{"pages":[{"id":1,"text":"رد على رسالة من البيت الحرام\rبسم الله الرحمن الرحيم\rالحمد لله الواحد الأحد و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و آله.\rلقد وجدت هذه الرسالة للعالم الشهيد محمد بن صالح بن هادي السماوي رحمه الله تعالى وهي بخط غير جيد، فآثرت أن أصفها و إن لم تتوفر لدي نسخة أخرى للمطابقة؛ لتعم الفائدة بما تحتويه هذه الرسالة من علم يستفاد به في مسائل الخلاف العقائدي بين أهل ملة الإسلام، و أرجو من المولى تعالى أن ينتفع بها كل من يقرؤها، إن الله سميع الدعاء.\rوهذه ترجمة مختصرة عن هذا العالم الشهيد رحمه الله و أرضاه: هو الإمام الشهيد المجاهد العلامة المجتهد المناضل الأصولي و المفكر الفيلسوف محمد بن صالح بن هادي السماوي الصنعاني الملقب: بابن حريوه، وهو من أهل القرن الثالث عشر و أعدم يوم العشر من المحرم سنه 1241هـ بأمر المهدي الذي انغمس في الفساد فاقض الإمام السماوي رحمه الله مضجعه بكلمات الحق في وجه سلطان فاجر، فوقع بعدها أسير الشهامة و النخوة الإسلامية التي أدت به إلى سجن بعد أن استجاب لاستغاثة امرأة تغتصب، فضرب الإمام المعتدي ضربة كاد على أثرها أن يزهق روحه فقبض عليه و أرسل إلى صنعاء فحرر العلماء رسالة تشرح الواقعة و عرضوها على الإمام السماوي فرد ردا شديدا و نعا فيه على المهدي أحواله و اتهمه بتهاونه بالدين، فاستغل خصومه ذلك و أكبروه عند المهدي، فأمر بقتله تعزيرا، و أعادوا منظر الدم الذي شهده يوم كربلاء يوم قتل الإمام أبو الشهداء الحسين بن علي عليه السلام، فرحم الله السماوي و أدخله فسيح جناته.\r---\rبسم الله الرحمن الرحيم","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"يقول الفقير إلى الملك المتعالي محمد بن صالح بن هادي السماوي وفقه الله للسداد و جنبه مظلة التعصب و العناد: لما عثرت على السؤال الوارد من بيت الله الحرام محل الشريعة الغراء و مظهر الدين و الإسلام، ولفظه: ما يقول فقهاء الدين، علماء المحدثين، وجماعة الموحدين في آيات الصفات، وأخبارها التي ينطق بها الكتاب العظيم، وأفصحت عنها سنة الهادي إلى صراط مستقيم، هل إقرارها، و إمرارها، وإجراؤها على الظاهر بلا تكييف، ولا تمثيل، ولا تأويل، و لا تعطيل عقيدة الموحدين، وتصديق بالكتاب المبين، و اتباع للسلف الصالحين، أو هذا مذهب المجسمين، وما حكم من أول آيات الصفات، و نفى ما وصف الله به نفسه، و وصفه به نبيه صلى الله عليه و آله و سلم، و تأيد بالنصوص، واتفق عليه الخصوص من أن الله سبحانه وتعالى في سمائه مستو على عرشه بائن من خلقه و علمه في كل مكان، والدليل عليه آيات الاستوى، و آيات الصعود، و الرفع، و قوله تعالى: { أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء } [الملك:16]، ومن السنة حديث الجارية (1)، والنزول، وعمران بن الحصين، و قوله صلى الله عليه و آله و سلم : ((ألا تأمنونني و أنا أمين من في السماء ))(2)، و غير ذلك من الآيات المتكاثرة، و الأحاديث المتواترة، و أول الآيات و جعل الاستوى استيلاءً و أولوا النزول بالرحمة، وهكذا جعل التأويل علة يطرده في سائر نصوص الصفات، وعاش في ظلال الجهل و الشبهات، وإذا قيل له: أين الله؟ أجاب: بأن لا يقال أين الله؟، الله لم يكن له مكان مخصوص، وأنه في كل مكان، كما هو جواب فريق المضلين، فهل هذا جواب الجهميين(1) و المريسيين(2) و أضلاء المتكلمين أم اختيار علماء السنيين أفيدونا الجواب رجاء الثواب؛ فإن هذا المقام طال فيه النزاع، وحارت الأفهام، وزلت الأقدام وكل يدعي الصواب بزخرف الجواب فأبينوا لنا المدعى بالدليل، و بينوا لنا طريق الحق بالتفصيل؛ فإن الخصم غبي ضاعف الله لكم الأجور ووقاكم الشرور","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"و صلى الله و سلم على سيدنا محمد وآله الطاهرين. انتهى السؤال.\rعزمت على الجواب بما أراه الحق و الصواب مسعفا للسائل بالتفصيل و التطويل مبينا للحق بواضح الدليل، وإن علمت أن الغالب على أبناء الزمن عدم الإنصاف، و شدة التعصب لمذهب الآباء، و الأسلاف، فالحق حقيق بأن يقال، و إن لم يسلم صاحبه من شين القيل و القال، فأقول و بالله أصول: ملخص السؤال يرجع إلى أنه هل الحق مع المتكلمين أهل البحث، و النظر، أو مع أهل السنة أهل الإيمان بالظاهر، و السكوت عن المتشابه؟، و تحقيق الحق يستدعي أولا تحرير ما يتشبث به أهل السنة في أن الحق معهم، ثم تحرير دليل المتكلمين على أن الحق معهم، ثم إبطال أحد الدليلين ؛ ليعلم من ذلك أن الآخر هو الصواب.","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"فأقول: محصل ما استدل به أهل السنة أنا استقرينا أحوال السلف الصالح من عهد الصحابة، و تابعيهم، وتابعي تابعيهم، فوجدناهم يأتمرون بأمر الشارع صلى الله عليه و آله في العبادات، والمعاملات، و ينتهون بنهيه فيهما ويعمل كل بما صح عنده من الحديث أو معنى الآية، و إذا سمعوا ما يتلى عليهم، أو يروى لهم من آيات الصفات، و أحاديثها آمنوا به و صدقوه، وعملوا بظاهره، وأعرضوا عن الخوض في أنه على أي جهة وبأي كيف فيسعنا ما وسعهم، إذ هم الذين قال فيهم صاحب الشريعة صلى الله عليه و آله و سلم: ((خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم))(1)، وقد روينا عن عبدالله بن عمرو بن العاص، وعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه و آله قال: ((تفترق أمتي على ثلاث و سبعين فرقة أو مله كلها في النار غير واحدة، قيل: وما تلك الواحدة، قال: ما أنا عليه و أصحابي اليوم))(2)، ثم الخوض، و البحث عن ذلك محرم عندنا؛ لكونه محدثا لم يكن في عصر النبي صلى الله عليه و آله، ولا في زمن الصحابة، وكل محدث بدعة(3)، وكل بدعة ضلالة، وكما روينا من طرق صحيحة عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه و آله و سلم ، وقد روينا عدة أحاديث في النهي عن الابتداع في مثل حديث ابن عباس رفعه ((أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته))، أخرجه ابن ماجه، وحديث أنس يرفعه ((أن الله احتجز التوبة عن كل صاحب بدعة))، أخرجه البيهقي في شعب الإيمان و ابن عساكر في التاريخ،و حديث أنس أيضا عند أبي نعيم في الحلية يرفعه ((أهل البدع شر الخلق، و الخليقة))، وحديث أبي أمامة عند الدارقطني في الإقرار ((أهل البدع كلاب أهل النار))، وغير ذلك مما يزجر عن الابتداع و أكد لنا المنع عن الخوض و البحث ما رويناه عن أبي هريرة قال: ((خرج علينا رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ونحن نتنازع في القدر فغضب حتى احمر وجهه فكأنما فقيء في وجنتيه الرمان، فقال: ((أبهذا أمرتم أم","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"بهذا أرسلت إليكم، إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه))(1). وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم سمع قوما يتراجعون في القدر فقال: ((أبهذا أمرتم أم بهذا عنيتم إنما هلك من كان قبلكم بأشباه هذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض أمركم الله بأمر فاتبعوه و نهاكم عن شيء فانتهوا))، ثم التمسك بالكتاب و السنة هو الواجب على المتشرع، و العلم في الحقيقة قال الله، قال رسول الله وقد روينا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال: ((إني خلفت فيكم ما لن تضلوا بعدهما ما أخذتم بهما أو عملتم بهما كتاب الله و سنتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض)) أخرجه البزار، و البيهقي. وعن ابن عباس يرفعه: (( إني قد تركت ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله و سنة نبيه صلى الله عليه و آله وسلم )) أخرجه الحاكم في المستدرك، و البيهقي.\rوبعد فإنا قد رأينا من خاض، أو نظر، أو استعمل البحث في الدليل العقلي قد آل به الأمر إلى تعطيل الصفات، وتأويل أكثر الآيات، و إحداث ما لم نسمعه من صاحب الشريعة مثل القول بأن القرآن مخلوق، أو أن الله تعالى لا يحويه مكان، ولا يتبدل عنده زمان، وأمثال هذا مما يرد ظواهره نصوص الشريعة المكثرة المشتهرة، ومثل هذا عندنا كفر نرى حل دم قائله، و إذا كان مآل البحث و النظر هو الكفر، و الرد للشريعة حرام عندنا ابتداء، و حل دم صاحبه انتهاء.\rهذا غاية ما يتشبث به أهل السنة، ويرجفون به على المخالف، ونعود بعد هذا إلى تحرير دليل المتكلمين على حجة البحث، والنظر، وحقيقة ما هم عليه عقلا، وشرعا فنقول:","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"قال أهل الكلام: إنا لما نظرنا في الشريعة التي نطق بها الكتاب العزيز، وأفصحت عنها السنة النبوية، وجدناها ثلاثة أقسام، قسم اشتمل على اعتقادات، وهي أحوال المبدأ أعني الواحد تعالى، و صفاته، و أحواله، و أحوال المعاد، أعني البعث، والحشر، و لواحقه من الجزاء، و العقاب، وقسم اشتمل على العبادات وهو ما يجب على العبد لربه، وقسم اشتمل على المعاملات، وهو ما يجب على الإنسان لأبناء جنسه، ثم نظرنا في القسمين الآخرين، ووجدنا معرفة القطعي منهما قدرا مشتركا بين أهل الإسلام من عالم و غيره، فلا مسلم يعتد بإسلامه يجهل فريضة الصلاة، والصيام، و القصاص، وقطع يد السارق، ونحو ذلك، والتفاصيل الظنية لتلك الأمور القطعية التي معرفتها عهدة الفقهاء في فروع الدين كلها ظنية، وبهذا تشعبت فيها المذاهب، والفنون، و تكاثرت فيها الأقاويل، والظنون، وقد قادنا الدليل العقلي إلى كفاية الظن فيها كما أنه ليس في الشرع، والواقع سواه، وكل مجتهد فيها مصيب، أخذ من الأجر و الصواب بنصيب، ولما لم يكن عند أهل الفقه في فروع الدين سوى الظن لا اليقين، نظرنا إلى استعمال الشارع هل يريد به مقابل الظن، و الجهل كما هو معناه لغةً، أو يستعمله استعمال أهل العرف في إطلاقه على ما دُوّن وألف، فإن كان مستنده الظن، و التنحيل؛ فوجدنا نصوص الكتاب مثل، { مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ } [النساء: 157]، و { إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا } [تونس: 37]، و { وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ } [الجاثية:24]، و { إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَ مَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ } [الجاثية:32] قاضية بأنه لا يريد به سوى مقابل الظن، و ليس إلا اليقين، ثم نظرنا بعد إلى الشارع فوجدناه قد مدح العلم وأثنى على أهله ففي الكتاب العزيز : { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ } [المجادلة: 11] ، { هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } [الزمر: 9]، و في السنة ((من يرد الله به خيرا يفقه في الدين))(1)، ((و العلماء ورثة الأنبياء))(2) و (( فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب))(3) و ((فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم))(4) و غير ذلك مما يكثر ذكره، ولما لم يكن في الدين و الشريعة يقين في قسم العبادات والمعاملات لم يبق العلم الديني اليقيني إلا في قسم الاعتقادات، ثم لما صح لنا هذا بالدليل العقلي، والشرعي معا، نظرنا بعد إلى ظواهر الآيات، ومعاني الأحاديث الصحيحة المتعلقة بالذات و الصفات، والمخبرة عن حشر الأموات، والمجازاة عن الحسنات و السيئات؛ فوجدنا ظواهرها تتشابه، وتتعارض، وتتناقض، وصح لنا بالعقل أن الحكيم العليم لا يجوز عليه ذلك، ونبهنا في كتابه العزيز الذي قال في وصفه { مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ } [الأنعام: 38]، على طريق الوصول إلى حقيقة ما هنالك بقوله: { آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ } [آل عمران: 7]، و قال في المتشابه: { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ } [آل عمران: 7]، ثم نبه على الطريق، والسبب الموصل إلى العلم بقوله بعد : { وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ } [البقرة: 269]\rفنبه، و أفاد