{"pages":[{"id":1,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rأما بعد حمد الله الذي وعد فوفى وأوعد فعفا والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الشرفاء ومسود الخلفاء وعلى آله وصحبه أهل الكرم والوفاء فهذا تاريخ لطيف ترجمت فيه الخلفاء أمراء المؤمنين القائمين بأمر الأمة من عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى عهدنا هذا على ترتيب زمانهم الأول فالأول وذكرت في ترجمة كل منهم ما وقع في أيامه من الحوادث المستغربة ومن كان في أيامه من أئمة الدين وأعلام الأمة.\rوالداعي إلى تأليف هذا الكتاب أمور منها أن الإحاطة بتراجم أعيان الأمة مطلوبة ولذوي المعارف محبوبة وقد جمع جماعة تواريخ ذكروا فيها الأعيان مختلطين ولم يستوفوا واستيفاء ذلك يوجب الطول والملال فأردت أن أفرد كل طائفة في كتاب أقرب إلى الفائدة لمن يريد تلك الطائفة خاصة وأسهل في التحصيل فأفردت كتاباً في الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه وكتاباً في الصحابة ملخصاً من الإصابة لشيخ الإسلام أبي الفضل بن حجر وكتاباً حافلا في طبقات المفسرين وكتاباً وجيزاً في طبقات الحفاظ لخصته من طبقات الذهبي وكتاباً جليلا في طبقات النحاة واللغويين لم يؤلف قبله مثله وكتاباً في طبقات الأصوليين وكتاباً جليلا في طبقات الأولياء وكتاباً في طبقات الفرضيين وكتاباً في طبقات البيانيين وكتاباً في طبقات الكتاب أعنى أرباب الإنشاء وكتاباً في طبقات أهل الخط المنسوب وكتاباً في شعراء العرب الذين يحتج بكلامهم في العربية وهذه تجمع غالب أعيان الأمة واكتفيت في طبقات الفقهاء بما ألفه الناس في ذلك لكثرته والاستغناء به وكذلك اكتفيت في القراء بطبقات الذهبي وأما القضاة فهم داخلون فيمن تقدم ولم يبق من الأعيان غير الخلفاء مع تشوق النفوس إلى أخبارهم فأفردت لهم هذا الكتاب ولم أورد أحداً ممن ادعى الخلافة خروجاً ولم يتم له الأمر ككثير من العلويين وقليل من العباسيين.\rولم أورد أحداً من الخلفاء العبيديين لأن إمامتهم غير صحيحة لأمور: منها: أنهم غير قرشيين وإنما سمتهم بالفاطميين جهلة العوام وإلا فجدهم مجوسي قال القاضي عبد الجبار البصري اسم جد الخلفاء المصريين سعيد كان أبوه يهودياً حداداً نشابة وقال القاضي أبو بكر الباقلاني القداح جد عبيد الله الذي يسمى بالمهدي كان مجوسياً ودخل عبيد الله المغرب وادعى أنه علوي ولم يعرفه أحد من علماء النسب وسماهم جهلة الناس الفاطميين وقال ابن خلكان أكثر أهل العلم لا يصححون نسب المهدي عبيد الله جد خلفاء مصر حتى إن العزيز بالله ابن المعز في أول ولايته صعد المنبر يوم الجمعة فوجد هناك ورقة فيها هذه الأبيات:\rإنا سمعنا نسباً منكراً ... يتلى على المنبر في الجامع\rإن كنت فيما تدعى صادقاً ... فاذكر أبا بعد الأب السابع\rوإن ترد تحقيق ما قلته ... فانسب لنا نفسك كالطائع\rأولا دع الأنساب مستورة ... وادخل بنا في النسب الواسع\rفإن أنساب بني هاشم ... يقصر عنها طمع الطامع\rوكتب العزيز إلى الأموي صاحب الأندلس كتاباً سبه فيه وهجاه فكتب إليه الأموي أما بعد فإنك قد عرفتنا فهجوتنا ولو عرفناك لأجبناك فاشتد ذلك على العزيز فأفحمه عن الجواب يعني أنه دعي لا تعرف قبيلته قال الذهبي المحققون متفقون على أن عبيد الله المهدى ليس بعلوي وما أحسن ما قال حفيده المعز صاحب القاهرة وقد سأله إن طباطبا العلوي عن نسبهم فجذب نصف سيفه من الغمد وقال هذا نسبى ونثر على الأمراء والحاضرين الذهب وقال هذا حسبي.\rومنها: أن أكثرهم زنادقة خارجون عن الإسلام ومنهم من أظهر سب الأنبياء ومنهم من أباح الخمر ومنهم من أمر بالسجود له والخير منهم رافضي خبيث لئيم يأمر بسب الصحابة رضي الله عنهم ومثل هؤلاء لا تنعقد لهم بيعة ولا تصح لهم إمامة.\rقال القاضي أبو بكر الباقلاني: كان المهدي عبيد الله باطنياً خبيثاً حريصاً على إزالة ملة الإسلام أعدم العلماء والفقهاء ليتمكن من إغواء الخلق وجاء أولاده على أسلوبه: أباحوا الخمر والفروج وأشاعوا الرفض.\rوقال الذهبي: كان القائم بن المهدي شراً من أبيه زنديقاً ملعوناً أظهر سب الأنبياء وقال: وكان العبيديون على ملة الإسلام شراً من التتر.","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"وقال أبو الحسن القابسي: إن الذين قتلهم عبيد الله وبنوه من العلماء والعباد أربعة آلاف ورجل ليردوهم عن الترضي عن الصحابة فاختاروا الموت فيا حبذا لو كان رافضياً فقط ولكنه زنديق.\rوقال القاضي عياض: سئل أبو محمد القيرواني الكيزاني من علماء المالكية عمن أكرهه بنو عبيد يعني خلفاء مصر على الدخول في دعوتهم أو يقتل قال يختار القتل ولا يعذر أحد في هذا الأمر كان أول دخولهم قبل أن يعرف أمرهم وأما بعد فقد وجب الفرار فلا يعذر أحد بالخوف بعد إقامته لأن المقام في موضع يطلب من أهله تعطيل الشرائع لا يجوز وإنما أقام من أقام من الفقهاء على المباينة لهم لئلا تخلو للمسلمين حدودهم فيفتنوهم عن دينهم.\rوقال يوسف الرعيني: أجمع العلماء بالقيروان على أن حال بني عبيد حال المرتدين والزنادقة لما أظهروا من خلاف الشريعة.\rوقال ابن خلكان: وقد كانوا يدعون علم المغيبات وأخبارهم في ذلك مشهورة حتى إن العزيز صعد يوماً المنبر فرأى ورقة فيها مكتوب:\rبالظلم والجور قد رضينا ... وليس بالكفر والحماقه\rإن كنت أعطيت علم غيب ... بين لنا كاتب البطاقة\rوكتبت إليه امرأة قصة فيها: بالذي أعز اليهود بميشا والنصارى بابن نسطور وأذل المسلمين بك إلا نظرت في أمري وكان ميشا اليهودي عاملا بالشام وابن نسطور النصراني بمصر.\rومنها: أن مبايعتهم صدرت والإمام العباسي قائم موجود سابق البيعة فلا تصح إذ لا تصح البيعة لإمامين في وقت واحد والصحيح المتقدم.\rومنها: أن الحديث ورد بأن هذا الأمر إذا وصل إلى بني العباس لا يخرج عنهم حتى يسلموه إلى عيسى بن مريم أو المهدي فعلم أن من تسمى بالخلافة مع قيامهم خارج باغ.\rفلهذه الأمور لم أذكر أحداً من العبيديين ولا غيرهم من الخوارج وإنما ذكرت الخليفة المتفق على صحة إمامته وعقد بيعته وقد قدمت في أول الكتاب فصولا فيها فوائد مهمة وما أوردته من الوقائع الغريبة والحوادث العجيبة فهو ملخص من تاريخ الحافظ الذهبي والعهدة في أمره عليه والله المستعان.\rفصل في بيان كون النبي لم يستخلف\rصلى الله عليه وسلم وسر ذلك\rقال البزار في مسنده: حدثنا عبد الله بن وضاح الكوفي حدثنا يحيى بن اليماني حدثنا إسرائيل عن أبي اليقظان عن أبي وائل عن حذيفة قال: قالوا: يا رسول الله ألا تستخلف علينا قال: \" إني إن أستخلف عليكم فتعصون خليفتي ينزل عليكم العذاب \" أخرجه الحاكم في المستدرك وأبو اليقظان ضعيف.\rوأخرج الشيخان عن عمر أنه قال حين طعن: \" إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني - يعني أبا بكر - وإن أترككم فقد ترككم من هو خير مني \" يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرج أحمد والبيهقي في دلائل النبوة بسند حسن عن عمرو بن سفيان قال لما ظهر علي يوم الجمل قال أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئاً حتى رأينا من الرأي أن نستخلف أبا بكر فأقام واستقام حتى مضى لسبيله ثم أن أبا بكر رأى من الرأي أن يستخلف عمر فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه ثم إن أقواماً طلبوا الدنيا فكانت أمور يقضي الله فيها.\rوأخرج الحاكم في المستدرك وصححه البيهقي في الدلائل عن أبي وائل قال: قيل لعلي: ألا تستخلف علينا قال ما استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستخلف ولكن إن يرد الله بالناس خيراً فسيجمعهم بعدي على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم.\rقال الذهبي: وعند الرافضة أباطيل في أنه عهد إلى علي رضي الله عنه وقد قال هذيل بن شرحبيل: أكان أبو بكر يتأمر على علي وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم وود أبو بكر أنه وجد عهداً من رسول الله صلى الله عليه وسلم فخزم أنفه بخزام أخرجه ابن سعد والبيهقي في الدلائل وأخرج ابن سعد عن الحسن قال: قال علي لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد قدم أبا بكر في الصلاة فرضينا لدنيانا عمن رضى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه لديننا فقدمنا أبا بكر.\rوقال البخاري في تاريخه: روى عن ابن جمهان عن سفينة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر وعثمان هؤلاء الخلفاء بعدي قال البخاري: ولم يتابع على هذا لأن عمر وعلياً وعثمان قالوا لم يستخلف النبي صلى الله عليه وسلم انتهى.","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"والحديث المذكور أخرجه ابن حبان قال: حدثنا أبو يعلى حدثنا يحيى الجماني حدثنا حشرج عن سعيد بن جمهان عن سفينة لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد وضع في النباء حجراً وقال لأبي بكر ضع حجرك إلى جنب حجري ثم قال لعمر ضع حجرك إلى جنب حجر أبي بكر ثم قال لعثمان ضع حجرك إلى جنب حجر عمر ثم قال هؤلاء الخلفاء بعدي قال أبو زرعة إسناده لا بأس به وقد أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه البيهقي في الدلائل وغيرهما.\rقلت: ولا منافاة بينه وبين قول عمر وعلي أنه لم يستخلف لأن مرادهما أنه عند الوفاة لم ينص على استخلاف أحد وهذا إشارة وقعت قبل ذلك فهو كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر \" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي \" أخرجه الحاكم من حديث العرباض بن سارية وكقوله صلى الله عليه وسلم \" اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر \" وغير ذلك من الأحاديث المشيرة إلى الخلافة.\rفصل في بيان أن الأئمة من قريش\rوالخلافة فيهم\rقال أبو داود الطيالسي في مسنده حدثنا سكين بن عبد العزيز عن سيار ابن سلامة عن أبي برزة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال \" الأئمة من قريش ما حكموا فعدلوا ووعدوا فوفوا واسترحموا فرحموا \" أخرجه الإمام أحمد وأبو يعلى في مسنديهما والطبراني.\rوقال الترمذي: حدثنا أحمد بن منيع حدثنا زيد بن الحباب حدثنا معاوية بن صالح حدثنا أبو مريم الأنصاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" الملك في قريش والقضاء في الأنصار والأذان في الحبشة \" إسناده صحيح.\rوقال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا الحاكم بن نافع حدثنا إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح عن كثير بن مرة عن عتبة بن عبدان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" الخلافة في قريش والحكم في الأنصار والدعوة في الحبشة \" رجاله موثقون.\rوقال البزار: حدثنا إبراهيم بن هانئ حدثنا الفيض بن الفضل حدثنا مسعر عن سلمة بن كهيل عن أبي صادق عن ربيعة بن ماجد عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" الأمراء من قريش أبرارها أمراء أبرارها وفجارها أمراء فجارها \" .\rفصل في مدة الخلافة\rفي الإسلام\rقال الإمام أحمد: حدثنا بهز حدثنا حماد بن سلمة حدثنا سعيد بن جمهان عن سفينة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" الخلافة ثلاثون عاماً ثم يكون بعد ذلك الملك \" أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان وغيره.\rقال العلماء لم يكن في الثلاثين بعده صلى الله عليه وسلم إلا الخلفاء الأربعة وأيام الحسن.\rوقال البزار: حدثنا محمد بن سكين حدثنا يحيى بن حسان حدثنا يحيى بن حمزة عن مكحول عن أبي ثعلبة عن أبي عبيدة بن الجراح قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إن أول دينكم بدأ نبوة ورحمة ثم يكون خلافة ورحمة ثم يكون ملكاً وجبرية \" حديث حسن.\rوقال عبد الله بن أحمد: حدثنا محمد بن أبي بكر المقدسي حدثنا يزيد بن زريع حدثنا ابن عون عن الشعبي عن جابر بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال \" لا يزال هذا الأمر عزيزاً ينصرون على من ناوأهم عليه اثنا عشر خليفة كلهم من قريش \" أخرجه الشيخان وغيرهما وله طرق وألفاظ منها: \" لا يزال هذا الأمر صالحاً \" ومنها \" لا يزال الأمر ماضياً \" رواهما أحمد ومنها عند مسلم \" لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلا \" ومنها عنده \" إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي له فيهم اثنا عشر خليفة \" ومنها عنده \" لا يزال الإسلام عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة \" ومنها عند البزار \" لا يزال أمر أمتي قائماً حتى يمضي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش \" ومنها عند أبي داود زيادة فلما رجع إلى منزله أتته قريش فقالوا ثم يكون ماذا قال ثم يكون الهرج ومنها عنده \" لا يزال هذا الدين قائماً حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم تجتمع الأمة عليه \" وعند أحمد والبزار بسند حسن عن ابن مسعود \" أنه سئل: كم يملك هذه الأمة من خليفة فقال سألنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل \" .","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"قال القاضي عياض: لعل المراد بالاثني عشر في هذه الأحاديث وما شابهها أنهم يكونون في مدة عزة الخلافة وقوة الإسلام واستقامة أموره والاجتماع على من يقوم بالخلافة وقد وجد هذا فيمن اجتمع عليه الناس إلا أن اضطرب أمر بني أمية ووقعت بينهم الفتنة زمن الوليد بن يزيد فاتصلت بينهم إلى أن قامت الدولة العباسية فاستأصلوا أمرهم.\rقال شيخ الإسلام ابن حجر في شرح البخاري كلام القاضي عياض أحسن ما قيل في الحديث وأرجحه لتأييده بقوله في بعض طرق الحديث الصحيحة \" كلهم يجتمع عليه الناس \" وإيضاح ذلك أن المراد بالاجتماع انقيادهم لبيعته والذي وقع أن الناس اجتمعوا على أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي إلى أن وقع أمر الحكمين في صفين فتسمى معاوية يومئذ بالخلافة ثم اجتمع الناس على معاوية عند صلح الحسن ثم اجتمعوا على ولده يزيد ولم ينتظم للحسن أمر بل قتل قبل ذلك ثم لما مات يزيد وقع الاختلاف إلى أن اجتمعوا على عبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير ثم اجتمعوا على أولاده الأربعة الوليد ثم سليمان ثم يزيد ثم هشام وتخلل بين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك اجتمع الناس عليه لما مات عمه هشام فولى نحو أربع سنين ثم قاموا عليه فقتلوه وانتشرت الفتن وتغيرت الأحوال من يومئذ ولم يتفق أن يجتمع الناس على خليفة بعد ذلك لأن يزيد بن الوليد الذي قام على ابن عمه الوليد بن يزيد لم تطل مدته بل ثار عليه قبل أن يموت ابن عم أبيه مروان بن محمد بن مروان ولما مات يزيد ولى أخوه إبراهيم فقتله مروان ثم ثار على مروان بنو العباس إلى أن قتل ثم كان أول خلفاء بني العباس السفاح ولم تطل مدته مع كثرة من ثار عليه ثم ولى أخوه المنصور فطالت مدته لكن خرج عنهم المغرب الأقصى باستيلاء المروانيين على الأندلس واستمرت في أيديهم متغلبين عليها إلى أن تسموا بالخلافة بعد ذلك وانفرط الأمر إلى أن لم يبق من الخلافة إلا الاسم في البلاد بعد أن كان في أيام بني عبد الملك بن مروان يخطب للخليفة في جميع الأقطار من الأرض شرقاً وغرباً يميناً وشمالا مما غلب عليه المسلمون ولا يتولى أحد في بلد من البلاد كلها الإمارة على شيء منها إلا بأمر الخليفة.\rومن انفراط الأمر أنه كان في المائة الخامسة بالأندلس وحدها ستة أنفس كلهم يتسمى بالخلافة ومعهم صاحب مصر العبيدي والعباسي ببغداد خارجاً عمن كان يدعى الخلافة في أقطار الأرض من العلوية والخوارج.\rقال: فعلى هذا التأويل يكون المراد بقوله ثم يكون الهرج يعني القتل الفاشي عن الفتن وقوعاً فاشياً ويستمر ويزداد وكذا كان.\rوقيل: إن المراد وجود اثني عشر خليفة في جميع مدة الإسلام إلى يوم القيامة يعملون بالحق وإن لم تتوال أيامهم ويؤيد هذا ما أخرجه مسدد في مسنده الكبير عن أبي الخلد أنه قال: لا تهلك هذه الأمة حتى يكون منها اثنا عشر خليفة كلهم يعمل بالهدى ودين الحق منهم رجلان من أهل بيت محمد صلى الله عليه وسلم وعلى هذا فالمراد بقوله \" ثم يكون الهرج \" أي الفتن المؤذنة بقيام الساعة من خروج الدجال وما بعده انتهى.\rفلت: وعلى هذا فقد وجد من الاثني عشر خليفة الخلفاء الأربعة والحسن ومعاوية وابن الزبير وعمر بن عبد العزيز هؤلاء ثمانية ويحتمل أن يضم إليهم المهتدي من العباسيين لأنه فيهم كعمر بن عبد العزيز في بني أمية وكذلك الطاهر لما أوتيه من العدل وبقى الاثنان المنتظران أحدهما المهدي لأنه من آل بيت محمد صلى الله عليه وسلم.\rفصل في\rالأحاديث المنذرة بخلافة بني أمية","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"قال الترمذي: حدثنا محمد بن غيلان حدثنا أبو داود الطيالسي حدثنا القاسم ابن الفضل المدني عن يوسف بن سعد قال قام رجل إلى الحسن بن علي بعد ما بايع معاوية فقال سودت وجوه المؤمنين فقال لا تؤنبني رحمك الله فإن النبي صلى الله عليه وسلم رأى بني أمية على منبره فساءه ذلك فنزلت \" إنا أعطيناك الكوثر \" ونزلت \" إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر \" \" القدر: 1 - 3 \" يملكها بعدك بنو أمية يا محمد قال القاسم: فعددنا فإذا هي ألف شهر لا تزيد ولا تنقص قال الترمذي هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث القاسم وهو ثقة ولكن شيخه مجهول وأخرج هذا الحديث الحاكم في مستدركه وابن جرير في تفسيره: قال الحافظ أبو الحجاج المزي: وهو حديث منكر وكذا قال ابن كثير وقال ابن جرير في تفسيره: حدثت عن محمد بن الحسن بن زبالة حدثت عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل حدثني أبي عن جدي قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى الحكم بن أبي العاص ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك فما استجمع ضاحكاً حتى مات وأنزل الله في ذلك \" وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس \" \" الإسراء: 60 \" إسناده ضعيف لكن له شواهد من حديث عبد الله بن عمر ويعلى بن مرة والحسين ابن علي وغيرهم وقد أوردتها بطرقها في كتاب التفسير والمسند وأشرت إليها في كتاب أسباب النزول.\rفصل في\rالأحاديث المبشرة بخلافة بني العباس\rقال البزار: حدثنا يحيى بن يعلى بن منصور حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن محمد بن عبد الرحمن العامري عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس \" فيكم النبوة والمملكة \" العامري ضعيف وقد أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة وابن عدى في الكامل وابن عساكر من طرق عن ابن أبي فديك.\rوقال الترمذي: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري حدثنا عبد الوهاب بن عطاء عن ثور بن يزيد عن مكحول عن كريب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس \" إذا كان غداة الاثنين فأتني أنت وولدك حتى أدعو لهم بدعوة ينفعك الله بها وولدك فغدا وغدونا معه وألبستنا كساء ثم قال اللهم اغفر للعباس ولولده مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنباً اللهم احفظه في ولده \" هكذا أخرجه الترمذي في جامعه وزاد رزين العبدري في آخره \" واجعل الخلافة باقية في عقبه \" .\rقلت: هذا الحديث والذي قبله أصلح ما ورد في هذا الباب.\rوقال الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة حدثنا إسحاق عن إبراهيم بن أبي النضر عن يزيد بن ربيعة عن أبي الأشعث عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" رأيت بني مروان يتعاورون على منبري فساءني ذلك ورأيت بني العباس يتعاورون على منبري فسرني ذلك \" .\rوقال أبو نعيم في الحلية: حدثنا محمد بن المظفر حدثنا عمر بن الحسن بن علي حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبيد حدثنا محمد بن صالح العدوي حدثنا ابن جعفر التميمي حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمي أخبرني على بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: \" خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقاه العباس فقال ألا أبشرك يا أبا الفضل قال بلى يا رسول الله قال إن الله افتتح بي هذا الأمر وبذريتك يختمه \" إسناده ضعيف.\rوقد ورد من حديث علي بإسناد أضعف من هذا أخرجه ابن عساكر من طريق محمد بن يونس الكديمي وهو وضاع عن إبراهيم بن سعيد الأشقر عن خليفة عن أبي هاشم عن محمد بن الحنفية عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للعباس: \" إن الله فتح هذا الأمر بي ويختمه بولدك \" وورد أيضاً من حديث ابن عباس أخرجه الخطيب في التاريخ ولفظه \" بكم يفتح هذا الأمر وبكم يختم \" وسيأتي بسنده في ترجمة المهتدي بالله وورد أيضاً من حديث عمار بن ياسر أخرجه الخطيب.\rوقال في الحلية: حدثنا محمد بن المظفر حدثنا نصر بن محمد حدثنا علي ابن أحمد السواق حدثنا عمر بن راشد حدثنا عبد الله بن محمد بن صالح عن أبيه عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يكون من ولد العباس ملوك تكون أمراء أمتي يعز الله بهم الدين \" عمر بن راشد ضعيف.","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"وقال أبو نعيم في الدلائل حدثنا الحسن بن إسحاق بن إبراهيم بن زيد حدثنا المنتصر بن نصر بن المنتصر حدثنا احمد بن راشد بن خثيم ثنا عمي سعيد بن خثيم عن حنظلة عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال حدثتني أم الفضل رضي الله عنها قالت مررت بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال \" إنك حامل بغلام فإذا ولدت فأتيني به فلما ولدته أتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى وألبأه من ريقه وسماه عبد الله وقال اذهبي بأبي الخلفاء فأخبرت العباس وكان رجلا لباساً فلبس ثيابه ثم أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما بصر به قام فقبل بين عينيه فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هو ما أخبرتك هو أبو الخلفاء حتى يكون منهم السفاح حتى يكون منهم المهدي حتى يكون منهم من يصلي بعيسى بن مريم عليه السلام \" .\rوقال الديلمي في مسند الفردوس أخبرنا عبدوس بن عبد الله كتابة أخبرنا الحسن بن فتحويه حدثنا عبد الله بن أحمد بن يعقوب المقري حدثنا العباس ابن علي النسائي حدثنا يحيى بن يعلى الرازي حدثنا سهل بن تمام حدثنا الحارث بن شبل حدثتنا أم النعمان عن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً سيكون لبني العباس راية ولن يخرج من أيديهم ما أقاموا الحق.\rوقال الدار قطني في الأفراد حدثنا عبد الله بن عبد الصمد بن المهتدي حدثنا محمد بن هارون السعدي حدثنا أحمد بن إبراهيم الأنصاري عن أبي يعقوب بن سليمان الهاشمي قال سمعت المنصور يقول حدثني أبي عن جدي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للعباس \" إذا سكن بنوك السواد ولبسوا السواد وكان شيعتهم أهل خراسان لم يزل الأمر فيهم حتى يدفعوه إلى عيسى بن مريم \" .\rأحمد بن إبراهيم ليس بشيء وشيخه مجهول والحديث ضعيف حتى إن ابن الجوزي ذكره في الموضوعات وله شاهد أخرجه الطبراني في الكبير عن أحمد بن داود المكي عن محمد بن إسماعيل بن عون النبلي عن الحارث بن معاوية ابن الحارث عن أبيه عن جده أبي أمه عن أم سلمة رضي الله عنها مرفوعاً الخلافة في ولد عمي وصنو أبي حتى يسلموه إلى المسيح وأخرجه الديلمي من وجه آخر عن أم سلمة رضي الله عنها.\rوقال العقيلي في كتاب الضعفاء: حدثنا أحمد بن محمد النصيبي حدثنا إبراهيم بن المستمر العروقي حدثنا أحمد بن سعيد الجبيري حدثنا عبد العزيز بن بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة عن أبيه عن جده أبي بكرة رضي الله عنه مرفوعاً \" يلي ولد العباس من كل يوم تليه بنو أمية يومين ومن كل شهر شهرين \" .\rهذا حديث أورده ابن الجوزي في الموضوعات وأعله ببكار وليس كما قال فإن بكاراً لم يتهم بكذب ولا وضع بل قال فيه ابن عدي: هو من جملة الضعفاء الذين يكتب حديثهم ثم قال وأرجو أنه لا بأس به ولعمري فليس معنى الحديث ببعيد فإن دولة العباسيين في حال علوها ونفوذ كلمتها في أقطار الأرض شرقاً وغرباً ما عدا أقصى المغرب كانت من سنة بضع وثلاثين ومائة إلى سنة بضع وتسعين ومائتين حتى تولى المقتدر وفي أيامه انخرم النظام وخرجت المغرب بأسرها عن أمره ثم تتابع الفساد والاختلال في دولته وبعده كما سيأتي فكانت أيام شموخ دولتهم ومملكتهم مائة وبضعاً وستين سنة وهي ضعف أيام بني أمية الشامخة فإنها كانت اثنتين وتسعين سنة منها تسع سنين الأمر فيها لابن الزبير فصفت ثلاثاً وثمانين سنة وكسراً وهي ألف شهر سواء.\rثم وجدت للحديث شاهداً قال الزبير بن بكار في الموفقيات: حدثني علي ابن صالح عن جدي عبد الله بن مصعب عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لمعاوية لا تملكون يوماً إلا ملكنا يومين ولا شهراً إلا ملكنا شهرين ولا حولا إلا ملكنا حولين وقال الزبير في الموفقيات حدثني علي بن المغيرة عن ابن الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال الرايات السود لنا أهل البيت وقال لا يجيء هلاكها إلا من قبل المغرب.","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"وقال ابن عساكر في تاريخ دمشق: أنبأنا أبو القاسم بن بنان أخبرنا أبو علي بن شاذان حدثنا جعفر بن محمد الواسطي حدثنا محمد بن يونس الكديمي حدثنا عبد الله بن سوار العنبري حدثنا أبو الأشهب جعفر بن حيان عن أبي رجاء العطاردي عن عبد الله بن عباس عن أبيه رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له \" اللهم انصر العباس وولد العباس \" قالها ثلاثاً ثم قال \" يا عم أما شعرت أن المهدي من ولدك موفقاً راضياً مرضياً \" الكديمي وضاع.\rوقال ابن سعد في الطبقات: حدثنا محمد بن عمر حدثنا عمر بن عقبة الليثي عن شعبة مولى ابن العباس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال أرسل العباس ابن عبد المطلب إلى بني عبد المطلب فجمعهم عنده وكان علي عنده بمنزلة لم يكن أحد بها فقال العباس: يا ابن أخي إني قد رأيت رأياً لم أحب أن أقطع فيه شيئاً حتى أستشيرك فقال علي ما هو قال يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم تسأله إلى من هذا الأمر من بعده فإن كان فينا لم نسلمه والله ما بقى في الأرض من طارق وأن كان في غيرنا لم نطلبها بعد أبداً قال علي يا عم وهل هذا الأمر إلا إليك وهل أحد ينازعكم في هذا الأمر؟.\rفصل: قال الديلمي في مسند الفردوس: أخبرنا أبو منصور ابن خيرون حدثنا أحمد بن علي حدثنا بشرى بن عبد الله الرومي حدثنا أبو بكر محمد بن جعفر الفامي يعرف بغندر قال قرئ على أبي شاكر مسرة بن عبد الله حدثنا الحسن بن يزيد حدثنا ابن المبارك حدثنا الأعمش حدثنا إبراهيم بن جعفر الأنصاري حدثنا أنس بن مالك مرفوعاً: \" إذا أراد الله أن يخلق خلقاً للخلافة مسح على ناصيته بيمينه \" .\rمسرة ذاهب الحديث متروك وقد ورد من حديث أبي هريرة أخرجه الديلمي من ثلاث طرق عن ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.\rفصل في شأن\rالبردة النبوية التي تداولها الخلفاء\rإلى آخر وقت\rأخرج السلفي في الطوريات بسنده إلى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أن كعب بن زهير رضي الله عنه لما أنشد النبي صلى الله عيه وسلم قصيدته بانت سعاد رمى إليه ببردة كانت عليه فلما كان زمن معاوية رضي الله عنه كتب إلى كعب: بعنا بردة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشرة آلاف درهم فأبى عليه فلما مات كعب بعث معاوية إلى أولاده بعشرين ألف درهم وأخذ منهم البردة التي هي عند الخلفاء آل العباس وهكذا قاله خلائق آخرون.\rوأما الذهبي فقال في تاريخه أما البردة التي عند الخلفاء آل العباس فقد قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق في قصة غزوة تبوك: \" إن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى أهل أيلة بردة مع كتابه الذي كتب لهم أماناً لهم فاشتراها أبو العباس السفاح بثلاثمائة دينار \" .\rقلت: فكانت التي اشتراها معاوية فقدت عند زوال دولة بني أمية.\rوأخرج الإمام أحمد بن حنبل في الزهد عن عروة بن الزبير رضي الله عنه أن ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يخرج فيه للوفد رداء حضرمي طوله أربعة أذرع وعرضه ذراعان وشبر فهو عند الخلفاء قد خلق وطووه بثياب تلبس يوم الأضحى والفطر في إسناده ابن لهيعة وقد كانت هذه البردة عند الخلفاء يتوارثونها ويطرحونها على أكتافهم في المواكب جلوساً وركوباً وكانت على المقتدر حين قتل وتلوثت بالدم وأظن أنها فقدت في فتنة التتار فإنا لله وإنا إليه راجعون.\rفصل في\rفوائد منثورة تقع في التراجم\rولكن ذكرها في موضع واحد أنسب وأفيد","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"قال ابن الجوزي: ذكر الصولي أن الناس يقولون إن كل سادس يقوم للناس يخلع قال: فتأملت هذا فرأيته عجباً اعتقد الأمر لنبينا صلى الله عليه وسلم ثم قام به بعده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن فخلع ثم معاوية ويزيد بن معاوية ومعاوية بن يزيد ومروان وعبد الملك ابن مروان وابن الزبير فخلع ثم الوليد وسليمان وعمر بن عبد العزيز ويزيد وهشام والوليد فخلع ثم لم ينتظم لبني أمية أمر فولى السفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد والأمين فخلع ثم المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل والمنتصر والمستعين فخلع ثم المعتز والمهتدي والمعتمد والمعتضد والمكتفي والمقتدر فخلع مرتين ثم قتل ثم القاهر والراضي والمتقي والمستكفي والمطيع والطائع فخلع القادر والقائم والمقتدي والمستظهر والمسترشد والراشد فخلع هذا آخر كلام ابن الجوزي قال الذهبي وما ذكره ينخرم بأشياء.\rأحدها: قوله وعبد الملك وابن الزبير وليس الأمر كذلك بل ابن الزبير خامس وبعده عبد الملك أو كلاهما خامس أو أحدهما خليفة والآخر خارج لأن ابن الزبير سابق البيعة عليه وإنما صحت خلافة عبد الملك من حين قتل ابن الزبير.\rوالثاني: تركه لعد يزيد الناقص وأخيه إبراهيم الذي خلع ومروان فيكون الأمين باعتبار عددهم تاسعاً.\rقلت: قد تقدم أن مروان ساقط من العدد لأنه باغ ومعاوية بن يزيد كذلك لأن ابن الزبير بويع له بعد موت يزيد وخالف عليه معاوية بالشام فهما واحد وإبراهيم الذي بعد يزيد الناقص لم يتم له أمر فإن قوماً بايعوه بالخلافة وآخرين لم يبايعوه وقوم كانوا يدعونه بالإمارة دون الخلافة ولم يقم سوى أربعين يوماً أو سبعين يوماً فعلى هذا مروان الحمار سادس لأنه الثاني عشر من معاوية والأمين بعده سادس.\rوالثالث: أن الخلع ليس مقتصراً على كل سادس فإن المعتز خلع وكذا القاهر والمتقي والمستكفي.\rقلت: لا انخرام بهذا فإن المقصود أن السادس لا بد من خلعه ولا ينافي هذا كون غيره أيضاً يخلع.\rويقال زيادة على ما ذكره ابن الجوزي ولي بعد الراشد المقتفى والمستنجد والمستضيء والناصر والظاهر والمستنصر وهو السادس فلم يخلع ثم المستعصم وهو الذي قتله التتار وكان آخر دولة الخلفاء وانقطعت الخلافة بعده إلى ثلاث سنين ونصف ثم أقيم بعده المستنصر فلم يقم في الخلافة بل بويع بمصر وسار إلى العراق فصادف التتار فقتل أيضاً وتعطلت الخلافة بعده سنة ثم أقيمت الخلافة بمصر فأولهم الحاكم ثم المستكفي ثم الواثق ثم الحاكم ثم المعتضد ثم المتوكل وهو السادس فخلع وولى المعتصم ثم خلع بعده بخمسة عشر يوماً وأعيد المتوكل ثم خلع وبويع الواثق ثم المعتصم ثم خلع وأعيد المتوكل فاستمر إلى أن مات ثم المستعين ثم المعتضد ثم المستكفي ثم القائم وهو السادس من المعتصم الأول ومن المعتصم الثاني فخلع ثم المستنجد خليفة العصر وهو الحادي والخمسون من خلفاء بني العباس.\rفوائد\rيقال: لبني العباس فاتحة وواسطة وخاتمة فالفاتحة المنصور والواسطة المأمون والخاتمة المعتضد.\rخلفاء بني العباس كلهم أبناء سراري إلا السفاح والمهدي والأمين.\rولم يل الخلافة هاشمي ابن هاشمية إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وابنه الحسن والأمين قال الصولي.\rولم يل الخلافة من اسمه علي إلا علي بن أبي طالب وعلي المكتفي.\rقال الذهبي: قلت غالب أسماء الخلفاء أفراد والمثنى منهم قليل والمتكرر كثير: عبد الله وأحمد ومحمد وجميع ألقاب الخلفاء أفراد إلى المستعصم آخر خلفاء العراقيين ثم كررت الألقاب في الخلفاء المصريين فكرر المستنصر والمستكفي والواثق والحاكم والمعتضد والمتوكل والمستعصم والمستعين والقائم والمستنجد وكلها لم يتكرر غير مرة واحدة إلا المستكفي والمعتضد فكررا مرة أخرى فتلقب بهما من الخلفاء العباسيين ثلاثة ولم يتلقب أحد من خلفاء بني العباس بلقب أحد من بني عبيد إلا القائم والحاكم والظاهر والمستنصر وأما المهدي والمنصور فسبق التلقب به لبني العباس قبل وجود بني عبيد.\rقال بعضهم: وما تلقب أحد بالقاهر فأفلح لا من الخلفاء ولا من الملوك.\rقلت: وكذا المستكفي والمستعين لقب بكل منهما اثنان من بني العباس فخلعا ونفيا والمعتضد من أجل الألقاب وأبركها لمن يلقب به.\rولم يل الخلافة أحد بعد ابن أخيه إلا المقتفي بعد الراشد والمستنصر بعد المعتصم قاله الذهبي.","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"قال: ولم يل الخلافة ثلاثة أخوة إلا أولاد الرشيد الأمين والمأمون والمعتصم وأولاد المتوكل المستنصر والمعتز والمعتمد وأولاد المقتدر: الراضي والمقتفي والمطيع.\rقال: وولى الأمر من أولاد عبد الملك أربعة ولا نظير لذلك إلا في الملوك.\rقلت: بل له نظير في الخلفاء بعد النبي صلى الله عليه وسلم فولي الخلافة من أولاد المتوكل محمد أربعة: بل خمسة المستعين والمعتضد والمستكفي والقائم والمستنجد خليفة العصر.\rولم يل الخلافة أحد في حياة أبيه إلا أبو بكر الصديق وأبو بكر الطائع بن المطيع حصل لأبيه فالج فنزل لابنه عنها طوعاً.\rقال العلماء: أول من ولى الخلافة وأبوه حي أبو بكر وهو أول من عهد بها وأول من أتخذ بيت المال وأول من سمى المصحف مصحفاً وأول من سمى بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب وهو أول من اتخذ الدرة وأول من أرخ من الهجرة وأول من أمر بصلاة التراويح وأول من وضع الديوان وأول من حمى الحمى عثمان وهو أول من أقطع الإقطاعات أي أكثر من ذلك وأول من زاد الأذان في الجمعة وأول من رزق المؤذنين وأول من أرتج عليه في الخطبة وأول من اتخذ صاحب شرطة وأول من استخلف ولي العهد في حياته معاوية وهو أول من أتخذ الخصيان لخدمته وأول من حملت إليه الرؤوس عبد الله بن الزبير وأول من ضرب اسمه على السكة عبد الملك بن مروان وأول من منع من ندائه باسمه الوليد بن عبد الملك وأول ما حدثت الألقاب لبني العباس.\rوقال ابن فضل الله زعم بعضهم أن لبني أمية ألقاباً مثل ألقاب بني العباس قلت وكذا ذكر بعض المؤرخين أن لقب معاوية الناصر لدين الله ولقب يزيد المستنصر ولقب معاوية ابنه الراجع إلى الحق ولقب مروان المؤتمن بالله ولقب عبد الملك الموفق لأمر الله ولقب ابنه الوليد المنتقم بالله ولقب عمر بن عبد العزيز المعصوم بالله ولقب يزيد بن عبد الملك القادر بصنع الله ولقب يزيد الناقص الشاكر لأنعم الله.\rأول ما تفرقت الكلمة في دولة السفاح أول خليفة قرب المنجمين وعمل بأحكام النجوم المنصور وهو أول خليفة استعمل مواليه في الأعمال وقدمهم على العرب أول من أمر بتصنيف الكتب في الرد على المخالفين المهدي أول من مشت الرجال بين يديه بالسيوف والأعمدة الهادي أول من لعب بالصوالجة في الميدان الرشيد أول من دعي وكتب للخليفة بلقبه في أيامه الأمين وأول من أدخل الأتراك الديوان المعتصم وأول من أمر بتغيير أهل الذمة زيهم المتوكل أول من تحكمت الأترك في قتله المتوكل وظهر بذلك تصديق الحديث النبوي كما أخرج الطبراني بسند جيد عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" اتركوا الترك ما تركوكم فإن أول من يسلب أمتي ملكهم وما خولهم الله بنو قنطوراء \" . أول من أحدث لبس الأكمام الواسعة وصغر القلانس المستعين أول خليفة أحدث الركوب بحلية الذهب المعتز أول خليفة قهر وحجر عليه ووكل به المعتمد أول من ولي الخلافة من الصبيان المقتدر.\rآخر خليفة انفرد بتدبير الجيوش والأموال الراضي وهو آخر خليفة له شعر مدون وآخر خليفة خطب وصلى بالناس دائماً وآخر خليفة جالس الندماء وآخر خليفة كانت نفقته وجوائزه وعطاياه وخدمه وجراياته وخزائنه ومطابخه ومشاربه ومجالسه وحجابه وأموره جارية على ترتيب الخلافة الأولية وهو آخر خليفة سافر بزي الخلفاء القدماء.\rأول ما كررت الألقاب من المستنصر الذي تولى بعد المستعصم.\rفي الأوائل للعسكري: أول خليفة ولي في حياة أمه عثمان بن عفان رضي الله عنه ثم الهادي ثم الرشيد ثم الأمين ثم المتوكل ثم المنتصر ثم المستعين ثم المعتز ثم المعتضد ثم المطيع ولم يل الخلافة في حياة أبيه غير أبي بكر الصديق رضي الله عنه وزيد عليه الطائع.\rوقال الصولي: لا نعرف امرأة ولدت خليفتين إلا ولادة أم الوليد وسليمان ابني عبد الملك وشاهين أم يزيد الناقص وإبراهيم ابني الوليد والخيزران أم الهادي والرشيد.\rقلت: ويزاد أم العباس وحمزة وأم داود وسليمان أولاد المتوكل الأخير.","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"فائدة: المتسمون بالخلافة من العبيديين أربعة عشر ثلاثة بالمغرب المهدي والقائم والمنصور وأحد عشر بمصر المعز والعزيز والحاكم والظاهر والمستنصر والمستعلي والآمر والحافظ والظافر والفائز والعاضد وكان ابتداء أمر مملكتهم سنة بضع وتسعين ومائتين وانقراضها في سنة سبع وستين وخمسمائة قال الذهبي وهي الدولة المجوسية واليهودية لا العلوية والباطنية لا الفاطمية وكانوا أربعة عشر متخلفاً لا مستخلفاً انتهى.\rفائدة: المتسمون بالخلافة من الأمويين بالمغرب كانوا أحسن حالا من العبيديين بكثير إسلاماً وسنة وعدلا وفضلا وعلماً وجهاداً وغزوا وهم كثير حتى إنه اجتمع بالأندلس في عصر واحد ستة كلهم تسمى بالخلافة.\rفائدة: أفرد تواريخ الخلفاء بالتأليف جماعة من المتقدمين منها تاريخ الخلفاء لنفطويه النحوي مجلدان انتهى إلى أيام القاهر والأوراق للصولي ذكر فيه العباسيين فقط وانتهى إليه قلت: وقد وقفت عليه وتاريخ خلفاء بني العباس لابن الجوزي رأيته أيضاً انتهى إلى أيام الناصر وتاريخ الخلفاء لأبي الفضل أحمد بن أبي طاهر المروزي الكاتب أحد فحول الشعراء مات في سنة ثمانين ومائتين وتاريخ خلفاء بني العباس للأمير أبي موسى هارون بن محمد العباسي.\rفائدة: أخرج الخطيب في التاريخ بسنده عن محمد بن عبادة قال لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء إلا عثمان بن عفان رضي الله عنه والمأمون.\rقلت: وهذا الحصر ممنوع بل حفظه أيضاً الصديق رضي الله عنه على الصحيح وصرح به جماعة منهم النووي في تهذيبه وعلى رضي الله عنه ورد من طريق أنه حفظه كله بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم.\rفائدة: قال ابن الساعي حضرت مبايعة الخليفة الظاهر فكان جالساً في شباك القبة بثياب بيض وعليه الطرحة وعلى كتفه بردة النبي صلى الله عليه وسلم والوزير قائم بين يديه على منبر وأستاذ الدار دونه بمرقاة وهو يأخذ البيعة على الناس ولفظ المبايعة أبايع سيدنا ومولانا الإمام المفترض الطاعة على جميع الأنام أبا نصر محمد الظاهر بأمر الله على كتاب الله وسنة نبيه واجتهاد أمير المؤمنين وأن لا خليفة سواه انتهى.\rأبو بكر الصديق\rأبو بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه عبد الله ابن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي يلتقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرة.\rقال النووي في تهذيبه وما ذكرناه من أن اسم أبي بكر الصديق عبد الله هو الصحيح المشهور وقيل اسمه عتيق والصواب الذي عليه كافة العلماء أن عتيقا لقب له لا اسم ولقب عتيقاً لعتقه من النار كما ورد في حديث رواه الترمذي وقيل لعتاقة وجهه أي حسنه وجماله قاله مصعب ابن الزبير والليث بن سعد وجماعة وقيل لأنه لم يكن في نسبه شيء يعاب به.\rقال مصعب بن الزبير وغيره: وأجمعت الأمة على تسميته بالصديق لأنه بادر إلى تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم ولازم الصدق فلم تقع منه هناة ما ولا وقفة في حال من الأحوال وكانت له في الإسلام المواقف الرفيعة منها قصته يوم ليلة الإسراء وثباته وجوابه للكفار في ذلك وهجرته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك عياله وأطفاله وملازمته في الغار وسائر الطريق ثم كلامه يوم بدر ويوم الحديبية حين اشتبه على غيره الأمر في تأخر دخول مكة ثم بكاؤه حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن عبداً خيره الله بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ثم ثباته يوم وفاة رسول الله صلى الله وسلم وخطبته الناس وتسكينهم ثم قيامه في قضية البيعة لمصلحة المسلمين ثم اهتمامه وثباته في بعث جيش أسامة بن زيد إلى الشام وتصميمه في ذلك ثم قيامه في قتال أهل الردة ومناظرته للصحابة حتى حجهم بالدلائل وشرح الله صدورهم لما شرح له صدره من الحق وهو قتال أهل الردة ثم تجهيزه الجيوش إلى الشام لفتوحه وإمدادهم بالأمداد ثم ختم ذلك بمهم من أحسن مناقبه وأجل فضائله وهو استخلافه على المسلمين عمر رضي الله عنه وتفرسه فيه ووصيته له واستيداعه الله الأمة فخلفه الله عز وجل فيهم أحسن الخلافة وظهر لعمر الذي هو حسنة من حسناته وواحدة من فعلاته تمهيد الإسلام وإعزاز الدين وتصديق وعد الله تعالى بأنه يظهره على الدين كله وكم للصديق من مناقب وموافق وفضائل لا تحصى هذا كلام النووي.","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"وأقول: قد أردت أن أبسط ترجمة الصديق بعض البسط ذاكراً فيه جملة كثيرة مما وقفت عليه من حاله وأرتب ذلك فصولا.\rفصل في اسمه ولقبه\rتقدمت الإشارة إلى ذلك قال ابن كثير: اتفقوا على أن اسمه عبد الله ابن عثمان إلا ما روى ابن سعد عن ابن سيرين أن اسمه عتيق والصحيح أنه لقبه ثم اختلف في وقت تلقيبه به وفي سببه فقيل: لعتاقة وجهه أي لجماله قاله الليث ابن سعد وأحمد بن حنبل وابن معين وغيرهم وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: لقدمه في الخير وقيل: لعتاقة نسبه أي طهارته إذا لم يكن في نسبه شيء يعاب به وقيل: سمي به أولا ثم سمى بعبد الله وروى الطبراني عن القاسم بن محمد أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن اسم أبي بكر فقالت: عبد الله فقال إن الناس يقولون عتيق قالت إن أبا قحافة كان له ثلاثة أولاد سماهم عتيقاً ومعتقاً ومعيتقاً وأخرج ابن منده وابن عساكر عن موسى بن طلحة قال: قلت لأبي طلحة قال قلت لأبي طلحة: لم سمي أبو بكر عتيقاً قال: كانت أمه لا يعيش لها ولد فلما ولدته استقبلت به البيت ثم قالت اللهم إن هذا عتيق من الموت فهبه لي وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: إنما سمي عتيقاً لحسن وجهه وأخرج ابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها قالت اسم أبي بكر الذي سماه به أهله عبد الله ولكن غلب عليه اسم عتيق وفي لفظ ولكن النبي صلى الله عليه وسلم سماه عتيقاً أخرج أبو يعلى في مسنده وابن سعد والحاكم وصححه عن عائشة رضي الله عنها قالت والله إني لفي بيتي ذات يوم ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الفناء والستر بيني وبينهم إذا أقبل أبو بكر فقال النبي صلى الله عليه وسلم \" من سره أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى أبي بكر \" وإن اسمه الذي سماه أهله عبد الله فغلب عليه اسم عتيق وأخرج الترمذي والحاكم عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا بكر أنت عتيق الله من النار فمن يومئذ سمي عتيقاً وأخرج البزار والطبراني بسند جيد عن عبد الله بن الزبير قال: كان اسم أبي بكر عبد الله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم \" أنت عتيق الله من النار \" فسمي عتيقاً.\rوأما الصديق فقيل كان يلقب به في الجاهلية لما عرف منه من الصدق ذكره ابن مسدي وقيل لمبادرته إلى تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كان يخبر به قال ابن إسحاق عن الحسن البصري وقتادة وأول ما اشتهر به صبيحة الإسراء أخرج الحاكم في المستدرك عن عائشة رضي الله عنها قالت جاء المشركون إلى أبي بكر فقالوا هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس قال أو قال ذلك؟ قالوا نعم فقال لقد صدق إني لأصدقه بأبعد من ذلك بخبر السماء غدوة وروحة فلذلك سمي الصديق إسناده جيد وقد ورد ذلك من حديث أنس وأبي هريرة أسندهما ابن عساكر وأم هانئ أخرجه الطبراني.\rقال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا أبو معشر عن أبي وهب مولى أبي هريرة قال لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به فكان بذي طوى قال يا جبريل إن قومي لا يصدقوني قال يصدقك أبو بكر وهو الصديق وأخرجه الطبراني في الأوسط موصولا عن أبي وهب عن أبي هريرة.\rوأخرج الحاكم في المستدرك عن النزال بن سبرة قال: قلنا لعلي يا أمير المؤمنين أخبرنا عن أبي بكر قال ذاك امرؤ سماه الله الصديق على لسان جبريل وعلى لسان محمد كان خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضيه لديننا فرضيناه لدنيانا إسناده جيد.\rوأخرج الدراقطني والحاكم عن أبي يحيى قال لا أحصي كم سمعت علياً يقول على المنبر: إن الله سمى أبا بكر على لسان نبيه صديقاً.\rوأخرجه الطبراني بسند جيد صحيح عن حكيم بن سعد قال: سمعت علياً يقول ويحلف لأنزل الله اسم أبي بكر من السماء الصديق وفي حديث أحد \" اسكن فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان \" .\rوأم أبي بكر بنت عم أبيه اسمها: سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب وتكنى أم الخير قاله الزهري أخرجه ابن عساكر.\rفصل في مولده ومنشئه\rولد بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين وأشهر فإنه مات وله ثلاثة وستون سنة.","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"قال ابن كثير: وأما ما أخرجه خليفة بن الخياط عن يزيد بن الأصم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: أنا أكبر أو أنت؟ قال أنت أكبر وأنا أسن منك فهو مرسل غريب جداً والمشهور خلافه وإنما صح ذلك عن العباس.\rوكان منشؤه بمكة لا يخرج منها إلا لتجارة وكان ذا مال جزيل في قومه ومروءة تامة وإحسان وتفضل فيهم كما قال ابن الدغنة: إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتكسب المعدوم وتحمل الكل وتعين على نوائب الدهر وتقري الضيف.\rقال النووي: وكان من رؤوساء قريش في الجاهلية وأهل مشاورتهم ومحبباً فيهم وأعلم لمعالمهم فلما جاء الإسلام آثره على ما سواه ودخل فيه أكمل دخول وأخرج الزبير بن بكار وابن عساكر عن معروف بن خربوذ قال: إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أحد عشر من قريش اتصل بهم شرف الجاهلية والإسلام فكان إليه أمر الديات والغرم وذلك أن قريشاً لم يكن لهم ملك ترجع الأمور كلها إليه بل كان في كل قبيلة ولاية عامة تكون لرئيسها فكانت في بني هاشم السقاية والرفادة ومعنى ذلك أنه لا يأكل ولا يشرب أحد إلا من طعامهم وشرابهم وكانت في بني عبد الدار الحجابة واللواء والندوة أي لا يدخل البيت أحد إلا بإذنهم وإذا عقدت قريش راية حرب عقدها لهم بنو عبد الدار وإذا اجتمعوا لأمر إبراماً أو نقضاً لا يكون اجتماعهم إلا بدار الندوة ولا ينفذ إلا بها وكانت لبني عبد الدار.\rفصل\rكان أبو بكر أعف الناس في الجاهلية\rأخرج ابن عساكر بسند صحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: والله ما قال أبو بكر شعراً قط في جاهلية ولا إسلام ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية.\rوأخرج أبو نعيم بسند جيد عنها قالت: لقد كان حرم أبو بكر الخمر على نفسه في الجاهلية.\rوأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن الزبير قال: ما قال أبو بكر شعراً قط.\rوأخرج ابن عساكر عن أبي العالية الرياحي قال: قيل لأبي بكر الصديق في مجمع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هل شربت الخمر في الجاهلية؟ فقال: أعوذ بالله فقيل ولم؟ قال: كنت أصون عرضي واحفظ مروءتي فإن من شرب الخمر كان مضيعاً في عرضه ومروءته قال: فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صدق أبو بكر صدق أبو بكر مرتين مرسل غريب سنداً ومتناً.\rفصل في صفته\rرضي الله عنه\rأخرج ابن سعد عائشة رضي الله عنها أن رجلا قال لها: صفي لنا أبا بكر فقالت رجل أبيض نحيف خفيف العارضين أجنأ لا يستمسك إزاره يسترخي عن حقويه معروق الوجه غائر العينين ناتئ الجبهة عاري الأشاجع هذه صفته.\rوأخرج عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر كان يخضب بالحناء والكتم.\rوأخرج عن أنس قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وليس في أصحابه أشمط غير أبي بكر فلفها بالحناء والكتم.\rفصل في إسلامه\rرضي الله عنه\rأخرج الترمذي وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: قال أبو بكر: ألست أحق الناس بها أي الخلافة ألست أول من أسلم؟ ألست صاحب كذا؟ ألست صاحب كذا؟.\rوأخرج ابن عساكر من طريق الحارث عن علي رضي الله عنه قال: أول من أسلم من الرجال أبو بكر.\rوأخرج ابن أبي خيثمة بسند صحيح عن زيد بن أرقم قال: أول من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق.\rوأخرج ابن سعد عن أبي أروى الدوسي الصحابي رضي الله عنه قال: أول من أسلم أبو بكر الصديق.\rوأخرج الطبراني في الكبير وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن الشعبي قال: سألت ابن عباس أي الناس كان أول إسلاماً قال أبو بكر الصديق ألم تسمع قول حسان:\rإذا تذكرت شجواً من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا\rخير البرية أتقاها وأعدلها ... إلا النبي وأوفاها بما حملا\rوالثاني التالي المحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدق الرسلا","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"وأخرج أبو نعيم عن فرات بن السائب: قال: سألت ميمون بن مهران قلت: علي أفضل عندك أم أبو بكر وعمر قال: فارتعد حتى سقطت عصاه من يده ثم قال: ما كنت أظن أن أبقى إلى زمان يعدل بهما لله درهماً كانا رأس الإسلام قلت: فأبو بكر كان أول إسلاماً أم علي قال والله لقد آمن أبو بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم زمن بحيرا الراهب حين مر به واختلف فيما بنيه وبين خديجة حتى أنكحها إياه وذلك كله قبل أن يولد علي وقد قال إنه أول من أسلم خلائق من الصحابة والتابعين وغيرهم بل ادعى بعضهم الإجماع عليه وقيل أول من أسلم علي وقيل خديجة وجمع بين الأقوال بأن أبا بكر أول من أسلم من الرجال وعلى أول من أسلم من الصبيان وخديجة أول من أسلمت من النساء وأول من ذكر هذا الجمع الإمام أبو حنيفة رحمه الله أخرجه عنه.\rوأخرج ابن أبي شيبة وابن عساكر عن سالم بن أبي الجعد قال: قلت لمحمد بن الحنفية هل كان أبو بكر أول القوم إسلاماً قال لا قلت: فيم علا أبو بكر وسبق حتى لا يذكر أحد غير أبي بكر؟ قال لأنه كان أفضلهم إسلاماً من حين أسلم حتى لحق بربه.\rوأخرج ابن عساكر بسند جيد عن محمد بن سعد بن أبي وقاص أنه قال لأبيه سعد: أكان أبو بكر الصديق أولكم إسلاماً قال لا ولكنه أسلم قبله أكثر من خمسة ولكن كان خيرنا إسلاماً.\rقال ابن كثير والظاهر أن أهل بيته صلى الله عليه وسلم آمنوا قبل كل أحد: زوجته خديجة ومولاه زيد وزوجة زيد أم أيمن وعلى وورقة انتهى.\rوأخرج ابن عساكر عن عيسى بن يزيد قال: قال أبو بكر الصديق: كنت جالساً بفناء الكعبة وكان زيد بن عمرو بن نفيل قاعداً فمر به أمية ابن أبي الصلت فقال كيف أصبحت يا باغي الخير؟ قال بخير قال وهل وجدت قال لا فقال:\rكل دين يوم القيامة إلا ... ما قضى الله في الحقيقة بور\rأما إن هذا النبي الذي ينتظر منا أو منكم قال ولم أكن سمعت قبل ذلك بنبي ينتظر ويبعث قال فخرجت إلى ورقة بن نوفل وكان كثير النظر إلى السماء كثير همهمة الصدر فاستوقفته ثم قصصت عليه الحديث فقال نعم يا ابن أخي إنا أهل الكتب والعلوم إلا أن هذا النبي الذي ينتظر من أوسط العرب نسباً ولي علم بالنسب وقومك أوسط العرب نسباً قلت: يا عم وما يقول النبي؟ قال يقول ما قيل له إلا أنه لا يظلم ولا يظلم ولا يظالم فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنت به وصدقته.\rوقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال \" ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له عنه كبوة وتردد ونظر إلا أبا بكر ما عتم عنه حين ذكرته وما تردد فيه \" عتم: أي لبث قال البيهقي: وهذا لأنه كان يرى دلائل نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسمع آثاره قبل دعوته فحين دعاه كان قد سبق له فيه تفكر ونظر فأسلم في الحال ثم أخرج عن أبي ميسرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا برز سمع من يناديه يا محمد فإذا سمع الصوت ولى هاربا فأسر ذلك إلى أبي بكر وكان صديقاً له في الجاهلية.\rوأخرج أبو نعيم وابن عساكر عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" ما كلمت في الإسلام أحداً إلا أبى علي وراجعني الكلام إلا ابن أبي قحافة فإني لم أكلمه في شيء إلا قبله واستقام عليه:.\rوأخرج البخاري عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" هل أنتم تاركون لي صاحبي؟ هل أنتم تاركون لي صاحبي إني قلت: أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت \" .\rفصل في صحبته ومشاهده\rقال العلماء صحب أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم من حين أسلم إلى حين توفي لم يفارقه سفراً ولا حضراً إلا فيما أذن له صلى الله عليه وسلم في الخروج فيه من حج وغزو وشهد معه المشاهد كلها وهاجر معه وترك عياله وأولاده رغبة في الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وهو رفيقه في الغار قال تعالى \" ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا \" \" التوبة: 40 \" وقام بنصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير موضع وله الآثار الجميلة في المشاهد وثبت يوم أحد ويوم حنين وقد فر الناس كما سيأتي في فصل شجاعته.","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"أخرج ابن عساكر عن أبي هريرة قال: تباشرت الملائكة يوم بدر فقالوا أما ترون الصديق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش.\rوأخرج أبو يعلى والحاكم وأحمد عن علي قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ولأبي بكر \" مع أحد كما جبريل ومع الآخر ميكائيل \" .\rوأخرج ابن عساكر عن ابن سيرين أن عبد الرحمن بن أبي بكر كان يوم بدر مع المشركين فلما أسلم قال لأبيه: لقد أهدفت لي يوم بدر فانصرفت عنك ولم أقتلك فقال أبو بكر لكنك لو أهدفت لي لم أنصرف عنك.\rقال ابن قتيبة: معنى أهدفت أشرفت ومنه قيل للبناء المرتفع هدف.\rفصل في شجاعته\rوأنه أشجع الصحابة رضي الله عنه\rأخرج البزار في مسنده عن علي أنه قال: أخبروني من أشجع الناس؟ فقالوا أنت قال: أما إني ما بارزت أحداً إلا انتصفت منه ولكن أخبروني بأشجع الناس قالوا لا نعلم فمن قال أبو بكر إنه لما كان يوم بدر فجعلتم لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشاً فقلنا من يكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا يهوي إليه أحد من المشركين فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر شاهراً بالسيف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يهوي إليه أحد إلا هوى إليه فهو أشجع الناس قال علي رضي الله عنه ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذته قريش فهذا يجبأه وهذا يتلتله وهم يقولون: أنت الذي جعلت الآلهة إلهاً واحداً قال: فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر يضرب هذا ويجبأ هذا ويتلتل هذا وهو يقول ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ثم رفع على بردة كانت عليه فبكى حتى اخضلت لحيته ثم قال أنشدكم الله أمؤمن آل فرعون خير أم أبو بكر فسكت القوم فقال ألا تجيبونني فوالله لساعة من أبي بكر خير من ألف ساعة من مثل مؤمن آل فرعون ذاك رجل يكتم إيمانه وهذا رجل أعلن إيمانه.\rوأخرج البخاري عن عروة بن الزبير قال: سألت عبد الله بن عمرو بن العاص عن أشد ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فوضع رداءه في عنقه فخنقه به خنقاً شديداً فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه فقال أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟.\rوأخرج الهيثم بن كليب في مسنده عن أبي بكر قال لما كان يوم أحد انصرف الناس كلهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنت أول من فاء وسيأتي تتمة الحديث في مسند ما رواه.\rوأخرج ابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها قالت لما اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا ثمانية وثلاثين رجلا ألح أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهور فقال: يا أبا بكر إنا قليل فلم يزل أبو بكر يلح على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته وقام أبو بكر في الناس خطيباً فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين وضربوا في نواحي المسجد ضرباً شديداً وسيأتي تتمة الحديث في ترجمة عمر رضي الله عنه.\rوأخرج ابن عساكر عن علي رضي الله عنه قال لما أسلم أبو بكر أظهر إسلامه ودعا إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم.\rفصل في إنفاقه ماله على رسول الله\rصلى الله عليه وسلم وأنه أجود الصحابة\rقال الله تعالى: \" وسيجنبها الأتقى الذي يؤتى ماله يتزكى \" \" الليل: 18 \" إلى آخر السورة قال ابن الجوزي أجمعوا على أنها نزلت في أبي بكر.\rوأخرج أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر \" فبكى أبو بكر وقال هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله؟.\rوأخرج أبو يعلى من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعاً مثله.\rقال ابن كثير وروى أيضاً من حديث علي وابن عباس وأنس وجابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم وأخرجه الخطيب عن سعيد بن المسيب مرسلا وزاد وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقضي في مال أبي بكر كما يقضي في مال نفسه.\rوأخرج ابن عساكر من طرق عن عائشة رضي الله عنها وعروة بن الزبير \" أن أبا بكر رضي الله عنه أسلم يوم أسلم وله أربعون ألف دينار وفي لفظ أربعون ألف درهم فأنفقها على رسول الله صلى الله عليه وسلم \" .","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"وأخرج أبو سعيد بن الأعرابي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أسلم أبو بكر رضي الله عنه يوم أسلم وفي منزله أربعون ألف درهم فخرج إلى المدينة في الهجرة وماله غير خمسة آلاف كل ذلك بنفقة في الرقاب والعون على الإسلام.\rوأخرج ابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر أعتق سبعة كلهم يعذب في الله.\rوأخرج ابن شاهين في السنة والبغوي في تفسيره وابن عساكر عن ابن عمر قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر الصديق وعليه عباءة قد خللها في صدره بخلال فنزل عليه جبريل عليه السلام فقال يا محمد مالي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خللها في صدره بخلال فقال يا جبريل أنفق ماله على قبل الفتح قال فإن الله تعالى يقرأ عليه السلام ويقول قل له أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط فقال أبو بكر أسخط على ربي أنا عن ربي راض أنا عن ربي راض أنا عن ربي راض غريب وسنده ضعيف جداً.\rوأخرج أبو نعيم عن أبي هريرة وابن مسعود مثله وسندهما ضعيف أيضاً.\rوأخرج ابن عساكر نحوه من حديث ابن عباس.\rوأخرج الخطيب بسند واه أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هبط على جبريل عليه السلام وعليه طنفسة وهو متخلل بها: فقلت له: يا جبريل ما هذا قال إن الله تعالى أمر الملائكة أن تتخلل في السماء كتخلل أبي بكر في الأرض.\rقال ابن كثير: وهذا منكر جداً وقال ولولا أن هذا والذي قبله يتداوله كثير من الناس لكان الإعراض عنهما أولى.\rوأخرج أبو داود والترمذي عن عمر بن الخطاب قال \" أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق فوافق ذلك مالا عندي قلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً فجئت بنصف مالي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أبقيت لأهلك قلت مثله وأتي أبو بكر بكل ما عنده فقال يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك قال أبقيت لهم الله ورسوله فقلت لا أسبقه في شيء أبداً قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.\rوأخرج أبو نعيم في الحلية عن الحسن البصري: أن أبا بكر أتى النبي صلى الله عليه وسلم بصدقته فأخفاها فقال: يا رسول الله هذه صدقتي ولله عندي معاد وجاء عمر بصدقته فأظهرها فقال يا رسول الله هذه صدقتي ولي عند الله معاد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ما بين صدقتيكما كما بين كلمتيكما \" إسناده جيد لكنه مرسل.\rواخرج الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه إلا أبا بكر فإن له عندنا يداً يكافئه الله بها يوم القيامة وما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبي بكر \" .\rوأخرج البزار عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: جئت بأبي قحافة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: \" هلا تركت الشيخ حتى آتيه قال بل هو أحق أن يأتيك قال إنا نحفظه لأيادي ابنه عندنا \" .\rوأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" ما أحد عندي أعظم يداً من أبي بكر واساني بنفسه وماله وأنكحني ابنته \" .\rفصل في علمه وأنه أعلم الصحابة وأذكاهم\rقال النووي في تهذيبه ومن خطه نقلت استدل أصحابنا على عظم علمه بقوله رضي الله عنه في الحديث الثابت في الصحيحين: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه واستدل الشيخ أبو إسحاق بهذا وغيره في طبقاته على أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أعلم الصحابة لأنهم كلهم وقفوا عن فهم الحكم في المسألة إلا هو ثم ظهر لهم بمباحثته لهم أن قوله هو الصواب فرجعوا إليه.\rوروينا عن ابن عمر أنه سئل من كان يفتي الناس في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ما أعلم غيرهما.","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"وأخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وقال: إن الله تبارك وتعالى خير عبداً بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله تعالى فبكى أبو بكر وقال نفديك بآبائنا وأمهاتنا فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم عن عبد خير فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" إن من آمن الناس على في صحبته وماله أبا بكر ولو كنت متخذاً خليلا غير ربي لاتخدت أبا بكر ولكن أخوة الإسلام ومودته لا يبقين باب إلا سد إلا باب أبي بكر \" هذا كلام النووي.\rوقال ابن كثير: كان الصديق رضي الله عنه أقرأ الصحابة أي أعلمهم بالقرآن لأنه صلى الله عليه وسلم قدمه إماماً للصلاة بالصحابة رضي الله عنه مع قوله \" يوم القوم أقرؤهم لكتاب الله \" .\rوأخرج الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره \" .\rوكان مع ذلك أعلمهم بالسنة كما رجع إليه الصحابة في غير موضع يبرز عليهم بنقل سنن عن النبي صلى الله عليه وسلم يحفظها هو ويستحضرها عند الحاجة إليها ليست عندهم وكيف لا يكون كذلك وقد واظب على صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم من أول البعثة إلى الوفاة وهو مع ذلك من أذكى عباد الله وأعقلهم وإنما لم يرو عنه من الأحاديث المسندة إلا القليل لقصر مدته وسرعة وفاته بعد النبي صلى الله عليه وسلم وإلا فلو طالت مدته لكثر ذلك عنه جداً ولم يترك الناقلون عنه حديثاً إلا نقلوه ولكن كان الذين في زمانه من الصحابة لا يحتاج أحد منهم أن ينقل عنه ما قد شاركه هو في روايته فكانوا ينقلون عنه ما ليس عندهم.\rوأخرج أبو القاسم البغوي عن ميمون بن مهران قال كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله فإن وجد فيه ما يقضي به بينهم قضى به وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله صلى الله عليه آله وسلم في ذلك الأمر سنة قضى بها فإن أعياه خرج فسأل المسلمين وقال أتاني كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في ذلك بقضاء فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه قضاء فيقول أبو بكر الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ عن نبينا فإن أعياه أن يجد فيه سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم فإن أجمع أمرهم على رأى قضى به وكان عمر رضي الله عنه يفعل ذلك فإن أعياه أن يجد في القرآن والسنة نظر هل كان لأبي بكر فيه قضاء فإن وجد أبا بكر قضى فيه بقضاء قضى به وإلا دعا رؤوس المسلمين فإذا اجتمعوا على أمر قضى به.\rوكان الصديق رضي الله عنه مع ذلك أعلم الناس بأنساب العرب لا سيما قريش أخرج ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن شيخ من الأنصار قال: كان جبير بن مطعم من أنسب قريش لقريش والعرب قاطبة وكان يقول إنما أخذت النسب من أبي بكر الصديق وكان أبو بكر الصديق من أنسب العرب.\rوكان الصديق مع ذلك غاية في علم تعبير الرؤيا وقد كان يعبر الرؤيا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال محمد بن سيرين وهو المقدم في هذا العلم بالاتفاق كان أبو بكر أعبر هذه الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه ابن سعد.\rوأخرج الديلمي في مسند الفردوس وابن عساكر عن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" أمرت أن أؤول الرؤيا وأن أعلمها أبا بكر \" .\rقال ابن كثير وكان من أفصح الناس وأخطبهم قال الزبير بن بكار: سمعت بعض أهل العلم يقول: أفصح خطباء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما وسيأتي في حديث السقيفة قول عمر رضي الله عنه وكان من أعلم الناس بالله وأخوفهم له وسيأتي من كلامه في ذلك وفي تعبير الرؤيا ومن خطبه جملة في فصل مستقل.\rومن الدلائل على أنه أعلم الصحابة حديث صلح الحديبية حيث سأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك الصلح وقال: علام نعطى الدنية في ديننا؟ فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم ثم ذهب إلى أبي بكر فسأله عما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابه كما أجابه النبي صلى الله عليه وسلم سواء بسواء أخرجه البخاري وغيره.","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"وكان مع ذلك أشد الصحابة رأياً وأكملهم عقلا أخرج تمام الرازي في فوائد وابن عساكر عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول \" أتاني جبريل فقال إن الله يأمرك أن تستشير أبا بكر \" وأخرج الطبراني وأبو نعيم وغيرهما عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يسرح معاذاً إلى اليمن استشار ناساً من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وأسيد بن حضير فتكلم القوم كل إنسان برأيه فقال ما ترى يا معاذ قالت أرى ما قال أبو بكر فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يكره فوق سمائه أن يخطأ أبو بكر ورواه ابن أبي أسامة في مسنده \" إن الله يكره في السماء أن يخطأ أبو بكر الصديق في الأرض \" وأخرج الطبراني في الوسط عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" إن الله يكره أن يخطأ أبو بكر \" رجاله ثقات.\rفصل قال النووي في تهذيبه الصديق أحد الصحابة الذين حفظوا القرآن كله وذكر هذا أيضاً جماعة منهم ابن كثير في تفسيره وأما حديث أنس \" جمع القرآن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة \" فمراده من الأنصار كما أوضحته في كتاب الإتقان وأما ما أخرجه ابن أبي داود عن الشعبي قال مات أبو بكر الصديق رضي الله عنه ولم يجمع القرآن كله فهو مدفوع أو مؤول على أن المراد جمعه في المصحف على الترتيب الذي صنعه عثمان رضي الله عنه. فصل في أنه أفضل الصحابة وخيرهم\rأهل السنة أن أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم سائر العشرة ثم باقي أهل بدر ثم باقي أهل أحد ثم باقي أهل البيعة ثم باقي الصحابة هكذا حكى الإجماع عليه أبو منصور البغدادي.\rوروى البخاري عن ابن عمر قال: كنا نخير بين الناس في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخير أبا بكر ثم عمر ابن الخطاب ثم عثمان ابن عفان رضي الله عنهم وزاد الطبراني في الكبير فيعلم بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولا ينكره.\rوأخرج ابن عساكر عن ابن عمر قال: كنا وفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم نفضل أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً.\rوأخرج ابن عساكر عن أبي هريرة قال: كنا معاشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن متوافرون نقول أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نسكت.\rوأخرج الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال عمر لأبي بكر: يا خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: أما إنك إن قلت ذاك فلقد سمعته يقول: ما طلعت الشمس على رجل خير من عمر.\rوأخرج البخاري عن محمد بن علي بن أبي طالب قال: قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر قلت: ثم من؟ قال عمر وخشيت أن يقول عثمان فقلت: ثم أنت؟ قال ما أنا إلا رجل من المسلمين.\rوأخرج أحمد وغيره عن علي قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر قال الذهبي: هذا متواتر عن علي فلعن الله الرافضة ما أجهلهم.\rوأخرج الترمذي والحاكم عن عمر بن الخطاب قال: أبو بكر سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عمر صعد المنبر ثم قال: ألا إن أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر فمن قال غير هذا فهو مفتر عليه ما على المفتري.\rوأخرج أيضاً عن ابن أبي ليلى قال: قال علي: لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري.\rوأخرج عبد الرحمن بن حميد في مسنده وأبو نعيم وغيرهما من طرق عن أبي الدرداء \" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد أفضل من أبي بكر إلا أن يكون نبي \" وفي لفظ \" على أحد من المسلمين بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر \" .\rوقد ورد أيضاً من حديث جابر ولفظه ما طلعت الشمس على أحد منكم أفضل منه أخرجه الطبراني وغيره وله شواهد من وجوه أخر تقضى له بالصحة أو الحسن وقد أشار ابن كثير إلى الحكم بصحته.\rوأخرج الطبراني عن سلمة بن الأكوع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" أبو بكر الصديق خير الناس إلا أن يكون نبي \" وفي الأوسط عن سعد بن زرارة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" إن روح القدس جبريل أخبرني أن خير أمتك بعدك أبو بكر \" .","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"وأخرج الشيخان عن عمرو بن العاص قال: قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أحب إليك؟ قال عائشة قلت: من الرجال قال أبوها قلت ثم من؟ قال ثم عمر بن الخطاب وقد ورد هذا الحديث بدون ثم عمر في رواية أنس وابن عمرو وابن عباس.\rوأخرج الترمذي والنسائي والحاكم عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة أي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: أبو بكر قلت ثم من قالت ثم عمر قلت ثم من؟ قالت أبو عبيدة بن الجراح.\rوأخرج الترمذي وغيره عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر \" هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين \" وأخرج مثله عن علي.\rوفي الباب عن ابن عباس وابن عمر: وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله.\rوأخرج الطبراني في الأوسط عن عمار بن ياسر قال من فضل على أبي بكر وعمر أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أزرى على المهاجرين والأنصار.\rوأخرج ابن سعيد عن الزهري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: هل قلت في أبي بكر شيئاً؟ قال نعم فقال قل وأنا أسمع فقال:\rوالثاني اثنين في الغار المنيف وقد ... طاف العدو به إذ صعد الجبلا\rوكان حب رسول الله قد علموا ... من البرية لم يعدل به رجلا\rفضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال: صدقت يا حسان هو كما قلت.\rفصل: روى أحمد والترمذي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" أرحم أمتي بأمتي أبو بكر وأشدهم في أمر الله عمر وأصدقهم حياء عثمان وأعلمهم الحلال والحرام معاذ بن جبل وأفرضهم زيد بن ثابت وأقرؤهم أبي بن كعب ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح \" وأخرجه أبو يعلى من حديث ابن عمر وزاد فيه \" وأقضاهم علي \" وأخرجه الديلمي في مسند الفردوس من حديث شداد بن أوس وزاد \" وأبو ذر أزهد أمتي وأصدقها وأبو الدرداء أعبد أمتي وأتقاها ومعاوية بن أبي سفيان أحلم أمتي وأجودها \" وقد سئل شيخنا العلامة الكافيجي عن هذه التفضيلات: هل تنافي التفضيل السابق فأجاب بأنه لا منافاة.\rفصل فيما أنزل من الآيات في مدحه\rأو تصديقه أو أمر من شأنه\rاعلم أني رأيت لبعضهم كتاباً في أسماء من نزل فيهم القرآن غير محرر ولا مستوعب وقد ألفت في ذلك كتاباً حافلا مستوعباً محرراً وأنا ألخص هنا ما يتعلق منه بالصديق رضي الله عنه.\rقال تعالى \" ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه \" \" التوبة:40 \" أجمع المسلمون على أن الصاحب المذكور أبو بكر وسيأتي فيه أثر عنه.\rوأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى \" فأنزل الله سكينته عليه \" \" التوبة: 40 \" قال على أبي بكر إن النبي صلى الله عليه وسلم لم تزل السكينة عليه.\rوأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود أن أبا بكر اشترى بلالا من أمية بن خلف وأبي بن خلف ببردة وعشر أواق فأعتقه لله فأنزل الله \" والليل إذا يغشى \" \" الليل: 1 \" إلى قوله \" إن سعيكم لشتى \" \" الليل: 4 \" سعي أبي بكر وأمية وأبي.\rوأخرج ابن جرير عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال كان أبو بكر يعتق على الإسلام بمكة فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن فقال أبوه أي بنى أراك تعتق أناساً ضعافاً فلو أنك تعتق رجالا جلداً يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك قال أي أبت أنا أريد ما عند الله قال فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه \" فأما من أعطى واتقى \" \" الليل: 5 \" إلى آخرها.\rوأخرج أبن أبي حاتم والطبراني عن عروة أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أعتق سبعة كلهم يعذب في الله وفيه نزلت \" وسيجنبها الأتقى \" \" الليل: 17 \" إلى آخر السورة.\rوأخرج البزار عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت هذه الآية \" وما لأحد عنده من نعمة تجزى \" \" الليل: 19 \" إلى آخر السورة في أبي بكر الصديق رضي الله عنه.\rوأخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر لم يكن يحنث في يمين حتى أنزل الله كفارة اليمين.\rوأخرج البزار وابن عساكر عن أسيد بن صفوان وكانت له صحبة قال: قال علي: والذي جاء بالحق محمد وصدق به أبو بكر الصديق قال ابن عساكر هكذا الرواية بالحق ولعلها قراءة لعلي.","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"وأخرج الحاكم عن ابن عباس في قوله تعالى \" وشاورهم في الأمر \" \" آل عمران: 159 \" قال: نزلت في أبي بكر وعمر.\rوأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شوذب قال: نزلت \" ولمن خاف مقام ربه جنتان \" \" الرحمن: 46 \" في أبي بكر رضي الله عنه وله طرق أخرى ذكرتها في أسباب النزول.\rوأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر وابن عباس في قوله تعالى: \" وصالح المؤمنين \" \" التحريم: 4 \" قال نزلت في أبي بكر وعمر.\rوأخرج عبد الله بن أبي حميد في تفسيره عن مجاهد قال لما نزلت \" إن الله وملائكته يصلون على النبي \" \" الأحزاب: 56 \" قال أبو بكر يا رسول الله ما أنزل الله عليك خيراً إلا أشركنا فيه فنزلت هذه الآية \" هو الذي يصلى عليكم وملائكته \" \" الأحزاب: 43 \" .\rوأخرج ابن عساكر عن علي بن الحسين أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وعمر وعلي \" ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين \" \" الحجر: 47 \" .\rوأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: نزلت في أبي بكر الصديق \" ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً \" \" الأحقاف: 15 \" إلى قوله \" وعد الصدق الذي كانوا يوعدون \" \" الأحقاف: 16 \" .\rوأخرج ابن عساكر عن ابن عيينة قال عاتب الله المسلمين كلهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أبا بكر وحده فإنه خرج من المعاتبة ثم قرأ \" إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار \" \" التوبة: 40 \" .\rفصل في الأحاديث الواردة في فضله\rمقروناً بعمر سوى ما تقدم\rأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بينا راع في غنمه عدا عليه الذئب فأخذ منها شاة فطلبه الراعي فالتفت إليه الذئب فقال: من لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري وبينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها فالتفتت إليه فكلمته فقالت إني لم أخلق لهذا ولكني خلقت للحرث قال الناس سبحان الله بقرة تتكلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: فإني أومن بذلك وأبو بكر وعمر وما ثم أبو بكر وعمر أي لم يكونا في المجلس شهد لهما بالإيمان بذلك لعلمه بكمال إيمانها.\rوأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" ما من نبي إلا وله وزيران من أهل السماء ووزيران من أهل الأرض فأما وزيراي من أهل السماء فجبريل وميكائيل وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر \" وأخرج أصحاب السنن وغيرهم عن سعيد بن زيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة وعثمان في الجنة وعلي في الجنة \" وذكر تمام العشرة.\rوأخرج الترمذي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أهل الدرجات العلي ليراهم من تحتهم كما ترون النجم الطالع في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأخرجه الطبراني من حديث جابر ابن سمرة وأبو هريرة.\rوأخرج الترمذي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم \" كان يخرج على أصحابه من المهاجرين والأنصار وهم جلوس فيهم أبو بكر وعمر فلا يرفع إليه أحد منهم بصره إلا أبو بكر وعمر فإنهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما ويتبسمان إليه ويتبسم إليهما \" .\rوأخرج الترمذي والحاكم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم \" خرج ذات يوم فدخل المسجد وأبو بكر وعمر أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله وهو آخذ بأيديهما وقال: هكذا نبعث يوم القيامة \" وأخرجه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة.\rوأخرج الترمذي والحاكم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم \" أنا أول من تنشق عنه الأرض ثم أبو بكر ثم عمر \" .\rوأخرج الترمذي والحاكم وصححه عن عبد الله بن حنطب أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أبا بكر وعمر فقال \" هذان السمع والبصر \" وأخرجه الطبراني من حديث ابن عمر وابن عمرو.\rوأخرج البزار والحاكم عن أبي أروى الدوسي قال كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فأقبل أبو بكر وعمر فقال: الحمد لله الذي أيدني بكما وورد أيضاً من حديث البراء بن عازب أخرجه الطبراني في الأوسط.\rوأخرج أبو يعلى عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" أتاني جبريل آنفاً فقلت يا جبريل حدثني بفضائل عمر بن الخطاب فقال لو حدثتك بفضائل عمر منذ ما لبث نوح في قومه ما نفدت فضائل عمر وإن عمر حسنة من حسنات أبي بكر \" .","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"وأخرج أحمد عن عبد الرحمن بن غنم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر \" لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما \" وأخرجه الطبراني من حديث البراء بن عازب.\rوأخرج ابن سعد عن ابن عمر أنه سئل من كان يفتي في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال \" أبو بكر وعمر ولا أعلم غيرهما \" .\rوأخرج عن القاسم بن محمد قال كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي يفتون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوأخرج الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" إن لكل نبي خاصة من أمته وإن خاصتي من أصحابي أبو بكر وعمر \" .\rوأخرج ابن عساكر عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" رحم الله أبا بكر زوجني ابنته وحملني إلى دار الهجرة وأعتق بلالا رحم الله عمر يقول الحق وإن كان مراً تركه الحق وماله من صديق رحم الله عثمان تستحييه الملائكة رحم الله علياً اللهم أدر الحق معه حيث دار \" .\rوأخرج الطبراني عن سهل رضي الله عنه قال لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: \" أيها الناس إن أبا بكر لم يسؤني قط فاعرفوا له ذلك أيها الناس إني راض عنه وعن عمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف والمهاجرين الأولين فاعرفوا ذلك لهم \" .\rوأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن ابن أبي حازم قال: جاء رجل إلى علي بن الحسين فقال ما كان منزلة أبي بكر وعمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كمنزلتهما منه الساعة.\rوأخرج ابن سعد عن بسطام بن مسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر \" لا يتأمر عليكما أحد بعدي \" .\rوأخرج ابن عساكر عن أنس مرفوعاً \" حب أبي بكر وعمر إيمان وبغضهما كفر \" .\rوأخرج عن ابن مسعود قال: حب أبي بكر وعمر ومعرفتهما من السنة.\rوأخرج عن أنس مرفوعاً \" إني لأرجو لأمتي في حبهم لأبي بكر وعمر ما أرجو لهم في قول: لا إله إلا الله.\rفصل في الأحاديث الواردة في فضله\rوحده سوى ما تقدم\rأخرج الشيخان عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان فقال أبو بكر ما على من يدعى من تلك الأبواب من ضرورة فهل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله قال نعم فأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر \" .\rوأخرج أبو داود والحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي \" وأخرج الشيخان عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" إن من أمن الناس علي في صحبته وما له أبا بكر ولو كنت متخذاً خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن أخوة الإسلام \" .\rوقد ورد هذا الحديث من رواية ابن عباس وابن الزبير وابن مسعود وجندب بن عبد الله والبراء وكعب بن مالك وجابر بن عبد الله وأنس وأبي واقد الليثي وأبي المعلى وعائشة وأبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهم وقد سردت طرقهم في الأحاديث المتواترة.\rوأخرج البخاري عن أبي الدرداء قال كنت جالساً عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر فسلم وقال إنه كان بيني وبين عمر بن الخطاب شيء فأسرعت إليه ثم ندمت فسألته أن يغفر لي فأبى على فأقبلت إليك فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثاً ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فلم يجده فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل وجه النبي صلى الله عليه وسلم يتمعر حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه فقال يا رسول الله والله أنا كنت أظلم منه مرتين فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم \" إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركون لي صاحبي مرتين فما أوذي بعدها \" .\rوأخرج ابن عدي من حديث ابن عمر رضي الله عنه نحوه وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" لا تؤذوني في صاحبي فإن الله بعثني بالهدى ودين الحق فقلتم: كذبت وقال أبو بكر: صدقت ولو لا أن الله سماه صاحباً لاتخذته خليلا ولكن أخوة الإسلام \" .","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"وأخرج ابن عساكر عن المقدام قال: استب عقيل بن أبي طالب وأبو بكر قال: وكان أبو بكر نساباً غير أنه تحرج من قرابته من النبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عنه وشكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فقال \" ألا تدعون لي صاحبي ما شأنكم وشأنه فوالله ما منكم رجل إلا على باب بيته ظلمة إلا باب أبي بكر فإن على بابه النور فوالله لقد قلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت وأمسكتم الأموال وجادلي بماله وخذلتموني وواساني واتبعني \" .\rوأخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقال أبو بكر إن أحد شقي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" إنك لست تصنع ذلك خيلاء \" .\rوأخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" من أصبح منكم اليوم صائماً قال أبو بكر أنا قال فمن تبع منكم جنازة قال أبو بكر أنا قال فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً قال أبو بكر أنا قال: فمن عاد اليوم منكم مريضاً قال أبو بكر أنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة \" .\rوقد ورد هذا الحديث من رواية أنس بن مالك وعبد الرحمن بن أبي بكر فحديث أنس أخرجه البيهقي في الأصل وفي آخره \" وجبت لك الجنة وحديث عبد الرحمن أخرجه البزار ولفظه صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح ثم أقبل على أصحابه بوجهه فقال: من أصبح منكم اليوم صائماً فقال عمر يا رسول الله لم أحدث نفسي بالصوم البارحة فأصبحت مفطراً فقال أبو بكر ولكني حدثت نفسي بالصوم البارحة فأصبحت صائماً فقال هل أحد منكم اليوم عاد مريضاً فقال عمر يا رسول الله لم نبرح فكيف نعود المريض فقال أبو بكر بلغني أن أخي عبد الرحمن بن عوف شاك فجعلت طريقي عليه لأنظر كيف أصبح فقال هل منكم أحد أطعم اليوم مسكيناً فقال عمر صلينا يا رسول الله ثم لم نبرح فقال أبو بكر دخلت المسجد فإذا بسائل فوجدت كسرة من خبز الشعير في يد عبد الرحمن فأخذتها ودفعتها إليه فقال أنت فأبشر بالجنة ثم قال كلمة أرضى بها عمر وزعم عمر أنه لم يرد خيراً قط إلا سبقه إليه أبو بكر \" .\rأبو يعلى عن ابن مسعود رضي الله عنه قال كنت في المسجد أصلى فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر فوجدني أدعو فقال سل تعطه ثم قال \" من أحب أن يقرأ القرآن غضاً طرياً فليقرأ بقراءة ابن أم عبد \" فرجعت إلى منزلي فأتاني أبو بكر فبشرني ثم أتى عمر فوجد أبا بكر خارجاً قد سبقه فقال إنك لسباق بالخير.\rوأخرج أحمد بسند حسن عن ربيعة الأسلمي رضي الله عنه قال جرى بيني وبين أبي بكر كلام فقال لي كلمة كرهتها وندم فقال لي يا ربيعة رد على مثلها حتى يكون قصاصاً قلت: لا أفعل قال أبو بكر لتقولن أو لأستعدين عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت ما أنا بفاعل فانطلق أبو بكر رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وانطلقت أتلوه وجاء أناس من أسلم فقالوا لي رحم الله أبا بكر في أي شيء يستعدي عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي قال لك ما قال؟ فقلت أتدرون من هذا؟ هذا أبو بكر الصديق هذا ثاني اثنين وهذا ذو شيبة المسلمين إياكم لا يلتفت فيراكم تنصروني عليه فيغضب فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيغضب لغضبه فيغضب الله عز وجل لغضبهما فيهلك ربيعة قالوا ما تأمرنا؟ قال ارجعوا وانطلق أبو بكر رضي الله عنه وتبعته وحدي حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه الحديث كما كان فرفع إلي رأسه فقال يا ربيعة ما لك والصديق فقلت يا رسول الله كان كذا وكذا فقال لي كلمة كرهتها فقال لي قل كما قلت حتى يكون قصاصاً فأبيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل لا ترد عليه ولكن قل قد غفر الله لك يا أبا بكر فقلت غفر الله لك يا أبا بكر قال الحسن قولي أبو بكر رضي الله عنه وهو يبكي.\rوأخرج الترمذي وحسنه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: \" أنت صاحبي على الحوض وصاحبي في الغار \" .\rوأخرج عبد الله بن أحمد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" أبو بكر صاحبي ومؤنسي في الغار \" إسناده حسن.","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"وأخرج البيهقي عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" إن في الجنة طيراً كأمثال البخاتي قال أبو بكر إنها لناعمة يا رسول الله قال أنعم منها من يأكلها وأنت ممن يأكلها \" وقد ورد هذا الحديث من رواية أنس.\rوأخرج أبو يعلى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" عرج بي إلى السماء فما مررت بسماء إلا وجدت فيها اسمي محمد رسول الله وأبو بكر الصديق خلفي \" إسناده ضعيف لكنه ورد أيضاً من حديث ابن عباس وابن عمر وأنس وأبي سعيد وأبي الدرداء رضي الله عنهم بأسانيد ضعيفة يشد بعضها بعضاً.\rوأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: قرأت عند النبي صلى الله عليه وسلم \" يا أيتها النفس المطمئنة \" فقال أبو بكر يا رسول الله إن هذا لحسن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" أما إن الملك سيقولها لك عند الموت \" .\rوأخرج ابن أبي حاتم عن عامر بن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال لما نزلت \" ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم \" الآية قال أبو بكر: يا رسول الله لو أمرتني أن أقتل نفسي لفعلت فقال \" صدقت \" .\rوأخرج أبو القاسم البغوي: حدثنا داود بن عمر حدثنا عبد الجبار بن الورد عن ابن أبي مليكة قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه غديراً فقال: ليسبح كل رجل إلى صاحبه قال: فسبح كل رجل حتى بقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر فسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر حتى اعتنقه وقال: \" لو كنت متخذاً خليلا حتى ألقى الله لاتخذت أبا بكر خليلا ولكنه صاحبي \" تابعه وكيع عن عبد الجبار بن الورد أخرجه ابن عساكر وعبد الجبار ثقة شيخه ابن أبي ملكية إمام إلا أنه مرسل وهو غريب جداً.\rقلت: أخرجه الطبراني في الكبير وابن شاهين في السنة من وجه آخر موصولا عن ابن عباس.\rوأخرج ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق وابن عساكر من طريق صدقة بن ميمون القرشي عن سليمان بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" خصال الخير ثلاثمائة وستون خصلة إذا أراد الله بعبد خيراً جعل فيه خصلة منها يدخل بها الجنة \" قال أبو بكر: يا رسول الله أفي شيء منها قال \" نعم جمعاً من كل \" .\rوأخرج ابن عساكر من طريق أخرى عن صدقة القرشي عن رجل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" خصال الخير ثلاثمائة وستون فقال أبو بكر يا رسول الله لي منها شيء قال: كلها فيك فهنيئاً لك يا أبا بكر \" .\rوأخرج ابن عساكر من طريق مجمع بن يعقوب الأنصاري عن أبيه قال: إن كانت حلقة رسول الله صلى الله عليه وسلم لتشتبك حتى تصير كالأسوار وإن مجلس أبي بكر منها لفارغ ما يطمع فيه أحد من الناس فإذا جاء أبو بكر جلس ذلك المجلس وأقبل عليه النبي صلى الله عليه وسلم بوجهه وألقى إليه حديثه وسمع الناس.\rوأخرج ابن عساكر عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" حب أبي بكر وشكره واجب على كل أمتي \" .\rوأخرج مثله في حديث سهل بن سعد.\rوأخرج عن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً \" الناس كلهم يحاسبون إلا أبا بكر \" .\rفصل فيما ورد من كلام الصحابة والسلف الصالح في\rفضله\rأخرج البخاري عن جابر رضي الله عنه قال: قال عمر بن الخطاب: أبو بكر سيدنا.\rوأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن عمر رضي الله عنه قال: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح بهم.\rوأخرج ابن أبي خيثمة وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن عمر رضي الله عنه قال: إن أبا بكر كان سابقاً مبرزاً.\rوقال عمر: لوددت أني شعرة في صدر أبي بكر أخرجه مسدد في مسنده.\rوقال: وددت أني من الجنة حيث أرى أبا بكر أخرجه ابن أبي الدنيا وابن عساكر.\rوقال: لقد كان ريح أبي بكر أطيب من ريح المسك أخرجه أبو نعيم.\rوأخرج ابن عساكر عن علي أنه دخل على أبي بكر وهو مسجى فقال: ما أحد لقي الله بصحيفته أحب إلى من هذا المسجى.\rوأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حدثني عمر بن الخطاب أنه ما سبق أبا بكر إلى خير قط إلا سبقه به.\rوأخرج الطبراني في الأوسط عن علي قال: والذي نفسي بيده ما استبقنا إلى خير قط إلا سبقنا إليه أبو بكر.","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"وأخرج في الأوسط أيضاً عن جحيفة قال: قال علي خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبو بكر وعمر لا يجتمع حبي وبغض أبي بكر وعمر في قلب مؤمن.\rوأخرج في الكبير عن ابن عمر قال: ثلاثة من قريش أصبح قريش وجوهاً وأحسنها أخلاقاً وأثبتها جناناً إن حدثوك لم يكذبوك وإن حدثتهم لم يكذبوك أبو بكر الصديق وأبو عبيدة بن الجراح وعثمان بن عفان.\rوأخرج ابن سعد عن إبراهيم النخعي قال: كان أبو بكر يسمى الأواه لرأفته ورحمته.\rوأخرج ابن عساكر عن الربيع بن أنس قال: مكتوب في الكتاب الأول: مثل أبي بكر الصديق مثل القطر أينما وقع نفع.\rوأخرج ابن عساكر عن الربيع بن أنس قال: نظرنا في صحابة الأنبياء فما وجدنا نبياً كان له صاحب مثل أبي بكر الصديق.\rوأخرج عن الزهري قال: من فضل أبي بكر أنه لم يشك في الله ساعة قط.\rوأخرج عن الزبير بن بكار قال: سمعت بعض أهل العلم يقول: خطباء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما.\rوأخرج عن أبي حصين قال: ما ولد لآدم في ذريته بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر ولقد قام أبو بكر يوم الردة مقام نبي من الأنبياء.\rفصل: أخرج الدينوري في المجالسة وابن عساكر عن الشعبي قال خص الله تبارك وتعالى أبا بكر بأربع خصال لم يخص بها أحداً من الناس سماه الصديق ولم يسم أحداً الصديق غيره وهو صاحب الغار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفيقه في الهجرة وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة والمسلمون شهود.\rوأخرج ابن أبي داود في كتاب المصاحف عن جعفر قال: كان أبو بكر يسمع مناجاة جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم ولا يراه.\rوأخرج الحاكم عن ابن المسيب قال: كان أبو بكر من النبي صلى الله عليه وسلم مكان الوزير فكان يشاوره في جميع أموره وكان ثانيه في الإسلام وثانيه في الغار وثانيه في العريش يوم بدر وثانيه في القبر ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم عليه أحداً.\rفصل في\rالأحاديث والآيات المشيرة إلى خلافته\rوكلام الأئمة في ذلك\rأخرج الترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر \" .\rوأخرجه الطبراني من حديث أبي الدرداء والحاكم من حديث ابن مسعود ورضي الله عنه.\rوأخرج أبو القاسم البغوي بسند حسن عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" يكون خلفي اثنا عشر خليفة: أبو بكر لا يلبث إلا قليلا \" صدر هذا الحديث مجمع على صحته وارد من طرق عدة وقد تقدم شرحه في أول هذا الكتاب وفي الصحيحين في الحديث السابق أنه صلى الله عليه وسلم لما خطب قرب وفاته وقال: \" إن عبداً خيره الله \" الحديث وفي آخره \" ولا يبقين باب إلا سد إلا باب أبي بكر وفي لفظ لهما \" لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر \" قال العلماء: هذا إشارة إلى الخلافة لأنه يخرج منها إلى الصلاة بالمسلمين وقد ورد هذا اللفظ من حديث أنس رضي الله عنه ولفظه \" سدوا هذه الأبواب الشارعة في المسجد إلا باب أبي بكر \" أخرجه ابن عدي ومن حديث عائشة رضي الله عنها أخرجه الترمذي وغيره ومن حديث ابن عباس في زوائد المسند ومن حديث معاوية بن أبي سفيان أخرجه الطبراني ومن حديث أنس أخرجه البزار.\rوأخرج الشيخان عن جبير بن مطعم رضي الله عنه عن أبيه قال: أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن ترجع إليه قالت أرأيت إن جئت ولم أجدك كأنها تقول الموت قال صلى الله عليه وسلم \" إن لم تجديني فأتي أبا بكر \" .\rوأخرج الحاكم وصححه عن أنس رضي الله عنه قال: بعثني بنو المصطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سله إلى من ندفع صدقاتنا بعدك فأتيته فسألته فقال \" إلى أبي بكر \" .\rوأخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تسأله شيئاً فقال لها تعودين فقالت: يا رسول الله إن عدت فلم أجدك تعرض بالموت فقال: \" إن جئت فلم تجديني فأتي أبا بكر فإنه الخليفة من بعدي \" .","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"وأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه \" ادعى لي أبا بكر أباك وأخاك حتى أكتب كتاباً فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر \" .\rوأخرج أحمد وغيره من طرق عنها وفي بعضها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي فيه مات: \" ادعي لي عبد الرحمن بن أبي بكر أكتب لأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه أحد بعدي ثم قال: دعيه معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر \" .\rوأخرج مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخلفاً لو استخلف قالت: أبو بكر قيل لها ثم من بعد أبي بكر قالت: عمر قيل لها: من بعد عمر قالت: أبو عبيدة بن الجراح.\rوأخرج الشيخان عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: مرض النبي صلى الله عليه وسلم فاشتد مرضه فقال مروا أبا بكر فليصل بالناس قالت عائشة: يا رسول الله إنه رجل رقيق القلب إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلى بالناس فقال: مري أبا بكر فليصل بالناس فعادت فقال: مري أبا بكر فليصل بالناس فإنكن صواحب يوسف فأتاه الرسول فصلى بالناس في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا الحديث متواتر ورد أيضاً من حديث عائشة وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعبد الله بن زمعة وأبي سعيد وعلي بن أبي طالب وحفصة رضي الله عنها وقد سقت طرقهم في الأحاديث المتواترة وفي بعضها عن عائشة رضي الله عنها: لقد راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلا قام مقامه أبداً وإلا أني كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به فأردت أن يعدل لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر.\rوفي حديث ابن زمعة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم بالصلاة وكان أبو بكر غائباً فتقدم عمر فصلى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" لا لا لا يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر يصلي بالناس أبو بكر \" .\rوفي حديث ابن عمر \" كبر عمر فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فأطلع رأسه مغضباً فقال أين ابن أبي قحافة \" .\rقال العلماء: في هذا الحديث أوضح دلالة على أن الصديق أفضل الصحابة على الإطلاق وأحقهم بالخلافة وأولاهم بالإمامة قال الأشعري: قد علم بالضرورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الصديق أن يصلى بالناس مع حضور المهاجرين والأنصار مع قوله \" يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله \" فدل على أنه كان أقرأهم أي أعلمهم بالقرآن انتهى.\rوقد استدل الصحابة أنفسهم بهذا على أنه أحق بالخلافة منهم عمر وسيأتي قوله في فصل المبايعة ومنهم علي.\rوأخرج ابن عساكر عنه قال لقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يصلي بالناس وإني أشاهد وما أنا بغائب وما بي مرض فرضينا لدنيانا ما رضي به النبي صلى الله عليه وسلم لديننا.\rقال العلماء: وقد كان معروفاً بأهلية الإمامة في زمان النبي صلى الله عليه وسلم.\rوأخرج أحمد وأبو داود وغيرهما عن سهل بن سعد قال: كان قتال بين بني عمرو بن عوف فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فأتاهم بعد الظهر ليصلح بينهم وقال: يا بلال إن حضرت الصلاة ولم آت فمر أبا بكر فليصل بالناس فلما حضرت صلاة العصر أقام بلال الصلاة ثم أمر أبا بكر فصلى.\rوأخرج أبو بكر الشافعي في الغيلانيات وابن عساكر عن حفصة رضي الله عنها أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أنت مرضت قدمت أبا بكر قال: \" لست أنا أقدمه ولكن الله يقدمه \" .\rوأخرج الدارقطني في الأفراد والخطيب وابن عساكر عن علي رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم \" سألت الله أن يقدمك ثلاثاً فأبى على إلا تقديم أبي بكر \" .\rوأخرج ابن سعد عن الحسن قال: قال أبو بكر \" يا رسول الله ما أزال أراني أطأ في عذرات الناس قال: لتكونن من الناس بسبيل قال ورأيت في صدري كالرقمتين قال: سنتين \" .\rوأخرج ابن عساكر عن أبي بكرة قال: أتيت عمر وبين يديه قوم يأكلون فرمى ببصرة في مؤخر القوم إلى رجل فقال ما تجد فيما تقرأ قبلك من الكتب قال: خليفة النبي صلى الله عليه وسلم صديقه.","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"وأخرج ابن عساكر عن محمد بن الزبير قال: أرسلني عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري أسأله عن أشياء فجئته فقلت له اشفني فيما اختلف الناس فيه هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلف أبا بكر فاستوى الحسن قاعداً وقال أو في شك هو لا أبا لك أي والله الذي لا إله إلا هو لقد استخلفته ولهو كان أعلم بالله وأتقى له وأشد له مخافة من أن يموت عليها لو لم يؤمره.\rوأخرج ابن عدي عن أبي بكر بن عياش قال: قال لي الرشيد يا أبا بكر كيف استخلف الناس أبا بكر الصديق قلت يا أمير المؤمنين سكت الله وسكت رسوله وسكت المؤمنون قال والله ما زدتني إلا غماً قال: يا أمير المؤمنين مرض النبي صلى الله عليه وسلم ثمانية أيام فدخل عليه بلال فقال يا رسول الله من يصلي بالناس قال مر أبا بكر يصلي بالناس فصلى أبو بكر بالناس ثمانية أيام والوحي ينزل فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم لسكوت الله وسكت المؤمنون لسكوت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعجبه فقال بارك الله فيك.\rوقد استنبط جماعة من العلماء خلافة الصديق من آيات القرآن فأخرج البيهقي عن الحسن البصري في قوله تعالى \" يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه \" \" المائدة: 54 \" قال هو والله أبو بكر وأصحابه لما ارتدت العرب جاهدهم أبو بكر وأصحابه حتى ردوهم إلى الإسلام.\rوأخرج يونس بن بكير عن قتادة قال: لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب فذكر قتال أبي بكر لهم إلى أن قال فكنا نتحدث أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وأصحابه \" فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه \" \" المائدة: 54 \" .\rوأخرج ابن أبي حاتم عن جويبر في قوله تعالى \" قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد \" \" الفتح: 16 \" قال: هم بنو حنيفة قال ابن أبي حاتم وابن قتيبة هذه الآية حجة على خلافة الصديق لأنه الذي دعا إلى قتالهم.\rوقال الشيخ أبو الحسن الأشعري: سمعت أبا العباس بن شريح يقول خلافة الصديق في القرآن في هذه الآية قال لأن أهل العلم أجمعوا على أنه لم يكن بعد نزولها قتال دعوا إليه الإدعاء أبي بكر لهم وللناس إلى قتال أهل الردة ومن منع الزكاة قال فدل ذلك على وجوب خلافة أبي بكر وافتراض طاعته إذ أخبر الله أن المتولي عن ذلك يعذب عذاباً أليماً قال ابن كثير: ومن فسر القوم بأنهم فارس والروم فالصديق هو الذي جهز الجيوش إليهم وتمام أمرهم كان على يد عمر وعثمان وهما فرعا الصديق وقال تعالى \" وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض \" \" النور: 55 \" الآية قال ابن كثير: هذه الآية منطبقة على خلافة الصديق.\rوأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن عبد الرحمن بن عبد الحميد المهدي قال: إن ولاية أبي بكر وعمر في كتاب الله يقول الله \" وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض \" \" النور: 55 \" الآية.\rوأخرج الخطيب عن أبي بكر بن عياش قال أبو بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن لأن الله تعالى يقول \" للفقراء المهاجرين \" إلى قوله \" أولئك هم الصديقون \" \" الحديد: 16 \" فمن سماه الله صديقاً فليس يكذب وهم قالوا يا خليفة رسول الله قال ابن كثير استنباط حسن.\rوأخرج البيهقي عن الزعفران قال: سمعت الشافعي يقول أجمع الناس على خلافة أبي بكر الصديق وذلك أنه اضطر الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجدوا تحت أديم السماء خيراً من أبي بكر فولوه رقابهم.\rوأخرج أسد السنة في فضائله عن معاوية بن قرة قال: ما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكون أن أبا بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كانوا يسمونه إلا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كانوا يجتمعون على خطأ ولا ضلال.\rوأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنهما قال: ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون سيئاً فهو عند الله سيئ وقد رأى الصحابة جميعاً أن يستخلفوا أبا بكر.\rوأخرج الحاكم وصححه الذهبي عن مرة الطيب قال جاء أبو سفيان ابن حرب إلى علي فقال ما بال هذا الأمر في أقل قريش قلة وأذلها ذلا يعني أبا بكر والله لئن شئت لأملأنها عليه خيلا ورجالا قال: فقال علي: لطالما عاديت الإسلام وأهله يا أبا سفيان فلم يضره ذلك شيئاً إنا وجدنا أبا بكر لها أهلا.","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"فصل في مبايعته\rرضي الله عنه\rروى الشيخان أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس مرجعه من الحج فقال في خطبته: قد بلغني أن فلاناً منكم يقول لو مات عمر بايعت فلاناً فلا يغترن امرؤ أن يقول إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وتمت ألا وإنها قد كانت كذلك إلا أن الله وقى شرها وليس فيكم اليوم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر وإنه كان من خيرنا حين توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن علياً والزبير ومن معهما تخلفوا في بيت فاطمة وتخلفت الأنصار عنا بأجمعها في سقيفة بني ساعدة واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر فقلت له يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا رجلان صالحان فذكرا لنا الذي صنع القوم فقالا أين تريدون يا معشر المهاجرين قلت نريد إخواننا من الأنصار فقالا عليكم ألا تقربوهم واقضوا أمركم يا معشر المهاجرين فقلت والله لنأتينهم فانطلقنا حتى جئناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا هم مجتمعون وإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل فقلت من هذا قالوا سعد بن عبادة فقلت ما له قالوا وجع فلما جلسنا قام خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله وقال أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا وقد دفت دافة منكم تريدون أن تختزلونا من أصلنا وتحضنونا من الأمر فلما سكت أردت أن أتكلم وقد كنت زورت مقالة أعجبتني أردت أن أقولها بين يدي أبي بكر وقد كنت أداري منه بعض الحد وهو كان أحلم مني وأوقر فقال أبو بكر على رسلك فكرهت أن أغضبه وكان أعلم مني والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بداهته مثلها وأفضل منها حتى سكت فقال أما بعد فما ذكرتم فيكم من خير فأنتم أهله ولم تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسباً وداراً وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا فلم أكره مما قال غيرها وكان والله إن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش وكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى خشيت الاختلاف فقلت أبسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعه الأنصار أما والله ما وجدنا فيما حضرنا أمراً هو أوفق من مبايعة أبي بكر خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة فإما أن نبايعهم على ما لا نرضى وإما أن نخلفهم فيكون فيه فساد.\rوأخرج النسائي وأبو يعلى والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير فأتاهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر فقالت الأنصار نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر.\rوأخرج ابن سعد والحاكم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة وفيهم أبو بكر وعمر فقام خطباء الأنصار فجعل الرجل منهم يقول يا معشر المهاجرين إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا استعمل رجلا منكم قرن معه رجلا منا فترى أن يلي هذا الأمر رجلان منا ومنكم فتتابعت خطباء الأنصار على ذلك فقام زيد بن ثابت فقال أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من الهاجرين وخليفته من المهاجرين ونحن كنا أنصار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنحن أنصار خليفته كما كنا أنصاره ثم أخذ بيد أبي بكر فقال هذا صاحبكم فبايعه عمر ثم بايعه المهاجرون والأنصار وصعد أبو بكر المنبر فنظر في وجوه القوم فلم ير الزبير فدعا بالزبير فجاء فقال: قلت ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه أردت أن تشق عصا المسلمين فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله فقام فبايعه ثم نظر في وجوه القوم فلم ير علياً فدعا به فجاء فقال: قلت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وختنه على ابنته أردت أن تشق عصا المسلمين فقال لا تثريب يا خليفة رسول الله فبايعه.","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"وقال ابن إسحاق في السيرة: حدثني الزهري قال: حدثني أنس بن مالك قال لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد جلس أبو بكر على المنبر فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله وثاني اثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوه فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة ثم تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني الصدق أمانة والكذب خيانة والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.