض الشام إلى أرض فارس، قال عكرمة: هي أذرعات وكسكَر، وقال مجاهد: أرض الجزيرة. وقال مقاتل: الأردن وفلسطين. { وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ } أي: الروم من بعد غلبة فارس إياهم، والغلب والغلبة لغتان، { سَيَغْلِبُونَ } فارسًا.\r{ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) }\r{ فِي بِضْعِ سِنِينَ } والبضع ما بين الثلاث إلى السبع، [وقيل: ما بين الثلاثة إلى التسعُ] (2) وقيل: ما دون العشرة. وقرأ عبد الله بن عمر، وأبو سعيد الخدري، والحسن، وعيسى بن عمر: \"غَلَبَت\" بفتح الغين واللام، \"سيُغْلَبون\" بضم الياء وبفتح اللام. وقالوا: نزلت حين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن غلبة الروم فارسًا. ومعنى الآية: الم غلبت الروم فارسًا في أدنى الأرض إليكم، وهم من بعد غلبهم سيغلبهم، يغلبهم المسلمون في بضع سنين. وعند انقضاء هذه المدة أخذ المسلمون في جهاد الروم (3) . والأول أصح، وهو قول أكثر المفسرين. { لِلَّهِ الأمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ } أي: من قبل دولة الروم على فارس ومن بعدها، فأي الفريقين كان لهم الغلبة فهو بأمر الله 70/أ وقضائه وقدره. { وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ } { بِنَصْرِ اللَّهِ } الروم على فارس. قال السدي: فرح النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون بظهورهم على\r__________\r(1) هذه السياقات التي ذكها المفسرون عن الشعبي وعكرمة وعطاء، ذكرها ابن كثير في التفسير (3 / 424-425) قال: ومن أغرب هذه السياقات ما رواه الإمام سنيد بن داود في تفسيره حيث قال.. وساق جملة ما نقله البغوي عن المفسرين.. ثم قال: \"فهذا سياق غريب وبناء عجيب\". وجملة القصة وسبب النزول وردا بروايات متعددة ثابتة، فقد أخرجها الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن جرير وغيرهم. وانظر: الدر المنثور: 6 / 479-483، أسباب النزول ص (398)، الطبري: 21 / 16-19.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) انظر: الطبري: 21 / 21، المحرر الوجيز: 12 / 241.","part":6,"page":261},{"id":2408,"text":"المشركين يوم بدر، وظهور أهل الكتاب على أهل الشرك، { يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ } الغالب، { الرَّحِيم } بالمؤمنين.","part":6,"page":262},{"id":2409,"text":"{ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) }\r{ وَعَدَ اللَّهُ } نصب على المصدر، أي: وعد الله وعدًا بظهور الروم على فارس، { لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } { يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } يعني: أمر معاشهم، كيف يكتسبون ويتجرون، ومتى يغرسون ويزرعون ويحصدون، وكيف يبنون ويعيشون، قال الحسن: إن أحدهم لينقر الدرهم بطرف ظفره فيذكر وزنه ولا يخطئ وهو لا يحسن يصلي (1) { وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ } ساهون عنها جاهلون بها، لا يتفكرون فيها ولا يعملون لها. { أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ } أي: للحق، وقيل: لإقامة الحق، { وَأَجَلٌ مُسَمًّى } أي: لوقت معلوم إذ انتهت إليه فنيت، وهو القيامة، { وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ } { أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } أولم يسافروا في الأرض فينظروا إلى مصارع الأمم قبلهم فيعتبرواُ { كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأرْضَ } حرثوها وقلبوها للزراعة، { وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا } [أي: أكثر مما عمرها] (2) أهل مكة، قيل: قال\r__________\r(1) أخرجه عنه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه. الدر المنثور: 6 / 484.\r(2) ساقط من \"أ\".","part":6,"page":262},{"id":2410,"text":"ذلك لأنه لم يكن لأهل مكة حرث، { وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } فلم يؤمنوا فأهلكهم الله، { فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ } بنقص حقوقهم، { وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } ببخس حقوقهم.\r{ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (10) اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (11) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (12) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (13) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (14) }\r{ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا } أي: أساؤوا العمل، { السُّوْأَى } يعني: الخلة التي تسوؤهم وهي النار، وقيل: \"السوأى\" اسم لجهنم، كما أن \"الحسنى\" اسم للجنة (1) ، { أَنْ كَذَّبُوا } أي: لأن كذبوا. وقيل تفسير \"السوأى\" ما بعده، وهو قوله: \"أن كذبوا\" يعني: ثم كان عاقبة المسيئين التكذيب حملهم تلك السيئات على أن كذبوا، { أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ } قرأ أهل الحجاز والبصرة: \"عاقبةُ\" بالرفع، أي: ثم كان آخر أمرهم السوء، وقرأ الآخرون بالنصب على خبر كان، تقديره: ثم كان السوأى عاقبة الذين أساءوا. قوله تعالى: { اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } أي: يخلقهم ابتداء ثم يعيدهم بعد الموت أحياءٌ، ولم يقل: يعيدهم، رده إلى الخلق، { ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } فيجزيهم بأعمالهم. قرأ أبو عمرو، وأبو بكر: \"يرجعون\" بالياء، والآخرون بالتاء. { وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ } قال قتادة، والكلبي: ييأس المشركون من كل خير. وقال الفراء: ينقطع كلامهم وحجتهم (2) . وقال مجاهد: يفتضحون. { وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ } جاحدين متبرئين يتبرءون منها وتتبرأ منهم. { وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ } أي: يتميز أهل الجنة من أهل النار. وقال مقاتل: يتفرقون بعد الحساب إلى الجنة والنار فلا يجتمعون أبدًا.\r__________\r(1) انظر: معاني القرآن للفراء: 2 / 322، المحرر الوجيز: 12 / 248.\r(2) في معاني القرآن: 3 / 322:... وحججهم.","part":6,"page":263},{"id":2411,"text":"{ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (15) }","part":6,"page":264},{"id":2412,"text":"{ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (16) فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18) }\r{ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ } وهي البستان الذي في غاية النضارة، { يُحْبَرُون } قال ابن عباس: يكرمون. وقال مجاهد وقتادة: ينعمون. وقال أبو عبيدة: يسرون. و\"الحَبْرة\": السرور. وقيل: \"الحبرة\" في اللغة: كل نعمة حسنة، والتحبير التحسين. وقال الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير: \"تحبرون\" هو السماع في الجنة (1) . وقال الأوزاعي: إذا أخذ في السماع لم يبق في الجنة شجرة إلا وردت، وقال: ليس أحد من خلق الله أحسن صوتًا من إسرافيل، فإذا أخذ في السماع قطع على أهل سبع سموات صلاتهم وتسبيحهم. { وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ } أي: البعث يوم القيامة، { فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ } قوله تعالى: { فَسُبْحَانَ اللَّهِ } أي: سبحوا الله، ومعناه: صلوا لله، { حِينَ تُمْسُونَ } أي: تدخلون في المساء، وهو صلاة المغرب والعشاء، { وَحِينَ تُصْبِحُونَ } أي: تدخلون في الصباح، وهو صلاة الصبح. { وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ } قال ابن عباس: يحمده أهل السموات والأرض ويصلون له، { وَعَشِيًّا } أي: صلُّوا لله عشيًا، يعني صلاة العصر، { وَحِينَ تُظْهِرُونَ } تدخلون في الظهيرة، وهو صلاة الظهر. قال نافع بن الأزرق لابن عباس: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ قال: نعم، وقرأ هاتين الآيتين، وقال: جمعت الآية الصلوات الخمس ومواقيتها (2) . أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن سُمَيٍّ مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة،\r__________\r(1) الطبري: 21 / 27-28، الدر المنثور: 6 / 486، المحرر الوجيز: 12 / 249، زاد المسير: 6 / 293.\r(2) أخرجه الطبري: 21 / 29، وصححه الحاكم: 2 / 411 ، والطبراني في الكبير: 10 / 304، وزاد السيوطي نسبته لعبد الرزاق والفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم: 6 / 488.","part":6,"page":264},{"id":2413,"text":"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"من قال: سبحان الله وبحمده في كل يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر\" (1) . أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر، حدثنا السَّرِيّ، بن خزيمة الأبْيِوردي، حدثنا المعلى بن سعد، أخبرنا عبد العزيز بن المختار، عن سهيل، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده، مائة مرة، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد\" (2) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا قتيبة بن سعيد، أخبرنا محمد بن فضيل، أخبرنا عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم\" (3)\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا علي بن المديني، أخبرنا ابن عيينة، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة قال: سمعت كريبًا أبا رشدين 70/ب يحدّث عن ابن عباس، عن جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات غداة من عندها، وكان اسمها برّة فحوّله رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماها جويرية، وكره أن يقال خرج من عند برة، فخرج وهي في المسجد (4) ، ورجع بعدما تعالى النهار، فقال: ما زلتِ في مجلسكِ هذا منذ خرجت، بعد؟ قالت: نعم، فقال: \"لقد قلت، بعدك أربع كلمات، ثلاث مرات، لو وزِنَتْ بكلماتك لوزنتهنّ: سبحان الله وبحمده عددَ خلقه، ورضاءَ نفسهِ، وزِنَةَ عرشهِ، ومدادَ كلماتِهِ\" (5) .\r{ يُخْرِج الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (19) }\rقوله تعالى: { يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ }\r__________\r(1) أخرجه الإمام في الموطأ: 1 / 209-210، والبخاري في الدعوات، باب فضل التسبيح: 11 / 206، ومسلم في الذكر والدعاء، باب فضل التهليل والتسبيح برقم (2691): 4 / 2071، والمصنف في شرح السنة: 5 / 40.\r(2) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء برقم (2692): 4 / 2071، والمصنف في شرح السنة: 5 / 42.\r(3) أخرجه البخاري في الأيمان والنذور، باب إذا قال: والله لا أتكلم اليوم: 11 / 566، وفي مواضع أخرى، ومسلم في الموضع السابق، برقم (2694): 4 / 2072، والمصنف في شرح السنة: 5 / 42.\r(4) في صحيح مسلم. \"مسجدها\". وهو موضع صلاتها.\r(5) أخرجه مسلم في كتاب الزهد ، باب قصة أصحاب الأخدود والساحر والراهب والغلام برقم (3005 ( 4 / 2299.","part":6,"page":265},{"id":2414,"text":"قرأ حمزةُ والكسائي: \"تَخْرُجُون\" بفتح التاء وضم الراء، وقرأ الباقون بضم التاء وفتح الراء.\r{ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23) وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنزلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24) }\r{ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ } أي: خلق أصلكم يعني آدم من تراب، { ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ } تنبسطون في الأرض. { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } قيل: من جنسكم من بني آدم. وقيل: خلق حواء من ضلع آدم (1) ، { لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً } جعل بين الزوجين المودة والرحمة فهما يتوادّان ويتراحمان، وما شيء أحب إلى أحدهما من الآخر من غير رحم بينهما، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } في عظمة الله وقدرته. { وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ } يعني: اختلاف اللغات من العربية والعجمية وغيرهما، { وَأَلْوَانِكُم } أبيض وأسود وأحمر، وأنتم ولد رجل واحد وامرأة واحدة، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ } قرأ حفص: { لِلْعَالِمِينَ } (2) بكسر اللام. { وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ } أي: منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار، أي: تصرفكم في طلب المعيشة، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } سماع تدبر واعتبار.\r__________\r(1) تقدم فيما سبق أنه ليس هناك نص صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. والله أعلم.\r(2) في الأصل ضبطت بفتح اللام على ما اختاره المصنف.","part":6,"page":266},{"id":2415,"text":"{ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (25) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (26) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) }\r{ وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا } للمسافر من الصواعق، { وَطَمَعًا } للمقيم في المطر. { وَيُنزلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ } يعني بالمطر (1) { الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } أي: بعد يبسها\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".","part":6,"page":266},{"id":2416,"text":"وجدوبتها، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأرْضُ بِأَمْرِهِ } قال ابن مسعود: قامتا على غير عمد بأمره. وقيل: يدوم قيامها بأمره (1) { ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ } قال ابن عباس: من القبور، { إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ } منها، وأكثر العلماء على أن معنى الآية: ثم إذا دعاكم دعوة إذا أنتم تخرجون من الأرض. { وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ } مطيعون، قال الكلبي: هذا خاص لمن كان منهم مطيعًا. وعن ابن عباس: كل له مطيعون في الحياة والبقاء والموت والبعث وإن عصوا في العبادة (2) . { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } يخلقهم أولا ثم يعيدهم بعد الموت للبعث، { وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } قال الربيع بن خيثم، والحسن، وقتادة، والكلبي: أي: هو هين عليه وما شيء عليه بعزيز، وهو رواية العوفي عن ابن عباس. وقد يجيء أفعل بمعنى الفاعل كقول الفرزدق؟ إنَّ الذي سَمَكَ السماءَ بَنَى لنا ... بَيْتًا دعائِمُه أعزُّ وأَطْوَلُ (3)\rأي: عزيزة طويلة.\rوقال مجاهد وعكرمة: \"وهو أهون عليه\": أي: أيسر (4) ، ووجهه أنه على طريق ضرب المثل،\r__________\r(1) أي: تثبت، كقوله تعالى: \"وإذا أظلم عليهم قاموا\"، وهذا كثير، قاله ابن عطية: 12 / 253، وانظر: معاني القرآن للنحاس: 5 / 254.\r(2) انظر شرحا لهذا في: المحرر الوجيز: 12 / 254-255.\r(3) البيت في ديوان الفرزدق ص (714) وهو من شواهد الطبري: 21 / 37، وأبي عبيدة: 2 / 121.وانظر المحرر الوجيز: 12 / 255، معاني القرآن للنحاس: 5 / 256، وهو ترجيح الطبري.\r(4) قال الفراء: 2 / 324 تعقيبا على قول مجاهد: \"ولا أشتهي ذلك. والقول فيه أنه مثل ضربه الله، فقال: أتكفرون بالبعث؟ فابتداء خلقكم من لا شيء أشد، فالإنشاءة من شيء عندكم يا أهل الكفر ينبغي أن تكون أهون عليه. ثم قال: (وله المثل الأعلى)، فهذا شاهد أنه مثل ضربه الله\" وهذا بمعنى ما فسره المصنف من قول مجاهد. والله أعلم.","part":6,"page":267},{"id":2417,"text":"أي: هو أهون عليه على ما يقع في عقولكم، فإن الذي يقع في عقول الناس أن الإعادة تكون أهون من الإنشاء، أي: الابتداء. وقيل: هو أهون عليه عندكم (1) وقيل: هو أهون عليه، أي: على الخلق، يقومون بصيحة واحدة، فيكون أهون عليهم من أن يكونوا نطفًا، ثم علقًا ثم مضغًا إلى أن يصيروا رجالا ونساءً، وهذا معنى رواية ابن حِبَّان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (2) . { وَلَهُ الْمَثَلُ الأعْلَى } أي: الصفة العليا { فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ } قال ابن عباس: هي أنه ليس كمثله شيء. وقال قتادة: هي أنه لا إله إلا هو (3) ، { وَهُوَ الْعَزِيزُ } في ملكه، { الْحَكِيمُ } في خلقه.\r{ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28) }\r{ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ } أي: بيَّن لكم شبهًا بحالكمُ وذلك المثل من أنفسكمُ ثم بين المثل فقال: { هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } أي: عبيدكم وإمائكم، { مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ } من المال، { فَأَنْتُم } وهم { فِيهِ سَوَاءٌ } أي: هل يشارككم عبيدكم في أموالكم التي أعطيناكم؛ { تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ } أي: تخافون أن يشاركوكم في أموالكم ويقاسموكم كما يخاف الحرّ شريكه الحرّ في المال يكون بينهما أن ينفرد فيه بأمر دونه، وكما يخاف الرجل شريكه في الميراث، وهو يحب أن ينفرد به. قال ابن عباس: تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضًا فإذا لم تخافوا هذا من ماليككم ولم ترضوا ذلك لأنفسكم، فكيف رضيتم أن تكون آلهتكم التي تعبدونها شركائي وهم عبيدي؟ (4) .\r__________\r(1) أي: خاطب العباد بما يعقلون، فأعلمهم أنه يجب أن يكون عندهم البعث أسهل من الابتداء في تقديرهم وحكمهم. انظر: زاد المسير: 6 / 298، المحرر الوجيز: 12 / 256.\r(2) معاني القرآن للفراء: 2 / 324، والنحاس: 5 / 255.\r(3) انظر: الطبري 19 / 38، الدر المنثور: 6 / 491، ابن كثير: 3 / 432.\r(4) انظر: زاد المسير 6 / 299، المحرر الوجيز: 12 / 256-257.","part":6,"page":268},{"id":2418,"text":"ومعنى قوله: \"أنفسكم\"، أي: أمثالكم من الأحرار كقوله: \"ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا\" (النور-12) ، أي: بأمثالهم. { كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } ينظرون إلى هذه الدلائل بعقولهم.\r{ بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (29) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) }\r{ بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا } أشركوا بالله، { أهواءهم } في الشرك، { بِغَيْرِ عِلْمٍ } جهلا بما يجب عليهم، { فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ } [أي: أضله الله] (1) { وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ } مانعين يمنعونهم من عذاب الله عز وجل. قوله تعالى: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ } أي: أخلص دينك لله، قاله سعيد بن جبير، وإقامة الوجه: إقامة الدين، وقال غيره: سدد عملك. والوجه ما يتوجه إليه الإنسان، ودينه وعمله مما يتوجه إليه لتسديده (2) ، { حَنِيفًا } مائلا مستقيمًا عليه، { فِطْرَةَ اللَّهِ } دين الله، وهو نصب على الإغراء، أي: إلزم فطرة الله، { الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا } أي: خلق الناس عليها، وهذا قول ابن عباس وجماعة من المفسرين أن المراد بالفطرة: الدين، وهو الإسلام (3) . وذهب قوم إلى أن الآية خاصة في المؤمنين. وهم الذين فطرهم الله على الإسلام: أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمش الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، أخبرنا أحمد بن يوسف السلمي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه قال: حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"من يُولد يُولد على الفطرة، فأبواه يُهودانه أو يُنصرانه أو يُمجسانه كما تَنْتِجُونَ البهيمة، هل تجدون فيها من جَدْعَاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها؟، قالوا 71/أ يا رسول الله أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: \"الله أعلم بما كانوا عاملين\" (4) .\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) زاد المسير: 6 / 300، ابن كثير: 3 / 433.\r(3) انظر: الطبري 21 / 40، ابن كثير: 3 / 433.\r(4) أخرجه البخاري في القدر، باب الله أعلم بما كانوا عاملين: 7 / 493، وروى جزءا منه في الجنائز وفي التفسير: ومسلم في القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة.. برقم (2658): 4 / 2048، والمصنف في شرح السنة: 1 / 154.وانظر: صحيفة همام بن منبه تحقيق د. رفعت فوزي عبد المطلب ص (259-260).","part":6,"page":269},{"id":2419,"text":"ورواه الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة من غير ذكر من يموت وهو صغير، وزاد: ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: { فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا } (1) . قوله: \"من يولد يولد على الفطرة\" يعني على العهد الذي أخذ الله عليهم بقوله: \"ألست، بربكم قالوا بلى\" (الأعراف-172) ، وكل مولود في العالم على ذلك الإقرار، وهو الحنفية التي وقعت الخِلْقة عليها وإنْ عبد غيره، قال تعالى: \"ولئن سألتهم من خلقهم ليقولنّ الله\" (الزخرف-87) ، وقالوا: \"ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى\" (الزمر-3) ، ولكن لا عبرة بالإيمان الفطري في أحكام الدنيا، وإنما يعتبر الإيمان الشرعي المأمور به المكتسب بالإرادة والفعل، ألا ترى أنه يقول: \"فأبواه يهوِّدانه\"؟ فهو مع وجود الإيمان الفطري فيه محكومٌ له بحكم أبويه الكافرين، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: \"يقول الله تعالى إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم\" (2) . ويحكى معنى هذا عن الأوزاعي، وحماد بن سلمة (3) .\rوحكي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: معنى الحديث إن كل مولود يولد على فطرته، أي: على خلقته التي جُبل عليها في علم الله تعالى من السعادة أو الشقاوة، فكل منهم صائر في العاقبة إلى ما فطر عليها، وعاملٌ في الدنيا بالعمل المُشَاكِل لها، فمن أمارات الشقاوة للطفل أن يولد بين يهوديين أو نصرانيين، فيحملانه -لشقائه-على اعتقاد دينهما (4) . وقيل: معناه أن كل مولود يولد في مبدأ الخلقة [على الفطرة أي على الجِبِلَّة السليمة] (5) والطبع المتهيئ لقبول الدين، فلو ترك عليها لاستمرَّ على لزومها، لأن هذا الدين موجودٌ حُسْنُه في العقول، وإنما يَعْدل عنه من يعدل إلى غيره لآفة من آفات النشوء والتقليد، فلو سلم من تلك الآفات لم يعتقد غيره... ثم يتمثل بأولاد اليهود والنصارى واتباعهم لآبائهم والميل إلى أديانهم فيزلون بذلك على الفطرة السليمة والمحجة المستقيمة. ذكر أبو سليمان الخطابي هذه المعاني في كتابه (6) .\r__________\r(1) البخاري في الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات، 3 / 219.\r(2) قطعة من حديث عياض بن حمار المجاشعي، أخرجه مسلم في الجنة وصفة نعيمها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، برقم (2865): 4 / 2197.\r(3) انظر: شرح السنة: 1 / 157-158، معالم السنن للخطابي: 7 / 83.\r(4) شرح السنة: 1 / 159، معالم السنن للخطابي: 7 / 84-85.\r(5) في معالم السنن للخطابي: (7 / 88) (.. وأصل الجبلة على الفطرة السليمة).\r(6) معالم السنن: 7 / 83-88. وانظر في هذا المبحث: فتح الباري: 3 / 248-251، تفسير ابن كثير: 3 / 433-434، تفسير القرطبي: 14 / 25-30، شفاء العليل لابن القيم ص 568 وما بعدها، تعليق ابن القيم على سنن أبي داود -مع معالم السنن- : 7 / 81-87، صحيفة همام بن منبه ص (260-267)، وراجع فيما سبق: 3 / 298-299.","part":6,"page":270},{"id":2420,"text":"قوله: { لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ } فمن حمل الفطرة على الدين قال: معناه لا تبديل لدين الله، وهو خبر بمعنى النهي، أي: لا تبدلوا دين الله. قال مجاهد، وإبراهيم: معنى الآية الزموا فطرة الله، أي دين الله، واتبعوه ولا تبدلوا التوحيد بالشرك (1) { ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } المستقيم، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } وقيل: لا تبديل لخلق الله أي: ما جبل عليه الإنسان من السعادة والشقاء لا يتبدل، فلا يصير السعيد شقيًا ولا الشقي سعيدًا. وقال عكرمة ومجاهد: معناه تحريم إخصاء البهائم (2) .\r{ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32) }\r__________\r(1) المحرر الوجيز: 12 / 259، الدر: 6 / 493، القرطبي: 14 / 31.\r(2) انظر: الطبري 21 / 41-42، القرطبي: 14 / 31.","part":6,"page":271},{"id":2421,"text":"{ وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (34) }\r{ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ } أي: فأقم وجهك أنت وأمتك منيبين إليه لأن مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم يدخل معه فيها الأمة، كما قال: \"يا أيها النبي إذا طلقتم النساء\" (الطلاق-1) ، { مُنِيبِينَ إِلَيْهِ } أي: راجعين إليه بالتوبة مقبلين إليه بالطاعة، { وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ } { مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا } أي: صاروا فرقا مختلفة وهم اليهود والنصارى (1) . وقيل: هم أهل البدع من هذه الأمة (2) ، { كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } أي: راضون بما عندهم. قوله تعالى: { وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ } قحط وشدة، { دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ } مقبلين إليه بالدعاء، { ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً } خصبا ونعمةُ { إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ } { لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ } ثم خاطب هؤلاء الذين فعلوا هذا خطاب تهديد فقال: { فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } حالكم في الآخرة.\r__________\r(1) رواه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة. انظر الطبري: 21 / 42، الدر: 6 / 495، المحرر الوجيز: 12 / 259.\r(2) وهو قول عائشة وأبي هريرة وأبي أمامة رضي الله عنهم. القرطبي: 14 / 32.","part":6,"page":271},{"id":2422,"text":"{ أَمْ أَنزلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (35) وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (36) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37) فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38) وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39) }\r{ أَمْ أَنزلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا } قال ابن عباس رضي الله عنهما: حجة وعذرًا. وقال قتادة: كتابًا، { فَهُوَ يَتَكَلَّمُ } ينطق، { بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ } أي: ينطق بشركهم ويأمرهم به. { وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً } أي: الخصب وكثرة المطر، { فَرِحُوا بِهَا } يعني فرح البَطَرُ { وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ } أي: الجدب وقلة المطرُ ويقال: الخوف والبلاء { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } السيئات، { إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } ييأسون من رحمة الله، وهذا خلاف وصف المؤمن، فإنه يشكر الله عند النعمة، ويرجو ربه عند الشدة. { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } قوله تعالى: { فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ } البر والصلة، { وَالْمِسْكِينَ } وحقه أن يتصدق عليه، { وَابْنَ السَّبِيلِ } يعني: المسافر، وقيل: هو الضعيف، { ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ } يطلبون ثواب الله بما يعملون، { وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } قوله عز وجل: { وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا } قرأ ابن كثير: \"أتيتم\" مقصورًا، وقرأ الآخرون بالمد، أي: أعطيتم، ومن قصر فمعناه: ما جئتم من ربا، ومجيئوهم ذلك على وجه الإعطاء كما تقول: أتيت خطئًا، وأتيت صوابًا، فهو يؤول في معنى إلى قول مَنْ مدّ. { لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ } قرأ أهل المدينة، ويعقوب: \"لتُرْبُوا\" بالتاء وضمها وسكون الواو على الخطاب، أي: لتُرْبُوا أنتم وتصيروا ذوي زيادة من أموال الناس، وقرأ الآخرون بالياء وفتحها، ونصب الواو وجعلوا الفعل للربا لقوله: { فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّه } في أموال الناس، أي: في اختطاف أموال الناس واجتذابها.","part":6,"page":272},{"id":2423,"text":"واختلفوا في معنى الآية، فقال سعيد بن جبير، ومجاهد، وطاوس، وقتادة، والضحاك، وأكثر المفسرين: هو الرجل يعطي غيره العطية ليثيب أكثر منها فهذا جائز حلال، ولكن لا يثاب عليه في القيامة، وهو معنى قوله عز وجل: \"فلا يربوا عند الله\"، وكان هذا حرامًا على النبي صلى الله عليه وسلم خاصة لقوله تعالى: \"ولا تمننْ تستكثرْ\" (المدثر-6 ) ، أي: لا تعط وتطلب أكثر مما أعطيت (1) . وقال النخعي: هو الرجل يعطي صديقه أو قريبه ليكثر ماله ولا يريد به وجه الله (2) . وقال الشعبي: هو الرجل يلتزق بالرجل فيخدمه ويسافر معه فيجعل له ربح ماله التماس عونه، لا لوجه الله، فلا يربوا عند الله لأنه لم يرد به وجه الله تعالى (3) .\r{ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ } أعطيتم من صدقة { تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ } يضاعف لهم الثواب فيعطون بالحسنة عشر أمثالها 71/ب فالمضعف ذو الأضعاف من الحسنات، تقول العرب: القوم مهزولون ومسمونون: إذا هزلت أو سمنت إبلهم (4) .\r{ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (40) }\r{ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } (5) .\r__________\r(1) انظر الطبري: 21 / 46-47، الدر المنثور: 6 / 495-496، القرطبي: 14 / 36-37، المحرر الوجيز: 12 / 263.\r(2) الطبري: 21 / 47 وهو مروي أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما.\r(3) زاد المسير: 6 / 304 قال ابن عطية: وهو قريب من التفسير الأول.\r(4) في معاني القرآن للفراء: (2 / 325): تقول العرب: أصبحتم مسمنين معطشين إذا عطشت إبلهم أو سمنت.\r(5) يقول الله تعالى ذكره للمشركين به، معرفهم قبح فعلهم، وخبث صنيعهم: الله -أيها القوم- الذي لا تصلح العبادة إلا له، ولا ينبغي أن تكون لغيره، هو الذي خلقكم ولم تكونوا شيئا، ثم رزقكم وخولكم، ولم تكونوا تملكون قبل ذلك، ثم هو يميتكم من بعد أن خلقكم أحياء، ثم يحييكم من بعد مماتكم لبعث القيامة.\rوقوله: \"هل من شركائكم...\" هل من آلهتكم وأوثانكم التي تجعلونها لله في عبادتكم إياه شركاء من يفعل من ذلكم من شيء، فيخلق أو يرزق، أو يميت أو ينشر. وهذا من الله: تقريع لهؤلاء المشركين. وإنما معنى الكلام أن شركاءهم لا تفعل شيئا من ذلك، فكيف يعبد من دون الله ما لا يفعل شيئا من ذلك. ثم برأ نفسه -تعالى ذكره- عن الفرية التي افتراها هؤلاء المشركون عليه -بزعمهم أن آلهتهم له شركاء- فقال جل ثناؤه: \"سبحانه\" أي: تنزيها وتبرئة. \"وتعالى\" يقول: وعلوا له. \"عما يشركون\" يقول: عن شرك هؤلاء المشركين به. انظر: الطبري: 21 / 48.","part":6,"page":273},{"id":2424,"text":"{ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) }\rقوله عز وجل: { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } يعني: قحط المطر وقلة النبات، وأراد بالبر البوادي والمفاوز، وبالبحر المدائن والقرى التي هي على المياه الجارية. قال عكرمة: العرب تسمي المصر بحرًا، تقول: أجدب البر وانقطعت مادة البحر (1) ، { بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ } أي: بشؤم ذنوبهم، وقال عطية وغيره: \"البر\" ظهر الأرض من الأمصار وغيرها، و\"البحر\" هو البحر المعروف، وقلة المطر كما تؤثر البر تؤثر في البحر فتخلوا أجواف الأصداف لأن الصدف إذا جاء المطر يرتفع إلى وجه البحر ويفتح فاه فما يقع في فيه من المطر صار لؤلؤا. وقال ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد: الفساد في البر: قتل أحدا بني آدم أخاه، وفي البحر: غصب الملك الجائر السفينة.\rقال الضحاك: كانت الأرض خضرة مونقة لا يأتي ابن، آدم شجرةً إلا وجد عليها ثمرة، وكان ماء البحر عذبًا وكان لا يقصد الأسد، البقرَ والغنمَ، فلما قتل قابيل وهابيل اقشعرت الأرض وشاكت الأشجار وصار ماء البحر ملحًا زعافًا وقصد الحيوان بعضها بعضًا (2) قال قتادة: هذا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم امتلأت الأرض ظلما وضلالة، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم رجع راجعون من الناس بما كسبت أيدي الناس من المعاصي، يعني كفار مكة (3) .\r{ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا } أي: عقوبة بعض الذي عملوا من الذنوب، { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } عن الكفر وأعمالهم الخبيثة.\r__________\r(1) معاني القرآن للفراء: 2 / 325.\r(2) قال الطبري (21 / 50): \"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن الله تعالى ذكره، أخبر أن الفساد قد ظهر في البر والبحر عند العرب في الأرض والقفار، والبحر بحران: بحر ملح، وبحر عذب، فهما جميعا عندهم بحر، ولم يخصص -جل ثناؤه- الخبر عن ظهور ذلك في بحر دون بحر، فذلك على ما وقع عليه اسم بحر، عذبا كان أو ملحا. وإذا كان ذلك كذلك، دخل القرى التي على الأنهار والبحار\". وقال ابن عطية: (12 / 265): وظهور الفساد فيما هو بارتفاع البركات ونزول رزايا، وحدوث فتن، وتغلب عدو كافر، وهذه الثلاثة توجد في البر والبحر.. وقلما توجد أمة فاضلة مطيعة، مستقيمة الأعمال، إلا يدفع الله عنها هذه. والأمر بالعكس في أهل المعاصي وبطر النعمة، وكذلك كان أمر البلاد في وقت مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، قد كان الظلم عم الأرض برا وبحرا، وقد جعل الله هذه الأشياء ليجازي بها على المعاصي فيذيق الناس عاقبة إذنابهم (مصدر أذنب) لعلهم يتوبون ويراجعون بصائرهم في طاعة الله تعالى\".\r(3) البحر المحيط: 7 / 176.","part":6,"page":274},{"id":2425,"text":"{ قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (42) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (43) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (44) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (45) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47) }\r{ قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ } لتروا منازلهم ومساكنهم خاوية، { كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ } أي: كانوا مشركين، فأهلكوا بكفرهم. { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ } المستقيم وهو دين الإسلام { مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ } يعني: يوم القيامة، لا يقدر أحد على رده من الله، { يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ } أي: يتقرفون فريق في الجنة وفريق في السعير. { مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ } أي: وبال كفره، { وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ } يوطئون المضاجع ويسوونها في القبور. { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليثيبهم الله أكثر من ثواب أعمالهم، { إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } قوله عز وجل: { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ } تبشر بالمطر، { وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ } نعمة، المطر وهي الخصب، { وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ } بهذه الرياح، { بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِه } لتطلبوا من رزقه بالتجارة في البحر، { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } رب هذه النعم. قوله تعالى: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ } بالدلالات الواضحات على صدقهم، { فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا } عذّبنا الذين كذبوهم ، { وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } وإنجاؤهم من العذاب، ففي هذا تبشير للنبي صلى الله عليه وسلم بالظفر في العاقبة والنصر على الأعداء. قال الحسن: أنجاهم مع الرسل من عذاب الأمم.","part":6,"page":275},{"id":2426,"text":"أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا أحمد بن زنجويه، أخبرنا أبو شيخ الحراني، أخبرنا أبو موسى بن أعين، عن ليث بن أبي سليم، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"ما من مسلم يردّ عن عِرض أخيه إلا كان حقًا على الله أن يردّ عنه نار جهنم يوم القيامة\"، ثم تلا هذه الآية \"وكان حقًا علينا نصر المؤمنين\" (1) .\r{ اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (48) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (49) }\r{ اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا } أي: ينشره، { فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ } مسيرة يوم أو يومين وأكثر على من يشاء، { وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا } قطعًا متفرقةُ { فَتَرَى الْوَدْقَ } المطر، { يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ } وسطه، { فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ } أي: بالودق، { مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } يفرحون بالمطر. { وَإِنْ كَانُوا } وقد كانوا، { مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ } أي آيسين، وقيل: \"وإن كانوا\"، أي: وما كانوا إلا مبلسين، وأعاد قوله: \"من قبله\" تأكيدًا (2) . وقيل: الأولى ترجع إلى إنزال المطر، والثانية إلى إنشاء السحاب (3) . وفي حرف عبد الله بن مسعود: وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم لمبلسين، غير مكرر.\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في البر والصلة، باب ما جاء في الذب عن المسلم: 6 / 58، وقال: \"هذا حديث حسن\". والطبراني في الكبير: 24 / 175-176. قال ابن حجر: \"ورواه إسحاق والطبراني وأبو يعلى وابن عدي من طريق شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد نحوه مرفوعا، وإسناده ضعيف، واختلف فيه على شهر بن حوشب، فقال القداح عنه: هكذا، وقال ليث: عنه عن أبي هريرة، أخرجه ابن مردويه\". انظر الكافي الشاف ص (129)، الفتح السماوي: 2 / 907-908، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 5 / 290-295.\r(2) رجحه الطبري: 21 / 54، وانظر: المحرر الوجيز: 12 / 269، زاد المسير: 6 / 309.\r(3) قال ابن الأنباري: والمعنى من قبل نزول المطر، من قبل المطر، وهذا مثلما يقول القائل: آتيك من قبل أن تتكلم، من قبل أن تطمئن في مجلسك. فلا تنكر عليه الإعادة، لاختلاف الشيئين\". انظر: زاد المسير: 6 / 309، الطبري: 21 / 54.","part":6,"page":276},{"id":2427,"text":"{ فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (50) }","part":6,"page":277},{"id":2428,"text":"{ وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (51) فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (52) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (53) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54) }\r{ فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ } هكذا قرأ أهل الحجاز، والبصرة، وأبو بكر (1) . وقرأ الآخرون: { إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ } على الجمع، أراد برحمة الله: المطر، أي: انظر إلى حسن تأثيره في الأرض، وقال مقاتل: أثر رحمة الله أي: نعمته وهو النبت، { كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى } يعني: أن ذلك الذي يحي الأرض لمحيي الموتى، { وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } { وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا } باردة مضرة فأفسدت الزرع، { فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا } أي: رأوا النبت والزرع مصفَرًّا بعد الخضرة، { لَظَلُّوا } لصاروا، { مِنْ بَعْدِهِ } أي: من بعد اصفرار الزرع، { يَكْفُرُون } يجحدون ما سلف من النعمة، يعني: أنهم يفرحون عند الخصب، ولو أرسلت عذابًا على زرعهم جحدوا سالف نعمتي. { فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ } (2) . { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ } قرئ بضم الضاد وفتحها، فالضم لغة قريش، والفتح لغة تميم، ومعنى \"من ضعف\"، أي: من نطفة، يريد من ذي ضعف، أي: من ماء ذي ضعف كما قال\r__________\r(1) إشارة إلى أن المصنف رحمه الله قدم الأفراد \"أثر\" وهي المثبتة في المخطوطة. وقد تكرر مثل هذا، وسيأتي أيضا.\r(2) يقول تعالى: كما أنك ليس في قدرتك أن تسمع الأموات في أجدائها، ولا تبلغ كلامك الصم الذين لا يسمعون، وهم مع ذلك مدبرون عنك، كذلك لا تقدر على هداية العميان عن الحق وردهم عن ضلالتهم، بل ذلك إلى الله، فإنه تعالى بقدرته يسمع الأموات أصوات الأحياء إذا شاء ويهدي من يشاء ويضل من يشاء، وليس ذلك لأحد سواه، ولهذا قال تعالى: \"إن تسمع من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون\" أي: خاضعون مستجيبون مطيعون، فأولئك هم الذين يسمعون الحق ويتبعونه وهذا حال المؤمنين، والأول مثل الكافرين\". انظر: تفسير ابن كثير: 3 / 439.","part":6,"page":277},{"id":2429,"text":"تعالى: \"ألم نخلقكم من ماء مهين\" (المرسلات-20) ، { ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً } بعد ضعف الطفولية شبابًا، وهو وقت القوة، { ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا } هرمًا، { وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ } الضعف والقوة والشباب والشيبة، { وَهُوَ الْعَلِيمُ } بتدبير خلقه، { الْقَدِيرُ } على ما يشاء.\r{ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (55) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (56) }\r{ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ } يحلف المشركون، { مَا لَبِثُوا } في الدنيا، { غَيْرَ سَاعَةٍ } إلا ساعة، استقلُّوا أجل الدنيا لمَّا عاينوا الآخرة. وقال مقاتل والكلبي: ما لبثوا في قبورهم غير ساعة كما قال: \"كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار\" (الأحقاف-35) . { كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ } يصرفون عن الحق في الدنيا، قال الكلبي ومقاتل: كذبوا في قولهم غير ساعة كما كذبوا في الدنيا أن لا بعث. والمعنى أن الله أراد أن يفضحهم فحلفوا على شيء تبين لأهل الجمع أنهم كاذبون فيه (1) ، وكان ذلك بقضاء الله وبقدره بدليل قوله: \"يؤفكون\"، أي: يصرفون عن الحق. ثم ذكر إنكار المؤمنين عليهم كذبهم فقال: { وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ } { وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ } أي: فيما كتب الله لكم في سابق علمه من اللبث في القبور (2) . وقيل: \"في كتاب الله\" أي: في حكم الله (3) ، وقال قتادة ومقاتل: فيه تقديم وتأخير معناه. وقال الذين أوتوا العلم في كتاب الله والإيمان: لقد لبثتم إلى يوم البعث، يعني الذين يعلمون كتاب الله (4) ، وقرأوا قوله تعالى: \"ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون\" (المؤمنون-100) ، أي: قالوا للمنكرين: لقد لبثتم، { إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ } الذي كنتم تنكرونه في الدنيا، { وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } وقوعه في الدنيا فلا ينفعكم العلم به الآن بدليل قوله تعالى:\r__________\r(1) زاد المسير: 6 / 311، معاني القرآن للفراء: 2 / 326.\r(2) الطبري: 21 / 58، زاد المسير: 6 / 312.\r(3) البحر المحيط: 7 / 180.\r(4) نقل الطبري عن قتادة غير هذا فقال: وتأويلها: وقال الذين أوتوا الإيمان والعلم: لقد لبثتم في كتاب الله. ورد ذلك ابن عطية فقال: ولا يحتاج إلى هذا، بل ذكر العلم يتضمن الإيمان، ولا يصف الله بعلم من لم يعلم كل ما يوجب الإيمان، ثم ذكر الإيمان بعد ذلك تنبيها عليه وتشريفا لأمره، فنبه على مكان الإيمان وخصه بالذكر تشريفا. انظر: الطبري: 21 / 57، المحرر الوجيز: 12 / 272.","part":6,"page":278},{"id":2430,"text":"{ فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ }\r{ فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (57) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا مُبْطِلُونَ (58) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (59) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (60) }\r{ فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ } يعني عذرهم، { وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } لا يطلب منهم العتبى والرجوع في الآخرة، قرأ أهل الكوفة: { لا يَنْفَعُ } بالياء هاهنا وفي \"حم\" المؤمن [ووافق نافع في \"حم\" المؤمن] (1) ، وقرأ الباقون بالتاء فيهما. { وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلا مُبْطِلُونَ } ما أنتم إلا على باطل. { كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ } توحيد الله. { فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } في نصرتك وإظهارك على عدوك { وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ } لا يستجهلنك، معناه: لا يحملنك الذين لا يوقنون على الجهل واتباعهم في الغي. وقيل: لا يستخفن رأيك وحلمك، { الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ } بالبعث والحساب.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".","part":6,"page":279},{"id":2431,"text":"سورة لقمان مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ الم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (2) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (3) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6) }\r{ الم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ هُدًى وَرَحْمَةً } قرأ حمزة: \"ورحمةٌ\" بالرفع على الابتداء، أي: هو هدى ورحمة، وقرأ الآخرون بالنصب على الحال { للمحسنين } { الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ } الآية. قال الكلبي، ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة كان يتّجر فيأتي الحيرة ويشتري أخبار العجم ويحدث بها قريشًا، ويقول: إن محمدًا يحدثكم بحديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار وأخبار الأكاسرة، فيستملِحُون\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أنزلت سورة لقمان بمكة. وأخرج النحاس في تاريخه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سورة لقمان نزلت بمكة سوى ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام) إلى تمام الآيات الثلاث. وأخرج النسائي وابن ماجه عن البراء رضي الله عنه قال: كنا نصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم الظهر، ونسمع منه الآية بعد الآية من سورة لقمان والذاريات. وانظر: الدر المنثور 6 / 503.","part":6,"page":280},{"id":2432,"text":"حديثه ويتركون استماع القرآن، فأنزل الله هذه الآية (1) . وقال مجاهد: يعني شراء القيان والمغنيين (2) ، ووجه الكلام على هذا التأويل: من يشتري [ذات لَهْوِ أو] ذَا لَهْوِ الحديث. أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق المزكي، حدثنا جدي محمد بن إسحاق بن خزيمة، أخبرنا علي بن حجر، أخبرنا مشعل بن ملحان الطائي، عن مطرح بن يزيد، عن عبد الله بن زجر، عن علي بن يزيد، عن القاسم بن عبد العزيز، عن أبي أُمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا يحل تعليم المغنيات ولا يبعهن وأثمانهن حرام\"، وفي مثل هذا أنزلت هذه الآية: \"ومن الناس من يشتري لَهْوَ الحديث ليُضلَ عن سبيل الله\"، وما من رجل يرفع صوته بالغناء إلا بعث الله عليه شيطانين: أحدهما على هذا المنكب، والآخر على هذا المنكب، فلا يزالانِ يضربانه بأرجلهما حتى يكون هو الذي يسكت (3) .\rأخبرنا عبد الرحمن بن أحمد القفال، أخبرنا أبو منصور أحمد بن الفضل البروجُردي، أخبرنا أبو أحمد بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي، أخبرنا محمد بن غالب بن تمام، أخبرنا خالد بن أبي يزيد، عن هشام هو ابن حسان، عن محمد هو ابن سيرين، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم \"نهى عن ثمن الكلب وكسب الزمارة\" (4) . قال مكحول: من اشترى جارية ضَّرابة ليمسكها لغنائها وضربها مقيما عليه حتى يموت لم أصلِّ عليه، إن الله يقول: \"ومن الناس من يشتري لهو الحديث\" الآية (5) . وعن عبد الله بن مسعود، وابن عباس، والحسن، وعكرمة، وسعيد بن جبير قالوا: \"لهو الحديث\" هو الغناء، والآية نزلت فيه. ومعنى قوله: { يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ } أي: يستبدل ويختار الغناء والمزامير والمعازف على القرآن، قال أبو الصباء البكري سألت ابن مسعود عن هذه الآية فقال: هو الغناء، والله الذي لا إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات (6) .\r__________\r(1) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (400).\r(2) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (400).\r(3) أخرجه ابن ماجه: التجارات، باب: ما لا يحل بيعه برقم: (2168) 2 / 733، والإمام أحمد: 5 / 252، والطبري: 21 / 60، وأخرجه بنحوه الترمذي: في التفسير: 9 / 54-55، وقال: (هذا حديث غريب إنما يروى من حديث القاسم عن أبي أمامة، والقاسم ثقة، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث، قاله محمد بن إسماعيل.\r(4) أخرجه البيهقي: 6 / 126، والخطيب في تاريخ بغداد: 7 / 369، 8 / 304 والمصنف في شرح السنة: 8 / 23.\r(5) انظر: الدر المنثور: 6 / 505.\r(6) أخرجه الطبري: 21 / 61.","part":6,"page":284},{"id":2433,"text":"وقال إبراهيم النخعي: الغناء ينبت النفاق في القلب (1) ، وكان أصحابنا يأخذون بأفواه السكك يخرقون الدفوف. وقيل: الغناء رُقيةُ الزنا (2) . وقال ابن جريج: هو الطبل (3) وعن الضحاك قال: هو الشرك (4) . وقال قتادة: هو كل لهو ولعب (5) . { لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ } أي: يفعله عن جهل. قال قتادة: بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق.\rقوله تعالى: { وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا } أي: يتخذ آيات الله هزوًا. قرأ حمزة، والكسائي، وحفص، ويعقوب: { وَيَتَّخِذَهَا } بنصب الدال عطفًا على قوله: \"ليضل\"، وقرأ الآخرون بالرفع نسقًا على قوله: \"يشتري\". { أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ }\r{ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (7) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (8) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10) }\r{ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ } { خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ } حسن.\r__________\r(1) أخرجه البيهقي: 10 / 223، وزاد السيوطي في الدر المنثور: 6 / 505 نسبته لابن أبي الدنيا.\r(2) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 506 لابن أبي الدنيا والبيهقي.\r(3) أخرجه الطبري: 21 / 63.\r(4) أخرجه الطبري : 21 / 63.\r(5) وهو ما رجحه الطبري: 21 / 63 إذ قال: (عنى به كل ما كان من الحديث ملهبا عن سبيل الله مما نهى الله عن استماعه أو رسوله، لأن الله تعالى عم بقوله: (لهو الحديث) ولم يخصص بعضا دون بعض فذلك على عمومه حتى يأتي ما يدل على خصوصه، والغناء والشرك من ذلك).","part":6,"page":285},{"id":2434,"text":"{ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (11) }","part":6,"page":286},{"id":2435,"text":"{ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12) }\r{ هَذَا } يعني الذي ذكرت مما تعاينون، { خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ } من آلهتكم التي تعبدونها، { بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } قوله تعالى: { وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ } يعني: العقل والعلم والعمل به والإصابة في الأمور. قال محمد بن إسحاق: وهو لقمان بن ناعور بن ناحور بن تارخ وهو آزر. وقال وهب: كان ابن أخت أيوب (1) ، وقال [مقاتل: ذكر أنه كان ابن خالة أيوب (2) ] (3) . قال الواقدي: كان قاضيًا في بني إسرائيل (4) .\rواتفق العلماء على أنه كان حكيمًا، ولم يكن نبيًا، إلا عكرمة فإنه قال: كان لقمان نبيًا. وتفَّرد بهذا القول. وقال بعضهم: خيّر لقمان بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة (5) . وروي أنه كان نائمًا نصف النهار فنُودي: يا لقمان، هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض لتحكم بين الناس بالحق؟ فأجاب الصوت فقال: إن خيرني ربي قبلت العافية، ولم أقبل البلاء، وإن عزم علي فسمعًا وطاعة، فإني أعلم إن فعل بي ذلك أعانني وعصمني، فقالت الملائكة بصوت لا يراهم: لِمَ يا لقمان؟ قال: لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها، يغشاها الظلم من كل مكان أن يعدل فبالحري أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكن في الدنيا ذليلا خير من أن يكون\r__________\r(1) انظر البحر المحيط: 7 / 186.\r(2) انظر البحر المحيط: 7 / 186.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(4) انظر البحر المحيط: 7 / 186.\r(5) قال الحافظ ابن كثير في التفسير: 3 / 444: (اختلف السلف في لقمان هل كان نبيا أو عبدا صالحا من غير نبوة؟ على قولين، الأكثرون على الثاني، (يعني أنه لم يكن نبيا) ثم ذكر بعض الآثار، منها ما هو مصرح فيه بنفي كونه نبيا، ومنها ما هو مشعر بذلك، وفي بعضها ما يشعر أنه كان عبدا قد مسه الرق، فقال: وكونه عبدا قد مسه الرق ينافي كونه نبيا، لأن الرسل كانت تبعث في أحساب قومها، قال: ولهذا كان جمهور السلف على أنه لم يكن نبيا، قال: وإنما ينقل كونه نبيا عن عكرمة إن صح السند إليه قال: فإنه رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم من حديث وكيع عن إسرائيل عن جابر عن عكرمة، قال: كان لقمان نبيا، قال: وجابر هذا، هو ابن يزيد الجعفي، وهو ضعيف، والله أعلم. ثم قال ابن كثير: والذي رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله تعالى: (ولقد آتينا لقمان الحكمة) أي: الفقه في الإسلام، ولم يكن نبيا، ولم يوح إليه) أ.هـ. فهذا يدل على أنه كان عبدا صالحا ولم يكن نبيا.","part":6,"page":286},{"id":2436,"text":"شريفًا، ومن يخير الدنيا على الآخرة تفتنه الدنيا ولا يصيب الآخرة. فعجبت الملائكة من حسن منطقه، فنام نومة فأعطي الحكمة، فانتبه وهو يتكلم بها، ثم نُودي داود بعده فقبلها ولم يشترط ما اشترط لقمان، فهوى في الخطيئة غير مرة، كل ذلك يعفو الله عنه، وكان لقمان يؤازره بحكمته (1) . وعن خالد الربعي قال: كان لقمان عبدًا حبشيًا نجارًا (2) . وقال سعيد بن المسيب: كان خياطًا (3) . وقيل: كان راعي غنم. فروي أنه لقيه رجل وهو يتكلم بالحكمة فقال: ألست فلانًا الراعي فبِمَ بلغتَ ما بلغت؟ قال: بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعنيني (4) . وقال مجاهد: كان عبدًا أسود عظيم الشفتين مشقق القدمين (5) . قوله عز وجل: { أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ }\r{ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) }\r{ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ } واسمه أنعم، ويقال: مشكم، { وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } قرأ ابن كثير: \"يا بنْي لا تشرك بالله\" بإسكان الياء، وفتحها حفص، والباقون بالكسر، \"يا بني إنها\" بفتح الياء حفص، والباقون بالكسر، \"يا بني أقم الصلاة\"، بفتح الياء البزي عن ابن كثير وحفص، وبإسكانها القواس، والباقون بكسرها. { وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ } قال ابن عباس: شدة بعد شدة. وقال الضحاك: ضعفًا على ضعف. قال مجاهد: مشقة على مشقة. وقال الزجاج: المرأة إذا حملت توالى عليها الضعف والمشقة. ويقال: الحمل ضعف، والطلق ضعف، والوضع ضعف. { وَفِصَالُه } أي: فطامه، { فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ } المرجع، قال سفيان بن عيينة في هذه الآية: من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا للوالدين في أدبار الصلوات الخمس فقد شكر الوالدين.\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 510-511 للحكيم الترمذي في نوادر الأصول. والعزو إليه مؤذن بالضعف.\r(2) أخرجه الطبري: 21 / 67-68.\r(3) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 510 لابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن المنذر.\r(4) انظر: الطبري 21 / 68، والدر المنثور: 6 / 512.\r(5) أخرجه الطبري: 21 / 67.","part":6,"page":287},{"id":2437,"text":"{ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16) }\r{ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } أي: بالمعروف، وهو البر و الصلة والعشرة الجميلة، { وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ } أي: دين من أقبل إلى طاعتي، وهو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. قال عطاء عن ابن عباس: يريد أبا بكر، وذلك أنه حين أسلم أتاه عثمان، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، فقالوا له: قد صدّقت هذا الرجل وآمنت به؟ قال: نعم، هو صادق، فآمنوا به، ثم حملهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى أسلموا، فهؤلاء لهم سابقة الإسلام. أسلموا بإرشاد أبي بكر (1) . قال الله تعالى: { وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ } يعني أبا بكر، { ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } وقيل: نزلت هاتان الآيتان في سعد بن أبي وقاص وأمه، وقد مضت القصة وقيل: الآية عامة في حق كافة الناس. { يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ } الكناية في قوله: \"إنها\" راجعة إلى الخطيئة، وذلك أن ابن لقمان قال لأبيه: يا أبت إن عملت الخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله؟ فقال: { يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ } قال قتادة: تكن في جبل. وقال ابن عباس: في صخرة تحت الأرضين السبع، وهي التي تكتب فيها أعمال الفجار (2) ، وخضرة السماء منها. قال السدي: خلق الله الأرض على حوت -وهو النون الذي ذكر الله عز وجل في القرآن \"ن والقلم\" -والحوت في الماء، والماء ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة،\r__________\r(1) انظر: سيرة ابن هشام: 1 / 250-252، الواحدي في أسباب النزول ص 401.\r(2) انظر: ابن كثير: 3 / 447 وقد قال معقبا: (كأنه متلقي من الإسرائليات التي لا تصدق ولا تكذب)، البحر المحط: 7 / 188.","part":6,"page":288},{"id":2438,"text":"وهي الصخرة التي ذكرها لقمان ليست في السماء ولا في الأرض، والصخرة على الريح (1) { أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ } باستخراجها، { خَبِيرٌ } عالم بمكانها، قال الحسن: معنى الآية هو الإحاطة بالأشياء، صغيرها وكبيرها، وفي بعض الكتب إن هذه الكلمة آخر كلمة تكلم بها لقمان فانشقت مرارته من هيبتها فمات.\r{ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ (17) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19) }\r{ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَك } يعني من الأذى، { إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ } يريد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى فيهما، من الأمور الواجبة التي أمر الله بها، أو من الأمور التي يُعْزم عليها لوجوبها. { وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ } قرأ ابن كثير، وابن عامر، وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب: \"ولا تصعِّر\" بتشديد العين من غير ألف، وقرأ الآخرون: \"تصاعر\" بالألف، يقال: صعر وجهه وصاعر: إذا مال وأعرض تكبرًا، ورجل أصعر: أي: مائل العنق. قال ابن عباس: يقول: لا تتكبر فتحقِّر الناس وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك. وقال مجاهد: هو الرجل يكون بينك وبينه إحنة فتلقاه فيعرض عنك بوجهه. وقال عكرمة: هو الذي إذا سُلِّم عليه لَوَى عنقه تكبرا. وقال الربيع بن أنس وقتادة: ولا تحتقر الفقراء ليكن 73/أ الفقر والغني عندك سواء، { وَلا تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا } خيلاء { إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبّ، كُلَّ مُخْتَالٍ } في مشيه { فَخُورٍ } على الناس. { وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ } أي: ليكن مشيك قصدًا لا تخيلا ولا إسراعًا. وقال عطاء: امش بالوقار والسكينة، كقوله: \"يمشون على الأرض هونا\" (الفرقان-63) ، { وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ } انقص من صوتك، وقال مقاتل: اخفض صوتك { إِنَّ أَنْكَرَ الأصْوَاتِ } أقبح الأصوات، { لَصَوْتُ الْحَمِيرِ } أوله زفير وآخره شهيق، وهما صوت أهل النار.\r__________\r(1) انظر البحر المحيط: 7 / 188، الدر المنثور: 6 / 522-523.","part":6,"page":289},{"id":2439,"text":"وقال موسى بن أعين: سمعت سفيان الثوري يقول في قوله: { إِنَّ أَنْكَرَ الأصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ } قال: صياح كل شيء تسبيح لله إلا الحمار (1) . وقال جعفر الصادق في قوله: { إِنَّ أَنْكَرَ الأصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ } قال: هي العطسة القبيحة المنكرة. قال وهب: تكلم لقمان باثنى عشر ألف باب من الحكمة، أدخلها الناس في كلامهم وقضاياهم وحكمه: قال خالد الربعي: كان لقمان عبدًا حبشيًا فدفع مولاه إليه شاة وقال: اذبحها وائتني بأطيب مضغتين منها، فأتاه باللسان والقلب، ثم دفع إليه شاة أخرى، وقال: اذبحها وائتني بأخبث مضغتين منها فأتاه باللسان والقلب، فسأله مولاه، فقال: ليس شيء أطيب منهما إذا طابا ولا أخبث منهما إذا خبثا (2) .\r__________\r(1) انظر: زاد المسير: 6 / 323.\r(2) أخرجه الطبري: 21 / 67-68، والإمام أحمد في الزهد ص 49، وابن أبي شيبة: 13 / 214.","part":6,"page":290},{"id":2440,"text":"{ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ (20) }\rقوله تعالى: { أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ } أتم وأكمل، { نِعَمَه } قرأ أهل المدينة، وأبو عمرو، وحفص: \"نعَمهُ\" بفتح العين وضم الهاء على الجمع، وقرأ الآخرون منونة على الواحد، ومعناها الجمع أيضا كقوله: \"وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها\" (إبراهيم-14) ، { ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً } قال عكرمة عن ابن عباس: النعمة الظاهرة: الإسلام والقرآن، والباطنة: ما ستر عليك من الذنوب ولم يعجل عليك بالنقمة (1) وقال الضحاك: الظاهرة: حسن الصورة وتسوية الأعضاء، والباطنة: المعرفة. وقال مقاتل: الظاهرة: تسوية الخلق، والرزق، والإسلام. والباطنة: ما ستر من الذنوب (2) . وقال الربيع: الظاهرة بالجوارح، والباطنة: بالقلب. وقيل: الظاهرة: الإقرار باللسان، والباطنة: الإعتقاد بالقلب. وقيل: الظاهرة: تمام الرزق والباطنة: حسن الخلق. وقال عطاء: الظاهرة: تخفيف الشرائع، والباطنة: الشفاعة.\r__________\r(1) رواه البيهقي في الشعب: 8 / 419 بإسنادين ضعيفين.\r(2) رواه البيهقي في الشعب: 8 / 418، وابن أبي الدنيا في الشكر ص: 109 بإسناد ضعيف.","part":6,"page":290},{"id":2441,"text":"وقال مجاهد: الظاهرة: ظهور الإسلام والنصر على الأعداء، والباطنة: الإمداد بالملائكة. وقيل: الظاهرة: الإمداد بالملائكة، والباطنة: إلقاء الرعب في قلوب الكفار. وقال سهل بن عبد الله: الظاهرة: اتباع الرسول، والباطنة: محبته. { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ } نزلت في النضر بن الحارث، وأُبيّ بن خلف، وأُمية بن خلف، وأشباههم كانوا يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم في الله وفي صفاته بغير علم (1) ، { وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ }\r{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21) وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ (22) وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (23) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (24) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (25) }\r{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا } قال الله عز وجل: { أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ } وجواب \"لو\" محذوف، ومجازه: يدعوهم فيتبعونه، يعني: يتبعون الشيطان وإن كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير. { وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ } يعني: لله، أي: يخلص دينه لله، ويفوض أمره إلى الله، { وَهُوَ مُحْسِنٌ } في عمله، { فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى } أي: اعتصم بالعهد الأوثق الذي لا يخاف انقطاعه، { وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ } { وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } { نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا } أي: نمهلهم ليتمتعوا بنعيم الدنيا قليلا إلى انقضاء آجالهم، { ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ } ثم نلجئهم ونردهم في الآخرة، { إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ } عذاب النار. { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ }\r__________\r(1) انظر: البحر المحيط: 6 / 351.","part":6,"page":291},{"id":2442,"text":"{ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (26) وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27) }\r{ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } قوله عز وجل: { وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ } الآية. قال المفسرون: نزلت بمكة، قوله سبحانه وتعالى: \"ويسئلونك عن الروح\"، إلى قوله: \"وما أوتيتم من العلم إلا قليلا\" (الإسراء-85) ، فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه أحبار اليهود فقالوا: يا محمد، بلغنا عنك أنك تقول: \"وما أوتيتم من العلم إلى قليلا\" أفعنيتنا أَمْ قومَك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: كُلا قد عنيت، قالوا: ألست تتلوا فيما جاءك أنا أوتينا التوراة وفيها علم كل شيء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"هي في علم الله قليل وقد آتاكم الله ما إن عملتم به انتفعتم\"، قالوا: يا محمد كيف تزعم هذا وأنت تقول: \"ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا\" (البقرة-269) ، فكيف يجتمع هذا علم قليل وخير كثير؟ فأنزل الله هذه الآية (1) .\rقال قتادة: إن المشركين قالوا: إن القرآن وما يأتي به محمد يوشك أن ينفد فينقطع، فنزلت: { وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ } (2) ، أي: بريت أقلامًا، { وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ } قرأ أبو عمرو ويعقوب: \"والبحرَ\" بالنصب عطفا على \"ما\"، والباقون بالرفع على الاستئناف { يَمُدُّهُ } أي: يزيده، وينصب فيه { مِنْ بَعْدِهِ } خلفه، { سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ } وفي الآية اختصار تقديره: ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر يكتب بها كلام الله ما نفدت كلمات الله. { إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } وهذه الآية على قول عطاء بن يسار مدنية، وعلى قول غيره مكية، وقالوا: إنما أمر اليهود وفد قريش أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولوا له ذلك وهو بعدَ بمكة، والله أعلم.\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 21 / 81، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 526 لابن إسحاق وابن أبي حاتم، والوحدي في أسباب النزول ص: 401-402 إذ قال: (قال المفسرون: سألت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الروح فأنزل الله بمكة \"ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا\" فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أتاه أحبار اليهود...).\r(2) أخرجه الطبري: 21 / 81، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 528 لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في العظمة ولأبي نصر السجزي في الإبانة.","part":6,"page":292},{"id":2443,"text":"{ مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (28) }","part":6,"page":293},{"id":2444,"text":"{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (29) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30) أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (31) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (32) }\r{ مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ } [يعني كخلق نفس واحدة] (1) وبعثها لا يتعذر عليه شيء، { إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ } أي: ذلك الذي ذكرت لتعلموا أن الله هو الحق، { وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ } يريد أن ذلك من نعمة الله عليكم، { لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ } عجائبه، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ } على أمر الله 73/ب { شَكُورٍ } لنعمه. { وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ } قال مقاتل: كالجبال. وقال الكلبي: كالسحاب. والظل جمع الظلة شبه بها الموج في كثرتها وارتفاعها، وجعل الموج، وهو واحد، كالظلل وهي جمع، لأن الموج يأتي منه شيء بعد شيء، { دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ } أي: عدل موفٍ في البر بما عاهد الله عليه في البحر من التوحيد له، يعني: ثبت على إيمانه.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":6,"page":293},{"id":2445,"text":"نزلت في عكرمة بن أبي جهل هرب عام الفتح إلى البحر فجاءهم ريح عاصف، فقال عكرمة: لئن أنجاني الله من هذا لأرجعن إلى محمد صلى الله عليه وسلم ولأضعن يدي في يده، فسكنت الريح، فرجع عكرمة إلى مكة فأسلم وحسن إسلامه (1) وقال مجاهد: فمنهم مقتصد في القول مضمر للكفر. وقال الكلبي: مقتصد في القول، أي: من الكفار، لأن بعضهم كان أشد قولا وأغلى في الافتراء من بعض، { وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ } والختر أسوأ الغدر.\r{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنزلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34) }\r{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي } لا يقضي ولا يغني، { وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ } مُغْنٍ { عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا } قال ابن عباس: كل امرئ يهمه نفسه، { إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ } يعني الشيطان. قال سعيد بن جبير: هو أن يعمل المعصية ويتمنى المغفرة. { إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ } الآية نزلت في الوارث (2) بن عمرو، بن حارثة، بن محارب، ابن حفصة، من أهل البادية أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن الساعة ووقتها وقال: إن أرضنا أجدبت فمتى\r__________\r(1) قال ابن حجر في الإصابة: 4 / 538-539 (وقد أخرج قصة مجيئه موصولة الدارقطني، والحاكم، وابن مردويه، من طريق أسباط بن نصر، عن السدي، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، فذكر الحديث، وفيه: وأما عكرمة فركب البحر فأصابهم عاصف، فقال أصحاب السفينة: أخلصوا، فإن آلهتكم لا تغني عنكم هاهنا شيئا. فقال عكرمة: والله لئن لم ينجني في البحر إلا الإخلاص لا ينجني في البر غيره، اللهم إن لك علي عهدا إن عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدا أضع يدي في يده، فلا أجدنه إلا عفوا كريما. فقال: فجاء فأسلم.\r(2) في المخطوطتين (الوارث بن عمرو)، وفي الدر المنثور: 6 / 530 (الوارث من بني مازن بن حفصة)، وفي البحر المحيط: 7 / 194 (الحارث بن عمارة المحاربي) وفي تفسير الكشاف: 3 / 217 (الحارث بن عمرو بن حارثة بن محارب)، وفي تفسير القرطبي: 14 / 83 عن مقاتل (الوارث بن عمرو بن حارثة).","part":6,"page":294},{"id":2446,"text":"ينزل الغيث؟ وتركت، امرأتي حبلى، فمتى تلد؟ وقد علمت أين ولدت فبأي أرض أموت؟ فأنزل الله هذه الآية (1) { إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنزلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ } وقرأ أبي بن كعب: \"بأية أرض\"، والمشهور: \"بأي أرض\" لأن الأرض ليس فيها من علامات التأنيث شيء.\rوقيل: أراد بالأرض المكان: أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الله، أخبرنا إبراهيم بن ساعدة عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"مفاتيح الغيب خمس: إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا، وما تدري نفس بأي أرض تموت\" (2) . { إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }\r__________\r(1) الواحدي في أسباب النزول ص 402.\r(2) أخرجه البخاري: في الاستسقاء، باب: لا يدري متى يجيء المطر إلا الله: 2 / 524، والمصنف في شرح السنة: 4 / 422.","part":6,"page":295},{"id":2447,"text":"سورة السجدة\rمكية (1) ، قال عطاء : إلا ثلاث آيات من قوله \"أفمن كان مؤمنًا\" [إلى آخر ثلاث آيان] (2) (3) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ الم (1) تَنزيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (4) }\r{ الم تَنزيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } قال مقاتل: لا شك فيه أنه تنزيل من رب العالمين. { أَمْ يَقُولُونَ } بل يقولون { افْتَرَاهُ } وقيل الميم صلة، أي: أيقولون افتراه؟ استفهام توبيخ. وقيل: \"أم\" بمعنى الواو، أي: ويقولون افتراه. وقيل: فيه إضمار، مجازه فهل يؤمنون، أم يقولون افتراه، ثم قال: { بَلْ هُوَ } يعني القرآن، { الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ } أي: لم يأتهم، { مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ } قال قتادة: كانوا أمة أمية لم يأتهم نذير قبل محمد صلى الله عليه وسلم (4) . وقال ابن عباس، ومقاتل: ذلك في الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما (5) { لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ }\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 534 لابن الضريس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت (ألم) السجدة بمكة.\r(2) أخرجه النحاس في معاني القرآن الكريم عن ابن عباس: ص 297.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(4) أخرجه الطبري: 21 / 90.\r(5) انظر: البحر المحيط: 7 / 197.","part":6,"page":296},{"id":2448,"text":"{ يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) }\r{ يُدَبِّرُ الأمْرَ } أي: يحكم الأمر وينزل القضاء والقدر، { مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأرْضِ } وقيل: ينزل الوحي مع جبريل من السماء إلى الأرض، { ثُمَّ يَعْرُجُ } يصعد، { إِلَيْهِ } جبريل بالأمر، { فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ } أي: في يوم واحد من أيام الدنيا وقدر مسيرة ألف سنة، خمسمائة نزوله، وخسمائة صعوده، لأن ما بين السماء والأرض خمسمائة عام، يقول: لو سار فيه أحد من بني آدم لم يقطعه إلا في ألف سنة، والملائكة يقطعون في يوم واحد، هذا في وصف عروج الملك من الأرض إلى السماء، وأما قوله: \"تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة\" (المعارج-4) ، أراد مدة المسافة بين الأرض إلى سدرة المنتهى التي هي مقام جبريل، يسير جبريل والملائكة الذين معه من أهل مقامه مسيرة خمسين ألف سنة في يوم واحد من أيام الدنيا. هذا كله معنى قول مجاهد والضحاك (1) وقوله: \"إليه\" أي: إلى الله. وقيل: على هذا التأويل، أي: إلى مكان الملك الذي أمره الله عز وجل أن يعرج إليه.\rوقال بعضهم: ألف سنة [وخمسون ألف] (2) سنة كلها في القيامة، يكون على بعضهم أطول وعلى بعضهم أقصر، معناه: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض مدة أيام الدنيا، ثم يعرج أي: يرجع الأمر والتدبير إليه بعد فناء الدنيا، وانقطاع أمر الأمراء وحكم الحكام في يوم كان مقداره ألف سنة، وهو يوم القيامة، وأما قوله: \"خمسين ألف سنة\" فإنه أراد على الكافر يجعل الله ذلك اليوم عليه مقدار خمسين ألف سنة، وعلى المؤمن دون ذلك حتى جاء في الحديث: \"أنه يكون على المؤمن كقدر صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا\" (3) . وقال إبراهيم التيمي: لا يكون على المؤمن إلا كما بين الظهر والعصر (4) .\r__________\r(1) انظر: الطبري: 21 / 91.\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) أخرج الإمام أحمد: 3 / 75 عن أبي سعيد الخدري: \"والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا\" وبهذا النص أخرجه المصنف في شرح السنة: 15 / 129 وقال الشيخ الأرناؤوط وفيه ابن لهيعة سيئ الحفظ، ودراج أبو السمح في حديثه عن أبي الهيثم ضعيف، وحسنه الهيثمي في مجمع الزوائد: 10 / 337 على ضعف في رواية.\r(4) أورده الحاكم: 1 / 84 بلفظ: \"يوم القيامة على المؤمنين كقدر ما بين الظهر والعصر\".","part":6,"page":300},{"id":2449,"text":"ويجوز أن يكون هذا إخبارًا عن شدته وهوله ومشقته. وقال ابن أبي مليكة: دخلت أنا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان بن عفان على ابن عباس فسأله ابن فيروز عن هذه الآية وعن قوله خمسين ألف سنة؟ فقال له ابن عباس: أيام سماها الله لا أدري ما هي وأكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم (1) .\r{ ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ (9) وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10) }\r{ ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ } يعني: ذلك الذي صنع ما ذكره من خلق السموات والأرض 74/أ عالم ما غاب عن الخلق وما حضر، { الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } { الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ } قرأ نافع وأهل الكوفة: \" خلَقه \" بفتح اللام على الفعل وقرأ الآخرون بسكونها، أي: أحسنَ خلْقَ كل شيء، قال ابن عباس: أتقنه وأحكمه. قال قتادة: حسَّنه. وقال مقاتل: علم كيف يخلق كل شيء، من قولك: فلان يحسن كذا إذا كان يعلمه. وقيل: خلق كل حيوان على صورته لم يخلق البعض على صورة البعض، فكل حيوان كامل في خلقه حسن، وكل عضو من أعضائه مقدر بما يصلح به معاشه. { وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ } يعني آدم. { ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ } يعني ذريته، { مِنْ سُلالَةٍ } نطفة، سميت سلالة لأنها تسل من الإنسان { مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ } أي: ضعيف وهو نطفة الرجل. { ثُمَّ سَوَّاهُ } ثم سوى خلقه، { وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ } ثم عاد إلى ذريته، فقال: { وَجَعَلَ لَكُمْ } بعد أن كنتم نطفا، { السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ } يعني: لا تشكرون ربَّ هذه النعم فتوحدونه. { وَقَالُوا } يعني منكري البعث، { أَئِذَا ضَلَلْنَا } هلكنا، { فِي الأرْضِ } وصرنا ترابا، وأصله\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 537-538 لعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه عن عبد الله بن أبي مليكة.","part":6,"page":301},{"id":2450,"text":"من قولهم: ضل الماء في اللبن إذا ذهب، { أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } استفهام إنكار. قال الله عز وجل: { بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ } أي: بالبعث بعد الموت.\r{ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11) }","part":6,"page":302},{"id":2451,"text":"{ وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12) }\r{ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ } يقبض أرواحكم، { مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ } أي: وكل بقبض أرواحكم وهو عزرائيل، والتوفي استيفاء العدد، معناه أنه يقبض أرواحهم حتى لا يبقى أحد من العدد الذي كتب عليه الموت. وروي أن ملك الموت جعلت له الدنيا مثل راحة اليد يأخذ منها صاحبها ما أحب من غير مشقة، فهو يقبض أنفس الخلق في مشارق الأرض ومغاربها، وله أعوان من ملائكة الرحمة وملائكة العذاب (1) . وقال ابن عباس: إن خطوة ملك الموت ما بين المشرق والمغرب (2) . وقال مجاهد: جعلت له الأرض مثل طست يتناول منها حيث يشاء (3) . وفي بعض الأخبار: أن ملك الموت على معراج بين السماء والأرض فينزع أعوانه روح الإنسان فإذا بلغ ثغره نحره قبضه ملك الموت.\rوروى خالد بن معدان عن معاذ بن جبل قال: إن لملك الموت حربة تبلغ ما بين المشرق والمغرب، وهو يتصفح وجوه الناس، فما من أهل بيت إلا وملك الموت يتصفحهم في كل يوم مرتين، فإذا رأى إنسانا قد انقضى أجله ضرب رأسه بتلك الحربة، وقال: الآن يزار بك عسكر الأموات. قوله: { ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ } أي: تصيرون إليه أحياء فيجزيكم بأعمالكم. { وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ } المشركون، { نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ } مطأطؤ رءوسهم، { عِنْدَ رَبِّهِمْ } حياء وندما، { رَبَّنَا } أي: يقولون ربنا، { أَبْصَرْنَا } ما كنا به مكذبين، { وَسَمِعْنَا } منك تصديق ما أتتنا به رسلك. وقيل: أبصرنا معاصينا وسمعنا ما قيل فينا، { فَارْجِعْنَا } فأرددنا إلى الدنيا، { نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ } وجواب لو مضمر مجازه لرأيت العجب.\r__________\r(1) انظر: الطبري: 21 / 541.\r(2) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 543 لأبي الشيخ عن ابن عباس موقوفا.\r(3) أخرجه الطبري: 21 / 97-98.","part":6,"page":302},{"id":2452,"text":"{ وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (14) إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (15) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) }\r{ وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا } رشدها وتوفيقها للإيمان، { وَلَكِنْ حَقَّ } وجب، { الْقَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } وهو قوله لإبليس: \"لأملأن جهنم منك ومن تبعك منهم أجمعين\" (ص-85) . ثم يقال لأهل النار -وقال مقاتل: إذا دخلوا النار قالت لهم الخزنة-: { فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا } { فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا } أي: تركتم الإيمان به في الدنيا، { إِنَّا نَسِينَاكُمْ } تركناكم، { وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } من الكفر والتكذيب. قوله عز وجل: { إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا } وعظوا بها، { خَرُّوا سُجَّدًا } سقطوا على وجوههم ساجدين، { وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ } قيل: صلوا بأمر ربهم. وقيل: قالوا سبحان الله وبحمده، { وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ } عن الإيمان والسجود له. { تَتَجَافَى } ترتفع وتنبو، { جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ } جمع مضجع، وهو الموضع الذي يضطجع عليه، يعني الفرش، وهم المتهجدون بالليل، اللذين يقومون للصلاة.\rواختلفوا في المراد بهذه الآية؛ قال أنس: نزلت فينا معشر الأنصار، كنا نصلي المغرب فلا نرجع إلى رحالنا حتى نصلي العشاء مع النبي صلى الله عليه وسلم (1) .\rوعن أنس أيضا قال: نزلت في أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يصلون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء (2) وهو قول أبي حازم ومحمد بن المنكدر، وقالا هي صلاة الأوابين (3) .\rوروى عن ابن عباس رضي الله عنه قال: إن الملائكة لتحف بالذين يصلون بين المغرب والعشاء، وهي صلاة الأوابين.\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 546 لابن مردويه، وذكره الواحدي في أسباب النزول ص 404 .\r(2) أخرجه الطبري: 21 / 100، وانظر الدر المنثور: 6 / 546.\r(3) أخرجه البيهقي: 3 / 19، وقد عزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 546 أيضا لمحمد بن نصر.","part":6,"page":303},{"id":2453,"text":"وقال عطاء: هم الذين لا ينامون حتى يصلوا العشاء الآخرة.\rوعن أبي الدرداء، وأبي ذر، وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم: هم الذين يصلون العشاء الآخرة والفجر في جماعة.\rوروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، [ومن صلى الفجر في جماعة كان كقيام ليلة] (1) (2) .\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن، عن ابن صالح السمان، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهمُوا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا\" (3) .\rوأشهر الأقاويل أن المراد منه: صلاة الليل، وهو قول الحسن، ومجاهد، ومالك، والأوزاعي وجماعة.\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله بن بشران، أخبرنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي، أخبرنا عبد الرازق، أخبرنا معمر عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل عن معاذ بن جبل قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفرنا فأصبحت يومًا قريبًا منه وهو يسير فقلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يُدخلني الجنة ويُباعدني من النار، قال: \"قد سألت عن أمر عظيم، وإنه ليسير على من يسَّره الله عليه، تعبدُ الله ولا تشرك به شيئًا وتقيمُ الصلاةَ، وتُؤتي الزكاةَ، وتصومُ رمضانَ، وتحجُ البيتَ\"، ثم قال: \"ألا أدلّك على أبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفىء الخطيئة، وصلاة الرجل في جوف الليل\"، ثم قرأ: \"تتجافى 74/ب جنوبهم عن المضاجع\" حتى بلغ \"جزاء بما كانوا يعلمون\"، ثم قال ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: \"رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد. ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا نبي الله، قال: فأخذ بلسانه فقال: اكفف عليك هذا، فقلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما تتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكبُّ\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) أخرجه مسلم في المساجد، باب: فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة برقم: (656) 1 / 454، والمصنف في شرح السنة:2 / 231.\r(3) أخرجه البخاري في الجماعة، باب:فضل التهجير إلى الظهر: 2 / 139، ومسلم في الصلاة، باب: تسوية الصفوف وإقامتها برقم: (437) 1 / 325، والمصنف في شرح السنة: 2 / 230.","part":6,"page":304},{"id":2454,"text":"الناسَ في النار على وجوههم، أو قال على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم\" (1) .\rحدثنا أبو الفضل زياد بن محمد الحنفي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد المخلدي، أخبرنا محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حمد بن زنجويه، أخبرنا أبو عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، حدثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي أمامة الباهلي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة لكم إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم\" (2) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا روح بن أسلم، أخبرنا حماد بن سلمة، أخبرنا عطاء بن السائب، عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"عجب ربُّنا من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين حبه وأهله إلى صلاته\"، فيقول الله لملائكته: انظروا إلى عبدي ثار عن فراشه ووطائه من بين حبه وأهله إلى صلاته رغبة فيما عندي وشفقا مما عندي، ورجل غزا في سبيل الله فانهزم معه أصحابه، فعلم ما عليه في الانهزام وما له في الرجوع، فرجع فقاتل حتى أهريق دمه، [فيقول الله لملائكته: \"انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي وشفقا مما عندي حتى أهريق دمه\"] (3) (4) .\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة: 7 / 362-365 وقال: (هذا حديث حسن صحيح)، والنسائي في التفسير: 2 / 156-158، وابن ماجه في الفتن، باب: كف اللسان في الفتنة برقم: (3973)، وعبد الرزاق في المصنف: 11 / 194، وعبد بن حميد في المنتخب من المسند برقم: (112) ص 68-69، ومحمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة: 1 / 220، وأخرجه الحاكم مطولا: 2 / 412-413 وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. قال ابن رجب: وله طرق عن معاذ كلها ضعيفة ص (255) لكن الحديث بمجموع طرقه ورواياته يرتقي إلى درجة الصحيح، انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ الألباني: 3 / 115.\r(2) أخرجه الترمذي في الدعوات، باب: في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: 9 / 536، والبيهقي في السنن: 2 / 502، والحاكم: 1 / 308 وصححه على شرط البخاري، ووافقه الذهبي، والمصنف في شرح السنة: 4 / 34. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 2 / 251: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، قال عبد الملك بن شعيب: ابن الليث ثقة مأمون، وضعفه جماعة من الأئمة، وأخرجه الطبراني في الكبير عن سلمان الفارسي، وفيه عبد الرحمن بن سليمان، وثقه دحيم وابن حبان وابن عدي، وضعفه أبو داود وأبو حاتم . وقد حسن الألباني الحديث في إرواء الغليل: 2 / 199 / 202، وانظر: الترغيب والترهيب: 1 / 216.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(4) أخرجه الإمام أحمد: 1 / 416، وابن حبان في موارد الظمآن برقم (643) ص (168)، والمصنف في شرح السنة: 4 / 42-43، ولفقرات الحديث شواهد عند أبي داود في فضل الثبات في الغزو، وعند الهيثمي في مجمع الزوائد: 2 / 255.","part":6,"page":305},{"id":2455,"text":"أخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، أخبرنا أبو العباس المحبوبي، أخبرنا أبو عيسى الترمذي، أخبرنا قتيبة بن سعيد، أخبرنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل\" (1) .\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن معانق، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن في الجنة غرفا يرى ظاهرُها من باطنها، وباطُنها من ظاهرها، أعدها الله لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام\" (2) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا إصبغ، أخبرني عبد الله بن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب، أخبرنا الهيثم بن أبي سنان، أخبرني أنه سمع أبا هريرة في قصصه يذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: \"إن أخًا لكم لا يقول الرفث\" يعني بذلك عبد الله بن رواحة، قال: وفينا رسولُ الله يتلو كتابَه ... إذا انشقَّ معروفٌ من الفجرِ ساطعُ\rأرانا الهُدَى بعدَ العمى فقلوبُنا ... به موقناتٌ أنَّ ما قال واقعُ\rيَبيتُ يجافي جنبَهُ عن فراشِهِ ... إذا استثقلتْ بالكافرين المضاجعُ (3)\rقوله عز وجل: { يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا } قال ابن عباس: خوفًا من النار وطمعًا في الجنة، { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } قيل: أراد به الصدقة المفروضة. وقيل: عامّ في الواجب والتطوع.\r{ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) }\r{ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ } قرأ حمزة ويعقوب: \"أخفيْ لهم\" ساكنة الياء، أي: أنا أخفي لهم ومن حجته قراءة ابن مسعود \"نخفي\" بالنون. وقرأ الآخرون بفتحها. { مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ } مما تقر به أعينهم، { جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الصلاة ، باب: ما جاء في فضل صلاة الليل: 2 / 516 وقال: ( حديث أبي هريرة حديث حسن)، وأخرجه مسلم في الصيام، باب: فضل صوم المحرم برقم: (1163) 2 / 821 والمصنف في شرح السنة: 4 / 35.\r(2) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (كتاب الجامع للإمام معمر) 11 / 418-419 ومن طريقه أخرجه الإمام أحمد: 5 / 343، وصححه ابن حبان برقم: (641) ص 168، والطبراني في الكبير: 3 / 342 قال الهيثمي في المجمع: 2 / 254 (رجاله ثقات) والمصنف في شرح السنة: 4 / 40-41، وله شاهد عند الحاكم: 1 / 321 من حديث عبد الله بن عمرو، وصححه ووافقه الذهبي.\r(3) أخرجه البخاري في التهجد، باب: فضل من تعار من الليل فصلى: 3 / 39 .","part":6,"page":306},{"id":2456,"text":"أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا إسحاق بن نصر، أخبرنا أبو أسامة عن الأعمش، أخبرنا أبو صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"يقول الله تبارك وتعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ذخرًا بَلْهَ ما اطلعتم عليه\"، ثم قرأ: { فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }\rقال ابن عباس رضي الله عنهما: هذا مما لا تفسير له. وعن بعضهم قال: أخفوا أعمالهم فأخفى الله ثوابهم.\r{ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ (18) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نزلا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (19) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (20) }\rقوله عز وجل: { أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ } نزلت في علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة بن أبي معيط أخي عثمان لأمه، وذلك أنه كان بينهما تنازع وكلام في شيء، فقال الوليد بن عقبة لعلي اسكت فإنك صبي وأنا والله أبسط منك لسانًا، وأحدّ منك سنانًا، وأشجع منك جنانًا، وأملا منك حشوًا في الكتيبة. فقال له علي: اسكت فإنك فاسق، فأنزل الله تعالى: { أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ } (1) ولم يقل: لا يستويان، لأنه لم يرد مؤمنًا واحدًا وفاسقًا واحدًا، بل أراد جميع المؤمنين وجميع الفاسقين. { أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى } التي يأوي إليها المؤمنون، { نزلا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } { وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ }\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 21 / 107، والواحدي في أسباب النزول ص 405-406، والسيوطي في الدر المنثور: 6 / 553.","part":6,"page":307},{"id":2457,"text":"{ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (22) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (23) }\r{ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ } أي: سوى العذاب الأكبر، { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } قال أبي بن كعب، والضحاك، والحسن، وإبراهيم: \"العذاب الأدنى\" مصائب الدنيا وأسقامها، وهو رواية الوالبي عن ابن عباس رضي الله عنهما (1) . وقال عكرمة عنه: الحدود (2) . وقال مقاتل: الجوع سبع سنين بمكة حتى أكلوا الجيف والعظام والكلاب (3) . وقال ابن مسعود: هو القتل بالسيف يوم بدر (4) وهو قول قتادة والسدي، { دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ } يعني: عذاب الآخرة، { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } إلى الإيمان، يعني: من بقي منهم بعد بدر وبعد القحط. قوله عز وجل: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ } يعني: المشركين، { مُنْتَقِمُونَ } { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ } يعني: فلا تكن في شك من لقاء موسى ليلة المعراج، قاله ابن عباس وغيره.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن بشار، أخبرنا غندر، عن شعبة، عن قتادة رحمه الله قال: وقال لي خليفة، أخبرنا يزيد بن زريع، أخبرنا سعيد عن قتادة، عن أبي العالية قال: أخبرنا ابن عم نبيكم -يعني ابن عباس-عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"رأيت ليلة أسري بي موسى رجلا آدم طوالا جعدًا كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلا مربوعًا مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط 75/أ\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 21 / 109 ، والسيوطي في الدر المنثور: 6 / 554.\r(2) أخرجه الطبري: 21 / 109، والسيوطي في الدر المنثور: 6 / 554.\r(3) ذكره القرطبي: 14 / 107.\r(4) أخرجه الطبري: 21 / 109، والسيوطي في الدر المنثور: 6 / 554 والحاكم: 2 / 414. قال الإمام الطبري بعد أن ساق هذه الأقوال: (أولى في ذلك أن يقال: إن الله وعد هؤلاء الفسقة المكذبين بوعيده في الدنيا العذاب الأدنى أن يذيقموه دون العذاب الأكبر، والعذاب: هو ما كان في الدنيا من بلاء أصابهم، إما شدة من مجاعة، أوقتل ، أو مصائب يصابون بها، فكل ذلك من العذاب الأدنى، ولم يخصص الله تعالى ذكره، إذ وعدهم ذلك أن يعذبهم بنوع من ذلك دون نوع، وقد عذبهم بكل ذلك في الدنيا بالقتل والجوع والشدائد والمصائب في الأموال، فأوفى لهم بما وعدهم.","part":6,"page":308},{"id":2458,"text":"الرأس، ورأيت مالكا خازن النار، والدجال في آيات أراهن الله إيّاه فلا تكن في مرية من لقائه\" (1) .\rأخبرنا أبو صالح أحمد بن عبد الملك المؤذن، أخبرنا عبد الله المحاملي، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم البزاز، أخبرنا محمد بن يونس، أخبرنا عمر بن حبيب القاضي، أخبرنا سليمان التيمي، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لما أسري بي إلى السماء رأيت موسى يصلي في قبره\" (2) .\rوروينا في المعراج أنه رآه في السماء السادسة ومراجعته في أمر الصلاة (3) .\rقال السدي: \"فلا تكن في مرية من لقائه\"، أي: من تلقي موسى كتاب الله بالرضا والقبول.\r{ وَجَعَلْنَاهُ } يعني: الكتاب وهو التوراة، وقال قتادة: موسى، { هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ }\r{ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (25) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ (26) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (27) }\r{ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ } يعني: من بني إسرائيل، { أَئِمَّةً } قادة في الخير يقتدي بهم، يعني: الأنبياء الذين كانوا فيهم. وقال قتادة: أتباع الأنبياء، { يَهْدُونَ } يدعون، { بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا } قرأ حمزة والكسائي، بكسر اللام وتخفيف الميم، أي: لصبرهم، وقرأ الباقون بفتح اللام وتشديد الميم، أي: حين صبروا على دينهم وعلى البلاء من عدوهم بمصر، { وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ } يقضي، { بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } { أَوَلَمْ يَهْدِ } لم يتبين، { لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ } آيات الله وعظائه فيتعظون بها . { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأرْضِ الْجُرُزِ } أي: اليابسة الغليظة التي لا نبات فيها، قال ابن عباس: هي أرض باليمن. وقال مجاهد: هي أرض بابين، { فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ }\r__________\r(1) أخرجه البخاري في بدء الخلق ، باب: إذا قال أحدكم آمين: 6 / 314، ومسلم في الإيمان، باب: الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم برقم: (165) 1 / 151.\r(2) أخرجه مسلم في الفضائل ، باب: من فضائل موسى عليه السلام برقم: (2375) 4 / 1845، والمصنف في شرح السنة 13 / 351.\r(3) انظر: فيما تقدم أول سورة الإسراء.","part":6,"page":309},{"id":2459,"text":"[من العشب والتبن] (1) { وَأَنْفُسُهُمْ } من الحبوب والأقوات، { أَفَلا يُبْصِرُونَ }\r{ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (28) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (29) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (30) }\r{ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } قيل: أراد بيوم الفتح يوم القيامة الذي فيه الحكم بين العباد، قال قتادة: قال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم للكفار: إن لنا يومًا نتنعم فيه ونستريح ويحكم بيننا وبينكم، فقالوا استهزاًء: متى هذا الفتح (2) ؟ أي: القضاء والحكم، وقال الكلبي: يعني فتح مكة (3) .وقال السدي: يوم بدر لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون لهم: إن الله ناصرنا ومظهرنا عليكم، فيقولون متى هذا الفتح (4) . { قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ } يوم القيامة، { لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ } ومن حمل الفتح على فتح مكة أو القتل يوم بدر قال: معناه لا ينفع الذين كفروا إيمانهم إذا جاءهم العذاب وقتلوا، { وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ } لا يمهلون ليتوبوا ويعتذروا. { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } قال ابن عباس: نسختها آية السيف، { وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ } قيل: انتظر موعدي لك بالنصر إنهم منتظرون بك حوادث الزمان. وقيل: انتظر عذابنا فيهم فإنهم منتظرون ذلك.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أبو نعيم، أخبرنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر يوم الجمعة { آلم تَنزيلُ } و { هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ } (5) .\r__________\r(1) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(2) أخرجه الطبري: 21 / 116، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 557 لابن أبي حاتم.\r(3) انظر: الطبري 21 / 116.\r(4) قال الحافظ ابن كثير في التفسير: 3 / 456 (ومن زعم أن المراد من هذا الفتح فتح مكة فقد أبعد النجعة، وأخطأ فأفحش، فإن يوم الفتح قد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إسلام الطلقاء، وقد كانوا قريبا من ألفين، ولو كان المراد فتح مكة لما قبل إسلامهم لقوله تعالى: \" قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون\" وإنما المراد الفتح الذي هو القضاء والفصل.\r(5) أخرجه البخاري في الجمعة، باب: ما يقرأ في صلاة الفجر: 2 / 377 وفي سجود القرآن، باب: سجدة تنزيل السجدة\" ومسلم في الجمعة ، باب: ما يقرأ في الجمعة برقم: (880) 2 / 599 والمصنف في شرح السنة: 3 / 81.","part":6,"page":310},{"id":2460,"text":"أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا أبو نعيم، أخبرنا سفيان، عن ليث، عن أبي الزبير، عن جابر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ: \"تبارك\" و \"آلم تنزيل\" (1) .\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في فضائل القرآن، باب: ما جاء في سورة الملك: 8 / 201-202، والدارمي: 2 / 455، والإمام أحمد: 3 / 340، والحاكم: 2 / 412، وصححه الشيخ الألباني في الصحيحة: 2 / 129، والمصنف في شرح السنة: 4 / 472.","part":6,"page":311},{"id":2461,"text":"سورة الأحزاب مدنية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (1) }\r{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ } نزلت في أبي سفيان بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وأبي الأعور وعمرو بن سفيان السُّلَمي، وذلك أنهم قدموا المدينة فنزلوا على عبد الله بن أبي [بن سلول رأس المنافقين] (2) بعد قتال أحد، وقد أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم الأمان على أن يكلموه، فقام معهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وطعمة بن أبيرق، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم، وعنده عمر بن الخطاب: ارفض ذكر آلهتنا، اللات والعزى ومناة، وقل: إن لها شفاعة لمن عبدها، وندعك وربك، فشقَّ على النبي صلى الله عليه وسلم قولهم، فقال عمر: يا رسول الله ائذن لنا في قتلهم، فقال: إني قد أعطيتهم الأمان، فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمر أن يخرجهم من المدينة فأنزل الله تعالى:\r{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ } (3) أي: دُمْ على التقوى، كالرجل يقول لغيره وهو قائم: قم ها هنا، أي: اثبت قائمًا.\rوقيل الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به الأمة (4) .وقال الضحاك: معناه اتق الله ولا تنقض العهد الذي بينك وبينهم.\r__________\r(1) قال النحاس في معاني القرآن الكريم ص 317 (قال ابن عباس: وهي مدنية)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 558 أيضا لابن الضريس، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) ذكر ذلك الواحدي في أسباب النزول ص 407 دون إسناد، ونقله القرطبي: 14 / 114 بصيغة التمريض عن الواحدي والقشيري والثعلبي والماوردي وغيرهم، وانظر معاني القرآن للفراء: 2 / 334 .\r(4) انظر: البحر المحيط 7 / 210، زاد المسير: 6 / 348.","part":6,"page":312},{"id":2462,"text":"{ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ } من أهل مكة، يعني: أبا سفيان، وعكرمة، وأبا الأعور، { وَالْمُنَافِقِينَ } من أهل المدينة، عبد الله بن أُبيّ، وعبد الله بن سعد، وطعمة { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا } بخلقه، قبل أن يخلقهم، { حَكِيمًا } فيما دبره لهم.\r{ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (2) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا (3) مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4) }\r{ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } قرأ أبو عمرو: \"يعملون خبيرًا\" و \"يعملون بصيرًا\" بالياء فيهما، وقرأ غيره بالتاء. { وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ } ثق بالله، { وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا } حافظًا لك، وقيل: كفيلا برزقك. قوله عز وجل: { مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ } نزلت في أبي معمر، جميل بن معمر الفهري، وكان رجلا لبيبًا حافظًا لما يسمع، فقالت قريش: ما حفظ أبو معمر هذه الأشياء إلا وله قلبان، وكان يقول: إن لي قلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد، فلما هزم الله المشركين يوم بدر انهزم أبو معمر فيهم، فلقيه أبو سفيان وإحدى نعليه بيده، والأخرى في رجله، فقال له: يا أبا معمر ما حال الناس؟ قال انهزموا، قال: فما لك إحدى 75/ب نعليك في يدك والأخرى في رجلك؟ فقال أبو معمر: ما شعرت إلا أنهما في رجلي، فعلموا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده (1) .\rوقال الزهري ومقاتل هذا مَثَلٌ ضربه الله عز وجل للمظاهر من امرأته وللمتبني ولد غيره، يقول: فكما لا يكون لرجل قلبان كذلك لا تكون امرأة للمظاهر أمَّه حتى تكون أُمَّان، ولا يكون له ولد واحد ابن رجلين (2) .\r__________\r(1) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص 407-408 دون إسناد، وانظر: البحر المحيط: 7 / 211، زاد المسير: 6 / 349.\r(2) انظر: الطبري: 21 / 119، ثم قال مرجحا: \"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قوله من قال: ذلك تكذيب من الله تعالى قوله من قال لرجل في جوفه قلبان يعقل بهما ، على النحو الذي روي عن ابن عباس، وجائز أن يكون ذلك تكذيبا من الله لمن وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وان يكون تكذيبا لمن سمى القرشي الذي ذكر أنه سمى ذا القلبين من دهيه، وأي الأمرين كان فهو نفي من الله عن خلقه من الرجال أن يكونوا بتلك الصفة\". وانظر: معاني القرآن الكريم للنحاس ص 318-320.","part":6,"page":316},{"id":2463,"text":"{ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ } قرأ أهل الشام والكوفة: \"اللاتي\" ها هنا وفي سورة الطلاق بياء بعد الهمزة، وقرأ قالون عن نافع ويعقوب بغير ياء بعد الهمزة، وقرأ الآخرون بتليين الهمزة، وكلها لغات معروفة، \"تظاهرون\" قرأ عاصم بالألف وضم التاء وكسر (1) الهاء مخففًا، [وقرأ حمزة والكسائي بفتح التاء والهاء مخففا] (2) وقرأ ابن عامر بفتحها وتشديد الظاء، وقرأ الآخرون بفتحها وتشديد الظاء والهاء من غير ألف بينهما.\rوصورة الظهار: أن يقول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي. يقول الله تعالى: ما جعل نساءكم اللائي تقولون لهن هذا في التحريم كأمهاتكم، ولكنه منكر وزور، وفيه كفارة نذكرها [إن شاء الله تعالى] (3) في سورة المجادلة.\r{ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ } يعني: من تبنيتموه { أَبْنَاءَكُمْ } فيه نسخ التبني، وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يتبنى الرجل فيجعله كالإبن المولود له، يدعوه الناس إليه، ويرث ميراثه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعتق زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، وتبناه قبل الوحي، وآخى بينه وبين حمزة بن عبد المطلب، فلما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش وكانت تحت زيد بن حارثة، قال المنافقون تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية ونسخ التبني (4) { ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ } لا حقيقة له يعني قولهم زيد بن محمد صلى الله عليه وسلم وادعاء نسب لا حقيقة له، { وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ } أي: قوله الحق، { وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ } أي: يرشد إلى سبيل الحق.\r{ ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (5) }\r{ ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ } الذين ولدوهم، { هُوَ أَقْسَطُ } أعدل، { عِنْدِ اللَّهِ } أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا معلي بن أسد، أخبرنا عبد العزيز بن المختار، أخبرنا موسى بن عقبة، حدثني سالم عن عبد الله بن عمر أن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن (5) .\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ما بين الأقواس ساقط من \"أ\".\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(4) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص 408 دون إسناد.\r(5) أخرجه البخاري في تفسير سورة الأحزاب، باب: \" ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله\" 8 / 517، ومسلم في فضائل الصحابة باب: فضائل زيد بن حارثة برقم: (2425) 4 / 1884.","part":6,"page":317},{"id":2464,"text":"{ ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ } { فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ } [أي: فهم إخوانكم] (1) { فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ } إن كانوا محررين وليسوا بِبَنِيكُم، أي: سمُّوهم بأسماء إخوانكم في الدين. وقيل: \"مواليكم\" أي: أولياءكم في الدين، { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ } قبل النهي فنسبتموه إلى غير أبيه، { وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } من دعائهم إلى غير آبائهم بعد النهي.\rوقال قتادة: \"فيما أخطأتم به\" أن تدعوه لغير أبيه، وهو يظن أنه كذلك. ومحل \"ما\" في قوله تعالى: \"ما تعمدت\" خفض ردًا على \"ما\" التي في قوله \"فيما أخطأتم به\" مجازه: ولكن فيما تعمدت قلوبكم.\r{ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن بشار، أخبرنا غندر، أخبرنا شعبة عن عاصم، قال: سمعت أبا عثمان قال: سمعت سعدًا، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وأبا بكرة وكان قد تسور حصن الطائف في أناس، فجاءا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالا سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: \"من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم فالجنة عليه حرام\" (2) .\r{ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (6) }\rقوله عز وجل: { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } يعني من بعضهم ببعض في نفوذ حكمه عليهم ووجوب طاعته عليهم. وقال ابن عباس وعطاء: يعني إذا دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعة النبي صلى الله عليه وسلم أولى بهم من طاعتهم أنفسهم (3) . وقال ابن زيد: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فيما قضى فيهم، كما أنت أولى بعبدك فيما قضيت عليه. وقيل: هو أولى بهم في الحمل على الجهاد وبذل النفس دونه.\r__________\r(1) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(2) أخرجه البخاري في المغازي، باب: غزوة الطائف: 8 / 45، ومسلم في الإيمان، باب: بيان حال إيمان من يرغب عن أبيه وهو يعلم برقم: (63) 1 / 80، والمصنف في شرح السنة: 9 / 272.\r(3) انظر: زاد المسير: 6 / 352.","part":6,"page":318},{"id":2465,"text":"وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج إلى الجهاد فيقول قوم: نذهب فنستأذن من آبائنا وأمهاتنا، فنزلت الآية.\rأخبرنا عبد الواحد عبد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عبد الله بن محمد، أخبرنا أبو عامر، أخبرنا فليح، عن هلال بن علي بن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"ما من مؤمن إلا أنا أولى به في الدنيا والآخرة\" ، اقرأوا إن شئتم { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ } فأيما مؤمن مات وترك مالا فليرثه عصبته، ومن ترك دَينًا أو ضَياعًا فليأتني فأنا مولاه\" (1) .\rقوله عز وجل: { وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ } وفي حرف أُبيّ: \"وأزواجه وأمهاتهم وهو أبٌ لهم\" وهن أمهات المؤمنين في تعظيم حقهن وتحريم نكاحهن على التأييد، لا في النظر إليهن والخلوة بهن، فإنه حرام في حقهن كما في حق الأجانب، قال الله تعالى: \"وإذا سألتموهنّ متاعًا فاسألوهن من وراء حجاب\" (الأحزاب-53) ، ولا يقال لبناتهن هن أخوات المؤمنين ولا لأخوانهن وأخواتهن هم أخوال المؤمنين وخالاتهم (2) .\rقال الشافعي: تزوج الزبير أسماء بنت أبي بكر، وهي أخت أم المؤمنين، ولم يقل هي خالة المؤمنين (3) .\rواختلفوا في أنهن هل كن أمهات النساء المؤمنات؟ قيل: كن أمهات المؤمنين والمؤمنات جميعا.\rوقيل كن أمهات المؤمنين دون النساء، روى الشعبي عن مسروق أن امرأة قالت لعائشة رضي الله عنها: قالت يا أُمّه! فقالت لست لك بأم إنما أنا أم رجالكم (4) فبان بهذا معنى هذه الأمومة تحريم نكاحهن.\rقوله عز وجل: { وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } يعني: في الميراث، قال قتادة: كان المسلمون يتوارثون بالهجرة. قال الكلبي: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الناس، فكان يؤاخي بين رجلين فإذا مات أحدهما ورثه الآخر دون عصبته، حتى نزلت هذه الآية: { وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ } (5) 76/أ في حكم الله، { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } الذين آخى رسول الله\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الاستقراض، باب: الصلاة على من ترك دَينًا 5 / 61، ومسلم في الفرائض، باب: من ترك مالا فلورثته برقم: (1619) 3 / 1238 بمعناه، والمصنف في شرح السنة: 8 / 324.\r(2) انظر القرطبي: 14 / 123.\r(3) انظر القرطبي: 14 / 123.\r(4) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 567 لابن سعد وابن المنذر والبيهقي في سننه، وانظر الكافي الشاف ص 132.\r(5) انظر: ابن كثير في التفسير: 3 / 469، القرطبي: 14 / 123-124.","part":6,"page":319},{"id":2466,"text":"صلى الله عليه وسلم بينهم، { وَالْمُهَاجِرِينَ } يعني ذوي القرابات، بعضهم أولى بميراث بعض من أن يرث بالإيمان والهجرة، فنسخت هذه الآية الموارثة بالمؤاخاة والهجرة وصارت بالقرابة.\rقوله: { إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا } أراد بالمعروف الوصية [للذين يتولونه من المعاقدين، وذلك أن الله لما نسخ التوارث بالحلف والهجرة أباح أن يوصي الرجل لمن يتولاه بما أحب من ثلثه] (1) .\rوقال مجاهد: أراد بالمعروف النصرة وحفظ الحرمة لحق الإيمان والهجرة.\rوقيل: أراد بالآية إثبات الميراث بالإيمان والهجرة، يعني: وأولوا الأرحام من المؤمنين والمهاجرين بعضهم أولى ببعض، أي: لا توارث بين المسلم والكافر ولا بين المهاجر وغير المهاجر إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا، أي: إلا أن توصوا لذوي قراباتكم بشيء وإن كانوا من غير أهل الإيمان والهجرة، وهذا قول قتادة وعطاء وعكرمة (2) .\r{ كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا } أي: كان الذي ذكرت من أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في اللوح المحفوظ مسطورا مكتوبا. وقال القرظي: في التوراة.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) ذكر هذه الأقوال الطبري: 21 / 124 ثم قال مرجحا: \"وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: معنى ذلك إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم الذين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بينهم وبينكم من المهاجرين والأنصار، معروفا من الوصية لهم، والنصرة والعقل عنهم، وما أشبه ذلك، لأن كل ذلك من المعروف الذي حدث الله عليه عباده. وإنما اخترت هذا القول وقلت: هو أولى بالصواب من قيل من قال: عنى بذلك الوصية للقرابة من أهل الشرك، لأن القريب من المشرك، وإن كان ذا نسب فليس بالمولى، وذلك لأن الشرك يقطع ولاية ما بين المؤمن والمشرك وقد نهى الله المؤمنين أن يتخذوا منهم وليا بقول: \"لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء\" وغير جائز أن ينهاهم عن اتخاذهم أولياء ثم يصفهم جل ثناؤه بأنهم هم أولياء).","part":6,"page":320},{"id":2467,"text":"{ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (7) }\rقوله عز وجل: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ } على الوفاء بما حملوا وأن يُصدِّق بعضهم بعضًا ويبشِّر بعضهم ببعض. قال مقاتل: أخذ ميثاقهم على أن يعبدوا الله ويدعوا إلى عبادة الله ويصدِّق بعضهم بعضًا وينصحوا لقومهم، { وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ } خص هؤلاء الخمسة بالذكر من بين النبيين لأنهم أصحاب الكتب والشرائع وأولوا العزم من الرسل، وقدم النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر لما:","part":6,"page":320},{"id":2468,"text":"أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن محمد الحديثي، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن يعقوب المقرئ، أخبرنا محمد بن محمد بن سليمان الساعدي، أخبرنا هارون بن محمد بن بكار بن بلال، أخبرنا أبي، أخبرنا سعيد -يعني ابن بشير-عن قتادة عن الحسن، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث\" (1) .\rقال قتادة: وذلك قول الله عز وجل: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ } فبدأ به صلى الله عليه وسلم قبلهم.\r{ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } عهدا شديدا على الوفاء بما حمّلُوا.\r{ لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (8) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) }\r{ لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ } يقول: أخذنا ميثاقهم [لكي نسأل الصادقين عن صدقهم، يعني النبيين عن تبليغهم] (2) الرسالة. والحكمة في سؤالهم، مع علمه أنهم صادقون، تبكيت (3) من أرسلوا إليهم.\rوقيل: ليسأل الصادقين عن عملهم لله عز وجل. وقيل: ليسأل الصادقين بأفواههم عن صدقهم في قلوبهم. { وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا } قوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ } وذلك حين حوصر المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الخندق، { إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ } يعني الأحزاب، وهم قريش، وغطفان، ويهود قريظة، والنضير، { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا } وهي الصَّبَا، قال عكرمة: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب انطلقي ننصر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت الشمال إن الحرة لا تسري بالليل، وكانت الريح التي أرسلت عليهم الصَّبَا (4)\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 21 / 125، وعزاه ابن كثير في التفسير: 3 / 470 لابن أبي حاتم، وقال: (سعيد بن بشير فيه ضعف، وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلا، وهو أشبه، ورواه بعضهم عن قتادة موقوفا. والله أعلم).\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) في \"ب\" بتكذيب.\r(4) انظر: القرطبي: 14 / 143-144.","part":6,"page":321},{"id":2469,"text":"أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا آدم، أخبرنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"نصرت بالصَّبَا، وأهلكت عاد بالدَّبُور\" (1) .\rقوله تعالى: { وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا } وهم الملائكة، ولم تقاتل الملائكة يومئذ، فبعث الله عليهم تلك الليلة ريحا باردة فقلعت الأوتاد، وقطعت أطناب الفساطيط، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها في بعض، وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم حتى كان سيد كل حي يقول: يا بني فلان هلم إلي، فإذا اجتمعوا عنده قال: النجاءَ النجاءَ، لما بعث الله عليهم من الرعب فانهزموا من غير قتال.\r{ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا } قال محمد بن إسحاق: حدثني يزيد بن رومان مولى آل الزبير، عن عروة بن الزبير ومن لا اتَّهم، عن عبد الله بن كعب بن مالك، وعن الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الله بن أبي بكرة بن محمد بن عمرو بن حزم، وعن محمد بن كعب القرظي، وعن غيرهم من علمائنا، دخل حديث بعضهم في بعض: أن نفرا من اليهود، منهم سلام بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وهودة بن قيس وأبي عمار الوائلي، في نفر من بني النضير ونفر من بني وائل، وهم الذين حزَّبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقالت لهم قريش: يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، فديننا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منهم، قال: فهم الذين أنزل الله فيهم: \"ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت\"، إلى قوله: \"وكفى بجهنم سعيرا\" (النساء 51-55) .\rفلما قالوا ذلك لقريش سرهم ما قالوا ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله، فأجمعوا لذلك، ثم خرج أولئك النفر من اليهود حتى جاءوا غطفان من قيس غيلان، فدعوهم إلى ذلك وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشا قد بايعوهم على ذلك، فأجابوهم.\rفخرجت قريش، وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان، وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر في فزارة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري في بني مرة، ومسعود بن\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الاستسقاء، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (نصرت بالصبا) 2 / 52، ومسلم في الاستسقاء، باب: في ريح الصبا والدبور، برقم (900) 2 / 617، والمصنف في شرح السنة: 4 / 387.\rوالصَّبَا: ريح، ومهبها المستوي أن تهب من مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار.\rوالدَّبَور: الريح التي تقابل الصبا، وقال النووي: هي الريح الغربية.","part":6,"page":322},{"id":2470,"text":"رخيلة بن نويرة بن طريف فيمن تابعه من قومه من أشجع 76/ب\rفلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبما اجتمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة.\rوكان الذي أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق سلمان الفارسي، وكان أول مشهد شهده سلمان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ حر، فقال: يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا عليها، فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى أحكموه (1) .\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن حامد الأصبهاني، أخبرنا محمد بن جعفر الطبري، حدثنا حماد بن الحسن، حدثنا محمد بن خالد بن عثمة، حدثنا كثير بن عبد الله، عن عمرو بن عوف، حدثني أبي عن أبيه قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق عام الأحزاب ثم قطع لكل عشرة أربعين ذراعا، قال: فاحتج المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي وكان رجلا قويا، فقال المهاجرون: سلمان منا، وقال الأنصار: سلمان منا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"سلمان منا أهل البيت\" (2) .\rقال عمرو بن عوف: كنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن المازني وستة من الأنصار في أربعين ذراعا فحفرنا حتى إذا كنا تحت ذي ناب أخرج الله في بطن الخندق صخرة مرورة كسرت حديدنا وشقت علينا، فقلنا: يا سلمان إرقَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره خبر هذه الصخرة، فإما أن يعدل عنها فإن المعدل قريب، وإما أن يأمرنا فيه بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه، قال: فرقى سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ضارب عليه قبة تركية، فقال: يا رسول الله خرجت صخرة بيضاء مروة من بطن الخندق فكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما يحيك فيها قليل ولا كثير، فمرنا فيها بأمرك، فإنا لا نحب أن نجاوز خطك، فهبط رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سلمان الخندق والتسعة على شق الخندق، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم المعول من سلمان فضربها ضربة صدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها -يعني المدينة-حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرا فتح وكبر المسلمون، ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم الثانية وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون، ثم ضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكسرها، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح، وكبر المسلمون، فأخذ بيد سلمان ورقى، فقال\r__________\r(1) رواه ابن إسحاق في السيرة عن ابن هشام: 3 / 214 وما بعدها، وأخرجه الطبري: 21 / 129-131 .\r(2) أخرجه الطبري: 21 / 133-134 ، والحاكم: 3 / 598 وسكت عنه، وقال الذهبي: سنده ضعيف، والطبراني: 6 / 261. وانظر: كشف الخفاء ومزيل الإلباس: 1 / 558، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 6 / 130 رواه الطبراني، وفيه كثير بن عبد الله المزني، وقد ضعفه الجمهور، وحسن الترمذي حديثه، وبقية رجاله ثقات.","part":6,"page":323},{"id":2471,"text":"سلمان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت شيئا ما رأيت مثله قط، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القوم فقال: \"أرأيتم ما يقول سلمان\"؟ قالوا: نعم يا رسول الله قال: \"ضربت ضربتي الأولى فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثانية فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور الحيرة من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها، فأبشروا\"، فاستبشر المسلمون وقالوا الحمد لله موعدَ صدقٍ، وُعِدْنَا النصر بعد الحصر، فقال المنافقون: ألا تعجبون من محمد يعدكم ويمنيكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفَرَق لا تستطيعون أن تبرزوا؟ قال فنزل القرآن: { وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا } وأنزل الله هذه القصة: \"قل اللهم مالك الملك\" (1) الآية (آل عمران-26) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عبد الله بن محمد، أخبرنا معاوية بن عمرو، أخبرنا أبو إسحاق، عن حميد قال: سمعت أنسًا يقول: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غَدَاةٍ باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك عنهم، فلما رأى ما بهم من النَّصَبِ والجوع، قال: \"اللهم إنَّ العيشَ عيشُ الآخرة، فاغفِرْ للأنصار والمهاجِرَةْ\"، فقالوا مجيبين له: نحنُ الذين بايَعُوا محمدًا ... على الجهادِ ما بَقِيْنَا أبدا (2)\rوأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا مسلم بن إبراهيم، أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينقل التراب يوم الخندق حتى اغْمَرَ بطنه -أو اغبرَّ-وهو يقول: والله لولا ما اهتدَيْنا ... ولا تَصَدَّقْنَا ولا صَلَّيْنَا\rفأَنزلَنْ سكينةً علينا ... وثَبِّتِ الأقدامَ إن لاقَيْنَا\rإنَّ الألَى قد بَغَوا علينا ... إذا أرادوا فِتْنَةً أَبَيْنَا\rويرفع بها صوته: أبينا أبينا (3) .\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 21 / 134، قال الهيثمي في المجمع: 6 / 131: رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما حيي بن عبد الله وثقه ابن معين وضعفه جماعة وبقية رجاله رجال الصحيح، وانظر: سيرة ابن هشام: 3 / 214-219.\r(2) أخرجه البخاري في المغازي، باب: غزوة الخندق: 7 / 392 والمصنف في شرح السنة: 14 / 4.\r(3) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة الخندق: 7 / 399، ومسلم في الجهاد والسير، باب: عزوة الأحزاب برقم (1803) 3 / 1430-1431 ، والمصنف في شرح السنة: 14 / 4-5.","part":6,"page":324},{"id":2472,"text":"رجعنا إلى حديث ابن إسحاق، قال: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رُوْمَة من الجُرُفِ والغابة (1) في عشرة آلاف من أحابيشهم، ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجد، حتى نزلوا بذنب نَقْمَى إلى جانب أُحد، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هنالك عسكره والخندق بينه وبين القوم. وأمر بالنساء والذراري فرفعوا في الآطام.\rوخرج عدو الله حيي بن أخطب من بني النضير حتى أتى كعب بن أسد القُرَظِيّ، صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم 77/أ على قومه وعاهده على ذلك، فلما سمع كعب بِحُيَي بن أخطب أغلق دونه حصنه، فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له، فناداه حيي: يا كعب افتح لي، فقال: وَيْحَكَ يا حُيَي إنك امرؤ مشؤوم وإني قد عاهدت محمدا، فلست بناقضٍ ما بيني وبينه، ولم أرَ منه إلا وفاءً وصدقًا. قال: ويحك افتح لي أكلمك، قال: ما أنا بفاعل، قال: والله إنْ أغلقت دوني إلا على جشيشتك أن آكل معك منها، فاحْفَظ الرجلَ، ففتح له، فقال:ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رُوْمة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أُحد، قد عاهدوني وعاقدوني أن لا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدًا ومن معه. قال له كعب بن أسد: جئتني والله بذل الدهر وبجهام قد هراق ماؤه برعد وبرق، وليس فيه شيء، فدعني ومحمدًا وما أنا عليه، فإني لم أرَ من محمد إلا صدقًا ووفاءً، فلم يزل حيي بن أخطب بكعب يفتله في الذروة والغارب حتى سمح له، على أن أعطاه من الله عهدًا وميثاقًا. لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدًا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك، فنقض كعب بن أسد عهده وتبرأ مما كان عليه فيما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rفلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبرُ وإلى المسلمين، بعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سعدَ بن معاذ، أحد بني عبد الأشهل، وهو يومئذ سيد الأوس، وسعدَ بن عبادة أحد بني ساعدة، وهو يومئذ سيد الخزرج، ومعهما عبد الله بن رواحة أخو بني الحارث بن الخزرج، وخُوَّات بن جبير، أخو بني عمرو بن عوف، فقال: انطلقوا حتى تنظروا، أحقٌّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان\r__________\r(1) في سيرة ابن هشام: 3 / 220 (زغابة) قال أبو ذر: \"كذا وقع هنا بالزاء مفتوحة، ورغابة بالراء المفتوحة هو الجيد، وكذلك رواه الوقشي\".","part":6,"page":325},{"id":2473,"text":"حقًا فالحنوا لي لحنًا أعرفه، ولا تفتُّوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به جهرًا للناس، فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم منهم، ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: لا عقد بيننا وبين محمد ولا عهد، فشاتمتهم سعد بن عبادة وشاتموه، وكان رجلا فيه حدة، فقال له سعد بن معاذ: دعْ عنك مشاتمتهم فإن ما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة، ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه وقالوا: عضَلٌ والقارة، لغدر عضل والقارة بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أصحاب الرجيع: خبيب بن عدي وأصحابه؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين.\rوعظم عند ذلك البلاءُ واشتدَّ الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى ظن المؤمنون كلَّ ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين حتى قال مُعَتِّبُ بن قُشَيْرِ، أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يَعِدُنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط، ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا، وحتى قال أوس بن قيظي، أحد بني حارثة بن قيظي: يا رسول الله إن بيوتنا عورة من العدو وذلك على ملأ من رجال قومه، فائذن لنا فلنرجع إلى ديارنا فإنها خارجة من المدينة.\rفأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام المشركون عليه بضعًا وعشرين ليلة قريبًا من شهر، ولم يكن بين القوم حرب إلا الرمي بالنبل والحصى.\rفلما اشتد البلاء على الناس بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حفص، والى الحارث بن عمر، وهما قائدا غطفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فجرى بينه وبينهم الصلح، حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة، فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، واستشارهما فيه، فقالا يا رسول الله أشيء أمرك الله به لا بدّ لنا من العمل به أم أمر تحبه فتصنعه، أم شيء تصنعه لنا؟ قال: لا بل [شيء أصنعه] (1) لكم، والله ما أصنع ذلك إلا أني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأدرت أن أكْسِر عنكم شوكتهم، فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على شرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرةً واحدة إلا قِرًى أو بيعًا، فحين أكرمنا الله بالإسلام، وأعزَّنا بك نعطيهم اموالنا! مالنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم، [فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم] (2) فأنت وذاك. فتناول سعد الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتابة، ثم قال: ليجهدوا علينا.\r__________\r(1) غير وارد في المخطوطتين وقد أخذ من السيرة ولا يتم المعنى إلا به.\r(2) ساقط من \"ب\".","part":6,"page":326},{"id":2474,"text":"فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، وعدوُّهم محاصروهم، ولم يكن بينهم قتال، إلا أن فوارس من قريش، منهم عمرو بن عبد ود، أخو بني عامر بن لؤي، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان، ونوفل بن عبد الله، وضرار بن الخطاب، ومرداس أخو بني محارب بن فهر، قد تلبسوا للقتال وخرجوا على خيلهم ومروا على بني كنانة فقالوا: تهيئوا للحرب يا بني كنانة، فستعلمون اليوم مَنِ الفرسانُ، ثم أقبلوا نحو الخندق حتى وقفوا على الخندق فلما رأوه قالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها.\rثم تيمموا مكانًا من الخندق ضيقًا فضربوا خيولهم فاقتحمت منه، فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسَلْع، وخرج علي بن أبي طالب في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة التي أقحموا منها خيلهم، وأقبلت الفرسان تُعْنِقُ نحوهم، وكان عمرو بن عبد ودّ وقاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة، [فلم يشهد أحدًا] (1) فلما كان يوم الخندق خرج مُعْلَمًا ليُرَى مكانه، فلما وقف هو وخيله، قال له علي: يا عمرو إنك كنت تعاهد الله أن لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خَلَّتين إلا أخذت منه إحداهما، قال: أجل، فقال له علي 77/ب بن أبي طالب: فإني أدعوك إلى الله والى رسوله وإلى الإسلام، قال: لا حاجة لي بذلك، قال: فإني أدعوك إلى البراز (2) قال: ولِمَ يا ابن أخي، فوالله ما أُحبُّ أن اقتلك، قال علي: ولكني والله أحب أن أقتلك، فحمي عمرو عند ذلك، فاقتحم عن فرسه، فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على علي، فتناولا وتجاولا فقتله عليٌّ، فخرجت خيله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة، وقتل مع عمرو رجلان: منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار، أصابه سهم، فمات منه بمكة، ونوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي، وكان اقتحم الخندق فتورط فيه فرموه بالحجارة، فقال: يا معشر العرب قتله أحسن من هذه، فنزل إليه علي فقتله، فغلب المسلمون على جسده، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعهم جسده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا حاجة لنا في جسده وثمنه، فشأنكم به، فخلّى بينهم وبينه.\rقالت عائشة أم المؤمنين: كنا يوم الخندق في حصن بني حارثة، وكان من أحرز حصون المدينة، وكانت أم سعد بن معاذ معنا في الحصن، وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، فمرّ سعد بن معاذ وعليه درع مقلَّصَة، قد خرجت منها ذراعه كلها، وفي يده حربة وهو يقول: لَبِّثْ قليلا ندركِ الهيجا حَمَل ... لا بأسَ بالموتِ إذا حانَ الأجَلْ\rفقالت له أمه: الحق يا بني فقدْ والله أجزت، قالت عائشة فقلت لها: يا أم سعد والله لوددت أن\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) في \"ب\": النزال.","part":6,"page":327},{"id":2475,"text":"درع سعد كانت أسبغ مما هي، قالت: وخفت عليه حيث أصاب السهم منه، قالت: فرمي سعد يومئذ بسهم، وقُطع منه الأكْحَلُ، رماه خباب بن قيس بن العَرِقَة، أحد بني عامر بن لؤي، فلما أصابه قال: خذها وأنا ابن العرقة، فقال سعد: عرّق الله وجهك في النار، ثم قال سعد: اللهم أن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إليّ من أن أجاهدهم من قومٍ آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه، وإن كنت قد وضعتَ الحربَ بيننا وبينهم فأجعله لي شهادة ولا تُمِتِني حتى تُقِرّ عيني من بني قريظة وكانوا خلفاءه ومواليه في الجاهلية (1) .\rوقال محمد بن إسحاق عن يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عبَّاد قال: كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع، حصن حسان بن ثابت، قالت: وكان حسان معنا فيه، مع النساء والصبيان، قالت صفية: فمرّ بنا رجل من اليهود فجعل (2) يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة، فقطعت ما بيننا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في نحور عدوهم، لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا عنهم، إذا أتانا آت. قالت: فقلت: يا حسان، إن هذا اليهودي كما ترى، يطيف بالحصن وإني والله ما آمنه أن يدل على عوراتنا مَنْ وراءنا من يهود، وقد شُغل عنَّا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه (3) فأنزلْ إليه فاقتله، فقال: يغفر الله لك يابنة عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا، قالت: فلما قال لي ذلك ولم أرَ عنده شيئًا اعتجرت، ثم أخذت عمودًا، ثم نزلت من الحصن إليه، فضربته بالعمود حتى قتلته، فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن، فقلت: يا حسان أنزل إليه فاسلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل، قال: ما لي بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب (4) .\rقالوا: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيما وصف الله تعالى من الخوف والشدة لتظاهرِ عدوهم وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم.\rثم إن نعيم بن مسعود بن عامر من غطفان أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أنت فينا رجل واحد فخذِّل عنّا إنِ استطعتَ، فإن الحرب خُدْعة، فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة، وكان لهم نديمًا في الجاهلية، فقال لهم: يا بني قريظة قد عرفتم وُدي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت لست عندنا بمتهم، فقال لهم: إن قريشًا وغطفان جاءوا لحرب محمد وقد ظاهرتموهم عليه، وإن قريشًا وغطفان ليسوا كهيئتكم، البلد بلدكم به أموالكم وأولادكم ونساؤكمُ\r__________\r(1) انظر الرواية بتمامها في السيرة لابن هشام: 3 / 219-227.\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) انظر: سيرة ابن هشام: 3 / 228-230.","part":6,"page":328},{"id":2476,"text":"لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان، أموالهم وأولادهم ونساؤهم بعيدة، إن رأوا نُهْزَةً وغنيمة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل، والرجل ببلدكم لا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنًا من أشرافهم، يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدًا، حتى تناجزوه. قالوا: لقد أشرت برأي ونصح.\rثم خرج حتى أتى قريشًا فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش: يا معشر قريش قد عرفتم وُدي إيّاكم وفراقي محمدا، وقد بلغني أمرٌ رأيت أن حقًا عليّ أن أبلغكم نصحًا لكم، فاكتموا عليّ، قالوا: نفعل، قال: تعلمون أن معشر يهود قد نَدمُوا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه: أن قد نَدِمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك عنا أن نأخذ من القبيلتين، من قريش وغطفان، رجالا من أشرافهم فنعطيكم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم؟ فأرسلَ إليهم: أنْ نَعم. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون رُهُنًا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدًا.\rثم خرج حتى أتى غطفان فقال: يا معشر غطفان، أنتم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي، ولا أراكم تتهموني، قالوا: صدقت، 78/أ قال: فاكتموا علي، قالوا: نفعل، ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم، فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس، وكان مما صنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أرسل أبو سفيان ورءوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان، فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدًا ونفرغ مما بيننا وبينه، فقال بنو قريظة لهم: إن اليوم السبت، وهو يوم لا نعمل فيه شيئًا، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثًا فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم حتى تعطونا رُهُنًا من رجالكم، يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدًا، فإنا نخشى إن ضرَسَتْكم الحربُ واشتدَّ عليكم القتال أن تسيروا إلى بلادكم وتتركونا، والرجل في بلدنا، ولا طاقة لنا بذلك من محمد، فلما رجعت إليهم الرسل بالذي قالت بنو قريظة، قالت قريش وغطفان: تعلمُنَّ والله أن الذي حدَّثكم نعيم بن مسعود لحُقُّ، فأرسلوا إلى بني قريظة: إنّا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدًا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا، فقالت بنو قريظة حين انتهت إليهم الرسل بهذا: إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لَحَقُّ، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا، فإن وجدوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم، وخلوا بينكم وبين الرجل في بلادكم، فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رُهُنًا، فأبوا عليهم، وخذل الله بينهم (1) وبعث الله عليهم الريح في ليال شاتية شديدة البرد، فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح آنيتهم.\r__________\r(1) انظر: سيرة ابن هشام: 3 / 231-233.","part":6,"page":329},{"id":2477,"text":"فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اختلف من أمرهم دعا حذيفة بن اليمان فبعثه إليهم لينظر ما فعل القوم ليلا.\rروى محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن كعب القرظي، وروى غيره عن إبراهيم التميمي، عن أبيه قالا قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبتموه، قال نعم يا ابن أخي، قال: كيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد، فقال الفتى: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا ولخدمناه، وفعلنا وفعلنا، فقال حذيفة: يا ابن أخي والله لقد رأيتُني ليلة الأحزاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: من يقوم فيذهب إلى هؤلاء القوم فيأتينا بخبرهم أدخله الله الجنة؟ فما قام منّا رجل، ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هُوِيًّا من الليل، ثم التفت إلينا فقال مثله فسكت القوم، وما قام منا رجل ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هُوِيًّا من الليل، ثم التفت إلينا فقال: مَنْ رجل يقوم فينظر ما فعل القوم على أن يكون رفيقي في الجنة، فما قام رجل من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد، فلما لم يقم أحد دعاني، رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا حذيفة، فلم يكن لي بدُّ من القيام إليه حين دعاني، فقلت: لبيك يا رسول الله وقمت حتى آتيه، وإن جنبيّ ليضطربان، فمسح رأسي ووجهي، ثم قال: ائت هؤلاء القوم حتى تأتيني بخبرهم ولا تُحْدِثَنَّ شيئًا حتى ترجع إليّ، ثم قال اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته فأخذتُ سهمي، وشددت عليّ سلاحي، ثم انطلقتُ أمشي نحوهم كأنما أمشي في حمام، فذهبت فدخلت في القوم، وقد أرسل الله عليهم ريحًا وجنودًا لله تفعل بهم ما تفعل، لا تُقرّ لهم قدرًا ولا نارًا ولا بناءً، وأبو سفيان قاعد يصطلي، فأخذت سهمًا فوضعته في كبد قوسي فأردت أن أرميه، ولو رميتُه لأصبتُه، فذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تحدثنّ حدثًا حتى ترجع إليّ، فرددت سهمي في كنانتي. فلما رأى أبو سفيان ما تفعل الريح وجنود الله بهم، لا تقرّ لهم قدرًا ولا نارًا ولا بناء، قام فقال: يا معشر قريش ليأخذْ كل رجل منكم بيد جليسه فلينظر من هو، فأخذت بيد جليسي فقلت من أنت، فقال: سبحان الله أما تعرفني أنا فلان ابن فلان، فإذا هو رجل من هوازن.\rفقال أبو سفيان يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام لقد هلك الكراع والخف واخلفَتْنَا بنو قريظة، وبلغَنا منهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قال إلى جمله وهو معقول فجلس عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فما أطلق عقاله إلا وهو قائم وسمعت غطفان بما فعلتْ قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم.\rقال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كأني أمشي في حمام فأتيته وهو قائم يصلي، فلما سلم أخبرته الخبر، فضحك حتى بدت أنيابه في سواد الليل، قال: فلما أخبرته وفرغت قررت وذهب عني الدفاء .","part":6,"page":330},{"id":2478,"text":"فأدناني النبي صلى الله عليه وسلم منه، وأنامني عند رجليه، وألقى عليّ طرف ثوبه، وألزق صدري ببطن قدميه فلم أزل نائمًا حتى أصبحت فلما أصبحت قال: قمْ يا نومان (1) .\r{ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا (11) }\rقوله عز وجل: { إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ } أي: من فوق الوادي من قِبَلٍ المشرق، وهم أسد، وغطفان، وعليهم مالك بن عوف النصري وعيينة بن حصن الفزاري في ألف من غطفان، ومعهم طليحة بن خويلد الأسدي في بني أسد وحيي بن أخطب في يهود بني قريظة، { وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ } يعني: من بطن الوادي، من قِبَل المغرب، وهم قريش وكنانة، عليهم أبو سفيان بن حرب في قريش ومَنْ تبعه، وأبو الأعور عمرو بن سفيان السلمي من قبل الخندق.\rوكان الذي جر غزوة الخندق -فيما قيل-إجلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير من ديارهم.\r{ وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ } مالت وشخصت 78/ب من الرعب، وقيل: مالت عن كل شيء فلم تنظر إلى عدوها، { وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ } فزالت عن أماكنها حتى بلغت الحلوق من الفزع، والحَنْجَرة: جوف الحلقوم، وهذا على التمثيل، عبّر به عن شدة الخوف، قال الفراء: معناه أنهم جبنوا وسبيل الجبان إذا اشتد خوفه أن تنتفخ رئته فإذا انتفخت الرئة رفعت القلب إلى الحنجرة، ولهذا يقال للجبان: انتفخ سحره.\r{ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا } أي: اختلفت الظنون؛ فظن المنافقون استئصال محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي عنهم، وظن المؤمنون النصر والظفر لهم.\rقرأ أهل المدينة والشام وأبو بكر: \"الظنونا\" و\"الرسولا\" و\"السبيلا\" بإثبات الألف وصلا ووقفًا، لأنها مثبتة في المصاحف، وقرأ أهل البصرة وحمزة بغير الألف في الحالين على الأصل، وقرأ الآخرون بالألف في الوقف دون الوصل لموافقة رؤس الآي. { هُنَالِكَ ابْتُلِيَ } أي: عند ذلك اختبر المؤمنون، بالحصر والقتال، ليتبين المخلص من المنافق، { وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا } حُرّكوا حركة شديدة.\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الجهاد باب: غزو الأحزاب برقم (1788): 3 / 1414-1415.","part":6,"page":331},{"id":2479,"text":"{ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا (12) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلا فِرَارًا (13) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلا يَسِيرًا (14) }\r{ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ } معتِّب بن قشير، وقيل: عبد الله بن أُبيّ وأصحابه، { وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } شك وضعف اعتقاد: { مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا } وهو قول أهل النفاق: يَعِدُنا محمد فتح قصور الشام وفارس وأحدنا لا يستطيع أن يجاوزَ رحله، هذا والله الغرور. { وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ } أي: من المنافقين، وهم أوس بن قيظي وأصحابه، { يَا أَهْلَ يَثْرِبَ } يعني المدينة، قال أبو عبيدة: \"يثرب\": اسم أرضٍ، ومدينةُ الرسول صلى الله عليه وسلم في ناحيةٍ منها.\rوفي بعض الأخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تسمى المدينة يثرب، وقال: \"هي طابة\"، كأنه كره هذه اللفظة (1) .\r{ لا مُقَامَ لَكُمْ } قرأ العامة بفتح الميم، أي: لا مكانه لكم تنزلون وتقيمون فيه، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، وحفص: بضم الميم، أي: لا إقامة لكم، { فَارْجِعُوا } ؛ إلى منازلكم عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: عن القتال إلى مساكنكم.\r{ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ } وهم بنو حارثة وبنو سلمة، { يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ } أي: خالية ضائعة، وهو مما يلي العدو نخشى عليها السرّاق. وقرأ أبو رجاء العطاردي \"عَورَة\" بكسر الواو، أي: قصيرة الجدران يسهل دخول السراق عليها، فكذبهم الله فقال: { وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلا فِرَارًا } أي: ما يريدون إلا الفرار. { وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ } أي: لو دَخَلَتْ عليهم المدينة، يعني هؤلاء الجيوش الذين يريدون قتالهم، وهم الأحزاب، { مِنْ أَقْطَارِهَا } جوانبها ونواحيها جمع قطر، { ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ } أي: الشرك.\r__________\r(1) روى مسلم في الجهاد: 2 / 1007 من حديث جابر بن سمرة مرفوعا: \"إن الله طابة\"، ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده ص (104) عن شعبة عن سماك بلفظ: \" كانوا يسمون المدينة يثرب، فسماها النبي صلى الله علبيه وسلم طيبة\" وأخرجه أبو هوانه. وانظر: فتح الباري: 4 / 88-89.","part":6,"page":332},{"id":2480,"text":"{ لآتَوْهَا } لأعطوها، وقرأ أهل الحجاز لأتوها مقصورًا، أي: لجاؤوها وفعلوها ورجعوا عن الإسلام، { وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا } أي: ما احتبسوا عن الفتنة، { إِلا يَسِيرًا } ولأسرعوا الإجابة إلى الشرك طيبة به أنفسهم، هذا قول أكثر المفسرين.\rوقال الحسن والفراء: وما أقاموا بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلا قليلا حتى يهلكوا (1) .\r{ وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولا (15) }\r__________\r(1) ذكره الفراء في معاني القرآن: 2 / 337.","part":6,"page":333},{"id":2481,"text":"{ قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلا قَلِيلا (16) }\r{ وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ } أي: من قبل غزوة الخندق، { لا يُوَلُّونَ الأدْبَارَ } من عدوهم أي: لا ينهزمون، قال يزيد بن رومان: هم بنو حارثة، هموا يوم أحد أن يفشلوا مع بني سلمة، فلما نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله أن لا يعودوا لمثلها (1) .\rوقال قتادة: هم ناس كانوا قد غابوا عن وقعة بدر [ورأوا ما أعطى الله أهل بدر] (2) من الكرامة والفضيلة قالوا: لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن، فساق الله إليهم ذلك (3) .\rوقال مقاتل والكلبي: هم سبعون رجلا بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، وقالوا: أشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأولادكم، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا يا رسول الله؟ قال: لكم النصر في الدنيا والجنة في الآخرة، قالوا: قد فعلنا ذلك. فذلك عهدهم (4) .\rوهذا القول ليس بمرضي، لأن الذين بايعوا ليلة العقبة كانوا سبعين نفرا، لم يكن فيهم شاك ولا من يقول مثل هذا القول، وإنما الآية في قوم عاهدوا الله أن يقاتلوا ولا يفروا، فنقضوا العهد.\r{ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولا } عنه. { قُلْ } لهم، { لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ } الذي كتب عليكم لأن من حضر أجله مات أو قتل، { وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلا قَلِيلا } أي: لا تمتعون بعد الفرار إلا مدة آجالكم وهي قليل.\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 21 / 137.\r(2) ما بين القوسين ساقط من\"أ\".\r(3) أخرجه الطبري: 21 / 137، وانظر: زاد المسير: 6 / 363، البحر المحيط: 7 / 219.\r(4) ذكره القرطبي: 14 / 150، وانظر: زاد المسير: 6 / 363، البحر المحيط: 7 / 219.","part":6,"page":333},{"id":2482,"text":"{ قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (17) قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلا قَلِيلا (18) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (19) }\r{ قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ } أي: يمنعكم من عذابه، { إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا } هزيمة، { أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً } نصرة، { وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا } أي: قريبا ينفعهم، { وَلا نَصِيرًا } أي: ناصرا يمنعهم. { قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ } أي: المثبطين للناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم { وَالْقَائِلِينَ لإخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا } أي: ارجعوا إلينا، ودعوا محمدا، فلا تشهدوا معه الحرب، فإنا نخاف عليكم الهلاك.\rقال قتادة: هؤلاء ناس من المنافقين، كانوا يثبطون أنصار النبي صلى الله عليه وسلم، ويقولون لإخوانهم: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا لحما لالتهمهم، أي: ابتلعهم أبو سفيان وأصحابه، دعوا الرجل فإنه هالك (1) .\rوقال مقاتل: نزلت في المنافقين، وذلك أن اليهود أرسلت إلى المنافقين، وقالوا: ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سفيان ومن معه، فإنهم إن قدروا عليكم في هذه المرة لم يستبقوا منكم أحدا، وإنا نشفق عليكم، أنتم إخواننا وجيراننا هلموا إلينا، فأقبل عبد الله بن أبي وأصحابه على المؤمنين يعوقونهم ويخوفونهم بأبي سفيان ومن معه، وقالوا: لئن قدروا عليكم لم يستبقوا منكم أحدا ما ترجون من محمد؟ ما عنده خير، ما هو إلا أن يقتلنا ها هنا، انطلقوا بنا إلى إخواننا، يعني اليهود، فلم يزدد المؤمنون بقول المنافقين إلا إيمانا واحتسابا (2) .\rقوله عز وجل: { وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ } 79/أ الحرب { إِلا قَلِيلا } رياء وسمعة من غير احتساب، ولو كان ذلك القليل لله لكان كثيرا . { أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ } بخلاء بالنفقة في سبيل الله والنصرة، وقال قتادة: بخلاء عند الغنيمة، وصفهم الله بالبخل والجبن، فقال: { فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ } في الرؤوس من الخوف والجبن { كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ } أي: كدوران الذي يغشى عليه من الموت،\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 21 / 139.\r(2) انظر: زاد المسير: 6 / 365.","part":6,"page":334},{"id":2483,"text":"وذلك أن من قرب من الموت غشيه أسبابه يذهب عقله ويشخص بصره، فلا يطرف، { فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ } آذوكم ورموكم في حال الأمن، { بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ } ذربة، جمع حديد. يقال للخطيب الفصيح الذرب اللسان: مسلق ومصلق وسلاق وصلاق. قال ابن عباس: سلقوكم أي: عضدوكم وتناولوكم بالنقص والغيبة. وقال قتادة: بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة، يقولون أعطونا فإنا قد شهدنا معكم القتال، فلستم أحق بالغنيمة منا (1) فهم عند الغنيمة أشح قوم وعند البأس أجبن قوم، { أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ } أي: عند الغنيمة يشاحون المؤمنين، { أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ } قال مقاتل: أبطل الله جهادهم، { وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا }\r{ يَحْسَبُونَ الأحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلا قَلِيلا (20) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) }\r{ يَحْسَبُونَ } يعني هؤلاء المنافقين، { الأحْزَابَ } يعني: قريشا وغطفان واليهود، { لَمْ يَذْهَبُوا } لم ينصرفوا عن قتالهم جبنا وفرقا وقد انصرفوا، { وَإِنْ يَأْتِ الأحْزَابُ } أي: يرجعوا إليه للقتال بعد الذهاب، { يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأعْرَابِ } أي يتمنوا لو كانوا في بادية الأعراب من الخوف والجبن، يقال: بدا يبدو بداوة، إذا خرج إلى البادية، { يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ } أخباركم وما آل إليه أمركم، وقرأ يعقوب: \"يساءلون\" مشددة ممدودة، أي: يتساءلون، { وَلَوْ كَانُوا } يعني: هؤلاء المنافقين، { فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلا قَلِيلا } تعذيرا، أي: يقاتلون قليلا يقيمون به عذرهم، فيقولون قد قاتلنا. قال الكلبي: إلا قليلا أي: رميا بالحجارة. وقال مقاتل: إلا رياء وسمعة من غير احتساب (2) . قوله عز وجل: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } قرأ عاصم: \"أسوة\" حيث كان، بضم الهمزة، والباقون بكسرها، وهم لغتان، أي: قدوة صالحة، [وهي فعلة من الائتساء] (3) كالقدوة من الاقتداء، اسم وضع موضع المصدر، أي: به اقتداء حسن إن تنصروا دين الله وتؤازروا\r__________\r(1) انظر: زاد المسير: 6 / 366.\r(2) انظر: زاد المسير: 6 / 367.\r(3) في \"أ\" (والأسوة من الائتساء).","part":6,"page":335},{"id":2484,"text":"الرسول ولا تتخلفوا عنه، وتصبروا على ما يصيبكم كما فعل هو إذ كسرت رباعيته وجرح وجهه، وقتل عمه وأوذي بضروب من الأذى، فواساكم مع ذلك بنفسه، فافعلوا أنتم كذلك أيضا واستنوا بسنته، { لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ } بدل من قوله: \"لكم\" وهو تخصيص بعد تعميم للمؤمنين، يعني: أن الأسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم لمن كان يرجو الله، قال ابن عباس: يرجو ثواب الله. وقال مقال: يخشى الله (1) { وَالْيَوْمِ الآخِرِ } أي: يخشى يوم البعث الذي فيه جزاء الأعمال، { وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } في جميع المواطن على السراء والضراء.\r{ وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22) }\r__________\r(1) انظر: زاد المسير: 6 / 368.","part":6,"page":336},{"id":2485,"text":"{ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا (23) }\rثم وصف حال المؤمنين عند لقاء الأحزاب فقال: { وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأحْزَابَ قَالُوا } تسليما لأمر الله وتصديقا لوعده: { هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ } وعد الله إياهم ما ذكر في سورة البقرة: \"أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم\" إلى قوله: \"ألا إن نصر الله قريب\" (البقرة-214) ، فالآية تتضمن أن المؤمنين يلحقهم مثل ذلك البلاء، فلما رأوا الأحزاب وما أصابهم من الشدة قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، { وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا } [أي: تصديقا لله وتسليما لأمر الله] (1) . قوله عز وجل: { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ } أي: قاموا بما عاهدوا الله عليه ووفوا به، { فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ } أي: فرغ من نذره، ووفى بعهده، فصبر على الجهاد حتى استشهد، والنحب: النذر، والنحب: الموت أيضا، قال مقاتل: \"قضى نحبه\"، يعني: أجله فقتل على الوفاء، [يعني حمزة وأصحابه. وقيل: \"قضى نحبه\" أي: بذل جهده في الوفاء] (2) بالعهد من قول العرب: نحب فلان في سيره يومه وليلته أجمع، إذا مد فلم ينزل، { وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ } الشهادة.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) ساقط من \"أ\".","part":6,"page":336},{"id":2486,"text":"وقال محمد بن إسحاق: \"فمنهم من قضى نحبه\" من استشهد يوم بدر وأحد (1) \"ومنهم من ينتظر\" يعني: من بقي بعد هؤلاء من المؤمنين ينتظرون أحد الأمرين؛ إما الشهادة أو النصر (2) { وَمَا بَدَّلُوا } عهدهم { تَبْدِيلا }\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن سعيد الخزاعي، أخبرنا عبد الأعلى، عن حميد قال: سألت أنسا \\ح \\ وحدثني عمرو بن زرارة، أخبرنا زياد، حدثني حميد الطويل، عن أنس قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني أصحابه-وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء -يعني المشركين-ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس: كنا نظن أو نرى أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ } إلى آخر الآية (3) .\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي، أخبرنا محمد بن حماد، أخبرنا معاوية، عن الأعمش، عن سفيان عن شقيق، عن خباب بن الأرت قال: هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله نبتغي وجه الله فوجب أجرنا على الله، فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئا، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد، فلم يوجد له شيء يكفن فيه إلا نمرة، فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه، وإذا وضعناه على رجليه 79/ب خرج رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ضعوها مما يلي رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر، قال: ومن أينعت له ثمرته فهو يهد بها\" (4) .\rأخبرنا أبو المظفر محمد بن أحمد التيمي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان المعروف بابن أبي نصر، أخبرنا خيثمة بن سليمان بن حيدرة الأطرابلسي، أخبرنا محمد بن سليمان الجوهري\r__________\r(1) في ابن هشام: 3 / 248: \"من قضى نحبه\" أي: فرغ من عمله، ورجع إلى ربه، كمن استشهد يوم بدر وأحد .\r(2) انظر سيرة ابن هشام: 3 / 248-249.\r(3) أخرجه البخاري في الجهاد، باب قوله الله عز وجل: \"من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا\": 6 / 21 ، ومسلم في الإمارة، باب: ثبوت الجنة للشهيد برقم (1903): 3 / 1512.\r(4) أخرجه البخاري في المغازي، باب: غزوة أحد 7 / 354، والمصنف في شرح السنة: 5 / 319.","part":6,"page":337},{"id":2487,"text":"بأنطاكية، أخبرنا مسلم بن إبراهيم، أخبرنا الصلت بن دينار، عن أبي نصرة، عن جابر بن عبد الله قال: نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى طلحة بن عبد الله فقال: \"من أحب أن ينظر إلى رجل يمشي على وجه الأرض وقد قضى نحبه فلينظر إلى هذا\" (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عبد الله بن أبي شيبة، أخبرنا وكيع بن إسماعيل، عن قيس قال: رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد (2) .\r{ لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (24) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25) وَأَنزلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (26) }\rقوله عز وجل: { لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ } أي جزاء صدقهم، وصدقهم هو الوفاء بالعهد، { وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } فيهديهم إلى الإيمان، { إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا } { وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا } من قريش وغطفان، { بِغَيْظِهِمْ } لم يشف صدورهم بنيل ما أرادوا، { لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا } ظفرا، { وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ } بالملائكة والريح، { وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا } [قويا في ملكه عزيزا] (3) في انتقامه. { وَأَنزلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ } أي: عاونوا الأحزاب من قريش وغطفان على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين وهم بنو قريظة، { مِنْ صَيَاصِيهِمْ } حصونهم ومعاقلهم، واحدها صيصية، [ومنه قيل للقرن ولشوكة الديك والحاكة صيصية] (4) وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في المناقب: 10 / 242 وقال: \"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الصلت بن دينار، وقد تكلم بعض أهل العلم في الصلت بن دينار وضعفه وتكلموا في صالح بن موسى\"، وابن ماجه في المقدمة برقم: (125) 1 / 46 لكن بلفظ: (أن طلحة مر على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: شهيد يمشي على وجه الأرض)، والمصنف في شرح السنة: 4 / 120.\r(2) أخرجه البخاري في المغازي، باب: \"إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا\": 7 / 359، والمصنف في شرح السنة: 14 / 121.\r(3) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(4) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".","part":6,"page":338},{"id":2488,"text":"أصبح من الليلة التي انصرف الأحزاب فيها راجعين إلى بلادهم وانصرف النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون عن الخندق إلى المدينة، ووضعوا السلاح فلما كان الظهر أتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم معتجرا بعمامة من استبرق على بغلة عليها رحالة (1) وعليها قطيفة من ديباج، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند زينب بنت جحش وهي تغسل رأسه وقد غلست شقه، فقال: قد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم، فقال جبريل: عفا الله عنك ما وضعت الملائكة السلاح منذ أربعين ليلة، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم.\rوروي أنه كان الغبار على وجه جبريل عليه السلام وفرسه فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسح الغبار عن وجهه وعن فرسه، فقال: إن الله يأمرك بالسير إلى بني قريظة فانهد (2) إليهم (3) فإني قد قطعت أوتارهم، وفتحت أبوابهم وتركتهم في زلزال وبلبال، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديا فأذن: أن من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه برايته إليهم، وابتدرها الناس فسار علي رضي الله عنه حثى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع حتى لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطريق، فقال: يا رسول الله لا عليك أن تدنو من هؤلاء الأخابث، قال: لم، أظنك سمعت لي منهم أذى؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: لو قد رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا.\rفلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حصونهم قال: يا إخوان القردة والخنازير هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟. قالوا: يل أبا القاسم ما كنت جهولا.\rومر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه بالصورين (4) قبل أن يصل إلى بني قريظة فقال: هل مر بكم أحد؟ فقالوا: نعم يا رسول الله مر بنا دحية بن خليفة الكلبي على بغلة بيضاء عليها رحالة عليها قطيفة ديباج، فقال عليه السلام: ذاك جبريل بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم ويقذف الرعب في قلوبهم.\rفلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة نزل على بئر من آبارها في ناحية من أموالهم، فتلاحق به الناس فأتاه رجال من بعد صلاة العشاء الآخرة ولم يصلوا العصر لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة\"، فصلوا العصر بها بعد العشاء الآخرة فما عابهم الله بذلك\r__________\r(1) الرحالة: السرج.\r(2) انهض إليهم، ونهد القوم لعدوهم إذا صمدوا له وشرعوا في قتاله.\r(3) انظر البخاري: 7 / 407، شرح السنة: 14 / 10-11.\r(4) موضع قرب المدينة.","part":6,"page":339},{"id":2489,"text":"ولا عنفهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب.\rوكان حيي بن أخطب دخل على بني قريظة في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده.\rفلما أيقنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير منصرف عنهم حتى يناجزهم، قال كعب بن أسد: يا معشر يهود إنه قد نزل بكم من الأمر ما ترون وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا أيها شئتم، قالوا: وما هن؟ قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه فوالله لقد تبين لكم أنه نبيّ مرسل وأنه الذي تجدونه في كتابكم، فتأمنوا على دياركم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم، قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا ولا نستبدل به غيره، قال: فإذا أبيتم هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد رجالا مصلتين بالسيوف ولم نترك وراءنا ثقلا يهمنا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا شيئا نخشى عليه، وإن نظهر فلعمري لنتخذن النساء والأبناء، فقالوا: نقتل هؤلاء المساكين فما خير في العيش بعدهم؟ قال: فإن أبيتم هذه فإن الليلة ليلة السبت وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فيها فانزلوا لعلنا أن نصيب من محمد وأصحابه غرة. قالوا: أنفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يكن أحدث فيه من كان قبلنا؟ أما من قد عملت فأصابهم من المسخ ما لم يخف عليك؟ فقال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة في الدهر حازما؟ قال ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف، وكانوا حلفاء الأوس نستشيره في أمرنا فأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال وهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه فرق لهم، فقالوا: يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، [قالوا: ماذا يفعل بنا إذا نزلنا] (1) ؟ فأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح، قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله، ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت 80/أ رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده، وقال: لا أبرح مكاني حتى يتوب الله علي مما صنعت، وعاهد الله أن لا يطأ أرض بني قريظة أبدا، ولا يراني الله في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره وأبطأ عليه (2) قال: أما لو جاءني لاستغفرت له، فأما إذا فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه، ثم إن الله تعالى أنزل توبة أبي لبابة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت أم سلمة، قالت أم سلمة فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك فقلت مما تضحك يا رسول\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) زيادة من \"ب\".","part":6,"page":340},{"id":2490,"text":"الله أضحك الله سنك؟ قال: تيب على أبي لبابة، فقلت: إلا أبشره بذلك يا رسول الله؟ فقال بلى إن شئت، فقامت على باب حجرتها وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب، فقالت يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك، قال فثار الناس إليه ليطلقوه فقال: لا والله حتى يكون رسول الله هو الذي يطلقني بيده فلما مر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خارجا إلى الصبح أطلقه، ثم قال: إن ثعلبة بن شعبة وأسيد بن شعبة، وأسيد بن عبيد وهم نفر من بني هذيل ليسوا من قريظة ولا النضير نسبهم فوق ذلك هم بنو عم القوم أسلموا تلك الليلة التي نزلت فيها بنو قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدي القرظي فمر بحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها محمد بن مسلمة الأنصاري تلك الليلة، فلما رآه قال: من هذا؟ قال: عمرو بن سعدي، وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لا أغدر بمحمد أبدا، فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللهم لا تحرمني عثرات الكرام ثم خلى سبيله، فخرج على وجهه حتى بات في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة تلك الليلة ثم ذهب فلا يدري أين ذهب من أرض الله، فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم شأنه، فقال: ذاك رجل قد نجاه الله بوفائه (1) . وبعض الناس يزعم أنه كان قد أوثق برمة فيمن أوثق من بني قريظة حين نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأصبحت رمته ملقاة لا يدري أين ذهب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه تلك المقالة، والله أعلم. فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله فتواثبت الأوس فقالوا: يا رسول الله إنهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي الخزرج، بالأمس ما قد علمت، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بني قريظة حاصر بني قنيقاع وكانوا حلفاء الخزرج، فنزلوا على حكمه فسألهم إياه عبد الله بن أبي بن سلول، فوهبهم له فلما كلمه الأوس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيكم رجل منكم؟\" قالوا: بلى، قال: فذاك إلى سعد بن معاذ، وكان سعد بن معاذ قد جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيمة امرأة من المسلمين يقال لها رفيدة في مسجده، وكانت تداوي الجرحى، وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق اجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعوده من قريب، فلما حكمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني قريظة أتاه قومه فاحتملوه على حمار قد وطأوا له بوسادة من أدم، وكان رجلا جسيما ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون يا أبا عمرو أحسن في مواليك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم، فلما أكثروا عليه قال: قد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بني الأشهل فنعى لهم رجال بني قريظة قبل أن يصل إليهم سعد بن معاذ عن كلمته التي سمع منه فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قوموا إلى سيدكم فأنزلوه، فقاموا إليه فقالوا: يا أبا عمرو إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولاك مواليك لتحكم فيهم، فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم فيها ما حكمت؟ قالوا: نعم، قال: وعلى من ها هنا في الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، [وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم] (2) إجلالا له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد: \"لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة\" (3) ثم استنزلوا فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار بنت الحارث امرأة من بني النجار، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سوق المدينة التي هي سوقها اليوم، فخندق بها خندقا ثم بعث إليهم فضربت أعناقهم في تلك الخنادق، يخرج بهم إليه أرسالا وفيهم عدو الله حيي بن أخطب وكعب بن أسد رئيس القوم، وهم ستمائة أو سبعمائة، والمكثر لهم يقول كانوا بين ثمانمائة إلى تسعمائة، وقد قالوا لكعب بن أسد وهم يذهب بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالا يا كعب ما ترى ما يصنع بنا فقال كعب: أفي كل موطن لا تعقلون ألا ترون الداعي لا ينزع وإن من يذهب به منكم لا يرجع، هو والله القتل، فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم النبي صلى الله عليه وسلم وأتى حيي بن أخطب عدو الله عليه حلة تفاحية قد شققها عليه من كل ناحية كموضع الأنملة أنملة أنملة لئلا يسلبها مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أما والله ما لمت نفسي في عداوتك ولكنه من يخذل الله يخذل، ثم أقبل على الناس فقال أيها الناس إنه لا بأس بأمر الله كتاب وقدر وملحمة كتبت على بني إسرائيل، ثم جلس فضربت عنقه.\rوروى عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت لم يقتل من نساء بني قريظة إلا امرأة واحدة قالت والله إنها لعندي تتحدث معي وتضحك ظهرا وبطنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتل رجالهم بالسيوف إذ هتف هاتف باسمها: أين فلانة قالت: 80/ب أنا والله قلت: ويلك مالك؟ قالت: أقتل، قلت: ولم؟ قالت: حدث أحدثته، قالت: فانطلق بها فضرب عنقها، وكانت عائشة تقول: ما أنسى عجبا منها طيب نفس وكثرة ضحك، وقد عرفت إنها تقتل. قال الواقدي: وكان اسم تلك المرأة شبابة، امرأة الحكم القرظي وكانت قتلت خلاد بن سويد، رمت عليه رحى فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بها فضرب عنقها بخلاد بن سويد (4) قال: وكان علي والزبير يضربان أعناق بني قريظة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس هنالك.\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 21 / 152، وانظر: ابن هشام: 3 / 238-239.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) أخرجه الطبري: 21 / 153، وأخرجه الشيخان في صحيحهما بلفظ: (لقد حكمت فيهم بحكم الملك)، وبهذا اللفظ المصنف في شرح السنة 11 / 91-92، وانظر: الكافي الشاف: ص(133)، ابن هشلم 3 / 239-240 فقد أورده عن علقمة بن وقاص الليثي مرسلا.\r(4) أخرجه الطبري: 21 / 153-154، وابن إسحاق: 3 / 242.","part":6,"page":341},{"id":2491,"text":"وروى محمد بن إسحاق عن الزهري أن الزبير بن باطا القرظي، وكان يكنى أبا عبد الرحمن، كان قد من على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية يوم بعاث، أخذه فجز ناصيته، ثم خلى سبيله، فجاءه يوم قريظة وهو شيخ كبير فقال: يا أبا عبد الرحمن هل تعرفني؟ قال: وهل يجهل مثلي مثلك؟ قال: إني أردت أن أجزيك بيدك عندي، قال: إن الكريم يجزي الكريم، قال: ثم أتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله قد كانت للزبير عندي يد وله علي منة، وقد أحببت أن أجزيه بها فهب لي دمه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"هو لك\" فأتاه فقال له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وهب لي دمك، قال شيخ كبير لا أهل له ولا ولد فما يصنع بالحياة، فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أهله وماله؟ قال هم لك فأتاه فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاني امرأتك وولدك فهم لك، قال: أهل بيت بالحجاز لا مال لهم فما بقاؤهم على ذلك، فأتى ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ماله يا رسول الله؟ قال: هو لك، قال: فأتاه فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطاني مالك فهو لك، فقال: أي ثابت ما فعل الله بمن كان وجهه مرآة صينية تتراءى فيها عذارى الحي كعب بن أسد، قال: قتل، قال: فما فعل سيد الحاضر والبادي حيي بن أخطب؟ قال: قتل، قال: فما فعل مقدمنا إذا شددنا وحامينا إذا كررنا عزال بن شموئيل؟ قال: قتل، قال: فما فعل المجلسان يعني بني كعب ابن قريظة وبني عمرو بن قريظة؟ قال: ذهبوا وقتلوا، قال: فإني أسألك بيدي عندك يا ثابت إلا ما ألحقتني بالقوم، فوالله ما في العيش بعد هؤلاء خير، فما أنا بصابر لله فترة دلو نضح حتى ألقى الأحبة فقدمه ثابت فضرب عنقه، فلما بلغ أبا بكر الصديق قوله ألقى الأحبة، قال: يلقاهم والله في نار جهنم خالدا فيها مخلدا أبدا (1) .\rقالوا: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بقتل من أنبت منهم (2) ثم قسم أموال بني قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين، وأعلم في ذلك اليوم سهمان الخيل وسهمان الرجال وأخرج منها الخمس، فكان للفارس ثلاثة أسهم للفرس سهمان ولفارسه سهم وللراجل ممن ليس له فرس سهم، وكانت الخيل ستة وثلاثين فرسا وكان أول فيء وقع فيه السهمان، ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن زيد الأنصاري أخا بني عبد الاشهل بسبايا من سبايا بني قريظة إلى نجد فابتاع لهم بهم خيلا وسلاحا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اصطفى لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خنانة إحدى نساء بني عمرو بن قريظة، فكانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توفي عنها وهي في ملكه، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص عليها أن يتزوجها ويضرب عليها الحجاب، فقالت: يا رسول الله بل تتركني\r__________\r(1) انظر: ابن هشام: 3 / 242-243.\r(2) أخرجه الإمام أحمد: 2 / 76-77 عن عطية بن سعد القرظي.","part":6,"page":343},{"id":2492,"text":"في ملكك فهو أخف علي وعليك فتركها وقد كانت حين سباها كرهت الإسلام وأبت إلا اليهودية، فعزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجد في نفسه بذلك من أمرها، فبينا هو مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه فقال إن هذا لثعلبة بن شعبة يبشرني بإسلام ريحانة فجاءه فقال: يا رسول الله قد أسلمت ريحانة، فسره ذلك (1) .\rفلما انقضى شأن بني قريظة انفجر جرح سعد بن معاذ، وذلك أنه دعا بعد أن حكم في بني قريظة ما حكم فقال: اللهم إنك قد علمت أنه لم يكن قوم أحب إلي أن أجاهدهم من قوم كذبوا رسولك، اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش على رسولك شيئا فأبقني لها وإن كنت قد قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك، فانفجر كلمه فرجعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيمته التي ضربت عليه في المسجد، قالت عائشة: فحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وإني لفي حجرتي، قالت: وكانوا كما قال الله تعالى: \"رحماء بينهم (2) (الفتح-29 ) ، وكان فتح بني قريظة في آخر ذي القعدة سنة خمس من الهجرة.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عبد الله بن محمد، أخبرنا يحيى بن آدم، أخبرنا إسرائيل، سمعت أبا إسحاق يقول، سمعت سليمان بن صرد يقول، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول حين أجلى الأحزاب عنه: \"الآن نغزوهم ولا يغزونا، نحن نسير إليهم\" (3) .\rأخبرنا عبد الواحد الميحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا قتيبة، أخبرنا الليث عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: \"لا اله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده\" فلا شيء بعده\" (4) .\rقال الله تعالى في قصة بني قريظة: { وَأَنزلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ } وهم الرجال، يقال: كانوا ستمائة، { وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا } وهم النساء والذراري، يقال: كانوا سبعمائة وخمسين، ويقال: تسعمائة (5)\r__________\r(1) انظر: ابن هشام: 3 / 242-243.\r(2) أخرجه الإمام أحمد: 6 / 141-142.\r(3) أخرجه البخاري في المغازي: باب غزوة الخندق 7 / 405، والمصنف في شرح السنة: 14 / 7-8.\r(4) أخرجه البخاري في المغازي: باب غزوة الخندق 7 / 406، ومسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: التعوذ من شر ما عمل، ومن شر ما لم يعمل، برقم: (2724) 4 / 2089 عن قتيبة، والمصنف في شرح السنة: 14 / 8.\r(5) انظر: سياق القصة في سيرة ابن هشام: 3 / 233-243.","part":6,"page":344},{"id":2493,"text":"{ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (27) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (29) }\r{ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا } بعد، قال ابن زيد ومقاتل: يعني خيبر، قال قتادة: كنا نحدث أنها مكة. وقال الحسن: فارس والروم. وقال عكرمة: كل أرض تفتح إلى يوم القيامة (1) . { وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا } قوله عز وجل { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ } متعة الطلاق، { وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا } { وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا } سبب نزول هذه الآية أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم سألنه شيئا 81/أ من عرض الدنيا، وطلبن منه زيادة في النفقة، وآذينه بغيرة بعضهن على بعض، فهجرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآلى أن لا يقربهن شهرا ولم يخرج إلى أصحابه، فقالوا: ما شأنه؟ وكانوا يقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، فقال عمر لأعلمنّ لكم شأنه، قال: فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أطلقتهن؟ قال: لا قلت: يا رسول الله إني دخلت المسجد والمسلمون يقولون: طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، أفأنزل فأخبرهم أنك لم تطلقهن؟ قال: نعم إن شئت، فقمت على باب المسجد وناديت بأعلى صوتي لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه، فنزلت هذه الآية: \"وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم\" (النساء-83) ، فكنت أنا استنبطت ذاك الأمر، وأنزل الله آية التخيير، وكانت تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ تسع نسوة خمس من قريش: عائشة بنت أبي بكر الصديق، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وأم سلمة بنت أبي أمية، وسودة بنت زمعة، وغير القرشيان: زينب بنت جحش الأسدية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وصفية بنت حيي بن أخطب الخيبرية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية، رضوان الله عليهن فلما نزلت آية التخيير بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة، وكانت أحبهن إليه فخيرها وقرأ عليها القرآن\r__________\r(1) انظر البحر المحيط 7 / 225.","part":6,"page":345},{"id":2494,"text":"فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، فرؤي الفرح في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعتها على ذلك (1) .\rقال قتادة: فلما اخترن الله ورسوله شكرهن الله على ذلك وقصره عليهن فقال: { لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ }\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغفار بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أخبرنا مسلم بن الحجاج، أخبرنا زهير بن حرب، أخبرنا روح بن عبادة، أخبرنا زكريا بن إسحاق، أخبرنا أبو الزبير عن جابر بن عبد الله قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد الناس جلوسا ببابه ولم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل ثم أقبل عمر فاستأذن له فوجد النبي صلى الله عليه وسلم جالسا حوله نساؤه واجما ساكتا، فقال: لأقولن شيئا أضحك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة، فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: هن حولي كما ترى يسألنني النفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصه يجأ عنقها، كلاهما يقول: لا تسألي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا أبدا ليس عنده، ثم اعتزلهن شهرا أو تسعا وعشرين، ثم نزلت الآية: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ } حتى بلغ: { لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا } قال: فبدأ بعائشة فقال: يا عائشة إني أريد أن أعرض عليكِ أمرًا أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك، قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية، قالت: أفيك يا رسول الله استشير أبوي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت، قال: \" لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها، إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا ولكن بعثني معلما ميسرا\" (2) .\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم أقسم أن لا يدخل على أزواجه شهرا، قال الزهري فأخبرني عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت: فلما مضت تسع وعشرون أعدُّهن دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: بدأ بي فقلت: يا رسول الله إنك أقسمت ألا تدخل علينا شهرا وإنك دخلت في تسع وعشرين أعدهن؟ فقال: \"إن الشهر تسع وعشرون\" (3)\r__________\r(1) انظر: فتح الباري: 8 / 519، مسلم: (1475): 2 / 1105-1108، الطبري: 21 / 156-157، شرح السنة: 9 / 215-216، الصحيح المسند من أسباب النزول ص 117-120.\r(2) أخرجه مسلم في الطلاق، باب: بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقًا إلا بالنية برقم: (1478): 2 / 1104-1105.\r(3) أخرجه معمر بن راشد في كتاب الجامع رواية عبد الرزاق في المصنف: 10 / 401، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 596 لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.","part":6,"page":346},{"id":2495,"text":"واختلف العلماء في هذا الخيار أنه هل كان ذلك تفويض الطلاق إليهن حتى يقع بنفس الاختيار أم لا؟ فذهب الحسن، وقتادة، وأكثر أهل العلم: إلى أنه لم يكن تفويض الطلاق، وإنما خيّرهن على أنّهن إذا اخترن الدنيا فارقهن، لقوله تعالى: { فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا } بدليل أنه لم يكن جوابهن على الفور فإنه قال لعائشة: \"لا تعجلي حتى تستشيري أبويك\"، وفي تفويض الطلاق يكون الجواب على الفور.\rوذهب قوم إلى أنه كان تفويض الطلاق لو اخترن أنفسهن كان طلاقًا.\rواختلف أهل العلم في حكم التخيير: فقال عمر، وابن مسعود، وابن عباس: إذا خيّر الرّجلُ امرأته فاختارت زوجَها لا يقع شيء، وإن اختارت نفسها يقع طلقة واحدة، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وابن أبي ليلى، وسفيان، والشافعي، وأصحاب الرأي، إلا عند أصحاب الرأي تقع طلقة بائنة إذا اختارت نفسها، وعند الآخرين رجعية.\rوقال زيد بن ثابت: إذا اختارت الزوج تقع طلقة واحدة، وإذا اختارت نفسها فثلاث، وهو قول الحسن وبه قال مالك.\rوروي عن علي أيضًا أنها إذا اختارت زوجها تقع طلقة واحدة وإن اختارت نفسها فطلقة بائنة.\rوأكثر العلماء على أنها إذا اختارت زوجها لا يقع شيء.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عمر بن حفص، أخبرنا أبي، أخبرنا الأعمش، أخبرنا مسلم، عن مسروق، عن عائشة قالت: خيّرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترنا الله ورسوله فلم يعدّ ذلك علينا شيئًا (1) .\r{ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) }\rقوله عز وجل: { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ } بمعصية ظاهرة، قيل: هي كقوله عز وجل: \"لئن أشركت ليحبطن عملك\" (الزمر-65) لا أن منهن من أتت بفاحشة. وقال ابن عباس: المراد بالفاحشة النشوز وسوء الخلق. { يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ } قرأ ابن كثير وابن عامر: \"نضعف\" بالنون وكسر العين وتشديدها، \"العَذاب\" نصب، وقرأ الآخرون بالياء وفتح العين \"العذاب\" 81/ب رفع ويشددها أبو جعفر وأهل البصرة، وشدد أبو عمرو هذه وحدها لقوله:\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الطلاق، باب: من خير أزواجه: 9 / 367، ومسلم في الطلاق، باب: بيان أن تخيير المرأة لا يكون طلاقا برقم: (1477) 2 / 1103.","part":6,"page":347},{"id":2496,"text":"\"ضعفين\"، وقرأ الآخرون: \"يضاعَف\" بالألف وفتح العين، \"العذاب\" رفع، وهما لغتان مثل بعَّدَ وباعد، قال أبو عمرو وأبو عبيدة: ضعفت الشيء إذا جعلته مثليه وضاعفته إذا جعلته أمثاله. { وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا } قال مقاتل: كان عذابها على الله هينًا وتضعيف عقوبتهن على المعصية لشرفهنّ كتضعيف عقوبة الحرة على الأمة وتضعيف ثوابهن لرفع منزلتهن؛ وفيه إشارة إلى أنهن أشرف نساء العالمين.","part":6,"page":348},{"id":2497,"text":"{ وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (31) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا (32) }\r{ وَمَنْ يَقْنُتْ } يطع، { مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ } قرأ يعقوب: \"من تأت منكن، وتقنت\" بالتاء فيهما، وقرأ العامة بالياء لأن \"مَنْ\" أداةٌ تقوم مقام الإسم يعبر به عن الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، { وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ } أي: مثلي أجر غيرها، قال مقاتل: مكان كل حسنة عشرين حسنة.\rوقرأ حمزة والكسائي: \"يعمل، يؤتها\" بالياء فيهما نسقًا على قوله: \"ومن يأت، ويقنت\" وقرأ الآخرون بالتاء، { وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا } حسنًا يعني الجنة. { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ } قال ابن عباس: يريد ليس قَدْرُكنّ عندي مثل قدر غيركنّ من النساء الصالحات، أنتن أكرم عليَّ، وثوابُكنّ أعظمُ لديَّ، ولم يقل: كواحدة، لأن الأحد عام يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، قال الله تعالى: \"لا نفرق بين أحد من رسله\" (البقرة-285) ، وقال: \"فما منكم من أحد عنه حاجزين\" (الحاقة-47) .\r{ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ } الله فأطعتُنَّه، { فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ } لا تَلِنَّ بالقول للرجال ولا ترققن الكلام، { فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ } أي: فجور وشهوة، وقيل نفاق، والمعنى: لا تقلن قولا يجد منافق أو فاجر به سبيلا إلى الطمع فيكنّ.\rوالمرأة مندوبة إلى الغلظة في المقالة إذا خاطبت الأجانب لقطع الأطماع.\r{ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا } لوجه الدين والإسلام بتصريح وبيان من غير خضوع.","part":6,"page":348},{"id":2498,"text":"{ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) }\r{ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ } قرأ أهل المدينة وعاصم: \"وقَرن\" بفتح القاف، وقرأ الآخرون بكسرها، فمن فتح القاف فمعناه، اقررن أي: الزمن بيوتَكُن من قولهم: قررت بالمكان أقرُّ قرارًا، يقال: قررت أقر وقررت أقر، وهما لغتان، فحذفت الراء الأولى التي هي عين الفعل لثقل التضعيف ونقلت حركتها إلى القاف كقولهم: في ظللت ظلت، قال الله تعالى: \" فظلتم تفكهون\" (الواقعة-65) ، \"وظلت عليه عاكفا\" (طه-97) .\rومن كسر القاف فقد قيل: هو من قررت أقر، معناه اقررن -بكسر الراء-فحذفت الأولى ونقلت حركتها إلى القاف كما ذكرنا وقيل: -وهو الأصح-أنه أمر من الوقار، كقولهم من الوعد: عدن، ومن الوصل: صلن، أي: كُنَّ أهل وقار وسكون، من قولهم وقر فلان يقر وقورًا إذا سكن واطمأن .\r{ وَلا تَبَرَّجْنَ } قال مجاهد وقتادة: التبرج هو التكسر والتغنج، وقال ابن أبي نجيح: هو التبختر. وقيل: هو إظهار الزينة وإبراز المحاسن للرجال، { تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى } [اختلفوا في الجاهلية الأولى]. (1)\rقال الشعبي: هي ما بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم. (2) .\rوقال أبو العالية: هي في زمن داود وسليمان عليهما السلام، كانت المرأة تلبس قميصًا من الدر غير مخيط من الجانبين فيُرى خلقها فيه (3) .\rوقال الكلبي: كان ذلك في زمن نمرود الجبار، كانت المرأة تتخذ الدرع من اللؤلؤ فتلبسه وتمشي وسط الطريق ليس عليها شيء غيره وتعرض نفسها على الرجال. (4)\rوروى عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: الجاهلية الأولى فيما بين نوح وإدريس، وكانت ألف سنة، وأن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبل صِبَاحًا وفي النساء دمامة، وكان نساء السهل صِباحًا وفي الرجال دمامة، وأن إبليس أتى رجلا\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) انظر: الطبري:22 / 4، البحرالمحيط: 7 / 231.\r(3) انظر: البحر المحيط: 7 / 231.\r(4) انظر: البحر المحيط: 7 / 230.","part":6,"page":349},{"id":2499,"text":"من أهل السهل وأجَّر نفسه منه، فكان يخدمه واتخذ شيئًا مثل الذي يزمر به الرعاء فجاء بصوت لم يسمع الناس مثله، فبلغ ذلك من حولهم فانتابوهم يستمعون إليه، واتخذوا عيدًا يجتمعون إليه في السنة، فتتبرج النساء للرجال ويتزين الرجال لهن، وإن رجلا من أهل الجبل هجم عليهم في عيدهم ذلك فرأى النساء وصِباحتهن فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك [فتحولوا إليهم] (1) فنزلوا معهم فظهرت الفاحشة فيهم، (2) ُفذلك قوله تعالى: \"ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى\" .\rوقال قتادة: هي ما قبل الإسلام (3) .\rوقيل: الجاهلية الأولى: ما ذكرنا، والجاهلية الأخرى: قوم يفعلون مثل فعلهم في آخر الزمان.\rوقيل: قد تذكر الأولى وإن لم يكن لها أخرى، كقوله تعالى: \"وأنه أهلك عادا الأولى\" (النجم-50) ، ولم يكن لها أخرى.\rقوله عز وجل: { وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ } أراد بالرجس: الإثم الذي نهى الله النساء عنه، قاله مقاتل. وقال ابن عباس: يعني: عمل الشيطان وما ليس لله فيه رضى، وقال قتادة: يعني: السوء. وقال مجاهد: الرجس الشك.\rوأراد بأهل البيت: نساء النبي صلى الله عليه وسلم لأنهن في بيته، وهو رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس، وتلا قوله: \" وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ \"، وهو قول عكرمة ومقاتل.\rوذهب أبو سعيد الخدري، وجماعة من التابعين، منهم مجاهد، وقتادة، وغيرهما: إلى أنهم عليّ وفاطمة والحسن والحسين (4) .\rحدثنا أبو الفضل زياد بن محمد الحنفي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن محمد الأنصاري، أخبرنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعدي، أخبرنا أبو همام الوليد بن شجاع، أخبرنا يحيى بن زكريا بن زائدة، أخبرنا أبي عن مصعب بن شيبة، عن صفية بنت شيبة الحجبية، عن عائشة أم المؤمنين قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجلس فأتت فاطمة فأدخلها فيه [ثم جاء عليّ فأدخله فيه] (5) ثم جاء حسن فأدخله فيه، ثم جاء حسين فأدخله فيه، ثم قال: \"إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا\" (6) .\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) انظر: الطبري: 22 / 4.\r(3) انظر: الطبري: 22 / 4-5، الدر المنثور: 6 / 601.\r(4) انظر: زاد المسير: 6 / 381.\r(5) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(6) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة، باب: فضل أهل البيت، برقم: (2424) 4 / 1883، والمصنف في شرح السنة: 14 / 116.","part":6,"page":350},{"id":2500,"text":"أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد الحميدي، أخبرنا عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا الحسن بن مكرم، أخبرنا عثمان بن عمر، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن شريك بن أبي نمر، عن 82/أ عطاء بن يسار، عن أم سلمة قالت: في بيتي أنزلت: { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ } قالت: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فاطمة وعلي والحسن والحسين، فقال \"هؤلاء أهل بيتي\"، قالت: فقلت يا رسول الله أَمَا أنا من أهل البيت؟ قال: \"بلى إن شاء الله\" (1) .\rقال زيد بن أرقم: أهل بيته مَنْ حَرُمَ الصدقة عليه بعده، آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس (2) .\r{ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (34) إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35) }\rقوله عز وجل: { وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ } يعني: القرآن، { وَالْحِكْمَةِ } قال قتادة: يعني السنة وقال مقاتل: أحكام القرآن ومواعظه. { إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا } أي: لطيفًا بأوليائه خبيرًا بجميع خلقه. قوله عز وجل: { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ } الآية. وذلك أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قلن: يا رسول الله ذكر الله الرجال في القرآن ولم يذكر النساء بخير، فما فينا خير نذكر به، إنا نخاف أن لا يقبل الله منّا طاعةً، فأنزل الله هذه الآية (3) .\rقال مقاتل: قالت أم سلمة بنت أبي أمية ونيسة (4) بنت كعب الأنصارية للنبي صلى الله عليه وسلم: ما بال ربّنا يذكر الرجال ولا يذكر النساء في شيء من كتابه، نخشى أن لا يكون فيهن خير؟ فنزلت هذه الآية (5) .\r__________\r(1) أخرجه الحاكم: 3 / 146 دون قوله: (قالت: فقلت يا رسول الله أما أنا من أهل البيت؟ قال: بلى إن شاء الله)، وهو في المسند: 6 / 492 من طريق آخر بنحوه وسنده ضعيف، وانظر: ابن كثير: 3 / 485-486، شرح السنة: 14 / 117.وقال: هذا حديث صحيح الإسناد.\r(2) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة، باب: من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه برقم: (2408) 4 / 1873.\r(3) رواه الطبري: 22 / 10 وفي سنده قابوس بن أبي ظبيان، قال الحافظ ابن حجر عنه في التقريب: \"فيه لين\" وزاد السيوطي نسبته للطبراني. انظر: زاد المسير: 6 / 383 مع حاشية المحقق، البحر المحيط: 7 / 233.\r(4) في \"ب\" أنيسة.\r(5) انظر: الروايات عن أم سلمة في الطبري: 22 / 10.","part":6,"page":351},{"id":2501,"text":"وروي أن أسماء بنت عميس رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب فدخلت على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: هل نزل فينا شيء من القرآن؟ قلن: لا. فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن النساء لفي خيبة وخسار، قال: ومِمَّ ذاك؟ قالت: لأنهنّ لا يذكرن بخير كما يذكر الرجال، فأنزل الله هذه الآية: { إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ } (1) المطيعين { وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ } في ايمانهم وفيما ساءهم وسرهم، { وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ } على ما أمر الله به، { وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ } المتواضعين، { وَالْخَاشِعَاتِ } وقيل: أراد به الخشوع في الصلاة، ومن الخشوع أن لا يلتفت، { وَالْمُتَصَدِّقِينَ } ممّا رزقهم الله، { وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ } عمّا لا يحل، { وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ } قال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرًا حتى يذكر الله قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا (2) .\rوروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"قد سبق المفردون\"، قالوا: وما المفرِّدون يا رسول الله؟ قال: \"الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات\" (3) .\rقال عطاء بن أبي رباح: من فوض أمره إلى الله عز وجل فهو داخل في قوله: \"إن المسلمين والمسلمات\"، ومن أقر بأن الله ربُّه ومحمدًا رسولُه، ولم يخالف قلبه لسانه، فهو داخل في قوله: \"والمؤمنين والمؤمنات\"، ومن أطاع الله في الفرض، والرسول في السنة: فهو داخل في قوله: \"والقانتين والقانتات ومن صان قوله عن الكذب فهو داخل في قوله: \"والصادقين والصادقات\"، ومن صبر على الطاعة، وعن المعصية، وعلى الرزية: فهو داخل في قوله: \"والصابرين والصابرات\"، ومن صلى ولم يعرف من عن يمينه وعن يساره فهو داخل في قوله: \"والخاشعين والخاشعات\"، ومن تصدق في كل أسبوع بدرهم فهو داخل في قوله: \"والمتصدقين والمتصدقات\"، ومن صام في كل شهر أيام البيض: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، فهو داخل في قوله: \"والصائمين والصائمات\"، ومن حفظ فرجه عما لا يحل فهو داخل في قوله: \"والحافظين فروجهم والحافظات\"، ومن صلى\r__________\r(1) ذكره الواحدي ص (413)، وصاحب زاد المسير: 6 / 384.\r(2) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 609 لعبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\r(3) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: الحث على ذكر الله تعالى، برقم (2676) 4 / 2062.","part":6,"page":352},{"id":2502,"text":"الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله: \"والذاكرين الله كثيرا والذاكرات\". { أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا }","part":6,"page":353},{"id":2503,"text":"{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا (36) }\rقوله عز وجل: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ }\rنزلت الآية في زينب بنت جحش الأسدية وأخيها عبد الله بن جحش وأمهما أمية بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم، خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم لمولاه زيد بن حارثة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى زيدًا في الجاهلية بعكاظ فأعتقه وتبناه، فلما خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب رضيت وظنت أنه يخطبها لنفسه فلما علمت أنه يخطبها لزيد أبت وقالت: أنا ابنة عمتك يا رسول الله فلا أرضاه لنفسي، وكانت بيضاء جميلة فيها حدة، وكذلك كره أخوها ذلك، فأنزل الله عز وجل: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ } (1) يعني: عبد الله بن جحش، { وَلا مُؤْمِنَةٍ } يعني: أخته زينب، { إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا } أي إذا أراد الله ورسوله أمرًا وهو نكاح زينت لزيد، { أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } قرأ أهل الكوفة: \"أن يكون\" بالياء، للحائل بين التأنيث والفعل، وقرأ الآخرون بالتاء لتأنيث \"الخيرة\" من أمرهم، والخيرة: الاختيار.\rوالمعنى أن يريد غير ما أراد الله أو يمتنع مما أمر الله ورسوله به. { وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا } أخطأ خطأ ظاهرًا، فلما سمعا ذلك رضيا بذلك وسلَّما، وجعلت أمرها بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك أخوها، فأنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدًا، فدخل بها وساق رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها عشرة دنانير، وستين درهمًا، وخمارًا، ودرعًا، وإزارًا (2) وملحفة، وخمسين مدًا من طعام، وثلاثين صاعًا من تمر.\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 22 / 11، وذكر الواحدي في أسباب النزول ص (610).\r(2) زيادة من \"ب\".","part":6,"page":353},{"id":2504,"text":"{ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا (37) }\rقوله تعالى: { وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ } الآية، نزلت في زينت (1) وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما زوج زينب من زيد مكثت عنده حينًا، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى زيدًا ذات يوم لحاجة، فأبصر زينب قائمة في درع وخمار وكانت بيضاء جميلة ذات خلق من أتم نساء قريش، فوقعت في نفسه وأعجبه حسنها، فقال: سبحان الله مقلب القلوب وانصرف، فلما جاء زيد ذكرت ذلك له، ففطن زيد، فألقى في نفس زيد كراهيتها في الوقت (2)\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير، باب: \"وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه\" 8 / 523.\r(2) هذه الرواية وإن ساقها عدد من المفسرين إلا أن المحققين من أهل العلم ردوها، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: 8 / 524 \"ووردت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم والطبري ونقلها كثير من المفسرين لا ينبغي التشاغل بها، والذي أوردته هو المعتمد\" وهذه شهادة لها قيمتها، وقد ذكر رحمه الله قبل هذا روايات في الموضوع وعلق عليها إذ قال: \"وقد أخرج ابن أبي حاتم هذه القصة من طريق السدي فساقها سياقًا واضحًا حسنًا ولفظة \"بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش، وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يزوجها زيد بن حارثة مولاه فكرهت ذلك، ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجها إياه، ثم أعلم الله عزّ وجلّ نبيه صلى الله عليه وسلم بعدُ أنها من أزواجه فكان يستحي أن يأمر بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون بين الناس، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمسك عليه زوجه وأن يتقي الله، وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه ويقولوا تزوج امرأة ابنه، وكان قد تبنى زيدا. وعنده من طريق علي بن زيد عن علي بن الحسين بن علي قال: أعلم الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن زينب ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد يشكوها إليه قال له: اتق الله وأمسك عليك زوجك، قال الله: قد أخبرتك أني مزوجكها وتخفي في نفسك ما الله مبديه\". هذا والله أعلم -حفظك الله- أن: 1- الروايات في هذه القصة ضعيفة من حيث السند. 2- تتنافى مع عصمة النبي صلى الله عليه وسلم ومكانته. 3- لو كان الذي أخفاه عليه الصلاة والسلام هو محبته لها لأظهره الله تعالى -كما ذكر البغوي- ولكن الله تعالى أظهر أنه سيتزوجها. 4- وقد كان صلى الله عليه وسلم هو الذي خطبها على زيد بن حارثة، وكانت ابنة عمته، وهو يراها مذ كانت طفلة حتى كبرت فلم لم يقع حبها في قلبه؟ وكيف يقع هذا الحب في قلبه بعد أن يتزوجها مولاه؟ وإن أردت أن تتوسع فانظر: الشفا القاضي عياض: 2 / 878-880، حياة محمد لمحمد حسين هيكل ص 322-326- الاسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير لمحمد أبو شهبة ص 452-458، روح المعاني للآلوسي: 22 / 24-25، البحر المحيط: 7 / 234-235، في ظلال القرآن: 5 / 2865-2869، وللدكتور زاهر عواض الألمعي كتاب: \"مع المفسرين والمستشرقين في زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش\" .","part":6,"page":354},{"id":2505,"text":"فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \"إني أريد أن أفارق صاحبتي\"، قال: ما لك أرَابَك منها شيء؟ قال: لا والله يا رسول الله ما رأيت منها إلا خيرًا، ولكنها تتعظم عليّ لشرفها وتؤذيني بلسانها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: \"أمسك عليك زوجك\"، يعني: زينب بنت جحش، { وَاتَّقِ اللَّهَ } في أمرها، ثم طلَّقها زيد (1) فذلك قوله عز وجل:\r{ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ } بالإسلام، { وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ } بالإعتاق، وهو زيد بن حارثة 82/ب { أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ } فيها ولا تفارقها، { وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ } أي: تسر في نفسك ما الله مظهره، أي: كان في قلبه لو فارقها لتزوجها.\rوقال ابن عباس: حبها. وقال قتادة: ود أنه طلقها.\r{ وَتَخْشَى النَّاسَ } قال ابن عباس والحسن: تستحييهم.\rوقيل: تخاف لائمة الناس أن يقولوا: أمر رجلا بطلاق امرأته ثم نكحها (2) .\r{ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ } قال عمر، وابن مسعود، وعائشة: ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد عليه من هذه الآية (3) .\rوروي عن مسروق قال: قالت عائشة: لو كتم النبي صلى الله عليه وسلم شيئا مما أوحي إليه لكتم هذه الآية: \"وتخفي في نفسك ما الله مبديه\" (4) .\rوروى سفيان بن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان قال: سألني علي بن الحسين زين العابدين ما يقول الحسن في قوله: { وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ } ؟ قلت: يقول لما جاء زيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله إني أريد أن أطلق زينب فأعجبه ذلك، فقال: أمسك عليك زوجك واتق الله، فقال علي بن الحسين: ليس كذلك، كان الله تعالى قد أعلمه أنها ستكون من أزواجه وأن زيدا سيطلقها، فلما جاء زيد وقال: إني أريد أن أطلقها قال له: أمسك عليك زوجك، فعاتبه الله وقال: لم قلت: أمسك عليك زوجك، وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك؟ (5)\r__________\r(1) انظر: البحر المحيط: 7 / 234.\r(2) انظر: زاد المسير: 6 / 387.\r(3) انظر: الطبري: 22 / 13، وراجع التعليق الآتي.\r(4) أخرجه الترمذي في تفسير سورة الأحزاب: 9 / 71-72 وقال: (هذا حديث حسن صحيح)، والطبري: 22 / 13، وانظر: البخاري في التوحيد، باب: وكان عرشه على الماء: 13 / 404 لكن عن أنس، مسلم في الإيمان، باب: معنى قول الله عز وجل: \"لقد رآه نزلة أخرى\" وهل رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه ليلة الإسراء؟ برقم: (177) 1 / 160.\r(5) انظر ابن كثير: في التفسير 3 / 492.","part":6,"page":355},{"id":2506,"text":"وهذا هو الأولى والأليق بحال الأنبياء وهو مطابق للتلاوة لأن الله علم انه يبدي ويظهر ما أخفاه ولم يظهر غير تزويجها منه فقال: \"زوجناكها\" فلو كان الذي أضمره رسول الله صلى الله عليه وسلم محبتها أو إرادة طلاقها لكان يظهر ذلك لأنه لا يجوز أن يخبر أنه يظهره ثم يكتمه فلا يظهره، فدل على أنه إنما عوتب على إخفاء ما أعلمه الله إنها ستكون زوجة له، وإنما أخفاه استحياء أن يقول لزيد: التي تحتك وفي نكاحك ستكون امرأتي، وهذا قول حسن مرض، وإن كان القول الآخر وهو أنه أخفى محبتها أو نكاحها لو طلقها لا يقدح في حال الأنبياء، لأن العبد غير ملوم على ما يقع في قلبه في مثل هذه الأشياء ما لم يقصد فيه المآثم، لأن الود وميل النفس من طبع البشر.\rوقوله: \"أمسك عليك زوجك واتق الله\" أمر بالمعروف، وهو خشية لا إثم فيه.\rوقوله تعالى: { وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ } لم يرد به أنه لم يكن يخشى الله فيما سبق فإنه عليه السلام قد قال: \"أنا أخشاكم لله وأتقاكم له\" ، ولكنه لما ذكر الخشية من الناس ذكر أن الله تعالى أحق بالخشية في عموم الأحوال وفي جميع الأشياء.\rقوله عز وجل: { فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا } أي: حاجة من نكاحها، { زَوَّجْنَاكَهَا } وذكر قضاء الوطر ليعلم أن زوجة المتبني تحل بعد الدخول بها.\rقال أنس: كانت زينب تفتخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فتقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سموات. (1)\rوقال الشعبي: كانت زينب تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: إني لأدل عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهن: جدي وجدك واحد، أني أنكحنيك الله في السماء، وإن السفير لجبريل عليه السلام (2) .\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغفار بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أخبرنا مسلم بن الحجاج، حدثني محمد بن حاتم بن ميمون، أخبرنا بهز، أخبرنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد: \"فاذكرها علي\"، قال: فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها، قال فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها، فوليتها ظهري ونكصت على عقبي، فقلت: يا زينب أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك.\rقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إذن.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التوحيد، باب: وكان عرشه على الماء: 13 / 403-404.\r(2) أخرجه الطبري: 22 / 14، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: 13 / 412: أخرجه الطبري وأبو القاسم الطحاوي في كتاب \"الحجة والتبيان\" من مرسل الشعبي.","part":6,"page":356},{"id":2507,"text":"قال: ولقد رأيتنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعمنا الخبز واللحم، حتى امتد النهار، [فخرج الناس] (1) وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعته فجعل يتتبع حجز نسائه يسلم عليهن، ويقلن: يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟ قال: فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخبرني.\rقال: فانطلق حتى دخل البيت فذهبتُ أدخل معه فألقى الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب (2) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا سليمان بن حرب، أخبرنا حماد عن ثابت، عن أنس قال: ما أولم النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من نسائه ما أولم على زينب، أولم بشاة (3) .\rأخبرنا محمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا محمد بن هشام بن ملاس النمري، أخبرنا مروان الفزاري، أخبرنا حميد عن أنس قال: أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ابتنى بزينب بنت جحش فأشبع المسلمين خبزًا ولحمًا (4) .\rقوله عز وجل: { لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ } إثم، { فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا } و\"الأدعياء\": جمع الدَّعيِّ، وهو المتبنى، يقول: زوجناك زينب، وهي امرأة زيد الذي تبنيته، ليعلم أن زوجة المتبنّى حلال للمتبني، [وإن كان قد خل بها المُتَبَنَّى] (5) بخلاف امرأة ابن الصلب فإنها لا تحل للأب.\r{ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا } أي: كان قضاء الله ماضيا وحكمه نافذا وقد قضى في زينب أن يتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم.\r{ مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (38) }\rقوله عز وجل: { مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ } أي: فيما أحل الله له، { سُنَّةَ اللَّهِ } أي: كسنة الله 83/أ نصب بنزع الخافض، وقيل: نصب على الإغراء، أي: الزموا\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) أخرجه مسلم في النكاح: باب: زواج زينب بنت جحش ونزول الحجاب برقم: (1428): 2 / 1048.\r(3) أخرجه البخاري في النكاح، باب الوليمة بشاة: 9 / 232، ومسلم في النكاح، باب: زواج زينب بنت جحش ونزول الحجاب برقم: (1428) 2 / 1049، والمصنف في شرح السنة: 9 / 137.\r(4) أخرجه البخاري في التفسير (تفسير سورة الأحزاب) 8 / 528، والمصنف في شرح السنة: 9 / 137.\r(5) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":6,"page":357},{"id":2508,"text":"سنة الله، { فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ } أي: في الأنبياء الماضين أن لا يؤاخذهم بما أحل لهم.\rقال الكلبي، ومقاتل: أراد داودَ حين جمع بينه وبين المرأة التي هويها فكذلك جمع بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين زينب.\rوقيل: أشار بالسنة إلى النكاح فإنه من سنة الأنبياء عليهم السلام.\rوقيل: إلى كثرة الأزواج مثل داود وسليمان عليهما السلام. (1)\r{ وَكَانَ أَمْر، اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا } قضاءً مقضيًا كائنًا ماضيًا.\r{ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39) مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40) }\r{ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ } [يعني سنة الله في الأنبياء الذين يبلغون رسالات الله] (2) { وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ } لا يخشون قالة الناس ولائمتهم فيما أحلّ الله لهم وفرض عليهم، { وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا } حافظا لأعمال خلقه ومحاسبهم. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوج زينب قال الناس: إن محمدا تزوج امرأة ابنه فأنزل الله عز وجل: { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ } (3) يعني: زيد بن حارثة، أي: ليس أبا أحد من رجالكم الذين لم يلدهم فيحرم عليه نكاح زوجته بعد فراقه إياها.\rفإن قيل: أليس أنه كان له أبناء: القاسم، والطيب، والطاهر، وإبراهيم، وكذلك: الحسن والحسين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحسن: إن ابني هذا سيد؟ .\rقيل: هؤلاء كانوا صغارا لم يكونوا رجالا.\rوالصحيح ما قلنا: إنه أراد أبا أحد من رجالكم (4) .\r{ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ } ختم الله به النبوة، وقرأ عاصم: \"خاتم\" بفتح التاء على الاسم، أي: آخرهم، وقرأ الآخرون بكسر التاء على الفاعل، لأنه ختم به النبيين فهو خاتمهم.\r__________\r(1) انظر: البحر المحيط: 7 / 235-236 وفيه: أن اليهود عابوه أي: النبي صلى الله عليه وسلم -بكثرة النكاح وكثرة الأزواج فرد الله عليهم بقوله: \"سنة الله\".\r(2) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(3) انظر: الطبري: 22 / 16.\r(4) انظر: مسائل الرازي وأجوبتها من غرائب آي التنزيل ص (282).","part":6,"page":358},{"id":2509,"text":"قال ابن عباس: يريد لو لم أختم به النبيين لجعلت له ابنا يكون بعده نبيا (1) .\rوروي عن عطاء عن ابن عباس: أن الله تعالى لما حكم أن لا نبي بعده لم يعطه ولدا ذكرا يصير رجلا { وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا }\rأخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، أخبرنا أبو محمد محمد بن علي بن محمد الخذاشاهي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم، حدثنا أبكر الجوربذي، أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس عن يزيد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة قال: كان أبو هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحسن بنيانه، ترك منه موضع لبنة فطاف به النُّظارُ يتعجبون من حسن بنيانه إلا موضع تلك اللبنة لا يعيبون سواها فكنت أنا سددت موضع تلك اللبنة، ختم بي البنيان وختم بي الرسل\" (2) .\rأخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا علي بن أحمد الخزاعي، أخبرنا الهيثم بن كليب الشاشي، أخبرنا أبو عيسى الترمذي، أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، وغير واحد قالوا، أخبرنا سفيان عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن لي أسماء أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي، يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب، والعاقب الذي ليس بعده نبي\" (3) .\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) }\rقوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا } قال ابن عباس: لم يفرض الله تعالى فريضة (4) إلا جعل لها حدًا معلومًا، ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر، فإنه لم يجعل له حدًا يُنتهى إليه، ولم يعذر أحدًا في تركه إلا مغلوبًا على عقله (5) وأمرهم به في\r__________\r(1) انظر: زاد المسير: 6 / 393.\r(2) أخرجه المصنف في شرح السنة: 13 / 201، وأخرج البخاري: 6 / 558 عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين\" ومسلم 4 / 1719 عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية من زوايا، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنةٌ ٌٌٌ! قال: فأنا اللبنة. وأنا خاتم النبيين\".\r(3) أخرجه الترمذي في الأدب، باب: ما جاء في أسماء النبي صلى الله عليه وسلم: 8 / 128-130، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\" وأخرجه البخاري في المناقب، باب: ما جاء في أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم: 6 / 554، والمصنف في شرح السنة: 13 / 211.\r(4) ساقط من \"أ\".\r(5) أخرجه الطبري: 22 / 17، وابن كثير: 3 / 496.","part":6,"page":359},{"id":2510,"text":"كل الأحوال، فقال: \"فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم\" (النساء-103) . وقال: { اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا } أي: بالليل والنهار، في البر والبحر وفي الصحة والسقم، وفي السر والعلانية. وقال مجاهد: الذكر الكثير أن لا تنساه أبدًا.\r{ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43) }","part":6,"page":360},{"id":2511,"text":"{ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (44) }\r{ وَسَبِّحُوهُ } أي: صلوا له، { بُكْرَةً } يعني: صلاة الصبح، { وَأَصِيلا } يعني: صلاة العصر. وقال الكلبي: \"وأصيلا\" صلاة الظهر والعصر والعشاءين.\rوقال مجاهد: يعني: قولوا سبحان الله، والحمد لله، ولا اله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فعبر بالتسبيح عن أخواته.\rوقيل: المراد من قوله: \"ذكرًا كثيرًا\" هذه الكلمات يقولها الطاهر والجنب والمحدث (1) . { هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ } فالصلاة من الله: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار للمؤمنين.\rقال السدي قالت بنو إسرائيل لموسى: أيصلي ربنا؟ فكبر هذا الكلام على موسى، فأوحى الله إليه: أن قل لهم: إني أصلي، وأن صلاتي رحمتي، وقد وسعت رحمتي كل شيء (2) .\rوقيل: الصلاة من الله على العبد هي إشاعة الذكر الجميل له في عباده. وقيل: الثناء عليه.\rقال أنس: لما نزلت: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَه، يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ } قال أبو بكر: ما خصك الله يا رسول الله بشرف إلا وقد أشركنا فيه، فأنزل الله هذه الآية (3) .\rقوله: { لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } أي: من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان يعني: أنه برحمته وهدايته ودعاء الملائكة لكم أخرجكم من ظلمة الكفر إلى النور، { وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا } { تَحِيَّتُهُمْ } أي: تحية المؤمنين، { يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } أي: يرون الله، { سَلامٌ } أي: يسلم الله عليهم، ويسلمهم من جميع الآفات.\r__________\r(1) انظر: البحر المحيط: 7 / 237، زاد المسير: 6 / 397-398.\r(2) انظر: الدر المنثور: 6 / 622.\r(3) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 622 لعبد بن حميد وابن المنذر.","part":6,"page":360},{"id":2512,"text":"وروي عن البراء بن عازب قال: \"تحيتهم يوم يلقونه\"، يعني: يلقون ملك الموت، لا يقبض روح مؤمن إلا يسلم عليه (1) .\rوعن ابن مسعود قال: إذا جاء ملك الموت ليقبض روح المؤمن قال: ربك يقرئك السلام (2) .\rوقيل: تسلم عليهم الملائكة وتبشرهم حين يخرجون من قبورهم (3) { وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا } يعني: الجنة.\r{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا (47) وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا (48) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا (49) }\rقوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا } أي: شاهدا للرسل بالتبليغ، ومبشرا لمن آمن بالجنة، ونذيرا لمن كذب بآياتنا بالنار. { وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ } إلى توحيده وطاعته، { بِإِذْنِهِ } بأمره، { وَسِرَاجًا مُنِيرًا } سماه سراجًا لأنه يهتدي به كالسراج يستضاء به في الظلمة. { وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا } . { وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ } ذكرنا تفسيره في أول السورة، { وَدَعْ أَذَاهُمْ } قال ابن عباس وقتادة: اصبر على أذاهم. وقال الزجاج: لا تجازهم عليه. وهذا منسوخ بآية القتال . 83/ب\r{ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا } حافظًا. قوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُم، الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ } فيه دليل على أن الطلاق قبل النكاح غير واقع لأن الله تعالى رتب الطلاق على النكاح، حتى لو قال لامرأة أجنبية: إذا نكحتك فأنت طالق، وقال: كل امرأة أنكحها فهي طالق، فنكح، لا يقع الطلاق. وهو قول\r__________\r(1) أخرجه الحاكم: 2 / 351-352 وقال: صحيح قلت (الذهبي): عبد الله قال ابن عدي: مظلم الحديث ومحمد قال ابن حبان: لا يحتج به. وعزاه السيوطي أيضا: في الدر المنثور: 6 / 623 لابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب.\r(2) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 623 للمرزوي في الجنائز وابن أبي الدنيا وأبي الشيخ، وذكره صاحب البحر المحيط: 7 / 237.\r(3) انظر: البحر المحيط: 7 / 237.","part":6,"page":361},{"id":2513,"text":"علي، وابن عباس، وجابر، ومعاذ، وعائشة، وبه قال سعيد بن المسيب، وعروة، وشريح وسعيد بن جبير، والقاسم وطاووس، والحسن، وعكرمة، وعطاء، وسليمان بن يسار، ومجاهد، والشعبي، وقتادة، وأكثر أهل العلم رضي الله عنهم، وبه قال الشافعي.\rوروي عن ابن مسعود: أنه يقع الطلاق، وهو قول إبراهيم النخعي، وأصحاب الرأي.\rوقال ربيعة، ومالك، والأوزاعي: إن عين امرأة يقع، وإن عم فلا يقع.\rوروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: كذبوا على ابن مسعود، إن كان قالها فزلة من عالم في الرجل يقول: إن تزوجت فلانة فهي طالق، يقول الله تعالى: \"وإذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن\"، ولم يقل إذا طلقتموهن ثم نكحتموهن (1) .\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا الحسين بن محمد الديموري، أخبرنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي، أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري بمكة، أخبرنا الربيع بن سليمان، أخبرنا أيوب بن سويد، أخبرنا ابن أبي ذئب عن عطاء، عن جابر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا طلاق قبل النكاح\" (2) .\rقوله عز وجل: { مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ } تجامعوهن، { فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا } تحصونها بالأقراء والأشهر، { فَمَتِّعُوهُنَّ } أي: أعطوهن ما يستمتعن به. قال ابن عباس: هذا إذا لم يكن سمى لها صداقًا فلها المتعة، فإن كان قد فرض لها صداقًا فلها نصف الصداق ولا متعة لها.\rوقال قتادة: هذه الآية منسوخة بقوله: \"فنصف ما فرضتم\" (البقرة-237) .\rوقيل: هذا أمر ندب، فالمتعة مستحبة لها مع نصف المهر.\rوذهب بعضهم إلى إنها تستحق المتعة بكل حال لظاهر الآية.\r{ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا } خلوا سبيلهن بالمعروف من غير ضرار.\r{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (50) }\rقوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ } أي: مهورهن،\r__________\r(1) انظر: أحكام القرآن للجصاص: 5 / 232-236.\r(2) أخرجه الحاكم: 2 / 420 وقال: مدار سند هذا الحديث على إسنادين واهيين: جرير عن الضحاك عن النزال بن سبرة عن علي، وعمرو بن شعيب عن جده فلذلك لم يقع الاستقصاء من الشيخين في طلب هذه الأسانيد الصحيحة والله أعلم. وللحديث طرق أخرى عن عدد من الصحابة يتقوى بها، انظر: تخريجه بالتفصيل في: نصب الراية: 3 / 230-233، تلخيص الحبير: 3 / 210-212، إرواء الغليل: 6 / 173-174، و7 / 152-153.","part":6,"page":362},{"id":2514,"text":"{ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ } رد عليك من الكفار بأن تسبي فتملك مثل صفية وجويرية، وقد كانت مارية مما ملكت يمينه فولدت له إبراهيم ، { وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ } يعني: نساء قريش، { وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ } يعني: نساء بني زهرة، { اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ } إلى المدينة فمن لم تهاجر منهن معه لم يجز له نكاحها.\rوروى أبو صالح عن أم هانئ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة خطبني فأنزل الله هذه الآية فلم أحل له، لأني لم أكن من المهاجرات وكنت من الطلقاء، ثم نسخ شرط الهجرة في التحليل (1) .\r{ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } أي. أحللنا لك امرأة مؤمنة وهبت نفسها لك بغير صداق، فأما غير المؤمنة فلا تحل له إذا وهبت نفسها منه.\rواختلفوا في أنه هل كان يحل للنبي صلى الله عليه وسلم نكاح اليهودية والنصرانية بالمهر؟\rفذهب جماعة إلى أنه كان لا يحل له ذلك، لقوله: \"وامرأة مؤمنة\" ، وأول بعضهم الهجرة في قوله: \"اللاتي هاجرن معك\" على الإسلام، أي: أسلمن معك. فيدل ذلك على أنه لا يحل له نكاح غير المسلمة، وكان النكاح ينعقد [في حقه] (2) بمعنى الهبة من غير ولي ولا شهود ولا مهر، وكان ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم في النكاح لقوله تعالى: { خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } كالزيادة على الأربع، ووجوب تخيير النساء كان من خصائصه ولا مشاركة لأحد معه فيه.\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في التفسير: 9 / 74-76 وقال: (هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث السدي)، والطبري: 22 / 20-21، وصححه الحاكم: 2 / 420 ووافقه الذهبي، والبيهقي في السنن: 7 / 54، وزاد السيوطي في الدرالمنثور: 6 / 628 نسبته لابن سعد وعبد بن حميد وابن راهويه وابن أبي حاتم وابن مردويه.\r(2) زيادة من \"ب\".","part":6,"page":363},{"id":2515,"text":"واختلف أهل العلم في انعقاد النكاح بلفظ الهبة في حق الأمة؟ فذهب أكثرهم إلى أنه لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح والتزويج، وهو قول سعيد بن المسيب، والزهري، ومجاهد، وعطاء، وبه قال ربيعة ومالك والشافعي.\rوذهب قوم إلى أنه ينعقد بلفظ الهبة والتمليك، وهو قول إبراهيم النخعي، وأهل الكوفة.\rومن قال لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج اختلفوا في نكاح النبي صلى الله عليه وسلم: فذهب قوم إلى أنه كان ينعقد بلفظ الهبة، لقوله تعالى: \"خالصة لك من دون المؤمنين\".\rوذهب آخرون إلى أنه لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج كما في حق الأمة لقوله عز وجل: { إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا } وكان اختصاصه صلى الله عليه وسلم في ترك المهر لا في لفظ النكاح (1) .\rواختلفوا في التي وهبت نفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهل كانت عنده امرأة منهن؟.\rفقال عبد الله بن عباس، ومجاهد: لم يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها منه، ولم يكن عنده امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين، [وقوله: \"إن وهبت نفسها\" على طريق الشرط والجزاء.\rوقال آخرون: بل كانت عنده موهوبة، واختلفوا فيها] (2) فقال الشعبي: هي زينب بنت خزيمة الهلالية، يقال لها: أم المساكين.\rوقال قتادة: هي ميمونة بنت الحارث.\rوقال علي بن الحسين، والضحاك ومقاتل: هي أم شريك بنت جابر من بني أسد.\rوقال عروة بن الزبير: هي خولة بنت حكيم من بني سليم. (3)\rقوله عز وجل: { قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ } أي: أوجبنا على المؤمنين، { فِي أَزْوَاجِهِمْ } من الأحكام أن لا يتزوجوا أكثر من أربع ولا يتزوجوا إلا بولي وشهود ومهر، { وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } أي: ما أوجبنا من الأحكام في ملك اليمين، { لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ } وهذا يرجع إلى أول الآية أي: أحللنا لك أزواجك وما ملكت يمينك والموهوبة لك لكي لا يكون عليك حرج وضيق. { وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا }\r__________\r(1) انظر: أحكام القرآن للجصاص: 5 / 236-238.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) انظر: أحكام القرآن للجصاص: 5 / 239.","part":6,"page":364},{"id":2516,"text":"{ تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (51) }\r{ تُرْجِي } أي: تؤخر، { مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي } أي: تضم، { إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ }\rاختلف المفسرون في معنى الآية: فأشهر الأقاويل أنه في القسم بينهن، وذلك أن التسوية بينهن","part":6,"page":364},{"id":2517,"text":"في القسم كانت واجبًا عليه، فلما نزلت هذه الآية سقط عنه وصار الاختيار إليه فيهن.\rقال أبو رزين، وابن زيد 84/أ نزلت هذه الآية حين غار بعض أمهات المؤمنين على النبي صلى الله عليه وسلم وطلب بعضهن زيادة النفقة، فهجرهن النبي صلى الله عليه وسلم شهرًا حتى نزلت آية التخيير، فأمره الله عز وجل أن يخيرهن بين الدنيا والآخرة وأن يخلي سبيل من اختارت الدنيا ويمسك من اختارت الله ورسوله والدار الآخرة، على أنهن أمهات المؤمنين ولا ينكحن أبدًا، وعلى أنه يؤوي إليه من يشاء منهن، ويرجي من يشاء، فيرضين به قسم لهن أو لم يقسم، أو قسم لبعضهن دون بعض، أو فضل بعضهن في النفقة والقسمة، فيكون الأمر في ذلك إليه يفعل كيف يشاء، وكان ذلك من خصائص فرضين بذلك واخترنه على هذا الشرط (1) .\rواختلفوا في أنه هل أخرج أحدًا منهم عن القسم؟ فقال بعضهم: لم يخرج أحدًا، بل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم -مع ما جعله الله له من ذلك-يسوي بينهن في القسم إلا سودة فإنها رضيت بترك حقها من القسم، وجعلت يومها لعائشة.\rوقيل: أخرج بعضهن.\rروى جرير عن منصور عن أبي رزين قال: لما نزل التخيير أشفقن أن يطلقهن، فقلن: يا نبي الله اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت ودعنا على حالنا، فنزلت هذه الآية، فأرجى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهن وآوى إليه بعضهن، وكان ممن آوى إليه عائشة، وحفصة، وزينب، وأم سلمة، فكان قسم بينهن سواء، وأرجى منهن خمسا: أم حبيبة، وميمونة، وسودة، وصفية وجويرية، فكان يقسم لهن ما شاء (2) .\rوقال مجاهد: \"ترجي من تشاء منهن\" يعني: تعزل من تشاء منهن بغير طلاق، وترد إليك من تشاء بعد العزل بلا تجديد عقد.\rوقال ابن عباس: تطلق من تشاء منهن وتمسك من تشاء.\rوقال الحسن: تترك نكاح من شئت وتنكح من شئت من نساء أمتك.\rوقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب امرأة لم يكن لغيره خطبتها حتى يتركها رسول الله صلى الله عليه وسلم.\r__________\r(1) انظر: أسباب النزول للواحدي ص (413) عازيا للمفسرين.\r(2) أخرجه الطبري: 22 / 26، والواحدي في أسباب النزول ص (414).","part":6,"page":365},{"id":2518,"text":"وقيل: تقبل من تشاء من المؤمنات اللاتي يهبن أنفسهن لك فتؤويها إليك وتترك من تشاء فلا تقبلها.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن سلام، أخبرنا ابن فضيل، أخبرنا هشام عن أبيه قال: كانت خولة بنت حكيم من اللائي وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم فقالت عائشة: أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل؟ فلما نزلت: { تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ } قلت: يا رسول الله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك (1) .\rقوله عز وجل: { وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ } أي: طلبت وأردت أن تؤوي إليك امرأة ممن عزلتهن عن القسم، { فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ } لا إثم عليك، فأباح الله له ترك القسم لهن حتى إنه ليؤخر من يشاء منهن في نوبتها ويطأ من يشاء منهن في غير نوبتها، ويرد إلى فراشه من عزلها تفضيلا له على سائر الرجال، { ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ } أي: التخيير الذي خيرتك في صحبتهن أقرب إلى رضاهن وأطيب لأنفسهن وأقل لحزنهن إذا علمن أن ذلك من الله عز وجل، { وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ } أعطيتهن، { كُلُّهُنَّ } من تقرير وإرجاء وعزل وإيواء، { وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ } من أمر النساء والميل إلى بعضهن، { وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا }\r{ لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (52) }\rقوله عز وجل: { لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء، مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ } قرأ أبو عمرو ويعقوب: \"لا تحل\" بالتاء، وقرأ الآخرون بالياء، \"من بعد\": يعني من بعد هؤلاء التسع اللاتي خيرتهن فاخترنك، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خيرهن فاخترن الله ورسوله شكر الله لهن وحرم عليه النساء سواهن ونهاه عن تطليقهن وعن الاستبدال بهن، هذا قول ابن عباس وقتادة (2) .\rواختلفوا في أنه هل أبيح له النساء من بعد؟\rقالت عائشة: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل له النساء سواهن (3) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في النكاح، باب: هل للمرأة أن تهب نفسها لأحد 9 / 164، ومسلم في الرضاع، باب: جواز هبتها نوبتها لضرتها برقم: (1464) 2 / 1085-1086.\r(2) راجع فتح الباري: 8 / 526.\r(3) أخرجه الترمذي في تفسير: 9 / 78-79 وقال: (هذا حديث حسن صحيح) ، والنسائي في النكاح، باب: ما افترض الله عز وجل على رسوله وحرمه على خلقه: 6 / 56، والدارمي في النكاح، باب قول الله تعالى: (لا يحل لك النساء من بعد) 2 / 153 وابن حبان في موارد الظمآن برقم: (2126) ص (523)، وصححه الحاكم: 2 / 437 ووافقه الذهبي، والبيهقي: 7 / 54، والإمام أحمد في المسند: 6 / 41،180، وانظر: فتح الباري 8 / 526، التلخيص الحبير: 3 / 123.","part":6,"page":366},{"id":2519,"text":"وقال أنس: مات على التحريم.\rوقال عكرمة، والضحاك: معنى الآية لا يحل لك النساء إلا اللاتي أحللنا لك وهو قوله: \"إنا أحللنا لك أزواجك\" الآية، ثم قال: \"لا يحل لك النساء من بعد\"، إلا التي أحللنا لك بالصفة التي تقدم ذكرها.\rوقيل لأبي بن كعب: لو مات نساء النبي صلى الله عليه وسلم أكان يحل له أن يتزوج؟ قال: وما يمنعه من ذلك؟ قيل: قوله عز وجل: \"لا يحل لك النساء من بعد\"، قال: إنما أحل الله له ضربًا من النساء، فقال: \"يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزوجك\"، ثم قال: \"لا يحل لك النساء من بعد\".\rقال أبو صالح: أمر أن لا يتزوج أعرابية ولا عربية، ويتزوج من نساء قومه من بنات العم والعمة والخالة إن شاء ثلاثمائة: وقال مجاهد: معناه لا يحل لك اليهوديات ولا النصرانيات بعد المسلمات ولا أن تبدل بهن، يقول: ولا أن تبدل بالمسلمات غيرهن من اليهود والنصارى، يقول لا تكون أم المؤمنين يهودية ولا نصرانية، إلا ما ملكت يمينك، أحل له ما ملكت يمينه من الكتابيات أن يتسرى بهن.\rوروي عن الضحاك: يعني ولا أن تبدل بهن ولا أن تبدل بأزواجك اللاتي هن في حيالك أزواجًا غيرهن بأن تطلقهن فتنكح غيرهن، فحرم عليه طلاق النساء اللواتي كن عنده إذ جعلهن أمهات المؤمنين، وحرمهن على غيره حين اخترنه، فأما نكاح غيرهن فلم يمنع عنه.\rوقال ابن زيد في قوله: { وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ } كانت العرب في الجاهلية يتبادلون بأزواجهم، يقول الرجل للرجل: بادلني بامرأتك، وأبادلك بامرأتي، تنزل لي عن امرأتك، وأنزل لك عن امرأتي، فأنزل الله: { وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ } (1) يعني لا تبادل بأزواجك غيرك بأن تعطيه زوجك وتأخذ زوجته، إلا ما ملكت يمينك لا بأس أن تبدل بجاريتك 84/ب ما شئت، فأما الحرائر فلا.\rوروي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: دخل عيينة بن حصن على النبي صلى الله عليه وسلم بغير أذن، وعنده عائشة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: \"يا عيينه فأين الاستئذان\"؟ قال: يا رسول الله ما استأذنت على رجل من مضر منذ أدركت، ثم قال: من هذه الحميراء إلى جنبك؟ فقال: هذه عائشة أم المؤمنين، فقال عيينة: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن الله قد حرم ذلك\"، فلما خرج قالت عائشة: من هذا يا رسول الله؟ فقال: \"هذا أحمق مطاوع وإنه على ما ترين لسيد قومه\" (2) .\r__________\r(1) ذكر هذه الأقوال الطبري: 22 / 29-33 مع ترجيحات تراجع.\r(2) أخرجه الدارقطني في النكاح: 3 / 218-219، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 638 للبزار وابن مردويه، قال الهيثمي في المجمع: 7 / 92 (رواه البزار، وفيه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة وهو متروك). وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: \"حديث أبي هريرة في نكاح البدل ضعيف جدا\".","part":6,"page":367},{"id":2520,"text":"قوله عز وجل: { وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ } يعني: ليس لك أن تطلق أحدًا من نسائك وتنكح بدلها أخرى ولو أعجبك جمالها.\rقال ابن عباس: يعني أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب، فلما استشهد جعفر أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخطبها فنهي عن ذلك (1) .\r{ إِلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: ملك بعد هؤلاء مارية.\r{ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا } حافظًا.\rوفي الآية دليل على جواز النظر إلى من يريد نكاحها من النساء. روي عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل\" (2) .\rأخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، أخبرنا محمد بن محمد بن علي بن شريك الشافعي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم، أخبرنا أبو بكر الجوربذي قال: أخبرنا أحمد بن حرب، أخبرنا أبو معاوية، عن عاصم هو ابن سليمان، عن بكر بن عبد الله، عن المغيرة بن شعبة قال: خطبت امرأة، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: \"هل نظرت إليها؟\" قلت: لا قال: \"فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما\" (3) .\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا حامد ابن محمد، أخبرنا بشر بن موسى، أخبرنا الحميدي، أخبرنا يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة أن رجلا أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: \"انظر إليها فإن في أعين نساء الأنصار شيئا\" (4) قال الحميدي: يعني الصغر.\r__________\r(1) انظر: البحر المحيط: 7 / 244.\r(2) أخرجه أبو داود في النكاح، باب: الرجل ينظر إلى المرأة وهو يريد تزوجها: 3 / 25-26، والطحاوي في شرح معاني الآثار: 2 / 8، والبيهقي: 7 / 84، والحاكم: 2 / 165 وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، والإمام أحمد: 3 / 334، والمصنف في شرح السنة: 9 / 17، وانظر: نصب الراية: 241، التلخيص الحبير: 3 / 147، إرواء الغليل: 6 / 200.\r(3) أخرجه الترمذي في النكاح، باب: ما جاء في النظر إلى المخطوبة 4 / 206 وقال: \"هذا حديث حسن\"، والنسائي في النكاح، باب: إباحة النظر قبل التزويج: 6 / 69-70، وابن ماجه في النكاح: باب النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها: 1 / 600 وصححه ابن حبان في موارد الظمآن برقم: (1236) ص 303، والحاكم: 2 / 165 على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وابن أبي شيبة في المصنف: 4 / 355، والدارمي في النكاح: باب النظر للمرأة عند الخطبة: 2 / 59، والبيهقي في السنن 7 / 84-85، والإمام أحمد: 4 / 246 والمصنف في شرح السنة: 9 / 17، وانظر: تلخيص الحبير: 3 / 146-252، سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم (96): 1 / 150-152.\r(4) أخرجه مسلم في النكاح، باب: النظر إلى وجه المرأة وكفيها لمن يريد تزوجها برقم: (1424) 2 / 1040.","part":6,"page":368},{"id":2521,"text":"{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53) }\rقوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ } الآية. قال أكثر المفسرين: نزلت هذه الآية في شأن وليمة زينب بنت جحش حين بنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا يحيى بن بكير، أخبرنا الليث عن عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني أنس ابن مالك أنه كان ابن عشر سنين مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، قال: وكانت أم هانئ تواظبني على خدمة النبي صلى الله عليه وسلم، فخدمته عشر سنين، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشرين سنة، فكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل، فكان أول ما أنزل في مبتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش، أصبح النبي صلى الله عليه وسلم بها عروسًا فدعا القوم فأصابوا من الطعام ثم خرجوا، وبقي رهط منهم عند النبي صلى الله عليه وسلم فأطالوا المكث، فقام النبي لله فخرج وخرجت معه لكي يخرجوا، فمشى النبي صلى الله عليه وسلم ومشيت حتى جاء حجرة عائشة، ثم ظن أنهم قد خرجوا فرجع ورجعت معه، حتى إذا دخل على زينب فإذا هم جلوس لم يخرجوا، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم، ورجعت معه حتى إذا بلغ عتبة حجرة عائشة وظن أنهم قد خرجوا فرجع ورجعت معه فإذا هم قد خرجوا، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيني وبينه الستر، وأنزل الحجاب (1) .\rوقال أبو عثمان -واسمه الجعد-عن أنس قال: فدخل يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت وأرخى الستر وإني لفي الحجرة، وهو يقول: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ } إلى قوله: { وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ } (2) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في النكاح ، باب الوليمة حق: 9 / 230، وفي الاسئذان باب آية الحجاب: 11 / 22 وفي مواضع أخرى.\r(2) أخرجه البخاري في النكاح، باب الهدية للعروس: 9 / 226-227.","part":6,"page":369},{"id":2522,"text":"وروي عن ابن عباس أنها نزلت في ناس من المسلمين كانوا يتحينون طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدخلون عليه قبل الطعام إلى أن يدرك ثم يأكلون ولا يخرجون، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأذى بهم فنزلت (1)\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ } يقول: إلا أن تدعوا، { إِلَى طَعَامٍ } فيؤذن لكم فتأكلونه، { غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ } غير منتظرين إدراكه ووقت نضجه، يقال: أنى الحميم: إذا انتهى حره، وإنَى أن يفعل ذلك: إذا حان، إنى بكسر الهمزة مقصورة، فإذا فتحتها مددت فقلت الإناء، وفيه لغتان إنى يأنى، وآن يئين، مثل: حان يحين.\r{ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ } أكلتم الطعام، { فَانْتَشِرُوا } تفرقوا واخرجوا من منزله، { وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ } ولا طالبين الأنس للحديث، وكانوا يجلسون بعد الطعام يتحدثون طويلا فنهوا عن ذلك.\r{ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ } أي: لا يترك تأديبكم وبيان الحق حياء.\r{ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ } أي: من وراء ستر، فبعد آية الحجاب لم يكن لأحد أن ينظر إلى امرأة من نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم منتقبة كانت أو غير منتقبة، { ذَلِكُمْ أَطْهَر، لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ } من الريب.\rوقد صح في سبب نزول آية الحجاب ما أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا يحيى بن بكير، أخبرنا الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع، وهو صعيد أفيح، وكان عمر يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: احجب نساءك، فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة -حرصًا على أن ينزل الحجاب-فأنزل الله تعالى آية الحجاب (2) .\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أخبرنا حاجب ابن أحمد الطوسي، أخبرنا عبد الرحيم بن منيب، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا حميد، عن أنس قال: قال عمر: وافقني ربي في ثلاث 85/أ قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟\r__________\r(1) انظر: الدر المنثور: 6 / 641.\r(2) أخرجه البخاري في الوضوء، باب: خروج النساء إلى البراز: 1 / 248، وفي تفسير سورة الأحزاب وفي الاستئذان.","part":6,"page":370},{"id":2523,"text":"فأنزل الله: \"واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى\"، وقلت: يا رسول الله إنه يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب؟ فأنزل الله آية الحجاب، قال: وبلغني بعض ما آذى به رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه، قال: فدخلت عليهن استقربهن واحدة واحدة، قلت: والله لتنتهن أو ليبدلنه الله أزواجًا خيرًا منكن، حتى أتيت على زينب فقالت: يا عمر ما كان في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت، قال: فخرجت فأنزل الله عز وجل: \"عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن\"( التحريم-5 ) ، إلى آخر الآية (1) .\rقوله عز وجل: { وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ } ليس لكم أذاه في شيء من الأشياء، { وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا } نزلت في رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لئن قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنكحن عائشة (2) .\rقال مقاتل بن سليمان: هو طلحة بن عبيد الله، فأخبره الله عز وجل أن ذلك محرم (3) وقال: { إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا } أي: ذنبا عظيما.\rوروى معمر عن الزهري، أن العالية بنت ظبيان التي طلق النبي صلى الله عليه وسلم تزوجت رجلا وولدت له، وذلك قبل تحريم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم على الناس (4) .\r{ إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (54) }\r{ إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } نزلت فيمن أضمر نكاح عائشة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) .\rوقيل: قال رجل من الصحابة: ما بالنا نمنع من الدخول على بنات أعمامنا؟ فنزلت هذه الآية.\rولما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب: ونحن أيضا نكلمهن من وراء الحجاب؟ فأنزل الله: (6) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير، باب: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى 8 / 168، ومسلم في فضائل الصحابة، باب: فضائل عمر برقم: (2399) 4 / 1865 مختصرا، والمصنف في شرح السنة: 14 / 93-94، وللسيوطي رسالة في موافقات عمر، منشورة في الحاوي للفتاوى: 1 / 377 بعنوان (قطف الثمر في موافقات عمر) وانظر فيما سبق: 1 / 147 تعليق:1،2.\r(2) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص 417-418 بدون إسناد، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 643 لابن مردويه عن ابن عباس.\r(3) أخرجه ابن أبي حاتم عن السدي بلاغا، وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة، انظر الدر المنثور: 6 / 643.\r(4) أخرجه البيهقي في السنن: 7 / 73 عن يونس عن ابن شهاب بلاغا، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 644 لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.\r(5) أخرجه ابن جرير: 22 / 40، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 644 للبيهقي وابن سعد.\r(6) انظر: الطبري: 22 / 41-42.","part":6,"page":371},{"id":2524,"text":"{ لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (55) إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56) }\r{ لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي ءَابَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ } أي: لا إثم عليهن في ترك الاحتجاب من هؤلاء، { وَلا نِسَائِهِنَّ } قيل: أراد به النساء المسلمات، حتى لا يجوز للكتابيات الدخول عليهن، وقيل: هو عام في المسلمات والكتابيات، وإنما قال: \"ولا نسائهن\" ، لأنهن من أجناسهن، { وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ }\rواختلفوا في أن عبد المرأة هل يكون محرمًا لها أم لا؟.\rفقال قوم يكون محرمًا لقوله عز وجل: \"ولا ما ملكت أيمانهن\".\rوقال قوم: هو كالأجانب، والمراد من الآية الإماء دون العبيد.\r{ وَاتَّقِينَ اللَّهَ } أن يراكن غير هؤلاء، { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ } من أعمال العباد { شَهِيدًا } قوله عز وجل: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ } قال ابن عباس: أراد إن الله يرحم النبي، والملائكة يدعون له. وعن ابن عباس أيضا: \"يصلون\" يتبركون.\rوقيل: الصلاة من الله: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار.\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ } أي: ادعوا له بالرحمة، { وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } أي: حيوه بتحية الإسلام .\rوقال أبو العالية: صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة: الدعاء.\rأخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الحميدي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن سليمان الفقيه ببغداد، أخبرنا أبو بكر أحمد بن زهير بن حرب، أخبرنا موسى بن إسماعيل، أخبرنا أبو سلمة، أخبرنا عبد الواحد بن زياد، أخبرنا أبو فروة، حدثني عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى [سمع عبد الرحمن بن أبي ليلى] (1) يقول: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقلت: بلى فاهدها لي، فقال سألنا\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":6,"page":372},{"id":2525,"text":"رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت؟ قال: \"قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد\" (1) .\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا مصعب، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن عمرو بن سليمان الزرقي أنه قال: أخبرني أبو حميد الساعي أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد\" (2) .\rأخبرنا أبو عمرو ومحمد بن عبد الرحمن النسوي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أخبرنا محمد بن يعقوب، أخبرنا العباس بن محمد الدوري، أخبرنا خالد بن مخلد القطواني، أخبرنا موسى بن يعقوب، أخبرنا العباس بن كيسان، أخبرني عبد الله بن شداد، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة\" (3) .\rأخبرنا أبو عبد الله بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني، أخبرنا عبد الله ابن عمر الجوهري، أخبرنا أحمد بن علي الكشميهني، أخبرنا علي بن حجر، أخبرنا إسماعيل بن جعفر، أخبرنا العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشرًا\" . (4)\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير، باب: \"إن الله وملائكته يصلون على النبي..الآية\" 8 / 532، والمصنف في شرح السنة: 3 / 190.\r(2) أخرجه البخاري في الدعوات، باب: هل يصلي على غير النبي صلى الله عليه وسلم 11 / 169، ومسلم في الصلاة، باب: الصلاة على النبي بعد التشهد برقم: (407) 1 / 305، والمصنف في شرح السنة: 3 / 191.\r(3) أخرجه الترمذي في الصلاة، باب ما جاء في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: 2 / 607-608 وقال: (هذا حديث حسن غريب) وابن حبان في موارد الظمآن برقم: (2389) ص 594، والمصنف في شرح السنة: 3 / 197. وقال السخاوي في \" القول البديع\" صفحة (191-192): \"وفي سنده موسى بن يعقوب الزمعي\" قال الدارقطني: إنه تفرد، قلت: وقد اختلف عليه فيه، فقيل عن عبد الله بن شداد عن ابن مسعود بلا واسطة، هذه رواية الترمذي والبخاري في \"تاريخه الكبير\" وابن أبي عاصم، وكذا هي عند أبي الحسين النرسي في \"مشيخته\" من الطريق التي أخرجها الترمذي، وقيل: عن عبد الله ابن شداد عن أبيه عن ابن مسعود، هكذا أخرجه أبو بكر ابن أبي شيبة ومن طريقه رواه ابن حبان في \"صحيحة\" وأبو نعيم وابن بشكوال، وهكذا رواه ابن عاصم أيضا في \"فضل الصلاة\" له، وابن عدي في \"كامله\" والدينوري في \"مجالسته\" والدارقطني في \"الأفراد\" والتيمي في \"الترغيب\" وابن الجراح في \"أماليه\" وأبو اليمن عساكر من طريق أبي الطاهر الذهلي وغيرهم. وهذه الرواية أكثر وأشهر والزمعي قال فيه النسائي ليس بالقوي، لكن وثقه يحيى بن معين فحسبك به، وكذا وثقه أبو داود وابن حبان وابن عدي وجماعة، وأشار البخاري في \" التاريخ\" أيضا إلى أن الزمعي رواه عن ابن كيسان عن عتبة بن عبد الله عن مسعود، والله أعلم.\r(4) أخرجه مسلم في الصلاة، باب: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد برقم: (408) 1 / 306 والمصنف في شرح السنة: 3 / 195.","part":6,"page":373},{"id":2526,"text":"أخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، [ أخبرنا إبراهيم عبد الله الخلال] (1) أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن سليمان مولى الحسن بن علي، عن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه جاء ذات يوم والبشرى في وجهه، فقال: \"إنه جاءني جبريل فقال: [إن ربك يقول] (2) أما يرضيك يا محمد أن لا يصل عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرًا [ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرا] (3) (4) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم البغوي، أخبرنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة، عن عاصم هو ابن عبيد الله قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: \"من صلى علي صلاة صلت عليه الملائكة ما صلى علي فليقل العبد من ذلك أو ليكثر\" (5) .\rحدثنا أبو القاسم يحيى بن علي الكشميهني، أخبرنا جناح بن يزيد المحاربي بالكوفة، أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني، أخبرنا بن حازم، أخبرنا عبد الله بن موسى 85/ب وأبو نعيم، عن سفيان، عن عبيد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام\" (6) .\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) أخرجه النسائي في السهو، باب: الفضل في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: 3 / 50، والإمام أحمد: 4 / 29-30، والحاكم: 2 / 420، وابن حبان في موارد الظمآن برقم (2391) ص 594، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم برقم 1و2 وهو حديث صحيح بطرقه، والمصنف في شرح السنة: 3 / 196، وانظر: جلاء الأفهام لابن القيم ص 63-94.\r(5) أخرجه ابن ماجه في إقامة الصلاة، باب: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: برقم (907) 1 / 294، قال في الزوائد: إسناده ضعيف، لأن عاصم بن عبيد الله، قال فيه البخاري وغيره: منكر الحديث، وأبو نعيم في الحلية:1 / 180، والمصنف في شرح السنة: 3 / 198، قال السخاوي في \"القول البديع\" ص 169: (رواه سعيد بن منصور وأحمد وأبو بكر بن أبي شيبة والبزار وابن ماجه والطيالسي وأبو نعيم وابن أبي عاصم والتيمي والرشيد العطار، وفي سنده عاصم بن عبيد الله، وهو وإن كان واهي الحديث فقد مشاه بعضهم، وصحح له الترمذي، وحديثه هذا حسن في المتابعات، قاله المنذري وكذا حسن شيخنا هذا الحديث على أنه قد اختلف على عاصم فيه كما سلف في حديث عمر، ولكن قد رواه الطبراني من غير طريقه بسند لين، وبالله التوفيق) .\r(6) أخرجه النسائي في السهو، باب: السلام على النبي صلى الله عليه وسلم: 3 / 43، والدارمي: 2 / 225، وصححه الحاكم: 2 / 421 ووافقه الذهبي والإمام أحمد: 1 / 387، 441، وابن حبان في موارد الظمآن برقم (2393) ص 595، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم برقم (22) ص (11) والمصنف في شرح السنة: 3 / 197، قال ابن القيم في \"جلاء الأفهام\" ص (60): \"وهذا إسناد صحيح\" .","part":6,"page":374},{"id":2527,"text":"{ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57) }\rقوله عز وجل: { إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَه، لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا } قال ابن عباس: هم اليهود والنصارى والمشركون. فأما اليهود فقالوا عزيرا ابن الله، ويد الله مغلولة، وقالوا: إن الله فقير، وأما النصارى فقالوا: المسيح ابن الله، وثالث وثلاثة، وأما المشركون فقالوا: الملائكة بنات الله، والأصنام شركاؤه.\rوروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"يقول الله سبحانه وتعالى: شتمني عبدي، يقول: اتخذ لله ولدا، وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوًا أحد (1) .\rوروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: \"يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار\" (2) .\rوقيل: معنى \"يؤذون الله\" يلحدون في أسمائه وصفاته.\rوقال عكرمة: هم أصحاب التصاوير.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن العلاء، أخبرنا ابن فضيل، عن عمارة، عن أبي زرعة، سمع أبا هريرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: \"قال الله تعالى ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو شعيرة\" (3) .\rوقال بعضهم: \"يؤذون الله\" أي: يؤذون أولياء الله، كقوله تعالى: \"واسئل القرية\" (يوسف-82) ، أي: أهل القرية.\rوروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: \"من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وقال من أهان لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة\" (4) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في تفسير \"قل هو الله أحد\": 8 / 739 عن أبي هريرة رضي الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، و.. وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحد.\r(2) أخرجه البخاري في تفسير سورة الجاثية: 8 / 574، ومسلم في الألفاظ، باب: النهي عن سب الدهر برقم: (2246) 4 / 1762.\r(3) أخرجه البخاري في التوحيد، باب قول الله تعالى: (والله خلقكم وما تعلمون) 13 / 528، ومسلم في اللباس والزينة، باب: تحريم تصوير صورة الحيوان برقم: (2111) 3 / 1671، والمصنف في شرح السنة: 12 / 129.\r(4) أخرجه البخاري في الرقاق، باب: التواضع 11 / 340-341.","part":6,"page":375},{"id":2528,"text":"ومعنى الأذى: هو مخالفة أمر الله تعالى وارتكاب معاصيه، ذكره على ما يتعارفه الناس بينهم، والله عز وجل منزه عن أن يلحقه أذى من أحد، وإيذاء الرسول، قال ابن عباس: هو أنه شج في وجهه وكسرت رباعيته. وقيل: شاعر، ساحر، معلم، مجنون.\r{ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59) }\r{ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا } من غير أن علموا ما أوجب أذاهم، وقال مجاهد: يقعون فيهم ويرمونهم بغير جرم، { فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا }\rوقال مقاتل: نزلت في علي بن أبي طالب [وذلك أن ناسا من المنافقين] كانوا يؤذونه ويشتمونه (1) .\rوقيل: نزلت في شأن عائشة (2) .\rوقال الضحاك، والكلبي: نزلت في الزناة الذين كانوا يمشون في طرق المدينة يتبعون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن، فيغمزون المرأة، فإن سكتت اتبعوها، وإن زجرتهم انتهوا عنها، ولم يكونوا يطلبون إلا الإماء، ولكن كانوا لا يعرفون الحرة من الأمة لأن زي الكل كان واحدًا، يخرجن في درع وخمار، الحرة والأمة، فشكون ذلك إلى أزواجهن، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية: { وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } (3) الآية. ثم نهى الحرائر أن يتشبهن بالإماء فقال جل ذكره: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ } جمع الجلباب، وهو الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار.\rوقال ابن عباس وأبو عبيدة: أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوهن بالجلابيب إلا عينا واحدة ليعلم أنهن حرائر.\r__________\r(1) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص (420)، وما بين القوسين استدركناه منه، وانظر: القرطبي: 14 / 420.\r(2) راجع فيما سبق تفسير سورة النور: الآية (11) وما بعدها.\r(3) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص (420)، وقال: الدليل على صحة هذا قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك..الآية) وساق بإسناده عن هيثم عن حصين عن أبي مالك قال: كانت النساء المؤمنات يخرجن بالليل إلى حاجتهن، وكان المنافقون يتعرضون لهن ويؤذونهن فنزلت هذه الآية، وانظر: الدر المنثور 6 / 659، ابن كثير: 3 / 519-520.","part":6,"page":376},{"id":2529,"text":"{ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ } أنهن حرائر، { فَلا يُؤْذَيْنَ } فلا يتعرض لهن، { وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } قال أنس: مرت بعمر بن الخطاب جارية متقنعة فعلاها بالدرة، وقال يالكاع أتتشبهين بالحرائر، ألقي القناع (1) .\r{ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلا (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا (61) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا (62) }\r__________\r(1) انظر: الدر المنثور: 6 / 660.","part":6,"page":377},{"id":2530,"text":"{ يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (63) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (65) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ (66) }\rقوله عز وجل: { لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ } عن نفاقهم، { وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } فجور، يعني الزناة، { وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ } بالكذب، وذلك أن ناسًا منهم كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوقعون في الناس أنهم قتلوا وهزموا، ويقولون: قد أتاكم العدو ونحوها (1) .\rوقال الكلبي: كانوا يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ويفشون الأخبار.\r{ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ } لنحرشنك بهم ولنسلطنك عليهم، { ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا } لا يساكنوك في المدينة { إِلا قَلِيلا } حتى يخرجوا منها، وقيل: لنسلنطك عليهم حتى تقتلهم وتخلي منهم المدينة. { مَلْعُونِينَ } مطرودين، نصب على الحال، { أَيْنَ مَا ثُقِفُوا } وجدوا وأدركوا، { أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا } أي: الحكم فيهم هذا على جهة الأمر به. { سُنَّةَ اللَّهِ } أي: كسنة الله، { فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ } من المنافقين والذين فعلوا مثل فعل هؤلاء، { وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا } قوله عز وجل: { يَسْأَلُكَ النَّاس، عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ } أي: أي شيء يعلمك أمر الساعة، ومتى يكون قيامها؟ أي: أنت لا تعرفه، { لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُون، قَرِيبًا } { إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ }\r__________\r(1) انظر الدر المنثور : 6 / 662، الطبري: 22 / 48.","part":6,"page":377},{"id":2531,"text":"ظهرًا لبطن حين يسبحون عليها، { يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا } في الدنيا .\r{ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69) }\r{ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا } قرأ ابن عامر، ويعقوب: \"ساداتنا\" بكسر التاء والأف قبلها على جمع الجمع، وقرأ الآخرون بفتح التاء بلا ألف قبلها، { وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا } { رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ } أي: ضعفي عذاب غيرهم، { وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا } قرأ عاصم: كبيرا بالباء. قال الكلبي: أي: عذابًا كثيرًا، وقرأ الآخرون بالثاء لقوله تعالى: \"أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين\" (البقرة-161) ، وهذا يشهد للكثرة، أي: مرة بعد مرة. قوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا } فطهره الله مما قالوا: { وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا } كريما ذا جاه، يقال: وجه الرجل يوجه وجاهة فهو وجيه، إذا كان ذا جاه وقدر.\rقال ابن عباس: كان حظيًا عند الله لا يسأل الله شيئًا إلا أعطاه.\rوقال الحسن: كان مستجاب الدعوة.\rوقيل: كان محببا مقبولا.\rواختلفوا فيما أوذي به موسى :\rفاخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا روح بن عبادة أخبرنا عوف، عن الحسن ومحمد وخلاس، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن موسى كان رجلا حييًا ستيرًا لا يرى من جلده شيء استحياء منه فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا ما يتستر هذا التستر إلا من عيب بجلده، إما برص أو أدرة وإما آفة، وإن لله أراد أن يبرئه مما قالوا، فخلا يوما وحده فوضع ثيابه على الحجر، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل،","part":6,"page":378},{"id":2532,"text":"فرأوه عريانًا أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضربًا بعصاه، فوالله إن بالحجر لندبًا من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا\" (1) فذلك قوله عز وجل: \"يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها\".\rوقال قوم: إيذاؤهم إياه أنه لما مات هارون في التيه ادعوا على موسى أنه قتله، فأمر الله الملائكة حتى مروا به على بني إسرائيل فعرفوا أنه لم يقتله، فبرأه الله مما قالوا (2) .\rوقال أبو العالية: هو أن قارون استأجر مومسة لتقذف موسى بنفسها على رأس الملإ فعصمها الله وبرأ موسى من ذلك، وأهلك قارون (3) .\rأخبرنا عبد الواحد بن احمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أبو الوليد، أخبرنا شعبة، عن الأعمش قال: سمعت أبا وائل قال: سمعت عبد الله قال: قسم النبي صلى الله عليه وسلم قسما، فقال رجل: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه، ثم قال: \"يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر\" (4)\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) }\rقوله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا } قال ابن عباس: صوابًا. وقال قتادة: عدلا. وقال الحسن: صدقًا. وقيل: مستقيمًا. وقال عكرمة هو: قول لا إله إلا الله. { يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ } قال ابن عباس: يتقبل حسناتكم. وقال مقاتل: يزك أعمالكم، { وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } أي: ظفر بالخير كله.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الأنبياء: 6 / 436.\r(2) انظر الطبري: 22 / 52، الدر المنثور: 6 / 666 قال الحافظ ابن حجر في الفتح 8 / 538: \"وقد روى أحمد بن منيع في مسنده\" والطبري وابن أبي حلتم بإسناد قوي عن ابن عباس عن علي قال: \"صعد موسى وهارون الجبل فمات هارون، فقال بنو إسرائيل لموسى: أنت قتلته، كان ألين لنا منك وأشد حبا فآذوه بذلك، فأمر الله الملائكة فحملته فمرت به على مجالس بني إسرائيل فعلموا بموته\".\r(3) انظر: الدر المنثور: 6 / 441-442، زاد المسير: 6 / 426.\r(4) أخرجه البخاري في الأدب، باب: الصبر على الأذى: 10 / 511 ، ومسلم في الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام برقم: (1062) 2 / 739 ، والمصنف في شرح السنة: 13 / 239.","part":6,"page":379},{"id":2533,"text":"{ إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا (72) }\rقوله عز وجل: { إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَالْجِبَالِ } الآية. أراد بالأمانة الطاعة والفرائض التي فرضها الله على عباده، عرضها على السموات والأرض والجبال على أنهم إن أدوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم، وهذا قول ابن عباس.\rوقال ابن مسعود: الأمانة: أداء الصلوات، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وصدق الحديث، وقضاء الدين، والعدل في المكيال والميزان، وأشد من هذا كله الودائع.\rوقال مجاهد: الأمانة: الفرائض، وقضاء الدين.\rوقال أبو العالية: ما أمروا به ونهوا عنه\rوقال زيد بن أسلم: هو الصوم، والغسل من الجنابة، وما يخفى من الشرائع.\rوقال عبد الله بن عمرو بن العاص: أول ما خلق الله من الإنسان فرجه وقال: هذه أمانة استودعتكها، فالفرج أمانة، والأذن أمانة، والعين أمانة، واليد أمانة، والرجل أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له.\rوقال بعضهم: هي أمانات الناس والوفاء بالعهود، فحق على كل مؤمن أن لا يغش مؤمنًا ولا معاهدًا في شيء قليل ولا كثير، وهي رواية الضحاك عن ابن عباس، فعرض الله هذه الأمانة على أعيان السموات والأرض والجبال، هذا قول ابن عباس وجماعة من التابعين وأكثر السلف، فقال لهن أتحملن هذه الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قال: إن أحسنتن جوزيتن وإن عصيتن عوقبتن، فقلن: لا يا رب، نحن مسخرات لأمرك لا نريد ثوابًا ولا عقابًا، وقلن ذلك خوفًا وخشيةً وتعظيمًا لدين الله أن لا يقوموا بها لا معصية ولا مخالفة، وكان العرض عليهن تخييرًا لا إلزامًا ولو ألزمهن لم يمتنعن من حملها، والجمادات كلها خاضعة لله عز وجل مطيعة ساجدة له كما قال جل ذكره للسموات والأرض: \"ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين\" (فصلت -11) ، وقال للحجارة: \"وإن منها لما يهبط من خشية الله\" (البقرة-74) ، وقال تعالى: \"ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب\" (الحج-18) الآية.\rوقال بعض أهل العلم: ركب الله عز وجل فيهن العقل والفهم حين عرض الأمانة عليهن حتى علقن الخطاب وأجبن بما أجبن.\rوقال بعضهم: المراد من العرض على السموات والأرض هو العرض على أهل السموات والأرض، عرضها على من فيها من الملائكة.","part":6,"page":380},{"id":2534,"text":"وقيل: على أهلها كلها دون أعيانها، كقوله تعالى: \"واسئل القرية\" (يوسف -82) ، أي: أهل القرية. والأول أصح وهو قول العلماء.\r{ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا } أي: خفن من الأمانة أن لا يؤدينها فيلحقهن العقاب، { وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ } يعني: آدم عليه السلام، فقال الله لآدم: إني عرضت الأمانة على السموات والأرض والجبال فلم تطقها فهل أنت آخذها بما فيها؟ قال: يا رب وما فيها؟ قال إن أحسنت جوزيت، وإن أسأت عوقبت، فتحملها آدم، وقال: بين أذني وعاتقي، قال الله تعالى: أما إذا تحملت فسأعينك، أجعل لبصرك حجابًا فإذا خشيت أن تنظر إلى ما لا يحل لك فارخ عليه حجابه، واجعل للسانك لحيين غلقًا فإذا غشيت فأغلق، واجعل لفرجك لباسًا فلا تكشفه على ما حرمت عليك.\rقال مجاهد: فما كان بين أن تحملها وبين أن خرج من الجنة إلا مقدار ما بين الظهر والعصر (1)\rوحكى النقاش بإسناده عن ابن مسعود أنه قال: مثلت الأمانة كصخرة ملقاة، ودعيت السموات والأرض والجبال إليها فلم يقربوا منها، وقالوا: لا نطيق حملها، وجاء آدم من غير أن يدعى، وحرك الصخرة، وقال: لو أمرت بحملها لحملتها، فقلن له: احملها، فحملها إلى ركبتيه ثم وضعها، وقال والله لو أردت أن أزداد لزدت، فقلن له: احملها فحملها إلى حقوه، ثم وضعها، وقال: والله لو أردت أن أزداد لزدت، فقلن له 86/ب احمل فحملها حتى وضعها على عاتقه، فأراد أن يضعها فقال الله: مكانك فإنها في عنقك وعنق ذريتك إلى يوم القيامة. { إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا } قال ابن عباس: ظلومًا لنفسه جهولا بأمر الله وما احتمل من الأمانة.\rوقال الكلبي: ظلومًا حين عصى ربه، جهولا لا يدري ما العقاب في ترك الأمانة. وقال مقاتل: ظلومًا لنفسه جهولا بعاقبة ما تحمل.\rوذكر الزجاج وغيره من أهل المعاني، في قوله وحملها الإنسان قولان، فقالوا: إن الله ائتمن آدم وأولاده على شيء وائتمن السموات والأرض والجبال على شيء، فالأمانة في حق بني آدم ما ذكرنا في الطاعة والقيام بالفرائض، والأمانة في حق السموات والأرض والجبال هي الخضوع والطاعة لما خلقهن له. وقيل: قوله: { فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا } أي: أدين الأمانة، يقال: فلان لم يتحمل الأمانة أي: لم يخن فيها وحملها الإنسان أي: خان فيها، يقال: فلان حمل الأمانة أي: أثم فيها بالخيانة.\r__________\r(1) انظر: ابن كثير: 3 / 523-524.","part":6,"page":381},{"id":2535,"text":"قال الله تعالى: \"وليحملن أثقالهم\" (العنكبوت-13) ، إنه كان ظلومًا جهولا. حكى عن الحسن على هذا التأويل: أنّه قال وحملها الإنسان يعني الكافر والمنافق، حملا الأمانة أي: خانا. وقول السلف ما ذكرنا.\r{ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (73) }\rقوله عز وجل: { لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ } قال: مقاتل: ليعذبهم بما خانوا الأمانة ونقضوا الميثاق، { وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } يهديهم ويرحمهم بما أدوا من الأمانة.\rوقال ابن قتيبة: أي: عرضنا الأمانة ليظهر نفاق المنافق وشرك المشرك فيعذبهما الله، ويظهر إيمان المؤمن فيتوب الله عليه، أي: يعود عليه بالرحمة والمغفرة إن حصل منه تقصير في بعض الطاعات.","part":6,"page":382},{"id":2536,"text":"سورة سبأ مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (2) }\r{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ } ملكًا وخلقًا، { وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ } كما هو له في الدنيا، لأن النعم في الدارين كلها منه.\rوقيل: الحمد لله في الآخرة هو حمد أهل الجنة كما قال الله تعالى: \"وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن\" (فاطر-34) ، و\"الحمد لله الذي صدقنا وعده\" (الزمر-74) . { وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ } { يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ } أي: يدخل فيها من الماء والأموات، { وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا } من النبات والأموات إذا حشروا، { وَمَا يَنزلُ مِنَ السَّمَاءِ } من الأمطار، { وَمَا يَعْرُجُ } يصعد، { فِيهَا } من الملائكة وأعمال العباد، { وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ }\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنه قال: نزلت سورة سبأ بمكة. وأخرج ابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال: سورة سبأ مكية. وانظر: الدر المنثور: 6 / 673.","part":6,"page":383},{"id":2537,"text":"{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (5) وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (6) }\r{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ } قرأ أهل المدينة والشام: \"عالمُ\" بالرفع على الاستئناف، وقرأ الآخرون بالجر على نعت الرب، أي: وربيّ عالم الغيب، وقرأ حمزة والكسائي: \"عَلامِ\" على وزن فعال، وجر الميم. { لا يَعْزُبُ } لا يغيب، (1) { عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ } وزن ذرة { فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ } أي: من الذرة، { وَلا أَكْبَرَ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ } يعني: الذين آمنوا، { لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } حسن، يعني: في الجنة. { وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ } يحسبون أنهم يفوتوننا، { أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ } قرأ ابن كثير وحفص ويعقوب: \"أليمٌ\" بالرفع هاهنا وفي الجاثية على نعت العذاب، [وقرأ الآخرون بالخفض على نعت الرجز، وقال قتادة: الرجز سوء العذاب]. (2) { وَيَرَى الَّذِينَ } [أي: ويرى الذين]، (3) { أُوتُوا الْعِلْمَ } يعني: مؤمني أهل الكتاب: عبد الله ابن سلام وأصحابه. وقال قتادة: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، { الَّذِي أُنزلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ } يعني: القرآن، { وَهُوَ الْحَقُّ } يعني: أنه من عند الله، { وَيَهْدِي } يعني: القرآن، { إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } وهو الإسلام.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) ساقط من \"ب\".","part":6,"page":386},{"id":2538,"text":"{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7) }","part":6,"page":387},{"id":2539,"text":"{ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ (8) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (9) وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) }\r{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا } منكرين للبعث متعجبين منه: { هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ } يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم، { إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ } قطعتم كل تقطيع وفرقتم كل تفريق وصرتم ترابا { إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } يقول لكم: إنكم لفي خلق جديد. { أَافْتَرَى } ألف استفهام دخلت على ألف الوصل ولذلك نصبت، { عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ } يقولون: أزعم كذبا أم به جنون؟.\rقال الله تعالى ردا عليهم: { بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ } من الحق في الدنيا. { أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ } فيعلموا أنهم حيث كانوا فإن أرضي وسمائي محيطة بهم لا يخرجون من أقطارها، وأنا القادر عليهم، { إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ } قرأ الكسائي: \"نخسف بهم\" بإدغام الفاء في الباء، { أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ } قرأ حمزة والكسائي: \"إن يشأ يخسف أو يسقط\"، بالياء فيهن لذكر الله من قبل، وقرأ الآخرون بالنون فيهن، { إِنَّ فِي ذَلِكَ } أي: فيما ترون من السماء والأرض، { لآيَةً } تدل على قدرتنا على البعث، { لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ } تائب راجع إلى الله بقلبه. قوله عز وجل: { وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلا } يعني النبوة والكتاب، وقيل: الملك. وقيل: جميع ما أوتي من حسن الصوت وتليين الحديد وغير ذلك مما خص به، { يَا جِبَالُ } أي: وقلنا يا جبال، { أَوِّبِي } أي: سبحي، { مَعَهُ } إذا سبح، وقيل: هو تفعيل من الإياب وهو الرجوع، أي: رجِّعي معه وقال القتيبي: أصله من التأويب في السير، وهو أن يسير النهار كله وينزل ليلا كأنه قال أوِّبي النهار كله بالتسبيح معه. وقال وهب: نوحي معه.","part":6,"page":387},{"id":2540,"text":"{ وَالطَّيْرَ } عطف على موضع الجبال، لأن كل منادى في موضع النصب. وقيل: معناه: وسخرنا وأمرنا الطير أن تسبح معه، وقرأ يعقوب: \"والطّيرُ\" بالرفع ردا على الجبال، أي: أوبي أنت والطير. وكان داود إذا نادى بالناحية أجابته الجبال بصداها وعكفت الطير عليه من فوقه، فصدى الجبال الذي يسمعه الناس اليوم من ذلك.\rوقيل: كان داود إذا تخلل الجبال فسبح الله جعلت الجبال تجاوبه بالتسبيح نحو ما يسبح.\rوقيل: كان داود عليه السلام إذا لحقه فتور أسمعه الله تسبيح الجبال تنشيطا له. (1) { وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ } حتى 87/أ كان الحديد في يده كالشمع والعجين يعمل منه ما يشاء من غير نار ولا ضرب مطرقة.\rوكان سبب ذلك على ما روي في الأخبار: أن داود عليه السلام لما ملك بني إسرائيل كان من عادته أن يخرج للناس متنكرا، فإذا رأى رجلا لا يعرفه تقدم إليه وسأله عن داود ويقول له: ما تقول في داود وإليكم هذا أي رجل هو؟ فيثنون عليه، ويقولون خيرا، فقيض الله له ملكا في صورة آدمي، فلما رآه داود تقدم إليه على عادته فسأله، فقال الملك: نعم الرجل هو لولا خصلة فيه، فراع داود ذلك وقال: ما هي يا عبد الله؟ قال: إنه يأكل ويطعم عياله من بيت المال، قال فتنبه لذلك وسأل الله أن يسبب له سببا يستغني به عن بيت المال، فيتقوت منه ويطعم عياله، فألان الله تعالى له الحديد وعلمه صنعة الدرع، وإنه أول من اتخذها. (2) ويقال: إنه كان يبيع كل درع بأربعة آلاف درهم، فيأكل ويطعم منها عياله ويتصدق منها على الفقراء والمساكين.\rويقال إنه كان يعمل كل يوم درعا يبيعها بستة آلاف درهم، فينفق ألفين منها على نفسه وعياله، ويتصدق بأربعة آلاف على فقراء بني إسرائيل، (3) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"كان داود عليه السلام لا يأكل إلا من عمل يده\". (4)\r{ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11) }\r{ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ } دروعا كوامل واسعات طوالا تسحب في الأرض، { وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ } والسرد نسج الدروع، يقال لصانعه: السراد والزراد، يقول: قدر المسامير في حلق الدرع\r__________\r(1) انظر: القرطبي 14 / 365-266.\r(2) ذكره ابن كثير: 3 / 528.\r(3) أخرجه ابن كثير: 3 / 528، والسيوطي في الدر المنثور: 6 / 676 وهو ضعيف.\r(4) قطعة من حديث أخرجه البخاري في البيوع، باب: كسب الرجل وعمله بيده: 4 / 303، والمصنف في شرح السنة: 8 / 6.","part":6,"page":388},{"id":2541,"text":"أي: لا تجعل المسامير دقاقا فتفلت ولا غلاظا فتكسر الحلق، ويقال: \"السرد\" المسمار في الحلقة، يقال: درع مسرودة أي: مسمورة الحلق، وقدر في السرد اجعله على القصد وقدر الحاجة، { وَاعْمَلُوا صَالِحًا } يريد: داود وآله، { إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }\r{ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) }\r{ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ } أي: وسخرنا لسليمان الريح، وقرأ أبو بكر عن عاصم: الريح بالرفع أي: له تسخير الريح، { غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ } أي: سير غدو تلك الريح المسخرة له مسيرة شهر، وسير رواحها مسيرة شهر، وكانت تسير به في يوم واحد مسيرة شهرين.\rقال الحسن: كان يغدو من دمشق فيقيل باصطخر وبينهما مسيرة شهر، ثم يروح من اصطخر فيبيت بكابل وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع. وقيل: إنه كان يتغذى بالري ويتعشى بسمرقند. (1)\r{ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ } أي: أذبنا له عين النحاس، و\"القطر\": النحاس.\rقال أهل التفسير: أجريت له عين النحاس ثلاثة أيام بلياليهن كجري الماء، وكان بأرض اليمن، وإنما ينتفع الناس اليوم بما أخرج الله لسليمان. (2)\r{ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ } بأمر ربه، قال ابن عباس: سخر الله الجن لسليمان وأمرهم بطاعته فيما يأمرهم به، { وَمَنْ يَزِغْ } أي: يعدل، { مِنْهُمْ } من الجن، { عَنْ أَمْرِنَا } الذي أمرنا به من طاعة سليمان، { نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ } في الآخرة، وقال بعضهم: في الدنيا وذلك أن الله عز وجل وكل بهم ملكا بيده سوط من نار فمن زاغ منهم عن أمر سليمان ضربه ضربة أحرقته. { يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ } أي: مساجد، والأبنية المرتفعة، وكان مما عملوا له بيت المقدس ابتدأه داود ورفعه قدر قامة رجل، فأوحى الله إليه إني لم أقض ذلك على يدك ولكن ابن\r__________\r(1) انظر فيما سبق تفسير سورة الأنبياء.\r(2) هذا القول ملفق من روايتين ذكرهما ابن كثير: 3 / 529، السيوطي في الدر المنثور: 6 / 678.","part":6,"page":389},{"id":2542,"text":"لك أملكه بعدك اسمه سليمان أقضي تمامه على يده، فلما توفاه الله استخلف سليمان فأحب إتمام بناء بيت المقدس، فجمع الجن والشياطين وقسم عليهم الأعمال فخص كل طائفة منهم بعمل يستخلصها له، فأرسل الجن والشياطين في تحصيل الرخام والمها الأبيض من معادنه، وأمر ببناء المدينة بالرخام والصفاح، وجعلها اثنى عشر ربضا، وأنزل كل ربض منها سبطا من الأسباط، وكانوا اثنى عشر سبطا، فلما فرغ من بناء المدينة ابتدأ في بناء المسجد فوجه (1) الشياطين فرقا فرقا يستخرجون الذهب والفضة والياقوت من معادنها والدر الصافي من البحر، وفرقا يقلعون الجواهر والحجارة من أماكنها، وفرقا يأتونه بالمسك والعنبر وسائر الطيب من أماكنها، فأتى من ذلك بشيء لا يحصيه إلا الله عز وجل، ثم أحضر الصناعين وأمرهم بنحت تلك الحجارة المرتفعة وتصييرها ألواحا وإصلاح تلك الجواهر وثقب اليواقيت واللآلىء، فبنى المسجد بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر وعمده بأساطين المها الصافي وسقفه بألواح الجواهر الثمينة وفصص سقوفه وحيطانه باللآلىء واليواقيت وسائر الجواهر، وبسط أرضه بألواح الفيروزج فلم يكن يومئذ في الأرض بيت أبهى ولا أنور من ذلك المسجد، وكان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر، فلما فرغ منه جمع إليه أحبار بني إسرائيل فأعلمهم أنه بناه لله عز وجل، وأن كل شيء فيه خالص لله، واتخذ ذلك اليوم الذي فرغ منه عيدا.\rوروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"لما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس سأل ربه ثلاثا فأعطاه اثنين، وأنا أرجو أن يكون أعطاه الثالثة، سأل حكما يصادف حكمه، فأعطاه إياه وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه إياه، وسأله أن لا يأتي هذا البيت أحد يصلي فيه ركعتين إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وأنا أرجو أن يكون. قد أعطاه ذلك\". (2) .\rقالوا: فلم يزل بيت المقدس على ما بناه سليمان حتى غزاه بختنصر فخرب المدينة وهدمها ونقض المسجد، وأخذ ما كان في سقوفه وحيطانه من الذهب والفضة والدر والياقوت وسائر الجواهر، فحمله إلى دار مملكته من أرض العراق، وبنى الشياطين لسليمان باليمن حصونا كثيرة [عجيبة] (3) من الصخر.\r__________\r(1) في \"ب\" مفرق.\r(2) أخرجه ابن ماجه في الإقامة، باب: ما جاء في الصلاة في مسجد بيت المقدس: 1 / 452 قال: (وأن لا يأتي هذا المسجد) في الزوائد: اقتصر أبو داود على طرفه الأول من هذا الوجه دون هذه الزيادة. ورواه النسائي في الصغرى من هذا الوجه عن عمرو بن منصور، عن أبي مسهر عن سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن بريد، عن أبي إدريس الخولاني عن ابن الديلمي به. وإسناد طريق ابن ماجه ضعيف، لأن عبيد الله بن الجهم لا يعرف حاله، وأيوب بن سويد متفق على ضعفه.\r(3) زيادة من \"ب\".","part":6,"page":390},{"id":2543,"text":"قوله عز وجل: { وَتَمَاثِيلَ } أي: كانوا يعملون له تماثيل، أي: صورا من نحاس وصفر وشبة وزجاج ورخام. وقيل: كانوا يصورون السباع والطيور. وقيل: كانوا يتخذون صور الملائكة والأنبياء والصالحين في المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة، ولعلها كانت مباحة في شريعتهم، كما أن عيسى كان يتخذ صورا من الطين فينفخ فيها فتكون طيرا [بإذن الله]. (1)\r{ وَجِفَانٍ } أي: قصاع واحدتها جفنة، 87/ب { كَالْجَوَابِ } كالحياض التي يجبى فيها الماء، أي: يجمع، واحدتها جابية، يقال: كان يقعد على الجفنة الواحدة ألف رجل يأكلون منها { وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ } ثابتات لها قوائم لا يحركن عن أماكنها لعظمهن، ولا ينزلن ولا يعطلنَّ، وكان يصعد عليها بالسلالم، وكانت باليمن.\r{ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا } أي: وقلنا اعملوا آل داود شكرا، مجازه: اعملوا يا آل داود بطاعة الله شكرًا له على نعمه.\r{ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } أي: العامل بطاعتي شكرًا لنعمتي.\rقيل: المراد من \"آل داود\" هو داود نفسه. وقيل: داود وسليمان وأهل بيته.\rوقال جعفر بن سليمان: سمعت ثابتًا يقول: كان داود نبي الله عليه السلام قد جزأ ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن تأتي ساعة من ساعات الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي. (2)\r{ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14) }\r{ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ } أي: على سليمان.\rقال أهل العلم: كان سليمان عليه السلام يتجرد في بيت المقدس السنة والسنتين، والشهر والشهرين، وأقل من ذلك وأكثر يدخل فيه طعامه وشرابه، فأدخله في المرة التي مات فيها، وكان بدء ذلك أنه كان لا يصبح يومًا إلا نبتت في محراب بيت المقدس شجرة، فيسألها: ما اسمك؟ فتقول: اسمي كذا، فيقول: لأي شيء أنت؟ فتقول: لكذا وكذا، فيأمر بها فتقطع، فإن كانت نبتت لغرس غرسها، وإن كانت لدواء كتب، حتى نبتت الخروبة، فقال لها: ما أنت؟ قالت: الخروبة، قال: لأي شيء نبت؟ قالت: لخراب مسجدك، فقال سليمان: ما كان الله ليخربه وأنا حي، أنت التي على\r__________\r(1) زيادة ليست في الأصل.\r(2) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 680 لابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن ثابت البناني.","part":6,"page":391},{"id":2544,"text":"وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس! فنزعها وغرسها في حائط له، ثم قال: اللهم عم على الجن موتي حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، وكانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون من الغيب أشياء ويعلمون ما في غد، ثم دخل المحراب فقام يصلي متكئًا على عصاه فمات قائمًا وكان للمحراب كوى بين يديه وخلفه، فكانت الجن يعملون تلك الأعمال الشاقة التي كانوا يعملون في حياته، وينظرون إليه يحسبون أنه حي، ولا ينكرون احتباسه عن الخروج إلى الناس لطول صلاته قبل ذلك، فمكثوا يدأبون له بعد موته حولا كاملا حتى أكلت الأرضة عصا سليمان، فخر ميتًا فعلموا بموته. (1)\rقال ابن عباس: فشكرت الجن الأرضة فهم يأتونها بالماء والطين في جوف الخشب، (2) فذلك قوله: { مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأرْضِ } وهي الأرضة { تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ } يعني: عصاه، قرأ أهل المدينة، وأبو عمرو: \"منساته\" بغير همز، وقرأ الباقون بالهمز، وهما لغتان، ويسكن ابن عامر الهمز، وأصلها من: نسأت الغنم، أي: زجرتها وسقتها، ومنه: نسأ الله في أجله، أي: أخره.\r{ فَلَمَّا خَرَّ } أي: سقط على الأرض، { تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ } أي: علمت الجن وأيقنت، { أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ } أي: في التعب والشقاء مسخرين لسليمان وهو ميت يظنونه حيًا، أراد الله بذلك أن يعلم الجن أنهم لا يعلمون الغيب، لأنهم كانوا يظنون أنهم يعلمون الغيب، لغلبة الجهل. وذكر الأزهري: أن معنى \"تبينت الجن\"، أي: ظهرت وانكشفت الجن للإنس، أي: ظهر أمرهم أنهم لا يعلمون الغيب، لأنهم كانوا قد شبهوا على الإنس ذلك، وفي قراءة ابن مسعود، وابن عباس: تبينت الإنس أن لو كان الجن يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين، أي: علمت الإنس وأيقنت ذلك.\rوقرأ يعقوب: \"تبينت\" بضم التاء وكسر الياء [أي: أعلمت الإنس الجن، ذكر بلفظ ما لم يسم فاعله، \"وتبين\" لازم ومتعد]. (3)\rوذكر أهل التاريخ أن سليمان كان عمره ثلاثًا وخمسين سنة، ومدة ملكه أربعون سنة، وملك يوم ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وابتدأ في بناء بيت المقدس لأربع سنين مضين من ملكه.\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 22 / 75، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 682-683 لابن أبي حاتم. قال ابن كثير: 3 / 530: \"وفي رفعه غرابة ونكارة والأقرب أن يكون موقوفا وعطاء بن أبي مسلم الخراساني له غرابات، وفي بعض حديثه نكارة\".\r(2) ذكره ابن كثير: 3 / 531 وقال: \"وهذا الأثر والله أعلم إنما هو مما تلقي من علماء أهل الكتاب وهي وقف لا يصدق منه إلا ما وافق الحق ولا يكذب منها إلا ما خالف الحق، والباقي لا يصدق ولا يكذب\".\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":6,"page":392},{"id":2545,"text":"{ لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) }\rقوله عز وجل: { لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ } روى أبو سبرة النخعي عن فروة بن مسيك العطيفي، قال: قال رجل: يا رسول الله أخبرني عن سبأ كان رجلا أو امرأة أو أرضا؟ قال: \"كان رجلا من العرب وله عشرة من الولد، تيامن منهم ستة، وتشاءم أربعة، فأما الذين تيامنوا: فكندة، والأشعريون، وأزد، ومذحج، وأنمار، وحمير، فقال رجل: وما أنمار؟ قال الذين منهم خثعم وبجيلة: وأما الذين تشاءموا: فعاملة، وجذام، ولخم، وغسان، وسبأ هو ابن يشجب بن يعرب بن قحطان\". (1)\r{ فِي مَسْكَنِهِمْ } قرأ حمزة، وحفص: \"مسكنهم\" بفتح الكاف، على الواحد، وقرأ الكسائي بكسر الكاف، وقرأ الآخرون: \"مساكنهم\" على الجمع، وكانت مساكنهم بمأرب من اليمن، { آيَةٌ } دلالة على وحدانيتنا وقدرتنا، ثم فسر الآية فقال: { جَنَّتَانِ } أي: هي جنتان بستانان، { عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ } أي: عن يمين الوادي وشماله. وقيل: عن يمين من أتاهم وشماله، وكان لهم واد قيل أحاطت الجنتان بذلك الوادي { كُلُوا } أي: وقيل لهم كلوا، { مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ } يعني: من ثمار الجنتين، قال السدي ومقاتل: كانت المرأة تحمل مكتلها على رأسها وتمر بالجنتين فيمتلىء مكتلها من أنواع الفواكه من غير أن تمس شيئا بيدها، (2) { وَاشْكُرُوا لَهُ } أي: على ما رزقكم من النعمة، والمعنى: اعملوا بطاعته، { بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ } أي: أرض سبأ بلدة طيبة ليست بسبخة، قال ابن زيد: لم يكن يرى في بلدتهم بعوضة ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية، وكان الرجل يمر ببلدهم وفي ثيابه القمل فيموت القمل كله من طيب الهواء، (3) فذلك قوله تعالى: { بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ } أي: طيبة الهواء، { وَرَبٌّ غَفُورٌ } قال مقاتل: وربكم إن شكرتموه فيما رزقكم رب غفور للذنوب. { فَأَعْرَضُوا } قال وهب: فأرسل الله إلى سبأ ثلاثةً عشر نبيًا فدعوهم إلى الله وذكروهم نعمه عليهم وأنذروهم عقابه فكذبوهم، وقالوا: ما نعرف لله عز وجل علينا نعمة فقولوا لربكم\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الحروف: 6 / 8 مختصرا، والترمذي في التفسير: 9 / 88-89 وقال: \"هذا حديث غريب حسن\" والحاكم: 2 / 224، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 686-687 أيضا لعبد بن حميد والبخاري في التاريخ وابن المنذر وابن مردويه. وانظر: مجمع الزوائد: 7 / 940.\r(2) أخرجه الطبري: 22 / 77 لكن عن قتادة، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 687 لعبد بن حميد عن قتادة أيضا.\r(3) أخرجه الطبري: 22 / 77، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 687 لابن أبي حاتم.","part":6,"page":393},{"id":2546,"text":"فليحبس هذه النعم عنا إن استطاع، (1) فذلك قوله تعالى: { فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ } 88/أ و\"العرم\": جمع عرمة، وهي السكر الذي يحبس به الماء.\rوقال ابن الأعرابي: \"العرم\" السيل الذي لا يطاق، وقيل: كان ماء أحمر، أرسله الله عليهم من حيث شاء، وقيل: \"العرم\": الوادي، وأصله من العرامة، وهي الشدة والقوة.\rوقال ابن عباس، ووهب، وغيرهما: كان ذلك السد بنته بلقيس، وذلك أنهم كانوا يقتتلون على ماء واديهم، فأمرت بواديهم فسد بالعرم، وهو المسناة بلغة حمير، فسدت بين الجبلين بالصخر والقار وجعلت له أبوابًا ثلاثة بعضها فوق بعض، وبنت من دونه بركة ضخمة وجعلت فيها اثني عشر مخرجًا على عدة أنهارهم يفتحونها إذا احتاجوا إلى الماء، وإذا استغنوا سدوها، فإذا جاء المطر اجتمع إليه ماء أودية اليمن، فاحتبس السيل من وراء السد فأمرت بالباب الأعلى ففتح فجرى ماؤه في البركة، فكانوا يسقون من الباب الأعلى ثم من الثاني ثم من الثالث الأسفل فلا ينفذ الماء حتى يثوب الماء من السنة المقبلة فكانت تقسمه بينهم على ذلك، فبقوا على ذلك بعدها مدة فلما طغوا وكفروا سلط الله عليهم جرذًا يسمى الخلد فنقب السد من أسفله فغرق الماء جناتهم وخرب أرضهم. (2)\rقال وهب: وكان مما يزعمون ويجدون في علمهم وكهانتهم أنه يخرب سدهم فأرة، فلم يتركوا فرجة بين حجرين إلا ربطوا عندها هرة فلما جاء زمانه وما أراد الله عز وجل بهم من التغريق أقبلت فيما يذكرون فأرة حمراء كبيرة إلى هرة من تلك الهرر فساورتها حتى استأخرت عنها الهرة، فدخلت في الفرجة التي كانت عندها فتغلغلت في السد فثقبت وحفرت حتى أوهنته للسيل، وهم لا يدرون بذلك فلما جاء السيل وجد خللا فدخل فيه حتى قطع السد، وفاض على أموالهم فغرقها ودفن بيوتهم الرمل، ففرقوا وتمزقوا حتى صاروا مثلا عند العرب، يقولون: صار بنو فلان أيدي سبأ وأيادي سبأ، أي: تفرقوا وتبددوا، فذلك قوله تعالى: { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ } (3)\r{ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ } قرأ العامة بالتنوين، وقرأ أهل البصرة: \"أكل خمط\" بالإضافة، الأكل: الثمر، والخمط: الأراك وثمره يقال له: البرير، هذا قول أكثر المفسرين.\rوقال المبرد والزجاج: كل نبت قد أخذ طعمًا من المرارة حتى لا يمكن أكله فهو خمط. (4)\r__________\r(1) ذكره الطبري: 22 / 78.\r(2) ذكره الطبري: 22 / 79.\r(3) أخرج الطبري جزءا منه: 22 / 79.\r(4) انظر: لسان العرب مادة (خمط) 7 / 296.","part":6,"page":394},{"id":2547,"text":"وقال ابن الأعرابي: الخمط: ثمر شجرة يقال له فسوة الضبع، على صورة الخشخاش يتفرك ولا ينتفع به، فمن جعل الخمط اسمًا للمأكول فالتنوين في \"أكل\" حسن، ومن جعله أصلا وجعل الأكل ثمرة فالإضافة فيه ظاهرة، والتنوين سائغ، تقول العرب: في بستان فلان أعناب كرم، يترجم الأعناب بالكرم لأنها منه.\r{ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ } فالأثل هو الطرفاء، وقيل: هو شجر يشبه الطرفاء إلا أنه أعظم منه، والسدر شجر معروف، وهو شجر النبق ينتفع بورقه لغسل الرأس ويغرس في البساتين، ولم يكن هذا من ذلك، بل كان سدرًا بريا لا ينتفع به ولا يصلح ورقة لشيء.\rقال قتادة: كان شجر القوم من خير الشجر فصيره الله من شر الشجر بأعمالهم.\r{ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ (17) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (18) }\r{ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا } أي: ذلك الذي فعلنا بهم جزيناهم بكفرهم، { وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ } قرأ حمزة، والكسائي، وحفص، ويعقوب: \"وهل نجازي\" بالنون وكسر الزاي، \"الكفور\" نصب لقوله: \"ذلك جزيناهم\"، وقرأ الآخرون بالياء وفتح الزاي، \"الكفور\" رفع، أي: وهل يجازي مثل هذا الجزاء إلا الكفور.\rوقال مجاهد: يجازي أي: يعاقب. ويقال في العقوبة: يجازي، وفي المثوبة يجزي.\rقال مقاتل: هل يكافأ بعمله السيء إلا الكفور لله في نعمه.\rقال الفراء: المؤمن يجزى ولا يجازى، أي: يجزى للثواب بعمله ولا يكافأ بسيئاته. { وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا } بالماء والشجر، هي قرى الشام، { قُرًى ظَاهِرَةً } متواصلة تظهر الثانية من الأولى لقربها منها، وكان متجرهم من اليمن إلى الشام فكانوا يبيتون بقرية ويقيلون بأخرى وكانوا لا يحتاجون إلى حمل زاد من سبأ إلى الشام.\rوقيل: كانت قراهم أربعة آلاف وسبعمائة قرية متصلة من سبأ إلى الشام.\r{ وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ } أي: قدرنا سيرهم بين هذه القرى، وكان مسيرهم في الغدو والرواح على قدر نصف يوم، [فإذا ساروا نصف يوم] (1) وصلوا إلى قرية ذات مياه وأشجار.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":6,"page":395},{"id":2548,"text":"وقال قتادة: كانت المرأة تخرج ومعها مغزلها، وعلى رأسها مكتلها فتمتهن بمغزلها فلا تأتي بيتها حتى يمتلىء مكتلها من الثمار، وكان ما بين اليمن والشام كذلك. (1)\r{ سِيرُوا فِيهَا } أي: وقلنا لهم سيروا فيها، وقيل: هو أمر بمعنى الخبر أي: مكناهم من السير فكانوا يسيرون فيها، { لَيَالِيَ وَأَيَّامًا } أي: بالليالي والأيام أي وقت شئتم، { آمِنِينَ } لا تخافون عدوًا ولا جوعًا ولا عطشًا، فبطروا وطغوا ولم يصيروا على العافية، وقالوا: لو كانت جناتنا أبعد مما هي كان أجدر أن نشتهيه.\r{ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) }\r{ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا } فاجعل بيننا وبين الشام فلوات ومفاوز لنركب فيها الرواحل ونتزود الأزواد، فعجل الله لهم الإجابة. وقال مجاهد: بطروا النعمة وسئموا الراحة.\rقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: بعد بالتشديد من التبعيد، وقرأ الآخرون: باعد، بالألف، وكل على وجه الدعاء والسؤال، وقرأ يعقوب: \"ربنا\" برفع الباء، \"باعد\" بفتح العين والدال على الخبر، كأنهم استبعدوا أسفارهم القريبة بطروا وأشروا.\r{ وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ } بالبطر والطغيان. { فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ } عبرة لمن بعدهم يتحدثون بأمرهم وشأنهم، { وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ } فرقناهم في كل وجه من البلاد كل التفريق. قال الشعبي: لما غرقت قراهم تفرقوا في البلاد، أما غسان فلحقوا بالشام ومر الأزد إلى عمان، وخزاعة إلى تهامة، ومر آل خزيمة إلى العراق، والأوس والخزرج إلى يثرب، وكان الذي قدم منهم المدينة عمرو بن عامر، وهو جد الأوس والخزرج.\r{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ } لعبرًا ودلالات، { لِكُلِّ صَبَّارٍ } عن معاصي الله، { شَكُورٍ } لأنعمه، قال مقاتل: يعني 88/ب المؤمن من هذه الأمة صبور على البلاء شاكر للنعماء. قال مطرف: هو المؤمن إذا أعطي شكر وإذا ابتلي صبر. قوله عز وجل: { وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ } قرأ أهل الكوفة: \"صدق\" بالتشديد أي: ظن فيهم ظنًا حيث قال: \"فبعزتك لأغوينهم أجمعين\" (ص 82) ، \"ولا تجد أكثرهم شاكرين\" (الأعراف 17)\r__________\r(1) انظر فيما سبق قوله تعالى: كلوا من رزق ربكم.","part":6,"page":396},{"id":2549,"text":"فصدق ظنه وحققه بفعله ذلك بهم واتباعهم إياه، وقرأ الآخرون بالتخفيف، أي: صدق عليهم في ظنه بهم، أي: على أهل سبأ. وقال مجاهد: على الناس كلهم إلا من أطاع الله، { فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } قال السدي عن ابن عباس: يعني المؤمنين كلهم لأن المؤمنين لم يتبعوه في أصل الدين، وقد قال الله تعالى: \"إن عبادي ليس لك عليهم سلطان\" (الحجر-42) ، يعني: المؤمنين. وقيل: هو خاص بالمؤمنين الذين يطيعون الله ولا يعصونه.\rقال ابن قتيبة: إن إبليس لما سأل النظرة فأنظره الله، قال لأغوينهم ولأضلنهم، لم يكن مستيقنًا وقت هذه المقالة أن ما قاله فيهم يتم وإنما قاله ظنًا، فلما اتبعوه وأطاعوه صدق عليهم ما ظنه فيهم.\rقال الحسن: إنه لم يسل عليهم سيفًا ولا ضربهم بسوط وإنما وعدهم ومناهم فاغتروا. (1)\r{ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22) }\r__________\r(1) انظر: ابن كثير: 3 / 536، الدر المنثور: 6 / 695-696.","part":6,"page":397},{"id":2550,"text":"{ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (23) }\rقال الله تعالى: { وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ } أي: ما كان تسليطنا إياه عليهم، { إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ } أي: إلا لنعلم، لنرى ونميز المؤمن من الكافر، وأراد علم الوقوع والظهور، وقد كان معلومًا عنده بالغيب، { وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ } رقيب. { قَلْ } يا محمد لكفار مكة، { ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ } أنهم آلهة، { مِنْ دُونِ اللَّهِ } وفي الآية حذف، أي: ادعوهم ليكشفوا الضر الذي نزل بكم في سني الجوع، ثم وصفها فقال: { لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ } من خير وشر ونفع وضر { وَمَا لَهُمْ } أي: للآلهة، { فِيهِمَا } في السموات والأرض، { مِنْ شِرْكٍ } شركة، { وَمَا لَهُ } أي: وما لله، { مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ } عون. { وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } الله في الشفاعة، قاله تكذيبًا لهم حيث قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ويجوز أن يكون المعنى إلا لمن أذن الله في أن يشفع له، وقرأ أبو عمرو","part":6,"page":397},{"id":2551,"text":"وحمزة والكسائي: { أذن } بضم الهمزة.\r{ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ } قرأ ابن عامر، ويعقوب بفتح الفاء والزاي، وقرأ الآخرون بضم الفاء وكسر الزاي أي: كشف الفزع وأخرج عن قلوبهم، فالتفريغ إزالة الفزع كالتمريض والتفريد.\rواختلفوا في الموصوفين بهذه الصفة، فقال قوم: هم الملائكة، ثم اختلفوا في ذلك السبب فقال بعضهم: إنما يفزع عن قلوبهم من غشية تصيبهم عند سماع كلام الله عز وجل. وروينا عن أبي هريرة أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم { قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } (1)\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، قال: أنبأني محمد بن الفضل بن محمد، أخبرنا أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، أخبرنا زكريا بن يحيى بن أبان المصري، أخبرنا نعيم بن حماد، أخبرنا أبو الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي زكريا، عن رجاء بن حيوة، عن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إذا أراد الله أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السموات منه رجفة أو قال: رعدة شديدة خوفًا من الله تعالى، فإذا سمع بذلك أهل السموات صعقوا وخروا لله سجدًا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العلي الكبير، قال فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي حيث أمره الله\". (2)\rوقال بعضهم إنما يفزعون حذرًا من قيام الساعة.\rقال مقاتل والكلبي والسدي: كانت الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام، خمسمائة وخمسين سنة، وقيل ستمائة سنة لم تسمع الملائكة فيها وحيًا، فلما بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم بالرسالة فلما سمعت الملائكة ظنوا أنها الساعة، لأن محمدًا صلى الله عليه وسلم عند أهل السموات من أشراط الساعة، فصعقوا مما سمعوا خوفًا من قيام الساعة، فلما انحدر جبريل جعل يمر بأهل كل سماء فيكشف عنهم فيرفعون رؤوسهم ويقول بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم؟ قالوا: قال الحق، (3) يعني الوحي، وهو العلي الكبير.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير- تفسير سورة الحجر- 8 / 380.\r(2) أخرجه الطبري: 22 / 91، وابن خزيمة في \"التوحيد وإثبات الصفات\" ص (95)، الطبعة المنيرية، والبيهقي في الأسماء والصفات: 1 / 326 وابن أبي عاصم في السنة: 1 / 227، وقال الهيثمي في المجمع: 7 / 95 \"رواه الطبراني عن شيخه يحيى بن عثمان ابن صالح، وقد وثق، وتكلم فيه من لم يسم بغير قادح معين، وبقية رجاله ثقات\"، وضعفه الألباني في \"ظلال الجنة\": 1 / 227.\r(3) انظر: ابن كثير: 3 / 538، زاد المسير: 6 / 453.","part":6,"page":398},{"id":2552,"text":"وقال جماعة: الموصوفون بذلك المشركون.\rقال الحسن وابن زيد: حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين عند نزول الموت بهم إقامة للحجة عليهم قالت لهم الملائكة ماذا قال ربكم في الدنيا؟ قالوا: الحق، فأقروا به حين لا ينفعهم الإقرار. (1)\r{ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24) قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (28) }\rقوله تعالى: { قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ } فالرزق من السموات: المطر، ومن الأرض: النبات، { قُلِ اللَّهُ } أي: إن لم يقولوا رازقنا الله فقل أنت إن رازقكم هو الله، { وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } ليس هذا على طريق الشك ولكن على جهة الإنصاف في الحجاج، كما يقول القائل للآخر: أحدنا كاذب، وهو يعلم أنه صادق وصاحبه كاذب.\rوالمعنى: ما نحن وأنتم على أمر واحد بل أحد الفريقين مهتد والآخر ضال، فالنبي صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه على الهدى، ومن خالفه في ضلال، فكذبهم من غير أن يصرح بالتكذيب.\rوقال بعضهم: \"أو\" بمعنى الواو، والألف فيه صلة، كأنه قال: وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين، يعني: نحن على الهدى وأنتم في الضلال. { قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ } { قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا } يعني: يوم القيامة، { ثُمَّ يَفْتَحُ } يقضي، { بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ } { قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ } أي: أعلموني الذين ألحقتموهم به، أي: بالله، شركاء في العبادة معه هل يخلقون وهل يرزقون، { كَلا } لا يخلقون ولا يرزقون، { بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ } الغالب على أمره، { الْحَكِيمُ } في تدبيره لخلقه فأنى يكون له شريك في ملكه. قوله عز وجل: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ } يعني: للناس عامة أحمرهم وأسودهم، { بَشِيرًا وَنَذِيرًا } أي: مبشرًا ومنذرًا، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } وروينا عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم\r__________\r(1) انظر: زاد المسير: 6 / 453.","part":6,"page":399},{"id":2553,"text":"قال: \"كان النبي يبعث إلى قومه 89/أ خاصة وبعثت إلى الناس عامة\". (1)\rوقيل: كافة أي: كافًا يكفهم عما هم عليه من الكفر، والهاء للمبالغة.\r{ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (29) قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ (30) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31) }\r__________\r(1) قطعة من حديث أخرجه البخاري في التيمم: 1 / 435-436 وفي المساجد، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة برقم: (521) 1 / 370-371، والمصنف في شرح السنة: 13 / 196.","part":6,"page":400},{"id":2554,"text":"{ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (33) }\r{ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } يعني القيامة. { قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ } أي: لا تتقدمون عليه يعني يوم القيامة، وقال الضحاك: يوم الموت لا تتأخرون عنه ولا تتقدمون بأن يزاد في أجلكم أو ينقص منه. { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ } يعني: التوراة والإنجيل، { وَلَوْ تَرَى } يا محمد، { إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ } محبوسون، { عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ } يرد بعضهم إلى بعض القول في الجدال، { يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا } استحقروا وهم الأتباع، { لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا } وهم القادة والأشراف، { لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ } أي: أنتم منعتمونا عن الإيمان بالله ورسوله. { قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا } أجابهم المتبوعون في الكفر، { لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ } بترك الإيمان. { وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } أي: مكركم بنا في الليل","part":6,"page":400},{"id":2555,"text":"والنهار، والعرب تضيف الفعل إلى الليل والنهار على توسع الكلام؟ كما قال الشاعر: وَنِمْتُ وَمَا لَيْلُ المَطِيِّ بِنَائِمِ (1)\rوقيل: مكر الليل والنهار هو طول السلامة وطول الأمل فيهما، كقوله تعالى: \"فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم\" (الحديد-16) .\r{ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا } أظهروا { النَّدَامَةَ } وقيل: أخفوا، وهو من الأضداد، { لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا } في النار الأتباع والمتبوعين جميعا. { هَلْ يُجْزَوْنَ إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } من الكفر والمعاصي في الدنيا.\r{ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (36) }\r{ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا } رؤساؤها وأغنياؤها، { إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } { وَقَالُوا } يعني: قال المترفون للفقراء الذين آمنوا: { نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالا وَأَوْلادًا } ولو لم يكن الله راضيًا بما نحن عليه من الدين والعمل لم يخولنا الأموال والأولاد، { وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } أي: إن الله أحسن إلينا في الدنيا بالمال والولد فلا يعذبنا. { قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ } يعني: أن الله يبسط الرزق ويقدر ابتلاء وامتحانًا\r__________\r(1) هذا عجز بيت لجرير بن عطية الخطفي، الشاعر الإسلامي، وصدره:\rلقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ونمت\rوهو من شواهد الطبري أيضا (22 / 98)، استشهد به على أنك تقول: يا فلان نهارك صائم، وليلك قائم، فتسند الصيام والقيام إلى الليل والنهار، إسنادا مجازيا عقليا، والأصل فيه أن يسند الصيام والقيام للرجل لا للزمان، ذلك من باب التوسع المجازي، فالعلاقة هنا الزمانية... (من تعليق المحقق على الطبري). قال الفراء في معاني القرآن: (2 / 363): \"المكر ليس الليل ولا للنهار إنما المعنى: بل مكركم بالليل والنهار. وقد يجوز أن نضيف الفعل إلى الليل والنهار، ويكونا كالفاعلين، لأن العرب تقول: نهارك صائم وليلك قائم ثم تضيف الفعل إلى الليل والنهار، وهو في المعنى للآدميين، كما تقول العرب: نام ليلك، وعزم الأمر، إنما عزمه القوم. فهذا مما يعرف معناه، فتتسع به العرب\".","part":6,"page":401},{"id":2556,"text":"لا يدل البسط على رضا الله عنه ولا التضييق على سخطه، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } أنها كذلك.\r{ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (37) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (38) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39) }\r{ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى } أي: قربى، قال الأخفش: \"قربى\" اسم مصدر كأنه قال بالتي تقربكم عندنا تقريبًا، { إِلا مَنْ آمَنَ } يعني: لكن من آمن، { وَعَمِلَ صَالِحًا } قال ابن عباس: يريد إيمانه وعمله يقربه مني، { فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا } أي: يضعف الله لهم حسناتهم فيجزي بالحسنة الواحدة عشر إلى سبعمائة قرأ يعقوب: \"جزاء\" منصوبا منونا \"الضعف\" رفع، تقديره: فأولئك لهم الضعف جزاء، وقرأ العامة بالإضافة، { وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ } قرأ حمزة: \"في الغرفة\" على واحدة، وقرأ الآخرون بالجمع لقوله: \"لنبوأنهم من الجنة غرفا\" (العنكبوت-58) . { وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ } يعملون، { فِي آيَاتِنَا } في إبطال حجتنا، { مُعَاجِزِينَ } معاندين يحسبون أنهم يعجزوننا ويفوتوننا، { أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ } { قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ } أي: يعطي خلفه، قال سعيد بن جبير: ما كان في غير إسراف ولا تقتير فهو يخلفه.\rوقال الكلبي: ما تصدقتم من صدقة وأنفقتم في الخير من نفقة فهو يخلفه على المنفق، إما أن يعجله في الدنيا وإما أن يدخره له في الآخرة.\r{ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } خير من يعطي ويرزق.\rوروينا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن الله تعالى قال: أنفق أنفق عليك\". (1)\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التوحيد، باب: \"يريدون أن يبدلوا كلام الله\" 13 / 464، ومسلم في الزكاة، باب: الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف برقم: (993) 2 / 690-691، والمصنف في شرح السنة: 6 / 154.","part":6,"page":402},{"id":2557,"text":"أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إسماعيل، حدثنا أبي، عن سليمان هو ابن بلال، عن معاوية بن أبي مزرد، عن أبي الحبحاب، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفًا، ويقول الآخر اللهم أعط ممسكًا تلفا\". (1)\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، أخبرنا ابن أبي أويس، أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله\". (2)\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد ابن زنجويه، أخبرنا أبو الربيع، أخبرنا عبد الحميد بن الحسن الهلالي، أخبرنا محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"كل معروف صدقة وكل ما أنفق الرجل على نفسه وأهله كتب له صدقة، وما وقى الرجل به عرضه كتب له بها صدقة\"، قلت: ما يعني وقى الرجل عرضه؟ قال: \"ما أعطى الشاعر وذا اللسان للمتقى، وما أنفق المؤمن من نفقة فعلى الله خلفها ضامنا إلا ما كان من نفقة في بنيان أو في معصية الله عز وجل\". (3)\rقوله: \"قلت ما يعني\" يقول عبد الحميد لمحمد بن المنكدر.\rقال مجاهد: إذا كان في يد أحدكم شيء فليقتصد، ولا يتأول هذه الآية: \"وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه\"، فإن الرزق مقسوم (4) لعل رزقه قليل، وهو ينفق نفقة الموسع عليه. ومعنى الآية: وما كان من خلف فهو منه.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الزكاة، باب: قول الله تعالى: \"فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى\" 3 / 304، ومسلم في الزكاة باب: في المنفق والممسك برقم: (1010) 2 / 700، والمصنف في شرح السنة: 6 / 155-156.\r(2) أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب، باب: استحباب العفو والتواضع برقم: (2588) 4 / 2001، والمصنف في شرح السنة: 6 / 133.\r(3) أخرجه الدارقطني: 3 / 28، وعبد بن حميد في المنتخب برقم (1083) ص (327)، وصححه الحاكم: 2 / 50 فتعقبه الذهبي بقوله: \"عبد الحميد بن الحسن الهلالي ضعفه الجمهور\"، وابن عدي في الكامل: 3 / 1254، والمصنف في شرح السنة: 6 / 146، وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة برقم (898): 2 / 301، وقال: \"لكن الجملتان الأوليان من الحديث صحيحتان لأن لهما شواهد كثيرة في الصحيحة وغيرها\".\r(4) ذكره ابن كثير: 3 / 543.","part":6,"page":403},{"id":2558,"text":"{ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41) فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (42) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ (43) وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (44) }\rقوله تعالى: { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ } قرأ يعقوب وحفص: \"يحشرهم\"، وقرأ الآخرون بالنون، { جَمِيعًا } يعني: هؤلاء الكفار، { ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ } في الدنيا، قال قتادة: هذا استفهام تقرير، كقوله تعالى لعيسى: \"أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله\" (مريم-116) ، فتتبرأ منهم الملائكة. { قَالُوا سُبْحَانَكَ } تنزيهًا لك، { أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ } أي: نحن نتولاك ولا نتولاهم، { بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ } يعني: الشياطين، فإن قيل لهم كانوا يعبدون الملائكة فكيف وجه قوله: { يَعْبُدُونَ الْجِنَّ } قيل: أراد الشياطين 89/ب زينوا لهم عبادة الملائكة، فهم كانوا يطيعون الشياطين في عبادة الملائكة، فقوله { يَعْبُدُونَ } أي: يطيعون الجن، { أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ } يعني: مصدقون للشياطين. ثم يقول الله: { فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا } بالشفاعة، { وَلا ضَرًّا } بالعذاب، يريد أنهم عاجزون، لا نفع عندهم ولا ضر، { وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ } { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا } يعنون محمدًا صلى الله عليه وسلم، { إِلا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلا إِفْكٌ مُفْتَرًى } يعنون القرآن، { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ } أي: بين. { وَمَا آتَيْنَاهُمْ } يعني: هؤلاء المشركين، { مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا } يقرؤونها، { وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ } أي: لم يأت العرب قبلك نبي ولا نزل عليهم كتاب.","part":6,"page":404},{"id":2559,"text":"{ وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (45) قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46) قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلامُ الْغُيُوبِ (48) }\r{ وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } من الأمم رسلنا، وهم: عاد، وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط وغيرهم، { وَمَا بَلَغُوا } يعني: هؤلاء المشركين، { مِعْشَارَ } أي: عشر، { مَا آتَيْنَاهُمْ } أي: أعطينا الأمم الخالية من القوة والنعمة وطول العمر ، { فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } أي: إنكاري وتغييري عليهم، يحذر كفار هذه الأمة عذاب الأمم الماضية. { قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ } آمركم وأوصيكم بواحدة، أي: بخصلة واحدة، ثم بين تلك الخصلة فقال: { أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ } لأجل الله، { مَثْنَى } أي: اثنين اثنين، { وَفُرَادَى } أي: واحدًا واحدًا، { ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا } جميعا أي: تجتمعون فتنظرون وتتحاورون وتنفردون، فتفكرون في حال محمد صلى الله عليه وسلم فتعلموا، { مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ } جنون، وليس المراد من القيام القيام الذي هو ضد الجلوس، وإنما هو قيام بالأمر الذي هو في طلب الحق، كقوله: \"وأن تقوموا لليتامى بالقسط\" (النساء-127) . { إِنْ هُوَ } ما هو، { إِلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } قال مقاتل: تم الكلام عند قوله: \"ثم تتفكروا\" أي: في خلق السموات والأرض فتعلموا أن خالقها واحد لا شريك له، ثم ابتدأ فقال: \"ما بصاحبكم من جنة\". { قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ } على تبليغ الرسالة، { مِنْ أَجْرٍ } جعل { فَهُوَ لَكُمْ } يقول: قل لا أسألكم على تبليغ الرسالة أجرا فتتهموني، ومعنى قوله: \"فهو لكم\" أي: لم أسألكم شيئا كقول القائل: ما لي من هذا فقد وهبته لك يريد ليس لي فيه شيء، { إِنْ أَجْرِيَ } ما ثوابي، { إِلا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } { قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ } والقذف الرمي بالسهم والحصى، والكلام، ومعناه: يأتي بالحق وبالوحي ينزله من السماء فيقذفه إلى الأنبياء، { عَلامُ الْغُيُوبِ } رفع بخبر أن، أي: وهو علام الغيوب.","part":6,"page":405},{"id":2560,"text":"{ قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (49) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (50) وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (51) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (52) }\r{ قُلْ جَاءَ الْحَقُّ } يعني: القرآن والإسلام، { وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ } أي: ذهب الباطل وزهق فلم يبق منه بقية يبدئ شيئا أو يعيد، كما قال تعالى: \"بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه\" (الأنبياء-48) ، وقال قتادة: \"الباطل\" هو إبليس، وهو قول مقاتل والكلبي، وقيل: \"الباطل\": الأصنام. { قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي } وذلك أن كفار مكة كانوا يقولون له: إنك قد ضللت حين تركت دين آبائك، فقال الله تعالى: { قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي } أي: إثم ضلالتي على نفسي، { وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي } من القرآن والحكمة، { إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ } { وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا } قال قتادة عند البعث حين يخرجون من قبورهم، { فَلا فَوْتَ } أي: فلا يفوتونني كما قال: \"ولات حين مناص\" (ص-3) ، وقيل: إذ فزعوا فلا فوت ولا نجاة، { وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ } [قال الكلبي من تحت أقدامهم، وقيل: أخذوا من بطن الأرض إلى ظهرها، وحيثما كانوا فهم من الله قريب]، (1) لا يفوتونه. وقيل: من مكان قريب يعني عذاب الدنيا. وقال الضحاك: يوم بدر. وقال ابن أبزي: خسف بالبيداء، (2) وفي الآية حذف تقديره: ولو ترى إذ فزعوا لرأيت امرًا تعتبر به. { وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ } حين عاينوا العذاب، قيل: عند اليأس. وقيل: عند البعث. { وَأَنَّى } من أين، { لَهُمُ التَّنَاوُشُ } قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر: التناوش بالمد والهمزة، وقرأ الآخرون بواو صافية من غير مد ولا همز، ومعناه التناول، أي: كيف لهم تناول ما بعد عنهم، وهو الإيمان والتوبة، وقد كان قريبا في الدنيا فضيعوه، ومن همز قيل: معناه هذا أيضا.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) انظر: ابن كثير: 3 / 545.","part":6,"page":406},{"id":2561,"text":"وقيل التناوش بالهمزة من النبش وهو حركة في إبطاء، يقال: جاء نبشا أي: مبطئا متأخرا، والمعنى من أين لهم الحركة فيما لا حيلة لهم فيه، وعن ابن عباس قال: يسألون الرد إلى الدنيا فيقال وأنى لهم الرد إلى الدنيا. (1)\r{ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } أي: من الآخرة إلى الدنيا.\r{ وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (53) وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (54) }\r{ وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ } أي: بالقرآن، وقيل: بمحمد صلى الله عليه وسلم، من قبل أن يعاينوا العذاب وأهوال القيامة، { وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } قال مجاهد: يرمون محمدًا بالظن لا باليقين، وهو قولهم ساحر وشاعر وكاهن، ومعنى الغيب: هو الظن لأنه غاب علمه عنهم، والمكان البعيد: بعدهم عن علم ما يقولون، والمعنى يرمون محمدًا بما لا يعلمون من حيث لا يعلمون. وقال قتادة: يرجمون بالظن يقولون لا بعث ولا جنة ولا نار. { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } ، أي: الإيمان والتوبة والرجوع إلى الدنيا. وقيل: نعيم الدنيا وزهرتها، { كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ } ، أي: بنظرائهم ومن كان على مثل حالهم من الكفار، { مِنْ قَبْلُ } ،أي: لم يقبل منهم الإيمان والتوبة في وقت اليأس، { إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ } ، من البعث ونزول العذاب بهم، { مُرِيبٍ } ، موقع لهم الريبة والتهمة.\r__________\r(1) انظر: الدر المنثور: 6 / 715.","part":6,"page":407},{"id":2562,"text":"سورة فاطر مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) }\r{ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ } خالقها ومبدعها على غير مثال سبق، { جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أَجْنِحَةٍ } ذوي أجنحة { مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ } قال قتادة ومقاتل: بعضهم له جناحان، وبعضهم له ثلاثة أجنحة، وبعضهم له أربعة أجنحة، (2) ويزيد فيها ما يشاء وهو قوله، { يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ }\rوقال ابن مسعود في قوله عز وجل: \"لقد رأى من آيات ربه الكبرى\" (النجم-18) ، قال رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح. (3)\rوقال ابن شهاب في قوله: \"يزيد في الخلق ما يشاء\" قال: حسن الصوت. (4) 90/أ\rوعن قتادة قال: هو الملاحَة في العينين. (5) وقيل: هو العقل والتمييز.\r{ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والبخاري وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أنزلت سورة فاطر بمكة، وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه قال: سورة الملائكة مكية. انظر: الدر المنثور: 7 / 3.\r(2) أخرجه الطبري: 22 / 114، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 4 أيضا لعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\r(3) أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم آمين...: 6 / 313، ومسلم في الإيمان، باب: ذكر سدرة المنتهى برقم (174) 1 / 158.\r(4) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 4 لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان.\r(5) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 4 للبيهقي.","part":6,"page":408},{"id":2563,"text":"{ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3) }","part":6,"page":412},{"id":2564,"text":"{ وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ (4) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5) }\r{ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ } [قيل: من مطر ورزق]، (1) { فَلا مُمْسِكَ لَهَا } لا يستطيع أحد على حبسها، { وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ } فيما أمسك { الْحَكِيمُ } فيما أرسل.\rأخبرنا الإمام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا عبيد الله بن أسباط، أخبرنا أبي، أخبرنا عبد الملك بن عمير، عن وراد، عن المغيرة بن شعبة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: \"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد\". (2) { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ } قرأ حمزة والكسائي \"غير\" بجر الراء، وقرأ الآخرون برفعها على معنى هل خالق غير الله، لأن \"من\" زيادة، وهذا استفهام على طريق التقرير كأنه قال: لا خالق غير الله، { يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ } أي: من السماء المطر ومن الأرض النبات، { لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ } { وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ } يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم، { وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ } { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } يعني وعد يوم القيامة، { فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ } وهو الشيطان.\r__________\r(1) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(2) أخرجه البخاري في الأذان، باب: الذكر بعد الصلاة: 2 / 325، ومسلم في المساجد، باب: استحباب الذكر بعد الصلاة برقم: (593) 1 / 415، والمصنف في شرح السنة: 3 / 225.","part":6,"page":412},{"id":2565,"text":"{ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8) }\r{ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا } أي: عادوه بطاعة الله ولا تطيعوه، { إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ } أي: أشياعه وأولياءه { لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ } أي: ليكونوا في السعير، ثم بين حال موافقيه ومخالفيه فقال: { الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } قوله تعالى: { أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ } قال ابن عباس: نزلت في أبي جهل ومشركي مكة.\rوقال سعيد بن جبير: نزلت في أصحاب الأهواء والبدع. (1)\rوقال قتادة: منهم الخوارج الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم، فأما أهل الكبائر فليسوا منهم، لأنهم لا يستحلون الكبائر.\r{ أَفَمَنْ زُيِّنَ } شبه وموه عليه وحسن { لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ } أي: قبيح عمله، { فَرَآهُ حَسَنًا } زين له الشيطان ذلك بالوسواس.\rوفي الآية حذف مجازه: أفمن زين له سوء عمله فرأى الباطل حقا كمن هداه الله فرأى الحق حقًا والباطل باطلا؟ { فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ }\rوقيل: جوابه تحت قوله { فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ } فيكون معناه: أفمن زين له سوء عمله فأضله الله ذهبت نفسك عليه حسرة، أي: تتحسر عليه فلا تذهب نفسك عليهم حسرات.\rوقال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير مجازه: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، والحسرة شدة الحزن على ما فات من الأمر، ومعنى الآية: لا تغتم بكفرهم وهلاكهم إن لم يؤمنوا.\r__________\r(1) انظر: زاد المسير: 6 / 475.","part":6,"page":413},{"id":2566,"text":"وقرأ أبو جعفر: \"فلا تذهب\" بضم التاء وكسر الهاء \"نفسك\" نصب، { إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ }\r{ وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (9) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10) }\r{ وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ } من القبور. قوله عز وجل: { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا } قال الفراء: معنى الآية من كان يريد أن يعلم لمن العزة فلله العزة جميعا. (1)\rوقال قتادة: من كان يريد العزة فليتعزز بطاعة الله معناه الدعاء إلى طاعة من له العزة، أي: فليطلب العزة من عند الله بطاعته، (2) كما يقال: من كان يريد المال فالمال لفلان، أي: فليطلبه من عنده، وذلك أن الكفار عبدوا الأصنام وطلبوا به التعزير كما قال الله: \"واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزًا كلا\" (مريم-81) ، وقال: \"الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا\" (النساء-139) .\r{ إِلَيْهِ } أي: إلى الله، { يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ } وهو قوله لا إله إلا الله، وقيل: هو قول الرجل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد ابن زنجويه، أخبرنا الحجاج بن نصر، أخبرنا المسعودي عن عبد الله بن المحارق، عن أبيه، عن ابن مسعود قال: إذا حدثتكم حديثا أنبأتكم بمصداقه من كتاب الله عز وجل: ما من عبد مسلم يقول خمس كلمات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وتبارك الله، إلا أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه ثم صعد بهن فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى\r__________\r(1) انظر: معاني القرآن للفراء: 2 / 367.\r(2) انظر: البحر المحيط: 7 / 303.","part":6,"page":414},{"id":2567,"text":"يحيي بها وجه رب العالمين، ومصداقه من كتاب الله عز وجل قوله: { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ } ذكره ابن مسعود. (1)\rوقيل: \"الكلم الطيب\": ذكر الله. وعن قتادة: \"إليه يصعد الكلم الطيب\" أي: يقبل الله الكلم الطيب.\rقوله عز وجل: { وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } أي: يرفع العمل الصالح الكلم الطيب، فالهاء في قوله يرفعه راجعة إلى الكلم الطيب، وهو قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، وعكرمة، وأكثر المفسرين.\rوقال الحسن وقتادة: الكلم الطيب ذكر الله والعمل الصالح أداء فرائضه، فمن ذكر الله ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله، (2) وليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، فمن قال حسنًا وعمل غير صالح رد الله عليه قوله، ومن قال حسنا وعمل صالحًا يرفعه العمل ذلك بأن الله يقول: { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } (3) وجاء في الحديث: \"لا يقبل الله قولا إلا بعمل ولا قولا ولا عملا إلا بنية\". (4)\rوقال قوم: الهاء في قوله \"يرفعه\" راجعة إلى العمل الصالح [أي: الكلم الطيب يرفع العمل الصالح]، (5) فلا يقبل عمل إلا أن يكون صادرًا عن التوحيد، وهذا معنى قول الكلبي ومقاتل.\rوقيل: الرفع من صفة الله عز وجل 90/ب معناه: العمل الصالح يرفعه الله عز وجل.\rوقال سفيان بن عيينة: العمل الصالح هو الخالص، يعني أن الإخلاص سبب قبول الخيرات من الأقوال والأفعال، دليله قوله عز وجل: \"فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا\" (الكهف-110) ، فجعل نقيض الصالح الشرك والرياء، { وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ } قال الكلبي: أي: الذين يعملون السيئات. وقال مقاتل: يعني الشرك. وقال أبو العالية: يعني الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة، كما قال الله تعالى: \"وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك\" (الأنفال-30) .\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 22 / 120، وصححه الحاكم: 2 / 425 ووافقه الذهبي. والبيهقي في الأسماء والصفات: 2 / 34، وزاد السيوطي نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني انظر: الدر المنثور: 7 / 8-9.\r(2) هذا الجزء أخرجه الطبري: 22 / 121 عن ابن عباس.\r(3) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 10 لعبد بن حميد والبيهقي عن الحسن.\r(4) قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص 138-139: أخرجه الخطيب في \"الجامع\" من رواية بقية بن إسماعيل بن عبد الله عن أبان عن أنس بهذا مرفوعا، وأبان متروك، وله طريق أخرى عن أبي هريرة مرفوعا، أخرجه ابن عدي وابن حبان، كلاهما في الضعفاء عن خالد بن عبد الدائم، عن نافع بن يزيد عن زهرة بن معبد عن سعيد بن المسيب عنه، بلفظ \"قرآن في صلاة خير من قرآن في غير صلاة\" الحديث. وفيه: ولا قوة إلا بعمل إلى آخره. ورواه ابن حبان أيضاك من رواية الزهري عن سعيد بن المسيب عن ابن مسعود. وفيه أحمد بن الحسن المصري، وهو كذاب.\r(5) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":6,"page":415},{"id":2568,"text":"وقال مجاهد: وشهر بن حوشب: هم أصحاب الرياء. (1)\r{ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ } يبطل ويهلك في الآخرة.\r{ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11) }\r__________\r(1) انظر في هذه الأقوال: ابن كثير: 3 / 550، البحر المحيط: 7 / 304، الدر المنثور: 7 / 10.","part":6,"page":416},{"id":2569,"text":"{ وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) }\rقوله عز وجل: { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ } أي: آدم، { ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ } يعني: نسله، { ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا } ذكرانًا وإناثًا، { وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ } لا يطول عمره، { وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ } يعني: من عمر آخر، كما يقال لفلان عندي درهم ونصفه أي: نصف درهم آخر، { إِلا فِي كِتَابٍ } وقيل: قوله: \"ولا ينقص من عمره\" منصرف إلى الأول، قال سعيد بن جبير: مكتوب في أم الكتاب عمر فلان كذا وكذا سنة ثم يكتب أسفل من ذلك ذهب يوم ذهب يومان ذهب ثلاثة أيام حين ينقطع عمره. (1)\rوقال كعب الأحبار حين حضر عمر رضي الله عنه الوفاة: والله لو دعا عمر ربه أن يؤخر أجله لأخر، فقيل له إن الله عز وجل يقول: \"فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون\" (الأعراف-34) فقال: هذا إذا حضر الأجل فأما قبل ذلك فيجوز أن يزاد وينقص، وقرأ هذه الآية (2) { إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } أي: كتابة الآجال والأعمال على الله هين. قوله عز وجل: { وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ } يعني: العذب والمالح، ثم ذكرهما فقال: { هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ } طيب، { سَائِغٌ شَرَابُهُ } أي: جائز في الحلق هنيء، { وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ } شديد الملوحة. وقال الضحاك: هو المر. { وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا } يعني: الحيتان من العذب والمالح جميعا، { وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً } أي: من المالح دون العذب { تَلْبَسُونَهَا } يعني اللؤلؤ. وقيل: نسب اللؤلؤ\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 11 لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في العظمة.\r(2) قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص 139: \"رواه إسحاق في آخر مسند ابن عباس رضي الله عنهما- أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن سعيد\".","part":6,"page":416},{"id":2570,"text":"إليهما، لأنه يكون في البحر الأجاج عيون عذبة تمتزج بالملح فيكون اللؤلؤ من بين ذلك، { وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ } جواري مقبلة ومدبرة بريح واحدة، { لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ } بالتجارة، { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } الله على نعمه.\r{ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14) يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17) وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18) }\r{ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ } يعني: الأصنام، { مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ } وهو لفافة النواة، وهي القشرة الرقيقة التي تكون على النواة. { إِنْ تَدْعُوهُمْ } يعني: إن تدعو الأصنام، { لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ } ما أجابوكم، { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ } يتبرؤون منكم ومن عبادتكم إياها، يقولون: ما كنتم إيانا تعبدون. { وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } يعني: نفسه أي: لا ينبئك أحد مثلي خبير عالم بالأشياء. { يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ } إلى فضل الله والفقير المحتاج، { وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } الغني عن خلقه المحمود في إحسانه إليهم. { إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ } شديد. { وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ } أي: نفس مثقلة بذنوبها غيرها، { إِلَى حِمْلِهَا } أي: حمل ما عليه من الذنوب، { لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى } أي: ولو كان المدعو ذا قرابة له ابنه أو أباه أو أمه أو أخاه. قال ابن عباس: يلقى الأب والأم ابنه فيقول: يا بني احمل عني بعض ذنوبي. فيقول: لا أستطيع حسبي ما علي.","part":6,"page":417},{"id":2571,"text":"{ إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ } يخافون، { رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ } ولم يروه. وقال الأخفش: تأويله أي: إنذارك إنما ينفع الذين يخشون ربهم بالغيب، { وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى } صلح وعمل خيرا، { فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ } لها ثوابه، { وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ }","part":6,"page":418},{"id":2572,"text":"{ وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ (20) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الأحْيَاءُ وَلا الأمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) إِنْ أَنْتَ إِلا نَذِيرٌ (23) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ (24) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (25) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (26) }\r{ وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ } يعني: الجاهل والعالم. وقيل: الأعمى عن الهدى والبصير بالهدى، أي: المؤمن والمشرك. { وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ } يعني: الكفر والإيمان. { وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ } يعني: الجنة والنار، قال ابن عباس: \"الحرور\": الريح الحارة بالليل، و\"السموم\" بالنهار. وقيل: \"الحرور\" يكون بالنهار مع الشمس. { وَمَا يَسْتَوِي الأحْيَاءُ وَلا الأمْوَاتُ } يعني: المؤمنين والكفار. وقيل: العلماء والجهال.\r{ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ } حتى يتعظ ويجيب، { وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ } يعني: الكفار، شبههم بالأموات في القبور حين لم يجيبوا. { إِنْ أَنْتَ إِلا نَذِيرٌ } ما أنت إلا منذر تخوفهم بالنار. { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ } ما من أمة فيما مضى { إِلا خَلا } سلف { فِيهَا نَذِيرٌ } نبي منذر. { وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ } الواضح كرر ذلك الكتاب بعد ذكر الزبر على طريق التأكيد. { ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ }","part":6,"page":418},{"id":2573,"text":"{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) }\r{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ } طرق وخطط، واحدتها جدة، مثل: مدة ومدد، { بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ } يعني: سود غرابيب على التقديم والتأخير، يقال: أسود غربيب، أي: شديد السواد تشبيها بلون الغراب، أي: طرائق سود. { وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ } ذكر الكناية لأجل \"من\" وقيل: رد الكناية إلى ما في الإضمار، مجازه: ومن الناس والدواب والأنعام ما هو مختلف ألوانه، { كَذَلِكَ } يعني كما اختلف ألوان الثمار والجبال، وتم الكلام هاهنا ثم ابتدأ فقال: { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } قال ابن عباس: يريد إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عمر بن حفص، أخبرنا الأعمش، أخبرنا مسلم، عن مسروق 91/أ عن عائشة رضي الله عنها: صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فرخص فيه، فتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فخطب فحمد الله ثم قال: \"ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية\". (1)\rوقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا\". (2)\rوقال مسروق: كفى بخشية الله علمًا وكفى بالاغترار بالله جهلا. وقال رجل للشعبي: أفتني أيها العالم، فقال الشعبي: إنما العالم من خشي الله عز وجل.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الاعتصام، باب: ما يكره من التعمق والتنازع والغلو في الدين والبدع: 13 / 276، ومسلم في الفضائل، باب: علمه صلى الله عليه وسلم بالله تعالى وشدة خشيته برقم: (2356) 4 / 1829، والمصنف في شرح السنة: 1 / 199-200.\r(2) قطعة من حديث أخرجه البخاري في التفسير- تفسير سورة المائدة- باب: قول الله تعالى: (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) 8 / 280، ومسلم في الفضائل، باب: توقيره صلى الله عليه وسلم وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة له برقم: (2359) 4 / 1823 والمصنف في شرح السنة: 14 / 368-369.","part":6,"page":419},{"id":2574,"text":"{ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ } أي: عزيز في ملكه غفور لذنوب عباده.\r{ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30) }","part":6,"page":420},{"id":2575,"text":"{ وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) }\rقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ } يعني: قرأوا (1) القرآن، { وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ } لن تفسد ولن تهلك، والمراد من التجارة ما وعد الله من الثواب.\rقال الفراء: قوله: \"يرجون\" جواب لقوله: \"إن الذين يتلون كتاب الله\". { لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ } جزاء أعمالهم بالثواب، { وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ } قال ابن عباس: يعني سوى الثواب مما لم تر عين ولم تسمع أذن، { إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ } قال ابن عباس: يغفر العظيم من ذنوبهم ويشكر اليسير من أعمالهم. { وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ } يعني: القرآن، و { هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } من الكتب، { إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ } { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ } يعني: الكتاب الذي أنزلناه إليك الذي ذكر في الآية الأولى، وهو القرآن، جعلناه ينتهي إلى، { الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا }\rويجوز أن يكون \"ثم\" بمعنى الواو، أي: وأورثنا، كقوله: \"ثم كان من الذين آمنوا\" (البلد-17) ، أي: وكان من الذين آمنوا، ومعنى \"أورثنا\" أعطينا، لأن الميراث عطاء، قاله مجاهد.\rوقيل: \"أورثنا\" أي: أخرنا، ومنه الميراث لأنه أخر عن الميت، ومعناه: أخرنا القرآن عن الأمم السالفة وأعطيناكموه، وأهلناكم له.\r{ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } قال ابن عباس: يريد أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قسمهم ورتبهم فقال:\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".","part":6,"page":420},{"id":2576,"text":"{ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ } روي عن أسامة بن زيد في قوله عز وجل: \"فمنهم ظالم لنفسه\" الآية، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"كلهم من هذه الأمة\". (1)\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه، أخبرنا محمد بن علي بن الحسين القاضي، أخبرنا بكر بن محمد المروزي، أخبرنا أبو قلابة، حدثنا عمرو بن الحصين، عن الفضل بن عميرة، عن ميمون الكردي، عن أبي عثمان النهدي قال: سمعت عمر بن الخطاب قرأ على المنبر: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } الآية، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له\"، (2) قال أبو قلابة فحدثت به يحيى بن معين فجعل يتعجب منه.\rواختلف المفسرون في معنى الظالم والمقتصد والسابق.\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو سعيد محمد بن عيسى الصيرفي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي، حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن رجل، عن أبي ثابت أن رجلا دخل المسجد فقال: اللهم ارحم غربتي، وآنس وحشتي، وسق إلي جليسا صالحا، فقال أبو الدرداء: لئن كنت صادقا لأنا أسعد بك منك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: \"ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات\" فقال: \"أما السابق بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا، وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام حتى يدخله الهم، ثم يدخل الجنة\"، ثم قرأ هذه الآية: \"وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور\". (3)\r__________\r(1) أخرجه الطبراني في الكبير: 1 / 131، والبيهقي في البعث، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو سيئ الحفظ. انظر: الدر المنثور: 7 / 24، مجمع الزوائد: 7 / 96.\r(2) قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص (139): \"رواه البيهقي في الشعب من رواية ميمون بن سياه عن عمر رضي الله عنه مرفوعا وهذا منقطع، وأخرجه الثعلبي وابن مردويه من وجه آخر عن ميمون ابن سياه عن أبي عثمان النهدي عن عمر. فيه الفضل بن عميرة: وهو ضعيف، ورواه سعيد بن منصور عن فرج بن فضالة عن أزهر بن عبد الله الحرازي عمن سمع عمر فذكره موقوفا، وعزاه السيوطي لسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، والبيهقي في البعث موقوفا على عمر رضي الله عنه، وللعقيلي وبن لال، وابن مردويه والبيهقي من وجه آخر مرفوعا، وأخرجه ابن النجار عن أنس مرفوعا. انظر: الدر المنثور: 7 / 25.\r(3) قال الهيثمي في المجمع: 7 / 95 \"رواه الطبراني وأحمد باختصار إلا أنه قال: عن الأعمش عن ثابت أو أبي ثابت أن رجلا وثابت بن عبيد ومن قبله من رجال الصحيح، وفي إسناد الطبراني غير مسمى\"، وأخرجه الحاكم: 2 / 426 وقال: \"وقد اختلفت الروايات عن الأعمش في إسناد هذا الحديث، فروي عن الثوري عن الأعمش عن أبي ثابت عن أبي الدرداء رضي الله عنه، وقيل عن شعبة عن الأعمش عن رجل من ثقيف عن أبي الدرداء، وقيل عن الثوري أيضا عن الأعمش قال: ذكر أبو ثابت عن أبي الدرداء، وإذا كثرت الروايات في الحديث ظهر أن للحديث أصلا\" وانظر الطبري: 22 / 137.","part":6,"page":421},{"id":2577,"text":"وقال عقبة بن صهبان سألت عائشة عن قول الله عز وجل: { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } الآية، فقالت: يا بني كلهم في الجنة، أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم، فجعلت نفسها معنا. (1)\rوقال مجاهد، والحسن، وقتادة: فمنهم ظالم لنفسه وهم أصحاب المشئمة، ومنهم مقتصد وهم أصحاب الميمنة، ومنهم سابق بالخيرات [بإذن الله] (2) هم السابقون المقربون من الناس كلهم. (3)\rوعن ابن عباس قال: السابق: المؤمن المخلص، والمقتصد: المرائي، والظالم: الكافر نعمة الله غير الجاحد لها، لأنه حكم للثلاثة بدخول الجنة فقال: \"جنات عدن يدخلونها\".\rوقال بعضهم: يذكر ذلك عن الحسن، قال: السابق من رجحت حسناته على سيئاته، والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته، والظالم من رجحت سيئاته على حسناته. (4)\rوقيل: الظالم من كان ظاهره خيرًا من باطنه، والمقتصد الذي يستوي ظاهره وباطنه، والسابق الذي باطنه خير من ظاهره.\rوقيل: الظالم من وحد الله بلسانه ولم يوافق فعله قوله، والمقتصد من وحد الله بلسانه وأطاعه بجوارحه، والسابق من وحد الله بلسانه وأطاعه بجوارحه وأخلص له عمله.\rوقيل: الظالم التالي للقرآن، والمقتصد القارئ له العالم به، والسابق القارئ له العالم به العامل بما فيه.\rوقيل: الظالم أصحاب الكبائر والمقتصد أصحاب الصغائر، والسابق الذي لم يرتكب كبيرة ولا صغيرة.\rوقال سهل بن عبد الله: السابق العالم، والمقتصد المتعلم، والظالم الجاهل.\rقال جعفر الصادق: بدأ بالظالمين إخبارا بأنه لا يتقرب إليه إلا بكرمه، وأن الظلم لا يؤثر في الاصطفاء، ثم ثنى بالمقتصدين لأنهم بين الخوف والرجاء، ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكره، وكلهم في الجنة.\r__________\r(1) أخرجه الطيالسي في المسند ص (209) وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، وابن مردويه. وصححه الحاكم: 2 / 426 وتعقبه الذهبي فقال: \"الصلت قال النسائي: ليس بثقة، وقال أحمد: ليس بالقوي\". وانظر: تفسير ابن كثير: 3 / 557.\r(2) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(3) انظر: الطبري: 22 / 135.\r(4) انظر: زاد المسير: 7 / 489-490.","part":6,"page":422},{"id":2578,"text":"وقال أبو بكر الوراق: رتبهم هذا الترتيب على مقامات الناس، لأن أحوال العبد ثلاثة: معصية وغفلة ثم توبة ثم قربة، فإذا عصى دخل في حيز الظالمين، وإذا تاب دخل في جملة المقتصدين، وإذا صحت التوبة وكثرت العبادة والمجاهدة دخل في عداد السابقين.\rوقال بعضهم: المراد بالظالم الكافر ذكره الكلبي.\rوقيل: المراد منه المنافق، فعلى هذا لا يدخل الظالم في قوله: \"جنات 91/ب عدن يدخلونها\". وحمل هذا القائل الاصطفاء على الاصطفاء في الخلقة وإرسال الرسول إليهم وإنزال الكتاب والأول هو المشهور أن المراد من جميعهم المؤمنون، وعليه عامة أهل العلم.\rقوله: { وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ } أي: سابق إلى الجنة، أو إلى رحمة الله بالخيرات، أي: بالأعمال الصالحات، { بِإِذْنِ اللَّهِ } أي: أمر الله وإرادته، { ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } يعني: إيراثهم الكتاب.\r{ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) }\rثم أخبر بثوابهم فقال: { جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا } يعني: الأصناف الثلاثة، قرأ أبو عمرو \"يدخلونها\" بضم الياء وفتح الخاء، وقرأ الآخرون بفتح الياء وضم الخاء، { يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } { وَقَالُوا } أي: ويقولون إذا دخلوا الجنة: { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ } والحزن واحد كالبخل والبخل. قال ابن عباس: حزن النار. وقال قتادة: حزن الموت. وقال مقاتل: حزنوا (1) لأنهم كانوا لا يدرون ما يصنع الله بهم. وقال عكرمة: حزن الذنوب والسيئات وخوف رد الطاعات. وقال القاسم: حزن زوال النعم وتقليب القلب، وخوف العاقبة، وقيل: حزن أهوال يوم القيامة. وقال الكلبي: ما كان يحزنهم في الدنيا من أمر يوم القيامة. وقال سعيد بن جبير: هم الخبز في الدنيا. وقيل: هم المعيشة. وقال الزجاج: أذهب الله عن أهل الجنة كل الأحزان ما كان منها لمعاش أو لمعاد.\rأخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن الضحاك الخطيب، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الإسفرايني، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد الترابي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر قال: قال\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".","part":6,"page":423},{"id":2579,"text":"رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في منشرهم، وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم، ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن\". (1)\rقوله تعالى: { إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ }\r{ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35) وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37) }\r{ الَّذِي أَحَلَّنَا } أنزلنا، { دَارَ الْمُقَامَةِ } أي: الإقامة، { مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ } أي: لا يصيبنا فيها عناء ومشقة، { وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ } إعياء من التعب. قوله تعالى: { وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا } أي: لا يهلكون فيستريحوا كقوله عز وجل: \"فوكزه موسى فقضى عليه\" (الشعراء-15) ، أي: قتله. وقيل: لا يقضي عليهم الموت فيموتوا، كقوله: \"ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك\" (الزخرف-77) ، أي: ليقض علينا الموت فنستريح، { وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا } من عذاب النار، { كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ } كافر، قرأ أبو عمرو: \"يجزي\" بالياء وضمها وفتح الزاي، \"كل\" رفع على غير تسمية الفاعل، وقرأ الآخرون بالنون وفتحها وكسر الزاي، \"كل\" نصب. { وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ } يستغيثون ويصيحون، { فِيهَا } وهو: يفتعلون، من الصراخ، وهو الصياح، يقولون: { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا } منها من النار، { نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ } في الدنيا من الشرك والسيئات، فيقول الله لهم توبيخا:\r__________\r(1) قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص (139) \"رواه أبو يعلى وابن أبي حاتم والبيهقي في أول الشعب والطبراني في الأوسط من حديث ابن عمر. وفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف وله طريق أخرى عند الطبراني والنسائي في الكنى عن ابن عمر، وأخرى عند البيهقي في الشعب، وفي الباب عن ابن عباس أخرجه تمام في فوائده والخطيب في ترجمة محمد بن سعيد الطائفي وعن أنس عند ابن مردويه. وانظر: ابن كثير: 3 / 558.","part":6,"page":424},{"id":2580,"text":"{ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ } قيل: هو البلوغ. وقال عطاء وقتادة والكلبي: ثمان عشرة سنة. وقال الحسن: أربعون سنة. وقال ابن عباس: ستون سنة، يروي ذلك عن علي، وهو العمر الذي أعذر الله تعالى إلى ابن آدم.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا عبد السلام بن مطهر، حدثنا عمر بن علي، عن معن بن محمد الغفاري، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"أعذر الله تعالى إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة\". (1)\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدثنا إبراهيم بن سهاويه، حدثنا الحسن بن عرفة، أخبرنا المحاربي عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك\". (2)\r{ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ } يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم، هذا قول أكثر المفسرين. وقيل: القرآن. وقال عكرمة، وسفيان بن عيينة، ووكيع: هو الشيب. معناه أو لم نعمركم حتى شبتم. ويقال: الشيب نذير الموت. وفي الأثر: ما من شعرة تبيض إلا قالت لأختها: استعدي فقد قرب الموت.\r{ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ }\r{ إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (38) }\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الرقاق، باب: من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر: 11 / 238.\r(2) أخرجه الترمذي في الزهد، باب: ما جاء في أعمار هذه الأمة...6 / 6، وقال: (هذا حديث حسن غريب) من حديث أبي صالح عن أبي هريرة، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة. وابن ماجه في الزهد، باب: الأمل والأجل: 2 / 1415، وصححه الحاكم: 2 / 427 على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وابن حبان في موارد الظمآن برقم (2467) ص 611، والبيهقي في السنن: 3 / 370، وحسن الحافظ إسناده في الفتح: 11 / 240، انظر: فيض القدير للمناوي: 2 / 11، سلسلة الأحاديث الصحيحة: 2 / 397.","part":6,"page":425},{"id":2581,"text":"{ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلا مَقْتًا وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلا خَسَارًا (39) }\r{ إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } { هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأرْضِ } أي: يخلف بعضكم بعضا، وقيل: جعلكم أمة خلفت من قبلها. ورأت فيمن قبلها، ما ينبغي أن تعتبر به. { فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ } أي: عليه وبال كفره","part":6,"page":425},{"id":2582,"text":"{ وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلا مَقْتًا } غضبا { وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلا خَسَارًا }\r{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلا غُرُورًا (40) إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلا نُفُورًا (42) }\r{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } أي: جعلتموهم شركائي بزعمكم يعني: الأصنام، { أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا } قال مقاتل: هل أعطينا كفار مكة كتابا، { فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وحفص: \"بينة\" على التوحيد، وقرأ الآخرون: \"بينات\" على الجمع، يعني دلائل واضحة منه مما في ذلك الكتاب من ضروب البيان.\r{ بَلْ إِنْ يَعِدُ } أي: ما يعد، { الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلا غُرُورًا } والغرور ما يغر الإنسان مما لا أصل له، قال مقاتل: يعني ما يعد الشيطان كفار بني آدم من شفاعة الآلهة لهم في الآخرة غرور وباطل. قوله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ أَنْ تَزُولا } أي: كيلا تزولا { وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ } أي: ما يمسكهما أحد من بعده، أي: أحد سواه، { إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } فإن قيل: فما معنى ذكر الحلم هاهنا؟ قيل: لأن السموات والأرض همت بما همت به من عقوبة الكفار فأمسكهما الله تعالى عن الزوال بحلمه وغفرانه أن يعالجهم بالعقوبة. { وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ } يعني: كفار مكة لما بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم قالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم، وأقسموا بالله وقالوا لو أتانا رسول لنكونن أهدى دينا منهم، وذلك قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بعث محمد كذبوه، فأنزل الله عز وجل: { وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ } (1) رسول، { لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأمَمِ }\r__________\r(1) انظر: البحر المحيط: 7 / 318.","part":6,"page":426},{"id":2583,"text":"يعني: من اليهود والنصارى، 92/أ { فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ } محمد صلى الله عليه وسلم، { مَا زَادَهُمْ إِلا نُفُورًا } أي: ما زادهم مجيئه إلا تباعدا عن الهدى.\r{ اسْتِكْبَارًا فِي الأرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا سُنَّةَ الأوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلا (43) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (44) }","part":6,"page":427},{"id":2584,"text":"{ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45) }\r{ اسْتِكْبَارًا فِي الأرْضِ } نصب \"استكبارا\" على البدل من النفور، { وَمَكْرَ السَّيِّئِ } يعني: العمل القبيح، أضيف المكر إلى صفته، قال الكلبي: هو اجتماعهم على الشرك وقتل النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ حمزة: \"مكر السيئ\" ساكنة الهمزة تخفيفا، وهي قراءة الأعمش، { وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ } أي: لا يحل ولا يحيط المكر السيئ، { إِلا بِأَهْلِهِ } فقتلوا يوم بدر، وقال ابن عباس: عاقبة الشرك لا تحل إلا بمن أشرك. والمعنى: وبال مكرهم راجع إليهم، { فَهَلْ يَنْظُرُونَ } ينتظرون، { إِلا سُنَّةَ الأوَّلِينَ } إلا أن ينزل بهم العذاب كما نزل بمن مضى من الكفار، { فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلا } { أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ } يعني: ليفوت عنه، { مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا } { وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا } من الجرائم، { مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا } يعني: على ظهر الأرض، كناية عن غير مذكور، { مِنْ دَابَّةٍ } كما كان في زمان نوح أهلك الله ما على ظهر الأرض إلا من كان في سفينة نوح، { وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد أهل طاعته وأهل معصيته.","part":7,"page":427},{"id":2585,"text":"سورة يس مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) }\r{ يس } و\"ن\" قرأ بإخفاء النون فيهما: ابن عامر والكسائي وأبو بكر. قالون: يخفي النون من \"يس\" ويظهر من \"ن\"، والباقون يظهرون فيهما.\rواختلفوا في تأويل { يس } حسب اختلافهم في حروف التهجي (2) ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو قسم (3) ، ويروى عنه أن معناه: يا إنسان (4) بلغة طيء، يعني: محمدًا صلى الله عليه وسلم، وهو قول الحسن، وسعيد بن جبير، وجماعة.\rوقال أبو العالية: يا رجل. (5)\rوقال أبو بكر الوراق: يا سيد البشر.\r{ وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ }\r{ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ } ، أقسم بالقرآن أن محمدًا صلى الله عليه وسلم من المرسلين، وهو رد على الكفار حيث قالوا: \"لست مرسلا\" (الرعد-43) . { عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } ، وهو خبر بعد خبر، أي: أنه من المرسلين وأنه على صراط مستقيم. وقيل: معناه إنك لمن المرسلين الذين هم على صراط مستقيم.\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة يس بمكة، وأخرج ابن مردويه عن عائشة. انظر: الدر المنثور: 7 / 37.\r(2) انظر: الطبري 1 / 205-224، وانظر: فيما سبق 1 / 58-59.\r(3) أخرجه الطبري: 22 / 148.\r(4) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 41 لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وانظر: البحر المحيط: 7 / 323.\r(5) نقله الفراء في معاني القرآن 2 / 371 عن الحسن قال: \"يس\" يا رجل. وهو في العربية بمنزلة حرف الهجاء كقولك: حم وأشباهها.","part":7,"page":7},{"id":2586,"text":"{ تَنزيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (7) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا فَهِيَ إِلَى الأذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) }\r{ تَنزيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ } ، قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص: \"تنزيل\" بنصب اللام كأنه قال: نزل تنزيلا وقرأ الآخرون بالرفع، أي: هو تنزيل العزيز الرحيم. { لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ } ، قيل: \"ما\" للنفي أي: لم ينذر آباؤهم، لأن قريشا لم يأتهم نبي قبل محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: \"ما\" بمعنى الذي، أي: لتنذر قومًا بالذي أنذر آباؤهم، { فَهُمْ غَافِلُونَ } عن الإيمان والرشد. { لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ } ، وجب العذاب { عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ } ، هذا كقوله: \"ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين\" (الزمر-71) . { إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا } ، نزلت في أبي جهل وصاحبيه المخزوميين، وذلك أن أبا جهل كان قد حلف لئن رأى محمدًا يصلي ليرضخن رأسه، فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه، فلما رفعه أثبتت يده إلى عنقه ولزق الحجر بيده، فلما عاد إلى أصحابه فأخبرهم بما رأى سقط الحجر، فقال رجل من بني مخزوم: أنا أقتله بهذا الحجر، فأتاه وهو يصلي ليرميه بالحجر، فأعمى الله تعالى بصره، فجعل يسمع صوته ولا يراه، فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه فقالوا له: ما صنعت؟ فقال: ما رأيته، ولقد سمعت صوته وحال بيني وبينه شيء كهيئة الفحل يخطر (1) بذنبه، لو دنوت منه لأكلني، فأنزل الله تعالى: \"إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا \" (2)\rقال أهل المعاني: هذا على طريق المثل، ولم يكن هناك غل، أراد: منعناهم عن الإيمان بموانع، فجعل الأغلال مثلا لذلك. قال الفراء: معناه إنا حبسناهم عن الإنفاق في سبيل الله كقوله تعالى: \"ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك\" (الإسراء-29) معناه: لا تمسكها عن النفقة.\r__________\r(1) يخطر البعير أي: يرفع ذنبه مرة بعد أخرى ويضرب به فخذيه.\r(2) أخرجه الطبري مختصرًا: 22 / 152، قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص (139): \"رواه ابن إسحاق في السيرة، وأبو نعيم في الدلائل من طريق ابن إسحاق، حدثني محمد بن محمد بن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس إلى قوله قد يبست يداه على الحجر... وأصله في البخاري من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما\" وانظر: ابن كثير: 3 / 565، البحر المحيط: 7 / 324.","part":7,"page":8},{"id":2587,"text":"{ فَهِيَ إِلَى الأذْقَانِ } ، \"هي\" كناية عن الأيدي -وإن لم يجر لها ذكر-لأن الغل يجمع اليد إلى العنق، معناه: إنا جعلنا في أيديهم وأعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان، { فَهُمْ مُقْمَحُونَ } والمقمح: الذي رفع رأسه وغض بصره، يقال: بعير قامح إذا روى من الماء، فأقمح إذا رفع رأسه وغض بصره. وقال الأزهري: أراد أن أيديهم لما غلت إلى أعناقهم رفعت الأغلال أذقانهم ورؤسهم، فهم مرفوعو الرؤوس برفع الأغلال إياها.\r{ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (9) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (10) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12) }\r{ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا } ، قرأ حمزة والكسائي وحفص: \"سدا\" بفتح السين، وقرأ الآخرون بضمها، { فَأَغْشَيْنَاهُم } فأعميناهم، من التغشية وهي التغطية، { فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ } سبيل الهدى.\r{ وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ }\r{ إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ } ، يعني: إنما ينفع إنذارك من اتبع الذكر، يعني القرآن، فعمل بما فيه، { وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ } حسن وهو الجنة. { إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى } ، عند البعث، { وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا } من الأعمال من خير وشر، { وَآثَارَهُم } أي: ما سنوا من سنة حسنة أو سيئة.\rقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"من سن في الإسلام سنة حسنة يعمل بها من بعده كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا\". (1)\r__________\r(1) قطعة من حديث أخرجه مسلم في الزكاة باب: الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة. برقم (1017) 2 / 704-705، والمصنف في شرح السنة: 6 / 159.","part":7,"page":9},{"id":2588,"text":"وقال قوم: قوله: \"ونكتب ما قدموا وآثارهم\" أي: خطاهم إلى المسجد. (1)\rروي عن أبي سعيد الخدري قال: شكت بنو سلمة بعد منازلهم من المسجد فأنزل الله تعالى: \"ونكتب ما قدموا وآثارهم\". (2)\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، حدثنا أبو سعيد محمد بن عيسى الصيرفي، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا محمد بن هشام بن ملاس النميري، حدثنا مروان الفزاري، حدثنا حميد، عن أنس رضي الله عنه قال: \"أرادت بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعرى المدينة، فقال: يا بني سلمة ألا تحتسبون آثاركم؟ فأقاموا\". (3)\rوأخبرنا 91/ب عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة عن يزيد بن عبد الله عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشًى والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرًا من الذي يصلي ثم ينام\". (4)\rقوله تعالى { وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ } حفظناه وعددناه وبيناه، { فِي إِمَامٍ مُبِينٍ } وهو اللوح المحفوظ.\r__________\r(1) قال ابن كثير رحمه الله: 3 / 567: \"وهذا القول لا تنافي بينه وبين الأول، بل في هذا تنبيه ودلالة على ذلك بطريق الأولى والأحرى، فإنه إذا كانت هذه الآثار تكتب، فلأن تكتب تلك التي فيها قدوة بهم من خير أو شر بطريق الأولى، والله أعلم\".\r(2) أخرجه الترمذي في التفسير، تفسير سورة يس: 9 / 94-95 وقال: \"هذا حديث حسن غريب من حديث الثوري، وأبو سفيان هو طريف السعدي\"، وصححه الحاكم 2 / 428 وأقره الذهبي، والطبري: 22 / 154، وابن أبي حاتم، كلهم من طريق الثوري. ورواه البزار من طريق الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: 3 / 567: \"وفيه غرابة من حيث ذكر نزول هذه الآية، والسورة بكمالها مكية، فالله أعلم\". وقارن بالصحيح المسند من أسباب النزول: ص(124).\r(3) أخرجه البخاري في فضائل المدينة، باب: كراهية النبي صلى الله عليه وسلم أن تعرى المدينة: 4 / 99، والمصنف في شرح السنة: 2 / 353.\r(4) أخرجه البخاري في الأذان، باب: فضل صلاة الفجر في الجماعة 2 / 137، ومسلم في المساجد، باب: فضل كثرة الخطى إلى المساجد برقم (662) 1 / 460، والمصنف في شرح السنة: 2 / 353.","part":7,"page":10},{"id":2589,"text":"{ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) }\rقوله عز وجل: { وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ } يعني: اذكر لهم شبها مثل حالهم من قصة أصحاب القرية وهي أنطاكية ، { إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ } يعني: رسل عيسى عليه الصلاة والسلام.","part":7,"page":10},{"id":2590,"text":"قال العلماء بأخبار الأنبياء: بعث عيسى رسولين من الحواريين إلى أهل مدينة أنطاكية (1) فلما قربا من المدينة رأيا شيخا يرعى غنيمات له وهو حبيب النجار، صاحب يس (2) فسلما عليه، فقال الشيخ لهما: من أنتما؟ فقالا رسولا عيسى، ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن، فقال: أمعكما آية؟ قالا نعم نحن نشفي المريض ونبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، فقال الشيخ: إن لي ابنًا مريضًا منذ سنين، قالا فانطلق بنا نطلع على حاله، فأتى بهما إلى منزله، فمسحا ابنه، فقام في الوقت -بإذن الله-صحيحًا، ففشا الخبر في المدينة، وشفى الله تعالى على أيديهما كثيرًا من المرضى، وكان -لهم ملك قال وهب: اسمه انطيخس -وكان من ملوك الروم يعبد الأصنام، قالوا: فانتهى الخبر إليه فدعاهما، فقال: من أنتما؟ قالا رسولا عيسى، قال: وفيم جئتما؟ قالا ندعوك من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر إلى عبادة من يسمع ويبصر، فقال: لكما إله دون آلهتنا؟ قالا نعم، من أوجدك وآلهتك. قال: قوما حتى أنظر في أمركما، فتبعهما الناس فأخذوهما وضربوهما في السوق.\rقال وهب: بعث عيسى هذين الرجلين إلى أنطاكية، فأتياها فلم يصلا إلى ملكها، وطال مدة مقامهما فخرج الملك ذات يوم فكبرا وذكرا الله، فغضب الملك وأمر بهما فحبسا وجلد كل واحد منهما مائة جلدة، قالوا: فلما كذب الرسولان وضربا، بعث عيسى رأس الحواريين شمعون الصفا على إثرهما لينصرهما، فدخل شمعون البلد متنكرا، فجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنسوا به، فرفعوا خبره إلى الملك فدعاه فرضي عشرته وأنس به وأكرمه، ثم قال له ذات يوم: أيها الملك بلغني أنك حبست رجلين في السجن وضربتهما حين دعواك إلى غير دينك، فهل كلمتهما وسمعت قولهما؟ فقال الملك: حال\r__________\r(1) قال ابن كثير: 3 / 570 \"وقد تقدم عن كثير من السلف أن هذه القرية أنطاكية، وأن هؤلاء الثلاثة كانوا رسلا عند المسيح عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام كما نص عليه قتادة وغيره وهو الذي لم يذكر عن واحد من متأخري المفسرين غيره، وفي ذلك نظر من وجوه: (أحدها) أن ظاهر القصة يدل على أن هؤلاء كانوا رسل الله عز وجل لا من جهة المسيح عليه السلام كما قال تعالى: \"إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم لمرسلون -إلى قوله- ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون. وما علينا إلا البلاغ المبين\" ولو كان هؤلاء من الحواريين لقالوا عبارة تناسب أنهم من عند المسيح عليه السلام والله تعالى أعلم، ثم لو كانوا رسل المسيح لما قالوا لهم \"إن أنتم إلا بشر مثلنا\". (الثاني) أن أهل أنطاكية آمنوا برسل المسيح إليهم وكانوا أول مدينة آمنت بالمسيح ولهذا كانت عند النصارى إحدى المدائن الأربعة اللاتي فيهن بتاركة، وهن القدس لأنها بلد المسيح، وأنطاكية لأنها أول بلدة آمنت بالمسيح عن آخر أهلها، والإسكندرية لأن فيها اصطلحوا على اتخاذ البتاركة والمطارنة والأساقفة والقساوسة والشمامسة والرهابين ثم رومية لأنها مدينة الملك قسطنطين الذي نصر دينهم ووطده. (االثالث) أن قصة أنطاكية مع الحواريين أصحاب المسيح بعد نزول التوراة\". وانظر: المحرر الوجيز: 13 / 193.\r(2) في \"ب\" عيسى.","part":7,"page":11},{"id":2591,"text":"الغضب بيني وبين ذلك. قال: فإن رأى الملك دعاهما حتى نطلع على ما عندهما، فدعاهما الملك، فقال لهما شمعون: من أرسلكما إلى هاهنا؟ قالا الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك، فقال لهما شمعون: [فصفاه وأوجزا، فقالا إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فقال شمعون] (1) : وما آيتكما؟ قالا ما تتمناه، فأمر الملك حتى جاؤوا بغلام مطموس العينين وموضع عينيه كالجبهة، فما زالا يدعوان ربهما حتى انشق موضع البصر، فأخذا بندقتين (2) من الطين، فوضعاهما في حدقتيه فصارتا مقلتين يبصر بهما، فتعجب الملك، فقال شمعون للملك: إن أنت سألت إلهك حتى يصنع صنعًا مثل هذا فيكون لك الشرف ولإلهك. فقال الملك: ليس لي عنك سر إن إلهنا الذي نعبده لا يسمع ولا يبصر، ولا يضر ولا ينفع، وكان شمعون إذا دخل الملك على الصنم يدخل بدخوله ويصلي كثيرًا، ويتضرع حتى ظنوا أنه على ملتهم، فقال الملك للرسولين: إن قدر إلهكم الذي تعبدانه على إحياء ميت آمنا به وبكما، قالا إلهنا قادر على كل شيء، فقال الملك: إن هاهنا ميتا مات منذ سبعة أيام ابن لدهقان وأنا أخرته فلم أدفنه حتى يرجع أبوه، وكان غائبا فجاؤوا بالميت وقد تغير وأروح فجعلا يدعوان ربهما علانية، وجعل شمعون يدعو ربه سرًّا، فقام الميت، وقال: إني قدمت منذ سبعة أيام مشركا فأدخلت في سبعة أودية من النار، وأنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا بالله، ثم قال: فتحت لي أبواب السماء فنظرت فرأيت شابًّا حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة، قال الملك: ومن الثلاثة؟ قال: شمعون وهذان وأشار إلى صاحبيه، فتعجب الملك، فلما علم شمعون أن قوله أثر في الملك أخبره بالحال، ودعاه فآمن الملك وآمن قوم، وكفر آخرون.\rوقيل: إن ابنة للملك كانت قد توفيت ودفنت، فقال شمعون للملك: اطلب من هذين الرجلين أن يحييا ابنتك، فطلب منهما الملك ذلك فقاما وصليا ودعوا وشمعون معهما في السر، فأحيا الله المرأة وانشق القبر عنها فخرجت، وقالت: أسلموا فإنهما صادقان، قالت: ولا أظنكم تسلمون، ثم طلبت من الرسولين أن يرداها إلى مكانها فذرا ترابًا على رأسها وعادت إلى قبرها كما كانت.\rوقال ابن إسحاق عن كعب ووهب: بل كفر الملك، وأجمع هو وقومه على قتل الرسل فبلغ ذلك حبيبا، وهو على باب المدينة الأقصى، فجاء يسعى إليهم يذكرهم ويدعوهم إلى طاعة المرسلين، فذلك قوله عز وجل:\r{ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) }\r{ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ } قال وهب: اسمهما يوحنا وبولس، { فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا } يعني: فقوينا، { بِثَالِثٍ } برسول ثالث، وهو شمعون، وقرأ أبو بكر عن عاصم: \"فعززنا\" بالتخفيف وهو\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) البندقية: ما يكون مدورا من الطين.","part":7,"page":12},{"id":2592,"text":"بمعنى الأول كقولك: شددنا وشددنا بالتخفيف والتثقيل، وقيل: أي: فغلبنا من قولهم: من عز بز. وقال كعب: الرسولان: صادق وصدوق، والثالث شلوم، وإنما أضاف الله الإرسال إليه لأن عيسى عليه السلام إنما بعثهم بأمره تعالى، { فَقَالُوا } جميعا لأهل أنطاكية، { إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ } .\r{ قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنزلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (17) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19) وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) }\r{ قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنزلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا تَكْذِبُونَ } ما أنتم إلا كاذبون فيما تزعمون.\r{ قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ }\r{ وَمَا عَلَيْنَا إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ }\r{ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ } تشاءمنا بكم، وذلك أن المطر حبس عنهم، فقالوا: أصابنا هذا بشؤمكم، { لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ } لنقتلنكم، وقال قتادة: بالحجارة { وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } . { قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ } يعني: شؤمكم معكم بكفركم وتكذيبكم يعني: أصابكم الشؤم من قبلكم. وقال ابن عباس 92/أ والضحاك: حظكم من الخير والشر { أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ } يعني: وعظتم بالله، وهذا استفهام محذوف الجواب مجازه: إن ذكرتم ووعظتم بالله تطيرتم بنا. وقرأ أبو جعفر: \"أن\" بفتح الهمزة الملينة \"ذكرتم\" بالتخفيف { بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ } مشركون مجاوزون الحد. قوله عز وجل: { وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى } وهو حبيب النجار، (1) وقال السدي: كان قصارًا (2) وقال وهب: كان رجلا يعمل الحرير، (3) وكان سقيما قد أسرع فيه\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 22 / 159 وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 51 لعبد الرازق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وانظر تفسير ابن كثير: 3 / 569.\r(2) ذكره ابن كثير: 3 / 569 والقصار: الذي يعمل بالقصارة، يقال: قصر الثوب، قصارة، وقصره قصارة: بيضّه ودقَّه بالقصر وهي قطعة من الخشب.\r(3) ذكره ابن كثير: 3 / 569 عن ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه وجرير: الحبال.","part":7,"page":13},{"id":2593,"text":"الجذام، وكان منزله عند أقصى باب من أبواب المدينة، وكان مؤمنا ذا صدقة يجمع كسبه إذا أمسى فيقسمه نصفين فيطعم نصفا لعياله ويتصدق بنصف، (1) فلما بلغه أن قومه قصدوا قتل الرسل جاءهم { قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ }\r{ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24) }\r{ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ } قال قتادة: كان حبيب في غار يعبد ربه (2) فلما بلغه خبر الرسل أتاهم فأظهر دينه، فلما انتهى حبيب إلى الرسل قال لهم: تسألون على هذا أجرًا؟ قالوا: لا فأقبل على قومه فقال: \"يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون\"، فلما قال ذلك قالوا له: وأنت مخالف لديننا ومتابع دين هؤلاء الرسل ومؤمن بإلههم؟ فقال:\r{ وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } قرأ حمزة ويعقوب: \"مالي\" بإسكان الياء، والآخرون بفتحها. قيل: أضاف الفطرة إلى نفسه والرجوع إليهم، لأن الفطرة أثر النعمة، وكانت عليه أظهر، وفي الرجوع معنى الزجر وكان بهم أليق.\rوقيل: إنه لما قال: اتبعوا المرسلين، أخذوه فرفعوه إلى الملك، فقال له الملك: أفأنت تتبعهم؟ فقال: \"ومالي لا أعبد الذي فطرني\" وأي شيء لي إذا لم أعبد الخالق { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } تردون عند البعث فيجزيكم بأعمالكم.\r{ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً } استفهام بمعنى الإنكار، أي: لا أتخذ من دونه آلهة، { إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ } بسوء ومكروه، { لا تُغْنِ عَنِّي } لا تدفع عني، { شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا } أي: لا شفاعة لها أصلا فتغني { وَلا يُنْقِذُونِ } من ذلك المكروه وقيل: لا ينقذون من العذاب لو عذبني الله إن فعلت ذلك. { إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ } خطأ ظاهر.\r__________\r(1) انظر: تفسير ابن كثير: 3 / 569.\r(2) انظر: ابن كثير: 3 / 569.","part":7,"page":14},{"id":2594,"text":"{ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) }","part":7,"page":15},{"id":2595,"text":"{ * وَمَا أَنزلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزلِينَ (28) إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29) }\r{ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ } يعني: فاسمعوا مني، فلما قال ذلك وثب القوم عليه وثبة رجل واحد فقتلوه (1) .\rقال ابن مسعود: وطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره (2) .\rقال السدي: كانوا يرمونه بالحجارة وهو يقول: اللهم اهد قومي، حتى قطعوه وقتلوه (3) .\rوقال الحسن: خرقوا خرقا في حلقة فعلقوه بسور من سور المدينة، وقبره بأنطاكية فأدخله الله الجنة، وهو حي فيها يرزق، فذلك قوله عز وجل: { قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ } ، فلما أفضى إلى الجنة { قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي } يعني: بغفران ربي لي، { وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ } تمنى أن يعلم قومه أن الله غفر له وأكرمه، ليرغبوا في دين الرسل.\rفلما قتل حبيب غضب الله له وعجل لهم النقمة، فأمر جبريل عليه السلام فصاح بهم صيحة واحدة، فماتوا عن آخرهم، فذلك قوله عز وجل: { وَمَا أَنزلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ } يعني: الملائكة، { وَمَا كُنَّا مُنزلِينَ } وما كنا نفعل هذا، بل الأمر في إهلاكهم كان أيسر مما يظنون.\rوقيل: معناه \"وما أنزلنا على قومه من بعده\" أي: على قوم حبيب النجار من بعد قتله من جند، وما كنا ننزلهم على الأمم إذا أهلكناهم، كالطوفان والصاعقة والريح. ثم بين عقوبتهم فقال تعالى: { إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً }، [وقرأ أبو جعفر: صيحة واحدة] (4) بالرفع، جعل الكون بمعنى الوقوع.\r__________\r(1) أخرجه ابن إسحاق بلاغا عن ابن عباس وكعب ووهب. انظر: ابن كثير: 3 / 569.\r(2) أخرجه الطبري: 22 / 161، وابن إسحاق عن بعض أصحابه عن ابن مسعود، انظر ابن كثير: 3 / 569.\r(3) أخرجه الطبري: 22 / 161 لكن عن قتادة، وكذلك عند ابن كثير: 3 / 569.\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":7,"page":15},{"id":2596,"text":"قال المفسرون: أخذ جبريل بعضادتي باب المدينة، ثم صاح بهم صيحة واحدة (1) { فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ } ميتون.\r{ يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (31) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (32) وَآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) }\r{ يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ } قال عكرمة: يعني يا حسرتهم على أنفسهم، والحسرة: شدة الندامة، وفيه قولان: أحدهما: يقول الله تعالى: يا حسرة وندامة وكآبة على العباد يوم القيامة حين لم يؤمنوا بالرسل.\rوالآخر: أنه من قول الهالكين. قال أبو العالية: لما عاينوا العذاب قالوا: يا حسرة أي: ندامة على العباد، يعني: على الرسل الثلاثة حيث لم يؤمنوا بهم، فتمنوا الإيمان حين لم ينفعهم.\rقال الأزهري: الحسرة لا تدعى، ودعاؤها تنبيه المخاطبين. وقيل العرب تقول: يا حسرتي! ويا عجبًا! على طريق المبالغة، والنداء عندهم بمعنى التنبيه، فكأنه يقول: أيها العجب هذا وقتك؟ وأيتها الحسرة هذا أوانك؟\rحقيقة المعنى: أن هذا زمان الحسرة والتعجب. ثم بين سبب الحسرة والندامة، فقال: { مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ }.\r{ أَلَمْ يَرَوْا } ألم يخبروا، يعني: أهل مكة { كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ } والقرن: أهل كل عصر، سموا بذلك لاقترانهم في الوجود { أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ } أي: لا يعودون إلى الدنيا فلا يعتبرون بهم.\r{ وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ } قرأ عاصم وحمزة: \"لما\" بالتشديد هاهنا وفي الزخرف والطارق، ووافق ابن عامر إلا في الزخرف، ووافق أبو جعفر في الطارق، وقرأ الآخرون بالتخفيف. فمن شدد جعل \"إن\" بمعنى الجحد، و\"لما\" بمعنى إلا تقديره: وما كل إلا جميع، ومن خفف جعل \"إن\" للتحقيق و\"ما\" صلة مجازه: وكل جميع { لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ }.\r{ وَآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا } بالمطر { وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا } يعني الحنطة والشعير وما\r__________\r(1) ذكره ابن كثير: 3 / 570 وعضادتا الباب: ناحيتاه.","part":7,"page":16},{"id":2597,"text":"أشبههما { فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ } أي: من الحب.\r{ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (35) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (36) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) }\r{ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ } بساتين، { مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا } في الأرض، { مِنَ الْعُيُونِ }.\r{ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ } أي: من الثمر الحاصل بالماء { وَمَا عَمِلَتْه } قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر: \"عملت\" بغير هاء، وقرأ الآخرون \"عملته\" بالهاء أي: يأكلون من الذي عملته { أَيْدِيهِم } الزرع والغرس فالهاء عائدة إلى \"ما\" التي بمعنى الذي. وقيل: \"ما\" للنفي في قوله \"ما عملته\" أي: وجدوها معمولة ولم تعملها أيديهم ولا صنع لهم فيها وهذا معنى قول الضحاك ومقاتل.\rوقيل: أراد العيون والأنهار التي لم تعملها يد خلق مثل دجلة والفرات والنيل ونحوها.\r{ أَفَلا يَشْكُرُونَ } نعمة الله .\r{ سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْوَاجَ كُلَّهَا } أي: الأصناف { مِمَّا تُنْبِتُ الأرْضُ } الثمار والحبوب { وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ } يعني: الذكور والإناث { وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ } مما خلق من الأشياء من دواب البر والبحر.\r{ وَآيَةٌ لَهُمُ } تدل على قدرتنا، { اللَّيْلُ نَسْلَخُ } ننزع ونكشط { مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ } داخلون في الظلمة، ومعناه: نذهب النهار ونجيء بالليل، وذلك أن الأصل هي الظلمة والنهار 92/ب داخل عليها ُ فإذا غربت الشمس سلخ النهار من الليلُ فتظهر الظلمة.\r{ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا } أي: إلى مستقر لها، أي: إلى انتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا وقيام الساعة.\rوقيل: إنها تسير حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها، ثم ترجع فذلك مستقرها لأنها لا تجاوزه.\rوقيل: مستقرها نهاية ارتفاعها في السماء في الصيف ونهاية هبوطها في الشتاء، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"مستقرها تحت العرش\".","part":7,"page":17},{"id":2598,"text":"أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثتا الحميدي، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل: { وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا } قال: \"مستقرها تحت العرش\" (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا الحميدي، أخبرنا وكيع، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين غربت الشمس: \"أتدري أين تذهب\"؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: \"فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها فيقال لها: ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك قوله تعالى: { وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } (2) .\rوروى عمرو بن دينار عن ابن عباس: \"والشمس تجري لا مستقر لها\" وهي قراءة ابن مسعود أي: لا قرار لها ولا وقوف فهي جارية أبدا { ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } .\r{ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) }\r{ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ } أي: قدرنا له منازل قرأ ابن كثير ونافع، وأهل البصرة: \"القمر\" برفع الراء لقوله: \"وآية لهم الليل نسلخ منه النهار\" وقرأ الآخرون بالنصب لقوله: \"قدرناه\" أي: قدرنا القمر { مَنَازِل } وقد ذكرنا أسامي المنازل في سورة يونس (3) فإذا صار القمر إلى آخر المنازل دق فذلك قوله: { حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ } والعرجون: [عود العذق] (4) الذي عليه الشماريخ، فإذا قدم وعتق يبس وتقوس واصفر فشبه القمر في دقته وصفرته في آخر المنازل به. { لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ } أي: لا يدخل النهار على الليل قبل انقضائه، ولا يدخل الليل على النهار قبل انقضائه، وهو قوله تعالى: { وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ } أي: هما يتعاقبان بحساب معلوم لا يجيء أحدهما قبل وقته.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة يس - باب: (والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم) 8 / 541، ومسلم في الإيمان، باب: بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان برقم (251) 1 / 139،والمصنف في شرح السنة: 15 / 95.\r(2) أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب: صفة الشمس والقمر 6 / 297، ومسلم في الإيمان، باب: بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان برقم: (251) 1 / 139، والمصنف في شرح السنة: 15 / 94.\r(3) انظر فيما سبق: 4 / 121.\r(4) في \"أ\" العرق.","part":7,"page":18},{"id":2599,"text":"وقيل: لا يدخل أحدهما في سلطان الآخر، لا تطلع الشمس بالليل ولا يطلع القمر بالنهار وله ضوء، فإذا اجتمعا وأدرك كل واحد منهما صاحبه قامت القيامة.\rوقيل: \"لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر\" أي: لا تجتمع معه في فلك واحد، \"ولا الليل سابق النهار\" أي: لا يتصل ليل بليل لا يكون بينهما نهار فاصل.\r{ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } يجرون.","part":7,"page":19},{"id":2600,"text":"{ وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (44) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) }\r{ وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ } قرأ أهل المدينة والشام، ويعقوب: \"ذرياتهم\" جمع وقرأ الآخرون: \"ذريتهم\" على التوحيد، فمن جمع كسر التاء، ومن لم يجمع نصبها، والمراد بالذرية: الآباء والأجداد، واسم الذرية يقع على الآباء كما يقع على الأولاد { فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ } أي: المملوء، وأراد سفينة نوح عليه السلام، وهؤلاء من نسل من حمل مع نوح، وكانوا في أصلابهم. { وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ } قيل: أراد به السفن الصغار التي عملت بعد سفينة نوح على هيئتها.\rوقيل: أراد به السفن التي تجري في الأنهار فهي في الأنهار كالفلك الكبار في البحار، وهذا قول قتادة، والضحاك وغيرهما.\rوروي عن ابن عباس أنه قال: \"وخلقنا لهم من مثله ما يركبون\" يعني: الإبل، فالإبل في البر كالسفن في البحر. { وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ } أي: لا مغيث { لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ } ينجون من الغرق. وقال ابن عباس: ولا أحد ينقذهم من عذابي. { إِلا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ } إلى انقضاء آجالهم يعني إلا أن يرحمهم ويمتعهم إلى آجالهم.\r{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ } قال ابن عباس: \"ما بين أيديكم\" يعني الآخرة، فاعملوا لها، \"وما خلفكم\" يعني الدنيا، فاحذروها، ولا تغتروا بها.\rوقيل: \"ما بين أيديكم\" وقائع الله فيمن كان قبلكم من الأمم، \"وما خلفكم\" عذاب الآخرة، وهو قول قتادة ومقاتل.","part":7,"page":19},{"id":2601,"text":"{ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } والجواب محذوف تقديره: إذا قيل لهم هذا أعرضوا عنه دليله ما بعده:\r{ وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (46) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (47) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48) مَا يَنْظُرُونَ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (49) }\r{ وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ } أي: دلالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم { إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ }.\r{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ } أعطاكم الله { قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ } أنرزق { مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ } وذلك أن المؤمنين قالوا لكفار مكة: أنفقوا على المساكين مما زعمتم من أموالكم أنه لله، وهو ما جعلوا لله من حروثهم وأنعامهم، قالوا: أنطعم أنرزق من لو يشاء الله رزقه، ثم لم يرزقه مع قدرته عليه، فنحن نوافق مشيئة الله فلا نطعم من لم يطعمه الله، وهذا مما يتمسك به البخلاء، يقولون: لا نعطي من حرمه الله. وهذا الذي يزعمون باطل؛ لأن الله أغنى بعض الخلق وأفقر بعضهم ابتلاء، فمنع الدنيا من الفقير لا بخلا وأمر الغني بالإنفاق لا حاجة إلى ماله، ولكن ليبلو الغني بالفقير فيما فرض له في مال الغني، ولا اعتراض لأحد على مشيئة الله وحكمه في خلقه { إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } يقول الكفار للمؤمنين: ما أنتم إلا في خطأ بين في اتباعكم محمدا صلى الله عليه وسلم وترك ما نحن عليه.\r{ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ } أي: القيامة والبعث { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ }.\rقال الله تعالى: { مَا يَنْظُرُونَ } أي: ما ينتظرون { إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً } قال ابن عباس: يريد النفخة الأولى { تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ } يعني: يختصمون في أمر الدنيا من البيع والشراء، ويتكلمون في المجالس والأسواق.\rقرأ حمزة: \"يخصمون\" بسكون الخاء وتخفيف الصاد، أي: يغلب بعضهم بعضا بالخصام، وقرأ الآخرون بتشديد الصاد، أي: يختصمون. أدغمت التاء في الصاد، ثم ابن كثير ويعقوب وورش يفتحون الخاء بنقل حركة التاء المدغمة إليها، ويجزمها أبو جعفر وقالون ويروم فتحة الخاء 93/أ أبو عمرو، وقرأ الباقون بكسر الخاء.","part":7,"page":20},{"id":2602,"text":"وروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه ولتقومن الساعة وقد رفع الرجل (1) أكلته إلى فيه فلا يطعمها\" (2) .\r{ فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (53) }\rقوله عز وجل { فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً } أي: لا يقدرون على الإيصاء. قال مقاتل: عجلوا عن الوصية فماتوا { وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ } ينقلبون، والمعنى أن الساعة لا تمهلهم لشيء. { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ } وهي النفخة الأخيرة نفخة البعث، وبين النفختين أربعون سنة { فَإِذَا هُمْ مِنَ الأجْدَاثِ } يعني: القبور واحدها: جدث { إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ } يخرجون من القبور أحياء، ومنه قيل للولد: نسل لخروجه من بطن أمه.\r{ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا } قال أبي بن كعب، وابن عباس، وقتادة: إنما يقولون هذا لأن الله تعالى يرفع عنهم العذاب بين النفختين فيرقدون فإذا بعثوا بعد النفخة الأخيرة وعاينوا القيامة دعوا بالويل (3) .\rوقال أهل المعاني: إن الكفار إذا عاينوا جهنم وأنواع عذابها صار عذاب القبر في جنبها كالنوم، فقالوا: يا ويلنا (4) من بعثنا من مرقدنا؟ ثم قالوا: { هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ } [أقروا حين لم ينفعهم الإقرار. وقيل: قالت الملائكة لهم: \"هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون\"] (5) .\rقال مجاهد: يقول الكفار: \"من بعثنا من مرقدنا\"؟ فيقول المؤمنون: \"هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون\". { إِنْ كَانَتْ } ما كانت { إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً } يعني: النفخة الآخرة { فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ } .\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) قطعة من حديث أخرجه البخاري في الفتن: 13 / 81-82، والمصنف في شرح السنة: 15 / 26-27.\r(3) انظر: الدر المنثور: 7 / 63-64.\r(4) ساقط من \"أ\".\r(5) ساقط من \"أ\".","part":7,"page":21},{"id":2603,"text":"{ فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (54) }","part":7,"page":22},{"id":2604,"text":"{ إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (57) سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58) }\r{ فاليومَ لا تُظلمُ نفسٌ شيئًا ولا تُجزونَ إلا ما كنتم تعملون } .\r{ إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ } قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو \"في شغل\"، بسكون الغين، والباقون بضمها، وهما لغتان مثل السُّحْت والسُّحُت.\rواختلفوا في معنى الشغل، قال ابن عباس: في افتضاض الأبكار (1) ، وقال وكيع بن الجراح: في السماع.\rوقال الكلبي: في شغل عن أهل النار وعما هم فيه لا يهمهم أمرهم ولا يذكرونهم.\rوقال الحسن: شغلوا بما في الجنة من النعيم عما فيه أهل النار من العذاب.\rوقال ابن كيسان: في زيارة بعضهم بعضا. وقيل: في ضيافة الله تعالى (2) .\r{ فَاكِهُون } قرأ أبو جعفر: \"فكهون\" حيث كان، وافقه حفص في المطففين؛ وهما لغتان مثل: الحاذر والحذر أي: ناعمون. قال: مجاهد والضحاك: معجبون بما هم فيه. وعن ابن عباس قال: فرحون.\r{ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ } أي: حلائلهم { فِي ظِلالٍ } قرأ حمزة والكسائي: \"ظلل\" بضم الظاء من غير ألف جمع ظله وقرأ العامة: \"في ظلال\" بالألف وكسر الظاء على جمع ظل { عَلَى الأرَائِكِ } يعني السرر في الحجال (3) ، واحدتها: أريكة . قال ثعلب: لا تكون أريكة حتى يكون عليها حجلة { مُتَّكِئُون } ذوو اتكاء.\r{ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ } يتمنون ويشتهون.\r{ سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ } أي: يسلم الله عليهم قولا أي: يقول الله لهم قولا.\rأخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا عبد الخالق بن علي بن عبد الخالق المؤذن، حدثني أبو بكر أحمد بن محمد بن موسى الملحمي\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 23 / 18، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 64 أيضا لابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في صفة الجنة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\r(2) انظر هذه الأقوال في البحر المحيط: 7 / 342.\r(3) الحجال: جمع حجلة وهو بيت للعروس يزين بالثياب، والأسرة، والستور، قال في اللسان: والحجلة مثل القبة، وحجلة العروس معروفة، وهي بيت يستر بالثياب والأسرة.","part":7,"page":22},{"id":2605,"text":"الأصفهاني، أخبرنا الحسن بن أبي علي الزعفراني، أخبرنا ابن أبي الشوارب، أخبرنا أبو عاصم العباداني، أخبرنا الفضل الرقاشي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم، فإذا الرب عز وجل قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، فذلك قوله: \"سلام قولا من رب رحيم\" فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم فيبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم\" (1) .\rوقيل: تسلم عليهم الملائكة من ربهم.\rقال مقاتل: تدخل الملائكة على أهل الجنة من كل باب يقولون: سلام عليكم يا أهل الجنة من ربكم الرحيم.\rوقيل: يعطيهم السلامة، يقول: اسلموا السلامة الأبدية.\r{ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (59) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) }\r{ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ } قال مقاتل: اعتزلوا اليوم من الصالحين. قال أبو العالية: تميزوا. وقال السدي: كونوا على حدة. وقال الزجاج: انفردوا عن المؤمنين. قال الضحاك: إن لكل كافر في النار بيتًا يدخل ذلك البيت ويردم بابه بالنار فيكون فيه أبد الآبدين لا يرى ولا يرى (2) .\r{ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ } ألم آمركم يا بني آدم { أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ } أي: لا تطيعوا الشيطان في معصية الله { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } ظاهر العداوة.\r{ وَأَنِ اعْبُدُونِي } أطيعوني ووحدوني { هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ } .\r{ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلا كَثِيرًا } قرأ أهل المدينة، وعاصم: \"جبلا\" بكسر الجيم والباء وتشديد اللام، وقرأ يعقوب: \"جبلا\" بضم الجيم والباء وتشديد اللام، وقرأ ابن عامر، وأبو عمرو بضم\r__________\r(1) أخرجه ابن ماجه في المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية، برقم: (184) 1 / 66-67، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 65-66 أيضا لابن أبي الدنيا في صفة الجنة والبزار وابن أبي حاتم والآجري في الرؤية وابن مردويه، قال البوصيري في مصباح الزجاجة: \"والذي رأيته أنا في كتاب العقيلي ما نصه: عبد الله بن عبيد الله أبو عاصم العباداني، منكر الحديث، وكان الفضل يرى القدر، كاد أن يغلب على حديثه الوهم\". وانظر مجمع الزوائد 7 / 98، وضعيف الجامع الصغير رقم الحديث (2362).\r(2) انظر: البحر المحيط: 7 / 343.","part":7,"page":23},{"id":2606,"text":"الجيم ساكنة الباء خفيفة، وقرأ الآخرون بضم الجيم والباء خفيفة، وكلها لغات، ومعناها: الخلق والجماعة أي: خلقا كثيرًا { أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ } ما أتاكم من هلاك الأمم الخالية بطاعة إبليس، ويقال لهم لما دنوا من النار:\r{ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (63) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (64) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65) }\r{ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ } بها في الدنيا { اصْلَوْهَا } ادخلوها { الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } هذا حين ينكر الكفار كفرهم وتكذيبهم الرسل، فيختم على أفواههم وتشهد عليهم جوارحهم.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو الحسن محمد بن عمرو بن حفصويه السرخسي، سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، أخبرنا أبو يزيد حاتم بن محبوب، أخبرنا عبد الجبار بن العلاء، أخبرنا سفيان عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: \"هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحاب\"؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: \"فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة\"؟ قالوا: لا قال: \"فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم كما لا تضارون في رؤية أحدهما\"، قال: \"فيلقى العبد فيقول: أي عبدي ألم أكرمك؟ ألم أسودك ألم أزوجك ألم أسخر لك الخيل والإبل وأذرك تترأس وتتربع؟ قال: بلى يا رب قال: فظننت أنك ملاقي؟ قال: لا قال: فاليوم أنساك كما نسيتني، قال: فيلقى الثاني فيقول: ألم أكرمك، ألم أسودك، ألم أزوجك، ألم أسخر لك الخيل والإبل وأتركك تترأس وتتربع؟-وقال غيره عن سفيان: ترأس وتربع في الموضعين-قال: فيقول: بلى 93/ب يا رب، فيقول: ظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا يا رب قال: فاليوم أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثالث فيقول؟ ما أنت؟ فيقول: أنا عبدك آمنت بك وبنبيك وبكتابك وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع قال: فيقال له: ألم نبعث عليك شاهدنا؟ قال: فيتفكر في نفسه من الذي يشهد عليَّ فيختم على فيه ويقال لفخذه: انطقي قال: فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بما كان يعمل وذلك المنافق وذلك ليعذر من نفسه وذلك الذي سخط الله عليه\" (1) .\rأخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرنا جدي أبو سهل عبد الصمد بن عبد الرحمن البزاز، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، أخبرنا عبد الرزاق،\r__________\r(1) قطعة من حديث أخرجه مسلم في الزهد برقم: (2968) 4 / 2279-2280، والمصنف في شرح السنة: 15 / 146-148.","part":7,"page":24},{"id":2607,"text":"أخبرنا معمر، عن بهز بن حكيم بن معاوية، عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إنكم تدعون فيفدم على أفواهكم بالفدام فأول ما يسأل عن أحدكم فخذه وكفه\" (1)\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، أخبرنا مسلم بن الحجاج، أخبرنا أبو بكر بن أبي النضر، حدثني هاشم بن القاسم، أخبرنا عبد الله الأشجعي، عن سفيان الثوري، عن عبيد المكتب، عن فضيل، عن الشعبي، عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك فقال: \"هل تدرون مم أضحك\"؟ قال: قلنا الله ورسوله أعلم، قال: \"من مخاطبة العبد ربه\" يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: فيقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجير على نفسي إلا شاهدا مني، قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا قال: فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي قال: فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدا لَكُنَّ وسحقًا فعنكن كنت أناضل\" (2)\r{ وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (66) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ (67) }\rقوله عز وجل: { وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ } [أي: أذهبنا أعينهم] (3) الظاهرة بحيث لا يبدو لها جفن ولا شق، وهو معنى الطمس كما قال الله عز وجل: \"ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم\"( البقرة -20 ) يقول: كما أعمينا قلوبهم لو شئنا أعمينا أبصارهم الظاهرة { فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ } فتبادروا إلى الطريق { فَأَنَّى يُبْصِرُونَ } فكيف يبصرون [وقد أعمينا أعينهم؟ يعني: لو نشاء لأضللناهم عن الهدى، وتركناهم عميا يترددون، فكيف يبصرون] (4) الطريق حينئذ؟ هذا قول الحسن والسدي، وقال ابن عباس، وقتادة، ومقاتل، وعطاء: معناه لو نشاء لفقأنا أعين ضلالتهم فأعميناهم عن غيهم، وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا رشدهم { فَأَنَّى يُبْصِرُونَ } ولم أفعل ذلك بهم؟\r{ وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ } يعني: مكانهم: يريد: لو نشاء لجعلناهم قردة وخنازير\r__________\r(1) حديث حسن أخرجه عبد الرازق في التفسير: 2 / 185 والنسائي في التفسير: 2 / 260، والطبراني في الكبير: 19 / 408، والإمام أحمد: 4 / 447، 5 / 4-5، وزاد السيوطي في الدر المنثور: 7 / 319 نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم: 2 / 440 وصححه، والبيهقي في البعث، وللحديث شواهد ساقها الحافظ ابن كثير في التفسير: 3 / 578.\r(2) أخرجه مسلم في الزهد برقم: (2969): 4 / 2280-2281.\r(3) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":7,"page":25},{"id":2608,"text":"في منازلهم، وقيل: لو نشاء لجعلناهم حجارة، وهم قعود في منازلهم لا أرواح لهم. { فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ } إلى ما كانوا عليه، وقيل: لا يقدرون على ذهاب ولا رجوع.\r{ وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (68) وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (69) }\r{ وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ } قرأ عاصم وحمزة: \"ننكسه\" بالتشديد، وقرأ الآخرون بفتح النون الأولى وضم الكاف مخففا، أي: نرده إلى أرذل العمر شبه الصبي في أول الخلق.\rوقيل: \"ننكسه في الخلق\" أي: نضعف جوارحه بعد قوتها ونردها إلى نقصانها بعد زيادتها. { أَفَلا يَعْقِلُونَ } فيعتبروا ويعلموا أن الذي قدر على تصريف أحوال الإنسان يقدر على البعث بعد الموت.\rقوله تعالى: { وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ } قال الكلبي: إن كفار مكة قالوا: إن محمدًا شاعر، وما يقوله شعر، فأنزل الله تكذيبًا لهم: { وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ } أي: ما يتسهل له ذلك، وما كان يتزن له بيت من شعر، حتى إذا تمثل ببيت شعر جرى على لسانه منكسرًا .\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن محمد الثقفي، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدثنا يوسف بن عبد الله بن ماهان، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بهذا البيت: كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيًا\rفقال أبو بكر: يا رسول الله إنما قال الشاعر: كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيًا (1)\r[ ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيًا] ، فقال أبو بكر وعمر: أشهد أنك رسول الله، يقول الله تعالى: { وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ } (2)\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم البغوي، أخبرنا علي بن الجعد، حدثنا شريك، عن المقدام بن شريح، عن أبيه قال: قلت لعائشة: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: كان يتمثل من شعر عبد الله بن رواحة.\r__________\r(1) البيت لسحيم عبد الحسحاس، وصدره:\rعميرة ودع إن تجهزت غازيا.\rانظره في البيان والتبيين للجاحظ: 1 / 71، الكامل للمبرد ص (585) عن تفسير ابن كثير: 7 / 574 طبع الشعب.\r(2) أخرجه ابن سعد: 1 / 382-383 (وما بين القوسين استدركناه منه) وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 71 لابن أبي حاتم والمرزباني في معجم الشعراء، وعلى بن زيد ضعيف.","part":7,"page":26},{"id":2609,"text":"قالت: وربما قال: ويأتيك بالأخبار من لم تُزَوِّدِ (1)\rوقال معمر عن قتادة: بلغني أن عائشة سئلت: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: كان الشعر أبغض الحديث إليه، قالت: ولم يتمثل بشيء من الشعر إلا ببيت أخي بني قيس طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود\rفجعل يقول: \"ويأتيك من لم تزود بالأخبار\" فقال أبو بكر رضي الله عنه: ليس هكذا يا رسول الله، فقال: \"إني لست بشاعر ولا ينبغي لي\" (2) .\r{ إِنْ هُوَ } يعني: القرآن { إِلا ذِكْرٌ } موعظة { وَقُرْآنٌ مُبِينٌ } فيه الفرائض والحدود والأحكام.\r{ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70) }\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الأدب، باب:ما جاء في إنشاد الشعر:8 / 140-141 وقال: (هذا حديث حسن صحيح)، والإمام أحمد 6 / 156، وابن سعد: 1 / 383، وعزاه ابن كثير (3 / 579) أيضا للنسائي.\r(2) أخرجه الطبري: 23 / 27، وعبد الرزاق في التفسير: 2 / 145وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 71 أيضا لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، وراجع تفسير ابن كثير: 3 / 580.","part":7,"page":27},{"id":2610,"text":"{ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) }\r{ لِيُنْذِر } قرأ أهل المدينة والشام ويعقوب \"لتنذر\" بالتاء وكذلك في الأحقاف، [وافق ابن كثير في الأحقاف] (1) أي: لتنذر يا محمد، وقرأ الآخرون بالياء أي لينذر القرآن { مَنْ كَانَ حَيًّا } يعني: مؤمنا حي القلب؛ لأن الكافر كالميت في أنه لا يتدبر ولا يتفكر { وَيَحِقَّ الْقَوْلُ } ويجب حجة العذاب { عَلَى الْكَافِرِينَ } .\rقوله عز وجل: { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا } تولينا خلقه بإبداعنا من غير إعانة أحد { أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ } ضابطون قاهرون، أي: لم يخلق الأنعام وحشية نافرة من بني آدم لا يقدرون على ضبطها، بل هي مسخرة لهم.\rوهي قوله: { وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ } سخرناها لهم { فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ } أي: ما يركبون وهي الإبل { وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ } من لحمانها.\r__________\r(1) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".","part":7,"page":27},{"id":2611,"text":"{ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (73) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (75) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (76) أَوَلَمْ يَرَ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) }\r{ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ } من أصوافها وأوبارها وأشعارها ونسلها { وَمَشَارِب } من ألبانها { أَفَلا يَشْكُرُونَ } رب (1) هذه النعم.\r{ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ } يعني: لتمنعهم من عذاب الله، ولا يكون ذلك قط.\r{ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ } 94/أ قال ابن عباس: لا تقدر الأصنام على نصرهم ومنعهم من العذاب. { وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ } أي: الكفار جند للأصنام يغضبون لها ويحضرونها في الدنيا، وهي لا تسوق إليهم خيرا، ولا تستطيع لهم نصرا. وقيل: هذا في الآخرة، يؤتى بكل معبود من دون الله تعالى ومعه أتباعه الذين عبدوه كأنهم جند محضرون في النار.\r{ فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ } يعني: قول كفار مكة في تكذيبك { إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ } في ضمائرهم من التكذيب { وَمَا يُعْلِنُونَ } من عبادة الأصنام أو ما يعلنون بألسنتهم من الأذى.\rقوله تعالى: { أَوَلَمْ يَرَ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ } جدل بالباطل { مُبِين } بين الخصومة، يعني: إنه مخلوق من نطفة ثم يخاصم فكيف لا يتفكر في بدء خلقه حتى يدع الخصومة.\rنزلت في أبي بن خلف الجمحي خاصم النبي صلى الله عليه وسلم في إنكار البعث، وأتاه بعظم قد بلي ففتته بيده، وقال: أترى يحيى الله هذا بعد ما رَمَّ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"نعم ويبعثك ويدخلك النار\" فأنزل الله هذه الآيات (2) .\r__________\r(1) ساقطة من \"ب\".\r(2) أخرجه الطبري: 23 / 30، والواحدي في أسباب النزول ص (423). وأخرج الحاكم: 2 / 429 وابن أبي الحاتم أن الآية نزلت في العاص بن وائل. وقد ذكر الحافظ ابن كثير الروايتين: 3 / 582 ثم قال: \"وعلى كل تقدير سواء كانت هذه الآية قد نزلت في أبي بن خلف أو العاص بن وائل أو فيهما، فهي عامة في كل من أنكر البعث، والألف واللام في قوله تعالى: (أولم ير الإنسان) للجنس يعم كل منكر للبعث\".","part":7,"page":28},{"id":2612,"text":"{ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) }\r{ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ } بدء أمره، ثم { قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ } بالية، ولم يقل رميمة؛ لأنه معدول عن فاعلة، وكل ما كان معدولا عن وجهه ووزنه كان مصروفًا عن أخواته (1) ، كقوله: \"وما كانت أمك بغيا\"( مريم -28 ) ، أسقط الهاء لأنها كانت مصروفة عن باغية.\r{ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا } خلقها (2) ، { أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ } .\r{ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَارًا } قال ابن عباس: هما شجرتان يقال لأحدهما: المرخ وللأخرى: العفار، فمن أراد منهم النار قطع منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما الماء، فيسحق المرخ على العفار فيخرج منهما النار بإذن الله عز وجل (3) .\rتقول العرب: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار، وقال الحكماء: في كل شجر نار إلا العناب. { فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ } أي: تقدحون وتوقدون النار من ذلك الشجر، ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان، فقال:\r{ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِقَادِر } قرأ يعقوب: \"يقدر\" بالياء على الفعل { عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى } أي: قل: بلى، هو قادر على ذلك { وَهُوَ الْخَلاقُ } [يخلق خلقا بعد خلق] (4) ، { الْعَلِيم } بجميع ما خلق.\r__________\r(1) في \"أ\": إعرابه.\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) انظر: تفسير ابن كثير: 3 / 583، البحر المحيط: 7 / 348.\r(4) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".","part":7,"page":29},{"id":2613,"text":"{ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83) }\r{ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو الطاهر الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا علي بن الحسين الدرابجردي، حدثنا عبد الله بن عثمان، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان -وليس بالنهدي -عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"اقرؤوا على موتاكم سورة يس\" (1) ورواه محمد بن العلاء عن ابن المبارك، وقال: عن أبي عثمان وليس بالنهدي عن أبيه عن معقل بن يسار.\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الجنائز، باب: القراءة عند الميت: 4 / 287، وابن ماجه في الجنائز، باب: ما جاء فيما يقال عند المريض إذا حضر برقم (1448) 1 / 465-466، والبيهقي في السنن: 3 / 383 والنسائي في عمل اليوم والليلة ص (581)، والإمام أحمد: 5 / 26 وابن حبان في موارد الظمآن برقم (720) ص (184)، والحاكم: 1 / 565 وقال: أوقفه يحيى بن سعيد وغيره، والقول فيه قول ابن المبارك إذ الزيادة من الثقة مقبولة. وأبو عثمان وأبوه مجهولان فالحديث ضعيف، وأخرجه المصنف في شرح السنة 5 / 395، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح: أن ابن القطان قد أعله بالاضطراب والوقف وبجهالة حال أبي عثمان وأبيه. ونقل أبو بكر بن العربي عن الدارقطني أنه قال: هذا حديث ضعيف الإسناد مجهول المتن، ولا يصح في الباب حديث، انظر التلخيص الحبير 2 / 104، إرواء الغليل 3 / 150-152.","part":7,"page":30},{"id":2614,"text":"سورة الصافات مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2) }\r{ وَالصَّافَّاتِ صَفًّا } قال ابن عباس، والحسن، وقتادة: هم الملائكة في السماء يصفون كصفوف الخلق في الدنيا للصلاة.\rأخبرنا عمر بن عبد العزيز القاشاني، أخبرنا أبو عمر القاسم بن جعفر الهاشمي، أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي، حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث، حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا زهير قال: سألت سليمان الأعمش عن حديث جابر بن سمرة في الصفوف المقدمة فحدثنا عن المسيب بن رافع عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم\"؟ قلنا: وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال: \"يتمون الصفوف المقدمة ويتراصون في الصف\" (2) .\rوقيل: هم الملائكة تصف أجنحتها في الهواء واقفة حتى يأمرها الله تعالى بما يريد.\rوقيل: هي الطيور (3) ، دليله قوله تعالى: \"والطير صافات\"( النور -41 ).\rقوله تعالى { فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا } يعني: الملائكة تزجر السحاب وتسوقه، وقال قتادة: هي زواجر القرآن تنهى وتزجر عن القبائح.\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما - قال: نزلت سورة الصافات بمكة. انظر: الدر المنثور: 7 / 77.\r(2) أخرجه أبو داود في تسوية الصفوف: 1 / 332 ومسلم في الصلاة، باب: الأمر بالسكون في الصلاة وإتمام الصفوف برقم: (430) 1 / 322، والمصنف في شرح السنة: 3 / 366.\r(3) انظر: البحر المحيط: 7 / 351.","part":7,"page":33},{"id":2615,"text":"{ فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (3) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (4) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (5) إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) }\r{ فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا } هم الملائكة يتلون ذكر الله عز وجل. وقيل: هم جماعة قراء القرآن (1) وهذا كله قسم أقسم الله تعالى به، وموضع القسم قوله: { إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ } وقيل: فيه إضمار، أي: ورب الصافات والزاجرات والتاليات، وذلك أن كفار مكة قالوا: \"أجعل الآلهة إلها واحدا\"؟ فأقسم الله بهؤلاء: \"إن إلهكم لواحد\".\r{ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ } أي: مطالع الشمس [قيل: أراد به المشارق والمغارب، كما قال في موضع آخر: \"فلا أقسم برب المشارق والمغارب\"( المعارج-40 ) ] (2)\rفإن قيل: قد قال في موضع: \"برب المشارق والمغارب\"، وقال في موضع: \"رب المشرقين ورب المغربين\"( الرحمن -17 ) وقال في موضع: \"رب المشرق والمغرب\"( المزمل -9 ) ، فكيف وجه التوفيق بين هذه الآيات؟\rقيل: أما قوله: \"رب المشرق والمغرب\"، أراد به الجهة، فالمشرق جهة والمغرب جهة.\rوقوله: \"رب المشرقين ورب المغربين\" أراد: مشرق الشتاء ومشرق الصيف، وأراد بالمغربين: مغرب الشتاء ومغرب الصيف.\rوقوله: \"برب المشارق والمغارب\" أراد الله تعالى أنه خلق للشمس ثلثمائة وستين كوة في المشرق، وثلثمائة وستين كوة في المغرب، على عدد أيام السنة، تطلع الشمس كل يوم من كوة منها، وتغرب في كوة منها، لا ترجع إلى الكوة التي تطلع منها إلى ذلك اليوم من العام المقبل، فهي المشارق والمغارب، وقيل: كل موضع شرقت عليه الشمس فهو مشرق وكل موضع غربت عليه الشمس فهو مغرب، كأنه أراد رب جميع ما أشرقت عليه الشمس وغربت. { إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ }\rقرأ عاصم، برواية أبي بكر: \"بزينة\" منونة (3) \"الكواكب\" نصب، أي: بتزييننا الكواكب، وقرأ حمزة، وحفص: \"بزينة\" منونة، \"الكواكب\" خفضا على البدل، أي: بزينة بالكواكب، أي: زيناها بالكواكب. وقرأ الآخرون: \"بزينة الكواكب\"، بلا تنوين على الإضافة.\rقال ابن عباس: بضوء الكواكب.\r__________\r(1) انظر: البحر المحيط: 7 / 351.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) زيادة من \"ب\".","part":7,"page":34},{"id":2616,"text":"{ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإ الأعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (8) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (9) إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (10) فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (11) }\r{ وَحِفْظًا } أي: وحفظناها حفظا 94/ب { مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ } متمرد يرمون بها. { لا يَسْمَعُونَ } قرأ حمزة، والكسائي، وحفص: \"يسمعون\" بتشديد السين والميم، أي: لا يتسمعون، فأدغمت التاء في السين، وقرأ الآخرون بسكون السين خفيف الميم، { إِلَى الْمَلإ الأعْلَى } أي: إلى الكتبة من الملائكة.\rو\"الملأ الأعلى\" هم الملائكة لأنهم في السماء، ومعناه: أنهم لا يستطيعون الاستماع إلى الملأ الأعلى، { وَيُقْذَفُونَ } يرمون، { مِنْ كُلِّ جَانِبٍ } من آفاق السماء بالشهب. { دُحُورًا } يبعدونهم عن مجالس الملائكة، يقال: دحره دحرا ودحورا، إذا طرده وأبعده، { وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ }\rدائم، قال مقاتل: دائم إلى النفخة الأولى، لأنهم يحرقون ويتخبلون. { إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ } اختلس الكلمة من كلام الملائكة مسارقة، { فَأَتْبَعَهُ } لحقه، { شِهَابٌ ثَاقِبٌ }\rكوكب مضيء قوي لا يخطئه يقتله، أو يحرقه أو يخبله، وإنما يعودون إلى استراق السمع مع علمهم بأنهم لا يصلون إليه طمعا في السلامة ونيل المراد، كراكب البحر، قال عطاء: سمي النجم الذي يرمى به الشياطين ثاقبا لأنه يثقبهم .\r{ فَاسْتَفْتِهِم } أي: سلهم، يعني: أهل مكة، { أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا } يعني: من السموات والأرض والجبال، وهذا استفهام بمعنى التقرير، أي: هذه الأشياء أشد خلقا كما قال: \"لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس\"( غافر -57 ) وقال: \"أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها\"( النازعات -27 ) .\rوقيل: \"أم من خلقنا\" يعني: من الأمم الخالية، لأن \"من\" يذكر فيمن يعقل، يقول: إن هؤلاء ليسوا بأحكم خلقا من غيرهم من الأمم، وقد أهلكناهم بذنوبهم فما الذي يؤمن هؤلاء من العذاب؟ ثم ذكر خلق الإنسان، فقال:\r{ إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ } يعني: جيد حر لاصق يعلق باليد، ومعناه اللازم، أبدل الميم باء كأنه يلزم اليد. وقال مجاهد والضحاك: منتن.","part":7,"page":35},{"id":2617,"text":"{ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (12) وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (13) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (14) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ (15) }\r{ بَلْ عَجِبْتَ } قرأ حمزة، والكسائي: بضم التاء، وهي قراءة ابن مسعود، وابن عباس والعجب من الله عز وجل ليس كالتعجب من الآدميين، كما قال: \"فيسخرون منهم سخر الله منهم\"( التوبة -79 ) ، وقال عز وجل: \"نسوا الله فنسيهم\"( التوبة -67 ) ، فالعجب من الآدميين: إنكاره وتعظيمه، والعجب من الله تعالى قد يكون بمعنى الإنكار والذم، وقد يكون بمعنى الاستحسان والرضا كما جاء في الحديث: \"عجب ربكم من شاب ليست له صبوة\" (1) .\rوجاء في الحديث: \"عجب ربكم من سؤالكم وقنوطكم وسرعة إجابته إياكم\" (2)\rوسئل الجنيد عن هذه الآية، فقال: إن الله لا يعجب من شيء، ولكن الله وافق رسوله لما عجب رسوله فقال: \"وإن تعجب فعجب قولهم\"( الرعد -5 ) أي: هو كما تقوله.\rوقرأ الآخرون بفتح التاء على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم: أي: عجبت من تكذيبهم إياك، { وَيَسْخَرُونَ } من تعجبك.\rقال قتادة: عجب النبي صلى الله عليه وسلم من هذا القرآن حين أنزل وضلال بني آدم (3) ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يظن أن كل من يسمع القرآن يؤمن به، فلما سمع المشركون القرآن سخروا منه ولم يؤمنوا به، فعجب من ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الله تعالى: \"بل عجبت ويسخرون\".\r{ وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ } أي: إذا وعظوا بالقرآن لا يتعظون.\r{ وَإِذَا رَأَوْا آيَةً } قال ابن عباس ومقاتل: يعني انشقاق القمر { يَسْتَسْخِرُونَ } يسخرون ويستهزءون، وقيل: يستدعي بعضهم عن بعض السخرية .\r{ وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ } [يعني سحر بين] (4) .\r__________\r(1) أخرجه الإمام أحمد: 4 / 151، قال ابن الديبع الشيباني في تمييز الطيب من الخبيث ص (51): \"رواه القضاعي في مسنده من حديث ابن لهيعة بسنده عن عقبة بن عامر مرفوعا، وكذا هو عند أحمد وأبي يعلى، وإسناده حسن، وضعفه ابن حجر لأجل ابن لهيعة\".\r(2) في المطبوع: \"عجب ربكم من ألكم...\" رواه أبو عبيد في الغريب عن محمد بن عمر يرفعه، ثم قال: \"الأل\": رفع الصوت بالدعاء، وقال: بعضهم يرويه الأول، وهو الشدة. انظر: الكافي الشاف: ص(141).\r(3) انظر: الطبري 23 / 44، الدر المنثور: 7 / 83، تفسير ابن كثير: 4 / 5.\r(4) زيادة من \"ب\".","part":7,"page":36},{"id":2618,"text":"{ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ (17) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (18) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (19) وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (20) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (21) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (23) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24) }\r{ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ }\r{ أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ } أي: وآباؤنا الأولون.\r{ قُلْ نَعَمْ } تبعثون، { وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ } صاغرون، والدخور أشد الصغار.\r{ فَإِنَّمَا هِيَ } أي: قصة البعث أو القيامة، { زَجْرَةٌ } أي: صيحة، { وَاحِدَة } يعني: نفخة البعث، { فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ } أحياء.\r{ وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ } أي: يوم الحساب ويوم الجزاء.\r{ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ } يوم القضاء، وقيل: يوم الفصل بين المحسن والمسيء، { الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ }.\r{ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا } أي: أشركوا، اجمعوهم إلى الموقف للحساب والجزاء، { وَأَزْوَاجَهُم } أشباههم وأتباعهم وأمثالهم.\rقال قتادة والكلبي: كل من عمل مثل عملهم، فأهل الخمر مع أهل الخمر، وأهل الزنا مع أهل الزنا.\rوقال الضحاك ومقاتل: قرناءهم من الشياطين، كل كافر مع شيطانه في سلسلة. وقال الحسن: وأزواجهم المشركات.\r{ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ من دُونِ الله } في الدنيا، يعني: الأوثان والطواغيت. وقال: مقاتل: يعني إبليس وجنوده، واحتج بقوله: \"أن لا تعبدوا الشيطان\"( يس -60 ) .\r{ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ } قال ابن عباس: دلوهم إلى طريق النار. وقال ابن كيسان: قدموهم. والعرب تسمي السابق هاديا.\r{ وَقِفُوهُمْ } احبسوهم، يقال: وقفته وقفا فوقف وقوفا.\rقال المفسرون: لما سيقوا إلى النار حبسوا عند الصراط لأن السؤال عند الصراط، فقيل:","part":7,"page":37},{"id":2619,"text":"وقفوهم { إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ } قال ابن عباس: عن جميع أقوالهم وأفعالهم.\rوروي عنه عن: لا إله إلا الله. وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن أربعة أشياء: عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به\" (1) .\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في القيامة، باب: ما جاء في شأن الحساب والقصاص: 7 / 101 وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\" وأقره المنذري في الترغيب والترهيب، وعزاه الهيثمي في مجمع الزوائد: 10 / 346 للطبراني والبزار بنحوه ثم قال: \"ورجال الطبراني رجال الصحيح غير صامت بن معاذ وعدي بن عدي الكندي وهما ثقتان\".","part":7,"page":38},{"id":2620,"text":"{ مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ (25) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (26) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (27) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (28) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29) }\r{ مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ } أي: لا تتناصرون، يقال لهم توبيخًا: ما لكم لا ينصر بعضكم بعضًا، يقول لهم خزنة النار، هذا جواب لأبي جهل حين قال يوم بدر: \"نحن جميع منتصر\"( القمر -44 ).\rفقال الله تعالى: { بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ } قال ابن عباس: خاضعون. وقال الحسن: منقادون، يقال: استسلم للشيء إذا انقاد له وخضع له، والمعنى: هم اليوم أذلاء منقادون لا حيلة لهم.\r{ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ } أي: الرؤساء والأتباع { يتساءلون } يتخاصمون.\r{ قَالُوا } أي: الأتباع للرؤساء، { إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ } أي: من قبل الدين فتضلوننا عنه [وتروننا أن الدين ما تضلوننا به] (1) قاله الضحاك. وقال مجاهد: عن الصراط الحق، واليمين عبارة عن الدين والحق، كما أخبر الله تعالى عن إبليس: \"ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم\"( الأعراف -17 ) فمن أتاه الشيطان من قبل اليمين أتاه من قبل الدين فلبس عليه الحق.\rوقال بعضهم: كان الرؤساء 95/أ يحلفون لهم أن ما يدعونهم إليه هو الحق، فمعنى قوله: \"تأتوننا عن اليمين\" أي: من ناحية الأيمان التي كنتم تحلفونها فوثقنا بها.\rوقيل: \"عن اليمين\" أي: عن القوة والقدرة، كقوله: \"لأخذنا منه باليمين\"( الحاقة -45 ) ، والمفسرون على القول الأول.\r{ قَالُوا } يعني: الرؤساء (2) للأتباع، { بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ } لم تكونوا على الحق فنضلكم عنه، أي: إنما الكفر من قبلكم.\r__________\r(1) في \"ب\": (وتردوننا إلى الذي تضلوننا به).\r(2) في \"ب\" الرسل.","part":7,"page":38},{"id":2621,"text":"{ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (30) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (31) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (32) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (33) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (34) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (37) إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الألِيمِ (38) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (39) إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40) أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41) }\r{ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ } من قوة وقدرة فنقهركم على متابعتنا، { بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ } ضالين.\r{ فَحَقَّ } وجب، { عَلَيْنَا } جميعا، { قَوْلُ رَبِّنَا } يعني: كلمة العذاب، وهي قوله: \"لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين\"( السجدة -13 ) { إِنَّا لَذَائِقُونَ } العذاب، أي: أن الضال والمضل جميعا في النار.\r{ فَأَغْوَيْنَاكُم } فأضللناكم عن الهدى ودعوناكم إلى ما كنا عليه { إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ } ضالين. قال الله عز وجل: { فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ } الرؤساء والأتباع.\r{ إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ } قال ابن عباس: الذين جعلوا لله شركاء.\r{ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ } يتكبرون عن كلمة التوحيد، ويمتنعون منها. { وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ } يعنون النبي صلى الله عليه وسلم.\rقال الله عز وجل ردا عليهم: { بَلْ جَاءَ } محمد، { بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ } أي: أنه أتى بما أتى به المرسلون قبله.\r{ إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الألِيمِ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } في الدنيا من الشرك.\r{ إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ } الموحدين.\r{ أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ } يعني: بكرة وعشيا [كما قال: \"ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا\"( مريم -62 ) ] (1) .\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":7,"page":39},{"id":2622,"text":"{ فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (42) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (43) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (44) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46) لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزفُونَ (47) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (49) }\r{ فَوَاكِهُ } جمع الفاكهة، وهي الثمار كلها رطبها ويابسها، وهي كل طعام يؤكل للتلذذ لا للقوت، { وَهُمْ مُكْرَمُونَ } بثواب الله.\r{ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ } لا يرى بعضهم قفا بعض.\r{ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ } إناء فيه شراب ولا يكون كأسا حتى يكون فيه شراب، وإلا فهو إناء، { مِنْ مَعِينٍ } خمر جارية في الأنهار ظاهرة تراها العيون.\r{ بَيْضَاءَ } قال الحسن: خمر الجنة أشد بياضًا من اللبن، { لَذَّة } أي: لذيذة، { لِلشَّارِبِينَ } .\r{ لا فِيهَا غَوْلٌ } قال الشعبي: لا تغتال عقولهم فتذهب بها. قال الكلبي: إثم. وقال قتادة: وجع البطن. وقال الحسن: صداع.\rوقال أهل المعاني: \"الغول\" فساد يلحق في خفاء، يقال: اغتاله اغتيالا إذا أفسد عليه أمره في خفية، وخمرة الدنيا يحصل منها أنواع من الفساد منها السكر وذهاب العقل، ووجع البطن، والصداع، والقيء، والبول، ولا يوجد شيء من ذلك في خمر الجنة.\r{ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزفُونَ } قرأ حمزة والكسائي: \"ينزفون\" بكسر الزاي، وافقهما عاصم في الواقعة، وقرأ الآخرون بفتح الزاي فيهما، فمن فتح الزاي فمعناه: لا يغلبهم على عقولهم ولا يسكرون يقال: نزف الرجل فهو منزوف ونزيف، إذا سكر، ومن كسر الزاي فمعناه: لا ينفد شرابهم، يقال: أنزف الرجل فهو منزوف، إذا فنيت خمره.\r{ وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ } حابسات الأعين غاضات الجفون، قصرن أعينهن على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم، { عِينٌ } أي: حسان الأعين، يقال: رجل أعين وامرأة عيناء ونساء عين.\r{ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ } [جمع البيضة] (1) { مَكْنُونٌ } مصون مستور، وإنما ذكر \"المكنون والبيض\" جمع لأنه رده إلى اللفظ.\rقال الحسن: شبههن ببيض النعامة تكنها بالريش من الريح والغبار، فلونها أبيض في صفرة. ويقال: هذا أحسن ألوان النساء أن تكون المرأة بيضاء مشربة صفرة، والعرب تشبهها ببيضة النعامة.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".","part":7,"page":40},{"id":2623,"text":"{ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (50) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) }","part":7,"page":41},{"id":2624,"text":"{ يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلا مَوْتَتَنَا الأولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59) }\r{ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ } يعني: أهل الجنة في الجنة يسأل بعضهم بعضا عن حاله في الدنيا.\r{ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ } يعني: من أهل الجنة: { إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ } في الدنيا ينكر البعث.\rقال مجاهد: كان شيطانًا. وقال الآخرون: كان من الإنس (1) . وقال مقاتل: كانا أخوين. وقال الباقون: كانا شريكين أحدهما كافر اسمه قطروس، والآخر مؤمن اسمه يهوذا، وهما اللذان قص الله تعالى خبرهما في سورة الكهف (2) في قوله تعالى: \"واضرب لهم مثلا رجلين\"( الكهف -32 ) .\r{ يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ } بالبعث.\r{ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ } مجزيون ومحاسبون وهذا استفهام إنكار.\r{ قَالَ } الله تعالى لأهل الجنة: { هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ } إلى النار، وقيل: يقول المؤمن لإخوانه من أهل الجنة: هل أنتم مطلعون إلى النار لننظر كيف منزلة أخي، فيقول أهل الجنة: أنت أعرف به منا.\r{ فَاطَّلَع } قال ابن عباس: إن في الجنة كوًى ينظر أهلها منها إلى النار (3) فاطلع هذا المؤمن، { فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ } فرأى قرينه في وسط النار، وإنما سمي وسط الشيء سواء لاستواء الجوانب منه.\r{ قَالَ } له: { تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ } والله لقد كدت أن تهلكني، قال مقاتل: والله لقد كدت أن تغويني، ومن أغوى إنسانا فقد أهلكه.\r{ وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي } رحمته وإنعامه عليَّ بالإسلام، { لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ } معك في النار.\r{ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِين * إِلا مَوْتَتَنَا الأولَى } في الدنيا { وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } قال بعضهم: يقول هذا أهل الجنة للملائكة حين يذبح الموت: أفما نحن بميتين؟ فتقول لهم الملائكة: لا.\r__________\r(1) انظر: الطبري 23 / 58.\r(2) انظر فيما سبق: تعليقة: (4): 5 / 170 .\r(3) انظر: الدر المنثور: 7 / 94، تفسير ابن كثير: 4 / 9 والقول فيهما منسوب إلى كعب الأحبار.","part":7,"page":41},{"id":2625,"text":"{ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61) أَذَلِكَ خَيْرٌ نزلا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (62) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (63) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (64) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (65) فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (66) }\rفيقولون { إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } وقيل: إنما يقولونه على جهة الحديث بنعمة الله عليهم في أنهم لا يموتون ولا يعذبون. وقيل: يقوله المؤمن لقرينه على جهة التوبيخ بما كان ينكره (1) .\rقال الله تعالى: { لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ } أي: لمثل هذا المنزل ولمثل هذا النعيم الذي ذكره من قوله: \"أولئك لهم رزق معلوم\" إلى \"فليعمل العاملون\".\r{ أَذَلِكَ } أي: ذلك الذي ذكر لأهل الجنة، { خَيْرٌ نزلا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ } التي هي نزل أهل النار، والزقوم: ثمرة شجرة خبيثة مرة كريهة الطعم، يكره أهل النار على تناولها، فهم يتزقمونه على أشد كراهية، ومنه قولهم: تزقم الطعام إذا تناوله على كره ومشقة.\r{ إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ } الكافرين وذلك أنهم قالوا: كيف يكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر؟ وقال ابن الزبعري لصناديد قريش: إن محمدًا يخوفنا بالزقوم، والزقوم بلسان بربر: 95/ب الزبد والتمر، فأدخلهم أبو جهل بيته وقال: يا جارية زقمينا، فأتتهم بالزبد والتمر، فقال: تزقموا فهذا ما يوعدكم به محمد (2) .\rفقال الله تعالى: { إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ } قعر النار، قال الحسن: أصلها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها.\r{ طَلْعُهَا } ثمرها سمي طلعا لطلوعه، { كَأَنَّهُ رُؤوسُ الشَّيَاطِينِ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم الشياطين بأعيانهم شبه بها لقبحها، لأن الناس إذا وصفوا شيئًا بغاية القبح قالوا: كأنه شيطان، وإن كانت الشياطين لا ترى لأن قبح صورتها متصور في النفس، وهذا معنى قول ابن عباس والقرظي، وقال بعضهم: أراد بالشياطين الحيات، والعرب تسمي الحية القبيحة المنظر شيطانًا.\rوقيل: هي شجرة قبيحة مرة منتنة تكون في البادية، تسميها العرب رؤوس الشياطين.\r{ فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ } والملء: حشو الوعاء لا يحتمل الزيادة عليه.\r__________\r(1) ذكر هذا القول صاحب البحر المحيط: 7 / 362.\r(2) انظر: الطبري: 33 / 63.","part":7,"page":42},{"id":2626,"text":"{ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (67) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإلَى الْجَحِيمِ (68) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (69) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (70) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأوَّلِينَ (71) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (72) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (74) وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) }","part":7,"page":43},{"id":2627,"text":"{ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) }\r{ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا } خلطًا ومزاجًا { مِنْ حَمِيمٍ } من ماء حار شديد الحرارة، يقال: لهم إذا أكلوا الزقوم: اشربوا عليه الحميم، فيشوب الحميم في بطونهم الزقوم فيصير شوبا لهم.\r{ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ } بعد شرب الحميم، [ { لإلَى الْجَحِيمِ } وذلك أنهم يوردون الحميم] (1) لشربه وهو خارج من الحميم كما تورد الإبل الماء، ثم يردون إلى الجحيم، دل عليه قوله تعالى: \"يطوفون بينها وبين حميم آن\"( الرحمن -44 ) وقرأ ابن مسعود:( ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم ) .\r{ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا } وجدوا، { آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ } . { فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ } يسرعون، قال الكلبي: يعملون مثل أعمالهم.\r{ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأوَّلِينَ } من الأمم الخالية.\r{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ } الكافرين أي: كان عاقبتهم العذاب.\r{ إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ } الموحدين نجوا من العذاب.\rقوله عز وجل: { وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ } دعا ربه على قومه فقال: \"إني مغلوب فانتصر\"( القمر -10 ) { فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ } نحن، يعني: أجبنا دعاءه وأهلكنا قومه.\r{ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ } [الغم العظيم] (2) الذي لحق قومه وهو الغرق.\r{ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ } وأراد أن الناس كلهم من نسل نوح.\rروى الضحاك عن ابن عباس قال: لما خرج نوح من السفينة مات من كان معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساءهم (3) .\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) في \"ب\" ونساءه.","part":7,"page":43},{"id":2628,"text":"قال سعيد بن المسيب: كان ولد نوح ثلاثة: سام وحام ويافث، فسام أبو العرب وفارس والروم، وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك والخزر ويأجوج ومأجوج وما هنالك (1) .\r{ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ (78) سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ (82) وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (85) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (86) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (87) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) }\r{ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ } أي: أبقينا له ثناءً حسنًا وذكرًا جميلا فيمن بعده من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة.\r{ سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ } [أي: سلام عليه منا في العالمين] (2) وقيل: أي تركنا عليه في الآخرين أن يصلى عليه إلى يوم القيامة.\r{ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } قال مقاتل: جزاه الله بإحسانه الثناء الحسن في العالمين. { إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ } [يعني الكفار] (3) .\rقوله تعالى { وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ } [أي: أهل دينه وسنته] (4) . { لإبْرَاهِيمَ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } مخلص من الشرك والشك.\r{ إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ } استفهام توبيخ.\r{ أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ } يعني: أتأفكون إفكًا وهو أسوأ الكذب وتعبدون آلهة سوى الله.\r{ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } -إذ لقيتموه وقد عبدتم غيره -أنه يصنع بكم.\r{ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ } قال ابن عباس: كان قومه يتعاطون علم النجوم فعاملهم من حيث كانوا لئلا ينكروا عليه، وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم ليلزمهم الحجة في أنها غير معبودة، وكان لهم من الغد عيد ومجمع، وكانوا يدخلون على أصنامهم [ويقربون لهم القرابين] (5) ، ويصنعون بين أيديهم الطعام قبل خروجهم إلى عيدهم -زعموا -للتبرك عليه فإذا\r__________\r(1) ذكره ابن كثير في التفسير: 4 / 13.\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) ساقط من \"أ\".\r(5) في \"ب\" (ويفرشون لهم الفراش).","part":7,"page":44},{"id":2629,"text":"انصرفوا من عيدهم أكلوه، فقالوا لإبراهيم: ألا تخرج غدا معنا إلى عيدنا؟ فنظر إلى النجوم فقال: إني سقيم، قال ابن عباس: مطعون، وكانوا يفرون من الطاعون فرارًا عظيمًا. قال الحسن: مريض. وقال مقاتل: وجع. وقال الضحاك: سأسقم.\r{ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (94) قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (95) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (96) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأسْفَلِينَ (98) }\r{ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ } إلى عيدهم، فدخل إبراهيم على الأصنام فكسرها. كما قال الله تعالى: { فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ } مال إليها ميلة في خفية، ولا يقال: \"راغ\" حتى يكون صاحبه مخفيًا لذهابه ومجيئه، { فَقَال } استهزاء بها: { أَلا تَأْكُلُونَ } يعني: الطعام الذي بين أيديكم.\r{ مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ } مال عليهم، { ضَرْبًا بِالْيَمِينِ } أي: كان يضربهم بيده اليمنى لأنها أقوى على العمل من الشمال. وقيل: باليمين أي: بالقوة. وقيل: أراد به القسم الذي سبق منه وهو قوله: \"وتالله لأكيدن أصنامكم\"( الأنبياء-57 ).\r{ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ } يعني: إلى إبراهيم { يَزِفُّونَ } يسرعون، وذلك أنهم أخبروا بصنيع إبراهيم بآلهتهم فأسرعوا إليه ليأخذوه.\rقرأ الأعمش وحمزة: \"يزفون\" بضم الياء وقرأ الآخرون بفتحها، وهما لغتان. وقيل: بضم الياء، أي: يحملون دوابهم على الجد والإسراع.\r{ قَالَ } لهم إبراهيم على وجه الحجاج: { أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ } يعني: ما تنحتون بأيديكم.\r{ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } بأيديكم من الأصنام، وفيه دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى.\r{ قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ } معظم النار، قال مقاتل: بنوا له حائطًا من الحجر طوله في السماء ثلاثون ذراعًا، وعرضه عشرون ذراعًا، وملؤوه من الحطب وأوقدوا فيه النار وطرحوه فيها.\r{ فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا } شرًا وهو أن يحرقوه، { فَجَعَلْنَاهُمُ الأسْفَلِينَ } أي: المقهورين حيث سلَّم الله تعالى إبراهيم ورد كيدهم.","part":7,"page":45},{"id":2630,"text":"{ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) }\r{ وَقَالَ } يعني: إبراهيم { إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي } أي: مهاجر إلى ربي، والمعنى: أهجر دار الكفر وأذهب إلى مرضاة ربي، قاله بعد الخروج من النار، كما قال: \"إني مهاجر إلى ربي\"( العنكبوت -26 )، { سَيَهْدِينِ } إلى حيث أمرني بالمصير إليه، وهو الشام.\rقال مقاتل: فلما قدم الأرض المقدسة سأل ربه الولد فقال: { رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ } يعني: هب لي ولدا صالحا من الصالحين.\r{ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ } قيل: غلام في صغره، حليم في كبره، ففيه بشارة أنه ابن وأنه يعيش فينتهي في السن حتى يوصف بالحلم.\r{ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ } قال 96/أ ابن عباس وقتادة: يعني المشي معه إلى الجبل. وقال مجاهد عن ابن عباس: لما شب حتى بلغ سعيه سعي إبراهيم (1) والمعنى: بلغ أن يتصرف معه ويعينه في عمله. قال الكلبي: يعني العمل لله تعالى، وهو قول الحسن ومقاتل بن حيان وابن زيد، قالوا: هو العبادة لله تعالى.\rواختلفوا في سنه، قيل: كان ابن ثلاث عشرة سنة. وقيل: كان ابن سبع سنين.\r{ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ } واختلف العلماء من المسلمين في هذا الغلام الذي أمر إبراهيم بذبحه بعد اتفاق أهل الكتابين على أنه إسحاق، فقال قوم: هو إسحاق وإليه ذهب من الصحابة: عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، ومن التابعين وأتباعهم: كعب الأحبار، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومسروق، وعكرمة، وعطاء، ومقاتل، والزهري، والسدي، وهي رواية عكرمة وسعيد بن جبير [عن ابن عباس، وقالوا: كانت هذه القصة بالشام] (2) .\rوروي عن سعيد بن جبير قال: أري إبراهيم ذبح إسحاق في المنام (3) ، فسار به مسيرة شهر في غداة واحدة حتى أتى به المنحر بمنى، فلما أمره الله تعالى بذبح الكبش، ذبحه وسار به مسيرة شهر في روحة واحدة وطويت له الأودية والجبال.\rوقال آخرون: هو إسماعيل، وإليه ذهب عبد الله بن عمر، وهو قول سعيد بن المسيب، والشعبي، والحسن البصري، ومجاهد، والربيع بن أنس، ومحمد بن كعب القرظي، والكلبي، وهي رواية عطاء بن أبي رباح، ويوسف بن ماهك عن ابن عباس، قال: المفدى إسماعيل.\rوكلا القولين يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذهب إلى أن الذبيح إسحاق احتج من القرآن بقوله: \"فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي\"( الصافات-101 ) أمره بذبح من بشره به، وليس في القرآن أنه بشر بولد سوى إسحاق، كما قال في سورة هود: \"فبشرناها بإسحاق\"( هود-71 ) .\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 23 / 77.\r(2) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(3) انظر فيما سبق: 4 / 215 تعليق (1).","part":7,"page":46},{"id":2631,"text":"ومن ذهب إلى أنه إسماعيل احتج بأن الله تعالى ذكر البشارة بإسحاق بعد الفراغ من قصة المذبوح فقال: \"وبشرناه بإسحاق نبيًا من الصالحين\"( الصافات-112 ) دل على أن المذبوح غيره، وأيضًا قال الله تعالى في سورة هود: \"فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب\"( هود-71 ) فكما بشره بإسحاق بشره بابنه يعقوب، فكيف يأمره بذبح إسحاق وقد وعده بنافلة منه.\rقال القرظي: سأل عمر بن عبد العزيز رجلا كان من علماء اليهود أسلم وحسن إسلامه: أي ابني إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال: إسماعيل، ثم قال: يا أمير المؤمنين إن اليهود لتعلم ذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله تعالى بذبحه، ويزعمون أنه إسحاق.\rومن الدليل عليه: أن قرني الكبش كانا منوطين بالكعبة في أيدي بني إسماعيل إلى أن احترق البيت واحترق القرنان في أيام ابن الزبير والحجاج.\rقال الشعبي: رأيت قرني الكبش منوطين بالكعبة.\rوعن ابن عباس قال: والذي نفسي بيده لقد كان أول الإسلام وأن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة، قد وحش، يعني يبس.\rقال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح إسحاق كان أو إسماعيل؟ فقال: يا صميع أين ذهب عقلك متى كان إسحاق بمكة؟ إنما كان إسماعيل بمكة، وهو الذي بنى البيت مع أبيه.\rوأما قصة الذبح قال السدي: لما دعا إبراهيم فقال: رب هب لي من الصالحين، وبشر به، قال: هو إذًا لله ذبيح، فلما ولد وبلغ معه السعي قيل له: أوف بنذرك، هذا هو السبب في أمر الله تعالى إياه بذبح ابنه، فقال عند ذلك، لإسحاق: انطلق فقرب قربانًا لله تعالى فأخذ سكينًا وحبلا وانطلق معه حتى ذهب به بين الجبال، فقال له الغلام: يا أبت أين قربانك؟ فقال: \"يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر\".","part":7,"page":47},{"id":2632,"text":"وقال محمد بن إسحاق: كان إبراهيم إذا زار هاجر وإسماعيل حمل على البراق فيغدو من الشام فيقيل بمكة، ويروح من مكة فيبيت عند أهله بالشام، حتى إذا بلغ إسماعيل معه السعي، وأخذ بنفسه ورجاه لما كان يأمل فيه من عبادة ربه وتعظيم حرماته، أمر في المنام أن يذبحه، وذلك أنه رأى ليلة التروية كأن قائلا يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلما أصبح روي في نفسه أي: فكر من الصباح إلى الرواح، أمن الله هذا الحلم أم من الشيطان؟ فمن ثم سمي يوم التروية فلما أمسى رأى في المنام ثانيًا، فلما أصبح عرف أن ذلك من الله عز وجل، فمن ثم سمي يوم عرفة.\rقال مقاتل: رأى ذلك إبراهيم ثلاث ليال متواليات، فلما تيقن ذلك أخبر به ابنه، فقال: \"يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى\".\rقرأ حمزة والكسائي: \"ترى\" بضم التاء وكسر الراء -ماذا تشير، وإنما أمره ليعلم صبره على أمر الله تعالى، وعزيمته على طاعته.\rوقرأ العامة بفتح التاء والراء إلا أبا عمرو فإنه يميل الراء.\rقال له ابنه: { يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ } وقال ابن إسحاق وغيره: فلما أمر إبراهيم بذلك قال لابنه: يا بني خذ الحبل والمدية ننطلق إلى هذا الشعب نحتطب، فلما خلا إبراهيم بابنه في شعب ثبير أخبره بما أمر، { قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ } .","part":7,"page":48},{"id":2633,"text":"{ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) }\r{ فَلَمَّا أَسْلَمَا } انقادا وخضعا لأمر الله تعالى، قال قتادة: أسلم إبراهيم ابنه وأسلم الابن نفسه، { وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ } أي: صرعه على الأرض. قال ابن عباس: اضجعه على جبينه على الأرض والجبهة بين الجبينين، قالوا: فقال له ابنه الذي أراد ذبحه: يا أبت اشدد رباطي حتى لا اضطرب، واكفف عني ثيابك حتى لا ينتضح عليها من دمي شيء فينقص أجري وتراه أمي فتحزن، واشحذ شفرتك، وأسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون عليَّ فإن الموت شديد، وإذا أتيت أمي فاقرأ عليها السلام مني، وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل، فإنه عسى أن يكون أسلى لها عني، فقال له إبراهيم عليه السلام: نعم العون أنت يا بني على أمر الله، ففعل إبراهيم ما أمر به ابنه، ثم أقبل عليه فقبله وقد ربطه وهو يبكي 96/ب [والابن أيضًا يبكي] (1) ثم إنه وضع السكين على حلقه فلم تحك السكين.\r__________\r(1) زيادة من\"ب\".","part":7,"page":48},{"id":2634,"text":"ويروى أنه كان يجر الشفرة في حلقه فلا تقطع، فشحذها مرتين أو ثلاثة بالحجر، كل ذلك لا تستطيع.\rقال السدي: ضرب الله تعالى صفحة من نحاس على حلقه (1) قالوا: فقال الابن عند ذلك: يا أبت كبني لوجهي على جبيني فإنك إذا نظرت في وجهي رحمتني وأدركتك رقة تحول بينك وبين أمر الله تعالى، وإني لا أنظر إلى الشفرة فأجزع، ففعل ذلك إبراهيم ثم وضع الشفرة على قفاه فانقلبت السكين ونودي: أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا.\rوروى أبو هريرة عن كعب الأحبار وابن إسحاق عن رجاله قال: لما رأى إبراهيم ذبح ابنه قال الشيطان: لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم لا أفتن منهم أحدًا أبدًا، فتمثل له الشيطان رجلا وأتى أم الغلام، فقال لها: هل تدرين أين ذهب إبراهيم بابنك؟ قالت: ذهب به يحتطبان من هذا الشعب، قال: لا والله ما ذهب به إلا ليذبحه، قالت: كلا هو أرحم به وأشد حبا له من ذلك، قال: إنه يزعم أن الله قد أمره بذلك، قالت: فإن كان ربه أمره بذلك فقد أحسن أن يطيع ربه، فخرج الشيطان من عندها حتى أدرك الابن وهو يمشي على إثر أبيه، فقال له: يا غلام هل تدري أين يذهب بك أبوك؟ قال: نحتطب لأهلنا من هذا الشعب، قال: والله ما يريد إلا أن يذبحك، قال: ولم؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك، قال: فليفعل ما أمره به ربه فسمعًا وطاعة، فلما امتنع منه الغلام أقبل على إبراهيم عليه السلام فقال له: أين تريد أيها الشيخ؟ قال: أريد هذا الشعب لحاجة لي فيه، قال: والله إني لا أرى الشيطان قد جاءك في منامك فأمرك بذبح ابنك هذا، فعرفه إبراهيم عليه السلام، فقال: إليك عني يا عدو الله فوالله لأمضين لأمر ربي، فرجع إبليس بغيظه لم يصب من إبراهيم وآله شيئًا مما أراد، قد امتنعوا منه بعون الله تعالى. (2)\rوروى أبو الطفيل عن ابن عباس: أن إبراهيم لما أمر بذبح ابنه عرض له الشيطان بهذا المشعر فسابقه فسبقه إبراهيم، ثم ذهب إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم أدركه عند الجمرة الكبرى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم مضى إبراهيم لأمر الله عز وجل (3) .\rقال الله عز وجل: \"فلما أسلما وتله للجبين\"\r__________\r(1) انظر: الطبري: 23 / 78، الدر المنثور: 7 / 110.\r(2) أخرجه الطبري: 23 / 82، وانظر: الدر المنثور: 7 / 110-111، تفسير ابن كثير: 4 / 16-17.\r(3) أخرجه الطبري: 23 / 80.","part":7,"page":49},{"id":2635,"text":"{ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) }\r{ وَنَادَيْنَاهُ } الواو في \"وناديناه\" مقحمة صلة، مجازه: ناديناه كقوله: \"وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا إليه\"( يوسف-15 ) أي: أوحينا إليه، فنودي من الجبل: { أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا }، تم الكلام هاهنا ثم ابتدأ فقال: { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } والمعنى: إنا كما عفونا إبراهيم عن ذبح ولده نجزي من أحسن في طاعتنا، قال مقاتل: جزاه الله بإحسانه في طاعته العفو عن ذبح ابنه.\r{ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ } الاختيار الظاهر حيث اختبره بذبح ابنه. وقال مقاتل: البلاء هاهنا: النعمة، وهي أن فدي ابنه بالكبش.\rفإن قيل: كيف قال: صدقت الرؤيا، وكان قد رأى الذبح ولم يذبح؟.\rقيل: جعله مصدقًا لأنه قد أتى بما أمكنه، والمطلوب إسلامهما لأمر الله تعالى وقد فعلا.\rوقيل: [كان قد] (1) رأى في النوم معاجلة الذبح ولم ير إراقة الدم، وقد فعل في اليقظة ما رأى في النوم، فلذلك قال له: \"قد صدقت الرؤيا\".\r{ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ } فنظر إبراهيم فإذا هو بجبريل ومعه كبش أملح أقرن، فقال: هذا فداء لابنك فاذبحه دونه، فكبر جبريل، وكبر الكبش، وكبر ابنه، فأخذ إبراهيم الكبش فأتى به المنحر من منى فذبحه.\rقال أكثر المفسرين: كان ذلك الكبش رعى في الجنة أربعين خريفًا (2) .\rوروي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الكبش الذي ذبحه إبراهيم هو الذي قربه ابن آدم هابيل (3) .\rقال سعيد بن جبير: حق له أن يكون عظيمًا. قال مجاهد: سماه عظيمًا لأنه متقبل (4) . وقال الحسين بن الفضل: لأنه كان من عند الله. وقيل: عظيم في الشخص. وقيل: في الثواب.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) أخرجه الطبري: 23 / 87 عن ابن عباس وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 113 أيضا لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.\r(3) أخرجه الطبري: 23 / 86.\r(4) أخرجه الطبري: 23 / 88.","part":7,"page":50},{"id":2636,"text":"وقال الحسن: ما فدي إسماعيل إلا بتيس من الأروى أهبط عليه من ثبير (1) .\r{ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ (108) سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (114) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (116) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (117) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (118) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الآخِرِينَ (119) سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (120) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (121) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (122) }\r{ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ } أي: تركنا له في الآخرين ثناءً حسنًا.\r{ سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ } فمن جعل الذبيح إسماعيل قال: بشره بعد هذه القصة بإسحاق نبيًا جزاء لطاعته، ومن جعل الذبيح إسحاق قال: بشر إبراهيم بنبوة إسحاق. رواه عكرمة عن ابن عباس. قال: بشر به مرتين حين ولد وحين نبئ.\r{ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ } يعني: على إبراهيم في أولاده، { وعلى إسحاق } بكون أكثر الأنبياء من نسله، { وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ } أي: مؤمن، { وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ } أي: كافر، { مُبِينٌ } ظاهر.\rقوله تعالى: { وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ } أنعمنا عليهما بالنبوة.\r{ وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا } بني إسرائيل، { مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ } أي: الغم العظيم وهو الذي كانوا فيه من استعباد فرعون إياهم. وقيل: من الغرق.\r{ وَنَصَرْنَاهُم } يعني: موسى وهارون وقومهما، { فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ } على القبط. { وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ } أي: المستنير وهو التوراة.\r{ وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ } .\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 23 / 87 وابن كثير في التفسير: 4 / 17.","part":7,"page":51},{"id":2637,"text":"{ وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (123) }\rقوله تعالى: { وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ } روي عن عبد الله بن مسعود قال: إلياس هو إدريس. وفي مصحفه: وإن إدريس لمن المرسلين. وهذا قول عكرمة.\rوقال الآخرون: هو نبي من أنبياء بني إسرائيل.\rقال ابن عباس: هو ابن عم اليسع.\rقال محمد بن إسحاق: هو إلياس بن بشر بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران.\rوقال أيضا محمد بن إسحاق، والعلماء من أصحاب الأخبار: لما قبض الله عز وجل حزقيل النبي صلى الله عليه وسلم، عظمت الأحداث في بني إسرائيل وظهر فيهم الفساد والشرك، ونصبوا الأوثان وعبدوها من دون الله، فبعث الله عز وجل إليهم إلياس نبيًا وكانت الأنبياء 97/أ من بني إسرائيل يبعثون بعد موسى بتجديد ما نسوا من التوراة، وبنو إسرائيل كانوا متفرقين في أرض الشام، وكان سبب ذلك أن يوشع بن نون لما فتح الشام بوأها بني إسرائيل وقسمها بينهم، فأحل سبطا منهم ببعلبك ونواحيها، وهم السبط الذين كان منهم إلياس فبعثه الله تعالى إليهم نبيًا، وعليهم يومئذ ملك يقال له: آجب قد أضل قومه وأجبرهم على عبادة الأصنام، وكان يعبد هو وقومه صنمًا يقال له: بعل، وكان طوله عشرين ذراعًا وله أربعة وجوه، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله عز وجل وهم لا يسمعون منه شيئًا إلا ما كان من أمر الملك فإنه صدقه وآمن به فكان إلياس يقوم أمره ويسدده ويرشده، وكان لآجب الملك هذا امرأة يقال لها: أزبيل وكان يستخلفها على رعيته إذا غاب عنهم في غزاة أو غيرها، وكانت تبرز للناس وتقضي بين الناس، وكانت قتالة للأنبياء، يقال: هي التي قتلت يحيى بن زكريا عليهما السلام، وكان لها كاتب رجل مؤمن حكيم يكتم إيمانه، وكان قد خلص من يدها ثلثمائة نبي كانت تريد قتل كل واحد منهم إذا بعث سوى الذين قتلتهم، وكانت في نفسها غير محصنة، وكانت قد تزوجت سبعة من ملوك بني إسرائيل، وقتلت كلهم بالاغتيال وكانت معمرة يقال أنها ولدت سبعين ولدًا وكان لآجب هذا جار رجل صالح يقال له مزدكي، وكانت له جنينة يعيش منها، ويقبل على عمارتها ومرمتها وكانت الجنينة إلى جانب قصر الملك وامرأته، وكانا يشرفان على تلك الجنينة يتنزهان فيها ويأكلان ويشربان ويقيلان فيها، وكان آجب الملك يحسن جوار صاحبها مزدكي، ويحسن إليه، وامرأته أزبيل تحسده لأجل تلك الجنينة، وتحتال أن تغصبها منه لما تسمع الناس يكثرون ذكرها ويتعجبون من حسنها، وتحتال أن تقتله والملك ينهاها عن ذلك ولا تجد عليه سبيلا ثم إنه اتفق خروج الملك إلى سفر بعيد وطالت غيبته فاغتنمت امرأته أزبيل ذلك فجمعت جمعًا من الناس","part":7,"page":52},{"id":2638,"text":"وأمرتهم أن يشهدوا على مزدكي أنه سب زوجها آجب فأجابوها إليه، وكان في حكمهم في ذلك الزمان القتل على من سب الملك إذا قامت عليه البينة، فأحضرت مزدكي وقالت له: بلغني أنك شتمت الملك فأنكر مزدكي، فأحضرت الشهود فشهدوا عليه بالزور، فأمرت بقتله وأخذت جنينته، فغضب الله عليهم للعبد الصالح، فلما قدم الملك من سفره أخبرته الخبر، فقال لها: ما أصبت ولا أرانا نفلح بعده، فقد جاورنا منذ زمان فأحسنا جواره وكففنا عنه الأذى لوجوب حقه علينا، فختمت أمره بأسوأ الجوار، فقالت: إنما غضبت لك وحكمت بحكمك، فقال لها: أو ما كان يسعه حلمك فتحفظين له جواره؟ قالت: قد كان ما كان، فبعث الله تعالى إلياس إلى آجب الملك وقومه، وأمره أن يخبرهم أن الله تعالى قد غضب لوليه حين قتلوه ظلمًا، وآلى على نفسه أنهما إن لم يتوبا عن صنيعهما ولم يردا الجنينة على ورثة مزدكي أن يهلكهما، يعني آجب وامرأته، في جوف الجنينة، ثم يدعهما جيفتين ملقاتين فيها حتى تتعرى عظامهما من لحومهما، ولا يتمتعان بها إلا قليلا قال: فجاء إلياس وأخبره بما أوحى الله تعالى إليه في أمره وأمر امرأته ورد الجنينة، فلما سمع الملك ذلك اشتد غضبه عليه ثم قال له: يا إلياس والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلا وما أرى فلانًا وفلانًا -سمى ملوكًا منهم قد عبدوا الأوثان -إلا على مثل ما نحن عليه يأكلون ويتمتعون مملكين ما ينقص من دنياهم أمرهم الذي تزعم أنه باطل، وما نرى لنا عليهم من فضل، قال: وهَمَّ الملك بتعذيب إلياس وقتله، فلما أحس إلياس بالشر [والمكر به] (1) رفضه وخرج عنه، فلحق بشواهق الجبال، وعاد الملك إلى عبادة بعل، وارتقى إلياس إلى أصعب جبل وأشمخه فدخل مغارة فيه.\rويقال: إنه بقي سبع سنين شريدًا خائفًا يأوي إلى الشعاب والكهوف يأكل من نبات الأرض وثمار الشجر وهم في طلبه قد وضعوا عليه العيون والله يستره، فلما مضى سبع سنين أذن الله في إظهاره عليهم وشفاء غيظه منهم، فأمرض الله عز وجل ابنًا لآجب وكان أحب ولده إليه وأشبههم به، فأدنف حتى يئس منه، فدعا صنمه بعلا -وكانوا قد فتنوا ببعل وعظموه حتى جعلوا له أربعمائة سادن -فوكلوهم به وجعلوهم أنبياءه (2) ، وكان الشيطان يدخل في جوف الصنم فيتكلم، والأربعمائة يصغون بآذانهم إلى ما يقول الشيطان ويوسوس إليهم الشيطان بشريعة من الضلال فيبثونها للناس، فيعملون بها ويسمونهم أنبياء.\rفلما اشتد مرض ابن الملك طلب إليهم الملك أن يتشفعوا إلى بعل، ويطلبوا لابنه من قبله الشفاء فدعوه فلم يجبهم، ومنع الله الشيطان فلم يمكنه الولوج في جوفه، وهم مجتهدون في التضرع إليه، فلما طال عليهم ذلك قالوا لآجب: إن في ناحية الشام آلهة أخرى فابعث إليها أنبياءك فلعلها تشفع\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) ساقط من \"ب\".","part":7,"page":53},{"id":2639,"text":"لك إلى إلهك بعل، فإنه غضبان عليك، ولولا غضبه عليك لأجابك، قال آجب: ومن أجل ماذا غضب عليَّ وأنا أطيعه؟ قالوا: من أجل أنك لم تقتل إلياس وفرطت فيه حتى نجا سليمًا وهو كافر بإلهك، قال آجب: وكيف لي أن أقتل إلياس وأنا مشغول عن طلبه بوجع ابني، وليس لإلياس مطلب ولا يعرف له موضع فيقصد، فلو عوفي ابني لفرغت لطلبه حتى أجده فأقتله فأرضي إلهي، ثم إنه بعث أنبياءه الأربعمائة إلى الآلهة التي بالشام يسألونها أن تشفع إلى صنم الملك ليشفي ابنه، فانطلقوا حتى إذا كانوا بحيال الجبل الذي فيه إلياس أوحى الله تعالى إلى إلياس عليه السلام أن يهبط من الجبل ويعارضهم ويكلمهم، وقال له: لا تخف فإني سأصرف عنك شرهم وألقي الرعب في قلوبهم، فنزل إلياس من الجبل، فلما لقيهم استوقفهم، فلما وقفوا قال لهم: إن الله تعالى أرسلني إليكم وإلى من ورائكم فاسمعوا أيها القوم رسالة ربكم لتبلغوا صاحبكم فارجعوا إليه، وقولوا له: إن الله تعالى يقول لك: ألست 97/ب تعلم يا آجب إني أنا الله لا إله إلا أنا إله بني إسرائيل الذي خلقهم، ورزقهم وأحياهم وأماتهم، فجهلك وقلة علمك حملك على أن تشرك بي، وتطلب الشفاء لابنك من غيري ممن لا يملكون لأنفسهم شيئًا إلا ما شئت، إني حلفت باسمي لأغيظنك في ابنك ولأميتنه في فوره هذا حتى تعلم أن أحدًا لا يملك له شيئًا دوني.\rفلما قال لهم هذا رجعوا وقد ملئوا منه رعبًا، فلما صاروا إلى الملك أخبروه بأن إلياس قد انحط عليهم، وهو رجل نحيف طوال قد نحل وتمعط شعره وتقشر جلده، عليه جبة من شعر وعباءة قد خللها على صدره بخلال فاستوقفنا فلما صار معنا قذف له في قلوبنا الهيبة والرعب فانقطعت ألسنتنا ونحن في هذا العدد الكثير فلم نقدر على أن نكلمه ونراجعه حتى رجعنا إليك، وقصوا عليه كلام إلياس، فقال آجب: لا ننتفع بالحياة ما كان إلياس حيًا وما يطاق إلا بالمكر والخديعة، فقيض له خمسين رجلا من قومه ذوي القوة والبأس، وعهد إليهم عهده، وأمرهم بالاحتيال له والاغتيال به وأن يطمعوه في أنهم قد آمنوا به، هم ومن وراءهم [ليستنهم إليهم] (1) ويغتر بهم فيمكنهم من نفسه فيأتون به ملكهم، فانطلقوا حتى ارتقوا ذلك الجبل الذي فيه إلياس، ثم تفرقوا فيه ينادونه بأعلى أصواتهم، ويقولون: يا نبي الله ابرز لنا وامنن علينا بنفسك، فإنا قد آمنا بك وصدقناك، وملكنا آجب وجميع قومنا، وأنت آمن على نفسك، وجميع بني إسرائيل يقرؤون عليك السلام ويقولون: قد بلغتنا رسالتك وعرفنا ما قلت، [فآمنا بك وأجبناك إلى ما دعوتنا فهلم إلينا وأقم بين أظهرنا واحكم فينا] (2) فإنا ننقاد لما أمرتنا، وننتهي عما نهيتنا وليس يسعك أن تتخلف عنا مع إيماننا وطاعتنا، فارجع إلينا. وكل هذا منهم مماكرة وخديعة.\r__________\r(1) في\"أ\": (ليستقيم أن يسكن بهم).\r(2) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".","part":7,"page":54},{"id":2640,"text":"فلما سمع إلياس مقالتهم وقعت في قلبه وطمع في إيمانهم، وخاف الله إن هو لم يظهر لهم، فألهمه الله التوقف والدعاء، فقال: اللهم إن كانوا صادقين فيما يقولون فأذن لي في البروز إليهم، وإن كانوا كاذبين فاكفنيهم وارمهم بنار تحرقهم، فما استتم قوله حتى حصبوا بالنار من فوقهم، فاحترقوا أجمعين، قال: وبلغ آجب الخبر فلم يرتدع من همه بالسوء، واحتال ثانيًا في أمر إلياس، وقيض له فئة أخرى مثل عدد أولئك أقوى منهم وأمكن من الحيلة والرأي، فأقبلوا، أي: حتى توقلوا، أي: صعدوا قلل تلك الجبال متفرقين، وجعلوا ينادون يا نبي الله إنا نعوذ بالله وبك من غضب الله وسطواته، إنا لسنا كالذين أتوك قبلنا وإن أولئك فرقة نافقوا فصاروا إليك ليكيدوا بك في غير رأينا، ولو علمنا بهم لقتلناهم ولكفيناك مؤنتهم، فالآن قد كفاك ربك أمرهم وأهلكهم وانتقم لنا ولك منهم، فلما سمع إلياس مقالتهم دعا الله بدعوته الأولى فأمطر عليهم النار، فاحترقوا عن آخرهم، وفي كل ذلك ابن الملك في البلاء الشديد من وجعه، فلما سمع الملك بهلاك أصحابه ثانيًا ازداد غضبًا على غضب، وأراد أن يخرج في طلب إلياس بنفسه، إلا أنه شغله عن ذلك مرض ابنه، فلم يمكنه فوجه نحو إلياس المؤمن الذي هو كاتب امرأته رجاء أن يأنس به إلياس فينزل معه، وأظهر للكاتب أنه لا يريد بإلياس سوءًا، وإنما أظهر له لما اطلع عليه من إيمانه، وكان الملك مع اطلاعه على إيمانه مغضيًا عليه لما هو عليه من الكفاية والأمانة وسداد الرأي، فلما وجهه نحوه أرسل معه فئة من أصحابه، وأوعز إلى الفئة -دون الكاتب -أن يوثقوا إلياس ويأتوا به إن أراد التخلف عنهم، وإن جاء مع الكاتب واثقًا به لم يروعوه، ثم أظهر مع الكاتب الإنابة وقال له: قد آن لي أن أتوب وقد أصابتنا بلايا من حريق أصحابنا والبلاء الذي فيه ابني، وقد عرفت أن ذلك بدعوة إلياس، ولست آمن أن يدعو على جميع من بقي منا فنهلك بدعوته، فانطلق إليه وأخبره أنا قد تبنا وأنبنا، وأنه لا يصلحنا في توبتنا، وما نريد من رضاء ربنا وخلع أصنامنا إلا أن يكون إلياس بين أظهرنا، يأمرنا وينهانا، ويخبرنا بما يرضي ربنا، وأمر قومه فاعتزلوا الأصنام، وقال له: أخبر إلياس أنا قد خلعنا آلهتنا التي كنا نعبد، وأرجينا أمرها حتى ينزل إلياس فيكون هو الذي يحرقها ويهلكها، وكان ذلك مكرًا من الملك.\rفانطلق الكاتب والفئة حتى علا الجبل الذي فيه إلياس ثم ناداه، فعرف إلياس صوته، فتاقت نفسه إليه وكان مشتاقًا إلى لقائه فأوحى الله تعالى إليه أن ابرز إلى أخيك الصالح فالقه، وجدد العهد به فبرز إليه وسلم عليه وصافحه، وقال له: ما الخبر؟ فقال المؤمن: إنه قد بعثني إليك هذا الجبار الطاغية وقومه، ثم قص عليه ما قالوا ثم قال له: وإني لخائف إن رجعت إليه ولست معي أن يقتلني فمرني بما شئت أفعله، إن شئت انقطعت إليك وكنت معك وتركته، وإن شئت جاهدته معك وإن شئت ترسلني إليه بما تحب فأبلغه رسالتك، وإن شئت دعوت ربك يجعل لنا من أمرنا","part":7,"page":55},{"id":2641,"text":"فرجًا ومخرجًا، فأوحى الله تعالى إلى إلياس أن كل شيء جاءك منهم مكر وكذب ليظفروا بك، وإن آجب إن أخبرته رسله أنك قد لقيت هذا الرجل ولم يأت بك اتهمه وعرف أنه قد داهن في أمرك، فلم يأمن أن يقتله، فانطلق معه فإني سأشغل عنكما آجب فأضاعف على ابنه البلاء، حتى لا يكون له همٌّ غيره، ثم أميته على شر حال، فإذا مات فارجع عنه، قال فانطلق معهم حتى قدموا على آجب، فلما قدموا شدد الله تعالى الوجع على ابنه وأخذ الموت يكظمه، فشغل الله تعالى بذلك آجب وأصحابه عن إلياس، فرجع إلياس سالمًا إلى مكانه، فلما مات ابن آجب وفرغوا من أمره وقل جزعه انتبه لإلياس، وسأل عنه الكاتب الذي جاء به، فقال: ليس لي به علم شغلني عنه موت ابنك والجزع عليه، ولم أكن أحسبك إلا قد استوثقت منه، فانصرف عنه آجب وتركه لما فيه من الحزن على ابنه.\rفلما طال الأمر على إلياس ملَّ السكون في الجبال واشتاق إلى الناس نزل من الجبل فانطلق حتى نزل بامرأة من بني إسرائيل، وهي أم يونس بن متى ذي النون 98/أ استخفى عندها ستة أشهر ويونس بن متى يومئذ مولود يرضع، فكانت أم يونس تخدمه بنفسها وتواسيه بذات يدها، ثم إن إلياس سئم ضيق البيوت بعد تعوده فسحة الجبال، فأحب اللحوق بالجبال فخرج وعاد إلى مكانه، فجزعت أم يونس لفراقه فأوحشها فقده، ثم لم تلبث إلا يسيرًا حتى مات ابنها يونس حين فطمته، فعظمت مصيبتها فخرجت في طلب إلياس، فلم تزل ترقى الجبال وتطوف فيها حتى عثرت عليه، فوجدته وقالت له: إني قد فجعت بعدك لموت ابني فعظمت فيه مصيبتي واشتد لفقده بلائي، وليس لي ولد غيره، فارحمني وادع لي ربك جل جلاله ليحيي لي ابني وإني قد تركته مسجى لم أدفنه، وقد أخفيت مكانه، فقال لها إلياس: ليس هذا مما أمرت به، وإنما أنا عبد مأمور أعمل بما يأمرني ربي، فجزعت المرأة وتضرعت فأعطف الله تعالى قلب إلياس لها، فقال لها: متى مات ابنك؟ قالت: منذ سبعة أيام فانطلق إلياس معها وسار سبعة أيام أخرى حتى انتهى إلى منزلها، فوجد ابنها ميتًا له أربعة عشر يومًا، فتوضأ وصلى ودعا، فأحيا الله تعالى يونس بن متى، فلما عاش وجلس وثب إلياس وتركه وعاد إلى موضعه.\rفلما طال عصيان قومه ضاق بذلك إلياس ذرعًا فأوحى الله تعالى إليه بعد سبع سنين وهو خائف مجهود: يا إلياس ما هذا الحزن والجزع الذي أنت فيه؟ ألست أميني على وحيي وحجتي في أرضي وصفوتي من خلقي؟ فسلني أعطك، فإني ذو الرحمة الواسعة والفضل العظيم، قال: تميتني وتلحقني بآبائي فإني قد مللت بني إسرائيل وملوني، فأوحى الله تعالى إليه: يا إلياس ما هذا باليوم الذي أعري عنك الأرض وأهلها، وإنما قوامها وصلاحها بك وبأشباهك، وإن كنتم قليلا ولكن سلني فأعطك، فقال إلياس: إن لم تمتني فأعطني ثأري من بني إسرائيل، قال الله تعالى: فأي شيء تريد","part":7,"page":56},{"id":2642,"text":"أن أعطيك؟ قال تمكنني من خزائن السماء سبع سنين فلا تنشر عليهم سحابة إلا بدعوتي، ولا تمطر عليهم سبع سنين قطرة إلا بشفاعتي، فإنهم لا يذلهم إلا ذلك، قال الله تعالى: يا إلياس أنا أرحم بخلقي من ذلك، وإن كانوا ظالمين، قال: فست سنين، قال: أنا أرحم بخلقي من ذلك، قال: فخمس سنين، قال: أنا أرحم بخلقي من ذلك ولكني أعطيك ثأرك ثلاث سنين، أجعل خزائن المطر بيدك، قال إلياس: فبأي شيء أعيش؟ قال: أسخر لك جيشًا من الطير ينقل إليك طعامك وشرابك من الريف والأرض التي لم تقحط، قال إلياس: قد رضيت، قال: فأمسك الله تعالى عنهم المطر حتى هلكت الماشية والدواب والهوام والشجر وجهد الناس جهدًا شديدًا، وإلياس على حالته مستخف من قومه، يوضع له الرزق حيث ما كان، وقد عرف ذلك قومه وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في بيت قالوا: لقد دخل إلياس هذا المكان، وطلبوه ولقي من أهل ذلك المنزل شرًا.\rقال ابن عباس: أصاب بني إسرائيل ثلاث سنين القحط، فمر إلياس بعجوز فقال لها: هل عندك طعام؟ قالت: نعم شيء من دقيق وزيت قليل، قال: فدعا بهما ودعا فيه بالبركة ومسه حتى ملأ جرابها دقيقًا، وملأ خوابيها زيتًا، فلما رأوا ذلك عندها قالوا: من أين لك هذا؟ قالت: مر بي رجل من حاله كذا وكذا فوصفته بوصفه فعرفوه، فقالوا: ذلك إلياس، فطلبوه فوجدوه فهرب منهم، ثم إنه أوى إلى بيت امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له اليسع بن أخطوب، به ضر فآوته وأخفت أمره، فدعا له فعوفي من الضر الذي كان به، واتبع اليسع إلياس فآمن به وصدقه ولزمه، وكان يذهب حيث ما ذهب وكان إلياس قد أسن فكبر واليسع شاب، ثم إن الله تعالى أوحى إلى إلياس: أنك قد أهلكت كثيرًا من الخلق ممن لم يعص من البهائم والدواب والطير والهوام بحبس المطر، فيزعمون -والله أعلم -أن إلياس قال: يا رب دعني أكن أنا الذي أدعوا لهم وآتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء، لعلهم أن يرجعوا وينزعوا عما هم عليه من عبادة غيرك، فقيل له: نعم، فجاء إلياس إلى بني إسرائيل، فقال: إنكم قد هلكتم جوعًا وجهدًا، وهلكت البهائم والدواب والطير والهوام والشجر بخطاياكم، وإنكم على باطل فإن كنتم تحبون أن تعلموا ذلك فاخرجوا بأصنامكم، فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون، وإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل، فنزعتم ودعوت الله تعالى ففرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء، قالوا: أنصفت فخرجوا بأوثانهم فدعوها، فلم تفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، ثم قالوا لإلياس: إنا قد هلكنا فادع الله تعالى لنا، فدعا لهم إلياس ومعه اليسع بالفرج، فخرجت سحابة مثل الترس على ظهر البحر وهم ينظرون، فأقبلت نحوهم وطبقت الآفاق ثم أرسل الله تعالى عليهم المطر فأغاثهم، وأحييت بلادهم، فلما كشف الله تعالى عنهم الضر نقضوا العهد، ولم ينزعوا عن كفرهم وأقاموا على أخبث ما كانوا عليه، فلما رأى ذلك إلياس دعا ربه عز وجل أن يريحه منهم، فقيل له فيما يزعمون: انظر يوم كذا وكذا فاخرج فيه إلى موضع كذا فما جاءك","part":7,"page":57},{"id":2643,"text":"من شيء فاركبه ولا تهبه، فخرج إلياس ومعه اليسع حتى إذا كانا بالموضع الذي أمر أقبل فرس من نار، وقيل: لونه كلون النار، حتى وقف بين يديه، فوثب عليه إلياس، فانطلق به الفرس فناداه اليسع: يا إلياس، ما تأمرني؟ فقذف إليه إلياس بكسائه من الجو الأعلى، فكان ذلك علامة استخلافه إياه على بني إسرائيل، فكان ذلك آخر العهد به، فرفع الله تعالى إلياس من بين أظهرهم، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، وكساه الريش فكان إنسيًا ملكيًا أرضيًا سماويًا، وسلط الله تعالى على آجب الملك وقومه عدوًا لهم فقصدهم من حيث لم يشعروا به حتى رهقهم، فقتل آجب وامرأته أزبيل في بستان مزدكي، فلم تزل جيفتاهما ملقاتين (1) في تلك الجنينة حتى بليت لحومهما ورمت عظامهما، ونبأ الله تعالى اليسع وبعثه رسولا إلى بني إسرائيل، وأوحى الله تعالى إليه وأيده، فآمنت به بنو إسرائيل 98/ب فكانوا يعظمونه، وحكم الله تعالى فيهم قائم إلى أن فارقهم اليسع. (2) .\rوروى السري بن يحيى عن عبد العزيز بن أبي رواد، قال: الخضر وإلياس يصومان شهر رمضان ببيت المقدس، ويوافيان الموسم في كل عام.\rوقيل: إن إلياس موكل بالفيافي، والخضر موكل بالبحار (3) فذلك قوله تعالى: \"وإن إلياس لمن المرسلين\".\r{ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (124) أَتَدْعُونَ بَعْلا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (125) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ (126) }\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) أخرج الطبري القصة من طريق ابن إسحاق في التاريخ: 1 / 461 - 464. واختصرها في التفسير: 23 / 93 - 94.\r(3) انظر الدر المنثور: 7 / 118.","part":7,"page":58},{"id":2644,"text":"{ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (127) إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (128) }\r{ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ أَتَدْعُونَ } أتعبدون (1) { بَعْلا } وهو اسم صنم لهم كانوا يعبدونه، ولذلك سميت مدينتهم بعلبك، قال مجاهد وعكرمة وقتادة: \"البعل\": الرب بلغة أهل اليمن.\r{ وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ } فلا تبعدونه.\r{ اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ } قرأ حمزة، والكسائي، وحفص، ويعقوب: \"الله ربكم ورب\" بنصب الهاء والباءين على البدل، وقرأ الآخرون برفعهن على الاستئناف.\r{ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ } في النار.\r{ إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ } من قومه فإنهم نجوا من العذاب.\r__________\r(1) زيادة من \"ب \".","part":7,"page":58},{"id":2645,"text":"{ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ (129) سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (130) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (131) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (132) وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ (136) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (138) وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) }\r{ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ } قرأ نافع وابن عامر: \"آل ياسين\" بفتح الهمزة مشبعة، وكسر اللام مقطوعة، لأنها في المصحف مفصولة، [وقرأ الآخرون بكسر الهمزة وسكون اللام موصولة] (1)\rفمن قرأ \"آل يس\" مقطوعة، قيل: أراد آل محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا القول بعيد لأنه لم يسبق له ذكر. وقيل: أراد آل إلياس.\rوالقراءة المعروفة بالوصل، واختلفوا فيه، فقد قيل: إلياسين لغة في إلياس، مثل: إسماعيل وإسماعين، وميكائيل وميكائين.\rوقال الفراء: هو جمع أراد إلياس وأتباعه من المؤمنين، فيكون بمنزلة الأشعرين والأعجمين بالتخفيف، وفي حرف عبد الله بن مسعود: سلام على إدراسين يعني: إدريس وأتباعه، لأنه يقرأ: وإن إدريس لمن المرسلين (2) .\r{ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ } أي: الباقين في العذاب.\r{ ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ } والتدمير: الإهلاك.\r{ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ } على آثارهم ومنازلهم، { مُصْبِحِينَ } وقت الصباح.\r{ وَبِاللَّيْلِ } يريد: تمرون بالنهار وبالليل عليهم إذا ذهبتم إلى أسفاركم ورجعتم، { أَفَلا تَعْقِلُونَ } فتعتبرون بهم.\rقوله تعالى: { وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ } من جملة رسل الله.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) انظر: معاني القرآن للفراء: 2 / 391،392.","part":7,"page":59},{"id":2646,"text":"{ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) }\r{ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ } يعني: هرب.\rقال ابن عباس رضي الله عنهما، ووهب: كان يونس وعد قومه العذاب، فلما تأخر عنهم العذاب خرج كالمشور (1) منهم، فقصد البحر فركب السفينة، فاحتبست السفينة فقال الملاحون: هاهنا عبد آبق من سيده، فاقترعوا فوقعت القرعة على يونس، فاقترعوا ثلاثًا فوقعت على يونس، فقال يونس: أنا الآبق، وزج نفسه في الماء.\rوروي في القصة: أنه لما وصل إلى البحر كانت معه امرأته وابنان له، فجاء مركب فأراد أن يركب معهم فقدم امرأته ليركب بعدها، فحال الموج بينه وبين المركب ومر المركب، ثم جاءت موجة أخرى وأخذت ابنه الأكبر وجاء ذئب فأخذ الابن الأصغر، فبقي فريدًا، فجاء مركب آخر فركبه فقعد ناحية من القوم، فلما مرت السفينة في البحر ركدت، فاقترعوا، وقد ذكرنا القصة في سورة يونس (2) .\rفذلك قوله عز وجل: { فَسَاهَمَ } فقارع، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة، { فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ } المقروعين.\r{ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ } ابتلعه، { وَهُوَ مُلِيمٌ } آت بما يلام عليه.\r{ فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ } من الذاكرين لله قبل ذلك، وكان كثير الذكر، وقال ابن عباس: من المصلين. وقال وهب: من العابدين. وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحًا. وقال الضحاك: شكر الله تعالى له طاعته القديمة.\rوقيل: \"فلولا أنه كان من المسبحين\" في بطن الحوت. قال سعيد بن جبير: يعني قوله: \"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين\"( الأنبياء-87 ) .\r{ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } لصار بطن الحوت له قبرًا إلى يوم القيامة.\r{ فَنَبَذْنَاهُ } طرحناه، { بِالْعَرَاءِ } يعني: على وجه الأرض، قال السدي: بالساحل، والعراء: الأرض الخالية عن الشجر والنبات { وَهُوَ سَقِيمٌ } عليل كالفرخ الممعط. وقيل: كان قد بلى لحمه ورق عظمه ولم يبق له قوة.\r__________\r(1) المشور: الخجل. وفي \"أ\" كالمتشور.\r(2) انظر فيما سبق: 4 / 151 - 152.","part":7,"page":60},{"id":2647,"text":"واختلفوا في مدة لبثه في بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. وقال عطاء: سبعة أيام. وقال الضحاك: عشرين يومًا. وقال السدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يومًا. وقال الشعبي: التقمه ضحى ولفظه عشية (1) .\r{ وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) }\r{ وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ } أي: له، وقيل: عنده { شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ } يعني: القرع، على قول جميع المفسرين.\rوقال الحسن ومقاتل: كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض ليس له ساق ولا يبقى على الشتاء نحو القرع والقثاء والبطيخ فهو يقطين.\rقال مقاتل بن حيان: فكان يونس يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها بكرة وعشية حتى اشتد لحمه ونبت شعره وقوي، فنام نومة فاستيقظ وقد يبست الشجرة فحزن حزنًا شديدًا وأصابه أذى الشمس فجعل يبكي، فبعث الله تعالى إليه جبريل وقال: أتحزن على شجرة ولا تحزن على مائة ألف من أمتك وقد أسلموا وتابوا. (2)\rفإن قيل: قال هاهنا: \"فنبذناه بالعراء وهو سقيم\"، وقال في موضع آخر: \"لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء\"( القلم -49 ) فهذا يدل على أنه لم ينبذ؟\rقيل: \"لولا\" هناك يرجع إلى الذم، معناه: لولا نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم، ولكن تداركه النعمة فنبذ، وهو غير مذموم.\rقوله عز وجل: { وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ } قال قتادة: أرسل إلى أهل نينوى من أرض الموصل قبل أن يصيبه ما أصابه، وقوله: \"وأرسلناه\" أي: وقد أرسلناه، وقيل: كان إرساله بعد خروجه من بطن الحوت إليهم، وقيل: إلى قوم آخرين. { أَوْ يَزِيدُونَ } قال ابن عباس: معناه: ويزيدون\"أو\" بمعنى الواو، كقوله: \"عذرًا أو نذرًا\"( المرسلات -6 ) ، وقال مقاتل والكلبي: معناه بل يزيدون.\rوقال الزجاج: \"أو\" هاهنا على أصله، ومعناه: أو يزيدون على تقديركم وظنكم، كالرجل يرى قومًا فيقول: هؤلاء ألف أو يزيدون، فالشك على تقدير المخلوقين، والأكثرون على أن معناه: ويزيدون.\rواختلفوا في مبلغ تلك الزيادة 99/أ فقال ابن عباس، ومقاتل: كانوا عشرين ألفًا، ورواه أبيُّ بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) .\r__________\r(1) ذكر هذه الأقوال السيوطي في الدر المنثور: 7 / 127.\r(2) انظر: الطبري: 23 / 103 - 104.\r(3) أخرجه الترمذي في التفسير: 9 / 97 وقال: \"هذا حديث غريب\" قال المباركفوري: \"وفي سنده مجهول\" والطبري: 23 / 104وعزاه السيوطي في الدر المنثور:7 / 132 أيضًا لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.","part":7,"page":61},{"id":2648,"text":"وقال الحسن: بضعًا وثلاثين ألفًا.\rوقال سعيد بن جبير: سبعين ألفًا (1)\r{ فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (148) فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (149) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (150) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (152) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (153) }\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 23 / 104، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 132 لابن أبي حاتم.","part":7,"page":62},{"id":2649,"text":"{ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154) أَفَلا تَذَكَّرُونَ (155) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (156) }\r{ فَآمَنُوا } يعني: الذين أرسل إليهم يونس بعد معاينة العذاب، { فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ } إلى انقضاء آجالهم.\rقوله تعالى: { فَاسْتَفْتِهِم } فاسأل يا محمد أهل مكة وهو سؤال توبيخ، { أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ } وذلك أن جهينة وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أن الملائكة بنات الله (1) يقول: جعلوا لله البنات ولأنفسهم البنين.\r{ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا } معناه: أخلقنا الملائكة إناثًا، { وَهُمْ شَاهِدُونَ } حاضرون خلقنا إياهم، نظيره قوله: \"أشهدوا خلقهم\"( الزخرف -19 ).\r{ أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ } من كذبهم، { لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } .\r{ أَصْطَفَى } قرأ أبو جعفر: \"لكاذبون اصطفى\" موصولا على الخبر عن قول المشركين، وعند الوقف يبتدئ: \"اصطفى\" بكسر الألف، وقراءة العامة بقطع الألف، لأنها ألف استفهام دخلت على ألف الوصل، فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة مقطوعة، مثل: استكبر ونحوها، { أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ } .\r{ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } لله بالبنات ولكم بالبنين.\r{ أَفَلا تَذَكَّرُونَ } أفلا تتعظون.\r{ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ } برهان بين على أن لله ولدًا.\r__________\r(1) انظر: الدر المنثور: 7 / 133.","part":7,"page":62},{"id":2650,"text":"{ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (157) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (158) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159) إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (160) فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (161) مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (162) إِلا مَنْ هُوَ صَالِي الْجَحِيمِ (163) وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (164) }\r{ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ } الذي لكم فيه حجة { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } في قولكم.\r{ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا } قال مجاهد وقتادة: أراد بالجنة: الملائكة، سموا جنة لاجتنانهم عن الأبصار.\rوقال ابن عباس: حي من الملائكة يقال لهم الجن، ومنهم إبليس، قالوا: هم بنات الله.\rوقال الكلبي: قالوا -لعنهم الله -بل تزوج من الجن فخرج منها الملائكة (1) تعالى الله عن ذلك، وقد كان زعم بعض قريش أن الملائكة بنات الله تعالى الله، فقال أبو بكر الصديق: فمن أمهاتهم، قالوا: سروات الجن (2) .\rوقال الحسن: معنى النسب أنهم أشركوا الشياطين في عبادة الله، { وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُم } يعني قائلي هذا القول { لَمُحْضَرُونَ } في النار، ثم نزه نفسه عما قالوا فقال:\r{ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ } { إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ } هذا استثناء من المحضرين، أي: أنهم لا يحضرون.\rقوله عز وجل: { فَإِنَّكُمْ } يقول لأهل مكة: { وَمَا تَعْبُدُونَ } من الأصنام.\r{ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ } على ما تعبدون، { بِفَاتِنِينَ } بمضلين أحدًا.\r{ إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ } إلا من قدر الله أنه سيدخل النار، أي: سبق له في علم الله الشقاوة.\rقوله عز وجل: { وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ } يقول جبرائيل للنبي صلى الله عليه وسلم وما منا معشر الملائكة إلا له مقام معلوم، أي: ما منا ملك إلا له مقام معلوم في السموات يعبد الله فيه.\rقال ابن عباس: ما في السموات موضع شبر إلا وعليه ملك يصلي أو يسبح.\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 23 / 108.\r(2) أخرجه الطبري: 23 / 108، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 133 أيضا لآدم بن أبي إياس، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان.","part":7,"page":63},{"id":2651,"text":"وروينا عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"أطت السماء، وحق لها أن تئط، والذي نفسي بيده ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله\" (1)\rقال السدي: إلا له مقام معلوم في القربة والمشاهدة.\rوقال أبو بكر الوراق: إلا له مقام معلوم يعبد الله عليه، كالخوف والرجاء والمحبة والرضا.\r{ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (166) وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (167) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ (168) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (169) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (170) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173) }\r{ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ } قال قتادة: هم الملائكة صفوا أقدامهم. وقال الكلبي: صفوف الملائكة في السماء للعبادة كصفوف الناس في الأرض.\r{ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ } أي: المصلون المنزهون الله عن السوء، يخبر جبريل عليه السلام [النبي صلى الله عليه وسلم] (2) أنهم يعبدون الله بالصلاة والتسبيح، وأنهم ليسوا بمعبودين، كما زعمت الكفار، ثم أعاد الكلام إلى الإخبار عن المشركين فقال:\r{ وَإِنْ كَانُوا } وقد كانوا يعني: أهل مكة، { لَيَقُولُونَ } لام التأكيد.\r{ لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ } أي: كتابًا مثل كتاب الأولين.\r{ لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ } أي: فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به، { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } هذا تهديد لهم.\r{ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ } وهي قوله: \"كتب الله لأغلبن أنا ورسلي\"( المجادلة -21 ) .\r{ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } أي: حزب الله لهم الغلبة بالحجة والنصرة في العاقبة.\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الزهد، باب: في قول النبي صلى الله عليه وسلم: \"لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا\" 6 / 601 - 603 وقال: \"حسن غريب\" وابن ماجه مطولا في الزهد، باب الحزن والبكاء برقم: (4190) 2 / 1402، والإمام أحمد: 5 / 173، وصححه الحاكم: 2 / 510، وفي 4 / 579 وقال: صحيح الإسناد على شرط الشيخين وأقره الذهبي: وصححه الألباني في \"الصحيحة\" برقم (1722).\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":7,"page":64},{"id":2652,"text":"{ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (174) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (175) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (176) فَإِذَا نزلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (177) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (178) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (179) سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182) }\r{ فَتَوَلّ } أعرض { عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ } قال ابن عباس: يعني الموت. وقال مجاهد: يوم بدر. وقال السدي: حتى نأمرك بالقتال. وقيل: إلى أن يأتيهم عذاب الله، قال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال (1) .\r{ وَأَبْصِرْهُمْ } إذا نزل بهم العذاب { فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ } ذلك فقالوا: متى هذا العذاب؟\rقال الله عز وجل: { أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * فَإِذَا نزلَ } يعني: العذاب { بِسَاحَتِهِمْ } قال مقاتل: بحضرتهم. وقيل: بفنائهم. قال الفراء (2) : العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم، { فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ } فبئس صباح الكافرين الذين أنذروا بالعذاب.\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، أخبرنا مالك، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج إلى خيبر، أتاها ليلا وكان إذا جاء قومًا بليل لم يغز حتى يصبح، قال: فلما أصبح خرجت يهود خيبر بمساحيها ومكاتلها، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: محمد، والله، محمد والخميس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين\" (3) .\rثم كرر ما ذكرنا تأكيدًا لوعيد العذاب فقال:\r{ وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ * وَأَبْصِرْ } العذاب إذا نزل بهم، { فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ } . ثم نزه نفسه فقال:\r{ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّة } الغلبة والقوة، { عَمَّا يَصِفُونَ } من اتخاذ الصاحبة والأولاد.\r{ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ } الذين بلغوا عن الله التوحيد والشرائع.\r{ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } على هلاك الأعداء ونصرة الأنبياء عليهم السلام.\r__________\r(1) انظر فيما سبق: 3 / 32 تعليق (1)، 3 / 273 تعليق (2).\r(2) معاني القرآن: 2 / 396.\r(3) أخرجه مالك في الموطأ باب ما جاء في الخيل: 2 / 468، والبخاري في الأذان، باب: ما يحقن بالأذان من الدماء: 2 / 89-90، ومسلم في الجهاد والسير، باب: غزوة خيبر برقم: 1365، 3 / 1426-1427، والمصنف في شرح السنة: 11 / 59.","part":7,"page":65},{"id":2653,"text":"أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدثنا إبراهيم 99/ب بن سهلويه، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا وكيع، عن ثابت بن أبي صفية، عن أصبغ بن نبانة، عن علي قال: \"من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه: سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين\" (1) (2)\r__________\r(1) ذكره ابن كثير في التفسير: 4 / 26 من رواية ابن أبي حاتم مرسلا، وقال: روي من وجه آخر متصل موقوف على علي رضي الله عنه وساقه من رواية المصنف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 141 لحميد بن زنجويه في ترغيبه. والحديث فيه أصبغ بن نباتة، قال أبو حاتم في الجرح والتعديل: 2 / 320: لين الحديث، وقال ابن معين: ليس بشيء.\r(2) في نسخة \"أ\": تم المجلد الثالث بحمد الله وحسن توفيقه.","part":7,"page":66},{"id":2654,"text":"سورة ص مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (2) }\r{ ص } قيل: هو قسم، وقيل: اسم السورة كما ذكرنا في سائر حروف التهجي في أوائل السور.\rوقال محمد بن كعب القرظي: \"ص\" مفتاح اسم الصمد، وصادق الوعد (2) .\rوقال الضحاك: معناه صدق الله (3) .\rوروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: صدق محمد صلى الله عليه وسلم.\r{ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ } أي ذي البيان، قاله ابن عباس ومقاتل. وقال الضحاك: ذي الشرف، دليله قوله تعالى: \"وإنه لذكر لك ولقومك\"( الزخرف-44 ) ، وهو قسم.\rواختلفوا في جواب القسم، قيل: جوابه قد تقدم، وهو قوله \"ص\" أقسم الله تعالى بالقرآن أن محمدًا قد صدق.\rوقال الفراء: \"ص\" معناها: وجب وحق، وهو جواب قوله: \"والقرآن\" كما تقول: نزل والله (4) .\rوقيل: جواب القسم محذوف تقديره: والقرآن ذي الذكر ما الأمر كما يقول الكفار، ودل على هذا المحذوف قوله تعالى: { بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا } .\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: نزلت سورة \"ص\" بمكة انظر: الدر المنثور: 7 / 142.\r(2) انظر: زاد المسير: 7 / 97.\r(3) أخرجه الطبري: 23 / 118.\r(4) انظر: معاني القرآن للفراء: 2 / 396.","part":7,"page":67},{"id":2655,"text":"قال قتادة: موضع القسم قوله: { بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا } كما قال: \"والقرآن المجيد بل عجبوا\"( ق-2 ) .\rوقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: بل الذين كفروا، { فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ } والقرآن ذي الذكر.\rوقال الأخفش: جوابه قوله [تعالى: إن كل إلا كذب الرسل\"( ص-14 ) ، كقوله: \"تالله إن كنا\"( الشعراء-97 ) وقوله: \"والسماء والطارق -إن كل نفس\"( الطارق-1 : 3 ).\rوقيل:] (1) جوابه قوله: \"إن هذا لرزقنا\"( ص-54 ) .\rوقال الكسائي: قوله: \"إن ذلك لحق تخاصم أهل النار\"( ص-64 ) ، وهذا ضعيف لأنه تخلل بين هذا القسم وبين هذا الجواب أقاصيص وأخبار كثيرة.\rوقال القتيبي: بل لتدارك كلام ونفي آخر، ومجاز الآية: إن الله أقسم بـ ص والقرآن ذي الذكر أن الذين كفروا من أهل مكة في عزة حمية جاهلية وتكبر عن الحق وشقاق وخلاف وعداوة لمحمد صلى الله عليه وسلم.\rوقال مجاهد: \"في عزة\" معازِّين (2) .\r{ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ (3) }\r{ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ } يعني: من الأمم الخالية، { فَنَادَوْا } استغاثوا عند نزول العذاب وحلول النقمة، { وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ } قوة ولا فرار (3) \"والمناص\" مصدر ناص ينوص، وهو الفوت، والتأخر، يقال: ناص ينوص إذا تأخر، وباص يبوص إذا تقدم، و\"لات\" بمعنى ليس بلغة أهل اليمن (4) .\rوقال النحويون: هي \"لا\" زيدت فيها التاء، كقولهم: رب وربت وثم وثمت، وأصلها هاء وصلت بلا فقالوا: \"لاه\" كما قالوا: ثمة، فجعلوها في الوصل تاء، والوقف عليها بالتاء عند الزجاج، وعند الكسائي بالهاء: ولاة. ذهب جماعة إلى أن التاء زيدت في \"حين\" والوقف على \"ولا\" ثم يبتدئ: \"تحين\"، وهو اختيار أبي عبيدة، وقال: كذلك وجدت في مصحف عثمان، وهذا كقول أبي وجزة السعدي: العاطفون تحين ما من عاطف ... والمطمعون زمان ما من مطعم (5)\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) في \"ب\" متعازين.\r(3) في \"ب\" (ليس حين نزو ولا فرار).\r(4) في هامش \"أ\": \"يقال: ناص، ينوص، نوصا ومناصا، أي: فر وراغ. وقال تعالى: \"ولات حين مناص\" أي: ليس وقت تأخر وفرار، والمناص أيضا: الملجأ والمفر\".\r(5) البيت من شواهد ابن قتيبة في \"تأويل مشكل القرآن\" ص (530)، والجوهري في الصحاح مادة \"حين\": 5 / 2106، واللسان: \"حين\": 13 / 134، والطبري 23 / 123. قال ابن بري: صوابه..: والمطعون زمان أين المطعم. انظر: \"القرطين\": 2 / 98 تعليق (1).","part":7,"page":70},{"id":2656,"text":"وفي حديث ابن عمر، وسأله رجل عن عثمان، فذكر مناقبه ثم قال: اذهب بها تلان إلى أصحابك، يريد: الآن.\rقال ابن عباس رضي الله عنهما: كان كفار مكة إذا قاتلوا فاضطروا في الحرب، قال بعضهم لبعض: مناص، أي: اهربوا وخذوا حذركم، فلما أنزل الله بهم العذاب ببدر قالوا: مناص، فأنزل الله تعالى: \"ولات حين مناص\" (1) [أي ليس] (2) حين هذا القول.\r{ وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) }\r{ وَعَجِبُوا } يعني: الكفار الذين ذكرهم الله عز وجل في قوله: \"بل الذين كفروا\" { أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ } يعني: رسولا من أنفسهم ينذرهم { وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ } .\r{ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا } وذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أسلم، فشق ذلك على قريش، وفرح به المؤمنون، فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش، وهم الصناديد والأشراف، وكانوا خمسة وعشرين رجلا أكبرهم سنًا الوليد بن المغيرة، قال لهم: امشوا إلى أبي طالب، فأتوا أبا طالب، وقالوا له: أنت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء، وإنا قد أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فأرسل أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فدعاه، فقال: يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء، فلا تمل كل الميل على قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وماذا يسألوني؟ قالوا: ارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم؟ فقال أبو جهل: لله أبوك لنعطيكها وعشرًا أمثالها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا لا إله إلا الله، [فنفروا] (3) من ذلك وقاموا، وقالوا: أجعل الآلهة إلهًا واحدًا؟ كيف يسع الخلق كلهم إله واحد؟ (4)\r{ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ } أي: عجيب، والعجب والعجاب واحد، كقولهم: رجل كريم وكرام، وكبير وكبار، وطويل وطوال، وعريض وعراض.\r__________\r(1) انظر البحر المحيط: 7 / 384.\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) في \"ب\" فتفرقوا.\r(4) قال ابن حجر في الكافي الشاف ص (141): \"ذكره الثعلبي بغير سند\". ورواه الترمذي: 9 / 99-101 وقال: (هذا حديث حسن صحيح) والنسائي في التفسير: 2 / 216- 217، وابن حبان برقم (1757) ص (435) من موارد الظمآن، والإمام أحمد: 1 / 227، وإسحاق، وأبو يعلى، والطبري: 23 / 125، وابن أبي حاتم وغيرهم من طريق يحيى بن عمارة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: قال: مرض أبو طالب فجاءته قريش وجاء النبي صلى الله عليه وسلم -الحديث- نحوه\" وليس فيه أوله.\rوأخرجه أيضًا: البيهقي في السنن 9 / 188، وصححه الحاكم: 2 / 432، والواحدي في أسباب النزول ص (424).\rوانظر: الدر المنثور: 7 / 142 - 143 .","part":7,"page":71},{"id":2657,"text":"{ وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ (7) أَؤُنزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (8) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9) }\r{ وَانْطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ } أي: انطلقوا من مجلسهم الذي كانوا فيه عند أبي طالب، يقول بعضهم لبعض: امشوا واصبروا على آلهتكم، أي: اثبتوا على عبادة آلهتكم { إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ } أي لأمر يراد بنا، وذلك أن عمر لما أسلم وحصل للمسلمين قوة بمكانه قالوا: إن هذا الذي نراه من زيادة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لشيء يراد بنا.\rوقيل: يراد بأهل الأرض، وقيل: يراد بمحمد أن يملك علينا.\r{ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا } أي بهذا الذي يقوله محمد من التوحيد، { فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ } قال ابن عباس رضي الله عنهما، والكلبي، ومقاتل: يعنون النصرانية، لأنها آخر الملل وهم لا يوحدون، بل يقولون ثالث ثلاثة.\rوقال مجاهد وقتادة: يعنون ملة قريش ودينهم الذي هم عليه.\r{ إِنْ هَذَا إِلا اخْتِلاقٌ } كذب وافتعال.\r{ أَأُنزلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ } القرآن { مِنْ بَيْنِنَا } وليس بأكبرنا ولا أشرفنا، يقوله أهل مكة. قال الله عز وجل:\r{ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي } أي وحيي وما أنزلت، { بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ } ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول.\r{ أَمْ عِنْدَهُمْ } أعندهم، { خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ } أي: نعمة ربك يعني: مفاتيح النبوة يعطونها من شاؤوا، نظيره: \"أهم يقسمون رحمة 100/أ ربك\"( الزخرف -32 ) أي نبوة ربك، { الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ } [العزيز في ملكه، الوهاب] (1) وهب النبوة لمحمد صلى الله عليه وسلم.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":7,"page":72},{"id":2658,"text":"{ أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الأسْبَابِ (10) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزَابِ (11) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتَادِ (12) }\r{ أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا } أي: ليس لهم ذلك، { فَلْيَرْتَقُوا فِي الأسْبَابِ } أي: إن ادعوا شيئًا من ذلك فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء، وليأتوا منها بالوحي إلى من يختارون، قال مجاهد وقتادة: أراد بالأسباب: أبواب السماء وطرقها من سماء إلى سماء، وكل ما يوصلك إلى شيء من باب أو طريق فهو سببه، وهذا أمر توبيخ وتعجيز.\r{ جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ } أي: هؤلاء الذين يقولون هذا القول جند هنالك، و\"ما\" صلة، { مَهْزُومٌ } مغلوب، { مِنَ الأحْزَابِ } أي: من جملة الأجناد، يعني: قريشًا.\rقال قتادة: أخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وهو بمكة أنه سيهزم جند المشركين، فقال: \"سيهزم الجمع ويولون الدبر\"( القمر-45 ) فجاء تأويلها يوم بدر (1) ، و\"هنالك\" إشارة إلى بدر ومصارعهم، \"من الأحزاب\" أي: من جملة الأحزاب، أي: هم من القرون الماضية الذين تحزبوا وتجمعوا على الأنبياء بالتكذيب، فقهروا وأهلكوا. ثم قال معزيًا لنبيه صلى الله عليه وسلم: { كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتَادِ } قال ابن عباس، ومحمد بن كعب: ذو البناء المحكم، وقيل: أراد ذو الملك الشديد الثابت.\rوقال القتيبي: تقول العرب: هم في عز ثابت الأوتاد، يريدون أنه دائم شديد.\rوقال الأسود بن يعفر: ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة في ظل ملك ثابت الأوتاد (2)\rفأصل هذا أن بيوتهم كانت تثبت بالأوتاد.\rوقال الضحاك: ذو القوة والبطش. وقال عطية: ذو الجنود والجموع الكثيرة، يعني: أنهم كانوا يقوون أمره، ويشدون ملكه، كما يقوي الوتد الشيء، وسميت الأجناد أوتادًا لكثرة المضارب التي كانوا يضربونها ويوتدونها في أسفارهم، وهو رواية عطية عن ابن عباس.\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 23 / 130 وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 147 أيضا لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\r(2) البيت في غريب القرآن لابن قتيبة: 2 / 100 من \"القرطين\"، معاني القرآن للنحاس: 60 / 85، البحر المحيط: 7 / 367.","part":7,"page":73},{"id":2659,"text":"وقال الكلبي ومقاتل: \"الأوتاد\" جمع الوتد، وكانت له أوتاد يعذب الناس عليها، وكان إذا غضب على أحد مده مستلقيًا بين أربعة أوتاد، وشد كل يد ورجل منه إلى سارية، ويتركه كذلك في الهواء بين السماء والأرض حتى يموت.\rوقال مجاهد، ومقاتل بن حيان: كان يمد الرجل مستلقيًا على الأرض، يشد يديه ورجليه ورأسه على الأرض بالأوتاد.\rوقال السدي: كان يمد الرجل ويشده بالأوتاد ويرسل عليه العقارب والحيات (1) .\rوقال قتادة وعطاء: كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب عليها بين يديه (2) .\r{ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأيْكَةِ أُولَئِكَ الأحْزَابُ (13) إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (14) وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (15) }\r{ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأيْكَةِ أُولَئِكَ الأحْزَابُ } الذين تحزبوا على الأنبياء، فأعلم أن مشركي قريش حزب من هؤلاء الأحزاب.\r{ إِنْ كُلُّ } ما كل، { إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ } وجب عليهم ونزل بهم عذابي. { وَمَا يَنْظُرُ } ينتظر { هَؤُلاءِ } يعني: كفار مكة، { إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً } وهي نفخة الصور، { مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ } قرأ حمزة، والكسائي: \"فواق\" بضم الفاء، وقرأ الآخرون بفتحها وهما لغتان، فالفتح لغة قريش، والضم لغة تميم.\rقال ابن عباس وقتادة: من رجوع، أي: ما يرد ذلك الصوت فيكون له رجوع.\rوقال مجاهد: نظرة. وقال الضحاك: مثنوية، أي صرف ورد.\rوالمعنى: أن تلك الصيحة التي هي ميعاد عذابهم إذا جاءت لم ترد ولم تصرف.\rوفرق بعضهم بين الفتح والضم، فقال الفراء، وأبو عبيدة: الفتح بمعنى الراحة والإفاقة، كالجواب من الإجابة، ذهبا بها إلى إفاقة المريض من علته، والفواق بالضم ما بين الحلبتين، وهو أن تحلب الناقة ثم تترك ساعة حتى يجتمع اللبن، فما بين الحلبتين فواق، أي أن العذاب لا يمهلهم بذلك القدر (3) .\rوقيل: هما أيضًا مستعارتان من الرجوع، لأن اللبن يعود إلى الضرع بين الحلبتين، وإفاقة المريض:\r__________\r(1) انظر البحر المحيط: 7 / 386.\r(2) أخرجه الطبري: 23 / 130.\r(3) انظر: معاني القرآن للفراء: 3 / 400، مجاز القرآن لأبي عبيدة: 2 / 179.","part":7,"page":74},{"id":2660,"text":"رجوعه إلى الصحة.\r{ وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (16) }","part":7,"page":75},{"id":2661,"text":"{ اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) }\r{ وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ } قال سعيد بن جبير [عن ابن عباس] (1) : يعني كتابنا، و\"القط\" الصحيفة التي أحصت كل شيء.\rقال الكلبي: لما نزلت في الحاقة: \"فأما من أوتي كتابه بيمينه\"( الحاقة -19 ) ، \"وأما من أوتي كتابه بشماله\"( الحاقة-25 ) قالوا استهزاء: عجل لنا كتابنا في الدنيا قبل يوم الحساب. [وقال سعيد بن جبير] (2) : يعنون حظنا ونصيبنا من الجنة التي تقول.\rوقال الحسن، وقتادة، ومجاهد، والسدي: يعني عقوبتنا ونصيبنا من العذاب.\r[وقال عطاء: قاله] (3) النضر بن الحارث، وهو قوله: \"اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء\" (4) ( الأنفال: 32 ) .\rوعن مجاهد قال: \"قطنا\" حسابنا، ويقال لكتاب الحساب قط.\rوقال أبو عبيدة والكسائي: \"القط\": الكتاب بالجوائز (5) .\rقال الله تعالى: { اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ } [أي على ما يقوله] (6) الكفار من تكذيبك { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأيْدِ } قال ابن عباس: أي القوة في العبادة.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(4) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 148 لعبد بن حميد.\r(5) ذكر الطبري أكثرهذه الأقوال: 23 / 134-135 ثم قال مرجحا: \"وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن القوم سألوا ربهم تعجيل صكاكهم بحظوظهم من الخير أو الشر-الذي وعد الله عباده أن يؤتيهموها في الآخرة-قبل يوم القيامة في الدنيا استهزاء بوعيد الله\".\r(6) ساقط من \"أ\".","part":7,"page":75},{"id":2662,"text":"إلى الله صلاة داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه\" (1) .\rوقيل: ذو القوة في الملك.\r{ إِنَّهُ أَوَّابٌ } رجاع إلى الله عز وجل بالتوبة عن كل ما يكره، قال ابن عباس: مطيع. قال سعيد بن جبير: مسبح بلغة الحبش.\r{ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20) }\r{ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ } كما قال: \"وسخرنا مع داود الجبال\"( الأنبياء-79 ) { يُسَبِّحْنَ } بتسبيحه، { بِالْعَشِيِّ وَالإشْرَاقِ } قال الكلبي: غدوة وعشية. والإشراق: هو أن تشرق الشمس ويتناهى ضوؤها وفسره ابن عباس: بصلاة الضحى.\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، حدثنا ابن أبي شيبة، حدثنا أبو أمية محمد بن إبراهيم، حدثنا الحجاج بن نصير، أخبرنا أبو بكر الهذلي، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس في قوله: \"بالعشي والإشراق\" قال: كنت أمر بهذه الآية لا أدري ما هي 100/ب حتى حدثتني أم هانئ بنت أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها فدعا بوضوء فتوضأ، ثم صلى الضحى، فقال: \"يا أم هانئ هذه صلاة الإشراق\" (2) .\rقوله عز وجل: { وَالطَّيْرَ } أي: وسخرنا له الطير، { مَحْشُورَةً } مجموعة إليه تسبح معه، { كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ } مطيع رجاع إلى طاعته بالتسبيح، وقيل: أواب معه أي مسبح.\r{ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ } أي: قويناه بالحرس والجنود، قال ابن عباس: كان أشد ملوك الأرض سلطانًا، كان يحرس محرابه كل ليلة ستة وثلاثون ألف رجل.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التهجد، باب: من نام عند السحر: 3 / 16، ومسلم في الصيام، باب النهي عن صوم الدهر برقم: (1159) 2 / 816، والمصنف في شرح السنة: 4 / 60.\r(2) رواه ابن مردويه، والثعلبي، والواحدي، والطبراني، كلهم من رواية أبي بكر الهذلي عن عطاء عن ابن عباس، حدثتني أم هانئ ورواه الحاكم من وجه آخر عن عبد الله بن الحارث موقوفا على ابن عباس: 4 / 35 وفيه: ثم قال ابن عباس: هذه صلاة الإشراق. قال ابن حجر: \"هذا موقوف وهو أصح\". قال الهيثمي: فيه حجاج بن نصير، ضعفه ابن المديني وجماعة، ووثقه ابن معين وابن حبان. انظر: الكافي الشاف ص(142)، مجمع الزوائد: 2 / 238.","part":7,"page":76},{"id":2663,"text":"أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن، حدثنا داود بن سليمان، حدثنا محمد بن حميد، حدثنا محمد بن الفضل، حدثنا داود بن أبي الفرات، عن علي بن أحمد، عن عكرمة، عن ابن عباس (1) أن رجلا من بني إسرائيل استعدى (2) على رجل من عظمائهم عند داود -عليه السلام -أن هذا غصبني بقرًا، فسأله داود فجحد، فقال للآخر: البينة؟ فلم يكن له بينة، فقال لهما داود: قوما حتى أنظر في أمركما، فأوحى الله إلى داود في منامه أن يقتل الذي استعدى (3) عليه، فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت، فأوحى إليه مرة أخرى فلم يفعل، فأوحى الله إليه الثالثة أن يقتله أو تأتيه العقوبة، فأرسل داود إليه فقال: إن الله أوحى إلي أن أقتلك، فقال: تقتلني بغير بينة؟ قال داود: نعم والله لأنفذن أمر الله فيك، فلما عرف الرجل أنه قاتله، قال: لا تعجل حتى أخبرك، إني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت والد هذا فقتلته، فلذلك أخذت، فأمر به داود فقتل، فاشتدت هيبة بني إسرائيل عند ذلك لداود، واشتد به ملكه فذلك قوله عز وجل: \"وشددنا ملكه\" (4) .\r{ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ } يعني: النبوة والإصابة في الأمور، { وَفَصْلَ الْخِطَابِ } قال ابن عباس: بيان الكلام.\rوقال ابن مسعود، والحسن، والكلبي، ومقاتل: علم الحكم والتبصر في القضاء.\rوقال علي بن أبي طالب: هو أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، لأن كلام الخصوم ينقطع وينفصل به.\rويروى ذلك عن أبيّ بن كعب قال: \"فصل الخطاب\": الشهود والأيمان (5) . وهو قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح.\r__________\r(1) قال الحافظ ابن كثير في التفسير: 3 / 32 \"ذكر المفسرون هاهنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه، ولكن روى ابن أبي حاتم حديثا لا يصح سنده لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس رضي الله عنه، ويزيد وإن كان من الصالحين لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة وأن يرد علمها إلى الله عز وجل فإن القرآن حق وما تضمن فهو حق أيضا\" . راجع \"الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير\" لأبي شهبة ص (264-270) وهو في الصحيح بغير هذا السياق، انظر: البخاري، كتاب التهجد: 3 / 51، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين: 1 / 498.\r(2) في \"ب\" ادعى.\r(3) في \"ب\" ادعى.\r(4) أخرجه الطبري: 23 / 138-139 وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 153 أيضا لعبد بن حميد والحاكم.\r(5) انظر الطبري: 23 / 140 معاني القرآن: 2 / 401.","part":7,"page":77},{"id":2664,"text":"وروي عن الشعبي: أن فصل الخطاب: هو قول الإنسان بعد حمد الله والثناء عليه: \"أما بعد\" (1) إذا أراد الشروع في كلام آخر، وأول [من قاله داود عليه السلام.\r{ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) }\rقوله عز وجل: { وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ } ] (2) هذه الآية من قصة امتحان داود عليه السلام، واختلف العلماء بأخبار الأنبياء عليهم السلام في سببه:\rفقال قوم: سبب ذلك أنه عليه السلام تمنى يومًا من الأيام منزلة إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وسأل ربه أن يمتحنه كما امتحنهم، ويعطيه من الفضل مثل ما أعطاهم.\rفروى السدي، والكلبي، ومقاتل: عن أشياخهم قد دخل حديث بعضهم في بعض، قالوا: كان داود قد قسم الدهر ثلاثة أيام يومًا يقضي فيه بين الناس، ويومًا يخلو فيه لعبادة ربه، ويوما لنسائه وأشغاله، وكان يجد فيما يقرأ من الكتب فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فقال: يا رب أرى الخير كله وقد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي، فأوحى الله إليه: أنهم ابتلوا ببلايا لم تبتل بها فصبروا عليها، ابتلي إبراهيم بنمرود وبذبح ابنه، وابتلي إسحاق (3) بالذبح وبذهاب بصره، وابتلي يعقوب بالحزن على يوسف، فقال: رب لو ابتليتني بمثل ما ابتليتهم صبرت أيضًا. فأوحى الله إليه إنك مبتلى في شهر كذا وفي يوم كذا فاحترس، فلما كان ذلك اليوم الذي وعده الله دخل داود محرابه وأغلق بابه، وجعل يصلي ويقرأ الزبور، فبينا هو كذلك إذ جاءه الشيطان قد تمثل في صورة حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن -وقيل: كان جناحاها من الدر والزبرجد -فوقعت بين رجليه فأعجبه حسنها، فمد يده ليأخذها ويريها بني إسرائيل فينظروا إلى قدرة الله تعالى، فلما قصد أخذها طارت غير بعيد من غير أن تؤيسه من نفسها، فامتد إليها ليأخذها، فتنحت، فتبعها فطارت حتى وقعت في كوة، فذهب ليأخذها، فطارت من الكوة، فنظر داود أين تقع فيبعث من يصيدها، فأبصر امرأة في بستان على شط بركة لها تغتسل، هذا قول الكلبي. (4)\rوقال السدي: رآها تغتسل على سطح لها فرأى امرأة من أجمل النساء خلقًا، فعجب داود من حسنها وحانت منها التفاتة فأبصرت ظله فنقضت شعرها فغطى بدنها، فزاده ذلك إعجابًا بها فسأل عنها، فقيل هي تيشايع بنت شايع امرأة أوريا بن حنانا، وزوجها في غزاة بالبلقاء مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود.\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 23 / 140 وانظر: معاني القرآن: 2 / 401.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) تقدم أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام.\r(4) هذه الروايات ضعيفة، راجع ما نقله السيوطي عن ابن حجر في الدر المنثور: 8 / 700 - 701.","part":7,"page":78},{"id":2665,"text":"وذكر بعضهم أنه أحب أن يقتل أوريا ويتزوج امرأته، فكان ذنبه هذا القدر.\rوذكر بعضهم أنه كتب داود إلى ابن أخته أيوب أن أبعث أوريا إلى موضع كذا، وقدمه قبل التابوت، وكان من قدم على التابوت لا يحل له أن يرجع وراءه حتى يفتح الله على يديه أو يستشهد، فبعثه وقدمه ففتح له، فكتب إلى داود بذلك فكتب إليه أيضًا أن يبعثه إلى عدو كذا وكذا، فبعثه ففتح له، فكتب إلى داود بذلك فكتب له أيضًا أن يبعثه إلى عدو كذا وكذا أشد منه بأسًا، فبعثه فقتل في المرة الثالثة، فلما انقضت عدة المرأة تزوجها داود، فهي أم سليمان عليهما السلام (1) .\rوروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: كان ذلك ذنب داود أنه التمس من الرجل أن ينزل له عن امرأته.\rقال أهل التفسير: كان ذلك مباحًا لهم غير أن الله تعالى لم يرض له ذلك لأنه كان ذا رغبة في الدنيا، وازديادًا للنساء، وقد أغناه الله عنها بما أعطاه من غيرها.\rوروي عن الحسن في سبب امتحان داود عليه السلام: أنه كان قد جزأ الدهر أجزاء، يومًا لنسائه، ويومًا للعبادة، ويومًا للقضاء بين بني إسرائيل، ويومًا لبني إسرائيل، يذاكرهم ويذاكرونه ويبكيهم ويبكونه، فلما كان يوم بني إسرائيل ذكروه فقالوا: هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبًا، فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك (2) .\rوقيل: إنهم ذكروا فتنة النساء فأضمر داود في نفسه 101/أ أنه إن ابتلي اعتصم، فلما كان يوم عبادته أغلق أبوابه وأمر أن لا يدخل عليه أحد، وأكب على التوراة فبينما هو يقرأ إذ دخلت عليه حمامة من ذهب كما ذكرنا، قال: وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن يسير إلى مكان كذا وكذا إذا سار إليه قتل، ففعل فأصيب فتزوج أمرأته.\rقالوا: فلما دخل داود بامرأة أوريا لم يلبث إلا يسيرًا حتى بعث الله إليه ملكين في صورة رجلين في يوم عبادته، فطلبا أن يدخلا عليه، فمنعهما الحرس فتسورا المحراب عليه، فما شعر وهو يصلي إلا وهما بين يديه جالسين، يقال: كانا جبريل وميكائيل، فذلك قوله عز وجل: { وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ } خبر الخصم، { إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ } صعدوا وعلوا، يقال: تسورت الحائط والسور إذا علوته، وإنما جمع الفعل وهما اثنان لأن الخصم اسم يصلح للواحد والاثنين والجمع\r__________\r(1) انظر الطبري: 23 / 147.\r(2) أخرجه الطبري: 23 / 148، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 158 - 159 أيضا لعبد بن حميد وابن المنذر.","part":7,"page":79},{"id":2666,"text":"والمذكر والمؤنث، ومعنى الجمع في الاثنين موجود، لأن معنى الجمع ضم شيء إلى شيء هذا كما قال الله تعالى: \"فقد صغت قلوبكما\"( التحريم -4 ) .\r{ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) }\r{ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُم } خاف منهما حين هجما عليه في محرابه بغير إذنه، فقال: ما أدخلكما عليّ، { قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ } [أي نحن خصمان] (1) { بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ } جئناك لتقضي بيننا، فإن قيل: كيف قالا \"بغى بعضنا على بعض\" وهما ملكان لا يبغيان؟ قيل: معناه: أرأيت خصمين بغى أحدهما على الآخر، وهذا من معاريض الكلام لا على تحقيق البغي من أحدهما.\r{ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ } أي لا تجر، يقال: شط الرجل شططًا وأشط إشطاطًا (2) إذا جار في حكمه، ومعناه مجاوزة الحد، وأصل الكلمة من شطت الدار وأشطت، إذا بعدت { وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ } أرشدنا إلى طريق الصواب والعدل، فقال داود لهما: تكلما.\rفقال أحدهما: { إِنَّ هَذَا أَخِي } أي: على ديني وطريقتي، { لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً } [يعني امرأة] { وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ } أي امرأة واحدة، والعرب تكني بالنعجة عن المرأة (3) ، قال الحسين بن الفضل: هذا تعريض للتنبيه والتفهيم، لأنه لم يكن هناك نعاج ولا بغي فهو كقولهم: ضرب زيد عمرًا، أو اشترى بكر دارًا، ولا ضرب هنالك ولا شراء.\r{ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا } قال ابن عباس: اعطنيها. قال مجاهد: انزل لي عنها. وحقيقته: ضمها إليّ فاجعلني كافلها، وهو الذي يعولها وينفق عليها، والمعنى: طلقها لأتزوجها، .\r{ وَعَزَّنِي } وغلبني { فِي الْخِطَابِ } أي: في القول. وقيل: قهرني لقوة ملكه. قال الضحاك: يقول إن تكلم كان أفصح مني، وإن حارب كان أبطش مني.\rوحقيقة المعنى: أن الغلبة كانت له لضعفي في يده، وإن كان الحق معي وهذا كله تمثيل لأمر\r__________\r(1) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(2) في أ: شطاطا.\r(3) راجع \"الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير\" لأبي شهبة: ص(266 - 270).","part":7,"page":80},{"id":2667,"text":"داود مع أوريا زوج المرأة التي تزوجها داود حيث كان لداود تسع وتسعون امرأة ولأوريا امرأة واحدة فضمها إلى نسائه.\r{ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) }\r{ قَالَ } داود { لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ } أي: بسؤاله نعجتك ليضمها إلى نعاجه.\rفإن قيل: كيف قال لقد ظلمك ولم يكن سمع قول صاحبه؟\rقيل: معناه إن كان الأمر كما تقول فقد ظلمك، وقيل: قال ذلك بعد اعتراف صاحبه بما يقول.\r{ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ } الشركاء، { لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ } يظلم بعضهم بعضًا، { إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } فإنهم لا يظلمون أحدًا. { وَقَلِيلٌ مَا هُمْ } أي: قليل هم، و\"ما\" صلة يعني: الصالحين الذين لا يظلمون قليل.\rقالوا: فلما قضى بينهما داود نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك وصعد إلى السماء، فعلم داود أن الله تعالى ابتلاه، وذلك قوله:\r{ وَظَنَّ دَاوُدُ } أيقن وعلم، { أَنَّمَا فَتَنَّاهُ } إنما ابتليناه.\rوقال السدي بإسناده: أن أحدهما لما قال: \"هذا أخي\" الآية، قال داود للآخر: ما تقول؟ فقال: إن لي تسعًا وتسعين نعجة ولأخي نعجة واحدة وأنا أريد أن آخذها منه فأكمل نعاجي مائة، قال: وهو كاره، إذًا لا ندعك وإن رمت ذلك ضربت منك هذا وهذا وهذا، يعني: طرف الأنف وأصله والجبهة، فقال: يا داود أنت أحق بذلك حيث لم يكن لأوريا إلا امرأة واحدة ولك تسع وتسعون امرأة، فلم تزل تعرضه للقتل حتى قتل وتزوجت امرأته، فنظر داود فلم ير أحدًا فعرف ما وقع فيه (1) .\rوقال القائلون بتنزيه الأنبياء في هذه القصة: إن ذنب داود إنما كان أنه تمنى أن تكون امرأة أوريا حلالا له، فاتفق غزو أوريا وتقدمه في الحرب وهلاكه، فلما بلغ قتله داود لم يجزع عليه كما جزع على غيره من جنده إذا هلك، ثم تزوج امرأته، فعاتبه الله على ذلك، لأن ذنوب الأنبياء\r__________\r(1) انظر الطبري: 23 / 147.","part":7,"page":81},{"id":2668,"text":"وإن صغرت فهي عظيمة عند الله.\rوقيل: كان ذنب داود أن أوريا كان خطب تلك المرأة ووطن نفسه عليها، فلما غاب في غزاته خطبها داود فتزوجت منه لجلالته، فاغتم لذلك أوريا، فعاتبه الله على ذلك حيث لم يترك هذه الواحدة لخاطبها وعنده تسع وتسعون امرأة.\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي قال: ومما يصدق ما ذكرنا عن المتقدمين ما أخبرني عقيل بن محمد بن أحمد الفقيه أن المعافي بن زكريا القاضي ببغداد أخبره عن محمد بن جرير الطبري، قال: حدثني يونس بن عبد الأعلى الصيرفي، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن أبي صخر، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك رضي الله عنه سمعه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن داود النبي -عليه السلام-حين نظر إلى المرأة فهمَّ أن يُجمع على بني إسرائيل وأوصى صاحب البعث، فقال إذا حضر العدو فقرب فلانًا بين يدي التابوت، وكان التابوت في ذلك الزمان يستنصر به وبمن قدم بين يدي التابوت، فلم يرجع حتى يقتل أو ينهزم عنه الجيش فقتل زوج المرأة، ونزل الملكان يقصان عليه قصته، ففطن داود فسجد ومكث أربعين ليلة ساجدًا حتى نبت الزرع من دموعه على رأسه وأكلت الأرض من جبينه وهو يقول 101/ب في سجوده: رب زل داود زلة أبعد مما بين المشرق والمغرب، رب إن لم ترحم ضعف داود، ولم تغفر ذنبه جعلت ذنبه حديثًا في الخلق من بعده، فجاءه جبريل من بعد أربعين ليلة فقال: يا داود إن الله قد غفر لك الهم الذي هممت به، فقال داود: إن الرب قادر على أن يغفر لي الهم الذي هممت به، وقد عرفت أن الله عدل لا يميل، فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة، فقال: يا رب دمي الذي عند داود، فقال جبريل: ما سألت ربك عن ذلك وإن شئت لأفعلن، فقال: نعم، فعرج جبريل وسجد داود، فمكث ما شاء الله ثم نزل جبريل، فقال: سألت الله يا داود عن الذي أرسلتني فيه، فقال: قل لداود إن الله يجمعكما يوم القيامة، فيقول له: هب لي دمك الذي عند داود، فيقول: هو لك يا رب، فيقول: إن لك في الجنة ما شئت وما اشتهيت عوضًا عنه (1) .\rوروي عن ابن عباس، وعن كعب الأحبار، ووهب بن منبه قالوا جميعًا: إن داود لما دخل عليه الملكان فقضى على نفسه، فتحولا في صورتيهما فعرجا وهما يقولان: قضى الرجل على نفسه، وعلم داود إنما عني به فخر ساجدًا أربعين يومًا، لا يرفع رأسه إلا لحاجة ولوقت صلاة مكتوبة،\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 23 / 150- 151 وعزاه السيوطي للحكيم الترمذي وابن أبي حاتم بسند ضعيف، وفيه يزيد الرقاشي وهو ضعيف، وابن لهيعة اختلط. وراجع: تفسير ابن كثير: 4 / 32، والإسرائيليات والموضوعات لأبي شهبة: (265 - 268).","part":7,"page":82},{"id":2669,"text":"ثم يعود ساجدًا تمام أربعين يومًا، لا يأكل ولا يشرب، وهو يبكي حتى نبت العشب حول رأسه وهو ينادي ربه عز وجل، ويسأله التوبة، وكان من دعائه في سجوده: سبحان الملك الأعظم الذي يبتلي الخلق بما يشاء، سبحان خالق النور، سبحان الحائل بين القلوب، سبحان خالق النور، إلهي أنت خليت بيني وبين عدوي إبليس فلم أقم لفتنته إذ نزلت بي، سبحان خالق النور، إلهي أنت خلقتني وكان من سابق علمك ما أنا إليه صائر، سبحان خالق النور، إلهي الويل لداود إذا كشف عنه الغطاء، فيقال: هذا داود الخاطئ، سبحان خالق النور، إلهي بأي عين أنظر إليك يوم القيامة، وإنما ينظر الظالمون من طرف خفي، [سبحان خالق النور] (1) إلهي بأي قدم أمشي أمامك وأقوم بين يديك يوم تزول أقدام الخاطئين، سبحان خالق النور، إلهي من أين يطلب العبد المغفرة إلا من عند سيده؟ سبحان خالق النور، إلهي أنا الذي لا أطيق حر شمسك، فكيف أطيق حر نارك؟ سبحان خالق النور، إلهي أنا الذي لا أطيق صوت رعدك، فكيف أطيق سوط جهنم؟ سبحان خالق النور، إلهي الويل لداود من الذنب العظيم الذي أصاب، سبحان خالق النور، إلهي قد تعلم سري وعلانيتي فاقبل عذري، سبحان خالق النور، إلهي برحمتك اغفر لي ذنوبي ولا تباعدني من رحمتك لهواي، سبحان خالق النور، إلهي أعوذ بنور وجهك الكريم من ذنوبي التي أوبقتني، سبحان خالق النور، فررت إليك بذنوبي واعترفت بخطيئتي فلا تجعلني من القانطين، ولا تخزني يوم الدين، سبحان خالق النور. (2)\rوقال مجاهد: مكث أربعين يومًا ساجدًا لا يرفع رأسه حتى نبت المرعى من دموع عينه حتى غطى رأسه، فنودي: يا داود أجائع فتطعم؟ أو ظمآن فتسقى؟ أو عار فتكسى؟ فأجيب في غير ما طلب، قال: فنحب نحبة هاج لها العود فاحترق من حر جوفه، ثم أنزل الله له التوبة والمغفرة. (3)\rقال وهب: إن داود أتاه نداء: إني قد غفرت لك، قال: يا رب كيف وأنت لا تظلم أحدًا؟ قال: اذهب إلى قبر أوريا فناده، فأنا أسمعه نداءك فتحلل منه، قال: فانطلق وقد لبس المسوح حتى جلس عند قبره، ثم نادى يا أوريا فقال: لبيك من هذا الذي قطع عني لذتي وأيقظني؟ قال: أنا داود، قال: ما جاء بك يا نبي الله، قال: أسألك أن تجعلني في حل مما كان مني إليك، قال: وما كان منك إليّ؟ قال: عرضتك للقتل: قال: عرضتني للجنة فأنت في حل، فأوحى الله إليه: يا داود ألم تعلم أني حكم عدل لا أقضي بالعنت، ألا أعلمته أنك قد تزوجت امرأته؟ قال: فرجع إليه فناداه\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ليس في الآيات الكريمة شيء من هذه الروايات، ولا في شيء من كتب الحديث المعتمدة، وهي التي عليها المعول.\r(3) انظر: الطبري: 23 / 150.","part":7,"page":83},{"id":2670,"text":"فأجابه فقال: من هذا الذي قطع عليّ لذتي؟ قال: أنا داود، قال: يا نبي الله أليس قد عفوت عنك؟ قال: نعم ولكن إنما فعلت ذلك بك لمكان امرأتك وقد تزوجتها، قال: فسكت ولم يجبه، ودعاه فلم يجبه، وعاوده فلم يجبه، فقام على قبره وجعل التراب على رأسه، ثم نادى: الويل لداود ثم الويل الطويل لداود، سبحان خالق النور، والويل لداود إذا نصبت الموازين بالقسط، سبحان خالق النور، الويل لداود ثم الويل الطويل له حين يؤخذ بذقنه فيدفع إلى المظلوم، سبحان خالق النور، الويل ثم الويل الطويل له حين يسحب عل وجهه مع الخاطئين إلى النار، سبحان خالق النور، فأتاه نداء من السماء: يا داود قد غفرت لك ذنبك ورحمت بكاءك واستجبت دعاءك وأقلت عثرتك، قال: يا رب كيف وصاحبي لم يعف عني؟ قال: يا داود أعطيه من الثواب يوم القيامة ما لم تر عيناه ولم تسمع أذناه، فأقول له: رضي عبدي؟ فيقول: يا رب من أين لي هذا ولم يبلغه عملي؟ فأقول: هذا عوض من عبدي داود فأستوهبك منه فيهبك لي، قال: يا رب الآن قد عرفت أنك قد غفرت لي (1) . فذلك قوله تعالى:\r{ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا } أي ساجدًا، عبر بالركوع عن السجود، لأن كل واحد فيه انحناء.\rقال الحسين بن الفضل: سألني عبد الله بن طاهر عن قوله: \"وخر راكعا\" هل يقال للراكع: خر؟ قلت: لا ومعناه، فخر بعدما كان راكعًا، أي: سجد { وَأَنَابَ } أي: رجع وتاب.\r{ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (25) }\r{ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ } يعني: ذلك الذنب، { وَإِنَّ لَهُ } بعد المغفرة { عِنْدَنَا } يوم القيامة، { لَزُلْفَى } لقربة ومكانة، { وَحُسْنُ مَآبٍ } أي: حسن مرجع ومنقلب.\rوقال وهب بن منبه (2) : إن داود لما تاب الله عليه بكى على خطيئته ثلاثين سنة لا يرقأ دمعه ليلا ولا نهارًا، وكان أصاب الخطيئة وهو ابن سبعين سنة، فقسم الدهر بعد الخطيئة على أربعة أيام: يوم للقضاء بين بني إسرائيل، ويوم لنسائه، ويوم يسبح في الفيافي والجبال والسواحل، ويوم يخلو في دار له فيها أربعة آلاف محراب، فيجتمع إليه الرهبان فينوح معهم على نفسه، فيساعدونه على ذلك، فإذا كان يوم نياحته يخرج في 102/أ الفيافي فيرفع صوته بالمزامير فيبكي ويبكي معه [الشجر والرمال والطير والوحوش حتى يسيل من دموعهم مثل الأنهار، ثم يجيء إلى الجبال فيرفع صوته بالمزامير فيبكي ويبكي معه] (3) الجبال والحجارة والدواب والطير، حتى تسيل من بكائهم الأودية، ثم يجيء\r__________\r(1) انظر: الدر المنثور: 7 / 160- 161.\r(2) وخبر وهب أيضًا من الإسرائيليات في هذه القصة كما سبق.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":7,"page":84},{"id":2671,"text":"إلى الساحل فيرفع صوته بالمزامير فيبكي وتبكي معه الحيتان ودواب البحر وطير الماء والسباع، فإذا أمسى رجع، فإذا كان يوم نوحه على نفسه نادى مناديه أن اليوم يوم نوح داود على نفسه فليحضر من يساعده، فيدخل الدار التي فيها المحاريب، فيبسط له ثلاثة فرش مسوح حشوها ليف، فيجلس عليها ويجيء أربعة آلاف راهب عليهم البرانس وفي أيديهم العصي، فيجلسون في تلك المحاريب ثم يرفع داود صوته بالبكاء والنوح على نفسه، ويرفع الرهبان معه أصواتهم، فلا يزال يبكي حتى تغرق الفرش من دموعه، ويقع داود فيها مثل الفرخ يضطرب، فيجيء ابنه سليمان فيحمله فيأخذ داود من تلك الدموع بكفيه، ثم يمسح بها وجهه، ويقول: يا رب اغفر لي ما ترى، فلو عدل بكاء داود ببكاء أهل الدنيا لعدله.\rوقال وهب: ما رفع داود رأسه حتى قال له الملك: أول أمرك ذنب وآخره معصية، ارفع رأسك فرفع رأسه فمكث حياته لا يشرب ماء إلا مزجه بدموعه، ولا يأكل طعامًا إلا بله بدموعه.\rوذكر الأوزاعي مرفوعًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن مثل عيني داود كقربتين تنطفان ماء، ولقد خدت الدموع في وجهه كخديد الماء في الأرض\" (1) .\rقال وهب: لما تاب الله على داود قال: يا رب غفرت لي فكيف لي أن لا أنسى خطيئتي فأستغفر منها وللخاطئين إلى يوم القيامة؟ قال: فوسم الله خطيئته في يده اليمنى، فما رفع فيها طعامًا ولا شرابًا إلا بكى إذا رآها، وما قام خطيبًا في الناس إلا بسط راحته فاستقبل الناس ليروا وسم خطيئته، وكان يبدأ إذا دعا فاستغفر للخاطئين قبل نفسه.\rوقال قتادة عن الحسن: كان داود بعد الخطيئة لا يجالس إلا الخاطئين، يقول: تعالوا إلى داود الخاطئ فلا يشرب شرابًا إلا مزجه بدموع عينيه، وكان يجعل خبز الشعير اليابس في قصعة فلا يزال يبكي عليه حتى يبتل بدموع عينيه، وكان يذر عليه الملح والرماد فيأكل ويقول: هذا أكل الخاطئين، قال: وكان داود قبل الخطيئة يقوم نصف الليل ويصوم نصف الدهر، فلما كان من خطيئته ما كان، صام الدهر كله وقام الليل كله.\rوقال ثابت: كان داود إذ ذكر عقاب الله تخلعت أوصاله، فلا يشدها إلا الأسر، وإذا ذكر رحمة الله تراجعت.\rوفي القصة: أن الوحوش والطير كانت تستمع إلى قراءته، فلما فعل ما فعل كانت لا تصغي\r__________\r(1) ضعيف أخرجه الإمام أحمد في الزهد، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول. انظر: الدر المنثور: 7 / 163.","part":7,"page":85},{"id":2672,"text":"إلى قراءته، فروي أنها قالت: يا داود ذهبت خطيئتك بحلاوة صوتك (1) .\rوأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سليمان بن حرب وأبو النعمان قالا حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: \"سجدة ص ليست من عزائم السجود، وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسجد فيها\" (2) .\rوأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي، عن العوام قال: سألت مجاهدًا عن سجدة ص فقال: سألت ابن عباس من أين سجدت؟ قال: أوما تقرأ: \"ومن ذريته داود وسليمان\" إلى \"أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده\"( الأنعام: 84 -90 ) وكان داود ممن أمر نبيكم أن يقتدي به، فسجدها داود، فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) .\rأخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا قتيبة، حدثنا محمد بن زيد بن خنيس، حدثنا الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد قال: قال لي ابن جريج: أخبرني عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: \"جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله إني رأيتني الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة، فسجدت فسجدت الشجرة لسجودي، فسمعتها وهي تقول: اللهم اكتب لي بها عندك أجرًا، وضع عني بها وزرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود. قال الحسن: قال ابن جريج: قال لي جدك: قال ابن عباس: فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم سجدة ثم سجد، فسمعته وهو يقول [مثل ذلك] (4) ما أخبره الرجل عن قول الشجرة\" (5)\r__________\r(1) قال القاضي عياض في كتابه \"الشفا بالتعريف بحقوق المصطفى\" 2 / 827 - 828 \"لا تلتفت إلى ما سطره الأخباريون من أهل الكتاب الذين بدلوا وغيروا ونقله المفسرون، ولم ينص الله تعالى على شيء من ذلك في كتابه، ولا ورد في حديث صحيح، والذي نص الله عليه في قصة داود: قوله (وظن داود أنما فتناه) وليس في قصة داود وأوريا خبر ثابت .. وقال الداوودي: ليس في قصة داود وأوريا خبر يثبت، ولا يظن بنبي محبة قتل مسلم\".\r(2) أخرجه البخاري في سجود القرآن، باب: سجدة (ص) 2 / 553.\r(3) أخرجه البخاري في التفسير- تفسير سورة (ص) 8 / 544.\r(4) ساقط من \"ب\".\r(5) أخرجه الترمذي في الجمعة، أبواب السفر، باب: ما جاء في ما يقول في سجود القرآن: 3 / 181، قال أبو عيسى: \"هذا حديث غريب من حديث ابن عباس لا نعرفه إلا من هذا الوجه\"، وابن ماجه في إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: سجود القرآن برقم (1053) 1 / 334، والحاكم: 1 / 219 - 220 وصححه ووافقه الذهبي. قال الحافظ ابن حجر في التلخيص 2 / 8 : \"رواه الشافعي في الأم عن ابن عيينة عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا. ورواه في القديم عن سفيان عن عمر بن ذر عن أبيه قال: سجدها داود، قال البيهقي: وروي من وجه آخر عن عمر بن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موصولا وليس بالقوي. قلت: - ابن حجر - رواه النسائي من حديث حجاج بن محمد عن عمر بن ذر موصولا، ورواه الدارقطني من حديث عبد الله بن بزيع عن عمر بن ذر بنحوه، وأعله ابن الجوزي به، وقد توبع، وصححه ابن السكن، وفي البخاري عن عكرمة عن ابن عباس (ص) ليست من عزائم السجود وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها\". وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم (2710) .","part":7,"page":86},{"id":2673,"text":".\r{ يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26) }","part":7,"page":87},{"id":2674,"text":"{ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) }\rقوله تعالى: { يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ } تدبر أمور العباد بأمرنا، { فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ } بالعدل، { وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ } أي بأن تركوا الإيمان بيوم الحساب. وقال الزجاج: بتركهم العمل لذلك اليوم.\rوقال عكرمة والسدي: في الآية تقديم وتأخير، تقديره: لهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا، أي: تركوا القضاء بالعدل.\r{ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلا } قال ابن عباس: لا لثواب ولا لعقاب. { ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا } يعني: أهل مكة هم الذين ظنوا أنهما خلقا لغير شيء، وأنه لا بعث ولا حساب { فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ } .\r{ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ } قال مقاتل: قال كفار قريش للمؤمنين إنا نعطى في الآخرة من الخير ما يعطون، فنزلت هذه الآية (1) { أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ } [أي المؤمنين كالكفار] (2) وقيل: أراد بالمتقين أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أي: لا نجعل ذلك.\r__________\r(1) انظر البحر المحيط: 7 / 395.\r(2) زيادة من \"ب\".","part":7,"page":87},{"id":2675,"text":"{ كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ (29) وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (31) }\r{ كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ } أي: هذا الكتاب أنزلناه إليك، { مُبَارَكٌ } كثير خيره ونفعه، { لِيَدَّبَّرُوا } أي: ليتدبروا، { آيَاتِه } وليتفكروا فيها، قرأ أبو جعفر \"لتدبروا\" بتاء واحدة وتخفيف الدال، قال الحسن: تدبر آياته: اتباعه { وَلِيَتَذَكَّرَ } ليتعظ، { أُولُو الألْبَابِ } .\rقوله عز وجل: 102/ب { وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ }.\rقال الكلبي: غزا سليمان أهل دمشق ونصيبين، فأصاب منهم ألف فرس.\rوقال مقاتل: ورث من أبيه داود ألف فرس (1) .\rوقال عوف عن الحسن: بلغني أنها كانت خيلا أخرجت من البحر لها أجنحة (2) .\r[قالوا:] (3) فصلى سليمان الصلاة الأولى، وقعد على كرسيه وهي تعرض عليه، فعرضت عليه تسعمائة، فتنبه لصلاة العصر فإذا الشمس قد غربت، وفاتته الصلاة، ولم يعلم بذلك فاغتم لذلك هيبة لله، فقال: ردوها عليّ، فردوها عليه، فأقبل يضرب سوقها وأعناقها بالسيف تقربا إلى الله عز وجل، وطلبًا لمرضاته، حيث اشتغل بها عن طاعته، وكان ذلك مباحًا له وإن كان حرامًا علينا، كما أبيح لنا ذبح بهيمة الأنعام، وبقي منها مائة فرس، فما بقي في أيدي الناس اليوم من الخيل يقال من نسل تلك المائة.\rقال الحسن: فلما عقر الخيل أبدله الله عز وجل خيرًا منها وأسرع، وهي الريح تجري بأمره كيف يشاء.\r[وقال إبراهيم التيمي: كانت عشرين فرسًا. وعن عكرمة: كانت عشرين ألف فرس، لها أجنحة] (4) .\rقال الله تعالى: { إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ } و\"الصافنات\": هي الخيل القائمة\r__________\r(1) انظر: البحر المحيط: 7 / 396.\r(2) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 177 لعبد بن حميد وابن المنذر.\r(3) زيادة من \"ب\".\r(4) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".","part":7,"page":88},{"id":2676,"text":"على ثلاث قوائم وأقامت واحدة على طرف الحافر من يد أو رجل، يقال: صفن الفرس يصفن صفونًا: إذا قام على ثلاثة قوائم، وقلب أحد حوافره. وقيل: الصافن في اللغة القائم. وجاء في الحديث: \"من سره أن يقوم له الرجال صفونًا فليتبوأ مقعده من النار\" (1) . أي قيامًا والجياد: الخيار السراع، واحدها جواد.\rوقال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد الخيل السوابق.\r{ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (32) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ (33) }\r{ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ } أي: آثرت حب الخير، وأراد بالخير الخيل، والعرب تعاقب بين الراء واللام، فتقول: ختلت الرجل وخترته، أي: خدعته، وسميت الخيل خيرًا لأنه معقود بنواصيها الخير، الأجر والمغنم (2) ، قال مقاتل: حب الخير يعني: المال، فهي الخيل التي عرضت عليه. { عَنْ ذِكْرِ رَبِّي } يعني: عن الصلاة وهي صلاة العصر { حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ } أي: توارت الشمس بالحجاب (3) استترت بما يحجبها عن الأبصار، يقال: الحاجب جبل دون قاف، بمسيرة سنة، والشمس تغرب من ورائه.\r{ رُدُّوهَا عَلَيَّ } أي: ردوا الخيل عليّ، فردوها، { فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ } قال أبو عبيدة: طفق يفعل، مثل: ما زال يفعل، والمراد بالمسح: القطع، فجعل يضرب سوقها وأعناقها بالسيف، هذا قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومقاتل، وأكثر المفسرين (4) وكان ذلك مباحًا له، لأن نبي الله لم يكن يقدم على محرم، ولم يكن يتوب عن ذنب بذنب آخر.\rوقال محمد بن إسحاق: لم يعنفه الله على عقر الخيل إذا كان ذلك أسفًا على ما فاته من فريضة ربه عز وجل.\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الأدب، باب في قيام الرجل للرجل: 8 / 92 - 93، والترمذي في الأدب، باب: ما جاء في كراهية قيام الرجل للرجل: 8 / 30 وقال: \"هذا حديث حسن\" والإمام أحمد: 4 / 100 والطبراني في الكبير: 19 / 351 - 352 وابن أبي شيبة في المصنف: 8 / 586، وصححه الألباني في تعليقه على المشكاة: 3 / 1332.\r(2) أخرج البخاري: 6 / 54، ومسلم: 3 / 1494 عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"البركة في نواصي الخيل\" وأخرج مسلم: 3 / 1943 عن جرير رضي الله عنه - مرفوعا -: \"الخيل معقود بنواصيها الخير إلي يوم القيامة: الأجر والغنيمة\".\r(3) قال الحافظ ابن حجر: الثابت عن جمهور أهل العلم بالتفسير من الصحابة ومن بعدهم أن الضمير المؤنث في قوله: ( ردوها عليَّ ) للخيل والله أعلم.\r(4) انظر: الطبري: 23 / 156 وزاد المسير: 7 / 131، معاني القرآن للفراء: 2 / 405، القرطين لابن مطرف: 2 / 102، معاني القرآن للنحاس: 6 / 112، تفسير ابن كثير: 4 / 35.","part":7,"page":89},{"id":2677,"text":"وقال بعضهم: إنه ذبحها ذبحًا وتصدق بلحومها، وكان الذبح على ذلك الوجه مباحًا في شريعته (1) .\rوقال قوم: معناه أنه حبسها في سبيل الله، وكوى سوقها وأعناقها بكي الصدقة (2) .\rوقال الزهري، وابن كيسان: إنه كان يمسح سوقها وأعناقها بيده، يكشف الغبار عنها حُبًّا لها وشفقة عليها، وهذا قول ضعيف (3) والمشهور هو الأول.\rوحكي عن عليّ أنه قال في معنى قوله: \"ردوها عليّ\" يقول سليمان بأمر الله عز وجل للملائكة الموكلين بالشمس: \"ردوها عليّ\" يعني: الشمس، فردوها عليه حتى صلى العصر في وقتها، وذلك أنه كان يعرض عليه الخيل لجهاد عدو، حتى توارت بالحجاب.\r{ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) }\rقوله عز وجل: { وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ } اختبرناه وابتليناه بسلب ملكه.\rوكان سبب ذلك ما ذكر محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه قال: سمع سليمان عليه السلام بمدينة في جزيرة من جزائر البحر يقال لها صيدون، بها ملك عظيم الشأن، لم يكن للناس إليه سبيلا لمكانه في البحر، وكان الله قد آتى سليمان في ملكه سلطانًا لا يمتنع عليه شيء في بر ولا بحر، إنما يركب إليه الريح، فخرج إلى تلك المدينة تحمله الريح على ظهر الماء، حتى نزل بها بجنوده من الجن والإنس، فقتل ملكها واستولى واستفاء وسبى ما فيها، وأصاب فيما أصاب بنتًا لذلك الملك، يقال لها: جرادة، لم ير مثلها حسنًا وجمالا فاصطفاها لنفسه، ودعاها إلى الإسلام فأسلمت على جفاء منها وقلة فقه، وأحبها حبًا لم يحبه شيئًا من نسائه، وكانت على منزلتها عنده لا يذهب حزنها ولا يرقأ دمعها، فشق ذلك على سليمان فقال لها: ويحك ما هذا الحزن الذي لا يذهب، والدمع الذي لا يرقأ؟ قالت: إن أبي أذكره وأذكر ملكه وما كان فيه وما أصابه فيحزنني ذلك، قال سليمان: فقد أبدلك الله به مُلكًا هو أعظم من ملكه، وسلطانا هو أعظم من سلطانه، وهداك للإسلام وهو خير من\r__________\r(1) انظر: معاني القرآن للنحاس: 6 / 113.\r(2) رجحه أبو حيان في البحر المحيط: 7 / 396 وقال: هذا القول هو الذي يناسب مناصب الأنبياء، لا القول المنسوب للجمهور، فإن في قصته ما لا يليق ذكره بالنسبة للأنبياء.\r(3) رواه الطبري 23 / 156 عن ابن عباس ورجحه قائلا: وهذا القول أشبه بتأويل الآية، لأن نبي الله صلى الله عليه وسلم لم يكن- إن شاء الله - ليعذب حيوانًا بالعرقبة ويهلك مالا من ماله بغير سبب، سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنظر إليها، ولا ذنب لها باشتغاله بالنظر إليها.","part":7,"page":90},{"id":2678,"text":"ذلك كله، قالت: إن ذلك كذلك، ولكني إذا ذكرته أصابني ما ترى من الحزن، فلو أنك أمرت الشياطين فصوروا صورته في داري التي أنا فيها أراها بكرة وعشيًا لرجوت أن يذهب ذلك حزني، وأن يسلي عني بعض ما أجد في نفسي، فأمر سليمان الشياطين، فقال: مثلوا لها صورة أبيها في دارها حتى لا تنكر منه شيئًا، فمثلوه لها حتى نظرت إلى أبيها بعينه إلا أنه لا روح فيه، فعمدت إليه حين صنعوه فأزرته وقمصته وعممته وردته بمثل ثيابه التي كان يلبس، ثم كان إذا خرج سليمان [من دارها] (1) تغدو عليه في ولائدها حتى تسجد له، ويسجدن له كما كانت تصنع به في ملكه، وتروح كل عشية بمثل ذلك وسليمان لا يعلم بشيء من ذلك أربعين صباحًا، وبلغ ذلك آصف بن برخيا، وكان صديقًا، وكان لا يرد عن أبواب سليمان، أي ساعة أراد دخول شيء من بيوته دخل، حاضرًا كان سليمان أو غائبًا، فأتاه فقال: يا نبي الله كبر سني، ورق عظمي، ونفد عمري، وقد حان مني الذهاب، فقد أحببت أن أقوم مقامًا قبل الموت أذكر فيه من مضى من أنبياء الله وأثني عليهم بعلمي فيهم، وأعلم الناس بعض ما كانوا يجهلون من كثير من أمورهم، فقال: افعل، فجمع له سليمان الناس، فقام فيهم خطيبًا فذكر من مضى من أنبياء الله تعالى، فأثنى على كل نبي بما فيه، فذكر ما فضله الله حتى انتهى إلى سليمان، فقال: ما أحلمك في صغرك، 103/أ وأورعك في صغرك، وأفضلك في صغرك، وأحكم أمرك في صغرك، وأبعدك من كل ما تكره في صغرك، ثم انصرف، فوجد سليمان عليه السلام في نفسه من ذلك حتى ملأه غضبًا، فلما دخل سليمان داره أرسل إليه، فقال: يا آصف ذكرت من مضى من أنبياء الله، فأثنيت عليهم خيرًا في كل زمانهم، وعلى كل حال من أمرهم، فلما ذكرتني جعلت تثني عليّ بخير في صغري، وسكت عما سوى ذلك من أمري في كبري؟ فما الذي أحدثت في آخر أمري؟ فقال: إن غير الله ليعبد في دارك منذ أربعين صباحًا في هوى امرأة، فقال: في داري؟ فقال: في دارك، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون لقد عرفت أنك ما قلت الذي قلت إلا عن شيء بلغك، ثم رجع سليمان إلى داره وكسر ذلك الصنم، وعاقب تلك المرأة وولائدها، ثم أمر بثياب الطهرة فأتى بها وهي ثياب لا يغزلها إلا الأبكار، ولا ينسجها إلا الأبكار، ولا يغسلها إلا الأبكار، لم تمسسها امرأة قد رأت الدم، فلبسها ثم خرج إلى فلاة من الأرض وحده، فأمر برماد ففرش له، ثم أقبل تائبًا إلى الله عز وجل، حتى جلس على ذلك الرماد وتمعك فيه بثيابه تذللا لله تعالى، وتضرعًا إليه يبكي ويدعو، ويستغفر مما كان في داره، فلم يزل كذلك يومه حتى أمسى، ثم رجع إلى داره، وكانت له أم ولد يقال لها الأمينة، كان إذا دخل مذهبه أو أراد إصابة امرأة من نسائه وضع خاتمه عندها حتى يتطهر، وكان لا يمس خاتمه إلا وهو طاهر، وكان ملكه في خاتمه فوضعه يومًا عندها، ثم دخل مذهبه فأتاها الشيطان صاحب البحر، واسمه صخر، على صورة سليمان لا تنكر منه شيئًا، فقال: خاتمي أمينة! فناولته إياه، فجعله في يده ثم خرج حتى جلس على سرير سليمان، وعكفت عليه الطير والجن والإنس، وخرج سليمان فأتى الأمينة وقد غيرت حاله، وهيئته عند كل من رآه، فقال: يا أمينة خاتمي، قالت: من أنت؟ قال: أنا سليمان بن داود، قالت: كذبت فقد جاء سليمان فأخذ خاتمه وهو جالس على سرير ملكه، فعرف سليمان أن خطيئته قد أدركته، فخرج فجعل يقف على الدار من دور بني إسرائيل فيقول: أنا سليمان بن داود، فيحثون عليه التراب ويسبونه، ويقولون انظروا إلى هذا المجنون أي شيء يقول يزعم أنه سليمان، فلما رأى سليمان ذلك عمد إلى البحر، فكان ينقل الحيتان لأصحاب البحر إلى السوق فيعطونه كل يوم سمكتين، فإذا أمسى باع إحدى سمكتيه بأرغفة وشوى الأخرى فأكلها، فمكث بذلك أربعين صباحًا عدة ما كان عبد الوثن في داره، فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم عدو الله الشيطان في تلك الأربعين، فقال آصف: يا معشر بني إسرائيل هل رأيتم اختلاف حكم ابن داود ما رأيت؟ قالوا: نعم، قال: أمهلوني حتى أدخل على نسائه فأسألهن فهل أنكرتن منه في خاصة أمره ما أنكرناه في عامة أمر الناس وعلانيته، فدخل على نسائه، فقال: ويحكن هل أنكرتن من أمر ابن داود ما أنكرنا؟ فقلن: أشده ما يدع منا امرأة في دمها ولا يغتسل من الجنابة، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون إن هذا لهو البلاء المبين ثم خرج على بني إسرائيل فقال: ما في الخاصة أعظم مما في العامة، فلما مضى أربعون صباحًا طار الشيطان عن مجلسه، ثم مر بالبحر فقذف الخاتم فيه، فبلعته سمكة فأخذها بعض الصيادين، وقد عمل له سليمان صدر يومه ذلك، حتى إذا كان العشي أعطاه سمكتيه وأعطاه السمكة التي أخذت الخاتم، فخرج سليمان بسمكتيه، فباع التي ليس في بطنها الخاتم بالأرغفة، ثم عمد إلى السمكة الأخرى فبقرها ليشويها فاستقبله خاتمه في جوفها، فأخذه فجعله في يده، ووقع ساجدًا، وعكفت عليه الطير والجن، وأقبل عليه الناس، وعرف الذي كان قد دخل عليه لما كان قد حدث في داره، فرجع إلى ملكه وأظهر التوبة من ذنبه، وأمر الشياطين فقال: ائتوني بصخر فطلبته الشياطين حتى أخذته، فأتي به وجاؤوا له بصخرة فنقرها فأدخله فيها ثم شد عليه بأخرى، ثم أوثقها بالحديد والرصاص، ثم أمر به فقذف في البحر. هذا حديث وهب (2) .\rوقال الحسن: ما كان الله ليسلط الشيطان على نسائه.\rوقال السدي: كان سبب فتنة سليمان أنه كان له مائة امرأة، وكانت امرأة منهن يقال لها جرادة هي آثر نسائه وآمنهن عنده، وكان يأتمنها على خاتمه إذا أتى حاجته، فقالت له يومًا: إن أخي كان بينه وبين فلان خصومة، وأنا أحب أن تقضي له إذا جاءك، فقال: نعم، ولم يفعل فابتلي بقوله، فأعطاها خاتمه ودخل المخرج، فجاء الشيطان في صورته (3) فأخذه وجلس على مجلس سليمان، وخرج سليمان عليه السلام فسألها خاتمه فقالت: ألم تأخذه؟ قال: لا وخرج مكانه ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يومًا، فأنكر الناس حكمه، فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم حتى دخلوا على نسائه، فقالوا: إنا قد أنكرنا هذا، فإن كان سليمان فقد ذهب عقله، فبكى النساء عند ذلك فأقبلوا حتى أحدقوا به، ونشروا التوراة فقرؤوها فطار من بين أيديهم، حتى وقع على شرفه، والخاتم معه، ثم طار حتى ذهب إلى البحر، فوقع الخاتم منه في البحر، فابتلعه حوت، وأقبل سليمان حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر وهو جائع قد اشتد جوعه، فاستطعمه من صيده، وقال: إني أنا سليمان، فقام إليه بعضهم فضربه بعصا فشجه، فجعل يغسل دمه على شاطئ البحر، فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه، وأعطوه سمكتين مما قد مذر (4) عندهم، فشق بطونهما وجعل يغسلهما، فوجد خاتمه في بطن إحداهما، فلبسه فرد الله عليه ملكه وبهاءه.\rوحامت عليه الطير فعرف القوم أنه سليمان، فقاموا يعتذرون مما صنعوا، فقال: ما أحمدكم على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم، هذا أمر كائن لا بد منه،ثم جاء حتى أتى مملكته وأمر حتى أتي بالشيطان الذي أخذ خاتمه وجعله في صندوق من حديد، وأطبق عليه بقفل، وختم عليه بخاتمه، وأمر به فألقي في البحر وهو حي كذلك حتى الساعة. (5)\rوفي بعض 103/ب الروايات: أن سليمان لما افتتن سقط الخاتم من يده، وكان فيه ملكه فأعاده سليمان إلى يده فسقط فأيقن سليمان بالفتنة، فأتى آصف فقال لسليمان: إنك مفتون بذنبك، والخاتم لا يتماسك في يدك [أربعة عشر يومًا] ففر إلى الله تائبًا، فإني أقوم مقامك، وأسير بسيرتك إلى أن يتوب الله عليك، ففر سليمان هاربًا إلى ربه، وأخذ آصف الخاتم، فوضعه في أصبعه فثبت فهو\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) قال الحافظ ابن كثير: 4 / 37 بعد أن أورد عدة روايات ومنها عن ابن عباس رضي الله عنهما: \"ولكن الظاهر أنه إنما تلقاه ابن عباس رضي الله عنهما - إن صح عنه - من أهل الكتاب، وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان عليه الصلاة السلام، فالظاهر أنهم يكذبون عليه، ولهذا كان في هذا السياق منكرات من أشدها ذكر النساء فإن المشهور عن مجاهد وغير واحد من أئمة السلف أن ذلك الجني لم يسلط على نساء سليمان بل عصمهن الله عز وجل منه تشريفا وتكريما لنبيه عليه السلام. وقد رويت هذه القصة مطولة عن جماعة من السلف رضي الله عنهم كسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وجماعة آخرين وكلها متلقاة من قصص أهل الكتاب والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب\".\r(3) وقال القاضي عياض في \"الشفاء\": (2 / 836): \"ولا يصح ما نقله الأخباريون من تشبه الشيطان به، وتسلطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه، لأن الشياطين لا يسلطون على مثل هذا؛ وقد عصم الأنبياء من مثله\".\r(4) في القاموس: مذرت البيضة فهي مذرة: فسدت ، والمذرة: القذرة. وفي \"أ\" جاءت الكلمة هكذا (مذلي).\r(5) راجع التعليق السابق.","part":7,"page":91},{"id":2679,"text":"الجسد الذي قال الله تعالى: \"وألقينا على كرسيه جسدا\" فأقام آصف في ملكه يسير بسيرته أربعة عشر يومًا إلى أن رد الله على سليمان ملكه، فجلس على كرسيه وأعاد الخاتم في يده فثبت (1) .\rوروي عن سعيد بن المسيب قال: احتجب سليمان عن الناس ثلاثة أيام، فأوحى الله إليه احتجبت عن الناس ثلاثة أيام؟ فلم تنظر في أمور عبادي؟ فابتلاه الله عز وجل. فذكر حديث الخاتم وأخذ الشيطان إياه كما روينا.\rوقيل: قال سليمان يومًا لأطوفن الليلة على نسائي كلهن، فتأتي كل واحدة بابن يجاهد في سبيل الله، ولم يستثن، فجامعهن فما خرج له منهن إلا شق مولود، فجاءت به القابلة فألقته على كرسيه، فذلك قوله تعالى: \"وألقينا على كرسيه جسدا\".\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"قال سليمان: لأطوفن الليلة على تسعين امرأة كلهن تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل إن شاء الله، فلم يقل إن شاء الله، فطاف عليهن فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة، جاءت بشق رجل، وايم الله الذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون\" (2)\rوقال طاووس عن أبي هريرة: لأطوفن الليلة بمائة امرأة، قال له الملك: قل إن شاء الله، فلم يقل ونسي. وأشهر الأقاويل أن الجسد الذي ألقي على كرسيه هو صخر الجني (3) ، فذلك قوله عز وجل: { وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ } أي رجع إلى ملكه بعد أربعين يوما فلما رجع.\r{ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35) }\r{ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي } قال مقاتل وابن كيسان: لا يكون لأحد من بعدي. قال عطاء بن أبي رباح: يريد هب لي ملكا لا تسلبنيه في آخر عمري، وتعطيه غيري كما استلبته في ما مضى من عمري.\r{ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } قيل: سأل ذلك ليكون آية لنبوته، ودلالة على رسالته، ومعجزة.\r__________\r(1) قال ابن الجوزي في زاد المسير: 7 / 133: وهذا لا يصح، ولا ذكره من يوثق به.\r(2) أخرجه البخاري في الأيمان، باب: كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم 11 / 524، ومسلم في الأيمان، باب الاستثناء برقم (1654) 3 / 1276، والمصنف في شرح السنة: 1 / 147.\r(3) راجع تعليق (1) المتقدم وما قاله ابن الجوزي فيه.","part":7,"page":94},{"id":2680,"text":"وقيل: سأل ذلك ليكون علمًا على قبول توبته حيث أجاب الله دعاءه ورد إليه ملكه، وزاد فيه.\rوقال مقاتل بن حيان: كان لسليمان ملكًا ولكنه أراد بقول: \"لا ينبغي لأحد من بعدي\" تسخير الرياح والطير والشياطين، بدليل ما بعده.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إن عفريتًا من الجن تفلت البارحة ليقطع عليّ صلاتي، فأمكنني الله منه، فأخذته فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد، حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان \"رب هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي\" فرددته خاسئا\" (1) .\r{ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ (38) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) }\rقوله عز وجل: { فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً } لينة ليست بعاصفة، { حَيْثُ أَصَابَ } [حيث أراد] (2) تقول العرب: أصاب الصواب [فأخطأ الجواب، تريد أراد الصواب] (3) .\r{ وَالشَّيَاطِين } أي: وسخرنا له الشياطين، { كُلَّ بَنَّاءٍ } يبنون له ما يشاء من محاريب وتماثيل، { وَغَوَّاصٍ } يستخرجون له اللآلئ من البحر، وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر.\r{ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصْفَادِ } مشدودين في القيود، أي: وسخرنا له آخرين، يعني: مردة الشياطين، سخروا له حتى قرنهم في الأصفاد.\r{ هَذَا عَطَاؤُنَا } [أي قلنا له هذا عطاؤنا] (4) { فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } المن: هو الإحسان إلى من لا يستثنيه، معناه: أعط من شئت وأمسك عمن شئت، بغيرِ حساب لا حرج عليك فيما أعطيت وفيما أمسكت.\rقال الحسن: ما أنعم الله على أحد نعمة إلا عليه تبعة، إلا سليمان فإنه أعطى أجر، وإن\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب قوله تعالى: \"ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب\" 6 / 457 - 458، ومسلم في المساجد، باب: جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة والتعوذ منه، وجواز العمل القليل برقم: (541) 1 / 384 والمصنف في شرح السنة: 3 / 269.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) زيادة من \"ب\".\r(4) ساقط من \"ب\".","part":7,"page":95},{"id":2681,"text":"لم يعط لم يكن عليه تبعة.\rوقال مقاتل: هذا في أمر الشياطين، يعني: خل من شئت منهم، وأمسك من شئت في وثاقك، لا تبعة عليك فيما تتعاطاه.\r{ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (40) وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) }","part":7,"page":96},{"id":2682,"text":"{ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44) }\r{ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ }\rقوله عز وجل: { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ } بمشقة وضر.\rقرأ أبو جعفر: \"بنصب\" بضم النون والصاد، وقرأ يعقوب بفتحهما، وقرأ الآخرون بضم النون وسكون الصاد، ومعنى الكل واحد.\rقال قتادة ومقاتل: بنصب في الجسد، وعذاب في المال وقد ذكرنا قصة أيوب ومدة بلائه في سورة الأنبياء عليهم السلام (1) .\rفلما انقضت مدة بلائه قيل له: { ارْكُضْ بِرِجْلِكَ } اضرب برجلك الأرض ففعل فنبعت عين ماء، { هَذَا مُغْتَسَلٌ } فأمره الله أن يغتسل منها، ففعل فذهب كل داء كان بظاهره، ثم مشى أربعين خطوة، فركض الأرض برجله الأخرى، فنبعت عين أخرى، ماء عذب بارد، فشرب منه، فذهب كل داء كان بباطنه، فقوله: \"هذا مغتسل بارد\" يعني: الذي اغتسل منه، { وَشَرَابٌ } أراد الذي شرب منه.\r{ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا } وهو ملء الكف من الشجر أو الحشيش، { فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ } في يمينك، وكان قد حلف أن يضرب امرأته مائة سوط، فأمره الله أن يأخذ ضغثًا يشتمل على مائة عود صغار، ويضربها به ضربة\r__________\r(1) راجع فيما سبق تفسير الآيتين (83 - 84) من سورة الأنبياء. 5 / 338 وما بعدها.","part":7,"page":96},{"id":2683,"text":"واحدة، { إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ } .\r{ وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي وَالأبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأخْيَارِ (47) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأخْيَارِ (48) هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49) }\r{ وَاذْكُرْ عِبَادَنَا } قرأ ابن كثير \"عبدنا\" على التوحيد، وقرأ الآخرون \"عبادنا\" بالجمع، { إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأيْدِي } قال ابن عباس: أولي القوة في طاعة الله تعالى (1) { وَالأبْصَار } في المعرفة بالله، أي: البصائر في الدين، قال قتادة ومجاهد: أعطوا قوة في العبادة، وبصرًا في الدين (2) .\r{ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ } اصطفيناهم { بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ } قرأ 104/أ أهل المدينة: \"بخالصة\" مضافًا، وقرأ الآخرون بالتنوين، فمن أضاف فمعناه: أخلصناهم بذكر الدار الآخرة، وأن يعملوا لها، والذكرى: بمعنى الذكر. قال مالك بن دينار: نزعنا من قلوبهم حب الدنيا وذكرها، وأخلصناهم بحب الآخرة وذكرها.\rوقال قتادة: كانوا يدعون إلى الآخرة وإلى الله عز وجل.\rوقال السدي: أخلصوا بخوف الآخرة.\rوقيل: معناه أخلصناهم بأفضل ما في الآخرة (3) .\rقال ابن زيد: ومن قرأ بالتنوين فمعناه: بخلة خالصة، وهي ذكرى الدار، فيكون \"ذكرى\" الدار بدلا عن الخالصة.\rوقيل: \"أخلصناهم\": جعلناهم مخلصين، بما أخبرنا عنهم من ذكر الآخرة.\r__________\r(1) انظر: الطبري: 23 / 170.\r(2) أخرجه االطبري: 23 / 170، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 198 أيضا لعبد الرزاق وعبد بن حميد.\r(3) ذكرهذه الأقوال ابن كثير في تفسيره: 4 / 41.","part":7,"page":97},{"id":2684,"text":"{ وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأخْيَارِ وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الأخْيَارِ هَذَا ذِكْرُ } أي: هذا الذي يتلى عليكم ذكر، أي: شرف، وذكر جميل تذكرون به { وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ } .\r{ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوَابُ (50) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (51) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (52) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (53) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (54) هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (56) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57) }\r{ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوَابُ } أي أبوابها [مفتحة لهم] (1) .\r{ مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ } مستويات الأسنان، بنات ثلاثة وثلاثين سنة، واحدها ترب. وعن مجاهد قال: متواخيات لا يتباغضن ولا يتغايرن (2) .\r{ هَذَا مَا تُوعَدُونَ } قرأ ابن كثير: \"يوعدون\" بالياء هاهنا، وفي \"ق\" أي: ما يوعد المتقون، وافق أبو عمرو هاهنا، وقرأ الباقون بالتاء فيهما، أي: قل للمؤمنين: هذا ما توعدون، { لِيَوْمِ الْحِسَابِ } [أي في يوم الحساب] (3) .\r{ إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ } فناء وانقطاع.\r{ هَذَا } أي الأمر هذا { وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ } للكافرين { لَشَرَّ مَآبٍ } مرجع .\r{ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا } يدخلونها (4) { فَبِئْسَ الْمِهَادُ } .\r{ هَذَا } أي هذا العذاب، { فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ } قال الفراء: أي هذا حميم وغساق فليذوقوه، والحميم: الماء الحار الذي انتهى حره.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) ذكره الطبري: 23 / 175 دون إسناد.\r(3) زيادة من \"ب\".\r(4) زيادة من \"ب\".","part":7,"page":98},{"id":2685,"text":"\"وغساق\": قرأ حمزة، والكسائي وحفص: \"وغساق\" (1) حيث كان بالتشديد، وخففها الآخرون، فمن شدد جعله اسمًا على فَعَّال، نحو: الخباز والطباخ، ومن خفف جعله اسمًا على فعال نحو العذاب.\rواختلفوا في معنى الغساق، قال ابن عباس: هو الزمهرير يحرقهم ببرده، كما تحرقهم النار بحرها.\rوقال مقاتل ومجاهد: هو الذي انتهى برده.\rوقيل: هو المنتن بلغة الترك.\rوقال قتادة: هو ما يغسق أي: ما يسيل من القيح والصديد من جلود أهل النار، ولحومهم، وفروج الزناة، من قوله: غسقت عينه إذا انصبت، والغسقان الانصباب.\r{ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (58) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ (59) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (60) }\r{ وَآخَرُ } قرأ أهل البصرة: \"وأُخر\" بضم الألف على جمع أخرى ، مثل: الكبرى والكبر، واختاره أبو عبيدة لأنه نعته بالجمع، فقال: أزواج، وقرأ الآخرون بفتح الهمزة مشبعة على الواحد، { مِنْ شَكْلِهِ } مثله أي: مثل الحميم والغساق، { أَزْوَاجٌ } أي: أصناف أخر من العذاب.\r{ هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ } قال ابن عباس: \"هذا\" هو أن القادة إذا دخلوا النار ثم دخل بعدهم الأتباع قالت الخزنة للقادة (2) هذا يعني: الأتباع، فوج: جماعة مقتحم معكم النار، أي: داخلوها كما أنتم دخلتموها: والفوج: القطيع من الناس وجمعه أفواج، والاقتحام الدخول في الشيء رميًا بنفسه فيه، قال الكلبي: إنهم يضربون بالمقامع حتى يوقعوا أنفسهم في النار، خوفًا من تلك المقامع، فقالت القادة: { لا مَرْحَبًا بِهِمْ } يعني: بالأتباع، { إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ } أي: داخلوها كما صلينا.\r{ قَالُوا } فقال الأتباع للقادة: { بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ } والمرحب، والرحب: السعة، تقول العرب: مرحبًا وأهلا وسهلا أي: أتيت رحبًا وسعة، وتقول: لا مرحبًا بك، أي: لا رحبت عليك الأرض. { أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا } يقول الأتباع للقادة: أنتم بدأتم بالكفر قبلنا، وشرعتم وسننتموه لنا. وقيل: أنتم قدمتم هذا العذاب لنا، بدعائكم إيانا إلى الكفر، { فَبِئْسَ الْقَرَارُ } أي: فبئس دار القرار جهنم (3) .\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) في \"ب\" للكفار.\r(3) زيادة من \"ب\".","part":7,"page":99},{"id":2686,"text":"{ قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (61) }","part":7,"page":100},{"id":2687,"text":"{ وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ (62) أَأَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ (63) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64) قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (65) }\r{ قَالُوا } يعني: الأتباع { رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا } أي: شرعه وَسَنَّه لنا، { فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ } أي: ضعف عليه العذاب في النار. قال ابن مسعود: يعني حيات وأفاعي.\r{ وَقَالُوا } يعني صناديد قريش وهم في النار، { مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ } في الدنيا، { مِنَ الأشْرَارِ } يعنون فقراء المؤمنين: عمارًا، وخبابًا، وصهيبًا، وبلالا وسلمان رضي الله عنهم. ثم ذكروا أنهم كانوا يسخرون من هؤلاء، فقالوا:\r{ أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا } قرأ أهل البصرة، وحمزة، والكسائي: \"من الأشرار اتخذناهم\" وصل، ويكسرون الألف عند الابتداء، وقرأ الآخرون بقطع الألف وفتحها على الاستفهام (1) .\rقال أهل المعاني: القراءة الأولى أولى؛ لأنهم علموا أنهم اتخذوهم سخريًا فلا يستقيم الاستفهام، وتكون \"أم\" على هذه القراءة بمعنى \"بل\" ومن فتح الألف قال: هو على اللفظ لا على المعنى ليعادل \"أم\" في قوله { أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصَارُ } قال الفراء: هذا من الاستفهام الذي معناه التوبيخ والتعجب \"أم زاغت\" أي، مالت \"عنهم الأبصار\" ومجاز الآية: ما لنا لا نرى هؤلاء الذين اتخذناهم سخريًا لم يدخلوا معنا النار؟ أم دخلوها فزاغت عنهم أبصارنا، فلم نرهم حين دخلوها.\rوقيل: أم هم في النار ولكن احتجبوا عن أبصارنا؟\rوقال ابن كيسان: أم كانوا خيرا منًا ولكن نحن لا نعلم، فكانت أبصارنا تزيغ عنهم في الدنيا فلا نعدهم شيئًا. { إِنَّ ذَلِكَ } الذي ذكرت { لَحَقّ } ثم بين فقال: { تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ } أي: تخاصم أهل النار في النار لحق.\r{ قُلْ } يا محمد لمشركي مكة، { إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ } مخوف (2) { وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } .\r__________\r(1) تتمة العبارة في معاني القرآن (2 / 411) فهو يجوز بالاستفهام وبطرحه.\r(2) زيادة من \"ب\".","part":7,"page":100},{"id":2688,"text":"{ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (66) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (68) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإ الأعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (70) }\r{ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ }.\r{ قُلْ } يا محمد، { هُوَ } يعني: القرآن، { نَبَأٌ عَظِيمٌ } قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وقيل: يعني: القيامة كقوله: \"عم يتساءلون عن النبأ العظيم\"( النبأ: 1 -2 ) .\r{ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإ الأعْلَى أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ } يعني: الملائكة، { إِذْ يَخْتَصِمُونَ } يعني: في شأن آدم عليه السلام، حين قال الله تعالى: \"إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها\"( البقرة: 30 ) .\r{ إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ } قال الفراء: إن شئت جعلت \"أنما\" في موضع رفع، أي: ما يوحي إليّ إلا الإنذار، وإن شئت جعلت المعنى: ما يوحى إليّ إلا أني نذير مبين (1) .\rوقرأ أبو جعفر: \"إنما\" بكسر الألف، لأن الوحي قول.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، قال مر بنا خالد بن اللجلاج، فدعاه مكحول 104/ب فقال: يا إبراهيم حدثنا حديث عبد الرحمن بن عائش، قال: سمعت عبد الرحمن بن عائش الحضرمي يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"رأيت ربي عز وجل في أحسن صورة، فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: أنت أعلم أي رب، مرتين، قال: فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السماء والأرض\" قال: ثم تلا هذه الآية \"وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين\"( الأنعام:75 ) ثم قال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: في الكفارات، قال: وما هن؟ قلت: المشي على الأقدام إلى الجماعات، والجلوس في المساجد خلف الصلوات، وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكاره، قال: ومن يفعل ذلك يعش بخير ويمت بخير، ويكن من خطيئته كيوم ولدته أمه، ومن الدرجات إطعام الطعام،\r__________\r(1) في \"معاني القرآن\" للفراء: (2 / 412) إلا لأني نذير ونبي.","part":7,"page":101},{"id":2689,"text":"وبذل السلام، وأن يقوم بالليل والناس نيام، قال: قل اللهم إني أسألك الطيبات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي، وترحمني، وتتوب عليّ، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعلموهن، فوالذي نفس محمد بيده إنهن لحق\" (1) .\r{ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (74) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَأَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (78) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81) }\rقوله عز وجل: { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ } يعني: آدم عليه السلام.\r{ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ } أتممت خلقه، { وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَأَسْتَكْبَرْتَ } . ألف استفهام دخلت على ألف الوصل { أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ } المتكبرين. استفهام توبيخ وإنكار، يقول: أستكبرت بنفسك حتى أبيت السجود؟ أم كنت من القوم الذين يتكبرون فتكبرت عن السجود لكونك منهم؟.\r{ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا } أي: من الجنة، وقيل: من السموات. وقال الحسن وأبو العالية: أي من الخلقة التي أنت فيها. قال الحسين بن الفضل: هذا تأويل صحيح لأن إبليس تجبر وافتخر بالخلقة، فغير الله خلقته، فاسود وقبح بعد حسنه، { فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } مطرود.\r{ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ } ، وهو النفخة الأولى .\r__________\r(1) أخرجه الدارمي: 2 / 126، والمصنف في شرح السنة: 4 / 35 و 37، وأشار إليه الترمذي: 9 / 106. وانظر: مجمع الزوائد: 1 / 238، اختيار الأولى في حديث اختصام الملأ الأعلى ص(5-7) مسند الإمام أحمد: 1 / 368.","part":7,"page":102},{"id":2690,"text":"{ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83) }","part":7,"page":103},{"id":2691,"text":"{ قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (86) إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88) }\r{ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ } قرأ عاصم وحمزة ويعقوب: \"فالحق\" برفع القاف على الابتداء، وخبره محذوف تقديره: الحق مني، ونصب الثانية أي: وأنا أقول الحق، قاله مجاهد، وقرأ الآخرون بنصبهما، واختلفوا في وجههما، قيل: نصب الأولى على الإغراء كأنه قال: الزم الحق، والثاني بإيقاع القول عليه أي: أقول الحق. وقيل: الأول قسم، أي: فبالحق وهو الله عز وجل، فانتصب بنزع [الخافض، وهو] (1) حرف الصفة، وانتصاب الثاني بإيقاع القول عليه. وقيل: الثاني تكرار القسم، أقسم الله بنفسه.\r{ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ } على تبليغ الرسالة { مِنْ أَجْرٍ } جعل، { وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ } المتقولين القرآن من تلقاء نفسي، وكل من قال شيئًا من تلقاء نفسه فقد تكلف له.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: دخلنا على عبد الله بن مسعود فقال: يا أيها الناس من علم شيئًا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم، قال الله تعالى لنبيه: \"قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين\" (2) .\rقوله { إِنْ هُوَ } ما هو، يعني: القرآن { إِلا ذِكْرٌ } موعظة، { لِلْعَالَمِينَ } للخلق أجمعين.\r{ وَلَتَعْلَمُنَّ } أنتم يا كفار مكة، { نَبَأَه } خبر صدقه، { بَعْدَ حِينٍ } قال ابن عباس وقتادة: بعد الموت. وقال عكرمة: يعني يوم القيامة. وقال الكلبي: من بقي علم ذلك إذا ظهر أمره وعلا ومن مات علمه بعد موته. قال الحسن: ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين (3) .\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة (ص) - باب: (ما أنا من المتكلفين) 8 / 547، ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم باب الدخان برقم ( 2798) 4 / 2156 - 2157.\r(3) أخرجه الطبري: 23 / 189، وذكره السيوطي في الدر المنثور، 7 / 209.","part":7,"page":103},{"id":2692,"text":"سورة الزمر\rمكية إلا قوله { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } الآية (1) . بسم الله الرحمن الرحيم\r{ تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) إِنَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (2) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3) }\r{ تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ } [أي: هذا تنزيل الكتاب من الله. وقيل: تنزيل الكتاب] (2) مبتدأ وخبره: { مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ } أي: تنزيل الكتاب من الله لا من غيره.\r{ إِنَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ } قال مقاتل: لم ننزله باطلا لغير شيء، { فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ } الطاعة.\r{ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ } قال قتادة: شهادة أن لا إله إلا الله. وقيل: [لا يستحق الدين الخالص إلا الله وقيل: الدين الخالص من الشرك هو لله] (3) .\r{ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ } أي: من دون الله، { أَوْلِيَاء } يعني: الأصنام، { مَا نَعْبُدُهُمْ } أي قالوا: ما نعبدهم، { إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } وكذلك قرأ ابن مسعود، وابن عباس.\r__________\r(1) أخرج النحاس في تاريخه عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: نزلت بمكة سورة الزمر سوى ثلاث آيات نزلت بالمدينة في وحشي قاتل حمزة \"قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم\" إلى ثلاث آيات. وانظر: زاد المسير: 7 / 160.\r(2) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(3) في \"أ\": (لا يستحق الدين الخالص من الشرك سوى الله).","part":7,"page":104},{"id":2693,"text":"قال قتادة: وذلك أنهم إذا قيل لهم: من ربكم، ومن خلقكم، ومن خلق السموات والأرض؟ قالوا: الله، فيقال لهم: فما معنى عبادتكم الأوثان؟ قالوا: ليقربونا إلى الله زلفى، أي: قربى، وهو اسم أقيم في مقام المصدر: كأنه قال: إلا ليقربونا إلى الله تقريبًا ويشفعوا لنا عند الله، { إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ } يوم القيامة { فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } من أمر الدين { إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ } لا يرشد لدينه من كذب فقال: إن الآلهة تشفع وكفى باتخاذ الآلهة دونه كذبًا [وكفرا] (1)\r{ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (4) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5) }\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".","part":7,"page":108},{"id":2694,"text":"{ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزلَ لَكُمْ مِنَ الأنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6) }\r{ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى } لاختار، { مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ } يعني: الملائكة، كما قال: \"لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا\"( الأنبياء -17 ) ثم نزه نفسه فقال: { سُبْحَانَهُ } تنزيها له عن ذلك، وعما لا يليق بطهارته، { هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } .\r{ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْل } قال قتادة: يغشي هذا هذا، كما قال: \"يغشي الليل النهار\"( الأعراف-54 ) وقيل: يدخل أحدهما على الآخر كما قال: \"يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل\"( الحج-61 ) .\rوقال الحسن، والكلبي: ينقص من الليل فيزيد في النهار، وينقص من النهار فيزيد في الليل، فما نقص من الليل دخل في النهار، وما نقص من النهار دخل في الليل، ومنتهى النقصان تسع ساعات، ومنتهى الزيادة خمس عشرة ساعة، وأصل التكوير اللف والجمع، ومنه: كور العمامة. { وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ } .\r{ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ } 105/أ يعني: آدم، { ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } يعني حواء، { وَأَنزلَ لَكُمْ مِنَ الأنْعَامِ } معنى الإنزال هاهنا: الإحداث والإنشاء، كقوله تعالى: \"أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوآتكم\"( الأعراف-26 ) .","part":7,"page":108},{"id":2695,"text":"وقيل: إنه أنزل الماء الذي هو سبب نبات القطن الذي يكون منه اللباس، وسبب النبات الذي تبقى به الأنعام.\rوقيل: \"وأنزل لكم من الأنعام\" جعلها لكم نزلا ورزقًا. { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ } أصناف، تفسيرها في سورة الأنعام (1) { يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ } نطفة ثم علقة ثم مضغة، كما قال الله تعالى: \"وقد خلقكم أطوارا\"( نوح-14 ) { فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ } قال ابن عباس: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة (2) { ذَلِكُمُ اللَّهُ } الذي خلق هذه الأشياء، { رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ } عن طريق الحق بعد هذا البيان.\r{ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7) وَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (8) }\r{ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ } قال ابن عباس والسدي: لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، وهم الذين قال الله تعالى: \"إن عبادي ليس لك عليهم سلطان\"( الحجر-42 ) فيكون عامًا في اللفظ خاصًا في المعنى، كقوله تعالى: \"عينًا يشرب بها عباد الله\"( الإنسان-6 ) يريد بعض العباد، وأجراه قوم على العموم، وقالوا: لا يرضى لأحد من عباده الكفر.\rومعنى الآية: لا يرضى لعباده أن يكفروا به. يروى ذلك عن قتادة، وهو قول السلف، قالوا: كفر الكافر غير مرضي لله عز وجل، وإن كان بإرادته. { وَإِنْ تَشْكُرُوا } تؤمنوا بربكم وتطيعوه، { يَرْضَهُ لَكُمْ } فيثيبكم عليه. قرأ أبو عمرو: \"يرضه لكم\" ساكنة الهاء، ويختلسها أهل المدينة وعاصم وحمزة، والباقون بالإشباع { وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } .\r{ وَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ } راجعًا إليه مستغيثًا به، { ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ } أعطاه نعمة منه، { نَسِي } ترك { مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ } أي: نسي الضر الذي\r__________\r(1) انظر فيما سبق: 3 / 196-197.\r(2) انظر: الطبري: 23 / 196، الدر المنثور: 7 / 212.","part":7,"page":109},{"id":2696,"text":"كان يدعو الله إلى كشفه، { وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا } يعني: الأوثان، { لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ } ليزل عن دين الله.\r{ قُل } لهذا الكافر: { تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا } في الدنيا إلى أجلك، { إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ } قيل: نزلت في عتبة بن ربيعة، وقال مقاتل: [نزلت] (1) في أبي حذيفة بن المغيرة المخزومي. وقيل: عام في كل كافر (2) .\r{ أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ (9) }\r{ أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ } قرأ ابن كثير ونافع وحمزة: \"أمن\" بتخفيف الميم، وقرأ الآخرون بتشديدها، فمن شدد فله وجهان:\rأحدهما: أن تكون الميم في \"أم\" صلة، فيكون معنى الكلام استفهامًا وجوابه محذوفًا مجازه: أمن هو قانت كمن هو غير قانت؟ كقوله: \"أفمن شرح الله صدره للإسلام\"( الزمر-22 ) يعني كمن لم يشرح صدره.\rوالوجه الآخر: أنه عطف على الاستفهام، مجازه: الذي جعل لله أندادًا خير أمن هو قانت؟ ومن قرأ بالتخفيف فهو ألف استفهام دخلت على من، معناه: أهذا كالذي جعل لله أندادًا؟\rوقيل: الألف في \"أمن\" بمعنى حرف النداء، تقديره: يا من هو قانت، والعرب تنادي بالألف كما تنادي بالياء، فتقول: أبني فلان ويا بني فلان، فيكون معنى الآية: قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار، يا من هو قانت { آنَاءَ اللَّيْلِ } إنك من أهل الجنة، قاله ابن عباس.\rوفي رواية عطاء: نزلت في أبي بكر الصديق (3) .\rوقال الضحاك: نزلت في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما (4) .\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) انظر: زاد المسير: 7 / 165.\r(3) ذكره الواحدي في أسباب النزول، ص 426.\r(4) انظر: البحر المحيط: 7 / 419.","part":7,"page":110},{"id":2697,"text":"وعن ابن عمر أنها نزلت في عثمان (1) .\rوعن الكلبي أنها نزلت في ابن مسعود وعمار وسلمان.\rوالقانت: المقيم على الطاعة. قال ابن عمر: \"القنوت\": قراءة القرآن وطول القيام، و\"آناء الليل\": ساعاته، { سَاجِدًا وَقَائِمًا } يعني: في الصلاة، { يَحْذَرُ الآخِرَةَ } يخاف الآخرة، { وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ } يعني: كمن لا يفعل شيئًا من ذلك، { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ } قيل: \"الذين يعلمون\" عمار، و\"الذين لا يعلمون\": أبو حذيفة المخزومي، { إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ } .\r{ قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10) }\r{ قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ } بطاعته واجتناب معصيته، { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا } أي: آمنوا وأحسنوا العمل، { حَسَنَة } يعني: الجنة، قاله مقاتل. وقال السدي: في هذه الدنيا حسنة يعني: الصحة والعافية، { وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ } قال ابن عباس: يعني ارتحلوا من مكة. وفيه حث على الهجرة من البلد الذي يظهر فيه المعاصي.\rوقيل: نزلت في مهاجري الحبشة.\rوقال سعيد بن جبير: من أمر بالمعاصي فليهرب. { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } الذين صبروا على دينهم فلم يتركوه للأذى.\rوقيل: نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه، حيث لم يتركوا دينهم لما اشتد بهم البلاء وصبروا وهاجروا (2) .\rقال علي رضي الله عنه: كل مطيع يكال له كيلا ويوزن له وزنًا إلا الصابرون، فإنه يحثى لهم حثيًا (3) .\rويروى: \"يؤتي بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان، ويصب عليهم الأجر صبًا بغير حساب\" (4) . قال الله تعالى:( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل.\r__________\r(1) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص 426.\r(2) انظر: البحر المحيط: 7 / 419.\r(3) انظر: القرطبي: 15 / 241.\r(4) قطعة من حديث عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 215 لابن مردويه.","part":7,"page":111},{"id":2698,"text":"{ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (11) وَأُمِرْتُ لأنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (16) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِي (17) }\r{ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ } مخلصًا له التوحيد لا أشرك به شيئًا.\r{ وَأُمِرْتُ لأنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ } من هذه الأمة.\r{ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي } وعبدت غيره، { عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } وهذا حين دعي إلى دين آبائه.\r{ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ } أمر توبيخ وتهديد، كقوله: \"اعملوا ما شئتم\"( فصلت-40 ) { قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ } أزواجهم وخدمهم، { يَوْمَ الْقِيَامَةِ } قال ابن عباس: وذلك أن الله جعل لكل إنسان منزلا في الجنة وأهلا فمن عمل بطاعة الله كان ذلك المنزل والأهل له، ومن عمل بمعصية الله دخل النار، وكان ذلك المنزل والأهل لغيره ممن عمل بطاعة الله (1) . وقيل: خسران النفس بدخول النار، وخسران الأهل بأن يفرق بينه وبين أهله، { أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } .\r{ لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ } أطباق سرادقات من النار ودخانها، { وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ } فراش ومهاد من نار إلى أن ينتهي إلى القعر، وسمي الأسفل ظللا لأنها ظلل لمن تحتهم نظيرها قوله عز وجل: \"لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش\"( الأعراف-41 ).\r{ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ } .\r{ وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ } الأوثان 105/ب { أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ } رجعوا إلى عبادة الله، { لَهُمُ الْبُشْرَى } في الدنيا والجنة في العقبى { فَبَشِّرْ عِبَادِ } .\r{ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الألْبَابِ (18) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (20) }\r{ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْل } القرآن،\r__________\r(1) انظر: القرطبي: 15 / 242.","part":7,"page":112},{"id":2699,"text":"{ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } قال السدي: أحسن ما يؤمرون فيعملون به. وقيل: هو أن الله تعالى ذكر في القرآن الانتصار من الظالم وذكر العفو، والعفو أحسن الأمرين. وقيل: ذكر العزائم والرخص فيتبعون الأحسن وهو العزائم. وقيل: يستمعون القرآن وغير القرآن فيتبعون القرآن.\rوقال عطاء عن ابن عباس: آمن أبو بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم فجاءه عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا، فنزلت فيهم (1) : \"فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه\" وكله حسن. { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الألْبَابِ } .\rوقال ابن زيد: نزلت \"والذين اجتنبوا الطاغوت\" الآيتان، في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون: لا إله إلا الله: زيد بن عمرو بن نفيل، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي (2) . والأحسن: قول لا إله إلا الله.\r{ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: من سبق في علم الله أنه من أهل النار. وقيل: كلمة العذاب [قوله: \"لأملأن جهنم\"، وقيل:] (3) قوله: \"هؤلاء في النار ولا أبالي\" (4) . { أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ } أي: لا تقدر عليه. قال ابن عباس: يريد أبا لهب وولده.\r{ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ } أي: منازل في الجنة رفيعة، وفوقها منازل أرفع منها، { تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ } أي: وعدهم الله تلك الغرف والمنازل وعدًا لا يخلفه.\r__________\r(1) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص 426.\r(2) أخرجه الطبري: 23 / 207، وزاد السيوطي في الدر المنثور: 7 / 217 نسبته لابن أبي حاتم.\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) أخرج الإمام أحمد في مسنده: 5 / 239 عن معاذ بن جبل: \"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية أصحاب اليمين وأصحاب الشمال فقبض بيده قبضتين فقال: هذه في الجنة ولا أبالي، وهذه في النار ولا أبالي\"، وانظر: مجمع الزوائد: 7 / 185-186.","part":7,"page":113},{"id":2700,"text":"أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني عبد العزيز بن عبد الله، حدثني مالك عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق والمغرب لتفاضل ما بينهم\"، قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: \"بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين\" (1) .\r{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ (21) }\r__________\r(1) أخرجه البخاري: في بدء الخلق، باب: ما جاء في صفة الجنة: 6 / 320، ومسلم: في الجنة باب: ترائي أهل الجنة الغرف كما يرى الكوكب في السماء، برقم: (2831)، 4 / 2177، والمصنف في شرح السنة: 15 / 215.","part":7,"page":114},{"id":2701,"text":"{ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (22) }\rقوله عز وجل: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ } أدخل ذلك الماء، { يَنَابِيعَ } عيونًا وركايا (1) { فِي الأرْضِ } قال الشعبي: كل ماء في الأرض فمن السماء نزل، { ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ } أي: بالماء { زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ } أحمر وأصفر وأخضر، { ثُمَّ يَهِيجُ } ييبس { فَتَرَاه } بعد خضرته ونضرته، { مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا } فتاتًا متكسرًا، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ } .\rقوله عز وجل: { أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ } وسعه لقبول الحق، { فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ } ليس كمن أقسى الله قلبه.\rأخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا ابن فنجويه، حدثنا عبد الله بن محمد بن شيبة، حدثنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن يزيد الموصلي ببغداد، حدثنا أبو فروة واسمه يزيد بن محمد، حدثني أبي عن أبيه، حدثنا زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم:( أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ) قلنا: يا رسول الله كيف انشراح صدره؟\r__________\r(1) جمع، مفرده (ركية) وهي البئر.","part":7,"page":114},{"id":2702,"text":"قال: \"إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح\" قلنا: يا رسول الله فما علامة ذلك؟ قال: \"الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والتأهب للموت قبل نزول الموت\" (1) .\rقوله عز وجل: { فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } قال مالك بن دينار: ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة قلب، وما غضب الله عز وجل على قوم إلا نزع منهم الرحمة (2) .\r{ اللَّهُ نزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23) }\rقوله عز وجل: { اللَّهُ نزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا } يشبه بعضه بعضًا في الحسن، ويصدق بعضه بعضًا ليس فيه تناقض ولا اختلاف. { مَثَانِيَ } يثنى فيه ذكر الوعد والوعيد، والأمر والنهي، والأخبار والأحكام، { تَقْشَعِر } تضطرب وتشمئز، { مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } والاقشعرار تغير في جلد الإنسان عند الوجل والخوف، وقيل: المراد من الجلود القلوب، أي: قلوب الذين يخشون ربهم، { ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } أي: لذكر الله، أي: إذا ذكرت آيات العذاب اقشعرت جلود الخائفين لله، وإذا ذكرت آيات الرحمة لانت وسكنت قلوبهم، كما قال الله تعالى: \"ألا بذكر الله تطمئن القلوب\"( الرعد-28 ) .\rوحقيقة المعنى: أن قلوبهم تقشعر من الخوف، وتلين عند الرجاء.\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن محمد، حدثنا موسى بن محمد بن علي، حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل، حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، حدثنا عبد العزيز بن محمد عن يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أم كلثوم بنت العباس، عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت عنه ذنوبه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها\" (3) .\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 219 لابن مردويه، وعزاه الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص 143 للثعلبي والحاكم والبيهقي في الشعب من حديث ابن مسعود. وقال: \"وفيه أبو فروة الرهاوي فيه كلام. ورواه الحكيم الترمذي في النوادر في الأصل السادس والثمانين\".\r(2) ذكره القرطبي: 15 / 248.\r(3) قال الهيثمي: (10 / 310) \"رواه البزار، وفيه أم كلثوم بنت العباس، ولم أعرفها، وبقية رجاله ثقات\" وأشار المنذري إلى تضعيفه وعزاه في الترغيب (4 / 266) لأبي الشيخ في كتاب الثواب والبيهقي. وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 222، للحكيم الترمذي في نوادر الأصول وفيه الحماني: اتهموه بسرقة الحديث (التقريب) وانظر: الجرح والتعديل: 9 / 168-169.","part":7,"page":115},{"id":2703,"text":"أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن محمد، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدثنا موسى بن إسحاق الأنصاري، حدثنا محمد بن معاوية، حدثنا الليث بن سعد، حدثنا يزيد بن عبد الله بن الهاد بهذا الإسناد، وقال: \"إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله حرمه الله على النار\" (1) .\rقال قتادة: هذا نعت أولياء الله نعتهم الله بأن تقشعر جلودهم وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم، إنما ذلك في أهل البدع، وهو من الشيطان.\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه، ثنا ابن شيبة، حدثنا حمدان بن داود، حدثنا سلمة بن شيبة، حدثنا خلف بن سلمة، حدثنا هشيم عن حصين عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال: قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر: كيف كان 106/أ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلون إذا قرئ عليهم القرآن؟ قالت: كانوا كما نعتهم الله عز وجل تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم، قال فقلت لها: إن ناسًا اليوم إذا قرئ عليهم القرآن خر أحدهم مغشيًا عليه، فقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (2) .\rوبه عن [سليمان بن] (3) سلمة ثنا يحيى بن يحيى، حدثنا سعيد بن عبد الرحمن الجمحي أنا ابن عمر: مر برجل من أهل العراق ساقطًا فقال: ما بال هذا؟ قالوا: إنه إذا قرئ عليه القرآن أو سمع ذكر الله سقط، قال ابن عمر: إنا لنخشى الله وما نسقط!\rوقال ابن عمر: إن الشيطان ليدخل في جوف أحدهم، ما كان هذا صنيع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم (4) .\rوذكر عن ابن سيرين: الذين يصرعون إذ قرئ عليهم القرآن؟ [فقال: بيننا وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت باسطًا رجليه ثم يقرأ عليه القرآن] (5) من أوله إلى آخره، فإن رمى بنفسه فهو صادق (6) .\r{ ذَلِكَ } يعني: أحسن الحديث، { هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } .\r__________\r(1) ذكره القرطبي: 15 / 250، وانظر التعليق السابق.\r(2) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 222 لسعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن مردويه، وابن أبي حاتم، وابن عساكر. وذكره القرطبي: 15 / 249.\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) ذكره صاحب البحر المحيط: 7 / 423، والقرطبي: 15 / 249.\r(5) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(6) ذكره صاحب البحر المحيط: 7 / 423، والقرطبي: 15 / 249.","part":7,"page":116},{"id":2704,"text":"{ أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (24) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (25) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (26) وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28) }\r{ أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ } أي: شدته، { يَوْمَ الْقِيَامَةِ } قال مجاهد: يجر على وجهه في النار. وقال عطاء: يرمى به في النار منكوسًا فأول شيء منه تمسه النار وجهه. قال مقاتل: هو أن الكافر يرمى به في النار مغلولة يداه إلى عنقه، وفي عنقه صخرة مثل جبل عظيم من الكبريت، فتشتعل النار في الحجر، وهو معلق في عنقه فخرَّ ووهجها على وجهه لا يطيق دفعها عن وجهه، للأغلال التي في عنقه ويده (1) .\rومجاز الآية: أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن هو آمن من العذاب؟\r{ وَقِيلَ } يعني: تقول الخزنة، { لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ } أي: وباله.\r{ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } من قبل كفار مكة كذبوا الرسل، { فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ } يعني: وهم آمنون غافلون من العذاب.\r{ فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ } العذاب والهوان، { فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } .\r{ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } يتعظون.\r{ قُرْآنًا عَرَبِيًّا } نصب على الحال، { غَيْرَ ذِي عِوَجٍ } قال ابن عباس: غير مختلف. قال مجاهد: غير ذي لبس. قال السدي: غير مخلوق. ويروى ذلك عن مالك بن أنس، وحكي عن سفيان بن عيينة عن سبعين من التابعين أن القرآن ليس بخالق ولا مخلوق (2) { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } الكفر والتكذيب به.\r__________\r(1) ذكر هذه الأقوال القرطبي: 15 / 251.\r(2) ذكر هذه الأقوال السيوطي في الدر المنثور: 7 / 223-224.","part":7,"page":117},{"id":2705,"text":"{ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (29) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31) }\r{ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا } قال الكسائي: نصب رجلا لأنه تفسير للمثل، { فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ } متنازعون مختلفون سيئة أخلاقهم، يقال: رجل شكس شرس، إذا كان سيء الخلق، مخالفًا للناس، لا يرضى بالإنصاف، { وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ } قرأ أهل مكة والبصرة: \"سالما\" بالألف أي: خالصًا له لا شريك ولا منازع له فيه، [وقرأ الآخرون: \"سلما\" بفتح اللام من غير ألف، وهو الذي لا ينازع فيه] (1) من قولهم: هو لك سلم، أي: مسلم لا منازع لك فيه. { هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا } هذا مثل ضربه الله عز وجل للكافر الذي يعبد آلهة شتى، والمؤمن الذي لا يعبد إلا الله الواحد، وهذا استفهام إنكار أي: لا يستويان، ثم قال: { الْحَمْدُ لِلَّهِ } أي: لله الحمد كله دون غيره من المعبودين. { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ } ما يصيرون إليه والمراد بالأكثر الكل.\r{ إِنَّكَ مَيِّتٌ } أي: ستموت، { وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ } أي: سيموتون، قال الفراء والكسائي: الميت -بالتشديد-من لم يمت وسيموت، الميت -بالتخفيف-من فارقه الروح، ولذلك لم يخفف هاهنا.\r{ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ } قال ابن عباس: يعني: المحق والمبطل، والظالم والمظلوم.