أن اللب الذي هو العقل هو الصراط المستقيم الموصل إلى معرفة تأويل الكتاب الحكيم الذي قال في وصفه: { لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } [فصلت: 42]، بل كثر منه التنبيه في عدة من الآيات يقول فيها: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } [الرعد: 3]، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } [الرعد: 4]، فأفهمنا بذلك أن تلك الآيات ليست بآيات لأهل الجهل و العمى، بل لأهل العقل و التفكير، ولم يصح لنا ما زعمه بعض من لا لب له ولا نظر أن الراسخون في العلم مبتدأ خبره يقولون آمنا به، إذ حقيقة الإيمان هو التصديق، والتصديق الحق أنه تحقيق قول ظاهره التعارض، والتناقض من دون معرفة بحقيقة معناه، الذي يصير به غير متعارض ولا متناقض بلفظ الإيمان لا يطابقه الجنان، فليس بإيمان، و لا تصديق حقيقة، ولو كان التلفظ بالإيمان إيمانا لناقض قوله تعالى: { قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ } [المائدة: 41]، فصح أنه لا إيمان بالمتشابه، إلا بعد العلم، و اليقين أنه حق غير متعارض، ولا متناقض عند التحقيق، وإن تشابه في الظاهر، مع أن الله تعالى لو أنزل المتشابه، واستأثر بعلمه عن البشر أجمع لم يكن في إنزاله فائدة سوى العبث، والإضلال المنافي للحكمة، والهداية التي بهما بعث الشارع، و بهما أنزل الكتاب لما فيه من المتشابه الباعث على الحيرة، والتشكيك، ومثل ذلك لا يجوز على الحكيم تعالى عن ذلك، و استظهرنا في هذا بما رواه الطبراني في معجمه الكبير عن معقل بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال: ((اعملوا بالقرآن أحلو حلاله و حرموا حرامه، واقتدوا به، ولا تكفروا بشيء منه، وما تشابه عليكم فردوه إلى الله و إلى أولي العلم من بعدي كيما يخبروكم به))، ولفظ هذا الحديث عند الحاكم في المستدرك: ((اعملوا بكتاب الله فما اشتبه عليكم فاسألوا أهل العلم يخبروكم)) فصح لنا أن الله تعالى كما جعل العقل والنظر سببا و وسيلة إلى أصل الإيمان الذي هو التوحيد لقوله: { أَوَلَمْ","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"يَنظُرُواْ } ، { أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا } وكذلك جعله السبب الموصل إلى الاهتداء إلى أسرار القرآن، وأكد لنا هذا ما روي عن الشارع صلى الله عليه و آله و سلم أنه قال: ((أنا مدينة العلم و علي بابها))(1)، وقد روي لنا عن هذا المختص بأنه باب مدينة العلم من حديث جحيفة في صحيح البخاري قال: ((قلت لعلي عليه السلام هل عندكم شيء من الوحي ما ليس في القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحبة و برأ النسمة إلا فهما يعطيه الله عز وجل رجلا في القرآن))؛ فأفاد بهذا أن رأس العلم وأسه هو تفهم الكتاب العزيز، و تدبره، ثم وجدناه هذا المشار إليه قد ملئت الدفاتر من أقاويله التي فسر بها الكتاب، وأماط بصحيح تأويله عن متشابهاته الثقات، وخاض في الأسماء، والصفات، وأكثر من التفسير لما صح من أسرار الآيات فبعد أن قام لنا هذا الدليل الواضح جعلنا ذلك الفرد نعم المقتدى به من السلف الصالح، وكيف لا وقد قال فيه صاحب الشريعة: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى))(1) وقال فيه: ((علي مع القرآن، و القرآن مع علي))(2) ومن البين أن تلك المعية ليست اللفظ إذ هي قدر مشترك بين كافة المسلمين، بل معية المعنى و الدراية بتأويل التنزيل، وقال فيه لعمار رضي الله عنه: ((إذا سلك الناس وادياً فاسلك وادي علي))(3) و غير ذلك من الآيات المتكاثرة، فإذا صح لنا بهذا عقلا، وشرعا صحة النظر، والبحث عن معاني الأحاديث، و الآيات؛ لنقف بذلك على حقيقة مالا يستحقه واجب الوجود من معاني الأسماء، والصفات، ونفوز في المحيا و الممات بصحيح الاعتقادات، و نأمن الوقوع في الشك و الشبهات. انتهى دليل المتكلمين في صحة البحث، والنظر، ولا يدفع ذلك من تبين عذرهم في التأويل بخلاف الظاهر على القول المجمل إذ التفصيل في كل مسألة مسألة، وآية آية متعذر هنا، وقد تضمن ذلك كتب الكلام، و تفاسير الأئمة الأعلام فنقول:","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"أن الشارع لما بعث إلى الأسود والأحمر والعام والخاص، وكان متى وقع لم يكلف الأمة على العموم من المعرفة شيئا سوى التوحيد الذي معناه تنزيه واجب الوجود تعالى عن المشارك، والمماثل في ذات، أو صفة حتى لا يستحق العبادة غيره، واجتزى منهم بذلك اكتفاء بالتنزيه المجمل، و علما بأن أفهام الخلق لا تتساوى في إدراك الحقائق، فكثير من الناس يجهل حقيقة كثير من المحسوسات التي يباشربها، فكيف يكلف إدراك حقيقة ما وراء المحسوس، ولما كان العلم بحقيقة ما وراء المحسوس موهبة من الله يختص بها من يشاء من عباده في جعله الله وارث أنبيائه، لم يأمر الشارع بها من الناس، بل اكتفى على ذلك الفرد، والتنويه بشأنه ومن منحه الله ذلك الفضل العظيم فسيوفقه، ويهديه إلى صراط المستقيم، و أيضا لما كانت العامة لا تألف إلا المحسوس، وأحواله كانت متى خوطبت بأحوال غير المحسوس استنكرته و أنكرته، بل ألحقته بالمعدوم، فلو كلفت العامة بالتنزيه المجمل، و الذي هو التوحيد ثم كلفوا بعد ذلك بالتنزيه المفصل في كل صفة صفة، وبيان أن الواجب له تعالى عدم مشاكلة المحدثات، ولا مماثلة الممكنات في صفة، ولا ذات، وقيل لهم مثلا أن الله لا يحويه مكان، و لا يشار إليه أين هو استنكروه، بل أنكروه وجحدوه وعادوا بعد إلى إنكار الصانع بتة، وعاد هذا على غرض الشارع صلى الله عليه و آله و سلم بالنقص؛ فلهذه الحكمة طوى ذلك عن العوام و خوطبوا على قدر ما يفهمون، ومع هذا فقد نطق الكتاب العزيز، وأفصحت السنة الغراء عما أفاد الخواص من العلماء ما يستحقه الواجب تعالى من التنزيه، و التوحيد في كل صفة صفة، مثلا لما كان أس الشريعة بعد التوحيد هو أن يأتمر الكل بأمر الله تعالى، و ينتهوا بنهيه وجب في الحكمة الإلهية أن يوصف لهم الواجب تعالى بما