\rوأخرج موسى بن عقبة في مغازيه والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن عوف قال: خطب أبو بكر فقال والله ما كنت حريصاً على الإمارة يوماً ولا ليلة قط ولا كنت راغباً فيها ولا سألتها الله في سر ولا علانية ولكني أشفقت من الفتنة وما لي في الإمارة من راحة لقد قلدت أمراً عظيماً ما لي به من طاقة ولا يد إلا بتقوية الله فقال علي والزبير ما غضبنا إلا لأنا أخرنا عن المشورة وإنا نرى أبا بكر أحق الناس بها إنه لصاحب الغار وإنا لنعرف شرفه وخيره ولقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة بالناس وهو حي.\rوأخرج ابن سعد عن إبراهيم التميمي قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتى عمر أبا عبيدة بن الجراح فقال أبسط يدك لأبايعك إنك أمين هذه الأمة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو عبيدة لعمر ما رأيت لك فهة قبلها منذ أسلمت أتبايعني وفيكم الصديق وثاني اثنين الفهة: ضعف الرأي.\rوأخرج ابن سعد أيضاً عن محمد أن أبا بكر قال لعمر أبسط يدك لأبايعك فقال له عمر أنت أفضل مني فقال له أبو بكر أنت أقوى مني ثم كرر ذلك فقال عمر فإن قوتي لك مع فضلك فبايعه.\rوأخرج أحمد عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال: توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في طائفة من المدينة فجاء فكشف عن وجهه فقال: وقال فداء لك أبي وأمي ما أطيبك حياً وميتاً مات محمد ورب الكعبة فذكر الحديث قال وانطلق أبو بكر وعمر يتفاودان حتى أتوهم فتكلم أبو بكر فلم يترك شيئاً أنزل في الأنصار ولا ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأنهم إلا ذكره وقال لقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار وادياً لسلكت وادي الأنصار ولقد علمت يا سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال \" وأنت قاعد \" قريش ولاة هذا الأمر فبر الناس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم \" فقال له سعد: صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء واخرج ابن عساكر عن أبي سعيد الخدري قال: لما بويع أبو بكر رأى من الناس بعض الانقباض فقال أيها الناس ما يمنعكم ألست أحقكم بهذا الأمر ألست أول من أسلم ألست ألست فذكر خصالاً.\rوأخرج أحمد عن رافع الطائي قال: حدثني أبو بكر عن بيعته وما قالته الأنصار وما قاله عمر قال فبايعوني وقبلتها منهم وتخوفت أن تكون فتنة يكون بعدها ردة.\rوأخرج ابن إسحاق وابن عايد في مغازيه عنه أنه قال لأبي بكر ما حملك على أن تلي أمر الناس وقد نهيتني أن أتأمر على اثنين قال لم أجد من ذلك بداً خشيت على أمة محمد صلى الله عليه وسلم الفرقة.\rوأخرج أحمد عن قيس بن أبي حازم قال إني لجالس عند أبي بكر الصديق بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بشهر فذكر قصته فنودي في الناس الصلاة جامعة فاجتمع الناس فصعد المنبر ثم قال: أيها الناس لوددت أن هذا كفانيه غيري ولئن أخذتموني بسنة نبيكم ما أطيقها إن كان لمعصوماً من الشيطان وإن كان لينزل عليه الوحي من السماء.","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"وأخرج ابن سعد عن الحسن البصري قال لما بويع أبو بكر قام خطيباً فقال أما بعد فإني وليت هذا الأمر وأنا له كاره ووالله لوددت أن بعضكم كفانيه ألا وإنكم إن كلفتموني أن أعمل فيكم بمثل عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أقم به كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عبداً أكرمه الله بالوحي وعصمه به ألا وإنما أنا بشر ولست بخير من أحدكم فراعوني فإذا رأيتموني استقمت فاتبعوني وإذا رأيتموني زغت فقوموني واعلموا أن لي شيطاناً يعتريني فإذا رأيتموني غضبت فاجتنبوني لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم.\rوأخرج ابن سعد والخطيب في رواية مالك عن عروة قال: لما ولي أبو بكر خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإني قد وليت أمركم ولست بخيركم ولكنه نزل القرآن وسن النبي صلى الله عليه وسلم السنن وعلمنا فعلمنا فاعلموا أيها الناس أن أكيس الكيس التقى وأعجز العجز الفجور وأن أقواكم عندي الضيف حتى آخذ له بحقه وأن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق أيها الناس إنما أنا متبع ولست بمبتدع فإذا أحسنت فأعينوني وإن أنا زغت فقوموني أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.\rقال مالك: لا يكون أحد إماماً أبداً إلا على هذا الشرط.\rوأخرج الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجت مكة فسمع أبو قحافة ذلك فقال ما هذا قالوا قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أمر جلل فمن قام بالأمر بعده قالوا ابنك قال فهل رضيت بذلك بنو عبد مناف وبنو المغيرة قالوا نعم قال لا واضع لما رفعت ولا رافع لما وضعت.\rوأخرج الواقدي من طرق عن عائشة وابن عمر وسعيد بن المسيب وغيرهم رضي الله عنهم أن أبا بكر بويع يوم قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة.\rوأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر قال لم يجلس أبو بكر الصديق في مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر حتى لقي الله ولم يجلس عمر في مجلس أبي بكر حتى لقي الله ولم يجلس عثمان في مجلس عمر حتى لقي الله.\rفصل فيما وقع في خلافته\rوالذي وقع في أيامه من الأمور الكبار: تنفيذ جيش أسامة وقتال أهل الردة وما نعي الزكاة ومسيلمة الكذاب وجمع القرآن.\rأخرج الإسماعيلي عن عمر رضي الله عنه قال لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ارتد من ارتد من العرب وقالوا نصلي ولا نزكي فأتيت أبا بكر فقلت يا خليفة رسول الله تألف الناس وارفق بهم فإنهم بمنزلة الوحش فقال رجوت نصرتك وجئتني بخذلانك جباراً في الجاهلية خواراً في الإسلام بماذا عسيت أن أتألفهم بشعر مفتعل أو بسحر مفترى هيهات هيهات مضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وانقطع الوحي والله لأجاهدنهم ما استمسك السيف في يدي وإن منعوني عقالا قال عمر: فوجدته في ذلك أمضى مني وأحزم وأدب الناس على أمور هانت على كثير من مؤونتهم حين وليتهم.\rوأخرج أبو القاسم البغوي وأبو بكر الشافعي في فوائده وابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها قالت لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرأب النفاق وارتدت العرب وانحازت الأنصار فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضها فما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بفنائها وفضلها قالوا أين يدفن النبي صلى الله عليه وسلم فما وجدنا عند أحد من ذلك علما فقال أبو بكر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسمل يقول ما من نبي يقبض إلا دفن تحت مضجعه الذي مات فيه قالت واختلفوا في ميراثه فما وجدوا عند أحد من ذلك علماً فقال أبو بكر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول \" إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة \" .\rقال الأصمعي: الهيض الكسر للعظم والاشرئباب رفع الرأس.\rقال بعض العلماء: وهذا أول اختلاف وقع بين الصحابة رضي الله عنهم فقال بعضهم ندفنه بمكة بلده الذي ولد بها وقال آخرون بل بمسجده وقال آخرون بل بالبقيع وقال آخرون بل في بيت المقدس مدفن الأنبياء حتى أخبرهم أبو بكر بما عنده من العلم.\rقال ابن زنجويه: وهذه سنة تفرد بها الصديق من بين المهاجرين والأنصار ورجعوا إليه فيها.","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"وأخرج البيهقي وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال والذي لا إله إلا هو لولا إن أبا بكر استخلف ما عبد الله ثم قال الثانية ثم قال الثالثة فقيل له مه يا أبا هريرة فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه أسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام فلما نزل بذي خشب قبض النبي صلى الله عليه وسلم وارتد العرب حول المدينة واجتمع إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: رد هؤلاء توجه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة فقال والذي لا إله إلا هو لو جرت الكلاب بأرجل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ما رددت جيشاً وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا حللت لواء عقده فوجه أسامة فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم فلقوهم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين فثبتوا على الإسلام.\rوأخرج عن عروة قال: جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه: أنفذوا جيش أسامة فسار حتى بلغ الجرف فأرسلت إليه امرأته فاطمة بنت قيس تقول لا تعجل فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثقل فلم يبرح حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قبض رجع إلى أبي بكر فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني وأنا على غير حالكم هذه وأنا أتخوف أن تكفر العرب وإن كفرت كانوا أول من يقاتل وإن لم تكفر مضيت فإن معي سروات الناس وخيارهم فخطب أبو بكر الناس ثم قال والله لأن تخطفني الطير أحب إلي من أن أبدأ بشيء قبل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعثه.\rوقال الذهبي: لما اشتهرت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بالنواحي ارتدت طوائف كثيرة من العرب عن الإسلام ومنعوا الزكاة فنهض أبو بكر الصديق لقتالهم فأشار عليه عمر وغيره أن يفتر عن قتالهم فقال: والله لو منعوني عقالا أو عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها فقال عمر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فمن قالها عصم مني ماله ودمه إلا بحقها وحسابه على الله \" فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال وقد قال إلا بحقها قال عمر فو الله ما هو إلا أن رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق أخرجه الشيخان وغيرهما.\rوعن عروة قال: خرج أبو بكر في المهاجرين والأنصار حتى بلغ نقعاً حذاء نحد وهربت الأعراب بذراريهم فكلم الناس أبا بكر وقالوا ارجع إلى المدينة وإلى الذرية والنساء وأمر رجلا على الجيش ولم يزالوا به حتى رجع وأمر خالد ابن الوليد وقال له إذا أسلموا وأعطوا الصدقة فمن شاء منكم أن يرجع فليرجع ورجع أبو بكر إلى المدينة.\rوأخرج الدار قطني عن ابن عمر قال: لما برز أبو بكر واستوى على راحلته أخذ علي بن أبي طالب بزمامها وقال إلى أين يا خليفة رسول الله أقول لك ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد شم سيفك ولا تفجعنا بنفسك وارجع إلى المدينة فو الله لئن فجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبداً.\rوعن حنظلة بن علي الليثي أن أبا بكر بعث خالداً وأمره أن يقاتل الناس على خمس من ترك واحدة منهن قاتله كما يقاتل من ترك الخمس جميعاً: على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت وسار خالد ومن معه في جمادى الآخرة فقاتل بني أسد وغطفان وقتل من قتل وأسر من أسر ورجع الباقون إلى الإسلام واستشهد بهذه الواقعة من الصحابة عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم.\rوفي رمضان من هذه السنة ماتت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدة نساء العالمين وعمرها أربع وعشرون سنة.\rقال الذهبي: وليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم نسب إلا منها فإن عقب ابنته زينب انقرضوا قاله الزبير بن بكار وماتت قبلها بشهر أم أيمن.\rوفي شوال مات عبد الله بن أبي بكر الصديق.","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"ثم سار خالد بمجموعه إلى اليمامة لقتال مسيلمة الكذاب في أواخر العام والتقى الجمعان ودام الحصار أياماً ثم قتل الكذاب لعنه الله قتله وحشي قاتل حمزة واستشهد فيها خلق من الصحابة أبو حذيفة بن عتبة وسالم مولى أبي حذيفة وشجاع بن وهب وزيد بن الخطاب وعبد الله بن سهل ومالك بن عمرو والطفيل بن عمرو الدوسي ويزيد بن قيس وعامر بن البكير وعبد الله بن مخرمة والسائب بن عثمان بن مظعون وعباد بن بشر ومعن بن عدي وثابت بن قيس بن شماس وأبو دجانة سماك بن حرب وجماعة آخرون تتمة سبعين وكان لمسيلمة يوم قتل مائة وخمسون سنة ومولده قبل مولد عبد الله والد النبي صلى الله عليه وآله وسلم.\rوفي سنة اثنتي عشرة بعث الصديق العلاء بن الحضرمي إلى البحرين وكانوا قد ارتدوا فالتقوا بجواثى فنصر المسلمون وبعث عكرمة بن أبي جهل إلى عمان وكانوا قد ارتدوا وبعث المهاجر بن أبي أمية إلى أهل النجير وكانوا قد ارتدوا وبعث زياد بن لبيد الأنصاري إلى طائفة من المرتدة وفيها مات أبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم والصعب بن جثامة الليثي وأبو مرثد الغنوي وفيها بعد فراغ قتال أهل الردة بعث الصديق رضي الله عنه خالد بن الوليد إلى أرض البصرة فغزا الأبلة فافتتحها وافتتح مدائن كسرى التي بالعراق صلحاً وحرباً وفيها أقام الحج أبو بكر الصديق ثم رجع فبعث عمرو بن العاص والجنود إلى الشام فكانت وقعة أجنادين في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة ونصر المسلمون وبشر بها أبو بكر وهو بآخر رمق واستشهد بها عكرمة بن أبي جهل وهشام بن العاصي في طائفة.\rوفيها كانت وقعة مرج الصفر وهزم المشركون واستشهد بها الفضل بن العباس في الطائفة.\rذكر جمع القرآن\rأخرج البخاري عن زيد بن ثابت قال: أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة وعنده عمر فقال: أبو بكر: إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس وإني لأخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن إلا أن يجمعوه وإني لأرى أن يجمع القرآن قال أبو بكر فقلت لعمر كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: هو والله خير فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري فرأيت الذي رأى عمر قال زيد: وعمر عنده جالس لا يتكلم فقال أبو بكر: إنك شاب عاقل ولا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن فاجمعه فو الله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن فقلت كيف تفعلان شيئاً لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: هو والله خير فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة بن ثابت لم أجدهما مع غيره \" لقد جاءكم رسول من أنفسكم \" \" التوبة: 128 \" إلى آخرها فكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حتى توفاه الله ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنها.\rوأخرج أبو يعلى عن علي قال: أعظم الناس أجراً في المصاحف أبو بكر إن أبا بكر كان أول من جمع القرآن بين اللوحين.\rذكر فصل في أولياته\rمنها أنه أول من أسلم وأول من جمع القرآن وأول من سماه مصحفاً وتقدم دليل ذلك وأول من سمي خليفة.\rأخرج أحمد عن أبي بكر بن أبي مليكة قال: قيل لأبي بكر يا خليفة الله قال أنا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا راض به.\rومنها أنه أول من ولى الخلافة وأبوه حي وأول خليفة فرض له رعيته العطاء.\rأخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما استخلف أبو بكر قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي وشغلت بأمر المسلمين فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال ويحترف للمسلمين.","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"وأخرج ابن سعد عن عطاء بن السائب قال: لما بويع أبو بكر أصبح وعلى ساعده أيراد وهو ذاهب إلى السوق فقال عمر: أين تريد قال إلى السوق قال تصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين قال فمن أين أطعم عيالي فقال انطلق يفرض لك أبو عبيدة فانطلقا إلى أبي عبيدة فقال أفرض لك قوت رجل من المهاجرين ليس بأفضلهم ولا أوكسهم وكسوة الشتاء والصيف إذا أخلقت شيئاً رددته وأخذت غيره ففرضا له كل يوم نصف شاة وما كساه في الرأس والبطن.\rوأخرج ابن سعد عن ميمون قال: لما استخلف أبو بكر جعلوا له ألفين فقال زيدوني فإن لي عيالا وقد شغلتموني عن التجارة فزاده خمسمائة.\rوأخرج الطبراني في مسنده عن الحسن بن علي بن أبي طالب قال: لما احتضر أبو بكر قال يا عائشة انظري اللقحة التي كنا نشرب من لبنها والجفنة التي كنا نصطبغ فيها والقطيعة التي كنا نلبسها فإنا كنا ننتفع بذلك حين كنا نلي أمر المسلمين فإذا مت فاردديه إلى عمر فلما مات أبو بكر أرسلت به إلى عمر فقال عمر: رحمك الله يا أبا بكر لقد أتعبت من جاء بعدك.\rوأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي بكر بن حفص قال: قال أبو بكر لما احتضر لعائشة رضي الله عنها: يا بنية إنا ولينا أمر المسلمين فلم نأخذ لنا ديناراً ولا درهماً ولكنا أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا وإنه لم يبق عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي وهذا البعير الناضح وجرد هذه القطيفة فإذا مت فابعثي بهن إلى عمر.\rومنها أنه أول من اتخذ بيت المال.\rأخرج ابن سعد عن سهل بن أبي خيثمة وغيره أن أبا بكر كان له بيت مال بالسنح ليس يحرسه أحد فقيل له ألا تجعل عليه من يحرسه قال عليه قفل فكان يعطى ما فيه حتى يفرغ فلما انتقل إلى المدينة حوله فجعله في داره فقدم عليه مال فكان يقسمه على فقراء الناس فيسوى بين الناس في القسم وكان يشتري الإبل والخيل والسلاح فيجعله في سبيل الله واشترى قطائف أتى بها من البادية ففرقها في أرامل المدينة فلما توفي أبو بكر ودفن دعا عمر الأمناء ودخل بهم في بيت مال أبي بكر منهم عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان ففتحوا بيت المال فلم يجدوا فيه شيئاً ولا ديناراً ولا درهماً.\rقلت: وبهذا الأثر يرد قول العسكري في الأوائل: إن أول من اتخذ بيت المال عمر وإنه لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم بيت مال ولا لأبي بكر رضي الله عنه وقد رددته عليه في كتابي الذي صنفته في الأوائل ثم رأيت العسكري تنبه له في موضع آخر من كتابه فقال: إن أول من ولي بيت المال أبو عبيدة بن الجراح لأبي بكر.\rمنها قال الحاكم: أول لقب في الإسلام لقب أبي بكر رضي الله عنه عتيق.\rفصل: أخرج الشيخان عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا \" فلما جاء مال البحرين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر: من كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم دين أو عدة فليأتنا فجئت وأخبرته فقال: خذ فأخذت فوجدتها خمسمائة فأعطاني ألفاً وخمسمائة.\rفصل في نبذ من حلمه وتواضعه\rأخرج ابن عساكر عن أنيسة قالت: نزل فينا أبو بكر ثلاث سنين قبل أن يستخلف وسنة بعد ما استخلف فكان جواري الحي يأتينه بغنمهن فيحلبهن لهن.\rوأخرج أحمد في الزهد عن ميمون بن مهران قال: جاء رجل إلى أبي بكر فقال السلام عليك يا خليفة رسول الله قال: من بين هؤلاء أجمعين.\rوأخرج ابن عساكر عن أبي صالح الغفاري: أن عمر بن الخطاب كان يتعهد عجوزاً كبيرة عمياء في بعض حواشي المدينة من الليل فيسقي لها ويقوم بأمرها فكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها فأصلح ما أرادت فجاءها غير مرة كيلا يسبق إليها فرصده عمر فإذا هو بأبي بكر الذي يأتيها وهو يومئذ خليفة فقال عمر أنت هو لعمري.\rوأخرج أبو نعيم وغيره عن عبد الرحمن الأصبهاني قال جاء الحسن ابن علي إلى أبي بكر وهو على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: انزل عن مجلس أبي فقال صدقت إنه مجلس أبيك وأجلسه في حجره وبكى فقال علي: والله ما هذا عن أمري فقال: صدقت والله ما أتهمك.","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"فصل: أخرج ابن سعد عن ابن عمر قال: استعمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر على الحج في أول حجة كانت في الإسلام ثم حج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في السنة المقبلة فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر استعمل عمر بن الخطاب على الحج ثم حج أبو بكر من قابل فلما قبض أبو بكر واستخلف عمر استعمل عبد الرحمن بن عوف على الحج ثم لم يزل عمر يحج سنيه كلها حتى قبض فاستخلف عثمان واستعمل عبد الرحمن بن عوف على الحج.\rفصل في مرضه ووفاته ووصيته واستخلافه عمر\rأخرج سيف والحاكم عن ابن عمر قال كان سبب موت أبي بكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كمد فما زال جسمه يجري حتى مات يجري أي ينقص.\rوأخرج ابن سعد والحاكم بسند صحيح عن ابن شهاب أن أبا بكر والحارث بن كلدة كانا يأكلان خزيرة أهديت لأبي بكر فقال الحارث لأبي بكر ارفع يدك يا خليفة رسول الله والله إن فيها لسم سنة وأنا وأنت نموت في يوم واحد فرفع يده فلم يزالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة.\rوأخرج الحاكم عن الشعبي قال: ماذا نتوقع من هذه الدنيا الدنية وقد سم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسم أبو بكر؟.\rوأخرج الواقدي والحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان أول بدء مرض أبي بكر أنه اغتسل يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة وكان يوماً بارداً فحم خمسة عشر يوماً لا يخرج إلى صلاة وتوفي ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وله ثلاث وستون سنة.\rوأخرج ابن سعد وابن أبي الدنيا عن أبي السفر قال دخلوا على أبي بكر في مرضه فقالوا يا خليفة رسول الله ألا ندعو لك طبيباً ينظر إليك قال قد نظر إلي فقالوا ما قال لك؟ قال: قال: إني فعال لما أريد.\rوأخرج الواقدي من طرق أن أبا بكر لما ثقل دعا عبد الرحمن بن عوف فقال: أخبرني عن عمر بن الخطاب فقال ما تسألني عن أمر إلا وأنت أعلم به مني فقال أبو بكر وإن فقال عبد الرحمن هو والله أفضل من رأيك فيه ثم دعا عثمان بن عفان فقال: أخبرني عن عمر فقال أنت أخبرنا به فقال على ذلك فقال اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته وأنه ليس فينا مثله وشاور معهما سعيد بن زيد وأسيد بن الحضير وغيرهما من المهاجرين والأنصار فقال أسيد اللهم أعلمه الخير بعدك يرضى للرضا ويسخط للسخط الذي يسر خير من الذي يعلن ولن يلي هذا الأمر أحد أقوى عليه منه.\rودخل عليه بعض الصحابة فقال له قائل منهم ما أنت قائل لربك إذا سألك عن استخلافك عمر علينا وقد ترى غلظته فقال أبو بكر بالله تخوفني أقول اللهم إني استخلفت عليهم خير أهلك أبلغ عني ما قلت وراءك ثم دعا عثمان فقال اكتب بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجاً منها وعند أول عهده بالآخرة داخلا فيها حيث يؤمن الكافر ويوقن الفاجر ويصدق الكاذب إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيراً فإن عدل فلذلك ظني به وعلمي فيه وإن بدل فلكل امرئ ما اكتسب والخير أردت ولا أعلم الغيب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ثم أمر بالكتاب فختمه ثم أمر عثمان فخرج بالكتاب مختوماً فبايع الناس ورضوا به ثم دعا أبو بكر عمر خالياً فأوصاه بما أوصاه ثم خرج من عنده فرفع أبو بكر يديه وقال اللهم إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم وخفت عليهم الفتنة فعملت فيهم بما أنت أعلم به واجتهدت لهم رأياً فوليت عليهم خيرهم وأقواهم عليهم وأحرصهم على ما أرشدهم وقد حضرني من أمرك ما حضر فاخلفني فيهم فهم عبادك ونواصيهم بيدك أصلح اللهم ولاتهم واجعله من خلفائك الراشدين وأصلح له رعيته.\rوأخرج ابن سعد والحاكم عن ابن مسعود قال: أفرس الناس ثلاثة: أبو بكر حين استخلف عمر وصاحبة موسى حين قالت: استأجره والعزيز حين تفرس في يوسف فقال لامرأته: أكرمي مثواه.\rوأخرج ابن عساكر عن يسار بن حمزة قال: لما ثقل أبو بكر أشرف على الناس من كوة فقال: أيها الناس إني قد عهدت عهداً أفترضون به فقال الناس: رضينا يا خليفة رسول الله فقام علي فقال لا نرضى إلا أن يكون عمر قال فإنه عمر.","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"وأخرج أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن أبا بكر لما حضرته الوفاة قال أي يوم هذا قالوا يوم الاثنين قال فإن مت من ليلتي فلا تنتظروا بي لغد فإن أحب الأيام والليالي إلى أقربها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوأخرج مالك عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر نحلها جداد عشرين وسقاً من ماله بالغابة فلما حضرته الوفاة قال يا بنية والله ما من الناس أحد أحب إلي غنى منك ولا أعز علي فقراً بعدي منك وإني كنت نحلتك جداد عشرين وسقاً فلو كنت جددته واحترزته كان لك وإنما هو اليوم مال وارث وإنما هو أخواك وأختاك فاقسموه على كتاب الله فقالت يا أبت والله لو كان كذا وكذا لتركته إنما هي أسماء فمن الأخرى قال ذو بطن ابنة خارجة أراها جارية وأخرجه ابن سعد وقال في آخره ذات بطن ابنة خارجة قد ألقى في روعي أنها جارية فاستوصى بها خيراً فولدت أم كلثوم.\rوأخرج ابن سعد عن عروة أن أبا بكر أوصى بخمس ماله وقال: آخذ من مالي ما أخذ الله من فيء المسلمين.\rوأخرج من وجه آخر عنه قال: لأن أوصي بالخمس أحب إلي من أن وصى بالربع وأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصى بالثلث ومن أوصى بالثلث لم يترك شيئاً.\rوأخرج سعيد بن منصور في سننه عن الضحاك أن أبا بكر وعلياً أوصيا بالخمس من أموالهما لمن لا يرث من ذوي قرابتهما.\rوأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن عائشة رضي الله عنها قالت: والله ما ترك أبو بكر ديناراً ولا درهما ضرب الله سكته.\rوأخرج ابن سعد وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما ثقل أبو بكر تمثلت بهذا البيت:\rلعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر\rفكشف عن وجهه وقال ليس كذلك ولكن قولي \" وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد \" \" ق: 19 \" انظروا ثوبي هذين فاغسلوهما وكفنوني فيهما فإن الحي أحوج إلى الجديد من الميت.\rوأخرج أبو يعلى عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت على أبي بكر وهو في الموت فقلت:\rمن لا يزال دمعه مقنعاً ... فإنه في مرة مدفوق\rفقال: لا تقولي هذا ولكن قولي \" وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد \" \" ق: 19 \" ثم قال: في أي يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: يوم الاثنين قال: أرجو فيما بيني وبين الليل فتوفي ليلة الثلاثاء ودفن قبل أن يصبح.\rوأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن بكر بن عبد الله المزني قال لما احتضر أبو بكر قعدت عائشة رضي الله عنها عند رأسه فقالت:\rوكل ذي إبل يوماً موردها ... وكل ذي سلب لا بد مسلوب\rففهمها أبو بكر فقال ليس كذلك يا ابنتاه ولكنه كما قال الله \" وجاءت سكرة الموت \" \" ق: 19 \" الآية.\rوأخرج أحمد عن عائشة رضي الله عنها أنها تمثلت بهذا البيت وأبو بكر يقضي:\rوأبيض يستسقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل\rفقال أبو بكر: ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن عبادة بن قيس قال: لما حضرت أبا بكر الوفاة قال لعائشة اغسلي ثوبي هذين وكفنيني بهما فإنما أبوك أحد رجلين إما مكسو أحسن الكسوة أو مسلوب أسوأ السلب.\rوأخرج ابن أبي الدينا عن ابن أبي مليكة أن أبا بكر أوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس ويعينها عبد الرحمن بن أبي بكر.\rوأخرج ابن سعد عن سعيد بن المسيب أن عمر رضي الله عنه صلى على أبي بكر بين القبر والمنبر وكبر عليه أربعاً.\rوأخرج عن عروة والقاسم بن محمد أن أبا بكر أوصى عائشة أن يدفن إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما توفي حفر له وجعل رأسه عند كتف رسول الله صلى الله عليه وسلم وألصق اللحد بقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوأخرج عن ابن عمر قال: نزل في حفرة أبي بكر: عمر وطلحة وعثمان وعبد الرحمن بن أبي بكر.\rوأخرج من طرق عدة: أنه دفن ليلا.\rوأخرج عن ابن المسيب أن أبا بكر لما مات ارتجت مكة فقال أبو قحافة ما هذا؟ قالوا: مات ابنك قال: رزء جليل من قام بالأمر بعده؟ قالوا عمر قال: صاحبه.\rوأخرج عن مجاهد أن أبا قحافة رد ميراثه من أبي بكر على ولد أبي بكر ولم يعش أبو قحافة بعد أبي بكر إلا ستة أشهر وأياماً ومات في المحرم سنته أربع عشرة وهو ابن سبع وتسعين سنة.","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"قال العلماء: لم يل الخلافة أحد في حياة أبيه إلا أبو بكر ولم يرث خليفة أبوه إلا أبا بكر.\rوأخرج الحاكم عن ابن عمر قال: ولى أبو بكر سنتين وسبعة أشهر.\rوفي تاريخ ابن عساكر بسنده عن الأصمعي قال: قال خفاف بن ندبة السلمي يبكي أبا بكر:\rليس لحي فاعلمنه بقا ... وكل دنيا أمرها للفنا\rوالملك في الأقوام مستودع ... عارية فالشرط فيه الأدا\rوالمرء يسعى وله راصد ... تندبه العين ونار الصدا\rيهرم أو يقتل أو يقهره ... يشكوه سقم ليس فيه شفا\rإن أبا بكر هو الغيث إن ... لم تزرع الجوزاء بقلا بما\rتالله لا يدرك أيامه ... ذو مئزر ناش ولا ذو ردا\rمن يسع كي يدرك أيامه ... مجتهداً شذ بأرض فضا\rفصل فيما روي عنه من الحديث المسند\rقال النووي في تهذيبه: روي الصديق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة حديث واثنين وأربعين حديثاً وسبب قلة روايته مع تقدم صحبته وملازمته النبي صلى الله عليه وسلم أنه تقدمت وفاته قبل انتشار الأحاديث واعتناء التابعين بسماعها وتحصيلها وحفظها.\rقلت: وقد ذكر عمر رضي الله عنه في حديث البيعة السابق أن أبا بكر لم يترك شيئاً أنزل في الأنصار أو قد ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأنهم إلا ذكره وهذا أدل دليل على كثرة محفوظة من السنة وسعة علمه بالقرآن وروى عنه عمر وعلي وابن عوف وابن مسعود وحذيفة وابن عمر وابن الزبير وابن عمرو وابن عباس وأنس وزيد بن ثابت والبراء بن عازب وأبو هريرة وعقبة بن الحارث وعبد الرحمن ابنه وزيد بن أرقم وعبد الله بن مغفل وعقبة بن عامر الجهني وعمران بن حصين وأبو برزة الأسلمي وأبو سعيد الخدري وأبو موسى الأشعري وأبو الطفيل الليثي وجابر بن عبد الله وبلال وعائشة ابنته وأسماء ابنته ومن التابعين أسلم مولى عمر وواسط البجلي وخلائق.\rوقد رأيت أن أسرد أحاديثه هنا على وجه وجيز مبيناً عقب كل حديث من خرجه وسأفردها بطرقها في مسند إن شاء الله تعالى.\rالأول: حديث الهجرة الشيخان وغيرهما.\rالثاني: حديث البحر \" هو الطهور ماؤه الحل ميتته \" الدارقطني.\rالثالث: حديث \" السواك مطهرة للفم مرضاة للرب \" أحمد.\rالرابع: حديث \" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل كتفاً ثم صلى ولم يتوضأ \" البزار وأبو يعلى.\rالخامس: حديث لا \" يتوضأن أحدكم من طعام أكله حل له أكله \" البزار.\rالسادس: حديث \" نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ضرب المصلين \" أبو يعلى والبزار. السابع: حديث \" أن آخر صلاة صلاها النبي صلى الله عليه وسلم خلفي في ثوب واحد \" أبو يعلى.\rالثامن: حديث \" من سره أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد \" أحمد. التاسع: حديث \" أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم \" البخاري ومسلم.\rالعاشر: حديث \" من صلى الصبح فهو في ذمة الله فلا تخفروا الله في عهده فمن قتله طلبه الله حتى يكبه في النار على وجهه \" ابن ماجة.\rالحادي عشر: حديث \" ما قبض نبي قط حتى يؤمه رجل من أمته \" البزار.\rالثاني عشر: حديث \" ما من رجل يذنب ذنباً فيتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلي ركعتين فيستغفر الله إلا غفر له \" أحمد وأصحاب السنن الأربعة وابن حبان.\rالثالث عشر: حديث \" ما قبض الله نبياً إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه \" الترمذي.\rالرابع عشر: حديث \" لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد \" أبو يعلى.\rالخامس عشر: حديث \" إن الميت ينضح عليه الحميم ببكاء الحي \" أبو يعلى.\rالسادس عشر: \" اتقوا النار ولو بشق تمرة فإنها تقيم العوج وتدفع ميتة السوء وتقع من الجائع موقعها من الشبعان \" أبو يعلى.\rالسابع عشر: حديث فرائض الصدقات بطوله البخاري وغيره.\rالثامن عشر: حديث عن ابن أبي مليكة قال \" كان ربما سقط الخطام من يد أبي بكر الصديق فيضرب بذراع ناقته فينيخها فقالوا له: أفلا أمرتنا نناولكه؟ فقال: \" إن حبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن لا اسأل الناس شيئاً؟ \" أحمد.","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"التاسع عشر: حديث \" أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسماء بنت عميس حين نفست بمحمد بن أبي بكر أن تغتسل وتهل \" البزار والطبراني.\rالعشرون: \" سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الحج أفضل فقال: العج والثج \" الترمذي وابن ماجه.\rالحادي والعشرون: حديث \" أنه قبل الحجر وقال: لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك \" الدارقطني.\rالثاني والعشرون: حديث \" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ببراءة إلى أهل مكة لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان \" الحديث أحمد.\rالثالث والعشرون: حديث \" ما بين بيتي ومنبري روضه من رياض الجنة ومنبر على ترعة من ترع الجنة \" أبو يعلى.\rالرابع والعشرون: حديث انطلاقه صلى الله عليه وسلم إلى دار أبي الهيثم ابن التيهان بطوله أبو يعلى.\rالخامس والعشرون: حديث \" الذهب بالذهب مثلا بمثل والفضة بالفضة مثلا بمثل والزائد المستزيد في النار \" أبو يعلى والبزار.\rالسادس والعشرون: حديث \" ملعون من ضار مؤمناً أو مكر به \" الترمذي.\rالسابع والعشرون: حديث \" لا يدخل الجنة بخيل ولا خب ولا خائن ولا سيئ الملكة وأول من يدخل الجنة المملوك إذا أطاع الله وأطاع سيده \" .\rالثامن والعشرون: حديث \" الولاء لمن أعتق \" الضياء المقدسي في المختارة.\rالتاسع والعشرون: حديث \" لا نورث ما تركناه صدقة \" البخاري.\rالثلاثون: حديث \" إن الله إذا أطعم نبياً طعمة ثم قبضه جعلها للذي يقوم من بعده \" أبو داود. الحادي والثلاثون: حديث \" كفر بالله من تبرأ من نسب وإن دق \" البزار.\rالثاني والعشرون: حديث \" أنت ومالك لأبيك \" قال أبو بكر: وإنما يعني بذلك النفقة البيهقي.\rالثالث والثلاثون: حديث \" من أغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار \" البزار.\rالرابع والثلاثون: حديث \" أمرت أن أقاتل الناس \" الحديث الشيخان وغيرهما.\rالخامس والثلاثون: حديث \" نعم عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد وسيف من سيوف الله سله الله على الكفار والمنافقين \" أحمد.\rالسادس والثلاثون: حديث \" ما طلعت الشمس على رجل خير من عمر \" الترمذي.\rالسابع والثلاثون: حديث \" من ولى من أمر المسلمين شيئاً فأمر عليهم أحداً محاباة فعليه لعنة الله لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلا حتى يدخله جهنم ومن أعطى أحداً حمى الله فقد انتهك من حمى الله شيئاً بغير حقه فعليه لعنة الله \" أحمد.\rالثامن والثلاثون: حديث قصة ماعز ورجمه أحمد.\rالتاسع والثلاثون: حديث \" ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة \" الترمذي. الأربعون: حديث \" أنه صلى الله عليه وسلم شاور في أمر الحرب \" الطبراني.\rالحادي والأربعون: حديث \" لما نزلت من يعمل سوأ يجز به \" الحديث الترمذي وابن حبان وغيرهما.\rالثاني والأربعون: حديث \" إنكم تقرؤون هذه الآية \" يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم \" \" المائدة: 105 \" الحديث أحمد والأربعة وابن حبان.\rالثالث والأربعون: حديث \" ما ظنك باثنين الله ثالثهما \" الشيخان.\rالرابع والأربعون: حديث \" اللهم طعناً وطاعوناً \" أبو يعلى.\rالخامس والأربعون: حديث \" شيبتني هود \" الحديث الدارقطني في العلل.\rالسادس والأربعون: حديث \" الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل \" الحديث أبو يعلى وغيره. السابع والأربعون: حديث \" قلت: يا رسول الله علمني شيئاً أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت \" الحديث الهيثم بن كليب في مسنده وهو عند الترمذي وغيره من مسند أبي هريرة.\rالثامن والأربعون: حديث \" عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار فإن إبليس قال: أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء فهم يحسبون أنهم مهتدون \" أبو يعلى.\rالتاسع والأربعون: حديث \" لما نزلت \" لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي \" قلت: يا رسول الله والله لا أكلمك إلا كأخي الهرم السرار \" البزار.\rالخمسون: حديث \" كل ميسر لما خلق له \" أحمد.\rالأحد والخمسون: حديث \" من كذب علي متعمداً ورد علي شيئاً أمرت به فليتبوأ بيتاً في جهنم \" أبو يعلى.\rالثاني والخمسون: حديث \" ما نجاة هذا الأمر الحديث في لا إله إلا الله \" أحمد وغيره.\rالثالث والخمسون: \" أخرج فناد في الناس من شهد أن لا إله إلا الله وجبت له الجنة فخرجت فلقيني عمر \" الحديث أبو يعلى وهو محفوظ من حديث أبي هريرة غريب جداً من حيث أبي بكر.","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"الرابع والخمسون: حديث \" صنفان من أمتي لا يدخلان الجنة المرجئة والقدرية \" الدارقطني في العلل.\rالخامس والخمسون: حديث \" سلوا الله العافية \" أحمد والنسائي وابن ماجة وله من طرق كثيرة عنه.\rالسادس والخمسون: حديث \" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أمراً قال: اللهم خر لي واختر لي \" الترمذي.\rالسابع والخمسون: حديث \" دعاء الدين اللهم فارج الهم \" الحديث البزار والحاكم.\rالثامن والخمسون: حديث \" كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به \" وفي لفظ \" لا يدخل الجنة جسد غذي بحرام \" أبو يعلى.\rالتاسع والخمسون: حديث \" ليس شيء من الجسد إلا وهو يشكو ذرب اللسان \" أبو يعلى.\rالستون: حديث \" ينزل الله ليلة النصف من شعبان فيغفر فيها لكل بشر ما خلا كافراً أو رجلا في قلبه شحناء \" الدارقطني.\rالأحد والستون: حديث \" إن الدجال يخرج بالمشرق من أرض يقال لها خراسان يتبعه أقوام كأن وجوههم المجال المطرقة \" الترمذي وابن ماجة.\rالثاني والستون: حديث \" أعطيت سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب \" الحديث أحمد.\rالثالث والستون: حديث الشفاعة بطوله في تردد الخلائق إلى نبي بعد نبي أحمد.\rالرابع والستون: حديث \" لو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار وادياً لسلكت وادي الأنصار \" أحمد.\rالخامس والستون: حديث \" قريش ولاة هذا الأمر برهم تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم \" أحمد. السادس والستون: حديث أنه صلى الله عليه وسلم أوصى بالأنصار عند موته وقال: \" اقبلوا من محسنهم وتجاوزا عن مسيئهم \" البزار والطبراني.\rالسابع والستون: حديث \" إني لأعلم أرضاً يقال لها عمان ينضح بناحيتها البحر بها حي من العرب لو أتاهم رسولي ما رموه بسهم ولا حجر \" أحمد وأبو يعلى.\rالثامن والستون: حديث أن أبا بكر مر بالحسن وهو يلعب مع الغلمان فاحتمله على رقبته وقال: بأبي شيبه بالنبي ليس شبيهاً بعلي البخاري وقال ابن كثير: وهو في حكم المرفوع لأنه في قوة قوله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشبه الحسن.\rالتاسع والستون: حديث \" أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور أم أيمن \" مسلم.\rالسبعون: حديث قتل السارق في الخامسة أبو يعلى والديلمي.\rالحادي والسبعون: حديث قصة أحد الطيالسي والطبراني.\rالثاني والسبعون: حديث \" بينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ رأيته يدفع عن نفسه شيئاً ولا أرى شيئاً قلت: يا رسول الله ما الذي تدفع؟ قال: الدنيا تطولت لي فقلت: إليك عني فقالت لي إما أنك لست بمدركي \" البزار. هذا ما أورده ابن كثير في مسند الصديق من الأحاديث المرفوعة وقد فاته أحاديث أخرى نتبعها لتكملة العدة التي ذكرها النووي.\rالثالث والسبعون: حديث \" اقتلوا الفرد كائناً ما كان من الناس \" الطبراني في الأوسط.\rالرابع والسبعون: حديث \" انظروا دور من تعمرون وأرض من تسكنون وفي طريق من تمشون \" الديلمي.\rالخامس والسبعون: حديث \" أكثروا من الصلاة علي فإن الله وكل بقبري ملكاً فإذا صلى رجل من أمتي قال لي ذلك الملك إن فلان ابن فلان صلى عليك الساعة \" الديلمي.\rالسادس والسبعون: حديث \" الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما والغسل يوم الجمعة كفارة \" الحديث العقيلي في الضعفاء.\rالسابع والسبعون: حديث \" إنما حر جهنم على أمتي مثل الحمام \" الطبراني.\rالثامن والسبعون: حديث \" إياكم والكذب فإن الكذب مجانب للإيمان \" ابن لال في مكارم الأخلاق. التاسع والسبعون: حديث \" بشر من شهد بدراً بالجنة \" الدارقطني في الأفراد.\rالثمانون: حديث \" الدين راية الله الثقيلة من ذا الذي يطيق حملها \" الديلمي.\rالحادي والثمانون: حديث \" سورة يس تدعى المعمة المطعمة \" الحديث الديلمي والبيهقي في الشعب.\rالثاني والثمانون: حديث \" السلطان العادل المتواضع ظل الله ورمحه في الأرض ويرفع له في كل يوم وليلة عمل ستين صديقاً \" أبو السيخ والعقيلي في الضعفاء وابن حبان في كتاب الثواب. الثالث والثمانون: حديث \" قال موسى لربه: ما جزاء من عزى الثكلى؟ قال: أظله في ظلي \" ابن شاهين في الترغيب والديلمي.\rالرابع والثمانون: حديث \" اللهم أشدد الإسلام بعمر بن الخطاب \" الطبراني في الأوسط.\rالخامس والثمانون: حديث \" ما صيد صيد ولا عضدت عضاه ولا قطعت وشيجة إلا بقلة التسبيح \" ابن راهويه في مسنده.","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"السادس والثمانون: حديث \" لو لم أبعث فيكم لبعث عمر \" الحديث الديلمي.\rالسابع والثمانون: حديث \" لو أتجر أهل الجنة لاتجروا بالبز \" أبو يعلى.\rالثامن والثمانون: حديث \" من خرج يدعو إلى نفسه أو إلى غيره وعلى الناس أمام فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين فاقتلوه \" الديلمي في التاريخ.\rالتاسع والثمانون: حديث \" من كتب عني علماً أو حديثاً لم يزل يكتب له الأجر ما بقي ذلك العلم أو الحديث \" الحاكم في التاريخ.\rالتسعون: حديث \" من مشى حافياً في طاعة الله لم يسأله الله يوم القيامة عما افترض عليه \" الطبراني في الأوسط.\rالحادي والتسعون: حديث \" من سره أن يظله الله من فور جهنم ويجعله في ظلله فلا يكن على المؤمنين غليظاً وليكن بهم رحيماً \" ابن لال في مكارم الأخلاق وأبو الشيخ وابن حبان في الثواب.\rالثاني والتسعون: حديث \" من أصبح ينوي لله طاعة كتب الله له أجر يومه وإن عصاه \" الديلمي. الثالث والتسعون: حديث \" ما ترك قوم الجهاد إلا عمهم الله بالعذاب \" الطبراني في الأوسط. الرابع والتسعون: حديث \" لا يدخل الجنة مفتر \" الديلمي ولم يسنده.\rالخامس والتسعون: حديث \" لا تحقرن أحداً من المسلمين فإن صغير المسلمين عند الله كبير \" الديلمي.\rالسادس والتسعون: حديث \" يقول الله: إن كنتم تريدون رحمتي فارحموا خلقي \" أبو الشيخ وابن حبان والديلمي.\rالسابع والتسعون: حديث \" سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإزار فأخذ بعضلة الساق فقلت يا رسول الله زدني فأخذ بمقدم العضلة فقلت زدني قال: لا خير فيما هو أسفل من ذلك قلت هلكنا يا رسول الله قال: يا أبا بكر سدد وقارب تنج \" أبو نعيم في الحلية.\rالثامن والتسعون: حديث \" كفي وكف علي في العدل سواء \" الديلمي وابن عساكر.\rالتاسع والتسعون: حديث \" لا تغفلوا التعوذ من الشيطان فإنكم إن لم تكونوا ترونه فإنه ليس عنكم بغافل \" الديلمي ولم يسنده.\rالمائة: حديث \" من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة \" الطبراني في الأوسط.\rالحادي والمائة: حديث \" من أكل من هذه البقلة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا \" الطبراني في الأوسط.\rالثاني والمائة: حديث رفع اليدين في الافتتاح والركوع والسجود والرفع البيهقي في السنن. الثالث والمائة: حديث \" أنه صلى الله عليه وآله وسلم أهدى جملا لأبي جهل \" الإسماعيلي في معجمه.\rالرابع والمائة: حديث \" النظر إلى علي عبادة \" ابن عساكر.\rفصل فيما ورد عن الصديق من تفسير القرآن\rأخرج أبو القاسم البغوي عن ابن أبي مليكة قال: سئل أبو بكر عن آية فقال: أي أرض تسعني أو أي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله ما لم يرد الله.\rوأخرج أبو عبيدة عن إبراهيم التيمي قال: سئل أبو بكر عن قوله تعالى: وفاكهة وأبا \" \" عبس: 31 \" فقال أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلت في كتاب الله مالا أعلم.\rوأخرج البيهقي وغيره عن أبي بكر أنه سئل عن الكلالة فقال: إني سأقول فيها برأيي فإن يكن صواباً فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان أراه ما خلا الولد والوالد فلما استخلف عمر قال إني لأستحي أن أرد شيئاً قاله أبو بكر.\rوأخرج أبو نعيم في الحلية عن الأسود بن هلال قال: قال أبو بكر لأصحابه: ما تقولون في هاتين الآيتين: \" إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا \" \" فصلت: 30 \" \" والذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم \" \" الأنعام: 82 \" قالوا ثم استقاموا فلم يذنبوا ولم يلبسوا إيمانهم بخطيئة قال: لقد حملتموهما على غير المحمل ثم قال: قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلم يميلوا إلى غيره ولم يلبسوا إيمانهم بشرك.\rوأخرج ابن جرير عن عامر بن سعد البجلي عن أبي بكر الصديق في قوله تعالى \" للذين أحسنوا الحسنى وزيادة \" \" يونس: 26 \" قال: النظر إلى وجه الله تعالى.\rوأخرج ابن جرير عن أبي بكر في قوله تعالى \" إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا \" \" فصلت: 30 \" قال قد قالها الناس فمن مات عليها فهو ممن استقام.\rفصل فيما روى عن الصديق\rرضي الله عنه من الآثار الموقوفة قولا أو قضاء أو خطبة أو دعاء\rأخرج اللالكائي في السنة عن ابن عمر قال جاء رجل إلى أبي بكر فقال: أرأيت الزنا بقدر؟ قال نعم قال: فإن الله قدره علي ثم يعذبني قال نعم يا ابن اللخناء أما والله لو كان عندي إنسان أمرت أن يجأ أنفك.","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن الزبير أن أبا بكر قال وهو يخطب الناس: يا معشر الناس استحيوا من الله فوالذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب إلى الغائط في الفضاء مغطياً رأسي استحياء من الله.\rوأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن عمرو بن دينار قال: قال أبو بكر: استحيوا من الله فوالله إني لأدخل الكنيف فأسند ظهري إلى الحائط حياء من الله.\rوأخرج أبو داود في سننه عن أبي عبد الله الصنابحي أنه صلى وراء أبي بكر الصديق المغرب فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة من قصار المفصل وقرأ في الثالثة \" ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا \" \" آل عمران: 8 \" الآية.\rوأخرج ابن أبي خيثمة وابن عساكر عن ابن عيينة قال: كان أبو بكر إذا عزى رجلا قال: ليس مع العزاء مصيبة وليس مع الجزع فائدة الموت أهون مما قبله وأشد مما بعده اذكروا فقد رسول الله صلى الله عليه وسلم تصغر مصيبتكم وأعظم الله أجركم.\rوأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني عن سالم بن عبيد وهو صحابي قال: كان أبو بكر الصديق يقول لي: قم بيني وبين الفجر حتى أتسحر.\rوأخرج عن أبي قلابة وأبي السفر قالا: كان أبو بكر الصديق يقول: أجيفوا الباب حتى نتسحر.\rوأخرج البيهقي وأبو بكر بن زياد النيسابوري في كتاب الزيادات عن حذيفة ابن أسيد قال لقد أدركت أبا بكر وعمر وما يضحيان إرادة أن يستن بهما.\rوأخرج أبو داود عن ابن عباس قال: شهدت علي أبي بكر الصديق أنه قال: كلوا الطافي من السمك.\rوأخرج الشافعي في الأم عن أبي بكر الصديق أنه كره بيع اللحم بالحيوان.\rوأخرج البخاري عنه أنه جعل الجد بمنزلة الأب يعني في الميراث.\rوأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن عطاء عن أبي بكر قال الجد بمنزلة الأب ما لم يكن أب دونه وابن الابن بمنزلة الابن ما لم يكن ابن دونه.\rوأخرج عن القاسم أن أبا بكر أتى برجل انتفى من أبيه فقال أبو بكر: اضرب الرأس فإن الشيطان في الرأس.\rوأخرج عن ابن أبي مالك قال: كان أبو بكر إذا صلى على الميت قال: اللهم عبدك أسلمه الأهل والمال والعشيرة والذنب عظيم وأنت غفور رحيم.\rوأخرج سعيد بن منصور في سننه عن عمر أن أبا بكر قضى بعاصم بن عمر ابن الخطاب لأم عاصم وقال: ريحها وشمها ولطفها خير له منك.\rوأخرج البيهقي عن قيس بن أبي حازم قال: جاء رجل إلى أبي بكر فقال إن أبي يريد أن يأخذ مالي كله يجتاحه فقال لأبيه: إنما لك من ماله ما يكفيك فقال يا خليفة رسول الله أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت ومالك لأبيك فقال: نعم وإنما يعني بذلك النفقة.\rوأخرج أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أبا بكر وعمر كانا لا يقتلان الحر بالعبد.\rوأخرج البخاري عن أبي مليكة عن جده أن رجلا عض يد رجل فأندر ثنيته فأهدرها أبو بكر.\rوأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن عكرمة أن أبا بكر قضى في الأذن بخمس عشرة من الإبل وقال: يوارى شينها الشعر والعمامة.\rوأخرج البيهقي وغيره عن أبي عمر أن الجوني أن أبا بكر بعث جيوشاً إلى الشام وأمر عليهم يزيد بن أبي سفيان قال: إني موصيك بعشر خلال: لا تقتلوا امرأة ولا صبياً ولا كبيراً هرماً ولا تقطع شجراً مثمراً ولا تخربن عامراً ولا تعقر شاة ولا بعيراً إلا لمالكه ولا تفرقن نخلا ولا تحرقنه ولا تغلل ولا تجبن.\rوأخرج أحمد وأبو داود والنسائي عن أبي برزة الأسلمي قال: غضب أبو بكر من رجل فاشتد غضبه جداً فقلت: يا خليفة رسول الله اضرب عنقه قال: ويلك ما هي لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوأخرج سيف في كتاب الفتوح عن شيوخه أن المهاجرين بن أبي أمية وكان أميراً على اليمامة رفع إليه امرأتان مغنيتان غنت إحداهما بشتم النبي صلى الله عليه وسلم فقطع يدها ونزع ثنيتها وغنت الأخرى بهجاء المسلمين فقطع يدها ونزع ثنيتها فكتب إليه أبو بكر: بلغني الذي فعلت في المرأة التي تغنت بشتم النبي صلى الله عليه وسلم فلولا ما سبقتني فيها لأمرتك بقتلها لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد أو معاهد فهو محارب غادر وأما التي تغنت بهجاء المسلمين فإن كانت ممن يدعى الإسلام فأدب وتعزير دون المثلة وإن كانت ذمية فلعمري لما صفحت عنه من الشرك أعظم ولو كنت تقدمت إليك في مثل هذا لبلغت مكروهاً فأقبل الدعة وإياك والمثلة في الناس فإنها مأتم ومنفرة إلا في قصاص.","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"وأخرج مالك والدارقطني عن صفية بنت أبي عبيد أن رجلا وقع على جارية بكر واعترف فأمر به فجلد ثم نفاه إلى فدك.\rوأخرج أبو يعلى عن محمد بن حاطب قال: جيء إلى أبي بكر برجل قد سرق وقد قطعت قوائمه فقال أبو بكر ما أجد لك شيئاً إلا ما قضى فيك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أمر بقتلك فإنه كان أعلم بك فأمر بقتله.\rوأخرج مالك عن القاسم بن محمد أن رجلا من أهل اليمن أقطع اليد والرجل قدم فنزل على أبي بكر فشكا إليه إن عامل اليمن ظلمه فكان يصلي من الليل فيقول أبو بكر وأبيك ما ليلك بليل سارق ثم إنهم افتقدوا حلياً لأسماء بنت عميس امرأة أبي بكر فجعل يطوف معهم ويقول اللهم عليك بمن بيت أهل هذا البيت الصالح فوجدوا الحلي عند صائغ زعم أن الأقطع جاءه به فاعترف الأقطع أو شهد عليه فأمر به أبو بكر فقطعت يده اليسرى وقال أبو بكر والله لدعاؤه على نفسه أشد عندي عليه من سرقته.\rوأخرج الدارقطني عن أنس أن أبا بكر قطع في مجن قيمته خمسة دراهم.\rوأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي صالح قال: لما قدم أهل اليمن زمان أبي بكر وسمعوا القرآن جعلوا يبكون فقال أبو بكر هكذا كنا ثم قست القلوب. قال أبو نعيم: أي قويت واطمأنت بمعرفة الله تعالى.\rوأخرج البخاري عن ابن عمر قال: قال أبو بكر: أرقبوا محمداً صلى الله عليه وسلم في أهل بيته.\rوأخرج أبو عبيد في الغريب عن أبي بكر قال: طوبى لمن مات في النانأة: أي في أول الإسلام قبل تحرك الفتن.\rوأخرج الأربعة ومالك عن قبيصة قال: جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها فقال مالك في كتاب الله شيء وما علمت لك في سنن نبي الله صلى الله عليه وسلم شيئاً فارجعي حتى أسأل الناس فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس فقال أبو بكر هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة فقال مثل ما قال المغيرة فأنفذه لها أبو بكر.\rوأخرج مالك والدارقطني عن القاسم بن محمد أن جدتين أتتا أبا بكر تطلبان ميراثهما أم أم وأم أب فأعطى الميراث لأم الأم فقال له عبد الرحمن ابن سهل الأنصاري وكان ممن شهد بدراً وهو أخو بني حارثة يا خليفة رسول الله أعطيت التي لو أنها ماتت لم يرثها فقسمه بينهما.\rوأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن عائشة رضي الله عنها حديث امرأة رفاعة التي طلقت منه وتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير فلم يستطع أن يغشاها وأرادت العود إلى رفاعة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم \" لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك \" وهذا القدر في الصحيح وزاد عبد الرزاق فقعدت ثم جاءته فأخبرته أنه قد مسها فمنعها أن ترجع إلى زوجها الأول وقال اللهم إن كان أنمى بها أن ترجع إلى رفاعة فلا يتم لها نكاحه مرة أخرى ثم أتت أبا بكر وعمر في خلافتهما فمعناها.\rوأخرج البيهقي عن عقبة بن عامر أن عمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة بعثاه بريداً إلى أبي بكر يرأس بنان بطريق الشام فلما قدم علي أبي بكر أنكر ذلك فقال له عقبة: يا خليفة رسول الله فإنهم يصنعون ذلك بنا قال: أفيستنان بفارس والروم لا يحمل إلى رأس إنما يكفي الكتاب والخبر.\rوأخرج البخاري عن قيس بن أبي خازم قال: دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها. زينب فرآها لا تتكلم فقال ما لها لا تتكلم فقالوا حجت مصمتة: قال لها: تكلمي فإن هذا لا يحل هذا من عمل الجاهلية فتكلمت فقالت من أنت قال امرؤ من المهاجرين قالت أي المهاجرين قال من قريش قالت من أي قريش قال: إنك لسؤل أنا أبو بكر قالت ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية قال بقاؤكم عليه ما استقامت أئمتكم قالت: وما الأئمة؟ قال أو ما كان لقومك رؤوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم. قالت بلى قال: فهم أولئك الناس.\rوأخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج وكان أبو بكر يأكل من خراجه فجاء يوماً بشيء فأكل منه أبو بكر فقال له الغلام تدري ما هذا قال أبو بكر ما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فلقيني فأعطاني هذا الذي أكلت منه فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه.\rوأخرج أحمد في الزهد عن ابن سيرين قال: لم أعلم أحداً استقاء من طعام أكله غير أبي بكر وذكر القصة.","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"وأخرج النسائي عن أسلم أن عمر أطلع على أبي بكر وهو آخذ بلسانه فقال: هذا الذي أوردني الموارد.\rوأخرج أبو عبيد في الغريب عن أبي بكر أنه مر بعبد الرحمن بن عوف وهو يماظ جاراً له فقال له لا تماظ جارك فإنه يبقى ويذهب عنك الناس.\rالمماظة: المنازعة والمخاصمة.\rوأخرج ابن عساكر عن موسى بن عقبة أن أبا بكر الصديق كان يخطب فيقول: الحمد لله رب العالمين أحمده وأستعينه ونسأله الكرامة فيما بعد الموت فإنه قد دنا أجلي وأجلكم أشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله أرسله بالحق بشيراً ونذيراً وسراجاً منيراً لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين ومن يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد ضل ضلالا مبيناً أوصيكم بتقوى الله والاعتصام بأمر الله الذي شرع لكم وهداكم به فإن جوامع هدى الإسلام بعد كلمة الإخلاص السمع والطاعة لمن ولاه الله أمركم فإنه من يطع الله وأولي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد أفلح وأدى الذي عليه من الحق وإياكم واتباع الهوى فقد أفلح من حفظ من الهوى والطمع والغضب وإياكم والفخر وما فخر من خلق من تراب ثم إلى التراب يعود ثم يأكله الدود ثم هو اليوم حي وغداً ميت فاسلموا يوماً بيوم وساعة بساعة وتوقوا دعاء المظلوم وعدوا أنفسكم في الموتى واصبروا فإن العمل كله بالصبر واحذروا والحذر ينفع واعملوا والعمل يقبل واحذروا ما حذركم الله من عذابه وسارعوا فيما وعدكم الله من رحمته وافهموا وتفهموا واتقوا وتوقوا فإن الله قد بين لكم ما أهلك به من كان قبلكم وما نجى به من نجى قبلكم قد بين لكم في كتابه حلاله وحرامه وما يحب من الأعمال وما يكره فإني لا آلوكم ونفسي والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله واعلموا أنكم ما أخلصتم لله من أعمالكم فربكم أطعتم وحظكم حفظتم واغتبطتم وما تطوعتم به لدينكم فاجعلوه نوافل بين أيديكم تستوفوا لسلفكم وتعطوا جرايتكم حين فقركم وحاجتكم إليها ثم تفكروا عباد الله في أخوانكم وصحابتكم الذين مضوا قد وردوا على ما قدموا فأقاموا عليه وحلوا في الشقاء والسعادة فيما بعد الموت إن الله ليس له شريك وليس بينه وبين أحد من خلقه نسب يعطيه به خيراً ولا يصرف عنه سوءاً إلا بطاعته واتباع أمره فإنه لا خير في خير بعده النار ولا شر في شر بعده الجنة أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم وصلوا على نبيكم صلى الله عليه وسلم والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.\rوأخرج الحاكم والبيهقي عن عبد الله بن حكيم قال: خطبنا أبو بكر الصديق فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل ثم قال أوصيكم بتقوى الله وأن تمنعوا عليه بما هو له أهل وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة فإن الله تعالى أثنى على زكريا وأهل بيته فقال \" إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين \" \" الأنبياء: 90 \" ثم اعلموا عباد الله أن الله قد ارتهن بحقه أنفسكم وأخذ على ذلك مواثيقكم واشترى منكم القليل الفاني بالكثير الباقي وهذا كتاب الله فيكم لا يطفأ نوره ولا تنقضي عجائبه فاستضيئوا بنوره وانتصحوا كتابه واستضيئوا منه ليوم الظلمة فإنه إنما خلقكم لعبادته ووكل بكم كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون ثم اعلموا عباد الله أنكم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه فإن استطعتم أن تنقضي الآجال وأنتم في عمل الله فافعلوا ولن تستطيعوا ذلك إلا بإذن الله سابقوا في آجالكم قبل أن تنقضي آجالكم فتردكم إلى أسوأ أعمالكم فإن قوماً جعلوا آجالهم لغيرهم ونسوا أنفسهم فأنهاكم أن تكونوا أمثالهم فالوحا الوحا ثم النجاء النجاء فإن وراءكم طالباً حثيثاً أمره سريع.\rوأخرج ابن أبي الدنيا وأحمد في الزهد وأبو نعيم في الحلية عن يحيى ابن أبي كثير أن أبا بكر كان يقول في خطبته: أين الوضاء الحسنة وجوههم المعجبون بشبابهم؟ أين الملوك الذين بنوا المدائن وحصنوها؟ أين الذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن الحرب؟ قد تضعضع أركانهم حين أخنى بهم الدهر وأصبحوا في ظلمات القبور الوحا الوحا ثم النجاء النجاء.","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"وأخرج أحمد في الزهد عن سلمان قال: أتيت أبا بكر فقلت: أعهد إلي فقال: يا سلمان اتق الله وأعلم أنه سيكون فتوح فلا أعرفن ما كان حظك منها ما جعلته في بطنك أو ألقيته على ظهرك واعلم أنه من صلى الصلوات الخمس فإنه يصبح في ذمة الله ويمسي في ذمة الله تعالى فلا تقتلن أحداً من أهل ذمة الله فتخفر الله في ذمته فيكبك الله في النار على وجهك.\rوأخرج عن أبي بكر رضي الله عنه قال: يقبض الصالحون الأول فالأول حتى يبقى من الناس حثالة كحثالة التمر والشعير لا يبالي الله بهم.\rوأخرج سعيد بن منصور في سننه عن معاوية بن قرة أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يقول في دعائه اللهم اجعل خير عمري آخره وخير عملي خواتمه وخير أيامي يوم لقائك.\rوأخرج أحمد في الزهد عن الحسن قال: بلغني أن أبا بكر كان يقول في دعائه: اللهم أني أسألك الذي هو خير لي في عاقبة الأمر اللهم أجعل آخر ما تعطيني من الخير رضوانك والدرجات العلى من جنات النعيم.\rوأخرج عن عرفجة قال: قال أبو بكر: من استطاع أن يبكي فليبك وإلا فليتباك.\rوأخرج عن عزرة عن أبي بكر قال: أهلكهن الأحمران: الذهب والزعفران.\rوأخرج عن مسلم بن يسار عن أبي بكر قال: إن المسلم ليؤجر في كل شيء حتى في النكبة وانقطاع شسعه والبضاعة تكون في كمه فيفقدها فيفزع لها فيجدها في غبنه.\rوأخرج عن ميمون بن مهران قال: أتي أبو بكر بغراب وافر الجناحين فقلبه ثم قال: ما صيد من صيد ولا عضدت من شجرة إلا بما ضيعت من التسبيح.\rوأخرج البخاري في الأدب وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن الصنابحي أنه سمع أبا بكر يقول إن دعاء الأخ لأخيه في الله يستجاب.\rوأخرج عبد الله في زوائد الزهد عن عبيد بن عمير عن لبيد الشاعر أنه قدم علي أبي بكر فقال: ألا كل شيء ما خلا الله باطل فقال صدقت فقال وكل نعيم لا محالة زائل فقال: كذبت عند الله نعيم لا يزول فلما ولي قال أبو بكر: ربما قال الشاعر الكلمة من الحكمة.\rفصل في كلماته الدالة على شدة خوفه من ربه\rأخرج أبو أحمد الحاكم عن معاذ بن جبل قال دخل أبو بكر حائطاً وإذا بدبسي في ظل شجرة فتنفس الصعداء ثم قال: طوبى لك يا طير تأكل من الشجر وتستظل بالشجر وتصير إلى غير حساب يا ليت أبا بكر مثلك.\rوأخرج ابن عساكر عن الصمعي قال: كان أبو بكر إذا مدح قال: اللهم أنت أعلم مني بنفسي وأنا أعلم بنفسي منهم اللهم اجعلني خيراً مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون.\rوأخرج أحمد في الزهد عن أبي عمران الجوني قال: قال أبو بكر الصديق: لوددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن.\rوأخرج أحمد في الزهد عن مجاهد قال: كان ابن الزبير إذا قام في الصلاة كأنه عود من الخشوع قال: وحدثت أن أبا بكر كان كذلك.\rوأخرج عن الحسن قال: قال أبو بكر: والله لوددت أني كنت هذه الشجرة تؤكل وتعضد.\rوأخرج عن قتادة قال: بلغني أن أبا بكر قال وددت أني خضرة تأكلني الدواب.\rوأخرج عن ضمرة بن حبيب قال: حضرت الوفاة ابناً لأبي بكر الصديق فجعل الفتى يلحظ إلى وسادة فلما توفى قالوا لأبي بكر: رأينا ابنك يلحظ إلى وسادة فدفعوه عن الوسادة فوجدوا تحتها خمسة دنانير أو ستة فضرب أبو بكر بيده على الأخرى يرجع ويقول إنا لله وإنا إليه راجعون يا فلان ما أحسب جلدك يتسع لها.\rوأخرج عن ثابت البناني أن أبا بكر كان يتمثل بهذا الشعر:\rلا تزال تنعي حبيباً حتى تكونه ... وقد يرجو الفتى الرجا يموت دونه\rوأخرج ابن سعد عن ابن سيرين قال لم يكن أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم أهيب لما لا يعلم من أبي بكر ولم يكن أحد بعد أبي بكر أهيب لما لا يعلم من عمر وإن أبا بكر نزلت فيه قضية فلم يجد لها في كتاب الله أصلا ولا في السنة أثراً فقال اجتهد رأيي فإن يكن صواباً فمن الله وإن يكن خطأ فمني واستغفر الله.\rفصل فيما ورد عنه من تعبير الرؤيا\rأخرج سعيد بن منصور عن سعيد بن المسيب قال: رأت عائشة رضي الله عنها كأنه وقع في بيتها ثلاثة أقمار فقصتها على أبي بكر وكان من أعبر الناس فقال: إن صدقت رؤياك ليدفنن في بيتك خير أهل الأرض ثلاثاً فلما قبض النبي صلى الله عليه وسلم قال يا عائشة هذا خير أقمارك.","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"وأخرج أيضاً عن عمر بن شرحبيل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" رأيتني أردفت غنم سود ثم أردفتها غنم بيض حتى ما ترى السود فيها فقال أبو بكر يا رسول الله أما الغنم السود فإنها العرب يسلمون ويكثرون والغنم البيض الأعاجم يسلمون حتى لا يرى العرب فيهم من كثرتهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" كذلك عبرها الملك سحراً \" .\rوله عن ابن أبي ليلى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" رأيتني على بئر أنزع فيها فوردتني غنم سود ثم ردفها غنم عفر فقال أبو بكر دعني أعبرها فذكر نحوه.\rوأخرج ابن سعد عن محمد بن سيرين قال: كان أعبر هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر.\rوأخرج ابن سعد عن ابن شهاب قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا فقصها على أبي بكر فقال: رأيت كأني استبقت أنا وأنت درجة فسبقتك بمرقاتين ونصف قال: يا رسول الله يقبضك الله إلى مغفرة ورحمة وأعيش بعدك سنتين ونصفاً.\rوأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن أبي قلابة أن رجلا قال لأبي بكر الصديق: رأيت في النوم أني أبول دماً قال: أنت رجل تأتي امرأتك وهي حائض فاستفغر الله ولا تعد.\rفائدة: أخرج البيهقي في الدلائل عن عبد الله بن بريدة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص في سرية فيهم أبو بكر وعمر فلما انتهوا إلى مكان الحرب أمرهم عمرو ألا ينوروا ناراً فغضب عمر فهم أن يأتيه فنهاه أبو بكر وأخبره أنه لم يستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم عليك إلا لعلمه بالحرب فهدأ عنه.\rوأخرج البيهقي من طريق أبي معشر عن بعض مشيختهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إني لأؤمر الرجل على القوم فيهم من هو خير منه لأنه أيقظ عيناً وأبصر بالحرب.\rفصل: أخرج خليفة بن خياط وأحمد بن حنبل وابن عساكر عن يزيد ابن الأصم \" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لأبي بكر أنا أكبر أو أنت قال: أنت أكبر وأكرم وأنا أسن منك \" مرسل غريب جداً فإن صح عد هذا الجواب من فرط ذكائه وأدبه والمشهور أن هذا الجواب للعباس وقد وقع أيضاً لسعيد بن يربوع أخرجه الطبراني ولفظه \" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: أينا أكبر؟ قال أنت أكبر وأخبر مني وأنا أقدم \" .\rوأخرج أبو نعيم أن أبا بكر قيل له: يا خليفة رسول الله ألا تستعمل أهل بدر؟ قال: إني أرى مكانهم ولكني أكره أن أدنسهم بالدنيا.\rوأخرج أحمد في الزهد عن إسماعيل بن محمد أن أبا بكر قسم قسماً فسوى فيه بين الناس فقال له عمر: تسوى بين أصحاب بدر وسواهم من الناس فقال أبو بكر: إنما الدنيا بلاغ وخير البلاغ أوسعه وإنما فضلهم في أجورهم.\rفصل: أخرج أحمد في الزهد عن أبي بكر بن حفص قال: بلغني أن أبا بكر كان يصوم الصيف ويفطر الشتاء.\rوأخرج ابن سعد عن حيان الصائغ قال: كان نقش خاتم أبي بكر \" نعم القادر الله.\rفائدة: أخرج الطبراني عن موسى بن عقبة قال: لا نعلم أربعة أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم وأبناءهم إلا هؤلاء الأربعة أبو قحافة وابنه أبو بكر الصديق وابنه عبد الرحمن وأبو عتيق بن عبد الرحمن واسمه محمد.\rوأخرج ابن منده وابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما اسلم أبو أحد من المهاجرين إلا أبو أبي بكر.\rفائدة: أخرج ابن سعد والبزار بسند حسن عن أنس قال: كان أسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق وسهيل بن عمرو ابن بيضاء.\rفائدة: أخرج البيهقي في الدلائل عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لما كان عام الفتح خرجت ابنة لأبي قحافة فلقيتها الخيل وفي عنقها طوق من ورق فاقتطعه إنسان من عنقها فلما دخل رسول الله صلى الله عيه وسلم المسجد قام أبو بكر وقال أنشد بالله والإسلام طوق أختي فوالله ما أجابه أحد ثم قال: الثانية فما أجابه أحد ثم قال: يا أخته احتسبي طوقك فوالله إن الأمانة اليوم في الناس لقليل.","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"فائدة: رأيت بخط الحافظ الذهبي: من كان فرد زمانه في فنه: أبو بكر الصديق في النسب عمر بن الخطاب في القوة في أمر الله عثمان بن عفان في الحياء علي في القضاء أبي بن كعب في القراءة زيد بن ثابت في الفرائض أبو عبيدة بن الجراح في الأمانة ابن عباس في التفسير أبو ذر في صدق اللهجة خالد بن الوليد في الشجاعة الحسن البصري في التذكير وهب بن منبه في القصص ابن سيرين في التعبير نافع في القراءة أبو حنيفة في الفقة ابن إسحاق في المغازي مقاتل في التأويل الكلبي في قصص القرآن الخليل في العروض فضيل بن عياض في العبادة سيبويه في النحو مالك في العلم الشافعي في فقه الحديث أبو عبيدة في الغريب علي بن المديني في العلل يحيى بن معين في الرجال أبو تمام في الشعر أحمد بن حنبل في السنة البخاري في نقد الحديث الجنيد في التصوف محمد بن نصر المروزي في الاختلاف الجبائي في الاعتزال الأشعري في الكلام محمد بن زكريا الرازي في الطب أبو معشر في النجوم إبراهيم الكرماني في التعبير ابن نباتة في الخطب أبو الفرج الأصبهاني في المحاضرة أبو القاسم الطبراني في العوالي ابن حزم في الظاهر أبو الحسن البكري في الكذب الحريري في مقاماته ابن منده في سعة الرحلة المتنبي في الشعر الموصلي في الغناء الصولي في الشطرنج الخطيب البغدادي في سرعة القراءة علي بن هلال في الخط عطاء السليمي في الخوف القاضي الفاضل في الإنشاء الأصمعي في النوادر أشعب في الطمع معبد في الغناء ابن سينا في الفلسفة.\rعمر بن الخطاب\rرضي الله عنه\rعمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزي بن رياح بن قرط بن رزاح بن عدي ابن كعب بن لؤي أمير المؤمنين أبو حفص القرشي العدوي الفاروق اسلم في السنة السادسة من النبوة وله سبع وعشرون سنة قاله الذهبي وقال النووي ولد عمر بعد الفيل بثلاث عشرة سنة وكان من أشراف قريش وإليه كانت السفارة في الجاهلية فكانت قريش إذا وقعت الحرب بينهم أو بينهم وبين غيرهم بعثوه سفيراً: أي رسولا وإذا نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر بعثوه منافراً أو مفاخراً وأسلم قديماً بعد أربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة وقيل بعد تسعة وثلاثين رجلا وثلاث وعشرين امرأة وقيل بعد خمسة وأربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة فما هو إلا أن أسلم فظهر الإسلام بمكة وفرح به المسلمون.\rقال: وهو أحد السابقين الأولين وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الخلفاء الراشدين وأحد أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد كبار علماء الصحابة وزهادهم.\rروي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمائة حديث وتسعة وثلاثون حديثاً روى عنه عثمان بن عفان وعلي وسعد وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وأبو ذر وعمرو بن عبسة وابنه عبد الله وابن عباس وابن الزبير وأنس وأبو هريرة وعمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري والبراء بن عازب وأبو سعيد الخدري وخلائق آخرون من الصحابة وغيرهم رضي الله عنهم.\rأقول: وأنا ألخص هنا فصولا فيها جملة من الفوائد تتعلق بترجمته.\rفصل في الأخبار الواردة في إسلامه\rأخرج الترمذي عن ابن عمر \" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام \" وأخرجه الطبراني من حديث ابن مسعود وأنس رضي الله عنهم.\rوأخرج الحاكم عن ابن عباس \" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب خاصة \" وأخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أبي بكر الصديق وفي الكبير من حديث ثوبان.\rوأخرج أحمد عن عمر قال: خرجت أتعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدته قد سبقني إلى المسجد فقمت خلفه فاستفتح سورة الحاقة فجعلت أتعجب من تأليف القرآن فقلت: والله هذا شاعر كما قالت قريش فقرأ \" إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون \" \" الحاقة: 41 \" الآيات فوقع في قلبي الإسلام كل موقع.","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر قال كان أول إسلام عمر أن عمر قال ضرب أختي المخاض ليلا فخرجت من البيت فدخلت في أستار الكعبة فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل الحجر وعليه بتان وصلى لله ما شاء الله ثم انصرف فسمعت شيئاً لم أسمع مثله فخرج فاتبعته فقال من هذا فقلت عمر فقال يا عمر ما تدعني لا ليلا ولا نهاراً فخشيت أن يدعو علي فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقال: يا عمر أسرة قلت: لا والذي بعثك بالحق لأعلننه كما أعلنت الشرك.\rوأخرج ابن سعد وأبو يعلى والحاكم والبيهقي في الدلائل عن أنس رضي الله عنه قال: خرج عمر متقلداً سيفه فلقيه رجل من بني زهرة فقال: أين تعمد يا عمر؟ فقال: أريد أن أقتل محمداً قال: وكيف تأمن من بني هاشم وبني زهرة وقد قتلت محمداً؟ فقال: ما أراك إلا قد صبأت قال أفلا أدلك على العجب إن ختنك وأختك قد صبئا وتركا دينك فمشى عمر فأتاهما وعندهما خباب فلما سمع بحس عمر توارى في البيت فدخل فقال ما هذه الهيمنة وكانوا يقرءون طه قالا ما عدا حديثاً تحدثناه بينا قال فلعلكما قد صبأتما فقال له ختنه يا عمر إن كان الحق في غير دينك فوثب عليه عمر فوطئه وطأ شديداً فجاءت أخته لتدفعه عن زوجها فنفحها نفحة بيده فدمى وجهها فقالت وهي غضبى: وإن كان الحق في غير دينك إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله فقال عمر: أعطوني الكتاب الذي هو عندكم فأقرأه وكان عمر يقرأ الكتاب فقالت أخته: إنك نجس وإنه لا يمسه إلا المطهرون فقم فاغتسل أو توضأ فقام فتوضأ ثم أخذ الكتاب فقرأ طه حتى انتهى إلى \" إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري \" \" طه: 14 \" فقال عمر دلوني على محمد فلما سمع خباب قول عمر خرج فقال: أبشر يا عمر فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لك ليلة الخميس \" اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام \" وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصل الدار التي في أصل الصفا فانطلق عمر حتى أتى الدار وعلى بابها حمزة وطلحة وناس فقال حمزة: هذا عمر إن يرد الله به خيراً يسلم وإن يرد غير ذلك يكن قتله علينا هيناً قال والنبي صلى الله عليه وسلم داخل يوحى إليه فخرج حتى أتى عمر فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف فقال: ما أنت بمنته يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبد الله ورسوله.","part":1,"page":44},{"id":45,"text":"وأخرج البزار والطبراني وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الدلائل عن أسلم قال: قال لنا عمر: كنت أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينا أنا في يوم حار بالهاجرة في بعض طريق مكة إذ لقيني رجل فقال عجباً لك يا ابن الخطاب إنك تزعم أنك وأنك وقد دخل عليك الأمر في بيتك قلت وما ذاك قال أختك قد أسلمت فوجعت مغضباً حتى قرعت الباب قيل من هذا قلت عمر فتبادروا فاختفوا مني وقد كانوا يقرؤون صحيفة بين أيديهم تركوها ونسوها فقامت أختي تفتح الباب فقلت يا عدوة نفسها أصبأت؟ وضربتها بشيء كان في يدي على رأسها فسال الدم وبكت فقالت: يا ابن الخطاب ما كنت فاعلا فافعل فقد صبأت قال: ودخلت حتى جلست على السرير فنظرت إلى الصحيفة فقلت: ما هذا؟ ناولينيها قالت لست من أهلها إنك لا تطهر من الجنابة وهذا كتاب لا يمسه إلا المطهرون فما زلت بها حتى ناولتنيها ففتحتها فإذا فهيا: بسم الله الرحمن الرحيم فلما مررت باسم من أسماء الله تعالى ذعرت منه فألقيت الصحيفة ثم رجعت إلى نفسي فتناولتها فإذا فيها \" سبح لله ما في السماوات والأرض \" \" الصف: 1 \" فذعرت فقرأت إلى \" آمنوا بالله ورسوله \" \" النساء: 136 \" فقلت أشهد أن لا إله إلا الله فخرجوا إلي مبادرين وكبروا وقالوا: أبشر فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا يوم الاثنين فقال \" اللهم أعز دينك بأحب الرجلين إليك إما أبو جهل بن هشام وإما عمر \" ودلوني على النبي صلى الله عليه وسلم في بيت بأسفل الصفا فخرجت حتى قرعت الباب فقالوا من قلت ابن الخطاب وقد علموا شدتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فما اجترأ أحد يفتح الباب حتى قال صلى الله عليه وسلم: افتحوا له ففتحوا لي فأخذ رجلان بعضدي حتى أتيا بي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: خلوا عنه ثم أخذ بمجامع قميصي وجذبني إليه ثم قال أسلم يا ابن الخطاب اللهم اهده فتشهدت فكبر المسلمون تكبيرة سمعت بفجاج مكة وكانوا مستخفين فلم أشأ أن أرى رجلا يضرب ويضرب إلا رأيته ولا يصيبني من ذلك شيء فجئت إلى خالي أبي جهل بن هشام وكان شريفاً فقرعت عليه الباب فقال: من هذا؟ فقلت ابن الخطاب وقد صبأت فقال: لا تفعل ثم دخل وأجاف الباب دوني فقلت ما هذا بشيء فذهبت إلى رجل من عظماء قريش فناديته فخرج إلى فقلت له مثل مقالتي لخالي وقلل لي مثل ما قال خالي فدخل وأخاف الباب دوني فقلت ما هذا بشيء إن المسلمين يضربون وأنا لا أضرب فقال لي رجل: أتحب أن يعلم بإسلامك قلت نعم قال: فإذا جلس الناس في الحجر فأت فلاناً لرجل لم يكن يكتم السر فقل له فيما بينك وبينه إني قد صبأت فإنه قل ما يكتم السر فجئت وقد اجتمع الناس في الحجر فقلت فيما بيني وبينه إني قد صبأت قال أو قد فعلت؟ قلت: نعم فنادى بأعلى صوته إن ابن الخطاب قد صبأ فبادروا إلي فما زلت أضر بهم ويضربونني واجتمع علي الناس فقال خالي: ما هذه الجماعة؟ قيل عمر قد صبأ فقام علي الحجر فأشار بكمه إلا أني قد أجرت ابن أختي فتكشفوا عني فكنت لا أشاء أن أرى أحداً من المسلمين يضرب ويضرب إلا رأيته فقلت ما هذا بشيء قد يصيبني فأتيت خالي فقلت جوارك رد عليك فما زلت أضرب وأضرب حتى أعز الله الإسلام.","part":1,"page":45},{"id":46,"text":"وأخرج أبو نعيم في الدلائل وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سألت عمر رضي الله عنه: لأي شيء سميت الفاروق فقال أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيام فخرجت إلى المسجد فأسرع أبو جهل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسبه فأخبر حمزة فأخذ قوسه وجاء إلى المسجد إلى حلقة قريش التي فيها أبو جهل فاتكأ على قوسه مقابل أبي جهل فنظر إليه فعرف أبو جهل الشر في وجهه فقال: مالك يا أبا عمارة فرفع القوس فضرب بها أخدعه فقطعه فسالت الدماء فأصلحت ذلك قريش مخافة الشر قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختف في دار الأرقم المخزومي فانطلق حمزة فأسلم فخرجت بعده بثلاثة أيام فإذا فلان ابن فلان المخزومي فقلت له: أرغبت عن دين آبائك واتبعت دين محمد؟ فقال: إن فعلت فقد فعله من هو أعظم عليك حقاً مني قلت ومن هو قال أختك وختنك فانطلقت فوجدت الباب مغلقاً وسمعت همهمة ففتح لي الباب فدخلت فقلت: ما هذا الذي أسمع عندكم قالوا ما سمعت شيئاً فما زال الكلام بيننا حتى أخذت برأس ختني فضربته ضربة فأدميته فقامت إلى أختي فأخذت برأسي وقالت: قد كان ذلك على رغم أنفك فاستحييت حين رأيت الدماء فجلست وقلت: أروني هذا الكتاب فقالت: إنه لا يمسه إلا المطهرون فاغتسلت فأخرجوا إلى صحيفة فيها بسم الله الرحمن الرحيم فقلت أسماء طيبة طاهرة \" طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى \" \" طه: 1 \" إلى قوله \" له الأسماء الحسنى \" \" طه: 8 \" قال: فتعظمت في صدري وقلت: من هذا فرت قريش فأسلمت وقلت أين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: فإنه في دار الأرقم فأتيت الدار فضربت الباب فاستجمع القوم فقال لهم حمزة مالكم قالوا عمر قال: وإن كان عمر افتحوا له الباب فإن أقبل قبلنا منه وإن أدبر قتلناه فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج فتشهد عمر فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل مكة قلت يا رسول الله ألسنا على الحق؟ قال: بلى قلت: ففيم الإخفاء؟ فخرجنا صفين أنا في أحدهما وحمزة في الآخر حتى دخلنا المسجد فنظرت قريش إلي وإلى حمزة فأصابتهم كآبة شديدة لم يصبهم مثلها فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاروق يومئذ لأنه أظهر الإسلام وفرق بين الحق والباطل.\rوأخرج ابن سعد عن ذكوان قال: قلت لعائشة: من سمى عمر الفاروق؟ قالت: النبي صلى الله عليه وسلم.\rوأخرج ابن ماجة والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أسلم عمر نزل جبري فقال يا محمد لقد استبشر أهل السماء بإسلام عمر.\rوأخرج البزار والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أسلم عمر قال المشركون: قد انتصف القوم اليوم منا وأنزل الله \" يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين \" \" الأنفال: 64 \" .\rوأخرج البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر.\rوأخرج ابن سعد والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كان إسلام عمر فتحاً وكانت هجرته نصراً وكانت إمامته رحمة ولقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي إلى البيت حتى أسلم عمر فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا فصلينا.\rوأخرج ابن سعد والحاكم عن حذيفة قال: لما أسلم عمر كان الإسلام كالرجل المقبل لا يزداد إلا قرباً فلما قتل عمر كان الإسلام كالرجل المدبر لا يزداد إلا بعداً.\rوأخرج الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أول من جهر بالإسلام عمر بن الخطاب إسناده صحيح حسن.\rوأخرج ابن سعد عن صهيب قال: لما أسلم عمر رضي الله عنه أظهر الإسلام ودعا إليه علانية وجلسنا حول البيت حلقاً وطفنا بالبيت وانتصفنا ممن غلظ علينا ورددنا عليه بعض ما يأتي به.\rوأخرج ابن سعد عن أسلم مولى عمر قال: أسلم عمر في ذي الحجة من السنة السادسة من النبوة وهو ابن ست وعشرين سنة.\rفصل في هجرته\rرضي الله عنه\rأخرج ابن عساكر عن علي قال: ما علمت أحداً هاجر إلا مختفياً إلا عمر بن الخطاب فإنه لما هم بالهجرة تقلد سيفه وتنكب قوسه وانتضى في يده أسهماً وأتى الكعبة وأشراف قريش بفنائها فطاف سبعاً ثم صلى ركعتين عند المقام ثم أتى حلقهم واحدة واحدة فقال: شاهت الوجوه من أراد أن تثكله أمه وييتم ولده وترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي فما تبعه منهم أحد.","part":1,"page":46},{"id":47,"text":"وأخرج عن البراء رضي الله عنه قال: أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير ثم ابن أم مكتوم ثم عمر بن الخطاب في عشرين راكباً فقلنا ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هو على أثري ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه معه.\rقال: النووي شهد عمر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد كلها وكان ممن ثبت معه يوم أحد.\rفصل في الأحاديث الواردة في فضله\rغير ما تقدم في ترجمة الصديق رضي الله عنه.\rأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" بينما أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر قلت: لمن هذا القصر قالوا: لعمر فذكرت غيرتك فوليت مدبراً فبكى عمر وقال: أعليك أغار يا رسول الله؟ وأخرج الشيخان عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال \" بينما أنا نائم شربت يعني اللبن حتى أنظر الري يجري في أظفاري ثم ناولته عمر قالوا: فما أولته يا رسول الله قال العلم.\rوأخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم \" يقول بينما أنا نائم رأيت الناس عرضوا علي وعليهم قمص فمنها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ دون ذلك وعرض علي عمر وعليه قميص يجره قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: الدين \" .\rوأخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكاً فجاً قط إلا سلك فجاً غير فجك \" .\rوأخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدثون فإن يكن في أمتي أحد فإنه عمر \" أي ملهمون.\rوأخرج الترمذي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال \" إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه \" قال ابن عمر \" وما نزل بالناس أمر قط فقالوا وقال إلا نزل القرآن على نحو ما قال عمر \" .\rوأخرج الترمذي والحاكم وصححه عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب \" وأخرجه الطبراني عن أبي سعيد الخدري وعصمة بن مالك وأخرجه ابن عساكر من حديث ابن عمر.\rوأخرج الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس قد فروا من عمر \" .\rوأخرج ابن ماجة والحاكم عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" أول من يصافحه الحق عمر وأول من يسلم عليه وأول من يأخذ بيده فيدخل الجنة \" .\rوأخرج ابن ماجة والحاكم عن أبي ذر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول \" إن الله وضع الحق على لسان عمر يقول به \" .\rوأخرج أحمد والبزار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه وأخرجه الطبراني من حديث عمر بن الخطاب وبلال ومعاوية بن أبي سفيان وعائشة رضي الله عنهم وأخرجه ابن عساكر من حديث ابن عمر.\rوأخرج ابن منيع في مسنده عن علي رضي الله عنه قال: كنا أصحاب محمد لا نشك أن السكينة تنطق على لسان عمر.\rوأخرج البزار عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" عمر سراج أهل الجنة \" . وأخرجه ابن عساكر من حديث أبي هريرة والصعب بن جثامة.\rوأخرج البزار عن قدامة بن مظعون عن عمه عثمان بن مظعون قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" هذا غلق الفتنة وأشار بيده إلى عمر لا يزال بينكم وبين الفتنة باب شديد الغلق ما عاش هذا بين أظهركم \" .\rوأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: \" جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقرئ عمر السلام وأخبره أن غضبه عز ورضاه حكم \" .\rوأخرج ابن عساكر عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: \" إن الشيطان يفرق من عمر \" .\rوأخرج أحمد من طريق بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" إن الشيطان ليفرق منك يا عمر \" .\rوأخرج ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" ما في السماء ملك إلا وهو يوقر عمر ولا في الأرض شيطان إلا وهو يفرق من عمر \" .","part":1,"page":47},{"id":48,"text":"وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" إن الله باهى بأهل عرفة عامة وباهى بعمر خاصة \" وأخرج في الكبير مثله من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.\rوأخرج الطبراني والديلمي عن الفضل بن العباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" الحق بعدي مع عمر حيث كان \" .\rوأخرج الشيخان عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنه قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" بينما أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو فنزعت منها إلى ما شاء الله ثم أخذها أبو بكر فنزع ذنوباً أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له ثم جاء عمر فاستقى فاستحالت في يده غرباً فلم أر عبقرياً من الناس يفري فريه حتى روى الناس وضربوا بعطن \" .\rقال النووي: في تهذيبه: قال العلماء هذا إشارة إلى خلافة أبي بكر وعمر وكثرة الفتوح وظهور الإسلام في زمن عمر.\rوأخرج الطبراني عن سديسة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" إن الشيطان لم يلق عمر منذ أسلم إلا خر لوجهه \" وأخرجه الدارقطني في الأفراد من طريق سديسة عن حفصة.\rوأخرج الطبراني عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" قال لي جبريل: ليبك الإسلام على موت عمر \" .\rوأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" من أبغض عمر فقد أبغضني ومن أحب عمر فقد أحبني وإن الله باهى بالناس عشية عرفة عامة وباهى بعمر خاصة وإنه لم يبعث الله نبياً إلا كان في أمته محدث وإن يكن في أمتي منهم أحد فهو عمر قالوا: يا رسول الله كيف محدث قال تتكلم الملائكة على لسانه \" إسناده حسن.\rفصل في أقوال الصحابة والسلف فيه\rقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ما على ظهر الأرض رجل أحب إلى من عمر أخرجه ابن عساكر.\rوقيل لأبي بكر في مرضه: ماذا تقول لربك وقد وليت عمر؟ قال: أقول له وليت عليهم خيرهم أخرجه ابن سعد.\rوقال علي رضي الله عنه: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر أخرجه الطبراني في الأوسط.\rوقال ابن عمر رضي الله عنه: ما رأيت أحداً قط بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من حين قبض أحد ولا أجود من عمر أخرجه ابن سعد.\rوقال ابن مسعود رضي الله عنه: لو أن علم عمر وضع في كفه ميزان ووضع علم أحياء الأرض في كفة لرجح علم عمر بعلمهم ولقد كانوا يرون أنه ذهب بتسعة أعشار العلم أخرجه الطبراني في الكبير والحاكم.\rوقال حذيفة رضي الله عنه كأن علم الناس كان مدسوساً في حجر عمر.\rوقال حذيفة: والله ما أعرف رجلا لا تأخذه في الله لومة لائم إلا عمر.\rوقالت عائشة رضي الله عنها وذكرت عمر كان والله أحوذياً نسيج وحده.\rوقال معاوية رضي الله عنه: أما أبو بكر فلم يرد الدنيا ولم ترده وأما عمر فأرادته الدنيا ولم يردها وأما نحن فتمرغنا فيها ظهراً لبطن أخرجه الزبير بن بكار في الموفقيات.\rوقال جابر رضي الله عنه: دخل على علي عمر وهو مسجى فقال رحمة الله عليك ما من أحد أحب إلى أن ألقى الله بما في صحيفته بعد صحبة النبي صلى الله عليه وسلم من هذا المسجى أخرجه الحاكم.\rوقال ابن مسعود رضي الله عنه: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر إن عمر كان أعلمنا بكتاب الله وأفقهنا في دين الله تعالى أخرجه الطبراني والحاكم.\rوسئل ابن عباس عن أبي بكر فقال: كان كالخير كله وسئل عن عمر فقال: كان كالطير الحذر الذي يرى أن له بكل طريق شركاً يأخذه وسئل عن علي فقال: ملئ عزماً وحزماً وعلماً ونجدة أخرجه في الطيوريات.\rوأخرج الطبراني عن عمير بن ربيعة أن عمر بن الخطاب قال لكعب الأحبار: كيف تجد نعتي؟ قال أجد نعتك قرناً من حديد قال: وما قرن من حديد؟ قال أمير شديد لا تأخذه في الله لومة لائم قال: ثم مه؟ قال ثم يكون من بعدك خليفة تقتله فئة ظالمة قال ثم مه قال: ثم يكون البلاء.","part":1,"page":48},{"id":49,"text":"وأخرج أحمد والبزار والطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه قال فضل عمر بن الخطاب الناس بأربع بذكر الأسرى يوم بدر أمر بقتلهم فأنزل الله \" لولا كتاب من الله سبق \" \" الأنفال: 68 \" الآية وبذكر الحجاب أمر نساء النبي صلى الله عليه وسلم أن يحتجبن فقالت له زينب: وإنك علينا يا ابن الخطاب والوحي ينزل علينا في بيوتنا فأنزل الله \" فإذا سألتموهن متاعاً \" \" الأحزاب: 53 \" الآية وبدعوة النبي صلى الله عليه وسلم \" اللهم أيد الإسلام بعمر \" وبرأيه في أبي بكر كان أول من بايعه.\rوأخرج ابن عساكر عن مجاهد قال: كنا نحدث أن الشياطين كانت مصفدة في إمارة عمر فلما أصيب بثت.\rوأخرج عن سالم بن عبد الله قال: أبطأ خبر عمر على أبي موسى فأتى امرأة في بطنها شيطان فسألها عنه فقالت: حتى يجيئني شيطاني فجاء فسألته عنه فقال تركته مؤتزراً بكساء يهنأ أبل الصدقة وذاك رجل لا يراه شيطان إلا خر لمنخريه الملك بين عينيه وروح القدس ينطق بلسانه.\rفصل: قال سفيان الثوري من زعم أن علياً كان أحق بالولاية من أبي بكر وعمر فقد أخطأ وخطأ أبا بكر وعمر والمهاجرين والأنصار.\rوقال شريك: ليس يقدم علياً على أبي بكر وعمر أحد فيه خير.\rوقال أبو أسامة: أتدرون من أبو بكر وعمر هما أبو الإسلام وأمه.\rوقال جعفر الصادق: أنا بريء ممن ذكر أبا بكر وعمر إلا بخير.\rفصل في موافقات عمر\rرضي الله عنه\rقد أوصلها بعضهم إلى أكثر من عشرين.\rأخرج ابن مردويه عن مجاهد قال: كان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن.\rوأخرج ابن عساكر عن علي قال: إن في القرآن لرأياً من رأي عمر.\rوأخر عن ابن عمر مرفوعاً ما قال الناس في شيء وقال فيه عمر إلا جاء القرآن بنحو ما يقول عمر.\rوأخرج الشيخان عن عمر قال: وافقت ربي في ثلاث: قلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت \" واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى \" \" البقرة: 125 \" وقلت يا رسول الله يدخل على نسائك البر والفاجر فلو أمرتهن يحتجبن فنزلت آية الحجاب واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة فقلت: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن فنزلت كذلك.\rوأخرج مسلم عن عمر قال: وافقت ربي في ثلاث: في الحجاب وفي أسارى بدر وفي مقام إبراهيم ففي هذا الحديث خصلة رابعة.\rوفي التهذيب للنووي: نزل القرآن بموافقته في أسرى بدر وفي الحجاب وفي مقام إبراهيم وفي تحريم الخمر فزاد خصلة خامسة وحديثها في السنن ومستدرك الحاكم أنه قال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فأنزل الله تحريمها.\rوأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في أربع نزلت هذه الآية \" ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين \" \" المؤمنون: 12 \" الآية فلما نزلت قلت أنا: فتبارك الله حسن الخالقين فنزلت \" فتبارك الله أحسن الخالقين \" \" المؤمنون: 14 \" فزاد في هذا الحديث خصلة سادسة وللحديث طريق آخر عن ابن عباس أوردته في التفسير المسند.\rثم رأيت في كتاب فضائل الإمامين لأبي عبد الله الشيباني قال: وافق عمر ربه في أحد وعشرين موضعاً فذكر هذه الستة وزاد سابعاً قصة عبد الله ابن أبي قلت: حديثها في الصحيح عنه قال: لما توفي عبد الله بن أبي دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليه فقام إليه فقمت حتى وقفت في صدره فقلت يا رسول الله أو على عدو الله ابن أبي القائل يوم كذا كذا؟ فوالله ما كان إلا يسيراً حتى نزلت \" ولا تصل على أحد منهم مات أبداً \" \" التوبة: 84 \" الآية.\rوثامناً \" يسألونك عن الخمر \" الآية: \" البقرة: 219 \" .\rوتاسعاً \" يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة \" الآية \" قلت: هما مع آية المائدة خصلة واحدة والثلاثة في الحديث السابق.\rوعاشراً لما أكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاستغفار لقوم قال عمر: سواء عليهم فأنزل الله \" سواء عليهم استغفرت لهم \" المنافقون: 6 \" الآية قلت أخرجه الطبراني عن ابن عباس.\rالحادي عشر: لما استشار صلى الله عليه وسلم الصحابة في الخروج إلى بدر أشار عمر بالخروج فنزلت \" كما أخرجك ربك من بيتك بالحق \" \" الأنفال: 5 \" .\rالثاني عشر لما استشار الصحابة في قصة الإفك قال عمر: من زوجكها يا رسول الله؟ قال: الله قال: أفتظن أن ربك دلس عليك فيها؟ سبحانك هذا بهتان عظيم فنزلت كذلك.","part":1,"page":49},{"id":50,"text":"الثالث عشر: قصته في الصيام لما جامع زوجته بعد الانتباه وكان ذلك محرماً في أول الإسلام فنزل \" أحل لكم ليلة الصيام \" \" البقرة: 187 \" الآية قلت: أخرجه أحمد في مسنده.\rالرابع عشر: قوله تعالى \" من كان عدواً لجبريل \" \" البقرة: 97 \" الآية قلت: أخرجه ابن جرير وغيره من طرق عديدة وأقر بها للموافقة ما أخرجه ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن يهودياً لقي عمر فقال: إن جبريل الذي يذكره صاحبكم عدو لنا فقال له عمر: من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين فنزلت على لسان عمر.\rالخامس عشر: قوله تعالى \" فلا وربك لا يؤمنون \" \" النساء: 65 \" الآية قلت أخرج قصتها ابن أبي حاتم وابن مروديه عن أبي الأسود قال اختصم رجلان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى بينهما فقال الذي قضى عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب فأتيا إليه فقال الرجل: قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا فقال ردنا إلى عمر فقال: أكذاك؟ قال نعم فقال: عمر مكانكما حتى أخرج إليكم فخرج إليهما مشتملا على سيفه فضرب الذي قال ردنا إلى عمر فقتله وأدبر الآخر فقال يا رسول الله قتل عمر والله صاحبي فقال ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن فأنزل الله \" فلا وربك لا يؤمنون \" \" النساء: 65 \" الآية فأهدر دم الرجل وبرئ عمر من قتله وله شاهد موصول أوردته في التفسير المسند.\rالسادس عشر: الاستئذان في الدخول وذلك أنه دخل عليه غلامه وكان نائماً فقال اللهم حرم الدخول فنزلت آية الاستئذان.\rالسابع عشر: قوله في اليهود إنهم قوم بهت.\rالثامن عشر: قوله تعالى \" ثلة من الأولين وثلة من الآخرين \" \" الواقعة: 39 - 40 \" قلت أخرج قصتها ابن عساكر في تاريخه عن جابر بن عبد الله وهي في أسباب النزول.\rالتاسع عشر: رفع تلاوة الشيخ والشيخة إذا زنيا الآية.\rالعشرون: قوله يوم أحد لما قال أبو سفيان: أفي القوم فلان؟ لا نجيبنه فوافقه رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: أخرج قصته أحمد في مسنده.\rقال: ويضم إلى هذا ما أخرجه عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب الرد على الجهمية من طريق ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أن كعب الأحبار قال: ويل لملك الأرض من ملك السماء فقال عمر: إلا من حاسب نفسه فقال كعب والذي نفسي بيده إنها في التوراة لتابعتها فخر عمر ساجداً.\rثم رأيت في الكامل لابن عدي من طريق عبد الله بن نافع وهو ضعيف عن أبيه عن عمر أن بلالا كان يقو ل إذا أذن اشهد أن لا إله إلا الله حي على الصلاة فقال له عمر قل في أثرها: أشهد أن محمداً رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قل كما قال عمر.\rفصل في كراماته\rرضي الله عنه\rأخرج البيهقي وأبو نعيم كلاهما في دلائل النبوة واللالكائي في شرح السنة والدير عاقولي في فوائده وابن الأعرابي في كرامات الأولياء والخطيب في رواة مالك عن نافع عن ابن عمر قال: وجه عمر جيشاً ورأس عليهم رجلا يدعى سارية فبينما عمر يخطب جعل ينادي يا سارية الجبل ثلاثاً ثم قدم رسول الجيش فسأله عمر فقال: يا أمير المؤمنين هزمنا فبينما نحن كذلك إذ سمعنا صوت ينادي يا سارية الجبل ثلاثاً فأسندنا ظهورنا إلى الجبل فهزمهم الله قال قيل: لعمر إنك كنت تصيح بذلك وذلك الجبل الذي كان سارية عنده بنهاوند من أرض العجم قال ابن حجر في الإصابة إسناده حسن.\rوأخرج ابن مروديه من طريق ميمون بن مهران عن ابن عمر قال: كان عمر يخطب يوم الجمعة فعرض في خطبته أن قال يا سارية الجبل من استرعى الذئب ظلم فالتفت الناس بعضهم لبعض فقال لهم علي: ليخرجن مما قال فلما فرغ سألوه فقال: وقع في خلدي أن المشركين هزموا أخواننا وإنهم يمرون بحبل فإن عدلوا إليه قاتلوا من وجه واحد وإن جاوزوا هلكوا فخرج مني ما تزعمون أنكم سمعتموه قال: فجاء البشير بعد شهر فذكر أنهم سمعوا صوت عمر في ذلك اليوم قال فعدلنا إلى الجبل ففتح الله علينا.","part":1,"page":50},{"id":51,"text":"وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن عمرو بن الحارث قال بينما عمر بن الخطاب على المنبر يخطب يوم الجمعة إذ ترك الخطبة فقال: يا سارية الجبل مرتين أو ثلاثاً ثم أقبل على خطبته فقال بعض الحاضرين لقد جن إنه لمجنون فدخل عليه عبد الرحمن بن عوف وكان يطمئن إليه فقال لشد ما ألومهم عليك إنك لتجعل لهم على نفسك مقالا بينما أنت تخطب إذا أنت تصيح يا سارية الجبل أي شيء هذا قال: إني والله ما ملكت ذلك رأيتهم يقاتلون عند جبل يؤتون من بين أيديهم ومن خلفهم فلم أملك أن قلت يا سارية الجبل ليلحقوا بالجبل فلبثوا إلى أن جاء رسول سارية بكتابه: إن القوم لقونا يوم الجمعة فقاتلناهم حتى إذا حضرت الجمعة ودار حاجب الشمس سمعنا منادياً ينادي يا سارية الجبل مرتين فلحقنا بالجبل فلم نزل قاهرين لعدونا حتى هزمهم الله وقتلهم فقال أولئك الذين طعنوا عليه دعوا هذا الرجل فإنه مصنوع له.\rوأخرج أبو القاسم بن بشران في فوائده من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال: قال عمر بن الخطاب لرجل: ما اسمك؟ قال: جمرة قال ابن من؟ قال ابن شهاب قال ممن؟ قال: من الحرقة قال أين مسكنك قال الحرة قال بأيها؟ قال بذات لظى فقال عمر: أدرك أهلك فقد احترقوا فرجع الرجل فوجد أهله قد احترقوا.\rوأخرج مالك في الموطإ عن يحيى بن سعيد نحوه وأخرجه ابن دريد في الأخبار المنثورة وابن الكلبي في الجامع وغيرهم.\rوقال أبو الشيخ في كتاب العظمة: حدثنا أبو الطيب حدثنا علي بن داود حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج عمن حدثه قال لما فتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص حين دخل يوم من أشهر العجم فقالوا يا أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها قال وما ذاك؟ قالوا إذا كان إحدى عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر بين أبويها فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الثياب والحلي أفضل ما يكون ثم ألقيناها في هذا النيل فقال لهم عمرو إن هذا لا يكون أبدا في الإسلام وإن الإسلام يهدم ما كان قبله فأقاموا والنيل لا يجري قليلا ولا كثيرا حتى هموا بالجلاء فلما رأى ذلك عمرو كتب إلى عمر بن الخطاب بذلك فكتب له أن قد أصبت بالذي قلت وإن الإسلام يهدم ما كان قبله وبعث بطاقة في داخل كتابه وكتب إلى عمرو إني قد بعثت إليك ببطاقة في داخل كتابي فألقها في النيل فلما قدم كتاب عمر إلى عمرو بن العاص أخذ البطاقة ففتحها فإذا فيها من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر وإن كان الله يجريك فأسأل الله الواحد القهار أن يجريك فألقى البطاقة في النيل قبل الصليب بيوم فأصبحوا وقد أجراه الله تعالى ستة عشر ذراعاً في ليلة واحدة فقطع الله تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم.\rوأخرج ابن عساكر عن طارق بن شهاب قال: إن كان الرجل ليحدث عمر بالحديث فيكذبه الكذبة فيقول احبس هذه ثم يحدثه بالحديث فيقول: احبس هذه فيقول له كل ما حدثتك حق إلا ما أمرتني أن أحبسه.\rوأخرج عن الحسن قال: إن كان أحد يعرف الكذب إذا حدث به فهو عمر بن الخطاب.\rوأخرج البيهقي في الدلائل عن أبي هدبة الحمصي قال: أخبر عمر بأن أهل العراق قد حصبوا أميرهم فخرج غضبان فصلى فسها في صلاته فلما سلم قال: اللهم إنهم قد لبسوا علي فالبس عليهم وعجل عليهم بالغلام الثقفي يحكم فيهم بحكم الجاهلية: لا يقيل من محسنهم ولا يتجاوز عن مسيئهم قلت: أشاربه إلى الحجاج قال ابن لهيعة وما ولد الحجاج يومئذ.\rفصل في نبذ من سيرته\rأخرج ابن سعد عن الأحنف بن قيس قال كنا جلوساً بباب عمر فمرت جارية فقالوا: سرية أمير المؤمنين فقال: ما هي لأمير المؤمنين بسرية ولا تحل له إنها من مال الله فقلنا فماذا يحل له من مال الله تعالى قال إنه لا يحل لعمر من مال الله إلا حلتين: حلة للشتاء وحلة للصيف وما أحج به وأعتمر وقوتي وقوت أهلي كرجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم ثم أنا بعد رجل من المسلمين.\rوقال خزيمة بن ثابت: كان عمر إذا استعمل عاملا كتب له واشترط عليه أن لا يركب برذوناً ولا يأكل نقياً ولا يلبس رقيقاً ولا يغلق بابه دون ذوي الحاجات فإن فعل فقد حلت عليه العقوبة.","part":1,"page":51},{"id":52,"text":"وقال عكرمة بن خالد وغيره: إن حفصة وعبد الله وغيرهما كلموا عمر فقالوا لو أكلت طعاماً طيباً كان أقوى لك على الحق قال أكلكم على هذا الرأي قالوا نعم قال قد علمت نصحكم ولكني تركت صاحبي على جادة فإن تركت جادتهما لم أدركهما في المنزل.\rقال: وأصاب الناس سنة فما أكل عامئذ سمناً ولا سميناً.\rوقال ابن مليكة: كلم عتبة بن فرقد عمر في طعامه فقال: ويحك آكل طيباتي في حياتي الدنيا وأستمتع بها؟.\rوقال الحسن: دخل عمر على ابنه عاصم وهو يأكل لحماً فقال: ما هذا؟ قال: قرمنا إليه قال أو كلما قرمت إلى شيء أكلته كفى بالمرء سرفاً أن يأكل كل ما اشتهى.\rوقال أسلم: قال عمر: لقد خطر على قلبي شهوة السمك الطري قال: فرحل يرفأ راحلته وسار أربعاً مقبلا وأربعاً مدبراً واشترى مكتلا فجاء به وعمد إلى الراحلة فغسلها فأتى عمر فقال: انطلق حتى أنظر إلى الراحلة فنظر وقال: أنسيت أن تغسل هذا العرق الذي تحت أذنيها؟ عذبت بهيمة في شهوة عمر؟ إلا والله لا يذوق عمر مكتلك.\rوقال قتادة: كان عمر يلبس وهو خليفة جبة من صوف مرقوعة بعضها بأدم ويطوف في الأسواق على عاتقه الدرة يؤدب بها الناس ويمر بالنكث والنوى فيلتقطه ويلقيه في منازل الناس ينتفعون به.\rوقال أنس: رأيت بين كتفي عمر أربع رقاع في قميصه وقال أبو عثمان النهدي: رأيت على عمر إزاراً مرقوعاً بأدم وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: حججت مع عمر فما ضرب فسطاطاً ولا خباء كان يلقى الكساء والنطع على الشجرة ويستظل تحته وقال عبد الله بن عيسى كان في وجه عمر بن الخطاب خطان أسودان من البكاء وقال الحسن كان عمر يمر بالآية من ورده فيسقط حتى يعاد منها أياما وقال أنس دخلت حائطاً فسمعت عمر يقول وبيني وبينه جاداً عمر بن الخطاب أمير المؤمنين بخ والله لتتقين الله ابن الخطاب أو ليعذبنك الله وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة رأيت عمر أخذ تبنة من الأرض فقال ليتني كنت هذه التبنة يا ليتني لم أك شيئاً ليت أمي لم تلدني وقال عبيد الله ابن عمر بن حفص حمل عمر بن الخطاب قربة على عنقه فقيل له في ذلك فقال إن نفسي أعجبتني فأردت أن أذلها وقال محمد سيرين قدم صهر لعمر عليه فطلب أن يعطيه من بيت المال فانتهره عمر وقال: أردت أن ألقى الله ملكاً خائناً؟ ثم أعطاه من صلب ماله عشرة آلاف درهم وقال النخعي كان عمر يتجر وهو خليفة وقال أنس تقرقر بطن عمر من أكل الزيت عام الرمادة وكان قد حرم على نفسه السمن فنقر بطنه بإصبعه وقال إنه ليس عندنا غيره حتى يحيا الناس وقال سفيان بن عيينة قال عمر بن الخطاب أحب الناس إلي من رفع إلى عيوبي وقال أسلم رأيت عمر بن الخطاب يأخذ بأذن الفرس ويأخذ بيده الأخرى أذنه ثم ينزو على متن الفرس وقال ابن عمر ما رأيت عمر غضب قط فذكر الله عنده أو خوف أو قرأ عنده إنسان آية من القرآن إلا وقف عما كان يريد وقال بلال لأسلم: كيف تجدون عمر؟ فقال خير الناس إلا أنه إذا غضب فهو أمر عظيم فقال بلال: لو كنت عنده إذا غضب قرأت عليه القرآن حتى يذهب غضبه وقال الأحوص بن حكيم عن أبيه أتى عمر بلحم فيه سمن فأبى أن يأكلها وقال كل واحد منهما أدم أخرج هذه الآثار كلها ابن سعد.\rوأخرج ابن سعد عن الحسن قال: قال عمر: هان شيء أصلح به قوماً أن أبدلهم أميراً مكان أمير.\rفصل في صفته\rرضي الله عنه\rأخرج ابن سعد والحاكم عن زر قال: خرجت مع أهل المدينة في يوم عيد فرأيت عمر يمشي حافياً شيخاً أصلع آدم أعسر طوالا مشرفاً على الناس كأنه على دابة قال الواقدي: لا يعرف عندنا أن عمر كان آدم إلا أن يكون رآه عام الرمادة فإنه كان تغير لونه حين أكل الزيت.\rوأخرج ابن سعد عن ابن عمر أنه وصف عمر فقال: رجل أبيض تعلوه حمرة طوال أصلع أشيب.\rوأخرج عن عبيد بن عمير قال كان عمر يفوق الناس طولا.\rوأخرج عن سلمة بن الأكوع قال: كان عمر رجل أعسر يسر يعني يعتمد بيديه جميعاً.\rوأخرج ابن عساكر عن أبي رجاء العطاردي قال: كان عمر رجلا طويلا جسيماً أصلع شديد الصلع أبيض شديد الحمرة في عارضيه خفة سبلته كبيرة وفي أطرافها صهبة.\rوفي تاريخ ابن عساكر من طرق أن أم عمر بن الخطاب حنتمة بنت هشام ابن المغيرة أخت أبي جهل بن هشام فكان أبو جهل خاله.\rفصل في خلافته\rرضي الله عنه","part":1,"page":52},{"id":53,"text":"ولي الخلافة بعهد من أبي بكر في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة قال الزهري: استخلف عمر يوم توفي أبو بكر وهو يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة أخرجه الحاكم فقام بالأمر أتم قيام وكثرت الفتوح في أيامه: ففي سنة أربع عشرة فتحت دمشق ما بين صلح وعنوة وحمص وبعلبك صلحاً والبصرة والأبلة كلاهما عنوة.\rوفيها جمع عمر بالناس على صلاة التراويح قاله العسكري في الأوائل.\rوفي سنة خمس عشرة فتحت الأردن كلها عنوة إلا طبرية فإنها فتحت صلحاً وفيها كانت وقعة اليرموك والقادسية.\rقال ابن جرير: وفيها مصر سعد الكوفة وفيها فرض عمر الفروض ودون الدواوين وأعطى العطاء على السابقة.\rوفي سنة ست عشرة فتحت الأهواز والمدائن وأقام بها سعد الجمعة في إيوان كسرى وهي أول جمعة جمعت بالعراق وذلك في صفر وفيها كانت وقعة جلولاء وهزم فيها يزدجرد بن كسرى وتقهقر إلى الري وفيها فتحت تكريت وفيها سار عمر ففتح بيت المقدس وخطب بالجباية خطبته المشهورة وفيها فتحت قنسرين عنوة وحلب وإنطاكية ومنبج صلحاً وسروج عنوة وفيها فتحت قرقيسياء صلحاً وفي ربيع الأول كتب التاريخ من الهجرة بمشورة علي.\rوفي سنة سبع عشرة زاد عمر في المسجد النبوي وفيها كان القحط بالحجاز وسمى عام الرمادة واستسقى عمر للناس بالعباس.\rأخرج ابن سعد عن نيار الأسلمي أن عمر لما خرج يستسقى خرج وعليه برد رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوأخرج عن ابن عون قال: أخذ عمر بيد العباس ثم رفعها وقال: اللهم إنا نتوسل إليك بعم نبيك أن تذهب عنا المحل وأن تسقينا الغيث فلم يبرحوا حتى سقوا فأطبقت السماء عليهم أياماً وفيها فتحت الأهواز صلحاً.\rوفي سنة ثمان عشرة فتحت جنديسابور صلحاً وحلوان عنوة وفيها كان طاعون عمواس وفيها فتحت الرها وسميساط عنوة وحران ونصيبين وطائفة من الجزيرة عنوة وقيل صلحاً والموصل ونواحيها عنوة.\rوفي سنة تسع عشرة فتحت قيسارية عنوة.\rوفي سنة عشرين فتحت مصر عنوة وقيل مصر كلها صلحا إلا الإسكندرية فعنوة وقال على بن رباح: المغرب كله عنوة وفيها فتحت تستر وفيها هلك قيصر عظيم الروم وفيها أجلى عمر اليهود عن خيبر وعن نجران وقسم خيبر ووادي القرى.\rوفي سنة إحدى وعشرين فتحت الإسكندرية عنوة ونهاوند ولم يكن للأعاجم بعدها جماعة وبرقة وغيرها.\rوفي سنة اثنتين وعشرين فتحت أذربيجان عنوة وقيل صلحاً والدينور عنوة وما سبذان عنوة وهمذان عنوة وطرابلس المغرب والري وعسكر وقومس.