\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا ابن فنجويه، حدثنا ابن مالك، حدثنا ابن حنبل، حدثني أبي، حدثنا ابن نمير، حدثنا محمد يعني ابن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير بن العوام قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم \"ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون\" قال الزبير: أي رسول الله أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال: \"نعم ليكررن عليكم حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه\" قال الزبير: والله إن الأمر لشديد (2)\r__________\r(1) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(2) أخرجه الترمذي في تفسير سورة الزمر: 9 / 110-111، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\"، والإمام أحمد: 1 / 167، والحاكم: 4 / 572 وقال: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وسكت عنه الذهبي. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 7 / 100: \" رواه الطبراني ورجاله ثقات\"، وزاد السيوطي في الدر االمنثور: 7 / 226 نسبته لابن منيع، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبي نعيم في الحلية، والبيهقي في البعث.","part":7,"page":118},{"id":2706,"text":".\rوقال ابن عمر: عشنا برهة من الدهر وكنا نرى أن هذه الآية أنزلت فينا وفي أهل الكتابين \"ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون\" قلنا: كيف نختصم وديننا وكتابنا واحد؟ حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف، فعرفت أنها نزلت فينا (1) .\rوعن أبي سعيد الخدري في هذه الآية قال: كنا نقول ربنا واحد وديننا واحد ونبينا واحد فما هذه الخصومة؟ فلما كان يوم صفين وشد بعضنا على بعض بالسيوف قلنا: نعم هو هذا (2) .\rوعن إبراهيم قال: لما نزلت: \"ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون\" قالوا: كيف نختصم ونحن إخوان؟ فلما قتل عثمان قالوا: هذه خصومتنا (3) ?\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، حدثنا علي بن الجعد، حدثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"من كانت لأخيه عنده مظلمة من عرض أو مال فليتحلله اليوم قبل أن يؤخذ منه يوم لا دينار ولا درهم، فإن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له أخذ من سيئاته فجعلت عليه\" (4) .\rأخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن الطيسفوني، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، حدثنا أحمد بن علي الكشمهيني، حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"أتدرون من المفلس\"؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: \"إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، وكان قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيقضي هذا من حسناته وهذا من حسناته، [قال: فإن فنيت حسناته] (5) قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار\" (6) .\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 225 لابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 7 / 100 \"رواه الطبراني ورجاله ثقات\".\r(2) عزاه السيوطي في الدر اللمنثور: 7 / 226-227 لسعيد بن منصور.\r(3) أخرجه الطبري: 24 / 2، وانظر: الكافي الشاف ص 143.\r(4) أخرجه البخاري في المظالم، باب: من كانت له مظلمة عند رجل فحللها له هل يبين مظلمته: 5 / 11، والمصنف في شرح السنة: 14 / 359.\r(5) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(6) أخرجه مسلم: في البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم، برقم: (2581) 4 / 1997.","part":7,"page":119},{"id":2707,"text":"{ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (32) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (34) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (35) أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (36) }\rقوله عز وجل: { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ } فزعم أن له ولدًا وشريكًا، { وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ } بالقرآن، { إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى } منزل ومقام، { لِلْكَافِرِينَ } استفهام بمعنى التقرير.\r{ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ } 106/ب قال ابن عباس: \"والذي جاء بالصدق\" يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بلا إله إلا الله \"وصدق به\" الرسول أيضًا بلغه إلى الخلق. وقال السدي: \"والذي جاء بالصدق\" جبريل جاء بالقرآن، \"وصدق به\" محمد صلى الله عليه وسلم تلقاه بالقبول. وقال الكلبي وأبو العالية: \"والذي جاء بالصدق\" رسول الله صلى الله عليه وسلم \"وصدق به\" أبو بكر رضي الله عنه. وقال قتادة ومقاتل: \"والذي جاء بالصدق\" رسول الله صلى الله عليه وسلم \"وصدق به\" هم المؤمنون، لقوله عز وجل: { أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } وقال عطاء: \"والذي جاء بالصدق\" الأنبياء \"وصدق به\" الأتباع، وحينئذ يكون الذي بمعنى: الذين، كقوله تعالى: \"مثلهم كمثل الذي استوقد نارا\"( البقرة-17 ) ثم قال: \"ذهب الله بنورهم\"( البقرة-17 ) وقال الحسن: هم المؤمنون صدقوا به في الدنيا وجاءوا به في الآخرة. وفي قراءة عبد الله بن مسعود: والذين جاءوا بالصدق وصدقوا به. { أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } .\r{ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا } يسترها عليهم بالمغفرة، { وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ } قال مقاتل: يجزيهم بالمحاسن من أعمالهم ولا يجزيهم بالمساوئ.\rقوله عز وجل: { أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } ؟ يعني: محمدًا صلى الله عليه وسلم، وقرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي: \"عباده\" بالجمع يعني: الأنبياء عليهم السلام، قصدهم قومهم بالسوء كما قال: \"وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه\"( غافر-5 ) فكفاهم الله شر من عاداهم، { وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ } وذلك أنهم خوفوا النبي صلى الله عليه وسلم معرة الأوثان. وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون { وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } .","part":7,"page":120},{"id":2708,"text":"{ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (37) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38) قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (39) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (40) }","part":7,"page":121},{"id":2709,"text":"{ إِنَّا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (41) اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42) }\r{ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ } منيع في ملكه، منتقم من أعدائه. { ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر } بشدة وبلاء، { هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ } بنعمة وبركة، { هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ } قرأ أهل البصرة: \"كاشفات\" و\"ممسكات\" بالتنوين، \"ضره\" \"ورحمته\" بنصب الراء والتاء، وقرأ الآخرون بلا تنوين وجر الراء والتاء على الإضافة، قال مقاتل: فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فسكتوا، فقال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: { قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ } (1) ، ثقتي به واعتمادي عليه، { عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ } يثق به الواثقون.\r{ قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ } أي: ينزل عليه عذاب دائم.\r{ إِنَّا أَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } وبال ضلالته عليه، { وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ } بحفيظ ورقيب لم توكل بهم ولا تؤاخذ بهم.\rقوله عز وجل: { اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ } أي: الأرواح، { حِينَ مَوْتِهَا } فيقبضها عند فناء أكلها وانقضاء أجلها، وقوله: { حِينَ مَوْتِهَا } يريد موت أجسادها. { وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ } يريد يتوفى\r__________\r(1) انظر: القرطبي: 15 / 259.","part":7,"page":121},{"id":2710,"text":"الأنفس التي لم تمت، { فِي مَنَامِهَا } والتي تتوفى عند النوم هي النفس التي يكون بها العقل والتمييز، ولكل إنسان نفسان: إحداهما نفس الحياة وهي التي تفارقه عند الموت فتزول بزوالها النفس، والأخرى نفس التمييز وهي التي تفارقه إذا نام، وهو بعد النوم يتنفس { فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ } فلا يردها إلى الجسد.\rقرأ حمزة والكسائي: \"قضى\" بضم القاف وكسر الضاد وفتح الياء، \"الموت\" رفع على ما لم يسم فاعله، وقرأ الآخرون بفتح القاف والضاد، \"الموت\" نصب لقوله عز وجل: \"الله يتوفى الأنفس\" { وَيُرْسِلُ الأخْرَى } ويرد الأخرى وهي التي لم يقض عليها الموت إلى الجسد، { إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } إلى أن يأتي وقت موته.\rويقال: للإنسان نفس وروح، فعند النوم تخرج النفس وتبقي الروح. وعن عليّ قال: تخرج الروح عند النوم ويبقى شعاعه في الجسد، فبذلك يرى الرؤيا، فإذا انتبه من النوم عاد الروح إلى جسده بأسرع من لحظة. ويقال: إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتتعارف ما شاء الله، فإذا أرادت الرجوع إلى أجسادها أمسك الله أرواح الأموات عنده، وأرسل أرواح الأحياء حتى ترجع إلى أجسادها إلى انقضاء مدة حياتها.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير حدثنا عبد الله بن عمر حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم يقول: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين\" (1)\r{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } لدلالات على قدرته حيث لم يغلط في إمساك ما يمسك من الأرواح، وإرسال ما يرسل منها.\rقال مقاتل: لعلامات لقوم يتفكرون في أمر البعث، يعني: إن توفي نفس النائم وإرسالها بعد التوفي دليل على البعث.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الدعوات، باب: التعوذ والقراءة عند المنام: 11 / 125-126، ومسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، برقم: (2714)، 4 / 2084، والمصنف في شرح السنة: 5 / 99.","part":7,"page":122},{"id":2711,"text":"{ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ (43) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (44) وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45) قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46) }\r{ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ } يا محمد، { أَوَلَوْ كَانُوا } وإن كانوا يعني الآلهة، { لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا } من الشفاعة، { وَلا يَعْقِلُونَ } أنكم تعبدونهم. وجواب هذا محذوف تقديره: وإن كانوا بهذه الصفة تتخذونهم.\r{ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا } قال مجاهد: لا يشفع أحد إلا بإذنه، { لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } . { وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ } نفرت، وقال ابن عباس ومجاهد ومقاتل: انقبضت عن التوحيد. وقال قتادة: استكبرت. وأصل الاشمئزاز النفور والاستكبار، { قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ } .\r{ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ } يعني: الأصنام { إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } يفرحون، قال مجاهد ومقاتل: وذلك حين قرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة والنجم فألقى الشيطان في أمنيته: تلك الغرانيق العلى، ففرح به الكفار (1) .\r{ قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } ، أخبرنا الإمام أبو علي الحسين 107/أ بن محمد القاضي، أخبرنا أبو نعيم الإسفراييني، أخبرنا أبو عوانة، حدثنا السلمي، حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة بن عمار، أخبرنا يحيى بن أبي كثير، حدثنا أبو سلمة قال: سألت عائشة رضي الله عنها بم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة من الليل؟ قالت: كان يقول: \"اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم\" (2) .\r__________\r(1) راجع فيما سبق تفسير سورة الحج، الآية (52): 5 / 394 تعليق (1).\r(2) أخرجه مسلم: في صلاة المسافرين، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه، برقم: (770) 1 / 534، والمصنف في شرح السنة: 4 / 71.","part":7,"page":123},{"id":2712,"text":"{ وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47) }","part":7,"page":124},{"id":2713,"text":"{ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (48) فَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (49) قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (50) }\rقوله عز وجل: { وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ } قال مقاتل: ظهر لهم حين بعثوا ما لم يحتسبوا في الدنيا أنه نازل بهم في الآخرة. قال السدي: ظنوا أنها حسنات فبدت لهم سيئات، والمعنى: أنهم كانوا يتقربون إلى الله بعبادة الأصنام، فلما عوقبوا عليها بدا لهم من الله ما لم يحتسبوا. وروي أن محمد بن المنكدر جزع عند الموت، فقيل له في ذلك فقال: أخشى أن يبدو لي ما لم أحتسب (1) .\r{ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا } أي: مساوئ أعمالهم من الشرك والظلم بأولياء الله. { وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } .\r{ فَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ ضُرٌّ } شدة، { دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ } أعطيناه { نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ } أي: على علم من الله أني له أهل. وقال مقاتل: على خير علمه الله عندي، وذكر الكناية لأن المراد من النعمة الإنعام، { بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ } [يعني: تلك النعمة فتنة] (2) استدراج من الله تعالى وامتحان وبلية. وقيل: بل كلمته التي قالها فتنة. { وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ } أنه استدراج وامتحان.\r{ قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } قال مقاتل: يعني قارون فإنه قال: \"إنما أوتيته على علم عندي\"( القصص-78 ) { فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } فما أغنى عنهم الكفر من العذاب شيئًا.\r__________\r(1) انظر: القرطبي: 15 / 265-266.\r(2) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".","part":7,"page":124},{"id":2714,"text":"{ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (51) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) }\r{ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا } أي: جزاؤها يعني العذاب. ثم أوعد كفار مكة فقال: { وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ } بفائتين لأن مرجعهم إلى الله عز وجل.\r{ أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ } أي: يوسع الرزق لمن يشاء، { وَيَقْدِرُ } أي: يقتر على من يشاء، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } .\rقوله عز وجل: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ }\rروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: إن الذي تدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت هذه الآية (1) .\rوقال عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس رضي الله عنهما: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وحشي يدعوه إلى الإسلام، فأرسل إليه: كيف تدعوني إلى دينك وأنت تزعم أن من قتل أو أشرك أو زنى يلق آثامًا، يضاعف له العذاب، وأنا قد فعلت ذلك كله، فأنزل الله عز وجل: \"إلا من تاب وآمن وعمل صالحا\"( مريم-60 ) فقال وحشي: هذا شرط شديد لعلي لا أقدر عليه فهل غير ذلك؟ فأنزل الله تعالى: \"إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء\"( النساء: 48 ، 116 ) فقال وحشي: أراني بعد في شبهة، فلا أدري يغفر لي أم لا؟ فأنزل الله تعالى: \"قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله\"، فقال وحشي: نعم هذا، فجاء وأسلم ، فقال المسلمون: هذا له خاصة أم للمسلمين عامة؟ فقال: بل للمسلمين عامة (2) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير -تفسير سورة الزمر- باب: \"ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم.\" الآية: 8 / 549.\r(2) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 235 للطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان بسند لين، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 7 / 101 \"رواه الطبراني في الأوسط وفيه أبين بن سيفان، ضعفه الذهبي\" وضعفه ابن عدي وابن حبان وغيرهما.","part":7,"page":125},{"id":2715,"text":"وروي عن ابن عمر قال: نزلت هذه الآيات في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد أسلموا ثم فتنوا وعذبوا، فافتتنوا فكنا نقول: لا يقبل الله من هؤلاء صرفًا ولا عدلا أبدًا، قوم أسلموا ثم تركوا دينهم لعذاب عذبوا فيه، فأنزل الله تعالى هذه الآيات، فكتبها عمر بن الخطاب بيده ثم بعث بها إلى عياش بن ربيعة والوليد بن الوليد وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا (1) .\rوروى مقاتل بن حيان عن نافع عن ابن عمر قال: كنا معاشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نرى أو نقول: ليس بشيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت: \"أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم\"( محمد-33 ) فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر والفواحش، قال: فكنا إذا رأينا من أصاب شيئًا منها قلنا قد هلك، فنزلت هذه الآية، فكففنا عن القول في ذلك، فكنا إذا رأينا أحدًا أصاب منها شيئًا خفنا عليه، وإن لم يصب منها شيئًا رجونا له ، وأراد بالإسراف ارتكاب الكبائر (2) .\rوروي عن ابن مسعود أنه دخل المسجد فإذا قاص يقص وهو يذكر النار والأغلال، فقام على رأسه فقال: يا مذكر لم تقنط الناس؟ ثم قرأ: \"يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله\" (3) .\rأخبرنا أبو بكر بن أبي الهيثم الترابي، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد الحموي أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن خزيم الشاشي، حدثنا [عبد الله] (4) بن حميد، حدثنا حيان بن هلال وسليمان بن حرب وحجاج بن منهال قالوا: حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: { يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا } ولا يبالي\" (5) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد ابن أبي عدي عن شعبة عن قتادة عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 24 / 15، وانظر: أسباب النزول للوحداي ص 427-428.\r(2) أخرجه الطبري: 24 / 16.\r(3) أخرجه الطبري: 24 / 16، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 237 لابن ابي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في شعب الإيمان.\r(4) في \"ب\" (عبد الرحمن).\r(5) أخرجه الترمذي في تفسير سورة الزمر: 9/111-112، وقال: \"هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ثابت عن شهر بن حوشب\"، والمصنف في شرح السنة: 14 / 384.","part":7,"page":126},{"id":2716,"text":"وتسعين إنسانًا، ثم خرج يسأل فأتى راهبًا فسأله، فقال: هل لي من توبة؟ فقال: لا فقتله فكمل به المائة، فقال له رجل: ائت قرية كذا وكذا، فأدركه الموت فنأى بصدره نحوها، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تقربي وأوحى إلى هذه أن تباعدي، وقال: قيسوا ما بينهما فوجد إلى هذه أقرب بشبر فغفر له\" (1) .\rورواه مسلم بن الحجاج عن محمد بن المثنى العنبري عن 107/ب معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة بهذا الإسناد، وقال: \"فدل على راهب فأتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا فهل له من توبة؟ فقال له: لا فقتله وكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم، فقال له: قتلت مائة نفس فهل لي من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا كان نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأتاهم ملك من صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة\" (2) .\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"قال رجل -لم يعمل خيرًا قط -لأهله إذا مات فحرقوه، ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابًا لا يعذبه أحدا من العالمين، قال: فلما مات فعلوا ما أمرهم، فأمر الله البحر فجمع ما فيه وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال له: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت أعلم، فغفر له\" (3) .\rأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا أبو الحسين محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك عن عكرمة بن عمار، حدثنا ضمضم بن جوس قال: دخلت مسجد المدينة فناداني شيخ، فقال: يا يماني تعال، وما أعرفه، فقال: لا تقولن لرجل: والله لا يغفر الله لك أبدًا، ولا يدخلك الله الجنة، قلت: ومن أنت يرحمك الله؟ قال: أبو هريرة، قال فقلت:\r__________\r(1) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء: 6 / 512.\r(2) أخرجه مسلم في التوبة، باب: قبول توبة القاتل وإن كثر قتله، برقم: (2766) 4 / 2118.\r(3) أخرجه مالك في الموطأ: 1 / 240، والبخاري في التوحيد، باب: (يريدون أن يبدلوا كلام الله) 13 / 466، ومسلم في التوبة، باب في سعة رحمة الله وأنها سبقت غضبه، برقم: (2756) 4 / 2109- 2110، والمصنف في شرح السنة: 14 / 380.","part":7,"page":127},{"id":2717,"text":"إن هذه الكلمة [يقولها] (1) أحدنا لبعض أهله إذا غضب أو لزوجته أو لخادمه، قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"إن رجلين كانا في بني إسرائيل متحابين أحدهما مجتهد في العبادة والآخر يقول كأنه مذنب، فجعل يقول: أقصر أقصر عما أنت فيه، قال فيقول: خلني وربي، قال: حتى وجده يومًا على ذنب استعظمه، فقال: أقصر، فقال: خلني وربي أبعثت علي رقيبًا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك أبدًا، ولا يدخلك الجنة أبدًا. قال: فبعث الله إليهما ملكًا فقبض أرواحهما فاجتمعا عنده، فقال للمذنب: ادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: أتستطيع أن تحظر على عبدي رحمتي؟ فقال: لا يا رب، فقال اذهبوا به إلى النار\" قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته (2) .\rقوله عز وجل: { إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } .\rأخبرنا عبد الرحمن بن أبي بكر القفال، أخبرنا أبو مسعود محمد بن أحمد بن يونس الخطيب، حدثنا محمد بن يعقوب الأصم، حدثنا أبو قلابة، حدثنا أبو عاصم، حدثنا زكريا بن إسحاق عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس في قوله تعالى: \"إلا اللمم\"( النجم-32 ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما (3)\r{ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (55) }\rقوله عز وجل: { وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ } أقبلوا وارجعوا إليه بالطاعة، { وَأَسْلِمُوا لَهُ } أخلصوا له التوحيد، { مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ } .\r{ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ } يعني: القرآن، والقرآن كله حسن، ومعنى الآية ما قاله الحسن: التزموا طاعته واجتنبوا معصيته، فإن القرآن ذكر القبيح لتجتنبه، وذكر الأدون لئلا ترغب فيه، وذكر الأحسن لتؤثره. قال السدي: \"الأحسن\" ما أمر الله به في الكتاب، { مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ }\r__________\r(1) في \"أ\" يذكرها.\r(2) أخرجه ابن المبارك في االزهد برقم (900) وأبو داود في الأدب، باب في النهي عن البغي: 7 / 224-225، والإمام أحمد: 2 / 323، والمصنف في شرح السنة: 14 / 384-385 .\r(3) أخرجه الترمذي في التفسير-تفسير سورة النجم- 9 / 172 وقال: \"هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق\" والمصنف في شرح السنة: 14 / 387.","part":7,"page":128},{"id":2718,"text":".\r{ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) }","part":7,"page":129},{"id":2719,"text":"{ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (59) وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (61) }\r{ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ } يعني: لئلا تقول نفس، كقوله: \"وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم\"( النحل-15 ) أي: لئلا تميد بكم، قال المبرد: أي بادروا واحذروا أن تقول نفس. وقال الزجاج: خوف أن تصيروا إلى حال تقولون هذا القول، { يَا حَسْرَتَا } يا ندامتا، والتحسر الاغتمام على ما فات، وأراد: يا حسرتي، على الإضافة، لكن العرب تحول ياء الكناية ألفًا في الاستغاثة، فتقول: يا حسرتا (1) ويا ندامتا، وربما ألحقوا بها الياء بعد الألف ليدل على الإضافة، وكذلك قرأ أبو جعفر { يا حسرتاي }، وقيل: معنى قوله: \"يا حسرتا\" يا أيتها الحسرة هذا وقتك، { عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ } قال الحسن: قصرت في طاعة الله. وقال مجاهد: في أمر الله. وقال سعيد بن جبير: في حق الله. وقيل: ضيعت في ذات الله. وقيل: معناه قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضاء الله. والعرب تسمي الجنب جانبًا { وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ } المستهزئين بدين الله وكتابه ورسوله والمؤمنين قال قتادة: لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى جعل يسخر بأهل طاعته.\r{ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ } عيانًا، { لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً } رجعة إلى الدنيا، { فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } الموحدين.\rثم يقال لهذا القائل: { بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي } يعني: القرآن، { فَكَذَّبْتَ بِهَا } وقلت إنها ليست من الله، { وَاسْتَكْبَرْتَ } تكبرت عن الإيمان بها، { وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ } .\r{ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ } فزعموا أن له ولدًا وشريكًا، { وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ } عن الإيمان.\r{ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ } قرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر: \"بمفازاتهم\" بالألف على\r__________\r(1) في \"ب\" : يا ويلتي .","part":7,"page":129},{"id":2720,"text":"الجمع أي: بالطرق التي تؤديهم إلى الفوز والنجاة، وقرأ الآخرون: \"بمفازتهم\" على الواحد لأن المفازة بمعنى الفوز، أي: ينجيهم بفوزهم من النار بأعمالهم الحسنة، قال المبرد: المفازة مفعلة من الفوز، والجمع حسن كالسعادة والسعادات { لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ } لا يصيبهم المكروه، { وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } .\r{ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (63) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (64) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66) وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) }\r{ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ } أي: الأشياء كلها موكولة إليه فهو القائم بحفظها. { له مقاليد السموات والأرض } مفاتيح خزائن السموات والأرض واحدها 108/أ مقلاد، مثل مفتاح، ومقليد مثل منديل ومناديل. وقال قتادة ومقاتل: مفاتيح السموات والأرض بالرزق والرحمة. وقال الكلبي: خزائن المطر وخزائن النبات. { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } .\rقوله عز وجل: { قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ } ؟ قال مقاتل: وذلك أن كفار قريش دعوه إلى دين آبائه. قرأ أهل الشام \"تأمرونني\" بنونين خفيفتين على الأصل، وقرأ أهل المدينة بنون واحدة خفيفة على الحذف ، وقرأ الآخرون بنون واحدة مشددة على الإدغام.\r{ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } الذي عملته قبل الشرك وهذا خطاب مع الرسول صلى الله عليه وسلم، والمراد منه غيره. وقيل: هذا أدب من الله عز وجل لنبيه وتهديد لغيره، لأن الله تعالى عصمه من الشرك. { وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } .\r{ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ } لإنعامه عليك.\rقوله عز وجل: { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } ما عظموه حق عظمته حين أشركوا به غيره، ثم أخبر عن عظمته فقال: { وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }","part":7,"page":130},{"id":2721,"text":".\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا آدم، حدثنا شيبان عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \"يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ: \"وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة\" (1) .\rورواه مسلم بن الحجاج عن أحمد بن عبد الله بن يونس عن فضيل بن عياض عن منصور، وقال: \"والجبال والشجر على إصبع، وقال: ثم يهزهن هزًا، فيقول:( أنا الملك أنا الله ) \" (2) .\rأخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرني الحسين بن فنجويه، حدثنا عمر بن الخطاب، حدثنا عبد الله بن الفضل، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، عن عمر بن حمزة، عن سالم بن عبد الله، أخبرني عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين ثم يأخذهن بشماله، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون\"، هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة (3) .\rأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة الكشميهني، حدثنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، حدثنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن يونس عن الزهري، حدثني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض\" (4) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير -تفسير سورة الزمر- باب: \"وما قدروا الله حق قدره\" 8 / 550-551.\r(2) أخرجه مسلم في صفة القيامة والجنة والنار برقم (2786): 4 / 2147 .\r(3) أخرجه مسلم في صفات المنافقين وأحكامهم برقم (2788): 4 / 2148.\r(4) أخرجه البخاري في التفسير -تفسير سورة الزمر- باب: \"وما قدروا الله حق قدره\" 5 / 551، ومسلم في صفة القيامة والجنة والنار. برقم (2787) 4 / 2148، والمصنف في شرح السنة: 15 / 110-111.","part":7,"page":131},{"id":2722,"text":"{ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68) }\rقوله عز وجل: { وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ } ماتوا من الفزع وهي النفخة الأولى، { إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ } اختلفوا في الذين استثناهم الله عز وجل، وقد ذكرناهم في سورة النمل (1) ، قال الحسن: إلا من شاء الله يعني الله وحده، { ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ } أي: في الصور، { أُخْرَى } أي: مرة أخرى، { فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ } [من قبورهم] (2) ينتظرون أمر الله فيهم.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال:\r__________\r(1) 6 / 181.\r(2) زيادة من \"ب\".","part":7,"page":131},{"id":2723,"text":"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ما بين النفختين أربعون\" قالوا: أربعون يومًا؟ قال: \"أبيت\"، قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: \"أبيت\"، قالوا: أربعون سنة؟ قال: \"أبيت\"، قال: \"ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظم واحد، وهو عجب الذنب ومنه يتركب الخلق يوم القيامة (1) .\r{ وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (69) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) }\rقوله عز وجل: { وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ } أضاءت، { بِنُورِ رَبِّهَا } بنور خالقها، وذلك حين يتجلى الرب لفصل القضاء بين خلقه، فما يتضارون في نوره كما لا يتضارون في الشمس في اليوم الصحو. وقال الحسن والسدي: بعدل ربها، وأراد بالأرض عرصات القيامة، { وَوُضِعَ الْكِتَابُ } أي: كتاب الأعمال، { وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ } قال ابن عباس: يعني الذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة، وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقال عطاء: يعني الحفظة، يدل عليه قوله تعالى: \"وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد\"( ق-21 ) { وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ } أي: بالعدل، { وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ } أي: لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم.\r{ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ } أي: ثواب ما عملت، { وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ } قال عطاء: يريد أني عالم بأفعالهم لا أحتاج إلى كاتب ولا إلى شاهد.\r{ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ } سوقًا عنيفًا، { زُمَرًا } أفواجًا بعضها على إثر بعض، كل أمة على حدة قال أبو عبيدة والأخفش: \"زمرًا\" أي: جماعات في تفرقة، واحدتها زمرة { حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا } السبعة وكانت مغلقة قبل ذلك، قرأ أهل الكوفة \"فتحت، وفتحت\" بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتشديد على التكثير { وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا } توبيخًا وتقريعًا لهم، { أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ } من أنفسكم { يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ } وجبت، { كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ } وهو قوله عز وجل: \"لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين\"( هود-119 )\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير -تفسير سورة الزمر- باب: \"ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض\": 8 / 551، ومسلم في الفتن، باب: ما بين النفختين. برقم (2955) 4 / 2270-2271، والمصنف في شرح السنة: 15 / 104.","part":7,"page":132},{"id":2724,"text":".\r{ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) }\r{ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا } قال الكوفيون: هذه الواو زائدة حتى تكون جوابًا لقوله: \"حتى إذا جاءوها\" 108/ب كما في سوق الكفار، وهذا كما قال الله تعالى: \"ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء\"( الأنبياء-48 ) [أي: ضياء] (1) والواو زائدة.\rوقيل: الواو واو الحال، مجازه: وقد فتحت أبوابها، فأدخل الواو لبيان أنها كانت مفتحة قبل مجيئهم، وحذفها في الآية الأولى لبيان أنها كانت مغلقة قبل مجيئهم.\rفإذا لم تجعل الواو زائدة في قوله: \"وفتحت\" اختلفوا في جواب قوله: \"وقال لهم خزنتها\" والواو فيه ملغاة تقديره: حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها. وقال الزجاج: القول عندي أن الجواب محذوف، تقديره: \"حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها، وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين\" دخلوها، فحذف \"دخلوها\" لدلالة الكلام عليه.\r{ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ } يريد أن خزنة الجنة يسلمون عليهم ويقولون: طبتم. قال ابن عباس: طاب لكم المقام. قال قتادة: هم إذا قطعوا النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص بعضهم من بعض حتى إذا هذبوا وطيبوا أدخلوا الجنة، فقال لهم رضوان وأصحابه: \"سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين\" (2) .\rوروي عن عليّ عليه السلام قال: سيقوا إلى الجنة فإذا انتهوا إليها وجدوا عند بابها شجرة يخرج من تحت ساقها عينان فيغتسل المؤمن من إحداهما فيطهر ظاهره، ويشرب من الأخرى فيطهر باطنه، وتلقيهم الملائكة على أبواب الجنة يقولون: { سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ } . (3)\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) انظر: القرطبي: 15 / 286.\r(3) انظر: الدر المنثور: 7 / 263، القرطبي: 15 / 286.","part":7,"page":133},{"id":2725,"text":"{ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74) }","part":7,"page":134},{"id":2726,"text":"{ وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75) }\r{ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرْضَ } أي: أرض الجنة. وهو قوله عز وجل: \"ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون\"( الأنبياء-105 ) { نَتَبَوَّأُ } ننزل، { مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ } قال الله تعالى: { فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ } ثواب المطيعين.\r{ وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ } أي: محدقين محيطين بالعرش، مطيفين بحوافيه أي: بجوانبه، { يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ } قيل: هذا تسبيح تلذذ لا تسبيح تعبد، لأن التكليف [يزول] (1) في ذلك اليوم { وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ } أي: قضي بين أهل الجنة والنار بالعدل، { وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } يقول أهل الجنة: شكرًا لله، حين تم وعد الله لهم.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: إن مثل القرآن كمثل رجل انطلق يرتاد لأهله منزلا فمر بأثر غيث فبينما هو يسير فيه ويتعجب منه إذ هبط على روضات دمثات (2) ، فقال: عجبت من الغيث الأول فهذا أعجب منه وأعجب، فقيل له: إن مثل الغيث الأول مثل عظم القرآن، وإن مثل هؤلاء الروضات الدمثات مثل الـ حم في القرآن (3) .\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو محمد الرومي، حدثنا أبو العباس السراج، حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب أن الجراح بن أبي الجراح حدثه عن ابن عباس قال: لكل شيء لباب ولباب والقرآن الحواميم (4) . وقال ابن مسعود: إذا وقعت في آل حم وقعت في روضات دمثات أتأنق فيهن (5) . وقال سعد بن إبراهيم: كن -آل حم-يسمين العرائس (6) .\r__________\r(1) في \"ب\": متروك.\r(2) في تربتها لين وسهولة، نقول: رجل دمث: سهل خلقه.\r(3) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 268-269 لمحمد بن نصر، وحميد بن زنجويه.\r(4) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 268 لأبي عبيد في فضائله.\r(5) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 268 لأبي عبيد، ومحمد بن نصر، وابن المنذر. وانظر: البحر المحيط: 7 / 447.\r(6) أخرجه الدارمي: 2 / 328، وزاد السيوطي في الدر المنثور: 7 / 269 نسبته لمحمد بن نصر.","part":7,"page":134},{"id":2727,"text":"سورة غافر مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ حم (1) تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) }\rقوله عز وجل: { حم } قد سبق الكلام في حروف التهجي (2) . قال السدي عن ابن عباس: حم اسم الله الأعظم. وروى عكرمة عنه قال: آلر، وحم، ونون، حروف \"الرحمن\" مقطعة (3) . وقال سعيد بن جبير وعطاء الخراساني: الحاء افتتاح أسمائه: حكيم حميد حي حليم حنان، والميم افتتاح أسمائه: مالك مجيد منان. وقال الضحاك والكسائي: معناه قضى ما هو كائن كأنهما أشارا إلى أن معناه: حم، بضم الحاء وتشديد الميم (4) . وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر: حم بكسر الحاء، والباقون بفتحها.\r{ تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنْبِ } ساتر الذنب، { وَقَابِلِ التَّوْبِ }\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: أنزلت الحواميم السبع بمكة.\rوأخرج ابن جرير عن الشعبي -رضي الله عنه- قال: أخبرني مسروق رضي الله عنه أنها أنزلت بمكة.\rوأخرج ابن مردويه والديلمي عن سمرة بن جندب -رضي الله عنه- قال: نزلت الحواميم جميعا بمكة.\rوأخرج ابن مردويه عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: نزلت حم (المؤمن) بمكة، انظر: الدر المنثور: 7 / 268.\r(2) راجع فيما سبق: 1 / 58-59.\r(3) أخرجه الطبري: 24 / 39.\r(4) قال صاحب البحر المحيط: 7 / 447: \"تقدم الكلام على هذه الحروف المقطعة في أول البقرة، وقد زادوا في حاميم أقوالا وهي مروية عن السلف غنينا عن ذكرها لاضطرابها وعدم الدليل على صحة شيء منها\".","part":7,"page":135},{"id":2728,"text":"يعني التوبة، مصدر تاب يتوب توبًا. وقيل: التوب جمع توبة مثل دومة ودوم وحومة وحوم. قال ابن عباس: غافر الذنب لمن قال لا إله إلا الله، [وقابل التوب ممن قال لا إله إلا الله] (1) { شَدِيدُ الْعِقَابِ } لمن لا يقول لا إله إلا الله، { ذِي الطَّوْلِ } ذي الغنى عمن لا يقول لا إله إلا الله. قال مجاهد: \"ذي الطول\": ذي السعة والغنى. وقال الحسن: ذو الفضل. وقال قتادة: ذو النعم. وقيل: ذو القدرة. وأصل الطول الإنعام الذي تطول مدته على صاحبه. { لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ } .\r{ مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ (4) }\r{ مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ } في دفع آيات الله بالتكذيب والإنكار، { إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا } قال أبو العالية: آيتان ما أشدهما على الذين يجادلون في القرآن: \"ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا\" و\"إن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد\" (2) ( البقرة-176 ).\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن أحمد، حدثنا محمد بن خالد، أخبرنا داود بن سليمان، أخبرنا عبد الله بن حميد، حدثنا الحسين بن علي الجعفي عن زائدة عن ليث عن سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إن جدالا في القرآن كفر\" (3) .\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قومًا يتمارون في القرآن، فقال: \"إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله عز وجل بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق\r__________\r(1) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(2) انظر: القرطبي: 15 / 292.\r(3) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 273 لعبد بن حميد، وليث فيه ضعف. وانظر: الكافي الشاف ص (144) وأخرجه الطيالسي في المسند ص 302 والبيهقي من حديث عبد الله بن عمرو بلفظ: \"لا تجادلوا في القرآن، فإن جدالا فيه كفر\" انظر: الفتح السماوي: 3 / 975-976 كنز العمال: 1 / 615.","part":7,"page":138},{"id":2729,"text":"بعضه بعضًا، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوه، وما جهلتم منه فكلوه إلى عالمه\" (1) .\rقوله تعالى: { فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ } تصرفهم في البلاد للتجارات وسلامتهم فيها مع كفرهم، فإن عاقبة أمرهم العذاب، نظيره قوله عز وجل: \"لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد\"( آل عمران-196 ) .\r{ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (5) وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (6) }\r{ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ } وهم الكفار الذين تحزبوا 109/أ على أنبيائهم بالتكذيب من بعد قوم نوح، { وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ } قال ابن عباس: ليقتلوه ويهلكوه. وقيل: ليأسروه. والعرب تسمي الأسير أخيذًا، { وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا } ليبطلوا، { بِهِ الْحَقَّ } الذي جاء به الرسل ومجادلتهم مثل قولهم: \"إن أنتم إلا بشر مثلنا\"( إبراهيم-10 ) ، و\"لولا أنزل علينا الملائكة\"( الفرقان-21 ) ونحو ذلك، { فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ } .\r{ وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ } يعني: كما حقت كلمة العذاب على الأمم المكذبة حقت، { عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا } من قومك، { أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ } قال الأخفش: لأنهم أو بأنهم أصحاب النار.\r{ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) }\rقوله عز وجل: { الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ } حملة العرش والطائفون به وهم الكروبيون، وهم سادة الملائكة. قال ابن عباس: حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمسمائة عام (2) ، ويروى أن أقدامهم في تخوم الأرضين، والأرضون والسموات إلى\r__________\r(1) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ( كتاب الجامع للإمام معمر): 11 / 217، والإمام أحمد: 2 / 195، وابن ماجه بمعناه برقم: (85) في المقدمة: 1 / 33 وقال في الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات، وعزاه في مجمع الزوائد: 1 / 171 للطبراني في الكبير، وفيه صالح بن أبي الأخضر.\r(2) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات: 2 / 143، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 275-276 لعبد بن حميد وابن مردويه.","part":7,"page":139},{"id":2730,"text":"حجزهم، وهم يقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح.\rوقال ميسرة بن عروبة: أرجلهم في الأرض السفلى، ورؤوسهم خرقت العرش، وهم خشوع لا يرفعون طرفهم، وهم أشد خوفًا من أهل السماء السابعة، وأهل السماء السابعة أشد خوفًا من أهل السماء التي تليها، والتي تليها أشد خوفًا من التي تليها. وقال مجاهد: بين الملائكة والعرش سبعون حجابًا من نور.\rوروى محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش ما بين شحمة أذنيه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام\" (1) .\rوروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه قال: [إن ما] (2) بين القائمة من قوائم العرش والقائمة الثانية خفقان الطير المسرع ثلاثين ألف عام، والعرش يكسى كل يوم سبعين ألف لون من النور، لا يستطيع أن ينظر إليه خلق من خلق الله، والأشياء كلها في العرش كحلقة في فلاة.\rوقال مجاهد: بين السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب من نور، وحجاب من ظلمة وحجاب نور وحجاب ظلمة.\rوقال وهب بن منبه: إن حول العرش سبعين ألف صف من الملائكة، صف خلف صف يطوفون بالعرش، يقبل هؤلاء [ويدبر] (3) هؤلاء، فإذا استقبل بعضهم بعضًا هلل هؤلاء وكبر هؤلاء، ومن ورائهم سبعون ألف صف قيام، أيديهم إلى أعناقهم قد وضعوها على عواتقهم، فإذا سمعوا تكبير أولئك وتهليلهم رفعوا أصواتهم، فقالوا: سبحانك وبحمدك ما أعظمك\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في السنة، باب في الجهمية: 7 / 17 والبيهقي في الأسماء والصفات: 2 / 142 بسند صحيح، وزاد السيوطي في الدر المنثور: 7 / 274 عزوه لابن أبي حاتم وأبي الشيخ في العظمة، وابن مردويه.\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) في \"أ\": ويقبل.","part":7,"page":140},{"id":2731,"text":"وأجلك أنت الله لا إله غيرك، أنت الأكبر، الخلق كلهم لك راجعون. ومن وراء هؤلاء مائة ألف صف من الملائكة قد وضعوا اليمنى على اليسرى ليس منهم أحد إلا وهو يسبح بتحميد لا يسبحه الآخر، ما بين جناحي أحدهم مسيرة ثلثمائة عام، وما بين شحمة أذنه إلى عاتقه أربعمائة عام، واحتجب الله من الملائكة الذين حول العرش بسبعين حجابًا من نار، وسبعين حجابًا من ظلمة، وسبعين حجابًا من نور، وسبعين حجابًا من در أبيض، وسبعين حجابًا من ياقوت أحمر، [وسبعين حجابًا من ياقوت أصفر] (1) وسبعين حجابًا من زبرجد أخضر، وسبعين حجابًا من ثلج، وسبعين حجابًا من ماء، وسبعين حجابًا من برد، وما لا يعلمه إلا الله تعالى. قال: ولكل واحد من حملة العرش ومن حوله أربعة وجوه، وجه ثور ووجه أسد ووجه نسر ووجه إنسان، ولكل واحد منهم أربعة أجنحة، أما جناحان فعلى وجهه مخافة أن ينظر إلى العرش فيصعق، وأما جناحان فيهفو بهما، ليس لهم كلام إلا التسبيح والتحميد والتكبير والتمجيد (2) .\rقوله عز وجل: { يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ } يصدقون بأنه واحد لا شريك له.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا عمر بن عبد الله الرقاشي، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا هارون بن رباب، حدثنا شهر بن حوشب قال: حملة العرش ثمانية، فأربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك، وأربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك، قال: وكأنهم ينظرون ذنوب بني آدم (3) .\rقوله عز وجل: { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا } يعني يقولون ربنا، { وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا } قيل: نصب على التفسير، وقيل: على النقل، أي: وسعت رحمتك وعلمك كل شيء، { فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ } دينك { وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ } قال [مطرف] (4) : أنصح عباد الله للمؤمنين هم الملائكة، وأغش الخلق للمؤمنين هم الشياطين (5) .\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) انظر: زاد المسير: 7 / 208.\r(3) ذكره ابن كثير في تفسيره: 4 / 73.\r(4) ساقط من \"أ\".\r(5) انظر: القرطبي 15 / 295.","part":7,"page":141},{"id":2732,"text":"{ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) }\r{ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } قال سعيد بن جبير: يدخل المؤمن الجنة فيقول: أين أبي؟ أين أمي، أين ولدي","part":7,"page":141},{"id":2733,"text":"أين زوجي؟ فيقال: إنهم لم يعملوا مثل عملك، فيقول: إني كنت أعمل لي ولهم، فيقال: أدخلوهم الجنة (1) .\r{ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (11) }\r{ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ } العقوبات، { وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ } أي: ومن تقه السيئات يعني العقوبات، وقيل: جزاء السيئات، { يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } .\rقوله عز وجل: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ } يوم القيامة وهم في النار وقد مقتوا أنفسهم حين عرضت عليهم سيئاتهم، وعاينوا العذاب، فيقال لهم: { لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمَانِ فَتَكْفُرُونَ } يعني لمقت الله إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم اليوم أنفسكم عند حلول العذاب بكم.\r{ قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ } قال ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-وقتادة والضحاك: كانوا أمواتًا في أصلاب آبائهم فأحياهم الله في الدنيا، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة، فهما موتتان وحياتان (2) ، وهذا كقوله تعالى: \"كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم\" 109/ب ( البقرة-28 ) ، وقال السدي: أميتوا في الدنيا ثم أحيوا في قبورهم للسؤال، ثم أميتوا في قبورهم ثم أحيوا في الآخرة (3) . { فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ } أي: من خروج من النار إلى الدنيا فنصلح أعمالنا ونعمل بطاعتك، نظيره: \"هل إلى مرد من سبيل\"( الشورى-44 ) .\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 24 / 45.\r(2) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 278 لعبد بن حميد، وابن المنذر.\r(3) أخرجه الطبري: 24 / 48.","part":7,"page":142},{"id":2734,"text":"{ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (12) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنزلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلا مَنْ يُنِيبُ (13) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (14) رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (15) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16) }\rقال الله تعالى: { ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ } وفيه متروك استغني عنه لدلالة الظاهر عليه، مجازه: فأجيبوا أن لا سبيل إلى ذلك، وهذا العذاب والخلود في النار بأنكم إذا دعي الله وحده كفرتم، إذا قيل لا إله إلا الله [كفرتم] (1) وقلتم: \"أجعل الآلهة إلهًا واحدًا\"( ص-5 ) { وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ } غيره، { تُؤْمِنُوا } تصدقوا ذلك الشرك، { فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ } الذي لا أعلى منه ولا أكبر.\r{ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنزلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا } يعني: المطر الذي هو سبب الأرزاق، { وَمَا يَتَذَكَّرُ } وما يتعظ بهذه الآيات، { إِلا مَنْ يُنِيبُ } يرجع إلى الله تعالى في جميع أموره.\r{ فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } الطاعة والعبادة. { وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ } .\r{ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ } رافع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة، { ذُو الْعَرْشِ } خالقه ومالكه، { يُلْقِي الرُّوحَ } ينزل الوحي، سماه روحًا لأنه تحيا به القلوب كما تحيا الأبدان بالأرواح، { مِنْ أَمْرِهِ } قال ابن عباس: من قضائه. وقيل: من قوله. وقال مقاتل: بأمره. { عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ } أي: لينذر النبي بالوحي، { يَوْمَ التَّلاقِ } وقرأ يعقوب بالتاء أي: لتنذر أنت يا محمد يوم التلاق، يوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض. قال قتادة ومقاتل: يلتقي فيه الخلق والخالق. قال ابن زيد: يتلاقى العباد. وقال ميمون بن مهران: يلتقي الظالم والمظلوم والخصوم. وقيل: يلتقي العابدون والمعبودون. وقيل: يلتقي فيه المرء مع عمله (2) .\r{ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ } خارجون من قبورهم ظاهرون لا يسترهم شيء، { لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ } من أعمالهم وأحوالهم، { شَيْءٌ } يقول الله تعالى في ذلك اليوم بعد فناء الخلق: { لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْم }\r__________\r(1) في \"ب\" أنكرتم.\r(2) ذكر هذه الأقوال القرطبي: 15 / 300.","part":7,"page":143},{"id":2735,"text":"فلا أحد يجيبه، فيجيب نفسه فيقول: { لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } الذي قهر الخلق بالموت.","part":7,"page":144},{"id":2736,"text":"{ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (20) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (21) }\r{ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } يجزى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، { لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } .\r{ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ } يعني: يوم القيامة، سميت بذلك لأنها قريبة إذ كل ما هو آت قريب، نظيره قوله عز وجل: \"أزفت الآزفة\"( النجم-57 ) أي: قربت القيامة { إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ } وذلك أنها تزول عن أماكنها من الخوف حتى تصير إلى الحناجر، فلا هي تعود إلى أماكنها، ولا هي تخرج من أفواههم فيموتوا ويستريحوا، { كَاظِمِين } مكروبين ممتلئين خوفًا وحزنًا، والكظم تردد الغيظ والخوف والحزن في القلب حتى يضيق به. { مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ } قريب ينفعهم، { وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ } فيشفع فيهم.\r{ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ } أي: خيانتها وهي مسارقة النظر إلى ما لا يحل. قال مجاهد: وهو نظر الأعين إلى ما نهى الله عنه. { وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ } .\r{ وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ } [يعني الأوثان] (1) { لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ } لأنها لا تعلم شيئًا ولا تقدر على شيء، قرأ نافع [وابن عامر] (2) : \"تدعون\" بالتاء، وقرأ الآخرون بالياء. { إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } .\r{ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً } قرأ ابن عامر: \"منكم\" بالكاف، وكذلك هو في مصاحفهم، { وَآثَارًا فِي الأرْضِ } فلم ينفعهم ذلك { فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ } يدفع عنهم العذاب.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) ساقط من \"ب\".","part":7,"page":144},{"id":2737,"text":"{ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (22) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (23) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ (25) }","part":7,"page":145},{"id":2738,"text":"{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ (26) }\r{ ذَلِكَ } أي: ذلك العذاب الذي نزل بهم، { بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ } .\rقوله عز وجل: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا } يعني فرعون وقومه { اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ } قال قتادة: هذا غير القتل الأول، لأن فرعون كان قد أمسك عن قتل الولدان، فلما بعث موسى -عليه السلام-أعاد القتل عليهم، فمعناه أعيدوا عليهم القتل (1) { وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ } ليصدوهم بذلك عن متابعة موسى ومظاهرته، { وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ } وما مكر فرعون وقومه واحتيالهم، { إِلا فِي ضَلالٍ } أي: يذهب كيدهم باطلا ويحيق بهم ما يريده الله عز وجل.\r{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ } لملئه، { ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى } وإنما قال هذا لأنه كان في خاصة قوم فرعون من يمنعه من قتله خوفًا من الهلاك { وَلْيَدْعُ رَبَّهُ } أي: وليدع موسى ربه الذي يزعم أنه أرسله إلينا فيمنعه منا، { إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ } يغير، { دِينَكُمْ } الذي أنتم عليه، { أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأرْضِ الْفَسَادَ } قرأ يعقوب وأهل الكوفة \"أو أن يظهر \" وقرأ الآخرون \"وأن يظهر \" وقرأ أهل المدينة والبصرة وحفص \"يظهر\" بضم الياء وكسر الهاء على التعدية، { الْفَسَادَ } نصب لقوله: \"أن يبدل دينكم\" حتى يكون الفعلان على نسق واحد، وقرأ الآخرون بفتح الياء والهاء على اللزوم، \"الفساد\" رفع وأراد بالفساد تبديل الدين وعبادة غيره.\r__________\r(1) ذكره القرطبي: 15 / 305.","part":7,"page":145},{"id":2739,"text":"{ وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27) وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) }\r{ وَقَالَ مُوسَى } لما توعده فرعون بالقتل، { إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ } .\rواختلفوا في هذا المؤمن: قال مقاتل والسدي: كان قبطيًا ابن عم فرعون وهو الذي حكى الله عنه فقال: \"وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى\"( القصص-20 ) ، وقال قوم: كان إسرائيليًا، ومجاز الآية: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون وكان اسمه حزئيل عند ابن عباس، وأكثر العلماء. وقال ابن إسحاق: كان اسمه [جبران] (1) . وقيل: كان اسم الرجل الذي آمن من آل فرعون حبيبًا (2) { أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ } لأن يقول ربي الله، { وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ } أي: بما يدل على صدقه، { وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ } 110/أ لا يضركم ذلك، { وَإِنْ يَكُ صَادِقًا } فكذبتموه، { يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ } قال أبو عبيد: المراد بالبعض الكل، أي: إن قتلتموه وهو صادق أصابكم ما يتوعدكم به من العذاب. قال الليث: \"بعض\" صلة، يريد: يصبكم الذي يعدكم. وقال أهل المعاني: هذا على الظاهر في الحجاج كأنه قال: أقل ما في صدقه أن يصيبكم بعض الذي يعدكم وفي بعض ذلك هلاككم، فذكر البعض ليوجب الكل، { إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي } إلى دينه، { مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ } [مشرك] (3) { كَذَّابٌ } على الله.\r__________\r(1) في \"ب\" جبريل.\r(2) هذا القول الأخير ذكره السيوطي في الدر المنثور: 7 / 285، وذكر القولين السابقين الطبري: 24 / 58 وقال مرجحا: \"وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي، القول الذي قاله السدي من أن الرجل المؤمن كان من آل فرعون، قد أصغى لكلامه، واستمع منه ما قاله، وتوقف عن قتل موسى عند نهيه عن قتله، وقيله ما قال، وقال له: ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد، ولو كان إسرائيليا لكان حريا أن يعاجل هذا القائل له ولملئه ما قال بالعقوبة على قوله، لأنه لم يكن يستنصح بني إسرائيل، لاعتداده إياهم أعداء له، فكيف بقوله عن قتل موسى لو وجد إليه سبيلا، ولكنه لما كان من ملأ قومه، استمع قوله، وكف عما كان هم به في موسى\" اهـ.\r(3) زيادة من \"ب\".","part":7,"page":146},{"id":2740,"text":"أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني محمد بن إبراهيم التيمي، حدثني عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد ما صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه به خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: \"أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم\" (1) .\r{ يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (31) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) }\r{ يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأرْضِ } غالبين في أرض مصر، { فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ } من يمنعنا من عذاب الله، { إِنْ جَاءَنَا } والمعنى لكم الملك اليوم فلا تتعرضوا لعذاب الله بالتكذيب، وقتل النبي فإنه لا مانع من عذاب الله إن حل بكم، { قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ } من الرأي والنصيحة، { إِلا مَا أَرَى } لنفسي. وقال الضحاك: ما أعلمكم إلا ما أعلم، { وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ } ما أدعوكم إلا إلى طريق الهدى.\r{ وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأحْزَابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ } أي: مثل عادتهم في الإقامة على التكذيب حتى أتاهم العذاب، { وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ } أي: لا يهلكهم قبل إتخاذ الحجة عليهم.\r{ وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ } يوم القيامة يدعى كل أناس بإمامهم وينادي بعضهم بعضًا، فينادي أصحاب الجنة أصحاب النار، وأصحاب النار أصحاب الجنة، وينادى أصحاب الأعراف، وينادى بالسعادة والشقاوة، ألا إن فلان بن فلان قد سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدًا، وفلان ابن فلان قد شقى شقاوة لا يسعد بعدها أبدًا، وينادى حين يذبح الموت: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة المؤمن: 8 / 553-554.","part":7,"page":147},{"id":2741,"text":"وقرأ ابن عباس والضحاك: \"يوم التناد\" بتشديد الدال أي: يوم التنافر، وذلك أنهم هربوا فندوا في الأرض كما تند الإبل إذا شردت عن أربابها.\rقال الضحاك: وكذلك إذا سمعوا زفير النار ندوا هربًا فلا يأتون قطرًا من الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفًا، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله تعالى: \"والملك على أرجائها\"( الحاقة-17 ) وقوله: \"يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا\" (1) .( الرحمن-33 )\r{ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) }\r__________\r(1) انظر: القرطبي: 15 / 311.","part":7,"page":148},{"id":2742,"text":"{ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (34) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35) }\r{ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ } منصرفين عن موقف الحساب إلى النار. وقال مجاهد: فارين غير معجزين { مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ } يعصمكم من عذابه، { وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } . { وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ } يعني يوسف بن يعقوب \"من قبل\" أي: من قبل موسى، { بِالْبَيِّنَاتِ } يعني قوله: \"أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار\"( يوسف-39 ) { فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ } قال ابن عباس: من عبادة الله وحده لا شريك له، { حَتَّى إِذَا هَلَكَ } مات { قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا } أي: أقمتم على كفركم وظننتم أن الله لا يجدد عليكم الحجة، { كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ } مشرك، { مُرْتَابٌ } شاك.\r{ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ } قال الزجاج: هذا تفسير للمسرف المرتاب يعني هم الذين يجادلون في آيات الله أي: في إبطالها بالتكذيب { بِغَيْرِ سُلْطَانٍ } حجة { أَتَاهُم } [من الله] (1) { كَبُرَ مَقْتًا } أي: كبر ذلك الجدال مقتًا، { عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ } قرأ أبو عمرو وابن عامر \"قلب\" بالتنوين، وقرأ الآخرون بالإضافة، دليله قراءة عبد الله بن مسعود \"على قلب كل متكبر جبار\".\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".","part":7,"page":148},{"id":2743,"text":"{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ (37) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40) }","part":7,"page":149},{"id":2744,"text":"{ وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) }\r{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ } لوزيره: { يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا } والصرح: البناء الظاهر الذي لا يخفى على الناظر وإن بعد، وأصله من التصريح وهو الإظهار، { لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ } . { أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ } يعني: طرقها وأبوابها من سماء إلى سماء، { فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى } قراءة العامة برفع العين نسقًا على قوله: \"أبلغ الأسباب\" وقرأ حفص عن عاصم بنصب العين وهي قراءة حميد الأعرج، على جواب \"لعل\" بالفاء، { وَإِنِّي لأظُنُّهُ } يعني موسى، { كَاذِبًا } فيما يقول إن له ربًا غيري، { وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ } قرأ أهل الكوفة ويعقوب: \"وصد\" بضم الصاد نسقًا على قوله: \"زين لفرعون\" قال ابن عباس: صده الله عن سبيل الهدى. وقرأ الآخرون بالفتح أي: صد فرعون الناس عن السبيل. { وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ } يعني: وما كيده في إبطال آيات موسى إلا في خسار وهلاك. { وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ } طريق الهدى.\r{ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ } متعة تنتفعون بها مدة ثم تنقطع، { وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ } التي لا تزول.\r{ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ } قال مقاتل: لا تبعة عليهم فيما يعطون في الجنة من الخير. { وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ } يعني: ما لكم، كما تقول: ما لي أراك حزينًا؟ أي: ما لك؟ يقول: أخبروني عنكم؟ كيف هذه الحال أدعوكم إلى النجاة من النار بالإيمان بالله، { وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ } ؟ إلى الشرك الذي يوجب النار، ثم فسر فقال:","part":7,"page":149},{"id":2745,"text":"{ تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46) }\r{ تَدْعُونَنِي لأكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ } في انتقامه ممن كفر، الغفار لذنوب 110/ب أهل التوحيد.\r{ لا جَرَمَ } حقًا، { أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ } أي: إلى الوثن، { لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ } قال السدي: لا يستجيب لأحد في الدنيا ولا في الآخرة، يعني ليست له استجابة دعوة. وقيل: ليست له دعوة إلى عبادته في الدنيا لأن الأوثان لا تدعي الربوبية، ولا تدعو إلى عبادتها، وفي الآخرة تتبرأ من عابديها. { وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ } مرجعنا إلى الله فيجازي كلا بما يستحق، { وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ } المشركين، { هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ } .\r{ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ } إذا عاينتم العذاب حين لا ينفعكم الذكر، { وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ } وذلك أنهم توعدوه لمخالفته دينهم، { إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ } يعلم المحق من المبطل، ثم خرج المؤمن من بينهم، فطلبوه فلم يقدروا عليه.\rوذلك قوله عز وجل { فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا } [ما أرادوا به من الشر] (1) قال قتادة: نجا مع موسى وكان قبطيًا، { وَحَاقَ } نزل، { بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ } الغرق في الدنيا، والنار في الآخرة.\rوذلك قوله عز وجل: { النَّارُ } هي رفع على البدل من السوء، { يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا } صباحًا ومساءً، قال ابن مسعود: أرواح آل فرعون في أجواف طيور سود يعرضون على النار كل يوم مرتين، تغدو وتروح إلى النار، ويقال: يا آل فرعون هذه منازلكم حتى تقوم الساعة (2) .\r__________\r(1) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(2) انظر: البحر المحيط: 7 / 468، والقرطبي: 15 / 318.","part":7,"page":150},{"id":2746,"text":"وقال قتادة، ومقاتل، والسدي، والكلبي: تعرض روح كل كافر على النار بكرة وعشيًا ما دامت الدنيا.\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة\" (1) .\rثم أخبر الله عن مستقرهم يوم القيامة فقال: { وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا } قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو بكر: \"الساعة\" \"أدخلوا\" بحذف الألف والوصل، وبضمها في الابتداء، وضم الخاء من الدخول، أي: يقال لهم: ادخلوا يا \"آل فرعون أشد العذاب\"، وقرأ الآخرون \"أدخلوا\" بقطع الألف وكسر الخاء من الإدخال، أي: يقال للملائكة: أدخلوا آل فرعون أشد العذاب. قال ابن عباس: يريد ألوان العذاب غير الذي كانوا يعذبون به منذ أغرقوا.\r{ وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48) وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (49) }\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الجنائز، باب: الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي: 3 / 243، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه وإثبات عذاب القبر، والتعوذ منه برقم: (2866): 4 / 2199.","part":7,"page":151},{"id":2747,"text":"{ قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ (50) }\r{ وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ } أي: اذكر يا محمد لقومك إذ يختصمون، يعني أهل النار في النار، { فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا } في الدنيا، { فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ } والتبع يكون واحدًا وجمعًا في قول أهل البصرة، وواحده تابع، وقال أهل الكوفة: هو جمع لا واحد له، وجمعه أتباع.\r{ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ } حين اشتد عليهم العذاب، { لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ } .\r{ قَالُوا } يعني خزنة جهنم لهم، { أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا } أنتم إذًا ربكم، إنا لا ندعو لكم، لأنهم علموا أنه لا يخفف عنهم العذاب. قال الله تعالى: { وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ }","part":7,"page":151},{"id":2748,"text":"أي: يبطل ويضل ولا ينفعهم.\r{ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ (51) يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (53) هُدًى وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ (54) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ (55) إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (56) }\rقوله عز وجل { إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } قال ابن عباس: بالغلبة والقهر. وقال الضحاك: بالحجة، وفي الآخرة بالعذر. وقيل: بالانتقام من الأعداء في الدنيا والآخرة، وكل ذلك قد كان للأنبياء والمؤمنين، فهم منصورون بالحجة على من خالفهم، وقد نصرهم الله بالقهر على من ناوأهم وإهلاك أعدائهم، ونصرهم بعد أن قتلوا بالانتقام من أعدائهم، كما نصر يحيى بن زكريا لما قتل، قتل به سبعون ألفًا، فهم منصورون بأحد هذه الوجوه، { وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ } يعني: يوم القيامة يقوم الحفظة من الملائكة يشهدون للرسل بالتبليغ وعلى الكفار بالتكذيب.\r{ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ } إن اعتذروا عن كفرهم لم يقبل منهم، وإن تابوا لم ينفعهم، { وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ } البعد من الرحمة، { وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ } يعني جهنم.\r{ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى } قال مقاتل: الهدى من الضلالة، يعني التوراة، { وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ } [التوراة] (1) .\r{ هُدًى وَذِكْرَى لأولِي الألْبَابِ } .\r{ فَاصْبِر } يا محمد على أذاهم، { إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ } في إظهار دينك وإهلاك أعدائك { حَق } قال الكلبي: نسخت آية القتال آية الصبر (2) ، { وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ } هذا تعبد من الله ليزيده به درجة وليصير سنة لمن بعده، { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ } صلِّ شاكرًا لربك { بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ } قال الحسن: يعني صلاة العصر وصلاة الفجر. وقال ابن عباس: الصلوات الخمس.\r{ إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ } ما في قلوبهم، والصدر\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) راجع فيما سبق: 3 / 32 تعليق (1).","part":7,"page":152},{"id":2749,"text":"موضع القلب، فكنى به عن القلب لقرب الجوار، { إِلا كِبْرٌ } قال ابن عباس: ما يحملهم على تكذيبك إلا ما في صدورهم من الكبر والعظمة، { مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ } قال مجاهد: ما هم ببالغي مقتضى ذلك الكبر، لأن الله عز وجل مذلهم.\rقال ابن قتيبة: إن في صدورهم إلا تكبر على محمد صلى الله عليه وسلم وطمع في أن يغلبوه (1) وما هم ببالغي ذلك.\rقال أهل التفسير: نزلت في اليهود، وذلك أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن صاحبنا المسيح بن داود -يعنون الدجال-يخرج في آخر الزمان، فيبلغ سلطانه في البر والبحر، ويرد الملك إلينا (2) ، قال الله تعالى: { فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ } من فتنة الدجال، { إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } .\r{ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (57) }\r{ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } مع عظمهما، { أَكْبَر } أعظم في الصدور، { مِنْ خَلْقِ النَّاسِ } أي: من إعادتهم بعد الموت، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ } يعني الكفار، { لا يَعْلَمُونَ } حيث لا يستدلون بذلك على توحيد خالقها. وقال قوم: \"أكبر\" [أي: أعظم] (3) من خلق الدجال، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } يعني اليهود الذين يخاصمون في أمر الدجال.\rوروي عن هشام بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من خلق الدجال\" (4) .\rأخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرنا جدي عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار، [أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، حدثنا عبد الرزاق] (5) حدثنا معمر عن قتادة 111/أ عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد الأنصارية قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي فذكر الدجال، فقال: \"إن بين يديه ثلاث سنين: سنة تمسك السماء ثلث قطرها، والأرض ثلث نباتها، والثانية تمسك السماء ثلثي قطرها، والأرض ثلثي نباتها، والثالثة تمسك السماء قطرها كله، والأرض نباتها كله، فلا يبقى ذات ظلف ولا ذات ضرس من البهائم إلا هلك، وإن من أشد فتنته أنه يأتي الأعرابي فيقول: أرأيت إن أحييت لك إبلك أليس تعلم أني ربك؟ قال:\r__________\r(1) في غريب القرآن: (أن تقتلوه) راجع القرطين لابن مطرف: 2 / 106.\r(2) انظر: الدر المنثور: 7 / 294.\r(3) زيادة من \"ب\".\r(4) أخرجه مسلم في الفتن، باب: في بقية من أحاديث الدجال، برقم: (2946): 4 / 2266-2267.\r(5) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":7,"page":153},{"id":2750,"text":"فيقول: بلى، فيتمثل له نحو إبله كأحسن ما يكون ضروعًا وأعظمه أسنمة، قال: ويأتي الرجل قد مات أخوه ومات أبوه فيقول: أرأيت إن أحييت لك أباك وأخاك ألست تعلم أني ربك؟ فيقول: بلى، فيتمثل له الشيطان نحو أبيه ونحو أخيه\". قالت: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته، ثم رجع والقوم في اهتمام وغم مما حدثهم، قالت: فأخذ بلحمتي الباب فقال: مهيم أسماء؟ فقلت: يا رسول الله لقد خلعت أفئدتنا بذكر الدجال، قال: \"إن يخرج وأنا حي فأنا حجيجه، وإلا فإن ربي خليفتي على كل مؤمن\"، قالت أسماء فقلت: يا رسول الله والله إنا لنعجن عجينًا فما نخبزه حتى نجوع فكيف بالمؤمنين يومئذ؟ قال: \"يجزيهم ما يجزئ أهل السماء من التسبيح والتقديس\" (1) .\rوبهذا الإسناد قال: أخبرنا معمر، عن ابن خثيم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يمكث الدجال في الأرض أربعين سنة، السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كاضطرام السعفة في النار\" (2) .\rأخبرنا أبو سعيد الطاهري، أخبرنا جدي عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق الدبري، حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال فقال: \"إني لأنذركموه، وما من نبي إلا أنذر قومه، لقد أنذر نوح قومه، ولكني سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه: تعلمون أنه أعور وإن الله ليس بأعور\" (3) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا جويرية عن نافع عن عبد الله قال: ذكر الدجال عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: \"إن الله لا يخفى عليكم، إن الله ليس بأعور، وأشار بيده إلى عينه، وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية\" (4) .\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني، أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا علي بن حجر،\r__________\r(1) أخرجه عبد الرازق في المصنف 11 / 391، ومن طريقه الإمام أحمد: 6 / 453، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد: 7 / 344-345 وقال: \"رواه كله أحمد والطبراني من طرق، وفي إحداها: يكون قبل خروجه سنون خمس جدب، وفيه شهر بن حوشب، وفيه ضعف، وقد وثق\" والمصنف في شرح السنة: 15 / 60-61.\r(2) أخرجه عبد الرازق في المصنف: 11 / 392، ومن طريقه الإمام أحمد: 6 / 454، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد: 7 / 347 ونسبه إلى الطبراني وأعله بشهر، قال: \"ولا يحتمل مخالفته للأحاديث الصحيحة أنه يلبث في الأرض أربعين يوما وفي هذا أربعين سنة\" والمصنف في شرح السنة: 15 / 62.\r(3) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب: قول الله عز وجل: \"ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه\" 6 / 370، والمصنف في شرح السنة: 15 / 49.\r(4) أخرجه البخاري في التوحيد، باب قول الله تعالى: \"ولتصنع على عيني\" 13 / 389.","part":7,"page":154},{"id":2751,"text":"حدثنا شعيب بن صفوان عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن عقبة بن عمرو بن مسعود الأنصاري قال: انطلقت معه إلى حذيفة بن اليمان فقال له عقبة: حدثني ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدجال؟ قال: \"إن الدجال يخرج وإن معه ماء ونارًا، فأما الذي يراه الناس ماء فنار تحرق، وأما الذي يراه الناس نارًا فماء بارد عذب، فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه نارًا فإنه ماء عذب طيب\" فقال عقبة: وأنا قد سمعته، تصديقًا لحذيفة (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني إبراهيم بن المنذر، حدثنا ابن الوليد، حدثنا ابن عمرو وهو الأوزاعي، حدثنا إسحاق، حدثني أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة، ليس من نقابها إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها، [ثم] (2) ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافر ومنافق\" (3) .\rأخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، حدثنا أحمد بن علي الكشمهيني، حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"يأتي المسيح من قبل المشرق وهمته المدينة، حتى ينزل دبر أحد، ثم تصرف الملائكة وجهه قبل الشام، وهناك يهلك\" (4) .\rأخبرنا أبو سعيد الطاهري، أخبرنا جدي عبد الصمد البزار، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق الدبري، ثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يتبع الدجال من أمتي سبعون ألفًا عليهم السيجان (5) \" (6) ويرويه أبو أمامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"مع الدجال يومئذ سبعون ألف يهودي كلهم ذو تاج وسيف محلى\" (7) .\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الفتن، باب ذكر الدجال وصفته ومن معه برقم: (2934 / 2935) 4 / 2250 والمصنف في شرح السنة: 15 / 52.\r(2) في \"أ\": يوم.\r(3) أخرجه البخاري في فضائل المدينة، باب لا يدخل الدجال المدينة: 4 / 95، ومسلم في الفتن، باب قصة الجساسة برقم: (2943): 4 / 2265، والمصنف في شرح السنة: 7 / 326.\r(4) أخرجه مسلم في الحج، باب صيانة المدينة من دخول الطاعون والدجال إليها. برقم: (1380) 2 / 1005، والمصنف في شرح السنة: 7 / 326.\r(5) الطيلسان الأخضر.\r(6) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (كتاب الجامع): 11 / 393، والمصنف في شرح السنة: 15 / 62، وفيه أبو هارون العبدي وهو متروك.\r(7) قطعة من حديث طويل رواه ابن ماجه في الفتن، باب: فتنة الدجال.. برقم (4077) 2 / 1359-1363، وأخرجه الحاكم مختصرا، وصححه على شرط مسلم: 4 / 536-537، وعزاه في كنز العمال: 14 / 296 لابن خزيمة والضياء المقدسي.","part":7,"page":155},{"id":2752,"text":"{ وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلا مَا تَتَذَكَّرُونَ (58) }","part":7,"page":156},{"id":2753,"text":"{ إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (59) وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60) }\rقوله تعالى: { وَمَا يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلا مَا تَتَذَكَّرُونَ } قرأ أهل الكوفة \"تتذكرون\" بالتاء، وقرأ الآخرون بالياء، لأن أول الآيات وآخرها خبر عن قوم.\r{ إِنَّ السَّاعَةَ } أي: القيامة { لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ } .\r{ وقال ربكم ادعوني استجب لكم } أي: اعبدوني دون غيري أجبكم وأثبكم وأغفر لكم، فلما عبر عن العبادة بالدعاء جعل الإنابة استجابة.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن سمعان، حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان عن منصور عن أبي ذر عن يسيع الكندي عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: \"إن الدعاء هو العبادة\" ثم قرأ: \"ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين\" (1) .\rأخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن علي الدورقي، حدثنا أبو الحسن علي بن يوسف الشيرازي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى القرشي ببغداد، حدثنا محمد بن عبيد بن العلاء، حدثنا أحمد بن بديل، حدثنا وكيع، حدثنا أبو المليح قال: سمعت أبا صالح يذكر عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"من لم يدع الله غضب الله عليه\" (2) .\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب الدعاء: 2 / 141، والترمذي في التفسير - تفسير سورة المؤمن - 9 / 121-122 وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\" والنسائي في التفسير: 2 / 253، وابن ماجه في الدعاء، باب فضل الدعاء برقم (3828): 2 / 1258، وابن حبان في الأدعية، باب ما جاء في فضل الدعاء برقم: (2396) ص (595)، والحاكم: 1 / 490 وصححه ووافقه الذهبي، والطيالسي: 1 / 153، والطبري: 24 / 79، والمصنف في شرح السنة: 5 / 184.\r(2) أخرجه الترمذي في الدعوات: 9 / 313، وابن ماجه في الدعاء، باب فضل الدعاء برقم: (3827): 2 / 1258، والإمام أحمد: 2 / 442، والحاكم: 1 / 491 والطبري: 24 / 79، والمصنف في شرح السنة: 5 / 188، وأبو صالح الخوزي: ضعفه ابن معين. وانظر: فتح الباري: 11 / 95.","part":7,"page":156},{"id":2754,"text":"وقيل: الدعاء هو الذكر والسؤال، { إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } قرأ ابن كثير 111/ب وأبو جعفر وأبو بكر: \"سيدخلون\" بضم الياء وفتح الخاء، وقرأ الآخرون بفتح الياء وضم الخاء، \"داخرين\" صاغرين ذليلين.\r{ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (61) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (62) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (63) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64) هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65) }\r{ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ } .\r{ كَذَلِك } يعني كما أفكتم عن الحق مع قيام الدلائل كذلك، { يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ } .\r{ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَارًا } فراشًا، { وَالسَّمَاءَ بِنَاءً } سقفًا كالقبة، { وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } قال مقاتل: خلقكم فأحسن خلقكم. قال ابن عباس: خلق ابن آدم قائمًا معتدلا يأكل ويتناول بيده، وغير ابن آدم يتناول بفيه. { وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ } قيل: من غير رزق الدواب { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } قال الفراء: هو خبر وفيه إضمار الأمر، مجازه: فادعوه واحمدوه.\rوروي عن مجاهد عن ابن عباس قال: من قال لا إله إلا الله فليقل على إثرها الحمد لله رب العالمين، فذلك قوله عز وجل: \"فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين\" (1) .\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 24 / 81، والحاكم: 2 / 438 وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" والبيهقي في الأسماء والصفات: 1 / 179 موقوفا على ابن عباس -رضي الله عنه- وزاد السيوطي في الدر المنثور: 7 / 304 نسبته لابن المنذر وابن مردويه.","part":7,"page":157},{"id":2755,"text":"{ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (66) }","part":7,"page":158},{"id":2756,"text":"{ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (68) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (69) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) }\r{ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } وذلك حين دعي إلى الكفر.\r{ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلا } أي: أطفالا { ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ } أي: من قبل أن يصير شيخًا، { وَلِتَبْلُغُوا } جميعًا، { أَجَلا مُسَمًّى } وقتًا معلومًا محدودًا لا تجاوزونه، يريد أجل الحياة إلى الموت، { وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } أي: لكي تعقلوا توحيد ربكم وقدرته.\r{ هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ } يعني: القرآن، يقولون ليس من عند الله، { أَنَّى يُصْرَفُونَ } كيف يصرفون عن دين الحق. قيل: هم المشركون (1) . وعن محمد بن سيرين وجماعة: أنها نزلت في القدرية (2) .\r{ إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ } [يجرون] (3) .\r__________\r(1) ذكره الطبري: 24 / 83.\r(2) أخرجه الطبري: 24 / 83.\r(3) زيادة من \"ب\".","part":7,"page":158},{"id":2757,"text":"{ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (73) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (74) ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (75) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (76) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (77) }","part":7,"page":159},{"id":2758,"text":"{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (78) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (79) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (80) }\r{ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ } قال مقاتل: توقد بهم النار. وقال مجاهد: يصيرون وقودًا للنار. { ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ } يعني الأصنام، { قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا } فقدناهم فلا نراهم { بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا } قيل: أنكروا. وقيل: معناه بل لم نكن ندعوا من قبل شيئًا ينفع ويضر. وقال الحسين بن الفضل: أي: لم نكن نصنع من قبل شيئًا، أي: ضاعت عبادتنا لها، كما يقول من ضاع عمله: ما كنت أعمل شيئًا. قال الله عز وجل: { كَذَلِكَ } أي: كما أضل هؤلاء، { يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ } .\r{ ذَلِكُم } العذاب الذي نزل بكم، { بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ } تبطرون وتأشرون، { فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ } تفرحون وتختالون.\r{ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ } بنصرك، { حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ } من العذاب في حياتك، { أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ } قبل أن يحل ذلك بهم، { فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } .\r{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ } خبرهم في القرآن، { وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ } بأمر الله وإرادته، { فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ } قضاؤه بين الأنبياء والأمم، { قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ } .\r{ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا } بعضها، { وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ } في","part":7,"page":159},{"id":2759,"text":"أصوافها وأوبارها وأشعارها وألبانها { وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ } تحمل أثقالكم من بلد إلى بلد ولتبلغوا عليها حاجاتكم، { وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ } أي: على الإبل في البر وعلى السفن في البحر. نظيره: قوله تعالى: \"وحملناهم في البر والبحر\"( الإسراء-70 ) .\r{ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (81) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (83) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85) }\r{ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ } دلائل قدرته، { فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ } .\r{ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأرْضِ } يعني: مصانعهم وقصورهم، { فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ } لم ينفعهم، { مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } وقيل: هو بمعنى الاستفهام، ومجازه: أي شيء أغنى عنهم كسبهم؟\r{ فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا } رضوا { بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ } قال مجاهد: هو قولهم نحن أعلم، لن نبعث ولن نعذب، سمي ذلك علمًا على ما يدعونه ويزعمونه وهو في الحقيقة جهل. { وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ } يعني: تبرأنا مما كنا نعدل بالله.\r{ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا } عذابنا، { سُنَّةَ اللَّهِ } قيل: نصبها بنزع الخافض، أي: كسنة الله. وقيل: على المصدر. وقيل: على الإغراء أي: احذروا سنة الله { الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ } وتلك السنة أنهم إذا عاينوا عذاب الله آمنوا، ولا ينفعهم إيمانهم عند معاينة العذاب. { وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ } بذهاب الدارين، قال الزجاج: الكافر خاسر في كل وقت، ولكنهم يتبين لهم خسرانهم إذا رأوا العذاب.","part":7,"page":160},{"id":2760,"text":"سورة فصلت مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ حم (1) تَنزيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (4) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5) }\r{ حم تَنزيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } قال الأخفش: \"تنزيل\" مبتدأ، وخبره قوله عز وجل: { كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ } . { كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ } بينت آياته، { قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } اللسان العربي، ولو كان بغير لسانهم ما علموه 112/أ ونصب قرآنًا بوقوع البيان عليه أي: فصلناه قرآنًا.\r{ بَشِيرًا وَنَذِيرًا } نعتان للقرآن أي: بشيرًا لأولياء الله، ونذيرًا لأعدائه، { فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ } لا يصغون إليه تكبرًا.\r{ وَقَالُوا } يعني مشركي مكة، { قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ } في أغطية، { مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } فلا نفقه ما تقول، { وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ } صمم فلا نسمع ما تقول، والمعنى: إنا في ترك القبول عندك بمنزلة من لا يفهم ولا يسمع، { وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ } خلاف في الدين وحاجز في الملة فلا نوافقك على ما تقول، { فَاعْمَلْ } أنت على دينك، { إِنَّنَا عَامِلُونَ } على ديننا.\r__________\r(1) أخرج ابن مردويه عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: نزلت (حم) السجدة بمكة، وأخرج ابن مردويه عن الزبير- رضي الله عنه- مثله. انظر: الدر المنثور: 7 / 308.","part":7,"page":161},{"id":2761,"text":"{ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (8) }\r{ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ } يعني كواحد منكم ولولا الوحي ما دعوتكم، وهو قوله: { يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ } قال الحسن: علمه الله التواضع، { فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ } توجهوا إليه بالطاعة ولا تميلوا عن سبيله، { وَاسْتَغْفِرُوهُ } من ذنوبكم، { وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ } .\r{ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ } قال ابن عباس: الذين لا يقولون لا إله إلا الله (1) وهي زكاة الأنفس، والمعنى: لا يطهرون أنفسهم من الشرك بالتوحيد. وقال الحسن وقتادة: لا يقرون بالزكاة، ولا يرون إيتاءها واجبًا، وكان يقال: الزكاة قنطرة الإسلام فمن قطعها نجا ومن تخلف عنها هلك. (2) وقال الضحاك ومقاتل: لا ينفقون في الطاعة ولا يتصدقون. وقال مجاهد: لا يزكون أعمالهم { وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ } .\r{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } قال ابن عباس: غير مقطوع. وقال مقاتل: غير منقوص، ومنه \"المنون\" لأنه ينقص مُنَّة الإنسان وقوته، وقيل: غير ممنون عليهم به. وقال مجاهد: غير محسوب.\rوقال السدي: نزلت هذه الآية في المرضى والزمنى والهرمى، إذا عجزوا عن الطاعة يكتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون فيه. (3)\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن عاصم بن أبي النجود عن خيثمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة، ثم مرض قيل للملك الموكل به: اكتب له مثل عمله إذا كان طليقًا حتى أطلقه أو أكفته إليّ\". (4)\r__________\r(1) ذكر السيوطي في الدر المنثور: 7 / 313 عن ابن عباس قال: \"لا يشهدون أن لا إله إلا الله\" وعزا هذا لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات.\r(2) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 313 لعبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة، بلفظ: \"الزكاة قنطرة الإسلام، من قطعها برىء ونجا، ومن لم يقطعها هلك\".\r(3) انظر البحر المحيط: 7 / 485.\r(4) أخرجه عبد الرزاق في المصنف، كتاب الجامع: 11 / 196، والإمام أحمد: 2 / 203. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (2 / 303): \" رواه أحمد وإسناده صحيح\". والمصنف في شرح السنة: 5 / 240-241، وله شاهد عند البخاري.","part":7,"page":164},{"id":2762,"text":"{ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) }\rقوله عز وجل: { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ } يوم الأحد والاثنين، { وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ } .\r{ وَجَعَلَ فِيهَا } أي في الأرض، { رَوَاسِيَ } جبالا ثوابت، { مِنْ فَوْقِهَا } من فوق الأرض، { وَبَارَكَ فِيهَا } أي: في الأرض، بما خلق فيها من البحار والأنهار والأشجار والثمار، { وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا } قال الحسن ومقاتل: قسم في الأرض أرزاق العباد والبهائم. وقال عكرمة والضحاك: قدر في كل بلدة ما لم يجعله في الأخرى ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة من بلد إلى بلد (1) . قال الكلبي: قدر الخبز لأهل قطر، والتمر لأهل قطر، والذرة لأهل قطر، والسمك لأهل قطر، وكذلك أقواتها. { فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ } يريد خلق ما في الأرض، وقدر الأقوات في يومين يوم الثلاثاء والأربعاء فهما مع الأحد والاثنين أربعة أيام، رد الآخر على الأول في الذكر، كما تقول: تزوجت أمس امرأة واليوم ثنتين، وإحداهما هي التي تزوجتها بالأمس، { سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ } قرأ أبو جعفر \"سواء\" رفع على الابتداء، أي: هي سواء [وقرأ يعقوب بالجر على نعت قوله: \"في أربعة أيام\"، وقرأ الآخرون \"سواء\"] (2) نصب على المصدر، أي: استوت سواء أي: استواء، ومعناه: سواء للسائلين عن ذلك. قال قتادة والسدي: من سأل عنه فهكذا الأمر سواء لا زيادة ولا نقصان جوابًا لمن سأل: في كم خلقت الأرض والأقوات؟\r{ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ } أي: عمد إلى خلق السماء، { وَهِيَ دُخَانٌ } وكان ذلك الدخان بخار الماء، { فَقَالَ لَهَا وَلِلأرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا } أي: ائتيا ما آمركما أي: افعلاه، كما يقال: ائت ما هو الأحسن، أي: افعله.\rوقال طاووس عن ابن عباس: ائتيا: أعطيا (3) ، يعني أخرجا ما خلقت فيكما من المنافع لمصالح العباد.\r__________\r(1) انظر: القرطبي: 15 / 342-343.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) أخرجه الطبري: 24 / 98-99.","part":7,"page":165},{"id":2763,"text":"[قال ابن عباس]: (1) قال الله عز وجل: أما أنت يا سماء فأطلعي شمسك وقمرك ونجومك، وأنت يا أرض فشقي أنهارك وأخرجي ثمارك ونباتك، وقال لهما: افعلا ما آمركما طوعًا وإلا ألجأتكما إلى ذلك [حتى تفعلاه كرها] (2) فأجابتا بالطوع، (3) و { قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } [ولم يقل طائعتين] (4) ، لأنه ذهب به إلى السموات والأرض ومن فيهن، مجازه: أتينا بما فينا طائعين، فلما وصفهما بالقول أجراهما في الجمع مجرى من يعقل.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) انظر الدر المنثور: 7 / 316-317، القرطبي: 15 / 343-344.\r(4) زيادة من \"ب\".","part":7,"page":166},{"id":2764,"text":"{ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأنزلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (14) }\r{ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ } أي: أتمهن وفرغ من خلقهن، { وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا } قال عطاء عن ابن عباس: خلق في كل سماء خلقها من الملائكة وما فيها من البحار وجبال البرد وما لا يعلمه إلا الله.\rوقال قتادة والسدي: يعني خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها.\rوقال مقاتل: وأوحى إلى كل سماء ما أراد من الأمر والنهي، وذلك يوم الخميس والجمعة.\r{ وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ } كواكب، { وَحِفْظًا } لها ونصب \"حفظًا\" على المصدر، أي: حفظناها بالكواكب حفظًا من الشياطين الذين يسترقون السمع، { ذَلِكَ } الذي ذكر من صنعه، { تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ } في ملكه، { الْعَلِيمِ } بحفظه (1) . قوله عز وجل: { فَإِنْ أَعْرَضُوا } يعني: هؤلاء المشركين عن الإيمان بعد هذا البيان، { فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ } خوفتكم، { صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ } أي: هلاكًا مثل هلاكهم، والصاعقة المهلكة من كل شيء.\r{ إِذْ جَاءَتْهُمُ } يعني: عادا وثمودا، { الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ } أراد بقوله: { مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ } الرسل الذين أرسلوا إلى آبائهم من قبلهم، { وَمِنْ خَلْفِهِمْ } يعني: ومن بعد\r__________\r(1) في \"ب\": بخلقه.","part":7,"page":166},{"id":2765,"text":"الرسل الذين أرسلوا إلى آبائهم الذين أرسلوا إليهم، هود وصالح، فالكناية في قوله \"من بين أيديهم\" راجعة إلى [عاد وثمود] (1) وفي قوله: [ { وَمِنْ خَلْفِهِمْ } راجعة إلى الرسل] (2) 112/ب { أَنْ لا } بأن لا { تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأنزلَ } بدل هؤلاء الرسل، { مَلائِكَةً } أي: لو شاء ربنا دعوة [الخلق] (3) لأنزل ملائكة، { فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } .\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، حدثنا عبد الله بن حامد الأصفهاني، حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى العبيدي، أخبرنا أحمد بن مجدة بن العريان، حدثنا الحماني، حدثنا ابن فضيل، عن الأجلح، عن الذيال بن حرملة، عن جابر بن عبد الله قال: قال الملأ من قريش وأبو جهل: قد التبس علينا أمر محمد، فلو التمستم رجلا عالمًا بالشعر والكهانة والسحر، فأتاه فكلمه، ثم أتانا ببيان من أمره، فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعت الشعر والكهانة والسحر، وعلمت من ذلك علمًا، وما يخفى عليّ أن كان كذلك أو لا فأتاه فلما خرج إليه قال: يا محمد أنت خير أم هاشم؟ أنت خير أم عبد المطلب؟ أنت خير أم عبد الله؟ فبم تشتم آلهتنا؟ وتضلل آباءنا؟ فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك ألويتنا فكنت رأسًا ما بقيت، وإن كان بك الباءة زوجناك عشر نسوة تختار من أي بنات قريش، وإن كان بك المال جمعنا لك ما تستغني أنت وعقبك من بعدك؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لا يتكلم، فلما فرغ، قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"بسم الله الرحمن الرحيم\" \"حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته\"، إلى قوله: \" فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود\"، الآية. فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم ورجع إلى أهله، ولم يخرج إلى قريش فاحتبس عنهم فقال أبو جهل: يا معشر قريش والله ما نرى عتبة إلا قد صبأ إلى دين محمد، وقد أعجبه طعامه وما ذاك إلا من حاجة أصابته، فانطلقوا بنا إليه، فانطلقوا إليه، فقال أبو جهل: والله يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك صبوت إلى دين محمد وأعجبك طعامه، قال: فإن كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد، فغضب عتبة وأقسم أن لا يكلم محمدًا أبدا، وقال: والله لقد علمتم أني من أكثر قريش مالا ولكني أتيته وقصصت عليه القصة فأجابني بشيء، والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر، وقرأ السورة إلى قوله: \"فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود\" الآية فأمسكت بفيه وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدًا\r__________\r(1) في \"أ\" الرسل.\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) في \"أ\" الحق.","part":7,"page":167},{"id":2766,"text":"إذا قال شيئًا لم يكذب، فخفت أن ينزل بكم العذاب. (1)\rوقال محمد بن كعب القرظي: حدثت أن عتبة بن ربيعة كان سيدًا حليمًا، قال يومًا وهو جالس في نادي قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وحده في المسجد: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد وأكلمه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل منا بعضها، فنعطيه ويكف عنا، وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون، فقالوا: بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه، فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا ابن أخي إنك منا حيث علمت من البسطة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت جماعتهم، وسفهت أحلامهم، وعبت آلهتهم، وكفرت من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قل يا أبا الوليد، فقال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت تريد شرفًا سودناك علينا، وإن كان هذا الذي بك رئيًا تراه لا تستطيع رده طلبنا لك الطب، ولعل هذا شعر جاش به صدرك، فإنكم لعمري بني عبد المطلب يقدرون على ذلك على ما لا يقدر عليه غيركم، حتى إذا فرغ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو قد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم، قال: فاستمع مني، قال: أفعل، فقال صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم \"حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنًا عربيًا\"، ثم مضى فيها يقرأ، فلما سمعها عتبة أنصت له، وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يستمع منه، حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة فسجد، ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد فأنت وذاك، فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ فقال: ورائي أني قد سمعت قولا والله ما سمعت بمثله قط، ما هو بالشعر ولا السحر ولا الكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني، خلوا ما بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم، فأنتم أسعد الناس به، فقالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي لكم، فاصنعوا ما بدا لكم. (2)\r{ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) }\rقوله عز وجل: { فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً }\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 310 للبيهقي في الدلائل، وابن عساكر، والأجلح فيه لين.\r(2) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 309 لابن إسحاق: 1 / 293 من (سيرة ابن هشام)، وابن المنذر والبيهقي في الدلائل وابن عساكر.","part":7,"page":168},{"id":2767,"text":"وذلك أن هودًا عليه السلام هددهم بالعذاب، فقالوا: من أشد منا قوة؟ نحن نقدر على دفع العذاب عنا بفضل قوتنا، وكانوا ذوي أجسام طوال، قال الله تعالى ردًا عليهم: { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ } .\r{ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (16) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (18) وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) } .\r{ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا } عاصفة شديدة الصوت، من الصرة وهي الصيحة. وقيل: هي الباردة من الصر وهو البرد، { فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ } قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب \"نحسات\" بسكون الحاء، وقرأ الآخرون بكسرها أي: نكدات مشؤومات ذات نحوس. وقال الضحاك: أمسك الله عنهم المطر ثلاث سنين، ودامت الرياح عليهم من غير مطر، { لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ } أي: عذاب الهون والذل، { فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى } أشد إهانة { وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ } .\r{ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ } دعوناهم، قاله مجاهد، وقال ابن عباس: بينا لهم سبيل الهدى. وقيل: 113/أ دللناهم على الخير والشر، كقوله: \"هديناه السبيل\"( الإنسان-3 ) ، { فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى } فاختاروا الكفر على الإيمان، { فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ } [أي: هلكة العذاب] (1) ، { الْهُونِ } أي: ذي الهون، أي: الهوان، وهو الذي يهينهم ويخزيهم، { بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } . { وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ } قرأ نافع ويعقوب: \"نحشر\" بالنون، \"أعداء\" نصب، وقرأ الآخرون بالياء ورفعها وفتح الشين \"أعداء\" رفع أي: يجمع إلى النار، { فَهُمْ يُوزَعُونَ } يساقون ويدفعون إلى النار، وقال قتادة والسدي: يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".","part":7,"page":169},{"id":2768,"text":"{ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) }","part":7,"page":170},{"id":2769,"text":"{ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) }\r{ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا } جاؤوا النار، { شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ } أي: بشراتهم، { بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } قال السدي وجماعة: المراد بالجلود الفروج. وقال مقاتل: تنطق جوارحهم بما كتمت الألسن من عملهم.\r{ وَقَالُوا } يعني الكفار الذين يحشرون إلى النار، { لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ } تم الكلام هاهنا. وقال الله تعالى: { وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } وليس هذا من جواب الجلود، { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } .\r{ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ } أي: تستخفون [عند أكثر أهل العلم]. (1) وقال مجاهد: تتقون. وقال قتادة: تظنون. { أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ } .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحميدي، أخبرنا سفيان، أخبرنا منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود قال: اجتمع عند البيت ثقفيان وقرشي، أو قرشيان وثقفي كثير شحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ قال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فإنه يسمع إذا أخفينا، فأنزل الله تعالى: \"وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون\". (2) قيل: الثقفي، عبد ياليل، وختناه القرشيان: ربيعة، وصفوان بن أمية.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) أخرجه البخاري في التفسير- تفسير سورة حم السجدة، باب: \"وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين\" 8 / 562، ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم برقم: (2775): 4 / 2141.","part":7,"page":170},{"id":2770,"text":"{ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24) وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (27) }\rقوله تعالى: { وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ } أهلككم، أي: ظنكم أن الله لا يعلم كثيرًا مما تعملون، أرداكم. قال ابن عباس: طرحكم في النار، { فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ } . ثم أخبر عن حالهم فقال:\r{ فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ } مسكن لهم، { وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا } يسترضوا ويطلبوا العتبى، { فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ } المرضين، والمعتب الذي قبل عتابه وأجيب إلى ما سأل، يقال: أعتبني فلان، أي: أرضاني بعد إسخاطه إياي، واستعتبته: طلبت منه أن يعتب، أي: يرضى.\r{ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ } أي: بعثنا ووكلنا، وقال مقاتل: هيأنا. وقال الزجاج: سببنا لهم. { قرناء } نظراء من الشياطين حتى أضلوهم، { فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } من أمر الدنيا حتى آثروه على الآخرة، { وَمَا خَلْفَهُمْ } من أمر الآخرة فدعوهم إلى التكذيب به وإنكار البعث، { وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ } [مع أمم] (1) . { قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ } .\r{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا } من مشركي قريش، { لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ } قال ابن عباس: يعني الغطوا فيه، وكان بعضهم يوصي إلى بعض إذا رأيتم محمدًا يقرأ فعارضوه بالرجز والشعر واللغو. قال مجاهد: والغوا فيه بالمكاء والصفير. وقال الضحاك: أكثروا الكلام فيختلط عليه ما يقول (2) . وقال السدي: صيحوا في وجهه. { لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } محمدًا على قراءته.\r{ فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي } يعني بأسوأ الذي، أي: بأقبح الذي، { كَانُوا يَعْمَلُونَ } في الدنيا وهو الشرك بالله.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) أخرج الطبري: 24 / 112 قول مجاهد، وذكر القرطبي أكثر الأقوال الأخري: 15 / 356.","part":7,"page":171},{"id":2771,"text":"{ ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (28) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأسْفَلِينَ (29) }","part":7,"page":172},{"id":2772,"text":"{ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) }\r{ ذَلِكَ } الذي ذكرت من العذاب الشديد، { جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ } ثم بين ذلك الجزاء فقال: { النَّارُ } أي: هو النار، { لَهُمْ فِيهَا } أي: في النار، { دَارُ الْخُلْدِ } دار الإقامة لا انتقال منها، { جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ } .\r{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا } أي: في النار يقولون. { رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ } يعنون إبليس وقابيل بن آدم الذي قتل أخاه لأنهما سنا المعصية، { نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا } في النار، { لِيَكُونَا مِنَ الأسْفَلِينَ } ليكونا في الدرك الأسفل من النار. قال ابن عباس: ليكونا أشد عذابًا منا.\rقوله عز وجل: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا } سئل أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه عن الاستقامة فقال: أن لا تشرك بالله شيئًا. (1) وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: \"الاستقامة\" أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعلب. (2) وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: أخلصوا العمل لله. (3) وقال علي رضي الله عنه: أدوا الفرائض (4) . وقال ابن عباس: استقاموا على أداء الفرائض (5) .\rوقال الحسن: استقاموا على أمر الله تعالى، فعملوا بطاعته، واجتنبوا معصيته.\rوقال مجاهد وعكرمة: استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله.\rوقال مقاتل: استقاموا على المعرفة ولم يرتدوا. وقال قتادة: كان الحسن إذا تلا هذه الآية قال: اللهم أنت ربنا فارزقنا الاستقامة.\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 321-322 لعبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\r(2) أخرجه الطبري: 24 / 115، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 322 لابن المبارك وسعيد بن منصور وأحمد في الزهد، وعبد بن حميد، والحكيم الترمذي، وابن المنذر.\r(3) انظر: البحر المحيط: 7 / 496.\r(4) أخرجه الطبري: 24 / 115.\r(5) أخرجه الطبري: 24 / 115، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 322 لابن المنذر وابن أبي حاتم.","part":7,"page":172},{"id":2773,"text":"قوله عز وجل: { تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ } قال ابن عباس: عند الموت. وقال قتادة ومقاتل: إذا قاموا من قبورهم. (1) قال وكيع بن الجراح: البشرى تكون في ثلاث مواطن: عند الموت وفي القبر وعند البعث. { أَلا تَخَافُوا } من الموت. وقال مجاهد: لا تخافوا على ما تقدمون عليه من أمر الآخرة. { وَلا تَحْزَنُوا } على ما خلفتم من أهل وولد، فإنا نخلفكم في ذلك كله. (2) وقال عطاء بن أبي رباح: لا تخافوا ولا تحزنوا على ذنوبكم فإني أغفرها لكم (3) ، { وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ } .\r{ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نزلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) }\r{ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ } تقول لهم الملائكة الذين تنزل عليهم بالبشارة: نحن أولياؤكم أنصاركم وأحباؤكم، { فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ } [أي: في الدنيا والآخرة. وقال السدي: تقول الملائكة نحن الحفظة الذين كنا معكم في الدنيا، ونحن أولياؤكم في الآخرة] (4) يقولون لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة. { وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ } من الكرامات واللذات، { وَلَكُمْ فِيهَا } في الجنة، { مَا تَدْعُونَ } تتمنون.\r{ نزلا } رزقًا، { مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ } .\rقوله عز وجل: { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ } 113/ب إلى طاعته، { وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } قال ابن سيرين [والسدي وابن عباس]: (5) هو رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا إلى شهادة أن لا إله إلا الله. (6) وقال الحسن: هو المؤمن الذي أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب إليه، وعمل صالحًا في إجابته، وقال: إنني من المسلمين. (7)\rوقالت عائشة: أرى هذه الآية نزلت في المؤذنين. (8)\r__________\r(1) انظر: البحر المحيط: 7 / 496، زاد المسير: 7 / 254.\r(2) أخرجه الطبري: 24 / 116، وذكره ابن كثير في تفسيره: 4 / 100.\r(3) انظر: البحر المحيط: 7 / 496.\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(5) زيادة من \"ب\".\r(6) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 325 لعبد بن حميد وابن المنذر.\r(7) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 325 لعبد بن حميد وابن المنذر.\r(8) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 325 لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن مردويه من وجه عن عائشة.","part":7,"page":173},{"id":2774,"text":"وقال عكرمة: هو المؤذن أبو إمامة الباهلي، \"وعمل صالحًا\": صلى ركعتين بين الأذان والإقامة.\rوقال قيس بن أبي حازم: هو الصلاة بين الأذان والإقامة. (1)\rأخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الحميدي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن أيوب الطوسي، حدثنا أبو يحيى بن أبي ميسرة، حدثنا عبد الله بن زيد المقري، حدثنا كهمس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"بين كل أذانين صلاة\"، ثلاث مرات، ثم قال في الثالثة: \"لمن شاء\". (2)\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان عن زيد العمي عن أبي إياس معاوية بن قرة عن أنس بن مالك قال سفيان: لا أعلمه إلا وقد رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة\". (3)\r{ وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) }\rقوله عز وجل: { وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ } قال الفراء: \"لا\" هاهنا صلة، معناه: ولا تستوي الحسنة والسيئة، يعني الصبر والغضب، والحلم والجهل، والعفو والإساءة. { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } قال ابن عباس: أمر بالصبر عند الغضب، وبالحلم عند الجهل، وبالعفو عند الإساءة. { فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ } يعني: إذا فعلت ذلك خضع لك عدوك، وصار الذي بينك وبينه عداوة، { كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ } كالصديق والقريب. قال مقاتل بن حيان: نزلت في أبي سفيان بن حرب، وذلك أنه لان للمسلمين بعد شدة عداوته بالمصاهرة التي حصلت بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أسلم فصار وليًا بالإسلام، حميمًا بالقرابة. (4)\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 24 / 118، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 325 للخطيب في تاريخ بغداد.\r(2) أخرجه البخاري في الأذان، باب بين كل أذانين صلاة لمن شاء: 2 / 110، ومسلم في صلاة المسافرين، باب بين كل أذانين صلاة برقم: (838): 1 / 573، والمصنف في شرح السنة: 2 / 293.\r(3) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب في الدعاء بين الأذان والإقامة: 1 / 283، والترمذي في أبواب الصلاة، باب ما جاء في أن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة: 1 / 624-625 قال أبو عيسى: \"حديث أنس حديث حسن صحيح\"، والإمام أحمد: 3 / 119 وابن حبان في الأذان، باب فضل الأذان والمؤذن وإجابته برقم (296) ص 97، والمصنف في شرح السنة: 2 / 289.\r(4) انظر: البحر المحيط: 7 / 498.","part":7,"page":174},{"id":2775,"text":"{ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36) وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (38) }","part":7,"page":175},{"id":2776,"text":"{ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) }\r{ وَمَا يُلَقَّاهَا } ما يلقى هذه الخصلة وهي دفع السيئة بالحسنة، { إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا } على كظم الغيظ واحتمال المكروه، { وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } في الخير والثواب، وقال قتادة: \"الحظ العظيم\": الجنة، أي: ما يلقاها إلا من وجبت له الجنة.\r{ وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ } لاستعاذتك وأقوالك، { الْعَلِيمُ } بأفعالك وأحوالك.\rقوله عز وجل: { وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ } إنما قال: \"خلقهن\" بالتأنيث لأنه أجراها على طريق جمع التكسير، ولم يجرها على طريق التغليب للمذكر على المؤنث، { إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } .\r{ فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا } عن السجود، { فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ } يعني الملائكة { يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ } لا يملون ولا يفترون.\r{ وَمِنْ آيَاتِهِ } دلائل قدرته، { أَنَّكَ تَرَى الأرْضَ خَاشِعَةً } يابسة غبراء لا نبات فيها، { فَإِذَا أَنزلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .\r{ إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا } يميلون عن الحق في أدلتنا، قال مجاهد: يلحدون في آياتنا بالمكاء والتصدية واللغو واللغط. قال قتادة: يكذبون في آياتنا. قال السدي: يعاندون ويشاقون.","part":7,"page":175},{"id":2777,"text":"قال مقاتل: نزلت في أبي جهل. (1)\r{ لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ } وهو أبو جهل، { خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ } قيل: هو حمزة، وقيل: عثمان. وقيل: عمار بن ياسر. { اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ } أمر تهديد ووعيد، { إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } عالم فيجازيكم به.\r{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44) }\r{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ } بالقرآن، (2) { لَمَّا جَاءَهُمْ } ثم أخذ في وصف الذكر وترك جواب: \"إن الذين كفروا\"، على تقدير: الذين كفروا بالذكر يجازون بكفرهم. وقيل: خبره قوله من بعد: \"أولئك ينادون من مكان بعيد\". { وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ } قال الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما: كريم على الله. قال قتادة: أعزه الله عز وجل عزًا فلا يجد الباطل إليه سبيلا (3) .\rوهو قوله: { لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ } قال قتادة والسدي: الباطل: هو الشيطان، لا يستطيع أن يغيره أو يزيد فيه أو ينقص منه (4) .\rقال الزجاج: معناه أنه محفوظ من أن ينقص منه، فيأتيه الباطل من بين يديه أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه، وعلى هذا معنى \"الباطل\": الزيادة والنقصان.\rوقال مقاتل: لا يأتيه التكذيب من الكتب التي قبله، ولا يجيء من بعده كتاب فيبطله. { تَنزيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } ثم عزى نبيه صلى الله عليه وسلم على تكذيبهم.\rفقال: { مَا يُقَالُ لَكَ } من الأذى، { إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ } يقول: إنه قد قيل للأنبياء والرسل قبلك: ساحر، كما يقال لك وكذبوا كما كذبت، { إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ } لمن تاب وآمن بك { وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ } لمن أصر على التكذيب.\r{ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ } أي: جعلنا هذا الكتاب الذي تقرؤه على الناس، { قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا } بغير\r__________\r(1) انظر: القرطبي: 15 / 366.\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) انظر: الدر المنثور: 7 / 332.\r(4) انظر: الطبري: 24 / 125.","part":7,"page":176},{"id":2778,"text":"لغة العرب، { لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ } هلا بينت آياته بالعربية حتى نفهمها، { أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ } يعني: أكتاب أعجمي ورسول عربي؟ وهذا استفهام على وجه الإنكار، أي: أنهم كانوا يقولون: المنزل عليه عربي والمنزل أعجمي.\rقال مقاتل: وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخل على يسار، غلام عامر بن الحضرمي، وكان يهوديًا أعجميًا، يكنى أبا فكيهة، فقال المشركون: إنما يعلمه يسار فضربه سيده، وقال: إنك تعلم محمدًا، فقال يسار: هو يعلمني، فأنزل الله تعالى هذه الآية: (1)\r{ قُلْ } يا محمد، { هُوَ } يعني القرآن، { لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ } 114/أ هدى من الضلالة وشفاء لما في القلوب، وقيل: شفاء من الأوجاع.\r{ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى } قال قتادة: عموا عن القرآن وصموا عنه فلا ينتفعون به، { أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } أي: أنهم لا يسمعون ولا يفهمون كما أن من دعي من مكان بعيد لم يسمع ولم يفهم، وهذا مثل لقلة انتفاعهم بما يوعظون به كأنهم ينادون من حيث لا يسمعون.\r{ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (45) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ (46) }\r__________\r(1) انظر: فيما سبق تفسير سورة النحل: 5 / 44-45.","part":7,"page":177},{"id":2779,"text":"{ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (47) }\r{ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ } فمصدق ومكذب كما اختلف قومك في كتابك، { وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ } في تأخير العذاب عن المكذبين بالقرآن، { لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } لفرغ من عذابهم وعجل إهلاكهم، { وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ } من صدقك، { مُرِيبٍ } موقع لهم الريبة.\r{ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ }.\r{ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ } أي: علمها إذا سئل عنها مردود إليه لا يعلمه غيره، { وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا } قرأ أهل المدينة والشام وحفص: \"ثمرات\"، على الجمع، وقرأ الآخرون","part":7,"page":177},{"id":2780,"text":"\"ثمرة\" على التوحيد، { مِنْ أَكْمَامِهَا } أوعيتها، واحدها: كم. (1) قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني الكفرى (2) قبل أن تنشق. { وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ } [إلا بإذنه] (3) ، يقول: يرد إليه علم الساعة كما يرد إليه علم الثمار والنتاج. { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ } ينادي الله المشركين، { أَيْنَ شُرَكَائِيَ } الذين كنتم تزعمون أنها آلهة، { قَالُوا } يعني المشركين، { آذَنَّاكَ } أعلمناك، { مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ } أي: من شاهد بأن لك شريكًا لما عاينوا العذاب تبرأوا من الأصنام.\r{ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (48) لا يَسْأَمُ الإنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (49) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (50) }\r{ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ } يعبدون، { مِنْ قَبْلُ } في الدنيا { وَظَنُّوا } أيقنوا، { مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ } مهرب.\r{ لا يَسْأَمُ الإنْسَانُ } لا يمل الكافر، { مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ } أي: لا يزال يسأل ربه الخير، يعني المال والغنى والصحة، { وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ } الشدة والفقر، { فَيَئُوسٌ } من روح الله، { قَنُوطٌ } من رحمته.\r{ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا } آتيناه خيرًا وعافية وغنى، { مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ } من بعد شدة وبلاء أصابته، { لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي } أي: بعملي وأنا محقوق بهذا، { وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى } يقول هذا الكافر: لست على يقين من البعث، فإن كان الأمر على ذلك، ورددت إلى ربي إن لي عنده للحسنى، أي: الجنة، أي: كما أعطاني في الدنيا سيعطيني في الآخرة. { فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا } قال ابن عباس رضي الله عنهما: لنقفنهم (4) على مساوىء أعمالهم، { وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } .\r__________\r(1) الكم: بالكسر وعاء الطلع وغطاء النور.\r(2) هو كم العنب قبل أن ينور.\r(3) زيادة من \"ب\".\r(4) في \"أ\" لنفقهنهم.","part":7,"page":178},{"id":2781,"text":"{ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (51) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (52) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54) }\r{ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ } كثير والعرب تستعمل الطول والعرض في الكثرة، فيقال: أطال فلان الكلام والدعاء وأعرض، أي: أكثر. { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ } هذا القرآن، { مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } خلاف للحق بعيد عنه، أي: فلا أحد أضل منكم.\r{ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني منازل الأمم الخالية. { وَفِي أَنْفُسِهِمْ } بالبلاء والأمراض.\rوقال قتادة: في الآفاق يعني: وقائع الله في الأمم، وفي أنفسهم يوم بدر.\rوقال مجاهد، والحسن، والسدي: \"في الآفاق\": ما يفتح من القرى على محمد صلى الله عليه وسلم والمسلمين، (1) \"وفي أنفسهم\": فتح مكة. { حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ } يعني: دين الإسلام. وقيل: القرآن يتبين لهم أنه من عند الله. وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم، يتبين لهم أنه مؤيد من قبل الله تعالى.\rوقال عطاء وابن زيد: \"في الآفاق\" يعني: أقطار السماء والأرض من الشمس والقمر والنجوم والنبات والأشجار والأنهار، \"وفي أنفسهم\" من لطيف الصنعة وبديع الحكمة، حتى يتبين لهم أنه الحق. (2)\r{ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } قال مقاتل: أو لم يكف بربك شاهدًا أن القرآن من الله تعالى. قال الزجاج: معنى الكفاية هاهنا: أن الله عز وجل قد بين من الدلائل ما فيه كفاية، يعني: أو لم يكف بربك لأنه على كل شيء شهيد، شاهد لا يغيب عنه شيء.\r{ أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ } في شك من البعث، { أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ } أحاط بكل شيء علمًا.\r__________\r(1) انظر: ابن كثير في تفسيره: 4 / 106.\r(2) انظر: القرطبي: 15 / 374-375.","part":7,"page":179},{"id":2782,"text":"سورة الشورى مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ حم (1) عسق (2) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) }\r{ حم عسق } سئل الحسين بن الفضل: لم يقطع حم عسق ولم يقطع كهيعص؟ فقال: لأنها سورة أوائلها حم، فجرت مجرى نظائرها، فكان \"حم\" مبتدأ و\"عسق\" خبره، ولأنهما عُدَّا آيتين، وأخواتها مثل: \"كهيعص\" و\"المص\" و\"المر\" عدت آية واحدة.\rوقيل: لأن أهل التأويل لم يختلفوا في \"كهيعص\" وأخواتها أنها حروف التهجي لا غير، واختلفوا في \"حم\" فأخرجها بعضهم من حيز الحروف وجعلها فعلا وقال: معناها حُمَّ أي: قضى ما هو كائن. (2)\rوروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ح حلمه، م مجده، ع علمه، س سناؤه، ق قدرته، أقسم الله بها.\rوقال شهر بن حوشب وعطاء بن أبي رباح: ح حرب يعز فيها الذليل ويذل فيها العزيز من قريش، م ملك يتحول من قوم إلى قوم، ع عدو لقريش يقصدهم، س سيء، يكون فيهم، ق قدرة الله النافذة في خلقه.\r__________\r(1) أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير- رضي الله عنهم-: نزلت (حم عسق) بمكة. وذكر صاحب البحر المحيط: 7 / 507 \"أنها مكية في قول الحسن وعطاء وعكرمة وجابر. وقال ابن عباس: مكية إلا أربع آيات من قوله: \"قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى\" إلى آخر الأربع آيات فإنها نزلت بالمدينة. وقال مقاتل: فيها مدني قوله \"ذلك الذي يبشر الله عباده\" إلى \"الصدور\"، انظر: الدر المنثور: 7 / 335.\r(2) انظر: القرطبي: 16 / 1، وراجع فيما سبق: 1 / 58-59. وفي هذا الجزء ص \"142\" تعليق \"4\".","part":7,"page":180},{"id":2783,"text":"وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ليس من نبي صاحب كتاب إلا وقد أوحيت إليه \"حم عسق\". (1) فلذلك قال:\r{ كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ } . { كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ } قرأ ابن كثير \"يوحى\" بفتح الحاء وحجته قوله: \"ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك\"( الزمر-65 ) ، فعلى هذه القراءة قوله، { اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ } [تبيين للفاعل كأنه قيل: من يوحي؟ فقيل: الله العزيز الحكيم]. (2)\rوقرأ الآخرون \"يوحي\" بكسر الحاء، إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم.\rقال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: يريد أخبار الغيب.\r{ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (4) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (5) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (6) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7) }\r{ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ } أي: كل واحدة منها تتفطر 114/ب فوق التي تليها من قول المشركين: \"اتخذ الله ولدا\" نظيره في سورة مريم: \"وقالوا اتخذ الرحمن ولدًا لقد جئتم شيئًا إدا تكاد السموات يتفطرن منه\"( مريم 88-90 ) . { وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأرْضِ } من المؤمنين، { أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } .\r{ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ } يحفظ أعمالهم ويحصيها عليهم ليجازيهم بها، { وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ } لم يوكلك الله بهم حتى تؤخذ بهم.\r{ وَكَذَلِكَ } مثل ما ذكرنا، { أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى } مكة، يعني: أهلها، { وَمَنْ حَوْلَهَا } يعني قرى الأرض كلها، { وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ } أي: تنذرهم بيوم الجمع وهو يوم القيامة يجمع الله الأولين والآخرين وأهل السموات وأهل الأرضين { لا رَيْبَ فِيهِ } لا شك\r__________\r(1) انظر: زاد المسير: 7 / 271.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":7,"page":184},{"id":2784,"text":"في الجمع أنه كائن ثم بعد الجمع يتفرقون. { فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ } .\rأخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، حدثنا أبو منصور الخشماذي، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان التنوخي، حدثنا بشر بن بكر، حدثني سعيد بن عثمان عن أبي الزاهر، حدثنا جرير بن كريب عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال الثعلبي: وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري، حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا ليث، حدثني أبو قبيل المعافري عن شفي الأصبحي عن عبد الله بن عمرو قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قابضًا على كفيه ومعه كتابان، فقال: \"أتدرون ما هذان الكتابان؟\" قلنا: لا يا رسول الله، فقال: \"للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وعشائرهم وعدتهم قبل أن يستقروا نطفًا في الأصلاب، وقبل أن يستقروا نطفًا في الأرحام إذ هم في الطينة منجدلون فليس بزائد فيهم ولا ناقص منهم، إجمال من الله عليهم إلى يوم القيامة، [ثم قال للذي في يساره: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وعشائرهم وعدتهم قبل أن يستقروا نطفًا في الأصلاب، وقبل أن يستقروا نطفًا في الأرحام إذ هم في الطينة منجدلون، فليس بزائد فيهم ولا بناقص منهم، إجمال من الله عليهم إلى يوم القيامة] (1) ، فقال عبد الله بن عمرو: ففيم العمل إذًا يا رسول الله؟ فقال: \"اعملوا وسددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل، ثم قال: \"فريق في الجنة\" فضل من الله، \"وفريق في السعير\"، عدل من الله عز وجل\". (2)\r{ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (8) }\rقوله عز وجل: { وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } قال ابن عباس رضي الله عنهما: على دين واحد. وقال مقاتل: على ملة الإسلام كقوله تعالى: \"ولو شاء الله لجمعهم على الهدى\"( الأنعام-35 ) ، { وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ } في دين الإسلام، { وَالظَّالِمُونَ } الكافرون، { مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ } يدفع عنهم العذاب، { وَلا نَصِيرٍ } يمنعهم من النار.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) أخرجه الترمذي في القدر، باب ما جاء أن القلوب بين أصبعي الرحمن: 6 / 350-352، والنسائي في التفسير: 2 / 265، وابن أبي عاصم في السنة: 1 / 154، والإمام أحمد: 2 / 167، والطبري: 25 / 9، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 337 لابن المنذر وابن مردويه. وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم: (848).","part":7,"page":185},{"id":2785,"text":"{ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (9) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10) }","part":7,"page":186},{"id":2786,"text":"{ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12) شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) }\r{ أَمِ اتَّخَذُوا } [بل اتخذوا، أي: الكافرون] (1) ، { مِنْ دُونِهِ } [أي: من دون الله] (2) ، { أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ } [قال ابن عباس رضي الله عنهما] (3) : وليك يا محمد وولي من اتبعك، { وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .\r{ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ } من أمر الدين، { فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ } يقضي فيه ويحكم يوم القيامة بالفصل الذي يزيل الريب، { ذَلِكُمُ اللَّهُ } الذي يحكم بين المختلفين هو، { رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } .\r{ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } من مثل خلقكم حلائل، قيل: إنما قال \"من أنفسكم\" لأنه خلق حواء من ضلع آدم. { وَمِنَ الأنْعَامِ أَزْوَاجًا } أصنافًا ذكورًا وإناثًا، { يَذْرَؤُكُمْ } يخلقكم، { فِيهِ } أي: في الرحم. وقيل: في البطن. وقيل: على هذا الوجه من الخلقة. قال مجاهد: نسلا بعد نسل من الناس والأنعام. وقيل: \"في\"، بمعنى الباء، أي: يذرؤكم به. وقيل: معناه يكثركم بالتزويج. { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } \"مثل\" صلة، أي: ليس هو كشيء، فأدخل المثل للتوكيد، كقوله: \"فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به\" ( البقرة-137 ) ، وقيل: الكاف صلة، مجازه: ليس مثله شيء. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس له نظير. { وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } .\r{ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } مفاتيح الرزق في السموات والأرض. قال الكلبي: المطر والنبات. { يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ } لأن مفاتيح الرزق بيده، { إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .\rقوله عز وجل: { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ } بَيَّن وسن لكم، { مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا } وهو أول أنبياء الشريعة. قال مجاهد: أوصيناك وإياه يا محمد دينًا واحدًا. { وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } من\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":7,"page":186},{"id":2787,"text":"القرآن وشرائع الإسلام، { وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى } واختلفوا في وجه الآية: فقال قتادة: تحليل الحلال وتحريم الحرام. وقال الحكم: تحريم الأمهات والبنات والأخوات.\rوقال مجاهد: لم يبعث الله نبيًا إلا وصاه بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والإقرار لله بالطاعة له، فذلك دينه الذي شرع لهم.\rوقيل: هو التوحيد والبراءة من الشرك. (1) وقيل: هو ما ذكر من بعد، وهو قوله: { أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } بعث الله الأنبياء كلهم بإقامة الدين والألفة والجماعة وترك الفرقة والمخالفة.\r{ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ } من التوحيد ورفض الأوثان ثم قال: { اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ } يصطفي إليه (2) من عباده من يشاء، { وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ } يقبل إلى طاعته.\r{ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14) فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15) }\r{ وَمَا تَفَرَّقُوا } يعني أهل الأديان المختلفة، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يعني أهل الكتاب كما ذكر في سورة المنفكين. { إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ } بأن الفرقة ضلالة ولكنهم فعلوا ذلك، { بَغْيًا بَيْنَهُمْ } أي: للبغي، قال عطاء: يعني بغيًا بينهم على محمد صلى الله عليه وسلم، { وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ } في تأخير العذاب عنهم، { إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } وهو يوم القيامة، { لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } بين من آمن وكفر، يعني أنزل العذاب بالمكذبين في الدنيا، { وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ } يعني 115/أ اليهود والنصارى، { مِنْ بَعْدِهِمْ } من بعد أنبيائهم، وقيل: من بعد الأمم الخالية. وقال قتادة: معناه من قبلهم أي: من قبل مشركي مكة. { لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ } أي: من محمد صلى الله عليه وسلم.\r{ فَلِذَلِكَ فَادْعُ } أي: فإلى ذلك كما يقال دعوت إلى فلان ولفلان، وذلك إشارة إلى ما وصى به الأنبياء من التوحيد، { وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ } اثبت على الدين الذي أمرت به،\r__________\r(1) انظر: زاد المسير: 7 / 276، القرطبي: 16 / 11.\r(2) في \"ب\" لدينه.","part":7,"page":187},{"id":2788,"text":"{ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ } أي: آمنت بكتب الله كلها، { وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ } [أن أعدل بينكم] (1) ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أمرت أن لا أحيف عليكم بأكثر مما افترض الله عليكم من الأحكام. وقيل: لأعدل بينكم في جميع الأحوال والأشياء، { اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ } يعني: إلهنا واحد، وإن اختلفت أعمالنا، فكل يجازى بعمله، { لا حُجَّةَ } لا خصومة، { بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } نسختها آية القتال (2) ، فإذا لم يؤمر بالقتال وأمر بالدعوة لم يكن بينه وبين من لا يجيب خصومة، { اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا } في المعاد لفصل القضاء، { وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ } .\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) انظر فيما سبق: 3 / 33 تعليق (1).","part":7,"page":188},{"id":2789,"text":"{ وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (16) اللَّهُ الَّذِي أَنزلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (18) }\r{ وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ } يخاصمون في دين الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم. وقال قتادة: هم اليهود قالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، فنحن خير منكم، فهذه خصومتهم. (1) { مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ } [أي: استجاب له] (2) الناس فأسلموا ودخلوا في دينه لظهور معجزته، { حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ } خصومتهم باطلة، { عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } في الآخرة. { اللَّهُ الَّذِي أَنزلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ } قال قتادة، ومجاهد، ومقاتل: سمي العدل ميزانًا لأن الميزان آلة الإنصاف والتسوية. قال ابن عباس رضي الله عنهما: أمر الله تعالى بالوفاء، ونهى عن البخس { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ } ولم يقل قريبة لأن تأنيثها غير حقيقي، ومجازه: الوقت. وقال الكسائي: إتيانها قريب. قال مقاتل: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الساعة وعنده قوم من المشركين، قالوا تكذيبًا: متى تكون الساعة؟ فأنزل الله هذه الآية: { يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا } ظنًا منهم أنها غير آتية، { وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ } أي: خائفون، { مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ } أنها آتية لا ريب فيها،\r__________\r(1) انظر: الطبري: 25 / 19.\r(2) زيادة من \"ب\".","part":7,"page":188},{"id":2790,"text":"{ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ } يخاصمون، وقيل: تدخلهم المرية والشك، { فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ }\r{ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (19) مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20) }\rقوله عز وجل: { اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: حفي بهم. قال عكرمة: بار بهم. قال السدي: رفيق. قال مقاتل: لطيف بالبر والفاجر حيث لم يهلكهم جوعًا بمعاصيهم، يدل عليه: قوله \"يرزق من يشاء\"( البقرة-212 )، وكل من رزقه الله من مؤمن وكافر وذي روح فهو ممن يشاء الله أن يرزقه. قال جعفر الصادق: اللطف في الرزق من وجهين: أحدهما: أنه جعل رزقك من الطيبات، والثاني: أنه لم يدفعه إليك بمرة واحدة. (1) { وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ } . { مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ } الحرث في اللغة: الكسب، يعني: من كان يريد بعمله الآخرة، { نزدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ } بالتضعيف بالواحد عشرة إلى ما شاء الله من الزيادة، { وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا } يريد بعمله الدنيا، { نُؤْتِهِ مِنْهَا } قال قتادة: أي: نؤته بقدر ما قسم الله له، كما قال: \"عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد\"( الإسراء-18 ). { وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ } لأنه لم يعمل للآخرة.\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو طاهر الزيادي، أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى بن بلال، حدثنا أبو الأزهر أحمد بن منيع العبدي، حدثنا محمد بن يوسف الفريابي، حدثنا سفيان عن المغيرة عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"بشرت هذه الأمة بالسنا والرفعة والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب\" (2) .\r__________\r(1) انظر: القرطبي: 16 / 16.\r(2) أخرجه الإمام أحمد: 5 / 134، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 10 / 220 \"رواه أحمد وابنه من طرق، ورجال أحمد رجال الصحيح\". وابن حبان في موارد الظمآن برقم: (2501) ص 618، والحاكم: 4 / 311 وصححه ووافقه الذهبي، والمصنف في شرح السنة: 14 / 335.","part":7,"page":189},{"id":2791,"text":"{ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (21) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (22) }","part":7,"page":190},{"id":2792,"text":"{ ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نزدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23) }\rقوله عز وجل: { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ } يعني كفار مكة، يقول: أم لهم آلهة سنوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله؟\rقال ابن عباس رضي الله عنهما: شرعوا لهم دينًا غير دين الإسلام.\r{ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ } لولا أن الله حكم في كلمة الفصل بين الخلق بتأخير العذاب عنهم إلى يوم القيامة، حيث قال: \"بل الساعة موعدهم\"( القمر-46 ) ، { لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } لفرغ من عذاب الذين يكذبونك في الدنيا، { وَإِنَّ الظَّالِمِينَ } المشركين، { لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الآخرة.\r{ تَرَى الظَّالِمِينَ } المشركين يوم القيامة، { مُشْفِقِينَ } وجلين، { مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ } جزاء كسبهم واقع بهم، { وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ } .\r{ ذَلِكَ الَّذِي } ذكرت من نعيم الجنة، { يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } فإنهم أهله، { قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى } .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت طاووسًا عن ابن عباس-رضي الله عنهما-أنه سئل عن قوله: \"إلا المودة في القربى\"، قال سعيد بن جبير: قربى آل محمد صلى الله عليه وسلم، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: عجلت، إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة. (1)\rوكذلك روى الشعبي وطاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: \"إلا المودة في القربى\"\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير- تفسير سورة (حم عسق)، باب: \"إلا المودة في القربى\" 8 / 564.","part":7,"page":190},{"id":2793,"text":"يعني: أن تحفظوا قرابتي وتودوتي وتصلوا رحمي. (1) وإليه ذهب مجاهد، وقتادة، وعكرمة، ومقاتل، والسدي، والضحاك، رضي الله عنهم.\rوقال عكرمة: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجرًا إلا أن تحفظوني في قرابتي بيني وبينكم (2) ، وليس كما يقول الكذابون.\rوروى ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس في معنى الآية: إلا أن تودوا الله وتتقربوا إليه بطاعته (3) ، وهذا قول الحسن، قال: هو القربى إلى الله، يقول: إلا التقرب إلى الله والتودد إليه بالطاعة والعمل الصالح.\rوقال بعضهم: معناه إلا أن تودوا 115/ب قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم، وهو قول سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب.\rواختلفوا في قرابته قيل: هم فاطمة وعلي وأبناؤهما، وفيهم نزل: \"إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت\"( الأحزاب-33 ) .\rوروينا عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي\"، قيل لزيد بن أرقم: من أهل بيته؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس. (4)\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا خالد، حدثنا شعبة عن واقد قال: سمعت أبي يحدث عن ابن عمر عن أبي بكر قال: ارقبوا محمدًا في أهل بيته. (5)\rوقيل: هم الذين تحرم عليهم الصدقة من أقاربه ويقسم فيهم الخمس، وهم بنو هاشم، وبنو المطلب، الذين لم يتفرقوا في جاهلية ولا في إسلام. (6)\rوقال قوم: هذه الآية منسوخة وإنما نزلت بمكة، وكان المشركون يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية فأمرهم فيها بمودة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلة رحمه (7) ، فلما هاجر إلى المدينة وآواه\r__________\r(1) عزاه ابن حجر لأحمد بن منيع بإسناد صحيح. انظر: المطالب العالية: 3 / 368.\r(2) عزاه ابن حجر لأحمد بن منيع بإسناد صحيح. انظر: المطالب العالية: 3 / 368.\r(3) انظر: الطبري: 25 / 23.\r(4) أخرجه الإمام أحمد: 1 / 268. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 7 / 103 \"رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد فيهم قزعة بن سويد، وثقه ابن معين وغيره، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات\"، والحاكم: 2 / 443-444 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وزاد السيوطي في الدر المنثور: 7 / 347 عزوه لابن أبي حاتم وابن مردويه.\r(5) قطعة من حديث أخرجه مسلم في فضائل الصحابة: باب: من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، برقم: (2408): 4 / 1873.\r(6) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة، باب مناقب قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: 7 / 78.\r(7) انظر: زاد المسير: 7 / 285.","part":7,"page":191},{"id":2794,"text":"الأنصار ونصروه أحب الله عز وجل أن يلحقه بإخوانه من الأنبياء عليهم السلام حيث قالوا: \"وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين\"( الشعراء-109 ) فأنزل الله تعالى: \"قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله\"، فهي منسوخة بهذه الآية، وبقوله: \"قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين\"( الزمر-86 ) ، وغيرها من الآيات. وإلى هذا ذهب الضحاك بن مزاحم، والحسين بن الفضل.\rوهذا قول غير مرضي؛ لأن مودة النبي صلى الله عليه وسلم وكف الأذى عنه ومودة أقاربه، والتقرب إلى الله بالطاعة، والعمل الصالح من فرائض الدين، وهذه أقاويل السلف في معنى الآية، فلا يجوز المصير إلى نسخ شيء من هذه الأشياء.\rوقوله: \"إلا المودة في القربى\"، ليس باستثناء متصل بالأول حتى يكون ذلك أجرًا في مقابلة أداء الرسالة، بل هو منقطع، ومعناه: ولكني أذكركم المودة في القربى وأذكركم قرابتي منكم، كما روينا في حديث زيد بن أرقم: \"أذكركم الله في أهل بيتي\".\rقوله عز وجل: { وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نزدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا } أي: من يزد (1) طاعة نزد له فيها حسنًا بالتضعيف، { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ } للذنوب، { شَكُورٌ } للقليل حتى يضاعفها.\r{ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (24) }\r{ أَمْ يَقُولُونَ } بل يقولون يعني: كفار مكة، { افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ } قال مجاهد: يربط على قلبك بالصبر حتى لا يشق عليك أذاهم، وقولهم إنه مفتر، قال قتادة: يعني يطبع على قلبك فينسيك القرآن وما أتاك، فأخبرهم أنه لو افترى على الله لفعل به ما أخبر عنه في هذه الآية، ثم ابتدأ فقال: { وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ } قال الكسائي: فيه تقديم وتأخير مجازه: والله يمحو الباطل. وهو في محل رفع، ولكنه حذف منه الواو في المصحف على اللفظ كما حذفت من قوله: \"ويدع الإنسان\"( الإسراء-11 ) و \"سندع الزبانية\"( العلق-18 ) ، أخبر أن ما يقولونه باطل يمحوه الله، { وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ } أي: الإسلام بما أنزل من كتابه، وقد فعل الله ذلك فمحا باطلهم وأعلى كلمة الإسلام، { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } قال ابن عباس: لما نزلت: \"قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى\"، وقع في قلوب قوم منها شيء وقالوا يريد أن يحثنا على أقاربه من بعده، فنزل جبريل فأخبره أنهم اتهموه وأنزل هذه الآية، فقال القوم: يا رسول الله فإنا نشهد أنك صادق؟ فنزل:\r{ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ } .\r__________\r(1) في \"ب\": يكتسب.","part":7,"page":192},{"id":2795,"text":"{ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (25) }\r{ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ } (1) قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد أولياءه وأهل طاعته، قيل التوبة ترك المعاصي نية وفعلا والإقبال على الطاعة نية وفعلا قال سهل بن عبد الله: التوبة الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال المحمودة. { وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ } إذا تابوا.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن سمعان، حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه، حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا أبو عوانة عن سليمان عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن الحارث بن سويد قال: دخلت على عبد الله أعوده، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"لله أفرح بتوبة عبده من رجل، أظنه قال: [في برية] (2) مهلكة معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فنزل فنام فاستيقظ وقد ضلت (3) راحلته، فطاف عليها حتى أدركه العطش، فقال: أرجع إلى حيث كانت راحلتي فأموت عليه، فرجع فأغفى فاستيقظ فإذ هو بها عنده عليها طعامه وشرابه\". (4)\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا محمد بن الصباح وزهير بن حرب قالا حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا إسحاق بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك وهو عمه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح\". (5)\r{ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ } فيمحوها إذا تابوا. { وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } قرأ حمزة والكسائي وحفص \"تفعلون\" بالتاء، وقالوا: هو خطاب للمشركين، وقرأ الآخرون بالياء لأنه بين خبرين عن قوم، فقال: قبله عن عباده، وبعده ويزيدهم من فضله.\r__________\r(1) انظر: القرطبي: 16 / 26.\r(2) في \"ب\" بدوية.\r(3) في \"ب\" هلكت.\r(4) أخرجه البخاري في الدعوات، باب التوبة: 11 / 102، ومسلم في التوبة، باب في الحض على التوبة والفرح بها، برقم: (2744): 4 / 2103، واللفظ له، والمصنف في شرح السنة: 5 / 84-85.\r(5) أخرجه مسلم في التوبة، باب في الحض على التوبة والفرح بها، برقم: (2747) 4 / 2104، والمصنف في شرح السنة: 5 / 87-88.","part":7,"page":193},{"id":2796,"text":"{ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (26) وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأرْضِ وَلَكِنْ يُنزلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27) }\r{ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا } 116/أ [أي: ويجيب الذين آمنوا] (1) ، { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } إذا دعوه، وقال عطاء عن ابن عباس: ويثيب الذين آمنوا. { وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ } سوى ثواب أعمالهم تفضلا منه. قال أبو صالح عنه: يشفعهم في إخوانهم، ويزيدهم من فضله. قال: في إخوان إخوانهم.\r{ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } .\r{ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ } قال خباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية، وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع فتمنيناها فأنزل الله عز وجل هذه الآية (2) \"ولو بسط الله الرزق\" وسع الله الرزق { لِعِبَادِهِ } { لَبَغَوْا } لطغوا وعتوا، { فِي الأرْضِ } .\rقال ابن عباس: بغيهم طلبهم منزلة بعد منزلة ومركبًا بعد مركب وملبسًا بعد ملبس. { وَلَكِنْ يُنزلُ } أرزاقهم { بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ } كما يشاء نظرا منه لعباده، { إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ } .\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو عمر بكر بن محمد المزني، حدثنا أبو بكر محمد بن عبدالله حفيد العباس بن حمزة، حدثنا الحسين بن الفضل البجلي، حدثنا أبو حفص عمر بن سعيد الدمشقي، حدثنا صدقة عن عبد الله، حدثنا هشام الكناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل عن الله عز وجل قال: \"يقول الله عز وجل من أهان لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة، وإني لأغضب لأوليائي كما يغضب الليث الحرد، وما تقرب إلي عبدي المؤمن بمثل أداء ما افترضت عليه، وما يزال عبدي المؤمن يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت له سمعًا وبصرًا ولسانًا ويدًا ومؤيدًا، إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت، وأنا أكره مساءته ولا بد له منه، وإن من عبادي المؤمنين لمن يسألني الباب من العبادة فأكفه عنه أن لا يدخله عجب فيفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الصحة\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص 434.","part":7,"page":194},{"id":2797,"text":"ولو أسقمته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك، إني أدبر أمر عبادي بعلمي بقلوبهم إني عليم خبير\". (1)\r{ وَهُوَ الَّذِي يُنزلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (28) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (29) وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30) }\rقوله عز وجل: { وَهُوَ الَّذِي يُنزلُ الْغَيْثَ } المطر، { مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا } يعني: من بعد ما يئس الناس منه، وذلك أدعى لهم إلى الشكر، قال مقاتل: حبس الله المطر عن أهل مكة سبع سنين حتى قنطوا، ثم أنزل الله المطر فذكرهم الله نعمته، { وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ } يبسط مطره، كما قال: \"وهو الذي يرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته\".( الأعراف-75 ) { وَهُوَ الْوَلِيُّ } لأهل طاعته، { الْحَمِيدُ } عند خلقه.\r{ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ } يعني: يوم القيامة.\r{ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } قرأ أهل المدينة والشام \"بما كسبت\" بغير فاء، وكذلك هو في مصاحفهم، فمن حذف الفاء جعل \"ما\" في أول الآية بمعنى الذي أصابكم بما كسبت أيديكم. { وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ } قال الحسن: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"والذي نفس محمد بيده ما من خدش عود ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر\". (2)\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني أبو عبد الله بن فنجويه، حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي، حدثنا بشر بن موسى الأسدي، حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا مروان بن معاوية، أخبرني الأزهر بن راشد الباهلي عن الخضر بن القواس البجلي عن أبي سخيلة قال:\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 353 لابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن مردويه وأبي نعيم في الحلية وابن عساكر في تاريخه، وانظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب ص (338).\r(2) أخرجه هناد مرسلا في الزهد: 1 / 519، وله شواهد عند الترمذي من حديث أبي موسى الأشعري وعند الطبراني من حديث البراء. انظر: التعليق على كتاب الزهد في الموضع السابق. وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 354 لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.","part":7,"page":195},{"id":2798,"text":"قال علي بن أبي طالب: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله عز وجل حدثنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ \"وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير\"، قال: وسأفسرها لك يا علي: \"ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم، والله عز وجل أكرم من أن يثني عليهم العقوبة في الآخرة، وما عفا الله عنكم في الدنيا فالله أحلم من أن يعود بعد عفوه\". (1)\rقال عكرمة: ما من نكبة أصابت عبدًا فما فوقها إلا بذنب لم يكن الله ليغفر له إلا بها، أو درجة لم يكن الله ليبلغها إلا بها.\r{ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (31) }\r__________\r(1) أخرجه الإمام أحمد: 1 / 85، والحاكم: 4 / 388، وزاد السيوطي في الدر المنثور: 7 / 354 عزوه لابن راهويه وابن منيع وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وأبي يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه. وقال الهيثمي (7 / 104): \"فيه أزهر بن راشد وهو ضعيف\".","part":7,"page":196},{"id":2799,"text":"{ وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالأعْلامِ (32) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (33) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (34) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (35) }\r{ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ } بفائتين، { فِي الأرْضِ } هربًا يعني لا تعجزونني حيث ما كنتم ولا تسبقونني، { وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ } .\rقوله عز وجل: { وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِي } يعني: السفن، واحدتها جارية وهي السائرة، { فِي الْبَحْرِ كَالأعْلامِ } أي: الجبال، [قال مجاهد: القصور، واحدها علم] (1) ، وقال الخليل بن أحمد: كل شيء مرتفع عند العرب فهو علم.\r{ إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ } التي تجريها، { فَيَظْلَلْنَ } يعني: الجواري، { رَوَاكِدَ } ثوابت، { عَلَى ظَهْرِهِ } على ظهر البحر لا تجري، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } أي: لكل مؤمن لأن صفة المؤمن الصبر في الشدة والشكر في الرخاء.\r{ أَوْ يُوبِقْهُنَّ } يهلكهن ويغرقهن، { بِمَا كَسَبُوا } أي: بما كسبت ركبانها من الذنوب، { وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ } من ذنوبهم [فلا يعاقب عليها] (2) .\r{ وَيَعْلَمَ } قرأ أهل المدينة والشام: \"ويعلم\" برفع الميم على الاستئناف كقوله عز وجل في سورة براءة: \"ويتوب الله على من يشاء\"( التوبة-15 ) ، وقرأ الآخرون بالنصب على الصرف، والجزم\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ساقط من \"ب\".","part":7,"page":196},{"id":2800,"text":"إذا صرف عنه معطوفه نصب، وهو كقوله تعالى: \"ويعلم الصابرين\"( آل عمران-142 ) ، صرف من حال الجزم إلى النصب استخفافًا وكراهية لتوالي الجزم. { الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ } أي: يعلم الذين يكذبون بالقرآن إذا صاروا إلى الله بعد البعث أن لا مهرب لهم من عذاب الله.\r{ فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) }\r{ فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ } [من رياش الدنيا] (1) ، { فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ليس من زاد المعاد، { وَمَا عِنْدَ اللَّهِ } [من الثواب] (2) ، { خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } فيه بيان أن المؤمن والكافر يستويان في أن الدنيا متاع قليل لهما يتمتعان بها فإذا صارا إلى الآخرة كان ما عند الله خير للمؤمن.\r{ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ } قرأ حمزة والكسائي: \"كبير الإثم\" على الواحد هاهنا، وفي سورة النجم، وقرأ الآخرون: \"كبائر\" بالجمع، وقد ذكرنا معنى الكبائر في سورة النساء (3) { وَالْفَوَاحِشَ } قال السدي: يعني الزنا. وقال مجاهد ومقاتل: ما يوجب الحد. { وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ } يحلمون ويكظمون الغيظ ويتجاوزون. 116/ب\r{ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ } أجابوه إلى ما دعاهم إليه من طاعته، { وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } يتشاورون فيما يبدو لهم ولا يعجلون { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } .\r{ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ } الظلم والعدوان، { هُمْ يَنْتَصِرُونَ } ينتقمون من ظالميهم من غير أن يعتدوا. قال ابن زيد: جعل الله المؤمنين صنفين: صنف يعفون عن ظالميهم فبدأ بذكرهم، وهو قوله: \"وإذا ما غضبوا هم يغفرون\"، وصنف ينتصرون من ظالميهم، وهم الذين ذكروا في هذه الآية.\rقال إبراهيم في هذه الآية: كانوا يكرهون أن يستذلوا فإذا قدروا عفوا.\rقال عطاء: هم المؤمنون الذين أخرجهم الكفار من مكة وبغوا عليهم، ثم مكنهم الله في الأرض حتى انتصروا ممن ظلمهم (4) .\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) انظر فيما سبق: 2 / 201-204.\r(4) انظر: زاد المسير: 7 / 291.","part":7,"page":197},{"id":2801,"text":"{ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمُورِ (43) }\rثم ذكر الله الانتصار فقال: { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا } [سمى الجزاء سيئة] (1) وإن لم تكن سيئة لتشابههما في الصورة. قال مقاتل: يعني القصاص في الجراحات والدماء. (2)\rقال مجاهد والسدي: هو جواب القبيح إذا قال: أخزاك الله تقول: أخزاك الله، وإذا شتمك فاشتمه بمثلها من غير أن تعتدي. (3)\rقال سفيان بن عيينة: قلت لسفيان الثوري ما قوله عز وجل: \"وجزاء سيئة سيئة مثلها\"؟ قال: أن يشتمك رجل فتشتمه، وأن يفعل بك فتفعل به، فلم أجد عنده شيئًا، فسألت هشام بن حجيرة عن هذه الآية؟ فقال: الجارح إذا جرح يقتص منه، وليس هو أن يشتمك فتشتمه.\rثم ذكر العفو فقال: { فَمَنْ عَفَا } عمن ظلمه، { وَأَصْلَحَ } بالعفو بينه وبين ظالمه، { فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } قال الحسن: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: من كان له على الله أجر فليقم. فلا يقوم إلا من عفا، ثم قرأ هذه الآية. (4) { إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } قال ابن عباس: الذين يبدؤون بالظلم.\r{ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ } أي: بعد ظلم الظالم إياه، { فَأُولَئِكَ } يعني المنتصرين، { مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ } بعقوبة ومؤاخذة.\r{ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ } يبدؤون بالظلم، { وَيَبْغُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ } يعملون فيها بالمعاصي، { أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .\r{ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ } فلم ينتصر، { إِنَّ ذَلِكَ } الصبر والتجاوز، { لَمِنْ عَزْمِ الأمُورِ } حقها وجزمها. قال مقاتل: من الأمور التي أمر الله بها. قال الزجاج: الصابر يؤتى بصبره الثواب فالرغبة في الثواب أتم عزمًا.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) انظر: زاد المسير: 7 / 293.\r(3) انظر: البحر المحيط: 7 / 523، زاد المسير: 7 / 293.\r(4) ذكره السيوطي في الدر المنثور: 7 / 359.","part":7,"page":198},{"id":2802,"text":"{ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (44) }","part":7,"page":199},{"id":2803,"text":"{ وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (45) وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (46) اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (47) }\r{ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ } فما له من أحد يلي هدايته بعد إضلال الله إياه ويمنعه من عذاب الله، { وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ } يوم القيامة، { يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ } يسألون الرجعة في الدنيا. { وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا } أي: على النار، { خَاشِعِينَ } خاضعين متواضعين، { مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ } خفي النظر لما عليهم من الذل يسارقون النظر إلى النار خوفًا منها وذلة في أنفسهم. وقيل: \"من\" بمعنى الباء أي: بطرف خفي ضعيف من الذل. وقيل: إنما قال: \"من طرف خفي\" لأنه لا يفتح عينه إنما ينظر ببعضها. وقيل: معناه ينظرون إلى النار بقلوبهم لأنهم يحشرون عميًا، والنظر بالقلب خفي. { وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } قيل: خسروا أنفسهم بأن صاروا إلى النار، وأهليهم بأن صاروا لغيرهم في الجنة. { أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ } .\r{ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ } طريق إلى الصواب وإلى الوصول إلى الحق في الدنيا والجنة في العقبى، قد انسد عليهم طريق الخير.\r{ اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ } أجيبوا داعي الله يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم، { مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ } لا يقدر أحد على دفعه وهو يوم القيامة { مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ } تلجأون إليه { يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ } من منكر يغير ما بكم.","part":7,"page":199},{"id":2804,"text":"{ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإنْسَانَ كَفُورٌ (48) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50) وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51) }\r{ فَإِنْ أَعْرَضُوا } عن الإجابة، { فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ } ما عليك، { إِلا الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً } قال ابن عباس: يعني الغنى والصحة. { فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ } قحط، { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإنْسَانَ كَفُورٌ } أي: لما تقدم من نعمة الله عليه ينسى ويجحد بأول شدة جميع ما سلف من النعم.\r{ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } له التصرف فيهما بما يريد، { يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا } فلا يكون له ولد ذكر، قيل: من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر، لأن الله تعالى بدأ بالإناث، { وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ } فلا يكون له أنثى.\r{ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا } يجمع له بينهما فيولد له الذكور والإناث، { وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا } فلا يلد ولا يولد له. قيل: هذا في الأنبياء عليهم السلام { يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا } يعني: لوطا لم يولد له ذكر إنما ولد له ابنتان، { وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ } يعني: إبراهيم عليه السلام لم يولد له أنثى، { أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا } يعني: محمدًا صلى الله عليه وسلم ولد له بنون وبنات، { وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا } يحيى وعيسى عليهما السلام لم يولد لهما، وهذا على وجه التمثيل، والآية عامة في حق كافة الناس. { إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ } .\rقوله عز وجل: { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا } وذلك أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا تكلم الله وتنظر إليه، إن كنت نبيًا، كما كلمه موسى ونظر إليه؟ فقال: لم ينظر موسى إلى الله عز وجل، فأنزل الله تعالى: \"وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا\" (1) يوحي إليه في المنام أو بالإلهام، { أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ } يسمعه كلامه ولا يراه، كما كلمه موسى عليه الصلاة والسلام،\r__________\r(1) قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص (146): لم أجده.","part":7,"page":200},{"id":2805,"text":"{ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا } إما جبريل أو غيره من الملائكة، { فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ } أي: يوحي ذلك الرسول إلى المرسل إليه بإذن الله ما يشاء.\rقرأ نافع: \"أو يرسل\" برفع اللام على الابتداء، \"فيوحي\" ساكنة الياء، وقرأ الآخرون بنصب اللام والياء عطفًا على محل الوحي لأن معناه: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي إليه أو يرسل رسولا. { إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ } .","part":7,"page":201},{"id":2806,"text":"{ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ (53) }\r{ وَكَذَلِكَ } أي: كما أوحينا إلى سائر رسلنا، { أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا } قال ابن عباس: نبوة. وقال الحسن: رحمة. وقال السدي ومقاتل: وحيًا. وقال الكلبي: كتابًا. وقال الربيع: جبريل. وقال مالك بن دينار: يعني القرآن. { مَا كُنْتَ تَدْرِي } قبل الوحي، { مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ } يعني شرائع الإيمان ومعالمه، قال محمد بن إسحاق بن خزيمة: (1) \"الإيمان\" في هذا الموضع: الصلاة، ودليله: قوله عز وجل: \"وما كان الله ليضيع إيمانكم\"( البقرة 143 ) .\rوأهل الأصول على أن الأنبياء عليهم السلام كانوا مؤمنين قبل الوحي، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعبد الله قبل الوحي على دين إبراهيم، ولم يتبين له شرائع دينه.\r{ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا } قال ابن عباس: يعني الإيمان. وقال السدي: يعني القرآن. { نَهْدِي بِهِ } نرشد به، { مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي } أي لتدعو، { إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } يعني الإسلام.\r{ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ } أي: أمور الخلائق كلها في الآخرة.\r__________\r(1) انظر: صحيح ابن خزيمة: 2 / 160.","part":7,"page":201},{"id":2807,"text":"سورة الزخرف مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4) }\r{ حم } { وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ } أقسم بالكتاب الذي أبان طريق الهدى من طريق الضلالة، وأبان ما تحتاج إليه الأمة من الشريعة.\r{ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } قوله: \"جعلناه\" أي: صيرنا قراءة هذا الكتاب عربيا. وقيل: بيناه. وقيل: سميناه. وقيل: وصفناه، يقال: جعل فلان زيدًا أعلم الناس، أي وصفه، هذا كقوله تعالى: \"وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا\"( الزخرف-19 ) وقوله: \"جعلوا القرآن عضين\"( الحجر-91 ) ، وقال: \"أجعلتم سقاية الحاج\"( التوبة-19 ) ، كلها بمعنى الوصف والتسمية.\r{ وَإِنَّهُ } يعني القرآن، { فِي أُمِّ الْكِتَابِ } في اللوح المحفوظ. قال قتادة: \"أم الكتاب\": أصل الكتاب، وأم كل شيء: أصله. قال ابن عباس: أول ما خلق الله القلم فأمره أن يكتب بما يريد أن يخلق، فالكتاب عنده، (2) ثم قرأ \"وإنه في أم الكتاب لدينا\"، فالقرآن مثبت عند الله في اللوح المحفوظ كما قال: \"بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ\"( البروج-21 ) . { لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ } قال قتادة: يخبر عن منزلته وشرفه، أي: إن كذبتم بالقرآن يا أهل مكة فإنه عندنا لعلي رفيع شريف محكم من الباطل.\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 365 لابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت بمكة سورة \"حم\" الزخرف.\r(2) أخرجه الطبري: 25 / 48، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 366 لابن أبي حاتم. وانظر: السنة لابن أبي عاصم مع ظلال الجنة للألباني: 1 / 48-50.","part":7,"page":202},{"id":2808,"text":"{ أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (5) وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأوَّلِينَ (6) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (7) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأوَّلِينَ (8) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9) }\r{ أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا } يقال: ضربت عنه وأضربت عنه إذا تركته وأمسكت عنه، و\"الصفح\" مصدر قولهم صفحت عنه إذا أعرضت عنه، وذلك بأن توليه صفحة وجهك [وعنقك] (1) ، والمراد بالذكر القرآن. ومعناه: أفنترك عنكم الوحي ونمسك عن إنزال القرآن فلا نأمركم [ولا ننهاكم] (2) من أجل أنكم أسرفتم في كفركم وتركتم الإيمان؟ استفهام بمعنى الإنكار، أي: لا نفعل ذلك، وهذا قول قتادة وجماعة.\rقال قتادة: والله لو كان هذا القرآن رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله عاد عليهم بعائدته ورحمته، فكرره عليهم عشرين سنة أو ما شاء الله. (3)\rوقيل: معناه: أفنضرب عنكم بتذكيرنا إياكم صافحين معرضين.\rقال الكسائي: أفنطوي عنكم الذكر طيًا فلا تدعون ولا توعظون. وقال الكلبي: أفنترككم سدى لا نأمركم ولا ننهاكم. وقال مجاهد والسدي: أفنعرض عنكم ونترككم فلا نعاقبكم على كفركم. (4) { أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ } قرأ أهل المدينة وحمزة والكسائي: \"إن كنتم\" بكسر الهمزة، على معنى: إذ كنتم، كقوله: \"وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين\"( آل عمران-139 ) ، وقرأ الآخرون بالفتح، على معنى: لأن كنتم قومًا مسرفين [مشركين] (5) .\r{ وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأوَّلِينَ وَمَا يَأْتِيهِمْ } أي وما كان يأتيهم، { مِنْ نَبِيٍّ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } كاستهزاء قومك بك، يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم.\r{ فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا } أي أقوى من قومك، يعني الأولين الذين أهلكوا بتكذيب الرسل، { وَمَضَى مَثَلُ الأوَّلِينَ } أي صفتهم وسنتهم وعقوبتهم، فعاقبة هؤلاء كذلك في الإهلاك.\r{ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ } أي سألت قومك،\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) أخرجه الطبري: 25 / 49.\r(4) انظر: الطبري: 25 / 49.\r(5) زيادة من \"ب\".","part":7,"page":206},{"id":2809,"text":"{ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ } أقروا بأن الله خالقها، وأقروا بعزه وعلمه ثم عبدوا غيره وأنكروا قدرته على البعث لفرط جهلهم. إلى هاهنا تم الإخبار عنهم.\r{ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (10) }","part":7,"page":207},{"id":2810,"text":"{ وَالَّذِي نزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (11) وَالَّذِي خَلَقَ الأزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (14) }\rثم ابتدأ دالا على نفسه بصنعه فقال: { الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } إلى مقاصدكم في أسفاركم.\r{ وَالَّذِي نزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ } أي بقدر حاجتكم إليه لا كما أنزل على قوم نوح بغير قدر حتى أهلكهم. { فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ } أي كما أحيينا هذه البلدة [الميتة] (1) بالمطر كذلك، { تُخْرَجُونَ } من قبوركم أحياء.\r{ وَالَّذِي خَلَقَ الأزْوَاجَ } أي الأصناف { كُلَّهَا } { وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ } في البر والبحر.\r{ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ } ذكر الكناية لأنه ردها إلى \"ما\". { ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ } بتسخير المراكب في البر والبحر، { وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا } ذلل لنا هذا، { وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ } مطيقين، وقيل: ضابطين.\r{ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ } لمنصرفون في المعاد.\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، أخبرني علي بن ربيعة أنه شهد عليًا رضي الله عنه حين ركب فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله، فلما استوى قال: الحمد لله، ثم قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".","part":7,"page":207},{"id":2811,"text":"كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، ثم حمد ثلاثًا وكبر ثلاثًا، ثم قال: لا إله إلا الله ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، فقال: ما يضحكك يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم 117/ب فعل ما فعلت، وقال مثل ما قلت، ثم ضحك، فقلنا: ما يضحكك يا نبي الله؟ قال: \"العبد\"، أو قال: \"عجبت للعبد إذا قال لا إله إلا الله ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، يعلم أنه لا يغفر الذنوب إلا هو\". (1)\r{ وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (16) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18) }\rقوله عز وجل: { وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا } أي نصيبًا وبعضًا وهو قولهم: الملائكة بنات الله، ومعنى الجعل-هاهنا-الحكم بالشيء والقول، كما تقول: جعلت زيدًا أفضل الناس، أي وصفته وحكمت به، { إِنَّ الإنْسَانَ } يعني الكافر، { لَكَفُورٌ } جحود لنعم الله، { مُبِينٌ } ظاهر الكفران.\r{ أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ } هذا استفهام توبيخ وإنكار، يقول: اتخذ ربكم لنفسه البنات، { وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ } ؟ كقوله: \"فأصفاكم ربكم بالبنين\"( الإسراء-40 ) .\r{ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلا } بما جعل لله شبهًا، وذلك أن ولد كل شيء يشبهه، يعني إذا بشر أحدهم بالبنات كما ذكر في سورة النحل: \"وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودًا وهو كظيم\"،( النحل-58 ) من الحزن والغيظ.\r{ أَوَمَنْ يُنَشَّأُ } قرأ حمزة والكسائي وحفص: \"ينشأ\" بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين، أي يربى، وقرأ الآخرون بفتح الياء وسكون النون وتخفيف الشين، أي ينبت ويكبر، { فِي الْحِلْيَةِ } في الزينة يعني النساء، { وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ } في المخاصمة غير مبين للحجة\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الجهاد، باب: ما يقول الرجل إذا ركب: 3 / 410، والترمذي في الدعوات، باب: ما جاء ما يقول إذا ركب دابة: 9 / 408-409 وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\" والنسائي في عمل اليوم والليلة ص (349)، والإمام أحمد: 1 / 115، وابن حبان في الأذكار، باب: ما يقول إذا ركب الدابة برقم: (2381) ص (591)، والحاكم: 2 / 98 من طريق ميسرة بن حبيب النهدي عن المنهال بن عمرو، وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\"، والمصنف في شرح السنة: 5 / 138-139. وانظر: الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية لابن علان: 5 / 125-126.","part":7,"page":208},{"id":2812,"text":"من ضعفهن وسفههن، قال قتادة في هذه الآية: قلما تتكلم امرأة فتريد أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها. (1)\rوفي محل \"من\" ثلاثة أوجه: الرفع على الابتداء، والنصب على الإضمار، مجازه: أو من ينشؤ في الحلية يجعلونه بنات الله، والخفض ردا على قوله: \"مما يخلق\"، وقوله: \"بما ضرب\".\r{ وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ (20) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (21) }\r{ وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا } قرأ أهل الكوفة، وأبو عمرو: \"عباد الرحمن\" بالباء والألف بعدها ورفع الدال كقوله تعالى: \"بل عباد مكرمون\"( الأنبياء-26 ) ، وقرأ الآخرون: \"عند الرحمن\" بالنون ونصب الدال على الظرف، وتصديقه قوله عز وجل: \"إن الذين عند ربك\"( الأعراف-206 ) الآية، { أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ } قرأ أهل المدينة على ما لم يسم فاعله، ولين الهمزة الثانية بعد همزة الاستفهام، أي: أحضروا خلقهم، وقرأ الآخرون بفتح الشين أي أحضروا خلقهم حين خلقوا، وهذا كقوله: \"أم خلقنا الملائكة إناثًا وهم شاهدون\"( الصافات-150 ) ، { سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ } على الملائكة أنهم بنات الله، { وَيُسْأَلُونَ } عنها.\rقال الكلبي ومقاتل: لما قالوا هذا القول سألهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: \"ما يدريكم أنهم إناث؟\" قالوا: سمعنا من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا، (2) فقال الله تعالى: \"ستكتب شهادتهم ويسئلون\"، عنها في الآخرة.\r{ وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ } يعني الملائكة، قاله قتادة ومقاتل والكلبي، قال مجاهد: يعني الأوثان، وإنما لم يعجل عقوبتنا على عبادتنا إياها لرضاه منا بعبادتها. قال الله تعالى: { مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ } فيما يقولون { إِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ } ما هم إلا كاذبون في قولهم: إن الله تعالى رضي منا بعبادتها، وقيل: إن هم إلا يخرصون، في قولهم: إن الملائكة إناث وإنهم بنات الله.\r{ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ } أي من قبل القرآن بأن يعبدوا غير الله، { فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ }\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 25 / 57، وعبد الرزاق في التفسير: 2 / 195، وزاد السيوطي في الدر: 7 / 370 عزوه لعبد بن حميد وابن المنذر.\r(2) انظر: زاد المسير 7 / 307، وقد عزاه للبغوي، وقال: \"وهو منقطع\".","part":7,"page":209},{"id":2813,"text":".\r{ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) }","part":7,"page":210},{"id":2814,"text":"{ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (24) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28) }\r{ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ } على دين وملة، قال مجاهد: على إمام { وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ } جعلوا أنفسهم باتباع آبائهم مهتدين.\r{ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا } أغنياؤها ورؤساؤها، { إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ } بهم.\r{ قُلْ } قرأ ابن عامر وحفص: \"قال\" على الخبر، وقرأ الآخرون \"قل\" على الأمر، { أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ } قرأ أبو جعفر: \"جئناكم\" على الجمع، والآخرون \"جئتكم\" على الواحد، { بِأَهْدَى } بدين أصوب، { مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ } قال الزجاج: قل لهم [يا محمد]: (1) أتتبعون ما وجدتم عليه آباءكم وإن جئتكم بأهدى منه؟ فأبوا أن يقبلوا، و { قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } .\r{ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ } .\rقوله عز وجل: { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ } أي بريء، ولا يثنى البراء ولا يجمع ولا يؤنث لأنه مصدر وضع موضع النعت. { مِمَّا تَعْبُدُونَ } . { إِلا الَّذِي فَطَرَنِي } خلقني { فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ } يرشدني لدينه.\r{ وَجَعَلَهَا } يعني هذه الكلمة، { كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ } قال مجاهد وقتادة: يعني كلمة التوحيد، وهي \"لا إله إلا الله\" كلمة باقية في عقبه في ذريته. قال قتادة: لا يزال في ذريته من يعبد الله ويوحده. وقال القرظي: يعني: وجعل وصية إبراهيم التي أوصى بها بنيه باقية في نسله وذريته،\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".","part":7,"page":210},{"id":2815,"text":"وهو قوله عز وجل: \"ووصى بها إبراهيم بنيه\"( البقرة-132 ) .\rوقال ابن زيد: يعني قوله: \"أسلمت لرب العالمين\"( البقرة-131 ) ، وقرأ: \"هو سماكم المسلمين\"( الحج-78 ) .\r{ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } لعل أهل مكة يتبعون هذا الدين ويرجعون عما هم عليه إلى دين إبراهيم. وقال السدي: لعلهم يتوبون ويرجعون إلى طاعة الله عز وجل.\r{ بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (29) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (30) وَقَالُوا لَوْلا نزلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) }","part":7,"page":211},{"id":2816,"text":"{ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35) }\r{ بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ } يعني: المشركين في الدنيا، ولم أعاجلهم بالعقوبة على الكفر، { حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ } يعني القرآن، وقال الضحاك: الإسلام. { وَرَسُولٌ مُبِينٌ } يبين لهم الأحكام وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وكان من حق هذ الإنعام أن يطيعوه، فلم يفعلوا، وعصوا.\rوهو قوله عز وجل: { وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ } يعني القرآن، { قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ } . { وَقَالُوا لَوْلا نزلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } يعنون الوليد بن المغيرة من مكة، وعروة بن مسعود الثقفي بالطائف، قاله قتادة.\rوقال مجاهد: عتبة بن ربيعة من مكة، وابن عبد ياليل الثقفي من الطائف.\rوقيل: الوليد بن المغيرة من مكة، ومن الطائف: حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي. ويروى هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. (1) قال الله تعالى:\r{ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ } يعني النبوة، قال مقاتل 118/أ يقول: بأيديهم مفاتيح الرسالة فيضعونها حيث شاؤوا؟ ثم قال:\r{ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } فجعلنا هذا غنيًا وهذا فقيرًا وهذا ملكًا\r__________\r(1) أخرج هذه الأقوال الطبري: 25 / 65-66 ثم قال: \"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال كما قال جل ثناؤه مخبرا عن هؤلاء المشركين (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) إذ كان جائزا أن يكون بعض هؤلاء، ولم يضع الله تبارك وتعالى لنا الدلالة على الذين عنوا منهم في كتابه، ولا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، والاختلاف فيه موجود على ما بينت\". وبنحوه قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: 4 / 127-128 \"...والظاهر أن مرادهم رجل كبير من أي البلدتين كان\".","part":7,"page":211},{"id":2817,"text":"وهذا مملوكًا، فكما فضلنا بعضهم على بعض في الرزق كما شئنا، كذلك اصطفينا بالرسالة من شئنا.\r{ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ } بالغنى والمال، { لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا } ليستخدم بعضهم بعضًا فيسخر الأغنياء بأموالهم الأجراء الفقراء بالعمل، فيكون بعضهم لبعض سبب المعاش، هذا بماله، وهذا بأعماله، فيلتئم قوام أمر العالم. وقال قتادة والضحاك: يملك بعضهم بمالهم بعضًا بالعبودية والملك. { وَرَحْمَةُ رَبِّكَ } [يعني الجنة] (1) ، { خَيْرٌ } للمؤمنين، { مِمَّا يَجْمَعُونَ } مما يجمع الكفار من الأموال.\r{ وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً } أي: لولا أن يصيروا كلهم كفارًا فيجتمعون على الكفر، { لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ } قرأ ابن كثير، وأبو جعفر، وأبو عمرو: \"سقفا\" بفتح السين وسكون القاف على الواحد، ومعناه الجمع، كقوله تعالى: \"فخر عليهم السقف من فوقهم\"( النحل-26 ) ، وقرأ الباقون بضم السين والقاف على الجمع، وهي جمع \"سقف\" مثل: رهن ورهن، قال أبو عبيدة: ولا ثالث لهما. وقيل: هو جمع سقيف. وقيل: جمع سقوف جمع الجمع. { وَمَعَارِجَ } مصاعد ودرجًا من فضة، { عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ } يعلون ويرتقون، يقال: ظهرت على السطح إذا علوته.\r{ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا } من فضة، { وَسُرُرًا } أي: وجعلنا لهم سررًا من فضة، { عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ } .\r{ وَزُخْرُفًا } أي وجعلنا مع ذلك لهم زخرفًا وهو الذهب، نظيره: \"أو يكون لك بيت من زخرف\"( الإسراء-93 ) ، { وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } قرأ حمزة وعاصم: \"لما\" بالتشديد على معنى: وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا فكان: \"لما\" بمعنى إلا وخففه الآخرون على معنى: وكل ذلك متاع الحياة الدنيا، فيكون: \"إن\" للابتداء، و\"ما\" صلة، يريد: إن هذا كله متاع الحياة الدنيا يزول ويذهب، { وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ } خاصة يعني الجنة.\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو العباس عبد الله بن محمد بن هارون\r__________\r(1) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".","part":7,"page":212},{"id":2818,"text":"الطيسفوني، أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد الترابي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمر بن بسطام، أخبرنا أحمد بن سيار القرشي، حدثنا عبد الرحمن بن يونس أبو مسلم، حدثنا أبو بكر بن منظور، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها قطرة ماء\". (1)\rأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله، أخبرنا محمد بن إبراهيم بن عبد الله الخلال، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن [مجالد] (2) بن سعيد، عن قيس بن أبي حازم، عن المستورد ابن شداد أخي بني فهر قال: كنت في الركب الذين وقفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على السخلة الميتة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أترون هذه هانت على أهلها حين ألقوها\"؟ قالوا: من هوانها ألقوها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"فالدنيا أهون على الله من هذه على أهلها\". (3)\r{ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) }\rقوله عز وجل: { وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ } أي يعرض عن ذكر الرحمن فلم يخف عقابه، ولم يرج ثوابه، يقال: عشوت إلى النار أعشو عشوًا، إذا قصدتها مهتديًا بها، وعشوت عنها: أعرضت عنها، كما يقول: عدلت إلى فلان، وعدلت عنه، وملت إليه، وملت عنه. قال القرظي (4) : يولي ظهره عن ذكر الرحمن وهو القرآن. قال أبو عبيدة والأخفش: يظلم بصرف بصره عنه. قال الخليل بن أحمد: أصل العشو النظر ببصر ضعيف. وقرأ ابن عباس: \"ومن يعش\" بفتح الشين أي يعم، يقال عشى يعشى عشًا إذا عمي فهو أعشى، وامرأة عشواء. { نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا } قرأ يعقوب: \"يقيض\" بالياء، والباقون بالنون، نسبب له شيطانًا ونضمه إليه ونسلطه عليه. { فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } لا يفارقه، يزين له العمى ويخيل إليه أنه على الهدى.\r{ وَإِنَّهُمْ } يعني الشياطين، { لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ } أي ليمنعونهم عن الهدى وجمع\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الزهد، باب: ما جاء في هوان الدنيا على الله: 6 / 611 وقال: \"هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه\"، وابن ماجه في الزهد، باب: مثل الدنيا برقم: (4110): 2 / 1377، وأبو نعيم في الحلية: 3 / 253 من رواية أبي هريرة وقال: رواه البزار، والمصنف في شرح السنة: 14 / 229. قال الهيثمي في المجمع: 10 / 288: \"وفيه صالح مولى التوأمة، وهو ثقة لكنه اختلط، وبقية رجاله ثقات\". وصححه المناوي في فيض القدير: 5 / 328، وذكره الألباني في الصحيحة رقم: (686) وقال: \"روى من حديث سهل بن سعد، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجماعة من الصحابة، والحسن وعمرو بن مرة مرسلا، ثم ساق الروايات وقال: وبالجملة فالحديث بمجموع هذه الطرق صحيح بلا ريب، والله أعلم\".\r(2) في \"أ\" خالد، وما أثبتناه هو الصواب.\r(3) أخرجه الترمذي في الزهد، باب: ما جاء في هوان الدنيا على الله عز وجل: 6 / 611-612 وقال: \"حديث حسن\"، وابن ماجه في الزهد، باب: مثل الدنيا برقم: (4111) 2 / 1377، والإمام أحمد: 4 / 229، والمصنف في شرح السنة: 14 / 227-228.\r(4) في المخطوطتين \"القرطبي\" والصحيح \"القرظي\" كما ذكره القرطبي: 16 / 90.","part":7,"page":213},{"id":2819,"text":"الكناية لأن قوله: \"ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانًا\" في مذهبٍ جمعٌ وإن كان اللفظ على الواحد، { وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ } ويحسب كفار بني آدم أنهم على الهدى.\r{ حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (39) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (40) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41) }\r{ حَتَّى إِذَا جَاءَنَا } قرأ أهل العراق غير أبي بكر: \"جاءنا\" على الواحد يعنون الكافر، وقرأ الآخرون: جاءانا، على التثنية يعنون الكافر وقرينه، جعلا في سلسلة واحدة. { قَالَ } الكافر لقرينه الشيطان: { يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ } أي بعد ما بين المشرق والمغرب فغلب اسم أحدهما على الآخر كما يقال للشمس والقمر: القمران، ولأبي بكر وعمر: العمران. وقيل: أراد بالمشرقين مشرق الصيف ومشرق الشتاء، والأول أصح، { فَبِئْسَ الْقَرِينُ } قال أبو سعيد الخدري: إذا بعث الكافر زوج بقرينه من الشياطين فلا يفارقه حتى يصير إلى النار. (1)\r{ وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ } في الآخرة، { إِذْ ظَلَمْتُمْ } أشركتم في الدنيا، { أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ } يعني لا ينفعكم الاشتراك في العذاب ولا يخفف الاشتراك عنكم شيئًا من العذاب، لأن لكل واحد من الكفار والشياطين الحظ الأوفر من العذاب. وقال مقاتل: لن ينفعكم الاعتذار والندم اليوم فأنتم وقرناؤكم اليوم مشتركون في العذاب كما كنتم مشتركين في الدنيا [في الكفر]. (2)\r{ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } يعني الكافرين الذين حقت عليهم كلمة العذاب لا يؤمنون.\r{ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ } بأن نميتك قبل أن نعذبهم، { فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ } بالقتل بعدك.\r{ أَوْ نُرِيَنَّكَ } في حياتك، { الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ } من العذاب، { فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ } قادرون، متى شئنا عذبناهم، وأراد به مشركي مكة انتقم منهم يوم بدر، هذا قول أكثر المفسرين، وقال الحسن وقتادة: عنى به أهل الإسلام من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كان بعد النبي\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 25 / 74، وعبد الرزاق في التفسير: 2 / 196 كلاهما عن سعيد الجريري، خلافا لما في المخطوطتين إذ نسبتا القول لأبي سعيد الخدري. وزاد السيوطي في الدر المنثور: 7 / 378 عزوه لابن المنذر.\r(2) زيادة من \"ب\".","part":7,"page":214},{"id":2820,"text":"صلى الله عليه وسلم نقمة شديدة في أمته، فأكرم الله نبيه وذهب به ولم يره في أمته إلا الذي 118/ب يقر عينه، وأبقى النقمة بعده. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أري ما يصيب أمته بعده فما رئي ضاحكًا منبسطًا حتى قبضه الله. (1)\r{ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (42) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44) وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45) }\r{ فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } .\r{ وَإِنَّهُ } يعني القرآن، { لَذِكْرٌ لَكَ } لشرف لك، { وَلِقَوْمِكَ } من قريش، نظيره: \"لقد أنزلنا إليكم كتابًا فيه ذكركم\"( الأنبياء-10 ) ، أي شرفكم، { وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ } عن حقه وأداء شكره، روى الضحاك عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سئل لمن هذا الأمر بعدك؟ لم يخبر بشيء حتى نزلت هذه الآية، فكان بعد ذلك إذا سئل لمن هذا؟ قال: لقريش. (2)\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا عبد الرحمن بن شريح، أخبرنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا عاصم بن محمد بن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي اثنان\". (3)\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري قال: كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين\". (4)\rوقال مجاهد: القوم هم العرب، فالقرآن لهم شرف إذ نزل بلغتهم، ثم يختص بذلك الشرف الأخص فالأخص من العرب، حتى يكون [الأكثر لقريش ولبني هاشم.\rوقيل: \"ذكر ذلك\": شرف لك بما أعطاك من الحكمة، \"ولقومك\" المؤمنين بما\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 25 / 75، والحاكم: 2 / 447، وعبد الرزاق في التفسير: 2 / 197، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 379 أيضا لعبد بن حميد وابن المنذر.\r(2) انظر: الدر المنثور: 7 / 380.\r(3) أخرجه البخاري في المناقب، باب: مناقب قريش: 6 / 533، ومسلم في الإمارة، باب: الناس تبع لقريش والخلافة في قريش برقم: (1820): 3 / 1452، والمصنف في شرح السنة: 14 / 60.\r(4) قطعة من حديث أخرجه البخاري في المناقب باب مناقب قريش: 6 / 533.","part":7,"page":215},{"id":2821,"text":"هداهم] (1) الله به، \"وسوف تسئلون\" عن القرآن وعما يلزمكم من القيام بحقه.\rقوله عز وجل: { وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ } اختلفوا في هؤلاء المسئولين:\rقال عطاء عن ابن عباس: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم بعث الله له آدم وولده من المرسلين، فَأَذَّنَ جبريل ثم أقام، وقال: يا محمد تقدم فصل بهم، فلما فرغ من الصلاة قال له جبريل: سل يا محمد \"من أرسلنا قبلك من رسلنا\"، الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا أسأل فقد اكتفيت\"، وهذا قول الزهري وسعيد بن جبير وابن زيد، قالوا: جمع الله له المرسلين ليلة أسري به وأمره أن يسئلهم فلم يشك ولم يسأل. (2)\rوقال أكثر المفسرين: سل مؤمني أهل الكتاب الذين أرسلت إليهم الأنبياء هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد؟ (3) وهو قول ابن عباس في سائر الروايات، ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي والحسن والمقاتليين. يدل عليه قراءة عبد الله وأبيّ: \"واسئل الذين أرسلنا إليهم قبلك رسلنا\"، ومعنى الأمر بالسؤال التقرير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول ولا كتاب بعبادة غير الله عز وجل.\r{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (46) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (47) }\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ذكره القرطبي: 16 / 94-95 عن ابن عباس وابن زيد. وانظر: الطبري: 25 / 78.\r(3) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: 4 / 130 \"أي جميع الرسل دعوا إلى ما دعوت إليه ...كقوله: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)... واختاره ابن جرير.","part":7,"page":216},{"id":2822,"text":"{ وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (48) وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (49) }\rقوله عز وجل: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ } استهزاء.\r{ وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا } قرينتها وصاحبتها التي كانت قبلها، { وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ } بالسنين والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس، فكانت هذه دلالات لموسى، وعذابًا لهم، فكانت كل واحدة أكبر من التي قبلها، { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } عن كفرهم.\r{ وَقَالُوا } لموسى لما عاينوا العذاب، { يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ } يا أيها العالم الكامل الحاذق، وإنما قالوا هذا توقيرًا وتعظيمًا له، لأن السحر عندهم كان علمًا عظيمًا وصفة ممدوحة، وقيل: معناه","part":7,"page":216},{"id":2823,"text":"يا أيها الذي غلبنا بسحره. وقال الزجاج: خاطبوه به لما تقدم له عندهم من التسمية بالساحر. { ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ } أي بما أخبرتنا من عهده إليك إن آمنا كشف عنا العذاب فاسأله يكشف عنا العذاب، { إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ } مؤمنون، فدعا موسى فكشف عنهم فلم يؤمنوا، فذلك قوله عز وجل:\r{ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (50) وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54) }\r{ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ } ينقضون عهدهم ويصرون على كفرهم.\r{ وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأنْهَارُ } أنهار النيل، { تَجْرِي مِنْ تَحْتِي } من تحت قصوري، وقال قتادة: تجري بين يدي في جناني وبساتيني. وقال الحسن: بأمري. { أَفَلا تُبْصِرُونَ } عظمتي وشدة ملكي.\r{ أَمْ أَنَا خَيْرٌ } بل أنا خير، \"أم\" بمعنى \"بل\"، وليس بحرف عطف على قول أكثر المفسرين، وقال الفراء: الوقف على قوله: \"أم\"، وفيه إضمار، مجازه: أفلا تبصرون أم [تبصرون] (1) ، ثم ابتدأ فقال: أنا خير، { مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ } ضعيف حقير يعني موسى، قوله: { وَلا يَكَادُ يُبِينُ } يفصح بكلامه للثغته التي في لسانه.\r{ فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ } إن كان صادقًا، { أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ } قرأ حفص ويعقوب \"أسورة\" جمع سوار، وقرأ الآخرون \"أساورة\" على جمع الأسورة، وهي جمع الجمع. قال مجاهد: كانوا إذا سودوا رجلا سوروه بسوار وطوقوه بطوق من ذهب يكون ذلك دلالة لسيادته، فقال فرعون: هلا ألقى رب موسى عليه أسورة من ذهب إن كان سيدًا تجب علينا طاعته. { أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ } متتابعين يقارن بعضهم بعضًا يشهدون له بصدقه ويعينونه على أمره.\rقال الله تعالى: { فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ } أي استخف فرعون قومه القبط، أي وجدهم جهالا. وقيل: حملهم على الخفة والجهل. يقال: استخفه عن رأيه، إذا حمله على الجهل وأزاله عن الصواب،\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".","part":7,"page":217},{"id":2824,"text":"{ فَأَطَاعُوهُ } على تكذيب موسى، { إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ } .\r{ فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلا لِلآخِرِينَ (56) وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58) }\r{ فَلَمَّا آسَفُونَا } أغضبونا، { انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ } . { فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا } قرأ حمزة والكسائي \"سلفا\" بضم السين واللام، قال الفراء: هو جمع سليف من سلف بضم اللام يسلف، أي تقدم، وقرأ الآخرون بفتح السين واللام على جمع السالف، مثل: حارس وحرس 119/أ وخادم وخدم، وراصد ورصد، وهما جميعًا الماضون المتقدمون من الأمم، يقال: سلف يسلف، إذا تقدم والسلف من تقدم من الآباء، فجعلناهم متقدمين ليتعظ بهم الآخرون. { وَمَثَلا لِلآخِرِينَ } عبرة وعظة لمن بقي بعدهم. وقيل: سلفًا لكفار هذه الأمة إلى النار ومثلا لمن يجيء بعدهم.\r{ وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا } قال ابن عباس وأكثر المفسرين: إن الآية نزلت في مجادلة عبد الله بن الزبعري مع النبي صلى الله عليه وسلم في شأن عيسى عليه السلام، لما نزل قوله عز وجل: \"إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم\"( الأنبياء-98 ) ، وقد ذكرناه في سورة الأنبياء عليهم السلام. (1) { إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ } قرأ أهل المدينة والشام والكسائي: \"يصدون\" بضم الصاد، أي يعرضون، نظيره قوله تعالى: \"يصدون عنك صدودًا\"،( النساء-61 ) وقرأ الآخرون بكسر الصاد.\rواختلفوا في معناه، قال الكسائي: هما لغتان مثل يعرُشون ويعرِشون، وشد عليه يَشُدُّ ويَشِد، ونمَّ بالحديث يَنُمُّ وَينِمُّ.\rوقال ابن عباس: معناه يضجون. وقال سعيد بن المسيب: يصيحون. وقال الضحاك: يعجون. وقال قتادة: يجزعون. وقال القرظي: يضجرون. ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون يقولون ما يريد محمد منا إلا أن نعبده ونتخذه إلهًا كما عبدت النصارى عيسى.\r{ وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ } قال قتادة: \"أم هو\" يعنون محمدًا، فنعبده ونطيعه ونترك آلهتنا.\rوقال السدي وابن زيد: \"أم هو\" يعني عيسى، قالوا: يزعم محمد أن كل ما عبد من دون الله في النار فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى وعزير والملائكة في النار، وقال الله تعالى: { مَا ضَرَبُوهُ } يعني هذا المثل، { لَكَ إِلا جَدَلا } خصومة بالباطل وقد علموا أن المراد من قوله: \"وما تعبدون من دون الله حصب جهنم\"( الأنبياء-98 ) ، هؤلاء الأصنام. { بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ } .\r__________\r(1) انظر فيما سبق: 5 / 357.","part":7,"page":218},{"id":2825,"text":"أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو بكر عبد الرحمن بن عبد الله الحمشاوي، أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا حجاج بن دينار الواسطي، عن أبي غالب عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ما ضلَّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أُوتوا الجدل\"، ثم قرأ: \"ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون\". (1)\r{ إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (59) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ (60) }\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في التفسير (تفسير سورة الزخرف): 9 / 130-131 وقال: \"هذا حديث حسن صحيح، إنما نعرفه من حديث حجاج بن دينار، وحجاج ثقة مقارب الحديث، وأبو غالب اسمه حزور\"، وابن ماجه في المقدمة، باب: اجتناب البدع والجدل برقم: (48): 1 / 19، والإمام أحمد: 5 / 252-256، والحاكم: 2 / 448 وقال: \"حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 1 / 114، وابن أبي عاصم في السنة: 1 / 48، وحسن الألباني إسناده، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 385-386 لعبد بن حميد وسعيد بن منصور وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان.","part":7,"page":219},{"id":2826,"text":"{ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) }\rثم ذكر عيسى فقال: { إِنْ هُوَ } ما هو، يعني عيسى عليه السلام، { إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ } بالنبوة، { وَجَعَلْنَاهُ مَثَلا } آية وعبرة، { لِبَنِي إِسْرَائِيلَ } يعرفون به قدرة الله عز وجل على ما يشاء حيث خلقه من غير أب.\r{ وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً } أي ولو نشاء لأهلكناكم وجعلنا بدلا منكم ملائكة، { فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ } يكونون خلفًا منكم يعمرون الأرض ويعبدونني ويطيعونني. وقيل: يخلف بعضهم بعضًا.\r{ وَإِنَّهُ } يعني عيسى عليه السلام، { لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ } يعني نزوله من أشراط الساعة يعلم به قربها، وقرأ ابن عباس وأبو هريرة وقتادة: \"وإنه لعلم للساعة\" بفتح اللام والعين أي أمارة وعلامة.\rوروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم: \"ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عادلا يكسر الصليب، ويقتل الخنزير ويضع الجزية، وتهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام\". (1)\rويروى: \"أنه ينزل على ثنية بالأرض المقدسة، وعليه ممصرتان (2) ، وشعر رأسه دهين، وبيده حربة وهي التي يقتل بها الدجال، فيأتي بيت المقدس والناس في صلاة العصر، فيتأخر الإمام فيقدمه\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب: نزول عيسى بن مريم عليهما السلام: 6 / 490-491 ومسلم في الإيمان، باب نزول عيسى ابن مريم حاكما بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم برقم: (155) 1 / 135، والمصنف في شرح السنة: 15 / 80.\r(2) تثنية ممصرة وهي الثياب التي فيها صفرة خفيفة.","part":7,"page":219},{"id":2827,"text":"عيسى ويصلي خلفه على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم يقتل الخنازير ويكسر الصليب، ويخرب البيع والكنائس، ويقتل النصارى إلا من آمن به\". (1)\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا ابن بكير، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن نافع مولى أبي قتادة الأنصاري أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم\" ؟ (2)\rوقال الحسن وجماعة: \"وإنه\" يعني وإن القرآن لعلم للساعة يعلمكم قيامها، ويخبركم بأحوالها وأهوالها، { فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا } فلا تشكن فيها، قال ابن عباس: لا تكذبوا بها، { وَاتَّبِعُونِ } على التوحيد، { هَذَا } الذي أنا عليه، { صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ } .\r{ وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (62) وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلأبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (64) فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (65) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (66) }\r{ وَلا يَصُدَّنَّكُمُ } لا يصرفنكم، { الشَّيْطَانُ } عن دين الله، { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } .\r{ وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ } بالنبوة، { وَلأبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ } من أحكام التوراة، قال قتادة: يعني اختلاف الفرق الذين تحزبوا على أمر عيسى. قال الزجاج: الذي جاء به عيسى في الإنجيل إنما هو بعض الذي اختلفوا فيه، وَبَيَّن لهم في غير الإنجيل ما احتاجوا إليه. { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ } .\r{ إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ فَاخْتَلَفَ الأحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ } يعني أنها تأتيهم لا محالة فكأنهم ينتظرونها، { أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً } فجأة، { وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } .\r__________\r(1) انظر: أبو داود في الملاحم، باب: خروج الدجال: 6 / 177، مسند الإمام أحمد: 2 / 406،437.\r(2) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب: نزول عيسى بن مريم عليهما السلام: 6 / 491، ومسلم في الأنبياء، باب نزول عيسى بن مريم حاكما بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم برقم: (155): 1 / 136، والمصنف في شرح السنة: 15 / 82.","part":7,"page":220},{"id":2828,"text":"{ الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ (67) يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (69) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (70) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (71) }\r{ الأخِلاءُ } على المعصية في الدنيا، { يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة، { بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ } إلا المتحابين في الله عز وجل على طاعة الله عز وجل.\rأخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرني عقيل بن محمد بن أحمد، أن أبا الفرج البغدادي القاضي أخبرهم عن محمد بن جرير، حدثنا ابن عبد الأعلى، عن قتادة، حدثنا أبو ثور عن معمر عن قتادة عن أبي إسحاق أن عليًا قال في هذه الآية: خليلان مؤمنان وخليلان كافران، فمات أحد المؤمنين فقال: يا رب إن فلانًا كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالخير وينهاني عن الشر، ويخبرني أني ملاقيك، يا رب فلا تضله بعدي واهده كما هديتني وأكرمه كما أكرمتني، فإذا مات خليله المؤمن جمع بينهما، فيقول: ليثن أحدكما على صاحبه، فيقول: نعم الأخ، ونعم الخليل، ونعم الصاحب، قال: ويموت أحد الكافرين، فيقول: يا رب إن فلانًا كان ينهاني عن طاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير، ويخبرني أني غير ملاقيك، فيقول بئس الأخ، 119/ب وبئس الخليل، وبئس الصاحب (1) .\r{ يَا عِبَادِ } أي فيقال لهم: يا عبادي، { لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ } وروي عن المعتمر بن سليمان عن أبيه قال: سمعت أن الناس حين يبعثون ليس منهم أحد إلا فزع، فينادي مناد: \"يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون\" فيرجوها الناس كلهم فيتبعها: (2) { الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ } فييأس الناس منها غير المسلمين فيقال لهم: { ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ } تسرون وتنعمون.\r{ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ } جمع صحفة وهي القصعة الواسعة، { مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ } جمع كوب وهو إناء مستدير مدور الرأس لا عرى لها، { وَفِيهَا } أي في الجنة، { مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ } قرأ أهل المدينة والشام وحفص: { تشتهيه } ، وكذلك في مصاحفهم، وقرأ الآخرون بحذف الهاء. { وَتَلَذُّ الأعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } .\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 25 / 94، وعبد الرزاق في التفسير: 2 / 199-200، وزاد السيوطي في الدر: 7 / 389 نسبته لعبد بن حميد، وحميد بن زنجوبه، وابن أبي حاتم وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان.\r(2) أخرجه الطبري: 25 / 95، وانظر: السيوطي في الدر المنثور: 7 / 389-390.","part":7,"page":221},{"id":2829,"text":"أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن عبد الرحمن بن سابط قال: قال رجل: يا رسول الله أفي الجنة خيل؟ فإني أحب الخيل، فقال: \"إن يدخلك الله الجنة لا تشاء أن تركب فرسًا من ياقوتة حمراء فتطير بك في أي الجنة شئت، إلا فعلت\"، فقال أعرابي: يا رسول الله أفي الجنة إبل؟ فقال: \"يا أعرابي إن يدخلك الله الجنة أصبت فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك\". (1)\r{ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (73) }\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الجنة، باب: ما جاء في صفة خيل الجنة: 7 / 250-252 والإمام أحمد: 5 / 352 عن علقمة عن سليمان بن بريدة عن أبيه، والمصنف في شرح السنة: 15 / 222 وقد علق الشيخ الأرناؤوط بقوله: \"رجاله ثقات، إلا أنه مرسل. عبد الرحمن بن سابط تابعي ثقة\". قال الهيثمي في المجمع: 10 / 413 \"رواه الطبراني ورجاله ثقات\".","part":7,"page":222},{"id":2830,"text":"{ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (74) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (76) وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) }\r{ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ } وفي الحديث: \"لا ينزع رجل من الجنة من ثمرة إلا نبت مكانها مثلاها\" (1) .\r{ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ } المشركين، { فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ وَنَادَوْا يَامَالِكُ } . يدعون خازن النار، { لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } ليمتنا ربك فنستريح فيجيبهم مالك بعد ألف سنة، { قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ } مقيمون في العذاب.\rأخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة يذكره عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال [النبي صلى الله عليه وسلم] (2) : \"إن أهل النار يدعون مالكًا فلا يجيبهم أربعين عاما، ثم يرد عليهم إنكم ماكثون، قال: هانت-والله-دعوتهم على مالك\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 25 / 97، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 392 أيضا لعبد بن حميد. قال الهيثمي في المجمع: 10 / 414 \"رواه الطبراني والبزار، ورجال الطبراني وأحد إسنادي البزار ثقات\".\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\". والحديث موقوف على عبد الله بن عمرو كما جاء مختصرًا في مجمع الزوائد 10 / 396.","part":7,"page":222},{"id":2831,"text":"وعلى رب مالك، ثم يدعون ربهم فيقولون: ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قومًا ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون، قال: فيسكت عنهم قدر الدنيا مرتين، ثم يرد عليهم: اخسؤوا فيها ولا تكلمون، قال: فوالله ما نبس القوم بعدها بكلمة، وما هو إلا الزفير والشهيق في نار جهنم، فشبه أصواتهم بأصوات الحمير، أولها زفير وآخرها شهيق. (1)\r{ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (78) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80) قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (82) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83) }.\r{ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ } يقول أرسلنا إليكم يا معشر قريش رسولنا بالحق، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ } .\r{ أَمْ أَبْرَمُوا } أم أحكموا { أَمْرًا } في المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم، { فَإِنَّا مُبْرِمُونَ } محكمون أمرًا في مجازاتهم، قال مجاهد: إن كادوا شرا كدتهم مثله.\r{ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ } ما يسرونه من غيرهم ويتناجون به بينهم، { بَلَى } نسمع ذلك ونعلم، { ورسلنا } أيضًا من الملائكة يعني الحفظة، { لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ } .\r{ قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ } يعني إن كان للرحمن ولد في قولكم وعلى زعمكم، فأنا أول من عبده فإنه واحد لا شريك له ولا ولد. وروي عن ابن عباس: { إِنْ كَانَ } أي ما كان للرحمن ولد، فأنا أول العابدين الشاهدين له بذلك، جعل: \"إن\" بمعنى الجحد.\rوقال السدي: معناه لو كان للرحمن ولد فأنا أول من عبده بذلك، ولكن لا ولد له.\rوقيل: \"العابدين\" بمعنى الآنفين، أي: أنا أول الجاحدين والمنكرين لما قلتم.\rويقال: معناه: أنا أول من غضب للرحمن أن يقال له ولد، يقال: عبد يعبد إذا أنف وغضب.\rوقال قوم: قل ما يقال: عبد فهو عابد، إنما يقال: فهو عبد.\rثم نزه نفسه فقال: { سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } عما يقولون من الكذب.\r{ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا } في باطلهم، { وَيَلْعَبُوا } في دنياهم، { حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ } يعني يوم القيامة.\r__________\r(1) أورده الهيثمي في المجمع: 10 / 396 ثم قال: \"رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح\".","part":7,"page":223},{"id":2832,"text":"{ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84) وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (85) وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87) وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ (88) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89) }\r{ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأرْضِ إِلَهٌ } [قال قتادة: يعبد في السماء وفي الأرض لا إله إلا هو] (1) ، { وَهُوَ الْحَكِيمُ } في تدبير خلقه، { الْعَلِيمُ } بمصالحهم.\r{ وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } قرأ ابن كثير والكسائي \"يرجعون\" بالياء، والآخرون بالتاء.\r{ وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ } وهم عيسى وعزير والملائكة فإنهم عبدوا من دون الله، ولهم الشفاعة، وعلى هذا يكون \"من\" في محل الرفع، وقيل: \"من\" في محل الخفض، وأراد بالذين يدعون عيسى وعزير والملائكة، يعني أنهم لا يملكون الشفاعة إلا من شهد بالحق، والأول أصح، وأراد بشهادة الحق قوله لا إله إلا الله كلمة التوحيد، { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم.\r{ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ } يصرفون عن عبادته.\r{ وَقِيلِهِ يَا رَبِّ } يعني قول محمد صلى الله عليه وسلم شاكيًا إلى ربه: يا رب، { إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ } 120/أ قرأ عاصم وحمزة \"وقيله\" بجر اللام والهاء، على معنى: وعنده علم الساعة وعلم قيله يا رب، وقرأ الآخرون بالنصب، وله وجهان: أحدهما معناه: أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم وقيله يا رب، والثاني: وقال قيله.\r{ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ } أعرض عنهم، { وَقُلْ سَلامٌ } معناه: المتاركة، كقوله تعالى: \"سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين\"( القصص-55 ) ، { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } قرأ أهل المدينة والشام بالتاء، والباقون بالياء، قال مقاتل: نسختها آية السيف. (2)\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) انظر: تعليق رقم: (1) 3 / 32 عن النسخ بآية السيف.","part":7,"page":224},{"id":2833,"text":"سورة الدخان مكية (1)\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) }.\r{ حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ } قال قتادة وابن زيد: هي ليلة القدر أنزل الله القرآن في ليلة القدر من أم الكتاب إلى السماء الدنيا، ثم نزل به جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم نجومًا في عشرين سنة (2) . وقال آخرون: هي ليلة النصف من شعبان (3) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا الأصبغ بن الفرج، أخبرني ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث أن عبد الملك بن عبد الملك حدثه أن ابن أبي ذئب واسمه مصعب حدثه عن القاسم بن محمد عن أبيه أو عمه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"ينزل الله جل ثناؤه ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر لكل نفس إلا إنسانًا في قلبه شحناء أو مشركًا بالله\" (4) { إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ } .\r{ فِيهَا } أي في الليلة المباركة، { يُفْرَقُ } يفصل، { كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } محكم، وقال ابن عباس: يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما هو كائن في السنة من الخير والشر والأرزاق والآجال\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 397 لابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير قالا: \"نزلت بمكة سورة (حم) الدخان\".\r(2) أخرجه الطبري: 25 / 107، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 399 أيضا لعبد الرزاق وعبد بن حميد.\r(3) أخرجه الطبري: 25 / 109 ثم رجح قائلا: \"وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: ذلك ليلة القدر لما تقدم من بياننا عن أن المعنى بقوله: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة) ليلة القدر، والهاء في قوله (فيها) من ذكر الليلة المباركة. وعنى بقوله: (فيها يفرق كل أمر حكيم) في هذه الليلة المباركة يقضي ويفصل كل أمر أحكمه الله تعالى في تلك السنة إلى مثلها من السنة الأخرى\" .\r(4) ذكره الهيثمي في المجمع: 8 / 65، وابن أبي عاصم في السنة: 1 / 222 كلاهما عن أبي بكر، وقال البخاري: عبد الملك بن عبد الملك بن أبي ذئب عن القاسم: فيه نظر، قال أبو حاتم: عبد الملك بن مصعب بن أبي ذئب يروي عن القاسم عن أبيه: منكر الحديث (عن شرح السنة: 4 / 127) وأخرجه ابن حبان في الموارد برقم: (468)، وأبو نعيم في الحلية: 5 / 191 والمصنف في شرح السنة: 4 / 127.","part":7,"page":227},{"id":2834,"text":"حتى الحجاج، يقال: يحج فلان [ويحج فلان] (1) ، قال الحسن ومجاهد وقتادة: يبرم في ليلة القدر في شهر رمضان كل أجل وعمل وخلق ورزق، وما يكون في تلك السنة.\rوقال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان يبرم فيها أمر السنة وتنسخ الأحياء من الأموات فلا يزاد فيهم أحد ولا ينقص منهم أحد (2) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتى إن الرجل لينكح ويولد له ولقد أخرج اسمه في الموتى\" (3) .\rوروى أبو الضحى عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الله يقضي الأقضية في ليلة النصف من شعبان، ويسلمها إلى أربابها في ليلة القدر.\r{ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7) لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ (8) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (9) }\r{ أَمْرًا } أي أنزلنا أمرًا، { مِنْ عِنْدِنَا } قال الفراء: نصب على معنى: فيها يفرق كل أمر فرقًا وأمرًا، أي نأمر ببيان ذلك أمرًا { إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } محمدًا صلى الله عليه وسلم ومن قبله من الأنبياء.\r{ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ } قال ابن عباس: رأفة مني بخلقي ونعمتي عليهم بما بعثنا إليهم من الرسل. وقال الزجاج: أنزلناه في ليلة مباركة للرحمة، { إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا } قرأ أهل الكوفة: \"رب\" جرًّا، ردًا على قوله: \"من ربك\" ، ورفعه الآخرون ردًا على قوله: \"هو السميع العليم\" ، وقيل: على الابتداء، { إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ } أن الله رب السموات والأرض.\r{ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ } من هذا القرآن، { يَلْعَبُونَ } يهزؤون به لاهون عنه.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\". والأثر ذكره القرطبي: 16 / 127.\r(2) أخرجه الطبري: 25 / 109، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 401 أيضًا لابن المنذر وابن أبي حاتم.\r(3) أخرجه الطبري: 25 / 109 وقال الحافظ ابن كثير في التفسير: 4 / 138 \"هو حديث مرسل ومثله لا تعارض به النصوص\" .\rوانظر الدر المنثور: 7 / 401، فتح القدير للشوكاني: 4 / 572 .","part":7,"page":228},{"id":2835,"text":"{ فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) }\r{ فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ } اختلفوا في هذا الدخان:\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن كثير، عن سفيان، حدثنا منصور والأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: بينما رجل يحدث في كندة، فقال: يجيء دخان يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمن [كهيئة] (1) الزكام، ففزعنا فأتيت ابن مسعود وكان متكئًا فغضب فجلس، فقال: من علم فليقل، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم، فإن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: \"قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين\"( ص-86 ) ، وإن قريشًا أبطؤوا عن الإسلام فدعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: \"اللهم أَعِنِّي عليهم بسبع كسبع يوسف\" فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها وأكلوا الميتة والعظام، ويرى الرجل ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان، فجاء أبو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمر بصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم، فقرأ: \"فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين\" إلى قوله: \"إنكم عائدون\" ، أفيكشف عنهم عذاب الآخرة إذا جاء؟ ثم عادوا إلى كفرهم، فذلك قوله: { يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى } يعني يوم بدر و { لزامًا } يوم بدر، \"آلم غلبت الروم\" ، إلى \"سيغلبون\"( الروم-3 ) ، الروم قد مضى (2) .\rورواه محمد بن إسماعيل عن يحيى عن وكيع عن الأعمش، قال: قالوا: { رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ } فقيل له: إن كشفنا عنهم عادوا إلى كفرهم، فدعا ربه فكشف عنهم فعادوا فانتقم الله منهم يوم بدر، فذلك قوله: \"فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين\" ، إلى قوله: \"إنا منتقمون\" (3) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد الله قال: خمس قد مضين اللزام والروم والبطشة والقمر والدخان (4) .\rوقال قوم: هو دخان يجيء قبل قيام الساعة ولم يأت بعد، فيدخل في أسماع الكفار والمنافقين حتى يكون كالرأس الحنيذ، ويعتري المؤمن منه كهيئة الزكام وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه النار، وهو قول ابن عباس وابن عمر والحسن (5) .\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) أخرجه البخاري في التفسير- تفسير سورة الروم: 8 / 511.\r(3) أخرجه البخاري في التفسير (تفسير سورة الفرقان) 8 / 496 .\r(4) أخرجه البخاري في تفسير سورة الدخان: 8 / 573.\r(5) انظر: الطبري: 25 / 113، الدر المنثور: 7 / 407-408.","part":7,"page":229},{"id":2836,"text":"أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا عقيل بن محمد الجرجاني، حدثنا أبو الفرج المعافي بن زكريا البغدادي، حدثنا محمد بن جرير الطبري، حدثني عصام بن رواد بن الجراح، حدثنا أبي، أخبرنا أبو سفيان بن سعيد، حدثنا منصور بن المعتمر عن ربعي بن خراش قال: سمعت حذيفة بن اليمان 120/ب يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أول الآيات الدخان، ونزول عيسى بن مريم، ونار تخرج من قعر عدن أبين، تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا\" ، قال حذيفة: يا رسول الله وما الدخان؟ فتلا هذه الآية: \"يوم تأتي السماء بدخان مبين\" ، يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يومًا وليلة، أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكام، وأما الكافر فكمنزلة السكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره (1) .\r{ أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (14) إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (15) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (16) وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (18) }\r{ أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى } من أين لهم التذكر والاتعاظ؟ يقول: كيف يتذكرون ويتعظون؟ { وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ } ظاهر الصدق يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم.\r{ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ } أعرضوا عنه، { وَقَالُوا مُعَلَّمٌ } أي يعلمه بشر، { مَجْنُونٌ } .\rقال الله تعالى: { إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ } أي عذاب الجوع، { قَلِيلا } أي زمانًا يسيرًا، قال مقاتل: إلى يوم بدر. { إِنَّكُمْ عَائِدُونَ } إلى كفركم.\r{ يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى } وهو يوم بدر، { إِنَّا مُنْتَقِمُونَ } وهذا قول ابن مسعود وأكثر العلماء، وقال الحسن: يوم القيامة، وروى عكرمة ذلك عن ابن عباس.\r{ وَلَقَدْ فَتَنَّا } بلونا، { قَبْلَهُمْ } قبل هؤلاء، { قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ } على الله وهو موسى بن عمران.\r{ أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ } يعني بني إسرائيل أطلقهم ولا تعذبهم، { إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } على الوحي.\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 25 / 114 بذكر كلمة (الدجال) بدل الدخان وكذلك عند ابن كثير ثم قال الطبري: \" ولم أشهد له بالصحة، لأن محمد بن خلف العسقلاني حدثني أنه سأل روادًا عن هذا الحديث، هل سمعه من سفيان؟ فقال له: لا ، فقلت له: فقرأته عليه؟ ، فقال: لا، فقلت له: فقرىء عليه وأنت حاضر فأقر به؟ فقال: لا، فقلت: فمن أين جئت به؟ قال: جاءني به قوم فعرضوه علىَّ وقالوا لي: اسمعه منا فقرؤوه علي، ثم ذهبوا، فحدثوا به عني، أو كما قال\" .","part":7,"page":230},{"id":2837,"text":"{ وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (19) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (21) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (23) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) }\r{ وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ } لا تتجبروا عليه بترك طاعته، { إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ } ببرهان بَيِّن على صدق قولي، فلما قال ذلك توعدوه بالقتل، فقال:\r{ وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ } . { وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ } أي: تقتلوني، وقال ابن عباس: تشتموني وتقولوا هو ساحر. وقال قتادة: ترجموني بالحجارة.\r{ وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ } فاتركوني لا معي ولا علي. وقال ابن عباس: فاعتزلوا أذاي باليد واللسان، فلم يؤمنوا.\r{ فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ } مشركون، فأجابه الله وأمره أن يسري، فقال:\r{ فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلا } أي ببني إسرائيل، { إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ } يتبعكم فرعون وقومه.\r{ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ } إذا قطعته أنت وأصحابك، { رَهْوًا } ساكنًا على حالته وهيئته، بعد أن ضربته ودخلته، معناه: لا تأمره أن يرجع، اتركه حتى يدخله آل فرعون، وأصل \"الرهو\" : السكون. وقال مقاتل: معناه: اترك البحر رهوًا [راهيا] (1) أي: ساكنًا، فسمي بالمصدر، أي ذا رهو. وقال كعب: اتركه طريقًا. قال قتادة: طريقًا يابسًا. قال قتادة: لما قطع موسى البحر عطف ليضرب البحر بعصاه ليلتئم وخاف أن يتبعه فرعون [وجنوده] (2) فقيل له: اترك البحر رهوًا كما هو، { إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ } أخبر موسى أنه يغرقهم ليطمئن قلبه في تركه البحر كما جاوزه. ثم ذكر ما تركوا بمصر.\rفقال: { كَمْ تَرَكُوا } [يعني بعد الغرق] (3) { مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } مجلس شريف، قال قتادة: الكريم الحسن.\r{ وَنَعْمَةٍ } ومتعة وعيش لين، { كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ } ناعمين وفكهين: أشرين بطرين.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) زيادة من \"ب\".","part":7,"page":231},{"id":2838,"text":"{ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (29) وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (31) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (32) }\r{ كَذَلِكَ } قال الكلبي: كذلك أفعل بمن عصاني، { وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ } يعني بني إسرائيل.\r{ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ } وذلك أن المؤمن إذا مات تبكي عليه السماء والأرض أربعين صباحًا، وهؤلاء لم يكن يصعد لهم عمل صالح فتبكي السماء على فقده، ولا لهم على الأرض عمر صالح فتبكي الأرض عليه.\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو عبد الله الفنجوي، حدثنا أبو علي المقري، حدثنا أبو يعلي الموصلي، حدثنا أحمد بن إسحاق البصري، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا موسى بن عبيدة الرَّبذي، أخبرني يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"ما من عبد إلا له في السماء بابان باب يخرج منه رزقه، وباب يدخل فيه عمله، فإذا مات فقداه وبكيا عليه\" وتلا \"فما بكت عليهم السماء والأرض\" (1) .\rقال عطاء: بكاء السماء حمرة أطرافها.\rقال السدي: لما قتل الحسين بن علي بكت عليه السماء، وبكاؤها حمرتها (2) .\r{ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ } لم ينظروا حين أخذهم العذاب لتوبة ولا لغيرها.\r{ وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ } قتل الأبناء واستحياء النساء والتعب في العمل.\r{ مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ } يعني مؤمني بني إسرائيل، { عَلَى عِلْمٍ } بهم، { عَلَى الْعَالَمِينَ } على عالمي زمانهم.\r__________\r(1) اخرجه الترمذي في التفسير (تفسير سورة الدخان) 9 / 136-137 وقال: \" هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وموسى بن عبيدة ويزيد بن أبان الرُّقاشي يُضعفان في الحديث\" ، وأبو يعلي في مسنده: 4 / 157 والخطيب في تاريخ بغداد: 8 / 327. قال الهيثمي في المجمع: 7 / 105: \"رواه أبو يعلي وفيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف\" ، وعزاه ابن حجر في المطالب العالية: 3 / 370 لأبي يعلى بإسناد ضعيف. وقال البوصيري: رواه أبو يعلى بسند ضعيف لضعف يزيد الرقاشي وموسى بن عبيدة الربذي ورواه الترمذي مختصرًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 411 لابن أبي الدنيا، وأبي يعلى، وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي نعيم في الحلية.\r(2) انظر: القرطبي: 16 / 141.","part":7,"page":232},{"id":2839,"text":"{ وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ (33) إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ إِلا مَوْتَتُنَا الأولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (36) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (37) }\r{ وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ } قال قتادة: نعمة بينة من فلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، والنعم التي أنعمها عليهم. وقال ابن زيد: ابتلاهم بالرخاء والشدة، وقرأ: \"ونبلوكم بالشر والخير فتنة\"( الأنبياء-35 ) .\r{ إِنَّ هَؤُلاءِ } يعني مشركي مكة { لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلا مَوْتَتُنَا الأولَى } أي لا موتة إلا هذه التي نموتها في الدنيا، ثم لا بعث بعدها. وهو قوله: { وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ } بمبعوثين بعد موتتنا.\r{ فَأْتُوا بِآبَائِنَا } [الذين ماتوا] (1) { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } أنا نبعث أحياء بعد الموت، ثم خوفهم مثل عذاب الأمم الخالية فقال: { أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ } أي ليسوا خيرًا منهم، يعني أقوى وأشد وأكثر من قوم تبع. قال قتادة: هو تبع الحميري، وكان سار بالجيوش حتى حير الحيرة، وبنى سمرقند وكان من ملوك اليمن، سمي تبعًا لكثرة أتباعه، وكل واحد منهم يسمى: \"تبعا\" لأنه يتبع صاحبه، وكان هذا يعبد النار فأسلم ودعا قومه إلى الإسلام وهم حمير، فكذبوه وكان من خبره ما ذكره محمد بن إسحاق وغيره (2) .\rوذكر عكرمة عن ابن عباس قالوا: كان تبع الآخر وهو أسعد أبو كرب بن مليك [جاء بكر] (3) حين أقبل من المشرق وجعل طريقه على المدينة، وقد كان حين مر بها خلف بين أظهرهم ابنًا له فقتل غيلة، فقدمها وهو مجمع لإخرابها واستئصال أهلها، فجمع له هذا الحي من الأنصار حين سمعوا ذلك من أمره، فخرجوا لقتاله وكان الأنصار يقاتلونه بالنهار ويقرونه بالليل، فأعجبه ذلك وقال: إن هؤلاء لكرام، إذ جاءه حبران اسمهما: كعب وأسد من أحبار بني قريظة، عالمان وكانا ابني عم، حين سمعا ما يريد من إهلاك 121/أ المدينة وأهلها، فقالا له: أيها الملك لا تفعل فإنك إن أبيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها، ولم نأمن عليك عاجل العقوبة. فإنها مهاجر نبي يخرج من هذا الحي من قريش اسمه محمد، مولده مكة، وهذه دار هجرته ومنزلك الذي أنت به يكون به من القتل والجراح أمر كبير في أصحابه، وفي عدوهم. قال تبع: من يقاتله وهو نبي؟ قالا يسير إليه قومه فيقتلون ها هنا، فتناهى لقولهما عما كان يريد بالمدينة، ثم إنهما دعواه إلى دينهما فأجابهما واتبعهما على دينهما وأكرمهما وانصرف عن المدينة، وخرج بهما ونفر من اليهود عامدين إلى اليمن،\r__________\r(1) ساقط من \"أ\" .\r(2) انظر: الطبري: 25 / 128، سيرة ابن إسحاق ص (29-33) تحقيق محمد حميد الله.\r(3) ساقط من \"أ\".","part":7,"page":233},{"id":2840,"text":"فأتاه في الطريق نفر من هذيل وقالوا: إنا ندلك على بيت فيه كنز من لؤلؤ وزبرجد وفضة، قال: أي بيت؟ قالوا: بيت بمكة، وإنما تريد هذيل هلاكه لأنهم عرفوا أنه لم يرده أحد قط بسوء إلا هلك، فذكر ذلك للأحبار، فقالوا: ما نعلم لله في الأرض بيتا غير هذا البيت، فاتخذه مسجدا وانسك عنده وانحر واحلق رأسك، وما أراد القوم إلا هلاكك لأنه ما ناوأهم أحد قط إلا هلك، فأكرمه واصنع عنده ما يصنع أهله، فلما قالوا له ذلك أخذ النفر من هذيل فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ثم صلبهم، فلما قدم مكة نزل الشعب شعب البطائح، وكسا البيت الوصائل، وهو أول من كسا البيت، ونحر بالشعب ستة آلاف بدنة، وأقام به ستة أيام وطاف به وحلق وانصرف، فلما دنا من اليمن ليدخلها حالت حمير بين ذلك وبينه، قالوا: لا تدخل علينا وقد فارقت ديننا، فدعاهم إلى دينه وقال إنه دين خير من دينكم، قالوا: فحاكمنا إلى النار، وكانت باليمن نار في أسفل جبل يتحاكمون إليها فيما يختلفون فيه، فتأكل الظالم ولا تضر المظلوم، فقال تبع: أنصفتم، فخرج القوم بأوثانهم وما يتقربون به في دينهم وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما حتى قعدوا للنار عند مخرجها الذي تخرج منه، فخرجت النار فأقبلت حتى غشيتهم، فأكلت الأوثان وما قربوا معها، ومن حمل ذلك من رجال حمير، وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما، يتلوان التوراة تعرق جباههما لم تضرهما، ونكصت النار حتى رجعت إلى مخرجها الذي خرجت منه فأصفقت عند ذلك حمير على دينهما، فمن هنالك كان أصل اليهودية في اليمن (1) .\rوذكر أبو حاتم عن الرقاشي قال: كان أبو كرب أسعد الحميري من التبابعة، آمن بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث بسبعمائة سنة.\rوذكر لنا أن كعبًا كان يقول: ذم الله قومه ولم يذمه (2) .\rوكانت عائشة تقول: لا تسبوا تبعًا فإنه كان رجلا صالحًا (3) .\rوقال سعيد بن جبير: هو الذي كسا البيت (4) .\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري، حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي، حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو زرعة بن عمرو بن جرير عن سهل بن سعد قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: \"لا تسبوا تبعًا فإنه كان قد أسلم\" (5) .\r__________\r(1) انظر: سيرة ابن إسحاق، المرجع السابق، البداية والنهاية لابن كثير: 2 / 163-167.\r(2) انظر: الطبري: 25 / 129، القرطبي: 16 / 146.\r(3) أخرجه الطبري: 25 / 128، وزاد السيوطي في الدر المنثور: 7 / 415 عزوه لعبد بن حميد.\r(4) أخرجه الطبري: 25 / 129، وعزاه السيوطي في الدر: 7 / 415 أيضا لابن المنذر وابن عساكر.\r(5) أخرجه الإمام أحمد: 5 / 340، وعزاه السيوطي في الدر: 7 / 415 للطبراني، وابن أبي حاتم، وابن مردويه. قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص (148): \"وفيه ابن لهيعة عن عمرو بن جابر وهما ضعيفان\" . وقال الهيثمي في \"المجمع\" (8 / 76): \"رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه عمرو بن جابر وهو كذاب\". والذي في المسند عند الإمام أحمد وعند المصنف: (أبو زرعة بن عمرو بن جرير) وليس (عمرو بن جابر) ، والأول: أبو زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي، الكوفي، قيل: اسمه هرم،، وقيل: عمرو، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: جرير، ثقة، من الثالثة (التقريب). والثاني: عمرو بن جابر الحضرمي، أبو زرعة المصري، ضعيف شيعي، من الرابعة، مات بعد العشرين ومائة ، (التقريب).","part":7,"page":234},{"id":2841,"text":"أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، حدثنا ابن أبي شيبة، حدثنا محمد بن علي بن سالم الهمداني، حدثنا أبو الأزهر أحمد بن الأزهر النيسابوري، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ما أدري تبع نبيًا كان أو غير نبي\" (1) . { وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } من الأمم الكافرة. { أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ } .\r{ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (39) }\r__________\r(1) أخرجه الحاكم: 1 / 36، والبيهقي في السنن: 8 / 329، وعزاه الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص (148) للثعلبي من طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن أبي ذئب عن المقبري. وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة: 5 / 251-253.","part":7,"page":235},{"id":2842,"text":"{ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40) يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (41) إِلا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (42) إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الأثِيمِ (44) }\r{ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلا بِالْحَقِّ } قيل: يعني للحق وهو الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية. { وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ } .\r{ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ } يوم يفصل الرحمن بين العباد، { مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ } يوافي يوم القيامة الأولون والآخرون.\r{ يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا } لا ينفع قريب قريبه ولا يدفع عنه شيئًا، { وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ } لا يمنعون من عذاب الله.\r{ إِلا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ } يريد المؤمنين فإنه يشفع بعضهم لبعض، { إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ } في انتقامه من أعدائه، { الرَّحِيمُ } بالمؤمنين.\r{ إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الأثِيمِ } [أي ذي الإثم] (1) وهو أبو جهل.\r__________\r(1) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".","part":7,"page":235},{"id":2843,"text":"{ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (47) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (50) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51) }\r{ كَالْمُهْلِ } هو دردي الزيت الأسود، { يَغْلِي فِي الْبُطُونِ } قرأ ابن كثير وحفص \"يغلي\" بالياء، جعلوا الفعل للمهل، وقرأ الآخرون بالتاء لتأنيث الشجرة، \"في البطون\" أي بطون الكفار، { كَغَلْيِ الْحَمِيمِ } كالماء الحار إذا اشتد غليانه.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو بكر العبدوسي، أخبرنا أبو بكر محمد بن حمدون بن خالد بن يزيد، حدثنا سليمان بن يوسف، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا شعبة عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أيها الناس اتقوا الله حق تقاته، فلو أن قطرة من الزقوم قطرت على الأرض لأمرَّتْ على أهل الدنيا معيشتهم، فكيف بمن تكون طعامه وليس لهم طعام غيره\" (1) .\rقوله تعالى: { خُذُوهُ } أي يقال للزبانية: خذوه، يعني الأثيم، { فَاعْتِلُوهُ } قرأ أهل الكوفة، وأبو جعفر، وأبو عمرو: بكسر التاء، وقرأ الباقون بضمها، وهما لغتان، أي ادفعوه وسوقوه، يقال: عتله يعتله عتلا إذا ساقه بالعنف والدفع والجذب، { إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ } وسطه.\r{ ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ } قال مقاتل، إن خازن النار يضربه على رأسه فينقب رأسه عن دماغه، ثم يصب فيه ماء حميمًا قد انتهى حره (2) .\rثم يقال له: { ذُقْ } هذا العذاب، { إِنَّكَ } قرأ الكسائي \"أنك\" بفتح الألف، أي لأنك كنت تقول: أنا العزيز، وقرأ الآخرون بكسرها على الابتداء، { إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ } عند قومك بزعمك، وذلك أن أبا جهل كان يقول: أنا أعز أهل الوادي وأكرمهم، فيقول له هذا خزنة النار، على طريق الاستحقار والتوبيخ.\r{ إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ } تشكون فيه ولا تؤمنون به. ثم ذكر مستقر المتقين، فقال:\r{ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ } قرأ أهل المدينة والشام: \"في مقام\" بضم الميم على المصدر،\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في صفة جهنم، باب: ما جاء في صفة شراب أهل النار: 7 / 307-308 وقال: \"هذا حديث حسن صحيح \"، وابن ماجه في الزهد، باب صفة النار برقم: (4325): 2 / 1446، والإمام أحمد: 1 / 301، وابن حبان في موارد الظمآن، كتاب البعث، باب: في صفة جهنم برقم: (2611): ص 649، والمصنف في شرح السنة: 15 / 246.\r(2) انظر: القرطبي: 16 / 150.","part":7,"page":236},{"id":2844,"text":"أي في إقامة، وقرأ الآخرون بفتح الميم، أي في مجلس أمين، أمنوا فيه من الغير، أي من الموت ومن الخروج منه. 121/ب\r{ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (52) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (53) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (54) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (55) لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (56) فَضْلا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (57) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (58) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (59) }\r{ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ } أي كما أكرمناهم بما وصفنا من الجنات والعيون واللباس كذلك أكرمناهم بأن زوجناهم، { بِحُورٍ عِينٍ } أي قرناهم بهن، ليس من عقد التزويج، لأنه لا يقال: زوجته بامرأة، قال أبو عبيدة: جعلناهم أزواجًا لهن كما يزوج البعل بالبعل، أي جعلناهم اثنين اثنين، و\"الحور\": هن النساء النقيات البياض. قال مجاهد: يحار فيهن الطرف من بياضهن وصفاء لونهن. وقال أبو عبيدة: \"الحور\" : هن شديدات بياض الأعين الشديدات سوادها، واحدها أحور، والمرأة حوراء، و\"العين\" جمع العيناء، وهي عظيمة العينين.\r{ يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ } اشتهوها، { آمِنِينَ } من نفادها ومن مضرتها. وقال قتادة: آمنين من الموت والأوصاب والشياطين.\r{ لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأولَى } أي سوى الموتة التي ذاقوها في الدنيا، وبعدها وضع: \"إلا\" موضع سوى وبعد، وهذا كقوله تعالى: \"ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف\"( النساء-22 ) ، أي سوى ما قد سلف، وبعد ما قد سلف، وقيل: إنما استثنى الموتة الأولى وهي في الدنيا من موت في الجنة لأن السعداء حين يموتون يصيرون بلطف إلى أسباب الجنة، يلقون الروح والريحان ويرون منازلهم في الجنة، فكان موتهم في الدنيا كأنهم في الجنة لاتصالهم بأسبابها ومشاهدتهم إياها. { وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ } .\r{ فَضْلا مِنْ رَبِّكَ } أي فعل ذلك بهم فضلا منه، { ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } .\r{ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ } سهلنا القرآن، كناية عن غير مذكور، { بِلِسَانِكَ } أي على لسانك، { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } يتعظون.\r{ فَارْتَقِبْ } فانتظر النصر من ربك. وقيل: فانتظر لهم العذاب. { إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ }","part":7,"page":237},{"id":2845,"text":"منتظرون قهرك بزعمهم.\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن فنجويه، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا أبو عيسى موسى بن علي الختلي، حدثنا أبو هاشم الرفاعي، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا عمر بن عبد الله بن أبي خثعم، عن يحيى بن كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"من قرأ حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك\" (1)\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في فضائل القرآن، باب: ما جاء في حم الدخان: 8 / 198 وقال: \"هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وعمر بن أبي خثعم يضعف. قال محمد: هو منكر\" وأخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\": 5 / 411-412، وقال: \"وكذلك رواه عمر بن يونس عن عمر بن عبد الله بن أبي خثعم، وعمر بن عبد الله منكر الحديث\" . وأخرجه ابن عدي في \"الكامل\": 5 / 1720، وقال الألباني في \"ضعيف الجامع الصغير وزيادته\" : موضوع. وانظر: الكافي الشاف لابن حجر ص (148-149) .","part":7,"page":238},{"id":2846,"text":"سورة الجاثية مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ حم (1) تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) }\r{ حم تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ } ، قرأ حمزة، والكسائي، ويعقوب: \"آياتٍ\" وتصريف الرياح آيات\" بكسر التاء فيهما ردا على قوله: \"لآيات\" وهو في موضع النصب، وقرأ الآخرون برفعهما على الاستئناف، على أن العرب تقول: إن لي عليك مالا وعلى أخيك مال، ينصبون الثاني ويرفعونه، { لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } أنه لا إله غيره.\r{ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ } يعني الغيث الذي هو سبب أرزاق العباد، { فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } .\r{ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ } يريد هذا الذي قصصنا عليك من آيات الله نقصها عليك بالحق، { فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ } بعد كتاب الله، { وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ } قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر ويعقوب: \"تؤمنون\" بالتاء، على معنى قل لهم يا محمد: فبأي حديث تؤمنون، وقرأ الآخرون بالياء.\r{ وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } كذاب صاحب إثم، يعني: النضر بن الحارث.\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 422 لابن مردويه عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: نزلت بمكة سورة (حم) الجاثية.","part":7,"page":241},{"id":2847,"text":"{ يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (9) مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (10) هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (11) اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13) }","part":7,"page":242},{"id":2848,"text":"{ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) }\r{ يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا } قال مقاتل: من القرآن، { شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ } وذكر بلفظ الجمع ردا إلى \"كل\" في قوله: \"لكل أفاك أثيم\".\r{ مِنْ وَرَائِهِمْ } أمامهم، { جَهَنَّمُ } يعني أنهم في الدنيا [ممتعون بأموالهم] (1) ولهم في الآخرة النار يدخلونها، { وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا } من الأموال، { شَيْئًا وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ } ولا ما عبدوا من دون الله من الآلهة، { وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } .\r{ هَذَا } يعني هذا القرآن، { هُدًى } بيان من الضلالة، { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ } .\r{ اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ } ومعنى تسخيرها أنه خلقها لمنافعنا. فهو مسخر لنا من حيث إنا ننتفع به، { جَمِيعًا مِنْهُ } فلا تجعلوا لله أندادًا، قال ابن عباس: \"جميعًا منه\" ، كل ذلك رحمة منه. قال الزجاج: كل ذلك تفضل منه وإحسان. { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } .\r{ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ } أي لا يخافون وقائع الله ولا يبالون نقمته، قال ابن عباس ومقاتل: نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وذلك أن رجلا من بني غفار شتمه بمكة فهم عمر -رضي الله تعالى عنه-أن يبطش به، فأنزل الله هذه الآية،\r__________\r(1) ما بين القوسين غير موجود في النسختين لكن المعنى يقتضيه وهو في المطبوع.","part":7,"page":242},{"id":2849,"text":"وأمره أن يعفو عنه (1) .\rوقال القرظي والسدي: نزلت في أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل مكة كانوا في أذى شديد من المشركين، من قبل أن يؤمروا بالقتال، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية (2) ثم نسختها آية القتال (3) . { لِيَجْزِيَ قَوْمًا } قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي \"لنجزي\" بالنون، وقرأ الآخرون بالياء، أي ليجزي الله، وقرأ أبو جعفر \"ليجزي\" بضم الياء الأولى وسكون الثانية وفتح الزاي، قال أبو عمرو: وهو لحن، قال الكسائي: معناه ليجزي الجزاء قومًا، { بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } .\r{ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15) وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الأمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (18) }\r{ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ } التوراة، { وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ } الحلالات، يعني 122/أ المن والسلوى، { وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } أي عالمي زمانهم، قال ابن عباس لم يكن أحد من العالمين في زمانهم أكرم على الله ولا أحب إليه منهم.\r{ وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الأمْرِ } يعني العلم بمبعث محمد صلى الله عليه وسلم وما بين لهم من أمره، { فَمَا اخْتَلَفُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } .\r{ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ } [يا محمد] (4) { عَلَى شَرِيعَةٍ } سنة وطريقة بعد موسى، { مِنَ الأمْرِ } من الدين، { فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ } يعني مراد الكافرين، وذلك أنهم كانوا\r__________\r(1) انظر: زاد المسير: 7 / 358.\r(2) انظر: زاد المسير: 7 / 358 وقد عزاه مع سابقه للبغوي.\r(3) انظر فيما سبق 3 / 32.\r(4) زيادة من \"ب\".","part":7,"page":243},{"id":2850,"text":"يقولون له: ارجع إلى دين آبائك، فإنهم كانوا أفضل منك، فقال جل ذكره:\r{ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا } .\r{ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (22) }\r{ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا } [لن يدفعوا عنك من عذاب الله شيئًا] (1) إن اتبعت أهواءهم، { وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ } .\r{ هَذَا } يعني القرآن، { بَصَائِرُ لِلنَّاسِ } [معالم للناس] (2) في الحدود والأحكام يبصرون بها، { وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } .\r{ أَمْ حَسِبَ } [بل حسب] (3) { الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ } اكتسبوا المعاصي والكفر { أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } نزلت في نفر من مشركي مكة، قالوا للمؤمنين: لئن كان ما تقولون حقًا لنفضلن عليكم في الآخرة كما فضلنا عليكم في الدنيا (4) . { سَوَاءً مَحْيَاهُمْ } قرأ حمزة والكسائي وحفص ويعقوب: \"سواء\" بالنصب، أي: نجعلهم سواء، يعني: أحسبوا أن حياة الكافرين { وَمَمَاتُهُمْ } كحياة المؤمنين وموتهم سواء كلا وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء والخبر أي محياهم ومماتهم سواء فالضمير فيهما يرجع إلى المؤمنين والكافرين جميعًا، معناه: المؤمن مؤمن محياه ومماته أي في الدنيا والآخرة، والكافر كافر في الدنيا والآخرة، { سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } بئس ما يقضون، قال مسروق: قال لي رجل من أهل مكة: هذا مقام أخيك تميم الداري، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو كاد أن يصبح يقرأ آية من كتاب الله يركع بها ويسجد ويبكي (5) . \"أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات\" الآية.\r{ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ } .\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) زيادة من \"ب\" .\r(3) زيادة من \"ب\".\r(4) انظر القرطبي: 16 / 165 ، زاد المسير: 7 / 361.\r(5) انظر: القرطبي: 16 / 166.","part":7,"page":244},{"id":2851,"text":"{ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (23) وَقَالُوا مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ (24) }\r{ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ } قال ابن عباس والحسن وقتادة: ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئًا إلا ركبه لأنه لا يؤمن بالله ولا يخافه، ولا يحرم ما حرم الله. وقال آخرون: معناه اتخذ معبوده هواه فيعبد ما تهواه نفسه.\rقال سعيد بن جبير: كانت العرب يعبدون الحجارة والذهب والفضة، فإذا وجدوا شيئًا أحسن من الأول رموه أو كسروه، وعبدوا الآخر (1) .\rقال الشعبي: إنما سمي الهوى لأنه يهوي بصاحبه في النار (2) .\r{ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ } منه بعاقبة أمره، وقيل على ما سبق في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه، { وَخَتَمَ } طبع، { عَلَى سَمْعِهِ } فلم يسمع الهدى، { وَقَلْبِهِ } فلم يعقل الهدى، { وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً } قرأ حمزة والكسائي \"غشوة\" بفتح الغين وسكون الشين، والباقون \"غشاوة\" ظلمة فهو لا يبصر الهدى، { فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ } [أي فمن يهديه] (3) بعد أن أضله الله، { أَفَلا تَذَكَّرُونَ } .\r{ وَقَالُوا } يعني منكري البعث، { مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا } أي ما الحياة إلا حياتنا الدنيا، { نَمُوتُ وَنَحْيَا } أي يموت الآباء ويحيا الأبناء، وقال الزجاج: يعني نموت ونحيا، فالواو للاجتماع، { وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ } أي وما يفنينا إلا مَرُّ الزمان وطول العمر واختلاف الليل والنهار. { وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ } الذي قالوه، { مِنْ عِلْمٍ } أي لم يقولوه عن علم [علموه] (4) { إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ } .\rأخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد محمش الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا أبو الحسن أحمد بن يوسف السلمي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام بن منبه، حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"قال الله تعالى: لا يقل ابن آدم يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر، أرسل الليل والنهار، فإذا شئت قبضتهما\" (5) .\r__________\r(1) ذكره القرطبي: 16 / 167.\r(2) انظر: القرطبي: 16 / 167.\r(3) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(4) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(5) أخرجه الطبري: 25 / 153، وعبد الرزاق في كتاب الجامع للإمام معمر، المصنف: 11 / 346. وأخرجه البخاري من طريق معمر عن أبي هريرة في الأدب، باب: لا تسبوا الدهر: 10 / 564، ومسلم في الألفاظ من الأدب وغيرها، باب كراهة تسمية العنب كرمًا برقم: (2247): 4 / 1763، والمصنف في شرح السنة: 12 / 355.","part":7,"page":245},{"id":2852,"text":"أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، حدثنا جدي عبد الصمد بن عبد الرحمن البزاز، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب عن ابن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا يسب أحدكم الدهر [فإن الله هو الدهر] (1) ، ولا يقولن للعنب الكرم، فإن الكرم هو الرجل المسلم\" (2) .\rومعنى الحديث: أن العرب كان من شأنهم ذم الدهر، وسبه عند النوازل، لأنهم كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب والمكاره، فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، كما أخبر الله تعالى عنهم: \"وما يهلكنا إلا الدهر\" فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد سبوا فاعلها، فكان مرجع سبهم إلى الله عز وجل، إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يضيفونها إلى الدهر، [فنهوا عن سب الدهر] (3) .\r{ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (26) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (27) وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) }\r{ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } [أي ليوم القيامة] (4) ، { لا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } . { وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ } يعني الكافرين الذين هم أصحاب الأباطيل، يظهر في ذلك اليوم خسرانهم بأن يصيروا إلى النار.\r{ وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً } باركة على الركب، وهي جلسة المخاصم بين يدي الحاكم ينتظر القضاء.\rقال سلمان الفارسي: إن في القيامة ساعة هي عشر سنين، يخر الناس فيها جثاة على ركبهم\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\" .\r(2) أخرجه مسلم في الألفاظ من الأدب وغيرها، باب: كراهة تسمية العنب كرمًا برقم: (2247) : 4 / 1763، والمصنف في شرح السنة: 12 / 358.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"أ\" .","part":7,"page":246},{"id":2853,"text":"حتى إبراهيم عليه السلام ينادي ربه: لا أسألك إلا نفسي (1) .\r{ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا } الذي فيه أعمالها، وقرأ يعقوب \"كل أمة\" نصب، ويقال لهم: { الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } .\r{ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (31) وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32) }\r{ هَذَا كِتَابُنَا } يعني ديوان الحفظة، { يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ } يشهد عليكم ببيان شاف، فكأنه ينطق 122/ب وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. { إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } أي نأمر الملائكة بنسخ أعمالكم أي بكتبها وإثباتها عليكم.\rوقيل: \"نستنسخ\" أي نأخذ نسخته، وذلك أن الملكين يرفعان عمل الإنسان، فيثبت الله منه ما كان له فيه ثواب أو عقاب، ويطرح منه اللغو نحو قولهم: هلم واذهب.\rوقيل: الاستنساخ من اللوح المحفوظ تنسخ الملائكة كل عام ما يكون من أعمال بني آدم، والاستنساخ لا يكون إلا من أصل، فينسخ كتاب من كتاب.\rوقال الضحاك: نستنسخ أي نثبت. وقال السدي: نكتب. وقال الحسن: نحفظ.\r{ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ } [الظفر] (2) الظاهر.\r{ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا } يقال لهم، { أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ } متكبرين كافرين.\r{ وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا } قرأ حمزة: \"والساعة\" نصب عطفها على الوعد، وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء، { قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنًّا } أي ما نعلم ذلك إلا حدسًا وتوهمًا. { وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ } أنها كائنة .\r__________\r(1) انظر: القرطبي: 16 / 174.\r(2) زيادة من \"ب\" .","part":7,"page":247},{"id":2854,"text":"{ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (33) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (34) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (36) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (37) }\r{ وَبَدَا لَهُمْ } [في الآخرة] (1) { سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا } في الدنيا أي جزاؤها { وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } .\r{ وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ } نترككم في النار، { كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا } تركتم الإيمان والعمل للقاء هذا اليوم، { وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ } . { ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا } حتى قلتم: لا بعث ولا حساب، { فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا } قرأ حمزة والكسائي بفتح الياء وضم الراء، وقرأ الآخرون بضم الياء وفتح الراء، { وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } لا يطلب منهم أن يرجعوا إلى طاعة الله، لأنه لا يقبل ذلك اليوم عذرًا ولا توبة.\r{ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ } العظمة، { فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } .\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، حدثنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي، أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن الشرقي، حدثنا أحمد بن حفص وعبد الله بن محمد الفراء وقطن بن إبراهيم قالوا، أخبرنا حفص بن عبد الله، حدثني إبراهيم بن طهمان، عن عطاء بن السائب، عن الأغر أبي مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يقول الله عز وجل: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني في واحد منهما أدخلته النار\" (2) .\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) أخرجه مسلم في البر والصلة، باب: تحريم الكبر برقم: (2620): 4 / 2023 ، بلفظ: (العز إزاره، والكبرياء رداؤه..) وفي الكلام محذوف تقديره يقول الله.. والمصنف في شرح السنة: 13 / 169 .","part":7,"page":248},{"id":2855,"text":"سورة الأحقاف مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ حم (1) تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (3) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (4) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) }\r{ حم تَنزيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى } ، يعني يوم القيامة، وهو الأجل الذي تنتهي إليه السموات والأرض، وهو إشارة إلى فنائهما، { وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا } خوفوا به في القرآن من البعث والحساب، { مُعْرِضُونَ } .\r{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا } أي بكتاب جاءكم من الله قبل القرآن فيه بيان ما تقولون، { أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ } قال الكلبي: أي بقية من علم يؤثر عن الأولين، أي يسند إليهم. قال مجاهد وعكرمة ومقاتل: رواية عن الأنبياء. وقال قتادة: خاصة من علم. وأصل الكلمة من الأثر وهو الرواية، يقال: أثرت الحديث أثرًا وأثارة، ومنه قيل للخبر: أثر. { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } .\r{ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ } يعني الأصنام لا تجيب عابديها\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 433 لابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت بمكة سورة (حم) الأحقاف.","part":7,"page":249},{"id":2856,"text":"إلى شيء يسألونها، { إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } أبدًا ما دامت الدنيا، { وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ } لأنها جماد لا تسمع ولا تفهم.","part":7,"page":252},{"id":2857,"text":"{ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (6) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (8) قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9) }\r{ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ } جاحدين، بيانه قوله: \"تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون\"( القصص-63 ) .\r{ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ } يسمون القرآن سحرًا.\r{ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ } محمد من قبل نفسه، فقال الله عز وجل: { قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا } لا تقدرون أن تردوا عني عذابه إن عذبني على افترائي، فكيف أفتري على الله من أجلكم، { هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ } تخوضون فيه من التكذيب بالقرآن والقول فيه إنه سحر. { كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } أن القرآن جاء من عنده، { وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } في تأخير العذاب عنكم، قال الزجاج: هذا دعاء لهم إلى التوبة، معناه: إن الله عز وجل غفور لمن تاب منكم رحيم به.\r{ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ } أي بديعًا، مثل: نصف ونصيف، وجمع البدع أبداع، لست بأول مرسل، قد بعث قبلي كثير من الأنبياء، فكيف تنكرون نبوتي. { وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ } اختلف العلماء في معنى هذه الآية:\rفقال بعضهم: معناه ما أدري ما يفعل بي ولا بكم يوم القيامة، فلما نزلت هذه الآية فرح المشركون، فقالوا: واللات والعزى ما أمرنا وأمر محمد عند الله إلا واحد، وما له علينا من مزية وفضل، ولولا أنه ابتدع ما يقوله من ذات نفسه لأخبره الذي بعثه بما يفعل به، فأنزل الله: \"ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر\" ،( الفتح-2 ) فقالت الصحابة: هنيئًا لك يا نبي الله قد علمنا ما يفعل","part":7,"page":252},{"id":2858,"text":"بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله تعالى: \"ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات\" الآية ،( الفتح-5 ) وأنزل: \"وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرًا\"( الأحزاب-47 ) فبين الله تعالى ما يفعل به وبهم. وهذا قول أنس وقتادة والحسن وعكرمة، قالوا: إنما قال هذا قبل أن يخبر 123/أ بغفران ذنبه [وإنما أخبر بغفران ذنبه] (1) عام الحديبية، فنسخ ذلك (2) .\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري، عن خارجة بن زيد قال: كانت أم العلاء الأنصارية تقول: لما قدم المهاجرون المدينة اقترعت الأنصار على سكنتهم، قالت [فطار لنا] (3) عثمان بن مظعون في السكنى، فمرض فمرضناه، ثم توفي فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي قد أكرمك الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أن الله قد أكرمه\"؟ فقلت: لا والله لا أدري، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"أما هو فقد أتاه اليقين من ربه وإني لأرجو له الخير والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم\" قالت: فوالله لا أزكي بعده أحدًا أبدًا، قالت: ثم رأيت لعثمان بعد في النوم عينًا تجري فقصصتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: \"ذاك عمله\" (4) .\rوقال جماعة: قوله \"وما أدري ما يفعل بي ولا بكم\" في الدنيا، أما في الآخرة فقد علم أنه في الجنة، وأن من كذبه فهو في النار، ثم اختلفوا فيه:\rقال ابن عباس رضي الله عنهما: لما اشتد البلاء بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرى النائم وهو بمكة أرضا ذات سباخ ونخل رفعت له، يهاجر إليها، فقال له أصحابه متى تهاجر إلى الأرض التي أريت؟ فسكت، فأنزل الله تعالى هذه الآية: \"وما أدري ما يفعل بي ولا بكم\" ، أأترك في مكاني أم أخرج وإياكم إلى الأرض التي رفعت لي (5) ؟.\rوقال بعضهم: \"وما أدري ما يفعل بي ولا بكم\" إلى ماذا يصير أمري وأمركم في الدنيا، بأن أقيم معكم في مكانكم أم أخرج كما أخرجت الأنبياء من قبلي، أم أقتل كما قتل الأنبياء، من قبلي وأنتم أيها المصدقون لا أدري\r__________\r(1) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(2) انظر: الطبري: 26 / 7، تفسير ابن كثير: 4 / 156، القرطبي: 16 / 185.\r(3) في \"أ\" (فشاركنا) وفي \"المصنف\" : فصار لنا .\r(4) أخرجه عبد الرزاق في الجامع للإمام معمر، المصنف: 11 / 237، والبخاري في التعبير، باب العين الجارية في المنام: 12 / 410، والمصنف في شرح السنة: 12 / 243-244 .\r(5) انظر: أسباب النزول للواحدي: ص 439، القرطبي: 16 / 186-187.","part":7,"page":253},{"id":2859,"text":"تخرجون معي أم تتركون، أم ماذا يفعل بكم، [وأنتم] (1) أيها المكذبون، أترمون بالحجارة من السماء أم يخسف بكم، أم أي شيء يفعل بكم، مما فعل بالأمم المكذبة؟.\rثم أخبر الله عز وجل أنه يظهر دينه على الأديان، فقال: \"هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله\"،( الصف-9 ) وقال في أمته: \"وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون\"( الأنفال-33 ) ، فأخبر الله ما يصنع به وبأمته، هذا قول السدي.\r{ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ } أي ما أتبع إلا القرآن، ولا أبتدع من عندي شيئًا، { وَمَا أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ } .\r{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) }\r{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ } معناه: أخبروني ماذا تقولون، { إِنْ كَانَ } يعني القرآن، { مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ } أيها المشركون، { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ } المثل: صلة، يعني: عليه، أي على أنه من عند الله { فَآمَنَ } يعني الشاهد، { وَاسْتَكْبَرْتُمْ } عن الإيمان به، وجواب قوله: \"إن كان من عند الله\" محذوف، على تقدير: أليس قد ظلمتم؟ يدل على هذا المحذوف قوله: { إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } وقال الحسن: جوابه: فمن أضل منكم، كما قال في سورة السجدة.\rواختلفوا في هذا الشاهد، قال قتادة والضحاك: هو عبد الله بن سلام، شهد على نبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم وآمن به، واستكبر اليهود فلم يؤمنوا.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبد الله بن منير سمع عبد الله بن بكير، حدثنا حميد، عن أنس قال: \"سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أرض يخترف فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: فما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: أخبرني بهن جبريل آنفًا، قال: جبريل؟ قال: نعم، قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: \"قل من كان عدوًا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله\"( البقرة-97 ) ، فأما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".","part":7,"page":254},{"id":2860,"text":"فزيادة كبد الحوت، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، [يا رسول الله] (1) إن اليهود قوم بهت، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني، فجاءت اليهود فقال: أي رجل عبد الله فيكم؟ قالوا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، قال: أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عبد الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فقالوا: شرنا وابن شرنا، فانتقصوه، قال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله\" (2) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبد الله بن يوسف قال: سمعت مالكًا يحدث عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على وجه الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، وفيه نزلت هذه الآية: \"وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله\". قال: لا أدري قال مالك الآية أو في الحديث (3) .\rوقال الآخرون: الشاهد هو موسى بن عمران (4) .\rوقال الشعبي: قال مسروق في هذه الآية: والله ما نزلت في عبد الله بن سلام لأن ال حم نزلت بمكة، وإنما أسلم عبد الله بن سلام بالمدينة، ونزلت هذه الآية في محاجة كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم لقومه، ومثل القرآن التوراة فشهد موسى على التوراة ومحمد صلى الله عليه وسلم على الفرقان، وكل واحد يصدق الآخر (5) .\rوقيل: هو نبي من بني إسرائيل فآمن واستكبرتم فلم تؤمنوا { إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } .\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) أخرجه البخاري في التفسير (تفسير سورة البقرة) باب: (من كان عدوا لجبريل) 8 / 165، والمصنف في شرح السنة: 13 / 372-373 .\r(3) أخرجه البخاري في مناقب الصحابة، باب: مناقب عبد الله بن سلام -رضي الله عنه- 7 / 128، ومسلم في فضائل الصحابة، باب: فضائل عبد الله بن سلام - رضي الله عنه- برقم: (2483) 4 / 1930، والمصنف في شرح السنة: 14 / 189-190.\r(4) انظر: البحر المحيط: 8 / 57-58 .\r(5) أخرجه الطبري: 26 / 9-10 وقال مرجحًا في : (26 / 10) : \"والصواب من القول في ذلك عندنا أن الذي قاله مسروق في تأويل ذلك أشبه بظاهر التنزيل\" لأن قوله (قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله) في سياق توبيخ الله تعالى ذكره مشركي قريش، واحتجاجًا عليهم لنبيه صلى الله عليه وسلم، وهذه الآية نظير سائر الآيات قبلها، ولم يجر لأهل الكتاب ولا اليهود قبل ذلك ذكر، فتوجه هذه الآية إلى أنها فيهم نزلت، ولا دل على انصراف الكلام عن قصص الذين تقدم الخبر عنهم معنى، غير أن الأخبار قد وردت عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ذلك عني به عبد الله بن سلام وعليه أكثر أهل التأويل، وهم كانوا أعلم بمعاني القرآن، والسبب الذي فيه نزل، وما أريد به، فتأويل الكلام إذ كان ذلك كذلك، وشهد عبد الله بن سلام، وهو الشاهد من بني إسرائيل على مثله، يعني على مثل القرآن، وهو التوراة، وذلك شهادته أن محمدًا مكتوب في التوراة أنه نبي تجده اليهود مكتوبًا عندهم في التوراة، كما هو مكتوب في القرآن أنه نبي\" .","part":7,"page":255},{"id":2861,"text":"{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (12) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (13) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (14) }\r{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا } من اليهود، { لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ } [دين محمد صلى الله عليه وسلم] (1) { خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ } يعني عبد الله بن سلام وأصحابه.\rوقال قتادة: نزلت في مشركي مكة، قالوا: لو كان ما يدعونا إليه محمد خيرا ما سبقنا إليه فلان وفلان (2) .\rوقال الكلبي: الذين كفروا: أسد وغطفان، قالوا للذين آمنوا يعني: جهينة ومزينة: لو كان ما جاء به محمد خيرًا ما سبقنا إليه رعاء البهم (3) .\rقال الله تعالى: { وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ } يعني بالقرآن كما اهتدى به أهل الإيمان { فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ } كما قالوا أساطير الأولين. 123/أ\r{ وَمِنْ قَبْلِهِ } أي ومن قبل القرآن، { كِتَابُ مُوسَى } يعني التوراة، { إِمَامًا } يقتدى به، { وَرَحْمَةً } من الله لمن آمن به، ونُصِبَا على الحال عن الكسائي، وقال أبو عبيدة: فيه إضمار، أي جعلناه إمامًا ورحمة، وفي الكلام محذوف، تقديره: وتقدمه كتاب موسى إمامًا ولم يهتدوا به، كما قال في الآية الأولى: \"وإذ لم يهتدوا به\".\r{ وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ } أي القرآن مصدق للكتب التي قبله، { لِسَانًا عَرَبِيًّا } نصب على الحال، وقيل بلسان عربي، { لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا } يعني مشركي مكة، قرأ أهل الحجاز والشام ويعقوب: \"لتنذر\" بالتاء على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ الآخرون بالياء يعني الكتاب، { وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ } \"وبشرى\" في محل الرفع، أي هذا كتاب مصدق وبشرى.\r{ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } .\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) انظر: الطبري: 26 / 13، البحر المحيط: 8 / 59، الدر المنثور: 7 / 440.\r(3) انظر: البحر المحيط: 8 / 59.","part":7,"page":256},{"id":2862,"text":"{ وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16) وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (17) }\rقوله عز وجل: { وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا } قرأ أهل الكوفة: \"إحسانا\" [كقوله تعالى: \"وبالوالدين إحسانا\"( البقرة-83 ) ] (1) { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا } يريد شدة الطلق. قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو \"كرها\" بفتح الكاف فيهما، وقرأ الآخرون بضمهما. { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ } فطامه، وقرأ يعقوب: \"وفصله\" بغير ألف، { ثَلاثُونَ شَهْرًا } يريد أقل مدة الحمل، وهي ستة أشهر، وأكثر مدة الرضاع أربعة وعشرون شهرًا.\rوروى عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه قال: إذا حملت المرأة تسعة أشهر أرضعت إحدى وعشرين شهرا، وإذا حملت ستة أشهر أرضعت أربعة وعشرين شهرًا (2) { حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ } نهاية قوته، وغاية شبابه واستوائه، وهو ما بين ثماني عشرة سنة إلى أربعين سنة، فذلك قوله: { وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً } .\rوقال السدي والضحاك: نزلت في سعد بن أبي وقاص، وقد مضت القصة . (3)\rوقال الآخرون: نزلت في أبي بكر الصديق وأبيه أبي قحافة عثمان بن عمرو، وأمه أم الخير بنت صخر بن عمرو.\rقال علي بن أبي طالب: الآية نزلت في أبي بكر، أسلم أبواه جميعًا، ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أبواه غيره، أوصاه الله بهما، ولزم ذلك من بعده (4) .\rوكان أبو بكر صحب النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة، والنبي صلى الله عليه وسلم ابن عشرين سنة، في تجارة إلى الشام، فلما بلغ أربعين سنة ونبيء النبي صلى الله عليه وسلم آمن به ودعا ربه (5) فـ { قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي }\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\" .\r(2) ذكره ابن كثير في التفسير: 4 / 158، القرطبي: 16 / 193.\r(3) انظر فيما سبق: 6 / 233-234.\r(4) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص 439-440 . وانظر: زاد المسير: 7 / 378 .\r(5) انظر: القرطبي: 16 / 194.","part":7,"page":257},{"id":2863,"text":"ألهمني، { أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ } بالهداية والإيمان، { وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ } قال ابن عباس: وأجابه الله عز وجل، فأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله ولم يرد شيئًا من الخير إلا أعانه الله عليه، ودعا أيضًا فقال: { وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي } فأجابه الله، فلم يكن له ولد إلا آمنوا جميعًا، فاجتمع له إسلام أبويه وأولاده جميعًا، فأدرك أبو قحافة النبي صلى الله عليه وسلم، وابنه أبو بكر وابنه عبد الرحمن بن أبي بكر وابن عبد الرحمن أبو عتيق كلهم أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن ذلك لأحد من الصحابة (1) . قوله: { إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } .\r{ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا } يعني أعمالهم الصالحة التي عملوها في الدنيا، وكلها حسن، و\"الأحسن\" بمعنى الحسن، فيثيبهم عليها، { وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ } فلا نعاقبهم عليها، قرأ حمزة والكسائي وحفص \"نتقبل\" \"ونتجاوز\" بالنون، \"أحسنَ\" نصب، وقرأ الآخرون بالياء، وضمها \"أحسنُ\" رفع. { فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ } مع أصحاب الجنة، { وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ } وهو قوله عز وجل: \"وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار\"( التوبة-72 ) .\r{ وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ } إذ دعواه إلى الإيمان بالله والإقرار بالبعث، { أُفٍّ لَكُمَا } وهي كلمة كراهية، { أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ } من قبري حيًا، { وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي } فلم يبعث منهم أحد، { وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ } يستصرخان ويستغيثان الله عليه، ويقولان له: { وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا } ما هذا الذي تدعواني إليه، { إِلا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ } قال ابن عباس والسدي، ومجاهد: نزلت في عبد الله (2) .\r__________\r(1) انظر: زاد المسير: 7 / 378.\r(2) انظر: تفسير ابن كثير: 4 / 160، القرطبي: 16 / 197.","part":7,"page":258},{"id":2864,"text":"وقيل: في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه، كان أبواه يدعوانه إلى الإسلام وهو يأبى، ويقول: أحيوا لي عبد الله بن جدعان وعامر بن كعب ومشايخ قريش حتى أسألهم عما تقولون (1) .\rوأنكرت عائشة رضي الله عنها أن يكون هذا في عبد الرحمن بن أبي بكر (2) .\rوالصحيح أنها نزلت في كافر عاق لوالديه، قاله الحسن وقتادة.\rوقال الزجاج: قول من قال إنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه، يبطله قوله:\r{ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (19) }\r{ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ } الآية، أعلم الله تعالى أن هؤلاء قد حقت عليهم كلمة العذاب، وعبد الرحمن مؤمن من أفاضل المسلمين فلا يكون ممن حقت عليه كلمة العذاب.\rومعنى \"أولئك الذين حق عليهم القول\": وجب عليهم العذاب، { فِي أُمَمٍ } [مع أمم] (3) { قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ } .\r{ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد من سبق إلى الإسلام، فهو أفضل ممن تخلف عنه 124/أ ولو بساعة. وقال مقاتل: ولكلٍّ فضائلُ بأعمالهم فيوفيهم الله جزاء أعمالهم.\rوقيل: \"ولكل\": يعني ولكل واحد من الفريقين المؤمنين والكافرين \"درجات\" منازل ومراتب عند الله يوم القيامة بأعمالهم، فيجازيهم عليها.\rقال ابن زيد في هذه الآية: درج أهل النار تذهب سفلا ودرج أهل الجنة تذهب علوًا (4) .\r{ وَلِيُوَفِّيَهُمْ } قرأ ابن كثير، وأهل البصرة، وعاصم: بالياء، وقرأ الباقون بالنون. { أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ } .\r__________\r(1) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: 4 / 159-160: \"ومن زعم أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر -رضي الله عنهما- فقوله ضعيف؛ لأن عبد الرحمن بن أبي بكر -رضي الله عنهما- أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه وكان من خيار أهل زمانه\". وانظر: البحر المحيط: 8 / 61.\r(2) أخرجه الطبري: 26 / 19، وانظر: تفسير ابن كثير: 4 / 160، الدر المنثور: 7 / 444-445.\r(3) زيادة من \"ب\" .\r(4) انظر: القرطبي: 16 / 198.","part":7,"page":259},{"id":2865,"text":"{ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (20) }\r{ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ } فيقال لهم: { أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا } قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب: \"أأذهبتم\" ، بالاستفهام ويهمز ابن عامر همزتين، والآخرون بلا استفهام على الخبر، وكلاهما فصيحان، لأن العرب تستفهم بالتوبيخ، وترك الاستفهام فتقول: أذهبت ففعلت كذا؟ { وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا } يقول: أذهبتم طيباتكم يعني اللذات وتمتعتم بها؟ { فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ } أي العذاب الذي فيه ذل وخزي، { بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ } [تتكبرون] (1) { فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ } فلما وبخ الله الكافرين بالتمتع بالطيبات في الدنيا آثر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والصالحون اجتناب اللذات في الدنيا رجاء ثواب الآخرة.\rوروينا عن عمر قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو مضطجع على رمال حصير قد أثر الرمال بجنبه، فقلت: يا رسول الله ادع الله فليوسع على أمتك فإن فارس والروم قد وسع عليهم وهم لا يعبدون الله، فقال: \"أولئك قوم عجلوا طيباتهم في الحياة الدنيا\" (2) .\rأخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي، أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب، حدثنا أبو عيسى الترمذي، ثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد يحدث، عن الأسود بن يزيد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) .\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن المنصور الرمادي، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: لقد كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه نارًا وما هو\r__________\r(1) زيلدة من \"ب\".\r(2) قطعة من حديث طويل أخرجه البخاري في النكاح، باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها: 9 / 278-279، وكذلك عند مسلم في الطلاق، باب: في الإيلاء واعتزال النساء وتخييرهن .. برقم: (1479): 2 / 1105-1108 ، والمصنف في شرح السنة: 14 / 270-271 .والرمال: نسيج من السعف، يقال: رملت الحصير وأرملت.\r(3) أخرجه الترمذي في الشمائل ص (92) ومسلم في الزهد برقم: (2970): 4 / 2281 ، والمصنف في شرح السنة: 14 / 273.","part":7,"page":260},{"id":2866,"text":"إلا الماء والتمر، غير أن جزى الله نساءً من الأنصار خيرًا، كن ربما أهدين لنا شيئًا من اللبن (1) .\rأخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم الخزاعي، أخبرنا الهيثم بن كليب، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا عبد الله بن معاوية الجمحي، حدثنا ثابت بن يزيد، عن هلال بن خباب عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيت الليالي المتتابعة طاويًا، وأهله لا يجدون عشاءً، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير (2) .\rأخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم الخزاعي، أخبرنا الهيثم بن كليب، حدثنا أبو عيسى، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، حدثنا روح بن أسلم، حدثنا أبو حاتم البصري، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"لقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت علي ثلاثون من بين ليلة ويوم ومالي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال\" (3) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، [حدثنا محمد بن إسماعيل] (4) حدثنا يوسف بن عيسى، حدثنا ابن فضيل، عن أبيه، عن أبي حازم، عن أبي هريرة أنه قال: لقد رأيت سبعين من أصحاب الصُّفَّة ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته (5) .\rأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة الكشميهني، حدثنا أبو طاهر محمد بن الحارث، حدثنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن مبارك، عن شعبة بن الحجاج، عن سعد بن إبراهيم، [عن أبيه إبراهيم] (6) أن عبدالرحمن بن عوف أتي بطعام وكان صائمًا، فقال: قتل مصعب بن عمير وهو خير مني فكفن\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الرقاق، باب: كيف كان عيش النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتخليهم عن الدنيا: 11 / 283، ومسلم في الزهد والرقاق برقم: (2972) 4 / 2283، والمصنف في شرح السنة: 14 / 273.\r(2) أخرجه الترمذي في الزهد باب: ما جاء في معيشة النبي صلى الله عليه وسلم وأهله: 7 / 25 وقال:\" هذا حديث حسن صحيح\"، وابن ماجه في الأطعمة، باب: خبز الشعير برقم: (3347) 2 / 1111، والإمام أحمد: 3 / 255، والمصنف في شرح السنة: 14 / 274-275.\r(3) أخرجه الترمذي في القيامة: 7 / 170-171 وقال: \" هذا حديث حسن صحيح\" وابن ماجه في المقدمة، باب: في فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم برقم: (151): 1 / 54، والإمام أحمد: 3 / 120، وابن حبان في الزهد باب فضل الفقراء برقم: (2528) ص (626)، والمصنف في شرح السنة: 14 / 277.\r(4) ساقط من \"أ\" .\r(5) أخرجه البخاري في الصلاة ، باب نوم الرجال في المسجد: 1 / 536، والمصنف في شرح السنة: 14 / 277.\r(6) ساقط من \"أ\" .","part":7,"page":261},{"id":2867,"text":"في بردة إن غطي بها رأسه بدت رجلاه، وإن غطي بها رجلاه بدا رأسه، قال: وأراه قال: وقتل حمزة وهو خير مني، فلم يوجد ما يكفن فيه إلا بردة، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، أو قال أعطينا من الدنيا ما أعطينا وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام (1) .\rوقال جابر بن عبد الله: رأى عمر بن الخطاب لحمًا معلقًا في يدي، فقال: ما هذا يا جابر؟ قلت: اشتهيت لحمًا فاشتريته، فقال عمر: أو كلما اشتهيت شيئًا يا جابر اشتريت، أما تخاف هذه الآية: \"أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا\" (2) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الجنائز، باب: إذا لم يوجد إلا ثوب واحد: 3 / 142، والمصنف في شرح السنة: 14 / 278-279.\r(2) أخرجه الحاكم: 2 / 455 وفيه القاسم بن عبد الله العمري، قال الذهبي: \"القاسم واه\".","part":7,"page":262},{"id":2868,"text":"{ وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22) }\rقوله عز وجل: { وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ } يعني هودًا عليه السلام، { إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقَافِ } قال ابن عباس: \"الأحقاف\": واد بين عمان ومهرة.\rوقال مقاتل: كانت منازل عاد باليمن في حضرموت بموضع يقال له: \"مهرة\" وإليها تنسب الإبل المهرية، وكانوا أهل عمد سيارة في الربيع فإذا هاج العود رجعوا إلى منازلهم، وكانوا من قبيلة إرم.\rقال قتادة: ذكر لنا أن عادًا كانوا أحياء باليمن، وكانوا أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها: \"الشحر\". و\"الأحقاف\" جمع حقف، وهي المستطيل المعوج من الرمال. قال ابن زيد: هي ما استطال من الرمل كهيئة الجبل ولم يبلغ أن 124/ب يكون جبلا قال الكسائي: هي ما استدار من الرمل.\r{ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ } مضت الرسل، { مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ } أي من قبل هود، { وَمِنْ خَلْفِهِ } إلى قومهم، { أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } .\r{ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا } [لتصرفنا] (1) { عَنْ آلِهَتِنَا } أي عن عبادتها، { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } [من العذاب] (2) { إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } أن العذاب نازل بنا.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) زيادة من \"ب\".","part":7,"page":262},{"id":2869,"text":"{ قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25) }\r{ قَالَ } هود، { إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ } وهو يعلم متى يأتيكم العذاب { وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ } من الوحي، { وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ } .\r{ فَلَمَّا رَأَوْهُ } يعني ما يوعدون به من العذاب، { عَارِضًا } سحابًا يعرض أي يبدو في ناحية من السماء ثم يطبق السماء، { مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ } فخرجت عليهم سحابة سوداء من واد لهم يقال له: \"المغيث\" وكانوا قد حبس عنهم المطر، فلما رأوها استبشروا، { قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا } يقول الله تعالى: { بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ } فجعلت الريح تحمل الفسطاط وتحمل الظعينة حتى ترى كأنها جرادة.\r{ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ } مرت به من رجال عاد وأموالها، [ { بِأَمْرِ رَبِّهَا } ] (1) فأول ما عرفوا أنها عذاب رأوا ما كان خارجًا من ديارهم من الرجال والمواشي تطير بهم الريح بين السماء والأرض، فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم فجاءت الريح فقلعت أبوابهم وصرعتهم، وأمر الله الريح فأمالت عليهم الرمال، فكانوا تحت الرمل سبع ليال وثمانية أيام، لهم أنين، ثم أمر الله الريح فكشفت عنهم الرمال فاحتملتهم فرمت بهم في البحر.\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفراييني، أخبرنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ، أخبرنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث، أخبرنا النضر. حدثه عن سليمان بن يسار، عن عائشة أنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعًا ضاحكًا حتى أرى منه بياض لهواته، وكان إذا رأى غيمًا أو ريحًا عُرف ذلك في وجهه، فقلت: يا رسول الله إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا، رجاء أن يكون فيه المطر، وإذا رأيته عرف في وجهك الكراهية، فقال: \"يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: \"هذا عارض ممطرنا\" ، الآية (2) .\r{ فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ } قرأ عاصم، وحمزة، ويعقوب: \"يرى\" بضم الياء \"مساكنهم\" برفع النون يعني: لا يرى شيء إلا مساكنهم، وقرأ الآخرون بالتاء وفتحها، \"مساكنهم\"\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) أخرجه مسلم في الاستسقاء، باب التعوذ عند رؤية الريح والغيم، والفرح بالمطر برقم: (899): 2 / 616-617.","part":7,"page":263},{"id":2870,"text":"نصب يعني لا ترى أنت يا محمد إلا مساكنهم لأن السكان والأنعام بادت بالريح، فلم يبق إلا هود ومن آمن معه. { كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ } .\r{ وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (26) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27) فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (28) }\r{ وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ } يعني فيما لم نمكنكم فيه من قوة الأبدان وطول العمر وكثرة المال.\rقال المبرد: \"ما\" في قوله \"فيما\" بمنزلة الذي، و\"إن\" بمنزلة ما، وتقديره: ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه. { وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } .\r{ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ } يا أهل مكة، { مِنَ الْقُرَى } كحجر ثمود وأرض سدوم ونحوهما، { وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ } الحجج والبينات، { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } عن كفرهم فلم يرجعوا، فأهلكناهم، يخوف مشركي مكة.\r{ فَلَوْلا } فهلا { نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً } يعني الأوثان، اتخذوها آلهة يتقربون بها إلى الله عز وجل، \"القربان\": كل ما يتقرب به إلى الله عز وجل، وجمعه: \"قرابين\"، كالرهبان والرهابين.