يوجب، فوصف لهم بأنه الملك الكبير المتعال، يكون من هذا شأنه حقيقا بأن يطاع أمره، ولا يعصى، وإن لم يكن ملكه كملك الخلق الذي هو قسر بعض","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"الناس على الطاعة رغبة أو رهبة ولا لكبر ضخامة الجسم وسعة امتداده، ولا لتعالي بعد المكان وطول المسافة إليه، ومن هذا القبيل، لما أريد أن يثبت الله تعالى من التعالي ما هو أرفع غاية خوطبوا تارة بأنه في السموات، و تارة بأنه فوقها، تارة بأنه على الكرسي الذي هو رافع ليقرر في أذهان العامة، أن لا ملك بعد هذا، ولا أرفع منه ولا طاعة تحق لأحد سواه، ثم قيل في الكتاب العزيز: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [الشورى: 11]، فلو حواه مكان، أو أشير إليه أين هو لشارك الأجسام كلها في تمكنه في مكان، وتحيزه في حيز يشار إليه به أين هو، وكان مثل كل تعالى الله عن ذلك فلم يصدق قوله تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } ، ثم نبه الحق الخواص بعد هذا إلى سلوك سبيل الرشاد بقوله تعالى: { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ } [الحديد: 4]، { مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا } [المجادلة: 7]، كما نبههم بعد قوله: { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [طه: 5]، بأن قال: { لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى } [طه: 6]؛ فأفاد بذلك أن الاستواء ليس هو الهيئة، والكيفية التي تثبت للأجسام، بل الإحاطة التامة بالكون أجمع سماواته وأرضه، وما بينهما، وما تحت الثرى كما نبههم في قوله تعالى: { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ } [البقرة: 255]، مع أن السموات جهة العلو و الفوق، والأرض جهة السفل، و التحت على أن الكرسي الذي هو عليه ليس مشار الله بفوق و لا تحت؛ إذا هو المنطوي المحتوي على الفوق و التحت، والكل فيه؛ فوضح للمتكلمين بعد إمعان النظر ما أريد بتلك الأمثال للعامة، وما يجب للواجب تعالى من التنزيه؛ حتى لا يقال أنه جسم، أو مشاكل للجسم تعالى عن ذلك، ولكونه تعالى قد وصف كتابه بأنه لم يفرط فيه من شيء، لم يكتف بهذه التشبيهات، بل أفاد هذا المعنى بأصرح العبارات فقال: { وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ } [العنكبوت: 43]، فعرف أن ما يعقله أهل العلم من تلك الأمثال غير ما يفهم سائر الناس المضروبة لهم، فافهم وتدبر، و على هذا جرت سائر الصفات في مخاطبة العامة بها على المنهج المألوف لهم الذي يعرفونه من أحوال الأجسام لتحصل منها الغايات المطلوبة في الشريعة، فإن كانت صفات الواحد تعالى أن تشابه صفات المحدثات المتغيرات، وسأضرب لك مثلا آخر قصدا لزيادة الإيضاح فأقول:","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"فأقول: قال تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } [الشورى: 11]، فلو كان السمع هاهنا على الحقيقة لماثل الحيوانات في احتياجه إلى فهم ما في ضمير الآخر على قرع الهوى بالصوت يتموج طوى، أو يحدث منه فرع للعصب المفروش في صماخ الآذان فيتحصل السمع، و الفهم لما في الضمير، وناقض قوله : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } ، بل ناقض قوله: { فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى } [طه: 7]، وكذلك البصير، لو كان على حقيقة لكان محتاجا في إدراك الغير إلى هوى مشتق يؤدي صورة البصير على الحدقة المشتملة على العصب المجوف الآتي من بطن الدماغ المقدم ليدرك ذلك المرئي، وماثل الحيوانات فناقض قوله تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } ، وإذا كان هذا الأمر يحيله على الواجب الحكيم كل عقل سليم مستقيم، لم يبق إلا صرف السميع البصير عن ظاهره، وتأويله بالمسمع، و المبصر و إليه أشار قوله تعالى: { قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا } [الطلاق: 12]؛ فأفاد بهذا التقييد، أن ليس علمه كعلمنا، إنما يستفيده من أحسن و يحتاج إلى واسطة الجوارح، بل قد أحاط علمه بكل شيء من مسموع، و مبصر، وغيرهما، ومعنى الإحاطة أنه يعلمه قبل كونه، وحال الكون، وبعد فلا يحتاج إلى الإحساس ، وإنما خوطبت العامة بأنه السميع البصير ليقرر عندهم لازم هذا المعنى، وهو أنه في علمه كالحاضر الرقيب؛ فيراقبونه في كل حركة، و سكون، وإذ أوضح من هذا صحة التأويل، وبه تتضح أسرار التنزيل على أنه اللائق بجناب الملك الجليل، لم يكن في صرف كثير من الآيات عن ظاهره من بأس غاية ما يقال أن ذلك يصير معظم القرآن مجازا و أي شناعة في ذلك، وعلى المجاز دارت رحى البلاغة في الكتاب و السنة، وغيرهما من أقاويل البلغاء، بل اتفق أهل الأدب أن المجاز أبلغ من الحقيقة، وما يشنع بمثل هذا، أو ينكره إلا جاهل بأسرار البلاغة، ويلزم الجهل بالحجة على الخلق للرسول صلى الله عليه و","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"آله و سلم؛ فإنها لما كانت بإعجاز القرآن، ورأي الجمهور أن إعجازه ليس إلا لترقيه أعلى درجات البلاغة، وأنت ومن يستحق أن يخاطب تعلمان أن المعنيين، إذا تعارضا لم يكن حمل كل منهما على الحقيقة، ولا كذباً وتناقضا فلأنه من حمل أحدهما على المجاز و المرجح هو ما قام عليه الدليل العقلي الصحيح، ألا ترى أن بعض أهل السنة كما حكى عند الذهبي في تذكرة الحفاظ قال: (الله في السماء، وعلمه في كل مكان لما عمل بظاهر النصوص في أن الله في السماء، و خطر على باله ما يعارضه مثل { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ } و { { مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ } و { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ق: 16]، و { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } [البقرة: 186]، و غير ذلك من الآيات المكررة احتاج إلى تأويل ظواهر هذه الآيات بالمجاز؛ فجعل القرب، والحضور كناية عن العلم، فإذا قد كان عند