\rوفي سنة ثلاث وعشرين كان فتح كرمان وسجستان ومكران من بلاد الجبل وأصبهان ونواحيها.\rوفي آخرها كانت وفاة سيدنا عمر رضي الله عنه بعد صدوره من الحج شهيداً قال سعيد بن المسيب لما نفر عمر من مني أناخ بالأبطح ثم استلقى ورفع يديه إلى السماء وقال اللهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل أخرجه الحاكم.\rوقال أبو صالح السمان: قال كعب الأحبار لعمر أجدك في التوراة تقتل شهيداً قال وأني لي بالشهادة وأنا بجزيرة العرب؟.\rوقال أسلم: قال عمر اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك أخرجه البخاري.\rوقال معدان بن أبي طلحة: خطب عمر فقال: رأيت كأن ديكاً نقرني نقرة أو نقرتين وإني لا أراه إلا حضور أجلي وإن قوما يأمروني أن استخلف وإن الله لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راض عنهم أخرجه الحاكم.","part":1,"page":53},{"id":54,"text":"قال الزهري: كان عمر رضي الله عنه لا يأذن لسبي قد احتلم في دخول المدينة حتى كتب إليه المغير بن شعبة وهو على الكوفة يذكر له غلاماً عنده جملة صنائع ويستأذنه أن يدخل المدينة ويقول إن عنده أعمالا كثيرة فيها منافع للناس إنه حداد نقاش نجار فأذن له أن يرسله المدينة وضرب عليه المغيرة مائة درهم في الشهر فجاء إلى عمر يشتكي شدة الخراج فقال ما خراجك بكثير فانصرف ساخطاً يتذمر فلبث عمر ليالي ثم دعاه فقال ألم أخبر أنك تقول لو أشاء لصنعت رحى تطحن بالريح فالتفت إلى عمر عابساً وقال لأصنعن لك رحى يتحدث الناس بها فلما ولى قال عمر لأصحابه أو عدني العبد آنفاً ثم اشتمل أبو لؤلؤة على خنجر ذي رأسين نصابه في وسطه فكمن بزاوية من زوايا المسجد في الغلس فلم يزل هناك حتى خرج عمر يوقظ الناس للصلاة فلما دنا منه طعنه ثلاث طعنات أخرجه ابن سعد.\rوقال عمرو بن ميمون الأنصاري: إن أبا لؤلؤة عبد المغيرة طعن عمر بخنجر له رأسان وطعن معه اثني عشر رجلا مات منهم ستة فألقى عليه رجل من أهل العراق ثوباً فلما اغتم فيه قتل نفسه.\rوقال أبو رافع: كان أبو لؤلؤة عبد المغيرة يصنع الأرحاء وكان المغيرة يستغله كل يوم أربعة دراهم فلقي عمر فقال: يا أمير المؤمنين إن المغيرة قد أثقل علي فكلمه فقال: أحسن إلى مولاك ومن نية عمر أن يكلم المغيرة فيه فغضب وقال يسع الناس كلهم عدله غيري وأضمر قتله واتخذ خنجراً وشحذه وسمه وكان عمر يقول أقيموا صفوفكم قبل أن يكبر فجاء فقام حذاءه في الصف وضربه في كتفه وفي خاصرته فسقط عمر وطعن ثلاثة عشر رجلا معه فمات منهم ستة وحمل عمر إلى أهله وكادت الشمس تطلع فصلى عبد الرحمن بن عوف بالناس بأقصر سورتين وأتى عمر بنبيذ فشربه فخرج من جرحه فلم يتبين فسقوه لبناً فخرج من جرحه فقالوا لا بأس عليك فقال إن يكن بالقتل بأس فقد قتلت فجعل الناس يثنون عليه ويقولون: كنت وكنت فقال أما والله وددت أني خرجت منها كفافاً لا على ولا لي وأن صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سلمت لي وأثنى عليه ابن عباس فقال لو أن لي طلاع الأرض ذهباً لافتديت به من هول المطلع وقد جعلتها شورى في عثمان وعلى وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد وأمر صهيباً أن يصلي بالناس وأجل الستة ثلاثاً أخرجه الحاكم.\rوقال ابن عباس: كان أبو لؤلؤة مجوسياً.","part":1,"page":54},{"id":55,"text":"وقال عمرو بن ميمون: قال عمر الحمد الله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الإسلام ثم قال لابنه يا عبد الله أنظر ما على من الدين فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفاً أو نحوها فقال: إن وفى مال آل عمر فأده من أموالهم وإلا فاسأل في بني عدي فإن لم تف أموالهم فاسأل في قريش أذهب إلى أم المؤمنين عائشة فقل يستأذن عمر أن يدفن مع صاحبيه فذهب إليها فقالت كنت أريده تعنى المكان لنفسي ولأوثرنه اليوم على نفسي فأتى عبد الله فقال قد أذنت فحمد الله تعالى وقيل له أوص يا أمير المؤمنين واستخلف قال ما أرى أحداً أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو عنهم راض فسمى الستة وقال يشهد عبد الله بن عمر معهم وليس له من الأمر شيء فإن أصابت الإمرة سعداً فهو ذاك وإلا فليستعين به أيكم ما أمر فإني لم أعز له من عجز ولا خيانة ثم قال: أوصى الخليفة من بعدي بتقوى الله وأوصيه بالمهاجرين والأنصار وأوصيه بأهل الأمصار خيراً في مثل ذلك من الوصية فلما توفي خرجنا به نمشي فسلم عبد الله بن عمر وقال عمر يستأذن فقالت عائشة أدخلوه فأدخل فوضع هناك مع صاحبيه فلما فرغوا من دفنه ورجعوا اجتمع هؤلاء الرهط فقال عبد الرحمن بن عوف اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم فقال الزبير قد جعلت أمري إلى علي وقال سعد قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن وقال طلحة قد جعلت أمري إلى عثمان قال فخلا هؤلاء الثلاثة فقال عبد الرحمن أنا لا أريدها فأيكما يبرأ من هذا الأمر ونجعله إليه والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه وليحرص على صلاح الأمة فسكت الشيخان علي وعثمان فقال عبد الرحمن اجعلوه إلى والله على لا آلوكم عن أفضلكم قالا نعم فخلا بعلي وقال لك من القدم في الإسلام والقرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد علمت الله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت عليك لتسمعن ولتطعين قال: نعم ثم خلا بالآخر فقال له كذلك فلما أخذ ميثاقهما بايع عثمان وبايعه علي.\rوفي مسند أحمد عن عمر أنه قال: إن أدركني أجلى وأبو عبيدة بن الجراح حتى استخلفته فإن سألني ربي قلت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول \" إن لكل نبي أميناً وأميني أبو عبيدة بن الجراح \" فإن أدركني أجلي وقد توفي أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل فإن سألني ربي لم استخلفته قلت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول \" إنه يحشر يوم القيامة بين يدي العلماء نبذة \" وقد ماتا في خلافته.\rوفي المسند أيضاً عن أبي رافع أنه قيل لعمر عند موته في الاستخلاف فقال: قد رأيت من أصحابي حرصاً سيئاً ولو أدركني أحد رجلين ثم جعلت هذا الأمر إليه لوثقت به سالم مولى أبي حذيفة وأبو عبيدة بن الجراح.\rأصيب عمر يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة ودفن يوم الأحد مستهل المحرم الحرام وله ثلاث وستون سنة وقيل ست وستون سنة وقيل إحدى وستون وقيل ستون ورجحه الواقدي وقيل: تسع وخمسون وقيل خمس أو أربع وخمسون وصلى عليه صهيب في المسجد.\rوفي تهذيب المزني كان نقش خاتم عمر كفى بالموت واعظاً يا عمر.\rوأخرج الطبراني عن طارق بن شهاب قال: قالت أم أيمن يوم قتل عمر اليوم وهي الإسلام.\rوأخرج عبد الرحمن بن يسار قال: شهدت موت عمر بن الخطاب فانكسفت الشمس يومئذ رجاله ثقات.\rفصل في أوليات عمر\rرضي الله عنه\rقال العسكري: هو أول من سمى أمير المؤمنين وأول من كتب التاريخ من الهجرة وأول من أتخذ بيت المال وأول من سن قيام شهر رمضان وأول من عس بالليل وأول من عاقب على الهجاء وأول من ضرب في الخمر ثمانين وأول من حرم المتعة وأول من نهى عن بيع أمهات الأولاد وأول من جمع الناس في صلاة الجنائز على أربع تكبيرات وأول من أتخذ الديوان وأول من فتح الفتوح ومسح السواد وأول من حمل الطعام من مصر في بحر أيلة إلى المدينة وأول من أحتبس صدقة في الإسلام وأول من أعال الفرائض وأول من أخذ زكاة الخيل وأول من قال أطال الله بقاءك قاله لعلي وأول من قال أيدك الله قاله لعلي هذا آخر ما ذكره العسكري.\rوقال النووي في تهذيبه: هو أول من اتخذ الدرة وكذا ذكره ابن سعد في الطبقات قال: ولقد قيل بعده لدرة عمر أهيب من سيفكم قال وهو أول من استقضى القضاة في الأمصار وأول من مصر الأمصار الكوفة والبصرة والجزيرة والشام ومصر والموصل.","part":1,"page":55},{"id":56,"text":"وأخرج ابن عساكر عن إسماعيل بن زياد قال: مر علي بن أبي طالب على المساجد في رمضان وفيها القناديل فقال: نور الله على عمر في قبره كما نور علينا في مساجدنا.\rفصل: قال ابن سعد اتخذ عمر دار الدقيق فجعل فيها الدقيق والسويق والتمر والزبيب وما يحتاج إليه يعين به المنقطع ووضع فيما بين مكة والمدينة بالطريق ما يصلح من ينقطع به وهدم المسجد النبوي وزاد فيه ووسعه وفرشه بالحصباء وهو الذي أخرج اليهود من الحجاز إلى الشام وأخرج أهل نجران إلى الكوفة وهو الذي أخر مقام إبراهيم إلى موضعه اليوم وكان ملصقاً بالبيت.\rفصل في نبذ من أخباره وقضاياه\rأخرج العسكري في الأوائل والطبراني في الكبير والحاكم من طريق ابن شهاب أن عمر بن عبد العزيز سأل أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة: لأي شيء كان يكتب من خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في عهد أبي بكر ثم كان عمر كتب أولا من خليفة أبي بكر فمن أول من كتب من أمير المؤمنين فقال حدثتني الشفاء وكانت من المهاجرات أن أبا بكر كان يكتب من خليفة رسول الله وكان عمر يكتب من خليفة خليفة رسول الله حتى كتب عمر إلى عامل العراق أن يبعث إليه رجلين جلدين يسألهما عن العراق وأهله فبعث إليه لبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم فقدما المدينة ودخلا المسجد فوجدا عمرو بن العاص فقالا استأذن لنا على أمير المؤمنين فقال عمرو أنتما والله أصبتما اسمه فدخل عليه عمرو فقال السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال: ما بدا لك في هذا الاسم؟ لتخرجن مما قلت فأخبره وقال أنت الأمير ونحن المؤمنون فجرى الكتاب بذلك من يومئذ.\rوقال النووي في تهذيبه: سماه بهذا الاسم عدي بن حاتم ولبيد بن ربيعة حين وفدا عليه من العراق وقيل سماه به المغيرة بن شعبة وقيل إن عمر قال للناس أنتم المؤمنون وأنا أميركم فسمى أمير المؤمنين وكان قبل ذلك يقال له خليفة خليفة رسول الله فعدلوا عن تلك العبارة لطولها.\rوأخرج ابن عساكر عن معاوية بن قرة قال: كان يكتب من أبي بكر خليفة رسول الله فلما كان عمر بن الخطاب أرادوا أن يقولوا: خليفة خليفة رسول الله قال عمر: هذا يطول: قالوا: لا ولكنا أمرناك علينا فأنت أميرنا قال: نعم أنتم المؤمنون وأنا أميركم فكتب أمير المؤمنين.\rوأخرج البخاري في تاريخه عن ابن المسيب قال: أول من كتب التاريخ عمر بن الخطاب لسنتين ونصف من خلافته فكتب لست عشرة من الهجرة بمشورة علي.\rوأخرج السلفي في الطيوريات بسند صحيح عن ابن عمر عن عمر أنه أراد أن يكتب السنن فاستخار الله شهراً فأصبح وقد عزم له ثم قال إني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتاباً فأقبلوا عليه وتركوا كتاب الله.\rوأخرج ابن سعد عن شداد قال كان أول كلام تكلم به عمر حين صعد المنبر أن قال: اللهم إني شديد فليني وإني ضعيف فقوني وإني بخيل فسخني.\rوأخرج ابن سعد وسعيد بن منصور وغيرهما من طرق عن عمر أنه قال: إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة وإلى اليتيم من ماله: إن أيسرت استعففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف فإن أيسرت قضيت.\rوأخرج ابن سعد عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب كان إذا احتاج أتى صاحب بيت المال فاستقرضه فربما أعسر فيأتيه صاحب بيت المال يتقاضاه فيلزمه فيحتال له عمر وربما خرج عطاؤه فقضاه.\rوأخرج ابن سعد عن البراء بن معرور أن عمر خرج يوماً حتى أتى المنبر وكان قد اشتكى شكوى فنعت له العسل وفي بيت المال عكة فقال: إن أذنتم لي فيها أخذتها وإلا فهي على حرام فأذنوا له.\rوأخرج عن سالم بن عبد الله أن عمر كان يدخل يده في دبرة البعير ويقول: إني لخائف أن اسأل عما بك.\rوأخرج عن ابن عمر قال: كان عمر إذا أراد أن ينهي الناس عن شيء تقدم إلى أهله فقال لا أعلمن أحداً وقع في شيء مما نهيت عنه إلا أضعفت عليه العقوبة.\rوروينا من غير وجه أن عمر بن الخطاب خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة وكان يفعل ذلك كثيراً إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقاً عليها بابها وهي تقول:\rتطاول هذا الليل تسري كواكبه ... وأرقني أن لا ضجيع ألاعبه\rفوالله لولا الله تخشى عواقبه ... لزحزح من هذا السرير جوانبه\rولكنني أخشى رقيباً موكلا ... بأنفسنا لا يفتر الدهر كاتبه\rمخافة ربي والحياء يصدني ... وأكرم بعلي أن تنال مراتبه","part":1,"page":56},{"id":57,"text":"وأخرج إلى عماله بالغزو أن لا يغيب أحداً أكثر من أربعة أشهر.\rوأخرج ابن سعد عن زاذان عن سلمان أن عمر قال له: أملك أنا أم خليفة؟ فقال له سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهماً أو أقل أو أكثر ثم وضعته في غير حقه فأنت ملك غير خليفة فاستعبر عمر.\rوأخرج عن سفيان بن أبي العرجاء قال: قال عمر بن الخطاب: والله ما ادري أخليفة أنا أم ملك فإن كنت ملكاً فهذا أمر عظيم فقال قائل يا أمير المؤمنين إن بينهما فرقاً قال: ما هو؟ قال الخليفة لا يأخذ إلا حقاً ولا يضعه إلا في حق وأنت بحمد الله كذلك والملك يعسف الناس فيأخذ من هذا ويعطى هذا فسكت عمر.\rوأخرج عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ركب عمر فرساً فانكشف ثوبه عن فخذه فرأى أهل نجران بفخذه شامة سوداء فقالوا هذا الذي نجد في كتابنا أنه يخرجنا من أرضنا.\rوأخرج عن سعد الجاري أن كعب الأحبار قال لعمر: إنا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنم تمنع الناس أن يقعوا فيها فإذا مت لم يزالوا يقتحمون فيها إلى يوم القيامة.\rوأخرج عن أبي معشر قال: حدثنا أشياخنا أن عمر قال: إن هذا الأمر لا يصلح إلا بالشدة التي لا جبرية فيها وباللين الذي لا وهن فيه.\rوأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن حكيم بن عمير قال: كتب عمر ابن الخطاب ألا لا يجلدن أمير الجيش ولا سرية أحداً ألحد حتى يطلع الدرب لئلا تحمله حمية الشيطان أن يلحق بالكفار.\rوأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن الشعبي قال: كتب قيصر إلى عمر ابن الخطاب: إن رسلي آتتني من قبلك فزعمت أن قبلكم شجرة ليست بخليفة شيء من الشجر تخرج مثل آذان الحمير ثم تنشق عن مثل اللؤلؤ ثم يخضر فيكون كالزمرد الأخضر ثم يحمر فيكون كالياقوت الأحمر ثم يينع فينضج فيكون كأطيب فالوذج أكل ثم ييبس فيكون عصمة للمقيم وزاداً للمسافر فإن تكن رسلي صدقتني فلا أدري هذه الشجرة إلا من شجر الجنة فكتب إليه عمر من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى قيصر ملك الروم إن رسلك قد صدقوك هذه الشجرة عندنا هي الشجرة التي أنبتها الله على مريم حين نفست بعيسى ابنها فأتق الله ولا تتخذ عيسى إلها من دون الله فإن \" مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب \" \" آل عمران: 59 \" .\rوأخرج ابن سعد عن ابن عمر أن عمر أمر عماله فكتبوا أموالهم منهم سعد ابن أبي وقاص فشاطرهم عمر في أموالهم فأخذ نصفاً وأعطاهم نصفاً.\rوأخرج عن الشعبي أن عمر كان إذا استعمل عاملا كتب ما له.\rوأخرج عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: مكث عمر زماناً لا يأكل من مال بيت المال شيئاً حتى دخلت عليه في ذلك خصاصة فأرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشارهم فقال قد شغلت نفسي في هذا الأمر فما يصلح لي منه فقال علي غداء وعشاء فأخذ بذلك عمر.\rوأخرج عن ابن عمر أن عمر حج سنة ثلاث وعشرين فأنفق في حجته ستة عشر ديناراً فقال يا عبد الله أسرفنا في هذا المال.\rوأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن قتادة والشعبي قالا جاءت عمر امرأة فقالت: زوجي يقوم الليل ويصوم النهار فقال عمر لقد أحسنت الثناء على زوجك فقال كعب بن سوار لقد شكت فقال عمر كيف قال تزعم أنه ليس لها من زوجها نصيب قال فإذا قد فهمت ذلك فأقض بينهما فقال يا أمير المؤمنين أحل الله له من النساء أربعاً فلها من كل أربعة أيام يوم ومن كل أربع ليال ليلة.\rوأخرج عن ابن جريج قال: أخبرني من أصدقه أن عمر بينما هو يطوف سمع امرأة تقول:\rتطاول هذا الليل واسود جانبه ... وأرقني أن لا خليل ألاعبه\rفلولا حذار الله لا شيء مثله ... لزحزح من هذا السرير جوانبه\rفقال عمر: ما لك؟ قالت: أغزيت زوجي منذ أشهر وقد اشتقت إليه قال أردت سوءاً؟ قالت: معاذ الله قل فاملكي عليك نفسك فإنما هو البريد إليه فبعث إليه ثم دخل على حفصة فقال: إني سائلك عن أمر قد أهمني فأفرجيه عني كم تشتاق المرأة إلى زوجها؟ فخفضت رأسها واستحيت قال فإن الله لا يستحي من الحق فأشارت بيدها ثلاثة أشهر وإلا فأربعة أشهر فكتب عمر أن لا تحبس الجيوش فوق أربعة أشهر.","part":1,"page":57},{"id":58,"text":"وأخرج عن جابر بن عبد الله أنه جاء إلى عمر يشكو إليه ما يلقى من النساء فقال عمر إنا لنجد ذلك حتى إني لأريد الحاجة فتقول لي: ما تذهب إلا إلى فتيات بني فلان تنظر إليهن فقال له عبد الله بن مسعود: أما بلغك أن إبراهيم عليه السلام شكا إلى الله خلق سارة فقيل له إنها خلقت من ضلع فألبسها على ما كان فيها ما لم تر عليها خربة في دينها.\rوأخرج عن عكرمة بن خالد قال دخل ابن لعمر بن الخطاب عليه وقد ترجل ولبس ثياباً حساناً فضربه عمر بالدرة حتى أبكاه فقالت له حفصة: لم ضربته؟ قال: رأيته قد أعجبته نفسه فأحببت أن أصغرها إليه.\rوأخرج عن معمر عن ليث بن أبي سليم أن عمر بن الخطاب قال: لا تسموا الحكم ولا أبا الحكم فإن الله هو الحكم ولا تسموا الطريق السكة.\rوأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن الضحاك قال: قال أبو بكر والله لوددت أني كنت شجرة إلى جنب الطريق فمر على بعير فأخذني فأدخلني فاه فلا كنى ثم ازدردني ثم أخرجني بعراً ولم أكن بشراً فقال عمر يا ليتني كنت كبش أهلي سمنوني ما بدا لهم حتى إذا كنت كأسمن ما يكون زارهم من يحبون فذبحوني لهم فجعلوا بعضي شواء وبعضي قديداً ثم أكلوني ولم أكن بشراً.\rوأخرج ابن عساكر عن أبي البختري قال: كان عمر بن الخطاب يخطب على المنبر فقام إليه الحسين بن علي رضي الله عنه فقال أنزل عن منبر أبي فقال عمر: منبر أبيك لا منبر أبي من أمرك بهذا فقام علي فقال والله ما أمره بهذا أحد أما لأوجعنك يا غدر فقال لا توجع ابن أخي فقد صدق منبر أبيه إسناده صحيح.\rوأخرج الخطيب في أدب الراوي عن مالك من طريقه عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا يتنازعان في المسألة بينهما حتى يقول الناظر إنهما لا يجتمعان أبداً فما يفترقان إلا على أحسنه وأجمله.\rوأخرج ابن سعد عن الحسن قال: أول خطبة خطبها عمر حمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فقد ابتليت بكم وابتليتم بي وخلفت فيكم بعد صاحبي فمن كان بحضرتنا باشرناه بأنفسنا ومن غاب عنا وليناه أهل القوة والأمانة ومن يحسن نزده حسناً ومن يسيئ نعاقبه ويغفر الله لنا ولكم.\rوأخرج عن جبير بن الحويرث أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استشار المسلمين في تدوين الديوان فقال له علي: تقسم كل سنة ما اجتمع إليك من مال ولا تمسك منه شيئاً وقال عثمان: أرى مالا كثيراً يسع الناس وإن لم يحصوا حتى يعرف من أخذ ممن لم يأخذ خشيت أن يلتبس الأمر فقال له الوليد بن هشام ابن المغيرة يا أمير المؤمنين قد جئت الشام فرأيت ملوكها قد دونوا ديواناً وجندوا جنوداً فدون ديواناً وجند جنوداً فأخذ بقوله فدعا عقيل بن أبي طالب ومخرمة بن نوفل وجبير بن مطعم وكانوا من نساب قريش فقال اكتبوا الناس على منازلهم فكتبوا فبدءوا يبني هاشم ثم أتبعوهم أبا بكر وقومه ثم عمر وقومه على الخلافة فلما نظر فيه عمر قال ابدؤوا بقرابة النبي صلى الله عليه وسلم الأقرب فالأقرب حتى تضعوا عمر حيث وضعه الله.\rوأخرج عن سعيد بن المسيب قال: دون عمر الديوان في المحرم سنة عشرين.\rوأخرج عن الحسن قال: كتب عمر إلى حذيفة أن أعط الناس أعطيتهم وأرزاقهم فكتب إليه: إنا قد فعلنا وبقى شيء كثير فكتب إليه عمر إنه فيئهم الذي أفاء الله عليهم ليس هو لعمر ولا لآل عمر اقسمه بينهم.\rوأخرج ابن سعد عن جبير بن مطعم قال: بينما عمر واقف على جبال عرفة سمع رجلا يصرخ ويقول يا خليفة الله فسمعه رجل آخر وهم يعتافون فقال: ما لك فك الله لهواتك فأقبلت على الرجل فصحت عليه فقال جبير: فإن الغد واقف مع عمر على العقبة يرميها إذ جاءت حصاة عائرة ففتقت رأس عمر فقصدت فسمعت رجلا من الجبل يقول أشعرت ورب الكعبة لا يقف عمر هذا الموقف بعد العام أبداً قال جبير فإذا هو الذي صرخ فينا بالأمس فاشتد ذلك علي.\rوأخرج عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما كان آخر حجة حجها عمر بأمهات المؤمنين إذ صدرنا من عرفة مررت بالمحصب فسمعت رجلا على راحلته يقول أين كان عمر أمير المؤمنين فسمعت رجلا آخر يقول: هاهنا كان أمير المؤمنين فأناخ راحلته ثم رفع عقيرته فقال:\rعليك سلام من إمام وباركت ... يد الله في ذاك الأديم الممزق\rفمن يسع أو يركب جناحي نعامة ... ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق","part":1,"page":58},{"id":59,"text":"قضيت أموراً ثم غادرت بعدها ... بوائق في أكمامها لم تفتق\rفلم يتحرك ذاك الراكب ولم يدر من هو فكنا نتحدث أنه من الجن فقدم عمر من تلك الحجة فطعن بالخنجر فمات.\rوأخرج عن عبد الرحمن بن أبزى عن عمر أنه قال: هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد ثم في أهل أحد ما بقي منهم أحد وفي كذا وكذا وليس فيها لطليق ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح شيء.\rوأخرج عن النخعي أن رجلا قال لعمر: ألا تستخلف عبد الله بن عمر؟ فقال قاتلك الله والله ما أردت الله بهذا استخلف رجلا لم يحسن أن يطلق امرأته؟ وأخرج عن شداد بن أوس عن كعب قال: كان في بني إسرائيل ملك إذا ذكرناه ذكرنا عمر وإذا ذكرنا عمر ذكرناه وكان إلى جنبه نبي يوحى إليه فأوحى الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول له: أعهد عهدك واكتب إلي وصيتك فإنك ميت إلى ثلاثة أيام فأخبره النبي بذلك فلما كان اليوم الثالث وقع بين الجدار والسرير ثم جاء إلى ربه فقال اللهم إن كنت تعلم أني كنت أعدل في الحكم وإذا اختلفت الأمور اتبعت هداك وكنت وكنت فزد في عمري حتى يكبر طفلي وتربو أمتي فأوحى الله إلى النبي أنه قد قال كذا وكذا وقد صدق وقد زدته في عمره خمس عشرة سنة ففي ذلك ما يكبر طفله وتربو أمته فلما طعن عمر قال كعب: لئن سأل عمر ربه ليبقينه الله فأخبر بذلك عمر فقال: اللهم اقبضني إليك غير عاجز ولا ملوم.\rوأخرج عن سليمان بن يسار أن الجن ناحت على عمر.\rوأخرج الحاكم عن مالك بن دينار قال: سمع صوت بجبل تبالة حين قتل عمر رضي الله عنه:\rليبك على الإسلام من كان باكياً ... فقد أوشكوا صرعى وما قدم العهد\rوأدبرت الدنيا وأدبر خيرها ... وقد ملها من كان يوقن بالوعد\rوأخرج ابن أبي الدنيا عن يحيى بن أبي راشد البصري قال: قال عمر لابنه اقتصدوا في كفني فإنه إن كان لي عند الله خيراً أبدلني ما هو خير منه وإن كنت على غير ذلك سلبني فأسرع واقتصدوا في حفرتي فإنه إن كان لي عند الله خير أوسع لي فيها مد بصري وإن كنت على غير ذلك ضيقها على حتى تختلف أضلاعي ولا تخرج معي امرأة ولا تزكوني بما ليس في فإن الله هو أعلم بي فإذا خرجتم فأسرعوا في المشي فإنه إن كان لي عند الله خير قدمتموني إلى ما هو خير لي وإن كنت على غير ذلك ألقيتم عن رقابكم شراً تحملونه.\rفصل: أخرج ابن عساكر عن ابن عباس أن العباس قال سألت الله حولا بعد ما مات عمر أن يرينيه في المنام فرأيته بعد حول وهو يسلت العرق عن جبينه فقلت بأبي أنت وأمي يا أمير المؤمنين ما شأنك فقال: هذا وإن فرغت وإن كاد عرش عمر ليهد لولا أني لقيت رءوفاً رحيماً.\rوأخرج أيضاً عن زيد بن أسلم أن عبد الله بن عمرو بن العاص رأى عمر في المنام فقال: كيف صنعت قال: متى فارقتكم قال: منذ اثنتي عشرة سنة قال إنما أنفلت الآن من الحساب.\rوأخرج ابن سعد عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: سمعت رجلا من الأنصار يقول دعوت الله أن يريني عمر في المنام فرأيته بعد عشر سنين وهو يمسح العرق عن جبينه فقلت: يا أمير المؤمنين ما فعلت قال: الآن فرغت ولولا رحمة ربي لهلكت.\rوأخرج الحاكم عن الشعبي قال: رثت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل عمر فقالت:\rعين جودي بعبرة ونحيب ... لا تملي على الإمام الصليب\rفجعتني المنون بالفارس المع ... لم يوم الهياج والتأنيب\rعصمة الدين والمعين على الده ... ر وغيث الملهوف والمكروب\rقل لأهل الضراء والبؤس: موتوا ... إذ سقتنا المنون كأس شعوب\rفصل فيمن مات من الصحابة في أيامه\rرضي الله عنهم","part":1,"page":59},{"id":60,"text":"مات في أيام عمر رضي الله عنه من الأعلام عتبة بن غزوان والعلاء ابن الحضرمي وقيس بن السكن وأبو قحافة والد الصديق رضي الله عنه وسعد بن عبادة وسهيل بن عمرو وابن مكتوم المؤذن وعياش بن أبي ربيعة وعبد الرحمن أخو الزبير بن العوام وقيس بن أبي صعصعة أحد من جمع القرآن ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب وأخوه أبو سفيان ومارية أم السيد إبراهيم وأبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل ويزيد ابن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة والفضل بن العباس وأبو جندل ابن سهيل وأبو مالك الأشعري وصفوان بن المعطل وأبي بن كعب وبلال المؤذن وأسيد بن الحضير والبراء بن مالك أخو أنس وزينب بنت جحش وعياض بن غنم وأبو الهيثم بن التيهان وخالد بن الوليد والجارود سيد بني عبد القيس والنعمان بن مقرن وقتادة بن النعمان والأقرع ابن حابس وسودة بنت زمعة وعويم بن ساعدة وغيلان الثقفي وأبو محجن الثقفي وخلائق آخرون من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.\rعثمان بن عفان\rرضي الله عنه\rعثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي الأموي المكي ثم المدني أبو عمرو ويقال: أبو عبد الله وأبو ليلى.\rولد في السنة السادسة من الفيل وأسلم قديماً وهو ممن دعاه الصديق إلى الإسلام وهاجر الهجرتين: الأولى إلى الحبشة والثانية إلى المدينة وتزوج رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل النبوة وماتت عنده في ليالي غزوة بدر فتأخر عن بدر لتمريضها بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضرب له بسهمه وآجره فهو معدود في البدريين بذلك.\rوجاء البشير بنصر المسلمين ببدر يوم دفنوها بالمدينة فزوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها أختها أم كلثوم وتوفيت عنده سنة تسع من الهجرة.\rوقال العلماء: ولا يعرف أحد تزوج بنتي نبي غيره ولذلك سمي ذا النورين فهو من السابقين الأولين وأول المهاجرين وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض وأحد الصحابة الذين جمعوا القرآن بل قال ابن عباد: لم يجمع القرآن من الخلفاء إلا هو والمأمون.\rوقال ابن سعد: استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة في غزوته إلى ذات الرقاع وإلى غطفان.\rروي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة حديث وستة وأربعون حديثاً.\rروى عنه زيد بن خالد الجهني وابن الزبير والسائب بن يزيد وأنس ابن مالك وزيد بن ثابت وسلمة بن الأكوع وأبو أمامة الباهلي وابن عباس وابن عمر وعبد الله بن مغفل وأبو قتادة وأبو هريرة وآخرون من الصحابة رضي الله عنهم وخلائق من التابعين.\rأخرج ابن سعد عن عبد الرحمن بن حاطب قال: ما رأيت أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حدث أتم حديثاً ولا أحسن من عثمان بن عفان إلا أنه كان رجلا يهاب الحديث.\rوأخرج عن محمد بن سيرين قال: كان أعلمهم بالمناسك عثمان وبعده ابن عمر.\rوأخرج البيهقي في سننه عن عبد الله بن عمر بن أبان الجعفي قال: قال لي خالي حسين الجعفي: تدري لم سمى عثمان ذا النورين قلت لا قال: لم يجمع بين بنتي نبي منذ خلق الله آدم إلى أن تقوم الساعة غير عثمان فلذلك سمى ذا النورين.\rوأخرج أبو نعيم عن الحسن قال: إنما سمي عثمان ذا النورين لأنه لا نعلم أحداً أغلق بابه على ابنتي نبي غيره.\rوأخرج خيثمة في فضائل الصحاب وابن عساكر عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن عثمان فقال ذاك امرؤ يدعى في الملأ الأعلى ذا النورين كان ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنتيه.\rوأخرج الماليني بسند فيه ضعف عن سهل بن سعد قال: قيل لعثمان ذو النورين لأنه ينتقل من منزل إلى منزل في الجنة فتبرق له برقتين فلذلك قيل له ذلك.\rوقال: إنه كان يكنى في الجاهلية أبا عمرو فلما كان الإسلام ولدت له رقية عبد الله فاكتنى به.\rوأمه: أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس ابن عبد مناف وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم توأمة أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأم عثمان بنت عمة النبي صلى الله عليه وسلم.\rقال ابن إسحاق: وكان أول الناس إسلاماً بعد أبي بكر وعلي وزيد بن حارثة.","part":1,"page":60},{"id":61,"text":"وأخرج ابن عساكر من طرق أن عثمان كان رجلا ربعة: ليس بالقصير ولا بالطويل حسن الوجه أبيض مشرباً حمرة بوجهه نكتات جدري كثير اللحية عظيم الكراديس بعيد ما بين المنكبين خذل الساقين طويل الذراعين شعره قد كسا ذراعيه جعد الرأس أصلع أحسن الناس ثغراً جمته أسفل من أذنيه يخضب بالصفرة وكان قد شد أسنانه بالذهب.\rوأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن حزم المازني قال: رأيت عثمان بن عفان فما رأيت قط ذكراً ولا أنثى أحسن وجهاً منه.\rوأخرج عن موسى بن طلحة قال: كان عثمان بن عفان أجمل الناس.\rوأخرج ابن عساكر عن أسامة بن زيد قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزل عثمان بصحفة فيها لحم فدخلت فإذا رقية رضي الله عنها جالسة فجعلت مرة أنظر إلى وجه رقية ومرة أنظر إلى وجه عثمان فلما رجعت سألني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: دخلت عليهما؟ قلت: نعم قال: فهل رأيت زوجاً أحسن منهما؟ قلت: لا يا رسول الله.\rوأخرج ابن سعد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي قال: لما أسلم عثمان بن عفان أخذه عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية فأوثقه رباطاً وقال ترغب عن ملة آبائك إلى دين محدث؟ والله لا أدعك أبداً حتى تدع ما أنت عليه فقال عثمان: والله لا أدعه أبداً ولا أفارقه فلما رأى الحكم صلابته في دينه تركه.\rوأخرج أبو يعلى عن أنس قال: أول من هاجر من المسلمين إلى الحبشة بأهله عثمان بن عفان فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صحبهما الله إن عثمان لأول من هاجر إلى الله بأهله بعد لوط.\rوأخرج ابن عدي عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما زوج النبي صلى الله عليه وسلم ابنته أم كلثوم قال لها: إن بعلك أشبه الناس بجدك إبراهيم وأبيك محمد.\rوأخرج ابن عدي وابن عساكر عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا نشبه عثمان بأبينا إبراهيم.\rفصل في الأحاديث الواردة في فضله\rغير ما تقدم\rوأخرج الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع ثيابه حين دخل عثمان وقال \" ألا أستحيي من رجل تستحي منه الملائكة \" .\rوأخرج البخاري عن أبي عبد الرحمن السلمي أن عثمان حين حوصر أشرف عليهم فقال: أنشدكم بالله ولا أنشد إلا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من جهز جيش العسرة فله الجنة فجهزتهم ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من حفر بئر رومة فله الجنة؟ فحفرتها فصدقوه بما قال.\rوأخرج الترمذي عن عبد الرحمن بن خباب قال: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحث على جيش العسرة فقال عثمان بن عفان يا رسول الله على مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله ثم حض على الجيش فقال عثمان: يا رسول علي مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله ثم حض على الجيش فقال عثمان: يا رسول الله علي ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ما على عثمان ما عمل بعد هذه شيء.\rوأخرج الترمذي عن أنس والحاكم وصححه عن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلبها ويقول: ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم مرتين.\rوأخرج الترمذي عن أنس قال: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفان رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة فبايع الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن عثمان بن عفان في حاجة الله وجاجة رسوله فضرب بإحدى يديه على الأخرى فكانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان خيراً من أيديهم لأنفسهم.\rوأخرج الترمذي عن ابن عمر قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة فقال: يقتل فيها هذا مظلوماً لعثمان.\rوأخرج الترمذي والحاكم وصححه وابن ماجة عن مرة بن كعب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر فتنة يقربها فمر رجل مقنع في ثوب فقال: هذا يومئذ على الهدى فقمت إليه فإذا هو عثمان بن عفان فأقبلت إليه بوجهي فقلت هذا قال: نعم.","part":1,"page":61},{"id":62,"text":"وأخرج الترمذي والحاكم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" يا عثمان إنه لعل الله يقمصك قميصاً فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني \" .\rوأخرج الترمذي عن عثمان أنه قال يوم الدار: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلي عهداً فأنا صابر عليه.\rوأخرج الحاكم عن أبي هريرة قال: اشترى عثمان الجنة من النبي صلى الله عليه وسلم مرتين حيث حفر بئر رومة وحيث جهز جيش العسرة.\rوأخرج ابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" عثمان من أشبه أصحابي بي خلقاً \" .\rوأخرج الطبراني عن عصمة بن مالك قال: لما ماتت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" زوجوا عثمان لو كان لي ثالثة لزوجته وما زوجته إلا بالوحي من الله \" .\rوأخرج ابن عساكر عن علي رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لعثمان: \" لو أن لي أربعين ابنة زوجتك واحدة بعد واحدة حتى لا يبقى منهن واحدة \" .\rوأخرج ابن عساكر عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" مر بي عثمان وعندي ملك من الملائكة فقال: شهيد يقتله قومه إنا نستحي منه \" .\rوأخرج أبو يعلى عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" إن الملائكة لتستحي من عثمان كما تستحي من الله ورسوله \" .\rوأخرج ابن عساكر عن الحسن أنه ذكر عنده حياء عثمان فقال: إن كان ليكون جوف البيت والباب عليه مغلق فيضع ثوبه ليفيض عليه الماء فيمنعه الحياء أن يرفع صلبه.\rفصل في خلافته\rرضي الله عنه\rبويع بالخلافة بعد دفن عمر بثلاث ليال فروي أن الناس كانوا يجتمعون في تلك الأيام إلى عبد الرحمن بن عوف يشاورونه ويناجونه فلا يخلو به رجل ذو رأي فيعدل بعثمان أحداً ولما جلس عبد الرحمن للمبايعة حمد الله وأثنى عليه وقال في كلامه: إني رأيت الناس يأبون إلا عثمان أخرجه ابن عساكر عن المسور بن مخرمة وفي رواية: أما بعد يا علي فإني قد نظرت في الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان فلا تجعلن على نفسك سبيلا ثم أخذ بيد عثمان فقال: نبايعك على سنة الله وسنة رسوله وسنة الخليفتين بعده فبايعه عبد الرحمن وبايعه المهاجرون والأنصار.\rوأخرج ابن سعد عن أنس قال: أرسل عمر إلى أبي طلحة الأنصاري قبل أن يموت بساعة فقال: كن في خمسين من الأنصار مع هؤلاء النفر أصحاب الشورى فإنهم فيما أحسب سيجتمعون في بيت فقم على ذلك الباب بأصحابك فلا تترك أحداً يدخل عليهم ولا تتركهم يمضي اليوم الثالث حتى يؤمروا أحدهم.\rوفي مسند أحمد عن أبي وائل قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف: كيف بايعتم عثمان وتركتم علياً؟ قال: ما ذنبي؟ قد بدأت بعلي فقلت: أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة أبي بكر وعمر؟ فقال فيما استطعت ثم عرضت ذلك على عثمان فقال: نعم.\rويروى أن عبد الرحمن قال لعثمان في خلوة: إن لم أبايعك فمن تشير علي؟ قال: علي وقال لعلي: إن لم أبايعك فمن تشير علي؟ قال عثمان ثم دعا الزبير فقال: إن لم أبايعك فمن تشير علي؟ قال: علي أو عثمان ثم دعا سعداً فقال من تشير علي؟ فأما أنا وأنت فلا نريدها فقال عثمان ثم استشار عبد الرحمن الأعيان فرأى هوى أكثرهم في عثمان.\rوأخرج ابن سعد والحاكم عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال لما بويع عثمان: أمرنا خير من بقي ولم نأل.\rوفي هذه السنة من خلافته فتحت الري وكانت فتحت وانتفضت وفيها أصاب الناس رعاف كثير فقيل لها: سنة الرعاف وأصاب عثمان رعاف حتى تخلف عن الحج وأوصى وفيها فتح من الروم حصون كثيرة وفيها ولي عثمان الكوفة سعد بن أبي وقاص وعزل المغيرة.\rوفي سنة خمس وعشرين عزل عثمان سعداً عن الكوفة وولي الوليد بن عقبة بن أبي معيط وهو صحابي أخو عثمان لأمه وذلك أول ما نقم عليه لأنه آثر أقاربه بالولايات وحكى أن الوليد صلى بهم الصبح أربعاً وهو سكران ثم التفت إليهم فقال أزيدكم؟.\rوفي سنة ست وعشرين زاد عثمان في المسجد الحرام ووسعه واشترى أماكن للزيادة وفيها فتحت سابور.","part":1,"page":62},{"id":63,"text":"وفي سنة سبع وعشرين غزا معاوية قبرس فركب البحر بالجيوش وكان معهم عبادة بن الصامت وزوجته أم حرام بنت ملحان الأنصارية فسقطت عن دابتها فماتت شهيدة هناك وكان النبي صلى الله عليه وسلم أخبرها بهذا الجيش ودعا لها بأن تكون منهم فدفنت بقبرس وفيها فتحت أرجان ودرا بجرد وفيها عزل عثمان عمرو بن العاص عن مصر وولى عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح فغزا أفريقية فافتتحها سهلا وجبلا فأصاب كل إنسان من الجيش ألف دينار وقيل ثلاثة آلاف دينار ثم فتحت الأندلس في هذا العام.\rلطيفة: كان معاوية يلح على عمر بن الخطاب في غزوة قبرس وركوب البحر لها فكتب عمر إلى عمرو بن العاص أن صف لي البحر وراكبه فكتب إليه: إني رأيت خلقاً كبيراً يركبه خلق صغير إن ركد خرق القلوب وإن تحرك أراع العقول تزداد فيه العقول قلة والسيئات كثرة وهم فيه كدود على عود إن مال غرق وإن نجا فرق فلما قرأ عمر الكتاب كتب إلى معاوية والله لا أحمل فيه مسلماً أبداً قال ابن جرير: فغزا معاوية قبرس في أيام عثمان فصالحه أهلها على الجزية.\rوفي سنة تسع وعشرين فتحت إصطخر عنوة وفسا وغير ذلك وفيها زاد عثمان في مسجد المدينة ووسعه وبناه بالحجارة المنقوشة وجعل عمدة من حجارة وسقفه بالساج وجعل طوله ستين ومائة ذراع وعرضه خمسين ومائة ذراع.\rوفي سنة ثلاثين فتحت جور وبلاد كثيرة من أرض خراسان وفتحت نيسابور صلحاً وقيل عنوة وطوس وسرخس كلاهما صلحاً وكذا مرو وبيهق ولما فتحت هذه البلاد الواسعة كثر الخراج على عثمان وأتاه المال من كل وجه حتى اتخذ له الخزائن وأدر الأرزاق وكان يأمر للرجل بمائة ألف بدرة في كل بدرة أربعة آلاف أوقية.\rوفي سنة إحدى وثلاثين توفي أبو سفيان بن حرب والد معاوية وفيها مات الحكم بن أبي العاص عم عثمان رضي الله عنه.\rوفي سنة اثنتين وثلاثين توفي العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى عليه عثمان وفيها توفي عبد الرحمن بن عوف أحد العشر من السابقين الأولين تصدق مرة بأربعين ألفاً وبقافلة جاءت من الشام كما هي وفيها مات عبد الله بن مسعود الهذلي أحد القراء الأربعة ومن أهل السوابق في الإسلام ومن علماء الصحابة المشهورين بسعة العلم وفيها مات أبو الدرداء الخزرجي الزاهد الحكيم ولي قضاء دمشق لمعاوية وفيها توفي أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري صادق اللهجة وفيها مات زيد بن عبد الله بن عبد ربه الأنصاري الذي أرى الآذان.\rوفي سنة ثلاث وثلاثين توفي المقداد بن الأسود في أرضه بالجرف وحمل إلى المدينة وفيها غزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح الحبشة.\rوفي سنة أربع وثلاثين أخرج أهل الكوفة سعيد بن العاص ورضوا بأبي موسى الأشعري.\rوفي سنة خمس وثلاثين كان مقتل عثمان.\rقال الزهري: ولي عثمان الخلافة اثنتي عشرة سنة يعمل ست سنين لا ينقم الناس عليه شيئاً وإنه لأحب إلى قريش من عمر بن الخطاب لأن عمر كان شديداً عليهم فلما وليهم عثمان لان لهم ووصلهم ثم توانى في أمرهم واستعمل أقرباءه وأهل بيته في الست الأواخر وكتب لمروان بخمس إفريقية وأعطى أقرباءه وأهل بيته المال وتأول في ذلك الصلة التي أمر الله بها وقال إن أبا بكر وعمر تركا من ذلك ما هو لهما وإن أخذته فقسمته في أقربائي فأنكر الناس عليه ذلك أخرجه ابن سعد.","part":1,"page":63},{"id":64,"text":"وأخرج ابن عساكر من وجه آخر عن الزهري قال: قلت سعيد بن المسيب: هل أنت مخبري كيف كان قتل عثمان وما كان شأن الناس وشأنه؟ ولم خذله أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؟ فقال ابن المسيب: قتل عثمان مظلوماً ومن قتله كان ظالماً ومن خذله كان معذوراً فقلت: كيف كان ذلك؟ قال إن عثمان لما ولي كره ولايته نفر من الصحابة لأن عثمان كان يحب قومه فولى الناس اثنتي عشرة سنة وكان كثيراً ما يولي بني أمية ممن لم يكن له مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صحبة فكان يجيء من أمرائه ما ينكره أصحاب محمد وكان عثمان يستعتب فيهم فلا يعزلهم وذلك في سنة خمس وثلاثين فلما كان في الست الأواخر استأثر بني عمه فولاهم وما أشرك معهم وأمرهم بتقوى الله فولى عبد الله ابن أبي سرح مصر فمكث عليها سنين فجاء أهل مصر يشكونه ويتظلمون منه وقد كان قبل ذلك من عثمان هنأة إلى عبد الله بن مسعود وأبي ذر وعمار بن ياسر فكانت بنو هذيل وبنو زهرة في قلوبهم ما فيها لحال ابن مسعود وكانت بنو غفار وأحلافها ومن غضب لأبي ذر في قلوبهم ما فيها وكانت بنو مخزوم قد حنقت على عثمان لحال عمار بن ياسر وجاء أهل مصر يشكون من ابن أبي سرح فكتب إليه كتاباً يتهدده فيه فأبى ابن أبي سرح أن يقبل ما نهاه عنه عثمان وضرب بعض من أتاه من قبل عثمان من أهل مصر ممن كان أتى عثمان فقتله فخرج من أهل مصر سبعمائة رجل فنزلوا المسجد وشكوا إلى الصحابة في مواقيت الصلاة ما صنع ابن أبي سرح بهم فقام طلحة بن عبيد الله فكلم عثمان بكلام شديد وأرسلت عائشة رضي الله عنها إليه فقالت: تقدم إليك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وسألوك عزل هذا الرجل فأبيت؟ فهذا قد قتل منهم رجلاً فأنصفهم من عاملك ودخل عليه على بن أبي طالب فقال إنما يسألونك رجلا مكان رجل وقد ادعوا قبله دماً فأعزله عنهم واقض بينهم فإن وجب عليه حق فأنصفهم منه فقال لهم اختاروا رجلا أوليه عليكم مكانه فأشار الناس عليه بمحمد بن أبي بكر فقالوا استعمل علينا محمد بن أبي بكر فكتب عهده وولاه وخرج معهم عدد من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بين أهل مصر وابن أبي سرح فخرج محمد ومن معه فلما كان على مسيرة ثلاثة أيام من المدينة إذا هم بغلام أسود على بعير يخبط البعير خبطاً كأنه رجل يطلب أو يطلب فقال له أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ما قصتك وما شأنك؟ كأنك هارب أو طالب فقال لهم أنا غلام أمير المؤمنين وجهني إلى عامل مصر فقال له رجل: هذا عامل مصر قال ليس هذا أريد وأخبر بأمره محمد بن أبي بكر فبعث في طلبه رجلا فأخذه فجاء به إليه فقال غلام من أنت فأقبل مرة يقول أنا غلام أمير المؤمنين ومرة يقول أنا غلام مروان حتى عرفه رجل أنه لعثمان فقال له محمد إلى من أرسلت قال إلى عامل مصر قال بماذا قال برسالة قال معك كتاب قال لا ففتشوه فلم يجدوا معه كتاباً وكانت معه إداوة قد يبست فيها شيء يتقلقل فحركوه ليخرج فلم يخرج فشقوا الإداوة فإذا فيها كتاب من عثمان إلى ابن أبي سرح فجمع محمد من كان عنده من المهاجرين والأنصار وغيرهم ثم فك الكتاب بمحضر منهم فإذا فيه: إذا أتاك محمد وفلان وفلان فاحتل في قتلهم وأبطل كتابه وقر على عملك حتى يأتيك رأيي واحبس من يجيء إلى يتظلم منك ليأتيك رأيي في ذلك إن شاء الله تعالى فلما قرأوا الكتاب فزعوا وأزمعوا فرجعوا إلى المدينة وختم محمد الكتاب بخواتيم نفر كانوا معه ودفع الكتاب إلى رجل منهم وقدموا المدينة فجمعوا طلحة والزبير وعلياً وسعداً ومن كان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ثم فضوا الكتاب بمحضر منهم وأخبروهم بقصة الغلام وأقرأوهم الكتاب فلم يبق أحد من أهل المدينة إلا حنق على عثمان وزاد ذلك من كان غضب لابن مسعود وأبي ذر وعمار بن ياسر حنقاً وغيظاً وقام أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلحقوا بمنازلهم ما منهم أحد إلا وهو مغتم لما قرأوا الكتاب وحاصر الناس عثمان سنة خمس وثلاثين وأجلب عليه محمد بن أبي بكر ببني تيم وغيرهم فلما رأى ذلك علي بعث إلى طلحة والزبير وسعد وعمار ونفر من الصحابة كلهم بدري ثم دخل على عثمان ومعه الكتاب والغلام والبعير فقال له علي هذا الغلام غلامك قال نعم قال والبعير بعيرك قال: نعم قال: فأنت كتبت هذا الكتاب قال: لا وحلف بالله ما كتبت هذا الكتاب ولا أمرت به ولا علم لي به قال له علي: فالخاتم خاتمك قال: نعم","part":1,"page":64},{"id":65,"text":"قال: فكيف يخرج غلامك ببعيرك وبكتاب عليه خاتمك لا تعلم به؟ فحلف بالله ما كتبت هذا الكتاب ولا أمرت به ولا وجهت هذا الغلام إلى مصر قط وأما الخط فعرفوا أنه خط مروان وشكوا في أمر عثمان وسألوه أن يدفع إليهم مروان فأبى وكان مروان عنده في الدار فخرج أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من عنده غضاباً وشكوا في أمره وعلموا أن عثمان لا يحلف بباطل إلا أن قوماً قالوا: لن يبرأ عثمان من قلوبنا إلا أن يدفع إلينا مروان حتى نبحثه ونعرف حال الكتاب وكيف يأمر بقتل رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بغير حق؟ فإن يكن عثمان كتبه عزلناه وإن يكن مروان كتب على لسان عثمان نظرنا ما يكون منا في أمر مروان ولزموا بيوتهم وأبى عثمان أن يخرج إليهم مروان وخشي عليه القتل وحاصر الناس عثمان ومنعوه الماء فأشرف على الناس فقال أفيكم علي؟ فقالوا لا قال: أفيكم سعد؟ قالوا لا فسكت ثم قال: ألا أحد يبلغ علياً فيسقينا ماء فبلغ ذلك علياً فبعث إليه بثلاث قرب مملوءة ماء فما كادت تصل إليه وجرح بسببها عدة من موالي بني هاشم وبني أمية حتى وصل الماء إليه فبلغ علياً أن عثمان يراد قتله فقال إنما أردنا منه مروان فأما قتل عثمان فلا وقال للحسن والحسين اذهبا بسيفكما حتى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحداً يصل إليه وبعث الزبير ابنه وبعث طلحة ابنه وبعث عدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم يمنعون الناس أن يدخلوا على عثمان ويسألونه إخراج مروان فلما رأى ذلك الناس رموا باب عثمان بالسهام حتى خضب الحسن بن علي بالدماء على بابه وأصاب مروان سهم وهو في الدار وخضب محمد بن طلحة وشج قنبر مولى علي فخشي محمد بن أبي بكر أن يغضب بنو هاشم لحال الحسن والحسين فيثيروها فتنة فأخذ بيد الرجلين فقال لهما إن جاءت بنو هاشم فرأوا الدماء على وجه الحسن كشف الناس عن عثمان وبطل ما نريد ولكن اذهبوا بنا حتى نتسور عليه الدار فنقتله من غير أن يعلم به أحد فتسور محمد وصاحباه من دار رجل من الأنصار حتى دخلوا على عثمان ولا يعلم أحد ممن كان معه لأن كل من كان معه كانوا فوق البيوت ولم يكن معه إلا امرأته فقال لهما محمد: مكانكما فإن معه امرأته حتى أبدأكما بالدخول فإذا أنا ضبطته فادخلا فتوجاه حتى تقتلاه فدخل محمد فأخذ بلحيته فقال له عثمان والله لو رآك أبوك لساءه مكانك مني فتراخت يده ودخل الرجلان عليه فتوجآه حتى قتلاه وخرجوا هاربين من حيث دخلوا وصرخت امرأته فلم يسمع صراخها لما كان في الدار من الجلبة وصعدت امرأته إلى الناس فقالت: إن أمير المؤمنين قد قتل فدخل الناس فوجدوه مذبوحاً وبلغ الخبر علياً وطلحة والزبير وسعداً ومن كان بالمدينة فخرجوا وقد ذهبت عقولهم للخبر الذي أتاهم حتى دخلوا على عثمان فوجدوه مقتولا فاسترجعوا وقال علي لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب؟ ورفع يده فلطم الحسن وضرب صدر الحسين وشتم محمد بن طلحة وعبد الله بن الزبير وخرج وهو غضبان حتى أتى منزله وجاء الناس يهرعون إليه فقالوا له نبايعك فمد يدك فلا بد من أمير فقال علي ليس ذلك إليكم إنما ذلك إلى أهل بدر فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة فلم يبق أحد من أهل بدر إلا أتى علياً فقالوا له ما نرى أحداً أحق بها منك مد يدك نبايعك فبايعوه وهرب مروان وولده وجاء علي إلى امرأة عثمان فقال لها من قتل عثمان قالت لا أدري دخل عليه رجلان لا أعرفهما ومعهما محمد ابن أبي بكر وأخبرت علياً والناس بما صنع محمد فدعا علي محمداً فسأله عما ذكرت امرأة عثمان؟ فقال محمد: لم تكذب قد والله دخلت عليه وأنا أريد قتله فذكرني أبي فقمت عنه وأنا تائب إلى الله تعالى والله ما قتلته ولا أمسكته فقالت امرأته صدق ولكنه أدخلهما.قال: فكيف يخرج غلامك ببعيرك وبكتاب عليه خاتمك لا تعلم به؟ فحلف بالله ما كتبت هذا الكتاب ولا أمرت به ولا وجهت هذا الغلام إلى مصر قط وأما الخط فعرفوا أنه خط مروان وشكوا في أمر عثمان وسألوه أن يدفع إليهم مروان فأبى وكان مروان عنده في الدار فخرج أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من عنده غضاباً وشكوا في أمره وعلموا أن عثمان لا يحلف بباطل إلا أن قوماً قالوا: لن يبرأ عثمان من قلوبنا إلا أن يدفع إلينا مروان حتى نبحثه ونعرف حال الكتاب وكيف يأمر بقتل رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بغير حق؟ فإن يكن عثمان كتبه عزلناه وإن يكن مروان كتب على لسان عثمان نظرنا ما يكون منا في أمر مروان ولزموا بيوتهم وأبى عثمان أن يخرج إليهم مروان وخشي عليه القتل وحاصر الناس عثمان ومنعوه الماء فأشرف على الناس فقال أفيكم علي؟ فقالوا لا قال: أفيكم سعد؟ قالوا لا فسكت ثم قال: ألا أحد يبلغ علياً فيسقينا ماء فبلغ ذلك علياً فبعث إليه بثلاث قرب مملوءة ماء فما كادت تصل إليه وجرح بسببها عدة من موالي بني هاشم وبني أمية حتى وصل الماء إليه فبلغ علياً أن عثمان يراد قتله فقال إنما أردنا منه مروان فأما قتل عثمان فلا وقال للحسن والحسين اذهبا بسيفكما حتى تقوما على باب عثمان فلا تدعا أحداً يصل إليه وبعث الزبير ابنه وبعث طلحة ابنه وبعث عدة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم يمنعون الناس أن يدخلوا على عثمان ويسألونه إخراج مروان فلما رأى ذلك الناس رموا باب عثمان بالسهام حتى خضب الحسن بن علي بالدماء على بابه وأصاب مروان سهم وهو في الدار وخضب محمد بن طلحة وشج قنبر مولى علي فخشي محمد بن أبي بكر أن يغضب بنو هاشم لحال الحسن والحسين فيثيروها فتنة فأخذ بيد الرجلين فقال لهما إن جاءت بنو هاشم فرأوا الدماء على وجه الحسن كشف الناس عن عثمان وبطل ما نريد ولكن اذهبوا بنا حتى نتسور عليه الدار فنقتله من غير أن يعلم به أحد فتسور محمد وصاحباه من دار رجل من الأنصار حتى دخلوا على عثمان ولا يعلم أحد ممن كان معه لأن كل من كان معه كانوا فوق البيوت ولم يكن معه إلا امرأته فقال لهما محمد: مكانكما فإن معه امرأته حتى أبدأكما بالدخول فإذا أنا ضبطته فادخلا فتوجاه حتى تقتلاه فدخل محمد فأخذ بلحيته فقال له عثمان والله لو رآك أبوك لساءه مكانك مني فتراخت يده ودخل الرجلان عليه فتوجآه حتى قتلاه وخرجوا هاربين من حيث دخلوا وصرخت امرأته فلم يسمع صراخها لما كان في الدار من الجلبة وصعدت امرأته إلى الناس فقالت: إن أمير المؤمنين قد قتل فدخل الناس فوجدوه مذبوحاً وبلغ الخبر علياً وطلحة والزبير وسعداً ومن كان بالمدينة فخرجوا وقد ذهبت عقولهم للخبر الذي أتاهم حتى دخلوا على عثمان فوجدوه مقتولا فاسترجعوا وقال علي لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب؟ ورفع يده فلطم الحسن وضرب صدر الحسين وشتم محمد بن طلحة وعبد الله بن الزبير وخرج وهو غضبان حتى أتى منزله وجاء الناس يهرعون إليه فقالوا له نبايعك فمد يدك فلا بد من أمير فقال علي ليس ذلك إليكم إنما ذلك إلى أهل بدر فمن رضي به أهل بدر فهو خليفة فلم يبق أحد من أهل بدر إلا أتى علياً فقالوا له ما نرى أحداً أحق بها منك مد يدك نبايعك فبايعوه وهرب مروان وولده وجاء علي إلى امرأة عثمان فقال لها من قتل عثمان قالت لا أدري دخل عليه رجلان لا أعرفهما ومعهما محمد ابن أبي بكر وأخبرت علياً والناس بما صنع محمد فدعا علي محمداً فسأله عما ذكرت امرأة عثمان؟ فقال محمد: لم تكذب قد والله دخلت عليه وأنا أريد قتله فذكرني أبي فقمت عنه وأنا تائب إلى الله تعالى والله ما قتلته ولا أمسكته فقالت امرأته صدق ولكنه أدخلهما.","part":1,"page":65},{"id":66,"text":"وأخرج ابن عساكر عن كنانة مولى صفية وغيره قالوا: قتل عثمان رجل من أهل مصر أزرق أشقر يقال له: حمار.\rوأخرج أحمد عن المغيرة بن شعبة أنه دخل على عثمان وهو محصور فقال: إنك إمام العامة وقد نزل بك ما ترى وإني أعرض عليك خصالا ثلاثاً إحداهن: إما أن تخرج فتقاتلهم فإن معك عدداً وقوة وأنت على الحق وهم على الباطل وإما أن تخرق لك باباً سوى الباب الذي هم عليه فتقعد على راحلتك فتلحق بمكة فإنهم لن يستحلوك وأنت بها وإما أن تلحق بالشام فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية فقال عثمان أما أن أخرج فأقاتل فلن أكون أول من خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته بسفك الدماء وأما أن أخرج إلى مكة فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول \" يلحد رجل من قريش بمكة يكون عليه نصف عذاب العالم فلن أكون أنا وأما أن ألحق بالشام فلن أفارق دار هجرتي ومجاورة رسول الله صلى الله عليه وسلم \" .\rوأخرج ابن عساكر عن أبي ثور الفهمي قال: دخلت على عثمان وهو محصور فقال: لقد اختبأت عند ربي عشراً إني لرابع أربعة في الإسلام وأنكحني رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته ثم توفيت فأنكحني ابنته الأخرى وما تغنيت ولا تمنيت ولا وضعت يميني على فرجي منذ بايعت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما مرت بي جمعة منذ أسلمت إلا وأنا أعتق فيها رقبة إلا أن لا يكون عندي شيء فأعتقها بعد ذلك ولا زنيت في جاهلية ولا إسلام قط ولا سرقت في جاهلية ولا إسلام قط ولقد جمعت القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوكان قتل عثمان في أواسط أيام التشريق من سنة خمس وثلاثين وقيل قتل يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة ودفن ليلة السبت بين المغرب والعشاء في حش كوكب بالبقيع وهو أول من دفن به وقيل كان قتله يوم الأربعاء وقيل يوم الاثنين لست بقين من ذي الحجة وكان له يوم قتل اثنتان وثمانون سنة وقيل: إحدى وثمانون سنة وقيل: أربع وثمانون وقيل: ست وثمانون وقيل: ثمان أو تسع وثمانون وقيل: تسعون قال قتادة: صلى عليه الزبير ودفنه وكان أوصى بذلك إليه.\rوأخرج ابن عدي وابن عساكر من حديث أنس مرفوعاً \" إن لله سيفاً مغموداً في غمده ما دام عثمان حياً فإذا قتل عثمان جرد ذلك السيف فلم يغمد إلى يوم القيامة \" تفرد به عمرو بن فائد وله مناكير.\rوأخرج ابن عساكر عن يزيد بن أبي حبيب قال: بلغني أن عامة الركب الذين ساروا إلى عثمان عامتهم جنوا.\rوأخرج عن حذيفة قال أول الفتن قتل عثمان وآخر الفتن خروج الدجال والذي نفسي بيده لا يموت رجل وفي قلبه مثقال حبة من حب قتل عثمان إلا تبع الدجال إن أدركه وإن لم يدركه آمن به في قبره.\rوأخرج عن ابن عباس قال: لو لم يطلب الناس بدم عثمان لرموا بالحجارة من السماء.\rوأخرج عن الحسن قال: قتل عثمان وعلي غائب في أرض له فلما بلغه قال: اللهم إني لم أرض ولم أمالئ.\rوأخرج الحاكم وصححه عن قيس بن عباد قال: سمعت علياً يوم الجمل يقول: اللهم أني أبرأ إليك من دم عثمان ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان وأنكرت نفسي وجاءوني للبيعة فقلت والله إني لأستحي أن أبايع قوماً قتلوا عثمان وإني لأستحيي من الله أن أبايع وعثمان لم يدفن بعد فانصرفوا فلما رجع الناس فسألوني البيعة قلت اللهم إني مشفق مما أقدم عليه ثم جاءت عزيمة فبايعت فقالوا: يا أمير المؤمنين فكأنما صدع قلبي وقلت: اللهم خذ مني لعثمان حتى ترضى.\rوأخرج ابن عساكر عن أبي خلدة الحنفي قال: سمعت علياً يقول إن بني أمية يزعمون أني قتلت عثمان ولا والله الذي لا إله إلا هو ما قتلت ولا مالأت ولقد نهيت فعصوني.\rوأخرج عن سمرة قال إن الإسلام كان في حصن حصين وإنهم ثلموا في الإسلام ثلمة بقتلهم عثمان لا تسد إلى يوم القيامة وإن أهل المدينة كانت فيهم الخلافة فأخرجوها ولم تعد فيهم.\rوأخرج عن محمد بن سيرين قال: لم تفقد الخيل البلق في المغازي والجيوش حتى قتل عثمان ولم يختلف في الأهلة حتى قتل عثمان ولم تر هذه الحمرة التي في آفاق السماء حتى قتل الحسين.","part":1,"page":66},{"id":67,"text":"وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن حميد بن هلال قال: كان عبد الله بن سلام يدخل على محاصري عثمان فيقول لا تقتلوه فوالله لا يقتله رجل منكم إلا لقي الله أجذم لا يد له وإن سيف الله لم يزل مغموداً وإنكم والله إن قتلتموه ليسلنه الله ثم لا يغمده عنكم أبداً وما قتل نبي قط إلا قتل به سبعون ألفاً ولا خليفة إلا قتل به خمسة وثلاثون ألفاً قبل أن يجتمعوا.\rوأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن مهدي قال: خصلتان لعثمان ليستا لأبي بكر ولا لعمر رضي الله عنهما صبره على نفسه حتى قتل وجمعه الناس على المصحف.\rوأخرج الحاكم عن الشعبي قال: ما سمعت من مراثي عثمان أحسن من قول كعب بن مالك حيث قال:\rفكف يديه ثم أغلق بابه ... وأيقن أن الله ليس بغافل\rوقال لأهل الدار: لا تقتلوهم ... عفا الله عن كل امرئ لم يقاتل\rفكيف رأيت الله صب عليهم ال ... عداوة والبغضاء بعد التواصل\rوكيف رأيت الخير أدبر بعده ... عن الناس إدبار الرياح الجوافل؟\rفصل: أخرج ابن سعد عن موسى بن طلحة قال: رأيت عثمان يخرج يوم الجمعة وعليه ثوبان أصفران فيجلس على المنبر فيؤذن المؤذن وهو يتحدث يسأل الناس عن أسعارهم وعن مرضاهم؟.\rوأخرج عن عبد الله الرومي قال: كان عثمان يلي وضوء الليل بنفسه فقيل له لو أمرت بعض الخدم فكفوك قال لا الليل لهم يستريحون فيه.\rوأخرج ابن عساكر عن عمرو بن عثمان بن عفان قال: كان نقش خاتم عثمان آمنت بالذي خلق فسوى.\rوأخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عمر أن جهجاه الغفاري قام إلى عثمان وهو على المنبر يخطب فأخذ العصا من يده فكسرها على ركبته فما حال الحول على جهجاه حتى أرسل الله في رجله إلا كله فمات منها.\rفصل في أوليات عثمان\rرضي الله عنه\rقال العسكري في الأوائل هو أول من أقطع القطائع وأول من حمى الحمى وأول من خفض صوته بالتكبير وأول من خلق المسجد وأول من أمر بالأذان الأول في الجمعة وأول من رزق المؤذنين وأول من أرتج عليه في الخطبة فقال أيها الناس إن أول مركب صعب وإن بعد اليوم أياماً وإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها وما كنا خطباء وسيعلمنا الله أخرجه ابن سعد وأول من قدم الخطبة في العيد على الصلاة وأول من فوض إلى الناس إخراج زكاتهم وأول من ولي الخلافة في حياة أمه وأول من اتخذ صاحب شرطة وأول من اتخذ المقصورة في المسجد خوفاً أن يصيبه ما أصاب عمر هذا ما ذكره العسكري قال وأول ما وقع الاختلاف بين الأمة فخطأ بعضهم بعضاً في زمانه في أشياء نقموها عليه وكانوا قبل ذلك يختلفون في الفقه ولا يخطئ بعضهم بعضاً.\rقلت: بقى من أوائله أنه أول من هاجر إلى الله بأهله من هذه الأمة كما تقدم وأول من جمع الناس على حرف واحد في القراءة.\rوأخرج ابن عساكر عن حكيم بن عباد بن حنيف قال أول منكر ظهر بالمدينة حين فاضت الدنيا وانتهى سمن الناس طيران الحمام والرمي على الجلاهقات فاستعمل عليها عثمان رجلا من بني ليث سنة ثمان من خلافته فقصها وكسر الجلاهقات.\rفصل فيمن مات من الأعلام\rفي أيام عثمان رضي الله عنه\rمات في أيام عثمان من الأعلام: سراقة بن مالك بن جعشم وجبار بن صخر وحاطب بن أبي بلتعة وعياض بن زهير وأبو أسيد الساعدي وأوس بن الصامت والحارث بن نوفل وعبد الله بن حذافة وزيد بن خارجة الذي تكلم بعد الموت ولبيد الشاعر المسيب والد سعيد ومعاذ بن عمرو بن الجموح ومعبد بن العباس ومعيقب بن أبي فاطمة الدوسي وأبو لبابة بن عبد المنذر ونعيم بن مسعود الأشجعي وآخرون من الصحابة.\rومن غير الصحابة: الحطيئة الشاعر وأبو ذؤيب الشاعر الهذلي.\rعلي بن أبي طالب\rرضي الله عنه\rعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب واسمه شيبة بن هاشم واسمه عمرو بن عبد مناف واسمه المغيرة بن قصي واسمه زيد بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك ابن نضر بن كنانة أبو الحسن وأبو تراب كناه به النبي صلى الله عليه وسلم وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم وهي أول هاشمية ولدت هاشمياً قد أسلمت وهاجرت.","part":1,"page":67},{"id":68,"text":"وعلي رضي الله عنه أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأخو رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمؤاخاة وصهره على فاطمة سيدة نساء العالمين رضي الله عنها وأحد السابقين إلى الإسلام وأحد العلماء الربانيين والشجعان المشهورين والزهاد المذكورين والخطباء المعروفين وأحد من جمع القرآن وعرضه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرض عليه أبو الأسود الدؤلي وأبو عبد الرحمن السلمي وعبد الرحمن بن أبي ليلى وهو أول خليفة من بني هاشم وأبو السبطين أسلم قديماً بل قال ابن عباس وأنس وزيد بن أرقم وسلمان الفارسي وجماعة: إنه أول من أسلم ونقل بعضهم الإجماع عليه.\rوأخرج أبو يعلى عن علي رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين وأسلمت يوم الثلاثاء وكان عمره حين أسلم عشر سنين وقيل: تسع وقيل: ثمان وقيل دون ذلك قال الحسن بن زيد بن الحسن ولم يعبد الأوثان قط لصغره أخرجه ابن سعد ولما هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أمره أن يقيم بعده بمكة أياماً حتى يؤدي عنه أمانة الودائع والوصايا التي كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم يلحقه بأهله ففعل ذلك وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً وأحداً وسائر المشاهد إلا تبوك فإن النبي صلى الله عليه وسلم استخلفه على المدينة وله في جميع المشاهد آثار مشهورة وأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم اللواء في مواطن كثيرة وقال سعيد بن المسيب: أصابت علياً يوم أحد ست عشرة ضربة وثبت في الصحيحين \" أنه صلى الله عليه وسلم أعطاه الراية في يوم خيبر وأخبر أن الفتح يكون على يديه \" وأحواله في الشجاعة وآثاره في الحروب مشهورة وكان علي شيخاً سميناً أصلع كثير الشعر ربعة إلى القصر عظيم البطن عظيم اللحية جداً قد ملأت ما بين منكبيه بيضاء كأنها قطن آدم شديد الأدمة.\rوقال جابر بن عبد الله حمل علي الباب على ظهره يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه ففتحوها وإنهم جروه بعد ذلك فلم يحمله إلا أربعون رجلا أخرجه ابن عساكر.\rوأخرج ابن إسحاق في المغازي وابن عساكر عن أبي رافع أن علياً تناول باباً عند الحصن حصن خيبر فتترس به عن نفسه فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله علينا ثم ألقاه فلقد رأيتنا ثمانية نفر نجهد أن نقلب ذلك الباب فما استطعنا أن نقلبه.\rوروى البخاري في الأدب عن سهل بن سعد قال: إن كان أحب أسماء علي رضي الله عنه إليه أبا تراب وإن كان ليفرح أن يدعى به وما سماه أبا تراب إلا النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أنه غاضب يوماً فاطمة فخرج فاضطجع إلى الجدار في المسجد فجاءه النبي صلى الله عليه وسلم وقد امتلأ ظهره تراباً فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسح التراب عن ظهره ويقول: \" اجلس أبا تراب \" .\rروي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمائة حديث وستة وثمانون حديثاً.\rروى عنه بنوه الثلاثة: الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وابن الزبير وأبو موسى وأبو سعيد وزيد بن أرقم وجابر بن عبد الله وأبو أمامة وأبو هريرة وخلائق من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين.\rفصل في الأحاديث الواردة في فضله\rقال الإمام أحمد بن حنبل: ما ورد لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضائل ما ورد لعلي رضي الله عنه أخرجه الحاكم.\rوأخرج الشيخان عن سعد بن أبي وقاص \" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف علي بن أبي طالب في غزوة تبوك فقال يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنه لا نبي بعدي \" أخرجه أحمد والبزار من حديث أبي سعيد الخدري والطبراني من حديث أسماء بنت قيس وأم سلمة وحبشي بن جنادة وابن عمر وابن عباس وجابر بن سمرة والبراء بن عازب وزيد بن أرقم.\rوأخرجا عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: لأعطين الراية غداً رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها؟ فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها فقال: أين علي أبن أبي طالب؟ فقيل هو يشتكي عينيه قال فأرسلوا إليه فأتى به فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له فبرئ حتى كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية \" يدوكون أي يخوضون ويتحدثون.","part":1,"page":68},{"id":69,"text":"وقد أخرج هذا الحديث الطبراني من حديث ابن عمر وعلي وابن أبي ليلى وعمران بن حصين والبزار من حديث ابن عباس.\rوأخرج مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: لما نزلت هذه الآية \" ندع أبناءنا وأبناءكم \" \" آل عمران: 61 \" دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: \" اللهم هؤلاء أهلي \" .\rوأخرج الترمذي عن أبي سريحة أو زيد بن أرقم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" من كنت مولاه فعلى مولاه \" .\rوأخرجه أحمد عن علي وأبي أيوب الأنصاري وزيد بن أرقم وعمرو ذي مر وأبو يعلى عن أبي هريرة والطبراني عن ابن عمر ومالك بن الحويرث وحبشي بن جنادة وجرير وسعد بن أبي وقاص وأبي سعيد الخدري وأنس والبزار عن ابن عباس وعمارة وبريدة وفي أكثرها زيادة \" اللهم وال من والاه وعاد من عاداه \" .\rولأحمد عن أبي الطفيل قال: جمع علي الناس سنة خمس وثلاثين في الرحبة ثم قال لهم: أنشد بالله كل امرئ مسلم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم غدير خم ما قال لما قام فقام إليه ثلاثون من الناس فشهدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه \" .\rوأخرج الترمذي والحاكم وصححه عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" إن الله أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه يحبهم قيل: يا رسول الله سمهم لنا قال: علي منهم يقول ذلك ثلاثاً وأبو ذر والمقداد وسلمان.\rوأخرج الترمذي والنسائي وابن ماجة عن حبشي بن جنادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" علي مني وأنا من علي \" .\rوأخرج الترمذي عن ابن عمر قال: آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه فجاء علي تدمع عيناه فقال: يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" أنت أخي في الدنيا والآخرة \" .\rوأخرج مسلم عن علي قال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق.\rوأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: كنا نعرف المنافقين ببغضهم علياً.\rوأخرج البزار والطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله وأخرج الترمذي والحاكم عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" أنا مدينة العلم وعلي بابها \" هذا حديث حسن على الصواب لا صحيح كما قال الحاكم ولا موضوع كما قاله جماعة منهم ابن الجوزي والنووي وقد بينت حاله في التعقبات على الموضوعات.\rوأخرج الحاكم وصححه عن علي قال: \" بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقلت: يا رسول الله بعثتني وأنا شاب أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء فضرب صدري بيده ثم قال: اللهم أهد قلبه وثبت لسانه فوالذي فلق الحبة ما شككت في قضاء بين اثنين \" .\rوأخرج ابن سعد عن علي أنه قيل له: ما لك أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً قال: إني كنت إذا سألته أنبأني وإذا سكت ابتدأني.\rوأخرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال عمر بن الخطاب: علي أقضانا.\rوأخرج الحاكم عن ابن مسعود رضي الله عنهما قال: كنا نتحدث أن أقضي أهل المدينة علي.\rوأخرج ابن سعد عن ابن عباس قال إذا حدثنا ثقة عن علي بفتيا لا نعدوها.\rوأخرج عن سعيد بن المسيب قال: كان عمر بن الخطاب يتعوذ بالله من معضلة ليس فيها أبو حسن.\rوأخرج عنه قال: لم يكن أحد من الصحابة يقول سلوني إلا علي.\rوأخرج ابن عساكر عن ابن مسعود قال: أفرض أهل المدينة وأقضاها علي بن أبي طالب.\rوأخرج عن عائشة رضي الله عنها أن علياً ذكر عندها فقالت أما إنه أعلم من بقي بالسنة.\rوقال مسروق: انتهى علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر وعلي وابن مسعود وعبد الله رضي الله عنهم.\rوقال عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة: كان لعلي ما شئت من ضرس قاطع في العلم وكان له البسطة في العشيرة والقدم في الإسلام والعهد برسول الله صلى الله عليه وسلم والفقه في السنة والنجدة في الحرب والجود في المال.\rوأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن جابر بن عبد الله وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" الناس من شجر شتى وأنا وعلي من شجرة واحدة \" .","part":1,"page":69},{"id":70,"text":"وأخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ما أنزل الله \" يا أيها الذين آمنوا \" إلا وعلي أميرها وشريفها ولقد عاتب الله أصحاب محمد في غير مكان وما ذكر علياً إلا بخير.\rوأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: ما نزل في أحد من كتاب الله تعالى ما نزل في علي.\rوأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: نزلت في علي ثمانمائة آية.\rوأخرج البزار عن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: \" لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك \" .\rوأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غضب لم يجترئ أحد أن يكلمه إلا علي.\rوأخرج الطبراني والحاكم عن ابن مسعود رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: \" النظر إلى علي عبادة \" إسناده حسن.\rوأخرجه الطبراني والحاكم أيضاً من حديث عمران بن حصين.\rوأخرجه ابن عساكر من حديث أبي بكر الصديق وعثمان بن عفان ومعاذ بن جبل وأنس وثوبان وجابر بن عبد الله وعائشة رضي الله عنهم.\rوأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال: كانت لعلي ثمان عشرة منقبة ما كانت لأحد من هذه الأمة.\rوأخرج أبو يعلى عن أبي هريرة قال: قال عمر بن الخطاب لقد أعطي علي ثلاث خصال لأن تكون لي خصلة منها أحب إلي من أن أعطى حمر النعم فسئل وما هن؟ قال: تزوجه ابنته فاطمة وسكناه المسجد لا يحل لي فيه ما يحل له والراية يوم خيبر.\rوروي أحمد بسند صحيح عن ابن عمر نحوه.\rوأخرج أحمد وأبو يعلى بسند صحيح عن علي قال: ما رمدت ولا صدعت منذ مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهي وتفل في عيني يوم خيبر حين أعطاني الراية.\rوأخرج أبو يعلى والبزار عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" من آذى علياً فقد آذاني \" .\rوأخرج الطبراني بسند صحيح عن أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: \" من أحب علياً فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله ومن أبغض علياً فقد ابغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله \" .\rوأخرج أحمد والحاكم وصححه عن أم سلمة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" من سب علياً فقد سبني \" .\rوأخرج أحمد والحاكم بسند صحيح عن ابن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي: \" إنك تقاتل على القرآن كما قاتلت على تنزيله \" .\rوأخرج البزار وأبو يعلى والحاكم عن علي قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: \" إن فيك مثلا من عيسى أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه وأحبته النصارى حتى أنزلوه بالمنزل الذي ليس به \" ألا وإنه يهلك في اثنان محب مفرط يفرطني بما ليس في ومبغض مفتر يحمله شنآني على أن يبهتني.\rوأخرج الطبراني في الأوسط والصغير عن أم سلمة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول \" علي مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا علي الحوض \" .\rوأخرج أحمد والحاكم بسند صحيح عن عمار بن ياسر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: \" أشقى الناس رجلان: أحيمر ثمود الذي عقر الناقة والذي يضربك يا علي على هذه يعني قرنه حتى تبتل منه هذه من الدم يعني لحيته \" وقد ورد ذلك من حديث علي وصهيب وجابر بن سمرة وغيرهم.\rوأخرج الحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري قال اشتكى الناس علياً فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيباً فقال \" لا تشكوا علياً فوالله إنه لأخيشن في ذات الله أو في سبيل الله \" . فصل في مبايعة علي بالخلافة\rرضي الله عنه وما نشأ عن ذلك","part":1,"page":70},{"id":71,"text":"قال ابن سعد: بويع علي بالخلافة الغد من قتل عثمان بالمدينة وفبايعه جميع من كان بها من الصحابة رضي الله عنهم ويقال إن طلحة والزبير بايعا كارهين غير طائعين ثم خرجا إلى مكة وعائشة رضي الله عنها بها فأخذاها وخرجا بها إلى البصرة يطلبون بدم عثمان وبلغ ذلك علياً فخرج إلى العراق فلقي بالبصرة طلحة والزبير وعائشة ومن معهم وهي وقعة الجمل وكانت في جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين وقتل بها طلحة والزبير وغيرهما وبلغت القتلى ثلاثة عشر ألفاً وأقام على بالبصرة خمس عشرة ليلة ثم انصرف إلى الكوفة ثم خرج عليه معاوية بن أبي سفيان ومن معه بالشام فبلغ علياً فصار إليه فالتقوا بصفين في صفر سنة سبع وثلاثين ودام القتال بها أياماً فرفع أهل الشام المصاحف يدعون إلى ما فيها مكيدة من عمرو بن العاص فكره الناس الحرب وتداعوا إلى الصلح وحكموا الحكمين فحكم علي أبا موسى الأشعري وحكم معاوية عمرو بن العاص وكتبوا بينهم كتاباً على أن يوافوا رأس الحول بأذرح فينظروا في أمر الأمة فافترق الناس ورجع معاوية إلى الشام وعلى إلى الكوفة فخرجت عليه الخوارج من أصحابه ومن كان معه وقالوا لا حكم إلا الله وعسكروا بحروراء فبعث إليهم ابن عباس فخاصمهم وحجهم فرجع منهم قوم كثير وثبت قوم وساروا إلى النهروان فعرضوا للسبيل فسار إليهم علي فقتلهم بالنهروان وقتل منهم ذا الثدية وذلك سنة ثمان وثلاثين واجتمع الناس بأذرح في شعبان من هذه السنة وحضرها سعد بن أبي وقاص وابن عمر وغيرهما من الصحابة فقدم عمرو أبا موسى الأشعري مكيدة منه فتكلم فخلع علياً وتكلم عمرو فأقر معاوية وبايع له فتفرق الناس على هذا وصار علي في خلاف من أصحابه حتى صار يعض على إصبعه ويقول أعصى ويطاع معاوية؟.\rوانتدب ثلاثة نفر من الخوارج عبد الرحمن بن ملجم المرادي والبرك ابن عبد الله التميمي وعمرو بن بكير التميمي فاجتمعوا بمكة وتعاهدوا وتعاقدوا ليقتلن هؤلاء الثلاثة: علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ويريحوا العباد منهم فقال ابن ملجم: أنا لكم بعلي وقال البرك: أنا لكم بمعاوية وقال عمرو بن بكير: أنا أكفيكم عمرو بن العاص وتعاهدوا على أن ذلك يكون في ليلة واحدة ليلة حادي عشر أو ليلة سابع عشر رمضان ثم توجه كل منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه فقدم ابن ملجم الكوفة فلقي أصحابه من الخوارج فكاتمهم ما يريدون إلى ليلة الجمعة سابع عشر رمضان سنة أربعين فاستيقظ علي سحراً فقال لابنه الحسن رأيت الليلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله ما لقيت من أمتك من الأود واللدد؟ فقال لي ادع الله عليهم فقلت اللهم أبدلني بهم خيراً لي منهم وأبدلهم بي شراً لهم مني ودخل ابن الذباح المؤذن على علي فقال الصلاة فخرج على من الباب ينادي أيها الناس الصلاة الصلاة فاعترضه ابن ملجم فضربه بالسيف فأصاب جبهته إلى قرنه ووصل إلى دماغه فشد عليه الناس من كل جانب فأمسك وأوثق وأقام على الجمعة والسبت توفي ليلة الأحد وغسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وصلى عليه الحسن ودفن بدار الإمارة بالكوفة ليلا ثم قطعت أطراف ابن ملجم جعل في قوصرة وأحرقوه بالنار هذا كله كلام ابن سعد وقد أحسن في تلخيصه هذه الوقائع ولم يوسع فيها الكلام كما صنع غيره لأن هذا هو اللائق بهذا المقام قال صلى الله عليه وسلم \" إذا ذكر أصحابي فأمسكوا \" وقال: \" بحسب أصحابي القتل \" .\rوفي المستدرك عن السدي قال: كان عبد الرحمن بن ملجم المرادي عشق امرأة من الخوارج يقال لها: قطام فنكحها وأصدقها ثلاثة آلاف درهم وقتل علي وفي ذلك قال الفرزدق:\rفلم أر مهراً ساقه ذو سماحة ... كمهر قطام من فصيح وأعجم\rثلاثة آلاف وعبد وقينة ... وضرب علي بالحسام المصمم\rفلا مهر أغلى من علي وإن غلا ... ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم\rقال أبو بكر بن عياش: عمي قبر علي لئلا ينبشه الخوارج وقال شريك: نقله ابنه الحسن إلى المدينة وقال المبرد عن محمد بن حبيب أول من حول من قبر إلى قبر علي رضي الله عنه.","part":1,"page":71},{"id":72,"text":"وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز قال: لما قتل علي ابن أبي طالب رضي الله عنه حملوه ليدفنوه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينما هم في مسيرهم ليلا إذ ند الجمل الذي هو عليه فلم يدر أين ذهب ولم يقدر عليه قال: فلذلك يقول أهل العراق: هو في السحاب وقال غيره: إن البعير وقع في بلاد طيئ فأخذوه فدفنوه.\rوكان لعلي حين قتل ثلاث وستون سنة وقيل: أربع وستون وقيل خمس وستون وقيل: سبع وخمسون وقيل: ثمان وخمسون وكان له تسع عشرة سرية.\rفصل في نبذ من أخبار علي\rوقضاياه وكلماته رضي الله عنه\rقال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا هشيم حدثنا حجاج حدثني شيخ من فزارة سمعت علياً يقول الحمد لله الذي جعل عدونا يسألنا عما نزل به من أمر دينه إن معاوية كتب إلي يسألني عن الخنثى المشكل فكتبت إليه أن يورثه من قبل مباله وقال هشيم عن مغيرة عن الشعبي عن علي مثله.\rوأخرج ابن عساكر عن الحسن قال: لما قدم على البصرة قام إليه ابن الكواء وقيس بن عباد فقالا له ألا تخبرنا عن مسيرك هذا الذي سرت فيه تتولى على الأمة تضرب بعضهم ببعض؟ أعهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم عهده إليك فحدثنا فأنت الموثوق المأمون على ما سمعت فقال أما أن يكون عندي عهد من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فلا والله لئن كنت أول من صدق به فلا أكون أول من كذب عليه ولو كان عندي من النبي صلى الله عليه وسلم عهد في ذلك ما تركت أخا بني تيم بن مرة وعمر بن الخطاب يقومان على منبرة ولقاتلتهما بيدي ولو لم أجد إلا بردي هذا ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتل قتلا ولم يمت فجأة مكث في مرضه أياماً وليالي يأتيه المؤذن فيؤذنه بالصلاة فيأمر أبا بكر فيصلي بالناس وهو يرى مكاني ولقد أرادت امرأة من نسائه أن تصرفه عن أبي بكر فأبى وغضب وقال أنتن صواحب يوسف مروا أبا بكر يصلي بالناس فلما قبض الله نبيه صلى الله عليه وسلم نظرنا في أمورنا فاخترنا لدنيانا من رضيه نبي الله صلى الله عليه وسلم لديننا وكانت الصلاة أصل الإسلام وهي أمير الدين وقوام الدين فبايعنا أبا بكر وكان لذلك أهلا لم يختلف عليه منا اثنان ولم يشهد بعضنا على بعض ولم تقطع منه البراءة فأديت إلى أبي بكر حقه وعرفت له طاعته وغزوت معه في جنوده وكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني وأضرب بين يديه الحدود بسوطي فلما قبض تولاها عمر فأخذها بسنة صاحبه وما يعرف من أمره فبايعنا عمر ولم يختلف عليه منا اثنان ولم يشهد بعضنا على بعض ولم تقطع منه البراءة فأديت إلى عمر حقه وعرفت له طاعته وغزوت معه جيوشه وكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني وأضرب بين يديه الحدود بسوطي فلما قبض تذكرت في نفسي قرابتي وسابقتي وسالفتي وفضلي وأنا أظن أن لا يعدل بي ولكن خشي أن لا يعمل الخليفة بعده ذنباً إلا لحقه في قبره فأخرج منها نفسه وولده ولو كانت محاباة منه لثر بها ولده فبرئ منها إلى رهط من قريش ستة أنا أحدهم فلما اجتمع الرهط ظننت أن لا يعدلوا بي فأخذ عبد الرحمن بن عوف مواثيقنا على أن نسمع ونطيع لمن ولاه الله أمرنا ثم أخذ بيد عثمان بن عفان وضرب بيده على يده فنظرت في أمري فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي وإذا ميثاقي قد أخذ لغيري فبايعنا عثمان فأديت له حقه وعرفت له طاعته وغزوت معه في جيوشه وكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني وأضرب بين يديه الحدود بسوطي فلما أصيب نظرت في أمري فإذا الخليفتان اللذان أخذاها بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهما بالصلاة قد مضيا وهذا الذي قد أخذ له الميثاق قد أصيب فبايعني أهل الحرمين وأهل هذين المصرين فوثب فيها من ليس مثلي ولا قرابته كقرابتي ولا علمه كعلمي ولا سابقته كسابقتي وكنت أحق بها منه.\rوأخرج أبو نعيم في الدلائل عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: عرض لعلي رجلان في خصومة فجلس في أصل جدار فقال له رجل: الجدار يقع فقال علي: امض كفى بالله حارساً فقضى بينهما فقام ثم سقط الجدار.","part":1,"page":72},{"id":73,"text":"وفي الطيوريات بسنده إلى جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال رجل لعلي ابن أبي طالب نسمعك تقول في الخطبة: اللهم أصلحنا بما أصلحت به الخلفاء الراشدين المهديين فمن هم فاغرورقت عيناه فقال هم حبيباي أبو بكر وعمر إماما الهدى وشيخا الإسلام ورجلا قريش والمقتدى بهما بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من اقتدى بهما عصم ومن اتبع آثارهما هدى الصراط المستقيم ومن تمسك بهما فهو من حزب الله.\rوأخرج عبد الرازق عن حجر المدري قال: قال لي علي بن أبي طالب كيف بك إذا أمرت أن تلعنني قلت وكائن ذلك قال: نعم قلت فكيف أصنع قال: العني ولا تبرأ مني قال فأمرني محمد بن يوسف أخو الحجاج وكان أميراً على اليمن أن ألعن علياً فقلت إن الأمير أمرني أن ألعن علياً فالعنوه لعنة الله فما فطن لها إلا رجل.\rوأخرج الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الدلائل عن زاذان أن علياً حدث بحيث فكذبه رجل فقال له علي: أدعو عليك إن كنت كاذباً قال ادع فدعا عليه فلم يبرح حتى ذهب بصره.\rوأخرج عن زر بن حبيش قال: جلس رجلان يتغديان مع أحدهما خمسة أرغفة ومع الآخر ثلاثة أرغفة فلما وضعا الغداء بين أيديهما مر بهما رجل فسلم فقالا اجلس وتغد فجلس وأكل معهما واستووا في أكلهم الأرغفة الثمانية فقام الرجل وطرح إليهما ثمانية دراهم وقال: خذاها عوضاً مما أكلت لكما ونلته من طعامكما فتنازعا فقال صاحب الخمسة الأرغفة: لي خمسة دراهم ولك ثلاث وقال صاحب الأرغفة الثلاثة لا أرضى إلا أن تكون الدراهم بيننا نصفين فارتفعا إلا أمير المؤمنين علي فقصا عليه قصتهما فقال لصاحب الثلاثة قد عرض عليك صاحبك ما عرض وخبزه أكثر من خبزك فأرض بالثلاثة فقال والله لرضيت عنه إلا بمر الحق فقال علي: ليس لك في مر الحق إلا درهم واحد وله سبعة دراهم فقال الرجل سبحان الله قال: هو ذلك قال فعرفني الوجه في مر الحق حتى أقبله فقال علي أليس للثمانية الأرغفة أربعة وعشرون ثلثاً أكلتموها وأنتم ثلاثة أنفس ولا يعلم الأكثر منكم أكلا ولا الأقل فتحملون في أكلكم على السواء قال فأكلت أنت ثمانية أثلاث وإنما لك تسعة أثلاث وأكل صاحبك ثمانية أثلاث وله خمسة عشر ثلثاً أكل منها ثمانية وبقى له سبعة أكلها صاحب الدراهم وأكل لك واحداً من تسعة فلك واحد بواحدك وله سبعة فقال الرجل رضيت الآن.\rوأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن عطاء قال: أتى علي برجل وشهد عليه رجلان أنه سرق فأخذ في شيء من أمور الناس وتهدد شهود الزور وقال لا أوتي بشاهد زور إلا فعلت به كذا وكذا ثم طلب الشاهدين فلم يجدهما فخلى سبيله.\rوقال عبد الرزاق في المصنف: حدثنا الثوري عن سليمان الشيباني عن رجل عن علي أنه أتى برجل فقيل له زعم هذا أنه احتلم بأمي فقال: اذهب فأقمه بالشمس فأضرب ظله.\rوأخرج ابن عساكر من طريق جعفر بن محمد عن أبيه أن خاتم علي ابن أبي طالب كان من ورق نقشه نعم القادر الله.\rوأخرج عن عمرو بن عثمان بن عفان قال: كان نقش خاتم على الملك لله.\rوأخرج عن المدائني قال: لما دخل على الكوفة دخل عليه رجل من حكماء العرب فقال والله يا أمير المؤمنين لقد زنت الخلافة وما زانتك ورفعتها وما رفعتك وهي كانت أحوج إليك منك إليها.\rوأخرج عن مجمع أن علياً كان يكنس بيت المال ثم يصلى فيه رجاء أن يشهد له أنه لم يحبس فيه المال عن المسلمين.","part":1,"page":73},{"id":74,"text":"وقال أبو القاسم الزجاجي في أماليه: حدثنا أبو جعفر محمد بن رستم الطبري حدثنا أبو حاتم السجستاني حدثني يعقوب بن إسحاق الحضرمي حدثنا سعيد ابن مسلم الباهلي حدثنا أبي عن جدي عن أبي الأسود الدؤلي أو قال: عن جدي أبي الأسود عن أبيه قال دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فرأيته مطرقاً مفكراً فقلت فيم تفكر يا أمير المؤمنين قال: إني سمعت ببلدكم هذا لحناً فأردت أن أصنع كتاباً في أصول العربية فقلت: إن فعلت هذا أحييتنا وبقيت فينا هذه اللغة ثم أتيته بعد ثلاثة فألقى إلي صحيفة فيها بسم الله الرحمن الرحيم الكلمة اسم وفعل وحرف فالاسم ما أنبأ عن المسمى والفعل ما أنبأ عن حركة المسمى والحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل ثم قال: تتبعه وزد فيه ما وقع لك وأعلم يا أبا الأسود أن الأشياء ثلاثة: ظاهر ومضمر وشيء ليس بظاهر ولا مضمر وإنما يتفاضل العلماء في معرفة ما ليس بظاهر ولا مضمر قال أبو الأسود فجمعت منه أشياء وعرضتها عليه فكان من ذلك حروف النصب فذكرت منها إن وأن وليت ولعل وكان ولم أذكر لكن فقال لي لم تركتها فقلت لم أحسبها منها فقال بل هي منها فزدها فيها.\rوأخرج ابن عساكر عن ربيعة بن ناجر قال: قال علي كونوا في الناس كالنحلة في الطير إنه ليس في الطير شيء إلا وهو يستضعفها لو يعلم الطير ما في أجوافها من البركة لم يفعلوا ذلك بها خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم وزايلوهم بأعمالكم وقلوبكم فإن للمرء ما اكتسب وهو يوم القيامة مع من أحب.\rوأخرج عن علي قال: كونوا بقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل فإنه لن يقل عمل مع التقوى وكيف يقل عمل يتقبل؟.\rوأخرج عن يحيى بن جعدة قال: قال علي بن أبي طالب يا حملة القرآن أعملوا به فإنما العالم من علم ثم عمل بما علم ووافق علمه عمله وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم وتخالف سريرتهم علانيتهم ويخالف عملهم علمهم يجلسون حلقاً فيباهي بعضهم بعضاً حتى إن الرجل يغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله.\rوأخرج عن علي قال: التوفيق خير قائد وحسن الخلق خير قرين والعقل خير صاحب والأدب خير ميراث ولا وحشة أشد من العجب.\rوأخرج عن الحارث قال: جاء رجل إلى علي فقال: أخبرني عن القدر فقال طريق مظلم لا تسلكه قال أخبرني عن القدر قال بحر عميق لا تلجه قال: أخبرني عن القدر قال سر الله قد خفي عليك فلا تفتشه قال أخبرني عن القدر قال يا أيها السائل إن الله خلقك لما شاء أو لما شئت قال بل لما شاء قال فيستعملك لما شاء.\rوأخرج عن علي قال إن للنكبات نهايات ولا بد لأحد إذا نكب من أن ينتهي إليها فينبغي للعاقل إذا أصابته نكبة أن ينام لها حتى تنقضي مدتها فإن في دفعها قبل انقضاء مدتها زيادة في مكروهها.\rوأخرج عن علي أنه قيل له ما السخاء؟ قال ما كان منه ابتداء فأما ما كان عن مسألة فحياء وتكرم.\rوأخرج عن علي أنه أتاه رجل فأثنى عليه فأطراه وكان قد بلغه عنه قبل ذلك فقال له علي إني لست كما تقول وأنا فوق ما في نفسك.\rوأخرج عن علي قال: جزاء المعصية الوهن في العبادة والضيق في المعيشة والنقص في اللذة قيل وما النقص في اللذة؟ قال: لا ينال شهوة حلال إلا جاءه ما ينغصه إياها.\rوأخرج عن علي بن ربيعة أن رجلا قال لعلي: ثبتك الله وكان يبغضه قال علي: على صدرك.\rوأخرج عن الشعبي قال كان أبو بكر يقول الشعر وكان عمر يقول الشعر وكان عثمان يقول الشعر وكان علي أشعر الثلاثة.\rوأخرج عن نبيط الأشجعي قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:\rإذا اشتملت على اليأس القلوب ... وضاق بهمها الصدر الرحيب\rوأوطنت المكاره واطمأنت ... وأرست في أماكنها الخطوب\rولم ير لانكشاف الضر وجه ... ولا أغنى بحيلته الأريب\rأتاك على قنوط منك غوث ... يجيء به القريب المستجيب\rوكل الحادثات إذا تناهت ... فموصول بها الفرج القريب\rوأخرج عن الشعبي قال: قال علي بن أبي طالب لرجل كره له صحبة رجل:\rفلا تصحب أخا الجهل ... وإياك وإياه\rفكم من جاهل أردى ... حليماً حين آخاه","part":1,"page":74},{"id":75,"text":"يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هو ما شاه\rوللشيء من الشيء ... مقاييس وأشباه\rقياس النعل بالنعل ... إذا ما هو حاذاه\rوللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه\rوأخرج عن المبرد قال كان مكتوباً على سيف علي بن أبي طالب رضي الله عنه:\rللناس حرص على الدنيا بتدبير ... وصفوها لك ممزوج بتكدير\rلم يرزقوها بعقل بعد ما قسمت ... لكنهم رزقوها بالمقادير\rكم من أديب لبيب لا تساعده ... وأحمق نال دنياه بتقصير\rلو كان عن قوة أو عن مغالبة ... طار البزاة بأرزاق العصافير\rوأخرج عن حمزة بن حبيب الزيات قال: كان علي بن أبي طالب يقول:\rولا تفش سرك إلا إليك ... فإن لكل نصيح نصيحا\rفإني رأيت غواة الرجا ... ل لا يدعون أديماً صحيحا\rوأخرج عن عقبة بن أبي الصبهاء قال: لما ضرب ابن ملحم علياً دخل عليه الحسن وهو باك فقال له علي يا بني أحفظ عني أربعاً وأربعاً قال: وما هن يا أبت قال: أغنى الغنى العقل وأكبر الفقر الحمق وأوحش الوحشة العجب وأكرم الكرم حسن الخلق قال فالأربع الآخر قال إياك ومصاحبة الأحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك وإياك ومصادقة الكذاب فإنه يقرب عليك البعيد ويبعد عليك القريب وإياك ومصادقة البخيل فإنه يقعد عنك أحوج ما تكون إليه وإياك ومصادقة الفاجر فإنه يبيعك بالتافه.\rوأخرج ابن عساكر عن علي أنه أتاه يهودي فقال له متى كان ربنا فتمعر وجه علي وقال لم يكن فكان هو كان ولا كينونة كان بلا كيف كان ليس له قبل ولا غاية انقطعت الغايات دونه فهو غاية كل غاية فأسلم اليهودي.\rوأخرج الدراج في جزئه المشهور بسند مجهول عن ميسرة عن شريح القاضي قال: لما توجه علي إلى صفين افتقد درعاً له فلما انقضت الحرب ورجع إلى الكوفة أصاب الدرع في يد يهودي فقال لليهودي الدرع درعي لم أبع ولم أهب فقال اليهودي: درعي وفي يدي فقال نصير إلى القاضي فتقدم علي فجلس إلى جنب شريح وقال لولا أن خصمي يهودي لاستويت معه في المجلس ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول \" أصغروهم من حيث أصغرهم الله \" فقال شريح قل يا أمير المؤمنين فقال: نعم هذه الدرع التي في يد هذا اليهودي درعي لم أبع ولم أهب فقال شريح أيش تقول يا يهودي قال درعي وفي يدي فقال شريح ألك بينة يا أمير المؤمنين قال نعم قنبر والحسن يشهدان أن الدرع درعي فقال شريح شهادة الابن لا تجوز للأب فقال علي رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة \" فقال اليهودي أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه وقاضيه قضى عليه أشهد أن هذا هو الحق وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله وإن الدرع درعك.\rفصل: وأما كلامه في تفسير القرآن فكثير وهو مستوفى في كتابنا التفسير المسند بأسانيده وقد أخرج ابن سعد عن علي قال والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم نزلت وأين نزلت وعلى من نزلت إن ربي وهب لي قلباً عقولا ولساناً صادقاً ناطقاً.\rوأخرج ابن سعد وغيره عن أبي الطفيل قال: قال علي سلوني عن كتاب الله فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار وفي سهل أم في جبل.\rوأخرج ابن أبي داود عن محمد بن سيرين قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبطأ علي عن بيعة أبي بكر فلقيه أبو بكر فقال أكرهت إمارتي فقال: لا ولكن آليت أن لا أرتدي بردائي إلا إلى الصلاة حتى أجمع القرآن فزعموا أنه كتبه على تنزيله فقال محمد لو أصيب ذلك الكتاب كان فيه العلم.\rفصل في نبذ من كلماته الوجيزة\rالمختصرة البديعة\rقال علي رضي الله عنه: الحزم سوء الظن أخرجه أبو الشيخ وابن حيان.\rوقال: القريب من قربته المودة وإن بعد نسبه والبعيد من باعدته العداوة وإن قرب نسبه ولا شيء اقرب من يد إلى جسد وإن اليد إذا فسدت قطعت وإذا قطعت حسمت أخرجه أبو نعيم.","part":1,"page":75},{"id":76,"text":"وقال: خمس خذوهن عني لا يخافن أحد منكم إلا ذنبه ولا يرجو إلا ربه ولا يستحيي من لا يعلم أن يتعلم ولا يستحيي من لا يعلم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول الله أعلم وإن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد إذا ذهب الصبر ذهب الإيمان وإذا ذهب الرأس ذهب الجسد أخرجه سعيد بن منصور في سننه.\rوقال: الفقيه كل الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله ولم يرخص لهم في معاصي الله ولم يؤمنهم من عذاب الله ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره لأنه لا خير في عبادة لا علم فيها ولا علم لا فهم معه ولا قراءة لا تدبر فيها أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن.\rوقال: وأبردها على كبدي إذا سئلت عما لا أعلم أن أقول الله أعلم أخرجه ابن عساكر.\rوقال: من أراد أن ينصف الناس من نفسه فليحب لهم ما يحب لنفسه أخرجه ابن عساكر.\rوقال: سبع من الشيطان شدة الغضب وشدة العطاس وشدة التثاؤب والقيء والرعاف والنجوى والنوم عند الذكر.\rوقال: كلوا الرمان بشحمه فإنه دباغ المعدة أخرجه الحاكم في التاريخ.\rوقال: يأتي على الناس زمان المؤمن فيه أذل من الأمة أخرجه سعيد بن منصور ولأبي الأسود الدؤلي يرثي علياً رضي الله عنه:\rألا يا عين ويحك أسعدينا ... ألا تبكي أمير المؤمنينا\rوتبكي أم كلثوم عليه ... بعبرتها وقد رأت اليقينا\rألا قل للخوارج حيث كانوا ... فلا قرت عيون الحاسدينا\rأفي شهر الصيام فجعتمونا ... بخير الناس طراً أجمعينا\rقتلتم خير من ركب المطايا ... وذللها ومن ركب السفينا\rومن لبس النعال ومن حذاها ... ومن قرأ المثاني والمبينا\rوكل مناقب الخيرات فيه ... وحب رسول رب العالمينا\rلقد علمت قريش حيث كانت ... بأنك خيرهم حسباً ودينا\rإذا استقبلت وجه أبي حسين ... رأيت البدر فوق الناظرينا\rوكنا قبل مقتله بخير ... نرى مولى رسول الله فينا\rيقيم الحق لا يرتاب فيه ... ويعدل في العدى والأقربينا\rوليس بكاتم علماً لديه ... ولم يخلق من المتكبرينا\rكأن الناس إذ فقدوا علياً ... نعام حار في بلد سنينا\rفلا تشمت معاوية بن صخر ... فإن بقية الخلفاء فينا\rفصل فيمن مات في زمنه من الأعلام\rمات في أيام علي من الأعلام موتاً وقتلا حذيفة بن اليمان والزبير بن العوام وطلحة وزيد بن صوحان وسلمان الفارسي وهند بن أبي هالة وأويس القرني وخباب بن الأرت وعمار بن ياسر وسهل بن حنيف وصهيب الرومي ومحمد بن أبي بكر الصديق وتميم الدراي وخوات بن جبير وشرحبيل ابن السمط وأبو ميسر البدري وصفوان بن عسال وعمرو بن عنبسة وهشام ابن حكيم وأبو رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم وآخرون.\rالحسن بن علي بن أبي طالب\rرضي الله عنه\rالحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أبو محمد سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته وآخر الخلفاء بنصه.\rأخرج ابن سعد عن عمران بن سليمان قال الحسن والحسين اسمان من أسماء أهل الجنة ما سمت العرب بهما في الجاهلية.\rولد الحسن رضي الله عنه في نصف رمضان سنة ثلاث من الهجرة وروى له عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث وروت عنه عائشة رضي الله عنها وخلائق من التابعين: منهم ابنه الحسن وأبو الحوراء ربيعة بن سنان والشعبي وأبو وائل وابن سيرين.\rوكان شبيهاً بالنبي صلى الله عليه وسلم سماه النبي صلى الله عليه وسلم الحسن وعق عنه يوم سابعه وحلق شعره وأمر أن يتصدق بزنة شعره فضة وهو خامس أهل الكساء.\rقال العسكري: لم يكن هذا الاسم يعرف في الجاهلية.\rوقال المفضل: إن الله حجب اسم الحسن والحسين حتى سمى بهما النبي صلى الله عليه وسلم ابنيه.\rوأخرج البخاري عن أنس قال: لم يكن أحد أشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم من الحسن بن علي.\rوأخرج الشيخان عن البراء قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحسن على عاتقه وهو يقول: \" اللهم إني أحبه فأحبه \" .","part":1,"page":76},{"id":77,"text":"وأخرج البخاري عن أبي بكرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن إلى جنبه ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة يقول \" إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين \" .\rوأخرج البخاري عن ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم هما ريحانتاي من الدنيا يعني الحسن والحسين.\rوأخرج الترمذي والحاكم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة \" .\rوأخرج الترمذي عن أسامة بن زيد قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم والحسن والحسين علي وركيه فقال: \" هذان ابناي وابنا ابنتي اللهم إني أحبهما فأحبهما وأحب من يحبهما \" .\rوأخرج عن أنس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي أهل بيتك أحب إليك قال الحسن والحسين.\rوأخرج الحاكم عن ابن عباس قال: أقبل النبي صلى الله عليه وسلم وقد حمل الحسن على رقبته فلقيه رجل فقال: نعم المركب ركبت يا غلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" ونعم الراكب هو \" .\rوأخرج ابن سعد عن عبد الله بن الزبير قال: أشبه أهل النبي صلى الله عليه وسلم به وأحبهم إليه الحسن بن علي رأيته يجيء وهو ساجد فيركب رقبته أو قال ظهره فما ينزله حتى يكون هو الذي ينزل ولقد رأيته وهو راكع فيفرج له بين رجليه حتى يخرج من الجانب الآخر.\rوأخرج ابن سعد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلع لسانه للحسن بن علي فإذا رأى الصبي حمرة اللسان يهش إليه.\rوأخرج الحاكم عن زهير بن الأرقم قال: قام الحسن بن علي يخطب فقام رجل من أزد شنوءة فقال: أشهد لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعه في حبوته وهو يقول \" من أحبني فليحبه وليبلغ الشاهد الغائب \" ولولا كرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حدثت به أحداً. كان الحسن رضي عنه له مناقب كثيرة سيداً حليماً ذا سكينة ووقار وحشمة جواداً مدوحاً يكره الفتن والسيف تزوج كثيراً وكان يجيز الرجل الواحد بمائة ألف.\rوأخرج الحاكم عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: لقد حج الحسن خمساً وعشرين حجة ماشياً وإن النجائب لتقاد معه.\rوأخرج ابن سعد عن عمير بن إسحاق قال ما تكلم عندي أحد كان أحب إذا تكلم أن لا يسكت من الحسن بن علي وما سمعت منه كلمة فحش قط إلا مرة فإنه كان بين الحسن وعمرو بن عثمان خصومة في أرض فعرض الحسن أمراً لم يرضه عمرو فقال الحسن فليس له عندنا إلا ما رغم أنفه قال فهذه أشد كلمة فحش سمعتها منه.\rوأخرج ابن سعد عن عمير بن إسحاق قال: كان مروان أميراً علينا فكان يسب علياً كل جمعة على المنبر وحسن يسمع فلا يرد شيئاً ثم أرسل إليه رجلا يقول له بعلي وبعلي وبعلي وبك وبك وما وجدت مثلك إلا مثل البغلة يقال لها من أبوك؟ فتقول أمي الفرس فقال له الحسن: أرجع إليه فقل له إني والله لا أمحو عنك شيئاً مما قلت بأن أسبك ولكن موعدي وموعدك الله فإن كنت صادقاً جزاك الله بصدقك وإن كنت كاذباً فالله أشد نقمة.\rوأخرج ابن سعد عن زريق بن سوار قال: كان بين الحسن وبين مروان كلام فأقبل عليه مروان فجعل يغلظ له والحسن ساكت فامتخط مروان بيمينه فقال له الحسن ويحك أما علمت أن اليمين للوجه والشمال للفرج أف لك فسكت مروان.\rوأخرج ابن سعد عن أشعث بن سوار عن رجل قال جلس رجل إلى الحسن فقال إنك جلست إلينا على حين قيام منا أفتأذن؟.\rوأخرج ابن سعد على علي بن زيد بن جدعان قال: أخرج الحسن من ماله لله مرتين وقاسم الله ماله ثلاث مرات حتى إنه كان يعطي نعلا ويمسك نعلا ويعطي خفاً ويمسك خفاً.\rوأخرج ابن سعد عن علي بن الحسين: قال كان الحسن مطلاقاً للنساء وكان لا يفارق امرأة إلا وهي تحبه وأحصن تسعين امرأة.\rوأخرج ابن سعد عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: كان الحسن يتزوج ويطلق حتى خشيت أن يورثنا عداوة في القبائل.\rوأخرج ابن سعد عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال علي يا أهل الكوفة لا تزوجوا الحسن فإنه رجل مطلاق فقال رجل من همدان والله لنزوجنه فما رضي أمسك وما كره طلق.\rوأخرج ابن سعد عن عبد الله بن حسن قال: كان حسن رجلا كثير نكاح النساء وكن قلماً يحظين عنده وكان قل امرأة تزوجها إلا أحبته وصبت إليه.","part":1,"page":77},{"id":78,"text":"وأخرج ابن عساكر عن جويرية بن أسماء قال: لما مات الحسن بكى مروان في جنازته فقال له الحسين أتبكيه وقد كنت تجرعه ما تجرعه فقال إني كنت أفعل ذلك إلى أحلم من هذا وأشار بيده إلى الجبل.\rوأخرج ابن عساكر عن المبرد قال: قيل للحسن بن علي: إن أبا ذر يقول الفقر أحب إلي من الغنى والسقم أحب إلي من الصحة فقال رحم الله أبا ذر أما أنا فأقول: من اتكل عل حسن اختيار الله لم يتمن أنه في غير الحالة التي اختارها الله له وهذا حد الوقوف على الرضا بما تصرف به القضاء.\rولي الحسن رضي الله عنه الخلافة بعد قتل أبيه بمبايعته أهل الكوفة فأقام فيها ستة أشهر وأياماً ثم سار إليه معاوية والأمر إلى الله فأرسل إليه الحسن يبذل له تسليم الأمر إليه على أن تكون له الخلافة من بعده وعلى أن لا يطالب أحداً من أهل المدينة والحجاز والعراق بشيء مما كان أيام أبيه وعلى أن يقضي عنه ديونه فأجابه معاوية إلى ما طلب فاصطلحا على ذلك فظهرت المعجزة النبوية في قوله صلى الله عليه وسلم \" يصلح الله به بين فئتين من المسلمين \" ونزل له عن الخلافة وقد استدل البلقيني بنزوله عن الخلافة التي هي أعظم المناصب على جواز النزول عن الوظائف وكان نزوله عنها في سنة إحدى وأربعين في شهر ربيع الأول وقيل الآخر وقيل في جمادى الأولى فكان أصحابه يقولون له يا عار المؤمنين فيقول العار خير من النار وقال له رجل السلام عليك يا مذل المؤمنين فقال: لست بمذل المؤمنين ولكني كرهت أن أقتلكم على الملك.\rثم ارتحل الحسن عن الكوفة إلى المدينة فأقام بها.\rوأخرج الحاكم عن جبير بن نفير قال: قلت للحسن إن الناس يقولون: إنك تريد الخلافة فقال: قد كان جماجم العرب في يدي يحاربون من حاربت ويسالمون من سالمت فتركتها ابتغاء وجه الله وحقن دماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم ثم أبتزها بأتياس أهل الحجاز.\rتوفي رضي الله عنه بالمدينة مسموماً سمته زوجته جعدة بنت الأشعث ابن قيس دس إليه يزيد بن معاوية أن تسمه فيتزوجها ففعلت فلما مات الحسن بعثت إلى يزيد تسأله الوفاء بما وعدها فقال: إنا لم نرضك للحسن أفنرضاك لأنفسنا وكانت وفاته سنة تسع وأربعين وقيل في خامس ربيع الأول سنة خمسين وقيل: سنة إحدى وخمسين وجهد به أخوه أن يخبره بمن سقاه فلم يخبره وقال الله أشد نقمة إن كان الذي أظن وإلا فلا يقتل بي والله بريء.\rوأخرج ابن سعد عن عمران بن عبد الله بن طلحة قال: رأى الحسن كأن بين عينيه مكتوباً \" قل هو الله أحد \" \" الإخلاص: 1 \" فاستبشر به أهل بيته فقصوها على سعيد بن المسيب فقال إن صدقت رؤياه فقل ما بقي من أجله فما بقي إلا أيام حتى مات.\rوأخرج البيهقي وابن عساكر من طريق أبي المنذر هشام بن محمد عن أبيه قال: أضاق الحسن بن علي وكان عطاؤه في كل سنة مائة ألف فحبسها عنه معاوية في إحدى السنين فأضاق إضاقة شديدة قال فدعوت بدواة لأكتب إلى معاوية لأذكره نفسي ثم أمسكت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال كيف أنت يا حسن؟ فقلت بخير يا أبت وشكوت إليه تأخر المال عني فقال أدعوت بدواة لتكتب إلى مخلوق مثلك تذكره ذلك؟ فقلت نعم يا رسول الله فكيف أصنع فقال قل اللهم اقذف في قلبي رجاءك وأقطع رجائي عمن سواك حتى لا أرجو أحداً غيرك اللهم وما ضعفت عنه قوتي وقصر عنه عملي ولم تنته إلهي رغبتي ولم تبلغه مسألتي ولم يجر على لساني مما أعطيت أحداً من الأولين والآخرين من اليقين فخصني به يا رب العالمين قال فوالله ما ألححت به أسبوعاً حتى بعث إلى معاوية بألف ألف وخمسمائة ألف فقلت الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره ولا يخيب من دعاه فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال يا حسن كيف أنت؟ فقلت بخير يا رسول الله وحدثته بحديثي فقال يا بني هكذا من رجا الخالق ولم يرج المخلوق.\rوفي الطيوريات عن سليم بن عيسى قارئ أهل الكوفة قال لما حضرت الحسن الوفاة جزع فقال له الحسين يا أخي ما هذا الجزع إنك ترد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى علي وهما أبواك وعلى خديجة وفاطمة وهما أماك وعلى القاسم والطاهر وهما خالاك وعلى حمزة وجعفر وهما عماك فقال له الحسن أي أخي إني داخل في أمر من أمر الله تعالى لم أدخل في مثله وأرى خلقاً من خلق الله لم أر مثله قط.","part":1,"page":78},{"id":79,"text":"قال ابن عبد البر وروينا من وجوه أنه لما احتضر قال لأخيه: يا أخي إن أباك استشرف لهذا الأمر فصرفه الله عنه ووليها أبو بكر ثم استشرف لها وصرفت عنه إلى عمر ثم لم يشك وقت الشورى أنها لا تعدوه فصرفت عنه إلى عثمان فلما قتل عثمان بويع علي ثم نوزع حتى جرد السيف فما صفت له وإني والله ما أرى أن يجمع الله فينا النبوة والخلافة فلا أعرفن ما استخلفك سفهاء الكوفة فأخرجوك وقد كنت طلبت من عائشة رضي الله عنها أن أدفن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت نعم فإذا مت فأطلب ذلك إليها وما أظن القوم إلا سيمنعونك فإن فعلوا فلا تراجعهم فلما مات أتى الحسين إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فقالت: نعم وكرامة فمنعهم مروان فلبس الحسين ومن معه السلاح حتى رده أبو هريرة ثم دفن بالبقيع إلى جنب أمه رضي الله عنها.\rمعاوية بن أبي سفيان\rرضي الله عنه\rمعاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ابن قصي الأموي أبو عبد الرحمن اسلم هو وأبوه يوم فتح مكة وشهد حنيناً وكان من المؤلفة قلوبهم ثم حسن إسلامه وكان أحد الكتاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم.\rروي له عن النبي صلى الله عليه وسلم مائة حديث وثلاث وستون حديثاً روى عنه من الصحابة ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو الدرداء وجرير البجلي والنعمان بن بشير وغيرهم ومن التابعين ابن المسيب وحميد ابن عبد الرحمن وغيرهما.\rوكان من الموصوفين بالدهاء والحلم وقد ورد في فضله أحاديث قلما تثبت.\rأخرج الترمذي وحسنه عن عبد الرحمن بن أبي عميرة الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاوية \" اللهم اجعله هادياً مهدياً \" .\rوأخرج أحمد في مسنده عن العرباض بن سارية: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: \" اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب \" .\rوأخرج ابن أبي شيبة في المصنف والطبراني في الكبير عن عبد الملك بن عمير قال: قال معاوية: ما زلت أطمع في الخلافة منذ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: \" يا معاوية إذا ملكت فأحسن \" .\rوكان معاوية رجلا طويلا أبيض جميلاً مهيباً وكان عمر ينظر إليه فيقول: هذا كسرى العرب وعن علي قال: لا تكرهوا إمرة معاوية فإنكم لو فقدتموه لرأيتم الرؤوس تندر عن كواهلها وقال المقبري: تعجبون من دهاء هرقل وكسرى وتدعون معاوية وكان يضرب بحلمه المثل وقد أفرد ابن أبي الدنيا وأبو بكر بن أبي عاصم تصنيفاً في حلم معاوية.\rقال ابن عون: كان الرجل يقول لمعاوية والله لتستقيمن بنا يا معاوية أو لنقومنك فيقول: بماذا؟ فيقول بالخشب فيقول إذن نستقيم.\rوقال قبيصة بن جابر: صحبت معاوية فما رأيت رجلا أثقل حلماً ولا أبطأ جهلا ولا أبعد أناة منه.\rولما بعث أبو بكر الجيوش إلى الشام سار معاوية مع أخيه يزيد بن أبي سفيان فلما مات يزيد استخلفه على دمشق فأقره عمر ثم أقره عثمان وجمع له الشام كله فأقام أميراً عشرين سنة وخليفة عشرين سنة.\rقال كعب الأحبار: لن يملك أحد هذه الأمة ما ملك معاوية قال الذهبي: توفي كعب قبل أن يستخلف معاوية قال: وصدق كعب فيما نقله فإن معاوية بقي خليفة عشرين سنة لا ينازعه أحد الأمر في الأرض بخلاف غيره ممن بعده فإنه كان لهم مخالف وخرج عن أمرهم بعض الممالك خرج معاوية على علي كما تقدم وتسمى بالخلافة ثم خرج علي الحسن فنزل له الحسن عن الخلافة فاستقر فيها من ربيع الأخر أو جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين فسمى هذا العام عام الجماعة لاجتماع الأمة فيه على خليفة واحد وفيه ولي معاوية مروان بن الحكم المدينة.\rوفي سنة ثلاث وأربعين فتحت الرخج وغيرها من بلاد سجستان وودان من برقة وكور من بلاد السودان وفيها استخلف معاوية زياد بن أبيه وهي أول قضية غير فيها حكم النبي صلى الله عليه وسلم في الإسلام ذكره الثعالبي وغيره.\rوفي سنة خمس وأربعين فتحت القيقان.","part":1,"page":79},{"id":80,"text":"وفي سنة خمسين فتحت قوهستان عنوة وفيها دعا معاوية أهل الشام إلى البيعة بولاية العهد من بعده لابنه يزيد فبايعوه وهو أول من عهد الخلافة لابنه وأول من عهد بها في صحته ثم إنه كتب إلى مروان بالمدينة أن يأخذ البيعة فخطب مروان فقال: إن أمير المؤمنين رأى أن يستخلف عليكم ولده يزيد سنة أبي بكر وعمر فقام عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فقال: بل سنة كسرى وقيصر إن أبا بكر وعمر لم يجعلاها في أولادهما ولا في أحد من أهل بيتهما.