\r{ بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ } قال مقاتل: بل ضلت الآلهة عنهم فلم تنفعهم عند نزول العذاب بهم، { وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ } أي كذبهم الذي كانوا يقولون إنها تقربهم إلى الله عز وجل وتشفع لهم، { وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } يكذبون أنها آلهة.","part":7,"page":264},{"id":2871,"text":"قوله عز وجل: { وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) }\r{ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ } الآية، قال المفسرون: لما مات أبو طالب خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصر والمنعة له من قومه، فروى محمد بن إسحاق عن يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي قال: لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف إلى نفر من ثقيف، وهم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، وهم إخوة ثلاثة: عبد ياليل، ومسعود، وحبيب بنو [عمرو بن] (1) عمير، وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح، فجلس إليهم فدعاهم إلى الله وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه.\rفقال له أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة، إن كان الله أرسلك، وقال الآخر: ما وجد الله أحدًا يرسله غيرك؟ وقال الثالث: والله ما أكلمك كلمة أبدًا، لئن كنت رسولا من الله كما تقول لأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله فما ينبغي لي أن أكلمك.\rفقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم، وقد يئس من خير ثقيف، وقال لهم: إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عليّ [سري] (2) ، وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ قومه فيزيدهم عليه ذلك، فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس، وألجأوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة، وهما فيه فرجع عنه سفهاء ثقيف ومن كان تبعه، فعمد إلى ظل حبلة من عنب، فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما لقي من سفهاء ثقيف، ولقد لقي رسول الله 125/أ صلى الله عليه وسلم تلك المرأة التي من بني جمح، فقال لها: ماذا لقينا من أحمائك؟\rفلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني أو إلى عدو ملكته أمري؟، إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك\" .\rفلما رأى ابنا ربيعة ما لقي تحركت له رحمهما فدعوا غلامًا لهما نصرانيًا يقال له: عداس، فقالا له: خذ قطفًا من العنب وضعه في ذلك الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ساقط من \"ب\".","part":7,"page":265},{"id":2872,"text":"منه، ففعل ذلك عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده قال: بسم الله، ثم أكل فنظر عداس إلى وجهه ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أي البلاد أنت يا عداس؟ وما دينك؟ قال: أنا نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ قال له: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك أخي كان نبيًا وأنا نبي فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل رأسه ويديه وقدميه.\rقال: فيقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك، فلما جاءهم عداس قالا له: ويلك يا عداس مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي ما في الأرض خير من هذا الرجل، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي، فقالا ويحك يا عداس لا يصرفك عن دينك فإن دينك خير من دينه.\rثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من الطائف راجعًا إلى مكة حين يئس من خير ثقيف، حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلي فمر به نفر من جن أهل نصيبين اليمن، فاستمعوا له، فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا وأجابوا لما سمعوا، فقص الله خبرهم عليه، فقال: \"وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجن \" (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا مسدد، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: انطلق النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، فأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بنخلة، عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا \"إنا سمعنا قرآنًا عجبًا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدًا\"( الجن-2 )،\r__________\r(1) ذكره ابن هشام في السيرة: 1 / 419-422، والطبري في التاريخ: 2 / 344-347 ، وأخرج الطبراني قطعة منه وهي: اللهم إليك أشكو..، قال الهيثمي في المجمع: 6 / 35: \"فيه ابن إسحاق وهو مدلس ثقة، وبقية رجاله ثقات\". وانظر: فقه السيرة للغزالي بتخريج الألباني ص (137)، وراجع ما كتبه العلامة اللكنوي في توثيق ابن إسحاق وقبول روايته في كتابه: \"إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام\" ص 280-291 بتحقيق عثمان جمعة ضميرية.","part":7,"page":266},{"id":2873,"text":"فأنزل الله على نبيه: \"قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن\" ،( الجن-1 ) وإنما أوحى إليه قول الجن (1) .\rوروي: أنهم لما رجعوا بالشهب بعث إبليس سراياه لتعرف الخبر، وكان أول بعثٍ بعثَ ركبًا من أهل نصيبين، وهم أشراف الجن وساداتهم، فبعثهم إلى تهامة.\rوقال أبو حمزة [الثمالي] (2) : بلغنا أنهم من الشيصبان وهم أكثر الجن عددًا، وهم عامة جنود إبليس، فلما رجعوا قالوا: \"إنا سمعنا قرآنًا عجبًا\" .\rوقال جماعة: بل أُمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينذر الجن ويدعوهم إلى الله تعالى ويقرأ عليهم القرآن، فصرف إليه نفرًا من الجن من أهل نينوى، وجمعهم له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أمرت أن أقرأ على الجن الليلة، فأيكم يتبعني؟ فأطرقوا ثم استتبعهم فأطرقوا، ثم استتبعهم الثالثة فأطرقوا، فاتَّبَعَهُ عبد الله بن مسعود، قال عبد الله: ولم يحضر معه أحد غيري، فانطلقنا حتى إذا كنا على مكة دخل نبي الله صلى الله عليه وسلم شعبًا يقال له: شعب الحجون، وخط لي خطًا ثم أمرني أن أجلس فيه، وقال: لا تخرج منه حتى أعود إليك، ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن، فجعلت أرى أمثال النسور تهوي، وسمعت لغطًا شديدًا حتى خفت على نبي الله صلى الله عليه وسلم، وغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه، حتى ما أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين، ففرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الفجر، فانطلق إليَّ وقال: أنمت؟ فقلت: لا والله يا رسول الله، وقد هممت مرارًا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك، تقول: اجلسوا، قال: لو خرجت لم آمن عليك أن يتخطفك بعضهم، ثم قال: هل رأيت شيئًا؟ قلت نعم يا رسول الله رأيت رجالا سودًا مستثفري ثياب بيض، قال: أولئك جن نصيبين سألوني المتاع -والمتاع الزاد-فمتعتهم بكل عظم حائل وروثة وبعرة.\rقال: فقالوا: يا رسول الله تقذرها الناس، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستنجى بالعظم والروث.\rقال: فقلت: يا رسول الله وما يغني ذلك عنهم؟ قال: إنهم لا يجدون عظمًا إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل، ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت، قال فقلت: يا رسول 125/ب الله سمعت لغطًا شديدًا؟ فقال: إن الجن تدارأت في قتيل قتل بينهم فتحاكموا إليَّ فقضيت بينهم بالحق، قال: ثم تبرز رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاني، فقال: هل معك ماء؟ قلت: يا رسول الله معي إداوة فيها شيء من نبيذ التمر، فاستدعاه فصببت على يده فتوضأ وقال: \"تمرة طيبة وماء طهور\" (3) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الأذان، باب الجهر بقراءة صلاة الفجر: 2 / 253، والتفسير: 8 / 669 .\r(2) في \"أ\" اليماني، والصحيح ما أثبتناه.\r(3) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب: الوضوء بالنبيذ: 1 / 82 ، والترمذي في الطهارة، باب: ما جاء في الوضوء بالنبيذ: 1 / 292 قال أبو عيسى: \"وإنما روي هذا الحديث عن أبي زيد عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث، لا تعرف له رواية غير هذا الحديث، وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء بالنبيذ، منهم سفيان الثوري وغيره\" وابن ماجه في الطهارة، باب الوضوء بالنبيذ برقم: (384) 1 / 135 وقال: \"مدار الحديث على أبي زيد وهو مجهول عند أهل الحديث\" والإمام أحمد: 1 / 450، وعبد الرزاق: 1 / 238، وابن المنذر في الأوسط: 1 / 256، وانظر: نصب الراية للزيلعي: 1 / 137-138، الأوسط لابن المنذر: 1 / 253-257.","part":7,"page":267},{"id":2874,"text":"قال قتادة: ذكر لنا أن ابن مسعود لما قدم الكوفة رأى شيوخًا شمطًا من الزُّطِّ فأفزعوه حين رآهم، فقال: اظهروا، فقيل له: إن هؤلاء قوم من الزط، فقال: ما أشبههم بالنفر الذين صرفوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) ، يريد الجن.\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغفار بن محمد، حدثنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود وهو ابن أبي هند، عن عامر قال: سألت علقمة هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: لا ولكنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، ففقدناه فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استطير أو اغتيل، قال: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء، قال فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فقال: أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن.\rقال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم.\rقال وسألوه الزاد، فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما وكل بعرة علف لدوابكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم من الجن\" . (2) .\rورواه مسلم عن عليّ بن حجر، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن داود بهذا الإسناد إلى قوله: \"وآثار نيرانهم\" (3) .\rقال الشعبي: وسألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة إلى آخر الحديث من قول الشعبي مفصلا من حديث عبد الله. (4)\rقوله عز وجل: { وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ } اختلفوا في عدد ذلك\r__________\r(1) أخرجه الإمام أحمد: 1 / 455، والطبري: 26 / 32.\r(2) أخرجه مسلم في الصلاة، باب الجهر بالقراءة في الصبح، والقراءة على الجن برقم: (450): 1 / 332.\r(3) أخرجه مسلم في الموضع السابق.\r(4) أخرجه مسلم في الموضع السابق.","part":7,"page":268},{"id":2875,"text":"النفر، فقال ابن عباس: كانوا سبعة من جن نصيبين، فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلا إلى قومهم. وقال آخرون: كانوا تسعة (1) . وروى عاصم عن زر بن حبيش: كان زوبعة من التسعة الذين استمعوا القرآن. { فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا } قالوا: صه (2) .\rوروي في الحديث: \"أن الجن ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون بها في الهواء، وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون\" (3) .\rفلما حضروه قال بعضهم لبعض: أنصتوا واسكتوا لنستمع إلى قراءته، فلا يحول بيننا وبين الاستماع شيء، فأنصتوا واستمعوا القرآن حتى كاد يقع بعضهم على بعض من شدة حرصهم.\r{ فَلَمَّا قُضِى } فرغ من تلاوته، { وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ } انصرفوا إليهم، { مُنْذِرِينَ } مخوفين داعين بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.\r{ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) }\r{ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ } قال عطاء: كان دينهم اليهودية، لذلك قالوا: إنا سمعنا كتابًا أنزل من بعد موسى (4) .\r{ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ } يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم ، { وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ } \"من\" صلة، أي ذنوبكم، { وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: فاستجاب\r__________\r(1) انظر: الطبري: 26 / 30-31 . وذكر الهيثمي في المجمع عدة روايات عن ابن عباس لكنها ضعيفة، انظر المجمع: 7 / 106.\r(2) قال الهيثمي في المجمع: 7 / 106 : رواه البزار ورجاله ثقات، لكن بلفظ (سبعة) بدلا من (تسعة).\r(3) صححه الحاكم: 2 / 456 على شرط الشيخين، وابن حبان برقم: (2007) ص (492) من موارد الظمآن، وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات: 2 / 130، والطحاوي في مشكل الآثار: 4 / 95-96. قال الهيثمي في المجمع: 8 / 36 : \"رواه الطبراني، ورجاله وثقوا وفي بعضهم خلاف\" . وعزاه ابن حجر في المطالب العالية: 3 / 218 لأبي يعلي، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع الصغير\" 3 / 85.\r(4) انظر: القرطبي: 16 / 217، زاد المسير: 7 / 390 .","part":7,"page":269},{"id":2876,"text":"لهم من قومهم نحو من سبعين رجلا من الجن، فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافقوه في البطحاء، فقرأ عليهم القرآن وأمرهم ونهاهم (1) ، وفيه دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان مبعوثًا إلى الجن والإنس جميعًا.\rقال مقاتل: لم يبعث قبله نبي إلى الإنس والجن جميعًا (2) .\rواختلف العلماء في حكم مؤمني الجن (3) فقال قوم: ليس لهم ثواب إلا نجاتهم من النار، وتأولوا قوله: \"يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم\" ، وإليه ذهب أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه.\rوحكى سفيان عن ليث قال: الجن ثوابهم أن يجاروا من النار، ثم يقال لهم: كونوا ترابًا، وهذا مثل البهائم.\rوعن أبي الزناد قال: إذا قضي بين الناس قيل لمؤمني الجن: عودوا ترابًا، فيعودون ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: \"يا ليتني كنت ترابًا\"( النبأ-40 ) .\rوقال الآخرون: يكون لهم الثواب في الإحسان كما يكون عليهم العقاب في الإساءة كالإنس، وإليه ذهب مالك وابن أبي ليلى.\rوقال جرير عن الضحاك: الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون.\rوذكر النقاش في \"تفسيره\" حديث أنهم يدخلون الجنة. فقيل: هل يصيبون من نعيمها؟ قال: يلهمهم الله تسبيحه وذكره، فيصيبون من لذته ما يصيبه بنو آدم من نعيم الجنة. وقال أرطاة بن المنذر: سألت ضمرة بن حبيب: هل للجن ثواب؟ قال: نعم، وقرأ: \"لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان\"( الرحمن-74 ) ، قال: فالإنسيات للإنس والجنيات للجن.\rوقال عمر بن عبد العزيز: إن مؤمني الجن حول الجنة، في ربض ورحاب، وليسوا فيها.\r{ وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (32) }.\r{ وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأرْضِ } لا يعجز الله فيفوته، { وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ } أنصار يمنعونه من الله، { أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } .\r__________\r(1) انظر: القرطبي: 16 / 217.\r(2) انظر: القرطبي: 16 / 217.\r(3) انظر: القرطبي: 16 / 217-218، طريق الهجرتين لابن القيم ص 323-324، لوامع الأنوار البهية للسفاريني: 2 / 222-223 ، وللشبلي النعماني كتاب استوفى فيه أحكام الجان اسمه (آكام المرجان في أحكام الجان).","part":7,"page":270},{"id":2877,"text":"{ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (34) فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35) }\r{ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ } لم يعجز عن إبداعهن، { بِقَادِرٍ } هكذا قراءة العامة، واختلفوا في وجه دخول الباء فيه، فقال أبو عبيدة والأخفش: الباء زائدة للتأكيد، كقوله: \"تنبت بالدهن\" .\rوقال الكسائي، والفراء: العرب تدخل الباء في الاستفهام مع الجحد، فتقول: ما أظنك بقائم.\rوقرأ يعقوب: \"يقدر\" بالياء على الفعل، واختار أبو عبيدة قراءة العامة لأنها في قراءة عبد الله قادر بغير باء.\r{ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .\r{ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ } فيقال لهم، { أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ } أي فيقال لهم: { فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } .\r{ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ } قال ابن عباس: ذوو الحزم. وقال 126/أ الضحاك: ذوو الجد والصبر.\rواختلفوا فيهم، فقال ابن زيد: كل الرسل كانوا أولي عزم، لم يبعث الله نبيًا إلا كان ذا عزم وحزم، ورأي وكمال عقل، وإنما أدخلت \"من\" للتجنيس لا للتبعيض، كما يقال: اشتريت أكسية من الخز وأردية من البز.\rوقال بعضهم: الأنبياء كلهم أولو عزم إلا يونس بن متى، لعجلة كانت منه، ألا ترى أنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: \"ولا تكن كصاحب الحوت\"؟ .\rوقال قوم: هم نجباء الرسل المذكورون في سورة الأنعام، وهم ثمانية عشر، لقوله تعالى بعد ذكرهم: \"أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده\"( الأنعام-90 ) .\rوقال الكلبي: هم الذين أمروا بالجهاد وأظهروا المكاشفة مع أعداء الدين.","part":7,"page":271},{"id":2878,"text":"وقيل: هم ستة: نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وموسى، عليهم السلام، وهم المذكورون على النسق في سورة الأعراف والشعراء.\rوقال مقاتل: هم ستة: نوح، صبر على أذى قومه، وإبراهيم، صبر على النار، وإسحاق صبر على الذبح، ويعقوب، صبر على فقد ولده وذهاب بصره، ويوسف، صبر على البئر والسجن، وأيوب، صبر على الضر.\rوقال ابن عباس وقتادة: هم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، أصحاب الشرائع، فهم مع محمد صلى الله عليه وسلم خمسة.\rقلت: ذكرهم الله على التخصيص في قوله: \"وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم\"( الأحزاب-7 ) ، وفي قوله تعالى: \"شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا\"( الشورى-13 ) .\rأخبرنا أبو طاهر المطهر بن علي بن عبيد الله الفارسي، حدثنا أبو ذر محمد بن إبراهيم سبط الصالحاني، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان المعروف بأبي الشيخ الحافظ، أخبرنا عبدالرحمن بن أبي حاتم، أخبرنا محمد بن الحجاج، أخبرنا السري بن حيان، أخبرنا عباد بن عباد، حدثنا مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق قال: قالت عائشة قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد، يا عائشة إن الله لم يرض من أولي العزم إلا بالصبر على مكروهها، والصبر على مجهودها، ولم يرض إلا أن كلفني ما كلفهم، وقال: \"فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل\" وإني والله لا بد لي من طاعته، والله لأصبرن كما صبروا، وأجهدن كما جهدوا، ولا قوة إلا بالله\" (1) .\rقوله تعالى: { وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ } أي ولا تستعجل العذاب لهم، فإنه نازل بهم لا محالة، كأنه ضجر بعض الضجر فأحب أن ينزل العذاب بمن أبى منهم، فأمر بالصبر وترك الاستعجال.\rثم أخبر عن قرب العذاب فقال:\r__________\r(1) أخرجه ابن أبي حاتم كما في ابن كثير: 4 / 173، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 454 للديلمي في مسند الفردوس، وفيه مجالد بن سعيد وهو ضغيف، والمصنف في شرح السنة: 14 / 248 وقد عزاه الأرناؤوط لأبي الشيخ في \"أخلاق النبي\" ص (293) وقال: \"نقله من كتاب التفسير لشيخه ابن أبي حاتم، وإسناده ضعيف، لجهالة السري بن حيان وضعف مجالد بن سعيد\".","part":7,"page":272},{"id":2879,"text":"{ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ } من العذاب في الآخرة، { لَمْ يَلْبَثُوا } [في الدنيا] (1) { إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ } أي إذا عاينوا العذاب صار طول لبثهم في الدنيا والبرزخ كأنه ساعة من نهار، لأن ما مضى وإن كان طويلا كأن لم يكن.\rثم قال: { بَلاغٌ } أي هذا القرآن وما فيه من البيان بلاغ من الله إليكم، والبلاغ بمعنى التبليغ، { فَهَلْ يُهْلَكُ } بالعذاب إذا نزل { إِلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ } الخارجون من أمر الله.\rقال الزجاج: تأويله: لا يهلك مع رحمة الله وفضله إلا القوم الفاسقون، ولهذا قال قوم: ما في الرجاء لرحمة الله آية أقوى من هذه الآية.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".","part":7,"page":273},{"id":2880,"text":"سورة محمد مدنية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (1) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نزلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (3) }\r{ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ } أبطلها فلم يقبلها [وأراد بالأعمال ما فعلوا من إطعام الطعام وصلة الأرحام] (2) قال الضحاك: أبطل كيدهم ومكرهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، وجعل الدائرة عليهم (3) .\r{ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نزلَ عَلَى مُحَمَّدٍ } قال سفيان الثوري: يعني لم يخالفوه في شيء { وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: \"الذين كفروا وصدوا\": مشركو مكة، \"والذين آمنوا وعملوا الصالحات\": الأنصار. { كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ } حالهم، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: عصمهم أيام حياتهم، يعني أن هذا الإصلاح يعود إلى إصلاح أعمالهم حتى لا يعصوا.\r{ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ } الشيطان، { وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ } يعني القرآن { كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ } أشكالهم، قال الزجاج: كذلك يبين الله أمثال حسنات المؤمنين، وإضلال أعمال الكافرين.\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر المننثور: 7 / 456 لابن الضريس، والنحاس، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) انظر: القرطبي: 16 / 223 .","part":7,"page":274},{"id":2881,"text":"{ فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) }\r{ فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ } نصب على الإغراء، أي فاضربوا رقابهم يعني أعناقهم. { حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ } بالغتم في القتل وقهرتموهم، { فَشُدُّوا الْوَثَاقَ } يعني في الأسر حتى لا يفلتوا منكم، والأسر يكون بعد المبالغة في القتل، كما قال: \"ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض\"( الأنفال-67 ) ، { فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً } يعني: بعد أن تأسروهم فإما أن تمنوا عليهم مَنًّا بإطلاقهم من غير عوض، وإما أن تفادوهم فداء.\rواختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال قوم: هي منسوخة بقوله: \"فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم\"( الأنفال-57 ) ، وبقوله: \"اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم\"( التوبة-5 ) . وإلى هذا القول ذهب قتادة والضحاك والسدي وابن جريج، وهو قول الأوزاعي وأصحاب الرأي، قالوا: لا يجوز المن على من وقع في الأسر من الكفار ولا الفداء.\rوذهب آخرون إلى أن الآية محكمة، والإمام بالخيار في الرجال العاقلين من الكفار إذا وقعوا في الأسر بين أن يقتلهم أو يسترقهم أو يمن عليهم، فيطلقهم بلا عوض أو يفاديهم بالمال، أو بأسارى المسلمين، 126/ب وإليه ذهب ابن عمر، وبه قال الحسن، وعطاء، وأكثر الصحابة والعلماء، وهو قول الثوري، والشافعي، وأحمد وإسحاق.\rقال ابن عباس: لما كثر المسلمون واشتد سلطانهم أنزل الله عز وجل في الأسارى: \"فإما منا بعد وإما فداء\".\rوهذا هو الأصح والاختيار، لأنه عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده:\rأخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، حدثنا محمد بن يوسف، [حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبدالله بن يوسف] (1) حدثنا الليث، حدثنا سعيد بن أبي سعيد سمع أبا هريرة قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية [من سواري]. (2) المسجد، فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي خير يا محمد إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) زيادة من \"ب\".","part":7,"page":278},{"id":2882,"text":"تريد المال فسل تعط منه ما شئت، حتى كان الغد، فقال له: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر، [وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال سل تعط] (1) فتركه حتى كان بعد الغد، فقال له: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي ما قلت لك، فقال: \"أطلقوا ثمامة\"، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، يا محمد والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليّ، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إليّ، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد إليّ، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: أصبوت؟ فقال: لا ولكن أسلمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. (2)\rأخبرنا عبدالوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبدالعزيز بن أحمد الخلال، حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا عبدالوهاب بن عبدالمجيد الثقفي، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين قال: أسر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من بني عقيل فأوثقوه، وكانت ثقيف قد أسرت رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ففداه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف. (3)\rقوله عز وجل: { حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا } أي أثقالها وأحمالها، يعني حتى تضع أهل الحرب السلاح، فيمسكوا عن الحرب.\rوأصل \"الوزر\": ما يحتمل الإنسان، فسمى الأسلحة أوزارًا لأنها تحمل.\rوقيل: \"الحرب\" هم المحاربون، كالشرب والركب.\rوقيل: \"الأوزار\" الآثام، ومعناه حتى يضع المحاربون آثامها، بأن يتوبوا من كفرهم فيؤمنوا بالله ورسوله.\rوقيل: حتى تضع حربكم وقتالكم أوزار المشركين وقبائح أعمالهم بأن يسلموا، ومعنى الآية: أثخنوا المشركين بالقتل والأسر حتى يدخل أهل الملل كلها في الإسلام، ويكون الدين كله لله فلا\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) أخرجه البخاري في المغازي، باب: وفد بني حنيفة: 8 / 87، ومسلم في الجهاد والسير، باب: ربط الأسير وحبسه وجواز المن عليه برقم (1764): 3 / 1386، والمصنف في شرح السنة: 1 / 80-82.\r(3) قطعة من حديث رواه الشافعي في المسند 2 / 404 أخرجه مسلم في النذر، باب: لا وفاء في معصية الله ولا فيما لا يملك العبد برقم: (1641): 3 / 1262-1263 والمصنف في شرح السنة: 11 / 83-85.","part":7,"page":279},{"id":2883,"text":"يكون بعده جهاد ولا قتال، وذلك عند نزول عيسى بن مريم عليهما السلام، وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: \"الجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال\". (1)\rوقال الكلبي: حتى يسلموا أو يسالموا.\rوقال الفراء: حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم.\r{ ذَلِك } الذي ذكرت وبينت من حكم الكفار، { وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ } فأهلكهم وكفاكم أمرهم بغير قتال، { وَلَكِن } أمركم بالقتال، { لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ } فيصير من قتل من المؤمنين إلى الثواب ومن قتل من الكافرين إلى العذاب، { وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } قرأ أهل البصرة وحفص: \"قتلوا\" بضم القاف وكسر التاء خفيف، يعني الشهداء، وقرأ الآخرون: \"قاتلوا\" بالألف من المقاتلة، وهم المجاهدون، { فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ } قال قتادة: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت يوم أحد، وقد فشت في المسلمين الجراحات والقتل. (2)\r{ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) }\r{ سَيَهْدِيهِم } أيام حياتهم في الدنيا إلى أرشد الأمور، وفي الآخرة إلى الدرجات، { وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ } يرضي خصماءهم ويقبل أعمالهم.\r{ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ } أي بَيَّن لهم منازلهم في الجنة حتى يهتدوا إلى مساكنهم لا يخطؤون ولا يستدلون عليها أحدًا كأنهم سكانها منذ خلقوا، فيكون المؤمن أهدى إلى درجته، وزوجته وخدمه منه إلى منزله وأهله في الدنيا، هذا قول أكثر المفسرين.\rوروى عطاء عن ابن عباس: \"عرفها لهم\" أي طيبها لهم، من العَرْف، وهو الريح الطيبة، وطعام\r__________\r(1) قطعة من حديث أخرجه أبو داود في الجهاد، باب الغزو مع أئمة الجور: 3 / 380، وسعيد بن منصور في السنن برقم (2367) 2 / 143 عن أنس بن مالك. قال المنذري: \"والراوي عن أنس: يزيد بن أبي نشبة، وهو في معنى المجهول\". قال ابن حجر في التقريب: \"نشبة- بضم النون وسكون المعجمة- السلمي، مجهول من الخامسة\". وانظر: نصب الراية للزيلعي: 3 / 377، مجمع الزوائد: 1 / 106.\r(2) أخرجه الطبري: 26 / 44، وعبدالرزاق في التفسير: 2 / 221، وزاد السيوطي في الدر المنثور: 7 / 461 عزوه لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم.","part":7,"page":280},{"id":2884,"text":"معرف أي: مطيَّب. (1)\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ (11) }\r__________\r(1) انظر: القرطبي: 16 / 231.","part":7,"page":281},{"id":2885,"text":"{ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12) }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ } أي دينه ورسوله، { يَنْصُرْكُمْ } على عدوكم، { وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } عند القتال.\r{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ } قال ابن عباس: بُعْدًا لهم. وقال أبو العالية: سقوطًا لهم. وقال الضحاك: خيبة لهم. وقال ابن زيد: شقًاء لهم. قال الفراء: هو نصب على المصدر، على سبيل الدعاء. وقيل: في الدنيا العثرة، وفي الآخرة التردي في النار. ويقال للعاثر: تعسًا إذا لم يريدوا قيامه، وضده لعًا إذا أرادوا قيامه (1) ، { وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ } لأنها كانت في طاعة الشيطان.\r{ ذَلِكَ } التعس والإضلال، { بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ } .\rثم خوف الكفار فقال: { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ } أي أهلكهم، { وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا } إن لم يؤمنوا، يتوعد مشركي مكة.\r{ ذَلِكَ } الذي ذكرت، { بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا } وليهم وناصرهم، { وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ } 127/أ لا ناصر لهم. ثم ذكر مآل الفريقين فقال:\r{ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ } في الدنيا، { وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأنْعَامُ } ليس لهم همة إلا بطونهم وفروجهم، وهم لاهون ساهون عما في غد، قيل: المؤمن في الدنيا يتزود، والمنافق يتزين، والكافر يتمتع، { وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ } .\r__________\r(1) انظر: لسان العرب، مادة \"تعس\": 6 / 32.","part":7,"page":281},{"id":2886,"text":"{ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ (13) أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (14) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (15) }\r{ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ } أي أخرجك أهلها، قال ابن عباس: كم رجال هم أشد من أهل مكة؟ يدل عليه قوله: { أَهْلَكْنَاهُمْ } ولم يقل: أهلكناها، { فَلا نَاصِرَ لَهُمْ } قال ابن عباس: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الغار التفت إلى مكة وقال: \"أنت أحبُّ بلاد الله إلى الله وأحبُّ بلاد الله إليّ ولو أن المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك\" فأنزل الله هذه الآية (1) .\r{ أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ } يقين من دينه، محمد والمؤمنون، { كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ } يعني عبادة الأوثان، وهم أبو جهل والمشركون.\r{ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ } أي صفتها، { فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ } آجن متغير منتن، قرأ ابن كثير \"آسن\" بالقصر، والآخرون بالمد، وهما لغتان يقال: أسن الماء يأسن أسنًا، وأجن يأجن، أسونًا وأجونًا، إذا تَغَّير، { وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ } [لذيذة] (2) ، { لِلشَّارِبِينَ } لم تدنسها الأرجل ولم تدنسها الأيدي، { وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى } .\rأخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر، أخبرنا عبدالغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، أخبرنا أبو أسامة وعبدالله بن نمير وعلي بن مسهر، عن عبيدالله بن عمر، عن خبيب بن عبدالرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"سيحان وجيحان والنيل والفرات كل من أنهار الجنة\". (3)\rقال كعب الأحبار: نهر دجلة نهر ماء أهل الجنة، ونهر الفرات نهر لبنهم، ونهر مصر نهر\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 26 / 48، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 463 أيضًا لعبد بن حميد، وأبي يعلى، وابن أبي حاتم وابن مردويه. وانظر: علل الحديث لابن أبي حاتم: 1 / 280.\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) أخرجه مسلم في الجنة، باب ما في الدنيا من أنهار الجنة برقم (2839) 4 / 2683.","part":7,"page":282},{"id":2887,"text":"خمرهم، ونهر سيحان نهر عسلهم، وهذه الأنهار الأربعة تخرج من نهر الكوثر. (1)\r{ وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ } أي من كان في هذا النعيم كمن هو خالد في النار، { وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا } شديد الحر تسعر عليهم جهنم منذ خلقت إذا أدني منهم شوى وجوههم ووقعت فروة رؤوسهم فإذا شربوه، { فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ } فخرجت من أدبارهم، والأمعاء جميع ما في البطن من الحوايا واحدها معي.\r{ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (18) }\r{ وَمِنْهُم } يعني من هؤلاء الكفار، { مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } وهم المنافقون، يستمعون قولك فلا يعونه ولا يفهمونه، تهاونًا به وتغافلا { حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ } يعني فإذا خرجوا من عندك، { قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ } من الصحابة: { مَاذَا قَالَ } محمد، { آنِفًا } ؟ يعني الآن، هو من الائتناف ويقال: ائتنفت الأمر أي ابتدأته وأنف الشيء أوله.\rقال مقاتل: وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب ويعيب المنافقين، فإذا خرجوا من المسجد سألوا عبدالله بن مسعود استهزاء: ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟\rقال ابن عباس: وقد سئلت فيمن سئل. (2)\r{ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ } فلم يؤمنوا، { وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ } في الكفر والنفاق.\r{ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا } يعني المؤمنين، { زَادَهُم } ما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، { هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ } وفقهم للعمل بما أمرهم به، وهو التقوى، قال سعيد بن جبير: وآتاهم ثواب تقواهم. { فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً }\r__________\r(1) انظر: القرطبي: 16 / 237.\r(2) انظر: القرطبي: 16 / 238.","part":7,"page":283},{"id":2888,"text":"أخبرنا أبو الحسن عبدالرحمن بن محمد الداودي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت، حدثنا أبو إسحاق الهاشمي، حدثنا الحسين بن الحسن، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا معمر بن راشد، عمن سمع المقبري يحدث عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"ما ينتظر أحدكم من الدنيا إلا غنى مطغيًا، أو فقرًا منسيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مُفَنِّدًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال فالدجال شر غائب ينتظر، أو الساعة والساعة أدهى وأمر\". (1)\rقوله عز وجل: { فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا } أي أماراتها وعلاماتها، واحدها: شرط، وكان النبي صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة.\rأخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أحمد بن المقدام، حدثنا فضل بن سليمان، حدثنا أبو حازم، حدثنا سهل بن سعد قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم قال بأصبعيه هكذا، بالوسطى والتي تلي الإبهام: \"بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين\". (2)\rأخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا حفص بن عمر الحوضي، حدثنا هشام، عن قتادة، عن أنس قال: لأحدثنكم بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحدثنكم به أحد غيري، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم، ويكثر الجهل، ويكثر الزنا، ويكثر شرب الخمر، ويقل الرجال ويكثر النساء، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد\". (3)\rأخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن سنان، حدثنا فليح، حدثني هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم إذ جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث، فقال بعض 127/ب القوم: سمع ما قال فكره ما قال. وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه، قال: \"أين السائل عن الساعة؟\" قال: ها أنا يا رسول\r__________\r(1) أخرجه الحاكم: 4 / 320-321 وقال: \"إن كان معمر بن راشد سمع من المقبري فالحديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\"، والمصنف في شرح السنة: 14 / 224-225 وقال مخرجه: \"إسناده ضعيف لجهالة الواسطة بين معمر بن راشد وسعيد المقبري\".\r(2) أخرجه البخاري في التفسير(تفسير سورة النازعات) 8 / 691، ومسلم في الفتن، باب قرب الساعة برقم: (2950): 4 / 2268، والمصنف في شرح السنة: 15 / 98.\r(3) أخرجه البخاري في العلم، باب رفع العلم وظهور الجهل: 1 / 178، ومسلم في العلم، باب رفع العلم وقبضه برقم: (2671): 4 / 2056، والمصنف في شرح السنة: 1 / 315.","part":7,"page":284},{"id":2889,"text":"الله، قال: \"إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة\". قال: كيف إضاعتها؟ قال: \"إذا وُسِدَ الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة\". (1)\rقوله عز وجل: { فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ } فمن أين لهم التذكر والاتعاظ والتوبة إذا جاءتهم الساعة؟ نظيره: \"يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى\"( الفجر-23 ) .\r{ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19) }\rقوله عز وجل: { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ } قيل: الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره، وقيل: معناه فاثبت عليه. وقال الحسين بن الفضل: فازدد علمًا على علمك. وقال أبو العالية وابن عيينة: هو متصل بما قبله معناه: إذا جاءتهم الساعة فاعلم أنه لا ملجأ ولا مفزع عند قيامها إلا إلى الله. وقيل: فاعلم أنه لا إله إلا الله، أن الممالك تبطل عند قيامها، فلا ملك ولا حكم لأحد إلا لله، { وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ } أمر بالاستغفار مع أنه مغفور له لتستنَّ به أمته.\rأخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أبي بردة، عن الأغر المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في كل يوم مائة مرة\". (2)\rقوله عز وجل: { وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } هذا إكرام من الله تعالى لهذه الأمة حيث أمر نبيهم صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لذنوبهم وهو الشفيع المجاب فيهم، { وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ } قال ابن عباس والضحاك: \"متقلبكم\" متصرفكم [ومنتشركم في أعمالكم في الدنيا، \"ومثواكم\" مصيركم في الآخرة إلى الجنة أو إلى النار.\rوقال مقاتل وابن جرير: \"متقلبكم\" منصرفكم] (3) لأشغالكم بالنهار، \"ومثواكم\" مأواكم إلى مضاجعكم بالليل.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في العلم، باب: من سئل علمًا وهو مشتغل في حديثه فأتم الحديث ثم أجاب السائل: 1 / 141-142.\r(2) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة، باب الاستغفار واستحباب الاستغفار والاستكثار منه برقم: (2702): 4 / 2075، والمصنف في شرح السنة 5 / 70.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"أ\" .","part":7,"page":285},{"id":2890,"text":"وقال عكرمة: \"متقلبكم\" من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات. \"ومثواكم\" مقامكم في الأرض.\rوقال ابن كيسان: \"متقلبكم\" من ظهر إلى بطن، \"ومثواكم\" مقامكم في القبور.\rوالمعنى: أنه عالم بجميع أحوالكم فلا يخفى عليه شيء منها.","part":7,"page":286},{"id":2891,"text":"{ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نزلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (20) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (21) }\r{ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا } حرصًا منهم على الجهاد: { لَوْلا نزلَتْ سُورَةٌ } تأمرنا بالجهاد، { فَإِذَا أُنزلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ } قال قتادة: كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة، وهي أشد القرآن على المنافقين، { رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } يعني المنافقين، { يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ } شزرًا بتحديق شديد، كراهية منهم للجهاد وجبنًا عن لقاء العدو، { نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ } كما ينظر الشاخص بصره عند الموت، { فَأَوْلَى لَهُمْ } وعيد وتهديد، ومعنى قولهم في التهديد: \"أولى لك\" أي: وَلِيَك وقاربك ما تكره.\rثم قال: { طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ } وهذا ابتداء محذوف الخبر، تقديره: طاعة، وقول معروف أمثل، أي لو أطاعوا وقالوا قولا معروفًا كان أمثل وأحسن.\rوقيل: مجازه: يقول هؤلاء المنافقون قبل نزول السورة المحكمة: طاعة، رفع على الحكاية أي أمرنا طاعة أو منا طاعة، \"وقول معروف\": حسن.\rوقيل: هو متصل بما قبله، واللام في قوله: \"لهم\" بمعنى الباء، مجازه: فأولى بهم طاعة الله ورسوله، وقول معروف بالإجابة، أي لو أطاعوا كانت الطاعة والإجابة أولى بهم، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء.\r{ فَإِذَا عَزَمَ الأمْرُ } أي جد الأمر ولزم فرض القتال وصار الأمر معزومًا، { فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ } في إظهار الإيمان والطاعة، { لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ } وقيل: جواب \"إذا\" محذوف تقديره فإذا عزم الأمر نكلوا وكذبوا فيما وعدوا ولو صدقوا الله لكان خيرًا لهم.","part":7,"page":286},{"id":2892,"text":"{ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) }\r{ فَهَلْ عَسَيْتُمْ } فلعلكم، { إِنْ تَوَلَّيْتُمْ } أعرضتم عن القرآن وفارقتم أحكامه، { أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ } تعودوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية فتفسدوا في الأرض بالمعصية والبغي وسفك الدماء، وترجعوا إلى الفرقة بعد ما جمعكم الله بالإسلام. { وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ } قرأ يعقوب: \"وتقطعوا\" بفتح التاء خفيف، والآخرون بالتشديد و\"تقطعوا\" من التقطيع، على التكثير، لأجل الأرحام، قال قتادة: كيف رأيتم القوم حين تولوا عن كتاب الله ألم يسفكوا الدم الحرام، وقطعوا الأرحام، وعصوا الرحمن؟ وقال بعضهم: هو من الولاية. وقال المسيب بن شريك والفراء: يقول فهل عسيتم إن وليتم أمر الناس أن تفسدوا في الأرض بالظلم، نزلت في بني أمية وبني هاشم (1) ، يدل عليه قراءة علي بن أبي طالب \"توليتم\" بضم التاء والواو وكسر اللام، يقول: إن وليتكم ولاة جائرة خرجتم معهم في الفتنة وعاونتموهم.\r{ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ } عن الحق.\r{ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } فلا تفهم مواعظ القرآن وأحكامه، و\"أم\" بمعنى \"بل\".\rأخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أنبأني عقيل بن محمد، أخبرنا المعافى بن زكريا، أخبرنا محمد بن جرير، حدثنا بشر، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها\" فقال شاب من أهل اليمن: بل على قلوب أقفالها حتى يكون الله يفتحها أو يفرجها، فما زال الشاب في نفس عمر حتى ولي فاستعان به. (2)\r{ إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ } رجعوا كفارًا، { مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى } قال قتادة: هم كفار أهل الكتاب كفروا 128/أ بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد ما عرفوه ووجدوا نعته في كتابهم.\r__________\r(1) انظر: البحر المحيط: 8 / 82.\r(2) أخرجه الطبري: 26 / 57.","part":7,"page":287},{"id":2893,"text":"وقال ابن عباس، والضحاك، والسدي: هم المنافقون (1) .\r{ الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ } زين لهم القبيح، { وَأَمْلَى لَهُمْ } قرأ أهل البصرة بضم الألف وكسر اللام وفتح الياء على ما لم يسم فاعله، وقرأ مجاهد بإرسال (2) الياء على وجه الخبر من الله عز وجل عن نفسه أنه يفعل ذلك، وتروى هذه القراءة عن يعقوب، وقرأ الآخرون: \"وأملى لهم\" بفتح الألف، أي: وأملى الشيطان لهم، مد لهم في الأمل.\r{ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نزلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29) }\r__________\r(1) انظر: القرطبي: 16 / 249.\r(2) في الأصل \"بسكون\" وصححت في الهامش (بإرسال).","part":7,"page":288},{"id":2894,"text":"{ وَلَوْ نَشَاءُ لأرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30) }\r{ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ } يعني المنافقين أو اليهود، { قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نزلَ اللَّهُ } وهم المشركون، { سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأمْرِ } في التعاون على عداوة محمد صلى الله عليه وسلم والقعود عن الجهاد، وكانوا يقولونه سرًا فأخبر الله تعالى عنهم، { وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ } قرأ أهل الكوفة غير أبي بكر: بكسر الهمزة، على المصدر، والباقون بفتحها على جمع السر.\r{ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ } الضرب، { بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ } قال ابن عباس: بما كتموا من التوراة وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، { وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ } كرهوا ما فيه رضوان الله، وهو الطاعة والإيمان. { فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ } .\r{ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } يعني المنافقين ، { أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ } لن يظهر أحقادهم على المؤمنين فيبديها حتى يعرفوا نفاقهم، واحدها: \"ضغن\"، قال ابن عباس: حسدهم.\r{ وَلَوْ نَشَاءُ لأرَيْنَاكَهُمْ } أي لأعلمناكهم وعرفناكهم، { فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ } بعلامتهم،","part":7,"page":288},{"id":2895,"text":"قال الزجاج: المعنى: لو نشاء لجعلنا على المنافقين علامة تعرفهم بها.\rقال أنس: ما خفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية شيء من المنافقين، كان يعرفهم بسيماهم (1) .\r{ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ } في معناه ومقصده.\r\"واللحن\": وجهان صواب وخطأ، فالفعل من الصواب: لَحِنَ يَلْحَنُ لَحْنًا فهو لَحِنٌ إذا فطن للشيء، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: \"ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض\". (2)\rوالفعل من الخطأ لَحَنَ يَلْحَنُ لَحْنًا فهو لاحِنٌ. والأصل فيه: إزالة الكلام عن جهته.\rوالمعنى: إنك تعرفهم فيما يعرضون به من تهجين أمرك وأمر المسلمين والاستهزاء بهم، فكان بعد هذا لا يتكلم منافق عند النبي صلى الله عليه وسلم إلا عرفه بقوله، ويستدل بفحوى كلامه على فساد دخيلته.\r{ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ } .\r{ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (32) }\r{ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ } ولنعاملنكم معاملة المختبر بأن نأمركم بالجهاد والقتال، { حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ } أي: علم الوجود، يريد: حتى يتبين المجاهد والصابر على دينه من غيره، { وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ } أي نظهرها ونكشفها بإباء من يأبى القتال، ولا يصبر على الجهاد.\rوقرأ أبو بكر عن عاصم: \"وليبلونكم حتى يعلم\"، ويبلو بالياء فيهن، لقوله تعالى: [\"والله يعلم أعمالكم\"، وقرأ الآخرون بالنون فيهن، لقوله تعالى] (3) \"ولو نشاء لأريناكهم\"، وقرأ يعقوب: \"ونبلوا\" ساكنة الواو، ردًا على قوله: \"ولنبلونكم\" وقرأ الآخرون بالفتح ردا على قوله: \"حتى نعلم\".\r{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا } إنما يضرون أنفسهم، { وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ } فلا يرون لها ثوابًا في الآخرة،\r__________\r(1) انظر: القرطبي: 16 / 252.\r(2) قطعة من حديث أخرجه البخاري في الشهادات، باب من أقام البينة بعد اليمين. 5 / 288، ومسلم في الأقضية، باب: الحكم بالظاهر واللحن بالحجة برقم: (1713): 3 / 1337.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":7,"page":289},{"id":2896,"text":"قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم المطعمون يوم بدر، نظيرها قوله عز وجل: \"إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله\"( الأنفال-36 ) الآية.\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35) إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36) }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } قال عطاء: بالشك والنفاق، وقال الكلبي: بالرياء والسمعة. وقال الحسن: بالمعاصي والكبائر.\rوقال أبو العالية: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضر مع الإخلاص ذنب كما لا ينفع مع الشرك عمل، فنزلت هذه الآية فخافوا الكبائر بعده أن تحبط الأعمال. (1)\rوقال مقاتل: لا تمنوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبطلوا أعمالكم، نزلت في بني أسد، وسنذكره في سورة الحجرات إن شاء الله تعالى.\r{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ } قيل: هم أصحاب القليب. وحكمها عام.\r{ فَلا تَهِنُوا } لا تضعفوا { وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ } أي لا تدعوا إلى الصلح ابتداء، منع الله المسلمين أن يدعوا الكفار إلى الصلح، وأمرهم بحربهم حتى يسلموا، { وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ } الغالبون، قال الكلبي: آخر الأمر لكم وإن غلبوكم في بعض الأوقات، { وَاللَّهُ مَعَكُمْ } بالعون والنصرة، { وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ } لن ينقصكم شيئًا من ثواب أعمالكم، يقال: وتره يتره وترًا وَتِرَةً: إذا نقص حقه، قال ابن عباس، وقتادة، ومقاتل، والضحاك: لن يظلمكم أعمالكم الصالحة بل يؤتيكم أجورها. ثم حض على طلب الآخرة فقال:\r{ إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ } باطل وغرور، { وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا } الفواحش،\r__________\r(1) أخرجه محمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة: 2 / 646، وإسناده ضعيف، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 504-505 لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن أبي العالية.","part":7,"page":290},{"id":2897,"text":"{ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ } جزاء أعمالكم في الآخرة، { وَلا يَسْأَلْكُمْ } ربكم، { أَمْوَالَكُمْ } لإيتاء الأجر بل يأمركم بالإيمان والطاعة ليثيبكم عليها الجنة، نظيره قوله: \"ما أريد منهم من رزق\"( الذاريات-57 ) ، وقيل: لا يسألكم محمد أموالكم، نظيره: \"قل ما أسألكم عليه من أجر\"( الفرقان-57 ) .\rوقيل: معنى الآية: لا يسألكم الله ورسوله أموالكم كلها في الصدقات، إنما يسألانكم غيضًا من فيض، ربع العشر فطيبوا بها نفسًا. وإلى هذا القول ذهب ابن عيينة، يدل عليه 128/ب سياق الآية:\r{ إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (37) هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38) }\r{ إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ } أي يجهدكم ويلحف عليكم بمسألة جميعها، يقال: أحفى فلان فلانا إذا جهده، وألحف عليه بالمسألة.\r{ تَبْخَلُوا } بها فلا تعطوها.\r{ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ } بغضكم وعداوتكم، قال قتادة: علم الله أن في مسألة الأموال خروج الأضغان. { هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } يعني إخراج ما فرض الله عليكم، { فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ } بما فرض عليه من الزكاة، { وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ } عن صدقاتكم وطاعتكم، { وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ } إليه وإلى ما عنده من الخير. { وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ } بل يكونوا أمثل منكم وأطوع لله منكم.\rقال الكلبي: هم كندة والنخع، وقال الحسن: هم العجم، وقال عكرمة: فارس والروم.\rأخبرنا أبو بكر أحمد بن أبي نصر الكوفاني، أخبرنا أبو محمد عبدالرحمن بن عمر، حدثنا إسحاق النجيبي المصري المعروف بابن النحاس، أخبرنا أبو الطيب الحسن بن محمد الرياش، حدثنا يونس بن عبدالأعلى، حدثنا ابن وهب، حدثنا مسلم بن خالد، عن العلاء بن عبدالرحمن، عن","part":7,"page":291},{"id":2898,"text":"أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: \"وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم\"، قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا ثم لا يكونوا أمثالنا؟ فضرب على فخذ سلمان الفارسي ثم قال: \"هذا وقومه، ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس\". (1)\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في التفسير(تفسير سورة محمد) 9 / 145 وقال: \"هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال، وقد روى عبد الله بن جعفر أيضًا هذا الحديث عن العلاء بن عبدالرحمن\"، والطبري: 26 / 66-67، والحاكم: 2 / 458 وصححه، وعبدالرزاق في المصنف: 11 / 66، والمصنف في شرح السنة: 14 / 200. وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 506 لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، والبيهقي في الدلائل.","part":7,"page":292},{"id":2899,"text":"سورة الفتح مدنية (1)\r{ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) }\rبسم الله الرحمن الرحيم { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا }\rأخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد السرخسي، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فسأله عمر عن شيء فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، فقال عمر: ثكلتك أمك يا عمر نزرتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات، كل ذلك لا يجيبك، قال عمر: فحركت بعيري ثم تقدمت أمام الناس، وخشيت أن ينزل فيّ قرآن، فما لبثت أن سمعت صارخًا يصرخ بي، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه، فقال: \"لقد أنزلت عليّ الليلة سورة لهي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس، ثم قرأ: \"إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر\". (2)\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو عمر بكر بن محمد المزني، حدثنا أبو بكر محمد بن عبدالله حفيد العباس بن حمزة، حدثنا الحسين بن الفضل البجلي، حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة، حدثنا أنس قال: نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم: \"إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا\" إلى آخر الآية، مرجعه من الحديبية وأصحابه مخالطهم الحزن والكآبة، فقال: \"نزلت عليّ آية هي أحب إلي من الدنيا جميعًا\"، فلما تلاها نبي الله صلى الله عليه وسلم قال رجل من القوم: هنيئًا مريئًا لك قد بَيَّن الله لك ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله الآية التي بعدها: \"ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار\"، حتى ختم الآية. (3)\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 507 لابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي.\r(2) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة الحديبية....: 7 / 452 ومعنى \"نزرت\": ألححت.\r(3) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة الحديبية....: 7 / 450-451، ومسلم في الجهاد، باب صلح الحديبية برقم: (1786): 3 / 1413، والمصنف في شرح السنة: 14 / 222.","part":7,"page":293},{"id":2900,"text":"اختلفوا في هذا الفتح: روي عن أبي جعفر الرازي عن قتادة عن أنس: أنه فتح مكة، وقال مجاهد: فتح خيبر (1) .\rوالأكثرون على أنه صلح الحديبية. (2)\rومعنى الفتح فتح المنغلق، والصلح مع المشركين بالحديبية كان متعذرًا حتى فتحه الله عز وجل. ورواه شعبة عن قتادة عن أنس: \"إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا\"، قال: الحديبية.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبيدالله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان، يوم الحديبية كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة مائة، والحديبية بئر، فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاها فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض ودعا ثم صبه فيها فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا نحن وركابنا (3) .\rوقال الشعبي في قوله: \"إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا\"، قال: فتح الحديبية، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأُطْعِموا نخل خيبر، وبلغ الهدي محله، وظهرت الروم على فارس، ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس. (4)\rقال الزهري: لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم، أسلم في ثلاث سنين خلق كثير، وكثر بهم سواد الإسلام (5) .\rقوله عز وجل: \"إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا\" ، أي قضينا لك قضاء بَيِّنًا. وقال الضحاك: إنا\r__________\r(1) في الدر المنثور: 7 / 508 عن أنس.\r(2) انظر: البحر المحيط: 8 / 89.\r(3) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة الحديبية...: 7 / 441.\r(4) انظر: البحر المحيط: 8 / 89، الدر المنثور: 7 / 510.\r(5) انظر: البحر المحيط: 8 / 89، الدر المنثور: 7 / 510.","part":7,"page":296},{"id":2901,"text":"فتحنالك فتحًا مبينًا بغير قتال، وكان الصلح من الفتح.\r{ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) }\rقيل: اللام في قوله: { لِيَغْفِرَ } لام كي، معناه: إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة في الفتح.\rوقال الحسين بن الفضل: هو مردود إلى قوله: \"واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات\"( محمد-19 ) \" لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ \" و\"ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات\" الآية.\rوقال محمد بن جرير: هو راجع إلى قوله: \"إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا فسبح بحمد ربك واستغفره\"( النصر: 1-3 ) ليغفر لك 129/أ الله ما تقدم من ذنبك في الجاهلية قبل الرسالة، وما تأخر إلى وقت نزول هذه السورة (1) .\rوقيل: { وَمَا تَأَخَّرَ } مما يكون، وهذا على طريقة من يجوز الصغائر على الأنبياء (2) .\r__________\r(1) انظر: الطبري: 26 / 68.\r(2) قال القرطبي: 1 / 308-309 \"واختلف العلماء في هذا الباب هل وقع من الأنبياءِ -صلوات الله عليهم أجمعين- صغائر من الذنوب يؤاخذون بها ويعاتبون عليها أم لا؟ بعد اتفاقهم على أنهم معصومون من الكبائر ومن كل رذيلة فيها شين ونقص إجماعًا عند القاضي أبي بكر، وعند الأستاذ أبي إسحاق أن ذلك مقتضى دليل المعجزة، وعند المعتزلة أن ذلك مقتضى دليل العقل على أصولهم، فقال الطبري وغيره من الفقهاء والمتكلمين والمحدثين: تقع الصغائر منهم. خلافًا للرافضة حيث قالوا: إنهم معصومون من جميع ذلك، واحتجوا بما وقع من ذلك في التنزيل وثبت من تنصلهم من ذلك في الحديث، وهذا ظاهر لا خفاء فيه. وقال جمهور من الفقهاء من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي: إنهم معصومون من الصغائر كلها كعصمتهم من الكبائر أجمعها، لأنا أمرنا باتباعهم في أفعالهم وآثارهم وسيرهم أمرًا مطلقًا من غير التزام قرينة، فلو جوزنا عليهم الصغائر لم يمكن الاقتداء بهم، إذ ليس كل فعل من أفعالهم يتميز مقصده من القربة والإباحة أو الحظر أو المعصية، ولا يصح أن يؤمر المرء بامتثال أمر لعله معصية، لاسيما على من يرى تقديم الفعل على القول إذا تعارضا من الأصوليين. قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني: واختلفوا في الصغائر، والذي عليه الأكثر أن ذلك غير جائز عليهم، وصار بعضهم إلى تجويزها، ولا أصل لهذه المقالة. وقال بعض المتأخرين ممن ذهب إلى القول الأول: الذي ينبغي أن يقال: إن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم ونسبها إليهم وعاتبهم عليها، وأخبروا بها عن نفوسهم وتنصلوا منها وأشفقوا منها وتابوا، وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا يقبل التأويل جملتها وإن قبل ذلك آحادها، وكل ذلك مما لا يزري بمناصبهم، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة الندور وعلى جهة الخطأ والنسيان، أو تأويل دعا إلى ذلك فهي بالنسبة إلى غيرهم حسنات وفي حقهم سيئات بالنسبة إلى مناصبهم وعلو أقدارهم إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب عليه السائس، فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة مع علمهم بالأمن والأمان والسلامة. قال: وهذا هو الحق. ولقد أحسن الجنيد حيث قال: حسنات الأبرار سيئات المقربين. منهم- صلوات الله وسلامه عليهم- وإن كان قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم فلم يخل ذلك بمناصبهم ولا قدح في رتبهم، بل قد تلافاهم واجتباهم وهداهم ومدحهم وزكاهم واختارهم واصطفاهم، صلوات الله عليهم وسلامه.","part":7,"page":297},{"id":2902,"text":"وقال سفيان الثوري: { مَا تَقَدَّمَ } مما عملت في الجاهلية، { وَمَا تَأَخَّرَ } كل شيء لم تعمله، ويذكر مثل ذلك على طريق التأكيد، كما يقال: أعطى من رآه ومن لم يره، وضرب من لقيه ومن لم يلقه.\rوقال عطاء الخراساني: { مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ } يعني ذنب أبويك آدم وحواء ببركتك، { وَمَا تَأَخَّرَ } ذنوب أمتك بدعوتك. (1)\r{ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } بالنبوة والحكمة، { وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا } أي يثبتك عليه، والمعنى ليجتمع لك مع الفتح تمام النعمة بالمغفرة والهداية إلى الصراط المستقيم وهو الإسلام. وقيل: ويهديك أي يهدي بك.\r{ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3) هُوَ الَّذِي أَنزلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4) }\r{ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا } غالبًا. وقيل: معزًا.\r{ هُوَ الَّذِي أَنزلَ السَّكِينَةَ } الطمأنينة والوقار، { فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ } لئلا تنزعج نفوسهم لما يرد عليهم. قال ابن عباس: كل سكينة في القرآن فهي طمأنينة إلا التي في سورة البقرة، { لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ } .\rقال ابن عباس: بعث الله رسوله بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدقوه زادهم الصلاة ثم الزكاة ثم الصيام ثم الحج ثم الجهاد، حتى أكمل لهم دينهم (2) ، فكلما أمروا بشيء فصدقوه ازدادوا تصديقًا إلى تصديقهم.\rوقال الضحاك: يقينًا مع يقينهم.\rقال الكلبي: هذا في أمر الحديبية حين صدق الله رسوله الرؤيا بالحق.\r{ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } .\r__________\r(1) انظر: القرطبي: 16 / 263.\r(2) أخرجه الطبري: 26 / 72، وزاد السيوطي في الدر المنثور: 7 / 514 عزوه لابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل.","part":7,"page":298},{"id":2903,"text":"{ لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (5) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (7) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا (9) }","part":7,"page":299},{"id":2904,"text":"{ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10) }\r{ لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا } وقد ذكرنا عن أنس أن الصحابة قالوا لما نزل \"ليغفر لك الله\": هنيئًا مريئًا فما يفعل بنا فنزل: \"ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات\" (1) الآية.\r{ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ } أهل النفاق بالمدينة وأهل الشرك بمكة، { الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ } أن لن ينصر محمدًا والمؤمنين، { عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ } بالعذاب والهلاك، { وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } .\r{ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ } أي تعينوه وتنصروه، { وَتُوَقِّرُوهُ } تعظموه وتفخموه هذه الكنايات راجعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وها هنا وقف، { وَتُسَبِّحُوهُ } أي تسبحوا الله يريد تصلوا له، { بُكْرَةً وَأَصِيلا } بالغداة والعشي، قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: \"وليؤمنوا، ويعزروه، ويوقروه، ويسبحوه\" بالياء فيهن لقوله: في \"قلوب المؤمنين\"، وقرأ الآخرون بالتاء فيهن.\r{ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ } يا محمد بالحديبية على أن لا يفروا، { إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ } لأنهم باعوا أنفسهم من الله بالجنة.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي عبيد قال: قلت\r__________\r(1) انظر فيما سبق ص 252-254.","part":7,"page":299},{"id":2905,"text":"لسلمة بن الأكوع: علي أي شيء بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية؟ قال: على الموت (1) .\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مسلم بن الحجاج، حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا يزيد بن زريع، عن خالد، عن الحكم بن عبد الله بن الأعرج، عن معقل بن يسار، قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي صلى الله عليه وسلم يبايع الناس، وأنا رافع غصنًا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة، قال: لم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أن لا نفر (2) .\rقال أبو عيسى: معنى الحديثين صحيح بايعه جماعة على الموت، أي لا نزال نقاتل بين يديك ما لم نقتل، وبايعه آخرون، وقالوا: لا نفر (3) .\r{ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يد الله بالوفاء بما وعدهم من الخير فوق أيديهم.\rوقال السدي: كانوا يأخذون بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبايعونه، ويد الله فوق أيديهم في المبايعة.\rقال الكلبي: نعمة الله عليهم في الهداية فوق ما صنعوا من البيعة (4) .\r{ فَمَنْ نَكَثَ } نقض البيعة، { فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ } عليه وباله، { وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ } ثبت على البيعة، { فَسَيُؤْتِيهِ } قرأ أهل العراق \"فسيؤتيه\" بالياء، وقرأ الآخرون بالنون، { أَجْرًا عَظِيمًا } وهو الجنة.\r{ سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (11) }\r{ سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرَابِ } قال ابن عباس، ومجاهد: يعني أعراب غفار ومزينة وجهينة، وأشجع وأسلم، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمرًا استنفر من حول المدينة من الأعراب وأهل البوادي ليخرجوا معه حذرًا من قريش أن يعرضوا له بحرب، أو يصدوه عن البيت، فأحرم بالعمرة وساق معه الهدي ليعلم الناس أنه لا يريد حربًا،\r__________\r(1) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة الحديبية: 7 / 449.\r(2) أخرجه مسلم في الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام لجيشه عند إرادة القتال، وبيان بيعة الرضوان تحت الشجرة برقم: (1856): 3 / 1483.\r(3) الترمذي: 5 / 218.\r(4) انظر: القرطبي: 26 / 267.","part":7,"page":300},{"id":2906,"text":"فتثاقل عنه كثير من الأعراب وتخلفوا واعتلوا بالشغل، فأنزل الله تعالى فيهم (1) : \"سيقول لك المخلفون من الأعراب\" يعني الذين خلفهم الله عز وجل عن صحبتك، إذا انصرفت إليهم فعاتبهم على التخلف.\r{ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا } يعني النساء والذراري، أي لم يكن لنا من يخلفنا فيهم { فَاسْتَغْفِرْ لَنَا } تخلفنا عنك، فكذبهم الله عز وجل في اعتذارهم، فقال:\r{ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ } من أمر الاستغفار، فإنهم لا يبالون استغفر لهم النبي صلى الله عليه وسلم أو لا.\r{ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا } [سوءًا] (2) ، { أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا } قرأ حمزة والكسائي: \"ضرا\" بضم الضاد، وقرأ الآخرون بفتحها لأنه قابله بالنفع والنفع ضد الضر، 129/ب وذلك أنهم ظنوا أن تخلفهم عن النبي صلى الله عليه وسلم يدفع عنهم الضر، ويعجل لهم النفع بالسلامة في أنفسهم وأموالهم، فأخبرهم أنه: إن أراد بهم شيئًا من ذلك لم يقدر أحد على دفعه. { بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } .\r{ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (12) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (13) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (14) }\r{ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا } أي ظننتم أن العدو يستأصلهم فلا يرجعون، { وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ } زين الشيطان ذلك الظن في قلوبكم، { وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ } وذلك أنهم قالوا: إن محمدًا وأصحابه أكلة رأس، فلا يرجعون، فأين تذهبون معه، انتظروا ما يكون من أمرهم. { وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا } هلكى لا تصلحون لخير.\r{ وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا }\r__________\r(1) انظر: القرطبي: 16 / 268.\r(2) زيادة من \"ب\".","part":7,"page":301},{"id":2907,"text":".\r{ سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلا قَلِيلا (15) }","part":7,"page":302},{"id":2908,"text":"{ قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (16) }\r{ سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ } يعني هؤلاء الذين تخلفوا عن الحديبية، { إِذَا انْطَلَقْتُمْ } سرتم وذهبتم [أيها المؤمنون] (1) ، { إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا } يعني غنائم خيبر، { ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ } إلى خيبر لنشهد معكم قتال أهلها، وذلك أنهم لما انصرفوا من الحديبية وعدهم الله فتح خيبر وجعل غنائمها لمن شهد الحديبية خاصة عوضًا عن غنائم أهل مكة إذا انصرفوا عنهم على صلح ولم يصيبوا منهم شيئًا.\rقال الله تعالى: { يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ } قرأ حمزة والكسائي: \"كلم الله\" بغير ألف جمع كلمة، وقرأ الآخرون: \"كلام الله\"، يريدون أن يغيروا مواعيد الله تعالى لأهل الحديبية بغنيمة خيبر خاصة.\rوقال مقاتل: يعني أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن لا يسير منهم أحد.\rوقال ابن زيد: هو قول الله عز وجل: \"فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدًا\"( التوبة-83 ) ، والأول أصوب، وعليه عامة أهل التأويل.\r{ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا } إلى خيبر، { كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ } أي من قبل مرجعنا إليكم أن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية ليس لغيرهم فيها نصيب، { فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا } أي يمنعكم الحسد من أن نصيب معكم الغنائم، { بَلْ كَانُوا لا يَفْقَهُونَ } لا يعلمون عن الله ما لهم وعليهم من الدين، { إِلا قَلِيلا } منهم وهو من صدق الله والرسول.\r{ قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ } قال ابن عباس، ومجاهد،\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".","part":7,"page":302},{"id":2909,"text":"[وعطاء] (1) : هم أهل فارس. (2) وقال كعب: هم الروم (3) ، وقال الحسن: فارس والروم (4) . وقال سعيد بن جبير: هوازن وثقيف (5) . وقال قتادة: هوازن وغطفان يوم حنين (6) . وقال الزهري، ومقاتل، وجماعة: هم بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة الكذاب. (7) .\rقال رافع بن خديج: كنا نقرأ هذه الآية ولا نعلم من هم حتى دعا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة، فعلمنا أنهم هم (8) .\rوقال ابن جريج: دعاهم عمر رضي الله عنه إلى قتال فارس.\rوقال أبو هريرة: لم تأت هذه الآية بعد. (9)\r{ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا } يعني الجنة، { وَإِنْ تَتَوَلَّوْا } [تعرضوا] (10) { كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ } عام الحديبية، { يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } وهو النار، فلما نزلت هذه الآية قال أهل الزمانة: كيف بنا يا رسول الله؟.\r{ لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (17) }\rفأنزل الله تعالى (11) : { لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ } [يعني في التخلف عن الجهاد] (12) ،\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) أخرجه الطبري: 26 / 82، ابن كثير: 4 / 191، وزاد السيوطي في الدر المنثور: 7 / 519 عزوه لابن المنذر وابن أبي حاتم.\r(3) أخرجه الطبري: 26 / 83، وانظر: ابن كثير: 4 / 191.\r(4) أخرجه الطبري: 26 / 82، ابن كثير: 4 / 191، وعزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور: 7 / 519 لسعيد بن منصور وابن المنذر.\r(5) أخرجه الطبري: 26 / 83، وانظر الدر المنثور: 7 / 519.\r(6) أخرجه الطبري: 26 / 83، ابن كثير: 4 / 191، عبد الرزاق في التفسير: 2 / 226.\r(7) أخرجه الطبري: 26 / 83، وزاد السيوطي في الدر المنثور: 7 / 519 عزوه لابن المنذر والطبراني.\r(8) انظر: القرطبي: 16 / 272.\r(9) أخرجه الطبري: 26 / 83 وقال مرجحًا: \"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء المخلفين من الأعراب أنهم سيدعون إلى قتال قوم أولي بأس في القتال، ونجدة في الحروب، ولم يوضح لنا الدليل من خبر ولا عقل أن المعني بذلك هوازن، ولا بنو حنيفة ولا فارس ولا الروم، ولا أعيان بأعيانهم، وجائز أن يكون عنى بذلك بعض هذه الأجناس، وجائز أن يكون عني بهم غيرهم، ولا قول فيه أصح من أن يقال كما قال الله جل ثناؤه: إنهم سيدعون إلى قوم أولي بأس شديد\".\r(10) زيادة من \"ب\".\r(11) انظر: الدر المنثور: 7 / 521.\r(12) زيادة من \"ب\".","part":7,"page":303},{"id":2910,"text":"{ وَلا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا } قرأ أهل المدينة والشام \"ندخله\" و \"نعذبه\" بالنون فيهما، وقرأ الآخرون بالياء لقوله: { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ } .\r{ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18) }\r{ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ } بالحديبية على أن يناجزوا قريشًا ولا يفروا، { تَحْتَ الشَّجَرَةِ } وكانت سمرة (1) ، قال سعيد بن المسيب: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها (2) .\rوروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بذلك المكان بعد أن ذهبت الشجرة، فقال: أين كانت؟ فجعل بعضهم يقول: هاهنا، وبعضهم: هاهنا، فلما كثر اختلافهم قال: سيروا، قد ذهبت الشجرة (3) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان قال عمرو: سمعت جابر بن عبد الله قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: \"أنتم خير أهل الأرض\"، وكنا ألفًا وأربع مائة، ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة (4) .\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مسلم بن الحجاج، حدثنا محمد بن حاتم، حدثنا حجاج، عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرًا يسأل: كم كانوا يوم الحديبية؟ قال: كنا أربع عشرة مائة فبايعناه، وعمر آخذ بيده تحت الشجرة، وهي سمرة، فبايعناه غير جد بن قيس الأنصاري أختبأ تحت بطن بعيره (5) .\rوروى سالم عن جابر قال: كنا خمس عشرة مائة (6) .\r__________\r(1) السمرة- بضم الميم- من شجر الطلح، وهو شجر عظيم من شجر العضاة.\r(2) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة الحديبية: 7 / 447.\r(3) انظر: الطبري: 26 / 87.\r(4) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة الحديبية: 7 / 443 ومسلم في الإمارة، باب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال برقم: (1856): 3 / 1484، والمصنف في شرح السنة: 14 / 195.\r(5) أخرجه مسلم في الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال برقم: (1856): 3 / 1483.\r(6) قطعة من حديث أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة الحديبية: 7 / 441.","part":7,"page":304},{"id":2911,"text":"وقال عبد الله بن أبي أوفى: كان أصحاب الشجرة ألفًا وثلثمائة، وكانت أسلم ثُمْنَ المهاجرين (1) .\rوكان سبب هذه البيعة-على ما ذكره محمد بن إسحاق عن أهل العلم-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خراش بن أبي أمية الخزاعي حين نزل الحديبية، فبعثه إلى قريش بمكة وحمله على جمل له، يقال له الثعلب ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له، فعقروا به جمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرادوا قتله فمنعته الأحابيش، فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة، فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشًا على نفسي، وليس بمكة من بني عدي 130/أ بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها، ولكن أدلك على رجل هو أعز بها مني: عثمان بن عفان، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وإنما جاء زائرًا لهذا البيت معظمًا لحرمته، فخرج عثمان إلى مكة، فلقيه أبان بن سعد بن العاص حين دخل مكة، أو قبل أن يدخلها، فنزل عن دابته وحمله بين يديه، ثم أردفه وأجاره حتى بَلَّغ رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عظماء قريش لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به، قال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين أن عثمان قد قتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا نبرح حتى نناجز القوم\"، ودعا الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة.\rوكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت، قال بكر بن الأشج: بايعوه على الموت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"بل على ما استطعتم\".\rوقال جابر بن عبد الله ومعقل بن يسار: لم نبايعه على الموت ولكن بايعناه على أنْ لا نفر، فكان أول من بايع بيعة الرضوان رجلا من بني أسد يقال له أبو سنان بن وهب، ولم يتخلف عنه أحد من المسلمين حضرها إلا جد بن قيس أخو بني سلمة، قال جابر: لكأني أنظر إليه لاصقًا بإبط ناقته مستترًا بها من الناس، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي ذُكر من أمر عثمان باطل (2) .\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه، حدثنا علي بن أحمد بن نضرويه، حدثنا أبو عمران موسى بن سهل بن عبد الحميد الجوني، حدثنا\r__________\r(1) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة الحديبية: 7 / 443، ومسلم في الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال برقم: (1857) 3 / 1485.\r(2) أخرجه ابن إسحاق: 2 / 314-316 . وانظر: تعليق الألباني على \"فقه السيرة\" للغزالي ص (342) .","part":7,"page":305},{"id":2912,"text":"محمد بن رمح، حدثنا الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة\" (1) .\rقوله عز وجل: { فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ } من الصدق والوفاء، { فَأَنزلَ السَّكِينَةَ } الطمأنينة والرضا، { عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا } يعني فتح خيبر.\r{ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (19) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (20) }\r{ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا } من أموال يهود خيبر، وكانت خيبر ذات عقار وأموال، فاقتسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم { وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا } .\r{ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا } وهي الفتوح التي تفتح لهم إلى يوم القيامة، { فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ } يعني خيبر، { وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ } وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قصد خيبر وحاصر أهلها همت قبائل من بني أسد وغطفان أن يغيروا على عيال المسلمين وذراريهم بالمدينة، فكف الله أيديهم بإلقاء الرعب في قلوبهم، وقيل: كف أيدي الناس عنكم يعني أهل مكة بالصلح، { وَلِتَكُونَ } كفهم وسلامتكم، { آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ } على صدقك ويعلموا أن الله هو المتولي حياطتهم وحراستهم في مشهدهم ومغيبهم، { وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا } يثبتكم على الإسلام ويزيدكم بصيرة ويقينًا بصلح الحديبية، وفتح خيبر وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من الحديبية أقام بالمدينة بقية ذي الحجة وبعض المحرم ثم خرج في بقية المحرم سنة سبع إلى خيبر.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس بن مالك\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في السنة، باب: في الخلفاء: 7 / 31، والترمذي في المناقب باب: ما جاء في فضل من بايع تحت الشجرة: 10 / 362 وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\" والنسائي في التفسير: 2 / 310، والإمام أحمد: 3 / 350. وأخرجه مسلم من حديث جابر، عن أم مبشر أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند حفصة: \"لا يدخل النار، إن شاء الله، من أصحاب الشجرة أحد، الذين بايعوا تحتها\"... وذكر قصة حفصة بنت عمر رضي الله عنها. انظر: صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب: من فضائل أصحاب الشجرة برقم: (2496): 4 / 1942.","part":7,"page":306},{"id":2913,"text":"أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان إذا غَزَا بِنَا قومًا لم يكن يغير بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذانًا كف عنهم، وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم قال: فخرجنا إلى خيبر فانتهينا إليهم ليلا فلما أصبح ولم يسمع أذانًا ركب وركبت خلف أبي طلحة وإن قدمي لتمس قدم النبي صلى الله عليه وسلم: قال: فخرجوا إلينا بمكاتلهم ومساحيهم، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: محمد-والله-محمد والخميس، فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"الله أكبر، الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين\" (1) .\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أخبرنا أبو علي الحنفي عبيدالله بن عبد المجيد، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا إياس بن سلمة، حدثني أبي قال:... خرجنا إلى خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فجعل عمي عامر يرتجز بالقوم: تاللهِ لولا اللهُ ما اهتدينا ... ولا تصدَّقنا ولا صَلَّينا\rونحنُ عن فَضْلِكَ ما استَغْنَيْنَا ... فثبّتِ الأقدامَ إنْ لاقينا\r[وأنزلَنْ سكينةً علينا] (2)\rفقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"من هذا؟\" فقال: أنا عامر، قال: \"غفر لك ربك\"، قال: وما استغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان يخصه إلا استشهد، قال: فنادى عمر بن الخطاب وهو على جمل له: يا نبي الله لولا متعتنا بعامر، قال: فلما قدمنا خيبر خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه يقول: قد عَلِمَتْ [خَيْبَرُ] (3) أنِّي مَرْحَبُ ... شَاكي السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرِّبُ\rإذَا الحروبُ أَقْبَلتْ تَلَهَّبُ\rقال: وبرز له عمي عامر، فقال: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرٌ ... شَاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مُغَامِرٌ\rقال: فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر وذهب عامر يسفل له، فرجع سيفه [على نفسه] (4) فقطع أكحله، وكانت فيها نفسه. قال سلمة: فخرجت فإذا نفر من أصحاب النبي 130/ب صلى الله عليه وسلم يقولون: بَطَل عملُ عامر قتل نفسه، قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقلت: يا رسول\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الأذان، باب: ما يحقن بالأذان من الدماء: 2 / 89-90، ومسلم في الجهاد والسير، باب غزوة خيبر برقم: (1365): 3 / 1426-1427، والمصنف في شرح السنة: 11 / 58-59.\r(2) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) ساقط من \"أ\".","part":7,"page":307},{"id":2914,"text":"الله بطل عمل عامر قتل نفسه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"من قال ذلك\"؟ قلت: ناس من أصحابك، قال: \"كذب من قال ذلك، بل له أجره مرتين\"، ثم أرسلني إلى عليٍّ رضي الله عنه-وهو أرمد-فقال: لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، قال: فأتيت عليًّا رضي الله عنه فجئت به أقوده وهو أرمد، حتى أتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فبصق في عينيه فبرأ، وأعطاه الراية، وخرج مرحب فقال: قد عَلِمَتْ خيبرُ أني مَرْحَبُ ... شاكي السلاحِ بطلٌ مجرّبُ\rإذا الحروب أقبلت تَلَهَّبُ\rفقال عليٌّ رضي الله عنه: أنا الذي سَمَّتني أُمّي حَيْدَرَهْ ... كليثِ غاباتٍ [كريهِ المَنْظَرَهْ] (1)\rأُوْفِيْهم بالصَّاع كَيْلَ السَّنْدَرَهْ\rقال: فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه (2) .\rوروى حديث خيبر جماعة: سهل بن سعد، وأنس، وأبو هريرة، يزيدون وينقصون، وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد أخذته الشقيقة فلم يخرج إلى الناس، فأخذ أبو بكر رضي الله عنه راية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نهض فقاتل قتالا شديدًا، ثم رجع فأخذها عمر رضي الله عنه فقاتل قتالا شديدًا، هو أشد من القتال الأول، ثم رجع، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: \"لأعطين الراية غدًا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه\"، فدعا علي بن أبي طالب فأعطاه إياها وقال: \"امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك\"، فأتى مدينة خيبر، فخرج مرحب، صاحب الحصن، وعليه مغفر وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه، وهو يرتجز، فبرز إليه عليٌّ فضربه فَقَدَّ الحجر والمغفر وفلق رأسه حتى أخذ السيف في الأضراس، ثم خرج بعد مرحب أخوه ياسر، يرتجز فخرج إليه الزبير بن العوام، فقالت أمه صفية بنت عبد المطلب: أيقتل ابني يا رسول الله؟ قال: \"بل ابنك يقتله إن شاء الله\"، ثم التقيا فقتله الزبير، ثم لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتح الحصون، ويقتل المقاتلة ويسبي الذرية، ويحوز الأموال.\rقال محمد بن إسحاق: وكان أول حصونهم افتتح حصن ناعم، وعنده قتل محمود بن سلمة،\r__________\r(1) في\"ب\" شديد قسورة.\r(2) أخرجه مسلم مطولا في الجهاد والسير، باب غزوة ذي قرد، برقم: (1807): 3 / 1433-1441، والمصنف في شرح السنة: 14 / 19-22.","part":7,"page":308},{"id":2915,"text":"ألقت عليه اليهود حجرًا فقتله، ثم فتح العموص، حصن ابن أبي الحقيق، فأصاب منها سبايا، منهم صفية بنت حيي بن أخطب، جاء بلال بها وبأخرى معها، فمر بهما على قتلى من قتلى يهود، فلما رأتهم التي مع صفية صاحت وصكت وجهها وحثت التراب على رأسها، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"أعزبوا عني هذه الشيطانة\"، وأمر بصفية فحيزت خلفه، وألقى عليها رداءه فعرف المسلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اصطفاها لنفسه، وقال رسول الله لبلال، لما رأى من تلك اليهودية ما رأى: \"أنزعت منك الرحمة يا بلال حيث تمرُّ بامرأتين على قتلى رجالهما\"، وكانت صفية قد رأت في المنام وهي عروس بكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق أن قمرًا وقع في حجرها، فعرضت رؤياها على زوجها، فقال: ما هذا إلا أنك تتمنين مَلِكَ الحجاز محمدًا، فلطم وجهها لطمة اخضرت عينها منها، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بها وبها أثر منها فسألها ما هو؟ فأخبرته هذا الخبر، وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزوجها كنانة بن الربيع، وكان عنده كنز بني النضير فسأله، فجحده أن يكون يعلم مكانه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل من اليهود فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني قد رأيت كنانة يطوف بهذه الخربة كل غداة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنانة: أرأيت إن وجدناه عندك أنقتلك؟ قال: نعم؟ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخربة فحفرت، فأخرج منها بعض كنزهم، ثم سأله ما بقي فأبى أن يؤديه، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام فقال: عذبه حتى تستأصل ما عنده، فكان الزبير يقدح بزند في صدره حتى أشرف على نفسه، ثم دفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى محمد بن مسلمة فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة. (1)\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا خيبر، فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب نبي الله صلى الله عليه وسلم، وركب أبو طلحة، وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى نبي الله صلى الله عليه وسلم في زقاق خيبر وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم، ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم، فلما دخل القرية قال: \"الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين\"، قالها ثلاثًا، وخرج القوم إلى أعمالهم، فقالوا: محمد قال عبد العزيز، وقال بعض أصحابنا: والخميس يعني: الجيش قال: فأصبناها عنوة، فجمع السبي فجاء دحية فقال: يا نبي الله [أعطني جارية من السبي، قال: اذهب فخذ جارية فأخذ صفية بنت حيي، فجاء رجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله] (2) أعطيت دحية صفية بنت حيي سيدة قريظة والنضير، لا تصلح إلا لك، قال: \"ادعوه بها\"، فجاء بها، فلما نظر إليها النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"خذ جارية من السبي غيرها\"، قال: فأعتقها النبي صلى الله عليه وسلم وتزوجها،\r__________\r(1) انظر: السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 336 وما بعدها في غزوة خيبر.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":7,"page":309},{"id":2916,"text":"فقال له ثابت: يا أبا حمزة ما أصدقها؟ قال: نفسها، أعتقها وتزوجها، حتى إذا كان بالطريق جهزتها له أم سليم، فأهدتها له من الليل، فأصبح النبي صلى الله عليه وسلم عروسًا، فقال: من كان عنده شيء فليجىء به، وبسط نطعًا فجعل الرجل يجيء بالتمر وجعل الآخر يجيء بالسمن، قال: 131/أ وأحسبه قد ذكر السويق، قال: فحاسوا حيسًا فكانت وليمة رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد الواحد الشيباني قال: سمعت ابن أبي أوفى يقول: أصابتنا مجاعة ليالي خيبر، فلما كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها، فلما غلت القدور نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم اكفئوا القدور ولا تطعموا من لحوم الحمر شيئًا، قال عبد الله: فقلنا إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم لأنها لم تخمس، وقال آخرون: حرمها البتة، وسألت سعيد بن جبير فقال: حرمها البتة. (2)\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا يحيى بن حبيب الحارثي، أخبرنا خالد بن الحارث، حدثنا شعبة، عن هشام بن زيد، عن أنس أن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة، فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألها عن ذلك، فقالت: أردت لأقتلك، قال: \"ما كان الله ليسلطكِ على ذلك، أو قال: عليَّ \" ، قال: قالوا ألا نقتلها؟ قال: لا قال: فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم (3) .\rوقال محمد بن إسماعيل: قال يونس، عن الزهري قال عروة، قالت عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه: \"يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم\" (4) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمد بن بشار، أخبرنا حرمي، أخبرنا شعبة قال: أخبرني عمارة، عن عكرمة،\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الصلاة، باب: ما يذكر في الفخذ: 1 / 479-480، ومسلم في النكاح، باب: فضيلة إعتاقه أمته ثم يتزوجها برقم (1365): 2 / 1042-1044.\r(2) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة خيبر: 7 / 481.\r(3) أخرجه البخاري في الهبة، باب قبول الهدية من المشركين: 5 / 230، ومسلم في السلام، باب السم برقم (2190): 4 / 1721.\r(4) أخرجه البخاري في المغازي، باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته: 8 / 131.","part":7,"page":310},{"id":2917,"text":"عن عائشة قالت: لما فتحت خيبر قلنا: الآن نشبع من التمر (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أحمد بن المقدام، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا موسى بن عقبة، أخبرني نافع، عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ظهر على أهل خيبر أراد أن يخرج اليهود منها، وكانت الأرض حين ظهر عليها لله ولرسوله وللمسلمين، فسأل اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتركهم على أن يكفوا العمل ولهم نصف الثمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"نقرُّكم على ذلك ما شئنا\". فأقروا حتى أجلاهم عمر في إمارته إلى تيماء وأريحاء (2) .\rقال محمد بن إسحاق: فلما سمع أهل فدك بما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يسيرهم ويحقن لهم دماءهم، ويخلوا له الأموال، ففعل. ثم إن أهل خيبر سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاملهم الأموال على النصف، ففعل على أنا إذا شئنا أخرجناكم، فصالحه أهل فدك على مثل ذلك، فكانت خيبر للمسلمين وكانت فدك خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب.\rفلما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم شاة مصليَّة، وقد سألت أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها السم، وسممت سائر الشاة، ثم جاءت بها فلما وضعتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، تناول الذراع فأخذها فلاك منها مضغة فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء بن معرور، وقد أخذ منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما بشر فأساغها، وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلفظها، ثم قال: \"إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم\"، ثم دعا بها فاعترفت، فقال: \"ما حملك على ذلك؟\" قالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان ملكًا استرحت منه، وإن كان نبيًا فسيخبر، فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات بشر بن البراء من أكلته التي أكل.\rقال: ودخلت أم بشر بن البراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم تعوده في مرضه الذي توفي فيه، فقال:\r__________\r(1) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة خيبر: 7 / 495.\r(2) أخرجه البخاري في فرض الخمس، باب: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه: 6 / 252، ومسلم في المساقاة، باب المساقاة والمعاملة بجزء من الثمر والزرع برقم: (1551): 3 / 1187-1188، والمصنف في شرح السنة: 11 / 183-184.","part":7,"page":311},{"id":2918,"text":"\"يا أم بشر ما زالت أكلة خيبر التي أكلت بخيبر مع ابنك تعاودني فهذا أوان انقطاع أبهري\" (1) ، وكان المسلمون يرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات شهيدًا مع ما أكرمه الله من النبوة.\r{ وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (21) وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (22) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا (23) }\r__________\r(1) سيرة ابن هشام: 2 / 337-338.","part":7,"page":312},{"id":2919,"text":"{ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (24) }\rقوله عز وجل: { وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا } أي وعدكم الله فتح بلدة أخرى لم تقدروا عليها، { قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا } حتى يفتحها لكم كأنه حفظها لكم ومنعها من غيركم حتى تأخذوها، قال ابن عباس: علم الله أنه يفتحها لكم.\rواختلفوا فيها، فقال ابن عباس، والحسن ومقاتل: هي فارس والروم، وما كانت العرب تقدر على قتال فارس والروم، بل كانوا خولا لهم حتى قدروا عليها بالإسلام.\rوقال الضحاك وابن زيد: هي خيبر، وعدها الله نبيه صلى الله عليه وسلم قبل أن يصيبها، ولم يكونوا يرجونها.\rوقال قتادة: هي مكة. وقال عكرمة: حنين. وقال مجاهد: ما فتحوا حتى اليوم.\r{ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا } .\r{ وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا } يعني: أسد، وغطفان، وأهل خيبر، { لَوَلَّوُا الأدْبَارَ } [لانهزموا] (1) ، { ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا } .\r{ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ } أي كسنة الله في نصر أوليائه وقهر أعدائه، { وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا } .\rقوله عز وجل: { وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا } قرأ أبو عمرو بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء، واختلفوا في هؤلاء:\r__________\r(1) زيادة من \"أ\".","part":7,"page":312},{"id":2920,"text":"أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر 131/ب أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا عمرو بن محمد الناقد، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك رضي الله عنهم: أن ثمانين رجلا من أهل مكة، هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسلحين يريدون غدر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأخذهم سلمًا فاستحياهم، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: \"وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم\". (1)\rقال عبد الله بن مغفل المزني: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية في أصل الشجرة التي قال الله تعالى في القرآن، وعلى ظهره غصن من أغصان تلك الشجرة فرفعته عن ظهره، وعلي بن أبي طالب بين يديه يكتب كتاب الصلح، فخرج علينا ثلاثون شابًا عليهم السلاح فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم نبي الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الله بأبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"جئتم في عهد؟ أو هل جعل لكم أحد أمانًا؟\" فقالوا: اللهم لا فخلَّى سبيلهم (2) ، [فأنزل الله عز وجل هذه الآية] (3) .\r{ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (25) }\rقوله عز وجل: { هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } الآية. روى الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، يريدون زيارة البيت، لا يريد قتالا وساق معه سبعين بدنة، والناس سبعمائة رجل، وكانت كل بدنة عن عشرة نفر، فلما أتى ذا الحليفة قَلَّدَ الهدي وأشعره وأحرم منها بعمرة، وبعث عينًا له من خزاعة يخبره عن قريش، وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان بغدير الأشطاط قريبًا من عُسْفان، أتاه عينه الخزاعي وقال: إن قريشًا قد جمعوا لك جموعًا، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"أشيروا عليّ أيها الناس، أترون\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الجهاد، باب قول الله تعالى \"وهو الذي كف أيديهم عنكم\" الآية برقم: (1808): 3 / 1442.\r(2) أخرجه النسائي في التفسير: 2 / 312-313، والطبري: 26 / 93-94، وصححه الحاكم: 2 / 460 على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، والبيهقي في السنن: 6 / 319. قال الهيثمي في المجمع: (6 / 145): \"رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح\"، وصححه ابن حجر في الفتح: 5 / 351، وزاد السيوطي في الدر المنثور: 7 / 532 عزوه لأبي نعيم في الدلائل، ولابن مردويه.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":7,"page":313},{"id":2921,"text":"أن أميل على ذراري هؤلاء الذين عاونوهم فنصيبهم؟ فإن قعدوا قعدوا موتورين، وإن نجوا تكن عنقًا قطعها الله؟ أو ترون أن نؤم البيت فمن صَدَّنا عنه قاتلناه؟\".\rفقال أبو بكر: يا رسول الله إنما خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتال أحد ولا حربًا، فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه.\rفقال: \"امضوا على اسم الله\"، فنفروا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين\"، فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش فانطلق يركض نذيرًا لقريش، وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حلٍّ حلٍّ، فألحت، فقالوا: \"خلأت القصواء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل\"، ثم قال: \"والذي نفسي بيده لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يعظمون فيها حرمات الله وفيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياه، ثم زجرها فوثبت.\rقال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضًا، فلم يلبث الناس أن نزحوه، وشكا الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم العطش، فنزع سهمًا من كنانته وأعطاه رجلا من أصحابه يقال له ناجية بن عمير، وهو سائق بدن النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل في البئر فغرزه في جوفه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه، فبينما هم كذلك إذ جاءه بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي نزلوا أعداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت.\rفقال النبي صلى الله عليه وسلم: \" إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جُمُّوا وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، أو لينفذن الله أمره\" .\rفقال بديل: سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشًا، قال: إنا قد جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولا فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، قال: فقال سفاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء، وقال ذو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول.\rقال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم. فقام عروة بن مسعود الثقفي فقال: أي قوم ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: أولست بالولد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهموني؟ قالوا:","part":7,"page":314},{"id":2922,"text":"لا قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ، فلما بلحوا (1) عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى، قال: فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته، قالوا: ائته. فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم نحوًا من قوله لبديل. فقال عروة عند ذلك: يا محمد أرأيت إن استأصلت قومك فهل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك؟ وإن تكن الأخرى، فإني والله لأرى وجوهًا وأشوابًا من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك.\rفقال له أبو بكر الصديق: امصص بظر اللات (2) ، أنحن نفر عنه وندعه؟.\rفقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر، فقال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك.\rقال: وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، وكلما كلمه 132/أ أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف، وقال: أَخِّر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة، فقال: أي غُدَر ألست أسعى في غدرتك.\rوكان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء\".\rثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فوالله-ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له، فرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمدٍ محمدًا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظرة تعظيمًا له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.\rفقال رجل من بني كنانة: دعوني آته، فقالوا: ائته، فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه،\r__________\r(1) امتنعوا.\r(2) البظر: بفتح الموحدة وسكون المعجمة، قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة، واللات: اسم أحد الأصنام التي كانت قريش وثقيف يعبدونها، وكانت عادة العرب الشتم بذلك لكن بلفظ الأم.","part":7,"page":315},{"id":2923,"text":"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له\"، فبعثت له واستقبله الناس يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت؟\rفلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت.\rثم بعثوا إليه الحليس بن علقمة وكان يومئذ سيد الأحابيش، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا بالهدي في وجهه حتى يراه، فلما رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوباره من طول الحبس، رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظامًا لما رأى فقال: يا معشر قريش إني قد رأيت ما لا يحل صد الهدي في قلائده، وقد أكل أوباره من طول الحبس عن محله، فقالوا له: اجلس إنما أنت رجل أعرابي لا علم لك، فغضب الحليس عند ذلك، فقال: يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم، أن تصدوا عن بيت الله من جاءه معظمًا له، والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له، أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد، فقالوا له: مه، كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا بما نرضى به.\rفقام رجل منهم يقال له مكرز بن حفص، فقال: دعوني آته، فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا مكرز وهو رجل فاجر، فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو، وقال عكرمة: فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: قد سهل لكم من أمركم.\rقال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو، فقال: هات نكتب بيننا وبينكم كتابًا، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم.\rفقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم، كما كنت تكتب.\rفقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم.\rفقال النبي صلى الله عليه وسلم لعليٍّ: \" اكتب باسمك اللهم، ثم قال: اكتب: هذا ما قضى عليه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم\" .\rفقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله.\rفقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب يا علي: محمد بن عبد الله.","part":7,"page":316},{"id":2924,"text":"قال الزهري: وذلك لقوله: لا يسألون خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها، فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، واصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيه الناس ويكف بعضهم عن بعض، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: وعلى أن تخلوا بيننا وبين البيت، فنطوف به، فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب إنا أخذنا ضغطة ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل -وإن كان على دينك -إلا رددته إلينا، فقال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟.\rوروى أبو إسحاق عن البراء قصة الصلح وفيه قالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئًا ولكن أنت محمد بن عبد الله، قال: أنا رسول الله وأنا محمد بن عبد الله، ثم قال لعليّ رضي الله عنه: امح رسول الله، قال: لا والله لا أمحوك أبدًا، قال: \"فأرنيه\"، فأراه إياه، فمحاه النبي صلى الله عليه وسلم بيده، وفي روايته: فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب وليس يحسن أن يكتب، فكتب: هذا ما قضى محمد بن عبد الله.\rقال البراء: صالح على ثلاثة أشياء: على أن من أتاه من المشركين رده إليهم، ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه، وعلى أن يدخلها من قابل، ويقيم بها ثلاثة أيام، ولا يدخلها إلا بِجُلُبّانِ السلاح السيف والقوس ونحوه.\rوروى ثابت عن أنس: أن قريشًا صالحوا 132/ب النبي صلى الله عليه وسلم فاشترطوا: أن من جاءنا منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا، فقالوا: يا رسول الله أنكتب هذا؟ قال: \"نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجًا ومخرجًا\".\rرجعنا إلى حديث الزهري قال: فبينا هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو، يرسف في قيوده قد انفلت وخرج من أسفل مكة، حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إليّ، فقال النبي: إنا لم نقض الكتاب بعد، قال: فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبدًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فَأَجِرْه لي، فقال: فما أنا بمجيره لك، قال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعل، ثم جعل سهيل يجره ليرده إلى قريش، قال أبو جندل: أي معشر المسلمين أردّ إلى المشركين وقد جئت مسلمًا ألا ترون ما لقيت؟ وكان قد عذب عذابًا شديدًا في الله.\rوفي الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا أبا جندل احتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم عقدًا وصلحًا، وإنا لا نغدر، فوثب عمر يمشي إلى جنب أبي جندل، ويقول: اصبر فإنما هم المشركون ودم أحدهم كدم كلب، ويدني قائم السيف منه، قال عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه فضن الرجل بأبيه.","part":7,"page":317},{"id":2925,"text":"وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا وهم لا يشكون في الفتح، لرؤيا رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوا ذلك دخل الناسَ أمرٌ عظيمٌ حتى كادوا يهلكون، وزادهم أمر أبي جندل شرًّا إلى ما بهم.\rقال عمر: [والله] (1) ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ.\rقال الزهري في حديثه عن عروة عن [مروان] (2) والمسور، ورواه أبو وائل عن سهل بن حنيف قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: ألست نبي الله حقًا؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدَّنِيَّةَ في ديننا إذن؟ قال: إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري، قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قلت: لا قال: فإنك آتيه ومطوف به، قال: فأتيت أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر أليس هذا نبي الله حقًا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن؟ قال: أيها الرجل إنه رسول الله ليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه فوالله إنه على الحق، قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا قال: فإنك آتيه ومطوف به.\rقال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالا.\rقال: فلما فرغ من قضية الكتاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: قوموا فانحروا، ثم احلقوا، قال: فوالله ما قام رجل منهم، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد، قام فدخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم أن يقتل بعضًا غمّا.\rقال ابن عمر وابن عباس: حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحم الله المحلقين، قالوا: والمقصرين؟ قال: يرحم الله المحلقين، قالوا: يا رسول الله والمقصرين؟ قال:\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ساقط من \"أ\".","part":7,"page":318},{"id":2926,"text":"والمقصرين، قالوا: يا رسول الله فلم ظاهرت الترحم للمحلقين دون المقصرين؟ قال: لأنهم لم يشكوا. قال ابن عمر: وذلك لأنه تربص قوم وقالوا لعلنا نطوف بالبيت.\rقال ابن عباس: وأهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية في هداياه جملا لأبي جهل في رأسه برة من فضة ليغيظ المشركين بذلك.\rوقال الزهري في حديثه: ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله تعالى \"يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات\"، حتى بلغ \"بعصم الكوافر\"( الممتحنة-10 ) ، فطلق عمر رضي الله عنه يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية، قال: فنهاهم أن يردوا النساء وأمر برد الصداق.\rقال: ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فجاءه أبو بصير عتبة بن أسيد، رجل من قريش وهو مسلم، وكان ممن حبس بمكة فكتب فيه أزهر بن عبد عوف والأخنس بن شريق الثقفي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثا في طلبه رجلا من بني عامر بن لؤي، ومعه مولى لهم، فقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالا العهد الذي جعلت لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بصير إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصح في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، ثم دفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا جيدًا، فاستله الآخر، فقال: أجل والله إنه لجيد لقد جربت به ثم جربت به، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأخذوه وعلاه به فضربه حتى برد، وفرَّ الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه: لقد رأى هذا ذعرًا، فلما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ويلك مالك؟ قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول، 133/أ فوالله ما برح حتى طلع أبو بصير متوشحًا السيف حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا نبي الله أوفى الله ذمتك قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ويل أمه مِسْعَر حرب، لو كان معه أحد، فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر، وبلغ المسلمين الذين كانوا حبسوا بمكة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بصير: ويل أمه مسعر حرب لو كان معه أحد، فخرج عصابة منهم إليه، وانفلت أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، حتى اجتمع إليه قريب من سبعين رجلا فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقدموا عليه بالمدينة، فأنزل الله تعالى: \"وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا\" حتى بلغ \"حمية الجاهلية\"،","part":7,"page":319},{"id":2927,"text":"وكانت حميتهم أنهم لم يقروا أنه نبي الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينه وبين البيت (1) .\rقال الله عز وجل: { هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا } يعني كفار مكة، { وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } أن تطوفوا به، { وَالْهَدْيَ } أي: وصدوا الهدي، وهي البدن التي ساقها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت سبعين بدنة، { مَعْكُوفًا } محبوسًا، يقال: عكفته عكفا إذا حبسته وعكوفًا لازم، كما يقال: رجع رجعًا ورجوعًا، { أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } منحره وحيث يحل نحره يعني الحرم، { وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ } يعني المستضعفين بمكة، { لَمْ تَعْلَمُوهُمْ } لم تعرفوهم، { أَنْ تَطَأوهم } بالقتل وتوقعوا بهم، { فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ } قال ابن زيد: معرة إثم. وقال ابن إسحاق: غرم الدية.\rوقيل: الكفارة لأن الله عز وجل أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يعلم إيمانه الكفارة دون الدية، فقال: \"فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة\"( النساء-92 ) .\rوقيل: هو أن المشركين يعيبونكم ويقولون قتلوا أهل دينهم، والمعرة: المشقة، يقول: لولا أن تطؤوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات لم تعلموهم فيلزمكم بهم كفارة أو يلحقكم سبة. وجواب لولا محذوف، تقديره: لأذن لكم في دخولها ولكنه حال بينكم وبين ذلك.\r{ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ } فاللام في \"ليدخل\" متعلق بمحذوف دل عليه معنى الكلام، يعني: حال بينكم وبين ذلك ليدخل الله في رحمته في دين الإسلام من يشاء من أهل مكة بعد الصلح قبل أن تدخلوها، { لَوْ تَزَيَّلُوا } لو تميزوا يعني المؤمنين من الكفار، { لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } بالسبي والقتل بأيديكم.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الشروط، باب ما يجوز من الشروط في الإسلام: 5 / 312، وبطوله في باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط: 5 / 329-333. وانظر فتح الباري: 5 / 333 وما بعدها.","part":7,"page":320},{"id":2928,"text":"وقال بعض أهل العلم: \"لعذبنا\" جواب لكلامين أحدهما: \"لولا رجال\"، والثاني: \"لو تزيلوا\"، ثم قال: { لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ } يعني المؤمنين والمؤمنات.\rوقوله: { فِي رَحْمَتِهِ } أي جنته. وقال قتادة في هذه الآية: إن الله يدفع بالمؤمنين عن الكفار كما دفع بالمستضعفين من المؤمنين عن مشركي مكة.\r{ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (26) }\r{ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ } حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عن البيت، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وأنكروا محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحمية: الأنفة، يقال: فلان ذو حمية إذا كان ذا غضب وأنفة.\rقال مقاتل: قال أهل مكة: قد قتلوا أبناءنا وإخواننا ثم يدخلون علينا، [فتتحدث العرب أنهم دخلوا علينا] (1) على رغم أنفنا، واللات والعزى لا يدخلونها علينا، فهذه \"حمية الجاهلية\"، التي دخلت قلوبهم.\r{ فَأَنزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ } حتى لم يدخلهم ما دخلهم من الحمية فيعصوا الله في قتالهم، { وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى } قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وعكرمة، والسدي، وابن زيد، وأكثر المفسرين: كلمة التقوى \"لا إله إلا الله\" (2) .\rوروي عن أبيّ بن كعب مرفوعًا.\rوقال عليٌّ وابن عمر: \"كلمة التقوى\" لا إله إلا الله والله أكبر (3) .\rوقال عطاء بن أبي رباح: هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير (4) .\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) انظر: الدر المنثور: 7 / 536-537.\r(3) أخرجه الطبري: 26 / 104، وانظر: البحر المحيط: 8 / 99.\r(4) أخرجه الطبري: 26 / 105، وانظر: البحر المحيط: 8 / 99.","part":7,"page":321},{"id":2929,"text":"وقال عطاء الخراساني: هي لا إله إلا الله محمد رسول الله (1) .\rوقال الزهري: هي بسم الله الرحمن الرحيم (2) .\r{ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا } من كفار مكة، { وَأَهْلَهَا } أي وكانوا أهلها في علم الله، لأن الله تعالى اختار لدينه وصحبة نبيه أهل الخير، { وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا } .\r{ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27) }\r{ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ } وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أري في المنام بالمدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية أنه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام آمنين، ويحلقون رؤوسهم ويقصرون، فأخبر بذلك أصحابه، ففرحوا وحسبوا أنهم داخلو مكة عامهم ذلك، فلما انصرفوا ولم يدخلوا شق عليهم، فأنزل الله هذه الآية (3) .\rوروي عن مجمع بن جارية الأنصاري: قال شهدنا الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، [فلما انصرفنا عنها إذا الناس يهزون الأباعر، فقال بعضهم: ما بال الناس؟ فقالوا: أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فخرجنا نوجف، فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم] (4) واقفًا على راحلته عند كراع الغميم، فلما اجتمع إليه الناس قرأ: \"إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا\"، فقال عمر: أو فتح هو يا رسول الله؟ قال: \"نعم والذي نفسي بيده\" (5) .\rففيه دليل على أن المراد بالفتح صلح الحديبية، وتحقق الرؤيا كان في العام المقبل، فقال جل ذكره:\r\"لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق\"، أخبر أن الرؤية التي أراه إياها في مخرجه إلى الحديبية أنه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام صدق وحق.\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 26 / 106.\r(2) أخرجه الطبري: 26 / 106، وعبد الرزاق في التفسير: 2 / 229، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 537 أيضا لابن المنذر وابن أبي حاتم.\r(3) انظر: الطبري: 26 / 107، الدر المنثور: 7 / 538.\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(5) أخرجه أبو داود في الجهاد، باب: من أسهم له سهمًا: 2 / 52-53، والإمام أحمد: 3 / 420، والحاكم: 2 / 131 وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.","part":7,"page":322},{"id":2930,"text":"قوله: { لَتَدْخُلُنَّ } يعني وقال: لتدخلن. وقال ابن كيسان: \"لتدخلن\" من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه حكاية عن رؤياه، فأخبر الله عن رسوله أنه قال ذلك، وإنما استثنى 133/ب مع علمه بدخولها بإخبار الله تعالى، تأدبًا بآداب الله، حيث قال له: \"ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله\"( الكهف-23 ) .\rوقال أبو عبيدة: \"إن\" بمعنى إذ، مجازه: إذ شاء الله، كقوله: \"إن كنتم مؤمنين\".\rوقال الحسين بن الفضل: يجوز أن يكون الاستثناء من الدخول، لأن بين الرؤيا وتصديقها سنة، ومات في تلك السنة ناس فمجاز الآية: لتدخلن المسجد الحرام كلكم إن شاء الله.\rوقيل الاستثناء واقع على الأمن لا على الدخول، لأن الدخول لم يكن فيه شك، كقول النبي صلى الله عليه وسلم عند دخول المقبرة: \"وإنا إن شاء الله بكم لاحقون\" (1) ، فالاستثناء راجع إلى اللحوق لا إلى الموت.\r{ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ } كلها، { وَمُقَصِّرِينَ } بأخذ بعض شعورها، { لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا } أن الصلاح كان في الصلح وتأخير الدخول، وهو قوله تعالى: \"ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات\" الآية( الفتح-25 ) . { فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ } أي من قبل دخولكم المسجد الحرام، { فَتْحًا قَرِيبًا } وهو صلح الحديبية عند الأكثرين، وقيل: فتح خيبر.\r{ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28) }\r__________\r(1) قطعة من حديث أخرجه مسلم في الجنائز، باب: ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها برقم: (975): 2 / 671.","part":7,"page":323},{"id":2931,"text":"{ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29) }\r{ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا } على أنك نبي صادق فيما تخبر.\r{ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ } تم الكلام هاهنا، قاله ابن عباس، شهد له بالرسالة، ثم قال مبتدئًا: { وَالَّذِينَ مَعَهُ } فالواو فيه للاستئناف، أي: والذين معه من المؤمنين، { أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ } غلاظ عليهم كالأسد على فريسته لا تأخذهم فيهم رأفة، { رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } متعاطفون متوادون بعضهم","part":7,"page":323},{"id":2932,"text":"لبعض، كالولد مع الوالد، كما قال: \"أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين\":( المائدة-54 ) : { تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا } أخبر عن كثرة صلاتهم ومداومتهم عليها، { يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ } أن يدخلهم الجنة، { وَرِضْوَانًا } أن يرضى عنهم، { سِيمَاهُمْ } أي علامتهم، { فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ } اختلفوا في هذه السيما: فقال قوم: هو نور وبياض في وجوههم يوم القيامة يعرفون به أنهم سجدوا في الدنيا، وهو رواية عطية العوفي عن ابن عباس، قال عطاء بن أبي رباح والربيع بن أنس: استنارت وجوههم من كثرة ما صلوا. وقال شهر بن حوشب: تكون مواضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر.\rوقال آخرون: هو السمت الحسن والخشوع والتواضع. وهو رواية الوالبي عن ابن عباس قال: ليس بالذي ترون لكنه سيماء الإسلام وسجيته وسمته وخشوعه. وهو قول مجاهد، والمعنى: أن السجود أورثهم الخشوع والسمت الحسن الذي يعرفون به.\rوقال الضحاك: هو صفرة الوجه من السهر.\rوقال الحسن: إذا رأيتهم حسبتهم مرضى وما هم بمرضى.\rقال عكرمة وسعيد بن جبير: هو أثر التراب على الجباه.\rقال أبو العالية: إنهم يسجدون على التراب لا على الأثواب.\rوقال عطاء الخراساني: دخل في هذه الآية كل من حافظ على الصلوات الخمس (1) .\r{ ذَلِكَ } الذي ذكرت، { مَثَلُهُمْ } صفتهم { فِي التَّوْرَاةِ } هاهنا تم الكلام، ثم ذكر نعتهم في الإنجيل، فقال: { وَمَثَلُهُمْ } صفتهم، { فِي الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ } قرأ ابن كثير، وابن عامر: \"شطأه\" بفتح الطاء، وقرأ الآخرون بسكونها، وهما لغتان كالنهر والنهر، وأراد أفراخه، يقال: أشطأ الزرع فهو مشطىء، إذا أفرخ، قال مقاتل: هو نبت واحد، فإذا خرج ما بعده فهو شطؤه.\r__________\r(1) أورد هذه الأقوال الإمام الطبري: 26 / 110-112 ثم قال مرجحًا: \"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبرنا أن سيما هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم في وجوههم من أثر السجود، ولم يخص ذلك على وقت دون وقت. وإذ كان ذلك كذلك، فذلك على كل الأوقات، فكان سيماهم الذي كانوا يعرفون به في الدنيا أثر الإسلام، وذلك خشوعه وهديه وزهده وسمته، وآثار أداء فرائضه وتطوعه، وفي الآخرة ما أخبر أنهم يعرفون به، وذلك الغرة في الوجه والتحجيل في الأيدي والأرجل من أثر الوضوء، وبياض الوجوه من أثر السجود.","part":7,"page":324},{"id":2933,"text":"وقال السدي: هو أن يخرج معه الطاقة الأخرى.\rقوله: { فَآزَرَهُ } قرأ ابن عامر: \"فأزره\" بالقصر والباقون بالمد، أي: قواه وأعانه وشد أزره، { فَاسْتَغْلَظَ } غلظ ذلك الزرع، { فَاسْتَوَى } أي تم وتلاحق نباته وقام، { عَلَى سُوقِهِ } أصوله، { يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ } أعجب ذلك زراعه.\rهذا مثل ضربه الله عز وجل لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الإنجيل [أنهم يكونون قليلا ثم يزدادون ويكثرون.\rقال قتادة: مثل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإنجيل] (1) مكتوب أنه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر (2) .\rوقيل: \"الزرع\" محمد صلى الله عليه وسلم، و\"الشطء\": أصحابه والمؤمنون.\rوروي عن مبارك بن فضالة عن الحسن قال: \"محمد رسول الله والذين معه\": أبو بكر الصديق رضي الله عنه، \"أشداء على الكفار\" عمر بن الخطاب رضي الله عنه، \"رحماء بينهم\" عثمان بن عفان رضي الله عنه، \"تراهم ركعًا سجدًا\" علي بن أبي طالب رضي الله عنه، \"يبتغون فضلا من الله\" بقية العشرة المبشرين بالجنة.\rوقيل: \"كمثل زرع\" محمد، \"أخرج شطأه\" أبو بكر \"فآزره\" عمر \"فاستغلظ\" عثمان، للإسلام \"فاستوى على سوقه\" علي بن أبي طالب استقام الإسلام بسيفه، \"يعجب الزراع\" قال: هم المؤمنون.\r{ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ } قول عمر لأهل مكة بعدما أسلم: لا تعبدوا الله سرًا بعد اليوم:\rحدثنا أبو حامد أحمد بن محمد الشجاعي السرخسي إملاء، أخبرنا أبو بكر عبد الله بن أحمد القفال، حدثنا أبو أحمد عبد الله بن محمد الفضل السمرقندي، حدثنا شيخي أبو عبد الله محمد بن الفضل البلخي، حدثنا أبو رجاء قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبد الرحمن بن حميد، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: \"أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) أخرجه الطبري: 26 / 114.","part":7,"page":325},{"id":2934,"text":"بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة\" (1) .\rحدثنا أبو المظفر محمد بن أحمد التميمي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن قاسم حدثنا خيثمة بن سليمان بن حيدرة الأطرابلسي، حدثنا أحمد بن هاشم الأنطاكي، حدثنا قطبة بن العلاء، حدثنا سفيان الثوري، عن خالد الخذاء، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"أرحم أمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأفرضهم زيد، وأقرؤهم أبيّ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح\" (2) .\rورواه معمر عن قتادة مرسلا وفيه: \"وأقضاهم علي\" (3) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا معلى بن أسد، حدثنا عبد العزيز المختار قال خالد الحذاء، حدثنا عن أبي عثمان قال حدثني عمرو بن العاص 134/أ أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل قال: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، فقلت: من الرجال؟ فقال: أبوها، قلت: ثم من؟ قال: عمر بن الخطاب فعدَّ رجالا فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم (4) .\rأخبرنا أبو منصور عبد الملك وأبو الفتح نصر، ابنا علي بن أحمد بن منصور ومحمد بن الحسين بن شاذويه الطوسي بها قالا حدثنا أبو الحسن محمد بن يعقوب، أخبرنا الحسن بن محمد بن أحمد بن كيسان النحوي، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن شريك الأسدي، حدثنا إبراهيم بن إسماعيل هو ابن يحيى بن سلمة بن كهيل، حدثنا أبي عن أبيه عن سلمة عن أبي الزعراء عن ابن مسعود\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في المناقب، مناقب عبد الرحمن بن عوف: 10 / 249 من طريق عبد الرحمن بن حميد عن أبيه عن عبد الرحمن بن عوف، ورواه أيضًا: 10 / 249 من طريق عبد الرحمن بن حميد عن أبيه عن سعيد بن زيد، وقال: هذا أصح من الأول. والإمام أحمد في فضائل الصحابة: 1 / 278 بإسناد حسن، والمصنف في شرح السنة: 14 / 128.\r(2) أخرجه ابن ماجه في المقدمة، فضل خباب برقم: (154): 1 / 55، وأشار إليه الترمذي بقوله: وقد رواه أبو قلابة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. والإمام أحمد: 3 / 184، وابن حبان في المناقب باب فضل جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم برقم (2218) ص (548)، والحاكم: 3 / 422، والمصنف في شرح السنة: 14 / 131-132.\r(3) أخرجه الترمذي في المناقب، باب مناقب معاذ بن جبل وزيد بن ثابت...: 10 / 293-294 وقال: \"هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث قتادة إلا من هذا الوجه. وقد رواه أبو قلابة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه\".\r(4) أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لو كنت متخذًا خليلا: 7 / 18، ومسلم في فضائل الصحابة، باب فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه برقم: (2384): 4 / 1856، والمصنف في شرح السنة: 14 / 79-80.","part":7,"page":326},{"id":2935,"text":"عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"اقتدوا باللذين من بعدي من أصحابي: أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد عبد الله بن مسعود\" (1) .\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن بشران، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن أبي حازم، عن سهل بن سعد أن أُحُدًا ارتج وعليه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعثمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"اثبت أحد ما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد\" (2) .\rأخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، حدثنا أبو سعيد الأشج، أخبرنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش، عن عليّ قال: عهد إليّ النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق (3) .\rحدثنا أبو المظفر التميمي، أخبرنا عبد الرحمن بن عثمان، أخبرنا خيثمة بن سليمان، حدثنا محمد بن عيسى بن حيان المدائني، حدثنا محمد بن الفضل بن عطية، عن عبد الله بن مسلم عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"من مات من أصحابي بأرض كان نورهم وقائدهم يوم القيامة\" (4) .\rقوله عز وجل: { لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ } أي إنما كثرهم وقواهم ليكونوا غيظًا للكافرين.\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في المناقب، مناقب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: 10 / 308 وقال: \"هذا حديث غريب من هذا الوجه، من حديث ابن مسعود لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سلمة بن كهيل، ويحيى بن سلمة يضعف في الحديث، والحاكم: 3 / 75، والبيهقي في السنن: 8 / 153 عن حذيفة، والإمام أحمد في المسند: 5 / 382 وفي فضائل الصحابة: 1 / 187، والمصنف في شرح السنة: 14 / 102. وللحديث طرق وشواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن.\r(2) أخرجه الإمام أحمد: 5 / 331، وعبد الرزاق في المصنف: 11 / 229، وابن أبي عاصم في السنة: 2 / 618. قال الهيثمي في المجمع: (9 / 55): \"رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح\" وأخرجه المصنف في شرح السنة: 14 / 107. وذكره الحافظ ابن حجر في الفتح بهذا اللفظ عن أنس بن مالك: 7 / 49. وانظر مسند أبي يعلى: 3 / 225،242 .\r(3) أخرجه مسلم في الإيمان، باب الدليل على أن حب الأنصار وعليّ رضي الله عنه من الإيمان وعلاماته برقم: (78): 1 / 86، والمصنف في شرح السنة: 14 / 113-114.\r(4) أخرجه الترمذي في المناقب، باب: من سب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: 10 / 367 وقال: \"هذا حديث غريب\". وأخرجه ابن عساكر وأبو نعيم في المعرفة. وفيه طيبة، عبد الله بن مسلم، قال أبو حاتم: \"لا يحتج به\"، وعثمان بن ناجية: مستور، والحديث أخرجه أيضًا الضياء في \"المختارة\". انظر: كنز العمال: 11 / 537 -538، تحفة الأحوذي: 10 / 367. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 14 / 72.","part":7,"page":327},{"id":2936,"text":"قال مالك بن أنس: من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية (1) .\rأخبرنا أبو الطيب طاهر بن محمد بن العلاء البغوي، حدثنا أبو معمر الفضل بن إسماعيل بن إبراهيم الإسماعيلي، أخبرنا جدي أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، أخبرني الهيثم بن خلف الدوري، حدثنا المفضل بن غسان بن المفضل العلائي، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا عبيدة بن أبي رابطة عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن مغفل المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"الله الله في أصحابي، الله الله في أصحابي، الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه\" (2) .\rحدثنا أبو المظفر بن محمد بن أحمد بن حامد التميمي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم، أخبرنا أبو الحسن خيثمة بن سليمان، حدثنا إبراهيم بن عبد الله العبسي القصار بالكوفة، أخبرنا وكيع بن الجراح، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أُحدٍ ذهبًا ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه\" (3) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسين الزعفراني، حدثنا أبو محمد عبد الله بن عروة، حدثنا محمد بن الحسين بن محمد بن إشكاب، حدثنا شبابة (4) بن سوَّار، حدثنا فضيل بن مرزوق عن أبي خباب عن أبي سليم الهمداني، عن أبيه، عن عليٍّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إنْ سرك أن تكون من أهل الجنة فإن قومًا يتنحلون حبك يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم،\r__________\r(1) انظر: القرطبي: 16 / 296-297.\r(2) أخرجه الترمذي في المناقب، باب: من سب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: 10 / 365 وقال: \"هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، والإمام أحمد: 4 / 87، وفي فضائل الصحابة 1 / 48،49، وابن حبان في المناقب برقم (2284) ص (568-569)، والخطيب في تاريخ بغداد: 9 / 123، وأبو نعيم في الحلية: 7 / 287، والمصنف في شرح السنة: 14 / 70. وفيه: عبد الرحمن بن زياد، قال الذهبي: لا يعرف. وفي الميزان: في الحديث اضطراب. انظر: فيض القدير: 2 / 98.\r(3) أخرجه البخاري في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لو كنت متخذًا خليلا: 7 / 21، ومسلم في فضائل الصحابة، باب: تحريم سب الصحابة رضي الله عنهم برقم: (2540) 4 / 1967، والمصنف في شرح السنة: 14 / 69.\r(4) في\"أ\": بشارة.","part":7,"page":328},{"id":2937,"text":"نبزهم الرافضة، فإن أدركتهم فجاهدهم فإنهم مشركون\" (1) ، في إسناد هذا الحديث نظر.\rقول الله عز وجل: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ } قال ابن جرير: يعني من الشطء الذي أخرجه الزرع، وهم الداخلون في الإسلام بعد الزرع إلى يوم القيامة، وردَّ الهاء والميم على معنى الشطء لا على لفظه، ولذلك لم يقل: \"منه\"، { مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } يعني الجنة.\r__________\r(1) عزاه صاحب الكنز: 11 / 324 لابن بشران والحاكم في الكنى.","part":7,"page":329},{"id":2938,"text":"سورة الحجرات مدنية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } قرأ يعقوب: \"لا تقدموا\" بفتح التاء والدال، من التقدم أي لا تتقدموا، وقرأ الآخرون بضم التاء وكسر الدال، من التقديم، وهو لازم بمعنى التقدم، [قال أبو عبيدة] (2) : تقول العرب: لا تقدم بين يدي الإمام وبين يدي الأب، أي لا تعجل بالأمر والنهي دونه، والمعنى: بين اليدين الأمام. والقدام: أي لا تقدموا بين يدي أمرهما ونهيهما. واختلفوا في معناه: روى الشعبي عن جابر أنه في الذبح يوم الأضحى، وهو قول الحسن، أي لا تذبحوا قبل أن يذبح النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن ناسًا ذبحوا قبل صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرهم أن يعيدوا الذبح (3) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا محمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن يزيد، عن الشعبي، عن البراء قال: خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر، قال: \"إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل أن نصلي فإنما هو لحم عجله لأهله ليس من النسك\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 546 ، لابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت سورة الحجرات بالمدينة.\r(2) ما بين القوسين زيادة من \"ب\" .\r(3) أخرجه الطبري: 26 / 117، وعبد الرزاق في التفسير: 2 / 230، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 547 أيضا لعبد بن حميد وابن المنذر. ويلاحظ أن هذا مخالف للروايات المسندة الصحيحة في سبب نزول الآية، فيكون كلام الحسن وجابر إنما هو داخل في عموم الآية لا أنه سبب لنزولها.","part":7,"page":330},{"id":2939,"text":"في شيء\" (1) .\rوروى مسروق عن عائشة أنه في النهي عن صوم يوم الشك (2) ، أي: لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن موسى، 134/ب حدثنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم عن ابن أبي مليكة، أن عبد الله بن الزبير أخبرهم، أنه قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: أَمِّرِ القعقاع معبد بن زرارة، قال عمر: بل أَمِّرِ الأقرع بن حابس، قال أبو بكر: ما أردتَ إلا خِلافي، قال عمر: ما أردتُ خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت في ذلك: \"يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله\" حتى انقضت (3) .\rورواه نافع عن ابن أبي مليكة، قال فنزلت: \"يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي\" إلى قوله: \"أجر عظيم\"، وزاد: قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه، ولم يذكر عن أبيه، يعني أبا بكرٍ (4) .\rوقال قتادة: نزلت الآية في ناس كانوا يقولون: لو أُنزل في كذا، أو صُنع في كذا وكذا، فكره الله ذلك (5) .\rوقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء حتى يقضيه الله على لسانه (6) .\rوقال الضحاك: يعني في القتال وشرائع الدين لا تقضوا أمرًا دون الله ورسوله.\r__________\r(1) أخرجه البخاري: في العيدين، باب الخطبة بعد العيد: 2 / 453.\r(2) انظر الكافي الشاف ص (155).\r(3) أخرجه البخاري في التفسير: باب (إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون) 8 / 592، وفي المغازي، وفي الاعتصام بالكتاب والسنة.\r(4) أخرجه البخاري في التفسير، باب (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) الآية، 8 / 590.\r(5) أخرجه الطبري: 26 / 117، وعبد الرزاق في التفسير: 2 / 230. وانظر: الكافي الشاف ص (155)، البحر المحيط: 8 / 105، القرطبي: 16 / 301.\r(6) أخرجه الطبري: 26 / 116، وزاد السيوطي في الدر المنثور: 7 / 547 عزوه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الشعب. وانظر: البحر المحيط: 8 / 105، القرطبي: 16 / 301.","part":7,"page":334},{"id":2940,"text":"{ وَاتَّقُوا اللَّهَ } في تضييع حقه ومخالفة أمره، { إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ } لأقوالكم، { عَلِيمٌ } بأفعالكم.\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (2) }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَه بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ } أمرهم أن يبجلوه ويفخموه ولا يرفعوا أصواتهم عنده، ولا ينادونه كما ينادي بعضهم بعضًا، { أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ } لئلا تحبط حسناتكم. وقيل: مخافة أن تحبط حسناتكم، { وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ } .\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: لما نزلت هذه الآية: \"يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي\" الآية، جلس ثابت بن قيس في بيته وقال: أنا من أهل النار واحتبس عن النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمرو ما شأن ثابت أشتكى؟ فقال سعد: إنه لجاري وما علمت له شكوى، قال: فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ثابت: أنزلت هذه الآية، ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنا من أهل النار، فذكر ذلك سعد للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"بل هو من أهل الجنة\" (1) .\rوروي أنه لما نزلت هذه الآية قعد ثابت في الطريق يبكي، فمر به عاصم بن عدي فقال: ما يبكيك يا ثابت؟ فقال: هذه الآية أتخوف أن تكون نزلت فيّ، وأنا رفيع الصوت أخاف أن يحبط عملي، وأن أكون من أهل النار، فمضى عاصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغلب ثابتًا البكاءُ، فأتى امرأته جميلة بنت عبد الله بن أبيّ سلول، فقال لها: إذا دخلت بيت فرسي فشدي علي الضبَّة بمسمار، وقال: لا أخرج حتى يتوفاني الله أو يرضى عني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره خبره فقال له: اذهب فادعه، فجاء عاصم إلى المكان الذي رآه فلم يجده، فجاء\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير، باب: (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) الآية، 8 / 590 ومسلم في الإيمان، باب مخافة المؤمن أن يحبط عمله برقم: (119): 1 / 110.","part":7,"page":335},{"id":2941,"text":"إلى أهله فوجده في بيت الفرس، فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك، فقال: اكسر الضبة فكسرها، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك يا ثابت؟ فقال: أنا صَيِّتٌ وأتخوف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن تعيش حميدًا وتقتل شهيدًا وتدخل الجنة؟ فقال: رضيت ببشرى الله ورسوله، ولا أرفع صوتي أبدًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: { إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ } .\r{ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) }\r{ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ } الآية (1) .\rقال أنس: فكنا ننظر إلى رجل من أهل الجنة يمشي بين أيدينا، فلما كان يوم اليمامة في حرب مسيلمة الكذاب، رأى ثابت من المسلمين بعض الانكسار وانهزمت طائفة منهم، فقال: أفٍ لهؤلاء، ثم قال ثابت لسالم مولى أبي حذيفة: ما كنا نقاتل (2) أعداء الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل هذا، ثم ثبتا وقاتلا حتى قتلا واستشهد ثابت وعليه درع، فرآه رجل من الصحابة بعد موته في المنام وأنه قال له: اعلم أن فلانًا رجل من المسلمين نزع درعي فذهب بها وهي في ناحية من المعسكر عند فرس يسير في طِوَلِهِ، وقد وضع على درعي بُرْمَة، فأت خالد بن الوليد وأخبره حتى يسترد درعي، وأت أبا بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقل له: إن عليّ دَيْنًا حتى يقضى، وفلان من رقيقي عتيق، فأخبر الرجل خالدًا فوجد درعه والفرس على ما وصفه له، فاسترد الدرع، وأخبر خالد أبا بكر بتلك الرؤيا فأجاز أبو بكر وصيته (3) .\rقال مالك بن أنس: لا أعلم وصية أجيزت بعد موت صاحبها إلا هذه.\rقال أبو هريرة وابن عباس: لما نزلت هذه الآية كان أبو بكر لا يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا كأخي السرار (4)\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 26 / 118، وابن مردويه من طريق زيد بن الحباب. وأخرجه ابن سعد بإسناد صحيح، انظر: فتح الباري: 6 / 620-621.\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) أخرجه الإمام أحمد: 3 / 137، وعبد بن حميد: ص363-364، وابن سعد والطبراني والحاكم، من رواية حماد بن أبي سلمة عن ثابت، وأخرج الحاكم قصة الدرع والوصية مطولة من وجه آخر عن ثابت بن قيس. انظر: فتح الباري: 6 / 52 وذكره ابن حجر في المطالب العالية: 4 / 120 ونسبه لأبي يعلى، وقال البوصيري: وأصله في صحيح البخاري وسنن الترمذي من حديث أنس. وانظر: ابن كثير: 4 / 207، وتفسير عبد الرزاق: 2 / 230.\r(4) أخرجه الحاكم: 2 / 462 وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\" وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 548 لعبد بن حميد والبيهقي في شعب الإيمان. وانظر: فتح الباري: 8 / 591، مجمع الزوائد: 7 / 108.","part":7,"page":336},{"id":2942,"text":".\rوقال ابن الزبير: لما نزلت هذه الآية ما حدث عمر النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فيسمع النبي صلى الله عليه وسلم كلامه حتى يستفهمه مما يخفض صوته، فأنزل الله تعالى: \"إن الذين يغضون أصواتهم\" (1) ، يخفضون { أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ } إجلالا له، { أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّه، قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى } اختبرها وأخلصها كما يمتحن الذهب بالنار فيخرج خالصه، { لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ }\r{ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (4) }\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير، باب (لا ترفعوا أصواتكم...) 8 / 590.","part":7,"page":337},{"id":2943,"text":"{ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) }\r{ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ } قرأ العامة بضم الجيم، وقرأ أبو جعفر بفتح الجيم، وهما لغتان، وهي جمع الحُجَر، والحُجَرُ جمع الحُجْرَةِ فهي جمع الجمع.\rقال ابن عباس: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى بني العنبر وأَمَّرَ عليهم عيينة بن حصن الفزاري، فلما علموا أنه توجه نحوهم هربوا وتركوا عيالهم، فسباهم عيينة بن حصن وقدم بهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء بعد ذلك رجالهم يفدون الذراري، فقدموا وقت الظهيرة، ووافقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا في أهله، فلما رأتهم الذراري أجهشوا إلى آبائهم يبكون، وكان 135/أ لكل امرأة من نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم [حجرة، فعجلوا أن يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم] (1) ، فجعلوا ينادون: يا محمد اخرج إلينا، حتى أيقظوه من نومه، فخرج إليهم فقالوا: يا محمد فَادِنَا عيالنا، فنزل جبريل عليه السلام فقال: إن الله يأمرك أن تجعل بينك وبينهم رجلا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أترضون أن يكون بيني وبينكم سبرة بن عمرو، وهو على دينكم؟ فقالوا: نعم، فقال سبرة: أنا لا أحكم بينهم إلا وعمي شاهد، وهو الأعور بن بشامة، فرضوا به، فقال الأعور: أرى أن تفادي نصفهم وتعتق نصفهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد رضيت، ففادى نصفهم وأعتق نصفهم، فأنزل الله تعالى: \"إن الذين يُنَادُونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون\"، وصفهم بالجهل وقلة العقل (2) .\r{ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ } قال مقاتل: لكان خيرًا لهم لأنك كنت تعتقهم جميعًا وتطلقهم بلا فداء، { وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) انظر: الكافي الشاف ص (156).","part":7,"page":337},{"id":2944,"text":"وقال قتادة: نزلت في ناس من أعراب بني تميم جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنادوا على الباب (1) .\rويروى ذلك عن جابر قال: جاءت بنو تميم فنادوا على الباب: اخرج إلينا يا محمد، فإن مَدْحَنا زين، وَذَمَّنا شين، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: إنما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمه شين، فقالوا: نحن ناس من بني تميم جئنا بشعرائنا وخطبائنا لنشاعرك ونفاخرك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"ما بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت، ولكن هاتوا\"، فقام شاب منهم فذكر فضله وفضل قومه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس، وكان خطيب النبي صلى الله عليه وسلم: \"قم فأجبه\"، فأجابه، وقام شاعرهم فذكر أبياتًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: \"أجبه\" فأجابه. فقام الأقرع بن حابس، فقال: إن محمدًا لَمُؤْتًى له والله ما أدري هذا الأمر، تكلم خطيبنا فكان خطيبهم أحسن قولا وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أشعر وأحسن قولا ثم دنا من النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: \"ما يضرك ما كان قبل هذا\" ثم أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكساهم، وقد كان تخلف في ركابهم عمرو بن الأهتم لحداثة سنه، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطاهم، وأزرى به بعضهم وارتفعت الأصوات وكثر اللغط عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل فيهم: \"يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم\" الآيات الأربع إلى قوله: \"غفور رحيم\". (2)\rوقال زيد بن أرقم: جاء ناس من العرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل فإن يكن نبيًا فنحن أسعد الناس به، وإن يكن ملكًا نعش في جنابه، فجاؤوا فجعلوا ينادونه، يا محمد يا محمد، فأنزل الله: \"إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرًا لهم والله غفور رحيم\" (3) .\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) }\rقوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا } الآية، نزلت في الوليد\r__________\r(1) أخرجه عبد الرزاق في التفسير: 2 / 230، وانظر: الطبري: 26 / 122 سيرة ابن هشام: 2 / 516.\r(2) أخرجه الواحدي بسنده في أسباب النزول ص (447)، وقال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص (156): \"أورده الثعلبي من طريق يعلى بن عبد الرحمن عن عبد الحميد بن جعفر عن عمر بن الحكم عن جابر \"جاءت بنو تميم فدخلوا...\" فذكره مطولا. وأخرج المقطع الأول منه الترمذي: 9 / 152-153 عن البراء بن عازب وقال: \"هذا حديث حسن غريب\". وأخرجه الإمام أحمد: 3 / 488 عن الأقرع بن حابس، والهيثمي في المجمع: 7 / 108 عن الأقرع بن حابس ثم قال: \"رواه أحمد والطبراني وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح إن كان أبو سلمة سمع من الأقرع وإلا فهو مرسل كإسناد أحمد الآخر\".\r(3) أخرجه الطبري: 26 / 121. وذكره ابن حجر في المطالب العالية: 3 / 375 ونسبه لمسدد، وإسحاق وأبي يعلى وقال البوصيري: \"رجاله ثقات\". وقال الهيثمي في المجمع: (7 / 108): \"رواه الطبراني وفيه داود بن راشد الطفاوي وثقه ابن حبان وضعفه ابن معين\". وانظر: الدر المنثور: 7 / 552-553، القرطبي: 16 / 309.","part":7,"page":338},{"id":2945,"text":"بن عقبة بن أبي معيط، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق بعد الوقعة مصدقًا، وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، فلما سمع به القوم تلقوه تعظيمًا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله فهابهم فرجع من الطريق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهَمَّ أن يغزوهم، فبلغ القوم رجوعه فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك فخرجنا نتلقاه ونكرمه ونؤدي إليه ما قبلناه من حق الله عز وجل، فبدا له الرجوع، فخشينا أنه إنما رده من الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، فاتهمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعث خالد بن الوليد إليهم خفية في عسكر وأمره أن يخفي عليهم قدومه، وقال له: انظر فإن رأيت منهم ما يدل على إيمانهم فخذ منهم زكاة أموالهم، وإن لم تر ذلك فاستعمل فيهم ما يستعمل في الكفار، ففعل ذلك خالد، ووافاهم فسمع منهم أذان صلاتي المغرب والعشاء، فأخذ منهم صدقاتهم، ولم ير منهم إلا الطاعة والخير، فانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره الخبر، فأنزل الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ } يعني الوليد بن عقبة (1) { بِنَبَإٍ } بخبر، { فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا } كي لا تصيبوا بالقتل والقتال، { قَوْمًا } برآء، { بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } من إصابتكم بالخطأ.\r{ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) }\r{ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ } فاتقوا الله أن تقولوا باطلا أو تكذبوه، فإن الله يخبره ويعرفه أحوالكم فتفتضحوا، { لَوْ يُطِيعُكُمْ } أي الرسول، { فِي كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ } مما تخبرونه به فيحكم برأيكم، { لَعَنِتُّمْ } لأثمتم وهلكتم، والعنت: الإثم والهلاك. { وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمَانَ } فجعله أحب الأديان إليكم، { وَزَيَّنَهُ } حسنه، { فِي قُلُوبِكُمْ } حتى اخترتموه، وتطيعون رسول الله صلى الله عليه وسلم { وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ } قال ابن عباس: يريد الكذب، { وَالْعِصْيَانَ } جميع معاصي الله. ثم عاد من الخطاب إلى الخبر، وقال: { أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ } المهتدون.\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 26 / 123، والإمام أحمد: 4 / 279، وعبد الرزاق في التفسير: 2 / 231. قال ابن كثير: 4 / 209-210 \"ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدقات بني المصطلق، وقد روي ذلك من طرق، ومن أحسنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده من رواية ملك بني المصطلق وهو الحارث بن أبي ضرار... ثم ساق الحديث وساق روايات أخرى... وقال الهيثمي: 7 / 111 \"رواه الطبراني وفيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف\".","part":7,"page":339},{"id":2946,"text":"{ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8) وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) }\r{ فَضْلا } أي كان هذا فضلا { مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّه، عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .\rقوله عز وجل: { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا } الآية.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، 135/ب حدثنا مسدد، حدثنا معتمر قال: سمعت أبي يقول: إن أنسًا قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أتيت عبد الله بن أبي، فانطلق إليه النبي صلى الله عليه وسلم وركب حمارًا وانطلق المسلمون يمشون معه، وهي أرض سبخة، فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إليك عني، والله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار منهم: والله لحمار رسول الله أطيب ريحًا منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه فتشاتما، فغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنها نزلت: \"وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما\" (1) .\rويروى أنها لما نزلت قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاصطلحوا وكف بعضهم عن بعض.\rوقال قتادة: نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مداراة في حق بينهما، فقال أحدهما للآخر: لآخذن حقي منك عنوة، لكثرة عشيرته، وإن الآخر دعاه ليحاكمه إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن يتبعه، فلم يزل الأمر بينهما حتى تدافعوا وتناول بعضهم بعضا بالأيدي والنعال، ولم يكن قتال بالسيوف (2) .\rوقال سفيان عن السدي: كانت امرأة من الأنصار يقال لها أم زيد تحت رجل، وكان بينها وبين زوجها شيء فرقى بها إلى عُلية وحبسها، فبلغ ذلك قومها فجاؤوا، وجاء قومه فاقتتلوا بالأيدي والنعال، فأنزل الله عز وجل: \"وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما\" بالدعاء إلى حكم كتاب الله والرضا بما فيه لهما وعليهما (3) { فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا } تعدت إحداهما،\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الصلح، باب ما جاء في الإصلاح بين الناس...: 5 / 297، ومسلم في الجهاد والسير، باب في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، وصبره على أذى المنافقين برقم: (1799): 3 / 1424.\r(2) أخرجه الطبري: 26 / 129، وزاد السيوطي في الدر المنثور: 7 / 560 نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر.\r(3) أخرجه الطبري: 26 / 128، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 560-561 لابن أبي حاتم.","part":7,"page":340},{"id":2947,"text":"{ عَلَى الأخْرَى } وأبت الإجابة إلى حكم كتاب الله، { فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ } ترجع، { إِلَى أَمْرِ اللَّهِ } في كتابه، { فَإِنْ فَاءَتْ } رجعت إلى الحق، { فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ } بحملهما على الإنصاف والرضا بحكم الله، { وَأَقْسِطُوا } اعدلوا، { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } .\r{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) }\r{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } في الدين والولاية، { فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ } إذا اختلفا واقتتلا قرأ يعقوب \"بين إخوتكم\" بالتاء على الجمع، { وَاتَّقُوا اللَّهَ } فلا تعصوه ولا تخالفوا أمره، { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } .\r[أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي] (1) ، أخبرنا أبو محمد الحسين بن أحمد المخلدي، أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يشتمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فَرَّجَ عن مسلم كُرْبَةً فرج الله بها عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة\" (2) .\rوفي هاتين الآيتين دليل على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان، لأن الله تعالى سماهم إخوة مؤمنين مع كونهم باغين، يدل عليه ما روي عن الحارث الأعور أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه سئل-وهو القدوة-في قتال أهل البغي، عن أهل الجمل وصفين: أمشركون هم؟ فقال: لا من الشرك فروا، فقيل: أمنافقون هم؟ فقال: لا إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا قيل: فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا (3) .\rوالباغي في الشرع هو الخارج على الإمام العدل، فإذا اجتمعت طائفة لهم قوة ومنعة فامتنعوا عن طاعة الإمام العدل بتأويل محتمل، ونصبوا إمامًا فالحكم فيهم أن يبعث الإمام إليهم ويدعوهم\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) أخرجه البخاري في المظالم، باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه: 5 / 97، ومسلم في البر والصلة باب تحريم الظلم برقم: (2580): 4 / 1996، والمصنف في شرح السنة: 13 / 98.\r(3) أخرج محمد بن نصر المروزي في كتابه \"تعظيم قدر الصلاة\": 2 / 543-544، آثارًا ثلاثة عن علي رضي الله عنه، رواها عنه: طارق بن شهاب، وأبو وائل، وحكيم بن جابر. وانظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية: 5 / 242-248، تفسير القرطبي: 16 / 323-324.","part":7,"page":341},{"id":2948,"text":"إلى طاعته، فإن أظهروا مظلمة أزالها عنهم، وإن لم يذكروا مظلمة، وأصروا على بغيهم، قاتلهم الإمام حتى يفيئوا إلى طاعته، ثم الحكم في قتالهم أن لا يُتَّبع مُدْبِرُهُم ولا يقتل أسيرهم، ولا يذفف على جريحهم، نادى منادي عليّ رضي الله عنه يوم الجمل: ألا لا يتبع مدبر ولا يذفف على جريح (1) .وأُتي عليٌ رضي الله عنه يوم صفين بأسير فقال له: لا أقتلك صبرًا إني أخاف الله رب العالمين. وما أتلفت إحدى الطائفتين على الأخرى في حال القتال من نفس أو مال فلا ضمان عليه.\rقال ابن شهاب: كانت في تلك الفتنة دماء يعرف في بعضها القاتل والمقتول، وأُتلف فيها أموال كثيرة، ثم صار الناس إلى أن سكنت الحرب بينهم، وجرى الحكم عليهم، فما علمتُه اقتص من أحد ولا أغرم مالا أتلفه.\rأما من لم يجتمع فيهم هذه الشرائط الثلاث بأن كانوا جماعة قليلين لا منعة لهم، أو لم يكن لهم تأويل، أو لم ينصبوا إماما فلا يتعرض لهم إن لم ينصبوا قتالا ولم يتعرضوا للمسلمين، فإن فعلوا فهم كقطاع الطريق.\rروي أن عليًّا رضي الله عنه سمع رجلا يقول في ناحية المسجد: لا حكم إلا لله تعالى، فقال عليٌّ: كلمة حق أريد بها باطل، لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدؤكم بقتال (2) .\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) }\rوقوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ } الآية، قال ابن عباس: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وذلك أنه كان في أذنه وقر، فكان إذا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سبقوه بالمجلس أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه، فيسمع ما يقول، فأقبل ذات يوم وقد فاتته [ركعة من صلاة\r__________\r(1) أخرجه البيهقي في السنن موقوفًا على علي: 8 / 181، وصححه الحاكم في المستدرك: 2 / 155 ووافقه الذهبي، ورواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق وسعيد بن منصور، وصححه الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام. وأخرجه الحاكم والبيهقي والبزار عن ابن مسعود مرفوعًا بسند ضعيف، فيه كوثر بن حكيم وهو متروك. انظر: نصب الراية: 3 / 463، تلخيص الحبير: 4 / 43، سبل السلام للصنعاني: 3 / 259، إرواء الغليل: 8 / 113.\r(2) أخرجه البيهقي في السنن: 8 / 184 موصولا من طرق، ورواه عن الشافعي بلاغًا قال: \"قال الشافعي رحمه الله: بلغنا أن عليا...\" وقال ابن حجر في تلخيص الحبير: 4 / 45 \"أخرجه الشافعي بلاغًا، وابن أبي شيبة والبيهقي موصولا، وأصله في صحيح مسلم من حديث عبيد الله بن أبي رافع\". وانظر: إرواء الغليل للألباني: 8 / 117.","part":7,"page":342},{"id":2949,"text":"الفجر] (1) ، فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة أخذ أصحابه مجالسهم، فضن كل رجل بمجلسه فلا يكاد يوسع أحد لأحد، فكان الرجل إذا جاء فلم يجد مجلسًا يجلس فيه قام قائمًا كما هو، فلما فرغ ثابت من الصلاة أقبل نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخطى رقاب الناس، ويقول: تفسحوا تفسحوا، فجعلوا يتفسحون له حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينه وبينه رجل، فقال له: تفسح، فقال الرجل: قد أصبت مجلسًا فاجلس، فجلس ثابت خلفه مغضبًا، فلما انجلت الظلمة غمز ثابت الرجل، فقال: من هذا؟ قال: أنا فلان، فقال ثابت: ابن فلانة، وذكر 136/أ أُمًّا له كان يعير بها في الجاهلية، فنكَّسَ الرجل رأسه واستحيا، فأنزل الله تعالى هذه الآية (2) .\rوقال الضحاك: نزلت في وفد بني تميم الذين ذكرناهم، كانوا يستهزؤون بفقراء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مثل عمار وخباب وبلال وصهيب وسلمان وسالم مولى أبي حذيفة، لما رأوا من رثاثة حالهم، فأنزل الله تعالى في الذين آمنوا منهم (3) : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ } أي رجال من رجال. و\"القوم\": اسم يجمع الرجال والنساء، وقد يختص بجمع الرجال، { عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ } .\rروي عن أنس أنها نزلت في نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عيرن أم سلمة بالقصر (4) .\rوعن عكرمة عن ابن عباس: أنها نزلت في صفية بنت حيي بن أخطب، قال لها النساء: يهودية بنت يهوديين (5) . { وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ } أي لا يعب بعضكم بعضًا، ولا يطعن بعضكم على بعض، { وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ } التنابز: التفاعل من النبز، وهو اللقب، وهو أن يدعى الإنسان بغير ما سمي به.\rقال عكرمة: هو قول الرجل للرجل: يا فاسق يا منافق يا كافر.\rوقال الحسن: كان اليهودي والنصراني يسلم، فيقال له بعد إسلامه يا يهودي يا نصراني، فنهوا عن ذلك (6) .\r__________\r(1) في \"ب\" (ركعتا الفجر).\r(2) ذكره الواحدي في أسباب النزول صفحة: (453).\r(3) أورده السيوطي في الدر: 7 / 563 عن مقاتل وعزاه لابن أبي حاتم.\r(4) ذكره الواحدي في أسباب النزول صفحة: (454).\r(5) ذكره الواحدي في أسباب النزول صفحة: (454)، القرطبي: 16 / 326.\r(6) أخرج الطبري هذين القولين لعكرمة والحسن: 26 / 132-133 ثم قال: \"والذي هو أولى الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره نهى المؤمنين أن يتنابزوا بالألقاب، والتنابز بالألقاب: هو دعاء المرء صاحبه بما يكرهه من اسم أو صفة، وعم الله بنهيه ذلك ولم يخصص به بعض الألقاب دون بعض، فغير جائز لأحد من المسلمين أن ينبز أخاه باسم يكرهه، أو صفة يكرهها، وإذا كان ذلك كذلك صحت الأقوال التي قالها أهل التأويل في ذلك التي ذكرناها كلها، ولم يكن بعض ذلك أولى بالصواب من بعض، لأن كل ذلك مما ينهى الله المسلمين أن ينبز بعضهم بعضا\".","part":7,"page":343},{"id":2950,"text":"قال عطاء: هو أن تقول لأخيك: يا كلب يا حمار يا خنزير.\rوروي عن ابن عباس قال: \"التنابز بالألقاب\": أن يكون الرجل عمل السيئات ثم تاب عنها فنهي أن يعير بما سلف عن عمله. (1)\r{ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوق، بَعْدَ الإيمَانِ } . أي بئس الاسم أن يقول: يا يهودي أو يا فاسق بعد ما آمن وتاب، وقيل معناه: إن من فعل ما نهي عنه من السخرية واللمز والنبز فهو فاسق، وبئس الاسم الفسوق بعد الإيمان، فلا تفعلوا ذلك فتستحقوا اسم الفسوق، { وَمَنْ لَمْ يَتُبْ } من ذلك، { فَأُولَئِكَ هُم، الظَّالِمُونَ }\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 26 / 133. وانظر: الدر المنثور: 7 / 564.","part":7,"page":344},{"id":2951,"text":"{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ } قيل: نزلت الآية في رجلين اغتابا رفيقهما، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا أو سافر ضم الرجل المحتاج إلى رجلين موسرين يخدمهما، ويتقدم لهما إلى المنزل فيهيئ لهما ما يصلحهما من الطعام والشراب، فضمَّ سلمان الفارسي إلى رجلين في بعض أسفاره، فتقدم سلمان إلى المنزل فغلبته عيناه فنام فلم يهيئ لهما شيئًا، فلما قدما قالا له: ما صنعت شيئًا؟ قال: لا غلبتني عيناي، قالا له: انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطلب لنا منه طعامًا، فجاء سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله طعامًا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: انطلق إلى أسامة بن زيد، وقل له: إن كان عنده فضل من طعام وإدام فليعطك، وكان أسامة خازن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رحله، فأتاه فقال: ما عندي شيء، فرجع سلمان إليهما وأخبرهما، فقالا كان عند أسامة طعامٌ ولكن بخل، فبعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة فلم يجد عندهم شيئًا، فلما رجع قالا لو بعثناك إلى بئر سميحة لغار ماؤها، ثم انطلقا يتجسسان، هل عند أسامة ما أمر لهما به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فلما جاءا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما: \"مالي أرى خضرة اللحم في أفواهكما\"، قالا والله يا رسول الله ما تناولنا يومنا هذا لحمًا، قال: بل ظللتم تأكلون لحم سلمان","part":7,"page":344},{"id":2952,"text":"وأسامة، فأنزل الله عز وجل: \"يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن\" (1) ، وأراد: أن يُظَنَّ بأهل الخير سوءًا { إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ } قال سفيان الثوري: الظن ظنان: أحدهما إثم، وهو أن تظن وتتكلم به، والآخر ليس بإثم وهو أن تظن ولا تتكلم.\r{ وَلا تَجَسَّسُوا } التجسس: هو البحث عن عيوب الناس، نهى الله تعالى عن البحث عن المستور من أمور الناس وتتبع عوراتهم حتى لا يظهر على ما ستره الله منها.\rأخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا\" (2)\rأخبرنا أبو بكر محمد بن محمد بن علي بن الحسن الطوسي بها، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الإسفراييني، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، أخبرنا عبد الله بن ناحية، حدثنا يحيى بن أكثم، أخبرنا الفضل بن موسى الشيباني، عن الحسين بن واقد، عن أوفى ابن دلهم، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"يا معشر من آمن بلسانه ولم يفضِ الإيمان إلى قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورات المسلمين، يتتبع الله عورته، ومن يتتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله\".\rقال: ونظر ابن عمر يومًا إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم عند الله حرمة منك (3) .\rوقال زيد بن وهب: قيل لابن مسعود: هل لك في الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمرًا، فقال: إنا قد نهينا عن التجسس، فإن يظهر لنا شيء نأخذه به (4) { وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا } يقول:\r__________\r(1) ذكره القرطبي: 16 / 330-331.\r(2) أخرجه البخاري في الأدب، باب (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن) الآية، 10 / 484، ومسلم في البر والصلة، باب تحريم الظن برقم: (2563): 4 / 1985، والمصنف في شرح السنة: 13 / 109-110.\r(3) أخرجه الترمذي في البر والصلة، باب ما جاء في تعظيم المؤمن: 6 / 180-181 وقال: \"هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسين بن واقد، وقد روى إسحاق بن إبراهيم السمرقندي عن حسين بن واقد نحوه، وقد روي عن أبي برزة الأسلمي عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا\"، والإمام أحمد: 4 / 421، والمصنف في شرح السنة 13 / 104. وأخرجه أبو داود في الأدب، باب في الغيبة: 7 / 213-214 عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه.\r(4) أخرجه أبو داود في الأدب، باب في النهي عن التجسس: 7 / 219، وعبد الرزاق في المصنف: 10 / 232، ومن طريق البيهقي في السنن: 8 / 334.","part":7,"page":345},{"id":2953,"text":"لا يتناول بعضكم بعضًا بظهر الغيب بما يسوءه مما هو فيه.\rأخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، حدثنا أحمد بن علي الكشميهني، حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذِكْرُكَ أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، 136/ب وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته\". (1)\rأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو الطاهر الحارثي، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أنهم ذكروا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فقالوا: لا يأكل حتى يُطعم، ولا يرحل حتى يُرحّل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"اغتبتموه\" فقالوا: إنما حَدَّثْنَا بما فيه، قال: \"حسبك إذا ذكرت أخاك بما فيه\" (2) .\rقوله عز وجل: { أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ } قال مجاهد: لما قيل لهم \"أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا\" قالوا: لا قيل: { فَكَرِهْتُمُوهُ } أي فكما كرهتم هذا فاجتنبوا ذكره بالسوء غائبًا.\rقال الزجاج: تأويله: إن ذِكْرَكَ من لم يحضرك بسوء بمنزلة أكل لحم أخيك، وهو ميت لا يحس بذلك.\rأخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، حدثنا ابن أبي شيبة، حدثنا الفريابي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، حدثني صفوان بن عمرو، حدثنا راشد بن سعد وعبد الرحمن بن جبير، عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"لما عُرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم ولحومهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم\" (3)\r__________\r(1) أخرجه مسلم في البر والصلة، باب تحريم الغيبة برقم (2589): 4 / 2001، والمصنف في شرح السنة: 13 / 138-139.\r(2) قال المنذري في الترغيب والترهيب: 3 / 506: \"رواه الأصبهاني بإسناد حسن\".\r(3) أخرجه أبو داود في الأدب، باب في الغيبة: 7 / 213 وقال المنذري: \"وذكر أن بعضهم رواه مرسلا\"، والإمام أحمد: 3 / 224. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: 4 / 215 بعد أن ساق الحديث: \"تفرد به أبو داود\".","part":7,"page":346},{"id":2954,"text":".\rقال ميمون بن سِياه (1) : بينا أنا نائم إذا أنا بجيفة زنجي وقائل يقول: كُلْ، قلت: يا عبد الله ولم آكل؟ قال: بما اغتبت عبد فلان، فقلت: والله ما ذكرت فيه خيرًا ولا شرًا، قال: لكنك استمعت ورضيت به، فكان ميمون لا يغتاب أحدًا ولا يدع أحدًا يغتاب عنده أحدًا (2) .\r{ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ } .\r{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) }\r{ يَا أَيُّهَا النَّاس إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى } الآية. قال ابن عباس: نزلت في ثابت بن قيس، وقوله للرجل الذي لم يفسح له: ابن فلانة، يعيره بأمه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: من الذاكر فلانة؟ فقال ثابت: أنا يا رسول الله، فقال: انظر في وجوه القوم فنظر فقال: ما رأيت يا ثابت؟ قال: رأيت أبيض وأحمر وأسود، قال: فإنك لا تفضلهم إلا في الدين والتقوى، فنزلت في ثابت هذه الآية، وفي الذي لم يتفسح: \"يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا\" (3) ( المجادلة-11 ) .\rوقال مقاتل: لما كان يوم فتح مكة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا حتى علا ظهر الكعبة وأذن، فقال عتاب بن أسيد بن أبي العيص: الحمد لله الذي قبض أبي حتى لم ير هذا اليوم، وقال الحارث بن هشام: أما وجد محمد غير هذا الغراب الأسود مؤذنًا، وقال سهيل بن عمرو: إن يرد الله شيئًا يعيره. وقال أبو سفيان: إني لا أقول شيئًا أخاف أن يخبرَ به رب السماء، فأتى جبريل فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قالوا، فدعاهم وسألهم عما قالوا فأقروا فأنزل الله تعالى هذه الآية (4) وزجرهم عن التفاخر بالأنساب والتكاثر بالأموال والإزراء بالفقراء فقال:\r{ يَا أَيُّهَا النَّاس، إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى } يعني آدم وحواء أي إنكم متساوون في النسب. { وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا } جمع شعب بفتح الشين، وهي رؤوس القبائل مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج، سموا شعوبًا لتشعبهم واجتماعهم، كشعب أغصان الشجر، والشعب من الأضداد يقال: شَعَبَ، أي: جمع، وشعب أي: فرق. { وَقَبَائِلَ } وهي دون الشعوب، واحدتها قبيلة وهي كبكر من ربيعة وتميم من مضر، ودون القبائل العمائر، واحدتها عمارة، بفتح العين، وهم كشيبان من بكر، ودارم من تميم، ودون العمائر البطون، واحدتها بطن، وهم كبني غالب ولؤي من قريش\r__________\r(1) في \"أ\": شياه، وفي \"ب\": سيار. والتصويب من \"التهذيب\" وغيره.\r(2) انظر حلية الأولياء: 3 / 107 فقد ذكر القطعة الأخيرة عنه.\r(3) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص (455)، القرطبي: 16 / 341. وانظر فيما سبق ص 343.\r(4) المرجع السابق.","part":7,"page":347},{"id":2955,"text":"ودون البطون الأفخاذ واحدتها فخذ، وهم كبني هاشم وأمية من بني لؤي، ثم الفصائل، والعشائر واحدتها فصيلة وعشيرة، وليس بعد العشيرة حي يوصف به.\rوقيل: الشعوب من العجم، والقبائل من العرب، والأسباط من بني إسرائيل.\rوقال أبو روق: \"الشعوب\" الذين لا يعتزون إلى أحد، بل ينتسبون إلى المدائن والقرى، \"والقبائل\": العرب الذين ينتسبون إلى آبائهم.\r{ لِتَعَارَفُوا } ليعرف بعضكم بعضًا في قرب النسب وبعده، لا ليتفاخروا. ثم أخبر أن أرفعهم منزلة عند الله أتقاهم فقال:\r{ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } قال قتادة في هذه الآية: إن أكرم الكرم التقوى، وألأم اللؤم الفجور.\rأخبرنا أبو بكر بن أبي الهيثم الترابي، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه، أخبرنا إبراهيم بن خزيم الشاشي، حدثنا عبد بن حميد، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا سلام بن أبي مطيع، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"الحسب المال، والكرم التقوى\" (1) .\rوقال ابن عباس: كرم الدنيا الغنى، وكرم الآخرة التقوى.\rأخبرنا أبو بكر بن أبي الهيثم، أنا عبد الله بن أحمد بن حمويه، أخبرنا إبراهيم بن خزيم، حدثنا عبد بن حميد، أخبرنا الضحاك بن مخلد، عن موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف يوم الفتح على راحلته يستلم الأركان بمحجنه، فلما خرج لم يجد مَنَاخًا، فنزل على أيدي الرجال، ثم قام فخطبهم فحمد الله وأثنى عليه، وقال: \"الحمد لله الذي أذهب عنكم عبية الجاهلية وتكبرها [بآبائها] (2) ، الناس رجلان بَرٌّ تقي كريم على الله، وفاجر شقيٌّ هين على الله\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في التفسير (تفسير سورة الحجرات) 9 / 156-157 وقال: \"هذا حديث حسن غريب صحيح من حديث سمرة لا نعرفه إلا من حديث سلام بن أبي مطيع\"، وابن ماجه في الزهد، باب الورع والتقوى، برقم (4219): 2 / 1410-1411، والإمام أحمد: 5 / 10، والحاكم: 2 / 163 و4 / 325 وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، والبيهقي في السنن: 7 / 136، والدارقطني في السنن: 3 / 302، وله شواهد عنده أيضًا عن أبي هريرة في الموضع نفسه. وانظر: إرواء\\ الغليل: 6 / 271-272، فتح الباري: 9 / 135.\r(2) ساقط من \"ب\".","part":7,"page":348},{"id":2956,"text":"ثم تلا \"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى\"، ثم قال: أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم\" (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد هو ابن سلام 137/أ حدثنا عبدة عن عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أكرم؟ قال: أكرمهم عند الله أتقاهم، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله. قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم، قال: \"فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا\" (2) .\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا عمرو الناقد، حدثنا كثير بن هشام، حدثنا جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم\" (3)\r{ قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) }\rقوله عز وجل: { قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا } الآية، نزلت في نفر من بني أسد بن خزيمة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة جدبة فأظهروا الإسلام ولم يكونوا مؤمنين في السر، فأفسدوا طرق المدينة بالعذرات وأغلوا أسعارها وكانوا يغدون ويروحون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون: أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها، وجئناك بالأثقال والعيال والذراري، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان، يمنون على النبي صلى الله عليه وسلم، ويريدون الصدقة، ويقولون: أعطنا، فأنزل الله فيهم هذه الآية (4) .\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في التفسير: 9 / 155-156 وقال: \"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر إلا من هذا الوجه، وعبد الله بن جعفر يضعف، ضعفه يحيى بن معين وغيره، وهو والد علي بن المديني\"، وأخرجه عبد بن حميد في المنتخب من المسند ص (253-254) والمصنف في شرح السنة: 13 / 124. وقال: هذا حديث غريب. وزاد السيوطي في الدر المنثور: 7 / 579 نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\r(2) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب قول الله تعالى: (واتخذ الله إبراهيم خليلا) 6 / 387، ومسلم في الفضائل، باب من فضائل يوسف عليه السلام برقم: (2378): 4 / 1846-1847.\r(3) أخرجه مسلم في البر والصلة، باب تحريم ظلم المسلم وخذله برقم (2564) 4 / 1986-1987، والمصنف في شرح السنة: 14 / 340-341.\r(4) انظر: تفسير عبد الرزاق: 2 / 235، البحر المحيط: 8 / 117، الدر المنثور: 7 / 585، القرطبي: 16 / 348.","part":7,"page":349},{"id":2957,"text":"وقال السدي: نزلت في الأعراب الذين ذكرهم الله في سورة الفتح، وهم أعراب جهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار، كانوا يقولون: آمنا ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم، فلما استنفروا إلى الحديبية تخلفوا، فأنزل الله عز وجل \"قالت الأعراب آمنا\" (1) صدقنا.\r{ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا } انقدنا واستسلمنا مخافة القتل والسبي، { وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَان، فِي قُلُوبِكُمْ } فأخبر أن حقيقة الإيمان التصديق بالقلب، وأن الإقرار باللسان وإظهار شرائعه بالأبدان لا يكون إيمانا دون التصديق بالقلب والإخلاص.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن غُرَيْرٍ الزهري، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح، عن ابن شهاب، أخبرني عامر بن سعد، عن أبيه قال: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطًا وأنا جالس فيهم، قال: فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم رجلا لم يعطه وهو أعجبهم إليّ، فقمت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم [فساررته] (2) ، فقلت: مالك عن فلان؟ والله إني لأراه مؤمنًا، قال: أو مسلمًا، قال: فسكت قليلا ثم غلبني ما أعلم منه، فقلت: يا رسول الله مالك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمنًا؟ قال: أو مسلمًا، قال: \"إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يُكَبّ في النار على وجهه\" (3) .\rفالإسلام هو الدخول في السلم وهو الانقياد والطاعة، يقال: أسلم الرجل إذا دخل في السلم كما يقال: أشتى الرجل إذا دخل في الشتاء، وأصاف إذا دخل في الصيف، وأربع إذا دخل في الربيع، فمن الإسلام ما هو طاعة على الحقيقة باللسان، والأبدان والجنان، كقوله عز وجل لإبراهيم عليه السلام: \"أسلم قال أسلمت لرب العالمين\"( البقرة-131 ) ، ومنه ما هو انقياد باللسان دون القلب، وذلك قوله: { وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَان، فِي قُلُوبِكُمْ } .\r{ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ } ظاهرًا وباطنًا سرًا وعلانية. قال ابن عباس تخلصوا الإيمان، { لا يَلِتْكُمْ } قرأ أبو عمرو \"يالتكم\" بالألف لقوله تعالى: \"وما ألتناهم\"( الطور-21 ) والآخرون بغير ألف، وهما لغتان، معناهما: لا ينقصكم، يقال: ألت يَألِت ألتًا ولات يليت ليتًا إذا نقص،\r__________\r(1) انظر: البحرالمحيط: 8 / 117، القرطبي: 16 / 348.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) أخرجه البخاري في الزكاة، باب قول الله تعالى \"لا يسألون الناس إلحافا\": 3 / 340 وفي الإيمان 1 / 79. ومسلم في المسافرين، باب تألف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه والنهي عن القطع بالإيمان من غير دليل قاطع برقم: (150): 1 / 132.","part":7,"page":350},{"id":2958,"text":"{ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا } أي لا ينقص من ثواب أعمالكم شيئا، { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .\r{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (16) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) }\rثم بين حقيقة الإيمان، فقال: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا } لم يشكوا في دينهم، { وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُم الصَّادِقُونَ } في إيمانهم.\rفلما نزلت هاتان الآيتان أتت الأعراب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحلفون بالله إنهم مؤمنون صادقون، وعرف الله غير ذلك منهم، فأنزل الله عز وجل:\r{ قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ } ، والتعليم هاهنا بمعنى الإعلام، ولذلك قال: \"بدينكم\" وأدخل الباء فيه، يقول: أتخبرون الله بدينكم الذي أنتم عليه، { وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } لا يحتاج إلى إخباركم.\r{ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ } أي بإسلامكم، { بَلِ اللَّهُ يَمُنّ، عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ } وفي مصحف عبد الله \"إذ هداكم للإيمان\" { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } إنكم مؤمنون.\r{ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } قرأ ابن كثير \"يعملون\" بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء.","part":7,"page":351},{"id":2959,"text":"سورة ق مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) }\r{ ق } [قال ابن عباس: هو قسم، وقيل:] (2) هو اسم للسورة، وقيل هو اسم من أسماء القرآن.\rوقال القرظي (3) : هو مفتاح اسمه \"القدير\" ، و\"القادر\" و\"القاهر\" و\"القريب\" و\"القابض\".\rوقال عكرمة والضحاك: هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء، منه خضرة السماء والسماء مقبية عليه، وعليه كتفاها (4) ، ويقال هو وراء الحجاب الذي تغيب الشمس من 137/ب ورائه بمسيرة سنة (5) .\rوقيل: معناه قضي الأمر، أو قضي ما هو كائن، كما قالوا في حم (6) .\r{ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ } الشريف الكريم على الله، الكثير الخير.\rواختلفوا في جواب القسم، فقال أهل الكوفة: جوابه: \"بل عجبوا\" ، وقيل: جوابه محذوف،\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة ق بمكة. انظر الدر المنثور: 7 / 587.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\" .\r(3) في \"أ\" القرطبي، والصحيح ما أثبتناه.\r(4) في \"أ\" أكنافها .\r(5) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: 4 / 222 \"وقد روي عن بعض السلف أنهم قالوا: ق جبل محيط بجميع الأرض، يقال له جبل قاف، وكأن هذا والله أعلم من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس لما رأى من جواز الرواية عنهم مما لا يصدق ولا يكذب، وعندي أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم يلبسون به على الناس أمر دينهم \" . وانظر: الإسرائليات والموضوعات في كتب التفسير للشيخ محمد بن محمد أبو شهبة: (302-304) .\r(6) انظر فيما سبق ص 137.","part":7,"page":352},{"id":2960,"text":"مجازه: والقرآن المجيد (1) لتبعثن. وقيل: جوابه قوله: \"ما يلفظ من قول\" . وقيل: \"قد علمنا (2) \" وجوابات القسم سبعة: \"إنَّ\" الشديدة كقوله: \"والفجر-إنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد\"( الفجر-14 ) ، و\"ما\" النفي كقوله: \"والضحى -ما وَدَّعَك ربك\"( الضحى-1-3 ) ، و\"اللام\" المفتوحة كقوله: \"فوربك لَنسألنهم أجمعين\"( الحجر-92 ) و\"إنْ\" الخفيفة كقوله تعالى: \"إن كنَّا لفي ضلال مبين\"( الشعراء -38 ) و\"لا\" كقوله تعالى: \"وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت\"( النحل-38 ) ، و\"قد\" كقوله تعالى: \"والشمس وضحاها -قد أفلح من زكاها\"( الشمس-1-9 ) .\r{ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (4) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5) }\rو\"بل\" كقوله: \"والقرآن المجيد -بل عجبوا\".\r{ أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ } مخوّف، { مِنْهُمْ } يعرفون نسبه وصدقه وأمانته، { فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ } غريب.\r{ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا } نبعث، ترك ذكر البعث لدلالة الكلام عليه، { ذَلِكَ رَجْعٌ } أي رد إلى الحياة { بَعِيدٌ } وغير كائن، أي: يبعد أن نبعث بعد الموت.\rقال الله عز وجل: { قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأرْضُ مِنْهُمْ } أي تأكل من لحومهم ودمائهم وعظامهم لا يعزب عن علمه شيء. قال السدي: هو الموت، يقول: قد علمنا من يموت منهم ومن يبقى، { وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ } [محفوظ من الشياطين ومن أن يدرس ويتغير وهو اللوح المحفوظ، وقيل: حفيظ] (3) أي: حافظ لعدتهم وأسمائهم.\r{ بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ } بالقرآن، { لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ } مختلط، قال سعيد بن جبير ومجاهد: ملتبس. قال قتادة في هذه الآية: مَنْ تَرَكَ الحقَّ مرج عليه أمره والتبسَ عليه دينُهُ. وقال الحسن: ما ترك قوم الحق إلا مرج أمرُهُم. وذكر الزجَّاج معنى اختلاط أمرهم، فقال: هو أنهم يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم، مرة شاعر، ومرة ساحر، ومرة مُعَلَّم، ويقولون للقرآن مرة سحر، ومرة\r__________\r(1) زيادة من \"ب\" .\r(2) انظر: البيان في غريب إعراب القرآن لابن الأنباري: 2 / 384 .\r(3) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".","part":7,"page":356},{"id":2961,"text":"رَجَز، ومرة مفترى، فكان أمرهم مختلطًا ملتبسًا عليهم.\r{ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11) }\rثم دلهم على قدرته، فقال: { أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا } بغير عمد ، { وَزَيَّنَّاهَا } بالكواكب، { وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ } شقوق وفتوق وصدوع، واحدها فرج.\r{ وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا } بسطناها على وجه الماء، { وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ } جبالا ثوابت، { وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } حسن كريم يُبهَجُ به، أي: يسر.\r{ تَبْصِرَةً } [أي جعلنا ذلك تبصرة] (1) { وَذِكْرَى } أي تبصيرًا وتذكيرًا، { لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ } أي: ليبصر به ويتذكر به.\r{ وَنزلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا } كثير الخير وفيه حياة كل شيء، وهو المطر، { فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ } يعني البر والشعير وسائر الحبوب التي تحصد، فأضاف الحب إلى الحصيد، وهما واحد لاختلاف اللفظين، كما يقال: مسجد الجامع وربيع الأول. وقيل: \"وحب الحصيد\" أي: وحب النبت [الحصيد] (2) .\r{ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ } قال مجاهد وعكرمة وقتادة: طوالا يقال: بسقت [النخلة] (3) بُسوقًا إذا طالت. وقال سعيد بن جبير: مستويات. { لَهَا طَلْعٌ } ثمر وحمل، سمي بذلك لأنه يطلع، والطلع أول ما يظهر قبل أن ينشق (4) { نَضِيدٌ } متراكب متراكم منضود بعضه على بعض في أكمامه، فإذا خرج من أكمامه فليس بنضيد.\r{ رِزْقًا لِلْعِبَادِ } أي جعلناها رزقًا للعباد، { وَأَحْيَيْنَا بِهِ } أي بالمطر، { بَلْدَةً مَيْتًا } أنبتنا فيها الكلأ { كَذَلِكَ الْخُرُوجُ } من القبور.\r__________\r(1) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(2) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) في \"ب\" يتشقق.","part":7,"page":357},{"id":2962,"text":"{ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الأيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15) }","part":7,"page":358},{"id":2963,"text":"{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) }\rقوله عز وجل: { كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ } وهو تبع الحميري، واسمه أسعد أبو كرب، قال قتادة: ذم الله تعالى قوم تبع ولم يذمه، ذكرنا قصته في سورة الدخان (1) .\r{ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ } أي: كل من هؤلاء المذكورين كذب الرسل، { فَحَقَّ وَعِيدِ } وجب لهم عذابي. ثم أنزل جوابًا لقولهم \"ذلك رجع بعيد\" :\r{ أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأوَّلِ } يعني: أعجزنا حين خلقناهم أولا [فنعيا] (2) بالإعادة. وهذا تقرير لهم لأنهم اعترفوا بالخلق الأول وأنكروا البعث، ويقال لكل من عجز عن شيء: عيي به. { بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ } أي: في شك، { مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ } وهو البعث.\r{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ } يحدث به قلبه ولا يخفى علينا سرائره وضمائره، { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ } أعلم به، { مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } لأن أبعاضه وأجزاءه يحجب بعضها بعضًا، ولا يحجب علم الله شيء، و\"حبل الوريد\": عرق العنق، وهو عرق بين الحلقوم والعلباوين، يتفرق في البدن، والحبل هو الوريد، فأضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين.\r{ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ } أي: يتلقى ويأخذ الملكان الموكلان بالإنسان عمله ومنطقه يحفظانه ويكتبانه، { عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ } أي أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، فالذي عن اليمين يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب السيئات. { قَعِيدٌ } أي: قاعد، ولم يقل: قعيدان، لأنه أراد: عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد، فاكتفى بأحدهما عن الآخر، هذا قول أهل البصرة. وقال أهل الكوفة: أراد: قعودًا، كالرسول فجعل للاثنين والجمع، كما قال الله تعالى في الاثنين: \"فقولا\r__________\r(1) انظر فيما سبق ص 233-235.\r(2) في \"أ\" فعيينا.","part":7,"page":358},{"id":2964,"text":"إنَّا رسول ربِّ العالمين\"( الشعراء-16 ) ، وقيل: أراد بالقعيد الملازم الذي لا يبرح، لا القاعد الذي هو ضد القائم. وقال مجاهد: القعيد الرصيد.\r{ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) }\r{ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ } ما يتكلم من كلام فيلفظه أي: يرميه من فيه ، { إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ } حافظ، { عَتِيدٌ } حاضر أينما كان. قال 138/أ الحسن: إن الملائكة يجتنبون الإنسان على حالين: عند غائطه وعند جماعه.\rوقال مجاهد: يكتبان عليه حتى أنينه في مرضه (1) . وقال عكرمة: لا يكتبان إلا ما يؤجر عليه أو يؤزر فيه (2) .\rوقال الضحاك: مجلسهما تحت الضرس (3) على الحنك، ومثله عن الحسن، وكان الحسن يعجبه أن ينظف عنفقته.\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا الحسين بن محمد الدينوري، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدثنا الفضل بن العباس بن مهران، حدثنا طالوت، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا جعفر بن الزبير عن القاسم بن محمد عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"كاتب الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمير على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرًا؛ وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر\" (4) .\r{ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ } غمرته وشدته التي تغشى الإنسان وتغلب على عقله، { بِالْحَقِّ } أي بحقيقة الموت، وقيل: بالحق من أمر الآخرة حتى يتبينه الإنسان ويراه بالعيان. وقيل: بما يؤول\r__________\r(1) ذكره صاحب البحر المحيط: 8 / 123.\r(2) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 6 / 593 لابن المنذر.\r(3) في \"ب\" الشعر.\r(4) قال الهيثمي في \"المجمع\" : (10 / 208) \"رواه الطبراني، وفيه جعفر بن الزبير وهو كذاب\" . ورواه عن أبي أمامة أيضًا من طريق أخرى بلفظ آخر. ابن راهويه في \"مسنده\" ، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" ، وأبو نعيم في \"الحلية\" : (6 / 124) وقال الهيثمي: \"رواه الطبراني بأسانيد، ورجال أحدها وثقوا\"، وحسنه الألباني في \"الصحيحة\" : (3 / 210) ، فهو شاهد حسن للرواية الأولى فهي توافقها وليس في الأولى شيء زائد غير أن الحسنة بعشر أمثالها، وقد دل القرآن والسنة على ذلك -كما قال الهيثمي. وانظر: الكافي الشاف لابن حجر ص (159)، الفتح السماوي للمناوي: 3 / 1007 .","part":7,"page":359},{"id":2965,"text":"إليه أمر الإنسان من السعادة والشقاوة. ويقال لمن جاءته سكرة الموت: { ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ } تميل، قال الحسن: تهرب وقال ابن عباس: تكره، وأصل الحيد الميل، يقال: حدتُ عن الشيء أحِيدُ حَيْدًا ومَحِيْدًا: إذا ملتُ عنه.\r{ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (23) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) }\r{ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ } يعني نفخة البعث، { ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ } أي: ذلك اليوم يوم الوعيد الذي وعده الله للكفار أن يعذبهم فيه. قال مقاتل: يعني بالوعيد العذاب، أي: يوم وقوع الوعيد.\r{ وَجَاءَتْ } ذلك اليوم ، { كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ } يسوقها إلى المحشر { وَشَهِيدٌ } يشهد عليها بما عملت، قال الضحاك: السائق من الملائكة، والشاهد من أنفسهم الأيدي والأرجل، وهي رواية العوفي عن ابن عباس (1) . وقال الآخرون: هما جميعًا من الملائكة، فيقول الله:\r{ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا } . { لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا } اليوم في الدنيا، { فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ } الذي كان في الدنيا على قلبك وسمعك وبصرك، { فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ } نافذ تبصر ما كنت تنكر في الدنيا. وروي عن مجاهد قال: يعني نظرك إلى لسان ميزانك حين توزن حسناتك وسيئاتك.\r{ وَقَالَ قَرِينُهُ } الملك الموكل به ، { هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ } مُعَدٌّ محضر، وقيل: \"ما\" بمعنى { من } ، قال مجاهد: يقول هذا الذي وكلتني به من ابن آدم حاضر عندي قد أحضرته وأحضرت ديوان أعماله، فيقول الله عز وجل لقرينه: { أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ } هذا خطاب للواحد بلفظ التثنية على عادة العرب، تقول: ويحك ويلك ارحلاها وازجراها وخذاها وأطلقاها، للواحد، قال الفراء (2) : وأصل ذلك أن أدنى أعوان الرجل في إبله وغنمه وسفره اثنان، فجرى كلام الواحد على صاحبيه، ومنه قولهم في الشعر للواحد: خليليَّ. وقال الزجَّاج: هذا أمر للسائق والشهيد، وقيل: للمتلقيين. { كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ }\rعاص معرض عن\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 26 / 162. وانظر: القرطبي: 17 / 14، الدر المنثور: 7 / 599.\r(2) انظر: معاني القرآن للفراء: 3 / 78-79.","part":7,"page":360},{"id":2966,"text":"الحق. قال عكرمة ومجاهد: مجانب للحق معاند لله.\r{ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (26) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (27) قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ (29) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30) }\r{ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ } أي للزكاة المفروضة وكل حق وجب في ماله، { مُعْتَدٍ } ظالم لا يقر بتوحيد الله، { مُرِيبٍ } شاك في التوحيد، ومعناه: داخل في الريب.\r{ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ } وهو النار.\r{ قَالَ قَرِينُهُ } يعني الشيطان الذي قُيِّضَ لهذا الكافر: { رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ } ما أضللته وما أغويته، { وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ } عن الحق فيتبرأ عنه شيطانه، قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومقاتل: \"قال قرينه\" يعني: الملك ، قال سعيد بن جبير: يقول الكافر يا رب إن الملك زاد عليّ في الكتابة، فيقول الملك \"ربنا ما أطغيته\" ، يعني ما زدت عليه وما كتبت إلا ما قال وعمل (1) ، ولكن كان في ضلال بعيد، طويل لا يرجع عنه إلى الحق.\r{ قَالَ } فيقول الله { لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ } في القرآن وأنذرتكم وحذرتكم على لسان الرسول، وقضيت عليكم ما أنا قاض.\r{ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ } لا تبديل لقولي، وهو قوله: \"لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين\"( السجدة-13 ) ، وقال قوم: معنى قوله: \"ما يبدل القول لدي\" أي: لا يكذب عندي، ولا يغير القول عن وجهه لأني أعلم الغيب. وهذا قول الكلبي، واختيار الفراء (2) ، لأنه قال: \"ما يبدل القول لدي\" ولم يقل ما يبدل قولي.\r{ وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ } فأعاقبهم بغير جرم.\r{ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ } قرأ نافع وأبو بكر \"يقول\" بالياء، أي: يقول الله، لقوله: \"قال لا تختصموا\"، وقرأ الآخرون بالنون، { هَلِ امْتَلأتِ } وذلك لما سبق لها من وعده إياها أنه يملؤها\r__________\r(1) ذكره القرطبي: 17 / 17.\r(2) معاني القرآن: 3 / 79 .","part":7,"page":361},{"id":2967,"text":"من الجنة والناس، وهذا السؤال من الله عز وجل لتصديق خبره وتحقيق وعده، { وَتَقُولُ } جهنم ، { هَلْ مِنْ مَزِيدٍ } قيل: معناه قد امتلأت ولم يبق فيّ موضع لم يمتلىء، فهو استفهام إنكار، هذا قول عطاء ومجاهد ومقاتل بن سليمان. وقيل: هذا استفهام بمعنى الاستزادة ، وهو قول ابن عباس في رواية أبي صالح، وعلى هذا يكون السؤال بقوله: \"هل امتلأت\" ، قبل دخول جميع أهلها فيها ، وروي عن ابن عباس: أن الله تعالى سبقت كلمته \"لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين\"( السجدة-13 ) ، فلما سيق أعداء الله إليها لا يلقى فيها فوج إلا ذهب فيها ولا يملؤها شيء، فتقول: ألست قد 138/ب أقسمت لتملأني؟ فيضع قدمه عليها، ثم يقول: هل امتلأت؟ فتقول: قط قط قد امتلأت فليس فيّ مزيد (1) .\rأخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الحميدي، أخبرنا [أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ] (2) حدثنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن أيوب الطوسي، أخبرنا أبو حاتم محمد بن إدريس الرازي، حدثنا آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا تزال جهنم تقول هل من مزيد، حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فتقول قط قط وعزتك، ويزوي بعضها إلى بعض، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله خلقًا فيسكنه فضول الجنة\" (3) .\r{ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) }\r{ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ } قُرِّبت وأُدْنِيَت ، { لِلْمُتَّقِينَ } الشرك ، { غَيْرَ بَعِيدٍ } ينظرون إليها قبل أن يدخلوها.\r{ هَذَا مَا تُوعَدُونَ } قرأ ابن كثير بالياء والآخرون بالتاء، يقال لهم: هذا الذي ترونه ما توعدون على ألسنة الأنبياء عليهم السلام، { لِكُلِّ أَوَّابٍ } رجاع إلى الطاعة عن المعاصي، قال سعيد بن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب. وقال الشعبي ومجاهد: الذي يذكر ذنوبه في الخلاء فيستغفر منها. وقال الضحاك: هو التواب. وقال ابن عباس وعطاء: المسبح، من قوله:\r__________\r(1) انظر: الطبري: 26 / 169، ابن كثير: 4 / 228.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\" .\r(3) أخرجه البخاري في الأيمان والنذور، باب الحلف بعزة الله: 11 / 545 ، ومسلم في الجنة، باب النار يدخلها الجبارون، برقم: (2848): 4 / 2187، والمصنف في شرح السنة: 15 / 255-256.","part":7,"page":362},{"id":2968,"text":"\"يا جبال أوبي معه\"( سبأ-10 ) وقال قتادة: المصلي. { حَفِيظٍ } قال ابن عباس: الحافظ لأمر الله، وعنه أيضًا: هو الذي يحفظ ذنوبه حتى يرجع عنها ويستغفر منها. قال قتادة حفيظ لما استودعه الله من حقه. قال الضحاك: الحافظ على نفسه المتعهد لها. قال الشعبي: المراقب. قال سهل بن عبد الله: المحافظ على الطاعات والأوامر.\r{ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35) }","part":7,"page":363},{"id":2969,"text":"{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (36) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) }\r{ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ } محل \"من\" جر (1) على نعت الأواب. ومعنى الآية: من خاف الرحمن وأطاعه بالغيب ولم يره. وقال الضحاك والسدي: يعني في الخلوة حيث لا يراه أحد. قال الحسن: إذا أرخى الستر وأغلق الباب. { وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ } مخلص مقبل إلى طاعة الله .\r{ ادْخُلُوهَا } [أي: يقال لأهل هذه الصفة: ادخلوها] (2) أي ادخلوا الجنة { بِسَلامٍ } بسلامة من العذاب والهموم. وقيل بسلام من الله وملائكته عليهم. وقيل: بسلامة من زوال النعم، { ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ } .\r{ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا } ، وذلك أنهم يسألون الله تعالى حتى تنتهي مسألتهم فيعطون ما شاؤوا، ثم يزيدهم الله من عنده ما لم يسألوه، وهو قوله: { وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } ، يعني الزيادة لهم في النعيم ما لم يخطر ببالهم. وقال جابر وأنس: هو النظر إلى وجه الله الكريم.\rقوله عز وجل: { وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ } ، ضربوا وساروا وتقلبوا وطافوا، وأصله من النقب، وهو الطريق كأنهم سلكوا كل طريق، { هَلْ مِنْ مَحِيصٍ } فلم يجدوا محيصًا من أمر الله. وقيل: \"هل من محيص\" مفر من الموت؟ فلم يجدوا [منه مفرًا، وهذا إنذار] (3) لأهل مكة وأنهم على مثل سبيلهم لا يجدون مفرًا عن الموت يموتون، فيصيرون إلى عذاب الله.\r{ إِنَّ فِي ذَلِكَ } ، فيما ذكرت من العبر وإهلاك القرى، { لَذِكْرَى } ، تذكرة وعظة، { لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ }\r__________\r(1) في \"أ\" رفع.\r(2) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(3) في \"أ\": فيه إنذارا.","part":7,"page":363},{"id":2970,"text":"قال ابن عباس: أي عقل. قال الفراء (1) : هذا جائز في العربية، تقول: ما لك قلب، وما قلبك معك، أي ما عقلك معك، وقيل: له قلب حاضر مع الله. { أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ } ، استمع القرآن، واستمع ما يقال له، لا يحدث نفسه بغيره، تقول العرب: ألق إليّ سمعك، أي استمع، { وَهُوَ شَهِيدٌ } ، أي حاضر القلب ليس بغافل ولا ساه.\r{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (38) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (40) }\rقوله عز وجل: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ } ، إعياء وتعب.\rنزلت في اليهود حيث قالوا: يا محمد أخبرنا بما خلق الله من الخلق في هذه الأيام الستة؟ فقال: \"خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين، والجبال يوم الثلاثاء، والمدائن والأنهار والأقوات يوم الأربعاء، والسموات والملائكة يوم الخميس إلى ثلاث ساعات من يوم الجمعة، وخلق في أول الثلاث الساعات الآجال، وفي الثانية الآفة، وفي الثالثة آدم\" ، قالوا: صدقت إن أتممت، قال: وما ذاك؟ قالوا: ثم استراح يوم السبت، واستلقى على العرش، فأنزل الله تعالى هذه الآية ردا عليهم (2) .\r{ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ } ، من كذبهم فإن الله لهم بالمرصاد، وهذا قبل الأمر بقتالهم، { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ } ، أي: صلِّ حمدًا لله، { قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ } ، يعني: صلاة الصبح، { وَقَبْلَ الْغُرُوبِ } ، يعني: صلاة العصر. وروي عن ابن عباس قال: \"قبل الغروب\" الظهر والعصر.\r{ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ } ، يعني: صلاة المغرب والعشاء. وقال مجاهد: \"ومن الليل\" أي: صلاة الليل أي وقت صلي. { وَأَدْبَارَ السُّجُودِ } قرأ أهل الحجاز وحمزة \"وإدبار السجود\" بكسر الهمزة، مصدر أدبر إدبارًا، وقرأ الآخرون بفتحها على جمع الدبر.\r__________\r(1) معاني القرآن: 3 / 80.\r(2) أخرجه الطبري: 26 / 178-179، والواحدي في أسباب النزول . وانظر: الدر المنثور: 7 / 609، ابن كثير: 4 / 230.","part":7,"page":364},{"id":2971,"text":"قال عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، والحسن، والشعبي، والنخعي، والأوزاعي: \"أدبار السجود\" الركعتان بعد صلاة المغرب، وأدبار النجوم الركعتان قبل صلاة الفجر. وهي رواية العوفي عن ابن عباس (1) . وروي عنه مرفوعًا (2) ، هذا قول أكثر المفسرين.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن عبد الجبار الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا أبو أيوب الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشدَّ مُعَاهدةً منه على الركعتين أمام الصبح (3) .\rأخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا صالح بن عبد الله، حدثنا أبو عوانة عن قتادة، عن زرارة بن أبي أوْفَى، عن سعيد بن 139 /أ هشام عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها\" (4) .\rأخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، أخبرنا أبو العباس المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا بدل بن المحبر، حدثنا عبد الملك بن معدان عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ما أحصى ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين بعد المغرب وفي الركعتين قبل [صلاة الفجر] (5) : بقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد (6) .\r__________\r(1) عزاه صاحب كنز العمال: 2 / 510 للطبراني في الصغير وابن أبي شيبة ومحمد بن نصر في قيام الليل، صفحة (64) من مختصر المقريزي. وانظر: القرطبي: 17 / 25، الدر المنثور: 7 / 610-611.\r(2) عزاه الحافظ ابن حجر في المطالب العالية: 3 / 377 لمسدد عن علي مرفوعًا.\r(3) أخرجه البخاري في التهجد في الليل، باب تعاهد ركعتي الفجر: 3 / 45، ومسلم في صلاة المسافرين، باب استحباب ركعتي الفجر برقم: (724): 1 / 501، والمصنف في شرح السنة: 3 / 452.\r(4) أخرجه الترمذي في الصلاة، باب ما جاء في ركعتي الفجر من الفضل : 2 / 469 وقال: \"حديث عائشة حديث حسن صحيح\".\r(5) في \"ب\" الصبح .\r(6) أخرجه الترمذي في صلاة، باب ما جاء في الركعتين بعد المغرب والقراءة فيهما: 2 / 506-507 وقال: \" حديث ابن مسعود حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد الملك بن معدان عن عاصم\". والحديث ضعيف لضعف عبد الملك بن الوليد بن معدان الضبعي (تقريب). ويشهد له ما أخرجه مسلم في صلاة المسافرين، باب استحباب ركعتي الفجر..برقم: (726) 1 / 502، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الفجر: قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 3 / 456.","part":7,"page":365},{"id":2972,"text":"قال مجاهد: \"وأدبار السجود\" هو التسبيح باللسان في أدبار الصلوات المكتوبات.\rأخبرنا أبو الحسين طاهر بن الحسين الروقي الطوسي بها، أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن أيوب، أخبرنا مسدد، حدثنا خالد هو ابن عبد الله، حدثنا سهيل عن أبي عبيد عن عطاء بن يزيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"من سَبَّحَ في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وكَبَّر الله ثلاثًا وثلاثين، وحَمِدَ الله ثلاثًا وثلاثين، فذلك تسعة وتسعون، ثم قال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر\" (1) .\rأخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إسحاق، أخبرنا يزيد، أخبرنا ورقاء عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات والنعيم المقيم، قال: كيف ذاك؟ قالوا: صلوا كما صلينا وجاهدوا كما جاهدنا، وأنفقوا من فضول أموالهم وليست لنا أموال، قال: \"أفلا أخبركم بأمر تدركون به من كان قبلكم وتسبقون من جاء بعدكم، ولا يأتي أحد بمثل ما جئتم به إلا من جاء بمثله: تسبحون في دبر كل صلاة عشرًا، وتحمدون عشرًا، وتكبرون عشرًا\" (2) .\rقوله عز وجل: { وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (41) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (42) }\r{ وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي } ، أي: واستمع يا محمد صيحة القيامة والنشور يوم ينادي المنادي، قال مقاتل: يعني إسرافيل ينادي بالحشر يا أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء { مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ } من صخرة بيت المقدس، وهي وسط الأرض. قال الكلبي: هي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا.\r{ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ } ، وهي الصيحة الأخيرة، { ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ } ، من القبور .\r__________\r(1) أخرجه مسلم في المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة، برقم: (597) : 1 / 418، والمصنف في شرح السنة: 3 / 228-229.\r(2) أخرجه البخاري في الدعوات، باب الدعاء بعد الصلاة: 11 / 132-133، وفي الصلاة، باب الذكر بعد الصلاة: 2 / 325، والمصنف في شرح السنة: 3 / 230-231.","part":7,"page":366},{"id":2973,"text":"{ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (43) يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (44) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (45) }\r{ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا } جمع سريع، أي: يخرجون سراعًا، { ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا } ، جمع علينا { يَسِيرٌ } .\r{ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ } ، يعني: كفار مكة في تكذيبك، { وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ } ، بمسلط تجبرهم على الإسلام إنما بعثت مُذَكِّرًا، { فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ } أي: ما أوعدت به من عصاني من العذاب.\rقال ابن عباس: قالوا: يا رسول الله لو خوفتنا، فنزلت (1) \"فذكر بالقرآن من يخاف وعيد\" .\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 26 / 185. وانظر: القرطبي: 17 / 28، الدر المنثور: 7 / 613.","part":7,"page":367},{"id":2974,"text":"سورة الذاريات مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6) }\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت سورة الذاريات بمكة. انظر الدر المنثور: 7 / 613.","part":7,"page":368},{"id":2975,"text":"{ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7) }\r{ وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا } يعني: الرياح التي تذرو التراب ذروًا، يقال: ذَرَت الريحُ الترابَ وأَذْرَت.\r{ فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا } يعني: السحاب تحمل ثقلا من الماء.\r{ فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا } هي السفن تجري في الماء جريًا سهلا.\r{ فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا } هي الملائكة يقسمون الأمور بين الخلق على ما أُمروا به، أقسم بهذه الأشياء لما فيها من الدلالة على صنعه وقدرته.\rثم ذكر المقسَمَ عليه فقال: { إِنَّما تُوعَدُونَ } من الثواب والعقاب، { لَصَادِقٌ } .\r{ وَإِنَّ الدِّينَ } [الحساب والجزاء] (1) { لَوَاقِعٌ } لكائن. ثم ابتدأ قسمًا آخر فقال:\r{ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ } قال ابن عباس وقتادة وعكرمة: ذات الخلق الحسن المستوي، يقال للنسَّاج إذا نسج الثوب فأجاد: ما أحسن حبكه! قال سعيد بن جبير: ذات الزينة. قال الحسن: حبكت بالنجوم. قال مجاهد: هي المتقنة البنيان. وقال مقاتل والكلبي والضحاك: ذات الطرائق\r__________\r(1) ما بين القوسين زيادة من \"ب\" .","part":7,"page":371},{"id":2976,"text":"كحبك الماء إذا ضربته الريح، وحبك الرمل والشعر الجعد، ولكنها لا ترى لبعدها من الناس، وهي جمع حباك وحبيكة، وجواب القسم قوله:\r{ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (11) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (12) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (14) }\r{ إِنَّكُمْ } أي: يا أهل مكة، { لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ } في القرآن وفي محمد صلى الله عليه وسلم، تقولون في القرآن: سحر وكهانة وأساطير الأولين، وفي محمد صلى الله عليه وسلم: ساحر وشاعر ومجنون. وقيل: \"لفي قول مختلف\" أي: مصدق ومكذب.\r{ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ } يصرف عن الإيمان به من صرف حتى يكذبه، يعني: من حرمه الله الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن. وقيل \"عن\" بمعنى: من أجل، أي يصرف من أجل هذا القول المختلف أو بسببه عن الإيمان من صرف. وذلك أنهم كانوا يتلقون الرجل إذا أراد الإيمان فيقولون: إنه ساحر وكاهن ومجنون، فيصرفونه عن الإيمان، وهذا معنى قول مجاهد.\r{ قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ } لعن الكذابون، يقال: تخرص على فلان الباطل، وهم المقتسمون الذين اقتسموا عِقَاب مكة، واقتسموا القول في النبي صلى الله عليه وسلم ليصرفوا الناس عن دين الإسلام. وقال مجاهد: هم الكهنة.\r{ الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ } غفلة وعمى وجهالة، { سَاهُونَ } لاهُون غافلون عن أمر الآخرة، والسهو: الغفلة عن الشيء، وهو ذهاب القلب عنه.\r{ يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ } يقولون: يا محمد متى يوم الجزاء، يعني: يوم القيامة تكذيبًا واستهزاء.\rقال الله عز وجل: { يَوْمَ هُمْ } أي يكون هذا الجزاء في يوم هم، { عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ } أي: يعذبون ويحرقون بها كما يفتن الذهب بالنار. وقيل: \"على\" بمعنى الباء أي بالنار، وتقول لهم خزنة النار: { ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ } .\r{ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ } عذابكم، { هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ } في الدنيا تكذيبًا به.","part":7,"page":372},{"id":2977,"text":"{ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) }\r{ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ } أعطاهم، { رَبُّهُمْ } من الخير والكرامة، { إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ } قبل 139/ب دخولهم الجنة، { مُحْسِنِينَ } في الدنيا.\r{ كَانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ } والهجوع النوم بالليل دون النهار، \"وما\" صلة، والمعنى: كانوا يهجعون قليلا من الليل، أي يصلون أكثر الليل.\rوقيل: معناه كان الليل الذي ينامون فيه كله قليلا وهذا معنى قول سعيد بن جبير عن ابن عباس، يعني: كانوا قلَّ ليلة تمر بهم إلا صَلَّوا فيها شيئًا، إما من أولها أو من أوسطها. قال أنس بن مالك: كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء (1) . وقال محمد بن علي: كانوا لا ينامون حتى يصلوا العتمة (2) . قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: قل ليلة أتت عليهم هجعوها كلها (3) . قال مجاهد: كانوا لا ينامون كل الليل (4) .\rووقف بعضهم على قوله: \"قليلا\" أي: كانوا من الناس قليلا ثم ابتدأ: \"من الليل ما يهجعون\" ، وجعله جحدًا أي: لا ينامون بالليل البتة، بل يقومون للصلاة والعبادة، وهو قول الضحاك ومقاتل. { وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } قال الحسن: لا ينامون من الليل إلا أقله، وربما نشطوا فمدوا إلى السحر، ثم أخذوا بالأسحار في الاستغفار (5) . وقال الكلبي ومجاهد ومقاتل: وبالأسحار يصلون، وذلك أن صلاتهم بالأسحار لطلب المغفرة.\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو محمد الحسن بن أحمد بن محمد المخلدي، أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، حدثنا قتيبة، حدثنا يعقوب بن عبدالرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"ينزل الله إلى سماء الدنيا كل\r__________\r(1) أخرجه أبو داود: 2 / 95 ، الطبري: 26 / 196، محمد بن نصر المروزي في قيام الليل ص (71) من مختصر المقريزي. والبيهقي في السنن: 3 / 19، وذكره ابن كثير في التفسير: 4 / 234 .\r(2) أخرجه الطبري: 26 / 196، ومحمد بن نصر المروزي في قيام الليل ص (25) من مختصر المقريزي وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 615 أيضًا لابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه.\r(3) أخرجه الطبري: 26 / 197 ، ومحمد بن نصر في قيام الليل صفحة: (25) من مختصر المقريزي، وابن كثير: 4 / 234 .\r(4) أخرجه محمد بن نصر المرزوي في قيام الليل صفحة (24) من مختصر المقريزي.\r(5) أخرجه الطبري: 26 / 198 ؛ ومحمد بن نصر المروزي في قيام الليل ص (81) من مختصر المقريزي.","part":7,"page":372},{"id":2978,"text":"ليلة حين يبقى ثلث الليل فيقول: أنا الملك أنا الملك، من الذي يدعوني فأستجيب له؟ من الذي يسألني فأعطيه؟ من الذي يستغفرني فأغفر له؟ \" (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا سليمان بن أبي مسلم عن طاوس سمع ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يتهجد، قال: \"اللهم لك الحمد أنت قَيِّمُ السموات والأرض ومن فيهن، [ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن] (2) ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق والنار حق، والنبيون حق، ومحمد صلى الله عليه وسلم حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت، وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت ولا إله غيرك\" . قال سفيان: وزاد عبد الكريم أبو أمية: \"ولا حول ولا قوة إلا بالله\" (3) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا صدقة، أخبرنا الوليد عن الأوزاعي، حدثني عمير بن هانىء، حدثني جنادة بن أبي أمية، حدثني عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"من تعارَّ من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا استجيب له، فإن توضأ وصلى قبلت صلاته\" . (4)\r{ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) }\rقوله عز وجل: { وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ } السائل: الذي يسأل الناس، والمحروم: الذي ليس له في الغنائم سهم، ولا يجري عليه من الفيء شيء، هذا قول ابن عباس وسعيد بن\r__________\r(1) أخرجه الترمذي من طريق قتيبة، باب في نزول الرب تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة: 2 / 524 وقال: \"حديث صحيح، وقد روي هذا الحديث من أوجه كثيرة عن أبي هريرة .. وهذه أصح الروايات\". وأخرجه البخاري في التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل: 3 / 29 ، ومسلم في صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه برقم: (758) : 1 / 521، والمصنف في شرح السنة: 4 / 63-64 .\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\" .\r(3) أخرجه البخاري في التهجد، باب التهجد بالليل: 3 / 3، ومسلم في صلاة المسافرين باب الدعاء في صلاة الليل: برقم (769): 1 / 533، والمصنف في شرح السنة: 4 / 68.\r(4) أخرجه البخاري في التهجد، باب فضل من تعار من الليل فصلى: 3 / 39، والمصنف في شرح السنة: 4 / 71-72.","part":7,"page":374},{"id":2979,"text":"المسيب، قالا [المحروم الذي] (1) ليس له في الإسلام سهم، ومعناه في اللغة: الذي منع الخير والعطاء.\rوقال قتادة والزهري: \"المحروم\" المتعفف الذي لا يسأل.\rوقال زيد بن أسلم: هو المصاب ثمره أو زرعه أو نسل ماشيته. وهو قول محمد بن كعب القرظي، قال: المحروم صاحب الجائحة (2) ثم قرأ: \"إنا لمغرمون بل نحن محرومون\"( الواقعة-66-67 ) .\r{ وَفِي الأرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (21) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23) }\r{ وَفِي الأرْضِ آيَاتٌ } عبر، { لِلْمُوقِنِينَ } إذا ساروا فيها من الجبال والبحار والأشجار والثمار وأنواع النبات. { وَفِي أَنْفُسِكُمْ } آيات، إذ كانت نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظمًا إلى أن نفخ فيها الروح.\rوقال عطاء عن ابن عباس: يريد اختلاف الألسنة والصور والألوان والطبائع.\rوقال ابن الزبير: يريد سبيل الغائط والبول يأكل ويشرب من مدخل واحد ويخرج من سبيلين.\r{ أَفَلا تُبْصِرُونَ } [قال مقاتل] (3) أفلا تبصرون كيف خلقكم فتعرفوا قدرته على البعث.\r{ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ } قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل: يعني المطر الذي هو سبب الأرزاق، { وَمَا تُوعَدُونَ } قال عطاء: من الثواب والعقاب. وقال مجاهد: من الخير والشر. وقال الضحاك: وما توعدون من الجنة والنار، ثم أقسم بنفسه فقال:\r{ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ } أي: ما ذكرت من أمر الرزق لحق، { مِثْلَ } قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: \"مثل\" برفع اللام بدلا من \"الحق\" ، وقرأ الآخرون بالنصب أي كمثل، { مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ } فتقولون: لا إله إلا الله. وقيل: شبه تحقيق ما أخبر عنه بتحقيق\r__________\r(1) ساقط من \"أ\" .\r(2) في \"ب\" الحاجة.\r(3) ساقط من \" أ \".","part":7,"page":375},{"id":2980,"text":"نطق الآدمي، كما تقول: إنه لحق كما أنت ها هنا، وإنه لحق كما أنك تتكلم، والمعنى: إنه في صدقه ووجوده كالذي تعرفه ضرورة. قال بعض الحكماء: يعني: كما أن كل إنسان ينطق بلسان نفسه لا يمكنه أن ينطق بلسان غيره فكذلك كل إنسان يأكل رزق نفسه الذي قسم له، ولا يقدر أن يأكل رزق غيره.\r{ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ (27) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (28) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) }\rقوله عز وجل: { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ } ، ذكرنا عددهم في سورة هود (1) { الْمُكْرَمِينَ } ، [قيل: سماهم مكرمين] (2) لأنهم كانوا ملائكة كرامًا عند الله، وقد قال الله تعالى في وصفهم: \"بل عباد مكرمون\"( الأنبياء -26 ) وقيل: لأنهم كانوا ضيف إبراهيم وكان إبراهيم أكرم الخليقة، وضيف الكرام مكرمون.\rوقيل: لأن إبراهيم عليه السلام أكرمهم 140/أ بتعجيل قراهم، والقيام بنفسه عليهم بطلاقة الوجه.\rوقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: خدمته إياهم بنفسه.\rوروي عن ابن عباس: سَمَّاهم مكرمين لأنهم جاؤوا غير مدعوين. وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه\" (3) .\r{ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ } ، أي: غرباء لا نعرفكم، قال ابن عباس: قال في نفسه هؤلاء قوم لا نعرفهم. وقيل: إنما أنكر أمرهم لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان. وقال أبو العالية: أنكر سلامهم في ذلك الزمان وفي تلك الأرض.\r{ فَرَاغَ } ، فعدل ومال ، { إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ } ، مشوي.\r{ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ } ، ليأكلوا فلم يأكلوا ، { قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ } ، أي: صيحة، قيل: لم يكن ذلك إقبالا من مكان\r__________\r(1) انظر فيما سبق : 4 / 187.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) قطعة من حديث أخرجه البخاري في الرقاق، باب حفظ اللسان: 11 / 308، ومسلم من الإيمان، باب الحث على إكرام الجار برقم: (47): 1 / 68 والمصنف في شرح السنة: 14 / 312.","part":7,"page":376},{"id":2981,"text":"إلى مكان ، وإنما هو كقول القائل: أقبل يشتمني، بمعنى أخذ في شتمي، أي أخذت تُوَلْوِلُ كما قال: \"قالت يا ويلتي\" ،( هود-72 ) ، { فَصَكَّتْ وَجْهَهَا } ، قال ابن عباس: لطمت وجهها. وقال الآخرون: جمعت أصابعها فضربت جبينها تعجبًا، كعادة النساء إذا أنكرن شيئًا، وأصل الصك: ضرب الشيء بالشيء العريض.\r{ وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ } ، مجازه: أتلد عجوز عقيم؟ وكانت سارة لم تلد قبل ذلك.\r{ قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (30) }","part":7,"page":377},{"id":2982,"text":"{ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الألِيمَ (37) }\r{ قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ } ، أي كما قلنا لك قال ربك إنك ستلدين غلامًا، { إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ } .\r{ قَالَ } [يعني إبراهيم] (1) { فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ } . { قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ } ، يعني: قوم لوط.\r{ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ مُسَوَّمَةً } ، معلّمة، { عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ } ، قال ابن عباس: للمشركين، والشرك أسرف الذنوب وأعظمها.\r{ فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا } ، أي: في قرى قوم لوط، { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } ، وذلك قوله: \"فأسر بأهلك بقطع من الليل\"( هود-81 ) .\r{ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ } ، أي غير أهل بيت، { مِنَ الْمُسْلِمِينَ } ، يعني لوطًا وابنتيه، وصفهم الله تعالى بالإيمان والإسلام جميعًا لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم.\r{ وَتَرَكْنَا فِيهَا } ، أي في مدينة قوم لوط، { آيَةً } ، عبرة ، { لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الألِيمَ } ، أي: علامة للخائفين تدلهم على أن الله تعالى أهلكهم فيخافون مثل عذابهم.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":7,"page":377},{"id":2983,"text":"{ وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (40) وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (43) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (44) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (45) }\r{ وَفِي مُوسَى } ، أي: وتركنا في إرسال موسى آية وعبرة. وقيل: هو معطوف على قوله: \"وفي الأرض آيات للموقنين\" ، [وفي موسى] (1) { إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ } ، بحجة ظاهرة.\r{ فَتَوَلَّى } ، فأعرض وأدبر عن الإيمان، { بِرُكْنِهِ } ، أي بجمعه وجنوده الذين كانوا يتقوى بهم، كالركن الذي يقوى به البنيان، نظيره: \"أو آوي إلى ركن شديد\"( هود-80 ) ، { وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ } ، قال أبو عبيدة: \"أو\" بمعنى الواو.\r{ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ } ، أغرقناهم فيه، { وَهُوَ مُلِيمٌ } أي: آت بما يلام عليه من دعوى الربوبية وتكذيب الرسول.\r{ وَفِي عَادٍ } ، أي: وفي إهلاك عاد أيضًا آية، { إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ } ، وهي التي لا خير فيها ولا بركة ولا تلقح شجرًا ولا تحمل مطرًا .\r{ مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ } ، من أنفسهم وأنعامهم وأموالهم، { إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ } ، كالشيء الهالك البالي ، وهو نبات الأرض إذا يبس وَدِيسَ. قال مجاهد: كالتبن اليابس. قال قتادة: كرميم الشجر. قال أبو العالية: كالتراب المدقوق. وقيل: أصله من العظم البالي.\r{ وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ } ، يعني وقت فناء آجالهم، وذلك أنهم لما عقروا الناقة قيل لهم: تمتعوا ثلاثة أيام .\r{ فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ } ، يعني بعد مضي الأيام الثلاثة، وهي الموت في قول ابن عباس، قال مقاتل: يعني العذاب، و\"الصاعقة\" : كل عذاب مهلك، وقرأ الكسائي: \"الصعقة\" ، وهي الصوت الذي يكون من الصاعقة، { وَهُمْ يَنْظُرُونَ } ، يرون ذلك عيانًا.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".","part":7,"page":378},{"id":2984,"text":"{ فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ } ، فما قاموا بعد نزول العذاب بهم ولا قدروا على نهوض. قال قتادة: لم ينهضوا من تلك الصرعة، { وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ } ، ممتنعين مِنَّا. قال قتادة: ما كانت عندهم قوة يمتنعون بها من الله.\r{ وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (46) وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) وَالأرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (48) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (51) }","part":7,"page":379},{"id":2985,"text":"{ كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) }\r{ وَقَوْمَ نُوحٍ } ، قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي: \"وقوم\" بجر الميم، أي: وفي قوم نوح، وقرأ الآخرون بنصبها بالحمل على المعنى، وهو أن قوله: \"فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم\" ، معناه: أغرقناهم وأغرقنا قوم نوح. { مِنْ قَبْلُ } ، أي: من قبل هؤلاء، وهم عاد وثمود وقوم فرعون. { إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ } .\r{ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ } ، بقوة وقدرة، { وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } ، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: قادرون. وعنه أيضًا: لموسعون الرزق على خلقنا. وقيل: ذو سعة. قال الضحاك: أغنياء، دليله: قوله عز وجل: \"على الموسع قدره\"( البقرة -236 ) ، قال الحسن: مطيقون.\r{ وَالأرْضَ فَرَشْنَاهَا } ، بسطناها ومهدناها لكم، { فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ } ، الباسطون نحن: قال ابن عباس: نعم ما وَطَّأتُ لعبادي.\r{ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ } ، صنفين ونوعين مختلفين كالسماء والأرض، والشمس والقمر، والليل والنهار، والبر والبحر، والسهل والجبل، والشتاء والصيف، والجن والإنس، والذكر والأنثى، والنور والظلمة، والإيمان والكفر، والسعادة والشقاوة، والحق والباطل، والحلو والمر. { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } ، فتعلمون أن خالق الأزواج فرد.\r{ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ } ، فاهربوا من عذاب الله إلى ثوابه، بالإيمان والطاعة. قال ابن عباس: فروا منه إليه واعملوا بطاعته. وقال سهل بن عبد الله: فروا مما سوى الله إلى الله، { إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ } .\r{ كَذَلِكَ } ، أي: كما كذبك قومك وقالوا ساحر أو مجنون كذلك، { مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ }","part":7,"page":379},{"id":2986,"text":"من قبل كفار مكة، { مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ } . 140/ب\r{ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (54) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ (56) }\rقال الله تعالى: { أَتَوَاصَوْا بِهِ } ، أي: أوصى أولهم آخرهم وبعضهم بعضًا بالتكذيب وتواطؤا عليه؟ والألف فيه للتوبيخ، { بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ } ، قال ابن عباس: حملهم الطغيان فيما أعطيتهم ووسعت عليهم على تكذيبك ، { فَتَوَلَّ عَنْهُمْ } ، فأعرض عنهم، { فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ } ، لا لوم عليك فقد أديت الرسالة وما قصرت فيما أمرت به.\rقال المفسرون: لما نزلت هذه الآية حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد ذلك على أصحابه، وظنوا أن الوحي قد انقطع، وأن العذاب قد حضر إذ أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتولى عنهم، فأنزل الله تعالى: { وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ } ، فطابت أنفسهم (1) .\rقال مقاتل: معناه عظ بالقرآن كفار مكة، فإن الذكرى تنفع من [سبق] (2) في علم الله أن يؤمن منهم. وقال الكلبي: عظ بالقرآن من آمن من قومك فإن الذكرى تنفعهم.\r{ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ } ، قال الكلبي والضحاك وسفيان: هذا خاص لأهل طاعته من الفريقين، يدل عليه قراءة ابن عباس: \"وما خلقت الجن والإنس -من المؤمنين -إلا ليعبدون\" ، ثم قال في أخرى: \"ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس\" ،( الأعراف-79 ) .\rوقال بعضهم: وما خلقت السعداء من الجن والإنس إلا لعبادتي والأشقياء منهم إلا لمعصيتي، وهذا معنى قول زيد بن أسلم، قال: هو على ما جبلوا عليه من الشقاوة والسعادة.\rوقال علي بن أبي طالب: \"إلا ليعبدون\" أي إلا لآمرهم أن يعبدوني وأدعوهم إلى عبادتي، يؤيده قوله عز وجل: \"وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا\" .( التوبة-31 ) .\rوقال مجاهد: إلا ليعرفوني. وهذا أحسن لأنه لو لم يخلقهم لم يعرف وجوده وتوحيده، دليله: قوله\r__________\r(1) أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده عن مجاهد، وسكت عنه البوصيري وقال: \"رواه أحمد بن منيع بسند رواته ثقات\"، وأخرجه الطبري عن قتادة. انظر: المطالب العالية: 3 / 378 مع حاشية المحقق، تفسير الطبري: 27 / 11.\r(2) ساقط من \"أ\".","part":7,"page":380},{"id":2987,"text":"تعالى: \"ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله\"( الزخرف-87 ) .\rوقيل: معناه إلا ليخضعوا إليّ ويتذللوا، ومعنى العبادة في اللغة: التذلل والانقياد، فكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله، متذلل لمشيئته لا يملك أحد لنفسه خروجًا عما خلق عليه.\rوقيل: \"إلا ليعبدون\" إلا ليوحدوني، فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء، وأما الكافر فيوحده في الشدة والبلاء دون النعمة والرخاء، بيانه قوله عز وجل: \"فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين\".( العنكبوت-65 ) .\r{ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (59) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60) }\r{ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ } ، أي: أن يرزقوا أحدًا من خلقي ولا أن يرزقوا أنفسهم، { وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ } ، أي: أن يطعموا أحدًا من خلقي، وإنما أسند الإطعام إلى نفسه، لأن الخلق عيال الله ومن أطعم عيال أحد فقد أطعمه. كما جاء في الحديث يقول الله تعالى: \"استطعمتك فلم تطعمني\" (1) أي: لم تطعم عبدي، ثم بين أن الرازق هو لا غيره فقال:\r{ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ } ، يعني: لجميع خلقه، { ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ } ، وهو القوي المقتدر المبالغ في القوة والقدرة.\r{ فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا } ، كفروا من أهل مكة، { ذَنُوبًا } ، نصيبًا من العذاب { مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ } ، مثل نصيب أصحابهم الذين هلكوا من قوم نوح وعاد وثمود، وأصل \"الذَّنُوب\" في اللغة: الدلو العظيمة المملوءة ماء، ثم استعمل في الحظ والنصيب، { فَلا يَسْتَعْجِلُونِ } ، بالعذاب يعني أنهم أُخِّروا إلى يوم القيامة.\rيدل عليه قوله عز وجل: { فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ } . { فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ } يعني: يوم القيامة، وقيل: يوم بدر .\r__________\r(1) قطعة من حديث أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب، باب فضل عيادة المريض، برقم: (2569) : 4 / 1990.","part":7,"page":381},{"id":2988,"text":"سورة الطور مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5) }\r{ وَالطُّورِ } أراد به الجبل الذي كلم الله تعالى عليه موسى عليه السلام بالأرض المقدسة، أقسم الله تعالى به .\r{ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ } مكتوب.\r{ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ } \"والرق\": ما يكتب فيه، وهو أديم الصحف، و\"المنشور\": المبسوط، واختلفوا في هذا الكتاب، قال الكلبي: هو ما كتب الله بيده لموسى من التوراة وموسى يسمع صرير القلم.\rوقيل: هو اللوح المحفوظ. وقيل: دواوين الحفظة تخرج إليهم يوم القيامة منشورة، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله. دليله قوله عز وجل: \"ونخرج له يوم القيامة كتابًا يلقاه منشورًا\"،( الإسراء-13 ) .\r{ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ } بكثرة الغاشية والأهل، وهو بيت في السماء حذاء العرش بحيال الكعبة يقال له: الضُّرَاح، حرمته في السماء كحرمة الكعبة في الأرض، يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة يطوفون به ويصلون فيه ثم لا يعودون إليه أبدًا (2) .\r{ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ } يعني: السماء، نظيره قوله عز وجل: \"وجعلنا السماء سقفًا محفوظًا\".( الأنبياء-32 )\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت سورة الطور بمكة. انظر: الدر المنثور: 7 / 626.\r(2) انظر: الطبري: 27 / 16، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (7 / 114): \"رواه الطبراني -عن ابن عباس مرفوعًا- وفيه بشر أبو حذيفة وهو متروك\".","part":7,"page":382},{"id":2989,"text":".\r{ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (8) }\r{ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ } قال محمد بن كعب القرظي والضحاك: يعني الموقد المحمى بمنزلة التنور المسجور، وهو قول ابن عباس، وذلك ما روي أن الله تعالى يجعل البحار كلها يوم القيامة نارا فيزاد بها في نار جهنم، كما قال الله تعالى: \"وإذا البحار سجرت\"،( التكوير-6 ) وجاء في الحديث عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا يركبن رجل بحرًا إلا غازيًا أو معتمرًا أو حاجًا، فإن تحت البحر نارًا وتحت النار بحرًا\" (1) .\rوقال مجاهد والكلبي: \"المسجور\": المملوء، يقال: سجرت الإناء إذا ملأته.\rوقال الحسن، وقتادة، وأبو العالية: هو اليابس الذي قد ذهب ماؤه ونضب\rوقال الربيع بن أنس: المختلط العذب بالمالح.\rوروى الضحاك عن النزال بن سبرة عن عليّ أنه قال في البحر المسجور: هو بحر تحت العرش، غمره (2) كما بين سبع سموات إلى سبع أرضين، فيه ماء غليظ يقال له: بحر الحيوان. يمطر العباد بعد النفخة الأولى منه أربعين صباحًا فينبتون في قبورهم (3) . هذا قول مقاتل: أقسم الله بهذه الأشياء . { إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ } نازل كائن.\r{ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ } مانع (4) قال جبير بن مطعم: قدمت المدينة لأكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسارى بدر فدفعت إليه وهو يصلي بأصحابه المغرب، وصوته يخرج من المسجد 141/أ فسمعته يقرأ \"والطور\" إلى قوله \"إن عذاب ربك لواقع ماله من دافع\"، فكأنما صدع قلبي حين سمعته، ولم يكن أسلم يومئذ، قال: فأسلمت خوفًا من نزول العذاب، وما كنت أظن أني أقوم من مكاني حتى يقع بي العذاب (5) .\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الجهاد، باب في ركوب البحر: 3 / 359 عن بشير بن مسلم عن عبدالله بن عمرو. وقال: \"وفي هذا الحديث اضطراب، روي عن بشير هكذا، وروي عنه: أنه بلغه عن عبدالله بن عمرو، وروي عنه عن رجل عن عبدالله بن عمرو وقيل غير ذلك وذكره البخاري في تاريخه وذكر له هذا الحديث، وذكر اضطرابه وقال: لم يصح حديثه\". وقال الخطابي: \"وقد ضعفوا إسناد هذا الحديث\". وانظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني رقم (478).\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) أخرجه الطبري: 27 / 20، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 629 لابن أبي حاتم وعبدالرزاق وسعيد بن منصور.\r(4) زيادة من \"ب\".\r(5) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة الطور: 8 / 603.","part":7,"page":386},{"id":2990,"text":"{ يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (9) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (10) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (11) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (12) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (14) }","part":7,"page":387},{"id":2991,"text":"{ أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (15) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (16) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (17) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (18) }\rثم بَيَّنَ أنه متى يقع فقال:\r{ يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا } أي: تدور كدوران الرحى وتتكفأ بأهلها تكفؤَ السفينة. قال قتادة: تتحرك. قال عطاء الخراساني: تختلف أجزاؤها بعضها في بعض. وقيل: تضطرب، و\"المور\" يجمع هذه المعاني، فهو في اللغة: الذهاب والمجيء والتردد والدوران والاضطراب.\r{ وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا } فتزول عن أماكنها وتصير هباءً منثورًا .\r{ فَوَيْل } فشدة عذاب، { يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ } يخوضون (1) في الباطل يلعبون غافلين لاهين.\r{ يَوْمَ يُدَعُّونَ } يدفعون، { إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا } دفعًا بعنف وجفوة، وذلك أن خزنة جهنم يغلون أيديهم إلى أعناقهم، ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم، ثم يدفعون بهم إلى النار دفعًا على وجوههم، وزجًّا في أقفيتهم حتى يَرِدُوا النار، فإذا دنوا منها قال لهم خزنتها:\r{ هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ } في الدنيا. { أَفَسِحْرٌ هَذَا } وذلك أنهم كانوا ينسبون محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى السحر، وإلى أنه يغطي على الأبصار بالسحر، فَوُبِّخوا به، وقيل لهم: { أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ } .\r{ اصْلَوْهَا } قاسوا شدتها، { فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ } الصبر والجزع، { إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } .\r{ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ فَاكِهِينَ } معجبين بذلك ناعمين { بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ } ويقال لهم:\r__________\r(1) في \"أ\" يخرصون.","part":7,"page":387},{"id":2992,"text":"{ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (19) مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (20) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21) }\r{ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا } مأمون العاقبة من التخمة والسقم، { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } .\r{ مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ } موضوعة بعضها إلى جنب بعض، { وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ } .\r{ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ } قرأ أبو عمرو: \"وأتبعناهم\"، بقطع الألف على التعظيم، \"ذرياتهم\"، بالألف وكسر التاء فيهما لقوله: \"ألحقنا بهم\" \"وما ألتناهم\"، ليكون الكلام على نسق واحد.\rوقرأ الآخرون: \"واتبعتهم\" بوصل الألف وتشديد التاء بعدها وسكون التاء الأخيرة.\rثم اختلفوا في \"ذريتهم\": قرأ أهل المدينة الأولى (1) بغير ألف وضم التاء، والثانية بالألف وكسر التاء، وقرأ أهل الشام ويعقوب كلاهما بالألف وكسر التاء في الثانية، وقرأ الآخرون بغير ألف فيهما ورفع التاء في الأولى ونصبها في الثانية.\rواختلفوا في معنى الآية، فقال قوم: معناها والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان، يعني: أولادهم الصغار والكبار، فالكبار بإيمانهم بأنفسهم، والصغار بإيمان آبائهم، فإن الولد الصغير يحكم بإسلامه تبعًا لأحد الأبوين { أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } المؤمنين [في الجنة بدرجاتهم وإن لم يبلغوا بأعمالهم درجات آبائهم] (2) تكرمة لآبائهم لتقرَّ بذلك أعينهم. وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم.\rوقال آخرون: معناه والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم البالغون بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم الصغار الذين لم يبلغوا الإيمان بإيمان آبائهم. وهو قول الضحاك، ورواية العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أخبر الله عز وجل أنه يجمع لعبده المؤمن ذريته في الجنة كما كان يحب في الدنيا أن يجتمعوا إليه، يدخلهم الجنة بفضله ويلحقهم بدرجته بعمل أبيه، من غير أن ينقص الآباء من أعمالهم شيئًا، فذلك قوله: { وَمَا أَلَتْنَاهُمْ } قرأ ابن كثير بكسر اللام، والباقون بفتحها أي ما نقصناهم يعني الآباء { مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ } .\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":7,"page":388},{"id":2993,"text":"أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن محمد بن عبدالله الحديثي، حدثنا سعيد بن محمد بن إسحاق الصيرفي، حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جبارة بن المغلس، حدثنا قيس بن الربيع، حدثنا عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل، لتقرَّ بهم عينه\"، ثم قرأ: \"والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم\"، إلى آخر الآية (1) .\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري، حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني عثمان ابن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل عن محمد بن عثمان عن زاذان عن عليّ رضي الله عنه قال: سألتْ خديجة رضي الله تعالى عنها النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن ولدين ماتا لها في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"هما في النار\"، فلما رأى الكراهة في وجهها، قال: \"لو رأيتِ مكانهما لأبغضتهما\"، قالت: يا رسول الله فولدي منك؟ قال: \"في الجنة\" ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار\"، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم \"والذين آمنوا واتَّبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم\" (2) .\r{ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ } قال مقاتل: كل امرئ كافر بما عمل من الشرك مرتهن في النار، والمؤمن لا يكون مرتهنًا، لقوله عز وجل: \"كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين\"، ثم ذكر ما يزيدهم من الخير والنعمة فقال:\r__________\r(1) روي من طرق عدة، فأخرجه الطبري: 27 / 24-25، والحاكم: 2 / 468، والبزار: 3 / 70 (كشف الأستار)، والطحاوي في مشكل الآثار: 2 / 14و15 وهناد في الزهد: 1 / 270، وابن عدي في الكامل: 6 / 2066، وأبو نعيم في الحلية: 4 / 302. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 7 / 114: \"رواه البزار وفيه قيس بن الربيع، وثقه شعبة والثوري وفيه ضعف\". وقال في التقريب: \"صدوق تغير لما كبر وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به\". وأخرجه أيضًا: ابن مردويه وسعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقي في سننه. وانظر: الكافي الشاف ص (160)، الفتح السماوي للمناوي: 3 / 1010 مع حاشية المحقق، الزهد لهناد: 1 / 270-71 مع حاشية المحقق، الدر المنثور: 7 / 632.\r(2) أخرجه عبدالله بن الإمام أحمد في زوائد المسند: 1 / 134،135، وابن أبي عاصم في السنة: 1 / 94. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 7 / 217 بعد عزوه لعبدالله: \"فيه محمد بن عثمان، ولم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح\". وأنكره الذهبي في \"الميزان\": 3 / 642 في ترجمة محمد بن عثمان وقال: \"محمد بن عثمان لا يدري من هو، فتشت عنه في أماكن وله خبر منكر\" ثم ساق الحديث. ورواه أبو يعلي في مسنده من طريق سهل بن زياد: 6 / 310 عن عبدالله بن نوفل أو عن عبدالله بن بريدة - شك سهل- عن خديجة، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: 7 / 217-218 \"رواه الطبراني وأبو يعلي، ورجالهما ثقات إلا أن عبدالله بن الحارث بن نوفل وابن بريدة لم يدركا خديجة\". فهو منقطع. وانظر: ظلال الجنة في تخريج السنة للألباني: 1 / 94-95.","part":7,"page":389},{"id":2994,"text":"{ وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (22) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيهَا وَلا تَأْثِيمٌ (23) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (24) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (25) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (26) }\r{ وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ } زيادة على ما كان لهم، { وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ } من أنواع اللحمان .\r{ يَتَنَازَعُون } يتعاطون ويتناولون، { فِيهَا كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيهَا } وهو الباطل، وروي ذلك عن قتادة، وقال مقاتل بن حيان: لا فضول فيها. وقال سعيد بن المسيب: لا رفث فيها. وقال ابن زيد: لا سباب ولا تخاصم فيها. وقال القتيبي: لا تذهب عقولهم فيلغوا ويرفثوا، { وَلا تَأْثِيمٌ } أي لا يكون منهم ما يؤثمهم. قال الزجاج: لا يجري بينهم ما يلغي ولا ما فيه إثم كما يجري في الدنيا لشربة الخمر. 141/ب وقيل: لا يأثمون في شربها.\r{ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ } بالخدمة، { غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ } في الحسن والبياض والصفاء، { لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ } مخزون مصون لم تمسه الأيدي. قال سعيد بن جبير: يعني في الصدف.\rقال عبدالله بن عمر: وما من أحد من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام، وكل غلام على عمل ما عليه صاحبه (1) .\rوروي عن الحسن أنه لما تلا هذه الآية قال: قالوا يا رسول الله: الخادم كاللؤلؤ المكنون، فكيف المخدوم؟ (2) .\rوعن قتادة أيضًا قال: ذكر لنا أن رجلا قال: يا نبي الله هذا الخادم فكيف المخدوم؟ قال: \"فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب\" (3) .\r{ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ } يسأل بعضهم بعضًا في الجنة. قال ابن عباس: يتذاكرون ما كانوا فيه من التعب والخوف في الدنيا .\r{ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا } في الدنيا { مُشْفِقِينَ } خائفين من العذاب .\r__________\r(1) انظر: القرطبي: 17 / 69.\r(2) انظر:القرطبي: 17 / 69.\r(3) أخرجه عبدالرزاق في التفسير: 2 / 248، والطبري: 27 / 29.","part":7,"page":390},{"id":2995,"text":"{ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28) فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (29) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31) }","part":7,"page":391},{"id":2996,"text":"{ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (32) }\r{ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا } بالمغفرة، { وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ } قال الكلبي: عذاب النار. وقال الحسن: \"السموم\" اسم من أسماء جهنم .\r{ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ } في الدنيا، { نَدْعُوهُ } نخلص له العبادة، { إِنَّه } قرأ أهل المدينة [والكسائي] (1) \"أنه\" بفتح الألف، أي: لأنه أو بأنه، وقرأ الآخرون بالكسر على الاستئناف، { هُوَ الْبَرُّ } قال ابن عباس: اللطيف. وقال الضحاك: الصادق فيما وعد { الرَّحِيمُ } .\r{ فَذَكِّرْ } يا محمد بالقرآن أهل مكة، { فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ } برحمته وعصمته، { بِكَاهِنٍ } تبتدع القول وتخبر بما في غد من غير وحي، { وَلا مَجْنُونٍ } نزلت في الذين اقتسموا عِقَابَ مكة يرمون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكهانة والسحر والجنون والشعر .\r{ أَمْ يَقُولُونَ } بل يقولون، يعني: هؤلاء المقتسمين الخراصين، { شَاعِرٌ } أي: هو شاعر، { نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ } حوادث الدهر وصروفه فيموت ويهلك كما هلك من قبله من الشعراء، ويتفرق أصحابه وإن أباه مات شابًا ونحن نرجو أن يكون موته كموت أبيه، و\"المنون\" يكون بمعنى الدهر، ويكون بمعنى الموت، سُمِّيَا بذلك لأنهما يقطعان الأجل .\r{ قُلْ تَرَبَّصُوا } انتظروا بي الموت، { فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ } [من المنتظرين] (2) حتى يأتي أمر الله فيكم، فعُذِّبوا يوم بدر بالسيف .\r{ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ } عقولهم، { بِهَذَا } وذلك أن عظماء قريش كانوا يُوصَفُون بالأحلام والعقول، فأزرى الله بعقولهم حين لم تتميز لهم معرفة الحق من الباطل، { أَمْ هُمْ } بل هم { قَوْمٌ طَاغُونَ } .\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) ساقط من \"أ\".","part":7,"page":391},{"id":2997,"text":"{ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (34) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ (37) }\r{ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ } أي: يخلق القرآن من تلقاء نفسه، \"والتقول\"، تكلف القول، ولا يستعمل إلا في الكذب، ليس الأمر كما زعموا، { بَلْ لا يُؤْمِنُونَ } بالقرآن استكبارًا. ثم ألزمهم الحجة فقال: { فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ } ،أي: مثل القرآن ونظمه وحسن بيانه، { إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ } أن محمدًا يقوله من قِبَل نفسه .\r{ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ } قال ابن عباس: من غير رَبٍّ، ومعناه: أَخُلقوا من غير شيء خلقهم فوجدوا بلا خالق؟ وذلك مما لا يجوز أن يكون، لأن تعلق الخلق بالخالق من ضرورة الاسم، فإن أنكروا الخالق لم يجز أن يوجدوا بلا خالق، { أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ } لأنفسهم وذلك في البطلان أشد، لأن ما لا وجود له كيف يخلق؟\rفإذا بطل الوجهان قامت الحجة عليهم بأن لهم خالقًا فليؤمنوا به، ذكر هذا المعنى أبو سليمان الخطابي.\rوقال الزجَّاج: معناه: أخلقوا باطلا لا يحاسبون ولا يؤمرون؟ وقال ابن كيسان: أخلقوا عبثًا وتركوا سدى لا يؤمرون ولا ينهون، فهو كقول القائل: فعلت كذا وكذا من غير شيء أي: لغير شيء، أم هم الخالقون لأنفسهم فلا يجب عليهم لله أمر؟\r{ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأرْض } فيكونوا هم الخالقين، ليس الأمر كذلك، { بَل لا يُوقِنُونَ } .\r{ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ } قال عكرمة: يعني النبوة. قال مقاتل: أبأيديهم مفاتيح ربك بالرسالة فيضعونها حيث شاؤوا؟ قال الكلبي: خزائن المطر والرزق، { أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ } المسلطون الجبارون، قال عطاء: أرباب قاهرون فلا يكونوا تحت أمر ونهي، يفعلون ما شاؤوا. ويجوز بالسين والصاد جميعًا، قرأ ابن عامر بالسين هاهنا وقوله: \"بمسيطر\"، وقرأ حمزة بإشمام الزاي فيهما، وقرأ ابن كثير هاهنا بالسين و \"بمصيطر\" بالصاد، وقرأ الآخرون بالصاد فيهما.","part":7,"page":392},{"id":2998,"text":"{ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38) أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (39) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (40) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (42) }\r{ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ } مرقًى ومصعد إلى السماء، { يَسْتَمِعُونَ فِيهِ } أي يستمعون عليه الوحي، كقوله: \"ولأصلبنكم في جذوع النخل\"( طه-71 ) أي: عليها، معناه: ألهم سُلَّمٌ يرتقون به إلى السماء، فيستمعون الوحي ويعلمون أن ما هم عليه حق بالوحي، فهم مستمسكون به كذلك؟ { فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ } إن ادعوا ذلك، { بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ } حجة بينة.\r{ أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ } هذا إنكار عليهم حين جعلوا لله ما يكرهون، كقوله: \"فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون\"( الصافات-149 ) .\r{ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا } جُعْلا على ما جئتهم به ودعوتهم إليه من الدين، { فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ } أثقلهم ذلك المغرم الذي تسألهم، فمنعهم من ذلك عن الإسلام.\r{ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ } أي: علم ما غاب عنهم، حتى علموا أن ما يخبرهم الرسول من أمر القيامة والبعث باطل.\rوقال قتادة: هذا جواب لقولهم: \"نتربص به ريب المنون\"، يقول: أعندهم علم الغيب حتى علموا أن محمدًا صلى الله عليه وسلم يموت قبلهم؟ { فَهُمْ يَكْتُبُونَ } أي: يحكمون، والكتاب: الحكم، قال النبي صلى الله عليه وسلم للرجلين اللذين تخاصما إليه: \"أقضي بينكما بكتاب الله\" (1) أي بحكم الله.\rوقال ابن عباس: معناه أم عندهم اللوح المحفوظ فهم يكتبون ما فيه ويخبرون الناس به؟\r{ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا } مكرًا بك ليهلكوك؟ { فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ } أي: هم المجزيون بكيدهم، يريد أن ضرر ذلك يعود عليهم، ويحيق مكرهم بهم، وذلك أنهم مكروا به في دار الندوة فقتلوا ببدر.\r__________\r(1) قطعة من حديث أخرجه البخاري في الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود: 5 / 301، ومسلم في الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا برقم (1697-1698) 3 / 1324-1325، والمصنف في شرح السنة: 10 / 274-275.","part":7,"page":393},{"id":2999,"text":"{ أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (43) وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (44) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45) يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (46) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (47) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) }\r{ أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ } 142/أ يرزقهم وينصرهم؟ { سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ } قال الخليل: ما في هذه السورة من ذكر \"أم\" كله استفهام وليس بعطف.\r{ وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا } قطعة، { مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا } هذا جواب لقولهم: \"فأسقط علينا كسفًا من السماء\"، يقول: لو عذبناهم بسقوط بعض من السماء عليهم لم ينتهوا عن كفرهم، { يَقُولُوا } -لمعاندتهم-هذا، { سَحَابٌ مَرْكُومٌ } بعضه على بعض يسقينا.\r{ فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا } يعاينوا، { يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ } أي: يموتون، حتى يعاينوا الموت، قرأ ابن عامر وعاصم يصعقون بضم الياء، أي: يهلكون.\r{ يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ } أي: لا ينفعهم كيدهم يوم الموت ولا يمنعهم من العذاب مانع.\r{ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا } [كفروا] (1) { عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ } أي: عذابًا في الدنيا قبل عذاب الآخرة. قال ابن عباس: يعني القتل يوم بدر، وقال الضحاك: هو الجوع والقحط سبع سنين. وقال البراء بن عازب: هو عذاب القبر. { وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ } أن العذاب نازل بهم.\r{ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ } إلى أن يقع بهم العذاب الذي حكمنا عليهم، { فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا } أي بمرأىً مِنَّا، قال ابن عباس: نرى ما يُعْمَلُ بك. وقال الزجَّاج: إنك بحيث نراك ونحفظك فلا يصلون إلى مكروهك. { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ } قال سعيد بن جبير وعطاء: أي: قل حين تقوم من مجلسك: سبحانك اللهم وبحمدك، فإن كان المجلس خيرًا ازددت فيه إحسانًا، وإن كان غير ذلك كان كفارة له (2) .\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) ذكره القرطبي: 17 / 78، وابن الجوزي في زاد المسير: 8 / 60.","part":7,"page":394},{"id":3000,"text":"أخبرنا أبو عبد الله عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد القفال، أخبرنا أبو منصور أحمد بن الفضل البَرْوَنْجِرْدي، أخبرنا أبو أحمد بكر بن محمد الصيرفي، حدثنا أحمد بن عبدالله القرشي، حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"من جلس مجلسًا وكثر فيه لَغَطُهُ، فقال قبل أن يقوم: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا كان كفارة لما بينهما\" (1) .\rوقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: معناه صَلِّ لله حين تقوم من مقامك (2) .\rوقال الضحاك والربيع: إذا قمت إلى الصلاة فقل: \"سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك\" (3) .\rأخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا الحسن بن عرفة ويحيى بن موسى قال: حدثنا أبو معاوية عن حارثة بن أبي الرجال، عن عمرة عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة قال: \"سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك\" (4) .\rوقال الكلبي: هو ذكر الله باللسان حين تقوم من الفراش إلى أن تدخل في الصلاة.\rأخبرنا أبو طاهر عمر بن عبد العزيز القاشاني، أخبرنا أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمر اللؤلؤي، حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث، حدثنا\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الدعوات، باب ما يقول إذا قام من مجلسه: 9 / 392-394 وقال: \"هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، لا نعرفه من حديث سهيل إلا من هذا الوجه\". وصححه ابن حبان برقم: (2366) ص (588)، والحاكم: 1 / 536-537، والمصنف في شرح السنة: 5 / 134. قال الحافظ ابن كثير: 4 / 264: \"وأخرجه الحاكم في مستدركه وقال: إسناده على شرط مسلم إلا أن البخاري علله، قلت: علله الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني وغيرهم، ونسبوا الوهم فيه إلى ابن جريج\" وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" برقم (6192) وفي تعليقه على المشكاة (2433).\r(2) انظر: البحر المحيط: 8 / 153، زاد المسير: 8 / 60 وكلها: \"حين تقوم من منامك\".\r(3) أخرجه الطبري: 27 / 38. وذكره ابن كثير: 4 / 246، أبو حيان في البحر المحيط: 8 / 153، وزاد السيوطي في الدر المنثور: 7 / 637 نسبته لسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر عن الضحاك.\r(4) أخرجه الترمذي في الصلاة، باب ما يقول عند افتتاح الصلاة: 2 / 50-51 وقال أبو عيسى: \"هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وحارثة تكلم فيه من قبل حفظه\"، وابن ماجه في الإقامة، باب افتتاح الصلاة برقم: (806): 1 / 265. وأخرجه النسائي في الصلاة، باب الذكر والدعاء بين التكبير والقراءة: 2 / 132، والإمام أحمد: 3 / 69 كلاهما عن أبي سعيد.","part":7,"page":395},{"id":3001,"text":"محمد بن نافع، حدثنا زيد بن حباب، أخبرني معاوية بن صالح، أخبرنا أزهر بن سعيد الحرازي عن عاصم بن حميد قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها بأي شيء كان يفتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام الليل؟ فقالت: كان إذا قام كَبَّرَ الله عشرًا، وحمد الله عشرا، وسبح الله عشرًا، وهلل عشرًا، واستغفر عشرًا، وقال: اللهم اغفر لي واهدني وارزقني وعافني، ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة\" (1) .\r{ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49) }\r{ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ } أي: صلِّ له، قال مقاتل: يعني صلاة المغرب والعشاء. { وَإِدْبَارَ النُّجُومِ } يعني الركعتين قبل صلاة الفجر، وذلك حين تدبر النجوم أي تغيب بضوء الصبح، هذا قول أكثر المفسرين. وقال الضحاك: هو فريضة صلاة الصبح.\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن ابن شهاب، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بالطور (2) .\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء: 1 / 373، والنسائي في قيام الليل، باب ذكر ما يستفتح به القيام: 3 / 208-209، وابن ماجه في الإقامة، باب ما جاء في الدعاء إذا قام الرجل من الليل برقم: (1356): 1 / 431.\r(2) أخرجه مالك في الموطأ كتاب الصلاة، باب القراءة في المغرب والعشاء: 1 / 78، والبخاري في الأذان، باب الجهر في المغرب 2 / 247، ومسلم في الصلاة، باب القراءة في الصبح برقم (463): 1 / 338. وانظر فيما سبق ص 386 مع التعليق رقم (5).","part":7,"page":396},{"id":3002,"text":"سورة النجم مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) }\r{ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى } قال ابن عباس في رواية الوالبي والعوفي: يعني الثريا إذا سقطت وغابت، وهُويُّه مَغِيبه والعرب تسمي الثريا نجمًا.\rوجاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: \"ما طلع النجم قط وفي الأرض من العاهة شيء إلا رُفع\" (2) وأراد بالنجم الثريا.\rوقال مجاهد: هي نجوم السماء كلها حين تغرب لفظه واحد ومعناه الجمع، سمي الكوكب نجما لطلوعه، وكل طالع نجم، يقال: نَجَمَ السِّنُّ والقرنُ والنبتُ: إذا طلع.\rوروى عكرمة عن ابن عباس: أنه الرجوم من النجوم يعني ما تُرمى به الشياطين عند استراقهم السمع.\r__________\r(1) أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة النجم بمكة. انظر: الدر المنثور: 7 / 639.\r(2) أخرجه الإمام أحمد: 2 / 341 و388 بلفظ: (إذا طلع النجم ذا صباح رفعت العاهة). ورمز السيوطي لحسنه في الجامع الصغير (5 / 454) مع فيض القدير. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 4 / 103 \"رواه كله أحمد والطبراني في الصغير ولفظه: \"إذا ارتفع النجم رفعت العاهة عن كل بلد\" وبنحوه في الأوسط، وفيه عسل بن صفوان: وثقه ابن حبان وقال: يخطئ ويخالف، وضعفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح\". وأخرجه الإمام محمد بن الحسن الشيباني بسند رجاله ثقات في كتاب الآثار صفحة:(159)، والطحاوي في مشكل الآثار: (3 / 91). وأخرجه ابن عدي في الكامل: 7 / 2478. وانظر: مشكل الآثار:3 / 92، شرح مسند أبي حنيفة لملا على القاري صفحة: (141)، سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني: 1 / 389-390.","part":7,"page":397},{"id":3003,"text":"وقال أبو حمزة الثمالي: هي النجوم إذا انتثرت يوم القيامة. وقيل: المراد بالنجم القرآن سمي نجمًا لأنه نزل نجومًا متفرقة في عشرين سنة، وسمي التفريق: تنجيمًا، والمفرَّق: مُنَجَّمًا، هذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وهو قول الكلبي.\r\"الهُوِّيُّ\": النزول من أعلى إلى أسفل. وقال الأخفش: \"النجم\" هو النبت الذي لا ساق له، ومنه قوله عز وجل: \"والنجم والشجر يسجدان\"( الرحمن-6 ) ، وهُويُّه سقوطه على الأرض. وقال جعفر الصادق: يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم إذ نزل من السماء ليلة المعراج، و\"الهوي\": النزول، يقال: هوى يهوي هويًا [إذا نزل] (1) مثل مضى يمضي مضيًا.\r{ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالأفُقِ الأعْلَى (7) }\rوجواب القسم: قوله: { مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ } يعني: محمدا صلى الله عليه وسلم ما ضل عن طريق الهدى { وَمَا غَوَى. } { وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى } أي: بالهوى يريد لا يتكلم بالباطل، وذلك أنهم قالوا: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم يقول القرآن من تلقاء نفسه.\r{ إِنْ هُوَ } ما نطقه في الدين، وقيل: القرآن { إِلا وَحْيٌ يُوحَى } أي: وحي من الله يوحى إليه.\r142/ب { عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى } جبريل، والقوى جمع القوة.\r{ ذُو مِرَّةٍ } قوة وشدة في خلقه يعني جبريل. قال ابن عباس: ذو مرة يعني: ذو منظر حسن. وقال مقاتل: ذو خلق طويل حسن. { فَاسْتَوَى } يعني: جبريل.\r{ وَهُو } يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم، وأكثر كلام العرب إذا أرادوا العطف في مثل هذا أن يظهروا كناية المعطوف عليه، فيقولون (2) استوى هو وفلان، وقلما يقولون: استوى وفلان نظير هذا قوله: \"أئذا كنا ترابا وآباؤنا\"( النمل-67 ) عطف الآباء على المكنى في \"كنَّا\" من غير إظهار نحن، ومعنى الآية: استوى جبريل ومحمد عليهما السلام ليلة المعراج { بِالأفُقِ الأعْلَى } وهو أقصى الدنيا عند مطلع الشمس، وقيل: \"فاستوى\" يعني جبريل، وهو كناية عن جبريل أيضا أي: قام في صورته التي خلقه\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) في النسختين: فيقول.","part":7,"page":400},{"id":3004,"text":"الله، وهو بالأفق الأعلى، وذلك أن جبريل كان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة الآدميين كما كان يأتي النبيين، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريه نفسه على الصورة التي جبل عليها فأراه نفسه مرتين: مرة في الأرض ومرة في السماء، فأما في الأرض ففي الأفق الأعلى، والمراد بالأعلى جانب المشرق، وذلك أن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان بحراء فطلع له جبريل من المشرق فسد الأفق إلى المغرب، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم مغشيًا عليه، فنزل جبريل في صورة الآدميين فضمه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه، وهو قوله: \"ثم دنا فتدلى\" وأما في السماء فعند سدرة المنتهى، ولم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم (1) .\r{ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) }\rقوله عز وجل: { ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى } اختلفوا في معناه:\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، حدثنا زكريا بن أبي زائدة عن ابن الأشوع عن الشعبي عن مسروق قال: قلت لعائشة فأين قوله: \"ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى\"؟ قالت: \"ذلك جبريل كان يأتيه في صورة الرجل، وإنه أتاه هذه المرة في صورته التي هي صورته، فسدَّ الأفق\" (2) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا طلق بن غنام، حدثنا زائدة عن الشيباني قال: سألت زِرًّا عن قوله: \"فكان قاب قوسين أو أدنى\"، قال: أخبرنا عبد الله -يعني ابن مسعود-أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح (3) .\rفمعنى الآية: ثم دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض \"فتدلى\" فنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فكان منه \"قاب قوسين أو أدنى\"، بل أدنى، وبه قال ابن عباس والحسن وقتادة، قيل: في الكلام تقديم وتأخير تقديره: ثم تدلى فدنا؛ لأن التدلي سبب الدنو (4) .\rوقال آخرون: ثم دنا الربُّ عز وجل من محمد صلى الله عليه وسلم فتدلى، فقرب منه حتى كان قاب\r__________\r(1) انظر: القرطبي: 17 / 87.\r(2) أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم \"آمين\" والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه: 6 / 313.\r(3) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة النجم، باب (فأوحى إلى عبده ما أوحى)8 / 610 وفي بدء الخلق: 6 / 313.\r(4) انظر: الأسماء والصفات للبيهقي:2 / 187-188، معاني القرآن للفراء: 3 / 95-96.","part":7,"page":401},{"id":3005,"text":"قوسين أو أدنى. وروينا في قصة المعراج عن شريك بن عبدالله عن أنس: ودنا الجبار ربُّ العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى (1) . وهذا رواية ابن سلمة عن ابن عباس، \"والتدلي\" هو النزول إلى الشيء حتى يقرب منه.\rوقال مجاهد: دنا جبريل من ربه (2) .\rوقال الضحاك: دنا محمد صلى الله عليه وسلم من ربه فتدلى فأهوى للسجود، فكان منه قاب قوسين أو أدنى.\rومعنى قوله: \"قاب قوسين\" أي قدر قوسين، و\"القاب\" و\"القيب\" و\"القاد\" و\"القيد\": عبارة عن المقدار، و\"القوس\": ما يرمى به في قول الضحاك ومجاهد وعكرمة وعطاء عن ابن عباس، فأخبر أنه كان بين جبريل وبين محمد عليهما السلام مقدار قوسين، قال مجاهد: معناه حيث الوَتَر من القوس، وهذا إشارة إلى تأكيد القرب. وأصله: أن الحليفين من العرب كانا إذا أرادا عقد الصفاء والعهد خرجا بقوسيهما فألصقا بينهما، يريدان بذلك أنهما متظاهران يحامي كل واحد منهما عن صاحبه.\rوقال عبد الله بن مسعود: \"قاب قوسين\" أي: قدر ذراعين، وهو قول سعيد بن جبير وشقيق بن سلمة، و\"القوس\": الذراع يقاس بها كل شيء، \"أو أدنى\": بل أقرب.\r{ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) }\r{ فَأَوْحَى } أي: أوحى الله { إِلَى عَبْدِهِ } محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى، قال ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، والحسن، والربيع، وابن زيد: معناه: أوحى جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أوحى إليه ربه عز وجل (3) .\rقال سعيد بن جبير: أوحى إليه: \"ألم يجدك يتيمًا فآوى\"( الضحى-6 ) إلى قوله تعالى: \"ورفعنا لك ذكرك\"،( الشرح-4 ) وقيل: أوحى إليه: إن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها أنت، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك (4) .\r__________\r(1) لمعرفة ما قاله أهل العلم في رواية شريك بن عبدالله وأوهامه في ألفاظ حديث المعراج انظر: فتح الباري، كتاب التوحيد، باب ما جاء في قوله عز وجل: (وكلم الله موسى تكليما): 13 / 478-480، ابن كثير: 4 / 250، الأسماء والصفات للبيهقي: 2 / 187.\r(2) انظر: الأسماء والصفات: 2 / 188.\r(3) انظر: الطبري:27 / 47، الأسماء والصفات: 2 / 182.\r(4) ذكر القولين الحافظ ابن كثير: 4 / 250.","part":7,"page":402},{"id":3006,"text":"{ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) }\r{ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى } قرأ أبو جعفر \"ما كذَّب الفؤاد\" بتشديد الذال أي: ما كذب قلب محمد صلى الله عليه وسلم ما رأى بعينه تلك الليلة، بل صدقه وحققه، وقرأ الآخرون بالتخفيف أي: ما كذب فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم الذي رأى بل صدقه، يقال: كذبه إذا قال له الكذب مجازه: ما كذب الفؤاد فيما رأى، واختلفوا في الذي رآه، فقال قوم: رأى جبريل، وهو قول ابن مسعود وعائشة.\rأخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر، أخبرنا عبدالغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص هو ابن غياث عن الشيباني عن زِرٍّ عن عبدالله قال: \"ما كذب الفؤاد ما رأى\" قال: رأى جبريل له ستمائة جناح (1) .\rوقال آخرون: هو الله عز وجل. ثم اختلفوا في معنى الرؤية، فقال بعضهم: جعل بصره في فؤاده فرآه بفؤاده، وهو قول ابن عباس.\rأخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر، أخبرنا عبدالغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن حجاج، حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش عن زياد بن الحصين عن أبي العالية عن ابن عباس: \"ما كذب الفؤاد ما رأى\". \"ولقد رآه نزلة أخرى\" قال: رآه بفؤاده مرتين (2) .\rوذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه 143/أ وهو قول أنس والحسن وعكرمة، قالوا: رأى محمد ربه (3) ، وروى عكرمة عن ابن عباس قال: إن الله اصطفى إبراهيم بالخُلة واصطفى موسى بالكلام واصطفى محمدًا صلى الله عليه وسلم بالرؤية (4) .\rوكانت عائشة رضي الله عنها تقول: لم يَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه، وتحمل الآية على رؤيته جبريل عليه السلام:\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الإيمان، باب ذكر سدرة المنتهى برقم: (174): 1 / 158، والبخاري في التفسير - تفسير سورة النجم، باب (فأوحى إلى عبده ما أوحى): 8 / 610.\r(2) أخرجه مسلم في الإيمان، باب معنى قول الله عز وجل: (ولقد رآه نزلة أخرى000) برقم: (176): 1 / 158.\r(3) ذكر ذلك ابن كثير:4 / 251 وقال: \"فيه نظر والله أعلم\" وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 647 لابن مردويه.\r(4) أخرجه الطبري: 27 / 48.","part":7,"page":403},{"id":3007,"text":"أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد ابن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى، حدثنا وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر عن مسروق قال: قلت لعائشة يا أماه هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه؟ فقالت: لقد قفَّ شعري مما قلت: أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب؟ من حدثك أن محمدًا رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت: \"لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير\"،( الأنعام-103 ) \"وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب\"( الشورى-51 ) ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت: \"وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا\"( لقمان-34 ) ومن حدثك أنه كتم شيئًا فقد كذب، ثم قرأت: \"يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك\"( المائدة-67 ) الآية، ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين (1) .\rأخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع عن يزيد بن إبراهيم عن قتادة عن عبدالله بن [شقيق] (2) عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيتَ رَبَّكَ؟ قال: \"نورٌ أَنَّى أراه\" (3) .\r{ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآهُ نزلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) }\r{ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى } قرأ حمزة والكسائي ويعقوب: \"أفتمرونه\" بفتح التاء [وسكون الميم] (4) بلا ألف، أي: أفتجحدونه، تقول العرب: مريتَ الرجلَ حقَّه إذا جحدته، وقرأ الآخرون: \"أفتمارونه\" بالألف وضم التاء على معنى أفتجادلونه على ما يرى وذلك أنهم جادلوه حين أسري به، فقالوا: صف لنا بيت المقدس، وأخبرنا عن عيرنا في الطريق وغير ذلك مما جادلوه به، والمعنى: أفتجادلونه جدالا ترومون به دفعه عما رآه وعلمه .\r{ وَلَقَدْ رَآهُ نزلَةً أُخْرَى } يعني: رأى جبريل في صورته التي خلق عليها نازلا من السماء نزلة أخرى، وذلك أنه رآه في صورته مرتين، مرة في الأرض ومرة في السماء.\r{ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى } وعلى قول ابن عباس معنى: \"نزلة أخرى\" هو أنه كانت للنبي صلى الله عليه وسلم عرجات في تلك الليلة لمسأله التخفيف من أعداد الصلوات، فيكون لكل عرجة نزلة، فرأى ربه\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير-تفسير سورة النجم: 8 / 606.\r(2) في \"أ\" سفيان وهو خطأ.\r(3) أخرجه مسلم في الإيمان، باب في قوله عليه السلام: نور أنى أراه، وفي قوله: رأيت نورًا. برقم: (178): 1 / 161.\r(4) زيادة من \"ب\".","part":7,"page":404},{"id":3008,"text":"في بعضها، وروينا عنه: \"أنه رأى ربه بفؤاده مرتين\" (1) وعنه: \"أنه رأى بعينه\" (2) قوله: \"عند سدرة المنتهى\" روينا عن عبدالله بن مسعود قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السابعة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها، قال تعالى: \"عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى\"، قال: فراش من ذهب (3) .\rوروينا في حديث المعراج: \"ثم صعد بي إلى السماء السابعة فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام فسلمت عليه، ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة\" (4) .\r\"والسدرة\" شجرة النبق، وقيل لها: سدرة المنتهى لأنه إليها ينتهي علم الخلق. قال هلال بن [يساف] (5) : سأل ابن عباس كعبًا عن سدرة المنتهى وأنا حاضر، فقال كعب: إنها سدرة في أصل العرش على رؤوس حملة العرش وإليها ينتهي علم الخلائق، وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله (6) .\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، حدثنا ابن شيبة، حدثنا المسوحي، حدثنا عبيد بن يعيش، حدثنا يونس بن بكير، أخبرنا محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير عن أبيه عن جدته أسماء بنت أبي بكر قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر سدرة المنتهى، قال: \"يسير الراكب في ظل الفنن منها مائة عام ويستظل في الفنن منها مائة ألف راكب، فيها فراش من ذهب، كأن ثمرها القلال\" (7) .\rوقال مقاتل: هي شجرة تحمل الحلي والحلل والثمار من جميع الألوان، لو أن ورقة وضعت منها في الأرض لأضاءت لأهل الأرض، وهي طوبى التي ذكرها الله تعالى في سورة الرعد .\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الإيمان، باب معنى قول الله عز وجل: (ولقد رآه نزلة أخرى00) برقم: (176):1 / 158.\r(2) ساق الحافظ ابن كثير رواية الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما \"رأيت ربي عز وجل\" وقال: \"حديث إسناده على شرط الصحيح لكنه مختصر من حديث المنام\": 4 / 252، ثم قال في الصفحة التالية: \"وتقدم أن ابن عباس -رضي الله عنهما- كان يثبت الرؤية ليلة الإسراء، ويستشهد بهذه الآية (ولقد رآه نزلة أخرى) وتابعه جماعة من السلف والخلف وقد خالفه جماعات من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وغيرهم\".\r(3) أخرجه مسلم في الإيمان، باب في ذكر سدرة المنتهى برقم: (173): 1 / 157.\r(4) قطعة من حديث مالك بن صعصعة رضي الله عنه في المعراج، أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب ذكر الملائكة،6 / 302-303، ومسلم في الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السموات وفرض الصلوات برقم: (162): 1 / 145-147.\r(5) في \"ب\" يسار والصحيح ما أثبتناه.\r(6) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 650 لابن أبي شيبة.\r(7) أخرجه الترمذي في صفة الجنة، باب ما جاء في صفة ثمار الجنة: 7 / 248-249 وقال: \"هذا حديث حسن صحيح غريب\"، والطبري: 27 / 54-55، والحاكم: 2 / 469 وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\". وزاد السيوطي في الدر المنثور: 7 / 650 عزوه لابن مردويه.","part":7,"page":405},{"id":3009,"text":"{ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) }\r{ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى } قال عطاء عن ابن عباس: جنة يأوي إليها جبريل والملائكة. وقال مقاتل والكلبي: يأوي إليها أرواح الشهداء.\r{ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى } قال ابن مسعود: فراش من ذهب.\rوروينا في حديث المعراج عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى فإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، فلما غشى من أمر الله ما غشى تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، وأوحى إليّ ما أوحى ففرض عليّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة\" (1) .\rوقال مقاتل: تغشاها الملائكة أمثال الغربان وقال السدي: من الطيور. وروي عن أبي العالية عن أبي هريرة رضي الله عنه أو غيره قال: غشيها نور الخلائق وغشيتها الملائكة من حب الله أمثال الغربان حين يقعن على الشجرة. قال: فكلمه عند ذلك، فقال له: سل (2) . وعن الحسن قال: غشيها نور رب العزة فاستنارت. ويروى في الحديث: \"رأيت على كل ورقة منها ملكا قائما يسبح الله تعالى\" (3) .\r{ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى } أي: ما مال بصر النبي صلى الله عليه وسلم يمينًا ولا شمالا وما طغى، أي ما جاوز ما رأى. وقيل: ما جاوز ما أمر به وهذا وصف أدبه في ذلك المقام إذ لم يلتفت جانبًا.\r{ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى } يعني: الآيات العظام. وقيل: أراد ما رأى تلك الليلة في مسيره وعوده، دليله قوله: \"لنريه من آياتنا\"،( الإسراء-1 ) وقيل: معناه لقد رأى من آيات ربه الآية الكبرى.\rأخبرنا إسماعيل بن عبدالقاهر، أخبرنا عبدالغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا عبيدالله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا\r__________\r(1) قطعة من حديث أخرجه مسلم في الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم000 برقم: (162): 1 / 145-146.\r(2) أخرجه الطبري: 27 / 56، وانظر تفسير ابن كثير: 4 / 253.\r(3) أخرجه الطبري: 27 / 56.","part":7,"page":406},{"id":3010,"text":"شعبة عن سليمان الشيباني سمع زر بن حبيش عن عبدالله قال: لقد رأى من آيات ربه الكبرى قال: رأى (1) جبريل في صورته له ستمائة جناح (2) .\rوأخبرنا عبدالواحد المليحي، 143/ب أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا حفص بن عمرو، حدثنا شعبة عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة [عن عبدالله] (3) \"لقد رأى من آيات ربه الكبرى\"؟ قال: رأى رفرفًا أخضر سَدَّ أُفُقَ السماء (4) .\r{ أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى (19) }\rقوله عز وجل: { أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى } هذه أسماء (5) أصنام اتخذوها آلهة يعبدونها، اشتقوا لها أسماء من أسماء الله تعالى فقالوا من الله: اللات، ومن العزيز: العزى. وقيل: العزى: تأنيث الأعز، أما \"اللات\" قال قتادة: كانت بالطائف، وقال ابن زيد: بيت بنخلة كانت قريش تعبده (6) .\rوقرأ ابن عباس ومجاهد وأبو صالح: \"اللات\" بتشديد التاء، وقالوا: كان رجلا يلت السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره يعبدونه (7) .\rوقال مجاهد: كان في رأس جبل له غنيمة يسلأ منها السمن ويأخذ منها الأقط، ويجمع رِسْلَها (8) ثم يتخذ منها حيسًا فيطعم منه الحاج، وكان ببطن نخلة، فلما مات عبدوه، وهو اللات (9) .\rوقال الكلبي: كان رجلا من ثقيف يقال له صرمة بن غنم، وكان يسلأ السمن فيضعها على صخرة ثم تأتيه العرب فتلت به أسوقتهم، فلما مات الرجل حولتها ثقيف إلى منازلها فعبدتها، فسدرة الطائف على موضع اللات.\rوأما \"العزى\": قال مجاهد: هي شجرة بغطفان كانوا يعبدونها، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد فقطعها فجعل خالد بن الوليد يضربها بالفأس ويقول:\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) أخرجه مسلم في الإيمان، باب في ذكر سدرة المنتهى برقم: (174): 1 / 158.\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة النجم، باب: (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) 8 / 611.\r(5) ساقط من \"أ\".\r(6) ذكر هذين القولين الطبري: 27 / 58-59.\r(7) أخرج البخاري في التفسير - تفسير سورة النجم، باب: (أفرأيتم اللات والعزى): 8 / 611 المقطع الأول (كان اللات رجلا يلت سويق الحاج).\r(8) الرسل: اللبن.\r(9) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 653 لسعيد بن منصور والفاكهي.","part":7,"page":407},{"id":3011,"text":"يا عزّ كفرانَك لا سبحانَك\rإني رأيت اللهَ قد أهانَك\rفخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها داعية ويلها واضعة يدها على رأسها.\rويقال: إن خالدًا رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد قلعتها، فقال: ما رأيت؟ قال: ما رأيت شيئًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما قلعت، فعاودها فعاد إليها ومعه المعول فقلعها واجتث أصلها فخرجت منها امرأة عريانة، فقتلها ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك، فقال: \"تلك العزى ولن تعبد أبدا\" (1) .\rوقال الضحاك: هي صنم لغطفان وضعها لهم سعد بن ظالم الغطفاني، وذلك أنه قدم مكة فرأى الصفا والمروة، ورأى أهل مكة يطوفون بينهما، فعاد إلى بطن نخلة، وقال لقومه: إن لأهل مكة الصفا والمروة وليستا لكم، ولهم إله يعبدونه وليس لكم، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: أنا أصنع لكم كذلك، فأخذ حجرًا من الصفا وحجرًا من المروة ونقلهما إلى نخلة، فوضع الذي أخذ من الصفا، فقال: هذا الصفا، ثم وضع الذي أخذه من المروة، فقال: هذه المروة، ثم أخذ ثلاثة أحجار فأسندها إلى شجرة، فقال: هذا ربكم، فجعلوا يطوفون بين الحجرين ويعبدون الحجارة، حتى افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، فأمر برفع الحجارة، وبعث خالد بن الوليد إلى العزى فقطعها.\rوقال ابن زيد: هي بيت بالطائف كانت تعبده ثقيف.\r{ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى (20) }\r{ وَمَنَاة } قرأ ابن كثير بالمد والهمزة، وقرأ العامة بالقصر غير مهموز، لأن العرب سَمَّتْ زيد مناة وعبد مناة، ولم يسمع فيها المد. قال قتادة: هي لخزاعة كانت بقديد، قالت عائشة رضي الله عنها في الأنصار: كانوا يهلون لمناة، وكانت حذو قديد. قال ابن زيد: بيت كان بالمشلل يعبده بنو كعب. قال الضحاك: مناة صنم لهذيل وخزاعة يعبدها أهل مكة. وقال بعضهم: اللات والعزى ومناة: أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها (2) .\rواختلف القراء في الوقف على اللات ومناة: فوقف بعضهم عليهما بالهاء وبعضهم بالتاء. وقال بعضهم: ما كتب في المصحف بالتاء يوقف عليه بالتاء، وما كتب بالهاء فيوقف عليه بالهاء.\r__________\r(1) عزاه صاحب الفتح السماوي: 3 / 907 لابن مردويه.\r(2) ذكر بعض هذه الأقوال: الطبري\"27 / 59-60، البحر المحيط: 8 / 161، زاد المسير: 8 / 72، ثم قال صاحب البحر المحيط: 8 / 161 بعد أن ذكر ما قيل في مواضع هذه الأصنام: \"هذا اضطراب كثير في هذه الأوثان ومواضعها والذي يظهر أنها كانت ثلاثتها في الكعبة لأن المخاطب بذلك في قوله (أفرأيتم)هم قريش\".","part":7,"page":408},{"id":3012,"text":"وأما قوله: { الثَّالِثَةَ الأخْرَى } [فالثالثة] (1) نعت لمناة، أي: الثالثة للصنمين في الذكر، وأما الأخرى فإن العرب لا تقول الثالثة الأخرى، إنما الأخرى هاهنا نعت للثانية. قال الخليل: فالياء لوفاق رؤوس الآي، كقوله: \"مآرب أخرى\"( طه-18 ) ولم يقل: أخر. وقيل: في الآية تقديم وتأخير تقديرها: أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة.\rومعنى الآية: \"أفرأيتم\": أخبرونا يا أيها الزاعمون أن اللات والعزى ومناة بنات الله، قال الكلبي: كان المشركون بمكة يقولون: الأصنام والملائكة بنات الله، وكان الرجل منهم إذا بشر بالأنثى كره ذلك.\r{ أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22) إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (23) }\rفقال الله تعالى منكرًا عليهم: { أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى } قال ابن عباس وقتادة: أي قسمة جائرة حيث جعلتم لربكم ما تكرهون لأنفسكم. قال مجاهد ومقاتل: قسمة عوجاء. وقال الحسن: غير معتدلة.\rقرأ ابن كثير: \"ضئزى\" بالهمز، وقرأ الآخرون بغير همز.\rقال الكسائي: يقال منه ضاز يضيز ضيزًا، وضاز يضوز ضوزًا، وضاز يُضَاز ضازًا إذا ظلم ونقص، وتقدير ضيزى من الكلام فعلى بضم الفاء، لأنها صفة والصفات لا تكون إلا على فعلى بضم الفاء، نحو حبلى وأنثى وبشرى، أو فعلى بفتح الفاء، نحو غضبى وسكرى وعطشى، وليس في كلام العرب فعلى بكسر الفاء في النعوت، إنما يكون في الأسماء، مثل: ذكرى وشعرى، وكسر الضاد هاهنا لئلا تنقلب الياء واوًا وهي من بنات الياء كما قالوا في جمع أبيض بيض، والأصل بوض مثل حمر وصفر، فأما من قال: ضاز يضوز فالاسم منه ضوزى مثل شورى.\r{ إِنْ هِيَ } ما هذه الأصنام { إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ } حجة بما تقولون إنها آلهة. ثم رجع إلى الخبر بعد المخاطبة فقال: { إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ } في قولهم إنها آلهة { وَمَا تَهْوَى الأنْفُسُ } وما زين لهم الشيطان { وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى } البيان بالكتاب والرسول أنها ليست بآلهة، فإن العبادة لا تصلح إلا لله الواحد القهار.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".","part":7,"page":409},{"id":3013,"text":"{ أَمْ لِلإنْسَانِ مَا تَمَنَّى (24) فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأولَى (25) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26) }","part":7,"page":410},{"id":3014,"text":"{ إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأنْثَى (27) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (30) }\r{ أَمْ لِلإنْسَانِ مَا تَمَنَّى } أيظن الكافر أن له ما يتمنى ويشتهي من شفاعة الأصنام؟\r{ فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأولَى } ليس كما ظن الكافر وتمنى، بل لله الآخرة والأولى، لا يملك أحد فيهما شيئا إلا بإذنه .\r{ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ } يعبدهم هؤلاء الكفار ويرجون شفاعتهم عند الله { لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ } في الشفاعة { لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى } أي: من أهل التوحيد. قال ابن عباس: يريد لا تشفع الملائكة إلا لمن رضي الله عنه. وجمع الكناية في قوله: \"شفاعتهم\" والملك واحد؛ لأن المراد من قوله: \"وكم من ملك\" 144/أ الكثرة، فهو كقوله: \"فما منكم من أحد عنه حاجزين\"( الحاقة-47 ) .\r{ إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأنْثَى } أي: بتسمية الأنثى حين قالوا: إنهم بنات الله.\r{ وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ } قال مقاتل: [معناه] (1) ما يستيقنون أنهم [بنات الله] (2) { إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا } \"والحق\" بمعنى العلم، أي: لا يقوم الظن مقام العلم. وقيل: \"الحق\" بمعنى العذاب، [أي: أظنهم لا ينقذهم من العذاب شيء] (3) .\r{ فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا } يعني القرآن. وقيل: الإيمان { وَلَمْ يُرِدْ إِلا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. } .\rثم صغر رأيهم فقال: { ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ } أي: ذلك نهاية علمهم وقدر عقولهم أن\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) في \"ب\" إناث.\r(3) في \"ب\": (إن ظنهم لا ينقذهم من العذاب).","part":7,"page":410},{"id":3015,"text":"آثروا الدنيا على الآخرة.\rوقيل: لم يبلغوا من العلم إلا ظنهم أن الملائكة بنات الله، وأنها تشفع لهم، فاعتمدوا على ذلك وأعرضوا عن القرآن.\r{ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى } أي: هو عالم بالفريقين فيجازيهم.\r{ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32) }\r{ ولله ما في السموات وما في الأرض } وهذا معترض بين الآية الأولى وبين قوله: { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا } فاللام في قوله: \"ليجزي\" متعلق بمعنى الآية الأولى؛ لأنه إذا كان أعلم بهم جازى كلا بما يستحقه، الذين أساؤوا وأشركوا: بما عملوا من الشرك { وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى } وحدوا ربهم: \"بالحسنى\" بالجنة. وإنما يقدر على مجازاة المحسن والمسيء إذا كان كثير الملك، ولذلك قال: \"ولله ما في السموات وما في الأرض\".\rثم وصفهم فقال: { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ } اختلفوا في معنى الآية، فقال قوم: هذا استثناء صحيح، واللمم من الكبائر والفواحش، ومعنى الآية: إلا أن يلم بالفاحشة مرة ثم يتوب، ويقع الوقعة ثم ينتهي وهو قول أبي هريرة [ومجاهد، والحسن] (1) ، ورواية عطاء عن ابن عباس (2) .\rقال عبدالله بن عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك (3) .\rوقال السدي قال أبو صالح: سئلت عن قول الله تعالى: \"إلا اللمم\"، فقلت: هو الرجل يلم بالذنب ثم لا يعاوده، فذكرت ذلك لابن عباس فقال: لقد أعانك عليها ملك كريم (4) .\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) انظر: ابن كثير: 4 / 257، القرطبي: 17 / 107، زاد المسير: 8 / 76.\r(3) أخرجه الطبري: 27 / 67، وذكره القرطبي: 17 / 108.\r(4) أخرجه عبد بن حميد انظر: ابن كثير: 4 / 257.","part":7,"page":411},{"id":3016,"text":"وروينا عن عطاء عن ابن عباس في قوله: \"إلا اللمم\"، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إنْ تغفرِ اللهمَّ تغفرْ جَمًّا وأيّ عبدٍ لك لا ألمّا\" (1) .\rوأصل \"اللمم والإلمام\": ما يعمله الإنسان الحين بعد الحين، ولا يكون إعادة، ولا إقامة.\rوقال آخرون: هذا استثناء منقطع، مجازه: لكن اللمم، ولم يجعلوا اللمم من الكبائر والفواحش، ثم اختلفوا في معناه، فقال بعضهم: هو ما سلف في الجاهلية فلا يؤاخذهم الله به، وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين: إنهم كانوا بالأمس يعملون معنا؟ فأنزل الله هذه الآية. وهذا قول زيد بن ثابت، وزيد بن أسلم (2) .\rوقال بعضهم: هو صغار الذنوب كالنظرة والغمزة والقبلة وما كان دون الزنا، وهو قول ابن مسعود، وأبي هريرة، ومسروق، والشعبي، ورواية طاووس عن ابن عباس (3) .\rأخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا محمود بن غيلان، أخبرنا عبدالرزاق، أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس قال: ما رأيت أشبه باللمم مما قاله أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: \"إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك ويكذبه\" (4) .\rورواه سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وزاد: \"العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد [زناها] (5) البطش، والرجل زناها الخطى\" (6) .\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في التفسير - تفسير سورة والنجم: 9 / 172 وقال: \"هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق\"، والطبري: 27 / 66، والحاكم: 2 / 469-470 وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\"، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 656 أيضًا لسعيد بن منصور، والبيهقي في الشعب، والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه. والبيت لأمية بن أبي الصلت.\r(2) ذكره الطبري: 27 / 64 عن ابن زيد، وذكر عن زيد بن أسلم: 27 / 65 قوله: \"كبائر الشرك والفواحش: والزنى، تركوا ذلك حين دخلوا في الإسلام، فغفر الله لهم ما كانوا ألموا به وأصابوا من ذلك قبل الإسلام\". وانظر: ابن كثير: 4 / 257، البحر المحيط: 8 / 164، القرطبي: 17 / 108.\r(3) انظر: زاد المسير: 8 / 76.\r(4) أخرجه البخاري في الاستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج: 11 / 26، ومسلم في القدر، باب قدر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره برقم: (2657): 4 / 2046 والمصنف في شرح السنة: 1 / 136-137.\r(5) ساقط من \"ب\".\r(6) أخرجه مسلم في القدر، باب قدر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره، برقم: (2657): 4 / 2047.","part":7,"page":412},{"id":3017,"text":"وقال الكلبي: \"اللمم\" على وجهين: كل ذنب لم يذكر الله عليه حدًّا في الدنيا ولا عذابًا في الآخرة، فذلك الذي تكفره الصلوات ما لم يبلغ الكبائر والفواحش (1) ، والوجه الآخر هو: الذنب العظيم يلم به المسلم المرة بعد المرة فيتوب منه (2) .\rوقال سعيد بن المسيب: هو ما لَمَّ على القلب أي خطر (3) .\rوقال الحسين بن الفضل: \"اللمم\" النظرة من غير تعمدٍ، فهو مغفور، فإن أعاد النظرة فليس بلمم وهو ذنب (4) .\r{ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ } قال ابن عباس: لمن فعل ذلك وتاب، تم الكلام هاهنا، ثم قال: { هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرْضِ } أي خلق أباكم آدم من التراب { وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ } جمع جنين، سمي جنينًا لاجتنانه في البطن { فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ } قال ابن عباس: لا تمدحوها. قال الحسن: علم الله من كل نفس ما هي صانعة وإلى ما هي صائرة، فلا تزكوا أنفسكم، لا تبرؤوها عن الآثام، ولا تمدحوها بحسن أعمالها (5) .\rقال الكلبي ومقاتل: كان الناس يعملون أعمالا حسنة ثم يقولون: صلاتنا وصيامنا وحجنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية (6) { هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } أي: بر وأطاع وأخلص العمل لله تعالى.\r{ أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) }\rقوله عز وجل: { أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى } نزلت في الوليد بن المغيرة، كان قد اتبع النبي صلى الله عليه وسلم على دينه فعيره بعض المشركين وقال له: أتركت دين الأشياخ وضللتهم؟ قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن الذي عاتبه إن هو [وافقه] (7) أعطاه كذا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل\r__________\r(1) ذكره صاحب البحر المحيط: 8 / 164، وانظر: الطبري: 27 / 68، جزء تفسير القرآن ليحيى بن يمان ونافع ومسلم بن خالد الزنجي ص (61).\r(2) ذكره القرطبي: 17 / 108.\r(3) انظر: القرطبي: 17 / 108، زاد المسير: 8 / 76.\r(4) انظر: زاد المسير: 8 / 76.\r(5) ذكره القرطبي: 17 / 110، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 658 لابن أبي شيبة.\r(6) انظر زاد المسير: 8 / 77.\r(7) ساقط من \"أ\".","part":7,"page":413},{"id":3018,"text":"عنه عذاب الله، فرجع الوليد إلى الشرك وأعطى الذي عيره بعض ذلك المال الذي ضمن ومنعه تمامه، فأنزل الله عز وجل (1) \"أفرأيت الذي تولى\" أدبر عن الإيمان.\r{ وَأَعْطَى قَلِيلا وَأَكْدَى (34) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (35) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) }\r{ وَأَعْطَى } صاحبه { قَلِيلا وَأَكْدَى } بخل بالباقي.\rوقال مقاتل: \"أعطى\" يعني الوليد \"قليلا\" من الخير بلسانه، ثم \"أكدى\": يعني قطعه وأمسك ولم يقم على العطية.\rوقال السدي: نزلت في العاص بن وائل السهمي، وذلك أنه كان ربما يوافق النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور (2) .\rوقال محمد بن كعب 144/ب القرظي نزلت في أبي جهل وذلك أنه قال: والله ما يأمرنا محمد إلا بمكارم الأخلاق (3) ، فذلك قوله: \"وأعطى قليلا وأكدى\" أي لم يؤمن به، ومعنى \"أكدى\": يعني قطع، وأصله من الكدية، وهي حجر يظهر في البئر يمنع من الحفر، تقول العرب: أكدى الحافر وأجبل، إذا بلغ في الحفر الكدية والجبل.\r{ أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى } ما غاب عنه ويعلم أن صاحبه يتحمل عنه عذابه.\r{ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ } لم يخبر { بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى } يعني: أسفار التوراة.\r{ وَإِبْرَاهِيم } في صحف إبراهيم عليه السلام { الَّذِي وَفَّى } تمم وأكمل ما أمر به.\rقال الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة: عمل بما أمر به وبلغ رسالات ربه إلى خلقه (4)\rقال مجاهد: وَفَّى بما فرض عليه (5) .\r__________\r(1) ذكره الطبري: 27 / 70، الواحدي في أسباب النزول صفحة: (461)، القرطبي: 17 / 111.\r(2) ذكره صاحب البحر المحيط: 8 / 166، القرطبي: 17 / 111-112، زاد المسير: 8 / 78.\r(3) في المواضع السابقة.\r(4) ذكره الطبري: 27 / 72. وانظر: ابن كثير:4 / 258، البحر المحيط: 8 / 167، القرطبي: 17 / 113.\r(5) أخرجه الطبري: 27 / 73. وانظر: الدر المنثور: 7 / 660، زاد المسير: 8 / 80.","part":7,"page":414},{"id":3019,"text":"قال الربيع: وفى رؤياه وقام بذبح ابنه (1) .\rوقال عطاء الخراساني: استكمل الطاعة. وقال أبو العالية: وفَّى سهام الإسلام. وهو قوله: \"وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن\"،( البقرة-124 ) والتوفية الإتمام. وقال الضحاك: وفَّى ميثاق المناسك.\rأخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الخيري، أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الزهري، حدثنا إسحاق بن منصور عن إسرائيل عن جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إبراهيم الذي وفى [صلى] (2) أربع ركعات أول النهار\" (3) .\rأخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا أبو جعفر الشيباني، حدثنا أبو مسهر، حدثنا إسماعيل بن عياش عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء وأبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله تبارك وتعالى أنه قال: \"ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره\" (4) .\r{ أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) }\rثم بيَّن ما في صحفهما فقال: { أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } أي: لا تحمل نفس حاملة حمل أخرى، ومعناه: لا تؤخذ نفس بإثم غيرها. وفي هذا إبطال قول من ضمن للوليد بن المغيرة بأنه يحمل عنه الإثم.\r__________\r(1) ذكره صاحب البحر المحيط: 8 / 167.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) أخرجه الطبري: 27 / 73، قال ابن كثير:4 / 259 \"رواه ابن جرير من حديث جعفر بن الزبير وهو ضعيف\". وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 660 أيضا لسعيد بن منصور وعبد بن حميد.\r(4) أخرجه الترمذي في الوتر، باب ما جاء في صلاة الضحى: 2 / 585، قال أبو عيسى: \"هذا حديث غريب\"، وأخرجه أبو داود في التطوع: 2 / 85 عن نعيم بن همار، قال المنذري: \"أخرجه الترمذي من حديث أبي الدرداء وأبي ذر، وقال حسن غريب، هذا آخر كلامه، وفي إسناده إسماعيل بن عياش وفيه مقال، ومن الأئمة من يصحح حديثه عن الشاميين، وهذا الحديث شامي الإسناد وحديث نعيم بن همار: قد اختلف الرواة فيه اختلافًا كثيرًا، وقد جمعت طرقه في جزء مفرد\". وعلم من كلام المنذري هذا أن في نسخة الترمذي التي كانت عنده كان فيها: \"هذا حديث حسن غريب\". انظر: تحفة الأحوذي: 2 / 585-586. وأخرجه الإمام أحمد: 5 / 286 عن نعيم بن همار الغطفاني.","part":7,"page":415},{"id":3020,"text":"وروى عكرمة عن ابن عباس قال: كانوا قبل إبراهيم عليه السلام يأخذون الرجل بذنب غيره، كان الرجل يقتل بقتل أبيه وابنه وأخيه وامرأته وعبده، حتى كان إبراهيم عليه السلام فنهاهم عن ذلك، وبلغهم عن الله: \"ألا تزر وازرة وزر أخرى\".