{"pages":[{"id":1,"text":"المقدمة\rبسم الله الرحمن الرحيم\rوصلى الله على سيدنا محمّد وآله وصحبه\rسبحان الله المتعالي عن الأشباه والأمثال، والحمد لله ذي الفضل العظيم والكرم المنثال، ولا إله إلا الله المتوحد بالكبرياء والأثال، والله اكبر أن يتطاول إلى سميّ جلاله خيالٌ أو مثال. ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم، نحمده على ما أسدى من جزيل الرغائب، وأجدى من جميل المواهب، وسنّى من جليل المآرب، وأسنى من كميل المراتب، وأولى من الجميل العميم. ونشكره على أفئدة بنور الأيمان هداها، والسنة أطال في شأو البيان مداها، وبصائر أسام سرحها إلى مراتع العبر وحداها، وانتجع بها مواقع غيث الفكر وجداها؛ حتى أصبحت نشوى من كؤوس العرفان تهيم، وتجلوا بلوامع التبيان كل ليل بهيم، ونصلّي على نبيه محمّد المختار المقتعد حقا ذروة الكمال والفخار، والمرتدي برداء الجلال والإكبار، والمبتعث من أطيب عنصر وأكرم نجار، في حسب حسيب وشرف قديم. الذي أنار بطلعته الغراء علم المهتدين، وسمك بعزته القعساء منار الدين، وثل بشرعته البضاء عروش الجاحدين والحائدين، واستأصل بشوكته الشوكاء شأفة العادين، وجعلة صفوة الصفوة، ونخبة النخبة، وسرَّ السر، وخلاصة الخلاصة، ومصاصة المصاصة، ولباب اللباب، وخيار الخيار، وصميم الصميم. صلى الله عيه صلاة تلوح في أفق مكانته العلياء قمرا، وتفوح على طلعته الغراء عنبرا، وتنهمل في جناب مجاته الفيحاء كوثراً، وتخضل في روضتة جماله الغناء زهرا، ما هب نسيم، وذهب ذو رسيم. وعلى اله الأماثل، وأعلام الدين القويم، والصراط المستقيم، ما بدا على وجنات الورد تخجيل، من رشفات النسيم البليل، واصفر روعة وجه الأصيل، من لحظات طرف الليل الكحيل، وأسفر الصباح عن ثغر بسيم، ومنظر وسيم.\rأما بعد، فان العلم انفس علق يقتنى، وأحلى ثمر يجتنى؛ وأعدل حجة، وأقوم حجة، وأحصن جنة، وأضوء بدر في دجنة؛ وأربح متجر مثابر عليه، وأنجع مرعى ينتجع إليه؛ وأرجى بارق يشتام، وأفضل جناب يعتام؛ وأنور نور يستضاء به في الظلومات، وامنع وزر يعتصم به في الأزمات؛ وأوثق عروة يستمسك بها ذوو البصائر، وأعظم عدة تعقد عليها الخناصير؛ وأقوى مطية تركب، وأتم سلاح يتنكب؛ وأطيب نسمة تستنشق، وأجمل محبوب يعلق؛ وأبهى زينة يتحلى بها المتحلون، وارفع منصة يتجلى عليها المتجلون.\rفإن العلم غذاء العقل، وبه يعرف الحكم العدل؛ وإنّ الخصيصى التي بها شرف الإنسان إنّما هي العلم؛ فان المرء لو بلغ في كمال الجسم أطوريه، لا يكون أنسانا إلاّ بأصغريه:\rلولا العقول لكان أدنى ضيعة ... أدنى إلى شرف من الإنسان\rوما امتاز اللسن الذكي عن العييى إلاّ برجاحة الجنان، وفصاحة اللسان؛ فان الخليق للأفكار عند افتراعها المعاني الأبكار؛ والجدير للألسنة عند اقتطافها أزاهير البيان، واهتصارها أفانين التبيان، أن يتميز فيها الفائق من المائق، والسابق من السائق؛ وعند السياق في ميدانها الوثيم، أن يتجلى المجلى عن اللطيم، وعند مزاولة الغرض المعضل، أن يعرف المقرطس من المخضل. وعند انتياش مضارب الأفهام، أن يمتاز الصارم عن الكهام؛ وعند اقتباس حكمة تستشعر، أن يشرف المورى عن الأدعر؛ وعند اقتسام مزايا الفضل الفسيح، أن يفوز المعلى دون السفيح؛ وعند استفتاح المغالق، وتغشي المضائق، أن يعلم المجحم من المحجم، والهصور من الحصور. فلا جرم كان من اجل العلوم وأفخرها، وأحقها بالاعتناء به وأجدرها، علم الأدب، والتضلع من كلام العرب، إذ به تنحل عقله اللسان، وتزاح روعة الجنان. وهو لسان نبينا نخبة العالم، وصفوة ولد آدم، وكتابه الذي أخرس به مصاقع البيان، من بلغاء عدنان وقحطان، حتى عدلوا عن المجادلة إلى الطعان، وعن المعارضة إلى الادغان. صلى الله وسلم عليه وعلى آله ما لمع بارق، وطلع شارق، فهو لعمري أجل الكلام، وأشرف ما اعتورته الألسنة والأفهام، وأبها بدر يستجلى وعروس، وأسنى أثر يستبقى في ميادين الطروس. لا سيما علم أمثالها التي هي زمام كل معنى، ومناط لك مبنى، ومنار لك مرمى، ومصباح كل ظلما. وبها يرتاض كل جموح، ويصبح المنبهم ذا وضوح، وبها يعود الغائب مشهودا بل المعدوم موجودا.","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"وكان الأقدمون بهذا الفن معتنين، ولنوادره ملقنين، ومدونين، يردون مواردها، ويقتنصون شواردها؛ ويقتطفون أزهارها النضرة، ويتنسمون نسماتها العطرة؛ ويرتشفون ثغورها، ويقتبسون نورها؛ ويشيمون لمحات تلك البوارق، ويشمون بدررها صفحات المهارق. فلما طال العهد بأزمان العرب، وقضى من تناسي أيامها كل أرب، تغلبت العجمة على الألسنة والطباع، فخلت من قطينها هاتيك الرباع، وأصبحت حديثا مهجورا، كأن لم تكن شيئا مذكورا، وعادت أيامها محض أوهام، فكأنها وكأنهم أحلام، وتقلص ضافي بردها، وتكدر صافي وردها، وذهبت المعارف والعوارف، وتقلص ظلها الوارف؛ وأمست رباع الأدب قفرا، وراحت الخواطر منه صفرا.\rوكانت نفس تشوقني إلى هذا الفن ومآثره، وتنازعني إلى تتبع داثره. فكنت أشتاق أن أرى في هذا موضوعا، وأصادف كتابا مجموعا، مما عني به الأقدمون، واقتفى أثرهم فيه المتأخرون. فلم يسمح بذلك الدهر العقيم، ولم يظفر بشيء منه الجد السقيم. ولما لم أذق من ذلك لملقا، ولم يزدد القلب إلاّ اشتياقا، طفقت أجول في عرصات كتب الأدب، وكل ما له ماسة بكلام العرب. ولم أزل أتتبع ظلالها، واشتف بلالها، وأرعاها قنناً ووهادا، وأنتجعها فتوحا وعهادا؛ وأحتلبها شصائص وشكارى، وأعتنقها عونا وأبكارا، حتى التقطت من ثمين جوهرها، واقتطفت من يغيع زهرها، ما يشفي العليل، وينقع الغليل، ويميس ميس الغصن المروح، ويسري في الجسوم مسرى الروح. فلما امتلأ بحمد الله من ذلك الوطاب، وعاد البلح إلى الأرطاب، هممت أن أجمع ما علق في هذا الوقت بخاطري، مما ترقى إليه نظري وناظري، في كن يؤويه، ومجموع يحويه، حذارا من النسيان، عند تطاول الزمان. فألفت هذا المجموع في الأمثال، وأود عته كل دمية وتمثال. ثم رأيت أن أضم إليها من الحكم جملة مما انتهيت إليه، ووقفت عند تطوافي عليه، وتتميما للفائدة، وتكميلا للعائدة، مع قرب ما بين النوعين جدا، كما ستقف عليه عند التعرض لهما فصلا واحدا. فجاء بحمد الله كتابا ممتعا، للآذان الصم مسمعا:\rجمهت به والجفن مغض على القذى ... وبالخد البلبال أصبح ذا خلدِ\rمحاسن تزوي بالنسيم إذا سري ... فحيى محيا السوسن الغض والوردِ\rوتزري بهاء بالمطير من الربى ... وبالعذب للصادي وبالكاعب الرادِ\rلآلئ ما غواصها بمصادف ... لها صدفا في ملتفى أبحر الهندِ\rولا حليت يوما بها جيد غاده ... ولا فصلت بالعسجد الصرد في عقدِ\rفرائد ما منهن إلاّ جريدة ... أعز على المرتاد في الأبلق الفردِ\rومع هذا فإني اعتذر لذوي النفوس الوقادة، والصيارفة النقادة، من تقصير فيه، وخلل لم يتفق تلافيه. وكيف لا يعذر ذو بال متقسم، ووبال متكسم، وشخص لا يبين لمتوسم، مكلوم بفاغر من الخطوب متبسم، يرمق العيش برضا، ويقطع بسيط الحيرة طولا وعرضا، لا يترجى مددا، إلاّ كمدا. ولا يغتيق إلاّ عبرة، ولا يعتلف إلاّ زفرة، ولا يعد إلاّ ذنوب الدهر، ولا يعد إلاّ ذنوب نهر، في فتن تحول بين المرء وقلبه، وتذهل غيلان عن حبه، ودهر حال دون القريض، بالشجى والجريض، ورد الأوج إلى الحضيض، ولم يجعل بدا من مصادقة البغيض، وأعاد الصدور أعقابا، والنواصي أذنابا، وكدر كل صفو، وأورث كل شجو، وخلف من بينه كجلد الأجرب، وزباني العقرب، لا يتجرعون إلاّ علاقم، ولا يلتمسون إلاّ أراقم؛ أما أذنابها فرعراع، وشر شعاع، وفتنه وردها قعاع، وظلمة ليس بها شعاع؛ وأما ذراها فلا تعدو رضيعا تبكي المخالص الجرب لمصابه، وتشكو الصفر والبيض يد الضياع لصفر وطابه، وخليعا يذهب دهره ما بين الرخ والرخة، والفخ والفخة، وكلا النوعين قد أنزلهما أسود العين طرفه، وتضمنتهما القمران المشتبهان في بيت طرفة.","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"وكان الأدب وسائر العلوم قديما إنّما يحيي غراسها، ويسني مراسها، ويطيب أنفاسها، ويحبب نفاسها الفضل، الهام والعدل الحام. فأما اليوم فلا ندى يستثمر الإبداع، ولا انتصاف يتلافى الانصداع. فأي علم يترجى، ممن زوال الروع عنده منتهى الرجا؟ قنوع من الغنيمة بالإياب، ومن الايراب، بنفاضة الجراب، ومن الشراب، بلمحة السراب. وكيف يمكن لمثلي أن يجمع بين كلمتين، فضلا عن فصلين؟ لكن لمّا لم يكن التجرع عند حلول الأقدار، من شيم الأحرار، قبضت على أحر من الجمر، وتجلد على ما بي من ضمر، وتثنيت الضلوع على أذاها، وأغيضت الجفون عل قذاها. فجمعت هذه الأحرف على حين لم يبق من العلم إلاّ رسمه، ومن التحقيق إلاّ اسمه، من غير كبير عدة أعتمد عليها وأرجع عند المعوصات إليها، ولا وجود مصنف في هذا الفن أهتدي بمناره، وأستضيء بضوء نهاره، وإنما أقتدحت الفكر السادر، فاقترحت نوادر، جمعتها من كل أوب، وحدرتها من كل صوب، ولا أكاد مع ذلك أجد مثلا منه متكلما عليه، ومنبها فيه على ما يحتاج إليه؛ وإنّما يذكرها مجردا، فألتقطه مفردا. ثم أتحمل أعباء شرح ألفاظه ومعانيه، وأتكلف من دواوين العرب ومن بعدهم إحضار شواهده ومبانيه. فكنت في ذلك شبه الواضع وإن سبقت، والمخترع وإن نقلت. وأضفت إلى ذلك من نفائس النوادر دررا، ومن نكت الفوائد غررا. وجمعت فيه من شعر الأقدمين والمحدثين عيونا، وقضيت من غريبه ديونا، وما ذكرت شعرا إلاّ اخترته، ولا ألممت بمنزع إلاّ حررته، ولا دفعت إلى مبهم إلاّ أوضحته، ولا افتتحت بابا إلاّ أتممته، مع جملة وافرة من علم اللغة، تكون للمقتصر علية كفاية وبلغة، لولا أنني رمت بذل على تقتير، وإنباضا بلا توتير. فان جاء وفق الغرض، وقضى الحق المفترض، فلله تعالى المنة، ومنه الحول والمنة؛ وإن اتفق خلل، وفرط زلل، فمن نفسي الغبية، وجهالتي الربية، وفطنتي الخامدة، وقريحتي الجامدة. فإنّ مثلي ليس يكون أهلا للتعلم فضلا عن التعليم:\rولكن البلاد إذا اقشعرت ... وصوح نبتها رعي الهشيمُ\rولمّا تم ما أرته بحمد ذي المن والفضل، وبرز من القوة إلى الفعل، سميته زهر الأكم، في الأمثال والحكم. وجعلته سمطين: السمط الأمل في الأمثال وما يلتحق بها، وفيه مقدمة، وخاتمة، وأربعة وثلاثين بابا تسعة وعشرون منها في الأمثال العربية وما يلتحق بها على حروف المعجم، الباب الوفي ثلاثين في الأمثال التركيبية، الحادي والثلاثين في الأعيان، الثاني والثلاثين في الأمثال القرآنية، الثالث والثلاثون في الأمثال الحديثية، الرابع والثلاثون في التشبيهات الشعرية.\rالسمط الثاني في الحكم وما يلتحق بها، وفيه اثنان وثلاثون بابا: تسعة وعشرون في الحكم على حروف المعجم؛ الباب الوفي ثلاثين في حكم مجموعة، والحادي والثلاثون في النوادر، والثاني والثلاثون في الأوليات. فكان مجموع ذلك ستّة وستين بابا. والله أسأل أن يجعله عنده ذخيرة وحسنة، وأن يجعلنا من الذي يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعلنا ممن أدلى بحبل الغرور حتى حان، وسقط العشاء به على سرحان، وأعوذ بوجهه الكريم ممن إذا رأى قبيحا فار بطره، فشمت بالمساوي وأشمت؛ وإذا رأى جميلا ثار حسده، فصمت عن المحاسن وأصمت. وأعوذ به من إطراء المداجن، ومغث المشاجن، وأعوذ به ممن يتعرف الحق بالرجال، أو يحدد فضل الله بالآجال، إنه ولي ذلك والقادر عليه ، وهو حسبي ونعم الوكيل.\rالسمط الأول\rالأمثال وما يلتحق بها\rالمقدمة\rالكلام في المقدمة وفيه أربعة فصول:\rالفصل الأول:\rمعنى المثل والحكمة\rأما الأول وهو المثل بفتحتين يرد على ثلاثة أضرب:","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"الأول: الشبه، يقال: \" هذا مثل ذلك \" أي شبهة؛ ويقال أيضاً: \" هو مثله بكسر فسكون، ومثيله، كما يقال شبه وشبيه \" فإذا قيل: \" هو مثيله، وهم أميثالهم بالتصغير \" فقد أريد إنّ المشبه حقير، كما أن هذا حقير. ومن هذا قولهم: مسترد لمثيله، أي مثله يطلب ويشرح عليه. ومنه الأمثال من الناس وهو الأفضل، لأن معناه الأشبه بالأفضل والأقرب إلى الخير، وأماثل القوم خيارهم. قال تعالى: )إذ يقول أمثالهم طريقه. ويذهبا بطريقتكم المثلى( أي هي أشبه بالحق والفضيلة، وهي تأنيث أمثل - وتقول: مثلت الشيء بالشيء إذا شبهته به تمثيلا وتمثالا بفتح التاء، كالتسيار والتطوف. وأما التمثال بالكسر فالصورة، جمعها تماثيل. يقال : مثله له صورة له حتى كأنه ينظر إليه. وتمثل تصور. قال تعالى: )فتمثل لها بشراً سوياً.( وتماثل الشيئان: تشابها. ومثل الشيء: مقداره. وقوامه: مثلت بفلان مثلة، ومثلت به تمثيلا: أي نكلت به وأوقعت به عقوبة، من هذا ، لان معناه أنّه جعله مثلا يرتدع به الغير.\rالضرب الثاني: الصفة. قال تعالى: )مثل الجنة التي وعد المتقون( أي صفتها ونحو هذا ، وهو كثير في القرآن. وقال تعالى: )للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى( أي لهم الصفات الذميمة وله الصفات العلى. ويقال في هذا المعنى أيضاً: مثال .\rالضرب الثالث: القول السائر المشبه مضربه بمورده، وعلى هذا الوجه ما ضرب الله تعالى من الأمثال في القرآن. قال تعالى: )وتلك الأمثال نضربها للناس( الآية. وعلى هذا شاع إطلاق اسم المثل إذا أطلق.\rوقال الراغب: الذي يقال على وجهين بمعنى المثل ، نحو شَبه وشِبه، ونِقض ونَقض، قال بعضهم: وقد يعبر بها عن وصف الشيء، نحو قوله تعالى )مثل الجنة( الآية. والثاني عبارة عن المشابهة لغيره في معنى من معاني، أي معنى كان، وهو اعم والألفاظ الموضوعة للمشابهة. وذلك أن الند يقال فيما شاركه في جوهرية؛ والشكل يقال فيما شاركه في المساحة؛ والشبه يقال فيما يشاركه الكيفية فقط؛ والمساوي يقال فيما يشاركه الكمية فقط. والمثل عام في جميع ذلك. ولهذا إنما أراد الله تعالى نفي التشبيه من كل وجه خصه بالذكر فقال: )ليس كمثله شيء( انتهى. وقد ذكر غيره أن المماثلة هي المساواة من كل وجه، والمشابهة في اكثر الوجوه. والمناظرة هي المساواة من كل في شيء من الوجوه ولو في واحد، فيكون كل واحد من هذه الألفاظ الثلاثة أعم مما قبله. وكل ذلك مخالف لمّا في متون اللغة من تفسير المثل بالشبه، والعكس كما أوردنه قبل، ومخالف الظاهر صنيع البلغاء في باب التشبيه، حيث قسموا أوجه الشبه إلى ما يرجع إلى الشكل، وما يرجع إلى المقدار، وما يرجع إلى الكيفية، وغير ذلك ، وسموا كل ذلك تشبيها وهو من الشبه، والأمر في هذا قريب. إذا عرفت هذا فأعلم إنّ مقصودنا من المثل بالذات في هذا الكتاب هو ثالث الأقسام السابقة وهو المثل السائر.\rوللناس في تعريفه عبارات. فقيل ما مر من إنّه القول السائر المشبه مضربه بمورده؛ وقيل هو قول مركب مشهور شبه مضربه بمورده، وهما بمعنى. فقيد السائر والمشهور يخرج ما لم يشتهر ويسر من الأقوال كلها. وقيل تشبيه المضرب أي المحل الذي ضرب فيه الآن بالمورد أي المحل الذي ورد فيه أولا يخرج ما اشتهر ولم يقع فيه هذا التشبيه ككثير من الحكم والأوامر والنواهي الشرعية مثلا. وقيل المثل هو الحجة، وهو صحيح لأنه يحتج به كما سيتبين في فائدته.\rوقال المرزوقي: المثل جملة من القول مقتضبة من أصلها أو مرسلها بذاتها، تتسم بالقبول وتشتهر بالتداول، فتنتقل عما وردت فيه إلى كل ما يصح قصده بها من غير تغير يلحقها في لفظها ، وعما يوجبه الظاهر إلى أشباهه من المعاني. ولذلك تضرب وإن جهلت أسبابها التي خرجت عليها، وأستجيز من الحذف ومضارع ضرورات الشعر فيها ما يستجاز في سائر الكلام.\rوقال الراغب: المثل عبارة عن قول في شيء يشبهه قولا في شيء آخر بينهما مشابهة ليبين أحدهما الآخر ويصوره، نحو قولهم: \" الصيف ضيعت اللبن \" فان هذا القول يشبه قولك: \" أهملت وقت الإمكان أمرك. \" قلت: وتلخيص القول في هذا المقام أن المثل هو قول يرد أولا لسبب خاص، ثم يتعداه إلى أشباهه فيستعمل فيها شائعا ذائعا على وجه تشبيهها بالمورد الأول؛ غير إنّ الاستعمال على وجهين:","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"أحدهما أن يكون على وجه التشبيه الصريح، سواء صرح بالأداة كقولهم: \" كمجير أم عامر. \" وقولهم: \" كالحادي وليس له بعير. \" أو لم يصرح كقولهم: \" تركته ترك الصبي ظله. \" وهو كثير.\rالثاني إنّ لا يكون وجه التشبيه الصريح كقولهم: \" الصيف ضيعت اللبن. \" ؛ وقولهم: \" هان علي الأملس ما لاقى الدبر \" ونحو ذلك، وهو اكثر من الأول.\rأما الوجه الأول فهو تشبيه من التشبيهات، إلى إنّه سار وذاع في بابه فعد مثلا سائرا لمّا عرفت من أن التشبيه كله تمثيل. ومن ثم تجد قدماء اللغويين وأهل العربية يطلقون المثل على المجاز، ويقيدون ما كان سائرا منه بالمثل السائر أو بأنه من أمثال العرب ليفهم ذلك .\rوأما الوجه الثاني فهو في مورده لا تشبيه فيه، ولكن يستعمل في مضاربه على وجه تشبيهها بالمورد من غير تصريح \" بالتشبيه \" ، بل على أن يستعار اللفظ المستعمل في المورد الأول للشيء الشبيه بذلك. فقول القائل أولا للمرأة التي طلقها: \" الصيف ضيعت اللبن \" لا يريد تشبيها أصلا؛ وإنّما أراد انك فرطت في اللبن وتسببت في ضياعه عند زمن الصيف، إذ كنت تطلبين فراقي. ثم انك اليوم إذا رأيت أحد 3 فرط في حاجة زمن إمكانها، ثم جعل يطلبها ثم أدبرت، ساغ لك أن لك أن تشبه هيئته بهيئة من ترك اللبن أو محله في وقت، ثم جعل يطلبه في وقت آخر، فتقول له لأجل هذه المشابهة: \" الصيف ضيعت اللبن \" أي حالتك هذه حالة التي قيل لها: \" الصيف ضيعت اللبن \" ولأجل هذا المعنى وهذا التقدير، تنقل لفظ المثل كما قيل أولا من غير تغيير، حتى انك في هذا المثل بعينه تكسر التاء في ضيعت وإن كنت تخاطب ذكرا. وهكذا سائر الأمثال، وهذا يسمى عند الأدباء استعارة تمثيلية، ويسمى التمثيل على سبيل الاستعارة، وهي إحدى قسمي الاستعارة التصريحية التي هي أن تشبه شيئاً بشيء، ثم تنقل لفظ المشبه به وتطلق على المشبه لأجله هذا التشبيه إطلاقا كأنه وضع له من غير تصريح بالتشبيه لا بالمشبه به على وجه يشعر بالتشبيه؛ غير أن لفظ المشبه به قد يكون فردا كلفظ الأسد الذي تنقله من السبع الموضوع هو له أوّلاً إلى الرجل الشبيه به في الجرأة. وقد يكون مركبا كلفظ \" الصيف ضيعت اللبن \" الذي تنقله من هيئة من ضيع اللبن إلى هيئة من ضيع حاجة من الحوائج. وهي الاستعارة في التركيب والتمثيل على سبيل الاستعارة. والأمثال الداخلة في الوجه الثاني كلها من هذا النمط. وقد سمعت تقدير ذلك وعرفت وجه عدم تغييرها، إذ كما أن الفرد إذا نقل على وجه الاستعارة لا سبيل إلى تغييره، كذلك المركب.\rفان قيل: فقد ظهر في الوجه الثاني أن للمثل مورد 3 ومضربا، وإنّ الثاني يشبه بالأول؛ وأما في الوجه الأول فإنما ذلك مجرد تشبيه سائر يشترك فيه الناس كلهم، فأنى يكون به مورد خاص؟ وقي معناه نحو قولهم: \" اعز من مخ البعوض \" و \" اكفر من حمار \" ونحو ذلك وهو كثير، فكيف يعقل في هذا كله ما ذكر في تعريف المثل من تشبيه المضرب بالمورد حتى يشمله التعريف؟ قلنا: لا يلزم من كونه تشبيها أن لا يسبق إليه ناطق \" ينطق به أوّلاً في شيء من الأشياء، بل لا مرية من إنّه لابد من أن يقدم إليه أحد \" ينطق به بادئ بدء كما تقول:إنّ قولهم كحاطب ليل أوّل من قاله اكثم بن صيفي، وقولهم: امنع من عقاب الجو أوّل من قاله عدي بن نصر اللخمي في الزباء وهكذا غيرهما، سواء علمنا نحن ذلك أم لا، لأن هذا شأن الوجه الثاني أيضاً. قاله الأول في شيء كان ذاك مورده فتشبه به مضاربه، ولا فرق في أن التشبيه في هذا صريح دون القسم الثاني. وها هنا نظر في أمرين: أحدهما أنا قد بينا في الوجه الثاني وهو التمثيل على سبيل الاستعارة أن التشبيه فيه وقع بين هيئتين، وعلى ذلك قررها علماء البيان. ونحن ها هنا إذا قلنا مثلا فيمن أحسن إلى من لا يشكر أو يضر: هو كمجير أم عامر، فظاهر اللفظ أنه تشبيه هذا الشخص بذاك الشخص، لا الصورة بالصورة، وإن كان يصح أن يقال:المراد أن حالة هذا الشخص كحالة المجير على تقدير المضاف؛ لكنا في غنى عن هذا التقدير.","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"الثاني: إنّ المشبه به هنا مثلا أو بحالته هو مجير أم عامر حقيقة أعني الشخص الذي أجارها فبقرت بطنه وهو عنصر المثل إنّما وقع بعد ذلك بانرئى شخص شبيه به فقال: هو كمجير أم عامر، ثم سار وشاع. فان جعلنا الذي صدر فيه هذا التشبيه أوّل صدوره موردا، فليس هو الذي تشبه سائر المضارب به، بل هذا المورد بعينه وكل ما بعده متشابهات بالمجير الحقيقي. وإنّ جعلنا المورد هو العنصر الأول، فهو لم يقع عليه لفظ المثل حتى ينقل منه إلى شيء آخر ويقال إنّه شبه بما ورد فيه أولا، وإنّما وقع يعده. على أن لقائل أن يقول أيضاً: يصح أن يكون الناس في مثل هذا مثلا سمعوا حديث مجير أم عامر، فجعلوا يشبهون كلهم. فمن الجائز أن يرى ذلك جماعة أو يسمعوه، ثم يشبه كل واحد على حدة من غير أن يكون لذلك سابق مخصص يتبع ويجعل مكان تشبيهه موردا. وهكذا كل ما يشبه هذا المثل . فقد علمت بهذا أن هذا الوجه مخالف للوجه الثاني، وأن في التعاريف السابقة ما فيها إلاّ على تسامح أو على أنها دائرة على وجه الثاني فقط دون الأول، وهو بعيد إلاّ أنّ يكون ثم إصلاح.\rوأعلم إنّ المثل بهذا المعنى الثالث مأخوذ من المعنى الأول وهو الشبه، لأنّه تمثيل، إلاّ أنه سار. وقيل من المثال وهو المقدار كما سبق، لأنّه يجعل مقياسا لغيره، وهو راجع إلى ذلك أيضاً. وقيل إنّما سمي مثلا لأنّه ماثل لخاطر الإنسان أبدا يتأسى به ويعظ ويأمر ويزجر. والماثل: الشخص المنتصب من قولهم: طلل ماثل، أي شاخص، وقد يقال: رسم ماثل أي دارس، وهو من الأضداد. إذا عرفت هذا كله وعرفت معنى استعمال لفظ المثل في المضرب تشبيها بالمورد، فاعلم إنّ ذلك هو معنى ضرب المثل يقال : ضرب الشيء مثلا ، وضرب به، وتمثله، وتمثل به، وهو معنى قول بعضهم: ضرب المثل اعتبار الشيء بغيره وتمثيله به، وفسر المفسرون ضرب المثل الواقع في قوله تعالى : )إنَّ الله لا يستحي أ، يضربَ مثلاً( الآية، وقوله: )و تلكَ الأمثالُ نضربها للناس( الآية، بالتبيين والجعل والوصف.\rوفي الكشاف: ضرب المثال: اعتماده وصنعه.\rوقال الراغب: الضرب: اقاع شيء على شيء. ز بتصور اختلاف الضرب خولف بين تفاسيرها، كضرب الشيء باليد والعصا والسيف ونحوها، وضرب الأرض بالمطر، وضرب الدرهم اعتبارا بضربه بالمطرقة، وقيل له الطبع اعتبارا بتأثير السكة فيه. وبذلك شبه السجية فقيل لها الضريبة والطبية، والضرب في الأرض الذهاب فيها وهو ضربها بالأرجل، وضرب الفحل الناقة تشبيها بالضرب بالمطرقة، كقولك: طرقها تشبيها بالطرق بالمطرقة، وضرب الخيمة لضرب أوتادها بالمطرقة.و تشبيها بضرب الخيمة قال تعالى : ) ضربتُ عليهمُ الذلةُ( أي التحفتهم الذلة التحاف الخيمة بمن ربت عليه. ومنه استغير فضربنا على آذانهم في الكهف، وضرب اللبن بعضه ببعض بالخلط، وضرب المثل من ضرب الدراهم وهو ذكر شيء أثره يظهر في غيره. قال الله تعالى : )ضرب الله مثلاً عبداً مملوكاً( انتهى.\rوقيل: ضرب المثل مأخوذ من الضريب أي المثيل له. تقول: هو ضريبه، وهما من ضرب واحد، لأنه جعل للأول مثل. وقيل: من ضرب الطين على الجدار. وقيل: من ضرب الخاتم ونحوه، لان التطبيق واقع بين المثل ومضربه كما في الخاتم على الطابع.\rوأما الأمر الثاني وهو الحكمة فللناس في معناها أقوال عدة. واعلم أوّلاً إنّ الحكمة هي فعلة من الحكم أو الأحكام. أما الحكم فير بمعنيين: أحدهما القضاء؛ يقال: حكم الشارع أو القاضي بكذا حكم بضم فسكون؛ الثاني العلم؛ يقال : حكم حكما وحكمة. وأما الأحكام فيكون أيضاً بمعنيين: أحدهما الإتقان؛ يقال: أحكم فلان كذا إحكاما إذا أتقنه؛ الثاني المنع؛ يقال: أحكمت السفيه وحكمته أيضا أي منعته وأخذت على يده. قال جرير:\rأ بني حنيفة أحكموا سفهاءكم ... أني أخاف عليكم أن أغضبا\rو أحكمت الفرس وحكمته جعلت له حكمة. والحكمة بفتحتين ما أحاط بحنكي الفرس وعلى أنفه من اللجام. وفيها العذران. قال زهير:\rالقائد الخيل منكوبا دوابرها ... قد أحكمت حكمات القد والأبقا","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"و القد الجلد، والأبق شبه الكتان. ويقال: هو القنب وكانت تصنع منه الحكمات عند العرب، لأن غرضهم الشدة والشجاعة لا الزينة، إذا عرفت هذا فقيل:الحكمة هي العمل، وقيل: الإتقان، وقيل: العدل، والحلم، والنبوءة، والقرآن ،و الإنجيل. وقيل: كل ما منع من الجهل وزجر عن القبيح. قال عياض في قوله صلى الله عليه وسلم: الحكمة يمانية، الحكمة عند العرب كل ما يمنع من الجهل، وبذلك سمي الحاكم لمنعه الظلم ومنه الحديث: إنّ من الشعر لحكمة، أي ما يمنع من الجهل وينفع وينهى عنه، والحكم والحكمة واحد. وقد قيل ذلك في قوله: )و أتيناه الحكم صبياً( وقيل: حكمة أي عدلا يدعو إلى الخير والرشد ومحامد الأخلاق. وقيل الحكمة إصابة القول من غير نبوءة. وقيل ذلك في قوله: )اللهم علمه الحكمة.( وقيل: الحكمة العلم بالدين. وقيل: العلم بالقرآن وقيل: الخشية. وقيل: الفهم عن الله في أمره ونهيه. وهذا كله يصح في معنى قوله: الحكمة يمانية وقوله: )علمهُ الحكمةَ( لا سيما مع قوله: الفقه يمان. وقد قيل: الحكمة النبوءة. وقيل هذا في قوله: ) يؤتي الحكمة من يشاء( انتهى.\rوقال أبن عطية: أختلف الناس في الحكمة في هذا الآية، فقال أبن عباس: المعرفة بالقرآن فقهه وناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه وغريبه. وقال قتادة: الحكمة الفقه في القرآن. وقال مجاهد: الحكمة الإصابة في القول والفعل. وقال أبن زيد، وأوه زيد أبن سالم: الحكمة العقل في الدين. وقال مالك: الحكمة المعرفة بالدين والفقه فيه والإتباع له. وروى عنه أبن القاسم إنّه قال : الحكمة التفكر في أمر الله والاتباع له. وقال أيضاً : الحكمة العقل في الدين والعمل. وقال الربيع: الحكمة الخشية . ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : \" رأس كل شيء خشية الله تعالى \" وقال إبراهيم: الحكمة الفهم وقال الحسن: هي الورع. انتهى. وقال النووي: الحكمة فيها أقوال كثيرة مضطربة، اقتصر كل من قائليها على مقتضى صفة الحكمة . وقد صفا لنا منها إنّها عبارة العمل المتصف بالإحكام، المشتمل على المعرفة بالله تعالى، المصحوبه بنفاذ البصيرة، وتهذيب النفس، وتحقيق الحق والعمل به، والصد عن إتباع الهوى والباطل، والحكيم من له ذلك . وقد تطلق الحكمة على القرآن. وهو مشتمل على ذلك . وقد يطلق على العلم فقط، وعلى المعرفة فقط، ونحو ذلك . انتهى. وقال بعضهم: أصح ما قيل في الحكمة إنّها وضع الشيء في موضعه ، أو الفهم في كتاب الله. انتهى. ورد الغزالي الحكمة إلى العقل. قال في كتاب نهذيب النفس من الأحياء أمهات الأخلاق وأصولها الأربعة: الحكمة ، والشجاعة، والعفة، والعدل قال: ونعني بالحكمة حال النفس بها تدرك الصواب من الخطأ في جميع الأفعال الأختيارية. وقال الراغب: الحكمة إصابة الحق بالقول والفعل. فالحكمة من الله تعالى ومعرفة الأشياء، وإجادها على غاية الإحكام؛ ومن الإنسان معرفة الموجودات، وفعل الخيرات، وهذا هو الذي وصف به لقمان في قوله )و لقد آتينا لقمان الحكمة(، ونبه على جملتها بما وصفه بها. فإذا قيل في الله حكيم، فمعناها إذا وصف به. ومن هذا الوجه قال : أليس الله بأحكم الحاكمين. وإذا وصف به القرآن،فلتضمنه معنى الحكمة ، نحو: )تلك آيات الكتاب الحكيم(. وقيل الحكيم المحكم، نحو أحكمت آياته. وكلاهما صحيح، فانه محكم ومفيد للحكم، ففيه المعنيان. انتهى.\rوالعبارات عنهما كثيرة، ولا حاجة إلى التطويل بها، فان مرجعها شيء واحد؛ وإنّما سبب الاختلاف كثيرة اللوازم والخواص، فعبر عنها بما حضره من خواصها. نعم، ربما يظهر من بعض العبارات السوابق إنّ الاختلاف الحقيقي كالقول بأنها إصابة القول من غير نبوءة، مع القول بأنها النبوءة، ونحوه. لكن جل ما تقدم حائم على الإصابة في الأقوال والأفعال والفهوم. وفعلها حكم بالضم؛ يقال : حكم الرجل كشرف، فهو حكيم قال النمر بن تولب:\rوأبغض بغيضكم بغضا رويدا ... إذا أنت حاولت أن تحما\rأي أن تكون حكيما. وقال النابغة:\rأحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثمدِ","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"يقول : أصب في أمري ولا تخطيء كإصابة الزرقاء في عد الحمام، ولا تقبل قول من يسعى إليك في. وقيل: الحكم بمعنى القضاء. وفعله بالفتح كما مر. والحكم أعم من الحكمة ، كما قال الراغب: فكل حكمة حكم، وليس كل حكم حكمة. قلت: وهو صحيح في الحكمة الخيرة. وقد علمت أن الحكمة تكون في الأعمال والأخلاق أيضاً كما سنبينه. فبهذا تكون أخص من وجه لا مطلقا. وتقدمت الإشارة إلى الخلاف في اشتقاق الحكمة أيضاً فقيل: من الإحكام وهو الإتقان؛ وقيل: من المنع كما مر أخذا من حكمة اللجام. وتقدم اللفظان معا وهو فائدة تقديمها لشرح المادة. والكل محتمل، والأقرب المنع. ولا يبعد أن يكون الإحكام هو الإتقان من المنع أيضاً، كأن المحكم قد منع من الاختلال والفساد، وأبع عن مظان العيب والاعتراض. وتقدم أن الحكم الذي هو القضاء هو أيضاً منع للظلم، فصارت المادة كلها من المنع، والله اعلم. فإذا تتبعنا متفرقات المعاني المقولة في الحكمة على ما مر وجمعناها من ذلك أنها تتعلق بالقلوب والجوارح من الأيدي والألسنة. أما في القلوب، فعلى معنى الإصابة في اعتقاداتها وتصورها للأشياء وفي أخلاقها من الحلم، والعفو، والعفة، والعدل، ونحو ذلك . وأما في الأيدي فعلى معنى الإصابة في أفعالها وإتقان صنائعها؛ وكذا غيرها من الأعضاء بالجري على السنن في أفعالها، وكذا القصود. وأما في الألسنة فعلى معنى الإصابة في التعبير عن المعاني بإصابة المحز وتطبيق المفصل. غير أنا نقول : لابد في هذا كله عند إطلاق لفظ الحكمة ولفظ الحكيم عند أهل كل عرف من اعتبار دقة في ذلك ، ولطافة، ونوع غرابة، وعظم فائدة، باعتبار أهل ذلك العرف، حتى يكون المعنى بالإصابة المذكورة إصابة خاصة لا مطلق الإصابة، للقطع بأنا لا نسمي اليوم من قال الله واحد ومحمّد رسوله صلى الله عليه وسلم حكيما وإن كان في غاية الإصابة؛ ولا من بنى بناء معتادا، أو صاغ صياغة معتادة. وقد نبه على هذا المعنى بعضهم في قوله صلى الله عليه وسلم الكلمة الحكمة ضالة المؤمن. فقال: المراد بالكلمة الجملة المفيدة، والحكمة التي أحكمت مبانيها بالعلم والعقل، وتدل على معنى فيه دقة، انتهى. ولأجل هذا يقال: أنزلت الحكمة على ثلاثة أعضاء في الجسد: قلوب اليونان، وألسنة العرب، وأيدي أهل الصين. وما ذلك إلاّ لاختصاص اليونان بميزة التبحر في علم الأشياء ومعرفة القوانين وإتقان البراهين، واختصاص أهل الصين بميزة عمل الصنائع العجيبة وإتقان الأعمال الغريبة؛ واختصاص العرب بمزية إبانة المعاني العجيبة، والأمثال والمواعظ المفيدة، في أشعارها وخطبها. ومن ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم إنّ من الشعر لحكمة. ودخل العجاج على عبد الملك بن مروان فقال: يا عجاج، بلغني أنك لا تقدر على الهجاء. فقال: يا أمير المؤمنين، من قدر على تشييد الأبنية أمكنه خراب الأخبية. قال : فما يمنعك من ذلك ؟ قال: إنّ لنا عزا يمنعنا من أن نظلم، وإنّ لنا حاما يمنعنا من أن نظلم، فعلام الهجاء؟ فقال عبد الملك: لكلماتك أشعر من الشعر؛ فأنى لك عز يمنعك من أن تنظم؟ قال: الأدب البارع، والفهم الناصع. قال : فما الحلم الذي يمنعك من أن يظلم؟ قال: الأدب المستطرف، والطبع التالد. قال : يا عجاج، لقد أصبحت حكيما. قال : وما يمنعني وأنا نجي أمير المؤمنين؟ انتهى.","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"وستسمع أن شاء الله من كلام حكماء العرب ما تقضي منه الأرب. والكلام المذكور هو أيضاً مصداق ما مر من تعلق الحكمة بالقلوب والألسن وساير الجوارح ، والله الموفق . وقد اتضح من هذا الفرق بين المثل والحكمة ، وذلك فيما يحضر فكري الآن من ثلاثة أمور: أحدها أن الحكمة عامة في الأقوال والأفعال، والمثل خاص بالأقوال. ثانيها أن المثل وقع فيه التشبيه كما مر، دون الحكمة . ثالثها أن المقصود من المثل الاحتجاج، ومن الحكمة التنبيه والإعلام والوعظ. ويرد على الأول إنّه فرق بحسب أعمية المورد، ولا مساس له بالحقيقة. فلم يفد إلاّ أن الحكمة الفعلية تباين المثل ولا نزاع فيه، وليس بمفيد في الأقوال إذا تنوزع فيها أن شيئا منها حكمة أو مثل. على أنه قد يكون التمثيل بالفعل أيضاً كتصوير شكل المثلث لمن لا يعرفه. ومن ثم يعد من جملة الرسوم المعروفات الأشياء التعريف بالمثال. ويرد على الثاني أنه إن عنى تشبيه المضرب بالمورد حقيقة، فقد مر أن نوعا كبيرا من الأمثال لا يجري فيه ذلك على ما ينبغي؛ وإن عني مطلق التشبيه، فهو واقع في الحكم كثيرا، كقولهم: من فسدت بطانته كان كمن غص بالماء.على أنه قد عد من الأمثال ملا تشبيه فيه أصلا بوجه كقولهم: من قرع الباب ولجَّ ولج. وقولهم: \" الرباح مع السماح \" ونحو ذلك . ويرد على الثالث أن الاحتجاج صحيح في الحكم أيضاً ، بل جلها قضايا كليات وقوانين تورد بحيث يصلح في كل أمر تكون حجة فيه محذوفة إحدى مقدمتيها. فإذا قلنا: من فسدت بطانته كان كمن غص بالماء أمكن إنّ نقول: إن فلان فسدت بطانته، وهو المقدمة الباقية، فيعلم أن فلانا هو كمن غص بالماء. وهذا الاستدلال هو الكاشف عن الصواب والخطأ في الأنظار والعلوم ، وهو معنى الحكمة بالحقيقة؛ وإنما قلنا جل الحكم قضايا، لأن ذلك هو الصريح، وقد يكون منها غير ذلك ،كالأوامر والنواهي؛ لكنها تتخذ قضايا بحسب الزوم. فالحكم كلها تصلح للاحتجاج، وهي بصدده كالأمثال؛ على أن الأمثال ليست كلها بصدد الاحتجاج، بل هي بالأصالة للتصوير؛ وإنّما تصلح للاحتجاج عندما يراد بها التصديق من مدح، أو ذم، أو تزيين، أو إظهار رغبة في شيء أو عدم مبالاة، أو نحو ذلك على ما ستقف عليه قريبا إن شاء الله.\rويجاب عنها، أما أوّلا فبأن القصد الفرق بين المثل والحكمة مطلقا أعم من الموردي والحقيقي، وهذا كاف في الأول وليس مقتصر عليه حتى يعد قاصرا. وأما ثانيا فبأنها نعني تشبيها خاصا لا مطلقا، أما في الوجه الثاني من الأمثال فهو تشبيه المضرب بالمورد كما مر. وأما في الأول فلا يخفى إن لم يكن فيها ذلك على وجهه أن فيها تشبيها بعنصر خاص معين هو سبب جريان ذلك الكلام ووقوع ذلك التشبيه على ما تقدم توضيحه، وليس ذلك بمنظور في الحكم. وأما ثالثا فبأن الاحتجاج في المثل واقع بالفعل حيثما أطلق على سبيل الخصوص، والحكمة إنّما تراد عامة على وجه الصلاح للاحتجاج بها في الخصوصيات لا على الفعل، فالاحتجاج خلاف الاحتجاج. نعم، يبقى من الأمثال ما لم يقع فيه تشبيه لا صريحا ولا مقدرا. والحق أن من الأمثال ما لا يشتبه بالحكمة في ورد ولا صدر، نحو: الصيف ضيعت اللبن، ومن الحكم ما لا يشتبه بالمثل ككثير من الحكم الإنشائية، ويبقى وراء ذلك وسط يتجول فيه الفريقان كالمثل السابق. فان كثيرا منها قد يعد مثلا تارة، وحكمة تارة، ولا فرق يظهر إلاّ بالحيثية، وهي إنها إن سيقت ملاحظا فيها التشبيه فمثل؛و إن سيقت ملاحظا فيه التنبيه أو الوعظ أو إثبات قانون أو فائدة ينتفع بها الناس في معاشهم أو معادهم فحكمة. وهذا معروف بالاستقراء ، ز شاهده الذوق بعد معرفة أن مرجع الحكمة الإصابة، ومرجع المثل التشبيه كما مر، حتى إن من يضرب للناس أمثالا غريبة ينتفعون بها يصح أن يقال إنه حكيم لأنه مصيب في ذلك المثل الذي ضربه، وهكذا يقال في التمثيل الفعلي السابق. فإن من صور صورة المسدس مثلا عد منه ذلك تمثيلا من حيث التشبيه، وحكمه من الإصابة والإتقان، ولا تنافي بين الغرضين. ومن وسع نطاق هذا الاعتبار أمكنه في كل مثل وحكمة هذا المقدار، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.\rالفصل الثاني\rفائدة المثل والحكمة وفضلهما","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"أما الأول وهو المثل ، فلا يخفى على ذي ميز ولا يشتبه على ذي لب ما جعل الله تعالى فيه من الحكمة ، وأودع فيه من الفائدة، وناط به من الحاجة؛ فأن ضرب المثل يوضح المنبهم، ويفتح المغلق، وبه يصور المعنى في الذهن ويكشف المعمي عند اللبس، وبه يقع الأمر في النفس حسن موقع، وتقبله فضل قبول، وتطمئن به اطمئنانا، وبه يقع إقناع الخصم وقطع تشوف المعترض. وهذا كله معروف بالضرورة، شائع في الخاص والعام، ومتداول في العلوم كلها منقولها ومعقولها، وفي المحاورات والمخاطبات، حتى شاع من كلام عامة المتعلمين والمعلمين قولهم: \" بأمثالها تعرف أو تتبين الأشياء \" وسر ذلك إنّ المثل يصور المعول بصورة المحسوس ، وقد يصور المعدوم بصورة الموجود والغائب بصورة المشاهد الحاضر، فيستعين العقل على إدراك ذلك بالحواس، فيتقوى الإدراك ويتضح المدرك. وتحقيق ذلك أن العقول، وأن كانت تدرك المعلومات، لكنها غير مستقلة بنفسها غلبا في إدراك جميعها ولا جلها استقلالا صرفا لا سيما القاصر. وذلك أن العقول إنما تستقل بإدراك أوائل الضروريات التي توجد في غرائزها ولا تدري لها سبباً غير اختراع الفاعل المختار. وما سوى ذلك فالعقول فيها إما مفتقرة إلى الحواس، كالمعلومات التجريبية التي موادها محسوسة بإحدى الحواس؛ وإما مستعينة بها ضرباً من الاستعانة على طريق التمثيل والتقرير ونحوه. وذلك في غير ذلك. وقد ذهب قوم من الأوائل إلى حصر العلوم في المحسوسات وعكس آخرون، ونحن لا نقول شيئاً من ذلك، وليس هذا محل تقرير المقاتلين ولا ردهما، ولكنا نشير إلى ما نحن بصدده نوع إشارة فنقول: إنّ الإدراك، سواء قلنا إنّه يكن بالعقل وبالحواس الخمس معا، أو قلنا إنّه بالعقل فقط بواسطة الحواس، لا يخفى أن ما كان من قبل الحواس الخمس هو أظهر واسهل، ولذا شاركت فيه الحيوانات العجم والإنسان، وأن ما لم يكن من ذلك بنوع تعلق أصلا أخفى وأصعب وإسراف، وبمزية الاختصاص به كان الإنسان اشرف. فكل ما يدركه بحسب العادة الجارية استقراء، إما شيء وصل إليه من طرق الحواس، فيقع فيه بعد تأديه إليه منها نوع من التصور ونوع من التصرف بالتحليل والتركيب؛ وأما شيء يتأد إليه بالحواس، وهو إما شيء يجده عند نفسه أوّلاً كعلمه بان الموجود لا يكون معدوما، وأن الشيء الواحد لا يكون زمانا واحدا في مكانين، ونحو ذلك؛ وإما شيء يجد نظيره عنده بنوع من التشابه، أو يتأدى إليه نظيره من الحواس، كعلمنا بأن لله علما وقدرة وحلما وغضبا، لمّا علمنا في أنفسنا من علم وحلم وغضب، وإن كان الحادث خلاف قديم، لكن بينها ضرب من التشابه؛ ولولا ما علمناه بالوجدان من ذلك ما قدرنا أن نثبت نظيره في جانب الباري، كما قال تعالى: )و في أنفسكم أفلا تبصرون.( وقال صلى الله عليه وسلم: \" من عرف نفسه عرف ربه \" . إلاّ إن يخرق الله تعالى العادة في العقل فأنه مستعد لكل العلوم، وهكذا سائر الصفات. وكإدراكنا بحراً من الزئبق، وجبلا من الياقوت، فانه لم يتأد إلى العقل قط من الحواس لعدم وجوده ولا وجود نظيره عنده كالأول؛ ولكن تأدى إليه نظير من الحواس، وكذلك إنّه تأدى إليه البحار من الماء والجبال من الأرض؛ وهو يعلم إنّ بحر الماء مثلا متركب من القطرات المائية؛ فإذا أدرك قطرات الزئبق بمشاهدة الحواس جوز أن تتركب وتتجمع اجتماع قطرات الماء، وتصور من ذلك بحراً؛ وكذلك في أحجار الياقوت التي يراها، وما تصوره القوة الوهمية من أشياء لا حقيقة لها إنما ذلك من هذا القبيل، فإنها تستند إلى الحواس فتصور أشياء عل سبيل ما تأدى إليها منها، إلا إنها تحل ذلك حيث لا محل، كما تصور للغول أنيبا وأظفارا. فقد علم إن العقل غير واصل في العادة إلى غائب صرف من الأمور النظرية؛ وإنما مرجع إدراكه المحسوس هو أو نظيره بالحس الظاهر أو الباطن أو ما مادته ذلك. وكثيراً ما يقع له الغلط في البابين لاشتباه الوهم أو لاشتباه الحس حتى فر الفارون إلى حصر العلوم في المحسوسات حذاراً من الوهم والالتباس الوقع بسببه، وفر الآخرون إلى حصرها في المعقولات حذاراً من اشتباه الحس، وهما النوعان المذكوران أنفا، وقد بين ذلك في محله. والحق حصول العلم من الجانبين، إلا أن الإنسان في مبدأ فطرته ليس عنده غالباً إلا العقل الهيولائي الغريزي، وهو في إدراكاته الفعلية شبيه بالبهيمة من حيث إنّه إنما","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"يدرك غالب الأمور المحسوسة، فلا يزال يربو عقله وينمو إدراكه، وكلما ازداد النفس من ألفة المحسوسات والاستئناس بها والركون إليها أزيد من ذلك وأكثر، وكأنها هي السابقة وهي أظهر. فإذا كمل إدراكه شيئاً ما بحيث أدرك الضروريات وأستعد للنظريات وصار له عقل بالملكة، كانت النفس إذ ذلك محيطة بعظم المحسوسات، قوية الأستاناس بها، متمكنة من الألفة بها. فأن كان صاحبها مع ذلك من العوام التاركين للعلوم والمعارف، وهم الأكثر، فقد اندفع في المحسوسات وأهمل عقله الخاص بنفسه في مألوفاتها، وصار شبيها بالبهائم في إنّه لا يدرك إلاّ هذه المحسوسات التي تدركها؛ وإنما يفوقها بضرب من التصرف ضعيف فيها. فمتى ذكر لهذا شيء مما وراء ما يشاهد ولم يكن من الضروريات الأوائل الحاصلة له وما أشبهها، احتاج غالبا إلى إنّ يضرب له مثل بشيء مما يشاهد، ويصور له بصورته إما فهما وأما اطمئنانا واستئناسا. وإنّ كان من الخواص الخائصين في العلوم وإدراك المعقولات، فقد علمت مما مر إنّ العقل عادة إنّما يدرك بنفسه الضروريات، وما سوى ذلك إنما يدركه بواسطة تأديه أو تأدى نظيره إليه من الحواس الظاهرة أو الباطنة. ومع ذلك، فالمتأدى إليه إنّما هو أمر جزئي بالضرورة، فمتى حاول جنسا من ذلك لم يكن الجنس بنفسه من حيث إنّه جنس متأديا بشيء منها، فأحتاج إلى أن يمثل بصورة من ذلك الجنس فيدركها لأنها هي التي كانت تتأدى إليه ليقيس عليها غيرها، وبذلك يمكنه أن يدرك القاعدة والقانون، وهو الذي نعني بالجنس في هذا المحل حيث أدرك مادته إلاّ إنّ يكون له من لطف الإدراك وقوة الذكاء ما يستحضر به تلك الصور وينتزع منها مراده من غير أن يصور منها شيء مخصوص، فهذا يستغني عن التمثيل، وقليل ما هم. ومع ذلك فالنفس قد قلنا إنّها قوية الاستئناس بالمحسوسات لوضوحها وسبقها:\rأتاني هواها بل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا\rفإذا خيض بها في شيء من غير ذلك جمت إلى مألوفها حنين الثكلى وقالت:\rما الحب إلى للحبيب الأول","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"و استصعبت ذلك وخليت دونه، فاحتيج إلى أن يصور لها ذلك بصورة شيء مما كانت تألفه لتستأنس به وتطمئن. والاستئناس بالمألوف مركوز في جلية النفوس، حتى إنّه ورد في حديث الإسراء أن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا زج به في النور وفارقه جبريل أسمعه الله تعالى كلام صاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه تأنيسا له به في ذلك المقام الهائل وهذه حكمة ربانية تعجز العقول عن الإحاطة بها وحدها، فكيف بملكوت السماوات والأرض؟ فتبارك الله أحسن الخالقين! ثم إنّه كلما عرف الإنسان ضربا من العلوم ومارسه ألفته نفسه واستأنست به ؛ فإذا ارتحل عنه إلى منزلة أخرى حنت النفس إلى الأولى المألوفة أيضاً، فاحتيج إلى أن يضرب لها مثل بشيء مما ألفه أو نظيره لتستأنس به ونطمئن إليه حتى لا يختص التمثيل بالمحسوسات الصرفة، وهكذا أبدا. فقد تبين بهذه الكلمات الاحتجاج إلى التمثيل ووجه الاحتجاج، وإنّه لا غنى عنه لعام ولا خاص؛ غير أن الاحتجاج قد يكون ضروريا، وذلك عند العجز عن الوصول إلى المطلوب بدونه، وقد يكون تحسينيا، وذلك عند الاحتياج إلى الاستعانة به والاستئناس والاطمئنان . هذا الأصل، وقد يكون الاحتياج لأغراض آخر ستأتي.","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"هذا ما ألهمني الله تعالى في هذا المقام على سبيل الإجمال، وأما بسطه كل البسط فلا يسعه الوقت، وفيما ذكرناه كفاية، إذ ليس من الغرض الإكثار إذا فهم المقصود وأدرك المراد. فقد ظهر بهذا عظم فائدة التمثيل، وبذلك تبين فضله. وقد ضرب الله تعالى الحكيم في القرآن ضروبا من الأمثال للخلق، وقال تعالى: )إنَّ اللهَ لا يستحيي أن يضربَ مثلاً ما بعوضة فما فوقها( الآية. وقال تعالى: ) وتلك الأمثالُ نضربها للناسِ( الآية فعدها منة على الناس لمّا فيها من عظيم الفوائد. وقال تعالى: )و سكنتم في مساكن الذينَ ظلموا أنفسهم وتبينَ لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال( إشارة إلى أنه لا إلتباس ولا إشكال بعد ضرب المثل ومع ذلك لم يعتبروا. وضرب النبي صلى الله عليه وسلم الأمثال الكثيرة للناس، وسيأتي من جميع ذلك ما فيه غنية في محله أن شاء الله تعالى. ولم يزل إلى الآن المدرسون وشيوخ التعليم والتربية يضربون الأمثال في كل أمر، وكذا غيرهم. وكتب عمر رضي الله عنه إلى الأنصار: علموا أولادكم العوم والفروسية، ورووهم ما سار من المثل وما حسن من الشعر. فهذا حض على تعلم الأمثال خصوصا السائرة، فإنها أقطع للنزاع والشغب، وحض على تعلم الشعر. ولمّا بعث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه رسله إلى رستم صاحب جيوش فارس أيام القادسية فرجعوا، وبعث أليه آخرين يدعونه إلى الإسلام أو الجزية، قال لهم رستم: إني قد كلمت منكم نفرا، ولو أنهم فهموا عني لرجوت أن تفهموا، والأمثال أوضح من كثير من الكلام؛ وسأضرب لكم مثلكم: إنكم كنتم في بلاء وجهد وجوع، فأتيتم بلادنا فلم نمنعكم، فلما أكلتم طعامنا وشربتم شرابنا وأظلكم ظلنا وصفتم ذلك لقومكم فأتيتم بهم. فمثلكم في ذلك ومثلنا كمثل رجل له كرم فرأى فيه ثعلبا فقال: وما ثعلب؟ فانطلق الثعلب إلى ذلك الكرم، فلما اجتمعت عليه سد عليه صاحب الكرم مدخلها فقتلها. وقال لهم أيضاً: مثلكم كمثل جرذان ألفت جرة فيها حب وفي الحرة ثقب، فدخل الأول فأقام فيها، وجعلت الأخر تنقل وتخرج وتكلمه في الخروج فيأبى عليها، حتى إذا انتهى سمن الذي في الجرة فاشتاق إلى أهله ليريهم حسن حاله، ضاق عليه المخرج فلم يقدر على الخروج منها، فشكا الغلق إلى أصحابه وسألهم المخرج فقالوا: لست بخارج حتى تعود إلى حالتك الأولى. فكف وجوع نفسه وبقي في الجرة حتى أتاه صاحبها فقتله. وقال لهم أيضاً : لم يخلق الله خلقا أولع من ذباب ما خلاكم يا معشر العرب! ترون الهلاك ويدليكم فيه الطمع. ومثلكم في هذا مثل الذباب إذا رأى العسل طار وقال: \" من يوصيني إليه وله درهمان؟ حتى يدخلنه لا ينهنهه أحد \" إلا عصاه. فلما دخله غرق ونشب وقال يخرجني وله أربعة دراهم؟. وضرب لهم امثلاً أخرى على هذا النمط، فلما فرغ تكلم سعد رضي الله عنهم بما جاءوا به من الأعذار والإنذار. ثم قالوا: وإما ما ضربتم لنا من الأمثال فإنكم ضربتم للرجال وللأمور الجسام وللجد والهزل. ولكنا سنضرب لكم مثلكم: إنّ مثلكم مثل رجل غرس أرضا واختار لها الشجر والحب، وأجرى لها الأنهار، وزينها بالقصور، وأقام فيها فلاحين يسكنون قصورها، ويقيمون على جناتها. فخلفه الفلاحون في القصور بما لا يحب، وفي الجنان بمثل ذلك، فأطال نظرتهم. فلما لم يستجيبوا من تلقاء أنفسهم استعتبهم فكابروه، فدعا إليهم غيرهم فأخرجهم منها؛ فان ذهبوا عنها تخطفهم الناس،و إن أقاموا صاروا خولا لهم يملكونهم ويسومونهم الخسف أبداً.","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"ولمّا عظم أمر المسلمين وولي يزدجرد على فارس، وهاله أمر المسلمين، بعث إلى رستم المتقدم ذكره فقال له: انك أنت اليوم رجل أهل فارس، وقد رأيت ما نزل يهم؛ وإني أريد أن أوجهك في هذا الوجه فأنت لها. فأظهر له رستم أن قد قبل منه وأثنى عليه. فقال له الملك: قد أحببت أن انظر فيما لديك لأعلم ما عندك؛ فصف لي العرب وفعلهم، وصف لي العجم وما يقولون عنهم، فقال له رستم: صفة الذباب صادفت غرة من رعاء فأفسدت فقال: ليس كذلك، إنّما سألتك رجاء أن تعرف صفتهم فأقويك لتعمل على ذلك فلم تصب، فأفهم عني إنّما مثلهم ومثل أهل فارس كمثل عقاب أوفت على مراقب عند جبل تأوي في ذراه الطيور تبيت في أوكارها. فلما أصبحت الطير أبصرت العقاب ترقبها فخافتها فلم تنهض وطمعت العقاب فلم ترم، وجعلت كلما شد منها طائر انقضت عليه العقاب فاختطفته حتى أفنتها. فلو نهضت بجميعها نهضة واحدة لنجت واشد شيء يكون في ذلك أن تنجوا كلها إلاّ واحداً. فهذا مثلهم ومثل الأعاجم، فأعمل على قدر ذلك.\rوكان لبعض الملوك وزيران أحدهما كان يأمر ببذل الأموال لاجتلاب قلوب الرجال، ويقول انهم أنفع وأعود من المال. فقام الآخر ونهاه عن ذلك وقال : أمسك مالك فهو خير لك ، متى كان عندك المال واحتجت إلى الرجال وجدتهم. فقال له الملك لابد لهذا من آيه؛ فمثل أي مثلا يتضح به ما ذكرته، فان الأمثال بها تنكشف الأشياء ، فقال الوزير: علي بإناء عسل . فجيء به فقال: خمروه. ثم قال للملك: هل ترى هنا من نحل؟ قال : لا فأتى بإناء العسل، فلم يلبث أن جاءت النحل من كل أوب. فقال: هكذا الرجال على المال! فقام الوزي الآخر وقال : خمروا الإناء إلى الليل. فلما كان الظلام أخرج الإناء ، فما تحركت نحلة أصلا ولا وقعت عليه. وهذا تشبه قصة الهررة والشمع، وستأتيك قريبا في الأمثال، وتتبع الحكايات يخرج عن العرض؛ وإنّما ذكرنا ما تقدم تنبيها على شدة اعتناء الناس بالتمثيل وعظم فائدته. وكان الحكماء الأولون مثلوا الدنيا بطائر رأسه المشرق وجناحاه اليمن والشام وذنبه المغرب، فبينوا بهذا المثل دناءة المغرب وخسته، لأن أخس ما في الطائر ذنبه. فلما خرج اليونان إلى الجزيرة واستخرجوا فيها المياه وغرسوا الأشجار وبنوا القصور حتى عادت الجزيرة احسن ما يكون قالوا: رجع الطائر طاووسا ! لشرف ذنب الطاووس. ومن ما جعل الله تعالى فيما يراه النائم من أمثلة الأشياء ، قضى العجب من حكمة الله تعالى وما أودعه في عالم المثال، وهو بحر عميق ليس من غرضنا ولسنا من رجال الخوض فيه، وما ذكرناه في الأمثال من حيث هي وستأتيك زيادة في الأمثال الشعرية في الفصل الذي بعد هذا إن شاء الله . وما ذكرناه أيضاً هو فائدة التمثيل الإصابة، لأن مرجع الغرض من التمثيل تشبيه الخفي بالجلي، والغائب بالشاهد، وفائدته العظمى التبيين والتوضيح كما مر. وقد يرد لأغراض أخرى غير ذلك ، كالمدح أو الذم أو التزيين أو التشبيه أو غير ذلك مما قرر في علم الأدب؛ لكن مرجع الجميع إلى الفائدة الأولى وهي التبيين والتوضيح. فإنا إذا مثلنا أحدا بالبحر قصدنا إلى مدحه بالكرم، أو بالأسد قصدنا إلى مدحه بالشجاعة. فالقصد الأصلي بيان هذا الخصوصية التي يبلغ بها هذه الدرجة المخصوصة من الجود والجرأة لأنها هي المتلبسة علينا؛ لكن قد يتناسى هذا المعنى الأصلي ويفهم أن التمثيل سيف للمدح والذم حتى كأنه لا توضيح هنالك أصلا، ومثله في النعت. وأما سوق التمثيل لبيان الامكان أو بيان المقدار فلا إشكال أنه من المعنى الأصلي وهذا كله في التمثيل من حيث هو في الجملة. وأما الأمثال السائرة التي نحن بصددها فتكون هي أيضاً في الجملة للبيان والتوضيح، لكن لمقاصد كثيرة وضروب من الأغراض لا تكاد تنحصر؛ وستتلى عليك في هذا الكتاب. وأمثال القرآن كذلك بعد دلالتها على توضيح المراد وتقريبه وتصويره للعقل تكون لمقاصد كثيرة من مدح وذم ودلالة على تفاوت في الثواب، وعلى إحباط عمل وتذكير ووعض وحث وزجر واعتبار وغير ذلك مما يسرد على سمعك فيها إن شاء الله تعالى. وكذا أمثال الحديث النبوي، وستأتي إن شاء الله تعالى، والله الموفق.","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"وأما الثاني وهو الحكمة، فلا يخفا أيضاً فائدتها وفضلها. وقد اثني عليها في الكتاب والسنة. قال الله تعالى: يؤتي الحكمة من يشاء، ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا. وقال: وآتيناه الحكمة وفصل الحطاب. وقال: وآتيناه الحكم صبيا. ونحو ذلك من الآي. وقال النبي صلى الله عليه وسلم : الكلمة الحكمة ضالة المؤمن. ويروى: الكلمة الحكمة ضالة كل حكيم. فإذا وجدها فهو أحق بها. وقال صلى الله عليه وسلم : كلمة من الحكمة يتعلمها الرجل خير له من الدنيا وما فيها. وغير ذلك من الأحاديث والآثار التي يطول ذكرها. وقد أطبق العقلاء على مدحها والاعتناء بها، وليس الغرض إلاّ بيان فضلها وفائدتها فقط، وكيف يحسن منا ذلك وهي عين الفائدة والفضل؟:\rوكيف يصبح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل\rوإنّما الغرض هو بيان ما هو الممدوح من مصدوق اسم الحكمة، وإذا الغلط قد وقع في مثل هذا لكثير من العقلاء من جهة شمول لفض الحكمة لأمور كثيرة بحسب كل عرف واصطلاح، بعض تلك الأمور ممدوح دون بعض، فكان كل من يحصل له شيء منها يجعله من مصدوقات الحكمة الممدوحة، فيتمدح بما انتحله ويثني عليه ويضيف ما ورد من الثناء عليها إلى نفسه. فرأينا أن نشير إلى هذا المقام بضرب من الإشارة قريب يتميز به الطيب من الخبيث وبعرف به الفائز من المغرور. وبسط ذلك يستدعي موضوعا على حدة، فلنقتصر منه على لمحة برق فنقول: قد عرفت فيها مر من تعريف الحكمة أن فيها أقوالا كثيرة مرجعها فيما أوردناه من كلام السلف ضربان: خاص وعام. فالخاص القول بأنها النبوءة والقرآن أو علم القرآن، أو الفهم أو الخشية لله تعالى أو فهم القرآن أو العمل له أو الأتباع له، أو إصابة القول من غير نبوءة ونحو هذا مما تقدم. والعام القول بأنها الإصابة في القول والفعل ونحوه. فأما إذا فسرناها باوجه الخاص وقلنا هي النبوءة، أو علم القرآن، أو العلم به، أو فهمه والاتباع له، أو الخشية، فلا خفاء في مدحها والثناء عليها في هذا المعنى وما أشبهه من كل ما يسترضي به الله تعالى ويتقرب به إليه كالعقل والعدل والحلم؛ إلاّ إنّه لابد في ذلك من تحقيق الحقيقة وحفظ الحيثية وهو تحقيق الإصابة، إذ ذلك هو الحكمة ومناط التقرب المذكور. فأما ما ينتحله المتنبئ الكاذب من النبوءة، وما ينتحله الملحد من فهم كتاب الله تعالى والبدعي من الاتباع، فكل ذلك قد يسميه صاحبه حكمة ويسمي نفسه به حكيما، وليس من الممدوح بل ذلك مذموم غاية الذم، وليس ذلك بنبوءة ولا فهم لكتاب الله إلاّ في تسميته، فقط، وكذا ما أشبه هذا وإن قلنا هي إصابة القول من غير نبوءة ونحو ذلك، فحكمه بعد. وأما إذا فسرناه بالمعنى العام، فقد علمت إنّها متناولة لجميع الإصابات في القول والأفعال والاعتقادات، ودخل في ذلك ما تقدم وغيره. ومجموع ذلك ثلاثة أقسام:","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"القسم الأول: الحكم القولية، وهي كلها محدودة من حيث ذاتها بقيد أن تكون بحكمة في نفس الأمر، وإلاّ فقد يطعن ما ليس بحكمة حكمة، إذ قد يعد من الحكمة ما دل على إيثار العاجلة على الآجلة أو اتباع الهوى، أو على العدوان والعلو في الأرض وسفك الدماء، وعلى اكتساب النبوءة برياضة النفس وطول المجاهدة وبلوغ كمال المعرفة وكمال النفس بذلك من غير تعقيد بقانون الشرع، وعلى إيثار انقطاع الناس إلى الله تعالى بالإعراض عن نبيهم وعدم الالتفات إليه أصلا، توهما أن ذلك هو اللائق بتوحيد الباري والتعبد له ونحو ذلك؛ فكل ذلك وما أشبهه هوس باطل ليس من الحكمة في ورد ولا صدر، فان الحكمة مرجعها الإصابة كما ذكرنا قبل.و من هذا النمط ما دونه حكماء الفلاسفة في العلم الإلهي من فنون الفلسفة من الهوس والأباطيل، والاعتقادات الزائغة والحجج الواهية، وكذا ما لنظرائهم من الطبيعيين وأشباههم من قرف المعتزلة وطوائف المبتدعة الضالين المضلين. وقد كان للفلاسفة في غير الإلهيات حكم تقتبس سراجا منيرا . وتورد زلالاً نميرا، فلما خاضوا في العلم الإلهي لم يهتدوا غالبا إلى الحق فيه، ولم يؤذن لهم في الدخول إلى ذلك الجناب النزيه. ومن يضلل الله فما له من هاد . ثم إنّ هذه الحكم القولية، وإن قلنا إنّها محمودة، فهي تختلف شرفا وفضلا بحسب جلالتها وما دلت عليه درجات كثيرة لا تكاد تنحصر. هذا بحسب ذاتها، وأما قائلها الذي صدرت منه فغير واجب أن يكون محمودا دائما ولا أن يعد حكيما، بل قد يكون محمودا، وذلك إذا علم ما يقول وعمل به وتخلف به ولم يكذب فعله وخلقه قوله، وقد يكون مذموما، وذلك إذا كان بخلاف ذلك بحيث يكون من علماء اللسان الثرثارين المتفيهقين، حتى إنّ المتكلمين بالحكم الشرعية من علماء الظاهر الذين تخالف أفعالهم أخلاقهم أقوالهم، ونحوهم من الوعاظ والقصاص في غاية الذم. ومن ثم قيل في ما مر : الحكمة هي الفهم في القرآن والعمل به والإتباع له. وقد تصدر الحكمة ممن هو عن مقتضاها خال وعن فضلها بمعزل. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: الحكمة ضالة المؤمن. كما مر. وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: العلم ضالة المؤمن حيث وجده أخذه وقال : خذ الحكمة ممن سمعتموها ، فانه قد يقول الحكمة غير الحكيم، وتكون الرمية من غير الرامي. فأشار صلى الله عليه وسلم بذلك إلى أنه ينبغي للعاقل أن لا يبرح متتبعا للحكمة طالبا لها، كما يطلب الرجل ضالته وينشدها؛ فان الحكمة هي ضالة العاقل لأنها غذاء عقله، فهي أكبر الحاجات وأعظم المطلوبات. وفي الحديث تأديب الطالب المتعلم وتنبيهه على أنه لا يأنف مكن أخذ الحكمة حيثما وجدها، وإنّه يقبلها من كل من سمعها منه شريفا كان أو مشروفا عالما أو جاهلا برا أو فاجرا؛ ولا يستكبر عن أحد أن يتعلم منه كان فوقه أو دونه. فان طالب الضالة إذا وجدها فهو لا محالة يأخذها ولا يلتفت إلى خسة الآتي بها ولا شرفه، وأو ترك ضالته ومطلوبه الذي كان ينشده لخسة من جاء بها كان أحمق. وقد روي أن الحجاج خطب فقال: إنّ الله تعالى أمرنا بطلب الآخرة وكفانا مؤونة الدنيا، فليته كفانا مؤونة الآخرة وأمرنا بطلب الدنيا! فقال الحسن: ضالة مؤمن عند فاسق فلنأخذها. وخطب خازم بن خزيمة فقال: إنّ يوما أسكر الكبار، وشيب الصغار، ليوم عسير ، شره مستطير. فقال سفيان الثوري: حكمة من جوف خرب، ثم أخرج ألواحا فكتبها. ولهذا ورد: أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه. وروي أن رجلا في بني إسرائيل حكيما ألف ثلاثمائة كتاب في الحكمة واشتهر فرأى إنّ له عند الله منزلة، فأوحى الله إلى نبي ذلك الوقت أن قل لفلان: ملأت الدنيا نفاقا. القسم الثاني في الحكم الفعلية بناء على إطلاق الحكمة عليه كما مر، وهي على تفصيل: فما كان منها خدمة لله تعالى وقيامها بوظائف تكاليفه كله من فعل الواجبات وأنواع القربات، فهو كله محمود. وهذا النوع إنّما يعد حكمة بحسب ما انضم من افهم في كتاب الله تعالى كما مر، فهو جزء منها. وما يرجع إلى إتقان الصنائع العجيبة والحرف المهمة، فهذا كله محمود عادة، وأما شرعا فإنما يحمد إذا كان مقربا إلى الله تعالى مباشرة أو بواسطة أو وسائط، على حكم التفصيل في سائر المباحات. ووراء هذين القسمين قسمان آخران:","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"أحدهما تدبير الذهب والفضة ومعالجة تبديل الأشياء وصناعة الاكسير، وهذا النوع هو المعروف عند كثير من الأوائل بالحكمة، وهو محمود عندهم غاية ومن اجل علومهم ، وإطلاق الحكمة عليه من حيث الإصابة والإتقان مع الغرابة واللطافة. وللمتكلمين في ذلك كلام وبحث في إنّ ذلك ممكن أمثال لا ، وفي إنّه يعد إمكانه واقع أمثال لا . فهي أربعة مباحث قررت في محلها وليس من غرضنا التعرض لها ، غير أنا نقول جريا على ما نحن بصدده: إن قلنا إن ذلك محال أو غير موجود، فالاشتغال به غير محمود لا عادة ولا شرعا، بل هو في غاية الذم لأنه تضييع للعمر بلا طائل وهوس وجنون. وإن قلنا أنه يوجد ويقع، فلا نشك بالاستقراء إنّه في غاية القلة والندور، وإنّه لا يقع عليه إلا الفرد من الناس في الدهور. وقد اعترف أهل هذا العلم إنّه اخطأ الناس طريقته ولم يعثروا على التحقيق فيه فضاع وبقي اسما بلا مسمى ، فنقول: إنّه ينبغي أن يكون مذموما على هذا الوجه أيضاً كأنه تضييع للعمر غالبا بلا طائل، وعدول عن الأسباب المنصوبة للخلق في الاكتساب إلى سبب نادر قليل الجدوى مع كثرة الاين والتعب، منبت في القلب من الحرص والطمع ما تنبته الديم في الأرض الأريضة، ولا داء على القلب شر من الحرص والطمع! نعم، لو عثر على شيء صحيح منه بلا تعمل حرام ولا انجرار طمع واتخذ سببا، كان من جملة المباحات والتحق بحكم الصنائع السابقة.\rثانيهما خفة اليد والاحتيال بالشعبذة وأنواع النيروجات، فان كثيرا من هذا النوع قد يسمى حكمة أيضاً لمّا فيه من الغرابة، وهو ليس بممدوح في الجملة لا شرعا ولا عادة عند العقول السليمة. نعم، فيه تفصيل من جهة الحرمة والإباحة يطول بنا التعرف له ، وليس كلامنا بالقصد في الفقهيات.\rالثالث الحكم القلبية، وهي إذا عممنا فيها وتوسعنا ضربان: ما يرجع إلى الأخلاق كالحلم والعدل والزهد والعفة والصمت ونحوها، وهذا النوع كله محمود شرعا وعادة، لأن من يطلق الحكمة في هذا الضرب أخذا مما مر إنّما يطلقها على المحمود من الأخلاق لا على مطلق الخلق حتى يدخل المذموم. وفي الحديث: الصمت حكم وقليل فاعله. وقد يذم بعض هذه الأخلاق المحمودة عند غوغاء الناس العمي البصائر، كالصمت عند المتشدقين الثرثارين والعفاف عند المجانين الفاسقين ونحو ذلك . ولا عبرة بهذا الذم، وهو في الحقيقة ذم للمذموم لا للمحمود ، إلا أنه يقع الخطأ للذام والغلط. وذلك أن الصمت مثلا ليس بمحمود دائما، بل في محل يليق به، فقد يرى الجاهل محل الصمت غير محل له، بل محلا للكلام فيذم الصمت وقصده ذم الصمت المذموم، ولو عرف أن ذلك محله ما ذمه وما يرجع إلى الاعتقادات وهو كله أيضاً محمود، لأن الحكمة هنا أيضاً إنما تطلق فيما كان علما إذ هو محل الإصابة والعلم كله في نفسه محمود، أعني وصول النفس إلى شيء ، لأن ذلك كمال النفس. وقد يعرض العلم الذم من جهة المعلوم، وللعالم الذم من جهة المخالفة عمله لعلمه وعدم جريه على موجبه كما قلنا في اللسان، أو من عدم طائل يعود به عليه مع إضاعة العمر النفيس فيه، أو من الاشتغال به عما هو أولى منه وجوبا أو ندبا أو نحو ذلك . ثم العلم يتفاوت بعد ذلك في الشرف بحسب شرف معلومة وثمرته. وهذا النوع هو الحكمة حقيقة، وكل ما تقدم من الأفعال والأقوال إنّما هو مظهرها وعنوانها عند التحقيق، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.\rالفصل الثالث:\rفضل الشعر\rذكرنا في هذا الفصل شيء مما ورد في فضل الشعر، لأنا قد أوردنا في هذا الكتاب جملة وافرة من الشعر؛ فرب جاهل أو جافي الطبع أو متنسك نسكا أعجميا يذم الشعر فيسري ذمه إلى ما في الكتاب ثم إلى الكتاب، فرأينا أن ننبه على شيء من فضله، ونحن عند التحقيق في غنى عن ذلك ، بعد ذكر فضل المثل والحكمة ، لأن جل ما أوردناه في الكتاب من هذين النوعين، وما سوى ذلك إما توابع وتتمات ، وإما شواهد من كلام العرب مما اشترك في جلبها استشهادا كل ذي علم؛ ولكنا نذكر ذلك تقوية.","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"اعلم أنّ الكلام العربي هو أشرف الكلام وأجله، كما وقع في الحديث:إنّ سيد الكلام العربي، وسيد الأنبياء محمد، وسيد الكتب القرآن . وفي الحديث أيضاً : القرآن عربي ، وكلام أهل الجنة عربي. واعلم أن كلام العرب نوعان: منثور ومنظوم، وكان كله في أصله نثرا. فلما احتاجت العرب إلى ذكر أيامها وأعرافها، وتخليد مكارمها ومآثرها، توهموا أعاريض الشعر وأوزانه، وجعلوه آلة لذلك وعونا على حفظ ما ذكر وإبقائه، لسهولته على الطبع وميله إليه دون المنثور. ومن ثم يقال أن ما تكلمت به العرب من جيد المنثور أكثر مما تكلمت به من المنظوم، ومع ذلك لم يحفظ من المنثور عشره، ولم يضع من المنظوم عشره: فكان للشعر بهذا فضل على النثر. ومما ورد في فضله قول النبي صلى الله عليه وسلم : إن من الشعر لحكمة، وتقدم تفسير الحكمة . وروي عنه صلى الله عليه وسلم أيضاً إنّه قال : إنّ من البيان لسحرا، وإنّ من الشعر لحكما، أي كلاما نافعا يمنع من الجهل والسفه. قيل أراد به المواعظ والأمثال التي ينتفع بها، وقد تقدم أن الحكم بمعنى الحكمة. وقيل الحكم هنا القضاء، بمعنى إنّه ينفذ أمره ويتبع ما يقضي به ويسلم له فيما حكم به كما يكون ذلك في حكم الحاكم؛ ولذلك وضع أقواما ورفع آخرين. وممن وضعهم بنو نمير، إذ هجاهم جرير، وكانوا إحدى جمرات العرب قيل ذلك ؛ وبنو العجلان، إذ هجاهم النجاشي، وكانوا قبل ذلك يفتخرون بهذه التسمية، لأن أباهم سمي بذلك لتعجيله القرى للضيف، والربيع بن زياد العبسي، إذ هجاه لبيد، وكان قبل ذلك أحد ندماء النعمان بن المنذر، وكان لا يواكل غيره إذا حضر. وممن رفعه بنو أنف الناقة، حيث مدحهم الحطيئة فقلب هذا اللقب الذي كان يخزون به مدحا وفخرا؛ وعبد العزيز بن حنتم المعروف بالمحلق، حيث مدحه الأعشى وكان قبل ذلك خاملا؛ وهرم بن سنان، حيث مدحه زهير فشرف بذلك على أخيه خارجة بن سنان، وكان خارجة قبل ذلك أنبه منه وإن كانا معا سيدين؛ وغي هؤلاء. وتفصيل هذه الوقائع يطول بنا في هذا المحل، وهي مشهورة وسيأتي كثير منها. وقال النبي صلى الله عليه وسلم : الشعر كلام من كلام العرب جزل تتكلم به في بواديها وتسل به الضغائن وروي عن عائشة رضي الله عنها إن النبي صلى الله عليه وسلم بنى لحسان بن ثابت في المسجد منبرا ينشد عليه الشعر. وروي أن عمر رضي الله عنه مر بحسان وهو ينشد الشعر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أ رغاء كرغاء البكر؟ فقال حسان: دعني عنك يا عمر، فو الله إنك لتعلم لقد كنت أنشد في هذا المسجد من هو خير منك، فما يغير علي ذلك ، فقال عمر: صدقت! ويحكى إنّ النبي صلى الله عليه وسلم دخل في عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة يمشي بين يديه وهو يقول:\rخلو بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تنزيله\rضربا يزيل الهام عن مقيله ... و يذهل الخليل عن خليله\rفقال له عمر رضي الله عنه : يا أبن رواحة! بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حرم الله تقول الشعر؟ فقال صلى الله عليه وسلم : خل عنه يا عمر! فلهي أسرع فيهم من وقع النبل. ولمّا هجت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسان رضي الله عنه : اهجهم ومعك جبريل روح القدس فلهجائك أشد عليهم من وقع السهام، في غبش الظلام! وقال عمر رضي الله عنه : من أفضل ما أعطيته العرب الأبيات يقدمها الرجل أمام حاجته فيستعطف بها الكريم ويستنزل بها اللئيم. وقال أيضاً: تعلموا الشعر، فإن فيه محاسن تبتغى ومساوئ تتقى. وكتب إلى أبي موسى الشعري : مر من قبلك يتعلم الشعر، فإنه يدل على معالي الأخلاق وصواب الرأي ومعرفة الأنساب. وقال معاوية رضي الله عنه : يجب على الرجل تأديب ولده والشعر أعلى مراتب الأدب وقال: رووا أولادكم الشعر واجعلوه أكبر همكم وأكثر آدابكم، فلقد رأيتني ليلة الهرير بصفين، وقد أتيت بفرس ووضعت رجلي في ركابه لأفر من شدة البلاء، فما حملني على الثبات إلا ذكر أبيات عمرو بن الأطنابة:\rأبت لي همتي وأبى بلائي ... و أخذي الحمد بالثمن الربيح\rوإقحامي على المكروه نفسي ... و ضربي هامة البطل المشيح\rوقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي\rلأدفع عن مآثر صالحات ... واحمي بعد عن عرض صحيح","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"و قال بعضهم: كنا عند عمار بصفين، وعنده شاعر ينشده، فقال رجل: أيقال فيكم الشعر وانتم أصحاب محمّد وأصحاب بدر؟ فقال له عمار: إنّ شئت فاسمع، وإنّ شئت فأذهب. أنا لمّا هجانا المشركون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا لهم كما قال لكم، فكنا نعلمه الاماء بالمدينة. وكان أبن عباس يقول: إذا قرأتم شيئا من كتاب الله فلم تعرفوه فاطلبوه في أشعار العرب، فان الشعر ديوان العرب. وقال أيضاً : إذا أعيتكم العربية في القرآن فالتمسوها في الشعر، فانه ديوان العرب. وكان كلما سئل عن حرف من القرآن أو من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشد عليه شعرا. وقيل لسعيد بن المسيب إنّ قموا بالعراق يكرهون الشعر، فقال: نسكوا نسكا عجميا! وسئل أبن سيرين في المسجد عن رواية الشعر في شهر رمضان إنّها تنقض الوضوء فقال:\rنبئت إنّ فتاة كنت أخطبها ... عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول\rثم قام فأم الناس وقيل بل أنشد:\rلق أصبحت عروس الفرزدق ناشزا ... و لو رضيت رمح أسته لاستقرت\rوسئل ابن عباس هل الشعر من رفث القول، فأنشد:\rوهن يمشين بنا هميسا ... إن تصدق الطير ننك لميسا\rو قال إنّما الرفث عند النساء، ثم احزم للصلاة. وكان أبو السائب المخزومي يقول أما والله لو كان الشعر محرما لوردنا الرحبة كل يوم مرارا، يعني الرحبة التي تقام فيها الحدود. وقال عبد الملك لبنيه عليكم بالأدب، فإنكم إن احتجتم إليه كان لكم مالا، وإن استغنيتم عنه كان لكم جمالا، وكانت عائشة أم المؤمنين، وأبن عباس، وعمر، رضي الله عنهم أجمعين من رواية الشعر بالمحل الذي لا يدرك، حتى حكي عن عائشة إنّها قالت: رويت للبيد أثنى عشر ألف بين خلاف ما رويت لغيره. وكذا غير هؤلاء من الصحابة رضي الله عنهم وما أهل البيت النبوي إلاّ من قال الشعر، غير النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذا الخلفاء الأربعة. وقد ذكر المعتنون بهذا الشأن ما ثبت عن كل منهم من الشعر؛ والتعرض لذلك يطول بنا، وليس من غرضنا نحن في هذا الكتاب إلاّ مجرد التنبيه؛ وما تقدم كاف في مدح الشعر وإباحته والرد على منكريه.\rوقد يحتج ذامه بوله صلى الله عليه وسلم : لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير من أن يمتلئ شعرا. ومحل هذا الحديث عند العلماء أربعة أوجه: أحدهما أن المراد بهذا الشعر المذكور هنا الشعر الذي هجي به النبي صلى الله عليه وسلم وقد وقع في رواية: شعر هجيت به بهذه الزيادة. وروى أن أبا هريرة، لمّا روى الحديث المذكور قالت عائشة رضي الله عنها لم يحفظ، إنّما قال شعرا هجيت به. ولا شك أن هذا النوع من الشعر لو كان شطر بيت لكان كفرا، فكيف إذا أميلا الجوف فيه؟!.\rثانيها أنه ورد لأقوام كانوا في غاية الإقبال على الشعر فجاء على وجه المبالغة زجرا لهم ليقبلوا على القرآن والذكر والعبادة.\rثلثهما أنه في حق من أولع به حتى شغله عن الذكر والقرآن والعبادة، لأن ذلك هو يعني الامتلاء. وأما كان الغالب عليه القرآن والكر. فليس جوفه ممتلئل.\rرابعها أنه في الشعر المذموم دمن الممدوح، وسنبينه.","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"وقوله صلى الله عليه وسلم : أنَ من البيان لسحرا، لعلماء في هذا الحديث وجهان: أحدهما أنه ورد مورد الذم فشبهه بعمل السحر لغلبته على القلب وجليه إياها، وتزيينه الباطل وتحسينه القبيح وتقبيحه الحسن. ويكتسب به صاحبه من الإثم ما يكتسب الساحر بعمله كما قال صلى الله عليه وسلم: ولعل بعضهم أن يكون ألحن بحجته من بعض؛ فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فأنما أقطع له من النار. ثانيهما أنه ورد مورد المدح بمعنى أنه تمال به القلوب، ويسترضى به الساخط، ويستنزل به الصعب. ويشهد ليس لهذا قوله في نفس الحديث: إن من الشعر لحكمة.و هذا قول أكثر أهل العلم والأدب، لأن الله تعالى مدح البيان، وهو شامل للشعر والنثر. وقال عمر بن عبد العزيز لرجل سأله حاجته فأحسن في السؤال: هذا والله السحر الحلال!و قضى حاجته. وأما قوله تعالى: )و الشعراءُ يتبعهمُ الغلوون( الآية، فالمراد بها المشركون المشتغلون بالاذاية للنبي صلى الله عليه وسلم وهجائه. وأما الشعراء المؤمنون كحسان وكعب وأبن رواحة وغيرهم فليسوا بداخلين. ولذلك استثناهم الله تعالى فقال: )إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ وذكروا اللهَ كثيرا( أي لم يشغلهم الشعر عن الذكر، وانتصروا من بعد ما ظلموا، أي بهجوم الكفار الهاجين للنبي صلى الله عليه وسلم ظلما، كما قال الله تعالى : )لا يحب اللهُ الجهر بالسوءِ من القول إلاّ من ظُلم(. الآية المذكورة هي فصل الخطاب فيما مر. نعم، قال أبن عطيه: يدخل في الآية كل مخلط بهجو أو يمدح شهوة ويقذف المحصنات ويقول الزور، كما يدخل في الاستثناء كل من كان بخلافه.\rفقد بان بهذا فضل الشعر وأن لا باس به أصلا، غير إنّه ليس على إطلاقه وأن الشعر كله محمود ومرضي، فان هذا خطأ وغلط، بل هو على تفصيل. فما كان متضمنا للثناء على الله تعالى ، أو لمدح النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أو الأنبياء والملائكة وكل من يجب تعظيمه وتوقيره والثناء عليه في الدنيا والترغيب في الآخرة، فهو مندوب إليه مرغوب فيه؛ وما كان متضمنا للتنبيه والوعظ والتزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة ونحو هذا فكذلك أيضاً؛ وما كان متضمنا للهجو وإيذاء كل من عرضه معصوم فهو حرام. ويتفاوت في القبح والشدة بحسب المؤذي، حتى ينتهي إلى الكفر كما في حق الأنبياء، وما كان خاليا عن هذين الأمرين فهو من المباح في الجملة، إلاّ أنه إن اشتمل على وصف القد والخد والمجون التي تحرك دواعي الشهوة والغواية، فهو قد يجرم وقد يكره وقد يباح بحسب حال القئل والمخاطب. وتحقيق ذلك أن الشعر كلام كالنثر، فكل ما يستقبح في النثر يستقبح في الشعر.\rفقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إنما الشعر كلام مؤلف، فما وافق الحق منه فهو حسن، ز ما لم يوافق الحق فلا خير فيه. وقالصلى الله عليه وسلم : إنما الشعر كلام فمن الكلام خبيث وطيب. وقالت عائشة رضي الله عنها: الشعر كلام فيه حسن وقبيح، فخذ الحسن ودع القبيح. وقال أبن سيرين: الشعر كلام عقد بالقوافي، فما حسن في الكلام حسن في الشعر،و كذلك ما قبح منه هذا ، مع أن الشعر قد حسنت فيه أشياء لم تجسم في النثر، وذلك مما يفضله به الأدباء؛ منها الكذب الذي وقع الإجماع على حرمته فانه جائز في الشعر، إلى إنّ في المبالغة والإيغال تفصيلا مذكورا في علم الأدب. وافضل الأمور الصدق ومما قرب منه؛ ومنها تزكية الإنسان نفسه ومدحه إياها، ومدح الإنسان بحضرته، ومدح المحرمات من الخمر والنساء الأجانب ونحو ذلك، ومنها خطاب الممدوح مثلا باسمه وبكاف الخطاب مما يكون في النثر استنقاصا، ونحو هذا . وقصيدة كعب بن زهير رضي الله عنه اللامية متكفلة بأكثرها، وقد أنشدها بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه، بل أثابه بردته فاشتراها منه معاوية بثلاثين أو عشرين ألف درهم، وبقيت يتوارثها الخلفاء ويلبسونها في الجمع والأعياد تبركا بها. وقيل إنّه أعطاه مع البردة مائة من الإبل ويحكى إنّ الأحوص قال يخاطب عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إذ توقف عن إعطاء الشعراء:\rوقبلك ما أعطى هنيدة جبلة ... على الشعر كعبا من سديس وبازل\rرسول الإله المستضاء بنوره ... عليه السلام بالضحى والاصائل","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"و بالجملة، ففي كل كلام ينطق به اللسان شعرا أو نثرا، إنشاء أو حكاية، فوائد وآفات فصلها علماء الشعر وحرروها، فمن ظفر بالفائدة وسلم عن الآفات فهو الذي ينبغي له أن يتكلم إما وجوبا أو ندبا بحسب الفائدة؛ ومن لم يظفر بالفائدة ووقع في الآفة أو توقعها فهو الذي لا ينبغي له أن يتكلم إما تحريما أو كراهة بحسب الآفة. ومن تعرضتا عنده فهو الذي ينبغي له أن يرجح أحد الجانبين وإلا كف، فإن درء المفسدة أهم، ومن عدمهما معا فهو الذي يباح له الكلام، ولذكر الله أكبر، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.\rالفصل الرابع:\rالأمثال الشعرية\rاعلم أنا لمّا ذكرنا حكم الشعر عموما كما مر، أردنا أن نردفه بما كان منه مثلا خصوصا. وهذا النوع داخل فيما للذي قبله وداخل أيضاً فيما للمثل مطلقا، وقد فرغنا قبل من شرحه وفضله؛ غير أن هذا النوع له خصوصية كلام وبيان تعلق الغرض بذكره، وجعلنا الكلام في هذا الفصل في أربعة أمور بها يتم الغرض إن شاء الله تعالى : الأول في التمثل بالشعر وما ورد فيه يقال: تمثل بالبيت إذا أنشده وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل بقول طرفة: ويأتيك بالأخبار من لم تزود؛ إلى إنّه يقول ويأتيك من لم تزوده بالأخبار. ولذلك قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : أشد أنك رسول الله، لقوله تعالى: وما علمناه الشعر. وأما غير النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة والتابعين فتمثلهم بالشعر شائع ذائع لا يحصى، وهو دليل ما تقدم في الفصل قبل هذا . ومما تمثل به أبو بكر رضي الله عنه وهو على المنبر قول الغنوى:\rجزى الله عنا جعفرا حين أزلقت ... بنا رجلنا في الواطئين وزلت\rأبو أن يملونا وأو أن آمنا ... تلاقي الذي يلقون منا لملت\rهم أنزلونا في ظلال بيوتهم ... ظلال بيوت أدفأت وأكنت\rو أراد بذلك ما فعل بهم الأنصار من الإحسان. وأما عمر رضي الله عنه فكان لا ينزل به أمر ألا تمثل فيه بشعر، وكذا عائشة رضي الله عنها ومما تمثلت به قول لبيد:\rذهب اللذين يعاش في أكنافهم ... و بقيت في خلف كجلد الأجرب\rو رأت النبي صلى الله عليه وسلم يوما يعرق جبينه وهو في عمل، وجعل عرقه يتلألأ نورا، فقالت له: لو رآك أبو كبير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره فقال لها: وما يقول يا عائشة أبو كبير؟ قالت: يقول :\rومبرأ من كل غير حيضة ... و فساد مرضعة وداء مغيل\rوإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلهل\rفوضع صلى الله عليه وسلم ما كان في يده وقام إليها فقبل ما بين عينيها وقال : جزاك الله يا عائشة خيرا. ما سررت بشيء كسروري بك! ومما تمثلت به فاطمة رضي الله عنها يوم توفي أبوها عليه الصلاة والسلام قول فاطمة\rقد كنت لي جبلا ألوذ بظله ... فتركتني أضحى بأجرد ضاحِ\rقد كنت ذات حمية ما عشت لي ... أمشي البيرار وكنت أنت جناحي\rفاليوم أخضع للذليل وأتقي ... منه وأدفع ظالمي بالراحِ\rوإذا دعت قمرية شجنا لها ... يوما على فنن دعوت صباحِ\rوأغض من بصري وأعلم إنّه ... قد بان حدّ فوارسي ورماحي\rو مما تمثل به علي كرم الله وجهه وهو على المنبر، معنفا للقوم في تقديمهم أبا موسى الأشعري في التحكيم بعد ما حذرهم منه قول دريد بن الصمة:\rأمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلى ضحى الغدِ\rو مما تمثل به معاوية رضي الله عنه قول قيس بن زهير:\rأظن الحلم دل علي قومي ... و قد يستجهل الرجل الحليم\rعلى لمحة قبيلة يزداد بها الناظر بصيرة على ما ذكرنا في المثل الأول. ولو تتبعنا ما تمثل به الصحابة في الوقائع، والتابعون وهلم جرا لكان وحده موضوعا.\rالثاني في المثل الشعري وأقسامه. اعلم إنّ المثل معروف الحقيقة مما قدمنا فيه، وهو يكون نثرا تارة، وذلك أكثره، وقد يكون نظما. فان المثل، وإنّ كان سائرا، لكنه إذا نظم كان أسير له وأسهل على اللسان وأحسن، ثم إنّه قد يقع بيتا كاملا، وقد يقع نصف بيت أو ربعه أو نحو ذلك من الأجزاء. وسئل حماد الراوية بأي شيء فضل النابغة، فقال: إنّ النابغة إن تمثلت ببيت من شعره اكتفيت، مثل قوله:\rحلفت فلم اترك لنفسك ريبة ... و ليس وراء الله للمرء مطلب","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"بل لو تمثلت بنصف بيت من شعره اكتفيت به، وهو قوله: وليس وراء الله للمرء مطلب، بل لو تمثلت بربع بيت من شعره اكتفيت به، وهو قوله: أي الرجال المهذب. ومن ورود المثل بيتا مستقلا قول طرفة مثلا:\rلعمرك إنّ الموت ما أخطأ الفتى ... لك الطول المرخى وثنياه باليد\rو قول أبي الطيب:\rومن نكد الدنيا على المرء أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بد\rو هو كثير. ومن وروده نصف بيت الشطر الثاني من قول الحماسي مثلا:\rعليك بالقصد فيما أنت فاعله ... إن التخلق يأتي دونه الخلق\rو من ورده ربعا الربع الأخير من قوله:\rولا يواتيك فيما ناب من حدث ... إلاّ أخو ثقة فأنظر بمن تثق\rو اعلم إنّه قد لا يتم المثل إلاّ على بيتين، كقول الأول:\rإذا المال لم يوجب عليك عطاءه ... صنيعة تقوى أو صديق توافقه\rبخلت، وبعض البخل حزم وقوة ... و لم يبتذلك المال إلى حقائقه\rو قد لا يتم إلى على اكثر، كقول بعض الأدباء:\rلصيد اللخم في البحر ... و صيد الأسد في البر\rوقضم الثلج في القر ... و نقل الصخر في الحر\rوإقدام على الموت ... و تحويل إلى القبر\rلأشهى في طلاب العز ... ممن عاش في الفقر\rو قد يكون في البيت الواحد مثلان أو ثلاثة أو أربعة أو اكثر. فمن الأول قول امرئ القيس:\rالله أنجح ما طلبت به ... و البر خير حقيبة الرحل\rو من الثاني قول ضابىء بن الحارث:\rوفي الشك تفريط وفي الحزم قوة ... و يخطئ في الحرس الفتى ويصيب\rومن الثالث قول الأول:\rفالهم فضل وطول العيش منقطع ... و الرزق منقسم وروح الله منتظر\rو مما فيه خمسة قول بعض الأدباء:\rخاطر تفد وأرتد تجد وأكرم تسد ... و انقد تقد وأصغر تعد الأكبرا\rو مما فيه ستة قول أبن رشيق:\rخذ العفو وأب الضيم واجتنب الأذى ... و أغض تسد وأرفق تنل وأسخ تحمد\rالثالث فيما ينبغي له ويستحسن، وهو ثلاثة أشياء: أحدها أن يكون متزنا قائما بنفسه غير محتاج إلى غيره، وذلك إما أن يكون بيتا مستقلا، كقول طرفة السابق، وكقول السموأل:\rإذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل\rو نحوه وهو كثير. وأما أن يكون جزءا من البيت مستقلا كقول الحماسي السابق، وكقول جميل بن عبد الله:\rأرى كل عود نابتا في أرومة ... أبى منبت العيدان أن يتغيرا\rفان الشطر الثاني مثل مستقل بالوزن والمعنى، وكذا الأول، أما إن كان جزءا محتاجا غير مستقل، كقول النابغة المذكور:\rولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال مهذب\rفان قوله: أي الرجال المهذب مثل، إلى إنّه محتاج في الوزن إلى ما قبله. وكذا قول الحماسي:\rوإن أبيتم فأنا معشر أنف ... لا نطعم الخسف إنّ السم مشروب\rفان قوله: إنّ السم مشروب مثل، وليس بمستقل، فهو كله غير مستحسن. ووجهه فيما يظهر لي ما تقدم من أن المثل إنّما نظم ليكون أيسر وأشهر. فإذا كان بيتا مستقلا حسن إنشاده من غير حشو هنالك ولا التباس؛ وإن كان شطرا تام الوزن، حسن أيضاً إنشاده وحده من غير حشو ولا فساد في النظم ولا خروج عن حكم الشعر؛ وإن كان جزءا غير تام الوزن فهو إن انشد البت المحتوى عليه كله كان ما زاد على المثل حشوا مع وقوع الالتباس تارة فيما أريد من البيت إذا لم يتعين المقصود، كما في قول النابغة: أي الرجال المهذب، فانه مثل وباقي البيت أيضاً مثل ، وقد لا يدرى أيهما المراد بعينه، وإن كانا يرجعان إلى مقصود واحد. واكثر الأبيات يصح التمثيل بها فيقع الالتباس. وإن لم ينشد البيت كله، بل اقتصر على المثل وحده صار نثرا وبطلت فائدة نظمه. أما ما لا يتم من الأمثال في بيتين أو اكثر كما مر فهو من التام الوزن دون المعنى، وهو عيب التضمين. ويتقوى العيب بكون التضمين بين مبتدأ وخبر، وفعل وفاعل، ونحو ذلك . ويسهل بكونه بين الشرط والجزاء، أو بين القسم والجواب ونحوه. وتفصيله مذكور في علم القوافي.","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"ثانيهما أن يكون سالما عن التكلف سلسا، تستلذه الأسماع ليكون أوقع له في النفس وأعون على الشيوع. فان الشعر إذا كان متكلفا كان المنثور أحسن منه. وقد يكون التكلف بالإكثار من الأمثال في البيت الواحد أو في القصيدة، فان تعاطي الجمع بين أربعة أمثال في البيت لا يخلو عن تكلف، فضلا عن الخمسة والستة، وكذا في القصيدة. ولذلك قال أبن رشيد في عمدته: وهذه الأشياء في الشعر إنّما هي نبذة تستحسن، ونكت تستطرف، مع القلة وفي الندرة؛ فأما إذا كثرت فهي دالة على الكلفة. فلا يجب للشعر أن يكون مثلا كله وحكمة، كشعر صالح بن عبد القدوس: فقد قعد به عن أصحابه وهو يقدمهم في الصناعة، لإكثاره من ذلك. وكذا لا يجب أن يكون استعارة وبديعا كشعر أبي تمام ثم قال : وإنما هرب الحذاق عن هذه الأشياء لمّا تدعو إليه من التكلف لاسيما إن كان في الطبع ايسر شيء من الضعف والتخلف. وأشد ما تكلفه الشاعر صعوبة التشبيه، لمّا يحتاج أليه من شاهد العقل، واقتضاء العيان. ولا ينبغي للشعر أن يكون أيضاً خاليا مغسولا من هذه الحلى فارغا ككثير من شعر أشجع وأشباهه.\rثالثها أن يكون متحرى فيه الصدق وحسن الإصابة. وهذا لا يختص بالمثل الشعري، فان المثل كله أفضله أصدقه وأحكمه وأوجزه؛ وإنّما اشترطت الوجازة احتزازا عن التكلف والإملال: فان قوة البشر غالبا قاصرة عن إيراد الأمثال الطوال من غير تكلف ولا موجب إملال؛ ومن ثم وردت في القرآن الذي هو درجة الإعجاز قصارا وطوالا، وحسنت كلها لانتفاء المانع. فمن القصار قوله تعالى: )كمثل الحمار يحمل أسفارا( ونحوه، ومن الطوال قوله تعالى: )إنما مثل الحياة الدنيا كماءٍ أنزلناهُ من السماءِ( الآية؛ وقوله تعالى: )مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرمادٍ اشتدت به الرياح( الآية، و)الذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعةٍ( الآية، ونحو ذلك وهو كثير. وكذا في كلام النبي صلى الله عليه وسلم وقعت قصارا وطوالا وحسنت لصدورها عن المصطفى الذي هو أفصح من نطق بالضاد صلى الله عليه وسلم . فمن قصارها قولهصلى الله عليه وسلم : الناس كأسنان المشط، وقوله: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، ونحو ذلك . ومن طوالها قوله: مثل البخيل والمنافق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد الحديث؛ وقوله: وإنّ مما ينبت الربيع لمّا يقتل حبطا أو يلم إلا أكلة الخضر أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها الحديث وسيأتي الجميع في موضعه مستوفى مشروحا أن شاء الله تعالى.