\rثم حج معاوية سنة إحدى وخمسين وأخذ البيعة لابنه فبعث إلى ابن عمر فتشهد وقال: أما بعد يا ابن عمر إنك كنت تحدثني أنك لا تحب أن تبيت ليلة سوداء ليس عليك فيها أمير وإني أحذرك أن تشق عصا المسلمين أو تسعى في فساد ذات بينهم فحمد ابن عمر الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنه قد كان قبلك خلفاء لهم أبناء ليس ابنك بخير من أبناءهم فلم يروا في أبنائهم ما رأيت في ابنك ولكنهم اختاروا للمسلمين حيث علموا الخيار وإنك تحذرني أن أشق عصا المسلمين ولم أكن لأفعل وإنما أنا رجل من المسلمين فإذا اجتمعوا على أمر فإنما أنا رجل منهم فقال يرحمك الله فخرج ابن عمر ثم أرسل إلى ابن أبي بكر فتشهد ثم أخذ في الكلام فقطع عليه كلامه وقال إنك لوددت أنا وكلناك في أمر ابنك إلى الله وإنا والله لا نفعل والله لتردن هذا الأمر شورى في المسلمين أو لنعيدنها عليك جذعة ثم وثب ومضى فقال معاوية: اللهم أكفنيه بما شئت ثم قال على رسلك أيها الرجال لا تشرفن على أهل الشام فإني أخاف أن يسبقوني بنفسك حتى أخبر العشية أنك قد بايعت ثم كن بعد على ما بدا لك من أمرك ثم أرسل إلى ابن الزبير فقال: يا ابن الزبير إنما أنت ثعلب رواغ كلما خرج من جحر دخل في آخر وإنك عمدت إلى هذين الرجلين فنفخت في مناخرهما وحملتهما على غير رأيهما فقال ابن الزبير إن كنت قد مللت الإمارة فاعتزلها وهلم ابنك فلنبايعه أرأيت إذا بايعنا ابنك معك لأيكما نسمع ونطيع؟ لا تجتمع البيعة لكما أبداً ثم راح فصعد معاوية المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنا وجدنا أحاديث الناس ذات عوار زعموا أن ابن عمر وابن أبي بكر وابن الزبير لن يبايعوا يزيد وقد سمعوا وأطاعوا وبايعوا له فقال أهل الشام والله لا نرضى حتى يبايعوا له على رؤوس الأشهاد وإلا ضربنا أعناقهم فقال سبحان الله ما أسرع الناس إلى قريش بالشر لا أسمع هذه المقالة من أحد منكم بعد اليوم ثم نزل فقال الناس بايع ابن عمر وابن أبي بكر وابن الزبير وهم يقولون لا والله ما بايعنا فيقول الناس بلى وارتحل معاوية فلحق بالشام.\rوعن ابن المنكدر: قال: قال ابن عمر حين بويع يزيد إن كان خيراً رضينا وإن كان بلاء صبرنا.","part":1,"page":80},{"id":81,"text":"وأخرج الخرائطي في الهواتف عن حميد بن وهب قال كانت هند بنت عتبة بن ربيعة عند الفاكة بن المغيرة وكان من فتيان قريش وكان له بيت للضيافة يغشاه الناس من غير إذن فخلا البيت ذات يوم فقام الفاكه وهند فيه ثم خرج الفاكه لبعض حاجاته وأقبل رجل ممن كان يغشى البيت فولجه فلما رأى المرأة ولى هارباً فأبصره الفاكه فانتهى إليها فضربها برجله وقال: من هذا الذي كان عندك قالت ما رأيت أحداً ولا انتيهت حتى أنبهتني فقال لها: الحقي بأهلك وتكلم فيها الناس فخلا بها أبوها فقال لها يا بنية إن الناس قد أكثروا فيك فأنبئيني بذاك فإن يكن الرجل صادقاً دسست إليه من يقتله فتنقطع عنا المقالة وإن يكن كاذباً حاكمته إلى بعض كهان اليمن قال: فخلفت له بما كانوا يحلفون به في الجاهلية أنه كاذب عليها فقال عتبة للفاكه: إنك قد رميت ابنتي بأمر عظيم فحاكمني إلى بعض كهان اليمن فخرج الفاكه في جماعة من بني مخزوم وخرج عتبة في جماعة من بني عبد مناف ومعهم هند ونسوة معها تأنس بهن فلما شارفوا البلاد تنكرت حال هند وتغير وجهها فقال لها أبوها: يا بنية إني قد أرى ما بك من تغير الحال وما ذاك إلا لمكروه عندك قالت: لا والله يا أبتاه وما ذاك لمكروه ولكني أعرف أنكم تأتون بشراً يخطئ ويصيب فلا آمنه أن يسمني بسيماء تكون على سبة في العرب فقال لها: إني سوف أختبره لك قبل أن ينظر في أمرك فصفر بفرسه حتى أدلى ثم أدخل في إحليله حبة من الحنطة وأوكأ عليها بسير وصبحوا الكاهن فنحر لهم وأكرمهم فلما تغدوا قال له عتبة: إنا قد جئناك في أمر وقد خبأت لك خبيئاً أختبرك به فأنظر ما هو؟ قال: برة في كمرة قال: أريد أبين من هذا قال حبة من بر في إحليل مهر فقال عتبة: صدقت أنظر في أمر هؤلاء النسوة فجعل يدنو من إحداهن ويضرب كتفها ويقول أنهضي حتى دنا من هند فضرب كتفها وقال: انهضي غير رسحاء ولا زانية ولتلدين ملكاً يقال له معاوية فنظر إليها الفاكه فأخذ بيدها فنثرت يدها من يده وقالت إليك والله لأحرصن أن يكون ذلك من غيرك فتزوجها أبو سفيان فجاءت بمعاوية.\rمات معاوية في شهر رجب سنة ستين ودفن بين باب الجابية وباب الصغير وقيل: إنه عاش سبعاً وسبعين سنة وكان عنده شيء من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلامة أظفاره فأوصى أن تجعل في فمه وعينيه وقال: افعلوا ذلك وخلوا بيني وبين أرحم الراحمين.\rفصل في نبذ من أخباره\rأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن سعيد بن جمهان قال: قلت لسفينة: إن بني أمية يزعمون أن الخلافة فيهم قال: كذب بنو الزرقاء بل هم ملوك من أشد الملوك وأول الملوك معاوية.\rوأخرج البيهقي وابن عساكر عن إبراهيم بن سويد الأرمني قال: قلت لأحمد بن حنبل: من الخلفاء؟ قال أبو بكر وعمر وعثمان وعلي قلت: فمعاوية؟ قال لم يكن أحق بالخلافة في زمان على من علي.\rوأخرج السلفي في الطيوريات عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال سألت أبي عن علي ومعاوية فقال اعلم أن علياً كان كثير الأعداء ففتش له أعداؤه عيباً فلم يجدوا فجاءوا إلى رجل قد حار به وقاتله فأطروه كياداً منهم له.\rوأخرج ابن عساكر عن عبد الملك بن عمير قال: قدم جارية بن قدامة السعدي على معاوية فقال من أنت قال جارية بن قدامة قال: وما عسيت أن تكون؟ هل أنت إلا نحلة قال لا تقل فقد شبهتني بها حامية اللسعة حلوة البصاق والله ما معاوية إلا كلبة تعاوي الكلاب وما أمية إلا تصغير أمة.\rوأخرج عن الفضل بن سويد قال: وفد من جارية بن قدامة على معاوية فقال له معاوية: أنت الساعي مع علي بن أبي طالب والموقد النار في شعلك تجوس قرى عربية تسفك دماءهم؟ قال جارية يا معاوية دع عنك علياً فما أبغضنا عليا منذ أحببناه ولا غشناه منذ صحبناه قال ويحك يا جارية ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية قال أنت يا معاوية كنت أهون على أهلك إذ سموك معاوية قال لا أم لك قال: أم ما ولدتني إن قوائم السيوف التي لقيناك بها بصفين في أيدينا قال إنك لتهددني قال إنك لم تملكنا قسرة ولم تفتتحنا عنوة ولكن أعطيتنا عهوداً ومواثيق فإن وفيت لنا وفينا وإن ترغب إلى غير ذلك فقد تركنا وراءنا ورجالا مداداً وأدرعاً شداداً وأسنة حداداً فإن بسطت إلينا فتراً من غدر زلفنا إليك بباع من ختر قال معاوية لا أكثر الله في الناس أمثالك.","part":1,"page":81},{"id":82,"text":"وأخرج عن أبي الطفيل عامر بن وائلة الصحابي أنه دخل على معاوية فقال له معاوية: ألست من قتله عثمان؟ قال: لا ولكني ممن حضره فلم ينصره قال: وما منعك من نصره قال لم تنصره المهاجرون والأنصار فقال معاوية أما لقد كان حقه واجباً عليهم أن ينصروه قال فما منعك يا أمير المؤمنين من نصره ومعك أهل الشام فقال معاوية أما طلبي بدمه نصرة له فضحك أبو الطفيل ثم قال أنت وعثمان كما قال الشاعر:\rلا ألفينك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادا\rوقال الشعبي: أول من خطب الناس قاعداً معاوية وذلك حين كثر شحمه وعظم بطنه أخرجه ابن أبي شيبة.\rوقال الزهري: أول من أحدث الخطبة قبل الصلاة في العيد معاوية أخرجه عبد الرزاق في مصنفه.\rوقال سعيد بن المسيب: أول من أحدث الأذان في العيد معاوية أخرجه ابن أبي شيبة وقال: أول من نقص التكبير معاوية أخرجه ابن أبي شيبة.\rوفي الأوائل للعسكري قال: معاوية أول من وضع البريد في الإسلام وأول من اتخد الخصيان لخاص خدمته وأول من عبثت به رعيته وأول من قيل له السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته الصلاة يرحمك الله وأول من اتخذ ديوان الخاتم وولاه عبيد الله بن أوس الغساني وسلم إليه الخاتم وعلى فصه مكتوب: لكل عمل ثواب واستمر ذلك في الخلفاء العباسيين إلى آخر وقت وسبب اتخاذه له أنه أمر لرجل بمائة ألف ففك الكتاب وجعله مائتي ألف فلما رفع الحساب إلى معاوية أنكر ذلك واتخذ ديوان الخاتم من يومئذ وهو أول من اتخذ المقصورة بالجامع وأول من أذن في تجريد الكعبة وكانت كسوتها قبل ذلك تطرح عليها شيئاً فوق شيء.\rوأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن ابن أخي الزهري قال: قلت للزهري من أول من استخلف في البيعة؟ قال: معاوية استخلفهم بالله فلما كان عبد الملك بن مروان استحلفهم بالطلاق والعتاق.\rوأخرج العسكري في كتاب الأوائل عن سليمان بن عبد الله بن معمر قال: قدم معاوية مكة أو المدينة فأتى المسجد فقعد في حلقة فيها ابن عمر وابن عباس وعبد الرحمن بن أبي بكر فأقبلوا عليه وأعرض عنه ابن عباس فقال وأنا أحق بهذا الأمر من هذا المعرض وابن عمر فقال ابن عباس ولم التقدم في الإسلام أم سابقة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قرابة منه؟ قال لا ولكني ابن عم المقتول قال فهذا أحق به يريد أبن أبي بكر قال إن أباه مات موتاً قال فهذا أحق به يريد ابن عمر قال إن أباه قتله كافر قال فذاك أدحض لحجتك أن كان المسلمون عتبوا على ابن عمك فقتلوه.\rوقال عبد الله بن محمد بن عقيل قدم معاوية المدينة فلقيه أبو قتادة الأنصاري فقال معاوية: تلقاني الناس كلهم غيركم يا معشر الأنصار قال: لم يكن لنا دواب قال: فأين النواضح؟ قال عقرناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر ثم قال أبو قتادة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: إنكم سترون بعدي أثرة قال معاوية فما أمركم؟ قال: أمرنا أن نصبر قال فاصبروا فبلغ ذلك عبد الرحمن بن حسان ابن ثابت فقال:\rألا أبغ معاوية بن حرب ... أمير المؤمنين نبا كلامي\rفإنا صابرون ومنظروكم ... إلى يوم التغابن والخصام\rوأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن جبلة بن سحيم قال: دخلت على معاوية بن أبي سفيان وهو في خلافته وفي عنقه حبل وصبي يقوده فقلت له يا أمير المؤمنين أتفعل هذا؟ قال يا لكع اسكت فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من كان له صبي فليتصاب له قال ابن عساكر غريب جداً.\rوأخرج ابن أبي شيبة في المنصف عن الشعبي قال دخل شاب من قريش على معاوية فأغلظ عليه فقال له يا بن أخي أنهاك عن السلطان إن السلطان يغضب غضب الصبي ويأخذ أخذ الأسد.\rوأخرج عن الشعبي قال: قال زياد استعملت رجلا فكثر خراجه فخشي أن أعاقبه فقير إلى معاوية فكتبت إليه إن هذا أدب سوء لمن قبلي فكتب إلي: أنه ليس ينبغي لي ولا لك أن نسوس الناس بسياسة واحدة: أن نلين جميعاً فتمرح الناس في المعصية أو نشتد جميعاً فنحمل الناس على المهالك ولكن تكون للشدة والفظاظة وأكون للين والرأفة.\rوأخرج عن الشعبي قال سمعت معاوية يقول ما تفرقت أمة قط إلا ظهر أهل الباطل على أهل الحق إلا هذه الأمة.","part":1,"page":82},{"id":83,"text":"وفي الطيوريات عن سليمان المخزومي قال أذن معاوية للناس إذناً عاماً فلما احتفل المجلس قال أنشدوني ثلاثة أبيات لرجل من العرب كل بيت قائم بمعناه فسكتوا ثم طلع عبد الله بن الزبير فقال هذا مقوال العرب وعلامتها أبو خبيب قال مهيم قال أنشدني ثلاثة أبيات لرجل من العرب كل بيت قائم بمعناه قال: بثلاث مائة ألف قال: وتساوي؟ قال أنت بالخيار وأنت واف كاف قال هات فأنشده للأفوه الأودي قال:\rبلوت الناس قرناً بعد قرن ... فلم أر غير ختال وقال\rقال صدق هيه قال:\rولم أر في الخطوب أشد وقعاً ... وأصعب من معاداة الرجال\rقال صدق هيه قال:\rوذقت مرارة الأشياء طراً ... فما طعم أمر من السؤال\rقال: صدق ثم أمر له بثلاثمائة ألف.\rوأخرج البخاري والنسائي وابن أبي حاتم في تفسيره واللفظ له من طرق أن مروان خطب بالمدينة وهو على الحجاز من قبل معاوية فقال: إن الله قد أرى أمير المؤمنين في ولده يزيد رأياً حسناً وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر وعمر وفي لفظ سنة أبي بكر وعمر فقال عبد الرحمن بن أبي بكر سنة هرقل وقيصر إن أبا بكر والله ما جعلها في أحد من ولده ولا أحد من أهل بيته ولا جعلها معاوية إلا رحمة وكرامة لولده فقال مروان ألست الذي قال لوالديه أف لكما فقال عبد الرحمن ألست ابن اللعين الذي لعن أباك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت عائشة رضي الله عنها: كذب مروان ما فيه نزلت ولكن نزلت في فلان بن فلان ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن أبا مروان ومروان في صلبه فمروان بعض من لعنه الله.\rوأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن عروة قال: قال معاوية لا حلم إلا التجارب.\rوأخرج ابن عساكر عن الشعبي قال: دهاة العرب أربعة معاوية وعمرو ابن العاص والمغيرة بن شعبة وزياد فأما معاوية فللحلم والأناة وأما عمرو فللمعضلات وأما المغيرة فللمبادهة وأما زياد فللكبير والصغير.\rوأخرج أيضاً عنه قال: كان القضاة أربعة والدهاة أربعة فأما القضاة فعمر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وأما الدهاة فمعاوية وعمرو ابن العاص والمغيرة وزياد.\rوأخرج عن قبيصة بن جابر قال: صحبت عمر بن الخطاب فما رأيت رجلا أقرأ لكتاب الله ولا أفقه في دين الله منه وصحبت طلحة بن عبيد الله فما رأيت رجلا أعطى لجزيل مال من غير مسألة منه وصحبت معاوية فما رأيت رجلا أثقل حلماً ولا أبطأ جهلا ولا أبعد أناة منه وصحبت عمرو بن العاص فما رأيت رجلا أنصع طرفاً ولا أحلم جليساً منه وصحبت المغيرة بن شعبة فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بمكر لخرج من أبوابها كلها.\rوأخرج ابن عساكر عن حميد بن هلال أن عقيل بن أبي طالب سأل علياً فقال إني محتاج وإني فقير فأعطني فقال اصبر حتى يخرج عطائي مع المسلمين فأعطيك معهم فألح عليه فقال لرجل: خذ بيده وانطلق به إلى حوانيت أهل السوق فقل: دق هذه الأقفال وخذ ما في هذه الحوانيت قال تريد أن تتخذني سارقاً قال: وأنت تريد أن تتخذني سارقاً أن آخذ أموال المسلمين فأعطيكها دونهم قال لأتين معاوية قال: أنت وذاك فأتى معاوية فسأله فأعطاه مائة ألف ثم قال اصعد على المنبر فاذكر ما أولاك به على وما أوليتك فصعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إني أخبركم أني أردت علياً على دينه فاختار دينه وأني أردت معاوية على دينه فاختارني على دينه.\rوأخرج ابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عقيلا دخل على معاوية فقال معاوية: هذا عقيل وعمه أبو لهب فقال عقيل هذا معاوية وعمته حمالة الحطب.\rوأخرج ابن عساكر عن الأوزاعي قال دخل خريم بن فاتك على معاوية ومئزره مشمر وكان حسن الساقين فقال معاوية: لو كانت هاتان الساقان لامرأة فقال خريم في مثل عجيزتك يا أمير المؤمنين.","part":1,"page":83},{"id":84,"text":"مات في أيام معاوية من الأعلام: صفوان بن أمية وحفصة وأم حبيبة وصفية وميمونة وسودة وجويرية وعائشة أمهات المؤمنين رضي الله عنهم ولبيد الشاعر وعثمان بن طلحة الحجبي وعمرو بن العاص وعبد الله بن سلام الحبر ومحمد بن مسلمة وأبو موسى الأشعري وزيد بن ثابت وأبو بكرة وكعب ابن مالك والمغيرة بن شعبة وجرير البجلي وأبو أيوب الأنصاري وعمران بن حصين وسعيد بن زيد وأبو قتادة الأنصاري وفضالة بن عبيد وعبد الرحمن ابن أبي بكر وجبير بن مطعم وأسامة بن زيد وثوبان وعمرو بن حزم وحسان بن ثابت وحكيم بن حزام وسعد بن أبي وقاص وأبو اليسر وقتم ابن العباس وأخوه عبيد الله وعقبة بن عامر وأبو هريرة سنة تسع وخمسين وكان يدعو اللهم إني أعوذ بك من رأس الستين وإمارة الصبيان فاستجيب له وخلائق آخرون رضي الله عنهم.\rيزيد بن معاوية أبو خالد الأموي\rيزيد بن معاوية أبو خالد الأموي ولد سنة خمس أو ست وعشرين كان ضخماً كثير اللحم كثير الشعر وأمه ميسون بنت بحدل الكلبية.\rروى عن أبيه وعنه: ابنه خالد وعبد الملك بن مروان جعله أبوه ولى عهد وأكره الناس على ذلك كما تقدم.\rقال الحسن البصري: أفسد أمر الناس اثنان عمرو بن العاص يوم أشار على معاوية يرفع المصاحف فحملت ونال من القراء فحكم الخوارج فلا يزال هذا التحكيم إلى يوم القيامة والمغيرة بن شعبة فإنه كان عامل معاوية على الكوفة فكتب إليه معاوية: إذ قرأت كتابي فأقبل معزولا فأبطأ عنه فلما ورد عليه قال: ما أبطأ بك قال أمر كنت أوطئه وأهيئه قال: وما هو قال: البيع ليزيد من بعدك قال: أو قد فعلت؟ قال نعم قال: ارجع إلى عملك فلما خرج قال له أصحابه: ما وراءك؟ قال: وضعت رجل معاوية في غرز غي لا يزال فيه إلى يوم القيامة قال الحسن فمن أجل ذلك بايع هؤلاء لأبنائهم ولولا ذلك لكانت شورى إلى يوم القيامة.\rوقال ابن سيرين: وفد عمرو بن حزم على معاوية فقال له أذكرك الله في أمة محمد صلى الله عليه وسلم بمن تستخلف عليها فقال: نصحت وقلت برأيك وإنه لم يبق إلا ابني وأبناؤهم وابني أحق.\rوقال عطية بن قيس: خطب معاوية فقال: اللهم إن كنت إنما عهدت ليزيد لما رأيت من فضله فبلغه ما أملت وأعنه وإن كنت إنما حملني حب الوالد لولده وإنه ليس لما صنعت به أهلا فاقبضه قبل أن يبلغ ذلك فلما مات معاوية بايعه أهل الشام ثم بعث إلى أهل المدينة من يأخذ له البيعة فأبى الحسين وابن الزبير أن يبايعاه وخرجا من ليلتهما إلى مكة.\rفأما ابن الزبير فلم يبايع ولا دعا إلى نفسه وأما الحسين فكان أهل الكوفة يكتبون إليه يدعونه إلى الخروج إليهم زمن معاوية وهو يأبى فلما بويع يزيد أقام على ما هو مهموماً يجمع الإقامة مرة ويريد المسير إليهم أخرى فأشار عليه ابن الزبير بالخروج وكان ابن عباس يقول له لا تفعل وقال له ابن عمر لا تخرج فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خيره الله بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة وإنك بضعة منه ولا تنالها يعني الدنيا واعتنقه وبكى وودعه فكان ابن عمر يقول: غلبنا حسين بالخروج ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة وكلمه في ذلك أيضاً جابر بن عبد الله وأبو سعيد وأبو واقد الليثي وغيرهم فلم يطع أحداً منهم وصمم على المسير إلى العراق فقال له ابن عباس والله إني لأظنك ستقتل بين نسائك وبناتك كما قتل عثمان فلم يقبل منه فبكى ابن عباس وقال أقررت عين ابن الزبير ولما رأى ابن عباس عبد الله بن الزبير قال له قد أتى ما أحببت هذا الحسين يخرج ويتركك والحجاز ثم تمثل:\rيا لك من قنبرة بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري\rونقري ما شئت أن تنقري\rوبعث أهل العراق إلى الحسين الرسل والكتب يدعونه إليهم فخرج من مكة إلى العراق في عشر ذي الحجة ومعه طائفة من آل بيته رجالا ونساء وصبياناً فكتب يزيد إلى واليه بالعراق عبيد الله بن زياد بقتله فوجه إليه جيشاً أربعة آلاف عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص فخذله أهل الكوفة كما هو شأنهم مع أبيه من قبله فلما رهقه السلاح عرض عليهم الاستسلام والرجوع والمضي إلى يزيد فيضع يده في يده فأبوا إلا قتله فقتل وجيء برأسه في طست حتى وضع بين يدي ابن زياد لعن الله قاتله وابن زياد معه ويزيد أيضاً.","part":1,"page":84},{"id":85,"text":"وكان قتله بكر بلاء وفي قتله قصة فيها طول لا يحتمل القلب ذكرها فإنا لله وإنا إليه راجعون وقتل معه ستة عشر رجلا من أهل بيته.\rولما قتل الحسين مكثت الدنيا سبعة أيام والشمس على الحيطان كالملاحف المعصفرة والكواكب يضرب بعضها بعضاً وكان قتله يوم عاشوراء وكسفت الشمس ذلك اليوم واحمرت آفاق السماء ستة أشهر بعد قتله ثم لا زالت الحمرة ترى فيها بعد ذلك ولم تكن ترى فيها قبله.\rوقيل: إنه لم يقلب حجر بيت المقدس يومئذ إلا وجد تحته دم عبيط وصار الورس الذي في عسكرهم رماداً ونحروا ناقة في عسكرهم فكانوا يرون في لحمها مثل النيران وطبخوها فصارت مثل العلقم وتكلم رجل في الحسين بكلمة فرماه الله بكوكبين من السماء فطمس بصره.\rقال الثعالبي: روت الرواة من غير وجه عن عبد الملك بن عمير الليثي قال: رأيت في هذا القصر وأشار إلى قصر الإمارة بالكوفة رأس الحسين بن علي بين يدي عبيد الله بن زياد على ترس ثم رأيت رأس عبيد الله بن زياد بين يدي المختار بن أبي عبيد ثم رأيت رأس المختار بين يدي مصعب بن الزبير ثم رأيت رأس مصعب بين يدي عبد الملك فحدثت بهذا الحديث عبد الملك فتطير منه وفارق مكانه.\rوأخرج الترمذي عن سلمى قالت: دخلت على أم سلمة وهي تبكي فقلت ما يبكيك قالت رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وعلى رأسه ولحيته التراب فقلت: ما لك يا رسول الله قال شهدت قتل الحسين آنفاً.\rوأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بنصف النهار أشعث أغبر وبيده قارورة فيها دم فقلت بأبي وأمي يا رسول الله ما هذا قال هذا دم الحسين وأصحابه لم أزل ألتقطه منذ اليوم فأحصى ذلك اليوم فوجدوه قتل يومئذ.\rوأخرج أبو نعيم في الدلائل عن أم سلمة قالت: سمعت الجن تبكي على حسين وتنوح عليه.\rوأخرج ثعلب في أماليه عن أبي خباب الكلبي قال: أتيت كربلاء فقلت لرجل من أشراف العرب. أخبرني بما بلغني أنكم تسمعون نوح الجن فقال: ما تلقى أحداً إلا أخبرك أنه سمع ذلك قلت فأخبرني بما سمعت أنت قال: سمعتهم يقولون:\rمسح الرسول جبينه ... فله بريق في الخدود\rأبواه من عليا قري ... ش وجده خير الجدود\rولما قتل الحسين وبنو أبيه بعث ابن زياد برؤوسهم إلى يزيد فسر بقتلهم أولا ثم ندم لما مقته المسلمون على ذلك وأبغضه الناس وحق لهم أن يبغضوه.\rوأخرج أبو يعلى في مسنده بسند ضعيف عن أبي عبيدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال أمر أمتي قائماً بالقسط حتى يكون أول من يثلمه رجل من بني أمية يقال له يزيد.\rوقال نوفل بن أبي الفرات: كنت عند عمر بن عبد العزيز فذكر رجل يزيد فقال: قال أمير المؤمنين؟ يزيد بن معاوية فقال تقول أمير المؤمنين وأمر به فضرب عشرين سوطاً.\rوفي سنة ثلاث وستين بلغه أن أهل المدينة خرجوا عليه وخلعوه فأرسل إليهم جيشاً كثيفاً وأمرهم بقتالهم ثم المسير إلى مكة لقتال ابن الزبير فجاءوا وكانت وقعة الحرة على باب طيبة وما أدراك ما وقعة الحرة ذكرها الحسن مرة فقال والله ما كاد ينجو منهم أحد قتل فيها خلق من الصحابة رضي الله عنهم ومن غيرهم ونهيت المدينة وافتض فيها ألف عذراء فإنا لله وإنا إليه راجعون قال صلى الله عليه وسلم \" من أخاف أهل المدينة أخافه الله وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين \" رواه مسلم.\rوكان سبب خلع أهل المدينة له أن يزيد أسرف في المعاصي وأخرج الواقد من طرق أن عبد الله بن حنظلة بن الغسيل قال: والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن ترمى بالحجارة من السماء إنه رجل ينكح أمهات الأولاد والبنات والأخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة.","part":1,"page":85},{"id":86,"text":"قال الذهبي: ولما فعل يزيد بأهل المدينة ما فعل مع شربه الخمر وإتيانه المنكرات اشتد عليه الناس وحرج عليه غير واحد ولم يبارك الله في عمره وسار جيش الحرة إلى مكة لقتال ابن الزبير فمات أمير الجيش بالطريق فاستخلف عليهم أميراً وأتوا مكة فحاصروا ابن الزبير وقاتلوه ورموه بالمنجنيق وذلك في صفر سنة أربع وستين واحترقت من شرارة نيرانهم أستار الكعبة سقفها وقرنا الكبش الذي فدى الله به إسماعيل وكانا في السقف وأهلك الله يزيد في نصف شهر ربيع الأول من هذا العام فجاء الخبر بوفاته والقتال مستمر فنادى ابن الزبير: يا أهل الشام إن طاغيتكم قد هلك فانفلوا وذلوا وتخطفهم الناس ودعا ابن الزبير إلى بيعة نفسه وتسمى بالخلافة وأما أهل الشام فبايعوا معاوية بن يزيد ولم تطل مدته كما سيأتي.\rومن شعر يزيد:\rآب هذا الهم فاكتنعا ... وأمر النوم فامتنعا\rراعياً للنجم أرقبه ... فإذا ما كوكب طلعا\rحام حتى إنني لأرى ... أنه بالغور قد وقعا\rولها بالماطرون إذا ... أكل النمل الذي جمعا\rنزهة حتى إذا بلغت ... نزلت من جلق بيعا\rفي قباب وسط دسكرة ... حولها الزيتون قد ينعا\rوأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن عمر قال: أبو بكر الصديق أصبتم اسمه عمر الفاروق قرن من حديد أصبتم اسمه ابن عفان ذو النورين قتل مظلوماً يؤتى كفلين من الرحمة معاوية وابنه ملكا الأرض المقدسة والسفاح وسلام والمنصور وجابر والمهدي والأمين وأمير الغضب كلهم من بين كعب بن لؤي كلهم صالح لا يوجد مثله.\rقال الذهبي: له طرق عن ابن عمر ولم يرفعه أحد.\rوأخرج الواقدي عن أبي جعفر الباقر قال: أول من كسا الكعبة الديباج يزيد بن معاوية.\rمات في أيام يزيد من الأعلام سوى الذين قتلوا مع الحسين وفي وقعة الحرة: أم سلمة أم المؤمنين وخالد بن عرفطة وجرهد الأسلمي وجابر بن عتيك وبريدة بن الحصيب ومسلمة بن مخلد وعلقمة بن قيس النخعي الفقيه ومسروق والمسور بن مخرمة وغيرهم رضي الله عنهم.\rوعدة المقتولين بالحرة من قريش والأنصار ثلاثمائة وستة رجال.\rمعاوية بن يزيد\rمعاوية بن يزيد بن معاوية أبو عبد الرحمن ويقال له: أبو يزيد ويقال أبو ليلى استخلف بعهد من أبيه في ربيع الأول سنة أربع وستين وكان شاباً صالحاً ولما استخلف كان مريضاً فاستمر مريضاً إلى أن مات ولم يخرج إلى الباب ولا فعل شيئاً من الأمور ولا صلى بالناس وكانت مدة خلافته أربعين يوماً وقيل: شهرين وقيل: ثلاثة أشهر ومات وله إحدى وعشرون سنة وقيل: عشرون سنة ولما احتضر قيل له ألا تستخلف قال ما أصبت من حلاوتها فلم أتحمل مرارتها.\rعبد الله بن الزبير\rعبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي الأسدي كنيته أبو بكر وقيل: أبو خبيب بضم الخاء المعجمة صحابي ابن صحابي.\rوأبوه أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها وأم أبيه صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rولد بالمدينة بعد عشرين شهراً من الهجرة وقيل في السنة الأولى وهو أول مولود ولد للمهاجرين بعد الهجرة وفرح المسلمون بولادته فرحاً شديداً لأن اليهود كانوا يقولون سحرناهم فلا يولد لهم ولد فحنكه رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمرة لاكها وسماه عبد الله وكناه أبا بكر باسم جده الصديق وكنيته وكان صواماً قواماً طويل الصلاة وصولا للرحم عظيم الشجاعة قسم الدهر ثلاث ليال ليلة يصلي قائماً حتى الصباح وليلة راكعاً وليلة ساجداً حتى الصباح.","part":1,"page":86},{"id":87,"text":"روي له عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون حديثاً روى عنه أخوه عروة وابن أبي مليكة وعباس بن سهل وثابت البناني وعطاء وعبيدة السلماني وخلائق آخرون وكان ممن أبى البيعة ليزيد بن معاوية وفر إلى مكة ولم يدع إلى نفسه لكن لم يبايع فوجد عليه يزيد وجداً شديداً فلما مات يزيد بويع له بالخلافة وأطاعه أهل الحجاز واليمن والعراق وخراسان وجدد عمارة الكعبة فجعل لها ما بين على قواعد إبراهيم وأدخل فيها ستة أذرع من الحجر لما حدثته خالته عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبق خارجاً عنه إلا الشام ومصر فإنه بويع بهما معاوية بن يزيد فلم تطل مدته فلما مات أطاع أهلهما ابن الزبير وبايعوه ثم خرج مروان بن الحاكم فغلب على الشام ثم مصر واستمر إلى أن مات سنة خمس وستين وقد عهد إلى ابنه عبد الملك والأصح ما قاله الذهبي أن مروان لا يعد في أمراء المؤمنين بل هو باغ خارجاً على ابن الزبير ولا عهده إلى ابنه بصحيح وإنما صحت خلافة عبد الملك من حين قتل ابن الزبير وأما ابن الزبير فإنه استمر بمكة خليفة إلى أن تغلب عبد الملك فجهز لقتاله الحجاج في أربعين ألفاً فحصره بمكة أشهراً ورمى عليه بالمنجنيق وخذل ابن الزبير أصحابه وتسللوا إلى الحجاج فظفر به وقتله وصلبه وذلك يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من جمادى الأولى وقيل الآخرة سنة ثلاث وسبعين.\rوأخرج ابن عساكر عن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر قال: إني لفوق أبي قبيس حين وضع المنجنيق على ابن الزبير فنزلت صاعقة كأني أنظر إليها تدور كأنها حمار أحمر فأحرقت من أصحاب المنجنيق نحواً من خمسين رجلا.\rوكان ابن الزبير فارس قريش في زمانه له المواقف المشهودة.\rأخرج أبو يعلى في مسنده عن ابن الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم فلما فرغ قال له يا عبد الله اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد فلما ذهب شربه فلما رجع قال ما صنعت بالدم قال: عمدت إلى أخفى موضع فجعلته فيه قال لعلك شربته قال: نعم قال: ويل للناس منك وويل لك من الناس فكانوا يرون أن القوة التي به من ذلك الدم.\rوأخرج عن نوف البكالي قال: إني لأجد في كتاب الله المنزل أن ابن الزبير فارس الخلفاء وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مصلياً أحسن صلاة من ابن الزبير وكان يصلي في الحجر والمنجنيق يصيب طرف ثوبه فما يلتفت إليه وقال مجاهد ما كان باب من العبادة يعجز الناس عنه إلا تكلفه ابن الزبير ولقد جاء سيل طبق البيت فجعل يطوف سباحة وقال عثمان بن طلحة: كان ابن الزبير لا ينازع في ثلاثة لا شجاعة ولا عبادة ولا بلاغة وكان صيتاً إذا خطب تجاوبه الجبال.\rوأخرج ابن عساكر عن عروة أن النابغة الجعدي أنشد عبد الله بن الزبير:\rحكيت لنا الصديق لما وليتنا ... وعثمان والفاروق فارتاح معدم\rوسويت بين الناس في الحق فاستوى ... فعاد صباحاً حالك اللون أسحم\rوأخرج عن هشام بن عروة وخبيب قال: أول من كسا الكعبة الديباج عبد الله بن الزبير وكان كسوتها المسوح والأنطاع.\rوأخرج عن عمر بن قيس قال: كان لابن الزبير مائة غلام يتكلم كل غلام منهم بلغة وكان ابن الزبير يكلم كل أحد منهم بلغته وكنت إذا نظرت إليه في أمر دنياه قلت: هذا رجل لم يرد الله طرفة عين وإذا نظرت إليه في أمر آخرته قلت: هذا رجل لم يرد الدنيا طرفة عين.\rوأخرج عن هشام بن عروة قال: كان أول ما أفصح به عمي عبد الله ابن الزبير وهو صغير السيف فكان لا يضعه من فيه فكان أبوه إذا سمع ذلك منه يقول أما والله ليكونن لك منه يوم وأيام.\rوأخرج عن أبي عبيدة قال: جاء عبد الله بن الزبير الأسدي إلى عبد الله ابن الزبير بن العوام فقال: يا أمير المؤمنين إن بيني وبينك رحماً من قبل فلانة فقال ابن الزبير: نعم هذا كما ذكرت وإن فكرت في هذا أصبت الناس بأسرهم يرجعون إلى أب واحد وإلى أم واحدة فقال: يا أمير المؤمنين إن نفقتي نفدت قال: ما كنت ضمنت لأهلك أنها تكفيك إلى أن ترجع إليهم قال يا أمير المؤمنين ناقتي قد نقبت قال أنجد بها تبرد خفها وأرفعها بسبت واخفضها بهلب وسر عليها البردين قال: يا أمير المؤمنين إنما جئتك مستحملا ولم آتك مستوصفاً لعن الله ناقة حملتني إليك فقال ابن الزبير إن وراكبها فخرج الأسدي يقول:","part":1,"page":87},{"id":88,"text":"أرى الحاجات عند أبي خبيب ... نكدن ولا أمية في البلاد\rمن الأعياص أو من آل حرب ... أغر كغرة الفرس الجواد\rوقلت لصحبتي: أدنوا ركابي ... أفارق بطن مكة في سواد\rوما لي حين أقطع ذات عرق ... إلى ابن الكاهلية من معاد\rوأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن الزهري قال: لم يحمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس إلى المدينة قط ولا يوم بدر وحمل إلى أبي بكر رأس فكره ذلك وأول من حملت إليه الرؤوس عبد الله بن الزبير.\rوفي أيام ابن الزبير كان خروج المختار الكذاب الذي ادعى النبوة فجهز ابن الزبير لقتاله إلى أن ظفر به في سنة سبع وستين وقتله لعنه الله.\rمات في أيام ابن الزبير من الأعلام: أسيد بن حضير وعبد الله بن عمرو ابن العاص والنعمان بن بشير وسليمان بن صرد وجابر بن سمرة وزيد بن أرقم وعدي بن حاتم وابن عباس وأبو واقد الليثي وزيد بن خالد الجهني وأبو الأسود الدؤلي وآخرون.\rعبد الملك بن مروان\rعبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس ابن عبد مناف بن قصي بن كلاب أبو الوليد ولد سنة ست وعشرين بويع بعهد من أبيه في خلافة ابن الزبير فلم تصح خلافته وبقي متغلباً على مصر والشام ثم غلب على العراق وما والاها إلى أن قتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين فصحت خلافته من يومئذ واستوثق له الأمر ففي هذا العام هدم الحجاج الكعبة وأعادها على ما هي عليه الآن ودس على ابن عمر من طعنه بحربة مسمومة فمرض منها ومات.\rوفي سنة أربع وسبعين سار الحجاج إلى المدينة وأخذ يتعنت على أهلها ويستخف ببقايا من فيها من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وختم في أعناقهم وأيديهم يذلهم بذلك كأنس وجابر بن عبد الله وسهل بن سعد الساعدي فإنا لله وإنا إليه راجعون.\rوفي سنة خمس وسبعين حج بالناس عبد الملك الخليفة وسير الحجاج أميراً على العراق.\rوفي سنة سبع وسبعين فتحت هرقلة وهدم عبد العزيز بن مروان جامع مصر وزيد فيه من جهاته الأربع.\rوفي سنة اثنتين وثمانين فتح حصن سنان من ناحية المصيصة وكانت غزوة أرمينية وصنهاجة بالمغرب.\rوفي سنة ثلاث وثمانين بنيت مدينة واسط بناها الحجاج.\rوفي سنة أربع وثمانين فتحت المصيصة وأودية من المغرب.\rوفي سنة خمس وثمانين بنيت مدينة أردبيل ومدينة برذعة بناهما عبد العزيز ابن حاتم بن النعمان الباهلي.\rوفي سنة ست وثمانين فتح حصن بولق وحصن الأخرم.\rوفيها كان طاعون الفتيات وسمي بذلك لأنه بدأ في النساء.\rوفيها مات الخليفة عبد الملك في شوال وخلف سبعة عشر ولداً قال أحمد ابن عبد الله العجلي كان عبد الملك أبخر الفم وإنه ولد لستة أشهر وقال ابن سعد: كان عابداً زاهداً ناسكاً بالمدينة قبل الخلافة وقال يحيى الغساني كان عبد الملك ابن مروان كثيراً ما يجلس إلى أم الدرداء فقالت له مرة: بلغني أمير المؤمنين أنك شربت الطلاء بعد النسك والعبادة قال إي والله والدماء قد شربتها وقال نافع لقد رأيت المدينة وما بها شاب أشد تشميراً ولا أفقه ولا أنسك ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك بن مروان وقال أبو الزناد: فقهاء المدينة: سعيد بن المسيب وعبد الملك بن مروان وعروة بن الزبير وقبيصة بن ذؤيب وقال ابن عمر: ولد الناس أبناء وولد مروان أباً وقال عبدة بن نسي قيل لابن عمر: إنكم معشر أشياخ قريش يوشك أن تنقرضوا فمن نسأل بعدكم فقال: إن لمروان ابناً فيها فاسألوه وقال سحيم مولى أبي هريرة رضي الله عنه دخل عبد الملك وهو شاب على أبي هريرة رضي الله عنه فقال أبو هريرة هذا يملك العرب وقال عبيدة بن رياح الغساني قالت أم الدرداء لعبد الملك ما زلت أتخيل هذا الأمر فيك منذ رأيتك قال وكيف ذاك قالت ما رأيت أحسن منك محدثاً ولا أعلم منك مسمعاً وقال الشعبي: ما جالست أحداً إلا وجدت لي عليه الفضل إلا عبد الملك بن مروان فإني ما ذكرته حديثاً إلا وزادني فيه ولا شعراً إلا وزادني فيه.\rوقال الذهبي: سمع عبد الملك من عثمان وأبي هريرة وأبي سعيد وأم سلمة وبريرة وابن عمر ومعاوية روى عنه عروة وخالد بن معدان ورجاء ابن حيوة والزهري ويونس بن ميسرة وربيعة بن يزيد وإسماعيل بن عبيد الله وحريز بن عثمان وطائفة.","part":1,"page":88},{"id":89,"text":"وقال بكر بن عبد الله المزني: أسلم يهودي اسمه يوسف وكان قرأ الكتب فمر بدار مروان فقال: ويل لأمة محمد من أهل هذه الدار فقلت له: إلى متى؟ قال حتى تجيء رايات سود من قبل خراسان.\rوكان صديقاً لعبد الملك بن مروان فضرب يوماً على منكبه وقال اتق الله في أمة محمد إذا ملكتهم فقال: دعني ويحك ما شأني وشأن ذلك فقال اتق الله في أمرهم قال: وجهز يزيد جيوش إلى أهل مكة فقال عبد الملك: أعوذ بالله أيبعث إلى حرم الله فضرب يوسف منكبه وقال: جيشك إليهم أعظم.\rوقال يحيى الغساني: لما نزل مسلم بن عقبة المدينة زرت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست إلى جنب عبد الملك فقال لي عبد الملك أمن هذا الجيش أنت قلت نعم قال: ثكلتك أمك أتدري إلى من تسير إلى أول مولود ولد في الإسلام وإلى ابن حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى ابن ذات النطاقين وإلى من حنكه رسول الله صلى الله عليه وسلم أما والله إن جئته نهاراً وجدته صائماً ولئن جئته ليلا لتجدنه قائماً فلو أن أهل الأرض أطبقوا على قتله لأكبهم الله جميعاً في النار فلما صارت الخلافة إلى عبد الملك وجهنا مع الحجاج حتى قتلناه.\rوقال ابن أبي عائشة: أفضى الأمر إلى عبد الملك والمصحف في حجره فأطبقه وقال: هذا آخر العهد بك.\rوقال مالك: سمعت يحيى بن سعيد يقول: أول من صلى في المسجد ما بين الظهر والعصر عبد الملك بن مروان وفتيان معه كانوا إذا صلى الإمام الظهر قاموا فصلوا إلى العصر فقيل لسعيد بن المسيب لو قمنا فصلينا كما يصلي هؤلاء فقال سعيد بن المسيب ليست العبادة بكثرة الصلاة والصوم وإنما العابدة التفكر في أمر الله والورع عن محارم الله.\rوقال مصعب بن عبد الله: أول من سمى في الإسلام عبد الملك عبد الملك ابن مروان وقال يحيى بن بكير: سمعت مالكاً يقول: أول من ضرب الدنانير عبد الملك وكتب عليها القرآن وقال مصعب: كتب عبد الملك على الدنانير \" قل هو الله أحد \" \" الإخلاص: 1 \" وفي الوجه الآخر لا إله إلا الله وطوقه بطوق فضة وكتب فيه ضرب بمدينة كذا وكتب خارج الطوق محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق.\rوفي الأوائل للعسكري بسنده: كان عبد الملك أول من كتب في صدور الطوامير \" قل هو الله أحد \" \" الإخلاص: 1 \" وذكر النبي صلى الله عليه وسلم مع التاريخ فكتب ملك الروم: إنكم أحدثتم في طواميركم شيئاً من ذكر نبيكم فاتركوه وإلا أتاكم من دنانيرنا ذكر ما تكرهون فعظم ذلك على عبد الملك فأرسل إلى خالد بن يزيد ابن معاوية فشاوره فقال حرم دنانيرهم واضرب للناس سككاً فيها ذكر الله وذكر رسوله ولا تعفهم مما يكرهون في الطوامير فضرب الدنانير للناس سنة خمس وسبعين قال العسكري وأول خليفة بخل عبد الملك وكان يسمى رشح الحجارة لبخله ويكنى أبا الذبان لبخره قال وهو أول من غدر في الإسلام وأول من نهى عن الكلام بحضرة الخلفاء وأول من نهى عن الأمر بالمعروف ثم أخرج بسنده عن ابن الكلبي قال كان مروان بن الحكم ولي العهد عمرو بن سعيد بن العاص بعد ابنه فقتله عبد الملك وكان قتله أول غدر في الإسلام فقال بعضهم:\rيا قوم لا تغلبوا عن رأيكم فلقد ... جربتم الغدر من أبناء مروانا\rأمسوا وقد قتلوا عمراً وما رشدوا ... يدعون غدراً بعهد الله كيسانا\rويقتلون الرجال البزل ضاحية ... لكي يولوا أمور الناس ولدانا\rتلاعبوا بكتاب الله فاتخذوا ... هواهم في معاصي الله قرآنا","part":1,"page":89},{"id":90,"text":"وأخرج بإسناد فيه الكديمي وهو متهم بالكذب وعن ابن جريج عن أبيه قال خطبنا عبد الملك بين مروان بالمدينة بعد قتل الزبير عام حج سنة خمس وسبعين فقال بعد حمد الله والثناء عليه أما بعد فلست بالخليفة المستضعف يعني عثمان ولا الخليفة المداهن يعين معاوية ولا الخليفة المأفون يعني يزيد ألا وإن من كان قبلي من الخلفاء كانوا يأكلون ويطعمون من هذه الأموال ألا وإني لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم تكلفوننا أعمال المهاجرين ولا تعملون مثل أعمالهم فلن تزدادوا إلا عقوبة حتى يحكم السيف بيننا وبينكم هذا عمرو بن سعيد قرابته قرابته وموضعه موضعه قال برأسه هكذا فقلنا بأسيافنا هكذا ألا وإنا نحمل لكم كل شيء إلا وثوباً على أمير أو نصب راية إلا وإن الجامعة التي جعلتها في عنق عمرو بن سعيد عندي والله لا يفعل أحد فعله إلا جعلتها في عنقه والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه ثم نزل.\rثم قال العسكري: وعبد الملك أول من نقل الديوان من الفارسية إلى العربية وأول من رفع يديه على المنبر.\rقلت: فتمت له عشرة أوائل منها خمسة مذمومة.\rوقد أخرج ابن أبي شيبة في المصنف بسنده عن محمد بن سيرين قال: أول من أحدث الأذان في الفطر والأضحى بنو مروان فإما أن يكون عبد الملك أو أحداً من أولاده.\rوأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرني غير واحد أن أول من كسا الكعبة بالديباج عبد الملك بن مروان وإن من أدرك ذلك من الفقهاء قالوا أصاب ما نعلم لها من كسوة أوفق منه.\rوقال يوسف بن الماجشون: كان عبد الملك إذا قعد للحكم قيم على رأسه بالسيوف.\rوقال الأصمعي: قيل لعبد الملك يا أمير المؤمنين عجل عليك الشيب فقال: وكيف لا وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة؟ وقال محمد بن حرب الزيادي: قيل لعبد الملك بن مروان من أفضل الناس قال من تواضع عن رفعة وزهد عن قدره وأنصف عن قوة.\rوقال ابن عائشة: كان عبد الملك إذا دخل عليه رجل من أفق من الآفاق قال: أعفني من أربع وقل بعدها ما شئت لا تكذبني فإن الكذوب لا رأي له ولا تجبني فيما لا أسألك فإن فيما أسألك عنه شغلا ولا تطرني فإني أعلم بنفسي منك ولا تحملني على الرعية فإني إلى الرفق بهم أحوج.\rوقال المدائني: لما أيقن عبد الملك بالموت قال والله لوددت أني كنت منذ ولدت إلى يومي هذا حمالا ثم أوصى بنيه بتقوى الله ونهاهم عن الفرقة والاختلاف وقال كونوا بني أم بررة وكونوا في الحرب أحراراً وللمعروف مناراً فإن الحرب لم تدن منية قبل وقتها وإن المعروف يبقى أدره وذكره وأحلوا في مرارة ولينوا في شدة وكونوا كما قال ابن عبد الأعلى الشيباني:\rإن القداح إذا اجتمعن فرامها ... بالكسر ذو حنق وبطش باليد\rعزت فلم تكسر وإن هي بددت ... فالكسر والتوهين للمتبدد\rيا وليد اتق الله فيما أخلفك فيه إلى أن قال: وانظر الحجاج فأكرمه فإنه هو الذي وطأ لكم المنابر وهو سيفك يا وليد ويدك على من ناوأك فلا تسمعن فيه قول أحد وأنت إليه أحوج منه إليك وادع الناس إذا مت إلى البيعة فمن قال برأسه هكذا فقل بسيفك هكذا.\rوقال غيره: لما احتضر عبد الملك دخل عليه ابنه الوليد فتمثل بهذا:\rكم عائد رجلا وليس يعوده ... إلا ليعلم هل يراه يموت\rفبكى الوليد فقال: ما هذا؟ أنحن حنين الأمة؟ إذا أنا مت فشمر وائتزر والبس جلد النمر وضع سيفك على عاتقك فمن أبدى ذات نفسه لك فاضرب عنقه ومن سكت مات بدائه.\rقلت: لو لم يكن من مساوئ عبد الملك إلا الحجاج وتوليته إياه على المسلمين وعلى الصحابة رضي الله عنهم يهينهم ويذلهم قتلا وضرباً وشتماً وحبساً وقد قتل من الصحابة وأكابر التابعين ما لا يحصى فضلا عن غيرهم وختم في عنق أنس وغيره من الصحابة ختماً يريد بذلك ذلهم فلا رحمة الله ولا عفا عنه.\rومن شعر عبد الملك:\rلعمري لقد عمرت في الدهر برهة ... ودانت لي الدنيا بوقع البواتر\rفأضحى الذي قد كان مما يسرني ... كلمح مضى في المؤمنات الغوابر\rفيا ليتني لم أعن بالملك ساعة ... ولم أله في لذات عيش نواضر\rوكنت كذي طمرين عاش ببلغة ... من الدهر حتى زار ضنك المقابر","part":1,"page":90},{"id":91,"text":"وفي تاريخ ابن عساكر عن إبراهيم بن عدي قال: رأيت عبد الملك بن مروان وقد أتته أمور أربعة في ليلة فما تنكر ولا تغير وجهه قتل عبيد الله بن زياد وقتل حبيش بن دلجة بالحجاز وانتقاض ما كان بينه وبين ملك الروم وخروج عمرو بن سعيد إلى دمشق.\rوفيه عن الأصمعي قال: أربعة لم يلحنوا في جد ولا هزل الشعبي وعبد الملك بن مروان والحجاج بن يوسف وابن القرية.\rوأسند السلفي في الطيوريات: أن عبد الملك بن مروان خرج يوماً فلقيته امرأة فقالت: يا أمير المؤمنين قال: ما شأنك قالت توفي أخي وترك ستمائة دينار فدفع إلى من ميراثه دينار واحد فقيل هذا حقك فعمي الأمر فيها على عبد الملك فأرسل إلى الشعبي فسأله فقال نعم هذا توفي فترك ابنتين فلهما الثلثان أربعمائة وأما فلها السدس مائة وزوجة فلها الثمن خمس وسبعون واثني عشر أخاً فلهم أربعة وعشرون وبقي لهذه دينار.\rوقال ابن أبي شيبة في المصنف: حدثنا أبو سفيان الحميري حدثنا خالد بن محمد القرشي قال: قال عبد الملك بن مروان من أراد أن يتخذ جارية للتلذذ فليتخذها بربرية ومن أراد أن يتخذها للولد فليتخذها فارسية ومن أراد أن يتخذها للخدمة فليتخذها رومية.\rوقال أبو عبيدة: لما أنشد الأخطل كلمته لعبد الملك التي يقول فيها:\rشمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاماً إذا قدروا\rقال: خذ بيده يا غلام فأخرجه ثم ألق عليه من الخلع ما يغمره ثم قال: إن لكل قوم شاعراً وشاعر بني أمية الأخطل.\rوقال الأصمعي: دخل الأخطل على عبد الملك فقال: ويحك صف لي السكر قال أوله لذة وآخره صداع وبين ذلك حالة لا أصف لك مبلغها فقال: ما مبلغها قال لملكك يا أمير المؤمنين عندها أهون على من شسع نعلي وأنشأ يقول\rإذا ما نديمي علني ثم علني ... ثلاث زجاجات لهن هدير\rخرجت أجر الذيل تيهاً كأنني ... عليك أمير المؤمنين أمير\rقال الثعالبي: كان عبد الملك يقول ولدت في رمضان وفطمت في رمضان وختمت القرآن في رمضان وبلغت الحلم في رمضان ووليت في رمضان وأتتني الخلافة في رمضان وأخشى أن أموت في رمضان فلما دخل شوال وأمن مات.\rوممن مات في أيام عبد الملك من الأعلام: ابن عمر وأسماء بنت الصديق وأبو سعيد بن المعلى وأبو سعيد الخدري ورافع بن خديج وسلمة بن الأكوع والعرباض بن سارية وجابر بن عبد الله وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب والسائب بن يزيد وأسلم مولى عمر وأبو إدريس الخولاني وشريح القاضي وأبان بن عثمان بن عفان والأعشى الشاعر وأيوب بن القرية الذي يضرب به المثل في الفصاحة وخالد بن يزيد بن معاوية وزر بن حبيش وسنان بن سلمة بن المحبق وسويد بن غفلة وأبو وائل وطارق بن شهاب ومحمد بن الحنفية وعبد الله بن شداد بن الهاد وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود وعمرو بن حريث وعمرو بن سلمة الجرمي وآخرون.\rالوليد بن عبد الملك\rالوليد بن عبد الملك أبو العباس قال الشعبي: كان أبواه يترفانه فشب بلا أدب.\rقال روح بن زنباع: دخلت يوماً على عبد الملك وهو مهموم فقال: فكرت فيمن أوليه أمر العرب فلم أجده فقلت أين أنت من الوليد قال: إنه لا يحسن النحو فسمع ذلك الوليد فقام من ساعته وجمع أصحاب النحو وجلس معهم في بيت ستة أشهر ثم خرج وهو أجهل مما كان فقال عبد الملك: أما إنه قد أعذر.\rوقال أبو الزناد: كان الوليد لحاناً قال على منبر المسجد النبوي يا أهل المدينة.\rوقال أبو عكرمة الضبي: قرأ الوليد على المنبر يا ليتها كانت القاضية وتحت المنبر عمر بن عبد العزيز وسليمان بن عبد الملك فقال سليمان: وددتها والله وكان الوليد جباراً ظالماً.\rوأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن شوذب قال قال عمر بن عبد العزيز وكان الوليد بالشام والحجاج بالعراق وعثمان بن حبارة بالحجاز وقرة ابن شريك بمصر امتلأت الأرض والله جوراً.\rوأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن إبراهيم بن أبي زرعة أن الوليد قال له: أيحاسب الخليفة؟ قال: يا أمير المؤمنين أنت أكرم على الله أم داود؟ إن الله جمع له النبوة والخلافة ثم توعده في كتابه فقال \" يا داود \" الآية لكنه أقام الجهاد في أيامه وفتحت في خلافته فتوحات عظيمة وكان مع ذلك يختن الأيتام ويرتب لهم المؤدبين ويرتب للزمنى من يخدمه وللاضراء من","part":1,"page":91},{"id":92,"text":"يقودهم وعمر المسجد النبوي ووسعه ورزق الفقهاء والضعفاء والفقراء وحرم عليهم سؤال الناس وفرض لهم ما يكفيهم وضبط الأمور أتم ضبط.\rوقال ابن أبي عبلة رحم الله الوليد وأين مثل الوليد افتتح الهند والأندلس وبني مسجد دمشق وكان يعطيني قطع الفضة أقسمها على قراء مسجد بيت المقدس.\rولي الوليد الخلافة بعهد من أبيه في شوال سنة ست وثمانين ففي سنة سبع وثمانين شرع في بناء جامع دمشق وكتب بتوسيع المسجد النبوي وبنائه وفيها فتحت بيكند وبخارى وسردانية ومطمورة وقميقم وبحيرة الفرسان عنوة وفيها حج بالناس عمر بن عبد العزيز وهو أمير المدينة فوقف يوم النحر غلطاً وتألم لذلك.\rوفي سنة ثمان وثمانين فتحت جرثومة وطوانة.\rوفي سنة تسع وثمانين فتحت جزيرتا منورقة وميورقة.\rوفي سنة إحدى وتسعين فتحت نسف وكش وشومان ومدائن وحصون من بحر أذربيجان.\rوفي سنة اثنتين وتسعين فتح إقليم الأندلس بأسره ومدينة أرماييل وقتربون.\rوفي سنة ثلاث وتسعين فتحت الديبل وغيرها ثم الكرح وبرهم وباجة والبيضاء وخوارزم وسمرقند والصغد.\rوفي سنة أربع وتسعين فتحت كابل وفرغانة والشاش وسندرة وغيرها.\rوفي سنة خمس وتسعين فتحت الموقان ومدينة الباب.\rوفي سنة ست وتسعين فتحت طوس وغيرها وفيها مات الخليفة الوليد في نصف جمادى الآخرة وله إحدى وخمسون سنة.\rقال الذهبي: أقام الجهاد في أيامه وفتحت فيها الفتوحات العظيمة كأيام عمر بن الخطاب.\rقال عمر بن عبد العزيز لما وضعت الوليد في لحده إذا هو يركض في أكفانه يعني ضرب الأرض برجله.\rومن كلام الوليد لولا أن الله ذكر آل لوط في القرآن ما ظننت أن أحداً يفعل هذا.\rمات في أيام الوليد من الأعلام عتبة بن عبد السلمي والمقدام بن معدي كرب وعبد الله بن بشر المازني وعبد الله بن أبي أوفى وأبو العالية وجابر بن زيد وأنس بن مالك وسهل بن سعد والسائب بن يزيد والسائب بن خلاد وخبيب بن عبد الله بن الزبير وبلال بن أبي الدرداء وسعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن جبير شهيداً قتله الحجاج لعنه الله وإبراهيم النخعي ومطرف وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف والعجاج الشاعر وآخرون.\rسليمان بن عبد الملك\rسليمان بن عبد الملك أبو أيوب كان من خيار ملوك بني أمية.\rولي الخلافة بعهد من أبيه بعد أخيه في جمادى الآخرة سنة ست وتسعين روى قليلا عن أبيه وعبد الرحمن بن هبيرة روى عنه ابن عبد الواحد والزهري وكان فصيحاً مفوهاً مؤثراً للعدل محباً للغزو ومولده سنة ستين.\rومن محاسنه أن عمر بن عبد العزيز كان له كالوزير فكان يمتثل أوامره في الخير فعزل عمال الحجاج وأخرج من كان في سجن العراق وأحيا الصلاة لأول مواقيتها وكان بنو أمية أماتوها بالتأخير.\rقال ابن سيرين: يرحم الله سليمان افتتح خلافته بإحيائه الصلاة لمواقيتها واختتمها باستخلافه عمر بن عبد العزيز.\rوكان سليمان ينهى عن الغناء وكان من الأكلة المذكورين أكل في مجلس سبعين رمانة وخروفاً وست دجاجات ومكوك زبيب طائفي.\rقال يحيى الغساني: نظر سليمان في المرآة فأعجبه شبابه وجماله فقال كان محمد صلى الله عليه وسلم نبياً وكان أبو بكر صديقاً وكان عمر فاروقاً وكان عثمان حيياً وكان معاوية حليماً وكان يزيد صبوراً وكان عبد الملك سائساً وكان الوليد جباراً وأنا الملك الشاب فما دار عليه الشهر حتى مات.\rوكانت وفاته يوم الجمعة عاشر صفر سنة تسع وتسعين وفتح في أيامه حرجان وحصن الحديد وسردانية وشقى وطبرستان ومدينة السقالبة.\rمات في أيامه من الأعلام قيس بن أبي حازم ومحمود بن لبيد والحسن بن الحسين ابن علي وكريب مولى ابن عباس وعبد الرحمن بن الأسود النخعي وآخرون.","part":1,"page":92},{"id":93,"text":"قال عبد الرحمن بن حسان الكناني: مات سليمان غازياً بدابق فلما مرض قال لرجاء بن حيوة من لهذا الأمر بعدي استخلف ابني قال ابنك غائب قال فابني الآخر قال صغير قال فمن ترى قال أرى أن تستخلف عمر بن عبد العزيز قال أتخوف أخوتي لا يرضون قال تولى عمر ومن بعده يزيد بن عبد الملك وتكتب كتاباً وتختم عليه وتدعوهم إلى بيعته مختوماً قال لقد رأيت فدعا بقرطاس فكتب فيه العهد ودفعه إلى رجاء وقال أخرج إلى الناس فليبايعوا على ما فيه مختوماً فخرج فقال إن أمير المؤمنين يأمركم أن تبايعوا لمن في هذا الكتاب قالوا ومن فيه قال هو مختوم لا تخبروا بمن فيه حتى يموت قالوا لا نبايع فرجع إليه فأخبره فقال انطلق إلى صاحب الشرط والحرس فأجمع الناس ومرهم بالبيعة فمن أبى فاضرب عنقه فبايعوا.\rقال رجاء فبينما أنا راجع إذا هشام فقال لي يا رجاء قد علمت موقعك منا وأن أمير المؤمنين قد صنع شيئاً ما أدري ما هو وإني تخوفت أن يكون قد أزالها عني فإن يكن قد عدلها عني فأعلمني ما دام في الأمر نفس حتى أنظر فقلت سبحان الله يستكتمني أمير المؤمنين أمراً أطلعك عليه؟ لا يكون ذلك أبدا ثم لقيت عمر بن عبد العزيز فقال لي يا رجاء إنه قد وقع في نفسي أمر كبير من هذا الرجل أتخوف أن يكون قد جعلها إلي ولست أقوم بهذا الشأن فأعلمني ما دام في الأمر نفس لعلي أتخلص منه ما دام حياً قلت: سبحان الله يستكتمني أمير المؤمنين أمراً أطلعك عليه ثم مات سليمان وفتح الكتاب فإذا فيه العهد لعمر بن عبد العزيز فتغيرت وجوه بني عبد الملك فلما سمعوا وبعده يزيد بن عبد الملك تراجعوا فأتوا عمر فسلموا عليه بالخلافة فعقر به فلم يستطع النهوض حتى أخذوا بضبعيه فدنوا به إلى المنبر وأصعدوه فجلس طويلا لا يتكلم فقال لهم رجاء ألا تقومون إلى أمير المؤمنين فتبايعوه فبايعوه ومد يده إليهم ثم قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس أني لست بفارض ولكني منفذ ولست بمبتدع ولكني متبع وإن من حولكم من الأمصار والمدن إن هم أطاعوا كما أطعتم فأنا واليكم وإن هم أبوا فلست لكم بوال ثم نزل فأتاه صاحب المراكب فقال ما هذا قال مركب الخليفة قال لا حاجة لي فيه ائتوني بدابتي فأتوه بدابته وانطلق إلى منزله ثم دعا بدواة وكتب بيده إلى عمال الأمصار.\rقال رجاء: كنت أظن أنه سيضعف فلما رأيت صنعه في الكتاب علمت أنه سيقوى.\rيروى أن مروان بن عبد الملك وقع بينه وبين سليمان في خلافته كلام فقال له يا سليمان يا ابن اللخناء ففتح مروان فاه ليجيبه فأمسك عمر بن عبد العزيز بفيه وقال أنشدك الله إمامك وأخوك وله السن فسكت وقال قتلتني والله لقد زدت في جوفي أحر من النار فما أمسى حتى مات.\rوأخرج ابن أبي الدنيا عن زياد بن عثمان أنه دخل على سليمان بن عبد الملك لما مات ابنه أيوب فقال: يا أمير المؤمنين إن عبد الرحمن بن أبي بكر كان يقول من أحب البقاء فليوطن نفسه على المصائب.\rعمر بن عبد العزيز\rرضي الله عنه\rعمر بن عبد العزيز بن مروان الخليفة الصالح أبو حفص خامس الخلفاء الراشدين.\rقال سفيان الثوري: الخلفاء خمسة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعمر بن عبد العزيز أخرجه أبو داود في سننه.\rولد عمر بحلوان قرية بمصر وأبوه أمير عليها سنة إحدى وقيل: ثلاث وستين وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب وكان بوجه عمر شجة ضربته دابة في جبهته وهو غلام فجعل أبوه يمسح الدم عنه ويقول إن كنت أشج بني أمية إنك لسعيد أخرجه ابن عساكر.\rوكان عمر بن الخطاب يقول: من ولدي رجل بوجهه شجه يملأ الأرض عدلا أخرج الترمذي في تاريخه فصدق ظن أبيه فيه.\rوأخرج ابن سعد أن عمر بن الخطاب قال ليت شعري من ذو الشين من ولدي الذي يملؤها عدلا كما ملئت جوراً.\rوأخرج عن ابن عمر قال: كنا نتحدث أن الدنيا لا تنقضي حتى يلي رجل من آل عمر يعمل بمثل عمل عمر فكان بلال بن عبد الله بن عمر بوجهه شامة وكانوا يرون أنه هو حتى جاء الله بعمر بن عبد العزيز.\rروى عمر بن عبد العزيز عن أبيه وأنس وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب وابن قارظ ويوسف بن عبد الله بن سلام وعامر بن سعد وسعيد ابن المسيب وعروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن والربيع بن سمرة وطائفة.","part":1,"page":93},{"id":94,"text":"روى عنه: الزهري ومحمد بن المنكدر ويحيى بن سعيد الأنصاري ومسلمة ابن عبد الملك ورجاء بن حيوة وخلائق كثيرون.\rجمع القرآن وهو صغير وبعثه أبوه إلى المدينة يتأدب بها فمكان يختلف إلى عبيد الله بن عبد الله يسمع منه العلم فلما توفي أبوه طلبه عبد الملك إلى دمشق وزوجه ابنته فاطمة.\rوكان قبل الخلافة على قدم الصلاح أيضاً إلا أنه كان يبالغ في التنعم فكان الذي يعيبونه من حساده لا يعيبونه إلا بالإفراط في التنعم والاختيال في المشية فلما ولي الوليد الخلافة أمر عمر على المدينة فوليها من سنة ست وثمانين إلى سنة ثلاث وتسعين وعزل فقدم الشام.\rثم إن الوليد عزم على أن يخلع أخاه سليمان من العهد وأن يعهد إلى ولده فأطاعه كثير من الأشراف طوعاً وكرهاً فامتنع عمر بن عبد العزيز وقال لسليمان: في أعناقنا بيعة وصمم فطين عليه الوليد ثم شفع فيه بعد ثلاث فأدركوه وقد مالت عنقه فعرفها له سليمان فعهد إليه بالخلافة.\rقال زيد بن أسلم عن أنس رضي الله عنه: ما صليت وراء إمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى يعني عمر بن عبد العزيز وهو أمير على المدينة قال زيد بن أسلم فكان يتم الركوع والسجود ويخفف القيام والقعود له طرق عن أنس أخرجه البيهقي في سننه وغيره.\rوسئل محمد بن علي بن الحسين عن عمر بن عبد العزيز فقال: هو نجيب بني أمية وإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده.\rوقال ميمون بن مهران: كانت العلماء مع عمر بن عبد العزيز تلامذة.\rوأخرج أبو نعيم بسند صحيح عن رياح بن عبيدة قال: خرج عمر ابن عبد العزيز إلى الصلاة وشيخ متوكئ على يده فقلت في نفسي: إن هذا الشيخ جاف فلما صلى ودخل لحقته فقلت أصلح الله الأمير من الشيخ الذي كان يتكئ على يدك قال يا رياح رأيته قلت: نعم قال ما أحسبك إلا رجلا صالحاً ذاك أخي الخضر أتاني فأعلمني أني سألي أمر هذه الأمة وأني سأعدل فيها.\rوأخرج أيضاً عن أبي هاشم أن رجلا جاء إلى عمر بن عبد العزيز فقال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم وأبو بكر عن يمينه وعمر عن شماله فإذا رجلان يختصمان وأنت بين يديه جالس فقال لك: يا عمر إذا عملت فاعمل بعمل هذين لأبي بكر وعمر فاستخلف له عمر بالله لرأيت هذا فخلف له فبكى عمر.\rبويع بالخلافة بعهد من سليمان في صفر سنة تسع وتسعين كما تقدم فمكث فيها سنتين وخمسة أشهر نحو خلاف الصديق رضي الله عنه عملا فيها الأرض عدلا ورد المظالم وسن السنن الحسنة ولما قرئ كتاب العهد باسمه عقر وقال: والله إن هذا الأمر ما سألته الله قط؟ وقدم إليه صاحب المراكب مركب الخليفة فأبى وقال ائتوني ببغلتي قال الحكم بن عمر: شهدت عمر بن عبد العزيز حين جاءه أصحاب المراكب يسألونه العلوفة ورزق خدمتها قال: ابعث بها إلى أمصار الشام يبيعونها فيمن يريد واجعل أثمانها في مال الله تكفيني بغلتي هذه الشهباء.\rوقال عمر بن ذر: لما رجع عمر من جنازة سليمان قال له مولاه ما لي أراك مغتماً؟ قال: لمثل ما أنا فيه فليغتم ليس أحد من الأمة إلا وأنا أريد أن أوصل إليه حقه غير كاتب إلي فيه ولا طالبه مني.\rوعن عمر بن مهاجر وغيره أن عمر لما استخلف قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنه لا كتاب بعد القرآن ولا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم ألا وإني لست بفارض ولكني منفذ ولست بمبتدع ولكني متبع ولست بخير من أحدكم ولكني أثقلكم حملا وإن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بظالم ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.\rوعن الزهري قال كتب عمر بن عبد العزيز إلى سالم بن عبد الله يكتب إليه بسيرة عمر بن الخطاب في الصدقات فكتب إليه بالذي سأل وكتب إليه أنك إن عملت بمثل عمل عمر في زمانه ورجاله في مثل زمانك ورجالك كنت عند الله خيراً من عمر.\rوعن حماد أن عمر لما استخلف بكى فقال: يا أبا فلان أتخشى علي؟ قال: كيف حبك للدرهم؟ قال: لا أحبه قال لا تخف فإن الله سيعينك.","part":1,"page":94},{"id":95,"text":"وعن مغيرة قال: جمع عمر حين استخلف بني مروان فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له فدك ينفق منها ويعول منها على صغير بني هاشم ويزوج منها أيمهم وإن فاطمة سألته أن يجعلها لها؟ فأبى فكانت كذلك حياة أبي بكر ثم عمر ثم أقطعها مروان ثم صارت لعمر بن عبد العزيز فرأيت أمراً منعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة ليس لي بحق وإن أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوعن الليث قال: لما ولي عمر بدأ بلحمته وأهل بيته فأخذ ما بأيديهم وسمى أموالهم مظالم.\rوقال أسماء بن عبيد: دخل عنبسة بن سعيد بن العاص على عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين إن من كان قبلك من الخلفاء كانوا يعطوننا عطايا فمنعتناها ولي عيال وضيعة أفتأذن لي أن أخرج إلى ضيعتي لما يصلح عيالي؟ فقال عمر: أحبكم من كفانا مؤنته ثم قال له: أكثر ذكر الموت فإن كنت في ضيق من العيش وسعه عليك وإن كنت في سعة من العيش ضيقه عليك.\rوقال فرات بن السائب: قال عمر بن عبد العزيز لامرأته فاطمة بنت عبد الملك وكان عندها جوهر أمر لها به أبوها لم ير مثله اختاري إما أن تردي حليك إلى بيت المال وإما أن تأذني لي في فراقك فإنه أكره أن أكون أنا وأنت وهو في بيت واحد قالت: لا بل اختارك عليه وعلى أضعافه فأمر به فحمل حتى وضع في بيت مال المسلمين فلما مات عمر واستخلف يريد قال لفاطمة إن شئت رددته إليك قالت لا والله لا أطيب به نفساً في حياته وأرجع فيه بعد موته.\rوقال عبد العزيز: كتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز إليه: إن مدينتنا قد خربت فإن رأى أمير المؤمنين أن يقطع لنا مالا نرمها به فعل فكتب إليه عمر إذا قرأت كتابي هذا فحصنها بالعدل ونق طرقها من الظلم فإنه مرمتها والسلام.\rوقال إبراهيم السكوني: قال عمر بن عبد العزيز: ما كذبت منذ علمت أن الكذب شين على أهله.\rوقال قيس بن جبير: مثل عمر في بني أمية مثل مؤمن آل فرعون.\rوقال ميمون بن مهران: إن الله كان يتعاهد الناس بنبي بعد نبي وإن الله تعاهد الناس بعمر بن عبد العزيز.\rوقال وهب بن منبه: إن كان في هذه الأمة مهدي فهو عمر بن عبد العزيز.\rوقال محمد بن فضالة: مر عبد الله بن عمر بن عبد العزيز براهب في الجزيرة فنزل إليه الراهب ولم ينزل لأحد قبله وقال أتدري لم نزلت إليك قال لا قال: لحق أبيك إنا نجده في أئمة العدل بموضع رجب من الأشهر الحرم ففسره أيوب بن سويد بثلاثة متوالية: ذي العقدة وذي الحجة والمحرم أبي بكر وعمر وعثمان ورجب منفرد منها عمر بن عبد العزيز.\rوقال حسن القصاب: رأيت الذئاب ترعى مع الغنم بالبادية في خلافة عمر ابن عبد العزيز فقلت سبحان الله ذئب في غنم لا يضرها فقال الراعي إذا صلح الرأس فليس على الجسد بأس.\rوقال مالك بن دينار لما ولي عمر عبد العزيز قالت رعاء الشاء: من هذا الصالح الذي قام على الناس خليفة عدله كف الذئاب عن شائناً.\rوقال موسى بن أعين: كنا نرعى الشاء بكرمان في خلافة عمر بن عبد العزيز فكانت الشاة والذئب ترعى في مكان واحد فبينما نحن ذات ليلة إذ عرض الذئب للشاة فقلت ما نرى الرجل الصالح إلا قد هلك فحسبوه فوجدوه مات تلك الليلة.\rوقال الوليد بن مسلم: بلغنا أن رجلا كان بخراسان قال: أتاني آت في المنام فقال: إذا قام أشج بني مروان فانطلق فبايعه فإنه إمام عدل فجعلت أسأل كلما قام خليفة حتى قام عمر بن عبد العزيز فأتاني ثلاث مرات في المنام فارتحلت إليه فبايعته.\rوعن حبيب بن هند الأسلمي قال: قال لي سعيد بن المسيب: إنما الخلفاء ثلاثة: أبو بكر وعمر وعمر بن عبد العزيز قلت له: أبو بكر وعمر قد عرفناهما فمن عمر قال إن عشت أدركته إن مت كان بعدك قلت ومات ابن المسيب قبل خلافة عمر.\rوقال ابن عون: كان ابن سيرين إذا سئل عن الطلاء قال: نهى عنه إمام الهدى يعني عمر بن عبد العزيز.\rوقال الحسن: إن كان مهدي فعمر بن عبد العزيز وإلا فلا مهدي إلا عيسى ابن مريم.\rوقال مالك بن دينار: الناس يقولون مالك زاهد إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز الذي أتته الدنيا فتركها.\rوقال يونس بن أبي شبيب: شهدت عمر بن عبد العزيز وإن حجزه إزاره لغائبه في عكنه ثم رأيته بعد ما استخلف ولو شئت أن أعد أضلاعه من غير أن أمسها لفعلت.","part":1,"page":95},{"id":96,"text":"وقال ولده عبد العزيز: سألني أبو جعفر المنصور كم كانت غلة أبيك حين أفضت الخلافة إليه قلت: أربعين ألف دينار قال فكم كانت حين توفي؟ قلت أربعمائة دينار ولو بقي لنقصت.\rوقال مسلمة بن عبد الملك دخلت على عمر بن عبد العزيز أعوده في مرضه فإذا عليه قميص وسخ فقلت لفاطمة بنت عبد الملك ألا تغسلون قميصه قالت: والله ما له قميص غيره.\rقال أبو أمية الخصي غلام عمر: دخلت يوماً على مولاتي فغدتني عدساً فقلت كل يوم عدس قالت يا بني هذا طعام مولاك أمير المؤمنين.\rقال ودخل عمر الحمام يوماً فأطلى فولي عانته بيده.\rقال: ولما احتضر بعثني بدينار إلى أهل الدير وقال: إن بعتموني موضع قبري وإلا تحولت عنكم فأتيتهم فقالوا: لولا أنا نكره أن يتحول عنا ما قبلناه.\rوقال عون بن المعمر: دخل عمر على امرأته فقال يا فاطمة عندك درهم أشتري به عنباً فقالت لا وقالت وأنت أمير المؤمنين لا تقدر على درهم تشتري به عنباً قال هذا أهون علينا من معالجة الأغلال غداً في جهنم.\rوقالت فاطمة امرأته: ما أعلم أنه اغتسل لا من جنابة ولا من احتلام منذ استخلفه الله حتى قبضه.\rوقال سهل بن صدقة: لما استخلف عمر سمع في منزله بكاء فسألوا عن ذلك فقالوا: إن عمر خير جواريه فقال: قد نزل بي أمر قد شغلني عنكم فمن أحب أن أعتقه أعتقته ومن أحب أن امسكه أمسكته وإن لم يكن مني إليها حاجة فبكين إياساً منه قالت فاطمة امرأته: كان إذ دخل البيت ألقى نفسه في مسجده فلا يزال يبكي ويدعو حتى تغلبه عيناه ثم يستيقظ فيفعل مثل ذلك ليلته أجمع.\rوقال الوليد بن أبي السائب: ما رأيت أحداً قط أخوف من عمر.\rوقال سعيد بن سويد: صلى عمر بالناس الجمعة وعليه قميص مرقوع الجيب من بين يديه ومن خلفه فقال له رجل: يا أمير المؤمنين إن الله قد أعطاك فلو لبست فنكس ملياً ثم رفع رأسه فقال: إن أفضل القصد عند الجدة وأفضل العفو عند القدرة.\rوقال ميمون بن مهران سمعت عمر يقول: لو أقمت فيكم خمسين عاماً ما استكملت فيكم العدل إني لأريد الأمر وأخاف أن لا تحمله قلوبكم فأخرج معه طمعاً من الدنيا فإن أنكرت قلوبكم هذا سكنت إلى هذا.\rوقال إبراهيم بن ميسرة: قلت لطاوس: هو المهدي يعني عمر بن عبد العزيز قال هو مهدي وليس به إنه لم يستكمل العدل كله.\rوقال عمر بن أسيد: والله ما مات عمر حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول اجعلوا هذا حيث ترون فما يبرح بماله كله قد أغنى عمر الناس.\rوقالت جويرية: دخلنا على فاطمة ابنة علي بن أبي طالب رضي الله عنها فأثنت على عمر بن عبد العزيز وقالت لو كان بقي لنا ما احتجنا بعد إلى أحد.\rوقال عطاء بن أبي رباح حدثتني فاطمة امرأة عمر أنها دخلت عليه وهو في مصلاه تسيل دموعه على لحيته فقالت يا أمير المؤمنين ألشيء حدث؟ قال يا فاطمة إني تقلدة من أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم أسودها وأحمرها: فتفكرت في الفقير الجائع والمريض الضائع والعاري المجهود والمظلوم المقهور والغريب الأسير والشيخ الكبير وذي العيال الكثير والمال القليل وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد فعلمت أن ربي سائلي عنهم يوم القيامة فخشيت أن لا تثبت لي حجة فبكيت.\rوقال الأوزاعي: إن عمر بن عبد العزيز كان جالساً في بيته وعنده أشراف بني أمية فقال أتحبون أن أولي كل رجل منكم جنداً فقال رجل منهم: لم تعرض علينا ما لا تفعله؟ قال: ترون بساطي هذا؟ إني لأعلم أنه يصير إلى بلى وفناء وإني أكره أن تدنسوه بأرجلكم فكيف أوليكم أعراض المسلمين وأبشارهم هيهات لكم هيهات فقالوا له لم أمالنا قرابة أمالنا حق قال ما أنتم وأقصى رجل من المسلمين عندي في هذا الأمر إلا سوءاً إلا رجلا من المسلمين حبسه عني طول شقته.\rوقال حميد: أملي علي الحسن رسالة إلى عمر بن عبد العزيز فأبلغ ثم شكا الحاجة والعيال فأمر بعطائه.\rوقال الأوزاعي: كان عمر بن عبد العزيز إذا أراد أن يعاقب رجلا حبسه ثلاثة أيام ثم عاقبه كراهة أن يعجل في أول غضبه.\rوقال جويرية بن أسماء: قال عمر بن العزيز: إن نفسي تواقة لم تعط من الدنيا شيئاً إلا تاقت إلى ما هو أفضل منه فلما أعطيت ما لا شيء فوقه من الدنيا تاقت نفسي إلى ما هو أفضل منه يعني الجنة.\rوقال عمرو بن مهاجر: كانت نفقة عمر بن عبد العزيز كل يوم درهمين.","part":1,"page":96},{"id":97,"text":"وقال يوسف بن يعقوب الكاهلي: كان عمر يلبس الفروة الكبل وكان سراج بيته على ثلاث قصبات فوقهن طين.\rوقال عطاء الخراساني: أمر عمر غلامه أن يسخن له ماء فانطلق فسخن قمقماً في مطبخ العامة فأمر عمر أن يأخذ بدرهم حطباً يضعه في المطبخ.\rوقال عمر بن مهاجر: كان عمر يسرج عليه المشعة ما كان في حوائج المسلمين فإذا فرغ من حوائجهم أطفأها ثم أسرج عليه سراجه.\rوقال الحكم بن عمر: كان للخليفة ثلاثمائة حرسي وثلاثمائة شرطي فقال عمر للحرس إن لي عنكم بالقدر حاجزاً وبالأجل حارساً من أقام منكم فله عشرة دنانير ومن شاء فليلحق بأهله.\rوقال عمرو بن مهاجر: اشتهى عمر بن عبد العزيز تفاحاً فأهدى له رجل من أهل بيته تفاحاً فقال: ما أطيب ريحه وأحسنه أرفعه يا غلام للذي أتى به وأقرئ فلاناً السلام وقل له: إن هديتك وقعت عندنا بحيث نحب فقلت: يا أمير المؤمنين ابن عمك ورجل من أهل بيتك وقد بلغك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل الهدية فقال: ويحك إن الهدية كانت للنبي صلى الله عليه وسلم هدية وهي لنا اليوم رشوة.\rوقال إبراهيم بن ميسرة: ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب أحداً في خلافته غير رجل تناول من معاوية فضربه ثلاثة أسواط.\rوقال الأوزاعي لما قطع عمر بن عبد العزيز عن أهل بيته ما كان يجري عليهم من أرزاق الخاصة كلموه في ذلك فقال: لن يتسع مالي لكم وأما هذا المال فإنما حقكم فيه كحق رجل بأقصى برك الغماد.\rوقال أبو عمر: كتب عمر بن عبد العزيز برد أحكام من أحكام الحجاج مخالفة لأحكام الناس.\rوقال يحيى الغساني: لما ولاني عمر بن عبد العزيز الموصل قدمتها فوجدتها من أكثر البلاد سرقة ونقباً فكتبت إليه أعلمه حال البلد وأسأله آخذ الناس بالظنة وأضربهم على التهمة أو آخذهم بالبينة وما جرت عليه السنة فكتب إلى أن آخذ الناس بالبينة وما جرت عليه السنة فإن لم يصلحهم الحق فلا أصحلهم الله قال يحيى ففعلت ذلك فما خرجت من الموصل حتى كانت من أصلح البلاد وأقلها سرقة ونقباً.\rوقال رجاء بن حيوة: سمرت ليلة عند عمر فغشي السراج وإلى جانبه وصيف قلت: ألا أننهه قال: لا قلت: أفلا أقوم؟ قال ليس من مروءة الرجل استخدامه ضيفه فقام إلى بطة الزيت وأصلح السراج ثم رجع وقال: قمت وأنا عمر بن عبد العزيز ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز.\rوقال نعيم كاتبه: قال عمر: إنه ليمنعني من كثير من الكلام مخافة المباهاة.\rوقال مكحول: لو حلفت لصدقت ما رأيت أزهد ولا أخوف لله من عمر ابن عبد العزيز.\rوقال سعيد بن أبي عروبة: كان عمر بن عبد العزيز إذا ذكر الموت اضطربت أوصاله.\rوقال عطاء: كان عمر بن عبد العزيز يجمع في كل ليلة الفقهاء فيتذاكرون الموت والقيامة ثم يبكون حتى كان بين أيديهم جنازة.\rوقال عبيد الله بن العيزار: خطبنا عمر بن عبد العزيز بالشام على منبر من طين فقال: أيها الناس أصلحوا أسراركم تصلح علانيتكم واعملوا لآخرتكم تكفوا دنياكم واعلموا أن رجلا ليس بينه وبين آدم أب حي لعرق له في الموت والسلام عليكم.\rوقال وهيب بن الورد: اجتمع بنو مروان إلى باب عمر بن عبد العزيز فقالوا لابنه عبد الملك: قل لأبيك: إن من كان قبله من الخلفاء كان يعطينا ويعرف لنا موضعنا وإن أباك قد حرمنا ما في يديه فدخل على أبيه فأخبره فقال لهم إن أبي يقول لكم إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم.\rوقال الأوزاعي: قال عمر بن عبد العزيز: خذوا من الرأي ما يصدق من كان قبلكم ولا تأخذوا ما هو خلاف لهم فإنهم خير منكم وأعلم.\rوقال: قدم جرير فطال مقامه بباب عمر بن عبد العزيز ولم يلتفت إليه فكتب إلى عون بن عبد الله وكان خصيصاً بعمر:\rيا أيها القارئ المرخي عمامته ... هذا زمانك إني قد مضى زمني\rأبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه ... أني لدي الباب كالمصفود في قرن\rوقال جويرية بن أسماء: لما استخلف عمر بن عبد العزيز جاءه بلال بن أبي بردة فهنأه وقال من كانت الخلافة شرفته فقد شرفتها ومن كانت زانته فقد زنتها وأنت كما قال مالك بن أسماء:\rوتزيدين أطيب الطيب طيبا ... أن تمسيه أين مثلك أينا\rوإذا الدر زان حسن وجوه ... كان للدر حسن وجهك زينا","part":1,"page":97},{"id":98,"text":"قال جعونة: لما مات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز جعل عمر يثني عليه فقال: يا أمير المؤمنين لو بقي كنت تعهد إليه؟ قال لا قال: ولم وأنت تثني عليه؟ قال أخاف أن يكون زين في عيني منه ما زين في عين الوالد من ولده.\rوقال غسان عن رجل من الأزد: قال رجل لعمر بن عبد العزيز: أوصني قال: أوصيك بتقوى الله وإيثاره تخف عنك المؤنة وتحسن لك من الله المعونة.\rوقال أبو عمرو: دخلت ابنة أسامة بن زيد على عمر بن عبد العزيز فقام لها ومشى إليها ثم أجلسها في مجلسه وجلس بين يديها وما ترك لها حاجة إلا قضاها.\rوقال الحجاج بن عنبسة: اجتمع بنو مروان فقالوا: لو دخلنا على أمير المؤمنين فعطفناه علينا بالمزاح فدخلوا فتكلم رجل منهم فمزح فنظر إليه عمر فوصل له رجل كلامه بالمزاح فقال لهذا اجتمعتم؟ لأخس الحديث ولما يورث الضغائن؟ إذا اجتمعتم فأفيضوا في كتاب الله فإن تعديتم ذلك ففي السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن تعديتم ذلك فعليكم بمعاني الحديث.\rوقال إياس بن معاوية بن قرة: ما شبهت عمر بن عبد العزيز إلا برجل صناع حسن الصنعة ليس له أداة يعمل بها يعني لا يجد من يعينه.\rوقال عمر بن حفص: قال لي عمر بن عبد العزيز: إذا سمعت كلمة من امرئ مسلم فلا تحملها على شيء من الشر ما وجدت لها محملا من الخير.\rوقال يحيى الغساني: كان عمر ينهى سليمان بن عبد الملك عن قتل الحرورية ويقول: ضمنهم الحبس حتى يحدثوا توبة فآتى سليمان بحروري فقال له سليمان: هيه فقال الحروري: وماذا أقول يا فاسق بن الفاسق فقال سليمان: علي بعمر ابن عبد العزيز فلما جاء قال: اسمع مقالة هذا فأعادها الحروري فقال سليمان لعمر: ماذا ترى عليه؟ فسكت قال: عزمت عليك لتخبرني بماذا ترى عليه قال: أرى عليه أن تشتمه كما شتمك قال ليس الأمر كذلك فأمر به سليمان فضربت عنقه وخرج عمر فأدركه خالد صاحب الحرس فقال يا عمر كيف تقول لأمير المؤمنين ما أرى عليه إلا أن تشتمه كما شتمك؟ والله لقد كنت متوقعاً أن يأمرني بضرب عنقك قال ولو أمرك لفعلت؟ قال إي والله فلما أفضت الخلافة إلى عمر جاء خالد فقام مقام صاحب الحرس فقال عمر يا خالد ضع هذا السيف عنك وقال: اللهم إني قد وضعت لك خالداً فلا ترفعه أبداً ثم نظر في وجوه الحرس فدعا عمرو بن مهاجر الأنصاري وقال يا عمرو والله لتعلمن أنه ما بيني وبينك قرابة إلا قرابة الإسلام ولكن سمعتك تكثر تلاوة القرآن ورأيتك تصلي في موضع تظن أن لا يراك أحد فرأيتك تحسن الصلاة وأنت رجل من الأنصار خذ هذا السيف فقد وليتك حرسي.\rوقال شعيب: حدثت أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز دخل على أبيه فقال يا أمير المؤمنين ما أنت قائل لربك غداً إذا سألك فقال رأيت بدعة فلم تمتها أو سنة فلم تحيها فقال أبوه: رحمك الله وجزاك من ولد خيراً يا بني إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة وعروة عروة ومتى أردت مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمن أن يفتقوا علي فتقاً يكثر فيه الدماء والله لزوال الدنيا أهون علي من أن يراق في سببي محجمه من دم أو ما ترضى أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ويحيى فيه سنة؟.\rوقال معمر: قال عمر بن عبد العزيز: قد أفلح من عصم من المراء والغضب والطمع.\rوقال أرطأة بن المنذر: قيل لعمر بن عبد العزيز: لو اتخدت حرساً واحترزت في طعامك وشرابك فقال: اللهم إن كنت تعلم أني أخاف شيئاً دون يوم القيامة فلا تؤمن خوفي.\rوقال عدي بن الفضل سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب فقال اتقوا الله أيها الناس وأجملوا في الطلب فإنه إن كان لأحدكم رزق في رأس جبل أو حضيض أرض يأته.\rوقال أزهر رأيت عمر بن عبد العزيز يخطب الناس وعليه قميص مرقوع.\rوقال عبد الله بن العلاء: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب في الجمع بخطبة واحدة يرددها ويفتتحها بسبع كلمات الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلله فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعص الله ورسوله فقد غوى ثم يوصي بتقوى الله ويتكلم ثم يختم خطبته الأخيرة بهؤلاء الآيات \" يا عبادي الذين أسرفوا \" \" الزمر: 53 \" إلى تمامها.","part":1,"page":98},{"id":99,"text":"وقال حاجب بن خليفة البرجمي: شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو خليفة فقال في خطبته: ألا إن ما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه فهو دين تأخذ به وتنتهي إليه وما سن سواهما فإنا نرجئه.\rأسند جميع ما قدمته أبو نعيم في الحلية.\rوأخرج ابن عساكر عن إبراهيم بن أبي عبلة قال دخلنا على عمر بن عبد العزيز يوم العيد والناس يسلمون عليه ويقولون تقبل الله منا ومنك يا أمير المؤمنين فيرد عليهم ولا ينكر عليهم.\rقلت: هذا أصل حسن للتهنئة بالعيد والعام والشهر.\rوأخرج عن جعونة قال: ولى عمر بن عبد العزيز عمرو بن قيس السكوني الصائفة فقال: أقبل من محسنهم وتجاوز عن مسيئهم ولا تكن في أولهم فتقتل ولا في آخرهم فتفشل ولكن كن وسطاً حيث يرى مكانك ويسمع صوتك.\rوأخرج عن السائب بن محمد قال: كتب الجراح بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز: إن أهل خراسان قوم ساءت رعيتهم وإنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ذلك فكتب إليه عمر أما بعد فقد بلغني كتابك تذكر أن أهل خراسان قد ساءت رعيتهم وأنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط فقد كذبت بل يصلحهم العدل والحق فأبسط ذلك فيهم والسلام.\rوأخرج عن أمية بن زيد القرشي قال: كان عمر بن عبد العزيز إذا أملى علي كتابه قال: اللهم إني أعوذ بك من شر لساني.\rوأخرج عن صالح بن جبير قال: ربما كلمت عمر بن عبد العزيز في الشيء فيغضب فأذكر أن في الكتاب مكتوباً اتق غضبه الملك الشاب فأرفق به حتى يذهب غضبه فيقول لي بعد ذلك: لا يمنعك يا صالح ما ترى منا أن تراجعنا في الأمر إذا رأيته.\rوأخرج عن عبد الحليم بن محمد المخزومي قال: قدم جرير بن عطية بن الخطفي علي عمر بن عبد العزيز فذهب ليقول فنهاه عمر فقال: إنما أذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فاذكره فقال:\rإن الذي ابتعث النبي محمداً ... جعل الخلافة للأمير العادل\rرد المظالم حقها بيقينها ... عن جورها وأقام ميل المائل\rوالله أنزل في القرآن فريضة ... لابن السبيل وللفقير العائل\rإني لأرجو منك خيراً عاجلا ... والنفس مغرمة بحب العاجل\rفقال له عمر: ما أجد لك في كتاب الله حقاً قال: بلى يا أمير المؤمنين إنني ابن سبيل فأمر له من خاصة ماله بخمسين ديناراً.\rوفي الطويريات أن جرير بن عثمان الرحبي دخل مع أبيه على عمر بن عبد العزيز فسأله عمر عن حال ابنه ثم قال له علمه الفقه الأكبر قال وما الفقه الأكبر؟ قال القناعة وكف الأذى.\rوأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن محمد بن كعب القرظي قال: دعاني عمر بن عبد العزيز فقال صف لي العدل فقلت: بخ سألت عن أمر جسيم كن لصغير الناس أباً ولكبيرهم ابناً وللمثل منهم أخاً وللنساء كذلك وعاقب الناس على قدر ذنوبهم وعلى قدر أجسادهم ولا تضربن لغضبك سوطاً واحداً فتعد من العادين.\rوأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن الزهري أن عمر بن عبد العزيز كان يتوضأ مما مست النار حتى كان يتوضأ من السكر.\rوأخرج عن وهيب أن عمر بن عبد العزيز قال: من عد كلامه من عمله قل كلامه.\rوقال الذهبي: أظهر غيلان القدر في خلافة عمر بن عبد العزيز فاستتابه فقال: لقد كان كنت ضالا فهديتني فقال عمر: اللهم إن كان صادقاً وإلا فاصلبه واقطع يديه ورجليه فنفذت فيه دعوته فأخذ في خلافة هشام بن عبد الملك وقطعت أربعته وصلب بدمشق في القدر.\rوقال غيره كان بنو أمية يسبون علي بن أبي طالب في الخطبة فلما ولي عمر ابن عبد العزيز أبطله وكتب إلى نوابه بإبطاله وقرأ مكانه \" إن الله يأمر بالعدل والإحسان \" \" النحل: 90 \" الآية فاستمرت قراءتها في الخطبة إلى الآن.\rوقال القالي في أماليه: حدثنا أبو بكر بن الأنباري حدثنا أحمد بن عبيد قال: قال عمر بن عبد العزيز قبل خلافته:\rأنه الفؤاد عن الصبا ... وعن انقياد للهوى\rفلعمر ربك إن في ... شيب المفارق والجلا\rلك واعظاً لو كنت تت ... عظ اتعاظ ذوي النهى\rحتى متى لا ترعوي ... وإلى متى وإلى متى؟\rما بعد أن سميت كه ... لا واستلبت اسم الفتى\rبلي الشباب وأنت إن ... عمرت رهن للبلى","part":1,"page":99},{"id":100,"text":"وكفى بذلك زاجراً ... للمرء عن غي كفى\rفائدة: قال الثعالبي في لطائف المعارف: كان عمر بن الخطاب أصلع وعثمان وعلي ومروان بن الحكم وعمر بن عبد العزيز ثم انقطع الصلع عن الخلفاء.\rفائدة: قال الزبير بن بكار قال الشاعر في فاطمة بنت عبد الملك بن مروان زوجة عمر بن عبد العزيز:\rبنت الخليفة والخليفة جدها ... أخت الخلائف والخليفة زوجها\rقال: فلم تكن امرأة تستحق هذا النسب إلى يومنا هذا غيرها.\rقلت: ولا يقال في غيرها هذا إلى يومنا هذا.\rذكر مرضه ووفاته\rقال أيوب: قيل لعمر بن عبد العزيز: لو أتيت المدينة فإن مت دفنت في موضع القبر الرابع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: والله لأن يعذبني الله بكل عذاب إلا النار أحب إلي من أن يعلم الله مني أني أراني لذلك الموضع أهلا.\rوقال وليد بن هشام: قيل لعمر في مرضه: ألا تتداوى؟ فقال لقد علمت الساعة التي سقيت فيها ولو كان شفائي أن أمسح شحمة أذني أو أوتى بطيب فأرفعه إلى أنفي ما فعلت.\rوقال عبيد بن حسان: لما احتضر عمر بن العزيز قال: اخرجوا عني فقعد مسلمة وفاطمة على الباب فسمعوه يقول مرحباً بهذه الوجوه ليست بوجوه إنس ولا جان ثم قال \" تلك الدار الآخرة \" \" القصص: 83 \" الآية ثم هدأ الصوت فدخلوا فوجدوه قد قبض رضي الله عنه.\rوقال هشام: لما جاء نعي عمر بن عبد العزيز قال الحسن البصري: مات خير الناس.\rوقال خالد الربعي: إنا نجد في التوراة أن السماوات والأرض تبكي على عمر بن عبد العزيز أربعين صباحاً.\rوقال يوسف بن ماهك: بينما نحن نسوي التراب على قبر عمر بن عبد العزيز إذ سقط علينا كتاب رق من السماء فيه بسم الله الرحمن الرحيم أمان من الله لعمر بن عبد العزيز من النار.\rوقال قتادة: كتب عمر بن عبد العزيز إلى ولي العهد من بعده: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر إلى يزيد بن عبد الملك سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إلا هو أما بعد فإني كتبت وأنا دنف من وجعي وقد علمت أني مسؤول عما وليت يحاسبني عليه مليك الدنيا والآخرة ولست أستطيع أن أخفي عليه من عملي شيئاً فإن رضي عني فقد أفلحت ونجوت من الهوان الطويل وإن سخط علي فيا ويح نفسي إلى ما أصبر أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجيرني من النار برحمته وأن يمن علي برضوانه والجنة فعليك بتقوى الله الرعية الرعية فإنك لن تبقى بعدي إلا قليلا والسلام أسند هذا كله أبو نعيم في الحلية.\rتوفي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه بدير سمعان بكسر السين من أعمال حمص لعشر بقين وقيل لخمس بقين من رجب سنة إحدى ومائة وله حينئذ تسع وثلاثون سنة وستة أشهر وكانت وفاته بالسم كانت بنو أمية قد تبرموا به لكونه شدد عليهم وانتزع من أيديهم كثيراً مما غصبوه وكان قد أهمل التحرز فسقوه السم.\rقال مجاهد: قال لي عمر بن عبد العزيز ما يقول الناس في؟ قلت: يقولون مسحور قال: ما أنا بمسحور وإني لأعلم الساعة التي سقيت فيها ثم دعا غلاماً له: فقال له: ويحك ما حملك على أن تسقيني السم؟ قال: ألف دينار أعطيتها وعلى أن أعتق قال: هاتها قال: فجاء بها فألقاها في بيت المال وقال اذهب حيث لا يراك أحد.\rمات في أيامه من الأعلام: أبو أمامة سعد بن سهل بن حنيف وخارجة ابن زيد بن ثابت وسالم بن أبي الجعد وبسر بن سعيد وأبو عثمان النهدي وأبو الضحى وشهر بن حوشب الشامي وحنش بن عبد الله الصنعاني ومسلم ابن يسار البصري وعيسى بن طلحة بن عبد الله القرشي التيمي أحد أشراف قريش وعقلائها وعلمائها.\rيزيد بن عبد الملك بن مروان\rيزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم أبو خالد الأموي الدمشقي.\rولد سنة إحدى وسبعين وولي الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز بعهد من أخيه سليمان كما تقدم.\rوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم لما ولي يزيد قال: سيروا بسيرة عمر بن عبد العزيز فأتى بأربعين شيخاً فشهدوا له ما على الخلفاء حساب ولا عذاب.\rوقال ابن الماجشون: لما مات عمر بن عبد العزيز قال يزيد والله ما عمر بأحوج إلى الله مني فأقام أربعين يوماً يسير بسيرة عمر بن عبد العزيز ثم عدل عن ذلك.","part":1,"page":100},{"id":101,"text":"وقال سليم بن بشير: كتب عمر بن عبد العزيز إلى يزيد بن عبد الملك حين احتضر: سلام عليك أما بعد فإني لا أراني إلا لما بي فالله الله في أمة محمد فإنك تدع الدنيا لمن لا يحمدك وتقضي إلى من لا يعذرك والسلام.\rوفي سنة اثنتين خرج يزيد بن المهلب على الخلافة فوجه إليه مسلمة بن عبد الملك ابن مروان فهزم يزيد وقتل وذلك بالعقير موضع بقرب كربلاء.\rقال الكلبي: نشأت وهم يقولون: ضحى بنو أمية يوم كربلاء بالدين ويوم العقير بالكرم.\rمات يزيد في أواخر شعبان سنة خمس ومائة.\rوممن مات في خلافته من الأعلام: الضحاك بن مزاحم وعدي بن أرطاة وأبو المتوكل الناجي وعطاء بن يسار ومجاهد ويحيى بن وثاب مقرئ الكوفة وخالد بن معدان والشعبي عالم العراق وعبد الرحمن بن حسان بن ثابت وأبو قلابة الجرمي وأبو بردة بن أبي موسى الأشعري وآخرون.\rهشام بن عبد الملك\rهشام بن عبد الملك أبو الوليد ولد سنة نيف وسبعين واستخلف بعهد من أخيه يزيد.\rقال مصعب الزبيري: رأى عبد الملك في منامه أنه بال في المحراب أربع مرات فسأل سعيد بن المسيب فقال: يملك من ولده لصلبه أربعة فكان آخرهم هشام.\rوكان هشام حازماً عاقلا كان لا يدخل بيت ماله مالا حتى يشهد أربعون قسامة: لقد أخذ من حقه ولقد أعطى لكل ذي حق حقه.\rوقال الأصمعي: أسمع رجل مرة هشاماً كلاماً فقال له يا هذا ليس لك أن تسمع خليفتك.\rقال: وغضب مرة على رجل فقال والله لقد هممت أن أضربك سوطاً.\rوقال سحبل بن محمد ما رأيت أحداً من الخلفاء أكره إليه الدماء ولا أشد عليه من هشام.\rوعن هشام أنه قال: ما بقي شيء من لذات الدنيا إلا وقد نلته إلا شيئاً واحداً أخاً أرفع مؤنة التحفظ فيما بيني وبينه.\rوقال الشافعي لما بنى هشام الرصافة بقنسرين أحب أن يخلو يوماً لا يأتيه فيه غم فما انتصف النهار حتى أتته ريشة بدم من بعض الثغور فأوصلت إليه فقال ولا يوماً واحداً.\rوقيل: إن هذا البيت له ولم يحفظ له سواه:\rإذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال\rمات في ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة.\rوفي سنة سبع من أيامه فتحت قيصرية الروم بالسيف وفي سنة ثمان فتحت خنجرة على يد البطال الشجاع المشهور وفي سنة اثنتي عشرة فتحت خرشنة في ناحية ملطية.\rوممن مات في أيامه من الأعلام: سالم بن عبد الله بن عمر وطاوس وسليمان ابن يسار وعكرمة مولى ابن عباس والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وكثير عزة الشاعر ومحمد بن كعب القرظي والحسن البصري ومحمد بن سيرين وأبو الطفيل عامر بن واثلة الصحابي آخرهم موتاً وجرير والفرزدق وعطية العوفي ومعاوية بن قرة ومكحول وعطاء بن أبي رباح وأبو جعفر الباقر ووهب بن منبه وسكينة بنت الحسين والأعرج وقتادة ونافع مولى ابن عمر وابن عامر مقرئ الشام وابن كثير مقرئ مكة وثابت البناني ومالك بن دينار وابن محيصن المقرئ وابن شهاب الزهري وخلائق آخرون.\rومن أخبار هشام: أخرج ابن عساكر عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: أراد هشام ابن عبد الملك أن يوليني خراج مصر فأبيت فغضب حتى اختلج وجهه وكان في عينيه الحول فنظر إلي نظر منكر وقال لتلين طائعاً أو لتلين كارهاً فأسكت عن الكلام حتى سكن غضبه فقلت يا أمير المؤمنين أتكلم؟ قال نعم قلت: إن الله قال في كتابه العزيز \" إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها \" \" الأحزاب: 72 \" الآية فوالله يا أمير المؤمنين ما غضب عليهن إذ أبين ولا أكرههن إذ كرهن وما أنا بحقيق أن تغضب على إذ أبيت وتكرهني إذا كرهت فضحك وأعفاني.","part":1,"page":101},{"id":102,"text":"وأخرج عن خالد بن صفوان قال: وفدت على هشام بن عبد الملك فقال: هات يا ابن صفوان قلت: إن ملكاً من الملوك خرج متنزهاً إلى الخورنق وكان ذا علم مع الكثرة والغلبة فنظر وقال لجلسائه لمن هذا قالوا للملك قال فهل رأيتم أحداً أعطي مثل ما أعطيت؟ وكان عنده رجل من بقايا حملة الحجة فقال إنك قد سألت عن أمر أفتأذن لي بالجواب قال: نعم قال: أرأيت ما أنت فيه أشيء لم تزل فيه أم شيء صار إليك ميراثاً وهو زائل عنك إلى غيرك كما صار إليك؟ قال كذا هو قال: فتعجب بشيء يسير لا تكون فيه إلا قليلا وتنقل عنه طويلا فيكون عليك حساباً قال: ويحك فأين المهرب؟ وأين المطلب؟ وأخذته قشعريرة قال: إما أن تقيم في ملكك فتعمل بطاعة الله بما ساءك وسرك وإما أن تنخلع من ملكك وتضع تاجك وتلقى عنك أطمارك وتعبد ربك قال إني مفكر الليل وأوافيك السحر فلما كان السحر قرع عليه بابه فقال إني اخترت هذا الجبل وفلوات الأرض وقد لبست علي أمساحي فإن كنت لي رفيقاً لا تخالف فلزما الجبل حتى ماتا وفيه يقول عدي بن زيد العبادي:\rأيها الشامت المعير بالده ... ر أأنت المبرأ الموفور\rأم لديك العهد الوثيق من الأي ... ام بل أنت جاهل ومغرور\rمن رأيت المنون خلدن أم من ... ذا عليه من أن يضام خفير\rأين كسرى كسرى الملوك أبوسا ... سان أم أين قبله سابور\rوبنو الأصفر الكرام ملوك ال ... روم لم يبق منهم مذكور\rوأخو الحضر إذ بناه وإذ دجل ... ة تجبى إليه والخابور\rشاده مرمراً وجلله كل ... ساً فللطير في ذراه وكور\rلم يهبه ريب المنون فباد ال ... ملك عنه فبابه مهجور\rوتذكر رب الخورنق إذ أش ... رف يوماً وللهدي تذكير\rسره ماله وكثرة ما يم ... لك والبحر معرض والدير\rفارعوي قلبه وقال وما غب ... طة حي إلى الممات يصير\rثم بعد الفلاح والملك والأم ... ة وارتهم هناك القبور\rثم صاروا كأنهم ورق ج ... ف فألوت به الصبا والدبور\rقال: فبكى هشام حتى اخضلت لحيته وأمر بابنتيه وطي فرشه ولزم قصره فأقبلت الموالي والحشم على خالد بن صفوان وقالوا ما أردت إلى أمير المؤمنين؟ أفسدت عليه لذته فقال: إليكم عني فإني عاهدت الله أن لا أخلو بملك إلا ذكرته الله تعالى.\rالوليد بن يزيد بن عبد الملك\rالوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الخليفة الفاسق أبو العباس.\rولد سنة تسعين فلما احتضر أبوه لم يمكنه أن يستخلفه لأنه صبي فعقد لأخيه هشام وجعل هذا ولي العهد من بعد هشام فتسلم الأمر عند موت هشام في ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة وكان فاسقاً شريباً للخمر منتهكاً حرمات الله أراد الحج ليشرب فوق ظهر الكعبة فمقته الناس لفسقه وخرجوا عليه فقتل في جمادى الآخر سنة ست وعشرين.\rوعنه أنه لما حوصر قال: ألم أزد في أعطياتكم؟ ألم أرفع عنكم المؤن؟ ألم أعط فقراءكم؟ فقالوا: ما ننقم عليك في أنفسنا لكن ننقم عليك انتهاك ما حرم الله وشرب الخمر ونكاح أمهات أولاد أبيك واستخفافك بأمر الله.\rولما قتل وقطع رأسه وجيء به يزيد الناقص نصبه على رمح فنظر إليه أخوه سليمان بن يزيد فقال: بعداً له أشهد أنه كان شروباً للخمر ماجناً فاساقاً ولقد راودني على نفسي.\rوقال المعافى الجريري: جمعت شيئاً من أخبار الوليد ومن شعره الذي ضمنه ما فجر به من خرقه وسخافته وما صرح به من الإلحاد في القرآن والكفر بالله.\rوقال الذهبي: لم يصح عن الوليد كفر ولا زندقة بل اشتهر بالخمر والتلوط فخرجوا عليه لذلك.\rوذكر الوليد مرة عند المهدي فقال رجل كان زنديقاً المهدي مه خلافة الله عنده أجل من أن يجعلها في زنديق.\rوقال مروان بن أبي حفصة: كان الوليد من أجمل الناس وأشدهم وأشعرهم.","part":1,"page":102},{"id":103,"text":"وقيل أبو الزناد: كان الزهري يقدح أبداً عند هشام في الوليد ويعيبه ويقول ما يحل لك إلا خلعه فما يستطيع هشام ولو بقي الزهري إلى أن يملك الوليد لفتك به وقال الضحاك بن عثمان: أراد هشام أن يخلع الوليد ويجعل العهد لولده فقال الوليد:\rكفرت يداً من منعم لو شكرتها ... جزاك بها الرحمن بالفضل والمن\rرأيتك تبني جاهداً في قطيعتي ... ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني\rأراك على الباقين تجني ضغينة ... فيا ويحهم إن مت من شر ما تجني\rكأني بهم يوماً وأكثر قيلهم ... ألا ليت أنا حين يا ليت لا تغني\rوقال حماد الراوية كنت يوماً عند الوليد فدخل عليه منجمان فقالا نظرنا فيما أمرتنا فوجدناك تملك سبع سنين قال حماد فأردت أن أخدعه فقلت كذباً ونحن أعلم بالآثار وضروب العلم وقد نظرنا في هذا فوجدناك تملك أربعين سنة فأطرق ثم قال: لا ما قالا يكسرني ولا ما قلت يغرني والله لأجبين المال من حله جباية من يعيش الأبد ولأصرفنه في حقه صرف من يموت الغد.\rوقد ورد في مسند أحمد حديث \" ليكونن في هذه الأمة رجل يقال له الوليد لهو أشد على هذه الأمة من فرعون لقومه \" .\rوقال ابن فضل في الله المسالك: الوليد بن يزيد الجبار العنيد لقباً ما عداه ولقما سلكه فما هداه فرعون ذلك العصر الذاهب والدهر المملوء بالمعائب يأتي يوم القيامة يقدم قومه فيوردهم النار ويرديهم العار وبئس الورد المورود والمورد المردى في ذلك الموقف المشهود رشق المصحف بالسهام وفسق ولم يخف الآثام.\rوأخرج الصولي عن سعيد بن سليم قال: أنشد ابن ميادة الوليد بن يزيد شعره الذي يقول فيه:\rفضلتم قريشاً غير آل محمد ... وغير بني مروان أهل الفضائل\rفقال له الوليد: أراك قد قدمت علينا آل محمد فقال ابن ميادة: ما أراه يجوز غير ذلك وابن ميادة هذا هو القائل في الوليد أيضاً من قصيدة طويلة:\rهممت بقول صادق أن أقوله ... وإني على رغم العداة لقائله\rرأيت الوليد بن اليزيد مباركاً ... شديداً بأعباء الخلافة كاهله\rيزيد الناقص أبو خالد بن الوليد\rيزيد الناقص أبو خالد بن الوليد بن عبد الملك لقب بالناقص لكونه نقص الجند من أعطياتهم وثب على الخلافة وقتل ابن عمه الوليد وتملك.\rوأمه شاهفرند بنت فيروز بن يزدجرد وأم فيروز بنت شيرويه بن كسرى وأم شيرويه بنت خاقان ملك الترك وأم أم فيروز بنت قيصر عظيم الروم فلهذا قال يزيد يفتخر:\rأنا ابن كسرى وأبي مروان ... وقيصر جدي وجدي خاقان\rقال الثعالبي: أعرق الناس في الملك والخلافة من طرفيه.\rولما قتل يزيد الوليد قام خطيباً فقال أما بعد إني والله ما خرجت أشراً ولا بطراً ولا طمعاً ولا حرصاً على الدنيا ولا رغبة في الملك وإني لظلوم لنفسي إن لم يرحمني ربي ولكن خرجت غضباً لله ولدينه وداعياً إلى كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم حين درست معالم الهدى وطفئ نور أهل التقوى وظهر الجبار المستحل الحرمة والراكب البدعة فلما رأيت ذلك أشفقت إذ غشيكم ظلمة لا تقلع عنكم على كثرة من ذنوبكم وقسوة من قلوبكم وأشفقت أن يدعو كثيراً من الناس إلى ما هو عليه فيجيبه فاستخرت الله في أمري ودعوت من أجابني من أهلي وأهل ولايتي فأراح الله منه البلاد والعباد ولاية من الله ولا حول ولا قوة إلا بالله أيها الناس إن لكم عندي إن وليت أموركم أن لا أضع لبنة على لبنة ولا حجراً على حجر ولا أنقل مالا من بلد حتى أسد ثغره وأقسم بين مصالحه ما تقوون به فإن فضل فضل رددته إلى البلد الذي يليه حتى تستقيم المعيشة وتكونوا فيه سواء فإن أردتم بيعتي على الذي بذلت لكم فأنا لكم وإن ملت فلا بيعة لي عليكم وإن رأيتم أحداً أقوى مني عليها فأردتم بيعته فأنا أول من يبايعه ويدخل في طاعته وأستغفر الله لي ولكم.\rوقال عثمان بن أبي العاتكة: أول من خرج بالسلاح في العيدين يزيد بن الوليد خرج يومئذ بين من صفين من الخيل عليهم السلاح من باب الحصن إلى المصلى.\rوعن أبي عثمان الليثي قال يزيد الناقص: يا بني أمية إياكم والغناء فإنه ينقص الحياء ويزد في الشهوة ويهدم المروءة وإنه لينوب عن الخمر ويفعل ما يفعل المسكر فإن كنتم لا بد فاعلين فجنبوه النساء فإن الغناء داعية الزنا.","part":1,"page":103},{"id":104,"text":"وقال ابن عبد الحكم: سمعت الشافعي رحمه الله يقول لما ولي يزيد بن الوليد دعا الناس إلى القدر وحملهم عليه وقرب أصحاب غيلان.\rولم يمتنع يزيد بالخلافة بل مات من عامه في سابع ذي الحجة فكانت خلافته ستة أشهر ناقصة وكان عمره خمساً وثلاثين سنة وقيل ستاً وأربعين سنة ويقال إنه مات بالطاعون.\rإبراهيم بن الوليد بن عبد الملك\rإبراهيم بن الوليد بن عبد الملك أبو إسحاق بويع بالخلافة بعد موت أخيه يزيد الناقص فقيل إنه عهد إليه وقيل لا.\rقال برد بن سنان: حضرت يزيد بن الوليد وقد احتضر فأتاه قطن فقال: أنا رسول من وراء بابك يسألونك بحق الله لما وليت أمرهم أخاك إبراهيم فغضب فقال أنا أولى بإبراهيم ثم قال: يا أبا العلاء إلى من ترى أعهد؟ قلت أمر نهيتك عن الدخول فيه فلا أشير عليك في آخره قال وأغمي عليه حتى حسبته قد مات فقعد قطن فافتعل كتاباً بالعهد على لسان يزيد ودعا ناساً فاستشهدهم عليه ولا والله ما عهد يزيد شيئاً.\rومكث إبراهيم في الخلافة سبعين ليلة ثم خلع خرج عليه مروان بن محمد وبويع فهرب إبراهيم ثم جاء وخلع نفسه من الأمر وسلمه إلى مروان وبايع طائعاً.\rوعاش إبراهيم بعد ذلك إلى سنة اثنتين وثلاثين فقتل فيمن قتل من بني أمية في وقعة السفاح.\rوفي تاريخ ابن عساكر سمع إبراهيم من الزهري وحكى عن عمه هشام وحكى عنه ابنه يعقوب وأمه أم ولد وهو أخو مروان الحمار لأمه.\rوكان خلعه يوم الاثنين لأربع عشرة خلت من صفر سنة سبع وعشرين ومائة.\rوقال المدائني لم يتم لإبراهيم أمر كان قوم يسلمون عليه بالخلافة وقوم يسلمون عليه بالإمرة وأبى قوم أن يبايعوا له وقال بعض شعرائهم:\rنبايع إبراهيم في كل جمعة ... إلا أن أمراً أنت واليه ضائع\rوقال غيره كان نقش خاتم إبراهيم إبراهيم يثق بالله.\rمروان الحمار\rمروان الحمار آخر خلفاء بني أمية أبو عبد الملك بن محمد بن مروان ابن الحكم ويلقب بالجعدي نسبة إلى مؤدبه الجعد بن درهم وبالحمار لأنه كان لا يجف له لبد في محاربة الخارجين عليه.\rكان يصل السير بالسير ويصبر على مكاره الحرب ويقال في المثل: فلان أصبر من حمار في الحروب فلذلك لقب به وقيل لأن العرب تسمي كل مائة سنة حماراً فلما قارب ملك بني أمية مائة سنة لقبوا مروان بالحمار لذلك.\rولد مروان بالجزيرة وأبوه متوليها سنة اثنتين وسبعين وأمه أم ولد.\rوولي قبل الخلافة ولايات جليلة وافتتح قونية سنة خمس ومائة.\rوكان مشهوراً بالفروسية والإقدام والرجلة والدهاء والعسف فلما قتل الوليد وبلغه ذلك وهو على أرمينية دعا إلى بيعة من رضي المسلمون فبايعوه فلما بلغه موت يزيد أنفق الخزائن وسار فحارب إبراهيم فهزمه وبويع مروان وذلك في نصف صفر سنة سبع وعشرين واستوثق له الأمر فأول ما فعل أمر بنبش يزيد الناقص فأخرجه من قبره وصلبه لكونه قتل الوليد.\rثم أنه لم يتهن بالخلافة لكثرة من خرج عليه منكل جانب إلى سنة اثنتين وثلاثين فخرج عليه بنو العباس وعليهم عبد الله بن علي عم السفاح فسار لحربهم فالتقى الجمعان بقرب الموصل فانكسر مروان فرجع إلى الشام فتبعه عبد الله ففر مروان إلى مصر فتبعه صالح أخو عبد الله فالتقيا بقرية بوصير فقتل مروان بها في ذي الحجة من السنة.\rمات في أيامه من الأعلام: السدي الكبير ومالك بن دينار الزاهد وعاصم بن أبي النجود المقري ويزيد بن أبي حبيب وشيبة بن نصاح المقري ومحمد بن المنكدر وأبو جعفر يزيد بن القعقاع مقرئ المدينة وأبو أيوب السختياني وأبو الزناد وهمام بن منبه وواصل بن عطاء المعتزلي.\rوأخرج الصولي عن محمد بن صالح قال لما قتل مروان الحمار قطع رأسه ووجه به إلى عبد الله بن علي فنظر إليه وغفل فجاءت هرة فاقتلعت لسانه وجعلت تمضعه فقال عبد الله بن علي لو لم يرنا الدهر من عجائبه إلا لسان مروان في فم هرة لكفانا ذلك.\rالسفاح أول خلفاء بني العباس\rالسفاح أول خلفاء بني العباس أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي ابن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم.\rولد سنة ثمان ومائة وقيل: سنة أربع بالحميمة من ناحية البلقاء ونشأ بها وبويع بالكوفة وأمه ريطة الحارثية.\rحدث عن أخيه إبراهيم بن محمد الإمام وروى عنه عمه عيسى بن علي وكان أصغر من أخيه المنصور.","part":1,"page":104},{"id":105,"text":"أخرج أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري \" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن يقال له السفاح فيكون إعطاؤه المال حثياً \" .\rوقال عبيد الله العيشي قال أبي: سمعت الأشياخ يقولون: والله لقد أفضت الخلافة إلى بني العباس وما في الأرض أحد أكثر قارئاً للقرآن ولا أفضل عابداً ولا ناسكاً منهم.\rقال ابن جرير الطبري: كان بدء أمر بني العباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم العباس عمه أن الخلافة تؤول إلى ولده فلم يزل ولده يتوقعون ذلك.\rوعن رشدين بن كريب أن أبا هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية خرج إلى الشام فلقي محمد بن علي بن عبد الله بن عباس فقال يا ابن عم إن عندي علماً أريد أن أنبذه إليك فلا تطلعن عليه أحداً إن هذا الأمر الذي ترتجيه الناس فيكم قال: قد علمته فلا يسمعنه منك أحد.\rوروى المدائني عن جماعة أن الإمام محمد بن علي بن عبد الله بن عباس قال لنا ثلاثة أوقات: موت يزيد بن معاوية ورأس المائة وفتق بإفريقية فعند ذلك تدعو لنا دعاة ثم تقبل أنصارنا من المشرق حتى ترد خيولهم المغرب فلما قتل يزيد بن أبي مسلم بإفريقية ونقضت البربر بعث محمد الإمام رجلا إلى خراسان وأمره أن يدعو إلى الرضى من آل محمد صلى الله عليه وسلم ولا يسمى أحداً ثم وجه أبا مسلم الخراساني وغيره وكتب إلى النقباء فقبلوا كتبه ثم لم ينشب أن مات محمد فعهد إلى أبنه إبراهيم فبلغ خبره مروان فسجنه ثم قتله فعهد إلى أخيه عبد الله وهو السفاح فاجتمع إليه شيعتهم وبويع بالخلافة بالكوفة في ثالث ربيع الأول سنة اثنتين وثلاثين ومائة وصلى بالناس الجمعة وقال في الخطبة الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه فكرمه وشرفه وعظمه واختاره لنا وأيده بنا وجعلنا أهله وكهفه وحصنه والقوام به والذابين عنه ثم ذكر قرابتهم في آيات القرآن إلى أن قال فلما قبض الله نبيه قام بالأمر أصحابه إلى أن وثب بنو حرب ومروان فجاروا واستأثروا فأملى الله لهم حيناً حتى آسفوه فانتقم منهم بأيدينا ورد علينا حقنا ليمن بنا على الذين استضعفوا في الأرض وختم بنا كما افتتح بنا وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله يا أهل الكوفة أنتم محل محبتنا ومنزل مودتنا لم تفتروا عن ذلك ولم يثنكم عنه تحامل أهل الجور فأنتم أسعد الناس بنا وأكرمهم علينا وقد زدت في أعطياتكم مائة مائة فاستعدوا فأنا السفاح المبيح والتأثر المبير.\rوكان عيسى بن علي إذا ذكر خروجهم من الحميمة يريدون الكوفة يقول: إن أربعة عشر رجلا خرجوا من دارهم يطلبون ما طلبنا لعظيمة هممهم شديدة قلوبهم.\rولما بلغ مروان مبايعة السفاح خرج لقتاله فانكسر كما تقدم ثم قتل وقتل في مبايعة السفاح من بني أمية وجندهم ما لا يحصى من الخلائق وتوطدت له الممالك إلى أقصى المغرب.\rقال الذهبي بدولته تفرقت الجماعة وخرج عن الطاعة ما بين تاهرت وطبنة إلى بلاد السودان وجميع مملكة الأندلس وخرج بهذه البلاد من تغلب عليها واستمر ذلك.\rمات السفاح بالجدري في ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة وكان قد عهد إلى أخيه أبي جعفر وكان في سنة أربع وثلاثين قد انتقل إلا الأنبار وصيرها دار الخلافة.\rومن أخبار السفاح قال الصولي: من كلامه إذا عظمت القدرة قلت الشهوة وقل تبرع إلا معه حق مضاع وقال: إن من أدنياء الناس ووضعائهم من عد البخل حزماً والحلم ذلا وقال إذا كان الحلم مفسدة كان العفو معجزة والصبر حسن إلا على ما أوقع الدين وأوهن السلطان والأناة محمودة إلا عند إمكان الفرصة.\rقال الصولي: وكان السفاح أسخى الناس ما وعد عدة فأخرها عن وقتها ولا قام من مجلسه حتى يقضيه وقال له عبد الله بن حسن مرة سمعت بألف ألف درهم وما رأيتها قط فأمر بها فأحضرت وأمر بحملها معه إلى منزله.\rقال: وكان نقش خاتمه الله ثقة عبد الله وبه يؤمن وقل ما يروى له من الشعر.","part":1,"page":105},{"id":106,"text":"وقال سعيد بن مسلم الباهلي: دخل عبد الله بن حسن على السفاح مرة والمجلس غاص ببني هاشم والشيعة ووجوه الناس ومعه مصحف فقال يا أمير المؤمنين أعطنا حقنا الذي جعله الله لنا في هذا المصحف قال له إن علياً جدك كان خيراً مني وأعدل ولي هذا الأمر أفأعطي جديك الحسن والحسين وكانا خيراً منك شيئاً وكان الواجب أن أعطيك مثله فإن كنت فعلت فقد أنصفتك وإن كنت زدتك فما هذا جزائي منك فانصرف ولم يحر جواباً وعجب الناس من جواب السفاح.\rقال المؤرخون: في دولة بني العباس افترقت كلمة الإسلام وسقط اسم العرب من الديوان وأدخل الأتراك في الديوان واستولت الديلم ثم الأتراك وصارت لهم دولة عظيمة وانقسمت ممالك الأرض عدة أقسام وصار بكل قطر قائم يأخذ الناس بالعسف ويملكهم بالقهر.\rوكان السفاح سريعاً إلى سفك الدماء فأتبعه في ذلك عماله بالمشرق والمغرب وكان مع ذلك جواداً بالمال.\rمات في أيامه من الأعلام: زيد بن أسلم وعبد الله بن أبي بكر بن حزم وربيعة الرأي فقيه أهل المدينة وعبد الملك بن عمير ويحيى بن أبي إسحاق الحضرمي وعبد الحميد الكاتب المشهور قتل بيوصير مع مروان ومنصور ابن المعتمر وهمام بن منبه.\rالمنصور أبو جعفر عبد الله\rالمنصور أبو جعفر عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وأمه سلامة البربرية أم ولد ولد سنة خمس وتسعين وأدرك جده ولم يرو عنه وروى عن أبيه وعن عطاء بن يسار وعنه ولده المهدي وبويع بالخلافة بعهد من أخيه وكان فحل بني العباس هيبة وشجاعة وحزماً ورأياً وجبروتاً جماعاً للمال تاركاً اللهو واللعب كامل العقل جيد المشاركة في العلم والأدب فقيه النفس قتل خلقاً كثيراً حتى استقام ملكه وهو الذي ضرب أبا حنيفة رحمه الله على القضاء ثم سجنه فمات بعد أيام وقيل إنه قتله بالسم لكونه أفتى بالخروج عليه وكان فصيحاً بليغاً مفوهاً خليقاً للإمارة وكان غاية في الحرص والبخل فلقب أبا الدوانيق لمحاسبته العمال والصناع على الدوانيق والحبات.\rأخرج الخطيب عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال منا السفاح ومنا المنصور ومنا المهدي.\rقال الذهبي: منكر منقطع.\rوأخرج الخطيب وابن عساكر وغيرهما من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: منا السفاح ومنا المنصور ومنا المهدي.\rقال الذهبي: إسناده صالح.\rوأخرج ابن عساكر من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل عن محمد بن جابر عن الأعمش عن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول منا القائم ومنا المنصور ومنا السفاح ومنا المهدي فأما القائم فتأتيه الخلافة ولم يهرق فيها محجمة من دم وأما المنصور فلا ترد له راية وأما السفاح فهو يسفح المال والدم وأما المهدي فيملؤها عدلا كما ملئت ظلماً.\rوعن المنصور قال رأيت كأني في الحرم وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة وبابها مفتوح فنادى مناد أين عبد الله فقام أخي أبو العباس حتى صار على الدرجة فأدخل فما لبث أن خرج ومعه قناة عليها لواء أسود قدر أربعة أذرع ثم نودي أين عبد الله فقمت على الدرجة فأصعدت وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وبلال فعقد لي وأوصاني بأمته وعمني بعمامة فكان كورها ثلاثة وعشرين وقال خذها إليك أبا الخلفاء إلى يوم القيامة.\rتولى المنصور الخلافة في أول سنة سبع وثلاثين ومائة فأول ما فعل أن قتل أبا مسلم الخراساني صاحب دعوتهم وممهد مملكتهم.\rوفي سنة ثمان وثلاثين ومائة كان دخول عبد الرحمن بن معاوية بن هشام ابن عبد الملك بن مروان الأموي إلى الأندلس واستولى عليها وامتدت أيامه وبقيت الأندلس في يد أولاده إلى بعد الأربعمائة وكان عبد الرحمن هذا من أهل العلم والعدل وأمه بربرية.\rقال أبو المظفر الأبيوردي: فكانوا يقولون: ملك الدنيا ابنا بربريتين: المنصور وعبد الرحمن بن معاوية.\rوفي سنة أربعين شرع في بناء مدينة بغداد.\rوفي سنة إحدى وأربعين كان ظهور الراوندية القائلين بالتناسخ قتلهم المنصور وفيها فتحت طبرستان.","part":1,"page":106},{"id":107,"text":"قال الذهبي في سنة ثلاث وأربعين شرع علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير فصنف ابن جريج بمكة ومالك الموطأ بالمدينة والأوزاعي بالشام وابن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة ومعمر باليمن وسفيان الثوري بالكوفة وصنف ابن إسحاق المغازي وصنف أبو حنيفة رحمه الله الفقه والرأي ثم بعد يسير صنف هشيم والليث وابن لهيعة ثم ابن المبارك وأبو يوسف وابن وهب وكثر تدوين العلم وتبويبه ودونت كتب العربية واللغة والتاريخ وأيام الناس وقبل هذا العصر كان الأئمة يتكلمون من حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة.\rوفي سنة خمس وأربعين كان خروج الأخوين محمد وإبراهيم ابني عبد الله ابن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب فظفر بهما المنصور فقتلهما وجماعة كثيرة من آل البيت فإنا لله وإنا إليه راجعون.\rوكان المنصور أول من أوقع الفتنة بين العباسيين والعلويين وكانوا قبل شيئاً واحداً وآذى المنصور خلقاً من العلماء ممن خرج معهما أو أمر بالخروج قتلا وضرباً وغير ذلك منهم أبو حنيفة وعبد الحميد بن جعفر وابن عجلان وممن أفتى بجواز الخروج مع محمد على المنصور مالك بن أنس رحمه الله وقيل له: إن في أعناقنا بيعة للمنصور فقال: إنما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين.\rوفي سنة ست وأربعين كانت غزوة قبرس.\rوفي سنة سبع وأربعين خلع المنصور عمه عيسى بن موسى من ولاية العهد وكان السفاح عهد إليه من بعد المنصور وكان عيسى هو الذي حارب له الأخوين فظفر بهما فكافأه بأن خلعه مكرهاً وعهد إلى ولده المهدي.\rوفي سنة ثمان وأربعين توطدت الممالك كلها للمنصور وعظمت هيبته في النفوس ودانت له الأمصار ولم يبق خارجاً عنه سوى جزيرة الأندلس فقط فإنها غلب عليها عبد الرحمن بن معاوية الأموي المرواني لكنه لم يتلقب بأمير المؤمنين بل بالأمير فقط وكذلك بنوه.\rوفي سنة تسع وأربعين فرغ من بناء بغداد.\rوفي سنة خمسين خرجت الجيوش الخراسانية عن الطاعة مع الأمير أستاذ سيس واستولى على أكثر مدن خراسان وعظم الخطب واستفحل الشر واشتد على المنصور الأمر وبلغ ضريبة الجيش الخراساني ثلاثمائة ألف مقاتل ما بين فارس وراجل فعمل معهم أجشم المروزي مصافاً فقتل أجشم واستبيح عسكره فتجهز لحربهم خازم بن خزيمة في جيش عرمرم يسد الفضاء فالتقى الجمعان وصبر الفريقان وكانت وقعة مشهورة يقال: قتل فيها سبعون ألفاً وانهزم أستاذ سيس فالتجأ إلى جبل وأمر الأمير خازم في العام الآتي بالأسرى فضربت أعناقهم وكانوا أربعة عشر ألفاً ثم حاصروا أستاذ سيس مدة ثم سلم نفسه فقيدوه وأطلقوا أجناده وكان عددهم ثلاثين ألفاً انتهى.\rوفي سنة إحدى وخمسين بني الرصافة وشيدها.