\r{ وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى (39) }\r{ وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى } أي: عمل، كقوله: \"إن سعيكم لشتى\"،( الليل-4 ) وهذا أيضًا في صحف إبراهيم وموسى.\rوقال ابن عباس: هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة، بقوله: \"ألحقنا بهم ذريتهم\"،( الطور-21 ) فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء.\rوقال عكرمة: كان ذلك لقوم إبراهيم وموسى، فأما هذه الأمة فلهم ما سعوا وما سعى لهم غيرهم، لما روي أن امرأة رفعت صبيًا لها فقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: \"نعم ولك أجر\" (1) .\rوقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي افتلتت نفسها، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: \"نعم\" (2) .\rوقال الربيع بن أنس: \"وأن ليس للإنسان إلا ما سعى\" يعني الكافر، فأما المؤمن فله ما سعى وما سعي له (3) .\rوقيل: ليس للكافر من الخير إلا ما عمل هو، فيثاب عليه في الدنيا حتى لا يبقى له في الآخرة خير\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الحج، باب صحة حج الصبي وأجر من حج به، برقم: (1336): 2 / 974.\r(2) أخرجه البخاري في الجنائز، باب موت الفجأة: 3 / 254، ومسلم في الزكاة، باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه، برقم: (1004): 2 / 696، والمصنف في شرح السنة: 6 / 199.\r(3) انظر: البحر المحيط: 8 / 168، القرطبي:17 / 114.","part":7,"page":416},{"id":3021,"text":"ويروى أن عبد الله بن أبيّ كان أعطى العباس قميصًا ألبسه إياه، فلما مات أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه ليكفنه فيه، فلم يبق له حسنة في الآخرة يثاب عليها (1) .\r{ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأوْفَى (41) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (42) }\r{ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى } في ميزانه يوم القيامة، [مأخوذة] (2) من: أريته الشيء.\r{ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأوْفَى } الأكمل والأتم أي: يجزى الإنسان بسعيه، يقال: جزيت فلانا سعيه وبسعيه، قال الشاعر: إنْ أجزِ علقمةَ بنَ سعدٍ سَعْيَه\rلم أجزِه ببلاءِ يومٍ واحدٍ\rفجمع بين اللغتين.\r{ وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى } أي: منتهى الخلق ومصيرهم إليه، وهو مجازيهم بأعمالهم. وقيل: منه ابتداء المنة وإليه انتهاء الآمال.\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسن بن محمد الشيباني (3) أخبرنا محمد بن سليمان بن الفتح الحنبلي، حدثنا علي بن محمد المصري، أخبرنا أبو إسحاق ابن منصور الصعدي (4) ، أخبرنا العباس بن زفر، عن أبي جعفر الرازي، عن أبيه عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: \"وأن إلى ربك المنتهى\"، قال: \"لا فكرة في الرب\" (5) ، وهذا مثل ما روي عن أبي هريرة مرفوعًا: \"تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق\" (6) فإنه لا تحيط به الفكرة.\r__________\r(1) راجع فيما سبق: 4 / 82.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) في \"ب\": السفياني، أخبرنا محمد بن سيماء بن الفتح.\r(4) في \"ب\": إسحاق بن منصور الصفدي.\r(5) عزاه السيوطي في الدر المنثور: (7 / 662) والمتقي في كنز العمال: (3 / 369) للدارقطني في الأفراد وذكره القرطبي: 17 / 115.\r(6) أخرجه ابن النجار في \" ذيل تاريخ بغداد\" عن أبي هريرة، بإسناد ضعيف جدًّا، وبنحوه عن ابن عباس أخرجه: أبو الشيخ في \"العظمة\" وأبو نعيم في \"الحلية\"، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\". وأخرجه أيضًا الهروي في \"الأربعين\" والأصبهاني في \"الترغيب والترهيب\" وطرقه كلها ضعيفة. وحسنه الألباني فقال في \"الصحيحة\" (4 / 397): \"وبالجملة فالحديث بمجموع طرقه حسن عندي. والله أعلم\": وانظر: كشف الخفاء: 1 / 371-372، تمييز الطيب من الخبيث ص (68)، فيض القدير للمناوي: 3 / 362. ضعيف الجامع الصغير برقم (2470)، دلائل التوحيد للشيخ محمد جمال الدين القاسمي ص (90).","part":7,"page":417},{"id":3022,"text":"{ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44) }","part":7,"page":418},{"id":3023,"text":"{ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأخْرَى (47) }\r{ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى } فهذا يدل على أن كل ما يعمله الإنسان فبقضائه وخلقه حتى الضحك والبكاء، قال مجاهد والكلبي: أضحك أهل الجنة في الجنة، وأبكى أهل النار في النار. وقال الضحاك: أضحك الأرض بالنبات، وأبكى السماء بالمطر.\rقال عطاء بن أبي مسلم: يعني أفرح وأحزن، لأن الفرح يجلب الضحك، والحزن يجلب البكاء.\rأخبرنا عبدالواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا عبدالرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا قيس، هو ابن الربيع الأسدي، حدثنا سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم وكان أصحابه يجلسون ويتناشدون الشعر، ويذكرون أشياء من أمر الجاهلية، فيضحكون ويتبسم معهم إذا ضحكوا (1) -يعني النبي صلى الله عليه وسلم -.\rوقال معمر عن قتادة: سئل ابن عمر هل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحكون؟ قال: نعم والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبل (2) .\r{ وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا } أي: أمات في الدنيا وأحيا للبعث. وقيل: أمات الآباء وأحيا الأبناء. وقيل: أمات الكافر بالنكرة وأحيا المؤمن بالمعرفة.\r{ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنْثَى } من كل حيوان.\r{ مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى } أي: تصب في الرحم، يقال: منى الرجل وأمنى. قاله الضحاك وعطاء بن أبي رباح. وقال آخرون: تقدر، يقال: منيت الشيء إذا قدرته.\r{ وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأخْرَى } أي: الخلق الثاني للبعث يوم القيامة.\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الآداب، باب ما جاء في إنشاد الشعر: 8 / 142-143 وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\"، والإمام أحمد: 5 / 91. وأخرجه مسلم في الفضائل، باب تبسمه صلى الله عليه وسلم وحسن عشرته برقم: (2322): 4 / 1810 بلفظ: \"أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. كثيرًا. كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح حتى تطلع الشمس. فإذا طلعت قام. وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم صلى الله عليه وسلم\".\r(2) أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\": 11 / 451.","part":7,"page":418},{"id":3024,"text":"{ وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (48) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (49) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأولَى (50) }\r{ وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى } قال أبو صالح: أغنى الناس بالأموال وأقنى أي: أعطى القنية وأصول الأموال وما يدخرونه بعد الكفاية.\rقال الضحاك: أغنى بالذهب والفضة وصنوف الأموال، وأقنى بالإبل والبقر والغنم.\rوقال قتادة والحسن: 145/أ \"أقنى\": أخدم.\rوقال ابن عباس: \"أغنى وأقنى\": أعطى فأرضى.\rقال مجاهد ومقاتل: \"أقنى\": أرضى بما أعطى وقنع.\rوقال ابن زيد: \"أغنى\": أكثر \"وأقنى\": أقل وقرأ: \"يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر\"،( الإسراء-30 ) وقال الأخفش: \"أقنى\": أفقر. وقال ابن كيسان: أولد .\r{ وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى } وهو كوكب خلف الجوزاء وهما شعريان، يقال لإحداهما العبور وللأخرى الغميصاء، سميت بذلك لأنها أخفى من الأخرى، والمجرة بينهما. وأراد هاهنا الشعرى العبور، وكانت خزاعة تعبدها، وأول من سن لهم ذلك رجل من أشرافهم يقال له أبو كبشة عبدها، وقال: لأن النجوم تقطع السماء عرضًا والشعرى طولا فهي مخالفة لها، فعبدتها خزاعة، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على خلاف العرب في الدين سموه ابن أبي كبشة لخلافه إياهم، كخلاف أبي كبشة في عبادة الشعرى (1) .\r{ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأولَى } قرأ أهل المدينة والبصرة بلام مشددة بعد الدال، ويهمز وَاوَه قالون عن نافع، والعرب تفعل ذلك فتقول: قم لان عنا، تريد: قم الآن، ويكون الوقف عند \"عادا\"، والابتداء \"أولى\"، بهمزة واحدة مفتوحة بعدها لام مضمومة، [ويجوز الابتداء: لولى] (2) بحذف الهمزة المفتوحة.\rوقرأ الآخرون: \"عادًا الأولى\"، وهم قوم هود أهلكوا بريح صرصر، فكان لهم عقب، فكانوا عادًا الأخرى.\r__________\r(1) قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف صفحة (161) بعد أن ساق هذه الرواية: \"وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم أبو كبشة تشبيهًا له برجل من أشرافهم يقال له أبو كبشة\": هذا وهم، والمعروف أنهم كانوا يقولون له: ابن أبي كبشة كما في حديث أبي سفيان الطويل في الصحيحين حيث قال: \"لقد أمر أمر ابن أبي كبشة أن يخافه ملك بني الأصفر يعني هرقل\".\r(2) في \"ب\" ويجوز ابتداء أولى.","part":7,"page":419},{"id":3025,"text":"{ وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (51) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (52) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (53) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (54) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (55) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأولَى (56) أَزِفَتِ الآزِفَةُ (57) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (58) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (60) }\r{ وَثَمُودَ } قوم صالح أهلكهم الله بالصيحة { فَمَا أَبْقَى } منهم أحدًا.\r{ وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ } أي: أهلك قوم نوح من قبل عاد وثمود { إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى } لطول دعوة نوح إياهم وعتوهم على الله بالمعصية والتكذيب.\r{ وَالْمُؤْتَفِكَةَ } قرى قوم لوط { أَهْوَى } أسقط أي: أهواها جبريل بعدما رفعها إلى السماء.\r{ فَغَشَّاهَا } ألبسها الله { مَا غَشَّى } يعني: الحجارة المنضودة المسومة.\r{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ } نعم ربك أيها الإنسان، وقيل: أراد الوليد بن المغيرة { تَتَمَارَى } تشك وتجادل، وقال ابن عباس: تكذب.\r{ هَذَا نَذِيرٌ } يعني: محمدًا صلى الله عليه وسلم { مِنَ النُّذُرِ الأولَى } أي: رسول من الرسل إليكم كما أرسلوا إلى أقوامهم، وقال قتادة: يقول: أنذر محمد كما أنذر الرسل من قبله.\r{ أَزِفَتِ الآزِفَةُ } دنت القيامة واقتربت الساعة.\r{ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ } أي: مظهرة مقيمة كقوله تعالى: \"لا يجليها لوقتها إلا هو\"،( الأعراف-187 ) والهاء فيه للمبالغة أو على تقدير: نفس كاشفة. ويجوز أن تكون الكاشفة مصدرًا كالخافية والعافية، والمعنى: ليس لها من دون الله كاشف أي: لا يكشف عنها ولا يظهرها غيره.\rوقيل: معناه: ليس لها راد يعني: إذا غشيت الخلق أهوالها وشدائدها لم يكشفها ولم يردها عنهم أحد، وهذا قول عطاء وقتادة والضحاك.\r{ أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ } يعني القرآن { تَعْجَبُون وَتَضْحَكُونَ } يعني: استهزاء { وَلا تَبْكُونَ } مما فيه من الوعيد.","part":7,"page":420},{"id":3026,"text":"{ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (61) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62) }\r{ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ } لاهون غافلون، و\"السمود\": الغفلة عن الشيء واللهو، يقال: دع عنك سمودك أي لهوك، هذا رواية الوالبي والعوفي عن ابن عباس (1) وقال عكرمة عنه: هو الغناء بلغة أهل اليمن، وكانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا ولعبوا (2) . وقال الضحاك: أشِرُون بَطِرون. وقال مجاهد: غضاب مبرطمون. فقيل له: ما البرطمة؟ قال: الإعراض (3) .\r{ فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا } أي: واعبدوه.\rأخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا مسدد، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم: سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس (4) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا نصر بن علي، أخبرني أبو أحمد، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد عن عبد الله قال: أول سورة أنزلت فيها سجدة: النجم، قال: فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد من خلفه إلا رجلا رأيته أخذ كفًا من تراب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافرًا، وهو أمية بن خلف (5) .\rوأخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا آدم بن أبي إياس، أخبرنا ابن أبي ذئب، أخبرنا يزيد بن عبدالله بن قسيط عن عطاء بن يسار عن زيد بن ثابت قال: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم \"والنجم\" فلم يسجد فيها (6) .\rقلت (7) : فهذا دليل على أن سجود التلاوة غير واجب. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:\r__________\r(1) انظر: الدر المنثور: 7 / 667.\r(2) أخرجه الطبري: 27 / 82، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 667 لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد.\r(3) أخرجه الطبري: 27 / 82، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 667 لعبد بن حميد، وابن المنذر.\r(4) أخرجه البخاري في سجود القرآن، باب سجود المسلمين مع المشركين: 2 / 553 وفي تفسير سورة (النجم) 8 / 614، والمصنف في شرح السنة:3 / 301.\r(5) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة (والنجم)،: باب (فاسجدوا لله واعبدوا): 8 / 614 واللفظ له، ومسلم في المساجد، باب سجود التلاوة برقم: (576): 1 / 405.\r(6) أخرجه البخاري في سجود التلاوة، باب من قرأ السجدة ولم يسجد: 2 / 554 واللفظ له، ومسلم في المساجد برقم: (577): 1 / 406، والمصنف في شرح السنة: 3 / 310.\r(7) في \"ب\" قال الشيخ الإمام رحمه الله.","part":7,"page":421},{"id":3027,"text":"إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء. وهو قول الشافعي وأحمد.\rوذهب قوم إلى أن وجوب سجود التلاوة على القارئ والمستمع جميعا، وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي.","part":7,"page":422},{"id":3028,"text":"سورة القمر مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) }\r{ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ } دنت القيامة { وَانْشَقَّ الْقَمَرُ } .\rأخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبدالله بن عبد الوهاب، أخبرنا بشر بن المفضل، حدثنا سعيد ابن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما (2) .\rوقال شيبان عن قتادة: فأراهم انشقاق القمر مرتين (3) .\rأخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا مسدد، حدثنا يحيى عن شعبة وسفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين، فرقة فوق الجبل وفرقة دونه، 145/ب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"اشهدوا\" (4) .\r__________\r(1) أخرج النحاس وابن الضريس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: نزلت بمكة سورة (اقتربت الساعة). انظر: الدر المنثور: 7 / 669.\r(2) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار، باب انشقاق القمر: 7 / 187.\r(3) قطعة من حديث أخرجه مسلم في صفات المنافقين وأحكامهم، باب انشقاق القمر برقم: (2802): 4 / 2159.\r(4) أخرجه البخاري في التفسير- تفسير سورة القمر باب (وانشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا): 8 / 617، ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم، باب انشقاق القمر، برقم: (2800): 4 / 2158.","part":7,"page":425},{"id":3029,"text":"وقال أبو الضحى عن مسروق عن عبدالله قال: انشق القمر بمكة. وقال مقاتل: انشق القمر ثم التأم بعد ذلك .\rوروى أبو الضحى عن مسروق عن عبدالله قال: [انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم] (1) فقالت قريش: سحركم ابن أبي كبشة، فاسألوا السُّفّار، فسألوهم فقالوا: نعم قد رأيناه، فأنزل الله عز وجل: \"اقتربت الساعة وانشق القمر\" (2) .\r{ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (3) }\r{ وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ } أي: ذاهب وسوف يذهب ويبطل من قولهم: مر الشيء واستمر إذا ذهب، مثل قولهم: قر واستقر، قال هذا قول مجاهد وقتادة. وقال أبو العالية [والضحاك] (3) : \"مستمر\" أي: قوي شديد يعلو كل سحر، من قولهم: مر الحبل إذا صَلُبَ واشتدَّ وأمررته إذا أحكمت فَتْله واستمر الشيء إذا قوي واستحكم .\r{ وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ } أي: كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وما عاينوا من قدرة الله عز وجل واتبعوا ما زين لهم الشيطان من الباطل. { وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ } قال الكلبي: لكل أمر حقيقة ما كان منه في الدنيا فسيظهر، وما كان منه في الآخرة فسيعرف. وقال قتادة: كل أمر مستقر فالخير مستقر بأهل الخير، [والشر مستقر بأهل الشر] (4) .\rوقيل: كل أمر من خير أو شر مستقر قراره، فالخير مستقر بأهله في الجنة، والشر مستقر بأهله في النار .\rوقيل: يستقر قول المصدقين والمكذبين حتى يعرفوا حقيقته بالثواب والعقاب. وقال مقاتل: لكل حديث منتهى. وقيل: كل ما قدر كائن واقع لا محالة.\rوقرأ أبو جعفر \"مستقر\" بكسر الراء، ولا وجه له .\r__________\r(1) في \"ب\" (لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اشهدوا).\r(2) أخرجه الطبري: 27 / 85، ابن كثير: 4 / 263، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 670 لابن المنذر وابن مردويه، وأبي نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل.\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".","part":7,"page":426},{"id":3030,"text":"{ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الأنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (6) }","part":7,"page":427},{"id":3031,"text":"{ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (7) }\r{ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ } يعني: أهل مكة { مِنَ الأنْبَاءِ } أخبار الأمم المكذبة في القرآن { مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ } [متناهي] ، مصدر بمعنى الازدجار، أي نهي وعظة، يقال: زجرته وازدجرته إذا نهيته عن السوء، وأصله: مزتجر، قلبت التاء دالا.\r{ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ } يعني: القرآن حكمة تامة قد بلغت الغاية { فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ } يجوز أن تكون \"ما\" نفيًا على معنى: فليست تغني النذر، ويجوز أن يكون استفهامًا والمعنى: فأي شيء تغني النذر إذا خالفوهم وكذبوهم؟ كقوله: \"وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون\"( يونس -101 ) و\"النذر\": جمع نذير.\r{ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ } أعرض عنهم نسختها آية القتال . قيل: ها هنا وقف تام. وقيل: { فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِي } أي: إلى يوم الداعي، قال مقاتل: هو إسرافيل ينفخ قائمًا على صخرة بيت المقدس { إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ } [منكر] فظيع لم يروا مثله فينكرونه استعظامًا، قرأ ابن كثير: \"نكر\" بسكون الكاف، والآخرون بضمها.\r{ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ } قرأ أبو عمرو، ويعقوب، وحمزة، والكسائي: \"خاشعا\" على الواحد، وقرأ الآخرون: \"خشعا\" -بضم الخاء وتشديد الشين -على الجمع. ويجوز في أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة التوحيد والجمع والتذكير والتأنيث، تقول: مررت برجال حسن أوجههم، وحسنة أوجههم، وحسان أوجههم، قال الشاعر: ورجالٍ حسَنٍ أوجُهُهُم\rمن إيادِ بنِ نزارِ بنِ مَعَد .\rوفي قراءة عبدالله: \"خاشعة أبصارهم\" أي: ذليلة خاضعة عند رؤية العذاب .\r{ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ } من القبور { كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ } مُنْبَثّ حيارى، وذكر المنتشر","part":7,"page":427},{"id":3032,"text":"على لفظ الجراد، نظيرها: \"كالفراش المبثوث\"،( القارعة -4 ) وأراد أنهم يخرجون فزعين لا جهة لأحد منهم يقصدها، كالجراد لا جهة لها، تكون مختلطة بعضها في بعض.\r{ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الأرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) }\r{ مُهْطِعِينَ } مسرعين مقبلين { إِلَى الدَّاعِي } إلى صوت إسرافيل { يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ } يوم صعب شديد.\rقوله عز وجل: { كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ } أي: قبل أهل مكة { قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا } نوحًاُ { وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ } أي: زجروه عن دعوته ومقالته بالشتم والوعيد، وقالوا: \"لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين\"( الشعراء -116 ) وقال مجاهد: معنى: ازدجر أي: استطير جنونًا.\r{ فَدَعَا } نوح { رَبَّه } وقال { أَنِّي مَغْلُوبٌ } مقهور { فَانْتَصِرْ } فانتقم لي منهم.\r{ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ } مُنْصَبّ انصبابًا شديدًا، لم ينقطع أربعين يومًا، وقال يمان: قد طبق ما بين السماء والأرض.\r{ وَفَجَّرْنَا الأرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ } يعني ماء السماء وماء الأرض، وإنما قال: \"فالتقى الماء\" والالتقاء لا يكون من واحد، إنما يكون بين اثنين فصاعدًا؛ لأن الماء يكون جمعًا وواحدًا. وقرأ عاصم الجحدري: فالتقى الماآن. { عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ } أي: قضى عليهم في أم الكتاب. وقال مقاتل: قدر الله أن يكون الماآن سواء فكانا على ما قدر.\r{ وَحَمَلْنَاهُ } يعني: نوحًا { عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ } أي سفينة ذات ألواح، ذكر النعت وترك الاسم، أراد بالألواح خشب السفينة العريضة { وَدُسُرٍ } أي: المسامير التي تشد بها الألواح، واحدها دِسَارٌ ودسيرٌ، يقال: دسرت السفينة إذا شددتها بالمسامير. وقال الحسن: الدُّسر صدر السفينة سميت بذلك لأنها تدسر الماء بجؤجؤها، أي تدفع. وقال مجاهد: هي عوارض السفينة. وقيل: أضلاعها. وقال الضحاك: الألواح جانباها، والدسر أصلها وطرفاها.","part":7,"page":428},{"id":3033,"text":"{ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (14) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (15) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (16) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) }\r{ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا } أي: بمرأى منا. وقال مقاتل بن حيان: بحفظنا، ومنه قولهم للمودَّع: عين الله عليك. وقال سفيان: بأمرنا { جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ } [قال مقاتل بن حيان] : يعني: فعلنا به وبهم من إنجاء نوح وإغراق قومه ثوابًا لمن كان كفر به وجحد أمره، وهو نوح عليه السلام، وقيل: \"مَنْ\" بمعنى ما أي: جزاء لما كان كفر من أيادي الله ونعمه عند الذين أغرقهم، أو جزاء لما [صنع] بنوح وأصحابه. وقرأ مجاهد: \"جزاء لمن كان كَفَرَ\" بفتح الكاف والفاء، يعني كان الغرق جزاءً / لمن كان كفر بالله وكذب رسوله.\r146/أ { وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا } يعني: [الفعلة التي] فعلنا { آيَةً } يُعْتَبَر بها. وقيل: أراد السفينة. قال قتادة: أبقاها الله [بباقر دي] من أرض الجزيرة. عبرة وآية حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة { فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } أي: متذكر متعظ معتبر خائف مثل عقوبتهم.\rأخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبدالله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو نعيم، حدثنا زهير عن أبي إسحاق أنه سمع رجلا سأل الأسود عن قوله: \"فهل من مدكر\" أو مذكر؟ قال: سمعت عبدالله يقرؤها \"فهل من مدكر\"، وقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤها: \"فهل من مدكر\" دالا .\r{ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ } أي: إنذاري. قال الفراء: الإنذار والنذر مصدران، تقول العرب: أنذرت إنذارًا ونذرًا، كقولهم أنفقت إنفاقًا ونفقةً، وأيقنت إيقانًا ويقينًا، أقيم الاسم مقام المصدر.\r{ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا } سهلنا { الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ } ليتذكر ويعتبر به، وقال سعيد بن جبير: يسرناه للحفظ والقراءة، وليس شيء من كتب الله يقرأ كله ظاهرًا إلا القرآن \"فهل من مدكر\"، متعظ بمواعظه.","part":7,"page":429},{"id":3034,"text":"{ كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنزعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (21) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (22) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (24) أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) }\r{ كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا } شديدة الهبوب { فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ } شديد دائم الشؤم، استمر عليهم بنحو سنة فلم يُبْقِ منهم أحدًا إلا أهلكه. قيل: كان ذلك يوم الأربعاء في آخر الشهر.\r{ تَنزعُ النَّاسَ } تقلعهم ثم ترمي بهم على رؤوسهم فتدق رقابهم. وروي أنها كانت تنزع الناس من قبورهم { كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ } قال ابن عباس: أصولها، وقال الضحاك: أوراك نخل. { منقعر } [منقطع] من مكانه ساقط على الأرض. وواحد الأعجاز عجز، مثل عضد وأعضاد وإنما قال: \"أعجاز نخل\" وهي أصولها التي قطعت فروعها؛ لأن الريح كانت تبين رؤوسهم من أجسادهم، فتبقى أجسادهم بلا رؤوس.\r{ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ } بالإنذار الذي جاءهم به صالح.\r{ فَقَالُوا أَبَشَرًا } آدميًا { مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ } ونحن جماعة كثيرة وهو واحد { إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ } خطأ وذهاب عن الصواب { وَسُعُر } قال ابن عباس: عذاب. وقال الحسن: شدة عذاب. وقال قتادة: عناء، يقولون: إنا إذًا لفي عناء وعذاب مما يلزمنا من طاعته. قال سفيان ابن عيينة: هو جمع سعير. وقال الفراء: جنون، يقال ناقة مسعورة إذا كانت خفيفة الرأس هائمة على وجهها. وقال وهب: وسُعُر: أي: بعد عن الحق.\r{ أأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْه } أأنزل الذكر الوحي { مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ } بطر متكبر يريد أن يتعظم علينا بادعائه النبوة، \"والأشر\": المرح والتجبُّر.\r{ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأشِرُ (26) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (27) }","part":7,"page":430},{"id":3035,"text":"{ وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (28) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (29) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (30) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31) }\r{ سَيَعْلَمُونَ } قرأ ابن عامر وحمزة: \"ستعلمون\" بالتاء على معنى قال صالح لهم، وقرأ","part":7,"page":430},{"id":3036,"text":"الآخرون بالياء، يقول الله تعالى: { سَيَعْلَمُونَ غَدًا } حين ينزل بهم العذاب. وقال الكلبي: يعني يوم القيامة. وذكر \"الغد\" للتقريب على عادة الناس، يقولون: إن مع اليوم غدًا { مَنِ الْكَذَّابُ الأشِرُ } .\r{ إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ } أي: باعثوها ومخرجوها من الهضبة التي سألوا، وذلك أنهم تعنتوا على صالح، فسألوه أن يخرج لهم من صخرة ناقة حمراء عشراء، فقال الله تعالى: { إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ } محنة واختبارًا لهم { فَارْتَقِبْهُمْ } فانتظر ما هم صانعون { وَاصْطَبِرْ } واصبر على ارتقابهم، وقيل: على ما يصيبك من الأذى.\r{ وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ } وبين الناقة يوم لها ويوم لهم، وإنما قال بينهم لأن العرب إذا أخبرت عن بني آدم وعن البهائم غَلَّبت بني آدم على البهائم { كُلُّ شِرْبٍ } نصيب من الماء { مُحْتَضَرٌ } يحضره من كانت نوبته، فإذا كان يومها حضرت شربها، وإذا كان يومهم حضروا شربهم، وحضر واحتضر بمعنى واحد، قال مجاهد: يعني يحضرون الماء إذا غابت الناقة، فإذا جاءت الناقة حضروا اللبن.\r{ فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ } وهو قدار بن سالف { فَتَعَاطَى } فتناول الناقة بسيفه { فَعَقَرَ } أي: فعقرها.\r{ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ } ثم بين عذابهم فقال:\r{ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً } قال عطاء: يريد صيحة جبريل عليه السلام { فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ } قال ابن عباس: هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة من الشجرة والشوك دون السباع، فما سقط من ذلك فداسته الغنم فهو الهشيم (1) .\r__________\r(1) انظر القرطبي: 17 / 142.","part":7,"page":431},{"id":3037,"text":"وقال ابن زيد: هو الشجر البالي الذي تهشم حتى ذرته الريح (1) . والمعنى: أنهم صاروا كيبس الشجر إذا تحطم، والعرب تسمي كل شيء كان رطبًا فيبس: هشيمًا.\rوقال قتادة: كالعظام النخرة المحترقة (2) . وقال سعيد بن جبير: هو التراب الذي يتناثر من الحائط (3) .\r{ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (32) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (36) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (37) }\r{ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا } ريحًا ترميهم بالحصباء، وهي الحصى وقال الضحاك: يعني صغار الحصى. وقيل: \"الحصباء\" هي الحجر الذي دون ملء الكف، وقد يكون الحاصب الرامي فيكون المعنى على هذا: أرسلنا عليهم عذابًا يحصبهم أي: يرميهم بالحجارة، ثم استثنى فقال: { إِلا آلَ لُوطٍ } يعني لوطًا وابنتيه { نَجَّيْنَاهُمْ } من العذاب { بِسَحَرٍ } .\r{ نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا } أي: جعلناه نعمة منا عليهم حيث أنجيناهم { كَذَلِك } كما أنعمنا على آل لوط { نَجْزِي مَنْ شَكَرَ } قال مقاتل: من وَحَّدَ الله لم يعذبه مع المشركين.\r{ وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ } لوط { بَطْشَتَنَا } أخذنا إياهم بالعقوبة { فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ } شكوا بالإنذار وكذبوا ولم يصدقوا.\r{ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ } طلبوا أن يسلم إليهم أضيافه { فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ } وذلك أنهم لما قصدوا دار لوط وعالجوا الباب ليدخلوا، قالت الرسل [للوط] (4) : خَلِّ بينهم وبين الدخول فإنا رسل ربك لن يصلوا إليك، فدخلوا الدار 146/ب فصفقهم جبريل بجناحه بإذن الله فتركهم عميًا يترددون متحيرين لا يهتدون إلى الباب، فأخرجهم لوط عميًا لا يبصرون. قوله: \"فطمسنا أعينهم\" أي: صيرناها\r__________\r(1) انظر: ابن كثير: 4 / 266.\r(2) انظر: الطبري: 27 / 103، البحر المحيط: 8 / 181.\r(3) أخرجه الطبري: 27 / 103، وقال ابن كثير: 4 / 266 \"هذا قول غريب\" وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 680 لعبد بن حميد.\r(4) ساقط من \"ب\".","part":7,"page":432},{"id":3038,"text":"كسائر الوجه لا يُرى لها شق، هذا قول أكثر المفسرين. وقال الضحاك: طمس الله أبصارهم فلم يروا الرسل، فقالوا: قد رأيناهم حين دخلوا البيت فأين ذهبوا، فلم يروهم فرجعوا. { فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ } أي: [ما أنذركم] (1) به لوط من العذاب.\r{ وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (38) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (39) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (40) وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (42) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) }\r{ وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً } جاءهم وقت الصبح { عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ } دائم استقر فيهم حتى أفضى بهم إلى عذاب الآخرة، وقيل: عذاب حق.\r{ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ } يعني: موسى وهارون عليهما السلام، وقيل: هي الآيات التي أنذرهم بها موسى.\r{ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا } وهي الآيات التسع { فَأَخَذْنَاهُمْ } بالعذاب { أَخْذَ عَزِيزٍ } غالب في انتقامه { مُقْتَدِر } قادر على إهلاكهم، لا يعجزه ما أراد، ثم خَوَّف أهل مكة فقال:\r{ أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ } أشد وأقوى من الذين أحللت بهم نقمتي من قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وآل فرعون؟ وهذا استفهام بمعنى الإنكار أي: ليسوا بأقوى منهم { أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ } العذاب { فِي الزُّبُرِ } في الكتب، أنه لن يصيبكم ما أصاب الأمم الخالية.\r{ أَمْ يَقُولُونَ } يعني: كفار مكة { نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ } قال الكلبي: نحن جميع أمرنا [منتصر] (2) من أعدائنا المعنى: نحن يد واحدة على من خالفنا منتصر ممن عادانا، ولم يقل منتصرون لموافقة رؤوس الآي.\rقال الله تعالى: { سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ } قرأ يعقوب: \"سنهزم\" بالنون \"الجمع\" نصبٌ وقرأ الآخرون بالياء وضمها، \"الجمع\" رفع على غير تسمية الفاعل، يعني: كفار مكة { وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ }\r__________\r(1) في\"ب\" ما أنذرهم.\r(2) في \"أ\" مستقر.","part":7,"page":433},{"id":3039,"text":"يعني: الأدبار فَوَحَّد لأجل رؤوس الآي، كما يقال: ضربنا منهم الرؤوس وضربنا منهم الرأس إذا كان الواحد يؤدي معنى الجمع، أخبر الله أنهم يولون أدبارهم منهزمين فصدق الله وعده وهزمهم يوم بدر.\rأخبرنا عبدالواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبدالوهاب، حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبته يوم بدر: \"اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم\"، فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك يا رسول الله فقد ألححت على ربك -وهو في الدرع -فخرج وهو يقول: \"سيهزم الجمع ويولون الدبر\" (1) .\r{ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (46) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) }\r{ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ } قال سعيد بن المسيب: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: لما نزلت: \"سيهزم الجمع ويولون الدبر\" كنت لا أدري أي جمع يهزم، فلما كان يوم بدر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يثب في درعه ويقول: \"سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم\" جميعًا \"والساعة أدهى وأمر\" (2) أعظم داهيةً وأشدُّ مرارةً من الأسر والقتل يوم بدر.\r{ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ } المشركين { فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ } قيل: \"في ضلال\" بعد عن الحق. قال الضحاك: \"وسعر\" أي: نار تسعر عليهم: وقيل: \"ضلال\" ذهاب عن طريق الجنة في الآخرة، \"وسعر\": نار مسعرة، قال الحسين بن الفضل: إن المجرمين في ضلال في الدنيا ونار في الآخرة. وقال قتادة: في عناء وعذاب (3) .\rثم بين عذابهم فقال: { يَوْمَ يُسْحَبُونَ } يجرون { فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ } ويقال لهم { ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ } .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الجهاد، باب ما قيل في درع النبي صلى الله عليه وسلم، والقميص في الحرب:6 / 99، وفي المغازي، وفي التفسير، والمصنف في شرح السنة:10 / 400.\r(2) أخرجه عبد الرزاق:2 / 259، والطبري:27 / 108،والإمام أحمد:1 / 329. ورواه إسحاق بن راهويه عن قتادة، وفيه انقطاع، انظر المطالب العالية: 3 / 381. قال الحافظ في الفتح: 7 / 289-290: \"أخرجه الطبري وابن مردويه عن عكرمة عن ابن عباس: لما نزلت ....قال عمر:....، وأخرجه ابن مردويه أيضًا عن أبي هريرة..\".\r(3) انظر الطبري: 27 / 109.","part":7,"page":434},{"id":3040,"text":"{ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49) }\r{ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } أي: ما خلقناه فمقدور ومكتوب في اللوح المحفوظ، قال الحسن: قدر الله لكل شيء من خلقه قدره الذي ينبغي له.\rأخبرنا أبو الحسن علي بن الحسين القرشي، أخبرنا أبو مسلم غالب بن علي الرازي، أخبرنا أبو [معشر] (1) يعقوب بن عبدالجليل بن يعقوب، حدثنا أبو يزيد حاتم بن محبوب، أخبرنا أحمد بن نصر النيسابوري، أخبرنا عبدالله بن الوليد العدني، أخبرنا الثوري عن زياد بن إسماعيل السهمي عن محمد بن عباد المخزومي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاءت مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر فنزلت هذه الآية: \"إن المجرمين في ضلال وسعر\" إلى قوله: \"إنا كل شيء خلقناه بقدر\" (2) .\rأخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، أخبرنا أبو محمد محمد بن علي بن محمد بن شريك الشافعي الخدشاهي، أخبرنا عبدالله بن محمد بن مسلم أبو بكر الجوربذي، أخبرنا يونس بن عبدالأعلى الصدفي، أخبرنا عبدالله بن وهب، أخبرني أبو هانيء الخولاني عن أبي عبدالرحمن [الحبلى] (3) عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وكان عرشه على الماء\" (4) .\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن زياد بن سعد عن عمرو بن مسلم عن طاووس اليماني قال: أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: \"كل شيء بقدر الله\"، قال: وسمعت عبدالله بن [عمر] (5) رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"كل شيء بقدر حتى العجز والكيس، أو الكيس والعجز\" (6) .\rأخبرنا أحمد بن عبدالله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أخبرنا أبو جعفر\r__________\r(1) في\"أ\" مشعر والصحيح ما أثبتناه من \"ب\".\r(2) أخرجه مسلم في القدر، باب كل شيء بقدر، برقم:(2656): 4 / 2046، والمصنف في شرح السنة:1 / 150.\r(3) في \"أ\" الجبلي، وهو تصحيف.\r(4) أخرجه مسلم في القدر، باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام، برقم: (2653): 4 / 2044، والمصنف في شرح السنة:1 / 123.\r(5) في \"ب\"عمرو، والصحيح ما أثبتناه.\r(6) أخرجه الإمام مالك في الموطأ، كتاب القدر، باب النهي عن القول بالقدر:2 / 899، ومسلم في القدر، باب كل شيء بقدر، برقم: (2655): 4 / 2045، والمصنف في شرح السنة: 1 / 134.","part":7,"page":435},{"id":3041,"text":"محمد بن علي بن دحيم الشيبابي، أخبرنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة، أخبرنا يعلى بن عبيد، [وعبيدالله] (1) بن موسى وأبو نعيم عن سفيان عن منصور عن ربعي بن حراش عن رجل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالبعث 147/أ بعد الموت، ويؤمن بالقدر -زاد [عبيدالله] (2) : خيره وشره\" (3) .\rورواه أبو داود عن شعبة عن منصور وقال: عن ربعي عن عليّ ولم يقل: عن رجل، وهذا أصح (4) .\r__________\r(1) في \"أ\" عبدالله والصحيح ما أثبتناه.\r(2) في \"أ\" عبدالله والصحيح ما أثبتناه.\r(3) أخرجه الترمذي في القدر، باب ما جاء أن الإيمان بالقدر خيره وشره: 6 / 358، وابن حبان في موارد الظمآن برقم: (23) ص37، والإمام أحمد: 1 / 233، والمصنف في شرح السنة: 1 / 122.\r(4) أخرجه أبو داود الطيالسي1 / 22 (106) ومن طريقه الترمذي في القدر، باب أن ما جاء في الإيمان بالقدر خيره وشره: 6 / 357، وابن ماجه في المقدمة، باب في القدر، برقم(81): 1 / 32، وابن أبي عاصم: 1 / 59، واللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة: 3 / 620، وصححه الحاكم: 1 / 32 ووافقه الذهبي، والإمام أحمد: 1 / 97. والمصنف في شرح السنة 1 / 122. وانظر: صحيح الجامع الصغير وزيادته برقم: (7584).","part":7,"page":436},{"id":3042,"text":"{ وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (51) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (53) }\r{ وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ } { وَاحِدَة } . يرجع إلى المعنى دون اللفظ أي: وما أمرنا إلا مرة واحدة\rوقيل: معناه: وما أمرنا للشيء إذا أردنا تكوينه إلا كلمة واحدة: كن فيكون لا مراجعة فيها كلمح بالبصر. قال عطاء عن ابن عباس: يريد أن قضائي في خلقي أسرع من لمح البصر وقال الكلبي عنه: وما أمرنا لمجيء الساعة في السرعة إلا كطرف البصر.\r{ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ } أشباهكم ونظراءكم في الكفر من الأمم السالفة.\r{ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } متعظ يعلم أن ذلك حق فيخاف ويعتبر.\r{ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ } يعني فعله الأشياع من خير وشر { فِي الزُّبُرِ } في كتاب الحفظة، وقيل: في اللوح المحفوظ .\r{ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ } من الخلق وأعمالهم وآجالهم { مُسْتَطَرٌ } مكتوب، يقال: سطرت","part":7,"page":436},{"id":3043,"text":"واستطرت وكتبت واكتتبت.\r{ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55) }\r{ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ } بساتين { وَنَهَرٍ } أي أنهار، ووحَّده لأجل رؤوس الآي، وأراد أنهار الجنة من الماء والخمر واللبن والعسل. وقال الضحاك: يعني في ضياء وسعة ومنه النهار. وقرأ الأعرج \"ونُهُر\"، بضمتين جمع نهار يعني: نهارًا لا ليل لهم.\r{ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ } في مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم { عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ } ملك قادر لا يعجزه شيء. قال [جعفر] (1) الصادق: مدح الله المكان بالصدق فلا يُقْعِد، فيه إلا أهل الصدق.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".","part":7,"page":437},{"id":3044,"text":"سورة الرحمن مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الإنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) }\r{ الرَّحْمَنُ } قيل: نزلت حين قالوا: وما الرحمن؟ (2) . وقيل: هو جواب لأهل مكة حين قالوا: إنما يعمله بشر .\r{ عَلَّمَ الْقُرْآنَ } قال الكلبي: علم القرآن محمدا. وقيل: \"علم القرآن\" يسره للذكر.\r{ خَلَقَ الإنْسَانَ } يعني آدم عليه السلام، قاله ابن عباس وقتادة. { عَلَّمَهُ الْبَيَانَ } أسماء كل شيء، وقيل :علمه اللغات كلها، وكان آدم يتكلم بسبعمائة [ألف] (3) لغة أفضلها العربية.\rوقال الآخرون: \"الإنسان\" اسم جنس، وأراد به جميع الناس \"علمه البيان\" النطق والكتابة والفهم والإفهام، حتى عرف ما يقول وما يقال له. هذا قول أبي العالية وابن زيد والحسن.\rوقال السدي: علم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به.\rوقال ابن كيسان: \"خلق الإنسان\" يعني: محمدًا صلى الله عليه وسلم \"علمه البيان\" يعني بيان ما كان وما يكون لأنه كان يبين [عن] (4) الأولين والآخرين وعن يوم الدين.\r__________\r(1) أخرج النحاس عن ابن عباس -رضي الله عنهما- نزلت سورة الرحمن بمكة ، وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير -رضي الله عنه- قال: أنزل بمكة سورة الرحمن، وأخرج بن مردويه عن عائشة -رضي الله عنهما- قالت: نزلت سورة الرحمن بمكة. انظر: الدر المنثور: 7 / 689، القرطبي: 17 / 151.\r(2) انظر البحر المحيط: 8 / 187-188.\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) زيادة من \"ب\" .","part":7,"page":438},{"id":3045,"text":"{ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) وَالأرْضَ وَضَعَهَا لِلأنَامِ (10) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأكْمَامِ (11) }\r{ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ } ، قال مجاهد: كحسبان الرحى. وقال غيره :أي يجريان بحساب ومنازل لا يعدوانها، قاله ابن عباس وقتادة. وقال ابن زيد وابن كيسان: يعني بهما تحسب الأوقات والآجال لولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يدر أحد كيف يحسب شيئًا. وقال الضحاك: يجريان بقدر، والحسبان يكون مصدر حسبت حسابًا وحسبانًا، مثل الغفران والكفران، والرجحان والنقصان، وقد يكون جمع الحساب كالشبهان والركبان.\r{ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ } ، النجم ما ليس له ساق من النبات ، والشجر ما له ساق يبقى في الشتاء، وسجودهما سجود ظلهما كما قال :\"يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله\"( النحل-48 ) قال مجاهد: النجم هو الكوكب وسجوده طلوعه.\r{ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا } ، فوق الأرض، { وَوَضَعَ الْمِيزَانَ } ، قال مجاهد: أراد بالميزان العدل . المعنى: أنه أمر بالعدل يدل عليه قوله تعالى: { أَلا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ } ، أي لا تجاوزوا العدل. وقال الحسن وقتادة والضحاك: أراد به الذي يوزن به ليوصل به إلى الإنصاف والانتصاف، وأصل الوزن التقدير \"ألا تطغوا\" يعني لئلا تميلوا وتظلموا وتجاوزوا الحق في الميزان.\r{ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ } ، بالعدل، وقال أبو الدرداء وعطاء: معناه أقيموا لسان الميزان بالعدل. قال ابن عيينة: الإقامة باليد والقسط بالقلب، { وَلا تُخْسِرُوا } ، ولا تنقصوا { الْمِيزَانَ } ، ولا تطففوا في الكيل والوزن.\r{ وَالأرْضَ وَضَعَهَا لِلأنَامِ } ، للخلق الذين بثهم فيها .\r{ فِيهَا فَاكِهَةٌ } ، يعني: أنواع الفواكه، قال ابن كيسان: يعني ما يتفكهون به من النعم التي لا تحصى، { وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأكْمَامِ } ، الأوعية التي يكون فيها الثمر لأن ثمر النخل يكون في غلاف ما لم ينشق، واحدها كِمٌ، وكل ما ستر شيئًا فهو كم وكمة، ومنه كم القميص، ويقال للقلنسوة كُمَّةٌ، قال الضحاك: \"ذات الأكمام\" أي ذات الغلف. وقال الحسن: أكمامها: لفيفها. [وقال ابن زيد:","part":7,"page":442},{"id":3046,"text":"هو الطلع قبل أن ينشق] (1) .\r{ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13) }\r{ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ } ، أراد بالحب جميع الحبوب التي تحرث في الأرض قال مجاهد: هو ورق الزرع. قال ابن كيسان: \"العصف \"ورق كل شيء يخرج منه الحب، يبدو أولا ورقًا وهو العصف ثم يكون سوقًا، ثم يحدث الله فيه أكماما ثم يحدث في الأكمام الحب .وقال ابن عباس في رواية الوالبي: هو التبن. وهو قول الضحاك وقتادة. وقال عطية عنه :هو ورق الزرع الأخضر إذا قطع رؤوسه ويبس، نظيره: \"كعصف مأكول\"( الفيل-5 ) .\r{ وَالرَّيْحَانُ } ، هو الرزق في قول الأكثرين، قال ابن عباس: كل ريحان في القرآن فهو رزق. وقال الحسن وابن زيد هو ريحانكم الذي يشم، قال الضحاك: \"العصف\" :هو التبن. و \"الريحان\" ثمرته.\rوقراءة العامة: \"والحب ذو العصف والريحان\"، كلها مرفوعات بالرد على الفاكهة. وقرأ ابن عامر \"والحب ذو العصف والريحان\" بنصب الباء والنون وذا بالألف على معنى: خلق الإنسان وخلق هذه الأشياء. وقرأ حمزة والكسائي\" والريحان\" بالجر عطفًا على العصف فذكر قوت الناس والأنعام، ثم خاطب 147/ب الجن والإنس فقال:\r{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } ، أيها الثقلان، يريد من هذه الأشياء المذكورة. وكرر هذه الآية في هذه السورة تقريرًا للنعمة وتأكيدًا في التذكير بها على عادة العرب في الإبلاغ والإشباع، يعدد على الخلق آلاءه ويفصل بين كل نعمتين بما ينبههم عليها، كقول الرجل لمن أحسن إليه وتابع عليه بالأيادي وهو ينكرها ويكفرها: ألم تكن فقيرًا فأغنيتك أفتنكر هذا؟ ألم تكن عريانًا فكسوتك أفتنكر هذا؟ ألم تك خاملا؟ فعززتك أفتنكر هذا؟ ومثل هذا التكرار شائع في كلام العرب حسن تقريرًا.\rوقيل: خاطب بلفظ التثنية على عادة العرب تخاطب الواحد بلفظ التثنية كقوله تعالى: \"ألقيا في جهنم\"( ق-24 ) .\rوروي عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله: قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن حتى ختمها، ثم قال :\"ما لي أراكم سكوتًا لَلْجِنّ، [كانوا] (2) أحسن منكم ردًا، ما قرأت عليهم هذه\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\" .\r(2) ساقط من \"أ\".","part":7,"page":443},{"id":3047,"text":"الآية مرة \"فبأي آلاء ربكما تكذبان\" إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد\" (1) .\r{ خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (15) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (16) }\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في التفسير -تفسير سورة الرحمن- :9 / 177 بلفظ: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقرأ عليهم..) وقال: \"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بم مسلم عن زهير، قال أحمد بن حنبل: كأن زهير بن محمد الذي وقع بالشام ليس هو الذي يروى عنه بالعراق، كأنه رجل آخر قلبوا اسمه، يعني لما يروون عنه من المناكير، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: أهل الشام يروون عن زهير بن محمد مناكيروأهل العراق يروون عنه أحاديث مقلوبة\". وذكره الذهبي في الميزان في ترجمة زهير: 2 / 84 وقال: تفرد به هشام بن عمار عن الوليد . وأخرجه الحاكم:2 / 473 وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قال المباركفوري: \"حديث جابر هذا رواه الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد وهو من أهل الشام، ففي الحديث ضعف، ولكن له شاهد من حديث ابن عمر أخرجه ابن جرير والبزار والدارقطني في الأفراد وغيرهم، وصحح السيوطي إسناده كما في فتح البيان\" انظر: تحفة الأحوذي: 9 / 179، مجمع الزوائد: 7 / 117.","part":7,"page":444},{"id":3048,"text":"{ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (18) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) }\r{ خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ } .\r{ وَخَلَقَ الْجَانَّ } وهو أبو الجن. وقال الضحاك: هو إبليس، { مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ } وهو الصافي من لهب النار الذي لا دخان فيه. قال مجاهد: وهو ما اختلط بعضه ببعض من اللهب الأحمر والأصفر والأخضر الذي يعلو النار إذا أوقدت، من قولهم: مرج أمر القوم، إذا اختلط.\r{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ } مشرق الصيف ومشرق الشتاء . { وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ } مغرب الصيف ومغرب الشتاء. { فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } .\r{ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ } العذب والمالح أرسلهما وخلاهما { يَلْتَقِيَانِ } .\r{ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ } حاجز من قدرة الله تعالى ، { لا يَبْغِيَانِ } لا يختلطان ولا يتغيران ولا يبغي أحدهما على صاحبه .وقال قتادة: لا يطغيان على الناس بالغرق . وقال الحسن: \"مرج البحرين\" بحر الروم وبحر الهند، وأنتم الحاجز بينهما. وعن قتادة أيضًا: بحر فارس وبحر الروم بينهما برزخ يعني الجزائر. قال مجاهد والضحاك: بحر السماء وبحر الأرض يلتقيان كل عام { فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } .","part":7,"page":444},{"id":3049,"text":"{ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (23) وَلَهُ الْجَوَارِي الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأعْلامِ (24) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (25) كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ (27) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (28) }\r{ يَخْرُجُ مِنْهُمَا } قرأ أهل المدينة والبصرة: \"يخرج\" بضم الياء وفتح الراء، وقرأ الآخرون بفتح الياء وضم الراء، { اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ } وإنما يخرج من المالح دون العذب وهذا جائز في كلام العرب أن يذكر شيئان ثم يخص أحدهما بفعل، كما قال عز وجل: \"يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم\"( الأنعام -130 ) . وكانت الرسل من الإنس دون الجن. وقال بعضهم يخرج من ماء السماء وماء البحر. قال ابن جريج: إذا أمطرت السماء فتحت الأصداف أفواهها فحيثما وقعت قطرة كانت لؤلؤة، واللؤلؤة: ما عظم من الدر، والمرجان: صغارها. وقال مقاتل ومجاهد على الضد من هذا. وقيل: \"المرجان\" الخرز الأحمر. وقال عطاء الخراساني: هو اليسر (1) . { فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } .\r{ وَلَهُ الْجَوَارِي } السفن الكبار ، { الْمُنْشَآتُ } قرأ حمزة وأبو بكر: \"المنشِئات\" بكسر الشين ، أي: المنشئات للسير [يعني اللاتي ابتدأن وأنشأن السير] (2) . وقرأ الآخرون بفتح الشين أي المرفوعات ، وهي التي رفع خشبها بعضها على بعض . وقيل: هي ما رفع قلعه من السفن وأما ما لم يرفع قلعه فليس من المنشئات. وقيل المخلوقات المسخرات، { فِي الْبَحْرِ كَالأعْلامِ } كالجبال جمع علم وهو الجبل الطويل، شبه السفن في البحر، بالجبال في البر { فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } .\r{ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا } أي على الأرض من حيوان فإنه هالك { فَانٍ } .\r{ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ } ، ذو العظمة والكبرياء { وَالإكْرَامِ } ، أي مكرم أنبيائه وأوليائه بلطفه مع جلاله وعظمته . { فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } .\r{ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29) }\r{ يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } ، من ملك وإنس وجن. وقال قتادة: لا يستغني عنه أهل السماء والأرض. قال ابن عباس: فأهل السموات يسألونه المغفرة وأهل الأرض يسألونه الرحمة [والرزق والتوبة والمغفرة] (3) وقال مقاتل: يسأله أهل الأرض الرزق\r__________\r(1) في \"أ\" البسد.\r(2) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(3) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".","part":7,"page":445},{"id":3050,"text":"والمغفرة وتسأله الملائكة أيضًا لهم الرزق والمغفرة .\r{ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ } ، قال مقاتل: نزلت في اليهود حين قالوا إن الله لا يقضي يوم السبت شيئًا (1) .\rقال المفسرون: من شأنه أن يحيى ويميت، ويرزق، ويعز قومًا، ويذل قومًا، ويشفي مريضًا، ويفك عانيًا ويفرج مكروبًا، ويجيب داعيًا، ويعطي سائلا ويغفر ذنبًا إلى ما لا يحصى من أفعاله وإحداثه في خلقه ما يشاء .\rأخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عبدوس المزكي -إملاء-أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن يحيى البزاز، أخبرنا يحيى بن الربيع المكي، أخبرنا سفيان بن عيينة، أخبرنا أبو حمزة الثمالي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إن مما خلق الله عز وجل لوحًا من درة بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور، ينظر الله عز وجل فيه كل يوم ثلاث مائة وستين نظرة، يخلق ويرزق ويحيى ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء فذلك قوله: \"كل يوم هو في شأن\" (2) .\rقال سفيان بن عيينة: الدهر كله عند الله يومان أحدهما مدة أيام الدنيا والآخر يوم القيامة، فالشأن الذي هو فيه اليوم الذي هو مدة الدنيا: الإخبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة، والإعطاء والمنع، وشأن يوم القيامة: الجزاء والحساب، والثواب والعقاب (3) .\rوقيل: شأنه جل ذكره أنه يخرج في كل يوم وليلة ثلاثة عساكر، عسكرًا من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات، وعسكرًا من الأرحام إلى الدنيا، وعسكرًا من الدنيا إلى القبور، ثم يرتحلون جميعًا إلى الله عز وجل.\r__________\r(1) انظر البحر المحيط: 8 / 193، زاد المسير: 8 / 114 .\r(2) أخرجه عبد الرازق: 2 / 263-264، والطبري:27 / 135، وزاد السيوطي في الدر المنثور: 7 / 699 عزوه لابن المنذر والطبراني وأبي الشيخ في العظمة وابن مردويه وأبي نعيم في الحلية والبيهقي في الأسماء والصفات . وأخرجه الحاكم: 2 / 474 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وانظر ابن كثير: 4 / 274 .\r(3) انظر البحر المحيط: 8 / 193، القرطبي:17 / 166-167 .","part":7,"page":446},{"id":3051,"text":"قال الحسين بن الفضل: هو سَوْقُ المقادير إلى المواقيت (1) . وقال أبو سليمان الداراني في هذه الآية: كل يوم له إلى العبيد بر جديد 148/أ .\r{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (30) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ (31) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ (33) }\r{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ سَنَفْرُغُ لَكُمْ } ، قرأ حمزة والكسائي: سيفرغ بالياء لقوله: \"يسأله من في السموات والأرض\"، \"ويبقى وجه ربك\" \"وله الجوار\" فأتبع الخبر .\rوقرأ الآخرون بالنون، وليس المراد منه الفراغ عن شغل، لأن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن، ولكنه وعيد من الله تعالى [للخلق] (2) بالمحاسبة، كقول القائل: لأتفرغن لك، وما به شغل، وهذا قول ابن عباس والضحاك وإنما حسن هذا الفراغ لسبق ذكر الشأن.\rوقال آخرون: معناه: سنقصدكم بعد الترك والإمهال ونأخذ في أمركم، كقول القائل للذي لا شغل له: قد فرغتَ لي. وقال بعضهم: إن الله وعد أهل التقوى وأوعد أهل الفجور، ثم قال: سنفرغ لكم مما وعدناكم وأخبرناكم، فنحاسبكم ونجازيكم وننجز لكم ما وعدناكم، فيتمَّ ذلك ويفرغ منه، وإلى هذا ذهب الحسن ومقاتل.\r{ أَيُّهَا الثَّقَلانِ } ، أي الجن والإنس، سميا ثقلين لأنهما ثقل على الأرض أحياء وأمواتًا، قال الله تعالى: \"وأخرجت الأرض أثقالها\"،( الزلزلة-2 ) وقال بعض أهل المعاني: كل شيء له قدر ووزن ينافس فيه فهو ثقل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي\" (3) فجعلهما ثقلين إعظامًا لقدرهما.\rوقال جعفر بن محمد الصادق: سمي الجن والإنس ثقلين لأنهما مثقلان بالذنوب { فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } .\r{ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا } ، أي تجوزوا وتخرجوا،\r__________\r(1) انظر زاد المسير: 8 / 114 .\r(2) في \"أ\" للمخلوق .\r(3) أخرجه الإمام أحمد: 3 / 14 ، 17. راجع صحيح الجامع رقم: (2457).","part":7,"page":447},{"id":3052,"text":"{ مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } أي من جوانبهما وأطرافهما، { فَانْفُذُوا } معناه إن استطعتم أن تهربوا من الموت بالخروج من أقطار السموات والأرض: فاهربوا واخرجوا منها. [والمعنى] (1) حيثما كنتم أدرككم الموت، كما قال جل ذكره: \"أينما تكونوا يدرككم الموت\"،( النساء-78 ) وقيل: يقال لهم هذا يوم القيامة إن استطعتم أن تجوزوا أطراف السموات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم فجوزوا، { لا تَنْفُذُونَ إِلا بِسُلْطَانٍ } أي: بملك، وقيل بحجة، والسلطان: القوة التي يتسلط بها على الأمر، فالملك والقدرة والحجة كلها سلطان، يريد حيثما توجهتم كنتم في ملكي وسلطاني. وروي عن ابن عباس قال: معناه: إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات والأرض فاعلموا ولن تعلموه إلا بسلطان أي ببينة من الله عز وجل (2) . وقيل قوله: \"إلا بسلطان\" أي إلا إلى سلطان كقوله: \"وقد أحسن بي\"( يوسف-100 ) أي إليّ .\r{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (34) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ (35) }\r{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } ، وفي الخبر: يحاط على الخلق بالملائكة وبلسان من نار ثم ينادون { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا } الآية فذلك قوله عز وجل:\r{ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ } . { يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ } ، قرأ ابن كثير: بكسر الشين والآخرون بضمها ، وهما لغتان، مثل صوار من البقر وصوار. وهو اللهيب الذي لا دخان فيه هذا قول أكثر المفسرين. وقال مجاهد هو اللهب الأخضر المنقطع من النار، { وَنُحَاسٌ } ، قرأ ابن كثير وأبو عمرو \"ونحاس\" بجر السين عطفًا على النار، وقرأ الباقون برفعها عطفًا على الشواظ.\rقال سعيد بن جبير والكلبي: \"النحاس\": الدخان وهو رواية عطاء عن ابن عباس.\rومعنى الرفع يرسل عليكما شواظ، ويرسل نحاس، أي يرسل هذا مرة وهذا مرة، ويجوز أن يرسلا معًا من غير أن يمتزج أحدهما بالآخر، ومن كسر بالعطف على النار يكون ضعيفًا؛ لأنه لا يكون شواظ من نحاس، فيجوز أن يكون تقديره: شواظ من نار وشيء من نحاس، على أنه حكي أن الشواظ لا يكون من النار والدخان جميعًا.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) أخرجه الطبري: 27 / 137. وذكره القرطبي: 17 / 170.","part":7,"page":448},{"id":3053,"text":"قال مجاهد وقتادة: النحاس هو الصُّفْر المذاب يصب على رؤوسهم، وهو رواية العوفي عن ابن عباس. وقال عبد الله بن مسعود: هو المهل.\r{ فَلا تَنْتَصِرَانِ } ، أي فلا تمتنعان من الله ولا يكون لكم ناصر منه.\r{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (36) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38) فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (39) }\r{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } { فَإِذَا انْشَقَّتِ } ، [انفرجت] (1) { السَّمَاءُ } ، فصارت أبوابًا لنزول الملائكة { فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ } ، أي كلون الفرس الورد، وهو الأبيض الذي يضرب إلى الحمرة والصفرة، قال قتادة: إنها اليوم خضراء، ويكون لها يومئذ لون آخر يضرب إلى الحمرة.\rوقيل: إنها تتلون ألوانًا يومئذ كلون الفرس الورد يكون في الربيع أصفر وفي أول الشتاء أحمر فإذا اشتد الشتاء كان أغبر فشبه السماء في تلونها عند انشقاقها بهذا الفرس في تلونه.\r{ كَالدِّهَانِ } ، جمع دهن. شبه تلون السماء بتلون الورد من الخيل، وشبه الوردة في اختلاف ألوانها بالدهن واختلاف ألوانه، وهو قول الضحاك ومجاهد وقتادة والربيع.\rوقال عطاء بن أبي رباح: \"كالدهان\" كعصير الزيت يتلون في الساعة ألوانًا.\rوقال مقاتل: كدهن الورد الصافي. وقال ابن جريج: تصير السماء كالدهن الذائب وذلك حين يصيبها حر جهنم.\rوقال الكلبي: كالدهان أي كالأديم الأحمر وجمعه أدهنة ودهن { فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } . { فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ } ، قال الحسن وقتادة: لا يسئلون عن ذنوبهم لتعلم من جهتهم، لأن الله عز وجل علمها منهم، وكتبت الملائكة عليهم، وهي رواية العوفي عن ابن عباس (2) .\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) انظر الطبري: 27 / 142 ، القرطبي: 17 / 174.","part":7,"page":449},{"id":3054,"text":"وعنه أيضًا: لا تسأل الملائكة المجرمين لأنهم يعرفونهم بسيماهم. دليله: ما بعده، وهذا قول مجاهد (1) .\rوعن ابن عباس في الجمع بين هذه الآية وبين قوله: \"فوربك لنسئلنهم أجمعين\"،( الحجر -92 ) ، قال: لا يسألهم هل عملتم كذا وكذا؟ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يسألهم لم عملتم كذا وكذا؟\rوعن عكرمة أنه قال: إنها مواطن، يسأل في بعضها ولا يسأل في بعضها.\rوعن ابن عباس أيضًا: لا يسألون سؤال شفقة ورحمة وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ.\rوقال أبو العالية: لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم (2) .\r{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (40)\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 27 / 143 ، ابن كثير:4 / 276 . وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 704 لعبد بن حميد وابن جرير وآدم وابن المنذر والبيهقي في الشعب .\r(2) انظر البحر المحيط: 8 / 195.","part":7,"page":450},{"id":3055,"text":"{ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأقْدَامِ (41) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (42) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (44) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (45) }\r{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } { يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ } ، وهو سواد الوجوه وزرقة العيون، كما قال جل ذكره: \"يوم تبيض وجوه وتسود وجوه\"،( آل عمران-106 ) { فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأقْدَامِ } ، تجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي من خلف ويلقون في النار، { فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } .\rثم يقال لهم: { هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ } المشركون 148/ب { يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ } قد انتهى حره. قال الزجَّاج: أَنَى يأنى فهو آن إذا انتهى في النضج، والمعنى: أنهم يسعون بين الجحيم والحميم فإذا استغاثوا من حر النار جعل عذابهم الحميم الآني الذي صار كالمهل، وهو قوله \"وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل\"،( الكهف-29 ) وقال كعب الأحبار: \"آن\" واد من أودية جهنم يجتمع فيه صديد أهل النار فينطلق بهم في الأغلال فيغمسون في ذلك الوادي حتى تنخلع أوصالهم، ثم يخرجون منه وقد أحدث الله تعالى لهم خلقًا جديدًا فيلقون في النار (1) وذلك قوله: \"يطوفون بينها وبين حميم آن\".\r{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } وكل ما ذكر الله تعالى من قوله: \"كل من عليها فان\" إلى\r__________\r(1) انظر: القرطبي: 17 / 175-176.","part":7,"page":450},{"id":3056,"text":"ههنا مواعظ وزواجر وتخويف. وكل ذلك نعمة من الله تعالى ، لأنها تزجر عن المعاصي ولذلك ختم كل آية بقوله: { فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } .\r{ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) }\rثم ذكر ما أعده لمن اتقاه وخافه فقال: { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ } أي: مقامه بين يدي ربه للحساب فترك المعصية والشهوة. وقيل: قيام ربه عليه، بيانه قوله: \"أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت\"( الرعد-33 ) ، وقال إبراهيم ومجاهد: هو الذي يهم بالمعصية فيذكر الله فيدعها من مخافة الله (1) . { جَنَّتَانِ } ، قال مقاتل: جنة عدن وجنة نعيم (2) . قال محمد بن علي الترمذي: جنة لخوفه ربه وجنة لتركه شهوته (3) .\rقال الضحاك: هذا لمن راقب الله في السر والعلانية بعلمه ما عرض له من محرم تركه من خشية الله وما عمل من خير أفضى به إلى الله ، لا يحب أن يطلع عليه أحد .\rوقال قتادة: إن المؤمنين خافوا ذلك المقام فعملوا لله ودأبوا بالليل والنهار (4) .\rأخبرنا أبو الحسن علي بن الحسين القرشي، أخبرنا أبو مسلم غالب بن علي الرازي، حدثنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن يونس، أخبرنا أبو جعفر محمد بن موسى بن عيسى الحلواني، وأخبرنا محمد بن عبيد الهمداني، أخبرنا هاشم بن القاسم عن أبي عقيل هو الثقفي عن يزيد بن سنان سمعت [بكير] (5) بن فيروز قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة\" (6) .\rأخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني،\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 27 / 146. وانظر: الدر المنثور: 7 / 706، القرطبي: 17 / 176.\r(2) انظر: البحر المحيط: 8 / 196.\r(3) انظر: القرطبي: 17 / 176.\r(4) أخرجه الطبري: 27 / 147، وزاد السيوطي في الدر المنثور: 7 / 706 عزوه لعبد بن حميد.\r(5) في \"أ\" بكر، والصحيح ما أثبتناه من \"ب\".\r(6) أخرجه الترمذي في صفة القيامة، باب من خاف أدلج:7 / 146-147 قال أبو عيسى: \"هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث أبي النضر\". وصححه الحاكم: 4 / 307-308 ووافقه الذهبي. وله شاهد عند الحاكم من حديث أبي بن كعب ،والمصنف في شرح السنة: 14 / 271. وانظر: الجامع الصغير وزيادته برقم: (6222) .","part":7,"page":451},{"id":3057,"text":"أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، أخبرنا أحمد بن علي الكشمهيني، أخبرنا علي بن حجر، أخبرنا إسماعيل بن جعفر عن محمد بن أبي حرملة مولى حويطب بن عبد العزي عن عطاء بن يسار، عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص على المنبر وهو يقول: \"ولمن خاف مقام ربه جنتان\" قلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولمن خاف مقام ربه جنتان\" فقلت الثانية: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ولمن خاف مقام ربه جنتان\". فقلت الثالثة: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ قال: \"وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي الدرداء\" (1) .\r{ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52) }\r{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } ثم وصف الجنتين فقال:\r{ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ } ، أغصان، واحدها فنن، وهو الغصن المستقيم طولا. وهذا قول مجاهد وعكرمة والكلبي. وقال عكرمة: ظل الأغصان على الحيطان. قال الحسن: ذواتا ظلال. قال ابن عباس: ألوان. قال سعيد بن جبير والضحاك: ألوان الفاكهة، واحدها فَن من قولهم أفنن فلان في حديثه إذا أخذ في فنون منه وضروب. وجمع عطاء بين القولين فقال: في كل غصن فنون من الفاكهة. وقال قتادة: ذواتا فضل وسعة على ما سواهما { فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } .\r{ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ } ، قال ابن عباس: بالكرامة والزيادة على أهل الجنة. قال الحسن: تجريان بالماء الزلال، إحداهما التسنيم والأخرى السلسبيل. وقال عطية: إحداهما من ماء غير آسن والأخرى من خمر لذة للشاربين { فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } .\r{ فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ } صنفان ونوعان قيل: معناه: إن فيهما من كل ما يتفكه\r__________\r(1) أخرجه النسائي في كتابه \" التفسير\": 2 / 374-375، والإمام أحمد: 2 / 357، وابن أبي عاصم في السنة:2 / 472، والطبري: 27 / 146، وابن خزيمة في التوحيد ص 223، والمصنف في شرح السنة: 14 / 386. وعزاه ابن حجر في المطالب العالية:3 / 382 لابن منيع. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: (7 / 118): \"رواه أحمد والطبراني، ولفظه: عن عروة بن الأسود أنه خرج ..\" وساق الحديث - ثم قال: \"ورجال أحمد رجال الصحيح\". وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 707 لابن منيع والحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبراز وأبي يعلى وابن أبي حاتم وابن المنذر والطبراني وابن مردويه. وصححه الألباني في ظلال الجنة: 2 / 472-473.","part":7,"page":452},{"id":3058,"text":"به ضربين رطبًا ويابسًا. قال ابن عباس: ما في الدنيا ثمرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى الحنظل إلا أنه حلو (1) .\r{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (53) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (55) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (56) }\r{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } .\r{ مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ } ، جمع فراش، { بَطَائِنُهَا } ، جمع بطانة، وهي التي تحت الظهارة. وقال الزجَّاج: وهي مما يلي الأرض. { مِنْ إِسْتَبْرَقٍ } وهو ما غلظ من الديباج. قال ابن مسعود وأبو هريرة: هذه البطائن فما ظنكم بالظواهر (2) ؟ وقيل لسعيد بن جبير: البطائن من إستبرق، فما الظواهر؟ قال: هذا مما قال الله عز وجل: \"فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين\"( السجدة -17 ) (3) وعنه أيضًا قال: بطائنها من إستبرق فظواهرها من نور جامد (4) . وقال ابن عباس: وصف البطائن وترك الظواهر لأنه ليس في الأرض أحد يعرف ما الظواهر (5) .\r{ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ } ، الجنى ما يجتنى من الثمار، يريد: ثمرها دان قريب يناله القائم والقاعد والنائم. قال ابن عباس: تدنو الشجرة حتى يجتنيها ولي الله، إن شاء قائمًا وإن شاء قاعدًا (6) . قال قتادة: لا يردُّ أيديهم عنها بُعْدٌ ولا شوك. { فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } .\r{ فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ } غاضات الأعين، قصرن طرفهن على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم. ولا يردن غيرهم. قال ابن زيد: تقول لزوجها: وعزة ربي ما أرى في الجنة شيئًا أحسن منك، فالحمد لله الذي جعلك زوجي وجعلني زوجتك (7) . { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ } لم يجامعهن ولم [يفترعهن] (8)\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 709 لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. وانظر: البحر المحيط: 8 / 196-197، ابن كثير: 4 / 278.\r(2) لم أجد القول منسوبًا لأبي هريرة وإنما هو لهبيرة كما ذكر الطبري: 27 / 149 أو عن هبيرة بن مريم عن عبد الله بن مسعود كما ذكر ابن كثير: 4 / 278.\r(3) أخرجه الطبري: 27 / 149. وانظر: القرطبي: 17 / 179.\r(4) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 710 لأبي نعيم في الحلية.\r(5) انظر: القرطبي: 17 / 179.\r(6) انظر: البحر المحيط: 8 / 197.\r(7) أخرجه الطبري:27 / 150.\r(8) الافتراع: إزالة البكارة.","part":7,"page":453},{"id":3059,"text":"وأصله من الطمث، وهو الدم ومنه قيل للحائض: طامث، كأنه قال: لم تدمهن بالجماع، { إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ }، قال الزجَّاج: فيه دليل على أن الجني يغشى كما يغشى 149/أ الإنسي. قال مجاهد: إذا جامع الرجل ولم يسم انطوى الجان على إحليله فجامع معه (1) .\rقال مقاتل في قوله: { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ } ، لأنهن خلقن في الجنة. فعلى قوله: هؤلاء من حور الجنة.\rوقال الشعبي: هن من نساء الدنيا لم يُمْسَسْنَ منذ أنشئن خَلْقًا، وهو قول الكلبي (2) يعني: لم يجامعن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه إنس ولا جان .\rوقرأ طلحة بن مصرف: \"لا يطمثهن\" بضم الميم فيهما.\rوقرأ الكسائي إحداهما بالضم، فإن كسر الأولى ضم الثانية وإن ضم الأولى كسر الثانية، لما روى أبو إسحاق السبيعي قال: كنت أصلي خلف أصحاب عليّ رضي الله عنه فأسمعهم يقرؤون: لم يطمثهن بالرفع، وكنت أصلي خلف أصحاب عبد الله بن مسعود فأسمعهم يقرؤون بكسر الميم، وكان الكسائي يضم إحداهما ويكسر الأخرى لئلا يخرج عن هذين الأثرين (3) .\r{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (57) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (58) }\r{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ } ، قال قتادة: صفاء الياقوت في بياض المرجان.\rوروينا عن أبي سعيد في صفة أهل الجنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لكل رجل منهم زوجتان على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ سوقهن دون لحمهما ودمائهما وجلدهما\" (4) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أبو اليمان، أنا شعيب، أخبرنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر والذين على إثرهم كأشد\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 27 / 151، وزاد السيوطي في الدر المنثور: 7 / 711 عزوه للحكيم الترمذي في نوادر الأصول.\r(2) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 711 لسعيد بن منصور وابن المنذر وأبي الشيخ في العظمة.\r(3) معاني القرآن للفراء: 3 / 119.\r(4) قطعة من حديث أخرجه الترمذي في صفة الجنة، باب ما جاء في صفة نساء أهل الجنة: 7 / 239-240 وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\" والإمام أحمد: 3 / 16، والمصنف في شرح السنة: 15 / 212.","part":7,"page":454},{"id":3060,"text":"كوكب إضاءة، قلوبهم على قلب رجل واحد، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، لكل امرىء منهم زوجتان كل واحدة منهما يرى مخ ساقها من وراء لحمها من الحُسْن، يسبحون الله بكرة وعشيًا لا يسقمون ولا يبولون ولا يتغوطون، ولا يتفلون، ولا يتمخطون، آنيتهم الذهب والفضة وأمشاطهم الذهب، ووقود مجامرهم الألوة، ورشحهم المسك\" (1) .\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا الحسين بن محمد بن الحسين، أخبرنا هارون بن محمد بن هارون، أخبرنا حازم بن يحيى الحلواني، أخبرنا سهيل بن عثمان العسكري، أخبرنا عبيدة بن حميد، عن عطاء بن السائب، عن عمرو بن ميمون عن عبد الله ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إن المرأة من أهل الجنة لَيُرَى بياض ساقها من وراء سبعين حلة من حرير، ومخها، إن الله تعالى يقول: كأنهن الياقوت والمرجان، فأما الياقوت فإنه حجر لو أدخلت فيه سلكًا ثم استصفيته لرأيته من ورائه\" (2) .\rوقال عمرو بن ميمون: \"إن المرأة من الحور العين لتلبس سبعين حلة فيرى مخ ساقها من ورائها كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء\" (3) .\r{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (59) هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ (60) }\r{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ } ،أي ما جزاء من أحسن في الدنيا إلا أن يحسن إليه في الآخرة. وقال ابن عباس: هل جزاء من قال: لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إلا الجنة؟ (4) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة 6 / 318، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر..برقم: (2834) : 4 / 2179، والمصنف في شرح السنة: 15 / 211.\r(2) أخرجه هناد في الزهد: 1 / 96، والترمذي في صفة الجنة، باب ما جاء في صفة نساء أهل الجنة: 7 / 238-239، والطبري: 27 / 152، وابن حبان: برقم: (2632) ص 654. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 10 / 418: \"رواه الطبراني وسقط من إسناده رجلان\" . وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 712 أيضًا لابن أبي الدنيا في \"وصف الجنة\" وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في \"العظمة\"، وابن مردويه. وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط.\r(3) أخرجه الطبري: 27 / 152 موقوفًا على عمرو بن ميمون، وهناد في \"الزهد\" مثله: 1 / 97، وأخرجه عبد الرزاق في المصنف: 11 / 414. وانظر تعليق المحقق على كتاب الزهد لهناد: 1 / 97-98.\r(4) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 714 لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه. وانظر: القرطبي: 17 / 182.","part":7,"page":455},{"id":3061,"text":"أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، أخبرنا [ابن شيبة] (1) ، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن بهرام، أخبرنا الحجاج بن يوسف المكتب، أخبرنا بشر بن الحسين، عن الزبير بن عدي، عن أنس بن مالك قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"هل جزاء الإحسان إلا الإحسان\" ثم قال: [هل تدرون ما قال ربكم؟\" قالوا: الله ورسوله أعلم] (2) قال: \"يقول هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة\" (3) .\r{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (61) وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62) }\r{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ } ، أي من دون الجنتين الأوليين جنتان أخريان. قال ابن عباس: من دونهما في الدرج. وقال ابن زيد: من دونهما في الفضل. وقال أبو موسى الأشعري: جنتان من ذهب للسابقين وجنتان من فضة للتابعين. وقال ابن جريج: هن أربع جنتان للمقربين السابقين فيهما من كل من فاكهة زوجان، وجنتان لأصحاب اليمين والتابعين { فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ } .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا علي بن عبد الله، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الصمد، عن أبي عمران، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن\" (4) .\rوقال الكسائي: \"ومن دونهما جنتان\" أي أمامهما وقبلهما، يدل عليه قول الضحاك: الجنتان\r__________\r(1) في \"أ\" أبو شيبة، والصحيح ما أثبتناه من \"ب\". قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: 17 / 384 في ترجمة ابن فنجويه: \"وقد حدث عنه أبو إسحاق الثعلبي في التفسير، وتكلم فيه الحافظ أبو الفضل الفلكي، وقال: ما سمع من عبيد الله بن شيبة. فخرج ساخطًا من همذان فتبعه الفلكي واعتذر، ورجع عن مقالته\".\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\" .\r(3) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 714 للحكيم الترمذي في \"نوادر الأصول\" ، والديلمي في \"مسند الفردوس\"، وابن النجارفي تاريخه. وفيه بشر بن الحسين الأصبهاني، قال ابن حبان في المجروحين والضعفاء: (1 / 190): \"يروي عن الزبير عن عدي بنسخة موضوعة، ما لكثير حديث فيها أصل، يرويها عن الزبير عن أنس شبيهًا بمائة وخمسين حديثًا مسانيد كلها، وإنما سمع الزبير من أنس حديثًا واحدًا..\" وانظر: ميزان الاعتدال للذهبي: 1 / 315-316.\r(4) أخرجه البخاري في التفسير-تفسير سورة الرحمن- باب (ومن دونهما جنتان) 8 / 623-624، ومسلم في الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى برقم: (180): 1 / 163، والمصنف في شرح السنة: 15 / 216.","part":7,"page":456},{"id":3062,"text":"الأوليان من ذهب وفضة والأخريان من ياقوت.\r{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (63) مُدْهَامَّتَانِ (64) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (65) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (66) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (67) }","part":7,"page":457},{"id":3063,"text":"{ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68) }\r{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ مُدْهَامَّتَانِ } ، ناعمتان سوداوان من ريهما وشدة خضرتهما، لأن الخضرة إذا اشتدت ضربت إلى السواد، يقال: إدهام الزرع إذا علاه السواد ريًا ادهيمامًا فهو مدهام.\r{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ } ، فوارتان بالماء لا تنقطعان. \"والنضخ\": فوران الماء من العين، قال ابن عباس: تنضخان بالخير والبركة على أهل الجنة (1) ، وقال ابن مسعود: تنضخان بالمسك والكافور على أولياء الله (2) . وقال أنس بن مالك: تنضخان بالمسك والعنبر في دور أهل الجنة كطش المطر (3) .\r{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ } ، قال بعضهم: ليس النخل والرمان من الفاكهة والعامة على أنها من الفاكهة، وإنما أعاد ذكر النخل والرمان وهما من جملة الفواكه للتخصيص والتفصيل (4) ، كما قال تعالى: \"من كان عدوًا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال\"( البقرة-98 ) .\rأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، أخبرنا عبد الله بن المبارك عن سفيان، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: نخل الجنة جذوعها زمرد أخضر، وورقها ذهب أحمر، وسعفها كسوة لأهل الجنة فيها مقطعاتهم وحللهم، وثمرها أمثال القلال أو الدلاء أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد ليس له عجم (5) .\r{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (69) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (70) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (71) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (72) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (73) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (74) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (75) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (76) }\r{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِنَّ } ، يعني في الجنات الأربع ، { خَيْرَاتٌ حِسَانٌ } روى\r__________\r(1) انظر: الطبري: 27 / 157، القرطبي: 17 / 185.\r(2) انظر: القرطبي: 17 / 185.\r(3) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 7 / 716 لابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم. وانظر: البحر المحيط: 8 / 198، القرطبي: 17 / 185.\r(4) معاني القرآن للفراء: 3 / 119.\r(5) ذكره القرطبي: 17 / 186.","part":7,"page":457},{"id":3064,"text":"الحسن عن أبيه عن أم سلمة قالت: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبرني عن قوله: { خَيْرَاتٌ حِسَانٌ } ، قال: \"خيرات الأخلاق حسان الوجوه\" (1) .\r{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ حُورٌ مَقْصُورَاتٌ } 149/ب محبوسات مستورات في الحجال، يقال: امرأة مقصورة وقصيرة إذا كانت مخدرة مستورة لا تخرج. وقال مجاهد: يعني قصرن طرفهن وأنفسهن على أزواجهن فلا يبغين لهم بدلا.\rوروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"لو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى [أهل] (2) الأرض لأضاءت ما بين السماء والأرض ولملأت ما بينهما ريحًا ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها\" (3) .\r{ فِي الْخِيَامِ } جمع خيمة، أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن المثنى، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الصمد، أخبرنا عمران الجوني، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، عرضها ستون ميلا في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين يطوف عليهم المؤمن\" (4) .\r{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ } ، قال سعيد بن جبير: \"الرفرف\": رياض الجنة. \"خضر\": مخضبة. ويروى ذلك عن ابن عباس، واحدتها رفرفة، وقال: الرفارف جمع الجمع. وقيل: \"الرفرف\" : البسط، وهو قول الحسن ومقاتل والقرظي وروى العوفي عن ابن عباس: \"الرفرف\" : فضول المجالس والبسط.\r__________\r(1) قطعة من حديث أخرجه الطبري: 27 / 158، وعزاه السيوطي في الدر المنثور أيضًا: 7 / 720 للطبراني وابن مردويه. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 7 / 119: \"رواه الطبراني، وفيه سليمان بن أبي كريمة، ضعفه أبو حاتم وابن عدي\".\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) قطعه من حديث أخرجه البخاري في الجهاد، باب الحور العين وصفتهن: 6 / 15 .\r(4) أخرجه البخاري في التفسير -تفسير سورة الرحمن- باب (حور مقصورات في الخيام) : 8 / 624، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في صفة خيام الجنة وما للمؤمنين فيها من الأهلين برقم: (2838) : 4 / 2182.","part":7,"page":458},{"id":3065,"text":"وقال الضحاك وقتادة: هي مجالس خضر فوق الفرش. وقال ابن كيسان: هي المرافق. وقال ابن عيينة الزرابي. وقال غيره: كل ثوب عريض عند العرب فهو رفرف.\r{ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ } هي الزرابي والطنافس الثخان، وهي جُمْعٌ، واحدتها عبقرية، وقال قتادة: \"العبقري\" عتاق الزرابي، وقال أبو العالية: هي الطنافس المخملة إلى الرقة. وقال القتيبي: كل ثوب موشَّى عند العرب: عبقري.\rوقال أبو عبيدة: هو منسوب إلى أرض يعمل بها الوشي.\rقال الخليل: كل جليل نفيس فاخر من الرجال وغيرهم عند العرب: عبقريٌّ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في عمر رضي الله عنه: \"فلم أر عبقريًا يفري فريه\" (1) .\r{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (77) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإكْرَامِ (78) }\r{ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإكْرَامِ } قرأ أهل الشام \"ذو الجلال\" بالواو وكذلك هو في مصاحفهم إجراء على الاسم.\rأخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، أخبرنا أبو محمد بن محمد بن علي بن محمد بن شريك الشافعي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم، حدثنا أبو بكر الجوربذي، أخبرنا أحمد بن حرب، أخبرنا أبو معاوية الضرير عن عاصمٍ عن عبد الله بن الحارث عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سَلَّمَ من الصلاة لم يقعد إلا مقدار ما يقول: \"اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام\" (2) .\r__________\r(1) قطعة من حديث أخرجه البخاري في فضائل الصحابة، باب مناقب عمر بن الخطاب أبي حفص القرشي العدوي -رضي الله عنه- : 7 / 41، ومسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل عمر رضي الله عنه برقم: (2393): 4 / 1862.\r(2) أخرجه مسلم في المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته برقم: (592): 1 / 414.","part":7,"page":459},{"id":3066,"text":"سورة الواقعة مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) }\r{ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ } إذا قامت القيامة. وقيل: إذا نزلت صيحة القيامة وهي النفخة الأخيرة .\r{ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا } لمجيئها { كَاذِبَة } كذب كقوله: \"لا تسمع فيها لاغية\"( الغاشية -11 ) أي: لغو يعني أنها تقع صدقًا وحقًا. و \"الكاذبة\" اسم كالعافية والنازلة.\r{ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ } تخفض أقواما إلى النار وترفع آخرين إلى الجنة. وقال عطاء عن ابن عباس: تخفض أقواما كانوا في الدنيا مرتفعين وترفع أقواما كانوا في الدنيا مستضعفين (2) .\r{ إِذَا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا } حركت وزلزلت زلزالا قال الكلبي: إن الله إذا أوحى إليها اضطربت فرقًا. قال المفسرون: ترج كما يرج الصبي في المهد حتى ينهدم كل بناء عليها وينكسر كل ما عليها من الجبال وغيرها (3) وأصل \"الرج\" في اللغة: التحريك يقال: رججته فارتج.\r{ وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا } [قال عطاء ومقاتل ومجاهد] (4) فتت فتا فصارت كالدقيق المبسوس وهو المبلول. قال سعيد بن المسيب والسدي: كسرت كسرا. وقال الكلبي: سيرت على وجه\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مروديه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: نزلت سورة الواقعة بمكة. انظر: الدر المنثور: 8 / 3.\r(2) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 4 لسعيد بن منصور وابن المنذر وأبي الشيخ في \"العظمة\" عن محمد بن كعب، وكذلك عند ابن كثير: 4 / 283، وعند القرطبي: 17 / 195.\r(3) انظر: القرطبي: 17 / 196.\r(4) ساقط من \"أ\".","part":7,"page":7},{"id":3067,"text":"الأرض تسييرا. قال الحسن: قلعت من أصلها فذهبت نظيرها: \" فقل ينسفها ربي نسفا\"( طه -105 ) قال ابن كيسان جعلت كثيبا مهيلا بعد أن كانت شامخة طويلة.\r{ فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (6) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) }\r{ فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا } غبارًا متفرقًا كالذي يرى في شعاع الشمس إذا دخل الكوة وهو الهباء .\r{ وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا } أصنافا { ثلاثة }، ثم فسرها فقال:\r{ فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ } هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة وقال ابن عباس: هم الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه وقال الله تعالى لهم: هؤلاء في الجنة ولا أبالي (1) . وقال الضحاك: هم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم. وقال الحسن والربيع: هم الذين كانوا ميامين مباركين على أنفسهم وكانت أعمارهم في طاعة الله وهم التابعون بإحسان (2) ثم عجب نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: { مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ } وهذا كما يقال: زيد ما زيد ! يراد زيد شديد.\r{ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ } يعني أصحاب الشمال والعرب تسمي اليد اليسرى الشؤمى ومنه يسمى الشام واليمن لأن اليمن عن يمين الكعبة والشام عن شمالها وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار.\rوقال ابن عباس: هم الذين كانوا على شمال آدم عند إخراج الذرية وقال الله لهم: هؤلاء في النار ولا أبالي.\rوقال الضحاك: هم الذين يؤتون كتبهم بشمالهم. وقال الحسن: هم المشائيم على أنفسهم وكانت أعمارهم في المعاصي (3) .\r{ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ } قال ابن عباس: السابقون إلى الهجرة هم السابقون في الآخرة. وقال عكرمة: السابقون إلى الإسلام. قال ابن سيرين: هم الذين صلوا إلى القبلتين (4) . دليله: قوله:\r__________\r(1) انظر: القرطبي: 17 / 198.\r(2) انظر: البحر المحيط: 8 / 204، القرطبي: 17 / 198.\r(3) انظر: البحر المحيط: 8 / 204.\r(4) أخرجه الطبري: 27 / 171، وانظر: البحر المحيط: 8 / 205.","part":7,"page":8},{"id":3068,"text":"\"والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار\"( التوبة -100 ).\rقال الربيع بن أنس: السابقون إلى إجابة الرسول صلى الله عليه وسلم في الدنيا هم السابقون إلى الجنة في العقبى.\rوقال مقاتل: 150/أ إلى إجابة الأنبياء بالإيمان (1) .\rوقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: إلى الصلوات الخمس. وقال الضحاك: إلى الجهاد (2) .\rوقال سعيد بن جبير: هم المسارعون إلى التوبة وإلى أعمال البر (3) . قال الله تعالى: \"سابقوا إلى مغفرة من ربكم\"( الحديد -21 ) \"وسارعوا إلى مغفرة من ربكم\"( آل عمران -133 )\rثم أثنى عليهم فقال: أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون\" قال ابن كيسان: والسابقون إلى كل ما دعا الله إليه.\rوروي عن كعب قال: هم أهل القرآن المتوجون يوم القيامة . وقيل: هم أولهم رواحا إلى المسجد وأولهم خروجا في سبيل الله (4) . وقال القرظي: إلى كل خير.\r{ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ (14) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (16) }\r{ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ } من الله . { فِي جَنَاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ } أي من الأمم الماضية من لدن آدم عليه السلام إلى زمان نبينا صلى الله عليه وسلم والثلة: جماعة غير محصورة العدد.\r{ وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ } يعني من هذه الأمة قال الزجاج: الذين عاينوا جميع النبيين من لدن آدم عليه الصلاة والسلام وصدقوهم أكثر ممن عاين النبي صلى الله عليه وسلم.\r{ عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ } منسوجة كما توضن حلق الدرع فيدخل بعضها في بعض. قال المفسرون: هي موصولة منسوجة بالذهب والجواهر. وقال الضحاك: موضونة مصفوفة.\r{ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ } لا ينظر بعضهم في قفا بعض.\r__________\r(1) انظر: البحر المحيط: 8 / 205 .\r(2) انظر: القرطبي: 17 / 199.\r(3) انظر: القرطبي: 17 / 199.\r(4) انظر: الطبري: 27 / 171 ، ابن كثير: 4 / 284.","part":7,"page":9},{"id":3069,"text":"{ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لا يصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا ينزفُونَ (19) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ (22) }\r{ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ } للخدمة { وِلْدَان } [غلمان] (1) { مُخَلَّدُونَ } لا يموتون ولا يهرمون ولا يتغيرون. وقال الفراء: [تقول العرب لمن كبر ولم يشمط: إنه مخلد] (2) .\rقال ابن كيسان: يعني ولدانا لا يحولون من حالة إلى حالة.\rقال سعيد بن جبير: مقرَّطون، يقال: خلد جاريته إذا حلاها بالخَلَد، وهو القُرْط (3) .\rقال الحسن: هم أولاد أهل الدنيا لم تكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها لأن الجنة لا ولادة فيها فهم خدام أهل الجنة (4) . { بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ } فالأكواب: جمع كوب، وهي الأقداح المستديرة الأفواه، لا آذان لها ولا عرى، والأباريق وهي: ذوات الخراطيم، سميت أباريق لبريق لونها من الصفاء. { وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ } خمر جارية. { لا يصَدَّعُونَ عَنْهَا } لا تصدع رءوسهم من شربها { ولا ينزفُونَ } أي لا يسكرون [هذا إذا قرئ بفتح الزاي ومن كسر فمعناه لا ينفد شرابهم] (5) . { وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ } يختارون ما يشتهون يقال تخيرت الشيء إذا أخذت خيره . { وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ } قال ابن عباس يخطر على قلبه لحم الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى ويقال إنه يقع على صحفة الرجل فيأكل منه ما يشتهي ثم يطير فيذهب . { وَحُورٌ عِينٌ } قرأ أبو جعفر، وحمزة والكسائي: بكسر الراء والنون، أي: وبحورٍ عينٍ، أتبعه قوله: \"بأكواب وأباريق\" وفاكهة ولحم طير\" في الإعراب وإن اختلفا في المعنى لأن الحور لا يطاف بهن، كقول الشاعر: إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا (6)\r__________\r(1) ساقط من \"أ\" .\r(2) معاني القرآن للفرأ: 3 / 122 وفيه: \" والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط: إنه لمخلد\" .\r(3) انظر: البحر المحيط: 8 / 205، القرطبي: 17 / 202.\r(4) انظر: القرطبي: 17 / 203.\r(5) إذا قرأت (لا ينزفون) بفتح الزاي فمعناها: لا يسكرون، وهي القراءة التي قرأ بها البغوي. وإلا فمعناها - بالكسر - لا ينفذ شرابهم.\r(6) البيت للراعي النميري، انظر: معاني القرآن للفراء: 3 / 123.","part":8,"page":10},{"id":3070,"text":"والعين لا تزجج وإنما تكحل، ومثله كثير. وقيل: معناه ويكرمون بفاكهة ولحم طير وحور عين.\rوقرأ الباقون بالرفع، أي: ويطوف عليهم حور عين. وقال الأخفش رفع على معنى لهم حور عين، وجاء في تفسيره: \"حور عين\" بيض ضخام العيون.\r{ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا (25) إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا (26) وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) }\r{ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ } المخزون في الصدف لم تمسه الأيدي. ويروى: أنه يسطع نور في الجنة، قالوا: وما هذا؟ قالوا: ضوء ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها.\rويروى أن الحوراء إذا مشت يسمع تقديس الخلاخل من ساقيها وتمجيد الأسورة من ساعديها، وإن عقد الياقوت ليضحك من نحرها وفي رجليها نعلان من ذهب شراكهما من لؤلؤ يصران بالتسبيح. { جَزَاءَ بِمَا كَانُواْ يَعمَلُونَ } .\r{ لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغوًا ولا تَأْثِمًا إِلا قِيلا } أي قولا { سَلامًا سَلامًا } نصبهما اتباعا لقوله \"قيلا\" أي يسمعون قيلا سلامًا سلامًا. قال عطاء: يحيي بعضهم بعضا بالسلام. ثم ذكر أصحاب اليمين وعجَّب من شأنهم فقال جل ذكره: { وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ } { فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ } لا شوك فيه كأنه خُضِد شوكة، أي قطع ونزع منهُ، هذا قول ابن عباس وعكرمة (1) .\rوقال الحسن. لا يعقر الأيدي. قال ابن كيسان: هو الذي لا أذى فيه قال: وليس شيء من ثمر الجنة في غلف كما يكون في الدنيا من الباقلاء وغيره بل كلها مأكول ومشروب ومشموم ومنظور إليه. قال الضحاك ومجاهد: هو الموقر حملا (2) .\rقال سعيد بن جبير: ثمارها أعظم من القلال. (3) .\rقال أبو العالية والضحاك: نظر المسلمون إلى وَج -وهو واد مخصب بالطائف -فأعجبهم سدرها وقالوا يا ليت لنا مثل هذا فأنزل الله هذه الآية (4) .\r__________\r(1) انظر: الطبري: 27 / 179 - 180، وهو قول عطاء، انظر: جزء في تفسير عطاء ص (110).\r(2) انظر: الطبري: 27 / 180، القرطبي: 17 / 207 .\r(3) انظر: الطبري: 27 / 180، القرطبي: 17 / 207.\r(4) ذكره القرطبي: 17 / 207.","part":8,"page":11},{"id":3071,"text":"{ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) وَمَاءٍ مَسْكْوبٍ (31) }\r{ وَطَلْح } أي: موز، واحدتها طلحة، عن أكثر المفسرين. وقال الحسن: ليس هو بالموز ولكنه شجر له ظل بارد طيب. قال الفراءُ وأبو عبيدة: الطلح عند العرب: شجر عظام لها شوك.\rوروى [مجالد] (1) عن الحسن بن سعد قال: قرأ رجل عند علي رضي اللهُ عنه: \"وطلح منضود\" فقال: وما شأن الطلح؟ إنما هو: طلع منضود، ثم قرأ: \"طلعها هضيم\" قلت: يا أمير المؤمنين إنها في المصحف بالحاء أفلا تحولها؟ فقال: إن القرآن لا يهاج اليوم ولا يحول. (2)\rو\"المنضود\" المتراكم الذي قد نضد بالحمل من أوله إلى آخره، ليست هو سوق بارزة قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أفنائها ثمر كله. { وَظِلٍّ مَمْدُودٍ } دائم لا تنسخه الشمس والعرب تقول للشيء الذي لا ينقطع: ممدود.\rأخبرنا أبو علي حسان ابن سعيد المنيعي أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا أبو الحسن أحمد بن يوسف السلمي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال: حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها\" (3) .\rوروى عكرمة عن ابن عباس في قوله: { وَظِلٍّ مَمْدُودٍ } قال: شجرة في الجنة على ساق العرش يخرج إليها أهل الجنة فيتحدثون في أصلها ويشتهي بعضهم لهو الدنيا فيرسل الله عز وجل عليها ريحا من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو في الدنيا (4) . { وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ } مصبوب يجري دائما في غير أخدود لا ينقطع 150/ب\r__________\r(1) في \"ب\" مجاهد .\r(2) أخرجه الطبري: 27 / 180 - 181، وابن الأنباري في \"المصاحف \" كنز العمال: 2 / 519، وعزاه ابن كثير: 4 / 289 لابن أبي حاتم =مختصرا. وهي رواية غير صحيحة كما نبه على ذلك الطيبي: وكيف يقر أمير المؤمنين كرم الله وجهه تحريفا في كتاب الله تعالى المتداول بين الناس؟ أو كيف يظن بأن نقلة القرآن الكريم ورواته وكتَّابه من قبل تعمدوا ذلك أو غفلوا عنه؟ هذا، والله تعالى قد تكفل بحفظه. سبحانك هذا بهتان عظيم. انظر: روح المعاني للآلوسي: 27 / 141 .\r(3) أخرجه عبد الرزاق في المصنف: 11 / 417، والبخاري في بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة: 6 / 319 - 320، ومسلم في الجنة، باب إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مئة عام لا يقطعها برقم: (2826): 4 / 2175، والمصنف في شرح السنة: 15 / 207.\r(4) عزاه الحافظ ابن كثير: 4 / 290 - 291 لابن أبي حاتم، وقال: \"هذا أثر غريب، وإسناده جيد قوي حسن\".","part":8,"page":12},{"id":3072,"text":"{ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) }\r{ وَفَاكِهةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ } قال ابن عباس: لا تنقطع إذا جنيت، ولا تمتنع من أحد أراد أخذها. وقال بعضهم: لا مقطوعة بالأزمان ولا ممنوعة بالأثمان، كما ينقطع أكثر ثمار الدنيا إذا جاء الشتاء، ولا يتوصل إليها إلا بالثمن. وقال القتيبي: يعني لا يحظر عليها كما يحظر على بساتين الدنيا.\rوجاء في الحديث: \"ما قطعت ثمرة من ثمار الجنة إلا أبدل الله مكانها ضعفين\" (1) . { وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ } قال علي: \"وفرش مرفوعة\" على الأسرة. وقال جماعة من المفسرين: بعضها فوق بعض فهي مرفوعة عالية.\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرني ابن فنجويه، حدثنا ابن حبيش، حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي حدثنا أبو كريب، حدثنا رِشْدِين بن سعد، عن عمرو بن الحارث عن دراج أبي السمح، عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: \"وفرش مرفوعة\" قال: \"إن ارتفاعها لَكَما بين السماء والأرض وإن ما بين السماء والأرض لمسيرة خمسمائة عام\" (2)\rوقيل أراد بالفرش النساء، والعرب تسمى المرأة فراشا ولباسا على الاستعارة \"مرفوعة\" رفعن بالجمال والفضل على نساء الدنيا دليل هذا التأويل قوله في عقبه: { إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً } { إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً } خلقناهن خلقًا جديدًا قال ابن عباس: يعني الآدميات العجز الشمط، يقول خلقناهن بعد الهرم خلقا آخر. { فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا } عذارى.\r__________\r(1) انظر: مجمع الزوائد: 10 / 414.\r(2) أخرجه الترمذي في صفة الجنة، باب ما جاء في صفة ثياب أهل الجنة: 7 / 247 وقال: \"هذا حديث غريب، لا تعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد، وقال بعض أهل العلم في تفسير هذا الحديث: معناه أن الفرش في الدرجات، وبين الدرجات كما بين السماء والأرض\" ، والإمام أحمد في المسند: 3 / 75، والطبري: 27 / 185، وعزاه المنذري في الترغيب والترهييب: 4 / 530 لابن أبي الدنيا والترمذي ونقل عن الحافظ قال: \"رواه ابن حبان في صحيحه والبيهقي وغيرهما من حديث ابن وهب أيضا عن عمرو بن الحارث عن دراج\" . وضعفه الألباني في تعليقه على المشكاة: 3 / 1567، وانظر: تفسير ابن كثير: 4 / 290 .","part":8,"page":13},{"id":3073,"text":"أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي عن الهيثم بن كليب الشاشي أخبرنا أبو عيسى الترمذي أخبرنا عبد بن حميد، أخبرنا مصعب ابن المقدام، أخبرنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: أتت عجوز النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة فقال: \"يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز\"، قال: فولَّت تبكي قال: \"أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: \"إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا\" (1)\rأخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد الخطيب، أخبرنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن منصور، أخبرنا أبو بكر بن محمد بن سليمان بن الحارث الواسطي ببغداد، أخبرنا خلاد بن يحيى بن صفوان السلمي حدثنا سفيان الثوري عن يزيد بن أبان، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: \"إنا أنشأناهن إنشاءً\" قال: عجائز، كن في الدنيا عمشا رمصا. فجعلهن أبكارًا (2) .\rوقال المسيب بن شريك: هن عجائز الدنيا أنشأهن الله تعالى خلقا جديدا كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا. (3) .\rوذكر المسيب عن غيره: أنهن فضّلنَ على الحور العين بصلاتهن في الدنيا (4) .\rوقال مقاتل وغيره: هن الحور العين أنشأهن اللهُ لم يقع عليهن ولادة فجعلناهن أبكارا عذارى وليس هناك وجع\r{ عُرُبًا أَتْرَابًا (37) }\r{ عُرُبًا } قرأ حمزة وإسماعيل عن نافع وأبو بكر: \"عُرْبًا\" ساكنة الراء، الباقون بضمها\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الشمائل المحمدية، صفحة: (141) مع شرح الباجوري وهو مرسل. وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 15 لعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في البعث. وقال الأرناؤوط: فيه المبارك بن فضالة، وهو مدلس، وقد عنعن. انظر: شرح السنة: 13 / 183 .\r(2) أخرجه الترمذي في تفسير سورة الواقعة: 9 / 183 وقال: \"هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث موسى بن عبيدة، وموسى بن عبيدة ويزيد بن أبان الرقاشي يضعفان في الحديث\" ، والطبري: 27 / 185. وعزاه ابن كثير: 4 / 292 أيضا لابن أبي حاتم .\r(3) انظر: القرطبي:17 / 211.\r(4) قطعة من حديث طويل ذكره ابن كثير في التفسير عن أم سلمة: 4 / 292 -293 وعزاه للطبراني. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 10 / 418 \"رواه الطبراني في الأوسط والكبير بنحوه، وفي إسنادهما سليمان بن أبي كريمة وهو ضعيف\" .","part":8,"page":14},{"id":3074,"text":"وهي جمع \"عَروب\" أي: عواشق متحببات إلى أزواجهن. قاله الحسن ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير، وهي رواية الوالبي عن ابن عباس.\rوقال عكرمة عنه: مَلِقَة. وقال عكرمة: غَنِجَة. وقال أسامة بن زيد عن أبيه: \"عربًا\" حسنات الكلام.\r{ أَتْرَابًا } مستويات في السن على سن واحد.\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرني ابن فنجويه، حدثنا ابن شيبة حدثنا الفريابي عن علي بن أبي شيبة أخبرنا يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"يدخل أهل الجنةِ الجنةَ جردًا مردًا بيضًا جعادًا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين على خلق آدم طوله ستون ذراعا في سبعة أذرع (1) .\rأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي أخبرنا عبد الله بن محمود، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك عن رشدين بن سعد، حدثني عمرو بن الحارث عن دراج أبي السمح عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف خادم واثنتان وسبعون زوجة وتنصب له قبة [من لؤلؤ وزبرجد وياقوت] (2) . كما بين الجابية إلى صنعاء\" (3) .\rوبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"ينظر إلى وجهه في خدها أصفى من المرآة وإن أدنى لؤلؤة عليها تضيء ما بين المشرق والمغرب، وإنه ليكون عليها سبعون ثوبا ينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك\" (4) .\rوبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"من مات من أهل الجنة من صغير أو كبير يرَدُّون أبناء ثلاثين سنة في الجنة لا يزيدون عليها أبدا وكذلك أهل النار\" (5) .\r__________\r(1) أخرجه الإمام أحمد: 2 / 295 ، 343 ،415، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" برقم: (8072). ورواه الترمذي عن معاذ بنحوه في صفة الجنة: 7 / 254 وقال: \"هذا حديث غريب\" .\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) أخرجه الترمذي في صفة الجنة، باب ما جاء ما لأدنى أهل الجنة من الكرامة: 7 / 284 وقال: \"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد\" . ورشدين بن سعد ودراج كلاهما ضعيف. والإمام أحمد: 3 / 86 ، وابن حبان في موارد الظمان برقم: (2638)، صفحة: (656)، والمصنف في شرح السنة: 15 / 219 . وضعفه الألباني في تعليقه على المشكاة برقم: (5648).\r(4) انظر: التعليق السابق.\r(5) انظرأ التعليق السابق.","part":8,"page":15},{"id":3075,"text":"وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إن عليهم التيجان، إن أدنى لؤلؤة فيها تضيء ما بين المشرق والمغرب\" (1) .\rأخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة أخبرنا أبو طاهر الحارثي أخبرنا محمد بن يعقوب، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، أخبرنا عبد الله بن المبارك عن محمد بن سليم عن الحجاج بن عتاب العبدي عن عبد الله بن معبد الرماني عن أبي هريرة قال: أدنى أهل الجنة منزلة -وما منهم دنيء -لمن يغدو عليه ويروح عشرة آلاف خادم، مع كل واحد منهم طريفة ليست مع صاحبه (2) .\r{ لأصْحَابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ (40) }\rقوله عز وجل { لأصْحَابِ الْيَمِينِ } يريد أنشأناهن لأصحاب اليمين. { ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ } من المؤمنين الذين كانوا قبل هذه الأمة. { وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ } من مؤمني هذه الأمة هذا قول عطاء ومقاتل.\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرني الحسين بن محمد العدل، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدقاق، حدثنا محمد بن عبد العزيز، حدثنا 151/أ عيسى بن المساور، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عيسى بن موسى عن عروة بن رويم قال: لما أنزل الله على رسوله \"ثلة من الأولين وقليل من الآخرين\" بكى عمر رضي الله عنهُ وقال: يا نبي الله آمنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقناه ومن ينجو منا قليل؟ فأنزل الله عز وجل: \"ثلة من الأولين وثلة من الآخرين\" فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر فقال: \"قد أنزل الله عز وجل فيما قلت\" فقال عمر رضي الله عنه: رضينا عن ربنا وتصديق نبينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"من آدم إلينا ثلة ومنى إلى يوم القيامة ثلة ولا يستتمها إلا سودان من رعاة الإبل ممن قال لا إله إلا الله (3) .\r\"أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا مسدد حدثنا حصين بن نمير عن حصين بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال: \"عُرضت عليّ الأمم فجعل يمر النبي\r__________\r(1) انظر: التعليق السابق.\r(2) أخرجه المصنف في شرح السنة: 15 / 219. قال محققه: \" محمد بن سليم هو أبو هلال الراسبي، فيه لين، وشيخه الحجاج ابن عتاب لم أقف له على ترجمة\".\r(3) حديث مرسل، وغالب أحاديث عروة مراسيل وانظر: زاد المسير: 8 / 143.","part":8,"page":16},{"id":3076,"text":"ومعه الرجلُ والنبي ومعه الرجلان، والنبي معه الرهطُ والنبي ليس معه أحد ورأيت سوادًا كثيرًا سدَّ الأفق فرجوت أن يكونوا أمتي فقيل: هذا موسى في قومه، ثم قيل لي: انظر، فرأيت سوادًا كثيرًا سدَّ الأفق، فقيل لي: انظر هكذا وهكذا فرأيت سوادًا كثيرًا سدَّ الأفق، فقيل: هؤلاء أمتك، ومع هؤلاء سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، فتفرق الناس ولم يبين لهم فتذاكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أما نحن فولدنا في الشرك، ولكنا آمنا بالله ورسوله، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: \"هم الذين لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون\" فقام عكاشة بن محصن فقال: أمنهم أنا يا رسول الله؟ فقال: نعم فقام آخر فقال: أمنهم أنا؟ قال عليه السلام: \"قد سبقك بها عكاشة\" (1)\rورواه عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"عرضتْ عليَّ الأنبياء الليلة بأتباعها حتى أتى علي موسى عليه السلام في كبكبة بني إسرائيل فلما رأيتهم أعجبوني فقلت: أي رب هؤلاء؟ قيل: هذا أخوك موسى ومن معه من بني إسرائيل، قلت: رب فأين أمتي؟ قيل: انظر عن يمينك، فإذا ظراب مكة قد سدت بوجوه الرجال، قيل: هؤلاء أمتك أرضيت؟ قلت: رب رضيت، رب رضيت، قيل انظر عن يسارك، فإذا الأفق قد سدَّ بوجوه الرجال، قيل: هؤلاء أمتك أرضيت؟ قلت: رب رضيت: فقيل: إن مع هؤلاء سبعين ألفا يدخلون الجنة لا حساب لهم، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم إن استطعتم أن تكونوا من السبعين فكونوا وإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الظراب، وإن عجزتم فكونوا من أهل الأفق، فإني قد رأيت ثم أناسا يتهاوشون كثيرًا\" (2) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة فقال: \"أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قلنا: نعم، قال: أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قلنا: نعم، قال: والذي نفس محمد بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة وما أنتم في أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود أو كالشعرة السوداء في جلد الثور الأحمر (3) (4) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الطب، باب من اكتوى أو كوى غيره ...: 10 / 155 ، ومسلم في الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب برقم: (220): 1 / 199 - 200، والمصنف في شرح السنة: 15 / 135 - 136 .\r(2) أخرجه الإمام أحمد: 1 / 401، والطبري: 27 / 190، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 10 / 406 \"رواه أحمد بأسانيد والبزاز أتم منه والطبراني وأبو يعلى باختصار كثير، وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح\" .\r(3) في \"أ\" الأبيض.\".\r(4) أخرجه مسلم في الإيمان، باب كون هذه الأمة نصف أهل الجنة برقم: (221): 1 / 200 - 201.","part":8,"page":17},{"id":3077,"text":"وذهب جماعة إلى أن الثُّلتين جميعا من هذه الأمة وهو قول أبي العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحاك، قالوا: \"ثلة من الأولين\" من سابقي هذه الأمة \"وثلة من الآخرين\" من آخر هذه الأمة في آخر الزمان.\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرني الحسين بن محمد الدينوري حدثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب، حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان عن أبان بن أبي عياش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية: \"ثلة من الأولين وثلة من الآخرين\" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"هما جميعا من أمتي\" (1)\r{ وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكَانُوا يصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) }\rقوله تعالى: { وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ } ريح حارة { وَحَمِيمٍ } ماء حار { وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ } دخان شديد السواد، تقول العرب: أسود يحموم إذا كان شديد السواد، وقال الضحاك: النار سوداء وأهلها سود، وكل شيء فيها أسود. وقال ابن كيسان: \"اليحموم\" اسم من أسماء النار. { لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ } قال قتادة: لا بارد المنزل ولا كريم المنظر. وقال سعيد بن المسيب: ولا كريم ولا حسن نظيره \"من كل زوج كريم\"( الشعراء -7 ) . وقال مقاتل: طيب. { إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ } يعني في الدنيا { مُتْرَفِينَ } منعمين. { وَكَانُوا يصِرُّونَ } يقيمون { عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ } على الذنب الكبير وهو الشرك . وقال الشعبي: \"الحنث العظيم\" اليمين الغموس . ومعنى هذا: أنهم كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون وكذبوا في ذلك. { وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَك،نَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ } قرأ أبو جعفر، ونافع\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 27 / 19، ورواه أبو داود الطيالسي موقوفا، ومسدد موقوفا ومرفوعا عن أبي بكرة، ومدار إسناديهما على علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، وله شاهد عند أحمد. ورواه الطبراني بإسنادين قال الهيثمي في (مجمع الزوائد: 7 / 119: ) رجال أحدهما رجال الصحيح غير علي بن زيد وهو ثقة سيئ الحفظ) انظر: المطالب العالية لابن حجر: 3 / 383 مع حاشية المحقق.","part":8,"page":18},{"id":3078,"text":"والكسائي ويعقوب: \"أئذا\" مستفهمًا \"إنَّا\" بتركه، وقرأ الآخرون بالاستفهام فيهما.\r{ أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ (48) قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (50) }","part":8,"page":19},{"id":3079,"text":"{ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (54) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55) هَذَا نزلهمْ يَوْمَ الدِّينِ (56) نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ (57) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) }\r{ أَوَآبَاؤُنَا الأوَّلُونَ قُلْ إِنَّ الأوَّلِينَ وَالآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ } قرأ أهل المدينة، وعاصم، وحمزة: \"شُرب\" بضم الشين. وقرأ الباقون بفتحها وهما لغتان، فالفتح على المصدر، والضم اسم بمعنى المصدر كالضَّعف والضُّعف و \"الهيم\" الإبل العطاش، قال عكرمة وقتادة: الهيام: داء يصيب الإبل لا تروى معه، ولا تزال تشرب حتى تهلك. يقال: جمل أهيم، وناقة هيماء، والإبل هيم. وقال الضحاك وابن عيينة: \"الهيم\" الأرض السهلة ذات الرمل.\r{ هَذَا نزلهمْ } يعني ما ذكر من الزقوم والحميم، أي رزقهم وغذاؤهم وما أعد لهم، { يَوْمَ الدِّينِ } يوم يجازون بأعمالهم ثم احتج عليهم في البعث بقوله: { نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ } قال مقاتل: خلقناكم ولم تكونوا شيئا وأنتم تعلمون ذلك 151/ب { فَلَوْلا } فهلا { تُصَدِّقُونَ } بالبعث. { أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ } تصبون في الأرحام من النطف. { أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ } يعني أأنتم تخلقونه ما تمنون بشرًا { أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنَا } قرأ ابن كثير بتخفيف الدال والباقون بتشديدها وهما لغتان { بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ } قال مقاتل: فمنكم من يبلغ الهرم ومنكم من يموت صبيًا وشابًا. وقال الضحاك: تقديره: إنه جعل أهل السماء وأهل الأرض فيه سواء، فعلى هذا يكون معنى \"قدَّرنا\": قضينا.\r{ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } بمغلوبين عاجزين عن إهلاككم وإبدالكم بأمثالكم فذلك قوله عز وجل: { عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ }","part":8,"page":19},{"id":3080,"text":"{ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الاولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (62) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) }\rفذلك قوله عز وجل: { عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ } يعني: نأتي بخلق مثلكم بدلا منكمُ، { وَنُنْشِئَكُم } نخلقكم { فِي مَا لا تَعْلَمُونَ } من الصور، قال مجاهد: في أي خلق شئنا (1) .\rوقال الحسن: أي نبدل صفاتكم فنجعلكم قردة وخنازير، كما فعلنا بمن كان قبلكم (2) يعني: إن أردنا أن نفعل ذلك ما فاتنا ذلك. وقال سعيد بن المسيب: \"فيما لا تعلمون\" يعني: في حواصل طير سود، تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف، وبرهوت واد باليمن (3) . { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الاولَى } الخلقة الأولى ولم تكونوا شيئًا. { فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ } أني قادر على إعادتكم كما قدرت على إبدائكم. { أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ } يعني: تثيرون من الأرض وتلقون فيها من البذر. { أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ } تنبتونه { أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ } المنبتون. { لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا } قال عطاء: تبنًا لا قمح فيه وقيل: هشيمًا لا ينتفع به في مطعم وغذاء { فَظَلْتُم } وأصله: فظللتم حذفت إحدى اللامين تخفيفا. { تَفَكَّهُونَ } تتعجبون بما نزل بكم في زرعكم [وهو قول عطاء والكلبي ومقاتل. وقيل تندمون على نفقاتكم] (4) وهو قول يمان نظيره: \"فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها\" (الكهف -42) وقال الحسن: تندمون على ما سلف منكم من المعصية التي أوجبت تلك العقوبة. وقال عكرمة : تتلاومون. وقال ابن كيسان: تحزنون. قال الكسائي: هو تلهف على ما فات، وهو من الأضداد، تقول العرب: \"تفكهت\" أي: تنعمت و\"تفكهت\" أي: حزنت. { إِنَّا لَمُغْرَمُونَ } قرأ أبو بكر عن عاصم \"أئنا\" بهمزتين وقرأ الآخرون على الخبر، ومجاز الآية: فظلتم تفكهون وتقولون إنا لمغرمون. وقال مجاهد وعكرمة لمولَع بنا. وقال ابن عباس\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 27 / 197 ، وزاد السيوطي في الدرالمنثور: 8 / 23عزوه لعبد بن حميد وابن المنذر.\r(2) انظر: البحر المحيط: 8 / 211 ، القرطبي: 17 / 217.\r(3) انظر: القرطبي: 17 / 217 .\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":8,"page":20},{"id":3081,"text":"وقتادة: معذبون، والغرام العذاب. وقال الضحاك وابن كيسان: غرمنا أموالنا وصار ما أنفقنا غرمًا علينا والمغرم الذي ذهب ماله بغير عوض، وهو قوله:\r{ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنزلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (70) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (73) }\r{ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ } محدودون ممنوعون، أي: حرمنا ما كنا نطلبه من الريع في الزرع. { أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنزلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ } السحاب، واحدتها: مُزْنَة { أَمْ نَحْنُ الْمُنزلُونَ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ اجَاجًا } قال ابن عباس: شديد الملوحة، قال الحسن: مُرًّا. { فَلَوْلا تَشْكُرُونَ } { أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ } تقدحون وتستخرجون من زَنْدكم. { أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا } التي تقدح منها [النار] (1) وهي المرخ والعفار { أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً } [يعني نار الدنيا] (2) تذكرة للنار الكبرى إذا رآها الرائي ذكر جهنم قاله عكرمة ومجاهد ومقاتل. وقال عطاء: موعظة يتعظ بها المؤمن.\rأخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد الفقيهُ حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"نار بني آدم التي يوقدون جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم\" قالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية، قال: \"فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا\" (3) .\r{ وَمَتَاعًا } بُلْغة ومنفعة { لِلْمُقْوِينَ } المسافرين و\"المقوي\": النازل في الأرض والقِيُّ والقوا هو: القفر الخالية البعيدة من العمران، يقال: أقوت الدار إذا خلت من سكانها. والمعنى: أنه ينتفع\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) أخرجه الإمام مالك في الموطأ كتاب جهنم، باب ما جاء في صفة جهنم: 2 / 994 ، والبخاري في بدء الخلق، باب صفة النار وأنها مخلوقة: 6 / 330، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها ، باب في شدة حر نار جهنم برقم: (2843): 4 / 2184، والمصنف في شرح السنة: 15/239.","part":8,"page":21},{"id":3082,"text":"بها أهل البوادي والأسفار، فإن منفعتهم بها أكثر من منفعة المقيم وذلك أنهم يوقدونها ليلا لتهرب منهم السباع ويهتدي بها الضُّلال وغير ذلك من المنافع، هذا قول أكثر المفسرين.\rوقال مجاهد وعكرمة: \"للمقوين\" يعني للمستمتعين بها من الناس أجمعين، المسافرين والحاضرين، يستضيئون بها في الظلمة ويصطلون من البرد، وينتفعون بها في الطبخ والخبز.\rقال الحسن: بُلْغة للمسافرين، يتبلغون بها إلى أسفارهم، يحملونها في الخرق والجواليق.\rوقال ابن زيد: للجائعين تقول العرب: أقويت منذ كذا وكذا أي: ما أكلت شيئا.\rقال قطرب: \"المقوي\" من الأضداد، يقال للفقير: مقوٍ لخلوه من المال، ويقال للغني: مقوٍ، لقوَّته على ما يريد، يقال: أقوى الرجل إذا قويت دوابه وكثر مالهُ، وصار إلى حالة القوة. والمعنى أن فيها متاعًا للأغنياء والفقراء جميعًا لا غنى لأحد عنها.\r{ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74) فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) }","part":8,"page":22},{"id":3083,"text":"{ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) }\r{ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ } . قوله عز وجلّ: { فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ } ، قال أكثر المفسرين: معناه: أقسمُ و\"لا\" صلة، وكان عيسى بن عمر يقرأ: فَلأقْسِمُ على التحقيق. وقيل: قوله \"فلا \" رد لما قاله الكفار في القرآن إنه سحر وشعر وكهانة، معناه: ليس الأمر كما يقولون، ثم استأنف القسم، فقال: { أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ } قرأ حمزة والكسائي: \"بموقع\" على التوحيد. وقرأ الآخرون بمواقع على الجمع. قال ابن عباس: أراد نجوم القرآن، فإنه كان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم متفرقًا نجومًا. وقال جماعة من المفسرين: أراد مغارب النجوم ومساقطها. وقال عطاء بن أبي رباح: أراد منازلها. وقال الحسن: أراد انكدارها وانتثارها يوم القيامة.\r{ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ } ، يعني هذا الكتاب وهو موضع القسم. { لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ } عزيز مكرم لأنه كلام الله. قال بعض أهل المعاني: الكريم الذين من شأنه أن يعطي الخير الكثير. { فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ } مصون عند الله في اللوح المحفوظ، محفوظ من الشياطين.","part":8,"page":22},{"id":3084,"text":"{ لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ (79) }\r{ لا يَمَسُّهُ } أي ذلك الكتاب المكنون، { إِلا الْمُطَهَّرُونَ } وهم الملائكة الموصوفون بالطهارة، يروى هذا عن أنس، وهو قول سعيد بن جبير، وأبي العالية، وقتادة وابن زيد: أنهم الملائكة، وروى حسان عن الكلبي قال: هم السفرة الكرام البررة.\rوروى محمد بن الفضيل 152/أ عنه لا يقرؤه إلا الموحِّدون. قال عكرمة: وكان ابن عباس ينهى أن يمكن اليهود والنصارى من قراءة القرآن.\rقال الفَّراء: لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به (1) .\rوقال قوم: معناه لا يمسه إلا المطهرون من الأحداث والجنابات، وظاهر الآية نفيٌ ومعناها نهي، قالوا: لا يجوز للجنب ولا للحائض ولا المحدث حمل المصحف ولا مسُّهُ، وهو قول عطاء وطاووس، وسالم، والقاسم، وأكثر أهل العلم، وبه قال مالك والشافعي. وقال الحكم، وحماد، وأبو حنيفة: يجوز للمحدث والجنب حمل المصحف ومسه. والأول قول أكثر الفقهاء.\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم أن لا يمس القرآن إلا طاهر (2) .\rوالمراد بالقرآن: المصحف، سماه قرآنا على قرب الجوار والاتساع. كما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو\" (3) . وأراد به المصحف .\r__________\r(1) معاني القرآن للفراء: 3 / 130.\r(2) أخرجه الإمام مالك في الموطأ، كتاب القرآن، باب الأمر بالوضوء لمن مسَّ القرآن: 1 / 199. وقال ابن عبد البر: \"لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث. وقد روي مسندا من وجه صالح. وهو كتاب مشهور عند أهل السير، معروف عند أهل العلم معرفة يستغنى بها في شهرتها عن الإسناد. ورواه أبو داود في المراسيل صفحة: (131) من حديث الزهري قال: قرأت صحيفة عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبها لعمرو بن حزم حين أمره على نجران وساق الحديث وفيه ... ولا يمسن القرآن إلا طاهر. ثم قال: روي مسندا ولا يصح\" . ورواه الدرامي في الطلاق، باب لا طلاق قبل نكاح: 2 / 84 .\r(3) أخرجه البخاري في الجهاد، باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو: 6 / 133، ومسلم في الإمارة، باب النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه بأيديهم برقم: (1869): 3 / 1490 والمصنف في شرح السنة: 4 / 527 .","part":8,"page":23},{"id":3085,"text":"{ تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (80) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) }\r{ تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } أي القرآن منزل من عند رب العالمين. سُمِّي المنزل: تنزيلا على اتساع اللغة، كما يقال للمقدور: قَدْر، وللمخلوق: خَلْق. { أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ } يعني القرآن { أَنْتُم } يا أهل مكة { مُدْهِنُونَ } قال ابن عباس: مكذبون. وقال مقاتل بن حيان: كافرون نظيره: \"ودُّوا لو تدهن فيدهنون\" (القلم -9) والمدهن والمداهن: الكذاب والمنافق وهو من الإدهان وهو الجري في الباطن على خلاف الظاهر هذا أصلهُ، ثم قيل للمكذب: مدهن وإن صرح بالتكذيب والكفر. { وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ } حظكم ونصيبكم من القرآن { أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ } قال الحسن في هذه الآية: خسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله إلا التكذيب به. وقال جماعة من المفسرين: معناه وتجعلون شكركم أنكم تكذبون.\rوقال الهيثم بن عدي: إن من لغة أزد شنوءة: ما رَزَق فلان بمعنى ما شكر وهذا في الاستسقاء بالأنواء، وذلك أنهم كانوا يقولون إذا مطروا: مُطِرْنا بنَوْء كذا، ولا يرون ذلك من فضل الله تعالى، فقيل لهم: أتجعلون رزقكم، أي: شكركم بما رزقتم، يعني شكر رزقكم التكذيب، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن زيد ابن خالد الجهني قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: \"هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي ومؤمن بالكواكب\" (1) . ورواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وزاد: فنزلت هذه الآية \"فلا أقسم بمواقع النجوم\" إلى قوله: \"وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون\" (2) (الواقعة -82) .\r__________\r(1) أخرجه الإمام مالك في الموطأ، كتاب الاستسقاء، باب الاستمطار بالنجوم: 1 / 192، ومن طريقه أخرجه البخاري في الأذان، باب ما يستقبل الإمام الناس إذا سلم: 2 / 333، وفي الاستسقاء: 5222، وفي المغازي: 7 / 439، ومسلم في الإيمان، باب كفر من قال: مطرنا بالنوء برقم: (71): 1 / 83 - 84، والمصنف في شرح السنة: 4 / 419 - 420 .\r(2) أخرجه مسلم في الموضع السابق نفسه برقم: (71):1 / 84. وانظر فتح الباري: 2 / 523.","part":8,"page":24},{"id":3086,"text":"أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثني محمد بن سلمة المرادي حدثنا عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث، أخبرنا أبو يونس حدثه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: \"ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين، ينزل الله تعالى الغيث فيقولون: مطرنا بكوكب كذا وكذا\" (1) .\r{ فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89) }\rقوله عز وجل: { فَلَوْلا } فهلا { إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ } أي بلغت النفس الحلقوم عند الموت. { وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ } يريد وأنتم يا أهل الميت تنظرون إليه متى تخرج نفسه. وقيل: معنى قوله \"تنظرون\" أي إلى أمري وسلطاني لا يمكنكم الدفع ولا تملكون شيئا. { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ } بالعلم والقدرة والرؤية. وقيل: ورسلنا الذين يقبضون روحه أقرب إليه منكم { وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ } الذين حضروه. { فَلَوْلا } فهلا { إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ } مملوكين وقال أكثرهم: محاسبين ومجزيين. { تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } أي تردون نفس هذا الميت إلى جسده بعدما بلغت الحلقوم فأجاب عن قوله: \"فلولا إذا بلغت الحلقوم\" وعن قوله: \"فلولا إن كنتم غير مدينين\" بجواب واحد. ومثله قوله عز وجل: \"فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم\" (البقرة -38) أجيبا بجواب واحد، معناه: إن كان الأمر كما تقولون -أنه لا بعث ولا حساب ولا إله يجازي -فهلا تردون نفس من يعز عليكم إذا بلغت الحلقوم، وإذا لم يمكنكم ذلك فاعلموا أن الأمر إلى غيركم وهو الله عز وجل فآمنوا به. ثم ذكر طبقات الخلق عند الموت وبين درجاتهم فقال: { فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ } { فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ } وهم السابقون . { فَرَوْح } قرأ يعقوب \"فروح\" بضم الراء\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الإيمان، باب كفر من قال مطرنا بالنوء برقم: \"72\": 1 / 84، والمصنف في شرح السنة: 4 / 418 - 419 .","part":8,"page":25},{"id":3087,"text":"والباقون بفتحها، فمن قرأ بالضم، قال الحسن معناه: تخرج روحه في الريحان، وقال قتادة: الروح الرحمة أي له الرحمة، وقيل: معناه فحياة وبقاء لهم.\rومن قرأ بالفتح معناه: فله رَوْح وهو الراحة، وهو قول مجاهد. وقال سعيد بن جبير: فرح. وقال الضحاك: مغفرة ورحمة.\r{ وَرَيْحَانٌ } استراحة . وقال مجاهد وسعيد بن جبير: رزق. وقال مقاتل: هو الرزق بلسان حمير، يقال: خرجت أطلب ريحان اللهُ أي رزق الله.\rوقال آخرون: هو الريحان الذي يشَمُّ. قال أبو العالية: لا يفارق أحد من المقربين الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمه ثم تقبض روحه. (1) .\r{ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ } قال أبو بكر الوراق: \"الرَّوح\" النجاة من النار، و\"الريحان\" دخول دار القرار.\r{ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) }\r{ وَأَمَّا إِنْ كَانَ } المتوفى { مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ } أي سلامة لك يا محمد منهم فلا تهتم لهم، فإنهم سلموا من عذاب الله أو أنك ترى فيهم ما تحب من السلامة.\rقال مقاتل: 152/ب هو أن الله تعالى يتجاوز عن سيئاتهم ويقبل حسناتهم.\rوقال الفراء وغيره: (2) مسلَّم لك أنهم من أصحاب اليمين، أو يقال لصاحب اليمين: مسلَّم لك إنك من أصحاب اليمين وألفيت إن كالرجل يقول إني مسافر عن قليل، فيقول له: أنت مصدق مسافر عن قليل، وقيل: \"فسلام لك\" أي عليك من أصحاب اليمين. { وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ } بالبعث { الضَّالِّينَ } عن الهدى وهم أصحاب المشئمة.\r__________\r(1) أورد هذه الأقوال الطبري: 27 / 211 - 212 ثم قال مرجحا: \" وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي قول من قال: عنى بالروح: الفرح والرحمة والمغفرة وأصله من قولهم: وجدت روحا: إذا وجد نسيما يستروح إليه من كرب الحر، وأما الريحان: فإنه عندي الريحان الذي يتلقى به عند الموت، كما قال أبو العاليه والحسن، ومن قال في ذلك نحو قولهما لأن ذلك الأغلب والأظهر من معانية\".\r(2) معاني القرآن للفراء: 3 / 131 بتصرف.","part":8,"page":26},{"id":3088,"text":"{ فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96) }\r{ فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ } فالذي يعد لهم حميم جهنم. { وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ } وإدخال نار عظيمة. { إِنَّ هَذَا } يعني ما ذكر من قصة المحتضرين { لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ } أي الحق اليقين أضافه إلى نفسه. { فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ } قيل: فصلِّ بذكر ربك وأَمْرِه وقيل: \"الباء\" زائدة أي فسبح اسم ربك العظيم.\rأخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا ابن أبي شيبة، حدثنا حمزة بن محمد الكاتب، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الله بن المبارك عن موسى بن أيوب الغافقي عن عمه وهو إياس بن عامر، عن عقبة بن عامر الجهني قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم \"فسبح باسم ربك العظيم\" قال: \"اجعلوها في ركوعكم\" ولما نزلت \"سبح اسم ربك الأعلى\" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في سجودكم\" (1) .\rأخبرنا أبو عثمان الضبي أخبرنا أبو محمد الجراحي حدثنا أبو العباس المحبوبي حدثنا أبو عيسى الترمذي حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو داود، قال أخبرنا شعبة عن الأعمش قال: سمعت سعد بن عبيدة يحدث عن المُسْتَوْرِد، عن صِلَةَ بن زُفَر، عن حذيفة، أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقول في ركوعه: \"سبحان ربي العظيم وفي سجوده سبحان ربي الأعلى، وما أتى على آية رحمة إلا وقف وسأل، وما أتى على آية عذاب إلا وقف وتعوذ\" (2) .\r__________\r(1) أخرجه ابن ماجه في الإقامة، باب التسبيح في الركوع والسجود برقم: (887): 1 / 287، والدرامي في الصلاة، باب ما يقال في الركوع: 1 / 299، والطحاوي في شرح معاني الآثار: 1 / 235، والبيهقي في السنن: 2 / 86، وصححه ابن حبان ص135 - 136، والحاكم: 1 / 225، 2 / 477 ووافقه الذهبي، الإمام أحمد في المسند: 4 / 155، والطيالسي في مسنده ص135. وأخرجه بنحوه أبو داود في الصلاة، باب ما يقول في ركوعه وسجوده: 1 / 418 وزاد فيه: فكان رسول صلى الله عليه وسلم إذا ركع قال: سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثا ... وقال: وهذه الزيادة نخاف ألا تكون محفوظة . وانظر: نصب الراية: 1 / 376، تلخيص الجبير: 2 / 242 - 243، تنقيح التحقيق لابن الجوزي: 2 / 880، إرواء الغليل: 2 / 40 - 41 .\r(2) أخرجه الترمذي في الصلاة، باب ماجاء في التسبيح في الركوع والسجود: 2 / 121 وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\" . وأخرجه مسلم مطولا في صلاة المسافرين وقصرها برقم: (772): 1 / 536 - 537، والمصنف في شرح السنة: 3 / 100.","part":8,"page":27},{"id":3089,"text":"أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا محمد بن فضيل، أخبرنا عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم\" (1) .\rأخبرنا أبو نصر محمد بن الحسن الجُلْفري حدثني أبو القاسم تمام بن محمد بن عبد الله الرازي بدمشق، حدثنا علي بن الحسين البزاز وأحمد بن سليمان بن حَذلَم وابن راشد قالوا: أخبرنا بكار بن قتيبة، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا حجاج الصواف عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. \"من قال سبحان الله العظيم وبحمده، غرست له نخلة في الجنة\". (2)\rأخبرنا عبد الواحد المليحي قال أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني السري بن يحيى أن شجاعًا حدثه عن أبي طيبة عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدًا\" (3) وكان أبو طيبة لا يدعها أبدا.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الأيمان والنذور، باب إذا قال: والله لا أتكلم اليوم:11 / 566، ومسلم في الذكر والدعاء، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء برقم: (2694): 4 / 2072، والمصنف في شرح السنة:5 / 42.\r(2) أخرجه الترمذي في الدعوات، باب فضل سبحان الله: 4 / 433 وقال: \"هذا حديث حسن غريب صحيح، لا نعرفه إلا من حديث أبي الزبير عن جابر\"، وصححه ابن حبان في موارد الظمآن برقم: (2335): ص580، والحاكم: 1 / 501- 502 ووافقه الذهبي، ورواه البزاز عن عبد الله بن عمرو بإسناد جيد. انظر: مجمع الزوائد: 1 / 94.\r(3) رواه الحارث بن أبي أسامة، وقال البوصيري: \"رواه الحارث عن العباس بن الفضل وهو ضعيف. ورواه أبو يعلى بسند رواته ثقات\" . انظر: المطالب العالية: 3 / 383 مع حاشية المحقق. وقال في الكافي الشاف ص163: \"ثم اختلفوا في ضبط أبي ظبية فعند الدراقطني بالطاء المهملة بعدها تحتانية، ثم موحدة وأنه عيسى بن سليمان الجرجاني وأن روايته عن ابن مسعود منقطعة. ويؤيده أن الثعلبي أخرجه من طريق أبي بكر العطاردي عن السري عن شجاع عن أبي طيبة الجرجاني. وعند البيهقي أنه بالمعجمة بعدها موحدة، ثم تحتانية، وأنه مجهول. وقال أحمد بن حنبل: هذا حديث منكر. وشجاع لا أعرفه\" .","part":8,"page":28},{"id":3090,"text":"سورة الحديد مدنية وآياتها تسع وعشرون (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يحْيِي وَيمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2) هُوَ الأوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3) }\r{ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ هُوَ الأوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ } يعني هو \"الأول\" قبل كل شيء بلا ابتداء، كان هو ولم يكن شيء موجودًا و\"الآخر\" بعد فناء كل شيء، بلا انتهاء تفنى الأشياء ويبقى هو، و\"الظاهر\" الغالب العالي على كل شيء و\"الباطن\" العالم بكل شيء، هذا معنى قول ابن عباس .\rوقال يمان: \"هو الأول\" القديم و\"الآخر\" الرحيم و\"الظاهر\" الحليم و\"الباطن\" العليم.\rوقال السدي: هو الأول ببره إذ عرَّفك توحيده، والآخر بجوده إذْ عرَّفك التوبة على ما جنيت، والظاهر بتوفيقه إذْ وفقك للسجود لهُ والباطن بستره إذْ عصيته فستر عليك.\rوقال الجنيد: هو الأول بشرح القلوب، والآخر بغفران الذنوب، والظاهر بكشف الكروب، والباطن بعلم الغيوب. وسأل عمر -رضي الله تعالى عنه -كعبًا عن هذه الآية فقال: معناها إن علمه بالأول كعلمه بالآخر، وعلمه بالظاهر كعلمه بالباطن.\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مرودية والبيهقي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: نزلت سورة الحديد بالمدينة انظر: الدر المنثور: 8 / 45.","part":8,"page":29},{"id":3091,"text":"{ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغفار بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثني زهير ابن حرب، حدثنا جرير عن سهيل قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمن ثم يقول: \"اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقضِ عني الدين واغنني من الفقر\" (1) . وكان يروى ذلك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع برقم: (2713): 4 / 2084.","part":8,"page":32},{"id":3092,"text":"{ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ (5) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (6) آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7) }\r{ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ }\r{ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ } يخاطب كفار مكة { وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ } مملَّكين فيه: يعني: المال الذي كان بيد غيرهم فأهلكهم وأعطاه قريشًا فكانوا في ذلك المال خلفاء عمن مضوا. { فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ }","part":8,"page":32},{"id":3093,"text":"{ وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (8) هُوَ الَّذِي يُنزلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (9) وَمَا لَكُمْ أَلا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10) }\r{ وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ } قرأ أبو عمرو: \"أُخِذ\" بضم الهمزة وكسر الخاء \"ميثاقُكم\" برفع القاف على ما لم يسمَّ فاعله. وقرأ الآخرون بفتح الهمزة والخاء والقاف، أي: أخذ الله ميثاقكم حين أخرجكم من ظهر آدم عليه السلام بأن الله ربكم لا إله لكم سواه، قاله مجاهد.\rوقيل: أخذ ميثاقكم بإقامة الحجج 153/أ والدلائل التي تدعو إلى متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم { إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } يومًا، فالآن أحرى الأوقات أن تؤمنوا لقيام الحجج والإعلام ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن. { هُوَ الَّذِي يُنزلُ عَلَى عَبْدِهِ } محمد صلى الله عليه وسلم { آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ } [يعني القرآن] (1) . { لِيُخْرِجَكُم } الله بالقرآن { مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ } وقيل: ليخرجكم الرسول بالدعوة من الظلمات إلى النور أي من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان { وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ } { وَمَا لَكُمْ أَلا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } يقول: أي شيء لكم في ترك الإنفاق فيما يقرب من الله وأنتم ميتون تاركون أموالكم ثم بين فضل من سبق بالإنفاق في سبيل الله وبالجهاد فقال: { لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ } يعني فتح مكة في قول أكثر المفسرين، وقال الشعبي: هو صلح الحديبية { وَقَاتَلَ } يقول: لا يستوي في الفضل من أنفق ماله وقاتل العدو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل فتح مكة مع من أنفق وقاتل بعده { أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا } وروى محمد بن فضيل عن الكلبي أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق -رضي الله عنه -فإنه أول من أسلم وأول من أنفق ماله في سبيل الله (2) .\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) انظر: الطبري: 27 / 220 - 221 ، البحر المحيط: 8 / 219.","part":8,"page":33},{"id":3094,"text":"وقال عبد الله بن مسعود: أول من أظهر إسلامه بسيفه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر.\rأخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد، أخبرنا أحمد بن إسحاق بن أيوب، أخبرنا محمد بن يونس، حدثنا العلاء بن عمرو الشيباني، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، حدثنا سفيان بن سعيد عن آدم بن علي عن ابن عمر قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر الصديق رضي الله عنهُ، وعليه عباءة قد خلَّها في صدره بخلال، فنزل عليه جبريل فقال: مالي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خلها في صدره بخلال؟ فقال: \"أنفق ماله عليَّ قبل الفتح\" قال: فإن الله عز وجل يقول: اقرأ عليه السلام وقل له: أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"يا أبا بكر إن الله عز وجل يقرأ عليك السلام ويقول لك: أراض أنت في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال أبو بكر: أأسخط على ربي؟ إني عن ربي راضٍ إني عن ربي راضٍ (1) .\r{ وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى } أي كلا الفريقين وعدهم الله الجنة . قال عطاء: درجات الجنة تتفاضل، فالذين أنفقوا قبل الفتح في أفضلها. وقرأ ابن عامر: \"وكلٌّ\" بالرفع { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }\r{ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11) }\r__________\r(1) أورده ابن كثير: 4 / 308 عن البغوي، وقال: \"هذا الحديث ضعيف الإسناد من هذا الوجه والله أعلم\" . فيه العلاء بن عمرو، قال ابن حبان في كتاب المجروحين والضعفاء: 2 / 185: يروي عن أبي إسحاق الفزازي العجائب، لا يجوز الاحتجاج به بحال وساق له هذا الحديث. وقال الذهبي في الميزان: 3 / 103: متروك، وساق له هذا الحديث من طريق ابن خزيمة، ثم قال: \"وهو كذب\" .","part":8,"page":34},{"id":3095,"text":"{ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) }\r{ مَّن ذَا الَّذِي يُقرِضُ اللَّهَ قَرضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجرٌ كَرِيمٌ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ } يعني على الصراط { بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ } يعني عن أيمانهم. قال بعضهم: أراد جميع جوانبهم، فعبر بالبعض عن الكل وذلك دليلهم إلى الجنة.\rوقال قتادة: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إن من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن أبين وصنعاء ودون ذلك حتى أن من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه\" (1)\r__________\r(1) أخرجه عبد الرازق: 2 / 275، والطبري: 27 / 222 . وعزاه السيوطي في الدر: 8 / 52 لعبد الرزاق وعبد بن حميد، وابن المنذر وانظر: تخريج أحاديث إحياء علوم الدين: 4 / 1545.","part":8,"page":34},{"id":3096,"text":"وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يؤتى نوره كالنخلة، ومنهم من يؤتى نوره كالرجل القائم، وأدناهم نورا من نوره أعلى إبهامه فيطفأ مرة ويَقِدُ مرة. (1)\rوقال الضحاك ومقاتل: \"يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم\" كتبهم، يريد أن كتبهم التي أعطوها بأيمانهم ونورهم بين أيديهم (2) . وتقول لهم الملائكة: { بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }\r{ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) }\r{ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا } قرأ الأعمش وحمزة : \"أَنِظرونا\" بفتح الهمزة وكسر الظاء يعني أمهلونا. وقيل انتظرونا. وقرأ الآخرون بحذف الألف في الوصل وضمها في الابتداء وضم الظاء، تقول العرب: انْظُرْني وأَنْظِرْني، يعني انتظرني. { نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ } نستضيء من نوركم، وذلك أن الله تعالى يعطي المؤمنين نورًا على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط، ويعطي المنافقين أيضا نورًا خديعةً لهم، وهو قوله عز وجل \"وهو خادعهم\" (النساء -141) فبيناهم يمشون إذ بعث الله عليهم ريحًا وظلمة فأطفأت نور المنافقين، فذلك قوله: \"يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا\" (التحريم -8) مخافة أن يسلبوا نورهم كما سلب نور المنافقين. وقال الكلبي: بل يستضيء المنافقون بنور المؤمنين، ولا يعطون النور، فإذا سبقهم المؤمنون وبقوا في الظلمة قالوا للمؤمنين، انظرونا نقتبس من نوركم (3)\r{ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ } قال ابن عباس: يقول لهم المؤمنون (4) وقال قتادة: تقول لهم الملائكة: ارجعوا وراءكم من حيث جئتم (5)\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 27 / 223، وصححه الحاكم: 2 / 478. وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 52 أيضا لابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم وابن مردويه. قال العراقي: رواه الطبراني والحاكم ... وقال الزبيدي: وكذا أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه. انظر: تخريج أحاديث إحياء علوم الدين: 4 / 1545.\r(2) انظر: الطبري: 27 / 223.\r(3) انظر: الطبري: 17 / 245 - 246.\r(4) انظر: ابن كثير: 4 / 210.\r(5) انظر: الدر المنثور: 8 / 54.","part":8,"page":35},{"id":3097,"text":"{ فَالْتَمِسُوا نُورًا } فاطلبوا هناك لأنفسكم نورًا فإنه لا سبيل لكم إلى الاقتباس من نورنا، فيرجعون في طلب النور فلا يجدون شيئًا فينصرفون إليهم ليلقوهم فيميز بينهم وبين المؤمنين، وهو قوله: { فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ } أي سور، و\"الباء\" صلة يعني بين المؤمنين والمنافقين وهو حائط بين الجنة والنار { لَه } أي لذلك السور { بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ } أي في باطن ذلك السور الرحمة وهي الجنة { وَظَاهِرُه } أي خارج ذلك السور { مِنْ قِبَلِهِ } أي من قبل ذلك الظاهر { الْعَذَابُ } وهو النار.\r{ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأمَانِي حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14) }\r{ يُنَادُونَهُم } روي عن عبد الله بن عمر قال: إن السور الذي ذكر الله تعالى في القرآن \" فضرب بينهم بسور له باب\" هو سور بيت المقدس الشرقي باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب وادي جهنم (1) .\rوقال شريح: كان كعب يقول: في الباب الذي يسمى \"باب الرحمة\" في بيت المقدس: إنه الباب الذي قال الله عز وجل: \"فضرب بينهم بسور له باب\" الآية (2) . \"ينادونهم\" يعني: ينادي المنافقون المؤمنين من وراء السور حين حجز بينهم بالسور وبقوا في الظلمة:\r{ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ } في الدنيا نصلي ونصوم؟ { قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ } 153/ب أهلكتموها بالنفاق والكفر واستعملتموها في المعاصي والشهوات وكلها فتنة { وَتَرَبَّصْتُم } بالإيمان والتوبة. قال مقاتل: وتربصتم الموت وقلتم يوشك أن يموت فنستريح منهُ { وَارْتَبْتُمْ } شككتم في نبوته وفيما أوعدكم به { وَغَرَّتْكُمُ الأمَانِي } الأباطيل وما كنتم تتمنون من نزول الدوائر بالمؤمنين { حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ } يعني الموت { وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ } يعني الشيطان، قال قتادة: ما زالوا على خدعة من الشيطان حتى قذفهم الله في النار (3) .\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 27 / 225، وصححه الحاكم: 4 / 601 ووافقه الذهبي. وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 56 أيضا لعبد ابن = حميد وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عساكر، وكلهم عن عبد الله بن عمرو.\r(2) أخرجه الطبري: 27 / 225. قال الحافظ ابن كثير: 4 / 310: \"وقول كعب الأخبار: إن الباب المذكور في القرآن هو باب الرحمة الذي هو أحد أبواب المسجد فهذا من إسرائيلياته وترهاته، وإنما المراد بذلك سور يضرب يوم القيامة ليحجز بين المؤمنين والمافقين ..\".\r(3) أخرجه الطبري: 27 / 227، وزاد السيوطي في الدر المنثور: 17 / 56 عزوه لعبد بن حميد. وذكره ابن كثير: 4 / 310.","part":8,"page":36},{"id":3098,"text":"{ فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (15) أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نزلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ اُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) }\r{ فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ } قرأ أبو جعفر، وابن عامر، ويعقوب: \"تؤخذ\" بالتاء، وقرأ الآخرون بالياء { فِدْيَةٌ } بدل وعوض بأن تُفْدوا أنفسكم من العذاب { وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا } يعني المشركين { مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ } صاحبكم وأولى بكم، لما أسلفتم من الذنوب { وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } قوله عز وجل: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ } قال الكلبي ومقاتل: نزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة وذلك أنهم سألوا سلمان الفارسي ذات يوم فقالوا: حدثنا عن التوراة فإن فيها العجائب فنزلت: \"نحن نقص عليك أحسن القصص\" (يوسف -3) فأخبرهم أن القرآن أحسن قصصا من غيره، فكفوا عن سؤال سلمان ما شاء اللهُ، ثم عادوا فسألوا سلمان عن مثل ذلك فنزل: \"الله نزل أحسن الحديث كتابًا متشابهًا\" (الزمر -23) فكفوا عن سؤاله ما شاء الله ثم عادوا فقالوا: حدثنا عن التوراة فإن فيها العجائب فنزلت هذه الآية. فعلى هذا التأويل، قوله \"ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله\" يعني في العلانية وباللسان.\rوقال آخرون نزلت في المؤمنين (1) قال عبد الله بن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: \" ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله\" إلا أربع سنين (2) .\rوقال ابن عباس: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن، فقال: \"ألم يأن\" (3) ألم يَحِنْ للذين آمنوا أن تخشع: تَرِقَّ وتلين وتخضع قلوبهم لذكر الله { وَمَا نزلَ } قرأ نافع وحفص عن عاصم بتخفيف الزاي وقرأ الآخرون بتشديدها { مِنَ الْحَقِّ } وهو القرآن { وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ اُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ } وهم اليهود والنصارى { فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ } الزمان بينهم وبين أنبيائهم { فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ } قال ابن عباس: مالوا إلى الدنيا وأعرضوا\r__________\r(1) انظر: الواحدي في أسباب النزول: ص 470.\r(2) أخرجه مسلم في التفسير، باب في قوله تعالى: \"ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله\" برقم: (3027) : 4 / 2319.\r(3) ساقه ابن كثير في التفسير: 4 / 311 من رواية ابن المبارك، وابن أبي حاتم، وفيه صالح المري، وهو ضعيف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 58 لابن أبي حاتم، وابن مردويه.","part":8,"page":37},{"id":3099,"text":"عن مواعظ الله والمعنى أن الله عز وجل ينهي المؤمنين أن يكونوا في صحبة القرآن كاليهود والنصارى الذين قست قلوبهم لما طال عليهم الدهر.\rروي أن أبا موسى الأشعري بعث إلى قرَّاء أهل البصرة فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرؤا القرآن فقال لهم: أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم فاتلوه ولا يطولنَّ عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم (1) .\r{ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ } يعني الذين تركوا الإيمان بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام.\r{ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18) }\r__________\r(1) أخرجه أبو نعيم في الحلية: 1 / 257. وعزاه صاحب الدر المنثور: 8 / 59 لابن أبي شيبة.","part":8,"page":38},{"id":3100,"text":"{ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (19) }\r{ اعلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يُحيِي الأرضَ بَعدَ مَوتِهَا قَد بَيَّنَا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم تَعقِلُونَ إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ } قرأ ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم بتخفيف الصاد فيهما من \"التصديق\" أي: المؤمنين والمؤمنات، وقرأ الآخرون بتشديدهما أي المتصدقين والمتصدقات أدغمت التاء في الصاد { وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } بالصدقة والنفقة في سبيل الله عز وجل { يُضَاعَفُ لَهُمُ } ذلك القرض { وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ } ثواب حسن وهو الجنة. { وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ } والصدِّيق: الكثيرالصدق، قال مجاهد: كل من آمن بالله ورسوله فهو صديق وتلا هذه الآية.\rقال الضحاك: هم ثمانية نفر من هذه الأمة، سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام: أبو بكر وعلي وزيد وعثمان وطلحة والزبير وسعد وحمزة وتاسعهم عمر بن الخطاب رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ألحقه الله بهم لما عرف من صدق نيته. { وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ } اختلفوا في نظم هذه الآية، منهم من قال: هي متصلة بما قبلها، و\"الواو\" واو النسق، وأراد بالشهداء المؤمنين المخلصين. قال الضحاك: هم الذين سميناهم. قال","part":8,"page":38},{"id":3101,"text":"مجاهد: كل مؤمن صديق شهيد، وتلا هذه الآية (1) .\rوقال قوم: تم الكلام عند قوله: \"هم الصديقون\" ثم ابتدأ فقال: والشهداء عند ربهم، و\"الواو\" واو الاستئناف، وهو قول ابن عباس ومسروق وجماعة. ثم اختلفوا فيهم فقال قوم: هم الأنبياء الذين يشهدون على الأمم يوم القيامة، يروى ذلك عن ابن عباس (2) هو قول مقاتل بن حيان. وقال مقاتل بن سليمان: هم الذين استشهدوا في سبيل الله (3) .\r{ لَهُمْ أَجْرُهُمْ } بما عملوا من العمل الصالح { وَنُورُهُم } على الصراط { وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ }\r{ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأمْوَالِ وَالأوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) }\rقوله عز وجل: { اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا } أي: أن الحياة الدنيا، و\"ما\" صلة، أي: إن الحياة في هذه الدار { لَعِب } باطل لا حاصل له { وَلَهْوٌ } فرح ثم ينقضي { وَزِينَة } منظر تتزينون به { وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ } يَفْخر به بعضكم على بعض { وَتَكَاثُرٌ فِي الأمْوَالِ وَالأوْلادِ } أي: مباهاة بكثرة الأموال والأولاد، ثم ضرب لها مثلا فقال: { كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ } أي: الزراع { نَبَاتُه } ما نبت من ذلك الغيث { ثُمَّ يَهِيجُ } ييبس { فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا } بعد خضرته ونضرته { ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا } يتحطم ويتكسر بعد يبسه ويفنى { وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ } قال مقاتل: لأعداء الله { وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ } لأوليائه وأهل طاعته.\r{ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ } قال سعيد بن جبير: متاع الغرور لمن يشتغل فيها بطلب الآخرة، ومن اشتغل بطلبها فله متاع بلاغ إلى ما هو خير منه 15 / 4 أ\r__________\r(1) أخرجه عبد الرازق في التفسير: 2 / 276. انظر: البحر المحيط: 8 / 223.\r(2) ذكره الطبري: 27 / 231.\r(3) انظر: القرطبي: 17 / 253.","part":8,"page":39},{"id":3102,"text":"{ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21) مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْ لا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24) }\r{ سَابِقُوا } سارعوا { إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ } لو وُصل بعضها ببعض { أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } فبين أن أحدًا لا يدخل الجنة إلا بفضل الله. قوله عز وجل: { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأرْضِ } يعني: قحط المطر وقلة النبات ونقص الثمار { وَلا فِي أَنْفُسِكُم } يعني: الأمراض وفقد الأولاد { إِلا فِي كِتَابٍ } يعني: اللوح المحفوظ { مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا } من قبل أن نخلق الأرض والأنفس. قال ابن عباس: من قبل أن نبرأ المصيبة. وقال أبو العالية: يعني النَّسَمَة { إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } أي إثبات ذلك على كثرته هيِّن على الله عز وجل. { لِكَيْ لا تَأْسَوْا } تحزنوا { عَلَى مَا فَاتَكُمْ } من الدنيا { وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ } قرأ أبو عمرو بقصر الألف، لقوله \"فاتكم\" فجعل الفعل لهُ وقرأ الآخرون { آتَاكُمْ } بمد الألف، أي: أعطاكم. قال عكرمة: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا الفرح شكرًا والحزن صبرًا (1) { وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } متكبر بما أوتي من الدنيا \"فخور\" يفخر به على الناس.\rقال جعفر بن محمد الصادق: يا ابن آدم مالك تأسف على مفقود لا يرده إليك الفوت، ومالك تفرح بموجود لا يتركه في يدك الموت (2) . { الَّذِينَ يَبْخَلُونَ } قيل: هو في محل الخفض على نعت المختال. وقيل: هو رفع بالابتداء\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 27 / 235 ، وصححه الحاكم: 2 / 479 ووافقه الذهبي. وزاد السيوطي في الدر المنثور: 8 / 62 عزوه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الشعب.\r(2) انظر: القرطبي: 17 / 258.","part":8,"page":40},{"id":3103,"text":"وخبره فيما بعده. { وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَل } أي: يعرض عن الإيمان { فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } قرأ أهل المدينة والشام: \"فإن الله الغني\" بإسقاط \"هو\" وكذلك هو في مصاحفهم.","part":8,"page":41},{"id":3104,"text":"{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25) }\rقوله عز وجل { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ } بالآيات والحجج { وَأَنزلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ } يعني: العدل. وقال مقاتل بن سليمان: هو ما يوزن به أي: ووضعنا الميزان كما قال: \"والسماء رفعها ووضع الميزان\" (الرحمن -7) { لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ } ليتعاملوا بينهم بالعدل.\r{ وَأَنزلْنَا الْحَدِيد } روي عن ابن عمر يرفعه: إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: الحديد والنار والماء والملح (1) وقال أهل المعاني معنى قوله: \"أنزلنا الحديد\" [أنشأنا وأحدثنا أي: أخرج لهم الحديد] (2) من المعادن وعلمهم صنعته بوحيه.\rوقال قطرب هذا من النزل كما يقال: أنزل الأمير على فلان نزلا حسنًا فمعنى الآية: أنه جعل ذلك نزلا لهم. ومثله قوله: \"وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج\" (الزمر -6) . { فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ } قوة شديدة يعني: السلاح للحرب. قال مجاهد: فيه جنة وسلاح يعني آلة الدفع وآلة الضرب { وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ } مما ينتفعون به في مصالحهم كالسكين والفأس والإبرة ونحوها إذ هو آلة لكل صنعة { وَلِيَعْلَمَ اللَّه } أي: أرسلنا رسلنا وأنزلنا معهم هذه الأشياء ليتعامل الناس بالحق والعدل وليعلَم الله وليرى الله { مَنْ يَنْصُرُهُ } أي: دينه { وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ } أي: قام بنصرة الدين ولم ير الله ولا الآخرة، وإنما يحمد ويثاب من أطاع الله بالغيب { إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } قوي في أمره، عزيز في ملكه.\r__________\r(1) ضعيف أخرجه الديلمي في الفردوس. انظر: كنز العمال: 15 / 418 وعزاه ابن حجر في الكافي الشاف صفحة: (164) للثعلبي وقال: \"وفي إسناده من لا أعرفه\" .\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":8,"page":41},{"id":3105,"text":"{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (26) ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (27) }\r{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ } [على دينه] (1) { رَأْفَةً } وهي أشد الرقة { وَرَحْمَةً } كانوا متوادين بعضهم لبعض، كما قال الله تعالى في وصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم \"رحماء بينهم\" (الفتح -29) { وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا } من قبل أنفسهم، وليس هذا بعطف على ما قبله، وانتصابه بفعل مضمر كأنه قال: وابتدعوا رهبانية أي جاءوا بها من قِبَل أنفسهم { مَا كَتَبْنَاهَا } أي ما فرضناها { عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّه } يعني: ولكنهم ابتغوا رضوان الله بتلك الرهبانية، وتلك الرهبانية ما حملوا أنفسهم من المشاق في الامتناع من المطعم والمشرب والملبس والنكاح والتعبد في الجبال { فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا } أي لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها بل ضيعوها وكفروا بدين عيسى فتهودوا وتنصروا ودخلوا في دين ملوكهم وتركوا الترهُّب، وأقام منهم أناس على دين عيسى عليه الصلاة والسلام حتى أدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم فآمنوا به، وذلك قوله تعالى: { فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُم } وهم الذين ثبتوا عليها وهم أهل الرأفة والرحمة { وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ } وهم الذين تركوا الرهبانية وكفروا بدين عيسى عليه الصلاة والسلام.\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أنبأني عبد الله بن حامد، أخبرنا أحمد بن عبد الله المزني حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا الصعق بن حَزْن، عن عقيل الجعدي عن أبي إسحاق عن سويد بن غفلة، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \"يا ابن مسعود اختلف من كان قبلكم على اثنتين وسبعين فرقة، نجا منها ثلاث وهلك سائرهن، فرقة آزت الملوك وقاتلوهم على دين عيسى عليه الصلاة والسلام، فأخذوهم وقتلوهم، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازاة الملوك ولا بأن يقيموا بين ظهرانيهم يدعونهم\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":8,"page":42},{"id":3106,"text":"إلى دين الله ودين عيسى عليه السلام فساحوا في البلاد وترهبوا وهم الذين قال الله عز وجل فيهم: \"ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم\" فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون\" (1) .\rوروي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار فقال لي: \"يا ابن أم عبد هل تدري من أين اتخذت بنو إسرائيل الرهبانية؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى عليه السلام يعملون بالمعاصي فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم، فَهُزِم أهل الإيمان ثلاث مرات، فلم يبق منهم إلا القليل، فقالوا: إن ظهرنا لهؤلاء أفنونا ولم يبق للدين أحد يدعو له فقالوا: تعالوا نتفرق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا به عيسى عليه السلام، يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم 154/ب فتفرقوا في غيران الجبال، وأحدثوا رهبانية فمنهم من تمسك بدينه ومنهم من كفر، ثم تلا هذه الآية: \"ورهبانية ابتدعوها\" الآية. \"فآتينا الذين آمنوا منهم\" يعني من ثبتوا عليها أجرهم، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"يا ابن أم عبد أتدري ما رهبانية أمتي؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: الهجرة والجهاد، والصلاة والصوم والحج والعمرة والتكبير على التلاع\" (2)\rوروي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إن لكل أمة رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله\" (3)\rوروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت ملوك بعد عيسى عليه السلام بدلوا التوارة والإنجيل، وكان فيهم مؤمنون يقرؤن التوراة والإنجيل ويدعونهم إلى دين الله فقيل لملوكهم: لو جمعتهم هؤلاء الذين شقوا عليكم فقتلتموهم أو دخلوا فيما نحن فيه، فجمعهم ملوكهم\r__________\r(1) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة: 1 / 35 قال الألباني: إسناده ضعيف جدا، رجاله ثقات غير عقيل الجعدي فإنه ضعيف جدا، كما يفيده قول البخاري فيه: منكر الحديث. والطبري: 27 / 239، والطبراني في المعجم الكبير: 10 / 271، وصححه الحاكم: 2 / 480 وتعقبه الذهبي فقال: \"ليس بصحيح فإن الصعق وإن كان موثقا فإن شيخه منكر الحديث قاله البخاري\" . وساقه ابن كثير في التفسير: 4 / 317 من رواته ابن أبي حاتم وابن جرير وقال: \" أسنده أبو يعلى، وسنده: عن شيبان بن فروخ، عن الصعق بن حزن، به مثل ذلك فقوي الحديث من هذا الوجه\" .\r(2) انظر الدر المنثور: 8 / 64.\r(3) أخرجه أبو يعلى في المسند عن أنس: 4 / 184، وابن أبي شيبة: 5 / 269. وأخرجه الإمام أحمد: 3 / 266 بلفظ: \"لكل نبي رهبانية ...\" وفيه زيد العمي وهو ضعيف. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 5 / 278: \"رواه أبو يعلى وأحمد إلا أنه قال: لكل نبي ... وفيه زيد العمي: وثقه أحمد وغيره، وضعفه أبو زرعه وغيره وبقية رجاله رجال الصحيح\" . وللحديث شواهد. انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني رقم: (555)، تخريج أحاديث إحياء علوم الدين: 4 / 1566.","part":8,"page":43},{"id":3107,"text":"وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منها فقالوا: نحن نكفيكم أنفسنا فقالت طائفة: ابنوا لنا أسطوانة، ثم ارفعونا إليها ثم أعطونا شيئا نرفع به طعامنا وشرابنا ولا نرد عليكم، وقالت طائفة: دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش، فإن قدرتم علينا بأرض فاقتلونا وقالت طائفة: ابنوا لنا دورا في الفيافي نحتفر الآبار ونحترث البقول فلا نَرِد عليكم ولا نمر بكم، ففعلوا بهم ذلك فمضى أولئك على منهاج عيسى عليه الصلاة والسلام، وخلف قوم من بعدهم ممن قد غيَّر الكتاب، فجعل الرجل يقول: نكون في مكان فلان فنتعبد كما تعبد فلان ونسيح كما ساح فلان ونتخذ دورًا كما اتخذ فلان، وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم، فذلك قوله عز وجل: \"ورهبانية ابتدعوها\" أي ابتدعها هؤلاء الصالحون { فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا } يعني الآخرين الذين جاؤا من بعدهم { فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُم } يعني الذين ابتدعوها ابتغاء رضوان الله \"وكثير منهم فاسقون\" هم الذين جاؤا من بعدهم، قال: فلما بُعث النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبق منهم إلا قليل انحط رجل من صومعته وجاء سياح من سياحته وصاحب دير من ديره وآمنوا به (1)\rفقال الله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّه }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28) لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29) }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ } الخطاب لأهل الكتابين من اليهود والنصارى، يقول: يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى اتقوا الله في محمد صلى الله عليه وسلم { وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ } محمد صلى الله عليه وسلم { يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ } نصيبين { مِنْ رَحْمَتِهِ } يعني يؤتكم أجرين لإيمانكم بعيسى عليه الصلاة والسلام، والإنجيل وبمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن.\rوقال قوم: انقطع الكلام عند قوله \"ورحمة\" ثم ابتدأ: ورهبانية ابتدعوها وذلك أنهم تركوا الحق فأكلوا الخنزير وشربوا الخمر وتركوا الوضوء والغسل من الجنابة والختان، فما رعوها يعني: الطاعة والملة \"حق رعايتها\" كناية عن غير مذكور \"فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم\" وهم أهل الرأفة والرحمة \"وكثير منهم فاسقون\" وهم الذين ابتدعواالرهبانية، وإليه ذهب مجاهد.\rمعنى قوله: \"إلا ابتغاء رضوان الله\" [على هذا التأويل: ما أمرناهم وما كتبنا عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، وما أمرناهم بالترهب] (2) .\r__________\r(1) أخرجه النسائي في أداب القضاة، باب: (تأويل قول الله عز وجل: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون): 8 / 231 - 233 ، وفي التفسير: 2 / 284- 387 وإسناده حسن. وساقه ابن كثير من رواية الطبري: 27 / 239 وقال: \"هذا السياق فيه غرابة\" . ابن كثير: 4 / 317.\r(2) ساقطة من \"ب\".","part":8,"page":44},{"id":3108,"text":"قوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } بموسى وعيسى { اتَّقُوا اللَّهَ } وآمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم \"يؤتكم كفلين من رحمته\".\rوروينا عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: \" ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل كانت له جارية فأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها ورجل من أهل الكتاب آمن بكتابه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وعبد أحسن عبادة الله ونصح سيده\" (1)\r{ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ } قال ابن عباس ومقاتل: يعني على الصراط، كما قال: \"نورهم يسعى بين أيديهم\" (التحريم -8) ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النور هو القرآن. وقال مجاهد: هو الهدى والبيان، أي يجعل لكم سبيلا واضحًا في الدين تهتدون به { وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } وقيل: لما سمع من لم يؤمن من أهل الكتاب قوله عز وجل: \"أولئك يؤتون أجرهم مرتين\" (القصص -54) قالوا للمسلمين: أما من آمن منا بكتابكم فله أجره مرتين لإيمانه بكتابكم وبكتابنا وأما من لم يؤمن منا فله أجر كأجوركم فما فضلكم علينا؟ فأنزل الله تعالى: \"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته\" فجعل لهم الأجرين إذا آمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم وزادهم النور والمغفرة (2) ثم قال: { لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ } { لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ } قال قتادة: حسد الذين لم يؤمنوا من أهل الكتاب المؤمنين منهم فأنزل الله تعالى (3) \"لئلا يعلم أهل الكتاب\".\rقال مجاهد: قالت اليهود يوشك أن يخرج [منا] (4) . نبي يقطع الأيدي والأرجل، فلما خرج من العرب كفروا به، فأنزل الله تعالى (5) \"لئلا يعلم أهل الكتاب\" أي ليعلم و \"لا\" صلة { أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } أي ليعلم الذين لم يؤمنوا أنهم لا أجر لهم ولا نصيب لهم في\r__________\r(1) أخرجه البخاري في العلم، باب تعليم الرجل أمته وأهله: 1 / 190، ومسلم في الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم برقم: (154): 1 / 134 - 135، والمصنف في شرح السنة: 1 / 53.\r(2) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 66 - 68 للطبراني في الأوسط. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 7 / 121: \" رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه\".\r(3) أخرجه عبد الرازق في التفسير: 2 / 276، والطبري: 27 / 246، وزاد السيوطي في الدر المنثور: 8 / 68 عزه لعبد بن حميد وابن المنذر.\r(4) ساقط من \"أ\".\r(5) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 68 لعبد بن حميد وابن المنذر.","part":8,"page":45},{"id":3109,"text":"فضل الله { وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث عن نافع، عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استعمل عمالا فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود إلى نصف النهار على قيراط قيراط، ثم قال من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟ فعملت النصارى من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين، ألا فأنتم الذين تعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس ألا لكم الأجر مرتين، فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: نحن أكثر عملا وأقل عطاء؟ قال الله تعالى: \"هل ظلمتكم من حقكم شيئا؟\" قالوا: لا قال: \"فإنه فضلي أعطيه من شئت\" (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة عن يزيد عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قوما يعملون له عملا إلى الليل على أجر معلوم فعملوا إلى نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا وما عملناه باطل، فقال لهم: لا تفعلوا أكملوا بقي عملكم، وخذوا أجركم كاملا فأبوا وتركوا واستأجر قوما آخرين بعدهم، فقال: أكملوا بقية يومكم هذا ولكم الذي شرطت لهم من الأجر، فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه، فقال: أكملوا بقية عملكم فإنما بقي من النهار شيء يسير فأبوا فاستأجر قوما أن يعملوا له بقية يومهم فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس فاستكملوا أجر الفريقين كليهما فذلك مثلهم ومثل ما قبلوا من هذا النور\" (2)\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل: 6 / 495 - 496، والمصنف في شرح السنة: 14 / 218 - 219.\r(2) أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة، باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب: 2 / 38، والمصنف في شرح السنة: 14 / 221.","part":8,"page":46},{"id":3110,"text":"سورة المجادلة مدنية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) }\r{ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا } الآية. نزلت في خولة بنت ثعلبة كانت تحت أوس بن الصامت، وكانت حسنة الجسم وكان به لمم فأرادها فأبت، فقال لها: أنت عليَّ كظهر أمي، ثم ندم على ما قال. وكان الظهار والإيلاء من طلاق أهل الجاهلية. فقال لها: ما أظنك إلا قد حرمت عليَّ. فقالت: والله ما ذاك طلاق، وأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم -وعائشة رضي الله عنها تغسل شق رأسه -فقالت: يا رسول الله إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني وأنا شابة غنية ذات مال وأهل حتى إذا أكل مالي وأفنى شبابي وتفرق أهلي وكبر سني ظاهر مني، وقد ندم، فهل من شيء يجمعني وإياه تنعشني به؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرمتِ عليه، فقالت: يا رسول الله والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقًا وإنه أبو ولدي وأحب الناس إليَّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرمت عليه، فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي قد طالت صحبتي ونفضت له بطني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أراك إلا قد حرمت عليه، ولم أومر في شأنك بشيء، فجعلت تراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرمت عليه هتفت وقالت: أشكو إلى الله فاقتي وشدة حالي وإن لي صِبْيَةً صغارًا إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إليَّ جاعوا، وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهم إني أشكو إليك، اللهم فأنزل على لسان نبيك، وكان هذا أول ظهار في الإسلام.\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة المجادلة بالمدينة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله، والله أعلم. انظر: الدر المنثور: 8 / 69.","part":8,"page":47},{"id":3111,"text":"فقامت عائشة تغسل شق رأسه الآخر. فقالت: انظر في أمري جعلني الله فداءك يا نبي الله، فقالت عائشة: أقصري حديثك ومجادلتك أما ترين وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ -وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه أخذه مثل السبات -فلما قضى الوحي قال لها: ادعي زوجك فدعته، فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"قد سمع الله قول التي تجادلك\" الآيات (1) .\rقالت عائشة: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات كلها إن المرأة لتحاور رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في ناحية البيت أسمع بعض كلامها ويخفى علي بعضه إذ أنزل الله: \"قد سمع الله\" الآيات (2) .\rومعنى قوله: { قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ } تخاصمك وتحاورك وتراجعك في زوجها { وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا } مراجعتكما الكلام { إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } سميع لما تناجيه وتتضرع إليه، بصير بمن يشكو إليه، ثم ذم الظهار فقال: { الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ }\r{ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) }\r{ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِم } قرأ عاصم: \"يظاهرون\" فيها بضم الياء وتخفيف الظاء وألف بعدها وكسر الهاء. وقرأ ابن عامر، وأبو جعفر، وحمزة، والكسائي: بفتح الياء والهاء، وتشديد الظاء وألف بعده.ا وقرأ الآخرون بفتح الياء وتشديد الظاء والهاء من غير ألف.\r{ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ } أي ما اللواتي يجعلونهن من زوجاتهم كالأمهات بأمهات. وخفض التاء في \"أمهاتهم\" على خبر \"ما\" ومحله نصب كقوله: \"ما هذا بشرا\" (يوسف -31) المعنى: ليس هن بأمهاتهم { إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ } أي ما أمهاتهم { إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ } لا يعرف في شرع { وَزُورًا } كذبا { وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } عفا عنهم وغفر لهم بإيجاب الكفارة عليهم.\rوصورة الظهار: أن يقول الرجل لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمي، أو أنت مني أو معي أو عندي كظهر أمي، وكذلك لو قال: أنت عليَّ كبطن أمي أو كرأس أمي أو كيد أمي أو قال بطنك أو رأسك أو يدك علي كظهر أمي أو شبَّه عضوًا منها بعضوٍ آخر من أعضاء أمّه فيكون ظهارًا.\r__________\r(1) أخرجه عبد الرازق في التفسير: 2 / 277، وصححه الحاكم: 2 / 481. وانظر تفسير ابن كثير: 4 / 319.\r(2) أخرجه عبد بن حميد في المنتخب من المسند، صفحة: (438)، والنسائي: 6 / 186، والحاكم: 2 / 481. وأخرجه الإمام أحمد: 6 / 46 بلفظ: \"الحمد لله الذي ... \" ، والبخاري تعليقًا في كتاب التوحيد، باب (وكان الله سميعا بصيرا) 13 / 327.","part":8,"page":50},{"id":3112,"text":"وعند أبي حنيفة -رضي الله عنه -إن شبهها ببطن الأم أو فرجها أو فخذها يكون ظهارًا وإن شبهها بعضو آخر لا يكون ظهارًا. ولو قال أنت علي كأمي أو كروح أمي وأراد به الإعزاز والكرامة فلا يكون ظهارًا حتى يريده، ولو شبهها بجدته فقال: أنت علي كظهر جدتي يكون ظهارًا وكذلك لو شبهها بامرأة محرّمة عليه بالقرابة بأن قال: أنت علي كظهر أختي أو عمتي أو خالتي أو شبهها بامرأة محرمة عليه بالرضاع يكون ظهارًا -على الأصح من الأقاويل -.\r{ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) }\r{ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } ثم حُكْم الظهارِ: أنه يحرم على الزوج وطؤها بعد الظهار ما لم يكفّر، والكفارة تجب بالعَوْدِ بعد الظهار. لقوله تعالى: \"ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة\" .\rواختلف أهل العلم في \"العَوْد\" فقال أهل الظاهر: هو إعادة لفظ الظهار، وهو قول أبي العالية لقوله تعالى: \"ثم يعودون لما قالوا\" أي إلى ما قالوا [أي أعادوه مرة أخرى] (1) . فإن لم يكرر اللفظ فلا كفارة عليه.\rوذهب قوم إلى أن الكفارة تجب بنفس الظهار، والمراد من \"العود\" هو: العود إلى ما كانوا عليه في الجاهلية من نفس الظهار، وهو قول مجاهد والثوري.\rوقال قوم: المراد من \"العود\" الوطء 155/ب وهو قول الحسن وقتادة وطاووس والزهري وقالوا: لا كفارة عليه ما لم يطأها. وقال قوم: هو العزم على الوطء، وهو قول مالك وأصحاب الرأي.\rوذهب الشافعي إلى أن العود هو أن يمسكها عقيب الظهار زمانا يمكنه أن يفارقها فلم يفعل، فإن طلقها عقيب الظهار في الحال أو مات أحدهما في الوقت فلا كفارة عليه لأن العود للقول هو المخالفة. وفسر ابن عباس \"العود\" بالندم، فقال: يندمون فيرجعون إلى الألفة، ومعناه هذا.\rقال الفراء (2) يقال: عاد فلان لما قال، أي فيما قال، وفي نقض ما قال يعني:\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) معاني القرآن للفراء: 3 / 139 بتصرف في العبارة.","part":8,"page":51},{"id":3113,"text":"رجع عما قال.\rوهذا يبين ما قال الشافعي وذلك أن قصده بالظهار التحريم، فإذا أمسكها على النكاح فقد خالف قوله ورجع عما قاله فتلزمه الكفارة، حتى قال: لو ظاهر عن امرأته الرجعية ينعقد ظهاره ولا كفارة عليه حتى يراجعها فإن راجعها صار عائدا ولزمته الكفارة.\rقوله: { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } والمراد بـ \"التّماس\": المجامعة، فلا يحل للمظاهر وطء امرأته التي ظاهر منها ما لم يكفر، سواء أراد التكفير بالإعتاق أو بالصيام أو بالإطعام، وعند مالك إن أراد التكفير بالإطعام يجوز له الوطء قبله، لأن الله تعالى قيد العتق والصوم بما قبل المسيس وقال في الإطعام: \"فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا\" ولم يقل: من قبل أن يتماسا. وعند الآخرين: الإطلاق في الإطعام محمول على المقيَّد في العتق والصيام.\rواختلفوا في تحريم ما سوى الوطء من المباشرات قبل التكفير، كالقُبْلة والتلذذ: فذهب أكثرهم إلى أنه لا يحرم سوى الوطء، وهو قول الحسن، وسفيان الثوري وأظهر قولي الشافعي كما أن الحيض يحرم الوطء دون سائر الاستمتاعات.\rوذهب بعضهم إلى أنه يحرم، لأن اسم \"التماس\" يتناول الكل، ولو جامع المظاهر قبل التكفير يعصي الله تعالى، والكفارة في ذمته. ولا يجوز أن يعود ما لم يكفر، ولا يجب بالجماع كفارة أخرى. وقال بعض أهل العلم: إذا واقعها قبل التكفير عليه كفارتان.\rوكفارة الظهار مرتبة يجب عليه عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فعليه صيام شهرين متتابعين، فإن أفطر يوما متعمدًا أو نسي النية يجب عليه استئناف الشهرين، فإن عجز عن الصوم يجب عليه أن يطعم ستين مسكينا. وقد ذكرنا في سورة المائدة مقدار ما يطعم كل مسكين (1) .\r__________\r(1) معاني القرآن للفراء: 3 / 91.","part":8,"page":52},{"id":3114,"text":"{ ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ } تؤمرون به { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }\r{ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4) }\r{ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ } يعني الرقبة { فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا } فإن كانت له رقبة إلا أنه محتاج إلى خدمته، أو له ثمن رقبة لكنه محتاج إليه لنفقته ونفقة عياله فله أن ينتقل إلى الصوم. وقال مالك والأوزاعي: يلزمه الإعتاق إذا كان واجدًا للرقبة أو ثمنها وإن كان محتاجًا إليه. وقال أبو حنيفة: إن كان واجدًا لعينِ الرقبة يجب عليه إعتاقها وإن كان محتاجًا إليها فأما إذا كان واجدًا لثمن الرقبة وهو محتاج إليه فله أن يصوم، فلو شرع المظاهر في صوم شهرين ثم جامع في خلال الشهر بالليل يعصي الله تعالى بتقديم الجماع على الكفارة، ولكن لا يجب عليه استئناف الشهرين، وعند أبي حنيفة يجب عليه استئناف الشهرين.\rقوله عز وجل: { فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } يعني المظاهر إذا لم يستطع الصوم لمرض أو كبر أو فرط شهوة ولا يصبر عن الجماع يجب عليه إطعام ستين مسكينًا.\rأخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري حدثنا أحمد بن علي الكشميهني حدثنا علي بن حُجْر، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن أبي حرملة، عن عطاء بن يسار أن خولة بنت ثعلبة كانت تحت أوس بن الصامت، فظاهر منها وكان به لمم، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أوسًا ظاهر مني وذكرت أن به لممًا فقالت: والذي بعثك بالحق ما جئتك إلا رحمة له إن له فيَّ منافع، فأنزل القرآن فيهما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"مُرِيهِ فليعتِقْ رقبة، قالت: والذي بعثك بالحق ما عنده رقبة ولا ثمنها قال: مريه فليصم شهرين متتابعين، فقالت: والذي بعثك بالحق لو كلفته ثلاثة أيام ما استطاع، قال: مريه فليطعم ستين مسكينًا قالت: والذي بعثك بالحق ما يقدر عليه، قال: مريه فليذهب إلى فلان ابن فلان فقد أخبرني أن عنده شطر تمر صدقة، فليأخذه صدقة عليه ثم ليتصدق به على ستين مسكينا\" (1) .\rوروى سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر قال: كنت امرأ أصيب من النساء ما لم يصب غيري فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئًا فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان، فبينما هي تحدثني ذات ليلة إذ تكشف لي منها شيء فلم ألبث أن وقعت عليها فانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: أنتَ بذاك، فقلت: أنا بذاك -قاله ثلاثا -قلت: أنا بذاك وها أنا ذَا فأمضِ في حكم الله، فإني صابر لذلك، قال: فأَعْتِقْ رقبةً. فضربت صفحةَ عنقي بيدي فقلت:\r__________\r(1) أخرجه البيهقي في السنن: 7 / 389 وله شاهد عند الإمام أحمد: 6 / 410، والمصنف في شرح السنة: 9 / 241. وزاد السيوطي في الدر المنثور: 8 / 71 عزوه لسعيد بن منصور وابن مردويه.","part":8,"page":53},{"id":3115,"text":"لا والذي بعثك بالحق ما أملك غيرها قال: فصم شهرين متتابعين، فقلت: يا رسول الله وهل أصابني ما أصابني إلا من الصيام؟ قال: فأطعم ستين مسكينًا قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه [وحشين] (1) ما لنا عشاء، قال: اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له فليدفعها إليك، فأطعم عنك منها وسقًا ستين مسكينًا ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك. قال: فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي ووجدت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم السعة والبركة، أمر لي بصدقتكم فادفعوها إلي قال: فدفعوها إليه (2) .\r{ ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ } لتصدقوا ما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم من الله عز وجل، { وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ } يعني ما وصف من الكفارات في الظهار { وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ } قال ابن عباس: لمن جحده وكذب به.\r{ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (5) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6) }\r{ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } أي يعادون الله ورسوله ويشاقون ويخالفون أمرهما { كُبِتُوا } أذلوا وأخزوا وأهلكوا { كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ } { يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ } حفظ الله أعمالهم { وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ }\r__________\r(1) في \"ب\" وحشا.\r(2) أخرجه أبو داود في الطلاق، باب في الظهار: 3 / 137 - 139، والترمذي في التفسير: 9 / 188 - 191 وقال: \"هذا حديث حسن. قال محمد بن إسماعيل - : سليمان بن يسار لم يسمع عندي من سلمة بن صخر\" . وعبد الرزاق في المصنف: 6 / 431، وابن ماجه: في الطلاق، باب الظهار برقم: ( 2062) 1 / 665 - 666، والدرامي: 2 / 163 - 164، والبيهقي في السنن: 7 / 390، والإمام أحمد: 5 / 436، وصححه الحاكم: 2 / 203 على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وانظر: تلخيص الحبير: 3 / 221 ، وصححه الألباني في إرواء الغليل: 7 / 176 - 179.","part":8,"page":54},{"id":3116,"text":"{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَا يَكُون مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8) }\r{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَا يَكُون } 156/أ قرأ أبو جعفر بالتاء، لتأنيث النجوى، وقرأ الآخرون بالياء لأجل الحائل (1) { مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ } أي من سرار ثلاثة، يعني من المسارّة، أي: ما من شيء يناجي به الرجل صاحبيه { إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ } بالعلم.\r__________\r(1) أي الفاصل بين الفعل والفاعل فلذلك لم يؤنث الفعل.","part":8,"page":54},{"id":3117,"text":"وقيل: معناه ما يكون من متناجين ثلاثة يسارّ، بعضهم بعضًا إلا هو رابعهم بالعلم، يعلم نجواهم { وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا } قرأ يعقوب: \"أكثرُ\" بالرفع على محل الكلام قبل دخول \"مِنْ\" { ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى } نزلت في اليهود والمنافقين وذلك أنهم كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين وينظرون إلى المؤمنين ويتغامزون بأعينهم، يوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما يسوءهم، فيحزنون لذلك ويقولون ما نراهم إلا وقد بلغهم عن إخواننا الذين خرجوا في السرايا قَتْلٌ أو موت أو هزيمة، فيقع ذلك في قلوبهم ويحزنهم، فلما طال ذلك عليهم وكثر شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن لا يتناجوا دون المسلمين فلم ينتهوا عن ذلك وعادوا إلى مناجاتهم فأنزل الله (1) \"ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى\" أي المناجاة { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ } أي يرجعون إلى المناجاة التي نهوا عنها { وَيَتَنَاجَوْن } قرأ الأعمش وحمزة: و \"وينتنجون\" على وزن يفتعلون، وقرأ الآخرون \"يتناجون\" لقوله: \"إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول\" وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد نهاهم عن النجوى فعصوه { وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ } وذلك أن اليهود كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم { وَيَقُولُون } السام عليك. \" والسام \" : الموت، وهم يوهمونه أنهم يقولون: السلام عليك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرد عليهم فيقول: عليكم، فإذا خرجوا قالوا: { فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ } يريدون: لو كان نبيا حقا لعذبنا الله بما نقول، قال الله عز وجل: { حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ }\r__________\r(1) انظر: الطبري: 28 / 13 ، ابن كثير: 4 / 324 ، الدر المنثور: 8 / 80 والواحدي في أسباب النزول: ص (474) .","part":8,"page":55},{"id":3118,"text":"أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا أبو أيوب عن ابن أبي مليكة، عن عائشة: \"أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: السام عليك قال: وعليكم، فقالت عائشة: السام عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهلا يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش، قالت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: أولم تسمعي ما قلت؟ رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم فيَّ\" (1) .\rثم إن الله تعالى: نهى المؤمنين أن يتناجوا فيما بينهم كفعل المنافقين واليهود فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (10) }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ } أي كفعل المنافقين واليهود وقال مقاتل أراد بقوله: \"آمنوا\" المنافقين أي آمنوا بلسانهم. قال عطاء: يريد الذين آمنوا بزعمهم قال لهم: لا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول { وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } { إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ } أي من تزيين الشيطان { لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا } أي إنما يزين لهم ذلك ليحزن المؤمنين { وَلَيْسَ } التناجي { بِضَارِّهِمْ شَيْئًا } وقيل: ليس الشيطان بضارهم شيئا { إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ }\rأخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري أخبرنا جدي أبو سهل عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار أخبرنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري حدثنا عبد الرزاق أخبرنا مَعْمَر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الدعوات، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: يستجاب لنا في اليهود، ولا يستجاب لهم فينا: 11 / 199 - 200 ، والمصنف في شرح السنة: 12 / 270 - 271 .","part":8,"page":56},{"id":3119,"text":"\"إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه فإن ذلك يحزنه\" (1) .\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11) }\rقوله عز وجل { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا } الآية قال مقاتل بن حيان: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء ناس منهم يومًا وقد سُبِقوا إلى المجلس فقاموا حيال النبي صلى الله عليه وسلم وسلموا عليه فردَّ عليهم، ثم سلموا على القوم فردوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، فلم يفسحوا لهم فشقَّ ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لمن حوله: قم يا فلان وأنت يا فلان، فأقام من المجلس بقدر النفر الذين قاموا بين يديه من أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه وعرف النبي صلى الله عليه وسلم الكراهية في وجوههم فأنزل الله هذه الآية (2) .\rوقال الكلبي: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، وقد ذكرنا في سورة الحجرات قصته (3) . وقال قتادة: كانوا يتنافسون في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا رأوا من جاءهم مقبلا ضنوا بمجلسهم فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض (4) .\rوقيل: كان ذلك يوم الجمعة، فأنزل الله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا } أي توسعوا في المجلس، قرأ الحسن وعاصم: \"في المجالس\" لأن الكل جالس مجلسًا معناه: ليتفسحْ كل رجل في مجلسه. وقرأ الآخرون: \"في المجلس\" على التوحيد لأن المراد منه مجلس النبي صلى الله عليه وسلم { فَافْسَحُوا } أَوْسِعُوا، يقال: فسح يفسح فسحًا: إذا وسع في المجلس { يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ } يوسع الله لكم الجنة والمجالس فيها.\r__________\r(1) أخرجه مسلم في السلام، باب تحريم مناجاة الاثنين دون الثالث بغير رضاه برقم (2184): 4 / 1718 ، والمصنف في شرح السنة: 13 / 90 .\r(2) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 81 لابن أبي حاتم. وانظر: الواحدي في أسباب النزول، ص (475) تفسير ابن كثير: 4 / 325.\r(3) وقوله عزّ وجلّ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ ) الآية، قال ابن عباس: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وذلك أنه كان في أذنه وقر، فكان إذا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سبقوه بالمجلس أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه، فيسمع ما يقول، فأقبل ذات يوم وقد فاتته [ ركعة من صلاة الفجر ].\rفلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة أخذ أصحابه مجالسهم، فضن كل رجل بمجلسه فلا يكاد يُوسّع أحدٌ لأحد، فكان الرجل إذا جاء فلم يجد مجلسًا يجلس فيه قام قائمًا كما هو، فلما فرغ ثابت من الصلاة أقبل نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخطى رقاب الناس، ويقول: تفسحوا تفسحوا، فجعلوا يتفسحون له حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينه وبينه رجل، فقال له: تفسح، فقال الرجل: قد أصبتَ مجلسًا فاجلس، فجلس ثابت خلفه مغضبًا، فلما انجلت الظلمة غمز ثابت الرجل، فقال: من هذا؟ قال: أنا فلان، فقال ثابت: ابن فلانة، وذكر أُمًّا له كان يعير بها في الجاهلية، فنكَّسَ الرجل رأسه واستحيا، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\r(4) أخرجه الطبري: 28 / 17.","part":8,"page":57},{"id":3120,"text":"أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا يقيمنَّ أحدكم الرجل من مجلسه ثم يخلفه فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا\" (1) .\rأخبرنا عبد الوهاب بن الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي أخبرنا عبد المجيد عن ابن جريج قال: قال سليمان بن موسى عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"لا يقيمنّ أحدكم أخاه يوم الجمعة 156/ب ولكن ليقل افسحوا\" (2)\rوقال أبو العالية، والقرظي والحسن: هذا في مجالس الحرب ومقاعد القتال، كان الرجل يأتي القوم في الصف فيقول توسعوا فيأبون عليه لحرصهم على القتال ورغبتهم في الشهادة (3) { وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا } قرأ أهل المدينة والشام وعاصم بضم الشين وقرأ الآخرون بكسرهما وهما لغتان أي ارتفعوا قيل: ارتفعوا عن مواضعكم حتى توسِّعُوا لإخوانكم. وقال عكرمة والضحاك: كان رجال يتثاقلون عن الصلاة إذا نودي لها فأنزل الله تعالى هذه الآية معناه: إذا نودي للصلاة فانهضوا لها (4)\rوقال مجاهد وأكثر المفسرين: معناه: إذا قيل لكم انهضوا إلى الصلاة وإلى الجهاد وإلى مجالس كل خير وحق فقوموا لها ولا تقصروا (5) .\r{ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِين آمَنُوا مِنْكُمْ } بطاعتهم لرسوله صلى الله عليه وسلم وقيامهم من مجالسهم وتوسعتهم لإخوانهم { وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ } من المؤمنين بفضل علمهم وسابقتهم \"درجات\" فأخبر الله عز وجل أن رسوله صلى الله عليه وسلم مصيب فيما أمر وأن أولئك المؤمنين مثابون فيما ائتمروا وأن النفر من أهل بدر مستحقون لما عوملوا من الإكرام.\r{ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } قال الحسن: قرأ ابن مسعود هذه الآية وقال: أيها الناس افهموا هذه الآية ولنرغبنَّكم في العلم، فإن الله تعالى يقول: \"يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم\r__________\r(1) أخرجه الشافعي في المسند: 2 / 186 ، والبخاري في الاستئذان، باب (إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا): 11 / 62، ومسلم في السلام، باب تحريم إقامة الإنسان من موضعه المباح الذي سبق إليه، برقم (2177) : 4 / 1714والمصنف في شرح السنة: 12 / 297.\r(2) أخرجه الشافعي في المسند: 2 / 187 ، ومسلم في الموضع السابق برقم (2178): 4 / 1715.\r(3) انظر: الطبري: 28 / 17 .\r(4) انظر: الطبري: 28 / 18.\r(5) انظر الطبري: 28 / 18.","part":8,"page":58},{"id":3121,"text":"درجات\" المؤمن العالم فوق الذي لا يعلم درجات.\r[أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي حدثنا الإمام أبو الطيب سهل بن محمد ابن سليمان] (1) حدثنا أبو علي حامد بن محمد بن عبد الله الهروي أخبرنا محمد بن يونس القرشي أخبرنا عبيد الله بن داود، حدثنا عاصم بن رجاء بن حيوة، حدثني داود بن جميل عن كثير بن قيس قال: كنت جالسًا مع أبي الدرداء في مسجد دمشق فجاء رجل فقال: يا أبا الدرداء إني جئتك من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم لحديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما كانت لك حاجة غيره؟ قال: لا قال: ولا جئتَ لتجارة؟ قال: لا قال: ولا جئت إلا رغبة فيه؟ قال: نعم قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سلك الله به طريقًا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضىً لطالب العلم، وإن السموات والأرض والحوت في الماء لتدعو له، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر\" (2) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو علي الحسين بن أحمد بن إبراهيم السراج، أخبرنا الحسن ابن يعقوب العدل، حدثنا محمد بن عبد الوهاب الفراء، حدثنا جعفر بن عون أخبرنا عبد الرحمن بن زياد عن عبد الرحمن بن رافع، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بمجلسين في مسجده أحد المجلسين يدعون الله ويرغبون إليه، والآخر يتعلمون الفقه ويعلمونه، قال: \"كلا المجلسين على خير، وأحدهما أفضل من صاحبه، أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه ويعلِّمون الجاهل، فهؤلاء أفضل وإنما بعثت معلمًا ثم جلس فيهم\" (3) .\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) أخرجه أبو داود في العلم: باب الحث على طلب العلم: 5 / 243 قال المنذري: \"وقد اختلف في هذا الحديث اختلافا كثيرا ... \" ، والترمذي في العلم، باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة: 7 / 450 - 453 لكن من طريق محمود بن خداش البغدادي، وقال، \"ولا نعرف هذا الحديث إلا من حديث عاصم بن رجاء بن حيوة، وليس إسناده عندي بمتصل هكذا، حدثنا محمود ابن خداش هذا الحديث، وإنما يروى هذا الحديث عن عاصم بن رجاء بن حيوة عن داود بن جميل، عن كثير بن قيس، عن أبي الدرداء عن النبي صلىالله عليه وسلم وهذا أصح من حديث محمود بن خداش\" ، والدرامي: 1 / 98 ، وابن ماجه في المقدمة، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم (223): 1 / 81 ، والإمام أحمد: 5 / 196 ، وابن حبان في موارد الظمآن: صفحة (48) ، والمصنف في شرح السنة: 1 / 275 - 276 وللحديث شواهد يتقوى بها كما قال الحافظ في الفتح: (1 / 160) ، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم: (6297).\r(3) أخرجه الدارمي: 1 / 99 - 100 ، وأبو داود الطيالسي: صفحة (298) ، والمصنف في شرح السنة: 1 / 274 - 275 . والحديث ضعيف لضعف عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي.","part":8,"page":59},{"id":3122,"text":"{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12) }\rقوله عز وجل { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً } أمام مناجاتكم، قال ابن عباس: وذلك أن الناس سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثروا حتى شقوا عليه فأراد الله أن يخفف على نبيه ويثبطهم ويردعهم عن ذلك فأمرهم أن يقدموا صدقةً على المناجاة مع الرسول صلى الله عليه وسلم (1) .\rوقال مقاتل بن حيان: نزلت في الأغنياء، وذلك أنهم كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيكثرون مناجاته ويغلبون الفقراء على المجالس، حتى كره النبي صلى الله عليه وسلم طول جلوسهم ومناجاتهم، فلما رأوا ذلك انتهوا عن مناجاته، فأما أهل العسرة فلم يجدوا شيئًا وأما أهل الميسرة فضنوا واشتد ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الرخصة (2) .\rقال مجاهد: نهوا عن المناجاة حتى يتصدقوا فلم يناجِهِ إلا علي رضي الله عنهُ تصدق بدينار وناجاهُ ثم نزلت الرخصة فكان علي رضي الله عنه يقول: آية في كتاب الله لم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي وهي آية المناجاة (3)\rوروي عن علي رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما ترى دينارًا؟ قلت: لا يطيقونهُ قال: فكم؟ قلت: حبة أو شعيرة، قال: إنك لزهيد، فنزلت: \"أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات\" قال علي رضي الله تعالى عنه: فبي قد خفف الله عن هذه الأمة (4) .\r{ ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ } يعني: تقديم الصدقة على المناجاة { وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } يعني الفقراء الذين لا يجدون ما يتصدقون به معفو عنهم.\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 83 لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وانظر: الطبري: 28 / 20 - 21 .\r(2) انظر: الواحدي في أسباب النزول ص (476) .\r(3) أخرجه الطبري: 28 / 19 - 20، وابن كثير: 4 / 327.\r(4) أخرجه الترمذي في التقسير - تفسير سورة المجادلة - 9 / 192 - 194 وقال: \" هذا حديث حسن غريب\" والطبري: 28 / 21 ، وأبو يعلى: 1 / 223، وابن حبان في موارد الظمآن برقم: (1764) صفحة: (437) وفيه علي بن علقمة ذكره ابن حبان في المجروحين: (2 / 109) وقال: \"منكر الحديث ينفرد عن علي بما لا يشبه حديثه\" . وذكره الذهبي في الميزان: (3 / 146) وقال: \"في حديثه نظر\" ، وساق له هذا الحديث الذي ذكره العقيلي في الضعفاء.","part":8,"page":60},{"id":3123,"text":"{ أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (13) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (15) }\r{ أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا } قال ابن عباس: أبخلتم؟ والمعنى: أخفتم العيلة والفاقة إن قدمتم { بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا } ما أمرتم به { وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ } تجاوز عنكم ولم يعاقبكم بترك الصدقة، وقيل \"الواو\" صلة مجازه: فإن لم تفعلوا تاب الله عليكم ونسخ الصدقة [قال مقاتل بن حيان : كان ذلك عشر ليال ثم نسخ ] (1) وقال الكلبي: ما كانت إلا ساعة من نهار.\r{ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ } المفروضة { وَآتُوا الزَّكَاةَ } الواجبة { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ } نزلت في المنافقين تولوا اليهود وناصحوهم ونقلوا أسرار المؤمنين إليهم (2) . وأراد بقوله: \"غضب الله عليهم\" اليهود { مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ } يعني المنافقين ليسوا من المؤمنين في الدين والولاء، ولا من اليهود والكافرين، كما قال: \"مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء\" (النساء -143) { وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } قال السدي ومقاتل: نزلت في عبد الله بن نبتل المنافق كان يجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يرفع حديثه إلى اليهود، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرة من حجره إذ قال: يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعيني شيطان، فدخل عبد الله بن نبتل وكان أزرق العينين فقال النبي صلى الله عليه وسلم \"علام تشتمني أنت وأصحابك\"؟ فحلف بالله ما فعل وجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبوه فأنزل الله عز وجل هذه الآيات، فقال: \"ويحلفون على الكذب وهم يعلمون\" 157/أ أنهم كَذَبَة (3) .\r{ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُم سَاءَ مَا كَانُواْ يَعمَلُونَ }\r{ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (16) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (17) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (18) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (19) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأذَلِّينَ (20) كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21) }\r{ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ } الكاذبة { جُنَّة } يستجنُّون بها من القتل ويدفعون بها عن أنفسهم وأموالهم { فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } صدوا المؤمنين\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) انظر: القرطبي: 17 / 304.\r(3) ذكره الواحدي في أسباب النزول صفحة: (476). قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف، ص (165) \"لم أجده هكذا\".","part":8,"page":61},{"id":3124,"text":"عن جهادهم بالقتل وأخذ أموالهم { فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ } { لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ } يوم القيامة { أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } { يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ } كاذبين ما كانوا مشركين { كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ } في الدنيا { وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ } من أيمانهم الكاذبة { أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ } { اسْتَحْوَذ } غلب واستولى { عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأذَلِّينَ } الأسفلين. أي: هم في جملة من يلحقهم الذل في الدنيا والآخرة. { كَتَبَ اللَّهُ } قضى الله قضًاء ثابتًا { لأغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } [نظيره] (1) قوله: \"ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون\" (الصافات 71-72) قال الزجاج: غلبة الرسل على نوعين: من بعث منهم بالحرب فهو غالب بالحرب، ومن لم يؤمر بالحرب فهو غالب بالحجة.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".","part":8,"page":62},{"id":3125,"text":"{ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22) }\rقوله عز وجل { لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } الآية. أخبر أن إيمان المؤمنين يفسد بموادة الكافرين وأن من كان مؤمنًا لا يوالي من كفر، وإن كان من عشيرته.\rقيل: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة وسيأتي في سورة الممتحنة (1) إن شاء الله عز وجل.\r__________\r(1) انظر القرطبي 17 / 308.","part":8,"page":62},{"id":3126,"text":"وروى مقاتل بن حيان عن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية قال: \"ولو كانوا آباءهم\" يعني: أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد \"أو أبناءهم\" يعني أبا بكر دعا ابنه يوم بدر إلى البراز وقال: يا رسول الله دعني أكن في الرحلة الأولى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: متعنا بنفسك يا أبا بكر \"أو إخوانهم\" يعني: مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد \"أو عشيرتهم\" يعني عمر قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم بدر، وعليا وحمزة وعبيدة قتلوا يوم بدرعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة (1)\r{ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَانَ } أثبت التصديق في قلوبهم فهي موقنة مخلصة، وقيل: حكم لهم بالإيمان فذكر القلوب لأنها موضعه { وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ } قواهم بنصر منه. قال الحسن: سمى نصره إياهم روحا لأن أمرهم يحيا به. وقال السدي: يعني بالإيمان. وقال الربيع: يعني بالقرآن وحجته، كما قال: \"وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا\" (الشورى -52) وقيل برحمة منه. وقيل أمدهم بجبريل عليه السلام. { وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }\r__________\r(1) انظر: الواحدي في أسباب النزول صفحة (478) ، القرطبي: 17 / 307 ، ابن كثير: 4 / 330 .","part":8,"page":63},{"id":3127,"text":"سورة الحشر مدنية (1)\rقال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: قل: سورة النضير (2) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) }\r{ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } قال المفسرون: نزلت هذه السورة في بني النضير (3) وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المدينة فصالحته بنو النضير على أن لا يقاتلوه ولا يقاتلوا معه فَقَبِل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدرًا وظهر على المشركين قالت بنو النضير: والله إنه النبي الذي وجدنا نعته في التوراة لا ترد له راية، فلما غزا أحدًا وهُزم المسلمون ارتابوا وأظهروا العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركب كعب بن الأشرف في أربعين راكبًا من اليهود إلى مكة فأتوا قريشًا فحالفوهم وعاقدوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على محمد صلى الله عليه وسلم ودخل أبو سفيان في أربعين وكعب في أربعين من اليهود المسجد الحرام، وأخذ بعضهم على بعض الميثاقَ بين الأستار والكعبة، ثم رجع كعب وأصحابه إلى المدينة، ونزل جبريل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما تعاقد عليه كعب وأبو سفيان، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل كعب بن الأشرف فقتله محمد بن مسلمة -ذكرناه في سورة آل عمران (4) .\rوكان النبي صلى الله عليه وسلم اطلع منهم على خيانة حين أتاهم في دية المسلمين اللذين قتلهما\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة الحشر بالمدينة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. انظر: الدر المنثور: 8 / 88 .\r(2) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة الحشر - 8 / 629 .\r(3) أخرجه البخاري في الموضع السابق، ومسلم في التفسير، باب في سورة براءة والأنفال والحشر، برقم (3031): 4 / 2322 عن سعيد بن جبير.\r(4) انظر: فيما سبق: 2 / 147.","part":8,"page":64},{"id":3128,"text":"عمرو بن أمية الضمري في مُنْصَرَفِه من بئر معونة، فهمُّوا بطرح حجر عليه من فوق الحصن فعصمه الله وأخبره بذلك -ذكرناه في سورة المائدة (1) .\rفلما قتل كعب بن الأشرف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر الناس بالمسير إلى بني النضير وكانوا بقرية يقال لها زهرة فلما سار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وجدهم ينوحون على كعب بن الأشرف فقالوا: يا محمد واعية على أثر واعية وباكية على أثر باكية؟ قال: نعم قالوا: ذرنا نبكي شجونًا ثم ائتَمِر أمرك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أخرجوا من المدينة فقالوا: الموت أقرب إلينا من ذلك فتنادوا بالحرب وآذنوا بالقتال ودس المنافقون -عبد الله بن أبي وأصحَابُه -إليهم: أن لا تخرجوا من الحصن فإن قاتلوكم فنحن معكم ولا نخذلكم ولننصرنكم ولئن أخرجتم لنخرجن معكم. فدرِّبوا على الأزقة وحصِّنوها ثم إنهم أجمعوا على الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلوا إليه: أن اخرْج في ثلاثين رجلا من أصحابك وليخرج منا ثلاثون حتى نلتقي بمكان بيننا وبينك فيستمعوا منك فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا كلنا فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثين من أصحابه وخرج إليه ثلاثون حبرًا من اليهود حتى إذا كانوا في براز من الأرض قال بعض اليهود لبعض: كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون رجلا من أصحابه كلهم يحب أن يموت قبله؟ فأرسلوا إليه: كيف نفهم ونحن ستون رجلا ؟ اخرج في ثلاثة من أصحابك ونخرج إليك في ثلاثة من علمائنا فيستمعوا منك فإن آمنوا بك آمنا كلنا بك وصدقناك فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة من أصحابه وخرج ثلاثة من اليهود واشتملوا 157/ب على الخناجر وأرادوا الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى أخيها وهو رجل مسلم من الأنصار فأخبرته بما أراد بنو النضير من الغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل أخوها سريعًا حتى أدرك النبي صلى الله عليه وسلم فسارّه بخبرهم قبل أن يصل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم فرجع النبي صلى الله عليه وسلم فلما كان الغد غدا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتائب فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة فقذف الله في قلوبهم الرعب وأيسوا من نصر المنافقين فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح فأبى عليهم إلا أن يخرجوا من المدينة على ما يأمرهم به النبي صلى الله عليه وسلم فقبلوا ذلك، فصالحهم على الجلاء وعلى أن لهم ما أقلَّت الإبل من أموالهم إلا الحلقة وهي السلاح، وعلى أن يخلوا لهم ديارهم وعقارهم وسائر أموالهم (2) .\rوقال ابن عباس: على أن يحمل كل أهل ثلاثة أبيات على بعير ما شاءوا من متاعهم، ولنبي الله صلى الله عليه وسلم ما بقي.\r__________\r(1) انظر: فيما سبق: 3 / 28.\r(2) أخرج بعضه أبو داود في الخراج والإمارة، باب في خبر النضير: 4 / 234 - 235. وأخرجه مطولا عبد الرزاق في المصنف: 5 / 359 - 360 ، وعزاه السيوطي في الدر: 8 / 93 أيضا لعبد بن حميد والبيهقي في الدلائل وانظر: تفسير ابن كثير: 4 / 331 - 332.","part":8,"page":68},{"id":3129,"text":"وقال الضحاك: أعطي كل ثلاثة نفر بعيرًا وسقاة ففعلوا ذلك وخرجوا من المدينة إلى الشام إلى أذرعات وأريحاء إلا أهل بيتين منهم آل أبي الحقيق وآل حيي بن أخطب فإنهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة منهم بالحيرة (1) فذلك قوله عز وجل: { هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ }\r{ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ (2) }\r{ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ } يعني بني النضير { مِنْ دِيَارِهِمْ } التي كانت بيثرب، قال ابن إسحاق: كان إجلاء بني النضير بعد مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من أحد وفتح قريظة عند مرجعه من الأحزاب وبينهما سنتان. { لأوَّلِ الْحَشْرِ } قال الزهري: كانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما مضى، وكان الله عز وجل قد كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا (2) .\rقال ابن عباس: من شك أن المحشر بالشام فليقرأ هذه الآية فكان هذا أول حشر إلى الشام قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: أخرجوا قالوا إلى أين قال: إلى أرض المحشر، ثم يحشر الخلق يوم القيامة إلى الشام (3) .\rوقال الكلبي: إنما قال: \"لأول الحشر\" لأنهم كانوا أول من أجلي من أهل الكتاب من جزيرة العرب، ثم أجلى آخرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه.\rقال مرة الهمداني: كان أول الحشر من المدينة، والحشر الثاني من خيبر وجميع جزيرة العرب إلى أذرعات وأريحاء من الشام في أيام عمر.\rوقال قتادة: كان هذا أول الحشر، والحشر الثاني نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب تبيت\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 28 / 31 - 32 . وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 91 أيضا لابن مردويه والبيهقي في الدلائل.\r(2) أخرجه الطبري: 28 / 28 .\r(3) انظر: ابن كثير في التفسير: 4 / 333 ، القرطبي: 18 / 2 .","part":8,"page":69},{"id":3130,"text":"معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا (1) .\r{ مَا ظَنَنْتُمْ } أيها المؤمنون { أَنْ يَخْرُجُوا } المدينة لعزتهم ومنعتهم، وذلك أنهم كانوا أهل حصون وعقار ونخيل كثيرة. { وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ } أي: وظن بنو النضير أن حصونهم تمنعهم من سلطان الله { فَأَتَاهُمُ اللَّهُ } أي أمر الله وعذابه { مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا } أنه أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بقتالهم وإجلائهم وكانوا لا يظنون ذلك { وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ } بقتل سيدهم كعب بن الأشرف. { يُخْرِبُونَ } قرأ أبو عمرو: بالتشديد والآخرون بالتخفيف ومعناهما واحد { بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ } قال الزهري: وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صالحهم على أن لهم ما أقلَّت الإبل كانوا ينظرون إلى الخشب في منازلهم فيهدمونها وينزعون منها ما يستحسنونه فيحملونه على إبلهم، ويخرب المؤمنون باقيها (2) قال ابن زيد: كانوا يقلعون العُمُد وينقضون السقوف وينقبون الجدران ويقلعون الخشب حتى الأوتاد يخربونها لئلا يسكنها المؤمنون حسدًا منهم وبغضًا (3) . قال قتادة: كان المسلمون يخربون ما يليهم من ظاهرها ويخربها اليهود من داخلها (4) .\rقال ابن عباس رضي الله عنهما: كلما ظهر المسلمون على دار من دورهم هدموها لتتسع لهم المقاتل، وجعل أعداء الله ينقبون دورهم في أدبارها فيخرجون إلى التي بعدها فيتحصنون فيها ويكسرون ما يليهم، ويرمون بالتي خرجوا منها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذلك قوله عز وجل: { يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا } فاتعظوا وانظروا فيما نزل بهم { يَا أُولِي الأبْصَارِ } يا ذوي العقول والبصائر.\r{ وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3) }\r{ وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ } الخروج من الوطن { لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا } بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة { وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ }\r__________\r(1) انظر: الطبري: 28 / 29.\r(2) أخرجه الطبري: 28 / 29 - 30 .\r(3) أخرجه الطبري: 28 / 29 - 30 .\r(4) أخرجه الطبري: 28 / 29.","part":8,"page":70},{"id":3131,"text":"{ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (4) مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (5) }\r{ ذَلِكَ } الذي لحقهم { بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }","part":8,"page":70},{"id":3132,"text":"{ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ } الآية. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل ببني النضير وتحصنوا بحصونهم أمر بقطع نخيلهم وإحراقها فجزع أعداء الله عند ذلك وقالوا: يا محمد زعمت أنك تريد الصلاح! أفمِنَ الصلاح عقر الشجر وقطع النخيل؟ فهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك الفساد في الأرض؟ فوجد المسلمون في أنفسهم [من قولهم وخشوا] (1) أن يكون ذلك فسادًا واختلفوا في ذلك فقال بعضهم: لا تقطعوا فإنه مما أفاء الله علينا. وقال بعضهم: بل نغيظهم بقطعها فأنزل الله هذه الآية بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل من قطعه من الإثم.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا آدم، حدثنا الليث عن نافع عن ابن عمر قال: حرَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير وقطع البُويرة فنزلت (2) { مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ }\r{ مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ } أخبر الله في هذه الآية أن ما قطعوه وما تركوه فبإذن الله { وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ }\rواختلفوا في \"اللينة\" فقال قوم: النخل كلها لينة ما خلا العجوة [وهو قول عكرمة وقتادة (3) ورواه زاذان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقطع نخلهم إلا العجوة] (4) وأهل المدينة يسمون ما خلا العجوة من التمرة: الألوان واحدها لون ولينة. وقال الزهري: هي ألوان النخل كلها إلا العجوة والبرنية.\r__________\r(1) في \"أ\" (وحسبوا).\r(2) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة الحشر - باب (ما قطعتم من لينة): 8 / 629 ، ومسلم في الجهاد، باب جواز قطع أشجار الكفار برقم (1746): 3 / 1365 - 1366.\r(3) عزا السيوطي في الدر المنثور: 8 / 98 قول عكرمة لسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر. وقول قتادة في الموضع نفسه لعبد بن حميد.\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":8,"page":71},{"id":3133,"text":"وقال مجاهد وعطية: هي النخل كلها من غير استثناء. وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهم: هي لون من النخل. وقال سفيان: هي كرام النخل.\rوقال مقاتل هي ضرب من النخل 158/أ يقال لثمرها اللَّون وهو شديد الصفرة يرى نواه من خارج يغيب فيها الضرس وكان من أجود تمرهم وأعجبها إليهم وكانت النخلة الواحدة منها ثمنها ثمن وصيف وأحب إليهم من وصيف فلما رأوهم يقطعونها شق ذلك عليهم وقالوا للمؤمنين إنكم تكرهون الفساد في الأرض وأنتم تفسدون دعوا هذا النخل [قائما هو لمن غلب عليها] (1) فأخبر الله تعالى أن ذلك بإذنه.\r{ وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) }\r{ وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ } أي رده على رسوله. يقال: أفاء يفيء أي رجع، وأفاء الله { مِنْهُمْ } أي من يهود بني النضير { فَمَا أَوْجَفْتُمْ } أوضعتم { عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ } يقال: وجف الفرس والبعير يجف وجيفًا وهو سرعة السير، وأوجفه صاحبه إذا حمله على السير، وأراد بالركاب الإبل التي تحمل القوم. وذلك أن بني النضير لما تركوا رباعهم وضياعهم طلب المسلمون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقسمها بينهم، كما فعل بغنائم خيبر، فبين الله تعالى في هذه الآية أنها فيء لم يوجف المسلمون عليها خيلا ولا ركابًا ولم يقطعوا إليها شقة ولا نالوا مشقة ولم يلقوا حربًا، { وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فجعل أموال بني النضير لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة يضعها حيث يشاء، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئًا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة، وهم أبو دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف، والحارث ابن الصمة (2) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد ابن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري، أخبرني مالك بن أوس بن الحَدَثان النَّضْري، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دعاه إذ جاءه حاجبه يَرْفَا فقال: هل لك في عثمان وعبد الرحمن والزبير وسعد يستأذنون؟ قال: نعم فأدخلهم، فلبث يرفأ قليلا ثم جاء فقال: هل لك في عباس وعلي يستأذنان؟ قال: نعم فلما دخلا قال عباس: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا -وهما يختصمان في الذي أفاء الله على رسوله من بني النضير -فقال الرهط: يا أمير المؤمنين اقض بينهما وأرح\r__________\r(1) في \"أ\" (فإنما هي ثمن لمن غلب عليها).\r(2) قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف صفحة: (166): ذكره الثعلبي بغير سند.","part":8,"page":72},{"id":3134,"text":"أحدهما من الآخر، قال: اتئدوا أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث ما تركنا صدقة يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه؟ قالوا: قد قال ذلك، فأقبل عمر على علي وعباس، فقال أنشدكما بالله هل تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك؟ قالا نعم قال: فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله كان خص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره، فقال: \"وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب\" إلى قوله: \"قدير\" وكانت هذه خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما احتازها دونكم ولا استأثرها عليكم لقد أعطاكموها وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله، فعمل بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حياته، ثم توفي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبضها أبو بكر رضي الله تعالى عنه فعمل بها بما عمل به فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنتم حينئذ جميع وأقبل على علي وعباس: تذكران أن أبا بكر فعل فيه كما تقولان والله يعلم إنه فيها صادق بار راشد تابع للحق، ثم توفى الله، أبا بكر، فقلت: أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر فقبضتها سنتين من إمارتي أعمل فيها بما عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر والله يعلم إني فيه صادق بار راشد تابع للحق، ثم جئتماني كِلاكُما وكلمتكما واحدة، وأمركما جميع فقلت لكما: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث ما تركنا صدقة، فلما بدا لي أن أدفعه إليكما قلت: إن شئتما دفعته إليكما على أن عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وبما عملت به فيها منذ وليتها وإلا فلا تكلماني فيها فقلتما: ادفعها إلينا بذلك فدفعتها إليكما أفتلتمسان مني قضاء غير ذلك؟ فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنها فادفعاها إلي فإني أكفيكما (1) . قوله عز وجل { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى } يعني من أموال كفار أهل القرى، قال ابن عباس: هي قريظة والنضير وفدك وخيبر وقرى عرينة { فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ } قد ذكرنا في سورة الأنفال حكم الغنيمة وحكم الفيء. إن مال الفيء كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته يضعه حيث يشاء وكان ينفق منه على أهله نفقة سنتهم ويجعل ما بقي مجعل مال الله (2) .\rواختلف أهل العلم في مصرف الفيء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قوم هو للأئمة بعده.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الفرائض، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا نورث ما تركناه صدقة) : 12 / 6 وفي المغازي: 7 / 334 - 335 ، ومسلم في الجهاد، باب حكم الفيء برقم (1757) : 3 / 1377 - 1379 .\r(2) انظر: فيما سبق: 3 / 361 .","part":8,"page":73},{"id":3135,"text":"وللشافعي فيه قولان: أحدهما -هو للمقاتلة، والثاني: لمصالح المسلمين، ويبدأ بالمقاتلة ثم بالأهم فالأهم من المصالح.\rواختلفوا في تخميس مال الفيء: فذهب بعضهم إلى أنه يخمَّس، فخمسه لأهل الغنيمة، وأربعة أخماسه للمقاتلة وللمصالح، وذهب الأكثرون إلى أنه لا يخمس بل مصرف جميعه واحد، ولجميع المسلمين فيه حق، قرأ عمر بن الخطاب: \"ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى\" حتى بلغ: \"للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم. والذين جاءوا من بعدهم\" ثم قال: هذه استوعبت المسلمين عامة، وقال: ما على وجه الأرض مسلم إلا له في هذا الفيء حق إلا ما ملكت أيمانكم (1) .\r{ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً } قرأ العامة بالياء، \"دولة\" نصب أي لكيلا يكون الفيء دولة، وقرأ أبو جعفر: \"تكون\" بالتاء \"دولة\" بالرفع على اسم كان، أي: كيلا يكون الأمر إلى دولة، وجعل الكينونة بمعنى الوقوع وحينئذ لا خبر له. \"والدُّوْلة\" اسم للشيء الذي يتداوله القوم بينهم { بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ } يعني بين الرؤساء والأقوياء، فيغلبوا عليه الفقراء والضعفاء، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا اغتنموا غنيمة أخذ الرئيس ربعها لنفسه، وهو المرباع، ثم يصطفي منها بعد المرباع ما شاء، فجعله الله لرسوله صلى الله عليه وسلم يقسمه فيما أمر به، ثم قال: { وَمَا آتَاكُمُ } أعطاكم { آتَاكُمُ } [من الفيء والغنيمة] (2) { فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ } الغلول وغيره { فَانْتَهُوا } وهذا نازل في 158/ب أموال الفيء، وهو عام في كل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ونهى عنه.\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الإمارة، باب في تدوين العطاء: 4 / 214 وقال المنذري: وهذا منقطع، الزهري لم يسمع من عمر، والبيهقي في السنن: 6 / 347 - 352 . وأخرج بعضه عبد الرزاق في التفسير: 2 / 284 ، وأبو عبيد في الأموال: صفحة: (243 - 244) والطبري: 28 / 37 . وصححه الألباني موقوفا على عمر. انظر: إرواء الغليل: 5 / 83 - 84 .\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\" .","part":8,"page":74},{"id":3136,"text":"أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، عن محمد بن يوسف، حدثنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله. فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب، فجاءت فقالت: إنه قد بلغني أنك لعنت كيت وكيت، فقال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله تعالى؟ فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول: قال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه أما قرأت: \"وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا\" (الحشر -7) ؟ قالت: بلى قال: فإنه قد نهى عنه (1) { وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } ثم بين من له الحق في الفيء فقال: { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا }\r{ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) }\r{ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا } رزقًا { مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا } أي أخرجوا إلى دار الهجرة طلبًا لرضا الله عز وجل { وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } في إيمانهم. قال قتادة: هؤلاء المهاجرون الذين تركوا الديار والأموال والعشائر وخرجوا حبًا لله ولرسوله، واختاروا الإسلام على ما كانوا فيه من شدة، حتى ذكر لنا أن الرجل كان يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ما له دثار غيرها (2)\rأخبرنا محمد بن الحسن المروزي، أخبرنا أبو العباس الطحان، أخبرنا أبو أحمد بن محمد بن قريش (3) بن سليمان، أخبرنا علي بن عبد العزيز المكي، أخبرنا أبو عبيد القاسم بن سلام، حدثني عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبي إسحاق عن أمية بن خالد بن عبد الله بن أسيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يستفتح بصعاليك المهاجرين. قال أبو عبيد: هكذا قال عبد الرحمن وهو عندي أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد (4) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة الحشر - باب (وما آتاكم الرسول فخذوه) 8 / 630 ، ومسلم في اللباس، باب تحريم فعل الواصلة والستوصلة برقم: (2125) : 3 / 1678 .\r(2) أخرجه الطبري: 28 / 40 . وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 105 أيضا لعبد بن حميد وابن المنذر.\r(3) في \"ب\": فراس.\r(4) رواه أبو عبيد في غريب الحديث: 1 / 248 ، والطبراني في الكبير: 1 / 269 ، والمصنف في شرح السنة: 14 / 264 . وذكره ابن حجر في الإصابة: 1 / 246 من رواية الطبراني. وقال: \"أمية هذا ليست له صحبة ولا رؤية...\" وعزاه المنذري للطبراني أيضا بلفظ: \"كان يستفتح بصعاليك المسلمين\" وقال: \"رواته رواة الصحيح، وهومرسل\" . انظر: الترغيب والترهيب: 4 / 144 . وذكره في مشكاة المصابيح (3 / 1444) وعزاه لشرح السنة وضعفه الألباني.","part":8,"page":75},{"id":3137,"text":"وروينا عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنور التام يوم القيامة، تدخلون الجنة قبل أغنياء الناس بنصف يوم، وذلك مقدار خمسمائة سنة\" (1) .\r{ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) }\r{ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ } الأنصار تبوؤا الدار توطنوا الدار، أي: المدينة اتخذوها دار الهجرة والإيمان { مِنْ قَبْلِهِمْ } أي أسلموا في ديارهم وآثروا الإيمان وابتنوا المساجد قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين.\rونظم الآية: والذين تبوؤا الدار من قبلهم أي من قبل قدوم المهاجرين عليهم، وقد آمنوا لأن الإيمان ليس بمكان تبوء.\r{ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً } حزازة وغيظًا وحسدًا { مِمَّا أُوتُوا } أي مما أعطى المهاجرين دونهم من الفيء، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني النضير بين المهاجرين، ولم يعط منها الأنصار فطابت أنفس الأنصار بذلك { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ } أي يؤثرون على إخوانهم من المهاجرين بأموالهم ومنازلهم على أنفسهم { وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } فاقة وحاجة إلى ما يؤثرون، وذلك أنهم قاسموهم ديارهم وأموالهم:\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا مسدد، حدثنا عبد الله بن داود عن فضيل بن غزوان عن أبي حازم عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فاستضافه فبعث إلى نسائه هل عندكن من شيء؟ فقلن ما معناه: إلا الماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يضم أو يضيف هذا؟ فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ما عندنا إلا قوت الصبيان\r__________\r(1) حديث ضعيف أخرجه أبو داود في العلم، باب في القصص: 5 / 255 - 256 ، والإمام أحمد: 3 / 63 ، 96 . قال المنذري: في إسناده المعلى بن زياد أبو الحسن وفيه مقال ، وذكره الألباني في \"صحيح الجامع\" برقم (40) .","part":8,"page":76},{"id":3138,"text":"فقال: هيئي طعامك وأصبحي سراجك ونومي صبيانك، إذا أرداوا عشاءً، فهيأت طعامها وأصبحت سراجها ونوّمت صبيانها ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ضحك الله الليلة أو عجب من فعالكما فأنزل الله عز وجل: \"ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون\" (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قالت الأنصار: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل، قال: لا فقالوا: تكفونا المؤنة ونشرككم في الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا (2) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد سمع أنس بن مالك حين خرج معه إلى الوليد قال: دعا النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار إلى أن يقطع لهم البحرين، فقالوا: لا إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها قال: ألا فاصبروا حتى تلقوني على الحوض، فإنه سيصيبكم أثرة بعدي\" (3) .\rوروي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النضير للأنصار: \"إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وتشاركونهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة\" فقالت الأنصار: بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها فأنزل الله عز وجل: \"ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون\" (4) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار، باب قول الله عز وجل: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) : 7 / 119 ، ومسلم في الأشربة، باب إكرام الضيف وفضل إيثاره برقم: (2054) : 3 / 1624 .\r(2) أخرجه البخاري في الشروط، باب الشروط في المعاملة: 5 / 322.\r(3) أخرجه البخاري في المساقاة، باب القطائع: 5 / 47 وفي الجزية والموادعة باب: ما أقطع النبي صلى الله عليه وسلم في البحرين ... 6 / 268 .\r(4) انظر: القرطبي: 18 / 25.","part":8,"page":77},{"id":3139,"text":"\"والشح\" في كلام العرب: البخل ومنع الفضل، وفرّق العلماء بين الشح والبخل. روي أن رجلا قال لعبد الله بن مسعود: إني أخاف أن أكون قد هلكت، فقال: وما ذاك؟ قال: أسمع الله يقول: \"ومن يوق نفسه فأولئك هم المفلحون\" وأنا رجل شحيح، لا يكاد يخرج من يدي شيء، فقال عبد الله: ليس ذاك بالشح الذي ذكر الله عز وجل في القرآن، ولكن الشح أن تأكل مال أخيك ظلمًا ولكن ذاك 159/أ البخل، وبئس الشيء البخل (1) .\rوقال ابن عمر: ليس الشح أن يمنع الرجل ماله، إنما الشح أن تطمح عين الرجل إلى ما ليس له (2) وقال سعيد بن جبير: \"الشح\" هو أخذ الحرام ومنع الزكاة (3) وقيل: الشح هو الحرص الشديد الذي يحمله على ارتكاب المحارم.\rقال ابن زيد: من لم يأخذ شيئا نهاه الله عنه، ولم يدعه الشح إلى أن يمنع شيئا من شيء أمره الله به فقد وقاه شح نفسه (4)\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو سعد خلف بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي نزار، حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن حزاز القهندري، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إسحاق السعدي، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا القعنبي، حدثنا داود بن قيس الفراء عن عبيد الله بن مقسم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم\" (5)\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، حدثنا أبو العباس\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 28 / 43 . وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 107 أيضا لابن أبي شيبة وعبد بن حميد والفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الشعب. وصححه الحاكم: 2 / 490 . وفيه المسعودي: صدوق اختلط قبل موته.\r(2) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 107 لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\r(3) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 108 لعبد بن حميد وابن المنذر.\r(4) أخرجه الطبري: 28 / 44 .\r(5) أخرجه مسلم في البر والصلة والآدب، باب تحريم الظلم برقم: (2578) : 4 / 1996 ، والمصنف في شرح السنة: 14 / 357 .","part":8,"page":78},{"id":3140,"text":"الأصم، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا أبي وشعيب قالا أخبرنا الليث عن يزيد ابن الهاد عن سهيل بن أبي صالح عن صفوان بن أبي يزيد عن القعقاع هو ابن اللجلاج عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبدًا، ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدًا\" (1) .\r__________\r(1) أخرجه النسائي في الجهاد، باب فضل من عمل في سبيل الله على قدمه: 6 / 13 - 14 ، والإمام أحمد: 2 / 256 ، 342 ، 441 ، والحاكم: 2 / 72 ، والمصنف في شرح السنة: 10 / 354 . وانظر: صحيح الجامع (7616) .","part":8,"page":79},{"id":3141,"text":"{ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (11) }\rقوله عز وجل: { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ } يعني التابعين وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة ثم ذكر أنهم يدعون لأنفسهم ولمن سبقهم بالإيمان والمغفرة فقال: { يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا } غشًا وحسدًا وبغضًا، { لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } من كان في قلبه غِلّ على أحد من الصحابة ولم يترحم على جميعهم فإنه ليس ممن عناه الله بهذه الآية لأن الله تعالى رتب المؤمنين على ثلاثة منازل: المهاجرين والأنصار والتابعين الموصوفين بما ذكر الله، فمن لم يكن من التابعين بهذه الصفة كان خارجًا من أقسام المؤمنين.\rقال ابن أبي ليلى: الناس على ثلاثة منازل: الفقراء المهاجرين والذين تبوءوا الدار والإيمان، والذين جاءوا من بعدهم، فاجتهد أن لا تكون خارجا من هذه المنازل (1) .\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أحمد ابن عبد الله بن سليمان حدثنا ابن نمير، حدثنا أبي عن إسماعيل بن إبراهيم عن عبد الملك بن عمير\r__________\r(1) انظر: الطبري: 28 / 45 .","part":8,"page":79},{"id":3142,"text":"عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فسببتموهم سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: \"لا تذهب هذه الأمة حتى يلعن آخرها أولها\" (1) .\rوقال مالك بن مغول: قال عامر بن شراحيل الشعبي: يا مالك تفاضلت اليهود والنصارى على الرافضة [بخصلة] (2) سئلت اليهود: مَنْ خير أهل ملتكم؟ فقالت: أصحاب موسى عليه السلام. وسئلت النصارى: من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: حواري عيسى عليه السلام. وسئلت الرافضة: من شر أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أمروا بالاستغفار لهم فسبُّوهم، فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة، لا تقوم لهم راية ولا يثبت لهم قدم، ولا تجتمع لهم كلمة، كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله بسفك دمائهم وتفريق شملهم وإدحاض حجتهم، أعاذنا الله وإياكم من الأهواء المضلة (3) .\rقال مالك بن أنس: من يبغض أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كان في قلبه عليهم غل فليس له حق في فيء المسلمين ثم تلا \"ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى\" حتى أتى على هذه الآية: \"للفقراء المهاجرين ... والذين تبوءوا الدار والإيمان ... والذين جاءوا من بعدهم\" إلى قوله: رءوف رحيم\" . قوله عز وجل: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا } أي أظهروا خلاف ما أضمروا: يعني: عبدَ الله بن أبيٍّ ابنَ سلولَ وأصحابه { يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ } اليهود من بني قريظة والنضير، جعل المنافقين إخوانهم في الدين لأنهم كفار مثلهم. { لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ } المدينة { لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا } يسألنا خذلانكم وخلافكم { أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ } يعني المنافقين { لَكَاذِبُونَ }\r__________\r(1) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: 15 / 125 . قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 10 / 21 رواه الطبراني في الأوسط، وفيه إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر وهو ضعيف. ويشهد له ما أخرجه مسلم في التفسير عن عروة قال: قالت لي عائشة: يا ابن أختي ! أمروا أن يستغفروا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسبوهم. ونقله ابن كثير: 4 / 340 عن البغوي.\r(2) في \"أ\" بفضلة.\r(3) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة: 8 / 1461 - 1462 وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة: 1 / 23 - 26 عن ابن شاهين في كتاب: \"اللطيف من السنة\" وخشيش بن أصرم في كتابه، ومن طريقه أبو عمرو الطلمنكي في كتابه \"الأصول\" . وقال: فهذا الأثر قد روي عن عبد الرحمن بن مالك بن مغول من وجوه متعددة يصدق بعضها بعضا، وبعضها يزيد على بعض، لكن عبد الرحمن بن مالك ضعيف، وذم الشعبي لهم - الرافضة - ثابت من طرق أخرى.","part":8,"page":80},{"id":3143,"text":"{ لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (12) لأنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (13) لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (14) }\r{ لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ } وكان الأمر كذلك، فإنهم أخرجوا من ديارهم فلم يخرج المنافقون معهم، وقُوتلوا فلم ينصروهم: قوله تعالى: { وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأدْبَارَ } أي لو قدر وجود نصرهم. قال الزجَّاج: معناه لو قصدوا نصر اليهود لولوا الأدبار منهزمين { ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ } يعني بني النضير لا يصيرون منصورين إذا انهزم ناصرهم. { لأنْتُمْ } يا معشر المسلمين { أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ } أي يرهبونكم أشد من رهبتهم من الله { ذَلِكَ } أي ذلك الخوف منكم { بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ } عظمة الله. { لا يُقَاتِلُونَكُمْ } يعني اليهود { جَمِيعًا إِلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ } أي لا يبرزون لقتالكم إنما يقاتلونكم متحصنين بالقرى والجدران، وهو قوله: { أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ } قرأ ابن كثير وأبو عمرو: \"جدار\" على الواحد، وقرأ الآخرون: \"جدر\" بضم الجيم والدار على الجمع. { بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ } أي: بعضهم فظّ على بعض، وعداوة بعضهم بعضًا شديدة. وقيل: بأسهم فيما بينهم من وراء الحيطان والحصون شديد، فإذا خرجوا لكم فهم أجبن خلق الله { تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى } متفرقة مختلفة، قال قتادة: أهل الباطل مختلفة أهواؤهم، مختلفة شهادتهم، مختلفة أعمالهم، وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق. وقال مجاهد: أراد أن دين المنافقين يخالف دين اليهود. { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ }\r{ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (15) كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16) }\r{ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } يعني: مثل هؤلاء اليهود كمثل الذين من قبلهم { قَرِيبًا } يعني مشركي مكة { ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ } يعني القتل ببدر، وكان ذلك قبل غزوة بني النضير، قاله مجاهد. وقال ابن عباس: كمثل الذين من قبلهم يعني بني قينقاع. وقيل: مثل قريظة كمثل بني النضير وكان بينهما سنتان. { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ثم ضرب 159/ب مثلا للمنافقين واليهود جميعا في","part":8,"page":81},{"id":3144,"text":"[تخاذلهم] (1) فقال: { كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ } أي مثل المنافقين في غرورهم بني النضير وخذلانهم كمثل الشيطان { إِذْ قَالَ لِلإنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ }\rوذلك ما روى عطاء وغيره عن ابن عباس قال: كان راهب في الفترة يقال له \"برصيصا\" تعبد في صومعة له سبعين سنة، لم يعص الله فيها طرفة عين وإن إبليس أعياه في أمره الحيل، فجمع ذات يوم مردة الشياطين فقال: ألا أجد أحدًا منكم يكفيني أمر برصيصا؟ فقال الأبيض -وهو صاحب الأنبياء وهو الذي تصدى للنبي صلى الله عليه وسلم وجاءه في صورة جبرائيل ليوسوس إليه على وجه الوحي فدفعه جبرائيل إلى أقصى أرض الهند -فقال الأبيض لإبليس: أنا أكفيك أمره، فانطلق فتزين بزينة الرهبان وحلق وسط رأسه وأتى صومعة برصيصا فناداه فلم يجبه، وكان لا ينفتل عن صلاته إلا في كل عشرة أيام ولا يفطر إلا في عشرة أيام مرة.\rفلما رأى الأبيض أنه لا يجيبه أقبل على العبادة في أصل صومعته، فلما انفتل برصيصا اطلع من صومعته فرأى الأبيض قائما يصلي في هيئة حسنة من هيئة الرهبان، فلما رأى ذلك من حاله ندم في نفسه حين لم يجبه، فقال له: إنك ناديتني وكنت مشتغلا عنك، فما حاجتك؟ قال: حاجتي أني أحببت أن أكون معك، فأتأدب بك وأقتبس من عملك وعلمك، ونجتمع على العبادة فتدعو لي وأدعو لك، فقال برصيصا: إني لفي شغل عنك فإن كنت مؤمنًا فإن الله سيجعل لك فيما أدعو للمؤمنين نصيبًا إن استجاب لي ثم أقبل على صلاته وترك الأبيض، وأقبل الأبيض يصلي فلم يلتفت إليه برصيصا أربعين يومًا بعدها، فلما انفتل رآه قائمًا يصلي فلما رأى برصيصا شدة اجتهاده قال له: ما حاجتك؟ قال: حاجتي أن تأذن لي فأرتفع إليك فأذن له فارتفع إليه في صومعته، فأقام معه حولا يتعبد لا يفطر إلا في كل أربعين يومًا ولا ينفتل عن صلاته إلا في كل أربعين يومًا مرة، وربما مدَّ إلى الثمانين فلما رأى برصيصا اجتهاده تقاصرت إليه نفسه وأعجبه شأن الأبيض.\r__________\r(1) في \"أ\" تجادلهم.","part":8,"page":82},{"id":3145,"text":"فلما حال الحول قال الأبيض لبرصيصا: إني منطلق فإن لي صاحبًا غيرك ظننت أنك أشد اجتهادًا مما أرى، وكان يبلغنا عنك غير الذي رأيت، فدخل من ذلك على برصيصا أمر شديد وكره مفارقته للذي رأى من شدة اجتهاده، فلما ودعه قال له الأبيض: إن عندي دعوات أعلمكها تدعو بهن فهن خير مما أنت فيه يشفي الله بها السقيم ويعافي بها المبتلى والمجنون، قال برصيصا: إني أكره هذه المنزلة لأن لي في نفسي شغلا وإني أخاف إن علم به الناس شغلوني عن العبادة، فلم يزل به الأبيض حتى علمه. ثم انطلق حتى أتى إبليس فقال: قد والله أهلكت الرجل.\rقال: فانطلق الأبيض فتعرض لرجل فخنقه ثم جاء في صورة رجل متطبب فقال لأهله إن بصاحبكم جنونًا أفأعالجه؟ قالوا: نعم، فقال لهم: إني لا أقوى على جنته ولكن سأرشدكم إلى من يدعو الله فيعافيه، انطلقوا إلى برصيصا فإن عنده الاسم الذي إذا دعا به أجيب، فانطلقوا إليه فسألوه ذلك فدعا بتلك الكلمات فذهب عنه الشيطان، فكان الأبيض يفعل مثل ذلك بالناس ويرشدهم إلى برصيصا، فيدعو فيعافون، فانطلق الأبيض فتعرض لجارية من بنات ملوك بني إسرائيل بين ثلاثة إخوة وكان أبوهم ملكهم، فمات واستخلف أخاه فكان عمها ملك بني إسرائيل، فعذبها وخنقها ثم جاء إليهم في صورة متطبب فقال لهم: أتريدون أن أعالجها؟ قالوا: نعم، قال: إن الذي عرض لها مارد لا يطاق، ولكن سأرشدكم إلى رجل تثقون به تدعونها عنده إذا جاء شيطانها دعا لها حتى تعلموا أنها قد عوفيت وتردونها صحيحة، قالوا: ومن هو؟ قال برصيصا، قالوا: وكيف لنا أن يجيبنا إلى هذا وهو أعظم شأنًا من ذلك؟ قال: فانطلقوا فابنوا صومعة إلى جانب صومعته حتى تشرفوا عليه، فإن قبلها وإلا فضعوها في صومعتها، ثم قولوا له هي أمانة عندك، فاحتسب فيها.\rقال: فانطلقوا إليه فسألوه فأبى عليهم، فبنوا صومعة على ما أمرهم الأبيض ووضعوا الجارية في صومعته، وقالوا: هذه أختنا أمانة فاحتسب فيها، ثم انصرفوا فلما انفتل برصيصا عن صلاته عاين الجارية وما بها من الحسن والجمال، فوقعت في قلبه ودخل عليه أمر عظيم، ثم أقبل في صلاته فجاءها الشيطان فخنقها فدعا برصيصا بتلك الدعوات فذهب عنها الشيطان، ثم أقبل على صلاته فجاءها الشيطان فخنقها فدعا برصيصا بتلك الدعوات، ثم أقبل على صلاته فجاءها الشيطان فخنقها، وكانت تكشف عن نفسها، فجاءه الشيطان وقال واقعها فستتوب بعد فتدرك ما تريد من الأمر، فلم يزل به حتى واقعها فلم يزل على ذلك يأتيها حتى حملت وظهر حملها، فقال له الشيطان: ويحك يا برصيصا قد افتضحت فهل لك أن تقتلها وتتوب؟ فإن سألوك فقل: ذهب بها شيطانها، فلم أقدر","part":8,"page":83},{"id":3146,"text":"عليه. فدخل فقتلها، ثم انطلق بها فدفنها إلى جانب الجبل، فجاء الشيطان وهو يدفنها ليلا فأخذ بطرف إزارها، فبقي طرف خارجًا من التراب، ثم رجع برصيصا إلى صومعته فأقبل على صلاته إذ جاء إخوتها يتعاهدون أختهم، وكانوا يجيئون في طرف الأيام يسألون عنها ويوصونه بها، فقالوا: يا برصيصا ما فعلت أختنا؟ قال: قد جاء شيطانها فذهب بها ولم أطقه، فصدَّقوه وانصرفوا فلما أمسوا وهم مكروبون جاء الشيطان إلى أكبرهم في منامه فقال: ويحك إن برصيصا فعل بأختك كذا وكذا وإنه ودفنها في موضع كذا وكذا، فقال الأخ في نفسه: هذا حلم وهو من عمل الشيطان، فإن برصيصا خير من ذلك. قال: فتتابع عليه ثلاث ليال فلم يكترث. فانطلق إلى الأوسط بمثل ذلك فقال الأوسط مثل ما قاله الأكبر، فلم يخبر أحدًا، فانطلق إلى أصغرهم بمثل ذلك، فقال أصغرهم لأخويه: والله لقد رأيت كذا وكذا، وقال الأوسط: وأنا والله قد رأيت مثله 160/أ وقال الأكبر: وأنا رأيت مثله، فانطلقوا إلى برصيصا وقالوا: يا برصيصا ما فعلت أختنا؟ قال: أليس قد أعلمتكم بحالها؟ فكأنكم اتهمتموني؟ فقالوا: والله لا نتهمك، واستحيوا منه فانصرفوا، فجاءهم الشيطان فقال: ويحكم إنها لمدفونة في موضع كذا، وإن طرف إزارها خارج من التراب. فانطلقوا فرأوا أختهم على ما رأوا في النوم، فمشوا في مواليهم وغلمانهم ومعهم الفئوس والمساحي فهدموا صومعته وأنزلوه، ثم كتفوه فانطلقوا به إلى الملك فأقر على نفسه، وذلك أن الشيطان أتاه فقال: تقتلها ثم تكابر يجتمع عليك أمران: قتل ومكابرة اعترف. فلما اعترف أمر الملك بقتله وصلبه على خشبة، فلما صلب أتاه الأبيض فقال: يا برصيصا أتعرفني؟ قال: لا قال: أنا صاحبك الذي علمتك الدعوات فاستجيب لك، ويحك ما اتقيت الله في أمانتك ! خنت أهلها وإنك زعمت أنك أعبد بني إسرائيل، أما استحييت؟ فلم يزل يعيِّره، ثم قال في آخر ذلك: ألم يكفك ما صنعتَ حتى أقررت على نفسك وفضحت نفسك وفضحت أشباهك من الناس؟ فإن مت على هذه الحالة لم يفلح أحد من نظرائك، قال: فكيف أصنع قال: تطيعني في خصلة واحدة حتى أنجيك مما أنت فيه فآخذ بأعينهم فأخرجك من مكانك ! قال: وما هي قال تسجد لي [قال: ما أستطيع. قال: افعلُ] (1) فسجد له فقال: يا برصيصا هذا الذي كنت أردت منك، صارت عاقبة أمرك إلى أن كفرت بربك، إني برئ منك \"إني أخاف الله رب العالمين\" (2) .\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) ذكرها الطبري باختصار: 28 / 50 وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 117 لابن أبي حاتم باحتصار الطبري. قال الحافظ ابن كثير: 4 / 342 بعد أن ساق رواية مختصرة عن ابن مسعود رضي الله عنه: \"وكذا روي عن ابن عباس وطاووس ومقاتل بن حيان نحو ذلك، واشتهر عند كثير من الناس أن هذا العابد هو برصيصا فالله أعلم\" .","part":8,"page":84},{"id":3147,"text":"{ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (17) }\rيقول الله تعالى { فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا } يعني الشيطان وذلك الإنسان { أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ } قال ابن عباس: ضرب الله هذا المثل ليهود بني النضير والمنافقين من أهل المدينة، وذلك أن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بإجلاء بني النضير عن المدينة فدسَّ المنافقون إليهم، وقالوا: لا تجيبوا محمدًا إلى ما دعاكم ولا تخرجوا من دياركم، فإن قاتلكم فإنا معكم وإن أخرجكم خرجنا معكم، فأجابوهم فدربوا على حصونهم وتحصنوا في ديارهم رجاء نصر المنافقين، حتى جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم فناصبوه الحرب يرجون نصر المنافقين، فخذلوهم وتبرءوا منهم كما تبرأ الشيطان من برصيصا وخذله، فكان عاقبة الفريقين النار.\rقال ابن عباس رضي الله عنه: فكان الرهبان بعد ذلك في بني إسرائيل لا يمشون إلا بالتَّقِيَّة والكتمان، وطمع أهل الفسوق والفجور في الأحبار، ورموهم بالبهتان والقبيح حتى كان أمر جريج الراهب، فلما برأه الله مما رموه به انبسطت بعده الرهبان وظهروا للناس، وكانت قصة جريج على ما: أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، حدثنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثني زهير بن حرب، حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا جرير بن حازم، حدثنا محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى بن مريم عليه السلام، وصاحب جريج، وكان جريج رجلا عابدًا فاتخذ صومعته فكان فيها فأتته أمه وهو يصلي فقالت: يا جريج، فقال: يا رب أمي وصلاتي؟ فأقبل على صلاته، فانصرفت فلما كان من الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج، فقال: أيْ رب أمي وصلاتي؟ فأقبل على صلاته فقالت: اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات.\rفتذاكر بنو إسرائيل جريجًا وعبادته، وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها، فقالت: إن شئتم لأفتننَّه لكم قال: فتعرضت له فلم يلتفت إليها، فأتت راعيًا كان يأوي إلى صومعته فأمكنته من نفسها فوقع عليها فحملت فلما ولدت قالت: هو من جريج، فأتوه فاستنزلوه من صومعته وهدموا صومعته وجعلوا يضربونه، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه البغية فولدت منك، فقال: أين الصبي؟ فجاءوا به فقال دعوني حتى أصلي فصلى فلما انصرف أتى الصبي وطعن في بطنه وقال: يا غلام من أبوك؟ قال: فلان الراعي، قال: فأقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به، وقالوا نبني لك صومعتك من ذهب، قال: لا أعيدوها من طين كما كانت ففعلوا. وبينا صبي يرضع من أمه، فمرَّ رجل راكب على دابة فارهة وشارة حسنة، فقالت أمه: اللهم","part":8,"page":85},{"id":3148,"text":"اجعل ابني مثل هذا، فترك الثدي وأقبل عليه ونظر إليه، فقال: اللهم لا تجعلني مثله. ثم أقبل على ثديه فجعل يرضع. قال: فكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحكي ارتضاعه بأصبعه السبابة في فمه، فجعل يمصها.\rقال: ومروا بجارية وهم يضربونها ويقولون: زنيتِ وسرقتِ، وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل فقالت أمه: اللهم لا تجعل ابني مثلها، فترك الرضاع ونظر إليها فقال: اللهم اجعلني مثلها، فهناك تراجعا الحديث، فقالت: مرّ رجل حسن الهيئة فقلتُ: اللهم اجعل ابني مثله، فقلتَ: اللهم لا تجعلني مثله، ومروا بهذه الأمة وهم يضربونها ويقولون زنيت وسرقت، فقلتُ: اللهم لا تجعل ابني مثلها فقلتَ: اللهم اجعلني مثلها، قال: إن ذاك الرجل كان جبارًا فقلت اللهم لا تجعلني مثله، وإن هذه يقولون لها: زنيتِ، ولم تزنِ، وسرقتِ، ولم تسرقْ، فقلت: اللهم اجعلني مثلها\" (1) .\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19) لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21) }\rقوله عز وجل { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ } يعني ليوم القيامة، أي: لينظر أحدكم أي شيء قدم لنفسه، عملا صالحًا ينجيه أم سيئًا يوبقه؟ { وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } { وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ } تركوا أمر الله { فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ } [أي حظوظ أنفسهم] (2) حتى لم يقدموا لها خيرا { أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }\r{ لا يَستَوِي أَصحَابُ النَّارِ وَأَصحَابُ الجَنَّةِ أَصحَابُ الجَنَّةِ هُمُ الفَائِزُونَ } .\r__________\r(1) أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب، باب تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها، برقم: (2550) : 4 / 1976 - 1978 وأخرجه البخاري مختصرا في أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ( واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها ): 6 / 476 .\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\" .","part":8,"page":86},{"id":3149,"text":"{ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) }\rقوله عز وجل: 160/ب { لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ } قيل: لو جعل في الجبل تمييز وأنزل عليه القرآن لخشع وتشقق وتصدع من خشية الله مع صلابته ورزانته حذرًا من أن لا يؤدي حق الله عز وجل في تعظيم القرآن، والكافر يعرض عما فيه من العبر كأن لم يسمعها يصفه بقساوة القلب { وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }\r{ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ } \"الغيب\" : ما غاب عن العباد مما لم يعاينوه ولم يعلموهُ والشهادة ما شاهدوه وما علموه { هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ } الطاهر من كل عيب المنزه عما لا يليق به { السَّلامُ } الذي سلم من النقائص { الْمُؤْمِنُ } قال ابن عباس: هو الذي أمن الناس من ظلمه وأمن من آمن به من عذابه، هو من الأمان الذي هو ضد التخويف كما قال: \"وآمنهم من خوف\" (قريش -4) وقيل: معناه المصدق لرسله بإظهار المعجزات، والمصدق للمؤمنين بما وعدهم من الثواب، وللكافرين بما أوعدهم من العقاب.\r{ الْمُهَيْمِنُ } الشهيد على عباده بأعمالهم، وهو قول ابن عباس، ومجاهد وقتادة والسدي ومقاتل. يقال: هيمن يهيمن فهو مهيمن إذا كان رقيبًا على الشيء وقيل: هو في الأصل مؤيمن قلبت الهمزة هاء، كقولهم: أرقت وهرقت ومعناه المؤمن. وقال الحسن: الأمين. وقال الخليل: هو الرقيب الحافظ. وقال ابن زيد: المصدق. وقال سعيد بن المسيب والضحاك: القاضي. وقال ابن كيسان: هو اسم من أسماء الله تعالى في الكتب والله أعلم بتأويله.\r{ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ } قال ابن عباس: \"الجبار\" هو العظيم، وجبروت الله عظمته، وهو على هذا القول صفة ذات الله، وقيل: هو من الجبر وهو الإصلاح يقال: جبرت الأمر، وجبرت العظم إذا أصلحته بعد الكسر، فهو يغني الفقير ويُصلح الكسير. وقال السدي ومقاتل: هو الذي يقهر الناس ويجبرهم على ما أراد. وسئل بعضهم عن معنى الجبار فقال: هو القهار الذي إذا أراد أمرًا فعله لا يحجزه عنه حاجز.","part":8,"page":87},{"id":3150,"text":"{ الْمُتَكَبِّرُ } الذي تكبر عن كل سوء. وقيل: المتعظم عما لا يليق به. وأصل الكبر، والكبرياء: الامتناع. وقيل: ذو الكبرياء، وهو الملك { سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ } .\r{ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24) }\r{ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ } المقَدِّر والمقلب للشيء بالتدبير إلى غيره، كما قال: \"يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقًا من بعد خلق\" (الزمر -6) { الْبَارِئُ } المنشئ للأعيان من العدم إلى الوجود { الْمُصَوِّرُ } الممثل للمخلوقات بالعلامات التي يتميز بعضها عن بعض. يقال: هذه صورة الأمر أي مثاله، فأولا يكون خلقًا ثم بَرْءًا ثم تصويرًا. { لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }\rأخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، حدثنا ابن شيبة، حدثنا ابن وهب، حدثنا أحمد بن أبي شريح وأحمد بن منصور الرمادي قالا أخبرنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا خالد بن طهمان، حدثني نافع بن أبي نافع عن معقل بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"من قال حين يصبح -ثلاث مرات -أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وقرأ الثلاث الآيات من آخر سورة الحشر وكَّلَ الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، فإن مات في ذلك اليوم مات شهيدا، ومن قال حين يمسي كان بتلك المنزلة\" (1) .\rورواه أبو عيسى عن محمود بن غيلان عن أبي أحمد الزبيري بهذا الإسناد، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (2)\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في فضائل القرآن: 8 / 239 - 240 وقال: \"هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه\" . والدرامي في فضائل القرآن: 2 / 458 ، والإمام أحمد: 5 / 26 . وفيه خالد بن طهمان كان قد اختلط قبل موته بعشر سنين. وانظر: ضعيف الجامع: (5732) .\r(2) انظر: الموضع السابق عند الترمذي.","part":8,"page":88},{"id":3151,"text":"سورة الممتحنة مدنية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1) }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ } الآية.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، حدثنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار، أخبرني الحسن بن محمد أنه سمع عبد الله بن أبي رافع يقول سمعت عليا رضي الله عنه يقول: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال: \"انطلقوا حتى تأتوا (روضة خاخ) فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها\" قال: فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب فقالت: ما معي كتاب، فقلنا: لتُخْرِجَنَّ الكتاب أو لتلقين الثياب، قال: فأخرجته من عقاصها فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكة من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا حاطب ما هذا؟ قال: يا رسول الله لا تعجل علي إني كنت امرًأ ملصقًا في قريش -يقول كنت حليفًا ولم أكن من أنفسها-وكان مَنْ معك من المهاجرين لهم قرابات\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة الممتحنة بالمدينة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. انظر: الدر المنثور: 8 / 124 .","part":8,"page":89},{"id":3152,"text":"يحمون بها أهليهم وأموالهم فأحببت -إذ فاتني ذلك من النسب فيهم-أن أتخذ عندهم يدًا يحمون قرابتي ولم أفعله ارتدادًا عن ديني ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إنه قد صدقكم، فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: إنه قد شهد بدرًا وما يدريك لعل الله اطلع على [من شهد بدرًا] (1) فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فأنزل الله تعالى هذه السورة: \"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تُلقون إليهم بالمودة\" إلى قوله: \"سواء السبيل\" (2) .\rقال المفسرون: نزلت الآية في حاطب بن أبي بلتعة كما جاء في الحديث، وذلك أن سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف أتت المدينة من مكة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز لفتح مكة، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسلمة جئت؟ قالت: لا قال أمهاجرة جئت؟ قالت: لا قال: فما جاء بك قالت: كنتم الأصل والعشيرة والموالي وقد ذهبت مواليَّ وقد احتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني وتحملوني، فقال لها: وأين أنت من شبان مكة؟ وكانت مغنية نائحة، قالت: ما طلب مني شيء 161/أ بعد وقعة بدر، فحث رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وبني المطلب فأعطوها نفقة وكسوها وحملوها فأتاها حاطب بن أبي بلتعة حليف بني أسد بن عبد العزى، فكتب معها إلى أهل مكة، وأعطاها عشرة دنانير، وكساها بُرْدًا على أن توصل الكتاب إلى أهل مكة، وكتب في الكتاب: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدكم، فخذوا حِذْركم.\rفخرجت سارة، ونزل جبريل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما فعل، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا وعمارًا والزبير وطلحة والمقداد بن الأسود وأبا مرثد فرسانًا فقال لهم: انطلقوا حتى تأتوا \"روضة خاخ\" فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين، فخذوا منها وخلوا سبيلها وإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها.\rقال: فخرجوا حتى أدركوها في ذلك المكان الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا لها: أين الكتاب؟ فحلفت بالله ما معها كتاب، فبحثوها وفتشوا متاعها فلم يجدوا معها كتابًا فهمُّوا بالرجوع، فقال علي رضي الله عنه: والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلَّ سيفه فقال: أخرجي الكتاب وإلا لأجردنك ولأضربن عنقك. فلما رأت الجد أخرجته من ذؤابتها وكانت قد خبأته\r__________\r(1) في \"أ\" (من شهد بدرا).\r(2) أخرجه البخاري في الجهاد، باب الجاسوس: 6 / 143 ، ومسلم في فضائل الصحابة، باب من فضائل أهل بدر رضي الله عنهم وقصة حاطب بن أبي بلتعة برقم: (2494) : 4 / 1941-1942 .","part":8,"page":92},{"id":3153,"text":"في شعرها فخلوا سبيلها ولم يتعرضوا لها ولا لما معها فرجعوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حاطب، فأتاه فقال: هل تعرف الكتاب؟ قال: نعم قال: فما حملك على ما صنعت؟ فقال: يا رسول الله والله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك، ولا أحببتهم منذ فارقتهم، ولكن لم يكن أحد من المهاجرين إلا وله بمكة من يمنع عشيرته، وكنت غريبًا فيهم، وكان أهلي بين ظهرانيهم، فخشيت على أهلي، فأردت أن أتخذ عندهم يدًا، وقد علمت، أن الله ينزل بهم بأسه، وأن كتابي لا يغني عنهم شيئا فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعذره.\rفقام عمر بن الخطاب فقال: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟ فأنزل الله عز وجل في شأن حاطب: \"يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء\" (1) .\r{ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ } قيل: أي المودة، \"والباء\" زائدة، كقوله: \"ومن يرد فيه بإلحاد بظلم\"(الحج-25) وقال الزّجَّاج: معناه تلقون إليهم أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وسِرَّه بالمودة التي بينكم وبينهم { وَقَدْ كَفَرُوا } \"الواو\" للحال، أي: وحالهم أنهم كفروا { بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ } يعني القرآن { يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ } من مكة { أَنْ تُؤْمِنُوا } أي لأن آمنتم، كأنه قال: يفعلون ذلك لإيمانكم { بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ } هذا شرط جوابه متقدم وهو قوله: \"لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق إن كنتم خرجتم\" { جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ } قال مقاتل: بالنصيحة { وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ } من المودة للكفار { وَمَا أَعْلَنْتُمْ } أظهرتم بألسنتكم { وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ } أخطأ طريق الهدى.\r{ إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2) }\r{ إِنْ يَثْقَفُوكُمْ } يظفروا بكم ويروكم { يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ } بالضرب والقتل { وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ } بالشتم { وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ } كما كفروا. يقول: لا\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 28 / 59-60 . وانظر: أسباب النزول للواحدي ص: (485) .","part":8,"page":93},{"id":3154,"text":"تناصحوهم فإنهم لا يناصحونكم ولا يوادُّونكم.\r{ لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (3) قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) }\r{ لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ } معناه: لا يَدْعُوَنَّكم ولا يحملَّنكم ذوو أرحامكم وقراباتكم وأولادكم الذين بمكة إلى خيانة الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وترك مناصحتهم وموالاة أعدائهم فلن تنفعكم أرحامكم { وَلا أَوْلادُكُمْ } الذين عصيتم الله لأجلهم { يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ } فيدخل أهل طاعته الجنة وأهل معصيته النار. قرأ عاصم ويعقوب { يَفْصِلُ } بفتح الياء وكسر الصاد مخففًا، وقرأ حمزة والكسائي بضم الياء وكسر الصاد مشددًا، [وقرأ ابن عامر بضم الياء وفتح الصاد مشددًا] (1) وقرأ الآخرون بضم الياء وفتح الصاد مخففًا. { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ } قدوة { حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ } من أهل الإيمان { إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ } من المشركين { إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ } جمع بريء { وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ } جحدنا وأنكرنا دينكم { وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ } يأمر حاطبًا والمؤمنين بالاقتداء بإبراهيم عليه الصلاة والسلام، والذين معه من المؤمنين في التبرؤ من المشركين { إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } يعني: لكم أسوة حسنة في إبراهيم وأموره إلا في استغفاره لأبيه المشرك، فإن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان قد قال لأبيه: لأستغفرن لك، ثم تبرأ منه -على ما ذكرناه في سورة التوبة- (2) { وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ } يقول إبراهيم لأبيه: ما أغني عنك ولا أدفع عنك عذاب الله إن عصيتَه وأشركتَ به { رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا } يقوله إبراهيم ومن معه من المؤمنين { وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ }\r{ رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5) }\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) انظر: فيما سبق: 4 / 101 .","part":8,"page":94},{"id":3155,"text":"{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (6) عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (7) لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) }\r{ رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا } قال الزَّجَاج: لا تظهرهم علينا فيظنوا أنهم على الحق","part":8,"page":94},{"id":3156,"text":"فيفتنوا وقال مجاهد: لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولون: لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم ذلك (1) { وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ } أي في إبراهيم ومن معه { أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ } هذا بدل من قوله \"لكم\" وبيان أن هذه الأسوة لمن يخاف الله ويخاف عذاب الآخرة { وَمَنْ يَتَوَلَّ } يُعْرِض عن الإيمان ويوال الكفار { فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ } عن خلقه { الْحَمِيدُ } إلى أوليائه وأهل طاعته.\rقال مقاتل: فلما أمر الله المؤمنين بعداوة الكفار عادى المؤمنون أقرباءهم المشركين وأظهروا لهم العداوة والبراءة. ويعلم الله شدة وجد المؤمنين بذلك فأنزل الله (2) { عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ } أي من كفار مكة { مودة } ففعل الله ذلك بأن أسلم كثير منهم، فصاروا لهم أولياء وإخوانًا، وخالطوهم وناكحوهم { وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ثم رخص الله تعالى في صلة الذين لم يعادوا 161/ب المؤمنين ولم يقاتلوهم فقال: { لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ } { لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ } أي لا ينهاكم الله عن بر الذين لم يقاتلوكم { وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ } تعدلوا فيهم بالإحسان والبر { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } قال ابن عباس: نزلت في خزاعة كانوا قد صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحدًا، فرخص الله في برهم.\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 28 / 64 ، وانظر: البحر المحيط: 8 / 225 وابن كثير: 4 / 394 .\r(2) ذكره ابن كثير: 4 / 349-350 . انظر أسباب النزول للواحدي صفحة: (488) .","part":8,"page":95},{"id":3157,"text":"وقال عبد الله بن الزبير: نزلت في أسماء بنت أبي بكر، وذلك أن أمها قتيلة بنت عبد العزى قدمت عليها المدينة بهدايا، ضِبابًا وأقطًا وسمنًا، وهي مشركة، فقالت أسماء: لا أقبل منك هدية ولا تدخلي عليَّ بيتي حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تدخلها منزلها وتقبل هديتها وتكرمها وتحسن إليها (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة، حدثنا حاتم عن هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومدتهم مع أبيها فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إن أمي قدمت عليَّ وهي راغبة أفأصلها؟ قال: صليها (2) .\rوروي عن ابن عيينة قال: فأنزل الله فيها \"لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين\" . ثم ذكر الذين نهاهم عن صلتهم فقال: { إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ }\r{ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَاولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) }\r{ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ } وهم مشركو مكة { أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَاولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ اجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10) }\rقوله عز وجل { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ } الآية.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع مروان والمسور بن مخرمة يخبران عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالا لما كاتب سهيل بن عمرو يومئذ، كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي صلى الله عليه وسلم: أنه لا يأتيك منا أحد -وإن\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 28 / 66 ، والإمام أحمد: 4 / 4 ، والحاكم: 2 / 485-486 وصححه ووافقه الذهبي. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 7 / 123 \"رواه أحمد والبزاز وفيه مصعب بن ثابت، وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح\" .\r(2) أخرجه البخاري في الهبة، باب الهدية للمشركين: 5 / 233 ، ومسلم في الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدين ولو كانوا مشركين، برقم: (1003) : 2 / 696 .","part":8,"page":96},{"id":3158,"text":"كان على دينك-إلا رددته إلينا، وخليت بيننا وبينه. فكره المؤمنون ذلك وأبي سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فرد النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحدٌ من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلمًا، وجاءت المؤمنات مهاجرات، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ مهاجرة وهي عاتق، فجاء أهلها يسألون النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم لما أنزل الله فيهن: \"إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن\" إلى \"ولا هم يحلون لهن\"\rقال عروة فأخبرتني عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحنهن بهذه الآية: \"يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات\" إلى قوله: \"غفور رحيم\" .\rقال عروة: قالت عائشة رضي الله عنها: فمن أقرت بهذا الشرط منهن قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بايعتك كلامًا يكلمها به، والله ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة ما بايعهن إلا بقوله (1) .\rقال ابن عباس: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرًا حتى إذا كان بالحديبية صالحه مشركو مكة على أن من أتاه من أهل مكة رده إليهم ومن أتى أهل مكة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يردوه إليه، وكتبوا بذلك كتابًا وختموا عليه، فجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية مُسْلِمةً بعد الفراغ من الكتاب، فأقبل زوجها مسافر من بني مخزوم -وقال مقاتل هو: صيفي بن الراهب-في طلبها، وكان كافرًا، فقال: يا محمد ردَّ علي امرأتي فإنك قد شرطت أن ترد علينا من أتاك منا وهذه طية الكتاب لم تجف بعد، فأنزل الله عز وجل: \"يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات\" من دار الكفر إلى دار الإسلام { فَامْتَحِنُوهُنَّ }\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الشروط، باب ما يجوز من الشروط في الإسلام والأحكام والمبايعة: 5 / 213 ومطولا في باب الشروط في الجهاد: 5 / 329-332 ، ومسلم في الإمارة، باب كيفية بيعة النساء (1866) : 3 / 1489 ، والمصنف في شرح السنة: 11 / 157-158 .","part":8,"page":97},{"id":3159,"text":"قال ابن عباس: امتحانها: أن تستحلف ما خرجت لبغض زوجها ولا عشقًا لرجل من المسلمين، ولا رغبة عن أرض إلى أرض، ولا لحدثٍ أحدثته ولا لالتماس دنيا وما خرجت إلا رغبة في الإسلام وحبًا لله ولرسوله.\rقال فاستحلفها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك فحلفت فلم يردَّها، وأعطى زوجها مهرها وما أنفق عليها؛ فتزوجها عمر بن الخطاب رضي الله عنه (1) وكان يرد من جاءه من الرجال ويحبس من جاءه من النساء بعد الامتحان ويعطي أزواجهن مهورهن.\r{ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ } [أي هذا الامتحان لكم، والله أعلم بهنَّ] (2) { فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } ما أحل الله مؤمنة لكافر { وَآتُوهُمْ } يعني أزواجهن الكفار { مَا أَنْفَقُوا } عليهن يعني المهر الذي دفعوا إليهن { وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } أي مهورهن، أباح الله نكاحهن للمسلمين، وإن كان لهن أزواج في دار الكفر لأن الإسلام فرق بينهن وبين أزواجهن الكفار { وَلا تُمْسِكُوا } [قرأ أبو عمرو ويعقوب: بالتشديد، والآخرون: بالتخفيف، من الإمساك] (3) { بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } \"والعِصَم\" : جمع العصمة، وهي ما يعتصم به من العقد والنسب. \"والكوافر\" : جمع الكافرة.\rنهى الله المؤمنين عن المقام على نكاح المشركات، يقول: من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتد بها فقد انقطعت عصمة الزوجية بينهما.\rقال الزهري: فلما نزلت هذه الآية طلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأتين كانتا له بمكة مشركتين: قُرَيْبَة بنت أبي أمية بن المغيرة، فتزوجها بعده معاوية بن أبي سفيان، وهما على شركهما بمكة، والأخرى أم كلثوم بنت 162/أ عمرو بن جرول الخزاعية أم ابنه عبد الله بن عمر، فتزوجها أبو جهم بن حذافة بن غانم، وهما على شركهما. وكانت أروى بنت ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب تحت طلحة بن عبيد الله، فهاجر طلحة وهي بمكة على دين قومها ففرق الإسلام بينهما فتزوجها في الإسلام خالد بن سعيد بن العاص بن أمية (4) .\rقال الشعبي: وكانت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة أبي العاص بن الربيع أسلمت ولحقت\r__________\r(1) انظر: ابن كثير: 4 / 351 ، الدر المنثور: 8 / 137 ، القرطبي: 18 / 62 .\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\" .\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(4) أخرجه الطبري: 28 / 72 . وانظر: ابن كثير: 4 / 352 .","part":8,"page":98},{"id":3160,"text":"بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأقام أبو العاص بمكة مشركًا، ثم أتى المدينة فأسلم، فردها عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم (1)\r{ وَاسْأَلُوا } أيها المؤمنون { مَا أَنْفَقْتُمْ } أي: إن لحقت امرأة منكم بالمشركين مرتدة فاسألوا ما أنفقتم من المهر إذا منعوها ممن تزوجها منهم { وَلْيَسْأَلُوا } يعني: المشركين الذين لحقت أزواجهم بكم { مَا أَنْفَقُوا } من المهر ممن تزوجها منكم { ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } قال الزهري: لولا الهدنة والعهد الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش يوم الحديبية لأمسك النساء ولم يرّد الصداق، وكذلك كان يصنع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد (2) فلما نزلت هذه الآية أقر المؤمنون بحكم الله عز وجل وأدوا ما أمروا به من نفقات المشركين على نسائهم، وأبى المشركون أن يقروا بحكم الله فيما أمروا به من أداء نفقات المسلمين [على نسائهم] (3) فأنزل الله عز وجل: { وَإِنْ فَاتَكُمْ }\r{ وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (11) }\r{ وَإِنْ فَاتَكُمْ } أيها المؤمنون { شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ } فلحقن بهم مرتدات { فَعَاقَبْتُمْ } قال المفسرون: معناه غنمتم، أي غزوتم فأصبتم من الكفار عقبى وهي الغنيمة، وقيل: ظهرتم وكانت العاقبة لكم، وقيل: أصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم، قرأ حميد الأعرج \"فعقَّبتم\" بالتشديد، وقرأ الزهري: \"فعقَبتم\" خفيفة بغير ألف وقرأ مجاهد \" فأعقبتم \" أي صنعتم بهم كما صنعوا بكم. وكلها لغات بمعنى واحد، يقال: عاقب وعقَّب وعقَب، وأعَقب وتعقَّب وتعاقب واعتقب: إذا غنم. وقيل: \"التعقيب\": غزوة بعد غزوة { فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ } إلى الكفار منكم { مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا } عليهن من الغنائم التي صارت في أيديكم من أموال الكفار. وقيل: فعاقبتم المرتدة بالقتل.\rوروي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لحق بالمشركين من نساء المؤمنين والمهاجرين ست نسوة: أم الحكم بنت أبي سفيان وكانت تحت عياض بن شداد الفهري، وفاطمة بنت أبي أمية\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 136 لعبد بن حميد. وذكره ابن كثير في التفسير: 4 / 352 . وراجع ما كتبه الحافظ ابن عبد البر في التمهيد: 12 / 19-35 ، وانظر إرواء الغليل: 6 / 339-341 .\r(2) أخرجه الطبري: 28 / 74 . وزاد السيوطي في الدر المنثور: 8 / 136-137 عزوه لعبد بن حميد وأبي داود في ناسخه وابن المنذر.\r(3) ساقط من \"أ\" .","part":8,"page":99},{"id":3161,"text":"ابن المغيرة أخت أم سلمة كانت تحت عمر بن الخطاب، فلما أراد عمر أن يهاجر أبت وارتدت، وبروع بنت عقبة، كانت تحت شماس بن عثمان، وعزة بن عبد العزيز بن نضلة، وزوجها عمرو ابن عبدود، وهند بنت أبي جهل بن هشام، كانت تحت هشام بن العاص بن وائل، وأم كلثوم بنت جرول، كانت تحت عمر بن الخطاب، فكلهن رَجَعْن عن الإسلام، فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجهن مهور نسائهم من الغنيمة (1) .\r{ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ } واختلف القول في أن رد مهر من أسلمت من النساء إلى أزواجهن، كان واجبًا أو مندوبًا؟ .\rوأصله أن الصلح هل كان وقع على ردِّ النساء؟ فيه قولان: أحدهما أنه وقع على رد الرجال والنساء جميعا لِما روينا: أنه لا يأتيك منّا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا ثم صار الحكم في رد النساء منسوخًا بقوله: \"فلا ترجعوهن إلى الكفار\" فعلى هذه كان رد المهر واجبًا.\rوالقول الآخر: أن الصلح لم يقع على رد النساء، لأنه روي عن علي: أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا وذلك لأن الرجل لا يخشى عليه من الفتنة في الرد ما يخشى على المرأة من إصابة المشرك إياها وأنه لا يؤمن عليها الردة إذا خوِّفت، وأكرهت عليها لضعف قلبها وقلة هدايتها إلى المخرج منها بإظهار كلمة الكفر مع التورية، وإضمار الإيمان ولا يخشى ذلك على الرجل لقّوته وهدايته إلى التقية، فعلى هذا كان رد المهر مندوبًا. واختلفوا في أنه هل يجب العمل به اليوم في رد المال إذا شرط في معاقدة الكفار؟ فقال قوم: لا يجب، وزعموا أن الآية منسوخة، وهو قول عطاء ومجاهد وقتادة. وقال قوم: هي غير منسوخة ويرد إليهم ما أنفقوا.\r__________\r(1) انظر: البحر المحيط: 8 / 257 .","part":8,"page":100},{"id":3162,"text":"{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12) }\rقوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ } الآية. وذلك يوم فتح مكة لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيعة الرجال، وهو على الصفا وعمر بن الخطاب أسفل منه، وهو يبايع النساء بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبلغهن عنهُ وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متنقبة متنكرة مع النساء خوفًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرفها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبايعكن \"على أن لا تشركن بالله","part":8,"page":100},{"id":3163,"text":"شيئًا\" فرفعت هند رأسها وقالت: والله إنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيناك أخذته على الرجال، وبايع الرجال يومئذ على الإسلام، والجهاد فقط فقال النبي صلى الله عليه وسلم \"ولا يسرقن\" فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح وإني أصبت من ماله هنات، فلا أدري أيحل لي أم لا؟ فقال أبو سفيان: ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر فهو لك حلال، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها فقال لها: وإنك لهند بنت عتبة؟ قالت: نعم فاعف عما سلف عفا الله عنك، فقال: \"ولا يزنين\" فقالت هند: أو تزني الحرة؟ فقال: \"ولا يقتلن أولادهن\" فقالت هند: ربيناهن صغارًا وقتلتموهم كبارًا فأنتم وهم أعلم، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدر، فضحك عمر رضي الله عنه حتى استلقى، وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \"ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن\" -وهي أن تقذف ولدًا على زوجها ليس منه-قالت هند: والله إن البهتان لقبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق، فقال: \"ولا يعصينك في معروف\" قالت هند: ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء. فأقَّر النسوة بما أخذ عليهن (1) قوله عز وجل: { وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ } أراد وأد البنات الذي كان يفعله أهل الجاهلية 162/ب قوله { وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ } ليس المراد منه نهيهن عن الزنا لأن النهي عن الزنا قد تقدم ذكره، بل المراد منه أن تلتقط مولودًا وتقول لزوجها هذا ولدي منك فهو البهتان المفترى بين أيديهن وأرجلهن لأن الولد إذا وضعته الأم سقط بين يديها ورجليها. قوله { وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ } أي في كل أمر وافق طاعة الله. قال بكر بن عبد الله المزني: في كل أمر فيه رشدهن. وقال مجاهد: لا تخلو المرأة بالرجال. وقال سعيد بن المسيب والكلبي وعبد الرحمن بن زيد: هو النهي عن النوح والدعاء بالويل وتمزيق الثوب وحلق الشعر ونتفه وخمش الوجه، ولا تحدِّث المرأة الرجال إلا ذا محرم، ولا تخلو برجل غير ذي محرم، ولا تسافر إلا مع ذي محرم.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا احمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا\r__________\r(1) ذكره ابن كثير في تفسيره: 4 / 354-355 ثم قال: \"وهذا أثر غريب وفي بعضه نكارة والله أعلم\" وانظر البحر المحيط 8 / 258 .","part":8,"page":101},{"id":3164,"text":"محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب عن حفصة بنت سيرين عن أم عطية قالت: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ علينا \"أن لا يشركن بالله شيئا\" ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأةٌ يدها فقالت: أسعَدْتني فلانة أريد أن أجزيها فما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا فانطلقت ورجعت وبايعها (1)\rأخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا الحسين بن محمد بن الحسين الدينوري، حدثنا أحمد بن محمد بن إسحاق، حدثنا أبو يعلى الموصلي، حدثنا هُدْبَة بن خالد، حدثنا أبان بن يزيد، حدثنا يحيى بن أبي كثير أن زيدًا حدثه أن أبا سلام حدثه أن أبا مالك الأشعري حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم والنياحة\" . وقال: \"النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقوم يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب\" (2)\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عمرو بن حفص، حدثنا أبي أخبرنا الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية\" (3) قوله: { فَبَايِعْهُنَّ } يعني إذا بايعنك فبايعهن { وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني محمود، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع النساء بالكلام بهذه الآية: \"لا يشركن بالله شيئا\" قالت: وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يَدَ امرأة إلا امرأة يملكها (4)\rأخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا محمد بن عبد الله بن\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة الممتحنة، باب (إذا جاءك المؤمنات يبايعنك) 8 / 637 .\r(2) أخرجه أبو يعلى في مسنده: 2 / 235 ، ومسلم في الجنائز، باب التشديد في النياحة برقم: (934) : 2 / 644 ، والمصنف في شرح السنة: 5 / 437 .\r(3) أخرجه البخاري في الجنائز، باب: ليس منا من ضرب الخدود: 3 / 166 ، ومسلم في الإيمان، باب تحريم ضرب الخدود برقم: (103) : 1 / 99 ، والمصنف في شرح السنة: 5 / 436 .\r(4) أخرجه البخاري في الأحكام، باب في بيعة النساء: 13 / 203 ، ومسلم في الإمارة، باب كيفية بيعة النساء برقم: (1866) : 3 / 1489 ، وعبد الرزاق في المصنف: 6 / 7 .","part":8,"page":102},{"id":3165,"text":"حمدون، أخبرنا مكي بن عبدان، حدثنا عبد الرحمن بن بشر، حدثنا سفيان بن عيينة، عن محمد ابن المنكدر، سمع أميمة بنت رقية تقول: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة، فقال لنا: فيما استطعتن وأطقتن، فقلت: رسول الله صلى الله عليه وسلم أرحم بنا من أنفسنا قلت: يا رسول الله بايعنا قال سفيان: يعني صافحنا فقال: \"إني لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأة كقولي لمائة امرأة\" (1)\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (13) }\rقوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ } وهم اليهود، وذلك أن أناسًا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود أخبار المسلمين يتوصلون إليهم بذلك فيصيبون من ثمارهم، فنهاهم الله عن ذلك (2) { قَدْ يَئِسُوا } يعني هؤلاء اليهود { مِنَ الآخِرَةِ } بأن يكون لهم فيها ثواب وخير { كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ } أي: كما يئس الكفار الذين ماتوا وصاروا في القبور من أن يكون لهم حظ وثواب في الآخرة. قال مجاهد: الكفار حين دخلوا قبورهم أيسوا من رحمة الله. قال سعيد بن جبير: يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار الذين ماتوا فعاينوا الآخرة. وقيل: كما يئس الكفار من أصحاب القبور أن يرجعوا إليهم.\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في السير، باب ما جاء في بيعة النساء: 5 / 220 وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\" ، والنسائي في البيعة، باب بيعة النساء: 7 / 149 ، وابن ماجه في الجهاد، باب بيعة النساء برقم (2874) : 2 / 959 ، والإمام أحمد: 6 / 357 ، والإمام مالك في الموطأ: 2 / 982 ، وعبد الرزاق في المصنف: 6 / 7 ، وابن حبان برقم: (12) صفحة (34) . وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم (259) .\r(2) انظر: البحر المحيط: 8 / 259 .","part":8,"page":103},{"id":3166,"text":"سورة الصف مدنية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ (3) }\r{ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ } قال المفسرون: إن المؤمنين قالوا: لو علمنا أحب الأعمال أحب إلى الله عز وجل لعملناه، ولبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا. فأنزل الله عز وجل: \"إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا\" فابتلوا بذلك يوم أحد فولوا مدبرين، فأنزل الله تعالى \"لِمَ تقولون ما لا تفعلون\" (2)\rوقال محمد بن كعب: لما أخبر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بثواب شهداء بدر، [قالت الصحابة] (3) لئن لقينا بعده قتالا لنُفْرِغَنَّ فيه وسعنا ففروا يوم أحد فعيَّرهم الله بهذه الآية (4)\rوقال قتادة والضحاك: نزلت في [شأن] (5) القتال، كان الرجل يقول: قاتلت ولم يقاتل\r__________\r(1) انظر: البحر المحيط: 8 / 261 .\r(2) أخرج الطبري روايات عدة: 28 / 83 -84 ، وانظر: ابن كثير: 4 / 359 . وعزا السيوطي هذه الرواية في الدر المنثور: 8 / 146 لابن أبي حاتم. وانظر الواحدي ص: ( 492) .\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"أ\" .\r(4) انظر: القرطبي: 18 / 78 .\r(5) في \"أ\": بيان.","part":8,"page":104},{"id":3167,"text":"وطعنت ولم يطعن، وضربت ولم يضرب، فنزلت هذه الآية (1) قال ابن زيد: نزلت في المنافقين كانوا يعدون النصر للمؤمنين وهم كاذبون (2) { كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا } في موضع الرفع فهو كقولك: بئس رجلا أخوك، ومعنى الآية: أي عَظُمَ ذلك في المَقْت والبغض عند الله، أي: إن الله يبغض بغضًا شديدًا أن تقولوا { مَا لا تَفْعَلُونَ } أن تعِدوا من أنفسكم شيئا ثم لم توفوا به.\r{ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5) }\r{ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً } أي يصفُّون أنفسهم عند القتال صفًا 163/أ ولا يزولون عن أماكنهم { كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ } قد رُصَّ بعضه ببعض [أي ألزق بعضه ببعض] (3) وأحكم فليس فيه فرجة ولا خلل. وقيل كالرصاص. { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ } من بني إسرائيل: { يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي } وذلك حين رموه بالأدرة { وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ } والرسول يعظم [ويكرم] (4) ويحترم { فَلَمَّا زَاغُوا } عدلوا عن الحق { أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } أمالها عن الحق، يعني أنهم لما تركوا الحق بإيذاء نبيهم أمال الله قلوبهم عن الحق { وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } قال الزجَّاج: يعني لا يهدي من سبق في علمه أنه فاسق.\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 28 / 84-85 ، وذكره ابن كثير: 4 / 359 . وانظر: البحر المحيط: 8 / 261 .\r(2) ذكره الطبري: 28 / 85 وقال مرجحا: \"وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: عنى بها الذين قالوا: لو عرفنا أحب الأعمال إلى الله لعملنا به، ثم قصروا في العمل بعد ما عرفوا\" ، وانظر البحر المحيط 8 / 261 .\r(3) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(4) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".","part":8,"page":108},{"id":3168,"text":"{ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (7) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (9) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) }\r{ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ } والألف فيه للمبالغة في الحمد، وله وجهان:","part":8,"page":108},{"id":3169,"text":"أحدهما: أنه مبالغة من الفاعل، أي الأنبياء كلهم حمادون لله عز وجل، وهو أكثر حمدًا لله من غيره، والثاني: أنه مبالغة في المفعول، أي الأنبياء كلهم محمودون لما فيهم من الخصال الحميدة وهو [أكثرهم مبالغة] (1) وأجمع للفضائل والمحاسن التي يحمد بها. { فَلَمَّا جَاءَتهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ } .\r{ وَمَن أَظلَمُ مِمَّنِ افتَرَى عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَهُوَ يُدعَى إِلَى الإسلامِ واللَّه لا يَهِدي القَومَ الظَّالِمِينَ يُرِيدُونَ لِيُطفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفوَاهِهِم وَاللَّهُ مُتِمُ نُورِهِ وَلَوَ كَرِهَ الكَافِرُون } .\r{ هُوَ الَّذِي أَرسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَو كَرِهَ المُشرِكُونَ } . { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ } . قرأ ابن عامر \"تُنْجيكم\" بالتشديد والآخرون بالتخفيف { مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } . نزل هذا حين قالوا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل لعملناه (2) وجعل ذلك بمنزلة التجارة لأنهم يربحون بها رضا الله ونيل جنته والنجاة من النار. ثم بين تلك التجارة فقال:\r{ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } .\r__________\r(1) في \"ب\" : (أكثرهم مبالغة مناقب) .\r(2) انظر: الدر المنثور: 8 / 149 .","part":8,"page":109},{"id":3170,"text":"{ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14) } { وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا } . أي: ولكم خصلة أخرى في العاجل مع ثواب الآخرة تحبونها وتلك الخصلة: { نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ } . قال الكلبي: هو النصر على قريش، وفتح مكة. وقال عطاء: يريد فتح فارس والروم. { وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ } . يا محمد بالنصر في الدنيا والجنة في الآخرة. ثم حضَّهم على نصر الدين وجهاد المخالفين فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ } . قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو: \"أنصارًا\" بالتنوين \"لله\" بلام الإضافة، وقرأ الآخرون: \"أنصار الله\" مضافا لقوله: \"نحن أنصار الله\" .\r{ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ } . أي انصروا دين الله مثل نصرة الحواريين لما قال لهم عيسى عليه السلام: { مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ } . ؟ أي: من ينصرني مع الله؟ { قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ } . قال ابن عباس: يعني في زمن عيسى عليه السلام، وذلك أنه لما رفع تفرق قومه ثلاث فرق: فرقة قالوا: كان الله فارتفع، وفرقة قالوا: كان ابن الله فرفعه الله إليه، وفرقة قالوا: كان عبد الله ورسوله فرفعه إليه وهم المؤمنون، واتبع كل فرقة منهم طائفة من الناس، فاقتتلوا فظهرت الفرقتان الكافرتان على المؤمنين، حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم، فظهرت الفرقة المؤمنة على الكافرة (1) فذلك قوله تعالى: { فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ } . عالين غالبين. وروى مغيرة عن إبراهيم قال: فأصبحت حجة من آمن بعيسى ظاهرة بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم أن عيسى كلمة الله وروحه (2) .\r__________\r(1) انظر: الطبري: 28 / 92 ، ابن كثير: 4 / 363 .\r(2) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 150 لعبد بن حميد وابن المنذر.","part":8,"page":110},{"id":3171,"text":"سورة الجمعة مدنية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ يسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الامِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيزَكِّيهِمْ وَيعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (2) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) }\r{ يسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الامِّيِّينَ } يعني العرب كانت أمة أمية لا تكتب ولا تقرأ { رَسُولا مِنْهُمْ } يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم نسبُه نسبُهم [ولسانه لسانهم ليكون أبلغ في إقامة الحجة عليهم] (2) { يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيزَكِّيهِمْ وَيعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ } أي ما كانوا قبل بعثة الرسول إلا في ضلال مبين يعبدون الأوثان. { وَآخَرِينَ مِنْهُمْ } وفي \"آخرين\" وجهان من الإعراب: أحدهما الخفض، على الرد إلى الأميين مجازه: وفي آخرين. والثاني النصب، على الرد إلى الهاء والميم في قوله \"ويعلمهم\" أي: ويعلم آخرين منهم، أي من المؤمنين الذين يدينون بدينهم، لأنهم إذا أسلموا صاروا منهم، فإن المسلمين كلهم أمة واحدة.\rواختلف العلماء فيهم، فقال قوم: هم العجم، وهو قول ابن عمر وسعيد بن جبير ورواية ليث عن مجاهد، والدليل عليه ما: أخبرنا أبو جعفر محمد بن عبد الله بن محمد المعلم الطوسي بها حدثنا أبو الحسن محمد بن\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: نزلت سورة الجمعة بالمدينة. انظر: الدر المنثور: 8 / 151 .\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":8,"page":111},{"id":3172,"text":"يعقوب، أخبرنا أبو النصر محمد بن محمد بن يوسف، حدثنا الحسين بن سفيان، وعلي بن طيفور، وأبو العباس الثقفي قالوا: حدثنا قتيبة، حدثنا عبد العزيز، عن ثور، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ نزلت سورة الجمعة، فلما قرأ: \"وآخرين منهم لما يلحقوا بهم\" قال رجل: مَنْ هؤلاء يا رسول الله؟ فلم يراجعه النبي صلى الله عليه وسلم حتى سأله مرتين أو ثلاثا قال: وفينا سليمان الفارسي قال: فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على سلمان، ثم قال: \"لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء\" (1)\rأخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرنا جدي عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق الدبري، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن جعفر الجزري عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لو كان الدين عند الثريا لذهب إليه رجل، أو قال: رجال، من أبناء فارس حتى يتناولوه\" (2) وقال عكرمة ومقاتل: هم التابعون. وقال ابن زيد: هم جميع من دخل في الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم. إلى يوم القيامة وهي 163/ب رواية [ابن] (3) أبي نجيح عن مجاهد. قوله { لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ } أي [لم] (4) يدركوهم ولكنهم يكونون بعدهم. وقيل: \"لما يلحقوا بهم\" أي في الفضل والسابقة لأن التابعين لا يدركون شأو الصحابة. { وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }\r{ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4) مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5) }\r{ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ } يعني الإسلام والهداية. { وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } قوله عز وجل: { مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ } أي كُلِّفوا القيام بها والعمل بما فيها { ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا } لم يعملوا بما فيها ولم يؤدُّوا حقها { كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا } أي كتبًا من\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة الجمعة: 8 / 641 ، ومسلم في فضائل الصحابة، باب فضل فارس برقم: (2546) : 4 / 1972 ، والمصنف في شرح السنة: 14 / 199 - 200.