التعارض يصار إلى المجاز؛ فأي شناعة في ذلك، إنما التشنيع هو الإقدام على التأويل بلا علم و لا دليل إلى قوله ولو اهتدى بنور العقل، و حظي بالتوفيق لعلم أن إبقاء هذه الآيات على ظاهرها، وحقيقتها من دون تأويلها بالعلم ، وأن تأويل ما عارضها هو الصواب، واللائق بتفسير الكتاب، ورفع الجناب تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، ولنقتصر على هذا القدر من الكلام ففيه كفاية لذوي الأفهام، ونعود بعد ذلك بعد ذلك إلى إبطال تلك الشبهة التي تمسك بها أهل السنة بالقول المفصل بعد هذا القول المجمل زيادة في الإيضاح، وتكميلا للفائدة، ونقول أما تشبثكم بأنكم جريتم على منهج السلف الصالح، وهم خير القرون؛ فإنا نجيب عليه بأنا قد أوضحنا أن العامة لم تكلف النظر ،و البحث في عصر النبي صلى الله عليه و آله و سلم، ولا غيره من عصر الصحابة، وغيرهم، بل العلم موهبة يمنحها الله من يشاء من عباده، وكما اختص بها بعد رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه حتى كان من النبي صلى الله عليه و آله و سلم بمنزلة هارون من موسى، وابن عباس بعده بسر الدعوة النبوية ((اللهم علمه التأويل))(1) كذلك منحها الله من يشاء من عباده بعدهما من أهل بيت النبي صلى الله عليه و آله و سلم، وغيرهم وإن كانت هذه الموهبة في بيت البنوة أكثر و أشهر، و سائر الناس في هذا عيال عليهم، وهذا هو السر في الحديث رويناه في الصحيح أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال في حجة الوداع: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله و عترتي أهل بيتي و أن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"))(2) ،فمن البين الواضح أن هذا التلازم، و عدم الافتراق ليس هو تلازم الجسم، إذ هم فيه و الناس سواء بل تلازم المعنى، و التأويل فهم أعرف الناس بأسرار التنزيل، وأعلم الأمة بصحيح التأويل فمن تمسك بما قالوه في تأويل القرآن لم يضل، ومن تمسك في تأويله بقول الغير ضل و زل، وإذا كان أمير المؤمنين كرم الله وجهه أهل بيت النبوة بعده أحق من يقتدى به من السلف الصالح لما أرشد إليه صاحب الشريعة و قال من الآثار الذي هو أعلم منكم وأعرف بأهل السنة بطل تشبثكم بأنكم جريتم على منهج السلف الصالح خير القرون، ولا يدع في أن اختص بهذا النزر القليل من الصحابة، وكما أن النبوة اختص بها الأفراد اليسيرة من الناس كذلك النبوة لا ينالها إلا الآحاد بعدهم، وإذا تقرر هذا فلنوضح بعد كذب قولكم أنكم جريتم على ذلك المنهج، و تبين بواضح الدليل أنكم أهل الابتداع، ونقول: أليس كان ذلك شأن ذلك القرن الذي هو خير القرون السكوت، و الكف عن ذلك بتة مع الاعتراف بفضل من منح موهبة العلم، و الإقرار له بالفضل، و التقدم حتى قال أكبر الصحابة (لولا علي لهلك عمر)، ولا يعلم واحد من الصحابة شنع على علي عليه السلام فما أبداه من التأويل، أو خاض فيه من أسرار التنزيل، بل لا يزالون يقتبسون من علمه، ويتفهمون من فهمه، ثم بعده لم يزل بقية الصحابة، وكبار التابعين يعترفون بالفضل لابن عباس، والتقدم في معرفة معاني الكتاب العزيز، وإن كانوا أسن منه، وأقدم صحبة، وهكذا في القرون الثلاثة التي هي خير القرون، ولا يعلم أحد منهم وقع منه التنكير على أهل العلم، و التشنيع على من حاول معرفة أسرار كتاب الله و تفهم معاني ما أنزل الله، مع العلم بأن إيمان عامة تلك القرون كما هو الإيمان المجمل الذي كلف به الكل لكن مع تركهم للخوض في هذا الباب، يرجع اعتقادهم إلى قول آمنا بما أنزل علينا ولا ندري ذلك إنما كان عهدة الخواص منهم المتأهلين لذلك المنصب الأسن؛ فبهذا كانوا خير","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"القرون وحقت لهم النجاة، وأما أنتم أهل السنة فليس هذا صنيعكم، بل بعد أن شاركتم العامة في أنكم لا تدرون لم تعرفوا بأنكم لا تدرون، فإذا سألتم عن التأويل قلتم نؤمن، ولا ندري؛ فإذا قيل لكم غيركم يدري أخذتكم الغيرة، وقلتم معاذ الله أنه يدري، ولم تعترفوا له بفضل علمه، بل عدتم إلى تجهيله، وتسفيهه، والتشنيع عليه، والنكير، والمعاداة مصداق ما قيل:\rوقدر كل امرئ ما كان يحسنه * * * * * و الجاهلون لأهل العلم أعداء","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"بل لم يقع منكم الاقتصار على مثالب اللسان حتى تعدى الجم الغفير منكم إلى الإفتاء بقتله، أترون أحداً من الصحابة، وتابعيهم صنع مثل ذلك، أو قال ما قلتموه؟، حتى يتم لكم زعمكم أنكم جريتم على منهجهم كذبتم و بيت الله، بل ابتدعتم، و أحدثتم في الإسلام ما ليس فيه، أليس حديث عائشة المتفق عليه ((من أحدث في ديننا ما ليس فيه فهو رد عليه))، وهذا هو معنى الابتداع المشار إليه في حديث ((كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)) وهذا كبيركم عبد الرحمن بن مهدي حكى عنه الذهبي في تذكرة الحفاظ(1) أنه قال: (لو كان لي سلطان لألقيت كل من يقول أن القرآن مخلوق في دجلة بعد أن أضرب عنقه)، أليس قد رويتم لنا من عدة طرق بلغت حد التواتر عن صاحب الشريعة صلى الله عليه و آله وسلم أنه قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا بحقها و حسابهم على الله)) (1)، و رويتم لنا عنه أنه قال: ((كل المسلم على المسلم حرام دمه، وماله، وعرضه)) (2)، ثم رويتم لنا من عدة طرق عنه أنه كان آخر عهده على الناس كافة في حجة الوداع ((إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا هل بلغت اللهم اشهد، فلا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض))(3)، ثم رويتم لنا بعد في الصحيح عنه صلى الله عليه و آله و سلم أنه قال: ((لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني، و النفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة))(4)، كما هو لفظ حديث ابن مسعود، ولفظ حديث عائشة ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا من ثلاث زنا بعدما أحصن، وكفر بعدما أسلم، أو