\rوفي سنة ثلاث وخمسين ألزم المنصور رعيته بلبس القلانس الطوال فكانوا يعلمونها بالقصب والورق ويلبسونها السواد فقال أبو دلامة:\rوكنا نرجي من إمام زيادة ... فزاد الإمام المصطفى في القلانس\rتراها على هام الرجال كأنها ... دنان يهود جللت بالبرانس\rوفي سنة ثمان وخمسين أمر المنصور نائب مكة بحبس سفيان الثوري وعباد بن كثير فحبسا وتخوف الناس أن يقتلهما المنصور إذا ورد الحج فلم يوصله الله مكة سالماً بل قدم مريضاً ومات وكفاهما الله شره وكانت وفاته بالبطن في ذي الحجة ودفن بين الحجون وبين بئر ميمون وقال سلم الخاسر:\rقفل الحجيج وخلفوا ابن محمد ... رهناً بمكة في الضريح الملحد\rشهدوا المناسك كلها وإمامهم ... تحت الصفائح محرماً لم يشهد\rومن أخبار المنصور أخرج ابن عساكر بسنده أن أبا جعفر المنصور كان يرحل في طلب العلم قبل الخلافة فبينما هو يدخل منزلا من المنازل قبض عليه صاحب الرصد فقال: زن درهمين قبل أن تدخل قال: خل عني فإني رجل من بني هاشم قال: زن درهمين فقال: خل عني فإني من بني عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: زن درهمين قال: خل عني فإني رجل قارئ لكتاب الله قال: زن درهمين قال: خل عني فإني رجل عالم بالفقه والفرائض قال: زن درهمين فلما أعياه أمره وزن الدرهمين فرجع ولزم جمع المال والتدنق فيه حتى لقب بأبي الدوانيق.","part":1,"page":107},{"id":108,"text":"وأخرج عن الربيع بن يونس الحاجب قال: سمعت المنصور يقول الخلفاء أربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والملوك أربعة: معاوية وعبد الملك وهشام وأنا.\rوأخرج عن مالك بن أنس قال: دخلت على أبي جعفر المنصور فقال من أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: أبو بكر وعمر قال: أصبت وذلك رأي أمير المؤمنين.\rوأخرج عن إسماعيل الفهري قال: سمعت المنصور في يوم عرفة على منبر عرفة يقول في خطبته: أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه أسوسكم بتوفيقه ورشده وخازنه على فيئه أقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه وقد جعلني الله عليه قفلا إذا شاء أن يفتحني فتحني لإعطائكم وإذا شاء أن يقفلني عليه أقفلني فارغبوا إلى الله أيها الناس وسلوه في هذا اليوم الشريف الذي وهب لكم فيه من فضله ما أعلمكم في كتابه إذ يقول: \" اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً \" \" المائدة: 3 \" أن يوفقني للصواب ويسددني للرشاد ويلهمني الرأفة بكم والإحسان إليكم ويفتحني لإعطائكم وقسم أرزاقكم بالعدل فإنه سميع مجيب.\rوأخرجه الصولي وزاد في أوله أن سبب هذه الخطبة أن الناس بخلوه وزاد في آخره: فقال بعض الناس أحال أمير المؤمنين بالمنع على ربه.\rوأخرج عن الأصمعي وغيره أن المنصور صعد المنبر فقال: الحمد لله أحمده واستعينه وأومن به وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أذكر من أنت في ذكره فقال: مرحباً مرحباً لقد ذكرت جليلا وخوفت عظيماً وأعوذ بالله أن أكون ممن إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم والموعظة منا بدت ومن عندنا خرجت وأنت يا قائلها فأحلف بالله ما الله أردت بها وإنما أردت أن يقال: قام فقال فعوقب فصبر فاهون بها من قائلها واهتبلها من الله ويلك إني قد غفرتها وإياكم معشر الناس وأمثالها وأشهد أن محمداً عبده ورسوله فعاد إلى خطبته فكأنما يقرؤها من قرطاس.\rوأخرج من طرق أن المنصور قال لابنه المهدي: يا أبا عبد الله الخليفة لا يصلحه إلا التقوى والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة والرعية لا يصلحها إلا العدل وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة وأنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه.\rوقال: لا تبر من أمراً حتى تفكر فيه فإن فكرة العاقل مرآته تريه قبيحه وحسنه.\rوقال: أي بني استدم النعمة بالشكر والمقدرة بالعفو والطاعة بالتألف والنصر بالتواضع والرحمة للناس.\rوأخرج عن مبارك بن فضالة قال: كنا عند المنصور فدعا برجل ودعا بالسيف فقال المبارك يا أمير المؤمنين سمعت الحسن يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم القيامة قام مناد من عند الله ينادي ليقم الذين أجرهم على الله فلا يقوم إلا من عفا فقال المنصور خلوا سبيله.\rوأخرج عن الأصمعي قال: أتى المنصور برجل يعاقبه فقال يا أمير المؤمنين الانتقام عدل والتجاوز فضل ونحن نعيذ أمير المؤمنين بالله أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين دون أن يبلغ أرفع الدرجتين فعفا عنه.\rوأخرج عن الأصمعي قال: لقى المنصور أعرابياً بالشام فقال: أحمد الله يا أعرابي الذي رفع عنكم الطاعون بولايتنا أهل البيت قال: إن الله لا يجمع علينا حشفاً وسوء كيل ولايتكم والطاعون.\rوأخرج عن محمد بن منصور البغدادي قال: قام بعض الزهاد بين يدي المنصور فقال إن الله أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك ببعضها واذكر ليلة تبيت في القبر لم تبت قبلها ليلة واذكر ليلة تمخض عن يوم لا ليلة بعده فأفحم المنصور وأمر له بمال فقال لو احتجت إلى مالك ما وعظتك.\rوأخرج عن عبد السلام بن حرب أن المنصور بعث إلى عمرو بن عبيد فجاءه فأمر له بمال فأبى أن يقبله فقال المنصور: والله لتقبلنه فقال: والله لا أقبله فقال له المهدي: قد حلف أمير المؤمنين فقال أمير المؤمنين أقوى على كفارة اليمين من عمك فقال له المنصور: سل حاجتك؟ قال: أسألك أن لا تدعوني حتى آتيك ولا تعطيني حتى أسألك فقال: علمت أني جعلت هذا ولي عهدي فقال: يأتيه الأمر يوم يأتيه وأنت مشغول.","part":1,"page":108},{"id":109,"text":"وأخرج عن عبد الله بن صالح قال: كتب المنصور إلى سوار بن عبد الله قاضي البصرة انظر الأرض التي تخاصم فيها فلان القائد وفلان التاجر فادفعها إلى القائد فكتب إليه سوار: إن البينة قد قامت عندي أنها للتاجر فلست أخرجها من يده إلا ببينة فكتب إليه المنصور: والله الذي لا إله إلا هو لتدفعنها إلى القائد فكتب إليه سوار والله الذي لا إله إلا هو لا أخرجتها من يد التاجر إلا بحق فلما جاءه الكتاب قال ملأتها والله عدلا وصار قضاتي تردني إلى الحق.\rوأخرج من وجه آخر أن المنصور وشيء إليه بسوار فاستقدمه فعطس المنصور فلم يشمته سوار فقال ما يمنعك من التشميت؟ قال: لأنك لم تحمد الله فقال: قد حمدت الله في نفسي قال شمتك في نفسي قال: ارجع إلى عملك فإنك إذ لم تحابيني لم تحاب غيري.\rوأخرج عن نمير المدني قال: قدم المنصور المدينة ومحمد بن عمران الطلحي على قضائه وأنا كاتبه فاستعدى الجمالون على المنصور في شيء فأمرني أن أكتب إليه بالحضور وإنصافهم فاستعفيت فلم يعفني فكتبت الكتاب ثم ختمته وقال والله لا يمضي به غيرك فمضيت به إلى الربيع فدخل عليه ثم خرج فقال للناس: إن أمير المؤمنين يقول لكم: إني قد دعيت إلى مجلس الحكم فلا يقومن معي أحد ثم جاء هو والربيع فلم يقم له القاضي بل حل رداءه واحتبى به ثم دعا بالخصوم فادعوا فقضى لهم على الخليفة فلما فرغ قال له المنصور جزاك الله عن دينك أحسن الجزاء قد أمرت لك بعشرة آلاف دينار.\rوأخرج عن محمد بن حفص العجلي قال: ولد لأبي دلامة ابنة فغدا على المنصور فأخبره وأنشد:\rلو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قول لقيل اقعدوا يا آل عباس\rثم ارتقوا في شعاع الشمس كلكم ... إلى السماء فأنتم أكرم الناس\rثم أخرج أبو دلامة خريطة فقال المنصور ما هذه قال: اجعل فيها ما تأمر لي به فقال أملؤها له دراهم فوسعت ألفي درهم.\rوأخرج عن محمد بن سلام الجمحي قال: قيل للمنصور: هل بقي من لذات الدنيا شيء لم تنله قال: بقيت خصلة أن أقعد في مصطبة وحولي أصحاب الحديث يقول المستملي من ذكرت رحمك الله قال فغدا عليه الندماء وأبناء الوزراء بالمحابر والدفاتر فقال لستم بهم إنما هم الدنسة ثيابهم المشققة أرجلهم الطويلة شعورهم برد الآفاق ونقله الحديث.\rوأخرج عن عبد الصمد بن علي أنه قال للمنصور: لقد هجمت بالعقوبة حتى كأنك لم تسمع بالعفو قال لأن بني مروان لم تبل رممهم وآل أبي طالب لم تغمد سيوفهم ونحن بين قوم قد رأونا أمس سوقة واليوم خلفاء فليس تتمهد هيبتنا في صدورهم إلا بنسيان العفو واستعمال العقوبة.\rوأخرج عن يونس بن حبيب قال: كتب زياد بن عبد الله الحارثي إلى المنصور يسأله الزيادة في عطائه وأرزاقه وأبلغ في كتابه فوقع المنصور في القصة إن الغني والبلاغة إذا اجتمعنا في رجل أبطرتاه وأمير المؤمنين يشفق عليك من ذلك فاكتف بالبلاغة.\rوأخرج عن محمد بن سلام قال: رأت جارية المنصور قميصه مرقوعاً فقالت: خليفة وقميصه مرقوع فقال ويحك أما سمعت قول ابن هرمة:\rقد يدرك الشرف الفتى ورداؤه ... خلق وجيب قميصه مرقوع\rوقال العسكري في الأوائل: كان المنصور في ولد العباس كعبد الملك في بني أمية في بخله رأى بعضهم عليه قميصاً مرقوعاً فقال: سبحان من ابتلى أبا جعفر بالفقر في ملكه وحدا به سلم الحادي فطرب حتى كاد يسقط من الراحلة فأجازه بنصف درهم فقال لقد حدوت بهشام فأجازني بعشرة آلاف فقال ما كان له أن يعطيك ذلك من بيت المال يا ربيع وكل به من يقبضها منه فما زالوا به حتى تركه على أن يحدو به ذهاباً وإياباً بغير شيء.\rوفي كتاب الأوائل للعسكري: كان ابن هرمة شديد الرغبة في الخمر فدخل على المنصور فأنشده:\rله لحظات من خفا في سريرة ... إذا كرها فيها عقاب ونائل\rفأم الذي أمنت آمنة الردى ... وأم الذي حاولت بالثكل ثاكل\rفأعجب به المنصور وقال ما حاجتك؟ قال: تكتب إلى عاملك بالمدينة أن لا يحدني إذا وجدني سكران فقال: لا أعطل حداً من حدود الله قال: تحتال لي فكتب إلى عامله من أتاك بابن هرمة سكران فأجلده مائة واجلد ابن هرمة ثمانين.\rفكان العون إذا مر به وهو سكران يقول: من يشتري مائة بثمانين؟ ويتركه ويمضي.","part":1,"page":109},{"id":110,"text":"قال: وأعطاه المنصور في هذه المرة عشرة آلاف درهم وقال له: يا إبراهيم احتفظ بها فليس لك عندنا مثلها فقال: إني ألقاك على الصراط بها بختمة الجهبذ.\rومن شعر المنصور وشعره قليل:\rإذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة ... فإن فساد الرأي أن تترددا\rولا تمهل الأعداء يوماً بقدرة ... وبادرهم أن يملكوا مثلها غدا\rوقال عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي: كنت أطلب العلم مع أبي جعفر المنصور قبل الخلافة فأدخلني منزله فقدم إلي طعاماً لا لحم فيه ثم قال: يا جارية عندك حلواء؟ قالت: لا قال: ولا التمر؟ قالت لا فاستلقى وقرأ \" عسى ربكم أن يهلك عدوكم \" الآية فلما ولي الخلافة وفدت إليه فقال: كيف سلطاني من سلطان بني أمية؟ قلت: ما رأيت في سلطانهم من الجور شيئاً إلا رأيته في سلطانك فقال إنا لا نجد الأعوان قلت: قال عمر بن عبد العزيز: إن السلطان بمنزلة السوق يجلب إليها ما ينفق فيها فإن كان براً أتوه ببرهم وإن كان فاجراً أتوه بفجورهم فأطرق.\rومن كلام المنصور: الملوك تحتمل كل شيء إلا ثلاثة خلال: إفشاء السر والتعرض للحرم والقدح في الملك أسنده الصولي.\rوقال: إذا مد عدوك إليك يده فاقطعها إن أمكنك وإلا فقبلها أسنده أيضاً.\rوأخرج الصولي عن يعقوب بن جعفر قال: مما يؤثر من ذكاء المنصور أنه دخل المدينة فقال للربيع: أطلب لي رجلا يعرفني دور الناس فجاءه رجل فجعل يعرفه الدور إلا أنه لا يبتدئ به حتى يسأله المنصور فلما فارقه أمر له بألف درهم فطالب الرجل الربيع بها فقال: ما قال لي شيئاً وسيركب فذكره فركب مرة أخرى فجعل يعرفه ولا يرى موضعاً للكلام فلما أراد أن يفارقه قال الرجل مبتدئاً وهذه يا أمير المؤمنين دار عاتكة التي يقول فيها الأخوص:\rيا بيت عاتكة الذي أتعزل ... حذر العدى بك الفؤاد موكل\rفأنكر المنصور ابتداءه فأمر القصيدة على قلبه فإذا فيها:\rوأراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق اللسان يقول ما لا يفعل\rفضحك وقال ويلك يا ربيع أعطه ألف درهم.\rوأسند الصولي عن إسحاق الموصلي قال: لم يكن المنصور يظهر لندمائه بشرب ولا غناء بل يجلس وبينه وبين الندماء ستارة وبينهم وبينها عشرون ذراعاً وبينهما وبينه كذلك وأول من ظهر للندماء من خلفاء بني العباس المهدي.\rوأخرج الصولي عن يعقوب بن جعفر قال: قال المنصور لقثم بن العباس ابن عبد الله بن العباس وكان عامله على اليمامة والبحرين: ما القثم؟ ومن أي شيء أخذ فقال لا أدري فقال اسمك اسم هاشمي لا تعرفه أنت والله جاهل قال: فإن رأي أمير المؤمنين أن يفيدنيه قال: القثم الذي ينزل بعد الأكل ويقثم الأشياء: يأخذها ويثلمها.\rروي أن المنصور ألح عليه ذباب فطلب مقاتل بن سليمان فسأله لم خلق الله الذباب قال ليذل به الجبارين.\rوقال محمد بن علي الخراساني: المنصور أول خليفة قرب المنجمين وعمل بأحكام النجوم وأول خليفة ترجمت له الكتب السريانية والأعجمية بالعربية ككتاب كليلة ودمنة وإقليدس وهو أول من استعمل مواليه على الأعمال وقدمهم على العرب وكثر ذلك بعده حتى زالت رئاسة العرب وقيادتها وهو أول من أوقع الفرقة بين ولد العباس وولد علي وكان قبل ذلك أمرهم واحداً.","part":1,"page":110},{"id":111,"text":"أحاديث من رواية المنصور: قال الصولي: كان المنصور أعلم الناس بالحديث والأنساب مشهوراً بطلبه قال ابن عساكر في تاريخ دمشق حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي حدثنا أبو محمد الجوهري حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن الشخير حدثنا أحمد بن إسحاق أبو بكر الملحمي حدثنا أبو عقيل أنس بن سلم الأنطرطوشي حدثني محمد بن إبراهيم السلمي عن المأمون عن الرشيد عن المهدي عن المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم \" كان يتختم في يمينه \" وقال الصولي: حدثنا محمد بن زكريا اللؤلؤي حدثنا جهم بن السباق الرياحي حدثني بشر بن المفضل سمعت الرشيد يقول: سمعت المهدي يقول سمعت المنصور يقول حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تأخر عنها هلك \" وقال الصولي: حدثنا محمد بن موسى حدثنا سليمان بن أبي شيخ حدثنا أبو سفيان الحميري سمعت المهدي يقول حدثني أبي عن أبيه عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" إذا أمرنا أميراً وفرضنا له فرضاً فما أصاب من شيء فهو غلول \" وقال الصولي: حدثنا جبلة بن محمد حدثنا أبي عن يحيى بن حمزة الحضرمي عن أبيه قال ولأني المهدي القضاء فقال: اصلب في الحكم فإن أبي حدثني عن أبيه عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" يقول الله وعزتي وجلالي لأنتقمن من الظالم في عاجله وآجله ولأنتقمن ممن رأى مظلوماً يقدر أن ينصره فلم يفعل \" وقال الصولي: حدثنا محمد بن العباس ابن الفرج حدثني أبي عن الأصمعي حدثني جعفر بن سليمان عن المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال \" كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي \" وقال الصولي: حدثنا أبو إسحاق محمد بن هارون بن عيسى حدثنا الحسن بن عبيد الله الحصبي حدثنا إبراهيم ابن سعيد حدثني المأمون عن الرشيد عن المهدي عن المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: لا تسافروا في محاق الشهر ولا إذا كان القمر في العقرب.\rمات في أيام المنصور من الأعلام: ابن المقفع وسهيل بن أبي صالح والعلاء ابن عبد الرحمن وخالد بن يزيد المصري الفقيه وداود بن أبي هند وأبو حازم سلمة بن دينار الأعرج وعطاء بن أبي مسلم الخراساني ويونس بن عبيد وسليمان الأحول وموسى بن عقبة صاحب المغازي وعمرو بن عبيد المعتزلي ويحيى بن سعيد الأنصاري والكلبي وأبو إسحاق وجعفر بن محمد الصادق والأعمش شبل بن عباد مقرئ مكة ومحمد بن عجلان المعدني الفقيه ومحمد ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى وابن جريج وأبو حنيفة وحجاج بن أرطأة وحماد الراوية ورؤبة الشاعر والجريري وسليمان التميمي وعاصم الأحول وابن شبرمة الضبي ومقاتل بن حبان ومقاتل بن سليمان وهاشم بن عروة وأبو عمرو بن العلاء وأشعب الطماع وحمزة بن حبيب الزيات والأوزاعي وخلائق آخرون.\rالمهدي\rأبو عبد الله محمد بن المنصور\rالمهدي: أبو عبد الله محمد بن المنصور ولد بأيذج سنة سبع وعشرين ومائة وقيل: سنة ست وعشرين وأمه أم موسى بنت منصور الحميرية.\rوكان جواداً ممدحاً مليح الشكل محبباً إلى الرعية حسن الاعتقاد تتبع الزنادقة وأفنى منهم خلقاً كثيراً وهو أول من أمر بتصنيف كتب الجدل في الرد على الزنادقة والملحدين روي الحديث عن أبيه وعن مبارك بن فضالة حدث عنه يحيى بن حمزة وجعفر بن سليمان الضبعي ومحمد بن عبد الله الرقاشي وأبو سفيان سعيد بن يحيى الحميري قال الذهبي وما علمت قيل فيه جرحاً ولا تعديلا.\rوأخرج ابن عدي من حديث عثمان مرفوعاً \" المهدي من ولد العباس عمي \" تفرد به محمد بن الوليد مولى بني هاشم وكان يضع الحديث وأورد الذهبي هنا حديث ابن مسعود مرفوعاً \" المهدي بواطئ أسمه واسمي واسم أبيه اسم أبي \" أخرجه أبو داود والترمذي وصححه.","part":1,"page":111},{"id":112,"text":"ولما شب المهدي أمره أبوه على طبرستان وما والاها وتأدب وجالس العلماء وتميز ثم إن أباه عهد إليه فلما مات بويع بالخلافة ووصل الخبر إليه ببغداد فخطب الناس فقال: إن أمير المؤمنين عبد دعي فأجاب وأمر فأطاع واغرورقت عيناه فقال قد بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند فراق الأحبة ولقد فارقت عظيماً وقلدت جسيماً فعند الله أحتسب أمير المؤمنين وبه أستعين على خلافة المسلمين أيها الناس أسروا مثل ما تعلنون من طاعتنا نهبكم العافية وتحمدوا العاقبة واخفضوا جناح الطاعة لمن نشر معدلته فيكم وطوى الإصر عنكم وأهال عليكم السلامة من حيث رآه الله مقدما ذلك والله لأفننين عمري بين عقوبتكم والإحسان إليكم.\rقال نفطويه: لما حصلت الخزائن في يد المهدي أخذ في رد المظالم فأخرج أكثر الذخائر ففرقها وبر أهله ومواليه.\rوقال غيره: أول من هنأ المهدي بالخلافة وعزاه بأبيه أبو دلامة فقال:\rعيناي واحدة ترى مسرورة ... بأميرها جذلى وأخرى تذرف\rتبكي وتضحك تارة ويسوؤها ... ما أنكرت ويسرها ما تعرف\rفيسوءها موت الخليفة محرماً ... ويسرها أن قام هذا الأرأف\rما إن رأيت كما رأيت ولا أرى ... شعراً أسرحه وآخر ينتف\rهلك الخليفة يا لدين محمد ... وأتاكم من بعد من يخلف\rأهدى لهذا الله فضل خلافة ... ولذاك جنات النعيم تزخرف\rوفي سنة تسع وخمسين بايع المهدي بولاية العهد لموسى الهادي ثم من بعده لهارون الرشيد ولديه.\rوفي سنة ستين فتحت أربد من الهند عنوة وفيها حج المهدي فأنهى إليه حجبة الكعبة أنهم يخافون هدمها لكثرة ما عليها من الأستار فأمر بها فجردت واقتصر على كسوة المهدي وحمل إلى المهدي الثلج إلى مكة قال الذهبي لم يتهيأ ذلك لملك قط.\rوفي سنة إحدى وستين أمر المهدي بعمارة طريق مكة وبنى بها قصوراً وعمل البرك وأمر بترك المقاصير التي في جوامع الإسلام وقصر المنابر وصيرها على مقدار منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.\rوفي سنة ثلاث وستين وما بعدها كثرت الفتوح بالروم.\rوفي سنة ست وستين تحول المهدي إلى قصره المسمى بعيساباذ وأمر فأقيم له البريد من المدينة النبوية ومن اليمن ومكة إلى الحضرة بغالا وإبلا قال الذهبي: وهو أول من عمل البريد من الحجاز إلى العراق.\rوفيها وفيما بعدها جد المهدي في تتبع الزنادقة وإبادتهم والبحث عنهم في الآفاق والقتل على التهمة.\rوفي سنة سبع وستين أمر بالزيادة الكبرى في المسجد الحرام وأدخل في ذلك دوراً كثيرة.\rوفي سنة تسع وستين مات المهدي ساق خلف صيد فاقتحم الصيد خربة وتبعه الفرس فدق ظهره في بابها فمات لوقته وذلك لثمان بقين من المحرم وقيل إنه مات مسموماً وقال سلم الخاسر يرثيه:\rوباكية على المهدي عبرى ... كأن بها وما جنت جنونا\rوقد خمشت محاسنها وأبدت ... غدائرها وأظهرت القرونا\rلئن بلى الخليفة بعد عز ... لقد أبقى مساعي ما بلينا\rسلام الله عدة كل يوم ... على المهدي حين ثوى رهينا\rتركنا الدين والدنيا جميعاً ... بحيث ثوى أمير المؤمنينا\rومن أخبار المهدي قال الصولي لما عقد المهدي العهد لولده موسى قال مروان بن أبي حفصة:\rعقدت لموسى بالرصافة بيعة ... شد الإله بها عرى الإسلام\rموسى الذي عرفت قريش فضله ... ولها فضيلتها على الأقوام\rبمحمد بعد النبي محمد ... حيي الحلال ومات كل حرام\rمهدي أمته الذي أمست به ... للذل آمنه وللإعدام\rموسى ولي عهد الخلافة بعده ... جفت بذاك مواقع الأقلام\rوقال آخر:\rيا بن الخليفة إن أمة أحمد ... تاقت إليك بطاعة أهواؤها\rولتملأن الأرض عدلا كالذي ... كانت تحدث أمة علماؤها\rحتى تمنى لو ترى أمواتها ... من عدل حكمك ما ترى أحياؤها\rفعلى أبيك اليوم بهجة ملكها ... وغدا عليك إزارها ورداؤها","part":1,"page":112},{"id":113,"text":"وأسند الصولي أن امرأة اعترضت المهدي فقال يا عصبة رسول الله صلى الله عليه وسلم انظر في حاجتي فقال المهدي: ما سمعتها من أحد قط أقضوا حاجتها وأعطوها عشرة آلاف درهم.\rوقال قريش الختلي: رفع صالح بن عبد القدوس البصري إلى المهدي في الزندقة فأراد قتله فقال أتوب إلى الله وأنشده لنفسه:\rما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه\rوالشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يواري في ثرى رمسه\rفصرفه فلما قرب من الخروج رده فقال: ألم تقل والشيخ لا يترك أخلاقه قال: بلى قال فكذلك أنت لا تدع أخلاقك حتى تموت ثم أمر بقتله.\rوقال زهير قدم على المهدي بعشرة محدثين: منهم فرج بن فضالة وغياث ابن إبراهيم وكان المهدي يحب الحمام فلما أدخل غياث قيل له حدث أمير المؤمنين فحدثه عن فلان عن أبي هريرة مرفوعاً لا سبق إلا في حافر أو نصل وزاد فيه أو جناح فأمر له المهدي بعشرة آلاف درهم فلما قام قال أشهد أن قفاك قفا كذاب وإنما استجلبت ذلك ثم أمر بالحمام فذبحت.\rوروي أن شريكاً دخل على المهدي فقال له لا بد من ثلاث إما أن تلي القضاء أو تؤدب ولدي وتحدثهم أو تأكل عندي أكلة ففكر ساعة ثم قال الأكلة أخف علي فأمر المهدي بعمل ألوان من المخ المعقود بالسكر وغير ذلك فأكل فقال الطباخ لا يفلح بعدها قال حدثهم بعد ذلك وعلمهم العلم وولى القضاء لهم.\rوأخرج البغوي في الجعديات عن حمدان الأصبهاني قال كنت عند شريك فأتاه ابن المهدي فاستند وسأل عن حديث فلم يلتفت شريك ثم أعاد فعاد فقال كأنك تستخف بأولاد الخلفاء قال لا ولكن العلم أزيد عند أهله من أن يضيعوه فجثا على ركبتيه ثم سأله فقال شريك هكذا يطلب العلم ومن شعر المهدي ما أنشده الصولي:\rما يكف الناس عنا ... ما يمل الناس منا\rإنما همتهم أن ... ينبشوا ما قد دفنا\rلو سكنا بطن أرض ... فلكانوا حيث كنا\rوهم إن كاشفونا ... في الهوى يوماً مجنا\rوأسند الصولي عن محمد بن عمارة قال: كان للمهدي جارية شغف بها وهي كذلك إلا أنها تتحاماه كثيراً فدس إليها من عرف ما في نفسها فقالت أخاف أن يملني ويدعني فأموت فقال المهدي في ذلك:\rظفرت بالقلب مني ... غادة مثل الهلال\rكلما صح لها ود ... ي جاءت باعتلال\rلا لحب الهجر مني ... والتنائي عن وصال\rبل لإبقاء على حب ... ي لها خوف الملال\rوله في نديمه عمر بن بزيع:\rرب تمم لي نعيمي ... بأبى حفص نديمي\rإنما لذة عيشي ... في غناء وكروم\rوجوار عطرات ... وسماع ونعيم\rقلت: شعر المهدي أرق وألطف من شعر أبيه وأولاده بكثير.\rوأسند الصولي عن ابن أبي كريمة قال: دخل المهدي إلى حجرة جارية على غفلة فوجدها وقد نزعت ثيابها وأرادت لبس غيرها فلما رأته غطت بيدها فقصرت كفها عنه فضحك وقال:\rنظرت في القصر عيني ... نظرة وافق حيني\rثم خرج فرأى بشاراً فأخبره وقال أجز فقال بشار:\rسترته إذ رأتني ... دونه بالراحتين\rفبدا لي منه فضل ... تحت طي العكنتين\rوأسند عن إسحاق الموصلي قال: كان المهدي في أول أمره يحتجب عن الندماء تشبيهاً بالمنصور نحواً من سنة ثم ظهر لهم فأشير عليه أن يحتجب فقال إنما اللذة مع مشاهدتهم.\rوأسند عن مهدي بن سابق قال: صاح رجل بالمهدي وهو في موكبه:\rقل للخليفة: حاتم لك خائن ... فخف الإله وأعفنا من حاتم\rإن العفيف إذا استعان بخائن ... كان العفيف شريكه في المأتم\rفقال المهدي: يعزل كل عامل لنا يدعى حاتماً.\rوأسند عن أبي عبيدة قال كان المهدي يصلي بنا الصلوات الخمس في المسجد الجامع بالبصرة لما قدمها فأقيمت الصلاة يوماً فقال أعرابي لست على طهر وقد رغبت في الصلاة خلفك فأمر هؤلاء بانتظاري فقال: انتظروه ودخل المحراب فوقف إلى أن قبل قد جاء الرجل فكبر فعجب الناس من سماحة أخلاقه.","part":1,"page":113},{"id":114,"text":"وأسند عن إبراهيم بن نافع أن قوماً من أهل البصرة تنازعوا إليه في نهر من أنهار البصرة فقال: إن الأرض لله في أيدينا للمسلمين فما لم يقع له ابتياع منها يعود ثمنه على كافتهم وفي مصلحتهم فلا سبيل لأحد عليه فقال القوم: هذا النهر لنا بحكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأنه قال: \" من أحيا أرضاً ميتة فهي له \" وهذه موات فوثب المهدي عند ذكر النبي صلى الله عليه وسلم حتى ألصق خده بالتراب وقال: سمعت لما قال وأطعت ثم عاد وقال بقي أن تكون هذه الأرض مواتاً حتى لا أعرض فيها وكيف تكون مواتاً والماء المحيط بها من جوانبها فإن أقاموا البينة على هذا سلمت.\rوأسند عن الأصمعي قال: سمعت المهدي على منبر البصرة يقول إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه وثنى بملائكته فقال \" إن الله وملائكته يصلون على النبي \" الآية \" الأحزاب 56 \" آثره بها من بين الرسل إذ خصكم بها من بين الأمم.\rقلت: وهو أول من قال ذلك في الخطبة وقد استسنها الخطباء إلى اليوم.\rولما مات قال أبو العتاهية وقد علقت المسوح على قباب حرمه:\rرحن في الموشي وأصبحن ... عليهم المسوح\rكل نطاح من الدهر ... له يوم نطوح\rلست بالباقي ولو عم ... رت ما عمر نوح\rنح على نفسك يا م ... سكين إن كنت تنوح\rذكر أحاديث من رواية المهدي: قال الصولي: حدثني احمد بن محمد ابن صالح التمار حدثنا يحيى بن محمد القرشي حدثنا أحمد بن هشام حدثنا أحمد ابن عبد الرحمن بن مسلم المدائني وهو ثقة صدوق قال سمعت المهدي يخطب فقال: حدثنا شعبة عن علي بن زيد عن أبي النضرة عن أبي سعيد الخدري قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطبة من العصر إلى مغيربان الشمس حفظها من حفظها ونسيها من نسيها فقال \" إلا إن الدنيا حلوة خضرة \" الحديث بطوله.\rوقال الصولي: حدثنا إسحاق بن إبراهيم القزاز حدثنا إسحاق بن إبراهيم ابن حبيب بن الشهيد حدثني أبو يعقوب بن حفص الخطابي سمعت المهدي يقول حدثني أبي عن أبيه عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه أن وفداً من العجم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد أحفوا لحاهم وأعفوا شواربهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم \" خالفوهم أعفوا لحاكم وأحفوا شواربكم \" وإحفاء الشارب أخذ ما سقط على الشفة منه ووضع المهدي يده على أعلى شفته.\rوقال منصور بن مزاحم ومحمد بن يحيى بن حمزة عن يحيى بن حمزة قال: صلى بنا المهدي المغرب فجهر بسم الله الرحمن الرحيم فقلت: يا أمير المؤمنين ما هذا قال حدثني أبي عن أبيه عن ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جهر بسم الله الرحمن الرحيم فقلت للمهدي: نأثره عنك؟ قال: نعم قال الذهبي: هذا إسناد متصل لكن ما علمت أحدا احتج بالمهدي ولا بأبيه في الأحكام تفرد به محمد بن الوليد مولى بني هاشم وقال ابن عدي: كان يضع الحديث.\rقلت: لم ينفرد به بل وجدت له متابعاً مات في أيام المهدي من الأعلام شعبة وابن أبي ذئب وسفيان الثوري وإبراهيم بن ادهم الزاهد وداود الطائي الزاهد وبشار بن برد أول شعراء المحدثين وحماد بن سلمة وإبراهيم بن طهمان والخليل بن أحمد صاحب العروض.\rالهادي أبو محمد موسى بن المهدي\rالهادي أبو محمد موسى بن المهدي بن المنصور وأمه أم ولد بربرية اسمها الخيزران ولد بالري سنة سبع وأربعين ومائة وبويع بالخلافة بعد أبيه بعهد منه قال الخطيب: ولم يل الخلافة قبله أحد في سنة فأقام فيها سنة وأشهراً وكان أبوه أوصاه بقتل الزنادقة فجد في أمرهم وقتل منهم خلقاً كثيراً وكان يسمى موسى أطبق لأن شفته العليا كانت تقلص فكان أبوه وكل به في صغره خادماً كلما رآه مفتوح الفم قال موسى: أطبق فيفيق على نفسه ويضم شفتيه فشهر بذلك. قال الذهبي: وكان يتناول المسكر ويلعب ويركب حماراً فارهاً ولا يقيم أبهة الخلافة وكان مع ذلك فصيحاً قادراً على الكلام أديباً تعلوه هيبة وله سطوة وشهامة.\rوقال غيره: كان جباراً وهو أول من مشت الرجال بين يديه بالسيوف المرهفة والأعمدة والقسي الموترة فاتبعه عماله به في ذلك وكثر السلاح في عصره.","part":1,"page":114},{"id":115,"text":"مات في ربيع الآخر سنة سبعين ومائة واختلف في سبب موته فقيل إنه دفع نديماً له من جرف على أصول قصب قد قطع فتعلق النديم به فوقع فدخلت قصبة في منخره فماتا جميعاً وقيل أصابته قرحة في جوفه وقيل سمته أمه الخيزران لما عزم على قتل الرشيد ليعهد إلى ولده وقيل كانت أمه حاكمة مستبدة بالأمور الكبار وكانت المواكب تغدو إلى بابها فزجرهم عن ذلك وكلمها بكلام وقح وقال: لئن وقف ببابك أمير لأضربن عنقه أما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو سبحة فقامت ما تعقل من الغضب فقيل إنه بعث إليها بطعام مسموم فأطعمت منه كلباً فانتثر فعملت على قتله لما وعك بأن غموا وجهه ببساط جلسوا على جوانبه وخلف سبعة بنين. ومن شعر الهادي في أخيه هارون لما امتنع من خلع نفسه:\rنصحت لهارون فرد نصيحتي ... وكل امرئ لا يقبل النصح نادم\rوأدعوه للأمر المؤلف بيننا ... فيبعد عنه وهو في ذاك ظالم\rولولا انتظاري منه يوماً إلى غد ... لعاد إلى ما قلته وهو راغم\rومن أخبار الهادي أخرج الخطيب عن الفضل قال: غضب الهادي على رجل فكلم فيه فرضى فذهب يعتذر فقال له الهادي إن الرضا قد كفاك مؤنة الاعتذار وأخرج عن عبد الله بن مصعب قال: دخل مروان بن أبي حفصة على الهادي فأنشده مديحاً له حتى إذا بلغ قوله:\rتشابه يوماً بأسه ونواله ... فما أحد يدري لأيهما الفضل\rفقال له الهادي: أيما أحب إليك ثلاثون ألف معجلة أو مائة ألف تدور في الديوان؟ قال: تعجل الثلاثون ألفاً وتدور المائة ألف قال: بل تعجلان لك جميعاً فحمل له ذلك.\rوقال الصولي: لا تعرف امرأة ولدت خليفتين إلا الخيزران أم الهادي والرشيد وولادة بنت العباس العبسية زوج عبد الملك بن مروان ولدت الوليد وسليمان وشاهفرند بنت فيروز بن يزدجرد بن كسرى ولدت للوليد بن عبد الملك يزيد الناقص وإبراهيم وولياً الخلافة.\rقلت: يزاد على ذلك بأي خاتون سرية المتوكل الأخير ولدت العباس وحمزة وولياً الخلافة وكزل سريته أيضاً ولدت داود وسليمان وولياها.\rثم قال الصولي: لا يعرف خليفة ركب البريد إلا الهادي من جرجان إلى بغداد قال: وكان نقش خاتمه الله ثقة موسى وبه يؤمن.\rقال الصولي: ولسلم الخاسر في الهادي يمدحه\rموسى المطر ... غيث بكر\rثم انهمر ... ألوى المرر\rكم اعتسر ... وكم قدر\rثم غفر ... عدل السير\rباقي الأثر ... خير وشر\rنفع وضر ... خير البشر\rفرع مضر ... بدر بدر\rلمن نظر ... هو الوزر\rلمن حضر والمف ... تخر لمن غبر\rقال: وهذا على جزء جزء مستفعلن مستفعلن وهو أول من عمله ولم نسمع لمن قبله شعراً على جزء جزء.\rوأسند الصولي: عن سعيد بن سلم قال: إني لأرجو أن يغفر الله للهادي بشيء رأيته منه حضرته يوماً وأبو الخطاب السعدي ينشده قصيدة في مدحه إلى أن قال:\rيا خير من عقدت كفاه حجزته ... وخير من قلدته أمرها مضر\rفقال له الهادي: إلا من ويلك قال سعيد: ولم يكن استثنى في شعره فقلت: يا أمير المؤمنين إنما يعني من أهل هذا الزمان ففكر الشاعر فقال:\rإلا النبي رسول الله إن له ... فضلا وأنت بذاك الفضل تفتخر\rفقال: الآن أصبت وأحسنت وأمر له بخمسين ألف درهم.\rوقال المدائني: عزى الهادي رجلاً في ابن له فقال: سرك وهو فتنة وبلية ويحزنك وهو ثواب ورحمة.\rوقال الصولي: قال سلم الخاسر في الهادي جامعاً بين العزاء والهناء:\rلقد قام موسى بالخلافة والهدى ... ومات أمير المؤمنين محمد\rفمات الذي غم البرية فقده ... وقام الذي يكفيك من يتفقد\rوقال مروان بن أبي حفصة كذلك:\rلقد أصبحت تختال في كل بلدة ... بقبر أمير المؤمنين المقابر\rولو لم تسكن بابنه بعد موته ... لما برحت تبكي عليه المنابر\rولو لم يقم موسى عليها لرجعت ... حنيناً كما حن الصفايا العشائر","part":1,"page":115},{"id":116,"text":"حديث من رواية الهادي: قال الصولي: حدثني محمد بن زكريا هو الغلابي حدثني محمد بن عبد الرحمن المكي حدثنا قسورة بن السكن الفهري حدثنا المطلب بن عكاشة المري قال قدمنا على الهادي شهوداً على رجل شتم قريشاً وتخطى إلى ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فجلس لنا مجلساً احضر فيه فقهاء زمانه واحضر الرجل فشهدنا عليه فتغير وجه الهادي ثم نكس رأسه ثم رفعه فقال سمعت أبي المهدي يحدث عن أبيه المنصور عن أبيه محمد عن أبيه على عن أبيه عبد الله بن عباس قال: من أراد هوان قريش أهانه الله وأنت يا عدو الله لم ترض بأن أردت ذلك من قريش حتى تخطيت إلى ذكر النبي صلى الله عليه وسلم اضربوا عنقه أخرجه الخطيب من طريق الصولي والحديث هكذا في هذه الرواية موقوف وقد ورد مرفوعاً من وجه آخر.\rمات في أيام الهادي من الأعلام نافع قارئ أهل المدينة وغيره.\rالرشيد هارون أبو جعفر\rالرشيد هارون أبو جعفر بن المهدي محمد بن المنصور عبد الله بن محمد بن علي ابن عبد الله بن العباس استخلف بعهد من أبيه عند موت أخيه الهادي ليلة السبت لأربع عشرة بقيت من ربيع الأول سنة سبعين ومائة قال الصولي: هذه الليلة ولد له فيها عبد الله المأمون ولم يكن في سائر الزمان ليلة مات فيها خليفة وقام خليفة وولد خليفة إلا هذه الليلة وكان يكنى أبا موسى فتكنى بأبي جعفر حدث عن أبيه وعن جده ومبارك بن فضالة وروى عنه ابنه المأمون وغيره وكان من أمير الخلفاء واجل ملوك الدنيا وكان كثير الغزو والحج كما قال فيه أبو المعالي الكلابي:\rفمن يطلب لقاءك أو يرده ... فبالحرمين أو أقصى الثغور\rففي أرض العدو على طمر ... وفي ارض الترفه فوق كور\rمولده بالري حين كان أبوه أميراً عليها وعلى خراسان في سنة ثمان وأربعين ومائة وأمه أم ولد تسمى الخيزران وهى أم الهادي وفيها يقول مروان ابن أبي حفصة :\rيا خيزران هناك ثم هناك ... أمسى يسوس العالمين ابناك\rوكان أبيض طويلاً جميلا مليحاً فصيحاً له نظر في العلم والأدب.\rوكان يصلي في خلافته في كل يوم مائة ركعة إلى أن مات لا يتركها إلا لعلة ويتصدق من صلب ماله كل يوم بألف درهم.\rوكان يحب العلم وأهله ويعظم حرمات الإسلام ويبغض المراء في الدين والكلام في معارضة النص.\rوبلغه عن بشر المريسي القول بخلق القرآن فقال: لئن ظفرت به لأضربن عنقه وكان يبكي على نفسه وعلى إسرافه وذنوبه سيما إذا وعظ وكان يحب المديح ويجيز عليه الأموال الجزيلة وله شعر.\rدخل عليه مرة ابن السماك الواعظ فبالغ باحترامه فقال له ابن السماك: تواضعك في شرفك أشرف من شرفك ثم وعظه فأبكاه.\rوكان يأتي بنفسه إلى بيت الفضيل بن عياض.\rقال عبد الرزاق: كنت مع الفضيل بمكة فمر هارون فقال فضيل: الناس يكرهون هذا وما في الأرض أعز علي منه لو مات لرأيت أموراً عظاماً.\rقال أبو معاوية الضرير: ما ذكرت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين يدي الرشيد إلا قال صلى الله على سيدي وحدثه بحديثه صلى الله عليه وآله وسلم \" ووددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحي فأقتل \" فبكى حتى انتحب.\rوحدثته يوماً حديثاً احتج آدم وموسى وعنده رجل من وجوه قريش فقال القرشي: فأين لقيه فغضب الرشيد وقال النطع والسيف زنديق يطعن في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم.\rقال أبو معاوية: فما زلت اسكنه وأقول يا أمير المؤمنين كانت منه نادرة حتى سكن.\rوعن أبي معاوية أيضاً قال أكلت مع الرشيد يوماً ثم صب على يدي رجل لا أعرفه ثم قال الرشيد تدري من يصب عليك قلت لا قال أنا إجلالا للعلم وقال منصور بن عمار: ما رأيت اغزر دمعاً عند الذكر من ثلاثة الفضيل بن عياض والرشيد وآخر.\rوقال عبيد الله القواريري: لما لقي الرشيد الفضيل قال له: يا حسن الوجه أنت المسؤول عن هذه الأمة حدثنا ليث عن مجاهد \" وتقطعت بهم الأسباب \" \" البقرة: 166 \" قال الوصلة التي كانت بينهم في الدنيا فجعل هارون يبكي ويشهق.\rومن محاسنه انه لما بلغه موت ابن المبارك جلس للعزاء وأمر الأعيان أن يعزوه في ابن المبارك.","part":1,"page":116},{"id":117,"text":"قال نفطويه: كان الرشيد يقتفي آثار جده أبي جعفر إلا في الحرص فإنه لم ير خليفة قبله أعطى منه أعطى مرة سفيان بن عيينة مائة ألف وأجاز إسحاق الموصلي مرة بمائتي ألف وأجاز مروان بن أبي حفصة مرة على قصيدة خمسة آلاف دينار وخلعة وفرساً من مراكبه وعشرة من رقيق الروم.\rوقال الأصمعي قال لي الرشيد: يا أصمعي ما أغفلك عنا وأجفاك لنا قلت: يا أمير المؤمنين ما لاقتني بلاد بعدك حتى أتيتك فسكت فلما تفرق الناس قال ما لاقتني قلت:\rكفاك كف ما تليق درهماً ... جوداً وأخرى تعطي بالسيف الدما\rفقال: أحسنت وهكذا فكن وقرنا في الملا وعلمنا في الخلا وأمر لي بخمسة آلاف دينار وفي مروج المسعودي قال رام الرشيد أن يوصل ما بين بحر الروم وبحر القلزم مما يلي الفرما فقال له يحيى بن خالد البرمكي كان يختطف الروم الناس من المسجد الحرام وتدخل مراكبهم إلى الحجاز فتركه.\rوقال الجاحظ: اجتمع للرشيد ما لم يجتمع لغيره وزراؤه البرامكة وقاضيه أبو يوسف رحمه الله وشاعره مروان بن أبي حفصة ونديمه العباس بن محمد عم أبيه وحاجبه الفضل بن الربيع أنبه الناس وأعظمهم ومغنيه إبراهيم الموصلي وزوجته زبيدة.\rوقال غيره: كانت أيام الرشيد كلها خير كأنها من حسنها أعراس.\rوقال الذهبي: أخبار الرشيد يطول شرحها ومحاسنه جمة وله أخبار في اللهو واللذات المحظورة والغناء سامحه الله.\rمات في أيامه من الأعلام مالك بن أنس والليث بن سعد وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة والقاسم بن معن ومسلم بن خالد الزنجي ونوح الجامع والحافظ أبو عوانة اليشكري وإبراهيم بن سعد الزهري وأبو إسحاق الفزاري وإبراهيم بن أبي يحيى شيخ الشافعي وأسد الكوفي من كبار أصحاب أبي حنيفة وإسماعيل بن عياش وبشر بن المفضل وجرير ابن عبد الحميد وزياد البكائي وسليم المقرئ صاحب حمزة وسيبويه إمام العربية وضيغم الزاهد وعبد الله العمري الزاهد وعبد الله بن المبارك وعبد الله بن إدريس الكوفي وعبد العزيز بن أبي حازم والدراوردي والكسائي شيخ القراء والنحاة ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة كلاهما في يوم وعلي بن مسهر وغنجار وعيسى بن يونس السبيعي والفضيل ابن عياض وابن السماك الواعظ ومروان بن أبي حفصة الشاعر والمعافي ابن عمران الموصلي ومعتمر بن سليمان والمفضل بن فضالة قاضي مصر وموسى بن ربيعة أبو الحكم المصري أحد الأولياء والنعمان بن عبد السلام الأصبهاني وهشيم ويحيى بن أبي زائدة ويزيد بن زريع ويونس ابن حبيب النحوي ويعقوب بن عبد الرحمن قارئ المدينة وصعصعة ابن سلام عالم الأندلس أحد أصحاب مالك وعبد الرحمن بن القاسم اكبر أصحاب مالك والعباس بن الحنف الشاعر المشهور وأبو بكر ابن عياش المقرئ ويوسف بن الماجشون وخلائق آخرون كبار.\rومن الحوادث في أيامه في سنة خمس وسبعين افترى عبد الله بن مصعب الزبيري على يحيى بن عبد الله بن حسن العلوي انه طلب إليه أن يخرج معه على الرشيد فباهله يحيى بحضرة الرشيد وشبك يده في يده وقال: قل اللهم إن كنت تعلم أن يحيى لم يدعني إلى الخلاف والخروج على أمير المؤمنين هذا فكلني إلى حولي وقوتي واسحتني بعذاب من عندك آمين رب العالمين فتلجلج الزبير وقالها ثم قال يحيى مثل ذلك وقاما فمات الزبيري ليومه.\rوفي سنة ست وسبعين فتحت مدينة دبسة على يد الأمير عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح العباسي.\rوفي سنة تسع وسبعين اعتمر الرشيد في رمضان ودام على إحرامه إلى أن حج ومشى من مكة إلى عرفات.\rوفي سنة ثمانين كانت الزلزلة العظمى وسقط منها رأس منارة الإسكندرية.\rوفي سنة إحدى وثمانين فتح حصن الصفصاف عنوة وهو الفاتح له.\rوفي سنة ثلاث وثمانين خرج الخزر على أرمينية فأوقعوا بأهل الإسلام وسفكوا وسبوا أزيد من مائة ألف نسمة وجرى على الإسلام أمر عظيم لم يسمع قبله مثله.\rوفي سنة سبع وثمانين أتاه كتاب من ملك الروم نقفور بنقض الهدنة التي كانت عقدت بين المسلمين وبين الملكة ريني ملكة الروم.","part":1,"page":117},{"id":118,"text":"وصورة الكتاب من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب أما بعد فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ وأقامت نفسها مقام البيذق فحملت إليك من أموالها أحمالا وذلك لضعف النساء وحمقهن فإذا قرأت كتابي فأردد ما حصل قبلك من أموالها وإلا فالسيف بيننا وبينك فلما قرأ الرشيد الكتاب استشاط غضباً حتى تمكن أحد أن ينظر إلى وجهه دون أن يخاطبه وتفرق جلساؤه من الخوف واستعجم الرأي على الوزير فدعا الرشيد بدواة وكتب على ظهر كتابه بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة والجواب ما تراه لا ما تسمعه ثم سار ليومه فلم يزل حتى نازل مدينة هرقل وكانت غزوة مشهورة وفتحاً مبيناً فطلب نقفور الموادعة والتزم بخراج يحمله كل سنة فأجيب فلما رجع الرشيد إلى الرقة نقض الكلب العهد لإياسه من كرة الرشيد في البرد فلم يجترئ أحد أن يبلغ الرشيد نقضه بل قال عبد الله بن يوسف التيمي:\rنقض الذي أعطيته نقفور ... فعليه دائرة البوار تدور\rأبشر أمير المؤمنين فإنه ... غنم أتاك به الإله كبير\rوقال أبو العتاهية أبياتاً وعرضت على الرشيد فقال: أوقد فعلها فكر راجعاً في مشقة شديدة حتى أناخ بفنائه فلم يبرح حتى بلغ مراده وحاز جهاده.\rوفي ذلك يقول أبو العتاهية:\rألا نادت هرقل بالخراب ... من الملك الموفق للصواب\rغداً هارون يرعد بالمنايا ... ويبرق بالمذكرة القضاب\rورايات يحل النصر فيها ... تمر كأنها قطع السحاب\rوفي سنة تسع وثمانين فادى الروم حتى لم يبق بممالكهم في الأسر مسلم.\rوفي سنة تسعين فتح هرقل وبث جيوشه بأرض الروم فافتتح شراحيل ابن معن بن زائدة حصن الصقالبة وافتتح يزيد بن مخلد ملقونية وسار حميد ابن معيوف إلى قبرس فهدم وحرق وسبى من أهلها ستة عشر ألفاً.\rوفي سنة اثنتين وتسعين توجه الرشيد نحو خراسان فذكر محمد بن الصباح الطبري أن أباه شيع الرشيد إلى النهروان فجعل يحادثه في الطريق إلى أن قال: يا صباح لا أحسبك تراني بعدها فقلت: بل يردك الله سالماً ثم قال: ولا أحسبك تدري ما أجد فقلت: لا والله فقال: تعال حتى أريك وانحرف عن الطريق وأومأ إلى الخواص فتنحوا ثم قال: أمانة الله يا صباح أن تكتم علي وكشف عن بطنه فإذا عصابة حرير حوالي بطنه فقال: هذه علة أكتمها الناس كلهم ولكل واحد من ولدي علي رقيب فمسرور رقيب المأمون وجبريل بن يختيشوع رقيب الأمين ونسيت الثالث ما منهم أحد إلا ويحصي أنفاسي ويعد أيامي ويستطيل دهري فإن أردت أن تعرف ذلك فالساعة أدعو ببرذون فيجيئون به أعجف ليزيد في علتي ثم دعا ببرذون فجاءوا به كما وصف فنظر إلى ثم ركبه وودعني وسار إلى جرجان ثم رحل منها في صفر سنة ثلاث وتسعين وهو عليل إلى طوس فلم يزل بها إلى أن مات.\rوكان الرشيد بايع بولاية العهد لابنه محمد في سنة خمس وسبعين ولقبه الأمين وله يومئذ خمس سنين لحرص أمه زبيدة على ذلك قال الذهبي: فكان هذا أول وهن جرى في دولة الإسلام من حيث الإمامة ثم بايع لابنه عبد الله من بعد الأمين في سنة اثنتين وثمانين ولقبه المأمون وولاه ممالك خراسان بأسرها ثم بايع لابنه القاسم من بعد الأخوين في سنة ست وثمانين ولقبه المؤتمن وولاه الجزيرة والثغور وهو صبي فلما قسم الدنيا بين هؤلاء الثلاثة قال بعض العقلاء: لقد ألقى بأسهم بينهم وغائلة ذلك تضر بالرعية وقالت الشعراء في البيعة المدائح ثم إنه علق نسخة البيعة في البيت العتيق وفى ذلك يقول إبراهيم الموصلي:\rخير الأمور مغبة ... وأحق أمر بالتمام\rأمر قضى أحكامه ال ... رحمن في البيت الحرام\rوقال عبد الملك بن صالح في ذلك:\rحب الخليفة حب لا يدين له ... عاصي الإله وشار يلقح الفتنا\rالله قلد هاروناً سياسته ... لما اصطفاه فأحيا الدين والسننا\rوقلد الأرض هارون لرأفته ... بن أميناً ومأموناً ومؤتمنا\rقال بعضهم: وقد زوى الرشيد الخلافة عن ولده المعتصم لكونه أمياً فساقها الله إليه وجعل الخلفاء بعده كلهم من ذريته ولم يجعل من نسل غيره من أولاد الرشيد خليفة وقال سلم الخاسر في العهد للأمين:","part":1,"page":118},{"id":119,"text":"قل للمنازل بالكثيب الأعفر ... أسقيت غادية السحاب الممطر\rقد بايع الثقلان مهدي الهدى ... لمحمد بن زبيدة ابنة جعفر\rقد وفق الله الخليفة إذ بنى ... بيت الخلافة للهجان الأزهر\rفهو الخليفة عن أبيه وجده ... شهدا عليه بمنظر وبمخبر\rفحشت زبيده فاه جوهراً باعه بعشرين ألف دينار.\rفصل في\rنبذ من أخبار الرشيد\rعفا الله عنه\rأخرج السلفي في الطيوريات بسنده عن ابن المبارك قال: لما أفضت الخلافة إلى الرشيد وقعت في نفسه جارية من جواري المهدي فراودها عن نفسها فقالت: لا أصلح لك إن أباك قد طاف بي فشغف بها فأرسل إلى أبي يوسف فسأله أعندك في هذا شيء فقال يا أمير المؤمنين أو كلما ادعت أمة شيئاً ينبغي أن تصدق لا تصدقها فإنها ليست بمأمونة قال ابن المبارك: لم أدر ممن أعجب من هذا الذي قد وضع يده في دماء المسلمين وأموالهم يتحرج عن حرمة أبيه أو من هذه الأمة التي رغبت بنفسها عن أمير المؤمنين أو من هذا فقيه الأرض وقاضيها قال اهتك حرمة أبيك وقض شهوتك وصيره في رقبتي.\rواخرج أيضاً عن عبد الله بن يوسف قال: قال الرشيد لأبي يوسف: إني اشتريت جارية وأريد أن أطأها الآن قبل الاستبراء فهل عندك حيلة قال نعم تهبها لبعض ولدك ثم تتزوجها.\rوأخرج عن إسحاق بن راهوية قال: دعا الرشيد أبا يوسف ليلا فأفتاه بأمر له بمائة ألف درهم فقال أبو يوسف إن رأى أمير المؤمنين أمر بتعجيلها قبل الصبح فقال: عجلوها فقال بعض من عنده إن الخازن في بيته والأبواب مغلقة فقال أبو يوسف: فقد كانت الأبواب مغلقة حين دعاني ففتحت.\rوأسند الصولي: عن يعقوب بن جعفر قال خرج الرشيد في السنة التي ولى الخلافة فيها حتى غزا أطراف الروم وانصرف في شعبان فحج بالناس آخر السنة وفرق بالحرمين مالا كثيراً وكان رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في النوم فقال له: إن هذا الأمر صائر إليك في هذا الشهر فاغز وحج ووسع على أهل الحرمين ففعل هذا كله.\rواسند عن معاوية بن صالح عن أبيه قال: أول شعر قاله الرشيد انه حج سنة ولي الخلافة فدخل داراً فإذا في صدر بيت منها بيت شعر قد كتب على حائط:\rألا يا أمير المؤمنين أما ترى ... فديتك هجران الحبيب كبيرا\rفدعا بدواة وكتب تحته بخطه:\rبلى والهدايا المشعرات وما مشى ... بمكة مرفوع الأظل حسيرا\rواخرج عن سعيد بن مسلم قال: كان فهم الرشيد فهم العلماء أنشده العماني في صفة فرس:\rكأن أذنيه إذا تشوفا ... قادمة أو قلماً محرفا\rفقال الرشيد: دع كأن وقل تخال إذنيه حتى يستوي الشعر.\rوأخرج عن عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع قال: حلف الرشيد أن لا يدخل إلى جارية له أياماً وكان يحبها فمضت الأيام ولم تسترضيه فقال:\rصد عني إذ رآني مفتتن ... وأطال الصبر لما أن فطن\rكان مملوكي فأضحى مالكي ... إن هذا من أعاجيب الزمن\rثم أحضر أبا العتاهية فقال أجزهما فقال:\rعزة الحب أرته ذلتي ... في هواه وله وجه حسن\rفلهذا صرت مملوكاً له ... ولهذا شاع ما بي وعلن\rواخرج ابن عساكر عن ابن علية قال: اخذ هارون الرشيد زنديقاً فأمر بضرب عنقه فقال له الزنديق: لم تضرب عنقي قال له أريح العباد منك قال فأين أنت من ألف حديث وضعتها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلها ما فيها حرف نطق به قال فأين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك ينخلانها فيخرجانها حرفاً حرفاً.؟","part":1,"page":119},{"id":120,"text":"وأخرج الصولي عن إسحاق الهاشمي قال كنا عند الرشيد فقال: بلغني أن العامة يظنون في بغض علي بن أبي طالب ووالله ما أحب أحداً حبي له ولكن هؤلاء أشد الناس بغضاً لنا وطعناً علينا وسعياً في فساد ملكنا بعد أخذنا بثأرهم ومساهمتنا إياهم ما حويناه حتى إنهم لأميل إلى بني أمية منهم إلينا فأما ولده لصلبه فهم سادة الأهل والسابقون إلى الفضل ولقد حدثني أبي المهدي عن أبيه المنصور عن محمد بن علي عن أبيه عن ابن عباس أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول في الحسن والحسين \" من احبهما فقد احبني ومن أبغضهما فقد ابغضني \" وسمعه يقول \" فاطمة سيدة نساء العالمين غير مريم ابنة عمران وآسية بنة مزاحم \" .\rروي أن ابن السماك دخل على الرشيد يوماً فاستسقى فأتى بكوز فلما أخذه قال على رسلك يا أمير المؤمنين لو منعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها قال بنصف ملكي قال اشرب هنأك الله تعالى فلما شربها قال: أسألك لو منعت خروجها من بدنك بماذا كنت تشتري خروجها قال: بجميع ملكي قال إن ملكاً قيمته شربة ماء وبوله لجدير أن لا ينافس فيه فبكى هارون الرشيد بكاء شديداً.\rوقال ابن الجوزي: قال الرشيد لشيبان: غطني قال: لأن تصحب من يخوفك حتى يدركك الأمن خير لك من أن تصحب من يؤمنك حتى يدركك الخوف فقال الرشيد فسر لي هذا قال: من يقول لك: أنت مسؤول عن الرعية فاتق الله أنصح لك ممن يقول أنتم أهل بيت مغفور لكم وأنتم قرابة نبيكم صلى الله عليه وسلم فبكى الرشيد حتى رحمه من حوله.\rوفي كتاب الأوراق للصولي بسنده لما ولي الرشيد الخلافة استوزر يحيى ابن خالد قال إبراهيم الموصلي:\rألم تر أن الشمس كانت مريضة ... فلما أتى هارون أشرق نورها\rتلبست الدنيا جمالا بملكه ... فهارون واليها ويحيى وزيرها\rفأعطاه مائة ألف درهم وأعطاه يحيى خمسين ألفاً.\rولداود بن رزين الواسطي فيه:\rبهارون لاح النور في كل بلدة ... وقام به في عدل سيرته النهج\rإمام بذات الله أصبح شغله ... فأكثر ما يعنى به الغزو والحج\rتضيق عيون الخلق عن نور وجهه ... إذا ما بدا للناس منظره البلج\rتفسحت الآمال في جود كفه ... فأعطى الذي يرجوه فوق الذي يرجو\rوقال القاضي الفاضل في بعض رسائله: ما أعلم أن الملك رحلة قط في طلب العلم إلا للرشيد فإنه رجل بولديه الأمين والمأمون لسماع الموطأ على مالك رحمه الله قال وكان أصل الموطأ بسماع الرشيد في خزانة المصريين قال ثم رحل لسماعه السلطان صلاح الدين بن أيوب إلى الإسكندرية فسمعه على ابن طاهر ابن عوف ولا أعلم لهما ثالثاً.\rولمنصور النمري فيه:\rجعل القرآن إمامه ودليله ... لما تخيره القرآن ذماما\rوله فيه قصيدة:\rإن المكارم والمعروف أودية ... أحلك الله منها حيث تجتمع\rويقال: إنه أجازه عليها بمائة ألف.\rوقال الحسين بن فهم: كان الرشيد يقول: من أحب ما مدحت به إلي:\rأبو أمين ومأمون ومؤتمن ... أكرم به والداً براً وما ولدا\rوقال إسحاق الموصلي دخلت على الرشيد فأنشدته:\rوآمره بالبخل قلت لها اقصري ... فذلك شيء ما إليه سبيل\rأرى الناس خلان الجواد ولا أرى ... بخيلا له في العالمين خليل\rوإني رأيت البخل يزري بأهله ... فأكرمت نفسي أن يقال بخيل\rومن خير حالات الفتى لو علمته ... إذا نال شيئاً أن يكون ينيل\rعطائي عطاء المكثرين تكرماً ... ومالي كما تعلمين قليل\rوكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأى أمير المؤمنين جميل\rفقال: لا كيف إن شاء الله يا فضل أعطه مائة ألف درهم لله در أبيات يأتينا بها ما أجود أصولها وأحسن فصولها فقلت: يا أمير المؤمنين كلامك أحسن من شعري فقال: يا فضل أعطه مائة ألف أخرى.\rوفي الطيوريات بسنده إلى إسحاق الموصلي قال: قال أبو العتاهية لأبى النواس البيت الذي مدحت به الرشيد لوددت أني كنت سبقتك به إليه:\rقد كنت خفتك ثم أمنني ... من أن أخافك خوفك الله","part":1,"page":120},{"id":121,"text":"وقال محمد بن على الخرساني: الرشيد أول خليفة لعب بالصوالجة والكرة ورمى النشاب في البرجاس وأول خليفة لعب بالشطرنج من بني العباس.\rوقال الصولي هو أول من جعل للمغنين مراتب وطبقات.\rومن شعر الرشيد يرثى جاريته هيلانة أورده الصولي:\rقاسيت أوجاعاً وأحزانا ... لما استخص الموت هيلانا\rفارقت عيشي حين فارقتها ... فما أبالي كيف ما كانا\rكانت هي الدنيا فلما ثوت ... في قبرها فارقت دنيانا\rقد كثر الناس ولكنني ... لست أرى بعدك إنسانا\rوالله لا أنساك ما حركت ... ريح بأعلى نجد أغصانا\rوله أيضاً أنشده الصولي:\rيا ربة المنزل بالفرك ... وربة السلطان والملك\rترفقي بالله في قتلنا ... لسنا من الدليم والترك\rمات الرشيد في الغزو بطوس من خراسان ودفن بها في ثالث من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة وله خمس وأربعون سنة وصلى عليه ابنه صالح.\rقال الصولي: خلف الرشيد مائة ألف ألف دينار ومن الأثاث والجواهر والورق والدواب ما قيمته ألف ألف دينار وخمسة وعشرون ألف دينار.\rوقال غيره: غلط جبريل بن بختيشوع على الرشيد في علته في علاج عالجه به كان سبب منيته فهم أن يفصل أعضاءه فقال أنظرني إلى غد فإنك تصبح في عافية فمات ذلك اليوم وقيل إن الرشيد رأى مناماً أنه يموت بطوس فبكى وقال احفروا لي قبراً فحفر له ثم حمل في قبة على جمل وسيق به حتى نظر إلى القبر فقال يا ابن آدم تصير إلى هذا وأمر قوماً فنزلوا فختموا فيه ختمة وهو في محفة على شفير القبر ولما مات بويع لولده الأمين في العسكر وهو حينئذ ببغداد فأتاه الخبر فصلى الناس الجمعة وخطب ونعى الرشيد إلى الناس وبايعوه وأخذ رجاء الخادم البرد والقضيب والخاتم وسار على البريد في اثني عشر يوماً من مرو حتى قدم بغداد في نصف جمادى الآخرة فدفع ذلك إلى الأمين ولأبي الشيص يرثي الرشيد:\rغربت في الشرق شمس ... فلها عيني تدمع\rما رأينا قط شمساً ... غربت من حيث تطلع\rوقال أبو النواس جامع بين العزاء والهناء:\rجرت جوار بالسعد والنحس ... فنحن في مأتم وفي عرس\rالقلب يبكي والعين ضاحكة ... فنحن في وحشة وفي أنس\rيضحكنا القائم الأمين ويب ... كينا وفاة الإمام بالأمس\rبدران بدر أضحى ببغداد في ال ... خلد وبدر بطوس في الرمس\rومما رواه الرشيد من الحديث قال الصولي: حدثنا عبد الرحمن بن خلف حدثني جدي الحصين بن سليمان الضبي سمعت الرشيد يخطب فقال في خطبته حدثني مبارك بن فضالة عن الحسن عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" اتقوا الله ولو بشق تمرة \" حدثني محمد بن علي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب قال قال النبي صلى الله عليه وسلم \" نظفوا أفواهكم فإنها طريق القرآن \" .\rالأمين محمد أبو عبد الله","part":1,"page":121},{"id":122,"text":"الأمين محمد أبو عبد الله بن الرشيد كان ولي عهد أبيه فولي الخلافة بعده وكان من أحسن الشباب صورة أبيض طويلا جميلا ذا قوة مفرطة وبطش وشجاعة ومعرفة يقال إنه قتل مرة أسداً بيده وله فصاحة وبلاغة وأدب وفضيلة لكن كان سيئ التدبير كثير التبذير ضعيف الرأي أرعن لا يصلح للإمارة فأول ما بويع بالخلافة أمر ثاني يوم ببناء ميدان جوار قصر المنصور للعب بالكرة ثم في سنة أربع وتسعين عزل أخاه القاسم عما كان الرشيد ولاه ووقعت الوحشة بينه وبين أخية المأمون وقيل إن الفضل بن الربيع علم أن الخلافة إذا أفضت إلى المأمون لم يبق عليه فأغرى الأمين به وحثه على خلعه وأن يولي العهد لابنه موسى ولما بلغ المأمون عزل أخيه القاسم قطع البريد عن الأمين وأسقط اسمه من الطرز والضرب ثم إن الأمين أرسل إليه يطلب منه أن يقدم موسى على نفسه ويذكر أنه قد سماه الناطق بالحق فرد المأمون ذلك وأباه وخامر الرسول معه وبايعه بالخلافة سراً ثم كان يكتب إليه بالأخبار ويناصحه من العراق ولما رجع وأخبر الأمين بامتناع المأمون أسقط اسمه من ولاية العهد وطلب الكتاب الذي كتبه الرشيد وجعله بالكعبة فأحضره ومزقه وقويت الوحشة ونصح الأمين أولو الرأي وقال له خزيمة بن حازم يا أمير المؤمنين لن ينصحك من كذبك ولن يغشك من صدقك ولا تجزئ القواد على الخلع فيخلعوك ولا تحملهم على نكث العهد فينكثوا ببيعتك وعهدك فإن الغادر مغلول والناكث مخذول فلم ينتصح وأخذ يستميل القواد بالعطاء وبايع بولاية العهد لابنه موسى ولقبه الناطق بالحق وهو إذ ذاك طفل رضيع فقال بعض الشعراء في ذلك:\rأضاع الخلافة غش الوزير ... وفسق الأمير وجهل المشير\rلواط الخليفة أعجوبة ... وأعجب منه حلاق الوزير\rفهذا يدوس وهذا يداس ... كذاك لعمري خلاف الأمور\rفلو يستعفان هذا بذاك ... لكانا بعرضة أمر ستير\rوأعجب من ذا وذا أننا ... نبايع للطفل فينا الصغير\rومن ليس يحسن غسل استه ... ولم يخل من بوله حجر ظير\rوما ذاك إلا بفضل وبكر ... يريدان طمس الكتاب المنير\rوما ذان لولا انقلاب الزما ... ن في العير هذان أو في النفير\rولما تيقن المأمون خلعه وتسمى بإمام المؤمنين وكوتب بذلك وولى الأمين علي بن عيسى بن ماهان بلاد الجبال همذان ونهاوند وقم وأصبهان في سنة خمس وتسعين فخرج علي بن عيسى من بغداد في نصف جمادى الآخرة ومعه الجيش لقتال المأمون في أربعين ألفاً في هيئة لم ير مثلها وأخذ معه قيد فضة ليقيد به المأمون بزعمه فأرسل المأمون لقتاله طاهر بن الحسين في أقل من أربعة آلاف فكانت الغلبة له وذبح علي وهزم جيشه وحملت رأسه إلى المأمون فطيف بها في خراسان وسلم على المأمون بالخلافة وجاء الخبر الأمين وهو يتصيد السمك فقال للذي أخبره ويلك دعني فإن كوثراً صاد سمكتين وأنا ما صدت شيئاً بعد وقال عبد الله بن صالح الجرمي: لما قتل علي أرجف الناس ببغداد إرجافاً شديداً وندم الأمين على خلعه أخاه وطمع الأمراء فيه وشغبوا جندهم لطلب الأرزاق من الأمين واستمر القتال بينه وبين أخيه وبقي أمر الأمين كل يوم في الأدبار لانهماكه في اللعب والجهل وأمر المأمون في ازدياد إلى أن بايعه أهل الحرمين وأكثر البلاد بالعراق وفسد الحال على الأمين جداً وتلف أمر العسكر ونفذت خزائنه وساءت حال الناس بسبب ذلك وعظم الشر وكثر الخراب والهدم من القتال ورمي المجانيق والنفط حتى درست محاسن بغداد وعملت فيها المراثي ومن جملة ما قيل في بغداد:\rبكيت دماً على بغداد لما ... فقدت غضارة العيش الأنيق\rأصابتها من الحساد عين ... فأفنت أهلها بالمنجنيق\rودام حصار بغداد خمسة عشر شهراً ولحق غالب العباسيين وأركان الدولة بجند المأمون ولم يبق مع الأمين يقاتل عنه إلا غوغاء بغداد والحراشفة إلى أن استهلت سنة ثمان وتسعين فدخل طاهر بن الحسين بغداد بالسيف قسراً فخرج الأمين وأهله من القصر إلى مدينة المنصور وتفرق عامة جنده وغلمانه وقل عليهم القوت والماء.","part":1,"page":122},{"id":123,"text":"قال محمد بن راشد أخبرني إبراهيم بن المهدي أنه كان الأمين بمدينة المنصور قال فطلبني ليلة فأتيت فقال ما ترى طيب هذه الليلة وحسن القمر وضوءه في الماء فهل لك في الشراب قلت شأنك فشربنا ثم دعا بجارية اسمها ضعف فتطيرت من اسمها فأمرها أن تغني فغنت بشعر النابغة الجعدي:\rكليب لعمري كان أكثر ناصراً ... وأيسر ذنباً منك ضرج بالدم\rفتطير بذلك وقال: غني غير هذا فغنت:\rأبكى فراقهم عيني فأرقها ... إن التفرق للأحباب بكاء\rما زال يعدو عليهم ريب دهرهم ... حتى تفانوا وريب الدهر عداء\rفاليوم أبكيهم جهدي وأندبهم ... حتى أؤوب وما في مقلتي ماء\rفقال لها لعنك الله ما تعرفين غير هذا فقالت: ظننت أنك تحب هذا ثم غنت:\rأما ورب السكون والحرك ... إن المنايا كثيرة الشرك\rما اختلف الليل والنهار ولا ... دارت نجوم السماء في الفلك\rإلا لنقل السلطان عن ملك ... قد زال سلطانه إلى ملك\rوملك ذي العرش دائم أبداً ... ليس بفان ولا بمشترك\rفقال لها: قومي لعنك الله فقامت فعثرت في قدح بلور له قيمة فكسرته فقال: ويحك يا إبراهيم أما ترى والله ما أظن أمري إلا قرب فقلت بل يطيل الله عمرك ويعز ملكك فسمعت صوتاً من دجلة \" قضي الأمر الذي فيه تستفيان \" \" يوسف: 41 \" فوثب محمد مغتماً وقتل بعد ليلتين أخذ وحبس في موضع ثم أدخل عليه قوم من العجم ليلا فضربوه بالسيف ثم ذبحوه من قفاه وذهبوا برأسه إلى طاهر فنصبها على حائط بستان ونودي هذا رأس المخلوع محمد وجرت جثته بحبل ثم بعث طاهر بالرأس والبرد والقضيب والمصلى وهو من سعف مبطن إلى المأمون واشتد على المأمون قتل أخيه وكان يحب أن يرسل إليه حياً ليرى فيه رأيه فحقد بذلك على طاهر بن الحسين وأهمله نسياً منسياً إلى أن مات طريداً بعيداً وصدق قول الأمين فإنه كان كتب بخطه رقعة إلى الطاهر بن الحسين لما انتدب لحربه فيها يا طاهر ما قام لنا منذ قمنا قائم بحقنا فكان جزاؤه عندنا إلا السيف فانظر لنفسك أودع يلوح بأبي مسلم وأمثاله الذين بذلوا نفوسهم في النصح لهم فكان مآلهم القتل منهم ولإبراهيم بن المهدي في قتل الأمين:\rعوجا بمغنى طلل داثر ... بالخلد ذات الصخر والآجر\rوالمرمر المسنون يطلى به ... والباب باب الذهب الناضر\rوأبلغا عني مقالا إلى المو ... لى عن المأمور والآمر\rقولا له يا ابن ولي الهدى ... طهر بلاد الله من طاهر\rلم يكفه أن حز أوداجه ... ذبح الهدايا بمدى الجازر\rحتى أتى يسحب أوصاله ... في شطن هذا مدى السائر\rقد برد الموت على جفنه ... فطرفه منكسر الناظر\rومما قيل فيه:\rلم نبكيك؟ لماذا للطرب ... يا أبا موسى وترويج اللعب\rولترك الخمس في أوقاتها ... حرصاً منك على ماء العنب\rوشنيف أنا لا أبكي له ... وعلى كوثر لا أخشى العطب\rلم تكن تصلح للملك ولم ... تعطك الطاعة بالملك العرب\rلم نبكيك لما عرضتنا ... للمناجيق وطوراً للسلب\rولخزيمة بن الحسن على لسان زبيدة قصيدة يقول فيها:\rأتى طاهر لا طهر الله طاهراً ... فما طاهر فيما أتى بمطهر\rفأخرجني مكشوفة الوجه حاسراً ... وأنهب أموالي وأخرب أدؤري\rيعز على هارون ما قد لقيته ... وما مر بي من ناقص الخلق أعور\rتذكر أمير المؤمنين قرابتي ... فديتك من ذي حرمة متذكر\rقال ابن جرير: لما ملك الأمين ابتاع الخصيان وغالى بهم وصيرهم لخلوته ورفض النساء والجواري وقال غيره لما ملك وجه إلى البلدان في طلب الملهين وأجرى لهم الأرزاق واقتنى الوحوش والسباع والطيور واحتجب عن أهل بيته وامرأته واستخف بهم ومحق ما في بيوت الأموال وضيع الجواهر والنفائس وبنى عدة قصور للهو في أماكن وأجاز مرة من غنى له:\rهجرتك حتى قلت لا يعرف القلى ... وزرتك حتى قلت ليس له صبر","part":1,"page":123},{"id":124,"text":"بملء زورقه ذهباً وعمل خمس حراقات جمع حراقة بالفتح والتشديد ضرب من السفن فيها مرامي نيران يرمي بها العدو على خلقة الأسد والفيل والعقاب والحية والفرس وأنفق في عملها أموالا فقال أبو النواس:\rسخر الله للأمين مطايا ... لم تسخر لصاحب المحراب\rفإذا ما ركابه سرن براً ... سار في الماء راكباً ليث غاب\rأسداً باسطاً ذراعه يهوي ... أهرت الشدق كالح الأنياب\rقال الصولي: حدثنا أبو العيناء حدثنا محمد بن عمرو الرومي قال خرج كوثر خادم الأمين ليرى الحرب فأصابته رجمة في وجهه فجعل الأمين يمسح الدم عن وجهه ثم قال:\rضربوا قرة عيني ... ومن آجلي ضربوه\rأخذ الله لقلبي ... من أناس أحرقوه\rولم يقدر على زيادة فأحضر عبد الله بن التيمي الشاعر فقال له قل عليهما فقال:\rما لمن أهوى شبيه ... فبه الدنيا تتيه\rوصله حلو ولكن ... هجره مر كريه\rمن رأى الناس له الفض ... ل عليهم حسدوه\rمثل ما قد حسد القا ... ئم بالملك أخوه\rفأوقر له ثلاث بغال دراهم فلما قتل الأمين جاء التيمي إلى المأمون وامتدحه فلم يأذن له فالتجأ إلى الفضل بن سهل فأوصله إلى المأمون فلما سلم عليه قال: هيه يا تيمي:\rمثل ما قد حسد القا ... ئم بالملك أخوه\rفقال التيمي:\rنصر المأمون عبد الله ... لما ظلموه\rنقض العهد الذي قد ... كان قدماً أكدوه\rلم يعامله أخوه ... بالذي أوصى أبوه\rفعفا عنه وأمر له بعشرة آلاف درهم.\rوقيل إن سليمان بن منصور رفع إلى الأمين أن أبا النواس هجاه فقال يا عم أقتله بعد قوله:\rأهدى الثناء إلى الأمين محمد ... ما بعده بتجارة متربص\rصدق الثناء على الأمين محمد ... ومن الثناء تكذب وتخرص\rقد ينقص البدر المنير إذا استوى ... وبهاء نور محمد ما ينقص\rوإذا بنور المنصور عد خصالهم ... فمحمد ياقوتها المتخلص\rقال أحمد بن حنبل: إني لأرجو أن يرحم الله الأمين بإنكاره على إسماعيل بن علية فإنه أدخل عليه فقال له يا ابن الفاعلة أنت الذي تقول كلام الله مخلوق؟ قال المسعودي: ما ولي الخلافة إلى وقتنا هذا هاشمي ابن هاشمية سوى على ابن أبي طالب وابنه الحسن والأمين فإن أمه زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور واسمها أمة العزيزة وزبيدة لقب لها.\rوقال إسحاق الموصلي: اجتمعت في الأمين خصائل لم تكن في غيره كان أحسن الناس وجهاً وأسخاهم وأشرف الخلفاء أباً وأماً حسن الأدب عالماً بالشعر لكن غلب عليه الهوى واللعب وكان مع سخائه بالمال بخيلا بالطعام جداً.\rوقال أبو الحسن الأحمر: كنت ربما أنسيت البيت الذي يستشهد به في النحو فينشدنيه الأمين وما رأيت في أولاد الملوك أذكى منه ومن المأمون وكان قتله في المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة وله سبع وعشرون سنة.\rمات في أيامه من الأعلام إسماعيل بن علية وغندر وشقيق البلخي الزاهد وأبو معاوية الضرير ومؤرج السدوسي وعبد الله بن كثير المقرئ وأبو نواس الشاعر وعبد الله بن وهب صاحب الملك وورش المقرئ ووكيع وآخرون.\rوقال علي بن محمد النوفلي وغيره لم يدع للسفاح ولا للمنصور ولا للمهدي ولا للهادي ولا للرشيد على المنابر بأوصافهم ولا كتبت في كتبهم حتى ولي الأمين فدعى له بالأمين على المنابر وكتب عنه من عبد الله محمد الأمين أمير المؤمنين وكذا قال العسكري في الأوائل أول من دعى له بلقبه على المنابر الأمين.\rومن شعره الأمين يخاطب أخاه المأمون ويعيره بأمه لما بلغه عنه أنه يعدد مثالبه ويفضل نفسه عليه أنشده الصولي:\rلا تفخرن عليك بعد بقية ... والفخر يكمل للفتى المتكامل\rوإذا تطاولت الرجال بفضلها ... فأربع فإنك لست المتطاول\rأعطاك ربك ما هويت وإنما ... تلقى خلاف هواك عند مراجل\rتعلو المنابر كل يوم أملا ... ما لست من بعدي إليه بواصل","part":1,"page":124},{"id":125,"text":"فتعيب من يعلو عليك بفضله ... وتعيد في حقي مقال الباطل\rقلت: هذا نظم عال فإن كان له فهو أحسن من نظم أخيه وأبيه.\rقال الصولي: ومما رواه جماعة له في خادمه كوثر وقد سقاه وهو على بساط نرجس والبدر قد طلع وقد رواه بعضهم للحسين بن الضحاك الخليع وكان نديمه لا يفارقه:\rوصف البدر حسن وجهك حتى ... خلت أني أراه لست أراكا\rوإذا ما تنفس النرجس الغ ... ض توهمته نسيم ثناكا\rخدع للمنى تعللني في ... ك بإشراق ذا ونكهة ذاكا\rلأقيمن ما حييت على الشك ... ر لهذا وذاك إذ حكياكا\rوله في خادمه أيضاً:\rما يريد الناس من ص ... ب بمن يهوى كثيب\rكوثر ديني ودنيا ... ي وسقمي وطبيبي\rأعجز الناس الذي يلح ... ى محباً في حبيب\rوله لما يئس من الملك وعلا عليه طاهر:\rيا نفس قد حق الحذر ... أين المفر من القدر\rكل امرئ مما يخا ... ف ويرتجيه على خطر\rمن يرتشف صفو الزما ... ن يغص يوماً بالكدر\rوأسند الصولي أن الأمين قال لكاتبه: اكتب من عبد الله محمد أمير المؤمنين إلى طاهر بن الحسن سلام عليك أما بعد فإن الأمر قد خرج بيني وبين أخي إلى هتك الستور وكشف الحرم ولست آمن أن يطمع في هذا الأمر السحيق البعيد لشتات ألفتنا واختلاف كلمتنا وقد رضيت أن تكتب لي أماناً لأخرج إلى أخي فإن تفضل علي فأهل لذلك وإن قتلني فمروة كسرت مروة وصمصامة قطعت صمصامة ولن يفترسني السبع أحب إلي من أن ينبحني الكلب فأبى طاهر عليه.\rوأسند عن إسماعيل بن أبي محمد اليزيدي قال كان أبي يكلم الأمين والمأمون بكلام يتفصحان به ويقول كان أولاد الخلفاء من بني أمية يخرج بهم إلى البدو حتى يتفصحوا وأنتم أولى بالفصاحة منهم.\rقال الصولي: ولا نعرف للأمين رواية في الحديث إلا هذا الحديث الواحد حدثنا المغيرة بن محمد المهلبي قال رأيت عند الحسين بن الضحاك جماعة من بني هاشم فيهم بعض أولاد المتوكل فسألوه عن الأمين وأدبه فوصف الحسين أدباً كثيراً قيل: فالفقه قال: كان المأمون أفقه منه قيل فالحديث قال ما سمعت منه حديثاً إلا مرة فإنه نعي إليه غلام له مات بمكة فقال: حدثني أبي عن أبيه عن المنصور عن أبيه عن علي بن عبد الله عن ابن عباس عن أبيه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول \" من مات محرماً حشر ملبياً \" .\rقال الثعالبي في لطائف المعارف: كان أبو العيناء يقول لو نشرت زبيدة ضفائرها ما تعلقت إلا بخليفة أو ولي عهد فإن المنصور جدها والسفاح أخو جدها والمهدي عمها والرشيد زوجها والأمين ابنها والمأمون والمعتصم ابنا زوجها والواثق والمتوكل ابنا ابن زوجها وأما ولاة العهود فكثيرة.\rونظيرتها من بني أمية عاتكة بنت يزيد بن معاوية يزيد أبوها ومعاوية جدها ومعاوية بن يزيد أخوها ومروان بن الحكم حموها وعبد الملك زوجها ويزيد ابنها والوليد بن يزيد ابن ابنها والوليد وهشام وسليمان بنو زوجها ويزيد وإبراهيم ابنا الوليد عبد الملك ابنا ابن زوجها.\rالمأمون عبد الله أبو العباس\rالمأمون: عبد الله أبو العباس بن الرشيد ولد سنة سبعين ومائة في ليلة الجمعة منتصف ربيع الأول وهي الليلة التي مات فيها الهادي واستخلف أبوه وأمه أم ولد اسمها مراجل ماتت في نفاسها به وقرأ العلم في صغره.\rسمع الحديث من أبيه وهشيم وعباد بن العوام ويوسف بن عطية وأبي معاوية الضرير وإسماعيل بن علية وحجاج الأعور وطبقتهم.\rوأدبه اليزيدي وجمع الفقهاء من الآفاق وبرع في الفقه والعربية وأيام الناس ولما كبر عني بالفلسفة وعلوم الأوائل ومهر فيها فجره ذلك إلى القول بخلق القرآن.\rروى عنه: ولده الفضل ويحيى بن أكثم وجعفر بن أبي عثمان الطيالسي والأمير عبد الله بن طاهر وأحمد بن الحارث الشيعي ودعبل الخزاعي وآخرون.","part":1,"page":125},{"id":126,"text":"وكان أفضل رجال بني العباس حزماً وعزماً وحلماً وعلماً ورأياً ودهاء وهيبة وشجاعة وسوددا وسماحة وله محاسن وسيرة طويلة لولا ما أتاه من محنة الناس في القول بخلق القرآن ولم يل الخلافة من بني العباس أعلم منه وكان فصيحاً مفوهاً وكان يقول معاوية بعمره وعبد الملك بحجاجه وأنا بنفسي وكان يقال: لبني عباس فاتحة وواسطة وخاتمة الفاتحة السفاح والواسطة المأمون والخاتمة المعتضد وقيل إنه ختم في بعض الرمضانات ثلاثاً وثلاثين ختمة وكان معروفاً بالتشيع وقد حمله ذلك على خلع أخيه المؤتمن والعهد بالخلافة إلى علي الرضى كما سنذكره.\rقال أبو معشر المنجم: كان المأمون أماراً بالعدل فقيه النفس يعد من كبار العلماء.\rوعن الرشيد قال إني لأعرف في عبد الله حزم المنصور ونسك المهدي وعزة الهادي ولو أشاء أن أنسبه إلى الرابع يعني نفسه لنسبته وقد قدمت محمداً عليه وإني لأعلم أنه منقاد إلى هواه مبذر لما حوته يده يشاركه في رأيه الإماء والنساء ولولا أم جعفر وميل بني هاشم لقدمت عبد الله عليه.\rاستقل المأمون بالأمر بعد قتل أخيه سنة ثمان وتسعين وهو بخرسان واكتنى بأبي جعفر.\rقال الصولي: وكانوا يحبون هذه الكنية لأنها كنية المنصور وكان لها في نفوسهم جلالة وتفاؤل بطول عمر من كني بها كالمنصور والرشيد.\rوفي سنة إحدى ومائتين خلع أخاه المؤتمن من العهد وجعل ولي العهد من بعده علي الرضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق حمله على ذلك إفراطه في التشيع حتى قيل: إنه هم أن يخلع نفسه ويفوض الأمر إليه وهو الذي لقبه الرضى وضرب الدراهم باسمه وزوجه ابنته وكتب إلى الآفاق بذلك وأمر بترك السواد ولبس الخضرة فاشتد ذلك على بني العباس جداً وخرجوا عليه وبايعوا إبراهيم بن المهدي ولقب المبارك فجهز المأمون لقتاله وجرت أمور وحروب وسار المأمون إلى نحو العراق فلم ينشب على الرضى أن مات في سنة ثلاث فكتب المأمون إلى أهل بغداد يعلمهم أنهم ما نقموا عليه إلا ببيعته لعلي وقد مات فردوا جوابه أغلظ جواب فسار المأمون وبلغ إبراهيم بن المهدي تسلل الناس من عهده فاختفى في ذي الحجة فكانت أيامه سنتين إلا أياماً وبقي في اختفائه مدة ثمان سنين.\rووصل المأمون بغداد في صفر سنة أربع فكلمه العباسيون وغيرهم في العود إلى لبس السواد وترك الخضرة فتوقف ثم أجاب إلى ذلك.\rوأسند الصولي أن بعض آل بيته قالت: إنك على بر أولاد علي بن أبي طالب والأمر فيك أقدر منك على برهم والأمر فيهم فقال إنما فعلت ما فعلت لأن أبا بكر لما ولي ولم يول أحداً من بني هاشم شيئاً ثم عمر ثم عثمان كذلك ثم ولي علي فولى عبد الله بن عباس البصرة وعبيد الله اليمن ومعبدا مكة وقثم البحرين وما ترك أحداً منهم حتى ولاه شيئاً فكانت هذه منة في أعناقنا حتى كافأته في ولده بما فعلت.\rوفي سنة عشر تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل وبلغ جهازها ألوفاً كثيرة وقام أبوها بخلع القواد وكلفتهم مدة سبعة عشر يوماً وكتب رقاعاً فيها أسماء ضياع له ونثرها على القواد والعباسيين فمن وقعت يده رقعة باسم ضيعة تسلمها ونثر صينية ملئت جوهراً بين يدي المأمون عند ما زفت إليه.\rوفي سنة إحدى عشرة أمر المأمون بأن ينادي برئت الذمة ممن ذكر معاوية بخير وأن أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب.\rوفي سنة اثنتي عشرة أظهر المأمون القول بخلق القرآن مضافاً إلى تفضيل علي على أبي بكر وعمر فاشمأزت النفوس منه وكاد البلد يفتتن ولم يلتئم له من ذلك ما أراد فكف عنه إلى سنة ثمان عشرة.\rوفي سنة خمس عشرة سار المأمون إلى غزو الروم ففتح حصن قرة عنوة وحصن ماجدة ثم سار إلى دمشق ثم عاد في سنة ست عشرة إلى الروم وافتتح عدة حصون ثم عاد إلى دمشق ثم توجه إلى مصر ودخولها فهو أول من دخلها من الخلفاء العباسيين ثم عاد في سنة سبع عشرة إلى دمشق والروم.","part":1,"page":126},{"id":127,"text":"وفي سنة ثمان عشر امتحن الناس بالقول في خلق القرآن فكتب إلى نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي ابن عم طاهر بن الحسن في امتحان العلماء كتاباً يقول فيه وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشوة الرعية وسفلة العامة ممن لا نظر له ولا روية ولا استضاءة بنور العلم وبرهانه أهل جهالة بالله وعمى عنه وضلالة عن حقيقة دينه وقصور أن يقدروا الله حق قدره ويعرفوه كنه معرفته ويفرقوا بينه وبين خلقه وذلك أنهم ساووا بين الله وبين ما أنزل من القرآن فأطبقوا على أنه قديم لم يخلقه الله ويخترعه وقد قال الله تعالى \" إنا جعلناه قرآناً عربياً \" \" الزخرف: 3 \" فكل ما جعله الله فقد خلقه كما قال الله تعالى \" وجعل الظلمات والنور \" \" الأنعام: 1 \" وقال \" كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق \" \" طه: 99 \" فأخبر أنه قصص لأمور أحدثه بعدها وقال \" أحكمت آياته ثم فصلت \" \" هود: 1 \" والله محكم كتابه ومفصله فهو خالقه ومبتدعه ثم انتسبوا إلى السنة وأظهروا أنهم أهل الحق والجماعة وأن من سواهم أهل الباطل والكفر فاستطالوا بذلك وغروا به الجهال حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب والتخشع لغير الله إلى موافقتهم فتركوا الحق إلى باطلهم واتخذوا دون الله وليجة إلى ضلالهم إلى أن قال فرأى أمير المؤمنين أن أولئك شر الأمة المنقوصون من التوحيد حظاً وأوعية الجهالة وأعلام الكذب ولسان إبليس الناطق في أوليائه والهائل على أعدائه من أهل دين الله وأحق من يتهم في صدقه وتطرح شهادته ولا يوثق به من عمي عن رشده وحظه من الإيمان بالله وبالتوحيد وكان عما سوى ذلك أعمى وأضل سبيلا ولعمر أمير المؤمنين إن أكذب الناس من كذب على الله ووحيه وتخرص الباطل ولم يعرف الله حق معرفته فاجمع من بحضرتك من القضاة فاقرأ عليهم كتابنا وامتحنهم فيما يقولون واكشفهم عما يعتقدون في خلقه وإحداثه وأعلمهم أني غير مستعين في عملي ولا واثق بمن لا يوثق بدينه فإذا أقروا بذلك ووافقوا فمرهم بنص من بحضرتهم من الشهود ومسألتهم عن علمهم في القرآن وترك شهادة من لم يقر أنه مخلوق واكتب إلينا بما يأتيك عن قضاة أهل عملك في مسألتهم والأمر لهم بمثل ذلك.\rوكتب المأمون إليه أيضاً في أشخاص سبعة أنفس وهم محمد بن سعد كاتب الواقدي ويحيى بن معين وأبو خيثمة وأبو مسلم مستملي يزيد بن هارون وإسماعيل بن داود وإسماعيل بن أبي مسعود وأحمد بن إبراهيم الدورقي فأشخصوا إليه فامتحنهم بخلق القرآن فأجابوه فردهم من الرقة إلى بغداد وسبب طلبهم أنهم توقفوا أولا ثم أجابوه تقية.\rوكتب إلى إسحاق بن إبراهيم بأن يحضر الفقهاء ومشايخ الحديث ويخبرهم بما أجاب به هؤلاء السبعة ففعل ذلك فأجابه طائفة وامتنع آخرون فكان يحيى بن معين وغيره يقولون أجبنا خوفاً من السيف.","part":1,"page":127},{"id":128,"text":"ثم كتب المأمون كتاباً آخر من جنس الأول إلى إسحاق وأمره بإحضار من امتنع فأحضر جماعة منهم أحمد بن حنبل وبشر بن الوليد الكندي وأبو حسان الزيادي وعلي بن أبي مقاتل والفضل بن غانم وعبيد الله بن عمرو القواريري وعلي بن الجعد وسجادة والذيال بن الهيثم وقتيبة بن سعيد وسعدوية الواسطي وإسحاق بن أبي إسرائيل وابن الهرس وابن علية الأكبر ومحمد بن نوح العجلي ويحيى بن عبد الرحمن العمري وأبو نصر التمار وأبو معمر القطيعي ومحمد بن حاتم بن ميمون وغيرهم وعرض عليهم كتاب المأمون فعرضوا ووروا ولم يجيبوا ولم ينكروا فقال لبشر بن الوليد ما تقول قال قد عرفت أمير المؤمنين غير مرة قال والآن فقد تجدد من أمير المؤمنين كتاب قال أقول كلام الله قال لم أسألك عن هذا أمخلوق هو قال ما أحسن غير ما قلت لك وقد استعهدت أمير المؤمنين أن لا أتكلم فيه ثم قال لعلي بن أبي مقاتل ما تقول قال القرآن كلام الله وإن أمرنا أمير المؤمنين بشيء سمعنا وأطعنا وأجاب أبو حسان الزيادي بنحو من ذلك ثم قال لأحمد بن حنبل ما تقول قال كلام الله قال أمخلوق هو قال هو كلام الله لا أزيد على هذا ثم امتحن الباقين وكتب بجواباتهم قال ابن البكاء الأكبر أقول القرآن مجعول ومحدث لورود النص بذلك فقال له إسحاق بن إبراهيم والمجعول مخلوق قال نعم قال فالقرآن مخلوق قال لا أقول مخلوق ثم وجه بجواباتهم إلى المأمون فورد عليه كتاب المأمون بلغنا ما أجاب به متصنعة أهل القبلة وملتمسو الرئاسة فيما ليسوا له بأهل فمن لم يجب أنه مخلوق فامنعه من الفتوى والرواية ويقول الكتاب: فأما ما قال بشر فقد كذب لم يكن جرى بين أمير المؤمنين وبينه عهد أكثر من إخباره أمير المؤمنين من اعتقاده كلمة الإخلاص والقول بأن القرآن مخلوق فادع به إليك فإن تاب فأشهر أمره وإن أصر على شركه ودفع أن يكون القرآن مخلوقاً بكفره وإلحاده فاضرب عنقه وابعث إلينا برأسه وكذلك إبراهيم بن المهدي فامتحنه فإن أجاب وإلا فاضرب عنقه وأما علي بن أبي مقاتل فقل له ألست القائل لأمير المؤمنين إنك تحلل وتحرم وأما الذيال فأعلمه أنه كان في الطعام الذي يسرقه من الأنبار ما يشغله وأما احمد بن يزيد أبو العوام وقوله إنه لا يحسن الجواب في القرآن فأعلمه أنه صبي في عقله لا في سنه جاهل يحسن الجواب إذا أدب ثم إن لم يفعل كان السيف من وراء ذلك وأما أحمد بن حنبل فأعلمه أن أمير المؤمنين قد عرف فحوى مقالته واستدل على جهله وأفنه بها وأما الفضل بن غانم فأعلمه أنه لم يخف على أمير المؤمنين ما كان فيه بمصر وما اكتسب من الأموال في أقل من سنة يعني ولاية القضاء وأما الزيادي فأعلمه أنه كان منتحلا ولاء أول دعى فأنكر أبو حسان أن يكون مولى لزياد ابن أبيه وذكر أنه وإنما قيل له الزيادي لأمر من الأمور قال وأما أبو نصر التمار فإن أمير المؤمنين شبه خساسة عقله بخساسة متجره وأما ابن نوح والمعروف بأبي معمر وابن حاتم فأعلمهم أنهم مشاغيل بأكل الربا عن الوقوف على التوحيد وإن أمير المؤمنين لو لم يستحل محاربتهم في الله إلا لإربائهم وما نزل به كتاب الله في أمثالهم لاستحل ذلك فكيف بهم وقد جمعوا مع الإرباء شركاً وصاروا للنصارى شبهاً وأما ابن شجاع فأعلمه أنك صاحبه بالأمس والمستخرج منه ما استخرجته من المال الذي كان استحله من مال علي بن هشام وأما سعدويه الواسطي فقل له قبح الله رجلا بلغ به التصنع للحديث والحرص على الرئاسة فيه أن يتمنى وقت المحنة وأما المعروف بسجادة وإنكاره أن يكون سمع ممن كان يجالس العلماء القول بأن القرآن مخلوق فأعلمه أن في شغله بإعداد النوى وحكه لإصلاح سجادته وبالودائع التي دفعها إليه علي بن يحيى وغيره ما أذهله عن التوحيد وأما القواريري ففيما تكشف من أحواله وقبوله الرشا والمصانعات ما أبان عن مذهبه وسوء طريقته وسخافة عقله ودينه وأما يحيى العمري فإن كان من ولد عمر بن الخطاب فجوابه معروف وأما محمد بن الحسن بن علي بن عاصم فإنه لو كان مقتدياً بمن مضى من سلفه لم ينتحل النحلة التي حكيت عنه وإنه بعد صبي محتاج إلى أن يعلم وقد كان أمير المؤمنين وجه إليك المعروف بأبي مسهر بعد أن نصه أمير المؤمنين عن محنته في القرآن فجمجم عنها وتلجلج فيها حتى دعا له أمير المؤمنين بالسيف فأقر ذميماً فانصصه عن إقراره فإن كان مقيماً عليه فأشهر ذلك","part":1,"page":128},{"id":129,"text":"وأظهره ومن لم يرجع عن شركه ممن سميت بعد بشر وابن المهدي فاحملهم موثقين إلى عسكر أمير المؤمنين ليسألهم فإن لم يرجعوا فاحملهم على السيف قال فأجابوا كلهم عند ذلك إلا أحمد بن حنبل وسجادة ومحمد ابن نوح والقواريري فأمر بهم إسحاق فقيدوا ثم سألهم من الغد وهم في القيود فأجاب سجادة ثم عاودهم ثالثاً فأجاب القواريري ووجه بأحمد ابن حنبل ومحمد بن نوح إلى الروم.وأظهره ومن لم يرجع عن شركه ممن سميت بعد بشر وابن المهدي فاحملهم موثقين إلى عسكر أمير المؤمنين ليسألهم فإن لم يرجعوا فاحملهم على السيف قال فأجابوا كلهم عند ذلك إلا أحمد بن حنبل وسجادة ومحمد ابن نوح والقواريري فأمر بهم إسحاق فقيدوا ثم سألهم من الغد وهم في القيود فأجاب سجادة ثم عاودهم ثالثاً فأجاب القواريري ووجه بأحمد ابن حنبل ومحمد بن نوح إلى الروم.\rثم بلغ المأمون أن الذين أجابوا إنما أجابوا مكرهين فغضب وأمر بإحضارهم إليه فحملوا إليه فبلغتهم وفاة المأمون قبل وصولهم إليه ولطف الله بهم وفرج عنهم.\rوأما المأمون فمرض بالروم فلما اشتد مرضه طلب ابنه العباس ليقدم عليه وهو يظن أنه لا يدركه فأتاه وهو مجهود وقد نفذت الكتب إلى البلدان فيها من عبد الله المأمون وأخيه أبي إسحاق الخليفة من بعده بهذا النص فقيل إن ذلك وقع بأمر المأمون وقيل بل كتبوا ذلك وقت غشي أصابه.\rومات المأمون يوم الخميس لاثنتي عشرة بقيت من رجب سنة ثمان عشرة بالبدندون من أقصى الروم ونقل إلى طرطوس فدفن بها.\rقال المسعودي: كان نزل على عين البدندون فأعجبه برد مائها وصفاؤه وطيب حسن الموضع وكثرة الخضرة فرأى فيها سمكة كأنها سبيكة فضة فأعجبته فلم يقدر أحد يسبح في العين لشدة بردها فجعل لمن يخرجها سيفاً فنزل فراش فاصطادها وطلع فاضطربت وفرت إلى الماء فتنضح صدر المأمون ونحره وابتل ثوبه ثم نزل الفراش ثانية فأخذها فقال المأمون تقلى الساعة ثم أخذته رعدة فغطى باللحف وهو يرتعد ويصيح فأوقدت حوله نار فأتى بالسمكة فما ذاقها لشغله بحاله ثم أفاق المأمون من غمرته سأل عن تفسير المكان بالعربي؟ فقيل مد رجليك فتطير به ثم سأل عن اسم البقعة فقيل الرقة وكان فيما عمل من مولده أنه يموت بالرقة فكان يتجنب نزول الرقة فرقاً من الموت فلما سمع هذا من الروم عرف وأيس وقال يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه ولما وردت وفاته بغداد قال أبو سعيد المخزومي:\rهل رأيت النجوم أغنت عن المأ ... مون أو عن ملكه المأسوس\rخلفوه بعرصتي طرسوس ... مثل ما خلفوا أباه بطوس\rقال الثعالبي: لا يعرف أب وابن من الخلفاء أبعد قبراً من الرشيد والمأمون.\rقال: وكذلك خمسة من أولاد العباس تباعدت قبورهم أشد تباعد ولم ير الناس مثلهم فقبر عبد الله بالطائف وعبيد الله بالمدينة والفضل بالشام وقثم بسمرقند ومعبد بإفريقية.\rفصل في نبذ من أخبار المأمون قال نفطويه: حدثنا حامد بن العباس بن الوزير قال كنا بين يدي المأمون فعطس فلم نشمته فقال لم لا تشمتونني قلنا أجللناك يا أمير المؤمنين قال لست من الملوك التي تتجال عن الدعاء. وأخرج ابن عساكر عن أبي محمد اليزيدي قال كنت أؤدب المأمون فأتيته يوماً وهو داخل فوجهت إليه بعض الخدم يعلمه بمكاني فأبطأ ثم وجهت إليه آخر فأبطأ فقلت إن هذا الفتى ربما تشاغل بالبطالة فقيل أجل ومع هذا إنه إذا فارقك تعرم على خدمه ولقوا منه أذى شديداً فقومه بالأدب فلما خرج أمرت بحمله فضربته سبع درر قال فإنه ليدلك عينيه من البكاء إذ قيل هذا جعفر بن يحيى قد أقبل فأخذ منه منديلا فمسح عينيه من البكاء وجمع ثيابه وقام إلى فرشه فقعد متربعاً ثم قال ليدخل فدخل فقمت عن المجلس وخفت أن يشكوني إليه فأقبل عليه بوجهه وحدثه حتى أضحكه ثم خرج فجئت فقلت لقد خفت أن تشكوني إلى جعفر فقال لي يا أبا محمد ما كنت أطلع الرشيد على هذه فكيف بجعفر إني احتاج إلى أدب.\rوأخرج عن عبد الله بن محمد التيمي قال أراد الرشيد سفراً فأمر الناس أن يتأهبوا لذلك وأعلمهم أنه خارج بعد الأسبوع فمضى الأسبوع ولم يخرج فاجتمعوا إلى المأمون فسألوه أن يستعلم ذلك ولم يكن الرشيد يعلم أن المأمون يقول الشعر فكتب إليه المأمون:\rيا خير من دبت المطي به ... ومن تقدى بسرجه فرس","part":1,"page":129},{"id":130,"text":"هل غاية في المسير نعرفها ... أم أمرنا في المسير ملتبس\rما علم هذا إلا إلى ملك ... من نوره في الظلام نقتبس\rإن سرت سار الرشاد متبعاً ... وإن تقف فالرشاد محتبس\rفقرأها الرشيد فسر بها ووقع فيها يا بني ما أنت والشعر إنما الشعر أرفع حالات الدنى وأقل حالات السرى.\rتقدى أي استمر.\rوأخرج عن الأصمعي قال: كان نقش خاتم المأمون عبد الله ابن عبد الله.\rوأخرج عن محمد بن عبد الله قال لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء إلا عثمان بن عفان والمأمون.\rقلت وقد رددت هذا الحصر فيما تقدم.\rوأخرج عن ابن عيينة قال جمع المأمون العلماء وجلس للناس فجاءت امرأة فقالت يا أمير المؤمنين مات أخي وخلف ستمائة دينار أعطوني ديناراً وقالوا هذا نصيبك قال فحسب المأمون ثم كسر الفريضة ثم قال لها هذا نصيبك فقال له العلماء كيف علمت يا أمير المؤمنين فقال هذا الرجل خلف ابنتين قالت نعم قال فلهن الثلثان أربعمائة وخلف والدة فلها السدس مائة وخلف زوجة فلها الثمن خمسة وسبعون وبالله ألك اثنا عشر أخاً قالت نعم قال أصابهم ديناران ديناران وأصابك دينار.\rوأخرج عن محمد بن حفص الأنماطي قال تغدينا مع المأمون في يوم عيد فوضع على مائدته أكثر من ثلاثمائة لون قال فكلما وضع لون نظر المأمون إليه فقال هذا نافع لكذا ضار لكذا فمن كان منكم صاحب بلغم فليجتنب هذا ومن كان منكم صاحب صفراء فليأكل من هذا ومن غلبت عليه السوداء فلا يعرض لهذا ومنقصد قلة الغذاء فليقتصر على هذا فقال له يحيى بن أكثم يا أمير المؤمنين إن خضنا في الطب كنت جالينوس في معرفته أو في النجوم كنت هرمس في حسابه أو في الفقه كنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه في علمه أو ذكر السخاء كنت حاتم طيئ في صفته أو صدق الحديث كنت أبا ذر في لهجته أو الكرم فأنت كعب بن أمامة في فعاله أو الوفاء فأنت السموأل بن عاديا في وفائه فسر بهذا الكلام وقال إن الإنسان إنما فضل بعقله ولولا ذلك لم يكن لحم أطيب من لحم ولا دم أطيب من دم.\rوأخرج عن يحيى بن أكثم قال ما رأيت أكمل من المأمون بت عنده ليلى فانتبه فقال يا يحيى انظر إيش عند رجلي فنظرت فلم أر شيئاً فقال شمعة فتبادر الفراشون فقال انظروا فنظروا فإذا تحت فراشه حية بطوله فقتلوها فقلت قد انضاف إلي كمال أمير المؤمنين علم الغيب فقال معاذ الله ولكن هتف بي هاتف الساعة وأنا نائم فقال:\rيا راقد الليل انتبه ... إن الخطوب لها سرى\rثقة الفتى بزمانه ... ثقة محللة العرى\rفانتبهت فعلمت أن قد حدث أمر إما قريب وإما بعيد فتألمت ما قرب فكان ما رأيت.\rأخرج عن عمارة بن عقيل قال: قال لي ابن أبي حفصة الشاعر أعلمت أن المأمون لا يبصر الشعر فقلت من ذا يكون أفرس منه والله إنا للنشد أول البيت فيسبق إلى آخره من غير أن يكون سمعه قال إني أنشدته بيتا أجدت فيه لم أراه تحرك له وهو هذا:\rأضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا ... بالدين والناس في الدنيا مشاغيل\rفقلت له: ما زدت على أن جعلته عجوزاً في محرابها في يدها سبحة فمن يقوم بأمر الدنيا إذا كان مشغولا عنها وهو المطوق لها ألا قلت كما قال عمك في الوليد:\rفلا هو في الدنيا يضيع نصيبه ... ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله","part":1,"page":130},{"id":131,"text":"قال ابن عساكر أخبرنا أبو العز بن كادش حدثنا محمد بن الحسن حدثنا المعافى بن زكريا حدثنا محمد بن محمود بن أبي الأزهر الخزاعي حدثنا الزبير بن بكار حدثني النضر بن شميل قال دخلت على المأمون بمرو وعلي أطمار فقال لي يا نضر أتدخل على أمير المؤمنين في مثل هذه الثياب فقلت يا أمير المؤمنين إن حر مرو لا يدفع إلا بمثل هذه الأخلاق قال لا ولكنك تتقشف فتجارينا الحديث فقال المأمون حدثني هشيم بن بشير عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سداد من عوز \" قلت صدق قول أمير المؤمنين عن هشيم حدثني عوف الأعرابي عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال \" إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سداد بالكسر من عوز \" وكان المأمون متكئاً فاستوى جالساً وقال السداد لحن يا نضر قلت نعم هاهنا وإنما لحن هشيم وكان لحاناً فقال ما الفرق بينهما قلت السداد بالفتح القصد في السبيل والسداد بالكسر البلغة وكل ما سددت به شيئاً فهو سداد قال أفتعرف العرب ذلك قلت نعم هذا العرجي من ولد عثمان بن عفان يقول:\rأضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر\rفأطرق المأمون ملياً ثم قال قبح الله من لا أدب له ثم قال أنشدني يا نضر أخلب بيت للعرب قلت: قول ابن بيض في الحكم بن مروان:\rتقول لي العيون هاجعة ... أقيم علينا يوما فلم أقم\rأي الوجوه انتجعت قلت لها ... لأي وجه إلا إلى الحكم\rمتى يقل حاجباً سرادقه ... هذا ابن بيض بالباب يبتسم\rقد كنت أسلمت فيك مقتبلا ... هيهات ادخل فأعطني سلمي\rأسلمت: أسلفت مقتبلا آخذاً قبيلا أي كفيلا قال أنشدني أنصف بيت قالته العرب قلت قول ابن أبي عروبة المديني:\rإني وإن كان ابن عمي عاتبا ... لمزاحم من خلفه وورائه\rومفيده نصري وإن كان امرأ ... متزحزحاً في أرضه وسمائه\rوأكون والي سره وأصونه ... حتى يحن إلي وقت أدائه\rوإذا الحوادث أجحفت بسوامه ... قرنت صحيحتنا إلى جربائه\rوإذا دعا باسمي ليركب مركبا ... صعبا قعدت له على سيسائه\rوإذا أتى من وجهه بطريقة ... لم أطلع فيما وراء خبائه\rوإذا ارتدى ثوباً جميلا لم أقل ... يا ليت أن علي حسن ردائه\rقال أنشدني أقنع بيت للعرب فأنشدته قول ابن عبدل:\rإني امرؤ لم أزل وذاك من ... الله أديباً أعلم الأدبا\rأقيم بالدار ما اطمأن بي الدا ... ر وإن كنت نازحاً طربا\rلا أحتوي خلة الصديق ولا ... أتبع نفسي شيئاً إذا ذهبا\rأطلب ما يطلب الكريم من ال ... رزق بنفسي وأجمل الطلبا\rإني رأيت الفتى الكريم إذا ... رغبته في صنيعه رغبا\rوالعبد لا يطلب العلاء ولا ... يعطيك شيئاً إلا إذا رهبا\rمثل الحمار الموقع السوء لا ... يحسن شيئاً إلا إذا ضربا\rولم أجد عروة العلائق إلا ال ... دين لما اختبرت والحسبا\rوقد يرزق الخافض المقيم وما ... شد بعيس رحلا ولا قتبا\rويحرم الرزق ذو المطية والرح ... ل ومن لا يزال مغتربا\rقال: أحسنت يا نضر وأخذ القرطاس فكتب شيئاً لا أدري ما هو ثم قال: كيف تقول افعل من التراب قلت أترب قال ومن الطين قلت طن قال فالكتاب ماذا قلت مترب مطين قال هذه أحسن من الأولى فكتب لي بخمسين ألف درهم ثم أمر الخادم أن يوصلني إلى الفضل بن سهل فمضيت معه فلما قرأ الكتاب قال يا نضر لحنت أمير المؤمنين قلت كلا ولكن هشيم لحانه فتبع أمير المؤمنين لفظه فأمر لي من عنده بثلاثين ألفاً فخرجت إلى منزلي بثمانين ألفاً.","part":1,"page":131},{"id":132,"text":"وأخرج الخطيب عن محمد بن زياد الأعرابي قال بعث إلى المأمون فصرت إليه وهو في بستان يمشي مع يحيى بن أكثم فرأيتهما موليين فجلست فلما أقبلا قمت فسلمت عليه بالخلافة فسمعته يقول ليحيى يا أبا محمد ما أحسن أدبه رآنا موليين فجلس ثم رآنا مقبلين فقام ثم رد علي السلام فقال أخبرني عن قول هند بنت عتبة:\rنحن بنات طارق ... نمشي على النمارق\rمشي قطا الهمارق\rمن طارق هذا فنظرت في نسبها فلم أجده فقلت يا أمير المؤمنين ما أعرفه في نسبها فقال إنما أرادت النجم وانتسبت إليه لحسنها من قول الله تعالى \" والسماء والطارق \" \" الطارق: 1 \" فقلت فأيده أمير المؤمنين فقال أنا بؤبؤ هذا الأمر وابن بؤبؤه ثم رمى إلي بعنبرة كان يقلبها في يده بعتها بخمسة آلاف درهم.\rوأخرج عن أبي عبادة قال: كان المأمون أحد ملوك الأرض وكان يجب له هذا الاسم على الحقيقة.\rوأخرج عن ابن أبي دؤاد قال دخل رجل من الخوارج على المأمون فقال له المأمون ما حملك على خلافنا قال آية في كتاب الله قال وما هي قال قوله تعالى \" ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون \" \" المائدة: 44 \" قال ألك علم بأنها منزلة قال نعم قال وما دليلك قال إجماع الأمة قال فكما رضيت بإجماعهم في التنزيل فارض بإجماعهم في التأويل قال صدقت السلام عليك يا أمير المؤمنين.\rوأخرج ابن عساكر عن محمد بن منصور قال: قال المأمون من علامة الشريف أن يظلم من فوقه ويظلمه من هو دونه.\rوأخرج عن سعيد بن مسلم قال: قال المأمون لوددت أن أهل الجرائم عرفوا رأيي في العفو ليذهب عنهم الخوف ويخلص السرور إلى قلوبهم.\rوأخرج عن إبراهيم بن سعيد الجوهري قال وقف رجل بين يدي المأمون قد جنى جناية فقال له والله لأقتلنك فقال يا أمير المؤمنين تأن علي فإن الرفق نصف العفو قال وكيف وقد حلفت لأقتلنك فقال لأن تلقى الله حانثاً خير من أن تلقاه قاتلا فخلى سبيله.\rوأخرج الخطيب عن أبي الصلت عبد السلام بن صالح قال بت عند المأمون ليلة فنام القيم الذي كان يصلح السراج فقام المأمون وأصلحه وسمعته يقول ربما أكون في المتوضأ فيشتمني الخدام ويفترون علي ولا يدرون أنه أسمع فأعفو عنهم وأخرج الصولي عن عبد الله بن البواب قال كان المأمون يحلم حتى يغيظنا وجلس مرة يستاك على دجلة من وراء ستر ونحن قيام بين يديه فمر ملاح وهو يقول أتظنون أن هذا المأمون ينبل في عيني وقد قتل أخاه قال فوالله ما زاد على أن تبسم وقال لنا ما الحيلة عندكم حتى أنبل في عين هذا الرجل الجليل.\rوأخرج الخطيب عن يحيى بن أكثم قال ما رأيت أكرم من المأمون بت عنده ليلة فأخذه سعال فرأيته يسد فاه بكم قميصه حتى لا أنتبه.\rوكان يقول أول العدل أن يعدل الرجل في بطانته ثم الذين يلونهم حتى يبلغ إلى الطبقة السفلى. وأخرج ابن عساكر عن يحيى بن خالد البرمكي قال: قال لي المأمون يا يحيى اغتنم قضاء حوائج الناس فإن الفلك أدور والدهر أجور من أن يترك لأحد حالا أو يبقى لأحد نعمة.\rوأخرج عن عبد الله بن محمد الزهري قال: قال المأمون غلبة الحجة احب إلي من غلبة القدرة لأن غلبة القدرة تزول بزوالها وغلبة الحجة لا يزيلها شيء.\rواخرج عن العتبي قال سمعت المأمون يقول من لم يحمدك على حسن النية لم يشكر على جميل الفعل.\rوأخرج عن أبي العالية قال سمعت المأمون يقول ما أقبح اللجاجة بالسلطان وأقبح من ذلك الضجر من القضاة قبل التفهم وأقبح منه سخافة الفقهاء بالدين وأقبح منه البخل بالأغنياء والمزاح بالشيوخ والكسل بالشباب والجبن بالمقاتل.\rوأخرج عن علي بن عبد الرحيم المروزي قال قال المأمون أظلم الناس لنفسه من يتقرب إلى من يبعده ويتواضع لمن لا يكرمه ويقبل مدح من لا يعرفه.\rوأخرج عن مخارق قال أنشدت المأمون قول أبي العتاهية:\rوإني لمحتاج إلى ظل صاحب ... يروق ويصفو إن كدرت عليه\rفقال لي أعد فأعدت سبع مرات فقال لي يا مخارق خذ منى الخلافة وأعطني هذا الصاحب. وأخرج عن هدبة بن خالد قال حضرت غداء المأمون فلما رفعت المائدة جعلت ألتقط ما في الأرض فنظر إلي المأمون فقال أما شبعت؟ قلت بلى ولكن حدثني حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول \" من أكل ما تحت مائدة أمن من الفقر \" فأمر لي بألف دينار.","part":1,"page":132},{"id":133,"text":"وأخرج عن الحسن بن عبدوس الصفار قال لما تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل أهدى الناس إلى الحسن فأهدى له رجل فقير مزودين في أحدهما ملح وفي الآخر أشنان وكتب إليه جعلت فداك خفة البضاعة قصرت ببعد الهمة وكرهت أن تطوى صحيفة أهل البر ولا ذكر لي فيها فوجهت إليك بالمبتدأ به ليمنه وبركته وبالمختوم به لطيبه ونظافته فأخذ الحسن المزودين ودخل بهما على المأمون فاستحسن ذلك وأمر بهما ففرغا وملئا دنانير.\rوأخرج الصولي عن محمد بن القاسم قال: سمعت المأمون يقول أنا والله ألذ العفو حتى أخاف أن لا أوجر عليه ولو علم الناس مقدار محبتي للعفو لتقربوا إلي بالذنوب.\rوأخرج الخطيب عن المنصور البرمكي قال للرشيد جارية وكان المأمون يهواها فبينما هي تصب على الرشيد من إبريق معها والمأمون خلفه إذ أشار إليها بقبلة فزجرته بحاجبها وأبطأت عن الصب فنظر إليها هارون الرشيد فقال ما هذا؟ فتلكأت عليه فقال إن لم تخبريني لأقتلنك فقالت أشار إلي عبد الله بقبلة فالتفت إليه وإذا هو قد نزل به من الحياء والرعب ما رحمه منه فاعتنقه وقال أتحبها؟ قال نعم قال: قم فادخل بها في تلك القبة فقام فلما خرج قال له قل في هذا شعراً فقال:\rظبي كنيت بطرفي ... عن الضمير إليه\rقبلته من بعيد ... فاعتل من شفتيه\rورد أحسن رد ... بالكسر من حاجبيه\rفما برحت مكاني ... حتى قدرت عليه\rوأخرج ابن عساكر عن أبي خليفة الفضل بن الحباب قال: سمعت بعض النخاسين يقول عرضت على المأمون جارية شاعرة فصيحة متأدبة شطرنجية فساومته في ثمنها بألفي دينار فقال المأمون إن هي أجازت بيتاً أقوله ببيت من عندها اشتريتها بما تقول وزدتك فأنشد المأمون:\rماذا تقولين فيمن شفه أرق ... من جهد حبك حتى صار حيرانا؟\rفأجازته:\rإذا وجدنا محباً قد أضر به ... داء الصبابة أوليناه إحسانا\rوأخرج الصولي عن الحسين الخليع قال لما غضب على المأمون ومنعني رزقاً لي عملت قصيدة أمتدحه بها ودفعتها إلى من أوصلها إليه وأولها:\rأجرني فإني قد ظمئت إلى الوعد ... متى تنجز الوعد المؤكد بالعهد\rأعيذك من خلف الملوك وقد ترى ... تقطيع أنفاسي عليك من الوجد\rأيبخل فرد الحسن عني بنائل ... قليل وقد أفردته بهوى فرد\rإلى أن قال:\rرأى الله عبد الله خير عباده ... فملكه والله أعلم بالعبد\rألا إنما المأمون للناس عصمة ... مفرقة بين الضلالة والرشد\rفقال المأمون: قد أحسن إلا أنه القائل:\rأعيناي جودا وابكيا لي محمداً ... ولا تذخرا دمعاً عليه وأسعدا\rفلا تمت الأشياء بعد محمد ... ولا زال شمل الملك فيه مبددا\rولا فرح المأمون بالملك بعده ... ولا زال في الدنيا طريداً مشردا\rفهذا بذاك ولا شيء له عندنا فقال له الحاجب فأين عادة أمير المؤمنين في العفو فقال أما هذا فنعم فأمر له بجائزة ورد رزقه عليه.\rوأخرج عن علية عن حماد بن إسحاق قال قدم المأمون بغداد جلس للمظالم كل يوم أحد إلى الظهر.\rوأخرج عن محمد بن العباس قال كان المأمون يحب لعب الشطرنج شديداً ويقول هذا يشحذ الذهن واقترح فيها أشياء وكان يقول لا أسمعن أحداً يقول تعال حتى نلعب ولكن يقول نتداول أو نتناقل ولم يكن حاذقاً بها.\rوكان يقول: أنا أدبر الدنيا فأتسع لذلك وأضيق عن تدبير شبرين في شبرين.\rوأخرج عن ابن أبي سعيد قال هجا دعبل المأمون فقال:\rإني من القوم الذين سيوفهم ... قتلت أخاك وشرفتك بمقعد\rشادوا بذكرك بعد طول خموله ... واستنقذوك من الحضيض الأوهد\rفلما سمع المأمون لم يزد على أن قال ما أقل حياء دعبل متى كنت خاملا وقد نشأت في حجر الخلفاء ولم يعاقبه.\rوأخرج من طرق عدة أن المأمون كان يشرب النبيذ.\rوأخرج عن الجاحظ قال: كان أصحاب المأمون يزعمون أن لون وجهه وجسده لون واحد سوى ساقيه فإنهما صفراوان كأنهما طليتا بالزعفران.\rوأخرج عن إسحاق الموصلي قال: قال المأمون ألذ الغناء ما طرب له السامع خطأ كان أو صواباً.","part":1,"page":133},{"id":134,"text":"وأخرج عن علي بن الحسين قال كان محمد بن حامد واقفاً على رأس المأمون وهو يشرب فاندفعت عريب فغنت بشعر النابغة الجعدي:\rكحاشية البرد اليماني المسهم\rفأنكر المأمون أن لا تكون ابتدأت بشيء فأمسك القوم فقال نفيت من الرشيد لئن لم أصدق عن هذا لأقررن بالضرب الوجيع عليه ثم لأعاقبن عليه أشد العقوبة ولئن صدقت لأبلغن الصادق أمله فقال محمد ابن حامد أنا يا سيدي أومأت إليها بقبلة فقال الآن جاء الحق صدقت أتحب أن أزوجك بها قال نعم فقال المأمون الحمد الله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين لقد زوجت محمد بن حامد عريب مولاتي ومهرتها عنه أربعمائة درهم وعلى بركة الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم خذ بيدها فقامت معه فصار المعتصم إلى الدهليز فقال له الدلالة قال لك ذاك قال دلالتي أن تغنيني الليلة فلم تزل تغنيه إلى السحر وابن حامد على الباب ثم خرجت فأخذت بيده ومضت عليه.\rوأخرج عن ابن أبي دؤاد قال أهدى ملك الروم إلى المأمون هدية فيها مائتا رطل مسك ومائتا جلد سمور فقال أضعفوها له ليعلم عز الإسلام.\rوأخرج عن إبراهيم بن الحسن قال قال المدائني للمأمون إن معاوية قال: بنو هاشم أسود وأجداء ونحن أكثر سيداً فقال المأمون إنه قد أقر وادعى فهو في ادعائه خصم وفي إقراره مخصوم.\rوأخرج عن أبي أمامة قال حدثني بعض أصحابنا أن أحمد بن أبى خالد قرأ القصص يوماً على المأمون فقال فلان الثريدي وهو اليزيدي فضحك المأمون وقال يا غلام هات الطعام لأبي العباس فإنه أصبح جائعاً فاستحيى وقال ما أنا بجائع ولكن صاحب القصة أحمق نقط الياء بنقط الثاء فقال على ذلك فجاءه بطعام فأكل حتى انتهى ثم عاد فمر في قصة فلان الحمصي فقال الخبيصي فضحك المأمون وقال يا غلام جامة فيها خبيص فقال إن صاحب القصة كان أحمق فتح الميم فصارت كأنها سنتان فضحك وقال لولا حمقهما لبقيت جائعاً.\rوأخرج عن أبي عباد قال: ما أظن الله خلق نفساً هي أنبل من نفس المأمون ولا أكرم.\rوكان قد عرف شره أحمد بن أبي خالد فكان إذا وجهه في حاجة غداه قبل أن يرسله.\rورفع إليه في قصة إن رأى أمير المؤمنين أن يجري على ابن أبى خالد نزلا فإنه يعين الظالم بأكله فأجرى عليه المأمون ألف درهم كل يوم لمائدته.\rوكان مع هذا يشره إلى طعام الناس فقال دعبل الشاعر:\rشكرنا الخليفة إجراءه ... على ابن أبي خالد نزله\rفكف أذاه عن المسلمين ... وصير في بيته شغله\rوأخرج عن ابن أبي دؤاد قال سمعت المأمون يقول لرجل إنما هو غدر أو يمن قد وهبتهما لك ولا تزال تسيئ وأحسن وتذنب وأغفر حتى يكون العفو هو الذي يصلحك.\rوأخرج عن الجاحظ قال قال ثمامة بن أشرس ما رأيت رجلا أبلغ من جعفر بن يحيي البرمكي والمأمون.\rوأخرج السلفي في الطيوريات عن حفص المدايني قال أتى المأمون بأسود قد ادعى النبوة وقال أنا موسى بن عمران فقال له المأمون إن موسى بن عمران أخرج يده من جيبه بيضاء فأخرج يدك بيضاء حتى أومن بك فقال الأسود إنما جعل ذلك لموسى لما قال له فرعون أنا ربكم الأعلى فقل أنت كما قال فرعون حتى أخرج يدي بيضاء وإلا لم تبيض.\rوأخرج أيضاً أن المأمون قال ما انفتق علي فتق إلا وجدت سببه جور العمال.","part":1,"page":134},{"id":135,"text":"وأخرج ابن عساكر عن يحيى بن أكثم قال كان المأمون يجلس للمناظرة في الفقه يوم الثلاثاء فجاء رجل عليه ثياب قد شمرها ونعله في يده فوقف على طرف البساط وقال السلام عليكم فرد عليه المأمون فقال أخبرني عن هذا المجلس الذي أنت فيه جلسته باجتماع الأمة أم بالمغالبة والقهر قال لا بهذا ولا بهذا بل كان يتولى أمر المسلمين من عقد لي ولأخي فلما صار الأمر إلي علمت أني محتاج إلى اجتماع كلمة المسلمين في المشرق والمغرب على الرضا بي رأيت أني متى خليت الأمر اضطرب حبل الإسلام ومرج أمرهم وتنازعوا وبطل الجهاد والحج وانقطعت السبل فقمت حياطة للمسلمين إلى أن يجمعوا على رجل يرضون به فأسلم إليه الأمر فمتى اتفقوا على رجل خرجت له من الأمر فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وذهب. وأخرج عن محمد بن المنذر الكندي قال حج الرشيد فدخل الكوفة فطلب المحدثين فلم يتخلف إلا عبد الله بن إدريس وعيسى بن يونس فبعث إليهما الأمين والمأمون فحدثهما ابن إدريس بمائة حديث فقال المأمون يا عم أتأذني لي أن أعيدها من حفظي قال نعم افعل فأعادها فعجب من حفظه.\rوقال بعضهم استخرج المأمون كتب الفلاسفة واليونان من جزيرة قبرس هكذا ذكره الذهبي مختصراً.\rوقال الفاكهي أول من كسا الكعبة الديباج الأبيض المأمون واستمر ذلك بعده إلى أيام الخليفة الناصر إلا أن محمود بن سبكتين كساها في خلال هذه المدة ديباجاً أصفر.\rومن كلام المأمون لا نزهة ألذ من النظر في عقول الرجال وقال أعيت الحيلة في الأمر إذا أقبل أن يدبر وإذا أدبر أن يقبل وقال أحسن المجالس ما نظر فيه إلى الناس وقال الناس ثلاثة فمنهم مثل الغذاء لا بد منه على كل حال ومنهم كالدواء يحتاج إليه في حال المرض ومنهم كالداء مكروه على كل حال.\rوقال ما أعياني جواب أحد مثل ما أعياني جواب رجل من أهل الكوفة قدمه أهلها فشكا عاملهم فقلت كذبت بل هو رجل عادل فقال صدق أمير المؤمنين وكذبت أنا قد خصصتنا به في هذه البلدة دون باقي البلاد خذه واستعمله على بلد آخر يشملهم من عدله وإنصافه مثل الذي شملنا فقلت قم في غير حفظ الله عزلته عنكم.\rومن شعر المأمون:\rلساني كتوم لأسراركم ... ودمعي نموم لسري مذيع\rفلولا دموعي كتمت الهوى ... ولولا الهوى لم يكن لي دموع\rوله في الشطرنج:\rأرض مربعة حمراء من أدم ... ما بين إلفين معروفين بالكرم\rتذاكرا الحرب فاحتلالها حيلا ... من غير أن يأثما فيها بسفك دم\rهذا يغير على هذا وذاك على ... هذا يغير وعين الحزم لم تنم\rفانظر إلى فطن جالت بمعرفة ... في عسكرين بلا طبل ولا علم\rوأخرج الصولي عن محمد بن عمرو قال دخل أصرم بن حميد على المأمون وعنده المعتصم فقال يا أصرم صفني وأخي ولا تفضل واحداً منا على صاحبه فأنشد بعد قليل:\rرأيت سفينة تجرى ببحر ... إلى بحرين دونهما البحور\rإلى ملكين ضوؤهما جميعاً ... سواء حار دونهما البصير\rكلا الملكين يشبه ذاك هذا ... وذا هذا وذاك وذا أمير\rفإن يك ذا وذاك هذا ... فلي في ذا وذاك معاً سرور\rرواق المجد ممدود على ذا ... وهذا وجهه بدر منير","part":1,"page":135},{"id":136,"text":"ذكر أحاديث من رواية المأمون: قال البهيقي سمعت الإمام أبا عبد الله الحاكم قال سمعت أبا أحمد الصيرفي وسمعت جعفر بن أبي عثمان الطيالسي يقول صليت العصر في الرصافة خلف المأمون في المقصورة يوم عرفة فلما سلم كبر الناس فرأيت المأمون خلف الدرابزين وهو يقول لا يا غوغاء لا يا غوغاء غدا سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم فلما كان يوم الأضحى حضرت إلى الصلاة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلا حدثنا هشيم بن بشير وحدثنا ابن شبرمة عن الشعبي عن البراء بن عازب عن أبي بردة بن دينار قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" من ذبح قبل أن يصلي فإنما هو لحم قدمه ومن ذبح بعد أن يصلي فقد أصاب السنة \" الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلا اللهم أصلحني واستصلحني وأصلح على يدي قال الحاكم هذا حديث لم نكتبه إلا عن أبي أحمد وهو عندنا ثقة مأمون ولم يزل في القلب منه شيء حتى ذاكرت به أبا الحسن الدارقطني فقال هذه الرواية عندنا صحيحة عن جعفر فقلت هل من متابع فيه لشيخنا أبي أحمد فقال نعم ثم قال حدثني الوزير أبو الفضل جعفر بن الفرات حدثني أبو الحسين محمد بن عبد الرحمن الروز باذي حدثنا محمد بن عبد الملك التاريخي قال الدارقطني وما فيهم إلا ثقة مأمون حدثنا جعفر الطيالسي حدثنا يحيى بن معين قال سمعت المأمون فذكر الخطبة والحديث.\rوقال الصولي: حدثنا جعفر الطيالسي حدثنا يحيى بن معين قال خطبنا المأمون ببغداد يوم الجمعة ووافق يوم عرفة فلما سلم كبر الناس فأنكر التكبير ثم وثب حتى أخذ بخشب المقصورة وقال يا غوغاء ما هذه التكبير في غير أيامه حدثنا هشيم عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال يلبي حتى رمى جمرة العقبة والتكبير في غد ظهراً عند انقضاء التلبية إن شاء الله تعالى.\rوقال الصولي: حدثنا أبو القاسم البغوي حدثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي قال كنا عند المأمون فقام إليه رجل فقال يا أمير المؤمنين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" الخلق عيال الله فأحب عباد الله إلى الله عز وجل أنفعهم لعياله \" فصاح المأمون وقال اسكت أنا أعلم بالحديث منك حدثنيه يوسف بن عطية الصفار عن ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال \" الخلق عيال الله فأحب عباد الله أنفعهم لعياله \" أخرجه من هذا الطريق ابن عساكر وأخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده غيره من طرق عن يوسف بن عطية.\rوقال الصولي حدثنا المسيح بن حاتم العكلي حدثنا عبد الجبار بن عبد الله قال سمعت المأمون يخطب فذكر في خطبته الحياء فوصفه ومدحه ثم قال حدثنا هشيم عن منصور عن الحسن عن أبي بكرة وعمران بن حصين قالا قال رسول صلى الله عليه وسلم \" الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة والبذاءة من الجفاء والجفاء في النار \" أخرجه ابن عساكر من طريق يحيى بن أكثم عن المأمون.\rوقال الحاكم حدثنا الحسين بن تميم حدثنا الحسين بن فهم حدثنا يحيى بن أكثم القاضي قال: قال لي المأمون يوماً يا يحيى إني أريد أن أحدث فقلت ومن أولى بهذا من أمير المؤمنين فقال ضعوا لي منبراً فصعد وحدث فأول حديث حدثنا به عن هشيم عن أبي الجهم عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال \" امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار \" ثم حدث بنحو من ثلاثين حديثاً ثم نزل فقال لي يا يحيى كيف رأيت مجلسنا قلت أجل مجلس يا أمير المؤمنين تفقه الخاصة والعامة فقال لا وحياتك ما رأيت لكم حلاوة وإنما المجلس لأصحاب الخلقان والمحابر.","part":1,"page":136},{"id":137,"text":"وقال الخطيب حدثنا أبو الحسن علي بن القاسم الشاهد حدثنا أبو علي الحسن بن محمد بن عثمان حدثنا الحسين بن عبيد الله الأبزاري حدثنا إبراهيم ابن سعيد الجوهري قال لما فتح المأمون مصر قال له قائل الحمد الله يا أمير المؤمنين الذي كفاك أمر عدوك وأدان لك العراقين والشامات ومصر وأنت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له ويحك إلا أنه بقيت لي خلة وهو أن أجلس في مجلس ويستملي يحيى فيقول لي من ذكرت رضى الله عنك قأقول حدثنا الحمادان حماد بن سلمة وحماد بن زيد قالا حدثنا ثابت البناني عن أنس ابن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال \" من عال ابنتين أو ثلاثاً أو أختين أو ثلاثاً حتى يمتن أو يموت عنهن كان معي كهاتين في الجنة \" وأشار بالمسبحة والوسطى.\rقال الخطيب في هذا الخبر غلط فاحش ويشبه أن يكون المأمون رواه عن رجل عن الحمادين وذلك أن مولد المأمون سنة سبعين ومات حماد بن سلمة في سنة سبع وستين قبل مولده بثلاث سنين وأما حماد بن زيد فمات في تسع وسبعين.