\r(2) أخرجه عبد الرزاق في المصنف في كتاب الجامع، باب قبائل العجم: 11 / 66 ، ومسلم في فضائل الصحابة، باب فضل فارس برقم: (2546) : 4 / 1972 ، والمصنف في شرح السنة: 14 / 199 - 200.\r(3) ساقط من \"أ\" .\r(4) ساقط من \"ب\" .","part":8,"page":114},{"id":3173,"text":"العلم، واحدها سفر، قال الفراء: هي الكتب العظام (1) يعني كما أن الحمار يحملها ولا يدري ما فيها ولا ينتفع بها كذلك اليهود يقرؤن التوراة ولا ينتفعون بها لأنهم خالفوا ما فيها { بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب الأنبياء عليهم السلام، يعني من سبق في علمه أنه لا يؤمن لا يهديهم.\r{ قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَينَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) }\r__________\r(1) معاني القرآن للفراء: 3 / 155 .","part":8,"page":115},{"id":3174,"text":"{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9) }\r{ قُلْ يَا أَيهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ } من دون محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه { فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ } فادعُوا بالموت على أنفسكم { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ، أنكم أبناء الله وأحباؤه فإن الموت هو الذي يوصلكم إليه. { وَلا يَتَمَنَّونَهُ أَبَدَا بِمَا قَدَّمَتْ أَيديِهم وَاللَّهُ عَلِيمُ بِالظَّالِمِينَ قُلْ إِنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُم ثُمَّ تُرَدَّونَ إِلَى عَالِمِ الغَيبِ والشَّهَادَةِ فَينَبِئُكُم بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ } قوله عز وجل: { يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ } أي في يوم الجمعة كقوله: \"أروني ماذا خلقوا من الأرض أي في الأرض\" [أي في الأرض ] (1) وأراد بهذا النداء الأذان عند قعود الإمام على المنبر للخطبة.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا آدم، حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري عن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثاني على الزَّوراء (2)\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) أخرجه البخاري في الجمعة، باب الأذان يوم الجمعة: 2 / 393 ، والمصنف في شرح السنة: 4 / 244 .","part":8,"page":115},{"id":3175,"text":"قرأ الأعمش: \"من يوم الجمعة\" بسكون الميم، وقرأ العامة بضمها.\rواختلفوا في تسمية هذا اليوم جمعة، منهم من قال: لأن الله تعالى جمع فيه خلق آدم عليه السلام. وقيل: لأن الله تعالى فرغ من خلق الأشياء فاجتمعت فيه المخلوقات. وقيل: لاجتماع الجماعات فيه. وقيل: لاجتماع الناس فيها للصلاة.\rوقيل: أول من سماها جمعة كعب بن لؤي قال أبو سلمة: أول من قال \"أما بعد\" كعب بن لؤي وكان أول من سمى الجمعة جمعة، وكان يقال له يوم العروبة.\rوعن ابن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة. وقبل أن ينزل الجمعة وهم الذين سموها الجمعة. وقالوا: لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى يوم، فهلم فلنجعل يومًا نجتمع فيه، فنذكر الله ونصلي فيه، فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العروبة، فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم ركعتين وذكَّرهم فسموه يوم الجمعة، ثم أنزل الله عز وجل في ذلك بعد (1) .\rوروي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه كعب، أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة، فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة؟ قال: لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة في بقيع يقال له بقيع الخضمات، قلت له: كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون (2) وأول جمعة جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه على ما ذكر أهل السير: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة مهاجرًا نزل قباء على بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين لثنتي عشرة [ليلة] (3) خلت من شهر ربيع الأول حين امتد الضحى، فأقام بقباء يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء ويوم الخميس، وأسَّسَ مسجدهم، ثم خرج من بين أظهرهم يوم الجمعة عامدًا المدينة، فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم، وقد اتخذ اليوم في ذلك الموضع مسجدا، فجمَّع هناك وخطب (4)\r__________\r(1) أخرجه عبد الرزاق في المصنف: 3 / 159 .\r(2) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب الجمعة في القرى: 2 / 10 ، والبيهقي: 3 / 176 - 177 ، وابن ماجه في الإقامة، باب في فرض الجمعة برقم: (1082) : 1 / 343 - 344 ، والحاكم: 1 / 281 .\r(3) زيادة من \"ب\".\r(4) انظر: البحر المحيط: 8 / 267 - 268 .","part":8,"page":116},{"id":3176,"text":"قوله عز وجل: { فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } أي: فامضوا إليه واعملوا له، وليس المراد من السعي الإسراع، إنما المراد منها العمل والفعل، كما قال: \"وإذا تولى سعى في الأرض\" (البقرة -205) وقال: \"إن سعيكم لشتى\" (الليل -4) .\rوكان عمر بن الخطاب يقرأ: فامضوا إلى ذكر الله، وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود (1) . وقال الحسن: أما والله ما هو بالسعي على الأقدام، ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينة والوقار، ولكن بالقلوب والنية والخشوع (2)\rوقال قتادة في هذه الآية: \"فاسعوا إلى ذكر الله\" قال: فالسعي أن تسعى بقلبك وعملك وهو المشي إليها (3) وكان يتأول قوله: \"فلما بلغ معه السعي\" (الصافات -102) يقول فلما مشى معه.\rأخبرنا الإمام أبو [علي] (4) الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أخبرنا محمد بن أحمد بن معقل الميداني، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري عن ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، ولكن ائتوها تمشون وعليكم السكينة [والوقار] (5) فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموها\" (6) قوله { إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } أي إلى الصلاة، وقال سعيد بن المسيب: \"فاسعوا إلى ذكر الله\" قال هو موعظة الإمام { وَذَرُوا الْبَيْعَ } يعني البيع والشراء لأن اسم البيع يتناولهما جميعًا. وإنما يحرم البيع والشراء عند الأذان الثاني وقال الزهري: عند خروج الإمام. وقال الضحاك: إذا زالت الشمس حرم البيع والشراء { ذلكم } الذي ذكرت من حضور الجمعة وترك البيع، { خَيْرٌ لَكُمْ } من المبايعة { إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } مصالح أنفسكم.\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 28 / 100 ، وذكره ابن كثير: 4 / 366 .\r(2) ذكره ابن كثير: 4 / 368 .\r(3) أخرجه الطبري: 28 / 99 - 100 .\r(4) ساقط من \"أ\" .\r(5) ساقط من \"أ\".\r(6) أخرجه عبد الرزاق في المصنف: 2 / 211 . وأخرجه البخاري في الجمعة، باب المشي إلى الجمعة: 2 / 390 ، ومسلم في المساجد، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة والنهي عن إتيانها سعيا، برقم (602) : 1 / 420 - 421 ، والمصنف في شرح السنة: 2 / 316 .","part":8,"page":117},{"id":3177,"text":"واعلم أن صلاة الجمعة من فروض الأعيان، فتجب على كل من جمع العقل، والبلوغ، والحرية والذكورة والإقامة إذا لم يكن له عذر. ومن تركها استحق الوعيد.\rوأما الصبي والمجنون فلا جمعة عليهما، لأنهما ليسا من أهل أن يلزمهما فرض الأبدان لنقصان أبدانهما، ولا جمعة 164/أ على النساء بالاتفاق:\rأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثني سلمة بن عبد الله الخطمي عن محمد بن كعب أنه سمع رجلا من بني وائل يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"تجب الجمعة على كل مسلم إلا امرأةً أو صبيًا أو مملوكًا\" (1) وذهب أكثرهم إلى أنه لا جمعة على العبيد. وقال الحسن وقتادة والأوزاعي: تجب على العبد المخارج، ولا تجب على المسافر عند الأكثرين.\rوقال النخعي والزهري: تجب على المسافر إذا سمع النداء، وكل من له عذر من مرض أو تعهد مريض أو خوف، جاز له ترك الجمعة، وكذلك له تركها بعذر المطر والوحل.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل [حدثنا مسدد حدثنا إسماعيل] (2) أخبرني عبد الحميد صاحب الزيادي، حدثنا عبد الله بن الحارث بن عمر، حدثنا محمد بن سيرين قال ابن عباس لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت: أشهد أن محمدًا رسول الله، فلا تقل: حي على الصلاة. قل: صلُّوا في بيوتكم. فكأن الناس استنكروا فقال: فَعَلَهُ من هو خير مني إن الجمعة عزمة، وإني كرهت أن أخرجكم فتمشوا في الطين والدحض (3) .\rوكل من لا يجب عليه حضور الجمعة، فإذا حضر وصلى مع الإمام [الجمعة] (4) سقط عنه فرض الظهر، ولكن لا يكمل به عدد الجمعة إلا صاحب العذر، فإنه إذا حضر يكمل به العدد.\r__________\r(1) أخرجه الشافعي في مسنده: 1 / 130 ، والبيهقي في السنن: 3 / 183 وقال: هذا الحديث وإن كان فيه إرسال فهو مرسل جيد وله شواهد، ثم ساقها واعترضه ابن التركاني في الجوهر النقي: 3 / 183 - 184 . والمصنف في شرح السنة: 4 / 223 .\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\" .\r(3) أخرجه البخاري في الأذان، باب هل يصلي الإمام بمن حضر وهل يخطب يوم الجمعة في المطر: 2 / 157 ، ومسلم في صلاة المسافرين، باب الصلاة في الرحال برقم: (699) : 1 / 485 .\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"أ\" .","part":8,"page":118},{"id":3178,"text":"أخبرنا الإمام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي في سنة إحدى وثمانين وثلثمائة، أخبرنا عيسى بن عمر بن العباس السمرقندي، حدثنا أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي السمرقندي، أخبرنا يحيى بن حسان حدثنا معاوية بن سلام، أخبرني زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يقول حدثني الحكم بن مينا أن ابن عمر حدثه وأبا هريرة أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على أعواد منبره: \"لينتهين أقوامٌ عن وَدْعِهم الجمعات أو ليختمنَّ الله على قلوبهم ثم ليكونُنَّ من الغافلين\" (1)\rأخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا علي بن خشرم، أخبرنا عيسى بن يونس، عن محمد بن عمرو عن عبيدة بن سفيان، عن أبي الجعد يعني الضميري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاونًا بها طبع الله على قلبه\" (2)\rواختلف أهل العلم في موضع إقامة الجمعة، وفي العدد الذي تنعقد به الجمعة، وفي المسافة التي يجب أن يؤتى منها: أما الموضع: فذهب قوم إلى أن كل قرية اجتمع فيها أربعون رجلا من أهل الكمال، بأن يكونوا أحرارًا عاقلين [بالغين] (3) مقيمين لا يظعنون عنها شتاء ولا صيفًا إلا ظعن حاجة، تجب عليهم إقامة الجمعة فيها. وهو قول عبيد الله بن عبد الله، وعمر بن عبد العزيز وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق. وقالوا: لا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين رجلا على هذه الصفة، وشرط عمر بن عبد العزيز مع عدد الأربعين أن يكون فيهم والٍ، والوالي غير شرط عند الشافعي. وقال علي: لا جمعة إلا في مصر جامع وهو قول أصحاب الرأي.\rثم عند أبي حنيفة، رضي الله عنهُ تنعقد بأربعة، والوالي شرط وقال الأوزاعي وأبو يوسف:\r__________\r(1) أخرجه الدارمي في الصلاة، باب فيمن يترك الجمعة من غير عذر: 1 / 306 - 307 . ومسلم في الجمعة، باب التغليظ في ترك الجمعة برقم: (865) : 2 / 591 ، والمصنف في شرح السنة: 4 / 214 - 215 .\r(2) أخرجه الترمذي في الصلاة، باب ما جاء في ترك الجمعة من غير عذر: 3 / 13 قال أبو عيسى: \"حديث أبي الجعد حديث حسن\" ، وأبو داود في الصلاة، باب التشديد في ترك الجمعة: 2 / 5 -6 ، والنسائي في الجمعة، باب التشديد في التخلف عن الجمعة: 3 / 88 - 89 ، وابن ماجه في الإقامة، باب فيمن ترك الجمعة من غير عذر برقم: (1125) : 1 / 357 ، والبيهقي: 3 / 178 ، وصححه ابن حبان برقم (555) : ص (147) ، والحاكم: 1 / 280 ووافقه الذهبي، والإمام أحمد: 3 / 424 ، والمصنف في شرح السنة: 4 / 213 .\r(3) زيادة من \"ب\".","part":8,"page":119},{"id":3179,"text":"تنعقد بثلاثة إذا كان فيهم وال. وقال الحسن وأبو ثور: تنعقد باثنين كسائر الصلوات. وقال ربيعة: تنعقد باثني عشر رجلا. والدليل على جواز إقامتها في القرى ما: أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن المثنى، أخبرنا أبو عامر العقدي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي حمزة الضبعي عن ابن عباس قال: إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد عبد القيس بجواثَي من البحرين (1)\rوإذا كان الرجل مقيمًا في قرية لا تقام فيها الجمعة، أو كان مقيمًا في برية، فذهب قوم إلى أنه إن كان يبلغهم النداء من موضع الجمعة يلزمهم حضور الجمعة، وإن كان لا يبلغهم النداء فلا جمعة عليهم. وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. والشرط أن يبلغهم نداء مؤذنٍ جهوري الصوت يؤذن في وقت تكون الأصوات فيه هادئه والرياح ساكنة، وكل قرية تكون في موضع الجمعة في القرب على هذا القدر يجب على أهلها حضور الجمعة.\rوقال سعيد بن المسيب: تجب على كل من آواه المبيت. وقال الزهري: تجب على من كان على ستة أميال. وقال ربيعة: على أربعة أميال. وقال مالك والليث: على ثلاثة أميال. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا جمعة على أهل السواد قريبة كانت القرية أو بعيدة.\rوكل من تلزمه صلاة الجمعة لا يجوز له أن يسافر يوم الجمعة بعد الزوال قبل أن يصلي الجمعة، وجوَّز أصحاب الرأي أن يسافر بعد الزوال إذا كان يفارق البلد قبل خروج الوقت.\rأما إذا سافر قبل الزوال بعد طلوع الفجر فيجوز، غير أنه يكره إلا أن يكون سفره سفر طاعة من حج أو غزو، وذهب بعضهم إلى أنه إذا أصبح يوم الجمعة مقيمًا فلا يسافر حتى يصلي الجمعة، والدليل على جوازه ما:\rأخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، أخبرنا أبو العباس المحبوبي، أخبرنا أبو عيسى، حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا أبو معاوية عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة في سرية فوافق ذلك يوم الجمعة، فغدا أصحابه، وقال: أتخلف فأصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ألحقهم، فلما صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم رآه فقال: ما منعك أن تغدو مع أصحابك؟ قال: أردت أن أصلي معك ثم ألحقهم، فقال: \"لو أنفقت ما في الأرض جميعا\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن: 2 / 379 ، والمصنف في شرح السنة: 4 / 218 .","part":8,"page":120},{"id":3180,"text":"ما أدركت فضل غدوتهم\" (1) وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع رجلا عليه هيئة السفر يقول: لولا أن اليوم يوم الجمعة لخرجت، فقال عمر: اخرجْ فإن الجمعة لا تحبس عن سفر (2)\rوقد ورد أخبار في سنن يوم الجمعة وفضله منها: ما أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد الفقيه، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك 164/ب عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أنه قال: خرجت إلى [الطور] (3) فلقيت كعب الأحبار، فجلست معه فحدثني عن التوراة، وحدثته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان فيما حدثته أن قلت له: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه أهبط وفيه تيب عليه، وفيه مات وفيه تقوم الساعة وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حين تطلع الشمس شفقًا من الساعة إلا الجن والإنس وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه\" قال كعب: ذلك في كل سنة يوم، فقلت: بل في كل جمعة، قال: فقرأ كعب التوراة فقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو هريرة: ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب الأحبار وما حدثته في يوم الجمعة، فقال عبد الله بن سلام: قد علمت أية ساعة هي هي آخر ساعة في يوم الجمعة، قال أبو هريرة: وكيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة ! وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي\" وتلك ساعة لا يصلي فيها؟ فقال عبد الله بن سلام: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصليها؟ قال أبو هريرة: بلى، قال: فهو ذاك (4) .\r__________\r(1) حديث ضعيف أخرجه الترمذي في الصلاة، باب ما جاء في السفر يوم الجمعة: 3 / 65 - 66 قال أبو عيسى: \"هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه\" ، قال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: قال شعبة: \"لم يسمع الحكم من مقسم إلا خمسة أحاديث وعدها شعبة وليس هذا الحديث فيما عدها شعبة. وكأن هذا الحديث لم يسمعه الحكم من مقسم\" . وفيه أيضا الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف. وأخرجه الإمام أحمد مختصرا: 1 / 256 ، والبيهقي: 3 / 187 ، والمصنف في شرح السنة: 4 / 227 .\r(2) أخرجه الشافعي في مسنده: 1 / 150 ، وعبد الرزاق في المصنف: 3 / 250 ، والبيهقي في السنن: 3 / 187 .\r(3) في \"ب\" الطريق.\r(4) أخرجه الإمام مالك في الموطأ في كتاب الجمعة، باب ما جاء في الساعة التي في يوم الجمعة: 1 / 108 - 109 ، وأبو داود في الصلاة، باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة: 2 / 3 ، والترمذي في الصلاة، باب ما جاء في الساعة التي ترجى في يوم الجمعة: 2 / 618 - 619 وقال: \"هذا حديث صحيح\" ، والنسائي في الجمعة، باب ذكر الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة: 3 / 113 - 114 ، والشافعي في ترتيب المسند: 128 - 129 ، والإمام أحمد: 2 / 486 ، والمصنف في شرح السنة: 4 / 206 - 208 .","part":8,"page":121},{"id":3181,"text":"أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل\" (1)\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، حدثنا محمد بن يوسف، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا آدم، حدثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، أخبرني أبي عن عبد الله بن وديعة عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر، ويدَّهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرّق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى\" (2) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا أحمد بن خالد، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعن أبي أمامة يعني سهل بن حنيف حدثاه عن أبي سعيد وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"من اغتسل يوم الجمعة واستن ومس من طيب إن كان عنده ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج حتى يأتي المسجد، فلم يتخط رقاب الناس ثم ركع ما شاء الله أن يركع، وأنصت إذا خرج الإمام كانت كفارة ما بينها وبين الجمعة التي كانت قبلها\" (3) قال أبو هريرة: وزيادة ثلاثة أيام لأن الله تعالى يقول: \"من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها\" (الأنعام -160) .\rأخبرنا أبو طاهر عمر بن عبد العزيز القاشاني، أخبرنا أبو القاسم بن جعفر الهاشمي، أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمر اللؤلؤي، حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، حدثنا محمد بن حاتم الجرجرائي، حدثنا ابن المبارك عن الأوزاعي، حدثني حسان بن عطية، حدثني أبو الأشعث الصنعاني، حدثني أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"من غسَّل يوم الجمعة واغتسل ثم بكر وابتكر ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام واستمع، ولم يلْغ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها وقيامها\" (4)\r__________\r(1) أخرجه الإمام مالك في الموطأ في كتاب الجمعة: 1 / 102 - 103 ، والبخاري في الجمعة، باب فضل الغسل يوم الجمعة: 2 / 356 ، ومسلم في الجمعة برقم: (844) : 2 / 579 ، والمصنف في شرح السنة: 2 / 161 .\r(2) أخرجه البخاري في الجمعة، باب الدهن للجمعة: 2 / 370 ، والمصنف في شرح السنة: 4 / 229 .\r(3) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب في الغسل يوم الجمعة: 1 / 212 ، والإمام أحمد: 3 / 81 ، وصححه الحاكم: 1 / 283 ووافقه الذهبي. وأخرجه مسلم مختصرا من حديث أبي صالح عن أبي هريرة: 2 / 587 ، والمصنف في شرح السنة: 4 / 230 - 231 .\r(4) أخرجه أبو داود في الطهارة، باب في الغسل يوم الجمعة: 1 / 213 ، والترمذي في الصلاة، باب ما جاء في فضل الغسل يوم الجمعة: 3 / 3 - 4 وقال: \"حديث أوس بن أوس حديث حسن وأبو الأشعث الصنعاني اسمه شراحيل بن آدة\" ، والنسائي في الجمعة، باب فضل المشي إلى الجمعة: 3 / 97 ، وابن ماجه في الإقامة، باب ما جاء في الغسل يوم الجمعة برقم (1087) : 1 / 346 ، والإمام أحمد: 4 / 104 ، والمصنف في شرح السنة: 4 / 236 .","part":8,"page":122},{"id":3182,"text":"أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان، عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الناس على منازلهم الأول فالأول فإذا خرج الإمام طويت الصحف واستمعوا الخطبة والمهجِّر إلى الصلاة كالمهدي بدنة، ثم الذي يليه كالمهدي بقرة، ثم الذي يليه كالمهدي شاة ثم الذي يليه كالمهدي كبشًا حتى ذكر الدجاجة والبيضة\" (1) .\r{ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11) }\rقوله عز وجل { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ } أي إذا فرغ من الصلاة فانتشروا في الأرض للتجارة والتصرف في حوائجكم { وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } يعني الرزق وهذا أمر إباحة، كقوله: \"وإذا حللتم فاصطادوا\" (المائدة -2) قال ابن عباس: إن شئت فاخرج وإن شئت فاقعد وإن شئت فصلِّ إلى العصر، وقيل: فانتشروا في الأرض ليس لطلب الدنيا ولكن لعيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله. وقال الحسن وسعيد بن جبير ومكحول: \"وابتغوا من فضل الله\" هو طلب العلم.\r{ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } قوله عز وجل { وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا } الآية، أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا حفص بن عمر، حدثنا خالد بن عبد الله [أخبرنا حصين] (2) عن سالم بن أبي الجعد وعن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال: أقبلت عير يوم الجمعة ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم فثار الناس إلا اثني عشر رجلا فأنزل الله: \"وإذا رأوا تجارةً أو لهوًا انفضوا إليها\" (3) .\r__________\r(1) أخرجه الشافعي: 1 / 131 ، والبخاري في الجمعة، باب الاستماع إلى الخطبة يوم الجمعة: 2 / 407 ، ومسلم في الجمعة، باب فضل التهجير يوم الجمعة برقم: (580) : 2 / 587 ، والمصنف في شرح السنة: 4 / 232 .\r(2) ساقط من \"ب\" .\r(3) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة الجمعة - باب: (وإذا رأوا تجارة أو لهوا) 8 / 643 ، ومسلم في الجمعة، باب في قوله تعالى: (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضلوا إليها وتركوك قائما) برقم: (863) : 2 / 590 .","part":8,"page":123},{"id":3183,"text":"ويحتج بهذا الحديث من يرى [إقامة] (1) الجمعة باثني عشر رجلا. وليس فيه بيان أنه أقام بهم الجمعة حتى يكون حجة لاشتراط هذا العدد. وقال ابن عباس في رواية الكلبي: لم يبق في المسجد إلا ثمانية رهط.\rوقال الحسن وأبو مالك: أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر فقدم دحية بن خليفة الكلبي بتجارة زيت من الشام والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فلما رأوه قاموا إليه بالبقيع خشوا أن يسبقوا إليه، فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا رهط منهم أبو بكر وعمر فنزلت هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"والذي نفس محمد بيده لو تتابعتم حتى لا يبقى منكم أحد لسال بكم الوادي نارًا\" (2)\rوقال مقاتل: بينا 165/أ رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ قدم دحية بن خليفة الكلبي من الشام بالتجارة، وكان إذا قدم لم تبق بالمدينة عاتق إلا أتته، وكان يقدم إذا قدم بكل ما يحتاج إليه من دقيق وبُرِّ وغيره، فينزل عند أحجار الزيت، وهو مكان في سوق المدينة، ثم يضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه فيخرج إليه الناس ليبتاعوا منه فقدم ذات جمعة وكان ذلك قبل أن يسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يخطب فخرج إليه الناس فلم يبق في المسجد إلا اثنا عشر رجلا وامرأة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"كم بقي في المسجد؟ فقالوا: اثنا عشر رجلا وامرأة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"لولا هؤلاء لسوّمت لهم الحجارة من السماء\" فأنزل الله هذه الآية (3) وأراد باللهو الطبل.\rوقيل: كانت العير إذا قدمت المدينة استقبلوها بالطبل والتصفيق. وقوله: \"انفضوا إليها\" رد الكناية إلى التجارة لأنها أهم. وقال علقمة: سئل عبد الله بن عمر: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب قائمًا أو قاعدًا؟ قال: أما تقرأ \"وتركوك قائمًا\" .\rأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، حدثنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا إبراهيم بن محمد، أخبرني جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة خطبتين قائمًا يفصل بينهما بجلوس (4) .\r__________\r(1) ساقط من \"أ\" .\r(2) أورده الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص (171) وقال: هكذا ذكره الواحدي عن المفسرين، وذكره الثعلبي ثم البغوي عن الحسن بغير إسناد.\r(3) ذكره السيوطي في الدر المنثور: 8 / 116 وعزاه للبيهقي في شعب الإيمان.\r(4) أخرجه الشافعي: 1 / 144 ، والبيهقي في السنن: 3 / 181 ، والمصنف في شرح السنة: 4 / 247 .","part":8,"page":124},{"id":3184,"text":"أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، أخبرنا أبو الأحوص، عن سماك عن جابر بن سمرة قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكِّر الناس (1)\rوبهذا الإسناد عن جابر بن سمرة قال: كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فكانت صلاته قصدًا وخطبته قصدًا (2)\rوالخطبة فريضة في صلاة الجمعة، ويجب أن يخطب قائمًا خطبتين، وأقل ما يقع عليه اسم الخطبة: أن يحمد الله، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويوصي بتقوى الله، هذه الثلاثة فرض في الخطبتين جميعًا ويجب أن يقرأ في الأولى آية من القرآن، ويدعو للمؤمنين في الثانية، فلو ترك واحدة من هذه الخمس لا تصح جمعته عند الشافعي وذهب أبو حنيفة رضي الله عنه إلى أنه لو أتى بتسبيحة أو تحميدة أو تكبيرة أجزأه. وهذا القدر لا يقع عليه اسم الخطبة، وهو مأمور بالخطبة.\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا عبد الله بن يوسف بن محمد بن مامويه، أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد البصري بمكة، حدثنا الحسن بن الصباح الزعفراني، حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع أن مروان استخلف أبا هريرة على المدينة، فصلَّى بهم أبو هريرة الجمعة فقرأ سورة الجمعة في الركعة الأولى وفي الثانية: \"إذا جاءك المنافقون\" (المنافقون -1) فقال عبيد الله: فلما انصرفنا مشيت إلى جنبه فقلت له: لقد قرأت بسورتين سمعت علي بن أبي طالب يقرأ بهما في الصلاة؟ فقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بهما (3)\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن ضمرة بن سعيد المازني عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير ماذا كان يقرأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على أثر سورة الجمعة؟\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الجمعة، باب ذكر الخطبتين قبل الصلاة وما فيهما من الجلسة برقم: (862) : 2 / 589 .\r(2) أخرجه مسلم في الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة برقم: (866) : 2 / 591 ، والمصنف في شرح السنة: 4 / 251 .\r(3) أخرجه مسلم في الجمعة، باب ما يقرأ في صلاة الجمعة برقم: (877) : 2 / 597 - 598 والمصنف في شرح السنة: 4 / 270 .","part":8,"page":125},{"id":3185,"text":"فقال: كان يقرأ بـ \"هل أتاك حديث الغاشية\" (1) .\rأخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس المحبوبي، حدثنا أبو عيسى حدثنا قتيبة، حدثنا أبو عوانة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ \"سبح اسم ربك الأعلى\" و\"هل أتاك حديث الغاشية\" وربما اجتمع في يوم واحد فيقرأ بهما (2) .\rولجواز الجمعة خمس شرائط: الوقت وهو: وقت الظهر ما بين زوال الشمس إلى دخول وقت العصر، والعدد والإمام والخطبة ودار الإقامة فإذا فقد شرط من هذه الخمسة يجب أن يصلوها ظهرا..\rولا يجوز للإمام أن يبتدئ الخطبة قبل اجتماع العدد، وهو عدد الأربعين عند الشافعي فلو اجتمعوا وخطب بهم ثم انفضوا قبل افتتاح الصلاة أو انتقص واحد من العدد لا يجوز أن يصلي بهم الجمعة، بل يصلي الظهر، ولو افتتح بهم الصلاة ثم انفضُّوا فأصح أقوال الشافعي أن بقاء الأربعين شرط إلى آخر الصلاة، [كما أن بقاء الوقت شرط إلى آخر الصلاة] (3) فلو انتقص واحد منهم قبل أن يسلِّم الإمام يجب على الباقين أن يصلُّوها أربعًا. وفيه قول آخر: إن بقي معه اثنان أتمها جمعة. وقيل: إن بقي معه واحد أتمها جمعة، وعند المزني إذا نقصوا بعد ما صلى الإمام بهم ركعة أتمها جمعة، وإن بقي وحده فإن كان في الركعة الأولى يتمها أربعًا وإن انتقص من العدد واحد، وبه قال أبو حنيفة في العدد الذي شرطه كالمسبوق إذا أدرك مع الإمام ركعة من الجمعة فإذا سلم الإمام أتمها جمعة وإن أدرك أقل من ركعة أتمها أربعًا. .\rقوله عز وجل: { قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ } أي ما عند الله من الثواب على الصلاة والثبات مع النبي صلى الله عليه وسلم خير من اللهو ومن التجارة { وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } لأنه موجد الأرزاق فإياه فاسئلوا ومنه فاطلبوا.\r__________\r(1) أخرجه الإمام مالك في الموطأ في كتاب الجمعة، باب القراءة في صلاة الجمعة، والاحتباء ومن تركها من غير عذر: 1 / 111 ، ومسلم في الجمعة، باب ما يقرأ في صلاة الجمعة برقم: (878) : 2 / 598 ، والمصنف في شرح السنة: 4 / 271 .\r(2) أخرجه الترمذي في الصلاة، باب ما جاء في القراءة في العيدين : 3 / 76 وقال \"حديث النعمان بن بشير حديث حسن صحيح\" ، ومسلم في الجمعة، باب ما يقرأ في صلاة الجمعة برقم: (878) 2 / 598 ، والمصنف في شرح السنة: 4 / 271 .\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":8,"page":126},{"id":3186,"text":"سورة المنافقون مدنية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (3) وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يؤْفَكُونَ (4) }\r{ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ } يعني عبدَ الله بن أبي بن سلول وأصحابَه، { قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ } لأنهم أضمروا خلاف ما أظهروا. { اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً } سترة، { فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } منعوا الناس عن الجهاد والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم.\r{ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا } أقروا باللسان إذا رأوا المؤمنين، { ثُمَّ كَفَرُوا } إذا خلوا إلى المشركين، { فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ } بالكفر، { فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ } 165/ب الإيمان. { وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ } يعني أن لهم أجسامًا ومناظر، { وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ } فتحسب أنه صدق، قال عبد الله بن عباس: كان عبد الله بن أبي جسيمًا فصيحًا ذلق\r__________\r(1) أخرجه ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: نزلت سورة المنافقيتن بالمدينة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. انظر: الدر المنثور: 8 / 170 .","part":8,"page":126},{"id":3187,"text":"اللسان، فإذا قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم قوله. { كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ } أشباح بلا أرواح وأجسام بلا أحلام. قرأ أبو عمرو والكسائي: \"خُشْب\" بسكون الشين، وقرأ الباقون بضمها.\r{ مُسَنَّدَةٌ } ممالة إلى جدار، من قولهم: أسندت الشيء، إذا أَمَلْتُه، والتثقيل للتكثير، وأراد أنها ليست بأشجار تثمر، ولكنها خشب مسندة إلى حائط، { يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ } أي لا يسمعون صوتًا في العسكر بأن نادى منادٍ أو انفلتت دابة وأنشدت ضالة، إلا ظنوا -من جبنهم وسوء ظنهم -أنهم يرادون بذلك، وظنوا أنهم قد اتوا، لما في قلوبهم من الرعب.\rوقيل: ذلك لكونهم على وجل من أن ينزل الله فيهم أمرا يهتك أستارهم ويبيح دماءهم ثم قال: { هُمُ الْعَدُوُّ } وهذا ابتداء وخبره، { فَاحْذَرْهُمْ } ولا تأمنهم، { قَاتَلَهُمُ اللَّهُ } لعنهم الله { أَنَّى يؤْفَكُونَ } يصرفون عن الحق.","part":8,"page":130},{"id":3188,"text":"{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (5) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (6) }\r{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ } أي عطفوا وأعرضُوا بوجوههم رغبة عن الاستغفار. قرأ نافع ويعقوب \"لَووَا\" بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتشديد، لأنهم فعلوه مرة بعد مرة.\r{ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ } يعرضون عما دُعُوا إليه، { وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ } متكبرون عن استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم. { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُم } يا محمد، { أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } ذكر محمد بن إسحاق وغيره عن جماعة، من أصحاب السير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بَلَغُه: أن بني المصطلق يجتمعون لحربه وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو [جويرة] (1) زوج النبي\r__________\r(1) في المخطوطتين (جويرة) وفي غيرهم (جويرية) .","part":8,"page":130},{"id":3189,"text":"صلى الله عليه وسلم، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المُرَيْسيع من ناحية قُدَيْد إلى الساحل، فتزاحف الناس واقتتلوا فهزم الله بني المصطلق، وقتل من قتل منهم، ونقل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم ونساءهم وأموالهم فأفاءها [عليهم] (1) فبينما الناس على ذلك الماء إذ وردت واردة الناس ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار، يقال له جهجاه بن سعيد الغفاري يقود له فرسه فازدحم جهجاه وسنان بن وبرة الجهني، حليف بني عوف بن الخزرج، على [ذلك] (2) الماء فاقتتلا فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار! وصرخ الغفاري: يا معشر المهاجرين ! وأعان جهجاهًا الغفاريَّ رجلٌ من المهاجرين يقال له جُعال، وكان فقيرًا، فغضب عبدُ الله بن أبيٍّ ابنُ سلولَ وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم، غلام حديث السن، فقال ابن أُبيّ: أفعَلوها؟ فقد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما مَثَلُنا ومثلُهم إلا كما قال القائل: سِّمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزُّ منها الأذَّل. يعني بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم أقبل على من حضره من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم، ولتحولوا إلى غير بلادكم، فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضُّوا من حول محمد، فقال زيد بن أرقم: أنت -والله -الذليل القليل المبغض في قومك، محمد صلى الله عليه وسلم في عزّ من الرحمن ومودة من المسلمين، فقال عبد الله بن أبي: اسكت، فإنما كنت ألعب. قال: فمشى زيد بن أرقم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم [وذلك] (3) بعد فراغه من الغدو، فأخبره الخبر، وعنده عمر بن الخطاب، فقال: دعني أضرب عنقه يا رسول الله قال: كيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه؟ ولكن أذّن بالرحيل وذلك في ساعة لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتحل فيها فارتحل الناس.\rوأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبيٍّ فأتاه فقال: أنت صاحب هذا الكلام الذي بلغني؟ فقال عبد الله: والذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئًا من ذلك، وإن زيدًا لكاذبٌ، وكان عبد الله في قومه شريفًا عظيمًا، فقال من حضر من الأنصار من أصحابه: يا رسول الله عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قاله. فَعَذَره النبي صلى الله عليه وسلم وفَشَتِ المَلامةُ في الأنصار لزيد، وكذَّبوه، وقال له عمه [وكان زيد معه] (4) ما أردت إلى أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وسلم، والناسُ مَقَتُوك، وكان زيد يساير النبي صلى الله عليه وسلم فاستحيا بعد ذلك أن يدنو من النبي صلى الله عليه وسلم.\r__________\r(1) في \"ب\" عليه.\r(2) زيادة من \"ب\" .\r(3) زيادة من \"ب\".\r(4) زيادة من \"ب\".","part":8,"page":131},{"id":3190,"text":"فلما استقلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار لقيه أسيد بن حضير فحياه بتحية النبوة وسلم عليه، ثم قال: يا رسول الله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح فيها.\rفقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوما بلغك ما قال صاحبكم عبد الله بن أبي؟ قال: وما قال؟ قال: زعم إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل. فقال أسيد: فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز، ثم قال: يا رسول الله ارفق به فوالله لقد جاء الله بك، وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكًا.\rوبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي ما كان من أمر أبيه فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي، لما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فَمُرْني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمتِ الخزرج ما كان بها رجلٌ أبرَّ بوالديه مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل مؤمنًا بكافر، فأدخل النار.\rفقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل نرفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا.\rقالوا: وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، [ثم نزل بالناس] (1) فلم يكن إلا أن وجدوا مسّ الأرض فوقعوا نيامًا. وإنما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من حديث عبد الله بن أبي.\rثم راح بالناس حتى نزل [على ماء بِـ] (2) الحجاز فُوَيْقَ النَّقِيع، يقال له نقعًا فهاجت ريح شديدة 166/أ آذتهم وتخوَّفوها وضلت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم وذلك ليلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تخافوا فإنما هبَّتْ لموت عظيم من عظماء الكفار توفي بالمدينة، قيل: من هو، قال: رفاعة بن زيد بن التابوت، فقال رجل من المنافقين: كيف يزعم أنه يعلم الغيب ولا يعلم مكان ناقته؟ ألا يخبره الذي يأتيه بالوحي! فأتاه جبريل فأخبره بقول المنافق وبمكان الناقة، وأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، وقال: ما أزعم أني أعلم الغيب وما أعلمه، ولكن الله أخبرني بقول المنافق وبمكان ناقتي، هي في الشِّعب قد تعلق زمامها بشجرة فخرجوا يسعَوْن قِبَل الشعب فإذا هي كما قال، فجاءوا بها وآمن ذلك المنافق.\rفلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت قد مات ذلك اليوم، وكان من عظماء اليهود وكهفًا للمنافقين، فلما وافى رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، قال زيد بن أرقم: جلست في البيت\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ساقط من \"أ\".","part":8,"page":132},{"id":3191,"text":"لما بي من الهمِّ والحياء، فأنزل الله تعالى سورة المنافقين في تصديق زيد وتكذيب عبد الله. فلما نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذن زيد وقال: \"يا زيد إن الله صدقك وأوفى بأذنك\" .\rوكان عبد الله بن أُبيّ بقرب المدينة، فلما أراد أن يدخلها جاءه ابنه عبد الله بن عبد الله حتى أناخ على مجامع طرق المدينة، فلما جاء عبد الله بن أبي قال: [وراءك، قال:] (1) مالك ويلك؟ قال: لا والله لا تدخلها أبدًا إلا بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولتعلمن اليوم من الأعز من الأذل، فشكا عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع ابنه، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن خلِّ عنه حتى يدخل، فقال: أما إذا جاء أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنعم، فدخل فلم يلبث إلا أيامًا قلائل حتى اشتكى ومات.\rقالوا: فلما نزلت الآية وبان كذب عبد الله بن أبي قيل له: يا أبا حباب إنه قد نزل فيك أي شداد فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك، فلوى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أؤمن فآمنت، وأمرتموني أن أعطي زكاة مالي فقد أعطيت فما بقي إلا أن أسجد لمحمد فأنزل الله تعالى: \"وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم\" (2) الآية. ونزل: { هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا }\r{ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (8) }\r{ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا } يتفرقوا، { وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } فلا يعطي أحد أحدًا شيئًا إلا بإذنه ولا يمنعه إلا بمشيئته، { وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ } أن أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون. { يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ } من غزوة بني المصطلق، { لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } فعزة الله: قهره من دونه، وعزة رسوله: إظهار دينه على الأديان كلها، وعزة المؤمنين: نصر الله إياهم على أعدائهم. { وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ } ، ذلك ولو علموا ما قالوا هذه المقالة.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ذكره ابن هشام في السيرة: 3 / 302 - 305 (طبعة دار القلم) ، والطبري: 28 / 115 - 117 ، وابن كثير 4 / 370 - 371 .","part":8,"page":133},{"id":3192,"text":"{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10) }\rقوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ } ، لا تشغلكم { أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ } ، قال المفسرون يعني الصلوات الخمس، نظيره قوله: \"لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله\" (النور -37) { وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ } ، أي من شغله ماله وولده عن ذكر الله { فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } . { وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُم } ، قال ابن عباس: يريد زكاة الأموال، { مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ } ، فيسأل الرجعة، { فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي } ، هلا أخرتني أمهلتني. وقيل: \"لا\" صلة، فيكون الكلام بمعنى التَّمني، أي: لو أخرتني، { إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ } ، فأتصدق وأزكي مالي، { وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ } ، أي من المؤمنين.\rنظيره قوله تعالى: \"ومن صلح من آبائهم\" (الرعد -23)(غافر -8) ، هذا قول مقاتل وجماعة. وقالوا: نزلت الآية في المنافقين. وقيل: [نزلت] (1) الآية في المؤمنين.\rوالمراد بالصلاح هنا: الحج. وروى الضحاك، وعطية عن ابن عباس قال: ما من أحد يموت وكان له مال لم يؤد زكاته وأطاق الحج فلم يحج إلا سأل الرجعة عند الموت. وقرأ هذه الآية (2) وقال: \"وأكن من الصالحين\" قرأ أبو عمرو \"وأكونَ\" بالواو ونصب النون على جواب التمني وعلى لفظ فأصدق، قال: إنما حذفت الواو من المصحف اختصارا.\rوقرأ الآخرون: \"وأكنْ\" بالجزم عطفًا على قوله \"فأصدَّق\" لو لم يكن فيه الفاء، لأنه لو لم يكن فيه فاء كان جزمًا. يعني: إن أخرتني أصدق وأكن، ولأنه مكتوب في المصحف بحذف الواو.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\" .\r(2) أخرجه الترمذي في التفسير - تفسير سورة المنافقين: 9 / 220 - 221 ، والطبري: 28 / 118 . وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 179 أيضا لعبد بن حميد وابن أبي حاتم وللطبري وابن مرودية.","part":8,"page":134},{"id":3193,"text":"{ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11) }\r{ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } قرأ أبو بكر: \"يعملون\" بالياء وقرأ الآخرون بالتاء.","part":8,"page":135},{"id":3194,"text":"سورة التغابن مدنية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (2) }\rقال عطاء هي مكية إلا ثلاث آيات (2) من قوله: \"يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم\" إلى آخرهن. { يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } ، قال ابن عباس: [إن] (3) الله خلق بني آدم مؤمنًا وكافرًا، ثم يعيدهم يوم القيامة كما خلقهم مؤمنًا وكافرًا (4) .\rوروينا عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام طبع كافرًا\" (5)\rوقال جل ذكره \"ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا\" (نوح-27) .\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت سورة التغابن بالمدينة. وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير قال: نزلت سورة التغابن بالمدينة. انظر: الدر المنثور: 8 / 181.\r(2) أخرجه الطبري: 28 / 125. وانظر الدر المنثور: 8 / 181.\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) أخرجه الطبري: 12 / 382 (بتحقيق محمود شاكر) ، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد: 3 / 547 ، والآجري في الشريعة ص (211).\r(5) أخرجه مسلم مرفوعا في القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين برقم: (2661) : 4 / 2050.","part":8,"page":136},{"id":3195,"text":"أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد، عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس [عن أنس] (1) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"وكل الله بالرحم مَلَكًا فيقول: أَيْ ربِّ نطفة أيْ ربِّ علقة، أيْ ربِّ مضغة، فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: يا رب أذكَر أم أنثى أشقي أم سعيد؟ فما الرزق فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه\" (2)\rوقال جماعة: معنى الآية: إن الله خلق الخلق ثم كفروا وآمنوا لأن الله تعالى ذكر الخلق ثم وصفهم بفعلهم، فقال: \"فمنكم كافر ومنكم مؤمن\" كما قال الله تعالى: \"والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي\" (النور-45) والله خلقهم والمشُي فِعْلُهم. ثم اختلفوا في تأويلها: روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: \"فمنكم كافر\" في حياته \"مؤمن\" في العاقبة \"ومنكم مؤمن\" في حياته كافر في العاقبة.\rوقال عطاء بن أبي رباح: فمنكم كافر بالله مؤمن بالكواكب، ومنكم مؤمن بالله كافر بالكواكب (3) .\rوقيل 165/ب فمنكم كافر بأن الله تعالى خلقه، وهو مذهب الدهرية، ومنكم مؤمن بأن الله خلقه (4)\rوجملة القول فيه: أن الله خلق الكافر وكفره فعل له وكسب وخلق المؤمن وإيمانه فعل له وكسب فلكل واحد من الفريقين كسب واختيار وكسبه واختياره بتقدير الله ومشيئته فالمؤمن بعد خلق الله إياه يختار الإيمان لأن الله تعالى أراد ذلك منه وقدَّره عليه وعلمه منه، والكافر بعد خلق الله تعالى إياه يختار الكفر لأن الله تعالى أراد ذلك منه وقدَّره عليه وعلمه منه. وهذا طريق أهل السنة والجماعة من سلكه أصاب الحق وسلم من الجبر والقدر.\r{ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِير (3) }\r{ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأرضَ بِالحَقِّ وَصَوَّرَكُم فَأَحسَنَ صُوَرَكُم وَإِلَيهِ المَصِيرُ } .\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) أخرجه البخاري في أول القدر: 11 / 477 ، وفي الحيض، باب مخلقة وغير مخلقة.. ، ومسلم في القدر برقم: (2646) : 4 / 2038 ، والمصنف في شرح السنة: 1 / 127-128.\r(3) انظر البحر المحيط: 8 / 276-277.\r(4) انظر البحر المحيط: 8 / 277.","part":8,"page":140},{"id":3196,"text":"{ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (4) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (5) ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (6) زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9) }\r{ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ }\r{ أَلَمْ يَأْتِكُمْ } يخاطب كفار مكة { نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ } يعني: الأمم الخالية { فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ } يعني ما لحقهم من العذاب في الدنيا { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الآخرة. { ذَلِكَ } العذاب { بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا } ولم يقل: يهدينا لأن البشر وإن كان لفظه واحدًا فإنه في معنى الجمع، وهو اسم الجنس لا واحد له من لفظه وواحده إنسان، ومعناها: ينكرون ويقولون آدمي مثلنا يهدينا ! { فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ } عن إيمانهم { وَاللَّهُ غَنِيٌّ } عن خلقه { حَمِيدٌ } في أفعاله. ثم أخبر عن إنكارهم البعث فقال جل ذكره: { زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ } { زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ } يا محمد { بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزلْنَا } وهو القرآن { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } { يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ } يعني يوم القيامة يجمع فيه أهل السماوات والأرض { ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ } وهو تفاعل من الغبن وهو فوت الحظ، والمراد بالمغبون من غُبِن عن أهله ومنازله في الجنة، فيظهر يومئذ غبن كل كافر بتركه الإيمان، وغبن كل مؤمن بتقصيره في الإحسان { وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ } قرأ أهل المدينة","part":8,"page":141},{"id":3197,"text":"والشام: \"نكفر\" \"وندخله\" وفي سورة الطلاق \"ندخله\" بالنون فيهن، وقرأ الآخرون بالياء { خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }","part":8,"page":142},{"id":3198,"text":"{ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (10) مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (11) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (12) اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (13) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) }\r{ وَاَّلذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئسَ المَصِيرُ }\r{ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ } [بإرادته وقضائه] (1) { وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ } فيصدق أنه لا يصيبه مصيبة إلا بإذن الله { يَهْدِ قَلْبَهُ } يوفقه لليقين حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه فيسلم [لقضائه] (2) { وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .\r{ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيتُم فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا البَلاغُ المُبِينُ }\r{ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَعَلَى اللَّه فَليَتَوَكَّلِ المُؤمِنُونَ } . قوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ } قال ابن عباس: هؤلاء رجال من أهل مكة أسلموا وأرادوا أن يهاجروا إلى المدينة، فمنعهم أزواجهم وأولادهم، وقالوا: صبرنا على إسلامكم فلا نصبر على فراقكم فأطاعوهم وتركوا الهجرة (3) [فقال تعالى: { فَاحْذَرُوهُمْ } أن تطيعوهم وتدعوا الهجرة] (4) .\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) في \"ب\" لقضاء الله.\r(3) أخرجه الترمذي في التفسير -تفسير سورة التغابن- : 9 / 222-223 وقال: \"هذا حديث صحيح\" والطبري: 28 / 124 ، والحاكم: 2 / 490 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وزاد السيوطي في الدر المنثور: 8 / 184 نسبته للفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني.\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":8,"page":142},{"id":3199,"text":"{ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } هذا فيمن أقام على الأهل والولد ولم يهاجر، فإذا هاجر رأى الذين سبقوه بالهجرة قد فقهوا في الدين همَّ أن يعاقب زوجه وولده الذين ثبطوا عن الهجرة، وإن لحقوا به في دار الهجرة لم ينفق عليهم ولم يصبهم بخير، فأمرهم الله تعالى بالعفو عنهم والصفح.\rوقال عطاء بن يسار: نزلت في عوف بن مالك الأشجعي: كان ذا أهل وولد، وكان إذا أراد الغزو بكوا إليه ورققوه، وقالوا: إلى من تدعنا؟ فيرق لهم ويقيم (1) فأنزل الله: \"إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم\" بحملهم إياكم على ترك الطاعة، فاحذروهم أن تقبلوا منهم.\r{ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا } فلا تعاقبوهم على خلافهم إياكم فالله غفور رحيم.\r{ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) }\r{ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ } بلاء واختبار وشغل عن الآخرة يقع بسببها الإنسان في العظائم ومنع الحق وتناول الحرام { وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } قال بعضهم: لما ذكر الله العداوة أدخل فيه \"من\" للتبعيض، فقال: \"إن من أزواجكم وأولادكم عدوًا لكم\" لأن كلهم ليسوا [بأعداء] (2) ولم يذكر \"مِنْ\" في قوله: \"إنما أموالكم وأولادكم فتنة\" لأنها لا تخلو عن الفتنة واشتغال القلب.\rوكان عبد الله بن مسعود يقول: لا يقولَّن أحدكم: اللهم إني أعوذ بك من الفتنة، فإنه ليس منكم أحد يرجع إلى مال وأهل وولد إلا وهو مشتمل على فتنة، ولكن ليقل: اللهم إني أعوذ بك من مضَّلات الفتن (3)\rأخبرنا أبو منصور محمد بن عبد الملك المظفري، أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن الفضل الفقية، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن إسحاق الفقيه، حدثنا أحمد بن بكر بن يوسف حدثنا علي بن الحسن، أخبرنا الحسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة قال سمعت أبا بريدة يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبنا، فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 28 / 125.\r(2) في \"ب\" بأعدائكم.\r(3) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 185 لابن المنذر والطبراني. قال الهيثمي في المجمع: 7 / 220 : \"رواه الطبراني وإسناده منقطع وفيه المسعودي وقد اختلط\".","part":8,"page":143},{"id":3200,"text":"صلى الله عليه وسلم من المنبر، فحملهما فوضعهما بين يديه، ثم قال: \"صدق الله: إنما أموالكم وأولادكم فتنة، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما\" (1)\r{ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لأنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (17) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) }\r{ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } أطقتم هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: \"اتقوا الله حق تقاته\" (آل عمران-102) { وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا } الله ورسوله { وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لأنْفُسِكُمْ } أنفقوا من أموالكم خيرًا لأنفسكم. { وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ } حتى يعطي حق الله من ماله { فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } .\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب الإمام يقطع الخطبة للأمر يحدث: 2 / 20 ، والترمذي في المناقب 10 / 278-279 ، وقال: \"هذا حديث حسن غريب إنما نعرفه من حديث الحسين بن واقد\" ، والنسائي في الجمعة، باب نزول الإمام عن المنبر قبل فراغه من الخطبة وقطعه كلامه ورجوعه إليه يوم الجمعة: 3 / 108 ، وابن ماجه في اللباس، باب لبس الأحمر للرجال برقم: (2600) : 2 / 1190 ، وابن حبان برقم: (2230) صفحة: (552) ، والحاكم: 1 / 287 ، والإمام أحمد: 5 / 354 ، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم: (3757).","part":8,"page":144},{"id":3201,"text":"سورة الطلاق مدنية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1) }\r{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ } نادى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم خاطب أمته لأنه السيد المقدَّم، فخطاب الجميع معه.\rوقيل: مجازه: يا أيها النبي قل لأمتك \"إذا طلقتم النساء\" إذا أردتم تطليقهن، كقوله عز وجل: \"فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله\" (النحل-98) أي: إذا أردت القراءة.\r{ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } أي لطهرهن بالذي يحصينه من عدتهن. وكان ابن عباس وابن عمر يقرآن: \"فطلقوهن في قُبُلِ عدتهن\" نزلت هذه الآية في عبد الله [بن عمر] (2) كان قد طلق امرأته في حال الحيض (3) .\rأخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد الفقيه، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك [عن نافع] (4) عن عبد الله بن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: مُرْه فَلْيراجِعْها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض [ثم تطهر] (5) ثم إن شاء أمسك بَعْدُ، وإن شاء طلَّق قبل أن يمسَّ، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء (6) .\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس ابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة الطلاق بالمدينة. انظر: الدر المنثور: 8 / 188.\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة الطلاق -: 8 / 653.\r(4) ساقط من \"ب\".\r(5) ساقط من \"ب\".\r(6) أخرجه الإمام مالك في الموطأ في الطلاق، باب ما جاء في الأقراء وعدة الطلاق وطلاق الحائض: 2 / 576، والبخاري في الطلاق، باب قول الله تعالى: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) 9 / 345-346، ومسلم في الطلاق، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها برقم: (1471) 2 / 1093، والمصنف في شرح السنة: 9 / 202.","part":8,"page":145},{"id":3202,"text":"ورواه سالم عن ابن عمر قال: \"مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملا\" (1) .\rورواه يونس بن جبير وأنس بن سيرين عن ابن عمر، ولم يقولا ثم تحيض ثم تطهر (2) .\rأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا مسلم وسعيد بن سالم، عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عزة يسأل عبد الله بن عمر -وأبو الزبير يسمع -فقال: كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضًا؟ فقال ابن عمر: طلق عبد الله بن عمر امرأته حائضا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"مره فليراجعها فإذا طهرت فليطلق أو ليمسك\" قال ابن عمر: وقال الله عز وجل: \"يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قُبلِ عدتهن أو لقبل عدتهن\" الشافعي يشك.\rورواه حجاج بن محمد عن ابن جريج، وقال: قال ابن عمر: وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن (3) .\rاعلم أن الطلاق في حال الحيض والنفاس بدعة، وكذلك في الطهر الذي جامعها فيه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: \"وإن شاء طلق قبل أن يمسّ\" .\rوالطلاق السني: أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه. وهذا في حق امرأة تلزمها العدة بالأقراء.\rفأما إذا طلَّق غيرَ المدخولِ بها في حال الحيض أو طلق الصغيرة التي لم تحض قط أو الآيسة بعد ما جامعها أو طلق الحامل بعد ما جامعها أو في حال رؤية الدم لا يكون بدعيًا. ولا سنة ولا بدعة في طلاق هؤلاء لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملا\".\rوالخلع في حال الحيض أو في طهر جامعها [فيه] (4) لا يكون بدعيًا لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لثابت بن قيس في مخالعة زوجته من غير أن يعرف حالها ولولا جوازه في جميع الأحوال لأشبه أن يتعرف الحال.\rولو طلق امرأته في حال الحيض أو في طهر جامعها فيه قصدًا يعصي الله تعالى ولكن يقع\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الطلاق، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها برقم: (1471) 2 / 1095.\r(2) في الموضع السابق.\r(3) أخرجه الشافعي: 2 / 33 (ترتيب المسند) ومسلم في الطلاق برقم: (1471) 2 / 1098.\r(4) ساقط من \"أ\".","part":8,"page":148},{"id":3203,"text":"الطلاق لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ابن عمر بالمراجعة فلولا وقوع الطلاق لكان لا يأمر بالمراجعة، وإذا راجعها في حال الحيض يجوز أن يطلقها في الطهر الذي يعقب تلك الحيضة قبل المسيس كما رواه يونس بن جبير وأنس بن سيرين عن ابن عمر.\rوما رواه نافع عن ابن عمر: \"ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر\" فاستحبابٌ، استحب تأخير الطلاق إلى الطهر الثاني حتى لا يكون مراجعته إياها للطلاق كما يكره النكاح للطلاق.\rولا بدعة في الجمع بين الطلقات الثلاث، عند بعض أهل العلم حتى لو طلق امرأته في حال الطهر ثلاثًا لا يكون بدعيًا، وهو قول الشافعي وأحمد. وذهب بعضهم إلى أنه بدعة، وهو قول مالك وأصحاب الرأي.\rقوله عز وجل: { وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ } أي عدد أقرائها احفظوها قيل: أمر بإحصاء العدة لتفريق الطلاق على الأقراء إذا أراد أن يطلق ثلاثًا. وقيل: للعلم ببقاء زمان الرجعة ومراعاة أمر النفقة والسكنى.\r{ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ } أراد به إذا كان المسكن الذي طلقها فيه للزوج لا يجوز له أن يخرجها منه { وَلا يَخْرُجْنَ } ولا يجوز لها أن تخرج ما لم تنقض عدتها فإن خرجت لغير ضرورة أو حاجة أَثِمَتْ فإن وقعت ضرورة -وإن خافت هدمًا أو غرقًا -لها أن تخرج إلى منزل آخر، وكذلك إن كان لها حاجة من بيع غزل أو شراء قطن فيجوز لها الخروج نهارًا ولا يجوز ليلا فإن رجالا استُشْهِدوا بأحد فقالت نساؤهم: نستوحش في بيوتنا فأذن لهن النبي صلى الله عليه وسلم أن يتحدثن عند إحداهن، فإذا كان وقت النوم تأوي كل امرأة إلى بيتها (1) وأذن النبي صلى الله عليه وسلم لخالة جابر طلقها زوجها أن تخرج لجذاذ نخلها (2) .\rوإذا لزمتها العِدَّة في السفر تعتد ذاهبة وجائية والبدوية [تتبوأ] (3) حيث يتبوأ أهلها في العدة لأن الانتقال في حقهم كالإقامة في حق المقيم.\rقوله: { إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ } قال ابن عباس: \"الفاحشة المبينة\" أن تبذو على أهل\r__________\r(1) أخرجه الشافعي في الأم: 5 / 217، والبيهقي في السنن: 7 / 436 عن مجاهد مرسلا ورجال إسناده ثقات، وعبد الرزاق في المصنف: 7 / 36. وانظر تلخيص الحبير: 3 / 240.\r(2) أخرجه مسلم في الطلاق، باب جواز خروج المعتدة البائن والمتوفى عنها زوجها في النهار لحاجتها برقم (1483) 3 / 1121.\r(3) في \"أ\" تنثوي.","part":8,"page":149},{"id":3204,"text":"زوجها فيحل إخراجها (1) .\rوقال جماعة: أراد بالفاحشة: أن تزني فتخرج لإقامة الحد عليها ثم ترد إلى منزلها يروى ذلك عن ابن مسعود (2) .\rوقال قتادة: معناه إلا أن يطلقها على نشوزها فلها أن تتحول من بيت زوجها (3) والفاحشة: النشوز.\rوقال ابن عمر والسدي: خروجها قبل انقضاء العدة فاحشة (4) .\r{ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ } يعني: ما ذكر من سنة الطلاق وما بعدها { وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا } 167/أ يوقع في قلب الزوج مراجعتها بعد الطلقة والطلقتين. وهذا يدل على أن المستحب أن يفرق الطلقات، ولا يوقع الثلاث دفعة واحدة، حتى إذا ندم أمكنه المراجعة.\r{ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) }\r{ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } أي قربن من انقضاء عدتهن { فَأَمْسِكُوهُنَّ } أي راجعوهن { بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } أي اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فتبين منكم { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } على الرجعة والفراق. أمر بالإشهاد على الرجعة وعلى الطلاق. { وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ } أيها الشهود { لِلَّهِ }\r{ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا } قال\r__________\r(1) أخرجه عبد الرزاق في المصنف: 6 / 323، والطبري: 28 / 133-134. وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 193 لسعيد بن منصور وابن راهويه وعبد بن حميد وابن مردويه. ورواه الشافعي والبيهقي انظر: تلخيص الحبير: 3 / 241.\r(2) انظر: الطبري: 28 / 134، ابن كثير: 4 / 379.\r(3) انظر: المصنف لعبد الرزاق: 6 / 323، والطبري: 28 / 134.\r(4) أخرجه الطبري: 28 / 134. وانظر البحر المحيط: 8 / 282.","part":8,"page":150},{"id":3205,"text":"عكرمة والشعبي والضحاك: ومن يتق الله فيطلق للسنة يجعل له مخرجًا إلى الرجعة (1) .\rوأكثر المفسرين قالوا: نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، أسر المشركون ابنًا له يسمى مالكًا فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أسر العدو ابني، وشكا أيضا إليه الفاقة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اتق الله واصبر وأَكْثِر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ففعل الرجل [ذلك] (2) فبينما هو في بيته إذ أتاه ابنه وقد غفل عنه العدو، فأصاب إبلا وجاء بها إلى أبيه (3) .\rوروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: فتغفل عنه العدو، فاستاق غنمهم، فجاء بها إلى أبيه، وهي أربعة آلاف شاة. فنزلت: \"ومن يتق الله يجعل له مخرجا\" (4) في ابنه.\r{ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3) }\r{ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ } ما ساق من الغنم.\rوقال مقاتل: أصاب غنمًا ومتاعًا ثم رجع إلى أبيه، فانطلق أبوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره الخبر، وسأله: أيحل له أن يأكل ما أتى به ابنه؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، وأنزل الله هذه الآية.\rقال ابن مسعود: \"ومن يتق الله يجعل له مخرجا\" هو أن يعلم أنه مِنْ قِبَلِ الله وأن الله رازقه.\rوقال الربيع بن خيثم: \"يجعل له مخرجًا\" من كل شيء ضاق على الناس (5) .\rوقال أبو العالية: \"مخرجًا\" من كل شدة.\rوقال الحسن: \"مخرجًا\" عما نهاه عنه. { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } يتق الله فيما نابه كفاه ما أهمه.\rوروينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير\r__________\r(1) انظر: الطبري: 28 / 138.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) انظر: الواحدي في أسباب النزول صفحة: (502-503) ابن كثير: 4 / 381.\r(4) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 197 لابن مردويه. وانظر الطبري: 28 / 138، ابن كثير: 4 / 381.\r(5) أخرجه الطبري: 28 / 139. وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 198 أيضا لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.","part":8,"page":151},{"id":3206,"text":"تغدو خماصًا وتروح بطانًا\" (1) .\r{ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ } قرأ طلحة بن مصِّرف، وحفص عن عاصم: \"بالغُ أمرِهِ\" بالإضافة، وقرأ الآخرون \"بالغٌ\" [بالتنوين] (2) \"أمرَه\" نصب أي منفذ أمره مُمْضٍ في خلقه قضاءَه. { قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا } أي جعل لكل شيء من الشدة والرخاء أجلا ينتهي إليه.\rقال مسروق: في هذه الآية \"إن الله بالغ أمره\" توكل عليه أو لم يتوكل، غير أن المتوكل عليه يكفِّر عنه سيئاته ويعظم له أجرا.\r{ وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4) }\rقوله عز وجل { وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ } فلا ترجون أن يحضن { إِنِ ارْتَبْتُمْ } أي شككتم فلم تدروا ما عدتهن { فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ }\rقال مقاتل: لما نزلت: \"والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء\" (البقرة-228) قال خلاد بن النعمان بن قيس الأنصاري: يا رسول الله فما عدة من لا تحيض والتي لم تحض وعدة الحبلى؟ فأنزل الله: \"واللائي يئسن من المحيض من نسائكم\" (3) يعني القواعد اللائي قعدن عن الحيض \"إن ارتبتم\" شككتم في حكمها \"فعدتهن ثلاثة أشهر\".\r{ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ } يعني الصغار اللائي لم يحضن فعدتهن أيضا ثلاثة أشهر. أما الشابة التي كانت تحيض فارتفع حيضها قبل بلوغها سن الآيسات: فذهب أكثر أهل العلم إلى أن عدتها لا تنقضي حتى يعاودها الدم فتعتد بثلاثة أقراء أو تبلغ سن الآيسات فتعتد بثلاثة أشهر. وهو\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الزهد، باب ما جاء في الزهادة في الدنيا: 7 / 8 وقال: \"هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه\" وابن ماجه في الزهد، باب التوكل واليقين برقم: (4164) 2 / 1394، والإمام أحمد: 1 / 30، والطيالسي في مسنده ص(11) وصححه الحاكم: 4 / 318، ووافقه الذهبي، وابن حبان ص (633) من موارد الظمآن، وابن أبي الدنيا في كتاب التوكل برقم: (1) والمصنف في شرح السنة: 14 / 301. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم: (310).\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) انظر: أسباب النزول للواحدي صفحة: (503). وراجع أحكام القرآن للشافعي: 1 / 324.","part":8,"page":152},{"id":3207,"text":"قول عثمان وعلي وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وبه قال عطاء وإليه ذهب الشافعي وأصحاب الرأي.\rوحكي عن عمر: أنها تتربص تسعة أشهر فإن لم تحض تعتد بثلاثة أشهر [وهو قول مالك.\rوقال الحسن: تتربص سنة فإن لم تحض تعتد بثلاثة أشهر] (1) . وهذا كله في عدة الطلاق.\rأما المتوفى عنها زوجها فعدتها أربعة أشهر وعشرًا سواء كانت ممن تحيض أو لا تحيض.\rأما الحامل فعدتها بوضع الحمل سواء طلقها زوجها أو مات عنها لقوله تعالى: { وَأُولاتُ الأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ }\rأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال، أخبرنا أبو العباس الأصم، أخبرنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان عن الزهري عن عبيد الله [بن عبد الله] (2) عن أبيه: أن سُبَيْعَةَ بنت الحارث وضعتْ بعد وفاة زوجها بليال فمرَّ بها أبو السَّنابِل بن بَعْكَك [فقال] (3) قد تَصَنَّعْتِ للأزواج إنها أربعة أشهر وعشر فذكرتْ ذلك سبيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \"كذب أبو السنابل -أَوْ: ليس كما قال أبو السنابل -قد حَلَلْتِ فتزوجي\" (4) .\r{ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا } يسهل عليه أمر الدنيا والآخرة.\r{ ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (5) }\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) أخرجه الشافعي: 2 / 51-52 (ترتيب المسند) والبخاري في الطلاق، باب: (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) 9 / 469-470، ومسلم في الطلاق، باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها وغيرها بوضع الحمل برقم: (1484) 2 / 1122. والمصنف في شرح السنة: 9 / 304.","part":8,"page":153},{"id":3208,"text":"{ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6) }\r{ ذَلِكَ } يعني ما ذكر من الأحكام { أَمْرُ اللَّهِ أَنزلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا } { أَسْكِنُوهُنَّ } يعني مطلقات نسائكم { مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ } \"مِنْ\" صلة، أي: أسكنوهن حيث سكنتم { مِنْ وُجْدِكُمْ } يعني: سعتكم وطاقتكم، يعني: إن كان موسرًا يوسع عليها في المسكن والنفقة، وإن كان فقيرًا فعلى قدر الطاقة { وَلا تُضَارُّوهُنَّ } لا تؤذوهن { لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ } مساكنهن فيخرجن { وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } فيخرجن من عدتهن.","part":8,"page":153},{"id":3209,"text":"أعلم أن المعتدة الرجعية تستحق على الزوج النفقة والسكنى ما دامت في العدة. ونعني بالسكنى: مؤنة السكنى فإن كانت الدار التي طلقها فيها ملكًا للزوج يجب على الزوج أن يخرج ويترك الدار لها مدة عدتها وإن كانت بإجارة فعلى الزوج الأجرة، وإن كانت عارية فرجع المعير فعليه أن يكتري 167/ب لها دارًا تسكنها.\rفأما المعتدة البائنة بالخلع أو الطلقات الثلاث [أو باللعان فلها السكنى حاملا كانت أو حائلا عند أكثر أهل العلم] (1) .\rروي عن ابن عباس أنه قال: لا سكنى لها إلا أن تكون حاملا وهو قول الحسن وعطاء والشعبي.\rواختلفوا في نفقتها: فذهب قوم إلى أنه لا نفقة لها إلا أن تكون حاملا. روي ذلك عن ابن عباس وهو قول الحسن وعطاء والشعبي وبه قال الشافعي وأحمد (2) .\rومنهم من أوجبها بكل حال روي ذلك عن ابن مسعود، وهو قول إبراهيم النخعي وبه قال الثوري وأصحاب الرأي.\rوظاهر القرآن يدل على أنها لا تستحق إلا أن تكون حاملا لأن الله تعالى قال: \"وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن\" .\rوالدليل عليه من جهة السنة ما:\rأخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص طلقها البَتَّة وهو غائب بالشام، فأرسل إليها وكيله بشعير فَسَخِطَتْهُ، فقال: واللهِ ما لك علينا من شيءٍ. فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له. فقال لها: ليس لك عليه نفقة، وأمرها أن تعتَّد في بيت أم شريكٍ. ثم قال: تلك امرأةٌ يغشاها أصحابي فاعتدِّي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك، فإذا حللت فآذِنِيني. قالت: فلما حَلَلْت، ذكرت له أنَّ معاويةَ بنَ أبي سفيان وأبا جهم خطباني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوكٌ لا مال له، انكحي أسامة بن زيد، قالت: فَكَرِهْتُهُ، ثم قال: انكحي أسامة، فنحكُتهُ فجعلَ\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) انظر: المصنف لعبد الرزاق: 6 / 507 ، 508.","part":8,"page":154},{"id":3210,"text":"الله فيه خيرًا واغتبطت به (1) .\rواحتج من لم يجعل لها السكنى بحديث فاطمة بنت قيس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تعتد في بيت عمرو بن أم مكتوم.\rولا حجة فيه، لما روي عن عائشة أنها قالت: كانت فاطمة في مكان وَحْشٍ، فخيف على ناحيتها (2) .\rوقال سعيد بن المسيب: إنما نقلت فاطمة لطول لسانها على أحمائها وكان للسانها ذرابة (3) .\rأما المعتدة عن وطء الشبهة والمفسوخ نكاحها بعيب أو خيار عتق فلا سكنى لها ولا نفقة وإن كانت حاملا.\r[والمعتدة عن وفاة الزوج لا نفقة لها حاملا] (4) كانت أو حائلا عند أكثر أهل العلم، وروي عن علي رضي الله تعالى عنه أن لها النفقة إن كانت حاملا من التركة حتى تضع، وهو قول شريح والشعبي والنخعي والثوري. (5) .\rواختلفوا في سكناها وللشافعي رضي الله عنه فيه قولان: أحدهما لا سكنى لها بل تعتد حيث تشاء، وهو قول علي وابن عباس وعائشة. وبه قال عطاء والحسن، وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه.\rوالثاني: لها السكنى وهو قول عمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر، وبه قال مالك وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق (6) .\rواحتج من أوجب لها السكنى بما:\r__________\r(1) أخرجه مالك في الموطأ في الطلاق، باب ما جاء في نفقة المطلقة: 2 / 580، ومسلم في الطلاق، باب المطلقة ثلاثا لا نفقة لها برقم: (1480) 2 / 1114، والمصنف في شرح السنة: 9 / 296-297.\r(2) أخرجه أبو دواد في الطلاق، باب من أنكر ذلك على فاطمة: 3 / 195-196، وابن ماجه: 1 / 655. وأخرجه البخاري تعليقا: 9 / 479. قال ابن حجر: وله شاهد من رواية أبي أسامة عن هشام عن عروة ...\r(3) أخرجه أبو داود في الطلاق، باب من أنكر ذلك على فاطمة: 3 / 196 وسكت عنه المنذري.\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(5) انظر: المصنف لعبد الرزاق: 7 / 39.\r(6) انظر: المصنف لعبد الرزاق: 7 / 41، الأم للشافعي: 5 / 208.","part":8,"page":155},{"id":3211,"text":"أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن سعيد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب: أن الفريعة بنت مالك بن سنان وهي أخت أبي سعيد الخدري أخبرتها: أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم، فقتلوه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن أرجع إلى أهلي فإن زوجي لم يتركني في منزل يملكه ولا نفقة؟ فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني أو أمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعيت له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف قلت؟ قالت: فرددت عليه القصة التي ذكرت من شأن زوجي، فقال: امكثي [في بيتك] (1) حتى يبلغ الكتاب أجله. قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا. قالت: فلما كان عثمان أرسل إليّ فسألني عن ذلك فأخبرته فاتبعه وقضى به (2) .\rفمن قال بهذا القول قال: إذْنُهُ لفريعة أولا بالرجوع إلى أهلها صار منسوخًا بقوله [آخرًا] (3) \"امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله\" .\rومن لم يوجب السكنى قال: أمرها بالمكث في بيتها آخرًا استحبابًا لا وجوبًا.\rقوله عز وجل { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ } أي أرضعن أولادكم { فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } على إرضاعهن { وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ } [ليقبل بعضكم من بعض إذا أمره بالمعروف] (4) قال الكسائي: شاوروا قال مقاتل: بتراضي الأب والأم على أجر مسمى. والخطاب للزوجين جميعًا يأمرهم أن يأتوا بالمعروف وبما هو الأحسن، ولا يقصدوا الضرار. { وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ } في الرضاع والأجرة فأبى الزوج أن يعطي المرأة رضاها وأبت الأم أن ترضعه فليس له إكراهها على إرضاعه، ولكنه يستأجر للصبي مرضعًا غير أمه وذلك قوله: { فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى }\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) أخرجه مالك في الموطأ في الطلاق، باب مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها حتى تحل: 2 / 591، وأبو داود في الطلاق، باب في المتوفى عنها تنتقل: 3 / 198-199، والترمذي في الطلاق، باب ما جاء أين تعتد المتوفى عنها زوجها: 4 / 390-391، والنسائي في الطلاق، باب مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها حتى تحل: 6 / 199، وابن ماجه برقم (2031) 1 / 654-655، والدارمي: 2 / 168 (بتحقيق عبد الله هاشم اليماني) والإمام أحمد: 6 / 370، وصححه ابن حبان برقم: (1332) ص (323-324). وكذلك الحاكم: 2 / 208 ووافقه الذهبي، والمصنف في شرح السنة: 9 / 300-301.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":8,"page":156},{"id":3212,"text":"{ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (7) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (8) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (9) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الألْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10) رَسُولا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (11) }\r{ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ } على قدر غناه { وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ } من المال { لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا } في النفقة { إِلا مَا آتَاهَا } أعطاها من المال { سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا } بعد ضيق وشدة غنىً وسعةً.\rقوله عز وجل: { وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ } عصت وطغت { عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ } أي وأمر رسله { فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا } بالمناقشة والاستقصاء، قال مقاتل: حاسبها بعملها في الدنيا فجازاها بالعذاب، وهو قوله: { وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا } منكرًا فظيعًا، وهو عذاب النار. لفظهما ماضٍ ومعناهما الاستقبال.\rوقيل: في الآية تقديم وتأخير مجازها: فعذبناها في الدنيا بالجوع والقحط والسيف وسائر البلايا وحاسبناها في الآخرة حسابا شديدا. { فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا } جزاء أمرها وقيل: ثقل عاقبة كفرها { وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا } خسرانا في الدنيا والآخرة. { أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الألْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا } يعني القرآن. { رَسُولا } بدل من الذكر، وقيل: أنزل إليكم قرآنًا وأرسل رسولا. وقيل: مع الرسول، وقيل: \"الذكر\" هو الرسول.\rوقيل: \"ذكرا\" أي شرفًا. ثم بيَّن ما هو فقال: { رَسُولا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا } يعني الجنة التي لا ينقطع نعيمها.","part":8,"page":157},{"id":3213,"text":"{ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنزلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12) }\r{ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنّ } [في العدد] (1) { يَتَنزلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ } بالوحي من السماء السابعة إلى الأرض السفلى.\rقال أهل المعاني: هو ما يدبر فيهن من عجيب تدبيره، فينزل المطر ويخرج النبات، ويأتي بالليل والنهار والصيف والشتاء، ويخلق الحيوان على اختلاف هيئاتها وينقلها من حال إلى حال.\rوقال قتادة: في كل أرضٍ من أرضه وسماءٍ من سمائه خلقٌ مِنْ خلقه وأمرٌ من أمره وقضاء من قضائه.\r{ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا } فلا يخفى عليه شيء.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".","part":8,"page":158},{"id":3214,"text":"سورة التحريم مدنية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ يَا أَيُّهَا النَّبِي لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) }\r{ يَا أَيُّهَا النَّبِي لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } وسبب نزولها ما أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبيد الله بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء [ويحب] (2) العسل وكان إذا صلى العصر جاز على نسائه فيدنو منهن، فدخل على حفصة فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس، فسألت عن ذلك فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل فسقت رسول الله صلى الله عليه وسلم منها شربة، فقلت: أما والله لنحتالنَّ له فذكرت ذلك لسودة، وقلت: إذا دخل عليك فإنه سيدنو منك فقولي له: يا رسول الله أكلتَ مغافير؟ فإنه سيقول: لا فقولي له: ما هذه الريح وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد عليه أن يوجد منه الريح، فإنه سيقول: سقتني حفصة شربة عسل، فقولي له: جرست نحلُه العرفط، وسأقول ذلك وقوليه أنت يا صفية، فلما دخل على سودة، تقول سودة: والله الذي لا إله إلا هو لقد كدت أن أباديه بالذي قلت لي وإنه لعلى الباب، فرقًا منك فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يا رسول الله أكلت مغافير؟ قال: لا قلت: فما بال هذه الريح! قال: سقتني حفصة شربة عسل، قالت: جرست نحله العرفط، فلما دخل علي قلت له مثل ذلك، ودخل على صفية\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة التحريم بالمدينة. وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال: أنزلت بالمدينة سورة النساء و(يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك). انظر: الدر المنثور: 8 / 213.\r(2) زيادة من \"أ\".","part":8,"page":159},{"id":3215,"text":"فقالت له مثل ذلك، فلما دخل على حفصة قالت له: يا رسول الله ألا أسقيك منه قال: لا حاجة لي به تقول سودة: سبحان الله لقد حرمناه، قالت: قلت لها اسكتي (1)\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحسن بن محمد الصباح، حدثنا الحجاج عن ابن جريج قال: زعم عطاء أنه سمع عبيد بن عمير يقول سمعت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا فتواصيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل إني أجد منك ريح مغافير، أكلت مغافير فدخل على إحداهما فقالت له ذلك، فقال: لا بأس شربت عسلا عند زينب بنت جحش ولن أعود له، فنزلت: \"يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك\" إلى قوله: \"إن تتوبا إلى الله\" لعائشة وحفصة { وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِي إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا } لقوله: بل شربت عسلا (2)\rوبهذا الإسناد قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن عطاء بإسناده وقال: قال: لا ولكن كنت أشرب عسلا عند زينب بنت جحش فلن أعود له، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا يبتغي بذلك مرضاة أزواجه (3) .\rوقال المفسرون: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فلما كان يوم حفصة استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في زيارة أبيها فأذن لها، فلما خرجت أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جاريته مارية القبطية فأدخلها بيت حفصة، فوقع عليها فلما رجعت حفصة وجدت الباب مغلقًا فجلست عند الباب فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه يقطر عرقًا، وحفصة تبكي فقال: ما يبكيك؟ فقالت: إنما أذنت لي من أجل هذا أدخلت أَمَتَكَ بيتي، ثم وقعت عليها في يومي وعلى فراشي، أما رأيت لي حرمة وحقًا؟ ما كنت تصنع هذا بامرأةٍ منهنَّ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليست هي جاريتي أحلها الله لي؟ اسكتي فهي حرام عليّ ألتمس بذاك رضاك، فلا تخبري بهذا امرأة منهن. فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة فقالت: ألا أبشرك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الطلاق، باب (لم تحرم ما أحل الله لك) 9 / 374-375، ومسلم في الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق برقم (1474): 2 / 1101-1102.\r(2) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة التحريم - باب (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) 8 / 656، ومسلم في الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق برقم: (1474) 2 / 1100، والمصنف في شرح السنة: 9 / 226.\r(3) أخرجه البخاري في الطلاق، باب (لم تحرم ما أحل الله لك) 9 / 374.","part":8,"page":162},{"id":3216,"text":"حرم عليه أمته مارية، وإن الله قد أراحنا منها وأخبرت عائشة بما رأت، وكانتا متصافيتين متظاهرتين على سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فغضبت عائشة فلم تزل بنبي الله صلى الله عليه وسلم حتى حلف أن لا يقربها فأنزل الله عز وجل (1) \"يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك\" يعني العسل ومارية \"تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم\" وأمره أن يكفِّر يمينه ويراجع أمته، فقال:\r{ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (2) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِي إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) }\r{ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } أي بين وأوجب أن تكفروها إذا حنثتم وهي ما ذكر في سورة المائدة { وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ } وليكم وناصركم { وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ }\rواختلف أهل العلم في لفظ التحريم، فقال قوم: ليس هو بيمين، فإن قال لزوجته: أنت علي حرام، أو حرمتك، فإن نوى به طلاقًا فهو طلاق، وإن نوى به ظهارًا فظهار. وإن نوى تحريم ذاتها أو أطلق فعليه كفارة اليمين بنفس اللفظ. وإن قال ذلك لجاريته فإن نوى عتقًا عتقت، وإن نوى تحريم ذاتها أو أطلق فعليه كفارة اليمين، وإن قال لطعام: حرَّمْتُه على نفسي فلا شيء عليه، وهذا قول ابن مسعود وإليه ذهب الشافعي.\rوذهب جماعة إلى أنه يمين، فإن قال ذلك لزوجته 168/ب أو جاريته فلا تجب عليه الكفارة ما لم يقربها كما لو حلف أن لا يطأها. وإن حرَّم طعامًا فهو كما لو حلف أن لا يأكله، فلا كفارة عليه ما لم يأكل، يروى ذلك عن أبي بكر وعائشة وبه قال الأوزاعي وأبو حنيفة رضي الله عنه:\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا معاذ بن فضالة، حدثنا هشام عن يحيى، عن ابن حكيم، وهو يعلى بن حكيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال في الحرام: يكفَّر. وقال ابن عباس: \"لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة\" (2) (الأحزاب-21) . { وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِي إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا } وهو تحريم فتاته على نفسه، وقوله لحفصة: لا تخبري بذلك أحدًا.\r__________\r(1) انظر: الطبري: 28 / 157، ابن كثير: 4 / 387، الدر المنثور: 8 / 216-217.\r(2) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة التحريم - باب (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ...) 8 / 656، ومسلم في الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق برقم: (1473) 2 / 1100.","part":8,"page":163},{"id":3217,"text":"وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: أسرَّ أمر الخلافة بعده فحدثت به حفصة (1) . قال الكلبي: أسر إليها أن أباك وأبا عائشة يكونان خليفتين على أمتي من بعدي. وقال ميمون بن مهران: أسر أن أبا بكر خليفتي من بعدي (2) .\r{ فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ } أخبرت به حفصة عائشة { وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ } أي أطلع الله تعالى نبيه على أنها أنبأت به { عَرَّفَ بَعْضَهُ } قرأ عبد الرحمن السلمي والكسائي: \"عَرَفَ\" بتخفيف الراء، أي: عرف بعض الفعل الذي فعلته من إفشاء سره، أي: غضب من ذلك عليها وجازاها به، من قول القائل لمن أساء إليه: لأعرفنَّ لك ما فعلتَ، أي: لأجازينَّك عليه، وجازاها به عليه بأن طلقها فلما بلغ ذلك عمر قال: لو كان في آل الخطاب خير لما طلقك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاء جبريل وأمره بمراجعتها واعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه شهرًا وقعد في مشربة أم إبراهيم مارية، حتى نزلت آية التخيير (3) .\rوقال مقاتل بن حيان: لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة وإنما همّ بطلاقها فأتاه جبريل عليه السلام، وقال: لا تطلقها فإنها صوامة قوامة وإنها من نسائك في الجنة، فلم يطلقها.\rوقرأ الآخرون \"عرّف\" بالتشديد، أي: عرّف حفصة بعد ذلك الحديث، أي أخبرها ببعض القول الذي كان منها.\r{ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ } يعني لم يعرفها إياه، ولم يخبرها به. قال الحسن: ما استقصى كريم قط (4) قال الله تعالى: { عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ } وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى الكراهية في وجه حفصة أراد أن يتراضاها فأسر إليها شيئين: تحريم الأمة على نفسه، وتبشيرها بأن الخلافة بعده في أبي بكر وفي أبيها عمر رضي الله عنها فأخبرت به حفصة عائشة وأطلع الله تعالى نبيه عليه، عرف [بعضه] (5) حفصة وأخبرها ببعض ما أخبرت به عائشة وهو تحريم الأمة وأعرض عن بعض، يعني ذكر الخلافة كره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينتشر ذلك في الناس { فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ } أي\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 219 لابن مردويه.\r(2) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 218 لابن عساكر، وما انفرد به فهو ضعيف.\r(3) قال الحافظ - ابن حجر - في الكافي الشاف ص (175) \"لم أره هكذا وهو عند الحاكم وغيره بغير ذكر سببه\".\r(4) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 219 لابن مردويه عن على رضي الله عنه.\r(5) ساقط من \"أ\".","part":8,"page":164},{"id":3218,"text":"أخبر حفصة بما أظهره الله عليه { قَالَت } حفصة { مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا } أي: من أخبرك بأني أفشيت السر؟ { قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ }\r{ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4) }\r{ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ } أي من التعاون على النبي صلى الله عليه وسلم بالإيذاء. يخاطب عائشة وحفصة { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } أي زاغت ومالت عن الحق واستوجبتما التوبة. قال ابن زيد: مالت قلوبهما بأن سرهما ما كره رسول الله صلى الله عليه وسلم من اجتناب جاريته.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور عن عبد الله بن عباس قال: لم أزل حريصًا على أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتين قال الله تعالى لهما: \"إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما\" حتى حج وحججت معه وعدل وعدلت معه باداوة، فتبَّرز ثم جاء فسكبت على يديه منها فتوضا فقلت له: يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتان قال الله تعالى لهما: \"إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما\"؟ فقال: واعجبًا لك يا ابن عباس هما عائشة وحفصة.\rثم استقبل عمر الحديث يسوقه فقال: إني كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد، وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على النبي صلى الله عليه وسلم فينزل يومًا وأنزل يومًا فإذا نزلت جئته بما حدث من خبر ذلك اليوم من الوحي أو غيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك.\rوكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا هم قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار فصخبت على امرأتي فراجعتني فأنكرت أن تراجعني فقالت: ولم تنكر أن أراجعك! فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل. فأفزعني وقلت: خاب من فعل ذلك منهن.\rثم جمعت عليَّ ثيابي [فنزلت] (1) فدخلت على حفصة، فقلت لها: أيْ حفصة أتغاضب إحداكن النبي صلى الله عليه وسلم اليوم حتى الليل؟ قالت: نعم، فقلت: خبتِ وخسرتِ، أفتأمنين أن يغضب الله تعالى لغضب رسوله فتهلكي لا تستكثري للنبي صلى الله عليه وسلم ولا تراجعيه في شيء ولا تهجريه وسليني\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".","part":8,"page":165},{"id":3219,"text":"ما بدا لك، ولا يغرنك أن كانت [جارتك] (1) [أوضأ] (2) منك وأحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم -يريد عائشة -.\rقال عمر: وكنا تحدثنا أن غسان تنعل الخيل لتغزونا فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته فرجع إلينا عشاء فضرب بابي ضربًا شديدًا وقال: أَثَمَّ هو؟\rففزعت فخرجت إليه فقال: قد حدث اليوم أمر عظيم؟ فقلت: ما هو أجاء غسان! قال: لا بل أعظم منه وأهول، طلَّق النبي صلى الله عليه وسلم نساءه. فقلت: قد خابت حفصة وخسرت كنت أظن أن هذا يوشك أن يكون.\rفجمعت علي ثيابي وصليت صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مشربة فاعتزل فيها فدخلت على حفصة فإذا هي تبكي، فقلت: ما يبكيك أَلَمْ أكن حذرتك؟ أطلقكن النبي صلى الله عليه وسلم.\rقالت: لا أدري ها هو ذا معتزل في المشربة. فجئت إلى المنبر فإذا حوله رهط يبكي بعضهم، فجلست معهم قليلا 169/أ ثم غلبني ما أجد، فجئت المشربة التي فيها النبي صلى الله عليه وسلم فقلت لغلام له أسود: استأذِنْ لعمر، فدخل فكلم النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع فقال: كلمت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرتك له فصمت، فانصرفت حتى جلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد فجئت فقلت إلى الغلام فقلت: استأذن فاستأذن ثم رجع إليَّ فقال: قد ذكرتك له فصمت [فرجعت فجلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد فجئت الغلام فقلت: استأذن لعمر، فاستأذن ثم رجع إلي فقال: قد ذكرتك له فصمت] (3) .\rفلما وليت منصرفا قال إذا الغلام يدعوني فقال: قد أذن لك النبي صلى الله عليه وسلم فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو مضطجع على رمال حصير ليس بينه وبينه فراش قد أثّر الرمال بجنبه متكئًا على وسادة من أدم حشوها ليف، فسلمت عليه ثم قلت وأنا قائم: يا رسول الله أطلقتَ نساءك؟ فرفع إلي بصره فقال: لا فقلت: الله أكبر. ثم قلت وأنا قائم أستأنس: يا رسول الله لو رأيتني وكنا معشر قريش نغلب النساء فلما قدمنا المدينة إذا قوم تغلبهم نساؤهم، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قلت: يا رسول الله لو رأيتني ودخلت على حفصة فقلت لها: لا يغرنك أن كانت جارتك [أوضأ] (4) منك وأحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم -يريد عائشة -فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم تبسمة أخرى، فجلست حين رأيته يبتسم فرفعت بصري في بيته، فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر غير أهبة\r__________\r(1) في \"ب\" جاريتك.\r(2) في \"أ\" أرضى.\r(3) زيادة من \"ب\".\r(4) في \"أ\" أرضى.","part":8,"page":166},{"id":3220,"text":"ثلاثة، فقلت يا رسول الله ادع الله فليوسع على أمتك فإن فارس والروم قد وسَع عليهم وأعطوا من الدنيا وهم لا يعبدون الله.\rفجلس النبي صلى الله عليه وسلم وكان متكئا فقال: \"أو في هذا أنت يا ابن الخطاب؟ إن أولئك قوم عُجلوا طيباتهم في الحياة الدنيا\".\rفقلت: يا رسول الله استغفر لي.\rفاعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة تسعا وعشرين ليلة، وكان قال: ما أنا بداخل عليهن شهرًا -من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله عز وجل\rفلما مضت تسع وعشرون ليلة، دخل على عائشة رضي الله عنها فبدأ بها فقالت له عائشة: يا رسول الله إنك كنت أقسمت أن لا تدخل علينا شهرًا وإنما أصبحت من تسع وعشرين ليلة أعدّها عدًا! فقال: الشهر تسع وعشرون، وكان ذلك الشهر تسعا وعشرين ليلة.\rقالت عائشة: ثم أنزل الله التخيير فبدأ بي أول امرأة من نسائه، فأخترته ثم خير نساءه كلهن فقلن مثل ما قالت عائشة (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءها حين أمره الله أن يخير أزواجه فبدأ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني ذاكر لك أمرًا فلا عليك [أن لا تعجلي] (2) حتى تستأمري أبويك، وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه قالت ثم قال إن الله قال: \"يا أيها النبي قل لأزواجك\" إلى تمام الآيتين، فقلت: أَوَ في هذا أستأمر أبويَّ؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة (3)\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثني زهير بن حرب، حدثنا عمر بن يونس\r__________\r(1) أخرجه البخاري في المظالم، باب الغرفة والعلية المشرفة وغير المشرفة في السطوح وغيرها: 5 / 114-116 واللفظ له، ومسلم في الطلاق، باب في الإيلاء واعتزال النساء وتخييرهن وقوله تعالى: (وإن تظاهرا عليه) برقم (1479) 2 / 1111-1113.\r(2) في \"أ\" (أن تستعجلي).\r(3) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة الأحزاب، باب (قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا) 8 / 519.","part":8,"page":167},{"id":3221,"text":"الحنفي، حدثنا عكرمة بن عمار، عن سماك [بن زميل] (1) حدثنا عبد الله بن عباس، حدثني عمر بن الخطاب قال: لما اعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه وذكر الحديث. وقال: دخلت عليه فقلت: يا رسول الله ما يشق عليك من شأن النساء؟ فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك. وقلما تكلمت -وأحمد الله تعالى -بكلام إلا رجوت أن الله يصدِّق قولي الذي أقول، ونزلت هذه الآية: \"عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن\". \"وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير\" (2) .\rقوله: { وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ } أي تتظاهرا وتتعاونا على أذى النبي صلى الله عليه وسلم. قرأ أهل الكوفة بتخفيف الظاء، والآخرون بتشديدها.\r{ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ } أي وليه وناصره: { وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ } روي عن ابن مسعود وأبي بن كعب: { وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ } أبو بكر وعمر رضي الله عنهما (3) قال الكلبي: هم المخلصون الذي ليسوا بمنافقين. { وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ } قال مقاتل: بعد الله وجبريل \"وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير\" أي: أعوان للنبي صلى الله عليه وسلم. وهذا من الواحد الذي يؤدي عن الجمع، كقوله: \"وحسن أولئك رفيقا\" (النساء-69) .\r{ عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (5) }\r{ عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ } أي: واجبٌ من الله إن طلقكن رسولُه { أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ } خاضعات لله بالطاعة { مُؤْمِنَاتٍ } مصدقات بتوحيد الله { قَانِتَاتٍ } طائعات، وقيل: داعيات. وقيل: مصليات { تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ } صائمات، وقال زيد بن أسلم: مهاجرات وقيل: يسحن معه حيث ما ساح { ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا } وهذا في الإخبار عن القدرة لا عن الكون لأنه قال: \"إن طلقكن\" وقد علم أنه لا يطلقهن وهذا كقوله: \"وإن تتولوا يستبدل\r__________\r(1) هكذا في \"أ\" وفي \"ب\" (ابن أبي زميل) وكلاهما خطأ والصحيح (أبي زميل) كما في التهذيب وعند مسلم.\r(2) قطعة من حديث طويل أخرجه مسلم في الطلاق، باب في الإيلاء واعتزال النساء وتخييرهن ... برقم (1479) 2 / 1105-1108.\r(3) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 223 لابن عساكر، وقد أشار في مقدمة الجامع إلى أن العزو لابن عساكر مؤذن بالضعف.","part":8,"page":168},{"id":3222,"text":"قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم\" (محمد-38) وهذا في الإخبار عن القدرة لأنه ليس في الوجود أمة خير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (7) }","part":8,"page":169},{"id":3223,"text":"{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8) }\rقوله عز وجل { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ } قال عطاء عن ابن عباس: أي بالانتهاء عما نهاكم الله تعالى عنه 169/ب والعمل بطاعته { وَأَهْلِيكُمْ نَارًا } يعني: مروهم بالخير وانهوهم عن الشر وعلِّموهم وأدِّبوهم تَقُوهُمْ بذلك نارًا { وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ } يعني خزنة النار { غِلاظٌ } فظاظ على أهل النار { شِدَادٌ } أقوياء يدفع الواحد منهم بالدفعة الواحدة سبعين ألفًا في النار وهم الزبانية، لم يخلق الله فيهم الرحمة { لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُواْ لا تَعتَذِرُوا اليَومَ إِنَّمَا تُجزَونَ مَا كُنتُم تَعمَلُونَ } { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا } قرأ الحسن وأبو بكر عن عاصم: \"نُصوحًا\" بضم النون، وقرأ العامة بفتحها أي: توبة ذات نصح تنصح صاحبها بترك العود إلى ما تاب منه.\rواختلفوا في معناها قال عمر وأبي ومعاذ: \"التوبة النصوح\" أن يتوب ثم لا يعود إلى الذنب، كما لا يعود اللبن إلى الضرع (1) .\rقال الحسن: هي أن يكون العبد نادما على ما مضى؛ مجمعًا على ألا يعود فيه (2) .\rقال الكلبي: أن يستغفر باللسان ويندم بالقلب ويمسك بالبدن.\rقال سعيد بن المسيب: توبة تنصحون بها أنفسكم.\rقال القرظي: يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان والإقلاع بالأبدان وإضمار ترك العود\r__________\r(1) قال ابن حجر في المطالب العالية: 3 / 390: أخرجه أحمد بن منيع في مسنده، وإسناده صحيح موقوف. ورواه الطبري: 28 / 167.\r(2) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 227 لعبد بن حميد.","part":8,"page":169},{"id":3224,"text":"بالجنان ومهاجرة سيئ الإخوان.\r{ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ } أي لا يعذبهم الله بدخول النار { نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ } على الصراط { يَقُولُونَ } إذ طفئ نور المنافقين { رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .\r{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (9) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) }\rثم ضرب الله مثلا للصالحين والصالحات من النساء فقال جل ذكره: { ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ } واسمها واعلة { وَامْرَأَةَ لُوطٍ } واسمها واهلة. وقال مقاتل: والعة ووالهة.\r{ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ } وهما نوح ولوط عليهما السلام { فَخَانَتَاهُمَا } قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط وإنما كانت خيانتهما أنهما كانتا على غير دينهما فكانت امرأة نوح تقول للناس: إنه مجنون، وإذا آمن به أحد أخبرت به الجبابرة وأما امرأة لوط [فإنها كانت] (1) تدل قومه على أضيافه إذا نزل به ضيف بالليل أوقدت النار، وإذا نزل بالنهار دخنت ليعلم قومه أنه نزل به ضيف.\rوقال الكلبي: أسرتا النفاق وأظهرتا الإيمان.\r{ فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا } لم يدفعا عنهما مع نبوتهما عذاب الله { وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ }\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":8,"page":170},{"id":3225,"text":"قطع الله بهذه الآية طمع كل من يركب المعصية أن ينفعه صلاح غيره.\r{ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12) }\rثم أخبر أن معصية غيره لا تضره إذا كان مطيعًا فقال: { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ } وهي آسية بنت مزاحم.\rقال المفسرون: لما غلب موسى السحرة آمنت امرأة فرعون، ولما تبين لفرعون إسلامها أوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد وألقاها في الشمس.\rقال سلمان: كانت امرأة فرعون تعذب بالشمس فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة (1) .\r{ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ } فكشف الله لها عن بيتها في الجنة حتى رأته.\rوفي القصة: أن فرعون أمر بصخرة عظيمة لتلقى عليها فلما أتوها بالصخرة قالت: رب ابن لي عندك بيتًا في الجنة فأبصرت بيتها في الجنة من درة بيضاء، وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد لا روح فيه ولم تجد ألمًا.\rوقال الحسن وابن كيسان: رفع الله امرأة فرعون إلى الجنة فهي فيها تأكل وتشرب.\r{ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ } قال مقاتل: وعمله يعني الشرك. وقال أبو صالح عن ابن عباس \"وعمله\" قال: جِمَاعه. { وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } الكافرين. { وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ } أي في جيب درعها ولذلك ذكر الكناية { مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا } يعني الشرائع التي شرعها الله للعباد بكلماته المنزلة { وَكُتُبِهِ } قرأ أهل البصرة وحفص: \"وكتبه\" على الجمع، وقرأ الآخرون: \"وكتابه\" على التوحيد. والمراد منه الكثرة أيضا. وأراد بكتبه التي أنزلت على إبراهيم وموسى وداود وعيسى\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 28 / 171، وأبو يعلى: 6 / 53، قال ابن حجر في المطالب العالية: 3 / 390 صحيح موقوف.","part":8,"page":171},{"id":3226,"text":"عليهم السلام. { وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ } أي من القوم القانتين المطيعين لربها ولذلك لم يقل من القانتات.\rوقال عطاء: \"من القانتين\" أي من المصلين. ويجوز أن يريد بالقانتين رهطها وعشيرتها فإنهم كانوا أهل صلاح مطيعين لله.\rوروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"حسبك من نساء العالمين: مريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد وآسية امرأة فرعون\" (1) .\r__________\r(1) صحيح أخرجه الترمذي في المناقب، فضل خديجة رضي الله عنها: 10 / 389-390 وقال: \"هذا حديث صحيح\" وصححه الحاكم: 3 / 157، وعبد الرزاق: 11 / 430، والطحاوي في مشكل الآثار: 1 / 50، وأبو نعيم في الحلية: 2 / 344، والإمام أحمد: 3 / 135، والمصنف في شرح السنة: 19 / 157.","part":8,"page":172},{"id":3227,"text":"سورة الملك مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) }\r{ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ } قال عطاء عن ابن عباس: يريد الموت في الدنيا والحياة في الآخرة.\rوقال قتادة: أراد موت الإنسان وحياته في الدنيا جعل الله الدنيا دار حياة وفناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء (2) .\rقيل إنما قدم الموت لأنه إلى القهر أقرب: وقيل: قدمه لأنه أقدم لأن الأشياء في الابتداء كانت في حكم الموت كالنطفة والتراب ونحوهما ثم اعترضت عليها الحياة.\rوقال ابن عباس: خلق الموت على صورة كبش أملح لا يمر بشيء ولا يجد ريحه شيء إلا مات وخلق الحياة على صورة فرس بلقاء [انثى] (3) وهي التي كان جبريل والأنبياء يركبونها لا تمر بشيء ولا يجد ريحها شيء إلا حيي، وهي التي أخذ السامري قبضة من أثرها فألقى على العجل فحيي.\r{ لِيَبْلُوَكُمْ } فيما بين [الحياة إلى الموت] (4) { أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا } روي عن ابن عمر\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والبخاري وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت بمكة تبارك الملك. انظر: الدر المنثور: 8 / 230.\r(2) انظر: الدر المنثور: 8 / 234.\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) في \"ب\" الموت والحياة.","part":8,"page":173},{"id":3228,"text":"مرفوعا: \" أحسن عملا\" أحسن عقلا وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله 170/أ\rوقال فضيل بن عياض \"أحسن عملا\" أخلصه وأصوبه. وقال: العمل لا يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا الخالص: إذا كان لله والصواب: إذا كان على السنة.\rوقال الحسن: أيكم أزهد في الدنيا وأترك لها.\rوقال الفَّراء: لم يوقع البلوى على \"أى\" [إلا] (1) وبينهما إضمار كما تقول بلوتكم لأنظر أيكم أطوع (2) . ومثله: \"سلهم أيهم بذلك زعيم\" (القلم-40) أي: سلهم وانظر أيهم فـ\"أي\": رفع على الابتداء \"وأحسن\" خبره { وَهُوَ الْعَزِيزُ } في انتقامه ممن عصاه { الْغَفُورُ } لمن تاب إليه.\r{ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4) }\r{ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا } طبقًا على طبق بعضها فوق بعض { مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ } قرأ حمزة والكسائي: \"من تفوت\" بتشديد الواو بلا ألف، وقرأ الأخرون بتخفيف الواو وألف قبلها. وهما لغتان كالتَّحَمُّل والتحامل والتطهر والتطاهر. ومعناه: ما ترى يا ابن آدم في خلق الرحمن من اعوجاج واختلاف وتناقض بل هي مستقيمة مستوية. وأصله من \"الفوت\" (3) وهو أن يفوت بعضها بعضا لقلة استوائها { فَارْجِعِ الْبَصَرَ } كرر النظر، معناه: انظر ثم ارجع { هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ } شقوق وصدوع.\r{ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ } قال ابن عباس: مرة بعد مرة { يَنْقَلِبْ } ينصرف ويرجع { إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا } صاغرًا ذليلا مبعدًا لم يرَ ما يهوى { وَهُوَ حَسِيرٌ } كليل منقطع لم يدرك ما طلب. وروي عن كعب أنه قال: السماء الدنيا موج مكفوف والثانية مرمرة بيضاء والثالثة حديد والرابعة [صفراء] (4) وقال: نحاس والخامسة فضة والسادسة ذهب والسابعة ياقوتة حمراء بين [السماء] (5) السابعة إلى الحجب السبعة صحارى من نور (6) .\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) معاني القرآن للفراء: 3 / 169.\r(3) في \"أ\" القرب: وهو تصحيف.\r(4) في \"ب\" صفر.\r(5) ساقط من \"ب\".\r(6) انظر :البحر المحيط: 8 / 298 وقد عقب على الرواية فقال: \"... والسابعة من زمردة بيضاء ،يحتاج إلى نقل صحيح ، وقد كان بعض من ينتمي إلى الصلاح - وكان أعمى لا يبصر موضع قدميه - يخبر أنه يشاهد السماوات على بعض أوصاف مما ذكرنا \" .","part":8,"page":176},{"id":3229,"text":"{ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (5) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نزلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (9) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحَابِ السَّعِيرِ (11) }\r{ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا } أراد الأدنى من الأرض وهي التي يراها الناس. { بِمَصَابِيحَ } [أي: الكواكب واحدها: مصباح وهو السراج سُمي الكوكب مصباحًا] (1) لإضاءته { وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا } مرامي { لِلشَّيَاطِينِ } إذا استرقوا السمع { وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ } في الآخرة { عَذَابِ السَّعِيرِ } النار الموقدة. { وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِهِم عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئسَ المَصِيرُ إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا } وهو أول نهيق الحمار وذلك أقبح الأصوات { وَهِيَ تَفُورُ } تغلي بهم كغلي المِرْجل. وقال مجاهد: تفور بهم كما يفور الماء الكثير بالحب القليل.\r{ تَكَادُ تَمَيَّزُ } تنقطع { مِنَ الْغَيْظِ } من تغيظها عليهم، قال ابن قتيبة: تكاد تنشق غيظًا على الكفار { كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ } جماعة منهم { سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا } سؤال توبيخ { أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ } رسول ينذركم.\r{ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا } للرسل (2) { مَا نزلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ }\r{ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ } من الرسل ما جاءونا به { أَوْ نَعْقِلُ } منهم. وقال ابن عباس: لو كنا نسمع الهدى أو نعقله فنعمل به { مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ } قال الزجاج: لو كنا نسمع سمع من يعي ويتفكر أو نعقل عقل من يميز وينظر ما كنا من أهل النار.\r{ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا } بعدًا { لأصْحَابِ السَّعِيرِ } قرأ أبو جعفر والكسائي \"فسحقا\"\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) في \"أ\" للرسول.","part":8,"page":177},{"id":3230,"text":"بضم الحاء، وقرأ الباقون بسكونها وهما لغتان مثل الرُّعُب والرّعْب والسُّحُت والسُّحْت.\r{ إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12) }","part":8,"page":178},{"id":3231,"text":"{ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13) أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15) أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) }\r{ إِنَّ الَّذِينَ يَخشَونَ رَبَّهُم بِالغَيبِ لَهُم مَّغفِرَةٌ وَأَجرٌ كَبِيرٌ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } قال ابن عباس: نزلت في المشركين كانوا ينالون من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيخبره جبريل عليه السلام بما قالوا فقال بعضهم لبعض: أسروا قولكم كي لا يسمع إله محمد (1) .\rفقال الله جل ذكره: { أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ } ألا يعلم ما في الصدور مَنْ خلقها { وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } لطيف علمه في القلوب الخبير بما فيها من الخير والشر والوسوسة. وقيل \"مَنْ\" يرجع إلى المخلوق، أي ألا يعلم الله مخلوقه؟\r{ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولا } سهلا لا يمتنع المشي فيها بالحزونة { فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا } قال ابن عباس وقتادة: في جبالها. وقال الضحاك: في آكامها. وقال مجاهد: في طرقها وفجاجها. قال الحسن: في سبلها. وقال الكلبي: في أطرافها. وقال مقاتل: في نواحيها. قال الفراء: في جوانبها (2) والأصل في الكلمة الجانب، ومنه منكب الرجل والريح النكباء وَتنكَّب فلان [أي جانب] (3) { وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ } مما خلقه رزقًا لكم في الأرض. { وَإِلَيْهِ النُّشُورُ } أي: وإليه تبعثون من قبوركم. ثم خَّوف الكفار فقال: { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ } قال ابن عباس: أي: عذاب مَنْ في السماء إن عصيتموه { أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ } قال الحسن: تتحرك بأهلها. وقيل: تهوي بهم. والمعنى: أن الله تعالى يحرِّك الأرض عند الخسف بهم حتى تلقيهم إلى أسفل، تعلو عليهم وتمر فوقهم. يقال: مَارَ يَمُورُ، أي: جاء وذهب.\r__________\r(1) انظر: زاد المسير: 8 / 321.\r(2) معاني القرآن للفراء: 3 / 171.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":8,"page":178},{"id":3232,"text":"{ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (18) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (19) أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلا فِي غُرُورٍ (20) أَمْ مَنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (21) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمْ مَنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22) }\r{ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا } ريحًا ذات حجارة كما فعل بقوم لوط. { فَسَتَعْلَمُونَ } في الآخرة وعند الموت { كَيْفَ نَذِيرِ } أي إنذاري إذا عاينتم العذاب.\r{ وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } يعني كفار الأمم الماضية { فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } أي إنكاري عليهم بالعذاب.\r{ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ } تصف أجنحتها في الهواء { وَيَقْبِضْنَ } أجنحتها بعد البسط { مَا يُمْسِكُهُنَّ } في حال القبض [والبسط] (1) أن يسقطن { إِلا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ }\r{ أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ } استفهام إنكار. قال ابن عباس: أي منعة لكم { يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ } يمنعكم من عذابه ويدفع عنكم ما أراد بكم. { إِنِ الْكَافِرُونَ إِلا فِي غُرُورٍ } أي في غرور من الشيطان يغرهم بأن العذاب لا ينزل بهم.\r{ أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ } أي من الذي يرزقكم المطر إن أمسك الله [عنكم] (2) { بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ } تمادٍ في الضلال { وَنُفُورٍ } تباعد من الحق. وقال مجاهد: كفور. ثم ضرب مثلا فقال: { أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ } راكبًا رأسه في الضلالة والجهالة أعمى القلب والعين لا يبصر يمينًا ولا شمالا وهو الكافر. قال قتادة: أكبَّ على 170/ب المعاصي في الدنيا فحشره الله على وجهه\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) في \"ب\" عليكم.","part":8,"page":179},{"id":3233,"text":"يوم القيامة { أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا } معتدلا يبصر الطريق وهو { عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } وهو المؤمن. قال قتادة: يمشي يوم القيامة سويًا.\r{ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ (23) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (26) }","part":8,"page":180},{"id":3234,"text":"{ فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (27) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (28) قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (29) }\r{ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُونَ } قال مقاتل: يعني أنهم لا يشكرون رب هذه النعم. { قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قُلْ إِنَّمَا الْعِلْم، عنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ فَلَمَّا رَأَوْهُ } يعني: العذاب في الآخرة -على قول أكثر المفسرين -وقال مجاهد: يعني العذاب ببدر { زُلْفَةً } أي قريبًا وهو [اسم يوصف به المصدر يستوي فيه] (1) المذكر والمؤنث والواحد والاثنان [والجميع] (2) { سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا } اسودت وعليها كآبة، والمعنى قبحت وجوههم بالسواد، يقال: ساء الشيء يسوء فهو سيئ إذا قبح، وسيئ يساء إذا قبح { وَقِيلَ } لها أي قال الخزنة { هَذَا } أي هذا العذاب { الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ } تفتعلون من الدعاء تدعون وتتمنون أنه يعجِّل لكم، وقرأ يعقوب تدعون بالتخفيف، وهي قراءة قتادة ومعناهما واحد مثل تذكرون وتذكرون.\r{ قُلْ } يا محمد لمشركي مكة الذين يتمنون [هلاكك] (3) { أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ } من المؤمنين { أَوْ رَحِمَنَا } فأبقانا وأخَّر آجالنا { فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } فإنه واقع بهم لا محالة. وقيل: معناه أرأيتم إن أهلكني الله فعذبني ومن معي أو رحمنا فغفر لنا فنحن -مع إيماننا -خائفون أن يهلكنا بذنوبنا لأن حكمه نافذ فينا فمن يجيركم ويمنعكم من عذابه وأنتم كافرون؟ وهذا معنى قول ابن عباس.\r__________\r(1) في \"ب\" اسم مصدر يوصف به.\r(2) في \"ب\" والجمع.\r(3) في \"أ\" هلاكهم. والصحيح ما أثبت من \"ب\".","part":8,"page":180},{"id":3235,"text":"{ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ } الذي نعبده { آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ } قرأ الكسائي بالياء، وقرأ الباقون بالتاء. { مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } أي ستعلمون عند معاينة العذاب من الضال منا نحن أم أنتم؟\r{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (30) }\r{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا } غائرًا ذاهبًا في الأرض لا تناله الأيدي والدلاء. قال الكلبي ومقاتل: يعني ماء زمزم { فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ } ظاهر تراه العيون وتناله [الأيدي] (1) والدلاء. وقال عطاء عن ابن عباس: معين أي جار.\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني أبو الحسن الفارسي، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يزيد، حدثنا أبو يحيى البزاز، حدثنا [محمد بن يحيى] (2) حدثنا أبو داود، حدثنا عمران، عن قتادة، عن عباس الجشمي، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"إن سورة من كتاب الله ما هي إلا ثلاثون آية شفعت لرجل فأخرجته من النار يوم القيامة وأدخلته الجنة، وهي سورة تبارك\" (3) .\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) أخرجه أبو داود في الصلاة (أبواب قراءة القرآن) باب في عدد الآي: 2 / 116، والترمذي في فضائل القرآن، باب ما جاء في سورة الملك: 8 / 200-201 وقال: \"هذا حديث حسن\" والنسائي في التفسير: 2 / 454، وابن ماجه في الأدب، باب ثواب القرآن برقم: (3786) 2 / 1244، وعبد بن حميد في المنتخب ص (421). وروى له الطبراني شاهدا في \"الصغير\" و \"الأوسط\" عن أنس ورجاله رجال الصحيح: انظر: مجمع الزوائد: 7 / 127. قال المنذري: وقد ذكره البخاري في التاريخ الكبير من رواية عباس الجشمي عن أبي هريرة كما أخرجه أبو داود ومن ذكره معه. وقال: لم يذكر سماعا من أبي هريرة، يريد أن عباسا الجشمي روى هذا الحديث عن أبي هريرة ولم يذكر فيه أنه سمعه من أبي هريرة.","part":8,"page":181},{"id":3236,"text":"سورة القلم مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) }\r{ ن } اختلفوا فيه فقال ابن عباس: هو الحوت الذي على ظهره الأرض. وهو قول مجاهد ومقاتل والسدي والكلبي (2) .\rوروى أبو ظبيان عن ابن عباس قال: أول ما خلق الله القلم، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم خلق النون فبسط الأرض على ظهره فتحرك النون فمادت الأرض، فأثبتت بالجبال وإن الجبال لتفخر على الأرض ثم قرأ ابن عباس: { ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ } (3) .\rواختلفوا في اسمه، فقال الكلبي ومقاتل: [اسمه] (4) يهموت. وقال الواقدي: ليوثا. وقال كعب: لويثا. وعن علي: اسمه بلهوث.\r__________\r(1) في \"ب\" مدنية. أخرج ابن الضريس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت إذا نزلت فاتحة سورة بمكة كتبت بمكة. ثم يزيد الله فيها ما شاء، وكان أول ما نزل من القرآن (اقرأ باسم ربك) ثم (المزمل) ثم (المدثر). وأخرج النحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت سورة (ن والقلم) بمكة. انظر: الدر المنثور: 8 / 240.\r(2) لعله لا يصح شيء من ذلك في تفسير نون بالحوت الذي عليه الأرضون السبع، أو أنه الدواة، أو أنه لوح من نور، أو أنه آخر حرف من حروف الرحمن؛ أو أنه نهر من أنهار الجنة. انظر: البحر المحيط: 8 / 307. روح المعاني للآلوسي: 29 / 23.\r(3) أخرجه عبد الرزاق في التفسير: 2 / 307، والطبري: 29 / 14، والحاكم: 2 / 498 وصححه وزاد السيوطي في الدر المنثور: 8 / 240-241 عزوه للفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في \"العظمة\" والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" والخطيب في \"تاريخه\" والضياء في \"المختارة\" وهو موقوف على ابن عباس.\r(4) ساقط من \"ب\".","part":8,"page":182},{"id":3237,"text":"وقالت الرواة: لما خلق الله الأرض وفتقها بعث من تحت العرش ملكًا فهبط إلى الأرض حتى دخل تحت الأرضين السبع فوضعها على عاتقه، إحدى يديه بالمشرق والأخرى بالمغرب، باسطتين قابضتين على الأرضين السبع، حتى ضبطها فلم يكن لقدميه موضع قرار، فأهبط الله عز وجل من الفردوس ثورًا له أربعون ألف قرن وأربعون ألف قائمة، وجعل قرار قدمي الملك على سنامه، فلم تستقر قدماه فأخذ الله ياقوتة خضراء من أعلى درجة في الفردوس غلظها مسيرة خمسمائة عام فوضعها بين سنام الثور إلى أذنه فاستقرت عليها قدماه، وقرون ذلك الثور خارجة من أقطار الأرض، ومنخراه في البحر فهو يتنفس كل يوم نفسًا فإذا تنفس مدَّ البحر وإذا [رد] (1) نفسه جزر البحر فلم يكن لقوائم الثور موضع قرار [فخلق] (2) الله تعالى صخرة كغلظ سبع سماوات وسبع أرضين فاستقرت قوائم الثور عليها وهي الصخرة التي قال لقمان لابنه \"[يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل] فتكن في صخرة\" ولم يكن للصخرة مستقر، فخلق الله نونًا وهو الحوت العظيم، فوضع الصخرة على ظهره وسائر جسده خال والحوت على البحر، والبحر على متن الريح، والريح على القدرة. يقال: فكل الدنيا كلها بما عليها حرفان قال لها الجبار: [جل جلاله] (3) كوني فكانت (4) .\rقال كعب الأحبار: إن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرض فوسوس إليه، فقال له: أتدري ما على ظهرك يا لوِيثا من الأمم والدواب والشجر والجبال لو نفضتهم ألقيتهم عن ظهرك، فهمّ لوِيثا أن يفعل ذلك فبعث الله دابة فدخلت منخره فوصلت إلى دماغه فعج الحوت إلى الله منها فأذن لها الله فخرجت. قال كعب: فوالذي نفسي بيده إنه لينظر إليها وتنظر إليه إن همَّ بشيء من ذلك عادت كما كانت.\rوقال بعضهم: نون آخر حروف الرحمن، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس.\rوقال الحسن وقتادة والضحاك: النون الدواة.\r__________\r(1) في \"أ\" مد.\r(2) في \"ب\" فجعل.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(4) هذا وأمثاله - مما سيأتي - من وضع أهل الكتاب الذين قصدوا الاستهزاء بالرسل كما قال الشيخ محمد بن محمد أبو شهبة في كتابه \"الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير\" ص: (305). وانظر: تفسير ابن كثير: 4 / 401-402.","part":8,"page":186},{"id":3238,"text":"وقيل: هو قسم أقسم الله به. وقيل: فاتحة السورة. وقال عطاء: افتتاح اسمه نور وناصر.\rوقال محمد بن كعب: أقسم الله بنصرته للمؤمنين (1) .\r{ وَالْقَلَم } [هو] (2) الذي كتب الله به الذكر، وهو قلم من نور طوله ما بين السماء والأرض، ويقال: أول ما خلق الله القلم ونظر إليه فانشق بنصفين، ثم قال: اجرِ بما هو كائن إلى يوم القيامة فجرى على اللوح المحفوظ بذلك. { وَمَا يَسْطُرُونَ } يكتبون أي ما تكتب الملائكة الحفظة من أعمال بني آدم.\r{ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) }\r{ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ } [هو] (3) جواب لقولهم \"يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون\"(الحجر-6) فأقسم الله بالنون والقلم وما يكتب من الأعمال فقال: { مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ } بنبوة ربك { بِمَجْنُونٍ } أي: إنك لا تكون مجنونا وقد أنعم 171/أ الله عليك بالنبوة والحكمة. وقيل: بعصمة ربك. وقيل: هو كما يقال: ما أنت بمجنون [والحمد لله] (4) وقيل: معناه ما أنت بمجنون والنعمة لربك، كقولهم: سبحانك اللهم وبحمدك، أي: والحمد لك.\r{ وَإِنَّ لَكَ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ } أي: منقوص ولا مقطوع بصبرك على افترائهم عليك.\r{ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } قال ابن عباس ومجاهد: دين عظيم لا دين أحب إلي ولا أرضى عندي منه، وهو دين الإسلام. وقال الحسن: هو آداب القرآن.\rسُئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن (5) .\r__________\r(1) أخرج هذه الروايات الطبري: 29 / 15-16.\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) في \"ب\" هذا.\r(4) في \"أ\" بحمد الله.\r(5) أخرج مسلم في باب جامع صلاة الليل من كتاب صلاة المسافرين وقصرها مطولا برقم: (746) 1 / 513 عن حكيم ابن أفلح قال لعائشة - رضي الله عنها: \"يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قالت: فإن خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن\". وباللفظ الذي ساقه المصنف أخرجه: أحمد: 6 / 91، والبيهقي: 2 / 499، والطبري: 29 / 13.","part":8,"page":187},{"id":3239,"text":"وقال قتادة: هو ما كان يأتمر به من أمر الله وينتهي عنه من نهي الله، والمعنى إنك على الخلق الذي أمرك الله به في القرآن.\rوقيل: سمى الله خلقه عظيمًا لأنه امتثل تأديب الله إياه بقوله: \"خذ العفو\" (الأعراف-198) الآية.\rوروينا عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إن الله بعثني لتمام مكارم الأخلاق، وتمام محاسن الأفعال\" (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف [حدثنا محمد بن إسماعيل] (2) حدثنا أحمد بن سعيد أبو عبد الله، حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجهًا وأحسنهم خَلْقًا ليس بالطويل البائن ولا بالقصير (3) .\rأخبرنا عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي، أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي عن ثابت عن أنس بن مالك قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي أفٍ قطّ [وما] (4) قال لشيء صنعتُه: لِمَ صنعتَه؟ ولا لشيء تركته: لم تركتُه؟ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خُلقًا ولا مسست خزًا [قط] (5) ولا حريرًا ولا شيئًا [كان] (6) ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا شممت مسكًا ولا عطرًا كان أطيب من عَرَقِ رسول الله صلى الله عليه وسلم (7) .\r__________\r(1) أخرجه المصنف في شرح السنة: 13 / 202 عن جابر - رضي الله عنه - وفيه يوسف بن محمد بن المنكدر، وهو ضعيف. قال الهيثمي في المجمع: 8 / 188: \"رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عمر بن إبراهيم القرشي، وهو ضعيف\" وللحديث شواهد بألفاظ متعددة عند الإمام أحمد: 2 / 381، والإمام مالك في الموطأ: 2 / 904، والبخاري في الأدب المفرد ص: (84)، وابن سعد في الطبقات: 1 / 192-193، والحاكم في المستدرك: 2 / 613. وانظر: شرح السنة مع تعليق الأرناؤوط: 13 / 202، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (45) 1 / 75، مشكاة المصابيح برقم: (5770) كشف الخفاء للعجلوني: 1 / 244-245، تخريج أحاديث الإحياء للعراقي وابن السبكي والزبيدي برقم: (1595) مجمع الزوائد: 8 / 188.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) أخرجه البخاري في المناقب، باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم: 6 / 564، ومسلم في الفضائل، باب في صفة النبي صلى الله عليه وسلم ومبعثه وسنه برقم: (2447) 4 / 1824-1825.\r(4) ساقط من \"أ\".\r(5) ساقط من \"أ\".\r(6) ساقط من \"أ\".\r(7) أخرجه الترمذي في البر، باب ما جاء في خلق النبي صلى الله عليه وسلم: 6 / 156-157 وقال: \"هذا حديث حسن صحيح، ومسلم في الفضائل، باب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا برقم: (2309) 4 / 1804.","part":8,"page":188},{"id":3240,"text":"أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى البَرْني، حدثنا محمد بن كثير، حدثنا سفيان الثوري عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن عبد الله بن عمر قال: \"إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا وكان يقول: \"خياركم أحسنكم أخلاقًا\".\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، أخبرنا أبو العباس الأصم، حدثنا محمد بن هشام بن ملاس، حدثنا مروان الفزاري، حدثنا حميد الطويل، عن أنس أن امرأة عرضت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق من طرق المدينة فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة فقال: يا أم فلان اجلسي في أي سكك المدينة شئت أجلسْ إليك، قال: ففعلت فقعد إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى [قضى] (1) حاجتها (2) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل قال: [حدثنا] (3) محمد بن عيسى، حدثنا هشيم، أخبرنا حميد الطويل، حدثنا أنس بن مالك قال: إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت (4) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو محمد بن عبد الرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا عمران بن يزيد التغلبي، عن زيد [ابن العَمِّي] (5) عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صافح الرجل لم ينزع يده من يده [حتى يكون هو الذي ينزع يده] (6) ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون هو الذي يصرف وجهه [عن وجهه] (7) ولم ير مقدمًا ركبتيه بين يدي جليس له (8) .\r__________\r(1) في \"ب\" قضت.\r(2) أخرجه مسلم في الفضائل، باب قرب النبي صلى الله عليه وسلم من الناس وتبركهم به برقم: (2326) 4 / 1812-1813، والمصنف في شرح السنة: 13 / 240.\r(3) في \"ب\" قال:.\r(4) أخرجه البخاري في الأدب، باب الكبر: 10 / 489.\r(5) في \"ب\" الأعمى.\r(6) ساقط من \"أ\".\r(7) ساقط من \"أ\".\r(8) أخرجه ابن ماجه في الأدب، باب إكرام الرجل جليسه برقم (3716) وقال في الزوائد: مدار الحديث على زيد العمي، وهو ضعيف وابن سعد في الطبقات: 1 / 378. قال الألباني: \"ضعيف إلا جملة المصافحة فهي ثابتة\" انظر: صحيح ابن ماجه: 2 / 304.","part":8,"page":189},{"id":3241,"text":"أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد، أخبرنا أبو القاسم الخزاعي، أخبرنا الهيثم بن كليب، حدثنا أبو عيسى، حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا عبيدة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده شيئًا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا ضرب خادمًا ولا امرأة (1) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا إسماعيل بن عبد الله، حدثني مالك بن إسحاق عن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس قال كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثَّرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ضحك ثم أمر له بعطاء (2) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا علي بن المديني، حدثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة، عن يعلى بن مملك، عن أم الدرداء تحدث عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إن أثقل شيء يوضع في ميزان المؤمن يوم القيامة خلق حسن، وإن الله تعالى يبغض الفاحش البذيء\" (3) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا أبو نعيم، حدثنا داود بن يزيد [الأودي] (4) سمعت أبي يقول سمعت أبي\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الشمائل المحمدية، باب في خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم مع شرح الباجوري ص: (201)، ومسلم في الفضائل، باب مباعدته صلى الله عليه وسلم للآثام واختياره من المباح أسهله وانتقامه لله عند انتهاك حرماته برقم (2328) 4 / 1814 ما عدا ما ساقه المصنف في آخر روايته: (ولا ضرب خادما ولا امرأة).\r(2) أخرجه البخاري في اللباس، باب البرود والحبر والشملة: 10 / 275، ومسلم في الزكاة، باب إعطاء من سأل بفحش وغلظة برقم: (1057) 2 / 730-731.\r(3) أخرجه الترمذي في البر والصلة، باب ما جاء في حسن الخلق: 6 / 140-141 وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\" وأبو داود مختصرا في الأدب، باب في حسن الخلق: 7 / 172، والإمام أحمد: 6 / 442، وصححه ابن حبان في موارد الظمآن برقم: (1920) صفحة: (474) والمصنف في شرح السنة: 13 / 78-79، وذكره الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته.\r(4) في \"أ\" الأزدي والصحيح ما أثبتناه كما في \"تهذيب التهذيب\".","part":8,"page":190},{"id":3242,"text":"هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: \"أتدرون ما أكثر ما يدخل الناس النار؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن أكثر ما يدخل الناس النار الأجوفان: الفرج والفم، أتدرون ما أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن أكثر ما يدخل الناس الجنة: تقوى الله وحسن الخلق\" (1) .\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا محمد بن عبد الله [بن عبد] (2) الحكم، أخبرنا أبي وشعيب قالا حدثنا الليث عن [ابن] (3) الهاد عن عمرو بن أبي عمرو عن المطلب بن عبد الله عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل وصائم النهار\" (4) .\r{ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ (6) }\rقوله عز وجل { فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ } فسترى يا محمد ويرون -يعني أهل 171/ب مكة -إذا نزل بهم العذاب.\r{ بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ } قيل معناه: بأيكم المجنون، فـ\"المفتون\" مفعول بمعنى المصدر، كما يقال: ما بفلان مجلود ومعقول، أي جلادة وعقل. وهذا معنى قول الضحاك ورواية العوفي عن ابن عباس.\rوقيل الباء بمعنى \"في\" مجازة: فستبصر ويبصرون في أي الفريقين المجنون في فريقك أم في فريقهم؟.\rوقيل: الباء بمعنى \"مع\" و\"المفتون\" هو الشيطان. [والمعنى: مع أيكم الشيطان] (5) مع المؤمنين أم مع الكافرين؟ وهذا معنى قول مجاهد (6) .\rوقال الآخرون: زائدة، معناه: أيكم المفتون؟ أي المجنون الذي فتن بالجنون، وهذا قول قتادة.\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في البر والصلة، باب ما جاء في حسن الخلق: 6 / 142 بلفظ: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة .. الحديث) وقال: \"هذا حديث صحيح غريب\" وابن حبان برقم: (1923) ص: (475)، والمصنف في شرح السنة: 13 / 79.\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) في \"أ\" أبي، والصحيح ما أثبت.\r(4) أخرجه أبو داود في الأدب، باب في حسن الخلق: 7 / 172، وابن حبان برقم: (1927) ص: (475) والحاكم: 1 / 6، والمصنف في شرح السنة: 13 / 81.\r(5) ما بين القوسين من \"ب\".\r(6) في \"ب\" قتادة.","part":8,"page":191},{"id":3243,"text":"{ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7) فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) }\r{ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعلَمُ بِالمُهتَدِينَ فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ } ، يعني مشركي مكة فإنهم كانوا يدعونه إلى دين آبائه فنهاه أن يطيعهم.\r{ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ } قال: الضحاك لو تكفر فيكفرون. قال الكلبي: لو تلين لهم فيلينون لك. قال الحسن: لو تصانعهم في دينك فيصانعونك في دينهم. قال زيد بن أسلم: لو تنافق وترائي فينافقون ويراءون. وقال ابن قتيبة: أرادوا أن تعبد آلهتهم مدة ويعبدون الله مدة.\r{ وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ } كثير الحلف بالباطل. قال [مقاتل: يعني] (1) الوليد بن المغيرة. وقيل: الأسود بن عبد يغوث. وقال عطاء: الأخنس بن شريق { مَهِينٍ } ضعيف حقير. قيل: هو فعيل من المهانة وهي قلة الرأي والتمييز. وقال ابن عباس: كذاب. وهو قريب من الأول لأن الإنسان إنما يكذب لمهانة نفسه عليه.\r{ هَمَّازٍ } مغتاب يأكل لحوم الناس بالطعن والغيبة. قال الحسن: هو الذي يغمز بأخيه في المجلس، كقوله: \"همزة\" { مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ } قتَّات يسعى بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم.\r{ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ } بخيل بالمال. قال ابن عباس: \"منَّاع للخير\" أي للإسلام يمنع ولده وعشيرته عن الإسلام يقول: لئن دخل واحد منكم في دين محمد لا أنفعه بشيء أبدا { مُعْتَدٍ } ظلوم يتعدى الحق { أَثِيمٍ } فاجر. { عُتُلٍّ } العتل: الغليظ الجافي. وقال الحسن: هو الفاحش الخَلْق السيئ الخُلُق. قال الفَّراء: هو الشديد الخصومة في الباطل (2) وقال الكلبي: هو الشديد في كفره، وكل شديد عند العرب عُتُلِّ، وأصله من العتل وهو الدفع بالعنف. قال عبيد بن عمير: \"العُتُل\" الأكول الشروب القوي الشديد [في كفره] (3) لا يزن في الميزان شعيرة، يدفع الملك من أولئك سبعين ألفًا في النار دفعة\r__________\r(1) في \"أ\" قيل.\r(2) معاني القرآن للفراء: 3 / 173.\r(3) ساقط من \"ب\".","part":8,"page":192},{"id":3244,"text":"واحدة (1) { بَعْدِ ذَلِكَ } أي مع ذلك، يريد مع ما وصفناه به { زَنِيمٍ } وهو الدَّعِي [الملصق] (2) بالقوم وليس منهم. قال عطاء عن ابن عباس: يريد مع [هذا] (3) هو دَعيٌّ في قريش وليس منهم. قال مرة الهمداني: إنما ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة. وقيل: \"الزنيم\" الذي له زنمة كزنمة الشاة.\rوروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: نُعِت فلم يعرف حتى قيل زنيم فعرف، وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها (4) .\rوقال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها (5) .\rقال ابن قتيبة: لا نعلم أن الله وصف أحدًا ولا ذكر من عيوبه ما ذكر من عيوب الوليد بن المغيرة فألحق به عارًا لا يفارقه في الدنيا والآخرة (6) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان الواعظ، حدثني أبو محمد بن زنجويه بن محمد، حدثنا علي بن الحسين الهلالي، حدثنا عبد الله بن الوليد العدني عن سفيان، حدثني معبد بن خالد القيسي، عن حارثة بن وهب الخزاعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كلُّ ضعيفٍ متضعف لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار كل عُتُلّ جوَّاظ [مستكبر] (7) \" (8) .\r{ أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) }\r{ أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ } قرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة وأبو بكر ويعقوب: \"أأن\" بالاستفهام. ثم حمزة وأبو بكر يخففان الهمزتين بلا مد ويمد الهمزة الأولى أبو جعفر وابن عامر ويعقوب ويلينون الثانية. وقرأ الآخرون بلا استفهام على الخبر، فمن قرأ بالاستفهام فمعناه: أَلأنْ كان ذا مالٍ وبنين؟\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 29 / 24.\r(2) في \"أ\" الملحق.\r(3) في \"ب\" ما.\r(4) أخرجه الطبري: 29 / 26.\r(5) أخرجه الطبري: 29 / 25.\r(6) انظر: القرطين لابن مطرف الكناني: 2 / 176.\r(7) في \"أ\" متكبر. وما أثبت هو الصحيح كما في البخاري وشرح السنة.\r(8) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة القلم - باب (عتل بعد ذلك زنيم) 8 / 662 وفي الأدب، باب الكبر، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء برقم: (2853) 4 / 2190، والمصنف في شرح السنة: 13 / 169.","part":8,"page":193},{"id":3245,"text":"{ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (15) }","part":8,"page":194},{"id":3246,"text":"{ سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16) إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) }\r{ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ } أي جعل مجازاة النعم التي خولها من البنين والمال الكفر بآياتنا. وقيل: معناه أَلأنَ كان ذا مال وبنين [تطيعه] (1) .\rومن قرأ على الخبر فمعناه: لا تطع كل حلاف مهين لأن { كان ذا مال وبنين } (2) أي: لا تطعه لماله وبنيه \"إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين\".\rثم أوعده فقال: { سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ } و\"الخرطوم\": الأنف. قال أبو العالية ومجاهد: أي نسود وجهه، فنجعل له علمًا في الآخرة يعرف به، وهو سواد الوجه.\rقال الفرَّاء: خص الخرطوم بالسمة فإنه في مذهب الوجه لأن بعض الشيء يعبر به عن كله (3) .\rوقال ابن عباس: سنخطمه بالسيف، وقد فعل ذلك يوم بدر (4) وقال قتادة: سنلحق به شيئًا لا يفارقه.\rقال القتيبي تقول العرب للرجل سب الرجل سبة قبيحة: قد وسمّه ميسم سوء. يريد: ألصق به عارًا لا يفارقه، كما أن السمة لا ينمحي ولا يعفو أثرها وقد ألحق الله بما ذكر من عيوبه عارًا لا يفارقه في الدنيا والآخرة، كالوسم على الخرطوم.\rوقال الضحاك والكسائي: سنكويه على وجهه.\r{ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ } يعني اختبرنا أهل مكة بالقحط والجوع { كَمَا بَلَوْنَا } ابتلينا { أَصْحَابُ الْجَنَّةِ } روى محمد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: في قوله عز وجل: \"إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة\" قال: كان بستان باليمن يقال له الضّروان دون صنعاء بفرسخين، يطؤه أهل الطريق، كان غرسه قوم من أهل الصلاة، وكان لرجل فمات فورثه ثلاثة بنين له، وكان\r__________\r(1) في \"ب\" تطغيه.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) معاني القرآن للفراء: 3 / 174.\r(4) ذكره الطبري: 29 / 28.","part":8,"page":194},{"id":3247,"text":"يكون للمساكين إذا صرموا نخلهم كل شيء تعداه المنجل فلم يجزه وإذا طرح من فوق النخل إلى البساط فكل شيء يسقط على البساط فهو أيضا للمساكين، وإذا حصدوا زرعهم فكل شيء تعداه المنجل فهو للمساكين وإذا داسوه كان لهم كل شيء ينتثر أيضا فلما مات الأب وورثه هؤلاء الإخوة [عن أبيهم] (1) فقالوا: والله إن المال لقليل، وإن العيال لكثير وإنما كان هذا الأمر يفعل إذ كان المال كثيرًا والعيال قليلا فأما إذا قلَّ المال وكثر العيال فإنا لا نستطيع أن نفعل هذا فتحالفوا بينهم يومًا ليغدون غدوة قبل خروج الناس فليصرِمُنَّ نخلهم ولم يستثنوا يقول: لم يقولوا إن شاء الله فغدا القوم بسدفة من الليل إلى جنتهم ليصرموها قبل أن يخرج المساكين، فرأوها مسودة وقد طاف عليها من الليل طائف من العذاب فأحرقها فأصبحت كالصريم (2) فذلك قوله عز وجل: { إِذْ أَقْسَمُوا } حلفوا { لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ } 172/أ ليَجُذُّنُها وليقطعن ثمرها إذا أصبحوا قبل أن يعلم المساكينُ\r{ وَلا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22) }\r{ وَلا يَسْتَثْنُونَ } ولا يقولون إن شاء الله.\r{ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ } عذاب { مِنْ رَبِّكَ } ليلا ولا يكون الطائف إلا بالليل، وكان ذلك الطائف نارًا نزلت من السماء فأحرقتها { وَهُمْ نَائِمُونَ }\r{ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ } كالليل المظلم الأسود. قال الحسن: أي صرم منها الخير فليس فيها شيء.\rوقال الأخفش: كالصبح الصريم من الليل وأصل \"الصريم\" المصروم، مثل: قتيل ومقتول، وكل شيء قطع فهو صريم [فالليل صريم] (3) والصبح صريم لأن كل واحد منهما ينصرم عن صاحبه.\rوقال ابن عباس: كالرماد الأسود بلغة خزيمة.\r{ فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ } نادى بعضهم بعضا لما أصبحوا.\r{ أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ } يعني الثمار والزروع والأعناب { إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ } قاطعين للنخل.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) انظر: البحر المحيط: 8 / 311، القرطبي: 18 / 239-240، زاد المسير: 8 / 335.\r(3) ساقط من \"أ\".","part":8,"page":195},{"id":3248,"text":"{ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ (28) }\r{ فَانْطَلَقُوا } مشوا إليها { وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ أَنَّ لا يَدخُلَنَّهَا الْيَومَ عَلَيكُم مِّسكِينٌ } يتسارون، يقول بعضهم لبعض سرًا { وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ } \"الحرد\" في اللغة يكون بمعنى القصد والمنع والغضب، قال الحسن وقتادة وأبو العالية: على جد وجهد.\rوقال القرظي ومجاهد وعكرمة: على أمر مجتمع عليه قد أسسوه بينهم. وهذا على معنى القصد لأن القاصد [إلى الشيء] (1) جاد مجمع على الأمر.\rوقال أبو عبيدة والقتيبي: غدوا ونيتهم على منع المساكين، يقال: حارَدتِ السَّنة، إذا لم يكن لها مطر وحاردت الناقة إذا لم يكن لها لبن.\rوقال الشعبي وسفيان: على حنق وغضب من المساكين.\rوعن ابن عباس قال: على قدرة { قَادِرِينَ } عند أنفسهم على جنتهم وثمارها لا يحول بينها وبينهم أحد.\r{ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ } أي لما رأوا الجنة محترقة قالوا: إنا لمخطئون الطريق، أضللنا مكان جنتنا ليست هذه بجنتنا. فقال بعضهم: { بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ } حرمنا خيرها ونفعها بمنعنا المساكين وتركنا الاستثناء.\r{ قَالَ أَوْسَطُهُمْ } أعدلهم وأعقلهم وأفضلهم: { أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ } هلا تستثنون أنكر عليهم ترك الاستثناء في قولهم: \"ليصرمنها مصبحين\" وسمي الاستثناء تسبيحًا لأنه تعظيم لله وإقرار بأنه لا يقدر أحد على شيء إلا بمشيئته.\rوقال أبو صالح: كان استثناؤهم سبحان الله، وقيل: هلا تسبحون الله وتقولون: سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم. وقيل: هلا تستغفرونه من فعلكم.\r__________\r(1) في \"ب\" للشيء.","part":8,"page":196},{"id":3249,"text":"{ قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (34) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (38) }\r{ قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا } نزهوه عن أن يكون ظالمًا فيما فعل وأقروا على أنفسهم بالظلم فقالوا: { إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } بمنعنا المساكين.\r{ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ } يلوم بعضهم بعضًا في منع المساكين حقوقهم، ونادوا على أنفسهم بالويل: { قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ } في منعنا حق الفقراء. وقال ابن كيسان: طغينا نِعَمَ الله فلم نشكرها ولم نصنع ما صنع آباؤنا من قبل.\rثم رجعوا إلى أنفسهم فقالوا: { عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ } قال عبد الله بن مسعود: بلغني أن القوم أخلصوا وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم بها جنة يقال لها الحيوان فيها عنب يحمل البغل منه عنقودًا واحدًا (1) .\rقال الله تعالى: { كَذَلِكَ الْعَذَابُ } أي: كفعلنا بهم نفعل بمن تعدى حدودنا وخالف أمرنا { وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } ثم أخبر بما عنده للمتقين فقال: { إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ } فقال المشركون: إنا نعطى في الآخرة أفضل مما تعطون فقال الله تكذيبا لهم: { أَفَنَجعَلُ المُسلِمِينَ كَالمجُرِمِينَ مَا لَكُم كَيفَ تَحكُمُونَ أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ } نزل من عند الله { فِيهِ } في هذا الكتاب { تَدْرُسُونَ } تقرءون.\r{ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ } في ذلك الكتاب { لَمَا تَخَيَّرُونَ } تختارون وتشتهون.\r__________\r(1) انظر: البحر المحيط: 8 / 313.","part":8,"page":197},{"id":3250,"text":"{ أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (39) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (40) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (41) يَوْمَ يُكْشَفُ عنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (42) }\r{ أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ } عهود ومواثيق { عَلَيْنَا بَالِغَةٌ } مؤكدة عاهدناكم عليها فاستوثقتم بها منا فلا ينقطع عهدكم { إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ } في ذلك العهد { لَمَا تَحْكُمُونَ } لأنفسكم من الخير والكرامة عند الله. وكسر \"إن\" في الآيتين لدخول اللام في خبرهما. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم:\r{ سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ } كفيل لهم بأن لهم في الآخرة ما للمسلمين؟\r{ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ } أي عندهم شركاء لله أرباب تفعل هذا. وقيل: شهداء يشهدون لهم بصدق ما يدعونه. { فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ }\r{ يَوْمَ يُكْشَفُ عنْ سَاقٍ } قيل: \"يوم\" ظرف لقوله فليأتوا بشركائهم، أي: فليأتوا بها في ذلك اليوم لتنفعهم وتشفع لهم \"يوم يكشف عن ساق\" قيل: عن أمر فظيع شديد، قال ابن عباس: هو أشد ساعة في القيامة.\rقال سعيد بن جبير: \"يوم يكشف عن ساق\" عن شدة الأمر.\rوقال ابن قتيبة: تقول العرب للرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج فيه إلى الجد ومقاساة الشدة: شمر عن ساقه (1) ويقال: إذا اشتد الأمر في الحرب: كشفت الحرب عن ساق.\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، حدثنا محمد بن عيسى الجلودي، أخبرنا إبراهيم بن محمد بن [سفيان] (2) حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثني سويد بن سعيد، حدثني جعفر، حدثني حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن أناسا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"نعم هل تُضَارُّون في رؤيةِ الشمس بالظهيرة صَحْوًا ليس معها سحاب؟ وهل تُضَارُّون في رؤية القمر ليلة البدر صحوًا ليس فيها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله قال: ما تُضَارُّون في رؤية الله يوم القيامة إلا كما تُضَارُّون في رؤية أحدهما إذا كان يوم القيامة أذَّن مُؤَذِّنٌ لِتَتْبَع كل أمة ما كانت تعبد فلا يبقى أحد كان يعبد الله من بَرِّ وفَاجرٍ وغُيَّرِ أهلِ الكِتاب فَتُدعى اليهود، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد\r__________\r(1) انظر: القرطين لابن مطرف الكناني: 2 / 177.\r(2) في \"أ\" سليمان، والصحيح ما أثبتناه من \"ب\" كما ورد في سير أعلام النبلاء.","part":8,"page":198},{"id":3251,"text":"عزير ابن الله فيقال كذبتم ما اتخذ الله من صاحبةٍ ولا ولدٍ، فماذا تبغون؟ فقالوا: عطشنا يا ربنا فاسقنا فيشار إليهم: ألا تَرِدُون؟ فيحشرون إلى النار كأنها سرابٌ يَحْطِمُ بعضُها بعضًا فيتساقطون في النار. ثم تدعى النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيحَ ابن الله، فيقال لهم: ما اتخذ الله من صاحبةٍ ولا ولدٍ، فيقال لهم: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا رَّبنا فاسقِنا فيشار إليهم: ألا تَرِدُون؟ فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يَحْطِم بعضُها بعضًا فيتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر، أتاهم ربُّ العالمين في أدنى صورة من التي رَأَوْه فيها قال: فماذا تنتظرون؟ لِتْتبَع كل أمة ما كانت تعبُدُ قالوا يا ربنا فارَقْنا الناسَ في الدنيا أفقرَ ما كنا إليهم ولم نصاحبْهم. فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئًا مرتين أو ثلاثًا حتى إن بعضَهم ليَكاد أن ينقلب، فيقول: هل بينكم وبينه آيةٌ تعرفونه بها فيقولون: نعم فيكشف عن ساقٍ فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أَذِنَ الله له بالسجود فلا يبقى مَنْ كان يسجد نفاقًا ورياءً إلا جعل الله ظهْرَه طبقةً واحدةً كلما أراد أن يسجد خرّ على قفاه ثم يرفعون رءوسَهم وقد تحوَّل في الصورة التي رأوه فيها أول مرة فقال: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا ثم يُضْرَب الجسر على جهنم وتحلّ الشفاعة، ويقولون: اللهم سلِّم سلم، قيل يا رسول الله وما الجسر؟ قال: دحضٌ مُزِلَّةٌ فيه خطاطيف وكلاليب وحسكةٌ يكون بنجد فيها شويكة يقال لها السَّعْدان، فيمر المؤمنون كطْرفِ العين وكالبرقِ وكالريحِ وكالطيرِ وكأجاويدِ الخيلِ والركابِ فناجٍ مُسَلَّمٌ ومخدوشٌ مُرْسَل ومكردسٌ في نار جهنم، حتى إذا خلص المؤمنون من النار فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشدَّ لله في استيفاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون، فيقال لهم: أَخْرِجُوا من عرفتم فتُحرَّم صورهم على النار فيخرجون خلقًا كثيرًا قد أخذتِ النار إلى نصف ساقه وإلى ركبتيه، ثم يقولون: ربنا ما بقي فيها أحدٌ مِمَّنْ أمرتَنا به، فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقا كثيرا ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها أحدا ممن أمرتنا به، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثال نصف دينارٍ من خيرٍ فأخرجوه فيخرجون خلقًا كثيرًا ثم يقولون: ربنا لم نذرْ فيها ممن أمرتنا به أحدًا ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرةٍ من خيرٍ فأخرجوه فيخرجون خلقًا كثيرًا ثم يقولون: ربنا لم نذرْ فيها أحدًا فيه خير ممن أمرتنا به وكان أبو سعيد الخدري يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرءوا إن شئتم: \"إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا\"( النساء-40 ) فيقول الله: شفعت الملائكة، وشفع النبيون وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط قد عادوا حممًا فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحِبَّة في حَمِيل السيل، ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون منها إلى الشمس أصيفر وأخيضر، وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض؟ قال: فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله من النار الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه، ثم يقول: \"ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم فيقولون ربنا: أعطيتنا ما لم تُعْطِ أحدًا من العالمين، فيقول: لكم عندي أفضل من هذا فيقولون: يا ربنا أي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: رضائي فلا أسخط عليكم بعده أبدا\" (1) .\rوروى محمد بن إسماعيل هذا الحديث عن يحيى بن بكير عن الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم بهذا المعنى أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا آدم، حدثنا الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: \"يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياءً وسمعةً، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا\" (2) .\rقوله عز وجل: { وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ } يعني: الكفار والمنافقين تصير أصلابهم كصياصي البقر، فلا يستطيعون السجود.\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية برقم: (183) 1 / 167-171 وأخرج بعضه البخاري في التفسير - تفسير سورة النساء - باب (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) 8 / 249-250.\r(2) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة القلم - باب (يوم يكشف عن ساق) 8 / 663-664 والمصنف في شرح السنة: 15 / 141.","part":8,"page":199},{"id":3252,"text":"{ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (43) }\r{ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ } وذلك أن المؤمنين يرفعون رءوسهم من السجود ووجوههم أشد بياضا من الثلج وتسود وجوه الكافرين والمنافقين { تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } يغشاهم ذل الندامة والحسرة { وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ } قال إبراهيم التيمي: يعني إلى الصلاة المكتوبة بالأذان والإقامة وقال سعيد بن جبير: كانوا يسمعون حي على الفلاح فلا يجيبون { وَهُمْ سَالِمُونَ } أصحاء فلا يأتونه قال كعب الأحبار: والله ما نزلت هذه الآية إلا عن الذين يتخلفون عن الجماعات.","part":8,"page":200},{"id":3253,"text":"{ فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (46) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (47) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50) }\r{ فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ } أي فدعني والمكذبين بالقرآن وخل بيني وبينهم. قال الزجاج: معناه لا تشغل قلبك بهم [كِلْهُم] (1) إليَّ فإني [أكفيكهم] (2) [قال ومثله: \"ذرني ومن خلقت وحيدًا\" معناه في اللغة: لا تشغل قلبك به وكله إليَّ فإني أجازيه. ومثله قول الرجل: ذرني وإياه، ليس أنه منعه منه ولكن تأويله كِلْه، فإني أكفيك أمره] (3)\rقوله تعالى: { سَنَسْتَدْرِجُهُمْ } سنأخذهم بالعذاب { مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ } ، فعذبوا يوم بدر. { وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيدِي مَتِينٌ أَمْ تَسأَلُهُمْ أَجرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثقَلُونَ أَمْ عِندَهُمُ الغَيبُ فَهُمْ يَكتُبُونَ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ } اصبر على أذاهم لقضاء ربك { وَلا تَكُنْ } في الضجر والعجلة { كَصَاحِبِ الْحُوتِ } وهو يونس بن متى { إِذْ نَادَى } ربه [في] (4) بطن الحوت { وَهُوَ مَكْظُومٌ } مملوء غمًا.\r{ لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ } أدركته { نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ } حين رحمه وتاب عليه { لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ } لطرح بالفضاء من بطن الحوت { وَهُوَ مَذْمُومٌ } يذم ويلام بالذنب [يذنبه] (5) .\r{ فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ } اصطفاه { فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ }\r{ وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) وَمَا هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (52) }\r{ وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ } وذلك أن الكفار أرادوا أن يصيبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعين فنظر إليه قومٌ من قريش وقالوا: ما رأينا مثله ولا مثل حججه.\rوقيل: كانت العين في بني أسد حتى كانت الناقة والبقرة السمينة تمر بأحدهم فيعاينها ثم يقول: يا جارية خذي المكتل والدراهم فأتينا بشيء من لحم هذه فما تبرح حتى تقع\r__________\r(1) في \"ب\" وكله.\r(2) في \"ب\" أكفيك أمره.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(4) في \"ب\" من.\r(5) في \"ب\" من.","part":8,"page":201},{"id":3254,"text":"بالموت فتنحر (1) .\rوقال الكلبي: كان رجل من العرب يمكث لا يأكل يومين أو ثلاثًا ثم يرفع جانب خبائه فتمر به الإبل فيقول: لم أر كاليوم إبلا ولا غنمًا أحسن من هذه، فما تذهب إلا قليلا حتى تسقط منها طائفة وعدة، فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعين ويفعل به مثل ذلك، فعصم الله نبيه وأنزل: \"وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم\" (2) أي ويكاد ودخلت اللام في \"ليزلقونك\" لمكان 173/ب \"إن\" وقرأ أهل المدينة: \"لَيزْلقونك\" بفتح الياء، والآخرون بضمها وهما لغتان، يقال: زلقَه يَزلُقه زلقًا وأَزْلَقهُ يزلُقه إزلاقًا.\rقال ابن عباس: معناه: ينفذونك، ويقال: زلق السهم: إذا أنفذ.\rقال السدي: يصيبونك بعيونهم. قال النضير بن شميل: يعينونك. وقيل: يزيلونك.\rوقال الكلبي: يصرعونك. وقيل: يصرفونك عما أنت عليه من تبليغ الرسالة.\rقال ابن قتيبة: ليس يريد أنهم يصيبونك بأعينهم كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه، وإنما أراد أنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن نظرًا شديدًا بالعداوة والبغضاء، يكاد يسقطك (3) .\rوقال الزجاج: يعني من شدة عداوتهم يكادون بنظرهم نظر البغضاء أن يصرعوك. وهذا مستعمل في [كلام العرب] (4) يقول القائل: نَظر إليَّ نظرًا يكاد يصرعني، ونظرا يكاد يأكلني. يدل على صحة هذا المعنى: أنه قرن هذا النظر بسماع القرآن، وهو قوله: { لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ } وهم كانوا يكرهون ذلك أشد الكراهية فيحدون إليه النظر بالبغضاء { وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ } أي ينسبونه إلى الجنون إذا سمعوه يقرأ القرآن. فقال الله تعالى:\r{ وَمَا هُوَ } يعني القرآن { إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ } قال ابن عباس: موعظة للمؤمنين. قال\r__________\r(1) انظر: الواحدي في أسباب النزول، ص: (509).\r(2) انظر: الواحدي في أسباب النزول ص: (510).\r(3) انظر: القرطين: 2 / 178.\r(4) انظر: القرطين: 2 / 178.","part":8,"page":202},{"id":3255,"text":"الحسن: دواء إصابة العين أن يقرأ الإنسان هذه الآية (1) .\rأخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي، أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، أخبرنا أحمد بن يوسف السلمي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال حدثنا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"العين حق\" ونهى عن الوشم (2) .\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، حدثنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين بن داود العلوي، أخبرنا أبو نصر بن محمد بن حمدويه بن سهل المروزي، حدثنا محمود [بن آدم المروزي] (3) حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عروة بن عامر، عن عبيد بن رفاعة الزرقي أن أسماء بنت عميس قالت: يا رسول الله إن بني جعفر تصيبهم العين أفأسترقي لهم؟ قال: \"نعم فلو كان شيء يسبق القضاء لسبقته العين\" (4) .\r__________\r(1) ذكره صاحب البحر المحيط: 8 / 318.\r(2) أخرجه عبد الرزاق في المصنف: 11 / 18، والبخاري في الطب، باب العين حق: 10 / 203، والمصنف في شرح السنة: 12 / 103. وأخرج الجملة الأولى منه مسلم برقم: (2187) 4 / 1719.\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) أخرجه الترمذي في الطب، باب ما جاء في الرقية من العين: 6 / 219-220 وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\" وابن ماجه في الطب، باب من استرقى من العين: 2 / 1160، والطحاوي في مشكل الآثار: 4 / 75، والمصنف في شرح السنة: 12 / 161-162. وفي الباب عن ابن عباس عند مسلم برقم: (2188) مرفوعا \"العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا\".","part":8,"page":203},{"id":3256,"text":"سورة الحاقة مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) }\r{ الْحَاقَّةُ } يعني القيامةُ سميت حاقة لأنها حقت فلا كاذبة لها. وقيل لأن فيها حواق الأمور وحقائقها ولأن فيها يحق الجزاء على الأعمال، أي يجب يقال: حق عليه الشيء إذا وجب يحق [حقوقا] (2) قال الله تعالى: \"ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين\" (الزمر-71) قال الكسائي: \"الحاقة\" يوم الحق. { مَا الْحَاقَّةُ } هذا استفهام معناه التفخيم لشأنها كما يقال: زيد ما زيد على التعظيم لشأنه. { وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ } أي أنك لا تعلمها إذ لم تعاينها ولم تر ما فيها من الأهوال. { كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ } قال ابن عباس وقتادة: بالقيامة سميت قارعة لأنها تقرع قلوب العباد بالمخافة. وقيل: كذبت بالعذاب الذي أوعدهم نبيهم حتى نزل بهم فقرع قلوبهم. { فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ } أي بطغيانهم وكفرهم. قيل: هي مصدر، وقيل: نعت أي بفعلهم الطاغية وهذا معنى قول مجاهد، كما قال: \"كذبت ثمود بطغواها\" (الشمس-11) وقال قتادة: بالصيحة الطاغية، وهي التي جاوزت مقادير الصياح فأهلكتهم. وقيل: طغَت على الخُزَّان [فلم يكن لهم عليها سبيل ولم يعرفوا كم خرج منها] (3) كما طغى الماء على قوم نوح.\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة الحاقة بمكة. انظر: الدر المنثور: 8 / 263.\r(2) في \"ب\" حقا.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":8,"page":204},{"id":3257,"text":"{ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (8) }","part":8,"page":208},{"id":3258,"text":"{ وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (9) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (10) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) }\r{ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ } عتت على خُزَّانها فلم تطعهم ولم يكن لهم عليها سبيل، وجاوزت المقدار فلم يعرفوا كم خرج منها. { سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ } أرسلها عليهم. وقال مقاتل: سلطها عليهم { سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ } قال وهب: هي الأيام التي تسميها العرب أيام العجوز، ذات برد ورياح شديدة. قيل: سميت عجوزًا لأنها في عجز الشتاء. وقيل: سميت بذلك لأن عجوزًا من قوم عاد دخلت سربًا فتبعتها الريح، فقتلتها اليوم الثامن من نزول العذاب وانقطع العذاب { حُسُومًا } قال مجاهد وقتادة: متتابعة ليس لها فترة، فعلى هذا فهو من حسم الكَيّ وهو أن يتابع على موضع الداء بالمكواة حتى يبرأ، ثم قيل لكل شيء توبع: حاسم وجمعه حسوم، مثل شاهد وشهود، وقال الكلبي ومقاتل: حسومًا دائمة. وقال النضر بن شميل: حسمتهم قطعتهم وأهلكتهم، والحسم: القطع والمنع ومنه حسم الداء. قال الزجاج: [الذي توجبه الآية فعلى معنى] (1) تحسمهم حسوما تفنيهم وتذهبهم. وقال عطية: حسومًا كأنها حسمت الخير عن أهلها { فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا } أي في تلك الليالي والأيام { صَرْعَى } هلكى جمع صريع { كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ } ساقطة، وقيل: خالية الأجواف. { فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ } أي من نفس باقية، يعني: لم يبق منهم أحد. { وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ } قرأ أهل البصرة والكسائي بكسر القاف وفتح الباء، أي ومن معه من جنوده وأتباعه، وقرأ الآخرون بفتح القاف وسكون الباء، أي ومن قبله من الأمم الكافرة { وَالْمُؤْتَفِكَاتُ } أي: قرى قوم لوط، يريد: أهل المؤتفكات. وقيل يريد الأمم الذين ائتفكوا بخطيئتهم، أي أهلكوا بذنوبهم { بِالْخَاطِئَةِ } أي بالخطيئة والمعصية وهي الشرك. { فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ } يعني لوطًا وموسى { فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً } نامية. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: شديدة. وقيل: زائدة على عذاب الأمم. { إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ } أي عتا وجاوز حده حتى علا على كل شيء وارتفع فوقه، يعني زمن\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":8,"page":208},{"id":3259,"text":"نوح عليه السلام { حَمَلْنَاكُمْ } أي حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم { فِي الْجَارِيَةِ } في السفينة التي تجري في الماء.\r{ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (12) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الأرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) }\r{ لِنَجْعَلَهَا } أي لنجعل تلك الفعلة التي فعلنا مِنْ إِغْراق قوم نوح ونجاة من حملنا معه { لَكُمْ تَذْكِرَةً } عبرة وموعظة { وَتَعِيَهَا } قرأ القواس عن ابن كثير وسليم عن حمزة باختلاس العين، وقرأ الآخرون بكسرها أي تحفظها { أُذُنٌ وَاعِيَةٌ } أي: حافظة لما جاء من عند الله. قال قتادة: [أذن] (1) سمعت وعقلت ما سمعت. قال الفَّراء: لتحفظها كل أذن فتكون عبرة وموعظة لمن يأتي بعد (2) . { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ } وهي النفخة الأولى. { وَحُمِلَتِ الأرْضُ وَالْجِبَالُ } رفعت من أماكنها { فَدُكَّتَا } كسرتا { دَكَّةً } كسرة { وَاحِدَةً } فصارتا هباءً [منثورًا] (3) . { فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ } قامت القيامة. { وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ } ضعيفة. قال الفراء: وَهْيُها: تشُّقُقها (4) . { وَالْمَلَكُ } يعني الملائكة { عَلَى أَرْجَائِهَا } نواحيها وأقطارها ما لم 173/ب ينشق منها واحدها: \"رجا\" مقصورًا وتثنيته رَجَوَان. قال الضحاك: تكون الملائكة على حافتها حتى يأمرهم الرب فينزلون فيحيطون بالأرض ومن عليها { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ } أي فوق رءوسهم يعني الحملة { يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { ثَمَانِيَةٌ } أي ثمانية أملاك.\rجاء في الحديث: \"إنهم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة أخرى، فكانوا\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) معاني القرآن للفراء: 3 / 181.\r(3) في \"ب\" منبثا.\r(4) في الموضع المتقدم.","part":8,"page":209},{"id":3260,"text":"ثمانية على صورة الأوعال ما بين أظلافهم إلى ركبهم كما بين سماء إلى سماء\" (1) .\rوجاء في الحديث: \"لكل ملك منهم وجه رجل ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر\" (2) .\rأخبرنا أبو بكر بن الهيثم الترابي، أخبرنا أبو الفضل محمد بن الحسين الحدادي، أخبرنا محمد بن يحيى الخالدي، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم [الحنظلي] (3) حدثنا عبد الرزاق، حدثنا يحيى بن العلاء، عن عمه شعيب بن خالد، حدثنا سماك بن حرب، عن عبد الله بن عميرة، عن العباس بن عبد المطلب قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم بالبطحاء فمرت سحابة فقال: النبي صلى الله عليه وسلم: \"أتدرون ما هذا؟ قلنا: السحاب. قال: والمزن؟ قلنا: والمزن، قال: والعنان؟ فسكتنا فقال: هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: بينهما مسيرة خمسمائة سنة، وبين كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكذلك غلظ كل سماء خمسمائة سنة، وفوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله كما بين السماء والأرض [ثم بين ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهن وركبهن كما بين السماء والأرض] (4) ثم فوق ذلك العرش بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض والله تعالى فوق ذلك، ليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء\" (5) .\rويروى هذا عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس.\rوروي عن ابن عباس أنه قال: \"فوقهم يومئذ ثمانية\" أي: ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 29 / 59 وليس فيه \"على صورة الأوعال ما بين أظلافهم إلى ركبهم كما بين سماء إلى سماء\" وهو خبر مقطوع. قال صاحب البحر المحيط: 8 / 324 \"وذكروا في صفات هؤلاء الثمانية أشكالا متكاذبة ضربنا عن ذكرها صفحا\".\r(2) أخرجه عبد الرزاق في التفسير: 2 / 314 عن عبد الله بن وهب عن أبيه. وزاد السيوطي في الدر المنثور: 8 / 270 عزوه لعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن وهب أيضا. وذكره الحافظ ابن حجر في المطالب العالية: 3 / 391 وعزاه لإسحاق وقال: موقوف ضعيف الإسناد. وقال البوصيري: ضعيف لجهالة بعض رواته.\r(3) في \"أ\" الخطابي، والصحيح ما أثبت كما في \"تهذيب التهذيب\".\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(5) حديث ضعيف رواه أبو داود في السنة، باب في الجهمية: 7 / 91-93 وقال المنذري: في إسناده الوليد بن أبي ثور، ولا يحتج بحديثه، وأخرجه الترمذي في تفسير سورة الحاقة: 9 / 234-236، وقال: \"هذا حديث حسن غريب\" روى الوليد ابن أبي ثور عن سماك نحوه ورفعه، وروى شريك عن سماك بعض هذا الحديث ووقفه ولم يرفعه، وأخرجه ابن ماجه في المقدمة: 1 / 69، والإمام أحمد في المسند: 1 / 206 وابن أبي عاصم في السنة: 1 / 253، والبيهقي في الأسماء والصفات: 2 / 142-143، وابن خزيمة في التوحيد ص: (68) والآجري في الشريعة ص: (292) والدارمي في الرد على الجهمية ص: (19) والذهبي في العلو للعلي الغفار ص (33) وصححه الحاكم: 2 / 288،412، وتعقبه الذهبي فقال: يحيى بن العلاء: واه، وعبد الله بن عميرة فيه جهالة. قال البخاري: لا يعرف له سماع من الأحنف بن قيس، ويحيى بن العلاء متهم بالوضع. انظر: ظلال الجنة في تخريج السنة للألباني: 1 / 254، النهج السديد في تخريج أحاديث تيسير العزيز الحميد ص: (283).","part":8,"page":210},{"id":3261,"text":"عدتهم إلا الله (1) .\r{ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) }\r{ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ } على الله { لا تَخْفَى } قرأ حمزة والكسائي: \"لا يخفى\" بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء { مِنْكُمْ خَافِيَةٌ } أي فِعْلة خافية. قال الكلبي: لا يخفى على الله منكم شيء. قال أبو موسى: يعرض الناس ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال ومعاذير وأما العرضة الثالثة فعندها تطاير الصحف فآخذ بيمينه وآخذ بشماله (2) وذلك قوله عز وجل: { فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ } تعالوا اقرءوا كتابيه الهاء في \"كتابيه\" هاء الوقف. { إِنِّي ظَنَنْتُ } علمت وأيقنت { أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ } أي: [أني] (3) أحاسب في الآخرة. { فَهُوَ فِي عِيشَةٍ } حالة من العيش { رَاضِيَة } مرضية كقوله: \"ماء دافق\" (الطارق-6) يريد: يرضاها بأن لقي الثواب وأمن العقاب. { فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ } رفيعة. { قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ } ثمارها قريبة لمن يتناولها [في كل أحواله ينالها] (4) قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا يقطعون كيف شاءوا. ويقال لهم:\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 29 / 58. وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 269 أيضا لابن المنذر وابن أبي حاتم.\r(2) أخرجه الطبري: 29 / 59، والإمام أحمد: 4 / 414 عن أبي موسى الأشعري، وعبد الرزاق في التفسير: 2 / 314، وابن ماجه في الزهد، باب ذكر البعث: 2 / 1430. قال في الزوائد: رجال الإسناد ثقات، إلا أنه منقطع، والحسن لم يسمع من أبي موسى. قاله علي بن المديني وأبو حاتم وأبو زرعة. ورواه الترمذي في القيامة: 7 / 111-112 عن أبي هريرة وقال: لا يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة وأشار إلى حديث أبي موسى فقال: وقد رواه بعضهم عن علي بن علي وهو الرفاعي عن الحسن عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال الحافظ في الفتح: 11 / 403: \"أخرجه البيهقي في \"البعث\" بسند حسن عن عبد الله بن مسعود موقوفا\".\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) زيادة من \"ب\".","part":8,"page":211},{"id":3262,"text":"{ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) }\r{ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ } قدمتم لآخرتكم من الأعمال الصالحة { فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ } الماضية يريد أيام الدنيا. { وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ } قال ابن السائب: تُلْوَى يده اليسرى [من صدره] (1) خلف ظهره ثم يعطى كتابه. وقيل: تنزع يده اليسرى من صدره إلى خلف ظهره ثم يعطى كتابه؛ { فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَم أَدرِ مَا حِسَابِيَه } يتمنى أنه لم يؤت كتابه لما يرى فيه من قبائح أعماله. { يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ } يقول: يا ليت الموتة التي متها في الدنيا كانت القاضية الفارغة من كل ما بعدها والقاطعة للحياة، فلم أحيَ بعدها. و\"القاضية\" موت لا حياة بعده يتمنى أنه لم يبعث للحساب. قال قتادة: يتمنى الموت ولم يكن عنده في الدنيا شيء أكره من الموت. { مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ } لم يدفع عني من عذاب الله شيئًا. { هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ } ضلت عني حجتي، عن أكثر المفسرين. وقال ابن زيد: زال عني ملكي وقوتي. قال مقاتل: يعني حين شهدت عليه الجوارح بالشرك، يقول الله لخزنة جهنم: { خُذُوهُ فَغُلُّوهُ } اجمعوا يده إلى عنقه. { ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ } أي: أدخِلوه الجحيم. { ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ } فأدخلوه فيها. قال ابن عباس: سبعون ذراعا بذراع المَلكَ، فتدخل في دبره وتخرج من منخره (2) . وقيل: تدخل في فيه وتخرج من\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) أخرجه الطبري: 29 / 63-64. وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 274 لابن أبي حاتم والبيهقي في البعث والنشور.","part":8,"page":212},{"id":3263,"text":"دبره. وقال نوف البكالي: سبعون ذراعا كل ذراع سبعون باعًا كل باع أبعد مما بينك وبين مكة، وكان في رحبة الكوفة (1) وقال سفيان: كل ذراع سبعون ذراعا. قال الحسن: الله أعلم أي ذراع هو.\rأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن يزيد، عن أبي السمح، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لو أن [رضاضة] (2) مثل هذه -وأشار إلى مثل الجمجمة -أرسلت من السماء إلى الأرض، وهي مسيرة خمسمائة سنة لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفًا الليل والنهار قبل أن تبلغ أصلها أو قعرها\" (3) .\rوعن كعب قال: لو جمع حديد الدنيا ما وزن حلقه منها.\r{ إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) }\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 29 / 63، وعبد الرزاق في التفسير: 2 / 315. وعزاه السيوطي في الدر: 8 / 273-274 لابن المبارك وهناد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر.\r(2) في المخطوطتين \"رضاضة\" وعند ابن كثير كذلك. وفي شرح السنة \"رضراضة\" وأما عند الترمذي والإمام أحمد والطبري فـ\"رصاصة\" وقد شرحها المباركفوري بأنها قطعة من الرصاص.\r(3) أخرجه الترمذي في صفة جهنم، باب ما جاء في صفة طعام أهل النار: 7 / 313-314 وقال: \"هذا حديث إسناده حسن صحيح\" والإمام أحمد: 2 / 197، والطبري: 29 / 64، والمصنف في شرح السنة: 15 / 248-249.","part":8,"page":213},{"id":3264,"text":"{ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ (35) وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ (36) لا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ (37) فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لا تُبْصِرُونَ (39) }\r{ إِنَّه كَانَ لا يُؤمِنُ بِاللهَّ العَظِيم وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ } لا يطعم المسكين في الدنيا ولا يأمر أهله بذلك. { فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ } قريب ينفعه ويشفع له. { وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ } وهو صديد أهل النار، مأخوذ من الغسل، كأنه غسالة جروحهم وقروحهم. قال الضحاك والربيع: هو شجر يأكله أهل النار. { لا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ } أي: الكافرون. { فَلا أُقْسِمُ } \"لا\" رد لكلام المشركين، كأنه قال: ليس كما يقول المشركون أقسم","part":8,"page":213},{"id":3265,"text":"{ بِمَا تُبْصِرُونَ } أي بما ترون وبما لا ترون. قال قتادة: أقسم بالأشياء كلها فيدخل فيه جميع [المخلوقات] (1) والموجودات. وقال: أقسم بالدنيا والآخرة. وقيل: \"ما تبصرون\" ما على وجه الأرض، و\"ما لا تبصرون\" ما في بطنها. وقيل: \"ما تبصرون\" من الأجسام و\"ما لا تبصرون\" من الأرواح. وقيل: \"ما تبصرون\" الإنس و\"ما لا تبصرون\" الملائكة والجن. وقيل النعم الظاهرة والباطنة. وقيل: \"ما تبصرون\" ما أظهر الله للملائكة واللوح والقلم: و\"ما لا تبصرون\" ما استأثر بعلمه فلم يطلع عليه أحدا.\r{ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ (44) لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) }\r{ إِنَّهُ } يعني القرآن { لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ َ } أي تلاوة رسول كريم، يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم. { وَمَا هُوَ بِقَولِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَّا تُؤمِنُون وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ } 174/أ قرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب: \"يؤمنون ويذكرون\" بالياء فيهما، وقرأ الآخرون بالتاء، وأراد بالقليل نفي إيمانهم أصلا كقولك لمن لا يزورك: قلما تأتينا. وأنت تريد: لا تأتينا أصلا. { تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَوْ تَقَوَّلَ } تخرَّص واختلق { عَلَيْنَا } محمد { بَعْضَ الأقَاوِيلِ } وأتى بشيء من عند نفسه. { لأخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ } قيل \"مِنْ\" صلة مجازه: لأخذناه وانتقمنا منه باليمين أي بالحق، كقوله: \"كنتم تأتوننا عن اليمين\" (الصافات-28) أي: من قبل الحق. وقال ابن عباس: لأخذناه بالقوة والقدرة. قال الشماخ في عرابة ملك اليمن: إذا ما رايةٌ رُفِعَت لمَجْدٍ ... تلقَّاها عُرَابَةُ باليَمِين (2)\rأي بالقوة، عبر عن القوة باليمين لأن قوة كل شيء في ميامنه.\rوقيل: معناه لأخذنا بيده اليمنى، وهو مثل معناه: لأذللناه وأهنَّاه كالسلطان إذا أراد الاستخفاف\r__________\r(1) في \"ب\" المكنونات.\r(2) البيت للشماخ، وعرابة هو ابن أوس الحارثي الأنصاري من سادات المدينة أسلم صغيرا وتوفي بالمدينة نحو سنة ستين.","part":8,"page":214},{"id":3266,"text":"ببعض من يريد يقول لبعض أعوانه: خذ بيده فأقمه.\r{ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52) }\r{ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ } قال ابن عباس: أي نياط القلب وهو قول أكثر المفسرين. وقال مجاهد: الحبل الذي في الظهر. وقيل هو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب، فإذا انقطع مات صاحبه. { فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ } مانعين يحجزوننا عن عقوبته، والمعنى: أن محمدًا لا يتكلف الكذب لأجلكم مع علمه بأنه لو تكلفه لعاقبناه ولا يقدر أحد على دفع عقوبتنا عنه، وإنما قال: \"حاجزين\" بالجمع وهو فعْل واحدٍ ردًا على معناه كقوله: \"لا نفرق بين أحد من رسله\" (البقرة-285) . { وَإِنَّهُ } يعني القرآن { لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ } أي لعظة لمن اتقى عقاب الله. { وَإِنَّا لَنَعلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ } يوم القيامة يندمون على ترك الإيمان به.\r{ وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ } أضافه إلى نفسه لاختلاف اللفظين.\r{ فَسَبِّح بِاسمِ رَبِّكَ العَظِيم } .","part":8,"page":215},{"id":3267,"text":"سورة المعارج مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2) }\r{ سَأَلَ سَائِلٌ } قرأ أهل المدينة والشام: \"سال\" بغير همز وقرأ الآخرون بالهمز، فمن همز فهو من السؤال، ومن قرأ بغير همز قيل: هو لغة في السؤال، يقال: سال يسال مثل خاف يخاف [يعني] (2) سال يسال خفف الهمزة وجعلها ألفًا.\rوقيل: هو من السيل، والسايل واد من أودية جهنم، يروى ذلك عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، والأول أصح.\rواختلفوا في الباء في قوله: \"بعذاب\" قيل: هي بمعنى \"عن\" كقوله: \"فاسأل به خبيرًا\" (الفرقان-59) [أي عنه خبيرا] (3)\rومعنى الآية: سأل سائل عن عذاب { وَاقِعٍ } نازل كائن على من ينزل ولمن ذلك العذاب فقال الله مبينًا مجيبًا لذلك السائل: { لِلْكَافِرينَ } وذلك أن أهل مكة لما خوفهم النبي صلى الله عليه وسلم بالعذاب قال بعضهم لبعض: مَنْ أهل هذا العذاب؟ ولمن هو؟ سلوا عنه محمدًا فسألوه فأنزل الله: \"سأل سائل بعذاب واقع للكافرين\" أي: هو للكافرين، هذا قول الحسن وقتادة. وقيل: الباء صلة ومعنى الآية: دعا داع وسأل سائل عذابًا واقعًا للكافرين، أي: على الكافرين، اللام بمعنى \"على\" وهو النضر بن الحارث حيث دعا\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة سأل بمكة. انظر: الدر المنثور: 8 / 277.\r(2) في \"أ\" بمعنى.\r(3) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".","part":8,"page":216},{"id":3268,"text":"على نفسه وسأل العذاب، فقال: \"اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك\" الآية (الأنفال-32) فنزل به ما سأل يوم بدر فقتل صبرًا، وهذا قول ابن عباس ومجاهد: { لَيْسَ لَهُ } أي للعذاب { دَافِعٌ } مانع.\r{ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) }\r{ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ } قال ابن عباس: أي ذي السماوات، سماها معارج لأن الملائكة تعرج فيها. وقال سعيد بن جبير: ذي الدرجات. وقال قتادة: ذي الفواضل والنعم [ومعارج: الملائكة] (1) . { تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ } قرأ الكسائي \"يعرج\" بالياء، وهي قراءة ابن مسعود، وقرأ الآخرون \"تعرج\" بالتاء { وَالرُّوحُ } يعني جبريل عليه السلام { إِلَيْهِ } أي إلى الله عز وجل { فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } من سني الدنيا لو صعد غير الملك وذلك أنها تصعد منتهى أمر الله تعالى من أسفل الأرض السابعة إلى منتهى أمر الله تعالى من فوق السماء السابعة.\rروى ليث عن مجاهد أن مقدار هذا خمسون ألف سنة (2) .\rوقال محمد بن إسحاق: لو سار بنو آدم من الدنيا إلى موضع العرش لساروا خمسين ألف سنة من سني الدنيا.\rوقال عكرمة وقتادة: هو يوم القيامة. وقال الحسن أيضا: هو يوم القيامة. وأراد أن موقفهم للحساب حتى يفصل بين الناس خمسون ألف سنة من سني الدنيا، ليس يعني به مقدار طوله هذا دون غيره لأن يوم القيامة له أول وليس له آخر لأنه يوم ممدود، ولو كان له آخر لكان منقطعًا.\rوروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: هو يوم القيامة يكون على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة (3) .\r__________\r(1) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(2) أخرجه الطبري: 29 / 71.\r(3) أخرجه الطبري: 29 / 71. وعزاه ابن كثير في التفسير: 4 / 420 لابن أبي حاتم. وساق أربعة أقوال في معنى (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) فلتنظر. وعزاه صاحب الدر المنثور: 8 / 279 لابن المنذر والبيهقي في البعث والنشور.","part":8,"page":220},{"id":3269,"text":"أخبرنا أبو الفرج المظفر بن إسماعيل التميمي، أخبرنا أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي، أخبرنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ، حدثنا عبد الله بن سعيد، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، عن دراج أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري قال قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة: فما أطول هذا اليوم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا\" (1) .\rوقيل: معناه لو ولي محاسبة العباد في ذلك اليوم غير الله لم يفرغ منه خمسين ألف سنة. وهذا معنى قول عطاء عن ابن عباس ومقاتل. قال عطاء: ويفرغ الله منه في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا.\rوروى محمد بن الفضل عن الكلبي قال: يقول لو ولّيت حساب ذلك اليوم الملائكةَ والجنَّ والإنسَ وطوقُتهم محاسبتهم لم يفرغوا منه إلا بعد خمسين ألف سنة، وأنا أفرغ منها في ساعة [واحدة] (2) من النهار.\rوقال يمان: هو يوم القيامة فيه خمسون موطنًا، كل موطن ألف سنة. وفيه تقديم وتأخير كأنه قال: ليس له دافع من الله ذي المعارج في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة تعرج الملائكة والروح إليه.\r{ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلا (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (8) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9) }\r{ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلا } يا محمد على تكذيبهم وهذا قبل أن يؤمر بالقتال. { إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا } يعني العذاب { وَنَرَاهُ قَرِيبًا } لأن ما هو آت قريب. { يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ } كعكر الزيت. وقال الحسن: كالفضة إذا أذيبت. { وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ } كالصوف المصبوغ. ولا يقال: \"عهن\" إلا للمصبوغ. وقال مقاتل: كالصوف المنفوش. وقال الحسن: كالصوف الأحمر وهو أضعف الصوف 174/ب وأول ما تتغير\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 29 / 72، والإمام أحمد: 3 / 75، وابن حبان في موارد الظمآن ص: (638) والمصنف في شرح السنة: 15 / 129. وذكره ابن كثير في التفسير: 4 / 420 وقال: إن دراجا وشيخه ضعيفان.\r(2) ساقط من \"ب\".","part":8,"page":221},{"id":3270,"text":"الجبال تصير رملا مهيلا ثم عهنًا منفوشًا، ثم تصير هباءً منثورًا.\r{ وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (10) }","part":8,"page":222},{"id":3271,"text":"{ يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (14) كَلا إِنَّهَا لَظَى (15) نزاعَةً لِلشَّوَى (16) }\r{ وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا } قرأ البزي عن ابن كثير \"لا يسأل\" بضم الياء أي: لا يُسأل حميم عن حميم، أي لا يقال له: أين حميمك؟ وقرأ الآخرون بفتح الياء، أي: لا يسأل قريب قريبًا لشغله بشأن نفسه. { يُبَصَّرُونَهُمْ } يرونهم، وليس في القيامة مخلوق إلا وهو نصب عين صاحبه من الجن والإنس، فيبصر الرجل أباه وأخاه وقرابته فلا يسأله، ويبصر حميمه فلا يكلمه لاشتغاله بنفسه.\rقال ابن عباس: يتعارفون ساعة من النهار ثم لا يتعارفون بعده.\rوقيل: \"يبصرونهم\" يُعَرَّفونهم، أي: يُعَرَّفُ الحميم حميمه حتى يعرفهُ ومع ذلك لا يسأله عن شأنه لشغله بنفسه.\rوقال السدي: يعرفونهم أما المؤمن فببياض وجهه وأما الكافر فبسواد وجهه { يَوَدُّ الْمُجْرِمُ } يتمنى المشرك { لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ } { وَصَاحِبَتِهِ } زوجته { وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ } عشيرته التي فصل منهم. وقال مجاهد: قبيلته. وقال غيره: أقرباؤه الأقربون { الَّتِي تُؤْوِيهِ } أي التي تضمه ويأوي إليها. { وَمَنْ فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ } ذلك الفداء من عذاب [ربك] (1) . { كَلا } لا ينجيه من عذاب الله شيء ثم ابتدأ فقال: { إِنَّهَا لَظَى } وهي اسم من أسماء جهنم. وقيل: هي الدركة الثانية سميت بذلك لأنها تتلظى أي: تتلهب. { نزاعَةً لِلشَّوَى } قرأ حفص عن عاصم \"نزاعة\" نصب على الحال والقطع، وقرأ الآخرون بالرفع أي هي نزاعة للشوى، وهي [الأطراف] (2) اليدان والرجلان [وسائر] (3) الأطراف. قال مجاهد: لجلود الرأس. وروى إبراهيم بن مهاجر عنه: [تنزع] (4) اللحم دون العظام.\r__________\r(1) في \"ب\" الله.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) ساقط من \"ب\".","part":8,"page":222},{"id":3272,"text":"قال مقاتل: تنزع النار الأطراف فلا تترك لحمًا ولا جلدًا.\rوقال الضحاك: تنزع الجلد واللحم عن العظم.\rوقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: العصب والعقب.\rوقال الكلبي: لأمِّ الرأس تأكل الدماغ كله ثم يعود كما كان، ثم تعود لأكله فذلك دأبها.\rوقال قتادة: لمكارم خلقه وأطرافه. قال أبو العالية: لمحاسن وجهه.\rوقال ابن [جرير] (1) \"الشوى\" جوارح الإنسان ما لم يكن مقتلا يقال: رمى فأشوى إذا أصاب الأطراف ولم يصب المقتل (2) .\r{ تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (17) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (18) إِنَّ الإنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) }\r{ تَدْعُوا } أي: النار إلى نفسها { مَنْ أَدْبَرَ } على الإيمان { وَتَوَلَّى } عن الحق فتقول إليَّ يا مشرك إليَّ يا منافق إليَّ إليَّ. قال ابن عباس: تدعو الكافرين والمنافقين بأسمائهم بلسان فصيح ثم تلتقطهم كما يلتقط الطير الحب. حُكي عن الخليل: أنه قال: تدعو أي تعذب. وقال: قال أعرابي لآخر: دعاك الله أي عذبك الله. { وَجَمَعَ } أي: جمع المال { فَأَوْعَى } [أمسكه] (3) في الوعاء ولم يُؤدِ حق الله منه. { إِنَّ الإنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا } روى السدي عن أبي صالح عن ابن عباس [قال] (4) \"الهلوع\" الحريص على ما لا يحل له. وقال سعيد بن جبير: شحيحًا. وقال عكرمة: ضجورًا. وقال الضحاك والحسن: بخيلا. وقال قتادة: جزوعًا. وقال مقاتل: ضيق القلب. والهلع: شدة الحرص وقلة الصبر. وقال عطية عن ابن عباس: تفسيره ما بعده وهو قوله: { إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا } أي: إذا أصابه الفقر لم يصبر، وإذا أصاب المال لم ينفق. قال ابن كيسان: خلق الله الإنسان يحب ما يسره ويهرب مما يكره، ثم تعبده بإنفاق ما يحب والصبر على ما يكره. ثم استثنى فقال:\r__________\r(1) في \"ب\" جبير والصحيح ما أثبت من \"أ\".\r(2) ذكره الطبري: 29 / 76.\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) ساقط من \"ب\".","part":8,"page":223},{"id":3273,"text":"{ إِلا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) }\r{ إِلا الْمُصَلِّينَ } استثنى الجمع من الوحدان لأن الإنسان في معنى الجمع [كقوله: \"إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا\"] (1) . { الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ } يقيمونها في أوقاتها يعني الفرائض.\rأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، حدثنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن ابن لهيعة، حدثني يزيد بن أبي حبيب: أن أبا الخير أخبره قال: سألنا عقبة بن عامر عن قول الله تعالى: \"الذين هم على صلاتهم دائمون\" أهم الذين يصلون أبدًا؟ قال: لا ولكنه إذا صلى لم يلتفت عن يمينه ولا عن شماله ولا من خلفه (2) . { وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ } قرأ حفص عن عاصم ويعقوب: \"بشهاداتهم\" على الجمع، وقرأ الآخرون [بشهاداتهم] (3) [على التوحيد] (4) { قَائِمُونَ } أي يقومون فيها بالحق أو لا يكتمونها ولا يغيرونها.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) أخرجه الطبري: 29 / 80. وابن المبارك حدث عن ابن لهيعة قبل الاختلاط. وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 284 لابن المنذر.\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) ساقط من \"ب\".","part":8,"page":224},{"id":3274,"text":"{ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (35) فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (36) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (37) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (38) كَلا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (39) }\r{ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ } .\r{ فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا } أي: فما بال الذين كفروا، كقوله: \"فما لهم عن التذكرة معرضين\" (المدثر-49) { قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ } مسرعين مقبلين إليك ماديّ أعناقهم ومديمي النظر إليك متطلعين نحوك.\rنزلت في جماعة من الكفار كانوا يجتمعون حول النبي صلى الله عليه وسلم يستمعون كلامه ويستهزئون به ويكذبونه، فقال الله تعالى: ما لهم ينظرون إليك ويجلسون عندك وهم لا ينتفعون بما يستمعون (1) . { عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ } حلقًا وفرقًا، و\"العزين\" جماعات في تفرقة، واحدتها عِزَة. { أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ } قال ابن عباس: معناه أيطمع كل رجل منهم أن يدخل جنَّتي كما يدخلها المسلمون ويتنعم فيها وقد كذَّب نبيي؟ { كَلا } لا يدخلونها. ثم ابتدأ فقال: { إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ } أي: من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، نبه الناس على أنهم خلقوا من أصل واحد وإنما يتفاضلون ويستوجبون الجنة بالإيمان والطاعة.\rأخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه، حدثنا موسى بن محمد بن علي، حدثنا جعفر بن محمد الفريابي، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا جرير بن عثمان الرحبي، عن عبد الرحمن بن ميسرة، عن جبير بن نفير، عن بسر بن جحاش [القرشي] (2) قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم وبصق يومًا في كفه ووضع عليها إصبعه فقال: يقول الله عز وجل: \"ابن آدم أنىَّ تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سوَّيتُك 175/أ وعدلتُك ومشيت بين بردين، وللأرض منك وئيد فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي\r__________\r(1) انظر: البحر المحيط: 8 / 335.\r(2) زيادة من \"أ\".","part":8,"page":225},{"id":3275,"text":"قلت أتصدق وأنى أوان الصدقة\" (1)\rوقيل: معناه إنا خلقناهم [من أجل ما يعملون وهو الأمر والنهي والثواب والعقاب.\rوقيل: \"ما\" بمعنى \"من\" مجازه: إنا] (2) خلقناهم ممن يعلمون ويعقلون لا كالبهائم.\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 286 للبيهقي في الشعب عن بشير والصحيح بشر.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":8,"page":226},{"id":3276,"text":"{ فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (40) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (41) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (42) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (44) }\r{ فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ } يعني مشرق كل يوم من أيام السنة ومغربه { إِنَّا لَقَادِرُونَ } { عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ } على أن نخلق أمثل منهم وأطوع لله [ورسوله] (1) { وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } { فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا } في باطلهم { وَيَلْعَبُوا } في دنياهم { حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ } نسختها آية القتال. { يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ } من القبور { سِرَاعًا } إلى إجابة الداعي { كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ } قرأ ابن عامر [وابن عباس] (2) وحفص: \"نُصُبٍ\" بضم النون والصاد، وقرأ الآخرون بفتح النون وسكون الصاد يعنون إلى شيء منصوب، يقال: فلان نُصْبَ عيني. وقال الكلبي: إلى عَلَمٍ وراية. ومن قرأ بالضم، قال مقاتل والكسائي: يعني إلى أوثانهم التي كانوا يعبدونها من دون الله [كقوله: \"وما ذبح على النصب\"(المائدة-3) (3) قال الحسن: يسرعون إليها أيهم يستلمها أولا { يُوفِضُونَ } يسرعون. { خَاشِعَةً } ذليلة خاضعة { أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } يغشاهم هوان { ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ } يعني يوم القيامة.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) زيادة من \"أ\".\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":8,"page":226},{"id":3277,"text":"سورة نوح مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (4) قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا (6) }\r{ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ } أي: بأن أنذر قومك { مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } المعنى: إنا أرسلناه لينذرهم بالعذاب إن لم يؤمنوا. { قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ } أنذركم وأبين لكم [رسالة الله بلغة تعرفونها] (2) . { أَنِ اعبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ } \"من\" صلة، أي: يغفر لكم ذنوبكم. وقيل: يعني ما سلف من ذنوبكم إلى وقت الإيمان، وذلك بعض ذنوبهم { وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } أي: يعافيكم إلى منتهى آجالكم فلا يعاقبكم { إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } يقول: آمنوا قبل الموت تسلموا [من العذاب] (3) فإن أجل الموت إذا جاء لا يؤخر ولا يمكنكم الإيمان. { قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا } نفارًا وإدبارًا عن الإيمان [والحق] (4) .\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة نوح بمكة. انظر: الدر المنثور: 8 / 288.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(4) زيادة من \"ب\".","part":8,"page":227},{"id":3278,"text":"{ وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) }","part":8,"page":230},{"id":3279,"text":"{ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) }\r{ وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ } إلى الإيمان بك { لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ } لئلا يسمعوا دعوتي { وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ } غطوا بها وجوههم لئلا يروني { وَأَصَرُّوا } على كفرهم { وَاسْتَكْبَرُوا } عن الإيمان بك { اسْتِكْبَارًا } { ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا } معلنا بالدعاء. قال ابن عباس: بأعلى صوتي. { ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ } كررت الدعاء مُعلنًا { وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا } قال ابن عباس: يريد الرجل بعد الرجل أكلمه سرًا بيني وبينهُ أدعوه إلى عبادتك وتوحيدك. { فَقُلتُ استَغفِرُوا رَبَّكُم إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا } وذلك أن قوم نوح لما كذبوه زمانًا طويلا حبس الله عنهم المطر وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة، فهلكت أموالهم ومواشيهم، فقال لهم نوح: استغفروا ربكم من الشرك، أي استدعوا المغفرة بالتوحيد، يرسل السماء عليكم مدرارا.\rوروى مطرف عن الشعبي أن عمر رضي الله تعالى عنه خرج يستسقي بالناس، فلم يزد على الاستغفار حتى رجع، فقيل له: ما سمعناك استسقيت؟ فقال. طلبت الغيث [بمجاديح] (1) السماء التي يستنزل بها المطر، ثم قرأ: \"استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا\" (2) .\r__________\r(1) واحدها مجدح، والياء زائدة للإشباع، والقياس أن يكون واحدها مجداح، فأما مجدح فجمعه مجادح. والمجدح: نجم من النجوم، قيل: هو الدبران. وقيل: هو ثلاثة كواكب كالأثافي، تشبيها بالمجدح الذي له ثلاث شعب، وهو عند العرب من الأنواء الدالة على المطر، فجعل الاستغفار مشبها بالأنواء، مخاطبة لهم بما يعرفونه لا قولا بالأنواء، وجاء بلفظ الجمع لأنه أراد الأنواء جميعها التي يزعمون أن من شأنها المطر. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير: 1 / 243.\r(2) أخرجه الطبري: 29 / 93-94، وذكره ابن كثير في تفسيره: 4 / 426. قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص: (177) \"رجاله ثقات إلا أنه منقطع\".","part":8,"page":230},{"id":3280,"text":"{ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (18) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِسَاطًا (19) }\r{ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ } قال عطاء: يكثر أموالكم وأولادكم { وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا } قال ابن عباس ومجاهد: لا ترون لله عظمة. وقال سعيد بن جبير: ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته. وقال الكلبي: لا تخافون الله حق عظمته.\rو\"الرجاء\" بمعنى الخوف، و\"الوقار\" العظمة اسم من التوقير وهو التعظيم.\rقال الحسن: لا تعرفون لله حقًا ولا تشكرون له نعمة.\rقال ابن كيسان: ما لكم لا ترجون في عبادة الله أن يثيبكم على توقيركم إياه خيرًا. { وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا } تارات حالا بعد حالٍ نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى تمام الخلق. { أَلَم تَرَوا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا } قال الحسن: يعني في السماء الدنيا كما يقال: أتيت بني تميم، وإنما أتى بعضهم، وفلان متوار في دور بني فلان وإنما هو في دار واحدة. وقال عبد الله بن عمرو: إن الشمس والقمر وجوههما إلى السماوات، وضوء الشمس ونور القمر فيهن وأقفيتهما إلى الأرض (1) . ويروي هذا عن ابن عباس (2) .\r{ وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا } مصباحًا مضيئًا. { وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأرْضِ نَبَاتًا } أراد مبدأ خلق آدم خلقه من الأرض والناس ولده، وقوله: \"نباتا\" اسم جعل في موضع المصدر أي إنباتًا قال الخليل: مجازه: أنبتكم فنبتُّم نباتًا. { ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا } بعد الموت { وَيُخْرِجُكُمْ } منها يوم البعث أحياء { إِخْرَاجًا } { وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِسَاطًا } فرشها وبسطها لكم.\r__________\r(1) أخرجه عبد الرزاق في التفسير 2 / 319.\r(2) ذكره الحافظ في الكافي الشاف ص: (177) وقال: موقوف.","part":8,"page":231},{"id":3281,"text":"{ لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلا فِجَاجًا (20) قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلا خَسَارًا (21) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22) وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) }\r{ لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلا فِجَاجًا } طرقًا واسعة. { قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي } لم يجيبوا دعوتي { وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلا خَسَارًا } يعني: اتبع السفلةُ والفقراءُ القادةَ والرؤساءَ الذين لم يزدهم كثرة المال والولد إلا ضلالا في الدنيا وعقوبة في الآخرة. { وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا } أي كبيرًا عظيمًا يقال: كبير وكبار بالتخفيف كُبَّار بالتشديد، كلها بمعنى واحد، كما يقال: أمر عجيب وعجَاب وعجَّاب بالتشديد وهو أشد في المبالغة.\rواختلفوا في معنى مكرهم. قال ابن عباس: قالوا قولا عظيمًا. وقال الضحاك: افتروا على الله وكذبوا رسله وقيل: منع الرؤساء أتباعهم عن الإيمان بنوح [وحرضوهم] (1) على قتله. { وَقَالُوا } لهم { لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ } أي لا تتركوا عبادتها { وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا } قرأ أهل المدينة بضم الواو والباقون بفتحها { وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا } هذه أسماء آلهتهم.\rقال محمد بن كعب: هذه أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم ونوح فلما ماتوا كان لهم أتباع يقتدون بهم ويأخذون بعدهم بأخذهم في العبادة فجاءهم إبليس وقال لهم: لو صورتم صورهم كان أنشط لكم وأشوق إلى العبادة، ففعلوا ثم نشأ قوم بعدهم فقال لهم إبليس: إن الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم فعبدوهم، فابتداء عبادة الأوثان كان من ذلك (2) .\rوسميت تلك الصور بهذه الأسماء لأنهم صوروها على صور أولئك 175/ب القوم من المسلمين.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام عن ابن جريج وقال عطاء عن ابن عباس: صارت الأوثان التي كانت تعبد في قوم نوح [تعبد] (3) في العرب [بعده] (4) أما وَدّ فكانت\r__________\r(1) في \"ب\" وحرشوهم.\r(2) عزاه صاحب الدر المنثور: 8 / 294 لعبد بن حميد.\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) زيادة من \"ب\".","part":8,"page":232},{"id":3282,"text":"لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يَغُوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجرف عند سبا وأما يَعُوق فكانت لهمدان، وأما نَسْر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع (1) ذكره في تفسيره.\rوروى سفيان عن موسى عن محمد بن قيس قوله تعالى: \"ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا\" قال: كانت أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا فى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تُعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عُبِدَتْ (2) .\rوروي عن ابن عباس: أن تلك الأوثان دفنها الطوفان وطمها التراب، فلم تزل مدفونة حتى أخرجها الشيطان لمشركي العرب، وكانت للعرب أصنام أخر فاللات كانت لثقيف، والعزى لسليم وغطفان وجشم ومناة لقديد، وإساف ونائلة وهُبل لأهل مكة.\r{ وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلا ضَلالا (24) مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (25) }\r{ وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا } أي: ضل بسبب الأصنام كثير من الناس كقوله عز وجل: \"رب إنهن أضللن كثيرا من الناس\" (إبراهيم-36) وقال مقاتل: أضل كبراؤهم كثيرًا من الناس { وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلا ضَلالا } هذا دعاء عليهم بعدما أعلم الله نوحًا أنهم لا يؤمنون، وهو قوله: \"أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن\" (هود-36) . { مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ } أي: من خطيئاتهم و\"ما\" صلة، وقرأ أبو عمرو: \"خطاياهم\" وكلاهما جمع خطيئة { أُغْرِقُوا } بالطوفان { فَأُدْخِلُوا نَارًا } قال الضحاك: هي في حالة واحدة في الدنيا يغرقون من جانب ويحترقون من جانب، وقال مقاتل: فأدخلوا نارًا في الآخرة { فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا } لم يجدوا أحدًا يمنعهم من عذاب الله.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة نوح، باب (ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق) 8 / 667.\r(2) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة نوح، باب (ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق) 8 / 667. قال الحافظ - ابن حجر -: 8 / 669: \"ثم قال هذا الشارح (يعني الصدفي) والصواب وهي. قلت: ووقع في رواية محمد بن ثور بعد قوله \"وأما نسر فكانت لآل ذي الكلاع، قال: \"ويقال هذه أسماء قوم صالحين\" وهذا أوجه الكلام وصوابه، وقال بعض الشراح: محصل ما قيل في هذه الأصنام قولان: أحدهما أنها كانت في قوم نوح، والثاني أنها كانت أسماء رجال صالحين إلى آخر القصة. قلت: بل مرجع ذلك إلى قول واحد، وقصة الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح هذه الأصنام ثم تبعهم من بعدهم على ذلك\".","part":8,"page":233},{"id":3283,"text":"{ وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلا تَبَارًا (28) }\r{ وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا } أحدًا يدور في الأرض فيذهب ويجيء أصله من الدوران وقال [ابن قتيبة] (1) إن أصله من الدار، أي: نازل دار (2) . { إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ } قال ابن عباس، والكلبي ومقاتل: كان الرجل ينطلق بابنه إلى نوح فيقول: احذر هذا فإنه كذاب، وإن أبي حذرنيه فيموت الكبير وينشأ الصغير عليه { وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا } قال محمد بن كعب، ومقاتل، والربيع، وغيرهم: إنما قال نوح هذا حين أخرج الله كل مؤمن من أصلابهم وأرحام نسائهم وأعقم أرحام نسائهم وأيبس أصلاب رجالهم قبل العذاب بأربعين سنة. [وقيل سبعين سنة] (3) وأخبر الله نوحا أنهم لا يؤمنون ولا يلدون مؤمنًا فحينئذ دعا عليهم نوح فأجاب الله دعاءه، وأهلكهم كلهم ولم يكن فيهم صبي وقت العذاب لأن الله تعالى قال: \"وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم\" (الفرقان-37) ولم يوجد التكذيب من الأطفال (4) . { رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ } واسم أبيه: لمك بن متوشلخ، واسم أمه: سمحاء بنت أنوش، وكانا مؤمنين [وقيل اسمها هيجل بنت لاموش بن متوشلخ فكانت بنت عمه] (5) { وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ } داري { مُؤْمِنًا } وقال الضحاك والكلبي: مسجدي. وقيل: سفينتي { وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } هذا عام في كل من آمن بالله وصدَّق الرسل { وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلا تَبَارًا } هلاكًا ودمارًا فاستجاب الله دعاءه فأهلكهم.\r__________\r(1) في \"ب\" القتيبي.\r(2) انظر: القرطين: 2 / 182.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(4) ذكره صاحب البحر المحيط: 8 / 343 ثم قال: \"وهذا لا يظهر لأنه قال: \"إنك إن تذرهم يضلوا عبادك\" الآية، فقوله: \"ولا يلدوا إلا فاجرا وكفارا\" يدل على أنه لم يعقم أرحام نسائهم، وقاله محمد بن كعب والربيع بن زيد ولا يظهر كما قلنا\".\r(5) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":8,"page":234},{"id":3284,"text":"سورة الجن مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا (3) }\r{ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ } وكانوا تسعة من جن نصيبين. وقيل سبعة استمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ذكرنا خبرهم في سورة الأحقاف { فَقَالُوا } لما رجعوا إلى قومهم { إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا } قال ابن عباس: بليغًا أي: قرآنًا ذا عجب يُعجَب منه لبلاغته. { يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ } يدعو إلى الصواب من التوحيد والإيمان { فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا } { وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا } قرأ أهل الشام والكوفة غير أبي بكر عن عاصم: \"وأنه تعالى\" بفتح الهمزة وكذلك ما بعده إلى قوله { وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ } وقرأ الآخرون بكسرهن، وفتح أبو جعفر منها \"وأنه\" وهو ما كان مردودا [إلى] (2) الوحي وكسر ما كان حكاية عن الجن.\rوالاختيار كسر الكل لأنه من قول الجن لقومهم فهو معطوف على قوله: \"فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا\" وقالوا: \"وأنه تعالى\" .\rومن فتح ردَّه على قوله: \"فآمنا به\" وآمنا بكل ذلك؛ ففتح \"أن\" لوقوع الإيمان عليه.\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة الجن بمكة. انظر: الدر المنثور: 8 / 296.\r(2) في \"ب\" على.","part":8,"page":235},{"id":3285,"text":"{ جَدُّ رَبِّنَا } [جلال] (1) ربنا وعظمته، قاله مجاهد وعكرمة وقتادة. يقال: جَدَّ الرجلُ أي: عظم، ومنه قول أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جَدَّ فينا أي: عظم قدره.\rوقال السدي: \"جد ربنا\" أي أمر ربنا. وقال الحسن: غنى ربنا. ومنه قيل للجد: حظ ورجل مجدود.\rوقال ابن عباس: قدرة ربنا. قال الضحاك: فعله.\rوقال القرظي: آلاؤه ونعماؤه على خلقه.\rوقال الأخفش: علا ملك ربنا { مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا } قيل: تعالى جل جلاله وعظمته عن أن يتخذ صاحبةً [أو ولدًا] (2) .\r{ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (4) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (5) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6) }\r{ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا } جاهلنا قال مجاهد وقتادة: هو إبليس { عَلَى اللَّهِ شَطَطًا } كذبًا وعدوانًا وهو وصفه بالشريك والولد. { وَأَنَّا ظَنَنَّا } حسبنا { أَنْ لَنْ تَقُولَ الإنْسُ وَالْجِنُّ } قرأ يعقوب \"تقوّل\" بفتح الواو وتشديدها { عَلَى اللَّهِ كَذِبًا } أي: كنا نظنهم صادقين في قولهم إن لله صاحبةً وولدًا حتى سمعنا القرآن. قال الله تعالى: { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ } وذلك أن الرجل من العرب في الجاهلية كان إذا سافر فأمسى في أرض قفر، قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فيبيت في أمن وجوار منهم حتى يصبح.\rأخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا ابن فنجويه، حدثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك، حدثنا أبو القاسم [عبد الرحمن] (3) بن محمد بن إسحاق المروزي\r__________\r(1) في \"أ\" جد.\r(2) في \"ب\" ولا ولدا.\r(3) في \"ب\" عبد الله والصحيح ما أثبت.","part":8,"page":238},{"id":3286,"text":"حدثنا موسى بن سعيد بن النعمان بطرسوس، حدثنا فروة بن أبي 76/أ المغراء الكندي، حدثنا القاسم بن مالك، عن عبدالرحمن بن إسحاق، عن أبيه، عن كردم بن أبي سائب الأنصاري قال: خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة وذلك أول ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف النهار جاء ذئب فأخذ حملا من الغنم، فوثب الراعي [فقال] (1) يا عامر الوادي جارك فنادى منادٍ لا نراه، يقول: يا سرحان أرسله، فأتى الحمل يشتد حتى دخل الغنم ولم تصبه كدمة (2) فأنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم بمكة { وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا } يعني زاد الإنسُ الجنَّ باستعاذتهم بقادتهم رهقًا.\rقال ابن عباس: إثمًا. قال مجاهد: طغيانًا. قال مقاتل: غيًا. قال الحسن: شرًا قال إبراهيم: عظمةً وذلك أنهم كانوا يزدادون بهذا التعوذ طغيانًا يقولون: سدنا الجن والإنس، و\"الرَّهق\" في كلام العرب: الإثم وغشيان المحارم.\r{ وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (7) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (9) }\r{ وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا } يقول الله تعالى: إن الجن ظنوا { كَمَا ظَنَنْتُمْ } يا معشر الكفار من الإنس { أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا } بعد موته. { وَأَنَّا } تقول الجن { لَمَسْنَا السَّمَاءَ } قال الكلبي: السماء الدنيا { فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا } من الملائكة { وَشُهُبًا } من النجوم. { وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا } من السماء { مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ } أي: كنا نستمع { فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا } أرصد له ليرمى به.\rقال ابن قتيبة: إن الرجم كان قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لم يكن مثل ما كان بعد مبعثه\r__________\r(1) في \"ب\" فنادى.\r(2) ذكره ابن كثير في تفسيره: 4 / 430 ثم قال معقبا: \"وقد يكون هذا الذئب الذي أخذ الحمل وهو ولد الشاة كان جنيا حتى يرهب الإنسي ويخاف منه ثم رده عليه لما استجار به ليضله ويهينه ويخرجه عن دينه والله أعلم\". وعزاه في الدر المنثور: 8 / 298-299 لابن المنذر وابن أبي حاتم والعقيلي في الضعفاء والطبراني وأبي الشيخ في العظمة وابن عساكر. قال الهيثمي في المجمع: 7 / 129: \"رواه الطبراني وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي، وهو ضعيف\".","part":8,"page":239},{"id":3287,"text":"في شدة الحراسة، وكانوا يسترقون السمع في بعض الأحوال، فلما بعث [النبي صلى الله عليه وسلم] (1) منعوا من ذلك أصلا (2) ثم قالوا:\r{ وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (10) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (11) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الأرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (12) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا (13) }\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) انظر: القرطين: 2 / 184.","part":8,"page":240},{"id":3288,"text":"{ وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14) }\r{ وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأرْضِ } برمي الشهب { أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا } { وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ } دون الصالحين { كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا } أي: جماعات متفرقين وأصنافا مختلفة، والقِدَّة: القطعة من الشيء، يقال: صار القوم قددًا إذا اختلفت حالاتهم، وأصلها من القَدّ وهو القطع. قال مجاهد: يعنون: مسلمين وكافرين.\rوقيل: [ذوو] (1) أهواء مختلفة، وقال الحسن والسدي: الجن أمثالكم فمنهم قدرية ومرجئة ورافضة.\rوقال ابن كيسان: شيعًا وفرقًا لكل فرقة هوى كأهواء الناس.\rوقال سعيد بن جبير: ألوانًا شتى، وقال أبو عبيدة: أصنافًا. { وَأَنَّا ظَنَنَّا } علمنا وأيقنا { أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الأرْضِ } أي: لن نفوته إن أراد بنا أمرًا { وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا } إن طلبنا. { وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى } [القرآن وما أتى به محمد] (2) { آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا } نقصانًا من عمله وثوابه { وَلا رَهَقًا } ظلمًا. وقيل: مكروهًا يغشاه. { وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ } وهم الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم { وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ } الجائرون العادلون\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".","part":8,"page":240},{"id":3289,"text":"عن الحق. قال ابن عباس: هم الذين جعلوا لله ندا، يقال: أقسط الرجل إذا عدل فهو مسقط، وقسط إذا جار فهو قاسط { فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا } أي: قصدوا طريق الحق وتوخَّوه.\r{ وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15) وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (16) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17) }\r{ وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ } الذين كفروا { فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا } كانوا وقود النار يوم القيامة. ثم رجع إلى كفار مكة فقال: { وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ } اختلفوا في تأويلها فقال قوم: لو استقاموا على طريقة الحق والإيمان والهدى فكانوا مؤمنين مطيعين { لأسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا } كثيرًا قال مقاتل: وذلك بعدما رفع عنهم المطر سبع سنين. وقالوا معناه لو آمنوا لوسّعنا عليهم في الدنيا وأعطيناهم مالا كثيرًا وعيشًا رغدًا وضرب الماء الغدق مثلا لأن الخير والرزق كله في المطر، كما قال: \"ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم\" الآية (المائدة-66) وقال: \"ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء\" الآية (الأعراف-96) . وقوله تعالى: { لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } أي: لنختبرهم كيف شكرهم فيما خُوِّلوا. وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح والضحاك وقتادة ومقاتل والحسن.\rوقال آخرون: معناها وأن لو استقاموا على طريقة الكفر والضلالة لأعطيناهم مالا كثيرًا ولوسعنا عليهم لنفتنهم فيه، عقوبةً لهم واستدراجًا حتى يفتتنوا بها فنعذبهم، وهذا قول الربيع بن أنس وزيد بن أسلم والكلبي وابن كيسان، كما قال الله: \"فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء\" الآية (الأنعام-44) .\r{ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ } قرأ أهل الكوفة ويعقوب: \"يسلكه\" بالياء وقرأ الآخرون بالنون، أي: ندخله { عَذَابًا صَعَدًا } قال ابن عباس: شاقًا والمعنى ذا صعد أي: ذا مشقة. قال قتادة: لا راحة فيه. وقال مقاتل: لا فرح فيه. قال الحسن: لا يزداد إلا شدة. والأصل فيه أن الصعود يشق على [الناس] (1) .\r__________\r(1) في \"ب\" الإنسان.","part":8,"page":241},{"id":3290,"text":"{ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19) }\r{ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ } يعني المواضع التي بنيت للصلاة وذكر الله { فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله فأمر الله المؤمنين أن يخلصوا لله الدعوة إذا دخلوا المساجد وأراد بها المساجد كلها (1) .\rوقال الحسن: أراد بها البقاع كلها لأن الأرض جعلت كلها مسجدًا للنبي صلى الله عليه وسلم.\rوقال سعيد بن جبير: قالت الجن للنبي صلى الله عليه وسلم كيف لنا أن [نأتي المسجد وأن] (2) نشهد معك الصلاة ونحن ناءون؟ فنزلت: \"وأن المساجد لله\" (3) .\rوروي عن سعيد بن جبير أيضا: أن المراد بالمساجد الأعضاء التي يسجد عليها الإنسان وهي سبعة: الجبهة واليدان والركبتان والقدمان؟ يقول: هذه الأعضاء التي يقع عليها السجود مخلوقة لله فلا تسجدوا عليها لغيره (4) .\rأخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن العباس الحميدي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا علي بن الحسن الهلالي والسري بن خزيمة قالا حدثنا يعلى بن أسد، حدثنا وهيب، عن عبد الله بن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء: الجبهة -وأشار بيده إليها -واليدين والركبتين وأطراف القدمين ولا أكف الثوب ولا الشعر\" (5) .\rفإن جعلت المساجد مواضع الصلاة فواحدها مسجِد بكسر الجيم، وإن جعلتها الأعضاء فواحدها مسجَد بفتح الجيم. { وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ } قرأ نافع وأبو بكر بكسر الهمزة، وقرأ الباقون بفتحها 1/ب \"لما قام عبد الله\"\r__________\r(1) أخرجه عبد الرزاق في التفسير: 2 / 323.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) أخرجه الطبري: 29 / 117، وابن كثير: 4 / 432. وانظر : الدر المنثور: 8 / 306.\r(4) ذكره ابن كثير في تفسيره: 4 / 432-433.\r(5) أخرجه البخاري في الأذان، باب السجود على الأنف: 2 / 297، ومسلم في الصلاة، باب أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب وعقص الرأس في الصلاة برقم: (230): 1 / 354، والمصنف في شرح السنة: 3 / 136.","part":8,"page":242},{"id":3291,"text":"يعني النبي صلى الله عليه وسلم { يَدْعُوهُ } يعني يعبده ويقرأ القرآن، ذلك حين كان يصلي ببطن نخلة ويقرأ القرآن { كَادُوا } يعني الجن { يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا } أي يركب بعضهم بعضًا ويزدحمون حرصًا على استماع القرآن. هذا قول الضحاك ورواية عطية عن ابن عباس.\rوقال سعيد بن جبير عنه: هذا من قول النفر الذين رجعوا إلى قومهم من الجن أخبروهم بما رأوا من طاعة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واقتدائهم به في الصلاة (1) .\rوقال الحسن وقتادة وابن زيد يعني لما قام عبد الله بالدعوة تلبدت الإنس والجن، وتظاهروا عليه ليبطلوا الحق الذي جاءهم به، ويطفئوا نور الله فأبى الله إلا أن يتم نوره، ويتم هذا الأمر، وينصره على من ناوأه (2) .\rوقرأ هشام عن ابن عامر: \"لُبدًا\" بضم اللام، وأصل \"اللبد\" الجماعات بعضها فوق بعض، ومنه سمى اللبد الذي يفرش لتراكمه، وتلبد الشعر: إذا تراكم.\r{ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (20) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا (21) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (22) إِلا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (23) }\r{ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي } قرأ أبو جعفر وعاصم وحمزة: \"قل\" على الأمر، وقرأ الآخرون: \"قال\" يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم \"إنما أدعو ربي\" قال مقاتل: وذلك أن كفار مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لقد جئت بأمر عظيم فارجع عنه فنحن نجيرك، فقال لهم: إنما أدعو ربي { وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا } { قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا } لا أقدر أن أدفع عنكم ضرًا { وَلا رَشَدًا } أي لا أسوق إليكم رشدًا أي: خيرًا يعني أن الله يملكه. { قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ } لن يمنعني من أحد إن عصيته { وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا } ملجأ أميل إليه. ومعنى \"الملتحد\" أي: المائل. قال السدي: حرزًا. وقال الكلبي: مدخلا في الأرض مثل السِّرب. { إِلا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ } ففيه الجوار والأمن والنجاة، قاله الحسن. قال مقاتل: ذلك الذي يجيرني من عذاب الله، يعني التبليغ. وقال قتادة: إلا بلاغًا من الله فذلك الذي أملكه بعون\r__________\r(1) ذكره الطبري: 29 / 118. زيادة من \"ب\".\r(2) أخرجه الطبري: 29 / 118 انظر: القرطين: 2 / 184.","part":8,"page":243},{"id":3292,"text":"الله وتوفيقه. وقيل: لا أملك لكم ضرًا ولا رشدًا لكن أبلغ بلاغًا من الله فإنما أنا مرسل به لا أملك إلا ما ملكت { وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } ولم يؤمن { فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا }\r{ حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (24) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (25) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28) }\r{ حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ } يعني العذاب يوم القيامة { فَسَيَعْلَمُونَ } عند نزول العذاب { مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا } أهم أم المؤمنون. { قُلْ إِنْ أَدْرِي } [أي ما أدري] (1) { أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ } يعني العذاب وقيل القيامة { أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا } أجلا وغاية تطول مدتها يعني: أن علم وقت العذاب غيب لا يعلمه إلا الله. { عَالِمُ الْغَيْبِ } رفع على نعت قوله \"ربي\" وقيل: هو عالم الغيب { فَلا يُظْهِرُ } لا يطلع { عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا } { إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ } إلا من يصطفيه لرسالته فيظهره على ما يشاء من الغيب لأنه يستدل على نبوته بالآية المعجزة بأن يخبر عن الغيب { فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا } ذكر بعض الجهات دلالة على جميعها رصدًا أي: يجعل بين يديه وخلفه حفظة من الملائكة يحفظونه من الشياطين أن يسترقوا السمع، ومن الجن أن يستمعوا الوحي فيلقوا إلى الكهنة.\rقال مقاتل وغيره: كان الله إذا بعث رسولا أتاه إبليس في صورة مَلَك يخبره فيبعث الله من بين يديه ومن خلفه رصدًا من الملائكة يحرسونه ويطردون الشياطين، فإذا جاءه شيطان في صورة ملك أخبروه بأنه شيطان، فاحذره وإذا جاءه ملك قالوا له: هذا رسول ربك (2) .\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) انظر: الطبري: 29 / 122.","part":8,"page":244},{"id":3293,"text":"{ لِيَعْلَمَ } قرأ يعقوب: \"ليُعلم\" بضم الياء أي ليعلم الناس { أَنْ } الرسل { قَدْ أَبْلَغُوا } وقرأ الآخرون بفتح الياء أي: \"لَيعلم\" الرسول، أن الملائكة قد أبلغوا { رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ } أي: علم الله ما عند الرسل فلم يخفَ عليه شيء { وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا } قال ابن عباس: أحصى ما خلق وعرف عدد ما خلق فلم يَفُتْه علم شيءٍ حتى مثاقيل الذر والخردل. ونصب \"عددًا\" على الحال، وإن شئت على المصدر، أي عدَّ [عدَّا] (1) .\r__________\r(1) في \"ب\" عددا.","part":8,"page":245},{"id":3294,"text":"سورة المزمل مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا (4) }\r{ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ } أي الملتفف بثوبه. وأصله: المتزملُ أدغمت التاء في الزاي ومثله المدثر، أي: المتدثر ادغمت التاء في الدال، يقال: تزمل وتدثر بثوبه إذا تغطى به.\rوقال السدي: أراد يا أيها النائم قم فصلِّ.\rقال [العلماء] (2) كان هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم في أول الوحي قبل تبليغ الرسالة، ثم خوطب بعد بالنبي والرسول. { قُمِ اللَّيْلَ } أي للصلاة { إِلا قَلِيلا } وكان قيام الليل فريضة في الابتداء وبيَّن قَدْرَه فقال: { نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا } إلى الثلث. { أَوْ زِدْ عَلَيْهِ } على النصف إلى الثلثين، خيَّره بين هذه المنازل، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يقومون على هذه المقادير، وكان الرجل لا يدري متى ثلث الليل ومتى نصف الليل ومتى الثلثان، فكان [الرجل] (3) يقوم حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ القدرَ الواجب، واشتد ذلك عليهم حتى انتفخت أقدامهم فرحمهم الله وخفف عنهم ونسخها بقوله: \"فاقرءوا ما تيسر من القرآن علم الله أن سيكون منكم مرضى\" الآية. فكان بين أول السورة وآخرها سنة (4) .\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت (يا أيها المزمل) بمكة. انظر: الدر المنثور: 8 / 311.\r(2) في \"أ\" الحكماء.\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) ورد معنى هذا القول في عدد من الأحاديث ذكرها الطبري: 29 / 126، وصاحب الدر المنثور: 8 / 312.","part":8,"page":246},{"id":3295,"text":"أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفراييني، أخبرنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ، حدثنا الحسن بن علي بن عفان، حدثنا يحيى بن بشير، حدثنا سعيد -يعني ابن أبي عروبة -حدثنا قتادة عن زرارة بن أبي أوفى عن سعيد بن هشام قال: انطلقت إلى عائشة رضي الله عنها فقلت: يا أم المؤمنين انبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: [ألست] (1) تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خُلق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن، قلت: فقيام رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أم المؤمنين؟ قالت: ألست تقرأ: \"يا أيها المزمل\" قلت: بلى، قالت: فإن الله افترض القيام في أول هذه السورة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرًا في السماء، ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعًا بعد الفريضة (2) .\rقال مقاتل وابن كيسان: كان هذا بمكة قبل أن تفرض الصلوات الخمس، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس.\r{ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا } قال 177/أ ابن عباس: بيِّنه بيانًا. وقال الحسن: اقرأه قراءة بيّنة. وقال مجاهد: تَرَسَّل فيه ترسلا. وقال قتادة: تثبت فيه تثبتًا. وعن ابن عباس أيضا: اقرأه على هينتك ثلاث آيات أو أربعًا أو خمسًا.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا همام عن قتادة قال: سئل أنس كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كانت مدًا مدًا، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم (3)\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا عمرو بن مرة قال: سمعت أبا وائل قال: جاء رجل إلى ابن مسعود، قال: قرأت المفصل الليلة في ركعة، فقال: هذًّا كهذِّ الشعر؟ لقد عرفت النظائر التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل سورتين [من آل حاميم]\r__________\r(1) في \"أ\" أتقرأ.\r(2) أخرج مسلم في باب جامع صلاة الليل من كتاب صلاة المسافرين وقصرها مطولا برقم: (746) 1 / 513 عن حكيم ابن أفلح قال لعائشة - رضي الله عنها: \"يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قالت: فإن خلق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن\". وباللفظ الذي ساقه المصنف أخرجه: أحمد: 6 / 91، والبيهقي: 2 / 499، والطبري: 29 / 13.\r(3) أخرجه البخاري في فضائل القرآن، باب مد القراءة: 9 / 91، والمصنف في شرح السنة: 4 / 481.","part":8,"page":250},{"id":3296,"text":"في [كل] ركعة (1) .\rأخبرنا أبو جعفر أحمد بن أبي أحمد بن مثويه، أخبرنا الشريف أبو القاسم علي بن محمد بن علي بن الحسيني الحراني فيما كتبه إليّ [أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين الآجري] (2) أخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن حميد الواسطي، حدثنا زيد بن أخزم، حدثنا محمد بن الفضل، حدثنا سعيد بن زيد، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله -يعني ابن مسعود -قال: لا تنثروه نثرَ الدقل ولا تهذوه هذَّ الشعر، قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة (3) .\rأخبرنا أبو جعفر أحمد بن أبي أحمد بن مثويه، أخبرنا الشريف أبو القاسم علي بن محمد علي بن الحسين الحراني فيما كتب إلي، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين الآجري، حدثنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد، حدثنا الحسين بن الحسن المروزي، حدثنا ابن المبارك، ح، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمد، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن عبيدة وهو أخوه عن سهل بن سعد الساعدي قال: بينا نحن نقرأ إذ خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \"الحمد لله كتاب الله واحد وفيكم الأخيار وفيكم الأحمر والأسود اقرءوا [القرآن] (4) قبل أن يأتي أقوام يقرءونه، يقيمون حروفه كما يقام السهم لا يجاوز تراقيهم، يتعجلون أخره ولا يتأجلونه\" (5) .\rأخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا أبو بكر محمد بن نافع البصري، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن إسماعيل بن مسلم العبدي، عن أبي المتوكل الناجي، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قام النبي صلى الله عليه وسلم بآية من القرآن ليلة (6) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الأذان، باب الجمع بين السورتين في الركعة: 2 / 255، ومسلم في صلاة المسافرين، باب ترتيل القراءة برقم: (722) 1 / 565، والمصنف في شرح السنة: 4 / 23.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) أخرجه محمد بن نصر المروزي في \"قيام الليل\" ص: (116) مختصر المقريزي. وأخرجه أيضا العسكري في \"المواعظ\" موقوفا عن علي رضي الله عنه. انظر: الدر المنثور: 8 / 314. وذكره ابن كثير عن البغوي.\r(4) ساقط من \"ب\".\r(5) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب ما تجزئ الأمي والأعجمي من القراءة: 1 / 395، والإمام أحمد: 5 / 338.\r(6) أخرجه الترمذي في الصلاة، باب ما جاء في القراءة بالليل: 2 / 529 قال أبو عيسى: \"هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، والمصنف في شرح السنة: 4 / 25 قال الأرناؤوط: \"إسناده صحيح ويشهد له الحديث الثاني: (عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم ردد هذه الآية حتى أصبح: \"إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم\" يعني في الصلاة).","part":8,"page":251},{"id":3297,"text":"ورواه أبو ذر، قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم ليلة حتى أصبح بآية [من القرآن] (1) والآية: \"إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم\" (المائدة-118) (2) .\r{ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا (5) }\r{ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا } قال ابن عباس رضي الله عنهما: شديدًا. قال الحسن: إن الرجل ليهذّ السورة ولكن العمل بها ثقيل.\rوقال قتادة: ثقيل والله فرائضه وحدوده. وقال مقاتل: ثقيل لما فيه من الأمر والنهي والحدود.\rوقال أبو العالية: ثقيل بالوعد والوعيد والحلال والحرام. وقال محمد بن كعب: ثقيل على المنافقين.\rوقال الحسين بن الفضل: قولا خفيفًا على اللسان ثقيلا في الميزان.\rقال الفراء: ثقيل ليس بخفيف السفساف لأنه كلام ربنا (3) .\rوقال ابن زيد: هو والله ثقيل مبارك، كما ثقل في الدنيا ثقل في الموازين يوم القيامة (4) .\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن هشام بن عروة عن [أبيه] (5) عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم [أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم] (6) فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أحيانا يأتيني [في] (7) مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليَّ فيفصم عني وقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول\". قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه\r__________\r(1) زيادة من \"أ\".\r(2) أخرجه النسائي في سننه: 2 / 177، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب ما جاء في القراءة في صلاة الليل برقم: (1350) 1 / 429، وصححه الحاكم: 1 / 241 ووافقه الذهبي، والمصنف في شرح السنة: 4 / 26.\r(3) معاني القرآن: 3 / 197.\r(4) ذكر أكثر هذه الأقوال الطبري: 29 / 127-128 ثم قال: \"وأولى الأقوال بالصواب في ذلك أن يقال: إن الله وصفه بأنه قول ثقيل، فهو كما وصفه به ثقيل محمله، ثقيل العمل بحدوده وفرائضه\".\r(5) ساقط من \"ب\".\r(6) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(7) زيادة من \"أ\".","part":8,"page":252},{"id":3298,"text":"الوحي في اليوم الشاتي الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا (1) .\r{ إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلا (6) }\rقوله عز وجل: { إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ } أي: ساعاته كلها وكل ساعة منه ناشئة، سميت بذلك لأنها تنشا أي: تبدو، ومنه: نشأتِ السحابة إذا بدت، فكل ما حدث بالليل وبدا فقد نشأ فهو ناشئ، والجمع ناشئة.\rوقال ابن أبي مليكة: سألت ابن عباس وابن الزبير عنها فقالا الليل كله ناشئة (2) وقال سعيد بن جبير وابن زيد: أي: ساعة قام من الليل فقد نشأ وهو بلسان الحبش [القيام يقال] (3) نشأ فلان أي: قام (4) .\rوقالت عائشة: الناشئة القيام بعد النوم.\rوقال ابن كيسان: هي القيام من آخر الليل.\rوقال عكرمة: هي القيام من أول الليل.\rروي عن علي بن الحسين أنه كان يصلي بين المغرب والعشاء، ويقول: هذه ناشئة الليل. وقال الحسن: كل صلاة بعد العشاء الآخرة فهي ناشئة من الليل.\rوقال الأزهري: \"ناشئة الليل\" قيام الليل، مصدر جاء على فاعلة كالعافية بمعنى العفو.\r{ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا } قرأ ابن عامر [وأبو عمرو] (5) وطاء بكسر الواو ممدودًا بمعنى المواطأة والموافقة، يقال: واطأت فلانًا مواطأة ووطئًا، إذا وافقته، وذلك أن مواطأة القلب والسمع والبصر واللسان بالليل تكون أكثر مما يكون بالنهار.\rوقرأ الآخرون: [وَطْئًا] (6) بفتح الواو وسكون الطاء، أي: أشد على المصلي وأثقل من صلاة النهار لأن الليل للنوم والراحة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: \"اللهم اشدد وطأتك على مضر\" (7) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في بدء الوحي: 1 / 18، ومسلم في الفضائل، باب عرق النبي صلى الله عليه وسلم في البرد وحين يأتيه الوحي برقم: (2333) 4 / 1816-1817، والمصنف في شرح السنة: 13 / 321-322.\r(2) أخرجه الطبري: 29 / 128.\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) أخرجه الطبري: 29 / 128.\r(5) ساقط من \"أ\".\r(6) زيادة من \"أ\".\r(7) قطعة من حديث أخرجه البخاري في الدعوات، باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة: 11 / 193-194، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة برقم: (675) 1 / 466-467. وساقه المصنف في شرح السنة: 5 / 152.","part":8,"page":253},{"id":3299,"text":"وقال ابن عباس: كانت صلاتهم أول الليل هي أشد وطا يقول هي أجدر أن تحصوا ما فرض الله عليكم من القيام، وذلك أن الإنسان إذا نام لم يدر متى يستيقظ (1) .\rوقال قتادة: أثبت في الخير وأحفظ للقراءة (2) .\rوقال الفراء: أثبت قيامًا (3) أي: أوطأ للقيام وأسهل للمصلي من ساعات النهار لأن النهار خلق لتصرف العباد، والليل للخلوة فالعبادة فيه أسهل. وقيل: أشد نشاطًا.\rوقال ابن زيد: أفرغ له قلبًا من النهار لأنه لا تعرض له حوائج (4) .\rوقال الحسن: أشد وطأ للخير وأمنع من الشيطان.\r{ وَأَقْوَمُ قِيلا } وأصوب قراءة وأصح قولا لهدأة الناس وسكون الأصوات.\rوقال الكلبي: أبين قولا 177/ب بالقرآن.\rوفي الجملة: عبادة الليل أشدُّ نشاطًا وأتم إخلاصًا وأكثر بركةً وأبلغ في الثواب [من عبادة النهار] (5) .\r{ إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلا (7) }\r{ إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلا } أي: تصرفًا وتقلبًا وإقبالا وإدبارًا في حوائجك وأشغالك، وأصل \"السبح\" سرعة الذهاب، ومنه السباحة في الماء وقيل: \"سبحا طويلا\" أي: فراغًا وسعة لنومك وتصرفك في حوائجك فصلِّ من الليل.\rوقرأ يحيى بن يعمر \"سبخًا\" بالخاء المعجمة أي: استراحة وتخفيفًا للبدن، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة، وقد دعت على سارق: \"لا تُسَبِّخي عنه بدعائك عليه\" (6) [أي: لا تخففي] (7) .\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 29 / 130.\r(2) أخرجه الطبري: 29 / 129.\r(3) معاني القرآن للفرء: 3 / 197.\r(4) معاني القرآن للفرء: 3 / 197.\r(5) ما بين القوسين زيادة من\"ب\".\r(6) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب الدعاء: 2 / 145، والمصنف في شرح السنة: 5 / 154 قال الأرناؤوط: \"وحبيب بن أبي ثابت كثير التدليس، وقد عنعن وبقية رجاله ثقات\".\r(7) زيادة من \"أ\".","part":8,"page":254},{"id":3300,"text":"{ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا (8) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا (9) وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلا (10) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلا (11) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالا وَجَحِيمًا (12) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (13) يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلا (14) }\r{ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ } بالتوحيد والتعظيم { وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا } قال ابن عباس وغيره: أخلص إليه إخلاصًا. وقال الحسن: اجتهد. وقال ابن زيد: تفرغ لعبادته. قال سفيان: توكل عليه توكلا. وقيل: انقطع إليه في العبادة انقطاعًا وهو الأصل في الباب، يقال: تبتلت الشيء أي: قطعته وصدقةٌ بتةٌ: أي: مقطوعة عن صاحبها لا سبيل له عليها والتبتيل: [التقطيع] (1) تفعيل منه يقال: بتلته فتبتل، والمعنى: بتّل نفسك إليه، ولذلك قال: تبتيلا. قال زيد بن أسلم: التبتل رفض الدنيا وما فيها والتماس ما عند الله تعالى. { رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ } قرأ أهل الحجاز، وأبو عمرو وحفص: \"ربُّ\" برفع الباء على الابتداء، وقرأ الآخرون بالجر على نعت الرب في قوله: \"واذكر اسم ربك\" { لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا } قيّمًا بأمورك ففوضها إليه. { وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلا } نسختها آية القتال (2) . { وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلا } نزلت في صناديد قريش المستهزئين. وقال مقاتل بن حيان: نزلت في المطعمين ببدر ولم يكن إلا يسير حتى قتلوا ببدر (3) . { إِنَّ لَدَيْنَا } عندنا في الآخرة { أَنْكَالا } قيودًا عظامًا لا تنفك أبدًا واحدها نكل. قال الكلبي: أغلالا من حديد { وَجَحِيمًا } { وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ } غير سائغة يأخذ بالحق لا ينزل ولا يخرج وهو الزقوم والضريع. { وَعَذَابًا أَلِيمًا } { يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ وَالْجِبَالُ } أي: تتزلزل وتتحرك { وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلا }\r__________\r(1) راجع فيما سبق: 3 / 32 تعليق (1).\r(2) راجع فيما سبق: 3 / 32 تعليق (1).\r(3) تقدم بيان ذلك في سورة الأنفال.","part":8,"page":255},{"id":3301,"text":"رملا سائلا. قال الكلبي: هو الرمل الذي إذا أخذت منه شيئا تبعك ما بعده، يقال أهلت الرمل أهيله هيلا إذا حركت أسفله حتى انهال من أعلاه.\r{ إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلا (16) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (17) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولا (18) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا (19) }","part":8,"page":256},{"id":3302,"text":"{ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوه عنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (20) }\r{ إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا } .\r{ فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلا } ، شديدًا ثقيلا يعني عاقبناه عقوبة غليظة يخوف كفار مكة. { فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ } أي: كيف لكم بالتقوى يوم القيامة إذ كفرتم في الدنيا يعني لا سبيل لكم إلى التقوى إذا وافيتم يوم القيامة؟ وقيل: معناه كيف تتقون العذاب يوم القيامة وبأي شيء تتحصنون منه إذا كفرتم؟ { يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا } شمطًا من هوله وشدته، ذلك حين يقال لآدم قم فابعث بعث النار من ذريتك. ثم وصف هول ذلك اليوم فقال: { السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ } متشقق لنزول الملائكة به أي: بذلك المكان. وقيل: الهاء ترجع إلى الرب أي: بأمره وهيبته { كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولا } كائنًا. { إِنَّ هَذِهِ } أي: آيات القرآن { تَذْكِرَةٌ } تذكير وموعظة { فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا } بالإيمان والطاعة. { إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى } أقل من { ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ } قرأ أهل مكة والكوفة: \"نصفَهُ وثلثَهُ\" بنصب الفاء والثاء وإشباع الهاءين ضمًا أي: وتقوم نصفه وثلثه وقرأ الآخرون بجر الفاء والثاء وإشباع الهاءين كسرًا عطفًا على ثلثي { وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ } يعني المؤمنين وكانوا يقومون معه { وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ } قال عطاء: يريد لا يفوته علم ما تفعلون، أي أنه يعلم مقادير الليل والنهار فيعلم القدر الذي تقومون من الليل { عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ }","part":8,"page":256},{"id":3303,"text":"قال الحسن: قاموا حتى انتفخت أقدامهم، فنزل: \"علم أن لن تحصوه\" لن تطيقوا معرفة ذلك. وقال مقاتل: كان الرجل يصلي الليل كله، مخافة أن لا يصيب ما أمر به من القيام، فقال: علم أن لن تحصوه لن تطيقوا معرفة ذلك. { فَتَابَ عَلَيْكُمْ } فعاد عليكم بالعفو والتخفيف { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ } يعني في الصلاة، قال الحسن: يعني في صلاة المغرب والعشاء.\rقال قيس بن أبي حازم: صليت خلف ابن عباس بالبصرة فقرأ في أول ركعة بالحمد وأول آية من البقرة [ثم قام في الثانية فقرأ بالحمد والآية الثانية من البقرة] (1) ثم ركع فلما انصرف أقبل علينا فقال: إن الله عز وجل يقول: فاقرءوا ما تيسر [منه] (2)\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا عثمان بن أبي صالح، حدثنا ابن لهيعة، حدثني حميد بن مخراق، عن أنس بن مالك أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"من قرأ خمسين آية في يوم أو في ليلة لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ مائتي آية لم يحاجه القرآن يوم القيامة، ومن قرأ خمسمائة آية كتب له قنطار من الأجر\" (3) .\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثني القاسم بن زكريا حدثنا عبيد الله بن موسى عن شيبان، عن يحيى [بن كثير] عن محمد [عبد الله] (4) بن عبد الرحمن مولى بني زهرة عن أبي سلمة عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"اقرأ القرآن في كل شهر\" قال قلت: إني أجد قوة، قال: \"فاقرأه في [كل] (5) عشرين ليلة\" قال قلت: إني أجد قوة، قال: \"فاقرأه في كل سبع ولا تزد على ذلك\" (6) .\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) في \"ب\" من القرآن. عزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 323 للدارقطني والبيهقي في السنن وقد حسناه.\r(3) أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة بروايات وألفاظ متقاربة برقم: (698-700) ص (326-327) وفيه يزيد الرقاشي وهو ضعيف، قال الحافظ ابن حجر: سنده ضعيف، روي لنا بعضه من وجه آخر بسند صحيح ثم أخرجه من حديث تميم الداري. انظر: الفتوحات الربانية: 3 / 275-276، الترغيب والترهيب: 2 / 447، مجمع الزوائد: 2 / 267.\r(4) ساقط من \"أ\".\r(5) زيادة من \"أ\".\r(6) أخرجه مسلم في الصيام، باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به برقم: (1159) 2 / 812، والبخاري في فضائل القرآن، باب في كم يقرأ القرآن: 9 / 95 إلا قوله: (قال: فاقرأه في كل عشرين ليلة، قلت: إني لأجد قوة).","part":8,"page":257},{"id":3304,"text":"قوله عز وجل: { عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ } يعني المسافرين للتجارة يطلبون من رزق الله { وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } لا يطيقون قيام الليل.\rروى إبراهيم عن ابن مسعود قال: أيما رجل جلب شيئًا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرًا محتسبًا فباعه بسعر يومه كان عند الله بمنزلة الشهداء ثم قرأ عبد الله: \"وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله\" [يعني المسافرين للتجارة يطلبون رزق الله] (1) \"وآخرون 178/أ يقاتلون في سبيل الله\" (2) .\r{ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } أي [ما تيسر عليكم] (3) من القرآن. [قال أهل التفسير] (4) كان هذا في صدر الإسلام ثم نسخ بالصلوات الخمس، وذلك قوله: { وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } قال ابن عباس: يريد ما سوى الزكاة من صلة الرحم، وقرى الضيف. { وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوه، عنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا } تجدوا ثوابه في الآخرة أفضل مما أعطيتم { وَأَعْظَمَ أَجْرًا } من الذي أخرتم ولم تقدموه، ونصب \"خيرا وأعظم\" على المفعول الثاني، فإن الوجود إذا كان بمعنى الرؤية يتعدى إلى مفعولين، وهو فصل في قول البصريين وعماد في قول الكوفيين لا محل لها في الإعراب.\rأخبرنا أبو القاسم يحيى بن علي الكشميهني، أخبرنا أبو نصر أحمد بن علي البخاري بالكوفة، أخبرنا أبو القاسم نصر بن أحمد الفقيه بالموصل، حدثنا أبو يعلى الموصلي، حدثنا أبو خيثمة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد قال: قال عبد الله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه\"؟ قالوا: يا رسول الله ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال ارثه. قال: \"اعلموا ما تقولون\" قالوا: ما نعلم إلا ذلك يا رسول الله، قال [: \"ما منكم\r__________\r(1) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(2) عزاه ابن حجر في الكافي الشاف ص: (179) للثعلبي من رواية فرقد السبخي عن إبراهيم عن ابن مسعود موقوفا. وفرقد ضعيف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 323 لابن مردويه.\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) ساقط من \"ب\".","part":8,"page":258},{"id":3305,"text":"رجل إلا مال وارثه أحب إليه من ماله\" قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال] (1) \"إنما مال أحدكم ما قدم ومال وارثه ما أخره\" (2) .\r{ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ } لذنوبكم { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) أخرجه البخاري في الرقاق، باب ما قدم من ماله فهو له: 11 / 260، والمصنف في شرح السنة: 14 / 259-260.","part":8,"page":259},{"id":3306,"text":"سورة المدثر مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) }\r[ { يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ } ] (2) ، أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى، حدثنا وكيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة [بن] (3) عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن؟ قال: \"يا أيها المدثر\" قلت: يقولون: \"اقرأ باسم ربك الذي خلق\" (العلق-1) ؟ فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله عن ذلك، فقلت له مثل الذي قلت، فقال جابر: لا أحدثك إلا بما حدثنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: \"جاورت بحراء فلما قضيت جواري هبطت، فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا ونظرت أمامي فلم أر شيئًا ونظرت خلفي فلم أر شيئًا فرفعت رأسي فرأيت شيئًا فأتيت خديجة فقلت: دثروني وصبوا علي ماء باردًا [قال] (4) فدثروني وصبوا علي ماء باردًا قال فنزلت: \"يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر\" (5) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث، عن عقيل قال ابن شهاب: سمعت أبا\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس وابن مردويه والنحاس والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة المدثر بمكة. انظر: الدر المنثور: 8 / 324.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) زيادة من \"ب\".\r(5) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة المدثر: 8 / 676-677، ومسلم في الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم برقم: (161): 1 / 144.","part":8,"page":260},{"id":3307,"text":"سلمة قال: أخبرني جابر بن عبد الله: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث عن فترة الوحي: \"فبينا أنا أمشي سمعت صوتًا من السماء فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فخشيت حتى هويت على الأرض، فجئت أهلي فقلت: زملوني زملوني [فزملوني] (1) فأنزل الله تعالى: \"يا أيها المدثر قم فأنذر\" إلى قوله: \"فاهجر\" قال أبو سلمة: والرجز الأوثان، ثم حمي الوحي وتتابع\" (2) .\r{ قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) }\rقوله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ } أي: أنذر كفار مكة. { وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ } عظمه عما يقوله عبدة الأوثان. { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ } قال قتادة ومجاهد: نفسك فطهر [عن الذنب] (3) فكنى عن النفس بالثوب، وهو قول إبراهيم والضحاك والشعبي والزهري. وقال عكرمة: سئل ابن عباس عن قوله: \"وثيابك فطهر\" فقال: لا تلبسها على معصية ولا على غدر، ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة الثقفي: وإني بحمد الله لا ثوب فاجر ... لبست ولا من غدرة أتقنع (4)\rوالعرب تقول في وصف الرجل بالصدق والوفاء: إنه طاهر الثياب، وتقول لمن غدر: إنه لدنس الثياب. وقال أبي بن كعب: لا تلبسها على غدر ولا على ظلم ولا إثم، البسها وأنت بر [جواد] (5) طاهر.\rوروى أبو روق عن الضحاك معناه: وعملك فأصلح.\rقال السدي: يقال للرجل إذا كان صالحًا: إنه لطاهر الثياب، وإذا كان فاجرًا إنه لخبيث الثياب.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة المدثر، باب (وثيابك فطهر): 8 / 678-679، ومسلم في الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم برقم (161): 1 / 143.\r(3) في \"ب\" من الذنوب\".\r(4) أخرجه الطبري: 29 / 145. وزاد السيوطي في الدر المنثور: 8 / 326 عزوه لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في الوقف والابتداء وابن مردويه.\r(5) زيادة من \"أ\".","part":8,"page":264},{"id":3308,"text":"وقال سعيد بن جبير: وقلبك ونيتك فطهر. وقال الحسن والقرظي: وخلقك فحسّنْ.\rوقال ابن سيرين وابن زيد: أمر بتطهير الثياب من النجاسات التي لا تجوز الصلاة معها وذلك أن المشركين [كانوا] (1) لا يتطهرون ولا يطهرون ثيابهم (2) .\rوقال طاووس: وثيابك فقصر لأن تقصير الثياب طهرة لها.\r{ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) }\r{ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ } قرأ أبو جعفر وحفص [عن عاصم] (3) ويعقوب: \"والرجز\" بضم الراء، وقرأ الآخرون بكسرها وهما لغتان ومعناهما واحد. قال مجاهد وعكرمة وقتادة والزهري وابن زيد وأبو سلمة: المراد بالرجز الأوثان، قال: فاهجرها ولا تقربها.\rوقيل: الزاي فيه منقلبة عن السين والعرب تعاقب بين السين والزاي لقرب مخرجهما ودليل هذا التأويل قوله: \"فاجتنبوا الرجس من الأوثان\" (الحج-30) .\rوروي عن ابن عباس أن معناه: اترك المآثم.\rوقال أبو العالية والربيع: \"الرُّجز\" بضم الراء: الصنم، وبالكسر: النجاسة والمعصية.\rوقال الضحاك: يعني الشرك. وقال الكلبي: يعني العذاب.\rومجاز الآية: اهجر ما أوجب لك العذاب من الأعمال. { وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ } أي: لا تعطِ مالكَ مصانعةً لتُعطى أكثر منه، هذا قول أكثر المفسرين قال الضحاك ومجاهد: كان هذا للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة. قال الضحاك: هما رباءان حلال وحرام، فأما الحلال فالهدايا وأما الحرام فالربا. قال قتادة: لا تعط شيئًا طمعًا لمجازاة الدنيا يعني أعط لربك وأردْ به اللهَ. وقال الحسن: معناه لا تمنن على الله بعملك فتستكثره، قال الربيع: لا تكثرن عملك في عينك فإنه فيما أنعم الله عليك وأعطاك قليل. وروى خَصيف عن مجاهد: ولا تضعفْ أن تستكثر من الخير، من قولهم: حبل متين إذا كان ضعيفًا دليله: قراءة ابن مسعود: \"ولا تمنن أن تستكثر\" قال [ابن] (4) زيد معناه: لا تمنن بالنبوة على الناس فتأخذ عليها أجرًا\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) قال ابن جرير: 29 / 147 بعد أن ذكر هذا القول وأقوالا أخر: \"وهذا القول الذي قاله ابن سيرين وابن زيد في ذلك أظهر معانيه\".\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) ساقط من \"أ\".","part":8,"page":265},{"id":3309,"text":"أو عرضًا من الدنيا (1) .\r{ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7) فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10) ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا (12) }\r[ { وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ } قيل: فاصبر على 178/ب طاعته وأوامره ونواهيه لأجل ثواب الله. قال مجاهد: فاصبر لله على ما أوذيت. وقال ابن زيد: (2) ] معناه حملت أمرًا عظيمًا محاربة العرب والعجم فاصبر عليه لله عز وجل. وقيل: فاصبر تحت موارد القضاء لأجل الله. { فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ } أي: نفخ في الصور، وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل، يعني النفخة الثانية. { فَذَلِكَ } يعني النفخ في الصور { يَوْمَئِذ } يعني يوم القيامة { يَوْمٌ عَسِيرٌ } شديد. { عَلَى الْكَافِرِينَ } يعسر فيه الأمر عليهم { غَيْرُ يَسِيرٍ } غير هين. قوله عز وجل: { ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا } أي: خلقته في بطن أمه وحيدا فريدا لا مال له ولا ولد. نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي، كان يسمى الوحيد في قومه (3) . { وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا } أي: كثيرًا. قيل: هو ما يمد بالنماء كالزرع والضرع والتجارة. واختلفوا في مبلغه، قال مجاهد وسعيد بن جبير: ألف دينار. وقال قتادة: أربعة آلاف دينار. وقال سفيان الثوري: ألف ألف [دينار] (4) . وقال ابن عباس: تسعة آلاف مثقال فضة. وقال مقاتل: كان له بستان بالطائف لا تنقطع ثماره شتاءً ولا صيفًا. وقال عطاء عن ابن عباس: كان له بين مكة والطائف إبل وخيل ونَعَم [وغنم] (5) وكان له عير كثيرة وعبيد وجوارٍ. وقيل: مالا ممدودًا غلة شهر بشهر.\r__________\r(1) أخرج أكثر هذه الأقوال الطبري: 29 / 148-150 ثم قال مرجحا: \"وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب في ذلك قول من قال: معنى ذلك: ولا تمنن على ربك من أن تستكثر عملك الصالح. وإنما قلت ذلك أولى بالصواب، لأن ذلك في سياق آيات تقدم فيهن أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالجد في الدعاء إليه، والصبر على ما يلقى من الأذى فيه، فهذه بأن تكون من أنواع تلك، أشبه منها بأن تكون من غيرها\".\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) أخرجه الواحدي في أسباب النزول ص: (513-514). وانظر تفسير عبد الرزاق: 2 / 328، والمستدرك للحاكم: 2 / 506-507.\r(4) زيادة من \"أ\".\r(5) زيادة من \"أ\".","part":8,"page":266},{"id":3310,"text":"{ وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) }\r{ وَبَنِينَ شُهُودًا } حصورًا بمكة لا يغيبون عنه وكانوا عشرة، قاله مجاهد وقتادة. وقال مقاتل: كانوا سبعة وهم الوليد بن الوليد وخالد وعمارة وهشام والعاص وقيس وعبد شمس، أسلم منهم [ثلاثة] (1) خالد وهشام و[عمارة] (2) . { وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا } أي: بسطت له في العيش وطول العمر بسطًا. وقال الكلبي: يعني المال بعضه على بعض كما يمهد الفرش. { ثُمَّ يَطْمَعُ } يرجو { أَنْ أَزِيدَ } أي أن أزيده مالا وولدًا وتمهيدًا. { كَلا } لا أفعل ولا أزيده، قالوا: فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك. { إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا } معاندًا. { سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا } سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة له فيها.\rوروينا عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"الصعود جبل من نار يتصعد فيه [الكافر] (3) سبعين خريفًا ثم يهوي\" (4) .\rأخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، حدثنا عمر بن الخطاب، حدثنا عبد الله بن الفضل، أخبرنا منجاب بن الحارث، أخبرنا شريك، عن عمار الدهني، عن عطية، عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: \"سأرهقه صعودًا\" قال: \"هو جبل في النار من نار يكلف أن يصعده فإذا وضع يده ذابت [فإذا رفعها عادت فإذا وضع رجله ذابت\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) في \"ب\" الوليد.\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) أخرجه الترمذي في صفة جهنم، باب ما جاء في صفة قعر جهنم: 7 / 297-298 وقال: \"هذا حديث غريب، لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث ابن لهيعة\" والإمام أحمد: 3 / 75، والطبري: 29 / 155، والحاكم: 2 / 507 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص: (179): \"الترمذي من طريق ابن لهيعة عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد مرفوعا انتهى. وقد رواه الحاكم والطبري والبيهقي في \"الشعب\" من رواية عمرو بن الحارث عن دراج. ورواه ابن مردويه من رواية رشدين عن دراج أيضا\".","part":8,"page":267},{"id":3311,"text":"وإذا رفعها عادت] (1) \" (2)\rوقال الكلبي: \"الصعود\" صخرة ملساء في النار يكلف أن يصعدها لا يترك أن يتنفس في صعوده، ويجذب من أمامه بسلاسل من حديد، ويضرب من خلفه بمقامع من حديد، فيصعدها في أربعين عامًا فإذا بلغ ذروتها أحدر إلى أسفلها ثم يكلف أن يصعدها ويجذب من أمامه ويضرب من خلفه فذلك دأبه أبدًا [أبدًا] (3) .\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) أخرجه عبد الرزاق في التفسير: 2 / 331. وعزاه الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص: (179) للبزار والطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب والطبري وابن أبي حاتم. كلهم من طريق شريك بن عمار الدهني عن عطية عن أبي سعيد مرفوعا. قال البزار: لا نعلمه رفعه إلا شريك، وبه جزم الطبراني. ورواه البزار والبيهقي من رواية ابن عيينة عن عمارة مرفوعا. قال الهيثمي في المجمع: 7 / 131: \"قلت: ورواه أبو داود بغير سياقه - رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عطية وهو ضعيف\".\r(3) زيادة من \"ب\".","part":8,"page":268},{"id":3312,"text":"{ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) }\r{ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ } الآيات، وذلك أن الله تعالى لما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم \"حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم\" إلى قوله: \"المصير\" (غافر: 1-3) قام النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد والوليد بن المغيرة قريب منه يسمع قراءته، فلما فطن النبي صلى الله عليه وسلم لاستماعه لقراءته [القرآن] (1) أعاد قراءة الآية، فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه بني مخزوم، فقال: [والله] (2) لقد سمعت من محمد آنفًا كلامًا ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه [لمثمر] (3) وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو وما يُعلى، ثم انصرف إلى منزله فقالت قريش: [سحره محمد] (4) [صبأ والله الوليد، والله لتصبون قريش كلهم، وكان يقال للوليد: ريحانة قريش] (5) فقال لهم أبو جهل: أنا أكفيكموه فانطلق فقعد إلى جنب الوليد حزينًا، فقال له الوليد: مالي أراك حزينًا يا ابن أخي؟ قال: وما يمنعني أن لا أحزن وهذه قريش يجمعون لك النفقة يعينونك على كبر سنك ويزعمون أنك زيَّنت كلام محمد وتدخل على ابن أبي كبشة، وابن أبي قحافة، لتنال من فضل طعامهم فغضب الوليد، فقال: ألم تعلم قريش أني من أكثرهم مالا وولدًا، وهل شبع محمد وأصحابه من الطعام فيكون\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) زيادة من \"أ\".\r(3) في \"أ\" لمؤثر.\r(4) ساقط من \"ب\".\r(5) ساقط من \"ب\".","part":8,"page":268},{"id":3313,"text":"لهم فضل من الطعام؟ ثم قام مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه، فقال لهم: تزعمون أن محمدًا مجنون، فهل رأيتموه يخنق قط؟ قالوا: اللهم لا قال: تزعمون أنه كاهن فهل رأيتموه قط تكهن؟ قالوا: اللهم لا قال: تزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه ينطق بشعر قط؟ قالوا: اللهم لا قال: تزعمون أنه كذاب فهل جربتم عليه شيئًا من الكذب؟ قالوا: لا -وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى الأمين قبل النبوة، من صدقه -فقالت قريش للوليد: فما هو؟ فتفكر في نفسه ثم نظر ثم عبس، فقال: ما هو إلا ساحر، أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله ومواليه وولده؟ فهو ساحر وما يقوله سحر يؤثر (1) فذلك قوله عز وجل: { إِنَّهُ فَكَّرَ } في محمد والقرآن { وَقَدَّرَ } في نفسه ماذا يمكنه أن يقول في محمد والقرآن.\r{ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) }\r{ فَقُتِلَ } لعن، وقال الزهري: عُذّب، { كَيْفَ قَدَّرَ } على طريق التعجب والإنكار والتوبيخ. { ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ } كرره للتأكيد، وقيل: معناه لعن على أي حال قدر من الكلام، كما يقال لأضربنه كيف صنع أي على أي حالٍ صنع. { ثُمَّ نَظَرَ } في طلب ما يدفع به القرآن ويرده. { ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ } كلح وقطب وجهه ونظر بكراهية شديدة كالمهتم المتفكر في شيء. { ثُمَّ أَدْبَرَ } عن الإيمان { وَاسْتَكْبَرَ } تكبر حين دعي إليه. { فَقَالَ إِنْ هَذَا } ما هذا الذي يقرؤه محمد { إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ } يروى ويحكى عن السحرة. { إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ } يعني يسارًا وجبرًا فهو يأثره عنهما. وقيل: يرويه عن مسيلمة صاحب اليمامة. قال الله تعالى { سَأُصْلِيه } سأدخله { سَقَرَ } وسقر اسم من أسماء جنهم.\r__________\r(1) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص: (514). وانظر تفسير عبد الرزاق: 2 / 328-329، سيرة ابن هشام: 1 / 288-289.","part":8,"page":269},{"id":3314,"text":"{ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30) }\r{ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ } أي لا تبقي ولا تذر فيها شيئًا إلا أكلته وأهلكته. وقال مجاهد: لا تميت ولا تحيي يعني لا تبقي من فيها حيًا ولا تذر من فيها ميتًا كلما احترقوا جُدِّدوا. وقال السدي: لا تبقي لهم لحمًا ولا تذر لهم عظمًا. وقال الضحاك: إذا 179/أ أخذت فيهم لم تبق منهم شيئًا وإذا أعيدوا لم تذرهم حتى تفنيهم ولكل شيء ملالة وفترة إلا لجهنم. { لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ } مغيرة للجلد حتى تجعله أسود، يقال: لاحه السقم والحزن إذا غيره، وقال مجاهد: تلفح الجلد حتى تدعه أشد سوادًا من الليل. وقال ابن عباس وزيد بن أسلم: محرقة للجلد. وقال الحسن وابن كيسان: تلوح لهم جهنم حتى يروها عيانًا نظيره قوله: \"وبرزت الجحيم للغاوين\" (الشعراء-91) و { لَوَّاحَة } رفع على نعت \"سقر\" في قوله: \"وما أدراك ما سقر\" و \"البَشَر\" جمع بشرة وجمع البشر أبشار. { عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ } [أي: على] (1) النار تسعة عشر من الملائكة، وهم خزنتها: مالك ومعه ثمانية عشر. وجاء في الأثر: أعينهم كالبرق الخاطف، وأنيابهم كالصياصي، يخرج لهب النار من أفواههم، ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، نزعت منهم الرحمة، يرفع أحدهم سبعين ألف فيرميهم حيث أراد من جهنم (2) .\rقال عمرو بن دينار: إن واحدًا منهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر من ربيعة ومضر.\rقال ابن عباس، وقتادة، والضحاك: لما نزلت هذه الآية قال أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم، أسمع ابن أبي كبشة يخبر أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم الدَّهم، أي: الشجعان، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد من خزنة جهنم (3) قال أبو [الأشد] (4) أسيد بن كلدة بن خلف الجمحي: أنا أكفيكم منهم سبعة عشر، عشرة على ظهري وسبعة على بطني، فاكفوني أنتم اثنين.\rوروي أنه قال: أنا أمشي بين أيديكم على الصراط فأدفع عشرة بمنكبي الأيمن وتسعة بمنكبي\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) عزاه صاحب الدر المنثور: 8 / 333-334 لابن مردويه.\r(3) أخرجه الطبري: 29 / 159. وانظر: سيرة ابن هشام: 1 / 335، الدر المنثور: 8 / 333.\r(4) في \"أ\" الأسود والصحيح ما أثبت كما هو في القرطبي والبحر وروح المعاني.","part":8,"page":270},{"id":3315,"text":"الأيسر في النار ونمضي فندخل الجنة. فأنزل الله عز وجل { وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً }\r{ وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (31) كَلا وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34) }\r{ وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً } لا رجالا آدميين، فمن ذا يغلب الملائكة؟ { وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ } أي عددهم في القلة { إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا } أي ضلالة لهم حتى قالوا ما قالوا { لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } لأنه مكتوب في التوراة والإنجيل أنهم تسعة عشر، { وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا } يعني من آمن من أهل الكتاب يزدادون تصديقًا بمحمد صلى الله عليه وسلم إذا وجدوا ما قاله موافقًا لما في كتبهم { وَلا يَرْتَابَ } ولا يشك { الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ } في عددهم { وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } شك ونفاق { وَالْكَافِرُونَ } [مشركو مكة] (1) { مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا } أي شيء أراد بهذا الحديث؟ وأراد بالمثل الحديث نفسَه. { كَذَلِكَ } أي كما أضل الله من أنكر عدد الخزنة وهدى من صدق كذلك { يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ } قال مقاتل: هذا جواب أبي جهل حين قال: أما لمحمد أعوان إلا تسعة عشر؟ قال عطاء: { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ } يعني من الملائكة الذين خلقهم لتعذيب أهل النار، لا يعلم عدتهم إلا الله، والمعنى إن تسعة عشر هم خزنة النار، ولهم من الأعوان والجنود من الملائكة ما لا يعلم إلا الله عز وجل، ثم رجع إلى ذكر سقر فقال: { وَمَا هِيَ } يعني [سقر] (2) { إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ } إلا تذكرة وموعظة للناس. { كَلا وَالْقَمَرِ } هذا قسم، يقول: حقا. { وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ } قرأ نافع وحمزة وحفص ويعقوب \"إذ\" بغير ألف، \"أدبر\" بالألف، وقرأ الآخرون \"إذا\" بالألف \"دبر\" بلا ألف، لأنه أشد موافقة لما يليه، وهو قوله:\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) في \"ب\" النار.","part":8,"page":271},{"id":3316,"text":"{ وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ } ولأنه ليس في القرآن قسم بجانبه إذ وإنما بجانب الإقسام إذا [ودبر وأدبر] (1) كلاهما لغة، يقال: دبر الليل وأدبر إذا ولى ذاهبًا. قال أبو عمرو: دبر لغة قريش، وقال قطرب: دبر أي أقبل، تقول العرب: دبرني فلان أي جاء خلفي، فالليل يأتي خلف النهار.\r{ وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ } أضاء وتبين.\r{ إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (36) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37) كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) }\r{ إِنَّهَا لإحْدَى الْكُبَرِ } يعني أن سقر لإحدى الأمور العظام، وواحد الكبر: كبرى، قال مقاتل والكلبي: أراد بالكُبَر: دركات جهنم، وهي سبعة: جنهم، ولظى، والحطمة، والسعير، وسقر، والجحيم، والهاوية. { نَذِيرًا لِلْبَشَرِ } يعني النار نذيرًا للبشر، قال الحسن: والله ما أنذر الله بشيء أدهى منها، وهو نصب على القطع من قوله: \"لإحدى الكبر\" لأنها معرفة، و\"نذيرا\" نكرة، قال الخليل: النذير مصدر كالنكير، ولذلك وصف به المؤنث، وقيل: هو من صفة الله سبحانه وتعالى، مجازه: وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة نذيرًا للبشر أي إنذارًا لهم. قال أبو رزين يقول أنا لكم منها نذير، فاتقوها. وقيل: هو صفة محمد صلى الله عليه وسلم معناه: يا أيها المدثر قم نذيرًا للبشر، [فأنذر] (2) وهذا معنى قول ابن زيد. { لِمَنْ شَاءَ } بدل من قوله \"للبشر\" { مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ } في الخير والطاعة { أَوْ يَتَأَخَّرَ } عنها في الشر والمعصية، والمعنى: أن الإنذار قد حصل لكل واحد ممن آمن أو كفر. { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } مرتهنة في النار بكسبها مأخوذة بعملها. { إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ } فإنهم لا يرتهنون بذنوبهم في النار ولكن يغفرها الله لهم. قال قتادة: علق الناس كلهم إلا أصحاب اليمين. واختلفوا فيهم: روي عن علي رضي الله عنه أنهم أطفال المسلمين.\rوروى أبو ظبيان عن ابن عباس: هم الملائكة.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) زيادة من \"أ\".","part":8,"page":272},{"id":3317,"text":"وقال مقاتل: هم أصحاب الجنة الذين كانوا على يمين آدم يوم الميثاق، حين قال الله لهم: هؤلاء في الجنة ولا أبالي. وعنه أيضا: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم، وعنه أيضا: هم الذين كانوا ميامين على أنفسهم.\rوقال الحسن: هم المسلمون المخلصون. وقال [القاسم] (1) كل نفس مأخوذة بكسبها من خير أو شر إلا من اعتمد على الفضل، وكل من اعتمد على الكسب فهو رهين به، ومن اعتمد على الفضل فهو غير مأخوذ به.\r{ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) }\r__________\r(1) في \"أ\" أبو القاسم.","part":8,"page":273},{"id":3318,"text":"{ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48) }\r{ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ } المشركين. { مَا سَلَكَكُمْ } أدخلكم { فِي سَقَرَ } فأجابوا { قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ } [لله] (1) { وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوض } في الباطل { مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ } { حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ } وهو الموت. قال الله عز وجل { فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ } قال ابن مسعود: تشفع الملائكة والنبيون والشهداء والصالحون وجميع المؤمنين، فلا يبقى في النار إلا أربعة، ثم تلا \"قالوا لم نك من المصلين\" إلى قوله: { بِيَوْمِ الدِّينِ } (2) قال عمران بن الحصين: الشفاعة نافعة لكل واحد دون هؤلاء الذين تسمعون.\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي 179/ب أخبرنا أحمد بن الحسن الحيري، أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي، حدثنا محمد بن حماد، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن يزيد الرقاشي، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يصف أهل النار فيعذبون قال: \"فيمر فيهم الرجل من أهل الجنة فيقول الرجل\r__________\r(1) زيادة من \"أ\".\r(2) أخرجه الطبري: 29 / 167.","part":8,"page":273},{"id":3319,"text":"منهم يا فلان قال فيقول: ما تريد فيقول: أما تذكر رجلا سقاك شربة يوم كذا وكذا؟ قال فيقول: وإنك لأنت هو؟ فيقول: نعم، فيشفع له فيُشفع فيه. قال: ثم يمر بهم الرجل من أهل الجنة فيقول: يا فلان، فيقول: ما تريد؟ فيقول: أما تذكر رجلا وهب لك وضوءًا يوم كذا وكذا؟ فيقول: إنك لأنت هو؟ فيقول: نعم فيشفع له فيُشفع فيه\" (1) .\r{ فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (52) }\r{ فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ } مواعظ القرآن { معرضين } نصب على الحال، وقيل صاروا معرضين. { كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ } جمع حمار { مُسْتَنْفِرَةٌ } قرأ أهل المدينة والشام بفتح الفاء، وقرأ الباقون بكسرها، فمن قرأ بالفتح فمعناها منفرة مذعورة، ومن قرأ بالكسر فمعناها نافرة، يقال: نفر واستنفر بمعنى واحد، كما يقال عجب واستعجب. { فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ } قال مجاهد وقتادة والضحاك: \"القسورة\": الرماة، لا واحد لها من لفظها، وهي رواية عطاء عن ابن عباس، وقال سعيد بن جبير: هم القناص وهي رواية عطية عن ابن عباس.\rوقال زيد بن أسلم: [هم] (2) رجال أقوياء، وكل ضخم شديد عند العرب: قسور وقسورة. وعن أبي المتوكل قال: هي لغط القوم وأصواتهم. وروى عكرمة عن ابن عباس قال: هي حبال الصيادين.\rوقال أبو هريرة: هي الأسد، وهو قول عطاء والكلبي، وذلك أن الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد هربت، كذلك هؤلاء المشركين إذا سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن هربوا منه.\rقال عكرمة: هي ظلمة الليل، ويقال لسواد أول الليل قسورة. { بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً } قال المفسرون: إن كفار قريش قالوا\r__________\r(1) أخرجه ابن ماجه في الأدب، باب فضل صدقة الماء برقم: (3685): 2 / 1215. قال في الزوائد: فيه يزيد بن أبان الرقاشي وهو ضعيف. وعزاه المنذري في الترغيب والترهيب: 2 / 70 أيضا للأصبهاني. وانظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني برقم: (93).\r(2) في \"ب\" من.","part":8,"page":274},{"id":3320,"text":"لرسول الله صلى الله عليه وسلمك ليصبح عند رأس كل رجل منا كتاب منشور من الله أنك لرسوله نؤمر فيه باتباعك (1) .\rقال الكلبي: إن المشركين قالوا: يا محمد بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل كان يصبح مكتوبا عند رأسه ذنبه وكفارتهُ فَأْتِنَا بمثل ذلك \"والصحف\" الكتب، وهي جمع الصحيفة، و\"منشَّرة\" منشورة.\r{ كَلا بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ (53) كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (55) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56) }\rفقال الله تعالى: { كَلا } لا يؤتون الصحف. وقيل: حقًا، وكل ما ورد عليك منه فهذا وجهه، { بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ } أي لا يخافون عذاب الآخرة، والمعنى أنهم لو خافوا النار لما اقترحوا هذه الآيات بعد قيام الأدلة. { كَلا } حقا { إِنَّه } يعني القرآن { تَذْكِرَةٌ } موعظة. { فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ } اتعظ به. { وَمَا يَذْكُرُونَ } قرأ نافع ويعقوب [تذكرون] (2) بالتاء والآخرون بالياء { إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } قال مقاتل: إلا أن يشاء الله لهم الهدى. { هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ } أي أهل أن يتقى محارمه وأهل أن يغفر لمن اتقاه.\rأخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا ابن فنجويه، حدثنا عمر بن الخطاب، حدثنا عبد الله بن الفضل، حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا سهيل بن أبي حزم، عن ثابت، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في هذه الآية: { هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ } قال: قال ربكم عز وجل: \"أنا أهل أن أتقى ولا يشرك بي غيري، وأنا أهل لمن اتقى أن يشرك بي أن أغفر\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 340 لعبد بن حميد وابن المنذر ، وانظر الطبري 29 / 171.\r(2) زيادة من\"ب\".","part":8,"page":275},{"id":3321,"text":"له\" (1) وسهيل هو ابن عبد الرحمن القطعي، أخو حزم القطعي (2) . سورة القيامة مكية (3) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) }\r{ لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ } قرأ القواس عن ابن كثير: \"لأقسم\" الحرف الأول بلا ألف قبل الهمزة. { وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ } بالألف، وكذلك قرأ عبد الرحمن الأعرج، على معنى أنه أقسم بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس [اللوامة] (4) والصحيح أنه أقسم بهما جميعا و\"لا\" صلة فيهما أي أقسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة.\rوقال أبو بكر بن عياش: هو تأكيد للقسم كقولك: لا والله.\rوقال الفرَّاء: \"لا\" ردّ، كلام المشركين المنكرين، ثم ابتدأ فقال: أقسم بيوم القيامة وأقسم بالنفس اللوامة (5) .\rوقال المغيرة بن شعبة: يقولون: القيامة، وقيامة أحدهم موته. وشهد علقمة جنازة فلما دفنت قال: أما هذا فقد قامت قيامته.\r{ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ } قال سعيد بن جبير وعكرمة: تلوم على الخير والشر، ولا تصبر على السراء والضراء.\rوقال قتادة: اللوَّامة: الفاجرة.\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في التفسير - تفسير سورة المدثر - 9 / 247-248 وقال: \"هذا حديث حسن غريب، وسهيل ليس بالقوي في الحديث وقد تفرد سهيل بهذا الحديث عن ثابت\" والنسائي في التفسير: 2 / 475، وابن ماجه في الزهد، باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة برقم: (4299): 2 / 1437، والدارمي في الرقائق، باب في تقوى الله: 2 / 302، وأبو يعلى في المسند: 3 / 340، والإمام أحمد: 3 / 142، وصححه الحاكم في المستدرك: 2 / 508، ورواه الخطيب في تاريخ بغداد: 5 / 52. وفيه سهيل القطعي، قال الحافظ في التقريب: ضعيف من السابعة.\r(2) وفي نسخة \"ب\" القطيعي وفي \"أ\" القطعي وهو الصحيح. واسمه سهيل بن مهران أخو حزم القطعي ويقال عبد الله القطعي أبو بكر البصري روى عن ثابت وعنه هدبة بن خالد. انظر: تهذيب التهذيب: 4 / 261، ميزان الاعتدال: 2 / 244، الضعفاء والمتروكين للنسائي، المجروحين: 1 / 353، الجرح والتعديل: 4 / 247.\r(3) أخرج ابن الضريس، والنحاس، وابن مردويه، والبيهقي في \"الدلائل\" من طرق عن ابن عباس قال: نزلت سورة القيامة، وفي لفظ: نزلت \"لا أقسم بيوم القيامة\" بمكة. وأخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت سورة \"لا أقسم\" بمكة. انظر: الدر المنثور: 8 / 342.\r(4) ساقط من \"أ\".\r(5) راجع: معاني القرآن للفراء: 3 / 207.","part":8,"page":276},{"id":3322,"text":"وقال مجاهد: تندم على ما فات وتقول: لو فعلت، ولو لم أفعل.\rقال الفراء: ليس من نفس برّة ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها، إن كانت عملت خيرا قالت: هلا ازددت، وإن عملت شرًا قالت: يا ليتني لم أفعل (1) قال الحسن: هي النفس المؤمنة، قال: إن المؤمن -والله -ما تاره إلا يلوم نفسه، ما أردت بكلامي؟ ما أردت بأكلتي؟ وإن الفاجر يمضي قدمًا لا يحاسب نفسه ولا يعاتبها.\rوقال مقاتل: هي النفس الكافرة تلوم نفسها في الآخرة على ما فرَّطت في أمر الله في الدنيا.\r{ أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4) }\r{ أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ } نزلت في عدي بن ربيعة، حليف بني زهرة، ختن الأخنس بن شريق الثقفي، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم اكفني جارَي السوء، يعني: عديًا والأخنس. وذلك أن عدي بن ربيعة أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد حدثني عن القيامة متى تكون وكيف أمرها وحالها؟ فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك ولم أؤمن [بك] (2) أو يجمع الله العظام؟ فأنزل الله عز وجل: \"أيحسب الإنسان\" (3) يعني الكافر { أَن لن نَجْمَعَ عِظَامَهُ } بعد التفرق والبلى فنحييه. قيل: ذكر العظام وأراد نفسه لأن العظام قالب النفس لا يستوي الخلق إلا باستوائها. وقيل: هو خارج على قول المنكر أو يجمع الله العظام كقوله: \"قال من يحيي العظام وهي رميم\" (يس-78) . { بَلَى قَادِرِينَ } أي نقدر، استقبالٌ صُرِفَ إلى الحال، قال الفرَّاء \"قادرين\" نصب على الخروج من نجمع، كما تقول في الكلام أتحسب أن لا نقوى عليك؟ بلى قادرين على أقوى منك، يريد: بل قادرين على أكثر من ذا (4)\rمجاز الآية: بلى نقدر على جمع عظامه وعلى ما هو أعظم من ذلك، وهو { عَلَى (5) أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ } أنامله، فنجعل 180/أ أصابع يديه ورجليه شيئًا واحدًا كخف البعير وحافر الحمار، فلا\r__________\r(1) انظر: معاني القرآن للفراء: 3 / 208.\r(2) في \"أ\" به.\r(3) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص: (515). قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف ص (180): \"ذكره الثعلبي والبغوي والواحدي بغير إسناد\".\r(4) انظر: معاني القرآن للفراء: 3 / 208.\r(5) لم ترد في النسختين وهي من الآية.","part":8,"page":280},{"id":3323,"text":"يرتفق بها [بالقبض] (1) والبسط والأعمال اللطيفة كالكتابة والخياطة وغيرها. هذا قول أكثر المفسرين.\rوقال الزجاج وابن قتيبة: معناه: ظن الكافر أنا لا نقدر على جمع عظامه، بلى نقدر على أن نعيد السلاميات على صغرها، فنؤلف بينها حتى نسوي البنان، فمن قدر على جمع صغار العظام فهو على جمع كبارها أقدر (2)\r{ بَلْ يُرِيدُ الإنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (6) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) }\r{ بَلْ يُرِيدُ الإنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ } يقول لا يجهل ابن آدم أن ربه قادر على جمع عظامه لكنه يريد أن يفجر أمامه، أي: يمضي قدمًا [على] (3) معاصي الله ما عاش راكبًا رأسه لا ينزع عنها ولا يتوب، هذا قول مجاهد، والحسن، وعكرمة، والسدي.\rوقال سعيد بن جبير: \"ليفجر أمامه\" يقدم على الذنب ويؤخر التوبة، فيقول: سوف أتوب، سوف أعمل حتى يأتيه الموت على شر أحواله وأسوأ أعماله (4) .\rوقال الضحاك: هو الأمل، يقول: أعيش فأصيب من الدنيا كذا وكذا [ولا يذكر الموت] (5) .\rوقال ابن عباس، وابن زيد: يكذّب بما أمامه من البعث والحساب. وأصل \"الفجور\" الميل، وسمي الفاسق والكافر: فاجرًا، لميله عن الحق. { يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ } أي متى يكون [ذلك] (6) تكذيبا به. قال الله تعالى: { فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ } قرأ أهل المدينة \"بَرَق\" بفتح الراء، وقرأ الآخرون بكسرها، وهما لغتان.\rقال قتادة ومقاتل: شخص البصر فلا يطرف مما يرى من العجائب التي كان يكذب بها في الدنيا. قيل: ذلك عند الموت.\rوقال الكلبي: عند رؤية جهنم برق أبصار الكفار.\r__________\r(1) في \"ب\" في القبض.\r(2) انظر: القرطين: 2 / 193.\r(3) في \"ب\" في.\r(4) انظر: معاني القرآن للفراء: 3 / 208.\r(5) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(6) زيادة من \"ب\".","part":8,"page":281},{"id":3324,"text":"وقال الفراء والخليل \"برق\" -بالكسر -أي: فزع وتحير لما يرى من العجائب (1) و\"برق\" بالفتح، أي: شق عينه وفتحها، من البريق، وهو التلألؤ (2)\r{ وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9) يَقُولُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلا لا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12) يُنَبَّأُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) }\r{ وَخَسَفَ الْقَمَرُ } أظلم وذهب نوره وضوءه. { وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ } أسودين مكورين كأنهما ثوران عقيران. وقيل: يجمع بينهما في ذهاب الضياء. وقال عطاء بن يسار: يجمعان يوم القيامة ثم يقذفان في البحر فيكونان نار الله الكبرى. { يَقُولُ الإنْسَانُ } أي الكافر المكذب { يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ } أي: المهرب وهو موضع الفرار. [وقيل: هو مصدر، أي: أين الفرار] (3) قال الله تعالى: { كَلا لا وَزَرَ } لا حصن ولا حرز ولا ملجأ. وقال السدي: لا جبل وكانوا إذا فزعوا لجؤوا إلى الجبل فتحصنوا به. [فقال الله تعالى] (4) لا جبل يومئذ يمنعهم. { إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ } أي مستقر الخلق.\rوقال عبد الله بن مسعود: المصير والمرجع، نظيره: قوله تعالى: \"إلى ربك الرجعى\" (العلق-8) \"وإلى الله المصير\" (آل عمران-28) (النور-42) (فاطر-18) .\rوقال السدي: المنتهى، نظيره: \"وإن إلى ربك المنتهى\" (النجم-42) . { يُنَبَّأُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ } [قال ابن مسعود وابن عباس: \"بما قدم\" (5) ] قبل موته من عمل صالح وسيئ، وما أخر: بعد موته من سنة حسنة أو سيئة يعمل بها.\rوقال عطية عن ابن عباس: \"بما قدم\" من المعصية \"وأخر\" من الطاعة.\rوقال قتادة: بما قدم من طاعة الله، وأخَّر من حق الله فضيَّعه.\r__________\r(1) راجع معاني القرآن للفراء: 3 / 209.\r(2) قال ابن جرير: 29 / 179 \"أولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب كسر الراء (فإذا برق) بمعنى: فزع فشق وفتح من هول القيامة وفزع الموت، وبذلك جاءت أشعار العرب. أنشدني بعض الرواة عن أبي عبيدة الكلابي: لما أتاني ابن صبيح راغبا ... أعطيته عيساء منها فبرق\r.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(4) في \"ب\" فقال: قل.\r(5) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":8,"page":282},{"id":3325,"text":"وقال مجاهد: بأول عمله وآخره. وقال عطاء: بما قدم في أول عمره وما أخر في آخر عمره.\rوقال زيد بن أسلم: بما قدم من أمواله لنفسه وما أخر خلفه للورثة (1)\r{ بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15) لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) }\r{ بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ } قال عكرمة، ومقاتل، والكلبي: معناه بل الإنسان على نفسه من نفسه رقباء يرقبونه ويشهدون عليه بعمله، وهي سمعه وبصره وجوارحه (2) ودخل الهاء في البصيرة لأن المراد بالإنسان هاهنا جوارحه، ويحتمل أن يكون معناه \"بل الإنسان على نفسه بصيرة\" يعني: لجوارحه، فحذف حرف الجر كقوله: \"وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم\" (البقرة-233) أي لأولادكم. ويجوز أن يكون نعتًا لاسم مؤنث أي بل الإنسان على نفسه عين بصيرة.\rوقال أبو العالية، وعطاء: بل الإنسان على نفسه شاهد، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، والهاء في \"بصيرة\" للمبالغة، دليل هذا التأويل. قوله عز وجل: \"كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا\" (الإسراء-14) . { وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ } يعني يشهد عليه الشاهد ولو اعتذر وجادل عن نفسه لم ينفعه، كما قال تعالى: \"يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم\" (غافر-52) وهذا قول مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير وابن زيد وعطاء: قال الفراء: ولو اعتذر فعليه من نفسه من يكذب عذره ومعنى الإلقاء: القول، كما قال: \"وألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون\" (النحل-86) . وقال الضحاك والسدي: \"ولو ألقى معاذيره\" يعني: ولو أرخى الستور وأغلق الأبواب. وأهل اليمن يسمون الستر: معذارًا، وجمعه: معاذير، ومعناه على هذا القول: وإن أسبل الستر ليخفي ما يعمل، فإن نفسه شاهدة عليه. قوله عز وجل { لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ }\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل: \"لا تحرك به لسانك لتعجل به\" قال: كان رسول الله\r__________\r(1) قال ابن جرير: 29 / 184 \"والصواب من القول في ذلك عندنا، أن ذلك خبر من الله أن الإنسان ينبأ بكل ما قدم أمامه مما عمل من خير أو شر في حياته وأخر بعده من سنة أو سيئة مما قدم وأخر، كذلك ما قدم من عمل عمله من خير أو شر، وأخر بعده من عمل كان عليه فضيعه، فلم يعمله مما قدم وأخر ولم يخصص الله في ذلك بعضا دون بعض، فكل ذلك مما ينبأ به الإنسان يوم القيامة\".\r(2) انظر: معاني القرآن للفراء: 3 / 211.","part":8,"page":283},{"id":3326,"text":"صلى الله عليه وسلم إذا نزل [عليه] (1) جبريل بالوحي كان ربما يحرك لسانه وشفتيه فيشتد عليه، وكان يعرف منه، فأنزل الله عز وجل الآية التي في لا أقسم بيوم القيامة: \"لا تحرك به لسانك لتعجل به\" (2)\r{ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19) }\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) أخرجه البخاري في التفسير، تفسير سورة القيامة، باب: \"إن علينا جمعه وقرآنه\": 8 / 682، ومسلم في الصلاة، باب الاستماع للقراءة برقم (448): 1 / 330.","part":8,"page":284},{"id":3327,"text":"{ كَلا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ (21) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) }\r{ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ } قال علينا أن نجمعه في صدرك، وقرآنه. { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } فإذا أنزلناه فاستمع. { ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } علينا أن نبينه بلسانك. قال: فكان إذا أتاه جبريل عليه السلام أطرق فإذا ذهب قرأه كما وعده الله عز وجل، ورواه محمد بن إسماعيل، عن عبد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن موسى بن أبي عائشة بهذا الإسناد وقال: كان يحرك شفتيه إذا نزل عليه، يخشى أن ينفلت منه، فقيل له: \"لا تحرك به لسانك\" \"إن علينا جمعه\" أن نجمعه في صدرك (1) \"وقرآنه\" أن تقرأه. { كَلا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ } قرأ أهل المدينة والكوفة \"تحبون وتذرون\" بالتاء فيهما، وقرأ الآخرون بالياء أي يختارون الدنيا على العقبى، ويعملون لها، يعني: كفار مكة، ومن قرأ بالتاء فعلى تقدير: قل لهم يا محمد: بل تحبون [وتذرون] (2) { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ } يعني يوم القيامة { نَاضِرَةٌ } قال ابن عباس: حسنة، وقال مجاهد: مسرورة. وقال ابن زيد: ناعمة. وقال مقاتل: 180/ب بيض يعلوها النور. وقال السدي: مضيئة. وقال يمان: مسفرة. وقال الفراء: مشرقة بالنعيم (3) يقال: نضر الله وجهه ينضر نضرًا، ونضَّره الله وأنضره ونضُر وجهُه ينضُر نُضْرةً ونَضَارة. قال الله تعالى: \"تعرف في وجوههم نضرة النعيم\" (المطففين-24) { إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } قال ابن عباس: وأكثر الناس تنظر إلى ربها عيانًا بلا حجاب. قال الحسن: تنظر إلى الخالق وحق لها أن [تنضر] (4) وهي تنظر إلى الخالق.\rأخبرنا أبو بكر بن أبي الهيثم الترابي، أخبرنا عبد الله بن أحمد الحموي، أخبرنا إبراهيم بن خزيم\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة القيامة - باب: (إن علينا جمعه وقرآنه): 8 / 681.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) معاني القرآن للفراء: 3 / 212.\r(4) في النسختين كتبت بالظاء، والصواب ما أثبتناه لأنها من النضارة لا من النظر.","part":8,"page":284},{"id":3328,"text":"الشاشي، أخبرنا عبد بن حميد، حدثنا شبابة، عن إسرائيل، عن ثوير قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن أدنى أهل الجنة منزلة لَمَنْ ينظر إلى جنانه وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية\" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة\" (1)\r{ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25) كَلا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) }\r{ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ } عابسة كالحة مغبرة مسودة. { تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ } تستيقن أن يعمل بها عظيمة من العذاب، والفاقرة: الداهية العظيمة، والأمر الشديد يكسر فقار الظهر. قال سعيد بن المسيب: قاصمة الظهر. قال ابن زيد: هي دخول النار. وقال الكلبي: هي أن تحجب عن رؤية الرب عز وجل. { كَلا إِذَا بَلَغَتِ } يعني النفس، كناية عن غير مذكور { التَّرَاقِيَ } فحشرج بها عند الموت، و\"التراقي\" جمع الترقوة، وهي العظام بين ثغرة النحر والعاتق، ويكنى ببلوغ النفس التراقي عن الإشراف على الموت. { وَقِيلَ } أي قال من حضره [الموت] (2) هل \"من راق\" هل من طبيب يرقيه ويداويه فيشفيه برقيته أو دوائه.\rوقال قتادة: التمسوا له الأطباء فلم يغنوا عنه من قضاء الله شيئا.\rوقال سليمان التيمي، ومقاتل بن سليمان: هذا من قول الملائكة، يقول بعضهم لبعض: من يرقى بروحه؟ فتصعد بها ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب. { وَظَن } أيقن الذين بلغت روحه التراقي { أَنَّهُ الْفِرَاقُ } من الدنيا.\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في التفسير - تفسير سورة القيامة - 9 / 249-250، وقال: \"هذا حديث غريب وقد روى غير واحد عن إسرائيل مثل هذا مرفوعا\" والإمام أحمد: 2 / 64، وأبو يعلى في المسند: 5 / 276، وصححه الحاكم: 2 / 509 ، 510 فتعقبه الذهبي بقوله عن ثوير، \"بل هو واهي الحديث\" وأبو نعيم في الحلية: 5 / 87، والطبري: 29 / 193، والمصنف في شرح السنة: 15 / 232. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 10 / 401 \"رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني وفي أسانيدهم ثوير بن أبي فاختة وهو مجمع على ضعفه\". وأشار المنذري إلى تضعيفه في الترغيب والترهيب: 4 / 508 وزاد نسبته للبيهقي. وانظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة، رقم (1985): 4 / 1450.\r(2) ساقط من \"ب\".","part":8,"page":285},{"id":3329,"text":"{ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30) فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (31) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (32) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (33) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (35) }\r{ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ } قال قتادة: الشدة بالشدة. وقال عطاء: شدة الموت بشدة الآخرة. وقال سعيد بن جبير: تتابعت عليه الشدائد، وقال السدي: لا يخرج من كرب إلا جاءه أشد منه.\rقال ابن عباس: أمر الدنيا بأمر الآخرة، فكان في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة.\rوقال مجاهد: اجتمع فيه الحياة والموت.\rوقال الضحاك: الناس يجهزون جسده والملائكة يجهزون روحه.\rوقال الحسن: هما ساقاه إذا التفَّتَا في الكفن. وقال الشعبي: هما ساقاه عند الموت (1) . { إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ } أي مرجع العباد [يومئذ] (2) إلى الله يساقون إليه. { فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى } يعني: أبا جهل، لم يصدِّق بالقرآن ولا صلى لله. { وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى } عن الإيمان. { ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ } رجع إليهم { يَتَمَطَّى } يتبختر ويختال في مشيته، وقيل: أصله: \"يتمطط\" أي: يتمدد، والمَطُّ هو المَد. { أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى } هذا وعيد على وعيد من الله عز وجل لأبي جهل، وهي كلمة موضوعة للتهديد والوعيد.\rوقال بعض العلماء: معناه أنك أجدر بهذا العذاب وأحق وأولى به، يقال للرجل يصيبه مكروه يستوجبه.\rوقيل: هي كلمة تقولها العرب لمن قاربه المكروه وأصلها [من الولاء] (3) من المولى وهو\r__________\r(1) قال ابن جرير مرجحا: 29 / 198 \"وأولى الأقوال في ذلك بالصحة عندي قول من قال: معنى ذلك: والتفت ساق الدنيا بساق الآخرة، وذلك شدة كرب الموت بشدة هول المطلع، والذي يدل على أن ذلك تأويله قوله \"إلى ربك يومئذ المساق\" والعرب تقول لكل أمر اشتد: قد شمر عن ساقه، وكشف عن ساقه، ومنه قول الشاعر: إذا شمرت لك عن ساقها ... فرنها ربيع ولا تسأم\r.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) زيادة من \"ب\".","part":8,"page":286},{"id":3330,"text":"القرب، قال الله تعالى: \"قاتلوا الذين يلونكم من الكفار\" (التوبة-123) .\rوقال قتادة: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية أخذ بمجامع ثوب أبي جهل بالبطحاء وقال له: \"أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى\" فقال أبو جهل: أتوعدني يا محمد؟ والله ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئًا، وإني لأعزّ من مشى بين جبليها! فلما كان يوم بدر صرعه الله شر مصرع، وقتله أسوأ قتلة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن لكل أمة فرعونا [وإن] (1) فرعون هذه الأمة أبو جهل (2) .\r{ أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنْثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40) }\r{ أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى } هملا لا يؤمر ولا ينهى، وقال السدي: معناه المهمل وإبل سدى إذا كانت ترعى حيث شاءت بلا راع. { أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى } تُصَبُّ في الرحم، قرأ حفص عن عاصم \"يمنى\" بالياء، وهي قراءة الحسن، وقرأ الآخرون بالتاء، لأجل النطفة. { ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى } فجعل فيه الروح فسوى خلقه. { فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأنْثَى } خلق من مائه أولادًا ذكورًا وإناثًا. { أَلَيْسَ ذَلِكَ } الذي فعل هذا { بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى }\rأخبرنا أبو طاهر عمر بن عبد العزيز القاشاني، أخبرنا أبو عمرو القاسم بن جعفر الهاشمي، أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد بن عمر اللؤلؤي، حدثنا أبو داود سليمان بن أشعث، حدثنا عبد الله بن محمد الزهري، حدثنا سفيان، حدثني إسماعيل بن أمية قال: سمعت أعرابيًا يقول سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"من قرأ منكم والتين والزيتون فانتهى إلى آخرها: \"أليس الله بأحكم الحاكمين\" (التين-8) فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين، ومن قرأ: \"لا أقسم بيوم القيامة\" فانتهى إلى \"أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى\" فليقل: بلى، ومن قرأ: \"والمرسلات\" فبلغ \"فبأي حديث بعده يؤمنون\" فليقل: \"آمنا بالله\" (3) .\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) ذكره عبد الرزاق في التفسير: 2 / 335 بلاغا وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 363 أيضا لعبد بن حميد وابن المنذر.