\rالرابع في معنى السائر. اعلم إنّه يقال: مثل سائر، سواء كان شعرا أو غيره، وهو من السير في الأرض استعمل في ذهاب المثل وشيوعه في أسماع الناس. ويقال أيضاً : مثل شارد وشرود، وهو من شرود البعير وهو نفوره، واستعمل في شيوع المثل إذا شاع لا يستطاع رده ولا يمكن إخماده. كما لا يستطاع رد الصعب الشرود من الإبل. ولذلك قال زهير يخاطب بني الصيداء، حيث ذهب الحارث بن ورقاء بإبله وغلامه يسار :\rفابلغ إن عرضت بهم رسولا ... بني الصيداء إن نفع الجوار\rبأن الشعر ليس له مرد ... إذا ورد المياه به التجار\rو قال أيضاً :\rأولى لهم ثم أولى أن تصيبهم ... مني فواقر لا تبقي لا تبقي ولا تذر\rوإن يعلل ركبان الحجيج بهم ... بكل قافية شنعاء تشتهر\rقال أبن رشيق: وزعم قوم أن الشرود ما لم يكن له نظير كالشاذ والنادر. فأما قول أبي تمام، وكان إمام الصنعة ورئيسها:\rلا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلا شرودا في الندى والباس\rحين عيب عليه قوله في أبن المعتصم:\rإقدام عمر في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس\rفإنه يشهد للقول الأول، لأن المثل بعمرو وحاتم مضروب قديما، وليس بمثل لا نضير له كما زعم الآخر.\rخاتمة\rفي اصطلاح الكتاب","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"اعلم إني رتبت ما ذكرته من الأمثال على حروف المعجم، جاعلا الباب الأول حروف الكلمة، فان اشتمل المثل على كلمات اعتبرت أولها كلمة، ثم أوّل هذه الكلمة حرفا ثم عند سرد أمثال كل باب اعتبر هذا الترتيب أيضاً في جمعها وتقديم بعضها على بعض، والمعتبر من جميع ذلك أوّل الحروف الأصلية دون الزائدة، إلاّ أن يكون لها مسوغ يخرطها في سلك الأصلية. فان كان الحرف مما ينبني عليه التركيب كلا وما النافيتين، وفي والباء الجارتين، اعتبر أيضاً. فإذا فرغت من الأمثال ذكرت شيئا مما يجري مجرى المثل وجعلته ملتحقا به، ثم ذكرت بعض ما يحضر فكري من الأمثال الوقتية من غير تكلف ولا كبير تأمل ولا مراجعة، ثم شرعت في الشعر فذكرت ما هو من الشعر مثل أو يحسن التمثل به في أمر من الأمور من شعر المتقدمين والمتأخرين، وليس في وسع أحد اليوم استقصاؤه ولا بلوغ جله، لكن اذكر من ذلك مقدارا يكون كفاية لمبتغيه، مع التجافي عن جانبي الإخلال والإملال، فان كلا طرفي قصد الأمور ذميم، واعلم أني ربما اذكر شيئا من أمثال المولدين ومن بعدهم، أو شيئا مما يتمثل به في وقتنا من ألفاظ الحديث وغيره. ولا اقتصر على أمثال العرب ولا على ما عد مثلا بالصراحة. وإذا عثرت على ما يحسن إيراده أوردته غير مبال بقائله ولا بتصحيح السند والرواية، فان الكتاب ليس موضوعا للعزو الصرف والحكايات المجردة، بل موضوع لينتفع به الأديب ويستعين به التصرف ويتضلع منه الكاتب والشاعر وغيرهما إنّ شاء الله تعالى. ولا حرج على من لعف العسل، أن لا يسل. وهذا حين أشرع بالمقصود، مستعينا بالفتاح الخبير الودود.\rباب الألف\rأبى الحقين العذرة\rالاباية: الامتناع. يقال: أبى الشيء يأباه ويأبيه إباء وإباءة بكسر أولهما، إذا كرهه. والحقين: اللبن المحقون في السقاء. تقول: حقنت اللبن في السقاء إذا صببته فيه وجعلت حليبه على رائبه. واسم السقاء: المحقن على مثال منبر. واسم اللبن: الحقين. قال زهير يصف الخيل:\rويرجعها إذا نحن إنقلبنا ... نسيف البقل واللبن الحقين\rيقول إنّه يرجعها إلى ما كانت عليه من السمن ما تنسفه من البقل وتأكله، وما نسقيها من اللبن المحقون. والعذرة: العذر. قال النابغة يخاطب النعمان:\rها إن ذي عذرة إلاّ تكن نفعت ... فان صاحبها مشارك النكد\rو معنى المثل أن العذر باطل مع وجود اللبن. وسيأتي شيء من هذا في قولهم: أهون مظلوم سقاء مروب، إن شاء الله تعالى\rأتى الأبد، على لبد.\rالإتيان: المجيء. يقال: أتاه أتيا وإتيانه وإتيانا وأتيا، كما يقال مأتى ومأتاه، إذا جاءه؛ وأتى فلان هذا الأمر إذا فعله؛ وأتى الدهر على فلان إذا أهلكه، وهو المقصود هنا. والأبد بفتحتين: الدهر. يقال : أبد أبيد، كما يقال : دهر داهر. ولبد: بضم ففتح آخر نسور لقمان بن عاد وبهلاكه هلك لقمان، وقصته مشهورة، وتلخيصها: إنّ عادا لمّا بعث الله إليهم نبيهم هودا، على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فدعاهم، كذبوه وعتوا واستكبروا ولم يأمنوا، فاحتبس عنهم القطر ثلاث سنين حتى جهدوا فأوفدوا وفدا إلى البيت الحرام يستسقون لهم، فيهم لقمان بن عاد، ورأسهم رجل يقال له قيل. فانطلق الوفد حتى أتوا على معاوية بن بكر فنزلوا عليه وهو خارج الحرم، وهم أخواله وأصهاره. فمكثوا عنده شهرا يكرمهم، يشربون الخمر وتغنيهم قينتان له يقال لهما الجرادتان. فلما طال مقامهم عنده تذكر ما نزل بقومهم من البلاء، فشق عليه مقامهم وتركهم ما بعثهم فيه قومهم وقال : هلك أصهاري وأخوالي، والله ما أدري ما أصنع! إن أمرتهم بالخروج ظنوا بي إني ضاق بي مقامهم عندي فقال شعرا وأعطاه الجرادتين وأمرها أن تغنياهم به، وهو:\rألا يا قيل ويحك قم فهينم ... لعل الله يصبحنا غماما\rفيسقي أرض عاد إن عادا ... قد أمسوا لا يبينون الكلاما\rوإنّ الوحش تأتيهم جهارا ... فلا تخشى لعادي سهاما\rوأنتم هاهنا فيما اشتهيتم ... نهاركم وليلكم التماما\rفقبح وفدكم من وفد قوم ... و لا لقوا التحية والسلاما","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"فأما غناهم بالشعر قال بعضهم لبعض: إنّما بعثكم قومكم لمّا نزل بهم، فادخلوا هذا الحرم فاستسقوا لهم. وفيهم رجل يقال له يزيد بن سعد أو مرثد بن سعد ممن آمن بهود. فقال لهم: والله لا تسقون حتى تطيعوا نبيكم! وأظهر حينئذ إيمانه وقال في ذلك شعرا، فلم يجيبوه إلى ما قال، وقالوا لمعاوية بن بكر: احبس عنا يزيد لا يدخل معنا مكة وهو على دين هود. فانطلقوا حتى دخلوا مكة، وخرج يزيد وراءهم، فأدركهم قبل أن يدعوا بشيء، فقال: اللهم لا تدخلني في شيء مما يدعوك به وفد عاد، فقام قيل وقال: اللهم إن كان هود صادقا فاسقنا فقد هلكنا! فإنشاء الله تعالى سحائب ثلاثا: بيضاء وحمراء وسوداء، ونودي من السحاب. يا قيل، اختر لنفسك ولقومك! قال : قد اخترت السوداء لأنها اكثر السحاب ماء. فنودي: اخترت رمادا رمددا، لا يبقي من آل عاد أحدا. فساق الله السحابة السوداء بما فيها من النقمة إلى عاد، وأرسلها عليهم سبع ليال وثمانية أيام، فلم تدع منهم أحدا إلاّ هلك. واعتزل هود عليه السلام ومن معه إلى حديقة، فكانوا لا يصيبهم منها إلاّ نسيم يلين الجلود وتلذه الأنفس. وكان الوفد لمّا دعوا بمكة خيروا فأختار قيل أن يصيبه ما أصاب قومه فاقتلعته الريح فأهلكته. وسأل لقمان أن يعمر فخير بين عمر سبع بعرات سمر، من أظب عفر، في جبل وعر، لا يمسها القطر، وبين سبعة أنسر كلما هلك نسر خلف بعده نسر. فأختار النسور. فكان يأخذ فرخ النسر حين يخرج من البيضة، فيغذيه حتى إذا هلك أخذ آخر، حتى بقي السابع وهو لبد. فكان يغذيه حتى هرم ولم يستطع النهوض، فأيقن حينئذ لقمان بالموت، فهلكا جميعا. وذكرت الشعراء هذا النسر في أشعارها كثيرا، قال النابغة:\rأمست خلاء وأمس أهلها احتملوا ... أخنى عليها الذي أخنى على لبد\rو سيأتي تتمة الكلام عليه في حرف الحاء، إن شاء الله تعالى .\rويضرب هذا المثل عند التأسي والاعتبار، والتعزي والاستبصار. وهو من الأمثال الحكيمة.\rأتتك بحائنٍ رجلاه.\rالإتيان: التقدم. والحائن: الهالك. ويقال حان الرجل يحين حينا كباع بيعاً إذا هلك، فهو حائن. واحنه الله: أهلكه.\rويضرب هذا المثل فيمن سعى إلى مضرته وطلب هلاكه وجرى إلى حتفه. وقال عبيد بن الأبرص. وسببه أن المنذر بن ماء السماء أو النعمان على خلاف بينهم، كان قسم دهره يومين: يوم نعيم ويوم بؤس. فكان كل من يلقيه في يوم النعيم اجزل صلته، ومن لقيه يوم البؤس قتله. فبينما هو في أيام بؤسه إذ طلع عليه العبيد بن الأبرص. فقال له الملك: ألا كان الذبح لغيرك؟ فقال عبيد: أتتك بحائنٍ رجلاه: قال الملك: أو اجل بلغ أناه، ثم قال له: أنشدني يا عبيد، فقد كان يعجبنا شعرك. فقال عبيد: حال الجريض، دون القريض، ويبلغ الحزام الطبيين. قال: أنشدني:\rأقفر من أهله محلوب ... فالقطبيات فالذنوب\rو هو من شعر عبيد. فقال عبيد:\rأقفر من أهله عبيد ... فاليوم لا يبدي ولا يعيد\rفقال: أنشدني هبلتك أمك! قال: المنايا على الحوايا. فقال بعض القوم: أنشد الملك هبلتك أمك! فقال: لا يرحل رحلك من ليس معك.\rوقال له آخر: ما اشد جزعك على الموت! فقال:\rلا غرو من عيشة نافده ... و هل غير ما ميتةٍ واحدة\rفابلغ بني وأعمامهم ... بأن المنايا هي الراصدة\rفلا تجزعوا لحمام دنا ... فللموت ما تلد الوالدة\rفقال له الملك: لا بد من الموت ولو لقيني أبي في هذا اليوم لم أجد بداً من أن اذبحه. فأما إذ كنت لها وكانت لك فأختر مني ثلاث خصال: من الأكحل، وإنّ شئت من الأبجل،و إنّ شئت من الوريد. فقال عبيد: ثلاث خصال مقادها شر مقاد، وحاديها شر محاد، ولا خير فيها لمرتاد، فإن كنت لا محالة فاعلاً فأستقي الخمر حتى إذا ذهلت لها ذواهلي، وماتت لها مفاصلي فشأنك وما تريد! فسقاه، فلما أخذت فيه الحميا وقرب الذبح أنشد يقول:\rوخيرني ذو البؤس يوم بؤسه ... ثلاثاً أرى في كلها الموت قد برق\rكما خيرت عاد من الدهر مرة ... سحائب ما فيها لذي خيرة أنق\rسحائب ريح لم توكل ببلدةٍ ... فتتركها إلاّ كما ليلة الطلق","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"فأمر به فذبح. وفي هذه القصة أمثال يأتي شرح كل منها في محله إن شاء الله تعالى. ولمّا دخل عبد الله بن زياد الكوفة، وسمع به مسلم بن عقيل بن أبي طالب، تحول إلى هانئ بن عروه المرادي، فوضع أبن زياد الرصد على مسلم حتى علم بموضعه، فبعث محمّد بن الأشعث إلى هانئ فجاءه به من هناك. فلما نظر إليه أبن زياد قال: أتتك بحائن رجلاه! ثم قال:\rأريد حياته ويريد قتلي ... عذريك من خليلك من مراد\rو القصة مشهورة في قتل الحسين رضي الله عنه، وسنلم ببقايا بعد إنّ شاء الله تعالى.\rأتيته صكة عمي\rالإتيان مر والصك: الضرب الشديد. والصكك: اضطراب الركبتين والعرقوبين.\rيقال: صكَّ، يصكُّ، صككّا، كما يقال مل، مللا. فهو أصك ومصك. واصطك أيضاً اصطكاكا وعمي: بتشديد الياء على مثال سمي، اسم رجل من العمالقة كان أغار على قوم ظهراً فصكهم واستأصلهم، وبقي مثالاً لكل من جاء ذلك الوقت، وهو الهاجرة وشدة الحر. وقيل هو رجل كان يفتي في الحجم، فجاء في ركب، ونزلوا منزلاً في يوم حار. فقال لهم: من جاءت عليه الساعة من غد وهو حرام، بقي حرام إلى قابل فوثبوا حتى وافوا البيت من مسيرة ليلتين جادين. وقيل عمي اسم للحر بعينه. وقيل المراد به الظبي، لأنّه يصدر في الهواجر فيصطك بما يستقبله كاصطكاكا الأعمى، فصغر الأعمى تصغير الترخيم، فيه عمي، كما قالوا في تصغير أدرد، وأسود،و أزهر: دريد، وسويد، وزهير.\rأتتهم فالية الأفاعي.\rالإتيان مر. وفالية الأفاعي: خنفساء رقطاء. قال العبدي في شاعر من بني حميس:\rألا ينهى سراة بني حميسٍ ... شويعرها فويلية الأفاعي\rفصغرها كما صغر الشاعر تحقيراً له. وهذه الخنفساء تألف العقارب والحيات في جحرها؛ فإذا خرجت أو رؤيت في موضع علم إنّ هناك العقارب والحيات، فيضرب المثل لأول شر ينظر بعده شر منه.\rيأتيك كل غد بما فيه.\rالغد معروف، واصله غدو، ثم خفف بحذف لامه، وقد يؤتى به على أصله قال لبيد.\rوما الناس إلاّ كالديار وأهلها ... بها يوم حلوها وغدوا بلاقع\rو هذا المثل من أمثالهم المشهورة يعنون به: \" المقادير كلها في علم الله تعالى قد قدرت، والأحداث بأصنافها قد فصلت وقسطت، وكل ما هو واقع منها فهو لا محالة كائن، وما قضي أن يبرز منها فهو بارز حتى يعاين، فكل غد فهو يأتيك بما فيه من خير وشر، ويسر وعسر، وفرح وترح.\rإحدى حظيات لقمان\rالإحدى: تأنيث الأحد بمعنى الواحد. والحظية تصغير حظوة، بفتح الحاء المهملة وسكون الظاء المشالة، وهي سهم صغير قدر ذراع. وفي الصحاح إنّه إذا لم يكن فيه نصل فهو حظية بالتصغير. وتطلق الحظوة أيضاً على كل قضيب تابت في أصل شجرة. ولقمان: هو أبن عاد. وحظياته: سهامه ومراميه. يضرب بمن عرف بالشرارة ثم جاءت منه هنة صالحة. وذكروا في أصل ذلك أن لقمان تزوج امرأة كانت طلقها رجل يقال له عمرو، فكانت تكثر أن تقول: لا فتى إلاّ عمرو! فإذا سمع منها لقمان ذلك اغتاظ فقال: والله لأقتلن عمرا! فنهته المرأة عن ذلك وقالت له:و الله لأن تعرضت له ليقتلنك! فذهب لقمان حتى صعد سمرة عند مستقى عمرو لإبله، واتخذ فيها عشا، وترصد عمرا ليصيب منه غرة. فإذا بعمرو أورد إبله، فتجرد وأكب على البئر يسقي إبله فرماه لقمان من فوقه بسهم وأصاب ظهره. فقال عمرو: حس إحدى لقمان، فانتزعه ورفع رأسه إلى السمرة فإذا لقمان، فقال له: أنزل فنزل فأراد قتله فتبسم لقمان فقال: أضاحك أنت؟ قال: والله ما أضحك إلى من نفسي، أما إني قد نهيت عما ترى قال: ومن نهاك؟ قال: فلانة. قال : فإن وهبتك لها لتعلمنها بذلك، قال: نعم! فخلى سبيله. فأتاها لقمان فقال: لا فتى إلاّ عمرو، فقلت: لقد لقيته، قال نعم، لقد كان كذا وكذا وأراد قتلي ثم وهبني لك، فقالت لا فتى إلاّ عمرو، قال: صدقت.\rالأخذ سلجان، والقضاء ليان","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"الأخذ: التناول. تقول: أخذت الشيء أخذا، وتقول خذ يا فلان بحذف فاء الكلمة. وأصله أ أخذ، فلما استثقل الجمع بين الهمزتين حذفتا، ولم تبدل الثانية حرف مد ولو ادخل على الفعل الواو أو الفاء. وكذا الأمر من أكل وأمر؛ إلاّ أن الآخر إذا دخل عليه العاطف جاز رد فائه. والسلجان: الابتلاع يقال سلج اللقمة بالكسر يسلجها سَلجانا وسَلَجانا إذا ابتلعها. والسلجان بكسرتين مشدد اللام: الحلقوم. وطعام سليج وسَلَجلج وسُلَجلج: طيب، يُتسلج، أي يبتلع. واستعمل حسان رضي الله عنه السلجج في السيف الماضي الذي يقطع الضريبة بسهولة، حيث قال يوم بدر:\rزين الندى معاود يوم الوغى ... ضرب الكمأة بكل ابيض سلجج\rو لويت أمري عنه لين وليانا: طويته، ولويته بدينه ليا وليانا بكسرهما: مطلته. وفي الخير: لي الواجد يحل عرضه. وقال ذو الرمة:\rتريدن لياني وأنت ملية ... و احسن يا ذات الوشاح التقاضيا\rو قضاء الدين والحق معروف. ومعنى المثل إن الأخذ سهل ينساه في الحلق بسهولة، والقضاء بخلاف ذلك. فإذا اخذ الرجل الدين أكله غير مبال؛ فإذا حان القضاء تصعب الأمر وتلوى. وقد يقال في هذا المثل أيضاً: الأكل سلجان، والقضاء ليان، ولا فرق بين الأكل والأخذ في المقصد، فالمعنى واحد.\rالأخذ سريط، والقضاء ضريط\rالأخذ مرّ. والسريط الاستراط. يقال: سرط اللقمة يسرطها، كذلك يدخل، وسرطها يسرطها، كفهم يفهم، سرطا إذا ابتلعها. والمسرط بكسر الميم وفتحها الحلقوم. والضراط معروف. يقال: ضرط بالكسر يضرط ضرطا، وضريطا ككتف، وضريطا وضراطا بالضم إذا فعل ذلك. وأضرطه وضرطه تضريطا: عمل به ما يضرط منه؛ وأضرط به: عمل بفيه كالضراط وهزئ به ومعنى المثل أنه يأخذ ألين فيسترطه ويبتلعه سهلا؛ فإذا طالبه صاحبه بالقضاء أضرط به كما في الذي قبله. ويقال هنا سريط وضريط، بضم أولهما وتشديد الراء؛ وسريطى وضريطى كذلك مع الألف المقصورة؛ وسريط وضريط وسريطى وضريطى على مثل خليفى؛ وسريطاء وضريطاء، مضمومتين مخففتين، والكل واحد. وقد يقال: الأخذ سريط، والعطاء ضريط ولا فرق بين القضاء والعطاء فالمعنى واحد.\rاتخذ فلان حمارا للحاجات\rالاتخاذ التصيير. والحاجات: جمع حاجة؛ وتجمع أيضاً على حاج وحوج وحوائج، وهذا الأخير على خلاف القياس، كأنه جمع حائجة. وكان بعض اللغويين ينكره ويقول إنّه مولد. وقال آخرون هو عربي وإن كان خلاف القياس، وأنشدوا:\rنهار المرء مثل حين يثضي ... حوائجه من الليل الطويل\rيضرب هذا المثل فيمن يمتهن في الأمور كالحمار.\rأخذ الليل جملاً\rالاتخاذ مر، والليل معروف، وكذا الجمل من الإبل. يضرب هذا المثل لمن سرى الليل اجمع، إما لأنه بات ساريا مستيقضا عارفا بجميع ما مر عليه من أجزاء الليل كان مصاحبا لليل حقيقة، غير تارك له ولا غافل عنه بالنوم، ولا مفارق له كمصاحبة الراكب لراحلته، وأما لأنه صار الليل له سببا في وصوله إلى مأربه وبلوغه حين سراة، كما أن الجمل يكون سببا في وصول إلى مطلبه حين يركبه؛ وإما لأن الدلجة تعين على السير وتقطع المسافة البعيدة كما في الحديث فأشبهت الجمل لأن أقوى على السير، وأبقى على الأير، وأقطع للفلوات، وأنجح في بلوغ الحاجات. قال حبيب:\rجعل الدجى جملا وودع راضيا ... بالهون يتخذ القعود قعودا","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"و يحكى أن عبد الله بن سعيد لمّا افتتح أفريقية وقتل ملكها جرجير، بعث بالفتح إلى عثمان رضي الله عنه مع عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما. فلما بلغ أبن الزبير قام في الناس خطيبا فقال: الحمد لله الذي ألف بيننا بعد الفرقة، وجعلنا متحابين بعد البغضة، الحمد لله الذي لا تجحد نعماؤه، ولا يزول ملكه؛ له الحمد كما حمد نفسه وكما هو أهله؛ ابتعث محمّدا صلى الله عليه وسلم فاختاره بعلمه وائتمنه على وحيه؛ فاختار له من الناس أعوانا قذف في قلوبهم تصديقه فآمنوا به وعزروه ووقروه ونصروه وجاهدوا في الله حق جهاده، فأستشهد الله منهم من استشهد على المنهاج الواضح، والبيع الرابح، وبقي منهم من بقي لا تأخذهم في الله لومة لائم، أيّها الناس - رحمكم الله - إذا خرجنا للوجه الذي قد علمتم، فكنا مع خير وال ولي فمحمد، وقسم فعدل، لم تفقد من بر أمير المؤمنين شيئا. كان يسر بنا البريدين يخفض بنا في الظهائر، ويتخذ الليل جملا. يعجل الرحل من المنزل القفر، ويطيل اللباث في المنزل المخصب الرحب. فلم نزل على احسن حالة يتعرفها قوم من ربهم حتى انتهى إلى أفريقية فنزل منا بحيث يسمع صهيل الخيل، ورعاء الإبل، وقعقعة السلاح، فأقام أياما يجم كراعه ويصلح سلاحه، ثم دعاهم إلى الإسلام والدخول فيه، فبعدوا منه، وسألهم الجزية عن صغار والصلح، فكانت هذه ابعد، فأقام فيهم ثلاث عشرة ليلة يتأنى بهم وتختلف رسله إليهم. فلما يئس منهم قام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فأكثر الصلاة عليه، ثم ذكر فضل الجهاد وما لصاحبه إذا صبر واحتسب. ثم ناهد لعدوه فقاتلهم اشد القتال يومه ذلك ، وصبر الفريقان جميعا وكانت بيننا وبينهم قتلى كثيرة، وأستشهد الله رجالا من المسلمين، فبتنا وباتوا، للمسلمين بالقرآن دوي كدوي النحل، وبات المشركون في ملاهيهم وخمورهم، فلما أصبحنا أخذنا مصافنا التي كنا عليها بالأمس، وزحف بعضنا إلى بعض فأفرغ الله علينا الصبر، ثم أنزل علينا النصر. ففتحناها من آخر النهار، فأصبنا غنائم كثيرة، فبلغ فيها الخمس خمسين مائة ألف دينار. وتركت المسلمين قد قرت أعنهم وقد أغناهم التفل ووسعهم الحق وأنا رسولهم إلى أمير المؤمنين وإلى المسلمين، أبشره وإياهم بما فتح الله من البلاد وأذل من الشرك، فاحمد الله على آلائه، وما أحل بأعدائه، من بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين. وزعموا أنه لمّا فرغ من الخطبة نهض إليه أبه الزبير فقبل بين عينيه وقال له: يا بني، إذا نكحت امرأة فأنكحها على شبه أبيها أو أخيها تأتك بأحدهما، والله ما زلت تنطق بلسن أبي بكر الصديق حتى صمت.\rأخذهم ما قدم وما حدث:\rالأخذ مر. وقدم الشيء بالضم فهو قديم: ضد الحادث؛ بالفتح يحدث، كنصر ينصر، فهو حادث. فإذا قرن حدث بقدم كما في هذا المثل ضمت دال حدث للمزاوجة كما قيل: لا دريت ولا تليت، وأرجعن ما زورات غير ما جورات والقياس في الأول تلوت، وفي الثاني موزورات؛ وكما قيل: هناني الطعام ومراني، والقياس أمراني؛ وكذا يقال في غير المزاوجة بالهمز؛ وكما قال صلى الله عليه وسلم في دعائه: اللهم رب السماوات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، والقياس: ومن أضلوا، فعبر بما والنون للمزاوجة.\rيضرب هذا المثل لمن يستولي عليه الهم، وكأنهم يريدون انه اجتمع عليه قديمه وحديثه، والله أعلم.\rخذ من جذع ما أعطاك:\rالأخذ مر وجذع بكسر الجيم وسكون الذال المعجمة اسم رجل، وهو جذع بن عمرو الغساني. وكانت غسان تؤدي إلى ملك سليح، وهي قبيلة باليمن، دينارين من كل رجل. وكان قابض ذلك سبطة بن المنذر السليحي. فجاء مرة يسأل الدينارين، فدخل جذع منزله وأشتمل بسيفه وخرج فضرب به سبطة حتى برد وقال له: خذ من جذع ما أعطاك! وقيل إنّه أعطى بعض الملوك سيفه رهنا فلم يأخذ، فضربه حتى قتله، وقال ذلك ، فذهب مثلا يضرب في اغتنام ما يجود به البخيل.\rخذ من الرضفة ما عليها:\rالرضفة، بفتح الراء وسكون الضاد المعجمة: واحدة الرضف، وهي حجارة محماة يوغر عليها اللبن ويشوى عليها. وهذا المثل من معنى الذي قبله، والله أعلم.\rخذه ولو بقرطي مارية:","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"القرط، بضم فسكون: ما يعلق في شحمة الأذن من الحلي، والجمع قرطة ، يقال درج ودرجة؛ وقراط كما يقال رمح ورماح. وقرطت الجارية تقريطا: ألبستها إياه، فتقرطت هي . قال أعرابي يخاطب امرأته:\rقرطك الله على العينين ... عقاربا سودا وأرقمين\rومارية، بالراء المخففة على وزن صاحبة: امرأة من غسان. وهي مارية بنت أرقم بن ثعلبة بن عمرو بن جفنة بن عوف بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو المعروف بمزيقياء بن عامر. وكان لها قرطان كان فيهما مائتا دينار. وقيل جوهر قوم بأربعين ألف دينار. وقيل كان فيهما درتان كبيضتي الحمامة لم ير الناس مثلهما. فأهدتهما إلى الكعبة، فضرب بهما المثل. وقيل: خذه ولو بقرطي مارية، أي على كل حال. ومارية هذه هي الواقعة في قول حسان رضي الله عنه:\rللهِ درُ عصابةٍ نادمتهم ... يوما بجلق في الزمانِ الأولِ\rأولاد جفنه حول قبر أبيهمُ ... قبر أبن ماريةَ الكريم المفضلِ\rو ابنها المذكور هو الحارث الأعرج أبن الحارث الأكبر بن أبي شمر. وأولاده يزيد بن الحارث وابنه عمرو، وهو الذي مدحه النابغة الذبياني بقوله في قصيدته البائة المعروفة:\rعليَّ لعمرو نعمة بعد نعمةٍ ... لوالده ليس بذلتِ عقاربِ\rحلفتُ يمينا غير ذي مثنويةٍ ... و لا علمَ إلاّ حسنُ ظنٍّ بصاحبِ\rلئن كان للقبرينِ قبر بجلقةِ ... و فبرٍ بصيداء الذي عند حاربِ\rوللحارثِ الجفني سيدِ قومهِ ... ليلتمسن بالجيشِ دارَ المحاربِ\rوثقتُ له بالنصر إذ قيل قد غزا ... كتائبُ من غسانَ غيرُ أشائبِ\rبنو عمه دنيا وعمرو بن عامرِ ... أولئك قومٌ بأسهم غيرُ كاذبِ\rو لشعر خسان قصة ظريفة مع جبلة بن الأيهم ستذكر في باب الأعيان إن شاء الله تعالى. وقيل هي مارية بنت ظالم، وقيل هي أم ولد جفنة، والله اعلم. وقد عرف مضرب المثل مما مر.\rآخر البز على القلوص:\rالآخر بالمد وكسر الخاء: ضد الأول؛ والبز: أمتعة البزاز من الثياب، والبز أيضاً: السلاح؛ والقلوص من النوق؛ الفتية بمنزلة الشابة من النساء. وهذا المثل قاله الزبان الذهلي، وكان ابنه عمرو بن الزبان بينه وبين قوم ترة، فذهب عمرو يوما هو وأخوته لأمر فرآهم خوعتة الغفلي، فدل عليهم أصحابه، فأتوهم وهم قعود يتغذون. فقال لهم عمرو: لا تشبوا الحرب بيننا وبينكم! فقالوا: كلا! بل نقتلك ونقتل أخوتك قال: فإن كنتم فاعلين، فأطلقوا هؤلاء الذين لم يلتبسوا بالحروب، فإنَ ورائهم طالبا أطلب مني، يعني أباهم، فقتلوهم وجعلوا رؤوسهم في مخلاة وعلقوها في عنق ناقة لهم يقال لها الدهيم. فجاءت الناقة والزبان جالس أمام بيته فبركت، فقامت الجارية فجست المخلاة فقالت: أصاب بنوك بيض النعام فأدخلت يدها فأخرجت رأس عمرو ثم رؤوس أخوته. فأخذها الزبان وغسلها ووضعها على ترس فقال: آخر البز على القلوص، فذهبت مثلا، أي آخر عهدي بهم فلا ألقاهم بعدها. ثم شب الحرب بينه وبين بني عقيلة حتى أبادهم، فقالت العرب: أشئم من خوتعة، وأشئم من الديهم، وأثقل من حمل الديهم. وسنأتي هذه الأمثال كلها في مواضعها إن شاء الله تعالى. وكان هذا المثل هو الذي أشار إليه حبيب بقوله:\rوهرجاما بطست به فقلنا ... خيارُ البز جاء على القعودِ\rآخر أقلها شربا.\rالآخر تقدم. والأقل: ضد الأكثر. والشرب، بكسر الشين المعجمة: الحظ من الماء. وأصل هذا المثل في الإبل، فإن أواخرها وردا ترد وقد نزف الحوض ولم يبق فيه إلاّ قليل من الماء، فيكون ما تناله من الماء شيئا قليلا، فيضرب المثل لمن كان كذلك في الأمور والحظوظ كلها.\rأخوك أم الذئب؟\rالأخ معروف، وكذلك الذئب. والأخ والذئب على طرفي نقيض، فإنَ الأخ شأنه الوفاق والإيناس والإعانة والإحسان، والذئب شأنه الأذية والمعاداة. فيضرب المثل عند سؤالك أحدا أهو صديق أم عدو، وهو مثل مشهور.\rأخوك البكري ولا تأمنه!","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"هذا المثل مشهور وقديم، يضرب في استعمال الحذر وسوء الظن، ورد في الخبر عن عبد الله بن عمرو بن الفوعاء الخزاعي عن أبيه قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد أراد أن يبعثني بمال إلى أبي سفيان يقسمه في قريش بعد الفتح، فقال: التمس صاحبا. قال: فجائني عمرو بن أمية الضمري، وهو أحد بني ضمرة بن بكر بن عبد مناف، فقال: بلغني أنك تريد الخروج وتاتمس صاحبا. فقال: قلت أجل! قال: فأنا لك صاحب. قال: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: قد وجدت صاحبا. قال. فقال: من؟ قلت: عمرو بن أمية الضمري. قال: إذا هبطت بلاد قومه فأحذره فإنه قد قال القائل: أخوك البكري ولا تأمنه! فخرجنا حتى إذا كنت بالأبواء قال: إني أريد حاجة إلى قومي بودان فالبث لي، قلت راشد. فلما ولى ذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم ، فشددت على بعيري وأوضعته حتى كنت بالأصفار إذا هو يعرضني في رهط. قال: وأوضعت فسبقته. فلما رأني فته انصرفوا، وجاءني فقال: كانت لي إلى قومي حاجة. قال. قلت: أجل! ومضينا حتى مكة، فدفعت المال إلى أبي سفيان. انتهى. والبكري صفة أخوك، والخبر محذوف تقديره \" أو مخوف \" أو نحو ذلك والمعنى إنّه أخوك شقيقك وأنت تحذره ولا تأمنه، فكيف بغيره؟ والبكري، إن كان نسبته إلى القبيلة، فهو بفتح الباء الموحدة. واستظهر بعضهم أن يكون يكسرها وكأنه يرى أنه من بكر الأولاد. يقال: امرأة بكر للتي ولدت بطنا واحدا، وبكرها ولدها الأول. والذكر والأنثى فيه سواء قال:\rيا بكر بكرين ويا خلب الكبد ... أصبحتَ مني كذراعٍ من عضد\rو هو بكسر الباء، وإلا إنّه يوصف به، ولا يحتاج إلى ياء النسبة. وعلى الاحتمال الأول يصح أن يكون البكري هو الخبر، ولا تقدير.\rإذا دخلتَ أرض الحُصيبِ فهرول!\rالدخول معروف، كذلك الأرض. والحصيب، بالحاء والصاد المهملتين مصغرا: موضع باليمن. والهرولة: الإسراع، أو بين المشي والجري. والحصيب فاقت نساؤه حسنا وجمالا، وأحسب لذلك أمر بالهرولة عند دخوله حذرا من فتنتهن. فإنَ كان الأمر كذلك، حسن أن يضرب المثل فيما يشبه ذلك من الحذر وطلب السلامة، والله اعلم.\rإذا رغب الملك عن العدل، رغبت الرعية عن الطاعة.\rهذا المثل مصنوع فيما يظهر، وهو ظاهر المعنى، وسيأتي في الحكم بسط هذا المعنى واستيفاؤه من كلام الحكماء، إن شاء الله تعالى.\rإذا ارجحن شاصياً فارفع يداً:\rيقال ارجحن ارجحنانا إذا مال. وشصا بصر الرجل يشصو شصواً: ارتفع، واشصاه صاحيه: رفعه. أي : إذا مال ساقطا، ورفع رجليه، فارفع يدك عنه ولا تضربه والمعنى: إذا خضع لك فاكفف عنه وارفق به، لأن القدرة تذهب الحفيظة.\rإذا سمعت بسرى القين فاعلم أنه مصبحٌ.\rالسماع معروف والسرى على وزن هدى. يقال: سرى يسري سُرى، ومسرى، وسرية، وأسرى إذا مشى عامة الليل. والقين: الحداد وجمعه أقيان. والقين أيضاً: العبد، وجمعه قيان والصباح: الدخول في الصباح.\rيضرب هذا المثل في الكذب والإخلاف حيث يعرف كذب الرجل فيرد صدقه. وأصله أن قينا كان باليمن، فكان إذا كسد في موضع أخبرهم إنّه سيخرج غدا ثم لا يخرج، فضربوا به المثل. وسيأتي تمام القصة في حرف الدال، إن شاء الله تعالى.\rإذا اشتريت فاذكر السوق.\rألفاظه ظاهرة. وهو من أمثال العرب المشهورة. يريدون به أنك إذا اشتريت سلعة فاذكر الصحة واطلبها، وتبصر العيوب وتجنبها، فانك ستحتاج فيما اشتريته إلى إنّ تقينه في السوق يوما لبيعه إن احتجت إلى ثمنه. فتذكر ذلك اليوم فانك إن اشتريت جيدا بعت جيدا. وفي معناه قول العامة اليوم: كما تشتري تبيع.\rإذا طلبت الباطل أنجح بك.\rالباطل معروف: والنجاح والنجح: الظفر بالحاجة. يقال: نجحت حاجته وأنجح هو: صار ذا نجح. ويقال: أنجح بك إذا غلبك؛ فإذا غلبته فقد أنجحت به. وكانت الفتاة من العرب تزوجت شيخا، فكان يقعد لينتعل فتقول: يا حبذا المنتعلون قياما، فسمعها يوما فحاول أن ينتعل قائما فضرط، فقالت: إذا طلبت الباطل أنجح بك، أي ظفر بك ولم تظفر أنت بشيء، فسار مثلا يضرب عند الظلم في أداء الباطل.\rإذا عز أخوك فهن.","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"العز خلاف الذل؛ يقال: عز الرجل يعز إذا قوى وامتنع بعد ذلة؛ وعز علي أن تفعل كذا، وعز علي هذا الأمر: أي أشتد. وهن يروى بضم الهاء وكسرها: فالضم من هان يهون هوانا إذا ذل وخضع. ومعنى المثل عليه إذا عز أخوك، أي عظم وتقوى فاخضع له أنت تسلم من شره. والكسر من هان يهون إذا لأن. والمعنى: إذا أشتد أخوك وتصعب، فلن أنت. هكذا ذكر بعض الناس، وهو صحيح من جهة المعنى؛ لكن ما ذكر من كسر الهاء، إنّها يصح إن وجدت مادة هذا يقال ن. والمعروف في اللغة إنّها هو مادة هذا ون؛ إلاّ إنّه إذا أريد الذلة والخضوع، قيل الهون بضم الهاء، والهونة؛ وإذا أريد الين والسكينة، قيل: الهون بفتح الهاء. قال تعالى: )و الذين يمشونَ على الأرضِ همنا(. ويقال رجل هيِّن وهين كميت وميِّت، وليس يائيا بل واويا، فوقع القلب: ويقال: هون الله الأمر، إذا سهله. ومما يوافق المعنى الأول قول أبن أحمر:\rوقوارع من الأيام لولا ... سبيلهم لراحت عنك حينا\rدببت لها الضراء وقلت أبغي ... إذا عز أبن عمك أن تهونا\rوهو محتمل للمعنى الثاني أيضاً. ومن الضريح في الثاني قول الآخر:\rبنيَّ إذا ما سمك الذلَّ قادرٌ ... عزيزٌ فلن فاللين أولى وأحرزُ\rولا تسم في كل الأمور تعززاً ... فقد يورثُ الذلَّ الطويلَ التعززُ\rو المثل للهذيل بن هبير. وسببه إنّه أغار على ضبة فغنم وأقبل بالغنائم. فقال أصحابه: أقسمها بيننا. فقال: أخاف أن يدرككم الطلب، فأبوا. فعند ذلك قال: إذا عز أخوك فهن، ونزل فقسمها.\rإذا لم تستحي فاصنع ما شئت.\rالاستحياء الانقباض والحشمة؛ يقال: حيي منه بالكسر يحيى حياء بالمد، واستحيى، وهو حيي كغني: ذو حياء؛ وقد يقال: استحى يستحي. قال الشاعر:\rتقول يا شيخ أما تستحي ... في شربك الخمر على المكبر؟!\rو هذا الكلام يتمثل به، وليس من الأمثال. وفي الخبر: مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت. وفسر بمعنيين: أحدهما ظاهر، وهو المشهور: إذا لم تستحي من العيب ولم تخش عارا ولا لوما مما تفعل، فافعل ما تحدثك به نفسك، حسنا أمثال لا. ولفظه أمر، ومعناها الخبر على وجه التوبيخ والتهديد، كأنه قيل: إذا لم يكن فيك حياء، فأنت صانع ما شئت من خير وشر. وفيه إشعار بأن الرادع للإنسان عن السوء هو الحياء؛ فإذا انخلع عنه كان كالمأمور بارتكاب كل محذور، وتعاطي كل قبيح وسيئة، كما قال الحماسي:\rإذا لم تخش عاقبة الليالي ... و لم تستحي فاصنع ما تشاءُ\rفلا والله ما في العيش خيرٌ ... و لا الدنيا إذا ذهبَ الحياءُ\rو قال أبو دلف العجلي:\rإذا لم تصن عرضاً ولم تخش خالقاً ... و تستحي مخلوفاً فما شئت فاصنعِ\rو قد أكثر الشعراء من هذا النحو.\rثانيهما أن يحمل الأمر على بابه، أي إذا كنت في فعلك آمنا أن تستحي لجريك على اسنن وليس من الأفعال التي يستحي منها، فافعل؛ وإلاّ فلا. وهذا قانون كلي، وهو مثل ما في الحكمة: إياك وما يعتذر منه.\rإذا نزل بك الشر فاقعد.\rهذا مثال مشهور معناه: إذا رأيت شرا مقبلا، وهولا حاصلا، وفتنة ثائرة، فتربص وتأن، واحلم ولا تسارع، ولا تستهدف ولا تستشرف. وفي الحديث في ذكر الفتنة: من يستشرف لهل تستشرفه.\rإذا نزل القضاء عمي البصر:\rهذا يتمثل به أيضاً. والمعنى أن ما قضى الله تعالى فهو كائن، وما قدره فهو واقع، لا ينجي منه الحذر، ولا نظر البصير. يحكى أن نافعا سأل أبن عباس - رضي الله عنه - فقال له: سليمان عليه السلام، مع ما خوله الله تعالى من الملك، كيف عني بالهدهد مع صغره؟ يعني حيث تفقد الطير فسأل عن الهدهد وقال: لأعذبنه أو ليأتيني بسلطان مبين. فقال أبن عباس: إنه احتاج إلى الماء والهدهد كانت له الأرض كالزجاج فقال نافع: قف يا وقاف! كيف يبصر الماء من تحت الأرض، ولا يرى الفخ إذا عطي له بقد إصبع من التراب؟ فقال أبن عباس: إذا نزل القضاء عمي البصر. وقال أبو عمر الزاهد في هذا المعنى:\rإذا أراد الله أمراً بأمرءٍ ... و كان ذا عقلٍ ورأيٍ وبصر\rوحيلةٍ يفعلها في دفع ما ... يأتي بهِ محتومُ أسبابِ القدر\rغطى عليهِ سمعهُ وعقلهُ ... وسلهُ من ذهنه سلَّ الشَّعر","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"حتى إذا نفذَ فيه حكمهُ ... ردَّ عليه عقلهُ ليعتبر\rو هو معنى ما في الحديث: إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره سلب عقول الرجال الحديث.\rإذا لم تغلب فاخلب.\rالخلابة: الخداع، والمثل ظاهر المعنى.\rمأرب لا حفاوة:\rالمأرب الحاجة، والجمع مآرب وفي التنزيل: ولي فيه مآرب أخرى. وكذا المأربة مثلث الراء. والحفاوة: الاهتمام والاهتبال بالشيء، يقال. حفيت بالرجل بالكسر، فأنا به حفي، إي اهتممت به وبالغت في الألطاف به والسؤال عن حاله. قال تعالى : )سأستغفرُ لك ربيَ إنهُ كانَ بي حفياً(. وقال الحماسي:\rفلما أتينا السفح من بطن حائلِ ... بحيثُ تناصى طلحها وسيالها\rدعوا لنزارٍ وانتمينا لطيئ ... كأسدِ الشرى إقدامه ونزالها\rفلما التقينا بيَّن السيفُ بيننا ... لسائلهِ عنَّا حفيَّ سؤالها\rيضرب هذا المثل للرجل يتملقك لا رغبة فيك ولا اهتماما بأمرك، ولطن لغرض يطلبه منك وحاجة ينالها عنك. ومأرب يصح أن يكون مبتدأ يقدر خبره، أي بك مأرب لا حفاوة، وأن يكون خبرا يقدم مبتدؤه، أي باعثك وحاملك على الدنو مني والتملق لي مأرب لا حفاوة. فإن قلت: هل يصح أن ينصب أو يقال إنه مرفوع عن منصوب في الأصل، كما قيل في: سلام وحنان، وصبر جميل؟ قلت: لو كان منصوبا لكان معناه تقصد أو ترتاد مأربا، وحينئذ لا يحسن العطف بهذا التقدير في حفاوة كما لا يخفى، ويحتاج إلى تقدير آخر كأنه قيل ترتاد مأربا ولا تحفي حفاوة، وفيه بعض التكلف، وإن كان يمكن تقدير فعل أعم كالملابسة.\rآكل من أرضة.\rالأكل معروف. والأرضة بفتحتين والضاد المعجمة: دويبة صغيرة تأكل الخشب وفي قصة الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم أ، الله بعث عليها الأرضة فأكلت كل ما فيها من جور وظلم ز قطيعة رحم، وبقي ما كان فيها من ذكر. ويضربون المثل بالأرضة في كثرة الأكل وقوته. وينسب إلى القاضي عبد البوهاب:\rيا أهلَ مصر رأيتُ أيديكم ... عن بسطها بالنوالِ منقبضة\rلمّا عدمت النوال عندكم ... أكلتُ كتبي كأنني أرضة\rآكل من سوس.\rالأكل مر. والسوس: الدود المعروف يقع في الصوف والطعام. قال امرؤ القيس:\rآليت حب العراقِ الدهر أطعمه ... و الحب يأكله في القريةِ السوسُ\rيضرب به المثل أيضاً في كثرة الأكل. قيل لخالد بن صفوان: كيف ابنك؟ فقال: سيد فتيان قومه ظرفا وأدبا. فقيل له: كم زقه؟ قال: درهم. فقيل: أيرتفع منه ثلاثون درهما في شهر وأنت تستغل ثلاثين ألفا؟ قال: الثلاثون أسرع في هلاك المال من السوس. ولهذا قالوا: العيال سوس المال كما سيأتي.\rيأكلك الأسد ولا يأكلك الكلب.\rهذا فيما يظهر مثل مولد يضرب عند اختيار المرء صولة العزيز وعقوبة الكبير على صولة الذليل وعقوبة الحقير، فإنَ صولة الذليل أشد على النفس كما قيل: لو ذات سوار لطمتني والمثل قد وقع في الكلام الأمير شمس الدين قراسنقر، وذلك أن شمس الدين بن السلعوس كان يكرهه. فلما حضر الملك الاشرف إلى دمشق، وبلغ قراسنقر كراهية الوزير وعمله، بادر بهدية عظيمة وتقدمة حسنة إلى الملك، وأحضر ذلك بنفسه، فقال له السلطان: لأي شيء هذا؟ قال : بلغني أن إنّ السلعوس يعمل علي ويغير خاطر مولانا السلطان. وقد جئت أما بنفسي يأكلني السبع ولا يأكلني الكلب. وفي هذا قال الصابئ في أبي الورد البغدادي:\rومن عجب الأيام أنَّ صروفها ... تسوي إمرءاً مثلي بمثل أبي الوردِ\rفيا ليتها اختارت نظيراً وأنه ... رماني بشنعاء الدواهي على عمدِ\rفكم بين معقور الكلاب وإن نجا ... ذليلاً ز مقتولِ الصراغة الأسدِ\rو نحو قول المثقب العبدي:\rفإن أكُ مأكولاً فكن خير أكلِ ... و إلاّ فداركني ولمل أمزقِ\rو يحكى أن العجير السلولي هجا قوما من بني حنيفة، فأقاموا عليه البينة عند نافع بن علقمة الكناني، فأمر به أن يقام عليه الحدّ في ملأ من الناس. فهرب العجير ليلا حتى أتى نافعا فقعد له متنكرا حتى خرج من المسجد، ثم تعلق به فقال:\rإليك سبقنا السوط والسجنَ تحتنا ... حُبالى يسامين الظلام ولقحُ\rإلى نافعِ لا نرتجي ما أصابنا ... تحومُ علينا السانحاتُ وتبرحُ\rفإن أكَ مجلوداً فكن أنت جالي ... و إن أكُ مذبوحاً فكن أنت تذبحُ","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"فقال له: انج لنفسك، فإني سأرضي خصومك، فبعث إليهم وأرضاهم. وهذا المثل باق اليوم في ألسنة العوام يقولون: من أكله السبع خير ممن أكله الذئب.\rآلف من حمام مكة.\rيقال ألِفَ فلان كذا، بكسر اللام، يألفه إلفاً بكسر الهمزة وفتحها فهو ألف، وهي آلفة، وهم آلاف، وهن آلفات وأو ألف. والألفة بضم الهمزة: اسم من الائتلاف. إلفك بكسر الهمزة: الذي تألفه كما يقال: حب وخدن. والحمام على مثال سحاب: اسم جنس واحدة حمامة للذكر والأنثى. وقد يقال للواحد حمام، قاله في الصحاح وأنشد عليه قوله الشاعر:\rحماما أيكة وقعا فطارا\rوقول الآخر:\rوذكرني الصبا بعد التنائي ... حمامةُ أيكةٍ تدعو حماما\rقلت: والأول محتمل لأن يكون تثنية جماعتين كما قال الآخر:\rهما سيدانا يزعمانِ وإنما ... يسوداننا إن أيسرت غنماها\rفثنى الغنم وهو اسم جمع، وهذه التثنية لا تخص بالمفرد، بلهي جارية في أسماء الجموع، وجموع التكسير أيضا، كما علم في محله، فلا دليل فيها على المفرد. والثاني يحتملل أن يكون الحمام فيه اسم جنس، لا يقال مقابلته بالحمامة عاضد للأفراد، فهو ظاهر في المراد، لأنا نقول ذلك لو سلم أن الحمامة أريد بها الأنثى ليكون المقال ذكرا. لكنا نقول إنها للفرد من الجنس كما مر، ومقابل الفرد من حيث هو الجنس. والحمام قال في الصحاح: ذوات الأطراف من نحو الفواخت والقماري وساق حر والقطا وأشباه ذلك. قال: وهي عند العامة الدواجن فقط، وأنشد على الأول لحميد بن ثور:\rوما هاجَ هذا الشوق إلاّ حمامةٌ ... دعت ساقَ حرٍّ ترحه وترنما\rقال: والحمامة هاهنا قمرية قال وقال الأصمعي في قول النابغة:\rاحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراعٍ واردِ الثمدِ\rهذه زرقاء اليمامة نظرت إلى قطا. قلت: وبه حزم شارح ديوان النابغة عن أبي حاتم، وإن هذه المرأة كانت لها قطاة. فمر بها سرب من القطا فقالت ذلك. وأراد النابغة بالحمام ذلك القطا. ومكة البلدة الحرام ووصف حمامها بالألفة لأنه محترم لا يتعرض له أحد بمكروه ولا أذى، كما قال العجاج:\rورب هذا البلدِ المحرمِ ... قواطناً مكة من ورقِ الحمِ\rأي الحمام، فرخم للضرورة فلما كان آمنا كان ثابت الجأش غير نفور من الناس نفور الصيد، كما قال النابغة:\rوالمؤمنِ العائذاتِ الطير يمسحها ... ركبانُ مكة بين الغيل والسعدِ\rوأراد بالعائذات هذه الطير، ولذا أتى بالطير بدلا منها، والمؤمن هو الله تعالى، وهو لفظ اسم فاعل متعد إلى مفعولين بهمزة النقل، والواو للقسم، والمفعول الثاني محذوف أي: أقسم بالله تعالى الذي أمن الطير العائذات أن تصاد أو أن تؤخذ. وقوله: يمسحها ركبان مكة، أي يمسحون عليها ولا يهجونها لألفتها لهم واستئناسها بهم. والغيل بفتح المعجمة وقيل بسكونها، والسعد أجمتان بين مكة ومنى. وقيل: الغيل بفتح الغين الماء الجاري على وجه الأرض. وهو هنا ماء يخرج من أصل أبي قبيس.\rواعلم أن هذه الصيغة وهي قولنا أفعل من كذا، مستعملة في باب المثل عند أرادة منتهى التشبيه وأقصاه، كما يقال: أعز من الأبلق العقوق، وأجود من حاتم، وأعيى من باقل، ونحو ذلك. وأنما يتم ذلك ببلوغ المضروب به غاية ذلك المعنى. لكن هذا أمر إضافي موكول إلى نظر القائل واعتبره وحكم خياله. فأيهما شيء استعظم درجته ساغ له أن يضرب به المثل. ولذا يصح له أن يضرب المثل بالحمام في الألفة، وإن كان غير الحمام فيها وأحق، لكنه لم يلتفت إلى الغير فاستعظمها في الحمام إذ ليس الألفة من شأن الطير، فهي مستغربة، والاستغراب زائد الاستعظام كما قالوا: أجرأ من خاصي الأسد. وفهم مثل هذا في كل ما يرد في هذا الكتاب، والله الموفق للصواب.\rآلف من غراب عقدة.\rالألفة مرت، والغراب معروف، جمعه غربان واغربة. وعقدة، بضم العين المهملة، وسكون القاف: موضع. وهي أيضاً المكان المخضب الكثير الشجر أو النخل. وإنّما وصف غراب عقدة بالألفة لأنّه لا يطير لكثرة الشجر. إلاّ أن عقدة، إن جعلت مكان بعينه، لم تصرف؛ وإن جعلت اسما للمكان المخضب مطلقا صرفت. وهما جاريان هنا معا كما يقتضيه كلام القاموس، وسيأتي في قولهم: عيش لا يطير غرابه زيادة بيان لهذا المحل إن شاء الله تعالى.\rإليك يساق الحديث.","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"السوق معروف. يقال: ساق الماشية يسوقها سوقا وسياقا وسياقة، واستقاها. ثم يستعمل السوق في الكلام والحديث، لأنّه يؤتى به كما يؤتى بالماشية. وهذا المثل يضرب عند الإساءة في السؤال والاستعجال به قبل أوانه. وله قصة مذكورة عندهم، وقد نظمه بشار وبين معناه فقال:\rومرتْ فقلتُ متى نلتقي ... فهشَّ اشتياقاً إليها الخبيث\rوكادَ يمزقُ سربالهُ ... فقلتُ إليكَ يساقُ الحديث\rو قال الآخر:\rلا تعجبوا لسؤال ركبان الحمى ... فإليكمُ هذا الحديثُ يساقُ\rأمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك.\rالأمر معروف. والمبكيات والمضحكيات: المورثات بكاء أو ضحكا. وكانت فتاة من العرب لها خالات وعمات. فكانت إذا زارت عماتها ألهينها، وإذا زارت خالاتها ابكينها. فقالت لأبيها: إنّ عماتي يلهينني، وخالاتي يبكينني إذ زرتهن، فقال لها أبوها: أمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك، فذهبت مثلا يضرب عند الحذر والتحذير من الهوى والأمر باجتنابه.\rوالمعنى: أطع من يدلك على رشادك، ويبصرك بصلاح معاشك ومعادك، وينبهك من رقدة الغفلة والغرة، ويفطمك من مراضع الهوى المضرة، وإن كان ذلك يبكيك، ويثقل على نفسك ويؤذيك؛ ولا تطع من يأمرك بما تهوى، ويحسن لك ما يشينك في العاجلة والعقبى، وإن كان ذلك يضحكك ويلهيك، ويؤنسك ويسليك.\rالأمور مخلوجة وليست بسلكى.\rالأمور جمع أمر، وهو الشأن والحال والشيء الواقع: والخلج: الجذب والنزع؛ والمخلوجة: المجذوبة؛ والمخلوجة أيضاً : الطعنة المعوجة عن يكين وشمال؛ والسلكى، بضم الأول وألف مقصورة: الطعنة المستقيمة تلقاء الوجه. قال امرؤ القيس:\rمطغنهم يلكى ومخلوجة ... كزك لأيمن على نابلِ\rثم إنهم جعلوها في الأمور، وجعلوا المخلوجة والسلكى مثلا في الأمور باعتبار اعوجاجها واستقامتها قالوا: الأمور مخلوجة وليست بسلكى، أي هي معوجة وليست بمستقيمة، وأصله في الطعن. قيل: وأوّل من نطق بهذا المثل الحارث بن عباد، وذلك أن جساس بن مرة لمّا قتل كليبا على ما سيأتي خبره، قام مهلهل بن ربيعة بثأر أخيه كليب، وكان ممن قتل بجير بن الحارث المذكور أو أخيه في قصة ستأتي.\rوفيه يقول مهلهل:\rوإني قد تركت بواردات ... بجيراً في دم مثل العبير\rهتكت به بيوت بني عبادٍ ... و بعضُ الشرَّ أشفى للصدورِ\rفلما بلغ الحارث بن عباد مقتل بجير قال : نعم القتيل قتيل أصلح الله به بين بني وائل وباء بكليب!فقيل له: إن مهلهلا لمّا قتله قال له: بُؤبِشِسعِ نعل كليب! فعند ذلك غضب الحارث وقال: الأمور مخلوجة وليست بسلكى، وقال :\rقربا مربط النعامةِ مني ... لقحت حربُ وائلٍ عن حيالِ\rقربا مربط النعامة مني ... إنّ بيع الكرام بالشسعِ غالِ\rلم أكن من جناتها علم الله ... و إني بجمرها اليوم صالِ\rوهي قصيدة. ونهض لحرب تغلب حتى أبارهم. وفر مهلهل حتى هلك غريب الدار كما سيأتي. وقلب أبو عبيد هذا المثل فأورده هكذا: الأمر سلكى وليست بمخلوجة، والصواب العكس، كما أورده غيره وهو الذي قدمنا، لأن الأمور في قضية الحارث ليست بسلكى، وهلم جرا. وقول امرئ القيس كرك لأمين على نابل، فيه كلام يبين بعد في تشبيهات امرئ القيس إن شاء الله تعالى.\rتأمير الأراذل، تدمير الأفاضل.\rالتأمير: تولية الإمارة: وأراذل الناس: سفلهم، والتدمير، بالدال المهملة: الإهلاك. وأفاضل الناس. خيارهم.\rومعنى المثل ظاهر، وهو فيما أظن مصنوع موجود في بعض تآليف البلغاء المصنوعة.\rالأمر أشد من ذلك.\rقد يتمثل به، وهو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم حيث ذكر المحشر وأن الناس يحشرون حفاة عراة، فقيل له: وكيف ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال ذلك. والحديث معروف مشهور.\rآمن من حمام مكة.\rالأمن ضد الخوف؛ والحمام ومكة تقدما. وأمن الحمام في مكة أنه لا يتعرض له ولا يصاد ولا يقتل. ولذلك قال النابغة:\rوالمؤمن العائذاتِ الطير يمسحها ... ركبان مكةَ بين الغيلِ والسعد\rو قال عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي من قصيدة:\rفسحت دموع العينِ تبكي لبلدةٍ ... بها حرمٌ أمنٌ وفيها المشاعرُ\rوتبكي لبيتِ ليس يؤذى حمامهُ ... تطل به أمناً وفيه العصافرُ","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"وفيه وحوشٌ ليس ترامُ أنيسة ... إذا خرجت منه فليست تغادرُ\rو هذا الشعر قله عندما نفتهم خزاعة وأخرجتهم إلى اليمن من مك، فجعل يتذكر مكة ويحزن ويبكي لفراقها. وتقدم شيء من معنى هذا المثل.\rأما الدَّينُ فلا دِن.\rيتمثل به كثيرا، وهو كلام مسيلمة الحنفي الكذاب لعنه الله تعالى. وذلك أنه، لمّا غزاهم سيف الله خالد بن الوليد رضي الله عنه في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، التقوا فاقتتلوا قتالا شديدا. فلما اشتد القتال آخرا على مسيلمة وأصحابه بني حنيفة وعظم عليهم الأمر وأيقنوا بالهلاك والدمار قال له بعض أصحابه: أين ما كنت تعدنا يا أبا ثمامة من نصر؟ فقال عبد ذلك: أما الدين فلا دين، ولكن قاتلوا على أحسابكم. فجعلوا يتندمون ويسبونه، وقتل في ذلك اليوم، لعنه الله. والقصة مشهورة ومعروفة في السير لا حاجة إلى سردها.\rأنا بالقُوس، وأنت بالقرقوس، متى نجتمع؟\rالقوس بضم القاف: صومعة الراهب. قال الشاعر يذكر امرأة: لا ستفتنتني وذا المسحين في القوس. والقرقوس، على مثال قربوس: القاع الصلب من الأرض، وبين المكانين بون بعيد. فيضرب عند التباعد في الأمكنة أو الخلال أو الشيم، كما قيل:\rهي الشمس مسكنها في السماء ... فعز الفؤاد عزاء جميلا\rفلن تستطيع إليها الصعودَ ولن تستطيع إليك النزولا\rأنا أبن بجدتها.\rيقال بجد بالمكان يبجد بجودا إذا أقام به. والبجيد بفتح الباء الموحدة وضمها مع سكون الجيم، وبضمهما معا: أصل الشيء ودخلة الأمر وباطنه، فيقال عند فلان بجدة هذا المر أي علمه، وهو أبن بجدتها أي العالم.\rقال أبو العلاء المعري:\rإذا أسكت المحتجُ كل مناظرٍ ... فعند أبن نصر بجدةٌ بحّوابِ\rو قال صفي الدين الحلي رحمه الله تعالى :\rلا لقبتني المعالي بابن بجدتها ... يومَ الفخار ولا بر التقى قسمي\rو يقال أيضاً للدليل الهادي. ويقال أيضاً : هو عالم ببجدة أمرك وبجد أمرك، أي بداخلته. وقيل إنّما قسل: أنا أبن بجدتها، وهو أبن بجدتها من البجود وهو الإقامة، لأن المقيم بالمكان عالم به. يقال: هو أبن بجدة هذا البلد أي العالم بأمره لإقامته به. وقيل اصله من قولهم: فلان من أهل البجد أي من أهل البادية وهم العلماء باللسان على ما وضع به.\rأنا تئق وأنت مئق فكيف نتفق؟\rالتئق: الممتلئ غضبا. واصله في الإناء يقال: تئق الإناء يتأق إذا امتلأ وأتأقته أنا ملأته. ويقال: التئق السريع إلى الشر. ويقال: هو الحديد قال الشاعر يصف كلبا:\rأصمعُ الكعبينِ مهضومُ الحشا ... سرطمُ اللحيينِ معاجٌ تئقْ\rو قال الآخر: يصف فرسا:\rضافي السبيبِ أسيل الخدِ مشترفٌ ... حابي الضلوعِ شديدٌ أسره تئقُ\rو قال الأخر يصف فرساً:\rضافي السبيب أسيل الخد مشترف ... حابي الضلوع شديد أسره تئق\rو المئق: الباكي يأخذ شبه الفواق عند البكاء والنشيج. يقال: مئق الرجل والصبي يأمق مأقا وماقة باتحريك وامتاق. قال رؤبة.\rكأنما عولتها بعد التأق ... عولة ثكلي ولولت بعد المأق\rو شأن التئق النزوع إلى الشر لغضبه، وشأن المئق ضيق الصدر عن الاحتمال، فلا يجتمعان. فيضرب للمتخالفين خلقا.\rأنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب.\rلمّا قبض النبي صلى الله عليه وسلم اجتمعت الأنصار إلى بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فأتاهم أبو بكر وعمر من المهاجرين - رضي الله تعالى عليهم جميعاً - فتكلم أبو بكر، والقصة مشهورة. وتكلم رجل من الأنصار، وفي رواية وهو الحباب بن المنذر فقال: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير. والجذيل تصغير جذل بكسر الجيم وتفتح، وبالذال المجمعة الساكنة. والجذل: ما عظم من أصول الشجر أو أصل الشجر وغيرها بعد ذهاب الفرع. والجمع أجذال وجذولة. قال امروء القيس:\rكأن على لباتها جمر مصطلي ... أصاب غضا جزلا وكف بالجذال\rو الجذال أيضاً: عود ينصب للجربى لتحكك به، وهو المقصود هنا. ويقال: هو عود ينصب في مبرك الإبل للتحكك به لتزيل ما عليها من قراد وكل ما لزق بها فتشتفي بذلك، ويكون كالتمرغ للدابة. وقال الراجز:\rلاقت على الماء جذيلا واتد\rويضرب مثلا للرجل فيقال: هو جذل محاكة وجذل حكاك. وقال الأصمعي:","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"قلت لأعرابي: ألك بنون؟ قال: نعم، وخالقهم لم تقم على مثلهم منجبة. قلت صفهم لي. قال: جهم وما جهم! ينصي الوهم، ويصد الدهم، ويفري الصفوف، ويعل السيوف. قلت ثم من؟ قال: غشمشم وما غشمشم! ماله مقسم، وقرنه مجرجم، جذل حكاك ومدرة لكاك. قلت: ثم من؟ قال: عشرب وما عشرب! ليث محرب، وسماهم مقشب؛ ذكره باهر، وخصمه عاثر؛ وفناؤه راحب، وداعيه مجاب. قلت: فصف لي نفسك. قال: ليث أبو ريابل، ركاب معاضل، عساف مجاهل؛ حمال أعباء، ناهض ببزلاء. قوله: ينضي الوهم أي يهزل الوهم، وهو الجمل الضخم من قوته؛ ويصد الدهم أي يكف الدهم، وهو العدد الكثير من العدو. ويفري الصفوف أي يشقها في القتال مقدما. ويعمل السيف أي يوردها دماء الأقران مرة ثانية من العلل في الشرب.\rوقوله: قرنه مجرجم أي مبارزه مجرجم أي مصرع؛ وجذل حكاك أي يستشفي به في الأمور كالجذال المنصوب الذي يستشفي به الإبل الجربى والمدره: لسان القوم. واللكاك: الزحام. والليث المحرب: المغضب، وهو أشد ما يكون؛ والمقشب: المخلوط. والباهر: الغالب. واليابل جمع ريبال يهمز ولا يهمز، وهو الأسد. والمعاضل: الدواهي؛ والعساف: الركاب الطريق على غير هداية. والمجاهل: الفلوات؛ والأعباء: الأثقال؛ والبزلاء: الرأي الجيد، وهو مثل سيأتي. وأما العذيق فهو تصغير عذق، وهو بالفتح: النخلة بحملها، وبالكسر القنو منها. والمقصود هنا الأول. والمرجب: المعظم. يقال : رجبته ترجيبا: عظمته. ومنه رجب لتعظيمهم إياه. ويقال: إنّ فلان لمرجب أي عظيم. وحدث الأصمعي قال : مررت في بلاد بني عامر بحلة في غائط يطؤهم الطريق، فسمعت رجلا ينشد في ظل خيمته له ويقول :\rأحقا عباد الله أن لست ناظراً ... إلى قرقرى يوماً وأعلامها الغبرِ\rكأنَّ فوأدي كلما مر راكبٌ ... جناحُ غرابٍ رام نهضاً إلى وكرِ\rإذا رحلت نحو اليمامة رفقةٌ ... دعاك الهوى واهتاج قلبكَ للذكرِ\rفيا راكب الوجناء أبت مسلماً ... و لا زلتَ من ريبِ الحوادثِ في سترِ\rإذا ما أتيتَ العرضَ فاهتف بجواهِ ... سقيتَ على شحطِ النوى سبلَ القطرِ\rفانك من وادٍ إلى مرجبٍ ... وإن كنت لا تزدار إلا على عفرِ\rقال فلما رآني مصغيا إليه أشار إلي فاستأنسني وأنزلني ووضع طعاما فقلت: أنا إلى غير هذا أحوج، قال : ماذا؟ قلت: تنشدني ، قال : أفعل. فلما أصبت من الطعام قلت: الوعد، فأنشدني:\rلقد طرقت أمُّ الخشيف وإنها ... إذا صرع القوم الكرى لطروقُ\rفيا كبداً يحمى عليها وإنها ... مخافةَ هيضات النوى لخفوقُ\rأقام فريقٌ من أناسٍ يودهم ... بذات الغضا قابي وبان فريقُ\rلحاجة محزون يظل وقلبه ... رهين ببيضات الحجال صديقُ\rتحمان أن هبت لهن عشيةً ... جنوبٌ وأن لاحت لهن بروقُ\rكأن فضول الرقم حين جعلنها ... غدياً على أدمِ الجمال عذوقُ\rوفيهن من بخت النساء ربحلةٌ ... تكادُ بها غرُ السحاب يرقُ\rهيجانٌ فأما العصُ من أخرياتها ... فوعثٌ وأما خصرها فدقيقُ\rفقوله: فإنك من وادٍ إلى مرجبٍ أي معظم. وقوله في القطعة الثانية:\rكأن فضول الرقم حين جعلنها ... غديا على أدم الجمال عذوقُ\rأي نخلات، جمع عذق وهو النخلة كما ذكرنا قبل، أو قنوانها، وهو تشبيه مشهور عند القدماء، يشبهون الحمول والبرود المرقومة فيها بالنخيل إذا أينع ثمرها فأحمر وأصفر . قال امرؤ القيس:\rأو المكرعات من نخيل أبن يامنٍ ... دوين الصفا اللائي يلين المشقرا\rسوامق جبارٍ أثيتٍ فروعهُ ... و عالين قنوانا من البسرِ أحمرا\rو قال أيضاً:\rعلوانَ بأنطاكية فوق عقمةٍ ... كجرمة نخلٍ أو كجنة يثربِ\rو الترجيب في النخل أن يجعل للنخلة دكان تعتمد عليه اة يدعم بشيء إذا كثر حملها لئلا تنكسر. ويسمى ذلك الطكان الرجبة بضم الراء. وقيل أن يغرز الشوك حولها حتى لا يوصل إليها. وقيل أن تضم قنوانها إلى سعفاتها وتشد بالخوص حتى لا ينفضها الريح فيقال: نخلة مرجبة، وعذاق مرجب. ويقال: نخلة رجيبة بتخفيف الجيم وتشديدها.\rليست بسنهاء ولا رجبية ... و لكن عرايا في سنة الجوائح","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"و لا يرجب من النخل إلاّ الكريمة. واعلم أن التصغير في كل من الجذيل والعذيق للتعظيم على ما اثبت الكوفيون من ورود التصغير للتعظيم كقول لبيد:\rفويق جبيل شامخ لن تناله ... بهمته حتى تكل وتعملا\rو قيل للتقريب كما في بني أخي. وقد تحصل في معنى الكلام بجملته إنه يقول: أنا الذي يرجع إليه في النائبات، ويستشفى بفضل رأيه في المعضلات المعوصات، كالجذيل الذي تستشفي بالاحتكاك به الإبل ؛ وأنا لي أيضاً عشيرة يحفظوني ويؤووني، وعصبة ينصروني ويمنعوني، كالنخلة الممتنعة برجبتها، الكريمة على أهلها إذ لا يرجب من النخل إلاّ الكرام كما مر. وقد علم اشتمال الكلام على مثلين وليس مثلاً واحداً؛ إلاّ إنّهما يقرن بينهما كثير. وفي مقامات البديع قوله: حتى إذا مال الكلام بنا ميله، وجر الجداك بينا ذيلة، قال أصبتم عذيقة، ووافيتم جذيلة الخ. وقيل معنى أنا جذيلها المحككك أنا صاحب رهان. والمحكك المعاود لها، كما قال الراجز: جذل رهان في ذراعيه حدب أي السير ويقال أيضاً. رجل محكك: أي مجرب للأمور بصير بخيرها وشرّها. وهو مدح في الرجال، ذم في النساء قال الحماسي:\rلا تنكحن الدهر ما عشت أيما ... مجربة قد مل منها وملت\rو يقال أيضاً: أنا جحيرها المأرب، وعذيقها المجرب. والجحير تصغير جحر وهو الغار؛ والمأرب المقور الململم، ومعناه واضح من الذي قبله.\rأنا كلف، وأنت صلف، فكيف نأتلف؟\rالكلف بفتحتين العشق والولوع بالشيء. يقال: كلف الرجل بكذا يكلف به بالكسر في الماضي، فهو كلف ككتف. والصلف بفتحتين: عدم الحظوة. ويقال: صلفت المرأة بالكسر إذا لم تكن لها مكانة عند زوجها ولا قدروا بغضها، فهي صلفة وهن صلائف. قال القطامي يذكر امرأة:\rلها روضة في القلب لم ترع مثلها ... فورك ولا المستعبرات الصلائف\rو يقال للمرأة: اصلف الله رفغك أي بغضك إلى زوجك. والصلف أيضاً التكلم بما يكرهه صاحبك، والتمدح بما ليس عندك، ومجاوزة قدر الظرف والادعاء فوق ذلك تكبرا.\rوهذا المثل يضرب أيضاً للمتباينين في الأخلاق كالذي تقدم.\rأنا اتلوص قبل أن أرمى.\rالتلوص بالصاد المهملة: التلوي والتقلب، والاصة: إدارة. والرمي معروف. وأعلم إنّ العقلاء من حكماء الفلاسفة والعرب وضعوا حكما كثيرة وأمثالاً جمة على ألسنة الجمادات والحيوانات والعجومات باعتبار حالها تعليما للناس وإرشاداً لهم إلى مصالحتهم معاشاً ومعاداً، وذلك من قبيل التمثيل الذي ذكرناه من قبل. وسيأتي في هذا الكتاب إنّ شاء الله كثير من هذا النوع، فكان من ذلك أن قالوا: إنّ الغراب وصى ابنه فقال له: يا بني، إذا رميت فتلوص، أي انحرف لئلا تصاب فقال: يا أبت، أنا اتلوص قبل أن أرمى يضرب في التحرز من الشيء وأخذ الحذر منه قبل كينونته.\rأنا من هذا الأمر فالج بن خلاوة.\rفالج بالفاء والجيم، على صيغة فاعل: اسم رجل من أشجع، وهو فالج بن خلاوة بفتح الخاء المعجمية بن سبيع بن بكر بن أشجع. وكان فالج هذا قيل له يوم الرقم إذ قتل أنيس الأسرى: انتصر أنيساً؟ فقال: إني منه بريء. واليوم الرقم يوم من أيامهم، فقد فيه فرس عامر بن طفيل، فيقس لكل خلي من أمر متبرئ منه يقول: أنا منه فالج بن خلاوة أي أنا منه جلاء بريء بمنزلة ذلك الرجل.\rأنا من هذا الأمر كحاقن الإهالة.\rالحقن: الحبس. يقال: حقن اللبن في السقاء إذا جمعه وخلط حليبه برائبه كما مر، وحقن البول: امسكه، وحقن دمه: منعه من القتل. وكل شيء أمسكته وحبسته فقد حقنته. والإهالة: الودك، وهو اشحم أو ما أذيب منه، أو الزيت وما يؤتدم به، فيقال: أنا من هذا الأمر كحاقن الإهالة، أي عالم به خبير بحاله، لأنه لا يحقن الإهالة في السقاء إلاّ من يعلم إنّها بردت لئلا يحترق السقاء بها.\rأنا النذير العريان.","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"الإنذار: الإبلاغ مع تخويف، والاسم النذر. قال تعالى: ) فكيفَ كانَ عذابي ونذر(. والنذير فعيل بمعنى مفعل أي منذر. ويكون النذير أيضاً بمعنى الإنذار، والقصد هنا الأول. والعريان معروف. ويقال: عري الرجل بالكسر يعرى عراء فهو عريان بضم العين وعار؛ وجمع العريان عريانون، وجمع العاري عراة. وهذا المثل ورد بهذا اللفظ في الحديث من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مثل قديم للعرب يقال عند الإنذار بقرب العدو مع المبالغة في الإنذار. اصله أن النذير الجاد المغوث يتعرى من ثوبه فيمسك بيده ويشير به ويلمع لتسبقه رؤية الثوب سماع صوته، وإنّما ذلك عند قرب العدو وهجومهم، فكان مثلا عند الجد والتشمير في الإنذار بكل أمر هائل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لقومه: \" أ رأيتم لو أخبرتكم أن بالوادي خيلاً تصبحكم أ كنتم مصدقي؟ فقالوا: ما جربنا عليك من كذب. فقال: فأني نذير لكم بين يدي عذاب شديدً \" ، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.\rوقال صاحب الروض في قوله تعالى: ) يا أيّها المدثرُ( إنّ وجه ارتباطه مع قوله تعالى: ) قم فأنذر( أن الإنذار من أوصافه صلى الله عليه وسلم التي وصف بها نفسه بقوله: \" أنا النذير العريان \" . ومعلوم أن الإنذار على هذا الشعار مخالف للتدثر بالثياب، فكان فيه من التطابق والالتئام مالا يخفى. وهو حسن ظاهر. ويقال أصل المثل في رجل من خثعم أخذه العدو وسلبوه ثيابه وقطعوا يده. فجاء قومه منذراً على تلك الحال. ويقال إنّه في يوم ذي الخلصة حمل عليه عوف بن عامر فقطع يده ويد امرأته والله اعلم.\rأنت شَولة الناصحة\rشَولة بفتح الشين المعجمة فسكون: أمة كانت لعدوان، وكانت رعناء حمقاء،فكانت تنصح لمواليها فتعود نصيحتها شراً عليهم ووبالاً لحمقها. فضرب بها المثل لكل ناصح أحمق يقال له: أنت شولة الناصحة، أي بمنزلة تلك الأمة.\rأنت صاحبة النعامة.\rالنعامة واحدة النعام المعروف. وصاحبة النعامة امرأة من العرب وجدت ذات يوم نعامة عصت بصعرور، وهو صمغة، فأخذتاها وربطتها بخمارها إلى شجرة، وقد منعتها الغصة أن تهرب. فذهبت المرأة إلى الحي فهتفت بهم وجعلت تقول: من كان يحفنا ويرفنا فليترك، أي من كان يحسن إلينا ويلطف بنا فليقطع ذلك عنا. ثم قوضت خيمتها لتحمل على النعامة. فجائت إليها فوجدتها قد ساغت وفرت فبقيت المرأة لا هي بالنعامة ظفرت، ولا بنصيبها من الناس تمسكت، فيضرب بها المثل ويقال: أنت صاحبة النعامة: أو كصاحبة النعامة عند التشنيع على من وثق بغير ثقة وأغتر بغير طائل. وفي معنى هذه القصة ما تحكي العامة اليوم في الخرافات أن رجلاً وجد أرنباً في فلاة قد نامت فجاء يشتد حتى انتهى إلى الحي فصاح بهم: إلاّ أنا قد قطعنا التذويق فيما بيننا، وهو الله تعالى يتهاداه الجيران فيما بينهم من نحو الفاكهة واللحم واللبن، وجعل يقول: قد قطعنا، حتى اسمع الناس ذلك واسمعوه مثله، فرجع فوجد الأرنب قد هبت من نومها وذهبت.\rأنتِ غيري نغرةٌ\rيقال: غار الرجل على امرأته يغار غيراً وغيرة بالفتح وغاراً، فهو غيورهم غير، وهو غيران وهم غيارى وغيارى، ورجل مغيار؛ وغارت المرأة تغار، فهي غيور وغيرى، وهن غيارى: والنغرة: التي تلغي من الغيرة كما تنغر القدر أي تغلي. ويقال: نغر الرجل بالكسرة إذا أعتاظ وغلي جوفه من الغيظ، فهو نغر وهي نغرة. فيقال هذا عند اشتداد الغيرة. ويحكى أن امرأة جاءت علياً كرم الله وجهه فذكرت أن زوجها يطأ جاريتها، فقال: إنّ كنت صادقة رجمناه، وإنّ كنت كاذبة جلدناك، فقالت: ردوني إلى أهلي غيري نغرة!","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"قيل: وأوّل من نطق بهذا المثل عمرو بن المنذر الذي يقال له عمرو بن امامة، وهو الذي قتله مراد في قضيب، وذلك إنّ أباه المنذر بن امرئ القيس كان تزوج هند بنت الحارث أبن آكل المرار الكندي، فولدت له عمراً، وهو الذي يقال له عمرو بن هند، والمنذر بن المنذر، وملك بن المنذر، وقابوس بن المنذر، وكان ملك أصغرهم. فلما كبرت هند عند أبيهم المنذر أعجبته بنت أخيها امامة بنت سلمة بن الحارث، فطلق هنداً وتزوج امامة فولدت له امامة عمرو بن المنذر الذي يقال له عمرو بن امامة. ثم إنّ المنذر جعل الأمر من بعده لابنه عمرو بن هند، ثم لقابوس، ثم للمنذر، ولم يجعل لعمرو بن امامة شيئاً.فكان ذلك سبب وقوع الشر بينه وبين اخوته لأبيه. فتملك عمرو بن هند الخورنق والسدير، وجعل لأخيه قابوس البدو، فغضب عمرو بن امامة وذهب نحو اليمن يطلب النصرة على اخوته، وقال في ذلك يخاطب عمرو بن هند:\rإلاّ بن أمك ما بدا ... و لك الخورنق والسدير\rفلامنعن منابت الضمر ... إنّ إذ منع القصور\rبكتائب تردي كما تر ... دي إلى الجيف النسور\rأنا بني العلات تقضي ... دون شاهدنا الأمور\rو الضمران بفتح الضاد: نبت من نبات البادية؛ والرديان: الجري يقال: ردت الخيل تردي إذا جرت؛ وأبناء العلات: أبناء أمهات شتى؛ وأبناء الأعيان: أبناء أمثال واحدة. ثم ن عمرو بن امامة لحق باليمن وتبعه ناس من قيس عيلان وغيرهم، فأتى ملكها يطلب منه جنداً ليقاتل أخاه على نصيبه من الملك. فقال له الملك: من أحببت، فأختار مراداً، فسيرهم الملك معه، فلما انتهوا معه إلى وادٍ يقال له قضيب تلاومت مرادٌ فيا بينها وقالوا: كيف تتركون أموالكم وعشائركم وبلادكم وتتبعون هذا الأنكر؟ فقام هبيرة بن عبد يغوث ، وهو سيد مراد إذ ذاك، فتمارض وشرب ماء الرفة وهي شجرة هناك، فأصفر لونه. فبلغ عمرا أن هبير مريض، فبعث إليه طبيبا. فجاءه الطبيب وقد شرب المغرة وجعل يمجها لمّا دخل عليه الطبيب مكاويه وجعلها على بطنه، فقال له: أصبت موضع الداء! وجعل يكويه حتى كشح بطنه بالنار، وهو يريه أنه لا يجد مسها، وبذلك سمي صبيرة المكشوح، فرجع الطبيب إلى عمر وقال: وجدته مريضا ورأيته لا يحس بالنار. فلما اطمئن عمرو بن أمامة صار إليه المكشوح في قومه من تلك الليلة وثار به. فلم يشعر حتى أحاطوا به، وكان عمرو تلك الليلة مع بعض حظاياه. فلما سمعت أم ولده الغسانية جلبة الخيل قالت: أبي عمرو، أتيت! وقالت: سال قضيب حديدا، أو جاءتك مراد وفودا، فذهبت مثلا. فقال لها عمرو: أنتي غيري نغرة، أي أنك إنّما قلت ذلك غيرة منك علي، فذهبت مثلا. ومر به قطيع من القطا فقالت: يا عمرو أتيت! لو ترك القطا لنام، فذهبت مثلا. فلما انتهوا إليه وثاروا إليه، ثار إلى سيفه فخرج عليهم وهو يقول:\rلقد عرفت الموت قبل ذوقه ... إنّ الجبان حتفه من فوقهِ\rكل امرئٍ مقاتل عن طوقه ... كالثور يحمي جلده بروقهِ\rفزعموا إنّه لقيه غلام من مراد يقال له الجعيد أو تميم بن الجعيد، وقد كان عمرو قال فيه: نعم وصيف الملك هذا! فقال الغلام:\rأيَّ وصيف ملك تراني؟ ... أما تراني رابط الجنانِ؟\rأفليه بالسيف إذا استفلاني ... أجيبه لبيك إذ دعاني\rرويت منه علقاً سناني\rثم ضربه فقتله، فتفرق عنه الناس، ورجعت مراد إلى اليمن فاقبل الغلام الذي قتله بالغسانية وبابنيه وهما غلامان، فبلغ إلى عمرو بن هند، فقال له: أيّها الملك إني سترت عورتك، وقتلت عدوك. فقال له عمرو: إن لك لخباء أنت له أهل. اضرموا له نارا واقذفوه فيها! فقال الغلام: أيّها الملك إني كريم، فليطرحني فيها كريم فإنَ أي حسبا فأمر عمرو بن هند ابنه وأبن أخيه أن يتوليا ذلك، فانطلقا به. فلما دنوا من النار مسح شراك نعله فقالا: ما دعاك إلى مسح نعلك وأنت مطروح في النار؟ فقال: أحببت أن لا أدخل النار إلا وأنا نظيف. ثم قال :\rالخير لا يأتي به حبهُ ... و الشر لا ينفع منه الجزعُ\rثم قذف بنفسه وبهما معا، فاحترقوا جميعا. وفي ذلك يقول طرفة ينعى عمرو بن إمامة إلى أخيه:\rأ عمرو بن هند ما ترى رأي معشرٍ ... أ فاتوا أبا حسان جاراً مجاورا\rفإن مراداً قد أصابوا جريمةً ... جهاراً وأضحى جمعهم لك واترا","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"دعا دعوة إذ شكت النبل صدره ... أمامة واستعدى هناك معاشرا\rفلو أنه نادى من الحصن عصبةً ... لألقوا عليه بالصعيدِ الشراشرا\rولو خطرت أبناء قرآن حوله ... لأضحى على ما كان يطلب قادرا\rولو شهدته تغلب بنت وائل ... لكانوا له عزاً عزيزاً وناصرا\rولكن دعا من قيس عيلان عصبةً ... يسوفون في أعلى الحجاز البرائرا\rإلاّ إنّ خير الناس حياً وميتاً ... ببطن قضيبٍ عارفاً ومناكرا\rيقسم فيهم ماله وقطينه ... فياما عليه بالمالي حواسرا\rأنفت له على عداوةٍ بيننا ... و قلت ما قتيل بحائرا\rقوله: أفاتوا أبا حسان، أي أهلكوه، وهو عمرو بن أمامة. وقوله: استعدي أي استنصر؛ والحصن: ثعلبة بن غكابة: والشراشر: المحبة يقال: ألقى عليه شراشره إذا أحبه؛ وأبناء قرآن من بني حنيفة أي أهل قرآن، وهي قرية باليمامة والبرائر جمع بريرة، وهي ثمر الأراك؛ ويسوفون: يشمون، ومنه المسافة، لأن الدليل ربما تحير فشم التراب ليعلم أعلى قصد هو أم على جور. يقول إنهم قوم ضعاف ليس لهم طعام ألا الأراك. ويروي: يسوفون، أي يبتلعون؛ والمآلي جمع مئلات، وهي خرقة تكون مع النائحة؛ وبحائر: اسم لمراد.\rإن جرجر العود فزده وقراً\rالجرجرة: صوت يردده البعير في حنجرته، وذلك عند تشكيه من الحمل وضجره وتضرره. قال الراجز: جرجر لمّا عضه الكلوب.\rوقال الآخر: جرجر في حنجرة كالجب.\rوالعود: المسن من الإبل. قال أمرؤ القيس:\rوإني زعيمٌ إن رجعت مملكاً ... بسيرٍ ترى منه الفرانق أزورا\rعلى لا حبٍ لا يهتدي بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا\rيقول إنّ هذا الطريق إذا أشمه العود من الإبل ضج من، فكيف بغيره. والزيادة معروفة. والوقر بالكسر: الحمل. ويروي: إنّ جرجر فزده ثقلا، والثقل معروف. والمعنى: إنّ ضج بعيرك وتشكى من ثقل حمله، فزده ثقلا آخر ولا تلتفت إلى ضجره.\rيضرب عند الأمر بالإلحاح في سؤال البخيل، وهو ظاهر.\rأن ذهب عَير فعير في الرهط.\rالذهاب معروف. والعير بفتح العين المهملة: الحمار؛ وعير القوم: سيدهم، وهو المقصود هنا. والمعنى ظاهر.\rالإيناس قبل الابساس\rالإنس ضد الوحشة؛ وأنست الرجل تأنيسا، وأنسته إناسا. والأبساس عند الحلب أن يقال للناقة: بس، بس، وهو صويت للراعي يقول لها ذلك لتدر للحالب، فيقال: أبس بالناقة يبس أبساسا فهو مبس. قال الشاعر:\rفلحى الله طالب الصلح منى ... ما أصاب المبس بالدهماءِ\rو ناقة بسوس: لا تدر إلاّ على الإبساس والمعنى إنّ الناقة لا ينبغي أن يبس بها حتى تؤنس قبل ذلك ويتلطف لها، فيضرب في أن الإنسان ينبغي أن لا يكلف أمرا أو يسأل حاجة حتى يتقدم إليه بتأنيس مالي أو فعلي أو قولي. قال الشاعر:\rولقد رفقت فما حظيت بطائل ... لا ينفع الإبساس بالإيناس!\rودخل العتابي على الرشيد فقال: تكلم يا عتابي! فقال: الإيناس قبل الإبساس! لا يمدح المرئ بأول صوابه، ولا يذم بأول خطئه لأنه بين كلام زوره، وعي حصره. أنتهى.\rإن أعيى فزوده نوطاً.\rالإعياء: الكلال في المشي. يقال: أعيى الماشي إعياء إذا كل، وعيى الرجل بأمره على مثال رضي، ويدغم: إذا لم يهتد بوجهه أو عجز عنه ولم يطق إحكامه. وعيي أيضاً في منطقه إذا حصر. والنوط بفتح النون وسكون الواو: جلة صغيرة يجعل فيها التمر وتعلق على البعير. قال النابغة الذبياني يصف قطاة:\rحذاء مدبرة سكاء مقبلة ... للماء في النحر منها نوطة عجب\rو أصل النوطة من النوط، وهو التعليق. يقال: نطت الشيء بالشيء، أي علقته به. والمعنى إنّ بعيرك إذا أعيى، فزد عليه تعليقا آخر. وهذا المثل هو كالذي تقدم: إن جرجر فزده ثقلا معنى ومضربا.\rأنفك منك وإن كان أجدع.\rالأنف معروف؛ والجدع بالدال المهملة: القطع في الأنف. تقول: جدعت الرجل فهو أجدع، وهو ذو جدع بفتحتين.\rوالمعنى أن أنفك، فلا يمكنك مفارقته ومباعدته وإنّ كان به عيب وشين. فيضرب في استعطافم صاحبك على ذوي قرابتك، وحثك إياه على وصلهم وتحمل ما بهم وأن يلمهم على شعثهم، ولا يصارمهم كما لا يصارم أنفه المتصل به.","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"قيل: وأوّل من نطق بهذا المثل قنفذ بن جعونة المازني، وذلك أن الربيع بن كعب المازني دفع إلى أخيه كميش فرسا من عتاق الخيل ليأتي به أهله. وكان كميش أحمق وأنوك. وكان عندهم رجل من بني مالك يقال له قراد بن جرم قدم عليهم ليصيب منهم غرة، وكان داهية فمكث فيهم لا يعرفون نسبه. فلما رأى كميشا ركب الفرس، ركب هو ناقته ثم عارضه فقال له: يا كميش، هلك في عانة لم تر مثلها ومعها عير من ذهب، أما الأتان فتروح بها على أهلك، فتفرح بها صدورهم، وتمتلئ قدورهم، وتشبع خصورهم، وأما العير فلا افتقار بعده. فقال كميش: فكيف لنا به؟ فقال له قراد: أنا لك به، ليس يدرك إلاّ فرسك. قال : فدونك! قال : نعم! وأمسك أنت على راحلتي وانتظرني في هذا المكان. وركب قراد الفرس. فلما توارى عنه أنشأ يقول:\rضيعت في العير ضلالا مهرك ... فسوف تأتي بالهوان أهلك\rوقبل هذا ما خدعت الانوكا\rوبقي كميش هناك ينتظره حتى أمسى، فانصرف إلى أهله وقال في نفسه: إن سألني أخي عن الفرس قلت له تحول ناقة فلما قدم على أخيه قال له: أين الفرس؟ فقال: تحول ناقة. فعلم أخوه أنه قد خدع وجعل يضربه. فقال عند ذلك قنفذين جعونة له: اله عما فاتك، فإن أنفك منك وأن كان أجدع!و أتى قراد أهله بالفرس وقال في ذلك :\rرأيت كميشا نوكه لي نافع ... و لم أر نوكا قبل ذلك ينفعُ\rوقلت له أمسك قلوص ولا ترم ... خدعا له مني وذو الكيد يخدعُ\rفأصبح يرمي الخافقين بطرفهِ ... و اصبح تحتي ذو أفانين جرشعُ\rو مثل هذا المثل قولهم: منك ربضك وإن كان سمارا، وسيأتي بيانه في محله إن شاء الله تعالى.\rإن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصاراً.\rالريح معروفة جمعه رياح وأرواح. قال:\rإذا هبت الأرواح من نحو جانبٍ ... به أهل ميّ هاج قلبي هبوبها\rو يقال أيضاً أرياح. والإعصار بكسر الهمزة: ريح تثير غبارا يرتفع إلى السماء عمودا، أو ريح تهب بشدة في ما بين السماء والأرض. قال تعالى: )فأصابها إعصارٌ فيه نارٌ فاحترقت( وجمعه أعاصير. قال الشاعر:\rوبينما المرء في الأحياء مغتبط ... إذا هو الرمس تعفوه الأعاصيرُ\rو قال حارثة بن بدر يرثي زيادا، وقد مات في الكوفة ودفن في الثوية:\rصلى الإله على قبرٍ وطهره ... عند الثوية يسفي فوقه المورُ\rزفت إليه قريش نعش سيدها ... فثم كل التقى والبر مقبورُ\rأبا المغيرة والدنيا مفجعة ... وإنّ من غرت الدنيا لمغرورُ\rقد كان عندك بالمعروف معرفة ... و كان عندك للنكراء تنكيرُ\rوكنت نغشى وتعطي المال من سعة ... إن كان بيتك أضحى وهو مهجورُ\rالناس بعدك قد خفت حلومهم ... كأنما نفخت فيها الأعاصيرُ\rو المعنى أن كنت مثل الريح في الشدة والقوة، فقد لاقيت من هو مثل الإعصار الذي هو أشد الريح وأقواها.\rيضرب للرجل يكون صلبا جلدا فيصادف من هو أقوى منه وأشد، وهو ظاهر.\rأن كنت ذا طب فطب لعينيك\rالطب مثلثة الطاء: علاج الجسم. والطب أيضاً: الرفق والسحر. ولفظ طب في المثل كذلك مثلث الطاء في الموضعين، والمنى ظاهر. وفي نحوه قيل:\rيا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليمُ\rأن يكن هذا من الله يمضه.\rيتمثل به كثيرا، وهو من كلام المصطفىصلى الله عليه وسلم قال لعائشة: أريتك أو رأيتك في المنام في سرفة من حرير فقيل لي هذه زوجك، فقلت أن يكن هذا من عند الله يمضه، أو كما قال صلى الله عليه وسلم .\rإن لا حظية فلا ألية\rالحظوة: المكانة كما مر يقال: حظيت المرأة عند زوجها بالكسر تحظى حظوة وحظة فهي حظية وهن حظايا ضد صلفت. والألو: التقصير يقال: إلاّ في هذا الأمر يألو ألوا وألوا وأليا، وائتلى إذا قصر فيه وابطئ فهو آل ومئتل. قال أمرؤ القيس:\rوما المرء ما دامت حشاشة نفسه ... بمدرك أطراف الخطوب ولا ألِ\rيضرب هذا المثل في مداراة الناس والتودد إليهم. والمعنى انك إن أخطاتك الحظوة فيما تريد، فلا تأل جهدا ولا تزل مجتهدا متوددا للناس حتى تستدرك ما فاتك مما تطلب. وأصله في المرأة إنها إن لم تحظ عند زوجها فلا ينبغي لها أن تقصر في طلب الحظوة حتى تنالها.","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"قيل: وأصله أن رجلا كانت لا تحظى عنده امرأة فتزوج امرأة فلم تأل جهدا في أن تحظى عنده، فلم يقنعه ذلك وطلقها، فقالت ذلك أي: إن لم أحظ عنده فأني لم أقصر، فصار مثلا في كل من اجتهد في أمر ليناله وتعذر وهو لم يقصر في طلبه والسعي فيه.\rواعلم إنّه يقال في المثل بالنصب والرفع بحسب تقدير المحذوف، فمن نصب فمعناه باعتبار الأصل إن لا أكن عندك أيّها البعل حظية فلا أكون ألية في الحظوة بتحسين خلقي وخلقي حتى أدركها. ومن رفع فله وجهان: أحدهما أن تكون الحظية مصدرا لا وصفا. والمعنى إن أخطأتني الحظوة عندك فلا أكون ألية في طلبها أو فلا يقع مني ألو وتقصير. الثاني أن تكون الحظية وصفا على بابها إلاّ إنّها راجعة إلى غير القائلة والمعنى: إن لا تكن لك في الناس حظية تحظى عندك فأنا لا أكون ألية في طلبها حتى أنالها منك، أو نحو هذا من التقادير آتى يصح بها المعنى، كما يجري في نحو: إن خيرا فخير، وإن سيفا فسيف. وقد قرر في النحو ما فيه من التقادير وما هو الأرجح منها وهو معروف.\rإن لا أكن صنعاً فإني أعتثم.\rالصنع: الحاذق الماهر. يقال: رجل صنيع وصنع بكسر فسكون، وصنع بفتحتين، ويروى بهما قول أبي ذؤيب:\rوعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبعُ\rو قال حسان رضي الله عنه في الأخير:\rاهدي لهم مدحتي قلبٌ يوازرهُ ... فيما أحب لسانُ حائك صنعُ\rو يقول: امرأة صناع، على مثال رزان، ضد الخرقاء. قال امرؤ القيس:\rوعينٌ كمرأة الصناع تديرها ... بمحجرها من النصيف المنقبِ\rو العثم: الانجبار الفاسد. يقال: عثم العظم المكسور، بالتاء المثلثة المفتوحة، أي انجبر على غير أستواء؛ وعثمته إذا لازم ومتعدِ؛ وعثمت المرأة المزادة: خرزتها خرزا غير محكم؛ وأعثمتها أيضاً. فمعنى المثل: إن لم أكن حاذقا ماهرا في هذا الأمر فإني أعمل بقدر طاقتي ومعرفتي.\rلأن يهدي الله بك رجلا خير لك من حمر النعم\rيتمثل به وهو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم .\rإنّ البغاث بأرضنا يستنسر\rالبغاث، مثلث الباء الموحدة في أوله بعدها غين معجمة فثاء مثلثة: طير أغبر؛ ويطلق على شرار الطير كلها، وما لا يصيد منها. قال الشاعر:\rإذا كر فيهم كرة افرجوا له ... فرار بغاث الطير صادفن اجدلا\rو قال دريد أبن الصمة:\rوترى الفوارس من مخافة رمحه ... مثل البغاث خشين وقع الأجدلِ\rو قال الحماسي:\rبغاث الطير أكثرها فراخا ... و أم الصقر مقلات نزورُ\rو سيأتي تمام هذا الشعر في محله. واستنسر: صار نسرا، والنسر: الطائر المعروف. وسمي نسرا لأنه ينسر اللحم.\rومعنى المثل إنّ الضعيف من الناس إذا حل بأرضنا ووقع في جوارنا عز بنا وتقوى، كما إنّ البغاث الذي هو ضعاف الطير إذا عاد نسرا فقد تقوى. وقيل معناه، إنّ الضعيف يستضعفنا وتظهر قوته علينا، وعلى هذا إذا أريد الافتخار قيل: إنّ البغاث في أرضنا لا يستنسر.\rولشعر دريد المذكور قصة عجيبة رأيت أن اذكرها، وهي إنّ دريدا خرج في فوارس من قومه بني جشم بن بكر حتى إذا كانوا بواد لبني كنانة رفع لهم رجل في ناحية الوادي معه ظعينة. فلما رآه دريد قال لفارس من أصحابه: دونك فصح به: خل الظعينة وانج بنفسك! فلحقه الفارس فصاح به وألح عليه، فلما أبى أن ينكف عنه ألقى زمام الراحلة وقال للظعينة:\rسيري على رسلك سير الآمن ... سير رداح ذات جأش ساكنِ\rإنّ أنثنائي دون قرني شائني ... أبلى بلائي واخبري وعايني\rثم حمل على الفارس فطعنه طعنة جعلته كأمس الدابر وأخذ فرسه وأعطاه الظعينة. فبعث دريد فارسا آخر لينظر ما فعل صاحبه، فلما انتهى إليه فرآه صريعا صاح على الرجل فتصامم عنه فظن أن لم يسمع فغشيه. فالقى الرجل زمام الراحلة إلى الظعينة ورجع إليه وهو يقول:\rخل سبيل الحرة المنيعة ... انك لاقٍ دونها ربيعه\rفي كفه خطية مطيعة ... أولا فخذها طعنة سريعه\rوالطعن مني في الوغى شريعة\rثم حمل عليه فصرعه. فلما أبطأ الأمر على دريد بعث فارسا ثالثا لينظر ما صنعا، فلما انتهى إليهما رآهما صريعين، ونظر إليه يقود ظعينته ويجر رمحه فقال له: خل سبيل الظعينة! فقال الرجل للظعينة: اقصدي قصد البيوت! ثم اقبل على الفارس فقال:","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"ماذا تريد من شتيم عابس ... ألم تر الفارس بعد الفارس\rأرداهما عامل رمح يابس\rثم حمل عليه فصرعه وأنكسر رمحه. ثم إنّ دريدا ارتاب وظن إنّ الفوارس قتلوا الرجل وذهبوا بالظعينة، فجاء حتى لحق بالرجل وقد دنا من الحي ، ووجد أصحابه صرعى فقال له: أيهما الرجل، إنّ مثلك لا يقتل، ولا أرى معك رمحا، والخيل ثائرة بأصحابها. فخذ رمحي هذا، فأني منصرف إلى أصحابي فمثبطهم عنك. فرجع دريد إلى أصحابه وقال لهم: إنّ صاحب الظعينة قد حماها وقد قتل أصحابكم وأنتزع رمحي ولا مطمع لكم فيه، فانصرفوا، فقال دريد بن الصمة:\rما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... حامي الظعينة فارسا لم يقتلِ\rأردى فوارس لم يكونوا نهزة ... ثم استمر كأنه لم يفعلِ\rمتهلهلا تبدو أسره وجهه ... مثل الحسام جاءته كف الصيقلِ\rيزجي ظعينة ويسحب ذيله ... متوهجاً يمناه نحو المنزلِ\rوترى الفوارس من مخافة رمحه ... مثل البغاث خشين وقع الأجدلِ\rيا ليت شعري من أبوه وأمه ... يا صاح من يكُ مثله لا يجهلِ\rو قال صاحب الظعينة في ذلك، وهو ربيعة بن مكدم، أحد بني فراس بن كنانة:\rإن كان ينفعك اليقين فسائلي ... عني الظعينة يوم وادي الأخرمِ\rإذ هي لأوّل من أتاها نهبة ... لولا طعان ربيعة بن مكدمِ\rإذ قال لي أنى الفوارس ميتة ... خل الظعينة طائعا لا تندمِ\rفصرفت راحلة الظعينة نحوه ... عمدا ليعلم بعض ما لم يعلمِ\rوهتكت بالرمح الطويل أهابه ... فهوى صريعا لليدين وللفمِ\rومنحت آخر بعده جياشة ... نجلاء فارغة كشدق الأضجمِ\rولقد شفعتهما بآخر ثالثا ... و أبى الفرار لي الغداة تكرمي\rثم لم تلبث كنانة أن أغارت على بني جشم، فقتلوا وأسروا دريد بن الصمة، فأخفى نفسه. فبينما هو عندهم محبوس إذ جاءته نسوة يتهادين نحوه، فصاحت إحداهن وقالت: هلكتم وأهلتم. ماذا جر عليها قومها؟ هذا والله الذي أعطى ربيعة رمحه يوم الظعينة! فألقت عليه رداءها وقالت: يا آل فراس! أنا له جارة. فسألوه من هو فقال: أنا دريد بن الصمة، فمن صاحبي؟ قالوا: ربيعة بن مكدم. قال: فما فعل؟ قالوا: قتلته سليم، قال: فما فعلت الظعينة؟ قالت المرأة أنا هي، وأنا امرأته. فحبسه القوم ووامروا أنفسهم. فقال بعضهم: لا ينبغي أن تكفر نعمة دريد على صاحبنا. وقال آخرون: والله لا يخرج من أيدينا إلاّ برضى المخارق الذي أسره. فلما أمست المرأة، وهي ريطة بنت جذل الطعان، رفعت عقيرتها وقالت:\rسنجزي دريدا عن ربيعة نعمة ... و كل امرئ يجزى بما كان قدما\rفإنَ كان خيرا كان خيرا جزاؤه ... و إنّ كان شرا كان شرا مذمما\rسنجزيه نعمى لم تكن بصغيرة ... بإعطائه الرمح الطويل المقومى\rفقد أدركت كفاه فينا جزاءه ... و أهل بأن يجزى الذي كان أنعما\rفلا تكفروه حق نعماه فيكم ... و لا تركبوا تلك التي تملأ الفما\rفلو كان حيا لم يضق بثوابه ... ذراعا غنيا كان أو كان معدما\rففكوا دريدا من إسار مخارقٍ ... و لا تجعلوا البؤسى إلى الشر سلما\rفلما أصبحوا وأطلقوه، فكسته وجهزته ولحق بقومه. ولم يزل كافا عن غزو بني فراس حتى هلك. قلت: وفي بني فراس هؤلاء يقول علي كرم الله وجهه مخاطبا لأهل العراق إذ تخاذلوا عنه: يا ليت لي من بني فراس واحدا بعشرة منكم صرف الدينار بالدرهم!.\rولربيعة المذكور قصة أخرى في حماية الظعن تأتي في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.\rإنّ البكري ليحسن السعدي\rالبكري منسوب إلى بكر، وفي العرب بكر بن وائل، وبنو بكر بن عبد مناة، والنسب إليهم بكري، وكذال النسبة إلى أبي بكر. وفي العرب أيضاً بنو أبي بكر بن كلاب، والنسبة إليهم بكراوي. والسعدي منسوب إلى سعد، وفي العرب سعود كثيرة: سعد تميم وسعد هذيم وسعد قيس وسعد بكر، كما قال طرفة:\rرأيت سعودا من شعوب كثيرةٍ ... فلم ترعيني مثل سعد بن مالك\rأبر وأوفى ذمة يعقدونها ... و خيرا إذا ساوى الذرى بالحوارك\rيريد سعد بن مالك بن ضبيعة. والحس: الرقة؛ تقول: حسست لفلان، بفتح السين وكسرها، حسا وحسا، إذا رققت له. قال القطامي:","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"أخزك الذي لا تملك الحس نفسه ... ترفض عند المحفظات الكتائف\rو الكتائف: الأحقاد. قال كميت:\rهل من بكى الدار راج إنّ تحس له ... أو يبكي الدار ماء العبرة الخضل؟\rو في الصحاح: قال أبو الجراح العقيلي: ما رأيت عقيليا إلاّ حسست له، أي رققت.\rإنّ تحت طريقته لعنداوة.\rالطريقة، بالتشديد على مثال سكين: الرخاوة واللين؛ ورجل مطروق: فيه رخاوة.\rقال أبن احمر:\rولا تحلي بالمطروق إذا ما ... سرى سرى في القوم أصبح مستكينا\rو العنداوة: الصعوبة، من العنود، وهو رد الحق والحيدودة عن الطريق، وبعير عاند يحيد عن الطريق.\rوالمعنى أن سكونه ورخاوته قد يكون معه احياناً عسرة وشراسة.\rإنّ الجواد عينه فرارة.\rالجواد: العتيق من الخيل الكثير الجري، سمي به لأنّه يجود بنفسه. والعين تطلق على الباصرة، وعلى الشخص الشيء وهو المراد هنا؛ والفرارة: أن تفتح فإذا الدابة لتعلم سنها. يقال: فرها فرا وفرارا، مثلث الفاء، إذا فتح فاها لذلك. ومن قول الحجاج: ولقد فررت عن الذكاء، وفتشت عن تجربة، أي فررت فوجدت تام السن. فإن الذكاء يطل على السن، وهو أحد ما يفسر به قول زهير:\rيفضله إذا اجتهدا عليها ... تمام السن منه والذكاء\rو منه المثل الآتي: جري المذكيات غلاب. وإلى هذا المعنى أشار أبو بكر بن دريد رحمه الله بقوله:\rوفر عن تجربة نابي فقل ... في بازل راض الخطوب فامتطي\rو كتب الحسن بن سهل إلى القاضي محمد بن سماعة: أما بعد فأني احتجت لبعض أموري إلى رجل جامع لخصال الخير، ذي عفة ونزاهة طعمة، قد هذبته الآداب وأحكمته التجارب، ليس بظنيت برأيه ولا بمطعون في حسبه؛ إن أؤتمن على الأسرار قام بها، وإن قلد مهما من الأمور أجزأ فيه؛ له سن مع أدب ولسان، تعقده الرزانة ويسكنه الحلم، قد فرعن ذكاء وفطنة، وعض على قارحة من الكمال، تكفيه اللحظة، وترشده السكتة؛ قد أبصر خدمة الملوك وأحكمها، وقام بأمورهم فحمد فيها؛ له أناة الوزراء، وصولة الأمراء، وتواضع العلماء، وفهم الفقهاء، وجواب الحكماء، لا يبيع نصيب يومه بحرمان غده، يكاد يسترق قلوب الرجال بحلاوة لسانه، وحسن بيانه. دلائل الفضل عليه لاحئة، وأمارة العلم له شاهدة؛ مضطلعا بها أستنهض، مستقلا بما حمل. وقد أثرتك بطلبه، وحبوتك بارتياده، ثقة بفضل اختيارك، ومعرفة بحسن تأتيك. فكتب إليه القاضي: إني عازم أن أرغب إلى الله عز وجل حولا كاملا في ارتياد مثل هذه الصفة وأفراس الرسل الثقات في الآفاق لالتماسه. وأرجو أن يمن الله بالإجابة فأفوز لديك بقضاء حاجتك، والسلام. ويصح أن يراد بالذكاء أيضا في كل ما مر معناه الذي هو الفطنة وحدة الفوائد. وعلى كل حال فذلك مثل للكشف والاختبار، وأصله في الدواب.