\rوقال الحاكم حدثنا بن يعقوب بن إسماعيل الحافظ حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي حدثنا محمد بن سهل بن عسكر قال وقف المأمون يوماً للأذان ونحن وقوف بين يديه إذ تقدم إليه رجل غريب بيده محبرة فقال يا أمير المؤمنين صاحب حديث منقطع به فقال له المأمون إيش تحفظ في باب كذا فلم يذكر فيه شيئاً فما زال المأمون يقول حدثنا هشيم وحدثنا الحجاج وحدثنا فلان حتى ذكر الباب ثم سأله عن باب ثان فلم يذكر فيه شيئاً فذكره المأمون ثم نظر إلى أصحابه فقال يطلب أحدهم الحديث ثلاثة أيام ثم يقول أنا من أصحاب الحديث أعطوه ثلاثة دراهم.\rوقال ابن عساكر: حدثنا محمد بن إبراهيم الغزي حدثنا أبو بكر محمد بن إسماعيل بن السري التفليسي وحدثنا أبو عبد الرحمن السلمي أخبرني عبيد الله ابن محمد الزاهد العكبري حدثنا عبد الله بن محمد بن مسيح حدثنا محمد بن المغلس حدثنا محمد بن السري القنطري حدثنا علي بن عبد الله قال قال يحيى بن أكثم بت ليلة عند المأمون فانتبهت في جوف الليل وأنا عطشان فتقلبت فقال يا يحيى ما شأنك قلت عطشان فوثب من مرقده فجاءني بكوز من ماء فقلت يا أمير المؤمنين ألا دعوت بخادم ألا دعوت بغلام قال لا حدثني أبي عن أبيه عن جده عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" سيد القوم خادمهم \" .\rوقال الخطيب حدثنا الحسن بن عثمان الواعظ حدثنا جعفر بن محمد بن الحاكم الواسطي حدثني أحمد بن الحسن الكسائي حدثنا سليمان بن الفضل النهرواني حدثني يحيى بن أكثم فذكر نحوه إلا أنه قال حدثني الرشيد حدثني المهدي حدثني المنصور عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس حدثني حرير ابن عبد الله سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول \" سيد القوم خادمهم \" . وقال ابن عساكر حدثنا أبو الحسن على ابن أحمد حدثنا القاضي أبو المظفر هناد بن إبراهيم النسفي حدثنا محمد بن أحمد ابن محمد بن سليمان الغنجار حدثنا أبو أحمد علي بن محمد بن عبد الله المروزي حدثنا أبو العباس عيسى بن محمد بن عيسى بن عبد الرحمن الكاتب حدثني محمد بن قدامة بن إسماعيل صاحب النضر بن شميل حدثنا أبو حذيفة البخاري قال: سمعت المأمون أمير المؤمنين يحدث عن أبيه عن جده عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال \" مولى القوم منهم \" قال محمد بن قدامة فبلغ المأمون أن أبا حذيفة حدث بهذا عنه فأمر له بعشرة آلاف درهم.\rوفي أيام المأمون أحصيت أولاد العباس فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفاً ما بين ذكر وأنثى وذلك في سنة مائتين.","part":1,"page":137},{"id":138,"text":"وفي أيامه مات من الأعلام: سفيان بن عيينة والإمام الشافعي وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان ويونس بن بكير راوي المغازي وأبو مطيع البلخي صاحب أبي حنيفة رحمه الله ومعروف الكرخي الزاهد وإسحاق بن بشر صاحب كتاب المبتدأ وإسحاق بن الفرات قاضي مصر من أجله أصحاب مالك وأبو عمرو الشيباني اللغوي وأشهب صاحب مالك والحسن بن زياد اللؤلؤي صاحب أبى حنيفة وحماد بن أسامة الحافظ وروح بن عبادة وزيد بن الحباب وأبو داود الطيالسي والغازي ابن قيس من أصحاب مالك وأبو سليمان الداراني الزاهد المشهور وعلي الرضى ابن موسى الكاظم والفراء إمام العربية وقتيبة بن مهران صاحب الإمالة وقطرب النحوي والواقدي وأبو عبيدة معمر بن المثنى والنضر بن شميل والسيدة نفيسة وهشام أحد النحاة الكوفيين واليزيدي ويزيد بن هارون ويعقوب بن إسحاق الحضرمي قارئ البصرة وعبد الرزاق وأبو العتاهية الشاعر وأسد السنة وأبو عاصم النبيل والفريابي وعبد الملك بن الماجشون وعبد الله بن الحكم وأبو زيد الأنصاري صاحب العربية والأصمعي وخلائق آخرون.\rالمعتصم بالله\rأبو إسحاق محمد بن الرشيد\rالمعتصم بالله أبو إسحاق محمد بن الرشيد ولد سنة ثمانين ومائة كذا قال الذهبي وقال الصولي: في شعبان سنة ثمان وسبعين.\rوأمه أم ولد من مولدات الكوفة اسمها ماردة وكانت أحظى الناس عند الرشيد.\rروى عن أبيه وأخيه المأمون وروى عنه إسحاق الموصلي وحمدون ابن إسماعيل وآخرون. وكان ذا شجاعة وقوة وهمة وكان عرياً من العلم.\rفروى الصولي عن محمد بن سعيد عن إبراهيم بن محمد الهاشمي قال كان مع المعتصم غلام في الكتاب يتعلم معه فمات الغلام فقال له الرشيد أبوه يا محمد مات غلامك قال نعم سيدي واستراح من الكتاب فقال: وإن الكتاب ليبلغ منك هذا دعوه لا تعلموه قال فكان يكتب ويقرأ قراءة ضعيفة.\rوقال الذهبي: كان المعتصم من أعظم الخلفاء وأهيبهم لولا ما شان سؤدده بامتحان العلماء بخلق القرآن.\rوقال نفطويه والصولي للمعتصم مناقب وكان يقال له المثمن لأنه ثامن الخلفاء من بني العباس والثامن من ولد العباس وثامن أولاد الرشيد وملك سنة ثمان عشرة وملك ثمان سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام ومولده سنة ثمان وسبعين وعاش ثمانياً وأربعين سنة وطالعه العقرب وهو ثامن برج وفتح ثمانية فتوح وقتل ثمانية أعداء وخلف ثمانية أولاد ومن الإناث كذلك ومات لثمان بقين من ربيع الأول.\rوله محاسن وكلمات فصيحة وشعر لا بأس به غير أنه إذا غضب لا يبالي من قتل.\rوقال ابن أبي دؤاد كان المعتصم يخرج ساعده إلي ويقول يا أبا عبد الله عض ساعدي بأكثر قوتك فأمتنع فيقول إنه لا يضرني فأروم ذلك فإذا هو لا تعمل فيه الأسنة فضلا عن الأسنان. وقال نفطويه: وكان من أشد الناس بطشاً كان يجعل زند الرجل بين إصبعيه فيكسره.\rوقال غيره هو أول خليفة أدخل الأتراك الديوان.\rوكان يتشبه بملوك الأعاجم ويمشي مشيهم وبلغت غلمانه الأتراك بضعة عشر ألفاً.\rوقال ابن يونس: هجا دعبل المعتصم ثم نذر به فخاف وهرب حتى قدم مصر ثم خرج إلى المغرب والأبيات التي هجاه بها هذه:\rملوك بني العباس في الكتب سبعة ... ولم يأتنا في ثامن منهم الكتب\rكذلك أهل الكهف في الكهف سبعة ... غداة ثووا فيها وثامنهم كلب\rوإني لأزهى كلبهم عنك رغبة ... لأنك ذو ذنب وليس له ذنب\rلقد ضاع أمر الناس حيث يسوسهم ... وصيف وأشناس وقد عظم الخطب\rوإني لأرجو أن ترى من مغيبها ... مطالع الشمس قد يغص بها الشرب\rوهمك تركي عليه مهانة ... فأنت له أم وأنت له أب\rبويع له بالخلافة بعد المأمون وفي شهر رجب سنة ثمان عشرة ومائتين فسلك ما كان المأمون عليه وختم به عمره من امتحان الناس بخلق القرآن فكتب إلى البلاد بذلك وأمر المعلمين أن يعلموا الصبيان ذلك وقاسى الناس منه مشقة في ذلك وقتل عليه خلقاً من العلماء وضرب الإمام أحمد بن حنبل وكان ضربه في سنة عشرين.","part":1,"page":138},{"id":139,"text":"وفيها تحول المعتصم من بغداد وبني سر من رأى وذلك أنه اعتنى باقتناء الترك فبعث إلى سمرقند وفرغانة والنواحي في شرائهم وبذل فيهم الأموال وألبسهم أنواع الديباج ومناطق الذهب فكانوا يطردون خيلهم في بغداد ويؤذون الناس وضاقت بهم البلد فاجتمع إليه أهل بغداد وقالوا إن لم تخرج عنا بجندك حاربناك قال وكيف تحاربونني قالوا بسهام الأسحار قال لا طاقة لي بذلك فكان سبب بنائه سر من رأى وتحوله إليها.\rوفي سنة ثلاث وعشرين غزا المعتصم الروم فأنكاهم نكاية عظيمة لم يسمع بمثلها الخليفة وشتت جموعهم وخرب ديارهم وفتح عمورية بالسيف وقتل منها ثلاثين ألفاً وسبى مثلهم وكان لما تجهز لغزوها حكم المنجمون أن ذلك طالع نحس وأنه يكسر فكان من نصره وظفره ما لم يخف فقال في ذلك أبو تمام قصيدته المشهورة وهي هذه:\rالسيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب\rوالعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب\rأين الرواية أم أين النجوم وما ... صاغوه من زخرف فيها ومن كذب\rتخرصاً وأحاديثاً ملفقة ... ليست بعجم إذا عدت ولا عرب\rمات المعتصم يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من ربيع الأول سنة سبع وعشرين وكان قد ذلل العدو بالنواحي ويقال إنه قال في مرض موته \" حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة \" \" الأنعام: 44 \" ولما احتضر جعل يقول: ذهبت الحيلة فليس حيلة وقيل جعل يقول أوخذ من بين هذا الخلق وقيل إنه قال اللهم إنك تعلم أني أخافك من قبلي ولا أخافك من قبلك وأرجوك من قبلك ولا أرجوك من قبلي ومن شعره:\rقرب النحام واعجل يا غلام ... واطرح السرج عليه واللجام\rأعلم الأتراك أني خائض ... لجة الموت فمن شاء أقام\rوكان قد عزم على المسير إلى أقصى الغرب ليملك البلاد التي لم تدخل في ملك بني العباس لاستيلاء الأموي عليها فروى الصولي عن أحمد بن الخصيب قال: قال لي المعتصم إن بني أمية ملكوا وما لأحد منا ملك وملكنا نحن ولهم بالأندلس هذا الأموي فقدر ما يحتاج إليه لمحاربته وشرع في ذلك فاشتدت علته ومات.\rوقال الصولي سمعت المغيرة بن محمد يقول يقال إنه لم يجتمع الملوك باب أحد قط اجتماعها بباب المعتصم ولا ظفر ملك قط كظفره أسر ملك أذربيجان وملك طبرستان وملك استيسان وملك الشياصح وملك فرغانة وملك طخارستان وملك الصفة وملك كابل.\rوقال الصولي: وكان نقش خاتمه الحمد الله الذي ليس كمثله شيء.\rومن أخبار المعتصم: أخرج الصولي عن أحمد اليزيدي قال لما فرغ المعتصم من بناء قصره بالميدان وجلس فيه دخل عليه الناس فعمل إسحاق الموصلي قصيدة فيه ما سمع أحد بمثلها في حسنها إلا أنه افتتحها بقوله:\rيا دار غيرك البلى ومحاك ... يا ليت شعري ما الذي أبلاك\rفتطير المعتصم وتطير الناس وتغامزوا وتعجبوا كيف ذهب هذا على إسحاق مع فهمه وعلمه وطول خدمته للملوك وخرب المعتصم القصر بعد ذلك.\rوأخرج عن إبراهيم بن العباس قال: كان المعتصم إذا تكلم بلغ ما أراد وزاد عليه.\rوكان أول من ثرد الطعام وكثره حتى بلغ ألف دينار في اليوم.\rوأخرج عن أبي العيناء قال: سمعت المعتصم يقول إذا نصر الهوى بطل الرأي.\rوأخرج عن إسحاق قال: كان المعتصم يقول من طلب الحق بما له وعليه أدركه.\rوأخرج عن محمد بن عمر الرومي قال: كان للمعتصم غلام يقال له عجيب لم ير الناس مثله قط وكان مشغوفاً به فعمل فيه أبياتاً ثم دعاني وقال: قد علمت أني دون أخوتي في الأدب لحب أمير المؤمنين لي وميلي إلى اللعب وأنا حدث فلم أنل ما نالوا وقد عملت في عجيب أبياتاً فإن كانت حسنة وإلا فاصدقني حتى أكتمها ثم أنشد شعراً:\rلقد رأيت عجيبا ... يحكي الغزال الربيبا\rالوجه منه كبدر ... والقد يحكي القضيبا\rوإن تناول سيفاً ... رأيت ليثاً حريبا\rوإن رمى بسهام ... كان المجيد المصيبا\rطبيب ما بي من الحب ... فلا عدمت الطبيبا\rإني هويت عجيباً ... هوى أراه عجيبا","part":1,"page":139},{"id":140,"text":"فحلفت له بأيمان البيعة أنه شعر مليح من أشعار الخلفاء الذين ليسوا بشعراء فطابت نفسه وأمر لي بخمسين ألف درهم.\rوقال الصولي: حدثنا عبد الواحد بن العباس الرياشي قال: كتب ملك الروم إلى المعتصم كتاباً يهدد فيه فلما قرئ عليه قال للكاتب اكتب بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فقد قرأت كتابك وسمعت خطابك والجواب ما ترى لا ما تسمع وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار.\rوأخرج الصولي عن الفضل اليزيدي قال وجه المعتصم إلى الشعراء ببابه من منكم يحسن أن يقول فينا كما قال منصور النمري في الرشيد:\rإن المكارم والمعروف أودية ... أحلك الله منها حيث تجتمع\rمن لم يكن بأمين الله معتصما ... فليس بالصلوات الخمس ينتفع\rإن أخلف القطر لم تخلف فواضله ... أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع\rفقال أبو وهيب فينا من يقول خيراً منه فيك وقال:\rثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر\rتحكي أفاعيله في كل نائبة ... الليث والغيث والصمصامة الذكر\rولما مات رثاه وزيره محمد بن عبد الملك جامعاً بين العزاء والهناء فقال:\rقد قلت إذ غيبوك واصطفقت ... عليك أيد بالتراب والطين\rاذهب فنعم الحفيظ كنت على ال ... دنيا ونعم الظهير للدين\rما يجبر الله أمة فقدت ... مثلك إلا بمثل هارون\rحديث رواه المعتصم قال الصولي: حدثنا العلائي حدثنا عبد الملك الضحاك حدثني هاشم بن محمد حدثني المعتصم قال حدثني أبي الرشيد عن المهدي عن المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس رضي الله عنهما عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى قوم من بني فلان يتبخترون في مشيهم فعرف الغضب في وجهه ثم قرأ \" والشجرة الملعونة في القرآن \" \" الإسراء: 60 \" فقيل له أي شجرة هي يا رسول الله حتى نجتثها فقال ليست بشجرة نبات إنما هم بنو أمية إذا ملكوا جاروا وإذا أؤتمنوا خانوا وضرب بيده على ظهر عمه العباس فقال: يخرج الله من ظهرك يا عم رجلا يكون هلاكهم على يده \" .\rقلت: الحديث موضوع وآفته العلائي.\rوقال ابن عساكر: أنبأنا أبو القاسم على بن إبراهيم حدثنا عبد العزيز ابن أحمد حدثني علي بن الحسين الحافظ حدثنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد ابن طالب البغدادي حدثنا ابن خلاد حدثنا أحمد بن محمد بن نصر الضبيعي حدثنا إسحاق بن يحيى بن معاذ قال كنت عند المعتصم أعوده فقلت أنت في عافية فقال كيف وقد سمعت الرشيد يحدث عن أبيه المهدي عن المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس مرفوعاً \" من احتجم في يوم الخميس فمرض فيه مات فيه \" .\rقال ابن عساكر: سقط منه رجلان بين ابن الضبيعي وإسحاق ثم أخرجه من طريق أخرى عن الضبيعي عن أحمد بن محمد الليث عن منصور بن النضر عن إسحاق.\rوممن مات في أيام المعتصم من الأعلام الحميدي شيخ البخاري وأبو نعيم الفضل بن دكين وأبو غسان المهدي وقالوا المقرئ وخلاد المقرئ وآدم ابن أبي إياس وعفان والقعنبي وعبدان المروزي وعبد الله بن صالح كاتب الليث وإبراهيم بن المهدي وسليمان بن حرب وعلي بن محمد المدائني وأبو عبيد القاسم بن سلام وقرة بن حبيب وعارم ومحمد بن عيسى الطباع الحافظ وأصبغ بن الفرج الفقيه المالكي وسعدويه الواسطي وأبو عمر الجرمي النحوي ومحمد بن سلام البيكندي وسنيد وسعيد بن كثير ابن عفير ويحيى بن يحيى التميمي وآخرون.\rالواثق بالله هارون\rالواثق بالله هارون أبو جعفر وقيل أبو القاسم بن المعتصم بن الرشيد.\rأمه أم ولد رومية اسمها قراطيس ولد لعشر بقين من شعبان سنة ست وتسعين ومائة وولي الخلافة بعهد من أبيه بويع له في تاسع عشر ربيع الأول سنة سبع وعشرين وفي سنة ثمان وعشرين استخلف على السلطنة أشناس التركي وألبسه وشاحين مجوهرين وتاجاً مجوهراً وأظن أنه أول خليفة استخلف سلطاناً فإن الترك إنما كثروا في أيام أبيه.\rوفي سنة إحدى وثلاثين ورد كتابه إلى أمير البصرة يأمره أن يمتحن الأئمة والمؤذنين بخلق القرآن وكان قد تبع أباه في ذلك ثم رجع في آخر أمره.","part":1,"page":140},{"id":141,"text":"وفي هذه السنة قتل أحمد بن نصر الخزاعي وكان من أهل الحديث قائماً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأحضره من بغداد إلى سامرا مقيداً وسأله عن القرآن فقال ليس بمخلوق وعن الرؤية في القيامة فقال: كذا جاءت الرواية وروى له الحديث فقال الواثق له تكذب فقال للواثق بل تكذب أنت فقال ويحك يرى كما يرى المحدود المتجسم ويحويه مكان ويحصره الناظر إنما كفرت برب صفته ما تقولون فيه فقال جماعة من الفقهاء المعتزلة الذين حوله هو حلال الضرب فدعا بالسيف وقال إذا قمت إليه فلا يقومن أحد معي فإني أحتسب خطاي إلى هذا الكافر الذي يعبد رباً لا نعبده ولا نعرفه بالصفة التي وصفه بها ثم أمر بالنطع فأجلس عليه وهو مقيد فمشى إليه فضرب عنقه وأمر بحمل رأسه إلى بغداد فصلب بها وصلبت جثته في سر من رأى واستمر ذلك ست سنين إلى أن ولي المتوكل فأنزله ودفنه ولما صلب كتب ورقة وعلقت في أذنه فيها هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك دعاه عبد الله الإمام هارون إلى القول بخلق القرآن ونفي التشبيه فأبى إلا المعاندة فجعله الله إلى ناره ووكل بالرأس من يحفظه ويصرفه عن القبلة برمح فذكر المتوكل به أنه رآه بالليل يستدير إلى القبلة بوجهه فيقرأ سورة يس بلسان طلق ورويت هذه الحكاية من غير وجه.\rوفي هذه السنة استفك من الروم ألفاً وستمائة أسير مسلم فقال ابن أبي دؤاد قبحه الله من قال من الأسارى القرآن مخلوق خلصوه وأعطوه دينارين ومن امتنع دعوه في الأسر.\rقال الخطيب: كان أحمد بن أبي دؤاد قد استولى على الواثق وحمله على التشدد في المحنة ودعا الناس إلى القول بخلق القرآن ويقال إنه رجع عنه قبل موته.\rوقال غيره حمل إليه رجل فيمن حمل مكبل بالحديد من بلاده فلما دخل وابن أبى دؤاد حاضر قال المقيد أخبرني عن هذا الرأي الذي دعوتم الناس إليه أعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يدع الناس إليه أم شيء لم يعلمه قال ابن دؤاد بل علمه قال فكان يسعه أن لا يدعو الناس إليه وأنتم لا يسعكم قال فبهتوا وضحك الواثق وقام قابضاً على فمه ودخل بيتاً ومد رجليه وهو يقول وسع النبي صلى الله عليه وسلم أن يسكت عنه ولا يسعنا فأمر له أن يعطي ثلاثمائة دينار وأن يرد إلى بلده ولم يمتحن أحداً بعدها ومقت ابن أبي داؤد من يومئذ.\rوالرجل المذكور هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمد الأذرمي شيخ أبي داود والنسائي.\rقال ابن أبي الدنيا كان الواثق أبيض وتعلوه صفرة حسن اللحية في عينيه نكتة.\rقال يحيى بن أكثم ما أحسن أحد إلى آل أبي طالب ما أحسن إليهم الواثق ما مات وفيهم فقير. وقال غيره كان الواثق وافر الأدب مليح الشعر وكان يحب خادماً أهدي له من مصر فأغضبه الواثق يوماً ثم إنه سمعه يقول لبعض الخدم والله إنه ليروم أن أكلمه من أمس فما أفعل فقال الواثق:\rيا ذا الذي بعذابي ظل مفتخراً ... ما أنت إلا مليك جار إذ قدرا\rلولا الهوى لتجارينا على قدر ... وإن أفق منه يوماً ما فسوف ترى\rومن شعر الواثق في خادمه:\rمهج يملك المهج ... بسجي اللحظ والدعج\rحسن القدر مخطف ... ذو دلال وذو غنج\rليس للعين إن بدا ... عنه باللحظ منعرج\rوقال الصولي: كان الواثق يسمى المأمون الأصغر لأدبه وفضله وكان المأمون يعظمه ويقدمه على ولده وكان الواثق أعلم الناس بكل شيء وكان شاعراً وكان أعلم الخلفاء بالغناء.\rوله أصوات وألحان عملها نحو مائة صوت وكان حاذقاً بضرب العود راوية للأشعار والأخبار.\rوقال الفضل اليزيدي لم يكن في خلفاء بني العباس أكثر رواية للشعر من الواثق فقيل له كان أروى من المأمون فقال نعم كان المأمون قد مزج بعلم العرب علم الأوائل من النجوم والطب والمنطق وكان الواثق لا يخلط بعلم العرب شيئاً.\rوقال يزيد المهلبي كان الواثق كثير الأكل جداً.\rوقال ابن فهم كان للواثق خوان من ذهب مؤلف من أربع قطع يحمل كل قطعة عشرون رجلا وكل ما على الخوان من غضارة وصحفة وسكرجة من ذهب فسأله ابن أبي دؤاد أن لا يأكل عليه للنهي عنه فأمر أن يكسر ذلك ويضرب ويحمل إلى بيت المال.","part":1,"page":141},{"id":142,"text":"وقال الحسين بن يحيى: رأى الواثق في النوم كأنه يسأل الله الجنة وأن قائلا يقول له لا يهلك على الله إلا من قلبه مرت فأصبح فسأل الجلساء عن ذلك فلم يعرفوا معناه فوجه إلى أبي محلم وأحضره فسأله عن الرؤيا والمرت فقال أبو المحلم المرت القفر الذي لا ينبت شيئاً فالمعنى على هذا لا يهلك على الله إلا من قلبه خال من الإيمان خلو المرت من النبات فقال له الواثق أريد شاهداً من الشعر في المرت فبادر بعض من حضر فأنشد بيتاً لبني أسد:\rومرت مروتاة يحار بها القطا ... ويصبح ذو علم بها وهو جاهل\rفضحك أبو محلم وقال: والله لا أبرح حتى أنشدك فأنشده للعرب مائة قافيه معروفة لمائة شاعر معروف في كل بيت ذكر المرت فأمر له الواثق بمائة ألف دينار.\rوقال حمدون بن إسماعيل: ما كان في الخلفاء أحد أحلم من الواثق ولا أصبر على أذى ولا خلاف منه.\rوقال أحمد بن حمدون: دخل هارون بن زياد مؤدب الواثق إليه فأكرمه إلى الغاية فقيل له من هذا يا أمير المؤمنين الذي فعلت به هذا الفعل فقال هذا أول من فتق لساني بذكر الله وأدناني من رحمة الله.\rومن مديح علي بن الجهم فيه:\rوثقت بالملك ال ... واثق بالله النفوس\rملك يشقى به الما ... ل ولا يشقى الجليس\rأسد يضحك عن شد ... اته الحرب العبوس\rأنس السيف به واس ... توحش الطلق النفيس\rيا بني العباس يأبى الل ... ه إلا أن تروسوا\rمات الواثق بسر من رأى يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة سنة مائتين واثنتين وثلاثين ولما احتضر جعل يردد هذين البيتين:\rالموت فيه جميع الخلق مشترك ... لا سوقة منهم يبقى ولا ملك\rما ضر أهل قليل في تفارقهم ... وليس يغني عن الأملاك ما ملكوا\rوحكي أنه لما مات ترك وحده واشتغل الناس بالبيعة للمتوكل فجاء جرذون فاستل عينه فأكلها.\rمات في أيامه من الأعلام مسدد وخلف بن هشام البزاز المقرئ وإسماعيل بن سعيد الشالخي شيخ أهل طبرستان ومحمد بن سعد كاتب الواقدي وأبو تمام الطائي الشاعر ومحمد بن زياد ابن الأعرابي اللغوي والبويطي صاحب الشافعي مسجوناً مقيداً في المحنة وعلي بن المغيرة الأثرم اللغوي وآخرون.\rومن أخبار الواثق أسند الصولي عن جعفر بن الرشيد قال كنا بين يدي الواثق وقد اصطبح فناوله خادمه مهج ورداً ونرجساً فأنشد في ذلك بعد يوم لنفسه:\rحياك بالنرجس والورد ... معتدل القامة والقد\rفألهبت عيناه نار الهوى ... وزاد في اللوعة والوجد\rأملت بالملك له قربه ... فصار ملكي سبب البعد\rورنحته سكرات الهوى ... فمال بالوصل إلى الصد\rإن سئل البذل ثنى عطفه ... وأسبل الدمع على الخد\rغر بما تجنيه ألحاظه ... لا يعرف الإنجاز للوعد\rمولى تشكى الظلم من عبده ... فأنصفوا المولى من العبد\rقال: فأجمعوا أنه ليس لأحد من الخلفاء مثل هذه الأبيات: وقال الصولي: حدثني عبد الله بن المعتز قال أنشدني بعض أهلنا للواثق وكان يهوى خادمين لهذا يوم يخدمه فيه ولهذا يوم يخدمه فيه:\rقلبي قسيم بين نفسين ... فمن رأى روحاً بجسمين\rيغضب ذا إن جاد ذا بالرضا ... فالقلب مشغول بشجوين\rوأخرج عن الحزنبل قال: غني في مجلس الواثق بشعر الأخطل:\rوشادن مريح بالكاس نادمني ... لا بالحصور ولا فيها بسوار\rفقال: أسوار أو سار؟ فوجه إلى ابن الأعرابي يسأل عن ذلك فقال سوار وثاب ويقول لا يثب على ندمائه وسار مفضل في الكأس سؤراً وقد رويا جميعاً فأمر الواثق لابن الأعرابي بعشرين ألف درهم.\rوقال حدثني ميمون بن إبراهيم حدثني أحمد بن الحسين بن هشام قال تلاحى الحسين بن الضحاك ومخارق يوماً في مجلس الواثق في أبي نواس وأبي العتاهية أيهما أشعر فقال الواثق اجعلا بينكما خطراً فجعلا بينهما مائتي دينار فقال الواثق من هاهنا من العلماء فقيل أبو محلم فأحضره فسئل عن ذلك فقال أبو النواس أشعر واذهب في فنون العرب وأكثر افتناناً من أفانين الشعر فأمر الواثق بدفع الخطر إلى الحسين.","part":1,"page":142},{"id":143,"text":"المتوكل على الله جعفر\rالمتوكل على الله جعفر أبو الفضل بن المعتصم بن الرشيد أمه أم ولد اسمها شجاع ولد سنة خمس وقيل سبع ومائتين وبويع له في ذي الحجة سنة اثنين وثلاثين ومائتين بعد الواثق فأظهر الميل إلى السنة ونصر أهلها ورفع المحنة وكتب بذلك إلى الآفاق وذلك في سنة أربع وثلاثين واستقدم المحدثين إلى سامرا وأجزل عطاياهم وأكرمهم وأمرهم بأن يحدثوا بأحاديث الصفات والرؤية وجلس أبو بكر بن أبي شيبة في جامع الرصافة فاجتمع إليه نحو من ثلاثين ألف نفس وجلس أخوه عثمان في جامع المنصور فاجتمع إليه أيضاً نحو من ثلاثين ألف نفس وتوفر دعاء الخلق للمتوكل وبالغوا في الثناء عليه والتعظيم له حتى قال قائلهم الخلفاء ثلاثة أبو بكر الصديق رضي الله عنه في قتل أهل الردة وعمر بن عبد العزيز في رد المظالم والمتوكل في إحياء السنة وإماتة التجهم وقال أبو بكر بن الخبازة في ذلك:\rوبعد فإن السنة اليوم أصبحت ... معززة حتى كأن لم تذلل\rتصول وتسطو إذ أقيم منارها ... وحط منار الإفك والزور من عل\rوولى أخو الإبداع في الدين هاربا ... إلى النار يهوي مدبراً غير مقبل\rشفى الله منهم بالخليفة جعفر ... خليفته ذي السنة المتوكل\rخليفة ربي وابن عم نبيه ... وخير بني العباس من منهم ولي\rوجامع شمل الدين بعد تشتت ... وفاري رؤوس المارقين بمنصل\rأطال لنا رب العباد بقاءه ... سليماً من الأهوال غير مبدل\rوبوأه بالنصر للدين جنة ... يجاور في روضاته خير مرسل\rوفي هذه السنة أصاب ابن أبي داود فالج صيره حجراً ملقى فلا آجره الله.\rومن عجائب هذه السنة أنه هبت ريح بالعراق شديدة السموم ولم يعد مثلها أحرقت زرع الكوفة والبصرة وبغداد وقتلت المسافرين ودامت خمسين يوماً واتصلت بهمذان وأحرقت الزرع والمواشي واتصلت بالموصل وسنجار ومنعت الناس من المعاش في الأسواق ومن المشي بالطرقات وأهلكت خلقاً عظيماً.\rوفي السنة التي قبلها جاءت زلزلة مهولة بدمشق وسقطت منها دور وهلك تحتها خلق وامتدت إلى إنطاكية فهدمتها وإلى الجزيرة فأحرقتها وإلى الموصل فيقال هلك من أهلها خمسون ألفاً. وفي سنة خمس وثلاثين ألزم المتوكل النصارى بلبس الغل.\rوفي سنة ست وثلاثين أمر بهدم قبر الحسين وهدم ما حوله من الدور وأن يعمل مزارع ومنع الناس من زيارته وخرب وبقي صحراء وكان المتوكل معروفاً بالتعصب فتألم المسلمون من ذلك وكتب أهل بغداد شتمه على الحيطان والمساجد وهجاء الشعراء فما قيل في ذلك:\rبالله إن كانت أمية قد أتت ... قتل ابن بنت نبيها مظلوماً\rفلقد أتاه بنو أبيه بمثله ... هذا لعمري قبره مهدوما\rأسفوا على أن لا يكونوا شاركوا ... في قتله فتتبعوه رميما\rوفي سنة سبع وثلاثين بعث إلى نائب مصر أن يحلق لحية قاضي القضاة بمصر: أبي بكر محمد بن أبي الليث وأن يضربه ويطوف به على حمار ففعل ونعم ما فعل فإنه كان ظالماً من رؤوس الجهمية وولي القضاء بدله الحارث ابن سكين من أصحاب مالك بعد تمنع وأهان القاضي المعزول بضربه كل يوم عشرين سوطاً ليرد الظلامات إلى أهلها.\rوفي هذه السنة ظهرت نار بعسقلان أحرقت البيوت والبيادر ولم تزل تحرق إلى ثلث الليل ثم كفت.\rوفي سنة ثمان وثلاثين كبست الروم دمياط ونهبوا وأحرقوا وسبوا منها ستمائة امرأة وولوا مسرعين في البحر.\rوفي سنة أربعين سمع أهل خلاط صيحة عظيمة من جو السماء فمات منها خلق كثير ووقع برد بالعراق كبيض الدجاج وخسف بثلاث عشرة قرية بالمغرب.\rوفي سنة إحدى وأربعين ماجت النجوم في السماء وتناثرت الكواكب كالجراد أكثر الليل وكان أمراً مزعجاً لم يعهد.","part":1,"page":143},{"id":144,"text":"وفي سنة اثنتين وأربعين زلزلت الأرض زلزلة عظيمة بتونس وأعمالها والري وخراسان ونيسابور وطبرستان وأصبهان وتقطعت الجبال وتشققت الأرض بقدر ما يدخل الرجل في الشق ورجمت قرية السويداء بناحية مصر من السماء ووزن حجر من الحجارة فكان عشرة أرطال وسار جبل باليمن عليه مزارع لأهله حتى أتى مزارع آخرين ووقع بحلب طائر أبيض دون الرخمة في رمضان فصاح يا معشر الناس اتقو الله الله الله وصاح أربعين صوتاً ثم طار وجاء من الغد ففعل كذلك وكتب البريد بذلك وأشهد عليه خمسمائة إنسان سمعوه.\rوفيها حج من البصرة إبراهيم بن مطهر الكاتب على عجلة تجرها الإبل وتعجب الناس من ذلك.\rوفي سنة ثلاث وأربعين قدم المتوكل دمشق فأعجبته وبنى له قصر بداريا وعزم على سكناها فقال يزيد بن محمد المهلبي:\rأظن الشام تشمت بالعراق ... إذا عزم الإمام على انطلاق\rفإن تدع العراق وساكنيه ... فقد تبلى المليحة بالطلاق\rفبدا له ورجع بعد شهرين أو ثلاثة.\rوفي سنة أربع وأربعين قتل المتوكل يعقوب بن السكيت الإمام في العربية فإنه ندبه إلى تعليم أولاده فنظر المتوكل يوماً إلى ولديه المعتز والمؤيد فقال لابن السكيت من أحب إليك هما أو الحسن والحسين فقال قنبر يعني مولى علي خير منهما فأمر الأتراك فداسوا بطنه حتى مات وقيل أمر بسل لسانه فمات وأرسل إلى ابنه بديته وكان المتوكل رافضياً.\rوفي سنة خمس وأربعين عمت الزلازل الدنيا فأخرجت المدن والقلاع والقناطر وسقط من إنطاكية جبل في البحر وسمع من السماء أصوات هائلة وزلزلت مصر وسمع أهل بلبيس من ناحية مصر صيحة هائلة فمات خلق من أهل بلبيس وغارت عيون مكة فأرسل المتوكل مائة ألف ديناراً لإجراء الماء من عرفات إليها وكان المتوكل جواداً ممدحاً يقال ما أعطى خليفة شاعراً ما أعطى المتوكل وفيه يقول مروان بن أبي الجنوب:\rفأمسك ندى كفيك عني ولا تزد ... فقد خفت أن أطغى وأن أتجبرا\rفقال: لا أمسك حتى يغرقك جودي وكان أجازه على قصيدة بمائة ألف وعشرين ألفاً.\rودخل عليه علي بن الجهم يوماً وبيديه درتان يقلبهما فأنشده قصيدة له فرمى إليه بدرة فقلبها فقال تستنقص بها وهي والله خير من مائة ألف فقال لا ولكني فكرت في أبيات أعملها آخذ بها الأخرى فقال قل فقال:\rبسر من را إمام عدل ... تغرف من بحره البحار\rالملك فيه وفي نبيه ... ما اختلف الليل والنهار\rيرجى ويخشى لكل خطب ... كأنه جنة ونار\rيداه في الجود ضرتان ... عليه كلتاهما تغار\rلم تأت منه اليمين شيئاً ... ألا أتت مثلها اليسار\rفرمى إليه بالدرة الأخرى.\rقال بعضهم سلم على المتوكل بالخلافة ثمانية كل واحد منهم أبوه خليفة منصور بن المهدي والعباس بن الهادي وأبو أحمد بن الرشيد وعبد الله بن الأمين وموسى بن المأمون وأحمد بن المعتصم ومحمد بن الواثق وابنه المنتصر.\rوقال المسعودي لا يعلم أحد متقدم في جد ولا هزل إلا وقد حظي في دولته ووصل إليه نصيب وافر من المال وكان منهمكاً في اللذات والشراب وكان له أربعة آلاف سرية ووطئ الجميع. وقال علي بن الجهم كان المتوكل مشغوفاً بقبيحة أم ولده المعتز لا يصبر عنها فوقفت له يوماً وقد كتبت على خديها بالغالية جعفراً فتأملها وأنشأ يقول:\rوكاتبة بالمسك في الخد جعفرا ... بنفسي محط المسك من حيث أثرا\rلئن أودعت سطراً من المسك خدها ... لقد أودعت قلبي من الحب أسطرا\rوفي كتاب المحن للسلمي أن ذا النون أول من تكلم بمصر في ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية فأنكر عليه عبد الله بن عبد الحكم وكان رئيس مصر ومن جلة أصحاب مالك وأنه أحدث علماً لم يتكلم فيه السلف ورماه بالزندقة فدعاه أمير مصر وسأله عن اعتقاده فتكلم فرضي أمره وكتب به إلى المتوكل فأمر بإحضاره فحمل على البريد فلما سمع كلامه أولع به وأحبه وأكرمه حتى كان يقول إذا ذكر الصالحون فحيهلا بذي النون.","part":1,"page":144},{"id":145,"text":"كان المتوكل بايع بولاية العهد لابنه المنتصر ثم المعتز ثم المؤيد ثم إنه أراد تقديم المعتز لمحبته لأمه فسأل المنتصر أن ينزل عن العهد فأبى فكان يحضره مجلس العامة ويحط منزلته ويتهدده ويشتمه ويتوعده واتفق أن الترك انحرفوا عن المتوكل لأمور فاتفق الأتراك مع المنتصر على قتل أبيه فدخل عليه خمسة وهو في جوف الليل في مجلس لهوه فقتلوه هو ووزيره الفتح بن خاقان وذلك في خامس شوال سنة سبع وأربعين ومائتين.\rورئي في النوم فقيل له ما فعل الله بك قال غفر لي بقليل من السنة أحييتها ولما قتل رثته الشعراء ومن ذلك قول يزيد المهلبي:\rجاءت منيته والعين هاجعة ... هلا أتته المنايا والقنا قصد\rخليفة لم ينل ما ناله أحد ... ولم يضع مثله روح ولا جسد\rوكان من حظاياه وصيفة تسمى محبوبة شاعرة عالمة بصنوف العلم عوادة فلما قتل ضمت إلى بغا الكبير فأمر بها يوماً للمنادمة فجلست منكسة فقال غني فاعتلت فأقسم عليها وأمر بالعود فوضع في حجرها فغنت ارتجالا:\rأي عيش يلذ لي ... لا أرى فيه جعفرا\rملك قد رأيته ... في نجيع معفرا\rكل من كان ذا هيا ... م وسقم فقد برا\rغير محبوبة التي ... لو ترى الموت يشترى\rلا تشتريه بما حوت ... ه يداها لتقبرا\rإن الموت الحزين أط ... يب من أن يعمرا\rفغضب بغا أمر بها فسجنت فكان آخر العهد بها.\rومن الغرائب أن المتوكل قال للبحتري قل في شعراً وفي الفتح بن خاقان فإني أحب أن يحيا معي ولا أفقده فيذهب عيشي ولا يفقدني فقل في هذا المعنى فقال:\rيا سيدي كيف أخلفت وعدي ... وتثاقلت عن وفاء بعهدي\rلا أرتني الأيام فقدك يا فت ... ح ولا عرفتك ما عشت فقدي\rأعظم الرزء أن تقدم قبلي ... ومن الرزء أن تؤخر بعدي\rحذراً أن تكون إلفاً لغيري ... إذ تفردت بالهوى فيك وحدي\rفقتلا معاً كما تقدم.\rومن أخبار المتوكل أخرج ابن عساكر أن المتوكل رأى في النوم كأن سكراً سليماً نيئاً سقط عليه من السماء مكتوباً عليه جعفر المتوكل على الله فلما بويع خاض الناس في تسميته فقال بعضهم نسميه المنتصر فحدث المتوكل أحمد بن أبي دؤاد بما رأى في منامه فوجده موافقاً فأمضى وكتب به إلى الآفاق.\rوأخرج عن هشام بن عمار قال سمعت المتوكل يقول واحسرتا على محمد ابن إدريس الشافعي كنت أحب أن أكون في أيامه فأراه وأشاهده وأتعلم منه فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو يقول يا أيها الناس إن محمد بن إدريس المطلبي قد صار إلى رحمة الله وخلف فيكم علماً حسناً فاتبعوه تهدوا ثم قال اللهم ارحم محمد بن إدريس رحمة واسعة وسهل على حفظ مذهبه وانفعني بذلك.\rقلت استفدنا من هذا أن المتوكل كان متمذهباً بمذهب الشافعي وهو أول من تمذهب له من الخلفاء.\rوأخرج عن أحمد بن علي البصري قال وجه المتوكل إلى أحمد بن المعدل وغيره من العلماء فجمعهم في داره ثم خرج عليهم فقام الناس كلهم له غير أحمد ابن المعدل فقال المتوكل لعبيد الله إن هذا لا يرى بيعتنا فقال له: بلى يا أمير المؤمنين ولكن في بصره سوءاً فقال أحمد بن المعدل يا أمير المؤمنين ما في بصري سوء ولكن نزهتك من عذاب الله قال النبي صلى الله عليه وسلم \" من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار \" فجاء المتوكل فجلس إلى جنبه.\rوأخرج عن يزيد المهلبي قال: قال لي المتوكل: يا مهلبي إن الخلفاء كانت تتصعب على الرعية لتطيعها وأنا ألين لهم ليحبوني ويطيعوني.\rوأخرج عن عبد الأعلى بن حماد النرسي قال دخلت على المتوكل فقال يا أبا يحيى ما أبطأك عنا منذ ثلاث لم نرك كنا هممنا لك بشيء فصرفناه إلى غيرك فقلت يا أمير المؤمنين جزاك الله عن هذا الهم خيراً ألا أنشدك بهذا المعنى بيتين قال بلى فأنشدته:\rلأشكرنك معروفاً هممت به ... إن اهتمامك بالمعروف معروف\rولا ألومك إذا لم يمضه قدر ... فالرزق بالقدر المحتوم مصروف\rفأمر لي بألف دينار.","part":1,"page":145},{"id":146,"text":"وأخرج عن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي قال دخلت على المتوكل لما توفيت أمه فقال: يا جعفر ربما قلت البيت الواحد فإذا جاوزته خلطت وقد قلت: وأخرج عن الفتح بن خاقان قال: دخلت يوماً على المتوكل فرأيته مطرقاً متفكراً فقلت يا أمير المؤمنين ما هذا الفكر فوالله ما على ظهر الأرض أطيب منك عيشاً ولا أنعم منك بالا فقال يا فتح أطيب عيشاً مني رجل له دار واسعة وزوجة صالحة ومعيشة حاضرة لا يعرفنا فنؤذيه ولا يحتاج إلينا فنزدريه.\rوأخرج عن أبي العيناء قال: أهديت إلى المتوكل جارية شاعرة اسمها فضل فقال لها: أشاعرة أنت قالت هكذا زعم من باعني واشتراني فقال: أنشدينا شيئاً من شعرك فأنشدته:\rاستقبل الملك إمام الهدى ... عام ثلاث وثلاثينا\rخلافة أفضت إلى جعفر ... وهو ابن سبع بعد عشرينا\rإنا لنرجو يا إمام الهدى ... أن تملك الملك ثمانينا\rلا قدس الله امرأ لم يقل ... عند دعائي لك آمينا\rوأخرج عن علي بن الجهم قال أهدي إلى المتوكل جارية يقال لها محبوبة وقد نشأت بالطائف وتعلمت الأدب وروت الأشعار فأغري المتوكل بها ثم إنه غضب عليها ومنع جواري القصر من كلامها فدخلت عليه يوماً فقال لي قد رأيت محبوبة في منامي كأني قد صالحتها وصالحتني فقلت خيراً يا أمير المؤمنين فقال قم بنا لننظر ما هي عليه فقمنا حتى أتينا حجرتها فإذا هي تضرب على العود وتقول:\rأدور في القصر لا أرى أحداً ... أشكو إليه ولا يكلمني\rحتى كأني أتيت معصية ... ليست له توبة تخلصني\rفهل شفيع لنا إلى ملك ... قد زارني في الكرى وصالحني\rحتى إذا ما الصباح لاح لنا ... عاد إلى هجره فصارمني\rفصاح المتوكل فخرجت فأكبت على رجليه تقبلهما فقالت يا سيدي رأيتك في ليلتي هذه كأنك قد صالحتني قال وأنا والله قد رأيتك فردها إلى مرتبتها فلما قتل المتوكل صارت إلى بغا وذكر الأبيات السابقة.\rوأخرج عن علي أن البحتري قال يمدح المتوكل فيما رفع من المحنة ويهجو ابن أبي دؤاد بقوله:\rأمير المؤمنين لقد شكرنا ... إلى آبائك الغر الحسان\rرددت الدين فذاً بعد أن قد ... أراه فرقتين تخاصمان\rقصمت الظالمين بكل أرض ... فأضحى الظلم مجهول المكان\rوفي سنة رمت متجبريهم ... على قدر بداهية عيان\rفما أبقت من ابن أبي دؤاد ... سوى حسد يخاطب بالمعاني\rتحير فيه سابور بن سهل ... فطاوله ومناه الأماني\rإذا أصحابه اصطحبوا بليل ... أطالوا الخوض في خلق القرآن\rوأخرج عن أحمد بن حنبل قال سهرت ليلة ثم نمت فرأيت في نومي كأن رجلا يعرج بي إلى السماء وقائلا يقول:\rملك يقاد إلى مليك عادل ... متفضل في العفو ليس بجائر\rثم أصبحنا فجاء نعي المتوكل من سر من رأى إلى بغداد.\rوأخرج عن عمرو بن شيبان الجهني قال رأيت في الليلة التي قتل فيها المتوكل في المنام قائلا يقول:\rيا نائم العين في أوطان جسمان ... أفض دموعك يا عمرو بن شيبان\rأما ترى الفئة الأرجاس ما فعلوا ... بالهاشمي وبالفتح بن خاقان\rوافى إلى الله مظلوماً تضج له ... أهل السماوات من مثنى ووحدان\rوسوف يأتيكم أخرى مسومة ... توقعوها لها شأن من الشان\rفابكوا على جعفر وارثوا خليفتكم ... فقد بكاه جميع الإنس والجان\rثم رأيت المتوكل في النوم بعد أشهر فقلت ما فعل الله بك قال غفر لي بقليل من السنة أحييتها قلت فما تصنع هاهنا؟ قال: أنتظر محمداً ابني أخاصمه إلى الله.\rأحاديث من رواية المتوكل","part":1,"page":146},{"id":147,"text":"قال الخطيب: أخبرنا أبو الحسين الأهوازي حدثنا محمد بن إسحاق ابن إبراهيم القاضي حدثنا محمد بن هارون الهاشمي حدثنا محمد بن شجاع الأحمر قال سمعت المتوكل يحدث عن يحيى بن أكثم عن محمد بن عبد المطلب عن سفيان عن الأعمش عن موسى بن عبد الله بن يزيد عن عبد الرحمن بن هلال عن جرير بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال \" من حرم الرفق حرم الخير \" أخرجه الطبراني في معجمه الكبير من وجه آخر عن جرير.\rوقال ابن عساكر: أخبرنا نصر بن أحمد بن مقاتل السوسي حدثني جدي أبو محمد حدثنا أبو علي الحسين بن علي الأهوازي حدثنا أبو محمد عبد الله ابن عبد الرحمن بن محمد الأزدي حدثنا أبو الطيب محمد بن جعفر بن داران غندر حدثنا هارون بن عبد العزيز بن أحمد العباسي حدثنا أحمد بن الحسن المقرئ البزار حدثنا أبو عبد الله محمد بن عيسى الكسائي وأحمد بن زهير وإسحاق بن إبراهيم بن إسحاق فقالوا حدثنا علي بن الجهم قال كنت عند المتوكل فتذاكروا عنده الجمال فقال أن حسن الشعر لمن الجمال ثم قال حدثني المعتصم حدثني المأمون حدثنا الرشيد حدثنا المهدي حدثنا المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس قال كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم جمة إلى شحمة أذنيه كأنها نظام اللؤلؤ وكان من أجمل الناس وكان أسمر رقيق اللون لا بالطويل ولا بالقصير وكان لعبد المطلب جمة إلى شحمة أذنيه وكان لهاشم جمة إلى شحمة أذنيه قال علي بن الجهم: وكان للمتوكل جمة إلى شحمة أذنيه وقال لنا المتوكل كان للمعتصم جمة وكذلك للمأمون والرشيد والمهدي والمنصور ولأبيه محمد ولجده علي ولأبيه عبد الله بن عباس قلت: هذا الحديث مسلسل من ثلاثة أوجه بذكر الجمة والآباء وبالخلفاء ففي إسناده ست خلفاء.\rمات في أيام خلافة المتوكل من الأعلام أبو ثور والإمام أحمد بن حنبل وإبراهيم بن المنذر الخزامي وإسحاق بن راهوية النديم وروح المقرئ وزهير بن حرب وسحنون وسليمان الشاذكوني وأبو مسعود العسكري وأبو جعفر النفيلي وأبو بكر بن أبي شيبة وأخوه وديك الجن الشاعر وعبد الملك بن حبيب إمام المالكية وعبد العزيز بن يحيى الغول أحد أصحاب الشافعي وعبيد الله بن عمر القواريري وعلي بن المديني ومحمد بن عبد الله بن نمير ويحيى بن معين ويحيى ابن بكير ويحيى بن يحيى ويوسف الأزرق المقرئ وبشر بن الوليد الكندي المالكي وابن أبي دؤاد ذاك الكلب لا رحمه الله وأبو بكر الهذلي العلاف شيخ الاعتزال ورأس أهل الضلال وجعفر بن حرب من كبار المعتزلة وابن كلاب المتكلم والقاضي يحيى بن أكثم والحارث المحاسبي وحرملة صاحب الشافعي وابن السكيت وأحمد بن منيع وذي النون المصري الزاهد وأبو تراب النخشبي وأبو عمر الدوري المقرئ ودعبل الشاعر وأبو عثمان المازني النحوي وخلائق آخرون.\rالمنتصر بالله محمد أبو جعفر\rالمنتصر بالله محمد أبو جعفر وقيل أبو عبد الله بن المتوكل بن المعتصم ابن الرشيد أمه أم ولد رومية اسمها حبشية وكان مليح الوجه أسمر أعين أقنى ربعة جسيماً بطيناً مليحاً مهيباً وافر العقل راغباً في الخير قليل الظلم محسناً إلى العلويين وصولا لهم أزل عن آل أبي طالب ما كانوا فيه من الخوف والمحنة بمنعهم من زيارة قبر الحسين ورد على آل الحسين فدك فقال يزيد المهلبي في ذلك:\rولقد بررت الطالبية بعدما ... ذموا زماناً بعدها وزمانا\rورددت ألفة هاشم فرأيتهم ... بعد العداوة بينهم إخوانا\rبويع له بعد مقتل أبيه في شوال سنة سبع وأربعين ومائتين فخلع أخويه المعتز والمؤيد من ولاية العهد الذي عقده لهما المتوكل بعده وأظهر العدل والإنصاف في الرعية فمالت إليه القلوب مع شدة هيبتهم له وكان كريماً حليماً.\rومن كلامه: لذة العفو أعذب من لذة التشفي وأقبح أفعال المقتدر الانتقام.\rولما ولي صار يسب الأتراك ويقول: هؤلاء قتلة الخلفاء فعملوا عليه وهموا به فعجزوا عنه لأنه كان مهيباً شجاعاً فطناً متحرزاً فتحيلوا إلى أن دسوا إلى طبيبه ابن طيفور ثلاثين ألف دينار في مرضه فأشار بفصده ثم فصده بريشة مسموة فمات ويقال إن ابن طيفور نسي ذلك ومرض فأمر غلامه ففصده بتلك الريشة فمات أيضاً وقيل بل سم في كمثراه وقيل مات بالخوانيق ولما احتضر قال يا أماه ذهبت مني الدنيا والآخرة عاجلت أبي فعوجلت.","part":1,"page":147},{"id":148,"text":"مات في خامس ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين عن ست وعشرين سنة أو دونها فلم يمتع بالخلافة إلا أشهراً معدودة دون ستة أشهر وقيل إنه جلس في بعض الأيام للهو وقد استخرج من خزائن أبيه فرشاً فأمر بفرشها في المجلس فرأى في بعض البسط دائرة فيها فارس وعليه تاج وحوله كتابة فارسية فطلب من يقرأ ذلك فأحضر رجل فنظره فقطب فقال: ما هذه؟ قال لا معنى لها فألح عليه فقال أنا شيرويه بن كسرى بن هرمز قتلت أبي فلم أتمتع بالملك إلا ستة أشهر فتغير وجه المنتصر وأمر بإحراق البساط وكان منسوجاً بالذهب.\rوفي لطائف المعرف للثعالبي: أعرق الخلفاء في الخلافة المنتصر فإنه هو وآباؤه الخمسة خلفاء وكذلك أخواه المعتز والمعتمد.\rقلت: أعرق منه المستعصم الذي قتله التتار فإن آباءه الثمانية خلفاء.\rقال الثعالبي: ومن العجائب أن أعرق الأكاسرة في الملك وهو شيرويه قتل أباه فلم يعش بعده إلا ستة أشهر وأعرق الخلفاء في الخلافة وهو المنتصر قتل أباه فلم يمتع بعده سوى ستة أشهر.\rالمستعين بالله أبو العباس\rالمستعين بالله: أبو العباس أحمد بن المعتصم بن الرشيد وهو أخو المتوكل ولد سنة إحدى وعشرين ومائتين وأمه أم ولد اسمها مخارق وكان مليحاً أبيض بوجهه أثر الجدري ألثغ ولما مات المنتصر اجتمع القواد وتشاوروا وقالوا: متى وليتم أحداً من أولاد المتوكل لا يبقى منا باقية فقالوا مالها إلا أحمد بن المعتصم ولد أستاذنا فبايعوه وله ثمان وعشرون سنة واستمر إلى أول سنة إحدى وخمسين فتنكر له الأتراك لما قتل وصيفاً وبغا ونفى باغر التركي الذي فتك بالمتوكل ولم يكن للمستعين مع وصيف وبغا أمر حتى قيل في ذلك:\rخليفة في قفص ... بين وصيف وبغا\rيقول ما قالا له ... كما تقول الببغا\rولما تمكر له الأتراك خاف وانحدر من سامرا إلى بغداد فأرسلوا إليه يعتذرون ويخضعون له ويسألونه الرجوع فامتنع فقصدوا الحبس وأخرجوا المعتز بالله وبايعوه وخلعوا المستعين ثم جهز المعتز جيشاً كثيفاً لمحاربة المستعين واستعد أهل بغداد للقتال مع المستعين فوقعت بينهما وقعات ودام القتال أشهراً وكثر القتل وغلت الأسعار وعظم البلاء وانحل أمر المستعين فسعوا في الصلح على خلع المستعين وقام في ذلك إسماعيل القاضي وغيره بشروط مؤكدة فخلع المستعين نفسه في أول سنة اثنتين وخمسين وأشهد عليه القضاة وغيرهم فأحدر إلى واسط فأقام بها تسعة أشهر محبوساً موكلا به أمين ثم رد إلى سامراء وأرسل المعتز إلى أحمد بن طولون أن يذهب إلى المستعين فيقتله فقال والله لا أقتل أولاد الخلفاء فندب له سعيد الحاجب فذبحه في ثالث شوال من السنة وله إحدى وثلاثون سنة وكان خيراً فاضلا بليغاً أديباً وهو أول من أحدث لبس الأكمام الواسعة فجعل عرضها نحو ثلاثة أشبار وصغر القلانس وكانت قبله طوالا.\rمات في أيامه من الأعلام عبد بن حميد وأبو الطاهر بن السرح والحارث بن مسكين والبزي المقرئ وأبو حاتم السجستاني والجاحظ وآخرون.\rالمعتز بالله محمد\rالمعتز بالله: محمد وقيل الزبير أبو عبد الله بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد ولد سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وأمه أم ولد رومية تسمى قبيحة وبويع له عند خلع المستعين في سنة اثنتين وخمسين وله تسع عشرة سنة ولم يل الخلافة قبله أحد أصغر منه وكان بديع الحسن قال علي بن حرب أحد شيوخ ابن المعتز في الحديث: ما رأيت خليفة أحسن منه وهو أول خليفة أحدث الركوب بحلية الذهب وكان الخلفاء قبل يركبون بالحلية الخفيفة من الفضة.\rوأول سنة تولى مات أشناس الذي كان الواثق استخلفه على السلطنة وخلف خمسمائة ألف دينار فأخذها المعتز وخلع خلعة الملك على محمد بن عبد الله بن طاهر وقلده سيفين ثم عزله وخلع خلعة الملك على أخيه أعني أخا المعتز أبا أحمد وتوجه بتاج من ذهب وقلنسوة مجوهرة ووشاحين مجوهرين وقلده سيفين ثم عزله من عامه ونفاه إلى واسط وخلع على بغا الشرابي وألبسه تاج الملك فخرج على المعتز بعد سنة فقتل وجيء إليه برأسه.","part":1,"page":148},{"id":149,"text":"وفي رجب من هذه السنة خلع المعتز أخاه المؤيد من العهد وضربه وقيده فمات بعد أيام فخشي المعتز أن يتحدث عنه أنه قتله أو احتال عليه فأحضر القضاة حتى شاهدوه وليس به أثر وكان المعتز مستضعفاً مع الأتراك فاتفق أن جماعة من كبارهم أتوه وقالوا: يا أمير المؤمنين أعطنا أرزاقنا لنقتل صالح بن وصيف وكان المعتز يخاف منه فطلب من أمه مالا لينفقه فيهم فأبت عليه وشحت نفسها ولم يكن بقى في بيت المال شيء فاجتمع الأتراك على خلعه ووافقهم صالح بن وصيف ومحمد بن بغا فلبسوا السلاح وجاءوا إلى دار الخلافة فبعثوا إلى المعتز أن أخرج إلينا فبعث يقول قد شربت دواء وأنا ضعيف فهجم عليه جماعة وجروا برجله وضربوه بالدبابيس وأقاموه في الشمس في يوم صائف وهم يلطمون وجهه ويقولون أخلع نفسك ثم أحضروا القاضي ابن أبي الشوارب والشهود وخلعوه ثم أحضورا من بغداد إلى دار الخلافة وهي يومئذ سامرا محمد بن الواثق وكان المعتبر قد أبعده إلى بغداد فسلم المعتز إليه الخلافة وبايعه ثم إن الملأ أخذوا المعتز بعد خمس ليال من خلعه فأدخلوه الحمام فلما اغتسل عطش فمنعوه الماء ثم أخرج وهو أول ميت مات عطشاً فسقوه ماء بثلج فشربه وسقط ميتاً وذلك في شهر شعبان المعظم سنة خمس وخمسين ومائتين واختفت أمه قبيحة ثم ظهرت في رمضان وأعطت صالح ابن وصيف مالا عظيماً من ذلك ألف ألف دينار وثلاثمائة ألف دينار وسفط فيه مكوك زمرد وسفط فيه لؤلؤ حب كبار وكيلجة ياقوت أحمر وغير ذلك فقومت السفاط بألفي دينار فلما رأى ابن وصيف ذلك قال قبحها الله عرضت ابنها للقتل لأجل خمسين ألف دينار وعندها هذا فأخذ الجميع ونفاها إلى مكة فبقيت بها إلى أن تولى المعتمد فردها إلى سامراء وماتت سنة أربع وستين.\rمات في أيام المعتز من الأعلام: سري السقطي الزاهد وهارون بن سعيد الأيلي والدرامي صاحب المسند والعتبى صاحب المسائل العتبية في مذهب مالك وآخرون رحمهم الله تعالى.\rالمهتدي بالله\rالمهتدي بالله الخليفة الصالح: محمد أبو إسحاق وقيل أبو عبد الله بن الواثق ابن المعتصم بن الرشيد وأمه أم ولد تسمى وردة ولد في خلافة جده سنة بضع عشرة ومائتين وبويع بالخلافة لليلة بقيت من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين وما قبل بيعته أحد حتى أتى بالمعتز فقام المهتدي له وسلم عليه بالخلافة وجلس بين يديه فجيء بالشهود فشهدوا على المعتز أنه عاجز عن الخلافة فاعترف بذلك ومد يده فبايع المهتدي فارتفع حينئذ المهتدي إلى صدر المجلس. وكان المهتدي أسمر رقيقاً مليح الوجه ورعاً متعبداً عادلا قوياً في أمر الله بطلا شجاعاً لكنه لم يجد ناصراً ولا معيناً.\rقال الخطيب: لم يزل صائماً منذ ولي إلى أن قتل وقال هاشم بن القاسم: كنت بحضرة المهتدي عشية في رمضان فوثبت لأنصرف فقال لي أجلس فجلست وتقدم فصلى بنا ثم دعا بالطعام فأحضر طبق خلاف وعليه رغيف من الخبز النقي وفيه آنية فيه ملح وخل وزيت فدعاني إلى الأكل فابتدأت آكل ظاناً أنه سيؤتى بطعام فنظر إلي وقال ألم تك صائماً قلت بلى قال أفلست عازماً على الصوم فقلت كيف لا وهو رمضان فقال: كل واستوف فليس هاهنا من الطعام غير ما ترى فعجبت ثم قلت ولم يا أمير المؤمنين وقد أسبغ الله نعمته عليك فقال إن الأمر ما وصفت ولكني فكرت في أنه كان في بني أمية عمر بن عبد العزيز وكان من التقلل والتقشف على ما بلغك فغرت على بني هاشم فأخذت نفسي بما رأيت.\rوقال جعفر بن عبد الواحد: ذاكرت المهتدي بشيء فقلت له كان أحمد ابن حنبل يقول به ولكنه كان يخالف أشير إلى ما مضى من آبائه فقال رحم الله أحمد ابن حنبل والله لو جاز لي أن أتبرأ من أبي لتبرأت منه ثم قال لي: تكلم بالحق وقل به فإن الرجل ليتكلم بالحق فينبل في عيني. وقال نفطويه: حدثني بعض الهاشميين أنه وجد للمهتدي سفط فيه جبة صوف وكساء كان يلبسه بالليل ويصلي فيه وكان قد أطرح الملاهي وحرم الغناء وحسم أصحاب السلطان عن الظلم وكان شديد الإشراف على أمر الدواوين يجلس بنفسه ويجلس الكتاب بين يديه فيعملون الحساب وكان لا يخل بالجلوس الاثنين والخميس وضرب جماعة من الرؤوساء ونفى جعفر بن محمود إلى بغداد وكره مكانه لأنه نسب عنده إلى الرفض.","part":1,"page":149},{"id":150,"text":"وقدم موسى بن بغا من الري يريد سامرا لقتل صالح بن وصيف بدم المعتز وأخذ أموال أمه ومعه جيشه فصاحت العامة على ابن وصيف: يا فرعون قد جاءك موسى فطلب موسى بن بغا الإذن على المهتدي فلم يأذن له فهجم بمن معه عليه وهو جالس في دار العدل فأقاموه وحملوه على فرس ضعيفة وانتهبوا القصر وادخلوا المهتدي إلى دار ناجود وهو يقول يا موسى اتق الله ويحك ما تريد قال والله ما نريد إلا خيراً فاحلف لنا أن لا تملئ صالح بن وصيف فحلف لهم فبايعوه حينئذ ثم طلبوا صالحاً ليناظروه على أفعاله فاختفى وندبهم المهتدي إلى الصالح فاتهموه أنه يدري مكانه فجرى في ذلك كلام ثم تكلموا في خلعه فخرج إليهم المهتدي من الغد متقلداً بسيفه فقال قد بلغني شأنكم ولست كمن تقدمني مثل المستعين والمعتز والله ما خرجت إليكم إلا وأنا متحنط وقد أوصيت وهذا سيفي والله لأضربن به ما استمسكت قائمته بيدي أما دين أما حياء أما دعة لم يكون الخلاف على الخلفاء والجرأة على الله ثم قال ما أعلم علم صالح فرضوا وانفضوا ونادى موسى بن بغا: من جاء بصالح فله عشرة آلاف دينار فلم يظفر به أحد واتفق أن بعض الغلمان دخل زقاقاً وقت الحر فرأى باباً مفتوحاً فدخل فمشى في دهليز مظلم فرأى صالحاً نائماً فعرفه وليس عنده أحد فجاء إلى موسى فأخبره فبعث جماعة فأخذوه وقطعت رأسه وطيف به وتألم المهتدي لذلك في الباطن ثم رحل موسى ومعه بكيال إلى السن في طلب مساور فكتب المهتدي إلى بكيال أن يقتل موسى ومفلحاً أحد أمراء الأتراك أيضاً أو يمسكهما ويكون هو الأمير على الأتراك كلهم فأوقف بكيال موسى على كتابه وقال إني لست أفرح بهذا وإنما هذا يعمل علينا كلنا فأجمعوا على قتل المهتدي وساروا إليه فقاتل عن المهتدي المغاربة والفراغنة والأسروسنية وقتل من الأتراك في يوم أربعة آلاف ودام القتال إلى أن هزم جيش الخليفة وأمسك هو فعصر على خصيتيه فمات وذلك في رجب سنة ست وخمسين فكانت خلافته سنة إلا خمسة عشر يوماً وكان لما قامت الأتراك عليه ثار العوام وكتبوا رقاعاً وألقوها في المساجد يا معشر المسلمين ادعوا الله لخليفتكم العدل الرضا المضاهي لعمر بن عبد العزيز أن ينصره الله على عدوه.\rالمعتمد على الله أبو العباس\rالمعتمد على الله أبو العباس وقيل أبو جعفر احمد بن المتوكل بن المعتصم ابن الرشيد ولد سنة تسع وعشرين ومائتين وأمه رومية اسمها فتيان ولما قتل المهتدي كان المعتمد محبوساً بالجوسق فأخرجوه وبايعوه ثم أنه استعمل أخاه الموفق طلحة على المشرق وصير ابنه جعفراً ولي عهده وولاه مصر والمغرب ولقبه المفوض إلى الله وانهمك المعتمد في اللهو واللذات واشتغل عن الرعية فكرهه الناس وأحبوا أخاه طلحة.\rوفي أيامه دخلت الزنج البصرة وأعمالها وأخربوها وبذلوا السيف وأحرقوا وخربوا وسبوا وجرى بينهم وبين عسكره عدة وقعات وأمير عسكره في أكثرها الموفق أخوه وأعقب ذلك الوباء الذي لا يكاد يتخلف عن الملاحم بالعراق فمات خلق لا يحصون ثم أعقبه هدات وزلازل فمات تحت الردم ألوف من الناس واستمر القتال مع الزنج من حين تولى المعتمد سنة ست وخمسين إلى سنة سبعين فقتل فيها رأس الزنج لعنه الله واسمه بهبوذ وكان ادعى أنه أرسل إلى الخلق فرد الرسالة وأنه مطلع على المغيبات.\rوذكر الصولي أنه قتل من المسلمين ألف ألف وخمسمائة ألف آدمي وقتل في يوم واحد بالبصرة ثلاثمائة ألف وكان له منبر في مدينة يصعد عليه ويسب عثمان وعلياً ومعاوية وطلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم.\rوكان ينادي على المرأة العلوية في عسكره بدرهمين وثلاثة وكان عند الواحد من الزنج العشر من العلويات يطؤهن ويستخدمهن.\rولما قتل هذا الخبيث دخل برأسه بغداد على رمح وعملت قباب الزينة وضج الناس بالدعاء للموفق ومدحه الشعراء وكان يوماً مشهوداً وأمن الناس وتراجعوا إلى المدن التي أخذها وهي كثيرة كواسط ورامهرمز.\rوفي سنة ستين من أيامه وقع غلاء مفرط بالحجاز والعراق وبلغ كر الحنطة في بغداد مائة وخمسين ديناراً وفيها أخذت الروم بلد لؤلؤة.","part":1,"page":150},{"id":151,"text":"وفي سنة إحدى وستين بايع المعتمد بولاية العهد بعده لابنه المفوض إلى الله جعفر ثم من بعده لأخيه الموفق طلحة وولى ولده المغرب والشام والجزيرة وأرمينية وولي أخاه المشرق والعراق وبغداد والحجاز واليمن وفارس وأصبهان والري وخراسان وطبرستان وسجستان والسند وعقد لكل منهما لواءين أبيض وأسود وشرط إن حدث به حدث أن الأمر لأخيه إن لم يكن ابنه جعفر قد بلغ وكتب العهد وأنفذه مع قاضي القضاه ابن أبي الشوارب ليعلقه في الكعبة.\rوفي سنة ست وستين وصلت عساكر الروم إلى ديار بكر ففتكوا وهرب أهل الجزيرة والموصل وفيها وثب الأعراب على كسوة الكعبة فانتهبوها.\rوفي سنة سبع وستين استولى أحمد بن عبد الله الحجابي على خراسان وكرمان وسجستان وعزم على قصد العراق وضرب السكة باسمه وعلى الوجه الآخر اسم المعتمد وهذا محل الغرابة ثم إنه في آخر السنة قتله غلمانه فكفى الله شره.\rوفي سنة تسع وستين اشتد تخيل المعتمد من أخيه الموفق فإنه كان خرج عليه في سنة أربع وستين ثم اصطلحا فلما اشتد تخيله منه هذا العام كاتب المعتمد ابن طولون نائبه بمصر واتفقا على أمر فخرج ابن طولون حتى قدم دمشق وخرج المعتمد من سامرا على وجهه التنزه وقصده دمشق فلما بلغ ذلك الموفق كتب إلى إسحاق بن كنداج ليرده فركب ابن كنداج من نصيبين إلى المعتمد فلقيه بين الموصل والحديثة فقال يا أمير المؤمنين أخوك في وجه العدو وأنت تخرج عن مستقرك ودار ملكك ومتى صح هذا عنده رجع عن مقاومة الخارجي فيغلب عدوك على ديار آبائك وفي كلمات أخر ثم وكل بالمعتمد جماعة ورسم على طائفة من خواصه ثم بعث إلى المعتمد يقول ما هذا بمقام فارجع فقال المعتمد: فاحلف لي أنك تنحدر معي ولا تسلمني فحلف له وانحدر من سامرا فتلقاه صاعد بن مخلد كاتب الموفق فسلمه إسحاق إليه فأنزله في دار احمد بن الخصيب ومنعه من نزول دار الخلافة ووكل به خمسمائة رجل يمنعون من الدخول إليه ولما بلغ الموفق ذلك بعث إلى إسحاق بخلع وأموال وأقطعه ضياع القواد الذين كانوا مع المعتمد ولقبه ذا السندين ولقب صاعداً ذا الوزارتين وأقام صاعد في خدمة المعتمد ولكن ليس للمعتمد حل ولا ربط وقال المعتمد في ذلك:\rأليس من العجائب أن مثلي ... يرى ما قل ممتنعاً عليه\rوتؤخذ باسمه الدنيا جميعا ... وما من ذاك شيء في يديه\rإليه تحمل الأموال طراً ... ويمنع بعض ما يجبى إليه\rوهو أول خليفة قهر وحجر عليه ووكل به ثم أدخل المعتمد واسط ولما بلغ ابن طولون ذلك جمع الفقهاء والقضاة والأعيان وقال قد نكث الموفق بأمير المؤمنين فاخلعوه من العهد فخلعوه إلا القاضي بكار بن قتيبة فإنه قال أنت أوردت على المعتمد كتاباً بولايته العهد فأورد على كتاباً آخر منه بخلعه فقال إنه محجور عليه ومقهور فقال لا أدري فقال ابن طولون غرك الناس بقولهم ما في الدنيا مثل بكار أنت شيخ قد خرفت وحبسه وقيده وأخذ منه جميع عطاياه من سنين فكانت عشرة آلاف دينار فقيل إنها وجدت في بيت بكار يختمها وبلغ الموفق ذلك فأمر بلعن ابن طولون على المنابر.\rثم في شعبان من سنة سبعين أعيد المعتمد إلى سامرا ودخل بغداد ومحمد بن طاهر بين يديه بالحربة والجيش في خدمته كأنه لم يحجر عليه ومات ابن طولون في هذه السنة فولى الموفق ابنه أبا العباس أعماله وجهزه إلى مصر في جنود العراق وكان خمارويه بن أحمد بن طولون أقام على ولايات أبيه بعده فوقع بينه وبين أبي العباس ابن الموفق وقعه عظيمة بحيث جرت الأرض من الدماء وكان النصر للمصريين.\rوفي هذه السنة انبثق ببغداد في نهر عيسى بثق فجاء الماء إلى الكرخ فهدم سبعة آلاف دار. وفيها نازلت الروم طرسوس في مائة ألف فكانت النصرة للمسلمين وغنموا ما لا يحصى وكان فتحاً عظيماً عديم المثل.\rوفيها ظهرت دعوة المهدي عبيد الله بن عبيد جد بني عبيد خلفاء المصريين الروافض في اليمن وأقام على ذلك إلى سنة ثمان وسبعين فحج تلك السنة واجتمع بقبيلة من كتامة فأعجبهم حاله فصحبهم إلى مصر ورأى منهم طاعة وقوة فصحهم إلى المغرب فكان ذلك أول شأن المهدي.\rوفي سنة إحدى وسبعين قال الصولي: ولي هارون بن إبراهيم الهاشمي الحسبة فأمر أهل بغداد أن يتعاملوا بالفلوس فتعاملوا بها على كره ثم تركوها.","part":1,"page":151},{"id":152,"text":"وفي سنة ثمان وسبعين غار نيل مصر فلم يبق منه شيء وغلت الأسعار وفيها مات الموفق واستراح منه المعتمد.\rوفيها ظهرت القرامطة بالكوفة وهم نوع من الملاحدة يدعون أنه لا غسل من الجنابة وأن الخمر حلال ويزيدون في آذانهم وأن محمد بن الحنفية رسول الله وأن الصوم في السنة يومان يوم النيروز ويوم المهرجان وأن الحج والقبلة إلى بيت المقدس وأشياء أخرى ونفق قولهم على الجهال وأهل البر وتعب الناس بهم.\rوفي سنة تسع وسبعين ضعف أمر المعتمد جداً لتمكن أبي العباس بن الموفق من الأمور وطاعة الجيس له فجلس المعتمد مجلساً عاماً وأشهد فيه على نفسه أنه خلع ولده المفوض من ولاية العهد وبايع لأبي العباس ولقبه المعتضد وأمر المعتضد في هذه السنة أن لا يقعد في الطريق منجم ولا قصاص واستحلف الوراقين أن لا يبيعوا كتب الفلاسفة والجدل.\rومات المعتمد بعد أشهر من هذه السنة فجأه فقيل إنه سم وقيل بل نام فغم في بساط وذلك ليلة الاثنين لإحدى عشرة بقيت من رجب وكانت خلافته ثلاثاً وعشرين سنة إلا أنه كان مقهوراً مع أخيه الموفق لاستيلائه على الأمور ومات وهو كالمحجور عليه من بعض الوجوه من جهة المعتضد أيضاً.\rوممن مات في أيامه من الأعلام البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه والربيع الجيزي والربيع المرادي والمزني ويونس بن عبد الأعلى والزبير بن بكار وأبو الفضل الرياشي ومحمد بن يحيى الذهلي وحجاج بن يوسف الشاعر والعجلي الحافظ وقاضي القضاة ابن أبي الشوارب والسوسي المقرئ وعمر بن شبة وأبو زرعة الزازي ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم والقاضي بكار وداود الظاهري وابن دارة وبقي بن مخلد وابن قتيبة وأبو حاتم الرازي وآخرون.\rومن قول عبد الله بن المعتز في المعتمد يمدحه:\rيا خير من تزجى المطي له ... ويمر حبل العهد موثقه\rأضحى عنان الملك مقتسراً ... بيديك تحبسه وتطلقه\rفاحكم لك الدنيا وساكنها ... ما طاش سهم أنت موفقه\rومن شعر المعتمد لما حجر عليه:\rأصبحت لا أملك دفعاً لما ... أسام من خسف ومن ذلة\rتمضي أمور الناس دوني ولا ... يشعرني في ذكرها قلتي\rإذا اشتهيت الشيء ولوا به ... عني وقالوا: هاهنا علتي\rقال الصولي: كان له وراق يكتب شعره بماء الذهب.\rورثاه أبو سعيد الحسن بن سعيد النيسابوري بقوله:\rلقد قر طرف الزمان النكد ... وكان سخيناً كليلا رمد\rوبلغت الحادثات المنى ... بموت إمام الهدى المعتمد\rولم يبق لي حذر بعده ... فدون المصائب فلتجتهد\rالمعتضد بالله أحمد\rالمعتضد بالله أحمد أبو العباس ابن ولي العهد الموفق طلحة بن المتوكل ابن المعتصم بن الرشيد ولد في ذي القعدة سنة اثنتين وأربعين ومائتين وقال الصولي: في ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين ومائتين وأمه أم ولد أسمها صواب وقيل: حرز وقيل ضرار وبويع له في رجب سنة تسع وسبعين ومائتين بعد عمه المعتضد وكان ملكاً شجاعاً مهيباً ظاهر الجبروت وافر العقل شديد الوطأة من أفراد خلفاء بني العباس وكان يقدم على الأسد وحده لشجاعته وكان قليل الرحمة إذا غضب على قائد أمر بأن يلقى في حفيرة ويطم عليه وكان ذا سياسة عظيمة.\rقال عبد الله بن حمدون خرج المعتضد يتصيد فنزل إلى جانب مقثأة وأنا معه فصاح الناطور فقال علي به فأحضر فسأله فقال ثلاثة غلمان نزلوا المقثأة فأخربوها فجيء بهم فضربت أعناقهم من الغد في المقثأة ثم كلمني بعد مدة فقال أصدقني فيما ينكر على الناس قلت الدماء قال والله ما سفكت دماً حراماً منذ وليت قلت فلم قتلت أحمد بن الطيب قال دعاني إلى الإلحاد قلت فالثلاثة الذين نزلوا المقثأة قال والله ما قتلتهم وإنما قتلت لصوصاً قد قتلوا وأوهمت أنهم هم.\rوقال إسماعيل القاضي دخلت على المعتضد وعلى رأسه أحدث صباح الوجوه روم فنظرت إليهم فلما أردت القيام قال لي: أيها القاضي والله ما حللت سراويلي على حرام قط.","part":1,"page":152},{"id":153,"text":"ودخلت مرة فدفع إلي كتاباً فنظرت فيه فإذا هو قد جمع له فيه الرخص من زلل العلماء فقلت: مصنف هذا زنديق فقال أمختلق؟ قلت: لا ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة ومن أباح المتعة لم يبح الغناء وما من عالم إلا وله زلة ومن أخذ بكل زلل العلماء ذهب دينه فأمر بالكتاب فأحرق.\rوكان المعتضد شهماً جلداً موصوفاً بالرجلة قد لقي الحروب وعرف فضله فقام بالأمر أحسن قيام وهابه الناس ورهبوه أحسن رهبة وسكنت الفتن في أيامه لفرط هيبته.\rوكانت أيامه طيبه كثيرة الأمن والرخاء.\rوكان قد أسقط المكوس ونشر العدل ورفع الظلم عن الرعية.\rوكان يسمى السفاح الثاني لأنه جدد ملك بني العباس وكان قد خلق وضعف وكاد يزول وكان في اضطراب من وقت قتل المتوكل وفي ذلك يقول ابن الرومي يمدحه:\rهنيئاً بني العباس إن إمامكم ... إمام الهدى والبأس والجود أحمد\rكما بأبي العباس أنشئ ملككم ... كذا بأبي العباس أيضاً يجدد\rإمام يظل الأمس يعمل نحوه ... تلهف ملهوف ويشتاقه الغد\rوقال في ذلك ابن المعتز أيضاً:\rأما ترى ملك بني هاشم ... عاد عزيزاً بعد ما ذللا\rيا طالباً للملك كن مثله ... تستوجب الملك وإلا فلا\rوفي أول سنة استخلف فيها منع الوراقين من بيع كتب الفلاسفة وما شاكلها ومنع القصاص والمنجمين من القعود في الطريق وصلى بالناس صلاة الأضحى فكبر في الأولى ستاً وفي الثانية واحدة ولم تسمع منه الخطبة.\rوفي سنة ثمانين دخل داعي المهدي إلى القيروان وفشا أمره ووقع القتال بينه وبين صاحب إفريقية وصار أمره في زيادة.\rوفيها ورد كتاب من الدبيل أن القمر كسف في شوال وأن الدنيا أصبحت مظلمة إلى العصر فهبت ريح سوداء فدامت إلى ثلث الليل وأعقبها زلزلة عظيمة أذهبت عامة المدينة فكان عدة من أخرج من تحت الردم مائة ألف وخمسين ألفاً.\rوفي سنة إحدى وثمانين فتحت مكورية في بلاد الروم.\rوفيها غارت مياه الري وطبرستان حتى بيع الماء ثلاثة أرطال بدرهم وقحط الناس وأكلوا الجيف.\rوفيها هدم المعتضد دار الندوة بمكة وصيرها مسجداً إلى جانب المسجد الحرام.\rوفي سنة اثنتين وثمانين أبطل ما يفعل في النيروز: من وقيد النيران وصب الماء على الناس وأزال سنة المجوس.\rوفيها زفت إليه قطر الندى بنت خماروية بن أحمد بن طولون فدخل عليها في ربيع الأول وكان في جهازها أربعة آلاف تكة مجوهرة وعشرة صناديق جوهر.\rوفي سنة ثلاث وثمانين كتب إلى الآفاق بأن يورث ذوو الأرحام وأن يبطل ديوان المواريث وكثر الدعاء للمعتضد.\rوفي سنة أربع وثمانين ظهره بمصر حمرة عظيمة حتى كان الرجل ينظر إلى وجه الرجل فيراه أحمر وكذا الحيطان فتضرع الناس بالدعاء إلى الله تعالى وكانت من العصر إلى الليل. قال ابن جرير: وفيها عزم المعتضد على لعن معاوية على المنابر فخوفه عبيد الله الوزير اضطراب العامة فلم يلتفت وكتب كتاباً في ذلك ذكر فيه كثيراً من مناقب علي ومثالب معاوية فقال له القاضي يوسف يا أمير المؤمنين أخاف الفتنة عند سماعه فقال إن تحركت العامة وضعت السيف فيها قال فما تصنع بالعلويين الذين هم في كل ناحية قد خرجوا عليك؟ وإذا سمع الناس هذا من فضائل أهل البيت كانوا إليهم أميل فأمسك المعتضد عن ذلك.\rوفي سنة خمس وثمانين هبت ريح صفراء بالبصرة ثم صارت خضراء ثم صارت سوداء وامتدت في الأمصار ووقع عقبها برد وزنة البردة مائة وخمسون درهماً وقلعت الريح نحو خمسمائة نخلة ومطرت قرية حجارة سوداً وبيضاً.\rوفي سنة ست وثمانين ظهر بالبحرين أبو سعيد القرمطي وقويت شوكته وهو أبو أبي طاهر سليمان الذي يأتي أنه قلع الحجر الأسود ووقع القتال بينه وبين عسكر الخليفة وأغار على البصرة ونواحيها وهزم جيش الخليفة مرات.","part":1,"page":153},{"id":154,"text":"ومن أخبار المعتضد ما أخرجه الخطيب وابن عساكر عن أبي الحسين الخصيبي قال: وجه المعتضد إلى القاضي أبي حازم يقول إن لي على فلان مالا وقد بلغني أن غرماءه أثبتوا عندك وقد قسطت لهم من ماله فاجعلنا كأحدهم فقال أبو حازم: قل له أمير المؤمنين أطال الله بقاءه ذاكر لما قال لي وقت قلدني إنه قد أخرج الأمر من عنقه وجعله في عنقي ولا يجوز لي أن أحكم في مال رجل لمدع إلا ببينة فرجع إليه فأخبره فقال قل له فلان وفلان يشهدان يعني رجلين جليلين فقال يشهدان عندي وأسأل عنهما فإن زكيا قبلت شهادتهما وإلا أمضيت ما قد ثبت عندي فامتنع أولئك من الشهادة فزعاً ولم يدفع إلى المعتضد شيئاً.\rقال ابن حمدون النديم: غرم المعتضد على عمارة البحيرة ستين ألف دينار وكان يخلو فيها مع جواريه وفيهن محبوبته دريرة فقال ابن بسام:\rترك الناس بحيره ... وتخلى في البحيرة\rقاعداً يضرب بالطب ... ل على حر دريره\rفبلغ ذلك المعتضد فلم يظهر أنه بلغه ثم أمر بتخريب تلك العمارات ثم ماتت دريرة في أيام المعتضد فجزع عليها جزعاً شديداً وقال يرثيها:\rيا حبيباً لم يكن يع ... دله عندي حبيب\rأنت عن عيني بعيد ... ومن القلب قريب\rليس لي بعدك في ش ... يء من اللهو نصيب\rلك من قلبي على قل ... بي وإن بنت رقيب\rوخيال منك مذ غب ... ت خيال لا يغيب\rلو تراني كيف لي بعد ... ك عول ونحيب\rوفؤادي حشوه من ... حرق الحزن لهيب\rلتيقنت بأني ... فيك محزون كئيب\rما أرى نفس وإن سل ... يتها عنك تطيب\rلي دمع ليس يعصي ... ني وصبر ما يجيب\rوقال بعضهم يمدح المعتضد وهي على جزء جزء:\rطيف ألم ... بذي سلم\rبين الخيم ... يطوي الأكم\rجاد نعم ... يشفي السقم\rممن لثم ... وملتزم\rفيه هضم ... إذا يضم\rداوى الألم ... ثم انصرم\rفلم أنم ... شوقاً وهم\rاللوم ذم ... كم ثم كم\rلوم الأصم؟ ... أحمد لم\rكل الثلم ... مما أنهدم\rهو العلم ... والمعتصم\rخير النسم ... خالا وعم\rحوى الهمم ... وما احتلم\rطود أشم ... سمح الشيم\rجلا الظلم ... كالبدر تم\rرعى الذمم ... حمى الحرم\rفلم يؤم ... خص وعم\rبما قسم ... له النعم\rمع النقم ... والخير جم\rإذا ابتسم ... والماء دم\rإذا انتقم\rاعتل المعتضد في ربيع الآخر سنة تسع وثمانين علة صعبة وكان مزاجه تغير من كثرة إفراطه في الجماع ثم تماسك فقال ابن المعتز:\rطار قلبي بجناح الوجيب ... جزعاً من حادثات الخطوب\rوحذاراً أن يشاك بسوء ... أسد الملك وسيف الحروب\rثم انتكس ومات يوم الاثنين لثمان بقين منه.\rوحكى المسعودي قال شكوا في موت المعتضد فتقدم إليه الطبيب وحبس نبضه ففتح عينيه ورفس الطبيب برجله فتدحاه أذرعاً فمات الطبيب ثم مات المعتضد من ساعته ولما احتضر أنشد:\rتمتع من الدنيا فإنك لا تبقى ... وخذ صفوها ما إن صفت ودع الرنقا\rولا تأمنن الدهر إني أمنته ... فلم يبق لي حالا ولم يرع لي حقا\rقتلت صناديد الرجال فلم أدع ... عدواً ولم أمهل على ظنه خلقا\rوأخليت دور الملك من كل بازل ... وشتتهم غرباً ومزقتهم شرقا\rفلما بلغت النجم عزاً ورفعة ... ودانت رقاب الخلق أجمع لي رقا\rرماني الردى سهماً فأخمد جمرتي ... فها أنا ذا في حفرتي عاجلا ملقى\rفأفسدت دنياي وديني سفاهة ... فمن ذا الذي مني بمصرعه أشقى","part":1,"page":154},{"id":155,"text":"فيا ليت شعري بعد موتي ما أرى ... إلى نعمة لله أم ناره ألقى\rومن شعر المعتضد:\rيا لا حظي بالفتور والدعج ... وقاتلي بالدلال والغنج\rأشكو إليك الذي لقيت من ال ... وجد فهل لي إليك من فرج\rحللت بالطرف والجمال من الن ... اس محل العيون والمهج\rوله أنشده الصولي:\rلم يلق من حر الفراق ... أحد كما أنا منه لاق\rيا سائلي عن طعمه ... ألفيته مر المذاق\rجسمي يذوب ومقلتي ... عبرى وقلبي ذو احتراق\rما لي أليف بعدكم ... إلى اكتئابي واشتياقي\rفالله يحفظكم جميع ... اً في مقام وانطلاق\rولابن المعتز يرثيه:\rيا دهر ويحك ما أبقيت لي أحداً ... وأنت والد سوء تأكل الولدا\rأستغفر الله بل ذا كله قدر ... رضيت بالله رباً واحداً صمدا\rيا ساكن القبر في غبراء مظلمة ... بالظاهرية مقصى الدار منفردا\rأين الجيوش التي قد كنت تنجبها؟ ... أين الكنوز التي أحصيتها عددا\rأين السرير الذي قد كنت تملؤه ... مهابة من رأته عينه ارتعدا\rأين الأعادي الأولى ذللت مصعبهم ... أين الليوث التي صيرتها بددا\rأين الجياد التي حجلتها بدم ... وكن يحملن منك الضيغم الأسدا\rأين الرماح التي غديتها مهجا ... مذ مت ما وردت قلباً ولا كبدا\rأين الجنان التي تجري جداولها ... وتستجيب إليها الطائر الغردا\rأين الوصائف كالغزلان راتعة ... يسحبن من حلل موشية حددا\rأين الملاهي وأين الراح تحسها ... ياقوتة كسبت من فضة زردا\rأين الوثوب إلى الأعداء مبتغيا ... صلاح ملك بني العباس إذ فسدا\rما زلت تفسر منهم كل قسورة ... وتحطم العالي الجبار معتمدا\rثم انقضيت فلا عين ولا أثر ... حتى كأنك يوماً لم تكن أحدا\rمات في أيام المعتضد من الأعلام ابن المواز المالكي وابن أبي الدنيا وإسماعيل القاضي والحارث بن أبي أسامة وأبو العيناء والمبرد وأبو سعيد الخراز شيخ الصوفية والبحتري الشاعر وخلائق آخرون.\rوخلف المعتضد من الأولاد أربعة ذكور ومن الإناث إحدى عشرة.\rالمكتفي بالله أبو محمد\rالمكتفي بالله أبو محمد علي بن المعتضد ولد في غرة ربيع الآخر سنة أربع وستين ومائتين وأمه تركية اسمها جيجك وكان يضرب بحسنها المثل حتى قال بعضهم:\rقايست بين جمالها وفعالها ... فإذا الملاحة بالخيانة لا تفي\rوالله لا كلمتها ولو أنها ... كالشمس أو كالبدر أو كالمكتفي\rوعهد إليه أبوه فبويع في مرضه يوم الجمعة بعد العصر لإحدى عشرة بقيت من ربيع الآخر سنة تسع وثمانين.\rقال الصولي: وليس من الخلفاء من اسمه على إلا هو وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ولا من يكنى أبا محمد سوى الحسن بن علي والهادي والمكتفي.\rولما بويع له عند موت أبيه كان غائباً بالرقة فنهض بأعباء البيعة الوزير أبو الحسن القاسم بن عبيد الله وكتب له فوافى بغداد في سابع من جمادى الأولى ومر بدجلة في سمارية وكان يوماً عظيماً وسقط أبو عمر القاضي من الزحمة في الجسر وأخرج سالماً ولما نزل المكتفي بدار الخلافة وقالت الشعراء وخلع على القاسم الوزير سبع خلع وهدم المطامير التي اتخذها أبوه وصيرها مساجد وأمر برد البساتين والحوانيت التي أخذها أبوه من الناس ليعملها قصراً إلى أهلها وسار سيرة جميلة فأحبه الناس ودعوا له.\rوفي هذه السنة زلزلت بغداد زلزلة عظيمة دامت أياماً وفيها هبت ريح عظيمة بالبصرة قلعت عامة نخلها ولم يسمع بمثل ذلك.","part":1,"page":155},{"id":156,"text":"وفيها خرج يحيى بن زكرويه القرمطي فاستمر القتال بينه وبين عسكر الخليفة إلى أن قتل في سنة تسعين فقام عوضه أخوه الحسين وأظهر شامة في وجهه وزعم أنها آيته وجاءه ابن عمه عيسى بن مهرويه وزعم أن لقبه المدثر وأنه المعني في السورة ولقب غلاماً له المطوق بالنور وظهر على الشام وعاث وأفسد وتسمى بأمير المؤمنين المهدي ودعي له على المنابر ثم قتل الثلاثة في سنة إحدى وتسعين.\rوفي هذه السنة فتحت أنطالية باللام من بلاد الروم عنوة وغنم منها ما لا يحصى من الأموال وفي سنة اثنتين زادت دجلة زيادة لم ير مثلها حتى خرجت بغداد وبلغت الزيادة أحداً وعشرين ذراعاً.\rومن شعر الصولي يمدح المكتفي ويذكر القرمطي:\rقد كفى المكتفي الخلي ... فة ما كان قد حذر\rإلى أن قال:\rآل عباس أنتم ... سادة الناس والغرر\rحكم الله أنكم ... حكماء على البشر\rوأولو الأمر منكم ... صفوة الله والخير\rمن رأى أن مؤمنا ... من عصاكم فقد كفر\rأنزل الله ذاكم ... قبل في محكم السور\rقال الصولي: سمعت المكتفي يقول في علته والله ما آسى إلا على سبعمائة ألف دينار صرفتها من مال المسلمين في أبنية ما احتجت إليها وكنت مستغنياً عنها أخاف أن أسأل عنها وإني أستغفر الله منها.\rمات المكتفي شاباً في ليلة الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة خمس وتسعين وخلف ثمانية أولاد ذكور وثمان بنات.\rوممن مات في أيامه من الأعلام عبد الله بن أحمد بن حنبل وثعلب إمام العربية وقنبل المقرئ وأبو عبد الله البوشنجي الفقيه والبزار صاحب المسند وأبو مسلم الكجي والقاضي أبو حازم وصالح جزرة ومحمد بن نصر المروزي الإمام وأبو الحسن النوري شيخ الصوفية وأبو جعفر الترمذي شيخ الشافعية بالعراق.\rورأيت في تاريخ نيسابور لعبد الغافر عن أبي الدنيا قال: لما أفضت الخلافة إلى المكتفي كتبت إليه بيتين:\rإن الحق التأديب حق الأبوه ... عند أهل الحجى وأهل المروه\rوأحق الرجال أن يحفظوا ذا ... ك ويرعوه أهل بيت النبوه\rقال: فحمل إلى عشرة آلاف درهم وهذا يدل على تأخر ابن أبي الدنيا إلى أيام المكتفي.\rالمقتدر بالله أبو الفضل\rالمقتدر بالله: أبو الفضل جعفر بن المعتضد ولد في رمضان سنة اثنتين وثمانين ومائتين وأمه رومية وقيل: تركية اسمها غريب وقيل: شغب ولما اشتدت علة أخيه المكتفي سأل عنه فصح عنده أنه احتلم فعهد إليه ولم يل الخلافة قبله أصغر منه فإنه وليها وله ثلاث عشرة سنة فاستصباه الوزير العباس بن الحسن فعمل على خلعه ووافقه جماعة على أن يولوا عبد الله بن المعتز فأجاب ابن المعتز بشرط أن لا يكون فيها دم فبلغ المقتدر ذلك فأصلح حال العباس ودفع إليه أموالا أرضته فرجع عن ذلك وأما الباقون فإنهم ركبوا عليه في العشرين من ربيع الأول سنة ست والمقتدر يلعب الأكرة فهرب ودخل وأغلقت الأبواب وقتل الوزير وجماعة وأرسل إلى ابن المعتز فجاء وحضر القواد والقضاة والأعيان وبايعوه بالخلافة ولقبوه الغالب بالله فاستوزر محمد بن داود بن الجراح واستقصى أبا المثنى أحمد بن يعقوب ونفذت الكتب بخلافة ابن المعتز.\rقال المعافى بن زكريا الجريري: لما خلع المقتدر وبويع ابن المعتز دخلوا على شيخنا محمد بن جرير الطبري فقال ما الخبر قيل بويع ابن المعتز قال: فمن رشح للوزارة؟ قيل محمد بن داود قال: فمن ذكر للقضاء قيل أبو المثنى فأطرق ثم قال هذا الأمر لا يتم قيل له وكيف؟ قال كل واحد ممن سميتهم متقدم في معناه عالي الرتبة والزمان مدبر والدنيا مولية وما أرى هذا إلا إلى اضمحلال وما أرى لمدته طولا.","part":1,"page":156},{"id":157,"text":"وبعث ابن المعتز إلى المقتدر يأمره بالانصراف إلى دار محمد بن طاهر لكي ينقل ابن المعتز إلى دار الخلافة فأجاب ولم يكن بقي معه إلا طائفة يسيرة فقالوا يا قوم نسلم هذا الأمر ولا نجرب نفوسنا في دفع ما نزل بنا فلبسوا السلاح وقصدوا المخرم وبه ابن المعتز فلما رآهم من حوله ألقى الله في قلوبهم الرعب فانصرفوا منهزمين بلا قتال وهرب ابن المعتز ووزيره وقاضيه ووقع النهب والقتل في بغداد وقبض المقتدر على الفقهاء والأمراء الذين خلعوه وسلموا إلى يونس الخازن فقتلهم إلا أربعة منهم القاضي أبو عمر سلموا من القتل وحبس ابن المعتز ثم أخرج فيما بعد ميتاً واستقام الأمر للمقتدر فاستوزر أبا الحسن علي بن محمد بن الفرات فسار أحسن سير وكشف المظالم وحض المقتدر على العدل ففوض إليه الأمور لصغره واشتغل باللعب واللهو وأتلف الخزائن.\rوفي هذه السنة أمر المقتدر أن لا يستخدم اليهود والنصارى وأن يركبوا بالأكف.\rوفيها غلب أمر المهدي بالمغرب وسلم عليه بالإمامة ودعى له بالخلافة وبسط في الناس العدل والإحسان فانحرفوا إليه وتمهدت له المغرب وعظم ملكه وبنى المهدي وهرب أمير إفريقية زياد الله بن الأغلب إلى مصر ثم أتى العراق وخرجت المغرب على أمر بني العباس من هذا التاريخ فكانت مدة ملكهم جميع الممالك الإسلامية مائة وبضعاً وستين سنة ومن هنا دخل النقص عليهم.\rقال الذهبي: اختل النظام كثيراً في أيام المقتدر لصغره.\rوفي سنة ثلاثمائة ساخ جبل بالدينور في الأرض وخرج من تحته ماء كثير أغرق القرى.\rوفيها ولدت بغلة فلواً فسبحان القادر على ما يشاء.\rوفي سنة إحدى وثلاثمائة ولي الوزير علي بن عيسى فسار بعفة وعدل وتقوى وأبطل الخمور وأبطل من المكوس ما ارتفاعه في العام خمسمائة ألف دينار.\rوفيها أعيد القاضي أبو عمر إلى القضاء وركب المقتدر إلى من داره إلى الشماسية وهي أول ركبة ركبها وظهر فيها للعامة.\rوفيها أدخل الحسين الحلاج مشهوراً على جمل إلى بغداد فصلب حياً ونودي عليه هذا أحد دعاة القرامطة فاعرفوه ثم حبس إلى أن قتل في سنة تسع وأشيع عنه أنه ادعى الإلهية وأنه يقول بحلول اللاهوت في الأشراف ويكتب إلى أصحابه من النور الشعشعاني ونوظر فلم يوجد عنده شيء من القرآن ولا الحديث ولا الفقه.\rوفيها سار المهدي الفاطمي يريد مصر في أربعين ألفاً من البربر فحال النيل بينه وبينها فرجع إلى الإسكندرية وأفسد فيها وقتل ثم رجع فسار إليه جيش المقتدر إلى برقة وجرت لهم الحروب ثم ملك الفاطمي الإسكندرية والفيوم من هذا العام.\rوفي سنة اثنتين ختن المقتدر خمسة من أولاده فغرم على ختانهم ستمائة ألف دينار وختن معهم طائفة من الأيتام وأحسن إليهم.\rوفيها صلى العيد في جامع مصر ولم يكن يصلى فيه العيد قبل ذلك فخطب بالناس علي ابن أبي شيخة من الكتاب نظراً وكان من غلطه أن قال اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مشركون.\rوفيه أسلم الديلم على يد الحسن بن علي العلوي الأطروش وكان مجوسياً.\rوفي سنة أربع وقع الخوف ببغداد من حيوان يقال له الزيزب ذكر الناس أنهم يرونه بالليل على الأسطحة وأنه يأكل الأطفال ويقطع ثدي المرأة فكانوا يتحارسون ويضربون بالطاسات ليهرب واتخذ الناس لأطفالهم مكاب ودام عدة ليال.\rوفي سنة خمس قدمت رسل ملك الروم بهدايا وطلبت عقد هدنة فعمل المقتدر موكباً عظيماً فأقام العسكر وصفهم بالسلاح وهم مائة وستون ألفاً من باب الشماسية إلى دار الخلافة وبعدهم الخدام وهم سبة آلاف خادم ويليهم الحجاب وهم سبعمائة حاجب وكانت الستور التي نصبت على حيطان دار الخلافة ثمانية وثلاثين ألف ستر من الديباج والبسط اثنين وعشرين ألفاً وفي الحضرة مائة سبع في السلاسل إلى غير ذلك.\rوفي هذه السنة وردت هدايا صاحب عمان وفيها طير أسود يتكلم بالفارسية والهندية أفصح من الببغا.\rوفي سنة ست فتح مارستان أم المقتدر وكان مبلغ النفقة فيه في العام سبعة آلاف دينار.\rوفيها صار الأمر والنهي لحرم الخليفة ولنسائه لركاكته وآل الأمر إلى أن أمرت أم المقتدر بمثل القهرمانة أن تجلس للمظالم وتنظر في رقاع الناس كل جمعة فكانت تجلس وتحضر القضاة والأعيان وتبرز التواقيع وعليها خطها.\rوفيها عاد القائم محمد بن المهدي الفاطمي إلى مصر فأخذ أكثر الصعيد.","part":1,"page":157},{"id":158,"text":"وفي سنة ثمان غلت الأسعار ببغداد وسغبت العامة لكون حامد بن العباس ضمن السواد وجدد المظالم ووقع النهب وركب الجند فيها وشتتهم العامة ودام القتال أياماً وأحرق العامة الحبس وفتحوا السجون ونهبوا الناس ورجموا الوزير واختلفت أحوال الدولة العباسية جداً.\rوفيها ملكت جيوش القائم الجزيرة من الفسطاط واشتد قلق أهل مصر وتأهبوا للحروب وجرت أمور وحروب يطول شرحها.\rوفي سنة تسع قتل الحلاج بإفتاء القاضي أبي عمر والفقهاء والعلماء أنه حلال الدم وله في أحواله السنية أخبار أفردها الناس بالتصنيف.\rوفي سنة إحدى عشرة أمر المقتدر برد المواريث إلى ما صيرها المعتضد من توريث ذوي الأرحام.\rوفي سنة اثنتي عشرة فتحت فرغانة على يد والي خرسان.\rوفي سنة أربع عشرة دخلت الروم ملطية بالسيف.\rوفيها جمدت دجلة بالموصل وعبرت عليها الدواب وهذا لم يعهد.\rوفي سنة خمس عشرة دخلت الروم دمياط وأخذوا من فيها وما فيها وضربوا الناقوس في جامعها.\rوفيها ظهرت الديلم على الري والجبال فقتل خلق وذبحت الأطفال.\rوفي سنة ست عشرة بنى القرمطي داراً سماها دار الهجرة وكان في هذه السنين قد كثر فساده وأخذه البلاد وفتكه بالمسلمين واشتد الخطب به وتمكنت هيبته في القلوب وكثر أتباعه وبث السرايا وتزلزل له الخليفة وهزم جيش المقتدر غير مرة وانقطع الحج في هذه السنين خوفاً من القرامطة ونزح أهل مكة عنها وقصدت الروم ناحية خلاط وأخرجوا المنبر من جامعها وجعلوا الصليب مكانه.\rوفي سنة سبع عشرة خرج مؤنس الخادم الملقب بالمظفر على المقتدر لكونه بلغه أنه يريد أن يولي إمرة الأمراء هارون بن غريب مكان المؤنس وركب معه سائر جيش الأمراء والجنود وجاءوا إلى دار الخلافة فهربت خواص المقتدر وأخرج المقتدر بعد العشاء وذلك في ليلة رابع عشر المحرم من داره وأمه وخالته وحرمه ونهب لأمه ستمائة ألف دينار وأشهد عليه بالخلع واحضر محمد بن المعتضد وبايعه مؤنس والأمراء ولقبوه القاهر بالله وفوضت الوزارة إلى أبي علي بن مقلة وذلك يوم السبت وجلس القاهر بالله يوم الأحد وكتب الوزير عنه إلى البلاد وعمل الموكب يوم الاثنين فجاء العسكر يطلبون رزق البيعة ورزق السنة ولم يكن مؤنس حاضراً فارتفعت الأصوات فقتلوا الحاجب ومالوا إلى دار مؤنس يطلبون المقتدر ليردوه إلى الخلافة فحملوه على أعناقهم من دار مؤنس إلى قصر الخلافة وأخذ القاهر فجيء به وهو يبكي ويقول الله الله في نفسي فاستدناه وقبله وقال له يا أخي أنت والله لا ذنب لك والله لا جرى عليك مني سوء أبداً إلى لأقاليم بعود الخلافة إلى خلافته وبذل المقتدر الأموال في الجند.\rوفي هذه السنة سير المقتدر ركب الحاج مع منصور الديلمي فوصلوا إلى مكة سالمين فوافاهم يوم التروية عدو الله أبو طاهر القرمطي فقتل الحجيج في المسجد الحرام قتلا ذريعاً وطرح القتلى في بئر زمزم وضرب الحجر الأسود بدبوس فكسره ثم اقتلعه وأقام بها أحد عشر يوماً ثم رحلوا وبقى الحجر الأسود عندهم أكثر من عشرين سنة ودفع لهم فيه خمسون ألف دينار فأبوا حتى أعيد في خلافة المطيع.\rوقيل إنهم لما أخذوه هلك تحته أربعون جملا من مكة إلى هجر فلما أعيد حمل على قعود هزيل فسمن.\rقال محمد بن الربيع بن سليمان كنت بمكة سنة القرامطة فصعد رجل لقلع الميزاب وأنا أراه فعيل صبري وقلت يا رب ما أحلمك فسقط الرجل على دماغه فمات وصعد القرمطي على باب الكعبة وهو يقول:\rأنا بالله وبالله أنا ... يخلق الخلق وأفنيهم أنا\rولم يفلح أبو طاهر القرمطي بعدها وتقطع جسده بالجدري.\rوفي هذه السنة هاجت فتنة كبرى ببغداد بسبب قوله تعالى \" وعسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً \" \" الإسراء: 79 \" فقالت الحنابلة معناها يقعده الله على عرشه وقال غيرهم بل هي الشفاعة ودام الخصام واقتتلوا جماعة كثيرة.\rوفي سنة تسع عشرة نزل القرمطي الكوفة وخاف أهل بغداد من دخوله إليها فاستغاثوا ورفعوا أصواتهم والمصاحف وسبوا المقتدر.\rوفيها دخلت الديلم الدينور فسبوا وقتلوا.","part":1,"page":158},{"id":159,"text":"وفي سنة عشرين ركب مؤنس على المقتدر فكان معظم جند مؤنس من البربر فلما التقى الجمعان رمى بربري المقتدر بحربة سقط منها على الأرض ثم ذبحه بالسيف وشيل رأسه على رمح وسلب ما عليه وبقي مكشوف العورة حتى ستر بالحشيش ثم حفر له بالموضع ودفن وذلك يوم الأربعاء لثلاث بقين من شوال.\rوقيل إن وزيره أخذ له ذلك اليوم طالعاً فقال له المقتدر أي وقت هو قال وقت الزوال فتطير وهم بالرجوع فأشرفت خيل المؤنس ونشبت الحرب وأما البربري الذي قتله فإن الناس صاحوا عليه فسار نحو دار الخلافة ليخرج القاهر فصادفه حمل شوك فزحمه إلى دكان لحام فعلقه كلاب وخرج الفرس من مشواره من تحته فمات فحطه الناس وأحرقوه بالحمل الشوك.\rوكان المقتدر جيد العقل صحيح الرأي لكنه كان مؤثر للشهوات والشراب مبذراً وكان النساء غلبن عليه فأخرج عليهن جميع جواهر الخلافة ونفائسها وأعطى بعض حظاياه الدرة اليتيمة ووزنها ثلاثة مثاقيل وأعطى زيدان القهرمان سبحة جوهر لم ير مثلها وأتلف أموالا كثيرة وكان في داره أحد عشر ألف غلام خصيان غير الصقالبة والروم والسود وخلف اثني عشر ولداً ذكراً وولي الخلافة من أولاده ثلاثة الراضي والمتقي والمطيع وكذلك اتفق للمتوكل والرشيد وأما عبد الملك فولي الأمر من أولاده أربعة ولا نظير لذلك إلا في الملوك وكذا قال الذهبي.\rقلت في زماننا ولي الخلافة من أولاد المتوكل خمسة: المستعين العباس والمعتضد داود والمستكفي سليمان والقائم حمزة والمستنجد يوسف ولا نظير لذلك.\rوفي لطائف المعارف للثعالبي نادرة لم يل الخلافة من اسمه جعفر إلا المتوكل والمقتدر فقتلا جميعاً المتوكل ليلة الأربعاء والمقتدر يوم الأربعاء.\rومن محاسن المقتدر ما حكاه ابن شاهين أن وزيره علي بن عيسى أراد أن يصلح بين ابن صاعد وبين أبي بكر بن أبي داود السجستاني فقال الوزير يا أبا بكر أبو محمد أكبر منك فلو قمت إليه قال لا أفعل فقال الوزير أنت شيخ زيف فقال ابن أبي داود الشيخ الزيف الكذاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من فقال هذا ثم قام ابن أبي داود وقال تتوهم أني أذل لك لأجل أن رزقي يصل إلي على يدك والله لا أخذت من يدك شيئاً أبداً فبلغ المقتدر ذلك فصار يزن رزقه بيده ويبعث به في طبق على يد الخادم.\rمات في أيام المقتدر من الأعلام محمد بن أبي داود الظاهري ويوسف ابن يعقوب القاضي وابن شريح شيخ الشافعية والجنيد شيخ الصوفية وأبو عثمان الحيري الزاهد وأبو بكر البرديجي وجعفر الفريابي وابن بسام الشاعر والنسائي صاحب السنن والجبائي شيخ المعتزلة وابن المواز النحوي وابن الجلاء شيخ الصوفية وأبو يعلى الموصلي صاحب المسند والأشناني المقرئ وابن سيف من كبار قراء مصر وأبو بكر الروياني صاحب المسند وابن المنذر الإمام وابن جرير الطبري والزجاج النحوي وابن خزيمة وابن زكريا الطبيب والأخفش الصغير وبنان الجمال وأبو بكر بن أبي داود السجستاني وابن السراج النحوي وأبو عوانة صاحب الصحيح وأبو القاسم البغوي المسند وأبو عبيد بن حربويه والكعبي شيخ المعتزلة وأبو عمر القاضي وقدامة الكاتب وخلائق آخرون.\rالقاهر بالله أبو المنصور\rالقاهر بالله: أبو منصور محمد بن المعتضد بن طلحة بن المتوكل.\rأمه أم ولد فتنة لما قتل المقتدر أحضر هو ومحمد بن المكتفي فسألوا ابن المكتفي أن يتولى فقال لا حاجة لي في ذلك وعمي هذا أحق به فكلم القاهر فأجاب فبويع ولقب القاهر بالله كما لقب به في سنة سبع عشرة فأول ما فعل أن صادر آل المقتدر وعذبهم وضرب أم المقتدر حتى ماتت في العذاب.\rوفي سنة إحدى وعشرين شغب عليه الجند واتفق مؤنس وابن مقلة وآخرون على خلعه بابن المكتفي فتحيل القاهر عليهم إلى أن أمسكهم وذبحهم وطين على ابن المكتفي بين حيطتين.\rوأما ابن مقلة فاختفى فأحرقت داره ونهبت دور المخالفين ثم أطلق أرزاق الجند فسكنوا واستقام الأمر للقاهر وعظم في القلوب وزيد في ألقابه المنتقم من أعداء دين الله ونقش ذلك على السكة. وفي هذه السنة أمر بتحريم القيان والخمر وقبض على المغنين ونفى المخانيث وكسر آلات اللهو وأمر ببيع المغنيات من الجواري على أنهن سواذج وكان مع ذلك لا يصحو من السكر ولا يفتر عن سماع الغناء.","part":1,"page":159},{"id":160,"text":"وفي سنة اثنتين وعشرين ظهرت الديلم وذلك لأن أصحاب مرداويج دخلوا أصبهان وكان من قواده علي بن بويه فاقتطع مالا جليلا فانفرد عن مخدومه ثم التقى هو ومحمد بن ياقوت نائب الخليفة فهزم محمد واستولى ابن بويه على فارس وكان بويه فقيراً صعلوكاً يصيد السمك رأى كأنه بال فخرج من ذكره عمود نار ثم تشعب العمود حتى ملأ الدنيا فعبرت بأن أولاده يملكون الدنيا ويبلغ سلطانهم على قدر ما احتوت عليه النار فمضت السنون وآل الأمر على هذا إلى أن صار قائداً لمرداويج ابن زياد الديلمي فأرسله يستخرج له مالا من الكرخ فاستخرج خمسمائة ألف درهم وأتى همذان ليملكها فغلق أهلها في وجهه الأبواب فقتلهم وفتحها عنوة وقيل صلحاً ثم صار إلى شيراز.\rثم إنه قل عنده من مال فنام على ظهره فخرجت حية من سقف المجلس فأمر بنقضه فخرجت صناديق ملأى ذهباً فأنفقها في جنده.\rوطلب خياطاً يخيط له شيئاً وكان أطروشاً فظن أنه قد سعى به فقال والله ما عندي سوى اثني عشر صندوقاً لا أعلم ما فيها فأحضرت فوجد فيها مالا عظيماً.\rوركب يوماً فساخت قوائم فرسه فحفروه فوجدوا فيه كنزاً واستولى على البلاد وخرجت خراسان وفارس عن حكم الخلافة.\rوفي هذه السنة قتل القاهر إسحاق بن إسماعيل النوبختي الذي قد كان أشار بخلافة القاهر ألقاه على رأسه في بئر وطمت وذنبه أنه زايد القاهر قبل الخلافة في جارية واشتراها فحقد عليه. وفيها تحرك الجند عليه لأن ابن مقلة في اختفائه كان يوحشهم منه ويقول لهم: إنه بنى لكم المطامير ليحبسكم وغير ذلك فأجمعوا على الفتك به فدخلوا عليه بالسيوف فهرب فأدركوه وقبضوا عليه في سادس من جمادى الآخرة وبايعوا أبا العباس محمد بن المقتدر ولقبوه الراضي بالله ثم أرسلوا إلى القاهر الوزير والقضاة أبا الحسين بن القاضي أبي عمر والحسن بن عبد الله بن أبي الشوارب وأبا طالب بن البهلول فجاءه فقيل له ما تقول قال أنا أبو منصور محمد بن المعتضد لي في أعناقكم بيعة وفي أعناق الناس ولست أبرئكم ولا أحللكم منها فقوموا فقاموا فقال الوزير يخلع ولا نفكر فيه أفعاله مشهورة وقال القاضي أبو الحسين فدخلت على الراضي وأعدت عليه ما جرى وأعلمته أني أرى إمامته فرضاً فقال: انصرف ودعني وإياه فأشار سيماء مقدم الحجرية على الراضي بسلمه فكحله بمسمار محمى.\rقال محمود الأصبهاني: كان سبب خلع القاهر سوء سيرته وسفكه الدماء فامتنع من الخلع فسملوا عينيه حتى سالتا على خديه.\rوقال الصولي: كان أهوج سفاكاً للدماء قبيح السيرة كثير التلون والاستحالة مدمن الخمر ولولا جودة حاجبه سلامة لأهلك الحرث والنسل.\rوكان قد صنع حربة يحميها فلا يطرحها حتى يقتل بها إنساناً.","part":1,"page":160},{"id":161,"text":"قال علي بن محمد الخراساني: أحضرني القاهر يوماً والحربة بين يديه فقال أسألك عن خلفاء بنى العباس عن أخلاقهم وشيم قلت: أما السفاح فكان مسرعاً إلى سفك الدماء واتبعه عماله على مثل ذلك وكان مع ذلك سمحاً وصولا بالمال قال فالمنصور؟ قلت: كان أول من أوقع الفرقة بين ولد العباس وولد أبي طالب وكانوا قبلها متفقين وهو أول خليفة قرب المنجمين وأول خليفة ترجمت له الكتب السريانية والأعجمية وكتاب كليلة ودمنة وكتاب إقليدس وكتب اليونان فنظر الناس فيها وتعلقوا بها فلما رأى ذلك محمد بن إسحاق جمع المغازي والسير والمنصور أول من استعمل مواليه وقدمهم على العرب قال فالمهدي قلت كان جواداً عادلا منصفاً رد ما أخذ أبوه من الناس غصباً وبالغ في إتلاف الزنادقة وبنى المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى قال فالهادي قلت كان جباراً متكبراً فسلك عماله طريقه على قصر أيامه قال فالرشيد قلت كان مواظباً على الغزو والحج وعمر القصور والبرك بطريق مكة وبنى الثغور كأذنة وطرسوس والمصيصة ومرعش وعم الناس إحسانه وكان في أيامه البرامكة وما اشتهر من كرمهم وهو أول خليفة لعب بالصولجة ورمى النشاب في البرجاس ولعب بالشطرنج من بني العباس قال فالأمين قلت كان جواداً إلا أنه انهمك في لذاته ففسدت الأمور قال فالمأمون قلت غلب عليه النجوم والفلسفة وكان حليماً جواداً قال: فالمعتصم قلت سلك طريقه وغلب عليه حب الفروسية والتشبه بملوك الأعاجم واشتغل بالغزو والفتوح قال فالواثق قلت سلك طريقة أبيه قال فالمتوكل قلت خالف ما كان عليه المأمون والمعتصم والواثق من الاعتقادات ونهى عن الجدال والمناظرات والأهواء وعاقب عليها وأمر بقراءة الحديث وسماعه ونهى عن القول بخلق القرآن فأحبه الناس ثم سأل عن باقي الخلفاء وأنا أجيبه بما فيهم فقال لي سمعت كلامك وكأني أشاهد القوم ثم قام.\rوقال المسعودي: أخذ القاهر مؤنس وأصحابه مالا عظيماً فلما خلع وسمل طولب بها فأنكر فعذب بأنواع العذاب فلم يقر بشيء فأخذه الراضي بالله فقر به وأدناه وقال له قد ترى مطالبة الجند بالمال وليس عندي شيء والذي عندك فليس بنافع لك فاعترف به فقال أما إذ فعلت هذا فالمال مدفون في البستان وكان قد أنشأ بستاناً فيه أصناف الشجر حملت إليه من البلاد وزخرفته وعمل فيه قصراً وكان الراضي مغرماً بالبستان والقصر فقال: وفي أي مكان المال منه فقال أنا مكفوف ولا أهتدي إلى مكان فاحفر البستان تجده فحفر الراضي البستان وأساسات القصر وقلع الشجر فلم يجد شيئاً فقال له وأين المال فقال وهل عندي مال وإنما كان حسرتي في جلوسك في البستان وتنعمك فأردت أن أفجعك فيه فندم الراضي وحبسه فأقام إلى سنة ثلاث وثلاثين ثم أطلقوه وأهملوه فوقف يوماً بجامع المنصور بين الصفوف وعليه مبطنة بيضاء وقال تصدقوا علي فأنا من قد عرفتم وذلك في أيام المستكفي ليشنع عليه فمنع من الخروج إلى أن مات سنة تسع وثلاثين في جمادى الأولى عن ثلاث وخمسين سنة.\rوكان له من الولد: عبد الصمد وأبو القاسم وأبو الفضل وعبد العزيز.\rومات في أيامه من الأعلام الطحاوي شيخ الحنفية وابن دريد وأبو هاشم الجبائي وآخرون.\rالراضي بالله أبو العباس\rالراضي بالله: أبو العباس محمد بن المقتدر بن المعتضد بن طلحة بن المتوكل.\rولد سنة سبع وتسعين ومائتين وأمه أم ولد رومية اسمها ظلوم وبويع له يوم خلع القاهر فأمر ابن مقلة أن يكتب كتاباً فيه مثالب القاهر ويقرأ على الناس.\rوفي هذا العام أي عام اثنتين وعشرين وثلاثمائة من خلافته مات مرداويج مقدم الديلم بأصبهان وكان قد عظم أمره وتحدثوا أنه يريد قصد بغداد وأنه مسالم لصاحب المجوس وكان يقول أنا أرد دولة العجم وأمحق دولة العرب.\rوفيها بعث علي بن بويه إلى الراضي يقاطعه على البلاد التي استولى عليها بثمان مائة ألف ألف درهم كل سنة فبعث له لواء وخلعاً ثم أخذ ابن بويه يماطل بحمل المال.","part":1,"page":161},{"id":162,"text":"وفيها مات المهدي صاحب المغرب وكانت أيامه خمساً وعشرين سنة وهو جد خلفاء المصريين الذين يسمونهم الجهلة الفاطميين فإن المهدي هذا ادعى أنه علوي وإنما جده مجوسي قال القاضي أبو بكر الباقلاني جد عبيد الله الملقب بالمهدي مجوسي دخل عبيد الله المغرب وادعى أنه علوي ولم يعرفه أحد من العلماء النسب وكان باطنياً خبيثاً حريصاً على إزالة ملة الإسلام أعدم العلماء والفقهاء ليتمكن من إغواء الخلق وجاء أولاده على أسلوبه: أباحوا الخمور والفروج وأشاعوا الرفض وقام بالأمر بعد موت هذا ابنه القائم بأمر الله أبو القاسم محمد.\rوفي هذه السنة ظهر محمد بن علي الشلمغاني المعروف بابن أبي القراقر وقد شاع عنه أنه يدعي الإلهية وأنه يحيي الموتى فقتل وصلب وقتل معه جماعة من أصحابه.\rوفيها توفى أبو جعفر السجزي أحد الحجاب قيل بلغ من العمر مائة وأربعين سنة وحواسه جيدة.\rوفيها انقطع الحج من بغداد إلى سنة سبع وعشرين.\rوفي سنة ثلاث وعشرين تمكن الراضي بالله وقلد ابنيه أبا الفضل وأبا جعفر المشرق والمغرب.\rوفيها كانت واقعة ابن شنبوذ المشهورة واستتابته عن القراءة بالشاذ والمحضر الذي كتب عليه وذلك بحضرة الوزير أبي علي بن مقلة.\rوفيها في جمادى الأولى هبت ريح عظيمة ببغداد واسودت الدنيا وأظلمت من العصر إلى المغرب.\rوفيها في ذي القعدة انقضت النجوم سائر الليل انقضاضاً عظيماً ما رئي مثله.\rوفي سنة أربع وعشرين تغلب محمد بن رائق أمير واسط ونواحيها وحكم على البلاد وبطل أمر الوزارة والدواوين وتولى هو الجميع وكتابه وصارت الأموال تحمل إليه وبطلت بيوت المال وبقي الراضي معه صورة وليس من الخلافة إلا الاسم.\rوفي سنة خمس وعشرين اختل الأمر جداً وصارت البلاد بين خارجي قد تغلب عليها أو عامل لا يحمل مالا وصاروا مثل ملوك الطوائف ولم يبق بيد الراضي غير بغداد والسواد مع كون يد ابن رائق عليه ولما ضعف أمر الخلافة في هذه الأزمان ووهت أركان الدولة العباسية وتغلبت القرامطة والمبتدعة على الأقاليم قويت همة صاح الأندلس الأمير عبد الرحمن بن محمد الأموي المرواني وقال أنا أولى الناس بالخلافة وتسمى بأمير المؤمنين الناصر لدين الله واستولى على أكثر الأندلس وكانت له الهيبة الزائدة والجهاد والغزو والسيرة المحمودة استأصل المتغلبين وفتح سبعين حصناً فصار المسمون بأمير المؤمنين في الدنيا ثلاثة العباسي ببغداد وهذا بالأندلس والمهدي بالقيروان.\rوفي سنة ست وعشرين خرج يحكم على ابن رائق فظهر عليه واختفى ابن رائق فدخل بحكم بغداد فأكرمه الراضي ورفع منزلته ولقبه أمير الأمراء وقلده إمارة بغداد وخراسان.\rوفي سنة سبع وعشرين كتب أبو علي عمر بن يحيى العلوي إلى القرمطي وكان يحبه أن يطلق طريق الحاج ويعطيه عن كل جمل خمسة دنانير فأذن وحج الناس وهي أول سنة أخذ فيها المكس من الحجاج.\rوفي سنة ثمان وعشرين غرقت بغداد غرقاً عظيماً حتى بلغت زيادة الماء تسعة عشر ذراعاً وغرق الناس والبهائم وانهدمت الدور.\rوفي سنة تسع وعشرين اعتل الراضي ومات في شهر ربيع الآخر وله إحدى وثلاثون سنة ونصف وكان سمحاً كريماً أديباً شاعراً فصيحاً محباً للعلماء وله شعر مدون وسمع الحديث من البغوي وغيره.\rقال الخطيب للراضي فضائل: منها أنه آخر خليفة له شعر مدون وآخر خليفة خطب يوم الجمعة وآخر خليفة سافر بزي القدماء ومن شعره:\rكل صفو إلى كدر ... كل أمر إلى حذر\rومصير الشباب لل ... موت فيه أو الكدر\rدر در المشيب من ... واعظ ينذر البشر\rأيها الآمل الذي ... تاه في لجة الغرر\rرب فاغفر خطيئتي ... أنت يا خير من غفر\rذكر أبو الحسن بن رزقويه عن إسماعيل الخطبي قال: وجه إلى الراضي ليلة الفطر فجئت إليه فقال يا إسماعيل قد عزمت في غد على الصلاة بالناس فما الذي أقول إذا انتهيت إلى الدعاء لنفسي فأطرقت ساعة ثم قلت قل يا أمير المؤمنين \" رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي \" \" النمل: 19 \" الآية فقال لي حسبك ثم تبعني خادم فأعطاني أربعمائة دينار.","part":1,"page":162},{"id":163,"text":"مات في أيامه من الأعلام نفطويه وابن مجاهد المقرئ وابن كاس الحنفي وابن أبي حاتم ومبرمان وابن عبد ربه صاحب العقد والإصطخري شيخ الشافعية وابن شنبوذ وأبو بكر الأنباري.\rالمتقي لله أبو إسحاق\rالمتقي لله: أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر بن المعتضد بن الموفق طلحة بن المتوكل.\rبويع له بالخلافة بعد موت أخيه الراضي وهو ابن أربع وثلاثين سنة وأمه أمة اسمها خلوب وقيل زهرة ولم يغير شيئاً قط ولا تسرى على جاريته التي كانت له وكان كثير الصوم والتعبد ولم يشرب نبيذاً قط وكان يقول لا أريد نديماً غير المصحف ولم يكن له سوى الاسم والتدبير لأبي عبد الله أحمد بن علي الكوفي كاتب بجكم.\rوفي هذه السنة من ولايته سقطت القبة الخضراء بمدينة المنصورة وكانت تاج بغداد ومأثرة بني العباس وهى من بناء المنصور ارتفاعها ثمانون ذراعاً وتحتها إيوان طوله عشرون ذراعاً في عشرين ذراعاً وعليها تمثال فارس بيده رمح فإذا استقبل بوجهه جهة علم أن خارجياً يظهر من تلك الجهة فسقط رأس هذه القبة في ليلة ذات مطر ورعد.\rوفي هذه السنة قتل بجكم التركي فولى إمرة الأمراء مكانه كورتكين الديلمي وأخذ المتقي حواصل بجكم التي كانت ببغداد وهي زيادة على ألف ألف دينار.\rثم في هذا العام ظهر ابن رائق فقاتل كورتكين ببغداد فهزم كورتكين واختفى وولي ابن رائق إمرة الأمراء مكانه.\rوفي سنة ثلاثين كان الغلاء ببغداد فبلغ كر الحنطة ثلاثمائة وستة عشر ديناراً واشتد القحط وأكلوا الميتات وكان قحطاً لم ير ببغداد مثله أبداً.\rوفيها خرج أبو الحسين علي بن محمد اليزيدي فخرج لقتاله الخليفة وابن رائق فهزما وهربا إلى الموصل ونهبت بغداد ودار الخلافة فلما وصل الخليفة إلى تكريت وجد هناك سيف الدولة أبا الحسن علي بن عبد الله بن حمدان وأخاه الحسن وقتل ابن رائق غيلة فولى الخليفة مكانه الحسن بن حمدان ولقبه ناصر الدولة وخلع على أخيه ولقبه سيف الدولة وعاد إلى بغداد وهما معه فهرب اليزيدي إلى واسط ثم ورد الخبر في ذي القعدة أن اليزيدي يريد بغداد فاضطرب الناس وهرب وجوه أهل بغداد وخرج الخليفة ليكون مع ناصر الدولة وسار سيف الدولة لقتال اليزيدي فكانت بينهما وقعة هائلة بقرب المدائن وهزم اليزيدي فعاد بالويل إلى واسط فساق سيف الدولة إلى واسط فانهزم اليزيدي إلى البصرة.\rوفي سنة إحدى وثلاثين وصلت الروم إلى أرزن وميافارقين ونصيبين فقتلوا وسبوا ثم طلبوا منديلا في كنيسة الرها يزعمون أن المسيح مسح به وجهه فارتسمت صورته فيه على أنهم يطلقون جميع من سبوا فأرسل إليهم وأطلقوا الأسرى.","part":1,"page":163},{"id":164,"text":"وفيها هاج الأمراء بواسط على سيف الدولة فهرب في البريد يريد بغداد ثم سار إلى الموصل أخوه ناصر الدولة خائفاً لهرب أخيه وسار من واسط تورون فقصد بغداد وقد هرب منه سيف الدولة إلى الموصل فدخل تورون بغداد في رمضان فخلع عليه المتقي وولاه أمير الأمراء ثم وقعت الوحشة بين المتقي وتورون فأرسل تورون أبا جعفر بن شيرزاد من واسط إلى بغداد فحكم عليها وأمر ونهى فكاتب المتقي ابن حمدان بالقدوم عليه فقدم في جيش عظيم واستتر ابن شيرزاد فسار المتقي بأهله إلى تكريت وخرج ناصر الدولة بجيش كثير من الأعراب والأكراد إلى قتال تورون فالتقيا بعكبرا فانهزم ابن حمدان والمتقي إلى الموصل ثم تلاقوا مرة أخرى فانهزم ابن حمدان والخليفة إلى نصيبين فكتب الخليفة إلى الأخشيد صاحب مصر أن يحضر إليه ثم بان له من بني حمدان الملل والضجر فراسل الخليفة تورون في الصلح فأجاب وبالغ في الإيمان ثم حضر الأخشيد إلى المتقي وهو بالرقة وقد بلغه مصالحة تورون فقال يا أمير المؤمنين أنا عبدك وابن عبدك وقد عرفت الأتراك وفجورهم وغدرهم فالله الله في نفسك سر معي إلى مصر فهي لك وتأمن على نفسك فلم يقبل فرجع الأخشيد إلى بلاده وخرج المتقي من الرقة إلى بغداد في رابع من المحرم سنة ثلاث وثلاثين وخرج للقائه تورون فالتقيا بين الأنبار وهيت فترجل تورون وقبل الأرض فأمر المتقي بالركوب فلم يفعل ومشى بين يديه إلى المخيم الذي ضربه له فلما نزل قبض عليه وعلى ابن مقلة ومن معه ثم كحل الخليفة وأدخل بغداد مسمول العينين وقد أخذ منه الخاتم والبردة والقضيب وأحضر تورون عبد الله بن المكتفي وبايعة بالخلافة ولقب المستكفي بالله ثم بايعه المتقي المسمول وأشهد على نفسه بالخلع مع ذلك لعشر بقين من المحرم وقيل من صفر ولما كحل قال القاهر:\rصرت وإبراهيم شيخي عمى ... لا بد للشيخين من مصدر\rما دام تورون له إمرة ... مطاعة فالميل في المجمر\rولم يحل الحول على تورون حتى مات وأما المتقي فإنه أخرج إلى جزيرة مقابلة للسندية فسجن بها فأقام بالسجن خمس وعشرين سنة إلى أن مات في شعبان سنة سبع وخمسين.\rوفي أيام المتقي كان ابن حمدي اللص ضمنه ابن شيرزاد لما تغلب على بغداد اللصوصية بها بخمسة وعشرين ألف دينار في الشهر فكان يكبس بيوت الناس بالمشعل والشمع ويأخذ الأموال وكان اسكورج الديلمي قد ولي شرطة بغداد فأخذه ووسطه وذلك سنة اثنتين وثلاثين.\rمات في أيام المتقى من الأعلام: أبو يعقوب النهرجوري أحد أصحاب الجنيد والقاضي أبو عبيد الله المحاملي وأبو بكر الفرغاني الصوفي والحافظ أبو العباس بن عقدة وابن ولاد النحوي وآخرون.\rولما بلغ القاهر أنه سمل قال: صرنا اثنين نحتاج إلى ثالث فكان كذلك سمل المستكفي.\rالمستكفي بالله أبو القاسم\rالمستكفي بالله: أبو القاسم عبد الله بن المكتفي بن المعتضد أمه أم ولد اسمها أملح الناس بويع له بالخلافة عند خلع المتقي في صفر سنة ثلاث وثلاثين وعمره إحدى وأربعون سنة ومات تورون في أيامه ومعه كاتبه أبو جعفر بن شيرزاد فطمع في المملكة وحلف العساكر لنفسه فخلع عليه الخليفة ثم دخل أحمد بن بويه بغداد فاختفى شيرزاد ودخل ابن بويه دار الخلافة فوقف بين يدي الخليفة فخلع عليه ولقبه معز الدولة ولقب أخاه علياً عماد الدولة وأخاهما الحسن ركن الدولة وضرب ألقابهم على السكة ولقب المستكفي نفسه إمام الحق وضرب ذلك على السكة ثم إن معز الدولة قوي أمره وحجر على الخليفة وقدر له كل يوم برسم النفقة خمسة آلاف درهم فقط وهو أول من ملك العراق من الديلم وأول من أظهر السعاة ببغداد وأغرى المصارعين والسباحين فانهمك شباب بغداد في تعلم المصارعة والسباحة حتى صار السابح يسبح وعلى يده كانون وفوقه قدرة فيسبح حتى ينضج اللحم.","part":1,"page":164},{"id":165,"text":"ثم إن معز الدولة تخيل من المستكفي فدخل عليه في جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين فوقف والناس وقوف على مراتبهم فتقدم اثنان من الديلم إلى الخليفة فمد يديه إليهما ظناً أنهما يريدان تقبيلهما فجذباه من السرير حتى طرحاه إلى الأرض وجراه بعمامته وهجم الديلم دار الخلافة إلى الحرم ونهبوها فلم يبق فيها شيء ومضى معز الدولة إلى منزله وساقوا المستكفي ماشياً إليه وخلع وسملت عيناه يومئذ وكانت خلافته سنة وأربعة أشهر وأحضروا الفضل بن المقتدر وبايعوه ثم قدموا ابن عمه المستكفي فسلم عليه بالخلافة وأشهد على نفسه بالخلع ثم سجن إلى أن مات سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة وله ست وأربعون سنة وشهران وكان يتظاهر بالتشيع.\rالمطيع لله أبو القاسم\rالمطيع لله: أبو القاسم الفضل بن المقتدر بن المعتضد أمه أم ولد اسمها شغله ولد سنة إحدى وثلاثمائة وبويع له بالخلافة عند خلع المستكفي في جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة وقرر له معز الدولة كل يوم نفقة مائة دينار فقط.\rوفي هذه السنة من خلافته اشتد الغلاء ببغداد حتى أكلوا الجيف والروث وماتوا على الطرق وأكلت الكلاب لحومهم وبيع العقار بالرغفان ووجد الصغار مشوية مع المساكين واشترى لمعز الدولة كر دقيق بعشرين ألف درهم والكر سبعة عشر قنطاراً بالدمشقي.\rوفيها وقع بين معز الدولة وبين ناصر الدولة بن حمدان فخرج لقتاله ومعه المطيع ثم رجع والمطيع معه كالأسير.\rوفيها مات الأخشيد صاحب مصر وهو محمد بن طغج الفرغاني والأخشيد ملك الملوك وهو لقب لكل من ملك فرغانة كما أن الأصبهذ لقب ملك طبرستان وصول ملك جرجان وخاقان ملك الترك والأفشين ملك أشروسنة وسامان ملك سمرقند وكان الأخشيد شجاعاً مهيباً ولي مصر من قبل القاهر وكان له ثمانية آلاف مملوك وهو أستاذ كافور.\rوفيها مات القائم العبيدي صاحب المغرب وقام بعده ولي عهده ابنه المنصور بالله إسماعيل وكان القائم شراً من أبيه زنديقاً ملعوناً أظهر سب الأنبياء وكان مناديه ينادي العنوا الغار وما حوى وقتل خلقاً من العلماء.\rوفي سنة خمس وثلاثين جدد معز الدولة الإيمان بينه وبين المطيع وأزال عنه التوكيل وأعاده إلى دار الخلافة.\rوفي سنة ثمان وثلاثين سأل معز الدولة أن يشرك معه في الأمر أخاه على ابن بويه عماد الدولة ويكون من بعده فأجابه المطيع ثم لم ينشب أن مات عماد الدولة من عامه فأقام المطيع أخاه ركن الدولة والد عضد الدولة.\rوفي سنة تسع وثلاثين أعيد الحجر الأسود إلى موضعه وجعل له طوق فضة يشد به وزنه ثلاثة آلاف وسبعمائة وستون درهماً ونصف.\rوقال محمد بن نافع الخزاعي: تأملت الحجر الأسود وهو مقلوع فإذا السواد في رأسه فقط وسائره أبيض وطوله قدر عظم الذراع.\rوفي سنة إحدى وأربعين ظهر قوم من التناسخية فيهم شاب يزعم أن روح علي انتقلت إليه وامرأته تزعم أن روح فاطمة انتقلت إليها وآخر يدعى أنه جبريل فضربوا فتعززوا بالإنتماء إلى أهل البيت فأمر معز الدولة بإطلاقهم لميله إلى أهل البيت فكان هذا من أفعاله الملعونة. وفيها مات المنصور العبيدي صاحب المغرب بالمنصورية التي مصرها وقام بالأمر ولي عهده ابنه معد ولقب بالمعز لدين الله وهو الذي بنى القاهرة وكان المنصور حسن السيرة بعد أبيه وأبطل المظالم فأحبه الناس وأحسن أيضاً ابنه السيرة وصفت له المغرب.\rوفي سنة ثلاث وأربعين خطب صاحب خراسان للمطيع ولم يكن خطب له قبل ذلك فبعث إليه المطيع اللواء والخلع.\rوفي سنة أربع وأربعين زلزلت مصر زلزلة صعبة هدمت البيوت ودامت ثلاث ساعات وفزع الناس إلى الله بالدعاء.\rوفي سنة ست وأربعين نقص البحر ثمانين ذراعاً وظهر فيه جبال والجزائر وأشياء لم تعهد وكان بالري ونواحيها زلازل عظيمة وخسف ببلد الطالقان ولم يفلت من أهلها إلا نحو ثلاثين رجلا وخسف بمائة وخمسين قرية من قرى الري واتصل الأمر إلى حلوان فخسف بأكثرها وقذفت الأرض عظام الموتى وتفجرت منها المياه وتقطع بالري جبل وعلقت قرية بين السماء والأرض بمن فيها نصف النهار ثم خسف بها وانخرقت الأرض خروقاً عظيمة وخرج منها مياه منتنة ودخان عظيم هكذا نقل ابن الجوزي.\rوفي سنة سبع وأربعين عادت الزلازل بقم وحلوان والجبال فأتلفت خلقاً عظيماً وجاء جراد طبق الدنيا فأتى على جميع الغلات والأشجار.","part":1,"page":165},{"id":166,"text":"وفي سنة خمسين بنى معز الدولة ببغداد داراً هائلة عظيمة أساسها في الأرض ستة وثلاثون ذراعاً.\rوفيها قلد القضاء أبا العباس عبد الله بن الحسن بن أبي الشوارب وركب بالخلع من دار معز الدولة وبين يديه الدبادب والبوقات وفي خدمته الجيش وشرط على نفسه أن يحمل في كل سنة إلى خزانة معز الدولة مائتي ألف درهم وكتب عليه بذلك سجلا وامتنع المطيع من تقلده ومن دخوله عليه وأمر أن لا يمكن من الدخول إليه أبداً.\rوفيها ضمن معز الدولة الحسبة ببغداد والشرطة وكل ذلك عقب ضعفة ضعفها وعوفي منها فلا كان الله عافاه.\rوفيها أخذت الروم جزيرة أقريطش من المسلمين وكانت فتحت في حدود الثلاثين والمائتين. وفيها توفي صاحب الأندلس الناصر لدين الله وقام بعده ابنه الحاكم.\rوفي سنة إحدى وخمسين كتبت الشيعة ببغداد على أبواب المساجد لعنة معاوية ولعنة من غصب فاطمة حقها من فدك ومن منع الحسن أن يدفن مع جده ولعنة من نفى أبا ذر ثم إن ذلك محي في الليل فأراد معز الدولة أن يعيده فأشار عليه الوزير المهلبي أن يكتب مكان ما محي لعن الله الظالمين لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصرحوا بلعنة معاوية فقط.\rوفي سنة اثنتين وخمسين يوم عاشوراء الزم معز الدولة الناس بغلق الأسواق ومنع الطباخين من الطبيخ ونصبوا القباب في الأسواق وعلقوا عليها المسوح وأخرجوا نساء منتشرات الشعور يلطمن في الشوارع ويقمن المأتم على الحسين وهذا أول يوم نيح عليه فيه ببغداد واستمرت هذه البدعة سنين.