قتل نفس فقتل بها)) فلم يرد هذا التخصيص من الشارع على سبيل القصر، و الحصر عنهما فقط، بل رواه غيرهما عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم، عثمان، وطلحة، عمار، وجابر، وابن عباس، وأنس، وغيرهم. فهذه نصوص صاحب","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"الشريعة، و مظهر الدين صلى الله عليه و آله و سلم نطقت، و قضت بأن من تكلم بالإسلام لا يحل دمه إلا بإحدى ثلاث، فهل كان القول بالتأويل، أو بخلق القرآن أو أحد منهما حتى يحل دم قائله أم لم يكن، فإن لم يكن فلم يبق سوى أنكم أحدثتموه في الإسلام، و ابتدعتموه، لم يؤثر عن صاحب الشريعة، و مظهر الدين صلى الله عليه و آله و سلم، بل أثر عنه نقيضه، وهو شدة التحريج في دم المسلم، ولا يعلم حرج في شيء كالحرج فيه، وأنتم لا تزالون جيلا بعد جيل تتهافتون على الإفتاء بقتله، وإهدار دمه، وهاتوا لنا عن أحد من السلف الصالح قال بمثل ذلك حتى تصح لكم دعوى أنكم على ذلك المنهج.\rفإذن وضح لنا أنكم المبتدعة، و عليكم تصدق أحاديث الابتداع التي رويتموها، فإذا أنتم كلاب أهل النار، وشر الخلق، و الخليقة، و المحتجزة عليكم التوبة كما شهد بذلك عليكم صاحب الشريعة، و نقلتموه لنا عنه صلى الله عليه و آله وسلم، ولو صح لنا الحديث الذي أخرجه البخاري في التاريخ، والطبراني في الكبير أن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال: (( من أحدث في الإسلام فاقطعوا لسانه)) لم يجز لعبد الرحمن بن مهدي، ومن قال بمثل قوله عقوبة بمثل ذلك، ولا كذلك، ونحن معشر المتكلمين فإنا شديدو المثابرة، والوقوف عند حدود الشارع صلى الله عليه و آله و سلم، ألا ترون إلى أبي الحسن الأشعري فقد حكى البيهقي في سننه الكبرى عن زاهر بن أحمد السرخسي أنه قال: (لما قرب حضور أجل أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد دعاني وقال: أشهد على أني لا أكفر أحدا من أهل القبلة؛ لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا اختلاف العبارات فكم بين أبي الحسن و عبدالرحمن بن مهدي.\rوحسبكم هذا التفاوت بيننا * * * * * وكل إناء بالذي فيه ينضح","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"هذا وأما ما ذكرتم من موجب التمسك بالكتاب و السنة فيرد عليكم سؤال الاستفسار ما الذي تريدون حتى تتقعقعون على المخالف بقولكم: العلم قال الله قال رسوله فهل تريدون بالعلم ألفاظ الكتاب، و السنة؟، أو هو مع الأخذ بظاهر معناهما سواء تشابهت، أو تعارضت، أو توافقت، وسواء طابقت الواقع أم خالفت، أو هو العلم بمعناهما على الوجه المطابق لمراد الشارع ؟ ، إن قلتم الأول كذبتم، فما مثل صاحبه، إلا كما قيل في التنزيل { كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ } [الجمعة: 5]، وإلى حالكم، و ما أنتم عليه لمح صاحب الشريعة بقوله: (( رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه))(1) وإن قلتم هو الثاني فصاحبه شاك ،أو ذو جهل مركب، و الشاك و الجاهل ليس بمستيقن فليس بعالم بما أقمنا عليه من الدليل سابقا من أن العلم في الشريعة هو اليقين، وإن كان هو الثالث فهو ما نحن عليه، فإنا لا نستعمل من البحث، والنظر إلا ما جرى على منهج الشريعة، وكان مستنده القطعي من الكتاب، و السنة، ولهذا عرفنا علمنا الذي هو علم أصول الدين بأنه العلم الباحث عن أحوال المبدأ والمعاد على نهج قانون الإسلام، واحترزنا بهذا القيد عن البحث عنهما على منهج قانون العقل البحت الذي لا يرتبط بالشريعة، فإن ذلك هو الفلسفة المحضة، ونحن نتبرأ من الفيلسوف البحت، ونحكم عليه بالكفر، فأما استدلالكم على المنع من الخوض، و البحث بحديث أبي هريرة وأنس، فحديث أبي هريرة قد أخرجه الترمذي في سننه(2)، وقال في إسناده من له غرائب يتفرد بها، وما هذا الغريب إلا من تلك الغرائب ، وحديث أنس(3) أضعف منه، ومثلهما لا يصلح للتثبت في هذه المواطن التي لا يروج فيها إلا اليقين، وكيف يصح صدور ذلك النكير من الشارع عن الخوض في القدر، و لا نعلمه، قد قال في مسألة من مسائل الاعتقاد ما قال في القدر، و الأحاديث فيه أكثر من سائر الاعتقادات ، وأشهر حتى جعله أحد","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"أركان الإيمان كما ذلك مصرح به في حديث ابن عمر، وغيره.\rهذا، وأما ما ذكرتم آخرا من أن من نظر قد آل به الأمر إلى تعطيل الصفات، وتأويل أكثر الآيات، فنحن نوضح، و نحقق حال هذه الشائعات التي أوردتموها، ونقول القول الجامع فيها هو أن حالكم حال العامة في أن أفهامكم تقصر عن إدراك ما وراء الحس بل تحيله و تنكره، ولم يسعكم ما وسع العامة من السكوت، و الاعتراف بالجهل، بل زعمتم أنكم على علم فأنكرتم علينا بجهلكم المركب، و بئس الصنيع، والأمر الشنيع، ونحن نوضح لكم الحال في الصفات بالعبارة اللائقة بأفهامكم القاصرة، ونقول أنا لا ننفي من الصفات شيئا كما زعمتم من أنا معطلون. وإنما ذلك النبز منكم محض افتراء، ونحن منه براء، بل نقول أن الصفات عين الذات، وفرق كبير بين نفي الصفات و نفي زيادتها على الذات لو كنتم تفهمون، ونحن نورد عليكم سؤال الاستفسار، و نقول: إذا سمعتم الله يقول الله لا إله إلا هو الحي القيوم، و وصف نفسه بالحياة، هل يجب عندكم الحمل للحياة على حقيقتها حتى يحتاج الواجب في أن يكون حيا إلى قلب يشتعل فيه نار الحرارة الغريزية و يتولد فيه الروح الحيواني، ويسري منه إلى جميع الذات بواسطة الشريانات، حتى يكون حيا بحياة هي صفة زائدة على الذات قائمة بها كما هو حقيقية الحياة و معناها في كل حيوان؟، أو تقولون هو حي لذاته في الأزل، و الأبد بلا احتياج إلى قلب، ولا شيء من تلك الأدوات التي يحتاج إليها الحيوانات؟