\rومعنى المثل المذكور أن الجواد إذا نظر إليه العارف المعرب عرفه من غير احتياج إلى فره واختباره، وكان نظره إلى عينه، أي شخصه، فرارا له، أي قائما مقام الفرار، فيقال: فلان عينه فرار لهذا المعنى.\rويضرب لكل من يدل ظاهره على باطنه لكل معانيه. قال الشاعر:\rتعرف من عينيه نجابته ... كأنه بالذكاء مكتحل\rو قال الراجز في صفة الذئب:\rأطلس يخفي شخصه غباره ... في فمه شفرته وناره\rهو الخبيث عينه فراره\rإنّ الحذر لا يغني من القدر.\rالحذر: التحرز من الشيء وهو ظاهر. والقدر: ما كتبه الله تعالى وقدره من الكائنات. ومعلوم أن ما قضى الله بوقعه فلا دافع له، وهذا من الأمثال الحكيمة. قال هانئ بن قبيصة الشيباني لقومه يحضهم يوم ذي قار وهو يوم مشهور أيامهم: يا معشر بكر! هالك معذور خير من ناج فرور. إنّ الحذر لا يغني من القدر، وإنّ الصبر من أسباب الظفر. المنية ولا الدنية. استقبال الموت خير من أستدباره. الطعن في ثغر النحور أكرم منه في الأعجاز والظهور. يا آل بكر! قاتلوا، فما للمنايا من بد! ويحكى أنّ أمير المؤمنين عليا كرم الله وجهه كان إذا حمي وطيس الحرب انشد:\rأي يومي من الموت افر ... يوم لا يقدر أمثال يوم قدر\rيوم لا يقدره لا أرهبه ... و من المقدور لا ينجي الحذر\rثم يحمل ويغشى لظاها.\rإنّ دون الظلمة خرط قتاد هو بر\rإنّ الرثيئة تفثاً الغضب","part":1,"page":44},{"id":45,"text":"الرثيئة: لبن مخلوط. يقال: ارتثأ اللبن بالثاء المثلثة والهمز إذا خثر؛ ورثات اللبن إذا حلبته على حامض فخثر؛ والاسم: الرثيئة والفثئ: التسكين؛ يقال: فثأت القدر بالثاء المثلثة إذا أسكنت غليانها.قال:\rتفور علينا قدرهم فنديمها ... و نفثؤها عنا إذا حمؤها غلا\rو قال الحماسي:\rفنفل شوكتها ونفثأ حميها ... حتى يبوخ وحمينا لم يبردِ\rو تقول: فثأت الرجل إذا كسرته عنك بقل أو غيره وسكنت غضبه. وفثأت الخبز، ويقال أيضاً بالتاء المثناة، وهي فعل تام في هذا المعنى غير مخصص بالنفي، كما أثبته أبن مالك وغيره. والغضب معروف، وهو حركة النفس، مبدأها إرادة الانتقام. غضب: بالكسر، يغضب، فهو غضبان. والمعنى أن شرب الرثيئة كاسر للغضب مسكن له نافع.\rيضرب في اصطناع المعروف مطلقا وفعل اليسير من البر فانه نافع.\rوأصله أن رجلا كان غضب على قوم، وكان مع غضبة جائعا، فسقوه رثيئة، فسكن غضبه وكان عنهم. وفي الرثيئة يحكى أن عمرو بن معد يكرب قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : يا أمير المؤمنين، أ افرام بنو مخزوم؟ قال وما ذاك؟ قال : تضيفت خالد بن الوليد فأتى بقوس وكعب وثور. قال : إنّ في ذلك لشبعة. قال : لي أو لك؟ قال : لي ولك. فقال عمرو: حلا يا أمير المؤمنين فيما تقول. إني لأكل الجذع من الإبل أنتقيه عظما عظما، واشرب التبن من اللبن رثيئة وصريفا. أراد بالقوس البقية من التمر تبقى، وبالكعب القطعة من السمن، وبالثور القطعة من الأقط، وبالتبن القدح العظيم، وبالرثيئة ما صب كما مر، وبالصريف ما انصرف به عن الضرع حارا. وقوله حلا هي كلمة تقولها العرب في الأمر تكرهه بمعنى: كلا. ومنه قول الأحن بن قيس حين دخل على المصعب بن الزبير يكلمه في رجل وجد عليه، فقال مصعب: بلغني عنه الثقة، فقال الأحنف: حلا أيها الأمير، إنّ الثقة لا يبلغ! ويروى هذا المثل: إنّ الرثيئة مما يفتأ الغضب، على إنّه موزون كشطر بيت من البسيط. وقد جعل الشنتمري في شرح الحماسة هذا المثل حديثا، وهو غريب والله اعلم.\rإنَّ الرقين تغطي أفن الأفين\rالرقون: جمع رقية، وهي الفضة؛ يقال : ورق، مسكن الراء، مثلث الواو؛ وورق، بفتح فكسر، وبفتحتين، وجمع الكل أوراق. ويقال: رقة، بحذف الفاء، كعدة. ومنه الحديث: في الرقة ربع العشرة. وجمع الرقة: رقون، وهو شاذ، لأن هذا الجمع إنّما يشيع وراء بابه في المحذوف اللام، كنين وعضين وعزين. أما المحذوف الفاء كعدة وجدة ودية فلا، غير إنّه ورد فيه ألفاظ على وجه الندرة، كرقين في جمع الرقة، ما مر؛ وازين، في جمع الازة، وهي حفرة تحفر ويستوقد فيها؛ ولدين، في جمع اللدة، وهو مساويك في السن؛ وحشين في جمع الحشة، وهي الأرض المعشبة. والتغطية: الستر. والأفن: ضعف الرأي؛ يقال : أفن الرجل، بالكسر، أفنا محركا ومسكنا. قال قيس بن عاصم المنقوي رحمه الله تعالى:\rإني امرؤ لا يعتري حسبي ... دنس يفنده ولا أفنُ\rمن منقر في بيت مكرمة ... و الفرع ينبت حوله الغصنُ\rو قد أفنه الله يأفنه، فهو مأفون وأفين. وقال الشاعر:\rوقد تزدري العين الفتى وهو عاقلُ ... و يؤفن بعض القوم وهو جريمُ\rو معنى المثل أنَّ وجدان المال يحلي المرء بحلية الكمال، ويستر ما فيه من ذميم الخصال، ويحببه إلى قلوب الرجال، حتى يروه بعين التوقير والاجلال، وإن كان من أحمق الحمقى وأجهل الجهال، كما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه وأحسن:\rربَّ حلم أضاعه عدم المال ... و جهلٍ غطى عليه النعمُ\rو قال آخر:\rوالناس أعينهم إلى سلف الفتى ... لا يسألون عن الحجى والأولقِِ\rو قال أعرابي مر بأهله:\rسأعمل نص العيس حتى يكفني ... غنى المال يوما أو غنى الحدثانِِ\rفللموت خيرٌ من حياة يرى بها ... على المرء ذي العلياء مس هوانِ\rمتى يتكلم يبلغ حكم مقاله ... وإن لم يقل قالوا عديم بيانِ\rكأن الغنى في أهله بورك الغنى ... بغير لسان ناطقٌ بلسانِ\rو قال أبو الطيب:\rفلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... و لا في الدنيا لمن قل مجدهُ\rو يقال : المرء بنشبه وسيأتي في أثناء الكتاب جملة نافعة من هذا المعنى ومن ثناء الشعر على الثروة والغنى.\rإنَّ السقط يحرق الحرجة.","part":1,"page":45},{"id":46,"text":"السقط ما يسقط بين الزندين قبل استحكام الورى، وتثلث سيبه والإحراق والتحريق معروف. والحرجة بفتحتين: الشجر الكثير الملتف، جمعه حرج وأحراج وحراج. قال العجاج:\rعاين حيا كالحراج نعمه ... يكن أقصى شله محرنجمه\rو هذا المثل وقع في حكاية للأصمعي قال : بينما أنا بحمى ضربة إذ وقف عليَّ غلام من بني أسد في أطمار ما ظننته يجمع بين كلمتين. فقلت: ما اسمك؟ قال : حريقيص. فقلت: أما كفى أهلك إن يسمونك حرقوصا حتى ضغروا اسمك؟ فقال: إنَّ السقط يحرق الحرج. فعجبت من جوابه فقلت: أتنشدنا شيئا من أشعار قومك؟ قال : نعم، أنشدك لمرازنا قلت: افعل. قال :\rسكنوا شبيثا والاحص وأصبحوا ... نزلت منازلهم بنو ذيبانِ\rوإذا يقال أتيتم لم يبرحوا ... حتى تقيم الخيل سوق طعانِ\rوإذا فلان مات عن أررومةٍ ... رفعوا معاوز فقده بفلانِ\rقال. فكادت الأرض تسوخ بي لحسن إنشاده الشعر. فأنشدت الرشيد هذه الأبيات فقال: يا أصمعي، وددت لو رأيت هذا الغلام فكنت أبلغه أعلى المراتب! ومعنى المثل أنَّ الأمر الصغير قد يصير إلى أعظم، والرجل المستحقر قد يغني غناء المستعظم، بل الواحد قد يقوم مقام الجم. ومن هذا قول القائل:\rلا تحقرن صغيراً في تقلبه ... إنَّ البعوضة تدمي مقلة الأسدِ\rوللشرارة نارٌ حين تضرمها ... و ربما أضرمت ناراً على بلدِ\rو قال الآخر:\rأرى خلل الرماد وميض نارٍ ... و يوشك أنَّ يكون لها ضرامُ\rفإنَ النار بالزندين تورى ... و إنَّ الحربَ أولها الكلامُ\rو قول المسكين: ولقد رأيت الشر بين الحي يبدؤه صغاره.\rوقول أبي العلاء:\rوقد ينمى من صغيرٍ ... و ينبت من نوى القسب اللبان\rو قد بين هذا المعنى من قديم عدي بن زيد حيث يقول:\rشط وصل الذي تريدين مني ... و صغير الأمور ينجي الكبيرا\rو بعد هذا البيت:\rإنَّ للدهر غرة فاحذرنها ... لا تبيتين قد أمنت الدهورا\rقد ينام الفتى صحيحا فيردى ... و لقد بات آمناً مسرورا\rأيّها المبتغي سبيل غناه ... الزم البر في الفؤاد ضميرا\rلا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا\rو وقع في شعر مرارٍ السابق شبيث والاحص وهما موضعان، والمعاوز وهي الخلفان، ويريد انهم كلما مات منهم كريم خلفه كريم يسد مسده. ومثله قول الحماسي السمؤل بن عاديا:\rإذا سيد منا خلا قام سيد ... قؤول لمّا قال الكرام فعول\rو قول الحماسي الآخر:\rوليس يهلك منا سيد أبدا ... إلاّ اجتلينا غلاما سيدا فينا\rو قول أبي الطمحان: إذا مات منا سيد قام صاحبه ونحوه كثير في أشعارهم. والمقصود من ذلك كله أنَّ السؤدد في القوم شائع، والكرم كثير ذائع، فكلما فقد من السادات مفقود، فغيره موجود.\rإنَّ الشفيق بسوء الظن مولع\rالشفيق بفتحتين: الخوف وحرص الناصح على صلاح المنصوح. ويقال: أشفقت عليه شفقاً وإشفاقاً، فأنا شفيق ومشفق. قال خلف بن خليفة:\rتهوي حياتي وأهوى موتها شفقا ... و الموت اكرم نزال على الحرام\rو لا يقال: أشفقت عليه. وجوزه بعض اللغويين. والظن الراجح من طرفي التردد في الشيء. وقد يطلق على الاعتقاد مطلقا. والمولع بالشيء: المغرى به؛ يقال: ولع به بالكسر، ولعاً بفتحتين، وولوعاً مفتوح الأول؛ وأولعته أنا وأولع به، فهو مولع. ومعنى المثل إنَّ كان من تشفق عليه فأنت تتخوف عليه الأحداث، حتى إنَّ كل شيء ذكر أو سمع أو رئي تخشى أنَّ يكون قد وقع به، كما قال الحماسي دريد بن الصمة:\rتنادوا فقالوا أردت الخيل فارسا ... فقلت أعبد الله ذلكم الردي\rو عبد الله هو بن الصمة أخو دريد. فكان دريد لمّا سمع قول الفوارس قد صرع فارس ظنه دريد أخاه فشفق عليه. وقيل إنّه ظنه أخاه لمّا علم من إقدامه وجرأته. وسوء الظن عند الشفق أمر معروف مشاهد في الناس، ولا سيما الضعفاء من كالنساء، حتى إنّه متى ذكر هلاك في الجيش غائب أو مسافرين، كان كل من هناك من يشفق عليه يتصور ذلك الهلاك فيه شفقة، وهو أوّل ما يسبق إلى وهمه.","part":1,"page":46},{"id":47,"text":"ومما يشبه هذا ما وقع لإياس بن معاوية رحمه الله: نظر إلى نسوة ثلاث، وقد فزعن من شيء، فقال: هذه بكر، وهذه ظئر وهذا ظئر، وهذه حبلى. فسئلن عن ذلك فوجد الأمر كما قال. فقيل له: بم عرفت ذلك؟ قال: إنهن لمّا فزعن وضعت كل واحدة يدها على أهم المواضع عندها، فوضعت البكر على فرجها، والظئر على ثديها، والحبلى على بطنها. فانظر في هذه القصة كيف جعلت كل واحدة تظن الشر نازلاً بالمحل الذي لها مزيد إشفاق عليه!\rإنَّ الشقراء لم يعد شرها رجليها\rالشقراء: فرس جمحت بصاحبها فأتت على وادٍ وهمت أنَّ تثبه، فقصرت ووقعت، فاندقت عنقها وسلم صاحبها. فسئل عنها فقال: إنَّ الشقراء لم يعد شرها رجليها، أي لم يتجاوزها إلى غيرها. ويقال فرس رمحت ابنها فقتلته. والمعنى إنَّ الشر لم يتجاوز ما كان برجلها، فيضرب في النحو هذا من الشيء النازل ولم يتعد. وكان عتبة بن جعفر بن كلاب أجار رجلا من بني أسد فقتله رجل من بني كلاب، فقال بشر بن أبي حازم الأسدي يهجو عتبة:\rفأصبحت كالشقراء لم يعد شرها ... سنابك رجليها وعرضك أوفرُ\rوفي الشقراء كلام آخر يأتي إن شاء الله تعالى.\rإنَّ الشقي وافد البراجم.\rالشقاء: العسر والشدة، يمد ويقصر. يقال: شقي الرجل بالكسر، يشقى، شقاوة بفتح الشين وكسرها، وشقا وشقاء وشقوة بالفتح والكسر أيضاً فهو شقي. والوافد: القادم؛ يقال وفد علي يفد أي قدم فهو وافد وهو وفد وأوفاد ووفود. ومن الأول قوله تعالى: )يومَ نحشرُ المتقينَ إلى الرحمنِ وفداً(. والمفسرون يقولون: وافدا أي راكبا لأن الوفود سراة الناس. والبراجم: قوم من أولاد حنظلة بن مالك بن عمرو بن تميم.\rالمثل لعمرو بن هند وهو عمرو بن المنذر بن امرئ القيس بن عمرو بن عدي اللخمي بن أخت جذيمة الأبرش ملك الحيرة. وكان سبب ذلك أنَّ أخاة اسعد بن المنذر كان في بني دارم مسترضعا في حجر زرارة بن عدس الدارمي ويقال في حجر حاجب بن زرارة. فلما شب خرج يوما يتصيد فعبث كما تعبث الملوك لمّا انصرف من صيده وبه نبيذ، فرماه رجل من بني دارم بسهم فقتله. وقيل مرت به ناقة كوماء فعبث بها ورمى ضرعها، فشد عليه ربها سويد، أحد بني عبد الله بن دارم فقتله، ثم هرب فلحف بمكة وحالف قريشا. وكان زرارة بن عدس من خواص عمرو بن هند. وكان عمرو قبل ذلك قد غزا قوما من العرب ومعه زرارة فأخفق. فلما انتهى عبد رجوعه إلى جبل طيء قال له زرارة: أيّها الملك! إنَّ رجوع مثلك إذا غزا بغير شيء لعظيم، وها هي طيء بجنبك. فمال عليها أبن هند فقيل وأسر. فاضطغنت طيء من ذلك على زرارة وجعلوا يتربصون به فرصة، فلما بلغهم إنَّ دارما قتلت اسعد وكتم عمرو بن هند ذلك في نفسه،قال عمرو بن ملقط الطائي ينبه عمرا للنهوض إلى أثره ويغريه بقتل زرارة:\rمن مبلغ عمرا بأن ... المرء لم يخلق صباره؟\rها إنَّ عجزة أمه ... بالسفح أسفل من أوراه\rتسفي الرياح خلال ... كشحي هو قد سلبوا إزاره\rفاقتل زرارة لا أرى ... في القوم أوفى من زرارة!\rفوافى هذا الشعر عمرا وزرارة عنده. فقال له عمرو: ما يقول هذا؟ فقال: كذب قد علمت عداوتهم أي فيك. قال: صدقت! فلما أمسى زرارة، هرب ولحق بقومه. فغزاهم عمرو بن هند وحلف ليحرقن منهم مائة بأخيه. فلما نزل بأوارة، وقد نذروا به، تفرقوا عنه هربا. فتتبعهم حتى قبض تسعة منهم وحرقهم بالنار. فأراد إنَّ يكمل العدة بعجوز منهم. فلما أمرها قالت: إلاّ فتى يفدي هذه العجوز بنفسه؟ ثم قالت: هيهات! صار الفتيان حمما. ومر وافد البراجم، فاشتم رائحة الشواء ولم يشعر بالأمر، فظن أنَّ الملك قد اتخذ طعاما. فأقبل نحوه تخب به راحلته لينال منه، حتى وقف على عمرو فقال له: من أنت؟ قال: أبيت اللعن! أنا وافد البراجم.فقال عمرو: إنَّ الشقي وافد البراجم. فذهبت مثلا. ثم أمر به فقذف في النار.\rيضرب هذا المثل في الإنسان يجلب الحين على نفسه وهو من باب قولهم: بحث عن حتفه بظلفه، وسيأتي. وبهذه الواقعة سمي عمرو بن هند محرقا لتحريقه بني تميم. وقيل سمي محرقا لعتوه وفساده في الأرض فكأنه حرقها. وقيل لتحريقه نخل مللهم، وهو موضع بالبحرين ويسمى أيضاً مضطرب الحجارة لشدة وكأته. وكان جده امرء القيس أيضاً فيما يزعمون يسمى محرقا، وأباه يعني الأسود بن يعفر بقوله:","part":1,"page":47},{"id":48,"text":"ماذا أؤمل بعد آل محرقٍ ... تركوا منازلهم وبعد إيادِ\rأرض الخورنق والسدير ويارقٍ ... و القصر ذي الشرفات من سندادِ\rجرت الرياح على محل ديارهم ... فكأنهم كانوا على ميعادِ\rو في هذه القصة يقول الأعشى:\rويكون في الشوفِ الموازي ... منقراً وبني زراره\rأبناءُ قومٍ قتلوا ... يوم القصيبة والأواره\rفجروا على ما عاودوا ... و لكلٍّ عاداتٍ أماره\rوالعود يعصرُ ماؤه ... و لكلٍّ عيدانٍ عصاره\rو قال جرير يعير الفرزدق:\rأين الذين بنار عمرو حرقوا؟ ... أم أين اسعد فيكم المسترضع؟\rو قال أيضاً:\rوأخزاكم ربي كما قد خزيتم ... و أدرك عماراً شقي البراجم\rوبها أبلغ ليك بني تميمٍ ... بآية ما يحبون الطعاما\rو قال آخر:\rإذا ما مات ميتٌ من تميمٍ ... فسرك أن يعيش فجئ بزادِ\rبخبزٍ أو بلحمٍ أو بتمرٍ ... أو الشيء الملفف في بجادِ\rتراه ينقب البطحاء طرا ... ليأكل رأس لقمان بن عادِ\rودخل بعض أذكياء بني تميم، ويقال هو الأحنف، على بعض ملوك قريش، ويقال هو معاوية رضي الله عنه، فقال له الملك: ما الشيء الملفف في البجاد؟ قال السخينة، يا أمير المؤمنين. أراد الملك أنَّ يعيره بالطعام وأشار إلى الشعر السابق وأراد التميمي تعييره بالسخينة، وهي طعام، وكانت قريش تعير بها. ويشبه هذه القصة في تميم أيضاً ما يحكى أنَّ أعرابيا وقف على الفرزدق فقال له الفرزدق: ممن أنت؟ فقال: من فقعس. قال: كيف تركت القنان؟ قال : تركته يساير لصاف.\rأراد الفرزدق قول الشاعر:\rضمن القنان لفقعس سوءاتها ... إنَّ القنان بفقعس لمعمرُ\rو أراد الفقعسي بقوله يساير لصاف قول آخر:\rوإذا تسرك من تميم خصلةٌ ... فلما يسوءك من تميم أكثرُ\rوقد كنت أحسبهم أسود خفية ... فإذا لصاف تبيض فيها الحمر\rأكلت أسيد والهجيم ودارم ... أير الحمار وخصيته العنبر\rذهبت فشيشة بالأباعر حولنا ... سرقا فصب على فشيشة أبجر\rو القنان، بفتح القاف، جبل لبني أسد، وهو الواقع في قول زهير:\rجعلن القنان عن يمين وحزنه ... و من بالقنان من محل ومحرم\rو لصاف، بكسر اللام وبفتحها، معربا ومبنياً على الكسر، جبل لتميم، وهو الواقع في قول النابغة:\rبمصطبحات من لصاف وثبرة ... يزرن إلالاً يسرهن التدافع\rو نحوه ما حكى الجاحظ قال: دخل رجل من محارب على عبد الله بن يزيد الهلالي، وهو عامل على أرمينية، وقد بات بقرب غدير فيه ضفادع. فقال عبد الله: ما تركتنا أشياخ محارب ننام في هذه الليلة لشدة أصواتها. فقال المحاربي: اصلح الله الأمير! إنّها أضلت برقع لها، فهي بغائه. أراد الهلالي قول الأخطل:\rتنق بلا شيء شيوخ محاربٍ ... و ما خلتها كانت تريش ولا تبري\rضفادع في الظلماء ليل تجاوبت ... فدل عليها صوتها حية البحر\rو أراد المحاربي قول الشاعر:\rلكل هلالي من اللؤم برقع ... و لأبن هلال برقع وقميص\rو مما شبه هذا في الذكاء والفطنة ما حكي عن بعض الناس إنّه قال: قعدت على جسر بغداد، فمرت امرأة بارعة الجمال، فائقة الكمال، من الرصافة إلى الجانب الغربي. فاستقبلها شاب ذهب نحو الرصافة، فقال الشاب: رحم الله علي بن الجهم. فقالت المرأة: رحم الله أبا العلاء المعري: ولم يقف واحد منهما، بل مر كلٌ لحاجته، مشرقاً ومغرباً قال: فتبعت المرأة، فقلت لها: إنَّ لم تقولي ما قلتما. فضحكت فقالت: أراد الشاب قول علي بن الجهم:\rعيون المهى بين الرصافة والجسر ... جلب الهوى من حيث ادري ولا ادري\rو أردت أنا قول أبي العلاء المعري:\rفيا دارها بالحزن إنَّ مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال\rفانصرفت وتركتها. وبعضهم ينكر في قصة عمرو بن هند التحريق، ويقول إنّه قتل تسعة وتسعين وإكمال العدة بوافد البراجم، وينشد قول الجرير: أين الذين بنار عمرو قتلوا؟ وفي القصة اختلاف وطرق، وسنعيدها في الباء إنَّ شاء الله تعالى على وجه آخر للحاجة إليها هناك.\rإنَّ العصا قرعت لذي الحلم.","part":1,"page":48},{"id":49,"text":"العصا معروفة. والقرع: الضرب. والحلم: العقل. ومعنى المثل إنَّ الحليم إذا نبه انتبه. واختلف في أوّل من قرعت له العصا: فقيل عامر بن حممة، وقيل عمرو بن مالك، وقيل قيس بن خالد، وقيل عامر بن الظرب العدواني وهو الأشهر، وكان حكماً من حكام العرب. فلما كبر، قيل وأتى عليه ثلاثمائة سنة أنكر من عقلة شيئاً، وكانت له بنت حكيمة، فكان إذا قعد للناس وصاها إنَّ تقرع له المجن بالعصا إذا زل في كلامة ليرجع. قال الملتمس:\rلذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... و ما علم الإنسان إلاّ ليعلما\rو أراد بذي الحلم عامراً، وهو كنينه فيما يزعمون. وقال الحماسي الحرث بن وعلة الجرمي:\rقومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي\rفلئن عفوت لأعفون جللاً ... و لئن سطوت لأوهنن عظمي\rلا تأمنن قوماً ظلمتهم ... و بدأتهم بالشتم والرغم\rإنَّ يأبروا نخلاً لغيرهم ... و الشيء تحقره وقد ينمي\rوزعمتم أنَّ لأحلوم لنا ... إنَّ العصا قرعت لذي الحلم\rووطئتنا وطئا على حنقٍ ... وطء المقيد نابت الهرم\rوتركنا لحما على وضمٍ ... لو كنت تسبقني من اللحم\rقيل: وعامر هذا أوّل من جلس على المنبر وتكلم. وفيه يقول الأسود بن يعفر:\rولقد علمت لو إنَّ علمي نافعٌ ... أنَّ السبيل سبيل ذي الأعداد\rو إليه اشار ذو الإصبع العدواني بقوله:\rعذير الحي من عدوان ... كانوا حية الأرض\rبغي بعضهم ظلما فلم ... يرع على بعض\rومنهم كانت السادات ... و الموفون بالقرض\rومنهم من يجيز الناس ... بالسنة والفرض\rومنهم حكم يقضي ... فلا ينقض ما يقضي\rيعني عامر بن الظرب، وسيأتي له مزيد من الخبر.\rإنَّ فلاناً باقعة.\rالباقعة: الرجل الداهية؛ وأصله البقع في الأرض وهو الذهاب فيها وحوله بقاعها. يقال : ما أدري أين بقع أي ذهب. فالباقعة هو الذي جال بقاع الأرض وعرف خيرها وشرها فاستعمل في الداهية الذكي الذي لا يفوته شيء. ويقال الباقعة هو الطائر يرد البقاع وهي الأمكنة فيها ماء ويحيد عن المشارع والمياه المحصورة خوف أنَّ يحتال عليه فيصاد. فضرب مثلا للرجل الحذر المحتال.\rإنّه لحبل من أحبالها\rالحبل بكسر الحاء وتفتح الداهية من الدواهي جمعه حبول. قال كثير:\rفلا تعجلي يا عز أنَّ تتبيني ... بنصحي أتى الواشون أم بحبولِ\rو يقال للرجل هو حبل من أحبالها إذا كان داهية كالمثل الذي قبله أو كان قائما على المال رفيقا بسياسته.\rإنّه لذو بزلاء.\rالبزلاء: الرأي الجيد؛ وهو إما مأخوذ من البزول يقال بزل ناب البعير إذا انشق وطلع؛ وبزلت الشيء: شققته فتبزل. فالبزلاء: الرأي الذي ينشق عن الصواب. ويقال: رجل بازل إذا احتنك، تشبيها بالبازل من الإبل. وقال الراعي:\rمن أمر ذي بدوات لا يزال له ... بزلاء يعي بها الجثامة اللبدُ\rو أما من البزلاء وهي الداهية العظيمة. ومنه قولهم: فلان نهاض ببزلاء إذا كان مطيقا للشدائد.\rإنّه ليسر حسوا في لرتغاء.\rالسرار ضد الإعلان؛ والحسو: الشرب؛ يقال : حسا اللبن والماء والمرق وغير ذلك إذا شربه؛ واسم ما يحسى: الحسو، مقصورا وممدودا، والحسو على مثال عدو، والحسية. ورغوة اللبن، مثلثة الراء، ورغاوته، ورغايته، بضم الراءين، ويكسران: زبدة الطافي فوقه. قال نضلة السلمي في يوم غول، وكان حقيرا دميما، وكان ذا بأس ونجدة:\rألم تسل الفوارس يوم غول ... بنضلة وهو موتور مشيح؟\rرأوه فازدروه وهو حر ... و ينفع أهله الرجل القبيحُ\rفشد عليهم بالسيف صلتا ... كما عض الشبا الفرس الجموحُ\rفاطلقت غل صاحبه وأردى ... قتيلا منهم ونجا جريحُ\rولم يخشوا مصاليه عليهم ... وتحت الرغوة اللبن الصريحُ\rو الصريح: الخالص ويسمى المحض كما قال طرفة:\rويشرب حتى يغمر المحض قلبه ... و إن أعطيته أترك لقلبي مجثما\rو كما قال الآخر: فقل جعل يستق في لبن محض. ويقال : ارتغى الرغوة إذا أخذها بفيه واحتساها.\rومعنى المثل إنّه يحسو اللبن وهو يظهر إنّه يزيل الرغوة بفيه ليصلحه لك.","part":1,"page":49},{"id":50,"text":"وضرب لمن يريك إنّه يعينك وهو يجر النفع لنفسه. وكذا من يريد أمرا وهو يظهر غيره. وقيل للشعبي: إنَّ رجلا قبَّل أمَّ امرأته. فقال: يسر حسواً في ارتغاء، وقد حرمت عليه امرأته.\rإنّه لساكن الريح.\rمثل لرجل الوادع، وهو في الأصل إما مشبه بزمن قد سكنت ريحه وهدأت زعازعه، فورد مورد التمثيل؛ وإما مشبه بالريح الساكنة عن الاضطراب، وهو ضرب من التجريد.\rإنّه لشرَّابٌ بأنقع.\rالشرَّاب: الشارب بكثرة؛ والأنقع: جمع نقع بفتح فسكون وهو يطلق على الغابر ويطلق على محبس الماء المستنقع، وعلى الأرض الحرة الطين، يستنقع فيها الماء. فيضرب هذا لمن جرب المور وعاود خيرها وشرها أو للداهي المنكر.\rقيل: واصله في الدليل وهو إنّه إذا كان بصيرا بالفلوات حذف في الطريق وعلم أين يسلك إلى الأنقع حتى يردها. والأنقع هنا: المياه المستنقعة أو محالها بحسب ما فيها من الماء. فصار مثلا لكل بصير بالأمور يصل منها إلى موارخ.\rوقيل أصله أنَّ الطائر إذا كان حذرا منكرا لم يرد المياه التي يردها الناس مخافة الأشراك التي تنصب بحضرتها وإنّما يرد الأنقاع التي في الفلوات أي المياه المستنقعة. وحكى البكري بسنده عن رياح بن زيد قال : سألت أبن جرير عن آية وقلت إنَّ معمرا أخبرني بكذا فقال: إنَّ معمرا شرب العلم بأنقع. قال عبد الرزاق: الأنقع: الصفا الذي يصيبه الغيث فيكون هاهنا ماء وهاهنا ماء.\rإنّه لصل أصلال.\rالصل، بكسر الصاد المهملة: الحية الخبيثة لا تنفع فيها الرقى ولا يبل سليمها. قال الشاعر:\rوالحية الصل لا تغررك هداته ... فكم سليم وموقوذ لنكرته!\rو قال صاحب تأبط شراً يرثيه:\rمطرق يرشح موتا كما أطرق ... أفعى ينفث السم صلُّ\rو جمعه أصلال فضرب للرجل الداهي في الخصومات وغيرها، كأنه لحية الحيات. قال الشاعر:\rما ذا رزئنا به من حيةٍ ذكرٍ ... نضناضةٍ بالرزايا صلِّ أصلالِ\rإنّه لضعيف العصا.\rمثل لقليل الضرب للإبل. قال الراعي:\rضعيف العصا بادي العروق ترى له ... عليها إذا ما اجدب الناس إصبعا\rإنّه لضل إضلال.\rمثل للداهي على نحو ما مر أنفا في الصاد، إلاّ إنّه يقال هناك: صل أصلال، بالصاد المهملة وبكسرها لا غير؛ ويقال هنا: ضل إضلال، بالضاد المعجمة المكسورة والمضمومة.\rومعناه إنّه يضل خصمه وقرنه فلا يهتدي ولا يعرف من حيث يأتيه ولا يتجه معه إلى وجه يخلصه منه. والضلال ضد الرشاد. قيل: وأصله قولهم: أرض ضل، إذا كانت تضلل أصحابها. وأما قولهم: إنّه ضل بن ضل. بكسر الضادين وضمهما، فمعناه إنّه منهمك في الضلال، أو إنّه لا يعرف له اصل، أو إنّه لا خير فيه. ويقال للباطل: ضل بتضلال. قال عمر بن شاس الأسدي:\rتذكرت ليلى لات حين أذكارها ... و قد حني الأصلاب ضل بتضلال\rو قيل في قول امرئ القيس:\rنواعم يتبعن الهوى سبل الردى ... يقلن لأهل الحلم ضل بتضلال\rإنّه دعاء بالضلال، أي إذا رأين أهل الحلم قل لهن: أضلكم الله، ودعون عليهم إذ لا يتبعون اللهو، وهو البين. قيل: وأنكر أبو عبيد ضم الضاد في قولهم: ضلا بتضلال، وقال: لم اسمع الضم إلاّ في ضل بن ضل.\rإنّه لعض.\rالعض بكسر العين المهملة وبضاد معجمة، يضرب للرجل الداهي المنكر البليغ. قال القطامي:\rأحاديث من أنباء عاد وجرهم ... يثورها العضان زيد ودغفل\rو يروي: أحاديث من عاد وجرهم ضلة. ومعنى ضلة: لا يهتدي إليها، كما قالت السلكة أم السليك:\rليت شعري ضلة ... أي شيء قتلك\rو معنى يثورها: يحركها من مكانها، ويثيرها من مظانها. ويروي: ينورها بالنون، أي يكشفها ويبين ما استتر منها من النور الكاشف للظلمة. وزيد المذكور أحد بني هلال أبن ربيعة، وكان من اعلم الناس. ودغفل من بني ذهل بن ثعلبة نسابة.\rقيل: وأصل المثل من العض على النواجذ. يقال: عض الرجل على نواجذه إذا صبر على الأمر. قال علي كرم الله وجهه يحرض الناس يوم صفين: عضوا على النواجذ من الأضراس! فإنه أنبى للسيوف على الهام. وقال الحارث بن وعلة:\rالآن لمّا ابيض مسربتي ... و عضضت من نابي عجذم","part":1,"page":50},{"id":51,"text":"و النواجذ بالذال المعجمة: أواخر الأضراس، وأحدها ناجذ. والعرب تسمي الناجذ ضرس الحلم، لأنه ينبت بعد البلوغ وكمال العقل. قال النمر بن تولب:\rعلى إنّها قالت عشية زرتها ... المثل ينبت لذا حلمه بعدي\rو رجل منجذ، أي مجرب أحكمته الأمور. قال سحيم بن وثيل:\rأخو خمسين مجتمع اشدي ... و نجذني مداورة الشؤون\rو قيل: إنه لعض المال، أي شديد القيام عليه، وعض سفر، أي قوي عليه، وعضاض عيش، أي صبور على الشدة، وغلق عض: لا يكاد ينفتح. والعض أيضاً: مال صغر من شجرة الشوك، كالشبرق والقتاد الأصغر؛ يقال: بلد ذو عض، وإبل عاضة: ترعاها؛ وأهلها معضون. فيصح إنَّ يكون أصل المثل من هذا أيضاً.\rإنّه للين العصا.\rمثل لرقيق الحس السياسة لمّا ولي. قال الشاعر:\rعليه شريب وادع لين العصا ... يساجلها جماته وتساجله\rإنّه لنقاب.\rمثل للرجل العالم الفهم الخبير بغوامض الأمور. قال أوس بن حجر:\rكريم جواد أخو مأقط ... نقاب يحدث بالغائب\rقيل: واصله من التنقيب في البلاد وتجريب الأمور. ونحوه قولهم في مثل آخر لمجرب الأمور: فلان قد ركب ظهر البر والبحر، وعرف حالتي الخير والشر، وذاق طعمي الحلو والمر. وقال الحكماء: لا ينال أحد الحكمة حتى ينسى الشهوات، ويجرب الفلوات، ويحالف الأسفار، وينتاب القفار، ويصل الليل باليوم، ويعتاض السهر من النوم. قالوا: النظر كالسيف، والتجارب كالمسن. وقالوا: مرآة العواقب، في يد ذي التجارب. وقال أبو تمام يصف بالتنقيب والتجريب:\rسلي هل عمرت القفر وهي سباسب ... و غادرت ركبي من ركابي سباسبا\rوغربت حتى لم أجد ذكر مشرق ... و شرقت حتى قد نسيت المغاربا\rو قال أيضاً:\rخليفة الخضر من يربع على وطن ... في بلدة فظهور العيس أواني\rبالشام قومي وبغداد المنى وأنا ... بالرقمتين وبالفسطاط إخواني\rأحبة جاورت آدابهم أدبي ... فهم وإنَّ فرقوا في الأرض جيراني\rو قول أوس المذكور يحدث بالغائب هو من شأن النقاب. والمعنى إنّه ذو ذكاء قوي وفراسة وضن مصيب، كما قالوا: فلان المعي وقول الشاعر:\rالألمعي الذي يظن بك الظن ... كأن قد رأى وقد سمعا\rوقال الآخر:\rبصير بأعقاب الأمور إذا التوت ... كأن له في اليوم عين على غد\rوقال ابن الرومي:\rكمال وإفضال وبأس ونجدة ... و ظن يريه الغيب لارجم راجم\rوقال آخر:\rتجاوزت مقدار الشجاعة والنهى ... إلى قول قوم أنت بالغيب عالم\rو كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: من لم ينتفع بظنه، لم ينتفع بيقينه. وقال عبد الملك بن مروان: ما فرق بين عمر وعثمان إلاّ اختلاف الضن: ظن عمر فأصاب فتحفظ، وظن عثمان فأخطأ فأمهل.\rإنّه لنكد الحظيرة.\rالنكد: لشدة والقلة؛ يقال: نكد عيش القوم إذا اشتد، ونكد ماء البئر إذا قل، وناقة نكود قليلة الدر، ورجل نكد: عسير؛ والحظيرة والحظار بالظاء المشالة: ما يجعل للماشية ويحاط بالشجر ونحوه للتأويل إليه ويمنعها من الحر والبرد، لأنها من الحظر وهو المنع.\rيضرب هذا المثل للرجل القليل الخير وللبخيل مع السعة، فكأن ضيق حضيرته كناية عن ضيق خيره وقلة فضله، كما يقال في المثل الآخر من هذا المعنى: فلان ضيق العطن، وإنّما العطن مبركة الإبل عند الماء؛ لكن جعل كناية عما مر. ويقال في ضده: فلان رحب الفناء، وسابغ الذيل، وغمر الرداء، ونحو ذلك. وقال أبو القاسم بن سلام: أراه سمى أمواله حظيرة لأنّه حظرها عنده ومنعها، وهي فعيلة بمعنى مفعولة. وهو بعيد عن صنيع الكلام وأسلوب العرب في هذا النحو كما قررناه.\rإنّه لهتر اهتار.\rالهتر بكسر الهاء وسكون المثناة الفوقية: العجب والداهية، فيقال: فلان هتر اهتار ويضرب مثلا للرجل الداهي، كما تقدم في قولهم: صل اصلال. قال أوس بن حجر في الهتر بمعنى العجب:\rالمَّ خيال موهنا من تُماضِرا ... هُدُوَّا ولم يطرق من الليل باكرا\rوكان إذا ما التمَّ منها بحاجةٍ ... يراجع هترا من تماضر هاترا\rو عن أبن الأعرابي: الهُتر والهِتر، \" بالضم والكسر: ذهاب العقل. وفي الصحاح: الهِتر: العجب والداهية، والهِتر \" السقط من الكلام، يقال: هتر هاتر، وهو توكيد. ومنه بيت أوس المذكور عنده.","part":1,"page":51},{"id":52,"text":"إنّه لواقع الطائرِ.\rمثل للرجل الساكن الأمور. وهو في الأصل أما مشبه بالبعير يقع غليه الطائر وينزع ما عليه من القراد، فيسكن البعير استلذاذاً لذلك ولا يتحرك لئلا ينفر الطائر فيطير عنه، كما يقال في المثل الآتي: كأن على رأسه الطير؛ وأما مشبه بالطائر الواقع في سكونه على ضرب من التجريد، كما مر في ساكن الريح.\rانك لا تجني من الشوك العنب.\rيقال: جنى الثمرة، واجتناها، وتجناها، وكل ما يجنى من الثمر فهو جنى بالفتح والقصر وجناة؛ والشوك، بفتح الشين المعجمة، معروف؛ الواحدة: شوكة؛ وشجرة شاكة وشوكة وشائكة: ذات شوك: والعنب معروف. ومعنى المثل أنّ الشر لا تستحصل منه خيرا، والفساد لا تكتسب منه صلاحا، كما إنَّ العنب ليس بخارج من الشوك. فإذا أوقعت شرا أو ظلمت أحدا فقد غرست شوكا، ولا تحصده إلاّ شوكا. وفي الحكمة: من يزرع خير يحصد غبطة، ومن يزرع الشر يحصد الندامة. وما أحسن قول صالح بن عبد القدوس ناطما لهذا المثل بعينه:\rإذا وترت أمرءا فأحذر عداوته ... من يزرع الشوك لا يحصد به عنبا\rإنّما العدو وإنَّ أبداً مجاملة ... إذا رأى منك فرصة وثبا\rو المثل لأكثم بن صيفي حكيم العرب.\rإنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع.\rهو كلام النبي صلى الله عليه وسلم، قاله للأنصار يصفهم بذلك. والفزع يكون على وجهين: أحدهما الذعر والجزع، وهو كثير الاستعمال، والأخر الاستنجاد والاستصراخ، ومنه قول سلامة بن جندل:\rكنا إذا ما أتانا صارخ فزع ... كان الصراخ له فرع الظنابيب\rأي: إذا أتى مستغيث كانت إغاثته الجد في نصرته. يقال: قرع ظنبوبه في هذا الأمر إذا جد فيه. والظنبوب: مقدم عظم الساق. ويشق من هذا المعنى أنَّ يكون فزع بمعنى أغاث. قال هبيرة اليربوعي، المقلب بالكلحبة:\rفقلت لكاس الجهيما فإنما ... حللت الكثيب من زرود لأفزعا\rأي لأغيث. وكأس اسم جاريته. والطمع معروف.\rومعنى الكلام المذكور وصف الأنصار رضي الله عنهم بالشجاعة والإقدام، وبذل النفوس في نصرة الإسلام، وتجشم المضائق في ذلك والعظائم، والتسارع إلى المكارم مع الزهد التام، ورفع الهمة عن الحطام. وهو معنى قوله: وتقلون عند الطمع، أي عند وجود الطمع في الناس لسبب من أسبابه، ويصح أنَّ يراد بالطمع المال المطموع فيه، أي: تقلون عند حضور الأموال واقتسامها وانتهابها، والقلة على بابها، أو للنفي وهو ابلغ. وناهيك بهذا الكلام مدحا وثناء، وبالأنصار رفعة وسناءً! ومثل هذا المعنى قول عنترة:\rيخبركم من شهد الوقيعة أنني ... أغشى الوغى وأعف عند المطعم\rو من هذا المعنى قول المهاجرين في الأنصار: انهم يكفوننا المؤونة، ويشاركوننا في المهنا. ومن باب المشاركة في الشدة قول أبي بكر الخوارزمي:\rأراك إذا أيسرت خيمت عندنا ... لزاما وإنَّ أعسرت زرت لماما\rفما أنت إلاّ البدر إنَّ قل ضوءه ... أغب وإنَّ زاد الضياء أقاما\rوأصله قول الأول:\rفتى كان يدينه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى، ويبعده الفقر\rو تمثل بهذا البيت علي كرم الله وجهه في طلحة حين رآه مقتولاً يوم الجمل. وورد في ضد هذه الصفة، وهو المشاركة في الرفاهية والخذلان في الشدائد أمثال كثيرة من الشعر كقول الشاعر:\rإذا ما علوا قالوا: أبونا وأمنا ... و ليس لهم عالين أم ولا أب\rو قول الآخر:\rموالين إذا افتقروا إلينا ... و إنَّ اثروا فليس لنا موالي\rو قول الآخر:\rأبو راشد مولاي ماطل حقه ... فإن كانت الأخرى فمولى بني سهم\rإنَّ لله جنوداً مِنْهَا العسل.","part":1,"page":52},{"id":53,"text":"الجنود جمع جند، بضم فسكون، وهو العسكر. ويطلق عليه السلام الأعوان وعلى المدينة، يقال الشام خمسة أجناد، ويراد مدنها الخمس؛ وعلى الصنف من الخلق على حدة. والعسل معروف. وهذا الكلام وقع لمعاوية، رحمه الله، لمّا بعث عمرو بن العاصي أميراً على مصر، وفيها محمد بن أبي بكر أمير عن علي، كرم الله وجهه. فاقتتلا، فقتل محمّد بن أبي بكر واستولى عمرو على مصر. فبلغ ذلك أمير المؤمنين علياً، كرم الله وجهه، فأنفذ إلى مصر الأشتر النخعي في جيش، فزعموا إنّه لمّا سمعه معاوية دس إلى دهقان كان بالعريش أنَّ يقتل الأشتر، وجعل للدهقان أنَّ يترك له الخراج عشرين سنة. فسأل الدهقان أي الشراب احب إلى الأشتر، فقيل له العسل، فأتاه بعسل مسموم. فما استقر في جوفه إلاّ وقد تلف. فبلغ معاوية ذلك فقال: إنَّ لله جنوداً منها العسل. \" و لا ادري اهو أبو عذره أم كان مسبوقا. وظاهر كلام صاحب القاموس أنَّ الجند في هذا المثل أريد به المعنى الأخير من معانيه السابقة، وليس بظاهر، إذ لا معنى لأن يقال هذا أريد به المعنى الأخير من معانيه السابقة، والقصة أنَّ لله أصنافا من الخلق منها العسل \" وإنّما إنّه أعوان، ولا سيما كلامه يحكى تارة بلفظ: إن لله جندا في العسل، وبهذه العبارة رأيته في تاريخ المسعودي، والله اعلم.\rإنَّ في المرنعة لكل قوم مقنعة.\rيقال: رنع لون الرجل رنوعا إذا تغير وذبل؛ ورنعت الدابة الذباب: طردته؛ ورنع بالكسر يرنع: إذا لعب. والمرنعة على وزن مرحلة: السعة والدعة، وتطلق أيضاً على الروضة، وعلى الأصوات في اللعب، وعلى القطعة من الطعام ومن الشراب ومن الصيد. ويقال للحمقاء إذا أثرت: وقعت في مرنعة فعيشي، أي: وقعت في خضب. والمقنعة: الغنى، وهي من القناعة، أي: في المرنعة لكل أحد ما يقنع به ويستكفي. والمعنى ظاهر.\rإنَّ في مض لمطمعا.\rمض بكسر الميم وكسر الضاد المعجمة المثقلة: كلمة تستعمل بمعنى لا. قال: سألت هل وصل، فقالت: مض، وهي حكاية صوت الشفتين يكون معه نوع استهزاء، وهي مع ذلك مطمعة في الإجابة. ومن ثم قالوا: إنَّ في مض لمطمعا. ويشبه أنَّ يضرب عند التحريض على طلب الشيء وترجيه ما دامت مخائل بلوغه وإن ضعفت.\rإنَّ الله ليؤيد هذا الدين بالرَّجل الفَاجِر.\rهو كلام النبي صلى الله عليه وسلم قاله في شأن قزمان بن الحارث لمّا أعجب المسلمين قتاله وغناؤه، ثم جرح وآلمته الجراحة، فاستعجل وقتل نفسه. وقد كان صلى الله عليه وسلم اخبرهم قبل ذلك إنّه من أهل النار: وهو معنى ما في خبر آخر: إنَّ الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم. وإنّما ذلك لآن كل من دخل في سواد المسلمين فهو قد يجاهد العدو ويدافع عن المسلمين ويقصم ظهور الكافرين، حتى يتأيد بتعزز المؤمنين، ويضعف الكفر بذل الكافرين، طلبا لإعلاء كلمة الله تعالى ، وابتغاء لمرضاته، فنفع \" و انتفع. وقد يفعل ذلك لغير إعلاء كلمة الله أو يحبط العمل بوجه من الوجوه، فنفع \" ولم ينتفع ولم، عياذاً بالله تعالى! وما ذكره الشارع، صلوات الله وسلامه عليه، غير مختص بالجهاد، بل في كل وجه من وجوه التأييد كسياسة الأمة، والحكم بين الناس، وتعليم العلم، وقبض الأموال وتفريقها وبناء المساجد والأسوار والقناطر، ونحو ذلك مما لا ينحصر. وذلك واقع لا محالة، كما أخبر به صلى الله عليه وسلم. وسيأتي تشبيه العالم غير العامل بالمصباح يضيء للناس وهو يحترق، نسأل الله الكريم، رب العرش العظيم، أنَّ يقينا شر هذه الورطة، ويقينا شر أنفسنا وشر كل ذي شر!\rإنَّ الله لن يرفع شيئاً من الدنيا إلاّ وضعه.\rهو كلام النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً قاله في شأن ناقته، وكانت لا تسبق. فجاء أعرابي على قعود فسبقها. فشق ذلك على المسلمين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما ذكر. ز كل ذلك في الصحيح.\rإنَّ الُّلهَي تفتح الَّلهي.\rاللهي الأول بضم اللام جمع لهوة بضم اللام، وتفتح أيضاً، وهي العطية أو افضل العطايا؛ وكذا اللهية، وتطلق على الألف من الدنانير والدراهم. قال النابغة:\rعظام اللهي أولاد عذرة إنهم ... لها ميم يستلهونها بالحناجر\rو قال الحماسي:\rلعمري لئن أعمرتم السجن خالداً ... و أوطأتموه وطأه المتثاقل\rلقد كان يروي المشرفي بكفه ... و يعطي اللهي في كل حق وباطل","part":1,"page":53},{"id":54,"text":"و اللهوة أيضاً ما يرمية الطاحن بيده في فم الرحى، وكان هذا هو الأصل. واللهي الثاني بفتح اللام جمع لهاة، على مثل قناة، وهي اللحمة المشرفة على الحلق، والجمع بإسقاط الهاء، وقد مده الشاعر ضرورة في قوله:\rيأكل من تمر ومن شيشاء ... ينشب في المعسل واللهاء!\rو المعنى المثل أنَّ الإحسان، وتوارد العطايا الحسان، يلطف اللسان، بالثناء والشكران. وهذا المثل وقع في كلام الكميت، وقيل له: لم صارت أشعارك في بني امية أطيب منها من بني هاشم؟ فقال: إنَّ اللهى تفتح اللهى! ومن أظرف ما أتفق في هذا ما حكي شمس الدين بن خلكان أنَّ المعتمد بن عباد الأندلسي ذكر يوما قول أبي الطيب:\rإذا ظفرت منك العيون بنظرة ... أثاب بها معيي المعطي ورازمه\rفجعل يردده استحساناً له وفي الخضرة عبد الجليل بن وهبون، فقال ارتجلا:\rلئن جاد شعر أبن الحسين فإنما ... تجيد العطايا ز اللهى تفتح اللهى\rتنبأ عجبا بالقريض ولو درى ... بأنك تروي شعره لتألها\rإنّما يجزي الفتى ليس الجمل.\rيضرب هذا المثل في المكافأة وهو للبيد بن ربيعة في شعره يقول فيه:\rفإذا اقترضت قرضاً فأنجزه ... إنّما يجزى الفتى ليس الجمل\rوإذا زمت رحيلا فأرتحل ... و اعص ما يأمر توخيهم الكسل\rواكذب النفس إذا حدثتها ... إنَّ صدق النفس يزري بالأمل\rوهذه كلها أمثال.\rإنّما سميت هانئاً لتهنأ.\rالتسمية معروفة. وهانئ اسم رجل، والهنأ: الإعطاء؛ يقال هنأته هنئاً إذا أعطيته ورفدته، والاسم الهنئ بالكسر، قيل: وبالفتح أيضاً، وهو العطاء ويقال: هنأه شهراً أو شهرين إذا عاله هنئا وهناءة. قال الشاعر:\rهنأتهم حتى أعان عليهم ... سوامي السماك ذي السلاح السواجه\rيضرب هذا المثل في الحضّ على بذل الافضال. وعن الكسائي: وسمعت إعرابياً يقول: إنّما سميت هانئا لتهنأ، أي لتعول وتكفي.\rقلت: وينبغي أنَّ يضرب عند التحريض كل ذي وصف، أو لقب أو حرفة على فعل ما يوجب ذلك الوصف، أما حقيقة كان القاضي للقضاء بين الناس والمحتسب للاحتساب والمعلم للتعليم والصائغ للصياغة ونحو ذلك؛ وإما على الاشتقاق فقط كالافضال لمن اسمه فضل والحرث امن اسمه حارث والهنئ لمن اسمه هاني فإنَ ذلك هو أصل المثل. فيقال للذي تسمى بالقاضي وتأبى عن الحكم: إنّما سميت هانئا لتهنأ، أي قيل لكل قاض لتقضي بين الناس ونحو هذا.\rإنّما اشتريت الغنم حذار العازبة.\rالاشتراء والغنم معروف؛ والعزبة: الإبل، والعزوب بالزاي في الأصل: الذهاب والبعد. وعزبت الماشية، وعزب بها ربها: بعد بها في المرعى ولم ترح. ورجل عزيب: بعد عن أهله وماله. والعزيب من الإبل والشاة: ما يبعد عن أهله في المرعى. وكان لرجل إبل فباعها واشترى غنما لئلا تعزب ثم عزبت غنمه فقال: إنّما اشتريت الغنم حذار العازبة، فذهبت مثلا. ومضربه واضح من هذا.\rإنّما القرم من الأفيل\rالقرم بالفتح: الفحل من الإبل وكذا الأقرم: والأفيل على مثل أمير: الفصيل وأبن المخاض فما فوقه؛ والجمع إفال، على مثل جبال. قال زهير:\rفاصبح يجري فيهم من تلادكم ... مغانم شتى من إفال مزنمٍ\rو قال آخر:\rفإني لا تبكي عليَّ إفالها ... إذا شبعت من روض أوطانها بقلا\rو المعذي إنَّ الجمل إنّما يكون قرما بعد ما يكون صغيرا أفيلا. فيضرب في أنَّ الأمر الكبير ينشأ عن الأمر الصغير، على نحو مر في أنَّ السقط يحرق الحرجة، وما يأتي في قولهم: العصا من العصية، ونحوه كثير.\rإنّما هو كبارح الأروى.\rالبارح من الظباء والطير وغيرها: ما ولاَّك مياسرة، وهو أنَّ يمر من ميمنتك إلى ميسرتك. يقال: برح الظبي ونحوه بفتح الراء، بروحا، فهو بارح؛ وعكسه: السانح. والعرب تتيمن بالسانح، وتتشائم بالبارح. وسنذكر ما في ذلك بعده إن شاء الله تعالى. والأروى بفتح الهمزة والواو مقصورا جمع أروية بضم الهمزة وكسرها مع تشديد الياء أو اسم جمع لها والأروية: أنثى الأوعال. ويضرب هذا المثل للمر النادر القليل لأن الأروى مسكنها قمم الجبال. فلا يوجد منها بارح في الدهر إلاّ نادرا ولا سانح.\rإنَّ مع اليوم غدا.","part":1,"page":54},{"id":55,"text":"يضرب في تنقل الحالات وتبدل الساعات. وذلك لأن الخير والشر لمّا كانا متقاربين وكان زمانهما في علم الله تعالى مقسطين مقدرين علم أنَّ الشر متى حدث في زمن فللخير زمان يقابله يحدث فيه فعبر عن هذين الزمنين باليوم والغد لمّا بين اليوم والغد من التقابل بل كالذي بين الزمنين. فإذا وقع بك شر فذلك بوم الشر وللخير زمان يترقب هو عند ذلك اليوم فتقول تسليا: إنَّ مع اليو غدا.\rوكذا في العكس كما قيل:\rيا من يخاف أنَّ يكون ... ما يكون سرمدا\rأما سمعت قولهم ... إنَّ مع اليوم غدا؟\rو قال علي بن الجهم لمّا حبسه المتوكل:\rصبراً فإن اليوم يتبعه غد ... و يد الخليفة لا تطاولها يدُ\rولكل خير معقب ولربما ... أجلى لك المكروه عما يحمدُ\rلا يؤنسنك من تفرج كربتة ... خطبٌ رماك به الزمان الأنكدُ\rكم من عليل قد تخطاه الردى ... فنجا ومات طبيبه والعوَّدُ\rو قال معن بن أوس المزني:\rوأني أخوك الدائم العهد لم أخن ... و إن زال خصمٌ أو نبا بك منزلُ\rوإن سؤتني يموا صبرت إلى غدٍ ... ليعقب يوما آخرٌ منك أولُ\rو لمّا خرج المتوكل العباسي إلى دمشق ركب يوما إلى رصافة هشام بن عبد الملك بن مروان فنظر إلى قصرها. ثم خرج فرأى ديرا هناك قديما حسن البناء بين مزارع وأشجار ورياض وأنهار فدخله. فبينما هو يطوف به إذ رأى رقعة بصدره. فأمر بها فأزيلت وأتوتي بها فإذا فيها:\rيا منزلا بالدير أصبح خالياً ... يلاعب فيه شمأل ودبورُ\rكأنك لم يسكنك بيض نواعم ... و لم يتبختر في فنائك حورُ\rوأبناء أملاك غواشم سادةٌ ... صغيرهم عبد الأنام كبيرُ\rإذا لبسوا ادرارهم فعوابسٌ ... و إن لبسوا تيجانهم فبدورُ\rعلى أنهم يوم اللقاء ضراغمٌ ... و أيديهم يوم العطاء بحورُ\rليالي هشام بالرصافة قاطنٌ ... و فيك ابنه يا دير وهو أميرُ\rإذ الدهر غض والأخلافة لدنٌ ... و عيش بني مروان فيك نضيرُ\rوروضك مرتاد ولونك مزهرٌ ... وعيش بني مروان فيك قريرُ\rبلى!فسقاك الله صوب غمامة ... عليك لها لعد الرواح بكورُ\rتذكرت قومي خالياً فبكيتهم ... بشجو ومثلي بالبكاء جديرُ\rفعزيت نفسي وهي نفسٌ إذا جرى ... لها ذكر قومي أنه وزفيرُ\rلعل زماناً جار عليهم فلم يكن ... لهم بالذي تهوى النفوس يدورُ\rفيفرح محزونٌ وينعم بائسٌ ... و يطلق من ضيق الوثاق اسيرُ\rرويدك إنَّ اليوم يتبعه غدٌ ... و إنَّ صروف الدائرات تدورُ\rفلما قرأها المتوكل ارتاع وتطير وقال: أعوذ بالله من شر أقداره! واستدعى صاحب الدير وسأله عن الرقعة فقال: لا علم لي بها! ويذكر إنّه رجع حينئذ إلى بغداد فلم يلبث إلاّ أياما قلائل حتى قتله ابنه المنتصر رحمه الله تعالى. وقال الحماسي:\rعسى سائل ذو حاجة إن منعته ... من اليوم سؤلاً أنَّ يكون له غدُ\rوالشعر في هذا المعنى كثير.\rإنَّ من بالنجف من ذي قدرةٍ لقريبٌ.\rالنجف، بفتحتين: الموضع المرتفع لا يعلوه الماء. والنجف هنا: موضع بقرب الكوفة، وكان قوم من أهل الكوفة فروا من الطاعون إلى هذا الموضع فقال شريح: إنَّ من بالنجف من ذي قدرة لقريب. يضرب مثلا للأحداث والأقدار وأنَّ لا ملجأ منها لديار.\rإنَّ من البيان لسحراً.","part":1,"page":55},{"id":56,"text":"هذا من كلامه صلى الله عليه وسلم وتقدم شرحه في فضل الشعر. وسببه أنَّ بني تميم وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عمراً عن الزبرقان بحضوره فقال: مطاع في أدنيه شديد العارضة في قومه مانع لمّا وراء ظهره. فقال الزبرقان: يا رسول الله إنّه ليعلم مني اكثر من ذلك ولكنه حسدني. فقال عمرو: أما والله إنّه لزمن المرءة ضيق العطن ائيم الخال أحمق الولد. ثم قال: والله يا رسول الله ما كذبت في الأولى ولقد صدقت في الأخرى ولكني رجل رضيت فقلت أحسن ما علمت وغضبت فقلت أقبح ما علمت. فقال صلى الله عليه وسلم:إنَّ من البيان لسحراً! وقد بين أبن الأهتم بكلامه المذكور وجه الأمر في باب المدح والذم: فإنَ العرب كثيرا ما يمدحون الشيء ثم يذمونه بعينه حتى يكاد العقل يحكم بتناقض كلامهم وتهافت مقالهم. وليس فيه مناقضة وإنّما ذلك لاختلاف النظر كما قال عمرو المذكور.\rوبيان ذلك أنَّ جميع الكائنات التي هي بصدد التغيرات والآفات لا تخلو عن صفة كمال يتجلى الله بها فيها بالوصف الجمالي وصفة نقصان يتجلى الله تعالى بها فيها بالوصف الجلالي. فكل مخلوق مشتمل على محاسن ومساوئ أما تحقيقها كرجل يكون جوادا وحكيما وهو جبان أو شرير أو قبيح المنظر؛ وأما بوجه واعتبار وذلك أيضاً: أما تحقيقا لاختلاف النظر بحسب تعدد الموجب وتباينه أما عادة وشرعا كسفك الدماء ظلما يمدح عادة ويذم شرعا؛ وكالصمت والتعفف يكون غالبا بالعكس أو عادة وعادة ككثير من أوصاف الخلقة وأنواع الزينة والملابس والمراكب ونحو ذلك مما تختلف فيه العادات استحسانا واستقباحا وقد يختلف الأمر بحسب المكان والزمان والأقران والأحوال وذلك أمر لا ينحصر. وإنّما تخيلا وذلك أما بحسب التشبيه كالورد يحسن عندما يشبه بالخدود النواضر، ويقبح عندما يشبه بسرم البغل؛ وأما بحسب النظر والاعتماد على شبهة كالعسل، بعد كونه حسنا يقبح من حيث إنّه قيء زنبور؛ وكبذل المال جودا وسخاءً بعد كونه حسنا يقبح من حيث إنّه إتلاف للأموال وإضلعة لها وإفقار محوج إلى التذلل بالسؤال. وهذا تخييل أدى قوما من البخلاء إلى التصريح بالثناء على البخل الذي أجمع العقلاء على ذمه. وألف سهل بن هارون منهم في ذلك تأليف وقال قائلهم:\rيا رب جودٍ فقر امرئ ... فقام في الناس مقام الدليل\rفاشدد على مالك واستبقه ... فالبخل خير من سؤال البخيل\rو قد عرفت بهذه الجملة إنّه يمكنك أنَّ تمدح الشيء وتذمه بحسب اختلاف اعتباراته من غير تهافت في الكلام ولا تناقض: فإنَ التناقض غير لازم إلاّ لو أردت حسنا وقبحا ومدحا وذما على محل واحد باعتبار واحد، لكن توارده على محلين؛ أو باعتبارين كما بينا. والتفطن لهذه المحال واستخراج هذه الاعتبارات الدقيقة هو مرمى البلغاء، ومجال فرسان الشعر والخطباء وهو محط البيان والسحر الحلال، كما وقع في القصة السابقة: فليس الكلام بمجرد الجمع والتلفيق، ولا الشعر بمجرد الوزن والتقفية كم قيل:\rإذا كنت لا تدري سوى الوزن وحده ... فقل أنا وزانٌ وما أنا شاعرُ\rوهذا كلام ليس من غرضنا ولكن الحديث شجون. وسنذكر بعد ما للشعراء في مدح الشيب والهرم وذمه ومدح طول الليل وذمه ونحو ذلك. ولنذكر الآن بعض ما ورد مما يدل على ما ذكرنا زيادة على القصة المذكورة. قال مسلمة بن عبد الملك لأخيه هشام: كيف تطمع في الخلافة وأنت بخيل وأنت جبان؟ فقال: لأني حليم وأني عفيف. وقالت للحصين بن المنذر امرأته: كيف سدت وأنت دميم بخيل؟ فقال: لأني سديد الرأي شديد الأقدام.","part":1,"page":56},{"id":57,"text":"وصعد خالد بن عبد الله القسري منبر مكة أميرا للوليد بن عبد الملك فأثنى على الحجاج خيرا. فلما كانت الجمعة التالية، وقد مات الوليد، ورد عليه كتاب سليمان يأمره بشتم الحجاج وذكر عيوبه وإظهار البراءة منه. فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنَّ إبليس كان يظهر من طاعة الله عز وجل ما كانت الملائكة ترى له بها فضلا، وكان الله قد علم من غشه ما خفي عن ملائكته. فلما أراد فضحه ابتلاه بالسجود لآدم فظهر لهم ما خفي عنهم فلعنوه. وإنَّ الحجاج كان يظهر من طاعة أمير المؤمنين ما كنا نرى له بها فضلا وكان الله قد أطلع أمير المؤمنين على غشه أو نحوه فالعنوه لعنه الله! ثم نزل. وكان العباس بن علي عم المنصور يأخذ الكأس بيده ثم يقول لها: أما المال فتتلفين وأما المروءة فتخلقين وأما الدين فتفسدين. ويسكت ساعة ثم يقول: أما النفس فتسحين وأما القلب فتشجعين وأما الهم فتطردين؛ أتراك مني تفلتين؟ ثم يشربها.\rويحكى أنَّ عيسى عليه السلام ما عاب شيئا قط فمر بكلب ميت فقال أصحابه: ما أنتن ريحه! فقال عيسى عليه السلام: ما أحسن بياض أسنانه! وكتب يزيد بن معاوية في كتاب إلى عبيد الله بن زياد حين ولاه محاربة الحسين رضي الله عنه وأرضاه وأرغم أنوف واتريه، وكان قبل ذلك سيئ الاعتقاد فيه: أما بعد، فإنَ الممدوح مسبوب يوما وإنَّ المسبوب ممدوح يوما. وما ورد من هذا المعنى كثير فلنقتصر لئلا نطيل.\rإنَّ من الشعر لحكمة.\rتقدم هذا أيضاً في فضل الشعر مبينا. وقد حكي أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لكعب الأحبار: يا كعب، هل تجد للشعر ذكرا في التوراة؟ فقال كعب: أجد في التوراة قوما من ولد إسماعيل أنا جيلهم في صدورهم ينطقون بالحكمة ويضربون الأمثال لا نعلمهم إلاّ العرب.\rإنَّ من الشر خيراً.\rيضرب عند تفاوت ما بين الشرين حتى يكون الأدنى خيرا بالقياس إلى الأعلى. وهو قريب من قولهم: بعض الشر أهون من بعض. وسيأتي.\rإنَّ منكم منفَّرين.\rقد يتمثل به. وهو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم حين شكي إليه تطويل أصحابه بالناس في الصلاة، فقيل له: ما كدنا ندرك الصلاة مما يطول بنا فلان، فغضب وقال ذلك وقال: فمن صلى منكم بالناس فليخفف، فإنَ فيهم الضعيف والمريض وذا الحاجة أو كما قال صلى الله عليه وسلم والحديث في الصحيح.\rإنَّ الهدايا على مقدار مهديها.\rوهو موجود في شعر وهو:\rجاءت سليمان يوم العرض هدهدةٌ ... أهدت إليه جراداً كان في فيها\rوأنشدت بلسان الحال قائلةً: ... إنَّ الهدايا على مقدار مهديها\rلو كان يهدي إلى الإنسان قيمته ... لكان يهدى لك الدنيا وما فيها\rوهذه القصة تذكر في حرف الميم إن شاء الله تعالى. والمثل ظاهر المعنى.\rأهل مكة أعرف بشعابها.\rمكة معروفة، زادها الله شرفا. والشعاب جمع شعب وهو من الأرض بكسر الشين، ومن الناس بفتحها. وهذا مثل مشهور شائع الاستعمال، يضرب للمباشر للشيء والمخالط له إنّه أخبر به وأبصر بحاله وأعرف كقول القائل: وصاحب البيت أدرى بالذي فيه.\rأينما أذهب ألق سعداً.\rقاله الأضبط بن قريع السعدي وكان غاضب قومه سعد بن مناة بن تميم فتجول في القبائل. فلما لم بجد منهم من يحمد عشرته، رجع وقال: أينما أذهب ألق سعداً، أي أينما ذهب من الأرض ألق قوما ألقى منهم مثل الذي لقيت من سعد. ومضرب المثل واضح وسيأتي أيضاً\rأيُّ داءٍ أدوى من البخلِ؟\rالداء: المرض. يقال: داء الرجل يداء دواء وداء واداواء، فهو داء ومديء وأدأته أيضاً: أصبته بمرض، لازم منعد والبخل معروف. وهذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم قدم عليه نفر من الأنصار فقال: من سيدكم؟ قالوا الجد بن قيس على بخل فيه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأي داء أدوى من البخل؟ بل سيدكم الأغر الأبيض عمرو بن الجموح. فقال شاعرهم في ذلك:\rوقال رسول الله والحق قوله ... لمن قال منا من تعدون سيدا\rفقلنا له: جد بن قيس على التي ... نبخله فيها وإن كان أسودا\rفتى ما تخطى خطوة لدنيةٍ ... و لا مد في يوم إلى سوءةٍ يدا\rفسود عمرو بن الجموح لجوده ... و حق لعمرو بالندى أنَّ يسودا\rإذا جاءه السؤال أنهب ماله ... و قال خذوه إنه عائدٌ غدا","part":1,"page":57},{"id":58,"text":"فلو كنت باجد بن قيس على التي ... على مثلها عمر لكنت المسودا!\rإياك أعني واسمعي يا جارة!\rهذا مثل مشهور الاستعمال عند التعريض بإضهارك شيئاً وأنت تريد شيئاً وهو لنهشل بن مالك الفزاري في شعر له. وسببه أنه خرج يريد النعمان بن المنذر فمر ببعض أحياء طيء فسأل من سيد الحي فدل على حارثة بن لأم الطائي فقصد رحله فلم يصبه حاضراً. فقالت له أخت حارثة: انزل على الرحب والسعة حتى يلحق حارثة. فأنزلته وأكرمت مثواه. ثم إنّه رأها وقد خرجت من خباء إلى خباء. فرأى جمالها باهرا، وحسنا فاتنا. وكانت عقيلة قومها وسيدة نساء حيها. فوقعت من قلبه كل موقع وجعل يقول:\rيا أخت خير البدو والحضاره ... كيف ترين في فتى فزارة؟\rأصبح بهوى حرة معطاره ... إياك أعني واسمعي يا جارة!\rفعرفت أنه يريدها فقالت: ما هذا بقول ذي عقل أريب ولا مصيبي ولا أنف نجيب. أقم ما أقمت مكرما وارتحل إذا ارتحلت مسلما! فاستحى وقال: واسوأتاه! فقالت: صدقت! وارتحل وأتى النعمان، فاكرمه وحياه فلما رجع نزل على أخيها حارثة وتبعت نفسه الجارية وكان جميلا محبوبا. فأرسلت إليه الجارية: إن كانت لك حاجة فاخطبني إلى أخي فإني سريعة إلى ذلك. فخطبها وتزوجها فسار بها إلى أهله.\rومما ينسج على هذا النمط ويسلك في هذا السفط قولهم: أخذ فلان رمح أبي سعد إذا اتكأ على العصا هرما. وأبو سعد قيل هو لقمان الحكيم وقيل هو كنية الكبر والهرم. وقيل مرثد بن سعيد أحد وفد عاد،و قد تقدم. وقولهم: أخذ بلغب رقبته بفتحتين إذا أدركه. وقولهم: أخذ بحذافيره أي بأجمعه. ويقال بحذاميره، وبأجمعه وجراميزه وجذاميره وبربانه، بفتح الراء وضمها، وبصنابته وسنابته وبجلمته وجلمته وبزغبره ز بزوبره وأنشدوا:\rوإن قال غاو من تنوخ قصيدة ... بها حرب عدت عليَّ بزوبرا\rو بزابره وبصبرته وأصباره وبوأبجه وزأمجه وبأصيلته وبطليقته، وبأزمله. فهذه كلها معناها واحد. ويقال معنى: بربانه وبحداثته: بأوله وابتدائه. وقال:\rوإنما العيش بربانه ... و أنت من أفنانه مفتقر\rوقولهم: إذا وجدت الظباء الماء فلا عباب، وإن لم تجده فلا أباب، أي إن وجدته لم تعب فيه وإن لم تجده لم تؤب إليه أي لم تتهيأ لطلبه.\rوقولهم: إذا بلغ الرجل الستين، فإياه وأيا الشواب! وقولهم: أكل فلان روقه إذا أسن. والمعنى أنه أكل شبابه وأفناه. يقال: فعله في روق شبابه وريقه، أي أوله. وكأنه ماخوذ من روق البيت ورواقه وهي الشقة في المقدمة. وقولهم: أنك بمحش صدق فلا تبرحه! أي أنك بموضع الخير فالتزمه! والمحش، بالحاء المهملة والشين المعجمة على مثال مرد: الموضع الكثير الحشيش وقولهم: إنه أحد الأحدين، وواحد الأحدين، وإحدى الأحد، أي لا مثل له، وهو ابلغ المدح. قولهم:\rإنه ابن إحداها\rأي كريم الأباء والأمهات. وقولهم:\rإن كذبت فحلبت قاعداً\rأي ذهبت إبلك، فحلبت الغنم. وقولهم:\rإن كذبت فشربت عبوقاً بارداً\rأي ذهبت الماشية فشربت الماء. وقولهم:\rإنَّ فلاناً لتدب عقاربه\rأي يتعرض أعراض الناس. وقولهم:\rإنّه لفي حور بور\rوبضم الحاء المهملة والباء الموحدة، أي في ضلال أو في غير صنعة قولهم:\rإنّه لوابصة سمع\rأي يثق بكل ما يسمع. وقولهم: إنّما فلان هامة اليوم أو غدٍ، إذا كان مسنا، أي يموت في يومه أو غده. والهامة: طائر يخرج من رأس الميت. يزعمون إنّه إذا قتل القتيل خرج من رأسه طائر، فلا يزال يصيح: اسقوني! حتى يقتل قاتله، كما قيل:\rيا عمرو، إلاّ تدع شيمتي ومنقصتي ... أضربك حيث تقول الهامة: اسقوني!\rو قال دريد بن الصمة فيما نحن فيه:\rوهون وجدي إنّما هو فارط ... إمامي وإني هامة اليوم أو غد\rو قال كثير:\rفإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى ... فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد\rوكل خليل زارني فهو قائل ... من أجلك هذا هامة اليوم أو غد\rوكأنه اعتبر هنا المعنى المقصود فقط دون السن. وتمثل بهذين البيتين يزيد حين ماتت جارية حُبابة في القصة المشهورة.","part":1,"page":58},{"id":59,"text":"ومن الأمثال العامية في هذا الباب قولهم: \" إذا أراد الله إهلاك النملة جعل لها أجنحة تطير بها \" ، يضرب للمتسبب سببا يعطب به، لأن الطير يصيدها إذا طارت. وإلى هذا المثل أشار أبو العتاهية بقوله:\rوإذا استوت للنمل أجنحةٌ حتى يطير فقد دنا عطبه\rوكان الرشيد كثير ما يتمثل به عند نكبة البرامكة. وقولهم:\rإذا امتلأت القربة ترشحت.\rيضرب للرجل تكثر ذات يده، فلا بد أنَّ ينال شيء مما عنده. وقول أبي محمّد: أنا عربيد، وأنت رعديد، وبيننا بونٌ بعيد. والعربدة: سوء الخلق؛ والعربيد والمعربد: الموذي نديمة عند السكر. والرعديد، الجبان الفزاع. والبون: الفضل والمقدار. وقولهم: إنَّ لم تجدوا ناراً فاقلوا قلية! يضرب لمن استحمق فطلب أمراً حيت المظنة عدمه. وقولهم: الآن يمد أبو حنيفة رجله! زعموا إنَّ الأمام أبا حنيفة، رحمه الله، كان به ذات مرة ألم في رجله، فكان يمدها في المجلس بين يدي أصحابه. ثم إنّه يوماً حضر مجلسه رجل ذو هيئة كث اللحية لا يعرفه، فتوهمه فقيها وقبض رجله استحياء وصبر على ذلك مدة، والرجل لا يتكلم بشيء فبان له منه خلاف الظن، فمد رجله وقال ذلك.\rهذا ما تيسر إيراده في هذا الباب من منثور الأمثال، بحمد ذي المن والافضال. وقد كنت أردت إنَّ أقتبس الأمثال المضروبة في الشعر وأجلبها، وأودع كل باب من هذا الكتاب جملة وافرة منها، مشروحة مع التنبيه على شجرتها، واصل ثمرتها. ثم بدا لي أنَّ ذلك بحر لا يدرك غوره، ومنزع لا ينال طوره. فرأيت أنَّ اقتصر على إيراد الأمثال النثرية، وإردافها بالأمثال الشعرية، متضمنة لمّا ضرب فيها إلاّ أنَّ يكون شيء قد انتزع قبل فأذكره. ورأيت أنَّ انبه في هذا الباب خصوصا على بعض ذلك ليقيس عليه من احب استعماله مستغنياً بذلك عن إعادة مثله في كل باب، فأقول:\rأبى منبت العيد اَنِ أنْ يتغير.\rأخذناه من قول جميل بن عبد الله بن معمر العذاري:\rبنو الصالحين الصالحون ومن يكن ... لآباء صدق يلقهم حيث سيرا\rأرى كل عودٍ نابتا في أرومةٍ ... أبى منبت العيدان أنَّ يتغيرا\rوقبل هذين البيتين يخاطب الحجاج:\rأبوك حبابٌ سارق الضيف رحله ... و جدي يا حجاج فارس شمرا\rو شمر: اسم فرس أنثى،و آباء الصدق: آباء الخير ز الصلاح والكرم. ومعنى سير أكثر السير. والمعنى أنَّ من كان كريم الأصل، رفيع الحسب، جرى على ذلك حيثما ذهب،و كيفما انقلب. والأرومة، بفتح الهمز، وتضم، الأصل. قال زهير:\rصبحنا الخزرجية مرهفات ... أبار ذوي أرومتها ذووها\rو الجمع أروم. قال أيضاً:\rله في الذاهبين أروم صدقٍ ... و كان لكل ذي حسب أروم\rوقوله: أبى منبت العيدان اَنِ الخ: يريد الناس أصول مختلفة، وأعراق متباينة، كما في حديث: الناس معادن، وكل أحد باق على أصله: فمن كان من أصل كرم لم يتحول منه، ومن كان من أصل لؤم لم ينحرف عنه وجعل الناس أعواداً وأعرقها منابت على طريق التمثيل.\rإنَّ المحب لمن يهواه زوار.\rطلع رجل من حجيج المغرب إلى عرفة، فلقي شيخا كبيراً، فقال له الشيخ: من أين أنت؟ قال: من المغرب. قال: كم بينكم وبين هذا البيت؟ قال: نحو ستّة أشهر فقال الشيخ: اتحجون كل عام؟ قال: ل. فقال: الشيخ لو كنا منكم لم يفتنا الحج أبداً. فقال له الرجل: وممن أنت؟ قال: من كذا بلد، بعيد بمسيرة عام أو نحوه وانشد:\rزر من تحب وإنَّ شطت بك الدار ... و حال من دونه سهل وأوعار\rلا يمنعنك بعد عن زيارته ... إنَّ المحب لمن يهواه زوار\rوالهوى: العشق في الخير والشر. يقال: هويته بالكسر يهواه هوى، مقصور.\rوالزوار: الكثير الزيارة. وكان بشر بن مروان شديد على العصاة، وكان إذا ظفر بالعاصي أقامه على كرسي وسمر كفيه بالمسامير على الحائط، ثم نزع الكرسي من تحته، فيبقى معلقا يضطرب حتى يموت. وكان فتى من بني عجل مع المهلب بن صفرة في حروب الازارقة، وكان عاشقا لابنة عم له. فكتب إليه تستزيره فكتب إليها:\rلو لا مخافة بشر أو عقوبته ... و أنَّ يشد على كفي مسمار\rإذا لعطت ثغري ثم زرتكم ... إنَّ المحب إذا ما اشتاق زوار\rفكتبت إليه:\rليس المحب الذي يخشى العقاب ولو ... كانت عقوبته في إلفه النار","part":1,"page":59},{"id":60,"text":"بل المحب الذي لا شيء ينفعه ... أو يستقر ومن يهوى به الدار\rفلما كتبها عطل ثغره وجاءها وهو يقول:\rأستغفر الله إذ أخشى الأمير ولم ... اخش الذي أنا منه غير منتصر\rفشأن بشر بلحمي فليعذبه ... أو يعف عفو أمير خير مقتدر\rفما أبالي إذا أمسيت راضية ... يا هند ما نيل من شعري ومن بشري!\rفلم يلبث إنَّ وشي به إلى بشر فأتي به فقال: يا فاسق، عطلت ثغرك، هلم بالكرسي! فقال: عز الله الأمير! إنَّ لي عذراً فقال: وما عذرك؟ فأنشده الأبيات، فرق له وكتب إلى المهلب أنَّ يثبته في أصحابه.\rإنَّ الحر حر\rأخذناه من قول الشاعر:\rعرضت نصيحة مني ليحيى ... فقال غششتني والنصح مر\rومالي أنَّ أكون أعيب يحيى ... و يحيى طاهر الأثواب بر\rولكن قد أتانا أنَّ يحيى ... يقال عليه في نقعاء شر\rفقلت له: تجنب كل شيء ... يعاب عليك إنَّ الحر حر\rوالشاعر هو مخيس بن أرطأة الأعرج يخاطب رجلا من بني حنيفة يسمى يحيى كان يأتي امرأة في قرية من قرى اليمامة، وهي التي سماها في الشعر. وقوله إنَّ الحر حر، أي إنَّ الحر باق على ما عهد في الأحرار من الهمم العلية، والأخلاق الزكية، ومجانبة الريب، والحذر من سوء المنقلب.\rومثله قول أبي النجم: أنا أبو النجم وشعري شعري، أي شعري هو ذلك المعروف بجزالته وفصاحته وسلاسته.\rوكذلك قولهم: الناس أي هم على ما عهد فيهم.\rومثل ذلك قول العامة: الحر لا يكون إلاّ حراً، والرجل لا يكون إلاّ رجلاً والعبد لا يكون إلاّ عبداً. ونحو هذا يضربونه عند تقصير الإنسان عن بعض ما يحق له أو تعاطيه مالا ينبغي له.\rوقوله تجنب كل شيء يعاب عليك، هذا من حفظ المروءة. قيل الأحنف بن قيس: بم بلغت ما بلغت؟ فقال: لو عاب الناس الماء ما شربته. وقيل لعبد المالك بن مروان، وقد بالغ في الثناء على المصعب بن الزبير رضي الله عنه يوم قتله: أ كان المصعب يشرب الطلا؟ فقال: لو عيب ما شربه. ووصف عمرو بن العاصي بعض الأشراف فقال: إنّه أخذ بثلاث، تاركٌ لثلاث: آخذ بقلوب الرجال إذا حدث، ويحسن الاستماع إذا حدث، وبأيسر الأمرين عليه إذا خولف؛ تاركٌ للمراء، تاركٌ لمقاربة اللئيم، تاركٌ لمّا يعتذر منه. وقال أعرابي يوصي صديقاً له: دع ما يسبق إلى القلوب إنكاره، وإنَّ كان عندك اعتذاره: فليس من حكى عندك نكراً، توسعه فيك عذراً. وهذا كما قال الأول:\rقد قيل ما قيل إنَّ صدقاً أو كذباً، ... فما اعتذارك من قولٍ إذا قيلا؟\rإنَّ الحسان مظنة للحاسد.\rأخذناه من قول الحماسي:\rبيضاء آنسة الحديث كأنها ... قمر توسط جنح ليل مبرد\rموسومة بالحسن ذات حواسد ... إنَّ الحسان مظنة للحاسد\rالحسان جمع حسناء. يقال: جارية حسناء وحسنة وحسانة على مثال رمانة، فهم حسان وحسانات، ورجل حاسن وحسن. وحسين وحسان بضم الحاء مع تشديد السين وتخفيفها، فهم حسان وحسانون. ومظنة الشيء بكسر الظاء: موضع يضن فيه وجوده. والحسد جنع حاسد وحاسدة. والمعنى أنَّ الحسناء مظنة لأن تحسد على حسنها. وكذا كل من له فضيلة ما مزية ما فهو مظنة لأن يحسد كما يقال: كل ذي نعمة محسود. ومن يمتدح بكثرة الحساد ويذم بقلتهم لأن وجود الحساد كناية عن وجود الفضل والنعمة كما قيل:\rحسدوا مروءتنا فضلل سعيهم ... و لكل بيت مروءة أعداءُ\rو قال آخر:\rإن يحسدوني فإني غير لائمهم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا\rفدام لي ولهم ما بي وما بهم ... و مات أكثرنا غيظا بما يجدُ\rأنا الذي يجدوني في صدورهم ... لا أرتقي صدرا منها ولا أردُ\rو قال أبو الأسود أو غيره:\rحسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداءٌ له وخصومُ\rكضرائب الحسناء قلن لوجهها ... حسداً وبغضاً إنّه لدميمُ\rو قال عمار بن عقيل بن بلال بن جرير:\rما ضرني حسد اللئام ولم يزل ... ذو الفضل يحسده ذوو النقصان\rو قال بشار:\rلا عشت خلوا من الحساد إنهم ... أعز فقداً من الائي أحبوني\rأبقى لي الله حسادي برغمهم ... حتى يموتوا بداء غير مكنون\rو قال محمود:\rأعطيت كل الناس مني الرضى ... إلاّ الحسود فانه أعياني","part":1,"page":60},{"id":61,"text":"لا أنَّ لي ذنباً لديه علمته ... إلاّ تظاهر نعمة الرحمنِ\rو قال أبن أبي الطاهر:\rولم يزل ذو النقص من نقصه ... يحسد ذا الفضل على فضله\rو قال الآخر: ونعمة الله مقرونٌ بها الحسدُ وقال الآخر: ولن ترى للئام الناس حساداً\rإنَّ التخلق يأتي دونه الخلُقُ.\rأخذناه من قول الحماسي:\rعليك بالقصد فيما أنت فاعله ... إنَّ التخلق يأتي دونه الخلق\rو الخلق بضم الخاء واللام وتسكن: السجية والطبع؛ وتخلق الرجل بغير خلقه: تكلف ذلك. والمعنى إنَّ السجايا لا تزول، والخلائق القديمة لا تحول كما قيل:\rيرام من القلب نسيانكم ... و تأبى الطباع على الناقل\rو من كلام العامة: تنتقل الجبال ولا تنتقل الطباع: فمتى تخلق الإنسان بغير خلقه وتكلف ما ليس في طوقه لقى العناء الشديد أو افتضح غير بعيد كما قال حسان: إنَّ لا خلائق فاعلم شرها البدع وسيأتي إتمام المعنى في قولهم: الطبع أملك في حرف الطاء إن شاء الله تعالى.\rإنَّ السم مشروب.\rأخذناه من قول الحماسي عبد الله بن عنمة الضبي:\rما إن ترى السيد زيداً في نفوسهم ... كما تراه بنو زيد ومرهوبُ\rإن تسألوا الحق نعط الحق سائله ... والدرعُ محقبة والسيفُ مقروبُ\rوإن أبيتم فإنا معشرٌ أنفٌ ... لا نطعم الخسف إنَّ السم مشروبُ\rفازجر حمارك لا يرتع بروضتنا ... إذا يرد وقيد العير مكروبُ\rالسيد بالكسر: قبيلة من ضبة؛ وزيد ومرهوب: حيان من ذهل بن شيبان. يقول: إنكم لا تعظمون في نفوسنا كما يعظم بعضكم في نفوس بعض؛ فإنَ طلبتم الحق أعطيناه وكان السلم بيننا حتى تكون الدرع محقبة أي مجعولة في الحقائب وهو مؤخر الرحال وتكون السيوف مقروبة أي مجعولة في قربها لعدم الحاجة إلى استلالها. وقوله: أنف جمع أنوف. والخسف: الظلم والذل. والمعنى: إننا نمتنع أن تلمسنا يد الظالم ونعاف أن نطعم الهوان والضيم ويهون علينا في نيل العزة والارتفاع تجشم غمرات الدفاع واصطلاء جحيم القراع حتى نشرب سموم الموت المنقعة بأطراف الأسنة المشرعة. وضرب الطعم لنيل الهوان، وشرب السم للموت والألم مثلا.\rإنَّ الكريم إذا خادعته انخدع.\rهذا في شعر لم أثبته الآن. وقد تمثل بهذا المثل الرشيد وذلك إنّه سخط على حميد الطوسي فدعا له بالنطع والسيف لتضرب عنقه. فلما أخذ من بين يديه لتضرب عنقه بكى فقال له الرشيد: ما يبكيك؟ أجزعاً من الموت؟ قال: لا ولكن بكيت أن أخرج من الدنيا وأمير المؤمنين عليَّ ساخط. فضحك الرشيد وأنشد: إنَّ الكريم إذا خادعته انخدع ثم وهبه للحسن بن قحطبة.\rإنَّ ليتاً وإنَّ لوّاً عناءُ.\rأخذناه من قول الحماسي:\rإنّما مت غير أني حيّ ... يوم بانت بودها الحسناءُ\rمن بني عامرٍ لها شطر قلبي ... قسمةٌ مثل ما يشقُ الرداءُ\rأشربت لون صفرة في بياضٍ ... و هي في ذاك لدنةٌ غيداءُ\rكل عينٍ متى تراها من ... الناس أليها مديمة حولاءُ\rليت شعري وأين مني ليت ... إنَّ ليتا وإنَّ لوا عناءُ\rو أراد بالليت الضمني وجعله اسمه كقوله: ليت وهل ينفع شيئا ليت؟ ولو هنا هي التي تكون للتمني نحو: لو تأتينا فتحدثنا. وجعله اسما كقوله:\rألامُ على لو ولو كنت عالما ... بأذناب لو لم تفتني أوائله\rو العناء: المشقة والتعب. يريد أنَّ ما ذكر بعيد المطلب فتمنيه مشقة وتعب. وللبيتين الأولين قصة ظريفة وهي إنّه فيما يزعمون لأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قاضٍ يميل إلى سماع الشعر فطرب لذلك طربا شديدا وقام من مجلسه وأخذ نعاله وعلقهما في أذنيه وجعل يقول: أهدوني فإني هدية! فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فعزله. قال: لم عزلتني؟ امرأته طالق لو سمعها لقال: أركبوني فإني مطية! فلما بلغ خبره عمر أمر أن يؤتى به مع الجارية. فلما جلسا بين يديه قال له: مرها أن تغني بذلك الغناء! فلما غنت اضطرب عمر لذلك اضطرابا شديدا ودخلته الأريحية واستعاد الصوت منها مرارا وبكى وقال للقاضي: قد قاربت يمينك ورده إلى قضائه.\rأي الرجال المهذبُ؟\rأخذناها من قول النابغة يعتذر للنعمان:\rولست بمستبقٍ أخاً لا تلمهُ ... على شعثٍ أي الرجال المهذبُ؟","part":1,"page":61},{"id":62,"text":"و التهذيب: التصفية والتنقيح؛ والرجل المهذب: المطهر الأخلاق. والاستفهام للنفي أي لا رجل يكون أبدا حسن الفعال طاهر الخلال محمود الخصال إلاّ من عصم كقول الآخر:\rمن ذا الذي ما ساء قط؟ ... و من له الحسنى فقط؟\rو إذ بينا يقال هذا البيان على تيسر من الأمثال النثرية فلنلم بشيء من الأمثال الشعرية أو ما يكون جاريا على منهاجها وماضيا على أدراجها قال الحماسي أمية بن أبي الصلت الثقفي يمدح عبد الله بن جدعان القريشي التيمي:\rأ أذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك؟ إنَّ شيمتك الحياءُ\rوعلمك بالحقوق وأنت فرعٌ ... لك الحسب المهذب والسناءُ\rوأرضك كل مكرمةٍ بنتها ... بنو تيمٍ وأنت لها سماءُ\rخليلٌ لا يغيره صباحٌ عن الخلق الكريم ولا مساءُ\rإذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرضه الثناءُ\rتباري الريح مكرمة ومجداً ... إذا ما الكلب أجحره الشتاءُ\rو الذي يتمثل به كثيرا منه قوله: أأذكر حاجتي . . البيت، وقوله خليل لا يغيره . . البيت، مع الذي بعده وقد يقرن بينهما. والمضرب واضح. وكثيرا ما ينشد السادات الصوفية: كريم ما يغيره صباح، الخ، يتمثلون بذلك عند التنبيه على أنَّ التعرض لمواهب المولى جلة كلمته، ومزيد منحه الجميلة ومنه الجزيلة بطريق الثناء والشكر والذكر وكثرة التحميد والتبجيل والتعبد والمجاهدة، أبلغ من التعرض لذلك بمجرد الدعاء طلبا لنيل حاجة. وهذا ورد في كلام الشارع صلوات الله وسلامه عليه: أفضل الدعاء الحمد لله! وقال تعالى: )لئن شكرتم لأزيدنكم(. وهذا مقام يبين في محله. وقال أبو نواس الحسن بن هانئ:\rدع عنك لومي فإنَ اللوم إغراءُ ... و داوني بالتي كانت هي الداءُ\rصفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسها حجرٌ مسته سراءُ\rحتى قال:\rلتلك أبكي ولا أبكي لمنزلةٍ ... كانت تحل بها هندٌ وأسماءُ\rفقل لمن يدعي في الحب معرفةً ... عرفت شيئاً وغابت عنك أشياءُ\rو الذي يتمثل به منها كثيرا الشطر الأول والأخير. أما الأول فقد أخذه أبن قلاقس فقال:\rفدعي الملامة في التصابي واعلمي ... أنَّ الملامة ربما تغريني\rو اكثر الشعراء في هذا النحو وكلهم مقتبسون منه حائمون عليه. فمن ذلك قول أبن شرف:\rقل للعذول: لو أطعت على الذي ... عاينته لعناك ما يعنيني\rأتصدني أم للغرام تردني ... و تلومني في الحب أم تغريني؟\rدعني فلست معاقبا بجنايتي ... إذ ليس دينك لي ولا لك ديني\rو قول الآخر:\rوما عذولي ناهيا عنكم ... لكنه بالصبر أمارُ\rقال: اسلهم إن لم تطق هجرهم ... قلت له: النار ولا العارُ\rوقول الآخر:\rيقول لي العاذل في لومه ... و قوله زورٌ وبهتانُ\rما وجه من أحببته قبلةٌ ... قلت: ولا قولك قرآنُ\rو قول الآخر:\rيا عاذلي ليس مثلي من تفنده ... و ليس مثلك مأمونا على عذلي\rما دمت خلواً تنفك متهماً ... أعشق وقولك مقبولٌ عليَّ ولي\rوقوله:\rمن منصفي من عاذل جاهل ... يخون باللوم لمن لا يخونُ\rإن قلت: ما نصحك إلاّ أذىً ... قال: وما عشقك إلاّ جنونُ\rوقوله:\rإنَّ قوما يلحون في حب سعدى ... لا يكادون يفقهون حديثا\rسمعوا وصفها ولاموا عليها ... أخذوا طيبا وأعطوا خبيثا\rو قول الآخر:\rأسرفت في اللوم ولم تقتصر ... و زدت في لومك يا ذا العذول\rقد رضيت نفسي بمحبوبها ... و إنّما المولى كثير الفضول\rو قول الآخر:\rتعرض لي اللاحي وجاء يزورني ... و زجرف لي زور الكلام بمينهِ\rوقال : اسل عن هذا وعد عن غرامه ... فقلت له: هذا الفضول بعينهِ\rو قول الآخر:\rزعموا أنني هويت سواكم ... كذبوا ما عرفت إلاّ هواكم\rقد علمتم بصدق مرسل دمعي ... فسلوه إن كان قلبي سواكم\rقال لي عاذلي: متى تبصر الرشد ... و تسلو؟ فقالت: يوم عماكم\rو قول ابن سناء الملك:\rأيا عاذلي فيه لمّا رآه ... لئن كنت أعمى فإني أصم\rوهبك أبا ذر هذا الملام ... فأني أبو جهل ذاك الصمم\rو قوله أيضاً :","part":1,"page":62},{"id":63,"text":"وصفتك واللاحي يعاند بالعذل ... فكنت أبا ذر وكان أبا جهلِ\rله شاهدا زور من النهي والنهى ... عليك ومن عينيك لي شاهدا عدلِ\rو قول آخر:\rوبي عاذلٌ يغري إلى الجهل لم يخل ... بأني في دعوى الغرام أبو ذرِّ\rو المراد بهذا الصدق في الهوى. ومن هذا النمط قول آخر:\rوشادنٍ مبتسمٍ عن حبب ... مورد الخد مليح الشنب\rيلومني العاذل في حبه ... و ما درى شعبان أني رجب\rو ذلك لأن شعبان عند العرب يسمى العاذل ورجب يسمى الأصم. ومما نحن فيه قول الآخر:\rإذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى ... أصخت إلى الواشي فلج بها الهجرُ\rأشار بالشطر الأول إلى أن العذل يغريه. وقول البوصيري:\rمحضتني النصح لكن ليس أسمعه ... إنَّ المحب عن العذال في صممِ\rو يقرب منه قول عفيف الدين التلمساني:\rولي على عاذلي حقوق هوى ... عليه شكري ببعضما يجبُ\rلام فلما رآه هام به ... فكنت في عشقه أنا السببُ\rو قول الآخر:\rأبصره عاذلي عليه ... و لم يكن قبلها رآهُ\rفقال لي: لو هويت هذا ... ما لامك الناس في هواهُ\rقل لي إلى من عدلت عنه ... فليس أهل الهوى سواهُ\rفظل من حيث ليس يدري ... يأمر بالحب من نهاهُ\rومن ذلك قول حفص العليمي:\rأقول لحلمي لا تزعني عن الصبا ... و للشيب لا تذعر عليَّ الغوانيا\rطلبت الهوى العذري حتى وجدته ... و صيرت في نجدٍ به ما كفانيا\rوقول الخزاعي:\rهددت بالسلطان فيك وإنّما ... أخشى صدودك لا من السلطانِ\rو قول أبي الشيص:\rأجد الملامة في هواك لذيذةٌ ... حبا لذكرك فليلمني اللومُ\rو أما بيته الأخير فينشده المتمثلون اليوم:\rقل للذي يدعي علما ومعرفة ... عرفت شيئا وغابت عنك اشياءُ\rعجيبة: حكي أنَّ المفضل الضبي قال له الرشيد - دلني على بيت أوّله أكثم أبن صيفي في أصالة الرأي وجودة الوعظة وآخرها بقراط في معرفة الدواء. فقال: يا أمير المؤمنين لقد هولت علي. فقال: هذا قول أبي نواس: دع عنك لومي. وسأل حامدبن العباس عليَّ بن عيسى الوزير فقال له: ما دواء الثمل وقد علق به؟ فأعرض عنه الوزير وقال: ما لنا وهذه المسألة؟ فخجل حامد وإذا بقاضي القضاة أبي عمر قد ورد عليهم فلما قعد سأله حامد عن ذلك فقال القاضي: قال الله تعالى: )و ما آتاكمُ الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا(. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : استعينوا على كل صنعة بصالحي أهلها والأعشى هو المشهور بهذه الصناعة في الجاهلية وقد فال في ذلك:\rوكاسٍ شربت على اذة ... و أخرى تداويت منه بها\rثم تلاه أبو نواس فقال في ذلك:\rدع عنك لومي فإنَ اللوم إغراءُ ... و داوني بالتي كانت هي الداءُ\rفأشرق وجه حامد حينئذ وقال للوزير: ما ضرك يا بارد لو أجبت ببعض ما أجاب به قاضي القضاة، وقد استظهر في الجواب بقول الله تعالى وبقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الفتيا وأدى المعنى وتبرأ من العهدة؟ فكان خجل الوزير من حامد بهذا الكلام أكثر من حامد منه لمّا ابتدأه بالمسألة.\rقلت وهذا الكلام من القاضي كان على مجاراة أهل هذه الصنعة وتبيان ما ثبت في نفس الأمر من بعض منافع الخمر ولم يتعرض للحكم الشرعي من حرمة التداوي بها، لعلمه إن السائل يعرف ذلك، وإلاّ فكان الواجب أن يستدرك عقب كلامه بما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيمن تداوى بالحرام، والله اعلم.\rواعلم أن التصامم عن العذال قد تقدم في كلام الشعراء كثيراً قبل أبي نواس، كقول زهير في الجود:\rوأبيض فياضٍ يداه غمامة ... على معتفيه ما تغلب نوافله\rبكرت عليه غدوة فرأيته ... قعوداً لديه بالصريم عواذله\rيفدينه طوراً وطوراً يلمنه ... و أعيى فما يدرين أين مخاتله\rفأقصرن منه عن كريم مرزءٍ ... عزوم على الأمر الذي هو فاعله\rغير إنَّ أبا نواس لم يكتف العذل ضائعاً، حتى جعله ناجعاً، في عكس المطلوب، ونقيض المرغوب. ولم يحضرني الآن أسبق بهذا أم لا. وقال الشاعر:\rألقاه في البحر مكتوفاً وقال له: ... إياك، إياك أن تبتل بالماء!","part":1,"page":63},{"id":64,"text":"و هو مثل مشهور يضرب عند إلزام الشخص ترك ما لا محيص له عنه عند وجود سببه، أو ارتكاب مالا قدرة عليه. ومنه التكاليف الشرعية عندنا معشر الاشاعرة عند النظر إلى التحقيق وباطن الأمر، إلاّ أنا نجوز في حق الملك الحق تعالى أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد من غير قبح في شيء من ذلك، بل حسن جار على وفق الاختيار، وتصرف من له الاقتدار، ولا سيما بحسب الظاهر. ويقرب من هذا المعنى قول بعض الشعراء في امرأة:\rسكت فقالت: قد سكت عن الحق ... ففهت فقالت ما دعاك إلى النطق؟\rفأومأت هل من حالة بين ذا وذا؟ ... فقالت: وذا الإيماء أيضاً من الحمق\rفلم أرلي إذ حلت الغرب راحةً ... من الشر إلاّ في المسير إلى الشرق\rفلما أتيت الشرق ألفيتها به ... و قد قعدت بي منه في أضيق الطرق\rفيا قوم هل من حيلة تعرفونها؟\rو قال الآخر:\rمن غص داوى بشراب الماء غصته ... فكيف يصنع من قد غص بالماء؟\rو مضربه واضح. وفي معناه قول الأول:\rلو بغير الماء حلقي قد شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري\rوقول الآخر:\rإلى الماء يسعى من يغص بأكله ... فقل: أين يسعى من يغص بالماء؟\rو قول الآخر:\rفكيف نجيز غصتنا بشيءٍ ... و نحن نغص بالماء الشروب؟\rو قول الآخر:\rفلو كان هذا الحكم في غير ملككم ... لبؤت به أو غص بالماء شاربه\rو قول الآخر:\rمصاحبة المنى خطر وجهلُ ... و كم شرقٍ تولد من زلالِ!\rو قول أبن حبوس:\rمضى الكرماء صانوا ماء وجهي ... بما بذلوه عن ذل السؤال\rوها أنا بعدكم في الناس ابغي ... كريماً يشتري شكري بمالِ\rأرى الاكدار يشرق شاربوها ... فوا شرقي من الماء الزلال!\rو قول الآخر:\rإني لأذكركم وقد بلغ الظمأ ... مني فأشرق بالزلال الباردِ\rوأقول ليت أحبتي عاينتهم ... قبل الممات ولو بيوم واحد!\rو قول الآخر:\rقد كنت عدتي التي أسطو بها ... و يدي إذا اشتد الزمان وساعدي\rفرميت منك بضد ما أملته ... و المرء يشرق بالزلال الباردِ\rو قول الآخر:\rكنت من محنتي أفر إليهم ... فهم محنتي فأين الفرار؟\rو قول أبن سناء الملك:\rأموت غراما حين احرم وصل من ... هويت وأحيا فرحة حين ارزق\rوإنَّ الفتى يحيا بما قد يميته ... فبالماء يحيا وهو بالماء يشرقُ\rو قال البحتري:\rتداويت من ليلى بليلى فما اشتفى ... بماء الربى من بات بالماء يشرقُ\rوهو مخالف لمّا قبله باعتبار: فإنَ الأول ناظر إلى جنس الماء وإنّه يكون سببا للحياة والموت باعتباري مساغه والشرق به، وتنظير الأحبة بذلك باعتبار وصالهم وفراقهم صحيح. والثاني ناظر إلى من وقع له الشرق بالماء وإنّه لا ينتفع بالماء لمّا مر في الأناشيد وهو صحيح ولكن التنظير خطأ إلاّ أن يريد الأخبار عما وقع له هو من حصول الوحشة ممن يترقب منه الأنس ولم يلاحظ ما قال أبن ذريح:\rتداويت من ليلى بليلى من الهوى ... كما يتداوى شارب الخمر بالخمرِ\rأخذه من قول الأعشى السابق:\rوكأس شربت على لذةٍ ... و أخرى تداويت منها بها\rو هذا كله وفق قول أبن سناء الملك. وقال الآخر:\rيا قوم قلبي عند زهراء ... يسمعه السامع والرائي\rلا تدعني إلاّ بيا عبدها ... فانه أشرف أسماءِ\rيتمثل بالبيت الثاني. وقد تمثل به العلماء في قصة تخيير النبي صلى الله عليه وسلم بين أن يكون نبيا ملكا أو نبيا عبدا، واختياره أن يكون عبدا وهو أشرف الأمرين وأجل فإنَ الإضافة إلى الشرف تفيد شرفا. وأي شرف ومجد وعظمة وجلال وراء عظمة مالك الملك الحق تعالى! وأي منزلة أعظم من الانتساب إليه؟ وقال الآخر:\rسهام الليل لا تخطي ولكن ... لها أمد وللأمد انقضاءُ\rو قبله:\rأتهزأ بالدعاء وتزدريه؟ ... تأمل فيك ما صنع العاءُ!","part":1,"page":64},{"id":65,"text":"و تمثل صاحب التشرف بهذا الشعر حين ذكر أنَّ أبا الفضل أبن النحوي دخل فأساً، فلما ظهر أصلب القاضي أبن دبوس منه غيرة وآذاه. فلما أزمع أبو الفضل الخروج قطع تلك الليلة التي يخرج في صبيحتها بسجدة دعا في آخرها وقال: اللهم عليك بابي دبوس! فأصبح القاضي ميتا. وقال الآخر وهو معنى رشيق، وكان عتب على الصمت:\rقالت الضفدعة قولاً ... فسرته الحكماءُ\rفي فمي ماءٌ وهل ينطقُ ... من في فيه ماءُ؟\rو قال ذي الرمة:\rأما النبيذ فلا يذعرك شاربه ... و احفظ ثيلبك ممن يشرب الماءَ\rقومٌ يرون عما في صدورهم ... حتى إذا استحكموا كانوا هم الداءَ\rيشمرون إلى انصاف سوقهم ... هم اللصوص وقد يدعون قراءَ\rو لهذا الشعر قصة وهي أنَّ ذا الرمة اجتمع هو وإسحاق بن سويد العدوي في مجلس. فأتيا بطعام فطعما، وأتيا بنبيذ فشرب ذو الرمة وأبى إسحاق أن يشرب. فقال ذو الرمة: أما النبيذ فلا يذعرك شاربه الأبيات. وقال إسحاق مجيبا له:\rأما النبيذ فقد يزري بشاربه ... و لن ترى شاربا أزرى به الماءُ\rالماء فيه حياة الناس كلهم ... و في النبيذ إذا عاقرته الداءُ\rيقال هذا نبيذي يعاقره ... فيه عن البر والخيرات إبطاءُ\rوفيه إن قيل مهلا عن مصممة ... و فيه عند ركوب الإثم إغضاءُ\rو مثل قول أبن الرومي قول الآخر وبنسب لابن الرومي في الفقهاء:\rأذيابا بدت لنا ... في ثياب ملونة\rإحلالاً وجتم ... أكلنا في المدونه\rو قوله أيضاً:\rإلاّ إنّما الدنيا ميتةٍ ... و طلابها مثل الكلاب الموامسِ\rوأعظمهم ذماً لها وأشدهم ... لها شغفاً قومٌ طوال القلانسِ\rو مثل قول إسحاق بن سويد في النبيذيين قول الآخر:\rبلوت النبيذيين في كل بلدةٍ ... فليس لأصحاب النبيذ حفاظُ\rإذا أخذوها ثم أغنوك بالمنى ... و إن فقدوها فالوجوه غلاظُ\rعكاظية لا قدس الله روحها ... و ما ذكرت في الصالحين عكاظُ\rو سيأتي كل من الأمرين مستوفي إن شاء الله تعالى. وقال الآخر:\rإذا انقطع الرجا من كل حي ... ففي الله الكفاية والرجاءُ\rسيغنيني الذي أغناك عني ... فلا فقر يدوم ولا غناءُ\rو قد جمع بين الممدوح وهو الرجاء وبين مد المقصور وهو الغناء بكسر الأول ضد الفقر.