\r(3) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب مقدار الركوع والسجود: 1 / 423، والإمام أحمد: 2 / 249، وصححه الحاكم: 2 / 510، ووافقه الذهبي، والبيهقي في سننه: 2 / 310، والمصنف في شرح السنة: 3 / 104-105 وأخرجه الترمذي مختصرا في التفسير: 9 / 276-277 وقال: \"هذا حديث إنما يروى بهذا الإسناد عن هذا الأعرابي عن أبي هريرة ولا يسمى\". وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 364 أيضا لابن المنذر وابن مردويه. وقال الألباني في تعليقه على المشكاة: 1 / 272 \"وإسناده ضعيف فيه ابن الأعرابي لم يسم\".","part":8,"page":287},{"id":3331,"text":"أخبرنا عمر بن عبد العزيز، أخبرنا القاسم بن جعفر، أخبرنا أبو علي اللؤلؤي، أخبرنا أبو داود، حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن موسى بن أبي عائشة قال: كان رجل يصلي فوق بيته فكان إذا قرأ: \"أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى\" قال: سبحانك بلى، فسألوه عن ذلك فقال: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) .\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب الدعاء في الصلاة: 1 / 422، وهو مرسل، والمصنف في شرح السنة: 3 / 105. وراجع عون المعبود: 3 / 139-140.","part":8,"page":288},{"id":3332,"text":"سورة الإنسان\rقال عطاء: هي مكية (1) وقال مجاهد وقتادة: مدنية (2) وقال الحسن وعكرمة: هي مدنية إلا آية وهي قوله: \"فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا\" (3) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) إِنَّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) }\r{ هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ } يعني آدم عليه السلام { حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ } أربعون سنة ملقى من طين بين مكة والطائف قبل أن ينفخ فيه الروح { لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا } لا يذكر ولا يعرف 180/أ ولا يدرى ما اسمه ولا ما يراد به، يريد: كان شيئًا ولم يكن مذكورًا، وذلك من حين خلقه من طين إلى أن [ينفخ] فيه الروح.\rروي أن عمر سمع رجلا يقرأ هذه الآية: \"لم يكن شيئًا مذكورًا\" فقال عمر: ليتها تمت، يريد: ليته بقي على ما كان (4) قال ابن عباس: ثم خلقه بعد عشرين ومائة سنة. { إِنَّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ } يعني ولد آدم { مِنْ نُطْفَةٍ } يعني: مَنْي الرجل ومني المرأة.\r__________\r(1) أخرج النحاس عن ابن عباس قال: نزلت سورة الإنسان بمكة وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير قال: أنزلت بمكة سورة \"هل أتى على الإنسان\" . انظر: الدر المنثور: 8 / 365.\r(2) أخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة الإنسان بالمدينة. انظر: الدر المنثور: 8 / 365.\r(3) قال صاحب زاد المسير: 8 / 427 :وفيها ثلاثة أقوال - سورة الإنسان: أحدها: أنها مدنية كلها، قاله الجمهور، منهم: مجاهد وقتادة. والثاني: مكية، قاله ابن يسار، ومقاتل، وحكي عن ابن عباس. الثالث: أن فيها مكيا ومدنيا، ثم في ذلك قولان: أحدهما: أن المكي منها آية، وهو قوله تعالى : (ولا تطع منهم آثما أو كفورا) وباقيها جميعه مدني، قاله الحسن وعكرمة. والثاني: أن أولها مدني إلى قوله تعالى: (إنا نحن نزلنا عليك القرآن) ومن هذه الآية إلى آخرها مكي، حكاه الماوردي.\r(4) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 366 لابن المبارك وأبي عبيد في \"فضائله\" وعبد بن حميد وابن المنذر.","part":8,"page":289},{"id":3333,"text":"{ أَمْشَاجٍ } أخلاط، واحدها: مَشْجٌ ومَشِيْجٌ، مثل خدن وخدين.\rقال ابن عباس، والحسن، ومجاهد والربيع: يعني ماء الرجل [وماء المرأة] (1) يختلطان في الرحم فيكون منهما الولد، فماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا صاحبه كان الشبه له، وما كان من عصب وعظم فهو من نطفة الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر فمن ماء المرأة (2) .\rوقال الضحاك: أراد بالأمشاج اختلاف ألوان النطفة، فنطفة الرجل بيضاء وحمراء وصفراء، ونطفة المرأة خضراء وحمراء [وصفراء] (3) وهي رواية الوالبي عن ابن عباس. وكذلك قال الكلبي: قال: الأمشاج البياض في الحمرة والصفرة. وقال يمان: كل لونين اختلطا فهو أمشاج. وقال ابن مسعود: هي العروق التي تكون في النطفة.\rوقال الحسن: نطفة مشجت بدم، وهو دم الحيضة، فإذا حبلت ارتفع الحيض.\rوقال قتادة: هي أطوار الخلق نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم [عظمًا] ثم يكسوه لحمًا ثم ينشئه خلقا آخر (4) .\r{ نَبْتَلِيهِ } نختبره بالأمر والنهي { فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا } قال بعض أهل العربية: فيه تقديم وتأخير، مجازه فجعلناه سميعًا بصيرًا لنبتليه (5) لأن الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخلقة.\r{ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا وَأَغْلالا وَسَعِيرًا (4) }\r{ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ } أي بينا له سبيل الحق والباطل والهدى والضلالة، وعرَّفناه طريق الخير والشر { إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا } إما مؤمنا سعيدا وإما كافرا شقيا. وقيل: معنى الكلام الجزاء، يعني: بيَّنا له الطريق إن شكر أو كفر (6) . ثم بيَّن ما للفريقين فقال: { إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلَ } يعني: في جهنم قرأ أهل المدينة\r__________\r(1) في \"أ\" والمرأة.\r(2) راجع التبيان في أقسام القرآن لابن القيم ص(334-338) خلق الإنسان للدكتور محمد علي البار ص(390 وما بعدها).\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) قال ابن جرير مرجحا بعد أن ساق الأقوال المذكورة: 29 / 203-205: \"وأشبه هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معنى ذلك (من نطفة أمشاج) نطفة الرجل ونطفة المرأة، لأن الله وصف النطفة بأنها أمشاج، وهي إذا انتقلت فصارت علقة، فقد استحالت عن معنى النطفة فكيف تكون نطفة أمشاجا وهي علقة؟ وأما الذين قالوا: إن نطفة الرجل بيضاء وحمراء، فإن المعروف من نطفة الرجل أنها سحراء على لون واحد، وهي بيضاء تضرب إلى الحمرة، وإذا كانت لونا واحدا لم تكن ألوانا مختلفة، واحسب أن الذين قالوا: هي العروق التي في النطفة قصدوا هذا المعنى\".\r(5) انظر: معاني القرآن للفراء: 3 / 214.\r(6) انظر: معاني القرآن للفراء: 3 / 214.","part":8,"page":292},{"id":3334,"text":"والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: \"سلاسلا\" و \"قواريرًا\" فقوارير بالألف في الوقف، وبالتنوين في الوصل فيهن جميعا، وقرأ حمزة ويعقوب بلا ألف في الوقف، ولا تنوين في الوصل فيهن، وقرأ ابن كثير \"قوارير\" الأولى بالألف في الوقف وبالتنوين في الوصل، و\"سلاسل\" و\"قوارير\" الثانية بلا ألف ولا تنوين وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحفص \"سلاسلا\" و\"قواريرا\" الأولى بالألف [في الوقف] (1) على الخط وبغير تنوين في الوصل، و\"قوارير\" الثانية بغير ألف ولا تنوين. قوله { وَأَغْلالا } يعني: في أيديهم، تغل إلى أعناقهم { وَسَعِيرًا } وقودًا شديدًا.\r{ إِنَّ الأبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) }\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".","part":8,"page":293},{"id":3335,"text":"{ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) }\r{ إِنَّ الأبْرَارَ } يعني المؤمنين الصادقين في إيمانهم المطيعين لربهم، [واحدهم] (1) بار، مثل: شاهد وأشهاد، وناصر وأنصار، و\"بر\" أيضا مثل: نهر وأنهار { يَشْرَبُونَ } في الآخرة، { مِنْ كَأْسٍ } [فيها] (2) شراب { كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا } قال قتادة: يمزج لهم بالكافور ويختم بالمسك. قال عكرمة: \"مزاجها\" طعمها، وقال أهل المعاني: أراد كالكافور في بياضه وطيب ريحه وبرده، لأن الكافور لا يشرب، وهو كقوله: \"حتى إذا جعله نارا\" (الكهف-96) أي كنار. وهذا معنى قول [قتادة] (3) ومجاهد: يمازجه ريح الكافور. وقال ابن كيسان: طيبت بالكافور والمسك والزنجبيل. وقال عطاء والكلبي: الكافور اسم لعين ماء في الجنة. { عَيْنًا } نصب تبعًا للكافور. وقيل: [هو] (4) نصب على المدح. وقيل: أعني عينا. وقال الزجاج: الأجود أن يكون المعنى من عين { يَشْرَبُ بِهَا } [قيل: يشربها] (5) والباء صلة وقيل بها أي منها { عِبَادَ اللَّهِ } قال ابن عباس أولياء الله { يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا } أي يقودونها حيث شاؤوا من منازلهم وقصورهم، كمن يكون له نهر يفجره هاهنا وهاهنا إلى حيث يريد. { يُوفُونَ بِالنَّذْرِ } هذا من صفاتهم في الدنيا أي كانوا في الدنيا كذلك.\rقال قتادة: أراد يوفون بما فرض الله عليهم من الصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة،\r__________\r(1) في \"أ\" واحدها.\r(2) في \"ب\" فيه.\r(3) في \"ب\" مقاتل، والصحيح ما أثبتناه من \"أ\" كما هو عند الطبري: 29 / 207.\r(4) ساقط من \"ب\".\r(5) ساقط من \"أ\".","part":8,"page":293},{"id":3336,"text":"وغيرها من الواجبات (1) ومعنى النذر: الإيجاب.\rوقال مجاهد وعكرمة: إذا نذروا في طاعة الله وفوا به.\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب، عن مالك، عن طلحة بن عبد الملك الأيلي، عن القاسم بن محمد، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه\" (2) { وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا } فاشيًا ممتدًا، يقال: استطار الصبح، إذا امتد وانتشر.\rقال مقاتل: كان شره فاشيًا في السماوات فانشقت، وتناثرت الكواكب، وكورت الشمس والقمر، وفزعت الملائكة، وفي الأرض: فنسفت الجبال، وغارت المياه، وتكسر كل شيء على الأرض من جبل وبناء. { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ } أي على حب الطعام وقلته وشهوتهم له وحاجتهم إليه. وقيل: على حب الله عز وجل { مِسْكِينًا } فقيرًا لا مال له { وَيَتِيمًا } صغيرًا لا أب له { وَأَسِيرًا } قال مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء: هو المسجون من أهل القبلة. وقال قتادة: أمر الله بالأسراء أن يحسن إليهم، وإن أسراهم يومئذ لأهل الشرك. وقيل: الأسير المملوك. وقيل: المرأة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: \"اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان\" (3) أي أسراء.\rواختلفوا في سبب نزول هذه الآية، قال مقاتل: نزلت في رجل من الأنصار أطعم في يوم واحد مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا (4) .\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 29 / 208، وعبد الرزاق في التفسير: 2 / 336.\r(2) أخرجه الإمام مالك في الموطأ: 2 / 476 في النذر والأيمان، باب ما لا يجوز من النذور في معصية الله. وهو قطعة من حديث أخرجه البخاري في الأيمان والنذور، باب النذر في الطاعة: 11 / 581، والمصنف في شرح السنة: 10 / 20-21.\r(3) قطعة من حديث أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار: 3 / 212، والترمذي في أبواب الرضاع، باب ما جاء في حق المرأة على زوجها: 4 / 326 وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\". وأخرجه ابن ماجه بنحوه في النكاح برقم: (1851): 1 / 594. وروى الإمام مسلم معناه في حديث جابر في حجة الوداع. وله شاهد من حديث عم أبي حرة الرقاشي عند الإمام أحمد: 5 / 72-73. انظر: إرواء الغليل: 7 / 53-54، 96-97.\r(4) ذكره صاحب الزاد المسير: 8 / 432.","part":8,"page":294},{"id":3337,"text":"وروى مجاهد وعطاء عن ابن عباس: أنها نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وذلك أنه عمل ليهودي بشيء من شعير، [فقبض الشعير] (1) فطحن ثلثه فجعلوا منه شيئًا ليأكلوه، فلما تمَّ إنضاجه أتى مسكين فسأل فأخرجوا إليه الطعام، ثم عمل الثلث الثاني فلما تم إنضاجه أتى يتيم فسأل فأطعموه، ثم عمل الثلث الباقي فلما تم إنضاجه أتى أسير من المشركين، فسأل فأطعموه، وطووا يومهم ذلك: وهذا قول الحسن وقتادة، أن الأسير كان من أهل الشرك، وفيه دليل على أن إطعام الأسارى، وإن كانوا من أهل الشرك، حسن يرجى ثوابه (2) .\r{ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) }\r{ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا } 181/ب والشُّكور مصدر كالعُقود والدُّخول والخروج. قال مجاهد وسعيد بن جبير: إنهم لم يتكلموا به ولكن علم الله ذلك من قلوبهم، فأثنى عليهم. { إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا } تعبس فيه الوجوه من هوله وشدته، نسب العبوس إلى اليوم، كما يقال: يوم صائم وليل قائم. وقيل وصف اليوم بالعبوس لما فيه من الشدة { قَمْطَرِيرًا } قال قتادة، ومجاهد، ومقاتل: \"القمطرير\": الذي يقبض الوجوه والجباه بالتعبيس. قال الكلبي: العبوس الذي لا انبساط فيه، و\"القمطرير\" الشديد، قال الأخفش: \"القمطرير\" أشد ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء، يقال: يوم قمطرير وقماطر، إذا كان شديدًا كريهًا، واقْمَطَّر اليوم فهو مُقْمَطِر. { فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ } الذي يخافون { وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً } حسنا في وجوههم، { وَسُرُورًا } في قلوبهم. { وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا } على طاعة الله واجتناب معصيته، وقال الضحاك: على الفقر. وقال عطاء: على الجوع. { جَنَّةً وَحَرِيرًا } قال الحسن: أدخلهم الله الجنة وألبسهم الحرير.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف، صفحة (180): \"رواه الثعلبي من رواية القاسم بن بهرام عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد، عن ابن عباس، ومن رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس .. وقال الحكيم الترمذي: ومن الأحاديث التي تنكرها القلوب حديث رووه عن ابن عباس، فذكره .. ثم قال: هذا حديث مزوَّق مفتعل لا يروج إلا على أحمق جاهل. ورواه ابن الجوزي في \"الموضوعات\" وقال \"هذا لا شك في وضعه\". وانظر: الواحدي في أسباب النزول، صفحة: (516). وراجع ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في \"منهاج السنة\": 7 / 174-187 في رده على ابن المطهر في الاحتجاج بأمثال هذا، فقد بين بطلانه من ثلاثة عشر وجها. وانظر: تفسير القرطبي: 19 / 130-135.","part":8,"page":295},{"id":3338,"text":"{ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا (13) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا (14) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلا (17) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلا (18) }\r{ مُتَّكِئِينَ } نصب على الحال { فِيهَا } في الجنة { عَلَى الأرَائِكِ } السرُر في الحِجال، ولا تكون أريكة إلا إذا اجتمعا { لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا } أي [صيفًا] (1) ولا شتاء. قال مقاتل: يعني شمسًا يؤذيهم حرها ولا زمهريرا يؤذيهم برده، لأنهما يؤذيان في الدنيا. والزمهرير: البرد الشديد. { وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا } أي قريبة منهم ظلال أشجارها، ونصب \"دانية\" بالعطف على قوله \"متكئين\" وقيل: على موضع قوله: \"لا يرون فيها شمسًا ولا زمهريرًا\" ويرون \"دانيةً\" وقيل: على المدح { وَذُلِّلَتْ } سُخرت وقُربت { قُطُوفُهَا } ثمارها { تَذْلِيلا وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآَنِيةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا } يأكلون من ثمارها قياما وقعودا ومضطجعين ويتناولونها كيف شاءوا على أي حال كانوا. { قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ } قال المفسرون: أراد بياض الفضة في صفاء القوارير، فهي من فضة في صفاء الزجاج، يرى ما في داخلها من خارجها.\rقال الكلبي إن الله جعل قوارير كل قوم من تراب أرضهم، وإن أرض الجنة من فضة، فجعل منها قوارير يشربون فيها { قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا } قدروا الكأس على قدر ريِّهم لا يزيد ولا ينقص، أي قدرها لهم السقاة والخدم الذين يطوفون عليهم يقدرونها ثم يسقون. { وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلا } يشوق ويطرب، والزنجبيل: مما كانت العرب تستطيبه جدا، فوعدهم الله تعالى أنهم يسقون في الجنة الكأس الممزوجة بزنجبيل الجنة. قال مقاتل: لا يشبه زنجبيل الدنيا. قال ابن عباس: كل ما ذكر الله في القرآن مما في الجنة وسماه ليس له في الدنيا مثل. وقيل: هو عين في الجنة يوجد منها طعم الزنجبيل. قال قتادة: يشربها المقربون صرفا، ويمزج لسائر أهل الجنة (2) . { عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلا } قال قتادة: سلسة منقادة لهم يصرفونها حيث شاءوا (3) وقال\r__________\r(1) في \"ب\" قيضا\".\r(2) أخرجه الطبري: 29 / 218.\r(3) أخرجه عبد الرزاق في التفسير: 2 / 338، والطبري: 29 / 218، وزاد السيوطي في الدر المنثور: 8 / 376 عزوه لعبد بن حميد.","part":8,"page":296},{"id":3339,"text":"مجاهد: حديدةٌ [شديدة] (1) الجْرَية (2) . وقال [أبو العالية] (3) ومقاتل بن حيان: سميت سلسبيلا لأنها تسيل عليهم في الطرق وفي منازلهم تنبع من أصل العرش من جنة عدن إلى أهل الجنان وشراب الجنة على برد الكافور وطعم الزنجبيل وريح المسك. قال الزجَّاج: سميت سلسبيلا لأنها في غاية السلاسة تتسلسل في الحلق، ومعنى قوله: \"تسمى\" أي توصف لأن أكثر العلماء على أن سلسبيلا صفة لا اسم.\r{ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (19) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) }\r{ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا } قال عطاء: يريد في بياض اللؤلؤ وحسنه، واللؤلؤ إذا نثر من الخيط على البساط، كان أحسن منه منظوما. وقال أهل المعاني: إنما شُبِّهوا بالمنثور لانتثارهم في الخدمة، فلو كانوا صفًا لشبهوا بالمنظوم. { وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ } أي إذا [رأيت] (4) ببصرك ونظرت به ثَمَّ يعني في الجنة { رَأَيْتَ نَعِيمًا } لا يوصف { وَمُلْكًا كَبِيرًا } وهو أن أدناهم منزلة ينظر إلى ملكه في مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه. وقال مقاتل والكلبي: هو أن رسول رب العزة من الملائكة لا يدخل عليه إلا بإذنه. وقيل: ملكًا لا زوال له. { عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ } قرأ أهل المدينة وحمزة: \"عاليْهِم\" ساكنة الياء مكسورة الهاء، فيكون في موضع رفع بالابتداء، وخبره: ثياب سندس، وقرأ الآخرون بنصب الياء وضم الهاء على [الصفة، أي فوقهم، وهو نصب على الظرف] (5) { ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ } قرأ نافع وحفص \"خضر واستبرق\" [مرفوعا] (6) عطفا على الثياب، وقرأهما حمزة والكسائي مجرورين، وقرأ ابن كثير وأبو بكر \"خضر\" بالجر و\"إستبرقٌ\" بالرفع، وقرأ أبو جعفر وأهل البصرة والشام على ضده [فالرفع على] (7)\r__________\r(1) ما بين القوسين استدركناه من رواية هناد في الزهد.\r(2) أخرجه عبد الرزاق في التفسير: 2 / 338، والطبري: 29 / 218، وهناد في الزهد: 1 / 172، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 375 لسعيد بن منصور، وهناد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي. وأخرجه البخاري تعليقا: 6 / 319، وقال الحافظ في \"الفتح\": وصله سعيد بن منصور، وعبد بن حميد من طريق مجاهد. وانظر تعليق المحقق على الزهد لهناد.\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) في \"ب\" رميت.\r(5) في \"أ\" الحال، وعاليهم: أي فوقهم، ويجوز انتصابه على الظرف.\r(6) في \"أ\" مرفوعتين.\r(7) في \"أ\" فقوله: أخضر بالرفع على.","part":8,"page":297},{"id":3340,"text":"نعت الثياب [والجر] (1) على نعت السندس [وإستبرق بالرفع على أنه معطوف على وثياب إستبرقٍ فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه كقوله \"وأسأل القرية\" أي أهل القرية، ومثله قوله: خز أي ثوب خز، وأما جر إستبرق فعلى أنه معطوف على سندس وهو جر بإضافة الثياب إليه، وهما جنسان أضيفت الثياب إليهما كما تقول: ثوب خز وكتان فتضيفه إلى الجنسين] (2) .\r{ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا } قيل: طاهرًا من الأقذار والأقذاء لم تدنسه الأيدي والأرجل كخمر الدنيا.\rوقال أبو قلابة وإبراهيم: إنه لا يصير بولا نجسًا ولكنه يصير رشحًا في أبدانهم، [ريحه كريح المسك] (3) ، وذلك أنهم يؤتون بالطعام، فإذا كان آخر ذلك أتوا بالشراب الطهور، فيشربون فيطهر بطونهم ويصير ما أكلوا رشحًا يخرج من جلودهم [ريحًا] (4) أطيب من المسك الإذفر، وتضمر بطونهم وتعود شهوتهم.\rوقال مقاتل: هو عين ماء على باب الجنة من شرب منها نزع الله ما كان في قلبه من غل وغش وحسد.\r{ إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (22) إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزيلا (23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (24) }\r{ إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا } أي ما وصف من نعيم الجنة كان لكم جزاء بأعمالكم، { وَكَانَ سَعْيُكُمْ } عملكم في الدنيا بطاعة الله مشكورا، قال عطاء: شكرتكم عليه [فأثيبكم] (5) أفضل الثواب. قوله عز وجل: { إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزيلا } قال ابن عباس: 182/أ متفرقًا آية بعد آية، ولم ينزل جملة واحدة. { فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ } يعني من مشركي مكة { آثِمًا أَوْ كَفُورًا } يعني وكفورًا، والألف صلة.\r__________\r(1) في \"أ\" وخضر بالجر.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) في \"ب\" كرشح المسك.\r(4) ساقط من \"ب\".\r(5) في \"ب\" فآتيتكم.","part":8,"page":298},{"id":3341,"text":"قال قتادة: أراد بالآثم الكفور أبا جهل وذلك أنه لما فرضت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم نهاه أبو جهل عنها، وقال: لئن رأيت محمدًا يصلي لأطأن عنقه (1) .\rوقال مقاتل: أراد بـ\"الآثم\" عتبة بن ربيعة وبـ\"الكفور\" الوليد بن المغيرة، قالا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صنعت ما صنعت لأجل النساء والمال فارجع عن هذا الأمر، قال عتبة: فأنا أزوجك ابنتي وأسوقها إليك بغير مهر، وقال الوليد: أنا أعطيك من المال حتى ترضى، فارجع عن هذا الأمر، فأنزل الله هذه الآية (2) .\r{ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلا (25) }\r__________\r(1) أخرجه عبد الرزاق في التفسير: 2 / 339، والطبري: 29 / 224، وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 378 لعبد بن حميد وابن المنذر.\r(2) قال الآلوسي: 29 / 165-166: \"والمراد بالآثم والكفور: جنسه. وتعليق النهي بذلك مشعر بعلية الوصفين له، فلا بد أن يكون النهي عن الإطاعة في الإثم والكفر، لا فيما ليس بإثم ولا كفر والمراد: ولا تطع مرتكب الإثم الداعي لك إليه، أو مرتكب الكفر الداعي إليه: أي: لا تتبع أحدا من الآثم إذا دعاك إلى الإثم، ومن الكفور إذا دعاك إلى الكفر فإنه إذا قيل: لا تطع الظالم، فهم منه: ولا تتبعه في الظلم إذا دعاك إليه. ومنع هذا الفهم مكابرة .. وقيل: الآثم: عتبة، والكفور: الوليد. والأولى ما تقدم\". وقال: \"وفي النهي مع العصمة إرشاد لغير المعصوم إلى التضرع إلى الله تعالى والرغبة إليه سبحانه في الحفظ عن الوقوع فيما لا ينبغي\".","part":8,"page":299},{"id":3342,"text":"{ وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا (26) إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلا (27) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلا (28) }\r{ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلا وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ } [يعني صلاة المغرب والعشاء] (1) { وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا } يعني التطوع بعد المكتوبة. { إِنَّ هَؤُلاءِ } يعني كفار مكة { يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ } أي الدار العاجلة وهي الدنيا. { وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ } يعني أمامهم { يَوْمًا ثَقِيلا } شديدًا وهو يوم القيامة. أي يتركونه فلا يؤمنون به ولا يعملون له. { نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا } [قوينا وأحكمنا] (2) { أَسْرَهُم } قال مجاهد وقتادة [ومقاتل] (3) \"أسرهم\" أي: خلقهم، يقال: رجل حسن الأسر، أي: الخلق.\rوقال الحسن: يعني أوصالهم بعضها إلى بعض بالعروق والعصب.\r__________\r(1) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(2) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(3) ساقط من \"أ\".","part":8,"page":299},{"id":3343,"text":"وروي عن مجاهد في تفسير \"الأسر\" قال: الشرج، يعني: موضع مَصْرَفَيْ البول والغائط، إذا خرج الأذى تقَّبضا. { وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلا } أي: إذا شئنا أهلكناهم وأتينا بأشباههم فجعلناهم بدلا منهم.\r{ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا (29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (31) }\r{ إِنَّ هَذِهِ } يعني هذه السورة { تَذْكِرَة } تذكير وعظة { فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا } وسيلة بالطاعة. { وَمَا تَشَاءُونَ } قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو: \"يشاءون\" بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء، { إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } أي لستم تشاءون إلا بمشيئة الله عز وجل، لأن الأمر إليه { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا } { يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ } أي المشركين { أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا }","part":8,"page":300},{"id":3344,"text":"سورة المرسلات مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا (1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (2) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (3) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (4) }\r{ وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا } يعني الرياح أرسلت متتابعة كعرف الفرس. وقيل: عرفًا أي كثيرًا تقول العرب: الناس إلى فلان عرف واحد، إذا توجهوا إليه فأكثروا، هذا [معنى] (2) قول مجاهد وقتادة. وقال مقاتل: يعني الملائكة التي أرسلت بالمعروف من أمر الله ونهيه، وهي رواية مسروق عن ابن مسعود. { فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا } يعني الرياح الشديدة الهبوب. { وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا } يعني الرياح اللينة. وقال الحسن: هي الرياح التي يرسلها الله بشرًا بين يدي رحمته. وقيل: هي الرياح التي تنشر السحاب وتأتي بالمطر. وقال مقاتل: هم الملائكة ينشرون الكتب (3) . { فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا } قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك: يعني الملائكة تأتي بما يفرق بين الحق والباطل. وقال [قتادة] (4) والحسن: هي آي القرآن تفرق بين الحلال والحرام. وروي عن\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس، والنحاس، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: نزلت سورة المرسلات بمكة. وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: \"بينما نحن مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار بمنى إذ نزلت عليه سورة المرسلات عرفا، فإنه يتلوها وإني لألقاها من فيه، وإن فاه لرطب بها إذ وثبت عليه حية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اقتلوها فابتدرناها فذهبت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وقيت شركم كما وقيتم شرها\". انظر: الدر المنثور: 8 / 380.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) ساق ابن جرير هذه الأقوال: 29 / 230-231، ثم قال مرجحا: \"وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أقسم بالناشرات نشرا، ولم يخصص شيئا من ذلك دون شيء، فالريح تنشر السحاب، والمطر ينشر الأرض، والملائكة تنشر الكتب، ولا دلالة من وجه يجب التسليم له على أن المراد من ذلك بعض دون بعض، فذلك على كل ما كان ناشرا\".\r(4) في \"أ\" مقاتل.","part":8,"page":301},{"id":3345,"text":"مجاهد قال: هي الرياح تفرق السحاب وتبدِّده (1) .\r{ فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (5) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (6) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (7) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (8) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (9) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (10) }\r{ فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا } يعني الملائكة تلقي الذكر إلى الأنبياء، نظيرها: \"يلقي الروح من أمره\"(غافر-15) . { عُذْرًا أَوْ نُذْرًا } أي للإعذار والإنذار، وقرأ الحسن \"عُذُرًا\" بضم الذال واختلف فيه عن أبي بكر عن عاصم، وقراءة العامة بسكونها، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص \"[عذرًا أو] (2) نذرًا\" ساكنة الذال فيهما، وقرأ الباقون بضمها، ومن سكَّن قال: لأنهما في موضع مصدرين بمعنى الإنذار والإعذار، وليسا بجمع فينقلا [وقال ابن كثير ونافع، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم ويعقوب برواية رويس بن حسان: \"عذْرًا\" سكون الذال و\"نُذُرًا\" بضم الذال، وقرأ روح بالضم في العذر والنذر جميعًا، وهي قراءة الحسن، والوجه فيهما أن العذر والنذر بضمتين كالأذُن والعُنِق هو الأصل ويجوز التخفيف فيهما كما يجوز التخفيف في العنق والأذن، يقال: عذْر ونذْر، وعذُر ونذُر، كما يقال: عُنْق وعُنُق، وأُذْن وأُذُن، والعذر والنذر مصدران بمعنى الإعذار والإنذار كالنكير والعذير والنذير، ويجوز أن يكونا جمعين لعذير ونذير، ويجوز أن يكون العذر جمع عاذر، كشارف وشُرُف، والمعنى في التحريك والتسكين واحد على ما بينا إلى هاهنا أقسام] (3) ذكرها على قوله: { إِنَّ مَا تُوعَدُونَ } { إِنَّ مَا تُوعَدُونَ } من أمر الساعة والبعث { لَوَاقِع } [لكائن] (4) ثم ذكر متى يقع. فقال: { فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ } محي نورها. { وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ } شقت. { وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ } قلعت من أماكنها.\r__________\r(1) قال ابن جرير مرجحا: \"والصواب من القول في ذلك أن يقال: أقسم ربنا جل ثناؤه بالفارقات، وهي الفاصلات بين الحق والباطل، ولم يخصص بذلك منهن بعضا دون بعض، فذلك قسم بكل فارقة بين الحق والباطل، ملكا كان أو قرآنا، أو غير ذلك\".\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(4) زيادة من \"ب\".","part":8,"page":304},{"id":3346,"text":"{ وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (11) لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (12) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (13) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (14) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (15) أَلَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ (17) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (19) }","part":8,"page":305},{"id":3347,"text":"{ أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (21) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (24) أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفَاتًا (25) }\r{ وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ } قرأ أهل البصرة \"وقتت\" بالواو، وقرأ أبو جعفر بالواو وتخفيف القاف، وقرأ الآخرون بالألف وتشديد القاف، وهما لغتان. والعرب تعاقبت بين الواو والهمزة كقولهم: وكَّدت وأكدت، ورَّخت وأرخت، ومعناهما: جمعت لميقات يوم معلوم، وهو يوم القيامة ليشهدوا على الأمم. { لأيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ } أي أخرت، وضرب الأجل لجمعهم فعجَّب العباد من ذلك اليوم، ثم بيَّن فقال { لِيَوْمِ الْفَصْلِ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: يوم يفصل الرحمن عز وجل بين الخلائق. { وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَومُ الفَصْلِ وَيْلٌ يَومَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ أَلَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ } يعني الأمم الماضية بالعذاب، في الدنيا حين كذبوا رسلهم. { ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ } السالكين سبيلهم في الكفر والتكذيب يعني كفار مكة بتكذيبهم محمد صلى الله عليه وسلم. { كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ } يعني النطفة. { فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ } يعني الرحم. { إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ } وهو وقت الولادة. { فَقَدَرْنَا } قرأ أهل المدينة والكسائي: \"فقدَّرنا\" بالتشديد من التقدير، وقرأ الآخرون بالتخفيف من القدرة، لقوله: \"فنعم القادرون\" وقيل: معناهما واحد، وقوله: { فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ } أي المقدّرون. { وَيْلٌ يَومَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفَاتًا } وعاءً، ومعنى الكَفْت: الضم والجمع،","part":8,"page":305},{"id":3348,"text":"يقال: كفت الشيء: إذا ضمه وجمعه 182/ب وقال الفَّراء: يريد تكفتهم أحياء على ظهرها في دورهم ومنازلهم، وتكفتهم أمواتًا في بطنها، أي: تحوزهم (1) .\r{ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (26) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (27) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (28) انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (29) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (30) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (31) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32) }\rوهو قوله { أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ } جبالا { شَامِخَاتٍ } عاليات، { وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا } عذبًا. { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ } قال مقاتل: وهذا كله أعجب من البعث، . ثم أخبر أنه يقال لهم يوم القيامة { انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ }\r{ انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ } في الدنيا. { انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ } يعني دخان جهنم إذا ارتفع انشعب وافترق ثلاث فرق. وقيل: يخرج عنق من النار فيتشعب ثلاث شعب، أما النور فيقف على رءوس المؤمنين، والدخان يقف على رءوس المنافقين، واللهب الصافي يقف على رءوس الكافرين. ثم وصف ذلك الظل فقال عز وجل { لا ظَلِيلٍ } لا يظل من الحر { وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ } قال الكلبي: لا يرد لهب جهنم عنكم، والمعنى أنهم [إذا] (2) استظلوا بذلك الظل لم يدفع عنهم حر اللهب. { إِنَّهَا } يعني جهنم { تَرْمِي بِشَرَرٍ } وهو ما تطاير من النار، واحدها شررة { كَالْقَصْرِ } وهو البناء العظيم، قال ابن مسعود: يعني الحصون.\rوقال عبد الرحمن بن عياش سألت ابن عباس عن قوله تعالى: \"إنها ترمي بشرر كالقصر\" قال: هي الخشب العظام المقطعة، وكنا نعمد إلى الخشب فنقطعها ثلاثة أذرع وفوق ذلك ودونه ندخرها للشتاء، فكنا نسميها القصر.\rوقال سعيد بن جبير، والضحاك: هي أصول النخل والشجر العظام، واحدتها قصرة، مثل\r__________\r(1) معاني القرآن للفراء: 3 / 224.\r(2) ساقط من \"أ\".","part":8,"page":306},{"id":3349,"text":"تمرة وتمر، وجمرة وجمر.\rوقرأ علي وابن عباس \"كالقصر\" بفتح الصاد، أي أعناق النخل، والقصرة العنق، وجمعها قصر وقصرات.\r{ كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ (33) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (34) هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (35) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (37) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالأوَّلِينَ (38) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (39) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (40) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) }\r{ كَأَنَّه } رد الكناية إلى اللفظ { جِمَالَة } قرأ حمزة والكسائي وحفص: \"جمالة\" على جمع الجمل، مثل حجر وحجارة، وقرأ يعقوب بضم الجيم بلا ألف، أراد: الأشياء العظام المجموعة، وقرأ الآخرون: \"جمالات\" بالألف وكسر الجيم على جمع الجمال، وقال ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير: هي حبال السفن يجمع بعضها إلى بعض، حتى تكون كأوساط الرجال، { صُفْرٌ } جمع الأصفر، يعني لون النار، وقيل: \"الصفر\" معناه: السود، لأنه جاء في الحديث أن شرر نار جهنم أسود كالقير، والعرب تسمى سود الإبل صفرًا لأنه يشوب سوادها شيء من صفرة كما يقال لبيض الظباء: أدم، لأن بياضها يعلوه كدرة. { وَيْلٌ يَومَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ } وفي القيامة مواقف، ففي بعضها يختصمون ويتكلمون، وفي بعضها يختم على أفواههم فلا ينطقون. { وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } رفع عطف على قوله: \"يؤذن\" قال الجنيد: أي لا عذر لمن أعرض عن مُنْعِمِه وكفر بأياديه ونعمه. { وَيْلٌ يَومَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ } بين أهل الجنة والنار { جَمَعْنَاكُمْ وَالأوَّلِينَ } يعني مكذبي هذه الأمة والأولين الذين كذبوا أنبياءهم. { فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ } قال مقاتل: إن كانت لكم حيلة فاحتالوا لأنفسكم. { وَيْلٌ يَومَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ } جمع ظل أي في ظلال الشجر { وَعُيُون } الماء.\r{ وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ } .","part":8,"page":307},{"id":3350,"text":"{ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (45) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (46) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (47) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (48) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50) }\rويقال لهم { كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } في الدنيا بطاعتي.\r{ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِين } .\rثم قال لكفار مكة: { كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلا } في الدنيا { إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ } مشركون بالله عز وجل مستحقون للعذاب. { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِين وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا } صلُّوا { لا يَرْكَعُونَ } لا يصلُّون، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إنما يقال لهم هذا يوم القيامة حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون. { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِين فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ } بعد القرآن { يُؤْمِنُونَ } إذا لم يؤمنوا به.","part":8,"page":308},{"id":3351,"text":"سورة النبأ مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ (5) }\r{ عَمَّ } أصلَه: \"عن ما\" فأدغمت النون في الميم وحذفت ألف \"ما\" [كقوله] (2) \"فيم\" و\"بم\"؟ { يَتَسَاءَلُونَ } أي: عن أي شيء يتساءلون، هؤلاء المشركون؟ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى التوحيد وأخبرهم بالبعث بعد الموت، وتلا عليهم القرآن جعلوا يتساءلون بينهم فيقولون: ماذا جاء به محمد؟ قال الزَّجاج: اللفظ لفظ استفهام ومعناه التفخيم، كما تقول: أي شيء زيد؟ إذا عظمت [أمره] (3) وشأنه. ثم ذكر أن تساؤلهم عماذا فقال: { عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ } قال مجاهد والأكثرون: هو القرآن، دليله: قوله: \"قل هو نبأ عظيم\" (ص-67) وقال قتادة: هو البعث. { الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ } فمصدّق ومكذّب { كَلا سَيَعْلَمُونَ } \"كلا\" نفي لقولهم، \"سيعلمون\" عاقبة تكذيبهم حين تنكشف الأمور. { ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ } وعيد لهم على أثر وعيد. وقال الضحاك: \"كلا سيعلمون\" يعني الكافرين، \"ثم كلا سيعلمون\" يعني: المؤمنين، ثم ذكر صنعائه ليعلموا توحيده فقال: { أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهَادًا }\r{ أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنزلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) }\r{ أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهَادًا } فراشًا.\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس وابن مردويه عن ابن الزبير قال: نزلت سورة (عم يتساءلون) بمكة. انظر: الدر المنثور: 8 / 389.\r(2) في \"ب\" كقولهم.\r(3) ساقط من \"ب\".","part":8,"page":309},{"id":3352,"text":"{ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا } للأرض حتى لا تميد. { وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا } أصنافًا ذكورًا وإناثًا. { وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا } أي راحة لأبدانكم. قال الزجاج: \"السبات\" أن ينقطع عن الحركة والروح فيه. وقيل: معناه جعلنا نومكم قطعًا لأعمالكم، لأن أصل السبت: القطع. { وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا } غطاء وغشاء يستر كل شيء بظلمته. { وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا } المعاش: العيش، وكل ما يعاش فيه فهو معاش، أي جعلنا النهار سببًا للمعاش والتصرف في المصالح. قال [ابن عباس] (1) يريد: تبتغون فيه من فضل الله، وما قسم لكم من رزقه. { وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا } يريد سبع سماوات. { وَجَعَلْنَا سِرَاجًا } [يعني الشمس] (2) { وَهَّاجًا } مضيئًا منيرًا. قال الزجاج: الوهاج: الوقاد. قال مقاتل: جعل فيه نورًا وحرارةً، والوهج يجمع النور والحرارة. { وَأَنزلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ } قال مجاهد، وقتادة، ومقاتل، والكلبي: يعني الرياح التي تعصر السحاب، وهي رواية العوفي عن ابن عباس.\rقال الأزهري: هي الرياح ذوات 183/أ الأعاصير، فعلى هذا التأويل تكون \"من\" بمعنى الباء أي بالمعصرات، وذلك أن الريح تستدر المطر.\rوقال أبو العالية، والربيع، والضحاك: المعصرات هي السحاب وهي رواية الوالبي عن ابن عباس.\r__________\r(1) في \"ب\" ابن مسعود.\r(2) ساقط من \"ب\".","part":8,"page":312},{"id":3353,"text":"قال الفراء: [المعصرات السحائب] (1) [التي] (2) تتحلب بالمطر ولا تمطر، كالمرأة المعصر هي التي دنا حيضها ولم تحض (3) .\rوقال ابن كيسان: هي المغيثات من قوله \"[فيه يغاث الناس] وفيه يعصرون\".\rوقال الحسن، وسعيد بن جبير، وزيد بن أسلم، ومقاتل بن حيان: \"من المعصرات\" أي من السماوات.\r{ مَاءً ثَجَّاجًا } أي صبابًا، وقال مجاهد: مدرارًا. وقال قتادة: متتابعًا يتلو بعضه بعضًا. وقال ابن زيد: كثيرًا.\r{ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19) }\r{ لِنُخْرِجَ بِهِ } أي بذلك الماء { حَبًّا } وهو ما يأكله الناس { ونباتًا } ما تنبته الأرض مما تأكله الأنعام. { وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا } ملتفة بالشجر، واحدها لَفٌ وليف، وقيل: هو جمع الجمع، يقال: جنة لفَّا، وجمعها لُفٌ، بضم اللام، وجمع الجمع ألفاف. { إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ } يوم القضاء بين الخلق { كَانَ مِيقَاتًا } لما وعد الله من الثواب والعقاب. { يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا } زمرًا [زمرًا] (4) من كل مكان للحساب. { وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ } قرأ أهل الكوفة: \"فُتِحَتِ\" بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتشديد، أي شُقَّت لنزول الملائكة { فَكَانَتْ أَبْوَابًا } أي ذات أبواب. وقيل: تنحلّ، وتتناثر حتى تصير فيها أبواب وطرق.\r__________\r(1) في \"ب\" المعصر السحابة.\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) انظر: \"القرطين\" لابن مطرف: 2 / 200.\r(4) ساقط من \"ب\".","part":8,"page":313},{"id":3354,"text":"{ وَسُيِّرَتِ الْجِبَال فَكَانَتْ سَرَابًا (20) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (22) لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) }\r{ وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ } عن وجه الأرض { فَكَانَتْ سَرَابًا } أي هباءً منبثًا لعين الناظر كالسراب. { إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا } طريقًا وممرًا فلا سبيل لأحد إلى الجنة حتى يقطع النار.\rوقيل: \"كانت مرصادا\" أي: معدة لهم، يقال: أرصدت له [الشيء] (1) إذا أعددته له.\rوقيل: هو من رصدت الشيء أرصده إذا ترقبته. \"والمرصاد\" المكان الذي يرصد الراصد فيه العدو. وقوله: \"إن جهنم كانت مرصادا\" أي ترصد الكفار.\rوروى مقسم عن ابن عباس: أن على جسر جهنم سبع محابس يسأل العبد عند أولها عن شهادة أن لا إله إلا الله، فإن [أجابها] (2) تامة جاز إلى الثاني، فيسأل عن الصلاة، فإن [أجابها] (3) تامة جاز إلى الثالث، فيسأل عن الزكاة، فإن [أجابها] (4) تامة جاز إلى الرابع، فيسأل عن الصوم فإن جاء به تامًا جاز إلى الخامس، فيسأل عن الحج فإن جاء به تاما جاز إلى السادس، فيسأل عن العمرة فإن [أجابها] (5) تامة جاز إلى السابع، فيسأل عن المظالم فإن خرج منها وإلا يقال: انظروا فإن كان له تطوع أكمل به أعماله، فإذا فرغ منه انطلق به إلى الجنة. { َّ لِلطَّاغِين } للكافرين { مَآبًا } مرجعا يرجعون إليه. { لابِثِينَ } قرأ حمزة ويعقوب: \"لَبِثْينَ\" بغير ألف، وقرأ العامة \"لابثين\" [بالألف] (6) وهما لغتان. { فِيهَا أَحْقَابًا } جمع حُقب، والحُقب الواحد: ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهرًا، كل شهر ثلاثون يوما، كل يوم ألف سنة (7) . روي ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.\rوقال مجاهد: \"الأحقاب\" ثلاثة وأربعون حقبًا كل حقب سبعون خريفًا، كل خريف سبعمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يومًا، كل يوم ألف سنة.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) في \"ب\" جاء بها.\r(3) في \"ب\" جاء بها.\r(4) في \"ب\" جاء بها.\r(5) في \"ب\" جاء بها.\r(6) ساقط من \"ب\".\r(7) انظر: الطبري: 30 / 11.","part":8,"page":314},{"id":3355,"text":"قال الحسن: إن الله لم يجعل لأهل النار مدة، بل قال: \"لابثين فيها أحقابا\" فوالله ما هو إلا [إذا] (1) مضى حقب دخل آخر ثم آخر إلى الأبد، فليس للأحقاب عدة إلا الخلود (2) .\rوروى السدي عن مُرَّة عن عبد الله قال: لو علم أهل النار أنهم يلبثون في النار عدد حصى الدنيا لفرحوا، ولو علم أهل الجنة أنهم يلبثون في الجنة عدد حصى الدنيا لحزنوا.\rوقال مقاتل بن حيان: الحقب الواحد سبع عشرة ألف سنة. قال: وهذه الآية منسوخة نسختها \"فلن نزيدكم إلا عذابا\" يعني أن العدد قد ارتفع والخلود قد حصل (3) .\r{ لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا (24) إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29) }\r{ لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا } روي عن ابن عباس: أن البرد النوم، ومثله قال الكسائي و[قال] (4) أبو عبيدة، تقول العرب: منع البرد، البردَ أي أذهب البرد النوم. وقال الحسن وعطاء: \"لا يذوقون فيها بردًا\" أي: روحًا وراحة. وقال مقاتل: \"لا يذوقون فيها بردًا\" ينفعهم من حر، \"ولا شرابًا\" ينفعهم من عطش. { إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا } قال ابن عباس: \"الغساق\" الزمهرير يحرقهم ببرده. وقيل: صديد أهل النار، وقد ذكرناه في سورة \"ص\" (5) { جَزَاءً وِفَاقًا } أي جزيناهم جزاء وافق أعمالهم. قال مقاتل: وافق العذاب الذنب، فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم من النار. { إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا } لا يخافون أن يحاسبوا، والمعنى: أنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا بأنهم محاسبون. { وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا } أي بما جاءت به الأنبياء { كِذَّابًا } تكذيبًا، قال الفراء: هي لغة يمانية فصيحة، يقولون في مصدر التفعيل فِعَّال وقال: قال لي أعرابي منهم على المروة يستفتيني: الحلق أحب\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) انظر: الطبري: 30 / 11-12.\r(3) قال الطبري: 30 / 12: \"ولا معنى لهذا القول لأن قوله (لابثين فيها أحقابا) خبر، والأخبار لا يكون فيها نسخ، وإنما النسخ يكون في الأمر والنهي\".\r(4) ساقط من \"أ\".\r(5) \"وغساق\": قرأ حمزة، والكسائي وحفص: \"وغسَّاق\" حيث كان بالتشديد، وخففها الآخرون، فمن شدد جعله اسمًا على فَعَّال، نحو: الخباز والطباخ، ومن خفف جعله اسمًا على فَعَال نحو العذاب.\rواختلفوا في معنى الغساق، قال ابن عباس: هو الزمهرير يحرقهم ببرده، كما تحرقهم النار بحرّها.\rوقال مقاتل ومجاهد: هو الذي انتهى برده.\rوقيل: هو المنتن بلغة الترك.\rوقال قتادة: هو ما يغسق أي: ما يسيل من القيح والصديد من جلود أهل النار، ولحومهم، وفروج الزناة، من قوله: غَسِقَتْ عينه إذا انصبَّت، والغسقان الانصباب.","part":8,"page":315},{"id":3356,"text":"إليك أم القِصَّار؟ (1) . { وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا } أي وكل شيء من الأعمال بيَّناه في اللوح المحفوظ، كقوله: \"وكل شيء أحصيناه في إمام مبين\" (يس-12) .\r{ فَذُوقُوا فَلَنْ نزيدَكُمْ إِلا عَذَابًا (30) }\r__________\r(1) معاني القرآن للفراء: 3 / 229.","part":8,"page":316},{"id":3357,"text":"{ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (33) وَكَأْسًا دِهَاقًا (34) لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا (35) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (36) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (37) }\r{ فَذُوقُوا } أي يقال لهم: فذوقوا، { فَلَنْ نزيدَكُمْ إِلا عَذَابًا } قوله عز وجل: { إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا } فوزًا ونجاةً من النار، وقال الضحاك: متنزها. { حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا } يريد أشجار الجنة وثمارها. { وَكَوَاعِب } جواري نواهد قد تكعبت ثُدِيُّهُن، واحدتها كاعب، { أَتْرَابًا } مستويات في السن. { وَكَأْسًا دِهَاقًا } قال ابن عباس والحسن وقتادة وابن زيد: مترعة مملوءة. وقال سعيد بن جبير ومجاهد: متتابعة. قال عكرمة: صافية. { لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا } باطلا من الكلام { وَلا كِذَّابًا } تكذيبًا، لا يكذب بعضهم بعضًا. وقرأ الكسائي \"كذابا\" بالتخفيف مصدر [كاذب] (1) كالمكاذبة، وقيل: هو الكذب. وقيل: هو بمعنى التكذيب كالمشدد. { جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا } أي جازاهم جزاء وأعطاهم عطاء \"حسابًا\" أي: كافيًا وافيًا، يقال: أحسبت فلانًا، أي أعطيته ما يكفيه حتى قال حسبي. وقال ابن قتيبة: \"عطاء حسابا\" أي كثيرًا (2) وقيل: هو جزاء بقدر أعمالهم. { رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ } قرأ أهل الحجاز، وأبو عمرو: \"ربُّ\" رفع على الاستئناف و\"الرحمن\" خبره. وقرأ الآخرون بالجر اتباعًا لقوله: \"من ربك\" وقرأ ابن عامر،\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) انظر: القرطين: 2 / 201.","part":8,"page":316},{"id":3358,"text":"وعاصم، ويعقوب: \"الرحمنِ\" جرًا اتباعًا لقوله: \"رب السماوات 183/ب \" وقرأ الآخرون بالرفع، فحمزة والكسائي يقرآن \"ربِّ\" بالخفض لقربه من قوله: \"جزاءً من ربك\" ويقرآن \"الرحمنُ\" بالرفع لبعده منه على الاستئناف، وقوله: { لا يَمْلِكُونَ } في موضع رفع، خبره.\rومعنى { لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا } قال مقاتل: لا يقدر الخلق على أن يكلموا الرب إلا بإذنه. وقال الكلبي: لا يملكون شفاعة إلا بإذنه.\r{ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (38) }\r{ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ } أي في ذلك اليوم { وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا } واختلفوا في هذا الروح، قال الشعبي والضحاك: هو جبريل.\rوقال عطاء عن ابن عباس: \"الروح\" ملك من الملائكة ما خلق الله مخلوقًا أعظم منه، فإذا كان يوم القيامة قام وحده صفا وقامت الملائكة كلهم صفًا واحدا، فيكون عظم خلقه مثلهم (1) .\rوعن ابن مسعود قال: الروح ملك أعظم من السماوات ومن الجبال، ومن الملائكة وهو في السماء الرابعة، يسبح كل يوم اثني عشر [ألف] (2) تسبيحة، يُخلق من كل تسبيحة ملك يجيء يوم القيامة صفا وحده (3) .\rوقال مجاهد، وقتادة، وأبو صالح: \"الروح\" خلق على صورة بني آدم ليسوا بناس يقومون صفًا والملائكة صفًا، هؤلاء جند وهؤلاء جند.\rوروى مجاهد عن ابن عباس قال: هم خلق على صورة بني آدم وما ينزل من السماء ملك إلا معه واحد منهم (4) .\rوقال الحسن: هم بنو آدم (5) . ورواه قتادة عن ابن عباس، وقال: هذا مما كان يكتمه ابن عباس (6) .\r__________\r(1) انظر: الطبري: 30 / 22.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) أخرجه الطبري: 30 / 22. واستغربه ابن كثير: 4 / 466 فقال: \"وهذا قول غريب جدا\". وانظر: الدر المنثور: 8 / 400.\r(4) انظر: الطبري 30 / 23.\r(5) أخرجه الطبري: 30 / 23.\r(6) الراجح الجمع بين هذه الأقوال كما بين ابن جرير: 30 / 23 فقال: \"والصواب من القول أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أن خلقه لا يملكون منه خطابا، يوم يقوم الروح، والروح خلق من خلقه، وجائز أن يكون بعض هذه الأشياء التي ذكرت، والله أعلم أي ذلك هو، ولا خبر بشيء من ذلك أنه المعني به دون غيره يجب التسليم له، ولا حجة تدل عليه، وغير ضائر الجهل به\". وراجع ابن كثير: 4 / 466 -467 فقد رجح أنهم بنو آدم.","part":8,"page":317},{"id":3359,"text":"\"والملائكة صفا\" قال الشعبي: هما سماطا (1) رب العالمين، يوم يقوم سماط من الروح وسماط من الملائكة.\r{ لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا } في الدنيا، أي حقًا. وقيل: قال: لا إله إلا الله (2) .\r{ ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (39) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (40) }\r{ ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ } الكائن الواقع يعني يوم القيامة { فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا } مرجعًا وسبيلا بطاعته، أي: فمن شاء رجع إلى الله بطاعته. { إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا } يعني العذاب في الآخرة، وكل ما هو آت قريب. { يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } أي كل امرئ يرى في ذلك اليوم ما قدم من العمل مثبتًا في صحيفته، { وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا }\rقال عبد الله بن عمرو: (3) إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مدّ الأديم، وحشرت الدواب والبهائم والوحوش، ثم يجعل القصاص بين البهائم حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء تنطحها، فإذا فرغ من القصاص قيل لها: كوني ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابًا. ومثله عن مجاهد.\rوقال مقاتل: يجمع الله الوحوش والهوام والطير فيقضي بينهم حتى يُقتصَ للجماء من القرناء، ثم يقول لهم: أنا خلقتكم وسخرتكم لبني آدم وكنتم مطيعين إياهم أيام حياتكم، فارجعوا إلى الذي\r__________\r(1) والسماط: الصف.\r(2) رواه الطبري: 30 / 24 عن عكرمة ثم قال: \"والصواب من القول في ذلك أن يقال: \"إن الله تعالى ذكره أخبر عن خلقه أنهم لا يتكلمون يوم يقوم الروح والملائكة صفا إلا من أذن له منهم في الكلام الرحمن، وقال صوابا فالواجب أن يقال كما أخبر إذ لم يخبرنا في كتابه، ولا على لسان رسوله، أنه عنى بذلك نوعا من أنواع الصواب، والظاهر محتمل جميعه\".\r(3) في المخطوطتين: عبد الله بن عمر، أما في الطبري: 30 / 26 فعبد الله بن عمرو. وكذلك عند ابن كثير: 4 / 467. وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 402 لعبد بن حميد وابن شاهين في كتاب \"العجائب والغرائب\".","part":8,"page":318},{"id":3360,"text":"كنتم، كونوا ترابًا، فإذا التفت الكافر إلى شيء صار ترابًا، يتمنى فيقول: يا ليتني كنت في الدنيا في صورة خنزير، وكنت اليوم ترابًا.\rوعن [أبي الزناد عبد الله بن ذكوان] (1) قال: إذا قضى الله بين الناس وأمر أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، وقيل لسائر الأمم ولمؤمني الجن عودوا ترابًا فيعودون ترابًا، فحينئذ يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا. وبه قال ليث بن [أبي] (2) سليم، مؤمنو الجن يعودون ترابًا (3)\rوقيل: إن الكافر هاهنا إبليس (4) وذلك أنه عاب آدم وأنه خلق من التراب وافتخر بأنه خلق من النار، فإذا عاين يوم القيامة ما فيه آدم وبنوه المؤمنون من الثواب والرحمة، وما هو فيه من الشدة والعذاب، قال: يا ليتني كنت ترابا. قال أبو هريرة فيقول: التراب لا ولا كرامة لك، من جعلك مثلي؟.\r__________\r(1) في نسخة \"أ\" أبي الزناد عن عبد الله بن ذكوان، والصواب أنه اسم واحد.\r(2) ساقط من \"ب\" والصحيح ما أثبتناه كما في \"تهذيب التهذيب\".\r(3) انظر الطبري: 30 / 26.\r(4) حكى الثعلبي عن بعض أشياخه أنه رأى ذلك في بعض التفاسير، انظر: زاد المسير: 8 / 13. والصحيح أنها عامة في كل كافر لأنه لم يخص كافرا معينا فيدخل إبليس وغيره ...","part":8,"page":319},{"id":3361,"text":"سورة النازعات مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) }\r{ وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا } يعني الملائكة تنزع أرواح الكفار من أجسادهم، كما يُغرق النازع في القوس فيبلغ بها غاية المد بعد ما نزعها حنى إذا كادت تخرج ردها في جسده فهذا عمله بالكفار، و\"الغَرْق\" اسم أقيم مقام الإغراق، أي: والنازعات إغراقًا، والمراد بالإغراق المبالغة في المد.\rقال ابن مسعود: ينزعها ملك الموت [وأعوانه] (2) من تحت كل شعرة ومن الأظافير وأصول القدمين (3) [ويرددها في جسده بعدما ينزعها] (4) حتى إذا كادت تخرج ردها في سجده بعدما ينزعها، فهذا عمله بالكفار.\rوقال مقاتل: ملك الموت وأعوانه ينزعون [أرواح] (5) الكفار كما ينزع السفُّود الكثير الشُّعب من الصوف المبتل، فتخرج نفسه كالغريق في الماء.\rوقال مجاهد: هو الموت ينزع النفوس (6) .\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة النازعات بمكة. انظر: الدر المنثور: 8 / 403.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) انظر: الطبري: 30 / 27.\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(5) في \"ب\" روح.\r(6) انظر الطبري: 30 / 27.","part":8,"page":320},{"id":3362,"text":"وقال السدي: هي النفس حين تغرق في الصدر (1)\rوقال الحسن وقتادة وابن كيسان: هي النجوم تنزع من أفق إلى أفق تطلع ثم تغيب (2) . وقال عطاء وعكرمة: هي القِسِيُّ (3) . وقيل: الغزاة الرماة (4) .\r{ وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3) }\r{ وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا } [هي] (5) الملائكة تنشط نفس المؤمن، أي تحل حلا رفيقًا فتقبضها، كما ينشط العقال من يد البعير، أي يحل برفق، حكى الفَّراء هذا القول، ثم قال: والذي سمعت من العرب أن يقولوا: أنْشَطْتُ العقال، إذا حللته، وأنشطته: إذا عقدته بأنشوطة (6) . وفي الحديث: \"كأنما أنشط من عقال\" (7) .\rوعن ابن عباس: هي نفس المؤمن تنشط للخروج عند الموت، لما يرى من الكرامة لأنه تعرض عليه الجنة قبل أن يموت.\rوقال علي بن أبي طالب: هي الملائكة تنشط أرواح الكفار مما بين الجلد والأظفار حتى تخرجها من أفواههم بالكرب والغم، والنَّشْط: الجذب والنزع، يقال: نشطت الدلو نشطًا إذا نزعتها قال الخليل: النشط والإنشاط مَدُّك الشيء إلى نفسك، حتى ينحل.\rوقال مجاهد: هو الموت ينشط النفوس. وقال السدي: هي النفس تنشط من القدمين أي تجذب. وقال قتادة: هي النجوم تنشط من أفق إلى أفق، أي تذهب، يقال: نشط من بلد إلى بلد، إذا خرج في سرعة، ويقال: حمار ناشط، ينشط من بلد إلى بلد، وقال عطاء وعكرمة: هي [الأوهاق] (8) . { وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا } هم الملائكة يقبضون أرواح المؤمنين يسلونها 184/أ سلا رفيقًا، ثم يدعونها حتى تستريح كالسابح بالشيء في الماء يرفق به.\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 30 / 28.\r(2) انظر الطبري: 30 / 28.\r(3) انظر الطبري: 30 / 28.\r(4) قال صاحب زاد المسير: 9 / 15 \"حكاه الثعلبي\".\r(5) في \"ب\" هم.\r(6) معاني القرآن للفراء: 3 / 230 وقد تصرف في العبارة.\r(7) قطعة من حديث أخرجه البخاري في الإجارة، باب ما يعطى في الرقية .. 4 / 453، عن أبي سعيد الخدري. وانظر: فتح الباري: 4 / 456.\r(8) في \"ب\" الإزهاق. والأوهاق: جمع وهق - بسكون الهاء أو تحريكها - وهي الحبل المغارير في طرفه أنشوطة فتؤخذ فيه الدابة والإنسان. وقد ساق الطبري: 30 / 28-29، أكثر الأقوال المذكورة ثم قال مرجحا: \"والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إن الله جل ثناؤه أقسم بالناشطات نشطا، وهي التي تنشط من موضع إلى موضع فتذهب إليه، ولم يخصص الله بذلك شيئا دون شيء، بل عم القسم بجميع الناشطات والملائكة تنشط من موضع إلى موضع، وكذلك الموت وكذلك النجوم والأوهاق وبقر الوحش أيضا تنشط\". ويلاحظ أن الأكثرية على أنها الملائكة كما قال ابن كثير وابن الجوزي وهو أقرب.","part":8,"page":324},{"id":3363,"text":"وقال مجاهد وأبو صالح: هم الملائكة ينزلون من السماء مسرعين كالفرس الجواد يقال له سابح إذا أسرع في جريه.\rوقيل: هي خيل الغزاة. وقال قتادة: هي النجوم والشمس [والقمر] (1) قال الله تعالى: \"كل في فلك يسبحون\" (الأنبياء-33) .\rوقال عطاء: هي السفن.\r{ فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5) }\r{ فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا } قال مجاهد: هي الملائكة [تسبق] (2) ابن آدم بالخير والعمل الصالح.\rوقال مقاتل: هي الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة.\rوعن ابن مسعود قال: هي أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة الذين يقبضونها شوقًا إلى لقاء الله وكرامته، وقد عاينت السرور.\rوقال قتادة: هي النجوم يسبق بعضها بعضا في السير. وقال عطاء: هي الخيل (3) . { فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا } قال ابن عباس: هم الملائكة وُكّلوا بأمور عرَّفهم الله عز وجل العمل بها.\rقال [عبد الرحمن] (4) بن سابط: يدبر [الأمور] (5) في الدنيا أربعة: جبريل، وميكائيل، وملك الموت، وإسرافيل، عليهم السلام، أما جبريل: فموكل بالريح والجنود، وأما ميكائيل: فموكل بالقطر والنبات، وأما ملك الموت: فموكل بقبض [الأرواح] (6) وأما إسرافيل: فهو ينزل بالأمر عليهم.\rوجواب هذه الأقسام محذوف، على تقدير: لتبعثن ولتحاسبن (7) .\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) في \"ب\" سبقت.\r(3) راجع في هذه الأقوال: الطبري: 30 / 30-31، زاد المسير: 9 / 17، والتعليق السابق على الناشطات.\r(4) في \"ب\" عبد الله، والصحيح ما أثبتناه من \"أ\" كما في \"تهذيب التهذيب\".\r(5) في \"ب\" الأمر.\r(6) في \"ب\" الأمر.\r(7) انظر: زاد المسير: 9 / 18.","part":8,"page":325},{"id":3364,"text":"وقيل: جوابه [قوله] (1) \"إن في ذلك لعبرة لمن يخشى\".\rوقيل: فيه تقديم [وتأخير] (2) تقديره: يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة والنازعات غرقا (3) .\r{ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) }\rقوله عز وجل: { يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ } يعني النفخة الأولى، يتزلزل ويتحرك لها كل شيء، ويموت منها جميع [الخلائق] (4) . { تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ } وهي النفخة الثانية ردفت الأولى وبينهما أربعون سنة.\rقال قتادة: هما صيحتان فالأولى تميت كل شيء، والأخرى تحيي كل شيء بإذن الله عز وجل (5) .\rوقال مجاهد: ترجف الراجفة تتزلزل الأرض والجبال، تتبعها الرادفة حين تنشق السماء، وتُحمل الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة (6) وقال عطاء: \"الراجفة\" القيامة و\"الرادفة\" البعث. وأصل الرجفة: الصوت والحركة.\rأخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، حدثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك، حدثنا محمد بن هارون (7) الحضرمي، حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا قبيصة بن عقبة، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبي بن كعب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام، وقال: \"يا أيها الناس اذكروا الله، [اذكروا الله] (8) جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه،\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) قال أبو حيان في البحر المحيط: 8 / 420: \"وقيل التقدير يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة والنازعات على التقديم والتأخير أيضا وليس بشيء\".\r(4) في \"ب\" الخلق.\r(5) أخرجه الطبري: 30 / 31.\r(6) انظر الطبري: 30 / 32.\r(7) في \"أ\" محمد بن إبراهيم ولعله سقط اسم أبيه هارون فهو محمد بن هارون بن إبراهيم كما في \"تهذيب التهذيب\".\r(8) ساقط من \"أ\". والحديث أخرجه الترمذي في صفة القيامة: 7 / 152-153 وقال: \"هذا حديث حسن\" وصححه الحاكم: 2 / 421 ووافقه الذهبي. وأخرج بعضه الإمام أحمد: 5 / 136، وأبو نعيم في الحلية: 1 / 256، وحسنه الألباني في سلسلة الأحاديث برقم: (954) 2 / 675.","part":8,"page":326},{"id":3365,"text":"[جاء الموت بما فيه]\" (1) .\r{ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (10) أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (11) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (12) }\r{ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ } خائفة قلقة مضطربة، وسمي \"الوجيف\" في السير، لشدة اضطرابه، يقال: وجف القلب ووجب وجوفًا ووجيفًا ووجوبًا ووجيبًا. وقال مجاهد: وجلة. وقال السدي: زائلة عن أماكنها، نظيره \"إذ القلوب لدى الحناجر\" (غافر-18) . { أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ } ذليلة، كقوله: \"خاشعين من الذل\" (الشورى-45) الآية. { يَقُولُونَ } يعني المنكرين للبعث إذا قيل لهم إنكم مبعوثون من بعد الموت: { أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ } أي: إلى أول الحال وابتداء الأمر، فنصير أحياءً بعد الموت كما كنا؟ تقول العرب: رجع فلان في حافرته، أي رجع من حيث جاء، والحافرة عندهم اسم لابتداء الشيء، [وأول الشيء] (2) .\rوقال بعضهم: \"الحافرة\" وجه الأرض التي تحفر فيها قبورهم، سميت حافرة بمعنى المحفورة، كقوله: \"عيشة راضية\" أي مرضية.\rوقيل: سميت حافرة لأنها مستقر [الحوافر] (3) أي أئنا لمردودون إلى الأرض فنبعث خلقا جديدًا نمشي عليها؟ وقال ابن زيد: \"الحافرة\" النار. { أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً } قرأ نافع، وابن عامر، والكسائي، ويعقوب: \"أئنا\"؟ مستفهمًا، \"إذا\" بتركه، ضده أبو جعفر، [الباقون] باستفهامهما، وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو عمرو: \"عظامًا ناخرة\"، وقرأ الآخرون \"نخرة\" وهما لغتان، مثل الطمع والطامع والحذر والحاذر، ومعناهما البالية، وفرّق قوم بينهما، فقالوا: النخرة: البالية، والناخرة: المجوفة التي تمر فيها الريح فتنخر، أي: تصوّت. { قَالُوا } يعني المنكرين { تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ } رجعة خائبة، يعني إن رددنا بعد الموت\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ساقط من\"ب\".\r(3) في \"ب\" الحافر.","part":8,"page":327},{"id":3366,"text":"لنخسرن بما يصيبنا بعد الموت.\r{ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (14) هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) }","part":8,"page":328},{"id":3367,"text":"{ إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى (20) }\rقال الله عز وجل { فَإِنَّمَا هِيَ } يعني النفخة الأخيرة { زَجْرَة } صيحة { وَاحِدَةٌ } يسمعونها. { فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ } يعني: وجه الأرض، أي صاروا على وجه الأرض بعدما كانوا في جوفها (1) والعرب تسمي الفلاة ووجه الأرض: ساهرة. قال بعض أهل اللغة (2) تراهم سموها ساهرة لأن فيها نوم الحيوان وسهرهم. قال سفيان: هي أرض الشام (3) وقال قتادة: هي جهنم (4) قوله عز وجل: { هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى } يقول: قد جاءك يا محمد حديث موسى. { إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى } (5) فقال يا موسى { اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى } علا وتكبر وكفر بالله. { فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى } قرأ أهل الحجاز ويعقوب بتشديد الزاي: أي تتزكى وتتطهر من الشرك، وقرأ الآخرون [بالتخفيف] [ وأصله تتزكى فأدغمت التاء الثانية في الزاء في القراءة الأولى وحذفت في الثانية، ومعناه تتطهر من الشرك] (6) أي: تسلم وتصلح، قال ابن عباس: تشهد أن لا إله إلا الله. { وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى } أي: أدعوك إلى عبادة ربك وتوحيده فتخشى عقابه. { فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى } وهي العصا واليد البيضاء.\r__________\r(1) وهذا ما رجحه ابن كثير: 4 / 468.\r(2) انظر الطبري: 30 / 35.\r(3) انظر الطبري: 30 / 37.\r(4) انظر الطبري: 30 / 38.\r(5) قال ابن جرير عند تفسير هذه الآية: 30 / 38 \"وهل سمعت خبره حين ناجاه ربه بالواد المقدس، يعني بالمقدس: المطهر المبارك\" ثم ذكر أقوالا كثيرة في معنى طوى.\r(6) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":8,"page":328},{"id":3368,"text":"{ فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (26) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) }\r{ فَكَذَّب } بأنهما من الله { وَعَصَى } { ثُمَّ أَدْبَرَ } تولى وأعرض عن الإيمان { يَسْعَى } يعمل بالفساد في الأرض. { فَحَشَر } فجمع قومه وجنوده { فَنَادَى } لما اجتمعوا. { فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى } فلا رب فوقي. وقيل: أراد أن الأصنام أرباب وأنا ربكم وربها. { فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأولَى } قال الحسن وقتادة: عاقبه الله فجعله نكال الآخرة والأولى، أي في الدنيا بالغرق وفي الآخرة بالنار (1) .\rوقال مجاهد وجماعة من المفسرين: أراد بالآخرة والأولى كلمتي فرعون قوله: \"ما علمت لكم من إله غيري\" (القصص-38) وقوله: \"أنا ربكم الأعلى\" وكان بينهما 184/ب أربعون سنة (2) . { إِنَّ فِي ذَلِكَ } الذي فعل بفرعون حين كذب وعصى { لَعِبْرَة } لعظة { لِمَنْ يَخْشَى } الله عز وجل. ثم خاطب منكري البعث فقال { أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ } يعني أَخَلْقُكُم بعد الموت أشد عندكم وفي تقديركم أم السماء؟ وهما في قدرة الله واحد، كقوله \"لخلقُ السماوات والأرض أكبر من خلق الناس\" (غافر-57) ثم وصف خلق السماء فقال: { بَنَاهَا } { رَفَعَ سَمْكَهَا } سقفها { فَسَوَّاهَا } بلا شطور[ولا شقوق] (3) ولا فطور. { وَأَغْطَشَ } أظلم { لَيْلَهَا } والغطش والغبش الظلمة { وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا } أبرز وأظهر نهارها ونورَها، وأضافهما إلى السماء لأن الظلمة والنور كلاهما ينزل من السماء. { وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ } بعد خلق السماء { دَحَاهَا } بسطها، والدَّحْو البسط. قال ابن عباس: خلق الله الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها قبل السماء، ثم استوى إلى السماء فسواهن\r__________\r(1) انظر الطبري: 30 / 42.\r(2) انظر الطبري: 30 / 41.\r(3) ساقط من \"ب\".","part":8,"page":329},{"id":3369,"text":"سبع سماوات، ثم دحا الأرض بعد ذلك.\rوقيل: معناه: والأرض مع ذلك دحاها، كقوله عز وجل: \"عتل بعد ذلك زنيم\" (القلم-13) أي مع ذلك.\r{ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ (33) فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (44) }\r{ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَّكُمْ ولأنْعَامِكُمْ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى } يعني النفخة الثانية التي فيها البعث وقامت القيامة، وسميت القيامة: \"طامة\" لأنها تطم على كل هائلة من الأمور، فتعلو فوقها وتغمر ما سواها، و\"الطامة\" عند العرب: الداهية التي لا تُستطاع. { يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسَانُ مَا سَعَى } ما عمل في الدنيا من خير وشر. { وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى } قال مقاتل يكشف عنها الغطاء فينظر إليها الخلق. { فَأَمَّا مَنْ طَغَى } في كفره. { وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } على الآخرة. { فَإِنَّ الجَحِيمَ هِيَ المَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى } عن المحارم التي تشتهيها، قال مقاتل: هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه للحساب فيتركها. { فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأوَى يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا } متى ظهورها وثبوتها. { فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا } لست في شيء من علمها وذكرها، أي لا تعلمها. { إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا } أي منتهى علمها عند الله.","part":8,"page":330},{"id":3370,"text":"{ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (45) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46) }\r{ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا } قرأ أبو جعفر: \"منذر\" بالتنوين أي [أنما أنت] (1) مخوف من يخاف قيامها، أي: إنما ينفع إنذارك من يخافها. { كَأَنَّهُم } يعني كفار قريش { يَوْمَ يَرَوْنَهَا } يعاينون يوم القيامة { لَمْ يَلْبَثُوا } في الدنيا، وقيل: في قبورهم { إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا } قال الفرَّاء: (2) ليس للعشية ضحى، إنما الضحى لصدر النهار، ولكن هذا ظاهر من كلام العرب أن يقولوا: آتيك العشية أو غداتها، إنما معناه: آخر يوم أو أوله، نظيره: قوله \"كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار\" (الأحقاف-35) .\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) معاني القرآن للفراء: 3 / 234.","part":8,"page":331},{"id":3371,"text":"سورة عبس مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى (2) }\r{ عَبَسَ } كلح { وَتَوَلَّى } أعرض بوجهه. { أَنْ جَاءَهُ الأعْمَى } [أي: لأن جاءه الأعمى] (2) وهو ابن أم مكتوم، واسمه عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بني عامر بني لؤي، وذلك أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يناجي عتبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام، والعباس بن عبد المطلب، وأبيّ بن خلف، وأخاه أمية، يدعوهم إلى الله، يرجو إسلامهم، فقال ابن أم مكتوم: [يا رسول الله] (3) أقرئني وعلمني مما علمك الله، فجعل يناديه ويكرر النداء، ولا يدري أنه مقبل على غيره حتى ظهرت الكراهية في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقطعه كلامه، وقال في نفسه: يقول هؤلاء الصناديد: إنما أتباعه العميان والعبيد والسفلة، فعبس وجهه وأعرض عنه، وأقبل على القوم الذين يكلمهم، فأنزل الله هذه الآيات، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه، وإذا رآه قال: مرحبا بمن عاتبني فيه ربي، ويقول له: هل لك من حاجة؟ واستخلفه على المدينة مرتين (4) في غزوتين غزاهما، قال أنس بن مالك: فرأيته يوم القادسية عليه درع ومعه\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس، والنحاس، وابن مردويه والبيهقي في \"الدلائل\" عن ابن عباس قال: نزلت سورة عبس بمكة. انظر: الدر المنثور: 8 / 415.\r(2) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(3) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(4) انظر: الواحدي في أسباب النزول صفحة (517). وقال ابن حجر في \"الكافي الشاف\" صفحة (181): \"ذكره الثعلبي بلا إسناد، وأخرجه ابن أبي حاتم من رواية العوفي عن ابن عباس نحوه دون قوله: (صناديد قريش) ودون سياق نسب ابن أم مكتوم، وكذا أخرجه الطبري من رواية سعيد عن قتادة. قال: ذكر لنا ..\" فذكره. وانظر الروايات في الصحيح المسند من أسباب النزول للوادعي صفحة (169).","part":8,"page":332},{"id":3372,"text":"راية سوداء (1) .\r{ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) }\r{ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى } يتطهر من الذنوب بالعمل الصالح وما يتعلمه منك، وقال ابن زيد: يسلم. { أَوْ يَذَّكَّرُ } يتعظ { فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى } الموعظة قرأ عاصم: \"فتنفعه\" بنصب العين على جواب \"لعل\" بالفاء، وقراءة العامة بالرفع نسقا على قوله: \"يذكر\". { أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى } قال ابن عباس: عن الله وعن الإيمان بما له من المال. { فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى } تتعرض له وتقبل عليه وتصغي إلى كلامه، وقرأ أهل الحجاز: \"تصَّدَى\" بتشديد الصاد على الإدغام، أي: تتصدى، وقرأ الآخرون بتخفيف الصاد على الحذف. { وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى } لا يؤمن ولا يهتدي، إن عليك إلا البلاغ. { وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى } يمشي يعني: ابن أم مكتوم. { وَهُوَ يَخْشَى } الله عز وجل. { فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى } تتشاغل وتعرض [عنه] (2) { كَلا } زجر، أي لا تفعل بعدها مثلها، { إِنَّهَا } يعني هذه الموعظة. وقال مقاتل: آيات القرآن { تَذْكِرَةٌ } موعظة وتذكير للخلق. { فَمَنْ شَاءَ } من عباد الله { ذَكَرَهُ } أي اتعظ به. وقال مقاتل: فمن شاء الله، ذكره وفهمه، واتعظ بمشيئته وتفهيمه، والهاء في \"ذكره\" راجعة إلى القرآن والتنزيل والوعظ. ثم أخبر عن جلالته عنده فقال { فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ } يعني اللوح المحفوظ. وقيل: كتب الأنبياء عليهم السلام، دليله قوله\r__________\r(1) أخرجه عبد الرزاق في التفسير: 2 / 348.\r(2) ساقط من \"ب\".","part":8,"page":336},{"id":3373,"text":"تعالى: \"إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى\" (الأعلى18 -19) .\r{ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16) قُتِلَ الإنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) }\r{ مَرْفُوعَة } رفيعة القدر عند الله عز وجل، وقيل: مرفوعة يعني في السماء السابعة. { مُطَهَّرَةٍ } لا يمسها إلا المطهرون، وهم الملائكة. { بِأَيْدِي سَفَرَةٍ } قال ابن عباس ومجاهد: كتبة، وهم الملائكة الكرام الكاتبون، واحدهم سافر، يقال: سفرت أي كتبت. ومنه قيل [للكاتب: سافر، و] (1) للكتاب: سِفْرٌُ وجمعه: أسفار.\rوقال الآخرون: هم الرسل من الملائكة واحدهم سفير، وهو الرسول، وسفير القوم الذي يسعى بينهم للصلح، وسفرت بين القوم إذا أصلحت بينهم. ثم أثنى عليهم فقال: { كِرَامٍ بَرَرَةٍ } أي: كرام على الله، بررة 185/أ مطيعين، جمع بار. قوله عز وجل: { قُتِلَ الإنْسَانُ } أي لعن الكافر. قال مقاتل: نزلت في عتبة بن أبي لهب (2) { مَا أَكْفَرَهُ } ما أشد كفره بالله مع كثرة إحسانه إليه وأياديه عنده، على طريق التعجب، قال الزجاج: معناه: اعجبوا أنتم من كفره. وقال الكلبي ومقاتل: هو \"ما\" الاستفهام، يعني: أي شيء حمله على الكفر؟ ثمَ بيَّن من أمره ما كان ينبغي معه أن يعلم أن الله خالقه فقال: { مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ } لظفه استفهام ومعناه التقرير. ثم فسره فقال: { مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ } أطوارًا: نطفة ثم علقة إلى آخر خلقه، قال الكلبي: قدَّر خلقه، رأسه وعينيه ويديه ورجليه. { ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ } أي طريق خروجه من بطن أمه. قال السدي ومقاتل، والحسن ومجاهد: يعني طريق الحق والباطل، سهل له العلم به، كما قال: \"إنا هديناه السبيل\" (الإنسان-3) \"وهديناه النجدين\" (البلد-10) وقيل: يسر على كل أحد ما خلقه له وقدَّره عليه. { ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ } جعل له قبرًا يوارى فيه. قال الفراء: جعله مقبورًا ولم يجعله ممن يلقى كالسباع والطيور. يقال: قبرت الميت إذا دفنته، وأقبره الله: أي صيَّره بحيث يقبر، وجعله ذا قبر،\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) انظر: زاد المسير، 9 / 30، وعزاه صاحب الدر المنثور: 8 / 419 لعكرمة.","part":8,"page":337},{"id":3374,"text":"كما يقال: طردت فلانا والله أطرده أي صيره طريدًا (1) .\r{ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23) فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) }\r{ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ } أحياه بعد موته. { كَلا } ردًا عليه، أي: ليس كما يقول ويظن هذا الكافر، وقال الحسن: حقًا. { لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ } أي لم يفعل ما أمره [الله به] (2) ولم يؤد ما فرض عليه، ولما ذكر خلق ابن آدم ذكر رزقه ليعتبر فقال: { فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ } { فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ } كيف قدره ربه ودبره له وجعله سببًا لحياته. وقال مجاهد: إلى مدخله ومخرجه. ثم بين فقال: { أَنَّا } قرأ أهل [الكوفة] (3) \"أنا\" [بالفتح] (4) على تكرير الخافض، مجازه: فلينظر إلى أنا وقرأ الآخرون بالكسر على الاستئناف. { صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا } يعني المطر. { ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا } بالنبات. { فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا } يعني الحبوب التي يُتغذى بها. { وَعِنَبًا وَقَضْبًا } وهو القت الرطب، سمي بذلك لأنه يقضب في كل الأيام أي يقطع. وقال الحسن: القضب: العلف للدواب. { وَزَيْتُونًا } وهو ما يعصر منه الزيت { وَنَخْلا } جمع نخلة. { وَحَدَائِقَ غُلْبًا } غلاظ الأشجار، واحدها أغلب، ومنه قيل الغليظ الرقبة: أغلب. وقال مجاهد ومقاتل: الغلب: الملتفة الشجر بعضه في بعض، قال ابن عباس: طوالا. { وَفَاكِهَةً } يريد ألوان الفواكه { وَأَبًّا } يعني الكلأ والمرعى الذي لم يزرعه الناس، مما يأكله الأنعام والدواب.\r__________\r(1) انظر: معاني القرآن للفراء: 3 / 237.\r(2) في \"ب\" به ربه.\r(3) في \"ب\" المدينة.\r(4) في \"أ\" بفتح الألف.","part":8,"page":338},{"id":3375,"text":"قال عكرمة: \"الفاكهة\" ما يأكله الناس، و\"الأبُّ\" ما يأكله الدواب. ومثله عن قتادة قال: الفاكهة لكم والأبُّ لأنعامكم.\rوقال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما أنبتت [الأرض] (1) مما يأكل الناس والأنعام.\rوروي عن إبراهيم التيمي أن أبا بكر سئل عن قوله: \"وفاكهة وأبًا\" فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم (2) .\rوروى ابن شهاب عن أنس أنه سمع عمر بن الخطاب قرأ هذه الآية ثم قال: كل هذا قد عرفنا فما الأبُّ؟ ثم رفض عصًا كانت بيده وقال: هذا [والله] (3) لعَمْرُ الله التكلف، وما عليك يا ابن [أم] (4) عمر أن لا تدري ما الأبُّ، ثم قال: اتبعوا ما تبين لكم من هذا الكتاب، وما لا [تبين] (5) فدعوه (6) .\r{ مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ (32) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) }\r{ مَتَاعًا لَكُمْ } منفعة لكم يعني الفاكهة { وَلأنْعَامِكُمْ } يعني العشب. ثم ذكر القيامة فقال: { فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ } يعني صيحة القيامة سميت بذلك لأنها تصخ الأسماع، أي تبالغ في الأسماع حتى تكاد تصمها. { يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ } لا يلتفت إلى واحد منهم لشغله بنفسه.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) قال الحافظ ابن حجر في \"الكافي الشاف\" صفحة (182) \"رواه أبو عبيد في \"فضائل القرآن\" حدثنا محمد بن يزيد عن العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمي، أن أبا بكر - رضي الله عنه - سئل عنه، فذكره - ورواه ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد من هذا الوجه. وهذا منقطع. ورواه يحيى الحماني وابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" صـ(353) من طريقه من رواية إبراهيم النخعي عن أبي معمر عن أبي بكر فذكره\". وانظر: الدر المنثور: 8 / 421، تفسير ابن كثير: 4 / 474.\r(3) زيادة من \"ب\".\r(4) ساقط من \"أ\".\r(5) زيادة من \"ب\".\r(6) أخرجه عبد الرزاق في التفسير: 2 / 349، وابن سعد في الطبقات: 3 / 327، والطبري: 30 / 59،61، وصححه الحاكم: 2 / 514. وزاد السيوطي في الدر المنثور: 8 / 421-422 عزوه لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر، وابن مردويه والبيهقي في \"الشعب\" والخطيب وانظر: الكافي الشاف، صفحة (182). قال ابن كثير بعد أن ساق رواية الطبري: 4 / 474: \"وهذا إسناد صحيح وقد رواه غير واحد عن أنس به، وهو محمول على أنه أراد أن يعرف شكله وجنسه وعينه وإلا فهو وكل من قرأ هذه الآية يعلم أنه من نبات الأرض كقوله: (فأنبتنا .. الآية).","part":8,"page":339},{"id":3376,"text":"حكي عن قتادة قال في هذه الآية \"يوم يفر المرء من أخيه [وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه] (1) \" قال: يفر هابيل من قابيل، ويفر النبي صلى الله عليه وسلم من أمه، وإبراهيم عليه السلام من أبيه، ولوط عليه السلام من صاحبته، ونوح عليه السلام من ابنه (2) .\r{ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) }\r{ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } يشغله عن شأن غيره.\rأخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرني الحسين بن محمد بن عبد الله، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن عبد العزيز، حدثنا ابن أبي أويس، حدثنا أبي، عن محمد بن أبي عياش، عن عطاء بن يسار، عن سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يبعث الناس حفاةً عراة غُرْلا قد ألجمهم العرق وبلغ شحوم الآذان، فقلت: يا رسول الله، واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟ فقال: قد شُغِلَ الناس، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه\" (3) . { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ } مشرقة مضيئة. { ضَاحِكَة } بالسرور { مُسْتَبْشِرَةٌ } فرحة بما نالت من كرامة الله عز وجل. { وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ } سواد وكآبة الهم [والحزن] (4) { تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ } تعلوها وتغشاها ظلمة وكسوف. قال ابن عباس: تغشاها ذلة. قال ابن زيد: الفرق بين الغبرة والقترة: أن القترة ما ارتفع من الغبار فلحق بالسماء، والغبرة ما كان أسفل في الأرض.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) انظر: ابن كثير: 4 / 474.\r(3) أخرجه الحاكم: 2 / 514-515، وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم\". وزاد السيوطي في الدر المنثور: 8 / 423 عزوه للطبراني وابن مردويه والبيهقي. قال الهيثمي في المجمع: 10 / 333: \"رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عياش وهو ثقة، وذكره الهيثمي في المجمع من رواية الطبراني وقال: رواته ثقات. وزاد في الكنز عزوه لابن مردويه في \"البعث\" 14 / 363.\r(4) ساقط من \"ب\".","part":8,"page":340},{"id":3377,"text":"{ أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42) }\r{ أُولَئِكَ } الذين يصنع بهم هذا، { هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ } جمع الكافر والفاجر.","part":8,"page":341},{"id":3378,"text":"سورة التكوير مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) }\r{ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ } أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن سهل السرخسي إملاءرأخبرنا أبو الوفاء المؤمل بن الحسن بن عيسى الماسرجسي، حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا عبد الله بن بحير القاضي قال سمعت عبد الرحمن بن زيد الصنعاني قال سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"من أحب أن ينظر في أحوال القيامة فليقرأ: { إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ } (2)\rقوله عز وجل { إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ } قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أظلمت، وقال قتادة ومقاتل والكلبي: ذهب ضوءها. وقال سعيد بن جبير: غورت. وقال مجاهد: اضمحلت. وقال الزجاج: لُفَّت كما تلف العمامة، يقال: كورت العمامة على رأسي، أكورها كورًا وكورتها تكويرًا، إذا لففتها 185/ب وأصل التكوير جمع بعض الشيء إلى بعض، فمعناه: أن الشمس يجمع بعضها إلى بعض ثم تلف، فإذا فعل بها ذلك ذهب ضوءها (3) .\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: نزلت سورة (إذا الشمس كورت) بمكة. انظر: الدر المنثور 8 / 425.\r(2) أخرجه الترمذي في التفسير - سورة التكوير - 9 / 252-253، والإمام أحمد 2 / 37، وصححه الحاكم: 2 / 515 ووافقه الذهبي. وزاد السيوطي في الدر المنثور: 8 / 426 عزوه لابن المنذر وابن مردويه.\r(3) ذكر هذه الأقوال ابن جرير: 30 / 94-95 ثم قال مرجحا: \"والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: (كورت) كما قال الله جل ثناؤه، والتكوير في كلام العرب: جمع بعض الشيء إلى بعض، وذلك كتكوير العمامة، وهو لفها على الرأس، وكتكوير الكارة، وهو جمع الثياب بعضها إلى بعض، لفها، وكذلك قوله: (إذا الشمس كرت) إنما معناه: جمع بعضها إلى بعض، ثم لفت فرمي بها، وإذا فعل ذلك بها ذهب ضوءها فعلى التأويل الذي تأولناه وبيناه لكلا القولين اللذين ذكرت عن أهل التأويل وجه صحيح، وذلك أنها إذا كورت ورمي بها ذهب ضوءها\".","part":8,"page":342},{"id":3379,"text":"قال ابن عباس: يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم [القيامة] (1) في البحر، ثم يبعث عليها ريحًا دبورًا فتضربها فتصير نارًا (2) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا مسدد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، حدثنا عبد الله الداناج، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"الشمس والقمر يكوران يوم القيامة\" (3) .\r{ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) }\r{ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ } أي تناثرت من السماء وتساقطت على الأرض، يقال: انكدر الطائر أي سقط عن عشه، قال الكلبي وعطاء: تمطر السماء يومئذ نجومًا فلا يبقى نجم إلا وقع. { وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ } [قلعت] (4) على وجه الأرض فصارت هباءً [منثورًا] (5) . { وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ } وهي النوق الحوامل التي أتى على حملها عشرة أشهر، واحدتها عُشَرَاء، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع لتمام سنة، وهي أنفس مال عند العرب، \"عطلت\" تركت [مهملة] (6) بلا راع أهملها أهلها، وكانوا لازمين لأذنابها، ولم يكن لهم مال أعجب إليهم منها، لما جاءهم من أهوال يوم القيامة. { وَإِذَا الْوُحُوشُ } يعني دواب البر { حُشِرَتْ } جمعت بعد البعث ليقتص لبعضها من بعض وروى عكرمة عن ابن عباس قال: حَشْرُها: موتها. وقال: حَشر كل شيءٍ الموتُ، غير الجن والإنس، فإنهما يوقفان يوم القيامة. وقال أبي بن كعب: اختلطت. { وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ } قرأ أهل مكة والبصرة بالتخفيف، وقرأ الباقون بالشديد، قال ابن عباس: أوقدت فصارت نارًا تضطرم، وقال مجاهد ومقاتل: يعني فجر بعضها في بعض، العذب\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 426 لابن أبي الدنيا في\"الأهوال\" وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في \"العظمة\".\r(3) أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر: 6 / 297، والمصنف في شرح السنة:15 / 115-116.\r(4) زيادة من \"ب\".\r(5) في \"ب\" منبثا.\r(6) في \"ب\" هملا.","part":8,"page":346},{"id":3380,"text":"والملح، فصارت البحور كلها بحرًا واحدًا. وقال الكلبي: ملئت، وهذا أيضا معناه: \"والبحر المسجور\" (الطور-6) والمسجور: المملوء، وقيل: صارت مياهها بحرًا واحدًا من الحميم لأهل النار. وقال الحسن: يبست، وهو قول قتادة، قال: ذهب ماؤها فلم يبق فيها قطرة.\rوروى أبو العالية عن أبيّ بن كعب، قال ست آيات قبل يوم القيامة: بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس، [فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم] (1) فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واضطربت، وفزعت الجن إلى الإنس والإنس إلى الجن، واختلطت الدواب والطير والوحش، وماج بعضهم في بعض، فذلك قوله: { وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ } [اختلطت] (2) { وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ وَإِذَا البحار سُجِّرَتْ } قال: قالت الجن للإنس نحن نأتيكم بالخبر: فانطلقوا إلى البحر فإذا هو نار تأجج، قال: فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى [وانشقت السماء إنشقاقة واحدة] (3) وإلى السماء السابعة العليا، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فأماتتهم (4) .\r{ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) }\rوعن ابن عباس أيضا قال: هي اثنتا عشرة خصلة، ستة في الدنيا وستة في الآخرة، وهي ما ذكره بقوله عز وجل: { وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ } وروى النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب أنه سئل عن هذه الآية؟ فقال: يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار (5) وهذا [معنى] (6) قول عكرمة.\rوقال الحسن وقتادة: ألحق كل امرئ بشيعته، اليهودي باليهودي والنصراني بالنصراني.\rقال الربيع بن خثيم: يحشر الرجل مع صاحب عمله. وقيل: زوجت النفوس بأعمالها.\rوقال عطاء ومقاتل: زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين، وقرنت نفوس الكافرين بالشياطين.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(4) أخرجه الطبري: 30 / 63-64 موقوفا على أُبَيٍّ. وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 427 لابن أبي الدنيا في \"الأهوال\" وابن أبي حاتم.\r(5) أخرجه الطبري: 30 / 69 ، وعزاه السيوطي في الدر المنثور 8 / 429 لابن مردويه.\r(6) ساقط من \"ب\".","part":8,"page":347},{"id":3381,"text":"وروي عن عكرمة قال: وإذا النفوس زوجت ردت الأرواح في الأجساد (1) .\r{ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (11) }\r{ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ } وهي الجارية المدفونة حية، سميت بذلك لما يطرح عليها من التراب فيؤدها، أي يثقلها حتى تموت، وكانت العرب تدفن البنات حية مخافة العار والحاجة، يقال: [أود هذا ليس بصحيح من حيث البناء لأن الموؤدة من الوأد لا من الأود يقال] (2) وأد يئُد وأدا، فهو وائد، والمفعول مؤود.\rروى عكرمة عن ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت وكان أوان ولادتها حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة، فإن ولدت جارية رمت بها في الحفرة، وإن ولدت غلامًا حبسته (3) . { بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ } قرأ العامة على الفعل المجهول فيهما، وأبو جعفر يقرأ: \"قتلت\" بالتشديد ومعناه تُسْأل المؤودة، فيقال لها: بأي ذنب قُتِلَت؟ ومعنى سؤالها توبيخ قاتلها، لأنها تقول: قُتلت بغير ذنب.\rوروي أن جابر بن زيد كان يقرأ: \"وإذ المؤودة سئلت بأي ذنب قتلت\" ومثله قرأ أبو الضحى. { وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ } قرأ أهل المدينة والشام وعاصم ويعقوب: \"نشرت\" بالتخفيف، وقرأ الآخرون بالتشديد، كقوله: \"يؤتى صحفا منشرةً\" (المدثر-52) يعني صحائف الأعمال تنتشر للحساب. { وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ } قال الفراء: نزعت فطويت (4) . وقال الزجاج: قلعت كما يقلع السقف. وقال مقاتل: تكشف عمن فيها. ومعنى \"الكشط\" رفعك شيئا عن شيء قد غطاه، كما يكشط الجلد عن السنام.\r__________\r(1) ساق ابن جرير 30 / 70-71 أقوالا في الآية ثم قال: \"وأولى التأولين في ذلك بالصحة الذي تأوله عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - للعلة التي اعتل بها، وذلك قول الله تعالى ذكره: (وكنتم أزواجا ثلاثة) وقوله (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم) وذلك لا شك الأمثال والأشكال في الخير والشر، وكذلك قوله (وإذا النفوس زوجت) بالقرناء والأمثال في الخير والشر\".\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) انظر: الدر المنثور: 8 / 428.\r(4) معاني القرآن للفراء: 3 / 241.","part":8,"page":348},{"id":3382,"text":"{ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (14) فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِي الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) }\r{ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ } قرأ أهل المدينة والشام، وحفص عن عاصم: \"سُعِّرت\" بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف أي: أوقدت لأعداء الله. { وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ } قربت لأولياء الله. { عَلِمَتْ } عند ذلك { نَفْسٌ } أي: كل نفس { مَا أَحْضَرَتْ } من خير أو شر، وهذا جواب لقوله: \"إذا الشمس كورت\" وما بعدها. قوله عز وجل: { فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ } \"لا\" زائدة، معناه: أقسم بالخنس { الْجَوَارِ الْكُنَّسِ } قال قتادة: هي النجوم تبدو بالليل وتخنس بالنهار، فتُخفى فلا تُرى.\rوعن علي أيضا: أنها الكواكب تخنس بالنهار فلا ترى، وتكنس تأوي إلى مجاريها.\rوقال قوم: هي النجوم الخمسة: زحل، والمشتري، والمريخ، والزهرة، وعطارد، تخنس في مجراها، أي: ترجع وراءها وتكنس: تستتر وقت اختفائها وغروبها، كما تكنس الظباء في مغارها.\rوقال ابن زيد: معنى \"الخنس\" أنها تخنس أي: تتاخر عن مطالعها في كل عام تأخرًا تتأخره عن تعجيل ذلك الطلوع، تخنس عنه. و\"الكُنَّس\" 186/أ أي تكنس بالنهار فلا ترى. وروى الأعمش عن إبراهيم، عن عبد الله أنها هي الوحش.\rوقال سعيد بن جبير: هي الظباء. وهي رواية العوفي عن ابن عباس.\rوأصل الخنوس: الرجوع إلى وراء، والكنوس: أن تأوي إلى مكانسها، وهي المواضع التي تأوي إليها الوحوش. { وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ } قال الحسن: أقبل بظلامه. وقال الآخرون: أدبر. تقول العرب: عسعس الليل وسعسع: إذا أدبر ولم يبق منه إلا اليسير. { وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ } أقبل وبدا أوله، وقيل: امتد ضوءه وارتفع. { إِنَّه } يعني القرآن { لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } يعني جبريل أي: نزل به جبريل عن الله تعالى.","part":8,"page":349},{"id":3383,"text":"{ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ (23) }\r{ ذِي قُوَّةٍ } وكان من قوته أنه اقتلع قريات قوم لوط من الماء الأسود وحملها على جناحه فرفعها إلى السماء ثم قلبها، وأنه أبصر إبليس يكلم عيسى على بعض عقاب الأرض المقدسة فنفخه بجناحه نفخة ألقاه إلى [أقصى] (1) جبل بالهند، وأنه صاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين، وأنه يهبط من السماء إلى الأرض ويصعد في أسرع من [الطير] (2) { عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ } في المنزلة. { مُطَاعٍ ثَمَّ } أي في [السماوات] (3) تطيعه الملائكة، ومِنْ طاعة الملائكة إياه أنهم فتحوا أبواب السماوات ليلة المعراج بقوله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفتح خزنة الجنة أبوابها بقوله، { أَمِينٍ } على وحي الله ورسالته إلى أنبيائه. { وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ } يقول لأهل مكة: وما صاحبكم يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم بمجنون. وهذا أيضا من جواب القسم، أقسم على أن القرآن نزل به جبريل، وأن محمدًا ليس كما يقوله أهل مكة، وذلك أنهم قالوا إنه مجنون، وما يقول يقوله من عند نفسه. { وَلَقَدْ رَآهُ } يعني رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام على صورته { بِالأفُقِ الْمُبِينِ } وهو الأفق الأعلى من ناحية المشرق، قاله مجاهد وقتادة.\rأخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرني ابن فنجويه، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا الحسن بن عليوة، حدثنا إسماعيل بن عيسى، حدثنا إسحاق بن بشر، أخبرنا ابن جريج، عن عكرمة [ومقاتل] (4) عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: \"إني أحب أن أراك في صورتك التي تكون فيها في السماء\" قال لن تقوى على ذلك، قال: بلى، قال: فأين تشاء أن أتخيل لك؟ قال: بالأبطح، قال: لا يسعني، قال فهاهنا، قال: لا يسعني، قال: فبعرفات، قال: ذلك بالحري أن يسعني فواعده، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في الوقت فإذا هو بجبريل قد أقبل من جبال عرفات بخشخشة وكلكلة، قد ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأسه في السماء ورجلاه في الأرض، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم كبّر وخرّ مغشيًا عليه. قال: فتحول جبريل في صورته فضمه إلى\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) في \"ب\" من الطرف.\r(3) في \"ب\" السماء.\r(4) ساقط من \"ب\".","part":8,"page":350},{"id":3384,"text":"صدره، وقال: يا محمد لا تخف فكيف لك لو رأيت إسرافيل ورأسه من تحت العرش ورجلاه في تخوم الأرض السابعة، وأن العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله عز وجل حتى يصير مثل [الصعو] (1) يعني العصفور، حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته (2) .\r{ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (25) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26) إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29) }\r{ وَمَا هُوَ } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم { عَلَى الْغَيْبِ } أي الوحي، وخبر السماء وما اطلع عليه مما كان غائبًا عنه من الأنباء والقصص، { بِضَنِينٍ } قرأ أهل مكة والبصرة والكسائي بالظاء أي بمتهم، يقال: فلان يظن بمال ويزن أي يتهم به: والظنة: التهمة، وقرأ الآخرون بالضاد أي يبخل، يقول إنه ياتيه علم الغيب فلا يبخل به عليكم بل يعلمكم ويخبركم به، ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده حتى يأخذ عليه حلوانًا، تقول العرب: ضننت بالشيء بكسر النون أضن به ضنا وضنانة فأنا به ضَنينٌ أي بخيل. { وَمَا هُوَ } يعني القرآن { بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ } قال الكلبي: يقول إن القرآن ليس بشعر ولا كهانة كما قالت قريش. { فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ } أي أين تعدلون عن هذا القرآن، وفيه الشفاء والبيان؟ قال الزجاج: أي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بينت لكم. ثم بيَّن فقال: { إِنْ هُوَ } أي ما القرآن { إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ } موعظة للخلق أجمعين. { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ } أي يتبع الحق ويقيم عليه. { وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } أي أعلمهم أن المشيئة في التوفيق إليه وأنهم لا يقدرون على ذلك إلا بمشيئة الله، وفيه إعلام أن أحدًا لا يعمل خيرًا إلأ بتوفيق الله ولا شرًا إلا بخذلانه.\r__________\r(1) في \"ب\" الوضغ ولعله وقع تصحيف في النسختين للا سم الصحيح للعصفور الصغير (الوصع) بمهملتين كما في المصباح.\r(2) أخرجه ابن المبارك في الزهد: عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل جبريل .. وهذا منقطع. وذكره السيوطي في \"الحبائك في أخبار الملائك\" صفحة (22). وفيه إسماعيل بن عيسى ضعيف، وكذلك إسحاق بن بشر. قال فيه ابن حبان: لا يحل حديثه إلا على جهة التعجب، وقال الدارقطني: متروك، وقال الذهبي: يروي العظائم عن ابن إسحاق وابن جريج انظر: الضعفاء لابن حبان: 1 / 37، الميزان 1 / 184.","part":8,"page":351},{"id":3385,"text":"سورة الانفطار مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5) يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) }\r{ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ } انشقت. { وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ } تساقطت. { وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ } فُجّر بعضها في بعضُ واختلط العذب بالملحُ فصارت بحرًا واحدًاُ وقال الربيع: \"فجرت\" فاضت. { وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ } بحثت وقلب ترابها وبعث ما فيها من الموتى أحياءًُ يقال: بعثرت الحوض وبحثرتهُ إذا قلبته فجعلت أسفله أعلاه. { عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ } قيل: \"ما قدمت\" من عمل صالح أو سيئُ و\"أخرت\" من سنة حسنة أو سيئة. وقيل: \"ما قدمت\" من الصدقات و\"أخرت\" من التركاتُ على ما ذكرنا في قوله: \"ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر\" (القيامة-13) . { يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ } ما خدعك وسوَّل لك الباطل حتى أضعت ما وجب عليك. والمعنى: ماذا أمنك من [عذابه] (2) قال عطاء: نزلت في الوليد بن المغيرة.\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وبن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت: (إذا السماء انفطرت) بمكة. انظر: الدر المنثور: 4 / 437.\r(2) في \"ب\" عقابه.","part":8,"page":352},{"id":3386,"text":"وقال الكلبي ومقاتل: نزلت في الأسود بن شريق ضرب النبي فلم يعاقبه الله عز وجلُ فأنزل الله هذه الآية (1) يقول: ما الذي غرك بربك الكريم المتجاوز عنك إذ لم يعاقبك عاجلا بكفرك؟ قال قتادة: غره عدوه المسلط عليه يعني الشيطان قال مقاتل: غره عفو الله حين لم يعاقبه في أول [مرة] (2) . وقال السدي: غره رفق الله به.\rوقال ابن مسعود: ما منكم من 186/ب أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة. فيقول: يا ابن آدم ما غرك بي؟ يا ابن آدم ماذا عملت فيما [علمت] (3) ؟ يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟.\rوقيل للفضيل بن عياض: لو أقامك الله يوم القيامة فقال: ما غرك بربك الكريم؟ ماذا كنت تقول؟ قال: أقول غرني ستورك المرخاة (4) .\rوقال يحيى بن معاذ: لو أقامني بين يديه فقال ما غرك بي؟ [فأقول] (5) غرني بك بِرُّك بي سالفًا وآنفًا.\rوقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بربك الكريم؟ لقلت: غرني كرم الكريم.\rقال بعض أهل الإشارة: إنما قال بربك الكريم دون سائر أسمائه وصفاته كأنه لقنه الإجابة حتى يقول: غرني كرم الكريم.\r{ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8) }\r{ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ } قرأ أهل الكوفة وأبو جعفر \"فَعَدَلك\" بالتخفيف أي صرفك وأمالك إلى أي صورة شاء حسنًا وقبيحًا وطويلا وقصيرًا. وقرأ الآخرون بالتشديد أي قومك وجعلك معتدل الخلق والأعضاء. { فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ } قال مجاهد والكلبي ومقاتل: في أي شبه من أب أو أم أو خال أو عم.\rوجاء في الحديث: أن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضر كل عرق بينه وبين آدم ثم قرأ \"في أي صورة ما شاء ركبك\" (6) .\r__________\r(1) عزاه ابن كثير في تفسيره: 4 / 482 للبغوي.\r(2) في \"ب\" أمره.\r(3) في \"أ\" عملت.\r(4) انظر: ابن كثير (4 / 484).\r(5) في \"ب\" قلت.\r(6) أخرجه الطبري: 30 / 87.","part":8,"page":356},{"id":3387,"text":"وذكر الفراء قولا آخر: \"في أي صورة ما شاء ركبك\" إن شاء في صورة إنسان وإن شاء في صورة دابةُ أو حيوان آخر.\r{ كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) }\r{ كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ } قرأ أبو جعفر بالياءُ وقرأ الآخرون بالتاء لقوله: \"وإن عليكم لحافظين\" { بِالدِّين } بالجزاء والحساب. { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ } رقباء من الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم. { كِرَامًا } على الله { كَاتِبِين } يكتبون أقوالكم وأعمالكم. { يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } من خير أو شر. قوله عز وجل: { إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ } الأبرار الذين بروا وصدقوا في إيمانهم بأداء فرائض الله عز وجل واجتناب معاصيه. { وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ } روي أن سليمان بن عبد الملك قال لأبي حازم المدني: ليت شعري ما لنا عند الله؟ قال: اعرض عملك على كتاب الله فإنك تعلم ما لك عند الله. قال: فأين أجد في كتاب الله؟ قال عند قوله: \"إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم\" قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: \"قريب من المحسنين\"(الأعراف-56) . قوله عز وجل: { يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ } يدخلونها يوم القيامة ثم عظَّم ذلك اليومُ فقال: { وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ } ثم كرر تعجبًا لشأنه فقال { ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ }\r{ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19) }\r{ يَوْمَ لا تَمْلِكُ } قرأ أهل الكوفة والبصرة: \"يوم\"","part":8,"page":357},{"id":3388,"text":"برفع الميمُ ردا على اليوم الأولُ وقرأ الآخرون بنصبهاُ أي: في يومُ يعني: هذه الأشياء في يوم لا تملك { نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا } قال مقاتل: يعني لنفس كافرة شيئا من المنفعةُ { وَالأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } أي لم يُملّكِ الله في ذلك اليوم أحدًا شيئًا كما ملكهم في الدنيا. سورة المطففين مدنية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) }\r{ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ } يعني الذين ينقصون المكيال والميزان ويبخسون حقوق الناس. قال الزجاج: إنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان: مطففُ لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف.\rأخبرنا أبو بكر يعقوب بن أحمد بن محمد علي الصيرفيُ حدثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلديُ أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن الحافظُ حدثنا عبد الرحمن بن بشرُ حدثنا علي بن الحسين بن واقدُ حدثني أبيُ حدثني يزيد النحوي أن عكرمة حدثه عن ابن عباس قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا فأنزل الله عز وجل: \"ويل للمطففين\" فأحسنوا الكيل (2) .\rوقال السدي: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وبها رجل يقال له: أبو جهينةُ ومعه صاعانُ يكيل بأحدهماُ ويكتال بالآخرُ فأنزل الله هذه الآية (3) .\r__________\r(1) أخرج النحاس وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة المطففين بمكة وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله. وأخرج ابن الضريس عن ابن عباس قال: آخر ما أنزل بمكة سورة المطففين. وأخرج ابن مردويه والبيهقي في \"الدلائل\" عن ابن عباس قال: أول ما نزل بالمدينة: \"ويل للمطففين\". انظر: الدر المنثور: 8 / 441.\r(2) أخرجه النسائي في التفسير: 2 / 502، وابن ماجه في التجارات، باب التوقي في الكيل والوزن برقم: (2223): 2 / 748، والطبري: 30 / 91، والواحدي في أسباب النزول صفحة: (520) وصححه الحاكم في المستدرك: 2 / 33 ووافقه الذهبي، وابن حبان في موارد الظمآن برقم: (1770) صفحة (438). وانظر: الدر المنثور: 8 / 441، وقد زاد عزوه للطبراني وابن مردويه والبيهقي في \"الشعب\". وانظر: الكافي الشاف صفحة: (182) الصحيح المسند من أسباب النزول صفحة (170).\r(3) انظر: أسباب النزول للواحدي ص(521) مجمع الزوائد: 7 / 135.","part":8,"page":358},{"id":3389,"text":"فالله تعالى جعل الويل للمطففين. ثم بين أن المطففين من هم فقال:\r{ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6) }\r{ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ } وأراد إذا اكتالوا من الناس أي أخذوا منهمُ و\"مِنْ\" و\"على\" متعاقبان.\rقال الزجاج: المعنى إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل [الوزن] (1) [وأراد: الذين إذا اشتروا لأنفسهم استوفوا في الكيل والوزن] (2) .\r{ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ } أي كالوا لهم أو وزنوا لهم أي للناسُ يقال: وزنتك حقك وكلتك طعامكُ أي وزنت لك وكِلت لك كما يقال: نصحتك ونصحت لك وكسبتك وكسبت لك.\rقال أبو عبيدة: وكان عيسى بن عمر يجعلهما حرفين يقف على \"كالوا ووزنوا\" ويبتدئ \"هم يخسرون\" وقال أبو عبيدة: والاختيار الأول (3) يعني: أن كل واحدة كلمة واحدةُ لأنهم كتبوها بغير ألفُ ولو كانتا مقطوعتين لكانت: \"كالوا [و] (4) وزنوا\" بالألف كسائر الأفعال مثل جاءوا وقالوا: واتفقت المصاحف على إسقاط الألفُ ولأنه يقال في اللغة: كلتك ووزنتك كما يقال: كلت لك ووزنت لك. \"يخسرون\" أي ينقصونُ قال نافع: كان ابن عمر يمر بالبائع فيقول: اتق الله وأوف الكيل والوزنُ فإن المطففين يوقفون يوم القيامة حتى إن العرق ليلجمهم إلى أنصاف آذانهم.\r{ أَلا يَظُنُّ } يستيقن { أُولَئِك } الذين يفعلون ذلك { أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ } يعني يوم القيامة.\r{ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ } [من قبورهم] (5) { لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } أي لأمره ولجزائه ولحسابه.\rأخبرنا عبد الواحد المليحيُ أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيميُ أخبرنا محمد بن يوسفُ حدثنا محمد بن إسماعيلُ أخبرنا إبراهيم بن المنذرُ أخبرنا معنُ حدثني مالكُ عن نافعُ عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) في \"أ\" الأولى.\r(4) في \"ب\" أو.\r(5) ساقط من \"ب\".","part":8,"page":362},{"id":3390,"text":"أذنيه\" (1) .\rأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة الكشميهنيُ أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارثُ حدثنا محمد بن يعقوب الكسائيُ حدثنا عبد الله بن محمودُ حدثنا إبراهيم بن عبد الله الخلالُ حدثنا عبد الله بن المباركُ عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابرُ قال: [حدثني سليم بن عامر] (2) حدثني المقداد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حتى تكون [قدر] (3) 187/أ ميل أو اثنين\" -قال سليم: لا أدري أي الميلين يعني مسافة الأرض أو الميل الذي تكحل به العين؟ -قال: \"فتصهرهم الشمس فيكون في العَرَق بقدر أعمالهمُ فمنهم من يأخذه إلى عقبيه ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه ومنهم من يأخذه إلى حقويهُ ومنهم من يلجمه إلجامًا\" فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلمُ وهو يشير بيده إلى فيه يقول: \"ألجمه إلجامًا\" (4) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير -تفسير سورة المطففين- 8 / 696 ، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها ، باب صفة يوم القيامة أعاذنا الله من أهوالها برقم : (2862): 4 / 2195 .\r(2) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة المطففين - 8 / 696، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب صفة يوم القيامة أعاذنا الله من أهوالها برقم (2862) 4 / 2195.\r(3) في \"ب\" قيد.\r(4) أخرجه مسلم في الجنة، باب صفة يوم القيامة برقم: (2864) 4 / 2194، والمصنف في شرح السنة: 15 / 128-129.","part":8,"page":363},{"id":3391,"text":"{ كَلا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) }\rقوله عز وجل: { كَلا } ردع، أي ليس الأمر على ما هم عليه فليرتدعوا، وتمام الكلام هاهنا، وقال الحسن: \"كلا\" ابتداء يتصل بما بعده على معنى حقًا { إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ } الذي كتبت فيه أعمالهم { لَفِي سِجِّينٍ } قال عبد الله بن عمر، وقتادة ومجاهد، والضحاك: { سِجِّينٍ } هي الأرض السابعة السفلى فيها أرواح الكفار.\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه، حدثنا موسى بن محمد، حدثنا الحسن بن علويه، أخبرنا إسماعيل بن عيسى، حدثنا المسيب، حدثنا الأعمش، عن المنهال، عن زاذان، عن البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"سجين\" أسفل سبع أرضين، و\"عليون\" في السماء السابعة تحت العرش (1) .\r__________\r(1) أخرجه الإمام أحمد مطولا: 4 / 287-288، وفيه \".. فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى ..\" والطيالسي في مسنده ص102. وأخرجه مختصرا: أبو داود في الجنائز، باب الجلوس عند القبر: 4 / 337، والنسائي في الجنائز، باب الوقوف للجنائز: 4 / 78، وصححه الحاكم مطولا في المستدرك: 1 / 37-38 وساق له شواهد. وقال ابن القيم في \"تهذيب السنن\" (4 / 337) وقد أعله أبو حاتم بن حبان بأن قال: زاذان لم يسمعه من البراء. وهذه العلة فاسدة، فإن زاذان قال: سمعت البراء بن عازب يقول - فذكره - ذكره أبو عوانة الإسفراييني في \"صحيحه\" وأعله ابن حزم بضعف المنهال بن عمرو. وهذه علة فاسدة، فإن المنهال ثقة صدوق. وقد صححه أبو نعيم وغيره\".","part":8,"page":363},{"id":3392,"text":"وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال: أخبرني عن قول الله عز وجل: \"إن كتاب الفجار لفي سجين\" قال: إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء فتأبى السماء أن تقبلها ثم يهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبل فتدخل تحت سبع أرضين حتى ينتهى بها إلى سجين، وهو موضع جند إبليس، فيخرج لها من سجين رِقّ، فيرقم ويختم، ويوضع تحت جند إبليس، لمعرفتها الهلاك بحساب يوم القيامة (1) وإليه ذهب سعيد بن جبير، قال: سجين تحت جند إبليس.\rوقال عطاء الخراساني: هي الأرض السفلى، وفيها إبليس وذريته.\rوقال الكلبي: هي صخرة تحت الأرض السابعة السفلى خضراء، خضرة السماوات منها يجعل كتاب الفجار فيها.\rوروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أيضا قال: \"سجين\" صخرة تحت الأرض السفلى، تقلب، فيجعل كتاب الفجار فيها. وقال وهب: هي آخر سلطان إبليس.\rوجاء في الحديث: \"الفلق جبّ، في جهنم مغطى، وسجين حب في جهنم مفتوح\" (2) .\rوقال عكرمة: \"لفي سجين\" أي: لفي خسار وضلال. وقال الأخفش: هو فعيل من السجن، كما يقال: فسيق وشريب، معناه: لفي حبس وضيق شديد.\r{ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (9) }\r{ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ } [قال الزجاج] (3) أي ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت ولا قومك.\r{ كِتَابٌ مَرْقُومٌ } ليس هذا تفسير السجين، بل هو بيان الكتاب المذكور في قوله: \"إن كتاب الفجار\" أي هو كتاب مرقوم، أي مكتوب فيه أعمالهم مثبتة عليهم كالرقم في الثوب، لا ينسى ولا يمحى حتى يجازوا به. وقال قتادة ومقاتل: رقم عليه بشركائه كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 30 / 95 وشيخ الطبري فيه ضعف وعزاه السيوطي في الدر المنثور 8 / 443 لابن المبارك في الزهد ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر.\r(2) أخرجه الطبري: 30 / 96. قال الحافظ ابن كثير: 4 / 486: \"حديث غريب منكر لا يصح .. والصحيح أن سجينا مأخوذ من السجن وهو الضيق فإن المخلوقات كل ما تسافل منها ضاق وكل ما تعالى منها اتسع، فإن الأفلاك السبعة كل واحد منها أوسع وأعلى من الذي دونه وكذلك الأرضون، كل واحدة أوسع من التي دونها حتى ينتهي السفول المطلق والمحل الأضيق إلى المركز في وسط الأرض السابعة ولما كان مصير الفجار إلى جهنم وهي أسفل السافلين كما قال تعالى: (ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) وقال هاهنا: (كلا إن كتاب الفجار لفي سجين وما أدراك ما سجين) وهو يجمع بين الضيق والسفول\".\r(3) ساقط من \"أ\".","part":8,"page":364},{"id":3393,"text":"كافر. وقيل: مختوم، بلغة حمير.\r{ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (13) كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) }\r{ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ كَلا } قال مقاتل: أي لا يؤمنون، ثم استأنف فقال: { بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ }\rأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي، حدثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي، أخبرنا إبراهيم بن حزيم الشاشي، أخبرنا أبو محمد عبد (1) بن حميد الكَشي، حدثنا صفوان بن عيسى، عن ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه منها، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه\" فذلك الران الذي ذكر الله في كتابه: \"كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون\" (2) .\rوأصل \"الرين\" الغلبة، يقال: رانت الخمر، على عقله تَرِين، رَيْنًا وريونًا إذا غلبت عليه فسكر. ومعنى الآية، غلبت على قلوبهم المعاصي وأحاطت بها. قال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يموت القلب. قال ابن عباس: \"ران على قلوبهم\" طبع عليها.\r{ كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ } يوم القيامة { لَمَحْجُوبُونَ } [قال ابن عباس: \"كلا\" يريد: لا يصدقون، ثم استأنف فقال: \"إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون\"] (3) قال بعضهم: عن كرامته ورحمته [ممنوعون] (4) وقال قتادة: هو ألا ينظر إليهم ولا يزكيهم. وقال أكثر المفسرين: عن رؤيته\r__________\r(1) في الأصل: عبد الله.\r(2) أخرجه الترمذي في التفسير - تفسير سورة المطففين: 9 / 253-254 وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\" والنسائي في التفسير: 2 / 505 وفي عمل اليوم الليلة صفحة (317) برقم (418) وابن ماجه في الزهد، باب ذكر الذنوب برقم (4244) 2 / 1418، والإمام أحمد: 2 / 297، والطبري: 30 / 98، وصححه الحاكم: 2 / 517 ووافقه الذهبي، وابن حبان برقم (1771) صفحة (439) والمصنف في شرح السنة: 5 / 89.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(4) في \"ب\" ممنوعون.","part":8,"page":365},{"id":3394,"text":"قال الحسن: لو علم الزاهدون العابدون أنهم لا يرون ربهم في المعاد لزهقت أنفسهم في الدنيا.\rقال الحسين بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته.\rوسئل مالك عن هذه الآية فقال: لما حجب [الله] (1) أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه.\rوقال الشافعي رضي الله عنه: في قوله: \"كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون\" دلالة على أن أولياء الله يرون الله (2) .\r{ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (16) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (17) كَلا إِنَّ كِتَابَ الأبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) }\rثم أخبر أن الكفار مع كونهم محجوبين عن الله يدخلون النار فقال: { ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ } لداخلو النار.\r{ ثُمَّ يُقَالُ } أي تقول لهم الخزنة { هَذَا } أي هذا العذاب { الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ }\r{ كَلا } قال مقاتل: لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه. ثم بين محل كتاب الأبرار فقال: { إِنَّ كِتَابَ الأبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ } روينا عن البراء مرفوعا: \"إن عليين في السماء السابعة تحت العرش\" (3) .\rوقال ابن عباس: هو لوح من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيه.\rوقال كعب وقتادة: هو قائمة العرش اليمنى.\rوقال عطاء عن ابن عباس: هو الجنة. وقال الضحاك: سدرة المنتهى.\rوقال بعض أهل المعاني: علو بعد علو وشرف بعد شرف، ولذلك جمعت بالياء والنون.\rوقال الفراء: هو اسم موضوع على صيغة الجمع، لا واحد له من لفظه، مثل عشرين وثلاثين (4) .\r__________\r(1) لفظ الجلالة ساقط من \"ب\".\r(2) قال الحافظ ابن كثير: 4 / 487: \"وهذا الذي قاله الإمام الشافعي - رحمه الله - في غاية الحسن وهو استدلال بمفهوم هذه الآية. كما دل عليه منطوق قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) وكما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح المتواترة في رؤية المؤمنين ربهم عز وجل في الدار الآخرة رؤية بالأبصار في عرصات القيامة وفي روضات الجنان الفاخرة\".\r(3) انظر فيما سبق تخريج حديث البراء عند الآية السابعة من السورة ص 363.\r(4) انظر: معاني القرآن للفراء: 3 / 247.","part":8,"page":366},{"id":3395,"text":"{ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21) إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ (23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) }\r{ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَابٌ مَرْقُومٌ } ليس بتفسير عليين، أي مكتوب أعمالهم، كما ذكرنا في كتاب الفجار. وقيل: كتب هناك ما أعد الله لهم من الكرامة، وهو معنى قول مقاتل: وقولهم: رقم لهم يخبر. وتقدير الآية [على] (1) التقديم والتأخير، مجازها: إن كتاب الأبرار [كتاب] (2) مرقوم في عليين، وهو محل الملائكة، ومثله إن كتاب الفجار كتاب مرقوم في سجين، وهو محل إبليس وجنده.\r{ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ } يعني الملائكة الذين هم في عليين، يشهدون ويحضرون ذلك المكتوب أو ذلك الكتاب إذا صعد به إلى عليين. { إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ } إلى ما أعطاهم 187/ب الله من الكرامة والنعمة، وقال مقاتل: ينظرون إلى عدوهم كيف يعذبون.\r{ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ } إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعمة مما ترى في وجوههم من النور والحسن والبياض، قال الحسن: النضرة في الوجه والسرور في القلب، وقرأ أبو جعفر ويعقوب: \"تُعَرف\" بضم التاء وفتح الراء على غير تسمية الفاعل \"نُضْرةُ\" رفع، وقرأ الباقون بفتح التاء وكسر الراء \"نضرةَ\" نصب.\r{ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ } خمر صافية طيبة. قال مقاتل: الخمر البيضاء. { مَخْتُوم } ختم ومنع من أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه الأبرار، وقال مجاهد: \"مختوم\" أي مطين.\r{ خِتَامُه } أي طينه { مِسْكٌ } كأنه ذهب إلى هذا المعنى، قال ابن زيد: ختامه عند الله مسك، وختام [خمر] (3) الدنيا طين. وقال ابن مسعود: \"مختوم\" أي ممزوج ختامه أي: آخر طعمه\r__________\r(1) ليست في النسختين، والسياق يقتضيها.\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) ساقط من \"أ\".","part":8,"page":367},{"id":3396,"text":"وعاقبته مسك، فالمختوم الذي له ختام، أي آخر، وخَتْم كل شيء الفراغ منه. وقال قتادة: يمزج لهم بالكافور ويختم بالمسك.\rوقراءة العامة \"ختامه مسك\" بتقديم التاء، وقرأ الكسائي \"خاتمه\" وهي قراءة علي وعلقمة، ومعناهما واحد، كما يقال: فلان كريم [الطابع والطباع] (1) والختام والخاتم، آخر كل شيء.\r{ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ } فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله عز وجل. وقال مجاهد: فليعمل العاملون، [نظيره قوله تعالى: \"لمثل هذا فليعمل العاملون\" (الصافات-61) ] (2) وقال مقاتل بن سليمان: فليتنازع المتنازعون وقال عطاء: فليستبق المستبقون، وأصله من الشيء النفيس الذي تحرص عليه نفوس الناس، ويريده كل أحد لنفسه وينفس به على غيره، أي يَضِنُّ.\r{ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28) إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) }\r{ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ } شرب ينصبُّ عليهم من علو في غرفهم ومنازلهم، وقيل: يجري [في الهواء متسنما فينصبّ] (3) في أواني أهل الجنة على قدر ملئها، فإذا امتلأت أمسك. وهذا معنى قول قتادة.\rوأصل كلمة من العلو، يقال للشيء المرتفع: سنام، ومنه: سنام البعير. قال الضحاك: هو شرار اسمه تسنيم، وهو أشرف الشراب.\rقال ابن مسعود وابن عباس: هو خالص [للمؤمنين] (4) المقربين يشربونها صرفا ويمزج لسائر أهل الجنة. وهو قوله: \"ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقربون\".\rوروى يوسف بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن قوله: \"من تسنيم\"؟ قال: هذا مما قال الله تعالى: \"فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين\" (5) (السجدة-17) .\r{ عَيْنًا } نصب على الحال { يشرب بها } أي منها وقيل: يشرب بها المقربون صرفًا. قوله عز وجل: { إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا } أشركوا، يعني كفار قريش: أبا جهل، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، وأصحابهم من مترفي مكة { كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا } عمار، وخباب،\r__________\r(1) في \"أ\" الطبع والطابع والصواب ما أثبتناه من \"ب\" وهوعند الفراء كذلك: 3 / 248.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(4) ساقط من \"ب\".\r(5) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 452 لعبد بن حميد وابن المنذر.","part":8,"page":368},{"id":3397,"text":"وصهيب، وبلال، وأصحابهم من فقراء المؤمنين. { يَضْحَكُونَ } وبهم يستهزؤن.\r{ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) }","part":8,"page":369},{"id":3398,"text":"{ عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) }\r{ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ } يعني من فقراء المؤمنين بالكفار { يَتَغَامَزُونَ } والغمز الإشارة بالجفن والحاجب، أي يشيرون إليهم بالأعين استهزاء.\r{ وَإِذَا انْقَلَبُوا } يعني الكفار { إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ } معجبين بما هم فيه يتفكهون بذكرهم.\r{ وَإِذَا رَأَوْهُمْ } رأوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم { قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ } يأتون محمدًا صلى الله عليه وسلم يرون أنهم على شيء.\r{ وَمَا أُرْسِلُوا } يعني المشركين { عَلَيْهِمْ } يعني على المؤمنين { حَافِظِينَ } أعمالهم، أي لم يوكلوا بحفظ أعمالهم .\r{ فَالْيَوْم } يعني في الآخرة { الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ } قال أبو صالح: وذلك أنه يفتح للكفار في النار أبوابها، ويقال لهم: اخرجوا، فإذا رأوها مفتوحة أقبلوا إليها ليخرجوا، والمؤمنون ينظرون إليهم فإذا انتهوا إلى أبوابها غلقت دونهم، يفعل ذلك بهم مرارًا والمؤمنون يضحكون.\rوقال كعب: بين الجنة والنار كُوَى، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدوٍ له، كان في الدنيا، اطلع عليه من تلك الكوى (1) ، كما قال: \"فاطلع فرآه في سواء الجحيم\" (الصافات-55) فإذا اطلعوا من الجنة إلى أعدائهم وهم يعذبون في النار ضحكوا، فذلك قوله عز وجل: \"فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون\" { عَلَى الأرَائِكِ } [من الدر والياقوت] (2) { يَنْظُرُونَ } إليهم في النار.\r__________\r(1) أخرجه عبد الرزاق في التفسير: 2 / 357 ، وزاد السيوطي في الدر المنثور 8 / 453 عزوه لعبد بن حميد، وابن المنذر.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":8,"page":369},{"id":3399,"text":"{ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36) }\rقال الله تعالى: { هَلْ ثُوِّبَ } هل جوزي { الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } أي جزاء استهزائهم بالمؤمنين. ومعنى الاستفهام هاهنا: التقرير. وثوب [وأثيب] (1) وأثاب بمعنى واحد.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":8,"page":370},{"id":3400,"text":"سورة الانشقاق مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) وَإِذَا الأرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5) }\r{ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ } انشقاقها من علامات القيامة.\r{ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا } أي سمعت أمر ربها بالانشقاق وأطاعته، من الأذن وهو الاستماع، { وَحُقَّتْ } أي وحق لها أن تطيع ربها.\r{ وَإِذَا الأرْضُ مُدَّتْ } مد الأديم العكاظي، وزيد في سعتها. وقال مقاتل: سويت كمد الأديم، فلا يبقى فيها بناء ولا جبل.\r{ وَأَلْقَتْ } أخرجت { مَا فِيهَا } من الموتى والكنوز { وَتَخَلَّتْ } [خلت] (2) منها.\r{ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ } واختلفوا في جواب \"إذا\" قيل: جوابه محذوف تقديره: إذا كانت هذه الأشياء يرى الإنسان الثواب والعقاب.\rوقيل جوابه: \"يا أيها الإنسان إنك كادح\" ومجازه: إذا السماء انشقت لقي كل كادح [ما] (3) عمله.\rوقيل: جوابه: \"وأذنت\" وحينئذ تكون \"الواو\" زائدة.\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة (إذا السماء انشقت) بمكة. انظر: الدر المنثور: 8 / 454.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":8,"page":371},{"id":3401,"text":"{ يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا (12) }\rومعنى قوله: { كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا } أي ساعٍ إليه في عملك، والكدح: عمل الإنسان وجهده في الأمر من الخير والشر حتى يكدح ذلك فيه، أي يؤثر. وقال قتادة والكلبي والضحاك: عامل لربك عملا { فَمُلاقِيهِ } أي ملاقي جزاء عملك خيرًا كان أو شرًا.\r{ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ } ديوان [أعماله] (1) { بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا } أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا نافع، عن ابن عمر، حدثني ابن أبي مليكة أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"من حُوسب عُذّب\" قالت عائشة رضي الله عنها فقلت: يا رسول الله أو ليس يقول الله عز وجل: \"فسوف يحاسب حسابا يسيرا\"؟ قالت: فقال: \"إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش [في الحساب هلك] (2) (3) .\r{ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ } يعني في الجنة من الحور العين والآدميات { مَسْرُورًا } 188/أ بما أوتي من الخير والكرامة.\r{ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ } فتغلُّ يده اليمنى إلى عنقه وتجعل يده الشمال وراء ظهره، فيؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره. وقال مجاهد: تخلع يده اليسرى من وراء ظهره.\r{ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا } ينادي بالويل والهلاك إذا قرأ كتابه يقول: يا ويلاه يا ثبوراه، كقوله تعالى: \"دعوا هنالك ثبورا\" (الفرقان-13) .\r{ وَيَصْلَى سَعِيرًا } قرأ أبو جعفر، وأهل البصرة، وعاصم، وحمزة: و\"يصلى\" بفتح الياء\r__________\r(1) في \"ب\" عمله.\r(2) في \"ب\" الحساب يهلك.\r(3) أخرجه البخاري في العلم، باب من سمع شيئا فراجع حتى يعرفه: 1 / 196-197 وفي تفسير سورة الانشقاق، وفي الرقاق. ومسلم في الجنة وصفة نعيمها، باب إثبات الحساب برقم: (2876) 4 / 2204، والمصنف في شرح السنة: 15 / 131.","part":8,"page":374},{"id":3402,"text":"خفيفا كقوله: \"يصلى النار الكبرى\" (الأعلى-12) وقرأ الآخرون بضم الياء [وفتح الصاد] (1) وتشديد اللام كقوله: \"وتصلية جحيم\" (الواقعة-94) \"ثم الجحيم صلوه\" (الحاقة-31) .\r{ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (15) فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (18) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (19) }\r{ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا } يعني في الدنيا، باتباع هواه وركوب شهوته.\r{ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ } أن لن يرجع إلينا ولن يبعث ثم قال: { بَلَى } { بَلَى } أي: ليس كما ظن، بل يحور إلينا ويبعث { إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا } من يوم خلقه إلى أن بعثه.\rقوله عز وجل: { فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ } قال مجاهد: هو النهار كله. وقال عكرمة: ما بقي من النهار. وقال ابن عباس وأكثر المفسرين: هو الحمرة التي تبقى في الأفق بعد غروب الشمس. وقال قوم: هو البياض الذي يعقب تلك الحمرة.\r{ وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ } أي جمع وضمَّ، يقال: وسقته أسقه وسقا، أي: جمعته، واستوسقت الإبل: إذا اجتمعت وانضمت. والمعنى: والليل وما جمع وضم ما كان بالنهار منتشرًا من الدواب، وذلك أن الليل إذا أقبل أوى كل شيء إلى مأواه. روى منصور عن مجاهد قال: ما لف وأظلم عليه. وقال مقاتل بن حيان: أقبل من ظلمة أو كوكب. وقال سعيد بن جبير. وما عمل فيه. { وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ } اجتمع واستوى وتم نوره وهو في الأيام البيض. وقال قتادة: استدار، وهو افتعل من الوَسْق الذي هو الجمع.\r{ لَتَرْكَبُن } قرأ أهل مكة وحمزة والكسائي: \"لتركَبَنَّ\" بفتح الباء يعني لتركبن يا محمد { طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ } قال الشعبي ومجاهد: سماء بعد سماء. قال الكلبي: يعني تصعد فيها. ويجوز أن يكون درجة بعد درجة ورتبة بعد رتبة في القرب من الله تعالى والرفعة.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سعيد بن النضر، أخبرنا هشيم، أخبرنا أبو بشر عن مجاهد قال قال ابن عباس:\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".","part":8,"page":375},{"id":3403,"text":"\"لتركبن طبقا عن طبق\" حالا بعد حال، قال هذا نبيكم صلى الله عليه وسلم (1) .\rوقيل: أراد به السماء تتغير لونًا بعد لون، فتصير تارة كالدهان وتارة كالمهل، وتنشق بالغمام مرة وتطوى أخرى. وقرأ الآخرون بضم الباء، لأن المعنى بالناس أشبه، لأنه ذكر من قبل: \"فأما من أوتي كتابه بيمينه\" \"وشماله\" وذكر من بعد: \"فما لهم لا يؤمنون\" وأراد: لتركبُنَّ حالا بعد حال، وأمرًا بعد أمر في موقف القيامة، يعني: الأحوال تنقلب بهم، فيصيرون في الآخرة على غير الحال التي كانوا عليها في الدنيا. و\"عن\" بمعنى بعد.\rوقال مقاتل: يعني الموت ثم الحياة [ثم الموت ثم الحياة] (2) .\rوقال عطاء: مرة فقيرًا ومرة غنيًا. وقال عمرو بن دينار عن ابن عباس: يعني الشدائد وأهوال الموت، ثم البعث ثم العرض. وقال عكرمة: حالا بعد حالً، رضيع ثم فطيم ثم غلام ثم شاب ثم شيخ. وقال أبو عبيدة: لتركبن سنن من كان قبلكم وأحوالهم.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن عبد العزيز، أخبرنا أبو عمرو الصنعاني من اليمن عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: \"لتتبعن سنن من [كان] (3) قبلكم شبرًا شبرًا وذراعًا ذراعًا، حتى لو دخلوا جُحْرَ ضَبِّ لتبعتموهم\" قلنا: يا رسول الله آليهود والنصارى؟ قال: فَمَنْ؟ (4) .\r{ فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (21) }\rقوله عز وجل { فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ } استفهام إنكار.\r{ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ } قال الكلبي ومقاتل: لا يصلُّون.\rأخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا قتيبة حدثنا سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى عن عطاء بن مينا عن أبي هريرة قال: سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة الانشقاق: 8 / 698.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) زيادة من \"ب\".\r(4) أخرجه البخاري في الاعتصام، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم (لتتبعن سنن من كان قبلكم) 13 / 300، وفي الأنبياء، ومسلم في العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى برقم: (2669) 4 / 2054، والمصنف في شرح السنة: 14 / 392.","part":8,"page":376},{"id":3404,"text":"في \"اقرأ باسم ربك\" \"وإذا السماء انشقت\" (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا مسدد، أخبرنا معمر قال: سمعت أبي قال حدثني بكر، عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ إذا السماء انشقت، فسجد فقلت: ما هذا؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه (2) .\r{ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (22) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (23) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (25) }\r{ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ } بالقرآن والبعث.\r{ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ } في صدورهم من التكذيب. قال مجاهد: يكتمون. { فَبَشِرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } غير مقطوع ولا منقوص.\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في الصلاة، باب في السجدة: 3 / 165، ومسلم في المساجد، باب سجود التلاوة برقم: (578) 1 / 406، وأبو داود في الصلاة، باب السجود في (إذا السماء انشقت) 2 / 118، والنسائي في سجود القرآن، باب السجود في (اقرأ باسم ربك): 2 / 161، والمصنف في شرح السنة: 3 / 301.\r(2) أخرجه البخاري في سجود التلاوة، باب (من قرأ السجدة في الصلاة فسجد بها) 2 / 559، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، باب سجود التلاوة برقم (578) 1 / 407.","part":8,"page":377},{"id":3405,"text":"سورة البروج مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) }\r{ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ } هو يوم القيامة. { وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ } أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا عبد الله بن موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"اليوم الموعود يوم القيامة، والمشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة، ما طلعت شمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة، فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله فيها خيرًا إلا استجاب الله له، أو يستعيذ [به] (2) من شر إلا أعاذه منه\" (3) ، وهذا قول ابن عباس.\rوالأكثرون: أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم النحر.\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس والبيهقي وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت (والسماء ذات البروج) بمكة. انظر الدر المنثور: 8 / 461.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) أخرجه الترمذي في التفسير، تفسير سورة البروج: 9 / 258 وقال: \"هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث موسى بن عبيدة، وموسى بن عبيدة يضعف في الحديث، ضعفه يحيى بن معين من قبل حفظه\" والطبري: 30 / 128. وذكره ابن كثير في التفسير: 4 / 492، وقال: \"هكذا روى هذا الحديث ابن خزيمة من طرق عن موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف الحديث. وقد روي موقوفا على أبي هريرة وهو أشبه\" وأخرجه المصنف في شرح السنة: 4 / 204.","part":8,"page":378},{"id":3406,"text":"وروي عن ابن عمر: \"الشاهد\" يوم الجمعة، \"والمشهود\" يوم [النحر] (1) (2)\rقال سعيد بن المسيب: \"الشاهد\" يوم التروية، \"والمشهود\" يوم عرفة.\rوروى يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: \"الشاهد\" محمد صلى الله عليه وسلم و\"المشهود\": يوم القيامة، ثم تلا \"فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا\" (النساء-41) ، وقال: ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود. وقال عبد العزيز بن يحيى: \"الشاهد\": محمد صلى الله عليه وسلم، و \"المشهود\": الله عزّ وجلّ، بيانه: قوله \"وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا\".\rوروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: \"الشاهد\" آدم، و\"المشهود\" يوم القيامة.\rوقال عكرمة \"الشاهد\" الإنسان و\"المشهود\" يوم القيامة. وعنه أيضا: الشاهد الملك يشهد على ابن آدم، والمشهود يوم القيامة. وتلا \"وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد\" (ق-21) و\"وذلك يوم مشهود\" (هود-103) وقيل: الشاهد [الحفظة والمشهود بنو آدم. وقال عطاء بن يسار: الشاهد] (3) آدم وذريته، والمشهود يوم القيامة.\rوروى الوالبي عن ابن عباس: الشاهد هو الله عز وجل والمشهود يوم القيامة.\rوقال الحسين بن الفضل: الشاهد هذه الأمة والمشهود سائر الأمم. بيانه: \"وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس\" (البقرة-143) .\rوقال سالم بن عبد الله: سألت سعيد بن جبير عن قوله: \"وشاهد ومشهود\" فقال: الشاهد هو الله والمشهود: نحن، بيانه: \"وكفى بالله شهيدا\" (النساء-79) وقيل: الشاهد أعضاء بني آدم، والمشهود ابن آدم، بيانه: \"يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم\" الآية (النور-24) وقيل:\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\" والأثر ذكره صاحب زاد المسير: 9 / 71. وفي \"ب\" عرفة.\r(2) أخرجه الطبري: 30 / 130 عن ابن عباس، وفيه علي بن زيد. ورواه أيضا عن الحسن بن علي رضي الله عنه، في الموضع نفسه. وأخرجه النسائي في التفسير: 2 / 514. قال الهيثمي في المجمع: 7 / 136: \"رواه البزار ورجاله ثقات\". قال الطبري مرجحا: 30 / 131: \"والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله أقسم بشاهد شهد، ومشهود شهد، ولم يخبرنا مع إقسامه بذلك أي شاهد وأي مشهود أراد، وكل الذي ذكرنا أن العلماء قالوا: هو المعني مما يستحق أن يقال له (شاهد ومشهود).\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":8,"page":382},{"id":3407,"text":"الشاهد الأنبياء والمشهود محمد صلى الله عليه وسلم، بيانه: قوله: \"وإذا أخذ الله ميثاق النبيين\" إلى قوله \"فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين\" (آل عمران-81) .\r{ قُتِلَ أَصْحَابُ الأخْدُودِ (4) }\r{ قُتِلَ أَصْحَابُ الأخْدُودِ } أي: لعن، و\"الأخدود\" الشق المستطيل في الأرض كالنهر، وجمعه: أخاديد واختلفوا فيهم:\rأخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الله بن سعدان الخطيب، أخبرني أبو أحمد محمد بن أحمد بن محمد بن قريش بن نوح بن رستم، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي، حدثنا هُدْبَة بن خالد، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إليَّ غلامًا أعلمه السحر، فبعث إليه غلامًا، وكان في طريقه إذا سلك إليه راهب، فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب، وقعد إليه فإذا أتى الساحر ضربه، وإذا رجع من عند الساحر قعد إلى الراهب وسمع كلامه فإذا أتى أهله ضربوه، فشكا [ذلك] (1) إلى الراهب، فقال: إذا [جئت] الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا [جئت] (2) أهلك فقل: حبسني الساحر، فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الراهب أفضل أم الساحر؟ فأخذ حجرًا ثم قال اللهم: إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها، فمضى الناس، فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أيْ بني أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى فإن ابتليت [فاصبر] (3) فلا تدلَّ عليَّ، فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليس للملك وكان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما هنا لك أجمع إن أنت شفيتني، قال: إني لا أشفي أحدًا، إنما يشفي الله، فإن أنت آمنت بالله دعوت الله لك فشفاك، فآمن بالله فشفاه الله، فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي عز وجل، قال أَوَ لَك ربٌّ غيري؟ قال: ربي وربك الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ به الأكمة والأبرص وتفعل وتفعل، قال: إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى [فدعا\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) في \"ب\" خشيت.\r(3) زيادة من \"ب\".","part":8,"page":383},{"id":3408,"text":"بالمنشار] (1) فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقَّه به حتى وقع [شقاه] (2) ثم جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه، [فذهبوا به] (3) فصعدوا به الجبل، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فسقطوا، فجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله، فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور [إلى لجة بحر كذا] (4) فإن رجع عن دينه وإلا [فاطرحوه في البحر] (5) فذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة فغرقوا فجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فقال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك، قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهمًا من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس وقل: بسم [الله] (6) رب الغلام، ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ سهمًا من كنانته ثم وضع [السهم] (7) في كبد قوسه، ثم قال: بسم [الله] (8) رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغه، فوضع يده على صدغه في موضع السهم، فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام ثلاثًا فأتي الملك، فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر قد والله نزل بك حذرُك، قد آمن الناس، فأمر بالأخدود بأفواه السكك، فخدت وأضرم بها النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها أو قيل له اقتحم، قال: ففعلوا حتى جاءت امرأة معها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام: يا أماه اصبري فإنك على الحق\" .\rهذا حديث صحيح أخرجه مسلم بن الحجاج عن [هُدْبة بن خالد عن] (9) حماد بن سلمة. (10) حماد بن سلمة.\rوذكر محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه: أن رجلا كان قد بقي على دين عيسى فوقع إلى أهل نجران [فدعاهم] (11) فأجابوه فسار إليه ذو نواس اليهودي بجنوده من حِمْيَر وخيرهم بين النار واليهودية، فأبوا عليه فخَّد الأخاديد وأحرق اثني عشر ألفًا، ثم [لما] (12) غلب أرياط على اليمن فخرج\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) في \"ب\" فتوسطوا به البحر.\r(5) في \"ب\" فاقذفوه.\r(6) زيادة من \"ب\".\r(7) ساقط من \"أ\".\r(8) زيادة من \"ب\".\r(9) ساقط من \"ب\".\r(10) أخرجه مسلم في كتاب الزهد ، باب قصة أصحاب الأخدود والساحر والراهب والغلام برقم (3005 ( 4 / 2299.\r(11) ساقط من \"ب\".\r(12) ساقط من \"ب\".","part":8,"page":384},{"id":3409,"text":"ذو نواس هاربا فاقتحم البحر بفرسه فغرق (1) قال الكلبي: وذو نواس قتل عبد الله بن التامر.\rوقال محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر: أن خربة احتقرت في زمن عمر بن الخطاب فوجدوا عبد الله بن التامر واضعا يده على ضربة في رأسه إذا أميطت يده عنها انبعثت دمًا وإذا تركت ارتدت مكانها، وفي يده خاتم من حديد فيه: ربي الله، فبلغ ذلك عمر فكتب 189/أ أن أعيدوا عليه الذي وجدتم عليه (2)\rوروى عطاء عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما -قال: كان بنجران ملك من ملوك حمير يقال له: يوسف ذو نواس بن شرحبيل بن شرحيل في الفترة قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم [بسبعين سنة] (3) وكان في بلاده غلام يقال له عبد الله بن تامر، وكان أبوه قد سلمه إلى معلم يعلمه السحر فكره ذلك الغلام ولم يجد بدًا من طاعة أبيه فجعل يختلف إلى المعلم [وكان] (4) في طريقه راهب حسن القراءة حسن الصوت، فأعجبه ذلك، وذكر قريبا من معنى حديث صهيب إلى أن قال الغلام للملك: إنك لا تقدر على قتلي إلا أن تفعل ما أقول لك، قال: فكيف أقتلك؟ قال: تجمع أهل مملكتك وأنت على سريرك فترميني بسهم باسم إلهي، ففعل الملك [ذلك] (5) فقتله، فقال الناس: لا إله إلا الله، عبد الله بن تامر لا دين إلا دينه، فغضب الملك وأغلق باب المدينة وأخذ أفواه السكك وخد أخدودًا وملأه نارا ثم عرضهم رجلا رجلا فمن رجع عن الإسلام تركه، ومن قال: ديني دين عبد الله بن تامر ألقاه في الأخدود فأحرقه، وكان في مملكته امرأة أسلمت فيمن أسلم ولها أولاد ثلاث أحدهم رضيع، فقال لها الملك: ارجعي عن دينك وإلا ألقيتك وأولادك في النار، فأبت فأخذ ابنها الأكبر فألقاه في النار، ثم قال لها: ارجعي عن دينك، فأبت فألقى الثاني في النار، ثم قال لها: ارجعي، فأبت فأخذوا الصبي منها ليلقوه في النار فهمت المرأة بالرجوع، فقال الصبي: يا أماه لا ترجعي [عن الإسلام] (6) فإنك على الحق، ولا بأس عليك، فألقي الصبي في النار، وألقيت أمه على أثره (7) .\rوقال سعيد بن جبير وابن أبزى: لما انهزم أهل اسفندهار قال عمر بن الخطاب: أي شيء يجري على المجوس من الأحكام فإنهم ليسوا بأهل كتاب؟ فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: بلى قد كان لهم كتاب، وكانت الخمر أحلت لهم فتناولها ملك من ملوكهم فغلبته على عقله، فتناول أخته فوقع عليها فلما ذهب عنه السكر ندم، وقال لها: ويحك ما هذا الذي أتيت، وما المخرج منه\r__________\r(1) سيرة ابن هشام: 1 / 32-37. وانظر: البداية والنهاية لابن كثير: 2 / 119-121 الكافي الشاف ص(183).\r(2) انظر: سيرة ابن هشام: 1 / 37-38.\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) ساقط من \"ب\".\r(5) ساقط من \"ب\".\r(6) ساقط من \"ب\".\r(7) انظر: البداية والنهاية لابن كثير: 2 / 121.","part":8,"page":385},{"id":3410,"text":"قالت: المخرج منه أن تخطب الناس، وتقول: إن الله قد أحل نكاح الأخوات فإذا ذهب في الناس وتناسوه خطبتهم فحرمته، فقام خطيبًا فقال: إن الله قد أحل لكم نكاح الأخوات، فقال الناس بأجمعهم: معاذ الله أن نؤمن بهذا، أو نقَّر به، ما جاءنا به نبي ولا أنزل علينا فيه كتاب، فبسط فيهم السوط فأبوا أن يقروا فجرد فيهم السيف. فأبوا أن يقروا [فخدَّ لهم أخدودًا] (1) وأوقد فيه النيران وعرضهم عليها فمن أبى ولم يطعه قذفه في النار ومن أجاب خلى سبيله (2) .\rوقال الضحاك: أصحاب الأخدود من بني إسرائيل، أخذوا رجالا ونساء فخدوا لهم أخدودًا ثم أوقدوا فيه النيران فأقاموا المؤمنين عليها، فقالوا: أتكفرون أم نقذفكم في النار؟ ويزعمون أنه دانيال وأصحابه. وهذه رواية العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما (3) .\rوقال أبو الطفيل عن علي رضي الله عنه: كان أصحاب الأخدود نبيهم حبشي، بعث [نبي] (4) من الحبشة إلى قومه، ثم قرأ علي رضي الله عنه: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ } الآية (غافر-78) فدعاهم فتابعه أناس فقاتلهم فقتل أصحابه وأخذوا وأوثق ما أفلت منهم فخدوا أخدودًا فملؤها نارًا فمن تبع النبي رُمي فيها، ومن تابعهم تركوه، فجاءوا بامرأة ومعها صبي رضيع فجزعت، فقال الصبي: يا أماه مري ولا تنافقي.\rوقال عكرمة: كانوا من النبط [أحرقوا بالنار] (5) وقال مقاتل: كانت الأخدود ثلاثة: واحدة بنجران باليمن، وواحدة بالشام، والأخرى بفارس، حرقوا [بالنار] (6) أما التي بالشام فهو أبطاموس الرومي، وأما التي بفارس فبختنصر، وأما التي بأرض العرب فهو ذو نواس يوسف، فأما التي بالشام وفارس فلم ينزل الله فيهما قرآنًا وأنزل في التي كانت بنجران (7) ، وذلك أن رجلا مسلمًا ممن يقرأ الإنجيل آجر نفسه في عمل، وجعل يقرأ الإنجيل فرأت بنت المستأجر النور يضيء من قراءة الإنجيل، فذكرت ذلك لأبيها فرمقه حتى رآه [فسأله فلم يخبره] (8) فلم يزل به حتى أخبره بالدين والإسلام، فتابعه هو وسبعة وثمانون إنسانا من بين رجل وامرأة وهذا بعدما رفع عيسى عليه السلام إلى السماء، فسمع ذلك يوسف ذو نواس فخدَّ لهم في الأرض وأوقد فيها نارًا فعرضهم على الكفر، فمن أبى\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) أخرجه الطبري: 30 / 132.\r(3) أخرجه الطبري: 30 / 133. وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 65 لابن المنذر.\r(4) ساقط من \"ب\".\r(5) انظر: ابن كثير: 4 / 469.\r(6) ساقط من \"أ\".\r(7) ساقط من \"ب\".\r(8) ساقط من \"ب\".","part":8,"page":386},{"id":3411,"text":"أن يكفر قذفه في النار ومن رجع عن دين عيسى لم يقذفه، وإن امرأة جاءت ومعها ولد صغير لا يتكلم، فلما قامت على شفير الخندق نظرت إلى ابنها فرجعت عن النار، فضربت حتى تقدمت فلم تزل كذلك ثلاث مرات، فرلما كانت في الثالثة ذهبت ترجع فقال لها ابنها: يا أماه إني أرى أمامك نارًا لا تطفأ، فلما سمعت ذلك قذفا جميعًا أنفسهما في النار، فجعلها الله وابنها في الجنة، فَقُذِف في النار في يوم واحد سبعة وسبعون إنسانًا، فذلك قوله عز وجل: \"قتل أصحاب الأخدود\".\r{ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) }\r{ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ } بدل من الأخدود، قال الربيع بن أنس: نَّجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار بقبض أرواحهم قبل أن تمسهم النار، وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم (1) . { إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ } أي: عند النار جلوس [لتعذيب] (2) المؤمنين. قال مجاهد: كانوا قعودا على الكراسي [عند الأخدود] (3) . { وَهُم } يعني الملك وأصحابه الذين خدّوا [الأخدود] (4) { عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ } من عرضهم على النار وإرادتهم أن يرجعوا إلى دينهم { شُهُود } حضور، وقال مقاتل: يعني يشهدون أن المؤمنين في ضلال حين تركوا عبادة الصنم. { وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ } قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما كرهوا منهم { إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ } قال مقاتل ما عابوا منهم. وقيل: ما علموا فيهم عيبًا. قال الزجاج: ما أنكروا عليهم ذنبًا إلا إيمانهم بالله { الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } { الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ } من أفعالهم { شَهِيد }\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 30 / 134-135. وانظر ابن كثير: 4 / 497.\r(2) في \"ب\" يعذبون.\r(3) زيادة من \"ب\".\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":8,"page":387},{"id":3412,"text":"{ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) }\r{ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا } عذبوا وأحرقوا { الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } يقال: فتنت الشيء إذا أحرقته، نظيره \"يوم هم على النار يفتنون\"(الذاريات-13) { ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ } بكفرهم 189/ب { وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ } بما أحرقوا المؤمنين. وقيل: ولهم عذاب الحريق [في الدنيا، وذلك أن الله أحرقهم بالنار التي] (1) أحرقوا بها المؤمنين، ارتفعت إليهم من الأخدود، قاله الربيع بن أنس والكلبي. ثم ذكر ما أعد للمؤمنين فقال: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ } واختلفوا في جواب القسم: فقال بعضهم: جوابه: \"قتل أصحاب الأخدود\" يعني لقد قتل.\rوقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: قتل أصحاب الأخدود والسماء ذات البروج. وقال قتادة: جوابه: { إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ } قال ابن عباس: إن أخذه بالعذاب إذا أخَذَ الظلمَة لشديدٌ، كقوله: \"إن أخذه أليم شديد\" (هود-102) . { إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ } أي يخلقهم أولا في الدنيا ثم يعيدهم أحياءً بعد الموت. { وَهُوَ الْغَفُورُ } لذنوب المؤمنين { الْوَدُودُ } المحب لهم، وقيل: معناه المودود، كالحلوب والركوب، بمعنى المحلوب والمركوب. وقيل: يغفر ويود أن يغفر، وقيل: المتودد إلى أوليائه بالمغفرة. { ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ } قرأ حمزة والكسائي: \"المجيد\" بالجر، على صفة العرش أي السرير العظيم. وقيل: أراد حسنه فوصفه بالمجد كما وصفه بالكرم، فقال: \"رب العرش الكريم\"(المؤمنون-116) ومعناه الكمال، والعرش: أحسن الأشياء وأكملها، وقرأ الآخرون بالرفع على صفة ذو العرش. { فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ } لا يعجزه شيء يريده ولا يمتنع منه شيء طلبه. قوله عز وجل { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ } قد أتاك خبر الجموع الكافرة الذين تجندوا\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".","part":8,"page":388},{"id":3413,"text":"على الأنبياء\r{ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22) }\rثم بين من هم فقال: { فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا } من قومك يا محمد { فِي تَكْذِيبٍ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ } لك وللقرآن كدأب [آل فرعون] (1) من قبلهم، ولم يعتبروا بمن كان قبلهم من الكفار. { واللَّهُ مِنَ وَرَائِهِم مُّحِيطٌ } ، عالم بهم لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، يقدر أن ينزل بهم ما أنزل بمن كان قبلهم. { بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ } ، كريم شريف كثير الخير، ليس كما زعم المشركون أنه شعر وكهانة. { فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظِ } ، قرأ نافع: \"محفوظ\" بالرفع على نعت القرآن، فإن القرآن محفوظ من التبديل والتغيير والتحريف، قال الله تعالى: \"إنّا نحن، نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون، وهو أم الكتاب، ومنه نسخ الكتب، محفوظ من الشياطين، ومن الزيادة فيه والنقصان. أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا الحسين ابن محمد بن فنجويه، أخبرنا مخلد بن جعفر، حدثنا الحسن بن علويه، أخبرنا إسماعيل بن عيسى، حدثنا إسحاق بن بشر، أخبرني مقاتل وابن جريج، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: إن في صدر اللوح: لا إله إلا الله وحده، دينه الإسلام، ومحمد عبده ورسوله، فمن آمن بالله عزّ وجلّ وصدق بوعده واتبع رسله أدخله، قال: واللوح لوح من درة بيضاء، طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق إلى المغرب، وحافتاه الدر والياقوت، ودفتاه ياقوتة حمراء، وقلمه نور، وكلامه معقود بالعرش، وأصله في حجر ملك. (2)\rقال مقاتل: اللوح المحفوظ عن يمين العرش.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) موقوف على ابن عباس وفيه إسحاق بن بشر، قال ابن حبان: لا يحل حديثه إلا على جهة التعجب وقال الدارقطني: متروك. وقال الذهبي: يروي العظائم عن ابن إسحاق وابن جريج والثوري. انظر: الضعفاء لابن حبان: 1\\37، الميزان للذهبي: 1\\184. وراجع ابن كثير: 4\\498.","part":8,"page":389},{"id":3414,"text":"14","part":8,"page":390},{"id":3415,"text":"سورة الطارق مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4) }\r{ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ } قال الكلبي: نزلت في أبي طالب، وذلك أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأتحفه بخبز ولبن، فبينما هو جالس يأكل إذا انحط نجم فامتلأ ماءً ثم نارًا، ففزع أبو طالب وقال: أي شيء هذا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا نجم رُمي به، وهو آية من آيات الله عز وجل فعجب أبو طالب فأنزل الله عز وجل: \"والسماء والطارق\" (2) وهذا قسم، و\"الطارق\" النجم يظهر بالليل، وما أتاك ليلا فهو طارق.\r{ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ } ثم فسَّره فقال { النَّجْمُ الثَّاقِبُ } أي المضيء المنير، قال مجاهد: المتوهج، قال ابن زيد: أراد به الثريا، والعرب تسميه النجم. وقيل: هو زُحَل، سُمي بذلك لارتفاعه، تقول العرب للطائر إذا لحق ببطن السماء ارتفاعًا: قد ثقب.\r{ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ } جواب القسم { لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ } قرأ أبو جعفر، وابن عامر، وعاصم، وحمزة: \"لما\" بالتشديد، يعنون: ما كل نفس إلا عليها حافظ، وهي لغة هذيل يجعلون \"لما\" بمعنى \"إلا\" يقولون: نشدتك الله لما قمت، أي إلا قمت.\rوقرأ الآخرون بالتخفيف، جعلوا \"ما\" صلة، مجازه: إن كل نفس لعليها حافظ [من ربها] (3)\r__________\r(1) أخرجه ابن الضريس، وابن مردويه، والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت (والسماء والطارق) بمكة. انظر: الدر المنثور: 8 / 473.\r(2) ذكره الواحدي في أسباب النزول، صفحة (522). قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف صفحة: (183) \"ذكره الثعلبي والواحدي بغير إسناد\".\r(3) ساقط من \"ب\".","part":8,"page":391},{"id":3416,"text":"[وتأويل الآية: كل نفس عليها حافظ من ربها] (1) يحفظ عملها ويحصي عليها ما تكتسب من خير وشر.\rقال ابن عباس: هم الحفظة من الملائكة. قال الكلبي: حافظ من الله يحفظها ويحفظ قولها وفعلها حتى يدفعها ويسلمها إلى المقادير، ثم يخلي عنها.\r{ فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) }\r{ فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ } أي من أي شيء خلقه ربه، أي فلينظر نظر المتفكر.\rثم بين فقال: { خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ } مدفوق أي مصبوب في الرحم، وهو المني، فاعل بمعنى مفعول كقوله: \"عيشة راضية\" (الحاقة-21) أي مرضية، والدفق: الصب، وأراد ماء الرجل وماء المرأة، لأن الولد مخلوق منهما، وجعله واحدًا لامتزاجهما.\r{ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ } يعني صلب الرجل وترائب المرأة، و\"الترائب\" جمع التربية، وهي عظام الصدر والنحر. قال ابن عباس: هي موضع القلادة من الصدر. وروى الوالبي عنه: بين ثديي المرأة. وقال قتادة: النحر. وقال ابن زيد: الصدر.\r{ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ } قال مجاهد: على رد النطفة في الإحليل. وقال عكرمة: على رد الماء في الصلب الذي خرج منه. وقال الضحاك: إنه على رد الإنسان ماءً كما كان من قبل لقادر. وقال مقاتل بن حيان: [إن شاء رده] (2) من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبا، ومن الصبا إلى النطفة، وقال ابن زيد: إنه على حبس ذلك الماء لقادر حتى لا يخرج وقال قتادة: إن الله تعالى على بعث الإنسان وإعادته قادر وهذا أولى الأقاويل لقوله: { يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ }\r{ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ } وذلك يوم القيامة تبلى السرائر، تظهر الخفايا قال قتادة ومقاتل: تختبر[الأعمال] (3) قال عطاء بن أبي رباح: السرائر فرائض الأعمال، كالصوم والصلاة [والوضوء] (4) والاغتسال من الجنابة، فإنها سرائر بين الله تعالى وبين العبد، فلو شاء العبد لقال: صمت 190/أ ولم يصم، وصليت، ولم يصل، واغتسلت ولم يغتسل، فيختبر حتى يظهر من أداها ممن ضيعها.\rقال ابن عمر: بيدي الله عز وجل يوم القيامة كل سر، فيكون زينًا في وجوه وشينًا في وجوه،\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) في \"ب\" إن شئت رددته.\r(3) في \"ب\" إن شئت رددته.\r(4) في \"ب\" إن شئت رددته.","part":8,"page":394},{"id":3417,"text":"يعني: من أداها كان وجهه مشرقًا، ومن ضيعها كان وجهه أغبر.\r{ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ (10) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) وَالأرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (12) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (14) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (17) }\r{ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ } أي ما لهذا الإنسان المنكر للبعث من قوة يمتنع بها من عذاب الله ولا ناصر ينصره من الله.\rثم ذكر قَسَمًا آخر فقال: { وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ } أي ذات المطر لأنه يرجع كل عام ويتكرر. وقال ابن عباس: هو السحاب يرجع بالمطر.\r{ وَالأرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ } أي تتصدع وتنشَّق عن النبات والأشجار والأنهار.\rوجواب القسم قوله: { إِنَّه } يعني القرآن { لَقَوْلٌ فَصْلٌ } حق وجدُّ يفصل بين الحق والباطل.\r{ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ } باللعب والباطل.\rثم أخبر عن مشركي مكة فقال: { إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا } يخافون النبي صلى الله عليه وسلم ويظهرون ما هم على خلافه.\r{ وَأَكِيدُ كَيْدًا } وكيد الله استدراجه إياهم من حيث لا يعلمون.\r{ فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ } قال ابن عباس: هذا وعيد من الله عز وجل لهم { أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا } قليلا ومعنى مهِّل وأمهل: أنظر ولا تعجل، فأخذهم الله يوم بدر، ونسخ الإمهال بآية السيف.","part":8,"page":395},{"id":3418,"text":"سورة الأعلى مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى (1) }\r{ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى } [يعني] (2) قل سبحان ربي الأعلى. وإلى هذا ذهب جماعة من الصحابة والتابعين.\rأخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أحمد بن عبد الله، حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مسلم بن البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ \"سبح اسم ربك الأعلى\" فقال: \"سبحان ربي الأعلى\" (3) .\rوقال قوم: معناه نزه ربك الأعلى عما يصفه به الملحدون، وجعلوا الاسم صلة. ويحتج بهذا من يجعل الاسم والمسمى واحدًا، لأن أحدًا لا يقول: سبحان اسم الله، وسبحان اسم ربنا، إنما يقول: سبحان الله وسبحان ربنا، فكان معنى سبِّح اسم ربك الأعلى: سبِّح ربك.\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت (سبح) بمكة. وأخرجه ابن مردويه عن عائشة وابن الزبير. انظر: الدر المنثور: 8 / 479.\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب الدعاء في الصلاة: 1 / 422، ومن طريق وكيع رواه البيهقي في السنن: 2 / 311 وصححه الحاكم: 1 / 263-264 على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 1 / 232. قال أبو داود: خولف وكيع في هذا الحديث، رواه أبو وكيع - وهو الجراح بن مليح - وشعبة عن أبي إسحاق عن سعيد ابن جبير. وانظر: الكافي الشاف ص184، والدر المنثور: 8 / 482.","part":8,"page":396},{"id":3419,"text":"وقال آخرون: نزه تسمية ربك، بأن تذكره وأنت له معظّم، ولذكره محترم [ولأوامره مطاوع] (1) وجعلوا الاسم بمعنى التسمية.\rوقال ابن عباس: سبح [اسم ربك الأعلى] (2) أي: صلِّ بأمر ربك الأعلى.\r{ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (5) }\r{ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى } قال الكلبي: خلق كل ذي روح، فسوّى اليدين والرجلين والعينين. وقال الزجَّاج: خلق الإنسان مستويًا، ومعنى \"سوى\" عدل قامته.\r{ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى } قرأ الكسائي: \"قَدَر\" بتخفيف الدال، وشددها الآخرون، وهما بمعنى واحدٍ.\rوقال مجاهد: هدى الإنسان لسبيل الخير والشر، والسعادة والشقاوة، وهدى الأنعام لمراتعها.\rوقال مقاتل والكلبي: قدر لكل شيء مسلكه، \"فهدى\" عرّفها كيف يأتي الذكر الأنثى.\rوقيل: قدر الأرزاق وهدى لاكتساب الأرزاق والمعاش.\rوقيل: خلق المنافع في الأشياء، وهدى الإنسان لوجه استخراجها منها.\rوقال السدي: قدر مدة الجنين في الرحم ثم هداه للخروج من الرحم.\rقال الواسطي: قدر السعادة والشقاوة عليهم، ثم يسر لكل واحد من الطائفتين سلوك [سبيل] (3) ما قدر عليه.\r{ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى } أنبت العشب وما ترعاه [النَّعم] (4) من بين أخضر وأصفر وأحمر وأبيض.\r{ فَجَعَلَه } بعد الخضرة { غُثَاءً } هشيمًا باليًا، كالغثاء الذي تراه فوق السيل. { أَحْوَى } أسود بعد الخضرة، وذلك أن الكلأ إذا جف ويبس اسودَّ.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) في \"أ\" الغنم.","part":8,"page":400},{"id":3420,"text":"{ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى (6) إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (8) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (10) وَيَتَجَنَّبُهَا الأشْقَى (11) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (12) }\r{ سَنُقْرِئُك } سنعلمك بقراءة جبريل [عليك] (1) { فَلا تَنْسَى إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ } أن تنساه، وما نسخ الله تلاوته من القرآن، كما قال: \"ما ننسخ من آية أو ننسها\" (البقرة -106) والإنساء نوع من النسخ.\rوقال مجاهد، والكلبي: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه جبريل عليه السلام، لم يفرغ من آخر الآية حتى يتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأولها، مخافة أن ينساها، فأنزل الله تعالى: \"سنقرئك فلا تنسى\" [فلم ينس بعد] (2) ذلك شيئًا (3) . { إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ } من القول والفعل { وَمَا يَخْفَى } منهما، والمعنى: أنه يعلم السر والعلانية.\r{ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى } قال مقاتل: نهون عليك عمل أهل الجنة -وهو معنى قول ابن عباس -ونيسرك لأن تعمل خيرا. و\"اليسرى\" عمل الخير.\rوقيل: نوفقك للشريعة اليسرى وهي الحنيفية السمحة.\rوقيل: هو متصل بالكلام الأول معناه: أنه يعلم الجهر مما تقرؤه على جبريل إذا فرغ من التلاوة، \"وما يخفى\" ما تقرأ في نفسك مخافة النسيان، ثم وعده فقال: { وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى } أي نهون عليك الوحي حتى تحفظه وتعلمه.\r{ فَذَكِّر } عِظْ بالقرآن { إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى } الموعظة والتذكير. والمعنى: نفعت أو لم تنفع، وإنما لم يذكر الحالة الثانية، كقوله: \"سرابيل تقيكم الحر\" وأراد: الحر والبرد جميعًا.\r{ سَيَذَّكَّر } يتعظ { مَنْ يَخْشَى } الله عز وجل.\r{ وَيَتَجَنَّبُهَا } أي يتجنب الذكرى ويتباعد عنها { الأشْقَى } الشقي في علم الله.\r{ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى } العظيمة والفظيعة، لأنها أعظم وأشد حرًا من نار الدنيا.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) انظر: الدر المنثور: 8 / 483.","part":8,"page":401},{"id":3421,"text":"{ ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا (13) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) }\r{ ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا } فيستريح { وَلا يَحْيَا } حياة تنفعه.\r{ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى } تطهر من الشرك وقال: لا إله إلا الله. هذا قول عطاء وعكرمة، ورواية الوالبي وسعيد بن جبير عن ابن عباس (1) وقال الحسن: من كان عمله زاكيًا (2) .\rوقال آخرون: هو صدقة الفطر، روي عن أبي سعيد الخدري في قوله: \"قد أفلح من تزكى\" قال: أعطى صدقة الفطر (3) .\r{ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى } قال خرج إلى العيد فصلى، فكان ابن مسعود يقول: رحم الله امرءا تصدق ثم صلى، ثم يقرأ هذه الآية (4) . وروى نافع: كان ابن عمر إذا صلى الغداة -يعني من يوم العيد -قال: يا نافع أَخْرَجت الصدقة؟ فإن قلت: نعم، مضى إلى المصلى، وإن قلت: لا قال: فالآن فأخْرِجْ، فإنما نزلت هذه الآية في هذا \"قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى\" وهو قول أبي العالية وابن سيرين.\rوقال بعضهم: لا أدري ما وجه هذا التأويل؟ لأن هذه السورة مكية، ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة فطر (5) .\r[قال الشيخ الإمام محيي السنة رحمه الله] (6) 190/ب يجوز أن يكون النزول سابقا على الحكم كما قال: \"وأنت حل بهذا البلد\" فالسورة مكية، وظهر أثر الحل يوم الفتح حتى قال عليه الصلاة والسلام: \"أُحِلَّت لي ساعة من نهار\" (7) وكذلك نزل بمكة: \"سيهزم الجمع ويولون الدبر\" (القمر-45) قال عمر بن الخطاب: كنت لا أدري أي جمع يهزم، فلما كان يوم بدر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم\r__________\r(1) انظر: الطبري: 30 / 156، الدر المنثور: 8 / 484.\r(2) أخرجه الطبري: 30 / 156.\r(3) انظر: الدر المنثور: 8 / 485.\r(4) ذكره صاحب الدر المنثور: 8 / 486 عن أبي الأحوص، وعزاه لسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير.\r(5) قال صاحب زاد المسير: 9 / 92 \"القول قول ابن عباس في الآيتين، فإن هذه السورة مكية بلا خلاف، ولم يكن بمكة زكاة ولا عيد.\r(6) في \"أ\" (قال الشيخ الإمام الأجل السيد محيي السنة، ناصر الحديث، قدوة الأئمة، مظهر الإسلام، مفتي الشرق، الحسين بن مسعود رحمة الله عليه).\r(7) قطعة من حديث \"أخرجه مسلم في الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها برقم (1354) 2 / 988، والمصنف في شرح السنة: 7 / 300-301.","part":8,"page":402},{"id":3422,"text":"يثب، في الدرع ويقول: سيهزم الجمع ويولون الدبر (1) \"وذكر اسم ربه فصلى\" أي: وذكر ربه فصلى، قيل: الذكر: تكبيرات العيد، والصلاة: صلاة العيد، وقيل: الصلاة هاهنا الدعاء.\r__________\r(1) سبق في سورة القمر: 7 / 434.","part":8,"page":403},{"id":3423,"text":"{ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19) }\r{ بَلْ تُؤْثِرُونَ } قرأ أبو عمرو، ويعقوب: [يؤثرون] (1) بالياء، يعني: الأشْقَيْن الذين ذكروا، وقرأ الآخرون بالتاء، دليله: قراءة أبي بن كعب \"بل أنتم تؤثرون الحياة الدنيا\" [والمراد بـ\"الأشقى\" الجمع، وإن كان على لفظ الواحد، لأن الشيء إذا دخله الألف واللام للجنس صار مستغرقًا، فكأنه قال: ويتجنبه الأشقون، ثم قال: \"بل تؤثرون الحياة الدنيا\"] (2)\r{ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى } قال عرفجة الأشجعي: كنا عند ابن مسعود فقرأ هذه الآية، فقال لنا: أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة؟ قلنا: لا قال: لأن الدنيا أحضرت، وعجل لنا طعامها وشرابها ونساؤها ولذاتها وبهجتها، وأن الآخرة نُعِتت لنا، وزويت عنّا فأحببنا العاجل وتركنا الآجل (3) .\r{ إِنَّ هَذَا } يعني ما ذكر من قوله: \"قد أفلح من تزكى\" [إلى تمام] (4) أربع آيات، { لَفِي الصُّحُفِ الأولَى } أي في الكتب الأولى التي أنزلت قبل القرآن، ذكر فيها فلاح المتزكي والمصلي، وإيثار الخلق الحياة الدنيا على الآخرة، وأن الآخرة خير وأبقى.\rثم بيّن الصحف فقال: { صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى } قال عكرمة والسدي: هذه السورة في صحف إبراهيم وموسى.\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) أخرجه الطبري: 30 / 157. وزاد صاحب الدر المنثور: 8 / 487 عزوه لابن المنذر والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان. وذكره ابن كثير في تفسيره: 4 / 502 وقال: \"وهذه منه على وجه التواضع والهضم، أو هو إخبار عن الجنس من حيث هو والله أعلم\".\r(4) ساقط من \"ب\".","part":8,"page":403},{"id":3424,"text":"محمد بن أحمد بن معقل الميداني، حدثنا محمد بن يحيى [بن أيوب حدثنا سعيد بن كثير حدثنا] (1) يحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين اللتين يوتر بعدهما بـ\"سبح اسم ربك الأعلى\" و\"قل يا أيها الكافرون\" وفي الوتر بـ\"قل هو الله أحد\" و\"قل أعوذ برب الفلق\" و\"قل أعوذ برب الناس\" (2) . سورة الغاشية مكية (3) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ هَلْ أَتَاكَ حَدِيث الْغَاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) }\r{ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ } يعني: قد أتاك حديث القيامة، تغشى كل شيء بالأهوال.\r{ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ } يعني: يوم القيامة { خَاشِعَة } ذليلة.\r{ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ } قال عطاء عن ابن عباس: يعني الذين عملوا ونصبوا في الدنيا على غير دين الإسلام من عَبَدَة الأوثان وكفار أهل الكتاب، مثل الرهبان وغيرهم، لا يقبل الله منهم اجتهادًا في ضلالة، يدخلون النار يوم القيامة، وهو قول سعيد بن جبير، وزيد بن أسلم. ومعنى النَّصبَ: الدأب في العمل بالتعب.\rوقال عكرمة والسدي: عاملة في الدنيا بالمعاصي، ناصبة في الآخرة في النار (4) .\rوقال بعضهم: عاملة في النار ناصبة فيها. قال الحسن: لم تعمل لله في الدنيا، فأعملها وأنصبها في النار بمعالجة السلاسل، والأغلال. وبه قال قتادة، وهي رواية العوفي عن ابن عباس (5) .\rقال ابن مسعود: تخوض في النار كما تخوض الإبل في الوحل.\rوقال الكلبي: يَجرُّون على وجوههم في النار.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار: 1 / 285، والدارقطني في السنن 1 / 24، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، 1 / 305 ووافقه الذهبي، وابن حبان، صفحة (175) من موارد الظمآن، والبيهقي في السنن 2 / 37، والمصنف في شرح السنة: 3 / 99-100. وأعله ابن الجوزي بيحيى بن أيوب، قال أبو حاتم: لا يحتج به، وقد أنكر الإمام أحمد ويحيى بن معين زيادة المعوذتين، وروى ابن السكن في \"صحيحه\" له شاهدا من حديث عبد الله بن سرجس بإسناد غريب. انظر: تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي: 2 / 1060-1061، تلخيص الحبير 2 / 18-19.\r(3) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: نزلت سورة الغاشية بمكة. وأخرج ابن مردويه عن الزبير مثله. انظر: الدر المنثور: 8 / 490.\r(4) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 491 لابن أبي حاتم.\r(5) انظر: الطبري: 30 / 160.","part":8,"page":404},{"id":3425,"text":"[وقال الضحاك: يكلفون ارتقاء جبل من حديد في النار] (1) والكلام خرج على \"الوجوه\" والمراد منها أصحابها.\r{ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (5) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ (6) }\r{ تَصْلَى نَارًا } قرأ أهل البصرة وأبو بكر: \"تُصلى\" بضم التاء اعتبارًا بقوله: \"تسقى من عين آنية\" [وقرأ الآخرون بفتح التاء { نَارًا حَامِيَةً } قال ابن عباس: قد حميت فهي تتلظى على أعداء الله.\r{ تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ } متناهية في الحرارة قد أوقدت عليها جهنم منذ خلقت، فدفعوا إليها [وِرْدًا] (2) عطاشًا. قال المفسرون: لو وقعت منها قطرة على جبال الدنيا لذابت. هذا شرابهم ثم ذكر طعامهم فقال: { لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ } قال مجاهد وعكرمة وقتادة: هو نبت ذو شوك لاطئ بالأرض، تسميه قريش الشبرق فإذا هاج سموها الضريع، (3) وهو أخبث طعام وأبشعه. وهو رواية العوفي عن ابن عباس. قال الكلبي: لا تقربه دابة إذا يبس.\rقال ابن زيد: أما في الدنيا فإن \"الضريع\" الشوك اليابس الذي يبس له ورق، وهو في الآخرة شوك من نار (4) وجاء في الحديث عن ابن عباس: \"الضريع: شيء في النار [شبه] (5) الشوك أمرُّ من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأشد حرًا من النار\" (6) .\rوقال أبو الدرداء، والحسن: إن الله تعالى يرسل على أهل النار الجوع حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غُصَّة، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالماء، فيستسقون، فيعطشهم ألف سنة، ثم يسقون من عين آنية شربة لا هنيئة ولا مريئة، فلما أدنوه من وجوههم، سلخ جلود وجوههم وشواها، فإذا وصل إلى بطونهم قطعها فذلك قوله عز جل: \"وسُقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم\" (7) (محمد-15) .\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) في \"أ\" وردوا.\r(3) أخرجه الطبري: 30 / 161-162.\r(4) أخرجه الطبري: 30 / 162.\r(5) في \"ب\" يشبه.\r(6) عزاه صاحب الدر المنثور: 8 / 492-493 لابن مردويه بسند واه.\r(7) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 492 لابن مرديه.","part":8,"page":408},{"id":3426,"text":"{ لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً (11) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16) أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) }\rقال المفسرون: فلما نزلت هذه الآية قال المشركون: إن إبلنا لتسمن على الضريع، وكذبوا في ذلك، فإن الإبل إنما ترعاه ما دام رطبا، وتسمى \"شبرقًا\" فإذا يبس لا يأكله شيء. فأنزل الله: { لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ }\rثم وصف أهل الجنة فقال: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ } قال مقاتل: في نعمة وكرامة.\r{ لِسَعْيِهَا } في الدنيا { رَاضِيَةٌ } في الآخرة حين أعطيت الجنة بعملها. { فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً } لغو وباطل، قرأ أهل مكة والبصرة: \"لا يُسْمَع\" بالياء وضمها، \"لاغيةٌ\" رفع. وقرأ نافع \"لا تُسمع\" بالتاء وضمها، \"لاغية\" رفع، وقرأ الآخرون بالتاء وفتحها \"لاغية\" [بالنصب] (1) على الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. { فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ } قال ابن عباس: ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت، مرتفعة ما لم يجيء أهلها، فإذا أراد أن يجلس عليها تواضعت له حتى يجلس عليها، ثم ترتفع إلى مواضعها.\r{ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ } عندهم، جمع كوب، وهو الإبريق الذي 191/أ لا عروة له.\r{ وَنَمَارِقُ } وسائد ومرافق { مَصْفُوفَةٌ } بعضها بجنب بعض، واحدتها \"نُمْرُقَة\" بضم النون.\r{ وَزَرَابِيّ } يعني البسط العريضة. قال ابن عباس: هي الطنافس التي لها خمل واحدتها زَرْبِيَّة، { مَبْثُوثَةٌ } مبسوطة، وقيل متفرقة في المجالس.\r{ أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ } قال أهل التفسير: لما نعت الله تعالى في هذه السورة ما في الجنة عجب من ذلك أهل الكفر وكذبوه، فذكرَّهم الله تعالى صنعه فقال: { أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإبِلِ } [من بين سائر الحيوانات] (2) { كَيْفَ خُلِقَتْ } وكانت الإبل من عيش العرب (3)\r__________\r(1) في \"ب\" نصب.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) انظر: الطبري: 30 / 165، الدر المنثور: 8 / 494.","part":8,"page":409},{"id":3427,"text":"لهم فيها منافع كثيرة، فلما صنع لهم ذلك في الدنيا صنع لأهل الجنة فيها ما صنع.\rوتكلمت الحكماء في وجه تخصيص الإبل من بين سائر الحيوانات؛ فقال مقاتل: لأنهم لم يروا بهيمة قط أعظم منها، ولم [يشاهد] (1) الفيل إلا الشاذ منهم.\rوقال الكلبي: لأنها تنهض بحملها وهي باركة.\rوقال قتادة: ذكر الله تعالى ارتفاع سُرُرِ الجنة وفُرُشِها، فقالوا: كيف نصعدها فأنزل الله تعالى هذه الآية.\rوسئل الحسن عن هذه الآية، وقيل له: الفيل أعظم في الأعجوبة؟ فقال: أما الفيل فالعرب بعيدة العهد بها. ثم هو [لا خير فيه] (2) لا يركب ظهرها ولا يؤكل لحمها ولا يحلب درها، والإبل أعز مال للعرب وأنفسها تأكل النوى والقت وتخرج اللبن.\rوقيل: [إنها] (3) مع عظمها تلين للحمل الثقيل وتنقاد للقائد الضعيف، حتى إن الصبي الصغير يأخذ بزمامها فيذهب بها حيث شاء، وكان شريح القاضي يقول: اخرجوا بنا إلى [كناسة اسطبل] (4) حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت (5) .\r{ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) }\r{ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ } عن الأرض حتى لا ينالها شيء بغير عمد.\r{ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ } على وجه الأرض [مرساة] (6) لا تزول.\r{ وَإِلَى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ } [بسطت] (7) قال عطاء عن ابن عباس: هل يقدر أحد أن يخلق مثل الإبل، أو يرفع مثل السماء، أو ينصب مثل الجبال، او يسطح مثل الأرض غيري؟.\r__________\r(1) في \"ب\" يشاهدوا.\r(2) في \"ب\" خنزير لأنه.\r(3) في \"ب\" لأنها.\r(4) في \"ب\" الكناسة.\r(5) أخرجه الطبري: 30 / 165.\r(6) في \"ب\" مرسلة.\r(7) ساقط من \"ب\".","part":8,"page":410},{"id":3428,"text":"{ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأكْبَرَ (24) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) }\r{ فَذَكِّر } [أي: عظ يا محمد] (1) { إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ } بمسلَّط فتقتلهم وتكرههم على الإيمان. نسختها آية القتال (2) .\r{ إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ } استثناء منقطع عما قبله، معناه: لكن من تولى وكفر بعد التذكير.\r{ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأكْبَرَ } وهو أن يدخله النار وإنما قال \"الأكبر\" لأنهم عذبوا في الدنيا بالجوع والقحط والقتل والأسر.\r{ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ } رجوعهم بعد الموت، يقال آب يؤب أَوْبًا وإِيَابًا، وقرأ أبو جعفر: \"إيابهم\" بتشديد الياء، وهو شاذ لم يُجِزْه أحد غير الزجَّاج فإنه قال يقال: أيَبَ إِيَّابَا، على: فعل فيعالا.\r{ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ } يعني جزاءهم بعد المرجع إلى الله عز وجل.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) نقل هذا عن قتادة: الطبري في التفسير: 10 / 135. ثم رد القول بالنسخ بكلام نفيس قال فيه: \"والذي قاله قتادة غير مدفوع إمكانه، غير أن الناسخ الذي لا شك فيه من الأمر، هو ما كان نافيا كل معاني خلافه، الذي كان قبله.\rفأما ما كان غير ناف جميعه، فلا سبيل إلى العلم بأنه ناسخ إلا بخبر من الله جلّ وعزّ، أو من رسوله صلى الله عليه وسلم، وليس في قوله \"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون\" (التوبة) دلالة على الأمر بنفي معاني الصفح والعفو عن اليهود، وإن كان ذلك كذلك - وكان جائزا مع إقرارهم بالصغار وأدائهم الجزية بعد القتال، الأمر بالعفو عنهم في غدرة هموا بها، أو نكثة عزموا عليها، ما لم يصيبوا حربا دون أداء الجزية، ويمتنعوا من الأحكام اللازمة منهم - لم يكن واجبا أن يحكم لقوله \"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ...\" الآية، بأنه ناسخ قوله: \"فاعف عنهم واصفح، إن الله يحب المحسنين\".\rوقال الزركشي، رحمه الله، في كتابه \"البرهان في علوم القرآن\": \"ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف من أنها منسوخة بآية السيف قول ضعيف، فهو من المُنْسأ - بضم الميم - بمعنى: أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما، لعلة توجب ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر، ليس بنسخ، إنما النسخ: الإزالة، حتى لا يجوز امتثاله أبدا.. فليس حكم المسايفة ناسخا لحكم المسالمة، بل كل منهما يجب امتثاله في وقته\". انظر: البرهان للزركشي: 2 / 43-44، علوم القرآن للدكتور عدنان محمد زرزور ص (210-212).","part":8,"page":411},{"id":3429,"text":"سورة الفجر مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) }\r{ وَالْفَجْرِ } أقسم الله عز وجل بالفجر، روى أبو صالح عن ابن عباس قال: هو انفجار الصبح كل يوم وهو قول عكرمة، وقال عطية عنه: صلاة الفجر. وقال قتادة: هو فجر أول يوم من المحرم، تنفجر منه السَّنة. وقال الضحاك: فجر ذي الحجة لأنه [قرنت] (2) به الليالي العشر.\r{ وَلَيَالٍ عَشْرٍ } روي عن ابن عباس: أنها العشر الأوَل من ذي الحجة. وهو قول مجاهد، وقتادة، والضحاك، والسدي، والكلبي.\rوقال أبو روق عن الضحاك: هي العشر [الأواخر] (3) من شهر رمضان.\rوروى أبو ظبيان عن ابن عباس قال: هي العشر [الأوائل] (4) من شهر رمضان.\rوقال يمان بن رباب: هي العشر الأول من المحرم التي عاشِرُها يوم عاشوراء (5) .\r{ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ } قرأ حمزة، والكسائي: \"الوِتْر\" بكسر الواو، وقرأ الآخرون بفتحها،\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس في \"ناسخه\" وابن مردويه والبيهقي من طرق عن ابن عباس قال: نزلت (والفجر) بمكة. انظر: الدر المنثور: 8 / 497.\r(2) في \"ب\" قرن.\r(3) في \"ب\" الأول.\r(4) في \"ب\" الأواخر.\r(5) ساق أبو جعفر بعض هذه الأقوال: 30 / 169 ثم قال مرجحا: \"والصواب من القول في ذلك عندنا: أنها عشر الأضحى لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه، وأن عبد الله بن أبي زياد القطواني حدثني قال: حدثني زيد بن حباب، قال: أخبرن عباس بن عقبة، قال: حدثني جبير بن نعيم، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (والفجر وليال عشر) قال: عشر الأضحى\".","part":8,"page":412},{"id":3430,"text":"واختلفوا في الشفع والوتر. قيل: \"الشفع: الخلق، قال الله تعالى: \"وخلقناكم أزواجًا\" و\"الوَتْر\" هو الله عز وجل. روي ذلك عن [ابن مسعود وعن] (1) أبي سعيد الخدري، وهو قول عطية العوفي.\rوقال مجاهد ومسروق: \"الشفع\" الخلق كله، كما قال الله تعالى: \"ومن كل شيء خلقنا زوجين\" (الذاريات-49) الكفر والإيمان، والهدى والضلالة، والسعادة والشقاوة، والليل والنهار، والسماء والأرض، والبر والبحر، والشمس والقمر، والجن والإنس، والوتر هو الله عز وجل، قال الله تعالى: \"قل هو الله أحد\" (الإخلاص-1) .\rقال الحسن وابن زيد: \"الشفع والوتر\" الخلق كله، منه شفع، ومنه وتر.\rوروى قتادة عن الحسن قال: هو العدد منه شفع ومنه وتر. وقال قتادة: هما الصلوات منها شفع ومنها وتر. وروى ذلك عن عمران بن حصين مرفوعا، وروى عطية عن ابن عباس: الشفع صلاة الغداة، والوتر صلاة المغرب.\rوعن عبد الله بن الزبير قال: \"الشفع\" يوم النفر الأول، و\"الوتر\" يوم النفر الأخير. روي أن رجلا سأله عن الشفع والوتر والليالي العشر؟ فقال: أما الشفع والوتر: فقول الله عز وجل: \"فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه\" (البقرة-203) فهما الشفع والوتر، وأما الليالي العشر: فالثمان وعرفة والنحر.\rوقال مقاتل بن حيان: \"الشفع\" الأيام والليالي، و\"الوتر\" اليوم الذي لا ليلة بعده وهو يوم القيامة.\rوقال الحسين بن الفضل: \"الشفع\" درجات الجنة لأنها ثمان، و\"الوتر\" دركات النار لأنها سبع، كأنه أقسم بالجنة والنار.\rوسئل أبو بكر الوراق عن الشفع والوتر فقال: \"الشفع\" تضاد [أخلاق] (2) المخلوقين من العز والذل، والقدرة والعجز، والقوة والضعف، والعلم والجهل، والبصر والعمى، و\"الوتر\" انفراد صفات الله عِزٌ بلا ذُل، وقدرة بلا عجز، وقوة بلا ضعف، وعلم بلا جهل، وحياة بلا ممات (3) .\r__________\r(1) زيادة من \"أ\".\r(2) في \"ب\" أوصاف.\r(3) ذكر الطبري بعض هذه الأقوال: 30 / 169-172 ثم قال: \"والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أقسم بالشفع والوتر، ولم يخصص نوعا من الشفع ولا من الوتر دون نوع بخبر ولا عقل، وكل شفع ووتر فهو مما أقسم به مما قال أهل التأويل أنه داخل في قسمه هذا لعموم قسمه بذلك\".","part":8,"page":416},{"id":3431,"text":"{ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِي (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) }\r{ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ } أي إذا سار وذهب كما قال تعالى \"والليل إذ أدبر\" (المدثر-33) وقال قتادة: إذا جاء وأقبل، وأراد كل ليلة.\rوقال مجاهد وعكرمة والكلبي: هي ليلة المزدلفة.\rقرأ أهل الحجاز، والبصرة: \"يسري\" بالياء في الوصل، ويقف ابن كثير ويعقوب بالياء أيضًا، والباقون يحذفونها في الحالين، فمن حذف فلِوِفَاق رءوس الآي، ومن أثبت فلأنها لام الفعل، والفعل لا يحذف منه في الوقف، نحو قوله: هو يقضي وأنا أقضي. وسئل الأخفش عن العلة 191/ب في سقوط الياء؟ فقال: الليل لا يسري، ولكن يسرى فيه، فهو مصروف، فلما صرفه بخسه حقه من الإعراب، كقوله: \"وما كانت أمك بغيًا\" ولم يقل: \"بغية\" لأنها صرفت من باغية.\r{ هَلْ فِي ذَلِكَ } أي فيما ذكرت { قَسَم } أي: مقنع ومكتفى في القسم { لِذِي حِجْرٍ } لذي عقل (1) سمي بذلك لأنه يحجر صاحبه عمّا لا يحل ولا ينبغي، [كما يسمى عقلا لأنه يعقله عن القبائح، ونُهى لأنه ينهى عما لا ينبغي] (2) وأصل \"الحَجْر\" المنع: وجواب القسم قوله: \"إن ربك لبالمرصاد\" واعترض بين القسم وجوابه قوله عز وجل: { أَلَمْ تَرَ } قال الفَّراء: ألم تُخْبرَ؟ وقال الزجاج: ألم تعلم؟ ومعناه التعجب. { كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَم } يخوف أهل مكة، يعني: كيف أهلكهم، وهم كانوا أطول أعمارًا وأشد قوة من هؤلاء. واختلفوا في إرم ذات العماد، فقال سعيد بن المسيب: \"إرم ذات العماد\" دمشق، وبه قال عكرمة.\rوقال القرظي هي الإسكندرية، وقال مجاهد: هي أمَّة. وقيل: معناها: القديمة.\rوقال قتادة، ومقاتل: هم قبيلة من عاد قال مقاتل: كان فيهم الملك، وكانوا [بمَهَرَة] (3) وكان عاد أباهم، فنسبهم إليه، وهو إرم بن عاد بن إرم بن سام بن نوح.\r__________\r(1) انظر: تفسير الطبري 30 / 174، شعب الإيمان للبيهقي: 8 / 528.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) مهرة: بالتحريك وقد تسكن الهاء - وهي قبيلة مهرة بن حيدان بن عمرو من قضاعة، وباليمن لهم مخلاف ينسب إليهم. معجم البلدان: 5 / 230.","part":8,"page":417},{"id":3432,"text":"وقال محمد بن إسحاق: هو جد عاد، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح (1) .\rوقال الكلبي: \"إرم\" هو الذي يجتمع إليه نسب عاد وثمود وأهل الجزيرة، كان يقال: عاد إرم، وثمود إرم، فأهلك الله عادًا ثم ثمود، وبقي أهل السواد والجزيرة، وكانوا أهل عُمُدٍ وخيام وماشية سيارة في الربيع، فإذا هاج العود رجعوا إلى منازلهم، وكانوا أهل جنان وزروع، ومنازلهم بوادي القرى، وهي التي يقول الله فيها:\r{ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتَادِ (10) }\r{ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ } وسموا ذات العماد [لهذا] (2) لأنهم كانوا أهل عمد سيارة، وهو قول قتادة ومجاهد والكلبي، ورواية عطاء عن ابن عباس، وقال بعضهم: سموا ذات العماد لطول قامتهم. قال ابن عباس: يعني طولهم مثل العماد. وقال مقاتل: كان طول أحدهم اثني عشر ذراعًا. وقوله { لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ } أي لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول والقوة، وهم الذين قالوا: \"من أشد منا قوة\".\rوقيل: سموا ذات العماد لبناء بناه بعضهم فشيد [عنده] (3) ورفع بناءه، يقال: بناه شداد بن عاد على صفة لم يخلق في الدنيا مثله، وسار إليه في قومه، فلما كان منه على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليه وعلى من معه صيحة من السماء فأهلكتهم جميعا.\r{ وَثَمُودَ } أي: وبثمود، { الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ } قطعوا الحجر، واحدتها: صخرة، { بِالْوَادِ } يعني [وادي القُرى] (4) كانوا يقطعون الجبال فيجعلون فيها بيوتًا. وأثبت ابن كثير ويعقوب الياء في الوادي وصلا ووقفًا على الأصل، وأثبتها ورش وصلا والآخرون بحذفها في الحالين على وفق رءوس الآي.\r{ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتَادِ } سمي بذلك لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد، وقد\r__________\r(1) سيرة ابن هشام: 1 / 8.\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) في \"ب\" عنده.\r(4) وهو واد بين المدينة والشام. معجم البلدان: 5 / 345.","part":8,"page":418},{"id":3433,"text":"ذكرناه في سورة (ص) (1) .\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا ابن فنجويه، حدثنا مخلد بن جعفر، حدثنا الحسين بن علويه، حدثنا إسماعيل بن عيسى، حدثنا إسحاق بن بشر عن ابن سمعان عن عطاء عن ابن عباس: أن فرعون إنما سُمي \"ذي الأوتاد\" لأنه كانت امرأة، وهي امرأة خازن فرعون حزبيل، وكان مؤمنًا كتم إيمانه مائة سنة، وكانت امرأته ماشطة بنت فرعون، فبينما هي ذات يوم تمشط رأس بنت فرعون إذ سقط المشط من يدها، فقالت: تعس مَنْ كفر بالله، فقالت بنت فرعون: وهل لك من إلهٍ غير أبي؟ فقالت: إلهي وإله أبيك وإله السماوات والأرض واحد لا شريك له، فقامت فدخلت على أبيها وهي تبكي، فقال: ما يبكيك؟ قالت: الماشطة امرأة خازنك تزعم أن إلهك وإلهها وإله السماوات والأرض واحد لا شريك له. فأرسل إليها فسألها عن ذلك، فقالت: صدقتْ، فقال لها: ويحك اكفري بإلهك وأقري بأني إلهك، قالت: لا أفعل فمدَّها بين أربعة أوتاد، ثم أرسل عليها الحيات والعقارب، وقال لها: اكفري بإلهك وإلا عذبتك بهذا العذاب شهرين، فقالت له: ولو عذبتني سبعين شهرًا ما كفرت بالله. وكان لها ابنتان فجاء بابنتها الكبرى فذبحها على قرب منها. وقال لها: اكفري بالله وإلا ذبحت الصغرى على قلبك، وكانت رضيعًا، فقالت: لو ذبحت من على وجه الأرض على فيَّ ما كفرت بالله عز وجل، فأتى بابنتها الصغرى فلما أضجعت على صدرها وأرادوا ذبحها جزعت المرأة، فأطلق الله لسان ابنتها فتكلمت، وهي من الأربعة الذين تكلموا أطفالا وقالت: يا أماه لا تجزعي فإن الله قد بنى لك بيتا في الجنة. اصبري فإنك تُفْضِين إلى رحمة الله وكرامته، فذبحت فلم تلبث أن ماتت فأسكنها الله الجنة، قال: وبعث في طلب زوجها حزبيل فلم يقدروا عليه، فقيل لفرعون: إنه قد رئي في موضع كذا وكذا في جبل كذا، فبعث رجلين في طلبه فانتهيا إليه وهو يصلي ويليه صفوف من الوحوش خلفه يصلون، فلما رأيا ذلك انصرفا، فقال حزبيل: اللهم إنك تعلم أني كتمت إيماني مائة سنة، ولم يظهر عليَّ أحد، فأيما هذان الرجلين كتم علي فاهده إلى دينك وأعطه من الدنيا سُؤْله، وأيما هذين الرجلين أظهر عليَّ فعجل عقوبته في الدنيا واجعل مصيره في الآخرة إلى النار، فانصرف الرجلان إلى فرعون فأما أحدهما فاعتبر وآمن، وأما الآخر فأخبر فرعون بالقصة على رءوس الملأ فقال له فرعون: وهل كان معك غيرك؟ قال: نعم فلان، فدعا به فقال: أحق ما يقول هذا؟ قال: لا ما رأيت مما قال شيئا فأعطاه فرعون وأجزل، وأما الآخر فقتله، ثم صلبه.\r__________\r(1) راجع فيما سبق: 7 / 74.","part":8,"page":419},{"id":3434,"text":"قال: وكان فرعون قد تزوج امرأة من نساء بني إسرائيل يقال لها \"آسية بنت مزاحم\" فرأت ما صنع فرعون بالماشطة، فقالت: وكيف يسعني أن أصبر على ما يأتي به فرعون، وأنا مسلمة وهو كافر؟ فبينما هي كذلك تؤامر نفسها إذ دخل عليها فرعون فجلس قريبًا منها، فقالت: يا فرعون أنت شرّ، الخلق وأخبثهم عمدت إلى الماشطة فقتلتها، قال: فلعل بك الجنون الذي كان بها قالت: ما بي من جنون، وإن إلهي وإلهها وإلهك 192/أ وإله السماوات والأرض واحد لا شريك له، فمزق عليها ثيابها وضربها وأرسل إلى أبويها فدعاهما، فقال لهما: ألا تريان أن الجنون الذي كان بالماشطة أصابها؟ قالت: أعوذ بالله من ذلك، إني أشهد أن ربي وربَّك ورب السماوات والأرض واحدٌ لا شريك له، فقال لها أبوها: يا آسية ألست من خير نساء [العماليق] (1) وزوجك إله العماليق؟ قالت أعوذ بالله من ذلك، إن كان ما يقول حقا فقولا له أن يتوجني تاجًا تكون الشمس أمامه والقمر خلفه والكواكب حوله، فقال لهما فرعون: اخرجا عني، فمدَّها بين أربعة أوتاد يعذبها، ففتح الله لها بابا إلى الجنة ليهون عليها ما يصنع بها فرعون، فعند ذلك قالت: \"رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين\"(التحريم-11) فقبض الله روحها وأسكنها الجنة (2) .\r{ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14) }\r{ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ } يعني عادا وثمود وفرعون، عملوا في الأرض بالمعاصي وتجبروا. { فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ } قال قتادة: يعني لونًا من العذاب صبه عليهم، قال أهل المعاني: هذا على الاستعارة، لأن السوط عندهم غاية العذاب، فجرى ذلك لكل نوع من العذاب. وقال الزجاج: جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب.\r{ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ } قال ابن عباس: يعني بحيث يرى ويسمع ويبصر.\rقال الكلبي: عليه طريق العباد لا يفوته أحد. قال مقاتل: ممر الناس عليه، والمرصاد، والمرصد: الطريق.\rوقيل: مرجع الخلق إلى حكمه وأمره وإليه مصيرهم.\rوقال الحسن وعكرمة: يرصد أعمال بني آدم.\r__________\r(1) في \"ب\" العالمين.\r(2) أثر موقوف على ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه إسحاق بن بشر، كذبه ابن أبي شيبة وأبو زرعة. وكأن هذا الأثر متلقى عن أهل الكتاب، والله أعلم.","part":8,"page":420},{"id":3435,"text":"والمعنى: أنه لا يفوته شيء من أعمال العباد، كما لا يفوت من هو بالمرصاد.\rوقال السدي: أرصد الله النار على طريقهم حتى يهلكهم.\r{ فَأَمَّا الإنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي (16) كَلا بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) }\r{ فَأَمَّا الإنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ } امتحنه { رَبُّهُ } بالنعمة { فَأَكْرَمَه } بالمال { وَنَعَّمَه } بما وسع عليه { فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ } بما أعطاني.\r{ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ } بالفقر { فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ } قرأ أبو جعفر وابن عامر \"فقدَّر\" بتشديد الدال، وقرأ الآخرون بالتخفيف، وهما لغتان، أي ضيق عليه رزقه. وقيل: \"قدر\" بمعنى قتر وأعطاه قدر ما يكفيه. { فَيَقُول، رَبِّي أَهَانَنِ } أذلَّني بالفقر. وهذا يعني به الكافر، تكون الكرامة والهوان عنده بكثرة المال والحظ في الدنيا وقلَّتِه. قال الكلبي ومقاتل: نزلت في أمية بن خلف الجمحي الكافر، فردَّ الله على من ظن أن سعة الرزق إكرام وأن الفقر إهانة، فقال { كَلا } لم أَبْتَلِه بالغنى لكرامته، ولم أبتله بالفقر لهوانه، فأخبر أن الإكرام والإهانة لا تدور على المال وسعة الرزق، ولكن الفقر والغنى بتقديره، فيوسع على الكافر لا لكرامته، ويقدر على المؤمن لا لهوانه، إنما يكرم المرء بطاعته ويهينه بمعصيته.\rقرأ أهل الحجاز والبصرة \"أكرمني وأهانني\" بإثبات الياء في الوصل، ويقف ابن كثير ويعقوب بالياء أيضا، والآخرون يحذفونها وصلا ووقفًا.\r{ بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ } قرأ أهل البصرة: \"يكرمون، ويحضون، ويأكلون، ويحبون\" بالياء فيهن، وقرأ الآخرون بالتاء، \"لا تكرمون اليتيم\" لا تحسنون إليه. وقيل: لا تعطونه حقه.\rقال مقاتل: كان قدامة بن مظعون يتيمًا في حجر أمية بن خلف وكان يدفعه عن حقه.\r{ وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ } أي لا تأمرون بإطعامه، وقرأ أبو جعفر وأهل الكوفة: \"تحاضُّون\" بفتح الحاء وألف بعدها، أي لا يحض بعضكم بعضًا عليه (1) .\r__________\r(1) في الأصل اختار المؤلف قراءة (يحضون).","part":8,"page":421},{"id":3436,"text":"{ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20) كَلا إِذَا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) }\r{ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ } أي الميراث { أَكْلا لَمًّا } شديدًا وهو أن يأكل نصيبه ونصيب غيره، وذلك أنهم كانوا لا يورثون النساء ولا الصبيان، ويأكلون نصيبهم.\rقال ابن زيد: الأكل اللَّمُ: الذي يأكل كل شيء يجده، لا يسأل عنه أحلال هو أم حرام؟ ويأكل الذي له ولغيره، يقال: لممت ما على الخِوان إذا أتيت ما عليه فأكلته.\r{ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا } أي كثيرًا، يعني: تحبون جمع المال وتولعون به، يقال: جم الماء في الحوض، إذا كثر واجتمع.\r{ كَلا } ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر. وقال مقاتل: أي لا يفعلون ما أمروا به في اليتيم، وإطعام المسكين، ثم أخبر عن تلهفهم على ما سلف منهم حين لا ينفعهم، فقال عز من قائل: { إِذَا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا } مرة بعد مرة، وكسر كل شيء على ظهرها من جبل وبناء وشجر، فلم يبق على ظهرها شيء.\r{ وَجَاءَ رَبُّكَ } قال الحسن: جاء أمره وقضاؤه (1) وقال الكلبي: ينزل { وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا } قال عطاء: يريد صفوف الملائكة، وأهل كل سماء صف على حدة. قال الضحاك: أهل كل سماء إذا نزلوا يوم القيامة كانوا صفًا مختلطين بالأرض ومن فيها فيكون سبع صفوف (2) .\r{ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ } قال عبد الله بن مسعود، ومقاتل في هذه الآية: [جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يقودونها] (3) لها تغيظ وزفير حتى تنصب على يسار العرش { يَوْمَئِذٍ } يعني يوم يجاء بجهنم { يَتَذَكَّرُ الإنْسَانُ } يتعظ ويتوب الكافر { وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى } قال الزجاج: يظهر التوبة ومن أين له التوبة؟\r__________\r(1) هذا تأويل والصواب حمل الآية على الحقيقة وعلى مراد الله تعالى. راجع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: 5 / 402-409، 16 / 416-420.\r(2) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 511 لابن أبي حاتم.\r(3) العبارة المثبتة من الطبري: 30 / 188 لأن العبارة في المخطوطتين غير مستقيمة وهي: \"تقاد جهنم بسبعين ألف زمام، كل زمام بيد كل زمام سبعين ألف ملك\".","part":8,"page":422},{"id":3437,"text":"{ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) }\r{ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي } أي قدمت الخير والعمل الصالح لحياتي في الآخرة، أي لآخرتي التي لا موت فيها.\r{ فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ } قرأ الكسائي ويعقوب \"لا يُعذَّب\" \"ولا يُوثقَ\" بفتح الذال والثاء على معنى لا يعذب أحدٌ [في الدنيا] (1) كعذاب الله يومئذ، ولا يوثق كوثاقه [أحد] (2) يومئذ.\rوقيل: هو رجل بعينه، وهو أمية بن خلف، يعني لا يعذب كعذاب هذا الكافر أحد، ولا يوثق كوثاقه أحد.\rوقرأ الآخرون بكسر الذال والثاء، أي: لا يعذب أحد في الدنيا كعذاب الله الكافر يومئذ، ولا يوثق كوثاقه أحد، يعني لا يبلغ أحد من الخلق كبلاغ الله في العذاب، والوثاق: هو الإسار في السلاسل والأغلال.\rقوله عز وجل: { يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ } إلى ما وعد الله عز وجل المصدقة بما قال الله. وقال مجاهد: \"المطمئنة\" التي أيقنت أن الله تعالى ربها وصَبرت جأشًا لأمره وطاعته.\rوقال الحسن: المؤمنة الموقنة، وقال عطية: الراضية بقضاء الله تعالى. وقال الكلبي: الآمنة من عذاب الله.\rوقيل: المطمئنة بذكر الله، بيانه: \"قوله \"وتطمئن قلوبهم بذكر الله\".\rواختلفوا في وقت هذه المقالة، فقال قوم: يقال لها ذلك عند الموت فيقال لها: { ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ } 192/ب إلى الله { رَاضِيَة } بالثواب { مَرْضِيَّةً } عنك.\rوقال الحسن: إذا أراد الله قبضها اطمأنت إلى الله ورضيت عن الله ورضي الله عنها.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ساقط من \"ب\".","part":8,"page":423},{"id":3438,"text":"قال عبد الله بن عمرو: (1) إذا توفي العبد المؤمن أرسل الله عز وجل ملكين إليه وأرسل إليه بتحفة من الجنة، فيقال لها: اخرجي يا أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى رَوْح وريحان وربك عنك راض، فتخرج كأطيب ريح مسك وجده أحد في أنفه، والملائكة على أرجاء السماء يقولون: قد جاء من الأرض روح طيبة ونسمة طيبة. فلا تمر بباب إلا فتح لها ولا بِمَلَك إلا صلَّى عليها، حتى يؤتى بها الرحمن فتسجد، ثم يقال لميكائيل: اذهب بهذه فاجعلها مع أنفس المؤمنين، ثم يؤمر فيوسع عليه قبره، سبعون ذراعًا عرضه، وسبعون ذراعًا طوله، وينبذ له فيه الريحان فإن كان معه شيء من القرآن كفاه نوره.\rوإن لم يكن جعل له نوره مثل الشمس في قبره، ويكون مثله مثل العروس، ينام فلا يوقظه إلا أحب أهله إليه. وإذا توفي الكافر أرسل الله إليه ملكين وأرسل قطعة من بجاد أنتن من كل نتن وأخشن من كل خشن، فيقال: يا أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى جهنم وعذاب أليم وربك عليك غضبان (2) .\rوقال أبو صالح في قوله: \"ارجعي إلى ربك راضية مرضية\" قال: هذا عند خروجها من الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قيل: \"ادخلي في عبادي وادخلي جنتي\" .\rوقال آخرون: إنما يقال لها ذلك عند البعث يقال: ارجعي [إلى ربك] (3) أي إلى صاحبك وجسدك، فيأمر الله الأرواح أن ترجع إلى الأجساد، وهذا قول عكرمة، وعطاء، والضحاك، ورواية العوفي عن ابن عباس.\rوقال الحسن: معناه: ارجعي إلى ثواب ربك وكرامته، راضيةً عن الله بما أعد لك، مرضيةً، رضي عنك ربك.\r{ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) }\r{ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي } أي مع عبادي في جنتي. وقيل: في جملة عبادي الصالحين المطيعين المصطفين، نظيره: \"وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين\".\r__________\r(1) في \"أ\" عمر. وهو خطأ.\r(2) قطعة من موقوف عبد الله بن عمرو بن العاص، أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\": 3 / 564-566، وهناد في \"الزهد\" 1 / 252-253، قال الهيثمي: 2 / 328 \"رواه الطبراني في \"الكبير\" ورجاله ثقات\" وعزاه السيوطي لهناد وعبد بن حميد في \"التفسير\" والطبراني في \"الكبير\" بسند رجاله ثقات. انظر: شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور ص(88) وفيه عبد الرحمن بن البيلماني وهو ضعيف، له ترجمة في \"الميزان\" و\"التهذيب\".\r(3) ساقط من \"أ\".","part":8,"page":424},{"id":3439,"text":"{ وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) }\r{ وَادْخُلِي جَنَّتِي } وقال بعض أهل الإشارة: يا أيتها النفس المطمئنة إلى الدنيا ارجعي إلى الله بتركها، والرجوع إلى الله هو سلوك سبيل الآخرة.\rوقال سعيد بن جبير: مات ابن عباس رضي الله عنهما بالطائف فشهدت جنازته، فجاء طائر لم [نر] (1) على صورة خلقه فدخل نعشه، ثم لم [نر] (2) خارجًا منه، فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر، ولم ندر من قرأها: \"يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي\" (3) .\r__________\r(1) في \"ب\" لم ير.\r(2) في \"ب\" لم ير.\r(3) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 515 لابن أبي حاتم والطبراني.","part":8,"page":425},{"id":3440,"text":"سورة البلد مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) }\r{ لا أُقْسِمُ } يعني، أقسمُ { بِهَذَا الْبَلَدِ } يعني مكة { وَأَنْتَ حِلٌّ } أي حلال، { بِهَذَا الْبَلَدِ } تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر ليس عليك ما على الناس فيه من الإثم. أحل الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح، حتى قاتل وَقَتل وأمر بقتل ابن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة (2) ، ومِقْيَس بن صُبَابة وغيرهما (3) ، فأحل دماء قوم وحرم دماء قوم فقال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن (4) ، ثم قال: إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، ولم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة (5) .\rوالمعنى: أن الله تعالى لما أقسم بمكة دلَّ ذلك على عظيم قدرها مع حرمتها، فوعد نبيه صلى الله عليه وسلم أنه يحلها له حتى يقاتل فيها، وأن يفتحها على يده، فهذا وعد من الله عز وجل بأن يحلها له.\rقال شرحبيل بن سعد: ومعنى قوله: \"وأنت حل بهذا البلد\" قال: يحرمون أن يقتلوا بها صيدًا ويستحلون إخراجك وقتلك؟\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: نزلت سورة (لا أقسم بهذا البلد) بمكة. انظر: الدر المنثور: 8 / 516.\r(2) أخرجه البخاري في الحج، باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام: 4 / 58 وفي الجهاد، باب قتل الأسير وقتل الصبر، ومسلم في الحج: باب جواز دخول مكة بغير إحرام برقم (1357): 2 / 989 - 990.\r(3) عزاه ابن حجر في الكافي الشاف ص 184 لأبي داود والنسائي . وانظر سيرة ابن هشام: 4 / 52.\r(4) انظر : سيرة ابن هشام : 4 / 46.\r(5) قطعة من حديث أخرجه البخاري في الحج، باب فضل الحرم: 3 / 449، ومسلم في الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها . . برقم (1353): 2 / 986 .","part":8,"page":426},{"id":3441,"text":"{ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا (6) }\r{ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ } يعني آدم عليه السلام وذريته. { لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ } روى الوالِبِيُّ عن ابن عباس: في نَصَب. قال الحسن: يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة. وقال قتادة: في مشقة فلا تلقاه إلا يكابد أمر الدنيا والآخرة.\rوقال سعيد بن جبير: [في شدة. وقال عطاء عن ابن عباس]: (1) في شدة خلق حمله وولادته ورضاعه، وفطامه وفصاله ومعاشه وحياته وموته.\rوقال عمرو بن دينار: عند نبات أسنانه. قال يمان: لم يخلق الله خلقًا يكابد ما يكابد ابن آدم، وهو مع ذلك أضعف الخلق. وأصل الكَبَد: الشدة.\rوقال مجاهد، وعكرمة، وعطية، والضحاك: يعني منتصبًا معتدل القامة، وكل شيء خلق فإنه يمشي مكبًا، وهي رواية مقسم عن ابن عباس، [وأصل] (2) والكبد: الاستواء والاستقامة.\rوقال ابن كيسان: منتصبًا رأسه في بطن أمه فإذا أذن الله له في خروجه انقلب رأسه إلى رجلي أمه.\rوقال مقاتل: \"في كبد\" أي في قوة.\rنزلت في أبي الأشدين واسمه أسيد بن كلدة الجمحي وكان شديدا قويا يضع الأديم العكاظي تحت قدميه فيقول: من أزالني عنه فله كذا وكذا، فلا يطاق أن ينزع من تحت قدميه إلا قطعًا ويبقى موضع قدميه. { أَيَحْسَب } يعني أبا الأشدين من قوته، { أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ } أي: يظن من شدته أن لن يقدر عليه الله تعالى. وقيل: هو الوليد بن المغيرة. { يَقُولُ أَهْلَكْتُ } يعني أنفقت ، { مَالا لُبَدًا } أي كثيرًا بعضه على بعض، من التلبيد، في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم، قرأ أبو جعفر لُبَّدا بتشديد الباء على جمع لا بد، مثل راكع وركع، وقرأ الآخرون بالتخفيف على جمع \"لِبْدة\"، وقيل على الواحد مثل قُثَم وحُطَم.\r__________\r(1) ما بين القوسين من \"أ\".\r(2) ساقط من \"ب\".","part":8,"page":430},{"id":3442,"text":"{ أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) }\r{ أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ } قال سعيد بن جبير [وقتادة: أيظن] (1) أن الله لم يره، ولا يسأله عن ماله من أين اكتسبه، وأين أنفقه؟\rوقال الكلبي: إنه كان كاذبا في قوله أنفقت كذا وكذا، ولم يكن أنفق جميع ما قال، يقول أيظن أن الله عز وجل لم يَرَ ذلك منه فيعلم مقدار نفقته، ثم ذكرَّه نعمه ليعتبر، فقال: { أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ } قال قتادة: نِعَمُ الله متظاهرة يقررك بها كيما تشكر، وجاء في الحديث: أن الله عز وجل يقول: ابن آدم إن نازعك لسانك فيما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق، وإن نازعك بصرك إلى بعض ما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين، فأطبق، وإن نازعك فرجك إلى ما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق (2) . { وَهَدَيْنَاهُ 193/أ النَّجْدَيْنِ } قال أكثر المفسرين: طريق الخير والشر، والحق والباطل، والهدى والضلالة، كقوله: \"إنا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورًا\" وقال محمد بن كعب عن ابن عباس: \"وهديناه النجدين\" قال: الثديين، وهو قول سعيد بن المسيب والضحاك، والنجد: طريق في ارتفاع. { فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ } يقول: فهلا أنفق ماله فيما يجوز به من فك الرقاب وإطعام السَّغْبَان، فيكون خيرًا له من إنفاقه على عداوة محمد صلى الله عليه وسلم، هذا قول ابن زيد وجماعة.\rوقيل: \"فلا اقتحم العقبة\" أي لم يقتحمها ولا جاوزها. والاقتحام: الدخول في الأمر الشديد، وذكْرُ العقبة هاهنا مَثَلٌ ضربه الله لمجاهدة النفس والهوى والشيطان في أعمال البر، فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة، يقول: لم يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة ولا طعام، وهذا معنى قول قتادة.\rوقيل: إنه شبَّه ثقل الذنوب على مرتكبها بعقبة، فإذا أعتق رقبة وأطعم كان كمن اقتحم العقبة وجاوزها.\rوروي عن ابن عمر: أن هذه العقبة جبل في جهنم (3) .\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) انظر: ابن كثير : 4 / 513، الدر المنثور: 8 / 521.\r(3) أخرجه الطبري: 30 / 201 . وزاد السيوطي في الدر المنثور: 8 / 522 عزوه لابن أبي شيبة وابن أبي حاتم.","part":8,"page":431},{"id":3443,"text":"وقال الحسن وقتادة: عقبة شديدة في النار دون الجسر، فاقتحموها بطاعة الله تعالى (1) .\rوقال مجاهد، والضحاك، والكلبي: هي صراط يضرب على جهنم كحدِّ السيف، مسيرة ثلاثة آلاف سنة سهلا وصعودًا وهبوطًا، وإن بجنبتيه كلاليب وخطاطيف كأنها شوك السعدان، فناج مسلم، وناج مخدوش، ومكردس في النار منكوس، فمن الناس من يمر كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كالريح العاصف، ومنهم من يمر كالفارس، ومنهم من يمر عليه كالرجل يعدو، ومنهم من يمر كالرجل يسير، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم الزالُّون، ومنهم من يكردس في النار.\rقال ابن زيد: يقول فهلا سلك الطريق التي فيها النجاة.\r{ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) }\rثم بَيَّن ما هي فقال: { وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ } ما اقتحام العقبة. قال سفيان بن عيينة: كل شيء قال: \"وما أدراك\" فإنه أخبر به، وما قال: \"وما يدريك\" فإنه لم يخبر به. { فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ } قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي: \"فكَّ\" بفتح الكاف، \"رَقَبةً\" نصب، \"أو أطْعَمَ\" بفتح الهمزة والميم على الماضي. وقرأ الآخرون \"فكُّ\" برفع الكاف، \"رقبة\" جرًا، \"أو إطعام\" [بكسر الهمزة، فألف بعد العين، ورفع الميم منونة] (2) على المصدر .\rوأراد بفك الرقبة إعتاقها وإطلاقها، ومن أعتق رقبة كانت فداءه من النار.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان، حدثنا أبو جعفر بن محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث بن سعد، حدثني ابن الهادِ، عن عمر بن علي بن حسين، عن سعيد بن مرجانة قال: سمعته يحدث عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النار، حتى يعتق فرجه بفرجه\" (3) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، أخبرنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا محمد بن كثير العبدي، حدثنا عيسى بن عبد الرحمن السُّلمي، عن طلحة\r__________\r(1) أخرجه الطبري : 30 / 202 . وانظر : الدر المنثور : 8 / 523 .\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) أخرجه البخاري في الأيمان والنذور، باب قول الله تعالى: (أو تحرير رقبة) 11 / 599، ومسلم في العتق، باب فضل العتق برقم: (1509): 2 / 1148، والمصنف في شرح السنة: 9 / 351 - 352.","part":8,"page":432},{"id":3444,"text":"بن مصَرِّف اليامي، عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله علِّمني عملا يدخلني الجنة، قال: \"لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة، أعتِق النسمَة وفكَّ الرقبة\"، قال: قلت: أَوَلَيْسَا واحدًا؟ قال: \" لا عتق النسمة: أن تنفرد بعتقها، وفكُّ الرقبة: أن تعين في ثمنها، والمِنْحَة الوَكُوفُ (1) وأنفق (2) على ذي الرحم الظالم، فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع واسق الظمآن، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك فكفَّ لسلانك إلا من خير\" (3) .\rوقال عكرمة قوله: \"فكُّ رقبةٍ\"، يعني فك رقبة من الذنوب بالتوبة \"أو إطعامٌ في يوم ذي مسغبة\" ، مجاعة، يقال: سَغَب يَسْغُب سَغْبًا (4) إذا جاع.\r{ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (19) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (20) }\r{ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ } أي ذا قرابة، يريد يتيمًا بينك وبينه قرابة. { أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ } قد لصق بالتراب من فقره وضره. وقال مجاهد عن ابن عباس: هو المطروح في التراب لا يقيه شيء. و\"المتربة\" مصدر تَرِبَ يَتْرَبُ تَرَبًا وَمَتْرَبَةُ إذا افتقر. { ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا } بين أن هذا القُرَب إنما تنفع مع الإيمان. وقيل: \"ثم\" بمعنى الواو، { وَتَوَاصَوْا } أوصى بعضهم بعضًا، { بِالصَّبْر } على فرائض الله وأوامره، { وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ } برحمة الناس. { أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِآَيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ المَشْئَمَةِ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ } مطبقة عليهم أبوابها، لا يدخل فيها رَوْح ولا يخرج منها غم.\r__________\r(1) أي غزيرة اللبن.\r(2) في \"ب\" والفيء.\r(3) أخرجه البيهقي في السنن: 10 / 273، والإمام أحمد: 4 / 299، وصححه الحاكم على شرط الشيخين: 2 / 217 ووافقه الذهبي وابن حبان صفحة: (294) من موارد الظمآن، والمصنف في شرح السنة: 9 / 354. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 4 / 240: \"رواه أحمد ورجاله ثقات\".\r(4) ويقال أيضا: سَغِبَ يَسْغَبُ سَغَبًا.","part":8,"page":433},{"id":3445,"text":"قرأ أبو عمرو، وحمزة، وحفص: بالهمزة هاهنا، وفي الهُمَزَة، وقرأ الآخرون بلا همز، وهما لغتان، يقال: آصدت الباب وأوصدته، إذا أغلقته وأطبقته، وقيل: معنى الهمز المطبقة وغير الهمز المغلقة (1) .\r__________\r(1) قال الإمام أبو زرعة ابن زنجلة في كتابه \"حجة القراءات\" صفحة (766) \"فمن همزه جعله (مُفْعُلَة) من (آصدت الباب) أي: أطبقته، مثل آمنت. فاء الفعل همزة، تقول: آصد يُوصِد إيصادا. ومن ترك الهمز جعله من (أوصد يوصد إيصادا) فاء الفعل واو. قال الكسائي أوصدت الباب وآصدته إذا رددته\".","part":8,"page":434},{"id":3446,"text":"سورة الشمس مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالأرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) }\r{ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا } قال مجاهد والكلبي: ضوءها، والضحى: حين تطلع الشمس، فيصفو ضوءها، قال قتادة: هو النهار كله. وقال مقاتل: حرُّها، كقوله في طه \"ولا تضحى\"، يعني لا يؤذيك الحر. { وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا } تبعها، وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة وخلفها في النور. وقال الزجَّاج: وذلك حين استدار، يعني كمل ضوءه تابعًا للشمس في الإنارة وذلك في الليالي البيض. { وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاهَا } يعني إذا جلَّى الظلمة، كناية عن غير مذكور لكونه معروفًا. { وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا } يعني يغشى الشمس حين تغيب فتظلم الآفاق. { وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا } قال [الكلبي] (2) . : ومن بناها، وخلقها كقوله: \"فانكحوا ما طاب لكم من النساء\". (النساء -3) أي من طاب.\rقال عطاء: والذي بناها. وقال الفَّراء والزجَّاج: \"ما\" بمعنى المصدر، أي وبنائها كقوله: \"بما غفر لي ربي\" (يس -27) . { وَالأرْضِ وَمَا طَحَاهَا } بسطها.\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة (والشمس وضحاها) بمكة. انظر: الدر المنثور: 8 / 8 / 527.\r(2) ساقط من \"أ\".","part":8,"page":435},{"id":3447,"text":"{ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) }\r{ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا } عدَّل خلقها وسوَّى أعضاءها. قال عطاء: يريد جميع ما خلق من الجن والإنس. { فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } قال ابن عباس في رواية على بن أبي طلحة: 193/ب بيَّن لها الخير والشر. وقال في رواية عطية: علَّمها الطاعة والمعصية، وروى الكلبي عن أبي صالح عنه: عرفها ما تأتي من الخير وما تتقي [من الشر] (1) .\rوقال سعيد بن جبير: ألزمها فجورها وتقواها. قال ابن زيد: جعل فيها ذلك، يعني بتوفيقه إياها للتقوى، وخذلانه إياها للفجور. واختار الزجَّاج هذا، وحمل الإلهام على التوفيق والخذلان، وهذا يبين أن الله عز وجل خلق في المؤمن التقوى وفي الكافر الفجور.\rأخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أنا [أحمد بن] (2) محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرني الحسين بن محمد بن الحسين بن عبد الله، حدثنا موسى بن محمد بن علي بن عبد الله أخبرنا عبد الله بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن إبراهيم، أخبرنا عروة بن ثابت الأنصاري، حدثنا يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن الأسود الديلي قال: قال لي عمران بن حصين: أَرَأَيْتَ ما يعمل الناس [ويتكادحون] (3) فيه أشيءٌ قُضِيَ عليهم ومضى فيهم من قَدَرٍ سبق؟ أو فيما يُسْتَقْبَلُونَ به مما آتاهم به نبيهم وأُكِّدَت عليهم الحجة؟ قلت: بل شيء قد قُضِيَ عليهم، قال: فهل يكون ذلك ظلمًا؟ قال: ففزعت منه فزعًا شديدًا، وقلت: إنه ليس شيء إلا وهو خَلْقُه ومِلْك، يدِه لا يُسْأَل عما يفعل وهم يُسْأَلون، فقال لي: سدَّدك الله، إنما سألتك لأختبر عقلك [إن رجلا من جهينة أو مزينة] (4) أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس ويتكادحون فيه أشيءٌ قضي عليهم ومضى فيهم من قدر سبق؟ أو فيما يُسْتَقْبَلُونَ به مما أتاهم نبيهم وأُكِّدت به عليهم الحجة؟ فقال: \"لا بل شيء قد قضي عليهم ومضى فيهم\"، قال قلت: ففيم العمل إذًا؟ قال: \"من كان الله خلقه لإحدى المنزلتين يهيئه الله لها، وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: \"ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها\" (5)\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) ساقط من \"أ\" .\r(3) من \"ب\" ويكدحون.\r(4) في صحيح مسلم: إن رجلين من مزينة.\r(5) أخرجه مسلم في القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه، وكتابة رزقه وأجله وعمله، وشقاوته وسعاته برقم (2650) 2 / 2040 - 2041.","part":8,"page":438},{"id":3448,"text":"أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، حدثنا علي بن الجعد، حدثنا زهير بن معاوية عن أبي الزبير، عن جابر قال: جاء سُراقة بن مالك بن جُعْشُم فقال: يا رسول الله بيّن لنا ديننا كأنا خُلقنا الآن، أرأيتَ عمرتنا هذه ألعامنا هذا أم للأبد؟ قال: بل للأبد، قال: يا رسول الله بين لنا ديننا كأننا خلقنا الآن فيمَ العمل، اليومَ، فيما جفَّتْ به الأقلام وجرت به المقادير؟ أو فيما يستقبل ؟ قال: \"لا بل فيما جفَّت به الأقلام وجرت به المقادير\" ، قال: ففيمَ العمل؟ فقال زهير: فقال كلمة خفيت عليَّ، فسألت عنها نسبتي بعد، فذكر أنه سمعها، فقال: \"اعملوا فإن كُلا ميسرٌ لما خُلِقَ له\" (1) .\r{ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) }\r{ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا } وهذا موضع القسم، أي فازت وسعدت نفسٌ زكاها الله، أي أصلحها وطهرها من الذنوب ووفقها للطاعة. { وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا } أي خابت وخسرت نفس أضلها الله فأفسدها.\rوقال الحسن: معناه قد أفلح من زكى نفسه فأصلحها وحملها على طاعة الله عز وجل، \"وقد خاب من دساها\" أهلكها وأضلها وحملها على المعصية، فجعل الفعل للنفس .\rو\"دساها\" أصله: دسسها من التدسيس، وهو إخفاء الشيء، فأبدلت السين الثانية ياء.\rوالمعنى هاهنا: أخملها وأخفى محلها بالكفر والمعصية.\rأخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، أخبرنا أبو محمد محمد بن علي بن محمد بن شريك الشافعي، أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم أبو بكر الجوربذي، حدثنا أحمد بن حرب، حدثنا أبو معاوية عن عاصم، عن أبي عثمان وعبد الله بن الحارث، عن زيد بن أرقم قال: لا أقول لكم إلا ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا: \"اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والبخل والجبن والهمِّ وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها وزكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن نفس لا تشبع، ومن قلب لا يخشع، ومن دعوة لا يستجاب لها\" (2) . قوله عز وجل { كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا } بطغيانها وعدوانها، أي الطغيان حملهم على التكذيب.\r__________\r(1) أخرجه مسلم في القدر باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه . . برقم (2648): 4 / 2040 - 2041.\r(2) أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التعوذ من شر ما عمل، ومن شر ما لم يعمل برقم: (2722): 4 / 2088، والمصنف في شرح السنة: 5 / 158 - 159.","part":8,"page":439},{"id":3449,"text":"{ إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا (15) }\r{ إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا } أي قام، والإنبعاث: هو الإسراع في الطاعة للباعث، أي: كذبوا بالعذاب، وكذبوا صالحًا لما انبعث أشقاها وهو: قُدَار، بن سالف، وكان أشقر أزرق [العينين] (1) قصيرًا قام لعقر الناقة.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل [أخبرنا موسى بن إسماعيل] (2) ، حدثنا وهيب، حدثنا هشام عن أبيه أنه أخبره عبد الله بن زمعة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب وذكر الناقة والذي عقرها فقال [رسول الله صلى الله عليه وسلم]: (3) \"إذ انبعث أشقاها\"، انبعث لها رجل عزيز [عارم] (4) منيع في أهله مثل أبي زَمَعَة\" (5) . { فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ } صالح عليه السلام، { نَاقَةُ اللَّهِ } أي احذروا عقر ناقة الله. وقال الزجاج: منصوب على معنى: ذروا ناقة الله، { وَسُقْيَاهَا } شربها، أي: ذروا ناقة الله وذروا شربها من الماء، [فلا تعرضوا] (6) للماء يوم شربها. { فَكَذَّبُوه } يعني صالحًا، { فَعَقَرُوهَا } يعني الناقة.\r{ فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ } قال عطاء ومقاتل: فدمر عليهم ربهم فأهلكهم. قال المُؤرِّج: الدمدمة إهلاك باستئصال. { بِذَنْبِهِمْ } بتكذيبهم الرسول وعقرهم الناقة، { فَسَوَّاهَا } فسوَّى الدمدمة عليهم جميعًا، وعمهم بها فلم يَفْلِتَ منهم أحد. وقال الفرَّاء: سوَّى الأمة وأنزل العذاب بصغيرها وكبيرها، يعني سوَّى بينهم. { وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا } قرأ أهل المدينة والشام: \"فلا\" بالفاء وكذلك هو في مصاحفهم، وقرأ الباقون بالواو، وهكذا في مصاحفهم { عقباها } عاقبتها.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\" .\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) هو الشرير المفسد الخبيث، وقيل: القوي الشرس.\r(5) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة الشمس -: 8 / 705، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها برقم: (2855): 4 / 2191.\r(6) في \"ب\" فلا تعترضوا.","part":8,"page":440},{"id":3450,"text":"قال الحسن : معناه : لا يخاف الله من أحد تبعةً في إهلاكهم. وهي رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\rوقال الضحاك، والسدي، والكلبي: هو راجع إلى العاقر، وفي الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: إذ انبعث أشقاها ولا يخاف عقباها.","part":8,"page":441},{"id":3451,"text":"سورة الليل مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) }\r{ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى } أي يغشى النهار بظلمة فيذهب بضوئه. { وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى } بان وظهر من بين الظلمة. { وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأنْثَى } يعني: ومن خلق، قيل هي \"ما\" المصدرية 194/أ أي: وخلق الذكر والأنثى، قال مقاتل والكلبي: يعني آدم وحواء. وفي قراءة ابن مسعود، وأبي الدرداء: والذكر والأنثى. جواب القسم قوله: { إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى } إن أعمالكم لمختلفة، فساعٍ في فكاك نفسه، وساعٍ في عطبها.\rروى أبو مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"كلّ، الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقُها أو مُوِبقُها\" (2) . { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى } ماله في سبيل الله، { وَاتَّقَى } ربه. { وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى } قال أبو عبد الرحمن السلمي والضحاك: وصدق بلا إله إلا الله، وهي رواية عطية عن ابن عباس.\rوقال مجاهد: بالجنة دليله: قوله تعالى \"للذين أحسنوا الحسنى\" يعني الجنة.\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: نزلت سورة (والليل إذا يغشى) بمكة. انظر: الدر المنثور: 8 / 532.\r(2) أخرجه مسلم في الطهارة، باب فضل الوضوء برقم: (223): 1 / 203.","part":8,"page":442},{"id":3452,"text":"وقيل: \"صدق بالحسنى\": أي بالخلف، أي أيقن أن الله تعالى سيخلفه. وهي رواية عكرمة عن ابن عباس.\rوقال قتادة ومقاتل والكلبي: بموعود الله عز وجل الذي وعده أن يثيبه .\r{ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) }\r{ فَسَنُيَسِّرُه } فسنهيئه في الدنيا، { لِلْيُسْرَى } أي للخَلَّة اليسرى، وهي العمل بما يرضاه الله عز وجل. { وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ } بالنفقة في الخير، { وَاسْتَغْنَى } عن ثواب الله فلم يرغب فيه { وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى } سنهيئه للشر بأن نجريه على يديه حتى يعمل بما لا يرضي الله، فيستوجب به النار. قال مقاتل: نعسر عليه أن يأتي خيرًا.\rوروينا عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"ما من نفس منفوسة إلا [كتب الله] (1) مكانها من الجنة أو النار\" فقال رجل: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: \"لا ولكن اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل الشقاء فييسرون لعمل أهل الشقاء، وأما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة\"، ثم تلا \"فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى\" (2) .\rقيل: نزلت في أبي بكر الصديق اشترى بلالا من أمية بن خلف ببردة وعشرة أواق، فأعتقه فأنزل الله تعالى: \"والليل إذا يغشى\" إلى قوله: \"إن سعيكم لشتى\" يعني: سعي أبي بكر وأمية (3) .\rوروى علي بن حجر عن إسحاق عن أبي نجيح عن عطاء، قال: كان لرجل من الأنصار نخلة وكان له جار يسقط من بلحها في دار جاره، وكان صبيانه يتناولون منه، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: \"بعنيها بنخلة في الجنة\" فأبى، فخرج فلقيه أبو الدحداح، فقال له: هل لك أن تبيعها بحَشِ [البستان] (4) ، يعني حائطا له، فقال له: هي لك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أتشتريها مني بنخلة في الجنة؟ قال: \"نعم\" قال: هي لك، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم جار الأنصاري\r__________\r(1) في \"ب\" قد كتب.\r(2) قطعة من حديث أخرجه البخاري في الجنائز، باب موعظة المحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله : 3 / 225 وفي التفسير، وفي الأدب، وفي القدر وفي التوحيد، ومسلم في أول القدر برقم: (2647) 4 / 2039، والمصنف في شرح السنة: 1 / 131 - 132.\r(3) انظر : الواحدي في أسباب النزول ص (524).\r(4) ساقط من \"أ\".","part":8,"page":446},{"id":3453,"text":"فقال: \"خذها\". فأنزل الله تعالى: \"والليل إذا يغشى\" إلى قوله: \"إن سعيكم لشتى\" (1) [ سعي أبي] (2) الدحداح والأنصاري صاحب النخلة .\r{ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى } [ يعني أبا] (3) الدحداح، { وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى } [الثواب] (4) { فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى } يعني الجنة، { وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى } يعني الأنصاري ، { وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى } يعني الثواب، { فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى } يعني النار .\r{ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12) وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأولَى (13) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) }\r__________\r(1) انظر : ابن كثير : 4 / 520 - 521، الواحدي في أسباب النزول ص 523، والدر المنثور: 8 / 532 - 533.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) زيادة من \"أ\" .\r(4) زيادة من \"أ\" .","part":8,"page":447},{"id":3454,"text":"{ لا يَصْلاهَا إِلا الأشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى (17) }\r{ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ } الذي بخل به، { إِذَا تَرَدَّى } قال مجاهد: إذا مات. وقال قتادة وأبو صالح: هوى في جهنم. { إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى } يعني البيان. قال الزجَّاج: علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال، وهو قول قتادة، قال: على الله بيان حلاله وحرامه.\rقال الفراء: يعني من سلك الهدى فعلى الله سبيله (1) كقوله تعالى: \"وعلى الله قصد السبيل\" (النحل -9) يقول: من أراد الله فهو على السبيل القاصد.\rوقيل معناه: إن علينا للهدى والإضلال كقوله: \"بيدك الخير\" (آل عمران -26) [فاقتصر على الهدى لدلالة الكلام عليه كقوله: \"سرابيل تقيكم الحر\"(النحل -81) فاقتصر على ذكر الحر ولم يذكر البرد لأنه يدل عليه] (2) . { وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأولَى } فمن طلبهما من غير مالكهما فقد أخطأ الطريق. { فَأَنْذَرْتُكُم } يا أهل مكة، { نَارًا تَلَظَّى لا يَصْلاهَا إِلا الأشْقَى } أي: تتلظى، يعني تتوقد وتتوهج. { الَّذِي كَذَّبَ } الرسول، { وَتَوَلَّى } عن الإيمان. { وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى } يريد بالأشقى الشقي، وبالأتقى التقي.\r__________\r(1) انظر : معاني القرآن للفراء: 3 / 271.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":8,"page":447},{"id":3455,"text":"{ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) }\r{ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ } يعطي مالهُ { يَتَزَكَّى } يطلب أن يكون عند الله زاكيًا لا رياء ولا سمعة، يعني أبا بكر الصديق، في قول الجميع.\rقال ابن الزبير: كان أبو بكر يبتاع الضعفة فيعتقهم، فقال أبوه: أيْ بنيَّ لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك؟ قال: مَنْعَ ظهري أريد، فنزل: \"وسيجنبها الأتقى\"، إلى آخر السورة (1) .\rوذكر محمد بن إسحاق قال: كان بلال لبعض بني جمح وهو بلال بن رباح واسم أمه حمامة، وكان صادق الإسلام طاهر القلب، وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على ظهره ببطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد، فيقول وهو في ذلك البلاء: أحد أحد.\rوقال محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه قال: مرّ به أبو بكر يومًا وهم يصنعون به ذلك، وكانت دار أبي بكر في بني جمح، فقال لأمية ألا تتقي الله تعالى في هذا المسكين؟ قال: أنت أفسدته فأنقذه مما ترى، قال أبو بكر: أفعل! عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى، على دينك، أعطيك؟ قال: قد فعلت فأعطاه أبو بكر غلامه وأخذه فأعتقه، ثم أعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر ستَّ [رقاب] (2) ، بلال سابعهم، عامر بن فهيرة شهد بدرًا وأحدًا، وقتل يوم بئر معونة شهيدًا، وأم عميس، وزِنيِّرة فأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى [فقالت: كذبوا وبيت الله ما تضر اللات والعزى] (3) ، وما تنفعان فرد الله إليها بصرها، وأعتق النهدية وابنتها، وكانتا لامرأة من بني عبد الدار فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما تحطبان (4) لها وهي تقول والله لا أعتقكما أبدًا. فقال أبو بكر: خلا يا أم فلان، فقالت: خلا أنت أفسدتهما فأعتقهما، قال [أبو بكر رضي الله عنه] (5) فبكم؟ قالت: بكذا وكذا، قال: قد أخذتهما وهما حرتان، ومر بجارية بني المؤمل وهي تعذب فابتاعها فأعتقها (6) .\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 30 / 221. وزاد صاحب الدر المنثور: 8 / 535 عزوه لابن عساكر. وذكره الواحدي في أسباب النزول صفحة : (526).\r(2) في \"ب\" رقبات.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(4) في \"ب\" تطحنان.\r(5) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(6) سيرة ابن هشام: 1 / 339 - 340.","part":8,"page":448},{"id":3456,"text":"وقال سعيد بن المسيب: بلغني أن أمية بن خلف قال لأبي بكر في بلال حين قال: أتبيعه؟ قال: نعم أبيعه بنسطاس عبدٍ لأبي بكر ، صاحب عشرة آلاف دينار، وغلمان وجوار ومواش، وكان مشركًا حمله أبو بكر على الإسلام على أن يكون ماله له ، فأبى فأبغضه أبو بكر، فلما قال له 194/ب أمية أبيعه بغلامك نسطاس اغتنمه وباعه منه، فقال المشركون: ما فعل ذلك أبو بكر ببلال إلا ليدٍ كانت لبلال عنده فأنزل الله:\r{ وَمَا لأحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21) }\r{ وَمَا لأحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى } (1) أي يجازيه ويكافئه عليها . { إِلا } لكن { ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى } يعني: لا يفعل ذلك مجازاة لأحد بيدٍ له عنده، ولكنه يفعله ابتغاء وجه ربه الأعلى وطلب رضاه. { وَلَسَوْفَ يَرْضَى } بما يعطيه الله عز وجل في الآخرة من الجنة والكرامة جزاء على ما فعل .\r__________\r(1) انظر : الطبري 30 / 228، الواحدي في أسباب النزول ص 526، الدر المنثور 8 / 538.","part":8,"page":449},{"id":3457,"text":"سورة الضحى مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) }\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا الأسود بن قيس قال: سمعت جندب بن سفيان قال: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلتين أو ثلاثًا فجاءت امرأة فقالت: يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث، فأنزل الله عز وجل: { وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى } (2) .\rوقيل: إن المرأة التي قالت ذلك أم جميل امرأة أبي لهب.\rوقال المفسرون سألت اليهود، رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين وأصحاب الكهف وعن الروح؟ فقال: سأخبركم غدًا، ولم يقل: إن شاء الله، فاحتبس عنه الوحي (3) .\rوقال زيد بن أسلم: كان سبب احتباس جبريل عليه السلام عنه كون جَرْوٍ في بيته، فلما نزل عاتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم على إبطائه، فقال: إنا لا ندخل بيتًا فيه كلب [أو] (4) صورة (5) .\rواختلفوا في مدة احتباس الوحي عنه، فقال ابن جريج : اثنا عشر يومًا. وقال ابن عباس: خمسة عشر يومًا. وقال مقاتل: أربعون يومًا.\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: نزلت سورة (الضحى) بمكة. انظر: الدر المنثور: 8 / 539.\r(2) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة الضحى - باب (ما ودعك ربك وما قلى): 8 / 710 وفي مواضع أخرى، ومسلم في الجهاد والسير، باب، ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين برقم: (1997): 3 / 1422.\r(3) ذكر هذه الروايات التي ساقها المصنف: الطبري في التفسير: 15 / 200-205، والسيوطي في الدر المنثور: 5 / 363-370، 373، والقرطبي: 10 / 358-360، والخازن: 4 / 160-165.\rوهذه الروايات بهذا التفصيل فيما يتعلق بخروج الفتية وأسمائهم واسم كلبهم.. إلخ بجملتها متلقاة عن أهل الكتاب الذين أسلموا، وحمله عنهم بعض الصحابة والتابعين وحكوه عنهم لغرابته والعجب منه. ونضع هنا كلمات لبعض العلماء المحققين والمفسرين حيال هذه الروايات تغنينا عن التعليق على التفسير في مواضع كثيرة:\rقال الحافظ ابن كثير في التفسير: (3 / 76-79): \"... ولم يخبرنا الله تعالى بمكان هذا الكهف، ولا في أي البلاد من الأرض، إذ لا فائدة لنا فيه، ولا قصد شرعي، وقد تكلف بعض المفسرين فذكروا فيه أقوالًا.. والله أعلم بأي بلاد الله هو، ولو كان فيه مصلحة دينية لأرشدنا الله تعالى ورسوله إليه.. فأعلمنا تعالى بصفته ولم يعلمنا بمكانه\".\rوبعد أن عرض لبعض الأقوال عن كلب أصحاب الكهف ولونه قال: \"واختلفوا في لونه على أقوال لا حاصل لها، ولا طائل تحتها، ولا دليل عليها، ولا حاجة إليها، بل هي مما ينهى عنه؛ فإن مستندها رجم بالغيب\".\rوقال عن أسماء الفتية: \"... وفي تسميتهم بهذه الأسماء واسم كلبهم نظر في صحته، والله أعلم، فإن غالب ذلك متلقى من أهل الكتاب، وقد قال تعالى: \"فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرًا\" أي: سهلًا هينًا، فإن الأمر في معرفة ذلك لا يترتب عليه كبير فائدة\".\rوقال في البداية والنهاية: (2 / 115): \".. وقد ذكر كثير من القصاص والمفسرين لهذا الكلب نبأ وخبرًا طويلًا، أكثره متلقى من الإسرائيليات، وكثير منها كذب، ومما لا فائدة فيه، كاختلافهم في اسمه ولونه\".\rوقال الأستاذ سيد قطب في كتابه \"في ظلال القرآن\": (15 / 2260-2261): \"تجيء قصة أصحاب الكهف، فتعرض نموذجًا للإيمان في النفوس المؤمنة، كيف تطمئن به، وتؤثره على زينة الأرض ومتاعها، وتلجأ به إلى الكهف حين يعز عليها أن تعيش به مع الناس، وكيف يرعى الله هذه النفوس المؤمنة ويقيها الفتنة، ويشملها بالرحمة.\rوفي القصة روايات شتى وأقاويل كثيرة، فقد وردت في بعض الكتب القديمة وفي الأساطير بصور شتى. ونحن نقف فيها عند ما جاء في القرآن، فهو المصدر الوحيد المستيقن، ونطرح سائر الروايات والأساطير التي اندست في التفاسير بلا سند صحيح، وبخاصة أن القرآن الكريم قد نهى عن استفتاء غير القرآن فيها، وعن المراء فيها والجدل رجمًا بالغيب\".\rوقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في \"أضواء البيان\": (4 / 20): \"واعلم أن قصة أصحاب الكهف وأسمائهم، وفي أي محل من الأرض كانوا، كل ذلك لم يثبت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء زائد على ما في القرآن، وللمفسرين في ذلك أخبار كثيرة إسرائيلية أعرضنا عن ذكرها لعدم الثقة بها\".\rوراجع: الإسرائيليات والموضوعات للشيخ محمد أبو شهبة ص (235-237).\r(4) في \"ب\" ولا .\r(5) انظر أحاديث في ذلك: مسند الإمام أحمد: 1 / 148، الترغيب والترهيب: 4 / 68 - 69.","part":8,"page":450},{"id":3458,"text":"قالوا: فقال المشركون: إن محمدًا ودّعه ربه وقلاه، فأنزل الله تعالى هذه السورة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"يا جبريل ما جئت حتى اشتقت إليك\"، فقال جبريل: \"إني كنت أشدَّ شوقًا [إليك] (1) ، وكلني عبدٌ مأمور\"، فأنزل: \"وما نتنزل إلا بأمر ربك\" (2) (مريم -64) .\rقوله عز وجل: { وَالضُّحَى } أقسم بالضحى وأراد به النهار كله، بدليل أنه قابله بالليل [فقال والليل] (3) إذا سجى، نظيره: قوله: \"أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى\" (الأعراف -98) أي نهارًا.\rوقال قتادة ومقاتل: يعني وقت الضحى، وهي الساعة التي فيها ارتفاع الشمس، واعتدال النهار في الحر والبرد والصيف والشتاء. { وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى } قال الحسن: أقبل بظلامه، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، وقال الوالبي عنه: إذا ذهب، قال عطاء والضحاك: غطى كل شيء بالظلمة. وقال مجاهد: استوى. وقال قتادة وابن زيد: سكن واستقر ظلامه فلا يزداد بعد ذلك. يقال: ليل ساج وبحر ساج [إذا كان ساكنًا] (4) . قوله تعالى: { مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى } هذا جواب القسم، أي ما تركك منذ اختارك ولا أبغضك منذ أحبك.\r{ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى (4) }\r{ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولَى } حدثنا المطهر بن علي الفارسي، أخبرنا محمد بن إبراهيم [الصالحاني] (5) ، أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر أبو الشيخ الحافظ، أخبرنا ابن أبي عاصم، أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة، أخبرنا معاوية بن هشام عن علي بن صالح عن يزيد بن زياد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا\" (6) .\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) أخرجه الطبري: 30 / 231 ، وعبد الرزاق في التفسير: 2 / 379 عن معمر. وزاد السيوطي في الدر المنثور: 8 / 541 عزوه لابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس. وانظر : الفتح السماوي: 3 / 1101.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\" .\r(4) في \"ب\" إذا سكن.\r(5) في \"أ\" الصالحي والصحيح ما أثبت.\r(6) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة: 2 / 633، وابن أبي شيبة: 15 / 236 وابن ماجه مطولا في الفتن، باب خروج المهدي: 2 / 1366، وأخرجه الحاكم في المستدرك: 4 / 464، والمصنف في شرح السنة: 14 / 248. قال في الزوائد 2 / 1366: \"إسناده ضعيف لضعف يزيد بن أبي زياد الكوفي، لكن لم ينفرد به فقد رواه الحاكم في المستدرك من طريق عمر بن قيس عن الحكم عن إبراهيم\". قال الذهبي في تلخيص المستدرك: موضوع.","part":8,"page":454},{"id":3459,"text":"{ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) }\r{ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى } قال عطاء عن ابن عباس: هو الشفاعة في أمته حتى يرضى، وهو قول علي والحسن.\rوروينا عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"اللهم أمتي أمتي وبكى، فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسؤءك فيهم\" (1) .\rوقال حرب بن شريح سمعت أبا جعفر محمد بن علي يقول: إنكم يا معشر أهل العراق تقولون: أرجى آية في القرآن: \"قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله\"، وإنا أهل البيت نقول: أرجى آية في كتاب الله \"ولسوف يعطيك ربك فترضى\" (2) من الثواب. وقيل: من النصر والتمكين وكثرة المؤمنين، { فَتَرْضَى }\rثم أخبره الله عز وجل عن حالته التي كان عليها قبل الوحي، وذكَّره نعمه فقال جل ذكره: { أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى } أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي فقال: أنبأني عبد الله بن حامد الأصفهاني، أخبرنا محمد بن عبد الله النيسابوري، حدثنا محمد بن عيسى أنا أبو عمرو الجويني وأبو الربيع الزهراني قالا حدثنا حماد بن زيد عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"سألت ربي مسألة وودت أني لم أكن سألته، قلت: يا رب إنك آتيت سلميان بن داود ملكًا عظيمًا، وآتيت فلانا كذا وآتيت فلانا كذا؟ قال: يا محمد ألم أجدك يتيما فآويتك؟ قلت: بلى، أيْ ربِّ [قال: ألم أجدك ضالا فهديتك؟ قلت: بلى أيْ ربِّ، قال: ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟ قلت: بلى أيْ ربِّ\"، وزاد غيره عن حماد قال: ألم أشرح لك صدرك ووضعتُ عنك وزرك؟ قلت:\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الإيمان ، باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وبكائه شفقة عليهم برقم: (202): 1 / 191، والمصنف في شرح السنة 15 / 165 - 166.\r(2) عزاه صاحب الدر المنثور: 8 / 543 لابن المنذر، وابن مردويه، وأبي نعيم في الحلية.","part":8,"page":455},{"id":3460,"text":"بلى أيْ ربِّ] (1) .\rومعنى الآية: ألم يجدك يتيمًا صغيرًا فقيرًا حين مات أبواك ولم يخلِّفا لك مالا ولا مأوى، فجعلت لك مأوىً تأوي إليه، وضمَّك إلى عمك أبي طالب حتى أحسن تربيتك وكفاك المؤنة.\r{ وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى (8) }\r{ وَوَجَدَكَ ضَالا } يعني ضالا عما أنت عليه { فَهَدَى } أي: فهداك للتوحيد والنبوة.\rقال الحسن والضحاك وابن كيسان: \"ووجدك ضالا\" عن معالم النبوة وأحكام الشريعة غافلا عنها، فهداك إليها، [كما قال] (2) \"وإن كنت من قبله لمن الغافلين\" (يوسف -3) وقال: \"ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان\" (الشورى -52) .\rوقيل: ضالا في شعاب مكة فهداك إلى جدك عبد المطلب وروى أبو الضحى عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ضل في شعاب مكة وهو صبي صغير، فرآه أبو جهل منصرفا عن أغنامه فرده إلى عبد المطلب.\rوقال سعيد بن المسيب: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب في قافلة ميسرة غلام خديجة فبينما هو راكب ذات ليلة ظلماء ناقةً إذ جاء إبليس فأخذ بزمام الناقة فعدل به عن الطريق، فجاء جبريل 195/أ فنفخ إبليس نفخة وقع منها إلى أرض الحبشة، ورده إلى القافلة فمنَّ الله عليه بذلك (3) . وقيل: وجدك ضالا [ ضال ] (4) نفسك لا تدري من أنت، فعرفك نفسك وحالك. { وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى } أي فقيرًا فأغناك بمال خديجة ثم بالغنائم.\rوقال مقاتل: [فأرضاك] (5) بما أعطاك من الرزق. واختاره الفراء. وقال: لم يكن غنيًا عن كثرة المال ولكن الله [أرضاه] (6) بما آتاه وذلك حقيقة الغنى.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\". قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 8 / 254: \"رواه الطبراني في \"الكبير\" 11 / 455 و \"الأوسط\" وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط\". وساقه ابن كثير في التفسير: 4 / 525 - 526 من رواية ابن أبي حاتم وأبي نعيم في \"دلائل النبوة\" وعزاه في كنز العمال: 11 / 456 للحاكم والبيهقي وابن عساكر عن ابن عباس.\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) عزاهما ابن كثير في التفسير: 4 / 524 للبغوي.\r(4) ساقط من \"أ\".\r(5) في \"ب\" فرضاك.\r(6) في \"ب\" رضاه.","part":8,"page":456},{"id":3461,"text":"أخبرنا حسان بن سعيد المنيعي أنبأنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمش الزيادي، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، حدثنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه أنه قال أخبرنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ليس الغنى عن كثرة العرضَ، ولكن الغنى غنى النفس\" (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسين الزغرتاني (2) . أخبرنا أحمد بن سعيد أخبرنا أبو يحيى محمد بن عبد الله، حدثنا أبي، حدثني شرحبيل بن شريك عن أبي عبد الرحمن الحُبلَي عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"قد أفلح من أسلم ورُزق كفافًا وقنّعه الله بما آتاه\" (3) .\rثم أوصاه باليتامى والفقراء فقال:\r{ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (9) }\r{ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ } قال مجاهد: لا تحقر اليتيم فقد كنت يتيمًا. وقال الفراء والزجاج: لا تقهره على ماله فتذهب بحقه لضعفه (4) ، وكذا كانت العرب تفعل في أمر اليتامى، تأخذ أموالهم وتظلمهم حقوقهم.\rأخبرنا أبو بكر محمد عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا [عبد الله] (5) بن محمود، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك عن سعيد بن أبي أيوب عن يحيى [بن] (6) سليمان عن يزيد بن أبي عتاب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"خَيْر بيتٍ في المسلمين بيتٍ فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيتٌ فيه يتيم يُساء إليه\"، ثم قال بأصبعيه: \"أنا وكافل اليتيم [في الجنة] (7)\r__________\r(1) أخرجه عبد الرزاق في روايته لصحيفة همام بن منبه برقم (62) ص (237) بتحقيق: د. رفعت فوزي. والبخاري في الرقاق، باب الغنى غنى النفس: 11 / 271، ومسلم في الزكاة، باب ليس الغنى عن كثرة العرض برقم: (1051): 2 / 726، والمصنف في شرح السنة 14 / 243 - 244.\r(2) في \"أ\" (الزغرغتاتي) وفي \"ب\" (الزعفراني). والصحيح ما أثبت.\r(3) أخرجه مسلم في الزكاة، باب في الكفاف والقناعة برقم: (1054): 2 / 730، والمصنف في شرح السنة: 14 / 245.\r(4) انظر: معاني القرآن للفراء: 3 / 274.\r(5) في \"أ\" عبد والصحيح ما أثبت.\r(6) ساقط من \"ب\".\r(7) ساقط من \"أ\".","part":8,"page":457},{"id":3462,"text":"هكذا [وهو يشير] (1) بأصبعيه [السبابة والوسطى] (2) \" (3) .\r{ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11) }\r{ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ } قال المفسرون: يريد السائل على الباب، يقول: لا تنهره لا تزجره إذا سألك، فقد كنت فقيرًا فإما أن تطعمه وإما أن ترده ردًا لينًا، يقال: نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره.\rوقال قتادة: رُدّ السائل برحمة ولين. قال إبراهيم بن أدهم: نعم القوم السُؤَّال يحملون زادنا إلى الآخرة.\rوقال إبراهيم: السائل يريد الآخرة يجيء إلى باب أحدكم فيقول: هل توجهون إلى أهليكم بشيء؟\rوروي عن الحسن في قوله: \"أما السائل فلا تنهر\"، قال: طالب العلم. { وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ } قال مجاهد يعني النبوة، روى عنه أبو بشر واختاره الزجاج وقال: أي بلغ ما أرسلت به، وحدث بالنبوة التي آتاك [الله] (4) .\rوقال الليث عن مجاهد: يعني القرآن وهو قول الكلبي، أمره أن [يقرأ به] (5) .\rوقال مقاتل: اشكر لما ذكر من النعمة عليك في هذه السورة من جبر اليتيم والهدى بعد الضلالة والإغناء بعد العيلة، والتحدث بنعمة الله شكرًا.\rأخبرنا أبو سعيد بكر بن محمد بن محمد بن محمي البسطامي، حدثنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن يحيى بن سختويه، أخبرنا عبد الله بن محمد بن الحسين النصر أبادي، [حدثنا\r__________\r(1) في \"ب\" وهو يشير.\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) حديث ضعيف أخرجه البخاري في الأدب المفرد ص (47)، وابن ماجه في الأدب، باب حق اليتيم برقم: (3679): 2 / 1213، وأبو نعيم في الحلية عن عمر رضي الله عنه: 6 / 337، والمصنف في شرح السنة: 13 / 43. وضعفه البوصيري فقال في الزوائد \"في إسناده\" يحيى بن سليمان، أبو صالح، قال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: مضطرب الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، وأخرج ابن خزيمة حديثه في صحيحه، وقال: في النفس من هذا الحديث شيء، فإني لا أعرف يحيى بعدالة ولا جرح، وإنما خرجت خبره لأنه يختلف العلماء فيه. قلت: قد ظهر للبخاري وأبي حاتم ما خفي على ابن خزيمة، فجرحهما مقدم على من عدله\". وانظر : تخريج أحاديث إحياء علوم الدين للعراقي والزبيدي: 3 / 1209 - 1210، سلسلة الأحاديث الضعيفة: 4 / 142.\r(4) الكلمة ساقطة من \"أ\".\r(5) في \"ب\" يقرأه.","part":8,"page":458},{"id":3463,"text":"علي بن سعيد النسوي] (1) أخبرنا سعيد بن عفير، حدثنا يحيى بن أيوب عن عمارة بن غزية عن شرحبيل مولى الأنصاري، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"من صُنع إليه معروف فليجز به، فإن لم يجد ما يُجزي به فليثن عليهِ فإنه إذا أثنى عليه فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعطَ كان كلابس ثوبين من زور\" (2) .\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا الحسين بن محمد بن الحسين، حدثنا أحمد بن محمد بن إسحاق، حدثنا أبو القاسم بن منيع، حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا وكيع عن أبي عبد الرحمن يعني القاسم بن الوليد، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: \"من لم يشكرِ القليلَ لم يشكر الكثيرَ، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله تعالى، التحدث بنعمة الله شكر، وتركه كفر، والجماعة رحمة والفرقة عذاب\" (3) .\rوالسنة -في قراءة أهل مكة-أن يكبر من أول سورة \"والضحى\" على رأس كل سورة حتى يختم القرآن؛ فيقول: الله أكبر.\rقال الشيخ الإمام الأجل محيي السنة ناصر الحديث قدوة الأئمة ناشر الدين ركن الإسلام إمام الأئمة مفتي الشرق أبو محمد الحسين بن مسعود رحمه الله: كذلك قرأته على الإمام المقرئ أبي نصر محمد بن أحمد بن علي الحامدي بمرو، قال: قرأت على أبي القاسم طاهر بن علي الصيرفي، قال: قرأت على أبي بكر أحمد بن الحسين بن مهران، قال: قرأت على أبي علي محمد بن أحمد بن حامد الصفار المقرئ، قال: قرأت على أبي بكر محمد بن موسى الهاشمي، قال: قرأت على أبي ربيعة والحسين بن محمد الحداد، وهما قرءا على أبي الحسين بن أبي بزة وأخبرهما\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) أخرجه البخاري في الأدب المفرد ص (69) من حديث سعيد بن عفير، عن يحيى بن أيوب، عن عمارة بن غزية عن شرحبيل مولى الأنصار، عن جابر. وشرحبيل ضعفه غير واحد، ومع ذلك فقد صححه ابن حبان برقم: (2073) ص (506). وأخرجه الترمذي في البر والصلة، باب ما جاء في المتشبع بما لم يعطه، عن طريق إسماعيل بن عباس عن عمارة بن غزية، عن أبي الزبير عن جابر. وقال \"هذا حديث حسن غريب\". وأخرجه أبو داود في الأدب، باب في شكر المعروف 7 / 179. وللحديث شاهد عند أحمد والطبراني في \"الأوسط\" قال الهيثمي في المجمع 8 / 181: \"وفيه صالح بن أبي الأخضر، وقد وثق على ضعفه، وبقية رجال أحمد ثقات، فهو حديث صحيح بطرقه\".\r(3) أخرجه الإمام أحمد في المسند: 4 / 278، وابنه عبد الله في زوائد المسند: 4 / 375. قال الهيثمي في المجمع: 5 / 218: \"رواه عبد الله بن أحمد والبزار والطبراني ورجالهم ثقات\". وقال العجلوني في \"كشف الخفاء\": 2 / 336: \"رواه ابن أبي الدنيا في \"اصطناع المعروف\" عن النعمان، وأخرجه عبد الله ابن أحمد بإسناد لا بأس به. . \" وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 545 للبيهقي في الشعب بسند ضعيف. وضعفه ابن كثير: 4 / 524. وانظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني : 2 / 276 - 277.","part":8,"page":459},{"id":3464,"text":"[ابن أبي بزة] (1) أنه قرأ على عكرمة بن سليمان بن كثير المكي، وأخبره عكرمة أنه قرأ على شبل بن عباد وإسماعيل بن قسطنطين، وأخبراه أنهما قرأا على عبد الله بن كثير، وأخبرهما عبد الله [بن كثير -رضي الله عنهم أجمعين] (2) أنه قرأ على مجاهد، وأخبره مجاهد أنه قرأ على ابن عباس، وأخبره ابن عباس أنه قرأ على أبي بن كعب.\rوأخبرنا الإمام المقرئ أبو نصر محمد بن أحمد بن علي وقرأت عليه بمرو، وقال: أنا الشريف أبو القاسم علي بن محمد الزيدي بالتكبير، وقرأت عليه بثغر حران، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن زياد الموصلي المعروف بالنقاش، وقرأت عليه بمدينة السلام، حدثنا أبو ربيعة محمد بن إسحاق الربعي، وقرأت عليه بمكة قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي [بزة] (3) ، وقرأت عليه قال لي : قرأته على عكرمة بن سليمان، وأخبرني أنه قرأ على إسماعيل بن قسطنطين وشبل بن عباد قال فلما بلغت \"والضحى\" قالا لي: كبر حتى تختم، مع خاتمة كل سورة، فإنا قرأنا على ابن كثير فأمرنا بذلك، وأخبرنا أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك، وأخبره مجاهد أنه قرأ على ابن عباس [فأمره بذلك] (4) ، وأخبره ابن عباس أنه قرأ على أبي بن كعب فأمره بذلك وأخبره أبي أنه قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم فأمره بذلك (5) .\rوكان سبب التكبير أن الوحي لما احتبس قال المشركون هجره شيطانه، وودعه، فاغتم النبي صلى الله عليه وسلم لذلك، فلما نزل \"والضحى\" كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرحا بنزول الوحي، فاتخذوه سنة (6) .\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) في \"أ\" توبة، والصحيح ما أثبت.\r(4) ساقط من \"أ\".\r(5) ساقه ابن كثير: 4 / 522 ثم قال: \"فهذه سنة تفرد بها أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله البزي من ولد القاسم بن أبي بزة. وكان إماما في القراءات. فأما في الحديث فقد ضعفه أبو حاتم الرازي وقال: لا أحدث عنه وكذلك أبو جعفر العقيلي قال هو منكر الحديث لكن حكى الشيخ شهاب الدين أبو شامة في شرح الشاطبية عن الشافعي أنه سمع رجلا يكبر هذا التكبير في الصلاة فقال: أحسنت وأصبت السنة، وهذا يقتضي صحة هذا الحديث\". وراجع في ذلك \"التبيان في آداب حملة القرآن\" للنووي.\r(6) ذكره ابن كثير: 4 / 522 وقال: \"ولم يرو ذلك بإسناد يحكم عليه بصحة ولا ضعف فالله أعلم\".","part":8,"page":460},{"id":3465,"text":"سورة الشرح مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) }\r{ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } ألم نفتح ونوسع 195/ب ونليِّن لك قلبك بالإيمان والنبوة والعلم والحكمة. { وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ } قال الحسن، ومجاهد وقتادة، والضحاك: وحططنا عنك الذي سلف منك في الجاهلية، وهو كقوله: \"ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر\" (الفتح -2) .\rوقال الحسين بن الفضل: يعني الخطأ والسهو. وقيل: ذنوب أمتك [فأضافه] (2) إليه لاشتغال قلبه بهم، وقال عبد العزيز بن يحيى وأبو عبيدة: يعني خففنا عنك أعباء النبوة والقيام بأمرها (3) . { الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ } أثقل ظهرك فأوهنه حتى سُمِعَ له نقيض، أي صوت. { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا أبو القاسم عبد الخالق بن علي المؤذن، حدثنا أبو بكر بن حبيب، حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل، حدثنا صفوان يعني ابن صالح عبد الملك، حدثنا الوليد يعني بن مسلم، حدثني عبد الله بن لهيعة عن درَّاج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأل جبريل عليه السلام عن هذه الآية \"ورفعنا لك ذكرك\"؟ قال: قال الله تعالى: \"إذا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ معي\" (4) .\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: نزلت سورة (ألم نشرح) بمكة. زاد بعضهم بعد الضحى، انظر: الدر المنثور: 8 / 547.\r(2) في \"ب\" فأضفها.\r(3) هذا موضوعه في \"أ\" وفي \"ب\" بعد تفسير قوله تعالى: (الذي أنقض ظهرك).\r(4) أخرجه الطبري: 30 / 235، وأبو يعلى في المسند: 2 / 131، وابن حبان برقم (1772) ص (439) من موارد الظمآن. وفيه ابن لهيعة وقد اختلط، ودراج ضعيف.","part":8,"page":463},{"id":3466,"text":"وعن الحسن قال: \"ورفعنا لك ذكرك\" إذا ذكرت، ذكرتَ [معي] (1) وقال عطاء عن ابن عباس: يريد الأذان والإقامة والتشهد والخطبة على المنابر، ولو أن عبدا عبد الله وصدّقه في كل شيء ولم يشهد أن محمدًا رسول الله لم ينتفع بشيء، وكان كافرًا.\rوقال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله (2) .\rوقال الضحاك: لا تقبل صلاة [إلا به] (3) ولا تجوز خطبة إلا به. وقال مجاهد: [ورفعنا لك ذكرك] (4) يعني بالتأذين.\rوفيه يقول حسان بن ثابت: ألم تر أن الله أرسلَ عبدَه ... ببرهانه، والله أَعْلى وأمجد\rأَغَرُّ عليه للنبوة خاتمٌ ... من الله مشهودٌ يَلوُحُ ويشهَدُ\rوضمَّ الإلهُ اسم النبي مع اسمه ... إذا قال في الخمس المؤذنُ: أشهدُ\rوشقٌ له من اسمه لِيُجِلّه ... فذو العَرْشِ محمودٌ وهذا محمدُ (5) .\rوقيل: رفع الله ذكره بأخذ ميثاقه على النبيين وإلزامهم الإيمان به والإقرار بفضله.\rثم وعده اليسر والرخاء بعد الشدة، وذلك أنه كان بمكة في شدة، فقال الله عز وجل:\r{ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) }\r{ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا } أي مع الشدة التي أنت فيها من جهاد المشركين يسرًا ورخاءً بأن يظهرك عليهم حتى ينقادوا للحق الذي جئتهم به، \"إن مع العسر يسرا\" كرره لتأكيد الوعد وتعظيم الرجاء.\rوقال الحسن لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"أبشروا، قد جاءكم اليسر، لن يغلب\r__________\r(1) زيادة من \"أ\".\r(2) أخرجه الطبري 30 / 235. وزاد السيوطي في الدر المنثور: 8 / 548 - 549 عزوه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل.\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) ساقط من \"ب\".\r(5) انظر: ديوان حسان - رضي الله عنه - ص (47) طبع بيروت.","part":8,"page":464},{"id":3467,"text":"عسر يسرين\" (1) .\rقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: لو كان العسر في حجر لطلبه اليسر حتى يدخل، إنه لن يغلب عسر يسرين (2) .\rقال المفسرون: ومعنى قوله: \"لن يغلب عسر يسرين\" أن الله تعالى كررّ العُسرَ بلفظ المعرفة واليُسْر بلفظ النكرة، ومن عادة العرب إذا ذكرت اسمًا معرفًا، ثم أعادته كان الثاني هو الأول، وإذا ذكرت نكرة ثم أعادته مثله صار اثنين، وإذا أعادته معرفة فالثاني هو الأول، كقولك: إذا كسبت، درهمًا أنفقت، درهمًا، فالثاني غير الأول، وإذا قلت: إذا كسبتَ درهمًا فأنفق الدرهم، فالثاني هو الأول، فالعسر في الآية مكرر بلفظ التعريف، فكان عسرًا واحدًا، واليسر مكرر بلفظ [التنكير] (3) ، فكانا يسرين، فكأنه قال: فإن مع العسر يسرا، إن مع ذلك العسر يسرا آخر.\rوقال أبو علي [الحسن] (4) بن يحيى بن نصر الجرجاني صاحب \"النظم\" (5) تكلم الناس في قوله: \"لن يغلب عسر يسرين\"، فلم يحصل منه غير قولهم: إن العسر معرفة واليسر نكرة، فوجب أن يكون عسر واحد ويسران، وهذا قول مدخول، إذا قال الرجل: إن مع الفارس سيفا [إن مع الفارس سيفًا] (6) ، فهذا لا يوجب أن يكون الفارس واحدً والسيف اثنين، فمجاز قوله: \"لن يغلب عسر يسرين\" أن الله بعث نبيه صلى الله عليه وسلم وهو مُقِلّ مخفّ، فكانت قريش تعيره بذلك، حتى قالوا: إن كان بك طلب الغنى جمعنا لك مالا حتى تكون كأيسر أهل مكة، فاغتَّم النبي لذلك، فظن أن قومه إنما يكذبونه لفقره، فعدد الله نعمه عليه في هذه السورة، ووعده الغنى، ليسليه بذلك عما خامره من الغم، فقال: \"فإن مع العسر يسرا\"، مجازه: لا يحزنك ما يقولون فإن مع العسر يسرًا في الدنيا عاجلا ثم أَنْجَزَه مَا وَعَدَهْ، وفتح عليه القرى العربية ووسع عليه ذات يده، حتى كان يعطي المئين من الإبل، ويهب الهبات السَّنِيَّة، ثم ابتدأ فضلا آخر من أمر الآخرة، فقال: إن مع العسر يسرًا، والدليل على ابتدائه: تعريه من الفاء والواو، وهذا وعد لجميع المؤمنين، ومجازه: إن مع العسر\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 30 / 235 - 236 وهو منقطع. وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 550 أيضا لعبد بن حميد وابن مردويه.\r(2) أخرجه عبد الرزاق في التفسير: 2 / 380 - 381، والطبري: 30 / 236، وزاد السيوطي في الدر المنثور: 8 / 550 - 551 عزوه للطبراني وابن مردويه.\r(3) في \"ب\" النكرة.\r(4) في \"أ\" الحسين والصحيح ما أثبت.\r(5) أي \"نظم القرآن\" ويقع في مجلدين. انظر: ترجمة أبي علي الحسن بن يحيى في \"تاريخ جرجان\" للسهمي ص (187 - 188).\r(6) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":8,"page":465},{"id":3468,"text":"يسرا، أي: إن مع العسر في الدنيا للمؤمن يسرًا في الآخرة، فربما اجتمع له اليسران يسر الدنيا وهو ما ذكره في الآية الأولى ويسر الآخرة وهو ما ذكره في الآية الثانية، فقوله عليه السلام: \"لن يغلب عسر يسرين\" أي: لن يغلب عسر، الدنيا اليسرَ الذي وعده للمؤمنين في الدنيا واليسر الذي وعدهم في الآخرة، وإنما يغلب أحدهما، هو يسر الدنيا، وأما يسر الآخرة فدائم غير زائل، أي لا يجمعهما في الغلبة، كقوله صلى الله عليه وسلم : \"شهرا عيد لا ينقصان\" (1) أي لا يجتمعان في النقصان.\r{ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) }\r{ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ } أي فاتعب، والنَّصبَ: التعب، قال ابن عباس، وقتادة، والضحاك، ومقاتل، والكلبي: فإذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب إلى ربك في الدعاء وارغب إليه في المسألة يُعْطِكَ (2) .\r[وروى عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه قال: إذا صليت فاجتهد في الدعاء والمسألة] (3) .\rوقال ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل (4) .\rوقال الشعبي: إذا فرغت من التشهد فادع، لدنياك وآخرتك.\rوقال الحسن وزيد بن أسلم: إذا فرغت من جهاد عدوك فانصب في عبادة ربك (5) .\rوقال منصور عن مجاهد: إذا فرغت من أمر الدنيا فانصب في عبادة ربك وصَلِّ (6) .\rوقال حيان عن الكلبي: إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب، أي: استغفر لذنبك وللمؤمنين.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في الصوم: شهرا عيد لا ينقصان: 4 / 124، ومسلم في الصيام، بيان معنى قوله صلى الله عليه وسلم شهرا عيد لا ينقصان برقم: (1089): 2 / 766.\r(2) أخرجه الطبري: 30 / 236. وزاد صاحب الدر المنثور: 8 / 551 عزوه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(4) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 551 لابن المنذر وابن أبي حاتم.\r(5) أخرجه الطبري: 30 / 237. وانظر: الدر المنثور: 8 / 552.\r(6) أخرجه الطبري: 30 / 237 وقال مرجحا: \"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: إن الله تعالى ذكره أمر نبيه أن يجعل فراغه من كل ما كان به مشتغلا من أمر دنياه وآخرته، مما أدى له الشغل به، وأمره بالشغل به إلى النصب في عبادته، والاشتغال فيما قربه إليه، ومسألته حاجته، ولم يخصص بذلك حالا من أحوال فراغه دون حال، فسواء كل أحوال فراغه من صلاة كان فراغه، أو جهاد، أو أمر دنيا كان به مشتغلا لعموم الشرط في ذلك من غير خصوص حال فراغ دون حال أخرى\".","part":8,"page":466},{"id":3469,"text":"{ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8) }\r{ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ } قال عطاء: تضرع إليه راهبًا من النار راغبًا في الجنة. وقيل: فارغب إليه في جميع أحوالك. قال الزجاج: 196/أ أي اجعل رغبتك إلى الله وحده.","part":8,"page":467},{"id":3470,"text":"سورة التين مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا الْبَلَدِ الأمِينِ (3) }.\r{ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ } قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وإبراهيم، وعطاء بن أبي رباح، ومقاتل، والكلبي: هو تينكم [هذا] (2) الذي تأكلونه، وزيتونكم هذا الذي تعصرون منه الزيت.\rقيل: خص التين بالقسم لأنها فاكهة مخلصة لا عجم لها، شبيهة بفواكه الجنة. وخص الزيتون لكثرة منافعه، ولأنه شجرة مباركة جاء بها الحديث، وهو ثمر ودهن يصلح للاصطباغ والاصطباح.\rوقال عكرمة: هما جبلان. قال قتادة: \"التين\": الجبل الذي عليه دمشق، و \"الزيتون\": الجبل الذي عليه بيت المقدس، لأنهما ينبتان التين والزيتون.\rوقال الضحاك: هما مسجدان بالشام. قال ابن زيد: \"التين\": مسجد دمشق، و\"الزيتون\": مسجد بيت المقدس. وقال محمد بن كعب: \"التين\" مسجد أصحاب الكهف، و\"الزيتون\": مسجد إيليا. { وَطُورِ سِينِينَ } يعني الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام، وذكرنا معناه عند قوله: \"وشجرة تخرج من طور سيناء\" (3) (المؤمنون -20) . { وَهَذَا الْبَلَدِ الأمِينِ } أي الآمن، يعني: مكة، يأمن فيه الناس في الجاهلية والإسلام، هذه كلها أقسام، والمقسم عليه قوله:\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: أنزلت سورة (التين) بمكة. انظر: الدر المنثور: 8 / 553.\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) انظر: الدر المنثور: 5 / 414 .","part":8,"page":468},{"id":3471,"text":"{ لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6) }\r{ لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } أي: أعدل قامة وأحسن صورة، وذلك أنه خلق كل حيوان منكبًا على وجهه إلا الإنسان خلقه مديد القامة، يتناول مأكوله بيده، مُزَينَّا بالعقل والتمييز. { ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ } يريد إلى الهرم وأرذل العمر، فينقص عقله ويضعف بدنه، والسافلون: هم الضعفاء والزَّمْنَى والأطفال، فالشيخ الكبير [أسفل] (1) من هؤلاء جميعا، [\"وأسفل سافلين\" نكرة تعم الجنس، كما تقول: فلان أكرم قائم فإذا عرَّفت قلت: أكرم القائمين. وفي مصحف عبد الله \"أسفل السافلين\"] (2) .\rوقال الحسن، وقتادة، ومجاهد: يعني ثم رددناه إلى النار، يعني إلى أسفل السافلين، لأن جهنم بعضها أسفل من بعض.\rقال أبو العالية: يعني إلى النار في شر صورة، في صورة خنزير. ثم استثنى فقال: { إِلا الَّذِينَ آمَنُوا } [فإنهم لا يردون إلى النار. ومن قال بالقول الأول قال: رددناه أسفل سافلين، فزالت عقولهم وانقطعت أعمالهم، فلا يكتب لهم حسنة إلا الذين آمنوا] (3) . { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } فإنه يكتب لهم بعد الهرم، والخرف، مثل الذي كانوا يعملون في حال الشباب والصحة.\rقال ابن عباس: هم نفرٌ رُدوا إلى أرذل العمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى عذرهم. وأخبر أن لهم أجرهم الذي عملوا قبل أن تذهب عقولهم (4) .\rقال عكرمة: لم يضر هذا الشيخ [كبره] (5) إذ ختم الله له بأحسن ما كان يعمل (6) .\rوروى عاصم الأحول عن عكرمة عن ابن عباس قال: \"إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات\"\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(4) انظر : الطبري: 30 / 247، الدر المنثور: 8 / 557 وقد عزاه أيضا لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\r(5) ساقط من \"أ\".\r(6) أخرجه الطبري: 30 / 244.","part":8,"page":472},{"id":3472,"text":"قال: \"إلا الذين [آمنوا]\" (1) قرؤا القرآن، وقال: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر (2) { فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } غير مقطوع، لأنه يكتب له كصالح ما كان يعمل. قال الضحاك: أجر بغير عمل، ثم قال: إلزامًا للحجة:\r{ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْد بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8) }\r{ فَمَا يُكَذِّبُكَ } [أي: أمن يكذبك . وقيل: أي شيء يكذبك؟ أي يحملك على الكذب، وقيل على التكذيب] (3) أيها الإنسان، { بَعْد } أي بعد هذه الحجة والبرهان، { بِالدِّينِ } بالحساب والجزاء، والمعنى: ألا تتفكر في صورتك وشبابك وهرمك فتعتبر، وتقول: إن الذي فعل ذلك قادر على أن يبعثني ويحاسبني، فما الذي يكذبك بالمجازاة بعد هذه الحجج؟ { أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ } بأقضى القاضين، قال مقاتل: [أليس الله] (4) يحكم بينك وبين أهل التكذيب [بك] (5) يا محمد.\rوروينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"من قرأ والتين والزيتون فانتهى إلى آخرها: \"أليس الله بأحكم الحاكمين\" فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين\" (6) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، أخبرنا أبو الوليد، حدثنا شعبة عن عدي بن ثابت الأنصاري قال: سمعت البراء بن عازب قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فقرأ في العشاء في إحدى الركعتين بالتين والزيتون (7) .\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) صححه الحاكم في المستدرك: 2 / 528 - 529 ووافقه الذهبي وزاد السيوطي في الدر المنثور: 8 / 558 عزوه للبيهقي في شعب الإيمان.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(5) ساقط من \"أ\".\r(6) أخرجه أبو داود مطولا في الصلاة، باب مقدار الركوع والسجود: 1 / 423 ومن طريقه البيهقي في السنن: 2 / 310، والإمام أحمد : 2 / 249. ورواه الترمذي: 9 / 276 - 277 مختصرا عن إسماعيل بن أمية قال: سمعت رجلا بدويا يقول سمعت أبا هريرة. . وقال: \"هذا حديث إنما يروى بهذا الإسناد عن هذا الأعرابي عن أبي هريرة ولا يسمى\" والمصنف في شرح السنة: 3 / 104 - 105 .\r(7) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة التين: 8 / 713.","part":8,"page":473},{"id":3473,"text":"سورة العلق مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ (3) }\r{ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } أكثر المفسرين: على أن هذه السورة أول سورة نزلت من القرآن، وأول ما نزل خمس آيات من أولها إلى قوله: \"ما لم يعلم\" .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا يحيى بن بُكَيْر، حدثنا الليث عن عُقَيْل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَقِ الصُّبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه -وهو التعبُّد -الليالي ذوات العدد قبل أن يَنزع إلى أهله، ويتزوَّد لذلك ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ فقال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطَّني حتى بلغ مني الجَهْد ثُم أرسلني، فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، [قال: فأخذني] (2) فغطني الثانية حتى بلغ مني الجَهْدُ، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطَّني الثالثة [ حتى بلغ مني الجهد] (3) ، ثم أرسلني، فقال: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ } فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يَرْجُف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد، فقال: زمِّلُوني زمِّلُوني فزمَّلوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة: ما لَي ؟ وأخبرها الخبر، وقال: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله ما يُخْزِيك الله أبدا، إنك لتصل الرَّحِم، وتحمل الكَلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق\r__________\r(1) أخرج ابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال: أول ما نزل من القرآن بمكة (اقرأ باسم ربك الذي خلق). انظر: الدر المنثور: 8 / 560 - 562.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":8,"page":474},{"id":3474,"text":"فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقةَ بن نوفلَ بن أسد بن عبد العزى -ابن عم خديجة -وكان امرأ تنصَّر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العربي، فيكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك ما يقول، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، يا ليتني فيها جَذَعًا، ليتني أكون حيًا إذْ يُخْرِجُك قومُك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَوَ مُخْرِجيَّ [هم] (1) ؟ قال: نعم لم 196/ب يأت [أحد بمثل ما] (2) جئتَ به إلا عُودِيَ، وإن يُدْرِكْنِي يومُكَ أَنْصُرْكَ نَصرًا مؤزَّرَا، ثم لم يمكث (3) ورقة أن تُوفِّيَ، وفَتر الوحي (4) .\rوروى محمد بن إسماعيل هذا الحديث في موضع آخر من كتابه، عن يحيى بن بُكَيْر بهذا الإسناد، وقال: حدثني عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر قال الزهري، فأخبرني عروة عن عائشة وذكر الحديث، قال: \"اقرأ باسم ربك الذي خلق\" حتى بلغ \"ما لم يعلم\" وزاد في آخره فقال: وَفَتَر الوحي فَتْرَةً حتى حَزِنَ النبيّ، صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنًا غدا منه مرارًا حتى يتردَّى من رءوس شواهقِ الجبال، فكلما أوفى بِذرْوة جبلٍ لكي يُلقيَ نفسه منه، تبدَّى له جبريل فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشهُ، وتقرُّ نفسهُ، فيرجعُ، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بِذرْوة جبلٍ تبدىَّ له جبريل، فقال له مثل ذلك\" (5) .\rأخبرنا أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن حامد الوراق أخبرنا مكي بن عبدان، أخبرنا عبد الرحمن بن بشر، حدثنا سفيان عن محمد بن إسحاق، عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: أول سورة نزلت قوله عز وجل: \"اقرأ باسم ربك\" (6) .\rقال أبو عبيدة: مجازه: اقرأ اسم ربك، يعني أن الباء زائدة، والمعنى: اذكر اسمه، أُمِرَ أن يبتدئ القراءة باسم الله [تأديبا] (7) .\r__________\r(1) زيادة من \"أ\".\r(2) في \"ب\" (رجل قظ بما). وهو موافق لرواية البخاري.\r(3) في \"ب\" ينشب.\r(4) أخرجه البخاري في بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم 1 / 23.\r(5) أخرجه البخاري في التعبير، باب أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة: 12 / 351 - 352، ومسلم في الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم برقم: (160): 1 / 139 - 142.\r(6) أخرجه الطبري: 30 / 252، وصححه الحاكم: 2 / 529 وزاد السيوطي في الدر المنثور: 8 / 561 عزوه لابن مردويه والبيهقي في الدلائل.\r(7) في \"ب\" تأدبا.","part":8,"page":478},{"id":3475,"text":"{ الَّذِي خَلَقَ } قال الكلبي: يعني الخلائق، ثم فسره فقال: { خَلَقَ الإنْسَانَ } يعني [خلق] (1) ابن آدم، { مِنْ عَلَقٍ } جمع علقة. { اقْرَأ } كرره تأكيدا، ثم استأنف فقال: { وَرَبُّكَ الأكْرَمُ } فقال الكلبي: الحليم عن جهل العباد لا يعجل عليهم بالعقوبة.\r{ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) كَلا إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) }\r{ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ } يعني الخط والكتابة. { عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } من أنواع الهدى والبيان. وقيل: علم آدم الأسماء كلها. وقيل: الإنسان هاهنا محمد صلى الله عليه وسلم بيانه: \"وعلمك ما لم تكن تعلم\" (النساء -113) . { كَلا } حقًا { إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى } ليتجاوز حده ويستكبر على ربه. { إِنّ } لأن { رَآهُ اسْتَغْنَى } أن رأى نفسه غنيا. قال الكلبي: يرتفع عن منزلة إلى منزلة في اللباس والطعام وغيرهما.\rوقال مقاتل: نزلت في أبي جهل، كان إذا أصاب مالا زاد في ثيابه ومركبه وطعامه، فذلك طغيانه. { إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى } أي المرجع في الآخرة، [\"الرجعى\": مصدر على وزن فُعلْىَ] (2) . { أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى } نزلت في أبي جهل، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة (3) .\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا عبد الله بن معاذ ومحمد بن عبد الأعلى القيسي، قالا حدثنا المعتمر عن أبيه، حدثني نعيم بن أبي هند، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفِّر محمد وجهه بين أظهركم؟ فقيل: نعم، فقال: [واللات] (4)\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) انظر الطبري: 30 / 254، ابن كثير: 4 / 529.\r(4) زيادة من \"ب\".","part":8,"page":479},{"id":3476,"text":"والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته، ولأعفِّرَن وجهه في التراب، قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، [عزم] (1) ليطأ على رقبته، فما فَجَأَهُمْ منه إلا وهو ينكُص، على عقبيه، ويتَّقي بيديه، قال فقيل له: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار، وهولا وأجنحة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا، قال: فأنزل الله -لا ندري في حديث أبي هريرة أو شيء بلغه-: \"كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى إن إلى ربك الرجعي أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى\" الآيات (2) .\rومعنى \"أرأيت\" هاهنا تعجيب للمخاطب. وكرر هذه اللفظة للتأكيد:\r{ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14) كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) }\rأرأيت إن كان إلى الهدى يعني العبد المنهي وهو محمد صلى الله عليه وسلم. { أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى } يعني بالإخلاص والتوحيد. { أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ } يعني أبا جهل، { وَتَوَلَّى } عن الإيمان.\rوتقدير نظم الآية: أرأيت الذي ينهى عبدًا إذا صلى [والمنهي] (3) على الهدى، آمِرٌ بالتقوى، والناهي مكذِّبٌ مُتَوَلِّ عن الإيمان، فما أعجب من هذا! { أَلَمْ يَعْلَمْ } يعني أبا جهل، { بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى } ذلك فيجازيه به. { كَلا } لا يعلم ذلك، { لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ } عن إيذاء [نبيه] (4) صلى الله عليه وسلم وتكذيبه، { لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَة } لنأخذن بناصيته فلنجرنه إلى النار، كما قال \"فيؤخذ بالنواصي والأقدام\" (الرحمن -41) يقال: سفعت، بالشيء، إذا أخذته وجذبته جذبا شديدا، و \"الناصية\": شعر مقدم الرأس. ثم قال على البدل: { نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ } أي صاحبها كاذب خاطئ، قال ابن عباس: لما نهى أبو جهل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة انتهره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو جهل أتنهرني [يا محمد لقد علمت ما بها أكثر ناديًا مني؟ ثم قال]: (5) فوالله لأمَلأن عليك هذا الوادي إن شئت خيلا جردًا ورجالا مردًا (6) .\r__________\r(1) في \"ب\" زعم.\r(2) أخرجه مسلم في صفات المنافقين، باب قوله (إن الإنسان ليطغى) برقم: (2797): 4 / 2154.\r(3) في \"ب\" وهو.\r(4) في \"ب\" محمد.\r(5) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(6) انظر : الطبري: 30 / 255.","part":8,"page":480},{"id":3477,"text":"{ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18) كَلا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19) }\rقال الله عز وجل: { فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ } أي قومه وعشيرته، أي فليستنصر بهم. { سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ } جمع زِبْنيِّ مأخوذ من الزِّبْن وهو الدفع، قال ابن عباس: يريد زبانية جهنم سموا بها لأنهم يدفعون أهل النار إليها، قال الزجاج: هم الملائكة الغلاظ الشداد، قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله (1) ثم قال: { كَلا } ليس الأمر على ما عليه أبو جهل، { لا تُطِعْهُ } في ترك الصلاة، { وَاسْجُد } صل لله { وَاقْتَرِبْ } من الله.\rأخبرنا أبو طاهر عمر بن عبد العزيز القاشاني، أخبرنا أبو عمر القاسم بن جعفر الهاشمي، حدثنا أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي، حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث، حدثنا أحمد بن صالح وأحمد بن عمرو بن السراج ومحمد بن سلمة قالوا: أخبرنا وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غُزَيَّة عن سُمَيّ مولى أبي بكر أنه سمع أبا صالح ذكوان يُحدث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء [فيها] (2) \" (3) .\r__________\r(1) أخرجه الطبري: 30 / 256.\r(2) ساقط من \"ب\" .\r(3) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب الدعاء في الركوع والسجود: 1 / 420، ومسلم في الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود برقم: (482): 1 / 350 والمصنف في شرح السنة: 3 / 151.","part":8,"page":481},{"id":3478,"text":"سورة القدر مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) }\r{ إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } يعني القرآن، كناية عن غير مذكور، أنزله جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، فوضعه في بيت العزة، ثم كان ينزل به جبريل عليه السلام نجومًا في عشرين سنة (2) . ثم عجَّب نبيه فقال: { وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ } سُميت ليلة القدر لأنها ليلة تقدير الأمور والأحكام، يقدر الله فيها أمر السنة في عباده وبلاده إلى السنة المقبلة، كقوله تعالى: \"فيها يفرق كل أمر حكيم\" (الدخان -4) وهو مصدر قولهم: قَدَر الله الشيء بالتخفيف، قَدْرًا وَقَدرًا، كالنَّهَر 197/أ والنَّهَر والشَّعْر والشَّعَر، وقدّره -بالتشديد -تقديرًا [وقَدَر بالتخفيف قدرًا] (3) بمعنى واحد.\rقيل للحسين بن الفضل: أليس قد قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: [بلى] (4) ، قيل: فما معنى ليلة القدر؟ قال: سَوْق المقادير إلى المواقيت، وتنفيذ القضاء المقدر. وقال الأزهري: \"ليلة القدر\": أي ليلة العظمة والشرف من قول الناس: لفلان عند الأمير قدر، أي جاه ومنزلة، ويقال: قَدَرْت، فلانًا أي عظمته. قال الله تعالى: \"وما قدروا الله حق قدره\" (الأنعام -91) (الزمر -67) أي ما عظموه حق تعظيمه.\rوقيل: لأن العمل الصالح يكون فيها ذا قدر عند الله لكونه مقبولا.\r__________\r(1) أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة (إنا أنزلناه في ليلة القدر) بمكة. انظر: الدر المنثور: 8 / 567.\r(2) انظر : ابن كثير: 4 / 530.\r(3) ما بين القوسين زيادة من \"أ\".\r(4) في \"ب\" نعم\".","part":8,"page":482},{"id":3479,"text":"واختلفوا في وقتها؛ فقال بعضهم: إنها كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رفعت، وعامة الصحابة والعلماء على أنها باقية إلى يوم القيامة. وروي عن عبد الله بن مكانس مولى معاوية قال: قلت لأبي هريرة: زعموا أن ليلة القدر قد رَفعتْ؟ قال: كذب من قال ذلك، قلت: هي في كل شهر أستقبله؟ قال: نعم (1) .\rوقال بعضهم: هي ليلة من ليالي السنة حتى لو علقَّ رجل طلاق امرأته وعتق عبده بليلة القدر، لا يقع ما لم تمض سنة من حين حلف. يروى ذلك عن ابن مسعود، قال: من يقم الحول يُصِبْهَا، فبلغ ذلك عبد الله بن عمر فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن أما إنه علم أنها في شهر رمضان، ولكن أراد أن لا يتكل الناس (2) .\rوالجمهور من أهل العلم على أنها في شهر رمضان.\rواختلفوا في تلك الليلة؛ قال أبو رزين العقيلي: هي أول ليلة من شهر رمضان. وقال الحسن: ليلة سبع عشرة، وهي الليلة التي كانت صبيحتها وقعة بدر.\rوالصحيح والذي عليه الأكثرون: أنها في العشر الأواخر من شهر رمضان.\rأخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي، حدثنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا عبدة بن سليمان، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في العشر الأواخر من رمضان، ويقول: \"تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان\" (3) .\rأخبرنا أبو عثمان الضبي، أخبرنا أبو محمد الجراحي، حدثنا أبو العباس المحبوبي، حدثنا أبو عيسى، حدثنا قتيبة، حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر [ما] (4) لا يجتهد في غيرها (5) .\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 570 لعبد بن حميد.\r(2) انظر : الدر المنثور: 8 / 576.\r(3) أخرجه الترمذي في الصوم، باب ما جاء في ليلة القدر: 3 / 504، والبخاري في فضل ليلة القدر، باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر: 4 / 259، وأخرج مسلم الجملة الأخيرة (تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان) في الصيام، باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها، برقم: (1169): 4 / 828، والمصنف في شرح السنة: 6 / 381.\r(4) ساقط من \"أ\".\r(5) أخرجه الترمذي في الصوم: 3 / 509 وقال: \"هذا حديث غريب حسن صحيح\". ومسلم في الاعتكاف، باب الاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان برقم: (1174): 2 / 832، والمصنف في شرح السنة: 6 / 390.","part":8,"page":486},{"id":3480,"text":"أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن أبي يعقوب، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر [الأواخر] (1) من رمضان شد مئزره وأحيا ليله، وأيقظ أهله (2) .\rواختلفوا في أنها في أي ليلة من العشر؟\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا إسماعيل بن جعفر، حدثنا أبو سهل بن مالك، عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"تحَّروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان\" (3) .\rأخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن حامد الوازن، أخبرنا مكي بن عبدان، حدثنا عبد الله بن [هاشم] (4) بن حيان، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، حدثنا عيينة بن عبد الرحمن، حدثني أبي قال: ذكرت ليلة القدر عند أبي بكرة، فقال: ما أنا بطالبها بعد شيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في العشر الأواخر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \"التمسوها في العشر الأواخر من تسع بَقِينَ أو سبع بقين أو خمس بقين أو ثلاث بقين أو آخر ليلة\" (5) ، فكان أبو بكرة إذا دخل رمضان يصلي كما يصلي في سائر السنة، فإذا دخل العشر [الأخير] (6) اجتهد.\rوأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن المثنى، حدثني خالد بن الحارث، حدثنا حميد، حدثنا أنس بن مالك عن عبادة بن الصامت قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر فتَلاحى رجلان من المسلمين، فقال: \"خرجت،\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) أخرجه البخاري في فضل ليلة القدر، باب العمل في العشرة الأواخر من رمضان 4 / 269، ومسلم في الاعتكاف باب الاجتهاد في العشر الأواخر من شهر رمضان برقم: (1174): 2 / 832، والمصنف في شرح السنة: 6 / 389.\r(3) أخرجه البخاري في فضل ليلة القدر، باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر: 4 / 259، والمصنف في شرح السنة: 6 / 381 - 382.\r(4) في \"أ\" هشام والصحيح ما أثبتناه كما في التهذيب.\r(5) أخرجه الترمذي في الصوم، باب ما جاء في ليلة القدر: 3 / 507 - 508 وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\"، وابن حبان صفحة: (231) من موارد الظمآن، وابن خزيمة: 3 / 324، وصححه الحاكم: 1 / 438 ووافقه الذهبي، والبيهقي في شعب الإيمان: 7 / 280، والإمام أحمد: 5 / 36، والطيالسي في المسند صفحة: (118) برقم: (881)، وابن أبي شيبة: 3 / 76. وصححه الألباني في تعليقه على المشكاة برقم: (2092) وصحيح الجامع برقم: (1243). وانظر: الأحاديث الواردة في تعيين ليلة القدر بالتفصيل في: \"إتحاف أهل الإسلام بخصوصيات الصيام\" لابن حجر الهيثمي صفحة (166) وما بعدها.\r(6) في \"ب\" الأواخر\" .","part":8,"page":487},{"id":3481,"text":"لأخبركم بليلة القدر فتَلاحى فلان وفلان فرُفعتْ، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة\" (1) .\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم [أروا] (2) ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر من رمضان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إني أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر\" (3) . وروي عن أبي سعيد الخدري: أنها ليلة إحدى وعشرين.\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الوسطى من رمضان، واعتكف عامًا حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج صبحها من اعتكافه، قال: من [كان سيعتكف] (4) معي فليعتكف العشر الأواخر، وقد رأيت هذه الليلة ثم أُنْسِيتُها، وقد رَأَيْتُنيِ أسجد في صبيحتها في ماء وطين، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر (5) .\rقال أبو سعيد الخدري: فمطرت السماء تلك الليلة، وكان المسجد على عريش فَوَكَفَ المسجد.\rقال أبو سعيد: فأَبْصَرَت عينايَ رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف وعلى جبهته وأنفه أَثَر، الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين.\rوقال بعضهم: هي ليلة ثلاث وعشرين.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في فضل ليلة القدر باب: رفع معرفة ليلة القدر لتلاحي الناس: 4 / 267 والمصنف في شرح السنة: 6 / 380.\r(2) في \"ب\" رأوا.\r(3) أخرجه الإمام مالك في الموطأ، كتاب الاعتكاف، باب ما جاء في ليلة القدر، 1 / 320، والبخاري في فضل ليلة القدر، باب التماس ليلة القدر في السبع الأواخر 4 / 256، ومسلم في الصيام، باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها برقم: (1165): 2 / 822 - 823، والمصنف في شرح السنة: 6 / 381.\r(4) في \"ب\" من اعتكف.\r(5) أخرجه الإمام مالك في الاعتكاف، باب ما جاء في ليلة القدر: 1/319، والبخاري في الاعتكاف، باب الاعتكاف في العشر الأواخر: 4 / 271، ومسلم في الصيام، باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها برقم: (1167): 2 / 825 والمصنف في شرح السنة: 6 / 383 - 384.","part":8,"page":488},{"id":3482,"text":"أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا أحمد بن خالد الحمصي، حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم، حدثني عبد الله بن أنيس عن أبيه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أكون بباديةٍ يقال لها الوَطْأَة وإني بحمد الله أُصلِّي بهم، فمُرْني بليلةٍ من هذا الشهر أنزلُها إلى المسجد فأصليها فيه، فقال: \"انزل ليلة ثلاث وعشرين فصلِّها فيه، وإن أحببت أن تَسْتَتّم آخر الشهر فافعل، 197/ب وإن أحببت فكف\" (1) . قال: فكان إذا صلى العصر دخل المسجد فلم يخرج إلا من حاجة حتى يصلي الصبح، فإذا صلى الصبح كانت دابته بباب المسجد.\rوأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: تذاكرنا ليلة القدر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كم مضى من الشهر؟ فقلنا: ثنتان [وعشرون] (2) وبقي سبع، [فقال : \"مضى اثنتان وعشرون وبقي سبعُ] (3) اطلبوها الليلةَ، الشهر تسع وعشرون\" (4) .\rوقال قوم: هي ليلة سبع وعشرين، وهو قول علي وأُبَيٍّ وعائشة:\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أبو منصور السمعاني، حدثنا أبو جعفر الرياني، حدثنا حميد بن زنجويه، حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا سفيان عن عاصم عن زر بن حبيش قال: قلت لأبي ابن كعب: يا أبا المنذر أخبرنا عن ليلةِ القدرِ، فإن ابنَ أمِّ عبدٍ يقول: من يَقُمِ الحولَ يُصِبْهَا، فقال:\r__________\r(1) أخرجه أبو داود في الصلاة، باب في ليلة القدر: 2 / 110، والبيهقي في السنن 4 / 310، وفي شعب الإيمان: 7 / 276، والطحاوي في شرح معاني الآثار: 3 / 88، وعبد الرزاق في المصنف: 4 / 251. ورواه مالك منقطعا: 1 / 320 ووصله مسلم وغيره كما تقدم. قال المنذري: \"وفي سنده محمد بن إسحاق وقد تقدم الكلام عليه، وقد أخرج مسلم في صحيحه في \"كتاب الصيام برقم: (1168) من حديث بسر بن سعيد، عن عبد الله بن أنيس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أريت ليلة القدر ثم أنسيتها وأراني صبحها أسجد في ماء وطين، قال: فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فانصرف وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه\" وأما ابن إسحاق فإن تدليسه لا يضر، فهو ليس من القادح في العدالة، وقد أطال العلامة اللكنوي في الرد على جرحه، وانتهى إلى توثيقه في كتابه: \"إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام\" صفحة: (280 0 290) وبالجملة فهو حسن اختلف فيه، وهو حسن الحديث كما قال المنذري. وانظر : مجمع الزوائد: 3 / 178.\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: 3 / 84 ومن طريقه أخرجه ابن ماجه في الصيام، باب ما جاء في \"الشهر تسع وعشرون\" برقم: (1656): 1 / 530 وقال البوصيري في الزوائد : \"إسناد صحيح على شرط مسلم\" ، وزاد الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند على أنه شرط البخاري. وصححه ابن حبان صفحة: (230) من موارد الظمآن، وأخرجه البيهقي في السنن، 4 / 310، والإمام أحمد في المسند: 2 / 251 بإسناد صحيح وبشرح الشيخ أحمد شاكر: 13 / 156. وأخرجه المصنف في شرح السنة: 6 / 386.","part":8,"page":489},{"id":3483,"text":"رحم الله أبا عبد الرحمن، أما إنه قد علم أنها في رمضان، ولكن كره أن يُخبركم فَتَتَّكِلوا هي -والذي أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم -ليلة، سبع وعشرين، فقلنا: يا أبا المنذر أنىَّ علمت هذا؟ قال: بالآية التي أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم فحفظنا [ووعينا] (1) ، هي والله [لا تنسى] (2) ، قال قلنا لِزرٍّ: وما الآية؟ قال: تطلع الشمس كأنها طاسٌ ليس لها شعاع (3) .\rومن علاماتها: ما روي عن الحسن رَفَعه: أنها ليلة [بَلْجَةٌ] (4) سَمْحَةٌ لا حارَّةٌ ولا باردة، تطلع الشمس صبيحتها لا شعاع لها (5) .\rوفي الجملة: أبهم الله هذه الليلة على هذه الأمة ليجتهدوا في العبادة ليالي رمضان طمعًا في إدراكها ، كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة، وأخفى الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس، واسمه الأعظم في الأسماء، ورضاه في الطاعات ليرغبوا في جميعها، وسخطه في المعاصي لينتهوا عن جميعها، وأخفى قيام الساعة ليجتهدوا في الطاعات حذرًا من قيامها.\r{ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) }\rقوله عز وجل: { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } قال عطاء عن ابن عباس: ذُكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من بني إسرائيل حمل السلاح على عاتقه في سبيل الله ألف شهر، فعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك وتمنى ذلك لأمته، فقال: يا رب جعلت أمتي أقصر الأمم أعمارًا وأقلها أعمالا؟ فأعطاه الله ليلة القدر، فقال: { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } التي حمل فيها الإسرائيلي السلاح في سبيل الله، لك ولأمتك إلى يوم القيامة (6) .\r__________\r(1) في \"ب\" وعددنا.\r(2) في \"ب\" لا نستثني.\r(3) أخرجه مسلم في الصيام، باب فضل ليلة القدر والحث عليه برقم: (762): 2 / 828، والمصنف في شرح السنة: 6 / 387.\r(4) أي مشرفة، النهاية: 1 / 151.\r(5) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف عن الحسن مرسلا: 3 / 514، وعبد الرزاق في المصنف: 4 / 252 - 253، قال الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" 4 / 260: \"وقد ورد لليلة القدر علامات أكثرها لا تظهر إلا بعد أن تمضي، منها في صحيح مسلم عن أبي بن كعب - الحديث السابق - وفي رواية لأحمد من حديث: \"مثل الطست\" ونحوه لأحمد من حديث أبي عون عن ابن مسعود، وزاد: \"صافية\" ومن حديث ابن عباس نحوه، ولابن خزيمة من حديثه مرفوعا: \"ليلة القدر صافية بلجة طلقة لا حارة ولا باردة. . \".\r(6) أخرجه الطبري: 3 / 289 - 290، والواحدي في أسباب النزول صفحة (533) كلاهما عن مجاهد: وأخرجه أيضا البيهقي في السنن: 4 / 306 وقال: هذا مرسل، وأشار إليه في \"شعب الإيمان\" 7 / 265. وذكره ابن كثير في التفسير من رواية ابن أبي حاتم عن مجاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلا من بني إسرائيل . . وهو منقطع، وفيه مسلم بن خالد الزنجي صدوق له أوهام.","part":8,"page":490},{"id":3484,"text":"قال المفسرون: \"ليلة القدر خير من ألف شهر\" معناه: عمل صالح في ليلة القدر خير من عَمِل ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.\rحدثنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، املاءً، حدثنا أبو نعيم الإسفرايني، أخبرنا أبو عوانة، حدثنا أبو إسماعيل، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا الزهري، أخبرني أبو سلمة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه\" (1) .\rقال سعيد بن المسيب: من شهد المغرب والعشاء في جماعة فقد أخذ بحظه من ليلة القدر (2) .\rأخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو بكر بن عبدوس المزكي، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الحسن بن مكرم، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا كهمس عن عبد الله بن بريدة أن عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن وافيت ليلة القدر فما أقول؟ قال: \"قولي: اللهم إنك عفو تحب العفوَ فاعف عني\" (3) .\r{ تَنزلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5) }\rقوله عز وجل: { تَنزلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ } يعني جبريل عليه السلام معهم، { فيها } أي في ليلة القدر، { بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ } أي بكل أمر من الخير والبركة، كقوله: \"يحفظونه من أمر الله\" (الرعد -11) أي بأمر الله. { سَلامٌ } قال عطاء: يريد: سلامٌ على أولياء الله وأهل طاعته. وقال الشعبي: هو تسليم الملائكة ليلة القدر على أهل المساجد من حيث تغيب الشمس إلى أن يطلع الفجر (4) .\rوقال الكلبي: الملائكة ينزلون فيه كلما لقوا مؤمنًا أو مؤمنة سلَّموا عليه من ربه حتى يطلع الفجر.\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التراويح، باب فضل من قام رمضان: 4 / 250، ومسلم في صلاة المسافرين، باب الترغيب في قيام رمضان برقم: (760): 1 / 524.\r(2) ذكره السيوطي في الدر المنثور: 8 / 582.\r(3) أخرجه الترمذي في الدعوات: 9 / 495 وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\"، والنسائي في التفسير: 2 / 538، وفي عمل اليوم والليلة صفحة: (499) ومن طريقه أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة صفحة (359)، وابن ماجه برقم: (3850): 2 / 1265، والبيهقي في شعب الإيمان: 7 / 299 والإمام أحمد: 6 / 171، 182 ، 183 ، والحاكم: 2 / 530 وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، ومحمد بن نصر في قيام الليل وقيام رمضان صفحة: (239) من مختصر المقريزي. وصححه النووي في الأذكار. وانظر: الفتوحات الربانية على الأذكار النووية لابن علان : 4 / 346.\r(4) أخرجه البيهقي عنه في شعب الإيمان: 7 / 299 ورجاله ثقات وذكره القرطبي عنه: 20 / 134.","part":8,"page":491},{"id":3485,"text":"وقيل: تَمَّ الكلام عند قوله: \"بإذن ربهم من كل أمر\" ثم ابتدأ فقال: \"سلام هي\"، أي: ليلة القدر سلام وخير كلها، ليس فيها شر.\rقال الضحاك: لا يقدر الله في تلك الليلة ولا يقضي إلا السلامة.\rوقال مجاهد: يعني أن ليلة القدر [سالمة] (1) لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءًا ولا أن يحدث فيها أذى (2) .\r{ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ } أي: إلى مطلع الفجر، قرأ الكسائي \"مَطِلْع\" بكسر اللام، والآخرون بفتحها، وهو الاختيار، بمعنى الطلوع، على المصدر، يقال: طلع الفجر طُلوعا ومطلعًا، والكسر موضع الطلوع.