\rوفي ثاني عشر ذي الحجة منها عمل عيد غدير خم وضربت الدبادب.\rوفي هذه السنة بعث بعض بطارقة الأرمن إلى ناصر الدولة بن حمدان رجلين ملتصقين عمرهما خمس وعشرون سنة والالتصاق في الجنب ولهما بطنان وسرتان ومعدتان ويختلف أوقات جوعهما وعطشهما وبولهما ولكل واحد كفان وذراعان ويدان وفخذان وساقان وإحليلان وكان أحدهما يميل إلى النساء والآخر يميل إلى المرد ومات أحدهما وبقي أياماً وأخوه حي فأنتن وجمع ناصر الدولة الأطباء على أن يقدروا على فصل الميت من الحي فلم يقدروا ثم مرض الحي من رائحة الميت ومات.\rوفي سنة ثلاث وخمسين عمل لسيف الدولة خيمة عظيمة ارتفاع عمودها خمسون ذراعاً.\rوفي سنة أربع وخمسين ماتت أخت معز الدولة فنزل المطيع في طيارة إلى دار معز الدولة يعزيه فخرج إليه معز الدولة ولم يكلفه الصعود من الطيارة وقبل الأرض مرات ورجع الخليفة إلى داره.\rوفيها بنى يعقوب ملك الروم قيسارية قريباً من بلاد المسلمين وسكنها ليغير كل وقت.\rوفي سنة ست وخمسين مات معز الدولة فأقيم ابنه بختيار مكانه في السلطنة ولقبه المطيع عز الدولة.\rوفي سنة سبع ملك القرامطة دمشق ولم يحج أحد فيها لا من الشام ولا من مصر وعزموا على قصد مصر ليملكوها فجاء العبيديون فأخذوها وقامت دولة الرفض في الأقاليم: المغرب ومصر والعراق وذلك أن كافوراً الأخشيدي صاحب مصر لما مات اختل النظام وقلت الأموال على الجند فكتب جماعة إلى المعز يطلبون منه عسكراً ليسلموا إليه مصر فأرسل مولاه جوهراً القائد في مائة ألف فارس فملكها ونزل موضع القاهرة اليوم واختطها وبنى دار الإمارة للمعز وهي المعروفة الآن بالقصرين وقطع خطبة بني العباس ولبس السواد وألبس الخطباء البياض وأمر أن يقال في الخطبة اللهم صلي على محمد المصطفى وعلى على المرتضى وعلى فاطمة البتول وعلى الحسن والحسين سبطي الرسول وصل على الأئمة آباء أمير المؤمنين المعز بالله وذلك كله في شهر شعبان سنة ثمان وخمسين.\rثم في ربيع الآخر سنة تسع وخمسين أذنوا في مصر بحي على خير العمل وشرعوا في بناء الجامع الأزهر ففرغ في رمضان سنة إحدى وستين.\rوفي سنة تسع وخمسين انقض بالعراق كوكب عظيم أضاءت منه الدنيا حتى صار كأنه شعاع الشمس وسمع بعد انقضاضه صوت كالرعد الشديد.\rوفي سنة ستين أعلن المؤذنون بدمشق في الأذان بحي على خير العمل بأمر جعفر بن فلاح نائب دمشق للمعز بالله ولم يجسر أحد على مخالفته.\rوفي سنة اثنتين وستين صادر السلطان بختيار المطيع فقال المطيع: أنا ليس لي غير الخطبة فإن أحببتم اعتزلت فشدد عليه حتى باع قماشه وحمل أربعمائة ألف درهم وشاع في الألسنة أن الخليفة صودر.","part":1,"page":166},{"id":167,"text":"وفيها قتل رجل من أعوان الموالي ببغداد فبعث الوزير أبو الفضل الشيرازي من طرح النار من النحاسين إلى السماكين فاحترق حريق عظيم لم ير مثله واحترقت أموال وأناس كثيرون في الدور والحمامات وهلك الوزير من عامه لا رحمه الله.\rوفي رمضان من هذه السنة دخل المعز إلى مصر ومعه توابيت آبائه.\rوفي سنة ثلاث وستين قلد المطيع القضاء أبا الحسن محمد بن أم شيبان الهاشمي بعد تمنع وشرط لنفسه شروطاً منها أن لا يرتزق على القضاء ولا يخلع عليه ولا يشفع إليه فيما يخالف الشرع وقرر لكاتبه في كل شهر ثلاثمائة درهم ولحاجبه مائة وخمسين وللفارض على بابه مائة ولخازن ديوان الحكم والأعوان ستمائة وكتب له عهد صورته هذا ما عهد به عبد الله الفضل المطيع لله أمير المؤمنين إلى محمد بن صالح الهاشمي حين دعاه إلى ما يتولاه من القضاء بين أهل مدينة السلام مدينة المنصورة والمدينة الشرقية من الجانب الشرقي والجانب الغربي والكوفة وسقي الفرات وواسط وكرخي وطريق الفرات ودجلة وطريق خراسان وحلوان وقرميسين وديار مضر وديار ربيعة وديار بكر والموصل والحرمين واليمن ودمشق وحمص وجند قنسرين والعواصم ومصر والإسكندرية وجند فلسطين والأردن وأعمال ذلك كلها ومن يجري من ذلك من الأشراف على من يختاره من العباسيين بالكوفة وسقي الفرات وأعمال ذلك وما قلده إياه من قضاء القضاة وتصفح أحوال الحكام والاستشراف على ما يجري عليه أمر الأحكام من سائر النواحي والأمصار التي تشتمل عليه المملكة وتنتهي إليها الدعوة وإقرار من يحمد هديه وطريقه والاستبدال بمن يذم شيمته وسجيته احتياطاً للخاصة والعامة وجنوا على الملة والذمة عن علم بأنه المقدم في بيته وشرفه المبرز في عفافته الزكي في دينه وأمانته الموصوف في ورعه ونزاهته المشار إليه بالعلم والحجى المجمع عليه في الحلم والنهي البعيد من الأدناس اللابس من التقى أجمل اللباس النقي الحبيب المحبو بصفاء الغيب العالم بصالح الدنيا العارف بما يفسد سلامة العقبى أمره بتقوى الله فإنها الجنة الواقية وليجعل كتاب الله في كل ما يعمل فيه رويته ويرتب عليه حكمه وقضيته إمامه الذي يفزع إليه وان يتخذ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مناراً يقصده ومثالا يتبعه وان يراعي الإجماع وان يقتدي بالأئمة الراشدين وان يعمل اجتهاده فيما لا يوجد فيه كتاب ولا سنة ولا إجماع وأن يحضر مجلسه من يستظهر بعلمه ورأيه وأن يسوي بين الخصمين إذا تقدما إليه في لحظه ولفظه ويوفي كلاً منهما من إنصافه وعدله حتى يأمن الضعيف حيفه وييأس القوي من ميله وأمره أن يشرف على أعوامه وأصحابه ومن يعتمد عليه من أمنائه وأسبابه إشرافاً يمنع من التخطي إلى السيرة المحظورة ويدفع عن الإسفاف إلى المكاسب المحجورة.\rوذكر من هذا الجنس كلاماً طويلاً.\rقلت: كان الخلفاء يولون القاضي المقيم ببلدهم القضاء بجميع الأقاليم والبلاد التي تحت ملكهم ثم يستنيب القاضي من تحت أمره من شاء في كل إقليم وفي كل بلد ولهذا كان يلقب قاضي القضاة ولا يلقب به إلا من هو بهذه الصفة ومن عداه بالقاضي فقط أو قاضي بلد كذا وأما الآن فصار في البلد الواحد أربعة مشتركون كل منهم يلقب قاضي القضاة ولعل آحاد نواب أولئك كان في حكمه أضعاف ما كان في حكم الواحد من قضاة القضاة الآن ولقد كان قاضي القضاة إذ ذاك أوسع حكماً من سلاطين هذا الزمان.\rوفي هذه السنة أعني سنة ثلاث وستين حصل للمطيع فالج وثقل لسانه فدعاه حاجب عز الدولة الحاجب سبكتكين إلى خلع نفسه وتسليم الأمر إلى ولده الطائع لله ففعل وعقد له الأمر في يوم الأربعاء ثالث عشري ذي القعدة فكانت مدة خلافة المطيع تسعاً وعشرين سنة وأشهراً وأثبت خلعه على القاضي ابن أم شيبان وصار بعد خلعه يسمى الشيخ الفاضل.\rقال الذهبي: وكان المطيع وابنه مستضعفين مع بني بويه ولم يزل أمر الخلفاء في ضعف إلى أن استخلف المقتفي لله فانصلح أمر الخلافة قليلا وكان دست الخلافة لبني عبيد الرافضة بمصر أميز وكلمتهم أنفذ ومملكتهم تناطح مملكة العباسيين في وقتهم وخرج المطيع إلى واسط مع ولده فمات في المحرم سنة أربع وستين.\rقال ابن شاهين: خلع نفسه غير مكره فيما صح عندي.","part":1,"page":167},{"id":168,"text":"قال الخطيب: حدثني محمد بن يوسف القطان سمعت أبا الفضل التميمي سمعت المطيع لله سمعت شيخي ابن منيع سمعت احمد بن حنبل يقول: إذا مات أصدقاء الرجل ذل.\rوممن مات في أيام المطيع من الأعلام: الخرقي شيخ الحنابلة وأبو بكر الشلبي الصوفي وابن القاص إمام الشافعية وأبو رجاء الأسواني وأبو بكر الصولي والهيثم بن كليب الشاشي وأبو الطيب الصعلوكي وأبو جعفر النحاس النحوي وأبو نصر الفارابي وأبو إسحاق المروزي إمام الشافعية وأبو القاسم الزجاجي النحوي والكرخي شيخ الحنفية والدينوري صاحب المجالسة وأبو بكر الضبعي والقاضي أبو القاسم التنوخي وابن الحداد صاحب الفروع وأبو علي ابن أبي هريرة من كبار الشافعية وأبو عمر الزاهد والمسعودي صاحب مروج الذهب وابن درستويه وأبو علي الطبري أول من جرد الخلاف والفاكهي صاحب تاريخ مكة والمتنبي الشاعر وابن حبان صاحب الصحيح وابن شعبان من أئمة المالكية وأبو علي القالي وأبو الفرج صاحب الأغاني.\rالطائع لله أبو بكر\rالطائع لله: أبو بكر عبد الكريم بن المطيع أمه أم ولد اسمها هزار، نزل له أبوه عن الخلافة وعمره ثلاث وأربعون سنة فركب وعليه البردة ومعه الجيش وبين يديه سبكتكين وخلع من الغد على سبكتكين خلع السلطنة وعقد له اللواء ولقبه نصر الدولة ثم وقع بين عز الدولة وسبكتكين فدعا سبكتكين الأتراك لنفسه فأجابوه وجرى بينه وبين عز الدولة حروب.\rوفي ذي الحجة من هذه السنة أي سنة ثلاث وستين وثلاثمائة أقيمت الخطبة والدعوة بالحرمين للمعز العبيدي.\rوفي سنة أربع وستين قدم عضد الدولة بغداد لنصرة عز الدولة على سبكتكين فأعجبته بغداد وملكها فعمل عليها واستمال الجند فشغبوا على عز الدولة فأغلق بابه وكتب عضد الدولة عن الطائع إلى الآفاق باستقرار الأمر العضد الدولة فوقع بين الطائع وبين عضد الدولة فقطعت الخطبة للطائع بسبب ذلك ببغداد وغيرها من يوم العشرين من جمادى الأولى إلى أن أعيدت في عاشر رجب.\rوفي هذه السنة وبعدها غلا الرفض وفار بمصر والشام والمشرق والمغرب ونودي بقطع صلاة التراويح من جهة العبيدي وفي سنة خمسة وستين نزل ركن الدولة بن بويه عما بيده من الممالك لأولاده فجعل لعضد الدولة فارس وكرمان ولمؤيد الدولة الري وأصبهان ولفخر الدولة همذان والدينور.\rوفي رجب منها عمل مجلس الحكم في دار السلطان عز الدولة وجلس قاضي القضاة ابن معروف وحكم لأن عز الدولة التمس ذلك ليشاهد مجلس حكمه كيف هو.\rوفيها كانت وقعة بين عز الدولة وعضد الدولة وأسر فيها غلام تركي لعز الدولة فجن عليه واشتد حزنه وامتنع من الأكل وأخذ في البكاء واحتجب عن الناس وحرم على نفسه الجلوس في الدست وكتب إلى عضد الدولة يسأله أن يرد الغلام إليه ويتذلل فصار ضحكة بين الناس وعوتب فما ارعوى لذلك وبذل في فداء الغلام جاريتين عوديتين كان قد بذل له في الواحدة مائة ألف دينار وقال للرسول: إن توقف عليك في رده فزد ما رأيت ولا تفكر فقد رضيت أن آخذه واذهب إلى أقصى الأرض فرده عضد الدولة عليه.\rوفيها أسقط الخطبة من الكوفة لعز الدولة وأقيمت لعضد الدولة.\rوفيها مات المعز لدين الله العبيدي صاحب مصر وأول من ملكها من العبيديين وقام بالأمر بعده ابنه نزاز ولقب العزيز.\rوفي سنة ست وستين مات المنتصر بالله الحكم بن الناصر لدين الله الأموي صاحب الأندلس وقام بعده ابنه المؤيد بالله هشام.\rوفي سنة سبع وستين التقى عز الدولة وعضد الدولة فظفر عضد الدولة وأخذ عز الدولة أسيراً وقتله بعد ذلك وخلع الطائع على عضد الدولة خلع السلطنة وتوجه بتاج مجوهر وطوقه وسوره وقلده سيفاً وعقد له لواءين بيده: أحدهما مفضض على رسم الأمراء والآخر مذهب على رسم ولاة العهود ولم يعقد اللواء الثاني لغيره قبله وكتب له عهداً وقرىء بحضرته ولم يبق أحد إلا تعجب ولم تجر العادة بذلك إنما كان يدفع العهد إلى الولاة بحضرة أمير المؤمنين فإذا أخذه قال أمير المؤمنين: هذا مهدى إليك فاعمل به.\rوفي سنة ثمان وستين أمر الطائع بأن تضرب الدبادب على باب عضد الدولة في وقت الصبح والمغرب والعشاء وان يخطب له على منابر الحضرة.","part":1,"page":168},{"id":169,"text":"قال ابن الجوزي: وهذان أمران لم يكونا من قبله ولا أطلقا لولاة العهود وقد كان معز الدولة أحب أن تضرب له الدبادب بمدينة السلام فسأل المطيع في ذلك فلم يأذن له وما حظي عضد الدولة بذلك إلا لضعف أمر الخلافة.\rوفي سنة تسع وستين ورد رسول العزيز صاحب مصر إلى بغداد وسأل عضد الدولة الطائع أن يزيد في ألقابه تاج الملة ويجدد الخلع عليه ويلبسه التاج فأجابه وجلس الطائع على السرير وحوله مائة بالسيوف والزينة وبين يديه مصحف عثمان وعلى كتفه البردة وبيده القضيب وهو متقلد بسيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وضربت ستارة بعثها عضد الدولة وسأل أن تكون حجاباً للطائع حتى لا يقع عليه عين أحد من الجند قبله ودخل الأتراك والديلم وليس مع أحد منهم حديد ووقف الأشراف وأصحاب المراتب من الجانبين ثم أذن لعضد الدولة فدخل ثم رفعت الستارة وقبل عضد الدولة الأرض فارتاع زياد القائد لذلك وقال لعضد الدولة: ما هذا أيها الملك أهذا هو الله فالتفت إليه وقال هذا خليفة الله في الأرض ثم استمر يمشي ويقبل الأرض سبع مرات فالتفت الطائع إلى خالص الخادم وقال: استدنه فصعد عضد الدولة فقبل الأرض مرتين فقال له: ادن إلي فدنا وقبل رجله وثنى الطائع يمينه عليه وأمره فجلس على الكرسي بعد أن كرر عليه اجلس وهو يستعفي فقال له: أقسمت عليك لتجلسن فقبل الكرسي وجلس فقال له الطائع: قد رأيت أن أفوض إليك ما وكل الله إلى من أمور الرعية في شرق الأرض وغربها وتدبيرها في جميع جهاتها سوى خاصتي وأسبابي فتول ذلك فقال يعينني الله على طاعة مولانا أمير المؤمنين وخدمته ثم أفاض عليه الخلع وانصرف.\rقلت: انظر إلى هذا الأمر وهو الخليفة المستضعف الذي لم تضعف الخلافة في زمن أحد ما ضعفت في زمنه ولا قوي أمر سلطان ما قوي أمر عضد الدولة.\rوقد صار الأمر في زماننا إلى أن الخليفة يأتي السلطان يهنئه برأس الشهر فأكثر ما يقع من السلطان في حقه أن ينزل عن مرتبته ويجلسا معاً خارج المرتبة ثم يقوم الخليفة يذهب كأحد الناس ويجلس السلطان في دست مملكته.\rولقد حدثت أن السلطان الأشرف برسباي لما سافر إلى آمد لقتال العدو وصحب الخليفة معه كان الخليفة راكباً أمامه يحجبه والهيبة والعظمة للسلطان والخليفة كآحاد الأمراء الذين في خدمة السلطان.\rوفي سنة سبعين خرج من همذان عضد الدولة وقدم بغداد فتلقاه الطائع ولم تجر عادة بخروج الخلفاء لتلقي أحد.\rفلما توفيت بنت معز الدولة ركب المطيع إليه فغزاه فقبل الأرض وجاء رسول عضد الدولة يطلب من الطائع أن يتلقاه فما وسعه التأخر.\rوفي سنة اثنتين وسبعين مات عضد الدولة فولى الطائع مكانه في السلطنة ابنه صمصام الدولة ولقبه شمس الملة وخلع عليه سبع خلع وتوجه وعقد له لواءين.\rثم في سنة ثلاث وسبعين مات مؤيد الدولة أخو عضد الدولة.\rوفي سنة خمس وسبعين هم صمصام الدولة أن يجعل المكس على ثياب الحرير والقطن مما ينسج ببغداد ونواحيها ووقع له في ضمان ذلك ألف ألف درهم في السنة فاجتمع الناس في جامع المنصور وعزموا على المنع من صلاة الجمعة وكاد البلد يفتن فأعفاهم من ضمان ذلك. وفي سنة ست وسبعين قصد شرف الدولة أخاه صمصام الدولة فانتصر عليه وكحله ومال العسكر إلى شرف الدولة وقدم بغداد وركب الطائع إليه يهنئه بالبلاد وعهد إليه بالسلطنة وتوجه وقرئ عهده والطائع يسمع.\rوفي سنة ثمان وسبعين أمر شرف الدولة برصد الكواكب السبعة في سيرها كما فعل المأمون. وفيها اشتد الغلاء ببغداد جداً وظهر الموت بها ولحق الناس بالبصرة حر وسموم تساقط منه. وجاءت ريح عظيمة بفح الصلح حرقت دجلة حتى ذكر أنه بانت أرضها وأغرقت كثيراً من السفن واحتملت زورقاً منحدراً وفيه دواب فطرحت ذلك في أرض جوخى فشوهد بعد أيام.\rوفي سنة تسع وسبعين مات شرف الدولة وعهد إلى أخيه أبي نصر فجاءه الطائع إلى دار المملكة يعزيه فقبل الأرض غير مرة ثم ركب أبو نصر إلى الطائع وحضر الأعيان فخلع الطائع على أبي نصر سبع خلع أعلاها سوداء وعمامة سوداء وفي عنقه طوق كبير وفي يده سواران ومشى الحجاب بين يديه بالسيوف ثم قبل الأرض بين يدي الطائع وجلس على كرسي وقرئ عهده ولقبه الطائع بهاء الدولة وضياء الملة.","part":1,"page":169},{"id":170,"text":"وفي سنة إحدى وثمانين قبض على الطائع وسببه: أنه حبس رجلا من خواص بهاء الدولة فجاء بهاء الدولة وقد جلس الطائع في الرواق متقلداً سيفاً فلما قرب بهاء الدولة قبل الأرض وجلس على الكرسي وتقدم أصحاب بهاء الدولة فجذبوا الطائع من سريره وتكاثر الديلم فلفوه في كساء وأصعد إلى دار السلطنة وارتج البلد ورجع بهاء الدولة وكتب على الطائع أيماناً بخلع نفسه وأنه سلم الأمر إلى القادر بالله وشهد عليه الأكابر والأشراف وذلك في تاسع عشر شهر شعبان ونفذ إلى القادر بالله ليحضر وهو بالبطيحة.\rواستمر الطائع في دار القادر بالله مكرماً محترماً في أحسن حال حتى إنه حمل إليه ليلة شمعة قد أوقد نصفها فأنكر ذلك فحملوا إليه غيرها إلى أن مات ليلة عيد الفطر سنة ثلاث وتسعين. وصلى عليه القادر بالله في داره وشيعه الأكابر والخدم ورثاه الشريف الرضي بقصيدة.\rوكان شديد الانحراف على آل أبي طالب وسقطت الهيبة في أيامه جداً حتى هجاه الشعراء.\rمات في أيام الطائع من الأعلام ابن السني الحافظ وابن عدي والقفال الكبير والسيرافي النحوي وأبو سهل الصعلوكي وأبو بكر الرازي الحنفي وابن خالوية والأزهري إمام اللغة وأبو إبراهيم الفارابي صاحب ديوان الأدب والرفاء الشاعر وأبو زيد المروزي الشافعي والداركي وأبو بكر الأبهري شيخ المالكية وأبو الليث السمرقندي إمام الحنفية وأبو علي الفارسي النحوي وابن الجلاب المالكي.\rالقادر بالله أبو العباس\rالقادر بالله: أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر.\rولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة وأمه أمة واسمها تمنى وقيل: دمنة.\rبويع له بالخلافة بعد خلع الطائع وكان غائباً فقدم في عاشر رمضان وجلس من الغد جلوساً عاماً وهنئ.\rوأنشد بين يديه الشعراء من ذلك قول الشريف الرضي:\rشرف الخلافة يا بني العباس ... اليوم جدده أبو العباس\rذا الطود أبقاه الزمان ذخيرة ... من ذلك الجبل العظيم الراسي\rقال الخطيب: وكان القادر من الستر والديانة والسيادة وإدامة التهجد بالليل وكثرة البر والصدقات وحسن الطريقة على صفة اشتهرت عنه وعرف بها كل أحد مع حسن المذهب وصحة الاعتقاد تفقه على العلامة أبي بشر الهروي الشافعي وقد صنف كتاباً في الأصول ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب مذهب أصحاب الحديث وأورد في كتابه فضائل عمر بن عبد العزيز وإكفار المعتزلة والقائلين بخلق القرآن وكان ذلك الكتاب يقرأ في كل جمعة في حلقة أصحاب الحديث بجامع المهدي وبحضرة الناس ترجمة ابن الصلاح في طبقات الشافعية.\rوقال الذهبي: في شوال من سنة ولايته عقد مجلس عظيم وحلف القادر وبهاء الدولة كل منهما لصاحبه بالوفاء وقلده القادر ما وراء بابه مما تقام فيه الدعوة.\rوفيها دعا صاحب مكة أبو الفتوح الحسن بن جعفر العلوي إلى نفسه وتلقب بالراشد بالله وسلم عليه بالخلافة فانزعج صاحب مصر ثم ضعف أمر أبي الفتوح وعاد إلى طاعة العزيز العبيدي.\rوفي سنة اثنتين وثمانين ابتاع الوزير أبو نصر سابور ازدشير داراً بالكرخ وعمرها وسماها دار العلم ووقفها على العلماء ووقف بها كتباً كثيرة.\rوفي سنة أربع وثمانين عاد الحاج العراقي من الطريق اعتراضهم الأصيفر الأعرابي ومنعهم الجواز إلا برسمه فعادوا ولم يحجوا ولا حج أيضاً أهل الشام ولا اليمن إنما حج أهل مصر. وفي سنة سبع وثمانين مات السلطان فخر الدولة وأقيم ابنه رستم مقامه في السلطنة بالري وأعمالها وهو ابن أربع سنين ولقبه القادر مجد الدولة.\rقال الذهبي: ومن الأعجوبات هلاك تسعة ملوك على نسق في سنتي سبع وثمانين وثمان وثمانين: منصور بن نوح ملك ما وراء النهر وفخر الدولة ملك الري والجبال والعزيز العبيدي صاحب مصر وفيهم يقول أبو منصور عبد الملك الثعالبي:\rألم تر مذ عامين أملاك عصرنا ... يصيح بهم للموت والقتل صائح\rفنوح بن منصور طوته يد الردى ... على حسرات ضمنتها الجوانح\rويا بؤس منصور ففي يوم سرخس ... تمزق عنه ملكه وهو طائح\rوفرق عنه الشمل بالسمل واغتدى ... أميراً ضريراً تعتريه الجوائح\rوصاحب مصر قد مضى بسبيله ... ووالي الجبال غيبته الضرائح","part":1,"page":170},{"id":171,"text":"وصاحب جرجانية في ندامة ... ترصده طرف من الحين طامح\rوخوارزم شاه شاه وجهه نعيمه ... وعن له يوم من النحس طالح\rوكان علا في الأرض يخطبها أبو ... علي إلى أن طوحته الطوئح\rوصاحب بست ذلك الضيغم الذي ... براثنه للمشرقين مفاتح\rأناخ به من صدمه الدهر كلكل ... فلم تغن عنه والمقدر سانح\rجيوش إذا أربت على عدد الحصى ... تغص بها قيعانها والصحاصح\rودارت على صمصام دولة بويه ... دوائر سوء سلبهن فوادح\rوقد جاز والي الجوزجان قناطر الح ... ياة فوافته المنايا الطوامح\rوذكر الذهبي أن العزيز صاحب مصر مات سنة ست وثمانين وفتحت له زيادة على آبائه: حمص حماة وحلب وخطب له بالموصل وباليمن وضرب اسمه فيها على السكة والأعلام وقام بالأمر بعده ابنه منصور ولقب الحاكم بأمر الله.\rوفي سنة تسعين ظهر بسجستان معدن ذهب فكانوا يصفون من التراب الذهب الأحمر.\rوفي سنة ثلاث وتسعين أمر نائب دمشق الأسود الحاكمي بمغربي فطيف به على حمار ونودي عليه هذا جزاء من يحب أبا بكر وعمر ثم ضرب عنقه رحمه الله ولا رحم قاتله ولا أستاذه الحاكم.\rوفي سنة أربع وتسعين قلد بهاء الدولة الشريف أبا أحمد الحسين بن موسى الموسوي قضاء القضاة والحج والمظالم ونقابة الطالبيين وكتب له من شيراز العهد فلم ينظر في القضاء لامتناع القادر من الإذن له.\rوفي سنة خمس وتسعين قتل الحاكم بمصر جماعة من الأعيان صبراً وأمر بكتب سب الصحابة على أبواب المساجد والشوارع وأمر العمال بالسب.\rوفيها أمر بقتل الكلاب وأبطل الفقاع والملوخيا ونهى عن السمك الذي لا قشر له وقتل جماعة ممن باع ذلك بعد نهيه.\rوفي سنة ست وتسعين أمر الناس بمصر والحرمين إذا ذكر الحاكم أن يقوموا ويسجدوا في السوق وفي مواضع الاجتماع.\rوفي سنة ثمان وتسعين وقعت فتنة بين الشيعة وأهل السنة في بغداد وكاد الشيخ أبو حامد الإسفرايني يقتل فيها وصاح الرافضة ببغداد يا حاكم يا منصور فأحفظ القادر من ذلك وانفذ الفرسان الذين على بابه لمعاونة أهل السنة فانكسر الروافض.\rوفيها هدم الحاكم بيعة قمامة التي بالمقدس وأمر بهدم جميع الكنائس التي بمصر وأمر النصارى بأن تحمل في أعناقهم الصلبان طول الصليب ذراع ووزنه خمسة أرطال بالمصري واليهود أن يحملوا في أعناقهم قرم الخشب في زنة الصلبان وأن يلبسوا العمائم السود فأسلم طائفة منهم ثم بعد ذلك أذن في إعادة البيع والكنائس وأذن لمن أسلم أن يعود إلى دينه لكونه مكرهاً.\rوفي سنة تسع وتسعين عزل أبو عمرو قاضي البصرة وولي القضاء أبو الحسن ابن أبي الشوارب فقال العصفري الشاعر:\rعندي حديث طريف ... بمثله يتغنى\rعن قاضيين: يعزى ... هذا وهذا يهنى\rوذا يقول جبرنا ... وذا يقول استرحنا\rويكذبان جميعاً ... ومن يصدق منا\rوفيها وهى سلطان بني أمية بالأندلس وانخرم نظامهم.\rوفي سنة أربعمائة نقصت دجلة نقصاناً لم يعهد واكتريت لأجل جزائر ظهرت ولم يكن قبل ذلك قط.\rوفي سنة اثنتين نهى الحاكم عن بيع الرطب وحرقه وعن بيع العنب وأباد كثيراً من الكروم. وفي سنة أربع منع النساء من الخروج إلى الطرقات ليلا ونهاراً واستمر ذلك إلى أن مات.\rوفي سنة إحدى عشرة قتل الحاكم لعنه الله بحلوان قرية بمصر وقام بعده ابنه علي ولقب بالظاهر لإعزاز دين الله وتضعضعت دولتهم في أيامه فخرجت عنهم حلب وأكثر الشام.\rوفي سنة اثنتين وعشرين توفي القادر بالله ليلة الاثنين الحادي عشر من ذي الحجة عن سبع وثمانين سنة ومدة خلافته إحدى وأربعون سنة وثلاثة اشهر.","part":1,"page":171},{"id":172,"text":"وممن مات في أيامه من الأعلام أبو أحمد العسكري الأديب والرماني النحوي وأبو الحسن الماسرجسي شيخ الشافعية وأبو عبيد الله المرزباني والصاحب بن عباد وهو وزير مؤيد الدولة وهو أول من سمى بالصاحب من الوزراء والدارقطني الحافظ المشهور وابن شاهين وأبو بكر الأودني إمام الشافعية ويوسف بن السيرافي وابن زولاق المصري وابن أبي زيد المالكي شيخ المالكية وأبو طالب المكي صاحب قوت القلوب وابن بطة الحنبلي وابن سمعون الواعظ والخطابي والحاتمي اللغوي والأدفوي أبو بكر وزاهر السرخسي شيخ الشافعية وابن غلبون المقرئ والكشميهني راوي الصحيح والمعافى بن زكريا النهرواني وابن خويز منداد وابن جني والجوهري صاحب الصحاح وابن فارس صاحب المجمل وابن منده الحافظ والإسماعيلي شيخ الشافعية واصبغ بن الفرج شيخ المالكية وبديع الزمان أول من عمل المقامات وابن لال وابن أبي زمنين وأبو حيان التوحيدي والوأواء الشاعر والهروي صاحب الغريبين وأبو الفتح البستي الشاعر والحليمي شيخ الشافعية وابن الفارض وأبو الحسن القابسي والقاضي أبو بكر الباقلاني وأبو الطيب الصعلوكي وابن الأكفاني وابن نباته صاحب الخطب والصيمري شيخ الشافعية والحاكم صاحب المستدرك وابن كج والشيخ أبو حامد الإسفرايني وابن فورك والشريف الرضي وأبو بكر الرازي صاحب الألقاب والحافظ عبد الغني بن سعيد وابن مردويه وهبة الله بن سلامة الضرير المفسر وأبو عبد الرحمن السلمي شيخ الصوفية وابن البواب صاحب الخط وعبد الجبار المعتزلي والمحاملي إمام الشافعية وأبو بكر القفال شيخ الشافعية والأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني واللالكائي وابن الفخار عالم الأندلس وعلي بن عيسى الربعي النحوي وخلائق آخرون.\rقال الذهبي: كان في هذا العصر رأس الأشعرية أبو إسحاق الإسفرايني ورأس المعتزلة القاضي عبد الجبار ورأس الرافضة الشيخ المقتدر ورأس الكرامية محمد بن الهيصم ورأس القراء أبو الحسن الحمامي ورأس المحدثين الحافظ عبد الغني بن سعيد ورأس الصوفية أبو عبد الرحمن السلمي ورأس الشعراء أبو عمر بن دراج ورأس المجودين ابن البواب ورأس الملوك السلطان محمود بن سبكتكين.\rقلت: ويضم إلى هذا رأس الزنادقة الحاكم بأمر الله ورأس اللغويين الجوهري ورأي النحاة ابن جني ورأس البلغاء البديع ورأس الخطباء ابن نباتة ورأس المفسرين أبو القاسم بن حبيب النيسابوري ورأس الخلفاء القادر بالله فإنه من أعلامهم تفقه وصنف وناهيك بأن الشيخ تقي الدين ابن الصلاح عده من الفقهاء الشافعية وأورده في طبقاتهم ومدته في الخلافة من أطول المدد.\rالقائم بأمر الله أبو جعفر\rالقائم بأمر الله: أبو جعفر عبد الله بن القادر ولد في نصف ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة وأمه أم ولد أرمنية اسمها بدر الدجى وقيل: قطر الندى.\rولي الخلافة عند موت أبيه في يوم الاثنين الحادي عشر من ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين وكان ولي عهده في الحياة وهو الذي لقبه بالقائم بأمر الله.\rقال ابن الأثير: كان جميلا مليح الوجه أبيض مشرباً حمرة حسن الجسم ورعاً ديناً زاهداً عالماً قوي اليقين بالله تعالى كثير الصدقة والصبر له عناية بالأدب ومعرفة حسنة بالكتابة مؤثراً للعدل والإحسان وقضاء الحوائج لا يرى المنع من شيء طلب منه.\rقال الخطيب: ولم يزل أمر القائم بأمر بالله مستقيماً إلى أن قبض عليه في سنة خمسين وأربعمائة.\rوكان السبب في ذلك أن ارسلان التركي المعروف بالبساسيري كان قد عظم أمره واستفحل شأنه لعدم نظرائه وانتشر ذكره وتهيبته أمراء العرب والعجم ودعى له على المنابر وجبي الأموال وخرب القرى ولم يكن القائم يقطع أمراً دونه ثم صح عنده سوء عقيدته وبلغه أنه عزم على نهب دار الخلافة والقبض على الخليفة فكاتب الخليفة أبا طالب محمد ابن مكيال سلطان الغز المعروف بطغرلبك وهو بالري يستنهضه في القدوم ثم أحرقت دار البساسيري.\rوقدم طغرلبك في سنة سبع وأربعين فذهب البساسيري إلى الرحبة وتلاحق به خلق من الأتراك وكاتب صاحب مصر فأمده بالأموال وكاتب تبال أخا طغرلبك وأطمعه بمنصب أخيه فخرج تبال واشتغل به طغرلبك.","part":1,"page":172},{"id":173,"text":"ثم قدم البساسيري بغداد في سنة خمسين ومعه الرايات المصرية ووقع القتال بينه وبين الخليفة ودعي لصاحب مصر المستنصر بجامع المنصور وزيد في الأذان حي على خير العمل ثم خطب له في كل الجوامع إلا جامع الخليفة ودام القتال شهراً.\rثم قبض البساسيري على الخليفة في ذي الحجة وسيره إلى غابة وحبسه بها وأما طغرلبك فظفر بأخيه وقتله ثم كاتب متولي غابة في رد الخليفة إلى داره مكرماً فحصل الخليفة في مقر عزة في الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين ودخل بأبهة عظيمة والأمراء والحجاب بين يديه.\rوجهز طغرلبك جيشاً فحاربوا البساسيري فظفروا به فقتل وحمل رأسه إلى بغداد ولما رجع الخليفة إلى داره لم ينم بعدها إلا على فراش مصلاه ولزم الصيام والقيام وعفا عن كل من آذاه ولم يسترد شيئاً مما نهب من قصره إلا بالثمن وقال: هذه أشياء احتسبناها عند الله ولم يضع رأسه بعدها على مخدة.\rولما نهب قصره لم يوجد فيه شيء من آلات الملاهي.\rوروي أنه لما سجنه البساسيري كتب قصته وأنفذها إلى مكة فعلقت في الكعبة فيها: إلى الله العظيم من المسكين عبده اللهم إنك العالم بالسرائر المطلع على الضمائر اللهم إنك غني بعلمك وإطلاعك على خلقك عن إعلامي هذا عبد قد كفر نعمك وما شكرها وألغى العواقب وما ذكرها أضغاه حلمك حتى تعدى علينا بغياً وأساء إلينا عتواً وعدواً اللهم قل الناصر واعتز الظالم وأنت المطلع العالم المنصف الحاكم بك نعتز عليه وإليك نهرب من بين يديه فقد تعزز علينا بالمخلوقين ونحن نعتز بك وقد حاكمناه إليك وتوكلنا في أنصافنا منه عليك ورفعنا ظلامتنا هذه إلى حرمك ووثقنا في كشفها بكرمك فاحكم بيننا بالحق وأنت خير الحاكمين.\rوفي سنة ثمان وعشرين مات الظاهر العبيدي صاحب مصر وأقيم ابنه المستنصر بعده وهو ابن سبع سنين فأقام في الخلافة ستين سنة وأربعة أشهر.\rقال الذهبي: ولا أعلم أحداً في الإسلام لا خليفة ولا سلطاناً أقام هذه المدة وفي أيامه كان الغلاء بمصر الذي ما عهد مثله منذ زمان يوسف فأقام سبع سنين حتى أكل الناس بعضهم بعضاً وحتى قيل: أنه بيع رغيف بخمسين ديناراً.\rوفي سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة قطع المعز بن باديس الخطبة للعبيدي بالمغرب وخطب لبني العباس.\rوفي سنة إحدى وخمسين كان عقد الصلح بين السلطان إبراهيم بن مسعود ابن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة وبين السلطان جغري بك بن سلجوق أخي طغرلبك صاحب خراسان بعد حروب كثيرة ثم مات جغري بك في السنة وأقيم مكانه ابنه ألب ارسلان.\rوفي سنة أربع وخمسين زوج الخليفة ابنته لطغرلبك بعد أن دافع بكل ممكن وانزعج واستعفى ثم لان لذلك برغم منه وهذا أمر لم ينله أحد من ملوك بني بويه مع قهرهم الخلفاء وتحكمهم فيهم.\rقلت: والآن زوج خليفة عصرنا ابنته من واحد من مماليك السلطان فضلاً عن السلطان فإنا لله وإنا إليه راجعون.\rثم قدم طغرلبك في سنة خمس وخمسين فدخل بابنة الخليفة وأعاد المواريث والمكوس وضمن بغداد بمائة وخمسين ألف دينار ثم رجع إلى الري فمات بها في رمضان فلا عفا الله عنه، وأقيم في السلطنة بعده ابن أخيه عضد الدولة ألب أرسلان صاحب خراسان وبعث إليه القائم بالخلع والتقليد.\rقال الذهبي: وهو أول من ذكر بالسلطان على منابر بغداد وبلغ ما لم يبلغه أحد من الملوك وافتتح بلاداً كثيرة من بلاد النصارى واستوزر نظام الملك فأبطل ما كان عليه الوزير قبله عميد الملك من سب الأشعرية وانتصر للشافعية وأكرم إمام الحرمين وأبا القاسم القشيري وبني النظامية قيل: وهي أول مدرسة بنيت للفقهاء.\rوفي سنة ثمان وخمسين ولدت بباب الأزج صغيرة لها رأسان ووجهان ورقبتان على بدن واحد.\rوفيها ظهر كوكب كأنه دارة القمر ليلة تمامه بشعاع عظيم وهال الناس ذلك وأقام عشر ليال ثم تناقص ضوءه وغاب.\rوفي سنة تسع وخمسين فرغت المدرسة النظامية ببغداد وقرر لتدريسها الشيخ أبو إسحاق الشيرازي فاجتمع الناس فلم يحضر واختفى فدرس ابن الصباغ صاحب الشامل ثم تلطفوا بالشيخ أبي إسحاق حتى أجاب ودرس.\rوفي سنة ستين كانت بالرملة الزلزلة الهائلة التي خربتها حتى طلع الماء من رؤوس الآبار وهلك من أهلها خمسة وعشرون ألفاً وأبعد البحر عن ساحله مسيرة يوم فنزل الناس إلى أرضه يلتقطون السمك فرجع الماء عليهم فأهلكهم.","part":1,"page":173},{"id":174,"text":"وفي سنة إحدى وستين احترق جامع دمشق وزالت محاسنه وتشوه منظره وذهبت سقوفه المذهبة.\rوفي سنة اثنتين وستين ورد رسول أمير مكة على السلطان ألب ارسلان بأنه أقام الخطبة العباسية وقطع خطبة المستنصر المصري وترك الأذان بحي على خير العمل فأعطاه السلطان ثلاثين ألف دينار وخلعاً.\rوسبب ذلك ذلة المصريين بالقحط المفرط سنين متوالية حتى أكل الناس الناس وبلغ الإردب مائة دينار وبيع الكلب بخمسة دنانير والهر بثلاث دنانير.\rوحكى صاحب المرآة أن امرأة خرجت من القاهرة ومعها مد جوهر فقالت: من يأخذه بمد بر؟ فلم يلتفت إليها أحد.\rوقال بعضهم يهنئ القائم:\rوقد علم المصري أن جنوده ... سنو يوسف فيها وطاعون عمواس\rأقامت به حتى استراب بنفسه ... وأوجس منها خيفة أي إيجاس\rوفي سنة ثلاث وستين خطب بحلب للقائم للسلطان ألب ارسلان لما رأوا قوة دولتهما وإدبار دولة المستنصر.\rوفيها كانت وقعة عظيمة بين الإسلام والروم ونصر المسلمون ولله الحمد ومقدمه السلطان ألب أرسلان وأسر ملك الروم ثم أطلقه بمال جزيل وهادنه خمسين سنة.\rولما أطلق قال السلطان: أين جهة الخليفة؟ فأشار له فكشف رأسه وأومأ إلى الجهة بالخدمة. وفي سنة أربع وستين كان الوباء في الغنم إلى الغاية.\rوفي سنة خمس وستين قتل السلطان ألب أرسلان وقام في الملك بعده ولده ملكشاه ولقب جلال الدولة ورد تدبير الملك إلى نظام الملك ولقبه الأتابك وهو أول من لقبه ومعناه الأمير الوالد. وفيها اشتد الغلاء بمصر حتى أكلت امرأة رغيفاً بألف دينار وكثر الوباء إلى الغاية.\rوفي سنة ست وستين كان الغرق العظيم ببغداد وزادت دجلة ثلاثين ذراعاً ولم يقع مثل ذلك قط وهلكت الأموال والأنفس والدواب وركبت الناس في السفن وأقيمت الجمعة في الطيار على وجه الماء مرتين وقام الخليفة يتضرع إلى الله وصارت بغداد ملقة واحدة وانهدم مائة ألف دار أو أكثر.\rوفي سنة سبع وستين مات الخليفة القائم بأمر الله ليلة الخميس الثالث عشر من شعبان وذلك أنه افتصد ونام فانحل موضع الفصد وخرج منه دم كثير فاستيقظ وقد انحلت قوته فطلب حفيده ولي العهد عبد الله بن محمد ووصاه ثم توفي ومدة خلافته خمس وأربعون سنة.\rمات في أيامه من الأعلام: أبو بكر البرقاني وأبو الفضل الفلكي والثعلبي المفسر والقدوري شيخ الحنفية وابن سينا شيخ الفلاسفة ومهيار الشاعر وأبو نعيم صاحب الحلية وأبو زيد الدبوسي والبرادعي المالكي صاحب التهذيب وأبو الحسين البصري المعتزلي ومكي صاحب الإعراب والشيخ أبو محمد الجويني والمهدوي صاحب التفسير والإفليلي والثمانيني وأبو عمرو الداني والخليل صاحب الإرشاد وسليم الرازي وأبو العلاء المعري وأبو عثمان الصابوني وابن بطال شارح البخاري والقاضي أبو الطيب الطبري وابن شيطا المقرئ والماوردي الشافعي وابن باب شاذ والقضاعي صاحب الشهاب وابن برهان النحوي وابن حزم الظاهري والبيهقي وابن سيده صاحب المحكم وأبو يعلى بن الفراء شيخ الحنابله والحضرمي من الشافعية والهذلي صاحب الكامل في القراءات والفريابي والخطيب والبغدادي وابن رشيق صاحب العمدة وابن عبد البر.\rالمقتدي بأمر الله أبو القاسم\rالمقتدي بأمر الله: أبو القاسم عبد الله بن محمد بن القائم بأمر الله.\rمات أبوه في حياة القائم وهو حمل فولد بعد وفاة أبيه بستة أشهر وأمه أم ولد اسمها أرجوان. وبويع له بالخلافة عند موت جده وله تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وكانت البيعة بحضرة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي وابن الصباغ والدامغاني وظهر في أيامه خيرات كثيرة وآثار حسنة في البلدان.\rوكانت قواعد الخلافة في أيامه باهرة وافرة الحرمة بخلاف من تقدمه.\rومن محاسنه أنه نفى المغنيات والخواطي ببغداد وأمر أن لا يدخل أحد الحمام إلا بمئزر وخرب أبراج الحمام صيانة لحرم الناس.\rوكان ديناً خيراً قوي النفس عالي الهمة من نجباء بني العباس.\rوفي هذه السنة من خلافته أعيدت الخطبة للعبيدي بمكة وفيها جمع نظام الملك المنجمين وجعلوا النيروز أول نقطة من الحمل وكان قبل ذلك عند حلول الشمس نصف الحوت وصار ما فعله النظام مبدأ التقاويم.\rوفي سنة ثمان وستين خطب للمقتدي بدمشق وأبطل الأذان بحي على خير العمل وفرح الناس بذلك.","part":1,"page":174},{"id":175,"text":"وفي سنة تسع وستين قدم بغداد أبو نصر بن الأستاذ أبي القاسم القشيري حاجاً فوعظ بالنظامية وجرى له فتنة كبيرة مع الحنابلة لأنه تكلم على مذهب الأشعري وحط عليهم وكثر أتباعه والمتعصبون له فهاجت فتن وقتلت جماعة.\rوعزل فخر الدولة بن جهير من وزارة المقتدي لكونه شذ عن الحنابلة.\rوفي سنة خمس وسبعين بعث الخليفة الشيخ أبا إسحاق الشيرازي رسولا إلى السلطان يتضمن الشكوى من العميد أبي الفتح بن أبي الليث عميد العراق.\rوفي سنة سبع وسبعين رخصت الأسعار بسائر البلاد وارتفع الغلاء.\rوفيها ولى الخليفة أبا الشجاع محمد بن الحسين الوزارة ولقبه ظهير الدين وأظن ذلك أول حدوث التلقيب بالإضافة إلى الدين.\rوفي سنة سبع وسبعين سار سليمان بن قتلمش السلجوقي صاحب قونية وأقصراء بجيوشه إلى الشام فأخذ إنطاكية وكانت بيد الروم من سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة وأرسل إلى السلطان ملكشاه يبشره قال الذهبي: وآل سلجوق هم ملوك بلاد الروم وقد امتدت أيامهم وبقي منهم بقية إلى زمن الملك الظاهر بيبرس.\rوفي سنة ثمان وسبعين جاءت ريح سوداء ببغداد بعد العشاء واشتد الرعد والبرق وسقط الرمل وتراب كالمطر ووقعت عدة صواعق في كثير من البلاد فظن الناس أنها القيامة وبقيت ثلاث ساعات بعد العصر وقد شاهد هذه الكائنة الإمام أبو بكر الطرطوشي وأوردها في أماليه.\rوفي سنة تسع وسبعين أرسل يوسف بن تاشفين صاحب سبتة ومراكش إلى المقتدي يطلب أن يسلطنه وأن يقلده ما بيده من البلاد فبعث إليه الخلع والأعلام والتقليد ولقبه بأمير المسلمين ففرح بذلك وسر به فقهاء المغرب وهو الذي أنشأ مدينة مراكش.\rوفيها دخل السلطان ملكشاه بغداد في ذي الحجة وهو أول من دخوله إليها فنزل بدار المملكة ولعب بالكرة وقد تقاوم الخليفة ثم رجع إلى أصبهان.\rوفيها قطعت خطبة العبيدي بالحرمين وخطب للمقتدي.\rوفي سنة إحدى وثمانين مات ملك غزنة المؤيد إبراهيم بن مسعود بن محمود بن سبكتين وقام مقامه ابنه جلال الدين مسعود.\rوفي سنة ثلاث وثمانين عملت ببغداد مدرسة لتاج الملك مستوفي الدولة بباب أبرز ودرس بها أبو بكر الشاشي.\rوفي سنة أربع وثمانين استولت الفرنج على جميع جزيرة صقلية وهي أول ما فتحها المسلمون بعد المائتين وحكم عليها آل الأغلب دهراً إلى أن استولى العبيدي المهدي على المغرب.\rوفيها قدم السلطان ملكشاه بغداد وأمر بعمل جامع كبير بها وعمل الأمراء حوله دوراً ينزلونها ثم رجع إلى أصبهان وعاد إلى بغداد في سنة خمس وثمانين عازماً على الشر وأرسل إلى الخليفة يقول: لا بد أن تترك لي بغداد وتذهب إلى أي بلد شئت فانزعج الخليفة وقال: أمهلني ولو شهراً قال: ولا ساعة واحدة فأرسل الخليفة إلى وزير السلطان يطلب المهلة إلى عشرة أيام فاتفق مرض السلطان وموته وعد ذلك كرامة للخليفة وقيل: إن الخليفة جعل يصوم فإذا أفطر جلس على الرماد ودعا على ملكشاه فاستجاب الله دعاءه وذهب إلى حيث ألقت ولما مات كتمت زوجته تركان خاتون موته وأرسلت إلى الأمراء سراً فاستحلفتهم لولده محمود وهو ابن خمس سنين فحلفوا له وأرسلت إلى المقتدي في أن يسلطنه فأجاب ولقبه ناصر الدنيا والدين ثم خرج عليه أخوه بركياروق بن ملكشاه فقلده الخليفة ولقبه ركن الدين وذلك في المحرم سنة سبع وثمانين وأربعمائة وعلم الخليفة على تقليده ثم مات الخليفة من الغد فجأة فقيل: إن جاريته شمس النهار سمته وبويع لولده المستظهر.\rوممن مات في أيام المقتدى من الأعلام: عبد القادر الجرجاني وأبو الوليد الباجي والشيخ أبو إسحاق الشيرازي والأعلم النحوي وابن الصباغ صاحب الشامل والمتولي وإمام الحرمين والدامغاني الحنفي وابن فضالة المجاشعي والبزدوي شيخ الحنفية.\rالمستظهر بالله أبو العباس\rالمستظهر بالله: أبو العباس أحمد بن المقتدي بالله.\rولد في شوال سنة سبعين وأربعمائة وبويع له عند موت أبيه وله ست عشرة سنة وشهران.\rقال ابن الأثير: كان لين الجانب كريم الأخلاق يحب اصطناع الناس ويفعل الخير ويسارع في أعمال البر حسن الخط جيد التوقعات ولا يقاربه فيها أحد ويدل على فضل غزير وعلم واسع سمحاً جواداً محباً للعلماء والصلحاء ولم تصف له الخلافة بل كانت أيامه مضطربة كثيرة الحروب.","part":1,"page":175},{"id":176,"text":"وفي هذه السنة من أيامه مات المستنصر العبيدي صاحب مصر وقام بعده ابنه المستعلي أحمد. وفيها أخذت الروم بلنسية.\rوفي سنة ثمان وثمانين قتل أحمد خان صاحب سمرقند لأنه ظهر منه الزندقة فقبض عليه الأمراء وأحضروا الفقهاء فأفتوا بقتله فقتل لا رحمه الله وملكوا ابن عمه.\rوفي سنة تسع وثمانين اجتمعت الكواكب السبعة سوى زحل في برج الحوت فحكم المنجمون بطوفان يقارب طوفان نوح فاتفق أن الحجاج نزلوا في دار المناقب فأتاهم السيل غرق أكثرهم.\rوفي سنة تسعين قتل السلطان أرسلان أرغون بن ألب أرسلان السلجوقي صاحب خراسان فتملكها السلطان بركياروق ودانت له البلاد والعباد.\rوفيها خطب للعبيدي بحلب وإنطاكية والمعرة وشيزر شهراً ثم أعيدت الخطبة العباسية.\rوفيها جاءت الفرنج فأخذوا نيقية وهو أول بلد أخذوه ووصلوا إلى كفر طاب واستباحوا تلك النواحي فكان هذا أول مظهر الفرنج بالشام قدموا في بحر القسطنطينية في جمع عظيم وانزعجت الملوك والرعية وعظم الخطب فقيل: إن صاحب مصر لما رأى قوة السلجوقية واستيلاءهم على الشام كاتب الفرنج يدعوهم إلى المجيء إلى الشام ليملكوها وكثر النفير على الفرنج من كل جهة.\rوفي سنة اثنتين وتسعين انتشرت دعوة الباطنية بأصبهان.\rوفيها أخذت الفرنج بيت المقدس بعد حصار شهر ونصف وقتلوا به أكثر من سبعين ألفاً منهم جماعة من العلماء والعباد والزهاد وهدموا المشاهد وجمعوا اليهود في الكنيسة وأحرقوها عليهم وورد المستنفرون إلى بغداد فأوردوا كلاماً أبكى العيون واختلفت السلاطين فتمكنت الفرنج من الشام والأبيوردي في ذلك:\rمزجنا دماء بالدموع السواجم ... فلم يبق منا عرصة للمراحم\rوشر سلاح المرء دمع يفيضه ... إذا الحرب شبت نارها بالصوارم\rفإيهاً بني الإسلام إن وراءكم ... وقائع يلحقن الذرى بالمناسم\rأنائمة في ظل أمن وغبطة ... وعيش كنوار الخميلة ناعم\rوكيف تنام العين ملء جفونها ... على هبوات أيقظت كل نائم\rوإخوانكم بالشام يضحي مقيلهم ... ظهور المذاكي أو بطون القشاعم\rتسومهم الروم الهوان وأنتم ... تجرون ذيل الخفض فعل المسالم\rفكم من دماء قد أبيحت؟ ومن دمى ... تواري حياء حسنها بالمعاصم\rبحيث السيوف البيض محمرة الظبا ... وسمر العوالي داميات اللهازم\rيكاد لهن المستجن بطيبة ... ينادي بأعلى الصوت يا آل هاشم\rأرى أمتي لا يشرعون إلى العدى ... رماحهم والدين واهي الدعائم\rويجتنبون النار خوفاً من الردى ... ولا يحسبون العار ضربة لازم\rأترضى صناديد الأعراب بالأذى ... وتغضي على ذل كماة الأعاجم\rفليتهم إذا لم يذودوا حمية ... عن الدين ضنوا غيرة بالمحارم\rوفيها خرج محمد بن ملكشاه على أخيه السلطان بركياروق فانتصر عليه فقلده الخليفة ولقبه غياث الدنيا والدين وخطب له ببغداد ثم جرت بينهما عدة وقعات.\rوفيها نقل المصحف العثماني من طبرية إلى دمشق خوفاً عليه وخرج الناس لتلقيه فآووه في خزانة بمقصورة الجامع.\rوفي سنة أربع وتسعين كثر أمر الباطنية بالعراق وقتلهم الناس واشتد الخطب بهم حتى كانت الأمراء يلبسون الدروع تحت ثيابهم وقتلوا الخلائق منهم الروياني صاحب البحر.\rوفيها أخذ الفرنج بلد سروج وحيفا وأرسوف وقيسارية.\rوفي سنة خمس وتسعين مات المستعلي صاحب مصر وأقيم بعده الآمر بأحكام الله منصور وهو طفل له خمس سنين.\rوفي سنة ست وتسعين جرت فتن للسلطان فترك الخطباء الدعوة للسلطان واقتصروا على الدعوة للخليفة لا غير.\rوفي سنة سبع وتسعين وقع الصلح بين السلطانين: محمد وبركياروق وسببه أن الحروب لما تطاولت بينهما وعم الفساد وصارت الأموال منهوبة والدماء مسفوكة والبلاد مخربة والسلطنة مطموعاً فيها وأصبح الملوك مقهورين بعد أن كانوا قاهرين دخل العقلاء بينهما في الصلح وكتبت العهود والأيمان والمواثيق وأرسل الخليفة خلع السلطنة إلى بركياروق وأقيمت له الخطبة ببغداد.","part":1,"page":176},{"id":177,"text":"وفي سنة ثمان وتسعين مات السلطان بركياروق فأقام الأمراء بعده ولده جلال الدولة ملكشاه وقلده الخليفة وخطب له ببغداد وله دون خمس سنين فخرج عليه عمه محمد واجتمعت الكلمة عليه فقلده الخليفة وعاد إلى أصبهان سلطاناً متمكناً مهيباً كثير الجيوش.\rوفيها كان ببغداد جدري مفرط مات فيه خلق من الصبيان لا يحصون وتبعه وباء عظيم.\rوفي سنة تسع وتسعين ظهر رجل بنواحي نهاوند فادعى النبوة وتبعه خلق فأخذ وقتل.\rوفي سنة خمسمائة أخذت قلعة أصبهان التي ملكها الباطنية وهدمت وقتلوا وسلخ كبيرهم وحشي جلده تبناً فعل ذلك السلطان محمد بعد حصار شديد فلله الحمد.\rوفي سنة إحدى وخمسمائة رفع السلطان الضرائب والمكوس ببغداد وكثر الدعاء له وزاد في العدل وحسن السيرة.\rوفي سنة اثنتين عادت الباطنية فدخلوا شيرز على حين غفلة من أهلها فملكوها وملكوا القلعة وأغلقوا الأبواب وكان صاحبها خرج يتنزه فعاد وأبادهم في الحال وقتل فيها شيخ الشافعية الروياني صاحب البحر قتله الباطنية في بغداد كما تقدم.\rوفي سنة ثلاث أخذت الفرنج طرابلس بعد حصار سنين.\rوفي سنة أربع عظم بلاء المسلمين بالفرنج وتيقنوا استيلاءهم على أكثر الشام وطلب المسلمون الهدنة فامتنعت الفرنج وصالحوهم بألوف دنانير كثيرة فهادنوا ثم غدروا لعنهم الله.\rوفيها هبت بمصر ريح سوداء مظلمة أخذت بالأنفاس حتى لا يبصر الرجل يده ونزل على الناس رمل وأيقنوا بالهلاك ثم تجلى قليلاً وعاد إلى الصفرة وكان ذلك من العصر إلى ما بعد المغرب.\rوفيها كانت ملحمة كبيرة بين الفرنج وبين ابن تاشفين صاحب الأندلس نصر فيها المسلمون وقتلوا وأسروا وغنموا ما لا يعبر عنه وبادت شجعان الفرنج.\rوفي سنة سبع جاء مودود صاحب الموصل بعسكر ليقاتل ملك الفرنج الذي بالقدس فوقع بينهم معركة هائلة ثم رجع مودود إلى دمشق فصلى الجمعة يوماً في الجامع وإذا بباطني وثب عليه فجرحه فمات من يومه فكتب ملك الفرنج إلى صاحب دمشق كتاباً فيه: وإن أمه قتلت عميدها في يوم عيد في بيت معبودها لحقيق على الله أن يبيدها.\rوفي سنة إحدى عشرة جاء سيل عرم غرق سنجار وسورها وهلك خلق كثير حتى إن السيل أخذ باب المدينة فذهب به عدة فراسخ واختفى تحت التراب الذي جره السيل وظهر بعد سنين وسلم طفل في سرير له حمله السيل فتعلق السرير بزيتونة وعاش وكبر.\rوفيها مات السلطان محمد وأقيم بعده ابنه محمود وله أربع عشرة سنة.\rوفي سنة اثنتي عشرة مات الخليفة المستظهر بالله في يوم الأربعاء الثالث والعشرين من ربيع الأول فكانت مدته خمساً وعشرين سنة وغسله ابن عقيل شيخ الحنابلة وصلى عليه ابنه المسترشد وماتت بعده بقليل جدته أرجوان والدة المقتدي.\rقال الذهبي: ولا يعرف خليفة عاشت جدته بعده إلا هذا رأت ابنها خليفة ثم ابن ابنها ثم ابن ابن ابنها ومن شعر المستظهر:\rأذاب حر الهوى في القلب ما جمدا ... لما مددت إلى رسم الوداع يداً\rوكيف أسلك نهج اصطبار وقد ... أرى طرائق في مهوى الهوى قددا\rإن كنت أنقض عهد الحب يا سكني ... من بعد هذا فلا عاينتكم أبداً\rوللصارم البطائحي مدحاً:\rأصبحت بالمستظهر بن المقتدي ... بالله ابن القائم بن القادر\rمستعصماً أرجو نوال أكفه ... وبأن يكون على العشيرة ناصري\rفيقر مع كبري قراري عنده ... ويفوز من مدحي بشعر سائر\rفوقع المستظهر بجائزتين: بخير بين الصلة والانحدار والمقام والإدرار وقال السلفي: قال لي أبو الخطاب بن الجراح صليت بالمستظهر في رمضان فقرأت: \" إن ابنك سرق \" \" يوسف: 81 \" رواية رويناها عن الكسائي فبما سلمت قال: هذه قراءة حسنة فيها تنزيه أولاد الأنبياء عن الكذب.\rمات في أيامه من الأعلام: أبو المظفر السمعاني ونصر المقدسي وأبو الفرج وشيذلة والروياني والخطيب التبريزي والكيا الهراسي والغزالي والشاشي الذي صنف له كتاب الحلية وسماه المستظهري والأبيوردي اللغوي.\rالمسترشد بالله أبو المنصور","part":1,"page":177},{"id":178,"text":"المسترشد بالله: أبو منصور الفضل بن المستظهر بالله ولد في ربيع الأول سنة خمس وثمانين وأربعمائة وأمه أم ولد وبويع له بالخلافة عند موت أبيه في ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وخمسمائة وكان ذا همة عالية وشهامة زائدة وإقدام ورأي وهيبة شديدة ضبط أمور الخلافة ورتبها أحسن ترتيب وأحيا رسم الخلافة ونشر عظامها وشيد أركان الشريعة وطرز أكمامها وباشر الحروب بنفسه وخرج عدة نوب إلى الحلة والموصل وطريق خراسان إلى أن خرج النوبة الأخيرة وكسر جيشه بقرب همذان وأخذ أسيراً إلى أذربيجان وقد سمع الحديث من أبي القاسم بن بيان وعبد الوهاب بن هبة الله السبتي وروى عنه محمد بن عمر بن مكي الأهوازي ووزيره علي بن طراد وإسماعيل بن طاهر الموصلي ذكر ذلك ابن السمعاني وذكره ابن الصلاح في طبقات الشافعية ناهيك بذلك فقال: هو الذي صنف له أبو بكر الشاشي كتابة العمدة في الفقه وبلقبه اشتهر الكتاب فإنه كان حينئذ يلقب عمدة الدنيا والدين وذكره ابن السبكي في طبقات الشافعية وقال: كان في أول أمره تنسك ولبس الصوف وانفرد في بيت للعبادة وكان مولده في يوم الأربعاء ثامن عشر شعبان سنة ست وثمانين وأربعمائة وخطب له أبوه بولاية العهد ونقش اسمه على السكة في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثمانين وكان مليح الخط وما كتب أحد من الخلفاء قبله مثله يستدرك على كتابه ويصلح أغاليط في كتبهم وأما شهامته وهيبته وشجاعته وإقدامه فأمر أشهر من الشمس ولم تزل أيامه مكدرة بكثرة التشويش والمخالفين وكان يخرج بنفسه لدفع ذلك إلى أن خرج الخرجة الأخيرة إلى العراق وانكسر وأخذ ورزق الشهادة.\rوقال الذهبي: مات السلطان محمود بن محمد ملكشاه سنة خمس وعشرين فأقيم ابنه داود مكانه فخرج عليه عمه مسعود بن محمد فاقتتلا ثم اصطلحا على الاشتراك بينهما ولكل مملكة وخطب لمسعود بالسلطنة ببغداد ومن بعده لداود وخلع عليهما ثم وقعت الوحشة بين الخليفة ومسعود فخرج لقتاله فالتقى الجمعان وغدر بالخليفة أكثر عسكره فظفر مسعود وأسر الخليفة وخواصه فحبسهم بقلعة بقرب همذان فبلغ أهل بغداد ذلك فحثوا في الأسواق التراب على رؤوسهم وبكوا وضجوا وخرج النساء حاسرات يندبن الخليفة ومنعوا الصلوات والخطبة.\rقال ابن الجوزي: وزلزلت بغداد مراراً كثيرة ودامت كل يوم خمس مرات أو ستاً والناس يستغيثون فأرسل السلطان سنجر إلى ابن أخيه مسعود يقول: ساعة وقوف الولد غياث الدنيا والدين على هذا المكتوب يدخل على أمير المؤمنين ويقبل الأرض بين يديه ويسأله العفو والصفح ويتنصل غاية التنصل فقد ظهر عندنا من الآيات السماوية والأرضية ما لا طاقة لنا بسماع مثلها فضلاً عن المشاهدة من العواصف والبروق والزلازل ودام ذلك عشرين يوماً وتشويش العساكر وانقلاب البلدان ولقد خفت على نفسي من جانب الله وظهور آياته وامتناع الناس من الصلاة في الجوامع ومنع الخطباء ما لا طاقة لي بحمله فالله الله تتلافى أمرك وتعيد أمير المؤمنين إلى مقر عزه وتحمل الغاشية بين يديه كما جرت عاداتنا وعادة آبائنا ففعل مسعود جميع ما أمره به وقبل الأرض بين يدي الخليفة ووقف يسأل العفو.\rثم أرسل سنجر رسولاً آخر ومعه العسكر يستحث مسعوداً على إعادة الخليفة إلى مقر عزه فجاء في العسكر سبعة عشر من الباطنية فذكر أن مسعوداً ما علم بهم وقيل بل علم بهم وقيل بل هو الذي دسهم فهجموا على الخليفة في خيمته ففتكوا به وقتلوا جماعة من أصحابه فما شعر بهم العسكر إلا وقد فرغوا من شغلهم فأخذوهم وقتلوهم إلى لعنة الله وجلس السلطان للعزاء واظهر المساءة بذلك ووقع النحيب والبكاء وجاء الخبر إلى بغداد فاشتد ذلك على الناس وخرجوا حفاة مخرقين الثياب والنساء ناشرات الشعور يلطمن ويقلن المراثي لأن المسترشد كان محبباً فيهم ببره ولما فيه من الشجاعة والعدل والرفق بهم.\rوكان قتل المسترشد رحمه الله بمراغة يوم الخميس سادس عشر ذي القعدة سنة تسع وعشرين ومن شعره:\rأنا الأشقر المدعو بي في الملاحم ... من يملك الدنيا بغير مزاحم\rستبلغ أرض الروم خيلي وتنتضى ... بأقصى بلاد الصين بيض صوارمي\rومن شعره لما أسر:\rولا عجبا للأسد إن ظفرت بها ... كلاب الأعادي من فصيح وأعجم\rفحربة وحشي سقت حمزة الردى ... وموت علي من حسام ابن ملجم","part":1,"page":178},{"id":179,"text":"وله لما كسر وأشير عليه بالهزيمة فلم يفعل وثبت حتى أسر:\rقالوا تقيم وقد أحا ... ط بك العدو ولا تفر\rفأجبتهم المرء ما ... لم يتعظ بالوعظ غر\rلا نلت خيراً ما حيي ... ت ولا عداني الدهر شر\rإن كنت أعلم أن غي ... ر الله ينفع أو يضر\rقال الذهبي: وقد خطب بالناس يوم عيد أضحى فقال: الله أكبر ما سبحت الأنواء وأشرق الضياء وطلعت ذكاء وعلت على الأرض السماء الله أكبر ما همى سحاب ولمع سراب وأنجح طلاب وسر قادماً إياب وذكر خطبة بليغة ثم جلس ثم قام فخطب وقال: اللهم أصلحني في ذريتي وأعني على ما وليتني وأوزعني شكر نعمتك ووفقني وانصرني فلما أنهاها وتهيأ للنزول بدره أبو المظفر الهاشمي فأنشده:\rعليك سلام الله يا خير من علا ... على منبر قد حف أعلامه النصر\rوأفضل من أم الأنام وعمهم ... بسريته الحسنى وكان له الأمر\rوأفضل أهل الأرض شرقاً ومغرباً ... ومن جده من أجله نزل القطر\rلقد شنفت أسماعنا منك خطبة ... وموعظة فصل يلين لها الصخر\rملأت بها كل القلوب مهابة ... فقد رجفت من خوف تخويفها مصر\rوزدت بها عدنان مجداً مؤثلا ... فأضحى بها بين الأنام لك الفخر\rوسدت بني العباس حتى لقد غدا ... يباهي بك السجاد والعالم البحر\rفلله عصر أنت فيه إمامنا ... ولله دين أنت فيه لنا الصدر\rبقيت على الأيام والملك كلما ... تقادم عصر أنت فيه أتى عصر\rوأصبحت بالعيد السعيد مهنأ ... تشرفنا فيه صلاتك والنحر\rوقال وزيرة جلال الدين الحسن بن علي بن صدقة يمدحه:\rوجدت الورى كالماء طعماً ورقة ... وأن أمير المؤمنين زلالة\rوصورت معنى العقل شخصاً مصوراً ... وأن أمير المؤمنين مثاله\rولولا مكان الدين والشرع والتقى ... لقلت من الإعظام جل جلاله\rوفي سنة أربع وعشرين من أيامه ارتفع سحاب أمطر بلد الموصل ناراً أحرقت من البلد مواضع ودوراً كثيرة.\rوفيها قتل صاحب مصر الآمر بأحكام الله منصور عن غير عقب وقام بعده ابن عمه الحافظ عبد المجيد بن محمد بن المنتصر.\rوفيها ظهر ببغداد عقارب طيارة لها شوكتان وخاف الناس منها وقد قتلت جماعة أطفال.\rوممن مات في أيام المسترشد من الأعلام شمس الأئمة أبو الفضل إمام الحنفية وأبو الوفاء بن عقيل الحنبلي وقاضي القضاة أبو الحسن الدامغاني وابن بليمة المقرئ والطغرائي صاحب لامية العجم وأبو علي الصدفي الحافظ وأبو نصر القشيري وابن القطاع اللغوي ومحيي السنة البغوي وابن الفحام المقرئ والحريري صاحب المقامات والميداني صاحب الأمثال وأبو الوليد بن رشد المالكي والإمام أبو بكر الطرطوشي وأبو الحجاج السرقسطي وابن السيد البطليوسي وأبو علي الفارقي من الشافعية وابن الطراوة النحوي وابن الباذش وظافر الحداد الشاعر وعبد الغفار الفارسي وخلائق آخرون.\rالراشد بالله أبو جعفر\rالراشد بالله: أبو جعفر منصور بن المسترشد.\rولد في سنة اثنتين وخمسمائة وأمه أم ولد ويقال: إنه ولد مسدوداً فأحضروا الأطباء فأشاروا بأن يفتح له مخرج بآلة من ذهب ففعل به ذلك فنفع.\rوخطب له أبوه بولاية العهد سنة ثلاث عشرة وبويع له بالخلافة عند قتل أبيه في ذي القعدة سنة تسع وعشرين.\rوكان فصيحاً أديباً شاعراً شجاعاً سمحاً جواداً حسن السيرة يؤثر العدل ويكره الشر.\rولما عاد السلطان مسعود إلى بغداد خرج هو إلى الموصل فأحضروا القضاة والأعيان والعلماء وكتبوا محضراً فيه شهادة طائفة بما جرى من الراشد من الظلم وأخذ الأموال وسفك الدماء وشرب الخمر واستفتوا الفقهاء فيمن فعل ذلك هل تصح إمامته وهل إذا ثبت فسقه يجوز لسلطان الوقت أن يخلعه ويستبدل خيراً منه؟ فأفتوا بجواز خلعه وحكم بخلعه أبو طاهر بن الكرخي قاضي البلد وبايعوا عمه محمد بن المستظهر ولقب المقتفي لأمر الله وذلك في سادس عشر من ذي القعدة سنة ثلاثين.","part":1,"page":179},{"id":180,"text":"وبلغ الراشد الخلع فخرج من الموصل إلى بلاد أذربيجان وكان معه جماعة فقسطوا على مراغة مالا وعاثوا هناك ومضوا إلى همدان وأفسدوا بها وقتلوا جماعة وصلبوا آخرين وحلقوا لحى جماعة من العلماء ثم مضوا إلى أصبهان فحاصروها ونهبوا القرى.\rومرض الراشد بظاهر أصبهان مرضاً شديداً فدخل عليه جماعة من العجم كانوا فراشين معه فقتلوه بالسكاكين ثم قتلوا كلهم وذلك في سادس عشر رمضان سنة اثنتين وثلاثين وجاء الخبر إلى بغداد فقعدوا للعزاء يوماً واحداً.\rقال العماد الكاتب: كان للراشد الحسن اليوسفي والكرم الحاتمي.\rقال ابن الجوزي: وقد ذكر الصولي أن الناس يقولون إن كل سادس يقوم للناس يخلع فتأملت هذا فرأيته عجباً.\rقلت: وقد سقت بقية كلامه في الخطبة ولم تؤخذ البردة والقضيب من الراشد حتى قتل فأحضرا بعد قتله إلى المقتفي.\rالمقتفي لأمر الله أبو عبيد الله\rالمقتفي لأمر الله: أبو عبد الله محمد بن المستظهر بالله.\rولد في الثاني والعشرين من ربيع الأول سنة تسع وثمانين وأربعمائة وأمه حبشية وبويع له بالخلافة عند خلع ابن أخيه وعمره أربعون سنه وسبب تلقيبه بالمقتفي أنه رأى في منامه قبل أن يستخلف بستة أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول له سيصل هذا الأمر إليك فاقتف لأمر الله فلقب المقتفي لأمر الله وبعث السلطان مسعود بعد أن أظهر العدل ومهد بغداد فأخذ جميع ما في دار الخلافة من دواب وأثاث وذهب وستور وسرادق ولم يترك في إصطبل الخلافة سوى أربعة أفراس وثمانية أبغال برسم الماء فيقال: إنهم بايعوا المقتفي على أن لا يكون عنده خيل ولا آلة سفر.\rثم في سنة إحدى وثلاثين أخذ السلطان مسعود جميع تعلق الخليفة ولم يترك له إلا العقار الخاص وأرسل وزيره يطلب من الخليفة مائة ألف دينار فقال المقتفي ما رأينا أعجب من أمرك أنت تعلم أن المسترشد سار إليك بأمواله فجرى ما جرى وأن الراشد ولي ففعل ما فعل ورحل وأخذ ما تبقى ولم يبق إلا الأثاث فأخذته كله وتصرفت في دار الضرب وأخذت التركات والجوالي فمن أي وجه نقيم لك هذا المال وما بقي إلا أن نخرج من الدار ونسلمها فإني عاهدت الله أن لا آخذ من المسلمين حبة ظلماً فترك السلطان الأخذ من الخليفة وعاد إلى جباية الأملاك من الناس وصادر التجار فلقي الناس من ذلك شدة ثم في جمادى الأولى أعيدت بلاد الخليفة معاملاته والتركات إليه.\rوفي هذه السنة رقب الهلال ليلة الثلاثين من شهر رمضان فلم ير فأصبح أهل بغداد صائمين لتمام العدة فلما أمسوا رقبوا الهلال فما رأوه أيضاً وكانت السماء جليلة صاحية ومثل هذا لم يسمع بمثله في التواريخ.\rوفي سنة ثلاث وثلاثين كان ببحترة زلزلة عظيمة عشرة فراسخ في مثلها فأهلكت خلائق ثم خسف ببحترة وصار مكان البلد ماء أسود.\rوفيها استولى الأمراء على مغلات البلاد وعجز السلطان مسعود ولم يبق له إلا الاسم وتضعضع أيضاً أمر السلطان سنجر فسبحان مذل الجبابرة وتمكن الخليفة المفتفي وزادت حرمته وعلت كلمته وكان ذلك مبدأ صلاح الدولة العباسية فلله الحمد.\rوفي سنة إحدى وأربعين قدم السلطان مسعود بغداد وعمل دار ضرب فقبض الخليفة على الضراب الذي تسبب في إقامة دار الضرب فقبض مسعود على حاجب الخليفة فغضب الخليفة وغلق الجامع والمساجد ثلاثة أيام ثم أطلق الحاجب فأطلق الضراب وسكن الأمر.\rوفيها جلس أبن العبادي الواعظ فحضر السلطان مسعود وتعرض بذكر مكس البيع وما جرى على الناس ثم قال يا سلطان العالم أنت تهب في ليلة لمطرب بقدر هذا الذي يؤخذ من المسلمين فاحسبني ذلك المطرب وهبه لي واجعله شكراً لله بما أنعم عليك فأجاب ونودي في البلد بإسقاطه وطيف بالألواح التي نقش عليها ترك المكوس وبين يديه الدباب والبوقات وسمرت ولم تزل إلى أن أمر الناصر لدين الله بقلع الألواح وقال ما لنا حاجة بآثار الأعاجم.\rوفي سنة ثلاث وأربعين حاصرت الفرنج دمشق فوصل إليها نور الدين محمود بن زنكي وهو صاحب حلب يومئذ وأخوه غازي صاحب الموصل فنصر المسلون والله الحمد وهزم الفرنج واستمر نور الدين في قتال الفرنج وأخذ ما استولوا عليه من بلاد المسلمين.\rوفي سنة أربع وأربعين مات صاحب مصر الحافظ لدين الله وأقيم ابنه الظافر إسماعيل.\rوفيها جاءت زلزلة عظيمة وماجت بغداد نحو عشر مرات وتقطع منه جبل بحلوان.","part":1,"page":180},{"id":181,"text":"وفي سنة خمس وأربعين جاء باليمن بمطر كله دم وصارت الأرض مرشوشة بالدم وبقي أثره في ثياب الناس.\rوفي سنة سبع وأربعين مات السلطان مسعود.\rقال ابن هبيرة وهو وزير المقتفي لما تطاول على المقتفي أصحاب مسعود وأساءوا الأدب ولم يمكن المجاهرة بالمحاربة اتفق الرأي على الدعاء عليه شهراً كما دعا النبي صلى الله عليه وسلم على رعل وذكوان شهراً فابتدأ هو والخليفة سراً كل واحد في موضعه يدعو سحراً من ليلة تسع وعشرين من جمادى الأولى واستمر الأمر كل ليلة فلما تكامل الشهر مات مسعود على سريره ولم يزد على الشهر يوماً ولا نقص يوماً.\rواتفق العسكر على سلطنة ملكشاة وقام بأمره خاصبك ثم أن خاصبك قبض على ملكشاة وطلب أخاه محمداً من خوزستان فجاءه فسلم إليه السلطنة وأمر الخليفة حينئذ ونهى ونفذت كلمته وعزل من كان السلطان ولاه مدرساً بالنظامية وبلغه أن في نواحي واسط تخبطاً فسار بعسكره ومهد البلاد ودخل الحلة والكوفة ثم عاد إلى بغداد مؤيداً منصوراً وزينت بغداد.\rوفي سنة ثمان وأربعون خرجت الغز على السلطان سنجر وأسروه وأذاقوه الذل وملكوا بلاده وبقوا الخطبة باسمه وبقي معهم صورة بلا معنى وصار يبكي على نفسه وله اسم السلطنة وراتبه في قدر راتب سائس من ساسته.\rوفي سنة تسع وأربعين قتل بمصر صاحبها الظافر بالله العبيدي وأقاموا ابنه الفائز عيسى صبياً صغيراً ووهى أمر المصريين فكتب المقتفي عهداً لنور الدين محمود بن زنكي وولاه مصر وأمره بالمسير إليها وكان مشغولا بحرب الفرنج وهو لا يفتر من الجهاد وكان تملك دمشق في صفر من هذا العام وملك عدة قلاع وحصون بالسيف وبالأمان من بلاد الروم وعظمت ممالكه وبعد صيته فبعث إليه المقتفي تقليداً وأمره بالمسير إلى مصر ولقبه بالملك العادل وعظم سلطان المقتفي واشتدت شوكته واستظهر على المخالفين وأجمع على قصد الجهات المخالفة لأمره ولم يزل أمره في تزايد وعلوا إلى أن مات ليلة الأحد ثاني ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمسمائة.\rقال الذهبي: كان المقتفي من سروات الخلفاء عالماً أديباً شجاعاً حليماً دمث الأخلاق كامل السؤدد خليقاً للإمامة قليل المثل في الأئمة لا يجري في دولته أمر وإن صغر إلا بتوقيعه وكتب في خلافته ثلاث ربعات وسمع الحديث من مؤدبه أبي البركات بن أبي الفرج بن السني.\rقال ابن السمعاني: وسمع جزء ابن عرفة مع أخيه المسترشد من أبي القاسم بن بيان روى عنه أبو منصور الجواليقي اللغوي إمامه والوزير ابن هبيرة وزيره وغيرهما وقد جدد المقتفي باباً للكعبة واتخذ من العقيق تابوتاً لدفنه وكان محمود السيرة مشكور الدولة يرجع إلى دين وعقل وفضل ورأي وسياسة جدد معالم الإمامة ومهد رسوم الخلافة وباشر الأمور بنفسه وغزا غير مرة وامتدت أيامه.\rوقال أبو طالب عبد الرحمن بن محمد بن عبد السميع الهاشمي في كتاب المناقب العباسية: كانت أيام المقتفي نضرة بالعدل زاهرة بفعل الخيرات وكان على قدم من العبادة قبل إفضاء الأمر إليه وكان في أول أمره متشاغلا بالدين ونسخ العلوم وقراءة القرآن ولم ير مع سماحته ولين جانبه ورأفته بعد المعتصم خليفة في شهامته وصرامته وشجاعته مع ما خص به من زهده وورعه وعبادته ولم تزل جيوشه منصورة حيث يممت.\rوقال ابن الجوزي: من أيام المقتفي عادت بغداد والعراق إلى يد الخلفاء ولم يبق له منازع وقبل ذلك من دولة المقتدر إلى وقته كان الحكم للمتغلبين من الملوك وليس للخليفة معهم إلا اسم الخلافة ومن سلاطين دولته السلطان سنجر صاحب خرسان والسلطان نور الدين محمود صاحب الشام وكان جواداً كريماً محباً للحديث وسماعه معتنياً بالعلم مكرماً لأهله.\rقال ابن السمعاني: حدثنا أبو منصور الجواليقي حدثنا المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين حدثنا أبو البركات أحمد بن عبد الوهاب حدثنا أبو محمد الصيرفيني حدثنا المخلص حدثنا إسماعيل الوراق حدثنا حفص بن عمرو الربالي حدثنا أبو سحيم حدثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم \" لا يزداد الأمراء إلا شدة ولا الناس إلا شحاً ولا تقوم الساعة إلا على شرار الناس \" .","part":1,"page":181},{"id":182,"text":"ولما عاد المقتفي الإمام أبا منصور الجواليقي النحوي ليجعله إماماً يصلى به دخل عليه فما زاد على أن قال السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وكان ابن التلميذ النصراني الطبيب قائماً فقال ما هكذا يسلم على أمير المؤمنين يا شيخ فلم يلتفت إليه ابن الجواليقي وقال يا أمير المؤمنين سلامي هو ما جاءت به السنة النبوية وروى الحديث ثم قال يا أمير المؤمنين لو حلف حالف أن نصرانياً أو يهودياً لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه لما لزمته كفارة لأن الله ختم على قلوبهم ولن يفك ختم الله إلا الإيمان فقال المقتفي صدقت وأحسنت وكأنما ألجم ابن التلميذ بحجر مع غزارة أدبه.\rوممن مات في أيام المقتفي من الأعلام ابن الأبرش النحوي ويونس بن غيث وجمال الإسلام بن المسلم الشافعي وأبو القاسم الأصفهاني صاحب الترغيب وابن برجان والمازري المالكي صاحب كتاب المعلم بفوائد مسلم والزمخشري والرشاطي صاحب الأنساب والجواليقي وهو إمامه وابن عطيه صاحب التفسير وأبو السعادات ابن الشجري والإمام أبو بكر ابن العربي وناصح الدين الأرجاني الشاعر والقاضي عياض والحافظ أبو الوليد بن الدباغ وأبو الأسعد هبة الرحمن القشيري وابن علام الفرس المقرئ والرفاء الشاعر والشهرستاني صاحب الملل والنحل والقيسراني الشاعر ومحمد بن يحيى تلميذ الغزالي وأبو الفضل بن ناصر الحافظ وأبو الكرم الشهرزوري المقرئ والوأواء الشاعر وابن الجلاء إمام الشافعية وخلائق آخرون.\rالمستنجد بالله أبو المظفر\rالمستنجد بالله: أبو المظفر يوسف بن المقتفي.\rولد سنة ثمان عشرة وخمسمائة وأمه أم ولد كرجية اسمها طاوس خطب له أبوه بولاية العهد سنة سبع وأربعين.\rوبويع له يوم موت أبيه وكان موصوفاً بالعدل والرفق أطلق من المكوس شيئاً كثيراً بحيث لم يترك بالعراق مكساً وكان شديداً على المفسدين سجن رجلا كان يسعى بالناس مدة فحضره رجل وبذل في عشرة آلاف دينار فقال أنا أعطيك عشرة آلاف دينار ودلني على آخر مثله لأحبسه وأكف شره عن الناس.\rقال ابن الجوزي: وكان المستنجد موصوفاً بالفهم الثاقب والرأي الصائب والذكاء الغالب والفضل الباهر له نظم بديع ونثر بليغ ومعرفة بعمل آلات الفلك والإسطرلاب وغير ذلك.\rومن شعره:\rعيرتني بالشيب وهو وقار ... ليتها عيرت بما هو عار\rإن تكن شابت الذوائب مني ... فالليالي تزينها الأقمار\rوله في بخيل:\rوباخل أشعل في بيته ... تكرمه منه لنا شمعة\rفما جرت من عينها دمعة ... حتى جرت من عينه دمعة\rوله في وزيره ابن هبيرة وقد رأى منه ما يعجبه من تدبير مصالح المسلمين:\rصفت نعمتان خصتاك وعمتا ... بذكرهما حتى القيامة تذكر\rوجودك والدنيا إليك فقيرة ... وجودك والمعروف في الناس منكر\rفلو رام يحيى مكانك جعفر ... ويحيى لكفا عنه يحيى وجعفر\rولم أر من ينوي لك السوء يا أبا ال ... مظفر إلا كنت أنت المظفر\rمات في ثمان ربيع الآخر سنة ست وستين.\rوكان في أول سنة من خلافته مات الفائز صاحب مصر وقام بعده العاضد لدين الله آخر خلفاء بني عبيد.\rوفي سنة اثنتين وستين جهز السلطان نور الدين الأمير أسد الدين شيركوه في ألفي فارس إلى مصر فنزل بالجيزة وحاصر مصر نحو شهرين فاستنجد صاحبها بالفرنج فدخلوا من دمياط لنجدته فرحل أسد الدين إلى الصعيد ثم وقعت بينه وبين المصريين حرب انتصر فيها على قلة عسكره وكثرة عدوه وقتل من الفرنج ألوفاً ثم جبى أسد الدين خراج الصعيد وقصد الفرنج الإسكندرية وقد أخذها صلاح الدين يوسف بن أيوب وهو ابن أخ أسد الدين فحاصروها أربعة أشهر فتوجه أسد الدين إليهم فرحلوا عنها فرجع إلى الشام.","part":1,"page":182},{"id":183,"text":"وفي سنة أربع وستين قصدت الفرنج الديار المصرية في جيش عظيم فملكوا بلبيس وحاصروا القاهرة فأحرقها صاحبها خوفاً منهم ثم كاتب السلطان نور الدين يستنجد به فجاء أسد الدين بجيوشه فرحل الفرنج عن القاهرة لما سمعوا بوصوله ودخل أسد الدين فولاه العاضد صاحب مصر الوزارة وخلع عليه فلم يلبث أسد الدين أن مات بعد خمسة وستين يوماً فولى العاضد مكانه ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب وقلده الأمور ولقبه الملك الناصر فقام بالسلطنة أتم قيام.\rومن أخبار المستنجد قال الذهبي: ما زالت الحمرة الكثيرة تعرض في السماء منذ مرض وكان يرى ضوءها على الحيطان.\rوممن مات في أيامه من الأعلام الديلمي صاحب مسند الفردوس والعمراني صاحب البيان من الشافعية وابن البرزي شافعي أهل الجزيرة والوزير ابن هبيرة والشيخ عبد القادر الجيلي والإمام أبو سعيد السمعاني وأبو النجيب السهروردي وأبو الحسن بن هذيل المقرئ وآخرون.\rالمستضيء بأمر الله الحسن\rالمستضيء بأمر الله الحسن أبو محمد بن المستنجد بالله ولد سنة ست وثلاثين وخمسمائة وأمه أم ولد أرمنية اسمها غضة بويع له بالخلافة يوم موت أبيه.\rقال ابن الجوزي: فنادى برفع المنكوس ورد المظالم وأظهر من العدل والكرم ما لم نره في أعمارنا وفاق مالا عظيماً على الهاشمين والعلويين والعلماء والمدارس والربط وكان دائم البذل للمال وليس له عنده وقع ذا حلم وأناه ورأفة ولما استخلف خلع على أرباب الدولة وغيرهم فحكى خياط المخزن أنه فصل ألفاً وثلاثمائة قباء إبريسم وخطب له على منابر بغداد ونثرت الدنانير كما جرت العادة وولى روح بن الحديثي القضاء وأمر سبعة عشر مملوكاً وللحيص بيص فيه:\rيا أمام الهدى علوت على الجو ... د بمال وفضة ونضار\rفوهبت الأعمار والأمن والبل ... دان في ساعة مضت من نهار\rفماذا يثني عليك وقد جا ... وزت فضل البحور والأمطار\rإنما أنت معجز مستقل ... خارق للعقول والأفكار\rجمعت نفسك الشريفة بالبأ ... س وبالجود بين ماء ونار\rقال ابن الجوزي: واحتجب المستضيء عن أكثر الناس فلم يركب إلا مع الخدم ولا يدخل عليه غيرهم.\rوفي خلافته انقضت دولة بني عبيد وخطب له بمصر وضربت السكة باسمه وجاء البشير بذلك فعلقت الأسواق ببغداد وعملت القباب وصنفت كتاباً سميته النصر على مصر هذا كلام ابن الجوزي.\rوقال الذهبي: في أيامه ضعف الرفض ببغداد ووهى وأمن الناس ورزق سعادة عظيمة في خلافته وخطب له باليمن وبرقة وتوزر ومصر إلى أسوان ودانت الملوك بطاعته وذلك سنة سبع وستين.\rوقال العماد الكاتب: استفتح السلطان صلاح الدين بن أيوب سنة سبع بجامع مصر كل طاعة وسمع وهو إقامة الخطبة في الجمعة الأولى منها بمصر لبني العباس وعفت البدعة وصفت الشرعة وأقيمت الخطبة العباسية في الجمعة الثانية بالقاهرة وأعقب ذلك موت العاضد في يوم عاشوراء وتسلم صلاح الدين القصر بما فيه من الذخائر والنفائس بحيث استمر البيع فيه عشر سنين غير ما اصطفاه صلاح الدين لنفسه وسير السلطان نور الدين بهذه البشارة شهاب الدين المطهر ابن العلامة شرف الدين ابن أبي عصرون إلى بغداد وأمرني بإنشاء بشارة عامة تقرأ في سائر بلاد الإسلام فأنشأت بشارة أولها: الحمد الله معلي الحق ومعلنه وموهي الباطل وموهنه ومنها ولم يبق بتلك البلاد منبر إلا وقد أقيمت عليه الخطبة لمولانا الإمام المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين وتمهدت جوامع الجمع وتهدمت صوامع البدع إلى أن قال وطالما مرت عليها الحقب الخوالي وبقيت مائتين وثمان سنين ممنوة بدعوة المبطلين مملوءة بحزب الشياطين فملكنا الله تلك البلاد ومكن لنا في الأرض وأقدرنا على ما كنا نؤمله من إزالة الإلحاد والرفض وتقدمنا إلى من استنبناه أن يقيم الدعوة العباسية هنالك ويورد الأدعياء ودعاة الإلحاد بها المهالك.\rوللعماد قصيدة في ذلك منها:\rقد خطبنا للمستضيء بمصر ... نائب المصطفى إمام العصر\rوخذلنا لنصره العضد العا ... ضد والقاصر الذي بالقصر\rوتركنا الدعي يدعو ثبوراً ... وهو بالذل تحت حجر وحصر","part":1,"page":183},{"id":184,"text":"وأرسل الخليفة في جواب البشارة الخلع والتشريفات لنور الدين وصلاح الدين وأعلامنا وبنوداً للخطباء بمصر وسير للعماد الكاتب خلعة ومائة دينار فعمل قصيدة أخرى منها:\rأدالت بمصر لداعي الهدا ... ة وانتقمت من دعي اليهود\rوقال ابن الأثير: السبب في إقامة الخطبة العباسية بمصر أن صلاح الدين يوسف بن أيوب لما ثبت قدمه وضعف أمر العاضد كتب إليه نور الدين محمود بن زنكي يأمره بذلك فاعتذر بالخوف من وثوب المصريين فلم يصغ إلى قوله وأرسل يلزمه بذلك واتفق أن العاضد مرض فاستشار صلاح الدين أمراءه فمنهم من وافق ومنهم من خاف وكان قد دخل مصر أعجمي يعرف بالأمير العالم فلما رأى ما هم فيه من الإحجام قال أنا أبتدئ بها فلما كان أول جمعة من المحرم صعد المنبر قبل الخطيب ودعا للمستضيء فلم ينكر ذلك أحد فلما كان الجمعة الثانية أمر صلاح الدين الخطباء بقطع خطبة العاضد ففعل ذلك ولم ينتطح فيها عنزان والعضد شديد المرض فتوفي في يوم عاشوراء.\rوفي سنة تسع وستين أرسل نور الدين إلى الخليفة بتقادم وتحف منها حمار مخطط وثوب عتابي وخرج الخلق للفرجة عليه وكان فيهم رجل عتابي كثير الدعاوي وهو بليد ناقص الفضيلة فقال رجل إن كان قد بعث إلينا حمار عتابي فنحن عندنا عتابي حمار.\rوفيها وقع برد بالسواد كالنارنج هدم الدور وقتل جماعة وكثيراً من المواشي وزادت دجلة زيادة عظيمة بحيث غرقت بغداد وصليت الجمعة خارج السور وزادت الفرات أيضاً وأهلكت قرى ومزارع وابتهل الخلق إلى الله تعالى ومن العجائب أن هذا الماء عل هذه الصفة ودجيل قد هلكت مزارع بالعطش.\rوفيها مات السلطان نور الدين وكان صاحب دمشق وابنه الملك الصالح إسماعيل وهو صبي فتحركت الفرنج بالسواحل فصولحوا بمال وهودنوا.\rوفيها أراد جماعة من شيعة العبيديين ومحبيهم إقامة الدعوة وردها إلى آل العاضد ووافقهم جماعة من أمراء صلاح الدين فاطلع صلاح الدين على ذلك فصلبهم بين القصرين.\rوفي سنة اثنتين وسبعين أمر صلاح الدين ببناء السور الأعظم المحيط بمصر والقاهرة وجعل على بنائه الأمير بهاء الدين قراقوش.\rقال ابن الأثير: دوره تسعة وعشرون ألف ذراع وثلاثمائة ذراع بالهاشمي.\rوفيها أمر بإنشاء قلعة بجبل المقطم وهي التي صارت دار السلطنة ولم تتم إلا في أيام السلطان الملك الكامل بن أخي صلاح الدين وهو أول من سكنها.\rوفيها بنى صلاح الدين تربة الإمام الشافعي.\rوفي سنة أربع وسبعين هبت ببغداد ريح شديدة نصف الليل وظهرت أعمدة مثل النار في أطراف السماء واستغاث الناس استغاثة شديدة وبقي الأمر على ذلك إلى السحر.\rوفي سنة خمسة وسبعين مات الخليفة المستضيء في سلخ شوال وعهد إلى ابنه أحمد.\rوممن مات في أيام المستضيء من الأعلام ابن الخشاب النحوي وملك النحاة أبو نزار الحسن بن صافي والحافظ أبو العلاء الهمذاني وناصح الدين بن الدهان النحوي والحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر من حفدة الشافعي والحيص بيص الشاعر والحافظ أبو بكر بن خير وآخرون.\rالناصر لدين الله أحمد\rالناصر لدين الله. أحمد أبو العباس بن المستضيء بأمر الله ولد يوم الاثنين عاشر رجب سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة وأمه أم ولد تركية اسمها زمرد وبويع له عند موت أبيه في مستهل ذي القعدة سنة خمس وسبعين وأجاز له جماعة: منهم أبو الحسن عبد الحق اليوسفي وأبو الحسن علي بن عساكر البطايحي وشهدة وأجازه هو لجماعة فكانوا يحدثون عنه في حياته ويتنافسون في ذلك رغبة في الفخر لا في الاسناد.","part":1,"page":184},{"id":185,"text":"وقال الذهبي: ولم يل الخلافة أحد أطول مدة منه فإنه أقام فيها سبعة وأربعين سنة ولم تزل مدة حياته في عز وجلالة وقمع الأعداء واستظهار على الملوك ولم يجد ضيماً ولا خرج عليه خارجي إلا قمعه ولا مخالف إلا دفعه وكل من أضمر له سوءاً رماه الله بالخذلان وكان مع سعادة جده شديد الاهتمام بمصالح الملك لا يخفى عليه شيء من أحوال رعيته كبارهم وصغارهم وأصحاب أخباره في أقطار البلاد يوصلون إليه أحوال الملوك الظاهرة والباطنة وكانت له حيل لطيفة ومكائد غامضة وخدع لا يفطن لها أحد يوقع الصداقة بين ملوك متعادين وهم لا يشعرون ويوقع العداوة بين ملوك متفقين وهم لا يفطنون ولما دخل رسول صاحب مازندران بغداد كانت تأتيه ورقة كل صباح بما عمل في الليل فصار يبالغ في التكتم والورقة تأتيه بذلك فاختلى ليلة بامرأة دخلت من باب السر فصبحته الورقة بذلك وفيها كان عليكم دواج فيه صورة الفيل فتحير وخرج من بغداد وهو لا يشك أن الخليفة يعلم الغيب لأن الإمامية يعتقدون أن الإمام المعصوم يعلم ما في بطن الحامل وما وراء الجدار وأتى رسول خوارزم شاه برسالة مخفية وكتاب مختوم فقيل له ارجع فقد عرفنا ما جئت به فرجع وهو يظن أنهم يعلمون الغيب.\rقال الذهبي: قيل إن الناصر كان مخدوماً من الجن.\rولما ظهر خوارزم شاه بخراسان وما وراء النهر وتجبر وطغى واستعبد الملوك الكبار وأباد أمماً كثيرة وقطع خطبة بني العباس من بلاده وقصد بغداد فوصل إلى همذان فوقع عليهم ثلج عظيم عشرين يوماً فغطاهم في غير أوانه فقال له بعض خواصه إن ذلك غضب من الله حيث قصدت بيت الخلافة.\rوبلغه أن أمم الترك قد تألبوا عليه وطمعوا في البلاد لبعده عنها فكان ذلك سبب رجوعه وكفي الناصر شره بلا قتال.\rوكان الناصر إذا أطعم أشبع وإذا ضرب أوجع وله مواطن يعطي فيها عطاء من لا يخاف الفقر.\rووصل إليه رجل معه ببغاء تقرأ \" قل هو الله أحد \" تحفة للخليفة من الهند فأصبحت ميتة وأصبح حيران فجاءه فراش يطلب منه الببغاء فبكى وقال الليلة ماتت فقال قد عرفنا هاتها ميتة وقال كم كان ظنك أن يعطيك الخليفة قال خمسمائة دينار قال هذه خمسمائة دينار خذها فقد أرسلها إليك الخليفة فإنه أعلم بحالك منذ خرجت من الهند.\rوكان صدرجهان قد صار إلى بغداد ومعه جماعة من الفقهاء وواحد منهم لما خرج من داره من سمرقند على فرس جميلة فقال له أهله: لو تركتها عندنا لئلا تؤخذ منك في بغداد فقال الخليفة لا يقدر أن يأخذها مني فأمر بعض القوادين انه حين يدخل بغداد يضربه ويأخذها منه ويهرب في الزحمة ففعل فجاء الفقيه يستغيث فلا يغاث فلما رجعوا من الحج خلع على صدرجهان وأصحابه وخلع على ذلك الفقيه وقدمت له فرسه وعليها سرج من ذهب وطوق وقيل له لم يأخذ فرسك الخليفة إنما أخذها أتوني فخر مغشياً عليه وأسجل بكرامتهم.\rوقال المرفق عبد اللطيف كان الناصر قد ملأ القلوب هيبة وخيفة فكان يرهبه أهل الهند ومصر كما يرهبه أهل بغداد فأحيا بهيبته الخلافة وكانت قد ماتت بموت المعتصم ثم ماتت بموته.\rوكان الملوك والأكابر بمصر والشام إذا جرى ذكره في خلواتهم خفضوا أصواتهم هيبة وإجلالا وورد بغداد تاجر ومعه قناع دمياط المذهب فسألوه عنه فأنكر فأعطى علامات فيه: من عدده وألوانه وأصنافه فازداد إنكاره فقيل له: من العلامات أنك نقمت على مملوكك التركي فلان فأخذته إلى سيف بحر دمياط في خلوة وقتلته ودفنته هناك ولم يشعر بذلك أحد.\rقال ابن النجار: دانت السلاطين للناصر ودخل في طاعته من كان من المخالفين وذلت له العتاة والطغاة وانقهرت بسيفه الجبابرة واندحض أعداؤه وكثر أنصاره وفتح البلاد العديدة وملك من الممالك ما لم يملكه أحد ممن تقدمه من الخلفاء والملوك وخطب له ببلاد الأندلس وبلاد الصين وكان أشد بني العباس تنصدع لهيبته الجبال وكان حسن الخلق لطيف الخلق كامل الظرف فصيح اللسان بليغ البيان له التوقيعات المسددة والكلمات المؤيدة وكانت أيامه غرة في وجه الدهر وردة في تاج الفخر.","part":1,"page":185},{"id":186,"text":"وقال ابن واصل: كان الناصر شهماً شجاعاً ذا فكرة صائبة وعقل رصين ومكر ودهاء وله أصحاب أخبار في العراق وسائر الأطراف يطالعونه بجزيئات الأمور حتى ذكر أن رجلا ببغداد عمل دعوة وغسل يده قبل أضيافه فطالع صاحب الخبر الناصر بذلك فكتب في جواب ذلك سوء أدب من صاحب الدار وفضول من كاتب المطالعة قال وكان مع ذلك رديء السيرة في الرعية مائلا إلى الظلم والعسف ففارق أهل البلاد بلادهم وأخذ أموالهم وأملاكهم وكان يفعل أفعالا متضادة وكان يتشيع ويميل إلى مذهب الإمامية بخلاف آبائه حتى إن ابن الجوزي سئل بحضرته من أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أفضلهم بعده من كانت ابنته تحته ولم يقدر أن يصرح بتفضيل أبي بكر.\rوقال ابن الأثير: كان الناصر يسيئ السيرة خربت في أيامه العراق مما أحدثه من الرسوم وأخذ أموالهم وأملاكهم وكان يفعل الشيء وضده وكان يرمي بالبندق ويغوي الحمام.\rوقال الموفق عبد اللطيف: وفي وسط ولايته اشتغل برواية الحديث واستناب نواباً في الإجازة عنه والتسميع وأجرى عليهم جرايات وكتب للملوك والعلماء إجازات وجمع كتاباً سبعين حديثاً ووصل إلى حلب وسمعه الناس.\rقال الذهبي: أجاز الناصر لجماعة من الأعيان فحدثوا عنه: منهم ابن سكينة وابن الأخضر وابن النجار وابن الدامغاني وآخرون.\rقال أبو المظفر سبط ابن الجوزي وغيره: قل بصر الناصر في آخر عمره وقيل ذهب كله ولم يشعر بذلك أحد من الرعية حتى الوزير وأهل الدار وكان له جارية قد علمها الخط بنفسه فكانت تكتب مثل خطه فتكتب على التواقيع.\rوقال شمس الدين الجزري: كان الماء يشربه الناصر تأتي به الدواب من فوق بغداد بسبعة فراسخ ويغلي سبع غلوات كل يوم غلوة ثم يحبس في الأوعية سبعة أيام ثم يشرب منه ومع هذا ما مات حتى سقي المرقد مرات وشق ذكره وأخرج منه الحصى ومات منه يوم الأحد سلخ من رمضان سنة اثنتين وعشرين وستمائة.\rومن لطائفه أن خادماً اسمه يمن كتب إليه ورقة فيها عتب فوقع فيها سيفه ماءها فرجل الأسماء الكاذبة الراكبة على المنابر وأعز بتأييد إبراهيمي فكسر الأصنام الباطنة بسيفه الطاهر.\rومن الحوادث في أيامه منشورة في سنة سبع وسبعين وخمسمائة أرسل الملك الناصر يعاتب السلطان صلاح الدين في تسميه بالملك الناصر مع علمه أن الخليفة اختار هذه التسمية لنفسه. وفي سنة ثمانين جعل الخليفة مشهد موسى الكاظم أمناً لمن لاذ به فالتجأ إليه خلق وحصل بذلك مفاسد.\rوفي سنة إحدى وثمانين ولد بالعلث ولد طول جبهته شبر وأربع أصابع وله أذن واحدة.\rوفيها وردت الأخبار بأنه خطب للناصر بمعظم بلاد المغرب.\rوفي سنة اثنتين وثمانين اجتمع الكواكب الستة في الميزان فحكم المنجمون بخراب العالم في جميع البلاد بطوفان الريح فشرع الناس في حفر مغارات في التخوم وتوثيقها وسد منافسها على الريح ونقلوا إليها الماء والزاد وانتقلوا إليها وانتظروا الليلة التي وعدوا فيها بريح كريح عاد وهي الليلة التاسعة من جمادى الآخرة فلم يأت فيها شيء ولا هب فيها نسيم بحيث أوقدت الشموع فلم يتحرك فيها ريح تطفئها وعملت الشعراء في ذلك فمما قيل فيه قول أبي الغنائم محمد بن المعلم:\rقال لأبي الفضل قول معترف ... مضى جمادى وجاءنا رجب\rوما جرت زعزع كما حكموا ... ولا بدا كوكب له ذنب\rكلا ولا أظلمت ذكاء ولا ... بدت إذن في قرونها الشهب\rيقضي عليها من ليس يعلم ما ... يقضي عليه هذا هو العجب\rقد بان كذب المنجمين وفي ... أي مقال قالوا فما كذبوا\rوفي سنة ثلاث وثمانين اتفق أن أول يوم في السنة كان أول أيام الأسبوع وأول السنة الشمسية وأول سني الفرس والشمس والقمر في أول البروج وكان ذلك من الإتفاقات العجيبة.\rوفيها كانت الفتوحات الكثيرة أخذ السلطان صلاح الدين كثيراً من البلاد الشامية التي كانت بيد الفرنج وأعظم ذلك بيت المقدس وكان بقاؤه في يد الفرنج إحدى وتسعين سنة وأزال السلطان ما أحدثه الفرنج من الآثار وهدم ما أحدثوا من الكنائس وبنى موضع الكنيسة منها مدرسة للشافعية فجزاه الله عن الإسلام خيراً ولم يهدم القمامة اقتداء بعمر رضي الله عنه حيث لم يهدمهما لما فتح بيت المقدس وقال في ذلك محمد بن أبي أسعد النسابة:","part":1,"page":186},{"id":187,"text":"أترى مناماً ما بعيني أبصر ... القدس يفتح والنصارى تكسر\rوقمامة قمت من الرجس الذي ... بزواله وزوالها يتطهر\rومليكهم في القيد مصفود ولم ... ير قبل ذاك لهم مليك يؤسر\rقد جاء نصر الله والفتح الذي ... وعد الرسول فسبحوا واستغفروا\rيا يوسف الصديق أنت لفتحها ... فاروقها عمر الإمام الأطهر\rومن الغرائب أن ابن برجان ذكر في تفسير \" ألم غلبت الروم \" \" الروم: 1 - 2 \" أن بيت المقدس يبقى في يد الروم إلى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة ثم يغلبون ويفتح ويصير دار إسلام إلى آخر الأبد أخذاً من حساب الآية فكان كذلك.\rقال أبو شامة: وهذا الذي ذكره ابن برجان من عجائب ما اتفق وقد مات ابن برجان قبل ذلك بدهر فإن وفاته سنة ست وثلاثين وخمسمائة.\rوفي سنة تسع وثمانين مات السلطان صلاح الدين رحمه الله فوصل إلى بغداد الرسول وفي صحبته لأمة الحرب التي لصلاح الدين وفرسه ودينار واحد وستة وثلاثون درهماً لم يخلف من المال سواها واستقرت مصر لابنه عماد الدين عثمان الملك العزيز ودمشق لابنه الملك الأفضل نور الدين علي وحلب لابنه الملك الظاهر غياث الدين غازي.\rوفي سنة تسعين مات السلطان طغرلبك شاه بن أرسلان بن طغرلبك بن محمد بن ملك شاه وهو آخر ملوك السلجوقية.\rقال الذهبي: وكان عددهم نيفاً وعشرين ملكاً أولهم طغرلبك الذي أعاد القائم إلى بغداد ومدة دولتهم مائة وستون سنة.\rوفي سنة خمسمائة واثنتين وتسعين هبت ريح سوداء بمكة عمت الدنيا ووقع على الناس رمل أحمر ووقع من الركن اليماني قطعة.\rوفيها عسكر خوارزم شاه فعدا جيحون في خمسين ألفاً وبعث إلى الخليفة يطلب السلطنة وإعادة دار السلطنة إلى ما كانت وأن يجيء إلى بغداد ويكون الخليفة من تحت يده كما كانت الملوك السلجوقية فهدم الخليفة دار السلطنة ورد رسوله بلا جواب ثم كفي شره كما تقدم.\rوفي سنة ثلاث وتسعين أنقض كوكب عظيم سمع لانقضاضه صوت هائل واهتزت الدور والأماكن فاستغاث الناس وأعلنوا بالدعاء وظنوا ذلك من إمارات القيامة.\rوفي سنة خمس وتسعين مات الملك العزيز بمصر وأقيم ابنه المنصور بدله فوثب الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب وتملكها ثم أقام بها ابنه الملك الكامل.\rوفي سنة ست وتسعين توقف النيل بمصر بحيث كسرها ولم يكمل ثلاثة عشر ذراعاً وكان الغلاء المفرط بحيث أكلوا الجيف والآدميين وفشا أكل بني آدم واشتهر ورئي من ذلك العجب العجاب وتعدوا إلى حفر القبور وأكل الموتى وتمزق أهل مصر كل ممزق وكثر الموت من الجوع بحيث كان الماشي لا يقع قدمه أو بصره إلا على ميت أو من هو في السياق وهلك أهل القرى قاطبة بحيث إن المسافر يمر بالقرية فلا يرى فيها نافخ نار ويجد البيوت مفتحة وأهلها موتى.\rوقد حكى الذهبي: في ذلك حكايات يقشعر الجلد من سماعها قال وصارت الطرق مزرعة بالموتى وصارت لحومها للطير ولا سباع وبيعت الأحرار والأولاد بالدراهم اليسيرة واستمر ذلك إلى أثناء سنة ثمان وتسعين.\rوفي سنة سبع وتسعين جاءت زلزلة كبرى بمصر والشام والجزيرة فأخرجت أماكن كثيرة وقلاعاً وخسفت قرية من أعمال بصرى.\rوفي سنة تسع وتسعين في سلخ المحرم ماجت النجوم وتطايرت تطاير الجراد ودام ذلك إلى الفجر وانزعج الخلق وضجوا إلى الله تعالى ولم يعهد ذلك إلا عند ظهور رسول صلى الله عليه وسلم.\rوفي سنة ستمائة هجم الفرنج على النيل من رشيد ودخلوا بلد فوة فنهبوها واستباحوا ورجعوا. وفي سنة إحدى وستمائة تغلبت الفرنج على القسطنطينية وأخرجوا الروم منها وكانت بأيدي الروم من قبل الإسلام واستمرت بيد الفرنج إلى سنة ستين وستمائة فاستطلقها منهم الروم.\rوفي سنة ست وستمائة كان ابتداء أمر التتار وسيأتي شرح حالهم.\rوفي سنة خمس عشرة أخذت الفرنج من دمياط برج السلسلة.\rقال أبو شامة: وهذا البرج كان قفل الديار المصرية وهو برج عال في وسط النيل ودمياط بحذائه من شرقية والجزيرة بحذائه من غربيه وفي ناحيته سلسلتان تمتد إحداهما على النيل إلى دمياط والأخرى على النيل إلى الجزيرة تمنعان عبور المراكب من البحر المالح.","part":1,"page":187},{"id":188,"text":"وفي سنة ست عشر أخذت الفرنج دمياط بعد حروب ومحاصرات وضعف الملك الكامل عن مقاومتهم فبدعوا فيها وجعلوا الجامع كنيسة فابتنى الملك الكامل عن مدينة عند مفرق البحرين سموها المنصورة وبنى عليها سوراً ونزلها بجيشه.\rوفي هذه السنة كاتبه قاضي القضاة ركن الدين الظاهر وكان الملك المعظم صاحب دمشق في نفسه منه فأرسل له بقجة فيها قباء وكلوته وأمره بلبسها بين الناس في مجلس حكمه فلم يمكنه الامتناع ثم قام ودخل داره ولزم بيته ومات بعد أشهر قهراً ورمى قطعاً من كبده وتأسف الناس لذلك واتفق أن الملك المعظم أرسل في عقب ذلك إلى الشرف بن عنين حين تزهد خمراً وبرداً وقال: سبح بهذا فكتب إليه يقول:\rيا أيها الملك المعظم سنة ... أحدثتها تبقي على الآباد\rتجري الملوك على طريقك بعدها ... خلع القضاة وتحفة الزهاد\rوفي سنة ثمان عشرة استردت دمياط من الفرنج فلله الحمد.\rوفي سنة إحدى وعشرين بنيت دار الحديث الكاملية بالقاهرة بين القصرين وجعل شيخها أبا الخطاب بن دحية وكانت الكعبة تكسي الديباج الأبيض من أيام المأمون إلى الآن فكساها الناصر ديباجاً أخضر ثم كساها ديباجاً أسود فاستمر إلى الآن.\rوممن مات في أيام الناصر من الأعلام الحافظ أبو طاهر السلفي وأبو الحسن بن القصار اللغوي والكمال أبو البركات بن الأنباري والشيخ أحمد بن الرفاعي الزاهد وابن بشكوال ويونس والد يونس الشافعي وأبو بكر بن طاهر الأحدب النحوي وأبو الفضل والد الرافعي وابن ملكون النحوي وعبد الحق الإشبيلي صاحب الأحكام وأبو زيد السهيلي صاحب الروض الأنف والحافظ أبو موسى المديني وابن بري اللغوي والحافظ والعتابي والحافظ أبو بكر الحازمي والشرف ابن أبي عصرون وأبو القاسم البخاري والعتابي صاحب الجامع الكبير من كبار الحنفية والنجم الحبوشاني المشهور بالصلاح وأبو القاسم بن فيرة الشاطبي صاحب القصيدة وفخر الدين أبو شجاع محمد بن علي بن شعيب بن الدهان الفرضي أول من وضع الفرائض على شكل المنبر والبرهان المرغيناني صاحب الهداية من الحنفية وقاضي خان صاحب الفتاوى منهم وعبد الرحيم بن حجون الزاهد بالصعيد وأبو الوليد ابن رشد صاحب العلوم الفلسفية وأبو بكر بن زهر الطبيب والجمال بن فضلان من الشافعية والقاضي الفاضل صاحب الإنشاء والترسل والشهاب الطوسي وأبو الفرج بن الجوزي والعماد الكاتب وابن عظيمة المقري والحافظ عبد الغني المقدسي صاحب العمدة والبركي الطاوسي صاحب الخلاف وتميم الحلي وأبو ذر الخشني النحوي والإمام فخر الدين الرازي وأبو السعادات ابن الأثير صاحب جامع الأصول ونهاية الغريب والعماد بن يونس صاحب شرح الوجيز والشرف صاحب التنبيه والحافظ أبو الحسن بن المفضل وأبو محمد بن حوط الله وأخوه أبو سليمان والحافظ عبد القادر الرهاوي والزاهد أبو الحسن بن الصباغ بقنا والوجيه ابن الدهان النحوي وتقي الدين بن المقترح وأبو اليمن الكندي النحوي والمعين الحاجري صاحب الكفاية من الشافعية والركن العميدي صاحب الطريقة في الخلاف وأبو البقاء العكبرى صاحب الإعراب وابن أبي أصيبعة الطبيب وعبد الرحيم بن السمعاني ونجم الدين الكبري وابن أبي الصيف اليمني وموفق الدين بن قدامة الحنبلي وفخر الدين بن عساكر وخلائق آخرون.\rالظاهر بأمر الله أبو نصر\rالظاهر بأمر الله أبو نصر محمد بن الناصر لدين الله.\rولد سنة إحدى وسبعين وخمسمائة وبايع له أبوه بولاية العهد واستخلف عند الموت والده وهو ابن اثنين وخمسون سنة فقيل له ألا تتفسح؟ قال: لقد يبس الزرع فقيل يبارك الله في عمرك قال: من فتح دكاناً بعد العصر إيش يكسب؟.\rثم إنه أحسن إلى الرعية وأبطل المكوس وأزال المظالم وفرق الأموال ذكر ذلك أبو شامة.\rوقال ابن الأثير في الكامل: لما ولي الظاهر الخلافة أظهر من العدل والإحسان ما أعاد به سنة العمرين فلو قيل إنه ما ولي الخلافة بعد عمر ابن عبد العزيز مثله لكان القائل صادقاً فإنه أعاد الأموال المغصوبة والأملاك المأخوذة في أيام أبيه وقبلها شيئاً كثيراً وأبطل المكوس في البلاد جميعها وأمر بإعادة الخراج القديم في جميع العراق وبإسقاط جميع ما جدده أبوه وكان ذلك كثيراً لا يحصى.","part":1,"page":188},{"id":189,"text":"فمن ذلك أن قرية بعقوبا كان يحصل منها قديماً عشرة آلاف دينار فلما استخلف الناصر كان يؤخذ منها في السنة ثمانون ألف دينار فاستغاث أهلها فأعادها الظاهر إلى الخراج الأول.\rولما أعاد الخراج الأصلي على البلاد حضر خلق وذكروا أن أملاكهم قد يبست أكثر أشجارها وخربت فأمر أن لا يؤخذ إلا من كل شجرة سالمة.\rومن عدله أن صنجة الخزانة كانت راجحة نصف قيراط في المثقال يقبضون بها ويعطون بصنجة البلد فخرج خطه إلى الوزير وأوله \" ويل للمطففين \" \" المطففين: 1 \" الآيات وفيه: قد بلغنا أن الأمر كذا وكذا فتعاد صنجة الخزانة إلى ما يتعامل به الناس فكتبوا إليه أن هذا فيه تفاوتاً كثيراً وقد حسبنا في العام الماضي فكان خمسة وثلاثين ألف دينار فأعاد الجواب ينكر على القائل ويقول يبطل ولو أنه ثلاثمائة ألف وخمسون ألف دينار.\rومن عدله أن صاحب الديوان قدم من واسط ومعه أزيد من مائة ألف دينار من ظلم فردها على أربابها وأخرج أهل الحبوس وأرسل إلى القاضي عشرة آلاف دينار ليوفيها عمن أعسر وفرق ليلة عيد النحر على العلماء والصلحاء مائة ألف دينار وقيل له هذا الذي تخرجه من الأموال لا تسمح نفس ببعضه فقال أنا فتحت الدكان بعد العصر فاتركوني أفعل الخير فكم بقيت أعيش؟.\rووجد في بيت من داره ألوف رقاع كلها مختومة فقيل له لم لا تفتحها قال لا حاجة لنا فيها كلها سعايات وهذا كله كلام ابن الأثير.\rوقال سبط ابن الجوزي: لما دخل إلى الخزائن قال له خادم: كانت في أيام آبائك تمتلئ فقال ما جعلت الخزائن لتمتلئ بل تفرغ وتنفق في سبيل الله فإن الجمع شغل التجار؟.\rوقال ابن واصل: أظهر العدل وأزال المكس وظهر للناس وكان أبوه لا يظهر إلا نادراً.\rتوفي رحمه الله في ثالث عشر رجب سنة ثلاث وعشرين فكانت خلافته تسعة أشهر وأياماً.\rوقد روي الحديث عن والده بالإجازة وروي عنه أبو صالح نصر ابن عبد الرزاق بن الشيخ عبد القادر الجيلي.\rولما توفي اتفق خسوف القمر مرتين في السنة فجاء ابن الأثير نصر الله رسولا من صاحب الموصل برسالة في التعزية أولها ما لليل والنهار لا يعتذران وقد عظم حدثها وما للشمس والقمر لا ينكسفان وقد فقد ثالثهما:\rفيا وحشة الدنيا وكانت أنيسة ... ووحدة من فيها لمصرع واحد\rوهو سيدنا ومولانا الإمام الظاهر أمير المؤمنين الذي جعلت ولايته رحمه للعالمين إلى آخر الرسالة.\rالمستنصر بالله أبو جعفر\rالمستنصر بالله: أبو جعفر منصور بن الظاهر بأمر الله.\rولد في صفر سنة ثمان وثمانين وخمسمائة وأمه جارية تركية.\rقال ابن النجار: وبويع بعد موت أبيه في رجب سنة ثلاث وعشرين وستمائة فنشر العدل في الرعايا وبذل الإنصاف في القضايا وقرب أهل العلم والدين وبني المساجد والربط والمدارس والمارستانات وقام منار الدين وقمع المتمردة ونشر السنن وكف الفتن وحمل الناس على أقوم سنن وقام بأمر الجهاد أحسن قيام وجمع الجيوش لنصرة الإسلام وحفظ الثغور وافتتح الحصون.\rوقال الموفق عبد اللطيف: بويع أبو جعفر فسار السيرة الجميلة وعمر طرق المعروف الدائرة وأقام شعار الدين ومنار الإسلام واجتمعت القلوب على محبته والألسن على مدحه ولم يجد أحد من المتعنتة فيه معاباً.\rوكان جده الناصر يقربه ويسميه القاضي لهداه وعقله وإنكار ما يجده من المنكر.\rوقال الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري: كان المستنصر راغباً في فعل الخير مجتهداً في تكثير البر وله في ذلك آثار جميلة وأنشأ المدرسة المستنصرية ورتب فيها الرواتب الحسنة لأهل العلم.","part":1,"page":189},{"id":190,"text":"وقال ابن واصل: بنى المستنصر على دجلة من الجانب الشرقي مدرسة ما بنى على وجه الأرض أحسن منها ولا أكثر منها وقوفاً وهي بأربعة مدرسين على المذاهب الأربعة وعمل فيها مارستاناً ورتب فيها مطبخاً للفقهاء ومزملة للماء البارد ورتب لبيوت الفقهاء الحصر والبسط والزيت والورق والحبر وغير ذلك وللفقيه بعد ذلك في الشهر ديناراً ورتب لهم حماماً وهو أمر لم يسبق إلى مثله واستخدم عساكر عظيمة لم يستخدم مثلها أبوه ولا جده وكان ذا همة عالية وشجاعة وإقدام عظيم وقصدت التتار البلد فلقيهم عسكره فهزموا التتار هزيمة عظيمة وكان له أخ يقال له الخفاجي فيه شهامة زائدة وكان يقول لئن وليت لأعبرن بالعسكر نهر جيحون وآخذ البلاد من أيدي التتار واستأصلهم فلما مات المستنصر لم يرد الدويدار ولا الشرابي تقليد الخفاجي خوفاً منه وأقاما ابنه أبا أحمد للينه وضعف رأيه ليكون لهما الأمر ليقضي الله أمراً كان مفعولا من هلاك المسلمين في مدته وتغلب التتار فإنا لله وإنا إليه راجعون.\rقال الذهبي وقد بلغ ارتفاع وقوف المستنصرية في العام نيفاً وسبعين ألف مثقال وكان ابتداء عمارتها في سنة خمس وعشرين وتمت في سنة إحدى وثلاثين ونقل إليها الكتب وهي مائة وستون حملا من الكتب النفيسة وعدد فقهائها مائتان وثمانية أربعون فقيهاً من المذاهب الأربعة وأربعة مدرسون وشيخ حديث وشيخ نحو وشيخ طب وشيج فرائض ورتب فيها الخبز والطبيخ والحلاوة والفاكهة وجعل فيها ثلاثين يتيماً ووقف عليها ما لا يعبر عنه كثرة ثم سرد الذهبي القرى والرباع الموقوفة عليها وقال: وفتحت يوم الخميس في رجب وحضر القضاة والمدرسون والأعيان وسائر الدولة وكان يوماً مشهوداً.\rومن الحوادث في أيام المستنصر في سنة ثمان وعشرين أمر الملك الأشرف صاحب دمشق ببناء دار الحديث الأشرفية وفرغت في سنة ثلاثين.\rوفي سنة اثنتين وثلاثين أمر المستنصر بضرب الدراهم الفضية ليتعامل بها بدلا عن قراضة الذهب فجلس الوزير وأحضر الولاة والتجار والصيارفة وفرشت الأنطاع وأفرغ عليها الدراهم وقال الوزير: قد رسم مولانا أمير المؤمنين لمعاملتكم بهذا الدراهم عوضاً عن قراضة الذهب رفقاً بكم وإنقاذاً لكم من التعامل بالحرام من الصرف الربوي فأعلنوا بالدعاء ثم أديرت بالعراق وسعرت كل عشرة بدينار فقال الموفق أبو المعالي القاسم بن أبي الحديد:\rلا عدمنا جميل رأيك فينا ... أنت باعدتنا عن التطفيف\rورسمت اللجين حتى ألفنا ... ه وما كان قبل بالمألوف\rليس للجمع كان منعك للصر ... ف ولكن للعدل والتعريف\rوفي سنة خمس وثلاثين وستمائة ولي قضاء دمشق شمس الدين أحمد الجوني وهو أول قاض رتب مراكز الشهود بالبلد وكان قبل ذلك يذهب الناس إلى بيوت العدول يشهدونهم.\rوفيها مات الإخوان السلطان الأشرف صاحب دمشق والكامل صاحب دمشق والكامل صاحب مصر بعده بشهرين وتسلطن بمصر ولد الكامل قلامة ولقب العادل ثم خلع وتملك أخوه الصالح أيوب نجم الدين.\rوفي سنة سبع وثلاثين وستمائة ولي خطابة دمشق الشيخ عز الدين بن عبد السلام فخطب خطبة عرية من البدع وأزال الأعلام المذهبة وأقام هو عوضها سوداً بأبيض ولم يؤذن قدامه سوى مؤذن واحد.\rوفيها قدم رسول الأمين الذي تملك اليمن نور الدين عمر بن علي بن رسول التركماني إلى الخليفة يطلب تقليد السلطنة باليمن بعد موت الملك المسعود ابن الملك الكامل وبقي الملك في بيته إلى سنة خمس وستين وثمانمائة.\rوفي سنة تسع وثلاثين وستمائة بنى الصالح صاحب مصر المدرسة التي بين القصرين والقلعة التي بالروضة ثم أخرب غلمانه القلعة المذكورة سنة إحدى وخمسين وستمائة.\rوفي سنة أربعين وستمائة توفي المستنصر يوم الجمعة عاشر جمادى الآخرة ورثاه الشعراء فمن ذلك قول صفي الدين عبد الله بن جميل.\rومن مناقب المستنصر أن الوجيه القيرواني مدحه بقصيدة يقول فيها:\rلو كنت في يوم السقيفة حاضراً ... كنت المقدم والإمام الأورعا\rفقال له قائل بحضرته: أخطأت قد كان حاضرا العباس جد أمير المؤمنين ولم يكن المقدم إلا أبو بكر فأقر ذلك المستنصر وخلع على قائل ذلك خلعة وأمر بنفي الوجيه فخرج إلى مصر حكاها الذهبي.","part":1,"page":190},{"id":191,"text":"وممن مات في أيام المستنصر من الأعلام: الإمام أبو القاسم الرافعي والجمال المصري وابن معزوز النحوي وياقوت الحموي والسكاكي صاحب المفتاح والحافظ أبو الحسن بن القطان ويحيى بن معطي صاحب الألفية في النحو والموفق عبد اللطيف البغدادي والحافظ أبو بكر بن نقطة والحافظ عز الدين علي بن الأثير صاحب التاريخ والأنساب وأسد الغابة وابن عتبي الشاعر والسيف الآمدي وابن فضلان وعمر بن الفارض صاحب التائية والشهاب السهرودي صاحب عوارف المعارف والبهاء بن شداد وأبو العباس العوفي صاحب المولد النبوي والعلامة أبو الخطاب بن دحية وأخوه أبو عمرو والحافظ أبو الربيع بن سالم صاحب الإكتفاء في المغازي وابن الشواء الشاعر والحافظ زكي الدين البرزالي والجمال الحصري شيخ الحنفية والشمس الجوبي والحراني وأبو عبد الله الزيني وأبو البركات بن المستوفي والضياء بن الأثير صاحب المثل السائر وابن عربي صاحب الفصوص والكمال ابن يونس شارح التنبيه وخلائق آخرون.\rالمستعصم بالله أبو أحمد\rالمستعصم بالله: أبو أحمد عبد الله بن المستنصر بالله آخر الخلفاء العراقيين.\rولد سنة تسع وستمائة وأمه أم ولد اسمها هاجر وبويع له بالخلافة عند موت أبيه وأجاز له على يد ابن النجار المؤيد الطوسي وأبو روح الهروي وجماعة وروى عنه بالإجازة جماعة: منهم النجم البادرائي والشرف الدمياطي وخرج له الدمياطي أربعين حديثاً رأيتها بخطة وكان كريماً حليماً سليم الباطن حسن الديانة.\rقال الشيخ قطب الدين: كان متديناً متمسكاً بالسنة كأبيه وجده ولكنه لم يكن مثلهما في التيقظ والحزم وعلو الهمة وكان للمستنصر أخ يعرف بالخفاجي يزيد عليه في الشجاعة والشهامة وكان يقول: إن ملكني الله الأمر لأعبرن بالجيوش نهر جيحون وأنتزع البلاد من التتار وأستأصلهم فلما توفي المستنصر لم ير الدويدار والشرابي والكبار تقليد الخفاجي الأمر وخافوا منه وآثروا المستعصم للينه والقيادة ليكون لهم الأمر فأقاموه ثم ركن المستعصم إلى زيره مؤيد الدين العلقمي الرافضي فأهلك الحرث والنسل ولعب بالخليفة كيف أراد وباطن التتار وناصحهم وأطعمهم في المجيء إلى العراق وأخذ بغداد وقطع الدولة العباسية ليقيم خليفة من آل علي وصار إذا جاء خبر منهم كتمه عن الخليفة ويطالع بأخبار الخليفة التتار إلى أن حصل ما حصل.\rوفي سنة سبع وأربعين من أيامه أخذت الفرنج دمياط والسلطان الملك الصالح مريض فمات ليلة نصف شعبان فأخفت جاريته أم خليل المسماة شجرة الدر موته وأرسلت إلى ولده توران شاه الملك المعظم فحضر ثم لم يلبث أن قتل في المحرم سنة ثمان وأربعين وستمائة وثب عليه غلمان أبيه فقتلوه وأمروا عليهم جارية أبيهم شجرة الدر وحلف لها الأتراك ولنائبها عز الدين أيبك التركماني فشرعت شجرة الدر في الخلع للأمراء والأعطيات.\rثم استقل عز الدين بالسلطنة في ربيع الآخر ولقب الملك المعز ثم تنصل منها وحلف العسكر للملك الأشرف بن صلاح الدين يوسف بن المسعود بن الكامل وله ثمان سنين وبقي عز الدين أتابكه وخطب لهما وضربت السكة باسمهما.\rوفي هذه السنة أعني سنة ثمان استردت دمياط من الفرنج.\rوفي سنة اثنتين وخمسين وستمائة ظهرت نار في أرض عدن وكان يطير شررها في الليل إلى البحر ويصعد منها دخان عظيم في النهار.\rوفيها أبطل المعز اسم الملك الأشرف واستقل بالسلطنة.\rوفي سنة أربع وخمسين ظهرت النار بالمدينة النبوية.\rقال أبو شامة: جاءنا كتب من المدينة فيها لما كانت ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة ظهر بالمدينة دوي عظيم ثم زلزلة عظيمة فكانت ساعة بعد ساعة إلى خامس الشهر فظهرت نار عظيمة في الحرة قريباً من قريظة نبصرها من دورنا من داخل المدينة كأنها عندنا وسالت أودية منها إلى وادي شطا سيل الماء وطلعنا نبصرها فإذا الجبال تسيل ناراً وسارت هكذا وهكذا بين نارين كأنها الجبال وطار منها شرر كالقصر إلى أن أبصر ضوءها من مكة ومن الفلاة جميعهما واجتمع الناس كلهم إلى قبر الشريف مستغفرين تائبين واستمرت هكذا أكثر من شهر.\rقال الذهبي: أمر هذه النار متواتر وهي مما أخبر به المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث قال: \" لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى \" وقد حكى غير واحد ممن كان ببصرى في الليل ورأى أعناق الإبل في ضوئها.","part":1,"page":191},{"id":192,"text":"وفي سنة خمس وخمسين وستمائة مات المعز أيبك سلطان مصر قتلته زوجته شجرة الدر وسلطنوا بعده ولده الملك المنصور على هذا والتتار جائلون في البلاد وشرهم متزايد ونارهم تستعرة والخليفة والناس في غفلة عما يراد بهم والوزير العلقمي حريص على إزالة الدولة العباسية ونقلها إلى العلوية والرسل في السر بينه وبين التتار والمستعصم تائه في لذاته لا يطلع على الأمور ولا له غرض في المصلحة.\rوكان أبوه المستنصر قد استكثر من الجند جداً وكان مع ذلك يصانع التتار ويهادنهم ويرضيهم فلما استخلف المستعصم كان خلياً من الرأي والتدبير فأشار عليه الوزير بقطع أكثر الجند وأن مصانعة التتار وإكرامهم يحصل به المقصود ففعل ذلك.\rثم إن الوزير كاتب التتار وأطعمهم في البلاد وسهل عليهم ذلك وطلب أن يكون نائبهم فوعدوه بذلك وتأهبوا لقصد بغداد.\rشرح حال التتار ملخصاً\rقال الموفق عبد اللطيف في خبر التتار: هو حديث يأكل الأحاديث وخبر يطوي الأخبار وتاريخ ينسي التواريخ ونازلة تصغر كل نازلة وفادحة تطبق الأرض وتملؤها ما بين الطول والعرض وهذه الأمة لغتهم مشوبة بلغة الهند لأنهم في جوارهم وبينهم وبين مكة أربعة أشهر وهم بالنسبة إلى الترك عراض الوجوه واسعو الصدور خفاف الأعجاز صغار الأطراف سمر الألوان وسريعو الحركة في الجسم والرأي تصل إليهم أخبار الأمم ولا تصل أخبارهم إلى الأمم وقلما يقدر جاسوس أن يتمكن منهم لأن الغريب لا يتشبه بهم وإذا أرادوا جهة كتموا أمرهم ونهضوا دفعة واحدة فلا يعلم بهم أهل بلد حتى يدخلوه ولا عسكر حتى يخالطوه فلهذا تفسد على الناس وجوه الحيل وتضيق طرق الهرب ونساؤهم يقاتلن كرجالهم والغالب على سلاحهم النشاب وأكلهم أي لحم وجد وليس في قتلهم استثناء ولا إبقاء ويقاتلون الرجال والنساء والأطفال وكان قصدهم إفناء النوع وإبادة العالم لا قصد الملك والمال.\rوقال غيره: أرض التتار بأطراف بلاد الصين وهم سكان براري ومشهورون بالشر والغدر. وسبب ظهورهم أن إقليم الصين متسع دوره ستة أشهر وهو ست ممالك ولهم ملك حاكم على الممالك الست وهو القان الأكبر المقيم بطمغاج وهو كالخليفة للمسلمين.\rوكان سلطان إحدى الممالك الست وهو دوش خان قد تزوج بعمة جنكزخان فحضر زائراً لعمته وقد مات زوجها وكان قد حضر مع جنكزخان كشلوخان فأعلمتهما أن الملك لم يخلف ولداً وأشارت على ابن أخيها أن يقوم مقامه فقام وانضم إليه خلق المغول ثم سير التقادم إلى القان الأكبر فاستشاط غيظاً وأمر بقطع أذناب الخيل التي أهديت وطردها وقتل الرسل لكون التتار لم يتقدم لهم سابقة بتملك إنما هم بادية الصين فلما سمع جنكزخان وصاحبه كشلوخان تحالفا على التعاضد وأظهرا الخلاف للقان وأتتهما أمم كثيرة من التتار وعلم القان قوتهم وشرهم فأرسل يؤانسهم ويظهر مع ذلك أنه ينذرهم ويهددهم فلم يغن ذلك شيئاً ثم قصدهم وقصدوه فوقع بينهم ملحمة عظيمة فكسروا القان الأعظم وملكوا بلاده واستفحل شرهم واستمر الملك بين جنكزخان وكشلوخان على المشاركة.\rثم سار إلى بلاد شاقون من نواحي الصين فملكاها فمات كشلوخان فقام مقامه ولده فاستضعفه جنكزخان فوثب عليه وظفر به واستقل جنكزخان ودانت له التتار وانقادت له واعتقدوا فيه الإلهية وبالغوا في طاعته.\rثم كان أول خروجهم في سنة ست وستمائة من بلادهم إلى نواحي الترك وفرغانة فأرسل خوارزم شاه محمد بن تكش صاحب خراسان الذي أباد الملوك وأخذ الممالك وعزم على قصد الخليفة فلم يتهيأ له كما تقدم فأمر أهل فرغانة والشاش وكاسان وتلك البلاد النزهة العامرة بالجلاء والجفلى إلى سمرقند وغيرها ثم خربها جميعاً خوفاً من التتار أن يملكوها لعلمه أنه لا طاقة له بهم.","part":1,"page":192},{"id":193,"text":"ثم صارت التتار يتخطفون ويتنقلون إلى سنة خمس عشرة فأرسل فيها جنكزخان إلى السلطان خوارزم شاه رسلا وهدايا وقال الرسول: إن القان الأعظم يسلم عليك ويقول لك ليس يخفى علي عظم شأنك وما بلغت من سلطانك ونفوذ حكمك على الأقاليم وأنا أرى مسالمتك من جملة الواجبات وأنت عندي مثل أعز أولادي وغير خاف عنك أنني تملكت الصين وأنت أخبر الناس ببلادي وأنها مثارات العساكر والخيول ومعادن الذهب والفضة وفيها كفاية عن غيرها فإن رأيت أن تعقد بيننا المودة وتأمر التجار بالسفر لتعلم المصلحتين فعلت فأجابه خوارزم شاه إلى ملتمسه وبشر جنكزخان بذلك واستمر الحال على المهادنة إلى أن وصل من بلاده تجار.\rوكان خال خوارزم شاه ينوب على بلاد ما وراء النهر ومعه عشرون ألف فارس فشرهت نفسه إلى أموال التجار وكاتب السلطان يقول إن هؤلاء القوم قد جاءوا بزي التجار وما قصدهم إلا التجسس فإن أذنت لي فيهم فأذن له بالاحتياط عليهم فقبض عليهم وأخذ أموالهم فوردت رسل جنكزخان إلى خوارزم شاه تقول إنك أعطيت أمانك التجار فغدرت والغدر قبيح وهو من سلطان الإسلام أقبح فإن زعمت أن الذي فعله خالك بغير أمرك فسلمه إلينا وإلا سوف تشاهد مني ما تعرفني به فحصل عند خوارزم شاه من الرعب ما خامر عقله فتجلد وأمر بقتل الرسل فقتلوا.\rفيا لها من حركة لما أهدرت من دماء المسلمين وأجرت بكل نقطة سيلا من الدم.\rثم سار جنكزخان إليه فانجفل خوارزم شاه عن جيحون إلى نيسابور ثم ساق إلى برج همذان رعباً من التتار فأحدق به العدو فقتلوا كل من معه ونجا هو بنفسه فخاض الماء إلى جزيرة ولحقته علة ذات الجنب فمات بها وحيداً فريداً وكفن في شاش فراش كان معه وذلك في سنة سبع عشرة وملكوا جميع مملكة خوارزم شاه.\rقال سبط ابن الجوزي: كان أول ظهور التتار بما وراء النهر سنة خمس عشرة فأخذوا بخارى وسمرقند وقتلوا أهلها وحاصروا خوارزم شاه ثم بعد ذلك عبروا النهر وكان خوارزم شاه قد أباد الملوك من مدن خراسان فلم تجد التتار أحداً في وجههم فطاروا في البلاد قتلا وسبياً وساقوا إلى أن وصلوا همذان وقزوين في هذه السنة.\rوقال ابن الأثير في كامله: حادثة التتار من الحوادث العظمى والمصائب الكبرى التي عقمت الدهور عن مثلها وعمت الخلائق وخصت المسلمين فلو قال قائل إن العالم منذ خلقه الله تعالى إلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقاً فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها.\rومن أعظم ما يذكرون فعل بختنصر ببني إسرائيل بالبيت المقدس وما البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرب هؤلاء الملاعين من مدن الإسلام وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى ما قتلوا؟.\rفهذه الحادثة التي استطار شرها وعم ضررها وسارت في البلاد كالسحاب استدبرته الريح فإن قوماً خرجوا من أطراف الصين فقصدوا بلاد تركستان مثل كاشغر وبلاد شاغرق ثم منها إلى بخارى وسمرقند فيملكونها ويبيدون أهلها ثم تعبر طائفة منهم إلى خراسان فيفرغون منها هلكاً وتخريباً وقتلا وإبادة وإلى الري وهمذان إلى حد العراق ثم يقصدون أذربيجان ونواحيها ويخربونها ويستبيحونها في أقل من سنة أمر لم يسمع بمثله ثم ساروا من أذربيجان إلى دربند شروان فملكوا مدنها وعبروا من عندها إلى بلاد اللان واللكز فقتلوا وأسروا ثم قصدوا بلاد قفجاق وهم أكثر من الترك عدداً فقتلوا من وقف وهرب الباقون واستولى التتار عليها.\rومضت طائفة أخرى غير هؤلاء إلى غزة وأعمالها وسجستان وكرمان ففعلوا مثل هؤلاء بل أشد.