\rوقال عدي بن الرقاع:\rوإذا نظرت إلى أميري زادني ... ضنا به نظري إلى الفقراءِ\rبل ما رأيت جبال أرض تستوي ... فيما عسيت ولا نجوم السماءِ\rكالغيم فيه وابلٌ متتابعٌ ... غدقٌ وآخر لا يجود بماءِ\rوالحر يورث مجده أبناءه ... و يموت آخر وهو في الأحياءِ\rو مثل البيت الأول قول الحماسي:\rولمّا أبى إلا جماحا فؤاده ... ولم يسل عن ليلى بمال ولا اهلِ\rتسلى بأخرى غيرها فإذا التي ... تسلى بها تغري بليلى ولا تسلي\rو قال الآخر:\rلم ألق بعدهم حياً فأخبرهم ... إلاّ يزيدهم حباً الي همُ\rو قال الحماسي عدي بن الرعلاء:\rليس من مات فاستراح بميتٍ ... إنّما الميت ميت الأحياءِ\rإنّما الميت من يعيش كئياً ... كاسفا باله قليل الرجاءِ\rو قال الآخر:\rيوما بحزوي ويوماً بالعقيق ... وبالعذيب يوما ويوما بالخليصاء\rو قال الحماسي قيس بن الخطيم الأنصاري:\rوما بعض الإقامة في ديار ... يهان بها الفتى إلاّ عناءُ\rوبعض خرئق الأقوام داءٌ ... كداء البطن ليس له دواءُ\rيريد المرء أن يعطي مناه ... و يأبى الله إلاّ ما يشاءُ\rوكل شديدة نزلت بقوم ... سيأتي بعد شدتها رخاءُ\rفلا يعطي الحريص غنى لحرصٍ ... و قد ينمى على الجود الثراءُ\rغني النفس ما عمرت غني ... و فقر النفس ما عمرت شقاءُ\rوليس بنافع ذا البخل مالٌ ... و لا مزر بصاحبه السخاءُ\rوبعض الداء ملتمس شفاه ... و داء النوك ليس له شفاءُ\rو قال الآخر من شعراء الحماسة:\rوأرض عن مطامع قد أراها ... وأتركها وفي بطني انطواءُ\rفلا وأبيك ما في العيش خير ... و لا الدنيا إذا ذهب الحياءُ\rيعيش المرء ما استحيى بخير ... و يبقى العود ما بقى اللحاءُ","part":1,"page":65},{"id":66,"text":"و قلت أنا في أمر حدث:\rتعلم أنَّ شر الأصدقاء ... صديق لا يدوم على الإخاء\rمتى ما تلقيه أرضاك بشراً ... و ليس إذا تغيبت ذا وفاء\rلعمرك ما الوداد سوى وداد ... يدوم على التداني والتنائي\rوفي الأتراب والترب المجلي ... أخاك وفي المسرة والبلاء\rوليس أخوك من يبدي ودادا ... بوجهك طاويا مكنون داء\rفإن أدبرت أتبعك أعتضاضاً ... بنابيه وعاد من العداء\rو قال الآخر:\rإنَّ الذي وهو مثر لا يجود حرٍ ... بفاقة تعتريه بعد إثراء\rقوله: وهو مثر جملة حالية فصل بها بين الموصول وصلته وذلك قيل؛ والمثري: الغني. وقال الحماسي قيس بن الخطيم الأنصاري:\rوكنت أمرء لا أسمع الدهر سبه ... أسب بها إلاّ كشفت غطاءها\rمتى يأت هذا الموت لا تلف حاجة ... لنفسي إلاّ قد قضيت قضاءها\rيريد: إلاّ قضيتها قضاء فأوقع القلب كما ترى. وقال الآخر:\rأقول لمقلتي لمّا التقينا ... وقد شرقت مآقيها بماء\rخذن اليوم من نظري بحظ ... فسوف تكونين إلى البكاء\rو مثله قول الآخر:\rترفق بدمعك فاستبقه ... فبين يديك بكاءٌ طويل\rو قال البحتري بن المغيرة بن أبي صفرة وكان المهلب بن أبي صفرة قد استعمل يزيد على حرب خراسان والمغيرة على خراجها ولم يوله هو شيئا. فكتب إليه:\rأقرأ السلام على الأمير وقل له: ... إنَّ المقام على الهوان بلاءُ\rأصل الغدو إلى الرواح وإنّما ... أذني وأذن الأبعدين سواءُ\rأجفى ويدعى من ورائي جالساً ... ما بالكرامة والهوان خفاءُ\rفلما بلغ المهرب ذلك وجد عليه وألزمه بيته فكتب إليه:\rجفاني الأمير والمغيرة قد جفا ... و أمسى يريد لي قد أزور جانبه\rوكلهم قد نال شبعا لبطنه ... و شبع الفتى ليسؤم إذا جاع صاحبه\rفيا عم مهلاً واتخذني لنوبة ... تلوم فإنَ الدهر جم نوائبه\rأنا السيف إلاّ أنَّ للسيف نبوة ... و مثلي لا تنبو عليك مضاربه\rفرضي عنه وعزل المغيرة وولاه. وقال خالد الكاتب:\rأعان طرفي على جسمي وأحشائي ... بنظرة وقفت جسمي على داءِ\rوكنت غراً بما يجنى على بدني ... لا علم لي أنَّ بعضي بعض أدواءِ\rو أخذه من قول إبراهيم بن المهدي:\rإذا كلمتني بالعيون الفواتر ... رددت عليها بالدموع البوادر\rفلم يعلم الواشون ما بيننا ... و قد قضيت حاجاتنا بالضمائر\rأقاتلتي ظلما بأسهم لحظها ... أما حكم يقضي على طرف جائرِ\rفلو كان للعشاق قاض من الهوى ... إذا لقضى بين الفؤاد وناظري\rو مثله قول الآخر:\rوالله يا طرفي الجاني على بدني ... لتطفئن بدمعي لوعة الحزن","part":1,"page":66},{"id":67,"text":"ولهذا الشعر قصة طريفة: حكي عن بعض المغنين قال قدم عليَّ فتى حسن الوجه عليه اثر السقم وقال: لي عندك حاجة! قلت: وما هي؟ فأخرج ثلاثمائة دينار وقال: اقبلها مني واصنع لي لحنا في بيتين وغنني بها. فقلت: نعم! حبا وكرامة فأنشد البيتين المذكورين. قال: فصنعت لحنا شجيا ثم غنيته إياه. فأغمي عليه حتى ظننته قد مات ثم أفاق وكأنما نشر من قبر. فقال: أعد عليّ! فناشدته الله في نفسه وقلت: أخشى والله أن تموت. فقال: ليت ذلك قد كان فأستريح! وجعل يتضرع لي حتى رحمته فأعدت الصوت. فصعق صعقة ظننت أن نفسه زهقت فيها. فجعلت أنضح وجهه بالماء. فلما أفاق وضعت دنانيره بين يديه وقلت: انصرف عني فإني لا أحب أن أشرك في دمك. فقال: لا حاجة لي بها ولك عندي مثلها. وأخرج ثلاثمائة أخرى وقال: أعد علي الصوت مرة أخرى وأنا أنصرف عنك. فشرهت نفسي إلى الدنانير وقلت:أفعل على ثلاث شروط. قال: وما هي؟ قال: الأول أن تأكل من الطعام ما تتقوى به؛ والثاني أن تشرب أقداحا من النبيذ تمسك قلبك والثالث أن تحدثني بقصتك فلعل ذلك ينفعك. فقال: نعم. فدعوت بالطعام فأصاب منه ودعوت بالشراب فشرب أقداحا وأنا أغنيه ما يحضرني. فلما رأيت النبيذ شد قلبه غنيت الصوت فطرب وأعته عليه مرارا رضي وسكن. فقلت: حدثني. فقال. أنا رجل من أهل المدينة خرجت متنزها وقد سال العقيق مع أصحاب لي. فخرج فتيات لمثل ما خرجنا إليه. فنظرت إلى فتاة منهن كأنها غصن بان، فعلقتها من وقتي وأطلت إليها وأبصرت هي ذلك مني. فلما تفرق الناس وجدت بقلبي جرحا ولم أعرف لها ولا لصواحبها خبرا. فمرضت لذلك حتى يئس مني أهلي. فخلت بي ظئري وسألتني عن ضري وضمنت لي كتمان السر والسعي فيما يصلح. فأخبرتها خبري، فقالت: لا بأس عليك سيعود المطر ويسيل العقيق فتخرج معك. فإذا رأيتها عرفتني بها فلا أفارقها حتى تقف على موضعها وأوصلك إليها وأسعى في تزوجها. فسكنت نفسي لقولها ولم نلبث أن جاء المطر وسال العقيق. فخرجت مع أصحابي ومعي ظئري وجلسنا مجلسنا الأول بعينه وإذا بالنسوة وفيهن صاحبتي. فأومأت إلى ظئري حتى عرفتها وقلت لها: انطلقي وقولي: يقول لك الفتى: والله لقد أحسن الذي يقول:\rرمتني بسهم أقصد القلب وانثنت ... و قد غادرت جرحا به وندوبا\rفمضت وقالت لها ذلك. فقالت: قولي له: لقد احسن القائل واحسن الذي يقول:\rبنا مثل ما يشكو فصبرا لعلنا ... نرى فرجا يشفي الفؤاد قريبا\rقال: فلما انصرفنا، تبعتها حتى عرفت مكانها، فتلطفت حتى جمعت بيننا على مخالسة، فظهر ما بيننا فحجبت عني ولم أقدر على لقائها. فبلغ ذلك أبي فخطبها من أبيها فقال: لو كان هذا قبل اشتهار حديثها لأسعفته؛ وأما الآن فلا أحقق مقالة الناس فيها بتزويجها منه. فيئست منها ومن نفسي، فخرجت هائما حتى بلغتك. قال المعني المذكور: ثم إنني حضرت مجلس جعفر بن يحيى، فغنيته بشعر الفتى، فقال: ويحكم! ما هذا الصوت وما قصته؟ فقلت: قصة أظرف منه. ثم حدثته بحديث الفتى، فأمر بإحضاره وسأله، فأعاد عليه الحديث كما حدثته فقال له: أنا ضامن لك تزويجها، فطابت نفسه. ثم ركب جعفر إلى الرشيد وحدثه الحديث. فاستظرفه وأمر بإحضارنا جميعا،و سأل الفتى عن حديثه فحدثه وقال لي: غن الصوت فغنيته وطرب له وشرب عليه، وأمر بالكتب إلى عامل الحجاز بأشخاص الرجل وأهله وولده مكرمين. فلما حضروا عنده أعطى الرجل ألف دينار وأمره بتزويج الجارية من الفتى، وأعطى الفتى ألفي دينار، وأمر لي بألف دينار.\rوقال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي، من قصيدة:\rانظر وإياك الهوى لا تمكنن ... شيطانه من مقلةٍ شوشاء\rو قال أيضاً، من هذه القصيدة، يخاطب خالد بن يزيد:\rلو سيرت لالتقت الضلوع على أسى ... كلف قليل السلم للأحشاء\rولجف نوار الكلام وقلما ... يبقى بهاء الغرس بعد الماء\rو قال أيضاً، من أخرى:\rلا تسقيني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ما بكائي","part":1,"page":67},{"id":68,"text":"و في إضافة الماء للملام، غرابه أوجبت بعض الهجنة والبرودة في الكلام يحكى إنّه عيب عليه ذلك حتى تحدث أن بعض عصرييه أرسل إليه إنَّ ابعث إلي بشربة من ماء الملام. فقال: حتى تبعث إلي بريشة من جناح الذل. وهذه خطيئة أبشع من الأولى، فإن الاستعارة في جناح الذل مأنوسة الاستعمال قديما وحديثا، ومدركا حسنها وفصاحتها بالذوق دون ماء الملام. وقد وقع له في هذه القصيدة نفسها ما يقرب من هذا، حيث قال:\rرأي لو استسقيت ماء نصيحةٍ ... لجعلته رأيا من الآراء\rغير إنَّ هذا، وإنَّ كان غريبا، يحسنه أن الرأي والنصيحة تحيا بهما النفوس كما تحيا بالماء الأبدان، ولا كذلك الملام. وقال أبو الطيب أحمد بن حسين المتنبي:\rعذل العواذل حول قلبي التائه ... و هوى الأحبة منه في سودائه\rو تقدم هذا المنزع وما فيه قبل. وقال أيضاً:\rأنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت ... فإذا انطلقت فأني الجوزاء\rوإذا خفيت على الغبي فعاذر ... ألا تراني مقلة عمياء\rو قال الآخر:\rإنَّ الحديث جانب من القرى ... ثم المنام بعد ذلك في الذرى\rو قال الآخر:\rإذا القوم قالوا من لعظيمةٍ ... فما كلهم يدعى ولكنه الفتى\rو قال الآخر:\rضاع سعيي وخبت وخابت أعاديك ... و من يبتغي لك الأسواء\rواحتملت الحرمان والنقص والأبعاد ... و الذل والعنا والجفاء\rوتحملت واصطبرت فلم يبق ... على عوادي الزمان لحاء\rأعلى هذه المصيبة صبر ... لا ولو كنت صخرة صماء\rو مثله في التشكي قول الآخر:\rأسجناً وقيد واشتياق وغربة ... و نأي الحبيب إنَّ ذاك عظيم!\rوإنَّ أمرءاً تبقى مواثيق عقده ... على مثل ما لاقيته لكريم\rو قول الآخر:\rولقد أردت الصبر عنك فأعاقني ... علق بقلبي من هواك قديم\rيبقى على حادث الزمان وريبه ... و على جفائك إنّه لكريم\rو قال الآخر:\rقال لي: كيف أنت؟ قلت: عليل ... سهر دائم وحزن طويل\rو قال الآخر:\rوإذا ما الصديق صار عدوا ... كان في الشر أكبر الأعداء\rو قال الآخر:\rلا تعدن للزمان صديقا ... و اعد الزمان للأصدقاء\rو مثله قول الآخر:\rليس بالمنكر انقلاب صديقٍ ... ربما غص شارب بالشراب\rلا تصيع مودة من صديق ... فانقلاب الصديق شر انقلاب\rو قول منصور الفقيه:\rأحذر عدوك مرة ... و أحذر صديقك ألف مرة\rفلربما انقلب الصديق ... فكان أعرف بالمضره\rو قوله:\rأحذر مودة ماذق ... مزج المرارة بالحلاوة\rيحصي الذنوب عليك ... أيام الصداقة للعداوة\rو قول الآخر:\rكن من صديقك خائفا فلربما ... حال الصديق فصار غير الصديق\rو قول أبن الرومي:\rعدوك من صديقك مستفاد ... فأقلل ما استطعت من الصحاب\rفإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب\rو قول الآخر:\rدار الصديق إذا استشاط تغيظا ... فالغيظ يخرج من كامن الأحقاد\rقول أبن الخالدي:\rوأخٍ رخصت عليه حتى ملني ... والشيء مملول إذا ما يرخص\rما في زمانك ما يعز جوده ... إنَّ رمته إلاّ صديق مخلص\rو قول المنصور أيضاً:\rإذا تخلفت عن صديقٍ ... و لم يعاتبك في التخلف\rفلا تعد بعدها إليه ... فإنما وده تكلف\rو قول الأنصاري:\rإلاّ رب من تدعو صديقا ولو ترى ... مقالته ساءك ما يفري\rلسان له كالشاهد مادت حاضراً ... و بالمغيب مطرور على ثغرة النحر\rو قول أبي الطيب:\rومن نكد الدنيا على المرء إنَّ يرى ... عدوا له ما من صداقته بد\rو ما يحكى إنَّ كسرى قال يوما لمرازبته: من أي شيء انتم اشد حذراً؟ قالوا: من العدو الفاجر، والصديق الغادر. وقول موسى بن جعفر: اتق العدو وكن من الصديق على حذر، فإن القلوب سميت قلوب لتقلبها. وسيأتي كثير من هذا النمط بعد إنَّ شاء الله تعالى. وقال أبو الطيب:\rوهبني قلت هذا الصبح ليل ... أ يعمى العالمون عن الضياء\rو قال أيضاً مادحا:\rوإذا مدحت فلا لتكسب رفعة ... للشاكرين على الإله ثناء\rوإذا مطرت فلا لأنك مجدب ... يسقى الخصيب وتمطر الادماء","part":1,"page":68},{"id":69,"text":"و الادماء:البحر. وقال أيضاً:\rإنّما التهنئات للأكفاء ... و لمن يدني من البعداء\rوأنا منك لا يهنئ عضو ... بالمسرات سائر الأعضاء\rو قال أيضاً من هذه القصيدة يمدح كافورا وكان أسود:\rإنّما الجلد ملبس وابيضاض ... النفس خير من ابيضاض القباء\rو قال أيضاً:\rوما كل من قال قولا وفى ... و لا كل من سيم خسفاً أبى\rو قال:\rولا بد للقلب من آلة ... ورأي يصدع صم الصفا\rو قال:\rفكان على قربنا بيننا ... مهامه من جهله والعمى\rو قال:\rوماذا بمصر من المضحكات ... و لكنه ضحك كالبكا\rو قال:\rومن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه ما لا يرى\rو قال الحماسي محرز الضبي يهجو بني عدي بن جندب، من أبيات:\rوإني لراجيكم على بطئ سعيكم ... كما في بطون الحاملات رجاء\rواخبر من لاقيت أن قد وفيتم ... و لو شئت قال المخبرون أساءوا\rو قال القاسم بن حنبل في بني سنان:\rلهم شمس النهار إذا استقلت ... و نور ما يغيره العماء\rهم حلوا من الشرف المعلى ... و من حسن العشيرة حيث شاءوا\rبناة مكارم وأساء كلمٍ ... دماؤهم من الكلب الشفاء\rو إنّما قال ذلك لمّا يزعمون من أنَّ من أصابه الكلب، وهو شبه جنون يصيب من عضه الكلب، ثم سقي دم ملك أو شريف برئ، ومثله قول زهير:\rوإنَّ يقتلوا فيشتفى بدمائهم ... و كانوا قديما من مناياهم القتل\rو قول الآخر:\rأحلامكم لسقام الجهل شافية ... كما دماؤكم من الكلب\rو قال الحسين بن مطير الأسدي يصف برقا وسحابا:\rمستضحك بلوامع مستعبر ... بمدامع لم تمرها الأقذاء\rفله بلا حزن ولا بمسرةٍ ... ضحك يراوح بيننا وبكاء\rكثرت ككثرة ودقه أطباؤه ... فإذا تحلب فاضت الأطباء\rوكأن عارضها حريق يلتقي ... أشب عليه وعرفج وآلاء\rلو كان من لجج السواحل ماؤه ... لو يبق في لجج السواحل ماء\rو للعرب فمن بعدهم في وصف السحاب والبرق والرعد إكثار وإطناب لا يأتي عليه الحصر ولكنا نذكر جملة من مستحسن ذلك ومما كان منه حسن إنَّ يتمثل به. فمن ذلك قول امرئ القيس:\rاصاح ترى برقها وميضه ... كلمع اليدين في حبي مكلل\rيضيء سناه أو مصابيح راهب ... آمال السليط في الذبال المفتل\rو قوله:\rاعني على برق أراه وميض ... يضيء حبيا في شماريخ بيض\rويهدأ تارات سناه وتارة ... ينوء كتغتاب الكسير المهيض\rوتخرج منه لامعات كأنها ... اكف تلقى الفوز عند المفيض\rو قوله:\rديمة هطلاء فيها وطف ... طبق الأرض تحرى وتدر\rتخرج الود إذا ما اشجذت ... و تواريه إذا ما تستكر\rو هي قطعة أبيات في هذا. وأشجذت: أقلعت. وقوله:\rيساجل التؤم اليشكري ... و أواخر الأنصاف للتؤم\rو قوله:\rأحار ترى بريقا هب وهنا ... كنار مجوس تستعر استعارا\rأرقت له ونام أبو شريح ... إذا ما قلت قد هدأ استطارا\rكأن هزيره بوراء غيب ... عشار وله لاقت عشارا\rفلما أن دنا لقفا أضاح ... و هت أعجاز ريقه فحارا\rفلم يترك بذات السر ظبيا ... و لم يترك بجلهتها حمارا\rو قال عبيد أبن الأبرص:\rيا من لبق أبيت الليل ارقبه ... في عارض كمضي الصبح لماح\rدان مسف فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالراح\rكأن ريقه لمّا علا شطبا ... اقراب ابلق ينفي الخيل رماح\rينزع جلد الحصى أجش مبترك ... كأنه فاحص أو لاعب داح\rفمن بنجوته كمن بعقوته ... و المستكن كمن يمشي بقرواح\rكأن فيه عشار جلة شرفا ... شعثا لهاميم قد همت بارشاح\rهدلا مشافرها بحا حناجرها ... تزجا مرابعها في صحصح ضاح\rو قول كثير:\rفالمستكن ومن يمشي بمروته ... سيان فيه ومن بالسهل والجبل\rو قول الحماني:\rدمن كأن رياضها ... يسبيان أعلام المطارف\rوكأنما غدرانها ... فيها عشور في مصاحف\rوكأنما أنهارها ... يهتز بالريح العواصف\rطرر الوصائف يلتقين ... بها إلى طرر الوصائف","part":1,"page":69},{"id":70,"text":"باتت سواريها تمخض ... في رواعدها القواصف\rثم انبرت سحا ... كباكية بأربعة ذوارف\rوكأن لمع بروقها ... في الجو أسياف المثاقب\rو قول عبيد:\rسقى الرباع مجلجل ... الأكناف لمع بروقه\rجون تكفكفه الصبا ... و هنا تمريه خريقه\rمري العسيف عشاره ... حتى إذا درت عروقه\rودنا يضيء ربابه ... غبا يضرمه حريقه\rحتى إذا ما ذرعه ... بالماء ضاق فما يطيقه\rهبت له من خلفه ... ريح الشماسية تسوقه\rحلت عزاليه الجنوب ... فثج واهيه خروقه\rو قال كثير:\rتسمع الرعد في المخيلة منها ... مثل هزم القرون في الاشوال\rوترى البرق عارضا مستطيرا ... مرح البلق جلن في الإجلال\rأو مصابيح راهب في يفاع ... سغم الزيت ساطعات الذبال\rو قوله:\rاهاجك برق آخر الليل واصب ... تضمنه فرش الحيا فالمسارب\rيجر ويستأني نشاطا كأنه ... بغيقه حاد جلجل الصوت جالب\rتألق واحمومى وخيم بالربى ... احم الذرى ذو هيدب متراكب\rكما اومضت بالعين ثم تبسمت ... خريع بدا منها جبين وحاجب\rو قول عبد الله بن المعتز:\rومزنة جاد في أجفانها مطر ... فالروض منتظم والقطر منتثر\rترى مواقعه في الأرض لائحة ... مثل الدراهم تبدو ثم تستتر\rو قوله أيضاً:\rكأن رباب الجون والفجر ساطع ... دخان حريق لا يضيء له جمر\rو قول أبي الغمر:\rنسجته الجنوب وهو صناع ... فترقى كأنه حبشى\rو قول الآخر:\rما ترى نعمة السماء على الار ... ض وشكر الرياض على الأمطار\rو قول الآخر:\rوموقرة بثقل الماء جاءت ... تهادي فوق أعناق الرياح\rفجاءت ليلها سحا ووبلا ... و هطلا مثل أفواه الجراح\rو قول الآخر:\rبدا البرق من نحو الحجاز فشاقني ... و كل حجازي له البرق شائق\rسرى مثل نبض العرق والليل دونه ... و أعلام أبلى كلها والاسالق\rو قول الطائي ومنه اخذ:\rإليك سرى بالمدح ركب كأنهم ... على العيس حيات اللصاب النضانض\rتشيم بروقا من نداك كأنها ... و قد لاح أولاها عروق نوابض\rو قول الآخر:\rأرقت لبرق آخر الليل يلمع ... سرى دائبا منها يهب ويهجع\rسرى كإقتداء الصبر والليل ضارب ... بأوراق والصبح قد كاد يسطع\rو قول الآخر:\rأرقت لبرق سرى موهنا ... خفي كغمزك بالحاجب\rكأن تألقه في السماء ... يدا حاسب أو يدا كاتب\rو قول أبن المعتز:\rرأيت فيها برقها منذ بدت ... كمثل طرف العين أو قلب يجب\rثم حدت بها الصبا حتى بدا ... فيها من البرق كأمثال الشهب\rتحسبه فيها إذا ما انصدعت ... أحشاؤها عنه شجاعة يضرب\rوتارة تحسبه كأنه ... ابلق مال جله حين وثب\rحتى إذا ما رفع اليوم الضحى ... حسبته سلاسلا من الذهب\r؟؟و قول الآخر:\rنار تجدد للعيدان نضرتها ... و النار تلفح عيدان فتحترق\rو قول الطائي:\rيا سهم للبرق الذي استطارا ... ثاب على رغم الدجى نهارا\rآض لنا ماء وكان نارا\rوقول عبد الله بن عبد الله بن طاهر:\rأما ترى البرق قد رقت حواشيه ... و قد دعاك إلى اللذات داعيه؟\rوجاد بالقطر حتى خلت إنَّ له ... إلفا ناه فما ينفك يبكيه\rو مثله قول الآخر:\rكأن سحاب الغر غيبن تحتها ... حبيبا فما ترقى لهن مدامع\rو تتبع الشعر في هذا يطيل فلنمسك العنان. وقال أبو الأسود الدؤلي:\rوما طلب المعيشة بالتمني ... و لكن القي دلوك في الدلاء\rتجيء بملئها طورا وطورا ... تجيء بحماة وقليل ماء\rو سيأتي إتمام هذا المنزع بعد إن شاء الله تعالى. وقال أبن نقطة:\rلا تظهرن لعاذل أو عاذر ... حاليك في الضراء والسراء\rفلرحمة المتوجعين مرارة ... في القلب مثل شماتة الأعداء\rو قال أبو سعيد الخوارزمي في أبي بكر الخوارزمي الشاعر:\rأبو بكر له أدب فضل ... و لكن لا يدوم على الوفاء\rمودته إذا دامت لخل ... فمن وقت الصباح إلى المساء","part":1,"page":70},{"id":71,"text":"و قال عبد الله بن رواحة الأنصاري يوم خرجوا إلى مؤتة وأمره النبي صلى الله عليه وسلم بعد زيد وجعفر رضي الله عنهم أجمعين:\rإذا بلغتني وحملت رحلي ... مسيرة أربع بعد الحساء\rفشأنك فانعمي وخلاك ذم ... و لا ارجع إلى أهلي وراء\rقوله: فشأنك فانعمي يريد إنّه قضى الوطر من ركوبها ولم تبق له تباعة على ظهرها وهي كناية على إنّه لا يحب المرجع ولا يشتهي مذهبا على ذلك الموضع. ومن ثم قال: ولا ارجع إلى أهلي بجزم الفعل قصدا للدعاء كأنه يقول: اللهم لا ترجعني إلى أهلي وأستشهدني! وما ذكره في الناقة قد تداوله الشعراء كثيرا فمن ذلك قول الشامخ في عرابة الأوسي:\rرأيت عرابة الأوسي يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين\rإذا ما راية رفعة لمجد ... تلقاها عرابة باليمين\rإذا بلغتني وحملت رحلي ... إليه فاشرقي بدم الوتين\rومثل سراة قومك لم يجاروا ... إلى ربع الرهان ولا الثمين\rو كان الشماخ قدم المدينة فقال له عرابة: ما أقدمك؟ فقال: قدمت لأمتار. فملأ له عرابة رواحله تمرا وبرا وأعطاه غير ذلك فقال فيه ما تقدم. وقول ذي الرمة يمدح بلال بن أبي رباح:\rإذا أبن أبي موسى بلالاً بلغته ... فقام بفأس بين وصليكِ جازرُ\rغي إنّه يعاب على هذين الشاعرين أن جعلا جزاء الراحلة التي بلغتهما ذلك المأمول العظيم والمطلب الخطير شرا، وما كان ينبغي لهما أن ينظرا لها عند الاستغناء عنها ويكافئها خيرا بما قضيا منها كما أشار إليه أبلغ البلغاء وأحكم الحكماء صلى الله عليه وسلم حيث وردت المرأة راكبة على ناقته فقالت: إني نذرت إن نجوت عليها أن أنحرها. فقال صلى الله عليه وسلم : بئس ما جزيتها! لا نذر في معصية الله ولا نذر للإنسان في غير ماله. أو كما قال صلى الله عليه وسلم وعلى هذا المنزع العجيب النبوي كان قول أبن رواحة السابق. وقول أبي نواس في محمد الأمين بن هارون الرشيد، وأوضح هذا المعنى:\rوإذا المطي بنا بلغنا محمدا ... فظهورهن على الرجال حرامُ\rقربننا من خير من وطئ الثرى ... فلها عينا حرمة وذمامُ\rو قول الفرزدق:\rمتى تردى الرصافة تستريحي ... من التهجيري والدبر الدوامي\rو لهذا الشعر قصة تذكر بعد إن شاء الله تعالى. والعذر للأولين أن الدعاء عليها في نحو ذلك أبلغ في التنبيه على الاستغناء عنها وعدم الالتفات إليها. وليس هذا المعنى ملحوظا في قصة المرأة فليس يقاس عليه. ومن هذا الباب قول السلامي:\rإليك طوى عرض البسيطة جاعل ... قصار المطايا أن يلوح لها القصرُ\rو لعل السابق إلى هذا المعنى الأعشى القيسي في قصيدته التي توجه بها إلى النبيصلى الله عليه وسلم حيث يقول:\rمتى ما تناخي عند باب أبن هاشم ... تراحي وتلقي من فواضله يدا\rفضمن لها عند النزول بابن هاشم صلى الله عليه وسلم أن يخلي عن ظهرها ويريحها من كد الأسفار إذ لا مطلب ورائه ولا حاجة إلى أحد سواه. وقال أبو بكر بن دريد في مقصورته:\rوالناس كالنبت: فمنهم رائق ... غضٌ نضيرٌ عوده مر الجنى\rومنه ما تقتحم العين فإنَ ... ذقت جناه انساغ عذبا في اللهى\rو هذا المقصورة جلها أمثال وحكم، وهي مشهورة لا حاجة إلى ذكرها. وقال الآخر:\rيقولون هذه أم عمرو قريبةٌ ... نأت بك ارضٌ نحوها وسماءُ\rألا إنّما قرب الحبيب وبعده ... إذا هو لم يوصل إليه سواءُ\rو قال صالح بن جناح:\rإذا قل ماء الوجه قل حياؤه ... و لا خير في وجهٍ إذا قل ماؤه\rو قال الآخر:\rورب دنيةٍ ما حال بيني ... و بين ركوبها إلا الحياءُ\rإذا رزق الفتى وجهاً وقاحا ... تقلب في الأمور كما يشاءُ\rو تقدم شيء من هذا في قولهم: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت. وقال الآخر:\rإذا جار الأميرُ وكاتباه ... و قاضي الأرض داهن في القضاءِ\rفويلٌ ثم ويلٌ ثم ويلٌ ... لقاضي الأرض من قاضي السماءِ!\rو قال زهير:\rوإنَّ الحق مقطعه ثلاثٌ ... يمينٌ أو نفارٌ أو جلاءُ\rو يروى أنَّ عمر رضي الله عنه لمّا سمع هذا البيت جعل يردده استحسانا له وتعجبا من معرفته بالحقوق وإبانته أحكامها وإقامته أقسامها. وقال الآخر:","part":1,"page":71},{"id":72,"text":"خير ما ورث الرجال بينهم ... أدب صالح وحسن ثناءِ\rو قال سابق البربري:\rموت التقي حياة لا انقطاع لها ... قد مات قوم وهم في الناس أحياءُ\rو مثله قول الآخر:\rأخو العلم حي خالد بعد موته ... و أوصاله تحت التراب رميمُ\rوذو الجهل ميتٌ وهو يمشي على الثرى ... يعد من الأحياء وهو عديمُ\rو قال أبن الرومي:\rإنَّ لله بالبرية لطفا ... سبق الأمهات والأباءَ\rو قال أيضاً:\rأنت عيني وليس من حق عيني ... غض أجفانها على الأقذاءِ\rو قال لبيد:\rكانت قناتي لا تلين لغامز ... فألانها الإصباح والامساءُ\rو قال عبد الله بن عيينة:\rكل المصائب قد تمر على الفتى ... فتهون غير شماتة الأعداءِ\rو مثله في ذكر الشماتة قول الآخر:\rإذا ما الدهر جر على أناس ... بكلكله أناخ بآخرينا\rفقل للشامتين بنا: أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا\rو قال عدي بن زيد:\rأيها الشامت المعير بالدهر ... أأنت المبرأ الموفور؟\rأم لديك العهد الوثيق من الأيام ... بل أنت جاهل مغرورُ\rمن رأيت المنون خلدن أم من ... ذا عليه من أن يضام خفيرُ\rو قال منصور الفقيه:\rيا من يسرُ بموتي ... إذا أتاه البشيرُ\rأليس من كان بمثلي ... إلى مصيري يصيرُ\rو تمثل الشافعي رضي الله عنه، حين بلغه دعاء من دعا عليه بالموت ببيتي الشاعر:\rتمنى رجال أن أموت فإنَ أمت ... فتلك طريق لست فيها بأوحدِ\rفقل للذي يبغي خلاف الذي مضى ... تهيأ لأخرى مثلها فكأن قدِ\rو قال الحماس في الملح:\rوما العيش إلاّ أكلة وتشرق ... و تمر كأكباد الجراد وماءُ\rالتشرق بالراء: القعود للشمس، والتمر الذي كأكباد الجراء: الصيحاني. وقال الآخر:\rمن فاته العلم واخطاه الغنى ... فذاك والكلب على حدٍ سوا\rو لنقتصر على هذا القدر من هذا الباب، فإنَ فيه كفاية إن شاء الله تعالى. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.\rباب الباء\rبحث عن حتفه بظلفه\rالبحث: التفتيش. والحتف: الهلاك. والظلف بكسر الظاء للشاة والبقرة والظبي بمنزلة القدم لنا. واستعاره عمرو بن معدي كرب للخيل في قوله: وخيلٍ تطأكم بأظلافها.\rيضرب هذا المثل في الحاجة تؤدي صاحبها إلى التلف وجناية الإنسان على نفسه. وأصله أنَّ ما عزة لبعض العرب كانوا أرادوا ذبحها، فلم يجدوا شفرة يذبحونها بها فجعلت تنبش برجلها في الأرض حتى استخرجت بنبشها شفرة كانت ضاعت لهم في الأرض، فذبحوها بها وقالوا: بحثت عن حتفها بظلفها. فذهبت مثلا. وقال الفرزدق في ذلك:\rوكان يجير الناس من سيف مالكٍ ... فأصبح يبغي نفسه من يجيرها\rوكان كعنز السوء قامت بظلفها ... إلى مدية تحت الثرى تستثيرها\rو قال أبو الأسود:\rفلا تكُ مثل التي استخرجت ... بأظلافها مدية أو بفيها\rفقام إليها بها ذابحٌ ... و من تدع يوما شعوبٌ يجيها\rأبخر من الأسد.\rالبخر بفتح الخاء المعجمة: نتن الفم وغيرها. يقال: بخير بالكسر، فهو أبخر وهي بخراء. وعلى هذا فالقياس أن لا يصاغ التفضيل من لفظه، بل يقال: أشد بخرا. فإنَ صح ورود لفظ المثل عنهم كان من الشواذ: وإلاّ فهو لحن. والأسد معروف، وهو مشهور ببخر الفم وبه يضرب المثل فيه ومن ثم قال البلغاء: لو قيل: جاء أسد، وأريد رجل أبخر، كان استعارة صحيحة، غير إنّها لا تكون مقبولة لعدم استعمالها: فإنَ الوجه فيها يشترط أن يكون بينا، ولا يكون بحيث يجعلها كاللغز. ومن الأمثال المشهورة للعامة قولهم: من يستطيع إنَّ يقول للأسد أنت أبخر الفم؟ يضربونه عندما يرون عيب أو أذى ممن لا يقدر أن يذكر له ذلك وينبهه عليه ويقبح له، أو تصدر كلمة باطلة مما لا يقدر أن ترد عليه. وكان من أصل ذلك مثل آخر لهم وهو قولهم: يبرأ الجرح السوء، ولا يبرأ الكلام السوء. وسيأتي.\rأبخر من صقر\rالبخر: تقدم. والصقر، بفتح الصاد المهملة وسكون القاف: كل شيء يصيد من البزاة والشواهين. جمعه صقر بالضم، وأصقر وصقور وصقورة وصقار وصقارةٍ. ويقال تصقر الرجل: صاد بالصقر وهو أيضاً مما يوصف ببخر الفم. قال الشاعر:\rفله لحية تيس ... و له منقار نسر","part":1,"page":72},{"id":73,"text":"وله نكهة ليثٍ ... خالطت نكهة نسر\rو النكهة: رائحة الفم.\rالبدل أعور\rبدل الشيء بفتحتين والدال المهملة، وبدله بالكسر وبديله: خلفه والأعور معروف. يضرب هذا المثل في سوء الخلف والرجل المذموم يخلف بعد الرجل المحمود. وأصله أنَّ يزيد بن المهلب كان على خراسان ثم عزل عنها وولي مكانه قتيبة بن مسلم الباهلي وكان شيخا أعور شحيحا، فقال الناس: هذا بل أعور! فذهب مثلا لكل ما لا يرضى بدلا. وفي ذلك قال بعض الشعراء:\rكانت خراسان أرضاً إذ يزيد بها ... وكل باب من الخيرات مفتوحُ\rحتى أتانا أبو حفص بأسرته ... كأنما وجهه بالخل منضوحُ\rو فيه قال أبن همام السلولي:\rأقتيب قد قلنا غداة أتيتنا ... بدل لعمرك من يزيد أعورُ\rقلت: ويظهر لي أنَّ المثل قديم ويد على ذلك ما نسبه أهل السيرة لدحية بن خليفة إنّه قال حيث أتى قيصر:\rألا هل أتاها على نأيها ... بأني قدمت على قيصرِ\rفغررته بصلاة المسيح ... و كانت من الجوهر الأحمرِ\rوتدبير ربك أمر السماء ... و الأرض فأغضى ولم ينكرِ\rوقلت تقر ببشرى المسيح ... فقال سأنظر قلت أنظرِ\rفكاد يقر بأمر الرسول ... فمال إلى البدل الأعورِ\rفشك وجاشت له نفسه ... و جاشت نفوس بني الأصفرِ\rعلى وضعه بيديه الكتاب ... على الرأس والمنخرِ\rفأصبح قيصر من أمره ... بمنزلة الفرس الأشقرِ\rو الله اعلم.\rبرح الخفاء\rيقال: برح الرجل مكانه بالكسر إذا زال عنه. وأكثر استعماله مع النفي ونحوه، كقوله:\rوما برحت أقدامنا من مكاننا ... ثلاثتنا حتى أزيروا المنائيا\rو قد يحذف لفظا كقول الآخر:\rوأبرح ما أدام الله قومي ... بحمد الله منتطقا مجيدا\rوالنتطق: ذو السلاح، والمجيد بالضم: صاحب الجواد من الخيل. ومن هذا قولهم لا براح قال:\rمن صد عن نيرانها ... فأنا أبن قيس لا براحُ\rو يقال للأسد والرجل الشجاع حبيل براح، بمعنى أنَّ كل منهما كأنه شد بالحبال فلا يبرح مكانه ولا يزول. ويقال : برح الخفاء بالكسر ومعناه وضح الأمر. قال بعض اللغويين: معناه ظهر الأمر وصار كأنه في براح وهو المكان المستوي من الأرض. ويقال: البراح من الأرض ما كان ظاهرا مكشوفا؛ ولذا قيل للشمس براح، وهو اسم معدول مكسور قال الراجز:\rهذا مقام قدمي رباح ... غدوة حتى دلكت براح\rو رباح اسم ساق كان يسقي لإبله. يريد إنّه أقامعاى السقي حتى دلكت الشمس أي مالت. وقيل: برح الخفاء أي ذهب السر وظهر. والخفاء هنا: السر. وقيل: الخفاء المتطأطئ من الأرض والبراح والمرتفع منها الظاهر. فإذا قيل: برح الخفاء فكأنه قيل أرتفع المتطأطئ حتى صار كالمرتفع الظاهر. وقال بعضهم: الخفاء ما غاب عنك. وقال بعض الأئمة: يقال: برح الشيء يبرحه إذا انتحى وذهب وبرح الخفاء: ذهب؛ وأبرحته أنا: أذهبته. قال أبن دريد: وأوّل من قاله شق الكاهن. وقال حسان رضي الله عنه:\rألا أبلغ أبا سفيان عني ... مغلغلة فقد برح الخفاءُ\rأبرد من حبقر.\rأبرد: من البرودة وهي معروفة وحبقر أصله حب قر والحب: حب الغمام، والقر: البرد. ويقال : أبرد من حب قر وأبرد من عبقر ومن عب قر. والعب من أسماء البرد.\rبر الكريم طبعٌ، وبر البخيل دفعٌ.\rالبر: الحسان والفضل. ولا شك أنَّ الكريم ينبعث منه البذل طيبة به نفسه، بل يجد في ذلك أعظم اللذات، والبخيل لا يصدر عنه عطاء إلاّ عناء ومقاساة من نفسه حتى لا يكاد تسمع نفسه بالعطاء إلاّ عن رغبة أو رهبة كتوقي الأذى في النفس والمال والعرض. وهذا المنى بين مشروح في أبواب الكرن والبخل، مشهور لا حاجة إلى ذكره وما قيل فيه.","part":1,"page":73},{"id":74,"text":"ومن الشديد الصعب في هذا المقام ما ذكره صاحب التشوق رحمه الله تعالى في مناقب الشيخ أبي العباس السبتي رضي الله عنه عن أبي زيد عبد الرحمن بن يوسف الحسني قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله أريد أن أراك في النوم كل ليلة. فقال: هذا لا يمكن فإني مطلوب في المشرق والمغرب. فشكوت له حالتي فقري، فقال لي: البخل أضر بك. قال: فمر بنا أحمد بن دوناس، وهو رجل صالح من الأولياء الأخفياء من أهل أغمات، لا يمسك شيئاً وربما تجرد عن أثوابه فيؤثر بها ويستتر بالأبواب. فسلم علينا وانصرف. فقلت: يا رسول الله وهذا؟ فقال: البخل اضر به. فقلت: يا رسول الله بين لي ما هذا البخل. فقال لي: لأقولن لك فيه قولا ينقله إليكم علماؤكم، إذا خطر لأحدكم خاطر بالعطاء ثم عقبه خاطر آخر بالمنع فالتردد في الخاطر الأول بخل. قال : فسألته عن أبي العباس السبتي، وكنت سيئ الاعتقاد فيه فتبسم ثم قال لي: هو من السباق. فقلت له: بين لي. فقال لي: هو ممن يمر على الصراط كالبرق. قال: فأصبحت وخرجت فلقيت أبى العباس السبتي فقال: ما سمعت وما رأيت؟ فقلت له: دعني. فقال: والله لا تركتك حتى تعرفني. فذهبت معه إلى حانوت أبن مساعد، فأنشأت أحدثه إلى أن قلت له: التردد في الخاطر الأول بخل. فصاح وغشي عليه، ثم قال: كلمت الصفا من المصطفى، وصار متى يذكر هذا الكلام يغشى عليه. انتهى ملخصا. فليعتبر العاقل بهذه القصة وهذا الكلام ولينظر في أحوال نفسه وأحوال غيره كيف يلقى من نفسه عندما يهم بخير غاية التردد والمنازعة والعناء، حتى إذا أعطى قليلا واكدى أهمته نفسه أنه جواد كريم رؤوف رحيم. وليته عرف مقامه وتقصيره فيتوب أو يستغفر وينكسر، عسى أن يتخلص مما ورد على البخل من الوعيد الشديد والذم الأكيد! والله المستعان.\rأبر من هرة.\rالبر يطلق على الخير وعلى الاتساع في الإحسان كما مر، وعلى الصلة وعلى الجنة وعلى الطاعة وعلى الصدق وعلى ضد العقوق وهو المراد هنا. يقال منه: بررته بكسر الراء وفتحها براً ومبرة، أبره، فأنا بار، وهو مبرور. والهرة بكسر الهاء معروفة وهي الأنثى؛ والذكر هر. وإنّما وصفت الهرة بالبر لأنها تؤكل أولادها محبة لهن، كما قال الشاعر:\rأما ترى الدهر وهذا الورى ... كهرة تأكل أولادها\rو هي أيضاً توصف بالعقوق، وسيأتي.\rبالرفاء والبنين.\rالرفاء بكسر الراء والمد على مثال كساء: الاتفاق والالتئام. ويستعمل عند تهنئة المتزوج والدعاء له بأن يرزق اجتماع الشمل ويرزق الأولاد. والرفاء مأخوذ من قولك: رفأت الثوب ورفوته يهمز ولا يهمز. ومعناه لأمته وضممت بعضه إلى بعض. يقال: من اغتاب خرق، ومن استغفر رفأ؛ وقال أبن هرمة:\rبدلت من حدّ الشبيبة ... و الإبدال ثوب المشيب أردؤها\rملاءة غير جد واسعة ... أخيطها مرة وأرفؤها\rو استعمل الرفاء والمرافات في الموافقة. قال الآخر:\rولمّا أن رأيت أبا رويم ... يراعيني ويكره أن يلاما\rو بعض اللغويين يجعل هذا المعنى أصلا للمثل المذكور. وقيل هو دعاء بالسكون والطمأنينة أخذا من قولهم: رفوت الرجل أي سكنته من الرعب. قال أبو خراش:\rرفوني وقالوا: يا خويلد لا ترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هم همُ\rو يقال: رفأت الرجل ترفيئا: قلت له بالرفاء والبنين وتزوج عقيل بن أبي طالب امرأة فقيل: بالرفاء والبنين. فقال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا رفأ أحدكم أخاه فليقل: بارك الله لك وبارك عليك!\rبرق لمن لا يعرفك.\rيقال : برق الرجل وبرق وأبرق إذا أوعد وتهدد. ويقال أيضاً : رعد وبرق وأرعد وأبرق. قال أبن أحمر:\rيا جل ما بعدت عليك بلادنا ... فأبرق بأرضك ما بدا لك وأرعد!\rو قال الكميت:\rأبرق وأرعد يا يزيد ... فما وعيدك لي بضائر!\rو قال المتلمس:\rإذا جاوزت من ذات عرق ثنية ... فقل لأبي قابوس ما شئت فارعد!","part":1,"page":74},{"id":75,"text":"و أنكر الأصمعي أبرق وأرعد رباعيا. ذكر القالي في نوادره عن أبي حاتم قال : قلت للأصمعي: أتقول في التهدد أبرق وأرعد؟ قال: لا لست أقول ذلك إلاّ أن أرى البرق أو اسمع الرعد. قلت: فقد قال الكميت أبرق وأرعد، البيت فقال، الكميت جرمقاني من أهل الموصل ليس بحجة؛ والحجة الذي يقول: إذا جاوزت من ذات عرق، البيت. فأتيت أبا يزيد فقلت له: كيف تقول من الرعد والبرق فعلت السماء؟ قال : رعدت وبرقت أو أرعدت وأبرقت من الرعد والبرق قلت: فمن التهدد؟ قال : رعدَ وبرقَ، وأرعد وأبرق، فأجار اللغتين جميعا.و أقبل إعرابي محرم فأردت أن أسأله، فقال لي أبو زيد: دعني فأنا أعرف بسؤاله. فقال أبو زيد: يا إعرابي، كيف تقول: رعدت السماء وبرقت أو أرعدت وأبرقت؟ فقال: رعدت وبرقت. فقال أبو زيد فكيف تقول للرجل من هذا؟ فقال: أمن الجخيف تريد؟ يعني التهدد. قال : نعم. فقال: أقول: رعدَ وبرقَ وأرعد وأبرق. ومعنى المثل: برق وتهدد على من لا يعرف موقع وعيدك ومنتهى تهديدك! وأما أنا فقد عرفتك. يضرب عند جواب الجبان إذا جعل يخوف ويتهدد. قد ذكر في ه المثل الآخر، وهو قولهم: برق ورعد، فلا حاجة إلى إعادته.\rأبرما قرونا.\rالبرم بفتحتين: من لا يدخل مع القوم في الميسر وهو ذم عند العرب غاية؛ كما أنَّ الدخول فيه مدح. قال متمم:\rولا برم تهدى النساء لعرسه ... إذا القشع من برد الشتاء تقعقعا\rهلا سألت بني ذبيان ما حسبي ... إذا الدخان تغشى الأشمط البرما؟\rيقول إنّه يغشى مستوقد القوم ليصيب مما نحروا، لأنه برم لا تسخو نفسه بالأخذ مع القوم والخول معهم؛ وجمعه أبرام. قال دريد بن الصمة:\rإذا عقب القدور عددن مالا ... أحب حلائل الأبرام عرسي\rو عقب القدور: ما يبقى في أسفلها فاضلا ولا تعد مالا إلاّ عند اشتداد الأمر؛ وحينئذ تبقى زوجات الأبرام لا مرقة عندهن فيحببن عرسي لمّا عندها من المرق والخير. وبرم الرجل بالكسر، يبرم. قال النابغة:\rلا يبرمون إذا ما الأفق جلله ... برد الشتاء من الامحال كالأدمِ\rو يقال في ضده: يسر الرجل ييسر أي ضرب بالقداح. قال علقمة:\rوقد يسرت إذا ما الجوع كلفه ... معقب من قداح النبع مقروم\rو رجل يسر والجمع أيسار قال الشاعر:\rوراحلة نحرت لشرب صدق ... وما ناديت أيسار الجزورِ\rوقال الحماسي:\rهينون لينون أيسارٌ ذوو كرمٍ ... سواسُ مكرمةٍ أبناء أيسارِ\rمن تلق منهم تقل لاقيت سيدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري\rو قال عنترة في معناه:\rومشك سابغةٍ هتكت فروجها ... بالسيف عن حامي الحقيقة معلمِ\rربذٍ يداه بالقداح إذا شتا ... هناك غايات التاجر ملومِ\rو اربذ المسرع. يريد إنّه يسرع إلى ضرب القداح إذا شتا؛ والتجار: باعة الخمر. ويريد إنّه مع ذلك يشرب الخمر ويسقيها في ثمنها حتى يعطي غاية ما يطلبه التاجر،و هو معنى هتك غاياتهم.","part":1,"page":75},{"id":76,"text":"وقلت عجوز أعرابية لثلاث بنات لها: لتصف لها كل منكن من تحب من الرجال! فقالت الكبرى: أريده أورع بساما أحذ مجذاما سيد ناديه وثمال عافيه ومحسب راجيه فناؤه رحب وقياده صعب. وقالت الوسطى: أريده عاي السناء، مصمم المضاء، عظيم نار، متمم أيسار، يفيد ويبيد ويبدئ ويعيد، في الأهل صبي وفي الجيش كمي، تستعبده الحليلة وتسوده الفضيلة. وقالت الصغرى: أريده بازل عام، كامهند الصمصام، قرانه حبور، ولقاؤه سرور، إن ضم قضقض، وإن دس أغمض وإن أخل أحمض. فقالت أمها: فض فوك! لقد فررت لي شرة الشباب جذعة. والأورع: الكريم وقيل الجميل. والأحذ: الخفيف السريع. والمجذام: القاطع للأمور من الجذم وهو القطع. والنادي: المجلس. والثمال: الغياث. والعافي والمعتفي: من جاء طالبا للمعروف. والفناء: الرحب الواسع. وصعب القياد من الرجال: العزيز الممتنع، وأصله في الدابة. والسناء بالمد: الشرف؛ والمصمم: الماضي في الأمور لا يثنيه شيء. والأيسار جمع يسر كما مر. والكمي: الشجاع. وحليلة الرجل: زوجه. والفصيلة: رهط الرجال المقربون. وبازل عام: التام الشباب، وأصله في الإبل، وستذكر بعد أسنانها إن شاء الله تعالى. وقضقض: كما يقضقض الأسد فريسته وهو أن يحطمها فيسمع لعظامها صوت؛ ودس الشيء: دفعه؛ والاخلال والأحماض: مثل، وسيأتي تفسير ذلك بعد أن شاء الله تعالى؛ والقرون فعول من قرن للمبالغة: يقال: قرن بين أحدين إذا جمع بينهما، فهو قارن وقرون وقرآن.\rوأصل المثل أنَّ رجلا كان برما فدخل على امرأته فوجدها تأكل لحما فجعل يأكل بضعتين. فقالت له: أبرما قرونا، فذهبت مثلا. والمعنى أن تكون برما قرونا، فتجمع بين مذمتي البخل والنهم. ولم يذكر في الصحاح أصل هذا المثل وقال : معناه هو برم ويأكل مع ذلك تمرتين انتهى. فجعل القرآن. وهو يحتمل أن يكون أصله أو من مضاربه وهو صحيح. ومثله في القاموس إلاّ إنّه فسر البرم في المثل بالثقل. ولا شك أنَّ البرم يطلق على السأم والضجر. يقال: برم به إذا ضجر وأبرمه: أضجره. قال الشاعر في ثقيل:\rمشتمل بالبغض لا تنثني ... إليه طوعا لحظة الرامقِ\rيظل في مجلسنا مبرما ... أثقل من واشٍ على عاشقِ\rو يقال: كتب الأعمش نقشا في خاتمه: يا مقيت، أبرمت فقم! فإذا استقبل جليسا ناوله إياه.\rأبصر من عقاب.\rالبصر: حس العين. يقال: بصر بالشيء، بالضم والكسر بصارة وبصرا، صار مبصرا له؛ وتبصره: نظر هل يبصره؛ وهو أبصر منه، أي أقوى إدراكا. والعقاب: الطائر المعروف، جمعه أعقب، لأنه مؤنث. قال امرؤ القيس:\rكأنَّ دثاراً حلقت بلبونه ... عقاب تنوفى لا عقاب القواعلِ\rو العقاب توصف بحدة البصر.\rأبصر من غراب.\rالبصر معروف. والغراب جمعه غربان وأغربة وغرابين وغرب، ويوصف أيضاً بحدة البصر. وزعموا أنه يرى من تحت الأرض مقدار منقاره. وذكر بعض اللغويين أنَّ العرب تسمي الغراب أعور، ويزعمون أنه يغمض أبدا إحدى عينيه، ويقتصر على النظر بواحدة من قوة بصره. وقيل سموه أعور من حدة بصره على طريق التفائل، كما قال بشار بن برد:\rوقد ظلموه حين سموه سيداً ... كما ظلم الناس الغراب بأعورا\rو قال أبن اللبانة:\rلمّا تناهيت علما ظل ينقصني ... عند الكمال خضيب النير السررِ\rوفي الغراب إذا فكرت مغربة ... من فرط إبصاره يعزى إلى العورِ\rأبصر من فرس.\rالفرس معروف للذكر والأنثى. ويوصف أيضاً بحدة البصر، وهو صحيح مجرب، بحيث إنَّ الفارس قد يرخي عنانه في الطريق غير الواضح، والظلام معتكر، فيسير به ويتخطى المهاوي والجراثيم التي لا شعور للراكب بها ولا إحساس.\rأبصر من المائح باست الماتح.\rالمائح: الذي ينول البئر ليملأ الدلو بيده إذا قلَّ الماء فيها، وقد ماح يميح. قال الراجز:\rيا أيها المائح داوي دونكا ... إني رأيت الناس يحمدونكا\rو قال الآخر:\rفآنس سرب قطا قاربٍ ... جبى منهل لم تمحه الدلا\rوالماتح:المستقي النازع للدلو على جبى البئر. قال علقمة:\rكأنَّ ذراعيها على الخل بعد ما ... ونين ذراعا ماتحٍ متجردِ\rو قال ذو الرمة:\rكأمه دلو بئر جد ما تحها ... حتى إذا ما رآها خانها الكربُ","part":1,"page":76},{"id":77,"text":"و من المعلوم أنَّ المائح الذي تحته يبصر عورته ويكون بصيرا باسته إن لم يتسرول؛ فلذلك قالوا ما تقدم. وقال بعض الأدباء:\rيا مائح العين عدمت الرقى ... من حرص هذي العين لم يستقي\rمن شيمة الماء انحدارٌ فلم ... ما جفوني أباً يرتقي؟\rأبصر من هدهدٍ\rالهدهد معروف، ويقال له أيضاً هداهد بالضم والجمع هداهد بالفتح، ويوصف بحدة البصر أيضاً. وزعموا أنه يبصر الماء من تحت الأرض، وأنَّ الأرض كانت له كالزجاج. وقالوا إنه كان دليل نبي الله سليمان عليه السلام على الماء، وإنه إنما غضب عليه وحلف ليعذبنه لكونه نزل على غير ماء. وحضرت الصلاة، فسأل الإنس والجن والطير على الماء فلم يجد عندهم علما، فتفقد الهدهد فلم يجده فغضب عليه وفي ذلك قصة طويلة. وتقدم من كلام أبن عبالس وأنَّ نافعا سأل لم اعتنى سليمان مع ما خوله الله تعالى من الملك بالهدهد مع صغره؟ فقال: أنه احتاج إلى الماء والهدهد كانت له الأرض كالزجاج وأنَّ أبن الأزرق قال لابن عباس: قف يا وقاف! كيف يبصر الماء من تحت الأرض ولا يرى الفخ إذا غطي له بمقدار إصبع من تراب؟ فقال أبن عباس: إذا نزل القضاء عمي البصر!\rأبصر من وطواطٍ بالليل.\rالوطواط: الخفاش وهو معروف.\rبصبصن إذ حدين بالأذناب\rيقال: بصبص الكلب والفحل وغيرهما إذا حرك ذنبه. وحدين: سقن من الحداء الذي يبعث به نشاط الإبل وهو بالدال المهملة. ويروى حذين بالذال المعجمة، من المحاذاة. يضرب هذا المثل في فرار الجبان وخضوعه واستكانته، وكأنه شطر بيت.\rبضرب خبابٍ وريش المقعدِ\rخباب: قينٌ بمكة كان يضرب السيوف؛ والمقعد كان يريش السهام. فتكالم الزبير وعثمان فقال الزبير: إن شئت تقاذفنا، قال: أبالبعر، يا أبا عبد الله؟ فقال الزبير: بل بضرب خباب وريش المقعد، أي نتقاذف بالسيف والسهام.\rأبطأتَ بالجواب، حتى فات الصواب.\rقاله قصير لجذامة الأبرش في قصة طويلة. وملخصها على ما ذكر الأخباريون يزيد بعضهم عن بعض ويدخل حديث بعضهم في بعض، إنَّ جذيمة هذا وهو جذيمة بالذال المعجمة المكسورة أبن مالك بن فهم بن الأوس بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن يشرب بن يعرب بن قحطان. وقد قيل إنه من العرب الأولى من إياد بن أميم وكان بياض. فكرهت العرب أن تقول أبرص فقالت له أبرش والواضح. وقيل: الصواب أنَّ الواضح غير هذا. وقيل: سمي الأبرش لأنه أصابه حر ونار فبقي فيه نقطا سوداء وحمراء. كان ملك الحيرة وما حولها ستين سنة، وكان زمان ملوك الطوائف وكان يغير على من حوله من الملوك حتى غلبهم على كثير مما في أيديهم. وهو أول من أوقد له الشمع ونصب المجانيق للحرب. ثم إنَّ جذيمة غزا الحضر وهي مدينة بين دخلة والفرات. وإياه عنى عدي بن زيد العبادي بقوله:\rوأخو الحضر إذ بناه وإذ دجلة ... تجبى إليه والخابورُ\rشاده مركراً وجلله كلسا ... فللطير في ذراه وكورُ\rو كان صاحب الحضر إذ ذاك عمرو بن الظرب، وهو أبو الزباء كان ملك على الحضر، فظفر به جذيمة وقتله. وذهبت بنته الزباء مطرودة نحو الروم، وكانت من أجمل نساء زمانها، وكان لها شعر إذا أرسلته غطى بدنها وبذلك لقبت بالزباء وهي تأنيث الأزب أي الكثير الشعر. وعلى هذا فاسمها ممدود. وقال البكري: الزباء ألفها مقصورة. قال: وقد رد العلماء فيه المد لأنه تأنيث زبان الاسم المستعمل. فأما الزباء ممدودا فإنما هو تأنيث أزب، لم يستعمل اسما وإنما هو صفة للكثير شعر البدن. قال: والشاهد لمّا قلناه قول عدي بن زيد:\rفأضحت في مدائنها كأن لم ... تكن زبا لحاملةٍ جنينا","part":1,"page":77},{"id":78,"text":"قلت: وما أراه إلاّ وهما وغلطا، وذلك إنَّ فعاى بالقصر إنّما تأتي تأنيث فعلان، كعطشان وسكران. وزبان الذي هو اسم إنّما هو فعال أصيل النون من مادة الزبن والمزابنة لا فعلان. ومادة زبب لم يرد منه إلاّ زبان لصاحب الزبيب، وأزب للكثير الشعر. والأول لا يرد منه فعلى بالقصر كما من عشاب وبقال وحمَّار. وكذا الثاني، إنّما يرد منه فعلاء بالمد كأحمر وأشهب وأوطف وأجرد ومؤنثه حمراء ووطفاء وجرداء وكذا أزب وزباء وهذا أمر واضح. وأما قوله: إنَّ الأزب لم يستعمل اسما فغير بين فإنَ الأزب من أسماء الشياطين. وفي حديث العقبة هو شيطان اسمه أزب العقبة. والزباء اسم لبلد على الفرات ولفرس الأصيدف الطائي ولماء لبني سليط وآخر لطهية ولعين باليمامة. والزباء أيضاً اسم من أسماء الأست، والدهية الشديدة. فلم يصح قوله إنّه لم يستعمل اسما. ولم يمتنع أن يكون اسما للملكة المذكورة وإن كان وصفها في أصله بل لو لم يكن اسما في غيرها لم يمتنع أن يكون اسما فيها على أنه ليس اسما لها بادئ بدء. وإنّما لقبت به لكثرة شعرها كما قلنا أوّلاً فغلب عليها. واسمها فارعة وقيل نائلة وقيل ميسور. وأما البيت الذي استشهد به، فليس وحده بناهض في الاحتجاج لصحة قصر الممدود. والمعروف عند اللغويين إنَّ الزباء بالمد كما نطق به الإمام أبو بكر بن دريد في مقصورته حيث قال:\rفاستنزل الزباء قسرا وهي من ... عقاب لوح الجو أعلى منتهى","part":1,"page":78},{"id":79,"text":"و هو الموافق للقياس. ومد المقصور أضعف من قصر الممدود. ثم إنَّ الزباء جمعت الأموال والأجناد وتوقفت وكانت نبيلة علقلة. فعادت إلى دياره أبيها وأزالت جذيمة عنها وملكت. فكانت تعد من ملوك الطوائف وحرمت الرجال على نفسها فهي بتول. وكان بينها وبين جذيمة مهادنة بعد حروب جرت. فلما همت بالقيام بثأر أبيها أرسلت إليه تخطبه على نفسها وترغبه في أن يتصل ملكه بملكها، فأحب ذلك. وقيل هو الذي حدثته نفسه بخطبتها فشاور خاصته فوافقوه كلهم إلاّ قصيرا. وهو قصير بكسر الصاد أبن سعد وكان عاقلا نبيلا وهو أبن عم جذيمة وصاحب أمره وعهده. قالوا ولم يكن قصيرا وإنّما سمي به فقط. قال له: أبيت اللعن أيها الملك! إنَّ الزباء حرمت الرجال فهي بتول عذراء لا ترغب في مال ولا جمال ولها عندك ثأر والدم لا ينام؛ وإنّما هي تاركتك رهبة وحذاراً والحقد دفين في سويداء القلب له كمون ككمون النار في الحجر إن اقتدحته أورى إن تركته توارى وللملك في بنات الملوك متسع. وقد رفع الله قدرك عن الطمع فيما هو دونك وعظم الرب شأنك فما أحد فوقك. فقال جذيمة: يا قصير الرأي ما رأيت ولكن النفس تواقة وإلى ما تحب مشتاقة ولكل امرئ قدر لا مفر منه ولا وزر! ثم وجه جذيمة إليها خاطبا وأمره أن يظهر لها ما ترغب به وتميل فلما جاءها الخاطب أجابت وأظهرت فرحا كبيرا وغبطة عظيمة وقالت: لولا أنَّ المسير في هذا أجمل بالرجال سرت إليه فوجهت الخاطب وبعثت معه إلى جذيمة بهدية سنية فيها من الإماء والكراع والسلاح والأموال والبقر والغنم وغير ذلك من الجواهر الرفيعة والطرف العجيبة ما يبهر الناظرين. فلما بصر جذيمة بذلك أعجبه مع ما بلغه من حسن جوابها وطيب كلامها وظن أنَّ ذلك كان رغبة منه فيه زوجا. فخرج إليها من فوره مع خاصته وفيهم قصير واستخلف على مملكته أبن أخيه عمرو بن عدي اللخمي وسيأتي ذكره بعد إن شاء الله تعالى. فسار حتى بلغ موضعا يقال بقعة فأكل وشرب وأعاد المشوار فاستصوبوا أيضاً ما أراد إلاّ قيصرا فانه قال : أيه الملك كل عزم لا يؤيد بجزم فإلى أفن يكون كونه. فلا تثق بزخرف قول لا محصول له ولا تقذف الرأي بالهوى فيفسد لا الحزم بالمنى فيبعد! والرأي عندي للملك أن يتعقب أمره بالتثبت ويأخذ حذره بالتيقظ. ولولا أنَّ الأمور تجري بالمقدور لعزمت على الملك عزما بتا أن لا يفعل. فقال جذيمة: الرأي مع الجماعة. فقال قصير: أرى القدر سائق الحذر لا يطاع لقصير أمر أو رأي. فأرسلها مثلا. ثم سار جذيم حتى قرب من ديار الزباء فأرسل إليها يعلمها بمجيئه. فلما جاءها الرسول أظهرت السرور والرغبة، وأمرت بحمل الضيافة إليه وقالت لأجنادها وخاصتها: تلقوا سيدكم ومالك دولتكم!و عاد الرسول بالجواب إليه وأخبره بما رأى وسمع. فلما أراد جذيمة أن يسير دعا قصيرا فقال له: أنت على رأيك؟ قال: نعم! وقد زادت بصيرتي فيه. أف أنت على عزمك؟ قال: نعم! وقد زادت رغبتي فيه. فقال قصير: ليس للدهر بصاحب من لم ينظر في العواقب. فأرسلها مثلا. ثم قال له: وقد نذرتك الأمر قبل فواته وفي يد الملك بقية هو بها قادر على استدراك الصواب؛ فإنَ وثقت بأنك ذو ملك وسلطان وعشيرة فقد نزعت يدك من سلطانك وفارقت عشيرتك وألقيتها في يد من لست آمن عليك مكره وغدره. فإن كنت فاعلا ولا بد فإنهم غدا يلقونك ويقومون لك صفين حتى إذا توسطهم أحدقوا بك؛ فهذه العصا لا يشق غبارها وهو أول من قاله. وكانت العصا فرسا لجذيمة لا تدرك فهي ناجية بك إن ملكت ظهرها وناصيتها. ويروى أنه قال له: انهم غدا إنَّ لقولك فترجلوا وحيوك فتقدموا، فقد كذب ظني، وإنَّ رأيتهم حيوك فطافوا بك، فإني اعرض لك العصا. فسمع جذيمة كلامه فلم يرد عليه جوابا.ثم سار جذيمة، وقصير عن يمينه، فقامت الزباء وبعث وقالت لهم: سيروا حتى إذا لقيتموه فقوموا صفين عن يمينه وشماله، فإذا توسطكم فانقضوا عليه اجمع، وإياكم أن يفوتكم! فلما أحاطوا به وعلم أنهم ملكوه أقبل على قصير، وكان مسايره، فقال له: صدقت يا قصير! فقال قصير: أبطأت بالجواب، حتى فات الصواب! فأرسلها مثلا. فقال جذيمة: فكيف الرأي؟ فقال: تركت الرأي ببقة! فأرسلها مثلا. ويروى إنّه قال له: هذه العصا فدونكها لعلك تنجو عليها! فأنك من ذلك. وقيل إنه عرضها له فشغل عنها، فركبها قصير فنجا. فلما نظر إليه جذيمة وهو عليها ينقطع دونه السراب","part":1,"page":79},{"id":80,"text":"قال: ما ذل من جرت به العصا! فأرسلها مثلا. ويروى إنّه قال، حين نظر إليه على ظهرها: ويل أمه حزما على ظهر العصا! فأرسلها مثلاً. ثم سارت الجيوش بجذيمة، فتطلعت عليه الزباء من قصرها فقالت: ما احسنك من عروس تجلى علي وتزف إلي! حتى دخلوا به عليها في قصرها وحولها جواريها. وكانت قد ربت شعر عانتها سنة وضفرته. فلما دخل عليها تكشفت له فقالت: أَ شوار عروسٍ ترى؟ فقال: بل شوار أمةٍ بظراء. فقالت: أما إنه ليس من عدم المواسي، ولا من قلة الأواسي، ولكنه شيمة ما أقاسي فأمرت به فأجلس على نطعٍ وقطعت رواهشه. ويروى في طست من ذهب تفاؤلاً أن يذهب دمه هدراً. وكان قد قيل لها: تحفظي بدمه، فإنه إنَّ وقعت قطرة منه على الأرض طلبت بثأره. فلما صعفت يده سقطت، فقطر منه في غير الطست شيء، فقالت: لا تضيعوا دم الملك! فقال: دعوا دما ضيعه أهله! ومات. وقيل إنّه قد قال: لا يحزنكم دم أراقه أهله! فقالت: والله ما وفى دمك، ولا شفى قتلك، ولكنه غيض من فيض فأرسلها مثلا. فلما قضى أمرت به فدفن. وكان عمرو بن عدي يخرج إلى ظهر الحيرة يستشرف خبر خاله. فبينما هو ذات يوم ينظر إذ رأى العصا تهوي بقصير، فقال عمرو: أما الفرس ففرس جذيمة، وأما الراكب فكالبهية، لأمر جاءت العصا. فأرسلها مثلاً. فإذا هو بقصير قد اقبل، فقالوا: ما وراءك؟ فقال: سعى القدر بالملك إلى حتفه، على الرغم من انفي وانفه! وسيأتي تتمة القصة بعد هذا في خير فصير حيث قام بثأر جذيمة إنَّ شاء الله تعالى. وفي تقل جذيمة قال الشاعر:\rوقددت الأديم لراهشيه ... و ألفي قولها كذبا ومينا\rو قال سويد بن أبي كاهل:\rوأبو ملك الملك الذي ... قتلته بنت عمرو بالخذع\rأبطأ من غراب نوح.\rزعموا أنَّ نبي الله نوح عليه السلام بعث الغراب لينظر له هل غرقت البلاد ويأتيه بخبرها. فذهب فوجد جيفة طافية على وجه الماء، فأشتغل بها وبقي ولم يأته بالخبر. فدعا عليه فغلت رجلاه وخاف من الناس. وأعلم أنَّ البطء ثلاثي ورباعي: يقال بطؤ بضم الطاء، وبطئا وبطاء بالكسر، وأبطأ: ضد أسرع. ويقال: هو أبطأ منه. وهو إنَّ كان صوغه من الثلاثي فمقيس اتفاقا؛ وإنَّ كان من الرباعي فهو جائز أيضاً عند سيبويه في هذا الوزن.\rأبطأ من فندٍ.\rالبطء: مر. وفند بكسر الفاء وسكون النون بعدها دال مهملة: اسم رجل. وهو مولى لعائشة بنت سعد بن أبي وقاص، بعثته يأتيها بنار. فلما خرج وجد قوما يريدون مصر، فصحبهم وأقام بمصر سنة، ثم رجع فأتاها بالنار؛ وجاء يشتد فعثر وتبدد الجمر فقال: تعست العجلة! فضرب به المثل في البطء.\rالبطنة، تذهب الفطنة.","part":1,"page":80},{"id":81,"text":"هذا من الأمثال الحكيمة. والبطنة بالكسر: امتلاء البطن طعاماً. والفطنة بكسر الفاء: الذكاء والحذق. يقال: فطن إليه، وفطن له، بضم الطاء وكسرها وفتحها، يفطن بالضم والفتح فطنا وفطانة. وفي الأثر يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: \" ما احل الله حلالا أبغض من بطن يملأ طعاماً \" . وقال عليه الصلاة والسلام: \" ما ملأ أبن آدم وعاء شراً من بطنه، بحسب أبن آدم أكل أو لقيماتٌ يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلثٌ للنفس \" . وعن عمر رضي الله عنه: أيها الناس، إياكم والبطنة، فأنها مكسلة عن الصلاة، مفسدة للجسد، مورثة للسقم. وعن علي كرم الله وجهه: إياكم والبطنة، فإنها مفسدة للقلب. وقال الحارث بن كلدة: أربعة أشياء يهرمن البدن: الغشيان عن البطنة، ودخول الحمام على الامتلاء، وأكل القديد، ومجامعة العجوز. ويقال أقلل طعاما، تقلل سقاما. ويقال: النهم لؤم، والرغب شؤم. وقيل: أكبر الدواء، تقليل الغذاء. وجمع الرشيد أربعة من الأطباء العارفين: هندياً ورومياً وفارسياً وعربياً، وقال لهم: ليصف لي كل واحد منكم الدواء الذي لا داء فيه. فقال الهندي: الدواء الذي لا داء فيه الأهليلج الأسود. وقال الرومي: هو حب الرشاد الأبيض. وقال الفارسي: هو عندي الماء الحار. فقال العربي، وكان أعلمهم: الأهليلج يعفص المعدة وذلك داء، وحب الرشاد يرق المعدة وذلك داء؛ والماء الحار يرخي المعدة، وذلك داء. فقالوا له: وما الدواء الذي لا داء فيه عندك؟ قال: إنَّ تضع يدك في الطعام وأنت تشتهيه، وترفع يدك منه وأنت تشتهيه. فقالوا: صدقت! وسلموا له. ويروى حديثا: المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء، وأصل كل داء البردة: والبردة: النخمة. ويقال إن مالكا، رضي الله عنه، لمّا وادع يحيى بن يحيى قال له: أوصيكم بأربع كلمات: الأولى أجمع لك فيها فقه الفقهاء، إذا سئلت عن شيء لا تعرفه فقل لا ادري، والثانية أجمع لك فيها حكمة الحكماء، إذا جالست قوما فكن أصمتهم، فإن أصابوا أصبت معهم، وإنَّ أخطئوا سلمت، والثالثة أجمع لك فيها طب الأطباء، أنَّ تضع يدك في الطعام وأنت تشتهيه، وترفع يدك وأنت تشتهيه؛ فإنك إذا فعلت ذلك لم يصبك مرض إلاّ مرض الموت. وفي الحكمة: إذا امتلأت المعدة، نامت الفكرة، ورقدت الأعضاء عن العبادة. وقال حاتم بن عبد الله الطائي:\rأكف يدي عن أن ينال التماسها ... أكف صحابي حين حاجتنا معا\rأ بيت هضيم الكشح منطوي الحشا ... من الجوع أخشى الذم أنَّ أتضلعا\rوإني لأستحيي رفيقي أنَّ يرى ... مكان يدي من جانب الزاد أقرعا\rوانك إنَّ أعطيت بطنك سؤله ... و فرجك نالا منتهى الذم أجمعا\rو قد اكثر الحكماء من هذا النمط نثراً وشعراً، وفيما ذكرناه كفاية إنَّ شاء الله تعالى.\rبطني وعطري، وسائري ذري!\rالبطن: خلاف الظهر، وهو مذكر، جمعه أبطن، وبطون، وبطنان؛ ويقال أيضاً لمّا دون القبيلة من الناس بطن كما قيل:\rوإنَّ كلابا هذه عشر أبطن ... و أنت بريء من قبائلها العشر\rو المراد هنا الأول: والعطر، بكسر العين: الطيب. ويقال: منه عطرت المرأة، بالكسر، فهي عطرة؛ ويقال عطرت الرجل تعطيرا: طيبته والسائر: الباقي، وهو من السؤر، وهو البقية مهموز. يقال: أسأر الشيء وسأره إذا أبقاه، فهو سئار، وقياسه مسئر، وهو جائز أيضاً. وذهب كثير من الناس إلى أنَّ السائر يكون أيضاً بمعنى الجميع، وأنكره آخرون: وذري معناه اتركي يقال: ذره أي أتركه. وأصل الماضي منه. وذره بالكسر يذره كوسعه يسع، لكن لم يستعمل منه ماضٍ ولا مصدر. وأصل المثل أنَّ أعرابياً ضاف قوما، فأمروه جارية لهم أن تطيبه فقال: بطني عطري، وسائري ذري! ومعناه ظاهر. وإضافة التعطير إلى البطن في نحو هذا يكون من المشاكلة، وهي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته، كقوله:\rقالوا: أقترح شيئاً نجد لك طبخه ... فقلت: اطبخوا أي جبة وقميصا!","part":1,"page":81},{"id":82,"text":"أراد أنَّ يقول: خيطوا لي جبة! فقال: اطبخوا! لصحبته للطبخ تحقيقاً. وكقوله تعالى: ) وجزاء سيئةٍ سيئة مثلها(، وقوله تعالى: ) فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم(. أطلقت السيئة والاعتداء على جزاء السيئة وجزاء الاعتداء عدلا لأجل المصاحبة، وإنَّ لم يكن الجزاء سيئة ولا اعتداء. وقوله تعالى: ) تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك(. وهو كثير. وكقول أبن كلثوم:\rألا لا يجهلن أحد علينا، ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا\rو قد يتقدم المشاكل فتراعى صحبة المتأخر، كقول أبي تمام:\rمن مبلغ أفناء يعرب كلها ... إني ابتنيت الجار قبل المنزل؟\rو الافناء بالفاء: جماعة من الناس. ومن هذا أيضاً عند بعضهم قولهم:\rلا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي\rو من هذا القسم لفظ المثل، لأن المراعي هو قوله: وسائري ذري! أي لا تعطري شيئاً من سائر بدني: ويحتمل إنَّ يكون قائله لم يعتبر هذا، وإنّما اعتبر قولهم للجارية عطريه، فيكون من القسم الأول. ويحتمل أنَّ يكون راعي فعل الجارية وما همت به من التعطير، فتكون المصاحبة إنّما وقعت تقديراً، كقوله تعالى: ) صبغة الله، ومن أحسن من الله صبغة( عبر الله عن تطهير الله بالإيمان، لوقوع ذلك في صحبة الصبغ الواقع للنصارى بغمسهم أولادهم في ماء اصفر تقديراً، لأن سبب النزول دل على ذلك. ومثله لمن يغرس أشجاراً: غرس كما يغرس فلان! تريد رجلاً يصطنع المعروف إلى الكرام.\rتتمة: وقع في اللفظ الوارد على المشاكلة إشكال من حيث إنه لا يكون حقيقة، إذ ليس موضوعاً لذلك المعنى، ولا مجاز أيضاً لعدم العلاقة، فإن إطلاق اللفظ على المعنى لأجل الصحبة في المشاكلة صحيح، سواء وجد هنالك شيء مما يكون من العلاقات، كإطلاق السيئة على الجزاء المتسبب عنها في الآية السابقة، أو لم يوجد كإطلاق طبخ الجبة على خياطتها. قال سعد الدين التفتازاني في شرح المفتاح: ولا محيص سوى التزام قسم ثالث في الاستعمال الصحيح بأن يجعل نفس الوقوع في الصحبة مصححاً لاستعمال لفظ المصاحب عليه، أو القول بأن هذا النوع من العلاقة فيكون مجازاً. انتهى.\rأبعد من بيض الأنوق.\rالبعد معروف؛ يقال: بعد بالضم والكسر؛ وقد يستعمل البعد بمعنى الموت والهلاك. قالت الشاعرة:\rلا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الجزر\rو الأنوق بفتح الهمزة، على مثال صبور: الرخمة، وهو طائر أسود أصلع الرأس أصفر المنقار. وهي تجعل بيضها حيث لا ينال، فتتخذ أوكارها في قنن الجبال الصعبة، فيضرب المثل ببيضها في البعد وعزة المنال، كما قيل:\rوكنت إذا استودعت سراً كتمته ... كبيض الأنوق لا ينال لها وكر\rو قال الآخر:\rوأجازها قذفات كل تنوفة ... وكر العقاب بها وبيت الأعصم\rفوطئن أوكار الأنوق ... و روعت منها وبات المهر ضيف الهيثمِ\rو زعموا أنَّ رجلا أتى معاوية رضي الله عنه فقال له: زوجني هند! يعني أمه. فقال: لا أرب لها في زوج. قال: فولني كذا! فأنشد معاوية:\rطلب الأباق العقوق ... فلما لم يجده أراد بيض الأنوقِ\rو الأبلق العقوق: الذكر الحامل وسيأتي وهو محال. فكأنه يقول طلب أمرا محالا، فلما أعجزه طلب أمرا بعيدا لا يناله. واعترضت الحكاية بأن أم معاوية ماتت سنة أربع عشرة، فكيف يطلب تزويجها يوم الولاية؟ وحكيت على وجه آخر يصح وهو أنَّ رجلا أتاه فقال له: افرض لي شيئا! قال: نعم! فقال: ولولدي؟ قال: لا! قال: ولعشيرتي؟ فأنشد البيت.\rقلت: وعلى كلا الوجهين لم يقع الانتقال موقعه لأنه إنما يحسن عندما يكون من الأضعف إلى الأقوى ولم يوجد ذلك في البيت على شيء من المجهين: فانه في أحدهما من المحال إلى الممكن البعيد وفي الآخر: من البعيد إلى البعد ضرورة أن الفرض للعشيرة أبعد من الفرض للولد وإن كان السائل يغتر بشبهة أنه لمّا فرض له أغنى ذلك عن الولد فلم يبق له استحقاق الفرض وكانت العشيرة أولى منه ولذا سأل لها بعده. ومن اللغويين من قال: إنَّ الأنوق الذكر من الرخم ووجدان البض له محال. ولا إشكال حينئذ إذ القصد النداء على ضلال السائل وحيويته حيث جعل ينتقل من محال إلى محال. ومنهم من قال: الأنوق يطلق على الذكر والأنثى والله أعلم.","part":1,"page":82},{"id":83,"text":"فائدة: قيل وفي الرخمة عشر خصال: تحضن بيضها وتمنع فرخها ولا تمكن من نفسها غير زوجها وتقطع في أول القواطع وترجع في أول الرواجع وتألف ولدها.\rهي مع ذلك تحمق كما قيل:\rوذات اسمين والألوان شتى ... تحمق وهي كيسة الحويلِ\rأي الحيلة. والرخمة أحد لئام الطير وهي: الرخمة والغراب والبوم.\rأبعدي عني ظلك، أحمل حملي وحملك!\rهذا من الأمثال الموضوعات على ألسنة العجماوات. زعموا أنَّ النخلة قالت ذلك لجارتها بمعنى أنها إذا تباعدتا حملت كل واحدة منها مثل ما تحملان معا. والحمل إذا أطلق على ما يحمل من الأمتعة على ظهر أو رأس فهو بكسر الحاء؛ وإذا أطلق على ما في بطن الأنثى فهو بالفتح؛ وإذا أطلق على ثمر الشجر فهو بالوجهين لمّا له من الشبه بالأمرين. هكذا قال بعض اللغويين وقال: ما بطن من الثمار فبالفتح وما ظهر فبالكسر. وقيل إنَّ الثمر كله بالفتح كما في البطن. وقيل إنَّ الثمر بالكسر ما لم يكثر ويعظم فإذا كثر فبالفتح. وجمع الحمل حمال ومنه: هذا الحمال لا حمال خيبر.\rبعض الشر أهون من بعضٍ.\rهذا مثل مشهور وظاهر المعنى. ويوافق من أمثال العامة قولهم: نصف الخسارة ولا الخسارة كلها. وقال طرفة بن العبد لمّا حبس:\rأبا منذرٍ كانت غروراً صحيفتي ... ولم أعطيك في الطوع مالى ولا عرضي\rأبا منذرٍ أفنيت فأستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعضِ\rو قال أبو خراش الهذلي:\rحمدت إلا هي بعد عروة إذ نجا ... خراش وبعض الشر أهون من بعضِ\rو بعده:\rفوا لله ما أنسى قتيلا رزئته ... بجانب قوسيما مشيت على الأرض\rعلى أنها تعفو الكلوم وإتما ... نوكل بالأذى وإن جل ما يمضي\rولم أدر من ألقى عليه رداءه ... على أنه قد سل عن ماجدٍ محضِ\rولم يك مثلوج الفؤاد مبهجا ... أضاع الشباب في الريبة والخفضِ\rولكنه قد لوحته مخامص ... على أنه ذو مرة صادق النهضِ\rكأنهم يشبثون بطائر ... خفيف المشاش عظمه غير ذي نحض\rيبادر قرب الليل فهو مهابذ ... يحث الجناح بالتبسط والقبضِ\rو ذكر صاحب القلائد أنَّ الظافر بن المعتمد لمّا قام عليه أبن عكاشة وأتباعه بقرطبة ودافعهم حتى قتل وجرد من ثيابه وكان ليلا مر به أحد المغلسين إلى الجامع فألقى ثوبا ولم يعرف من فعل ذلك. فكان أبوه المعتمد بن عباد إذا تذكر ذلك رفع عقيرته وأنشد: ولم أدار من ألقى عليه رداءه. ومن أظرف الاتفاق ما يحكى أبن الخطيب من قول بعضهم في طبيب يسمى نعمان ويكنى أبا المنذر:\rأقول لنعمان وقد ساق طبه ... نفوسا نفيسات إلى باطن الأرض\rأبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض\rو مما قيل في الطبيب الجاهل قول الآخر:\rيا ملك الموت وأن زهر ... جاوزتما الحكمة والنهاية!\rترفقا بالورى قليلا ... في واحدٍ منكما الكفاية!\rو قوله:\rأعمى وأفنى ذا الطبيب بطبه ... و بكحله الأحياء والبصراء\rفإذا نظرت رأيت من عميانها ... أمما على أمواته قراء\rو قول الآخر:\rقال حمار الطبيب تومي ... لم أنصفوني لكنت أركب\rلأنني جاهل بسيط ... و صاحبي جاهل مركب\rبعلة الورشان يأكل رطب المشان.\rالورشان بفتحتين: طائر وهو ساق حر. وأنشدوا عن الأصمعي:\rأيها البلبل المغرد في النخل ... غريبا من أهله حيرانا\rأفراقا تشكوه أم ظلت تدعو ... فوق أفنان نخلك الورشانا؟\rهاج لي شجوك الغرد شجواً ... رب صوت يهيج الأحزانا\rو المشان بضم الميم وكسرها على مثال غراب وكتاب والشين معجمة: نوع من الرطب طيب؛ ورطب المشان في لفظ المثل بالإضافة ولا يقال الرطب المشان وأصل المثل أن قوما استحفوا غلاما لهم رطب نخلهم فكان يأكله وإذا سئل عن ذلك وعوتب عليه قال: أكله الورشان، فقالوا ذلك. يضرب ذلك لمن يظهر شيئا والقصد شيء آخر.\rالبغاث بأرضنا يستنسر.\rتقدم معنى هذا المثل في الباب الأول.\rأبلعني ريقي.\rيقال: بلعت الشيء بكسر اللام وابتلعته بمعنى وأبلعته غيري: أمكنته أن يبلعه: والريق: ماء الفم ما دام لم ينفصل عنه فإذا انفصل فهو بزاق؛ والبعض منه ريقة. قال النابغة:","part":1,"page":83},{"id":84,"text":"زعم الهمام ولم أذقه أنه ... يشفي برياً ريقها العطش الصدي\rو قال الآخر:\rيسقي امتياحا ندى المسواك ريقها ... كما تضمن ماء المزنة الرصف\rو يقال: أبلغني ريقي أي أمهلني ساعة مقدار ما أبلعه ولا تعجل عليَّ! يضرب عند الاستمهال في مقام المحاورة والإكثار من السؤال واستدعاء الجواب حتى يعوق الاشتغال بالجواب عن بلع الريق. والقصد التأخير والتنفيس. قال شاس بن عبدة:\rحلفت بما ضم الحجيج إلى منى ... وما ثج من نحر الهدى المقلد\rلئن أنت عافيت الذنوب التي ترى ... و أبلغت ريقي وأنظرتني غدي\rلأستعتبن مما يسؤك بعدها ... و إن سبني ذو لكنة بين أعبِ\rو يحكى أنَّ عبد الملك بن مروان رحمه الله تعالى قال يوما لحاجبه: هات بدرة! فأتى بها، فوضعها بين يديه وقال لمن حضر من وجوه العرب: أيكم أنشدني صدر هذا البيت: والعود أحمد، فله هذه البدرة! فلم يكن فيهم من يعرفه. فقال للحاجب: اخرج وانظر من بالباب من العرب، وقل: من ينشدني صدر البيت: والعود أحمد، فله جائزة!فخرج الحاجب وقال ذلك. فقام فتى من القوم فقال: أنا. قال الحاجب: فأنشدني!قال: لا!إلاّ أن أشافه أمير المؤمنين. فدخل الحاجب فأخبره فقال عبد الملك: هذا رجل طال مقامه بالباب وله حاجة. والله لئن دخل عليَّ ولم ينشدني لأعاقبنه. أدخله! فلما دخل وسلم قال له عبد الملك أنشدنا صدر بيتنا! فقال: يا أمير المؤمنين، حاجتي! قال: وما هي؟ قال: بنو عم لي باعوا ضيعتهم بالسواد فأدخلوا ضيعتي في ضيعتهم فقال عبد الملك: فإن أمير المؤمنين قد رد عليك ضيعتك فأنشدنا صدر بينتا! قال: نعم يا أمير المؤمنين! قالت تميم إنه بيتها. قال أوس بن حجر:\rجزينا بني شيبان صاعا بصاعهم ... وعدنا بمثل البدء والعود أحمد\rقال: أخطأت! قال: يا أمير المؤمنين، أبلعني ريقي! قال: قد أبلعتك قال: قالت اليمن أنه بيتها. قال امرؤ القيس:\rفإنَ كنت قد ساءتك مني خليقة ... فعودي كما نهواك والعود أحمدُ\rقال: أخطأت! قال: يا أمير المؤمنين، قالت ربيعة إنّه بيتها. قال المرقش:\rوأحسن فيما كان بيني وبينها ... و إن عاد بالإحسان فالعود أحمدُ\rقال: أصبت، وإنك لظريف. فمن أنت؟ قال أنا زيد بن عمرو. قال: ممن؟ قال من حي جانب عجرفية قيس، وعنعنة تميم، وكسكسة ربيعة وصأصأة اليمن وتأنيث كنانة: أنا امرؤ من عذرة. فأمر له بالبدرة. وكان بين أبي العباس بن سريج الفقيه الشافعي، وبين أبي بكر محمد بن داود الظاهري مناظرات. فقال له أبو بكر يوما: أبلعني ريقي! قال أبلعتك دجلة! وقال له مرة أخرى أمهلني ساعة! قال: أمهلتك إلى قيام الساعة! وقال له أخرى: أجيئك من الرجل، وتجيئني من الرأس، قال: هكذا شأن البقر: إذا حفيت أظلافها، دهنت قرونها. واجتمعا في مجلس الوزير أبي الحسن بن الجراح فتناظرا في مسألة من الأبلاء، فقال له أبن سريج: أنت بكتاب الزهرة اعرف منك بهذا الفن، حيث تقول فيه: ومن كثرت لحظاته، دامت مسراته. فقال أبو بكر: والله انك لا تحسن أن تقرأه، وإنّه لأحد مناقبي حيث أقول:\rأنزه في روض المحاسن مقلتي ... و أمنع نفسي أن تنال محرما\rوأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه ... يصب على الصخر الأصم تهدما\rوينطق طرفي عن مترجم خاطري ... و لو اختلاسي رده لتكلما\rرأيت الهوى دعوى من الناس كلهم ... فلست أرى حبا صحيحا مسلما\rفقال أبن سريج: أو علي تفخر بهذا وأنا القائل، ولو شئت لقلت:\rومسافر بالغنج من لحظاته ... قد بت أمنعه لذيذ سناتهِ\rصبا بحسن حديثه وغنائه ... و أردد اللحظات في وجناته\rحتى إذا ما الصبح لاح عموده ... ولى بخاتم ربه وبراتهِ\rفقال أبو بكر: يا وزير، إنه قد أقر: فعليه إقامة البينة أنه بخاتم ربه وبراته، وإلاّ أقمنا عليه الحد! فقال أبن سريج: هذا لا يلزمني: فإن مذهبي أنَّ من أقر بأمر وناطه بصفة، فان إقراره لا يلزمه إلاّ منوطاً بتلك الصفة. وقيل: بل قال له: يلزمني في ذلك ما يلزمك في قولك:\rأنزل في روض المحاسن مقلتي ... و أمنع نفسي أن تنال محرما\rفضحك الوزير وقال: لقد جمعتما أو ملئتما علما وظرفا ولطفا! ويحكى أيضاً أنَّ الحجاج لمّا قال لأبي عمرو بن العلاء البصري ما وجه بياض.","part":1,"page":84},{"id":85,"text":"يبلغ الخضم بالقضم.\rبلوغ الشيء معروف. والخضم، بالخاء والضاد المعجمتين الأكل بجميع الفم، أو بأقصى الأضراس. وقيل خاص بالشيء الرطب كالقثاء؛ يقال منه: خضمت الشيء بكسر الضاد وفتحها أخضمه كذلك بالكسر والفتح. والقضم، بالقاف والضاد المعجمة: الأكل بأطراف الأسنان؛ يقال قضمت الشيء بكسر الضاد أقضمه. وفي الحديث أيترك يده في فيك تقضمها كما يقضم الفحل؟ ودخل إعرابي على أبن عم له بمكة فقال: إن هذه بلاد مقضم، وليست ببلاد مخضم. وقلت أنا زمن الصبا، من أبيات:\rلو كان لي تجارة غيرها ... أو كنت بين الخال والعمِ\rأو كنت في وسع لقيل اكتفى ... من ذاك بالقضم عن الخضمِ\rو معنى المثل أنَّ الخضم الذي هو الآكل الكثير يدرك وينال بسبب القضم الذي هو الأكل الضعيف، فالشبعة قد تدرك بالأكل بأطراف الفم. والمقصود من ذلك أنَّ الغاية البعيدة تدرك بالرفق. قال الشاعر:\rتبلغ بإخلاف الثياب جديدها ... و بالقضم حتى تدرك الخضم بالقضم\rو للعامة في نحو هذا المعنى أمثال كثيرة، منها قولهم:المهمل يبلغ وقولهم: الراحة تنزل شيئاً فشيئاً. واصله في المريض. وقولهم: لا يجيء دفعة إلاّ الموت؛ وقولهم: قطرة إلى قطرة فيسيل النهر؛ وقولهم: امش بالنعلين حتى تجد السباط، أي الخفين.\rبلغ السكين العظم.\rالسكين بفتح السين وتشديدها معروف يذكر ويؤنث. قال في الصحاح: والغالب عليه التذكير. وأنشد:\rيرى ناصحا فيما بدا فإذا خلا ... فذلك سكين على الحلق حاذق\rو يقال: سكين وسكينة والعظم معروف وبلوغ السكين العظم في القطع كناية عن بلوغ الأمر في الشدة نهاية وفي الصعوبة غاية كما قيل:\rوكم ذدت عني من تحامل حادث ... و سورة أيام حززن إلى العظم\rبلغ السيل الزبى.\rالسيل مصدر يقال: سال الماء يسيل سيلا وسيلانا. فإذا قيل للماء سيل فمعناه سائل وضع المصدر مكان الصفة. ويستعمل السيل في الماء الكثير السائل والزبى بالزاي جمع زبية وهي حفرة تتخذ للأسد في الموضع العالي ويغطى بشيء ويجعل عليها لحم. فإذا تناوله الأسد سقط فيه. هكذا ذكر بعضهم. ويقال تزبيتها: اتخذتها. قال الراجز:\rوكنت بالأمر الذي قد كيدا ... كالذي تزبى زبية فاصطيدا\rو هي في كتابة اللغة: إنَّ الزبية تطلق على المكان المرتفع لا يصل إليه الماء ومنه المثل وعلى حفرة الأسد. وقال الطرماح:\rياطيء السهل والأجبال موعدكم ... كمبتغي الصيد أعلى زبية الأسد\rنعم قال في الصحاح: إنّما سميت حفرة الأسد بذلك لأنهم كانوا يحفرونها في الموضع العالي. فأصل الزبية الموضع العالي. والسيل لا يصل إليه وإن وصله كان جارفا مفراطا مجحفا. فإذا قيل: بلغ السيل الزبى، فمعناه أن الأمر قد بلغ غايته والهول أدرك نهايته كما قال الراجز: قد بلغ السيل الزبى فلا غير. أي قد عظم الأمر عن أن يغير ويصلح. وكتب أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه أيام حصير إلى أبي الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أما بعد فقد بلغ السيل الزبى وجاوز الحزام الطبيين وطمع في من لا يدفع عن نفسه ولم يفخر عليك كضعيف ولم يغلبك مثل مغلب فأقبل إلي على أي أمريك أحببت:\rفأما كنت مأكولا فكن خير آكل ... و إلاّ فداركني ولمّا أمزق\rو هذه أمثال أخرى سيأتي كل منها في موضعه إن شاء الله تعالى. وقال أبو بكر بن دريد رحمه الله:\rلست إذا ما بهضتني غمرة ... ممن يقول: بلغ السيل الزبى\rو من أبلغ ما جاء في وصف قوة السيل قول امرئ القيس:\rكأن ذرى رأس المجيمر غدمة ... من السيل والغثاء فلكة مغزل\rوالقى بصحراء الغبيط بعاه ... نزول اليماني ذي العياب المخول\rكأن اسودا فيها غرقى غدية ... بأرجائها القصوى أنابيش عنصل\rو المحيمر: جبل وذراه أعالي وفلكة المغزل التي يدور بها معرفة. يريد إنَّ السيل قد أحاط بهذا الجبل، فكأنه يدور فلذا شبهه بفلك المغزل فهو من التخيلات. والغرقى جمع غرق والأرجاء: النواحي والقصوى: البعيدة والعنصل: البصل البري المعروف. والأنالبيش جمع انباش والأنباش جمع نبش وهو أصل المنبوش. يريد إنَّ هذا السيل لكثر أغراق السياع فصارت طافية فوق الماء كأنها انبش العنصل يقتلعها السيل.\rبلغ الشظاظ الوركين.","part":1,"page":85},{"id":86,"text":"الشظاظ بكسر الشين وبظاءين مشالتين بينهما ألف: عويد يجعل في عروة الجوالق. قال الراجز:\rأين الشظاظين وأين المربعة ... و أين سقف الناقة الجلنفعة\rيقال شظظت الجوالق: شددت عليه شظاظه وأشظظته: جعلت له شظاظا والورك على وزن كتف: ما فوق الفخذين ويقال أيضاً ورك بسكون الراء مع فتح الواو وكسرها. قال الراجز: ما بين وركيها ذراعا عرضا. وبلوغ الشظاظ الوركين كناية عن اشتداد الأمر: من معنى الذي قبله.\rبلغ الله بك اكلا العمر.\rيقال: كلات الرجل بالهمز كمنعته أكلؤه كلاء وكلاءة بالكسر: حرسته وحفظته؛ وكلا الدين: تأخر والكالئ النسيئة. قال الراجز: وعينه كالكالئ المضمار. وفي الحديث النهي عن بيع الكالئ بالكالئ. وهو يصح من كلأ إذا تأخر أو من كلاته: حفظته أي بيع المكلؤ لأن كلأ لصاحب شيئا. قيل وكان الأصمعي لا يهز الكالئ وينشد:\rإذا تباشرك الهموم ... فإنها كال وناجز\rوه المثل يقال في الدعاء فقيل: معناه بلغ الله بك أحفظ العمر كما يقال: كلأه الله أي حفظه. قال الشاعر:\rكلاك الله حيث عزمت وجها ... و حاطك في المبيت وفي الرحيل\rو قيل: الصواب أن معناه الدعاء بطول العمر أي بلغ الله بك أنسأ العمر أي أبعده من كلأ بمعنى تأخر كما مر.\rبلغ من العلم اطوريه.\rالطور بفتح فسكون: الحد ومنه قولهم: تعدى فلان طوره وملك الدار بطورها وطورها وأطوارها بمعنى. ويقال: هذا الدار أطور من هذه أي أوسع حدودا. فإذا قيل: بلغ من الأمر أطوريه فهو بكسر الراء جمع أطور أي بلغ منه أي أقصى حدوده. هكذا قاله أبو زيد بكسر الراء. وقال غيره: بلغ أطوريه بفتح الراء وهو تثنيه أطور أي بلغ منه حدّثني الطول والعرض. فيضرب في الانتهاء إلى غاية العلم.\rابله من ضب.\rيقال: بله بكسر اللام يبله أو بلاهة فهو أبله والبلة: الغفلة وقيل: الغفلة عن الشر خاصة وقيل: الحمق بلا تمييز. وقيل الأبله: المأمون الشر؛ وقيل: من غلبت عليه سلامة الصدر. والضب بالضاد المعجمة: الدويبة المعروفة والأنثى: ضبة وهو يضرب به المثل في أمور كثيرة مثل البله والعوق والخديعة وغير ذلك. وسيأتي الكل إن شاء الله تعالى. وإنّما ضرب به المثل في البله والذهول لمّا يزعمون من أن في طبعه الحيرة والنسيان وعدم الهداية. قالوا: ولذلك يحفر بيته في كدية وموضع مرتفع لئلا يضل عنه إذا خرج لابتغاء الطعم ورجع والله اعلم.\rابنك أبن ايرك، ليس بذي أب غيرك.\rالأير بفتح الهمزة وسكون الياء: الذكر. والمعنى أن ابنك الذي يكون لاحقا بك وناصرا ومعينا هو الذي نشأ من نطفتك ولم ينتسب إلى غيرك. يضرب في تبني الرجل أو المرأة غير ولديهما.\rابنك أبن بوحك.\rهذا كالذي قبله في المعنى والمضروب. وبوح في هذا المثل بضم الباء الموحدة قيل هو الذكر وقيل النفس وقيل الوطء. وهو يطلق على الكل في اللغة ومرجعها إلى معنى واحد. ويقال أيضاً في هذا المثل: ابنك أبن بوحك الذي يشرب من صبوحك. قيل: وأول من نطق بهذا المثل الأحزن بن عوف العبدي وذلك إنّه كانت عنده امرأة فطلقها وذهبت بولد فتزوجها عجل بن لجيم بن بكر بن وائل فقالت لعجل حين تزوجها: أحفظ علي ولدي! وسماه عجل سعدا. وشب الغلام فخرج به عجل ليدفعه إلى الأحزن بن عوف أبيه. وأقبل حنيفة بن لجم أخو عجل فتلقاه بنو أخيه فلم ير فيهم سعدا فسألهم فقالوا: انطلق به أبونا إلى أبيه. فذهب حنيفة في طلبه فلقيه راجعا قد وضع الغلام في يد أبيه. فجمع حنيفة بني أخيه إليه وسار إلى الأحزن ليأخذ سعدا فوجده مع أبيه ومولى له فاقتتلوا. فقال الأحزن لسعد: يا بني! إلاّ تعينني على حنيفة؟ فكع الغلام عنه، فقال الأحزن حينئذ: ابنك أبن بوحك الذي يشرب من صبوحك فذهبت مثلا. وضرب حنيفة الأحزن بالسيف فجذمه فسمي جذيمة. وضرب الأحزن حنيف على رجله فحنفها فسمي حنيف وكان اسمه اثال بن لجيم. فأخذ حنيف سعدا فرده إلى عجل. وقال بعضهم: الباحة وسط الدار وجمعها بوح. ومن كلامهم: ابنك أبن بوحك الذي يشرب من صبوحك. انتهى. فجعله في باحة الدار.\rابنك من دمى عقبيك","part":1,"page":86},{"id":87,"text":"الدم اصله الدمي. تقول: دمي الشيء بالكسر يدمى فهو دم ودام وأدميته أنا ودميته تدمية. وهذا المثل كالذي قبله. قيل: وقائله امرأة الطفيل بن ملك بن جعفر بن كلاب. وكانت من بلقين وولدت للطفيل عقيل بن الطفيل فتبنته ضرتها كبش بنت عروة بن جعفر بن كلاب. ثم إنَّ عقيلا ذات يوم ضربته أمه فجاءت كبشة فمنعتها وقالت أبني! أبني! فقالت لها البلقينية ابنك من دمي عقبيك وهو بكسر الكافين مخطبة بها أي: ابنك هو الذي نفست به حتى ادمى النفاس عقبيك لا الذي تتبنينه ولم تلديه. ولمّا قالت البلقينية هذا الكلام لكبشة انقلبت عنها مغمومة منكسرة إذ لم يكن لها ولد وتعظمت عليها ضرتها بولدها فأشتملت كبشة على عامر بن الطفيل في تلك الليلة فجاءت اسود أهل زمانه وأنجد أهل زمانه وأفرس أهل زمانه حتى كان مناديه ينادي بعكاظ: هل من راجل فأحمله أو من خائف فأؤمنه؟.\rبه لا بظبي.\rالظبي معروف جمعه ظباء وأظبي وظبي. وهذا المثل يقال عند الدعاء على أحد المصائب والموبقات وأن لا يعدلن عنه عند الشماتة به. والمعنى: جعل الله ما أصابت لازماله! قال الفرزدق لمّا مات زياد وكان مسكين الدرامي رثاه بقوله:\rرأيت زيادة الإسلام ولت ... جهارا حين فارقها زياد\rفقال الفرزدق يرد على مسكين:\rامسكين أبكى الله عبنه إنّما ... جرى في ضلال دمعها فتحدرا\rفبكيت امرءا فظا غليظا مبغضا ... ككسرى على أعدائه وكقيصرا\rأقول له لمّا أتاني نعيته ... به لا بظبي بالصريمة اعفرا\rو قال أبو تمام في قصيدة له:\rقتلته سرا ثم قالت جهرة ... قول الفرزدق لا بظبي اعفرا\rباءت عرار بكحلٍ.\rيقال: باء إليه يبوء إذا رجع إليه وانقطع؛ وباء بذنبه بواء إذا احتمله أو اعترف به؛ وباء دمه بدمه: عدل به؛ وباء فلان بفلان إذا قتل به فقاومه. ومنه قول مهلهل البكري الذي قتله: بؤ بشسع نعل كليب! وقول الشاعر:\rفقلت له: بؤ بامرئ لست مثله ... وإن منت قنعانا لمن يطلب الدما!\rو عرار على وزن رقاش. وكحل بفتح الكاف وسكون الحاء: بقرتان وكانتا قد انتطحتا فماتتا معا فقيل: باءت عرار بكحل أي باءت هذه بهذه. يضرب إذا قتل القاتل بمقتوله. ويضرب لكل متكافئين متساويين.\rبال حمارٌ فاستبال أحمرة.\rالبول معروف. يقال: بال، يبول، بولا. والحمار معروف. ومعنى استبال أحمرة: حملهن على البول لمّا بال. وأما قول الفرزدق:\rوإنَّ الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساعٍ إلى أسد الشري يستبيلها\rفقالوا: معناها في يده. ولا يبعد أن يكون معناه: يحملها أن تبول عليه، ويتعرض لذلك أي يتعرض لهجومي كما قال الآخر:\rتعرضت بياض لأهجوها ... كما تعرض لاست الخاريء الحجرُ\rو المثل المذكور يضرب في تعاون القوم على المكروه وتنافسهم في الشر.\rبالت عليه الثعالب.\rالثعالب جمع ثعلب. يضرب هذا المثل للشر الواقع بين القوم وفساد ما بينهم.\rفقط حميد بن ثور:\rألم تر ما بيني وبين محاربٍ ... من الود قد بالت عليه الثعالبُ\rوأصبح باقي الود بيني وبينه ... كأن لم يكن والدهر فيه عجائب\rبات فلان بليلةٍ ابن المنذر.\rهو النعمان بن المنذر أي بليلة شديدة.\rباتت المرأة بليلةٍ حرةٍ.\rأي إذا لم يقدر الزوج على افتضاضها ليلة هدائها. ويقال ليلة حرة بالوصف وهي أوّل ليلة من الشهر. قال النابغة:\rشمسٌ موانع كل ليلة حرةٍ ... يخلقن ظن الفاحش المغيار\rباتت بليلة شيباء.\rيقال: ليلة شيباء بالإضافة وليلة الشيباء وهي آخر ليلة من الشهر. ويقال ذلك إذا غلبت على نفسها عكس الذي قبله.\rباتت بليلة أنقد.\rالأنقد بالدال المهملة على مثل أحمر: القنقذ وهو يبيت الليل كله لا ينام، فيقال لمن بات غير نائم: بات بليل أنقد. وذكر في الصحاح أنَّ لفظ أنقد معروفة كأسامة للأسد. وجوز غيره أن تدخل عليه الألف واللام.\rبيدي لا بيد عمرو.","part":1,"page":87},{"id":88,"text":"قالته الزباء الملكة السابق ذكرها. وعمرو هذا هو عمرو بن عدي بن نصر اللخمي ابن أخت جذيمة. وسبب ذلك أنَّ الزباء لمّا قتلت جذيمة كما مر رجع قصير إلى عمرو بن عدي فقال له: قم بثأر خالك من الزباء! فقال عمرو: كيف لي بها وهي أمنع من عقاب الجو؟ فأرسلها مثلا. فقال قصير: اطلب الأثر وخلاك ذم! فذهبت مثلا. فقال له إني والله لا أنام على طلب دمه ما لاح نجم أو طلعت شمس حتى أدركه أو تخترم نفسي دونه! ثم قال قصير لعمرو: اجدع أنفي، واقطع أذني واضرب ظهري حتى تؤثر فيه، وخلني وإياها! ففعل عمرو ذلك. وقيل إنَّ عمرا أبى عليه ففعل هو ذلك بنفسه فقالت العرب: لأمر ما جدع قصير أنفه فذهبت مثلا. قال المتلمس:\rومن طلب الأوتار ما حز أنفه ... قصير وخاض الموت بالسيف بيهس\rثم إنَّ قصيرا ذهب فلحق الزباء فقالت له: ما أتى بك إلينا يا قصير وبيننا وبينك دم عظيم الخطر؟ فقال لها: يا ابنة الملوك العظام قد كان دم الملك يعني أباها يطلب جذيمة حتى أدركه؛ وقد أتيتك فيما فيه مثلي مثلك مستجيرا من عمرو، فانه اتهمني بقتل خاله وفعل بي ما ترين. وقد حال بيني وبين أهلي وولدي وخشيت على نفسي فأتيتك. فأعطته الجوار وأنزلته مكرما مخدما. فأقام مدة لا يكلمها وهو يتطلب لها الحيل ويتأمل الفرص. ثم قال لها يوما: إنَّ لي بالعراق أموالا كثيرة وذخائر نفيسة مما يصلح بالملوك. فإنَ أذنت لي في الخروج إلى العراق وأعطيتني شيئا اتعلل به تجارة وأتخذه وصلة إليها أتيتك بما أمكنني منها. فأعطته مالا، فرجع إليها بأرباح كثيرة وطرائف خطيرة. فلما رأت ذلك أعجبها وعظمت منزلته عندها ورغبت فيه. ولم يزل يتلطف إليها ويتقرب حتى أعادته مرة أخرى إلى العراق، فأضعف لها الأموال، وأتاها من الجواهر والخز والبز والديباج بشيء عظيم، فازدادت منزلته عندها. ويقال إنّه رجع مرة ثالثة فأتاها بأكثر من الأوليين. فبلغ منها مكانة عظيمة حتى إنها كانت تستعين به في مهماتها. وكان لبيبا أديبا. وكانت ابتنت على الفرات مدينتين عظيمتين واتخذت بينهما نفقا. فإذا أوجست شرا دخلت النفق.فلما بلغ قصير من مدخلها ما بلغ، عرف النفق وعرف الطريق إليه. فعند ذلك رجع مرة أخرى للتجارة. ويقال إنّها هي التي قالت له: أريد أن أغزو بلد كذا من أرض الشام، فاخرج إلى العراق فأتني بكذا وكذا من السلاح والكراع والعبيد والثياب! فقال قصير: ولي في بلد عمرو بن عدي ألف بعير وخزانة من السلاح فيها كذا وكذا وما لعمرو به علم. ولو قد علمه لاستعان به على حرب الملكة وقد كنت أتربص به المنون وها أنا أخرج متنكرا من حيث لا يعلم فأتي الملكة بذلك مع الذي سألت فأعطته من المال ما أراد. ويذكر أنها قالت له إذ ذاك: يا قيصر! الملك يصلح لمثلك وعلى يد مثلك يصلح أمره. ولقد بلغني أن أمر جذيمة كان إيراده وإصداره إليك. وما يقصر بك عن شيء تناله يدي ولا يقعد بك حال ينهض بي فسمع كلامها رجل من خاصة قومها فقال: أسد خادر وليث ثائر قد تحفز للوثوب! فلما سمع قصير كلامها وعلم ما بلغ من قلبها قال: الآن تمكن الخداع! وخرج من عندها فأتى عمرا فقال له: قد أصبحت الفرصة. قال له عمرو: قل أسمع ومر أقبل فأنت طبيب هذه القرحة! قال: الرجال والأموال فقال عمرو: حكمك مسلط فينا عندي!