، إن قلتم الأول كذبتم ، و كفرتم و أشركتم في جعله كواحد من الناس تعالى الله عن ذلك ، أو بالثاني فهو الذي نريده يكون حياته عين ذاته، أو تقولون لا ندري فما لكم، و التكبر، و اللوم لمن درى، و يسعكم السكوت و الكف، وكذا إذا سمعتم الله يصف نفسه بأنه عليم هل تقولون لابد من حمل العلم على الحقيقة التي نعرفها من المحسوسات حتى يكون علم الواجب تعالى كعلم واحد من البشر لا يعلم ما لم يحدث عنده صورة من المعلوم يصير","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"بها عالما، و قبل حدوث تلك الصورة لا علم له حتى يكون علمه صفة عنده زائدة عليه لولاها لم يكن عالما، أو تقولون أن الله محيط بكل شيء علما، في الأزل، و الأبد قبل وجود المعلوم، و بعده من دون احتياج إلى صورة من المعلوم تحدث عنده. إن قلتم بالأول كفرتم و أشركتم في جعله كواحد من الناس تعالى الله عن ذلك، أو الثاني فهو الذي نعني بكون علمه ذاته أو قلتم لا ندري فلا دريتم و لا تليتم. و سنضرب لكم مثلا لبعد أفهامكم عن إدراك الحقائق الغير المحسوسة بشيء محسوس فنقول: ماذا تقولون في البياض الذي هو العرض هل هو أبيض بذاته أو يحتاج في أن يصير أبيض إلى لون أبيض يحل فيه؟، إن قلتم بالثاني نقلنا الكلام إلى البياض الثاني الذي حل فيه، و قلنا هو أبيض بذاته، أو يحتاج إلى لون أبيض آخر فيه ، فإما أن تستلزموا التسلسل المحال وهو مكابرة، أو تعترفوا بأن البياض أبيض بذاته وهو المطلوب، و لا كذلك الجسم؛ فإنه يحتاج في كونه أبيض إلى أن يحله البياض الذي هو العرض ،و لهذا لم يصح على البياض أن يكون سواداً، و صح على الجسم أن يكون أسود و أبيض، وإذا وضح عندكم من هذا الفرق بين المتصف بالصفة لذاته وبين المتصفة بالصفة لغيره، فعلى هذا القياس و المثال صفة الواجب تعالى الذاتية معنى قولنا أنه موجود، وحي، و عالم، و كل منهما عين ذاته لا يحتاج، و يفتقر في أوصافه إلى واحدة منها إلى غيره، بل ذلك له من ذاته ولو احتاج، و افتقر لم يكن واجبا، و لا كذلك الممكنات، و المحدثات لموجودة عنه تعالى؛ فإنها لا يكون لها وجودا، أو حياة، أو علما إلا بإيجاد الله له فيها، ولو استغنت لذاتها في ذلك لكانت واجبة الوجود، و لم تكن ممكنة. فقد وضح من هذا ما يعني بكون الصفات عين الذات ولاح منه أن نبز التعطيل كذب افتريتموه، و على هذا أجرا منهجنا في تأويل الصفات فإنا لا نكذب بها ولا نردها، بل لما فادنا العقل، و النقل إلى أن الواجب تعالى ليس كمثله شيء في ذاته ولا","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"______(1) و متى قرع أسماعنا صفة، و صف بها نفسه، أو وصفه بها نبيه صلى الله عليه و آله و سلم فسرناها بما يليق بجناب الواجب تعالى المنزه عن مشاكلة المحدثات، و مماثلة الممكنات، و أنتم تأبون إلا أن تجعلوه كواحد منكم، وهذا معنى قولكم نجريها على حقائقها فإن أجروها على حقائقها و ظاهرها ليس له معنى سوى أن الله تعالى في تلك الصفات كما نحن تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.\rو هل هذا إلا نقض التوحيد و التنزيه، بل عين الشرك البحت، و أما المعذرة التي تتخلصون بها و تقولون نؤمن بها بلا تكييف، و لا تمثيل، و لا تأويل، و لا تعطيل، فنقول: مرذول لا يصدر إلا عن جهول غير عقول؛ فليس لهذا القول معنى يحصل حتى يكون منه وجه، و إنما هو من جملة الألفاظ التي لا معنى لها بل، إن فهم لها معنى فهو المحال المحض. بيان ذلك أن قولكم الله في السماء مستو على عرشه إما أن تقولوا مدلول في التي هي للظرفية، و على هذا هو العلو على حقيقة الثابت مثلها للأجسام فكيف قلتم بلا تكييف و لا تمثيل؟!، و هل هذا إلا مذهب المجسمين، أو تناقض في القول، و إثبات للكيف، و المثل و نفي له و هو محال غير معقول؟، أو تقولون لا ندري ذلك، بل نقول: فوق و على و لا ندري معناهما، فقد اعترفتم حينئذ بأن الظرفية و العلو ليس على الحقيقة غايته أنكم جهلتم المراد، و لا يضركم ذلك لو وقفتم في مركز الجهل، بل عدتم على من عرف المراد بالنكير، و التشنيع وأما ما ترجعون إليه من ذلك مرد لنصوص الكتاب، و السنة المتكاثرة فنحن نوضح لكم حقيقة الحال بالطريق النقلي إن كنتم تعقلون، و نقول: أليس الله يقول: { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ } [البقرة: 255]، ومن البين أن السماء هي جهة الفوق و العلو و الأرض هي جهة السفل و التحت، فإذا أحاط الكرسي بجميع الجهات؛ لم يكن أن يقال فيه أن فوق، أو تحت لإحاطته بهما ،و اشتماله عليهما، و لا يمكن أيضا أن يكون الكرسي مكان، ولا أن","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"يتبدل عنه زمان لإحاطته بجميع الأمكنة، و اشتماله على الأفلاك السيارة اللازمة للعادة؛ للأزمنة وإذا كان حال الكرسي الذي هو جسم لاشبه له إلى الواحد، تعالى عما يقول الظالمون علو كبيرا، فكيف يصح أن يقال في الواجب تعالى أنه يحويه مكان، أو يتبدل عنده زمان تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، فافهموا إن كنتم تفهمون. وما تلك النصوص التي أفادت العلو، و الظرفية سواء أمثال ضربت لعامة الناس الذين لا يعلمون هذا، وأما قولكم أن القول بخلق القرآن، و أمثال ذلك بدعة، و كفر يحل بذلك دم قائله، فنحن نورد عليكم سؤال الاستفسار أيضا فنقول: إذا سمعتم أن القرآن الكريم كلام الله ماذا تعتقدون هل تعتقدون أن الكلام صدر منه على نحو ما يصدر من البشر حتى يحتاج إلى رنة ينفتح بها في الحنجرة و يقطعها الحنك و الشفة و اللسان حرفا حرفا حتى لو لم يكن له لسان و شفتين و حنجرة و علصمتين لم يكن متكلما أو تقولوا ليس كذلك؟