\r__________\r(1) ساقط من \"أ\".\r(2) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان: 7 / 299. وذكره السيوطي في الدر المنثور: 8 / 569 - 570 وعزاه لسعيد بن منصور وعبد بن حميد ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي.","part":8,"page":492},{"id":3486,"text":"سورة البينة مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) }\r{ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ } وهم اليهود والنصارى ، { وَالْمُشْرِكِينَ } وهم عبدة الأوثان، { مُنْفَكِّين } [منتهين عن كفرهم وشركهم، وقال أهل اللغة]: (2) زائلين منفصلين، يقال: فككت الشيء فانفكَّ، أي: انفصل، { حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ } لفظه مستقبل ومعناه الماضي، أي: حتى أتتهم البينة، الحجة الواضحة، يعني: محمدًا صلى الله عليه وسلم، أتاهم بالقرآن فبيَّن لهم [ضلالاتهم] (3) وجهالتهم ودعاهم إلى الإيمان. فهذه الآية فيمن آمن من الفريقين، أخبر أنهم لم ينتهوا عن الكفر حتى أتاهم الرسول فدعاهم إلى الإيمان فآمنوا فأنقذهم الله من الجهل والضلالة. ثم فسر البينة فقال: { رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو } يقرأُ { صُحُفًا } كتبًا، يريد ما يتضمنه الصحف من المكتوب فيها، وهو القرآن؛ لأنه كان يتلو عن ظهر قلبه لا عن [الكتاب] (4) ، قوله: { مُطَهَّرَةً } من الباطل والكذب والزور. { فِيهَا } أي في الصحف، { كُتُبٌ } يعني الآيات والأحكام المكتوبة فيها، { قَيِّمَةٌ } عادلة مستقيمة غير ذات عوج.\r{ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4) وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5) }\rثم ذكر من لم يؤمن من أهل الكتاب فقال:\r__________\r(1) أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة (لم يكن) بالمدينة، انظر: الدر المنثور: 8 / 585.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\" .\r(3) في \"ب\" ضلالتهم.\r(4) في \"ب\" كتاب.","part":8,"page":493},{"id":3487,"text":"{ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، { إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ } أي البيان في كتبهم أنه نبي مرسل.\rقال المفسرون: لم يزل أهل الكتاب مجتمعين في تصديق محمد صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله، فلما بعث تفرقوا في أمره واختلفوا، فآمن 198/أ به بعضهم، وكفر آخرون.\rوقال بعض أئمة اللغة: معنى قوله \"منفكِّين\": هالكين، من قولهم: انفك [صلا] (1) المرأة عند الولادة، وهو أن ينفصل فلا يلتئم فتهلك.\rومعنى الآية: لم يكونوا هالكين معذبين إلا من بعد قيام الحجة عليهم بإرسال الرسول وإنزال الكتاب، والأول أصح. ثم ذكر ما أمروا به في كتبهم فقال: { وَمَا أُمِرُوا } يعني هؤلاء الكفار، { إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ } يعني إلا أن يعبدوا الله، { مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } قال ابن عباس: ما أمروا في التوراة والإنجيل إلا [بالإخلاص في] (2) العبادة لله موحدين، { حُنَفَاءَ } مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، { وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ } المكتوبة في أوقاتها، { وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ } عند محلها، { وَذَلِك } الذي أمروا به، { دِينُ الْقَيِّمَةِ } أي الملة والشريعة المستقيمة. أضاف الدين إلى القيِّمة وهي نعته، لاختلاف اللفظين، وأنَّث \"القيِّمة\" ردًا بها إلى الملة.\rوقيل: الهاء فيه للمبالغة، وقيل: \"القيمة\" هي الكتب التي جرى ذكرها، أي وذلك دين الكتب القيمة فيما تدعو إليه وتأمر به، كما قال: \"وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه\" (البقرة 213) .\rقال النضر بن شميل: سألت الخليل بن أحمد عن قوله: \"وذلك دين القيمة\"؟ فقال: \"القيمة\":\r__________\r(1) وسط الظهر منا ومن كل ذي أربع.\r(2) في \"ب\" بإخلاص .","part":8,"page":496},{"id":3488,"text":"جمع القيِّم، والقِّيمُ والقائمُ واحدٌ، ومجاز الآية: وذلك دين القائمين لله بالتوحيد.\r{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) }","part":8,"page":497},{"id":3489,"text":"{ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8) }\rثم ذكر ما للفريقين فقال: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ } قرأ نافع وابن عامر \"البريئة\" بالهمزة في الحرفين لأنه من قولهم: برأ الله الخلق وقرأ الآخرون مشددا بغير همز كالذرية ترك همزها في الاستعمال.\r{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ } وتناهَى عن المعاصي.\rوقيل: الرضا ينقسم إلى قسمين: رضًا به ورضًا عنه، فالرضا به: ربًّا ومدبِّرًا، والرضا عنه: فيما يقضي ويُقدِّر.\rقال السدي رحمه الله: إذا كنت لا ترضى عن الله فكيف تسأله الرضا عنك؟\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة قال: سمعت قتادة عن أنس بن مالك قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبيّ: \"إن الله تعالى أمرني أن أقرأ عليك: \"لم يكن الذين كفروا\" قال: وسماني؟ قال: \"نعم\" فبكى (1) .\rوقال همام عن قتادة: \"أمرني أن أقرأ عليك القرآن\" (2) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة البينة - 8 / 725.\r(2) أخرجه البخاري في الموضع السابق، وفي فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باب مناقب أبي بن كعب، ومسلم في صلاة المسافرين، باب استحباب قراءة القرآن على أهل الفضل والحذق فيه. . برقم: (799): 1 / 550.","part":8,"page":497},{"id":3490,"text":"سورة الزلزلة مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ إِذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الأرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الإنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) }\r{ إِذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ } حُرِّكت [الأرض] (2) حركة شديدة لقيام الساعة، { زِلْزَالَهَا } تحريكها. { وَأَخْرَجَتِ الأرْضُ أَثْقَالَهَا } موتاها وكنوزها فتلقيها على ظهرها.\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا واصل بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن فضيل عن أبيه عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"تَقِيءُ الأرضُ أفلاذَ كبدها أمثال [الأسطُوان] (3) من الذهب والفضة، فيجيء القاتلُ فيقولُ: في هذا قَتَلْتُ، ويجيء القاطع فيقول: في هذا قَطَعْتُ رحمي، ويجيء السارق فيقول: في هذا قُطِعتْ يدي، ثم يَدَعُونه فلا يأخذون منه شيئا\" (4) . { وَقَالَ الإنْسَانُ مَا لَهَا } ؟ قيل: في الآية تقديم وتأخير تقديره: { يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا } فيقول الإنسان: \"ما لها \"، أي تخبر الأرض بما عمل عليها.\r__________\r(1) ذكر السيوطي في الدر المنثور: 8 / 590 عن ابن عباس وعن قتادة أن السورة مدنية. وقال ابن الجوزي في زاد المسير: 9 / 201 \"وفيها قولان: أحدهما: أنها مدنية: قاله ابن عباس وقتادة، ومقاتل والجمهور. والثاني: مكية، قاله ابن مسعود، وجابر، وعطاء\". والغالب على آياتها خصائص الآيات المكية والله أعلم.\r(2) ساقط من \"أ\".\r(3) جمع أسطوانة وهي السارية أو العمود، وشبهه بالأسطوانة لعظمه.\r(4) أخرجه مسلم في الزكاة، باب الترغيب في الصدقة قبل أن لا يوجد من لا يقبلها برقم: (1013): 2 / 7091.","part":8,"page":498},{"id":3491,"text":"أخبرنا أبو بكر محمد عبد الله بن أبي توبة، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي، أخبرنا عبد الله بن محمود، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك عن سعيد بن أبي أيوب، حدثنا يحيى بن أبي سليمان عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية { يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا } قال: \"أتدرون ما أخبارها\"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"فإن أخبارها أن تشهدَ على كل عبدٍ وأمةٍ بما عمل على ظهرها، أن تقول: عمل عليَّ يوم كذا وكذا كذا وكذا قال: فهذه أخبارها\" (1) .\r{ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) }\r{ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا } أي: أمرها بالكلام وأذِن لها بأن تخبر بما عمل عليها. قال ابن عباس والقرظي: أوحى إليها.\rومجاز الآية: يوحِي الله، إليها، يقال: أوحى لها، وأوحى إليها ووحَّى لها، ووحَّى إليها، واحد. قوله تعالى: { يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ } يرجع الناس عن موقف الحساب بعد العرض، { أَشْتَاتًا } متفرقين فأخذ ذات اليمين إلى الجنة وآخذ ذات الشمال إلى النار، كقوله: \"يومئذ يتفرقون\" (الروم -14) ، \"يومئذ يصدعون\". (الروم -43) . { لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ } قال ابن عباس: ليروا جزاء أعمالهم، والمعنى: أنهم يرجعون عن الموقف فرقًا لينزلوا منازلهم من الجنة والنار. { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } وزن نملة صغيرة أصغر ما يكون من النمل. { خَيْرًا يَرَهُ } { وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } قال ابن عباس: ليس مؤمن ولا كافر عمل خيرًا أو شرًا في الدنيا إلا أراه الله إياه يوم القيامة (2) ، فأما المؤمن فُيَرى حسناته وسيئاته فيغفر الله سيئاته\r__________\r(1) أخرجه الترمذي في القيامة، باب الأرض تحدث أخبارها يوم القيامة: 7 / 116 وقال: \"هذا حديث حسن غريب\". وفي التفسير: 9 / 286، والنسائي في التفسير: 2 / 544 وصححه الحاكم: 2 / 256 على شرط الشيخين وأقره الذهبي ثم كرره في 2 / 532 فتعقبه الذهبي بقوله: \"يحيى هذا يحيى بن أبي سليمان، منكر الحديث، قاله البخاري\". وصححه ابن حبان برقم: (2586) صفحة: (641) من موارد الظمآن وأخرجه الإمام أحمد: 2 / 374، والمصنف في شرح السنة: 15 / 116 - 117، وله شاهد عند الطبراني: 7 / 141 - 142. وانظر: الكافي الشاف صفحة: (186 - 187) والدر المنثور: 8 / 592.\r(2) أخرجه الطبري: 30 / 268. وزاد السيوطي في الدر المنثور: 8 / 595 عزوه لابن المنذر والبيهقي في البعث.","part":8,"page":502},{"id":3492,"text":"ويثيبه بحسناته، وأما الكافر فتردُّ حسناته ويعذبه بسيئاته.\rقال محمد بن كعب في هذه الآية \"فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره\": من كافر يرى ثوابه في الدنيا في نفسه وماله وأهله وولده، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله خير، \"ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره\" من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في نفسه وماله وأهله وولده، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله شر.\rقال مقاتل: نزلت هذه الآية في رجلين، وذلك أنه لما نزل \"ويطعمون الطعام على حبه\" كان أحدهما يأتيه السائل فيستقلُّ أن يعطيه التمرة والكِسْرة والجوزة ونحوها، يقول: ما هذا بشيء إنما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبه، وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير كالكذبة والغيبة والنظرة وأشباه ذلك، ويقول: إنما وعد الله النارَ على الكبائر، وليس في هذا إثم، فأنزل الله تعالى هذه الآية يرغِّبهم في القليل من الخير أن يعطوه، فإنه يوشك 198/ب أن يكثر، ويحذرهم اليسير من الذنب، فإنه يوشك أن يكثر (1) ، فالإثم الصغير في عين صاحبه أعظم من الجبال يوم القيامة، وجيمع محاسنه [في عينه] (2) أقل من كل شيء.\rقال ابن مسعود: أَحْكَمُ آيةٍ في القرآن \"فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره\".\rوكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسميها الجامعةَ الفاذَّة حين سئل عن زكاة الحمر فقال: \"ما أنزل عليَّ فيها شيءٌ إلا هذه الآية الجامعة الفاذَّة \"فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره\" (3) .\rوتصدق عمر بن الخطاب، وعائشة بحبة عنب، وقالا فيها مثاقيل كثيرة (4) .\rوقال الربيع بن خيثم: مر رجل بالحسن وهو يقرأ هذه السورة فلما بلغ آخرها قال: حسبي قد انتهت الموعظة (5) .\r__________\r(1) ذكره السيوطي في الدر المنثور: 8 / 594 - 595 معزوا لابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير.\r(2) زيادة من \"أ\".\r(3) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة الزلزلة - باب (ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) 8 / 727، وفي الجهاد. باب : الخيل لثلاثة 6 / 63 - 64. ومسلم في الزكاة، باب : إثم مانع الزكاة برقم (987) 2 / 682.\r(4) انظر: الدر المنثور: 8 / 597.\r(5) أخرجه عبد الرزاق في التفسير: 2 / 388.","part":8,"page":503},{"id":3493,"text":"أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا محمد بن القاسم، حدثنا أبو بكر محمد عبد الله، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا علي بن حجر، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا اليمان بن المغيرة، حدثنا عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إذا زلزلت الأرض \" تعدل نصف القرآن، \" قل هو الله أحد \" ، تعدل ثلث القرآن، \" قل يا أيها الكافرون \" تعدل ربع القرآن\" (1) .\r__________\r(1) ضعيف أخرجه الترمذي في فضائل القرآن: 8 / 205 - 206 وقال: \"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يمان بن المغيرة\". وصححه الحاكم: 1 / 566 وتعقبه الذهبي فقال: \"بل يمان ضعفوه\". والبيهقي في شعب الإيمان: 5 / 452 وابن عدي في الكامل: 7 / 2638. وانظر: فيض القدير للمناوي: 1 / 367، ضعيف الحاكم للألباني رقم: (531) صفحة (76).","part":8,"page":504},{"id":3494,"text":"سورة العاديات مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) }\r{ وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا } قال ابن عباس، وعطاء ومجاهد، وعكرمة، والحسن، والكلبي، وقتادة، والمقاتلان (2) ، وأبو العالية وغيرهم: هي الخيل العادية في سبيل الله عز وجل تَضْبَحُ، والضَّبْح: صوت أجوافها إذا عَدَتْ.\rقال ابن عباس: وليس شيء من الحيوانات تضبح غير الفرس والكلب والثعلب، وإنما تضبح هذه الحيوانات إذا تغيَّر حالها من تعب أو فزع، وهو من [قولهم] (3) ضَبَحَتْهُ النارُ، إذا غيرَّت لونه.\r[وقوله: \"ضبحًا\" نصب على المصدر، مجازه: والعاديات تضبح ضبحًا] (4) .\rوقال علي: هي الإبل في الحج، تعدو من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى منى، وقال إنها نزلت في وقعة بدر، [كانت أول غزوة في الإسلام بدرًا] (5) وما كان معنا إلا فَرَسان، فَرَسٌ للزبير وفرس للمقداد بن الأسود فكيف تكون الخيل العاديات؟ وإلى هذا ذهب ابن مسعود، ومحمد بن كعب، والسُّدي.\rوقال بعض من قال: هي الإبل: قوله \"ضبحًا\" يعني ضباحًا تمد أعناقها في السير (6) .\r__________\r(1) أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت والعاديات بمكة. انظر: الدر المنثور: 8 / 599.\r(2) يعني: مقاتل بن حيان ومقاتل بن سليمان.\r(3) في \"ب\" قول العرب.\r(4) ما بين القوسين جاء في \"أ\" متأخرا لآخر معنى (والعاديات ضبحا).\r(5) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(6) ساق الطبري: 30 / 271 - 273 هذه الأقوال - التي ترجع إلى رأيين - ثم قال مرجحا: \"وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: عني بالعاديات: الخيل، وذلك أن الإبل لا تضبح وإنما تضبح الخيل، وقد أخبر الله تعالى أنها تعدو ضبحا\".","part":8,"page":505},{"id":3495,"text":"{ فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (5) }\r{ فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا } قال عكرمة، وعطاء، والضحاك، ومقاتل، والكلبي،:هي الخيل توري النار بحوافرها إذا سارت في الحجارة. يعني: والقادحات قدحًا يقدحن بحوافرهن.\rوقال قتادة: هي الخيل تهيج الحربَ ونارَ العداوة بين فرسانها.\rوقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: هي الخيل تغزو في سبيل الله ثم تأوي بالليل [إلى مأواها] (1) فيورون نارهم، ويصنعون طعامهم.\rوقال مجاهد، وزيد بن أسلم: هي مكر الرجال، يعني رجال الحرب، والعرب تقول إذا أراد الرجل أن يمكر بصاحبه: أما والله لأقدحن لك ثم لأوِريَنَّ لك.\rوقال محمد بن كعب: هي النيران تجتمع (2) . { فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا } هي الخيل تغير بفرسانها، على العدو عند الصباح، هذا قول أكثر المفسرين. وقال القرظي: هي الإبل تدفع بركبانها يوم النحر من جَمْع (3) إلى منى، والسُّنَة أن لا تدفع [بركبانها يوم النحر] (4) حتى تصبح والإغارة سرعة السير، ومنه قولهم: أشرق ثبير كيما نغير. { فَأَثَرْنَ بِهِ } أي هيَّجن بمكان [سيرهن] (5) كناية عن غير مذكور، لأن المعنى مفهوم، { نَقْعًا } غبارا، والنَّقْع: الغبار. { فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا } أي دخلن به وسط جمع العدو، وهم الكتيبة يقال: وَسَطْت، القوم بالتخفيف، ووسطتهم، بالتشديد، وتوسَّطهم بالتشديد، كلها بمعنى واحد. قال القرظي: [هي الإبل توسط بالقوم] (6) يعني جَمْع منى، [هذا موضع القسم]، (7) أقسم الله بهذه الأشياء.\r__________\r(1) ساقط من\"ب\".\r(2) ذكر الطبري: 30 / 273 - 274، هذه الأقوال ثم قال مرجحا: \"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أقسم بالموريات التي توري النيران قدحا، فالخيل توري بحوافرها، والناس يورونها بالزند، واللسان مثلا يوري بالمنطق، والرجال يورون بالمكر مثلا، وكذلك الخيل تهيج الحرب بين أهلها إذا التقت في الحرب، ولم يضع الله دلالة على أن المراد من ذلك بعض دون بعض، فكل ما أورت النار قدحا، فداخلة فيما أقسم به لعموم ذلك بالظاهر\".\r(3) مزدلفة.\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(5) في \"ب\" سيرها.\r(6) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(7) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":8,"page":508},{"id":3496,"text":"{ إِنَّ الإنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9) }","part":8,"page":509},{"id":3497,"text":"{ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) }\r{ إِنَّ الإنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ } قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: \"لكنود\": لكفور جحود لنعم الله تعالى. قال الكلبي: هو بلسان مضر وربيعة الكفور، وبلسان كندة وحضرموت العاصي (1) .\rوقال الحسن: هو الذي يعد المصائب وينسى النعم (2) . وقال عطاء: هو الذي لا يعطي في النائبة مع قومه.\rوقال أبو عبيدة: هو قليل الخير، والأرض الكنود: التي لا تنبت شيئا.\rوقال الفضيل بن عياض: \"الكنود\" الذي أنْسَتْه الخصلة، الواحدة من الإساءة الخصال الكثيرة من الإحسان، و\"الشكور\": الذي أنسته الخصلة الواحدة من الإحسان الخصال الكثيرة من الإساءة. { وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ } قال [أكثر المفسرين]: (3) وإن الله على كونه كنودًا لشاهد. وقال ابن كيسان: الهاء راجعة إلى الإنسان أي: إنه شاهد على نفسه بما يصنع. { وَإِنَّه } يعني الإنسان، { لِحُبِّ الْخَيْرِ } أي لحب لمال، { لَشَدِيدٌ } أي: لبخيل، أي إنه من أجل حب المال لبخيل. يقال للبخيل: شديد ومتشدد.\rوقيل: معناه وإنه لحب الخير لقوي، أي شديد الحب للخير أي المال. { أَفَلا يَعْلَمُ } أي : أفلا يعلم هذا الإنسان، { إِذَا بُعْثِرَ } أي: أُثِيرَ وأُخْرِج، { مَا فِي الْقُبُورِ } [من الموتى] (4) . { وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ } أي: مُيّز وأبرز ما فيها من خير أو شر.\r__________\r(1) انظر : شعب الإيمان للبيهقي: 8 / 507.\r(2) أخرجه البيهقي في \"الشعب\": 8 / 508 وعزاه السيوطي لابن جرير وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في \"الشعب\".\r(3) في \"ب\" المفسرون.\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":8,"page":509},{"id":3498,"text":"{ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11) }\r{ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ } ، [جمع] (1) الكناية لأن الإنسان اسم لجنس، { يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ } عالم، قال الزجاج: إن الله خبير بهم في ذلك اليوم وفي غيره، ولكن المعنى أنه يجازيهم على كفرهم في ذلك [اليوم] (2) .\r__________\r(1) في \"ب\" يجمع.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":8,"page":510},{"id":3499,"text":"سورة القارعة مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (3) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (5) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) }\r{ الْقَارِعَةُ } [اسم] (2) من أسماء القيامة، لأنها تقرع القلوب بالفزع. { مَا الْقَارِعَةُ } تهويل وتعظيم. { وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ } هذا الفَراش: الطير [الصغار البق، واحدها فراشة، أي: كالطير] (3) التي تراها تتهافت في النار، والمبثوث: المتفرق. وقال الفراء: كغوغاء الجراد، شبه 199/أ الناس عند البعث بها [لأن الخلق] (4) يموج بعضهم في بعض ويركب بعضهم بعضا من الهول كما قال: \"كأنهم جراد منتشر\" (القمر -7) . { وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ } كالصوف المندوف. { فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ } رجحت حسناته [على سيئاته] (5) . { فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ } مَرْضِيَّة في الجنة. قال الزجاج ذات رضا يرضاها صاحبها.\r__________\r(1) أخرج ابن مردويه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: نزلت سورة القارعة بمكة. انظر الدر المنثور: 8 / 605. وقال ابن الجوزي في زاد المسير: 9 / 213 \"وهي مكة بإجماعهم\". وعبارة المصنف - رحمه الله - توحي بضعف كونها مدنية.\r(2) زيادة من \"أ\".\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(5) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":8,"page":511},{"id":3500,"text":"{ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11) }\r{ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ } رجحت سيئاته على حسناته. { فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ } مسكنه النار، سمي المسكن أمًا لأن الأصل في السكون إلى الأمهات، والهاوية اسم من أسماء جهنم، وهو المهواة لا يدرك قعرها، وقال قتادة: وهي كلمة عربية تقولها العرب للرجل إذا وقع في أمر شديد، يقال: هوت أمه. وقيل: [\"فأمه هاوية\"] أراد أم رأسه [ \"منحدرة منكوسة\"] يعني أنهم يهوون في النار على رءوسهم، وإلى هذا التأويل ذهب قتادة وأبو صالح. { وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ } يعني الهاوية، وأصلها: ما هي، أدخل الهاء فيها للوقف والاستراحة ثم فسرها فقال: { نَارٌ حَامِيَةٌ } أي حارة قد انتهى حرها.","part":8,"page":514},{"id":3501,"text":"سورة التكاثر مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) }\r{ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ } شغلتكم المباهاة والمفاخرة والمكاثرة بكثرة المال والعدد عن طاعة ربكم وما ينجيكم من سخطه. { حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ } حتى [متم] (2) ودفنتم في المقابر.\rقال قتادة: نزلت في اليهود، قالوا: نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان أكثر من بني فلان، شغلهم ذلك حتى ماتوا ضُلالا (3) .\rوقال مقاتل والكلبي: نزلت في حيين من قريش؛ بني عبد مناف بن قصي، وبني سهم بن عمرو، كان بينهم تفاخر، [فتعادَّ] (4) السادة والأشراف أيهم أكثر عددًا؟ فقال بنو عبد مناف: نحن أكثر سيدًا وأعز عزيزًا وأعظم نفرًا وأكثر عددًا، وقال بنو سهم مثل ذلك، فكثرهم بنو عبد مناف، ثم قالوا: نعدّ، موتانا، حتى زاروا القبور فعدوهم، فقالوا: هذا قبر فلان وهذا قبر فلان فكثرهم بنو سهم بثلاثة أبيات لأنهم كانوا في الجاهلية أكثر عددًا، فأنزل الله هذه الآية (5) .\r__________\r(1) أخرج ابن مردويه عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: نزلت بمكة سورة (ألهاكم التكاثر). انظر: الدر المنثور: 8 / 609.\r(2) زيادة من \"ب\".\r(3) أخرجه الواحدي في أسباب النزول صفحة: (537). وانظر الطبري: 30 / 283، ابن كثير: 4 / 546، الدر المنثور: 8 / 610.\r(4) في \"ب\" فتعادوا والصواب ما أثبتناه.\r(5) أخرجه الواحدي في أسباب النزول صفحة (537). وانظر: ابن كثير: 4 / 544.","part":8,"page":515},{"id":3502,"text":"أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري، أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي، حدثنا عبد الرحيم بن منيب، حدثنا النضر بن شُمَيْل، عن قتادة عن مطرف بن عبد الله الشخير، عن أبيه قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية: \"ألهاكم التكاثر\"، قال: \"يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك، إلا ما أكلتَ فأفنيتَ، أو لَبِسْتَ فأبليتَ، أو تصدقت فأمضيت\" (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"يَتْبَع، الميتَ ثلاثةٌ، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد، يتبعُه أهلُه ومالُه وعملُه، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله\" (2) .\rثم رد الله عليهم فقال:\r{ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) }\r{ كَلا } ليس الأمر بالتكاثر، { سَوْفَ تَعْلَمُونَ } وعيد لهم، ثم كرره تأكيدًا فقال: { ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ } قال الحسن، ومقاتل: هو وعيد بعد وعيد، والمعنى: سوف تعلمون عاقبة تكاثركم وتفاخركم إذا نزل بكم الموت.\rوقال الضحاك: \"كلا سوف تعلمون\"، يعني الكفار، \"ثم كلا سوف تعلمون\" يعني المؤمنين، وكان يقرأ الأولى بالياء والثانية بالتاء. { كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ } أي: علمًا يقينًا، فأضاف العلم إلى اليقين كقوله: \"لهو حق اليقين\"، وجواب \"لو\" محذوف، أي: لو تعلمون علمًا يقينًا لشغلكم ما تعلمون عن التكاثر والتفاخر.\rقال قتادة: كنا نتحدث أن علم اليقين أن يعلم أن الله باعثه بعد الموت (3) . { لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ } قرأ ابن عامر والكسائي: \"لُتَروُن\" بضم التاء من أريته الشيء، وقرأ الآخرون بفتح التاء، أي: ترونها بأبصاركم من بعيد.\r__________\r(1) أخرجه مسلم في الزهد برقم: (2958): 4 / 2273، والمصنف في شرح السنة: 14 / 258.\r(2) أخرجه البخاري في الرقاق، باب سكرات الموت: 11 / 362، ومسلم في أول كتاب الزهد برقم: (2960) 4 / 2273، والمصنف في شرح السنة: 14 / 259.\r(3) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 611 للفريابي وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.","part":8,"page":518},{"id":3503,"text":"{ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8) }\r{ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا } مشاهدة، { عَيْنَ الْيَقِينِ } { ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ } قال مقاتل: يعني كفار مكة، كانوا في الدنيا في الخير والنعمة، فيسألون يوم القيامة عن شكر ما كانوا فيه، ولم يشكروا رب النعيم حيث عبدوا غيره، ثم يعذبون على ترك الشكر، هذا قول الحسن.\rوعن ابن مسعود رفعه قال: \"لتسئلن يومئذ عن النعيم\" قال: \"الأمن والصحة\" (1) .\rوقال قتادة: إن الله يسأل كل ذي نعمة عما أنعم عليه (2)\rأخبرنا أبو بكر بن أبي الهيثم الترابي، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي، حدثنا إبراهيم بن خزيم الشاشي، حدثنا عَبْد، بن حُمَيْد، حدثنا شبابة عن عبد الله بن العلاء عن الضحاك بن عرزم الأشعري قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن أول ما يُسأل العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نصحَّ جسمك؟ ونروِّك من الماء البارد\" (3) .\rأخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي، أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي، أخبرنا أبو عيسى الترمذي، أخبرنا محمد بن إسماعيل، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شيبان أبو معاوية، حدثنا عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ساعة لا يخرج فيها ولا يلقاه فيها أحد، فأتاه أبو بكر فقال: ما جاء بك يا أبا بكر؟ فقال: خرجت لألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنظر إلى وجهه وللتسليم عليه، فلم يلبث أن جاء عمر، فقال: ما جاء بك يا عمر؟ قال: الجوع\r__________\r(1) أخرجه مرفوعا عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد الزهد صفحة : (157 و 390) وأبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" 2 / 157، وفيه محمد بن سليمان: صدوق يخطئ، وابن أبي ليلى: صدوق سيئ الحفظ. وأخرجه هناد في الزهد موقوفا على ابن مسعود: 2 / 102، والطبري في التفسير: 30 / 285 والبيهقي في \"شعب الإيمان\" 8 / 494، وزاد السيوطي نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه. وانظر: الزهد لهناد مع تعليق المحقق.\r(2) وروي عنه قال: الأمن والصحة. انظر شعب الإيمان للبيهقي: 8 / 495.\r(3) أخرجه الترمذي في التفسير - تفسير سورة التكاثر:- 9 / 290 وقال: \"هذا حديث غريب\". وابن حبان برقم (2585) صفحة (640)، وصححه الحاكم: 4 / 138 ووافقه الذهبي والبيهقي في \"الشعب\" 8 / 489، وعبد الله بن الإمام أحمد في زوائد الزهد صفحة: (31) والطبري: 3 / 288، والخطيب في تاريخ بغداد: 7 / 224، والمصنف في شرح السنة: 4 / 311. وزاد السيوطي نسبته في الدر المنثور: 8 / 613 لعبد بن حميد. وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم (539): 2 / 66 - 67.","part":8,"page":519},{"id":3504,"text":"يا رسول الله، قال [النبي صلى الله عليه وسلم]: (1) \"وأنا قد وجدت، بعض ذلك\"، فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن التَّيهَان الأنصاري، وكان رجلا كثير النخل والشاء، ولم يكن له خَدَم، فلم يجدوه، فقالوا لامرأته: أين صاحبُك؟ فقالت: انطلق ليستعذب لنا الماء، فلم يلبثوا أن جاء 199/ب أبو الهيثم بقربة يزعبها ماءً فوضعها، ثم جاء يلتزم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويفديه بأبيه وأمه، ثم انطلق بهم إلى حديقته فبسط لهم بساطًا، ثم انطلق إلى نخلة فجاء بِقنْوٍ فوضعه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"أفلا تنقَّيْتَ لنا من رُطَبِه وبُسْرِه\"، فقال: يا رسول الله إني أردت أن تخيروا [أو قال: أن تختاروا] (2) من رطبه وبسره، فأكلوا وشربوا من ذلك الماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تُسألون عنه يوم القيامة، ظل بارد، ورُطَب طيب، وماء بارد\"، فانطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعامًا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"لا تذبحنَّ ذات دِّر\"، فذبح لهم عَنَاقًا أو جَدْيًا فأتاهم بها، فأكلوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك خادم؟ قال: لا قال النبي صلى الله عليه وسلم: \"فإذا أتانا سبيٌ فَأْتِنَا\"، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم برأسين ليس معهما ثالث، فأتاه أبو الهيثم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: \"اختر منهما\"، فقال: يا نبي الله اختْر لي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، \"إن المستشار مؤتمن، خذ هذا، فإني رأيته يصلي، واستوصِ به معروفًا\" فانطلق به أبو الهيثم إلى امرأته فأخبرها بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت امرأته: ما أنت ببالغ فيه ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن تعتقه، قال: فهو عتيق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، \"إن الله تبارك وتعالى لم يبعث نبيًا ولا خليفة إلا وله بِطَانتان، بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالا ومن يوق بطانة السوء فقد وُقِي\" (3) .\rوروي عن ابن عباس قال: النعيم: صحة الأبدان والأسماع والأبصار، يسأل الله العبيد فيم استعملوها؟ وهو أعلم بذلك منهم (4) ، وذلك قوله: \"إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا\" (الإسراء -36) .\rوقال عكرمة: عن الصحة والفراغ.\rوقال سعيد بن جبير: عن الصحة والفراغ والمال.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) زيادة من \"أ\" .\r(3) أخرجه الترمذي في الزهد، باب ما جاء في معيشة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: 7 / 34 - 39. وقال: \"هذا حديث حسن صحيح غريب\" وصححه الحاكم 4 / 131 والبيهقي في \"شعب الإيمان\": 8 / 483 ، 484 والطحاوي في \"مشكل الآثار\": 1 / 195، وصححه الألباني في \"صحيح الجامع\" برقم (6948) وأخرجه مسلم بنحوه من طريق آخر في الأشربة، باب جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك رقم (2038): 3 / 1610.\r(4) أخرجه الطبري: 30 / 289، والبيهقي في \"الشعب\": 8 / 493 وإسناده حسن، لكن فيه انقطاع وزاد السيوطي في الدر: 8 / 612 عزوه لابن أبي حاتم وابن مردويه. وانظر التعليق على شعب الإيمان.","part":8,"page":520},{"id":3505,"text":"أخبرنا الإمام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداودي، حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، حدثنا الحسين بن الحسن بمكة، حدثنا عبد الله بن المبارك والفضل بن موسى، قالا حدثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"نعمتان مغبونٌ فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ\" (1) .\rقال محمد بن كعب: يعني عما أنعم عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم.\rوقال أبو العالية: عن الإسلام والسنن. وقال الحسين بن الفضل: تخفيف الشرائع وتيسير القرآن .\r__________\r(1) أخرجه ابن المبارك في الزهد صفحة (2) ، والبخاري في الرقاق، باب ما جاء في الرقاق وأن لا عيش إلا عيش الآخرة: 11 / 229، والمصنف في شرح السنة: 14 / 223.","part":8,"page":521},{"id":3506,"text":"سورة العصر مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) }\r{ وَالْعَصْرِ } قال ابن عباس: والدهر. قيل: أقسم به لأن فيه عبرة للناظر. وقيل: معناه ورب العصر، وكذلك في أمثاله. واقل ابن كيسان: أراد بالعصر الليل والنهار، يقال لهما العصران. وقال الحسن: من بعد زوال الشمس إلى غروبها (2) . وقال قتادة: آخر ساعة من ساعات النهار (3) . وقال مقاتل: أقسم بصلاة العصر وهي الصلاة الوسطى. { إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ } أي خسران ونقصان، قيل: أراد به [الكافر] (4) بدليل أنه استثنى المؤمنين، و \"الخسران\": ذهاب رأس مال الإنسان في هلاك نفسه وعمره [بالمعاصي] (5) ، وهما أكبر رأس ماله. { إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } فإنهم ليسوا في خسر ، { وَتَوَاصَوْا } أوصى بعضهم بعضا، { بِالْحَق } بالقرآن، قاله الحسن وقتادة، وقال مقاتل: بالإيمان والتوحيد. { وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ } على أداء الفرائض وإقامة أمر الله. وروى ابن عون عن إبراهيم قال: أراد أن الإنسان إذا عُمِّر في\r__________\r(1) أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة (والعصر) بمكة. انظر: الدر المنثور: 8 / 621.\r(2) انظر: عبد الرزاق في التفسير: 2 / 394، فتح الباري: 8 / 729.\r(3) أخرجه عبد الرزاق في التفسير: 2 / 394 دون قوله آخر.\r(4) في \"ب\" الكافر.\r(5) زيادة من \"ب\".","part":8,"page":522},{"id":3507,"text":"الدنيا وهرم، لفي نقص وتراجع إلا المؤمنين، فإنهم يكتب لهم أجورهم ومحاسن أعمالهم التي كانوا يعملونها في شبابهم وصحتهم، وهي مثل قوله: \"لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات\". سورة الهمزة مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) }\r{ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ } قال ابن عباس: هم المشّاءون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبراء العيب (2) ، ومعناهما واحد وهو العيَّاب.\rوقال مقاتل: \"الهمزة\": الذي يعيبك في الغيب، و\"اللمزة\": الذي يعيبك في الوجه. وقال أبو العالية والحسن بضده.\rوقال سعيد بن جبير، وقتادة: \"الهمزة\" الذي يأكل لحوم الناس ويغتابهم، و \"اللمزة\": الطعان عليهم.\rوقال ابن زيد: \"الهمزة\" الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، و \"اللمزة\": الذي يلمزهم بلسانه ويعيبهم.\rوقال سفيان الثوري: ويهمز بلسانه ويلمز بعينه. ومثله قال ابن كيسان: \"الهمزة\" الذي يؤذي جليسه بسوء اللفظ و \"اللمزة\" الذي يومض بعينه ويشير برأسه، ويرمز بحاجبه وهما نعتان للفاعل، نحو سُخَرة وضُحَكة: للذي يسخر ويضحك من الناس [والهمزة واللمزة ، ساكنة الميم، الذي يُفْعَل ذلك به] (3) .\r__________\r(1) أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: أنزلت (ويل لكل همزة) بمكة. انظر الدر المنثور : 8 / 623.\r(2) أخرجه سعيد بن منصور. انظر: فتح الباري 8 / 729.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":8,"page":526},{"id":3508,"text":"وأصل الهمز: الكسر والعض على الشيء بالعنف.\rواختلفوا فيمن نزلت هذه الآية؟ قال الكلبي: نزلت في الأخنس بن شُريق بن وهب الثقفي كان يقع في الناس ويغتابهم (1) .\rوقال محمد بن إسحاق: ما زلنا نسمع أن سورة الهمزة [نزلت في أمية بن خلف الجمحي] (2) .\rوقال مقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة، كان يغتاب النبي صلى الله عليه وسلم من ورائه ويطعن عليه في وجهه.\rوقال مجاهد: هي عامة في حق كل من هذه صفته .\r{ الَّذِي جَمَعَ مَالا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (4) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (5) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (6) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأفْئِدَةِ (7) }\rثم وصفه فقال: { الَّذِي جَمَعَ مَالا } قرأ أبو جعفر، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: \"جمع\" بتشديد الميم على التكثير، وقرأ الآخرون بالتخفيف. { وَعَدَّدَهُ } أحصاه، وقال مقاتل: استعده وادخره وجعله عتادًا له، يقال: أعددت [الشيء] (3) وعددته إذا أمسكته. { يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ } في الدنيا، يظن أنه لا يموت مع يساره. { كَلا } رَدًّا عليه أن لا يخلده ماله، { لَيُنْبَذَن } ليطرحن، { فِي الْحُطَمَةِ } في جهنم، والحطمة من أسماء النار، مثل: سَقَر، ولَظَى (4) سميت \"حطمة\" لأنها تحطم العظام وتكسرها. { وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأفْئِدَةِ } أي التي يبلغ ألمها ووجعها إلى القلوب، والاطلاع والبلوغ بمعنى واحد، يحكى عن العرب: متى طلعت أرضنا؟ أي بلغت .\rومعنى الآية: أنها تأكل كل شيء منه حتى تنتهي إلى فؤادهُ قاله القرظي والكلبي.\r__________\r(1) عزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 623 لابن أبي حاتم عن السدي.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\" وانظر: ابن هشام: 1 / 382.\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) وهو قول الفراء وذكره البخاري في ترجمة: 8 / 729.","part":8,"page":530},{"id":3509,"text":"{ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (8) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (9) }\r{ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ } مطبقة مغلقة. { فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ } قرأ حمزةُ والكسائيُ وأبو بكر: { فِي عُمُدٍ } بضم العين والميم، وقرأ الآخرون بفتحهما، كقوله تعالى: \"رفع السموات بغير عمد ترونها\" (الرعد -2) وهما جميعا جمع عمود، مثل: أديم وأدَم [وأُدُم] (1) ، قاله الفراء (2) .\rوقال أبو عبيدة: جمع عماد، مثل: إهاب وأهَب وأهُب (3) .\rقال ابن عباس: أدخلهم في عمد فمدت عليهم بعماد.\r[وقيل: \"في عمد ممددة]: (4) في أعناقهم الأغلال السلاسل.\r[وقيل: \"هي عمد ممددة\": على باب جهنمُ] (5) ، سدت عليهم بها الأبواب [لا يمكنهم الخروج] (6) .\rوقال قتادة: بلغنا أنها عمد يعذبون بها في النار.\rوقيل: هي أوتاد الأطباق التي تطبق على أهل النار، أي أنها مطبقة عليهم بأوتاد ممددة، وهي في قراءة عبد الله \"بعُمُدٍ\" بالباء.\rقال مقاتل: أطبقت الأبواب عليهم ثم سُدَّتْ بأوتاد من حديد من نار حتى يرجع عليهم غمها وحرها، فلا يفتح عليهم باب ولا يدخل عليهم رَوْح، والممددة من صفة العمد، أي مطولة فتكون أرسخ من القصيرة.\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) انظر : معاني القرآن للفراء: 3 / 291.\r(3) قال الفيومي في \"المصباح المنير\" 1 / 28: \"الإهاب: الجلد. . والجمع: أهب\" بضمتين على القياس مثل: كتاب وكتب، وبفتحتين على غير قياس. قال بعضهم: وليس في كلام العرب فعال يجمع على فعل بفتحتين إلا إهاب وأهب، وعماد وعمد.\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(5) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(6) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":8,"page":531},{"id":3510,"text":"سورة الفيل مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) }\r{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ } ؟ وكانت قصة أصحاب الفيل -على ما ذكره محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس وذكره الواقدي -:\rأن النجاشي ملك الحبشة كان قد بعث \"أرياط\" إلى أرض اليمن فغلب عليها، فقام رجل من الحبشة، يقال له: \"أبرهة بن الصباح\" [أبو يكسوم]، (2) ، فسَاخَطَ \"أرياطَ\" في أمر الحبشة، حتى انصدعوا صدعين، وكانت طائفة مع أرياط، وطائفة مع أبرهة، فتزاحفا فقتل أبرهة، أرياطَ، واجتمعت الحبشة لأبرهة، وغلب على اليمن وأقرَّه النجاشي، على عمله.\rثم إن أبرهة رأى الناس يتجهزون أيام الموسم إلى مكة لحج بيت الله، فبنى كنيسة بصنعاء وكتب إلى النجاشي: إني قد بنيت لك بصنعاء كنيسة لم يُبْن لملك مثلها، ولست منتهيًا حتى أصرف إليها حج العرب، فسمع به رجل من بني مالك بن كنانة [فخرج إليها مستخفيًا] (3) فدخلها ليلا فقعد فيها وتغوط بها، ولطخ بالعذرة قبلتها، فبلغ ذلك أبرهة فقال: من اجترأ علي ولطخ كنيستي بالعذرة؟ فقيل له: صنع ذلك رجل من العرب من أهل ذلك البيت سمع بالذي قلت، فحلف أبرهة عند ذلك: ليسيرن إلى الكعبة حتى يهدمها، فكتب إلى النجاشي يخبره بذلك وسأله أن يبعث إليه بفيله، وكان له فيل يقال له محمود، وكان فيلا لم ير مثله عِظَمًا وجِسْمًا وقوة، فبعث به إليه، فخرج\r__________\r(1) أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: أنزل (ألم تر كيف فعل ربك) بمكة انظر: الدر المنثور: 8 / 627.\r(2) ما بين القوسين زيادة من \"أ\" .\r(3) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".","part":8,"page":532},{"id":3511,"text":"أبرهة من الحبشة سائرا إلى مكة، وخرج معه الفيل، فسمعت العرب بذلك فأعظموه ورأوا جهاده حقًا عليهم، فخرج ملك من ملوك اليمن، يقال له: ذو نفر، بمن أطاعه من قومه، فقاتله فهزمه أبرهة وأخذ ذا نفر، فقال: أيها الملك لا تقتلني فإن استبقائي خير لك من قتلي، فاستحياه وأوثقه. وكان أبرهة رجلا حليمًا.\rثم سار حتى إذا دنا من بلاد خَثْعَم، خرج نفيل بن حبيب الخثعمي في خثعم ومن اجتمع إليه من قبائل اليمن، فقاتلوه فهزمهم وأخذ نفيلا فقال نفيل: أيها الملك إني دليل بأرض العرب، وهاتان يداي على قومي بالسمع والطاعة، فاستبقاه، وخرج معه يدله حتى إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود بن مُعتِّب في رجال من ثقيف فقال: أيها الملك نحن عبيدك، ليس لك عندنا خلاف، وإنما تريد البيت الذي بمكة، نحن نبعث معك من يدلك عليه، فبعثوا معه أبا رِغَال، مولى لهم، فخرج حتى إذا كان [بالمُغَمَّس] (1) مات أبو رِغَال وهو الذي يرجم قبره، وبعث أبرهة من المغمس رجلا من الحبشة، يقال له: الأسود بن مسعود، على مقدمة خيله، وأمره بالغارة على نَعَمِ الناس، فجمع الأسود إليه أموال الحرم، وأصاب لعبد المطلب مائتي بعير.\rثم إن أبرهة بعث حباطة الحِمْيَري إلى أهل مكة، وقال: سلْ عن شريفها ثم أبلِغْه ما أرسِلُكَ به إليه، أخبره أني لم آتِ لقتالٍ، إنما جئت لأهدم هذا البيت. فانطلق حتى دخل مكة فلقي عبد المطلب بن هاشم، فقال: إن الملك أرسلني إليك لأخبرك أنه لم يأت لقتالٍ إلا أن تقاتلوه، إنما جاء لهدم هذا البيت ثم الانصراف عنكم.\rفقال عبد المطلب: ما له عندنا قتال ولا لنا به يد إلا أن نخلي بينه وبين ما جاء له، فإن هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم عليه السلام، فإن يمنعه فهو بيته وحرمه، وإن يخلّ بينه وبين ذلك فوالله ما لنا به قوة.\rقال: فانطلِقْ معي إلى الملك، فزعم بعض العلماء أنه أردفه على بغلة كان عليها وركب معه بعض بنيه حتى قدم المعسكر، وكان ذو نفر صديقًا لعبد المطلب فأتاه فقال: يا ذا نفر، هل عندك من [غناء] (2) فيما نزل بنا؟ فقال: ما غناء رجل أسير لا يأمن أن يقتل بكرة أو عشيا، ولكن سأبعث إلى أنيس، سائسِ الفيل، فإنه لي صديق فأسأله أن يصنع لك عند الملك ما استطاع من خير ويعظم خطرك ومنزلتك عنده، قال: فأرسل إلى أنيس فأتاه فقال له: إن هذا سيد قريش صاحب\r__________\r(1) موضع قرب مكة في طريق الطائف: انظر معجم البلدان.\r(2) في \"أ\" غنى وما أثبت موافق لما ورد في السيرة.","part":8,"page":536},{"id":3512,"text":"عير مكة الذي يطعم الناس في السهل والوحوش في رءوس الجبال، وقد أصاب له الملك مائتي بعير، فإن استطعت أن تنفعه عنده فانفعه فإنه صديق لي، أحِبّ، ما وصل إليه من الخير، فدخل أنيس على أبرهة فقال: أيها الملك هذا سيد قريش وصاحب عير مكة الذي يطعم الناس في السهل والوحوش في رءوس الجبال، يستأذن إليك وأنا أحب أن تأذن له فيكلمك، وقد جاء غير ناصب لك ولا مخالف عليك، فأذن له، وكان عبد المطلب رجلا جسيمًا وسيمًا، فلما رآه أبرهة أعظمه وأكرمه، وكره أن يجلس معه على السرير وأن يجلس تحته، فهبط إلى 200/ب البساط فجلس عليه ثم دعاه فأجلسه معه، ثم قال لترجمانه قل له: ما حاجتك إلى الملك؟ فقال له الترجمان ذلك، فقال عبد المطلب: حاجتي إلى الملك أن يردَّ علي مائتي بعير أصابها لي، فقال أبرهة لترجمانه قل له: لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، وقد زهدت فيك، قال [عبد المطلب] : (1) لم؟ قال: جئت إلى بيت هو دينك ودين آبائك وهو شرفكم وعصمتكم لأهدمه لم تكلمني فيه وتكلمني في مائتي بعير أصبتها؟ قال عبد المطلب: أنا رب هذه الإبل وإن لهذا البيت ربًا سيمنعه، قال ما كان ليمنعه مني، قال فأنت وذاك، فأمر بإبله فرُدَّت عليه.\rفلما رُدّتِ الإبل إلى عبد المطلب خرج فأخبر قريشًا الخبر، وأمرهم أن يتفرقوا في الشعاب ويتحرزوا في رءوس الجبال، تخوفًا عليهم من معرة الجيش، ففعلوا، وأتى عبد المطلب الكعبة، وأخذ بحلقة الباب وجعل يقول: يا رب لا أرجو لَهُم سواكَا ... يا رب فامْنَع منهم حِمَاكَا\rإن عدوَّ البيت من عَادَاكَا ... امْنَعْهُم أن يُخْرِبُوا قُرَاكا\rوقال أيضا: لا هُمَّ (2) إن العَبْد يمنع ... رَحْلَه فامْنَع حِلالَكْ (3)\rلا يَغْلِبَنَّ صليبُهُم ... وَمِحَالُهم غَدْوًا (4) مِحَالَكْ (5)\rجروُّا جُمُوع بِلادِهم ... والفيل كي يَسْبُوا عِيَالَكْ\rعمدوا حِمَاك بِكَيْدِهِمْ ... جَهْلا وما رقَبُوا جَلالَك\r__________\r(1) زيادة من \"أ\".\r(2) أصلها اللهم، والعرب تحذف الألف واللام منها وتكتفي بما بقي، تقول لاه أبوك، وهي تريد لله أبوك.\r(3) جمع حلة، وهي جماعة البيوت، ويريد هنا القوم الحلول. والحلال أيضا: متاع البيوت.\r(4) غدوا: غدا، وهو اليوم الذي يأتي بعد يومك، فحذف لامه، ولم يستعمل تاما إلا في الشعر.\r(5) القوة والشدة.","part":8,"page":537},{"id":3513,"text":"إن كنت تاركهم وكعبَتَنَا ... فأمْرٌ ما بدَالَكْ\rفلم أسمع بأَرْجَسَ من رجالٍ ... أرادوا الغزو ينتهكوا حَرَامَك (1)\rثم ترك عبد المطلب الحلقة وتوجه في بعض تلك الوجوه مع قومه، وأصبح أبرهة بالمغَمَّس قد تهيأ للدخول وعبَّأ جيشه وهيأ فيله، وكان فيلا لم ير مثله في العظم والقوة ويقال كان معه اثنا عشر فيلا.\rفأقبل نفيل إلى الفيل الأعظم ثم أخذ بأذنه فقال: ابرك محمود وارجع راشدًا من حيث جئت [فإنك] (2) في بلد الله الحرام، فبرك الفيل فبعثوه فأبى، فضربوه بالمعول في رأسه فأبى، فأدخلوا محاجنهم تحت مراقه ومرافقه فنزعوه ليقوم فأبى، فوجهوه راجعًا إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، فصرفوه إلى الحرم فبرك وأبى أن يقوم.\rوخرج نفيل يشتد حتى [صعد] (3) في الجبل ، وأرسل الله عليهم طيرًا من البحر أمثال الخطاطيف مع كل [طائر] (4) منها ثلاثة أحجار: حجران في رجليه، وحجر في منقاره، أمثال الحمص والعدس، فلما غشين القوم أرسلنها عليهم فلم تصب تلك الحجارة أحدًا إلا هلك، وليس كل القوم أصابت وخرجوا هاربين لا يهتدون إلى الطريق الذي جاءوا منه، يتساءلون عن نفيل بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن، ونفيل ينظر إليهم من بعض تلك الجبال، فصرخ القوم وماج بعضهم في بعض يتساقطون بكل طريق ويهلكون على كل [مهلك] (5) .\rوبعث الله على أبرهة داء في جسده فجعل يتساقط أنامله كلما سقطت أنملةٌ اتبعتها [مِدَّةٌ من قيح ودم] (6) ، فانتهى إلى صنعاء وهو مثل فرخ الطير فيمن بقي من أصحابه، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه ثم هلك (7) .\rقال الواقدي: وأما محمود، فيل النجاشي، فربض ولم [يسر] (8) على الحرم فنجا، والفيل\r__________\r(1) هذا البيت زيادة من \"أ\".\r(2) ساقط من \"ب\".\r(3) في \"ب\" أصعد.\r(4) في \"ب\" طير.\r(5) في \"ب\" مهل.\r(6) وهي الغليظه من القيح، أما الرقيقة فهي صديد.\r(7) أخرجه ابن هشام : 1 / 44 - 56. وأخرجه الطبري في التاريخ: 2 / 128 - 139، من طريق ابن إسحاق.\r(8) في \"ب\" يشجع.","part":8,"page":538},{"id":3514,"text":"الآخر شجع فحصب.\rوزعم مقاتل بن سليمان أن السبب الذي جَرَّأ أصحاب الفيل: أن فتية من قريش خرجوا تجارا إلى أرض النجاشي فدنوا من ساحل البحر وثَمَّ بيعة للنصارى تسميها قريش \"الهيكل\"، فنزلوا فأجَّجوا نارًا واشتووا فلما ارتحلوا تركوا النار كما هي في يوم عاصف فعجَّت الريح فاضطرم الهيكل نارًا فانطلق الصريخ إلى النجاشي فأسف غضبًا للبيعة ، فبعث أبرهة لهدم الكعبة.\rوقال فيه: إنه كان بمكة يومئذ أبو مسعود الثقفي وكان مكفوف البصر يصيف بالطائف ويشتو بمكة؛ وكان رجلا نبيهًا نبيلا تستقيم الأمور برأيه، وكان خليلا لعبد المطلب، فقال له عبد المطلب: ماذا عندك هذا يوم لا يستغنى فيه عن رأيك؟ فقال أبو مسعود: اصعد بنا إلى حراء فصعد الجبل، فقال أبو مسعود لعبد المطلب: اعمد إلى مائة من الإبل فاجعلها لله وقلِّدها نعلا ثم أرسلها في الحرم لعل بعض هذه السودان يعقر منها شيئًا، فيغضب رب هذا البيت فيأخذهم، ففعل ذلك عبد المطلب فعمد القوم إلى تلك الإبل فحملوا عليها وعقروا بعضها وجعل عبد المطلب يدعو، فقال أبو مسعود: إن لهذا البيت ربًا يمنعه، فقد نزل تُبَّع، ملك اليمن صحن هذا البيت وأراد هدمه فمنعه الله وابتلاه، وأظلم عليه ثلاثة أيام، فلما رأى تبع ذلك كساه القباطي البيض، وعظمه ونحر له جزورًا.\r[ثم قال أبو مسعود] (1) فانظر نحو البحر، فنظر عبد المطلب فقال: أرى طيرًا بيضاء نشأت من شاطئ البحر، فقال: ارمقها ببصرك أين قرارها؟ قال أراها قد دارت على رءوسنا، قال: فهل تعرفها؟ قال: فوالله ما أعرفها ما هي بنجدية ولا تهامية ولا غربية ولا شامية، قال: ما قدها؟ قال: أشباه [اليعاسيب] (2) ، في منقارها حصى كأنها حصى الحذف، قد أقبلت كالليل يكسع بعضُها بعضًا، أمام كل رفقة طيرٌ يقودها أحمر المنقار أسود الرأس طويل العنق، فجاءت حتى إذا حاذت بعسكر القوم [وَكَدَت] (3) فوق رءوسهم، فلما توافت الرجال كلها أهالت الطير ما في مناقيرها على من تحتها، مكتوب في كل حجر اسم صاحبه، ثم إنها انصاعت راجعة من حيث جاءت، فلما أصبحا انحطا من ذروة الجبل فمشيا ربوة فلم يؤنسا أحدًا ثم دنوا ربوة فلم يسمعا حِسَّا فقالا بات القوم [ساهرين] (4) ، فأصبحوا نيامًا، فلما دنوا من عسكر القوم فإذا هم خامدون، وكان يقع\r__________\r(1) ما بين القوسين زيادة من المطبوع وهي لازمة لتمام المعنى.\r(2) الجراد.\r(3) أقامت وقصدت ووأصابت.\r(4) في \"ب\" سامدين.","part":8,"page":539},{"id":3515,"text":"الحجر على بيضة (1) أحدهم فيخرقها حتى يقع في دماغه ويخرق الفيل والدابة ويغيب الحجر في الأرض من شدة وقعه، فعمد عبد المطلب فأخذ فأسًا 201/أ من فؤسهم فحفر حتى أعْمَقَ في الأرض فملأه من أموالهم، من الذهب الأحمر والجوهر، وحفر لصاحبه حفرة فملأها كذلك، ثم قال لأبي مسعود: هات فاختر إن شئت حفرتي وإن شئت حفرتك، وإن شئت فهما لك معا، قال أبو مسعود: اختر لي على نفسك، فقال عبد المطلب إني لم آل أن أجعل أجود المتاع في حفرتي فهو لك، وجلس كل واحد منهما على حفرته، ونادى عبد المطلب في الناس، فتراجعوا وأصابوا من فضلهما حتى ضاقوا به ذرعًا، وساد عبد المطلب بذلك قريشا وأعطته المقادة، فلم يزل عبد المطلب وأبو مسعود في أهليهما في غنىً من ذلك المال، ودفع الله عن كعبته وبيته.\rواختلفوا في تاريخ عام الفيل؛ فقال مقاتل: كان قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة.\rوقال الكلبي: بثلاث وعشرين سنة.\rوالأكثرون على أنه كان في العام الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rقوله عز وجل: { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ } ؟ قال مقاتل: كان معهم فيل واحد. وقال الضحاك: كانت الفيلة ثمانية. وقيل اثنا عشر، سوى الفيل الأعظم، وإنما وُحِّد لأنه نسبهم إلى الفيل الأعظم. وقيل: لوفاق رءوس الآي.\r{ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) }\r{ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ } \"كيدهم\" يعني مكرهم وسعيهم في تخريب الكعبة. وقوله: \"في تضليل\" عما أرادوا، وأضلَّ كيدهم حتى لم يصلوا إلى الكعبة، وإلى ما أرادوه بكيدهم. قال مقاتل: في خسارة، وقيل: في بطلان. { وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ } كثيرة متفرقة يتبع بعضها بعضًا. وقيل: أقاطيع كالإبل المؤبلة. قال أبو عبيدة. أبابيل جماعات في تفرقة، يقال: جاءت الخيل أبابيل من هاهنا وهاهنا.\rقال الفراء:لا واحد لها من لفظها.وقيل: واحدها إبّالة (2) . وقال الكسائي : إني كنت أسمع\r__________\r(1) ما يلبس على الرأس لوقايته في القتال.\r(2) انظر : معاني القرآن للفراء: 3 / 292.","part":8,"page":540},{"id":3516,"text":"النحويين يقولون: واحدها أبول، مثل عجول وعجاجيل (1) .\rوقيل: واحدها من [لفظها] (2) إبيل.\rقال ابن عباس: كانت طيرًا لها خراطيم كخراطيم الطير، وأكف كأكف الكلاب (3) .\rوقال عكرمة: لها رءوس كرءوس السباع. قال الربيع: لها أنياب كأنياب السباع.\rوقال سعيد بن جبير: خضر لها مناقير صفر. وقال قتادة: طير سود جاءت من قبل البحر فوجًا فوجًا مع كل طائر ثلاثة أحجار؛ حجران في رجليه، وحجر في منقاره، لا تصيب شيئا إلا هشمته.\r{ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5) }\r{ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ } قال [ابن عباس] (4) وابن مسعود: صاحت الطير ورمتهم بالحجارة، فبعث الله ريحًا فضربت الحجارة فزادتها شدَّة فما وقع منها حجر على رجل إلا خرج من الجانب الآخر، وإن وقع على رأسه خرج من دبره. { فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ } كزرع وتبن أكلته الدواب فراثته فيبس وتفرقت أجزاؤه. شُبِّه تقطُّع، أوصالهم بتفُّرقِ أجزاء الرَّوْث. قال مجاهد: \"العصف\" ورق الحنطة. وقال قتادة: هو التبن. وقال عكرمة: كالحب إذا أكل فصار أجوف. وقال ابن عباس: هو القشر الخارج الذي يكون على حب الحنطة كهيئة الغلاف له.\r__________\r(1) ذكر الفراء العبارة في الموضع السابق على النحو التالي: \"وقد قال بعض النحويين وهو الكسائي: كنت أسمع النحويين يقولون: أبوك مثل العجول والعجاجيل\".\r(2) ساقط من\"أ\".\r(3) أخرجه الطبري: 30 / 297. وزاد السيوطي في الدر المنثور: 8 / 630 عزوه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل.\r(4) ساقط من \"ب\".","part":8,"page":541},{"id":3517,"text":"سورة قريش مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ لإيلافِ قُرَيْشٍ (1) }\r{ لإيلافِ قُرَيْشٍ } قرأ أبو جعفر: \"لِيلافِ\" بغير همز \"إلافِهم\" طلبًا للخفة، وقرأ ابن عامر \" لالآف \" بهمزة مختلسة من غير ياء بعدها [على وزن لغلاف] (2) وقرأ الآخرون بهمزة مشبعة وياء بعدها، واتفقوا -غير أبي جعفر -في \"إيلافهم\" أنها بياء بعد الهمزة، إلا عبد الوهاب بن فليح عن ابن كثير فإنه قرأ: \"إِلْفِهِمْ\" ساكنة اللام بغير ياء.\rوعدَّ بعضهم سورة الفيل وهذه السورة واحدة؛ منهم أبَيّ بن كعب لا فصل بينهما في مصحفه، وقالوا: اللام في \"لإيلاف\" تتعلق بالسورة التي قبلها، وذلك أن الله تعالى ذكَّر أهل مكة عظيم نعمته عليهم فيما صنع بالحبشة، وقال: { لإيلافِ قُرَيْشٍ } (3) .\rوقال الزجاج: المعنى: جعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش، أي [يريد إهلاك أهل] (4) الفيل لتبقى قريش [وما ألفوا من] (5) رحلة الشتاء والصيف.\rوقال مجاهد: ألفوا ذلك فلا يشق عليهم في الشتاء والصيف (6) .\rوالعامة على أنهما سورتان، واختلفوا في العلة الجالبة للام في قوله \"لإيلاف\"، قال الكسائي\r__________\r(1) أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت (لإيلاف قريش) بمكة. انظر الدر المنثور: 8 / 634.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) انظر: فتح الباري: 8 / 730.\r(4) في \"ب\" أهلك أصحاب.\r(5) في \"أ\" قال الفراء:. .وبالرجوع إلى الفراء: 3 / 293 تجد قوله: \"كأنه قال: ذلك إلى نعمته عليهم في رحلة الشتاء والصيف\".\r(6) انظر: فتح الباري: 8 / 730.","part":8,"page":542},{"id":3518,"text":"والأخفش: هي لام التعجب، يقول: اعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف، وتركهم عبادة رب هذا البيت، ثم أمرهم بعبادته كما تقول في الكلام لزيد وإكرامنا إياه على وجه التعجب: اعجبوا لذلك: والعرب إذا جاءت بهذه اللام اكتفوا بها دليلا على التعجب من إظهار الفعل منه.\rوقال الزجاج: هي مردودة إلى ما بعدها تقديره: فليعبدوا ربَّ هذا البيت لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف.\rوقال [ابن عيينة]: (1) لنعمتي على قريش.\rوقريش هم ولد النضر بن كنانة، وكل من ولده النضر فهو قرشي، ومن لم يلده النضر فليس بقرشي.\rأخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني، أخبرنا أبو محمد محمد بن علي بن محمد بن شريك الشافعي، أخبرنا عبد الله بن مسلم أبو بكر الجوربذي، حدثنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي، أخبرنا بشر بن بكر عن الأوزاعي، حدثني شداد أبو عمار، حدثنا واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم\" (2) .\rوسموا قريشًا من القرش، والتقُّرش وهو التكسب والجمع، يقال: فلان يقرش لعياله ويقترش أي يكتسب، وهم كانوا تجارًا حراصًا على جمع المال والإفضال.\rوقال أبو ريحانة: (3) سأل معاوية عبد الله بن عباسٍ: لِمَ سُميت قريش قريشًا؟ قال: لدابة تكون في البحر من أعظم دوابه يقال لها القرش لا تمر بشيء من الغث والسمين إلا أكلته، وهي تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلى، قال: وهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، فأنشده 201/ب شعر الجمحي: وقُرَيْش هي التي تَسْكُنُ البحر ... بها سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا\rسلَّطَتْ بالعُلُوّ في لجة البحر ... على سائر البُحور جُيُوشَا\rتأكل الغثَّ والسمين ولا تترك ... فيه لذي الجَناحَيْن رِيْشَا\r__________\r(1) في \"ب\" أبو عبيدة.\r(2) أخرجه مسلم في الفضائل، باب فضل نسب النبي صلى الله عليه وسلم برقم (2276): 4 / 1782، والمصنف في شرح السنة: 13 / 194.\r(3) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية: 2 / 202 وعزاه البيهقي. وانظر : الدر المنثور: 8 / 638.","part":8,"page":546},{"id":3519,"text":"هكذا في الكتاب حي قريش ... يأكلونَ البلاد أكلا [كميشا] (1)\rولهم في آخر الزمان نبيٌ ... يُكْثِرُ القَتْلَ فيهم والخُمُوشَا\r{ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) }\rقوله تعالى: { إِيلافِهِم } بدل من الإيلاف الأول { رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ } \"رحلة\" نصب على المصدر، أي ارتحالهم رحلة الشتاء والصيف.\rروى عكرمة، وسعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانوا يُشَتُّون بمكة ويُصَيِّفُون بالطائف، فأمرهم الله تعالى أن يقيموا بالحرم ويعبدوا رب هذا البيت (2) .\rوقال الآخرون: كانت لهم رحلتان في كل عام للتجارة، إحداهما في الشتاء إلى اليمن لأنها أدفا والأخرى في الصيف إلى الشام.\rوكان الحرم واديًا جدبًا لا زرع فيه ولا ضرع، وكانت قريش تعيش بتجارتهم ورحلتهم، وكان لا يتعرض لهم أحد بسوء، كانوا يقولون: قريش سكان حرم الله وولاة بيته فلولا الرحلتان لم يكن لهم بمكة مقام، ولولا الأمن بجوار البيت لم يقدروا على التصرف، وشق عليهم الاختلاف إلى اليمن والشام فأخصبت تَبَالَة وجُرَش من بلاد اليمن، فحملوا الطعام إلى مكة، أهل الساحل من البحر على السفن وأهل البر على الإبل والحمير فألقى أهل الساحل بجدة، وأهل البر بالمحصب، وأخصب الشام فحملوا الطعام إلى مكة فألقوا بالأبطح، فامتاروا من قريب وكفاهم الله مؤنة الرحلتين، وأمرهم بعبادة رب البيت فقال: { فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ } أي الكعبة. { الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ } أي من بعد جوع بحمل الميرة إلى مكة { وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ } بالحرم وكونهم من أهل [مكة] (3) حتى لم يتعرض لهم [في رحلتهم] (4)\r__________\r(1) في \"ب\" نكيشا، وما أثبت هو الصواب والمعنى: سريعا.\r(2) أخرجه الطبري: 30 / 308، والنسائي في التفسير 2 / 552 بإسناد حسن. وعزاه السيوطي في الدر المنثور: 8 / 635 لابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة.\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) ساقط من \"أ\".","part":8,"page":547},{"id":3520,"text":"وقال عطاء عن ابن عباس: إنهم كانوا في ضرٍّ ومجاعة حتى جمعهم هاشم على الرحلتين، وكانوا يقسمون ربحهم بين الفقير والغني حتى كان فقيرهم كغنيهم.\rقال الكلبي: (1) وكان أول من حمل [السمراء] (2) من الشام ورحل إليها الإبل: هاشم بن عبد مناف وفيه يقول الشاعر (3) . قل للذي طلب السماحةَ والندى ... هلا مررت بآل عبد مناف\rهلا مررت بهم تريد قِراهم ... منعوكَ من ضرِّ ومن أكفاف\rالرائشين وليس يُوجدُ رائِش ... والقائلين هلمَّ للأضيافِ\rوالخالطين فقيرهم بغنيهم ... حتى يكونَ فقيرُهم كالكافي\rوالقائمين بكل وعد صادق ... والراحلين برحلة الإيلاف\rعمرو [العلا] (4) هَشَم الثريدَ لقومه ... ورجال مكة [مُسْنِتُونَ] (5) عجاف\rسَفَرَيْن سنهما له ولقومِهِ ... سفَرَ الشتاءِ ورحلةَ الأصيافِ\rوقال الضحاك والربيع وسفيان: \"وآمتهم من خوف\" من خوف الجذام، فلا يصيبهم ببلدهم الجذام.\r__________\r(1) انظر : الطبري: 2 / 252، البداية والنهاية: 2 / 253.\r(2) في \"أ\" السمن.\r(3) هو ابن الزبعري. كما في البداية والنهاية والطبري.\r(4) في\"أ\" العالي. وفي البداية والنهاية والطبري: الذي.\r(5) مجدبون .","part":8,"page":548},{"id":3521,"text":"سورة الماعون مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ (5) }\r{ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ } قال مقاتل: نزلت في العاص بن وائل السهمي (2) وقال السدي ومقاتل بن حيان وابن كيسان: في الوليد بن المغيرة. قال الضحاك: في [عمرو] (3) بن عائذ المخزومي. وقال عطاء عن ابن عباس: في رجل من المنافقين (4) .\rومعنى \"يكذب بالدين\" أي بالجزاء والحساب. { فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ } يقهره ويدفعه عن حقه والدعُّ: الدفع بالعنف والجفوة. { وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ } لا يطعمه ولا يأمر بإطعامه لأنه يكذب بالجزاء. { فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ } [أي: عن مواقيتها غافلون] (5) .\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، أخبرنا أبو عبد الله\r__________\r(1) أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: أنزلت (أرأيت الذي يكذب) بمكة. انظر: الدر المنثور: 8 / 641.\r(2) انظر: أسباب النزول للواحدي صفحة (504).\r(3) في \"أ\" عمر والصحيح ما أثبت.\r(4) انظر: زاد المسير: 9 / 243 - 244.\r(5) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".","part":8,"page":549},{"id":3522,"text":"محمد بن عبد الله الصفار، أخبرنا أبو جعفر محمد بن غالب بن تمام الضبي، حدثنا حَرَمِيّ بن حفص [القَسْمَلّي] (1) حدثنا عكرمة بن إبراهيم الأزدي، حدثنا [عبد الملك] (2) بن عمير عن مصعب بن [سعد] (3) عن أبيه أنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن \"الذين هم عن صلاتهم ساهون\"، قال: \"إضاعة الوقت\" (4) .\rقال ابن عباس: هم المنافقون يتركون الصلاة إذا غابوا عن الناس، ويصلونها في العلانية إذا حضروا (5) لقوله تعالى: { الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ }\r{ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7) }\r{ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ } وقال في وصف المنافقين: \"وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يُرَاءُون الناس\" (النساء -142) .\rوقال قتادة: ساهٍ عنها لا يبالي صلَّى أم لم يصلّ.\rوقيل: لا يرجون لها ثوابًا إن صلُّوا ولا يخافون عقابًا إن تركوا.\rوقال مجاهد: غافلون عنها يتهاونون بها.\rوقال الحسن: هو الذي إن صلاها صلاها رياًء، وإن فاتته لم يندم.\rوقال أبو العالية: لا يصلونها لمواقيتها ولا يتمون ركوعها وسجودها. { وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ } روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: هي الزكاة، وهو قول ابن عمر والحسن وقتادة والضحاك.\rوقال عبد الله بن مسعود: \"الماعون\": الفأس والدلو والقِدْر وأشباه ذلك (6) وهي رواية\r__________\r(1) في \"أ\" القاسم، والصحيح ما أثبت كما في التهذيب.\r(2) في \"ب\" عبد الكريم ، والصحيح ما أثبت كما في التهذيب وشرح السنة.\r(3) في \"أ\" والصحيح ما أثبت كما في التهذيب وشرح السنة.\r(4) أخرجه البيهقي في السنن: 2 / 214 ، 215 مرفوعا وموقوفا، وأبو يعلى في المسند: موقوفا 1 / 336 والطبري: 30 / 311، والمصنف في شرح السنة: 2 / 246. قال البيهقي في السنن: وهذا الحديث إنما يصح موقوفا، وعكرمة بن إبراهيم قد ضعفه يحيى بن معين وغيره من أئمة الحديث. وقال الهيثمي في المجمع: 1 / 325: رواه البزار وأبو يعلى مرفوعا وموقوفا . . . وقال البزار: رواه الحفاظ موقوفا ولم يرفعه غير عكرمة. وراجع الدر المنثور: 8 / 642.\r(5) أخرجه الطبري: 30 / 31. وزاد السيوطي في الدر: 8 / 642 عزوه لابن مردويه.\r(6) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: 8 / 731: \"وقال بعض العرب: الماعون الماء وقال عكرمة: أعلاها الزكاة المفروضة وأدناها عارية المتاع، أما القول الأول فقال الفراء: قال بعضهم: إن الماعون المعروف كله، حتى ذكر القصعة والدلو والفأس، ولعله أراد ابن مسعود فإن الطبري أخرج من طريق سلمة بن كهيل عن أبي المغيرة: سأل رجل ابن عمر عن الماعون قال: المال الذي لا يؤدي حقه، قال قلت: إن ابن مسعود يقول هو المتاع الذي يتعاطاه الناس بينهم، قال هو ما أقول لك، وأخرجه الحاكم أيضا وزاد في رواية أخرى عن ابن مسعود هو الدلو والقدر والفأس. وكذا أخرجه أبو داود والنسائي عن ابن مسعود بلفظ (كنا نعد الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عارية الدلو والقدر) وإسناده صحيح إلى ابن مسعود. وأخرجه البزار والطبراني من حديث ابن مسعود مرفوعا صريحا\".","part":8,"page":552},{"id":3523,"text":"سعيد بن جبير عن ابن عباس.\rقال مجاهد: \"الماعون\" [العارية. وقال عكرمة] (1) أعلاها الزكاة المعروفة [وأدناها عارية المتاع (2) .\rوقال محمد بن كعب والكلبي: \"الماعون\": المعروف الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم.\rقال قطرب: أصل الماعون من القلة، تقول العرب: ما له: سعة ولا منعة، أي شيء قليل فسمى الزكاة والصدقة والمعروف ماعونًا لأنه قليل من كثير.\rوقيل: \"الماعون\": ما لا يحل منعه مثل: الماء والملح والنار] (3) (4) .\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: 8 / 731: \"وأما قول عكرمة فوصله سعيد بن منصور بإسناد إليه باللفظ المذكور، وأخرج الطبري والحاكم من طريق مجاهد عن علي مثله\".\r(3) ما بين القوسين زيادة من \"ب\".\r(4) قال صاحب البحر المحيط: 8 / 518: \"يعني بالماعون الزكاة وهذا القول يناسبه ما ذكره قطرب من أن أصله من المعن، وهو الشيء القليل فسميت الزكاة ماعونا لأنها قليل من كثير، وكذلك الصدقة وغيرها\".","part":8,"page":553},{"id":3524,"text":"سورة الكوثر سورة الكوثر (1)\rمكية (2) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) }\r{ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ } أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الحلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد 202/أ بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا علي بن مسهر عن المختار -يعني ابن فلفل -عن أنس قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظْهُرِنا إذ أغفى إغفاءةً ثم رفع رأسه مبتسمًا فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت علي آنفا سورةٌ، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم : \"إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر\"، ثم قال: \"أتدرون ما الكوثَرُ\"؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: \"فإنه نهر وَعَدَنِيهِ ربي عز وجل عليه خيرٌ كثيرٌ هو حوض تَرِدُ عليه أمتي يومَ القيامة، آنِيَتُه عددُ النُّجومِ فَيُخْتَلَجُ العبدُ منهم فأقول: ربِّ إنه مني، فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك\" (3) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا عمرو بن محمد، حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: \"الكوثر\": الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه. قال أبو بشر قلت لسعيد بن جبير: إن أناسا يزعمون أنه نهر في الجنة؟ فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه (4) .\r__________\r(1) في \"أ\" سورة إنا أعطيناك .\r(2) أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة (إنا أعطيناك الكوثر) بمكة. انظر الدر المنثور: 8 / 646.\r(3) أخرجه مسلم في الصلاة ، باب حجة من قال: البسملة آية من أول كل سورة سوى براءة برقم: (400): 1 / 300.\r(4) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة الكوثر - 8 / 731، وفي الرقاق والمصنف في شرح السنة: 15 / 167 - 168.","part":8,"page":554},{"id":3525,"text":"قال الحسن: هو القرآن العظيم.\rقال عكرمة: النبوة والكتاب (1) .\rوقال أهل اللغة: الكوثر: فَوْعل [من الكثرة، كنوفل: فَوْعَلَ] (2) من النفل والعرب تسمي كل شيء [كثير في العدد أو] (3) كثير في القدر والخطر: كوثرًا. والمعروف: أنه نهر في الجنة أعطاه الله رسوله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث:\rأخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني، أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري، حدثنا أحمد بن [علي] (4) الكشميهني، حدثنا علي بن حُجْر، حدثنا إسماعيل بن جعفر، حدثنا حُمَيْد عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دخلتُ الجنةَ فإذا أنا بنهرٍ يجري بياضه [بياض] (5) اللَّبَن وأحلى من العسل وحافَّتاه خيام اللؤلؤ فضربت بيدي فإذا الثرى مسك أَذْفَرُ فقلت لجبريل: ما هذا؟ قال الكوثرُ الذي أعطاكه الله عز وجل: (6) .\rأخبرنا عبد الرحمن بن محمد الداوودي، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى الصَّلت، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أخبرنا أبو سعيد الأشج، حدثنا محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب عن محارب بن دثار عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"الكوثر نهر في الجنة، حافَّتاهُ الذهبُ مجراه على الدر والياقوتُ تربته أطيبُ من المِسْكِ وأشدُّ بياضًا من الثلج\". (7) .\r__________\r(1) أخرجه هناد في الزهد: 1 / 221، وابن أبي شيبة في المصنف: 11 / 508، والطبري: 30 / 322، وإسناده صحيح.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(4) في \"أ\" عبد الله والصحيح ما أثبت.\r(5) ساقط من \"أ\".\r(6) حديث صحيح أخرجه الإمام أحمد في المسند: 3 / 103 ، 115 ، من طريق حميد عن أنس، وهناد في الزهد: 1 / 211، والنسائي في التفسير: 2 / 559، والطبري: 30 / 323 - 324، وابن أبي شيبة في المصنف: 13 / 147، والآجري في الشريعة صفحة 396 والمصنف في شرح السنة: 15 / 170. وأخرجه البخاري من طريق قتادة عن أنس بنحوه، في الرقاق باب في الحوض : 11 / 464.\r(7) حديث صحيح أخرجه أبو داود في الرقاق: 2 / 337، والترمذي في التفسير - تفسير سورة الكوثر -: 9 / 294 وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\"، وابن ماجه في الزهد برقم: (4334): 2 / 1450، من طرق عن عطاء بن أبي السائب عن محارب بن دثار عن ابن عمر، والدارمي في الرقاق، باب في الكوثر: 2 / 338، والحاكم: 3 / 171، وهناد في الزهد: 1 / 208، والإمام أحمد: 2 / 67، 158، والطبري: 30 / 324، والمصنف في شرح السنة: 15 / 168 - 169، وقال الشيخ الأرناؤوط:. . وعطاء سمع من محارب قبل الاختلاط. وانظر : فتح الباري: 8 / 732، والزهد لهناد: 1 / 209 مع تعليق المحقق.","part":8,"page":558},{"id":3526,"text":"أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا نافع [بن عمر، عن] (1) ابن أبي مليكة قال: قال عبد الله بن عمرو: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللَّبَن وريحه أطيب من المسك وكِيزَانُه كنجوم السماء، من يشرب منها لم يظمأ أبدًا\" (2) .\rأخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أخبرنا جدي عبد الصمد بن عبد الرحمن البزاز، أخبرنا محمد بن زكريا العذافري، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر عن قتادة عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"[أناعند عُقْرِ حوضي] (3) أذود الناس عنه لأهل اليمن\" إني لأضربهم بعصاي حتى يرفضُّوا عنهُ \"وإنه [لَيَغُتُّ] (4) فيه مِيزَابَانِ من الجنةِ، أحدهما من وَرِق والآخر من ذهب طوله ما بين بُصرى وصنعاء، أو ما بين أَيْلَةَ ومكة أو من مقامي هذا إلى عُمان\" (5) .\r{ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) }\rقوله عز وجل: { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } قال محمد بن كعب: إن أناسا كانوا يصلون لغير الله وينحرون لغير الله فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصلي وينحر لله عز وجل (6) .\rوقال عكرمة وعطاء وقتادة: فصل لربك صلاة العيد يوم النحر وانحر نسكك.\rوقال سعيد بن جبير ومجاهد: فصل الصلوات المفروضة بجَمْعٍ وانحر البُدْن بمِنىً (7) .\rوروي عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: \"فصل لربك وانحر\" قال: وَضْع اليمين على الشمال في الصلاة عند النحر (8) .\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) أخرجه مسلم في الرقاق، باب في الحوض: 11 / 463، ومسلم في الفضائل، باب إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم برقم : (2292): 4 / 1794، والمصنف في شرح السنة: 15 / 168.\r(3) ما بين القوسين ساقط من \"أ\" وعقر الحوض: مؤخره.\r(4) يدفق الماء فيه دفقا متتابعا.\r(5) أخرجه عبد الرزاق في المصنف: 11 / 406، ومسلم في الفضائل، باب إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم وصفاته برقم: (2301): 4 / 1799، والمصنف في شرح السنة: 15 / 169.\r(6) انظر الطبري: 30 / 327.\r(7) انظر : الدر المنثور: 8 / 651.\r(8) يروى هذا أيضا عن علي كما هو عند الطبري: 30 / 325 وعن الشعبي مثله ولا يصح. وقد ساق الطبري: 30 / 325 - 328 ثم قال: \"وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قول من قال: معنى ذلك : فاجعل صلاتك كلها لربك خالصا دون ما سواه من الأنداد والآلهة، وكذلك نحرك اجعله له دون الأوثان، شكرا له على ما أعطاك من الكرامة والخير الذي لا كفء له، وخصك به من إعطائه إياك الكوثر\". وقد استحسنه ابن كثير في تفسيره: 4 / 560.","part":8,"page":559},{"id":3527,"text":"{ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ (3) }\rقوله تعالى: { إِنَّ شَانِئَكَ } عدوك (1) ومبغضك { هُوَ الأبْتَرُ } هو الأقل الأذلُّ المنقَطِعُ دابره (2) .\rنزلت في العاص بن وائل السهمي؛ وذلك أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يخرج من [باب] (3) المسجد وهو يدخل فالتقيا عند باب بني سهم وتحدثا وأناس من صناديد قريش جلوس في المساجد فلما دخل العاص قالوا له: من الذي كنت تتحدث معه؟ قال: ذلك الأبترُ يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد توفي ابنٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم من خديجة رضي الله عنها (4) .\rوذكر محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان قال: كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له فإذا هلك انقطع ذِكْرُهُ، فأنزل الله تعالى هذه السورة (5) .\rوقال عكرمة عن ابن عباس: نزلت في كعب بن الأشرف وجماعة من قريش، وذلك أنه لما قَدِم كعبٌ مكة قالت له قريش: نحن أهل السِّقَاية والسِّدَانة وأنت سِّيدُ أهل المدينة، فنحن خير أم هذا [الصنبور] (6) المُنْبَتِر من قومه؟ فقال: بل أنتم خير منه، فنزلت: \"ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت\" (النساء -51) . الآية، ونزل في الذين قالوا إنه أبتر: \"إن شانئك هو الأبتر\" (7) أي المنقطع من كل خير.\r__________\r(1) ذكره البخاري تعليقا عن ابن عباس في الفتح: (8 / 731) ووصله ابن مردويه.\r(2) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: 4 / 560: \"فتوهموا لجهلهم أنه إذا مات بنوه انقطع ذكره ومات وحاشا وكلا بل قد أبقى الله ذكره على رءوس الأشهاد، وأوجب شرعه على رقاب العباد، مستمرا على دوام الآباد، إلى يوم المحشر والمعاد، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم التناد\".\r(3) ساقط من \"أ\".\r(4) أخرجه الطبري، 30 / 329، والواحدي في أسباب النزول صفحة (541) وانظر: ابن كثير : 4 / 560، الدر المنثور: 8 / 653. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: 8 / 732: \"اختلف الناقلون في تعيين الشانئ المذكور فقيل: هو العاص بن وائل وقيل: هو أبو جهل، وقيل: عقبة بن أبي معيط\". وانظر: ابن كثير: 4 / 560 فقد ذكر أقوالا أخر.\r(5) أخرجه ابن إسحاق بلاغا: 1 / 393 من سيرة ابن هشام. وانظر الطبري: 30 / 329، وابن كثير: 4 / 560، والواحدي في أسباب النزول صفحة: (541 - 542)، والدر المنثور: 8 / 652.\r(6) في \"أ\" الصنو.\r(7) أخرجه النسائي في التفسير: 2 / 560، والطبري: 30 / 330، وصححه ابن حبان برقم: (1731) من موارد الظمآن. وذكره ابن كثير : 4 / 560 من رواية البزار (وليس عنده ذكر آية سورة النساء) وصحح إسناده. وزاد السيوطي في الدر: 8 / 652 عزوه لابن أبي حاتم وابن مردويه.","part":8,"page":560},{"id":3528,"text":"سورة الكافرون مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) }\r{ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } إلى آخر السورة.\rنزلت في رهط من قريش منهم: الحارث بن قيس السهمي، والعاص بن وائل، والوليد بن المغيرة، [والأسود] (2) بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب بن أسد، 202/ب وأمية بن خلف، قالوا: يا محمد [هلمَّ فاتبعْ] (3) ديننا ونتبع دينك ونشركُك في أمرنا كلِّه، تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فإن كان الذي جئت به خيرًا كنا قد شركناك فيه وأخذنا حظَّنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرًا كنت قد شركتنا في أمرنا وأخذت بحظك منه، فقال: معاذ الله أن أشرك به غيره، قالوا: فاستلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد إلهك، فقال: حتى أنظر ما يأتي من عند ربي، فأنزل الله عز وجل: \"قل يا أيها الكافرون\" إلى آخر السورة، فَغَدَا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الحرام وفيه الملاء من قريش، فقام على رءوسهم ثم قرأها عليهم حتى فرغ من السورة، فأيسوا منه عند ذلك وآذوه وأصحابه (4) . ومعنى الآية: { لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } في الحال { وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ } في الحال،\r__________\r(1) أخرج ابن مردويه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: نزلت سورة (قل يا أيها الكافرون) بمكة. انظر: الدر المنثور: 8 / 654.\r(2) في \"أ\" الأسد، والصحيح ما أثبت.\r(3) في \"أ\" هل تتبع.\r(4) أخرجه ابن إسحاق، سيرة ابن هشام: 1 / 362. وانظر الطبري: 30 / 331، ابن كثير: 4 / 561، أسباب النزول للواحدي صفحة (543). قال الحافظ في الفتح: 8 / 333 وقد أخرج ابن أبي حاتم من حديث ابن عباس قال: قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: كف عن آلهتنا فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل فاعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فنزلت. وفي إسناده أبو خلف عبد الله بن عيسى، وهو ضعيف.","part":8,"page":561},{"id":3529,"text":"{ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6) }\r{ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ } في الاستقبال، { وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ } في الاستقبال (1) .\rوهذا خطاب لمن سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون.\rوقوله: [ما] (2) أعبد\" أي: مَنْ أعبد، لكنه ذكره لمقابلة: \"ما تعبدون\".\rووجه التكرار: قال أكثر أهل المعاني: هو أن القرآن نزل بلسان العرب، وعلى مجاز خطابهم، ومن مذاهبهم التكرار، إرادة التوكيد والإفهام كما أن من مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف والإيجاز.\rوقال القتيبي: تكرار الكلام لتكرار الوقت، وذلك أنهم قالوا: إن سرَّك أن ندخل في دينك عامًا فادخل في ديننا عامًا، فنزلت هذه السورة. { لَكُمْ دِينَكُمْ } الشرك { وَلِيَ دِينِ } (3) الإسلام، قرأ ابن كثير، ونافع، وحفص: \"ولي\" بفتح الياء، قرأ الآخرون بإسكانها. [وهذه الآية منسوخة بآية السيف] (4) .\r__________\r(1) انظر : البخاري 8 / 733 ترجمة الباب.\r(2) في \"ب\" لا .\r(3) قال الفراء في معاني القرآن: 3 / 297 \"ولم يقل ديني\" لأن الآيات بالنون فحذفت الياء، كما قال: \"يهدين\" و \"يشفين\".\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"ب\". وقوله : وهذه الآية منسوخة بآية السيف: نقل ذلك عن ابن عباس، وهذه الآية لا تعارض بينها وبين آية السيف، فلا مجال للقول فيها بالنسخ، لأن الجمع بينهما ممكن، ولا يصار إلى القول بالنسخ إلا بعد تعذر الجمع بين الآيتين. ومعنى الآية (لكم دينكم) فلا تتركونه أبدا، لأنه ختم على قلوبكم (ولي دين) الذي لا أتركه أبدا، وذلك أن المشركين - كما تقدم - طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعبد آلهتهم سنة ويعبدوا إلهه سنة فنزلت السورة بيانا لحالهم وتيئيسا للرسول صلى الله عليه وسلم من إيمان أشخاص بأعيانهم وعدم الطمع في إيمانهم. انظر: تفسير الطبري: 30 / 330 - 331، الناسخ والمنسوخ للبغدادي، صفحة: (161 - 162) مع التعليق. وراجع فيما سبق : 3 / 32 تعليق (1).","part":8,"page":564},{"id":3530,"text":"سورة النصر مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) }\r{ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ } أراد فتح مكة.\rوكانت قصته -على ما ذكر محمد بن إسحاق وأصحاب الأخبار -أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صالح قريشًا عام الحديبية، واصطلحوا على وضع الحرب بين الناس عشر سنين، يأمن فيهن الناس، ويكف بعضهم عن بعض، وأنه من أحب أن يدخل في عَقْد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عَقْد قريش وعهدهم دخل فيه، فدخلت بنو بكر في عقد قريش، ودخلت خُزَاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان بينهما شرٌّ قديم.\rثم إن بني بكر عَدَتْ على خزاعة، وهم على ماء لهم بأسفل مكة، يقال له \"الوَتِير\"، فخرج نوفل بن معاوية الدؤلي في بني الدئل من بني بكر حتى بيَّت خزاعة، وليس كلٌ بكرٍ تابعه، فأصابوا منهم رجلا وتحاربوا واقتتلوا، ورفدت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل معهم من قريش من قاتل مستخفيًا بالليل، حتى حازوا خزاعة إلىالحرم، وكان ممن أعان بني بكر من قريش على خزاعة ليلتئذ بأنفسهم متنكرين: صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، مع عبيدهم فلما انتهوا إلى الحرم قالت بنو بكر: يا نوفل إنا دخلنا الحرم، إلهك إلهك، فقال كلمة عظيمة: إنه لا إله لي اليوم، [يا بني بكر] (2) أصيبوا ثأركم فيه.\r__________\r(1) أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: أنزل بالمدينة (إذا جاء نصر الله والفتح). وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير قال أنزل (إذا جاء نصر الله) بالمدينة. وأخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار قال: نزلت (إذا جاء نصر الله والفتح) كلها بالمدينة بعد فتح مكة ودخول الناس في الدين ينعى إليه نفسه. انظر : الدر المنثور: 8 / 658.\r(2) من سيرة هشام لتمام المعنى.","part":8,"page":565},{"id":3531,"text":"فلما تظاهرت قريش على خزاعة وأصابوا منهم ونقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد بما استحلوا من خزاعة -وكانوا في عقده-خرج عمرو بن سالم الخزاعيّ، حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ، وكان ذلك مما هاج فتح مكة، فوقف عليه وهو في المسجد جالس بين ظَهْراني الناس، فقال: لا هم إني ناشِدٌ محمدًا ... حِلْفَ أبينا وأبيهِ الأتْلَدا\rإن قريشا أخلَفُوكَ المَوْعِدَا ... ونقضوا ميثاقَك المؤكَّدا\rالأبيات كما ذكرنا في سورة التوبة (1) .\rفقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"قد نُصِرْت يا عمرو بن سالم\"، ثم عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم عنان من السماء، فقال: \"إن هذه السحابة لتستهلّ، بِنَصْرِ بني كعب\"، وهم رهط عمرو بن سالم.\rثم خرج بُدَيْل بن وَرْقَاء في نفر من خزاعة، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بما أصيب منهم [وبمظاهرة] (2) قريش بني بكر عليهم، ثم انصرفوا راجعين إلى مكة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس: كأنكم بأبي سفيان قد جاء لِيَشُدَّ العَقْدَ ويزيد في المدة.\rومضى بديل بن ورقاء فلقي أبا سفيان بعُسْفَان، قد بعثته قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليَشُّدَ العقد ويزيد في المدة، وقد رهبوا الذي صنعوا، فلما لقي أبو سفيان بُدَيْلا قال: من أين أقبلت يا بُدَيْل؟ وظن أنه قد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: سرت في خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي، قال: أو ما أتيت محمدا؟ قال: لا فلما راح بُدَيْل إلى مكة قال أبو سفيان: لئن كان جاء المدينة لقد علف ناقته بها النوى، فعمد إلى مَبْرك ناقته فأخذ من بعرها فَفَتَّه فرأى فيه النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بُدَيْلٌ محمدًا.\rثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه، فقال: يا بنية أرغبت بي عن هذا الفراش أم أرغبت به عني؟ قالت: بلى هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت رجل مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على فراش 203/أ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: والله لقد أصابك يا بُنَيَّة بعدي [شيء] (3)\r__________\r(1) راجع سيرة ابن هشام لتمام المعنى : 4 / 9 - 10.\r(2) المعاونة.\r(3) في \"ب\" شر.","part":8,"page":568},{"id":3532,"text":"ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه فلم يرد عليه شيئًا [غير أنه قال: نقض أهل مكة العهد] (1) .\rثم ذهب إلى أبي بكر فكلَّمه أن يكلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر ابن الخطاب فكلَّمه فقال: أنا أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ! فوالله لو لم أجد إلا الذرَّ لجاهدتكم به، ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعنده فاطمة بنت رسول لله صلى الله عليه وسلم وعندها الحسن بن علي رضي الله عنهما، غلامٌ يَدِبّ، بين يديها، فقال: يا علي إنك أمسّ، القومِ بي رحمًا وأقربُهم مني قرابةً، وقد جئت في حاجةٍ فلا أرجعن كما جئت، خائبًا، اشفع لنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ويحك يا أبا سفيان لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمرٍ ما نستطيع أن نكلمه فيه، فالتفت إلى فاطمة فقال: يا بنت محمد، هل لك أن تأمري بُنَيَّكِ هذا فيجير بين الناس فيكون سيدِّ العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: والله ما بلغ بُنَيّ أن يجير بين الناس، وما يجير على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد، فقال: يا أبا الحسن -إني أرى الأمور قد اشتدَّت عليَّ فانصحني، قال: والله ما أعلم شيئا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأَجِرْ بين الناس، ثم الحق بأرضك، قال أوترى ذلك مغنيًا عني شيئا؟ قال: لا والله ، ما أظن، ولكن لا أجد لك غير ذلك.\rفقام أبو سفيان في المسجد فقال: يا أيها الناس إني قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره فانطلق فلما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدًا فكلمته والله ما رد عليَّ شيئًا ثم جئت ابن أبي قحافة، فلم أجد عنده خيرًا، فجئت ابن الخطاب فوجدته أَعْدَى القوم، ثم أتيت علي بن أبي طالب فوجدته ألين القوم، وقد أشار علي بشيٍء صنعتهُ، فوالله ما أدري هل [يغنيني] (2) شيئًا أم لا؟ قالوا: وماذا أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس ففعلت، قالوا: فهل أجاز ذلك محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا قالوا: والله إن زاد عليٌّ على أن لعب بك، فلا يغني عنَّا ما قلت، قال: لا والله ما وجدت غير ذلك.\rقال: وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجَهَازِ، وأمر أهله أن يجهِّزوه، فدخل أبو بكر على ابنته عائشة رضي لله عنها وهي تصلح بعض جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أي بنية أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن تجهزوه؟ قالت: نعم فتجهَّزْ، قال: فأين ترينه يريدُ؟ قالت: ما أدري. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة، وأمرهم بالجد والتهيؤ، وقال: اللهم خُذِ العيونَ والأخبار عن قريش حتى [نَبْغَتَها] (3) في بلادها، فتجهز الناس.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) في \"أ\" يغني عنا .\r(3) نفجؤها.","part":8,"page":569},{"id":3533,"text":"وكتب حاطب بن أبي بَلْتَعَةَ كتابًا إلى قريش [-وفيه قصة] (1) ذكرناها في سورة الممتحنة - (2) .\rثم استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة أبا رُهْم كلثومَ بن حُصَيْن بن خلف الغفاري، وخرج عامدًا إلى مكة لعشر مَضَيْنَ من رمضان سنة ثمان، فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصام الناس معه، حتى إذا كان بالكديد -ماء بين عُسْفَان وأمَجّ -أفطر.\rثم مضى حتى نزل بمرِّ الظَّهْران في عشرة آلاف من المسلمين، ولم يتخلف من المهاجرين والأنصار عنه أحد، فلما نزل بمر الظهران، وقد عميت الأخبار عن قريش، فلا يأتيهم خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يدرون ما هو فاعل، فخرج في تلك الليلة: أبو سُفْيَان بن حَرْب، وحكيم بن حِزَامٍ وبُدَيْلُ بن ورقاء، يتحسسون الأخبار هل يجدون خبرًا؟ وقد قال العباس بن عبد المطلب ليلتئذٍ: وَاصباحَ قريش، والله لئن [بغتها] (3) رسول الله صلى الله عليه وسلم في بلادها فدخل مكة عنوة إنها لهلاك قريش إلى آخر الدهر.\rفخرج العباس على بغلة رسول الله وقال: أخرج إلى الأراك لعلي أرى حطَّابًا أو صاحب لبن أو داخلا يدخل مكة فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأتونه فيستأمنونه قبل أن يدخلها عليهم عنوة.\rقال العباس فخرجت وإني -والله -لأطوف في الأراك ألتمس ما خرجت له إذ سمعت صوت أبي سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء، وقد خرجوا يتحسسون الخبر، فسمعت أبا سفيان يقول: والله ما رأيت كالليلة قطُّ نيرانًا، وقال بديل: هذه والله نيران خزاعة [حَمَشَتْها] (4) الحرب، فقال أبو سفيان: خزاعة ألأمُ من ذلك وأذلُ فعرفت صوته فقلت: يا أبا حنظلة، فعرف صوتي فقال: يا أبا الفضل، فقلت: نعم، فقال: مَالَك فداك أبي وأمي؟ قلت: ويحك يا أبا سفيان هذا، والله، رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء بما لا قِبَل لكم به، بعشرة آلاف من المسلمين، قال: وما الحيلة؟ قلت: والله لئن ظفر بك ليَضْرِبَنَّ عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتى بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنهُ فردفني، ورجع صاحباه فخرجت أركض به بغلةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلما مررت بنار من نيران المسلمين فنظروا إلي قالوا: 203/ب هذا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى مررت بنار عمر بن الخطاب، فقال: من هذا؟ وقام إلي فلما رأى أبا سفيان على عَجُزِ الدابة، قال: أبو سفيان عدو الله!\r__________\r(1) ساقط من \"ب\".\r(2) راجع فيما سبق: 8 / 91.\r(3) في \"أ\" دخلها.\r(4) أحرقتها.","part":8,"page":570},{"id":3534,"text":"الحمد لله الذي أمكن منك بغير عهد ولا عقد، ثم اشتدَّ نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم فركضتُ البغلة وسبقته بما تسبق الدابةُ البطيئةُ الرجلَ البطيء، فاقتحمت عن البغلة فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل عليه عمر، فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان عدو الله قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد، فدعني فلأضرب عنقه، فقلت: يا رسول الله إني قد أَجَرْتهُ، ثم جلست إلى رسول الله فأخذت برأسه وقلت: والله لا يناجيه الليلة أحدٌ دوني، فلما أكثر فيه عمر رضي الله عنه قلت: مهلا يا عمر، فوِالله ما تصنع هذا إلا أنه رجل من بني عبد مناف، ولو كان من بني عدِّي بن كعب ما قلت هذا. قال: مهلا يا عباس، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، [وذلك لأني أعلم أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب لو أسلم] (1) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"اذهب به يا عباس إلى رَحْلِك، فإذا أصبحتَ فَأْتِنِي به\"، قال: فذهبت إلى رَحْلي فبات عندي، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال: \"ويحك يا أبا سفيان [ألم يَأْنِ] (2) لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟\" قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره فقد أغنى عني شيئا بعدُ، قال: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمي وما أحلمك وأكرمك وأوصلك! أما هذه فإن في النفس منها [حتى الآن] (3) شيئًا، قال العباس: قلت له: ويحك! أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قبل أن يضرب عنقك، قال: فشهد شهادة الحقِّ وأسلم، قال العباس: قلت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئا، قال: نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمِنْ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمِنْ، ومن دخل المسجد فهو آمِنْ، فلما ذهب لينصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عباسُ احبِسْه، بمضيق الوادي عند خَطْم (4) الجبل حتى تمر به جنود الله فيراها، قال: فخرجت به حتى حبسته حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rقال: ومرَّت به القبائل على راياتها، كلما مرتْ قبيلة قال: من هؤلاء يا عباس؟ قال: أقول: سليم، قال يقول: مالي ولِسُلَيْمٍ، ثم تمر القبيلة فيقول: من هؤلاء؟ فأقول: مُزَيْنَة، فيقول: مالي ولمزينة، حتى نفذت القبائل لا تمر قبيلة إلا سألني عنها، فإذا أخبرته يقول: مالي ولبني فلان حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخضراء، كتيبة رسول الله، فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، قال: سبحان الله من هؤلاء يا عباس؟ قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار،\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(2) ألم يحن، يقال: آن الشيء يئين، وأنى يأني (كرم يرمي) وأنى يأنى (من باب فرح) كله بمعنى حان.\r(3) ساقط من \"ب\".\r(4) أنف الجبل، وهو شيء يخرج منه يضيق به الطريق.","part":8,"page":571},{"id":3535,"text":"فقال: والله ما لأحدٍ بهؤلاء من قِبَل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيمًا، فقال: ويحك! إنها النبوة، قال: نعم إذًا.\rفقلت: الحق الآن بقومك فحذرهم، فخرج سريعا حتى أتى مكة فصرخ في المسجد بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قِبلَ لكم به، قالوا: فمه؟ قال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا: ويحك وما تغني عنا دارك؟ قال: ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد.\rقال: وجاء حَكيمُ بن حزام وبُدَيْلُ بن ورقاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران فأسلما وبايعاه، فلما بايعاه بعثهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه إلى قريش يَدْعُوَانهم إلى الإسلام.\rولما خرج حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء من عند النبي صلى الله عليه وسلم عامدين إلى مكة بعث في إثرهما الزبير وأعطاه رايته وأمَّره على خيل المهاجرين والأنصار، وأمره أن يركز رايته بأعلى مكة بالحُجُون، وقال: لا تبرح حيث أمرتك أن تركز رايتي حتى آتيَك، ومن ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وضربت هناك قبته، وأمر خالد بن الوليد فيمن أسلم من قضاعة وبني سليم أن يدخل من أسفل مكة وبها بنو بكر قد استنفرتهم قريش وبنو الحارث بن عبد مناف ومن كان من الأحابيش، أمرتهم قريش أن يكونوا بأسفل مكة، وإن صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو، وكانوا قد جمعوا أناسًا بالخَنْدَمَة ليقاتلوا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لخالد والزبير حين بعثهما: لا تقاتلا إلا من قاتلكم، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كدي، فقال سعد حين توجه داخلا اليوم يوم المَلْحَمة، اليوم تُسْتَحَلُّ الحرمةُ، فسمعها رجل من المهاجرين فقال: يا رسول الله، اسمع ما قال سعد بن عبادة، وما نأمن أن يكون له في قريش صولة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: أدركه فخذ الراية منه، فكن أنت الذي تدخل بها، فلم يكن بأعلى مكة منْ قِبَل 204/أ الزبير قتال، وأما خالد بن الوليد فقدم على قريش وبني بكر والأحابيش بأسفل مكة، فقاتلهم فهزمهم الله، ولم يكن بمكة قتال غير ذلك.\rوقتل من المشركين قريب من اثني عشر أو ثلاثة عشر، ولم يقتل من المسلمين إلا رجل من جهينة يقال له: سلمة بن الميلاء، من خيل خالد بن الوليد، ورجلان يقال لهما: كُرْزُ بن جابر [وخُنَيْس] (1) بن خالد، كانا في خيل خالد بن الوليد، فشذا عنه وسلكا طريقًا غير طريقه، فقتلا جميعا.\r__________\r(1) في \"أ\" حنيس، وفي \"ب\" خبيش، والمثبت من ابن هشام.","part":8,"page":572},{"id":3536,"text":"وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة أن لا يقاتلوا أحدًا إلا من قاتلهم، إلا [أنه قد عهد] (1) في نفرٍ سماهم أمر بقتلهم، وإن وُجدوا تحت أستار الكعبة. منهم: عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وإنما أمر بقتله لأنه كان قد أسلم فارتد مشركًا، ففر إلى عثمان، وكان أخاه من الرضاعة، فغيَّبه حتى أتى به [رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن اطمأن أهل مكة، فاستأمن له.\rوعبد الله بن خَطَل، كان رجلا من بني تميم بن غالب] (2) ، وإنما أمر بقتله لأنه كان مسلمًا فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدِّقًا، وكان له مولى يخدمه وكان مسلمًا، فنزل منزلا وأمر المولى أن يذبح له تيسًا ويصنع له طعامًا ونام فاستيقظ ولم يصنع له شيئًا فعدا عليه فقتله، ثم ارتد مشركًا، وكانت له قَيْنَتَان تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بقتلهما معه.\rوالحُوَيْرث، بن [نُقَيْذ] (3) بن وهب، كان ممن يؤذيه بمكة.\rومِقْيَس بن صبابة، وإنما أمر بقتله، لقتله الأنصاري الذي قتل أخاه خطأ ورجوعه إلى قريش مرتدًا.\rوسارة؛ مولاة كانت لبعض بني المطلب كانت ممن يؤذية بمكة.\rوعكرمة بن أبي جهل، فأما عكرمة فهرب إلى اليمن، وأسلمت امرأته أُمُّ حكيم بنت الحارث بن هشام، فاستأمنَتْ له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنه، فخرجت في طلبه حتى أتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم.\rوأما عبد الله بن خطل، فقتله سعد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي، اشتركا في دمه، وأما مقيس بن صبابة، فقتله تُمَيْلَةُ بن عبد الله، رجل من قومه، وأما قَيْنَتَا ابن خطل؛ فقُتِلْت إحداهما وهربت الأخرى حتى استؤمن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمنها، وأما سارةُ فتغيبت حتى استؤمن لها فأمنها، فعاشت حتى أوطأها رجلٌ من الناس فرسًا له في زمن عمر بن الخطاب بالأبطح فقتلها، وأما الحويرث بن نقيذ، فقتله علي بن أبي طالب.\rفلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وقف قائمًا على باب الكعبة وقال: لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا إن كل مَأْثُرَةٍ أو دم أو مالٍ في الجاهلية\r__________\r(1) استدركناها من سيرة ابن هشام.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) في \"ب\" نفير.","part":8,"page":573},{"id":3537,"text":"يدعى فهو تحت قدميَّ هاتين، إلا سَدَانة البيت وسقاية الحاج، يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نَخْوَة الجاهلية وتعظُّمَها بالآباء، الناس من آدم وآدم خُلق من تراب، ثم تلا \"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى\"(الحجرات -13) الآية، يا أهل مكة، ماذا ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخٍ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطُّلَقَاء فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان الله أمكنه من رقابهم عنوة، فلذلك سمي أهل مكة الطلقاء.\rثم اجتمع الناس للبيعة؛ فجلس لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا، وعمر بن الخطاب أسفل منه يأخذ على الناس، فبايعوه على السمع والطاعة فيما استطاعوا، فلما فرغ من بيعة الرجال بايع النساء.\rقال عروة بن الزبير: خرج صفوان بن أمية يريد جدة ليركب منها إلى اليمن، فقال عمير بن وهب الجمحي: يا نبي الله إن صفوان بن أمية سيّدُ قومي، وقد خرج هاربًا منك ليقذف نفسه في البحر، فَآمِّنْهُ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو آمن، قال: يا رسول الله أعطني شيئًا يعرف به أمانك، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمامته التي دخل بها مكة، فخرج بها عمير حتى أدركه بجدةُ وهو يريد أن يركب البحرُ فقال: يا صفوان فداك أبي وأمي أذكركَ الله في نفسك أن تهلكها، فهذا أمان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جئتك به، فقال: ويلك اغرب عني فلا تكلِّمني، قال: أي صفوان فداك أبي وأمي، أفضلُ الناس وأبرُ الناس، وأحلمُ الناس، وخيرُ الناس، ابن عمك عِزُّه عزك وشرفه شرفك وملكه ملكك. قال: إني أخافه على نفسي، قال: هو أحلم من ذلك وأكرم، فرجع به معه حتى وقف به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صفوان: إن هذا يزعم أنك أمَّنْتَنِي؟ قال: صدق، قال فاجعلني في أمري بالخيار شهرين، قال: أنت فيه بالخيار أربعة أشهر.\rقال ابن إسحاق: وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف، وكان فتح مكة لعشر ليال بَقِينَ من رمضان سنة ثمان، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة [يقصر] (1) الصلاة.\rثم خرج إلى هوازن وثقيف، قد نزلوا حنينا (2) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو نعيم، حدثنا شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة،\r__________\r(1) في \"أ\" يقضي.\r(2) أخرجه ابن إسحاق، سيرة ابن هشام: 3 / 398 - 419. وانظر: تاريخ الطبري: 3 / 70 - 86، البداية والنهاية: 4 / 352 - 361، إمتاع الأسماع للمقريزي ص (401) وما بعدها، زاد المعاد لابن القيم: 3 / 465 - 474.","part":8,"page":574},{"id":3538,"text":"أن خزاعة قتلوا رجلا. . . \" وقال محمد بن إسماعيل، قال عبد الله بن رجاء: حدثنا حرب عن يحيى، حدثنا أبو سلمة \"حدثنا أبو هريرة: أنه عامَ فتحِِ مكةَ قتلتْ خزاعة رجلا من بني لَيْث بقتيلٍ لهم في الجاهلية، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (1) إن الله حبس عن مكة الفيل وسلطَّ عليهم رسوله والمؤمنين. ألا وإنها لم تَحِلَّ لأحد قبلي، ولا تحل لأحد من بعدي، ألا وإنها أحِلَّتْ لي ساعةَ من نهار، ألا وإنها ساعتي هذه، حرام 204/ب لا يُخْتَلى شوكها ولا يُعْضَدُ شجرُها، ولا يَلتقِط ساقطتَها إلا منشدٌ، ومَنْ قُتِل له قتيلٌ فهو بخير النظر إما يؤدَّى وإما أن يقاد (2) فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاه فقال: اكتب لي يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتبوا لأبي شاه ثم قام رجل من قريش فقال: يا رسول الله إلا الإذْخِرَ فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"إلا الإذخر\" (3) .\rأخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن أبي النضر -مولى عمر بن عبيد الله -أن أبا مرّة مولى أم هانئ بنت أبي طالب أخبره أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب تقول: ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره بثوب، قالت: فسلَّمتُ، فقال: من هذه؟ فقلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب، قال: مرحبًا بأم هانئ، فلما فرغ من غسله قام فصلّى ثماني ركعات مُلْتَحِفا في ثوب واحد، ثم انصرف فقلت له: يا رسول الله، زعم ابن أمي، علي بن أبي طالب، أنه قاتلٌ رجلا أجَرْتُه، فلان بن هبيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أجَرْنَا من أجرتِ يا أمَّ هانئٍ، وذلك ضحى (4) .\rقوله عز وجل: { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ } إذا جاءك نصر الله يا محمد على من عاداك وهم قريش، { وَالْفَتْحُ } فتح مكة.\r{ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) }\r{ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا } زُمرًا وأرسالا القبيلة بأسرها، والقوم بأجمعهم من غير قتال.\r__________\r(1) في \"ب\" (فحمد الله وأثنى عليه ثم قال).\r(2) في \"أ\" إما أن يؤدوا وإما يفادوا .\r(3) أخرجه البخاري في الديات، باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: 12 / 205، ومسلم في الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها . . برقم: (1355): 2 / 988.\r(4) أخرجه مالك في قصر الصلاة في السفر، باب صلاة الضحى: 1 / 152، والبخاري في الصلاة، باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفا به: 1 / 469 وفي الجزية والموادعة وفي الأدب، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها ، باب استحباب صلاة الضحى برقم: (336): 1 / 498، والمصنف في شرح السنة: 11 / 89.","part":8,"page":575},{"id":3539,"text":"قال الحسن: لما فتح الله عز وجل مكة على رسوله قالت العرب بعضها لبعض: إذا ظفر محمد بأهل الحرم -وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل -فليس لكم به يدان، فكانوا يدخلون في دين الله أفواجًا بعد أن كانوا يدخلون واحدًا واحدًا، واثنين اثنين.\rوقال عكرمة ومقاتل: أراد بالناس أهل اليمن:\rأخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني أخبرنا عبد الله بن عمر الجوهري حدثنا أحمد بن الكشميهني حدثنا علي بن حجر حدثنا إسماعيل بن جعفر حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \"أتاكم أهل اليمن هم أضعف قلوبًا وأرق أفئدة الإيمان والحكمة يمانية\" (1) .\r{ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3) }\r{ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا } فإنك حينئذ لاحقٌ به.\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو النعمان، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان عمر يُدْخِلني مع أشياخ بدر قال بعضهم: لِمَ تُدْخِل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال: إنه ممَّن قد علمتم، قال: فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم، قال: وما رأيته دعاني يومئذ إلا لِيُرِيَهم مني، فقال: ما تقولون في قوله: \" إذا جاء نصر الله والفتح\" حتى ختم السورة؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا جاء نصرنا وفتح علينا، وقال بعضهم: لا ندري، ولم يقل بعضهم شيئًا، فقال لي: يا ابن عباس أكذلك تقول؟ قلت: لا قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه به، \"إذا جاء نصر الله والفتح\" فتح مكة، فذلك علامة أجلك \"فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا\"، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم (2) .\rأخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير عن منصور عن أبي الضحى عن مسروق، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ أن يقول في ركوعه وسجوده: \"سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي\" يتأوَّل القرآن (3) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في المغازي، باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن: 8 / 99، ومسلم في الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان فيه برقم: (52) 1 / 71، والمصنف في شرح السنة: 14 / 201.\r(2) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة النصر - باب قوله: (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا): 8 / 734 - 735.\r(3) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة النصر -: 8 / 733، ومسلم في الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود برقم: (484): 1 / 350، والمصنف في شرح السنة: 3 / 100.","part":8,"page":576},{"id":3540,"text":"أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا محمد بن المثنى، حدثني عبد الأعلى، حدثنا داود عن عامر، عن مسروق، عن عائشة؛ قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ من قول: \"سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه\" ، [قالت: فقلت: يا رسول الله، أراك تكثر من قول: \"سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه؟\"] (1) فقال: أخْبَرَني ربي أني سأرى علامةً في أمتي، فإذا رأيتَها أَكْثِرْ من قول: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيتها: \"إذا جاء نصر الله والفتح\". فالفتح: فتح مكة، \"ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا\" (2) .\rقال ابن عباس: لما نزلت هذه السورة علم النبي صلى الله عليه وسلم أنه نُعيتْ إليه نفسه (3) .\rقال الحسن: أعلم أنه قد اقترب أجله فأمر بالتسبيح والتوبة، ليختم له بالزيادة في العمل الصالح (4) .\rقال قتادة ومقاتل: عاش النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه السورة سنتين.\r__________\r(1) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(2) أخرجه مسلم في الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود برقم: (484): 1 / 351.\r(3) أخرجه الإمام أحمد: 1 / 217، وأخرجه النسائي في التفسير مطولا: 2 / 567 من حديث هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس. قال يحيى بن معين: ثقة مأمون لم يتغير، ووثقه ابن حبان وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح وأخرجه الطبراني في الكبير: 11 / 328. قال ابن حجر في الفتح: 8 / 736 أخرجه الإمام أحمد عن أبي رزين عن ابن عباس وفي إسناده عطاء بن السائب وقد اختلط. وللحديث شاهد أخرجه البخاري عن ابن عباس في جوابه لعمر عن قوله تعالى: (إذا جاء نصر الله. . ) الآية قال: \"مثل ضرب لمحمد صلى الله عليه وسلم، نعيت له نفسه\" صحيح البخاري، كتاب التفسير: 8 / 734. وانظر: مجمع الزوائد: 7 / 144 ، 9 / 22 - 23.\r(4) انظر : الطبري: 30 / 335.","part":8,"page":577},{"id":3541,"text":"سورة المسد مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) }\r{ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ } أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي، حدثنا محمد بن حماد، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: صَعِد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم على الصفا فقال: يا صاحباه، قال: فاجتمعت إليه قريش، فقالوا له: مالَكَ؟ قال: أرأيتم لو أخبرتُكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أما كنتم تصدِّقوني؟ قالوا: بلى، قال: فإني نذيرٌ لكم بين يديْ عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبًّا لك، ألهذا دعوتنا جميعًا؟ فأنزل الله عز وجل: \"تبت يدا أبي لهب وتب\" إلى آخرها (2) .\rقوله: { تَبَّتْ } أي: خابت وخسرت يدا أبي لهب، [أي هو] (3) ، أخبر عن يديه، والمراد به نفسه على عادة العرب في التعبير ببعض الشيء عن كله.\rوقيل: \"اليد\" صلة، كما يقال: يد الدهر ويد الرَّزايا والبلايا.\rوقيل: المراد بها ماله وملكه، يقال: فلان قليل ذات اليد، يعنون به المال، و\"الثياب\": الخسار والهلاك.\rوأبو لهب: هو ابن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم 205/أ واسمه عبد العزى. قال مقاتل: كني بأبي لهب لحسنه وإشراق وجهه.\r__________\r(1) أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: أنزلت (تبت يدا أبي لهب) بمكة . انظر: الدر المنثور: 8 / 665.\r(2) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة المسد - 8 / 737، ومسلم في الإيمان، باب في قوله تعالى (وأنذر عشيرتك الأقربين) برقم: (208): 1 / 193 - 194.\r(3) ساقط من \"أ\".","part":8,"page":578},{"id":3542,"text":"وقرأ ابن كثير \"أبي لهب\" ساكنة الهاء، وهي مثل: نهر ونهر. واتفقوا في \"ذات لهب\" أنها مفتوحة الهاء لِوفَاقِ الفواصل.\r{ وَتَبَّ } أبو لهب، وقرأ عبد الله: وقد تب (1) . قال الفرَّاء: الأول دعاء، والثاني خبر، كما يقال: أهلكه الله، وقد فعل (2) .\r{ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) }\r{ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ } قال ابن مسعود: لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرباءه إلى الله عز وجل قال أبو لهب: إن كان ما يقول ابن أخي حقًا فإني أفتدي نفسي ومالي وولدي (3) ، فأنزل الله تعالى:\r{ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ } أي ما يغني، وقيل: أي شيء يغني عنه ماله، أي: ما يدفع عنه عذاب الله ما جمع من المال، وكان صاحب مواشٍُ { وَمَا كَسَبَ } قيل: يعني ولده، لأن ولد الإنسان من كسبه كما جاء في الحديث: \"أطيب ما يأكل أحدكم من كسبه، وإن ولده من كسبه\" (4) . ثم أوعده بالنار فقال: { سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ } أي نارًا تلتهب عليه. { وَامْرَأَتُه } أم جميل بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان { حَمَّالَةَ الْحَطَبِ } قال ابن زيد والضحاك: كانت تحمل الشوك والعضاة فتطرحه في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابهُ لتعقرهم، وهي رواية عطية عن ابن عباس.\rوقال قتادة، ومجاهد، والسدي: كانت تمشي بالنميمة وتنقل الحديث فتلقي العداوة بين الناس،\r__________\r(1) انظر : البحر المحيط: 8 / 525.\r(2) انظر : معاني القرآن للفراء: 3 / 298.\r(3) ذكره صاحب البحر المحيط: 8 / 525.\r(4) حديث صحيح روي من طرق بألفاظ متقاربة. فأخرجه أبو داود في الإجارات (من البيوع) باب في الرجل يأكل من مال ولده: 5 / 182، والترمذي في الأحكام، باب ما جاء في أن الوالد يأخذ من مال ولده: 4 / 592 وقال: \"هذا حديث حسن\" والنسائي في البيوع، باب الحث على الكسب: 7 / 241، وابن ماجه في التجارات، باب ما للرجل من مال ولده، برقم: (2290): 2 / 768 - 769، والدارمي في البيوع، باب في الكسب: 2 / 247، وصححه ابن حبان صفحة (268) من موارد الظمآن. وأخرجه الإمام أحمد في المسند: 6 / 31، وفي مواضع أخرى، وعبد الرزاق في المصنف 9 / 133، وابن أبي شيبة: 7 / 157، والمصنف في شرح السنة: 9 / 329.","part":8,"page":582},{"id":3543,"text":"وتوقد نارها كما توقد النار [بالحطب] (1) . يقال: فلان يحطب على فلان، إذا كان يُغْرِي به (2) .\rوقال سعيد بن جبير: حمالة الخطايا، دليله: قوله: \"وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم\"(الأنعام -31 ) .\rقرأ عاصم \"حمالة\" بالنصب على الذم، كقوله: \"ملعونين\".\rوقرأ. الآخرون بالرفع، وله وجهان: أحدهما سيصلى نارًا هو وامرأته حمالةُ الحطب. والثاني: وامرأته حمالةُ الحطب في النار أيضًا.\r{ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5) }\r{ فِي جِيدِهَا } في عنقها، وجمعه أجياد، { حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ } واختلفوا فيه، قال ابن عباس، وعروة بن الزبير: سلسلة من حديدٍ ذَرْعُها سبعون ذراعًا، تدخل في فيها وتخرج من دبرها، ويكون سائرها في عنقها، وأصله من \"المسْد\" وهو الفتل، و\"المَسَدُ\" ما فُتِل وأحكم من أي شيء كان، يعني: السلسلة التي في عنقها ففتلت من الحديد فتلا محكمَا.\rوروى الأعمش عن مجاهد: \"من مسد\" أي من حديد، والمسد: الحديدة التي تكون في البَكَرَةِ، يقال لها المحور.\rوقال الشعبي ومقاتل: من ليف. قال الضحاك وغيره: في الدنيا من ليف، وفي الآخرة من نار. وذلك الليف هو الحبل الذي كانت تحتطب به، فبينما هي ذات يوم حاملة حزمة فأعيت فقعدت على حجر تستريح فأتاها ملك فجذبها من خلفها فأهلكها.\rقال ابن زيد: حبل من شجر ينبت باليمن يقال له مسد.\rقال قتادة: قلادة من ودع (3) وقال الحسن: كانت خرزات في عنقها [فاخرة] (4) وقال سعيد بن المسيب: كانت لها قلادة في عنقها فاخرة، فقالت: لأنفقنها في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم.\r__________\r(1) في \"ب\" الحطب.\r(2) أورد الطبري: 30 / 338 - 339 أقوالا مردها إلى رأيين ثم قال مرجحا: \"وأولى القولين في ذلك بالصواب عندي قول من قال: \"كانت تحمل الشوك، فتطرحه في طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن ذلك هو أظهر معنى ذلك\".\r(3) ساق الطبري: 30 / 340 - 341 أقوال المفسرين ثم قال: \"وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب قول من قال: هو حبل جمع من أنواع مختلفة، ولذلك اختلف أهل التأويل في تأويله على النحو الذي ذكرنا\".\r(4) زيادة من \"ب\".","part":8,"page":583},{"id":3544,"text":"سورة الإخلاص مكية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) }\r{ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } روى أبو العالية عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: انسب لنا ربك، فأنزل الله تعالى هذه السورة (2) .\rوروى أبو ظبيان، وأبو صالح، عن ابن عباس: أن عامر بن الطفيل وأَرْبَدَ بن ربيعةَ أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقال عامر: إلامَ تدعونا يا محمد؟ قال: إلى الله، قال: صِفْهُ لنا أمن ذهب هو؟ أم من فضة؟ أم من حديد؟ أم من خشب؟ فنزلت هذه السورة فأهلك الله أربد بالصاعقة وعامر بن الطفيل بالطاعون، وقد ذكرناه في سورة الرعد (3) .\rوقال الضحاكُ وقتادة ومقاتل: جاء ناس من أحبار اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: صِفْ لنا ربك يا محمد لعلنا نؤمن بك، فإن الله أنزل نعته في التوراة، فأخبرنا من أي شيء هو؟ وهل يأكل ويشرب؟ ومن يرث منه؟ فأنزل الله هذه السورة (4) .\r__________\r(1) أخرج ابن الضريس وابن جرير عن أبي العالية رضي الله عنه قال: قالوا: انسب لنا ربك، فأتاه جبريل بهذه السورة (قل هو الله أحد الله الصمد). وأخرج الطبراني وأبو الشيخ في العظمة عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قالت قريش: يا رسول الله أنسب لنا ربك، فأنزل الله (قل هو الله أحد). انظر: الدر المنثور: 8 / 669 - 670، وما يأتي من الأحاديث.\r(2) أخرجه الترمذي في التفسير - تفسير سورة الإخلاص - 9 / 299 - 300، وأخرجه مرسلا أيضا: 9 / 301، والإمام أحمد: 5 / 134، وصححه الحاكم: 2 / 540 ووافقه الذهبي، والبيهقي في الأسماء والصفات: 1 / 419، والطبري: 30 / 342.\r(3) راجع فيما سبق: 4 / 301.\r(4) أخرجه الطبري: 30 / 342 - 343. وانظر الفتح السماوي : 3 / 1135 ، الدر المنثور: 8 / 671.","part":8,"page":584},{"id":3545,"text":"{ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } أي واحد، ولا فرق بين الواحد والأحد، يدل عليه قراءة ابن مسعود: قل هو الله الواحد (1) . { اللَّهُ الصَّمَدُ } قال ابن عباس، ومجاهدُ والحسنُ وسعيد بن جبير: \"الصمد\" الذي لا جوف له.\rقال الشعبي: الذي لا يأكل ولا يشرب.\rوقيل: تفسيره ما بعده، روى أبو العالية عن أبي بن كعب قال: \"الصمد\" الذي لم يلد ولم يولد؛ لأن من يولد سيموت، ومن يرث يورث منه (2) .\rقال أبو وائلِ شقيقُ بن سلمة: هو السيد الذي قد انتهى سُؤدَده، وهو رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال: هو السيد الذي قد كمل في جميع أنواع السؤدد (3) . وعن سعيد بن جبير أيضا: هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله. وقيل: هو السيد المقصود في [الحوائج. وقال السدي] (4) هو المقصود إليه في الرغائب المستغاث به عند المصائب، تقول العرب: صمدت فلانًا أصمده صمْدًا -بسكون الميم -إذا قصدته، [والمقصود]: (5) صمَد، بفتح الميم.\rوقال قتادة: \"الصمد\" الباقي بعد فناء خلقه. وقال عكرمة: \"الصمد\" الذي ليس فوقه أحد، وهو قول علي. وقال الربيع: الذي لا تعتريه الآفات. قال مقاتل بن حيان: الذي لا عيب فيه.\r{ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) }\r{ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } قرأ حمزة وإسماعيل: \"كفْؤًا\" ساكنة الفاء مهموزا، وقرأ حفص عن عاصم بضم الفاء من غير همز، وقرأ الآخرون بضم الفاء مهموزًا، وكلها لغات صحيحة، [ومعناه] (6) المثل، أي: هو أحد.\rوقيل: هو التقديم والتأخير، مجازه: ولم يكن له أحدًا كفوًا أي مثلا.\r__________\r(1) قال أبو حيان في البحر المحيط: 8 / 528: \"وأحد بمعنى واحد\".\r(2) أخرجه الطبري: 30 / 346.\r(3) أخرجه عبد الرزاق في التفسير : 2 / 407، والطبري: 30 / 346.\r(4) ما بين القوسين ساقط من \"ب\".\r(5) في \"ب\" والمصمود.\r(6) في \"ب\" ومعناها .","part":8,"page":588},{"id":3546,"text":"قال مقاتل: قال مشركو العرب: الملائكة بنات الله، وقالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، فأكذبهم الله ونفى عن ذاته الولادة والمثل (1) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري، أخبرنا أبو الزناد، عن الأعراج، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"قال الله تعالى: كذَّبني ابنُ آدم ولم يكن له ذلك، وشَتَمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إيايَ فقولهُ: لن يعيدني كما بدأني، وليس أولُ الخلق بأهونَ عليّ من إعادته، وأما شتمُهُ إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد\" (2) .\rأخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي 205/ب أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري أن رجلا سمع رجلا يقرأ: \"قل هو الله أحد\" ويرددها، فلما أصبح أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، وكأن الرجل يتقالها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"والذي نفسي بيده إنها لتَعْدِل ثُلُثَ القرآن (3) .\rأخبرنا أبو سعيد الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن الأصفهاني، أخبرنا عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس، حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا شعبة عن قتادة: سمعت سالم بن أبي الجعد يحدث عن معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"أيعجز أحدكم أن يقرأ ثُلثَ القرآن في ليلةٍ\"؟ قلت: يا رسول الله ومن يطيق ذلك؟ قال: اقرأوا قل هو الله أحد\" (4) .\rواخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن عبيد الله بن عبد الرحمن عن عبيد بن جبير مولى زيد بن الخطاب أنه قال: سمعت أبا هريرة يقول: أقبلت، مع رسول الله فسمع رجلا يقرأ \"قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد\"، فقال رسول الله: \"وجبْت\"، فسألته: ماذا يا رسول الله؟\r__________\r(1) ذكره صاحب زاد المسير: 9 / 269.\r(2) أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة (قل هو الله أحد) -: 8 / 739.\r(3) أخرجه الإمام مالك في الموطأ في كتاب القرآن، باب ما جاء في قراءة (قل هو الله أحد) 1 / 208، والبخاري في فضائل القرآن باب فضل (قل هو الله أحد) 9 / 58 - 59 والمصنف في شرح السنة: 4 / 474.\r(4) أخرجه الطيالسي في المسند صفحة: (131)، وأخرجه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة (قل هو الله أحد) برقم: (811): 1 / 556.","part":8,"page":589},{"id":3547,"text":"فقال: \"الجنة\". فقال أبو هريرة: فأردت أن أذهب إلى الرجل فأبشره، ثم فرقت أن يفوتني الغداء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فآثرت الغداء، ثم ذهبت إلى الرجل فوجدته قد ذهب (1) .\rأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري، أخبرنا حاجب ابن أحمد الطوسي، حدثنا عبد الرحيم بن منيب، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا المبارك بن فضالة عن ثابت، عن أنس قال: قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أحبُّ هذه السورة: \"قل هو الله أحد\": قال: \"حبُّكَ إياها أدخلَك الجنة\" (2) .\r__________\r(1) صحيح أخرجه الإمام مالك في الموطأ في القرآن، باب ما جاء في قراءة (قل هو الله أحد): 1 / 208، والترمذي في ثواب القرآن، باب ما جاء في سورة الإخلاص: 8 / 209 وقال: \"هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث مالك بن أنس، وابن حنين وهو عبيد بن حنين\"، والنسائي في عمل اليوم والليلة صفحة : (702) وفي السنن، كتاب الافتتاح: 2 / 171 وفي التفسير: 2 / 570، وابن السني في عمل اليوم والليلة صفحة (324) وصححه الحاكم في المستدرك: 1 / 566 ووافقه الذهبي، والبيهقي في شعب الإيمان: 5 / 480، والمصنف في شرح السنة: 4 / 476 - 477. وله شواهد عند أحمد والطبراني وابن السني والدارمي. انظر: التعليق على تفسير النسائي في الموضع السابق. وراجع: مجمع الزوائد: 8 / 145.\r(2) أخرجه البخاري تعليقا في الأذان، باب الجمع بين السورتين في ركعة : 2 / 255، ووصله الترمذي من طريقه في ثواب القرآن، باب ما جاء في سورة الإخلاص: 18 / 212 - 213، وقال: \"هذا حديث غريب من هذا الوجه\"، والبيهقي في السنن: 2 / 61، وفي شعب الإيمان: 5 / 483، وأبو يعلى في المسند: 3 / 348 - 349. وأخرجه الدارمي في فضائل القرآن، باب فضل قل هو الله أحد: 2 / 230، وابن مندة في التوحيد: 1 / 68 - 69، وابن السني في عمل اليوم والليلة صفحة (324) وابن حبان صفحة: (349) من موارد الظمآن، والمصنف في شرح السنة: 4 / 475، وله شاهد عند الشيخين من حديث عائشة - رضي الله عنه - وانظر: فتح الباري: 2 / 255 - 257.","part":8,"page":590},{"id":3548,"text":"سورة الفلق مدنية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) }\r{ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ } قال ابن عباس، وعائشة -رضي الله عنهما-: كان غلام من اليهود يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم [فدبت] (2) إليه اليهود، فلم يزالوا به حتى أخذ مُشَاطة رأسِ النبي صلى الله عليه وسلم وعدَّة أسنانٍ من مشطه، فأعطاها اليهود فسحروه فيها، وتولى ذلك لَبِيدُ بن الأعْصمِ، رجل من يهود، فنزلت السورتان فيه (3)\rأخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي، أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، حدثنا محمد بن عبد الله بن [عبد الحكم] (4) أخبرنا أنس بن عياض عن [هشام] (5) عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم: طُبَّ حتى أنه ليخيل إليه أنه قد صنع شيئًا وما صنعه، وأنه دعا ربه، ثم قال: أَشَعَرْت أن الله تعالى أَفْتانِي فيما استفتيته فيه، فقالت عائشة: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رِجْلَيَّ، فقال أحدهما لصاحبه: مَا وَجَعُ الرَّجُل؟ قال الآخر: هو مَطْبُوب قال: من طبَّه؟ قال لَبِيدُ بن الأعْصَمُ قال: في ماذا؟ قال: في مُشْطٍ ومُشَاطة وجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ، قال: فأين هو؟ قال: في ذَرْوَانَ -وذروان بئر في بني زُرَيْقٍ -قالت عائشة: فأتاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رجع إلى عائشة، فقال: والله لكأن ماءها\r__________\r(1) قال ابن الجوزي في زاد المسير: 9 / 270 \"وفيها قولان: أحدهما: مدنية، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال قتادة في آخرين . والثاني مكية: رواه كريب عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وعطاء وعكرمة، وجابر. والأول أصح، ويدل عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سحر وهو مع عائشة، فنزلت عليه المعوذتان\".\r(2) في \"أ\" فذهبت.\r(3) ذكره ابن كثير في تفسيره: 4 / 575 عن الثعلبي ثم قال: \"هكذا أورده بلا إسناد وفيه غرابة وفي بعضه نكارة شديدة، ولبعضه شواهد مما تقدم والله أعلم\".\r(4) في \"أ\" عبد الحكيم، والصحيح ما أثبت.\r(5) في \"أ\" هاشم، والصحيح ما أثبت.","part":8,"page":591},{"id":3549,"text":"نُقَاعةُ الحِنَّاء، ولكأن نخلها رءوسُ الشياطين، قالت: فقلت له: يا رسول الله هلا أخرجتَه؟ قال: \"أما أنا فقد شفاني الله، فكرهت أن أثير على الناس به شرا\" (1) .\rوروي أنه كان تحت صخرة في البئر، فرفعوا الصخرة وأخرجوا جُفَّ الطلعة، فإذا فيه مشاطة رأسه، وأسنان مشطه (2)\rأخبرنا المطهر بن علي الفارسي، أخبرنا محمد بن إبراهيم الصالحاني، حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر أبو الشيخ الحافظ، أخبرنا ابن أبي عاصم، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن يزيد بن حيان بن أرقم قال: سَحَرَ النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود، قال: فاشتكى لذلك أيامًا، قال: فأتاه جبريل، فقال: إن رجلا من اليهود سحرك وعقد لك عقدا (3) ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا فاستخرجها فجاء بها، فجعل كلما حل عقدة وجد لذلك خفة، فقام رسول الله كأنما نشط من عقال، فما ذكر ذلك لليهود ولا رأوه في وجهه قط (4) .\rقال مقاتل والكلبي: كان في وتر عُقِد عليه إحدى عشرة عقدة. وقيل: كانت العُقَد، مغروزة بالإبرة، فأنزل الله هاتين السورتين وهما إحدى عشرة آية؛ سورة الفلق خمس آيات، وسورة الناس ست آيات، كلما قرئت آية انحلت عقدة، حتى انحلت العقد كلها، فقام النبي صلى الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال (5) .\rوروي: أنه لبث فيه ستة أشهر واشتد عليه ثلاث ليال، فنزلت المعوذتان.\rأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا بشر بن هلال الصواف، حدثنا [عبد الوارث] (6) حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد: أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد اشتكيتَ؟ قال: نعم، فقال: \"بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، بسم الله أرقيك والله يشفيك\" (7) .\r__________\r(1) أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده: 6 / 334، ومسلم، في السلام باب السحر برقم (2189):4 / 1719 - 1720 والمصنف في شرح السنة: 12 / 185 - 186.\r(2) عزاه صاحب الدر المنثور: 8 / 687 لابن مردويه والبيهقي في الدلائل.\r(3) زاد الإمام أحمد: في بئر كذا وكذا، فأرسل إليها من يجيء بها.\r(4) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: 7 / 30 (القسم الثاني)، والإمام أحمد في المسند: 4 / 367.\r(5) ذكره السيوطي في الدر المنثور: 8 / 687.\r(6) هو عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان التميمي العنبري.\r(7) أخرجه مسلم في كتاب السلام، باب الطب والمرض والرقى، برقم (2186): 4 / 1718 ما عدا الجملة الأخيرة (والله يشفيك) وهي من نسخة \"أ\" فقط.","part":8,"page":594},{"id":3550,"text":"قوله عز وجل: { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ } أراد بالفلق: الصبح وهو قول جابر بن عبد الله والحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، وأكثر المفسرين (1) ، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، بدليل قوله \"فالق الإصباح\".\rوروي عن ابن عباس: إنه سجن في جهنم. وقال الكلبي: واد في جهنم.\rوقال الضحاك: يعني الخلق، وهي رواية الوالبي عن ابن عباس، والأول هو المعروف.\r{ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) }\r{ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ } أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا جعفر بن محمد المغلس، حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا وكيع عن ابن أبي ذئب، عن [خاله] (2) الحارث بن عبد الرحمن، عن أبي سلمة عن عائشة قالت: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي فنظر إلى القمر فقال: \"يا عائشة، استعيذي بالله من شر غاسق إذا وقب. هذا غاسق إذا وقب\" (3) .\rفعلى هذا: المراد به: القمر إذا خسف واسودَّ \"وَقَبَ\"، أي: دخل في الخسوف وأخذ في الغيبوبة [وأظلم] (4) .\rوقال ابن عباس: \"الغاسق\": الليل إذا أقبل بظلمته من المشرق ودخل في كل شيء وأظلم، و\"الغسق\": الظلمة، يقال غسق الليل [وأغسق] (5) إذا أظلم، وهو قول الحسن ومجاهد، يعني الليل إذا أقبل 206 /أ ودخل و\"الوقوب\": الدخول، وهو دخول الليل بغروب الشمس.\rقال مقاتل: يعني ظلمة الليل إذا دخل سواده في ضوء النهار.\rوقيل: سمي الليل غاسقا لأنه أبرد من النهار، والغسق: البَرْد.\r__________\r(1) انظر: معاني القرآن للفراء: 3 / 301، فتح الباري: 8 / 741.\r(2) في \"ب\" خالد بن، والصحيح ما أثبت.\r(3) أخرجه الترمذي في التفسير - تفسير المعوذتين-: 9 / 302 وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\"، والنسائي في عمل اليوم والليلة، صفحة (271) برقم (305)، والحاكم: 2 / 541، والإمام أحمد 6 / 61 ، 215، وأبو يعلي في المسند: 4 / 272، والطبري: 30 / 352، والمصنف في شرح السنة: 5 / 167. زاد ابن حجر نسبته في الكافي الشاف ص (190) لإسحاق وابن أبي شيبة وحسنه في الفتح: 8 / 741.\r(4) ساقط من \"ب\".\r(5) في \"أ\" واغتسق.","part":8,"page":595},{"id":3551,"text":"وقال ابن زيد: [يعني] (1) الثريا إذا سقطت (2) . ويقال: إن الأسقام تكثر عند وقوعها وترتفع عند طلوعها (3) .\r{ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5) }\r{ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ } يعني السواحر اللاتي ينفثن في عقد الخيط حين يرقين عليها. قال أبو عبيدة: هن بنات لبيد بن الأعصم سحرن النبي صلى الله عليه وسلم. { وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ } يعني [اليهود] (4) فإنهم كانوا يحسدون النبي صلى الله عليه وسلم.\r__________\r(1) زيادة من \"ب\".\r(2) قال ابن جرير: 30 / 352 0 353: \"وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ (من شر غاسق) وهو الذي يظلم، يقال: غسق الليل يغسق غسوقا: إذا أظلم (إذا وقب) يعني: إذا دخل في ظلامه، والليل إذا دخل في ظلامه غاسق، والنجم إذا أقل غاسق، والقمر غاسق إذا وقب، ولم يخصص بعض ذلك، بل عم الأمر بذلك فكل غاسق، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يؤمر بالاستعاذة من شره إذا وقب\".\r(3) انظر: تعليقنا على شرح حديث \"إذا طلع النجم ارتفعت العاهة\" في حجة الله البالغة للدهلوي (تحت الطبع)، مشكل الآثار للطحاوي: 3 / 92.\r(4) ساقط من \"أ\".","part":8,"page":596},{"id":3552,"text":"سورة الناس مدنية (1) بسم الله الرحمن الرحيم\r{ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6) }\r{ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ } يعني الشيطان، يكون مصدرًا واسمًا.\rقال الزجاج: يعني: الشيطان ذا الوسواس \"الخناس\" الرجاع، وهو الشيطان جاثم على قلب الإنسان، فإذا ذكر الله خنس وإذا غفل وسوس.\rوقال قتادة: الخناس له خرطوم كخرطوم الكلب في صدر الإنسان فإذا ذكر العبد ربه خنس. ويقال: رأسه كرأس الحية واضع رأسه على ثمرة القلب يُمنِّيهِ ويحدثه، فإذا ذكر الله خنس وإذا لم يذكر رجع فوضع رأسه، فذلك: { الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ } بالكلام الخفي الذي يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع. { مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ } يعني يدخل في الجني كما يدخل في الإنسي، ويوسوس للجني كما يوسوس للإنسي، قاله الكلبي.\r__________\r(1) أخرج ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه - قال: أنزل بالمدينة (قل أعوذ برب الناس). انظر : الدر المنثور: 8 / 693.","part":8,"page":597},{"id":3553,"text":"وقوله: \"في صدور الناس\" أراد بالناس: ما ذكر من بعد، وهو الجِنّة والناس، فسمى الجن ناسا، كما سماهم رجالا فقال: \"وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن\" (الجن -6) .\rوقد ذكر عن بعض العرب أنه قال وهو يحدث جاء قوم من الجن فوقعوا، فقيل: من أنتم؟ قالوا: أناس من الجن. وهذا معنى قول الفراء (1) .\rقال بعضهم: أثبت أن الوسواس للإنسان من الإنسان كالوسوسة للشيطان، فجعل \"الوسواس\" من فعل الجِنَّة والناس جميعا، كما قال: \"وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن\" (الأنعام -112) كأنه أمر أن يستعيذ من شر الجن والإنس جميعا.\rأخبرنا إسماعيل [بن عبد القاهر، أخبرنا عبد الغافر] (2) بن محمد، أخبرنا محمد بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير عن بيان عن قيس بن أبي حازم، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"ألم تر آيات أنزلت الليلة لم يُرَ مثلهن قط: \"قل أعوذ برب الفلق\" و \"قل أعوذ برب الناس\" (3) .\rأخبرنا أبو سعيد محمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم العدل، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أبو العباس بن الوليد بن مرثد، أخبرني أبي، حدثنا الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: \"ألا أخبرك بأفضل ما تعوذ المتعوذون\"؟ قلت: بلى، قال: \"قل أعوذ برب الفلق\" و \"قل أعوذ برب الناس\" (4) .\rأخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي، أخبرنا أبو عيسى الترمذي، حدثنا قتيبة، حدثنا المفضل بن فضالة عن عقيل، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه فنفث فيهما، فقرأ فيهما: \"قل هو الله أحد\" و \"قل أعوذ برب الفلق\" و \"قل أعوذ برب الناس\" ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده. يفعل ذلك ثلاث مرات (5) .\r__________\r(1) انظر : معاني القرآن للفراء: 3 / 302، الطبري: 30 / 356.\r(2) ما بين القوسين ساقط من \"أ\".\r(3) أخرجه مسلم، في صلاة المسافرين، باب فضل قراءة المعوذتين برقم: (814): 1 / 558.\r(4) أخرجه الإمام أحمد في المسند: 3 / 417. وعزاه صاحب الكنز: 1 / 485 للطبراني.\r(5) أخرجه الترمذي في الشمائل صفحة (157) بشرح الباجوري والبخاري في فضائل القرآن، باب فضل المعوذات: 9 / 63، والمصنف في شرح السنة: 4 / 478.","part":8,"page":600},{"id":3554,"text":"أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أخبرنا زاهر بن أحمد، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي، أخبرنا أبو مصعب عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح عنه بيده رجاء بركتهما (1) .\rأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي وأبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي قالا حدثنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري، أخبرنا محمد بن أحمد بن معقل الميداني، أخبرنا محمد بن يحيى، حدثنا بعد الرازق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \"لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار\" (2) .\rأخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثني ابن أبي حازم عن يزيد، يعني ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: \"ما أذِنَ الله لشيء ما أذِنَ لنبيِّ حسن الصوت يتغنىَّ بالقرآن يجهر به\" (3) . تم (4) .\r__________\r(1) أخرجه الإمام مالك في الموطأ، كتاب العين، باب التعوذ والرقية في المرض: 2 / 943، والبخاري في فضائل القرآن، باب فضائل المعوذات 9 / 63، ومسلم في السلام، باب رقية المريض بالمعوذات . . . برقم: (2192) 4 / 1723.\r(2) أخرجه عبد الرزاق في التفسير: 3 / 360، والبخاري في فضائل القرآن، باب اغتباط صاحب القرآن: 9 / 73 ومسلم في صلاة المسافرين، باب فضائل من يقوم بالقرآن ويعلمه برقم: (815): 1 / 559، والمصنف في شرح السنة: 4 / 433.\r(3) أخرجه البخاري في فضائل القرآن، باب من لم يتغن بالقرآن: 9 / 68، ومسلم في صلاة المسافرين، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن برقم: (234): 1 / 546، والمصنف في شرح السنة: 4 / 485.\r(4) من \"أ\" ومن \"ب\" والله عز وجل سبحانه أعلم.","part":8,"page":601}],"titles":[{"id":2,"title":"مُقَدّمَة التحقيق","lvl":2,"sub":0},{"id":2,"title":"مقدمات","lvl":1,"sub":0},{"id":5,"title":"منهج البغوي في التفسير","lvl":2,"sub":0},{"id":9,"title":"منهجنا في العمل","lvl":2,"sub":0},{"id":11,"title":"ترجمة الإمام البغوي","lvl":2,"sub":0},{"id":19,"title":"وصف النسخ","lvl":2,"sub":0},{"id":29,"title":"مقدمة المؤلف","lvl":2,"sub":0},{"id":35,"title":"فصل في فضائل القرآن وتعليمه","lvl":2,"sub":0},{"id":39,"title":"فصل في فضائل تلاوة القرآن","lvl":2,"sub":0},{"id":43,"title":"فصل في وعيد من قال في القرآن برأيه من غير علم","lvl":2,"sub":0},{"id":46,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":46,"title":"الفاتحة","lvl":1,"sub":0},{"id":55,"title":"البقرة","lvl":1,"sub":0},{"id":55,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":61,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":63,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":64,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":65,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":67,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":69,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":72,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":75,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":76,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":78,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":79,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":80,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":81,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":87,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":89,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":92,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":96,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":98,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":101,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":102,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":103,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":105,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":107,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":109,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":111,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":113,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":116,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":118,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":120,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":122,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":124,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":125,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":127,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":128,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":129,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":130,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":131,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":133,"title":"100","lvl":2,"sub":0},{"id":134,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":140,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":142,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":144,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":145,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":146,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":147,"title":"113","lvl":2,"sub":0},{"id":148,"title":"114","lvl":2,"sub":0},{"id":149,"title":"115","lvl":2,"sub":0},{"id":151,"title":"117","lvl":2,"sub":0},{"id":153,"title":"120","lvl":2,"sub":0},{"id":154,"title":"121","lvl":2,"sub":0},{"id":156,"title":"125","lvl":2,"sub":0},{"id":159,"title":"126","lvl":2,"sub":0},{"id":160,"title":"127","lvl":2,"sub":0},{"id":161,"title":"128","lvl":2,"sub":0},{"id":162,"title":"129","lvl":2,"sub":0},{"id":163,"title":"130","lvl":2,"sub":0},{"id":164,"title":"132","lvl":2,"sub":0},{"id":165,"title":"133","lvl":2,"sub":0},{"id":167,"title":"135","lvl":2,"sub":0},{"id":168,"title":"137","lvl":2,"sub":0},{"id":169,"title":"138","lvl":2,"sub":0},{"id":170,"title":"142","lvl":2,"sub":0},{"id":174,"title":"144","lvl":2,"sub":0},{"id":176,"title":"145","lvl":2,"sub":0},{"id":178,"title":"146","lvl":2,"sub":0},{"id":179,"title":"150","lvl":2,"sub":0},{"id":180,"title":"151","lvl":2,"sub":0},{"id":181,"title":"152","lvl":2,"sub":0},{"id":182,"title":"153","lvl":2,"sub":0},{"id":183,"title":"154","lvl":2,"sub":0},{"id":184,"title":"155","lvl":2,"sub":0},{"id":187,"title":"158","lvl":2,"sub":0},{"id":190,"title":"159","lvl":2,"sub":0},{"id":191,"title":"161","lvl":2,"sub":0},{"id":193,"title":"164","lvl":2,"sub":0},{"id":194,"title":"165","lvl":2,"sub":0},{"id":195,"title":"166","lvl":2,"sub":0},{"id":196,"title":"168","lvl":2,"sub":0},{"id":198,"title":"170","lvl":2,"sub":0},{"id":199,"title":"172","lvl":2,"sub":0},{"id":201,"title":"174","lvl":2,"sub":0},{"id":202,"title":"175","lvl":2,"sub":0},{"id":203,"title":"177","lvl":2,"sub":0},{"id":207,"title":"178","lvl":2,"sub":0},{"id":209,"title":"179","lvl":2,"sub":0},{"id":210,"title":"180","lvl":2,"sub":0},{"id":212,"title":"181","lvl":2,"sub":0},{"id":213,"title":"182","lvl":2,"sub":0},{"id":215,"title":"184","lvl":2,"sub":0},{"id":217,"title":"185","lvl":2,"sub":0},{"id":223,"title":"186","lvl":2,"sub":0},{"id":226,"title":"187","lvl":2,"sub":0},{"id":230,"title":"188","lvl":2,"sub":0},{"id":231,"title":"189","lvl":2,"sub":0},{"id":232,"title":"190","lvl":2,"sub":0},{"id":234,"title":"191","lvl":2,"sub":0},{"id":236,"title":"194","lvl":2,"sub":0},{"id":238,"title":"196","lvl":2,"sub":0},{"id":247,"title":"197","lvl":2,"sub":0},{"id":252,"title":"199","lvl":2,"sub":0},{"id":256,"title":"203","lvl":2,"sub":0},{"id":258,"title":"204","lvl":2,"sub":0},{"id":263,"title":"208","lvl":2,"sub":0},{"id":265,"title":"211","lvl":2,"sub":0},{"id":266,"title":"212","lvl":2,"sub":0},{"id":268,"title":"214","lvl":2,"sub":0},{"id":269,"title":"215","lvl":2,"sub":0},{"id":270,"title":"216","lvl":2,"sub":0},{"id":271,"title":"217","lvl":2,"sub":0},{"id":273,"title":"218","lvl":2,"sub":0},{"id":274,"title":"219","lvl":2,"sub":0},{"id":275,"title":"220","lvl":2,"sub":0},{"id":281,"title":"221","lvl":2,"sub":0},{"id":282,"title":"222","lvl":2,"sub":0},{"id":288,"title":"224","lvl":2,"sub":0},{"id":289,"title":"225","lvl":2,"sub":0},{"id":291,"title":"226","lvl":2,"sub":0},{"id":296,"title":"229","lvl":2,"sub":0},{"id":302,"title":"231","lvl":2,"sub":0},{"id":304,"title":"232","lvl":2,"sub":0},{"id":305,"title":"233","lvl":2,"sub":0},{"id":308,"title":"234","lvl":2,"sub":0},{"id":311,"title":"235","lvl":2,"sub":0},{"id":312,"title":"236","lvl":2,"sub":0},{"id":315,"title":"237","lvl":2,"sub":0},{"id":317,"title":"238","lvl":2,"sub":0},{"id":320,"title":"240","lvl":2,"sub":0},{"id":321,"title":"241","lvl":2,"sub":0},{"id":322,"title":"243","lvl":2,"sub":0},{"id":326,"title":"246","lvl":2,"sub":0},{"id":328,"title":"247","lvl":2,"sub":0},{"id":329,"title":"248","lvl":2,"sub":0},{"id":333,"title":"249","lvl":2,"sub":0},{"id":334,"title":"250","lvl":2,"sub":0},{"id":341,"title":"253","lvl":2,"sub":0},{"id":343,"title":"255","lvl":2,"sub":0},{"id":348,"title":"257","lvl":2,"sub":0},{"id":350,"title":"259","lvl":2,"sub":0},{"id":356,"title":"260","lvl":2,"sub":0},{"id":358,"title":"261","lvl":2,"sub":0},{"id":359,"title":"262","lvl":2,"sub":0},{"id":362,"title":"265","lvl":2,"sub":0},{"id":364,"title":"266","lvl":2,"sub":0},{"id":368,"title":"268","lvl":2,"sub":0},{"id":370,"title":"270","lvl":2,"sub":0},{"id":372,"title":"273","lvl":2,"sub":0},{"id":376,"title":"275","lvl":2,"sub":0},{"id":380,"title":"278","lvl":2,"sub":0},{"id":385,"title":"282","lvl":2,"sub":0},{"id":389,"title":"283","lvl":2,"sub":0},{"id":391,"title":"284","lvl":2,"sub":0},{"id":392,"title":"285","lvl":2,"sub":0},{"id":398,"title":"آل عمران","lvl":1,"sub":0},{"id":398,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":399,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":401,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":404,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":405,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":406,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":407,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":408,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":410,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":411,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":412,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":413,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":415,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":416,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":417,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":418,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":419,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":420,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":421,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":422,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":423,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":424,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":425,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":426,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":427,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":428,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":431,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":433,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":434,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":435,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":436,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":437,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":438,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":440,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":443,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":444,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":445,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":447,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":448,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":449,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":450,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":451,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":452,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":453,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":454,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":455,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":456,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":457,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":460,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":462,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":463,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":464,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":465,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":467,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":469,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":470,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":472,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":477,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":478,"title":"100","lvl":2,"sub":0},{"id":480,"title":"101","lvl":2,"sub":0},{"id":481,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":482,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":487,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":489,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":490,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":491,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":492,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":493,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":496,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":498,"title":"114","lvl":2,"sub":0},{"id":499,"title":"118","lvl":2,"sub":0},{"id":500,"title":"120","lvl":2,"sub":0},{"id":502,"title":"122","lvl":2,"sub":0},{"id":503,"title":"123","lvl":2,"sub":0},{"id":504,"title":"125","lvl":2,"sub":0},{"id":506,"title":"126","lvl":2,"sub":0},{"id":508,"title":"130","lvl":2,"sub":0},{"id":509,"title":"133","lvl":2,"sub":0},{"id":510,"title":"134","lvl":2,"sub":0},{"id":511,"title":"135","lvl":2,"sub":0},{"id":513,"title":"136","lvl":2,"sub":0},{"id":515,"title":"137","lvl":2,"sub":0},{"id":516,"title":"139","lvl":2,"sub":0},{"id":518,"title":"141","lvl":2,"sub":0},{"id":521,"title":"145","lvl":2,"sub":0},{"id":522,"title":"146","lvl":2,"sub":0},{"id":523,"title":"147","lvl":2,"sub":0},{"id":524,"title":"149","lvl":2,"sub":0},{"id":525,"title":"153","lvl":2,"sub":0},{"id":527,"title":"154","lvl":2,"sub":0},{"id":528,"title":"155","lvl":2,"sub":0},{"id":529,"title":"156","lvl":2,"sub":0},{"id":530,"title":"158","lvl":2,"sub":0},{"id":532,"title":"160","lvl":2,"sub":0},{"id":533,"title":"161","lvl":2,"sub":0},{"id":535,"title":"162","lvl":2,"sub":0},{"id":536,"title":"164","lvl":2,"sub":0},{"id":537,"title":"166","lvl":2,"sub":0},{"id":541,"title":"170","lvl":2,"sub":0},{"id":542,"title":"171","lvl":2,"sub":0},{"id":545,"title":"173","lvl":2,"sub":0},{"id":546,"title":"174","lvl":2,"sub":0},{"id":547,"title":"175","lvl":2,"sub":0},{"id":548,"title":"179","lvl":2,"sub":0},{"id":550,"title":"180","lvl":2,"sub":0},{"id":552,"title":"181","lvl":2,"sub":0},{"id":553,"title":"182","lvl":2,"sub":0},{"id":554,"title":"184","lvl":2,"sub":0},{"id":555,"title":"186","lvl":2,"sub":0},{"id":558,"title":"187","lvl":2,"sub":0},{"id":559,"title":"188","lvl":2,"sub":0},{"id":561,"title":"189","lvl":2,"sub":0},{"id":562,"title":"191","lvl":2,"sub":0},{"id":563,"title":"193","lvl":2,"sub":0},{"id":564,"title":"195","lvl":2,"sub":0},{"id":565,"title":"196","lvl":2,"sub":0},{"id":566,"title":"199","lvl":2,"sub":0},{"id":567,"title":"200","lvl":2,"sub":0},{"id":569,"title":"النساء","lvl":1,"sub":0},{"id":569,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":571,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":573,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":575,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":576,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":581,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":582,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":583,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":584,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":591,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":593,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":595,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":596,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":598,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":599,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":601,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":602,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":603,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":608,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":612,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":614,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":616,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":617,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":621,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":622,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":624,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":626,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":628,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":631,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":633,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":636,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":638,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":649,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":650,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":651,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":652,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":653,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":654,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":655,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":657,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":658,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":659,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":660,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":664,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":665,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":666,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":669,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":671,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":672,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":674,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":676,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":678,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":679,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":680,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":681,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":682,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":684,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":686,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":687,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":689,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":693,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":695,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":698,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":699,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":700,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":701,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":702,"title":"101","lvl":2,"sub":0},{"id":705,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":710,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":711,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":712,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":714,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":715,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":716,"title":"114","lvl":2,"sub":0},{"id":718,"title":"115","lvl":2,"sub":0},{"id":719,"title":"117","lvl":2,"sub":0},{"id":720,"title":"119","lvl":2,"sub":0},{"id":721,"title":"122","lvl":2,"sub":0},{"id":723,"title":"124","lvl":2,"sub":0},{"id":724,"title":"126","lvl":2,"sub":0},{"id":725,"title":"127","lvl":2,"sub":0},{"id":727,"title":"128","lvl":2,"sub":0},{"id":728,"title":"129","lvl":2,"sub":0},{"id":729,"title":"130","lvl":2,"sub":0},{"id":730,"title":"131","lvl":2,"sub":0},{"id":731,"title":"133","lvl":2,"sub":0},{"id":736,"title":"141","lvl":2,"sub":0},{"id":737,"title":"142","lvl":2,"sub":0},{"id":738,"title":"144","lvl":2,"sub":0},{"id":740,"title":"148","lvl":2,"sub":0},{"id":741,"title":"150","lvl":2,"sub":0},{"id":742,"title":"154","lvl":2,"sub":0},{"id":743,"title":"155","lvl":2,"sub":0},{"id":744,"title":"158","lvl":2,"sub":0},{"id":745,"title":"160","lvl":2,"sub":0},{"id":746,"title":"161","lvl":2,"sub":0},{"id":748,"title":"163","lvl":2,"sub":0},{"id":749,"title":"164","lvl":2,"sub":0},{"id":750,"title":"165","lvl":2,"sub":0},{"id":751,"title":"168","lvl":2,"sub":0},{"id":752,"title":"171","lvl":2,"sub":0},{"id":754,"title":"172","lvl":2,"sub":0},{"id":755,"title":"175","lvl":2,"sub":0},{"id":758,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":758,"title":"المائدة","lvl":1,"sub":0},{"id":760,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":764,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":769,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":772,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":775,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":781,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":783,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":784,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":786,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":787,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":788,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":790,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":791,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":792,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":793,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":795,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":799,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":801,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":802,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":805,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":806,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":809,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":810,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":811,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":814,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":819,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":821,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":823,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":825,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":827,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":829,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":830,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":834,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":835,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":836,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":838,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":839,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":841,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":844,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":845,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":847,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":848,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":849,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":850,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":853,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":854,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":855,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":857,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":861,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":862,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":863,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":864,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":868,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":872,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":873,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":875,"title":"101","lvl":2,"sub":0},{"id":878,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":879,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":881,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":883,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":885,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":886,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":887,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":888,"title":"112","lvl":2,"sub":0},{"id":889,"title":"114","lvl":2,"sub":0},{"id":893,"title":"115","lvl":2,"sub":0},{"id":894,"title":"116","lvl":2,"sub":0},{"id":895,"title":"118","lvl":2,"sub":0},{"id":896,"title":"120","lvl":2,"sub":0},{"id":897,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":897,"title":"الأنعام","lvl":1,"sub":0},{"id":898,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":900,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":901,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":902,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":903,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":904,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":905,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":906,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":907,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":909,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":910,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":911,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":912,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":913,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":915,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":917,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":918,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":919,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":920,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":921,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":922,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":925,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":926,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":927,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":928,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":929,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":930,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":931,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":933,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":934,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":935,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":936,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":939,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":943,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":944,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":946,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":947,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":948,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":949,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":951,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":952,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":954,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":956,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":957,"title":"100","lvl":2,"sub":0},{"id":958,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":959,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":960,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":962,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":963,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":964,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":965,"title":"112","lvl":2,"sub":0},{"id":966,"title":"114","lvl":2,"sub":0},{"id":967,"title":"118","lvl":2,"sub":0},{"id":968,"title":"119","lvl":2,"sub":0},{"id":969,"title":"120","lvl":2,"sub":0},{"id":971,"title":"122","lvl":2,"sub":0},{"id":972,"title":"123","lvl":2,"sub":0},{"id":974,"title":"125","lvl":2,"sub":0},{"id":975,"title":"126","lvl":2,"sub":0},{"id":977,"title":"129","lvl":2,"sub":0},{"id":978,"title":"131","lvl":2,"sub":0},{"id":979,"title":"132","lvl":2,"sub":0},{"id":980,"title":"135","lvl":2,"sub":0},{"id":983,"title":"138","lvl":2,"sub":0},{"id":984,"title":"140","lvl":2,"sub":0},{"id":986,"title":"142","lvl":2,"sub":0},{"id":987,"title":"143","lvl":2,"sub":0},{"id":988,"title":"144","lvl":2,"sub":0},{"id":990,"title":"146","lvl":2,"sub":0},{"id":992,"title":"147","lvl":2,"sub":0},{"id":994,"title":"149","lvl":2,"sub":0},{"id":996,"title":"152","lvl":2,"sub":0},{"id":997,"title":"153","lvl":2,"sub":0},{"id":999,"title":"155","lvl":2,"sub":0},{"id":1000,"title":"158","lvl":2,"sub":0},{"id":1001,"title":"159","lvl":2,"sub":0},{"id":1003,"title":"160","lvl":2,"sub":0},{"id":1005,"title":"164","lvl":2,"sub":0},{"id":1006,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1006,"title":"الأعراف","lvl":1,"sub":0},{"id":1007,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1008,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1009,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1011,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":1013,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":1014,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":1016,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1018,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1020,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":1021,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":1022,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":1023,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":1024,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1025,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":1028,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":1030,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1031,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":1032,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":1033,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":1035,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":1036,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":1037,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":1039,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":1040,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":1042,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":1047,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":1048,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":1049,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":1055,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":1057,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":1058,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":1059,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":1060,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":1061,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":1062,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":1064,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":1065,"title":"101","lvl":2,"sub":0},{"id":1066,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":1067,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":1068,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":1069,"title":"113","lvl":2,"sub":0},{"id":1070,"title":"118","lvl":2,"sub":0},{"id":1071,"title":"121","lvl":2,"sub":0},{"id":1072,"title":"125","lvl":2,"sub":0},{"id":1073,"title":"128","lvl":2,"sub":0},{"id":1075,"title":"131","lvl":2,"sub":0},{"id":1079,"title":"134","lvl":2,"sub":0},{"id":1080,"title":"137","lvl":2,"sub":0},{"id":1081,"title":"138","lvl":2,"sub":0},{"id":1082,"title":"141","lvl":2,"sub":0},{"id":1083,"title":"143","lvl":2,"sub":0},{"id":1088,"title":"144","lvl":2,"sub":0},{"id":1089,"title":"145","lvl":2,"sub":0},{"id":1091,"title":"146","lvl":2,"sub":0},{"id":1092,"title":"148","lvl":2,"sub":0},{"id":1093,"title":"150","lvl":2,"sub":0},{"id":1094,"title":"152","lvl":2,"sub":0},{"id":1095,"title":"155","lvl":2,"sub":0},{"id":1097,"title":"156","lvl":2,"sub":0},{"id":1100,"title":"158","lvl":2,"sub":0},{"id":1102,"title":"160","lvl":2,"sub":0},{"id":1103,"title":"163","lvl":2,"sub":0},{"id":1105,"title":"164","lvl":2,"sub":0},{"id":1106,"title":"166","lvl":2,"sub":0},{"id":1107,"title":"168","lvl":2,"sub":0},{"id":1109,"title":"170","lvl":2,"sub":0},{"id":1110,"title":"171","lvl":2,"sub":0},{"id":1113,"title":"173","lvl":2,"sub":0},{"id":1117,"title":"176","lvl":2,"sub":0},{"id":1118,"title":"177","lvl":2,"sub":0},{"id":1119,"title":"179","lvl":2,"sub":0},{"id":1121,"title":"181","lvl":2,"sub":0},{"id":1122,"title":"185","lvl":2,"sub":0},{"id":1124,"title":"188","lvl":2,"sub":0},{"id":1125,"title":"189","lvl":2,"sub":0},{"id":1128,"title":"191","lvl":2,"sub":0},{"id":1129,"title":"195","lvl":2,"sub":0},{"id":1130,"title":"196","lvl":2,"sub":0},{"id":1132,"title":"200","lvl":2,"sub":0},{"id":1133,"title":"202","lvl":2,"sub":0},{"id":1136,"title":"205","lvl":2,"sub":0},{"id":1138,"title":"الأنفال","lvl":1,"sub":0},{"id":1138,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1141,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":1142,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1147,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1148,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1149,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1152,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":1155,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1156,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":1159,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1160,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1163,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1164,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1165,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":1166,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":1167,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":1168,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":1172,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":1173,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":1174,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":1175,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":1176,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":1181,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":1182,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":1183,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1184,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":1185,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1187,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":1188,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":1189,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":1190,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":1191,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":1194,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":1195,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":1196,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":1199,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":1201,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":1202,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":1203,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":1206,"title":"التوبة","lvl":1,"sub":0},{"id":1206,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1209,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1210,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1211,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1212,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1213,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1214,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1215,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1216,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1217,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":1218,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":1219,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1220,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":1222,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1224,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1225,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1226,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1232,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1233,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1235,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":1238,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":1240,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":1242,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":1244,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":1246,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":1247,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":1248,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":1252,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1253,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":1258,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":1259,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":1261,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1262,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":1265,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":1266,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":1267,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":1273,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":1274,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":1275,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":1276,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":1277,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":1278,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":1281,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":1282,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":1285,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":1287,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":1289,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":1290,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":1293,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":1294,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":1295,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":1296,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":1298,"title":"100","lvl":2,"sub":0},{"id":1300,"title":"101","lvl":2,"sub":0},{"id":1301,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":1302,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":1303,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":1305,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":1307,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":1308,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":1309,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":1312,"title":"112","lvl":2,"sub":0},{"id":1313,"title":"113","lvl":2,"sub":0},{"id":1314,"title":"114","lvl":2,"sub":0},{"id":1316,"title":"115","lvl":2,"sub":0},{"id":1322,"title":"118","lvl":2,"sub":0},{"id":1323,"title":"121","lvl":2,"sub":0},{"id":1324,"title":"122","lvl":2,"sub":0},{"id":1327,"title":"123","lvl":2,"sub":0},{"id":1328,"title":"124","lvl":2,"sub":0},{"id":1329,"title":"127","lvl":2,"sub":0},{"id":1331,"title":"يونس","lvl":1,"sub":0},{"id":1331,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1332,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":1333,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1334,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1335,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1336,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1337,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1338,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":1339,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1340,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1341,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1342,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1343,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1344,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1345,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1346,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1347,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":1348,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":1349,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":1350,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":1351,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":1352,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":1353,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":1354,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":1355,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":1356,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":1357,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":1358,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":1359,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":1361,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":1362,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":1363,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":1364,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":1365,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":1366,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":1367,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":1368,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":1369,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":1370,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":1371,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":1372,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":1373,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":1375,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":1376,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":1377,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":1378,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":1379,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1379,"title":"هود","lvl":1,"sub":0},{"id":1380,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1382,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1383,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1384,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1385,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1386,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":1387,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1389,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":1390,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1391,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1392,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1393,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1394,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":1395,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":1396,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":1398,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1399,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":1400,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":1402,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":1403,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":1404,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1405,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":1406,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1407,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":1408,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":1409,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":1410,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":1411,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":1412,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":1413,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":1414,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":1416,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":1417,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":1418,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":1419,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":1421,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":1423,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":1424,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":1425,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":1426,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":1427,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":1428,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":1430,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":1431,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":1433,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":1434,"title":"112","lvl":2,"sub":0},{"id":1435,"title":"114","lvl":2,"sub":0},{"id":1436,"title":"115","lvl":2,"sub":0},{"id":1437,"title":"116","lvl":2,"sub":0},{"id":1438,"title":"118","lvl":2,"sub":0},{"id":1439,"title":"120","lvl":2,"sub":0},{"id":1441,"title":"يوسف","lvl":1,"sub":0},{"id":1441,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1442,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1444,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1445,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1447,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1448,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1449,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1450,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1451,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1452,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1454,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1455,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1456,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1457,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1458,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":1460,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1461,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1467,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1468,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1469,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":1470,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":1472,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":1473,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":1474,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":1475,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":1477,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1478,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":1481,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":1482,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":1483,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1484,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":1486,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":1488,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":1489,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":1491,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":1492,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":1493,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":1494,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":1495,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":1496,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":1497,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":1499,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":1500,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":1502,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":1503,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":1504,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":1505,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":1506,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":1507,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":1508,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":1512,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":1514,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":1515,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":1516,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":1517,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":1518,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":1520,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":1523,"title":"101","lvl":2,"sub":0},{"id":1524,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":1525,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":1526,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":1527,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":1528,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":1529,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":1530,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1530,"title":"الرعد","lvl":1,"sub":0},{"id":1531,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":1532,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1533,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1534,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1536,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1537,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1539,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1543,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1546,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":1547,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1548,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1549,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1550,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":1551,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1552,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1554,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":1555,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1556,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1557,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1559,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":1561,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":1562,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":1564,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":1565,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":1566,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":1567,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":1568,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":1570,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":1572,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":1573,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":1574,"title":"إبراهيم","lvl":1,"sub":0},{"id":1574,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1575,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":1576,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1578,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1579,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1580,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1582,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1583,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1584,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1585,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":1587,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1589,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":1590,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1592,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1593,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1594,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1597,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":1598,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":1599,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":1600,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":1601,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":1603,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1604,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":1606,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":1607,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1608,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1610,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":1611,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1611,"title":"الحجر","lvl":1,"sub":0},{"id":1612,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1613,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1614,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1615,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1616,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1617,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1619,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1620,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1621,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1622,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1623,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1624,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1625,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":1626,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":1627,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":1628,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":1629,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1630,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":1631,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":1632,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":1633,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":1634,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":1635,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":1636,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":1637,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":1638,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":1640,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":1641,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":1642,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":1643,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":1644,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":1645,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":1646,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":1648,"title":"النحل","lvl":1,"sub":0},{"id":1648,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1649,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":1650,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1651,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1652,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1653,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1654,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1656,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1657,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1658,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1659,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1660,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1661,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":1662,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":1663,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":1664,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":1665,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":1666,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":1667,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":1668,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":1669,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":1670,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":1671,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":1672,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":1673,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":1674,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":1675,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":1676,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":1677,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":1678,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":1679,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":1681,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":1683,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":1684,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":1685,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":1686,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":1687,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":1688,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":1689,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":1690,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":1691,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":1692,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":1693,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":1694,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":1695,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":1696,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":1697,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":1698,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":1700,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":1702,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":1703,"title":"113","lvl":2,"sub":0},{"id":1704,"title":"117","lvl":2,"sub":0},{"id":1705,"title":"119","lvl":2,"sub":0},{"id":1706,"title":"121","lvl":2,"sub":0},{"id":1707,"title":"125","lvl":2,"sub":0},{"id":1708,"title":"126","lvl":2,"sub":0},{"id":1709,"title":"127","lvl":2,"sub":0},{"id":1710,"title":"الإسراء","lvl":1,"sub":0},{"id":1710,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1720,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":1730,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1732,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1733,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1734,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":1735,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1736,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1737,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":1738,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1739,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1741,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1742,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1743,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":1744,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":1745,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":1746,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":1747,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":1748,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1749,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":1750,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":1752,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1753,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":1754,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":1755,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":1756,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":1757,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":1759,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":1761,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":1764,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":1765,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":1766,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":1767,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":1768,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":1769,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":1770,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":1771,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":1772,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":1773,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":1774,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":1780,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":1781,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":1782,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":1783,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":1785,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":1786,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":1787,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":1788,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":1789,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":1790,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":1791,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":1792,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":1793,"title":"100","lvl":2,"sub":0},{"id":1794,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":1795,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":1796,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":1797,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":1798,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":1800,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":1802,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1802,"title":"الكهف","lvl":1,"sub":0},{"id":1803,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1804,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1805,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1815,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1816,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":1817,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1818,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1820,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1821,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1822,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1823,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":1824,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1826,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1827,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1828,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1829,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":1830,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":1832,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":1834,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":1835,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":1836,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":1837,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":1838,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1839,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":1840,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1841,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":1842,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":1843,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":1845,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":1846,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":1847,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":1848,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":1849,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":1851,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":1852,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":1853,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":1854,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":1855,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":1856,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":1859,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":1860,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":1861,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":1862,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":1864,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":1866,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":1867,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":1868,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":1869,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":1872,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":1873,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":1874,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":1877,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":1878,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":1879,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":1880,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":1883,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1883,"title":"مريم","lvl":1,"sub":0},{"id":1884,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1885,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1886,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1887,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1888,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1889,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":1890,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1891,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1892,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1893,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1894,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1895,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1896,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1897,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":1898,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":1899,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":1900,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1901,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":1902,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":1903,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":1904,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1905,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":1906,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":1907,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":1908,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":1909,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":1910,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":1912,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":1913,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":1915,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":1916,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":1917,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":1918,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":1922,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":1923,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":1924,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":1925,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":1926,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":1927,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":1928,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":1929,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":1930,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":1931,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1931,"title":"طه","lvl":1,"sub":0},{"id":1933,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1934,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1935,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1936,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1938,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":1939,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1940,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1941,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1942,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1943,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":1944,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1945,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":1946,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":1948,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1949,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":1950,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":1951,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":1952,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":1953,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":1956,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":1957,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":1958,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":1959,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":1960,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":1961,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":1962,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":1963,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":1964,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":1966,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":1967,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":1968,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":1969,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":1970,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":1971,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":1973,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":1974,"title":"113","lvl":2,"sub":0},{"id":1975,"title":"114","lvl":2,"sub":0},{"id":1976,"title":"116","lvl":2,"sub":0},{"id":1977,"title":"118","lvl":2,"sub":0},{"id":1978,"title":"122","lvl":2,"sub":0},{"id":1979,"title":"125","lvl":2,"sub":0},{"id":1980,"title":"126","lvl":2,"sub":0},{"id":1981,"title":"128","lvl":2,"sub":0},{"id":1982,"title":"131","lvl":2,"sub":0},{"id":1983,"title":"132","lvl":2,"sub":0},{"id":1984,"title":"135","lvl":2,"sub":0},{"id":1985,"title":"الأنبياء","lvl":1,"sub":0},{"id":1985,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1986,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1987,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1988,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1989,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1990,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1991,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1992,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":1993,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":1994,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":1995,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":1996,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1997,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":1999,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":2000,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":2001,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":2003,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":2004,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":2005,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":2007,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":2008,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":2009,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":2010,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":2011,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":2013,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":2015,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":2018,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":2024,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":2026,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":2027,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":2030,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":2031,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":2032,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":2034,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":2035,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":2037,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":2038,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":2039,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":2040,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":2041,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2041,"title":"الحج","lvl":1,"sub":0},{"id":2043,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":2046,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":2047,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":2048,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2049,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":2051,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2052,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":2054,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2055,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2057,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":2059,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":2060,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":2061,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":2063,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":2065,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":2066,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":2067,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":2068,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":2069,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":2070,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":2071,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":2072,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":2073,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":2074,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":2075,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":2076,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":2077,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":2079,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":2080,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":2081,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":2082,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":2083,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":2084,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":2085,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":2087,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":2088,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":2089,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":2092,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2092,"title":"المؤمنون","lvl":1,"sub":0},{"id":2094,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":2095,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2096,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2097,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":2098,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":2099,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":2100,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":2101,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2102,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":2103,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":2104,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2105,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":2107,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":2108,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":2109,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":2110,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":2111,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":2112,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":2113,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":2114,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":2115,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":2116,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":2117,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":2118,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":2119,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":2120,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":2121,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":2122,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":2123,"title":"112","lvl":2,"sub":0},{"id":2124,"title":"116","lvl":2,"sub":0},{"id":2125,"title":"النور","lvl":1,"sub":0},{"id":2125,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2126,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":2128,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":2129,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2130,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":2134,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":2135,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2136,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2141,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2142,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":2143,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2144,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2145,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2146,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":2147,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":2148,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":2150,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":2151,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":2152,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":2158,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":2160,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2165,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":2169,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":2171,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":2172,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":2173,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":2175,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":2176,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":2177,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":2179,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":2181,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":2182,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":2184,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":2185,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":2190,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":2191,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":2192,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":2193,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2193,"title":"الفرقان","lvl":1,"sub":0},{"id":2194,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":2195,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":2196,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2197,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2198,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":2199,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2200,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2202,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2203,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":2204,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":2205,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":2206,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":2207,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":2208,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2209,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":2210,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":2212,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":2213,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":2215,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":2216,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":2217,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":2218,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":2219,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":2220,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":2221,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":2223,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":2224,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":2225,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":2226,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":2227,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":2228,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":2230,"title":"الشعراء","lvl":1,"sub":0},{"id":2230,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2231,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":2232,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2233,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2234,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":2235,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2236,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2237,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":2238,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":2239,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":2240,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":2241,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":2242,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":2243,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":2244,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":2245,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":2246,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":2247,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":2248,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":2249,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":2250,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":2251,"title":"112","lvl":2,"sub":0},{"id":2252,"title":"117","lvl":2,"sub":0},{"id":2253,"title":"129","lvl":2,"sub":0},{"id":2254,"title":"137","lvl":2,"sub":0},{"id":2255,"title":"138","lvl":2,"sub":0},{"id":2256,"title":"149","lvl":2,"sub":0},{"id":2257,"title":"156","lvl":2,"sub":0},{"id":2258,"title":"160","lvl":2,"sub":0},{"id":2259,"title":"172","lvl":2,"sub":0},{"id":2260,"title":"184","lvl":2,"sub":0},{"id":2261,"title":"185","lvl":2,"sub":0},{"id":2262,"title":"196","lvl":2,"sub":0},{"id":2263,"title":"201","lvl":2,"sub":0},{"id":2264,"title":"207","lvl":2,"sub":0},{"id":2265,"title":"214","lvl":2,"sub":0},{"id":2267,"title":"215","lvl":2,"sub":0},{"id":2268,"title":"216","lvl":2,"sub":0},{"id":2269,"title":"221","lvl":2,"sub":0},{"id":2270,"title":"226","lvl":2,"sub":0},{"id":2274,"title":"النمل","lvl":1,"sub":0},{"id":2274,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2275,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":2276,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":2277,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2278,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2279,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":2280,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2281,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":2282,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":2283,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":2284,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2285,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2286,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":2287,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":2288,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":2290,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":2291,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":2292,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":2295,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":2296,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":2297,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":2298,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":2299,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":2300,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":2303,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":2304,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":2305,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":2306,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":2307,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":2308,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":2309,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":2310,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":2312,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":2313,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":2316,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":2317,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":2319,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":2320,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":2321,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":2322,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2322,"title":"القصص","lvl":1,"sub":0},{"id":2323,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2324,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":2327,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":2328,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2329,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2330,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":2331,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2332,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2333,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":2334,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2335,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":2337,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":2338,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":2339,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":2342,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":2343,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":2344,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2345,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":2346,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":2347,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":2348,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":2349,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":2350,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":2351,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":2352,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":2353,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":2354,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":2355,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":2356,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":2357,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":2358,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":2360,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":2361,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":2362,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":2364,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":2365,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":2367,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":2368,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":2369,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":2370,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":2371,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":2372,"title":"العنكبوت","lvl":1,"sub":0},{"id":2372,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2373,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":2374,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2375,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":2376,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":2377,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2378,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":2379,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2380,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":2381,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":2382,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":2383,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":2384,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":2385,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":2386,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2387,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":2388,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":2389,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":2390,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":2394,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":2396,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":2397,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":2398,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":2399,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":2401,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":2403,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":2404,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":2405,"title":"الروم","lvl":1,"sub":0},{"id":2405,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2407,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":2409,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":2410,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2411,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2412,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2413,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":2414,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2415,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":2417,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":2418,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":2420,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":2421,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2422,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":2423,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":2424,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":2425,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":2426,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":2427,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":2428,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":2429,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":2430,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":2431,"title":"لقمان","lvl":1,"sub":0},{"id":2431,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2433,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":2434,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2435,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2436,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":2437,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2438,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":2440,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2441,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2442,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":2443,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":2444,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":2445,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2447,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2447,"title":"السجدة","lvl":1,"sub":0},{"id":2448,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2449,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":2450,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2451,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2452,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":2455,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":2456,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":2457,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2458,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":2459,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":2461,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2461,"title":"الأحزاب","lvl":1,"sub":0},{"id":2462,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":2463,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2464,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":2467,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":2468,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":2478,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2479,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2480,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2481,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2482,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":2483,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2484,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":2485,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":2487,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":2493,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":2495,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":2497,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":2498,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2500,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":2503,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":2504,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":2507,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":2508,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":2509,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":2510,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":2511,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":2512,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":2513,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":2516,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":2518,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":2521,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":2523,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":2524,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":2527,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":2528,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":2529,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":2530,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":2531,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":2532,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":2533,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":2535,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":2536,"title":"سبأ","lvl":1,"sub":0},{"id":2536,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2537,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":2538,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":2539,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":2540,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2541,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2543,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":2545,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2547,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":2548,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":2549,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2550,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":2552,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":2553,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":2554,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":2555,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":2556,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":2558,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":2559,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":2560,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":2561,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":2562,"title":"فاطر","lvl":1,"sub":0},{"id":2562,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2563,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":2564,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":2565,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":2566,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":2568,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2569,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2570,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":2572,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":2573,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":2574,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":2575,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":2578,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2579,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":2580,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":2581,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":2582,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":2583,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":2584,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":2585,"title":"يس","lvl":1,"sub":0},{"id":2585,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2586,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2587,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":2589,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":2591,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":2592,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2593,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2594,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":2595,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":2596,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":2597,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":2598,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":2600,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":2601,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":2602,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":2603,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":2604,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":2605,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":2606,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":2607,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":2608,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":2609,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":2610,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":2611,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":2612,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":2613,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":2614,"title":"الصافات","lvl":1,"sub":0},{"id":2614,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2615,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":2616,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":2617,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2618,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2620,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":2621,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":2622,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":2623,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":2624,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":2625,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":2626,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":2627,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":2628,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":2629,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":2630,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":2633,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":2635,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":2636,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":2637,"title":"123","lvl":2,"sub":0},{"id":2643,"title":"124","lvl":2,"sub":0},{"id":2644,"title":"127","lvl":2,"sub":0},{"id":2645,"title":"129","lvl":2,"sub":0},{"id":2646,"title":"140","lvl":2,"sub":0},{"id":2647,"title":"146","lvl":2,"sub":0},{"id":2648,"title":"148","lvl":2,"sub":0},{"id":2649,"title":"154","lvl":2,"sub":0},{"id":2650,"title":"157","lvl":2,"sub":0},{"id":2651,"title":"165","lvl":2,"sub":0},{"id":2652,"title":"174","lvl":2,"sub":0},{"id":2654,"title":"ص","lvl":1,"sub":0},{"id":2654,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2655,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":2656,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":2657,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":2658,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2659,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":2660,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2661,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":2662,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":2664,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2666,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":2667,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":2670,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":2673,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":2674,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":2675,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":2676,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":2677,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":2679,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":2680,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":2681,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":2682,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":2683,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":2684,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":2685,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":2686,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":2687,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":2688,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":2689,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":2690,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":2691,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":2692,"title":"الزمر","lvl":1,"sub":0},{"id":2692,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2693,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":2694,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":2695,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":2696,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":2697,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2698,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2700,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2701,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":2702,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":2704,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":2705,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":2707,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":2708,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":2709,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":2711,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":2712,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":2713,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":2714,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":2717,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":2718,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":2719,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":2720,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":2722,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":2723,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":2724,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":2725,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":2726,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":2727,"title":"غافر","lvl":1,"sub":0},{"id":2727,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2728,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":2729,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2732,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":2733,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":2734,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2736,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":2737,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":2738,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":2739,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":2740,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":2741,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2742,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":2743,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":2744,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":2745,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":2746,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":2747,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":2748,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":2749,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":2752,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":2753,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":2754,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":2755,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":2756,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":2757,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":2758,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":2759,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":2760,"title":"فصلت","lvl":1,"sub":0},{"id":2760,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2761,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":2762,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":2764,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2766,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2767,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2768,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2769,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2770,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":2771,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":2772,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":2773,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":2774,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":2775,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":2776,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":2777,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":2778,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":2779,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":2780,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":2781,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":2782,"title":"الشورى","lvl":1,"sub":0},{"id":2782,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2783,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":2784,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":2785,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":2786,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2787,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":2789,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2790,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":2791,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2792,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":2794,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":2795,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":2796,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":2797,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":2798,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":2799,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":2800,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":2801,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":2802,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":2803,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":2804,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":2806,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":2807,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2807,"title":"الزخرف","lvl":1,"sub":0},{"id":2808,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2809,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2810,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2811,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2812,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":2813,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":2814,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":2815,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":2816,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":2818,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":2819,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":2820,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":2821,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":2822,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":2823,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":2824,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":2825,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":2826,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":2827,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":2828,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":2829,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":2830,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":2831,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":2832,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":2833,"title":"الدخان","lvl":1,"sub":0},{"id":2833,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2834,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2835,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2836,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":2837,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":2838,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":2839,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2841,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":2842,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":2843,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":2844,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":2846,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2846,"title":"الجاثية","lvl":1,"sub":0},{"id":2847,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":2848,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":2849,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2850,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":2851,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":2852,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":2853,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":2854,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2855,"title":"الأحقاف","lvl":1,"sub":0},{"id":2855,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2857,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":2859,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2861,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2862,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2864,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":2865,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2868,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2869,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":2870,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":2871,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":2875,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":2876,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":2877,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2880,"title":"محمد","lvl":1,"sub":0},{"id":2880,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2881,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":2883,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2884,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":2885,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2886,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":2887,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2889,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":2891,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2892,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":2893,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":2894,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":2895,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":2896,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2897,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":2899,"title":"الفتح","lvl":1,"sub":0},{"id":2899,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2901,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":2902,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":2903,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2904,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2905,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2906,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2907,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2908,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2909,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":2910,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":2912,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":2918,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2919,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":2920,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":2928,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":2929,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":2930,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":2931,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":2938,"title":"الحجرات","lvl":1,"sub":0},{"id":2938,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2940,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":2941,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":2942,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":2943,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2944,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":2945,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":2946,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":2947,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2948,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2951,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2954,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":2956,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":2958,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2959,"title":"ق","lvl":1,"sub":0},{"id":2959,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2960,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":2961,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":2962,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2963,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2964,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":2965,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2966,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":2967,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":2968,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2969,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":2970,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":2972,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":2973,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":2974,"title":"الذاريات","lvl":1,"sub":0},{"id":2974,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2975,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":2976,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":2977,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2978,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":2979,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2980,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":2981,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":2982,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":2983,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":2984,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":2985,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":2986,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":2987,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":2988,"title":"الطور","lvl":1,"sub":0},{"id":2988,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2989,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":2990,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":2991,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2992,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":2994,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":2995,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":2996,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":2997,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2998,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":2999,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":3001,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":3002,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3002,"title":"النجم","lvl":1,"sub":0},{"id":3003,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":3004,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":3005,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":3006,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":3007,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":3009,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":3010,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":3011,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":3012,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":3013,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":3014,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":3015,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":3017,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":3018,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":3019,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":3020,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":3021,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":3022,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":3023,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":3024,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":3025,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":3026,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":3028,"title":"القمر","lvl":1,"sub":0},{"id":3028,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3029,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":3030,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3031,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3032,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":3033,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":3034,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":3035,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":3037,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":3038,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":3039,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":3040,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":3042,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":3043,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":3044,"title":"الرحمن","lvl":1,"sub":0},{"id":3044,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3045,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3046,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":3047,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":3048,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":3049,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":3051,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":3052,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":3053,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":3054,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":3055,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":3056,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":3057,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":3058,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":3059,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":3060,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":3061,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":3062,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":3063,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":3065,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":3066,"title":"الواقعة","lvl":1,"sub":0},{"id":3066,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3067,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3068,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":3069,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":3070,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":3071,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":3072,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":3073,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":3075,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":3077,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":3078,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":3079,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":3080,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":3081,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":3082,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":3083,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":3084,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":3085,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":3086,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":3087,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":3088,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":3090,"title":"الحديد","lvl":1,"sub":0},{"id":3090,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3092,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3093,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":3094,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":3095,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":3096,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":3097,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":3098,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":3099,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":3100,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":3101,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":3102,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":3104,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":3105,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":3107,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":3110,"title":"المجادلة","lvl":1,"sub":0},{"id":3110,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3111,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":3112,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":3114,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3115,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3116,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3118,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":3119,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":3122,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":3123,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":3125,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":3127,"title":"الحشر","lvl":1,"sub":0},{"id":3127,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3129,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":3130,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":3131,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3133,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3136,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":3137,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":3141,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":3143,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":3147,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":3148,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":3149,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":3150,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":3151,"title":"الممتحنة","lvl":1,"sub":0},{"id":3151,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3153,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":3154,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":3155,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3157,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":3160,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":3162,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":3165,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":3166,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3166,"title":"الصف","lvl":1,"sub":0},{"id":3167,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3168,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3170,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":3171,"title":"الجمعة","lvl":1,"sub":0},{"id":3171,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3172,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3173,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3174,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":3182,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":3186,"title":"المنافقون","lvl":1,"sub":0},{"id":3186,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3188,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3191,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3192,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":3193,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":3194,"title":"التغابن","lvl":1,"sub":0},{"id":3194,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3195,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":3196,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3198,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":3199,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":3200,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":3201,"title":"الطلاق","lvl":1,"sub":0},{"id":3201,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3204,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":3205,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":3206,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3207,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3208,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3212,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3213,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":3214,"title":"التحريم","lvl":1,"sub":0},{"id":3214,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3216,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":3218,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3221,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3222,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3223,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":3224,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":3225,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":3227,"title":"الملك","lvl":1,"sub":0},{"id":3227,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3228,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":3229,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3230,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":3231,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":3232,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":3233,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":3234,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":3235,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":3236,"title":"القلم","lvl":1,"sub":0},{"id":3236,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3238,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":3242,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3243,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3244,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":3245,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":3246,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":3247,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":3248,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":3249,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":3250,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":3252,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":3253,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":3256,"title":"الحاقة","lvl":1,"sub":0},{"id":3256,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3257,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3258,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":3259,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":3261,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":3262,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":3263,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":3264,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":3265,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":3266,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":3267,"title":"المعارج","lvl":1,"sub":0},{"id":3267,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3268,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":3269,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3270,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":3271,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":3272,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":3273,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":3274,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":3276,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":3277,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3277,"title":"نوح","lvl":1,"sub":0},{"id":3278,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3279,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":3280,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":3281,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":3282,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":3283,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":3284,"title":"الجن","lvl":1,"sub":0},{"id":3284,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3285,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3286,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3287,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":3288,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":3289,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":3290,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":3291,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":3292,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":3294,"title":"المزمل","lvl":1,"sub":0},{"id":3294,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3297,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3298,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3299,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3300,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":3301,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":3302,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":3306,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3306,"title":"المدثر","lvl":1,"sub":0},{"id":3307,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":3308,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3309,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3310,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":3312,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":3313,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":3314,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":3315,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":3316,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":3317,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":3318,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":3319,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":3320,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":3321,"title":"القيامة","lvl":1,"sub":0},{"id":3321,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3322,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":3323,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3324,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":3325,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":3326,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":3327,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":3328,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":3329,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":3330,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":3332,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3332,"title":"الإنسان","lvl":1,"sub":0},{"id":3333,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":3334,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3335,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3337,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":3338,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":3339,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":3340,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":3341,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":3342,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":3343,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":3344,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3344,"title":"المرسلات","lvl":1,"sub":0},{"id":3345,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3346,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":3347,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":3348,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":3349,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":3350,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":3351,"title":"النبأ","lvl":1,"sub":0},{"id":3351,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3353,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":3354,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":3355,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":3356,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":3357,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":3358,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":3359,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":3361,"title":"النازعات","lvl":1,"sub":0},{"id":3361,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3362,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":3363,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3364,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3365,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":3366,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":3366,"title":"الأعلى","lvl":1,"sub":0},{"id":3367,"title":"النازعات","lvl":1,"sub":0},{"id":3367,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":3368,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":3369,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":3370,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":3371,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3371,"title":"عبس","lvl":1,"sub":0},{"id":3372,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":3373,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":3374,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":3375,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":3376,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":3377,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":3378,"title":"التكوير","lvl":1,"sub":0},{"id":3378,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3379,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":3380,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3381,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":3382,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":3383,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":3384,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":3385,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3385,"title":"الإنفطار","lvl":1,"sub":0},{"id":3386,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3387,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":3388,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3388,"title":"المطففين","lvl":1,"sub":0},{"id":3389,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":3391,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3392,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":3393,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":3394,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":3395,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":3396,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":3397,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":3398,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":3399,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":3400,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3400,"title":"الإنشقاق","lvl":1,"sub":0},{"id":3401,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3402,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":3403,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":3404,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":3405,"title":"البروج","lvl":1,"sub":0},{"id":3405,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3407,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3411,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3412,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":3413,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":3415,"title":"الطارق","lvl":1,"sub":0},{"id":3415,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3416,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3417,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":3418,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3418,"title":"الأعلى","lvl":1,"sub":0},{"id":3419,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":3420,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3421,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":3423,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":3424,"title":"الغاشية","lvl":1,"sub":0},{"id":3424,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3425,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3426,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3427,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":3428,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":3429,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3429,"title":"الفجر","lvl":1,"sub":0},{"id":3431,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3432,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":3434,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":3435,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":3436,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":3437,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":3438,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":3439,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":3440,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3440,"title":"البلد","lvl":1,"sub":0},{"id":3441,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":3442,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3443,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":3444,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":3446,"title":"الشمس","lvl":1,"sub":0},{"id":3446,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3447,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3448,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":3449,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":3451,"title":"الليل","lvl":1,"sub":0},{"id":3451,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3452,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3453,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":3454,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":3455,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":3456,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":3457,"title":"الضحى","lvl":1,"sub":0},{"id":3457,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3458,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3459,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3460,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3461,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":3462,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":3465,"title":"الشرح","lvl":1,"sub":0},{"id":3465,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3466,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3468,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3469,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":3470,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3470,"title":"التين","lvl":1,"sub":0},{"id":3471,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3472,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3473,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3473,"title":"العلق","lvl":1,"sub":0},{"id":3475,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3476,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":3477,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":3478,"title":"القدر","lvl":1,"sub":0},{"id":3478,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3483,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":3484,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3486,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3486,"title":"البينة","lvl":1,"sub":0},{"id":3488,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3489,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":3490,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3490,"title":"الزلزلة","lvl":1,"sub":0},{"id":3491,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3494,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3494,"title":"العاديات","lvl":1,"sub":0},{"id":3495,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":3496,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3497,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":3498,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":3499,"title":"القارعة","lvl":1,"sub":0},{"id":3499,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3500,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":3501,"title":"التكاثر","lvl":1,"sub":0},{"id":3501,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3502,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":3503,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":3506,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3506,"title":"العصر","lvl":1,"sub":0},{"id":3507,"title":"الهمزة","lvl":1,"sub":0},{"id":3507,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3508,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":3509,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":3510,"title":"الفيل","lvl":1,"sub":0},{"id":3510,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3515,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":3516,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3517,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3517,"title":"قريش","lvl":1,"sub":0},{"id":3519,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":3521,"title":"الماعون","lvl":1,"sub":0},{"id":3521,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3522,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":3524,"title":"الكوثر","lvl":1,"sub":0},{"id":3524,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3526,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":3527,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":3528,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3528,"title":"الكافرون","lvl":1,"sub":0},{"id":3529,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3530,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3530,"title":"النصر","lvl":1,"sub":0},{"id":3538,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":3539,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":3541,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3541,"title":"المسد","lvl":1,"sub":0},{"id":3542,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":3543,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":3544,"title":"الإخلاص","lvl":1,"sub":0},{"id":3544,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3545,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":3548,"title":"الفلق","lvl":1,"sub":0},{"id":3548,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3550,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":3551,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":3552,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":3552,"title":"الناس","lvl":1,"sub":0}]}