فعمدا إلى ألفي رجل من فتاك قومه فحملهم على ألفي بعير في الغرائر السود. ويقال انه اتخذ الجوالق وهو أوّل من اتخذها وحمل فيها الرجال وجعل ربطها من داخل. فأتى بها وأخذ غير الطريق وجعل يسير الليل ويكمن النهار. وجاء عمرو معه. وكان عمرو قد صور للزباء قاعدا وقائما وراكبا. فلما عمي عنها خبر قصير سألت عنه فقيل لها إنّه أخذ على طريق الغور فقالت: عسى الغوير أبؤسا. فذهبت مثلا، وسيأتي. فلما قربوا تقدم قصير ودخل على الزباء فقال لها: قفي فانظري إلى العير! فرقبت سطحا وجعلت تنظر إلى الإبل تحمل الرجال. فقالت: يا قصير:\rما للجمال مشيها وئيدا ... أجندلا يحملن أم حديدا؟\rأم صرفانا باردا شديدا ... أم الرجال جثما قعودا؟","part":1,"page":88},{"id":89,"text":"و يقال إنَّ الزباء كان وشي لها بقصير فلما رأت مشية الأجمال ازدادت الريبة في قلبها فقالت ذلك. فلما دخلت العير القصر وعلى الباب بوابون من النبط وفيهم رجل بيده مخصرة فطعن بها جوالقا فأصابت المخصرة رجلا فضرط فقال البواب بالنبطية: بشتا! بشتا! أى الشر! الشر! فاستل قصير السيف فقتل النبطي فدخل عمرو وكان وراء الإبل. فبركت الإبل وخرج الرجال وذهب عمرو فوقف على فم النفق وكان قد وصفه له قصير وعرفه به. فجاءت الزباء نحو النفق. فلما رأت عمرا عرفته بما صور لها فمصت خاتما كان في يدها مسموما وقالت: بيدي لا بيد عمرو فماتت. ويقال إنّه هو قتلها بالسيف واستباح بلادها. ومعنى المثل ومضربه واضح.\rبيدين ما أوردها زائدة.\rاليد تطلق على الجارحة وعلى القوة الناشئة عنها. ويثنى بالمعنى الثاني أيضاً كما يثنى بالمعنى الأول الحقيقي. قال تعالى: )لمّا خلقتُ بيديَّ(. وقال عروة بن حزام:\rفقالوا شفاك الله والله مالنا ... بما حملت منك الضلوع يدانِ\rو اليد في المثل إن كانت بالمعنى الحقيقي فهي كناية عن الجد والشدة والقوة لأن العامل عملا بكلتا يديه يكون عليه أقوى وأشد من الذي يعمله بيد واحدة؛ وإن كان بالمعنى الثاني فواضح وثنيت للمبالغة. والمثل يضرب للجلادة والقوة في العمل\rبيض القطا يحضنه الأجدلُ.\rالقطا: الطير المعروف، واحدته قطاة، وتقدم إنّها تعد في الحمام. وتبيض ولا تزيد غالبا على ثلاث بيضات، ومن ثم يقال للقطا أم ثلاث. قال الشاعر:\rوأم ثلاثٍ شببن عققنها ... و إنَّ متن كان الصبر منها على صبر\rو حضانة الأولاد معروفة، وأصل الحضن جعل الشيء تحت الإبط. والاجدل هو الصقر، مشتق من جدل وهو القوة، وغلبت عليه الصفة. وهذا المثل يضرب في الضعيف يستند إلى القوي ويأوي إليه.\rبين الصبح لذي عينين.\rمعناه أنَّ الليل لا ظلامه يستوي فيه البصير والأعمى، فإذا أقبل الصبح تبينت الأشياء لكل ذي بصر فأدركها. أو معناه أنَّ الصبح لظهوره يدركه كل ذي بصر لا يمتري فيه ولا يلتبس عليه. يضرب في الشيء يتضح وينجلي بحيث لا يتطرق إليه التباس. ويقال أيضاً: وضح الصبح لذي عينين. وأصل المثل لقيس بن زهير العبسي صاحب الحروب بين عبس وذبيان بسبب الفرسين داحس والغبراء. وسنشرح ذلك في موضوعه إن شاء الله تعالى. وكان قيس داهية من دهاة العرب، يضرب به المثل في ذلك كما سيأتي. فحكي أنَّ رجلاً مر بحي الاحوص، فلما دنا من الحي نزل عن راحلته فعمد إلى شجرة فعلق عليها سقاء من لبن، وجعل بعض أغصانها حنظلة، ووضع صرة من تراب وصرة من شوك، ثم أستوى على راحلته وانطلق. فنظر القوم إلى ذلك فعمي عليهم أمره، فأرسلوا إلى قيس بن زهير، فلما جاءهم قال له الأحوص: المثل تخبرني أنه لا يرد عليك أمر إلاّ عرفت مأتاه؟ قال: ما ذلك؟ فأراه ذلك، فقال: وضح الصبح لذي عينين. فأرسلها مثلا، ثم قال: هذا رجل أسره جيش \" قاصد \" إليكم، ثم أنطلق بعد أن أخذ عليه العهد والميثاق أن لا ينذركم، فعرض لكم بما ترون. أما الصرة من التراب فأنه يزعم أنه أتاكم عدد كثير؛ وأما الحنظلة فإنه يزعم أن بني حنظلة قد غزتكم، وأما الشوك فيخبر إنَّ لهم شوكة، وأما اللبن فإنه دليل على قرب القوم أو بعدهم إنَّ كان حلواً أو حامضاً. فأشتد القوم فكان كما قال.\rومما يتلحق بهذا الباب قولك مثلا. أبرد من الثلج، وابرد من قرة، ونحو ذلك وهذا النحو من الأمثال لا يختص بنوع ولا ينحصر في شيء، إذ ما من شيء اتصف بصفة وامتاز بميزة من برودة أو بله أو بطئ أو إبصار أو غير ذلك من الأوصاف، إلاّ ولك أنَّ تضرب به المثل، إما تفصيلاً أو تشبيها. وهكذا في باب؛ غير إنَّ ما اشتهر من ذلك يثبت في الكتاب، وما سواه فسائغ استعماله، غير محذور ارتكابه.\rوقولهم: بفلان تقرن الصعبة.\rيقال للرجل إذا كان نافذا في أمور قويا عليها ناهضا بها.\rوقولهم: بعد اللتيا والتي.\rفي الأمر يكون بعد معاناة الكد ورؤية الشدة.\rوقولهم: هو ابن زوملتها\rأي عالم بها .\rوقولهم: هو بين سمع الأرض وبصرها","part":1,"page":89},{"id":90,"text":"إذا لم يدرك أين توجه. أو يراد به إنّه بأرض خالية لا يسمعه ولا يبصره إلاّ الأرض. وقيل أريد بسمع الأرض وبصرها طولها وعرضها. وضمن هذا المثل أبو محمّد بن عبدون رحمه الله! في قصيدته التي يرثي بها بني المظفر، فقال:\rوانفذ في كليب حكمها ورمت ... مهلهلا بين سمع الأرض والبصر\rو من أمثال العامة في هذا الباب قولهم: يبر الجرح السوء، ولا يبرا الكلام السوء. وأصله يزعمون أنَّ شخصاً أداة تطوافه إلى إنَّ سقط في مغارة الأسد منكسراً، فوجد أشباله فلاذ بها. فلما دخل عليه الأسد ورآه على تلك الحال، رق له وجعل يأتيه باللحم ويقدمه إليه ويرفق به حتى برئ وذهب إلى أهله. فبينما هو يحدثهم ذات يوم بقصته مع الأسد، إذ جاء الأسد فأستمع من وراء البيت، وسمعه يقول لهام: ما رأيت في الأسد من عيب إلاّ بخراً في فيه، يدنو مني فيؤذيني غاية الإيذاء. فلما سمع الأسد كلامه أحفظه. فبينما ذلك الشخص يوما في موضع إذ وجده ذلك الأسد وعرفه، فقال له الأسد: أما كان لي عليك حق وجزاء لنعمتي ورفقي وإحساني بك؟ أو نحو هذا. قال نعم! قال له: فإني أسألك أن تضربني بهذا الفأس ضربة بين عيني منكرة، فأبى عليه، وألح عليه الأسد حتى ضربه. فذهب، ومكث زمانا حتى برئت تلك الضرب وذهب أثرها. فرجع إليه حتى لقيه فقال له:أنظر هل ترى لضربتك التي ضربتني أثراً! قال: لا! فقال له حينئذ: يبرؤ جرح السوء، ولا يبرؤ كلام السوء. يعني قوله فيه إنّه كان أبخر، وافترسه. ولنحو هذا يقول العامة في مثل آخر: من ذا يقدر إنَّ يقول للأسد: فوك أبخر؟\rو قولهم: البركات في الحركات.\rوقد ورد في مدح السفر والحضر على التحول والتحرك لنيل الأوطار كلام كثير. قال صلى الله عليه وسلم: \" سافروا تصحوا، وأغزو تستغنموا! \" . ويروى: \" سافروا تصحوا وتغنموا! \" . وقال: \" الأرض أرض الله والعباد عباد الله: فحيث وجد أحدكم رزقه، فليتق الله وليقم \" . وقال: \" ما مات ميت بأرض غربةٍ إلاّ قيس به من مسقط رأسه إلى منقطع أثره في الجنة \" . وقال: \" موت الغريب شهادة \" .و قال: \" من مات غريباً مات شهيداً \" . وفي التوراة: أبن أدم، احدث سفرا احدث لك رزقا. وفيها أيضاً: ابد آدم، خلقت من الحركة إلى الحركة: فتحرك وأنا معك!. وفي بعض الكتب: امدد يدك إلى باب من العمل، أفتح لك باباً من الرزق! وقال صلى الله عليه وسلم لوفد من قيس: ما المروءة فيكم؟ قالوا: العفة والحرفة. وقال موسى بن عمران عليه السلام: لا تلوموا السفر! فإني أدركت فيه ما لم يدرك أحد، يريد أنَّ الله كلمه. ونظمه أبو تمام بقوله:\rفإن موسى صلى على روحه ... الله صلاة كثيرة القدس\rصار نبياً وعظم بغيته ... في جذوة للصلاة أو قبس\rقيل: وقد قال رجل لمعروف الكرخي: يا أبا محفوظ، أتحرك لطلب الرزق أمثال اجلس ؟ قال: بل تحرك، فإنه أصلح لكّ! فقال له: أتقول هذا؟ قال: ما أنا قلته، ولكن عز وجل أمر به حين قال: )و هزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا(، ولو شاء أن ينزله عليها فعل. وفي هذا أنشد الثعالبي:\rألم تر أنَّ الله أوحى لمريم ... فهزي إليك الجذع تساقط الرطب\rولو شاء أن تجنيه من غير هزها ... جنته ولكن كل شيء له سبب\rوقال المأمون: لا شيء ألذ من السفر في كفاية، لأنك تحل يوم محلة لم تحللها، وتعاشر قوماً لم تعاشرهم. وقالوا: ربما أسفر السفر، عن الظفر. وقالوا: إنَّ من فضائل السفر أنَّ صاحبه يرى من عجائب الأمصار، ومحاسن الآثار، وأمثال يزيد علما بقدرة الله، ويدعو إلى شكر نعمته. وقالوا: السفر يشد الأبدان، وينشط الكسلان، ويسلي الثكلان، ويشهي الطعام، إذ ليس بينك وبين بلدٍ نسب، فخير البلاد ما حمل. وكتب أبن رشيق إلى بعض إخوانه: مثل الرجل القاعد، أعزك الله! كمثل الماء الراكد، وإنَّ ترك تغير، وإنَّ حرك تكدر؛ ومثل المسافر كالسحاب الماطر، هؤلاء يدعونه نقمة، وهؤلاء يدعونه نعمة. فإذا اتصلت أيامه، ثقل مقامة، وكثر لوامه. فاجمع لنفسك فرجة الغيبة، وفرحة الأوبة! وقالوا: المسافر يسمع العجائب، ويكشف التجارب، ويحلب المكاسب. أوحش أهلك إذا كان انسك في إيحاشهم، واهجر وطنك إذا نبت عنك نفسك! وقيل لأعشى بكر: إلى كم ذا الاغتراب؟ أما ترضى بالدعة؟ فقال: لو دامت الشمس يوماً عليكم لمللتموها. وأخذ أبو تمام فقال:","part":1,"page":90},{"id":91,"text":"وطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجته فأغترب تتجدد\rفإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الناس أنَّ ليست عليهم بسرمد\rو قال الحكماء: لا تنال الراحة إلاّ بالتعب، ولا تدرك الدعة إلاّ بالنصب. وقال أبو تمام:\rولكني لم أحو وفراً مجمعا ... ففزت به إلاّ بشمل مبدد\rولم تعطني الأيام يوماً مسكنا ... ألذ به إلاّ بنوم مشرد\rو قال لنابغة الجعدي في هذا المعنى الذي نحن فيه:\rإذا المرء لم يطلب معاشاً لنفسه ... شكا الفقر أو لام الصديق فأكثرا\rفسر في بلاد الله والتمس الغنى ... تعش ذا الديار أو تموت فتعذرا\rو قال أبن صارة:\rسافر فأن الفتى من بات مفتتحا ... قفل النجاح بمفتاح من السفر\rإنَّ شئت خضرتها يا أبن الرجاء فكن ... في طي غبر الفيافي ثاني الخضر\rولا يصدنك عن وجه تصعبه ... قد ينبغ الكوثر السلسال من حجر\rو قال الآخر:\rتخوفي طول السفار وإنني ... لتقبيل كف العامري سفير\rذريني أرد ماء المفاوز آجنا ... إلى حيث ماء المكرمات نمير\rوإنَّ خطيرات المهالك ضمن ... لراكبها أن الجزاء خطير\rو قال الآخر:\rلا يمنعنك خفض العيش في دعةٍ ... نزوع نفس إلى أهل وأوطان\rتلقى بكل بلاد أنت ساكنها ... أهلا بأهلٍ وجيرانا بجيران\rو قال البحتري:\rوإذا الزمان كساك حلة معدمً ... فليس له حلل النوى وتغرب\rو قال الآخر:\rليس ارتحالك ترداد لغنى سفرا ... بك المقام على خسف هو السفر\rو قال أبو الفتح البستي:\rفالحر حر عزيز النفس حيث ثوى ... و الشمس في كل برج ذات أنوار\rو قال ديك الجن:\rوليس المرء ذو العزمات إلاّ ... فتى تلقاه كل غد بلاد\rو قال الآخر:\rيقيم الرجال الأغنياء بأرضهم ... و ترمي النوى بالمقترنين المراميا\rو قال البحتري:\rوإذا ما تنكرت لي بلاد ... أو صديق فإنني بالخيار\rو قال أبو الطيب:\rإذا لم أجد في بلدة ما أريده ... فعندي لأخرى عزمة وركاب\rو قال:\rما بلد الإنسان غير الموافق ... و لا أهله الأدنون غير الأصادق\rو قال الآخر:\rغب عن بلادك وارج حسن مغبة ... إنَّ كنت حقا تشتكي الإقلالا\rفالبدر لم يحجب به إبداره ... إلاّ بغير يطلب الإقبالا\rو قلت أنا من جملة قصيدة:\rلا يكسك الوطن الأليف مذلة ... أن كنت تكتسب العلى بتغرب\rفالجار من يدنو إليك مواتياً ... في كل أرض بالجوار الأطيب\rومن احتبك مودة ونصيحةً ... في حالتيك فذاك خير الأقرب\rو هذا باب لا يحصى. وقد أكثروا في عكس هذا المقصد، وهو مدح الإقامة والإخلاد إلى الراحة وانتظار الفرج واستمطار الرجاء. قال الأعشى:\rومن يغترب عن قومه لا يزل يرى ... مصارع مظلوم مجراً ومسحبا\rوتدفن منه الصالحات وإنَّ يسئ ... يكن ما أساء النار في رأس كبكبا\rو قال زهير:\rفقري في بلادك إنَّ قوما ... متى يدعوا بلادهم يهنوا\rو قال الآخر:\rلقرب الدار في الاقتدار خير ... من العيش الموسع في اغتراب\rوقال الآخر:\rوما زلت أقطع عرض البلا ... د من المشرقين إلى المغربين\rوأدرع الخوف تحت الرجا ... و استصحب الجدي والفرقدين\rواطوي وانشر ثوب الهمو ... م إلى أنَّ رجغت بخفي حنين\rو قال الآخر:\rيعطي الفتى فينال في دعةٍ ... ما لم ينل بالكد والتعب\rفأطلب لنفسك فضل راحتها ... إذ ليست الأشياء بالطلب\rإنَّ كان لأرزق بلا سبب ... فرجاء ربك أعظم السبب\rو قال الآخر:\rقد يرزق الخافض المقيم وما ... شد لعنس رحلا ولا قتبا\rويحرم المال ذو المطية والر ... حل ومن لا يزال مغتربا\rو قال الآخر:\rقد يرزق المرء لم تتعب رواحله ... و يحرم الرزق بالأسفار والتعب\rإني وعمرك لا أحصي ذوي حمق ... الرزق اغرى بهم من لاصق الجرب\rو قال الآخر:\rإلاّ رب باغي حاجة لا ينالها ... و آخر قد تقضى له وهو جالس\rو قال الآخر:\rقد يرزق المرء لا من حسن حيلته ... و يصرف الرزق عن ذي الحيلة الداهي","part":1,"page":91},{"id":92,"text":"ما مسني من غنى يوم ولا عدم ... إلاّ وقولي فيه الحمد لله\rو قلت أنا من جملة قصيدة:\rلا ولا بالحجى تنال الأماني ... لا ولا الجهل رائد الحرمان\rفالغنى بالحظاء لا بالتعني ... و الثمى بالقضاء لا بالتواني\rكم لبيب ذي نجدة مات هزلا ... و غبي يحفه ألف هان\rوكريم اذيل بعد اعتزاز ... و وضيع يسمو على كيوان\rقسمة قدرات وأحكم مبن ... اها قضاء المهيمن الديان\rو لنرجع إلى المقصود خشية الطول.\rوقولهم: بأضدادها تتبين الأشياء. ونظمه أبو الطيب حيث قال:\rمن يظلم اللؤماء في تكليفهم ... إنَّ يصبحوا وهم له أكفاء\rويذمهم وبهم عرفنا فضله ... و بضدها تتبين الأشياء\rو نحوه قول أبي تمام:\rكثرة السفر يمنة وشمالا ... أضعفت في نفيسة العقيان\rو نحوه قول المعري:\rوالشيء لا يكثر مداحه ... إلاّ إذا قيس إلى ضدهِ\rلو لا غضا نجدي وقلامه ... لم يئن بالطيب على رندهِ\rو قد يعاب الامتداح بنحو هذا بتبه امتداح بكمال إضافي، وقلما يخلو شيء من نحو هذا الكمال. والجواب أنَّ القصد إلى بيان كون الكمال إضافي لا حقيقيا، بل إلى بيان أنَّ الكمال اتضح غاية الاتضاح وإنَّ سبب اتضاحه كذا. والشيء قد يكون في غاية الكمال والفضل ويخفى لشدة ظهوره ولا يعرف إلى بالقياس لغيره. فلو لم يخلق الله المرض لم يعرف حسن الصحة؛ وكذا الفقر والغنى والمرارة والحلاوة ونحو ذلك. ولو لم يخلق الليل لمّا عرفت فائدة النهار كما قال حبيب:\rبين البين فقدها قلما ... تعرف فقدا للشمس حتى تغيبا\rو لهذا ورد في الخير إنّه يرى المؤمن النار وما أبدله به الجنة؛ وكذا الكافر بالعكس. وشاع في ألسنة العامة قولهم: لا تمدحني حتى تجرب غيري، كما قال حبيب:\rوإساءات ذي الإساءة يذكر ... نك يوماً إحسان ذي الإحسانِ\rو قال أيضاً:\rإساءة دهر اذكرت حسن فعله ... إليَّ ولولا الشري لم يعرف الشهدُ\rو أما قول أبي الطيب:\rزانت الليل غرة القمر الطا ... لع فيه ولم يشنها سوادهُ\rفمراده به المبالغة في الثناء، وإنَّ طلعة الممدوح تكشف الظلماء مع غلبتها الأنوار، وأو أضاف إشراق طلعته إلى النهار لم يكن لذلك كبير فضل، من حيث إنَّ الشيء يظهر بالنهار ولو ضعيفا. ولم يعتبر هو ما مر، وإنّما اعتبر ما اعتبره النابغة حيث اعترض على حسان قوله: يلمعن بالضحى. وكان النابغة تضرب له قبة بسوق عكاظ، فيعرض عليه الشعراء أشعارهم. فدخل عليه يوما حسان بن ثابت وعنده الأعشى، وقد كان أنشده شعرا له فاستحسنه، وإذا بالخنساء فأنشدت:\rيا صخر وراد ماء قد تناذره ... أهل المياه وما في ورده عارُ\rمشي السبنتى إلى هيجاء معضلة ... لها سلاحان: أنياب وأظفارُ\rفما عجول على بوٍّ تحن له ... لها حنينان: إعلان وإسرارُ\rترتع ما غفلت حتى إذا ذكرت ... فإنما هي إقبال وإدبارُ\rيوماً بأوجع مني يوم فارقني ... صخرٌ والدهر إحلاء وإمرارُ\rوإنَّ صخراً لوالينا وسيدنا ... و إنَّ صخرا إذا نشتو لنحَّارُ\rوإنَّ صخراً لتأتم الهداة به ... كأنه علمٌ في رأسه نارُ\rجوابُ قاصيةٍ جزارُ ناصيةٍ ... عقاد ألويةٍ للعيش جرارُ\rحامي الحقيقة محمود الخليقة ... مهدي الطريقة نقاع وضرارُ\rلم تره جارة يمشي بساحتها ... لريبة حين يخلى بيته الجارُ\rفقال لها النابغة: لو لا أنَّ أبا بصير يعني الأعشى أنشدني قبلك لقلت أنك أشعر الإنس والجن فقال حسان: أنا اشعر منك ومنها ومن أبي بصير، حيث أقول:\rلنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... و أسيافنا يقطرن من نسجه دما\rوليدنا بني العنقاء وأبن محرق ... فاكرم بنا خالا واكرم بنا أبنما!\rفقال له النابغة: انك لشاعر لو لا انك قلت الجفنات فقللت العدد ولو قلت الجفان كان اكثر؛ وقلت يلمعن بالضحى، ولو قلت يشرقن بالدجى كان ابلغ وقلت يقطرن ولو قلت يجرين كان ابلغ؛ وفخرت بما ولدت ولم تفغر بمن ولدك على انك يا بني لا تحسن أن تقول:\rفانك كالليل الذي هو مدركي ... و إن خلت أنَّ المنتآى عنك واسعُ\rفقام حسان خجلا منكسرا.","part":1,"page":92},{"id":93,"text":"فائدتان: الأولى قول النابغة: أشعر الإنس والجن أو الجن والإنس خطأ في العربية. فإن المعطوف في حكم المعطوف عليه واسم التفضيل إنّما يضاف على ما هم بعض منه، غير إنّه إن كانت الرواية تأخير الجن أمكن أن يستسهل في التابع ما لا يسوغ في المتبوع.\rالثاني: بيت النابغة الذي تبجح به وفخر به على حسان هو من جيد الشعر، وقد اعترضه الأصمعي في انتصاره للرشيد على البرامكة. فإنَ النهار سواء هو والليل في الإدراك واللحاق ولا مزية لليل حتى يخص بالذكر. وقصة محاضرتهم مشهورة. قلت: وأنت إذا علمت وأنصفت عرفت أن ليس لحاق النهار كلحاق الليل الذي تنقطع الحركات لإقباله ويستكن كل أحد لغشيانه، ويخضع تحت أطنابه: فتشبيه الملك به أحق. وليتنبه الأديب إلى كلام النابغة وانتقاداته ليعرف مبلغ شعراء الجاهلية في معرفة الشعر والغوص على المعاني ويقدرهم حق قدرهم في هذا الباب ويعرف أنَّ البلاغة طوع إيمانهم وإنها تدب على ألسنتهم دبيب النمل، وتجري منهم مجرى الدم وتسري في أفكارهم سريان العذب السلسال، حتى يعرف مقدار من تحداهم رب العزة بكلامه فأعجزهم، وأنهم لأمر ما عجزوا وأذعنوا. فلا يغتر الفتى الجاهل اليوم ويتوهم إذا سمع شقاشق أهل إعصاره أنَّ أولائك أغمار. وقولهم للإنسان غير المستوطن: بيته على ظهره. وأصله في السلحفاة. ومثله قول الشاعر:\rحيثما كنت لا أخلف رحلا ... من رآني فقد رآني ورحلي\rو قد آن أن أذكر ما يتيسر من الأمثال الشعرية في هذا الباب وما يجري على نمطها. وينخرط في سفطها. قالوا:\rومن يكن الغراب له دليلا ... يدل به على جيف الكلابِ\rيريدون أنَّ من اتخذ الدنيء مرتادا واللئيم قوادا فهو يسوقه إلى سخفه أو يقع به إلى حتفه. وقال الآخر:\rومن لم يكن عقربا يتقى ... مشت بين أثوابه العقربُ\rو هو مثل قول العامة: من لم يكن ذئبا أكلته الذئاب. وقول أبن دريد:\rمن ظلم الناس تحاموا ظلمه ... و عز فيهم جانباه واحتمى\rوهم لمن لان جانبه ... أظلم من حيات أنباث السفا\rو قال مسكين الدارمي:\rرب مهزولٍ سمينٌ عرضه ... و سمين الجسم مهزول النسب\rأي رب وهزول البدن والجسم كريم الأب رفيع النسب صين الحسب، وبالعكس. وقال رجل من مذحج:\rإنَّ السوية إن إذا استغنيتم ... و أمنتم فأنا البعيد الأجنبُ\rوإذا تكون كريهة ادعى لها ... و إذا يحاس الحيس يدعى جندبُ\rهذا وجدكم الصغار بعينه ... لا أم لي إنَّ كان ذاك ولا أبُ!\rو المثل هو البيت الوسط وفي معناه مثل من أمثال النساء يقلن: الطرية للهاتي، والقسية لأخواتي. وقال النابغة:\rولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب؟\rو مثله قول الآخر:\rوإن كنت لم تصحب سوى ذي كمالة ... فأين من الأخوان من هو كاملُ؟\rو قولي من قصيدة:\rوإذا تبتغي صديقا بلا ذا ... مر فعش مفردا عن الخلانِ\rو قال أبو عبد الله بن شرف في معنى بيت النابغة:\rولا تعتب على نقص الطباع أخا ... فإنَ بدر الدجى لم يعط تكميلا\rو قال لبيد:\rذهب الذين يعاش في أكنافهم ... و بقيت في خلف كجلد الأجربِ\rو قال أبن شرف في معناه:\rكم خانني الدهر في أوفى الورى فمضى ... به وخلف مرذولا فمرذولا\rو قال الآخر:\rألا إنّما الدنيا غضارة أيكة ... إذا اخضر منها جانب جف جانبُ\rالغضارة: الطين اللازب الأخضر وتطلق أيضاً على الخصب والنعمة.\rوقال أبن شرف في معنى البيت:\rولم يزل ثمر الدنيا لقاطفه ... رطبا ويبسا وماجوجا ومعسولا\rو قال الآخر:\rوإنَّ امرئ قد سار تسعين حجة ... على منهلٍ من ورده لقريبُ\rو قال الآخر:\rوأجرا من رأيت بظهر غيب ... على عيب الرجال ذوو العيوبِ\rو قال أبن شرف في معناه:\rولم تجد قط عيابا ومفتخرا ... إلاّ على العيب والعوراء مجبولا\rو قيل للأحنف بن قيس: دلني على رجل كثير العيوب! فقال: اطلبه عيابا فانه لا يعيب الناس إلاّ بفضل ما فيه! وقال امروء القيس:\rوانك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب\rو في البيت مثلان سيأتيان إن شاء الله تعالى. ومثله أبي تمام:","part":1,"page":93},{"id":94,"text":"وضعيفة فإذا أصابت قدرة ... قتلت: كذلك قدرة الضعفاء\rو قال الآخر:\rراحت مشرقة ورحت مغرباً: ... شتان بين مشرق ومغرب!\rو مثله ما انشد الأصمعي من قول الشاعر:\rأذكرك مجالس بني أسد ... بعدوان فنحن إليهم القلب\rالشرق منزلهم ومنزلنا ... غرب: وأين الشرق والغرب؟\rمن كل أبيض جل زينته ... مسك أحم وصارم عضب\rمدجج يدعى بشكته ... و عقيره بفنائه تحبو\rو قال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي:\rالسيف أصدق أنباءً من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب\rبيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب\rوالعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين في السبعة الشهب\rو قال أيضاً:\rإذا المرء لم يستخلص الحزم نفسه ... فذروته للحادثات وغاربه\rأعذلتنا ما أخشن الليل مركبا ... و أخشن منه في الملمات راكبه\rدعيني وأهوال الزمان أفانها ... فأهواله العظمى تليها رغائبه\rفإن نحن الحسام الهندواني إنّما ... خشونته ما لم تفلل مضاربه\rو قال:\rلأمر عليهم أنَّ تتم صدوره ... و ليس عليهم أن تتم عواقبه\rو قال أيضاً:\rسلي هل عمرت القفر وهو سباسب ... و أدرت ربعي من ركابي سباسبا\rوغربت حتى لم أجد ذكر مشرقٍ ... و شرقت حتى قد نسيت المغاربا\rخطوب إذا لاقيتهم رددني ... جريحا كأني قد لقيت الكتائبا\rومن لم يسلم للذنوب أصبحت ... خلائقه طراً عليه نوائبا\rوقد يكهم السيف المسمى منية ... و قد يرجع المرء المظفر خائبا\rفآفة ذا ألا يصادف مضربا ... و آفة ذا ألا يصادف ضاربا\rو قال أيضاً:\rكانت لنا ملعب نلهو بزخرفه ... و قد ينفس عن جد الفتى اللعب\rوعاذل هاج لي بالعذل مأربة ... باتت عليه هموم الصدر تصطخب\rلمّا أطال ارتجال العذل قلت له: ... الحزم يثني خطوب الدهر لا الخطب\rو قال:\rمالي أرى جلبا فعما وليست أرى ... سوقا ومالي أرى سوقا ولا جلب؟\rأرض بها عشب جرف وليس بها ... ماء وأخرى بها ماء ولا عشب\rو قال أيضاً في أبي دلف:\rيرى اقبح الأشياء أوبة آملٍ ... كسته يد المأمول حلة خائب\rوأحسن من نور تفتحه الصبا ... بياض العطايا في سواد المآرب\rوقال:\rولو كان يفني الشعر أفناه ما قرت ... حياضك منه في العصور الذواهب\rولكنه صوب العقول إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب\rوقال أيضاً:\rوما الأسد الضرغام يوما بعاكسٍ ... ريمته إن أن أو بصبص الكلب\rوقال أيضاً:\rلو رأى الله أنَّ للشبيب فضلا ... جاورته الأبرار في الخلد شيبا\rوقال أيضاً:\rوالحظ يعطاه غير طالبه ... و يحز الدر غير محتلبه\rوقال أيضاً:\rفاض اللئام وغاضت الاحساب ... و اجتثت العلياء والآداب\rفكأن يوم البعث فاجأهم فلا ... أنسب بينهم ولا أسباب\rوقال:\rما إن سمعت ولا أراني سامعا ... أبداً بصحراء عليها باب\rمن كل مفقود الحياء فوجه ... من غير بواب له بواب\rما زال وسواسي لعقلي خادعا ... حتى رجا مطرا وليس سحاب\rما كنت ادري لا دريت بأنه ... يجري بأفنية البيوت سراب\rو قال أيضاً يهجو يوسف السراج:\rسمعت بكل داهية نآد ... و لم اسمع بسراج أديب\rأما لو إنَّ جهلك عاد علما ... إذا لنفذت في علم الغيوب\rومالك بالغريب يد ولكن ... تعاطيك الغريب من الغريب\rفلو نشر المقابر عن زهير ... لصرح بالعويل وبالنحيب\rمتى كانت قوافيه عيالا ... على تسفير بقراط الطبيب؟\rو قال أيضاً:\rهو الدهر لا يشوي وهن المصائب ... و اكثر آمال الرجال كواذب\rو قال:\rوقلت: أخي قالوا: أخ ذو قرابة ... فقلت لهم: إنَّ الشكول اقرب\rنسيبي في عزمي ورأيي ومذهبي ... و إنَّ باعدتنا في الأصول المناسب\rو قال:\rعلى إنّها الأيام قد صرن كلها ... عجائب حتى ليس فيها عجائب\rو قال أيضاً:\rإنَّ ريب الزمان يحسن إنَّ يهدي ... الرزايا إلى ذوي الاحساب","part":1,"page":94},{"id":95,"text":"فلهذا يجف بعد اخضرار ... قبل روض الوهاد روض الروابي\rو قال أيضاً:\rومن يكن طيبا فلا عجب ... إنَّ يأكل الناس من أطيابه\rو قال أيضاً:\rغير مستأنس بشيء إذا غبت ... سوى ذكرك الذي لا يغيب\rأنت دون الجلاس انسي وإنَّ كنت ... بعيدا فالأنس منك قريب\rو قال أيضاً:\rلعمر مع الرمضاء والنار تلتظي ... ارق وأحفى منك في ساعة الكرب\rمتى ابتغي النصف من قلب صاحب ... إذا لم يكن قلبي شفيقا على قلب\rو قال أيضاً يعاتب أبا دلف:\rأقمت شهورا في فنائك خمسة ... لقى حيث لا تهمي علي جنوب\rفإنَ نلت ما أملت فيك فإنني ... جدير وإلاّ فالرحيل قادب\rو قال أيضاً:\rيا أيها الملك النائي برؤيته ... وجوده لمراعي جوده كثب\rليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إنَّ السماء ترجى حين تحتجب\rو قال أيضاً:\rلعمرك لليأس غير المريب ... خير من الطعم الكاذب\rوللريث تحفزه بالنجاح ... خير من الأمل الخائب\rو قال أيضاً يصف غيثا:\rلم أر عيرا جمة الدؤوب ... تواصل التهجير بالنأويب\rابعد من أين ومن لغوب ... منها غداة الشار والمهضوب\rنجائب ولين من نجيب ... شبائه الأعناق بالعجوب\rكالليل أو كاللوب أو كالنوب ... منقادة لعارض غريب\rكالشمعة التفت على النقيب ... آخذة بطاعة الجنوب\rناقصة لمرر الخطوب ... تكف غرب الزمان العصيب\rمحاءة للأزمة اللزوب ... محو استلام الركن للذنوب\rلمّا دنت الأرض من قريب ... تشوفت لوبلها السكوب\rتشوف المريض للطبيب ... و طرب المحب للحبيب\rوفرحة الأديب بالأديب ... و خيمت صادقة الشؤبوب\rوقالم فيها الرعد كالخطيب ... و حنت الريح حنين النيب\rفالشمس ذات حاجب محجوب ... قد أغربت من غير ما غروب\rوالأرض في ردائها القشيب ... في زاهر من نبتها رطيب\rبعد اشتهاب الثلج والضريب ... كالكهل بعد السن والتنحيب\rتبدل الشباب بالمشيب ... كم أنست من جانب غريب\rوغلبت من الثرى المغلوب ... و نفست من بأرض مكرب\rوسكنت من نافر الجبوب ... و أقنعت من بلد رغيب\rيحفظ عهد الغيث بالمغيب ... لذيذة الريق والصبيب\rكأنها تهفي على القلوب.\rوتقدم استيفاء هذا المعنى في الباب الأول.\rوقال أيضاً:\rالصبر كاس وبطن الكف عارية ... و العقل عار إذا لم يكس بالنشب\rوما أضيع العقل إنَّ لم يرع ضيعته ... و فر وأي رحى دارت بلا قطب\rو قال:\rبأي وخد قلاص واجتناب فلا ... إدراك رزق إذا ما كان في هرب\rو قال:\rإذا قصدت لشلو خلت إني قد ... أدركته ادركتني حرفة الأدب\rو إنّما قال ذلك لمّا يزعم من إنَّ حرفة الأدب مشؤومة حليفة الفقر حتى قال قائلهم:\rالضب والنون قد يرجى اجتماعهما ... و لا يرجى اجتماع المال والأدب\rو ستأتي في هذا الباب حكايات ظريفة في هذا المعنى للأدباء.\rوقال أيضاً:\rإنَّ الأسود اسود الغاب همتها ... يوم الكريهة في المسلوب السلب\rو كانوا يرون الفضيلة عند اللقاء إنّما هي في الاهتمام بضرب الهام دون جمع الحطام. ومنه قول عنترة:\rهلا سألت القوم يا أبنت معبد ... إنَّ كنت جاهل بما لم تعلم\rإذ لا أزال على رحالت سابح ... نهد تعاوره الكماة معلم\rطورا يعرض للطعان وتارة ... يأوي إلى حصد القسي عرمرم\rيخبرك من شهد الوقيعة إنني ... أغشى الوغى واعف عند المغنم\rو هذا المعنى هو الذي نبه عليه الأول وأوضحه. وقد أكثر الشعراء في هذا المعنى. ولمّا سيق إلى المعتصم المازيار أسيرا فأمر بصلبه قال له: من علي ولك أموال جليلة الخطر! فأبى وانشد:\rإنَّ الأسود اسود الغاب همتها ... يوم الكريهة في المسلوب السلب\rو قال أيضاً:\rإذا ما شبت حسن الدين ... منك بصالح الأدب\rفمن شئت كن فلقد ... فلجت بأكرم النسب\rفنفسك قط أصلحها ... و دعني من قديم آب\rاصله قوله تعالى: إنَّ أكرمكم عند الله اتقاكم. وقال أبو الطيب:","part":1,"page":95},{"id":96,"text":"ومن سر أهل الأرض ثم بكى أسى ... بكى بعيون سرها وقلوب\rو قال:\rوقد فارق الناس الأحبة قبلنا ... و أعيى دواء الموت كل طبيب\rسبقنا إلى الدنيا فلو عاش أهلها ... منعنا بها من جيئة وذهوب\rتملكها الآتي تملك سالب ... و فارقها الماضي قراق سليب\rولا فضل فيها للشجاعة والندى ... و صبر الفتى لولا لقاء شعوب\rوأوفى حياة الغابرين لصاحب ... حياة امرئ خانته بعد مشيب\rو قال:\rوما كل وجهٍ أبيضٍ بمباركٍ ... ولا كل جفنٍ ضيقٍ بنجيبِ\rو قال:\rكأنَّ الردى عادٍ على كل ماجدٍ ... إذا لم يعوذ مجده بعيوبِ\rوأولا أيادي الدهر في الجمع بيننا ... غفلنا فلم نشعر له بذنوبِ\rوللتركُ للاحسان خيرٌ لمحسنِ ... إذا جعل الإحسان غير ربيبِ\rو قلا:\rفربَّ كئيبٍ ليس تندى جفونه ... و رب كثير الدمع غير كئيبِ\rو قال:\rإذا استقبلت نفس الكريم مصابها ... بخبثٍ ثنت فاستدبرته بطيبِ\rوللواحد المكروب من زفراته ... سكون عزاءٍ أو سكون لغوبِ\rو قال:\rوفي تعب من يحسد الشمس نورها ... و يجهد أن يأتي لها بضريبِ\rو قال أيضاً يمدح سيف الدولة:\rوكيف عرفنا رسم من يدع لنا ... فؤادا لعرفان الرسوم ولا لبا؟\rنزلنا عن الأوكار نمشي كرامةً ... لمن بان عنه أن نلم به ركبا\rو تمثل به أحد الفضلاء حيث أقبل على المدينة المشرفة على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام! وقال:\rومن صحب الدنيا طويلاً تقلبت ... على عينه حتى يرى صدقها كذبا\rو قال:\rومن تكن الأس الضواري جدوده ... يكن ليله صباحاً ومطعمه غصبا\rولست أبالي بعد إدراكي العلا ... أكان تراثا ما تناولت أم كسبا\rو قال:\rتهاب سيوف الهند وهي حدائد ... فكيف إذا كانت نزارية عربا؟\rويرهب ناب الليث والليث وحده ... فكيف إذا كان الليوث له صحبا؟\rويخشى عباب البحر وهو مكانه ... فكيف بمن يغشى البلاد إذا عبا؟\rو قال:\rأرى كلنا يبغي الحياة لنفسه ... حريصا عليها مستهاما بها صبا\rفحب الجبان النفس أورده التقى ... و حب الشجاع النفس اورده الحربا\rويختلف الرزقان والفعل واحدٌ ... إلى أن ترى إحسان هذا لذا ذنبا\rو قال أيضاً:\rوإن كان ذنبي كل ذنبٍ فانه ... محا الذنب كل المحو من جاء تائبا\rو قال أيضاً يستعطف سيف الدولة على بني كلاب:\rترفق أيها المولى عليهم ... فإنَ الرفق بالجاني عتابُ\rوانهم عبيدك حيث كانوا ... إذا تدعو لنائبة أجابوا\rو كأنه من قول أبن أبي عيينة:\rجلبنا الخيل من بغداد شعثا ... عرائس تحمل الأسد الغضابا\rبكل فتى أغر مُهلبي ... تخال بضوء صوته شهابا\rومن قحطان كل أخي حفاظٍ ... إذا يدعي لنائبةٍ أجابا\rو قال أيضاً:\rبأخوالي وأعمامي أقامت ... قريش ملكها وبها تهابُ\rمتى ما أذاع أخوالي لحربٍ ... و أعمامي لنائبةٍ أجابوا\rو قال:\rوعين المخطئين هم وليسوا ... بأول معشرٍ خطئوا فتابوا\rوكم ذنبٍ مولده دلال ... و كم بعد مولده اقترابُ\rوجرم جره سفهاء قوم ... و حل بغير جارمه العذابُ\rو قال:\rومن في كفه منهم قناة ... كمن في كفه منهم جضابُ\rو هو معنى قول الآخر:\rفلا يمنعك من أرب لحاهم ... سواءٌ ذو العمامة والخمارِ\rو قال أيضاً:\rوإن تكن تغلب الغلباء عنصرها ... فإنَ في الخمر معنى ليس في العنبِ\rو قال:\rفلا تنلك الليالي إنَّ أيديها ... إذا ضربن كسرن النبع بلالغربِ\rولا يعن عدواً أنت قاهره ... فإنهن يصدن الصقر بالخربِ\rوإن سررن بمحبوبٍ فجعن به ... و قد أتينك في الحالين بالعجبِ\rوربما احتسب الإحسان غايتها ... و فاجأته بأمر غير محتسبِ\rوما قضى أحد منها لبانته ... و لا انتهى أرب إلاّ إلى أربِ\rتخالف الناس حتى لا اتفاق لهم ... إلاّ على شجب والخلف في الشجبِ\rفقيل تخلص نفس المرء سالمة ... و قيل تشك جسم المرء في العطبِ","part":1,"page":96},{"id":97,"text":"ومن تفكر في الدنيا ومهجته ... أقامه الفكر بين العجز والتعبِ\rو قال أيضاً:\rومن ركب الثور بعد الجواد ... أنكر أظلافه والغبب\rو قال:\rويستنصران الذي يعبدان ... و عندهما أنه قد صلب\rويدفع ما ناله عنهما ... فيا للرجال لهذا العجب\rو قال أيضاً:\rلأي صروف الدهر فيه نعاتبُ ... و أي رزاياه بوترٍ نطالبُ؟\rو قال أيضاً:\rفالموت أعذر لي والصبر أجمل بي ... و البر أوسع والدنيا لمن غلبا\rو قوله: والدنيا لمن غلبا هو مثل مشهور ووقع في قول الآخر: والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا. وأنشد أبن الخطيب لبعض الأعراب:\rمن كان أبصر شيئا أو رأى عجبا ... فإنني عشت دهرا لا أرى عجبا\rالناس كالناس والأيام واحدٌ ... و الهر كالهر والدنيا لمن غلبا\rفلا أدري لأوارده فيه أبو الطيب أم أخذه منه وهو في بيت الأعرابي أقعد وبسياقه أنسب. وتمام البيت المذكور ما أنشده المصعب الزبيري في أنساب قريش لبعض الشعراء في معاوية بن يزيد وهو:\rإني أرى فتنة تغلي مراجلها ... فالملك بعد أبي ليلى لمن غلبا\rو أراد بابي ليلى معاوية بن يزيد المذكور وفيه يقول عبد الله بن همام السلولي:\rتلقفها يزيد عن أبيه ... فخذها يا معاوية عن يزيدا\rفإنَ دنياكم لكم اطمأنت ... فأولوا أهلها خلقا سديدا\rو قال أيضاً:\rأظمتني الدنيا فلما جئتها ... مستسقياً مطرت عليَّ مصائبا\rو قال في وصف علي بن المنصور:\rكالبدر من حيث التفت وجته ... يهدي إلى عينيك نوراً ثاقبا\rكالبحر يقذف للقريب جواهراً ... جودا ويبعث للبعيد سحائبا\rكالشمس في كبد السماء وضوءها ... يغشى البلاد مشارقاً ومغاربا\rو قال أيضاً:\rليس بالمنكر إن برزت سبقاً ... غير مدفوعٍ عن السيف الغرابُ\rو قال أيضاً:\rإذا لم تكن نفس النسيب كأصله ... فماذا الذي تغني كرام المناصب؟\rوما قريب أشباه قومٍ أباعدٍ ... و لا بعدت أشباه قومٍ أقاربِ\rإذا علوي لم يكن مثل طاهر ... فما هو إلاّ حجةٌ للنواصبِ\rو قال أيضاً:\rما أوجه الحضر المستحسنات به ... كأوجه البدويات الرعابيب\rحسن الحضارة مجلوب بتطرية ... و في البداوة حسن غير مجلوب\rو قال:\rأفدى ظباء فلاة ما عرفن بها ... مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب\rولا برزن من الحمام مائلة ... أوراكهن صقيلات العراقيب\rو قال:\rفما الحادثة من حلم بمانعة ... قد يوجد الحلم في الشبان والشيب\rو قال أيضاً:\rوكم لظلام الليل عندك من يد ... تخبر إنَّ المانوية تكذب\rوقاك ردى الأعداء تسري إليهم ... وزارك فيه ذو الدلال المحجب\rو قال:\rوما الخيل إلاّ كل الصديق قليلة ... و إنَّ كثرت في عين من لا يجرب\rإذا لم تشاهد غير حسن شياتها ... و أعضائها فالحسن عندك مغيب\rلحا الله ذي الدنيا منخا لراكب ... فكل بعيد الهم فيها معذب\rإلاّ ليت شعري هل أقول قصيدة ... فلا اشتكي فيها ولا اتعب\rو قال يخاطب كافورا:\rوهبت على مقدار كفي زماننا ... و نفسي على مقدار كفيك تطلب\rو قال:\rيضاحك في ذا العيد كل حبيبه ... حذائي وابكي من احب واندب\rاحن إلى أهلي وأهوى لقائهم ... و أين من المشتاق عنقاء مغرب\rو قال:\rكل امرئ يولي الجميل محبب ... و كل مكان ينبت العز طيب\rو قال:\rواظلم أهل الظلم من بات حاسدا ... لمن بات في نعمائه يتقلب\rقال صاحب الرسالة الحكيمة وهو قول ارسطوطاليس: اقبح الظلم حسدك لعبدك ومن تنعم عليه. قلت: وهو غلط. إنَّ كانت رواية هذه الحكمة هكذا فإنَ أبا الطيب إنّما أراد عكسها وهو إنَّ اقبح الظلم إنَّ يحسدك من تنعم عليه وتحسن إليه بدليل سياق كلامه.\rوقال:\rوقد يترك النفس التي لا تهابه ... و يحترم النفس التي تتهيب\rو قال أيضاً:\rوما العشق إلاّ غرة وطماعة ... يعرض كل نفس فتصاب\rو قال:\rاعز مكان في الدنيا سرج سابح ... و خير جليس في الزمان كتاب\rو قال يخاطب كافورا:","part":1,"page":97},{"id":98,"text":"وهل نافعي إنَّ ترفع الحجب بيننا ... و دون الذي أملت منك حجاب\rو قال:\rوفي نفسي حاجات وفيك فطانة ... سكوتي جواب عندها وخطاب\rوما أنا بالباغي على الحب رشوة ... ضعيف هوى يبغي عليه ثواب\rو قال يخاطبه:\rإذا نلت منك الود فالمال هين ... و كل الذي فوق التراب تراب\rو ينشد العارفون رضوان الله عليهم والخطاب للملك الحق هكذا:\rفليتك تحلو والحياة مريرة ... و ليتك ترضى والأنام غضاب\rوليت الذي بيني وبينك عامر ... و بيني وبين العالمين خراب\rإذا صح منك الود فالكل هين ... و كل الذي فوق التراب تراب\rو اذكرني هذا المعنى حكاية عن الأصمعي قال: بينما أنا أسير في طريق اليمن إذا أنا بغلام واقف في الطريق في اذنيه قراط في كل جوهرة يضيء وجهه من ضوء الجوهرة وهو ربه بأبيات من الشعر وهي:\rيا فاطر الخلق البديع وكافلا ... رزق جميع سحاب جودك هاطل\rيا مسبغ البر الجزيل ومسبل ... الستر الجميل عميم طولك طائل\rيا عالم السر الخفي ومنجز ... الوعد الوفي قصاء حكمك عادل\rعظمت صفاتك يا عظيم فجل إنَّ ... يحصى الثناء عليك فيها قائل\rالذنب أنت له بمنكب غافر ... و لتوبة العاصي بحلمك قابل\rتعصيه وهو يسوق نحوك دائما ... مالا تكون لبعضه تستأهل\rمتصدق أبداً وأنت لجوده ... بقبائح العصيان منك تقابل\rوإذا دجى ليل الخطوب وأظلمت ... سبل الخلاص وخاب فيه الأمل\rوايست من وجه النجاة فما لها ... سبب وما يدنو بها متناول\rيأتيك من الطافه الفرج الذي ... لم تحتسبه وأنت عنه غافل\rيا موجد الأشياء من القي إلى ... أبواب غيرك فهو غر جاهل\rومن استراح بغير ذكرك أو رجا ... أحدا سواك فذاك ظل زائل\rرأي يلم إذا عرته ملمة ... بسوى جنابك فهو رأي فائل\rعمل أريد به سواك فأنه ... عمل وإن زعم المرائي باطل\rوإذا رضيت فكل شيء هين ... و إذا حصلت فكل شيء حاصل\rأنا عبد سوء ابق كل على ... مولاه أوزار الكبائر حامل\rقد أثقلت ظهري الذنوب وسودت ... صحفي العيوب وستر عفوك شامل\rها قد أتيتك حسن ظني شافع ... و وسائلي ندم ودمع سائل\rفأغفر لعبدك ما مضى وارزقه تو ... فيقا لمّا ترضى ففضلك كامل\rفافعل به ما أنت أهل جميله ... و الظن كل الظن انك فاعل\rقال: فدنوت منه وسلمت عليه فقال: ما أنا براد عليك حتى تؤدي من حقي الذي يجب عليك. قلت: وما حقك؟ قال: أنا غلام على دين إبراهيم الخليل عليه السلام لا أتغدى كل يوم ولا أتعشى حتى أسير الميل والميلين في طلب الضيف. فأجبته فرحب بي وسرت معه حتى وافينا الخيمة فصاح: يا أختاه فأجابته جارية من الخيمة: يا لبيكاه! فقال: قومي إلى ضيفنا فقالت الجارية: حتى ابدأ بشكر المولى الذي ساقه إلينا. فصليت ركعتين لله تعالى. قال: فأدخلني الشاب الخيمة وأجلسني وأخذ شفرة فقام إلى عناق فذبحها. قال: فلما جلست في الخيمة نظرت إلى الجارية فإذا هي احسن الناس وجها. فكنت اسارقها النظر ثم فطنت لي فقالت لي: مم! أنا علمت انه نقل عن صاحب طيبة عليه الصلاة والسلام إنّه قال: زنى العينين النظر. أما إني ما أردت بهذا إنَّ أوبخك ولكني أردت أن أؤدبك لئلا تعود إلى مثل هذا. فلما كان النوم بت أنا والغلام خارج الخيمة وباتت الجارية داخلها. فكنت اسمع دوي القرآن إلى السحر بأحسن صوت وارقه. ثم سمعت أبيات من الشعر بأعذب لفظ وأشجى نغمة وهي:\rأبى الحب أن يخفى وكم قد كتمته ... فأصبح عندي قد أناخ وطنبا\rإذا اشتد شوقي هام قلبي بذكره ... و إن رمت قربا من حبيبي تقربا\rويبدو فأفنى ثم أحيا به له ... و يسعدني حتى ألذ واطربا\rفلما أصبحت قلت للغلام: صوت من سمعت؟ قال صوت أختي وذلك دأبها كل ليلة. فقلت: أنت أحق بهذا منها إذ أنت رجل وهي امرأة. فتبسم ثم قال: أما علمت إنّه موفق ومخذول ومقرب ومبعد؟ فودعتها وانصرفت. ولا يخفى إنَّ محل الاستشهاد قوله:\rوإذا رضيت فكل شيء هين ... و إذا حصلت فكل شيء حاصل\rو هذا الشعر يتمثل به الصوفية كثيرا. وقال أيضاً:","part":1,"page":98},{"id":99,"text":"وما يشق على الكلب ... أن يكون أبن كلبة\rو قال أيضاً:\rلابد للإنسان من ضجعة ... لا تقلب المضجع على جنبه\rينسى بها ما مر من عجبه ... و ما أذاق الموت من ركبه\rنحن بنو الموتى فما بالنا ... نعاف ما لا بد من شربه؟\rتبخل أيدينا بأرواحنا ... على زمن هي من كسبه\rفهذه الأرواح من جوه ... و هذه الأجسام من تربه\rلو فكر العاشق في منتهى ... حسن الذي يسبيه لم يسبه\rو هو معنى قول ارسطوطاليس: النظر في عواقب الأشياء يزهد في حقائقها والعشق عمى النفس عن درك رؤية المعشوق. والذي قبله هو معنى قوله أيضاً: اللطائف سماوية والكثائف أرضية وكل عنصر عائد إلى عنصره الأول.\rوقال:\rيموت راعي الضأن في جهله ... موتة جالينوس في طبه\rو نحوه قول بعضهم في أبن سينا:\rوكان أبن سينا يداوي الرجال ... و في السجن مات أخس الممات\rفلم يشف ما قاله في الشفا ... و لم ينج ما قاله بالنجات\rو قال:\rوغاية اللمفرط في سلمه ... كغاية المفرط في حربه\rو هو قريب من قول ارسطوطاليس: آخر افراط التوقي أوّل موارد الحذر.\rوقال:\rيدخل صبر المرء من مدحه ... و يدخل الإشفاق في ثلبه\rولم اقل مثلك اعني به ... سواك يا فردا بلا مشبه\rو قال أيضاً:\rإذا اكتسب الإنسان من هن عرسه ... فيل لؤم إنسان ويا لؤم مكسب\rو قال الحماسي سعد بن ناشب:\rسأغسل عني العار بالسيف جالبا ... علي قضاء الله ما كان جالب\rواذهل عن داري وأجعل هدمها ... لعرضي من ياقي المذلة حاجب\rويصغر في عيني تلادي إذا انثنت ... يميني بإدراك الذي كنت طالب\rو قال:\rإذا هم ألقى بين عينيه عزمه ... و نكب عن ذكر العواقب جانبا\rولم يستشر في أمره غير نفسه ... و لم يرض إلاّ قائم السيف صاحبا\rو قال موسى أبن جابر:\rلا اشتهي يا قوم إلاّ كارها ... باب الأمير ولا دفاع الحاجب\rومن الرجال أسنة مذروبة ... و مزندون شهودهم كالغائب\rمنهم ليوث ما ترام وبعضهم ... مما قمشت وضم حبل الحاطب\rوقال بعض بني مازن:\rوما قتل جار غائب عن نصيره ... لطالب أوتار بمسلك مطلب\rو قال:\rوقد ذقتمونا مرة بعد مرة ... و علم بيان الأمر عند المجرب\rو قال القتال الكلابي:\rنعرض للطعان إذا التقينا ... وجوها لا تعرض للسباب\rو مثله قول الهمداني:\rلقد علمت نسوان همدان إنني ... لهن غداة الروع غير خذول\rوابذل الهيجاء وجهي وأنني ... له في سوى الهيجاء غير بذول\rو من هذا قول أبي مخزوم النهشلي الدارمي من شعراء الحماسة:\rأنا لنرخص يوم الروع أنفسنا ... و لو نسام بها في الأمن اغلينا\rو قال بعض الفقعسيين:\rرأيت بني عمي إلاّ لي يخذلونني ... على حدثان الدهر إذ يتقلب\rفهلا أعدوني لمثلي تفاقدوا ... و في الأرض مبثوقا شجاع وعقرب\rو قال:\rكأنهم لم تسبق من الليل ليلة ... إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب\rو قال ربيعة بن مقروم الضبي:\rإذا ما المرء لم يحببك إلاّ ... مغالبا نفسه سئم الغلابا\rومن لا يعط إلاّ في عتاب ... يخاف يدع به الناس العتابا\rأخوك أخوك من يدنو وترجو ... مودته وإن دعي استجابا\rإذا حاربت حارب من تعادي ... و زاد سلاحه منك اقترابا\rيواسي في كريهته أخاه ... إذا ما مضلع الحدثان نابا\rو قال قراد بن عتاب الحماسي أيضاً:\rإذا المرء لم تغضب له حين يغضب ... فوارس إن قيل اركبوا الموت يركبون\rولم يحبه بالنصر قوم اعزه ... مقاحيم في الأمر الذي يتهيب\rتهضمه أدنى العدو ولم يزل ... و إنَّ كان عضا بالظلامة يضرب\rالمقاحيم جمع مقحام وهو المقتحم في الأمور الجريء عليها ويتهيب يتخوف وتهضمه تنقصه وأدنى العدو اخسهم والعض بالكسر الرجل الداهية كما تقدم في الهمزة والظلامة الظلم. أي لا يزال يضرب أي يقابل ويرمي بالظلم وإن كان عضا إذا لم يكن له أنصار.\rوقال الاخنس بن شهاب:\rإذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى القوم الذين نضارب","part":1,"page":99},{"id":100,"text":"يقول: إذا ضاق مجال الحرب عن مضاربة الأقران بالسيوف خطونا إليهم وأقدمنا عليهم جرأة حتى نصل إليهم فنضربهم.\rومثله قول الآخر:\rنصل السيوف إذا قصرن بخطونا ... قدمنا ونلحقها إذا لم تلحق\rو قال محمد بن بشير:\rوكل امرئ يوما سيركب كارها ... على النعش أعناق العدى والأقارب\rو قال نهشل الدارسي:\rوهون وجدي عن خليلي أنني ... إذا شئت لاقيت امرؤا مات صاحبه\rومن ير بالأقوام يوما يروا به ... معرة قوم لا توارى كواكبه\rو مثل بيته الأول قول الخنساء:\rلولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي\rو قال الغطمش الضبي:\rإلاّ رب من يغتابني ود إنني ... أبوه الذي يعزى إليه وينسب\rعلى رشدة من أمه ولغية ... فيغلبها فحل على النسل منجب\rفبالخير لا بالشر فارج مودتي ... و أي امرئ يغتال منه الترهب؟\rأقول وقد فاضت من العين عبرة ... أرى الأرض تبقى والإخلاء تذهب\rاخلاي لو غير الحمام أصابهم ... عتبنا ولكن ما على الدهر معتب\rالرشدة: النكاح والغية: الزنى. ويقال: انجب الرجل إذا ولد نجيبا.\rوقال الحكم بن عبدل الأسدي:\rاطلب ما يطلب الكريم من ... الرزق لنفسي واجمل الطلبا\rواحلب الثرة الصفي ولا ... اجهد إخلاف غيرها حلبا\rإني رأيت الفتى الكريم إذا ... رغبته في صنيعة رغبا\rوالعبد لا يطلب العلاء ولا يعطيك شيئا إلاّ إذا رهبا\rمثل الحمار الموقع السوء لا ... يحسن مشيا إلاّ إذا ضربا\rولم أجد الخلائق إلاّ ... الدين لمّا اعتبرت والحسبا\rقد يرزق الخافض المقيم وما ... شد بعنس رحلا ولا قتبا\rويحرم المال ذو المطية ... و الرحل ومن لا يزال مغتربا\rالثرة: الناقة الغزيرة اللبن ومثلها الصفين ولذا وصفها بها. والإخلاف جمع خلف وهو حلمة الضرع. يقول: إني احلب الكثيرة الدر وآخذ منه عفوا ولا اجهد غيرها لاستخراج النزر واستنزل العسير وهذا تمثيل. والمراد إني اجمل في الطلب ولا أكد نفسي في استحصال الرزق علما مني بان ما قدر من الرزق ألي واصل وما قسم لا محالة حاصل.\rوقالت أم ثواب الهزانية في أبن لها عاق:\rربيته وهو مثل الفرخ أعظمه ... أم الطعام ترى في ريشه زغبا\rحتى إذا آض كالفحل شذبه ... آباره ونفى عن متنه الكربا\rانشا يمزق أثوابي ويضربني ... ابعد شيبى عندي يبتغي الأدبا؟\rأم الطعام: الحوصلة والفحال: ذكر النحل وهي أطولها وتشذيبه: تجريده وتنقيته من فضول الشوك والسعف وبذلك يطول في السماء والكرب: أصول السعف تبقى متصلة بالجذع.\rوقال حاتم:\rوما أنا بالساعي بفضل زمامها ... لتشرب ماء الحوض قبل الركائب\rوما أنا بالطاوي حقيبة رحلها ... لابعثها خفا واترك صاحبي\rإذا كنت ربا للقلوص فلا تدع ... رفيقك يمشي خلفا غير راكب\rو قال الاحوص وقد ضرب بنو عم له مولاه:\rلئن كنت لا ارمي وترمي كنانتي ... تصب جانحات النبل كحشي ومنكبي\rو هو مثل اصله إنَّ رجلا رمى آخر متقلد كنانة فقال له المرمي: ما هذا؟ فقال له: لم أرمك إنّما رميت كنانتك. فيضرب مثلا لمن نيل وليه بسوء.\rوقال أبو النشناش:\rإذا المرء لم يسرح سواما ولم يرح ... سواما ولم تعطف عليه أقاربه\rفللموت خير للفتى من قعوده ... عديما ومن مولى تدب عقاربه\rو قال:\rفلم أر مثل الهم ضاجعه الفتى ... و لا كسواد الليل أخفقت صاحبه\rفعش معدوما أو مت كريما فإنني ... أرى الموت لا ينجو من الموت هاربه\rو قال قيس بن المغيرة:\rجفاني الأمير والمغيرة بعده ... و أمسى يزيد لي قد ازور جانبيه\rكلهم قد نال شبعا لبطنه ... و شبع الفتى لؤم إذا جاع صاحبه\rو تقدم هذا الشعر وقصته قبل.\rوقال بعض بني أسد:\rوما أنا بالنكس الدني ولا الذي ... إذا صدعني ذو المودة احرب\rولكنني إن دام دمت وإن يكن ... له مذنب عني فلي عنه مذنب\rإلاّ إنَّ خير الود ود تطوعت ... به النفس لا ود آتى وهو متعب","part":1,"page":100},{"id":101,"text":"و معنى احرب اغضب ومعنى إن دمت دام أي إن دمت فقد دام إذ لو لم يدم ما دمت بديل ما بعده وإن شئت جعلته في القلب. وتقدم هذا المعنى مستوفى.\rوقال خالد بن نضلة الأسدي:\rلعمري لرهط المرء خير بقية ... عليه وإنَّ عالوا به كل مركب\rمن الأبعد النائي وإن كان ذاغني ... جزيل ولم يخبرك مثل مجرب\rإذا كنت في قوم عدى لست منهم ... فكل ما علفت من خبيث وطيب\rوإن حدثتك النفس انك قادر ... على ما حوت أيدي الرجال فكذب\rو تقدم في الاغتراب ولزوم الأوطان من الشعر ما لا بد منه.\rوقال عبد الله بن الدمينة:\rوإني لأستحيك حتى كأنما ... علي بظهر الغيب منك رقيب\rو قال قيس بن ذريح:\rوكل مصيبات الزمان وجدتها ... سمى فرقة الأحبة هينة الخطب\rو قال اياس بن الارت:\rإذا ما تراخت ساعة فاجعلنها ... بخير فإن الدهر أعصل ذو شغب\rفإنَ يك خير أو يكن بعض راحة ... فانك لاق من غموم ومن كرب\rالأعصل: المعوج الملتوي، وأصل العصل اعوجاج في أنياب البعير إذا أسن؛ والشغب: الشر: وقال أيضاً:\rوما دهري بحب تراب أرضٍ ... و لكن من يحل بها حبيب\rوهو مثل قول قيس:\rوما حب الديار شغفن قلبي ... و لكن حب من سن الديارا\rو قال أبن مفرغ:\rيقولون: هل بعد الثلاثين ملعب؟ فقلت: وهل قبل الثلاثين ملعب؟\rلقد جل قدر الشيب إنَّ كان كلما ... بدت شيبة يعرى من اللهو مركب\rو سيأتي فصل في مدح الشيب ومذمة بعد إن شاء الله تعالى.\rوقال أبن ميادة:\rفو الله ما ادري أيبلغني الهوى ... إذا جد البين أم أنا غالبه\rفإن أستطع أغلب وإنَّ يغلب الهوى ... فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه\rو قال فرعان بن الأعرف في أبن له عاق ويسمى منازلا:\rجزت رحم بيني وبين منازلٍ ... جزاءاً كما يستنزل الدين طالبه\rلربيته حتى إذا أض شيظما ... يكاد يساوي غارب النخل غاربه\rوربيته حتى إذا ما تركته ... أخا القوم واستغنى عن المسح شاربه\rفلما رآني أحسب الشخص أشخصاً ... قريب وذا الشخص البعيد أقاربه\rتغمد حقي ظالما ولوى يدي ... و لوى يده الله الذي هو غالبه\rوكان له عندي إذا جاع أو بكى ... من الزاد أحلى زادنا وأطايبه\rوجمعتها دهما جلادا كأنها ... أشاء نخيل لم تقطع جوانبه\rفأخرجني منها سليبا كأنني ... حسام يمان فارقته مضاربه\rأيظلمني مالي ويحنث ألوتي؟ ... فسوف يلاقي ربه فيحاسبه\rالدهم: الإبل الوتر تضرب إلى السواد. والأشاء: صغار النخل، شبه بها الإبل في عظمها؛ والالوة: اليمين.\rفقال منازل ابنه يجيبه:\rوكنت كمن ولى بأمر كتيبة ... فعي بها فارفض عنه كتائبه\rوماذا من جرى عقوق تعده ... و لا خلق مني بدا أنت عائبه\rو يقول: انك أضررتني ففارقتك كمن تولى أمر جيش فأساء فيهم السيرة فتفرقوا عنه، وما ذاك مني من جرى عقوق، أي من أجله. ومن عجيب الاتفاق ما ذكر الشنتمري في شرحه على هذا المحل من الحماسة أنَّ منازلا هذا ولد له أبن يقال له خليع فعقه كما كان هو فعل بأبيه، فأستعدي إليه الوالي. فلما حضر ليضربه قال قائل للوالي: أتعرف أصلحك الله من هذا؟ قال: لا. قال: هذا منازل الذي يقول فيه أبوه، وانشد الأبيات السوابق.\rفقال الوالي: يا هذا:\rفلا تجز عن من سيرة أنت سرتها ... فأول راضٍ من يسيرها\rثم أمر بإطلاق ابنه خليع.","part":1,"page":101},{"id":102,"text":"وفي نواد العامة أنَّ رجلا كان له أبن، ولمّا أسن وعجز عن العمل أخذه ابنه ذاك وذهب به إلى الفلاة من الأرض، فطرحه تحت شجرة وتركه هناك حتى هلك. فلما كبر هذا الابن وبلغ مبلغ أبيه كان له أبن له وهو لا يعلم بالقصة، فأخذ أيضاً وذهب به إلى الفلاة وطرحه تحت شجرة كما فعل هو بابيه. فلما تولى عنه التفت إليه فرآه يبتسم. فتعجب من ذلك ورجع إليه وقال له: مم تضحك، وقد أيقنت بالهلاك؟ فقال له أبوه: والله ما ضحكت إلاّ إنني تذكرت ما فعلت بأبي، وقص عليه القصة. فقال الولد حينئذ: لئن أنا تركته حتى مات ليفعلن بي عقبي مثل هذا. فأذه ورده إلى بيته. ومثل هذا ما قيل في آخر الرؤوس المحمولة إلى الولاة التي أولاها رأس الحسين، جمع الله شمله في الفردوس الأعلى، وجمع أعداءه في مصب الحميم المغلى! والقصة مشهورة وستأتي. وقال الآخر:\rإنَّ يعلموا الخير وإنَّ علموا ... شراً أذيع وإنَّ لم يعلموا كذبوا\rو قال أبو مسلم الخراساني:\rمحا سيف اسطار البلاغة وانتحى ... عليك ليوث الغاب من كل جانب\rو كان أبو مسلم لمّا آثار على بني أمية كتب إليه مروان، وكاتبه إذ ذاك عبد الحميد، فلم يو شيئاً أطنب فيه عبد الحميد مثل ذلك الكتاب، حتى قيل إنَّ الكتاب من عظم جرمه حمل على بعير. فلم يلتفت أبو مسلم إلى ذلك وأجابهم بالبيت المذكور.\rوقال بعض الأعراب:\rإذا كان الطباع طبع سوءٍ فليس بنافع فيها الأديب\rحكى الأصمعي قال: دخلت البادية فأتيت على عجوز، فإذا بين يديها جرو ذئب مقطع وشاه مقتولة. فقالت: أتدري ما هذا؟ قلت: لا قالت: جرو ذئب أخذناه وأدخلناه في بيتنا. فلما كبر قتل شاتنا، وقلت في ذلك شعراً. قلت: ما هو؟ فأنشدت:\rبقرت شويهتي وفجعت قومي ... و أنت لشاتنا أبدا ربيب\rغذيت بدرها وربيت فينا ... فمن أنباك إنَّ أباك ذيب؟\rإذا كان الطباع البيت\rو قال الآخر:\rلا تمدحن امرءاً حتى تجربه ... و لا تذمنه من غير تجريب\rفرب خدن وإنَّ أبدى بشاشته ... يضحي على خدنه أعدى من الذيب\rو قال الآخر:\rوإنَّ مدحك من لم تلبه صلف ... و إنَّ مدحك بعد الذم تكذيب\rو قال الآخر:\rكل يوم قطيعة وعتاب ... ينقضي دهرنا ونحن غضاب\rليت شعري فهل خصصت بهذا ... أنا وحدي أم هكذا الأحباب؟\rو ما احسن قول بشار:\rإذا كنت في كل الأمور معاتباً ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه\rفعش واحداً أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرةٍ ومجانبه\rإذا أنت ليس تشرب مراراً على القذا ... ظمئت وأي الناس تصفوا مشاربه؟\rو قول الآخر:\rالبس الناس ما استطعت على ... النقض وإلاّ لم تستقم لك خله\rعش وحيداً إنَّ كنت لا تقبل العذر ... و إنَّ كنت لا تجاوز زله\rو تقدم هذا المعنى، ويأتي كلام مما يتعلق بالعتاب بعد إن شاء الله تعالى.\rوقال الأعشى: وهن شر غالب لمن غلب، يعني النساء. وزعموا إنّه ذهب يمتار لأهله في شهر رجب فهربت امرأته معاذة ناشزاً، ولاذت برجل عزيز قومه. فلما رجع الأعشى طلبها فتمنعت منه وأبى الذي لاذت به أنَّ يدفعها إليه وكان أعز منه. فأتى الأعشى النبي صلى الله عليه وسلم فأشتكى إليه وانشأ يقول:\rيا سيد الناس وديان العرب ... أشكو إليك ذربة من الذرب\rكذائبة الغبشاء في ظل السرب ... خرجت ابغيها الطعام في رجب\rفخلفتني بنزاع وهرب ... و قذفتني بين عيصٍ مؤتشب\rأخلفت الواعد ولطت بالذنب ... و هن شر غالب لمن غلب\rفقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: هن شر غالب لمن غلب فكتب له إنَّ ترد إليه. الذربة: السليطة اللسان؛ والعيص: أصل الشجرة؛ والمؤتشب: المتلف. وقوله: لطت بالذب به على فرجها فسدت به على نفسها وامتنعت من الفحل. وقال الآخر:\rاحب بلاد الله ما بين منعج ... إلي وسلمى إنَّ يصوب سحابها\rبلاد بها حل الشباب تمائمي ... و أوّل أرض مس جلدي ترابها\rذكر بعض الأدباء عن بعض أهل نصيبين قال: أتاني أبن الرومي بقصيدة التي يمدح بها سليمان بن عبد الله بن طاهر وقال: انصفني! أيّها احسن: قولي في الموطن:\rولي وطن أليت ألاّ أبيعه ... و ألا أرى غيري له الدهر مالكا","part":1,"page":102},{"id":103,"text":"عمرت به شرخ الشباب ونعمة ... كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا\rوحبب أوطان الرجال إليهم ... و مأرب قضاها الشباب هنالكا\rإذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا\rأم قول الأعرابي: احب بلاد الله الأبيات؟ قال. فقلت: بل قولك، لأنّه ذكر الوطن ومحبته، وأنت ذكرت العلة في ذلك.\rومثل هذا قول أبن الرومي أيضاً:\rبلد صحبت به الشبيبة والصبا ... و لبست ثوب العيش وهو جديد\rفإذا تمثل في الضمير رأيته ... و عليه أغصان الشباب تميد\rو مثله قول آخر:\rذكرت بلادي فاستهلت مدامعي ... يشوق إلى عهد الصبا المتقادم\rحننت إلى أرض بها اخضر جانبي ... و قطعتم عني فيها عقد التمائم\rو قال أبن غالب الرصافي:\rبلادي التي رشيت قويدمتي بها ... فريخا وآتوني قرارتها وكرا\rمبادئ لين العيش في ريق الصبا ... أبى الله إنَّ أنسى اغتراري بها غرا\rلبسنا بها ثوب الشباب لباسها ... و لكن عرينا من حلاه ولم نعرا\rو قال العسكري:\rإذا أنا لا أشتاق أرض عشيرتي ... فليس مكاني في النهى بمكين\rمن العاقل أن اشتاق أول منزل ... غنيت بخفض في ذراه ولين\rوروض رعاه بالأصائل ناظري ... و غصن ثناه بالغداه يميني\rوإني لا أنسى العهود إذا أتت ... بنات النوى دون الخليط ودوني\rإذا أنا لم أرع العهود على النوى ... فلست بمأمون ولا بأمين\rو قال رجاء بن هارون:\rاحن إلى وادي الأراك صبابة ... بعهد الصبا فيه وتذكار أول\rكأن نسيم الريح في جنباته ... نسيم حبيبٍ أو لقاء مؤملِ\rو مثل قول الأعرابي قول أبن ميادة:\rألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بحرة ليلى حيث ربينني أهلي\rبلاد بها نيطت عليَّ تمائمي ... و قطعن عني حيث أدركني عقلي\rو من الحنين إلى الوطن على الجملة قول الطائي:\rسقى الله أطلالاً بأخيلة الحمى ... و إن كنَّ قد أبدين للناس ما بيا\rمنازل لو مرت بهن جنازتي ... لقال صداي: حامليَّ انزل بيا\rوق الآخر:\rطيب الهواء ببغدادٍ يؤرقني ... شوقاً إليها وإن عاقت مقاديرُ\rفكيف أصبر عنها الآن إذ جمعت ... طيب الهوائين: ممدود ومقصورُ\rو قولي:\rسقى الله أطلالاً بأكثبة الحمى ... من العارض الهتان صوب عهاد\rبلاد بها حلت سليمى ودارها ... فحل فؤادي عنها وودادي\rوأني بها أسقيتها أو بكيتها ... هياما فما أسقيت غير فؤادي\rو ما أعلم أحدا سبقني إلى هذا المعنى مع تداول هذا الغرض بين الشعراء كثيرا. وسيأتي في أمثال الحنين إلى الوطن زيادة على ما ذكرنا. إن شاء الله تعالى.\rوقال راشد بن عبد ربه رضي الله عنه : لقد هان من بالت عليه الثعالب. وكان اسمه في الجاهلية غاوي بن عبد العزى، وكان سادن صبم لقومه بني سليم فبينما هو عنده ذات يوم إذ أقبل ثعلبان يشتدان حتى طلعا عليه فبالا عليه، فقال:\rأنَّ ربٌّ يبول الثعلبان برأسه؟ ... لقد هان من بالت عليه الثعالبُ؟","part":1,"page":103},{"id":104,"text":"ثم كسره وقال :يا معشر سليم، والله ما يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع! ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما اسمك؟ قال : غاوي بن عبد العزى. قال : بل أنت راشد بن عبد ربه، والثعلبان في البيت، بضم الثاء واللام، وهو ذكر الثعالب. هذا قول جماعة من اللغويين منهم الجوهري. وقال آخرون ومنهم صاحب القاموس: ذاك غلط، وإنّما هو بفتحهما على أنه تثنية ثعلب. وتمسكوا بالقصة السابقة وأنه أقبل ثعلبان وبالا معا على الصنم. وقال بعضهم: كان لرجل صنم وكان يأتي بالخبز والزبد فيضعه على رأسه ويقول أطعم! فجاء ثعلبان فأكلا الخبز والزبد. وقال آخرون: هذا خطأ في التفسير والرواية، وإنّما الحديث: فجاء ثعلبان وهو الذكر من الثعالب لا مثنى فأكل الخبز والزبد ثم فعل. فقام الرجل إلى الصنم فكسره وقال في ذلك شعره. قلت: والحق أنَّ القصة بعد صحتها على ما قال أهل التثنية من أنها ثعلبان لا تفيد أنَّ الواقع في البيت مثنى على التعيين إذ لا يلزم من وقوع البول من الثعلبين أن يذكرهما الشاعر، وإنّما المعول الرواية: فإنَ وردت بالإفراد كان حسنا وكان المقصود الجنس والنداء على هوان الصنم ببول الثعلب عليه لا شرح القصة. وإذا رد الأمر إلى النفس وجد فيها للفرد حلاوة، وعن التثنية كزازة والله أعلم.\rوقال الآخر:\rفقعدت كالمهريق فضلة مائه ... في ظل هاجرةٍ للمع سرابِ\rو مثله قول الآخر:\rوكنت كمهريق الذي في سقائه ... لرقراق آلٍ فوق رابيةٍ صلدِ\rو هذان البيتان يضمنا معنى المثل السابق في صاحب النعامة.\rوقال أبو الغريب:\rإنَّ اللئيم الأرس غير نازعٍ ... عن وذء جارة الغريب والجنب\rالأرس هو الأصل أي اللئيم الأصل والوذء: الشتم. والجنب: الأجنبي الغريب، وقال أعرابي:\rكلاب الناس أن فكرت فيهم ... أضر عليك من كلب الكلابِ\rلأن الكلب لا يؤذي صديقا ... و إنَّ صديق هذا في عذابِ\rويأتي حين يأتي في ثيابٍ ... و قد جزمت على رجلٍ مصابِ\rفأخزى الله أثوابا عليه ... و أخزى الله ما تحت الثيابِ\rو مثل هذا يحكى عن بعضهم قال : وجدت إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه أو غيره من نظرائه مضطجعا وعند رأسه كلب نائم. فأردت أن أقيم الكلب فقال: دعه فانه خيرٌ من جليس السوء.\rوقال الشيخ القطب العارف أبو محمد عبد القادر الجيلاني فيما ينسب إليه وكان ينشده على الكرسي:\rأنا بلبل الأفراح أملأ دوحها ... طرباً وفي العلياء بازٌ أشهبُ\rو قال الآخر:\rأتطلب صاحبا لا عيب فيه ... و أي الناس ليس له عيوبُ؟\rو تقدم نحو هذا قبل.\rوقال الآخر:\rإذا رمتم قتلي وأنتم أحبتي ... إذاً فالأعادي واحدٌ والحبائبُ\rو قال الآخر:\rإذا الخل لم يهجرك إلاّ ملامهً ... فليس له إلاّ الفراق عتابُ\rو قال الآخر:\rإذا أنت جازيت المسيء بفعله ... ففعلك من فعل المسيء قريبُ\rو قال الآخر:\rإذا الغضب لم يثمر وإن كان أصله ... من المثمرات اعتاده الناس للحطبِ\rو قال الآخر:\rإذا المرء لم يحببك إلاّ تكلفاً ... فذلك من أفعاله ما يغالبُ\rومثله قول الحماسي السابق:\rإذا ما المرء لم يحببك إلاّ ... مغالب نفسه سئم الغلابا\rوقال الآخر:\rإذا جفاني بنو الدنيا وضقت بهم ... طالعت كتبي ونادمت الألى ذهبوا\rو مثله قول الآخر:\rلنا جلساءٌ لا يمل حديثهم ... ألبَّاءُ مأمونون غيباً ومشهدا\rو قال علي بن الجهم:\rأعاتب ذا المروءة من صديق ... إذا ما رابني نته اجتنابُ\rإذا ذهب العتاب فليس ودٌ ... و يبقى الود ما بقي العتابُ\rو مثله من هذا الباب قول الآخر:\rأعاتب من أحببت في كل زلةٍ ... ليحتمي الأمر الذي معه العتبُ\rفإني أرى التأديب عند وجوبه ... بمنزلة الغيث الذي قبله الجدبُ\rو سيأتي في الحكم تمام هذا المعنى إن شاء الله تعالى.\rوقال الآخر:\rإذا شئت أن تلقي فزر متواترا ... و إن شئت أن تزداد حباً فزد غبا\rو سيأتي تمامه وقال الآخر:\rإذا عبت أمراً فلا تأته ... فذو اللب مجتنب ما يعيبُ\rو قال الآخر:\rإذا قلت للعذال: لست بعاشقٍ ... يقول لهم فيض المدامع: يكذبُ","part":1,"page":104},{"id":105,"text":"و قال الآخر:\rتعالوا نصطلح وتكون منا ... مصافاةٌ بلا عد الذنوبِ\rو قال الآخر:\rتقاربت الجسوم وأي نفعٍ ... يكون إذا تباعدت القلوبُ؟\rو قال الآخر:\rتكلفت لي هذا الوداد فلم يدم ... و كل ودادٍ بالتكلف يصعبُ\rو تقدم نحوه.\rوقال الآخر:\rتيهٌ بلا نسبٍ كبرٌ حسب ... فخرٌ بلا أدب هذا من العجبِ\rو قال الآخر:\rجهل الشريف يشين منصبه ... و أبن الوضيع يزينه أدبه\rو سيأتي تمام هذا المعنى.\rوقال الآخر:\rحبيبٌ غاب عن نظري وسمعي ... و لكن عن فؤادي ما يغيبُ\rو قال الآخر:\rطبع الفتى يسرق من طبع من ... يصحبه فانظر لمن تصحبُ\rو مثله قول المراكشي في أرجوزته في الطريق:\rأختر لصحبتك من أطاعا ... أنَّ الطباع تسرق الطباعا\rو قال الآخر:\rقد قنعنا منكم برد جواب ... دون إسعافنا بما في الكتابِ\rو قال الآخر:\rقد يلام البريء من غير ذنبٍ ... و يغطى على المريب ذنوبُ\rو قال الآخر:\rكأنك لم تتعب وإن كنت متعباً ... إذا أنت لاقيت الذي فيه تتعبُ\rو قال الآخر:\rكعصفورة في كف طفلٍ يسومها ... حياض المنايا وهو يلهو ويلعبُ\rو قال الآخر:\rكل امرئ لا بد يقضي نحبه ... إن كره الموت وإن أحبهُ\rو قال الآخر:\rكن للغريب إذا رأيت مساعداً ... فعساك يوماً أن تصير غريبُ\rو قال الآخر:\rلئن غاب عن إنسان عيني شخصه ... فما هو عن فكري وقلبي بغائبِ\rو قال الآخر:\rلحى الله دنيا ألجأتنا لمعسرٍ ... فراقهم أشهى الأمور إلى قلبي\rو قال الآخر:\rلحوم أهل العلم مسمومةٌ ... و من يعاديها سريع العطبِ\rو قال الآخر:\rليس الرزية في أيامن عجباً ... بل السلامة فيها أعجب العجبُ\rو مثله قول أبي بكر بن دريد:\rلا تعجبن من هالكٍ كيف هوى ... بل فاعجبن من سالمٍ كيف نجا\rو قال الآخر:\rليس التقي بمتقٍ في دينه ... حتى يطلب طعامه وشرابهُ\rو قال الآخر:\rليست الأحلام في حال الرضى ... إنّما الأحلام في حال الغضب\rو قال الآخر:\rليس يصفو إلاّ بقربك عيشي ... كيف لي أن تكون مني قريبا؟\rو قال الآخر:\rما أصعب الشيء ترجوه فتحرمه ... لا سيما بعد طول الجهد والتعبُ!\rو قال الآخر:\rما صاحبي من ودني حاضراً ... بل صاحبي من ودني غائبا\rو مثله قول الحماسي من هذا الباب:\rوليس أخي من ودني رأي عينه ... و لكن أخي من ودني وهو غائب\rو قال الآخر:\rما يفتح الله باب الرزق من أحدٍ ... إلاّ ويفتح غير الباب أبوابُ\rو قال الآخر:\rمتى تكن مع صديقٍ أو عدو ... تخبرك الوجوه عن القلوبِ\rو قال الآخر:\rمن الناس من يغشى الأباعد نفعه ... و يحرم منه صحبه وأقاربه\rو قال الآخر:\rمن ذم من كان كل الناس يحمده ... فإنما يربح التكذيب والكذبا\rو قال الآخر:\rمن عوَّد الناس إحساناً ومكرمةً ... لا يعتبنَّ على من لج في الطلبِ\rو قال الآخر:\rنحن ندعو الإله في كل كربٍ ... ثم ننساه عند كشف الحروبُ\rو قال الآخر:\rنفسك لا تعطيك كل الرضى ... فكيف ترجو ذاك من صاحبِ؟\rو قال الآخر:\rنوئاب هذا الدهر شتى وإنني ... أرى فرقة الأحباب أدهى النوائب\rو هو من قول قيس السابق. وقال الآخر:\rوأحزم الناس من لم يرتكب سببا ... حتى يدبرها يجني عواقبه\rوقال الآخر:\rوإذا الزمان كساك حلة معدمٍ ... فالبس له حلل النوى وتغرب\rوتقدم مع ما يشاكله. وقال الآخر:\rوإذا تصبك خصاصة فارج الغنى ... و إلى الذي يهب الرغائب فارغب\rوقال الآخر:\rواطلب قربي من حماكم وانتم ... إلى ناظري والقلب في غاية القرب\rو قال الآخر:\rوإنَّ كنت مسترعي ونحن رعية ... فكل سيلقى ربه فيحاسبه\rو قال الآخر:\rوانك إنَّ أهديت لي عيب صاحب ... امهدٍ إلى غيري جميع عيوبي\rو قال الآخر:\rوإني بكم في كل حالٍ لواثق ... و لكن سوء الظن من شدة الحب\rو قال الآخر:","part":1,"page":105},{"id":106,"text":"وبالناس عاش الناس قدما ولم يزل ... من الناس مرغوب إليه وراغب\rوقال الآخر:\rوتشتت الأعداء في آرائهم ... سبب لجمع خواطر الأحباب\rوقال الآخر:\rوخير عمر الفتى عمر يعيش به ... مقسم الحال بين الجد واللعب\rوقال الآخر:\rوعد العتاب إذا استربت بصاحب ... ليست تنال مودة بعتاب\rو قال الآخر:\rورث النجابة كابراً عن كابرٍ ... كالرمح أنبوبا على أنبوب\rو قال الآخر:\rوسائل: ما الملك؟ قيل: الغنى ... فقلت: لا بل راحة القلب\rو قال الآخر:\rوعهد المشيب كأني به ... يمر كما مر عصر الصبا\rو قال الآخر:\rوقد كنت لا أخشى مع الذنب جفوة ... و قد صرت أخشاها ومالي من ذنب\rو قال الآخر:\rوقد نثر التوديع من كل مقلةٍ ... على كل خد لؤلؤا لم يثقب\rو قال الآخر:\rوقطعت في الدنيا العلائق ليس لي ... ولد يموت ولا جدار يخرب\rو قال الآخر:\rوكنا نستطب إذا مرضنا ... فجاء الداء من قبل الطبيب\rو تقدم ما يشكل هذا في حرف الهمزة، فيمن يغص بالماء. وقال الآخر:\rوكنت أرى أنَّ التجاريب عدة ... فخانت ثقات الناس حتى التجارب\rو قال الآخر:\rولا خير في قربٍ لغيرك نفعه ... و لا في صديق لا تزال تعاتبه\rو قال الآخر:\rولا خير فيمن لا يوطن نفسهُ ... على نائبات الدهر حين تنوبُ\rو قال الآخر:\rولربما بخل الكريم وما به ... بخل ولكن سوء جظ الطالبُ\rو قال الآخر:\rولو أنَّ ما بي بالحصا فلق الحصا ... و بالريح لم يسمع لهن هبوبُ\rو قال الآخر:\rولو أنني أستغفر الله كلما ... ذكرتك لم تكتب علي ذنوبُ\rو قال الآخر:\rوليس بتقدير الكواكب ما ترى ... و لكنه تقدير رب الكواكب\rو قال الآخر:\rوليس بحاكم من لا يبالي ... أ أخطأ في الحكومة أم أصابا\rو قال الآخر:\rوليس عتاب الناس للمرء نافعاً ... إذا لم يكن للمرء لبٌ يعاتبه\rو قال الآخر:\rوليلٍ أردنا أن يدب عذاره ... فما اختط حتى صار بالصبح شائبا\rو قال الآخر:\rوما المرء إلاّ حيث يجعل نفسه ... فكن طالباً للنفس أعلى المراتبِ\rو قال الآخر:\rوما شرف الإنسان إلاّ بنفسه ... و إن عد أباءً كراماً ذوي حسب\rو قال الآخر:\rوما كان لي ذنب فأخشى جزاءه ... ز عفوك مرجو وإن كان لي ذنبُ\rو قال الآخر:\rوما لقلوب العاشقين مزية ... إذا نظرت أفكارها في العواقبِ\rو قال الكميت:\rومالي إلاّ أحمد شيعةٌ ... و مالي إلاّ مذهب الحق مذهبُ\rو قال الآخر:\rومالي ذنب أستحق به الجفا ... وإن كان أي ذنب فإني تائبُ\rو قال الآخر:\rوما هي إلاّ غاطةٌ قد غلطتها ... و قد يغلط الإنسان ثم يتوبُ\rو قال الآخر:\rومن عادة الأيام أنَّ صروفها ... إذا ساء منها جانبٌ سر جانبُ\rو قال الآخر:\rومن مذهبي حب الديار وأهلها ... و للناس فيما يعيشون مذاهبُ\rو قال الآخر:\rومن ربط الكلب العقور ببابه ... فعقر جميع الناس من رابط الكاب\rو قال الآخر:\rويوهمني أنه ناصحٌ ... وفي نصحه حمة العقربِ\rو قال الآخر:\rهنيئا لكم ماء الفرات وطيبه ... إذا لم يكن لي في الفرات نصيبُ\rو قال الآخر:\rلا تجزعن من المداد ولطخه ... إنَّ المداد خلوف ثوب الكاتبِ\rو قال الآخر:\rلا تكونن للأمور هيوبا ... فإلى خيبةٍ يصير الهيوبُ!\rو قال الآخر:\rلا تنكحن لئيمة لمحاسنٍ ... فاللؤم يبقى والمحاسن تذهبُ\rومصداقه قوله صلى الله عليه وسلم : إياكم وخضراء الدمن، وسيأتي.\rوقال الآخر:\rلا تيأسن وإن عز الوصال فقد ... تجفو أناسٌ وهم في الغيب أحبابُ\rو قال الآخر:\rلا يقبل الصدق من الكذب ... و لو أتى بمنطق عجابُ\rو قال الآخر:\rيا بصيراً إلاّ بإبصار كتبي ... و جواداً إلاّ بردِّ جوابِ\rو قال الآخر:\rيخيب الفتى من حيث يرزق غيره ... و يعطى الفتى من حيث يحرم صاحبه\rو قال الآخر:\rيذمون دنياهم وهم يطلبونها ... و لم ير كالدنيا تذمُ وتطلبُ","part":1,"page":106},{"id":107,"text":"و هو مثل قول الآخر:\rقد أجمع الناس على ذمها ... و ما أرى منهم لها تاركا\rو هذا من توهيمات الخيال وأغاليط الشعراء وإلاّ فليس لهذا التعجب موقع ولا للألغاز محل، إذ العقول السليمة كلها ذامة للدنيا وليست بطالبة لها ومتى وقع منها طلب فمكلوبها غير مذموم كما أنَّ مذمومها غير المطلوب. فإنَ الدنيا من حيث إنّها مزرعة للآخرة وقنطرة يعبر منها إليها وزاد يبلغ إليها لا بد منها وهي محمودة غير مذمومة ومن حيث إنّها فتنة وعائقة عن الفوز ومبعدة عن النجاح وموجبة للعقاب أو العتاب، مذمومة عند كل بصير غير مطلوبة بل مهروب منها غاية الهرب ومنفور منها غاية النفور ولا يطلبها على هذا الوجه إلاّ أعمى البصيرة وهذا الله تعالى بذمها. وقد يذمها بلسانه وهو يحبها سراً، وهو غير ذام لها بالحقيقة. وعلى مثل هذا الذي خالف قوله فعله يحسن من جهة الظاهر إنشاد الشعر السابق، ولا يصح الاتفاق ولكن الأكثر والأغلب هذا نسأل الله السلامة من فتنة المحيا والممات.\rوقال الآخر:\rيرحم الله صديقا ... جاء يهدي لي عيوبي\rو قال الآخر:\rدع المزاح فقد يزري بصاحبه ... و ربما آل في العقبى إلى الغضب\rو قال الآخر:\rرأيت تباعد الإخوان قربا ... إذا اشتملت على الود القلوبُ\rو قال الآخر:\rرأيت الود ليس يكاد يبقي ... إذا كثر التعصب والعتابُ\rو قال الآخر:\rرب لحظ يكون أبلغ من لفظٍ ... و أبى لمضمرات القلوب\rو قال الآخر:\rسأرعاك في البعد المفرق بيننا ... كما كنت أرعى والمزار قريبُ\rو قال الآخر:\rسأصفيك الهوى من كل وحهٍ ... و أمنحك الرضى من لك بابِ\rو قال الآخر:\rستعلم هل ربحنا أم خسرنا ... إذا فكرت في أمر الحسابِ\rو قال الآخر:\rسقى الله أيام التواصل بيننا ... و رد إلى الأوطان كل غريبِ\rو قال الآخر:\rسل الخير أهل الخير قدماً ولا تسل ... فتى ذاق طعم العيش منذ قريبِ\rو قال الآخر:\rسمعت عتاباً يستطاب فليتني ... أطلت ذنزبي كي يطول عتابُ\rو قال الآخر:\rسيغني الله عن بقرات زيدٍ ... و يأتي الله باللبن الحليبِ\rو قال الآخر:\rشهدنا وجربنا أموراً كثيرة ... فلا تهملوا نصح الصديق المجرب\rو قال أحد القدماء:\rصاح أبصرت أو سمعت بارعٍ ... رد في ضرع ما قرأ في الحلاب؟\rو قال الآخر:\rصروف الليالي أحوجتنا إليهم ... كما أحتاج صياد إلى صحبة الكلب\rو قال أبو العلاء المعري:\rوسمهرية ليس يشرف قدرها ... حتى يسافر لدنها عن غابه\rوالغضب لا يشفي أمرءاً من ثأره ... إلاّ يفقد نجاده وقرابه\rوالله يرعى سرح كل فضيلة ... حتى يروحه إلى أربابه\rو قال أيضاً:\rوهجيرة كالهجر عودي منبر ... للظهر إلاّ إنّه لم يخطب\rفكأنه رام الكلام فيسمه ... عي فأسعده لسان الجندب\rو قال الآخر:\rوما رحم الأهلين إنَّ سالموا العدى ... بمجدية إلا مضاعفة الكرب\rولكن أخو المرء الذي إذا دعا ... أجابوا بما يرضيه في السلم والحرب\rو قال الآخر:\rما المرء أخوك أم لم تلفه وزرا ... عند الكريهة معوانا على النوب\rو أعلم أنَّ لفظ الأخ فيه لغات كثيرة: يقال أخ، وهي اللغة المشهورة، وأخو بسكون الخاء على مثال فرو، وهو الواقع في البيت المذكور ويقال في الجمع اخوة وأخون، وهذا الثاني هو الواقع في البيت الثاني من البيتين قبل هذا، وحذفت نونه للإضافة إلى المرء، وليس مفردا بدليل الإخبار عنه بالذين.\rوقال الآخر:\rلعمرك ما حق امرئ لا يعدلي ... على نفسه حقا علي بجواب\rوما أنا النائي علي بوده ... بودي وصافي خلتي بمقارب\rولكنه إنَّ مال يوما بجانبٍ ... من الصدق والهجران ملت بجانب\rو تقدم نحو هذا. ويقال جرير، كان اشترى جارية من رجل من أهل اليمامة يقال له زيد، ففركته وحنت إلى بائعها:\rتكلفني معيشة آل زيد ... و من لي بالمرقق والصناب؟\rوقالت: لا تضم كضم زيد، ... و ما ضمني وليس معي شبابي؟\rفقال الفرزدق:\rوإنَّ تفركك عاجلة آل زيدٍ ... و يعوزك المرقق والصناب","part":1,"page":107},{"id":108,"text":"فقدما كان عيش أبيك مرا ... يعيش بما يعيش به الكلاب\rو الصناب، بكسر الصاد. قال المبرد: هو صباغ يتخذ من الخردل والزبيب، ومن ذلك قيل للفرس صنابي إذا كان في ذلك اللون.\rوقال الآخر:\rويأخذ عيب المر من عيب نفسه ... مراد لعمري ما أراد قريب\rقيل وهذا البيت مبني على كلام الأحنف، وقد قال له رجل: دلني على رجل كثير العيوب! فقال: أطلبه عيابا، فإنما يعيب الناس بفضل ما فيه! وقال الآخر:\rلن المنابر من خوف ومن وهل ... و استطعم الماء لمّا جد في الهرب\rوألحن كل الناس قطابة ... و كان يوله بالتشديق في الخطب\rو هذا الشعر قاله بعض الشعراء في خالد بن عبد الله القسري، وكان من الخطباء البلغاء؛فصعد المنبر ذات يوم فخرج عليه المغيرة بن سعد بالكوفة في عشرين رجلا، فعطعطوا به، فعيي خالد وقال: اطعموني الماء! وهو على المنبر، فعير بذلك، وكتب هشام إليه رسالة وبخه فيها، وقيل فيه ما تقدم وقال فيه أيضاً يحيى بن نوفل:\rلأعلاجٍ ثمانية وعبدٍ ... لئيم الأصل في عدد يسير\rهتفت بكل صوتك أطعموني ... شرابا ثم بلت على السرير!\rو سيأتي في الحكم إن شاء الله ذكر كثير ممن أرتج عليه الكلام.\rوقال محمّد بن أبي عيينة يعاتب بعض الأشراف:\rأتيتك زائرا لقضاء حق ... فحال الستر دونك والحجاب\rوعندك معشر فيهم أخ لي ... كأن إخاءه الآل السراب\rوليست بساقط في قدر قوم ... و إنَّ كرهوا كما يقع الذباب\rورائي مذهب عن كان ناء ... بجانبه إذا عز الذهاب\rو قال الآخر:\rفلله مني جانب لا أضيعه ... و للهو مني والبطالة جانب\rو قال الآخر:\rويعرف وجه الحزم حتى كأنما ... تخاطبه من كل أمر عواقبها\rو قال الآخر:\rأخ لي كأيام الحياة إخاؤه ... تلون أحيان علي خطوبها\rإذا عبت منه خلة فهجرته ... دعتني إليه خلة لا أعيبها\rو قال الآخر:\rمالي عقلي منتم إلى أحد ... فأنني منتم إلى أدبي\rو هذا مثل قول عامر بن الطفيل:\rوإني وإنَّ كنت أبن سيد عامر ... و في السر منها والصريح المهذب\rفما سودتني عامر عن وراثةٍ ... أبى الله إنَّ أسموا بأم ولا أب\rولكني أحمي حماها واتقي ... أذاها وأرمي من رماها بمنكب\rو قول بعض الأشراف الطالبيين:\rلسنا وإنَّ أحسابنا كرمت ... يوما على الاحساب نتكل\rنبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا\rو قول الحسين رضي الله عنه، وقد أجزل صلة شاعر فليم على ذلك فقال: أتراني خفت أن يقول لست من فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم ولا علي بن أبي طالب رضي الله عنه؟ ولكنني خفت أنَّ لست كمثلهما فيصدق ويحمل عنه، ويبقي مخلداً في الكتاب على ألسنة الرواة. فقال ذلك الشاعر حينئذ: وأنت والله يا أبن الرسول الله أعرف بالمدح والذم مني! ويحكى أنَّ رجلاً تكلم بين يدي عبد الملك بكلام ذهب فيه كل مذهب. فقال له وقد أعجبه: أبن من أنت يا غلام؟ قال: أبن نفسي، يا أمير المؤمنين: والتي نلت بها هذا المقام منكم. وأخذه بعض الشعراء فقال:\rكن أبن من شئت واتخذ أدبا ... يغنيك مأثوره عن الحسب\rإنَّ الفتى من يقول ها أنا ذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي\rو آخر في قوله:\rكن أبن من شئت وكن مؤدبا ... فإنما المرء بفضل حسه\rوليس من تكرمه لغيره ... مثل الذي تكرمه بنفسه\rو يحكى عن يحيى بن أكثم قال: بينما أنا يوما جالس مع المأمون إذ دخل الدار. فتى أبرع الناس زياً وهيبة ووقاراً، وهو لا يلتفت إعجابا بنفسه. فنظر إليه المأمون فقال: يا يحيى، هذا لا يخلوا إنَّ يكون هاشميا أو نحوياُ. ثم بعث من يتعرف ذلك منه، فإذا هو نحوي. فقال المأمون: يا يحيى، أن علم النحو قد بلغ بأهله من عزة النفس وعلو الهمة منزلة بني هاشم في شرفهم؟ يا يحيى، من قعد به نسبه، نهض به أدبه! ومثله يقول أبي العلاء المعري:\rلو يعلم الإنسان مقداره ... لم يفخر المولى على عبده\rلولا سجاياه وأخلاقه ... لكان كالمعدوم في لحده\rومجدة أفعاله لا الذي ... من قبله كان ولا بعده\rو قال أبي محمد الحريري رحمه الله:","part":1,"page":108},{"id":109,"text":"لعمرك ما الإنسان إلاّ أبن يومه ... على ما تجلى يومه لا أبن أمسه\rوما الفخر بالعظم الرميم وإنّما ... فخار الذي يبغي الفخار بنفسه\rوقول أبي الطيب:\rما بقومي شرفت بل شرفوا بي ... و بنفسي فخرت لا بجدودي\rو الشعر في هذا المعنى كثير، وأصل هذا كله قوله تعالى وجلت كلمته: )إنما المؤمنونَ اخوةٌ( وقوله تعالى : )إنَّ أكرمكم عندَ اللهِ أتقاكم( وقوله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: أيّها الناس إنّما الناس اخوة وليس لعربي على عجمي فضل إلاّ بالتقوى. أيّها الناس إنَّ ربكم واحد وإنَّ أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب، وأكرمكم عند الله أتقاكم. وهو قطع لمّا كانت فيه العرب من الافتخار بالآباء.\rولعلي كرم الله وجهه:\rالناس من جهة التمثيل أكفاء ... أبوهم آدم والأم حواءُ\rو ينسب إليه:\rما الفخر إلاّ لأهل العلم إنهم ... على الهدى لمن استهدى أدلاءُ\rوقدر كل امرئ ما كان يحسبه ... و الجاهلون لأهل العلم أعداءُ\rو قال الآخر:\rلئن فخرت بآباءٍ لهم كرمٌ ... لقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا\rو قال الكميت:\rوما استنزلت في غيرها قدر جارنا ... و لا ثفئت إلاّ بنا حين تنصبُ\rوقال أبو الطمحان:\rوإني من القوم الذين هم هم ... إذا مات منهم ميت قام صاحبه\rنجوم سماء كلما انفض كوكبٌ ... بدا كوكبٌ تأوي إليه كواكبه\rأضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه\rوما زال منهم حيث كان مسودٌ ... تصير المنايا حيث صارت كتائبه\rقوله: نظم الجزع ثاقبه، يريد أنهم لو استضاء بضيائهم في غياهب الظلام من يثقب الخرز الذي هو أشد شيء لأبصر ذلك فكيف بما هو أظهر؟ وهذه غاية المبالغة في تنزيل المعقول منزلة المحسوس.\rوقال الآخر:\rشربنا طيباً عند طيبٍ ... كذاك شراب الطيبين يطيبُ\rشربنا وأهرقنا على الأرض فضلة ... فالأرض من كأس الكرم نصيبُ\rو قال السلامي:\rتبسطنا على الآثام لمّا ... رأينا العفو من ثمر الذنوبِ\rو هو كقول المأمون:\rلو علم أرباب الجرائم تلذذنا ... بالعفو لتقربوا ألينا بالذنوبِ\rو هو مأخوذ من قول أبي نواس:\rتعض ندامة كفيك مما ... تركت مخافة النار السرورا\rو قال ضابئ بن الحارث:\rفمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فأني وقيار بها لغريبُ\rوما عاجلات الطير تدني من الفتى ... نجاحاً ولا عن ريثهن يخيبُ\rورب أمور لا تضير ضيرة ... و للقلب من مخشاتهن وجيب\rولا خير فيمن لا يوطن نفسه ... على نائبات الدهر حين تنوب\rو قال الغنوي:\rوهلك الفتى أنَّ لا يراح على الندى ... و أنَّ يرى شيئاً عجيبا فيعجبا\rو قال جرير بن الخطفى:\rفعض الطرف أنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا!\rو بعده:\rولو وضعت شيوخ بني نمير ... على الميزان ما عدلتا ذبابا\rو كانت بنو نمير من جمرات العرب، لم يخالفوا أحد لعزتهم وقوتهم. فكان الواحد منهم إذا سئل يقول: من بني نمير، ويفخم صوته إدلالاً بعزته، حتى هجا جرير عبيد بن حصين منهم بما قدم من قصيدة، فوقعت فيهم الموقع، ولم يرفعوا، ولم يرفعوا بعدها رأساً، حتى كانوا يفرون من الانتساب إلى نمير لمّا وسم به. فكان أحدهم إذا قيل له: ممن أنت؟ قال: من عامر بن صعصعة وهو الجد الأكبر.\rومما يحكى أن مولى لبعض بأهله كان يرد سوق البصرة، فسخر منه بنو نمير، فذكر ذلك لمواليه فقالوا له: إذا نبزك أحد منه فقل له:\rفعض الطرف انك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا\rفلما رجع، سخروا منه ونبزوه، فأراد أن يقول البيت فنسيه فقال: غمض وإلاّ جاءك ما تكره! فكفوا عنه عند ذلك وعلموا إنّه عرف قول جرير فيهم.\rوروي أن امرأة مرت بقوم من بني نمير، فأخذوا ينظرون إليها ويتواصفونها، فقالت: قبحكم الله يا بني نمير! ما امتثلتم واحدة من اثنين: لا قول الله تعالى حيث يقول: ) قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم( ولا قول جرير حيث يقول: فغض الطرف \" البيت \" . فأجمعوا بذلك وذهبوا.\rوأحاب بعض بني نمير جريرا عن شعره فقال:\rنمير جمرة العرب التي لم ... تزل في الحرب تلتهب التهابا","part":1,"page":109},{"id":110,"text":"وإني إذ أسب بها كليبا ... فتحت عليهم للسخف بابا\rولولا أن يقال هجا نميرا ... و لو نسمع لشاعرهم جوابا\r؟رغبنا عن هجاء بني كليبٍ و كيف يشتم الناس الكلابا؟ فما ضر ذلك كليبا ولا جريرا ولا نفع نميرا. وقصيدة جرير مذكورة هي التي سماها الدامغة. ولاستمرار الضعة في بني نمير بهجاء جرير قال أبن مناذر يهجو ثقيفا:\rوسوف يزيدكم ضعة هجاني ... كما وضع الهجاء بني نمير\rو قال عنترة العبسي يخاطب امرأته:\rلا تذكري مهري وما أطعمته ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب\rإنَّ الغبوق له وأنت مسودة ... فتأوي ما شئت ثم تحوبي\rكذب العتيق وما شن بارد ... إنَّ كنت سائلتي غبوقا فاذهبي!\rقوله العتيق، يجوز نصبه ورفعه، ومعناه على الجملة الإغراء، أي عليك بالعتيق، وهو التمر القديم، ولإعرابه تحقيق في علم النحو مشهور.\rوقال الآخر:\rخذ من أخيك العفو ذنوبه ... و لا تك في كل الأمور تعاتبه\rفإنك لن تلقى أخاك مهذبا ... و أي امرئ ينجو من العيب صاحبه؟\rأخوك الذي لا ينقض النأي عهده ... و لا عند صرف الدهر يزور جانبه\rوليس الذي يلقاك بالبشر والرضى ... و إنَّ غبت يوما لسعتك عقاربه\rو قال رجل من بني ضبة لعبد الملك:\rوالله ما ندري إذا ما فاتنا ... طلب إليك من الذي نتطلب\rفلقد ضربنا في البلاد فلم نجد ... أحداً سواك إلى المكارم ينسب\rفأصبر لعادتنا التي عودتنا ... أولا فأرشد إلى من نذهب\rفقال له عبد الملك: إلي! إلي! وأكرمه وحباه.\rوقال ضمرة بن ضمرة:\rبكرت تلومك بعد وهن في الندى ... بسل عليك ملامتي وعتابي!\rولقد علمت تظني غيره ... أنَّ سوف تخلجني سبيل صاحبي\rأ أصرنا وبني عمي ساغب؟ ... فكفاك من إبة علي وعاب\rأنَّ رأيت إن صرخت منها هامتي ... و خرجت منها بالي الأثواب\rهل تخمشن إبلي عليَّ وجوهها ... لم تعصبن رؤوسها بسلابِ؟\rقوله بسل، أي حرام، كقول زهير:\rبلاد بها نادمتهم وألفتهم ... فإنَ تقويا منهم فانهم بسلُ\rو قوله تخلجني، أي تجذبني، والخلج الجذب، ومنه خليج الماء لا تجاذبه إلى ناحية؛ والساغب الجائع؛ والأبة: الحياء.\rوقال الآخر:\rتود عدوي ثم تزعم أنني ... صديقك إنَّ الرأي منك لعازبُ\rوليس أخي من ودني رأي عينه ... و كان أخي من ودني وهو غائبُ\rو قال الآخر:\rإذا ما علوا قالوا أبونا وأمنا ... و ليس لهم عالين أمٍ ولا أبُ\rأي إذا غلبوا انتسبوا وتحببوا وتقربوا، وإن كانوا هم الغالبين تعثلموا وتبرؤوا وتبرموا وهذا فعل اللئيم.