، إن قلتم بالأول كفرتم، وأشركتم،و كنتم الأحق بحل الدم، أو بالثاني اعترفتم بأن الكلام ليس على الحقيقة، و ليس حقيقة الكلام لغة سوى الهواء المتموج في الفم المتقطع أحرفا، وإذا اعترفتم بالمجاز و نفيتم الجارحة عن الواجب، فإما أن تقولوا صفة الكلام هي عين الذات، كما قلنا في الوجود و الحياة و العلم وهذا محال، و إلا كان القرآن هو الواجب، أو تقولوا صدر عنه، و لا ندري كيف ذلك الصدور فعليكم الوقوف عند هذا ودعوا ما بعد، وإذا كان الكلام النفسي الذي أثبته الأشعري غير معقول، لم يبق إلا أنه صدر من الواجب و ليس قائماً به لاستحالة أن يكون الواجب محلا للأعراض باتفاق المتكلمين، و كل صادر عن الواجب و ليس قائما به فهو مخلوق، ولا معنى للمخلوق سوى هذا، ووضح من هذا أن القول بخلق القرآن هو الحق الذي لا محيص عنه، وبأن الكفر الشنيع ليس إلا القول بأن كلام الواجب ككلام البشر تعالى الله عن ذلك و تقدس، و لكنكم أهل السنة لما كنتم لا","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"تعقلون صرتم تكفرون ولا تعلمون و لم يكفكم الاقتصار على خسة الجهل، و عاره ولزوم السكوت، بل أطلقتم الألسنة في جناب أهل العلم، و رميتموهم من الجهل، و الابتداع بما هم براء منه، و الله أحق به مصداقا لما قيل: رمتني بدائها وانسلت، و على هذا كل ما أنكرتموه على المتكلمين ليس إلا لبعد أفهامكم عن درك حقيقته، و تحسبون أنكم على شيء و أنتم كاذبون، و لنقتصر على هذا القدر ففيه كفاية لمن أنصف و الكثير لا يفيد من تعصب و تعسف، و نعود إلى مخاطبة السائل، و نقول: قد لاح من قولك فهل هذا جواب الجهميين، و المريسيين، و أضلاء المتكلمين أم اختيار علماء السنيين مثلك مع أهل الظاهر و لا أستدركك بعد ذلك بأنك غبي لم تستحق الجواب، فإن المتعصب لا يليق معه الخطاب لميله مع هواه، و مثله لا يستبين صواب الشيء من خطئه، و سأقول لك: إن كنت ممن يعرف الحق بالرجال فأنت إمعة، لا يليق بمثلك السلوك في هذه المسالك، فإن أردت النجاة فالزم السكوت، و الإيمان المجمل، و اقتف في ذلك أثر الفريق الأول و لا تقل بلا تكييف و لا تمثيل، و لا تخض في تأويل و لا تعطيل، وإن كنت ممن يعرف الرجال بالحق، و عرفت من نفسك الأهلية لسلوك تلك المسالك الوعرة التي ضل فيها كل خريت ماهر فاسلك، فإذا وصلت، و ساعدك التوفيق على قطع تلك الطريق، و البلوغ إلى غاية التحقيق، و عرفت الحق من الباطل، فإذا عرفت فالزم و لا تبال أكان الحق مع الجهميين و المريسيين، أو مع السنيين فالحق أحق بالاتباع، و إن نبذت صاحبه الألسن و رمته بشين الابتداع، و اسمع ما قاله إمام العارفين بالله الشيخ عمر بن الفارض:\rو نهج سبيل واضح لمن اهتدى ***** ولكنها الأهواء عمت فأعمتِ","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"فلن تجد مضلا لك في تلك المسالك مثل هوى الرجال، و أقوالهم، و التعصب لمذاهب المشائخ و الآباء وأسلافهم، فاسأل الله التوفيق إلى واضح الطريق، و السلامة من الآثام، و الفوز بحسن الختام، ولا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد و آله. انتهى.\rو الحمد لله رب العالمين\r---\r(1) إشارة لحديث الجارية الذي أخرجه مسلم 1/381، التي سألها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآله: أين الله؟، وقد رددنا على صحة هذا الحديث في كتابنا ((رد الكتاب المبين على ما نسب في الصحاح لسيد المرسلين))، وهناك من الردود على عدم صحة هذا الحديث جمعها السيد حسن السقاف حفظه الله في كتابه الذي حققه للذهبي بعنوان العلو، فراجعه.\r(2) أخرجه مسلم 2/742.\r(1) هم أصحاب جهم بن صفوان قالوا: لا قدرة للعبد أصلا لا مؤثرة ولا متطيبة، بل هو بمنزلة الجمادات والجنة والنار تفنيان بعد دخول أهلهما حتى لا يبقى موجود سوى الله تعالى.\r(2) هم من أصحاب بشر بن غياث بن أبي كريمة العدوي مولاهم البغدادي المريسي القائل بخلق القرآن توفي سنة 218هـ.\r(1) أخرجه مسلم و البخاري، ومعنى الحديث ليس على الإطلاق في ما يخص الناس جميعهم، بل إن أكثر الخير في قرني ثم الذي بعده ثم الذي بعده، ولا يشك أحد أن الخير في أمة محمد صلى الله عليه و آله و سلم إلى يوم القيامة.\r(2) أخرجه الحاكم و غيره، ومعنى الحديث أن هناك فرقة بين أمة الإسلام كما كان حال من سبقها، و إلا لبطل الحديث إذ يقتضى الحديث معنى افتراق أمة الإسلام إلى ثلاث و سبعين فرقة، فالسؤال هو: متى يكون إبداء التفرق و متى يكون آخره المكمل للثلاثة و السبعين؟ والمعلوم أن عبر الأربعة عشر قرنا نشأت فرق كثيرة و اضمحلت في خضم أيام التاريخ و هكذا دواليك، وهذا يعني أن أمة الإسلام تفرقت إلى أكثر من ثلاث و سبعين فرقة، هذا من وجه أما الآخر فهو كم من الفرق الإسلامية نستطيع أن نعد اليوم؟","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"(3) البدعة: هي إحداث أمر جديد في دين الله الذي جاء به رسول الهدى صلى الله عليه و آله و سلم، بمعنى التشريع و سن السنن التي لم يقرها أو يأمر بها أو يفعلها.\r(1) أخرجه الترمذي 4/443.\r(1) أخرجه صاحب المعجم في الكبير 19/386.\r(2) أخرجه ابن حبان 1/289.\r(3) أخرجه ابن حبان 1/289.\r(4) أخرجه الترمذي 5/50\r(1) أخرجه الحاكم 3/137، وقد حقق السيد الحافظ أحمد الغماري رحمه الله صحة الحديث و جمع طرقه في كتابه المسمى فتح العلي بصحة حديث باب المدينة علي.\r(1) أخرجه مسلم 4/1870.\r(2) أخرجه الحاكم 3/134.\r(3) تاريخ بغداد 13/0186\r(1) أخرجه الحاكم 3/617.\r(2) أخرجه الحاكم 3/118، وهو من الأحاديث المتواترة.\r(1) تذكرة الحفاظ: 1/331.\r(1) أخرجه مسلم: 1/51.\r(2) أخرجه مسلم: 4/1986.\r(3) صحيح ابن خزيمة: 4/251.\r(4) أخرجه البخاري: 6/2521.\r(1) أخرجه ابن حبان: 1/270.\r(2) إشارة لحديث أبي هريرة: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ونحن نتنازع في القدر فغضب حتى احمر وجهه فكأنما فقيء في وجنتيه الرمان، فقال: ((أبهذا أمرتم أم بهذا أرسلت إليكم، إنما هلك من كان قبلكم حين تنازعوا في هذا الأمر عزمت عليكم ألا تنازعوا فيه)).\r(3) إشارة لحديث أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم سمع قوما يتراجعون في القدر فقال: ((أبهذا أمرتم أم بهذا عنيتم إنما هلك من كان قبلكم بأشباه هذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض أمركم الله بأمر فاتبعوه و نهاكم عن شيء فانتهوا))\r(1) بياض في الأصل، ربما تكون صفاته.","part":1,"page":27}],"titles":[{"id":1,"title":"رد على رسالة من البيت الحرام","lvl":1,"sub":0}]}