\rهذا لم يطرق الأسماع مثله فإن الإسكندر الذي ملك الدنيا لم يملكها في هذه السرعة وإنما ملكها في نحو عشر سنين ولم يقتل أحداً وإنما رضي بالطاعة وهؤلاء قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض وأحسنه وأعمره في نحو سنة ولم يبق أحد في البلاد التي لم يطرقها إلا وهو خائف يترقب وصولهم إليه.\rثم إنهم لم يحتاجوا إلى ميرة ومددهم يأتيهم فإنهم معهم الأغنام والبقر والخيل يأكلون لحومها ولا غير.\rوأما خيلهم فإنها تحفر الأرض بحوافرها وتأكل عروق النبات ولا تعرف الشعير.\rوأما ديانتهم فإنهم يسجدون للشمس عند طلوعها ولا يحرمون شيئاً ويأكلون جميع الدواب وبني آدم ولا يعرفون نكاحاً بل المرأة يأتيها غير واحد.\rولما دخلت سنة ست وخمسين وصل التتار إلى بغداد وهم مائتا ألف ويقدمهم هلاكو فخرج إليهم عسكر الخليفة فهزم العسكر.","part":1,"page":193},{"id":194,"text":"ودخلوا بغداد يوم عاشوراء فأشار الوزير لعنه الله على المستعصم بمصانعتهم وقال: أخرج إليهم أنا في تقرير الصلح فخرج وتوثق بنفسه منهم وورد إلى الخليفة وقال: إن الملك قد رغب في أن يزوج ابنته بابنك الأمير أبي بكر ويبقيك في منصب الخلافة كما أبقى صاحب الروم في سلطنته ولا يريد إلا أن تكون الطاعة كما كان أجدادك مع سلاطين السلجوقية وينصرف عنك بجيوشه فليجيب مولانا إلى هذا فإن فيه حقن دماء المسلمين ويمكن بعد ذلك أن تفعل ما تريد والرأي أن تخرج إليه فخرج إليه في جمع من الأعيان فأنزل في خيمة.\rثم دخل الوزير فاستدعى الفقهاء والأماثل ليحضروا العقد فخرجوا من بغداد فضربت أعناقهم وصار كذلك تخرج طائفة بعد طائفة فتضرب أعناقهم حتى قتل جميع من هناك من العلماء والأمراء والحجاب والكبار.\rثم مد الجسر وبذل السيف في بغداد واستمر القتال فيها نحو أربعين يوماً فبلغ القتلى أكثر من ألف ألف نسمة ولم يسلم إلا من اختفى في بئر أو قناة وقتل الخليفة رفساً.\rقال الذهبي: وما أظنه دفن وقتل معه جماعة من أولاده وأعمامه وأسر بعضهم وكانت بلية لم يصب الإسلام بمثلها ولم يتم للوزير ما أراد وذاق من التتار الذل والهوان ولم تطل أيامه بعد ذلك وعملت الشعراء قصائد في مراثي بغداد وأهلها وتمثل بقول سبط التعاويذي:\rبادت وأهلوها معاً فبيوتهم ... ببقاء مولانا الوزير خراب\rوقال بعضهم:\rيا عصبة الإسلام نوحي واندبي ... حزناً على ما تم للمستعصم\rدست الوزارة كان قبل زمانه ... لابن الفرات فصار لابن العلقمي\rوكان آخر خطبة ببغداد قال الخطيب في أولها: الحمد لله الذي هدم بالموت مشيد الأعمار وحكم بالفناء على أهل هذه الدار هذا والسيف قائم بها.\rولتقي الدين بن أبى اليسر قصيدة مشهورة في بغداد وهي هذه:\rلسائل الدمع عن بغداد أخبار ... فما وقوفك والأحباب قد ساروا\rيا زائرين إلى الزوراء لا تفدوا ... فما بذاك الحمى والدار ديار\rتاج الخلافة والربع الذي شرفت ... به المعالم قد عفاه إقفار\rأضحى لعصف البلى في ربعه أثر ... وللدموع على الآثار آثار\rيا نار قلبي من نار لحرب وغى ... شبت عليه ووافى الربع إعصار\rعلا الصليب على أعلى منابرها ... وقام بالأمر من يحويه زنار\rوكم حريم سبته الترك غاصبة ... وكان من دون ذاك الستر أستار\rوكم بدور على البدرية انخسفت ... ولم يعد لبدور منه إبدار\rوكم ذخائر أضحت وهي شائعة ... من النهاب وقد حازته كفار\rوكم حدود أقيمت من سيوفهم ... على الرقاب وحطت فيه أوزار\rناديت والسبي مهتوك تجربهم ... إلى السفاح من الأعداد دعار\rولما فرغ هلاكو من قتل الخليفة وأهل بغداد وأقام على العراق نوابه وكان ابن العلقمي حسن لهم أن يقيموا خليفة علوياً فلم يوافقوه واطرحوه وصار معهم في صورة بعض الغلمان ومات كمداً لا رحمه الله ولا عفا عنه.\rثم أرسل هلاكو إلى الناصر صاحب دمشق كتاباً صورته يعلم السلطان الملك الناصر طال بقاؤه أنه لما توجهنا إلى العراق وخرج إلينا جنودهم فقتلناهم بسيف الله ثم خرج إلينا رؤوساء البلد ومقدموها فكان قصارى كلامهم سبباً لهلاك نفوس تستحق الإهلاك وأما ما كان من صاحب البلدة فإنه خرج إلى خدمتنا ودخل تحت عبوديتنا فسألناه عن أشياء كذبنا فيها فاستحق الإعدام وكان كذبه ظاهراً ووجدوا ما عملوا حاضراً أجب ملك البسيطة ولا تقولن: قلاعي المانعات ورجالي المقاتلات وقد بلغنا أن شذرة من العسكر التجأت إليك هاربة وإلى جنابك لائذة:\rأين المفر ولا مفر لهارب ... ولنا البسيطان الثرى والماء\rفساعة وقوفك على كتابنا تجعل قلاع الشام سماءها أرضاً وطولها عرضاً والسلام.\rثم أرسل له كتاباً ثانياً يقول فيه خدمة ملك ناصر طال عمره أما بعد فإنا فتحنا بغداد واستأصلنا ملكها وملكها وكان قد ظن وقد فتن الأموال ولم ينافس الرجال أن ملكه يبقى على ذلك الحال وقد علا ذكره ونمى قدره فخسف في الكمال بدره:","part":1,"page":194},{"id":195,"text":"إذا تم أمر بدا نقصه ... توقع زوالا إذا قيل تم\rونحن في طلب الازدياد على ممر الآباد فلا تكن كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم وأبد ما في نفسك: إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان أجب دعوة ملك البسيطة تأمن شره وتنل بره واسع إليه بأموالك ورجالك ولا تعوق رسلنا والسلام.\rثم أرسل إليه كتاباً ثالثاً يقول فيه أما بعد فنحن جنود الله بنا ينتقم ممن عتا وتجبر وطغى وتكبر وبأمر الله ما ائتمر وإن عوتب تنمر وإن روجع استمر ونحن قد أهلكنا البلاد وأبدنا العباد وقتلنا النسوان والأولاد فيا أيها الباقون أنتم بمن مضى لاحقون ويا أيها الغافلون أنتم إليهم تساقون ونحن جيوش الهلكة لا جيوش الملكة مقصودنا الانتقام وملكنا لا يرام ونزيلنا لا يضام وعدلنا في ملكنا قد اشتهر ومن سيوفنا أين المفر:\rأين المفر ولا مفر لهارب ... ولنا البسيطان الثرى والماء\rذلت لهيبتنا الأسود وأصبحت ... في قبضتي الأمراء والخلفاء\rونحن إليكم صائرون ولكم الهرب وعلينا الطلب:\rستعلم ليلى أي دين تداينت؟ ... وأي غريم بالتقاضي غريمها؟\rدمرنا البلاد وأيتمنا الأولاد وأهلكنا العباد وأذقناهم العذاب وجعلنا عظيمهم صغيراً وأميرهم أسيراً وتحسبون أنكم منا ناجون أو متخلصون وعن قليل سوف تعلمون على ما تقدمون وقد أعذر من أنذر.\rثم دخلت سنة سبع وخمسين والدنيا بلا خليفة.\rوفيها نزل التتار على آمد وكان صاحب مصر المنصور علي بن المعز صبياً وأتابكه الأمير سيف الدين قطز المعزي مملوك أبيه وقدم الصاحب كمال الدين ابن العديم إليهم رسولا يطلب النجدة على التتار فجمع قطز الأمراء والأعيان فحضر الشيخ عز الدين بن عبد السلام وكان المشار إليه في الكلام فقال الشيخ عز الدين إذا طرق العدو البلاد وجب على العالم كلهم قتالهم وجاز أن يؤخذ من الرعية ما يستعان به على جهازهم بشرط أن لا يبقى في بيت المال شيء وأن تبيعوا ما لكم من الحوائص والآلات ويقتصر كل منكم على فرسه وسلاحه وتتساووا في ذلك أنتم والعامة وأما أخذ أموال العامة مع بقاء ما في أيدي الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا ثم بعد أيام يسيرة قبض قطز على ابن أستاذه المنصور وقال هذا صبي والوقت صعب ولا بد من أن يقوم رجل شجاع ينتصب للجهاد وتسلطن قطز ولقب بالملك المظفر.\rثم دخلت سنة ثمان وخمسين والوقت أيضاً بلا خليفة.\rوفيها قطع التتار الفرات ووصلوا إلى حلب وبذلوا السيف فيها ثم وصلوا إلى دمشق وخرج المصريون في شعبان متوجهين إلى الشام لقتال التتار فأقبل المظفر بالجيوش وشاليشه ركن الدين بيبرس البندقداري فالتقوا هم والتتار عند عين جالوت ووقع المصاف وذلك يوم الجمعة خامس عشر رمضان فهزم التتار شر هزيمة وانتصر المسلمون ولله الحمد وقتل من التتار مقتلة عظيمة وولوا الأدبار وطمع الناس فيهم يتخطفونهم وينهبونهم وجاء كتاب المظفر إلى دمشق بالنصر فطار الناس فرحاً ثم دخل المظفر إلى دمشق مؤيداً منصوراً وأحبه الخلق غاية المحبة وساق بيبرس وراء التتار إلى بلاد حلب وطردهم عن البلاد ووعده السلطان بحلب ثم رجع عن ذلك فتأثر بيبرس من ذلك وكان ذلك مبدأ الوحشة وكان المظفر عزم على التوجه إلى حلب لينظف آثار البلاد من التتار فبلغه أن بيبرس تنكر له وعمل عليه فصرف وجهه عن ذلك ورجع إلى مصر وقد أضمر الشر لبيبرس وأسر ذلك إلى بعض خواصه فأطلع على ذلك بيبرس فساروا إلى مصر وكل منهما محترس من صاحبه فاتفق بيبرس وجماعة من الأمراء على قتل المظفر فقتلوه في الطريق في ثالث عشر شهر ذي القعدة وتسلطن بيبرس ولقب بملك القاهرة ودخل مصر وأزال عن أهلها ما كان المظفر قد أحدثه عليهم من المظالم وأشار عليه الوزير زين الملة والدين ابن الزبير بأن يغير هذا اللقب وقال ما لقب به أحد فأفلح: لقب به القاهر بن المعتضد فخلع بعد قليل وسمل ولقب به القاهر ابن صاحب الموصل فسم فأبطل السلطان هذا اللقب وتلقب بالملك الظاهر.\rثم دخلت سنة تسع وخمسين والوقت أيضاً بلا خليفة إلى رجب فأقيمت بمصر الخلافة وبويع المستنصر كما سنذكره وكان مدة انقطاع الخلافة ثلاث سنين ونصف.","part":1,"page":195},{"id":196,"text":"وممن مات في أيام المستعصم من الأعلام: الحافظ تقي الدين الصريفيني والحافظ أبو القاسم بن الطيلسان وشمس الأئمة الكردي من كبار الحنفية والشيخ تقي الدين ابن الصلاح والعلم السخاوي والحافظ محب الدين بن النجار مؤرخ بغداد ومنتخب الدين شارح المفصل وابن يعيش النحوي وأبو الحجاب الأقصري الزاهد وأبو علي الشلوبيني النحوي وابن البيطار صاحب المفردات والعلامة جمال الدين بن الحاجب إمام المالكية وأبو الحسن بن الديباج النحوي والقفطي صاحب تاريخ النحاة وأفضل الدين الخونجي صاحب المنطق والأزدي والحافظ يوسف بن خليل والبهاء ابن بنت الحميري والجمال بن عمرون النحوي والرضي الصغاني اللغوي صاحب العباب وغيره والكمال عبد الواحد الزملكاني صاحب المعاني والبيان وإعجاز القرآن والشمس الخسرو شاهي والمجد ابن تيمية ويوسف سبط ابن الجوزي صاحب مرآة الزمان وابن باطيش من كبار الشافعية والنجم البادرائي وابن أبي الفضل المرسي صاحب التفسير وخلائق آخرون.\rفصل: ومات في مدة انقطاع الخلافة من الأعلام: الزكي عبد العظيم المنذري والشيخ أبو الحسن الشاذلي شيخ الطائفة الشاذلية وشعبة المقرئ والفاسي شارح الشاطبية وسعد الدين بن العزي الشاعر والصرصري الشاعر وابن الأبار مؤرخ الأندلس وآخرون.\rالمستنصر بالله أحمد\rالمستنصر بالله: أحمد أبو القاسم بن الظاهر بأمر الله أبي نصر محمد بن الناصر لدين الله أحمد.\rقال الشيخ قطب الدين: كان محبوساً ببغداد فلما أخذت التتار بغداد أطلق فهرب وصار إلى عرب العراق فلما تسلطن الملك الظاهر بيبرس وفد عليه في رجب ومعه عشرة من بني مهارش فركب السلطان للقائه ومعه القضاة والدولة فشق القاهرة ثم أثبت نسبه على يد قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز ثم بويع له بالخلافة فأول من بايعه السلطان ثم قاضي القضاة تاج الدين ثم الشيخ عز الدين بن عبد السلام ثم الكبار على مراتبهم وذلك في الثالث عشر رجب ونقش اسمه على السكة وخطب له ولقب بلقب أخيه وفرح الناس وركب يوم الجمعة وعليه السواد إلى جامع القلعة وصعد المنبر وخطب خطبة ذكر فيها شرف بني العباس ودعا فيها للسلطان والمسلمين ثم صلى بالناس ثم رسم بعمل خلعة خليفة السلطان وبكتابة تقليد له ثم نصب خيمة بظاهر القاهرة وركب المستنصر بالله والسلطان يوم الاثنين رابع شعبان إلى الخيمة وحضر القضاة والأمراء والوزير فألبس الخليفة السلطان الخلعة بيده وطوقه ونصب منبر فصعد عليه فخر الدين ابن لقمان فقرأ التقليد ثم ركب السلطان بالخلعة ودخل من باب النصر وزينت القاهرة وحمل الصاحب التقليد على رأسه راكباً والأمراء مشاة.\rورتب السلطان للخليفة أتابكاً واستاداراً وشرابياً وخازنداراً وحاجباً وكاتباً وعين له خزانة وجملة مماليك ومائة فرس وثلاثين بغلاً وعشرة قطارات جمال إلى أمثال ذلك.\rقال الذهبي: ولم يل الخلافة أحد بعد ابن أخيه إلا هذا والمقتفي.\rوأما صاحب حلب الأمير شمس الدين أقوش فأنه أقام بحلب خليفة ولقبه الحاكم بأمر الله وخطب له ونقش اسمه على الدراهم.\rثم إن المستنصر هذا عزم على التوجه إلى العراق فخرج معه السلطان يشيعه إلى أن دخلوا دمشق ثم جهز السلطان الخليفة وأولاد صاحب الموصل وغرم عليه وعليهم من الذهب ألف ألف دينار وستين ألف درهم فسار الخليفة ومعه ملوك الشرق وصاحب سنجار فاجتمع به الخليفة الحلبي الحاكم ودان له ودخل تحت طاعته ثم سار ففتح الحديثة ثم هيت فجاءه عسكر من التتار فتصافوا له فقتل من المسلمين جماعة وعدم الخليفة المستنصر فقيل: قتل وهو والظاهر وقيل: سلم وهرب فأضمرته البلاد وذلك في الثالث من المحرم سنة ستين فكانت خلافته دون ستة أشهر وتولى بعد بسنة الحاكم الذي كان بويع بحلب في حياته.\rالحاكم بأمر الله أبو العباس\rالحاكم بأمر الله: أبو العباس أحمد بن أبي على الحسن بن أبي بكر بن الحسن بن علي القبي بضم القاف وتشديد الباء الموحدة ابن الخليفة المسترشد بالله بن المستظهر بالله.","part":1,"page":196},{"id":197,"text":"كان اختفى وقت أخذ بغداد ونجا ثم خرج منها في صحبته جماعة فقصد حسين ابن فلاح أمير بني خفاجة فأقام عنده مدة ثم توصل مع العربي إلى دمشق وأقام عند الأمير عيسى بن مهنأ مدة فطالع به الناصر صاحب دمشق فأرسل يطلبه فبغته مجيء التتار فلما جاء الملك المظفر دمشق سير في طلبه الأمير قلج البغدادي فاجتمع به وبايعه بالخلافة وتوجه في خدمته جماعة من أمراء العرب فافتتح الحاكم غانة بهم والحديثة وهيت والأنبار وصاف التتار وانتصر عليهم ثم كاتبه علاء الدين طيبرس نائب دمشق يومئذ والملك الظاهر يستدعيه فقدم دمشق في صفر فبعثه إلى السلطان وكان المستنصر بالله قد سبقه بثلاثة أيام إلى القاهرة فما رأى أن يدخل إليها خوفاً من أن يمسك فرجع إلى حلب فبايعه صاحبها ورؤوساؤها منهم عبد الحليم بن تيمية وجمع خلقاً كثيراً وقصد غانة فلما رجع المستنصر وافاه بغانة فانقاد الحاكم له ودخل تحت طاعته فلما عدم المستنصر في الوقعة المذكورة في ترجمته قصد الحاكم الرحبة وجاء إلى عيسى بن مهنأ فكاتب الملك الظاهر بيبرس فيه فطلبه فقدم إلى القاهرة ومعه ولده وجماعة فأكرمه الملك الظاهر وبايعوه بالخلافة وامتدت أيامه وكانت خلافته نيفاً وأربعين سنة وأنزله الملك الظاهر بالبرج الكبير بالقلعة وخطب بجامع القلعة مرات.\rقال الشيخ قطب الدين: في يوم الخميس ثامن المحرم سنة إحدى وستين جلس السلطان مجلساً عاماً وحضر الحاكم بأمر الله راكباً إلى الإيوان الكبير بقلعة الجبل وجلس مع السلطان وذلك بعد ثبوت نسبه فأقبل عليه السلطان وبايعه بإمرة المؤمنين ثم أقبل هو على السلطان وقلده الأمور ثم بايعه الناس على طبقاتهم فلما كان من الغد يوم الجمعة خطب خطبة ذكر فيها الجهاد والإمامة وتعرض إلى ما جرى من هتك حرمة الخلافة ثم قال: وهذا السلطان الملك الظاهر قد قام بنصر الإمامة عند قلة الأنصار وشرد جيوش الكفر بعد أن جاسوا خلال الديار وأول الخطبة: الحمد لله الذي أقام لآل العباس ركناً وظهيراً ثم كتب بدعوته إلى الآفاق.\rوفي هذه السنة وبعدها تواتر مجيء جماعة من التتار مسلمين مستأمنين فأعطوا أخباراً وأرزاقاً فكان ذلك مبدأ كفاية شرهم.\rوفي سنة اثنتين وستين فرغت مدرسة الظاهرية بين القصرين وولى بها تدريس الشافعية التقى ابن رزين وتدريس الحديث الشرف الدمياطي.\rوفيها زلزلت مصر زلزلة عظيمة.\rوفي سنة ثلاث وستين انتصر سلطان المسلمين بالأندلس أبو عبد الله بن الأحمر على الفرنج واسترجع من أيديهم اثنتين وثلاثين بلداً: من جملتها إشبيلية ومرسية.\rوفيها كثر الحريق بالقاهرة في عدة مواضع ووجد لفائف فيها النار والكبريت على الأسطحة. وفيها حفر السلطان بحر أشمون وعمل بنفسه والأمراء.\rوفيها مات طاغية التتار هلاكو وملك بعده ابنه أبغا.\rوفيها سلطن السلطان ولده الملك السعيد وعمره أربع سنين وركبه بأبهة الملك في قلعة الجبل وحمل الغاشية بنفسه بين يدي ولده من باب السر إلى باب السلسلة ثم عاد وركب إلى القاهرة والأمراء مشاة بين يديه.\rوفيها جدد بالديار المصرية القضاة الأربعة من كل مذهب قاض وسبب ذلك توقف القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز عن تنفيذ كثير من الأحكام وتعطلت الأمور وأبقى للشافعي النظر في أموال الأيتام وأمور بيت المال ثم فعل ذلك بدمشق.\rوفي رمضان منها حجب السلطان الخليفة ومنعه الناس لكون أصحابه كانوا يخرجون إلى البلد ويتكلمون في أمر الدولة.\rوفي سنة خمس وستين وستمائة أمر السلطان بعمل الجامع بالحسنية وتم ذلك في سنة سبع وستين وقرر له خطيب حنفي.\rوفي سنة أربع وسبعين وجه السلطان جيشاً إلى النوبة ودنقلة فانتصروا وأسر ملك النوبة وأرسل به إلى الملك الظاهر ووضعت الجزية على أهل دنقلة ولله الحمد.\rقال الذهبي: وأول ما غزيت النوبة في سنة إحدى وثلاثين من الهجرة غزاها عبد الله بن أبي سرح في خمسة آلاف فارس ولم يفتحها فهادنهم ورجع ثم غزيت في زمن هشام ولم تفتح ثم في زمن المنصور ثم غزاها تكن الزنكي ثم كافور الأخشيدي ثم ناصر الدولة ابن حمدان ثم توران شاه أخوه السلطان صلاح الدين في سنة ثمانين وستين وخمسمائة ولم تفتح إلا في هذا العام وقال في ذلك ابن عبد الظاهر:\rهذا هو الفتح لا شيء سمعت به ... في شاهد العين لا ما في الأسانيد","part":1,"page":197},{"id":198,"text":"وفي سنة ست وسبعين مات الملك الظاهر بدمشق في محرم واستقل ابنه الملك السعيد محمد بالسلطنة وله ثمان عشرة سنة.\rوفيها جمع التقي بن رزين بين قضاء مصر والقاهرة وكان قضاء مصر قبل ذلك مفرداً عن قضاء القاهرة ثم لم يفرد بعد ذلك قضاء مصر عن قضاء القاهرة.\rوفي سنة ثمان وسبعين خلع الملك السعيد من السلطنة وسير إلى الكرك سلطاناً بها فمات من عامه وولوا مكانه بمصر أخاه بدر الدين سلامش وله سبع سنين ولقبوه بالملك العادل وجعلوا أتابكه الأمير سيف الدين قلاوون وضرب السكة باسمه على وجه ودعي لهما في الخطبة ثم في رجب نزع سلامش من السلطنة بغير نزاع وتسلطن قلاوون ولقب بالملك المنصور.\rوفي سنة تسع وسبعين يوم عرفة وقع بديار مصر برد كبار وصواعق.\rوفي سنة ثمانين وصل عسكر التتار إلى الشام وحصل الرجيف فخرج السلطان لقتالهم ووقع المصاف وحصل مقتلة عظيمة ثم حصل النصر للمسلمين ولله الحمد.\rوفي سنة ثمان وثمانين أخذ السلطان طرابلس بالسيف وكانت في أيدي النصارى من سنة ثلاث وخمسمائة إلى الآن وكان أول فتحها في زمن معاوية وأنشأ التاج ابن الأثير كتاباً بالبشارة بذلك إلى صاحب اليمن يقول فيه: كانت الخلفاء والملوك في ذلك الوقت ما فيهم إلا من هو مشغول بنفسه مكب على مجلس أنسه يرى السلامة غنيمة وإذا عن له وصف الحرب لم يسأل إلا عن طرق الهزيمة قد بلغ أمله من الرتبة وقنع بالسكة والخطبة أموال تنهب وممالك تذهب لا يبالون بما سلبوا وهم كما قيل:\rإن قاتلوا قتلوا أو طاردوا طردوا ... أو حاربوا حربوا أو غالبوا غلبوا\rإلى أن أوجد الله من نصر دينه وأذل الكفر وشياطينه.\rوذكر بعضهم أن معنى طرابلسس باللسان الرومي ثلاثة حصون مجتمعة.\rوفي سنة تسع وثمانين مات السلطان قلاوون في ذي القعدة وتسلطن ابنه الملك الأشرف صلاح الدين خليل فأظهر أمر الخليفة وكان خاملاً في أيام أبيه حتى إن أباه لم يطلب منه تقليداً بالملك فخطب الخليفة بالناس يوم الجمعة وذكر في خطبته توليته للملك الأشرف أمر الإسلام.\rولما فرغ من الخطبة صلى بالناس قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة ثم خطب الخليفة مرة خطبة أخرى جهادية وذكر بغداد وحرض على أخذها.\rوفي سنة إحدى وتسعين سافر السلطان فحاصر قلعة الروم.\rوفي سنة ثلاث وتسعين وستمائة قتل السلطان بتروجة وسلطنوا أخاه محمد بن المنصور ولقب الملك الناصر وله يومئذ تسع سنين ثم خلع في المحرم سنة أربع وتسعين وتسلطن كتبغا المنصوري وتسمى بالملك العادل.\rوفي هذه السنة دخل في الإسلام قازان بن أرغون بن أبغا بن هلاكو ملك التتار وفرح الناس بذلك وفشا الإسلام في جيشه.\rوفي سنة ست وتسعين وستمائة كان السلطان بدمشق فوثب لاجين على السلطنة وحلف له الأمراء ولم يختلف عليه اثنان ولقب الملك المنصور وذلك في صفر وخلع عليه الخليفة الخلعة السوداء وكتب له تقليداً وسير العادل إلى صرخد نائباً بها ثم قتل لاجين في جمادى الآخرة سنة ثمان وتسعين وأعيد الملك الناصر محمد بن المنصور قلاوون وكان منفياً بالكرك فقلده الخليفة فسير العادل إلى حماة نائباً بها فاستمر إلى أن مات سنة اثنتين وسبعمائة.\rوفي سنة إحدى وسبعمائة توفي الخليفة الحاكم إلى رحمة الله ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى وصلى عليه العصر بسوق الخيل تحت القلعة وحضر جنازته رجال الدولة والأعيان كلهم مشاة ودفن بقرب السيدة نفيسة وهو أول من دفن منهم هناك واستمر مدفنهم إلى الآن وكان عهده بالخلافة لولده أبي الربيع سليمان.","part":1,"page":198},{"id":199,"text":"وممن مات في أيام الحاكم من الأعلام: الشيخ عز الدين بن عبد السلام والعلم اللورقي وأبو القاسم القباري الزاهد والزين خالد النابلسي والحافظ أبو بكر بن سدي والإمام أبو شامة والتاج ابن بنت الأعز وأبو الحسن ابن عدلان ومجد الدين بن دقيق العيد وأبو الحسن بن عصفور النحوي والكمال سلار الإربلي وعبد الرحيم بن يونس صاحب التعجيز والقرطبي صاحب التفسير والتذكرة والشيخ جمال الدين بن مالك وولده بدر الدين والنصير الطوسي رأس الفلاسفة وخاصة التتار والتاج ابن السباعي خازن المستنصرية والبرهان ابن جماعة والنجم الكاتبي المنطقي والشيخ محي الدين النووي والصدر سليمان إمام الحنفية والتاج ابن ميسر المؤرخ والكواشي المفسر والتقي بن رزين وابن خلكان صاحب وفيات الأعيان وابن إياز النحوي وعبد الحليم بن تيمية وابن جعوان وناصر الدين بن المنير والنجم ابن البارزي والبرهان النسفي صاحب التصانيف في الخلاف والكلام والرضي الشاطبي اللغوي والجمال الشريشي والنفيسي شيخ الأطباء وأبو الحسين ابن أبي الربيع النحوي والأصبهاني شارح المحصول والعفيف التلمساني الشاعر المنسوب إلى الإلحاد والتاج وابن الفركاح والزين ابن المرحل والشمس الجوني والعز الفاروقي والمحب الطبري والتقي ابن بنت الأعز والرضي القسطنطيني والبهاء ابن النحاس النحوي وياقوت المستعصمي صاحب الخط المنسوب وخلائق آخرون.\rالمستكفي بالله أبو الربيع\rالمستكفي بالله: أبو الربيع سليمان بن الحاكم بأمر الله.\rولد في نصف المحرم سنة أربع وثمانين وستمائة واشتغل بالعلم قليلاً وبويع بالخلافة بعهد من أبيه في جمادى الأولى سنة إحدى وسبعمائة وخطب له على المنابر في البلاد المصرية والشامية وسارت البشارة بذلك إلى جميع الأقطار والممالك الإسلامية وكانوا يكنون بالكبش فنقلهم السلطان إلى القلعة وأفرد لهم داراً.\rوفي سنة اثنتين هجم التتار على الشام فخرج السلطان ومعه الخليفة لقتالهم فكان النصر عليهم وقتل من التتار مقتلة عظيمة وهرب الباقون.\rوفيها زلزلت مصر والشام زلزلة عظيمة هلك فيها خلق تحت الهدم.\rوفي سنة أربع أنشأ الأمير بيبرس الجاشنكير المنصوري الوظائف والدروس بجامع الحاكم وجدده بعد خرابه من الزلزلة وجعل القضاة الأربعة مدرسي الفقه وشيخ الحديث سعد الدين الحارثي وشيخ النحو أبا حيان.\rوفي سنة ثمان خرج السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون قاصداً للحج فخرج من مصر في شهر رمضان المعظم وخرج معه جماعة من الأمراء لتوديعه فردهم فلما اجتاز بالكرك عدل إليها فنصب له الجسر فلما توسطه انكسر به فسلم من قدامه وقفز به الفرس فنجا وسقط من وراءه فكانوا خمسين فمات أربعة وتهشم أكثرهم في الوادي تحته وأقام السلطان بالكرك ثم كتب كتاباً إلى الديار المصرية يتضمن عزل نفسه عن المملكة فأثبت ذلك القضاة بمصر ثم نفذ على القضاة الشام وبويع الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير بالسلطنة في الثالث والعشرين من شهر شوال ولقب الملك المظفر وقلده الخليفة وألبسه الخلعة السوداء والعمامة المدورة ونفذ التقليد إلى الشام في كيس أطلس أسود فقرئ هناك وأوله إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم.\rثم عاد الملك الناصر في رجب سنة تسع يطلب عوده إلى الملك ومالأه على ذلك جماعة من الأمراء فدخل دمشق في شعبان ثم دخل مصر يوم عيد الفطر وصعد القلعة وكان المظفر بيبرس فر في جماعة من أصحابه قبل قدومه بأيام ثم أمسك وقتل من عامه وقال العلاء الوداعي في عود الناصر إلى الملك:\rالملك الناصر قد أقبلت ... دولته مشرقة الشمس\rعاد إلى كرسيه مثل ما ... عاد سليمان إلى الكرسي\rوفي هذه السنة تكلم الوزير في إعادة أهل الذمة إلى لبس العمائم البيض وأنهم قد التزموا للديون بسبعمائة ألف دينار كل سنة زيادة على الجالية فقام الشيخ تقي الدين ابن تيمية في إبطال ذلك قياماً عظيماً وبطل ولله الحمد.","part":1,"page":199},{"id":200,"text":"وفيها أظهر ملك التتار خوبند الرفض في بلاده وأمر الخطباء أن لا يذكروا في الخطبة إلا علي بن أبي طالب وولديه وأهل البيت واستمر ذلك إلى أن مات سنة ست عشرة وولي ابنه أبو سعيد فأمر بالعدل وأقام السنة والترضي عن الشيخين ثم عثمان ثم علي في الخطبة وسكن كثير من الفتن ولله الحمد وكان هذا من خير ملوك التتار وأحسنهم طريقة واستمر إلى أن مات سنة ست وثلاثين ولم يقم لهم بعده قائمة بل تفرقوا شذر مذر.\rوفي سنة عشرة زاد النيل زيادة كثيرة لم يسمع بمثلها وغرق منها بلاد كثيرة وناس كثيرون. وفي سنة أربع وعشرين زاد النيل أيضاً كذلك ومكث على أرض ثلاثة أشهر ونصفاً وكان ضرره أكثر من نفعه.\rوفي سنة ثمان وعشرين عمرت سقوف المسجد الحرام بمكة والأبواب وظاهره مما يلي باب بني شيبة.\rوفي سنة ثلاثين أقيمت الجمعة بإيوان الشافعية من المدرسة الصالحية بين القصرين وذلك أول ما أقيمت بها.\rوفيها فرغ من الجامع الذي أنشأه قوصون خارج باب زويلة وخطب به وحضره السلطان والأعيان وباشر الخطابة يومئذ قاضي القضاة جلال الدين القزويني ثم استقر في خطابته فخر الدين بن شكر.\rوفي سنة ثلاث وثلاثين أمر السلطان بالمنع من رمي البندق وأن لا تباع قسيه ومنع المنجمين.\rوفيها عمل السلطان للكعبة باباً من الآبنوس عليه صفائح فضة زنتها خمسة وثلاثون ألفاً وثلاثمائة وكسر وقلع الباب العتيق فأخذه بنو شيبة بصفائحه وكان عليه اسم صاحب اليمن.\rوفي سنة ست وثلاثين وقع بين الخليفة والسلطان أمر فقبض على الخليفة واعتقله بالبرج ومنعه من الاجتماع بالناس ثم نفاه في ذي الحجة سنة سبع إلى قوص هو وأولاده وأهله ورتب لهم ما يكفيهم وهم قريب من مائة نفس فإنا لله وإنا إليه راجعون واستمر المستكفي بقوص إلى أن مات بها في شعبان سنة أربعين وسبعمائة ودفن بها وله بضع وخمسون سنة.\rقال ابن حجر في الدرر الكامنة: كان فاضلاً جواداً حسن الخط جداً شجاعاً يعرف بلعب الأكرة ورمي البندق وكان يجالس العلماء والأدباء وله عليهم إفضال ومعهم مشاركة وكان بطول مدته يخطب له على المنابر حتى في زمن حبسه ومدة إقامته بقوص وكان بينه وبين السلطان أولاً محبة زائدة وكان يخرج مع السلطان إلى السرحات ويلعب معه الكرة وكانا كالأخوين.\rوالسبب في الوقيعة بينهما أنه رفع إليه قصة عليها خط الخليفة بأن يحضر السلطان بمجلس الشرع الشريف فغضب من ذلك وآل الأمر إلى أن نفاه إلى قوص ورتب له على واصل المكارم أكثره مما كان له بمصر.\rوقال ابن فضل الله في ترجمته من المسالك: كان حسن الجملة لين الحملة.\rوممن مات في أيام المستكفي من الأعلام: قاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد والشيخ زين الدين الفارقي شيخ الشافعية وشيخ دار الحديث وليها بعد وفاة النووي إلى الآن ووليها بعده صدر الدين بن الوكيل والشرف الفزاري والصدر بن الزرير بن الحاسب والحافظ شرف الدين الدمياطي والضياء الطوسي شارح الحاوي والشمس في زمانه والحافظ سعد الدين الحارثي والفخر التوزي محدث مكة والرشيد بن المعلم من كبار الحنفية والأربوي والصدر ابن الوكيل شيخ الشافعية والكمال ابن الشريشي والتاج التبريزي والفخر ابن بنت أبي سعد والشمس بن أبي العز شيخ الحنفية والرضي الطبري إمام مكة والصفي أبو الثناء ومحمود الأرموي والشيخ نور الدين البكري والعلاء ابن العطار تلميذ الإمام النووي والشمس الأصبهاني صاحب التفسير وشرح مختصر ابن الحاجب وشرح التجريد وغير ذلك والتقى الصائغ المقرئ خاتمة مشايخ القراء والشهاب محمود شيخ صناعة الإنشاء والجمال بن مطهر شيخ الشيعة والكمال بن قاضي شهبة والنجم القمولي صاحب الجواهر والبحر: والكمال بن الزملكاني والشيخ تقي الدين بن تيمية وابن جبارة شارح الشاطبية والنجم البالسي شارح التنبيه والبرهان الفزاري شيخ الشافعية والعلاء القونوي شارح الحاوي والفخر التركماني من الحنفية شارح الجامع الكبير والملك المؤيد صاحب حماة الذي له تصانيف كثيرة منها نظم الحاوي والشيخ ياقوت العرشي تلميذ الشيخ أبي العباس المرسي والبرهان الجعبري والبدر بن جماعة والتاج ابن الفاكهاني والفتح بن سيد الناس والقطب الحلبي والزين الكناني والقاضي محي الدين بن فضل الله والركن بن القويع والزين بن المرحل والشرف ابن البارزي والجلال القزويني وآخرون.","part":1,"page":200},{"id":201,"text":"؟الواثق بالله إبراهيم\rالواثق بالله: إبراهيم ابن ولي العهد المستمسك بالله أبي عبد الله محمد بن الحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد كان جده الحاكم عهد إلى أبنه محمد ولقبه المستمسك فمات في حياته فعهد إلى ابنه إبراهيم هذا ظناً أنه يصلح للخلافة فرآه غير صالح لها لما هو فيه من الانهماك في اللعب ومعاشرة الأرذال فعدل عنه وعهد إلى المستكفي ابنه أعني ابن الحاكم وهو عم إبراهيم فكان إبراهيم هو السبب في الوقيعة بين الخليفة المستكفي والسلطان بعد أن كانا كالأخوين لما كان يحمله إليه من النميمة به حتى جرى ما جرى.\rفلما مات المستكفي بقوص عهد إلى ابنه أحمد فلم يلتفت السلطان إلى ذلك وبايع إبراهيم هذا ولقب بالواثق إلى أن حضرت السلطان الوفاة فندم على ما صدر منه وعزل إبراهيم هذا وبايع ولي العهد أحمد ولقب الحاكم وذلك في أول المحرم سنة اثنتين وأربعين.\rقال ابن حجر: راجع الناس السلطان في أمر إبراهيم هذا ووسموه بسوء السيرة فلم يلتفت إلى ذلك ولم يزل بالناس حتى بايعوه وكان العامة يلقبونه المستعطي بالله.\rوقال ابن فضل الله في المسالك في ترجمة الواثق: عهد إليه جده ظناً أن يكون صالحاً أو يجيب لداعي الخلافة صائحاً فما نشأ إلا في تهتك ولا دان إلا بعد تنسك أغري بالقاذورات وفعل ما لم تدع إليه الضرورات وعاشر السفلة والأرذال وهان عليه من عرضه ما هو باذل وزين له سوء عمله فرآه حسناً وعمي عليه فلم ير مسيئاً إلا محسناً وغواه اللعب بالحمام وشرى الكباش للنطاح والديوك للنقار والمنافسة في المعز الزرائبية الطوال الآذان وأشياء من هذا ومثله مما يسقط المروءة ويثلم الوقار وانضم هذا إلى سوء معاملة ومشترى سلع لا يوفي أثمانها واستئجار دور لا يقوم بأجرها وتحيل على درهم يملأ به كفه وسحت يجمع به فمه وحرام يطعم منه ويطعم حرمه حتى كان عرضه للهوان وأكلة لأهل الأوان.\rفلما توفي المستكفي والسلطان عليه في حدة غضبه وتياره المتحامل عليه في شدة غلبه طلب هذا الواثق المغتر والمائق إلا أنه غير المضطر وكان ممن يمشي إلى السلطان في عمه بالنميمة ويعقد مكائده على رأسه عقدة التميمة فحضر إليه وأحضر معه عهد جده فتمسك السلطان بمبايعته بشبهته وصرف وجه الخلافة إلى جهته وكان قد تقدم نقض ذلك العهد ونسخ ذلك العقد وقام قاضي القضاة أبو عمر بن جماعة في صرف رأي السلطان عن إقامة الخطبة باسم الواثق فلم يفعل واتفق الرأيان على ترك الخطبة للاثنين واكتفي فيها بمجرد اسم السلطان فرحل بموت المستكفي اسم الخلافة عن المنابر كأنه ما علا ذروتها وخلا الدعاء للخلفاء من المحاريب كأنه ما قرع بابها ومروتها فكأنما كان آخر للخلفاء بني العباس وشعارها عليه لباس الحداد وأغمدوا تلك السيوف الحداد ثم لم يزل الأمر على هذا حتى حضرت السلطان الوفاة وقرع الموت صفاه فكان مما أوصى به رد الأمر إلى أهله وإمضاء عهد المستكفي لابنه وقال: الآن حصحص الحق وحنا على مخالفيه ورق وعزل إبراهيم وهزل وكان قد رعى البهم وستر اللؤم بثياب أهل الكرم وتسمن وشحمة ورم وتسمى بالواثق وأين هو من صاحب هذا الاسم؟ الذي طال ما سرى رعبه في القلوب وأقضت هيبته مضاجع الجنوب وهيهات لا تعد من النسر التماثيل ولا الناموسة وإن طال خرطومها كالفيل وإنما سوق الزمان قد ينفق ما كسد والهر يحكي اتنفاخاً صورة الأسد وقد عاد الآن يعض يديه ومن يهن يسهل الهوان عليه هذا آخر كلام ابن فضل الله.\rالحاكم بأمر الله أبو العباس","part":1,"page":201},{"id":202,"text":"الحاكم بأمر الله: أبو العباس أحمد بن المستكفي كان أبوه لما مات بقوص عهد إليه بالخلافة فقدم الملك الناصر عليه إبراهيم ابن عمه لما كان في نفسه من المستكفي وكانت سيرة إبراهيم قبيحة وكان القاضي عز الدين بن جماعة قد جهد كل الجهد في صرف السلطان عنه فلم يفعل فلما حضرته الوفاة أوصى الأمراء برد الأمر إلى ولي عهد المستكفي ولده أحمد فلما تسلطن المنصور أبو بكر بن الناصر عقد مجلساً يوم الخميس حادي عشر ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وطلب الخليفة إبراهيم وولي العهد أحمد والقضاة وقال: من يستحق الخلافة شرعاً؟ فقال ابن جماعة: إن الخليفة المستكفي المتوفى بمدينة قوص أوصى بالخلافة من بعده لولده أحمد وأشهد عليه أربعين عدلاً بمدينة قوص وثبت ذلك عندي بعد ثبوته عند نائبي بمدينة قوص فخلع السلطان حينئذ إبراهيم وبايع أحمد وبايعه القضاة ولقب الحاكم بأمر الله لقب جده.\rوقال ابن فضل الله في المسالك في ترجمته: هو إمام عصرنا وغمام مصرنا قام على غيظ العدى وغرق بفيض الندى وصارت له الأمور إلى مصائرها وسيقت إليه بصائرها فأحيا رسوم الخلافة ورسم بما لا يستطيع أحد خلافه وسلك مناهج آبائه وقد طمست وأحياها بمباهج أبنائه وقد درست وجمع شمل بني أبيه وقد طال بهم الشتات وأطال عذرهم وقد اختلف السبات ورفع اسمه على ذرى المنابر وقد عبر مدة لا يطلع إلا في آفاقه تلك النجوم ولا يسبح إلا في سبحه تلك الغيوم والسجوم طلب بعد موت السلطان وأنفذ حكم وصيته في تمام مبايعته والتزام متابعته وكان أبوه قد أحكم له بالعقد المتقدم عقدها وحفظ له عنده ذوي الأمانة عهدها ثم تسلطن الملك المنصور أبو بكر بن السلطان وعمر له من تحت الملك الأوطان.","part":1,"page":202},{"id":203,"text":"قال ابن فضل الله: وقد كتبت له صورة المبايعة وهي: بسم الله الرحمن الرحيم \" إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله \" \" الفتح: 10 \" إلى قوله \" عظيماً \" هذه بيعة رضوان وبيعة إحسان وجمعية رضى يشهدها الجماعة ويشهد عليها الرحمن بيعة يلزم طائرها العنق ويحوم بسائرها ويحمل أنباءها البراري والبحار مشحونة الطرق بيعة يصلح الله بها الأمة ويمنح بسببها النعمة ويتجارى الرفاق ويسري الهناء في الآفاق وتتزاحم لزهر الكواكب على حوض المجرة الدقاق بيعة سعيدة ميمونة شريفة بها السلامة في الدين والدنيا مضمونة بيعة صحيحة شرعية ملحوظة مرعية بيعة تسابق إليها كل نية وتطاوع كل طوية ويجتمع عليها شتات البرية بيعة يستهل بها الغمام ويتهلل بها البدر التمام بيعة متفق عليها الإجماع والاجتماع ولبسط الأيدي إليها انعقد عليها الإجماع فاعتقد صحتها من سمع لله وأطاع وبذل في تمامها كل امرئ ما استطاع حصل عليها اتفاق الأبصار والأسماع ووصل بها الحق إلى مستحقه وأقره الخصم وانقطع النزاع يضمنها كتاب مرقوم يشهده المقربون وتلقاه الأئمة الأقربون \" الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله \" \" الاعراف: 43 \" ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس وإلينا ولله الحمد وإلى بني العباس أجمع على هذه البيعة أرباب العقد والحل وأصحاب الكلام فيما قل وجل وولاة الأمور والحكام وأرباب المناصب والأحكام حملة العلم والأعلام وحماة السيوف والأقلام وأكابر بني عبد مناف ومن انخفض قدره وأناف وسروات قريش ووجوه بني هاشم والبقية الطاهرة من بني العباس وخاصة الأئمة وعامة الناس بيعة ترى بالحرمين خيامها وتخفق بالمأزمين أعلامها وتتعرف بعرفات بركاتها وتعرف بمنى ويؤمن عليها يوم الحج الأكبر وتؤم ما بين الركن والمقام والحجر ولا يبتغى به إلا وجه الله الكريم بيعة لا يحل عقدها ولا ينبذ عهدها ولازمة جازمة دائبة دائمة تامة عامة شاملة كاملة صحيحة صريحة متعبة مريحة ولا من يوصف بعلم ولا قضاء ولا من يرجع إليه في اتفاق ولا إمضاء ولا إمام مسجد ولا خطيب ولا ذو الفتوى يسأل فيجيب ولا من لزم المساجد ولا من تضمهم أجنحة المحاريب ولا من يجتهد في رأي فيخطئ أو يصيب ولا محدث بحديث ولا متكلم في قديم حديث ولا معروف بدين وصلاح ولا فرسان حرب وكفاح ولا راشق بسهام ولا طاعن برماح ولا ضارب بصفاح ولا ساع بقدم ولا طائر بجناح ولا مخالط للناس ولا قاعدة في عزلة ولا جمع كثرة ولا قلة ولا من يستقل بالجوزاء لؤلؤة ولا من يعلو فوق الفرقدين ثواؤه ولا باد ولا حاضر ولا مقيم ولا سائر ولا أول ولا آخر ولا مسر في باطن ولا معلن ظاهر ولا عرب ولا عجم ولا راعي إبل ولا غنم ولا صاحب أناة ولا بدار ولا ساكن في حضر وبادية بدار ولا صاحب عمد ولا جدار ولا ملجج في البحارة الذاخرة والبراري والقفار ولا من يعتلي صهوات الخيل ولا من يسبل على العجاجة الذيل ولا من تطلع عليه شمس النهار ونجوم الليل ولا من تظله السماء وتقله الأرض ولا من تدل عليه الأسماء على اختلافها وترفع درجات بعضها على بعض حتى آمن بهذه البيعة وأمن عليها وأمن بها ومن الله عليه وهداه إليها وأقر بها وصدق وغض لها بصره خاشعاً لها وأطرق ومد إليها يده بالمبايعة ومعتقده بالمتابعة ورضي بها وارتضاها وأجاز حكمها على نفسه وأمضاها ودخل تحت طاعتها وعمل بمقتضاها وقضى بينهم بالحق وقيل: الحمد لله رب العالمين.","part":1,"page":203},{"id":204,"text":"وإنه لما استأثر الله بعبده سليمان أبي الربيع الإمام المستكفي بالله أمير المؤمنين كرم الله مثواه وعوضه عن دار السلام بدار السلام ونقله مزكي يديه عن شهادة الإسلام بشهادة الإسلام حيث آثره بقربه ومهد لجنبه وأقدمه على ما قدمه من مرجو عمله وكسبه وخار له في جواره فريقاً وأنزله مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا الله أكبر ليومه لولا مخلفه كانت تضيق الأرض بما رحبت وتجزى كل نفس بما كسبت وتنبأ كل سريرة ما ادخرت وما جنت لقد اضطرم سعير إلا أنه في الجوانح لقد اضطرب منبر وسرير لولا خلفه الصالح لقد اضطر مأمور وأمير لولا الفكر بعده في عاقبة المصالح ولم يكن النسب العباسي ولا في البيت المسترشدي ولا في غيره من بيوت الخلفاء من بقايا آباء وجدود ولا من تلده أخرى الليالي وهي عاقر غير ولود من تسلم إليه أمه محمد عقد نياتها وسرطوياتها إلا واحد وأين ذاك الواحد؟ هو والله من انحصر فيه استحقاق ميراث آبائه الأطهار وتراث أجداده الأخيار ولا شيء هو إلا ما اشتمل عليه رداء الليل والنهار وهو ولد المنتقل إلى ربه وولد الإمام الذاهب لصلبه المجمع على أنه في الأيام فرد هذا الأنام وهكذا في الوجود الإمام وأنه الحائز لما زرت عليه جيوب المشارق والمغارب والفائز بملك ما بين المشارق والمغارب الراقي في صفح السماء هذه الذروة المنيفة الباقي بعد الأئمة الماضين ونعم الخليفة المجتمع فيه شروط الإمامة المتضع لله وهو ابن بيت لا يزال الملك فيهم إلى يوم القيامة الذي يفضح السحاب نائله والذي لا يعزه عادله ولا يغره عاذله والذي ما ارتقى صهوة المنبر بحضرة سلطان زمانه إلا قال بأمره وقام قائمه ولا قعد على سرير الخلافة إلا وعرف أنه ما خاب مستكفيه ولا غاب حاكمه نائب الله في أرضه والقائم مقام رسوله صلى الله عليه وسلم وخليفته وابن عمه وتابع عمله الصالح ووارث علمه سيدنا ومولانا عبد الله ووليه أبو العباس الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين أيد الله ببقائه الدين وطوق بسيفه الملحدين وكبت تحت لوائه المعتدين وكتب له النصر إلى يوم الدين وكب بجهاده على الأذقان طوائف المفسدين وأعاذ به الأرض ممن لا يدين بدين وأعاد بعدله أيام آبائه الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون وعليه كانوا يعملون ونصر أنصاره وقدر اقتداره وأسكن في القلوب سكينته ووقاره ومكن له في الوجود وجمع له أقطاره ولما انتقل إلى الله ذلك السيد ولقي أسلافه ونقل إلى سرير الجنة عن سرير الخلافة وخلا العصر من إمام يمسك ما بقي من نهاره وخليفة يغالب مزيد الليل بأنواره ووارث نبي بمثله ومثل آبائه استغنى الوجود بعد ابن عمه خاتم الأنبياء عن نبي يقتفي على آثاره ومضى ولم يعهد فلم يبق إذ لم يوجد النص إلا الإجماع وعليه كانت الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا نزاع اقتضت المصلحة الجامعة عقد مجلس كل طرف به معقود وعقد بيعة عليها الله والملائكة شهود وجمع الناس له وذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود فحضر من لم يعبأ بعده بمن تخلف ولم ير بائعه وقد مد يده طامعاً لمزيدها وقد تكلف وأجمعوا على رأي واحد استخاروا الله فيه فخار وأخذ يمين يمد لها الأيمان ويشهد بها الإيمان ويعطى عليها المواثيق وتعرض أمانتها على كل فريق حتى تقلد كل من حضر في عنقه هذه الأمانة وحط على المصحف الكريم يده وحلف بالله وأتم أيمانه ولم يقطع ولا استثنى ولا تردد ومن قطع عن غير قصد أعاد وجدد وقد نوى كل من حلف أن النية في يمينه نية من عقدت له هذه البيعة ونية من حلف له وتذمم بالوفاء له في ذمته وتكلفه على عادة أيمان البيعة وشروطها وأحكامها المرددة وأقسامها المؤكدة بأن يبذل لهذا الإمام المفترض الطاعة الطاعة ولا يفارق الجمهور ولا يفر عن الجماعة الجماعة وغير ذلك مما تضمنته نسخ الأيمان المكتتب فيها أسماء من حلف عليها مما هو مكتوب بخطوط من يكتب منهم وخطوط العدول الثقات عمن لم يكتبوا وأذنوا أن يكتب عنهم حسبما يشهد به بعضهم على بعض ويتصادق عليه أهل السماء والأرض بيعة تم بمشيئة الله تمامها وعم بالصوب المغدق غمامها وقالوا: الحمد لله أذهب عنا الحزن ووهب لنا الحسن ثم الحمد لله الكافي عبده الوافي لمن يضعف على كل موهبة حمده ثم الحمد لله على","part":1,"page":204},{"id":205,"text":"نعمه يرغب أمير المؤمنين في ازديادها ويرهب إلا أن يقاتل أعداء الله بإمدادها ويدأب بها من ارتقى منابر ممالكه بما بان من مبانيه أضدادها ونحمده والحمد لله ثم الحمد لله كلمة لا يمل من تردادها ولا يحل بما تفوق السهام من سدادها ولا يبطل إلا على ما يوجب تكثير أعدادها وتكبير أقدار أهل ودادها وتصغير التحقير لا التحبيب لأندادها.نعمه يرغب أمير المؤمنين في ازديادها ويرهب إلا أن يقاتل أعداء الله بإمدادها ويدأب بها من ارتقى منابر ممالكه بما بان من مبانيه أضدادها ونحمده والحمد لله ثم الحمد لله كلمة لا يمل من تردادها ولا يحل بما تفوق السهام من سدادها ولا يبطل إلا على ما يوجب تكثير أعدادها وتكبير أقدار أهل ودادها وتصغير التحقير لا التحبيب لأندادها.\rونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تقايس دماء الشهداء وإمداد مدادها وتنافس طرر الشباب وغرر السحاب على استمدادها وتتجانس رقومها المدبحة وما تلبسه الدولة العباسية من شعارها والليالي من دثارها والأعداء من حدادها.\rونشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى جماعة أهله ومن خلف من أبنائها وسلف من أجدادها ورضي الله عن الصحابة أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.","part":1,"page":205},{"id":206,"text":"وبعد فإن أمير المؤمنين لما أكسبه الله ميراث النبوة ما كان لجده ووهبه من الملك السليماني ما لا ينبغي لأحد من بعده وعلمه منطق الطير مما يتحمله حمائم البطائق من بدائع البيان وسخر له من البريد على متن الخيل ما سخره من الريح لسليمان وآتاه الله من خاتم الأنبياء ما امتد به أبوه سليمان وتصرف وأعطاه من الفخار به ما أطاعه كل مخلوق ولم يتخلف وجعل له من لباس بني العباس ما يقضي له سواده بسودد الأجداد وينفض على ظل الهدب ما فضل به عن سويداء القلب وسواد البصر من السواد ويمد ظله على الأرض وكل مكان دار ملك وكل مدينة بغداد وهو في ليله السجاد وفي نهاره العسكري وفي كرمه جعفر وهو الجواد يديم الابتهال إلى الله تعالى في توفيقه والابتهاج بما يغص كل عدو بريقه ويبدأ يوم هذه المبايعة بما هو الأهم من مصالح الإسلام ومصالح الأعمال فيما تتحلى به الأيام ويقدم التقوى أمامه ويقرر عليها أحكامه ويتبع الشرع الشريف ويقف عنده ويوقف الناس ومن لا يحمل أمره طائعاً على العين يحمله غصباً على الرأس ويعجل أمير المؤمنين بما استقر به النفوس ويرد به كيد الشيطان وإنه يؤوس ويأخذ بقلوب الرعايا وهو غني عن هذا ولكنه يسوس وأمير المؤمنين يشهد الله عليه وخلقه بأنه أقر ولي كل أمر من ولاة أمور الإسلام على حاله واستمر به في مقيله تحت كنف ظلاله على اختلاف طبقات ولاة الأمور وطرقات الممالك والثغور براً وبحراً سهلاً ووعراً شرقاً وغرباً بعداً وقرباً وكل جليل وحقير وقليل وكثير وصغير وكبير ومالك ومملوك وأمير وجندي يبرق له سيف شهير ورمح ظهير ومن مع هؤلاء من وزراء وقضاة وكتاب ومن له تدقيق في إنشاء وتحقيق في حساب ومن يتحدث في بريد وخراج ومن يحتاج إليه ومن لا يحتاج ومن في التدريس والمدارس والربط والزوايا والخوانق ومن له أعظم التعلقات وأدنى العلائق وسائر أرباب المراتب وأصحاب الرواتب ومن له من مال الله رزق مقسوم وحق مجهول أو معلوم واستمر كل امرئ على ما هو عليه حتى يستخير الله ويتبين له ما بين يديه ومن ازداد تأهيله زاد تفضيله وإلا فأمير المؤمنين لا يريد إلا وجه الله ولا يحابي أحداً في دين الله ولا يحابي في حق فإن المحاباة في الحق مداجاة على المسلمين وكل ما هو مستمر إلى الآن مستقر على حكم الله مما فهمه الله له وفهمه سليمان لا يغير أمير المؤمنين في ذلك ولا في بعضه تغييراً شكراً لله على نعمه وهكذا يجازي من شكر ولا يكدر على أحد مورداً نزه الله نعمه الصافية به عن الكدر ولا يتأول في ذلك متؤول إلا من جحد النعمة وكفر ولا يتعلل متعلل فإن أمير المؤمنين نعوذ بالله ونعيذ أيامه الغرر من الغير وأمر أمير المؤمنين أعلى الله أمره أن يعلن الخطباء بذكره وذكر سلطان زمانه على المنابر في الآفاق وأن يضرب باسمهما النقود وتسير بإلاطلاق ويوشح بالدعاء لهما عطف الليل والنهار ويصرح منه بما يشرق وجه الدرهم والدينار وقد أسمع أمير المؤمنين في هذا المجمع المشهود ما يتناقله كل خطيب ويتداوله كل بعيد وقريب ومختصره أن الله أمر بأوامر ونهى عن نواه وهو رقيب وسيفرغ الألباء لها السجايا ويفرغ الخطباء لها شعوب الوصايا وتتكلم بها المزايا ويخرج من المشايخ الخبايا من الزوايا ويسمر بها السمار ويترنم بها الحادي والملاح ويرق شجوها بالليل المقمر ويرقم على جبين الصباح وتعظ بها مكة بطحاءها ويحيا بحدائها قفاه ويلقنها كل أب فهمه ابنه ويسأل كل ابن نجيب أباه وهو لكم أيها الناس من أمير المؤمنين من سدد عليكم بينة وإليكم ما دعاكم به إلى سبيل الله من الحكمة والموعظة الحسنة ولأمير المؤمنين عليكم الطاعة ولولا قيام الرعايا ما قبل الله أعمالها ولا أمسك بها البحر ودحا الأرض وأرسى جبالها ولا اتفقت الآراء على من يستحق وجاءت إليه الخلافة تجر أذيالها وأخذها دون بني أبيه ولم تكن تصلح إلا له ولم يكن يصلح إلا لها وقد كفاكم أمير المؤمنين السؤال بما فتح الله لكم من أبواب الأرزاق وأسباب الارتزاق وأجراكم على وفاقكم وعلمكم مكارم الأخلاق وأجراكم على عوائدكم ولم يمسك خشية إنفاق ولم يبق لكم على أمير المؤمنين إلا أن يسير فيكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ويعمل بما يسعد به من يحيى أطال الله بقاء أمير المؤمنين من بعده ويزيد على ما تقدم ويقيم فروض الحج والجهاد وينيم","part":1,"page":206},{"id":207,"text":"الرعايا بعدله الشامل في مهاد وأمير المؤمنين يقيم على عادة آبائه موسم الحج في كل عام ويشمل بره سكان الحرمين الشريفين وسدنة بيت الله الحرام ويجهر السبيل على ضالة ويرجو أن يعود على حاله الأول في سالف الأيام ويتدفق في هذين المسجدين بحره الزاخر ويرسل إلى ثالثهما في البيت المقدس ساكب الغمام ويقيم بعدله قبور الأنبياء صلى الله عليهم وسلم أينما كانوا وأكثرهم في الشام والجمع والجماعات هي فيكم على قديم سننها وقويم سننها وستزيد في أيام أمير المؤمنين لمن يضم إليه وفيما يتسلم من بلاد الكفار ويسلم منهم على يديه وأما الجهاد فكفى باجتهاد القائم عن أمير المؤمنين بمأموره المقلد عنه جميع ما وراء سريره وأمير المؤمنين قد وكل منه خلد الله ملكه وسلطانه عيناً لا تنام وقلد سيفاً لو أغفت بوارقه ليلة واحدة عن الأعداء سلت خياله عليهم الأحلام وسيؤكد أمير المؤمنين في ارتجاع ما غلب عليه العدى وقد قدم الوصية بأن يوالي غزو العدو المخذول براً وبحراً ولا يكف عمن ظفر به منهم قتلاً ولا أسراً ولا يفك إغلالاً ولا إصراً ولا ينفك يرسل عليهم في البر من الخيل عقباناً وفي البحر غرباناً تحمل كل منهما من كل فارس صقراً ويحمي الممالك ممن يتخرق أطرافها بإقدام ويتحول أكنافها بأقدام وينظر في مصالح القلاع والحصون والثغور وما يحتاج إليه من آلات القتال وأمهات الممالك التي هي مرابط البنود ومرابض الأسود والأمراء والعساكر والجنود وترتيبهم في الميمنة والميسرة والجناح الممدود ويتفقد أحوالهم بالعرض بما لهم من خيل تعقد ما بين السماء والأرض وما لهم من زرد موضون وبيض مسها ذهب ذائب فكانت كأنها بيض مكنون وسيوف وقوابض ورماح بسبب دوامها من الدماء خواضب وسهام تواصل القسي وتفارقها فتحن حنين مفارق وتزمجر القوس زمجرة مغاضب.ا بعدله الشامل في مهاد وأمير المؤمنين يقيم على عادة آبائه موسم الحج في كل عام ويشمل بره سكان الحرمين الشريفين وسدنة بيت الله الحرام ويجهر السبيل على ضالة ويرجو أن يعود على حاله الأول في سالف الأيام ويتدفق في هذين المسجدين بحره الزاخر ويرسل إلى ثالثهما في البيت المقدس ساكب الغمام ويقيم بعدله قبور الأنبياء صلى الله عليهم وسلم أينما كانوا وأكثرهم في الشام والجمع والجماعات هي فيكم على قديم سننها وقويم سننها وستزيد في أيام أمير المؤمنين لمن يضم إليه وفيما يتسلم من بلاد الكفار ويسلم منهم على يديه وأما الجهاد فكفى باجتهاد القائم عن أمير المؤمنين بمأموره المقلد عنه جميع ما وراء سريره وأمير المؤمنين قد وكل منه خلد الله ملكه وسلطانه عيناً لا تنام وقلد سيفاً لو أغفت بوارقه ليلة واحدة عن الأعداء سلت خياله عليهم الأحلام وسيؤكد أمير المؤمنين في ارتجاع ما غلب عليه العدى وقد قدم الوصية بأن يوالي غزو العدو المخذول براً وبحراً ولا يكف عمن ظفر به منهم قتلاً ولا أسراً ولا يفك إغلالاً ولا إصراً ولا ينفك يرسل عليهم في البر من الخيل عقباناً وفي البحر غرباناً تحمل كل منهما من كل فارس صقراً ويحمي الممالك ممن يتخرق أطرافها بإقدام ويتحول أكنافها بأقدام وينظر في مصالح القلاع والحصون والثغور وما يحتاج إليه من آلات القتال وأمهات الممالك التي هي مرابط البنود ومرابض الأسود والأمراء والعساكر والجنود وترتيبهم في الميمنة والميسرة والجناح الممدود ويتفقد أحوالهم بالعرض بما لهم من خيل تعقد ما بين السماء والأرض وما لهم من زرد موضون وبيض مسها ذهب ذائب فكانت كأنها بيض مكنون وسيوف وقوابض ورماح بسبب دوامها من الدماء خواضب وسهام تواصل القسي وتفارقها فتحن حنين مفارق وتزمجر القوس زمجرة مغاضب.","part":1,"page":207},{"id":208,"text":"وهذه جملة أراد أمير المؤمنين بها إطابة قلوبكم وإطالة ذيل التطويل على مطلوبكم ودماءكم وأموالكم وأعراضكم في حماية إلا ما أباح الشرع المطهر ومزيد الإحسان إليكم على مقدار ما يخفى منكم ويظهر وأما جزئيات الأمور فقد علمتم أن من بعد عن أمير المؤمنين غني عن مثل هذه الذكرى وأنتم على تفاوت مقاديركم وديعة أمير المؤمنين وكلكم سواء في الحق عند أمير المؤمنين وله عليكم أداء النصيحة وإبداء الطاعة بسريره صحيحة فقد دخل كل منكم في كنف أمير المؤمنين وتحت رقه ولزمه حكم بيعته وألزم طائره في عنقه وسيعلم كل منكم في الوفاء بما أصبح به عليماً ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤته أجراً عظيماً.\rهذا قول أمير المؤمنين وقال: وهو يعمل في ذلك كله بما تحمد عاقبته من الأعمال وعلى هذا عهد إليه وبه يعهد وما سوى هذا فجور لا يشهد به عليه ولا يشهد وأمير المؤمنين يستغفر الله على كل حال ويستعيذ به من الإهمال ويسأل أن يمده لما يحب من الآمال ولا يمد له حبل الإمهال.\rويختم أمير المؤمنين قوله بما أمر الله به من العدل والإحسان والحمد لله وهو من خلق أحمد وقد آتاه الله ملك سليمان والله يمتع أمير المؤمنين بما وهبه ويملكه أقطار الأرض ويورثه بعد العمر الطويل عقبه ولا يزال على سدة العلياء قعوده ولدست الخلافة به أبهة الجلالة كأنه ما مات منصوره ولا أودى مهديه ولا رشيده.\rوقال ابن حجر في الدرر: كان أولاً لقب المستنصر ثم لقب الحاكم.\rذكر الشيخ زين الدين العراقي أنه سمع الحديث على بعض المتأخرين وأنه حدث.\rمات في الطاعون في نصف سنة ثلاث وخمسين.\rومن الحوادث في أيامه في عام ولايته خلع السلطان المنصور لفساده وشربه الخمور حتى قيل: أنه جامع زوجات أبيه ونفي إلى قوص وقتل بها فكان ذلك من الله مجازاة لما فعله والده مع الخليفة وهذه عادة الله مع من يتعرض لأحد من آل العباس بأذى وتسلطن أخوه الملك الأشرف كجك ثم خلع من عامه وولي أخوه أحمد ولقب بالناصر وعقد المبايعة بينه وبين الخليفة الشيخ تقي الدين السبكي قاضي الشام وكان قد حضر معه مصر.\rوفي سنة ثلاث وأربعين خلع الناصر أحمد وولي أخوه إسماعيل ولقب بالصالح.\rوفي سنة ست وأربعين مات الصالح فقلد الخليفة أخاه شعبان ولقب بالكامل.\rوفي سنة سبع وأربعين قتل الكامل وولي أخوه أمير حاج ولقب بالمظفر.\rوفي سنة ثمان وأربعين خلع المظفر وولي أخوه حسن ولقب بالناصر.\rوفي سنه تسع وأربعين كان الطاعون العام الذي لم يسمع بمثله.\rوفي سنة اثنتين وخمسين خلع الناصر وولي أخوه صالح ولقب الملك الصالح وهو الثامن ممن تسلطن من أولاد الناصر محمد بن قلاوون وجعل شيخو أتابكه قال في ذيل المسالك هو أول من سمي بمصر الأمير الكبير.\rوممن مات في أيام الحاكم من الأعلام: الحافظ أبو الحجاج المزي والتاج عبد الباقي اليمني والشمس ابن عبد الهادي وأبو حيان وابن الوردي وابن اللبان وابن عدلان والذهبي وابن فضل الله وابن قيم الجوزية والفخر المصري شيخ الشافعية بالشام والتاج المراكشي وآخرون.\rالمعتضد بالله أبو الفتح\rالمعتضد بالله: أبو الفتح أبو بكر بن المستكفي بالله.\rبويع بالخلافة بعد موت أخيه في سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة بعهد منه وكان خيراً متواضعاً محباً لأهل العلم مات في جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وسبعمائة.\rومن الحوادث في أيامه: في سنة أربع وخمسين قال ابن كثير وغيره: كان بطرابلس بنت تسمى نفيسة زوجت بثلاث أزواج ولا يقدرون عليها يظنون أن بها رتقاً فلما بلغت خمس عشرة سنة غار ثدياها ثم جعل يخرج من محل الفرج شيء قليلاً قليلاً إلى أن برز منه ذكر قدر إصبع وأنثيان وكتب بذلك في محاضر.\rوفي سنة خمس وخمسين خلع الملك الصالح وأعيد الناصر حسن.\rوفي سنة ست وخمسين رسم بضرب فلوس جدد على قدر الدينار ووزنه وجعل كل أربعة وعشرين فلساً بدرهم وكان قبل ذلك الفلوس العتق كل رطل ونصف بدرهم ومن هنا يعرف مقدار الدراهم النقرة التي جعلها شيخو وصرغتمش لأرباب الوظائف في مدرستيهما فمرادهما بالدرهم ثلثا رطل من الفلوس.\rوفي سنة اثنتين وستين قتل الناصر حسن وولي محمد ابن أخيه المظفر ولقب بالمنصور.","part":1,"page":208},{"id":209,"text":"وممن مات في أيام المعتضد من الأعلام: الشيخ تقي الدين السبكي والسمين صاحب الإعراب والقوام الإتقاني والبهاء ابن عقيل والصلاح العلائي والجمال ابن هشام والحافظ مغلطاي وأبو أمامة ابن النقاش وآخرون.\rالمتوكل على الله أبو عبد الله\rالمتوكل على الله: أبو عبد الله محمد بن المعتضد والد خلفاء العصر.\rولي الخلافة بعهد أبيه بعد موته في جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وسبعمائة وامتدت أيامه خمساً وأربعين سنة بما تخللها من خلع وحبس كما سنذكره وأعقب أولاداً كثيرة يقال إنه جاء له مائة ولد ما بين مولود وسقط ومات عن عدة ذكوراً وإناث وولي الخلافة منهم خمسة ولا نظير لذلك: المستعين العباس والمعتضد داود والمستكفي سليمان والقائم حمزة والمستنجد يوسف وبقى من أولاده الآن واحد يسمى موسى وما أشبهه بإبراهيم بن المستكفي والموجود الآن من العباسيين كلهم من ذرية المتوكل هذا أكثر الله عددهم وزاد مددهم.\rومن الحوادث في أيامه: في سنة أربع وستين خلع المنصور محمد وولي شعبان بن حسين بن الناصر محمد بن قلاوون ولقب الأشرف.\rوفي سنة ثلاث وسبعين أحدثت العلامة الخضراء على عمائم الشرفاء ليتميزوا بها بأمر السلطان وهذا أول ما أحدث.\rوقال في ذلك أبو عبد الله بن جابر الأعمى النحوي صاحب شرح الألفية المشهورة بالأعمى والبصير:\rجعلوا لأبناء الرسول علامة ... إن العلامة شأن من لم يشهر\rنور النبوة في كريم وجوههم ... يغني الشريف عن الطراز الأخضر\rوفي هذه السنة كان ابتداء خروج الطاغية تمرلنك الذي أخرب البلاد وأباد العباد واستمر يعثو في الأرض بالفساد إلى أن هلك إلى لعنة الله في سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة وفيه قيل شعر:\rلقد فعلوا فعل التتار ولو رأوا ... فعال تمرلنك إذا كان أعظما\rوطائره في جلق كان أشأما\rوكان أصله من أبناء الفلاحين ونشأ يسرق ويقطع الطريق ثم انضم إلى خدمة صاحب خيل السلطان ثم قرر مكانه بعد موته وما زال يترقى إلى أن وصل إلى ما وصل قيل لبعضهم: في أي سنة كان ابتداء خروج تمرلنك قال في سنة عذاب يعني بحساب الجمل ثلاثاً وسبعين وسبعمائة.\rوفي سنة خمس وسبعين ابتدئت قراءة البخاري في رمضان بالقلعة بحضرة السلطان ورتب الحافظ زين الدين العراقي قارئاً ثم أشرك معه الشهاب العرياني يوماً بيوم وفي سنة سبع وسبعين غلا البيض بدمشق فبيعت الواحدة بثلاث دراهم من حساب ستين بدينار.\rوفي سنة ثمان وسبعين قتل الأشرف شعبان وتسلطن ابنه علي ولقب المنصور وذلك أن الأشرف سافر إلى الحج ومعه الخليفة والقضاة والأمراء فخامر عليه الأمراء وفر راجعاً إلى القاهرة ورجع الخليفة ومن رجع وأرادوا أن يسلطنوا الخليفة فامتنع فسلطنوا ابن الأشرف واختفى الأشرف إلى أن ظفروا به فخنقوه في ذي القعدة.\rوفيها خسف الشمس والقمر جميعاً وطلع القمر خاسفاً في شعبان في ليلة أربع عشرة وكسفت الشمس يوم الثامن والعشرين منه.\rوفي سنة تسع وسبعين في رابع ربيع الأول طلب أيبك البدري أتابك العساكر زكرياء ابن إبراهيم بن المستمسك الخليفة الحاكم فخلع عليه واستقر خليفة بغير مبايعة ولا إجماع ولقب المستعصم بالله ورسم بخروج المتوكل إلى قوص لأمور حقدها عليه وقعت منه عند قتل الأشرف فخرج وعاد من الغد إلى بيته ثم عاد إلى الخلافة في العشرين من الشهر وعزل المستعصم فكانت مدة خلافته خمسة عشر يوماً.\rوالمتوكل هو سادس الخلفاء الذين سكنوا مصر وأقيموا بعد انقطاع الخلافة مدة فحصل له هذا الخلع توفية بالقاعدة.\rوفي سنة اثنتين وثمانين ورد كتاب من حلب يتضمن أن إماماً قام يصلي وأن شخصاً عبث به في صلاته فلم يقطع الإمام الصلاة حتى فرغ وحين سلم انقلب وجه العابث وجه خنزير وهرب إلى غابة هناك فعجب الناس من هذا الأمر وكتب بذلك محضر.\rوفي صفر سنة ثلاث وثمانين مات المنصور وتسلطن أخوه حاجي بن الأشرف ولقب الصالح.\rوفي رمضان سنة أربع وثمانين خلع الصالح وتسلطن برقوق ولقب الظاهر وهو أول من تسلطن من الجراكسة.","part":1,"page":209},{"id":210,"text":"وفي رجب سنة خمس وثمانين قبض برقوق على الخليفة المتوكل وخلعه وحبسه بقلعة الجبل وبويع بالخلافة محمد بن إبراهيم بن المستمسك بن الحاكم ولقب الواثق بالله فاستمر في الخلافة إلى أن مات يوم الأربعاء سابع عشري شوال سنة ثمان وثمانين فكلم الناس برقوقاً في إعادة المتوكل إلى الخلافة فلم يقبل وأحضر أخا محمد زكرياء الذي كان ولي تلك الأيام اليسيرة فبايعه ولقب المستعصم بالله واستمر إلى سنة إحدى وتسعين فندم برقوق على ما فعل بالمتوكل وأخرج المتوكل من الحبس وأعاده إلى الخلافة وخلع زكرياء واستمر زكرياء بداره إلى أن مات مخلوعاً واستمر المتوكل في الخلافة إلى أن مات.\rوفي جمادى الآخرة من السنة أعيد الصالح حاجي إلى السلطنة وغير لقبه المنصور وحبس برقوق بالكرك.\rوفي هذه السنة في شعبان أحدث المؤذنون عقب الأذان الصلاة والتسليم على النبي صلى الله عليه وسلم وهذا أول ما أحدث وكان الآمر به المحتسب نجم الدين الطنبذي.\rوفي صفر سنة اثنتين وتسعين أخرج برقوق من الحبس وعاد إلى ملكه فاستمر إلى أن مات في شوال سنة إحدى وثمانمائة فأقيم مكانه في السلطنة ابنه فرج ولقب الناصر فاستمر إلى سادس ربيع الأول سنة ثمان وثمانمائة فخلع من الملك وأقيم أخوه عبد العزيز ولقب المنصور ثم خلع في رابع جمادى الآخر من السنة وأعيد الناصر فرج.\rوفي هذه السنة مات الخليفة المتوكل ليلة الثلاثاء ثامن عشري رجب سنة ثمان وثمانمائة.\rوممن مات في أيام المتوكل من الأعلام: الشمس ابن مفلح عالم الحنابلة والصلاح الصفدي والشهاب ابن النقيب والمحب ناظر الجيش والشريف الحسيني الحافظ والقطب التختاني وقاضي القضاة عز الدين بن جماعة والتاج ابن السبكي وأخوه الشيخ بهاء الدين والجمال الأسنوي وابن الصائغ الحنفي والجمال ابن نباته والعفيف اليافعي والجمال الشريشي والشرف ابن قاضي الجبل والسراج الهندي وابن أبي حجلة والحافظ تقي الدين بن رافع والحافظ عماد الدين بن كثير والعتابي النحوي والبهاء أبو البقاء السبكي والشمس بن خطيب يبرود والعماد الحسباني والبدر بن حبيب والضياء القرمي والشهاب الأذرعي والشيخ أكمل الدين والشيخ سعد الدين التفتازاني والبدر الزركشي والسراج ابن الملقن والسراج البلقيني والحافظ زين الدين العراقي.\rالواثق بالله عمر\rالواثق بالله: عمر بن إبراهيم بن ولي العهد المستمسك بن الحاكم.\rبويع بالخلافة بعد خلع المتوكل في شهر رجب سنة خمس وثمانين واستمر إلى أن مات يوم الأربعاء تاسع عشر شوال سنة ثمان وثمانين.\r؟المستعصم بالله زكرياء\rالمستعصم بالله: زكريا بن إبراهيم بن المستمسك.\rبويع بالخلافة بعد موت أخيه الواثق ثم خلع منها سنة إحدى وتسعين وثمانمائة واستمر بداره مخلوعاً إلى أن مات وأعيد المتوكل كما تقدم.\rالمستعين بالله أبو الفضل\rالمستعين بالله: أبو الفضل العباس بن المتوكل أمه أم ولد تركية اسمها باي خاتون.\rبويع بالخلافة بعهد من أبيه في رجب سنة ثمان وثمانمائة والسلطان يومئذ الملك الناصر فرج فلما خرج الناصر لقتال شيخ المحمودي فلما انكسر وهزم وقتل بويع الخليفة بالسلطنة مضافة للخلافة وذلك في المحرم سنة خمس عشرة ولم يفعل ذلك إلا بعد شدة وتصميم وتوثق من الأمراء بالأيمان وعاد إلى مصر والأمراء في خدمته وتصرف بالولاية والعزل وضربت السكة باسمه ولم يغير لقبه وعمل شيخ الإسلام ابن حجر فيه قصيدته المشهورة وهي هذه:\rالملك فينا ثابت الأساس ... بالمستعين العادل العباسي\rرجعت مكانة آل عم المصطفى ... لمحلها من بعد طول تناس\rثاني ربيع الآخر الميمون في ... يوم الثلاثا حف بالأعراس\rبقدوم مهدي الأنام أمينهم ... مأمون غيب طاهر الأنفاس\rذو البيت طاف به الرجال فهل يرى ... من قاصد متردد في الياس\rفرع نما من هاشم في روضة ... زاكي المنابت طيب الأغراس\rبالمرتضى والمجتبى والمشتري ... للحمد والحالي به والكاسي\rمن أسرة أسروا الخطوب وطهروا ... مما يغيرهم من الأدناس","part":1,"page":210},{"id":211,"text":"أسد إذا حضروا الوغى وإذا خلوا ... كانوا بمجلسهم كظبي كناس\rمثل الكواكب نوره ما بينهم ... كالبدر أشرق في دجى الأغلاس\rوبكفه عند العلامة آية ... قلم يضيء إضاءة المقباس\rفلبشره للوافدين مباسم ... تدعى وللأجلال بالعباس\rفالحمد لله لمعز لدينه ... من بعد ما قد كان في إبلاس\rبالسادة الأمراء أركان العلى ... من بين مدرك ثأره ومواس\rنهضوا بأعباء المناقب وارتقوا ... في منصب العليا الأشم الراسي\rتركوا العدى صرعى بمعترك الردى ... فالله يحرسهم من الوسواس\rوإمامهم بجلاله متقدم ... تقديم بسم الله في القرطاس\rلولا نظام الملك في تدبيره ... لم يستقم في الملك حال الناس\rكم من أمير قبله خطب العلى ... وبجهده رجعته بإفلاس\rحتى إذا جاء المعالي كفؤها ... خضعت له من بعد فرط شماس\rطاعت له أيدي الملوك وأذعنت ... من نيل مصر أصابع المقياس\rفهو الذي قد رد عنا البؤس في ... دهر به لولاه كل الباس\rوأزال ظلماً عم كل معمم ... من سائر الأنواع والأجناس\rبالخاذل المدعو ضد فعاله ... بالناصر المنتناقص الأساس\rكم نعمة لله كانت عنده ... فكأنها في غربة وتناس\rما زال سر الشر بين ضلوعه ... كالنار أو صحبته للأرماس\rكم سن سيئة عليه أثامها ... حتى القيامة ماله من آس\rمنكراً بنى أركانه لكنها ... للغدر قد بنيت بغير أساس\rكل امرئ ينسى ويذكر تارة ... لكنه للشر ليس بناس\rأملى له رب الورى حتى إذا ... أخذوه لم يفلته مر الكاس\rوأدالنا منه المليك بمالك ... أيامه صدرت بغير قياس\rفاستبشرت أم القرى والأرض من ... شرق وغرب كالعذيب وفاس\rآيات مجد لا يحاول حجدها ... في الناس غير الجاهل الخناس\rومناقب العباس لم تجمع سوى ... لحفيده ملك الورى العباس\rلا تنكروا للمستعين رئاسة ... في الملك من بعد الجحود الناسي\rفبنو أمية قد أتى من بعدهم ... في سالف الدنيا بنو العباس\rوأتى أشج بني أمية ناشراً ... للعدل من بعد المبير الخاسي\rمولاي عبدك قد أتى لك راجيا ... منك القبول فلا يرى من باس\rلولا المهابة طولت أمداحه ... لكنها جاءته بالقسطاس\rفأدم رب الناس عزك دائماً ... بالحق محروساً برب الناس\rوبقيت تستمع المديح لخادم ... لولاك كان من الهموم يقاسي\rعبد صفا وداً وزمزم حادياً ... وسعى على العينين قبل الراس\rأمداحه في آل بيت محمد ... بين الورى مسكية الأنفاس\rولما وصل المستعين إلى مصر سكن القلعة وسكن شيخ الإسطبل وفوض إليه المستعين تدبير المملكة بالديار المصرية ولقب نظام الملك فكانت الأمراء إذا فرغوا من الخدمة بالقصر نزلوا في خدمة الشيخ إلى الإسطبل فأعيدت الخدمة عنده ويقع عنده الإبرام والنقض ثم يتوجه داوداره إلى المستعين فيعلم على المناشير والتواقيع ثم إنه تقدم إليه بأن لا يمكن الخليفة من كتابة العلامة إلا بعد عرضها عليه فاستوحش الخليفة وضاق صدره وكثر قلقه.\rفلما كان في شعبان سأل شيخ الخليفة أن يفوض إليه السلطنة على العادة فأجاب بشرط أن ينزل من القلعة إلى بيته فلم يوافق شيخ على ذلك وتغلب على السلطنة وتلقب بالمؤيد وصرح بخلع المستعين.","part":1,"page":211},{"id":212,"text":"وبايع بالخلافة أخاه داود ونقل المستعين من القصر إلى دار من دور القلعة ومعه أهله ووكل به من يمنعه من الاجتماع بالناس فبلغ ذلك نوروز نائب الشام فجمع القضاة والعلماء واستفتاهم عما صنعه المؤيد من خلع الخليفة وحصره فأفتوا بأن ذلك لا يجوز فأجمع على قتال المؤيد فخرج إليه المؤيد في سنة سبع عشرة وثمانمائة وسير المستعين إلى الإسكندرية فاعتقل بها إلى أن تولى ططر فأطلقه وأذن له في المجيء إلى القاهرة فاختار سكنى الإسكندرية لأنه استطابها وحصل له مال كثير من التجارة فاستمر إلى أن مات بها شهيداً بالطاعون في جمادى الآخرة سنة ثلاث وثلاثين.\rومن الحوادث الغريبة في أيامه في سنة اثنتي عشرة كثر النيل في أول يوم من مسرى وبلغت الزيادة اثنتين وعشرين ذراعاً.\rوفي سنة أربع عشرة أرسل غياث الدين أعظم شاه بن إسكندر شاه ملك الهند يطلب التقليد من الخليفة وأرسل إليه مالاً وللسلطان هدية.\rوممن مات في خلافته من الأعلام: الموفق الناشري شاعر اليمن ونصر الله البغدادي عالم الحنابلة والشمس المعيد نحوي مكة والشهاب الحسباني والشهاب الناشري فقيه اليمن وابن الهائم صاحب الفرائض والحساب وابن العفيف شاعر اليمن والمحب ابن الشحنة عالم الحنفية والد قاضي العسكر.\rالمعتضد بالله أبو الفتح\rالمعتضد بالله: أبو الفتح داود بن المتوكل أمه أم ولد تركية اسمها كزل.\rبويع بالخلافة بعد خلع أخيه سنة خمس عشرة والسلطان حينئذ المؤيد فاستمر إلى أن مات في محرم سنة أربع وعشرين فقلد السلطنة ابنه أحمد ولقب المظفر وجعل نظامه ططر ثم قبض عليه ططر في شعبان فقلده الخليفة السلطنة ولقب الظاهر ثم مات ططر من عامه في ذي الحجة فقلد ابنه محمداً ولقب الصالح وجعل نظامه برسباي.\rثم وثب برسباي على الصالح فخلعه وقلده الخليفة في ربيع الآخر سنة خمس وعشرين فاستمر إلى أن مات في ذي الحجة سنة إحدى وأربعين فقلد ابنه يوسف ولقب العزيز وجعل جقمق نظامه فوثب جقمق على العزيز وقبض عليه في ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين فقلده الخليفة ولقب الظاهر فمات الخليفة في أيامه.\rوكان المعتضد من سروات الخلفاء نبيلاً ذكياً فطناً يجالس العلماء والفضلاء ويستفيد منهم ويشاركهم فيما هم فيه سمحاً إلى الغاية.\rمات في يوم الأحد رابع ربيع الأول سنة خمس وأربعين وقد قارب السبعين قال ابن حجر وأخبرتني ابنة أخيه أنه عاش ثلاثاً وستين.\rومن الحوادث الغريبة في أيامه سنة ست عشرة تولى الحبسة صدر الدين ابن الآدمي مضافة للقضاة وهو أول من جمع بين القضاء والحسبة.\rوفي سنة تسع عشرة وليها منكلى بغا وهو أول من ولي الحسبة من الأتراك في الدنيا.\rوفيها ظهر بمصر شخص يدعي أنه يصعد إلى السماء ويشاهد الباري تعالى ويكلمه واعتقده جمع العوام فعقد له مجلس واستتيب فلم يتب فعلق المالكي الحكم بقتله على شهادة اثنين بأنه حاضر العقل فشهد جماعة من أهل الطب أنه مختل العقل فقيد في البيمارستان.\rوفي سنة إحدى وعشرين ولدت ببلبيس جاموسة مولوداً برأسين وعنقين وأربعة أيدي وسلسلتي ظهر ودبر واحد ورجلين اثنين لا غير وفرج واحد أنثى والذنب المفروق باثنين فكانت من بديع صنع الله.\rوفي سنة اثنتين وعشرين وقع زلزلة عظيمة بارزنكان وهلك بسببها عالم كثير.\rوفيها تمت المدرسة المؤيدية وجعل شيخها الشمس ابن المديري وحضر السلطان درسه وباشر ولد السلطان إبراهيم فرش سجادة الشيخ بيده.\rوفي سنة ثلاث وعشرين ذبح جمل بغزة فأضاء لحمه كما يضيء الشمع ورمى منه قطعة لكلب فلم يأكلها.\rوفي سنة أربع وعشرين استمرت زيادة النيل إلى آخر هاتور وغرق بذلك زرع كثير.\rوفي سنة خمس وعشرين ولدت فاطمة بنت القاضي جلال الدين البلقيني ولداً خنثى له ذكر وفرج وله يدان زائدتان في كفه وفي رأسه قرنان كقرني الثور ومات بعد ساعة.\rوفيها زلزلت القاهرة زلزلة لطيفة.\rوفيها كثر النيل في ثامن عشري أبيب.","part":1,"page":212},{"id":213,"text":"وممن مات في أيامه من الأعلام: الشهاب ابن حجة فقيه الشام والبرهان بن رفاعة الأديب والزين أبو بكر المراغي فقيه المدينة ومحدثها والحسام الأبيوردي والجمال ابن ظهيرة حافظ مكة والمجد الشيرازي صاحب القاموس وخلف النحريري من كبار المالكية والشمس ابن القباني من كبار الحنفية وأبو هريرة بن النقاش والوانوغي والأستاذ عز الدين بن جماعة وابن هشام العجمي والصلاح الأقفهسي والشهاب العزي أحد أئمة الشافعية والجلال البلقيني والبرهان البيجوري والولي العراقي والشمس ابن المديري والشرف القباني والعلاء بن المعلى والبدر بن الدماميني والتقي الحصني شارح أبي شجاع والهروي والسراج قارئ الهداية والنجم ابن حجي والبدر البشتكي والشمس البرماوي والشمس الشطنوفي والتقي الفاسي والزين القمني والنظام يحيى السيرافي وقراء يعقوب الرومي والشرف ابن مفلح الحنبلي والشمس ابن القشيري وابن الجزري شيخ القراءات وابن خطيب الدهشة والشهاب الإبشيطي والزين التفهني والبدر القدسي والشرف بن المقري عالم اليمن صاحب عنوان الشرف والتقي ابن حجة الشاعر والجلال المرشدي نحوي مكة والهمام الشيرازي تلميذ الشريف والجمال ابن الخياط عالم اليمن والبوصيري المحدث والشهاب ابن الحمرة والعلاء البخاري والشمس البساطي والجمال الكازروني عالم طيبة والمحب البغدادي الحنبلي والشمس ابن عمار وآخرون.\rالمستكفي بالله أبو الربيع\rالمستكفي بالله: أبو الربيع سليمان بن المتوكل.\rولي الخلافة بعهد من أخيه وهو شقيقه وكتب له والدي رحمه الله نسخة العهد هذه صورتها: هذا ما أشهد به على نفسه الشريفة حرسها الله تعالى وحماها وصانها من الأكدار ورعاها سيدنا ومولانا ذو المواقف الشريفة الطاهرة الزكية الإمامية الأعظمية العباسية النبوية المعتضدية أمير المؤمنين وابن عم سيد المرسلين ووارث الخلفاء الراشدين المعتضد بالله تعالى أبو الفتح داود أعز الله به الدين وأمتع ببقائه الإسلام والمسلمين إنه عهد إلى شقيقه المقر العالي المولوي الأصيلي العريقي الحسيبي النسيبي الملكي سيدي أبي الربيع سليمان المستكفي بالله عظم الله شأنه بالخلافة المعظمة وجعله خليفة بعده ونصبه إماماً على المسلمين عهداً شرعياً معتبراً مرضياً نصيحة للمسلمين ووفاء بما يجب عليه من مراعاة مصالح الموحدين واقتداء بسنة الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين وذلك لما علم من دينه وخيره وعدالته وكفايته وأهليته واستحقاقه بحكم أنه اختبر حاله وعلم طويته وأن الذي يدين الله به أنه أتقى ثقة ممن رآه وأنه لا يعلم صدر منه ما ينافي استحقاقه لذلك وأنه إن ترك الأمر هملاً من غير تفويض للمشار إليه أدخل إذ ذاك المشقة على أهل الحل والعقد في اختيار من ينصبونه للإمامة ويرتضونه لهذا الشأن فبادر إلى هذا العهد شفقة عليهم وقصداً لبراءة ذمتهم ووصول الأمر إلى من هو أهله لعلمه أن العهد كان غير محوج إلى رضا سائر أهله وواجب على من سمعه وتحمل ذلك منه أن يعمل به ويأمر بطاعته عند الحاجة إليه ويدعو الناس إلى الانقياد له فسجل ذلك عليه من حضره حسب إذنه الشريف وسطر عن أمره قبل ذلك سيدي المستكفي أبو الربيع سليمان المسمى فيه عظم الله شأنه قبولاً شرعياً وكان من صلحاء الخلفاء صالحاً ديناً عابداً كثير التعبد والصلاة والتلاوة كثير الصمت منعزلاً عن الناس حسن السيرة.\rوقال في حقه أخوه المعتضد: لم أر على أخي سليمان منذ نشأ كبيرة.\rوكان الملك الظاهر يعتقده ويعرف له حقه وكان والدي إماماً له وكان عنده بمكان رفيع خصيصاً به محترماً عنده جداً وأما نحن فلم ننشأ إلا في بيته وفضله وآله خير آل ديناً وعبادة وخيراً وما أظن أنه وجد على ظهر الأرض خليفة بعد آل عمر بن عبد العزيز أعبد من آل بيت هذا الخليفة.\rمات في يوم الجمعة سلخ ذي الحجة سنة أربع وخمسين وله ثلاث وستون سنة ولم يعش والدي بعده إلا أربعين يوماً ومشى السلطان في جنازته إلى تربته وحمل نعشه بنفسه.\rمات في أيامه من الأعلام: التقي المقريزي والشيخ عبادة وابن كميل الشاعر والوفائي والقاياتي وشيخ الإسلام ابن حجر.\rالقائم بأمر الله أبو البقاء\rالقائم بأمر الله: أبو البقاء حمزة بن المتوكل.","part":1,"page":213},{"id":214,"text":"بويع بالخلافة بعد أخيه ولم يكن عهد إليه ولا إلى غيره وكان شهماً صارماً أقام أبهة الخلافة قليلاً وعنده جبروت بخلاف سائر أخوته ومات في أيامه الملك الظاهر جقمق في أول سنة سبع وخمسين فقلد ابنه عثمان ولقب المنصور فمكث شهراً ونصفاً ثم وثب إينال على المنصور فقبض عليه فقلده الخليفة في ربيع الأول ولقب الأشرف ثم وقع بين الخليفة والأشرف بسبب ركوب الجند عليه فخلعه من الخلافة في جمادى سنة تسع وخمسين وسيره إلى الإسكندرية واعتقله بها إلى أن مات بها في سنة ثلاث وستين ودفن عند شقيقه المستعين.\rوالعجب أن هذين الأخوين الشقيقين خلعا من الخلافة واعتقل كل منهما بالإسكندرية ودفنا معاً. مات في أيام القائم من الأعلام: والدي والعلاء القلقشندي.\rالمستنجد بالله خليفة العصر أبو المحاسن\rالمستنجد بالله خليفة العصر: أبو المحاسن يوسف بن المتوكل على الله ولي الخلافة بعد خلع أخيه والسلطان يومئذ الأشرف إينال فمات في سنة خمس وستين فقلد ابنه أحمد ولقب المؤيد ثم وثب خشقدم على المؤيد فقبضه في رمضان من عامه فقلده ولقب الظاهر واستمر إلى أن مات في ربيع الأول سنة اثنتين وسبعين فقلد بلباي ولقب الظاهر فوثب عليه الجند بعد شهرين وقبضوه فقلد تمربغا ولقب الظاهر فوثبوا عليه أيضاً بعد شهرين فقلد سلطان العصر قايتباي ولقب الأشرف فاستقر له الملك وسار في المملكة بشهامة وصرامة ما سار بها قبله ملك من عهد الناصر محمد بن قلاوون بحيث إنه سافر من مصر إلى الفرات في طائفة يسيرة جداً من الجند ليس فيهم أحد من المقدمين الألوف.\rومن سيرته الجميلة: أنه لم يول بمصر صاحب وظيفة دينية كالقضاة والمشايخ والمدرسين إلا أصلح الموجودين لها بعد طول تروية وتمهلة بحيث تستمر الوظيفة شاغرة الأشهر العديدة ولم يول قاضياً ولا شيخاً بمال قط.\rوكان الظاهر خشقد أول من قلد قدم النائب الشام حاتم لموافقة كانت بينه وبين العسكر في سلطنته فأمر الظاهر حين بلغه قدومه بطلوع الخليفة والقضاة الأربعة والعسكر إلى القلعة وأرسل إلى نائب الشام يأمره بالانصراف فانصرف بعد شروط شرطها وعاد القضاة والعسكر إلى منازلهم واستمر الخليفة ساكناً بالقلعة ولم يمكنه الظاهر من عوده إلى سكنه المعتاد فاستمر بها إلى أن مات يوم السبت رابع عشري المحرم سنة أربع وثمانين وثمانمائة بعد تمرضه نحو عامين بالفالج وصلي عليه بالقلعة ثم أنزل مدفن الخلفاء بجوار المشهد النفيسي وقد بلغ التسعين أو جاوزها.\rالمتوكل على الله أبو العز\rالمتوكل على الله: أبو العز عبد العزيز بن يعقوب بن المتوكل على الله.\rولد سنة تسع عشرة وثمانمائة وأمه بنت جندي اسمها حاج ملك ولم يل والده بالخلافة ونشأ معظماً مشاراً إليه محبوباً للخاصة والعامة بخصاله الجميلة ومناقبه الحميدة وتواضعه وحسن سمعته وبشاشته لكل أحد وكثرة أدبه وله اشتغال بالعلم قرأ على والدي وغيره وزوجه عمه المستكفي بابنته فأولدها ولداً صالحاً فهو ابن هاشمي بين هاشميين ولما طال مرض عمه المستنجد عهد إليه بالخلافة فلما مات بويع بها يوم الاثنين سادس عشر المحرم بحضرة السلطان والقضاة والأعيان وكان أراد أولاً التلقيب بالمستعين بالله ثم وقع التردد بين المستعين والمتوكل واستقر الأمر على المتوكل ثم ركب من القلعة إلى منزله المعتاد والقضاة والمباشرون والأعيان بين يديه وكان يوماً مشهوداً ثم عاد من آخر يومه إلى القلعة حيث كان المستنجد ساكناً بها.\rففي هذه السنة سافر السلطان الملك الأشرف قايتباي إلى الحجاز برسم الحج وذلك أمر لم يعهد الملك أكثر من مائة سنة فبدأ بزيارة المدينة الشريفة وفرق بها ستة آلاف دينار ثم قدم مكة وفرق بها خمسة آلاف دينار وقرر بمدرسته التي أنشأها بمكة شيخاً وصوفية وحج وعاد وزينت البلد لقدومه أياماً.\rوفي سنة خمس وثمانين خرج عسكر من مصر عليهم الدوادار يشبك إلى جهة العراق فالتقوا مع عسكر يعقوب شاه بن حسن بقرب الرها فكسر المصريون وقتل منهم من قتل وأسر الباقون وأسر الدوادار وضرب عنقه وذلك في النصف الثاني من رمضان والعجب أن الدوادار هذا بينه وبين قاضي الحنفية شمس الدين الأمشاطي بمصر وقعة كبيرة وكل منهما يود زوال الآخر فكان قتل الدوادار بشاطئ الفرات وموت الأمشاطي بمصر في يوم واحد.","part":1,"page":214},{"id":215,"text":"وفي سنة ست وثمانين زلزلت الأرض يوم الأحد بعد العصر سابع عشر المحرم زلزلة صعبة ماجت منها الأرض والجبال والأبنية موجاً ودامت لحظة لطيفة ثم سكنت فالحمد لله على سكونها وسقط بسببها شرافة من المدرسة الصالحية على قاضي القضاة الحنفي شرف الدين بن عيد فمات فإنا لله وإنا إليه راجعون.\rوفي هذه السنة في ربيع الأول قدم إلى مصر من الهند رجل يسمى خاكي زعم أن عمره مائتان وخمسون سنة فاجتمعت به فإذا هو رجل قوي لحيته كلها سوداء لا يجوز العقل أن عمره سبعون سنة فضلاً عن أكثر من ذلك ولم يأت بحجة على ما يدعيه والذي أقطع به أنه كذاب ومما سمعته منه أنه قال: إنه حج وعمره ثمان عشرة سنة ثم رجع إلى الهند فسمع بذهاب التتار إلى بغداد ليأخذوها وإنه قدم إلى مصر زمن السلطان حسن قبل أن يبني مدرسته ولم يذكر شيئاً يستوضح به على قوله.\rوفيها ورد الخبر بموت السلطان محمد بن عثمان ملك الروم وأن ولديه اقتتلا على الملك فغلب أحدهما واستقر في المملكة وقدم الآخر إلى مصر فأكرمه السلطان غاية الإكرام وأنزله ثم توجه من الشام إلى الحجاز برسم الحج.\rوفي شوال قدمت كتب من المدينة الشريفة تتضمن أن في ليلة الثالث عشر رمضان نزلت صاعقة من السماء على المئذنة فأحرقتها وأحرقت سقوف المسجد الشريف وما فيه من خزائن وكتب ولم يبق سوى الجدران وكان أمراً مهولاً.\rمات يوم الأربعاء سلخ المحرم سنة ثلاث وتسعمائة وعهد بالخلافة لابنه يعقوب ولقبه المستمسك بالله.\rوهذا آخر ما تيسر في هذا التاريخ وقد اعتمدت في الحوادث على تاريخ الذهبي وانتهى إلى سنة سبعمائة ثم على تاريخ ابن كثير وانتهى إلى سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة ثم على المسالك وذيله إلى سنة ثلاث وسبعين ثم على أنباء الغمر لابن حجر إلى سنة خمسين وثمانمائة.\rوأما غير الحوادث فطالعت عليه تاريخ بغداد للخطيب عشر مجلدات وتاريخ دمشق لابن عساكر سبعة وخمسين مجلداً والأوراق للصولي سبع مجلدات والطيوريات ثلاث مجلدات والحلية لأبي نعيم تسع مجلدات والمجالسة للدينوري والكامل للمبرد مجلدين وأمالي ثعلب مجلد وغير ذلك.\rوقد عمل بعض الأقدمين أرجوزة في أسماء الخلفاء ووفياتهم انتهى فيها إلى أيام المعتمد وقد عملت قصيدة أحسن منها ورأيت أن أختم بها هذا الكتاب وهي هذه:\rالحمد لله حمداً لا نفاد له ... وإنما الحمد حقاً رأس من شكرا\rثم الصلاة على الهادي النبي ومن ... سادت بنسبته الأشراف والكبرا\rإن الأمين رسول الله مبعثه ... لأربعين مضت فيما رووا عمرا\rوكان هجرته فيها لطيبته ... بعد الثلاثة أعواماً تلي عشرا\rومات في إحدى بعد عشرتها ... فيا مصيبة أهل الأرض حين سرى\rوقام من بعده الصديق مجتهدا ... وفي ثلاثة عشر بعده قبرا\rوهو الذي جمع القرآن في صحف ... وأول الناس من سمى المصحف الزبرا\rوقام من بعده الفاروق ثمت في ... عشرين بعد ثلاث غيبوا عمرا\rوهو الذي اتخذ الديوان وافترض ال ... عطاء قيل وبيت المال والدررا\rسن التراويح والتاريخ وافتتح ال ... فتوح جماً وزاد الحد من سكرا\rوهو المسمى أمير المؤمنين ولم ... يدع من قبله شخص من الأمرا\rوقام عثمان حتى جاء مقتله ... بعد الثلاثين في ست وقد حصرا\rوهو الذي زاد في التأذين أوله ... في جمعة وبه رزق الأذان جرى\rوأول الناس ولى صحب شرطته ... حمى الحمى أقطع الإقطاع إذ كثرا\rوبعد قام علي ثم مقتله ... لأربعين فمن أرداه قد خسرا\rثم ابنه السبط نصف العام ثم أتى ... بنو أمية يبغون الوغى زمرا\rفسلم الأمر في إحدى لرغبته ... عن دار دنيا بلا ضير ولا ضررا\rوكان أول ذي ملك معاوية ... في النصف من عام ستين الحمام عرا","part":1,"page":215},{"id":216,"text":"وهو الذي اتخذ الخصيان من خدم ... كذا البريد ولم يسبقه من أمرا\rواستحلف الناس لما أن يبايعهم ... والعهد قبل وفاة لابنه ابتكرا\rثم اليزيد ابنه أخبث به ولداً ... في أربع بعدها ستون قد قبرا\rوابن الزبير وفي سبعين مقتله ... بعد الثلاث وكم بالبيت قد حصرا\rوفي ثمانين مع ست تليه قضى ... عبد المليك له الأمر الذي اشتهرا\rضرب الدنانير في الإسلام معلمة ... وكسوة الكعبة الديباج مؤتجرا\rوهو الذي منع الناس التراجع في ... وجه الخليفة مهما قال أو أمرا\rوأول الناس هذا الاسم سميه ... وأول الناس في الإسلام قد غدرا\rثم الوليد ابنه قبل ما رجب ... في الست من بعد تسعين انقضى عمرا\rوهو الذي منع الناس النداء له ... باسم وكانت تنادي باسمها الأمرا\rوقام بعد سليمان الخيار وفي ... تسع وتسعين جاء الموت في صفرا\rوبعده عمر ذاك النجيب وفي ... إحدى تلي مائة قد ألحدوا عمرا\rوهو الذي أمر الزهري خوف ذها ... ب العلم أن يجمع الأخبار والأثرا\rثم اليزيد وفي خمس قضى وتلا ... هشام في الخمس والعشرين قد سطرا\rثم الوليد وبعد العام مقتله ... من بعده ما جاء بالفسق الذي اشتهرا\rثم اليزيد وفي ذا العام مات وقد ... أقام ست شهور مثل ما أثرا\rوبعده قام إبراهيم ثم مضى ... بالخلع سبعين يوماً قد أقام ترى\rوبعده قام مروان الحمار وفي ... اثنتين بعد ثلاثين الدماء جرى\rوقام بعده السفاح ثم قضى ... بعد الثلاثين في ست وقد جدرا\rوقام من بعده المنصور ثمت في ... خمسين بعد ثمان محرماً قبرا\rوهو الذي خص أعمالا مواليه ... وأهمل العرب حتى أمرهم دثرا\rثم ابنه وهو المهدي مات لدى ... تسع وستين مسموماً كما ذكرا\rثم ابنه وهو الهادي وموتته ... في عام سبعين لما هم أن غدرا\rثم الرشيد وفي تسعين تالية ... ثلاثة مات في الغزو الرفيع ذرا\rثم الأمين وفي تسعين تالية ... ثمانيا جاءه قتل كما قدرا\rوقام من بعده المأمون ثمت في ... ثمان عشرة كان الموت فاعتبرا\rوقام معتصم من بعده وقضى ... في عام سبع وعشرين الذي أثرا\rوهو الذي أدخل الأتراك منفردا ... ديوانه واقتناهم جالباً وشراً\rثم ابنه الواثق المالي الورى رعباً ... وفي الثلاثين مع اثنتين قد غبرا\rوذو المتوكل ما أزكاه من خلف ... ومظهر السنة الغراء إذ نصرا\rفي عام سبع يليها أربعون قضى ... قتلا حباه ابنه المدعو منتصرا\rفلم يقم بعده إلا اليسير كما ... قد سنه الله فيمن بعضه غدرا\rولمستعين وفي عام اثنتين تلى ... خمسين خلع وقتل جاءه زمرا\rوهو الذي أحدث الأكمام واسعة ... وفي القلانس عن طول أتى قصرا\rوقام من بعده المعتر ثمت في ... خمس وخمسين حقاً قتله أثرا\rوالمهتدي الصالح الميمون مقتله ... من بعد عام وقفى قبله عمرا\rوقام من بعده بالأمر معتمد ... في عام تسع وسبعين الحمام عرا\rوذاك أول ذي أمر له حجروا ... وأول الناس موكولا به قهرا\rوقام من بعده بالأمر معتضد ... وفي ثمانين مع تسع مضت قبرا","part":1,"page":216},{"id":217,"text":"ثم ابنه المكتفي بالله أحمد في ... خمس وتسعين سبحان الذي قدرا\rفي عام عشرين في شوال بعد مئي ... ثلاث مقتل المدعو مقتدرا\rوبعده القاهر الجبار نخلعه ... في اثنتين وعشرين وقد سمرا\rوقام بعده الراضي ومات لدى ... تسع وعشرين وانسب عنده أجرا\rوالمتقي ومضى بالخلع منسملا ... من بعد أربعة الأعوام في صفرا\rوقام بالأمر مستكفيهم وقفا ... من بعد عام لأمر المتقي أثرا\rثم المطيع وفي ستين يتبعها ... ثلاثة في أخير العام قد عبرا\rثم ابنه الطائع المقهور مخلعه ... عام الثمانين مع إحدى كما أثرا\rثم الإمام أبو العباس قادرهم ... في اثنين بعد عشرين مضت قبرا\rثم ابنه قائم بالله مات لدى ... سبع وستين من شعبان قد سطرا\rوالمقتدي مات في سبع بأولها ... بعد الثمانين جد الملك واقتدرا\rوقام من بعده مستظهر وقضى ... في سادس القرن اثنتين تلي عشرا\rوقام من بعده مسترشد ولدى ... تسع وعشرين فيه القتل حل عرا\rثم ابنه الراشد المقهور مخلعه ... من بعد عام فلا عين ولا أثرا\rوالمقتفي مات من بعد التمكن في ... خمس وخمسين وانقادت له النصرا\rوقام من بعده المستنجد وقضى ... من بعد ستين في ست وقد شعرا\rوالمستضيء بأمر الله مات لدى ... خمس وسبعين بالإحسان قد بهرا\rوقام من بعده بالأمر ناصرهم ... ومات اثنتين مع عشرين إذ كبرا\rوقام من بعده بالأمر ظاهرهم ... تسعاً شهوراً فأقلل مدة قصرا\rوقام من بعده مستنصر وقضى ... لأربعين وكم يرثيه من شعرا\rوقام من بعده مستعصم ولدى ... ست وخمسين كان الفتنة الكبرا\rجاء التتار فأردوه وبلدته ... فيلعن الله والمخلوقة التترا\rمرت ثلاث سنين بعده ويلي ... نصف ودهر الورى من قائم شغرا\rوقام من بعد ذا مستنصر وثوى ... في آخر العام قتلا منهم وسرى\rأقام ست شهور ثم راح لدى ... مهل ستين لم يبلغ به وطرا\rوقام من بعده في مصر حاكمهم ... على وهى لا كمن من قبله غبرا\rومات في عام إحدى بعد سبع مئي ... وقام من بعده مستكفيهم وجرى\rفي أربعين قضى إذ قام واثقهم ... ففي اثنتين مضى خلعاً من الأمرا\rوقام حاكمهم من بعده وقضى ... عام الثلاث مع الخمسين معتبرا\rوقام من بعده بالأمر معتضد ... وفي الثلاثة والستين قد عبرا\rوذو المتوكل يتلوه أقام إلى ... بعد الثمانين في خمس وقد حصرا\rوبايعوا واثقاً بالله ثمت في ... عام الثمان قضى وسمه عمرا\rوبايعوا بعده بالله معتصماً ... لعام إحدى وتسعين أزيل ورا\rوذو التوكل ردوه أقام إلى ... ذا القرن عام ثمان منه قد قبرا\rفي عهده زيد من بعد الأذان على ... خير النبيين تسليم كما أمرا\rوأحدث السمة الخضراء للشرفا ... يا حسنها من سمات بوركت خضرا\rأولاده منهم خمس مبجلة ... جاءوا الخلافة إذ كانت لهم قدرا\rفالمستعين وآل الأمر أن خلعوا ... في شهر شعبان في خمس تلي عشرا\rوقام من بعده بالأمر معتضد ... لأربعين تليها الخمسة احتضرا","part":1,"page":217},{"id":218,"text":"وقام بالأمر مستكفيهم وقضى ... في عام الأربع والخمسين مصطبرا\rوقام قائمهم من بعد ثمت في ... تسع وخمسين بعد الخلع قد حصرا\rوقام من بعده مستنجد دهرا ... خليفة العصر رقاه الإله ذرى\rوليس يعرف في الأعصار قبلهم ... خمس ولو أخوة بل أربع أمرا\rولا شقيقان إلا غير خامسهم ... كذا الرشيد مع الهادي كما ذكرا\rكذا سليمان من بعد الوليد كذا ... نجلا الوليد يزيد والذي أثرا\rوما تكرر في بغداد من لقب ... ولا تلا ابن أخ عم خلا نفر\rاثنان فالمقتفي عن راشد وكذا ... مستنصر بعد مقتول التتار عرا\rأولئك القوم أرباب الخلافة خذ ... سبعين من غير نقص عدها حصرا\rمن الصحابة سبع كالنجوم ومن ... بني أمية اثنان تلي عشرا\rولم أعد أبا عبد المليك فذا ... باغ كما قاله من أرخ السيرا\rوعدة من بني العباس شامخة ... إحدى وخمسون لا قلت لهم نصرا\rتبقى الخلافة فيهم كي يسلمها ال ... مهدي منهم إلى عيسى كما أثرا\rوبعد نظمي هذا النظم في مدد ... قضى خليفتنا المذكور مصطبرا\rفي عام الأربع في شهر المحرم من ... بعد الثمانين يوم السبت قد قبرا\rوبويع ابن أخيه بعده ودعى ... بذي التوكل كالجد الذي شهرا\rولم يسم إمام في الأولى سبقوا ... عبد العزيز سواه فاسمه ابتكرا\rفالله يبقيه ذا عز ويحفظه ... ويجعل الملك في أعقابه زمرا\rومات عام ثلاث بعد تسع مئي ... سلخ المحرم عن عهد لمن سطرا\rلنجله البر يعقوب الشريف وقد ... لقب مستمسكاً بالله في صفرا\rفصل في الدولة الأموية القائمة بالأندلس\rأولهم عبد الرحمن بن معاوية بن هشام به عبد الملك بن مروان بويع بالخلافة لما دخل الأندلس هارباً وذلك في سنة ثمان وثلاثين ومائة وكان من أهل العلم والعدل مات سنة سبعين ومائة في ربيع الآخر.\rوقام بعده ابنه هشام أبو الوليد ومات في شهر صفر سنة ثمانين ومائة.\rوقام بعده ابنه الحكم أبو المظفر الملقب بالمرتضى ومات في ذي الحجة سنة ست ومائتين.\rوقام بعده ابنه عبد الرحمن وهو أول من فخم الملك بالأندلس من الأموية وكساه أبهة الخلافة والجلالة وفي أيامه أحدث بالأندلس لبس المطرز وضرب الدراهم ولم يكن بها دار ضرب منذ فتحها العرب وإنما كانوا يتعاملون بما يحمل إليهم من دراهم أهل المشرق وكان شبيهاً بالوليد بن عبد الملك في جبروتيته بالمأمون العباسي في طلب الكتب الفلسفية وهو أول من أدخل الفلسفة الأندلس ومات سنة تسع وثلاثين ومائتين.\rوقام بعده ابنه محمد مات في صفر سنة ثلاث وسبعين ومائتين.\rوقام ابنه المنذر ومات في صفر سنة خمس وسبعين.\rوقام أخوه عبد الله وهو أصلح خلفاء الأندلس علماً وديناً مات في ربيع الأول سنة ثلاثمائة.\rوقام حفيده عبد الرحمن بن محمد الملقب بالناصر وهو أول من تسمى بالأندلس بالخلافة وبأمير المؤمنين وذلك لما وهت الدولة العباسية في أيام المقتدر وكان الذين قبله إنما يتسمون بالأمير فقط مات في رمضان سنة خمسين وثلاثمائة.\rوقام ابنه الحكم المستنصر ومات في صفر سنة ست وستين.\rوقام ابنه هشام المؤيد ثم خلع وحبس سنة تسع وتسعين.\rوقام محمد بن هشام بن عبد الحبار بن الناصر عبد الرحمن ولقب المهدي سنة عشر شهراً ثم خرج عليه ابن أخيه هشام بن سليمان بن الناصر عبد الرحمن وبويع وتلقب بالرشيد فحاربه عمه وقتله واتفق الناس على خلع عمه فاختفى ثم قتل وبايعوا ابن أخي هشام المقتول سليمان بن الحكم المستنصر ولقب بالمستعين ثم قاتلوه وأسر سنة ست وأربعمائة.\rوقام عبد الرحمن بن عبد الملك بن الناصر ولقب المرتضى وقتل في آخر العام ثم وهت الدولة الأموية.","part":1,"page":218},{"id":219,"text":"وقامت الدولة العلوية الحسنية فولى الناصر علي بن حمود في المحرم سنة سبع وأربعمائة ثم قتل في ذي القعدة سنة ثمان وأربعمائة.\rوقام أخوه المأمون القاسم وخلع سنة إحدى عشرة.\rوقام ابن أخيه يحيى بن الناصر علي بن حمود ولقب المستعلي وقتل بعد سنة وسبعة أشهر.\rثم عادت الدولة الأموية فولى المستظهر عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار ثم قتل بعد خمسين يوماً.\rوقام محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن الناصر عبد الرحمن ولقب المستكفي وخلع بعد سنة وأربعة أشهر.\rوقام هشام بن محمد بن عبد الملك بن الناصر عبد الرحمن ولقب المعتمد فأقام مدة ثم خلع وسجن إلى أن مات في صفر سنة ثمان وعشرين وأربعمائة وماتت بموته الدولة الأموية بالأندلس.\rفصل في الدولة الخبيثة العبيدية\rأول من قام منهم بالمغرب المهدي عبيد الله سنة ست وتسعين ومائتين ومات في سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة.\rوقام ابنه القائم بأمر الله محمد ومات سنة ثلاث وثلاثين.\rوقام ابنه المنصور إسماعيل ومات سنة إحدى وأربعين.\rوقام ابنه المعز لدين الله معد ودخل القاهرة سنة اثنتين وستين ومات سنة خمس وستين.\rوقام ابنه العزيز نزار ومات سنة ست وثمانين.\rوقام ابنه الحاكم بأمر الله منصور وقتل في سنة إحدى عشرة وأربعمائة.\rوقام ابنه الظاهر لإعزاز دين الله علي ومات سنة ثمان وعشرين.\rوقام ابنه المستنصر معد ومات سنة سبع وثمانين فأقام في الخلافة ستين سنة وأربعة أشهر.\rقال الذهبي: ولا أعلم أحداً في الإسلام لا خليفة ولا سلطاناً أقام هذه المدة.\rوقام بعده ابنه المستعلي بالله أحمد ومات سنة خمس وتسعين.\rوأقيم بعده ابنه الآمر بأحكام الله منصور طفل له خمس سنين وقتل في سنة أربع وعشرين وخمسمائة عن غير عقب.\rوقام بعده ابن عمه الحافظ لدين الله عبد المجيد بن محمد بن المستنصر ومات سنة أربع وأربعين.\rوقام ابنه الظافر بالله إسماعيل وقتل سنة تسع وأربعين.\rوقام ابنه الفائز بنصر الله عيسى ومات سنة خمس وخمسين.\rوقام العاضد لدين الله عبد الله بن يوسف بن الحافظ لدين الله وخلع سنة سبع وستين ومات بها وأقيمت الدعوة العباسية بمصر وانقرضت الدولة العبيدية.\rقال الذهبي: فكانوا أربعة عشر متخلفاً لا مستخلفاً.\rفصل في دولة بني طباطبا العلوية الحسنية\rقام منهم بالخلافة أبو عبد الله محمد بن إبراهيم طباطبا في جمادى الأولى سنة تسع وتسعين ومائة وقام باليمن في هذا العصر الهادي يحيى بن الحسين بن القاسم بن طباطبا ودعي له بإمرة المؤمنين ومات في ذي الحجة سنة ثمان وتسعين ومائتين.\rوقام ابنه المرتضى محمد ومات سنة عشر وثلاثمائة.\rوقام أخوه الناصر أحمد ومات في صفر سنة ثلاث وعشرين.\rوقام ابنه المنتخب الحسين ومات سنة تسع وعشرين.\rوقام أخوه المختار القاسم وقتل في شهر شوال سنة أربع وأربعين.\rوقام أخوه الهادي محمد ثم الرشيد العباس ثم انقرضت دولتهم.\rفصل في دولة الطبرستانية\rتداولها ستة رجال: ثلاثة من بني الحسن ثم ثلاثة من بني الحسين: هشام الداعي إلى الحق الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد الجواد بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه سنة خمسين ومائتين بالري والديلم ثم قام أخوه القائم بالحق محمد وقتل سنة ثمان وثمانين فقام حفيده المهدي الحسن بن زيد بن القائم بالحق وقام بعده الناصر الأطروش وهو الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر الأشرف بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ولم يزل قائماً بالأمر إلى أن قبض سنة 304 ثم قام بعده بالأمر ابنه الإمام محمد الهادي ثم اعتزل الأمر فقام به أخوه الناصر أحمد ثم قام من بعده الثائر لدين الله جعفر بن محمد بن الحسن بن عمر الأشرف وهو الذي ملك طبرستان بأسرها ومات بها سنة 345 وانقرضت دولته.\rفائدة: قال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا يحيى بن عبدك القزويني حدثنا خلف ابن الوليد حدثنا المبارك بن فضالة عن علي بن يزيد عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن العرباض بن الهيثم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ما كان منذ كانت الدنيا رأس مائة سنة إلا كان عند رأس المائة أمر.\rقلت: كان عند رأس المائة الأولى من هذه الملة فتنة الحجاج وما أدراك ما الحجاج؟.","part":1,"page":219},{"id":220,"text":"وفي المائة الثانية: فتنة المأمون وحروبه مع أخيه حتى درست محاسن بغداد وباد أهلها ثم قتله إياه شر قتلة ثم امتحانه الناس بخلق القرآن وهي أعظم الفتن في هذه الأمة وأولها بالنسبة إلى الدعوة إلى البدعة ولم يدع خليفة قبله إلى شي من البدع.\rوفي المائة الثالثة: خروج القرمطي وناهيك به ثم فتنة المقتدر لما خلع وبويع ابن المعتز وأعيد المقتدر ثاني يوم وذبح القاضي وخلقاً من العلماء ولم يقتل قاض قبله في ملة الإسلام ثم فتنه تفرق الكلمة وتغلب المتغلبين على البلاد واستمر ذلك إلى الآن ومن جملة ذلك ابتداء الدولة العبيدية وناهيك بهم إفساداً وكفراً وقتلا للعلماء والصلحاء.\rوفي المائة الرابعة: كانت فتنة الحاكم بأمر إبليس لا بأمر الله وناهيك بما فعل.\rوفي المائة الخامسة: أخذ الفرنج الشام وبيت المقدس.\rوفي المائة السادسة: كان الغلاء الذي لم يسمع بمثله منذ زمن يوسف صلى الله عليه وسلم وكان ابتداء أمر التتار.\rوفي المائة السابعة: كانت فتنة التتار العظمى التي لم يسمع بمثلها أسالت من دماء أهل الإسلام بحاراً.\rوفي المائة الثامنة: كانت فتنة تمرلنك التي استصغرت بالنسبة إليها فتنة التتار على عظمها. وأسأل الله تعالى أن يقبضنا إلى رحمته قبل وقوع فتنة المائة التاسعة بجاه محمد صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين آمين.","part":1,"page":220}],"titles":[{"id":1,"title":"بسم الله الرحمن الرحيم","lvl":1,"sub":0},{"id":2,"title":"فصل في بيان كون النبي لم يستخلف","lvl":1,"sub":0},{"id":2,"title":"صلى الله عليه وسلم وسر ذلك","lvl":1,"sub":1},{"id":3,"title":"فصل في بيان أن الأئمة من قريش","lvl":1,"sub":0},{"id":3,"title":"والخلافة فيهم","lvl":1,"sub":1},{"id":3,"title":"فصل في مدة الخلافة","lvl":1,"sub":2},{"id":3,"title":"في الإسلام","lvl":1,"sub":3},{"id":4,"title":"فصل في","lvl":1,"sub":0},{"id":4,"title":"الأحاديث المنذرة بخلافة بني أمية","lvl":1,"sub":1},{"id":5,"title":"فصل في","lvl":1,"sub":0},{"id":5,"title":"الأحاديث المبشرة بخلافة بني العباس","lvl":1,"sub":1},{"id":7,"title":"فصل في شأن","lvl":1,"sub":0},{"id":7,"title":"البردة النبوية التي تداولها الخلفاء","lvl":1,"sub":1},{"id":7,"title":"إلى آخر وقت","lvl":1,"sub":2},{"id":7,"title":"فصل في","lvl":1,"sub":3},{"id":7,"title":"فوائد منثورة تقع في التراجم","lvl":1,"sub":4},{"id":7,"title":"ولكن ذكرها في موضع واحد أنسب وأفيد","lvl":1,"sub":5},{"id":8,"title":"فوائد","lvl":2,"sub":0},{"id":10,"title":"أبو بكر الصديق","lvl":1,"sub":0},{"id":11,"title":"فصل في اسمه ولقبه","lvl":2,"sub":0},{"id":11,"title":"فصل في مولده ومنشئه","lvl":2,"sub":1},{"id":12,"title":"فصل","lvl":2,"sub":0},{"id":12,"title":"كان أبو بكر أعف الناس في الجاهلية","lvl":2,"sub":1},{"id":12,"title":"فصل في صفته","lvl":2,"sub":2},{"id":12,"title":"رضي الله عنه","lvl":2,"sub":3},{"id":12,"title":"رضي الله عنه","lvl":2,"sub":4},{"id":12,"title":"فصل في إسلامه","lvl":2,"sub":5},{"id":13,"title":"فصل في صحبته ومشاهده","lvl":2,"sub":0},{"id":14,"title":"فصل في شجاعته","lvl":2,"sub":0},{"id":14,"title":"وأنه أشجع الصحابة رضي الله عنه","lvl":2,"sub":1},{"id":14,"title":"فصل في إنفاقه ماله على رسول الله","lvl":2,"sub":2},{"id":14,"title":"صلى الله عليه وسلم وأنه أجود الصحابة","lvl":2,"sub":3},{"id":15,"title":"فصل في علمه وأنه أعلم الصحابة وأذكاهم","lvl":2,"sub":0},{"id":17,"title":"فصل قال النووي في تهذيبه الصديق أحد الصحابة الذين حفظوا القرآن كله","lvl":2,"sub":0},{"id":18,"title":"فصل فيما أنزل من الآيات في مدحه","lvl":2,"sub":0},{"id":18,"title":"أو تصديقه أو أمر من شأنه","lvl":2,"sub":1},{"id":19,"title":"فصل في الأحاديث الواردة في فضله","lvl":2,"sub":0},{"id":19,"title":"مقرونا بعمر سوى ما تقدم","lvl":2,"sub":1},{"id":20,"title":"فصل في الأحاديث الواردة في فضله","lvl":2,"sub":0},{"id":20,"title":"وحده سوى ما تقدم","lvl":2,"sub":1},{"id":22,"title":"فصل فيما ورد من كلام الصحابة والسلف الصالح في","lvl":2,"sub":0},{"id":22,"title":"فضله","lvl":2,"sub":1},{"id":23,"title":"فصل في","lvl":2,"sub":0},{"id":23,"title":"الأحاديث والآيات المشيرة إلى خلافته","lvl":2,"sub":1},{"id":23,"title":"وكلام الأئمة في ذلك","lvl":2,"sub":2},{"id":26,"title":"فصل في مبايعته","lvl":2,"sub":0},{"id":26,"title":"رضي الله عنه","lvl":2,"sub":1},{"id":28,"title":"فصل فيما وقع في خلافته","lvl":2,"sub":0},{"id":30,"title":"ذكر جمع القرآن","lvl":2,"sub":0},{"id":30,"title":"ذكر فصل في أولياته","lvl":2,"sub":1},{"id":31,"title":"فصل في نبذ من حلمه وتواضعه","lvl":2,"sub":0},{"id":32,"title":"فصل في مرضه ووفاته ووصيته واستخلافه عمر","lvl":2,"sub":0},{"id":34,"title":"فصل فيما روي عنه من الحديث المسند","lvl":2,"sub":0},{"id":37,"title":"فصل فيما ورد عن الصديق من تفسير القرآن","lvl":2,"sub":0},{"id":37,"title":"فصل فيما روى عن الصديق","lvl":2,"sub":1},{"id":37,"title":"رضي الله عنه من الآثار الموقوفة قولا أو قضاء أو خطبة أو دعاء","lvl":2,"sub":2},{"id":41,"title":"فصل في كلماته الدالة على شدة خوفه من ربه","lvl":2,"sub":0},{"id":41,"title":"فصل فيما ورد عنه من تعبير الرؤيا","lvl":2,"sub":1},{"id":43,"title":"عمر بن الخطاب","lvl":1,"sub":0},{"id":43,"title":"رضي الله عنه","lvl":1,"sub":1},{"id":43,"title":"فصل في الأخبار الواردة في إسلامه","lvl":2,"sub":2},{"id":46,"title":"فصل في هجرته","lvl":2,"sub":0},{"id":46,"title":"رضي الله عنه","lvl":2,"sub":1},{"id":47,"title":"فصل في الأحاديث الواردة في فضله","lvl":2,"sub":0},{"id":47,"title":"غير ما تقدم في ترجمة الصديق رضي الله عنه.","lvl":2,"sub":1},{"id":48,"title":"فصل في أقوال الصحابة والسلف فيه","lvl":2,"sub":0},{"id":49,"title":"فصل في موافقات عمر","lvl":2,"sub":0},{"id":49,"title":"رضي الله عنه","lvl":2,"sub":1},{"id":50,"title":"فصل في كراماته","lvl":2,"sub":0},{"id":50,"title":"رضي الله عنه","lvl":2,"sub":1},{"id":51,"title":"فصل في نبذ من سيرته","lvl":2,"sub":0},{"id":52,"title":"فصل في صفته","lvl":2,"sub":0},{"id":52,"title":"رضي الله عنه","lvl":2,"sub":1},{"id":52,"title":"رضي الله عنه","lvl":2,"sub":2},{"id":52,"title":"فصل في خلافته","lvl":2,"sub":3},{"id":55,"title":"فصل في أوليات عمر","lvl":2,"sub":0},{"id":55,"title":"رضي الله عنه","lvl":2,"sub":1},{"id":56,"title":"فصل في نبذ من أخباره وقضاياه","lvl":2,"sub":0},{"id":59,"title":"فصل فيمن مات من الصحابة في أيامه","lvl":2,"sub":0},{"id":59,"title":"رضي الله عنهم","lvl":2,"sub":1},{"id":60,"title":"عثمان بن عفان","lvl":1,"sub":0},{"id":60,"title":"رضي الله عنه","lvl":1,"sub":1},{"id":61,"title":"فصل في الأحاديث الواردة في فضله","lvl":2,"sub":0},{"id":61,"title":"غير ما تقدم","lvl":2,"sub":1},{"id":62,"title":"فصل في خلافته","lvl":2,"sub":0},{"id":62,"title":"رضي الله عنه","lvl":2,"sub":1},{"id":67,"title":"فصل في أوليات عثمان","lvl":2,"sub":0},{"id":67,"title":"رضي الله عنه","lvl":1,"sub":1},{"id":67,"title":"رضي الله عنه","lvl":2,"sub":2},{"id":67,"title":"فصل فيمن مات من الأعلام","lvl":2,"sub":3},{"id":67,"title":"في أيام عثمان رضي الله عنه","lvl":2,"sub":4},{"id":67,"title":"علي بن أبي طالب","lvl":1,"sub":5},{"id":68,"title":"فصل في الأحاديث الواردة في فضله","lvl":2,"sub":0},{"id":70,"title":"وأخرج الحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري قال اشتكى الناس عليا فقام رسول","lvl":2,"sub":0},{"id":70,"title":"رضي الله عنه وما نشأ عن ذلك","lvl":2,"sub":1},{"id":72,"title":"فصل في نبذ من أخبار علي","lvl":2,"sub":0},{"id":72,"title":"وقضاياه وكلماته رضي الله عنه","lvl":2,"sub":1},{"id":75,"title":"فصل في نبذ من كلماته الوجيزة","lvl":2,"sub":0},{"id":75,"title":"المختصرة البديعة","lvl":2,"sub":1},{"id":76,"title":"فصل فيمن مات في زمنه من الأعلام","lvl":2,"sub":0},{"id":76,"title":"الحسن بن علي بن أبي طالب","lvl":1,"sub":1},{"id":76,"title":"رضي الله عنه","lvl":1,"sub":2},{"id":79,"title":"معاوية بن أبي سفيان","lvl":1,"sub":0},{"id":79,"title":"رضي الله عنه","lvl":1,"sub":1},{"id":81,"title":"فصل في نبذ من أخباره","lvl":2,"sub":0},{"id":84,"title":"يزيد بن معاوية أبو خالد الأموي","lvl":1,"sub":0},{"id":86,"title":"معاوية بن يزيد","lvl":1,"sub":0},{"id":86,"title":"عبد الله بن الزبير","lvl":1,"sub":1},{"id":88,"title":"عبد الملك بن مروان","lvl":1,"sub":0},{"id":91,"title":"الوليد بن عبد الملك","lvl":1,"sub":0},{"id":92,"title":"سليمان بن عبد الملك","lvl":1,"sub":0},{"id":93,"title":"عمر بن عبد العزيز","lvl":1,"sub":0},{"id":93,"title":"رضي الله عنه","lvl":1,"sub":1},{"id":100,"title":"ذكر مرضه ووفاته","lvl":1,"sub":0},{"id":100,"title":"يزيد بن عبد الملك بن مروان","lvl":1,"sub":1},{"id":101,"title":"هشام بن عبد الملك","lvl":1,"sub":0},{"id":102,"title":"الوليد بن يزيد بن عبد الملك","lvl":1,"sub":0},{"id":103,"title":"يزيد الناقص أبو خالد بن الوليد","lvl":1,"sub":0},{"id":104,"title":"إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك","lvl":1,"sub":0},{"id":104,"title":"مروان الحمار","lvl":1,"sub":1},{"id":104,"title":"السفاح أول خلفاء بني العباس","lvl":1,"sub":2},{"id":106,"title":"المنصور أبو جعفر عبد الله","lvl":1,"sub":0},{"id":111,"title":"المهدي","lvl":1,"sub":0},{"id":111,"title":"أبو عبد الله محمد بن المنصور","lvl":1,"sub":1},{"id":114,"title":"الهادي أبو محمد موسى بن المهدي","lvl":1,"sub":0},{"id":116,"title":"الرشيد هارون أبو جعفر","lvl":1,"sub":0},{"id":119,"title":"فصل في","lvl":1,"sub":0},{"id":119,"title":"نبذ من أخبار الرشيد","lvl":1,"sub":1},{"id":119,"title":"عفا الله عنه","lvl":1,"sub":2},{"id":121,"title":"الأمين محمد أبو عبد الله","lvl":1,"sub":0},{"id":138,"title":"المعتصم بالله","lvl":1,"sub":0},{"id":138,"title":"أبو إسحاق محمد بن الرشيد","lvl":1,"sub":1},{"id":140,"title":"الواثق بالله هارون","lvl":1,"sub":0},{"id":143,"title":"المتوكل على الله جعفر","lvl":1,"sub":0},{"id":146,"title":"أحاديث من رواية المتوكل","lvl":1,"sub":0},{"id":147,"title":"المنتصر بالله محمد أبو جعفر","lvl":1,"sub":0},{"id":148,"title":"المستعين بالله أبو العباس","lvl":1,"sub":0},{"id":148,"title":"المعتز بالله محمد","lvl":1,"sub":1},{"id":149,"title":"المهتدي بالله","lvl":1,"sub":0},{"id":150,"title":"المعتمد على الله أبو العباس","lvl":1,"sub":0},{"id":152,"title":"المعتضد بالله أحمد","lvl":1,"sub":0},{"id":155,"title":"المكتفي بالله أبو محمد","lvl":1,"sub":0},{"id":156,"title":"المقتدر بالله أبو الفضل","lvl":1,"sub":0},{"id":159,"title":"القاهر بالله أبو المنصور","lvl":1,"sub":0},{"id":161,"title":"الراضي بالله أبو العباس","lvl":1,"sub":0},{"id":163,"title":"المتقي لله أبو إسحاق","lvl":1,"sub":0},{"id":164,"title":"المستكفي بالله أبو القاسم","lvl":1,"sub":0},{"id":165,"title":"المطيع لله أبو القاسم","lvl":1,"sub":0},{"id":168,"title":"الطائع لله أبو بكر","lvl":1,"sub":0},{"id":170,"title":"القادر بالله أبو العباس","lvl":1,"sub":0},{"id":172,"title":"القائم بأمر الله أبو جعفر","lvl":1,"sub":0},{"id":174,"title":"المقتدي بأمر الله أبو القاسم","lvl":1,"sub":0},{"id":175,"title":"المستظهر بالله أبو العباس","lvl":1,"sub":0},{"id":177,"title":"المسترشد بالله أبو المنصور","lvl":1,"sub":0},{"id":179,"title":"الراشد بالله أبو جعفر","lvl":1,"sub":0},{"id":180,"title":"المقتفي لأمر الله أبو عبيد الله","lvl":1,"sub":0},{"id":182,"title":"المستنجد بالله أبو المظفر","lvl":1,"sub":0},{"id":183,"title":"المستضيء بأمر الله الحسن","lvl":1,"sub":0},{"id":184,"title":"الناصر لدين الله أحمد","lvl":1,"sub":0},{"id":188,"title":"الظاهر بأمر الله أبو نصر","lvl":1,"sub":0},{"id":189,"title":"المستنصر بالله أبو جعفر","lvl":1,"sub":0},{"id":191,"title":"المستعصم بالله أبو أحمد","lvl":1,"sub":0},{"id":192,"title":"شرح حال التتار ملخصا","lvl":1,"sub":0},{"id":196,"title":"المستنصر بالله أحمد","lvl":1,"sub":0},{"id":196,"title":"الحاكم بأمر الله أبو العباس","lvl":1,"sub":1},{"id":199,"title":"المستكفي بالله أبو الربيع","lvl":1,"sub":0},{"id":201,"title":"الواثق بالله إبراهيم","lvl":1,"sub":0},{"id":201,"title":"الحاكم بأمر الله أبو العباس","lvl":1,"sub":1},{"id":208,"title":"المعتضد بالله أبو الفتح","lvl":1,"sub":0},{"id":209,"title":"المتوكل على الله أبو عبد الله","lvl":1,"sub":0},{"id":210,"title":"الواثق بالله عمر","lvl":1,"sub":0},{"id":210,"title":"المستعصم بالله زكرياء","lvl":1,"sub":1},{"id":210,"title":"المستعين بالله أبو الفضل","lvl":1,"sub":2},{"id":212,"title":"المعتضد بالله أبو الفتح","lvl":1,"sub":0},{"id":213,"title":"المستكفي بالله أبو الربيع","lvl":1,"sub":0},{"id":213,"title":"القائم بأمر الله أبو البقاء","lvl":1,"sub":1},{"id":214,"title":"المستنجد بالله خليفة العصر أبو المحاسن","lvl":1,"sub":0},{"id":214,"title":"المتوكل على الله أبو العز","lvl":1,"sub":1},{"id":218,"title":"فصل في الدولة الأموية القائمة بالأندلس","lvl":1,"sub":0},{"id":219,"title":"فصل في الدولة الخبيثة العبيدية","lvl":1,"sub":0},{"id":219,"title":"فصل في دولة بني طباطبا العلوية الحسنية","lvl":1,"sub":1},{"id":219,"title":"فصل في دولة الطبرستانية","lvl":1,"sub":2}]}