\rذكر أبو علي البغدادي عن أبي الكلبي عن أبيه قال: كان مرثد الخير بن ينكف قيلاً من أقيال اليمن وكان حدباً على عشيرته محباً لصالحها. وكان سبيع بن الحارث وميثم بن مثوب بن ذي رعين تنازعا الشرف حتى تشاحنا، وخيف أن يقع بين حييهما شرٌ فيتفانيا. فبعث إليهما مرثد فأحضرهما ليصلح بينهما فقال لهما: إنَّ التخفط وامتطاء الهجاج، واستحقاب اللجاج، سيقفكما على هوةٍ في توردها بوار الأصيلة، وانقطاع الوسيلة. فتلاقيا أمركما قبل انتكاث العقد، وانحلال العهد، وتشتت الألفة، وتباين السهمة! وأنتما في فسحة رافهة، وقدم واطدة والمودة مثرية والبقيا معرضة. فقد عرفتم أنباء من كان قبلكم من العرب ممن عصى النصيح، وخالف الرشيد وأصغى إلى التقاطع. ورأيتم ما آلت إليه عواقب سوء سعيهم وكيف كان صيور أمرهم قبلا، فتلافوا القرحة قبل تفاقم الثاني واستفحال الداء وإعواز الدواء! فانه إذا سفكت الدماء، استحكمت الشحناء وإذا استحكمت الشحناء تقصبت عرى الإبقاء، وشمل البلاء. فقال سبيع: أيّها الملك إنَّ عداوة بني العلات، لا تبرئها الأساة، ولا تشفيها الرقاة ولا تستقل بها الكفأة والحسد الكامن هو الداء الباطن. وقد علم بنو أبينا هؤلاء أنا لهم ردء إذا رهبوا وغيث إذا اجدبوا، وعضد إذا حاربوا، ومفزع إذا نكبوا؛ وأنا وإياهم كما قال الأول:\rإذا ما علوا قلوا أبونا وأمنا ... وليس لهم عالين أم ولا أبُ","part":1,"page":110},{"id":111,"text":"فقال ميثم: أيّها الملك إنَّ من نفس على أبن أبيه الزعامة وجدبه في المقامة، واستكثر له قليل الكرامة كان قرفاً بالملامة ومؤنباً على ترك الاستقامة. وإنَّا والله ما نعتد لهم بيد إلاّ وقد نالهم منا كفاؤها ولا نذكر لهم حسنة إلاّ وقد تطلع إليهم منا جزاؤها، ولا تفيا لهم علينا ظل نعمة إلاّ وقد قوبلوا بشرواها. ونحن بنو فحل مقرم لم تغد بنا الأمهات ولا بهم، ولم تنزعنا أعراق السوء ولا إياهم. فعلام مط الخدود وخزر العيون والجخيف والتصعر والبأو والتكبر؟ ألكثرة عدد أم لفضل جلد أم لطول معتقد؟ وإنا وإياهم لكما قال الأول:\rلاه أبن عمك لا أفصلت في حسب ... عني ولا أنت دياني فتخزوني\rو مقاطع الأمور ثلاثة: حرب مبيرة أو سلم قريرة أو مداجاة غفيرة. فقال الملك: لا تنشط عقل الشوادر ولا تلقحوا العون القواعد، ولا تورثوا نيران الأحقاد! ففيها التلفة المستأصلة والجائحة والأليلة؛ وعفو بالحلم، أبلاد الكلم، وأنيبوا إلى السبيل الأرشد، والمنهج المقصد! فإنَ الحرب تقبل بزبرج الغرور وتدبر بالويل والثبور. ثم قال الملك:\rألا هل أتى الأقوال بذلي نصيحة ... حبوت بها مني سبيع وميثما؟\rوقلت اعلما أنَّ التدابر غادرت ... عواقبه للذل والقل جرهما\rفلا تقدحا زند العقوق وابقيا ... على العزة القعساء أن تتهدما\rولا تجنيا حربا تجر عليكما ... عواقبها يوما من الشر أشأما\rفإنَ جنات الحرب للحين عرضة ... تفوقهم منها الزعاف المقسما\rحذار فلا تستنبثوها فإنها ... تغادر ذا الأنف الأشم مكشما\rفقالا: أيها الملك بل نقبل نصحك ونطيع أمرك ونطفئ النائرة ونحل الضغائن ونثوب إلى السلم.\rقال أبو بكر بن دريد: التحفظ ركوب الرجل رأسه في الشر خاصة. قال أبو علي: ولم أسمع هذه الكلمة من غيره. فأما التخمط بالميم فالتكبر. انتهى. وكذا من رأينا من اللغويين لم يذكروا تلك المادة أصلا. وركب الرجل هجاجة: لج ومحك. قاله أبن دريد. وفي الصحاح: ركب هجاج غير منصرف، وركب هجاج كقطام: ركب رأسه، وأنشد: وقد ركبوا عاى لومي هجاج واستحقاب اللجاج استفعال، إما من حقيبة الرجل، وهو ما يكون وراء الرجل يملأ حشيشا أو تبنا وإما من الحقاب وهو بريم تشد به المرأة وسطها. وعلى الأول يكون استحقاب اللجاج معناه جعله في الوعاء؛ وعلى الثاني يكون معناه الأضرار به على المجاز فيهما؛ والهوة: الحفرة. والبوار: الهلاك؛ والأصيلة: الأصل: والانتكاث: الانتقاض. ورافة: ناعمة. وواطدة: ثابتة. ومثرية: متصلة، من الثرى وهو التراب الندي. والمعرضة: الممكنة، من أعراض الصيد إذا أمكن من عرضه أي جنيه ليرمى. وصيور الأمر: ما يؤول إليه. واستفحال الداء: اشتداده. وتقصبت: تقطعت. والأساة: الأطباء. والزعامة: الرئاسة: وجدبه في المقامة، أي عابه، والمقامة: المجلس وقد يراد به الجلاي، ويحتملهما قول زهير:\rوفيهم مقامات حسان وجوههم ... و أندية ينتابها القول والفعلُ\rو قرفاً بالملامة أي خليقا لها. وشرواها: مثلها. والخزر: النظر بمؤخرة العين، وهو معروف عند العامة اليوم. والجخيف: التكبر. والمداجات: المساترة والغفيرة: الغفران. ولا تنشطوا: لا تحملوا. ولا تلحقوا العون: لا تسرعوا الحرب، وأصله في الإبل؛ يقال: لقحت الناقة إذا حملت وألقحها الفحل. والعون جمع عوان وهي الثيب وتستعار للحرب التي قوتل فيها مرة أخرى. وتورثوا: تذكوا. والاليلة: الثكل. والابلاد: الآثار، وأحدها بلد. والقعساء: الثابتة. وتفوقهم: تسقيهم الفواق أي ما بين الحلبتين. وتستنبثوها: تستخرجوا نبيثها والنبيثة في الأصل ما يخرج من البئر إذا حفرت. ومكشم: مقطوع.\rوقال الآخر:\rيرى الحاضر الشاهد المطوئن ... من الأمر ما لا يرى الغلئبُ\rو قال الأحوص:\rقالت وقلت تحرجي وصلي ... حبل امرئ بوصالكم صبُ\rصاحب إذا بعلي فقلت لها ... الغدر شيء ليس من ضربي\rثنتان لا أدنو لوصلهما: ... عرس الخليل وجارة الجنبِ\rأما الخليل فلست فاجعه ... و الجار أوصاني به ربي\rعوجا كذا نذكر لغانيةٍ ... بعض الحديث مطيكم صحبي\rونقل لها فيهم الصدود ولم ... أذنب بل أنت بدأت بالذنبِ\rإن تقبلي نقبل وننزلكم ... من بدار السهل والرحبِ","part":1,"page":111},{"id":112,"text":"أو تدبري يكدر معيشنا ... و تصدي متلائم الشعبِ\rو لمّا سمع أبو السائب هذا الشعر قال : هذا المحب عيناً لا الذي يقول:\rوكنت إذا حبيبٌ رام صرمي ... وجدت وراي منفسحاً عريضا\rاذهب فلا صحبك الله ولا وسع عليك! قلت: واتما قال ذلك لأنهم يرون أنَّ فضيلة المحب وكمال العاشق أن يتطبع بلواعج البلبال، ويستديم الصبابة على كل حال.\rوحدث بعض الأدباء قال: قال عروة بن عبد الله : نزل أبن أذينة في دارنا بالعقيق فسمعته ينشد:\rإنَّ التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها\rكيف الذي زعمت به وكلاهما ... أبدى بصاحبه الصبابة كلها؟\rولعمرها لو كان حبك فوقها ... يوما وقد ضحيت إذا لأظلها!\rوإذا وجدت لها وساوس سلوة ... شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها\rبيضاء باكرها النعيم فصاغها ... بلطافة فأدقها وأجلها\rلمّا عرضت مسلما لي حاجة ... أخشى صعوبتها وأرجو ذلها\rمنعت تحيتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلها!\rفدنا وقال لعلها معذورةٌ ... في بعض رقبتها فقلت لعلها\rقال وبلغ ذلك أبا السائب المخزومي فأتاني وقال : أنشدني ما سمعت من عروة أذينة، فأنشدته إياها فلما بلغت البيت الأخير طرب وقال : والله الدائم الصبابة الصادق لا الذي يقول:\rإن كان أهلك يمنعونك رغبةً ... عني فأهلي بي أضن وأرغبُ\rثم قلت: هلم الذي الطعام!فقال: والله ما كنت لأخلط بلذة هذه الأبيات طعاما إلى الليل! وأنصرف.\rقلت: ووقع ما يشبه العيب الذكور في قول امرئ القيس:\rأ أسماء أمسى ودها قد تغيرا ... سنبدل إن أبدلت بالود آخرا\rومن نمط المحمود في استدامة الحب والصبابة قول بعضهم:\rإذا ما صديق أسا مرةً ... و قد كان فيما مضى مجملا\rذكرت المقدم من فعلهِ ... فلا ينقض الآخر الأولا\rو قال الآخر، وينسب للمجنون أو إبراهيم بن العباس:\rتطلع من نفسي إليك نوازعٌ ... عوارف أنَّ اليأس منك نصيبها\rوأزالت زوال النفس عن مستقرها ... فمن مخبري في أي أرضٍ غروبه؟\rحلالٌ لليلى أن تروع فؤادهُ ... بهجرٍ ومغفورٌ لليلى ذنوبها\rو قال الآخر:\rومن شغفي فيكم ووجدي أنني ... أهون ما ألقاه وهو هوانُ\rويحسن قبح الفعل إن جاء منكم ... كما طاب ريح العود وهو دخانُ\rو قال الآخر:\rإن أمت وجداً فلي قدمٌ ... بي إلى حتف الهوى سعتِ\rأو ترق يلك اللحاظ دمي ... فهي في حلٍّ وفي سعةِ\rو قال الآخر:\rأبدا أزيدُ مع الوصال تلهفاً ... كالعقد في جيد المليحة يقلقُ\rويزيدني كلفا فأذكر فعلهُ ... كالمسك تسحقه الأكف فيعبقُ\rو قال الآخر:\rفرقت بيننا الحوادث لكن ... في نفسٌ إليكم أدنيها\rوكأني في الود فأرة مسكٍ ... أفرغوها ونفحة الطيب فيها\rو قال الآخر:\rوإذا المليح أتى بذنبٍ واحدٍ ... جاءت محاسنه بألف شفيعِ\rو قال بعضهم فيه:\rما ذلتي في حبكم وخضوعي ... عارٌ ولا شغفي بكم ببديعِ\rدين الهوى ذلٌ وجسمٌ ناحلٌ ... و سهاد أجفانٍ وفيض دموعِ\rكم قد لحاني في هواكم لائمٌ ... و ثنيت عطفي عنه غير سميعِ\rما يحدث التقبيح عندي سلوةً ... لكم ولو جئتم بكل فظيعِ\rوإذا المليح أتى بذنبٍ واحدٍ ... جائت محاسنه بألف شفيعِ\rو قال الحكيم:\rمستقبل بالذي بهوى وإن كثرت ... منه الذنوب ومعذورٌ بما صنعا\rفي وجهه شافعٌ يمحو أساءته ... من القلب وجيهٌ حيثما شفعا\rو قول أبي فراس الحمداني:\rأساء فزادته الإساءة حظوةً ... حبيبع ما كان منه حبيبُ\rتعدُ عليَّ الوشيات ذنوبه ... و أين من الوجه المليح ذنوبُ؟\rو قال الآخر:\rوكلما رمتُ أن أقابله ... على تماديه في تعديهِ\rجاءت على غفلةٍ محاسنه ... تلزمني الصفح عن مساويهِ\rو قال الآخر:\rكلما أذنب أبدى وجهه ... حجةً فهو مليٌ بالحججِ\rكيف لا يفرط في إجرامه ... من متى شاء من الذنب خرج\rو قال الآخر:\rعفت محاسنه عندي إساءته ... حتى لقد حسنت عني مساويهِ\rو قال الآخر:","part":1,"page":112},{"id":113,"text":"لي حبيبٌ كالظبي غرٍّو لكن ... بعذابي في الحب ما أغراهُ!\rوإذا كرر الذنوب فيكفيه ... اعتذاراً مما جنى أن أراهُ\rو قال الآخر:\rومستنصٍ في العذر مستعجل القلى ... بعيدٍ من العتبى قريبٍ من الهجرِ\rله شافعٌ في القلب مع كلِّ زلةٍ ... فليس بمحتاج الذنوب إلى العذرِ\rو قال أبي الطيب:\rفأن يكن الفعل الذي ساء واحداً ... فأفعاله اللائى سررن ألوفُ\rو قال حاتم أو عمرو بن الأهتم:\rأضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ... و يخصب عندي والمحل جديبُ\rوما الخصب للأضيافِ أن يكثر القرى ... و لكنما وجه الكريم خصيبُ\rوسنذكر ما في هذا النزع من الشعر بعد إن شاء الله تعالى. وقال رجل من عبس:\rإذا راح ركبٌ مسرعون فقلبه ... مع الرائحين المسرعين جنيبُ\rوإن هبَّ علويُّ الرياح رأيتني ... كأني لعلو يأتهن نسيبُ\rفلا خير في الدنيا إذا أنت لم تزر ... حبيباً ولم يطرب إليك حبيبُ\rو قال الآخر:\rمن كان يزعم أن سيكتم حبه ... حتى يشكك فيه فهو كذوبُ\rالحب أغلبُ للفؤاد بقهره ... من أن يرى للستر فيه نصيبُ\rوإذا بدا سر اللبيب فإنه ... لم يبد إلاّ أنه مغلوبُ\rإني لأبغض عاشقاً متستراً ... لم تتهمه أعينٌ وقلوبُ\rو قال ذو الرمة:\rإذا هبت الأرواح من نحو جانبٍ ... به أهل ميٍّ هاج لبي هبوبها\rهوى تذوف العينان منه وإنما ... هوى كل نفسٍ حيث حل حبيبها\rوقال المجنون:\rيقولون لي يوماً وقد جئت حيهم ... و في كبدي نارٌ يشب لهيبها\rأما تخشى من أسدنا؟ فأجبتهم ... هوى كلً نفسٍ حيث حل حبيبها\rو قال بعض الأعراب:\rشكوت فقالت كل هذا تبرماً ... بحبي أراح الله قلبك من حبي!\rفلما كتمت الحب قالت لشدما ... صبرت وما هذا يفعل شجي القلبِ\rوأدنو فتقصيني وأبعد طالباً ... رضاها فتعتد التباعد من ذنبي\rفشكواي يؤذيها وصبري سيوؤها ... و تجزع من بعدي وتنفر من قربي\rفيا قوم هل من حيلةٍ تعرفونها؟ ... أشيروا بها واستوجبوا الشكر من ربي!\rو تقدم هذا المعنى في حرف الهمزة. وقريب منه وإن عاكسه في الترديد قول امرئ القيس:\rوقالت متى يبخل عليك ويعتلل ... يسؤك وإن يكشف غرامك يدربِ\rو قال الإمام العارف بالله تعالى أبو بكر الشبلي رضي الله عنه وقد دخل على شيخه الإمام أبي القاسم الجنيد رضي الله عنه فوقف بين يديه وصفق بيده وقال:\rعودوني الوصال والوصل عذبُ ... و رموني بالصد والصدُ صعبُ\rزعموا حين أزمعوا أنَّ ذنبي ... فرط حبي لهم وما ذاك ذنبُ\rلا وحق الخضوع عند التلاقي ... ما جزا من يحب إلاّ يُحَبُ\rفأجابه الشيخ فقال:\rوتمنيت أن أراك ... فلما رأيتكا\rغلبت دهشة السرور ... فلم أملك البكا\rو قال أبو علي الفارسي النحوي:\rخضبت الشيب لمّا كان عيباً ... و خضب الشيب أولى أن يعابا\rولم أخضب مخافة هجر خلٍ ... و لا عيبا خشيت ولا عتابا\rولكن المشيب بدا دميما ... فصيرت الخضاب له عقابا\rو سيأتي ذكر ما في الشيب والخضاب مستوفي إن شاء الله تعالى.\rوقال عبد الله بن سعيد الموصلي الشافعي:\rقالوا سلا، صدقوا عن ... السلوان ليس عن الحبيبِ\rقالوا: فلم ترك الزيارة؟ ... قلت: من خوف الرقيبِ\rقالوا: فكيف يعيش مع ... هذا؟ فقلت: من العجيبِ\rو قال انو العرب الصقلي:\rلا تعجبن لرأسي كيف شاب أسىً ... و أعجب لأسود عيني كيف لم يشب\rالبحر للروم لا تجري السفين به ... إلاّ على خطرٍ والبر للعرب\rو سبب قوله ذلك إنَّ المعتمد بن عباد بعث إليه بخمسمائة دينار وأمره أن يتجهز بها ويقدم عليه، فكتب إليه الحصري:\rأمرتني بركوب البحر أقطعه ... غيري لك الخير فاخصصه بذي الداء\rما أنت نوحٌ فتنجيني سفينته ... و لا أنا أمشي على الماءِ\rو قال أبو الوفاء:\rومن كان في المسعى أبوه دليله ... تدانى له الشأو الذي هو طالبه\rو قال يحيى بن خالد بن برمك:\rأنصب نهاراً في طلاب العلى ... و أصير على فقد الحبيب القريب","part":1,"page":113},{"id":114,"text":"حتى إذا الليل أتى مقبلا ... و استترت فيه وجوه الغيوبُ\rفكابد الليل بما تشتهي ... فإنما الليل نهار الأريب\rكم من فتى تحسبه ناكساً ... يستقبل الليل بأمر عجيب\rغطى عليه الليل أستاره ... فبات في لهو وعيش خصيب\rولذة الأحمق مكشوفة ... يسعى بها كل عدو رقيب\rو سبب هذا الشعر أن ابنه الفضل بن يحيى كان الرشيد قد ولاه عمل خراسان فأقام بها مدة ثم وصل كتاب صاحب البريد إلى الرشيد، ويحيى بين يديه جالس، مضمنه أن الفضل أشتغل بالصيد واللذات عن النظر في أمور الرعية. فلما قرأ الرشيد الكتاب رمى به إلى يحيى وقال له: يا أبي! اقرأ هذا الكتاب واكتب إليه ما يرده عن هذا. فكتب إليه يحيى على ظهر كتاب صاحب البريد: حفظك الله يا بني وأمتع بك! قد انتهى إلى أمير المؤمنين ما أنت عليه شاغل بالصيد ومداومة اللذات عن النظر في أمور الرعية فأنكره، فعاود ما هو زين بك، فانه من عاد إلى ما يريبه ويشينه لم يعرفه أهل دهره إلاّ به، والسلام. وكتب في أسفله الأبيات المذكورة، والرشيد ينظر إلى ما يكتب. فلما فرغ قال: أبلغت يا أبي! فلما ورد الكتاب على الفضل، لم يفارق المسجد نهاراً إلى إنَّ انصرف عن عمله.\rوقال الإمام الشافعي رضي الله عنه: تزوجت امرأة بمكة من قريش، وكنت أمازحها فأقول:\rومن البليلة أنَّ تحب ... فلا يحبك من تحبه\rفتقول هي:\rويصد عنك بوجهه ... و تلج أنت فلا تغبه\rو قال الشريف الرضي:\rولقد وقفت على طلولهم ... و ربوعهم بيد البلى نهب\rو من أعجب الاتفاق أن بعض الأدباء مر بدار الشريف هذا التي ببغداد، وقد خربت وذهبت بهجتها، ولم يبق منها إلاّ آثار تشهد لها بالحسن والنظارة. وفوقف وتمثل بالبيت المذكور وهو لا يعرف لمن الدار. فمر به شخص وسمعه ينشد البيت فقال له: أتعرف هذه الدار؟ قال: لا. قال: هي دار الشريف صاحب البيت. وهذه تشبه حكاية عبيد الجرهمي، وكان دخل على معاوية فقال له: حدثني بأعجب ما رأيت. فقال: مررت ذات يوم بقوم يدفنون ميتا لهم، فاغرورقت عيناي بالدموع، وتمثل بقول الشاعر:\rيا قلب إنك من أسماء مغرور ... فاذكر، وهل ينفعنك اليوم تذكير؟\rفاستدر الله خيرا من وراضين به ... فبينما العسر إذ جاءت مياسير\rوبينما المرء في الأحياء مغتبط ... إذا هو الرمس تعفوه الأعاصير\rيبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... و ذو قرابته في الحي مسرور\rفقال لي رجل: أتعرف من يقول هذا الشعر؟ فقلت: لا. فقال: إنَّ قائله هو الذي دفناه الساعون وأنت الغريب الذي تبكي عليه، وهذا الخارج من قبره أمس الناس رحما وأسرهم بموته. فقال له معاوية: لقد رأيت عجبا! وقال صر در:\rإنَّ الهلال يرتجي طلوعه ... بعد السرار ليله احتجابه\rوالشمس لا يويس من طلوعها ... و إنَّ طولها الليل في جنابه\rو قال:\rكم عودة دلت على دوامها ... و الخلد للإنسان في مآبه!\rولو قرب الدر على جالبه ... ما لجج الغائض في طلابه\rولو أقام لازما أصدافه ... لم تكن التيجان في حاسبه\rما لؤلؤ البحر ولا مرجانه ... إلاّ وراء الهول من عبابه\rو قال الآخر:\rجروح الليالي ما لهن طبيب ... و عيش الفتى بالفقر ليس يطيب\rوحسبك أنَّ المرء في حال فقره ... تحمقه الأقوام وهو مصيب\rومن تعتوره الحادثات بصرفها ... يمت وهو مغلوب الفؤاد سليب\rوما ضرني أنَّ قال أخطأت جاهل ... إذا قال كل الناس أنت مصيب\rو قال علي بن الجهم:\rسقى الله ليلا ضمنا بعد هجعة ... و دنى فؤادا من فؤاد معذب\rفبتنا جميعا لو تراق زجاجة ... من الخمر فيما بيننا لم تسرب\rوهذا معنى بليغ في العناق، أخذه من قول بشار:\rفبتنا معا لا يخلص الماء بيننا ... إلى الصبح دوني حاجب وستور\rو أبلغ منه في هذا المعنى قول عبد الله من المعتز:\rما اقصر الليل على الراقد ... وأهون السقم على العائد\rويفديك ما أبقيت من مهجتي ... لست لمّا أوليت بالحاجد\rكأني عانقت ريحانة ... تنفست في ليلها البارد\rفلو ترانا في قميص الدجى ... حسبنا من جسد واحد\rو هو مأخوذ من قول الآخر:","part":1,"page":114},{"id":115,"text":"خلوت فناداها ساعة ... على مثلها يحسد الحاسد\rكإنا وثوب الدجى مسبل ... علينا لمبصرنا واحد\rو ابلغ من هذا عندي قول أبن الرومي:\rأعانقها والنفس بعد مشوقة ... إليها وهل بعد العناق تدان؟\rوألثم فاها كي تموت حرارتي ... فيشد ما ألقى من الهيمان\rولم يك مقدار الذي بي من الهوى ... ليشفيه ما ترشف الشفتان\rكأن فؤادي ليس يشفي غليله ... سوى أن يرى الروحان يمتزجان\rفإن الامتزاج أخص مطلق الوحدة وأصرح في قطع العدة، وذلك في الأرواح أبلغ و أبدع منه في الأجسام، غير إنّه في الشعرين السابقين إخبار عن أمر هو واقع أو كالواقع، بخلاف هذا.\rولابن عبدوس الفارسي في العناق أيضاً:\rلا والمنازل من نجد وليلتنا ... يفيد إذ جسدانا بيننا جسد\rكم رام فينا الكرى من لطف مسلكه ... نوما فما أنفك لا خد ولا عضد!\rو هو نحو ما للأولين وابلغ من حيث الجزم واصلح بن موسى:\rلي سيدٌ ما مثله سيدٌ ... تصدت الحمى له فاشتكا\rعانقته عند موافاتها ... و الأفق بالليل قد أحلو لكا\rفجاءت الحمى لعادتها ... فلم تجد ما بيننا مسلكا\rو هو نحو ما لابن الجهم وأبلغ منه لأن عدم نفوذ المعنى أغرب من عدم نفوذ الجسم.\rولابن رشيق أيضاً :\rومهفهفٍ يحميه عن نظر الورى ... غيران سكنى الموت تحت قبابه\rفلثمت خداً منه ضرم لوعتي ... و جعلت أطفئ حرها برضابه\rوضممته للصدر حتى استوهبت ... مني ثيابي بعض طيب ثيابه\rفكأن قلبي من وراء ضلوعه ... طرباً يخبر قلبه عما به\rو لابن معتز:\rيا رب إخوان صحبتهم ... لا يرفعون لسلوة قلبا\rلو تستطيع قلوبهم خرقت ... أجسامهم فتعانقت حبا\rوهذا أبلغ ما سمعنا في الباب وتركنا ما قيل في مطلق العناق. وهو كثير خشية الإطناب.\rوقال أبو قتبان المصري في باب المدح:\rرغبت لنفسي أن أكون مصاحباً ... أناساً قيدوا إلى الذل أصحبوا\rفجاورت ملكا تستهل يمينه ... ندى حين يرضى أو ردى حين يغضبُ\rتدور كؤوس الحمد طوراً فينتشي ... و طوراً تعني المرهبات فيطربُ\rعرفت فكان الانتساب زيادة ... و غيرك يخفيه الخمول فينسبُ\rوفي بعض ذا المجد الذي ظفرت به ... يدرك غنى عما بنى الجد والأبُ\rقضى الله أن يزداد بينك رفعة ... على أنه فوق النجوم مطنبُ\rو قال أبو العلاء:\rردت لطافتة وحدة ذهنه ... و حش اللغات أو إنساً يخاطبه\rكالنحل يجني المر من نور الربى ... فيعود شهداً في طريف رضابه\rو قال أبو المظفر:\rيا من يساجلني وليس بمدرك ... شأوي وأين له جلاله منصبي؟\rو سيأتي تمام هذا الشعر بعد، إن شاء الله تعالى.\rوقال مالك بن المرحل:\rوبيداء كانت لي ضلوعاً تكنني ... كأني فيها لوعةٌ ووجيبُ\rوتحت قميص الليل مني مجمر ... و فوق رداء الصبح مني طيبُ\rوفي مقلة الظلماء مني موردٌ ... له بين أهداب السحاب دبيبُ\rوفي مبسم الإصباح مسواك إسحلٍ ... و لكنه مهما عجمت صليبُ\rفيقضي علي والليل أدعجٌ ... و يفصم عني الصبح وهو شنيبُ\rو قال الآخر يرثي صديقا له نصرانياً:\rأخي بوداد لا أخي بديانتي ... و رب أخٍ في الود مثل نسيبِ\rوقالوا أتبكي اليوم من لست صاحباً ... غداً؟ إنَّ هذا فعل غير لبيبِ\rومن أين لا أبكي حبيبا فقدته ... إذا خاب منه في المعاد نصيبي؟\rو قال بعض الأعراب:\rأ حجاج بيت الله في أي هودجٍ ... و في أي بيت من بيتوكم حبي؟\rيقولون هذا آخر العهد منكم ... فقلت وهذا آخر العهد من قلبي\rو قال الآخر:\rليس ليوم البين عندي سوى ... مدامعٍ يجمعها سكبُ\rكأنما فض بأجفانها ... رمانةٌ فانتثر الحبُ\rو قال الآخر:\rوالغصن قد مال نحو النهر فالتقيا ... على هوى حين غنى الطائر الطربُ\rفقبل النهر غصناً ثغره زهر ... و قبل الغصن نهراً ثغره حببُ\rو قال الآخر:\rقم أدرها فالليل رق دجاه ... وبدا طيلسانه ينجابُ\rوكأن الصباح في الأفق بازٌ ... و الدجى بين مخلبيه غرابُ","part":1,"page":115},{"id":116,"text":"وكأن السماء لجة بحر ... و كأن النجوم فيه عبابُ\rو سيأتي ما قيل في هذا المعنى من مختار الشعر.\rوقال محمد بن حسام الدين:\rألا إنَّ أرض الغرب أفضل موطنٍ ... تساق إليه الواخذات النجائبُ\rولو لم تكن في الغرب كل فضيلة ... لمّا حركت شوقا إليه الكواكبُ\rو قال الآخر:\rقوض خيامك عن أرض يهان بها ... و جانب الذل إنَّ الذل مجتنبُ\rوارحل إذا كانت الأوطان مضيعة ... فالمندل الرطب في أوطانه حطبُ\rو تقدم هذا المعنى مستوفي. وفي معناه أيضاً قول سهل بن مالك:\rمنغص العيش لا يأمي إلى دعةٍ ... من كان ذا ولدٍ أو كان ذا بلدِ\rوالساكن النفس من لم ترض همته ... سكنى مكان ولم يسن إلى أحدِ\rو قال لبن الخطيب:\rوإذا تنغصك الزمان ببلدةٍ ... فاطو المراحل كي تحوز كمالا\rلمّا توغل في السرى بدر الدجى ... أبصرته بدراً وكان هلالا\rو قال الآخر:\rمللت حمص وملتني فلو نطقت ... كما نطقت تلاحينا على قدرِ\rوسولت لي نفسي أن أفارقها ... و الماء في المزن أصفى منه في الغدرِ\rو قول القاضي عبد الوهاب لن نصر:\rبغداد دار لأهل المال والسعة ... و للصعاليك دار الضنك والضيقِ\rأصبحت أمشي مضاعاً في أزقتها ... كأنني مصحف في بيت زنديقِ\rو قال الآخر في ضده:\rلا يعدم المرء ركنا يستكن به ... و شعبه بين أهليه وأصحابهِ\rومن نأى عنهم قلت مهابته ... كالليث يحقر لمّا غاب عن غابِ\rو مثله قول الآخر:\rإنَّ الهزير إذا نأى عن غيضه ... ضربت له الأيدي على ترقيصه\rوكذا الغريب إذا نأى عن داره ... أدته غربته إلى تنقيصه\rو مثله قول الآخر:\rوقالوا اضطرب في الأرض فالرزق واسعٌ ... فقلت ولكن مسلك الرزق ضيقُ\rإذا لم يكن في الأرض حر يعينني ... و لم أك ذا مالٍ فمن أين أنفقُ؟\rو قال أبن المهدي:\rواحن أيام الهوى يومك الذي ... يروع بالهجران فيه وبالعتبُ\rإذا لم يكن في الحب بسخط ولا رضى ... فأين حلاوات الرسائل والكتب؟\rو قال الآخر:\rشيئان لو بكت الدماء عليهما ... عيناي حتى تؤذنا بذهابِ\rلم تبلغا المعشار من حقيهما ... فقد الشباب وفرقة الأحبابِ\rو سيأتي ما في هذا المنزع من الشعر بعد إن شاء الله تعالى.\rوقال مالك بن المرحل:\rمذهبي تقبيل خد مذهب ... سيدي ماذا ترى في مذهبي؟\rلا تخالف مالكا في رأيه ... فيه يأخذ أهل الغربِ\rو سيأتي ما قيل في التوجيه بعد إن شاء الله تعالى وقال عبد الجليل المرسي:\rما للعذار وكان وجهك قبله ... قد خط فيه من الدجى محرابا؟\rوأرى الشباب وكان ليس بخاشعٍ ... قد خر فيه راكعا وأنابا\rولقد علمت بكون ثغرك بارقاً ... أن سوف يرمي للعذار سحابا\rو قال نجم الدين بن بطريق:\rأعاذك الله من همٍّ ومن نصب ... و لا لقيت الذي ألقى من الحربِ\rهذا زماني أبو جقلٍ وذا حربي ... أبو معيط وذا قلبي أبو لهبِ\rو قال الآخر:\rقال حمار الطبيب قومي ... لو أنصفوني لكنت أركبُ\rلأنني جاهل بسيط ... و صاحبي مركب\rو قال أبو الفتح البستي:\rإذا غدا ملك باللهو مشتغلا ... فالحكم على ملكه بالويل والحرب\rأما ترى الشمس في الميزان ساقطة لمّا غدا وهو بيت اللهو والطرب؟\rقال أبو الحسن الوارد:\rيقولون: لاح الشيب فاله عن الصبا ... و عن قهوة تصبو لها وتنيب!\rفقلت: دعوني نصطبحها سلافة ... على صبح شيبي فالصبوح عجيب\rو مثله قول الآخر:\rوقالوا: أنَّ تلهو والشباب قد انقضى ... و عمرك قد ولى يبق طائل؟\rو قال الآخر:\rوقائله: خل الهوى لرجاله ... فإن الهوى بعد المشيب جنون\rفقلت لها: إنَّ الهوى فيه راحة ... ألذ الكرى عند الصباح يكون\rو قال الآخر:\rولائمة لي إذ رأتني مشمراً ... أهرول في سبل الصبا خالع العذر\rتقول: انتبه من رقدة اللهو والصبا ... فقد دب صبح الشيب في غسق الشعر\rفقلت لها: كفي عن اللوم واعلمي ... بأن ألذ النوم إغفاء الفجر!","part":1,"page":116},{"id":117,"text":"و قول أبن الساعاتي في ضده:\rلا تعجبين لطالب نال العلى ... كاهلا واخفق في الزمان المقبل!\rفالخمر تحكم في العقول مسنة ... و تدلس أوّل عصرها بالأرجل\rو قال كاشح في نتف الشيب:\rإذا ما مضى المنقاش يأتي بها أتت ... و قد أخذت من دونها جارة الجنب\rكجان على السلطان يجزى بذنبه ... تعلق بالجيران من شدة الرعب\rو مثله قول أبن النبيه:\rاقتطف البيضاء من لمتي ... دأبا مع السوداء إذ تشرف\rفتخلف البيض بأمثالها ... و تعضب السودا فما تخلف\rحمامة السودان معروفة ... يعرفها من كان لا يعرف\rو قال أبن الخطيب:\rإني لمثلي من بعد ما ... للوخط في الفودين أي دبيب؟\rلبس البياض وحل ذروة منبر ... مني ووالي الواعظ فعل خطيب\rو قال أيضاً:\rوقد كنت يهوى الروض طيب شمائلي ... و يمرح غص البان بين قبابي\rفمذ كتب الوخط الملم بعارضي ... حروفا أتى فيها بمحض عتابي\rنسخت بما قد خطه سنة الهوى ... و كم سنة منسوخة بكتاب!\rو قال أيضاً:\rوما كان إلاّ إنَّ جنى الطرف نظرة ... غدا لقلب رهنا في عقوبة ذنبه\rوما العدل أنَّ يأتي امروء بجريرة ... فيؤخذ في أوزارها جار جنبه\rو قال الآخر:\rقد قلت إذا سار السفين بهم ... و البين ينهب مهجتي نهبا:\rلو أن لي ملكا أصول به ... لأخذت كل سفينة غضبا\rوقال الآخر:\rرضاك شباب لا يليه مشيب ... و سخطك داء ليس منه طبيب\rكأنك من كل النفوس مركب ... فأتت إلى كل النفوس حبيب\rو قال أبن أبي العافية:\rودعتها ووداعها متضمن ... لوداع لذات الحياة وطيبها\rواصفر منها وجهها ففهمت ما ... معنى اصفرار الشمس عند غروبها\rوسيأتي ما في هذا المنزع بعد إن شاء الله تعالى.\rوقال الآخر:\rعجبت لطيف زار في الليل مضجعي ... و آب ولم يشف الفؤاد المعذبا\rفأوهمني أمراً وقلت لعله ... رأى حالة لم يرضها فتجنبا\rوما ذاك من أمر يريب وإنّما ... رآني قتيلا في الدجى فتهيبا\rوسيأتي هذا أيضاً بعد إن شاء الله تعالى.\rوقال أبو محمّد المصري:\rسلام على الشيب الذي لا أريده ... و لا قلت أهلاً حين جلى ومرحبا\rولكنه ضيف كرهت قدومه ... و أكرمته إذ لم أجد عنه مذهبا\rو قال الميكالي:\rعيرتني ترك المدام وقالت: ... هل جفاها من الكرام أديب؟\rهي تحت الظلام نور وفي الأكباد ... برد وفي الخدود لهيب\rقلت: يا هذه عدلت عن النصح ... و ما للرشاد منك نصيب\rإنها للستور هتك وللألباب ... قتل وفي المعاد ذنوب\rو قال الآخر:\rدعتني إلى لهو التصابي وما درت ... بأن زمان اللهو عني ذاهب\rفقلت لها: مالي وللهو بعد ما ... تولى الصبا وازور للغيد جانب\rوقد وخطت بيض من الشعر لمتي ... تخبر إنَّ البيض عني رواغب\rأ ألهو وفجر الشيب قد لاح نوره ... بفودي، فقالت: أوّل الفجر كاذب\rو قال الآخر:\rأن استحسنت مقلتي غيركم ... أمرت السهاد بتعذيبها\rوعاقبتها بالبكا دائما ... لمّا استحسنت غير محبوبها\rفلما تنظر العين إلاّ إليك ... لأنك غاية مطلوبها\rو قال أبو محمّد بن عبد البر رحمه الله:\rقل للوزير وقد قطعت بمدحه ... عمري فكان السجن منه ثوابي\rلم تعد في أمري الصواب موفقا ... هذا جزاء الشاعر الكاذب!\rو قال بعض الأدباء في طريق التورية:\rومعطر الأنفاس يبسم دائما ... عن در ثغر زانه ترتيب\rمن لم يشاهد منه عقد جواهر ... لم يدر ما التنقيح والتهديب\rومثله أيضاً في هذا المعنى:\rقلت والشعر يشي في خده ... لام حسن سهلت لومي علي\rبحياة الحب كوني للرضى ... لام جر لا تكوني لام كي!\rو قال الآخر على هذا الطريق:\rهبت مع لفجر لميعادها ... فافتضح الشارق والغارب\rفجران ذلك الوجه أسناهما ... هل يستوي الصادق والكاذب؟\rو قال آخر على قريب من هذا:\rدهر يمر وآمال مخيمة ... و لا أحتقاب يسوي وزر على الحقب","part":1,"page":117},{"id":118,"text":"تمضى الفروع على حكم الأصول ولا ... استذكار قلب ولا تمهيد منقلب\rخط المشيب على فوديك تذكرة ... بأن تنيب وحتى لأن لم تنب\rوقد نضى سيفه فأحذر صرامته ... فالسيف أصدق أنباء من الكتب!\rسلت عليك الليالي منه ذا شطبٍ ... في حده الحد بين الجد واللعب\rو كتب المستعصم بالله إلى أبن عمار على وجه العتب فيما بلغه عنه:\rوزهدني في الناس معرفتي بهم ... و طول اختباري صاحبا بعد صاحب\rفلم تراني الأيام خلا تسرني ... مباديه إلاّ ساءني في العواقب\rولا قلت أرجوه لدفع ملمة ... من الدهر إلاّ كان إحدى المصائب\rفأجابه أبن عمار بقطعة منها:\rفديتك لا تزهد وثم بقية ... سيرغب فيها عن وقوع النوائب!\rوابق على الخلصان إنَّ لديهم ... على البدء كراتٍ بحسن العواقب\rو قال بعضهم، وقد زاره إخوان له:\rأهلاً وسهلاً بسادات لنا نجب ... كالذبل السمر أو كالأنجم الشهب!\rأجملتم وتفضلتم بزورتكم ... و ليس ينكر فضل من ذوي حسب\rأضاء منزلنا من نور أوجهكم ... و طاب من عيشا ما كان لم يطب\rو قال أبن الرومي:\rأرى الصبر محمودا وعنه مذاهب ... فكيف إذا ما لم يكن عنه مذهب؟\rهناك يحق الصبر والصبر واجب ... و ما كان منه كالضرورة أوجب\rهو المهرب المنجى لمن أحدقت له ... مكاره دهر ليس عنهن مهرب\rو قال القاضي الفاضل في معناه:\rلا تلن للخطوب الحديد ما كان إلاّ ... حين أبدى لينا لحر اللهيب\rإنَّ ضرب الحديد ما كان إلاّ ... حين أبدى لينا لحر اللهيب\rو تقدم ما في هذا المنزع وهو كثير.\rوقال بعض الأعراب:\rلا يقنع الجارية الخضاب ... و لا الوشاحان ولا الجلباب\rمن دون أن تلتقي الأركاب ... و يقعد الأير لعاب\rالأركاب جمع ركب بفتحتين، وهو ظاهر الفرج أو العانة أو منبتها؛ ويقعد معناها هنا يصير، أي يصير الأير وهو الذكر ذا لعاب.\rوقال الآخر:\rعجبت لمبتاع الضلالة بالهدى ... و للمشتري دنياه بالدين أعجب\rوأعجب من هذين من باع دينه ... بدنياه سواه فهو من ذين أخيب\rو قال الحماسي:\rوإنَّ أتوك فقالوا إنّها نصف ... فإنَ أطيب نصفيها الذي ذهبا\rو ينشد هذا الشعر على ضر آخر وهو:\rلا تنكحن عجوزا أو مطلقة ... و لا يسوقنها في حبلك القدر\rوإنَّ أتوك وقالوا إنّها نصف ... فإنَ أطيب نصفيها الذي غبرا\rو فيه عيب القافية. والنصف من النساء بفتحتين: المتوسطة. وقوله أخلع ثيابك يحتمل أنَّ يريد به: انزع محبتك منها وتسل عنها ولا تلتفت إليها والثياب تطلق على لقلوب، فتطلق على المحبة باعتبار إنّها فيها. ومن الأول قول عنترة:\rفشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم\rأي شققت قلبه. ويصحان معا وفي قول امرئ القيس:\rوإنَّ كنت قد ساءتك مني خليفة ... فسلي ثيابك من ثيابك تنسل\rأي سلي قلبي من قلبك، أو محبتي من قلبك. وقيل في قوله تعالى: ) وثيابك فطهر(، أي قلبك، ويكنى بالثياب عن الأعمال أيضاً. ورد إنَّ الميت يبعث في أثوابه أي أعماله.\rفائدة: ذكر أبو العباس أحمد بن عطاء الله أنَّ الشيخ أبا الحسن الشاذلي رضي الله عنهما بات ليلة، وضنها ليلة سبع وعشرين، بالمسجد الجامع وافتتح الصلاة، فجعل الأولياء يتساقطون عليه من كل ناحية، فلما اصبح قال: ما كانت البارحة إلاّ ليلة مباركة! سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يا علي طهر ثيابك من الدنس ، تحظ بمدد الله تعالى في كل نفس في كل نفس! فقلت يا رسول الله، ما ثيابي؟ قال: كذا، وفسرها له بأخلاق قلبه ومقاماته؛ ونسيت اللفظ لطول العهد به. قال أبو الحسن:فعرفت حينئذ معنى قوله تعالى )و ثيابك فطهر(.\rوقال الآخر:\rفإنَ تكن الأيام أحسن مرة ... إلي فقد عادت لهن ذنوب\rو هذا البيت من قصيدة، أضطرب في القائها، رثي بها رجل يقال له أبو المغوار، ورأيت أن أثبتها هنا مع طولها، لحسنها واشتمالها على الأمثال وهي:\rتقول سليمى: ما لجسمك شاحبا ... كأنك يحميك الطعام طبيب؟\rفقلت، ولم يعي الجواب لقولها ... للدهر في صمم الإسلام نصيب:","part":1,"page":118},{"id":119,"text":"تتابع أحداث تخر من اخوتي ... و شيبن رأسي والخطوب تشيب\rلعمري لئن كانت أصابت منية ... أخي والمنايا للرجال شعوب\rلقد عمجت منا الحوادث ماجداً ... عروفا لريب الدهر حين يريب\rوقد كان أما حلمه فمروح ... علينا وأما جهله فعيزب\rفتى الحرب إنَّ حاربت كأنَّ سهامها ... و في السلم مفضال الدين وهوب\rهوت أمه ماذا تضمن قبره ... من الجود والمعروف حين يؤوب؟\rجموع خلا الخير من كل جانب ... إذا جاء جياء بهن ذهوب\rمفيد مفيت الفائدات معود ... لفعل الندى والمكرمات كسيب\rفتى لا يبالي إنَّ يكون بجسمه ... إذا نال خلات الكرام شحوب\rغنينا بخير حقبة ثم جلحت ... علينا التي كل الأنام تصيب\rفأبقت قليلاً ذاهبا وتجهزت ... لأخر والراجي الخلود كذوب\rواعلم أنَّ الباقي الحي منهما ... إلى أجل أقصى مداه قريب\rفلو كان حي يفتدى لفديته ... بما لم تكن عنه النفوس تطيب\rبعيني أو يمنى يدي وإنني ... ببذل فداه جاهدا لمصيب\rفإن تكن الأيام أحسن مرة ... إلي فقد عادت لهن ذنوب\rأخي كان يكفيني وكان يعينني ... على نائبات الدهر حين تنوب\rعظيم رماد النار رحب فناؤه ... إلى سند لم يحتجنه غبوب\rقريب ثراه ما ينال عدوه ... له نبطا أبي الهوان قطوب\rلقد افسد الموت الحياة أتى ... على يومه علق إلي حبيب\rحليم إذا ما الحلم زين أهله ... مع الحلم في عين العدو مهيب\rإذا ما تراه أه الرجال تحفظوا ... فلم تنطق العوراء وهو قريب\rأخي ما أخي لا فاحش عند بيته ... و لا ورع عند اللقاء هيوب\rعلى خير ما كان الرجال نباته ... و ما الحظ إلاّ طعمة ونصيب\rو يروى:\rعلى خير ما كان الرجال خلاله ... و ما الخير إلاّ قسمة ونصيب\rحليف الندى يدعو الندى فيجيبه ... و يدعوه الندى فيجيب\rهو العسل الماذي لينا وشيمة ... و ليث إذا يلقى العدو غضوب\rحليم إذا ما سورة الجهل أطلقت ... حبى الشيب للنفس اللجوج غلوب\rهوت أمه ما يبعث الصبح غاديا ... و ماذا يرد الليل حين يؤوب؟\rكعالية الرمح الرديني لم يكن ... إذا ابتدر الخير الرجال يخيب\rأخو شتوات يعلم الحي إنّه ... سيكثر ما في قدره ويطيب\rليبكك عار لم يجد من يعينه ... و طاوي الحشى نائي المزار غريب\rتروح تزهاه صبى مستطيفة ... بكل ذرى والمستزاد جذيب\rكأن أبا المغمور لم يوف مرقبا ... إذا ربا القوم الغزاة رقيب\rولم يدع الفتيان كرامة لميسر ... إذا هب من ريح الشتاء هبوب\rإذا حل لم تقصر مقامة بيته ... و لكنه الأدنى بحيث يجيب\rحبيب إلى الزوار غشيان بيته ... جميل المحيى شب وهو أديب\rيبيت الندى يا أم عمرو ضجيعه ... إذا لم يكن في المنقيات حلوب\rكأن بيوت الحي ما لم يكن بها ... بسابس لا يفنى بهن غريب\rإذا شهيد الايسار أو غاب بعضهم ... كفى ذاك وضاح الجبين نجيب\rو يروى:\rوإن شهدوا أو غاب بعض حماتهم ... كفى ذاك وضاح الجبين أريب\rوداع دعا: يا من يجيب إلى الندى؟ ... فلم يستجيه عند ذاك مجيب\rفقلت: ادع أخرى وارفع الصوت جهرة ... لعل أبي المغوار منك قريب!\rو يروى:\rيجبك كما قد كان يفعل إنّه ... نجيب لابواب العلاء طلوب\rفاني لباكيه وإني لصادق ... عليه وبعض القائلين كذوب\rفتى اريحي كان يهتز للندى ... كما اهتز ماضي الشفرتين قضيب\rوخبرتماني إنّما الموت بالقرى ... فكيف وهاتا روضة وكثيب؟\rو قال جميل بن معمر بن عبد الله العذاري:\rوقالوا: يا جميل أتى أخوها ... فقلت: أتى الحبيب أخو الحبيب\rاحبك إنَّ نزلت جبال حسمى ... و إنَّ ناسبت بثنة من قريب\rو كانت حفصة بنت عمران مات عنها زوجها فخاطبها عبد الله بن الحسين بن حسن بن علي وإبراهيم بن هشام. فكان أخوها محمد بن عمران إذا دخل على إبراهيم أنشدت إبراهيم متمثلا: وقالوا: يا جميل أتى أخوها البيت وقال أبو محمد الحريري رحمه الله:","part":1,"page":119},{"id":120,"text":"وقع الشوائب شيب ... و الدهر بالناس قلب\rإنَّ دان يوما لشخص ... ففي غد يتقلب\rفلا تثق بوميض ... من برقه فهو خلب\rوإذا هو أضرى ... بك الخطوب وألب\rفما على التبر عار ... في النار حين يقلب\rوقال أيضاً:\rلجوب البلاد مع المتربة ... احب ألي من المرتبة\rلأن الولاة لهم نبوة ... و معتبة يا لها معتبة\rوما فيهم من يرب الصنيع ... و لا من يشيد ما رببه\rفلا يخدعنك لموع السراب ... و لا تأت أمرا إذا ما اشتبه\rفكم حالم سره حلمه ... و أدركه الروع لمّا انتبه\rو قال أيضاً:\rفاليوم من يعلق الرجاء به ... اكسد شيء في سوقه الأدب\rلا عرض أبنائه يصان ولا ... يرقب فيهم آل ولا نسب\rكأنهم في عراصهم جيف ... يبعد من نتنا ويجتنب\rو هذا منزع سيأتي ذكر ما فيه إن شاء الله تعالى. وقال أيضاً:\rسل الزمان علي عضبه ... ليروعني وأحد غربه\rواستل من جفني كراه ... مراغما وأساله غربه\rوأجالني في الأفق اطوي ... شرقه وأجوب غربه\rفبكل جو طلعه ... في كل يوم لي وغربه\rوكذا المغرب شخصه ... متغرب ومواه غربه\rالغرب الأول حدّثني السيف والغرب الثاني مجرى الدمع والثالث ضد الشرق والرابع فعلة من الغروب يقال: غرب غربة وطلع طلعة والخامس البعد يقال: نوى غربة أي بعيده.\rقال طرفة:\rأخبرك إنَّ الحي فرق بينهم ... نوى غربة ضرابة لي كذلك\rو فسرت هنا أيضاً بالحدة وهي من معانيها وغربة النوى بعدها.\rوقال أيضاً:\rلا تيأسن عند النوب ... من فرجة تجلو الكرب\rفلكم سموم هب ثم ... جرى نسيما وانقلب\rوسحاب مكروه تنشى ... فاضمحل وما سكب\rودخان خطب خيف منه ... فما استبان له لهب\rولطالما طلع الأسى ... و على تفيئته غرب\rفاصبر إذا ما ناب رو ... على فالزمان أبو العجب\rوترج من زوح الإله ... لطائف لا تحتسب\rو قال أيضاً:\rلعمرك ما تغني المغاني ولا الغنا ... إذا سكن المرء الثرى وثوى به\rفجد في مراضيه الله بالمال راضيا ... بما تقتني من اجره وثوابه\rوبادر به صرف الزمان فانه ... بمخلبه الاشقى يصول ونابه\rولا تأمن الدهر الخؤون ومكره ... فكم خامل أخفى عليه ونابه\rوعاص هوى النفس الذي ما أطاعه ... أخو ضلة إلاّ هوى من عاقبه\rولا تله عن تذكار ذنبك وابكه ... بدمع يضاهي الوبل حال مصابه\rومثل لعينيك الحمام ووقعه ... و روعة ملقاه ومعظم صابه\rوإنَّ قصارى مسكن الحي حفرة ... سينزلها مستنزلا عن قبابه\rفواها لعبد ساءه سوء فعله ... و أبدى التلافي قبل إغلاق بابه\rو قال أيضاً:\rاصرف بصرف الراح عنك الأسى ... و روح القلب ولاتكتئب\rوقل لمن لامك فيما به ... تدفع عنك الهم: قدك اتئب!\rو هذا مما يتمثل به أهل المجون لكنه بصدد أن يستعمل في الجد وخمر المحبة والعرفتن والأنس الرحماني، يعرف ذلك ذوو البصائر. وقال أيضاً :\rفإنَ فطنتم للحن القول بان لكم ... صديقي ودلكم طلعي على رطبي\rوإن شهدتم فإنَ العار فيه على ... من لا يميز بين العود والخشب\rو قال الآخر:\rومن لا يغمض عينه عن صديقه ... و عن بعض ما فيه يمت وهو عاتبُ\rومن يتتبع حاهداً كل عثرةٍ ... يجدها ولا يبقى له الدهر صاحبُ\rو تقدم هذا المعنى وما فيه.\rويحكى أنَّ يزيد بن عبد الملك بلغه أيام خلافته أنَّ أخاه هشاماً ينتقصه. فكتب إليه معاتبا له: مثلي ومثلك كما قال الأول:\rتمنى رجالٌ أن أموت فإن أمت ... فتلك طريق لست فيها بأوحدِ\rلعل الذي يبغي ردائي ويرتجي ... به قبل موتي أن يكون هو الردي\rفكتب إليه هشام إنّما مثلي ومثلك كما قال الأول:\rومن لا يغمض عينه عن صديقه ... و عن بعض ما فيه يمت وهو عاتب\rفكتب إليه يزيد: نحن مغتفرون لك ما كان منك، حفظا لوصية أبينا فينا، وحضه إيانا على إصلاح ذات البين، وأنا أعلم كما قال معن بن أوس:\rلعمرك ما أدري لأوجل ... على أينا تعدو المنية أولُ","part":1,"page":120},{"id":121,"text":"وإني على أشياء منك تريبني ... قديما لذو صفحٍ على ذاك مجماُ\rستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ... يمينك فانظر أي كفٍّ تبدلُ!\rإذا سؤتني يوما رجعت إلى غدٍ ... ليعقب يوماً منك آخر مقبلُ\rويركب حدّثني السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحلُ\rوفي الناس إن رثت حبالك واصلٌ ... و في الأرض عن دار القلى متحولُ\rإذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكن ... إليه بوجهٍ آخر الدهر تقبلُ\rفلما جاء الكتاب هشاما رحل إليه فلم يزل في جواره حتى مات خوفا من شر الوشاة.\rوقال المولى أبو حمو موسى بن يوسف الملك الزياني:\rالحب اضعف جسمي فوق ما وجبا ... و الشوق رد خيالي بالسقام هبا\rوالبين أشعل نار الوجد في كبدي ... و الدمع يضرمها في القلب واعجبا!\rوماءٌ ونارٌ وأكبادي لها حطبٌ ... لكن عذابي به للحب قد عذبا\rما كنت أدريهما حتى صحبتهما ... كرهاً وقد يكره الإنسان من صحبا\rو قال الآخر:\rكل يومٍ قطيعةٌ وعتابٌ ... ينقضي دهرنا ونحن غضاب\rليت شعري فهل خصصت بهذا ... أنا وحدي أم هكذا الأحبابُ؟\rو تقدم هذا الشعر إلاّ أنَّ له حكاية تذكر.\rقال الجاحظ: بعث إلي المتوكل لتأديب ولده. فلما رآني استبشع منظري وأمر لي بعشرة آلاف درهم وصرفني. فلما خرجت من عنده لقيت محمد بن إبراهيم يريد الانحدار في سفينة إلى مدينة السلام، فركبت معه. فأمر يوما بنصب أستاره وأمر عوادة عنده أن تغني، فأخذت العود وغنت: كل يوم قطيعة وعتاب البيتين ثم سكتت. فأمر طنبورية كانت عنده أن تغني فأخذت الطنبور وغنت:\rوارحمة للعاشقين ... ما أرى لهم معينا!\rكم يظلمون ويهجرو ... ن ويقطعون فيصبرون!\rفقالت العوادة: وماذا يصنعون؟ فقالت: يصنعون هكذا! فهتكت الستارة ورمت بنفسها في الماء. وكان على رأس محمد غلام مثلها في الجمال، بيده مدية. فلما رأى ما صنعت ألقى المدية وجاء إلى الموضع الذي رمت بنفسها منه فقال:\rأنت الذي غرقتني ... بعد القضا لو تعلمين\rلا خير بعدك في البقا ... و الموت زين العاشقين\rثم رمى بنفسه في أثرها وعانقها في الماء، فكان آخر العهد بهما. فعظم الأمر على محمد والتفت إلي وقال: يا عمرو، حدثني بحديث تسليني به عن هذين، وإلاّ لحقت بهما! فقالت: جلس سليمان بن عبد الملك يوما للمظالم فعرضت عليه بطاقة فيها: إن رأى أمير المؤمنين أعزه الله أن يخرج ألي جاريته فلانه حتى تغني لي ثلاثة أصوات فعل. فاغتاظ وأمر بإحضاره. فلما حضر قال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: الثقة بحلمك. فسري عنه وأمره بالجلوس وأمر الناس بالانصراف. ثم أمر بإخراج الجارية فجاءت بعودها وجلست. فقال لها الفتى: غني لي:\rتعلق روحي روحها قبل خلقنا ... و من بعد ما كنا نطافا وفي المهدِ\rوزاد كما زدنا وأصبح ناميا ... و ليس وإن متنا بمنتقض العهدِ\rولكنه باقٍ على حاله كذا ... و زائد ما في ظلمة القبر واللحدِ\rفلما غنته طرب طربا شديدا وقال: فداؤك أبي وأمي! قال: غني لي:\rإذا قلت: مابي يا بثينة قاتلي ... من الحب قالت: ثابتٌ ويزيدُ\rوإن قلت: ردي بعض عقلي أعش به ... مع الناس قالت: ذاك منك بعيدُ\rيموت الهوى مني إذا ما لقيتها ... و يحيا إذا فارقتها ويعودُ\rفلما غنت طرب طربا أعظم من الأول وقال: فدتك نفسي! ثم قال: غني لي:\rمني الوصال ومنكم الهجر ... حتى يفرق بيننا الدهرُ\rوالله لا أنساكم أبداً ... ما لاح نجم أو بدا بدرُ\rفما أتمتها حتى زج بنفسه في الهواء ثم انعكس على دماغه وسقط بالأرض فإذا هو ميت. فقال سليمان: عجل على نفسه. والله ما أخرتها إلاّ على ملكه! يا غلام خذ بيدها وانطلق بها فإن كان له أهل وإلاّ بيعت وتصدق بثمنها عليه. فانطلق بها، فلما توسطت الدار رأت حفرة أعدت لماء المطر فقالت:\rمن مات عشقا فليمت هكذا ... لا خير في عشق بلا موت!","part":1,"page":121},{"id":122,"text":"ثم جذبت بيدها من يد الغلام، وألقت بنفسها في الحفرة على دماغها فماتت. قال: فسيري عن محمّد ووصلني وكساني. قال ثم حدثت بهذا الحديث محمّد بن جعفر الأخباري فقال: كان محمّد بن حميد الطوسي يوما مع ندمائه، فغنت جارية له:\rيا قمر القصر متى تطلع؟ ... أشقى وغيري بك يستمتع\rإنَّ كان ربي قد قضى ما أرى ... منك على رأسي فما أصنع؟\rو كان على رأس محمّد بن حميد غلام بيده قدح يسقيه به. فرما بالقدح من يده وقال: تصنعين هكذا! ورمى بنفسه من الدار إلى دجلة. فلما رأت ذلك الجارية قامت ورمت بنفسها على أثره، فكان آخر العهد بهما. وقال آخر من الطفيليين:\rكل يوم أدور في عرصة الدار ... أشم القتار شم الذباب\rفإذا ما رأيت آثار عرس ... أو دخانا أو دعوة الأصحاب\rلم أعرج دون التقحم لا أرهب ... شتما ولكزة البواب\rمستهينا بمن دخلت عليه ... غير مستأذن ولا هياب\rذاك أهنا من التكلف والعز ... م وشتم البقال والقصاب\rو كان هذا الطفيلي أتى وليمة فأقتحم الدار وأخذ مجلسه من الناس فأنكره صاحب المنزل وقال له: لو صبرت حتى يؤذن لك لكان أحسن لأدبك فقال: إنّما واطراحها صلة. وجاء في الأثر: صل من قطعك وأحسن إلى من أساء إليك! ثم إني أجمع فيها خلالا: أدخل مجالسا، وآكل موانسا، وأبسط رب دار وإنَّ كان عابسا وانشد ما تقدم.\rوقال الآخر:\rكنا نعاتبكم ليالي ... عودكم حلو المذاق وفيكم مستعتب\rفالآن حين بدا التنكر منكم ... ذهب العتاب وليس عنكم مذهب\rيحكى أنَّ قينة أجتمع عند أربعة من عشاقها، وكل يخفي أمره عن الآخرين. وكان أحدهم غائبا فقدم، والثاني عزم على السفر، والثالث قد انقضت أيامه، والرابع كما ابتدأ.\rفضحكت إلى الأول، وبكت إلى الثاني، وأبعدت الثالث، وأطمعت الرابع. وانشدها كل منهم ما يشاكل حاله، وأجابته بمثل ذلك. فقال لها القادم: جعلت فداك أتستحسنين:\rومن ينأ عن دار الهوى يكثر البكا ... و قول لعل أو عسى ويكون\rوما اخترت نأي الدار عنك لسلوة ... و لكن مقادير لهن شجون\rفقالت: نعم! وأنا أحذق بقول مطارحه، ثم غنت:\rوما زلت مذ شطت بك الدار باكيا ... أو مل منك العطف حين تؤوب؟\rفأضعف ما بي حين أبت وزدتني ... عذابا وإعراضا وأنت قريب\rو قال الذي عزم على السفر: جعلت فداك! أتحسنين:\rأزف الفراق فأعلني جزعا ... و دع العتاب فإنما سفر\rإنَّ المحب يصد مقتربا ... فإذا تباعد شفه الذكر\rفقالت: نعم! وأحسن من شكله. ثم غنت:\rلأقيمن مأتما عن قريب ... ليس بعد الفراق غير النحيب\rربما أوجع النوى للقلوب ... ثم لا سيما فراق الحبيب\rو قال الذي انقضت أيامه: جعلت فداك! أتحسنين: كنا نعاتبكم ليالي عودكم البيتين السابقين. فقالت: ولكن أحسن في معناه، ثم غنت:\rوصلتك لمّا كان ودك خالصا ... و أعرضت لمّا صرت نهبا مقسما\rولن يلبث الحوض الجديد بناؤه ... على كثرة الوراد أنَّ يتهدما\rو قال الذي أقبلت أيامه جعلت فداك! أتحسنين:\rإني لأعظم أنَّ أبوح بحاجتي ... فإذا قرأت صحيفتي فتفهمي\rوعليك عهد الله إنَّ أثبته ... أحدا وإنَّ آذنته بتكلم\rفقالت: نعم! واحسن في معناه. ثم غنت:\rلعمرك ما استودعت سري وسرها ... سوانا حذار أنَّ تذاع السرائر!\rأ كاتم ما بالقلب بقيى على الهوى ... مخالفة أنَّ يغرى بذلك ذاكر\rفانصرفوا، وكل قد لوح بحاجته، واخذ جوابه.\rوقالت امرأة كان زوجها غائبا عنها فذكرته:\rتطاول هذا الليل وأسود جانبه ... و أرقني ألا خليل ألاعبه\rفو الله لولا الله تخشى عواقبه ... لزعزع من هذا السرير جوانبه\rوبت إلا هي غير بدع منعما ... لطيف الخشا لا يحتويه مصاحبه\rيلاعبني فوق الحشايا وتارة ... يعاتبني في حبه وأعاتبه\rولكنني أخشى رقيبا موكلا ... بأنفاسنا لا يفتر الدهر كاتبه\rمخافة ربي والحياء يصونني ... و حفظا لبعلي أنَّ تنال مراكبه","part":1,"page":122},{"id":123,"text":"و يروى أنَّ أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه خرج ليلا فسمع هذا المرأة تنشد، فلما فرغت من الشعر المذكور، تنفست الصعداء وقالت لهان على أبن الخطاب وحشتي وغيبة زوجي عني. فتأوه عمر لذلك ووجه في إقبال زوجها، وسأل النساء كم تصبر المرأة عن الزوج، فقلن أربعة اشهر، فجعل ذلك غاية الغيبة في المغازي كما في الايلاء وقيل ستة اشهر. وفي الشعر المذكور اختلافات كثيرة.\rوقال الآخر:\rرب ليل أمد من نفس العا ... شق طولا قطعته بانتحاب\rوحديث ألذ من نظر الوا ... مق بدلته بسوء العتاب\rيحكى عن خالد الكاتب قال: دخلت دير فإذا أنا بشاب جميل موثق، فسلمت عليه فرد علي وقال: ومن أنت: فقلت خالد بن يزيد. وقال: صاحب الشعر الرقيق؟ فقلت: نعم! قال: إنَّ رأيت أنَّ تفرج عني بعض ما أنا فيه بإنشاد شيء من شعرك ففعل! فأنشده:\rترشفتُ من شفتيها عقاراً ... و قبلت من خدها جلنارا\rوعانتفت منها كثيباً مهيلاً ... و غصناً رطيباً وبدراً أنارا\rوأبصرت من نورها في الظلا ... م ثال بكل مكان بليلٍ نهارا\rفقال: أحسنت لا فضض الله فاك! ثم قال: أجزاي هذين البيتين وأنشد: ربَّ ليلٍ أمد من نفس العاشق البيتين. قال خالد: فو الله لقد أعملت فكري وحاولت في الزيادة عليها فلم أقدر! وقال أبن بسام الورد:\rأما ترى الورد يدعو للورود على ... حمراء صافيةٍ في لونها صهبُ؟\rمداهنٌ من يواقيت مركبةٍ ... على الزبرجد في أجوفها ذهبُ\rخاف الملالة إذ طالت إقامته ... فصار يظهر حيناً ثم يحتجبُ\rو سيأتي ذكر ما في هذا المنزع بعد إن شاء الله تعالى.\rوقال الآخر:\rإذا ملك لم يكن ذاهبه ... فدعه فدولته ذاهبه\rأي إذا لم يكن صاحب هبة وعطية فدولته ذاهبة لا بقاء لها.\rوقال التنسي:\rغن أهل العلم قوم سادة ... ما على نور سناهم من حجاب\rمن عداً يجحد جهلا حقهم ... حاق في الأخرى به سوء العذاب\rو قال أيضاً :\rمن يكن بأبيه والأم براً ... فهو من ربه بوصف اقترابِ\rو قال إبراهيم بن حسان:\rيشين الفتى في الناس قلة عقله ... و إن كرمت أعراقه ومناسبه\rو قال الآخر:\rألم تر أنَّ العقل زين لأهله ... و لكن تمام العقل طول التحاربِ\rو قال الآخر:\rوما سمى الإنسان إلاّ لأنسه ... و لا القلب إلاّ أنه يتقلبُ\rو قال الآخر:\rعليك بأوساط الأمور فإنها ... نجاةٌ ولا تركب ذلولا ولا صعبا!\rو سيأتي هذا المعنى.\rوقال أبن المعتز:\rلحومهم لحمي وهم يأكلونه ... و ما داهيات المرء إلاّ أقاربه\rو من كلام الكندي في هذا : الأب رب، والجد كد والولد كمد والأخ فخ والعم غم والخال وبال والأقارب عقارب وإنّما المرء بصديقه. ولبعضهم فيه:\rأقاربك العقارب في أذاها ... فلا تركن إلى عم وخال\rفكم عم أتاك الغم منه ... و كم خالٍ من الخيرات خالِ\rو قال أبن الرومي:\rعدوك من صديقك مستفادٌ ... فلا تستكثرن من الصحاب!\rفإنَ الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب\rو هذا منزع يتسع فيه القول أستوفي في غير هذا الموضع.\rوقال الآخر:\rومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها؟ ... كفى المرء نبلا أن تعد معليبه\rو قال أبن الرومي:\rومن قلة الإنصاف أنك تبتغي ... مهذب أخلاقٍ ولست مهذبا\rو قال إبراهيم بن هرمة:\rفإنك وأطرا حك وصل سلمى ... لأخرى في مودتها نكوبُ\rكثاقبةٍ لحلي مستعارٍ ... لأذنيها فشانها الثقوبُ\rفأدت حلي جارتها إليها ... و قد بقيت بأذنيها ندوبُ\rو حاصل هذا الشعر وفحواه أنه لا ينبغي لك أن تطرح صاحبك إلى صاحب آخر وأنت تجد فيه إلاّ مثل ما في الأول أو شراً منه. فعليك بالصفح والغفران والاستبقاء على الخلان.\rوقال صالح بن عبد القدوس:\rإذا وترت امرؤا فأحذر عداوته ... من يزرع الشوك لا يحصد به عنبا\rإنَّ العدو وإنَّ أبدى مسالمة ... إذا رأى منك يوما فرصة وثبا\rو تقدم هذا في الباب الأول. وقال الآخر::\rقد ينفع الأدب الأحداث في مهل ... و ليس ينفع بعد الكبر الأدب","part":1,"page":123},{"id":124,"text":"إنَّ الغصون إذا قومتها اعتدلت ... و لن تلين إذا قومتها الخشب\rو قال الآخر:\rفما خلق الله مثل العقول ... و لا اكتسب المرء مثل الأدب\rوما كرم النفس إلاّ التقى ... و لا حسب المرء إلاّ النسب\rوفي العلم زين لأهل الحجى ... و آفة ذي الحلم طيش الغضب\rو قال كشاجم:\rلم أرض عن نفسي مخافة سخطها ... و رضى الفتى عن نفسه إغضابها\rولو إنني عنها رضيت لقصرت ... عما تزيد بمثله آدابها\rوتبينت آثار ذاك فأكثرت ... عذلي عليه وطال فيه عتابها\rو قال الآخر:\rاحب مكارم الأخلاق جهدي ... و اكره إنَّ أعيب وإنَّ اعابا\rواصفح عن يباب الناس حلما ... و شر الناس من يهوى السبابا\rومن هاب الرجال تهيبوه ... و من حقر الرجال فلن يهابا\rو قال الآخر:\rفيا رب السنة كالسيوف ... تقطع أعناق أربابها!\rو قال عبد الله بن سليمان بن وهب:\rنوائب الدهر أدبتني ... و إنّما يوعظ الأديب\rفذقت حلوا وذقت مرا ... كذاك عيش الفتى ضروب\rلم يمض بؤس ولا نعيم ... إلاّ ولي منهما نصيب\rكذاك من صاحب الليالي ... تعروه في أمرها الخطوب\rو قال أبو الأسود:\rوما كل ذي لب بمؤتيك نصحه ... و لا كل مؤت نصحه بلبيب\rو قال الفضل بن العباس بن عتبة:\rوقد ترفع الأيام من كان جاهلاً ... و يردي الهوى ذا الرأي وهو لبيب\rويحمد في الأمر الفتى وهو مخطئٌ ... و يذل في الإحسان وهو مصيب\rو قال النمر بني تولب:\rولا تغضبن على امرئ في ماله ... و على كرائم صلب مالك فأغضب\rو قال النابغة:\rفإنَ يك عامر قد قال جاهلاً ... فإنَ مظنة الجاهل الشباب\rو قال عبيد بن الأبرص:\rوكل ذي غيبة يؤوب ... و غائب الموت لا يؤوب\rو قال الآخر:\rلمعرك ما ود اللسان بنافعٍ ... إذا لم يكن أصل المودة في القلب\rو قال الآخر:\rوما الدهر والأيام إلاّ كما ترى: ... رزية مال أو فراق حبيب\rو قال الآخر:\rولا أتمنى الشر والشر تاركي ... و لكن متى أحمل على الشر أركب\rو قال الكميت:\rإذا لم يكن إلاّ الأسنة مركب ... فلا رأي للمضطر إلاّ ركوبها\rو قال أيضاً:\rأيا موقد ناراً لغيرك ضوءها ... و ياحاطبا في حبل غيرك تحطب!\rو قال أبن المعتز:\rوإنَّ فرصة أمكنت من العدى ... فلا تبد فعلك إلاّ بها\rو قال محمود:\rكم من حريص على شيء ليدركه ... و إنَّ إدراكه يدني إلى عطبه\rوقال السري الموصلي:\rإذا الحمل الثقيل توزعته ... اكف القوم خف على الرقاب\rوقال أعرابي يهجو بنيه:\rإنَّ بني كلهم كالكلب ... إبرهم أولاهم بنسب\rلم يغني عنهم أدبي وضربي ... و لا أتساعي لهم وحربي\rفليتني بت بغير عقب ... أو ليتني كنت عقيم الصلب\rو قال النابغة يمدح غسان:\rولا عيب فيهم غير إنَّ سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب\rو يروى إنَّ عروة بن الزبير رضي الله عنهما قال لعبد الملك بن مروان: أريد إنَّ تعطيني سيف أخي عبد الله بن الزبير. فقال له: هو بين السيوف ولا أميزه. فقال: إذا أحضرت ميزته أنا. فأمر عبد الملك بن مروان بإحضاره. فلما أحضره اخذ عروة سيفا مفلول الحد وقال: هذا سيف أخي. فقال عبد الملك: أ كنت عرفته قبل اليوم؟ قال: لا قال: فكيف عرفته؟ قال: عرفته بقول النابغة:\rولا عيب فيهم غير إنَّ سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب\rو قال بعض المتأخرين قبل عصرنا بقريب:\rوهبني جهلت النحو يزري بقسطه ... ففيم ارزق في المعاني الغرائب؟\rو كان هذا القائل مزجى البضاعة في النحو وله قريحة لا بأس بها. يحكى إنّه مدح بعض ملوك مراكش بقصيدة فكأنه رأى غضاضة من قبل الأعراب فقال ذلك. وهذا البيت مما يتعلق به في وقتنا البطالون عند الاعتذار عن التقصير في درك الأشياء. وكان هذا الرجل شبيها بالمعمار في زمنه وكان المعمار أحد الأدباء له شعر رائق ذكر كثير منه أبو بكر بن حجة الحموي في كتابه تقديم أبي بكر غير إنّه يقع في شعره أمور لا تساعدها العربية. وقال سحيم الفقعسي:","part":1,"page":124},{"id":125,"text":"وأكتم الأسرار لكن ابنها ... و لا ادع الأسرار تلغي على قلد\rوإنَّ قليل العقل من بات ليلة ... تقلبه الأسرار جانبا إلى جند\rو هذه سخافة وسقاطة. ولولا أنَّ الكتاب بصدد أنَّ يذكر فيه ما يتمثل به إنَّ كان ما عجز على مثل هذا الكلام، لمنافاته الخلق الجميل. وقلت أنا معارضا له على هذا الأسلوب:\rلعمرك ما من بث سرا بذي لب ... و لا حاشاه منه أمسى على كرب\rولكن أخو الحلم الذي ما أذعته ... تنساه حتى ليس يهجس بالقلب\rو في الخبر: من أسر إلى أخيه سراً لم يحل له أنَّ يشفيه. وقال عمر رضي الله عنه: من كتم سره كان خياره بيده.\rوقال أكثم بن صيفي: سرك من دمك، فأنظر أين تريقه! وقال بعضهم:\rولو قدرت على نسيان مثال أشتملت ... مني الضلوع من الأسرار والخبر\rلكنت أوّل من ينسى سرائره ... إذ كنت من نثرها يوما على خطر\rو يقال: من ضاق صدره، اتسع لسانه. وسيأتي ما قيل في كتمان السر مستوفي.\rوقال آخر في طبيب:\rلأبي العيص ألف قتيل ... كان يوم وليس ذا بعجيب\rأيّها الناس إنَّ ذا لغريبٌ ... ملك الموت في ثياب طبيب\rو قال آخر:\rعد عني لست من أربي ... كان هذا حين كنت صبي\rوجنة كانت أبا لهب ... فغدت حمالة الحطب\rو قال أبن المعتز:\rشهر الصيام مبارك ... لو لم يكن في شهر آب\rخفت العذاب فصمته ... فوقعت في عين العذاب\rو قلت أنا معارضا على هذا الأسلوب:\rشهر الصيام مارك ... و لا سيما في شهر آب\rإنَّ الصدى في حره ... يشفي صدى يوم الحساب\rوينيل ورد السلسبيل ... و رشف معسول الرضاب\rو قال أبو الغريب:\rسقيا لعهد خليل كان يأدم لي ... زادي ويذهب عن زوجاتي الغضب\rكان الخليل فأضحى قد تخونه ... مر الزمان وتطيعني به الثقب\rيا صاح بلغ ذوي لزوجات كلهم ... أنَّ ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب!\rكان أبو الغريب هذا شيخا، فتزوج ولو يولم. فاجتمع الفتيان ول خبائه، فصاحوا به:أولم ولو بيربوع، ولو بقدرٍ، مجدوع، قتلتنا من الجوع! فأولم. فلما عرس غدوا عليه فقالوا:\rيا ليت شعري عن أبي غريب ... إذ بات في مساحب وطيب\rمعانقا للرشا والربيب ... أ أجمد المحفار في القليب\rأم كان رخوا يابس القضيب؟\rفصاح: يابس القضيب والله! ثم انشأ يقول: سقيا لعهد الخليل \" الأبيات \" . يريد قضيبه.\rوقوله عرى الذنب يريد عرى الذكر، وهو العصب.\rوقال الحماسي\rأنخ فاصطنع قرصا إذا اعتادك الهوى ... بزيت لكي يكفيك فقد الحبائب\rإذا اجتمع الجوع المبرح والهوى ... نسيت وصال الغنيات والكواعب\rفدع عنك أمر الحب لا تذكرنه ... و بادر إلى تمر معد ورائب\rو في هذا الكلام خلل وتدافع يغتفر في جانب الهزل والتلميح.\rومن معنى هذا ما روي أنَّ حميد المهلبي، وكان من النعماء، جلس يوما إلى قينة كاز يهواها، فجعلت تحدثه. فلما طال المجلس وغلب عليه الجوع قال لها: مالي لا أسمع للغداء ذكراً؟ فقالت له: أما تستحي؟ أليس في وجهي ما يشغلك عن هذا؟ فقال لها جعلت فداك! لو أنَّ جميلاً وبثينة جلسا ساعة يتحدثان ولم يأكلا فيها شيئاً لبصق كل منهما في وجه صاحبه وافترقا! ولعل هذا القد يكفي من الباب، فلنمسك العنان خشية الطول، )و الله يقول الحق وهو يهدي السبيل(.\rباب التاء والمثناة\rتتابعي بقر!\rيقال بعت الرجل بالكسر أتبعه إذا مشيت وراءه؛ وكذا أتبعته، وتتابعوا: اتبع بعضهم بعضا، والبقر معروف يطلق على الإنسية المعروفة وعلى الوحشية، كقول الشاعر يصف نساء:\rأشبهن من بقر الخلساء أعينها ... و هن أحسن من صيرانها صورا\rو هن أربع أصناف: المها والأيل واليحمور والتيثلز وأصل المثل أنَّ بشر بن الحارث الأسدي خرج في سنة جهد وجدب، فمروا ببقر فنفرت منهم، فقام على راس الجبل ورماها بقوسه، فجعلت تلقي نفسها وهو يقول: تتابع بقر!، حتى تكسرت ثم رجع إلى قومه فأعلمهم بها فأخذوها. يضرب عند تتابع الأمر وسرعته. وعلى هذا فبقر منادى، تتابعي يا بقر. وحذف منه حرف النداء وإنَّ كان اسم جنس، وهو جائز على قلة، كقوله: ثوبي حجر! وقال الشاعر:","part":1,"page":125},{"id":126,"text":"فقلت له: عطار هلا أتينا ... بريح الخزامى أو بخوضة عفرج؟\rأتبع الفرس لجامها، والناقة زمامها، والدلو رشاءها.\rويقال أيضاً: أتبع المهرة لجامها الخ. وتقول اتبعت زيداً إذا سبقك فلحته، واتبعته كذا إذا جعلت ذلك تابعا له : والفرس معروف، يقع على الذكر والأنثى والمهر ولد الفرس، وقيل أوّل ما ينتج منه ومن غيره؛ والأنثى مهرة. قال عنترة:\rلمّا تذكري مهري وما أطعمته ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب!\rو قال حميدة بنت النعمان بن بشير:\rوما أنا إلاّ مهرة عربية ... سليلة أفراس تجللها بغل\rو الناقة معروفة، جمعها ناق ونوق وانوق ويهمز واونق واينق على القلب وانواق والزمام بكسر الزاي: ما يشد به جمعه أزمة والدلو معروف مؤنث وقد يذكر جمعه أدل ودلاء ودلي والرشاء بكسر الراء والمد: الحبل وهمزته مقلوبة عن واو جمعه ارشية وقال زهير:\rفشج به الأماعز وهي تهوي ... هوي الدلو أسلمها الرشاء\rأي شج هذا الحمار المذكور يعني علا بها أي بالأتان الاماعز وهي الأمكنة الغليظة وهي تهوي أي تسرع إسراع الدلو أسلمها الرشاء أي انقطع عنها حبلها فهوت إلى قعر البئر ولا أسرع منها حينئذ ومعنى جملة المثل ظاهر وهي عند التفصيل ثلاثة أمثال ومقصدها واحد تضرب عند الأمر باستكمال المعروف وإتمام الصنع. وسببه إنَّ ضرار بن عمرو أغار على حي عمرو بن ثعلبة وعمرو غير حاضر. فلما حضر تبعه فلحقه قبل أن يصل إلى أرضه فقال له: \" رد علي أهلي ومالي! \" فردهما عليه فقال له: \" رد علي قياني! \" فرد عليه القينة الرابعة وحبس ابنتها سلمى. فقال له حينئذ: \" يا أبا قبيضة اتبع الفرس! \" الخ. وفي معنى الجملة الأخيرة قول الحماسي قيس بن الخطيم:\rإذا ما شربت أربعا خط مأرزي ... و اتبعت دلوي في السماح رشاءها\rيقول إذا شربت من الراح أربعا: يعني أربع اكؤس خط مأرزي أي جررت ردائي خيلاء واتبعت دلوي في السماح رشاءها أي تخلقت بالسماحة والفضل فأعطيت البذل وأوسعت الطول. وهم يفتخرون بالسماح حال السكر لأن ذلك من مكارم الأخلاق التي يحركها الثمل والنشوة كما قال طرفة:\rلا تعز الخمر إن طافوا بها ... بسباء الشول والكوم البكر\rفإذا ما شربوها وانتشروا ... و هبوا كل آمون وطمر\rثم راحوا عبق المسك بهم ... يلحفون الأرض هداب الأزر\rو الآمون كصبور التي يؤمن عثارها من النوق والطمر الوثاب من الخيل. يقول: إذا سكروا جادوا بالنجائب من الإبل والعتاق من الخيل. وقوله يلحفون الأرض هداب الأزر أي يجرون هداب الأزر على الأرض. هو كصدر بيت أبن الخطيم. وابلغ من هذا في الافتخار واشمل للوصف بالسماح حالتي السكر والصحو معا قول عنترة:\rفإذا انتشيت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم\rوإذا صحوت فما اقصر عن ندى ... و كما علمت شمائلي وتكرمي\rو كقول امرئ القيس يمدح أخاه سعد بن الضباب:\rوتعرف فيه من أبيه شمائلا ... و من خاله من يزيد ومن حجر\rسماحة ذا وبر ذا ووفاء ذا ... و نائل ذا إذا صحا وإذا سكر\rو هذا من الشعر الذي يوضع على كرائم الإحداق وترصع به نفائس الأطواق غير أن فيه ثلبا خفيفا هو توالي القبض! ومن ذا الذي يسلم من الاعتراض عند العرض؟ وقول طرفة \" لا تعز الخمر إن طافوا بها \" يريد: لا يعجزون عن شرائها لغلائها إنَّ جاءوا مريدين لها بل يبذلون فيها الشول والكوم البكر أي التي بكرت بالنتاج وهي احب أموالهم وهو كقول عنترة:\rبذ يداه بالقداح إذا شتا ... هتاك غايات التجار ملوم\rو تقدم تفسيره. وهذا الوصف مدح عندهم لكن ما دام باقيا على سنن الاقتصاد والعدل وقد يمتدحون بإنفاق المال في النوائب واقتناء المحامد وترك أنفاقه في الشهوات كقول زهير في حصن بن حذيفة:\rأخ ثقة لا تتلف الخمر ماله ... و لكنه قد يتلف المال نائله\rو محتمل لأن يكون نفيا للوصف الخاص وهو الإتلاف في الخمر أو الفعل من اصله وهو الأنفاق فيها المؤدي إلى ذلك.\rاتبع من الظل.\rالاتباع تقدم والظل معروف قيل وهو الفيء وقيل الظل بالغداة والفيء بالعشي وقد يستعمل في سواد الليل. قال ذو الرمة:\rقد اعرف النازح المجهول معسفه ... في ظل اخضر يدعو هامه البوم","part":1,"page":126},{"id":127,"text":"قال في الصحاح: وهو استعارة لأن الظل في الحقيق إنّما هو ضوء شعاع الشمس دون الشعاع. فإذا لم يكن ضوء فهو ظلمة وليس بظل. والمقصود من المثل إنَّ ظل الحيوان ونحوه تابع له أينما تحرك وملاصق له أينما تقلب لا يفارقه ولا يتلكأ عنه فضرب به المثل لذلك في كل تابع. ويسمى الظل تبعا على مثال سكر أما لهذا المعنى وأما لأنّه يتبع الشمس كما قيل. واحسن بعض الشعراء في ذكر الظل حيث قال:\rمثل الرزق الذي تطلبه ... مثل الظل الذي يمشي معك\rأنت لا تدركه متبعا ... فإذا ما ملت عنه اتبعك\rاتجر من عقرب.\rيقال: تجر في الشيء يتجر على مثال كتب يكتب فهو تاجر والتاجر من يبيع ويشتري في كل شيء وجمعه تجار وتجر. وقد يطلق على بائع الخمر خاصة وهو الكثير الاستعمال عند الأعراب في الجاهلية.\rقال امرؤ القيس:\rكأن التجار اصعد بسبيئه ... من الخص حتى أنزلوها على يسر\rو قال أيضاً:\rإذا ذقت فاها قالت طعم مدامة ... معتقة مما تجيء به التجر\rو العقرب معروف يذكر ويؤنث وعقرب في المثل اسم رجل كان بالمدينة وكان من اكثر الناس تجارة وأشدهم مطلا وتسويقا حتى ضربوا بمطله النثل ويحكى إنّه اتفقت له معاملة مع الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب وكان هو من اشد الناس اقضاء. فقال الناس: ننظر الآن ما يصنعان. فلما حل الأجل لزم الفضل باب عقرب وقيد حماره بالباب وقعد يقرأ القرآن. فأقام عقرب على المطل غير مكترث به. ثم إنَّ الفضل ترك ملازمة بابه واشتغ بهجائه. فمما اشتهر عنه فيه قوله:\rقد تجرت في سوقنا عقرب ... لا مرحبا بالعقرب التاجره\rكل عدو كيده في أسته ... فغير مخشي ولا ضائره\rكل عدو يتقلى مقبلا ... و عقرب يخشى من الدابره\rإن عادت العقرب عدنا لها ... و كانت النعل لها حاضره\rو حكي إنَّ الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد كان في صباه هو وزوج أخته الشيخ تقي الدين بن الشيخ ضياء الدين يلعبان الشطرنج فأذن العشاء فقاما فصليا فقال الشيخ تقيي الدين: أما نعود؟ فقال صهره:\rإن عادت العقرب عدنا لها ... و كانت النعل لها حاضرة\rفانف الشيخ من ذلك ولم يعد إلى إنَّ مات رحمه الله تعالى.\rتحفة المؤمن الموت.\rوهو حديث والتحفة البر والصلة والبرة من الفاكهة ونحوها وتاؤه أصلية. يقال أتحفته. وحكى أبى أبن الأثير عن الأزهري إنَّ أصل التحفة وحفة فأبدلت الواو تاء.وعليه يكون موضعه الواو. والمعنى إنَّ المؤمن إنما ينجو من أذى الدنيا وأهوالها وأحزانها أدارها ويصل إلى ما اعد له عند الله من الخير وهيئ له من الكرامة بالموت. كما قيل:\rقد قلت إذا مدح الحياة وأسرفوا: ... في الموت ألف فضيلة لا تعرف\rمنها أمان عذابه بلقائه ... و فراق كل معاشر لا ينصف\rأتخم من الفصيل.\rالتخمة بفتح الخاء كهمزة وتسكن في الشعر: داء يصيب من أكل الطعام معروف الجمع تخم وتخمات. يقال: تخم بفتح الخاء وكسرها وأتخم: أصابه ذلك وأتخمه الطعام. وهذا الطعام متخمة يتخم به. وأصل التخمة وخمة من قولك: وخم الطعام والنبات فهو وخيم إذا لم يوافق. وتوخمه واستوخمه إذا لم يستمره. وذكرناه في هذا الباب نظرا إلى ظاهر اللفظ: فإنَ الواو مستهلكة بالإبدال حتى وقع تصرف الفعل. والفصيل، بصاد مهملة: ولد الناقة إذا فصل عن أمه ويوصف بالتخمة. وقالوا لأنه يفرط في الرضاع أكثر مما يطيق.\rفائدة في ذكر أسنان الإبل. قال أهل اللغة: إذا وضعت الناقة، فقبل إنَّ يعلم أذكر ولدها أم أنثى، ولدها سليل، فإذا علم، فإن كان ذكرا فهو سقب، بفتح السين المهملة وسكون القاف، وأمه مسقب؛ وإنَّ كانت أنثى فهي حائل، وأمها أم حائل، كما قال الهذلي:\rفتلك التي لا يبرح القلب حبها ... و لا ذكرها ما أرزمت أم حائل\rو متى جاءت الناقة بذكر قيل أنَّ ذكرت، فهي مذكر؛ وإنَّ جاءت بأنثى قيل أنثت، فهي مؤنث. فإنَ كان من دأبها أن تلد الذكور قليل هي مذكار. قال النابغة على وجه التمثيل:\rلم يحرموا حسن الغذاء وأمهم ... طفحت عليك بناتق مذكار","part":1,"page":127},{"id":128,"text":"و إنَّ كان دأبها الإناث فهي مئناث؛ فإذا اشتد ولدها ومشى معها فهو راشح وهي مرشح؛ فإذا حمل في سنامه شحما فهو مجد ومكعد، ثم هو ربع، على وزن صرد. والذي يقوله الكثيرون إنَّ الربع ما نتج في أوّل الناتج كما إنَّ الهبع - بوزنه - ما نتج في أخره؛ ثم هو حوار، بضم الأول؛ فإذا فصل عن أمه، أي فطم عنها، فهو فصيل؛ فإذا أتى عليه حول فأبن مخاض، ولذلك قيل:\rوجدنا جعفر فضلت فقيما ... كفضل أبن المخاض على الفيصل\rو الأنثى بنت مخاض. وسمي أبن مخاض لأن أمه لحق بالمخاض من النوق، أي الحوامل وإنَّ لم تكن حاملا، فإذا استكملت السنة الثانية ودخل في الثالثة فصار لأمه لبن وكانت لبونا، فهو أبن اللبون، فإذا دخل في الرابعة فهو حق والأنثى حقة. وسمي بذلك لاستحقاقه أنَّ يحمل عليه ويركب؛ فإذا دخل في الخامس فهو جذع والأنثى جذعة؛ فإذا دخل في السادسة فهو ثني والأنثى ثنية؛ فإذا دخل في السابعة فهو رباع والأنثى رباعية؛ فإذا دخل الثامنة فهو سديس وسدس بفتح الدال للذكر والأنثى، وقد يقال الأنثى سديسة؛ فإذا دخل في التاسعة فهو بازل للذكر والأنثى؛ فإذا دخل في العاشرة فهو مخلف. ولاسن بعد هذا، وإنما يقال بازل عام، وبازل عامين، ومخلف عام وعامين. وما ذكرنا في أوائل الأوصاف هو طريقة بعض اللغويين، وليس هذا محل بسط اللغة.\rتركت الرأي ببقة.\rويروى: ببقة تركت الرأي. وهو مثل قاله قصير بن سعد لجذيمة لمّا صار في بلد الزباء. وتقدم هذا مستوفى. وفيه قال عدي بن الرقاع:\rدعا بالبقة الأمناء يوما ... جذيمة ينتحي عصبا ثمينا\rفطاوع نفسه وعصى قصيراً ... و كان يقول: لو نفع اليقينا!\rو قال نهشل بن ضمرة:\rومولي عصاني واستبد بأمره ... كما لم يطع باليقين قصير\rترك الخداع من أجرى من المائة.\rالترك معروف، والخداع: الختل والمكر، والخداع والمخادعة المخاتلة؛ والمائة حذف مميزة أي مائة غلوة، والغلوة بالفتح: ما بين موقف الرامي ومسقط سهمه. يقال: غلوت بالسهم غلوا وغلوا، وغاليته، وغاليت به: رفعت به إلى أقصى الغاية. وكل مرماة فهي غلوة وكان أصل المثل إنَّ الرهان، لمّا وقع بين قيس بن زهير وحذيفة بن بدر الفزاري أو أخيه حمل بن بدر، قال حذيفة: خدعتك يا قيس، ترك الخداع من أجرى من المائة! يريد أن أجرى فرسه وأرسله من مائة غلوة، فقد كشف أمره ولم يبق خداع. وقيل إنَّ أحد المتخاطرين في الرهان المذكور قال لصاحبه: الغاية على حكمي. فقال: الغاية مائة غلوة. قال: أتخدعني؟ فقال: ترك الخداع من أجرى من المائة. يضرب للرجل الذي قد حنكه السن مع العقل والحزم.\rتركت فلانا بملاحس البقر أولادها.\rويقال: تركته بملحس البقر. والملاحس جمع ملحس، وهو مفعل من اللحس. يقال: لحس القضعة ونحوها بالكسر، يلحسها لحسا؛ والملحس يكون مصدراً بمعنى اللحس ومكانا له كما في النظارة. والمعنى: تركته بمكان ملحس البقر أولادها أي بحيث تلحس البقر أولادها يعنون به مكان البقر.\rتركته ترك الظبي ظله.\rالظبي معروف وجمعه اظب وظباء وظبي وظله بكسر الظاء المشالة: ما يأوي إليه ويستظل به من حر الشمس. وهو إذا تركه لا يعود إليه أبداً. فيضرب للرجل عند نفوره. وعبارة صاحب القاموس: اتركه ترك الظبي ظله وهو نحو مما كتبنا نحن. وفعل ذلك لبيان إنَّ الراء في ترك ساكنه وهو مصدر أضيف إلى فاعله وكمل بمفعول أي تركا يشبه ترك الظبي لظله وقال: إنَّ فتح الراء من ترك كما عند الجوهري وهم.\rقلت: وهو كذلك في صحاح الجوهري مضبوطا بالقلم مفتوح في النسخة. ولعل الرواية كذلك عنه وإلاّ فهو محتمل لأن يكون مسكنا. وهو مصدر عاملة مقدرة وهو الذي أظهرناه أو ما يشبهه. ثم على الفتح لا مانع من صحته إنَّ تكلمت به العرب كذلك. ويكون فعلا ماضيا والظبي فاعله. فإذا نفر أحد من شيء نفرة عزما حسن إنَّ يقال: ترك الظبي ظله أي إنّه ذهب مذهبا لا مرجع فيه كأنه ظبي ترك ظله.\rتركته كجوف الحمار.","part":1,"page":128},{"id":129,"text":"ويقال: هو كجوف حمار ويقال كجوف عير ومعناه خال لا خير فيه. واختلف العلماء فيه فقيل: المراد الحمار المعروف وجوفه ليس فيه شيء ينتفع به فلا خير فيه. وقيل: المراد حمار أبن مويلع وهو رجل من عاد وله موضع يقال له جوف كان يزدرعه احرقه الله تعالى واحرق ما فيه لمّا كفر بالله تعالى. وفيه يقال اكفر من حمار كما سيأتي. قال امرؤ القيس:\rوخرق كجوف العير قفر مضلة ... قطعة بسام ساهم الوجه حسان\rقال شارح ديوان عاصم بن أيوب: قول كجوف العير قال أبن الكلبي: هو واد باليمن قفر لا شيء به. قال: وقال القتبي: أراد كجوف الحمار. والحمار وإنَّ كان ذكيا لا ينتفع به ولا بشيء من حشاه فكأنه خال من كل خير. وقيل: وهو رجل من بقايا عاد كان يقال له حمار بن مويلع وكان على التوحيد فأصابت بنين به عشرة صاعقة فأحرقتهم فغضب وقال: لا اعبد ربا فعل بي هذا! ومال إلى عبادة الأوثان ومنع الضيفة. فأرسل الله عليه نارا فأحرقته وأحرقت جوفه وهو موضع كان يزدرعه من جميع ما كان فيه وجميع من دخل معه في عبادة الأوثان فاصبح الجوف كأنه الليل المظلم. فضربت العرب المثل قالوا: وادي الحمار وجوف العير. وقال أبن دريد: إذا قالت العرب: كأنه جوف حمار فأنهم يريدون وصف الموضع الخريب الوحش. وقال: أما جوف حمار فكان لحمار بن مالك أبن نصير بن أسد وكان جبارا عاتيا. فبعث الله عليه نارا فأحرقت الوادي بما فيه وصار مثلا.\rتركتهم لحما على وضم.\rاللحم معروف بسكون الحاء ويجوز فتحها والوضم بفتحتين: ما وقي به اللحم من خشب وحصير ونحوهما. قال الشاعر:\rليس براعي ابل ولا غنم ... و لا بجزار على ظهر وضم\rجمعه اوضام واوضمة. تقول وضمت اللحم بفتح الضاد إذا عملت له وضما أو وضعته على الوضم واوضمته واوضمت له إذا عملت وضما وتقول: تركتهم لحما على وضم أي مثل اللحم المجعول أي مثل اللحم المجعول على الاوضام وذلك إذا أوقعت بهم وأوجعت فيهم. قال الحماسي:\rوتركتنا لحما على وضم ... لو كنت تستبقي من اللحم\rو قال البوصيري في معناه:\rما زال يلقاهم في كل معترك ... حتى حكوا بالقنا لحما على وضم\rو قال صفي الدين الحلي:\rأبيت والدمع هام هامل سرب ... و الجسم في أضم لحما على وضم\rترك الوطن أحد السباءين.\rالوطن بالفتحتين معروف والسباء بالكسر والمد: الأسر. يقال: سبى عدوه يسبيه سبيا سباء واستباه إذ أسره. والمعنى إنَّ الخروج من الوطن ومفارقة الأهل والسكن شبيه بالسباء نوعان: أحدهما الأسر والآخر: السفر فسار السفر أحد السباءين وهذا ذم له. وتقدم في ذم السفر ومدحه من الآثار والأشعار ما أغنى عن الإعادة. وسيأتي ذكر ما في هذه التثنية الواقعة في السباء إن شاء الله تعالى.\rاتق مأثور القول!","part":1,"page":129},{"id":130,"text":"التقوى معروف والمأثور: المروي المحكي. والمثل لحمل بن بدر قاله يوم الهباءة وهو اكبر أيام حرب داحس بين عبس وذبيان وسبب الحرب كلها. وصدور المثل على ضرب من الإيجاز والاختصار إنَّ قيس بن زهير فيما يزعمون وهو من بني عبس كان اشترى من مكة درعا تسمى ذات الفضول فاغتصبها منه عمه الربيع بن زياد وكان سيد عبس. فغضب قيس وتحل عنهم ونزل على بني ذبيان وسيدهم إذ ذاك حذيفة بن بدر وأخوه حمل بن بدر فأكرموه واحسنوا جواره. ثم إنَّ قيس بن زهير وحذيفة بن بدر تراهنا يوما على خطر عشرين بعيرا وجعلا الغاية مائة غلوة والمضمار أربعين ليلة والمجرى من ذات الاصاد. فاجرى قيس داحس والغبراء وأجرى حذيفة الخطار والحنفاء. فوضعت بنو فزارة رهط حذيفة كمينا في الطريق. فلما جاءت الغبراء وكانت سابقة لطموها وردوها. فقال قيس: سبقت فدفعوه عن ذلك حتى وقع بينهم الشر. فطلب منهم قيس بعيرا واحدا فقال جذيمة: ما كنا لنقر لكم بالسبق فلما رأى قيس ذلك ترحل عنهم وفارقهم. ثم إنّه أغار فلقي عوف بن بدر أخا حذيفة فقتله ووداه مائة ناقة عشراء. ثم خرج مالك بن زهير أخو قيس فلقيه حمل بن بدر فقتله. فأرسل قيس إلى حذيفة إنَّ اردد علينا ابلنا فقد قتلت مالك بن زهير بعوف بن بدر. وكانت الإبل قد تناجت عند حذيفة فدفعها دون أولادها. وامتنعت عبس إلاّ إنَّ يقابلهم ابلهم بأولادهم فهاجت الحرب بين الفريقين ودامت أربعين سنة فيما يزعمون إلى إنَّ اصلح بينهم الحارث بن عوف وهرم بن سنان المريان كما سنذكر. وكانت بنو عبس وتروهم فاجتمعت القبائل وحلفاؤها وتعاقدوا وتحالفوا فسار حذيفة إلى عبس في جموع لا تحصى. فلما رأت عبس ذلك اجتمعوا إلى قيس بن زهير فقالوا له \" ما الرأي؟ فقال: خلوا الأموال والظغن وادخلوا في الشعب فإنَ الجموع إذا رأت الظعائن لا رجال فيها أمنوا فغنموا وتفرقوا فتدركوا منهم حاجتكم! فلما أشرفت جموع حذيفة على أموال بني عبس ظنوا انهم فروا فأمنوا وغنموا وجعل الجل يطرد ما قدر عليه من الأموال. فلما تفرقوا كرت عليهم خيل عبس فوضعت فيهم السلاح وانهزموا. وأسرفت في القتال حتى ناشدهم بنو ذبيان البقية وكان يوم شديد الحر. فمضى حذيفة وأخوه حمل حتى استغاثا بجفر الهباءة فنزلا ومعهما ورقاء بن بلال ونزعوا سلاحهم وسرجهم واقعدوا ربيئة يتطلع ولم يكن لعبس هم إلاّ في حذيفة. فبعثوا الخيل تقص أثره. فنظر الربيئة فقال: إني أرى شخصا كالنعامة فلم يكترثوا به وجعلوا يتحدثون فأذاهم بخيل عبس قد لحقهم وحالت بينهم وبين خيلهم. فلما حملوا عليهم وهم في الجفر قال حذيفة: يا بني عبس فأين الأحلام؟ فضرب أخوه حمل بين كتفيه وقال: اتق مأثور القول فأرسلها مثلا. يريد: انك تقول قولا تتذلل فيه وتخضع وتقتل ولا ينفع فتشتهر عنك أخباره ويبقى عليك عاره. فقتلوا حذيفة ومن معه وتمزقت بنو ذبيان.","part":1,"page":130},{"id":131,"text":"ولا يخفى إنَّ هذا المثل حقه إنَّ يذكر في غير هذا الباب لكن الواو لمّا استهلكت بالإبدال اعتبرنا الظاهر تقريبا. وداحس بالدال المهملة على وزن فاعل من الدحس وهو الدفع. وسنئتي بذلك لأن أباه ذا العقال وهو فرس كان لرجل يسمى حوطا خرجت به جاريتان له يومان تقودانه فمرتا به على فرس أنثى لقرواش تسمى جلواء وهي إذ ذاك وديق والو الديق بالدال المهملة: المشتهية الفحل ومنه المثل الآتي: ودق العير إلى الماء فلما رآها ذو العقال ودق. فضحك شباب منهم فاستحيت الجاريتان فأرسلتا مقوده فزنا عليه. فلما جاء حوط وكان رجلا سيئ الخلق عرف النزو في عين ذي العقال فغضب وقال: أعطوني ماء فحلي فلما رأوا الخطب قد عظم قالوا: دونك وماء فحلك فأخذ الفرس وجعل يده في الماء والتراب وادخل اليد في رحمها حتى إنّه استخرج الماء. وقد اشتملت الرحم على ما فيها فنتجت قروش مهرا اسمه داحسا لدحس حوط إياه وخرج كأنه ذو العقال أبوه. ثم إنَّ قيس بن زهير أغار على بني يربوع فغنم فرأى داحس قد ركبه فتيان فقطعها الخيل ونجوا. فاعجب به قيس ودعا إلى إنَّ يجعله فداء المغنم كله. فأطوه إياه وكان سبب الحروب حتى قيل: أشأم من داحس وسيأتي. والخطار بفتح الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة بعدها ألف فراء وهم فرس لحذيفة والحنفاء: فرس له أيضاً تأنيث الأحنف. والحنف قيل هو الاعوجاج في الرجل وقيل أن يقبل إحدى إبهامي الرجل على الأخرى وقيل ميل في صدور القدم وقيل المشي على ظهر القدمين من شق الخنصر.\rويذكر في هذه القصة أيضاً أن حذيفة أجرى قرزلا والقرزل بالقاف والراء والزاي على وزن جحذب وهو فرس لحذيفة أيضاً ويحتمل إنّه الخطار المذكور. وقد قيل في هذه القصة إنَّ الصحيح إنَّ الرهان إنّما وقع بين قيس وحمل بن بدر لا حذيفة وإنَّ فرس قيس داحس وفرس حمل الغرباء. وفي القصة اضطرابات كثيرة اضربنا عنها. والهباء بفتح الهاء ثم باء موحدة وبعد الألف همزة مقلوبة عن واو ثم هاء التأنيث وهي أرض لغطفان فيها ماء. وفي الفرسين يقول عنترة بن معاوية بن شداد العبسي يرثي مالك بن زهير:\rلله عين من رأى مثل مالك ... عقير قوم إنَّ جرى فرسان\rفليتهما لم يجريا نصف غلوة ... و ليتهما لم يرسلا لرهان\rوليتها ماتا جميعا ببلدة ... و أخطاهما قيس فلا يريان\rوكان لهى الهيجاء يحمى ذماره ... و يضرب عند الكرب كل بنان\rلقد جلبا حينا وحربا عظيمة ... تبيد سراة الحي من غطفان\rو قال الربيع بن زياد أيضاً عم مالك المذكور يرثيه:\rإني أرقت فلم اغمض حار ... من سيء النبل الجليل الساري\rمن مثله يمشي النساء حواسرا ... و تقوم معولة مع الأسحار\rأبعد مقتل مالك بن زهير ... ترجوا النساء عواقب الأطهار؟\rما أن أرى في قتله لذوي النهى ... إلاّ المطي تشد والاكوار\rومجنبات ما يذقن عذوقة ... يقذفن بالمهرات والامهار\rومسارعا صدأ الحديد عليهم ... فكأنما طلب الموجوه يقار\rمن كل سرور بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار\rيجد النساء حواسر يندبنه ... قد قمن قبل تبلج الأسحار\rقد كن يخبأن الوجوه تسترا ... فالآن حين بدون للنظار\rيضربن حر وجوههن على فتى ... عف الشمائل طيب الأخبار","part":1,"page":131},{"id":132,"text":"قوله: حار أراد يا حارث قوله: ترجوا النساء عواقب الأطهار يريد إنَّ النساء لا يأتين بمثله وفي عروض هذا البيت عيب القطع وهو لا يجوز إلاّ مع التصريع. والمنجبات: خيل يركبون الإبل فيقودونها هي لا يركبونها إلى موضع الغارة لتجم. ويقال ما ذقت عذوفا بالذال المعجمة وتهمل في لغة ربيعة وبالفاء أي شيء. ويقال عذوقا وعذوقة فإنَ كانت الرواية بغير هاء التأنيث ففي هذا العروض أيضاً عيب السابق. والمساعر جمع مسعر وهو الذي يسعر الحرب. قوله: قد قمن قبل تبلج الأسحار هكذا في الرواية. والجملة حال أي بجد النساء عند وصوله يندبنه وقد كن قمن إلى ذلك من الليل قبل تبلج الأسحار واستمررن على البكاء إلى وقت مجيئه. ويروى: يندبنه بالصبح قبل تبلج الأسحار. وقالوا يعني بالصبح هنا الحق والأمر الجلي وليس بظرف. ولا بد فيه مع ذلك من التقدير الذي في الرواية الأولى. ويصح إنَّ يكون الصبح أطلق على آخر الليل لقربه منه مجازا أو يكون على بابه. وقوله قبل تبلج الأسحار معمول لفعل مقدر كما في الرواية الأولى أو معمول ليندبه. ويكون بالصبح معمولا لحواسر على الألف والنشر مع تكلف. وأفاد بالبيتين انهم أدركوا ثأرهم لأن القتيل عند العرب لا يبكى حتى يؤخذ بثأره. وقال قيس بن زهير يرثي حمل بن بدر وهو أوّل من رثى مقتوله:\rتعلم إنَّ خير الناس ميت ... على جفر الهباء لا يريم\rولو لا ظلمه مازلت أبكي ... عليه الدهر ما بدت النجوم\rولكن الفتى حمل بن بدر ... بغنى والبغي مرتعه وخيم\rأظن الحلم دل علي قومي ... و قد يستجهل الرجل الحليم\rومارست الرجال ومارسوني: ... فمعوج علي ومستقيم\rو في ذلك قال أيضاً:\rشفيت النفس من حمل بن بدر ... و سيفي من حذيفة قد شفاني\rقتلت باخوتي سادات قومي ... وهم كانوا لنا حلي الزمان\rفإن أك قد بردت بهم غليلي ... فلم اقطع بهم إلاّ بناني\rفائدة: حمل بن بدر المذكور بفتح الحاء المهملة وفتح الميم على لفظ ولد الضان. وفيه قال الشاعر:\rليت شعري يلحق الهيجا حمل ... ما احسن الموت إذا حان الأجل\rو تمثل بهذا الشعر فيما ذكر سعد بن معاذ رضي الله عنه يوم الخندق. قال البكري: وفي همدان حمل بن زياد بن حسان بفتح الحاء وضم الميم وقي مدحج جمل كنانة بفتح الجيم والميم كلفظ واحد الجمال وفي كنانة خمل بن شق يعني بالخاء المعجمة مضمومة وتسكين الميم والله اعلم.","part":1,"page":132},{"id":133,"text":"وأما سبب الصلح بينهم على الحارث بن عوف فهو إنَّ الحارث قال يوما لخارجة بن سنان: أتراني اخطب إلى أحد من العرب فيردني؟ قال: ومن هو؟ أوس بن حارثة في بلاده. فلما رأى الحارث قال: مرحبا بك يا حار قال: ويك! قال: وما حاجتك؟ قال: جئتك خاطبا. قال: ليست هناك فانصرف ولم يكلمه. ودخل أوس إلى امرأته مغصبا وكانت من عبس فقالت: من الرجل الذي وقف عليك؟ قال: ذاك سيد العرب الحارث بن عوف. قالت: فما لك لم تستنزله؟ قال إنّه استمحق. قالت: وكيف؟ قال: جاءني خاطبا. قالت: أف تريد تزويج بناتك؟ قال: نعم! قالت: فإذا لم تزوج سيد العرب فمن؟ قال: قد كان ذاك. قالت: فتدرك ما كان منك! قال بماذا؟ قالت: بأن تلحقه فترده. قال: وكيف وقد فرط مني ما فرط إليه؟ قالت: تقول انك لقيتني مغضبا بأمر. فانصرف ولك عندي ما تحب فانه سيفعل فركب حارة في أثره . قال خارجة: فو الله إنا لنسير إذ حانت مني التفاتة فرأيته فأقبلت على الحارث وما يكلمني غنا. فقالت: هذا أوس بن حارثة قال: وما نصنع به؟ امض فلما رآنا لا نلتفت صاح: يا حار أربع علي فوقفنا له فكلمه بذاك الكلام فرجع مسرورا. ودخل أوس فقال لامرأته: ادعي لي فلانة كبرى بناته. فأتته فقال: يا بنية هذا الحارث بن عوف سيد من سادات العرب وقد جاء خاطبا. فأردت إنَّ أزوجك منه فما تقولين؟ قالت: لا تفعل قال: ولم؟ قالت: لأني امرأة في وجهي ردة وفي خلقي بعض الحدة ولست بابنة عمه فيرعى رحمي وليس بجارك في البلد فيستحي منك ولا آمن إنَّ يرى مني ما يكره فيطلقني فيكون علي وصمة. قال: قومي بارك الله فيك ثم دعى الوسطى فأجابته بنحو ذلك ثم دعى الصغرى فقال لها قالت: أنت وذلك . قال: إني عرضت ذلك على أختيك فأبتاه. قالت: لكني الجميلة وجها الصناع يدا الحسيبة أبا. فإنَ طلقني فلا أخاف الله عليه. قال: بارك الله عليك ثم خرج إلينا قال: قد زوجتك بهنسة بنت أوس. قال: قد قبلت. أمر أمها إنَّ تهيئها وتصلح من شأنها. ثم أمر ببيت فضرب له وادخله إياه. فلما أدخلت إليه لبث هنيئة ثم خرج ألي فقلت: أفرغت من شأنك؟ قال: لا والله لمّا مددت يدي إليها قالت مه اعند أبي واخوتي؟ هذا لا يكون قال: فأمر بالرحلة فارتحلنا بها معنا فسرنا ما شاء الله ثم قال لي: تقدم فتقدمت فعدل بها عن الطريق فما لبث إنَّ لحقني فقلت: أفرغت؟ قال: لا والله قالت لي: اكما يفعل بالأمة الجليبة والسبية الأخيذة؟ لا والله حتى تنحر الجزور وتذبح الغنم وتدعو العرب وتعمل ما يعمل لمثلي. قال خارجة: فقلت: والله لأري هيئة عقل وإني لأرجو أن تكون المرأة النجيبة. ثم سرنا حتى دخلنا بلادنا. فأحضر الإبل والغنم ثم دخل إليه وخرج. فقلت: أفرغت؟ قال: لا والله قلت: ولم ذلك؟ قال: دخلت عليها أريدها فقلت: قد أحضرنا من المال ما ترين. قالت: والله لقد ذكرت لي من الشرف بما لا أراه فيك قلت: كيف؟ قالت: أتتفرغ لنكاح النساء والعرب يقتل بعضها بعضا؟ تعني عبسا وذبيان قلت: فتقولين ماذا؟ قالت: اخرج إلى هؤلاء القوم فاصلح بينهم ثم ارجع إلى اهلك فلن يفوتك قلت: والله إني لأرى عقل وهمة ولقد قالت قولا فاخرج بنا فخرجنا حتى أتينا القوم فمشينا بينهم بالصلح فاصطلحوا على إنَّ يحسبوا القتلى من الفريقين ثم يؤخذ الفضل ممن هو عليه. فحملنا عنهم الديات وكانت ثلاثة آلاف بعير. وفي هذا الصلح يقول زهير يمدحهما:\rسعى ساعيا غيظ بن مرة بعدما ... تبزل ما بين العشيرة بالدم\rفأقسمت بالبيت الذي طاف حوله ... رجال بنوه من قريش وجرهم\rيموينا لنعم السيدان وجدتما ... على كل حال من سحيل ومبرم\rتداركتما عبس وذبيان بعدما ... تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم\rو عاش الحارث حتى أدرك النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم رحمه الله تعالى.\rتلك التجارة لا انتقاد الدرهم.\rهذا في قول القائل:\rوإذا شكا مهري الي حرارة ... عند اختلاف الطعن قلت له: اقدم\rإنني بنفسي في الحروب لتاجر ... تلك التجارة لا انتقاد الدرهم\rو معناه ظاهر.\rتمرة خير من جرادة.","part":1,"page":133},{"id":134,"text":"التمر بالمثناة الفوقانية وسكون الميم معروف وهو ما يبس من حمل النخيل. الواحدة تمرة والجمع تمرات وتمور وتمران والتمار بائع التمر والتمري من يحبه. وأما الثمر بالمثلثة وفتح الميم فهو حمل الأشجار كلها. والجراد معروف الواحدة جرادة والمثل ظاهر مشهور.\rالتمر في البئر على ظهر الجمل.\rالتمر تقدم والبئر معروف وكذا الجمل. وأصل المثل إنَّ المنادي كان يقوم في الجاهلية على اطم من اطام المدينة فينادي بذلك الكلام حتى يدرك التمر أي: من سقى نخيله بمياه الآبار على ظهور الجمال بالسواني وجد التمر وحمد عاقبة الأمر وأدرك غاية السقي ونجاح الرأي. وهذا كما تقول: الزرع في تحريك الأرض وتزبيلها والعنب في زبر الكرم وسقياه. وهذا كله تحضيض على أحكام الأسباب والاعتناء بالسوائل وتنبيه على إنَّ المقاصد منوطة بها ومرتبط صلاحها بصلاحها. وقريب منه المثل الآخر: وهو قولهم: عند الصبح يحمد القوم السرى وقول القائل:\rإذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدا ... ندمت على التفريط في زمن الزرع\rاتميميا مرة وقيسيا أخرى؟\rيضرب لمن يتلون ويختلف كلامهم يقف على حال أي: أتنتسب إلى تميم مرة وإلى قيس مرة أخرى؟ وتميم وقيس قبيلتان عظيمتان من قبائل العرب.أما تميم فهو تميم بم مر بم آد بن طابخة بالباء الموحدة والخاء المعجمة بن الياس بن مضر بن نزار وأما قيس فهو قيس بن عيلان بفتح العين المهملة واسمه الياس بن مضر بن نزار وقيس لقب له. وقد قيل إنَّ عيلان هو أبو قيس. ويدل لصحته قول الحماسي:\rلحى الله قيسا عيلان إنّها ... أضاعت ثغور المسلمين وولت\rفشاول بقيس في الطعان ولا تكن ... أخاها إذا ما المشرفية سلت\rإلاّ إنّما قيس بن عيلان بقة ... إذا شربت الماء العصير تغنت\rفصرخ بأنه أبن عيلان. وبين القبيلتين أبداً منافرات ومكافحات ومقاتلات. ومن ثم اشتهر بينهما التقابل كما في هذا المثل وشاع عند البيانيين في باب القصر التمثيلي بقولهم: فلان تميمي مراعاة لهذا الأمر. وفي بعض الأخبار قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا الدرداء إذا فاخرت ففاخر بقريش وإذا كاثر فكاثر بتميم وإذا حاربت فحارب بقيس إلاّ إنَّ مجوهها كنانة ولسانها أسد وفرسانها قيس إلاّ إنَّ لله فرسانا في سمائه وهم الملائكة وفرسان في الأرض وهم قيس وإنَّ آخر من يقاتل عن الإسلام حين لا يبقى إلاّ ذكره ومن القرآن إلاّ اسمه لرجل من قيس. قلت: يا رسول الله من أي قيس؟ قال: من سليم.\rوسار معاوية يوما فإذا هو براكب فقال لبعض أصحابه: علي به من غير ترويع فاتاه وقال: اجب أمير المؤمنين فقال: إياه أدرت. فلما دنا حسر اللثام وانشد:\rمعاوية لم أزل آتيك تهوي ... برحلي نحو ساحتك الركاب\rتجوب الأرض نحوك ما تأبى ... إذا ما الاكم قنعها السراب\rوكنت المرتجى وبك استغثت ... لتنعشها إذا بخل السحاب\rفإذا ليلى الاخيلية فهش لها معاوية وأمر لخها بخمسين بعيرا. ثم سألها عن مضر فقالت: فاخر بقريش وحارب بقيس وكاثر بتمبم وناطق بأسد وتقدم إنَّ هذا في الحديث وسيأتي تمام حديث ليلى في الأعيان. ويسمى أولاد الياس خندفا وهي اسم أمها ومضر كلها راجعة إلى خندف وقيس.","part":1,"page":134},{"id":135,"text":"ومن اظرف من يتفق في هذا النسب ويزيد بصيرة في هذا المقام. ما ذكر أبو علي البغدادي يرفع إلى أبي عبيدة أن يزيد بن شيبان بن علقمة خرج حاجا فرأى حين شارف البلد شيخ يحفه ركب على ابل عتاق برحال ميس ملبسة ادما. قال: فعدلت فسلمت عليهم وبدأت به فقلت: من الرجل ومن القوم؟ فإنَ القوم ينظرون إلى الشيخ هيبة له فقال الشيخ: رجل من مهرة بن حيدان بن عمرو بن الحاف من قضاضة. فقلت: حياكم الله وانصرفت. فقال الشيخ: قف أيّها الرجل استنسبتنا فانتسبنا لك ثم انصرفت ولم تكلمنا ويروى: شاممتنا مشامة الذئب للغنم ثم انصرفت قال. قلت: ما أنكرت سوءا ولكنني ظننتكم من عشيرتي فانسبكم فانتسبتم نسبا لا اعرفه ولا أراه يعرفني. قال: فامال الشيخ لثامه وحسر عمامته وقال: لعمري لئن كنت من جذم من اجذام العرب لاعرفنك. قلت: فاني من اكرم اجذامها. قال: فإذا العرب بنيت على أربعة أركان: مضر وربيعة واليمن وقضاعة فمن أيهم أنت؟ قلت: من مضر. قال: أمن الأرجاء أمن الفرسان؟ فعلمت إنَّ الأرجاء خندف وإنَّ الفرسان قيس. قلت: من الأرجاء. قال: أنت إذا من خندف؟ قلت: اجل قال: افمن الأرنبة أم الجمجمة؟ فعلمت إنَّ الأرنبة مدركة وإنَّ الجمجمة طابخة. فقلت: من الجمجمة. قال: فأنت إذن من طابخة؟ قلت: اجل قال: افمن الصميم أم من الشويط؟ فعلمت إنَّ الصميم تميم وإنَّ الشويط الرباب فقلت: من الصميم. قال: فأنت إذا من تميم؟ قلت: اجل قال: افمن الاكرمين أم من الاحلمين أم من الاقلين؟ علمت إنَّ الاكرمين زيد مناة وإنَّ الاحلمين عمرو بن تميم وإنَّ الاقلين الحارث بن تميم. قلت من الاكرمين. قال: فأنت إذا من زيد مناة؟ قلت: اجل قال: افمن الجدود أم من البحور أم من الثماد؟ فعلمت إنَّ الجدود مالك وإنَّ البحور سعد بن زيد مناة وإنَّ الثماد بنو امرئ القيس بن زيد بن مناة. قلت: من الجدود. قال: فأنت إذا من بني مالك؟ قلت: اجل قال: افمن الذرى أنت أم من الارداف؟ فعلمت إنَّ الذرى حنظلة وإنَّ الارداف ربيعة ومعاوية وهما الكرد وسان. قلت: من الذرى. قال: فأنت إذا من بني حنظلة؟ قلت: اجل قال: افمن البدور أم من الفرسان أم من الجراثيم؟ فعمت إنَّ البدور مالك وإنَّ الفرسان يربوع وإنَّ الجراثيم البراجم. قلت: من البدور. قال: فأنت إذا من بني مالك بن حنظلة؟ قلت: اجل قال: افمن الأرنبة أم من اللحيين أم من القفا؟ فعلمت إنَّ الأرنبة دارم وإنَّ اللحيين طهي والعدرية وإنَّ القفا ربيعة بن حنظلة قلت من الأرنبة قال: فأنت إذا من دارم؟ قلت اجل قال: افمن اللباب أم من الهضاب أم من الشهاب؟ علمت إنَّ اللباب عبد الله وإنَّ الهضاب مجاشع وإنَّ الشهاب نهشل. قلت: من اللباب. قال: فأنت إذا من عبد الله ؟ قلت اجل قال: افمن البيت أم من الزوافر؟ فعلمت إنَّ البيت بنو زرارة وإنَّ الزوافر الاحلاف. قلت: من البيت. قال: فأنت إذا من بني زرارة؟ قلت: اجل قال: فإنَ زرارة ولد عشرة: حاجيا ولقيطا وعلقمة ومعبدا وخزيمة ولبيد وأبا الحارث وعمرا وعبد مناة ومالك فمن أيهم أنت؟ قلت: من بني علقمة ولد شيبان لم يلد غيره فتزوج ثلاثة نسوة:مهدد بنت حمران بن بشر بن عمرو بن مرثد فولدت له يزيد وتزوج عكرشة بنت حاجب بن زرارة بن عدس فولدت له المأمور وتزوج عمرة بنت بشر بن عمرو بن عدس فولدت له المقعد. فلأيهم أنت؟ قلت: لمهدد. قال: يا أبن أخي ما افترقت فرقتان بعد مدركة إلاّ كنت في أفضلها حتى زاحمك أخزك فانهما إنَّ تلدني أما هما احب ألي من إنَّ تلدني أمك. يا أبن أخي أتراني عرفتك؟ قلت: أي وأبيك أتم معرفة قال: الميس ضرب من الشجر تعمل منه الرحال وارم القوم: سكنوا والوشيط الخسيس من الرجال والصميم الخالص. وفي معنى هذا المثل الذي نحن فيه قول زفر ابن الحارث لعمران بن حطان: ازدينا مرة واوزعيا أخرى؟ ومن التلون قول عمران المذكور:\rفاعذر أخاك أبن زنباع فإنَ له ... في النائبات خطوبا ذات ألوان\rيوما يمان إذا لا قيت ذا يمن ... و إنَّ لقيت معديا فعداني\rو قول الآخر:\rأفي الولائم أولاد لواحدة ... و في المفاخر أولاد لعلات؟\rتيسي جعار.","part":1,"page":135},{"id":136,"text":"تيسي بكسر التاء الفوقانية المثناة بعدها مثناة تحتانية ساكنة بعدها سين مهملة. وجعار على مثال حذام وهي الضبع ويقال لها جعار وأم جعار وأم جعور ويقال أيضاً: عيثي جعار. أما تيسي فهي من مادة التيس ولم يذكروا لها فعلا بل قالوا إنّها كلمة تقال في معنى إبطال الشيء وأما عيثي وهو الإفساد واصله عيثي يا جعار قال الشاعر:\rفقلت لها عيثي جعار وجرري ... بلحم امرئ لم يحضر اليوم ناصره\rو سيأتي تمامه في محله ومما يلتحق بهذا الباب قولهم:\rتحت طريقتك عنداوة.\rوالطريقة على مثال السكينة الرخاوة واللين والعنداوة: الخديعة والمكر أي تحت إطراق مكر. وهو مثل المثل الآتي: مخرنبق لينباع وسيأتي قولهم:\rتركته باست الأرض.\rأي تركته عديما فقيرا. وقولهم:\rتركته على أنقى من الراحة.\rومما يتمثل به تارة قوله صلى الله عليه وسلم : لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع.\rومن أمثال العامة الحكيمة في هذا الباب قولهم: اترك الحب تحب أي لا تطمع فيما أيدي الناس يحبونك وإنَّ تكثر غشيانهم يملونك. قال زهير:\rومن لا يزل يستحمل الناس نفسه ... و لا يغنها يوما من الدهر يسام\rو في الأثر المروي: أزهد في الدنيا يحبك الله، وأزهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس. ويشبه هذا المثل مسألة الطائر، إنَّ ترك الحبة المعلقة في الفخ نجا، وإنَّ وإنَّ اقتحمها هلك. ومن أمثالهم أيضاً قولهم:\rاترك صاحب الغاسول يسكت!\rزعموا إنَّ شخصين اصطحبا في طريق، لأحدهما حمل من حديد أو أشبه، وللأخر حمل من الغاسول، وهو طين يغتسل به الرؤوس، فأصابهما مطر في منزل، فجعل صاحب الحديد يتوجه ويتخوف على سلعته من البلل. فقال له صاحب الغاسول ما ذكر. ومعلوم أنَّ الحديد وشبهه لا يضره البلل، وأما الغاسول المذكور فأدنى شيء من البلل خلص إليه يحله ويفسده. فيضرب فيمن يتوجع ويتألم، أو يشتكي ويتظلم، أو يتأسف ويتندم، وثم من هو اجدر منه.\rوقد حان أن نذكر من الشعر ما يتيسر. قال الشاعر:\rكم من فتى تحمد أخلاقه ... و يسكن العافون في ذمته!\rقد كثر الحاجب أعداءه ... و احقد الناس على نعمته\rو سبب هذا الشعر أنَّ أعرابياً دخل البصرة، فسأل عن دار عبد الله بن عامر بن كريز، وكان عبد الله من فتيان قريش جوداً وسخاء، وكرماً وحياء، فدل على الدار، فأناخ راحلته بالباب. فاشتغل عنه الحاجب والعبيد وبات طاويا. فلما أصبح ركب راحلته ووقف على الحاجب فأنشأ يقول:\rكأني ونضوي عند باب أبن عامرٍ ... من الجود ذئبا قفرة هلعان\rوقفت وصنبور الشتاء يلفني ... و قد مس برد ساعدي وبناني\rفلما أوقدوا ناراً ولا بذلوا قرى ... و لا اعتذروا عن عسرة بلسان\rفقال بعض شعراء البصرة ما تقدم. فلما بلغ أبن عامر، عاقب الحاجب وأمر أنَّ لا يغلق بابه ليلا ولا نهاراً.\rوقال الأخر:\rلا تنظرن إلى عقلٍ ولا أدبٍ ... إنَّ الحدود قرنات الحماقات\rواسترزق الله مما في خزائنه ... فكل ما هو آت مرة آت\rو مثله قول الصابئ:\rإذا جمعت بين أمراين صناعة ... فأحببت أن تدري الذي هو احذق\rفلا تتأمل منهما غير ما به ... جرت لهما الأرزاق حين تفرق:\rفحيث يكون النوك فالرزق واسع ... و حيث يكون الحذق فالرزق ضيق\rو قال صالح ب عبد القدوس:\rوليس رزق الفتى من حين حيلته ... و لكن جدود بأرزاق وأقسام\rكالصيد يحرمه الرامي المجيد وقد ... يرمى فيرزقه من ليس بالرامي\rو قال الأخر:\rمتى ما يرى الناس الغني وجاره ... فقير يقولون: عاجز وجليد\rوليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... و لكن أحاظٍ قسمت وجدود\rو قولي، من قصيدة:\rوالحظ والمقدار ما حصرا ... في ذي الذكاء يبيت يستمري\rبل قسمة أزلية نشأت ... بيدي مدبرها على قدر\rوإذا نظرت رأيت في قرن ... عمر الغني وجهالة الغمر\rوترى اللبيب يبيت في ضعف ... بهمومه متقسم الفكر\rليكون فضل حجى الفتى عوضا ... عن فضل مل الأنوك الكثر\rوتكون أحكام الإله جرت ... في الخلق عن غلب وعن قسر\rو سيأتي ذكر ما في هذا المعنى من الشعر عند ذكر الجد، إنَّ شاء الله تعالى.","part":1,"page":136},{"id":137,"text":"وقال الحماسي عمرو بن معدي كرب:\rوجاشت إلي نفسي أوّل مرة ... فردت على مكروهها فاستقرت\rومنه قول الآخر:\rصبرت على اللذات حي تولت ... و ألزمت نفسي هجرها فاستقلت\rوكانت مدى الأيام نفسي عزيزة ... فلما رأت صبري على الذل ذلت\rو السادات الصوفية، رضوان الله عليهم، يتمثلون به كثيراً في نجح الرياضة.\rوقول الحماسي أيضاً سيار بن قصير الطائي:\rعشية أرمي جمعهم بلبانها ... و نفسي قد وطنتها فاطمأنت\rو قول كثير:\rفقلت لها: غز كل مصيبة ... إذا وطئت يوماً لها النفس ذلت\rقال المبرد: وكان عبد الملك يقول: لو كان هذا البيت في صفة الحرب لكان أشعر الناس.\rوقوله أيضاً:\rفيا عجب للقب كيف اعتزامه ... و النفس لمّا وطئت كيف ذلت!\rو قول ضابئ بن الحارث:\rولا خير فيمن لا يوطن نفسه ... على نائبات الدهر حين تنوب!\rو قال الأخر:\rتمتع إذا ما أمكن الدهر واغتنم ... زمانك واعلم إنّه سيفوت!\rو قال الأخر:\rداء قديم وأمر غير مبتدع: ... جور الزمان على أهل المروآت\rو قال الأخر:\rسكت عن السفيه فظن إني ... عييت عن الجواب، وما عييت\rو قال الأخر:\rسروران ما لهما ثالث: حياة البنين وموت البنات\rو هذا من قول الأعراب: موت البنات، من المكرمات. وقال الأخر:\rكانت سليمى تنادي يا أخي وقد ... صارت سليمى تنادي اليوم يا أبت!\rو قال الأخر:\rكلام الناس أشتات ... و معنى كله: هاتوا!\rو قال الأخر:\rكم عائد رجلا وليس بعائد ... إلاّ ليعلم هل يراه يموت!\rو قال الأخر:\rكم مات قوم وما ماتت مكارمهم ... و عاش قوم وهم في الناس أموات!\rو قال الأخر:\rوأنطقت الدراهم بعد عي ... أناس بعد ما كانوا سكوتا!\rو قال الأخر:\rوما تنفع الآداب والحلم والحجى ... و صاحبها عند الكمال يموت!\rو قال الأخر:\rويحسن إظهار التجلد للعدى ... و يقبح غير العجز عند الأحبة\rو قال الأخر:\rلا تتهم من شف فاك فانه ... أعطى الحياة وقدر الأقواتا\rو قال أبو الطيب:\rإنَّ الكرام بلا كرام منهم ... مثل القلوب بلا سويداواتها\rو قال: أبو العلاء المعري:\rفالأرض تعلم أنني من فوقها ... متصرف وكأنني من تحتها\rغدرت بني الدنيا وكل مصاحب ... صاحبته غدر الشمال بأختها\rشغفت بوامقها الحريص وأظفرت ... مقتي لمّا أظهرته من مقتها\rلابد للحسناء من ذامٍ ولا ... ذام لنفسي سيئ بختها\rو قال الأخر:\rإنَّ الصروف كما علمت صوامت ... عنها وكل عبارة في صمتها\rمتفقه للدهر إنَّ تستفتيه ... نفس عن جرمه لم يفتها\rوتكون كالورق الذنوب على الفتى ... و مصابه ريح تهب لحتها\rو قال أيضاً:\rرويدا عليها إنّها مهجات ... و في الدهر محيى لامرئ وممات\rأرى غمرات ينجلن عن الفتى ... و لكن توافي بعدها غمرات\rولابد للإنسان من سكر ساعة ... تهون عله بعدها السكرات\rإلاّ إنّما الأيام أبناء واحد ... و هذي الليالي كلها أخوات\rفلا تطلب من عند يوم وليلة ... خلاف الذي مرت به السنوات\rو قال أيضاً:\rوالموت احسن بالنفس التي الفت ... عز القناعة من إنَّ تسال القوتا\rبت الزمان حبالي من حبالكم ... اعزز علي بكون الوصل مبتوتا\rو قال:\rأحسنت ما شئت في إيناس مغترب ... و لو بلغت المنى أحسنت ما شيتا\rو قال القاضي التنوخي:\rالقرآن العدو بوجه لا قطوب به ... يكاد يقطر من ماء البشاشات\rفأحزم الناس من يلقي أعاديه ... في جسم حقد وأثواب المودات\rو قال الآخر:\rإذا نطق السفيه فلا تجبه ... فخير من إجابته السكوت\rو هو مثل قول الآخر:\rأو كلما ظن الذباب طردته ... إنَّ الذباب إذا علي كريم\rيحكى إنَّ رجلا اسمع أبن هبيرة وهو معرض عنه فقال له الرجل: إياك اعني فقال: وعنك أنا اعرض! وقال الآخر وينسب لعثمان بن عفان رضي الله عنه:\rخليلي لا والله ما من ملمة ... تدوم على حي وإنَّ هي جلت","part":1,"page":137},{"id":138,"text":"فإنَ نزلت يوما فلا تخضعن لها ... و لا تكثر الشكوى إذا النعل زلت\rفكم من كريم قد بلى بنوائب ... فصابرها حتى انجلت واضمحلت\rو قال أبو محمّد الحريري:\rيا من تظن السراب ماء ... لمّا رويت الذي رويت\rو قال:\rفمهد العذر أو فسامح ... إنَّ كنت أجرمت أو جنيت\rو قال أيضاً:\rلا تحقرن أبيت اللعن ذا أدب ... لأن بدا خلق السربال سبروتا\rولا تضع لأخي التأميل حرمته ... أكان ذا لسن أم كان سكيتا\rوانفح بعرفك من وافك مختطبا ... و أنعش بغوبك من ألفيت منكوتا\rفخير مال الفتى مال اشد له ... ذكر تناقله الركبان أو صيتا\rوما على المشتري حمدا بموهبة ... غبن ولو كان ما أعطاه ياقوتا\rلولا المروءة ضاق العذر عن فطن ... إذا اشرأب إلى ما جاوز القوتا\rلكنه لابتناء المجد جد ومن ... حب السماح ثنى نحو الغنى ليتا\rوما تنشق نشر الشكر ذو كرم ... إلاّ وأزرى بنشر المسك مفتوتا\rوالحمد والبخل لم يقض اجتماعها ... حتى لقد ذا ضبا وذا حوتا\rالسمح في الناس محمود خلائقه ... و الجامد الكف ما ينفك ممقوتا\rوللشحيح على أمواله علل ... يوسعنه أبداً ذما وتبكيتا\rفجد بما جمعت كفاك من نشب ... حتى يرى مجتدي جدواك مبهوتا\rوخذ نصيبك من قبل رائعة ... من الزمان تريك العود منحوتا\rفالدهر أنكر من إنَّ تستمر به ... حال تكرهت تلك الحال أم شيتا\rقوله: أشاد له ذكرا أي رفعه وهذا محمود مطلوب. ففي الحديث: إذا أردتم أن تعلموا ما للعبد عند الله فانظروا ما يتبعه من الذكر الحسن وقيل لبعض الحكماء: ما أحمد الأشياء؟ قال: أن يبقى للإنسان أحدوثة حسنة وقال اكثم بن صيفي: إنّما انتم خبر فطيبوا أخباركم وآخذه حبيب فقال:\rوما أبن آدم الاذكر صالحة ... و ذكر سيئة تسري بها الكلم\rأما سمعت بدهر ... جاءت بأخبارها من بعدها الأمم\rو أبو بكر بن دريد حيث قال:\rوإنّما المرء حديث بعده: ... فكن حديثا حسنا لمن وعى\rو قال الأحنف بن قيس: وما ادخرت الآباء للأبناء ولا أبقت الموتى للأحياء افضل من اصطناع المعروف عند ذوي الاحساب. وقيل لمعاوية: أي الناس احب إليك؟ فقال: من كانت له عندي يد صالحة. وقيل: إذا أقبلت عليك الدنيا فانفق منها فإنّها لا تفنى وإذا أدبرت عنك فأنفق منها فإنّها لا تبقى. واخذ هذا المعنى الشاعر فقال:\rولا تبخلن بدنيا وهي مقبلة ... فليس ينقصها التبذير والسرف\rفإنَ تولت فأحرى أن تجود بها ... و الحد منها إذا ما أدبرت خلف\rو قال الآخر:\rإذا جادت الدنيا عليك فجد بها ... على الناس طرا قبل أن تنقلت\rفلا الجود يقنيها إذا هي أقبلت ... و لا البخل يبقيها إذا هي ولت\rقوله: فكن البيت مثله قول الآخر:\rلولا توقع معتر فأرضيه ... ما كنت أوثر أترابا على تربي\rو قال الآخر:\rلولا شماتة أعداء ذوي حسد ... و أن أنال بنفع من يرجيني\rلمّا خطبته إلى الدنيا مطايبها ... و لا بذلت لها عرضي ولا ديني\rقوله: وما تنشق نشر الشكر ذو كرم البيت نحوه ما يحكى عن بعضهم قال: رأيت رجلا من وجوه أهل مكة لا يزال دائبا في طلب حوائج الناس وادخل الرفق على الضعفاء. فقلت له: اخبرني عن الحال التي أوجبت لك هذا التعب. فقال: قد والله سمعت تغريد الطير بالأسحار من فروع الأشجار وسمعت خفوق أوتار العيدان وترجيع أصوات القيان فما طلابت من صوت قط طربي من ثناء حسن على رجل قد احسن ومن شكر حر لرجل حر ومن شفاعة محتسب لطالب شاكر وفي مدح الكرم وذم البخل قول الله تعالى: ومن يوق شح نفسه. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: \" إنَّ الله يحب الجود ومكارم الأخلاق، ويكره سفسافها \" . وقوله صلى الله عليه وسلم: أي داء أدوا من البخل؟ كما مر في قصته. وقيل لمحمود بن عياد: أنت متلاف! فقال: منع الجود، سوء الظن بالمعبود. أخذه محمود الوراق فقال:\rمن ظن بالله خيراً جاد مبتدياً ... و البخل من سوء ظن المرء بالله","part":1,"page":138},{"id":139,"text":"و خوف بعض البخلاء بعض الأسخياء الإملاق، فرد عليه السخي وقال: الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلا. وقيل لعبد الله بن جعفر: إنك قد أسرفت في بذل المال. فقال: إنَّ الله تعالى عودني أنَّ يتفضل علي، ودعوته أنَّ أتفضل على عبيده؛ فأخاف أنَّ أقطع العادة، فيقطع عني عادته.\rوقال أيضاً:\rإنَّ الغريب الطويل الذيل ممتهن ... فكيف حال غريب ما له قوت؟\rلكنه ما يشين الحر موجعة: ... فالمسك يسحق والكافور مفتوت\rوطالما أصلي الياقوت جمر غضا ... ثم انطفى الجمر والياقوت ياقوت\rو قال أيضاً:\rأستغفر الله من ذنوب ... أسرفت فيهن واعتديت\rكم خضت بحر الضلال جهرا ... و رحت في الغي واغتديت!\rوكم أطلعت الهوى اغتراراً ... و اختلت واغتلت وافتريت!\rوكم خلعت العذار ركضا ... إلى المعاصي وما ونيت!\rوكم تناهت في التخطي ... إلى الخطايا وما انتهيت!\rفليتني كنت قبل هذا ... نسيا ولم أجد ما جنيت!\rفالموت للمجرمين خير ... من المساعي التي سعيت\rوقال طفيل الغنوي:\rجزى الله عنا جعفراً حينما أزلقت ... بنا رجلنا في الواطئين وزلت\rأبوا أنَّ يلمونا ولو أنَّ أمنا ... تلاقي الذي يقولون منا لملت\rوهم أسكنوا في ظلال بيوتهم ... ظلال بيوت أدفأت وأكنت\rو يروى أنَّ مالا جاء من البحرين فقسمه أبو بكر الصديق رضي الله عنه بالسوية، فغضبت الأنصار وقالوا: لنا فضل. فقال: صدقتم! إنَّ أردتم أنَّ أفضلكم ذهب عملكم للدنيا، وإنَّ صبرتم كان ذلك لله. فقالوا: والله ما عملنا إلاّ لله! وانصرفوا. فخطب أبو بكر وقال أثناء خطبته: يا معشر الأنصار! لو شئتم لقلتم: أنا آويناكم في ظلالنا، ونشاطركم في أموالنا، ونصرناكم بأنفسنا. يا معشر الأنصار! لكم من الفضل ما لا يحصيه العدد، وإنَّ طال به الأمد. فنحن وأنتم كما قيل طفيل الغنوي وأنشد الأبيات، متمثلا. وقال كثير:\rهنيئا مريئا غير داءٍ مخامرٍ ... لعزة من إعراضنا ما استحلت\rحكي أنَّ الشعبي أتى المسجد يوما فصادف فيه قوما يغتابونه، فأخذ بعضادتي الباب وقال: هنيئا مريئا \" البيت \" . وهذا البيت من قصيدة كثير التائية المشهورة التي أولها:\rخليلي هذا ربع عزة فاعقلا ... قولوا صيكما ثم أبكيا حيث حلت!\rو منها:\rوكنت كذي رجلين: رجل صحيحة ... و رجل رمى فيها الزمان فشلت\rوكانت كذات الضلع لمّا تحاملت ... على ضلعها بعد العثار استقلت\rأريد الثواء عندها وظنها ... إذا ما أطلنا عندها المكث ملت\rو منها.\rوإني وتهيامي بعزة بعدما ... تخليت مما بيننا وتخلت\rلك المرتجي ظل الغمامة كلما ... تبوا منها للمقيل اضمحلت\rكأني وإياها سحابه ممحل ... رجاها فلما جاوزته استهلت\rو ذكر أبو علي البغدادي إنّه قيل لكثير: من أشعر؟ أنت أم جميل؟ قال: أنا. فقيل له: كيف، وأنت راويته؟ فقال جميل الذي يقول:\rرمى الله في عيني بثينة بالقذا ... وفي الغر من أنيابها بالقوادح!\rو أنا أقول: هنيئا مريئا غير داءٍ مخامر، الخ.\rقلت: وقد وقع له بعد هذا البيت نحو ما لجميل، حيث قال:\rفإن تكن العتبي فأهلا ومرحبا ... و حقت لها التعبسي لدينا وقلت\rوإنَّ تكن الأخرى فإن وراءنا ... منادح لو سارت بها العيس كلت\rفقوله: وراءنا مناديح أضر على قلب عزة من القذى في العين، غير إنّه قال أيضاً:\rأسيئي بنا أو احسني لا ملومة ... لدينا ولا ملقية إنَّ تقلت\rو قال الأخر:\rسقوني وقالوا لا تغن، ولو سقوا ... جبال حنين ما سقوني لغنت\rذكروا أنَّ فتى أتي به بعض الخلفاء ثملا، فسأله. فأنشد ذلك، وقال آخرون: أتي بفتى من قريش إلى عبد الملك بن مروان، فقال له: أين شربت؟ فقال:\rشربت مع الجوزاء كأسا روية ... و أخرى مع الشعري إذا ما استقلت\rمعتقة كانت قريش تعافها ... فلما استحلت قتل عثمان حلت","part":1,"page":139},{"id":140,"text":"فاستظرفه وأمر بإطلاقه، وأعطاه عشره آلاف درهم. والسادات الصوفية، أسبل الله رضوانه عليهم، وحشرنا إليهم، يتمثلون بالبيت السابق في شرابهم المستطاب، الذي كل شراب دونه سراب أو عذاب؛ وفي ذلك قال الإمام المقدسي، مضمنا للبيت المذكور:\rأباحت دمي إذ باح قلبي بحبها ... و حل لها في حكمها ما استحلت\rوما كنت ممن يظهر السر إنّما ... عروس هواها في ضميري تجلت\rفشاهدتها فاستغرقتني فكرة ... أغيب بها عن كل كلي وجملتي\rوحلت محل الكل مني بكلها ... فإياي إياها إذا ما تبدت\rونمت على سري فكانت هي التي ... عليها بها بين البرية نمت\rإذا سألت من أنت؟ قلت أنا الذي ... بقائي إذا أفنيت قيل هويتي\rأنا الحق في عشقي كما أن سيهي ... هو الحق في حسني لغير معية\rفإن أك في سكري فإنني ... حكمت بتمزيق الفؤاد المفتت\rولا غرو إنَّ أصليت نار تحرقي ... و نار الهوى للعاشقين أعدت\rومن عجبي أنَّ الذين أحبهم ... و قد أعلقوا أيدي الهوى بأعنة\rسقوني وقالوا لا تغن، ولو سقوا ... جبال حنين ما سقوني، لغنت\rو قال الأخر:\rلقد بخلت حتى لو إني سألتها ... قذى العين من ضاحي التراب لضنت\rفإنَ بخلت فالبخل منها سجية ... و إنَّ بذلت أعطت قليلا وأكدت\rو سيأتي في هذا المعنى ما فيه كفاية، إن شاء الله تعالى.\rوقال أعرابي:\rشر قرين للكبير بعلته ... تولغ كلبا سؤره أو تكفته\rالبعلة: الزوجة، والرجل بعل. والمعنى أن الرجل إذا كبر تقذرته امرأته: فلا تشرب فضلة شرابه، بل تسقيه كلبا أو تكفته على الأرض.\rوقال الأخر:\rأقول إذ حوقلت أو دنوت، ... و بعض حيقال الرجال الموت:\rمالي إذا أنزعتها صأيت ... أكبر غيري أم بيت؟\rو البيت: الزوجة أيضاً.\rفائدة: الزوجة لها أسماء عدة: منه البعلة والبيت وتقدم ومنها الشهلة. قال الشاعر:\rله شهلة شابت ومامس جيبها ... و لا راحتيها الشثنتين عبير\rو تطلق الشهلة على العجوز كقول الآخر:\rباتت تنزي دلوها تنزيا ... كما تنزي شهلة صبيا\rو هذا أيضاً محتمل. ومنها الحليلة وجمعها حلائل. قال الله تعالى: وحلائل آبائكم. ومنها العرس بكسر العين. قال امرؤ القيس:\rكذبت لقد أصبى على المرء عرسه ... و امنع عرسي أن يزن بها الخالي\rو يقال للرجل أيضاً عرس وكذا العروس يستويان فيه غير إنّه إنّما يوصفان به ما دام في إعراسهما بخلاف العرس. وأما العرس بضم العين فاسم الوليمة ومنها الحنة. قال الشاعر:\rما أنت بالحنة الودود ولا ... عندك خير يرجى لملتمس\rو منها الطلة قال الشاعر:\rوإنَّ امرؤا في الناس كنت أبن أمه ... تبدل مني طلة لغبين\rدعتك إلى هجري فطاوعت أمرها ... فنفسك لا نفسي بذاك تهين\rو منها الربض ويقال الربض أيضاً لكل ما أويت إليه. قال الشاعر:\rجاء الشتاء ولمّا اتخذ ربضا ... يا ويح نفسي من حفر القراميص\rو منها القعيدة. قال الحطيئة:\rأطوف ما أطوف ثم آوي ... إلى بيت قعيدة لكاع\rومنها الزوج ويطلق على الذكر والأنثى. وقد بقال الزوجة على قلة كقول الفرزدق:\rوإنَّ الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساع إلى أسد الشرى يستبيلها\rو قال سليمان العدوي أو الخزاعي في مرثيته للحسين رضي الله عنه:\rإذا افتقرت قيس جبرنا فقيرها ... و قتلنا قيس إذا النعل زلت\rوهو مثل قول اللحيص بيض:\rملكنا فكان العفو منا سجية ... فلما ملكتم سال بالدم ابطح\rو قرئ على قبر بالمدينة:\rيا مفردا سكن الثرى وبقيت لو ... كنت اصدق إذ بليت بليت\rالحي يكذب: لا صديق لميت ... لو صح ذاك ومت كنت أموت\rو مثله قول الآخر:\rومن عجب أن بت مستشعر الثرا ... و بت بما زودتني متمتعا\rولم إنني أنصفتك الود لم أبت ... خلافك حتى تنطوي في الثر معا\rو قول الآخر:\rما وفي العباد حي لميت ... بعد ياس منه له في الإياب\rو قول الآخر:\rنسيبك من أمسى يناجيك طرفه ... و ليس لمن وارى التراب نسيب\rو قال أبو محمّد الحريري رحمه الله تعالى في غلام ابقل عذاره:","part":1,"page":140},{"id":141,"text":"قال العواذل ما هذا الغلام به: ... أما ترى الشعر في خديه نبتا\rفقلت والله لو إنَّ المفند لي ... تأمل الرشد في عينيه ما ثبتا\rومن أقام بأرض وهي مجدبة ... فكيف يرحل عنها والربيع أتى؟\rو قال أبن زهر الاشبيلي إذ غلب عليه الشيب:\rإني نظرت إلى المرآة إذ جليت ... فأنكرت مقلتاي كل ما رأتا\rرأيت فيها شيوخا لست اعرفه ... و كنت اعهده من قبل ذاك فتى\rفقلت: أين الذي بالأمس كان هنا ... متى ترحل عن هذا المكان متى؟\rفاستضحكت ثم قالت وهي معجبة ... أتى الذي أنكرته مقلتاه أتى\rكانت سليمة تنادي: يا أخي وقد ... صارت سليمى تنادي اليوم: يا أبتا\rو تقدم بعضه قبل هذا الباب. وقال الآخر:\rالصبر محمود إلى غاية ... و هذه الغاية حتى متى؟\rما احسن الصبر ولكنه ... في ضمنه يذهب عمر الفتى\rو هو مأخوذ من قول بعض الحكماء: ما احسن الصبر لولا إنَّ النفقة عليه من العمر.\rوقال الآخر:\rألم تر إنَّ الدهر يوم وليلة ... يكران من سبت عليك إلى سبت؟\rفقل لجديد العيش: لا بد من بلى ... و قل لاجتماع العيش: لابد من شت\rوقال الآخر:\rإذا لم يكن مني تصامم ... و في بصري غض وفي منطقي صمت\rفحظي إذا من صومي الجوع والظما ... و إنَّ قلت إني صمت يوما فما صمت\rو فيه الجناس التام. وقال الآخر وقد قدم على المواريث:\rوما نلت من شغل المواريث غير إنَّ ... اسرح نعشا كلما مات ميت\rواكتب بالأموات صك كأنهم ... يخاف عليهم من الحساب التفلت\rكأني لعزرائيل صرت مناقضا: ... فهاهو يمحو كل يوم واثبت\rو قال الفرزدق:\rبنو دارم إكفاؤهم آل مسمع ... و تنكح في اكفائها الحبطات\rو كان بلغه إنَّ رجلا من الحبطات يخطب امرأة من دارم فقال ذلك. ودارم هو مالك بن حنضلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم وآل مسمع كمنبر من بني قيس بن ثعلبة وهم بيت بكر بن وائل في الإسلام. والحبطات بنو الحارث بن عمرو بن تميم وكان أبوهم الحارث يلقب بالحبط بكسر الباء الموحدة والحبط هو الذي يصبه الحبط بفتحتين وهو انتفاخ بطون الماشية من أكل النبات كما مر. وأصاب ذلك الحارث في بعض أسفاره فقيل له الحبط وقيل لأولاده الحبطات. ويضرب هذا البيت مثلا لمن طمح إلى فوق قدره في هذا المعنى.\rوقال بعض الأعراب:\rوسائلي عن خبري لويت ... فقلت: لا ادري وقد دريت\rو قبله:\rومنهل في الغراب ميت ... كأنه من الأجوان زيت\rسقيت منه القوم واستقيت ... و ليلة ذات ندى سريت\rولم يلتني عن سراها ليت ... و لم تضرني كنة وبيت\rوجمة تسألني أعطيت ... و سائلي عن خبري لبيت\rو البيت هنا أيضاً الزوجة والجمة القوم يسألون في الديات.\rوقال الآخر:\rخليلي هذي زفارة اليوم قد مضت ... فمن لغد من زفرة قد أظلت\rومن زفارات لو قصدن قتلنني ... تقص التي تبقى التي قد تولت\rو قال الآخر:\rالقني في لظى: فإن أحرقتني ... فيقين أن لست بالياقوت\rجمع النسيج كل من حاك لكن ... ليس داود فيه كالعنكبوت\rوهذا الشعر معروف مشهور ولم يعرف قائله ويتمثل به على نحو قولهم: ما كل سوداء تمرة وقولهم: مرعى ولا كالسعدان. وتقدم معنى البيت الأول في قول الحريري:\rوربما أصيل الياقوت جمر لطى ... ثم أنطفى الجمر والياقوت ياقوت\rو قال بعضهم في مناقضة البيتين المذكورين:\rأيّها المدعي الفخار دع الف ... خر لذي الكبرياء والجبروت\rنسيج داود لم يفد ليلة ... الغار وكان الفخار للعنكبوت\rوبقاء السمند في لهب ... النار مزيل فضيلة الياقوت\rوكذاك النعمام يلتقم الجزيرة ... مر وما الجمر للنعام بقوت","part":1,"page":141},{"id":142,"text":"وأراد إنَّ للعنكبوت شرف عظيما بنسيجها على فم الغار الذي دخله النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وذلك مشهور. وقد قيل إنّها أيضاً نسجت على نبي الله داود عليه السلام حين طلبه طالوت وعلى عبد الله بن انس حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى قتل خالد الهذلي وعلى عورة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم حين صلب عريان والله اعلم. والسمند الذي ذكره هو السمندل بالام وهو طائر يكون في أرض الهند لا يحترق بالنار تصنع منه المناديل فإذا اتسخت ألقيت في النار فأكلت النار ما عليها من الأوساخ وبقيت نظيفة فكان ذلك لها غسلا وإذا غمس شيء منها في الزيت وجعل في المصباح اشتعل بما فيه من الزيت ولم يحترق منه شيء أصلا ولو بقي ما بقي. وبعد كتابي هذا وجدت في بعض الدواوين أصل هذا الشعر وهوان بعض الملوك كان له وزير فعتب عليه شيئاً وحلف ليستبدلنه بمن لقي. فلقي أعرابي رث الهيئة فاستوزره فقال الوزير الأول وكان اسمه ياقوت يعرض للثاني:\rاحكم النسيج كل من حاك لكن ... نسيج داود ليس كالعنكبوت\rالقني في لظا البيت.\rفأجابه الثاني بقوله:\rنسج داود ما حمى صاحب الغار ... و كان الغار للعنكبوت\rوفراخ السمند في لهب النار ... أزالت فضيلة الياقوت\rو قالت امامة العامرية من شعراء الحماسة:\rوحرب يضج القوم من نفيانها ... ضجيج الجمال الجلة الدبرات\rسيتركها قوم ويصلى بحرها ... بنو نسوة للثكل مصطبرات\rو قال جحدر:\rقد علمت والدتيي ما ضمت ... و لففت خرق وشمت\rإذا الكماة بالكماة التفت ... امخدج اليدين أم أتمت\rأي قد علمت مخائل الكرم في منذ ولدتني وعلمت إني تام الخلق غير ناقص لإقدامي وجراتي.\rوقال سنان بن فحل الطائي:\rوقالوا قد جننت فقلت كلا ... و ربي ما جننت ولا انتشيت\rولكني ظلمت فكدت ابكي ... من الظلم المبرح أو بكيت\rفإنَ الماء ماء أبي وجدي ... و بئري ذو حفرة وذو طويت\rوقبلك رب خصم قد تمالوا ... علي فما جزعت ولا نيت\rولكني نصبت لهم جبيني ... و ألة فارس حتى قريت\rو قال تأبط شرا:\rألم تعلم بأني لا كبير ... فتهونه ولا ضرع شخيت\rوإنَّ على وداعي كل خير ... و إنَّ قذافي الموت المميت\rالضرع: الضعيف والشخيت: الضئيل الحقير والوداع: المودعة والمسالمة والقذاف: المقاذفة اللسان وقال المأمون العباسي:\rوما أحد طالت له لحية ... فزادت اللحية في هيئته\rإلاّ وما ينقص من عقله ... اكثر مما زاد في لحيته\rو كان يوما جالسا مع ندمائه يذكرون أخبار الناس فقال المأمون: ما طالت لحية إنسان قط إلاّ نقص من عقله بمقدار ما طال من لحيته وما رأيت عاقلا قط طويل اللحية فلم يسلم له جلساؤه ذلك. فبينما هم كذلك إذ اقبل رجل كبير اللحية حسن الهيئة حسن الثياب. فقال المأمون: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم: هو رجل عاقل وقال آخر: يجب إنَّ يكون هذا قاضيا. فقال المأمون: علي به فلم يلبث أن صعد إليه فسلم وأجاد السلام واستنطقه بأحسن المنطق. فقال المأمون: أبو حمدوية. قال: ما الكنية؟ قال: علوية. فضحك المأمون واقبل على جلسائه فغمزهم عليه ثم قال: ما صنعتك؟ قال: أنا فقيه أجيد الشرح للسائل. فقال المأمون: نسألك عن مسألة؟ قال: سل عما بدا لك! فقال المأمون: ما تقول في رجل اشترى شاة من رجل فلما سلمها المشتري ومضى خرجت من أستها بعرة ففقأت عين رجل. على من تجب دية العين؟ قال: تجب على البائع دون المشتري. فقال المأمون: وما العلة التي أوجبت الدية على البائع دون المشتري؟ قال: لأنّه لمّا باعها لم يشترط إنَّ في أستها منجنيقا. قال: فضحك المأمون حتى استلقى على قفاه وضحك كل من حضر من الندماء وأنشأ المأمون يقول: ما أحد طالت لحيته البيتين ومثله قول الآخر:\rإذا عظمت للفتى لحية ... فطالت وصارت إلى سرته\rفنقص عقل الفتى فاعلمن ... بمقدار ما زاد من لحيته\rوقول الآخر:\rلا تفخرن بلحية ... كثرت منابتها طويلة\rتهوي بها هوج الرياح ... كأنها ذنب السحلية\rقد يدرك الشرف الفتى ... يوما ولحيته قليلة\rالسحلية: ولد البقرة والجمع حسيل. وقول الآخر:","part":1,"page":142},{"id":143,"text":"وكل امرئ ذي لحية عثولية ... يقوم عليها ظن إنَّ له فشلا\rوما الفضل من طول السبال وعرضها ... إذا الله لم يجعل لصاحبها عقلا\rو قال الحسن بن المثنى: إذا رأيت رجلا له لحية طويلة ولم يتخذ لحية بين لحيتين كان في عقله شيء. وسيأتي من هذا المعنى ما في الكفاية إن شاء الله تعالى. وقول الآخر:\rإذا لم يكن فيك ظل ولا جنى ... فأبعدكن الله من شجرات\rو قال الآخر:\rيقوا أناس: لو نعت لنا الهوى ... و والله ما ادري لهم كيف انعت\rفليس لشيء منه حدّثني أحده ... و ليس لشيء منه وقت موقت\rإذا اشتد مابي كان آخر حيلتي ... له وضع كفي فوق خدي واصمت\rوانضح وجه الأرض طورا بعبرتي ... و اقرعها طورا بظفري وانكت\rوقد زعم الواشون إني سلوتها: ... فما لي أراها من بعيد فأهبت؟\rو قال دعبل بن علي الخزعلي:\rأحببت ومي ولم اعدل بحبهم ... قالوا: تعصب جهلا قول ذي بهت\rدعني أصل رحمي إنَّ كانت قاطعها: ... لا بد للرحيم الدنيا من الصلة\rفاحفظ عشيرتك الادنين إنَّ لهم ... حقا يفرق بين الزوج والمرة\rو قال الأخر:ليس أعرابي من بالحارث:\rرئمت لسلمى فضيم وإنني ... قديما لآبي الضيم وأبن أبات\rفقد وقفتني بين شك وشبهة ... و ما كنت وقافا على الشبهات\rو قال الحامسي:\rإذا ما يد لم تعط مما تخولت ... من المال في المعروف يوم فشلت\rفلولا ثلاث هن من عيشة الفتى ... وجدك لم احفل حتى متى ما أظلت\rفمنهن أن ألقى الصليب وأهله ... و اقدم فوق القارح المتفلت\rومنهن أن أعطي الكريم بسؤله ... إذا شعب المعروف في الناس قلت\rومنهن إبراز الفتاة بنانها ... و قد أعطيت من صورة ما تمنت\rاصاح تروح نترك الجهل والصبا ... و نمح بقيا فتنة قد أظلت\rفما لك من ليلى ساء تحية ... تكون وداعا للفرق وقلت\rوزفرة مجزون وذكر مصيبة ... سلوت ولو عزت علي وجلت\rلم احفل: لم أبال وأظلت: أقبلت وغشيت وشعب المعروف: طرقه وأسبابه. وهذا التقسيم كأنه آخذه من قول طرفة بن العبد:\rفلولا ثلاث هن من عيش الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي\rفمنهن سبقي العاذلات بشربة ... كميت متى ما تجعل بالماء تزبد\rوكري إذا نادى المضاف مجنبا ... كسيد الغضا نبهته المتورد\rوتقصير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهكنة تحت الطرف المعمد\rو سيأتي مع بيانه في محله إن شاء الله تعالى.\rوقال الشيخ أبي الفارض رضي الله عنه:\rكأني هلال الشك لولا تأوهي ... خفيت فلم تهد العيون لرؤيتي\rو سيأتي إنشاد ما قيل في النحول إن شاء الله تعالى. وقال:\rأروم وقد طال المدى منك نظرة ... و كم من دماء دون مرامي طلت\rو قال:\rوجنبني حبيبك وصل معاشري ... و حببني ما عشت قطع عشيرتي\rوأبعدني عن أربعي بعد أربع ... شبابي وعقلي وارتياحي وصحتي\rفلي بعد أوطاني سكون إلى الفلا ... و بالوحش أنسي إذ من الأنس وحشتي\rوما ظفرت بالود روح مراحة ... و لا بالولا نفس صفا العيش ودت\rوأين الصفا؟ هيهات من عيش عاشق ... وجنة عدن بالمكاره حفت\rوحسن به تسبي النهى دلني على ... هوى حسنت فيه لعزك ذلتي\rو قال أبو الفرج بن هند:\rلا يرد الردى لزوم بيوت ... لا ولا يقتضيه جوب فلاة\rمولد الدر حماة فإذا سا ... فر حل التيجان واللماتسة\rو تقدم في هذا المعنى شعر كثير. ولنذكر هنا شيئا من غير ما مر من ذلك قول أبن الساعاتي:\rاهلك والليل منضيا جملك ... شمر فخير البلاد ما حملك\rلا خير في بقعة تروى من الأ ... رض إذا لم تنل بها املك\rحتام لا تعمل الجياد ولا ... تعمل في كل غاية جملك\rلقد تربص خيفة الأجل ... المحتوم لو كان دافعا أجلك\rوحبذا ذاك لو وجدت فتى ... افضل يوما عليك أو فضلك\rقال أبن قلاقس:\rسافر إذا حاولت قدرا ... سار الهلال فصار بدرا\rوالماء يسكب إن جرى ... طيبا ويخبث ما استقرا\rوبنقلة الدرر النفيسة ... بدلت بالبحر نحرا\rو له أيضاً:","part":1,"page":143},{"id":144,"text":"شرفي جاوز الغنى ومن العا ... رضما انحط عن رؤوس الجبال\rكيف لا أسرع التنقل والمشهر ... للبدر سرعة الانتقال\rو قوله أيضاً:\rإنَّ مقام المرء في بيته ... مثل مقام الميت في لحده\rفواصل الرحلة نحو الغنى ... فالسيف لا يقطع في غمده\rوالنار لا يحرق مشبوبها ... إلاّ إذا ما طار عن زنده\rو قول أبن الغنائم:\rسر طالبا غاياتها: أما ترى ... فوق الثريا أو ترى تحت الثرى\rلا تخلدن إلى المقام فإنما ... سير الهلال قضا له أن يقمرا\rلا تبك دارا فالفتى من إن دعا ... دمعا عصاه وإن دعاه ما جرى\rأين الكنائس من العرين وغزلا ... ن اللوى في المجد من أسد الشرى\rلو ينتج الوطن العلا ما سار عن ... غمدان سيد حمير مستنصرا\rوالليث لو وجد الفريسة رابضا ... أو ناهضا في خيسة ما اصحرا\rلا عار في بيع النفوس على الردى ... عندي إذا كان العلاء المشترى\rحتام حظي في الوهاد وأصحاب ... الدناءة في الشواهق والذرى؟\rما الجبن يحميني الحمام ولا أرى ... الأقدام يجلب لي سوى ما قدرا\rلا بد منها وثبة تسعى الظبى ... فيها وتكسو الجو فيها العيثرا\rأشكو إلى الأيام ما ألقى لها ... وجها على تلوينها مستبشرا\rما عذر من لم يلق وجها ابيضا ... منهن إن لم يلق وجها احمرا\rو قال أبو الفضل التميمي:\rدعني اسر في البلاد متلمسا ... فضل مال إن لم يفر زانا\rفبيدق الرخ وهو ايسر ما ... في الدست إن سار صار فرزانا\rو قال أبن صردر:\rقلقل ركابك في الفلا ... و دع الغواني للقصور\rلولا التغرب ما ارتقى ... در البحور إلى النحور\rو قول الآخر:\rدعي عزمات المستضام تسير ... فتنجد في عرض الفلا وتغور\rاللم تعلمي إنَّ الثواء هو التوى ... و إنَّ بيوت العاجزين قبور\rو قول أبي إسحاق الغزي:\rيا حليا عاطل البيد ... بوجه النجيبة الشملال\rزحل اكبر الكواكب لا ... يحمل إلاّ من قلة الانتقال\rوقول أبن قلاقس أيضاً:\rإن كنت تبغي وطنا ... من العلى فاغترب\rفالسمر في غاباتها ... معدودة في القصب\rوالشمس لا ترقب في ... المشرق لو لم تغرب\rو قول أبن الساعاتي أيضاً:\rوكن غنيا عن كل أرض بأختها ... و إنَّ حل مغناها كواعب عين\rفلولا فراق الدر أصداف بحره ... لأنكره تاج وصد جبين\rو قوله أيضاً:\rولا يصدنك عن شيء ترفعه ... فربما صار وردا نازح السحب\rلم يشرق الدر لولا هجر موطنه ... و البدر ما تم حتى جد في الطلب\rو قول الآخر:\rفالتبر كالتراب ملقى في موطنه ... و العود في أرضه نوع من الحطب\rو مثله قول الآخر:\rأضيع في معشري وكم بلد ... يعود الكباء من حطبه\rو قول أبن السكن:\rقالوا نراك كثير السير مجتهداً ... في الأرض طوراً وترتحل\rفقلت لو لم يكن في السير فائدة ... ما كانت السبع في الأبراج تنتقل\rو قال الأخر:\rأقول لجارتي والدمع جرٍ ... و لي عزم الرحيل من الديار\rذريني أنَّ أسير ولا تنوحي ... فإن الشهب أشرفها السواري\rوقال أبن سناء الملك:\rوأسعد الناس من لاقى بلا تعب ... مبدأ السعادة في مبدأ شبيبته\rو هذا البيت من أبيات يمدح بها والده الرشيد، وهي:\rإني لأرثي لدمعي من تزاحمه ... كما رثيت لشملي من تشتته\rأنا القوي بعزمي والرشيد أبي ... هو الرئيس على الدنيا بهمته\rأبني وأنشر بيت المجد مجتهداً ... في لم لمته أو رم رمته\rأصبحت أحتال في حال ونضرتها ... به وارتع في عيشي وخضرته\rو اسعد الناس \" البيت \" ومما مدحه به أيضاً قوله:\rيكفيك أني بك يا سيدي ... قد طاب أصلي وزكا محتدي\rجاوزت حدّثني البر بي صاعداً ... فقف: فما أبقيت من مصعد!\rو قوله أيضاً من قصيدة:\rأني لي النقص إنَّ مجد أبي ... سام كما أنَّ قدره سابق\rهو الرشيد الذي رياسته ... سارت، فلا زاجر ولا سائق","part":1,"page":144},{"id":145,"text":"يكنى أبا الفضل وهو يعشق ... نفس الفضل، والمرء لابنه عاشق\rو أين هذا من أبن الرومي، حيث يقول في هجو أبيه، وبئس ما قال!:\rلو كان مثلك في زمان محمّدً ... ما جاء في القرآن بر الوالد !\rو أبن عنين في قوله:\rوجبتني أن أفعل الخير والد ... قليل إذا عد أهل المناسب!\rبعيد من الحسنى قريب من الخنا ... وضيع مساعي الخير جم المثالب\rإذا رمت أنَّ أسمو صعوداً إلى العلا ... غدا عرقه نحو الدنية جاذبي\rو مثل هذا البيت قول الآخر في خالد بن عبد الله القسري، أو في غيره:\rإذا نبهته نخوة عربية ... إلى المجد قالت إرمنيته نم\rو ممن هجا والده أبن بسام، حتى قال: فيه بعض الشعراء:\rمن شاء يهجو عليا ... فشعره قد كفاه\rلو إنّه لأبيه ... ما كان يهجو أباه\rو قال الأخر:\rلا تخف للخطوب في كل وقتٍ ... لا ولا تخشاها وإنَّ هي جلت!\rفحقيق دوامها ليس يبقى ... كثرت في الزمان أو هي قلت\rواردع للهموم صبرا جميلاً ... فالرزايا إذا توالت تولت\rو قال الأخر في هذا المعنى:\rاصبر إذا نائبه حلت ... فهي سواء والتي ولت\rواستنهض العزم فليس الظبا ... تربي وتفري كالتي كلت\rوفي هذا المعنى شعر كثير تقدم بعضه، وسيأتي في محل أخر، إن شاء الله تعالى.\rوقال الأخر:\rالقبر أخفى سترة للبنات ... و دفنها يروى من المكرمات\rأما رأيت الله جل اسمه ... قد وضع النعش بجنب البنات؟\rو سيأتي هذا المعنى مستوفي، إن شاء الله تعالى.\rوقال الأخر:\rاقنع بأسير شيء أنت نائله ... و اصبر ولا تتعرض للولايات!\rفما صفا النيل إلاّ وهو منتقص ... و لا تكدر إلاّ في الزيادات\rو مثله قول أبن طباطبا:\rكن بما اوتيته مغتبطا ... تستدم عمر القنوع المكتفي!\rإنَّ في النيل المنى وشك الردى ... و قياس عند السرف\rكسراج دهنه قوته ... فإذا أغرقته فيه طفي\rو قال الأخر:\rخذ من العيش ما كفى\rكسراج منور ... إن طفا دهنته انطفا\rوسيأتي هذا المعنى مستوفي، إن شاء الله تعالى.\rوقال البحتري:\rإنَّ أبق أو اهلك فقد نلت التي ... ملأت صدور أقاربي وعداتي\rوغنيت ندمان الخلائف نابها ... ذكري وناعمة بهم نشواتي\rوشفعت في الأمر الجليل إليهم ... بعد الجليل فأنجحوا طلباتي\rووضعت في العرب الصنائع عندهم ... من رفد طلاب وفك عناة\rو قال دعبل الخزاعي:\rلا تعرضن بمزح لامرئ طبن ... ما راضه قلبه أجراه في الشفة\rفرب قافية بالمزح جارية ... في محفل لم يرد إنماؤها نمت\rإني إذا قلت بيتا ماتب قائله ... و من يقال له والبيت لم يمت\rو نحوه قول الآخر:\rفللشعراء ألسنه حداد ... على العورات موفية دليله\rومن عقل الكريم إذا اتقاهم ... و دارهم مدارة جميلة\rإذا وضعوا مكاويهم عليه ... و إنَّ كذبوا فليس لهن حيله\rو سيأتي هذا المعنى مستوفي، إن شاء الله تعالى.\rوقال الأخر يتشوق إلى أهله:\rولي كبد مكلومة لفراقكم ... أطمئنها صبراً على ما أجنت\rتمنتكم شوقا إليكم وصبوة ... عسى الله أنَّ يدني لها ما تمنت\rوعين جفاها النوم واعتادها البكا ... إذا عن ذكر القيروان استهلت\rو قال تميم بن جميل بين يدي المعتصم، وقد قدم السيف والنطع ليقتله:\rأرى الموت بين النطع والسيف كامنا ... يلاحظني من حيث ما أتلفت\rواكبر ظني أنك اليوم قاتلي ... و أي امرئٍ مما قضى الله يفلت؟\rوأي امرئ يدلي بعذر وحجةٍ ... و سيف المنايا بين عينيه مصلت؟\rيعز على الأوس بن تغلي موقف ... يهز علي السيف فيه وأسكت\rفما حزني إني أموت وإنني ... لأعلم أنَّ لموت شيء موقت\rولكن خلفي صبية قد تركتهم ... و أكبادهم من حسرة تتفتت!\rكأني أراهم حين أنعى إليهم ... و قد خمشوا تلك الوجوه وصوتوا\rفإن عشت عاشوا خافضين بنعمةٍ ... أذوذ الردى عنهم وإنَّ من موتوا\rفكم قائل لا يعبد الله داره ... و آخر جذلان يسير ويشمت!","part":1,"page":145},{"id":146,"text":"فعفا عنه المعتصم، واحسن إليه، وقلده عملا. ونحو البيت الأخير قول الأول:\rإذا مت كان الناس صنفان شامت ... و آخر مثن بالذي كنت أصنع\rوقال أبن رشيق:\rأيّها الموحي إلينا ... نفثه الصل الصموت\rما سكتنا عنك عيا ... رب نطقٍ في السكوت\rلك بيت في البيوت ... مثل بيت العنكبوت\rإنَّ يهن وهنا ففيه ... حيلتا سكنى وقوت!\rو مثل هذا قوله أيضاً:\rواحرق أكال للحم صديقه ... و ليس لجاري ريقه بمسيغ\rلست له ظنا بعرضي فلم أجب ... و رب جواب في السكوت بليغ\rو قول الآخر:\rواعلم بأن من السكوت إبانة ... و من التكلم ما يكون خبالا\rو قول الآخر:\rأيا رب إنَّ الناس لا ينصفوني ... و لم يحسنوا قرضي على حسنات\rإذا ما رأوني في رخاء توددوا ... إلي وأعداء لدى الأزمات\rومهما أكن في نعمة حزنوا لها ... ذوو أنفس في شدتي جذلات\rثقاتي ما دامت صلاتي لديهم ... و إنَّ عنهم أخرتهم فعداتي\rسأمنع قلبي إنَّ يحن إليهم ... و اصرف عن قاليا لحظاتي\rوالزم نفسي الصبر دائبا لعلني ... أعين ما أملت قبل مماتي\rألا إنّما الدنيا كفاف وصحة ... و أمن ثلاث طيب كل حياة\rو قال الأخر:\rوما النفس إلاّ حيث يجعلها الفتى: ... فإن توقت تاقت وإلاّ تسلت\rو قال الأخر:\rإذا ما مددت النفس التمس الغنى ... إلى غير من قال اسألوني فشلت\rسأصبر جهدي إنَّ في الصبر عزة ... و أرضى بدنياي وإنَّ هي قلت\rو قال الأخر:\rمن لي بذكري كلما أوحشته ... تمحو سلوي واشتياقي تثبت\rوسحاب دمع كلما أمطرته ... غير القتاد بمضجعي لا ينبت؟\rو قد كنت قلت معنى البيت الأخير، قبل إنَّ أراه، وهو مطلع قصيدة:\rطرقت من بعد الهدو بلابل ... تمهى كما طرق الخميلة وابل\rسحب متى تحلل بأكناف الحشى ... ينبت به منها القتاد الراعل\rإلاّ إنّه جعله في مطر الدموع، وأنا جعلته في مطر الأحزان؛ وجعله في المضجع، وأنا جعلته في وسط الفؤاد، وإليك ارتياد الإبلاغ!\rتقسم منك الترب قومي وجيرتي: ففي الظاهر إحيائي وفي البطن أمواتي\rو تقدم كثير مما قيل في ذكر الوطن، وسيأتي مزيد فيه، إن شاء الله تعالى.\rوقلت أنا في قوم غشوا لئيما فجعل جائزتهم الازدراء:\rلأن تهملوا أو يزدرى بوجوهكم ... فذوا ورطات خاضها الطين بابته\rومن يستبل يوما حميراً ينلنه ... فلا يشجعه من بولهن إصابته\rولو كان حلم لأدري المرء إنّه ... من النوك أنَّ تمتد للصخر راحته\rإلاّ إنَّ برقا خلبا غير ممطر ... و شائمة الحرمان والغم غايته!\rو دخلت يوما عليه للتسليم عليه، فرأيت من لقياه ما أكره، فقلت في نفسي ارتجالا أو شبه ارتجال:\rأتكبر يا أبن اللؤم بالكبر والخنا ... و لؤم لديه ما درى كرم الخلق؟\rوتلتمس ركن المعالي براحة ... مغللة منها البنان إلى العنق؟\rوتستقبلن وجه السيادة مسفراً ... بوجه كوجه الضفدع التف في سحق؟\rوترقى سرير الملك يوما بأحمصٍ ... لو أعتسفت خضر الصوح بالمحق؟\rولو خاضت العذاب الفرات غدابها ... زعاقا يغص الشاربين وذا رنقِ\rوتجري تصريف الرعايا جميعها ... على مسكة العصفور ذي الطيش الخرق\rوتقدم في دفع الملمات عنهم ... بقلب هيوب يستفز من الوق\rفهيهات منك المجد إنَّ كنت عاقلاً ... فدعه وإنَّ كنت المهوس فأسترق!\rفلا خير فيه غير أن لقاءه ... يعلمك الهجو البليغ على صدق\rوإن هجا الناس ليس يسوؤه ... و هل ساء من على العرض يستبقي؟\rدخلت عليه زائرا فإذا أنا ... بكلب مطير عابس مائل الشدق\rواحسن إذا أخطأت إن زرت مثله ... فيعاقبني بالتيه أو سيئ الخلق\rو أنا أستغفر الله العظيم من هجو المسلمين، وثلب أعراض الغافلين. ولولا أن اغتياب البخيل، ورد فيه ترخيص وتسهيل، مع إبتناء الكتاب، على قصد الإمتاع من كل باب، ما مضمضت بالهجو لساني، و سطرته ببناني.\rوهيهفاء يحكيها القضيب تأوداً ... إذا ما انثنت في الريط أو حبراتها","part":1,"page":146},{"id":147,"text":"يضيق الإزار الرحب عن ردفها كما ... يضيق بها الأحشاء عن زفراتها\rوما ظبية أدماء تألف وحدة ... تزيد ظلال الضال أو أثلاتها\rبأحسن منها يوم أومت بلحظها ... إلينا ولم تنطق حذار وشاتها\rو قال أبن النبيه:\rمن لي بسلمى وفي أجفان مقلتها ... للحرب بيض حداد قط ما صحفت\rيهتز بين وشاحيها قضيب نقى ... حمائم في أفنانه صدحت\rوأسود الخال في محمر وجنتها ... كمسكة نفحت في جمرة لفحت\rو قال الحماسي في غير هذا المعنى:\rلا تنكحن الدهر ما عشت أيما ... مجربة قد مل منها وملت\rتحك قفاها من وراء خمارها ... إذا فقدت شيئاً من البيت جنت\rتجود برجليها وتمنع درها ... و إنَّ طلبت منها المحبة هرت\rو قوله تحك قفاها: يريد إنّها لا تحسن احتكاكا، فضلا عن غيره. وقوله تجود برجليها، الخ: يريد إنّها تتأتى لمن يريد غشيانها، ولا تصلح للولادة، لأنها قعدت عنها فلا در لها. وتقدم هذا المعنى. وقال الحماسي أيضاً في لتلميح:\rإذا اجتمع الجوع المبرح والهوى ... على الرجل المسكين كاد يموت\rوفي هذا القدر كفاية من هذا الباب، والله يقول الحق ويهدي السبيل.\rبسم الله الرحمن الرحيم\rباب الثاء\rالثابت يكسر الوثبات.\rالثابت: الرزانة والحلم، وهو ضد الخفة والطيش. والوثبات: جمع وثبة، وهي الصولة والانتقام. وهذا مثل ظاهر المعنى، وهو مصنوع فيما أظن.\rأثقف من سنورٍ.\rيقال ثقف الرجل، بضم القاف، يثقف ثقافة، فهو ثقف وثقيف؛ وثقف، بكسرها، يثقف ثقفا، فهو ثقف وثقف ، كندس وندسٍ، إذا كان حاذقا فطنا خفيفا. ومنه، حديث أنس: وكان غلاما ثقفا. والسنور، على وزن جردحل: الهر المعروف، والأنثى سنورة، وله أسماء كثيرة، حتى حكي أنَّ أعرابياً صاده ولم يعرفه. فلقيه إنسان، فقال له: ما هذا السنور؟ ثم لقيه أخر، فقال: ما هذا القط؟ ثم آخر، ثم آخر. فلما رأى كثرة أسمائه ظن أن ذلك لخير عظيم فيه، فقال: أبيعه، لعل الله تعالى يرزقني مالاً كثيراً. فلما وقفه في السوق قيل له: بكم تبيعه؟ قال: بمائة دينار. فقيل له إنّه لا يساوي إلا نصف درهم. فرمى به وقال: لعنه الله! ما اكثر أسمائه، وأقل بركته! وهو في الخفة وسرعة الاختطاف النهاية. فمن ثم ضرب به المثل.\rأثقل رأساً من فهدٍ.\rالفهد، بفتح الفاء وسكون الهاء بعدها دال مهملة، الحيوان المعروف الذي يتصيد به، وهو سبع، ويزعمون إنّه متولد من بين الأسد والنمر. وفهد الرجل، بالكسر تشبه بالفهد في نومه وتمدده، كما في حديث أم زرع: إنَّ دخل فهد وإنَّ خرج أسد. ويقال فهد أيضاً إذا نام وتغافل عما يجب تعهده. والفهد كثير النوم ثقيله، ومن ثم قالوا: أنوم من فهد، وأثقل رأساً من فهد.\rمثقل استعان بذقنه.\rالمثقل، من الثقل المذكور، وهو ضد الخفة. ويقال: ثقل الشيء بالضم، يثقل، ثقلاً، على مقال عنب، فهو ثقيل؛ وثقله تثقيلا؛ وأثقله تثقيلا؛ وأثقله. والاستعانة: طلب العون. والذقن، بفتحتين والذال معجمة: معجم اللحيين من اسفل.\rيضرب هذا المثل للذليل يستعين بمثله أو أذل منه. وأصله في البعير يحمل عليه الثقل فلا يستطيع إنَّ ينهض به، فيضرب بذقنه على الأرض، معتمدا عليه ليقوم.\rأثقل من حديث معادٍ.\rالثقل تقدم؛ والحديث: الخبر؛ والمعاد: الذي سمعته ثم أعيد عليك مرة أخرى فهو يثقل على السماع كثيرا لعدم الداعي إلى سماعه، مع الملل الحاصل للنفس من تكراره. والنفس للطافتها وروحانيتها اكثر من البدن تألما بالاذاية واقل صبرا واحتمالا، فلا تكاد ترتاح إلاّ إلى ما فيه غذاؤها، من علوم تستحصلها، أو غرائب ولطائف تتفكه بها. فإذا عمدت ذلك غلبها الضجر، ونفرت غاية النفر؛ ومن ثم تستثقل الكلام المعاد وتمل منه، ولو كان في نفسه بليغا عجيبا، إذ لم يبق لها حظ فيه. وكان عدم الملل في كتاب الله تعالى، مع معاودته على مرور الليلي والأيام، معجزة ظاهرة للعيان؛ ومن ثم قيل: كل مكرر مملول إلاّ القرآن. ومما قيل في ثقيل:\rيا ثقيلاُ على القلوب إذا عن ... لها أيقنت بطول الجهاد!\rيا قذى في العيون يا غلة بين ... تراقي حرارة في الفؤاد!\rيا طلوع العذول يا بين ألف ... يا غريما أتى على الميعاد!","part":1,"page":147},{"id":148,"text":"يا ركوما في يوم غيم وصيف ... يا وجوه التجار يوم الكساد!\rخل عنا فإنما أنت فينا ... وأو عمرو وكالحديث المعاد!\rوامض في غير صحبة الله ما عشت ... ملقى من كل فج وواد\rيتخطى بك المهامه والبيد ... دليل أعمى كثير الرقاد\rوقال بعضهم في صفة ثقيل: هو أثقل من دواء بلا علة، وأبغض من خراج بلا غلة؛ قد خرج عن حدّثني الاعتدال، وذهب من ذات اليمين إلى ذات الشمال؛ يحكي ثقل الحديث المعاد، ويمشي على القلوب والأكباد؛ إذا نظرت إلى مشيته أنشدت:\rمشى فدعا من ثقله الحوت ربه ... وقال: إلاهي زيدت الأرض ثامنه!\rوقد يستحسن إعادة الحديث، لا لذاته بل لأمر عارض فيه للنفس أرب أما رغبة في كلام المتكلم خصوصا، أو في نغمته، أو في النظر إليه، أو في دوام جلوسه، أو عدم قضاء الوطر من ذلك الكلام أو نحو ذلك، ومن ثم يستعدا حديث المحبين والمغنين، كما قيل:\rوكنت إذا ما جئت سعدى أزورها ... أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها\rمن الخفرات ود جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها\rو لهذا الشعر حديث عجيب: ذكروا إنَّ رجلاً خرج في طلب إبل له أضلها. قال: فبينما أنا في واد إذ سمعت صوت منشد ينشد: وكنت إذا ما جئت سعدي أزورها \" البيتين \" . فدنوت من الصوت، فإذا أنا براعٍ قد ضم غنما له تحت شجرة وهو يترنم، فسلمت عليه، فرد علي السلام وقال: من الرجل؟ فقلت: منقطع مه المسالك، أتاك يستعين بك ويستجير. فقال: أهلاً ومرحبا، انزل على الرحب! فعندي وطاء وطي وطعام غير بطي. فنزلت فنزع شملته، فبسطها تحتي ثم أتاني بتمر وزبد ولبن وخبز، ثم قال: اعذرني في هذا الوقت! فقلت: والله إنَّ هذا لخير كثير! فمال إلى فرسي فربطه وساقه وعلق عليه. وفلما أكلت صليت واستندت فبينما أنا بين النائم واليقظان، إذ أقبلت من فوق الوادي جارية أطلعت الشمس في غير أوان طلوعها، فوثب الفتى إليها، وجعل يقبل الأرض حتى وصل إليها. فأخذ في حديث مستلذ، مع شكوى وزفرات، وأنا متناوم، وهما لا يهم أحدهما لصاحبه بقبيح. ولم يزالا كذلك حتى طلع الفجر، فعانقها وتنفس الصعداء وبكيا، ثم قال لها: يا ابنة العم، بالله لا تبطئي علي كما أبطأت الليلة! فقالت يا أبن العم، ما علمت أني أنتظر الرقباء والوشاة حتى يناموا؟ فودعها وافترقا، وكل منهما ينظر لصاحبه ويبكي. فبكيت رحمة لهما ثم قلت في نفسي: أستضيفه الليلة الأخرى حتى أنظر ما يكون من أمرهما. فلما أصبحنا قلت له: جعلني الله فداك الأعمال بخواتمها، وقد نالني أمس تعب، واحب إنَّ أستريح عندك اليوم. فقال: على الرحب والسعة! لو بقيت عندي بقية عمرك ما وجدتني إلاّ كما تحب. فعمد إلى شاه فذبحها وشواها، فقدمها إلي فأكلت وأكل معي إلاّ إنّه أكل، أكل من لا يريد أكلا. فلما أزل معه نهاري ذلك، ولم أر أشفق منه على غنمه ولا ألين جانبا ولا أحلى كلاما منه؛ إلاّ إنّه كالولهان، ولم أعلمه بشيء مما رأيت. فلما أقبل الليل وطأ وطائي، وصليت وأعلمته إني أريد الهجوع لتعبي. فقال: نم هنيئا! فتناومت فقام ينتظرها إلى هنيئة من الليل وأبطأت. فلما حان وقت مجيئها قلق قلقاً شديداً، فبكى ثم جاء فحركني فأوهمته إني كنت نائما، فقال: يا أخي، هل رأيت الجارية التي كانت تتعهدني ز جاءتني البارحة؟ قلت: قد رأيتها. قال تلك ابنة عمي واعز الناس علي، وإني لها محب وعاشق، وهي كذلك وأكثر. ومنعني أبوها من تزويجها لفقري وفاقتي، وتكبر علي، فصرت راعيا بسببها، فكانت تزورني كل ليلة. وقد حان وقت مجيئها، واشتغل قلبي عليها، وتحدثني نفسي إنَّ الأسد قد افترسها، ثم انشأ يقول:\rما بال مية لا تأتي لعادتها؟ ... أعاقها طرب أم شدها شغل؟\rنفسي فداؤك قد أحللت بي سقما ... تكاد كم حره الأعضاء تنفصل!\rثم ذهب فغاب عني ساعة، ثم أتى بشيء فطرحة بين يدي، فإذا بالجارية قتلها الأسد وأكل أعضائها وشوه خلقتها. ثم اخذ السيف وانطلق. فغاب عني ساعة، فإذا هو قد جاء برأس الأسد، فطرحه ناحية ثم قال:\rألا أيها الليث المدل بنفسه ... هلكت لقد جريت حقا لك الشرا!\rأخلفتني فرداً وقد كنت آنسا ... وقد عادت الأيام من بعدها صفرا","part":1,"page":148},{"id":149,"text":"ثم قال: بالله يا أخي إلاّ ما سمعت مني، فإني ميت لا محالة! فإذا أنا مت فكفني في عباتي، وضم إلي ما بقي من أعضائها، وادفنا في قبر واحد. وخذ شويهاتي هؤلاء وعصاي وثيابي، فسوف تأتيك عجوز، فأعطها ذلك فهي والدتي. وقال لها: مات ولدك كمداً، فإنها تموت عند ذلك، فادفنها إلى جانب قبرنا، وعلى الدنيا منا السلام! فلم يكن إلاّ قليلا حتى صاح صيحة، ووضع يده على صدره فمات من ساعته. ففعلت به جميع ما أوصاني وبت حزينا باكيا فلما أصبحنا، أقبلت عجوز ولهى، فسألتني عنه، فأخبرته خبره، فجعلت تبكي حتى إذا أقبل الليل شهقت شهقة فارقت الدنيا. فدفنتها إليه وبت الليلة الرابعة. فلما أصبحت ركبت فرسي وسقت الغنم وإذا أنا بهاتف يقول:\rكنا على ظهرها والدهر يجمعنا ... والشمل مجتمع والدار والوطن\rففرق الدهر بالتفريق ألفتنا ... فصار يجمعنا في بطنها الكفن\rقال: فأتيت الحي ودفعت الغنم لبني عمهم وانصرفت.\rأثقل من حمل الدهيم.\rالثقل تقدم؛ والحمل معروف والدهيم على وزن زبير: اسم ناقة عمرو بن الريان الهذلي قتل هو واخوته فحملت رؤوسهم عليها. وتقدمت هذه القصة في حرف الهمزة فقالوا: أشأم من دهيم، وأثقل من حمل دهيم.\rوظهر كلام الصحاح أنَّ قولهم للداهية الدهيم وأم الدهيم مأخوذ من هذا.\rأثقل من الزواقي.\rالثقل مر؛ والزقاء: الصياح. ثقال: زقا الصدا، ويزقو ويزقي زقاء وزقيا إذا صاح. قال:\rولو أنَّ ليلى الأخيلية سلمت ... علي وفوقي جندل وصفائح\rلسلمت تسليم البشاشة أو زقى ... إليها الصدى من جانب القبر صائح\rالزواقي في المثل: الديكة وجمع زاق وزاقية. وكانوا يسمرون بالليل، فإذا صاحت الديكة تفرقوا، فيستثقلونها بذلك فقالوا: أثقل من الزواقي.\rأثقل من مغن وسطٍ.\rالثقل مر، والمغني اسم فاعل من الغناء، وبالمد، وهو الصوت. والوسط يكون تارة اسماً غير وصف. فإن كان بالتحريك، فاسم صريح لمّا بين طرفي الشيء، وإنَّ كان بالسكون فظرف، كقول عنترة:\rما راعني إلاّ حمولة أهلها ... وسط الديار تسف حب الخمخم\rو يقال: كل موضع صلح فيه بين فهو بالتسكين، وإلاّ فبالفتح. وقيل: هما جاريان فيما كان مصمتا كالحلقة؛ فإنَ كان متبادلين الأجزاء فبالسكون فقط. قال صاحب الفصيح فيما يثقل ويخفف باختلاف المعنى: تقول جلس وسط القوم يعني بينهم أي بالتسكين وجلس وسط الدار، وأحتجم وسط رأسه، أي بالتحريك وهذا الذي قلنا أولاً. وقد يكون الوسط وصفا، أما بمعنى الأعدال كقوله تعالى: )و كذلك جعلناكم أمة وسطا(. وأما بمعنى التوسط بين أمرين، ومنه المثل. قال السهيلي: الوسط من أوصاف المدح والتفضيل، ولكن في موضعين: في ذكر النسب وفي ذكر الشهادة. أما النسب فلأن أوسط القبيلة أعرقها وأولاها بالصميم وأبعدها عن الأطراف وأجدر ألا تضاف إليه الدعوة، لأن الآباء والأمهات قد أحاطوا به من كل جانب، فكان الوسط، من أجل هذا، مدحا في النسب بهذا السبب. وأما الشهادة فنحو قوله سبحانه قال: )أوسطهم. وجعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس( فكان هذا مدحا في الشهادة، لأنها غاية العدالة في الشاهد أن يكون وسطا كالميزان لا يميل مع أحد، بل يصمم على الحق تصميما، لا يجذبه هوى ولا تميل به الرغبة ولا رهبة من هاهنا ولا من هاهنا، فكان وصفه بالوسط غاية في التزكية والتعديل. وظن كثير من الناس أنَّ معنى الأوساط الأفضل على الإطلاق، وقالوا: معنى الصلاة الوسطى الفضلى. وليس كذلك، بل هو في جميع الأوصاف لا مدح ولا ذم، كما يقتضيه لفظ التوسط. فإذا كان وسطا في السمن فهو بين الممخة والعجفاء، والوسط في الجمال بين الحسناء والشوهاء إلى غير ذلك من الأوصاف، لا تعطي مدحا ولا ذما. غير انهم قالوا في المثل: أثقل من مغن وسط على الذم، لأنه إنَّ كان مجيداً جدا أمتع وأطرب؛ وإنَّ كان بارد جداً أضحك وألهى، وذلك أيضاً مما يمتع. قال الجاحظ: \" وإنّما الكرب الذي يجثم على القلوب ويأخذ بالأنفاس الغناء البارد الذي لا يمتع لحسن ولا يضحك بلهو \" انتهى. وقال أبن رشيق: \" قال بعضهم: الشعر شعران: جيد محكك، ورديء مضحك. ولا شيء أثقل من الشعر الوسط والغناء الوسط \" . وقد قال أبن الرومي يهجو أبن طيفور:\rعدمتك يا أبي الطاهر ... وأطعمت ثكلك من شاعر","part":1,"page":149},{"id":150,"text":"فما أنت سخن ولا بارد ... وما بين هذا سوى الفاتر\rوأنت كذاك تغثي النفوس ... تغثية الفاتر الخاثر\rو نحو هذا قول الآخر:\rمسيخ مليخ كلحم الحوار ... فلا أنت حلو ولا أنت مر!\rوسيأتي هذا المعنى بعد إن شاء الله تعالى.\rأثقل من الفيل.\rالثقل مر؛ والفيل بالكسر الحيوان المعروف وثقله معروف. ومما قال بعض الثقلاء يخاطب ثقيلا:\rأنت يا هذا ثقيل ... وثقيل وثقيل\rأنت في المنظر إنسان ... وفي المخبر فيل\rولو تعرضت لظل ... فسد الظل الظليل!\rوقال الأخر:\rفما الفيل تحمله ميتا ... بأثقل من بعض جلاسنا!\rويحكى إنَّ الأعمش كان ينشد هذا البيت عندما يستثقل جليسا، وزعموا إنّه قال: من فاتته ركعتا الفجر فليلعن الثقلاء! وإنّه نقش على خاتمه: يا مقيت، أبرمت فقم!، فإذا أستثقل جليسا ناوله إياه؛ وإنّه قال له رجل يوما: مم عمشت عيناك؟ فقال: من النظر إلى الثقلاء!.\rوفي حق الثقلاء قال: جالينوس: لكل شيء حمى، وحمى الروح النظر إلى الثقيل. وقيل له: لم صار الرجل ثقيل أثقل من الحمل الثقيل؟ فقال: لأن ثقله على القلب دون الجوارح، والحمل الثقيل يستعين القلب عليه بالجوارح. وقال زياد بن عبد الله: قيل للشافعي: هل يمرض الروح؟ قال: نعم، من ظل الثقلاء. قال: فمررت به يوما وهو بين ثقلين، فقلت له: كيف الروح؟ فقال: في النزع! كان بعضهم إذا رأى ثقيلاً يقول: قد جاءكم جبل. فإذا جلس قال: قد وقع عليكم! قيل لبعض الظرفاء، وكان له ثلاثة بنين ثقلاء: أي بنيك أثقل؟ فقال: ليس بعد الكبير أثقل من الصغير إلاّ الوسط. وكان بشار يأتيه ثقيل يقال له أبو سفيان. فسئل عنه بشار يوما فقال: لا ادري لم لا تحمل الأمانة أرض حملته، ولا كيف احتاجت إلى الجبال بعدما أقلته! كأن قربه أيام المصائب وليالي النوائب؛ وكأن عشرته فقد الحبائب، وسوء العواقب. ثم أنشد:\rربما يثقل الجليس وإنَّ كان ... خفيفا في كفة الميزان\rولقد قلت حين وتد في البيت ... ثقيل أربى على ثهلان\rكيف لا تحمل الأمانة ارضٌ ... حملت فوقها أبا سفيان؟\rو كان لبشار أيضاً صديق يقال له هلال، فقال لبشار يوما: يا أبا معاذ! إنَّ الله لم يذهب بصر أحد إلاّ عوضه منه شيئاً، فما عوضك؟ قال: الطويل العريض. قال: وما هو؟ قال: إلاّ أراك ولا أرى الثقلاء أمثالك! ثم قال: يا هلال، أتطيعني في نصيحة أخصك بها؟ قال: نعم! قال: انك كنت تسرق الحمير زمانا، ثم تبت وصرت رافضيا؛ فعد إلى سرقة الحمير، فهي والله خير لك من الرفض! وفي هلال ه يقول بشار:\rوكيف يحق لي بصري وسمعي ... وحولي عسكران من الثقال\rقعودا عند دسكرتي وداري ... كأن لهم علي فضول مال؟\rإذا ما شئت صبحني هلال ... وأي الناس أثقل من هلال؟\rو استأذن بعض الثقلاء على أبن المبارك، فلم يأذن له. فكتب إليه ذلك الثقيل:\rهل لذي حاجة إليك سبيل؟ ... لا طويل قعوده بل قليل!\rفأجابه أبن مبارك:\rأنت يا صاحب الكتاب ثقيل! ... وقليل من الثقيل طويل!\rو وصف بعض الأذكياء ثقيلاً فقال: هو ثقيل السكون بغيض الحركة، كثير الشؤم قليل البركة، كأنه ثقل الدين، ووجع العين. وما أحقه بقول القائل:\rثقيل يطالعنا من أمم ... إذا سره رغم انفي ألم\rلنظرته وخزة في القلوب ... كوخز المحاجم في الملتزم\rأقول له إذ أتى: لا أتى ... ولا حملته إلينا قدم\rعدمت خيالك لا من عمى ... وسمع كلامك لا من صمم!\rو وصف أخر ثقيلاً فقال: هو بين الجفن والعين قذاة، وبين القدم والنعل حصاة. ما أشبه طلعته إلاّ بغداة الفراق أو كتاب طلاق أو طلعة الرقيب أو موت الحبيب!\rمشتمل بالبغض لا تنثني ... إليه طوعا لحظة الرامق\rيظل في مجلسنا مبرما ... أثقل من واشٍ علىالعاشق\rو ذكر عند العباس بن الحسن العلوي ثقيل يقال له أبو عمار، فقال: ما الحمام على الأصرار، وحول الدين على الأقدار، وشدة السقم في الأسفار، بأثقل على النفس من طلعة أبي عمار. وانشد:\rتحمل منه الأرض أضعاف ما ... يحمله الحوت من الأرض\rوقال الأخر:\rإلمام كل ثقيل قد أضر بنا ... نروم نقصهم والشيء يزداد","part":1,"page":150},{"id":151,"text":"ومن يخف علينا لا يلم بنا ... وللثقيل مع الساعات تزداد\rوقال الأخر:\rوثقيل أشد من ثقل الموت ... ومن شدة العذاب الأليم\rولو عصت ربها الجحيم لمّا كان ... سواه عقوبة للجحيم\rوقال جحظة البرمكي في صفة ثقيل:\rيا لفظة النعي بموت الخليل ... يا وقفة التوديع بين الحمول\rيا شربة اليارج يا أجرة المنزل ... يا وجه العدو الثقيل\rيا طلعة النعش ويا منزلا ... أقفر من بعد الأنيس الحلول\rيا نهضة المحبوب من غضبةٍ ... يا نعمة قد آذنت بالرحيل\rويا كتابا جاء من مخلف ... للوعد مملوء بعذر طويل\rيا بكرة الثكلى إلى حفرة ... مستودع فيها عزيز الثكول\rيا وثبة الحافظ مستعجلا ... بصرفه القينات عند الأصيل\rويا طبيب قد أتى باكراً ... على أخي سقم بماء البقول\rيا شوكة في قدم رخصةٍ ... ليس إلى إخراجها من سبيل\rيا عشرة المجذوم في رحله ... ويا صعود السعر عند المعيل\rيا ردة الحاجب عن قسوة ... يا نكسة بعد برء العليل!\rوقال آخر في ثقيل:\rليس من الناس ولكنه ... يحسبه الناس من الناس\rأثقل في انفس أصحابه ... من جبل رأسي على رأسِ\rوقال أخر:\rيا من تبرمت الدنيا بطلعته ... كما تبرمت الأجفان بالسهدِ\rإني لأذكره حينا فأحسبه ... من ثقله جالسا مني على كبدي\rوقال الآخر:\rنظر العين نحوه ... علم الله يمرض\rفإذا ما أردتم ... أن تروه فغمضوا\rلا تصبكم ملمة ... والملمات تعرض\rوقال الآخر:\rشخصك من مقلة النديم ... أوحش من نحسة النجوم\rيا رجلا وجهه علينا ... أثقل من منة اللئيم\rإني لأرجو بما أقاسي ... منك خلاصي من الجحيم\rو الشعر في هذا المعنى كثير. وقد قال المفسرون نزلت آية في الثقلاء: فإذا طعمتم فانتشروا. أد بهم الله بذلك. وكان حماد بن سلمة إذا رأى ثقيلا قال: ربنا اكشف عنا العذاب أنا مؤمنون. وذكر الأعمش ثقيلا كان يجلس إلى جانبه فقال: والله إني لأبغض شقي الذي يليه مني. وقال سهل بن هارون: من ثقل عليك بنفسه وأغمك بحديثه أو سؤاله فأعره عينا عمياء أذنا صماء. وأنشد أيضاً في ذلك:\rهذا فتى أثقل من أحد ... يصبح من يلقاه في جهد\rعلامة البغض على وجهه ... بينة مذ كان في المهد\rلو دخل النار طفا حرها ... ومات من فيها من برد\rو في الاستبراد قال آخر في قينة:\rولو مازج النار في حرها ... حديثك اخمد منها اللهب\rوقال كشاجم:\rغناء بريح بأرض الحجاز ... يطيب وأما بحمص فلا\rلبرد الغناء وبرد الهواء ... فإنَ جمعا خفت أن يقتلا\rو لقي برد الخيار المغنى أبا العباس المبرد على الجسر في يوم ثلج فقال له: أنت المبرد وأنا برد الخيار واليوم كما ترى اعتزلنا لا يهلك الناس الفالج بسببنا. وأذكرني هذا قول أبن الخطيب: بياض بمقدار نصف صفحة في النسخ كلها.\rثكل أرأمها ولدا.\rالثكل بضم الثاء: الهلاك والموت وفقد الأحبة وفقد الأولاد وهذا هو الكثير الاستعمال. يقال: ثكله بكسر الكاف ثكلا فهو ثكلان وهي ثكلى مثل سكرى. قالت الحماسية:\rسيتركها قوم ويصلى بحرها ... بنو نسوة للثكل مصطبرات\rو يحكى إنَّ عمير بن جندب مات قبيل الإسلام. فجهزوه ثم كشف القناع عن رأسه فقال: أين القصل؟ والقصل بالقاف على الصحيح وبالصاد المهملة واللام على مثال صرد وهو أحد بني عمه. فقالوا: سبحان الله مر آنفا فما حاجتك إليه؟ فقال: أتيت فقيل لي: لامك الهبل إلاّ ترى إلى حفرتك تنثل وقد كادت أمك تثكل؟ أنَّ رأيت إنَّ حولناك إلى محول ثم غيب في حفرتك القصل الذي مشى فاحزأل ثم ملأناها من الجندل؟ أنَّ تعبد ربك وتصل وتترك سبيل من أشرك وضل؟ فقلت: نعم فأفاق عمير وتزوج وولد له الأولاد. ولبث القصل ثلاثا ثم مات ودفن في قبر عمير.\rوقال أسماء المرية:\rأيا جبلي وادي عريعرة التي ... نأت عن ثوى قومي وحق قدومها\rألا خليا مجرى الجنوب لعله ... يداوي فؤادي من جواه نسيمها\rوكيف تداوي الريح شوقا مماطلا ... وعينا طويلا بالدموع سجومها","part":1,"page":151},{"id":152,"text":"وقولا لركبان تميمية غدت ... إلى البيت ترجو أن تحط جرومها\rبأن بأكناف الرغام غريبة ... مولهة ثكلى طويلا نئيمها\rمفجعة أحشاؤها من جوى الهوى ... وتبريح شوق عاكف ما يريمها\rو الإرآم: التحبيب والتعطيف. يقال: رئم فلان كذا بالكسر يرأمه: احبه وألفه ورئمت الناقة ولدها رئما: عطفت عليه وأرأمتها: عطفتها على غير ولدها أو على البو وهو الجلد يحشى لها لتدر عليه. قال:\rرئمت لسلمى بوضيم وإنني ... قديما لآبي الضيم وأبن أباة\rوقال الحماسي:\rومولى جلت عنه الموالي كأنه ... من البؤس مطلي به القار أجرب\rرئمت إذا لم ترأم البازل ابنها ... ولم يك فيها للمبسين محلب\rوقال الآخر:\rأنى جزوا عامرا سوءا بفعلهم ... أم كيف يجزونني السوأى من الحسن\rأم كيف ينفع ما تعطى العلوق به ... رئمان أنف إذا ما ضن باللبن\rو الولد معروف. والمثل لبيهس المعروف بنعامة. وكان من حديثه أنه خرج مع أخوة له سبعة فلقيهم قوم في موضع يقال له الأثلاث فقتلوهم إلاّ بيهسا وكان أصغرهم. فاستحقروه واستبقوه ثم احتملوه معهم حتى إذا قام قائم الظهيرة نزلوا فنحروا ناقة من وسيقتهم فأكلوا منها ثم قال قائلهم: ظلموا لحم جزوركم فقال بيهس: لكن على الأثلاث لحم لا يظلل يعني لحوم إخوانه المقتولين فأرسلها مثلا. فقال أحدهم: إني لأسمع من هذا الإنسان أمر يوشك أن يكون وراءه شر: فاقتلوه فقال زعيمهم: أيعد علينا هذا بقتيل؟ خلوه لصغر سنه فهو أحقر من ذلك فاحتملوه حتى إذا بلغوا به سمت الحي قالوا له: ائت أهلك وانع إخوانك فانطلق حتى دخل على أمه فقالت له: أين اخوتك؟ قال: قتلوا. فقالت: وما الذي أتى بك دونهم؟ فقال لها: لو خيرتك القوم لاخترت! فأرسلها مثلا. وكانت تبغضه لكثرة شره، وتحب اخوته. فلما فقدتهم أحبته ورئمته. فقال حينئذ: ثكل أرأمها ولداً، أي عطفها على هذا الولد - يعني نفسه - ولا رققها عليه ولا آلفها إياه إلاّ ثكلها أولادها الباقين، وفقدها أولادها المحبوبين. ومضرب المثل من هذا المعنى ظاهر. ثم جمعت له أمه تراث اخوته وأعطته إياه. فجعل يدير فيه وكان يقول: يا حبذا التراث لولا الذلة! فسارت مثلا. وصنع بعض أهل الحواء عرسا وحضره صبيان الحي، فلما رآهم بيهس يلعبون تجرد عن ثيابه وجعل يرقص معهم. فأتته أمه فقال له: ما هذا يا بيهس؟ فقال:\rالبس لكل حالةٍ لبوسها ... إما نعيمها وإما بوسها!\rفذهبت مثلا. فبينما هو ذات يوم يرعى غنما له إذ ألجأه الحر إلى غار يستظل فيه. فرأى قتلة اخوته وهم عشرة قد عقلوا إبلهم على طرف الغار وقالوا. فخلى غنمه وبادر إلى الحي فأخذ سلاحه وأتى خالاً له يقال له أبو حنش وكان جبانا. فقال له: أبا حنش هل لك في ظباء تصطادهن ألجئهن الحر إلى عار؟ قال: نعم. فتنكب قوسك وحيهلاً ورائي! فأقبل به حتى هجم على فم الغار. وخاف بيهس أن يهرب خاله،فصاح على القوم حتى ثاروا. فتقدم بيهس وتبعه خاله علماً منه إنّه غير ناج إن فر وقتلا القوم ورجعا بسلاحهم إلى الحي، وقد ثأر بيهس باخوته. فكان من لقي خاله يقول له: ما اشجعك أبا حنش! فيقول له: مكره أخاك لا بطل! فذهبت مثلا. ويقال إنَّ مدركي الأوتار في الجاهلية ثلاثة: قيصر بن سعد - تقدم أمره - وسيف بن ذي يزن الحميري - و سنذكره - وبيهس هذا. قال الشاعر:\rمن يطلب الأوتار ما أنفه ... قصير وخاض الموت بالسيف بيهسُ\rو إنّما لقب بنعامة لطول رجليه فرأته أمه يوما فقالت: نعامة والله! فقال: نعامة عرفتني، نسأها الله! أي أخر في أجلها. وقيل لصممه، وكان أصم أصلع، والعرب ، والعرب تصف النعامة بذلك، يزعمون إنّه مصلمٌ لا أذن له ولا يسمع الأصوات أما حقيقة أو إنّه لا يلتفت إليها. قال علقمة يصف الظليم:\rفوهٌ كشف العصا لأياً تبينه ... أسك ما يسمع الأصوات مصلومُ\rوقال زهير:\rكأن الرجل منها فوق صعلٍ ... من الظلماء جؤجؤهُ هواءُ\rأسكن مصلمُ الأذنين أجنى ... له بالسيِّ تنومٌ وآء\rوقال عنترة: ؟فكأنني أطس الإكام عشيةً بقريب بين المنسمين مصلمِ\r؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟الثور يحمي أنفه بروقه.","part":1,"page":152},{"id":153,"text":"الثور بفتح الثاء وسون الواو، معروف يطلق على الانسي والوحشي. والحماية: المنع والحفظ، يقال: حماه من كذا يحميه منعه وحفظه. والروق بالفتح القرن.\rوالمعنى أنَّ الثور يدافع عن نفسه بقرنه، فيضرب فقط الحث على حفظ الحريم، والدب بما أمكن. وتقدم في كلام عمرو بن أمامة حيث قال:\rلقد عرفت الموت قبل ذوقه: ... إنَّ الجبان حتفه من فوقه\rكل امرئ مقاتلٌ عن طوفه ... كالثور يحمي أنفه بروقه\rو في خبر أبن إسحاق عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: لمّا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قدمها وهي أوباً أرض الله من الحمى. فأصاب أصحابه منها بلاء، وصرف ذلك عن نبيه. قالت: فكان أبو بكر وعامر بن فهيرة وبلال موليا أبي بكر في بيت واحد فأصابتهم الحمى. فدخلت عليهم أعودهم، وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، وبهم ما لا يعلمه إلاّ الله من شدة الوعك. فدنوت من أبي بكر فقالت له: كيف تجدك يا أبتِ؟ قال:\rكل امرئ مصبحٌ في أهله ... والموت أدنى من شراك نعلهِ\rقالت: فقلت والله ما يدري أبي ما يقول! قالت: ثم دنوت إلى عامر بن فهيرة فقلت: كيف تجدك يا عامر؟ فقال:\rلقد وجدت الموت قبل ذوقه ... إنَّ الجبان حتفه من فوقهِ\rكل امرئ مجاهٌ بطوقه ... كالثور يحمي جلده بروقهِ\rقالت: فقلت والله ما يدري عامر ما يقول! قال: وكان بلال إذا تركته الحمى اضطجع بفناء البيت ثم رفع عقيرته فقال:\rألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بوادٍ وحولي أذخرٌ وجليلُ؟\rوهل أردن يوما مياه مجنةٍ ... وهل يبدون لي شامةٌ وطفيلُ؟\rقالت: فذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما سمعت منهم وقلت. إنهم ليهذون وما يعقلون من شدة الحمى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشد، وبارك لنا في مدها وصاعها وانقل وباءها إلى مهيعة. ومهيعة الجحفة.\rوالظاهر أنَّ عامرا رضي الله عنه تمثل بالشعر وإن كان فيه بعض مخالفة. وبعد كتبي هذا رأيت السهيلي قال: يذكر قول عامر: لقد وجدت الموت قبل ذوقه أنه لعمرو بن أمامة. انتهى. وهو ما استظهرناه قبل. وقول بلال: بوادٍ يروى بفخٍّ أيضاً وفخ موضع بمكة فيه ماء وفيه اغتسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم لدخول مكة وفيه قال الشاعر:\rماذا بفخ من الإشراق والطيبِ ... ومن جوار نقياتٍ رعابيبِ\rو مجنة سوق من أسواق العرب؛ وشامة وطفيل عينان من الماء وقيل جبلان. قال السهيلي: وفي هذا الخبر وما ذكر من حنينهم إلى مكة ما جبلت عليه النفوس من حب الوطن والحنين إلية وما كانوا عليه من الحنين إلى الاوطان الذي هو جبلة في البشر كما روي في حديث أصيل الغفاري ويقال فيه الهذلي حين قدم مكة فسألته عائشة: كيف تركت مكة يا أصيل؟ فقال: تركتها د ابيضت أباطحها وأحجر ثمامها وأعذق إذخرها وأمشر سلمها فاغرورقت عين رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: لا تشوقنا يا أصيل! ويروى أيضاً أنه قال له: دع القلوب تقر! وفي هذا المعنى قول الآخر::\rإلاّ ليت شعري هل أبيتن ليلهٌ ... بوادي الخزامي حيث ربتني أهلي\rبلادٌ بها نيطت علي تمائمي ... وقطعن عني حين أدركني عقلي\rانتهى كلام السهيلي. وهذا المعنى مستوفي في هذا الكتاب في غير هذا الموضع.\rثار حَابِلُهُم على نَابِلِهِم\rالثور: الهيجان والوثب: ثار يثور ثوراً فهو ثائر وأثرته وثورته واستثرته.\rوالحابل يطلق على من شد الشيء بحبل، ومنه المثل الآتي: يا حابل اذكر حلاًّ! وعلى من نصب الحبالة للصيد أو أخذه فيها. يقال: حبل الصيد واحتبله: إذا أخذه أو نصب له. والنابل والنبل: صاحب النبل وصانعه. والنبل: السهم قال امرؤ القيس:\rنطعتهم سلكي ومخلوجة ... كرك لأمين على نابلِ\rأي نطعنهم طعنا مستقيما وطعنا معوجا من كل وجه. كرك لأمين أي كردك لأمين أي سهمين على نابل أي على رامٍ في السرعة. وقال أيضاً:\rوليس بذي رمحٍ فيطعنني به ... وليس بذي سيف وليس بنبال\rو يقال إنَّ الحابل في هذا المثل السدى والنابل الطعمة: فإذا قيل في القوم إنهم ثار حابلهم على نابلهم كان معناه أنهم أشتجروا وأوقدوا الشر فيما بينهم.","part":1,"page":153},{"id":154,"text":"ومما يلتحق بهذا الباب قولك: أثقل من الحديد ومن الرصاص ومن حلول الدين مع الاقتار، ونحو ذلك وهو مطرد. وقولهم: ثل عرش فلان إذا هوى أمره وتضعضع عزه وذهب ملكه. قال زهير:\rتداركتما الأحلاف قد ثل عرشهم ... وذبيان قد زلت بأقدامهم النعلُ\rو ثلَّ اللهُ عرشه: فعل به ذلك. وقال الأخر:\rإن يقتلوك فقد ثللت عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب\rو العرش سرير الملك، وسقف البيت، والعز وقوام الأمر ومنه ما ذكر.\rولنذكر بعض ما تيسر من الشعر. قال أبن الرومي:\rيا مادح الحقد محتالا له شبه ... لقد سلكت إليه مسلكا وعثا\rيا دافن الحقد في ضعفي حنوانحه ... ساء الدفين الذي أضحت له جدثا\rالحقد داء دوي لا دواء له ... يدوي الصدور إذا ما جمره حرثا\rفأستشفينه بصفح أو معاتبة ... فإنما يبرئ المصدور ما نفثا\rإنَّ القبيح وإنَّ ضيعت ظاهره ... يعود ما لم منه مرة شعثا\rكم زخرف القول ذو زور ولبسه ... على القلوب ولكن قل ما لبثا\rو إنّما قال ذلك لأنّه قال: أيضاً في مدح الحقد:\rلئن كنت في حفظي لمّا أنا مودع ... من الخير والشر انتحيت على عرضي\rلمّا عبتني إلاّ بفضل أمانة ... ورب امرئ يزري على خلقٍ محض\rولولا الحقود المستكنات لم يكن ... لينقض وتراً آخر الدهر ذو نقض\rوما الحقد إلاّ توأم الشكر في الفتى ... وبعض السجايا ينتسبن إلى بعض\rفحيث ترى حقدا على ذي إساءة ... فثم ترى شكرا على حسن القرض\rو اخذ ذلك من قول أبن صالح، حين أتي به الرشيد وهو في قيوده، فقال له يحيى بن خالد وأراد أنَّ يسكته: بلغني انك حقود! فقال له: أيها الوزير، إنَّ كان الحقد هو بقاء الخير والشر، انهما لباقيان في قلبي! ويروى إنّه قال له: إنّما صدري خزانة لحفظ ما استودعت من خير وشر. فقال الرشيد: تالله ما رأيت أحداً احتج للحقد بمثل ما احتج به! وقال الأخر:\rما طلب فرع أصله خبيث ... ولا زكا من مجده حديث\rوقال الأخر:\rإنَّ قوما يلحون في حب سعدي ... لا يكادون يفقهون حديثاً\rسمعوا وصفها فلاموا عليها ... وأخذوا طيبا وأعطوا خبيثا\rو تقدم هذا المعنى قبل مستوفي.\rوقال أبو دلامة:\rإنَّ الناس غطوني تغطيت عنهم ... وإنَّ بحثوا عني ففيهم مباحث\rو كانت لرجل عنده شهادة في الحق، فلما طلبه بالأداء قال له: إنَّ شهادتي لا تنفعك عند القاضي. فقال له الرجل: لابد من شهادتك! فشهد أبو دلامة وانصرف وهو يقول الشعر المذكور. فحكم القاضي بشهادته وغرم المشهود عليه المال حتى قبضه المشهود له، فغرمه القاضي للمشهود عليه خوفا من ظلمه ليجمع المصلحتين. وقيل إنَّ أبا دلامة استأجر طبيبا ليعالج ابناً له مبلغ من الأجرة، فلما داواه قال للطبيب: إنّه ليس عندي ما أعطيك، ولكن أذهب وادع بهذا المبلغ على من شئت! وقيل إنّه قال له ادع على فلان اليهودي به، وإني وأبني نشهد لك! فأدعى الطبيب على اليهودي، فجاء أبو دلامة وابنه يشهدان له عند القاضي أبن أبي ليلى أو أبن أبي شبرقة فلما علم أبو دلامة أن القاضي لا يجيز شهادتهما أنشد بحيث يسمعه القاضي ما مر. فلما سمع القاضي ذلك حكم بشهادتهما خوفا من أذاه، وغرم ذلك المبلغ للمحكوم عليه، والله اعلم.\rومن هذا المعنى ما ذكر أبن رشيق عن العتبي من أن رجلا من أهل المدينة ادعى حقاً على رجل، فدعاه إلى أبن حنظب، القاضي المدينة، فقال: من يشهد بما تقول؟ فقال: زنقطة فلما ولى قال القاضي: ما شهادته له إلاّ كشهادته عليه. فلما جاء زنقطة أقبل على القاضي وقال له: فداك أبي وأمي! أحسن والله الشاعر حيث يقول:\rمن الحنظبيين الذين وجوههم ... دنانير مما شيف في أرض قيصرا\rفأقبل القاضي على الكاتب وقال: كبير ورب السماء! ما أحسبه شهد إلاّ بالحق. أجز شهادته! وقال الصفدي:\rصبري الذي اقتسمته غربة ونوى ... كأنما لهما في ذاك ميراث\rوكل يومٍ على ما فيه من هرمٍ ... يلقى صروف الليالي وهي أحداث\rوقال أبن الحداد يرثي:\rشمس الظهيرة هل تدرين ما حدثا؟ ... شمس العشيرة حلت مغربا حدثا\rانظر ثبيراً هل أنهدت جوانبه ... لحادث في ثبير الحلم قد حدثا","part":1,"page":154},{"id":155,"text":"و من المستحسن في باب الرثاء قول أبي الفرج الجوزي، وقد ليم على اكتحاله يوم عاشوراء:\rولائم لي على اكتحالي ... يوم أراقوا دم الحسين\rفقلت: كفوا! أحق شيءٍ ... فيه بلبس السواد عبني\rوقال الأخر يرثي بعض الأمراء:\rكان الأمير نظام الدين لؤلؤة ... قد صاغها الله من مجد ومن شرف\rعزت فلم تقدر الأيام قيمتها ... فردها غيرة منه إلى الصدف\rو قمل الآخر في غلام له يلقب بالسيف:\rستذرف أجفاني عليك دموعها ... ولا غرو أن تبكي على السيف أجفان\rبكتك عيون الشهب إذ كنت بدرها ... وغالك من قبل التتمة نقصان\rوشقت يمين الصبح فيك عن الدجا ... قميصا فأضحى وهو للحزن عريان\rوقال الزمخشري يرثي شيخه:\rوقائلةٍ: ما هذه الدرر التي ... تناثر من عينيك سمطين سمطين؟\rفقلت: هو الدر الذي قد حشا به ... أبو مضر أذني تساقط من عيني\rو قول أبن الحداد:\rشقيقك غيب في لحده ... وتشرق يا بدر من بعده !\rفهلا خسفت فكان الخسوف ... حداداً لبست على فقده؟\rو قول أبن المعتز:\rلم تمت أنت إنّما مات من لم ... يبق للمجد والسماحة ذكرا\rلست مستسقيا لقبرك غيثا ... كيف يسقى وقد تضمن بحرا؟\rوقول العطوي في رجل كان يعول أناسا كثيرين فمات:\rوليس صرير النعش ما تسمونه ... ولكنه أصلاب قوم تقصف\rوليس فتيت المسك ما تجدونه ... ولكنه ذاك الثناء المخلف\rوقال أبن عبدون الوراق:\rقبرٌ بسوسة قد قبرت به الفتى ... أدرجت قلبي في مدارج لحده\rأسكنته سكنى ورحت كأنني ... في الأرض لا بشراً أرى من بعده\rصمت عليَّ مسامعي في وجهه ... ز صعقت من صعق الصراخ ورعده\rوجهدت أن أبكي فلم أجد البكا ... فسكت سكتة صارمٍ في غمده\rهبني بكيت له وما يجدي البكا؟ ... ماءٌ بخدي والتراب بخده!\rو هذا الباب كثير لا يأتي عليه الحصر.\rومن أشهر المراثي وأحسنها مرثية أبي الحسن الأنباري في أبي بقية حين قتله عضد الدولة وصلبه وأولها:\rعلوٌّفي الحياة وفي الممات: ... لحقٌ أنت إحدى المعجزاتِ!\rو هي مشهورة معروفة. ولمّا اشتهرت ووصلت إلى عضد الدولة وأنشدت بين يديه تمنى أن يكون هو المصلوب! وقال أبن نباتة في النسيب:\rيا رب خالٍ على خدِّ الحبيب له ... في العاشقين كما شاء الهوى عبثُ\rأورثته حبة القلب القتيل به ... وكان عندي أنَّ الخال لا يرثُ!\rو في الخال قول الحاجري:\rعجبت لخالٍ يعبد النار دائماً ... بخدك لم يحق بها وهو كافرُ\rوأعجب من ذا الله تعالى طرفك منذرٌ ... يصدق في آياته وهو ساحرُ\rوما أخضر ذاك الخد نبتاً وإنما ... لكثرة ما شقت عليه المرائرُ\rومذ أخبروني أنَّ قدك بانةٌ ... تيقنت أنَّ القلب مني طائرُ\rو في القد قول الآخر::\rبروحي معشوق الجمال فما له ... شبيه ولا في حبه لي لائمُ\rتثنى فمات الغصن من حسد من حسدٍ له ... ألم تره ناحت عليه الحمائمُ؟\rوقول الآخر:\rقلت للأهيف الذي فضح الغصن ... كلام الوشاة ما ينبغي لك\rقال: قول الوشاة عندي ريحٌ ... قلت: أخشى على غصن أن يستميلك\rو يشبه هذا ما حكي أنَّ رجلا دخل دارا ينظرها ليشتريها فسمع في بعض خشبها صوتا فقال: ما هذا؟ فقال صاحب الدار: أعزك الله! هذا السقف يسبح لله عز وجل. فقال: أخشى أن يلحقه الخشوع فيسجد.\rوقال لبن خفاجة:\rوعشيِّ أنسٍ أضجعتني نشوةٌ ... فيه تمهد مضجعي وتدمثُ\rخلعت عليَّ بها الأراكة ظلها ... والغصن يصغي والحمام يحدثُ\rوالشمس تجنح للغروب مريضةً ... والرعد يرقي والغمامة تنفثُ\rو مما يستلذ في هذا المعنى قول الآخر:\rعرج بمنعرج الكثيب الأعفر ... بين الفرات وبين شط الكوثرِ\rولتغتبقها قهوةٌ ذهبيةٌ ... من راحتي أحوى المدامع أحوارِ\rوعشية كم كنت أرقب وقتها ... سمحت بها الأيام بعد يعذرِ\rنلنا بها آمالنا في روضةٍ ... تهدي لناشقها نسيم العنبرِ\rوالورق يشدو والأراكة تنثني ... والشمس ترفل في قميصٍ أصفرِ","part":1,"page":155},{"id":156,"text":"والروض بين مفضض ومذهبٍ ... والزهور بين مدرهم ومدنرِ\rوالنهر مصقول الأبطاح والربا ... والشط بين مزعفرٍ ومعصفرِ\rوكأنه وكأن خضرة شطه ... سيف يسل على بساط أخضرِ\rوكأنما ذاك الحباب فرنده ... مهما طفا في صفحة كالجوهرِ\rوكأنه وجهاته محفوفةٌ ... بالورد والريحان خد معذرِ\rنهرٌ اصفر وجه الشمس عند غروبها ... إلاّ لفرقة حسن هذا المنظرِ\rوقول مالك بن المرحل:\rوعشيةٍ سبق الصباح عشاءها ... قصراً فما أمست حتى أسفرا\rمسكينةٍ لبست خلى ذهبيةً ... وجلا تبسمها نقاباً أحمرا\rوكأن شهب الجم بعض حليها ... عثرت به من سعةٍ فتكسرا\rوقال أبو النصر عبد الجبار:\rعليك بأغباب الوصال فضده ... يعيد حبال الوصل منك رثاثا\rفلو كلف الإنسان رؤية وجهه ... لطلقه بعد الثلاث ثلاثا\rومثله قول الآخر:\rعليك بإغباب الزيارة إنها ... تكون إذا دامت إلى الهجر مسلكا\rو سيأتي هذا المعنى إن شاء الله تعالى وقال الحموي:\rأنَّ قوماً يلحون في حب سعدى ... لا يكادون يفقهون حديثا\rسمعوا وصفها ولاموا عليها ... أخذوا طيباً وأعطوا خبيثا\rو هذا من الاقتباس وهو أن يؤتى في الكلام المنثور أو المنظوم بلفظ يشبه لفظ القرآن أو الحديث غير منوي به إنّه قرآن أو حديث. ولا بد من هذا القيد الآخر: ولذلك ساغ سوق اللفظ مع تغيير فيه أو في معناه ولا يلزم فيه كفر تبديل القرآن ولا خلاف نقل الحديث بالمعنى. ولنذكر طرفا من ذلك هاهنا: فمن الاقتباس من القرآن في النثر قول الحريري: فلم يكن إلاّ كلمح البصر أو هو أقرب حتى أنشد فأغرب. وهو في الشعر أكثر. ثم إنّه قد يكون اللفظ المقتبس بيتا كاملا كقول أبي محمد بن السيد البطليوسي في بعض مواضعه:\rخففوا ثقل الخطايا ... أفلح القوم المخففون!\rكيف تعطون من الباقي ... وبالفاني تضنون؟\rلن ينالوا البر حتى ... تنفقوا مما تحبون!\rو قول أبن العفيف:\rيا عاشقين حاذروا ... مبتسما من ثغره!\rفطرفه الساحر قد ... شككتم في أمره\rيريد أن يخرجكم ... من أرضكم بسحره\rو قد يكون شطر البيت كقول أبي فراس:\rقد كان بدر السماء حسناً ... والناس في حبه سواءُ\rلا تعجبوا!ربما قديرٌ ... يزيد في الخلق ما يشاءُ\rو قول محيي الدين البغدادي:\rإن لا مني من رلا رآه فقد ... جار على الغائب في الحكمِ\rوإن لحاني من رآه فقد ... أضله الله على علمِ\rو قول أبن الدماميني وقد رأى جرة خمر كسرت فساحت الخمر على الأرض:\rكسروا الجرة عمداً ... ملؤوا الأرض شرابا\rقلت والإسلام ديني: ... ليتني كنت ترابا!\rو قلت أنا في نحو هذا أخذا منه:\rعثرت هيفاء تحكي ... بدر تمٍّ حين غابا\rقبَّلَ التراب لماها ... ونضا عنها النقابا\rوجنى ورداً ونداً ... وارتوى منها رضابا\rقلت لمّا عانقته: ليتني كنت ترابا!\rو قد يكون أقل من الشطر الثاني كقول أبن النبيه:\rقل لراسي الجفون إنَّ لجفني ... في بحار الدموع سبحا طويلا\rو هي قصيدة على هذا النمط، أخذ قوافيها من سورة المزمل.\rولابن سهل الإسرائيلي قصيدة أخرى مثلها، اخذ قوافيها من سورة مريم، وكلتاهما مشورة. ومن ذلك قول بعضهم:\rإذا رمت عنها سلوة قال شافع ... من الحب: ميعاد السلو المقابر\rسيبقى لها في مضمر القلب والحشى ... سرائر ود يوم تبلى السرائر\rو قولنا:\rفي ظيبة هيفاء من أجفانها ... سحر الجفون البابلي تواتراً\rفإذا انتضت من جفنها غضبين من ... جفنين قلنا: ساحران تظاهراً\rو في التورية في الجفنين. وهذا الاقتباس هنا مما اختلف فيه الأصل والفرع معنى من جهة الحقيقة والمجاز. ومثله قول أبن الرومي يخاطب رجلا مدحه ولم يثبه:\rلئن أخطأت في مدحك ... ما أخطأت في منعي:\rلقد أنزلت حاجتي ... بوادٍ غير ذي زرعٍ\rفأنه جعل مجازا عن الرجل الذي لا خير فيه وهو في الآية حقيقة.\rومن الاقتباس في الحديث قول بعضهم:\rقال لي إنَّ رقيبي ... سيئ الخلق فداره","part":1,"page":156},{"id":157,"text":"قلت: دعني وجهك ... الجنة حفت بالمكاره\rأخذ من الحديث: حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات. وقول بعضهم في غلام اسمه بدر فيه تورية:\rيا بدر أهلك جاروا ... وعلموك التجري\rوقبحوا لك وصلي ... وحسنوا لك هجري\rفليفعلوا ما أرادوا ... فإنهم أهل بدر!\rاخذ من الحديث: لعل الله أطلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم! وقول بعضهم:\rومهفهفٍ يزري على القمر ... وجناته روض في الزهر\rخالسته نوار وجنته ... وأخذ منها على حذر\rفأخافني قوم فقلت لهم: ... لا قطع في ثمر ولا كثر\rفقوله: لا قطعتم في ثمر ولا كثر هو لفظ حديث. والكثر جمار النخل. وقد زاد بعضهم الاقتباس من الفقه، وزاد أخرون الاقتباس من سائر العلوم. فمن الاقتباس من علم الفقه قول أبي تمام:\rإنَّ حراما قبول مدحتنا ... وترك ما نرتجي من الصفد\rمثل الدنانير بالدراهم في ... الصرف حرام إلاّ يدا بيدِ\rشرطت عليهم عند تسليم مهجتي ... وعند انعقاد البيع قربا يواصل\rفلما أردت الأخذ بالشرط عرضوا ... وقالوا يصح البيع والشرط باطل\rو قول مالك بن المرحل موريا:\rمذهبي تقبيل خد مذهبٍ ... صاحبي ماذا ترى في مذهبي؟\rلا تخالف مالكا في رأيه ... فيه يأخذ أهل المغرب!\rو قول أبن العفيف:\rقضاة الحسن ما صنعي بطرف ... تمنى مثله الرشا الربيب؟\rرمى فأصاب قلبي باجتهادٍ ... صدقتم: كل مجتهد مصيب!\rوقول أبي عبد الله الشران، وقد كان عند أبن جماعة إعذار، فدعا البلد، ولم يدع الشران فكتب إليه الشران:\rماذا أعد المجد من أعذاره ... في ترك دعوتنا إلى إعذاره؟\rإنَّ كان رسم دون محضرنا اكتفى ... لا بد إنَّ يبقى على إعذاره\rو من الاقتباس من علم قول أبي بكر بن حجة الحموي:\rأيا عرب الوادي المنيع حجابه ... وأعني به قلبي الذي به خيموا\rرفعتم قبابا نصب عيني نحوها ... تجر ذيول النوق والقلب يجزم\rمنعتم تحيات السلام لموتنا ... غراما وقد متنا فصلوا وسلموا!\rو قول البوصيري:\rخفضت كل مقام بالإضافة إذ ... نوديت بالرفع مثل المفرد العلم\rو قول بهاء الدين زهير:\rيقولون لي أنت الذي طار ذكره ... فمن صادر يثنى عليك ووارد\rهبوني كما قد تزعمون أنا الذي ... فأين صلاتي منكم وعوائدي؟\rو مرض شرف الدين بن عنين، فكتب إلى الملك المعظم بن المكل العادل:\rانظر إلي بعين مولى لم يزل ... يولي الندى وتلاف قبل تلاف\rأنا كالذي يحتاج ما يحتاجه ... فاغنم دعائي والثناء الوافي\rفلما بلغه البيتان، نهض إلى زيارته واستصحب ألف دينار. فلما دخل عليه وعاينه قال له: أنت كالذي هو موصول، يحتاج إلى صلة وعائد، فهذه الصلة وأنا العائد.\rوقول السليماني:\rوإني الذي أقصيته وهجرته ... فهل صلة أو عائد منك للذي؟\rو قولنا من أبيات:\rفلم يكن عن ذلك فعلي معربا ... تغنيت بالماضي من الحال والأمر\rو فولنا من أخرى:\rقصر الهناء أسى لغير ضرورةٍ ... لولا نواكم، والهوى ممدود\rو من أظرف ما وقع في ذلك قول أبن جابر يخاطب معزولا عن ولاية:\rفلا تغضبن إذا ما صرفت ... فلا عدل فيك ولا معرفه!\rومن الاقتباس من علم الحديث قول أبن جابر:\rنقل المسواك فيما قد روى ... أنَّ ذاك الريق مسك وعسل\rقلت: عن من؟ قال: عن مبسمها ... قلت: هذا خبر صح وجل\rمذ تبدى جوهر الثغر لنا ... صح في حسن لدينا ما نقل\rو قولنا في هذا المعنى:\rنقل النسيم عن الأرائك محدثا ... عن ثغر سلمى الأشنب الواضح\rوحديثه المروي أنَّ رضابه ... عسل ومسك شوبا بالراح\rيفتر العقدين من برد صفا ... ولآلئٍ منضودة وأقاح\rصدقا أحاديث الصحيحين اعتلت ... عن ريبة تغزى لها من لاح\rو من الاقتباس من علم أصول الفقه قول أبن جابر:\rجئتها طالبا لسالف وعد ... فأجابت: لقد جهلت الطريقه\rإنّما موعدي مجاز فقلت: الأصل ... في سائر الكلام الحقيقه\rو قوله أيضاً:","part":1,"page":157},{"id":158,"text":"لا تعجبوا من عموم الحب في الرشإٍ ... كل الجمال له في الناس مخصوص\rبدر ولكن إلى الغزلان منتسب ... قد نص ذلك جيد منه منصوص!\rو قول آخر:\rكيف لي بالسلو عنها وقلبي ... قد هوى حمله بمهوى الخرص؟\rما تعصيت ظاهر الصبر إلاّ ... ردني جيدها بأوضح نص\rو قول أبي بكر بن حجة، رحمه الله تعالى، وهو في الفنين معاً.\rبوادي حماة الشام أيمن الشط ... وحقك تطوى شقة الهم بالبسط\rبلاد إذا ما ذقت كوثر مائها ... أهيم كأني قد ثملت بإسفنط\rفمن يجتهد في أنَّ بالأرض بقعة ... تماثلها قل: أنت مجتهد مخطي\rوصوب حديثي مائها وهوائها ... فإن أحاديث الصحيحين ما تخطي\rومن الاقتباس من علم الكلام قول أبن جابر:\rعرض الحب دون جوهر ذاك ... الثغر من أكبر المحال بجود:\rأجمع الناظرون في ذاك أنَّ لا ... عرض دون جوهر في الوجود\rو قولنا من أبيات:\rفالجسم بالٍ ذو وبالٍ بعدكم ... أبدا به عرض الشحوب جديد\rو في هذا البيت الجناس بين بالٍ وبالٍ، والاقتباس في الجسم والعرض، ومراعاة النظير بذلك الاعتبار، والطباق بين البلى والجدة.\rومن الاقتباس من علم المنطق قول أبن جابر:\rمقدمات الرقيب كيف غدت ... عند لقاء الحبيب متصله\rتمنعا الجمع والخلو معا ... وإنّما ذاك حكم منفصله\rو قول أبن الخطيب:\rحتى إذا فرض الجلاد جداله ... ورأيت ريح النصر ذات هبوب\rقدمت سالبة العدو وبعدها ... أخرى بعز النصر ذات وجوب\rوإذا توسط حد سيفك عندها ... جزئي قياسك فزت بالمطلوب\rو قول الآخر:\rيا دمع أجفاني أطرد يا حر ... أضلاعي أتقد يا قرح اكبادي أنتك\rويقل إتلاف النفوس تلفها ... لفوات حظ منك لم يستدرك\rأملي يشك وعفوكم متواطئ ... فأصار من متواطئ لمشكك\rمالي سواك لمن أمد يد الرجا ... متمسكا يا ملجأ المتمسك!\rو من الاقتباس من علم العروض قول الآخر:\rله جيش نصر قد نضى السعد دونه ... صوارم روع لا تلقيها القوانس\rإذا ما قوافي الخيل فيه تداركت ... فأبشر بنصر بحره متكاوس!\rو قولنا من قصيدة:\rسلام طويل الحب فيكم مديده ... فليس بذي نهك وليس بذي شطر\rو قولنا أيضاً في التغزل:\rيا شادنا يصيد أساد غيل ... بقوس صدغين وسهم كحيل\rبم استبحت دمي الحرم في ... قتلي وحرمت وصالي الحليل؟\rوقطع سببي من ودا ... دك وذا لا يرضينه الخليل\rو في الخليل التورية وفي الأبيات أنواع أخرى من البديع ظاهرة.\rومن الاقتباس من علم الهيئة قول الغزالي:\rيا حسن ليلتنا التي قد زارنا ... فيها فأنجز ما مضى من وعده!\rقومت شمس جماله فوجدتها ... في عقرب الصدغ الذي في خده\rو قوله أيضاً:\rحلت عقارب صدغه من خده ... قمرا يجل به عن التشبيه\rولقد عهدناه يحل ببرجها ... ومن العجائب كيف حلت فيه!\rو من الاقتباس من علم الهندسة قول أبن جابر:\rمحيط بشكل الملاحة حسنه ... كأن به أقليدسا يتحدث\rفعارضه خط استواءٍ وخاله ... به نقطة والشكل شكل مثلث\rو من الاقتباس من علم الخط قول أبن جابر أيضاً:\rفوق خديه للعذار طريق ... قد بدا تحته بياض وحمره\rقيل ماذا؟ فقلت: أشكال حسنٍ ... تقتضني أنَّ أبيع قلبي بنظره\rو اعلم أنَّ معظم ما نشدنا، لك إنَّ تجعله من باب الإيهام تورية أو توجهها لا من باب الاقتباس والخطب سهل.\rومما جمع ثلاثة فنون مما مر قول بعضهم:\rدارست قلبي الصبر أعتده ... عن عاصم لي منك أو نافع\rفلم يكن يرفع ما حل بي ... ورب فعل ليس بالرافع\rضل بي المذهب يا مالكي ... فهل لذلك الوجه من شافع؟\rو مثل هذا قول الآخر:\rمن شافع لي عند مالك مهجتي؟ ... مالي سوى حبي وليس بنافعي\rفمن المحقق أن مذهب مالكٍ ... لا تستقيم لديه حجه شافعي\rو هذا الباب أكثر من أن يأتي عليه الحصر.\rوقال أبن العربي، وقد وقف عليه مليح وهو في مجلس فهز ومحا بيده، ارتجالا:\rيهز علي الرمح ظبي مهفهف ... لعوب بألباب البرية عابث","part":1,"page":158},{"id":159,"text":"فلو كان رمحا واحدا لا تقينه ... ولكنه رمح وثان وثالث!\rو هذا غاية في القوة العارضة أنسجاما وحسن سبك وصحة معنى، الارتجال وصعوبة القافية. وقد وقع إشكال لجماعة من الأدباء في الشعر وما أريد فيه، وذلك من حيث لم يعتد استعمال الرمح في العيون؛ وإلاّ فهو بين واضح.\rوقلت أنا:\rلا يلهينك من فتى سرباله ... وبهاء منظره ورونق نفثه\rأو تقتحمه من رثاثة زيه ... فتجول في إطرائه أو مغثه\rحتى تبين قدره عن فره ... ولجينه عن بحثه\rوتميز عن طول الزمان هشيمه ... من غضه وسمينه من غثه\rونفاذه غرض النوائب إنَّ دجت ... من طيشه ووفاء من ملثه\rومقام ما أستودعه من كامن ... الأسرار في كتمانه أو نثه\rوترى إذا ما شمت بارق وعده ... أن قد مطرت بوبله أو دثه\rوترى جلية قوله إما روى ... نبا لدى تهذيبه أو مقثه\rوترى بمرجاس البصيرة غوره ... في وده للأصدقاء ودعثه\rفهناك إن احمدته فلتصفه ... ودا وإلاّ فلتحد عن وعثه\rفلرب ذي ورم يروق رواؤه ... حسنا وسوف تمجه في دأثه\rولرب مرعى مونق في دمنة ... وإذا شممت صددت عنه لخبثه\rولرب حسي ترتوي من عذبه ... عفوا وتكدي أو تشوب بنبثه\rومهند ذكر حسام باتر ... خلق الجفير من الحوادث رثه\rأزرت به مرآته وإذا انتضي ... أرضاك مشهده ومرأى جثه\rهذا وإنَّ المرء ليس بحاصد ... أبدا سوى ما قد أتى من حرثه\rولسوف يجني كل ما هو غارس ... في دهره من كرمه أو رمثه\rويرى مغبة سعيه مذخورة ... لمآبه من رمثه أو عيثه\rالنفث: المراد به الكلام. والإطراء: المبالغ في المدح والمغث ضده واللجين مصغرا: الفضة واللجين مثل أمير زبد أفواه الإبل وما سقط من الورق عند الخبط. وأطلق اللجين واللجين على محمود الأخلاق ومذمومها كما يقولون: إنَّ فلان لا يفرق بين لجين الكلام ولجينه أي بين جيده ورديئه؟ والنفاذ والطيش أصلها في السهام وذكرهما مع ذكر الغرض في النوائب استعارة وفي الغرض مع ذلك توجيه. والملث: الوعد بلا نية الوفاء. والدث: المطر الضعيف. والمرجاس: حجر يرمى في البئر ليعلم به عمقها وفيه أقوال أخرى. واحمدت الرجل: وجدته محمودا وكذا اذممته: فإنَ قلته بلا همزة كان بمعنى الثناء والمناسب هنا الأول. والدأث بفتح الدال المهملة وسكون الهمزة: الأكل والحسي: بئر غير غارقة بمستنقع فيها الماء وينبع منها واكدى الحافر: بلغ كديه في حفره. والرمث بكسر الراء: شجرة معروفة من أشجار البادية وليس لها من الثمرة ما للكرم وهو ضجر العنب فكني بالكرم والرمث عن السعي الذي يجدى نفعا والذي لا نفع فيه كغارس الرمث المذكور. والمث بفتح الراء: الأصلاح وضده العيث وهو الإفساد.\rوقول الآخر:\rليل البراغيث داء لا دواء له ... لا بارك الله في ليل البراغيث\rكأنهن بجسمي إذ علقن به ... أيدي الشهود على مال المواريث\rوقال أبن شرف في معناه:\rلك منزل كملت ستارته ... للهو لكن تحت ذاك حديث\rغنى الذباب وظل يزهو حوله ... فيه البعوض ويرقص البرغوث\rو مثله قول الآخر:\rليل البراغيث والبعوض ... ليل طويل بلا غموض\rفذاك ينزو بغير رقص ... وذا يغني بلا عروض\rو قول أعرابي بات بمصر فآذاه البرغوث:\rتطاول بالفسطاط ليلي ولم يكن ... بأرض الغضا ليلي علي يطول\rألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... وليس لبرغوث علي سبيل\rو قول الكناني ملغزا فيه:\rومعشر يستحل الناس قتلهم ... كما استحلوا دم الحجاج في الحرم\rإذا سفكت دما منهم فما سفكت ... يداي من دمه المسفوك غير دمي\rو قول أبن سكرة في مليح يعرف بابن برغوث:\rبليت ولا أقول بمن لأني ... متى ما قلت من هو يعشقوه\rحبيبي قد نفى عني رقادي ... فإنَ غمضت أيقضني أبوه\rوقال البستي:\rلا در در نوازل الأحداث ... نقلت احبتنا إلى الأجداث\rفغدت مآنسنا وهن مقابر ... وغدت مدائحنا وهن مراث\rو في هذا القدر من الباب كفاية. والله يقول الحق وهذا يهدي السبيل.\rباب الجيم\rأجبن من صافر.","part":1,"page":159},{"id":160,"text":"الجبن: الخور وهيبة الأقدام على الأمور. يقال: جبن بالضم يجبن جبنا بالضم وبضمتين وجبانة بالفتح فهو جبان بوزن سحاب وجبان كشداد وجبين كأمير والجمع جبناء. وهي جبان وجبانة وجبين. والصافر: المصوت يقال: صفر يصفر صفيرا إذا صوت فهو صافر وصفار. قال:\rخلا لكِ الجو فبيضي واصفري\rويقال الصافر للخشاش والبغاث من الطير وهو ما يصيد منها. واختلف في المراد من الصافر في هذا المثل فقيل أريد كل صافر من الطير ولا يكون الصفير إلاّ في ضعافها وجشاشها ويوصف بالجبن لكثرة ما يتقي من جوارح الجو ومصايد الأرض. وقيل الصافر طائر بعينه إذ أمسى تعلق بالشجرة برجليه ونكس رأسه خوفا من أن ينام فيؤخذ فيبيت منكوسا ولا يزال يصيح حتى يصبح. وقيل: الصافر هنا بمعنى المصفور به وهو الذي ينذر بالصفير فيفزع ويهرب كما قالوا: ما بالدار صافر أي مصفور به قال الشاعر:\rخلت الديار فما بها ... ممن عهدت بهن صافر\rو عليه يكون فاعلا بمعنى مفعول كما في دافق أي مدفوق وراحلة أي مرحولة وذلك في المثال المذكور. والبيت محتمل غير متعين. وقيل: الصافر هو الذي يصفر للمرأة بالريبة وهو موصف بالجبن ساعتئذ لوجله وحذره أن يطلع عليه. قال الكميت:\rأرجو لكم أن تكونوا في مودتكم ... كلبا كورهاء تقلى كل صفار\rلمّا أجابت صفيرا كان آتيها ... من قابس شيط الوجعاء بالنار\rو هذه المرأة التي ذكرها الكميت وضرب بها المثل امرأة من العرب كان من حديثها إنَّ رجلا كان يعتادها فكان يأتيها وهي جالسة مع زوجها وبنيها فيصفر لها فإذا سمعت صفيره أخرجت إليه عجيزتها من وراء البيت وهي تحدث ولدها فيقضي منها وطره ويرجع. ثم إنَّ بعض بنيها فطن للأمر فلما جاء صاحبها وصفر بها فأخرجت عجيزتها على العادة فأخذ مسمارا محمى كان معه فكوى به صدغها حتى أحست بالموت وتجلدت. فلما جاء الخدن بعد ذلك وصفر بها قالت: لقد قلينا صفيركم فضرب بها الكميت المثل.\rأجبن من الكروان.\rالجبن تقدم. والكروان بفتحتين طائر يشبه البط لا ينام الليل. وقيل هو الحجل. وانشد الجوهري:\rيا كروان صك فاكبأنا ... فشن بالسلح فلما شنا\rبل الذنابي عبسا مبنا\rويقال: أراد به الحبارى يصكه النازي فيتقيه بسلحه ويقال هو الكركي. ويقال للأنثى كروانة. ويقال للذكر الكرا ومنه المثل الآتي: أطرق كرا. وثقال إنّه سمي بالكرا وبالنعاس ضد ما كان عليه لمّا مر من إنّه لا ينام وهو أيضاً موصف بالجبن الكثير والفزع من سباع الطير كما قال الشاعر في خالد بن صوفان:\rترى خطباء الناس يوم ارتجاله ... كأنهم الكروان عاين اجدلا\rوالكروان بالكسر فالسكون جمع الكروان السابق. وقال الآخر:\rأمير أبو موسى ترى الناس حوله ... كأنهم الكروان ابصرن بازيا\rو سيأتي الكلام عن قولهم: أطرق كرا إن شاء الله تعالى.\rأجبن من المنزوف ضرطا.\rالجبن مر والنزف: النزح. يقال نزفت ماء العين انزفه أي نزحته كله ونزفت البئر فهي منزوفة. ويقال: نزفة عبرة الرجل بكسر الزاي إذا فنيت وانزفها الشوق. ويقال: نزف فلان دمه بالبناء للمجهول إذا سال عليه سيلانا مفرطا ونزف الدم فهو منزوف فيها. والضرط بالفتح والضراط بالضم صوت الريح. يقال: ضرط بالكسر ضراطا وضرطا فهو ضراط كشداد وضروط كصبور وضروط كسنور. واختلف في المنزوف ضرطا فقيل إنَّ نسوة كن لم يكن لهن أزواج فزوج إحداهن رجلا فكان ينام الصبحة فإذا آتيته بالصبوح ونبهنه قال: لو نبهتني لعادية أي الخيل فلما اكثر من ذلك قلن بينهن: إنَّ صاحبنا لشجاع فتعالين فآتينه بالصبوح على العادة فقال: لو لعادية نبهتنني كما كان يقول. فقلن له: هذا نواصي الخيل فجعل يقول: الخيل الخيل ويضرط حتى مات. وقيل إنَّ المنزوف ضرطا دابة بالبادية إذا صيح عليها وقع عليها الضراط فلا تزال تضرط حتى تموت. وقيل إنّه رجل خرج مع رفيق له. فبينما هما في فلاة إذ لاحت لهما شجرة فقال: أرى قوما رصدونا. فقال رفيقه: إنّما هي عشرة أي شجرة والعشر بضم العين وفتح الشين شجر يحشى في المخاد وهو أجود ما يقتدح به. فظنه يقول عشرة بالفتح. فجعل يقول: وما غناء اثنين عن عشرة ويضرط حتى مات.\rأجبن من النعامة.","part":1,"page":160},{"id":161,"text":"الجبن مر والنعامة: واحدة النعام وهو معروف اسم جنس مثل حمام وحمامة وجراد وجرادة والذكر منه يقال له ظليم. والنعام يوصف بالجبن كثيرا. ويقال إنَّ النعامة إذا خافت من موضع لا ترجع إليه أبداً. وقال الشاعر في الحجاج:\rأسد علي وفي الحروب نعامة ... فتخاء تنفر من صفير الصافر\rهلا برزت إلى غزالة في الوغى؟ ... بل كان قلبك في جناحي طائر\rو للشعر قصة تذكر بعد إن شاء الله تعالى.\rالجحش لمّا بذك الأعيار!\rالجحش ولد الحمار اهليا كان أو وحشيا والأنثى جحشة والجمع جحاش. قال زهير يصف حمار وحش:\rوقد خرم الطراد عنه جحاشه ... فلم يبق إلاّ نفسه وحلاله\rو البذ بالذال المعجمة الغلبة. يقال بذك هذا الأمر أي غلبك. قال علقمة يصف بقرة وحشية:\rتعفق بالأرطى لها وأرادها ... رجال فبذت نبلهم وكليب\rو الأعيار جمع عير بفتح العين وهو الحمار أهليا كان أو وحشيا. قال امرؤ القيس في الوحشي:\rكأني وردفي والقراب ونمرقي ... على ظهر عير وادر الخبرات\rوقال الآخر في الأهلي:\rولا يقيم على ضيم يراد به ... إلاّ الأذلان عير الحي والوتد\rو يجمع أيضاً على معيورات.\rومعنى المثل إنّه إذا غلبتك الاعيار ولم تدركها فعليك بالجحاش. وذلك إنَّ الصائد إذا أثار طريدة من الوحش فإنَ الكبار القوية منها تسبق وتتأخر الصغار. فإذا اعجزته الكبار السوابق فمن حقه إنَّ يظفر بالصغار ولا يفرط فيها. فيضرب في الرجل يطلب الأمر العظيم الخطير فيفوته فيقال له: اطلب ما دون ذلك أمالا وترجع خائب كما قيل:\rإذا حاجة ولتك لا تستطيعها ... فخذ طرفا من غيرها حين تسبق\rو لفظ الجحش في المثل يكون منصوبا على الأغراء أي: عليك بالجحش ويجوز أن يرفع على الابتداء أو الخبر أي: الجحش حسبك أو حسبك الجحش.\rجدك كدك.\rالجد بالفتح: الرزق والحظ. ورجل مجدود: ذو حظ. والكد بالفتح: الشدة والإلحاح. ومعنى المثل انك إنّما تعيش وتنال بمالك من الحظوة والبخت لا بتعبك وكدك فإنَ الكد لا ينفع مع الحرمان كما قيل:\rعش بجد ولا يضرنك نوك ... إنّما عيش من ترى بالجدود\rو كما قلت أنا:\rكم لبيب ذي نجدة مالت هزلا ... وغبي تحتفه ألف هان\rو تقدم في هذا المعنى مستوفى وسيأتي أيضاً.\rقيل: وأول من قال في هذا المثل حاتم بن عميرة الهمداني. وكان بعث ابنيه: الحسل وعاجية في تجارة لوجهتين مختلفتين. فذهب الحسل حتى لقيه قوم من بني أسد فأسروه واخذوا ماله. وسار أخوه أياما حتى وقع على مال الحسل فاتبعه حتى بلغ نجران فنادى في قومه همدان فأخذه من أيدي سالبيه قبل إنَّ يبلغ إلى موضع متجره. وكانت الإبل موسومة بسمة ابيهما وعرفوا إنَّ ما كان من المتاع له فأخذه ورجع إلى أهله. وقال في ذلك:\rكفاني الله بعد السير إني ... رأيت الخير في السفر القريب\rوهذا القرب نلنا خيرا ... ولم نلق الخسارة في الدؤوب\rفلما رجع تباشر به أهله وانتظروا الحسل. فلما ابطأ عنهم بعث أبوه أخا له يقال له شاكر في طلبه والبحث عنه. فلما دنا شاكر من الأرض التي فيها الحسل وكان الحسل علئفا يجزر الطير فقال الحسل:\rتبشرني بالنجاة القطاة ... وقول الغراب لها شاهد\rتقول: أل قد دنا نارح ... فداء له الطارف التالد\rأخا لم تكن أمنا أمه ... ولكن أبونا أب واحد\rتداركني زلفة حاتم ... فنعم المرب الوالد\rتداركني بك يا شاكر ... ومن بك الملك الماجد\rفسأل عنه شاكر حتى عرف مكانه فاشتراه منهم بأربعين بازلا. فلما رجع به واخبر بما لقي من بلاء قال أبوه: اسع بجدك لا بكدك وهذا المثل قولهم: عارك بجد أودع وسيأتي:\rجدع مازن انفه بكفه.\rيأتي هذا في الكاف وهو هناك البق.\rأجرأ من خاصي خصاف.\rالجراة على وزن الجرعة الشجاعة والأقدام. تقول: جرؤ بالضم، جرأة وجراءة، فهو جريء. وجرأته على الأمر تجرئة، فأتجر عليه. وتقول: خصيت الفحل أخصيه خصاء، وبالكسر والمد إذا سللت خصييه، فهو خصي. وخصاف على وزن كتاب أو وزن قطام: اسم فرس كان لحمل بن بدر بن عوف بن بكر بن وائل، طلبه منه المنذر بن امرئ القيس ليستحلفه، فخصاه بين يديه لجرأته ومنعه منه، فسمي خاصي خصاف وقيل من خاصي خصافٍ.","part":1,"page":161},{"id":162,"text":"أجرأ من خاصي الأسد.\rالأسد معروف. وخاصي الأسد تزعم العرب إنّه رجل مر به الاسد، فوجده يحرث بثورين بادنين، فقال له: يا حراث ما اسمن ثوريك! فبم أسمنتهما وما أطعمتهما؟ فقال له الحارث: إني خصيتهما فسمنا لأجل ذلك. فقال الأسد: فهل لك إنَّ تخصيني عسى إنَّ اسمن سمنهما؟ فقال له: نعم! وأمكنه الأسد من نفسه، فخصاه الحراث وزعموا إنّه مر عنه الأسد ودمه يسيل، حتى رقى ربوة فأقعى فيها حزينا ينظر إلى الحراث. فبينما هو كذلك إذا بثعلب مر به، قال له: مالي أراك حزينا يا أبا الحارث؟ فذكر له ما فعل به الحراث، وما دهمه من المثل الخصاء. فقال له الثعلب: هل لك في أنَّ آتي الحراث واستدبره، عسى أن تمكنني منه فرصة فأثئر لك؟ قال: نعم! فداك أبي وأمي. فمضى الثعلب وجعل يراوغ الحراث ويطيف به. فتناول الحراث حجرا وقذفه به فدق فخذه. فأتى الأسد وهو على ثلاث قوائم، فأقعى معه على الرابية يشكوان بثهما وما دهيا به من ذلك الحراث حتى مرت بهما نغرة فقالت لهما: ما لكما على هذه الحال؟ فأخبراها خبرهما، فقال لهما: أنا أتيه، فأستدبره حتى أدخل في أنفه. فجاءت إليه، وتغافل الحراث عنها حتى دنت منه قبص عليها واخذ عودا فدسه في آستها وأرسلها، فجاءت إلى الأسد والثعلب وهي شر من حالهما، قد سد العود دبرها ومنعها وأثقلها عن الطيران، فبينما الثلاثة جلوس على الربوة يتشاكون، جاءت امرأة الحراث بغذائه. فتقدم إليها، ورفع رجليها، وجعل يطؤها، وهي بمرأى من تلك الحيوانات. فقال الأسد: ما ترون هذا المشؤوم يفعل بهذه المرأة المسكينة، والله إني لأظنه يخصيها. فقال الثعلب: ما أظنه إلا يكسر فخذها، فقالت لا والله! بل يدخل في آستها عودا. فكانت النغرة أقربهن إلى الصدق ظنا. وقيل إنَّ خاصي الأسد هو الإصبع التي يفرس بها من براثينه. حكاه البكري عن القاسم بن ثابت، والله اعلم.\rأجرأ من فارس خصاف.\rخصاف، بفتح الخاء على مثال قطام، وهي كانت لملك بن عمرو الغساني. وخصاف بوزن كتاب: حصان كان لشهير بن ربيعة الباهلي\rجرب ثم باعد أو قرب.\rهذا مثل مصنوع فيما أظن، وهو ظاهر المعنى. ومثله قول الشاعر:\rابل الرجال إذا أردت إخاءهم ... وتوسمن فعالهم وتفقد\rفإذا ظفرت بذي اللبابة والعلى ... فبه اليدين قرير عين فاشدد\rيجري بليق ويذم.\rالجريان: العدو، وهو معروف؛ وبليق مصغر اسم فرس كان سباقا، وكان مع ذلك يذم، فيضرب به المثل في المحسن يذم.\rجري المذكي حسرات عنه الحمر.\rالجري تقدم؛ والمذكي من الخيل المسن. يقال: ذكى الفرس، تذكية بذال معجمة إذا أسن. والمذاكي من الخيل: التي أتى على قروحها سنة أو سنتان. والحمر جمع حمار. والمعنى أنَّ الحمار لا يستطيع أنَّ يسابق القارح من الخيل، بل والبرذون، كما قال زهير يمدح هرم بن سنان:\rيطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا ... مضارب حتى إذا ما ضربوا اعتنقا\rفضل الجياد على الخيل البطاء فلا ... يعطي بذلك ممنوقا ولا نزقا\rيضرب هذا المثل في الرجل البارع المبرز على غيره في الفضل.\rجري المذكيات غلاب.\rالمثل من معنى ما قبله. والجري تقدم؛ وكذا المذكيات من الخيل. والغلاب: المغالبة، كأنها تغالب الجري. ويروى غلاء أي مغالاة في السير. والغلاء، بكسر الغين أيضاً، جمع غلوة، وقد روي المثل بذلك. والغلوة من كل غاية مقدار رمية السهم. وهذا المثل قاله قيس بن زهير، وذلك إنّه لمّا تراهن هو وحمل بن بدر على ما مر في هذه القصة، فأرسلا فرسيهما: فرس قيس وهو داحس، وفرس حمل وهو الغبراء، على ما في ذلك من الاضطراب، ظهرت الغبراء على داحس. فقال حمل بن بدر: سبقتك يا قيس! فقال قيس: رويدا! يعدوان الجدد، فأرسلها مثلا. فلما خرجا عن الجدد وصار في الوعث، برز على الغبراء. فقال قيس حينئذ: جري المذكيات غلاب أو غلاء كما مر فذهبت مثلا.\rجروا له الخطير ما أنجز لكم!","part":1,"page":162},{"id":163,"text":"الجر: السحب على الأرض مثلا. وجرت الفرس بمقوده، والجمل بزمامه، فانجر؛ والخطير، بالخاء المعجمة والطاء المهملة على مثال أمير زمام الناقة وجديلها. يسمى بذلك لأنّه يخطر أي يهتز عند مشيها. وبذلك يمس الرمح خطارا. والجديل ما كان من جلود، وقد يقال لغيره. والحبل إذا كان من خوص سمي شريطاٍ، وإذا كان من كتان سمي مرسا، كما قال امروء القيس:\rكأن الثريا علقت في مصامها ... بأمراس كتان إلى صم جندل\rو إذا كان من ليف فهو مسد. وهذا المثل يروى عن عمار بن ياسر، رضي الله عنه إنّه قاله في عثمان، رضي الله عنه، حين أنكر عليه الناس ما أنكروا، أي أتبعوه ما كان فيه موضع متبع.\rاجر الأمور على إذلالها!\rالأمور جمع أمر؛ والإذلال، بالذال المعجمة، جمع ذال بالكسر وذل الطريق: محجته. والمعنى: أجر الأمور على مجاريها ومسالكها. ويضرب في الأمر بحسن التدبير ويقال أيضاً: إنَّ أمور الله جارية إذلالها وعلى إذلالها، أي على مجاريها. ويقال: دعه على إذلاله أي حاله؛ وجاء على إذلاله، أي على وجهه.\r؟التجريد لغير نكاح مثله.\rالتجريد معروف. تقول: جردت زيدا من ثيابه، وتجرد هو من ثيابه؛ وكذا النكاح. ومثله: النقص والمثلة: النقص والعيب والشين. والمعنى أنَّ تجريد العورة لغير النكاح عيب. ويضرب في وضع الأشياء في غير موضعها. وذكروا أن المثل لرقاش بنت عمرو بن ثعلب بن وائل وكانت شريفة عاقلة. فتزوجها كعب بن مالك بن تيم الله، فقال لها: اخلعي درعك؟ فقالت: خلع الدرع بيد الزوجز فقال: اخلعي درعك لأنظر إليك؟! فقالت: يا أبن عم: إنَّ التجريد لغير نكاح مثلةٌ! فأرسلها مثلا. فطلقها مكانها، فحملت إلى أهلها، فمرت بذهل أبن شيبان بن ثعلبة، فسلم عليها وخطبها إلى نفسها، فقالت لخادمها: انظري أيبعثر أم يقعر إذا بال؟ فنظرت الأمة فقالت لمولاتها: يقعر. فتزوجته.\rويحكى أيضاً إنَّ عثمان بن عفان رضي الله عنه، لمّا تزوج نائلة بنت الفرافصة بن الاحوص الكلبية، وساقها إليه أخوها، فأدخلت عليه، وخلا بها وقال لها: تقومين إلي أم أقوم إليك؟ فقالت: ما قطعت إليك عرض السمواة وأنا احب إنَّ تقطع إلي عرض البساط. فقامت وجلست إليه، فقال لها: لا يسؤنك ما ترين من شيبي، فإن وراءه ما تحبين. قالت: إني لمن نسوة أحب رجالهن السيد الكهل. إلى أن قال لها: ضعي الخمار! فوضعته. فقال لها: اخلعي الدرع! فخلعته. فقال لها: اخلعي الإزار! قالت: ذلك إليك! فلما دخل على عثمان، رضي الله عنه، يوم الدار، أكبت عليه وجعلت تنافحح بيدها حتى أصيبت بجراحات. فلما قتل رحمه الله، رثته فقالت:\rإلاّ إنَّ خير الناس بعد ثلاثةٍ ... قتيل التحبي الذي جاء من مصر\rومالي لا تبكين وتبكي قرابتي ... وقد حجبت عنا فضول أبي عمر؟\rو يروى هذا الشعر أيضاً للوليد بن عقبة، وللكميت. والتحبي هو كنانة أبن بشر قاتل عثمان، رضي الله عنه. وهو منسوب إلى تجيب، بضم التاء وفتحها، بطن من كندة. فلما انقضت عدتها خطبها معاوية، فقالت لنسائها: ما يعجب الرجال مني؟ قلن لها: ثناياك. فعمدت إلى فهرٍ فدقت به ثنيتها وبعثت بهما إلى معاوية، فكف. ولم تزل محداً بعد قتل عثمان حتى لحقت به.\rأجرى من ذبابٍ.\rالجريان مر، والذباب معروف، والواحدة ذبابة، وجمع القلة أذبةٌ. قال الشاعر: ضرابة بالمشفر الأذبة وجمع الكثرة ذبان، بالكسر كغربان قال امرؤ القيس:\rعصافير وذبان ودودٌ ... وأجرا من مجلحة الذئاب\rو لا يخفى ماله من الجريان وسرعة الدوران وخفة الطيران.\rجزاه جزاء سنمار.\rالجزاء: المكافأة. وثقول: جزيت فلانا، أجزيه؛ وجازيته مجازاة وسنمار بكسر السين المهملة والنون، وشد والميم بعدها ألف فراء: اسم رجل، وهو إسكاف كان النعمان الأكبر، لمّا أراد أن يبني الخورنق لسابور، ليكون ولده فيها معه، اتخذ هذا الإسكاف، فبناه له وأحسن رصفه، وأبدع وصفها، وأكملها في عشرين حولا. فلما أتم بنائها، وأعجب الناس بحسنها، قال الأسكاف: إني لو شئت جعلت القصر يدور مع الشمس حيثما دارت. فقال الملك: انك لتحسن أنَّ تبني أجمل منه؟ فطرحه من أعلاه. فضرب به المثل لمن يجزي الإحسان بالإساءة. قال الشاعر:\rجزاني جزاه الله شر جزائه ... جزاء سنمار وما كان ذا ذنب","part":1,"page":163},{"id":164,"text":"سوى رصفه البنيان عشرين حجة ... يعل عليه بالقرامد والسكب\rفلما انتهى البنيان يوم تمامه ... وأض كمثل الطود والباذخ الصعب\rرمى بسنمار على حق رأسه ... وذاك لعمر الله من أعظم الذنب!\rوقال الأخر:\rجزى بنوه أبا الغيلان عن كبرٍ ... وحسن فعلٍ كما يجزى سنمار\rو قيل إنَّ سنمار هو غلام لأحيحة بنى أطما فلما فرغ قال: أحكمته! فقال: إني لأعرف حجرا لو انتزع لتقوض من آخره. فسأله عن الحجر، فأراه إياه، فدفعه احيحة من الأطم فخر ميتا. وفي النوادر إنّه إنسان عمل أطما لبعض الملوك، فقال له إنَّ نزع هذا الحجر تداعى البناء كله. فرمي من فوقه لئلا يعلم به أحد غيره وأنشد: جزاء سنمار بما كان يفعل.\rتجشى لقيم من غير شبعٍ.\rالتجشي: تنفس المعدة، ويكون عند الشبع. ولقيم اسم رجل؛ والشبع بوزن عنب معروف. والمثل ظاهر المعنى، يضرب في التشبع بما لم يعط. وهو كقولهم: عاطٍ بغير نوطٍ وقولهم: كالحادي وليس له بعير؛ وسيأتيان.\rأجلسته عندي فاتكأ.\rالجلوس معروف، وكذا الاتكاء. هذا المثل يضرب في عادة السوء يعتادها صاحبها. وهو كقولهم: أعطي العبد كراعا فطلب ذراعا.\rجلى محباً نظره.\rالتجلية: الإبداء والإظهار؛ والمحب خلاف المبغض؛ والنظر البصر. والمعنى إنّ نظر الإنسان يظهر ما انطوى عليه من محبة أو بغض. ومثله قولهم: شاهد البغض اللحظ؛ وقول الشاعر:\rفإنَ تك في عدو أو صديقٍ ... تخبرك العيون عن القلوب\rو قول الآخر:\rخذ من العيش ما كفى ... ومن الدهر ما صفا\rعين من لا يريد وصلك ... تبدي لك الجفا\rو قول الآخر:\rتخفي العداوة وهي غير خفية ... نظر العدو بما أسر يبوح\rوقالوا: إنَّ يعبر عن الإنسان اللسان، وعن المودة والبغض العيان\rجمع بين الأروى والنعام.\rالجمع ضد التفريق؛ وتقدم تفسير كل من الأروى والنعام في هذا الكتاب. وهذا المثل يضرب في الجمع بين أمرين متنافيين، والتأليف بين شيئين متخالفين. يقال: تكلم زيد فجمع بين الأروى والنعام، وذلك لأن الأروى مسكنها قنن الجبال، كما قال امرؤ القيس:\rتلاعب أولاد الوعول رباعها ... دوين السماء في رؤوس المجادل\rو النعام مسكنها السهل من الأرض، فلا يجتمعان؛ وكذا الأروى والبقر.\rوسئل أعرابي عن صفة مطر فقال: استقل سد مع انتشار الطفل فشط واحزال؛ ثم أكفهرت أرجاؤه، واحمومت أرحاؤه، وابذعرت فوارقه، وتضاحكت بوارقه، واستطار وادقه، وارتقت حؤبه، وارتعن هيدبه، وحشكت أخلاقه، واستقلت أردافه، وانتشرت أكنافه؛ مرتجس، والبرق مختلس، والماء منبجس فأترع الغدر وانتبث الوجر وخلط الأوعال وبالآجال، وقرن الصيران بالرئال: فالأودية هدير والشراج خرير، والتلاع زفير؛ وحط النبع العتم، والقلل الشم، إلى القيعان الصحم. فلم يبق في القلل إلا معصم مجرنثم، أو داحص مجرجم، وذلك من فضل رب العالمين، على عباده المذنبين!","part":1,"page":164},{"id":165,"text":"قوله استقل سد: السد بضم السين: السحاب المظلم؛ وكذا الجراد لأنّه يسد الأفق. واستقل: ارتفع؛ والطفل بفتحتين، والعشي إلى المغرب؛ وشصا ارتفاع، يقال: شصا الزق إذا امتلأ فارتفعت قوائمه؛ واحزأل: ارتفع أيضاً، وهو بالحاء المهملة والزاي؛ واكفهرت تراكم؛ أرجاؤه: نواحيه، وأحموت: اسودت؛ أرحاؤه: جمع رحى، وهي الوسيط. وابذعرت بذال معجمة: تفرقت؛ فوارقه: جمع فارق، وهي القطعة من السحاب الخارجة عن معظمه. والفارق في الأصل: الناقة تند عن الإبل عند نتاجها. واستطار: انتشر؛ وادقه: الوادق الذي كثر ماؤه، أو الذي دنا من الأرض. وارتتقت: التأمت؛ حؤبه: فرجه. وارتعن: استرخى؛ هيدبه: ما تدلى منه إلى الأرض، كهدب القيظفة. وحشكت: امتلأت؛ أخلاقه: ضروعه، جمع خلف وهو ما يقبض عليه الحالب من ضرع الناقة والبقرة. واستقلت: ارتفعت؛ أردافه: مآخره. هذه كلها استعارات. وأكنافه: نواحيه. ومرتجس: مصوت ومختلس: كأنه لشدة لمعانه يختلس الأبصار، ومنحبس: منفجر واترع: ملأ والغدر، بضمتين، جمع غدير والواجر، بضمتين جمع وجار وهو الحجر يلجه الثعلب والضبع وانتبثها بالثاء المثلثة، اخرج نباتها وأصل النبيثة تراب البئر؛ والأوعال جمع وعل وهو التيس الجبلي، والآجال جمع أجل، بكسر فسكون وهو القطيع من بقر الوحش. يقول: أن هذا المطر لشدته جمع بين الأوعال التي مساكنها قنن الجبال، وبين البقر التي مساكنها القيعان. والصيران جمع صوار، وهو القطيع من بفر الوحش، والرئال: فراخ النعام، جمع رأل، بفتح فسكون، وهي تسكن الجلد من الأرض، والصيران تسكن الرمال والقيعان فجمع بينهما أيضا لشدته والهدير: الصوت؛ والشراج مجاري الماء من الحرار، واحدها شرج، والتلاع: الشعاب التي يجري بها الماء من الجبال، وأحدها تلعة بفتح السكون والنبع شجر تتخذ منه القسي؛ والعتم بعين مهملة وتاء مثناة على مثال جرف: الزيتون الجبلي؛ والقلل أعالي الجبال، والشم المرتفعة؛ والقيعان جمع قاع وهو الأرض المطمئنة والصحم: التي تعلوها حمرة، جمع أصحم والمعصم: الذي استمسك بالجبال وتمنع فيها من الأوعال. يقال: فارس معتصم إذا أخذ بعرف فرسه، والمجرنثم: المنقبض، والداحص الذي يفحص برجليه عند الموت. قال علقمة:\rرغا فوقهم سقب السماء فداحص ... بشكته لم يستلب وسليب\rو المجرم مصدوع.\rجمع بين الضب والنون.\rالضب حيوان معروف، وجمعه ضباب وأضب، وكنيته أبو حسل، والحسل ولده، كما سيأتي، والنون: الحوت، وجمعه نينان. وهذا المثل كالذي قبله في المعنى، لأن الضب حيوان بري، ولا يرد الماء ويلازم الصحراء، واكثر ما يكون في الكدى، كما قال خالد أبن علقمة:\rترى الشر قد أفنى دواءر وهجه ... كضب الكدى أفنى براثنيه الحفر\rوقال الأخر:\rفلله أرض يعلم الضب إنّها ... بعيد من الآفات طيبة البقل\rبنى بيته فيها على رأس كدية ... وكل امرئٍ في حرفة العيش ذو عقل\rو من عجيب أمره إنّه يعيش سبعمائة سنة ولا تسقط له سن، وهو لا يشرب الماء. ويقال إنّه يبول في كل أربعين يوماً مرة. ومن كلام العرب: لا أفعل ذلك حتى يرد الضب، كما يقولون: حتى يشيب الغراب. ومن الكلام الموضوع على ألسنة العجماوات، قالت السمكة: رد يا ضب! فقال:\rأصبح قلبي صردا ... لا يشتهي إنَّ يردا\rو النون حيوان بحري لا يفارق الماء أبداً، فلا يجتمعان. قال الصابئ:\rالضب والنون قد يرجى اجتماعهما ... وليس يرجى اجتماع المال والأدب\rوقال الأخر:\rولو انهم جاءوا بشيء مقارب ... لقلت: هو الشكل الموافق للشكل\rولكنهم جاءوا بحيتان لجة ... تقامس والمدعو فينا أبا الحسل\rو لمّا بين الضب والنون من التنافي والتقابل، قال حاتم الأصم أو غيره:\rوكيف أخاف الفقر والله رازقي ... ورازق هذا الخلق في العسر واليسر؟\rتكفل بالأرزاق للخلق كلهم ... وللضب في البيدا وللحوت في البحر\rو لوضوح ذلك يقال، عند التجهيل: فلان لا يفترق بين الضب والنون.\rأجمل من المذهب.\rالجمال: الحسن؛ حمل الشخص، بالضم، ويجمل فهو جميل، والمذهب هو أبن عدنان، كان فائقا في الجمال والبهاء. فضربت العرب بجماله المثل.\rالجمل من جوفه يجتز.","part":1,"page":165},{"id":166,"text":"الجمل بفتحتين من الإبل معروف، والجرة بكسر الجيم وتفتح، ما يخرجه البعير من جوفه، فيأكله ثانية. ويقال: اجتر الجمل فعل ذلك، يجتر اجترارا. وهذا المثل يضرب لمن يأكل من كسبه، أو ينتفع بشيء يعود منه الضرر.\rتجنب روضة وأحال يعدو.\rالتجنب معروف، والإحالة هنا الإقبال. يقال: أحال عليه بالسوط، أي أقبل عليه. قال الشاعر:\rوكنت كذئب السوء لمّا رأى دماً ... يصاحبه يوما أحال على الدم\rو معناه: تجنب الخصب واختار الضيق. يضرب في الرجل تعرض عليه الكرامة فيختار الهوان.\rأجن من دقة.\rالجنون معروف. يقال: جن الرجل، بالبناء للمفعول، فهو مجنون، وأجن من كذا، بنوه من فعل المفعول شذوذاً، كما قالوا: أشغل من ذات النحيين، وأزهى من ديك، وسيأتيان، ودقة، بضم الدال المهملة وتشديد القاف، اسم رجل، وهو دقة بن عبابة يضرب بجنونه المثل.\rأجود من لافظة.\rالجود معروف، ضد البخل. ويقال أيضاً: أسمح من لافظة؛ والسماح هو الجود. واختلف في اللافظة، فقيل: البحر لأنها تلفظ بالدرة الجليلة التي لا قيمة لها والهاء للمبالغة. قال الشاعر:\rيداك يد خيرها يرتجى ... وأخرها لأعدائها غائظه\rفأما التي خيرها يرتجى ... فأجود جوداً من اللافظه\rوأما التي شرها يتقى ... فنفس العدو بها فائظه\rوقال الأخر:\rتجود فتجزل قبل السؤال ... وكفك اسمح من لافظه\rو قيل: اللافظة الرحى، لأنها تلفظ ما تطحنه ولا تبقي. وقيل إنّها العنز، وجودها إنّها تدعى إلى الحلب، وهي تعلف، فتلقي ما فيها. وتقبل إلى الحالب. وقيل إنّها الحمامة لأنها تخرج ما في بطنها لفرخها. وقيل هي الديك، لأنّه يأخذ الحبة بمنقاره، فلا يأكلها، ولكن يلقيها إلى الدجاجة، إلاّ المسن منها، فإنه لاستغنائه عن الدجاج يأكل الحب دونها ويمنعها منه.\rالجواد يكبو.\rالجواد هو الكريم من الخيل يجود بما في طاقته من الجري. والكبو: العثار. يقال: كبا، يكبو كبوا وكبوا. ويقال في هذا المثل أيضاً: لكل جواد كبوة، وهو إنَّ الكامل لا ينبغي إنَّ بذم إذا وقعت منه هفوة، كقولهم في المثل الآخر: لا تدعم الحسناء ذاما. وسيأتي جميع ذلك. وقال أبو بكر بن دريد رحمه الله تعالى:\rوالطرف يجتاز المدى وربما ... عن لمعداه عثار فكبا\rو قلت أنا:\rوكريم الجياد يكبو وما في ... كبوة للجواد من نقصان\rأجناؤها أبناؤها.\rالأجناء جمع جان. يقال: جنى فلان على فلان، يجني عليه فهو جان وهو جناء وأجناء. وهذا الثاني نادر إذ لا يجمع فاعل على أفعال والبناء جمع بان وهو نادر والمعنى أنَّ الذي جنوا على هذه الدار مثلا بالهدم هم الذين كانوا بنوها. ومضرب المثل من هذا واضح. قال الجوهري: وأنا أضن أنَّ أصل المثل: جناتها بناتها لأن فاعلا لا يجمع على أفعال؛ أما الأشهاد والأصحاب فإنما هو جمع شهد وصحب إلاّ أن يكون هذا من النوادر لأنّه يجيء في الأمثال ما لا يجيء في غيرها. انتهى. وهو ظاهر.\rيجني من الشوك الثمر.\rتقدم تفسير هذه الألفاظ في الباب الأول. والمعنى أنك إذا ظلمت فأحذر الانتصار والانتقام!\rتجمع الحرة ولا تأكل بثدييها.\rالجوع ضد الشبع. والحرة ضد الأمة والأكل معروف؛ وكذا الثدي وجمعه ثديّ. قال الشاعر:\rأبت الروادف والثدي لقمصها ... مس البطون وأن تمس ظهورها\rو يحكى أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم سئل:أيكون المؤمن كذاباً؟ فقال: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها. ومعناه أنَّ الحرة قد يصيبها ألم الجوع وشدة الاضطراب ولا تؤجر نفسها على الإرضاع لتأكل أجر رضاعتها، فتلزم نفسها الاصطبار صونا لنفسها عن الهوان ة الابتذال. فيضرب في الحر يصون نفسه عن قبيح المكاسب ولا تمنعه شدة فقره وحاجته أن يلزم صيانته ويحفظ مروءته.","part":1,"page":166},{"id":167,"text":"وأصل المثل للحارث الأزدي أو الأسدي وكان خطب إلى علقمة بن حفص الطائي بنته ريا بنت علقمة وكان الحارث شيخا. فقال علقمة لامرأته: اختبري ما عند ابنتك! فقالت لابنتها: أي بنية أي الرجال أحب إليك: الكهل الجحجاح الواصل المياح أم الفتى الوضاح الذهول الطماح؟ قالت: بل الفتى. قالت: إنَّ الفتى يغريك وإنَّ الشيخ يمريك. قالت: يا أمتاه إنَّ الفتاة يحب الفتى كحب الرعاء أنق الكلا. قالت: يا بنية إنَّ الفتى شديد الحجاب كثير العتاب. قالت: يا أمتاه أخاف من الشيخ أن يدنس ثيابي ويبلي شبابي ويشمت بي أترابي! فلم تزل بها أمها حتى غلبتها على رأيها فتزوجها الحارث وأرتحل إلى أهله. فبينما هو ذات يوم بفنائه وهي إلى جنبه إذ أقبل شاب من بني أسد. فتنفست الصعداء ثم بكت. فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: مالي وللشيوخ الناهضين كالفروخ من كل حقول فنيخ؟ فقال: ثكلتك أمك! تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها. ثم قال: وأبيك! لرب غارة شهدتها وسبيئة أرفدتها وخمرة شربتها فلحقي بأهلك فلا حاجة لي فيك! وقال أبو عبيد في هذا المثل إنّه من أمثال أكثم بن صيفي. قال: وهو مثل قديم لكن العامة ابتذلته وحولته فقالت: ولا تأكل ثدييها يعني بإسقاط حرف الجر. قال بعض العلماء: ليس هذا بشيء إنّما بثدييها ومعناه عندهم الرضاع. يقال لا تكون ظئر القوم على جعل تأخذه منهم. انتهى.\rوقال بعض الأمة: إنَّ العرب كانوا يعدون أخذ الأجر على الرضاع سبة ولذلك قيل:تجوع الحرة ولا تأكل ثدييها. وقال العلماء: بثدييها. والقولان صحيحان لأنها إذا أكلت ثمن لبنها فكأنها قد أكلت ثدييها. قال الراجز:\rإنَّ لنا أحمرة عجافاً ... يأكلن كل ليلةٍ أكافا\rأي: نبيع كل ليلة أكافاً من أكفتها ونعلفها ثمنه. قال: وكذلك قول الآخر في وصف إبل: نطعمها إذا شتت أولادها أي أثمان أولادها. انتهى.\rوقال السهيلي في الروض: والتماس الأجر على الرضاع لم يكن محمودا عند أكثر نساء العرب حتى جرى المثل: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها. وكان عند بعضهم لا بأس به فكانت حليمة وسيطة في بني سعد كريمة من كرائم قومها بدليل اختارها الله إياها لرضاع نبيه صلى الله عليه وسلم كما اختار أشرف البطون والأصلاب. والرضاع كالنسب لأنّه يغير الطباع. وفي المسند عن عائشة ترفعه: لا تسترضعوا الحمى فإنَ اللبن يورث! ويحتمل أن تكون حليمة وقومها طلبن الرضعاء للأزمة التي أصابتهم والسند الشهباء التي أقحمتهم اضطرارا. قال: وأما دفع قريش وغيرهم من أشراف العرب أولادهم إلى المراضع فقد يكون ذلك لوجوه: أحدها تفريغ النساء إلى الأزواج كما قال عمار بن ياسر لأم سلمة وكان أخاها من الرضاعة حين انتزع من حجرها زينب بنت لبي سليمة فقال: دعي هذه المقبوحة المشقوحة التي آذيت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ! وقد يكون ذلك منهم أيضاً لينشأ الطفل في الأعراب فيكون أفصح للسانه، وأجلد لجسده وأجدر أن لا يفارق الهئة المعدية كما قال عمر: تمعددوا وتمعززوا واخشوشنوا! وقد قال عليه الصلاة والسلام لأبي بكر حين قال له: ما رأيت أفصح منك يا رسول الله فقال: وما يمنعني وأنا من قريش وأرضعت في بني سعد؟ فهذا ونحوه كان يحملهم على دفع الرضعاء إلى الأعرابيات. وقد ذكر أنَّ عبد الملك بن مروان كان يقل: أضر بنا حب الوليد! لأن الوليد كان لحانا وكان سليمان فصيحا لأن الوليد أقام مع أمه وسليمان وغيره من أخوته أسكنوا البادية فتعربوا ثم أدبوا فتأدبوا. انتهى. وقد قلت في نظم المثل المذكور من قصيدة:\rيعرى الفتى ويجوع وهو يرى ... متجملاً بالصبر والبشرِ\rوالحرة الشماء ربتما ... جاعت ولم ترضع على أحرِ\rجوع كلبك يتبعك!","part":1,"page":167},{"id":168,"text":"الجوع تقدم. وجوعت فلانا وأجوعته: تركته بلا طعام حتى جاع؛ والكلب معروف؛ وكذا الاتباع. والمثل ظاهر المعنى. قيل: وأوّل من قاله ملك من ملوك حمير كان جبارا عنيفا على أهل مملكته يغصبهم أموالهم وما في أيديهم. وكانت الكهنة تخبره أنهم سيقتلونه وهو لا يبالي بذلك. وسمعت امرأة له أصوات السؤال فقالت له: إني لأرحم هؤلاء لمّا يلقون من الجهد ونحن في العيش الرغد وإني أخاف أن يكونوا عليك سباعاً بعد أم كانوا لك أتباعا! فرد عليها: جوع كلبك يتبعك! فأرسلها مثلا. ثم إنّه لبث كذلك زمانا ثم أغزاهم مع أخيه فغنموا ولم يقسم فيهم شيئا. فقالوا لأخي: قد ترى ما نحن فيه من الجهد ونحن نكره خروج الملك منكم إلى غيركم فساعدنا على قتل أخيك وأجلس مكانه! وعرف أخوه بغيه واعتداءه فأجابهم إلى ذلك فوثبوا عليه وقتلوه. فيقال إنّه مر به رجل يقال له عامر بن جذيمة وهو مقتول وقد سمع قوله: جوع كلبك يتبعك! فقال: ربما أكل الكلب مجوعه إذا لم ينل شبعه! وقال لبو جعفر المنصور يوما لقواده: صدق الإعرابي حيث يقول: أجع كلبك يتبعك! فقال له أبو العباس الطوسي منهم: يا أمير المؤمنين أخشى أن يلوح له رجل برغيف فيتبعه ويدعك!\rأجوع من ذئب.\rالذئب معروف يهمز ويخفف والأنثى ذئبية. قال الشاعر:\rفصرت كنعجة تضحي وتمسي ... تردد بين أخبث ذئبين\rو الذئب يوصفل بالجوع المفرط ومن ثم يقال للجوع داء الذئب. يقال: رماه الله بداء الذئب أي الجوع. وهو مع ذلك شديد الصبر عليه وربما اكتفى بالنسيم. ويقال إنّه إذا ألح عليه الجوع عوى فتجتمع عليه الذئاب فتحمل على إنسان حملة واحدة وكل منها حريص عليه؛ إلاّ إنّه إذا أدمي منها واحد وثبت عليه البواقي وتركت الإنسان. ومن ثم قال الشاعر يعاتب صديقا له أعان عليه في أمر نزل به:\rوكنت كذئب السوء لمّا رأى دماً ... بصاحبه يوماً أحال على الدمِ\rوقال العجير السلولي:\rتركنا أبا الأضياف في ليلة الدجى ... بمر ومردى كل خصمٍ يجادله\rتركنا فتى قد أيقن الجوع أنه ... إذا ما ثوى في أرحل القوم قاتله\rفتى قُدَّ قَدَّ السيف لا متضائلٌ ... ولا رهلٌ لماته وبآدله\rإذا القوم أموا بيته فهو عامرٌ ... لأحسن ما ظنوا به فهو فاعله\rجوادٌ بدنياه بخيلٌ بعرضه ... عطوفٌ على المولى قليلٌ غوائله\rفتى ليس لابن العم كالذئب إن رأى ... بصاحبه يوما دماً فهو آكله\rإذا جد عند الجد أرضاك جده ... وذو باطل إن شئت أرضاك باطله\rيسرك مظلوما ويرضيك ظالما ... وكل الذي حملته فهو حامله\rأجوع من كلبة حومل.\rالكلبة الأنثى من الكلاب معروفة؛ وحوامله بالحاء المهملة على مثل جوهر امرأة من العرب كانت لها كلبة تجوعها بالنهار وهي تحرسها بالليل. فكانت تربطها بالليل للحراسة وتطردها بالنهار وتقول: التمسي لا ملتمس لك! حتى طال عليها الأمر فأكلت ذنبها جوعا. قال الشاعر:\rكما رضيت جوعا وسوء ولاية ... لكلبتها في أول الدهر حومل\rأجوع من لقوةٍ.\rاللقوة بفتح اللام: الكلبة. وفيها يقال: أجوع من لقوة قاله بعض الناس. والمعروف في كتب اللغة أنَّ اللقوة بالفتح وتكسر المرأة السريعة اللقاح كالناقة. ومنه المثل الآتي: لقوة صادقت قبيساً؛ وكذا العقاب الأنثى. قال امرؤ القيس:\rكأني بفتخاء الجناحين لقوة ... صيود من العقبان طأطأت شملالي\rوقال أبو عبيدة: سميت العقاب لشدة لسعة أشداقها. وكأنه عنده مأخوذ من اللقوة، وهو الداء المعروف الذي يصيب في الجه. يقال لقي الرجل بالبناء للمفعول، فهو ملقو.\rأجول من قطربٍ.\rيقال: جال جولانا فهو جائل وجوال؛و القطرب طائر يبيت سائراً لا ينام الليل كله. ويقال دويبة. ويقال إنّه دويبة لا تستريح نهارها سعيا. وكان محمد بن المستنير النحوي يبكر إلى مجلس سيبويه فلا يفتح الباب إلاّ وجده فقال له: ما أنت إلاّ قطرب ليل! فبقي عليه قطرب لقبا. ويطلق القطرب أيضاً على الذئب الأمعط وعلى الفأر وعلى اللص وعلى ذكر الغيلان وغير ذلك من المعاني.","part":1,"page":168},{"id":169,"text":"وذكر أبن ظفر أنَّ القطرب حيوان يكون بالصعيد من أرض مصر يظهر للمنفرد من الناس فربما صده عن نفسه إن كان شجاعا وإلاّ لم يزل به حتى ينكحه فإذا نكحه داد دبره فهلك. وهو إذا رأوا من ظهر له قطرب قالوا: امنكوح أم مروع؟ فإن قال منكوح أيسوا وإن قال مروع عالجوه والله اعلم. وسيأتي ذكر نحو هذا الحيوان في قولهم ألوط من عدار في حرف اللام، إن شاء الله تعالى.\rالجار قبل الدار.\rروي هذا حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الجار قبل الدار والرفيق قبل الطريق. ويروى: الجار والرفيق مرفوعين والنصب فيهما حسن، أي: التمس الجار قبل الدار والتمس الرفيق قبل الطريق. وقال أبو تمام في هذا المعنى:\rمن مبلغ أبناء يعرب كلها ... أني أبتنيت الجار قبل المنزلِ؟\rو وقال الأخر:\rيقولون: قبل الدار جارٌ موافقٌ ... وقبل الطريق النهج أنس طريق\rفقالت: وندمان الفتى قبل كأسه ... فما حث كأس الخمر مثل صديق\rوقال الأخر في المعنى:\rيلومونني أن بعت بالرخص منزلي ... ولم يعلموا جاراً هناك ينغصُ\rفقالت لهم: بعض الملام! فإنما ... بجيرانها تغلو الديار وترخصُ\rجاء بالضح والريح\rالمجيء معروف والضح بكسر الضاد المعجمة بعدها حاء مهملة مشددة يطلق على الشمس وما طلعت عليه الشمس. وفي الحديث: لا يقعدن أحدكم بين الضح والظل فانه مقعد الشيطان. ذكره في الصحاح وأنشد لذي الرمة:\rغدا أكهب الأعلى وراح :إنّه ... من الضح واستقباله الشمس أخضرُ\rأي استقباله عين الشمس. وقال علقمة: أبيض أبرزه للضحى راقبه.\rوالريح معروفة. ومعنى جاء بالضح والريح: جاء بما طلعت عليه الشمس وما جرت عليه الريح. يقال ذلك عندما يجيء بالشيء الكثير. قال في الصحاح: والعامة تقول: جاء بالضيح والريح يعني الضيح بالياء المثناة من تحت. قال: وليس بشيء. انتهى. ومثله لصاحب القاموس.\rجاء بالحظر الرطب.\rالحظر بالظاء المشالة على مثال كتف الشجر المحتظر به والشوك الرطب. والرطب خلاف اليابس فيقال: جاء فلان بالحظر الرطب أي بكثرة من المال والناس وقيل بالكذب المستبشع. ويقال أيضاً: أوقد فلان في الحظر الرطب إذا بم ووقع في الحظر الرطب إذا وقع فيما لا طاقة له به. وذلك كله ظاهر.\rجاء بالطم والرم.\rالطم بكسر الطاء المهملة قيل الماء وقيل ما على وجه الماء وقيل ما ساقه من الغثاء ويطلق أيضاً على البحر وعلى العدد الكثير وعلى العجب وغير ذلك من المعاني. والرم بكسر الراء: ما يحمله من الغثاء أو ما على وجه الأرض من فتات الحشيش. ومعنى جاء بالطم والرم: جاء بالمال الكثير. وقيل: بالرطب واليابس أو بالتراب والماء أو بالبحر والثرى. وقال بعض الناس: الطم بالكسر إذا كان مع الرم؛ فإذا أفرد فتح فقيل: جاء بالطم مفتوحا كما قالوا: هنأني بالطعام ومراني؛ فإذا أفردوا لم يقولوا إلاّ أمراني.\rجاء بما صأى وصمت.\rيقال: صأى الفرخ وغيره يصأى كسعى يسعى صئيا على مثل فعيل إذا صوَّت. قال:\rمالي إذا أنزعها صأيت؟ ... أكبرٌ غيرني أم بيتُ؟\rو صمت يصمت ككتب يكتب صكتا وصموتا إذا سكت. فيقال: جاء بما صأى وبما صمت بحذف الموصول الثاني اختصارا كقول حسان رضي الله عنه:\rأمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء؟\rأي: من يهجوه ومن يمدحه لاستحالة اجتماع الوصفين في موصوف واحد، وكذا الصئي والصمت لا يجتمعان. والصامت من المال: الذهب والفضة، والناطق: الإبل مثلا. ومنه قولهم: حصل الناطق والصامت، وهلك الحاسد والشامت. وقد يقال: جاء بما صاء وصمت. وصاء مقلوب صأي، كما قالوا: راء في رأي. ومنه قولهم في المثل الآخر في العقرب: تلدغ وتضيء.\rجاء صريم سحرٍ\rأي خائبا آيسا.\rجاء يضرب أسدريه.\rويقال أيضاً: جاء يضرب اصدريه بالصاد وازدريه بالزاي والمعنى في الجميع واحد. والإصدران عرقان تحت الصدغين، وقيل المنكبان، وقيل العطفان، ويقال: جاء يضرب اصدريه، أو اسدريه، أي يضرب عطفيه ومنكبيه. ومعناه: جاء فارغا ليس بيديه شيء ولم يقض حاجة. فإذا قضاها قيل: جاء ثانياً من عنانه.","part":1,"page":169},{"id":170,"text":"ويروى أنَّ الحسن البصري، رضي الله عنه، رأى الناس يوم عيد يضحكون فقال: تلقى أحدكم أبيض بضا، يلمح في الباطل ملخاً، ينفض مذرويه، ويضرب أصدريه، يقول: هاأنا ذا فاعرفوني! قد عرفناك، فمقتك الله ومقت الصالحون! ومعنى يلمح في الباطل يلج فيه؛ وقيل يتثنى.\rجاء يفري ويقد.\rالفري: القطع. تقول: فريت الشيء، أفريه، فريا إذا قطعته على وجه الإصلاح. وأفريته إذا قطعته على وجه الإفساد. قال زهير:\rولانت تفري ما خلقت، وبعض ... القوم يخلف ثم لا يفري\rأصله أنَّ الرجل يخلق الأديم أي يتهيأ لإصلاحه ويقدره، ثم يفري أي يقطعه. لذلك يقول: انك إذا تهيأت لأمر أنفذته وأمضيته، وكثير من الناس يهم ولا يفعل. وقيل: إنَّ فرى وأفرى، بمعنى واحد، وكل ذلك يكون في القطع للإصلاح والإفساد وتقول: فريت المزادة إذا خلقتها وصنعتها. قال الراجز:\rشلت يدا فارية فرتها ... مسك شبوب ثم وفرتها\rلو كانت الساقي صغرتها\rو القد: القطع طولاً. يقال الأديم إذا شقه طولا. ومعنى: جاء يفري ويقد: جاء يعمل عملا محكما. ويقال أيضاً: هو يفري ويقد. ويقال: يفري الفري، بمعناه.\rجاء بأم الربيق، على أريق.\rأم الربيق: الداهية؛ والأريق أصله وريق بالواو فقبلت همزة. والوريق تصغير أورق، تصغير الترخيم، كما يقال في أسود سويد، وفي أحمر حمير، وفي أدرد دريد. والأورق من الأبل ما في لونه بياض إلى سواد. وقيل: كان أصله أن يقول أوريق على أصله، فحذفت الواو ليزدوج الكلام. ويقال إنّه من أطيب لحما لا حملاً وسيراً. وقيل لابنه الخس: أي الجمال شر؟ فقالت: الأورق. وزعموا أن رجلا رأى غولا على جمل أورق فقال: جاء بأم الربيق على أريق، أي الغول على جمل أورق، فضرب مثلا في جناية عظيم الدواهي.\rجاءوا مخلين فلاقوا حمضاً.\rيقال: أخل الرجل إذا رعى إبلى في الخلة والخلة، بضم الخاء المعجمة: كل ما فيه حلاوة من النبات. مقابله الحمض، بفتح الحاء المهملة. ويقال: الخلة خبز الإبل، والحمض فاكهتها أو لحمها. وجاءوا مخلين: جاءوا وقد أكلت إبلهم الخلة. وهذا المثل يضرب لكل من جاء متهددا فصادف ما يقمع تهدده. وسنزيده بيانا بعد في محلة من الشعر إن شاء الله تعالى.\rجاءوا على بكرة أبيهم.\rالبكرة بالفتح فالسكون: الفتية من الإبل والفتى منها بكر. وكان يقال البكر من الإبل بمنزلة الفتى من الناس؛ والبكرة بمنزلة الفتاة؛ والقلوص بمنزلة الجارية الشابة؛ والبعير بمنزلة الإنسان؛ والجمل بمنزلة الرجل؛ والناقة بمنزلة المرأة. والبكرة أيضا بكرة الدلو التي يستقى منها. واختلف في معنى هذا المثل فقيل: معنى جاءوا على بكرة ابيهم: جاءوا مجتمعين لم يتخلف منهم أحد. وليس هناك بكرة على الحقيقة. وفي الحديث جاءت هوازن على بكرة أبيها. وقيل هو وصف بالقلة والذلة أي جاءوا بحيث تكفيهم واحدة يركبون عليها وذكر الأب احتقارا.\rوقيل إنَّ أصل هذا المثل أنَّ قوما قتلوا فحملوا على بكرة أبيهم فقيل فيهم ذلك ثم صار مثلا للقوم يجيئون معا. وقيل إنَّ البكرة هاهنا هي بكرة الدلو والمعنى: جاءوا بعضهم في اثر بعض كدوران البكرة على نسق واحد. وقيل: لأريد بالبكرة الطريقة أي: جاءوا على طريقة أبيهم يقتفون أثره.\rجاء ينفض مذرويه.\rالنفض معروف؛و المذرى الخشبة التي ينقى بها الزرع؛و المذروان جانبا الرأس، وما يقع عليه الوتر في القوس من أعلى وأسفل. قال بعض هذيل:\rعلى كل هتافة المذروين ... صفراء مضجعة في الشمالِ\rو المذروان أيضاً طرفا الأليتين. قال عنترة لعمار بن زياد:\rأحولي تنفض أستك مذريها؟ ... لتقتلي فها أنذا عمارا!\rأي: يا عمارة! ولا واحد للمذروين في شيء من من هذه المعاني. وقيل إنَّ واحده مذرى ورد بأنه لو كان كذلك لقيل في التثنية مذريان بالياء لا بالواو. وهذا بحسب الظهور والرجحان؛ وإلاّ فلا مانع من أن يكون هذا من الشواذ.\rومعنى جاء ينفض مذرويه: جاء ينفض طرفيه. ويقال ذلك إذا وصف بالخيلاء. وأكثر أهل اللغة يقولون: معناه إنّه جاء متهددا، وهذا المفهوم من قول عنترة السابق؛ والخيلاء هو المفهوم من كلام البصري السابق.\rجاء على غبيراء الظهر.","part":1,"page":170},{"id":171,"text":"الغبيراء تصغير الغبراء مؤنث الأغبر. والمراد هنا الأرض ذات الغبرة. والظهر جلاف البطن. ويقال أيضاً: ترك فلان أباه على غبيراء الظهر. ومعناه أنه لم ينجح سعيه ولا ظفر بحاجته بمنزلة الرجل الطالب المرعى فصادف أرضا مغبرة الظهر مجدبة لا كلأ فيها ولا ماء. والتصغير في المثل للتعظيم كقوله:\rوكأنَّ أناس سوف تدخل بينهم ... دويهيةٌ تصفر منها الأناملُ\rجاء وقد لفظ لجامه.\rاللفظ الرمي؛ واللجام معروف. فقيل: جاء فلان من حاجته وقد لفظ لجامه إذا رجع منها وهو مجهود من الأعياء والعطش. ويقال أيضاً: جاء وقد دلق لجامه.\rجاء وقد قرض رباطه.\rهذا كالذي قبله قاله أبو غبيد. وقال غيره: اكثر ما يقال ذلك في الموت. يقال: فلان قد قرض رباطه ولعق إصبعه وعطست به اللجم وضحا ظله. كل ذلك يقال إذا مات.\rجاءوا قضهم بقضيهم.\rمعناه جاءوا جميعا. يقال بنصب قضهم على نية المصدر أو الحال؛ وبرفعه.\rويقال أيضاً بفتح القاف وكسرها. قال حصين بن الحمام المري:\rوجاءت جحاش قضها بقضيضها ... وجمع عوال ما أدق والأما\rو جحاش على مثل كتاب أبو حي من غطفان وهو جحاش بن ثعلبة بن سع بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان رهط الشماخ. وقال الآخر:\rأتتني سليم قضها بقضيضها ... تمسح حواي بالبقيع سبالها\rو يقال أيضاً جاءوا قضهم وقضيضهم بالواو وقد قيل: القض: هو الصغير من الحصان، والقضيض: الكبير منه. والمعنى: جاءوا صغيرهم وكبيرهم. وقيل القض بمعنى القاض، والقضيض بمعنى المقضوض.\rومما يلتحق بهذا الباب قولهم في الرجل: جحيش وحده وهو ذم؛ والجحيش تصغير جحش، وقد تقدم. وقولهم أجد فلان بها أمراً! أي أجد أمره بها، بنصب أمر على التمييز كما قالوا: قررت بها عينا أي قرت بها عيني. وقولهم:\rأجدك تقول هذا؟\rبنصب جد أي أيجد منك؟ فانتصب على طرح الباء؛ أو أتجد جدك؟ فانتصب على المصدر. قال الشاعر:\rأجدك ما لعينك لا تنام؟ ... كأن جفونها فيها كلامُ!\rو قولهم:\rأجدت من هذا الأمر قروني\rأي تركته. وقولهم: جعلوا الأرض عليه حيص بيص، وحيصا بيصا. أي ضيقوا عليه ومنعوه من التصرف. وقولهم للرجل: جعد القفا.\rأي لئيم الحسب وجعد البنان، أي بخيل، وقولهم: جاء بالأمر على قناديده، أي من وجهه. وقولهم: جاء بذات الرعد والصليل، أي جاء بالحرب لأن هديرها يشبه الرعد، وفيها صليل السلاح كما قال مهلهل:\rفلو لا الريح أسمع من بنجدٍ ... صليل البيض تقرع بالذكور\rو قولهم: جاء بالصقر والبقر على مثال زفر فيها وبالصقارى والبقارى بفتح الراء فيها مع ضم الأول أي بالكذب الصراح وهو اسم لمّا لا يعرف. وقولهم: جاء به من حسه وبسه، مثلثي الأول أي من جهده وطاقته. وقولهم: جاء مضطرب العنان، أي منهزما منفرداً. وقولهم:\rجاء ولكن لم يجيء لعصره.\rبضم العين أي لم يجيء حين المجيء.\rومن الأمثال المحدثة:\rالجواب ما ترى لا ما تسمع!\rواصله إنَّ أبا يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن أحد الملوك الموحدين بمراكش كان بينه وبين الادفونش النصراني صاحب طليطلة لعنه الله مكاتبات. فكان منها رسالة كتب بها الادفونش إلى الأمير يعقوب يتوعده ويتهدده ويطلب منه بعض الحصون من إنشاء وزيره أبن النجار وهي:","part":1,"page":171},{"id":172,"text":"\" باسمك اللهم فاطر السماوات والأرض وصلى الله على السيد المسيح وروح الله وكلمته الفصيح. أما بعد فانه لا يخفى على ذي ذهن ثاقب وعقل لازب انك أمير الملة الحنيفة كما أنا أمير الملة النصرانية. وقد علمت ما عليه رؤساء الأندلس من التخاذل والتواكل والتكاسل وإهمالهم أمر الرعية وإخلادهم إلى الأمنية. وأنا أسموهم بحكم القهر إخلاء الديار وإسباء الذراري وأمثل بالرجال وأذيقهم عذاب الهون وشديد النكال. ولا عذر في لك في التخلف عن نصرتهم إذا أمكنتك يد القدرة وساعدك وعسا كرك وجنودك رأي وخبرة. وانتم تزعمون إنَّ الله تعالى قد رفض عليكم قتال عشرة منا بواحد منكم الآن خفف الله عنكم وعلم إنَّ فيكم ضعفا رحمة منه ومنا ونحن الآن نقاتل عشرة منكم بواحد منا إذ لا تستطيعون دفاعا ولا تملكون امتناعا. وقد حكي عنك انك أخذت في الاحتفال وأشرفت على ربوة القتال وتماطل نفسك سنة بعد أخرى وتقدم رجلا وتؤخر أخرى. فلا ادري أكان الجبن أبطأ بك أم التكذيب بما وعدك به ربك إلى آخر الرسالة وفيها طول فلما وصل الكتاب إلى أمير المسلمين مزقه وكتب على قطعة منه: ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم أذلة وهم صاغرون. الجواب ما ترى لا ما تسمع وتمثل ببيت أبي الطيب في مدح سيف الدولة:\rولا كتب إلاّ المشرفية عنده ... ولا رسل إلاّ الخميس العرمرم\rثم ضرب السرادقات من يومه بظاهر البلد وأمر باستنفار الجيوش من الأمصار وعبر من زقاق سبتة ودخل بلاد الإفرج فكسرهم كسرة شنيعة وعاد بغنائمهم رحمه الله تعالى ثم رأيت الحصري ذكر هذا الكلام عن المعتصم العباسي قال: كتب إليه ملك الروم كتابا يتهدده فيه فأمر بجوابه. فلما قرء عليه لم يرض بما فيه فقال لبعض الكتاب: اكتب: أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما تضمنه خطابك والجواب ما ترى لا ما تسمع. وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار. قال: وهذا نظير قول قطري بن الفجاءة إلى الحجاج وقد كتب إليه كتابا يتهدده فيه فأجاب: أما بعد، فالحمد لله الذي لو شاء لجمع بين شخصينا فعلمت مثاقفة الرجال، من تسطير المقال والسلام. انتهى.\rومن معنى هذا المثل قول عنترة:\rومكروب كشفت الكرب عنه ... بطعنة فيصل لمّا دعاني\rدعاني دعوة والخيل تردي ... فما أدري أباسمي أم كناني؟\rفلم أمسك بسمعي إذ دعاني ... ولكن قد أبان له لساني\rفكان إجابتي إياه أني ... عطفت عليه خوار العنانِ\rبأسمر من الخط لدن ... وأبيض صارم ذكر يمانِ\rأي: كان جوابه له حين دعاني واستغاث بي أن عطفت عليه فرسا خوارا العنان أي سهل العنان يعني مرتاضا قد اعتاد الخول في الحرب والولوج في المضايق وذلك بأسمر ألخ . .، أي برمح وسيف صفتهما ما ذكر. ومنه قول الحماسي:\rوتجهل أيدينا ويحلم رأينا ... ونشتم بالأفعال لا بالتكلم\rو قول الآخر:\rكنا إذا ما أتانا صارخ فزع ... كان الصراخ له قرع الظنابيبِ\rأي الاجتهاد في نصرته. وقرع الظنبوب كناية عن ذلك وقد تقدم. ومن أمثال العامة قولهم: جزاؤه على حماره.\rوقولهم: جاء يعينه في قبر أمه فهرب بالفارس.\rومعناه ظاهر.\rولنذكر في هذا الباب ما تيسر من الشعر. قال الحماسي محمد بن بشير:\rكم من فتى قصرت في الرزق خطوته ... ألفيته بسهام الرزق قد فلجا!\rإنَّ الأمر إذا انسدت مسالكها ... فالصبر يفتح منها كل ما ارتجا\rلا تيأسن وإن طالت مطالبة ... إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا!\rأخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأباب أن يلجا!\rقدر لرجلك قبل الخطو موضعها: ... فمن علا زلقا عن غرة زلجا!\rوقال عبد الله بن الزبير الأسدي:\rلا أحسب الشر جاراً لا يفارقني ... ولا أحز على ما فاتني الودجا\rولا نزلت من المكروه منزلة ... إلاّ وثقت بأن ألقى لها فرجا\rو حز الودج: قطعه. وضربه مثلا للغم على ما فات من عرض الدنيا.\rوقال أبو تمام الطائي:\rاصبري أيتها النفس: ... فإنَ الصبر أحجا\rنهنهي الحزن فإنَ ... الحزن إن لم ينه لجا\rوالبسي اليأس من الناس ... فإنَ اليأس ملجا\rربما خاب رجاء ... وأتى ما ليس يرجى\rوقال أيضاً يهجو يوسف السراج:","part":1,"page":172},{"id":173,"text":"ووجه البحر يعرف من بعيد ... إذا يسجو، فكيف إذا يموجُ؟\rوقال الأخر:\rوإني لأغضي مقلتي على الأذى ... وألبس ثوب الصبر أبيض أبلجا\rوإني لادعوا الله والأمر ضيق ... علي فما ينفك إنَّ يتفرجا\rوكم من فتى ضاقت عليه وجوهه ... أصاب لها في دعوة الله مخرجا!\rوقال الأخر:\rإذا تضايق أمر فأنتظر فرجا: ... فأضيق الأمر أدناه إلى الفرج!\rوقال الأخر:\rرب أمر عز مطالبه ... قربته ساعة الفرج\rوقال الأخر:\rديار عليها من بشاشة أهلها ... جمال تسر الناظرين وتبهج\rوقال الأخر:\rرأى البيت يدعى بالحرام فحجه ... ولو كان يدعى بالحلال لمّا حجا\rوقال الأخر:\rعلي إني وإنَّ لاقيت شرا ... لخيرك بعد ذاك الشر راج\rوقال الأخر:\rكم عالم لم يلج بالعام باب غنى ... وجاهل قبل طرق الباب ولجا!\rوقال الأخر:\rمن راقب الناس لم يظفر بحاجته ... وفاز بالطيبات الفاتك اللهج\rو مثله قول الآخر:\rمن راقب الناس مات عما ... وفاز باللذة الجسور\rوقال الأخر:\rيا نفس صبراً فعقبى الصبر صالحة ... لابد إنَّ يأتي الرحمان بالفرج!\rوقال الأخر:\rولي فرس بالحلم للحلم ملجم ... ولي فرس بالجهل للجهل مسرج\rفمن رام تقويمي فإني مقوم ... ومن رام تعويجي فإني معوج\rو ينسب هذا لصالح بن جناح. وقبله:\rلئن كنت محتاجا إلى الحلم إنني ... إلى الجاهل في بعض الأحايين أحوج\rوما كنت أرضى الجاهل خدنا وصاحبا ... ولكني أرضى به حين أحرج\rولي فرس بالخير للخير ملجم ... وإلي فرس بالشر للشر مسرج\rوبعده:\rفإن قال بعض الناس في سماجة ... فقد صدقوا، والذل بالحر أسمج\rونحوه قول النابغة الجعدي:\rولا خير في حلمٍ إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوة إنَّ يكدرا\rولا خير في جهل إذا لم يكن له ... أريب إذا ما أورد الأمر أصدرا\rو قول الآخر:\rإذا أغضبت ذا كرم تخطى ... إليك ببعض أفعال اللئيم\rو قول الآخر:\rألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا\rو قول الآخر:\rولا خير في حلم إذا ذل جانبه\rو قول الآخر:\rوالعاقل النحرير محتاج إلى ... أن يستعين بجاهل معتوه\rو قول الآخر:\rولربما أعتضد الحليم بجاهل: ... لا خير في يمنى بغير يسار!\rوقال الإمام أبو الفضل يوسف بن النحوي، قدس الله سره!:\rوالرفق يدوم لصاحبه ... والخرق يصير إلى الهرج\rوقال:\rخيار الخلق هداتهم ... وسواهم من همج الهمج\rو من أظرف ما يحكى فيما يناسب هذا المعنى ما حدث به عن الزهري قال: دخلت على عبد الملك بن مروان، فقال: من أين أقبلت يا زهري؟ قال قلت: من مكة. قال: فمن خلفت بها يسود أهلها؟ قلت؟ عطاء بن أبي رباح. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت من الموالي قال: وبم سادهم؟ قلت بالديانة والرواية. فقال أن أهل الديانة والرواية ينبغي أن يسودوا الناس. قال: فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاوس بن كيسان قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. قال: فبم سادهم؟ قلت: بما ساد به عطاء. قال: من كان كذلك ينبغي أنَّ يسود الناس. قال: فمن يسود أهل مصر؟قلت: يزيد بن أبي حبيب. قال فمن العرب أم من الموالي؟ قلت من الموالي. فقال كما قال في الأولين. قال فمن يسود أهل الشام؟ قلت: مكحول الدمشقي. قال فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، عبد نبوي أعتقته امرأة من هذيل. فقال كما قال: قمن يسود أهل لجزيرة؟ قلت ميمون بن مهران. قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت من الموالي. فقال كما قال. ثم قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن بن أبي الحسن البصري. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت من الموالي قال: ويلك! فمن يسود أهل الكوفة؟ قلت: إبراهيم النخعي. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من العرب. فقال: ويلك يا زهري! فرجت عني الله! : تسودون الموالي على العرب حتى يخطب بها على المنابر وإن العرب تحتها! قال قلت: يا أمير المؤمنين، أمر الله ودينه. فمن حفظه ساد، ومن ضيعه سقط! وقالت جارية من العرب ماتت أمها وأضرت بها زوجة أبيها:","part":1,"page":173},{"id":174,"text":"ولو يأتي رسولي أم سعدٍ ... أتى أمي ومن يعينه حاج\rولكن قد أتى من بيني ودي ... وبين وداده غلق الرتاج\rومن لا يؤذه ألم برأسي ... وما الرئمان إلاّ بالنتاج\rوقال أم الضحاك المحاربية:\rحديث لو أنَّ اللحم يصلى بحره ... طريا، إذا أضحى به وهو منضج\rو كانت تحت رجل من الضباب وهي تحبه حبا شديدا، ثم طلقها فقالت:\rهل القلب إنَّ لاقى الضبابي خاليا ... لدى الركن أو عند الصفا متحرج؟\rوأعجلنا قرب المزار وبيننا ... حديث كتشنيج المريض مزعج\rوقال الأخر:\rلقد علمت أم الصبيين إنني ... إلى الضيف قوام السنان خروج\rإذا المرغث العوجاء بات يعزها ... على ضرعها ذو توءمين لوهج\rوإني لأغلي اللحم نيا وإنني ... لممن يهين اللحم وهو نضيج\rيريد: إني آخذها جيدة غالية الثمن، فأنحرها وأخلي بينها وبين الناس تهاونا بها، كما قال الآخر:\rوإني لأغلي لحما وهي نية ... ويرخص عندي لحمها حين تذبح\rوقال الحارث اليشكري:\rقلت لعمرو حين أرسلته ... وقد حبا من دونها عالج:\rلا تكسع الشول بأغبارها: ... إنك لا تدري من الناتج\rوأصيب لأضيافك ألبانها ... فإن شر اللبن الوالج!\rيقول: لا يبق اللبن في الضروع هذه النوق! والأغبار جمع غبر وهو بقية اللبن في الضرع، كانت العرب تفعل ذلك لسمن الأولاد التي في بطونها. وأصببه للناس، فإنك لا تدري من ينتجها، ولعلك تموت فيبقى ذلك للوارث! ومثله قول الآخر:\rوإن درت نياقك فاحتلبها ... فما تدري الفصيل لمن يكون\rو هذا كما في الحديث: يقول أبن آدم مالي مالي، ومالك من مالك إلاّ ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت. ومنه قول النمر أبن تولب:\rأ عاذل إنَّ يصبح صداي بقفرة ... بعيد نآني صاحبي وقريبي\rتري أن ما أبقيت لم أك ربه ... وإنَّ الذي أنفقت كان نصيبي\rوذي إبل يسعى ويحسبها له ... أخي نصب في رعيها ودؤوب\rغدت وغد رب سواه يقودها ... وبدل أحجارا وجال قليب\rقوله: جال قليب، جال: الناحية، كما قال مهلهل:\rكأن رماحه أشطان بئر ... بعيد بين جاليها جرور\rو منه قول الآخر أيضاً:\rقأثنوا علينا لا أبا لأبيكم ... بأفعال إنَّ الثناء هو الخلد!\rو قول حاتم:\rأماوي إنَّ يصبح صداي بقفرةٍ ... من الأرض لا ماء لدي ولا خمر\rترى أن ما أبقيت لم أك ربه ... وأن يدي مما بخلت به صفر\rوقال أبن فارس اللغوي:\rوقالوا: كيف أنت؟ فقلت خير: ... تقضى حاجة وتفوت حاج\rإذا ازدحمت هموم الصدر قلنا: ... عسى يوما يكون لها انفراج\rنديمي هرتي وسروور قلبي ... دفاتري ومعشوقي السراج\rوقال أبو محمّد الحريري:\rتعارجت لا رغبة في العرج ... ولكن لأقرع باب الفرج\rوألقي حبلي على غاربي ... وأسلكت مسلك من قد مرج\rفإن لامني القوم قلت: أعذروا ... فليس على أعرج من حرج!\rوقال أيضاً:\rما الحج سيرك تأويبا وإدلاجا ... ولا اعتيامك اجمالا واحداجا\rالحج إنَّ تقصد البيت الحرام على ... تجريد الحج لا تقضي به حاجا\rوتمتطي كاهل الإنصاف متخذاً ... ردع الهوى هاديا والحق منهاجا\rوإنَّ تواسي ما أوتيت مقدرة ... من مد كفا إلى جدواك محتاجا\rفهذه إنَّ حوتها حجه كملت ... وإنَّ خلا الحج منها كان إخداجا\rحسب المرائين غبنا غرسوا ... وما جنوا ولقوا كدا وإزعاجا\rوإنهم حرموا أجرا ومحمدة ... وألحموا عرضهم من عاب أو هاجى\rأخي فأبغ بما تبديه من قربٍ ... وجه المهيمن ولاجا وخراجا\rفليس تخفى على الرحمان خافية ... إنَّ اخلص العبد في الطاعات أو داجى\rوبادر الموت بالحسنى تقدمها: ... فما ينهه داعي الموت إن فاجا\rواقن التواضع خلقا لا تزايله ... عنك الليالي ولو ألبسنك التاجا\rولا تشم كل خال لاح بارقه ... ولو تراءى هتون السكب ثجاجا\rما كل داع بأهل أن يصاخ له ... كم قد أصم بنعي بعض من ناجى\rوما اللبيب سوى من بات مقتنعا ... ببلغة تدرج الأيام إدراجا","part":1,"page":174},{"id":175,"text":"فكل كثرة إلى قل مغبته ... وكل ناز إلى لين وإن هاجا\rوقال أيضاً في وصف سروج:\rبلدة يوجد فيها ... كل شيء ويروج\rووردها من سلسبيل ... وصحاريها مروج\rوبنوها ومغانيهم ... نجوم وبروج\rحبذا نفحة ريا ... ها ومرآها البهيج\rوأزاهير رباها ... حين تنجاب الثلوج\rوقال الآخر:\rلو ركبت البحور صارت فجاجا ... لا ترى في متونها أمواجا\rولو إني وضعت ياقوتة حمراء ... في راحتي صارت زجاجا\rولو إني ردت عذبا فراتا ... عاد لا شك فيه ملحا أجاجا\rو مثله قول الآخر:\rلو وردت البحار أطلب ماء ... جف قبل الورود ماء البحار\rأو لمست العود النضير بكفي ... لذوى بعد نضرة واخضرار\rأو رمى باسمي النجوم الدراري ... لا نزوى ضوؤها عن الأبصار\rولو إني بعت القناديل يوما ... لبدا الليل في ضياء النهار\rوقال الآخر:\rولمل التمست الرزق فانجذ حبله ... ولم يصف لي من بحره العذب مشرب\rخطبت إلى الإعدام إحدى بناته ... فزوجنيها الفقر إذ جئت أخطب\rفلو تهت في البيداء والليل مسبل ... علي جنا حيه لمّا لاح كوكب\rولو جفت شرا فاستترت بظلمة ... لأقبل ضوء الشمس من حيث يغرب\rولو جاد إنسان علي بدرهم ... لعدت إلى رحلي وفي الكف عقرب\rولو يمطر الناس الدنانير لم يكن ... بشيء سوى الحصباء رأسي يحصب\rوأن يقترف ذنبا ببرقة مذهب ... فإنَ برأسي ذلك الذنب يعصب\rوإن أر خيرا في المنام فنازح ... وإن أر شرا فهو مني مقرب\rأمامي من الحرمان جيش عرمرم ... ومنه ورائي جحفل حين أركب\rو قول الآخر:\rأحمد الله لو أقل قط يابدر ... ويا موسى ويا كافور\rلا ولا قيل قد أتاك من ... الضيعة بر موفر وشعير\rأنا خلو من الممالك والأملاك ... جلد على البلايا صبور\rليس إلاّ كسيرة وقديح ... وقميص أتت عليه الدهور\rوقول الآخر:\rسل عن الرزق يا أبا العباس ... وجماح الزمن بالأكياس\rلو من الناس ساعدتي الدهر ... ولكنني من النسناس\rلو هوت صخرة من الجو جاءت ... تتخطى الأنام تطلب رأسي\rلا وحق الإله ما ابصر الشمس ... بعيني من شدة الإفلاس\rو قول الآخر:\rبرزت من المنازل والقباب ... فلم يعسر على أحد طلابي\rفمنزلي الفضاء وسقف بيتي ... سماء الله أو قطع سحاب\rفأنت إذا أردت دخلت بيتي ... علي مسلما من غير باب\rلأني لم أجد مصراع باب ... يكون من السماء إلى التراب\rولا انشق الثرى عن عود تخت ... أؤمل أن اشد به ثيابي\rولا خفت الأباق على عبدي ... ولا خفت الهلاك على دوابي\rوفي ذا راحة وفراغ بال ... فدأب الدهر ذا أبداً ودابي\rوقول الآخر:\rقد أراح الله من هم ... طويل وعذاب\rفاسترحنا من عيال ... وعبيد ودواب\rوغدو ورواح ... وهجاء وعتاب\rو قول الآخر:\rكسدت شواشينا وقل معاشنا ... فسعودنا مقرونة بنحوس\rفكأنما قطعت رؤوس الناس أو ... خلقوا لشقوتنا بغير رؤوس\rو قول الآخر:\rأنا في حال تعالى الله ... ربي أي حال:\rليس لي شيء إذا قيل ... لمن ذا قلت: ذالي\rفأرضي الله فرشي ... والسماوات ظلالي\rولقد اهزلت حتى ... محت الشمس خيالي\rولقد أفلست حتى ... حل أكلي بعيالي\rمن رأى شيئاً محالا ... فأنا نفس المحال\rلو بقي في الناس حر ... لم اكن في مثل حالي\rو قول الآخر:\rليس إغلاقي لبابي إنَّ لي ... فيه ما أخشى عليه السرقا\rإنّما أغلقه كي لا يرى ... سوء حالي من يمر الطرقا\rمنزل أوطنه الفقر فلو ... يدخل السارق فيه سرقا\rو قيل لبعض أجلاف المشايم: كيف المعاش؟ فقال: يوما يرزق ويوما لا يرزق. وليته هو مضروب ألف سوط وإنَّ الله لم يخلقه وقيل له: فلعل الله قد ذخر لك بهذا أجرا في الآخرة. فقال: أيهما اكرم على الله الدنيا أم الآخرة؟ فقيل له: الآخرة. فقال: هو لم يعطني الهينة عليه فيعطيني تلك الكريمة عليه!","part":1,"page":175},{"id":176,"text":"وقيل لآخر: أتعرف ربك؟ فقال: وكيف لا اعرف من أجاعني واعراني؟ وقيل لآخر وقد رئي مغتنما: ما غمك؟ فقال: سوء الحال وكثرة العيال. فقال له: لا تغتنم فإنهم عيال الله. فقال: صدقتم ولكن كنت أحب أن يكون الوكيل عليهم غيري! وقال بعضهم: كان لآدم عليه السلام غلام يخدمه فنحن معاشر المحارفين من نسل ذلك الغلام ولا نسب بيننا وبين آدم فإنَ الله يقول: ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات. وليس فينا ولا عندنا شيء من هذه الخصال فلو كنا بني آدم لكان لنا حظ من هذه الأشياء! واستقى قوم يوم الخميس فمطروا. فنظر إليهم بعض المشائيم وهم منصرفون فرحين بالسقايا فقال: والله ما بي إلاّ انهم يظنون إنَّ الله استجاب لهم. والله ما مطروا إلاّ أني غسلت ثيابي اليوم والله ما غسلتها قط إلاّ تغيمت السماء ومطرة ولا بأس فليرجعوا إلى خميس آخر: فإنَ مطروا فليحلقوا لحيتي! وقال أبو العباس أحمد المقري الفاسي يخاطب التاج التونسي:\rوالله ما انصفتنا يا تاج: ... فسقامنا لدوائكم مجتاج\rفقضية قد ركبت بشروطها ... أفممكن أن يخلف الإنتاج\rوقال الآخر:\rولم أر شيئاً بعد ليلى ألذه ... ولا منهلا أروى به فأعيج\rيقال: ما عجت بالدواء أي لم انتفع به. ويزعم كثير من اللغويين والنحويين إنّه لا يستعمل إلاّ في النفي كما مثلنا وكما في قول كثير:\rقلما نفعت نفسي بما أمروا به ... ولا عجبت من أقاويلهم بفتيل\rو البيت المذكور يرده إلاّ إنَّ يتأول إنّه لمّا كان الموصوف منفيا كانت الصفة وما عطف عليها أيضاً في معنى النفي والله اعلم.\rوقال الآخر في الأوصاف:\rفي ليلة أكل المحاق هلالها ... حتى تبدى مثل وقوف العاج\rوالصبح يتلو المشتري فكأنه ... عريان يمشي في الدجا بسراج\rومثله قول الآخر:\rيا رب ليل رقبناه وقد طلعت ... بقية البدر في أولى بشائره\rكأنما ادهم الإظلام حين نجا ... من أشهب الصبح خلى نعل حافره\rو قول الآخر:\rفكأن الليل حين لوى ... هاربا والصبح قد لاحا\rكلة سوداء احرقها ... عامد أوقد مصباحا\rو قول الآخر:\rسرى والصبح تحت الليل باد ... كطرف أبلق تحت الجلال\rبكأس من زجاج فيه أسد ... فرائسهن الباب الرجال\rو قول الآخر:\rوفتيان سروا والليل داج ... وضوء الصبح مهتم الطلوع\rكأن بزاتهم أمراء جيش ... على أكتافهم صدأ الدروع\rوقال الآخر:\rلفتاة تسرنا في المثاني ... وعجوز تسرنا في المزاج\rأخذت من رؤوس قوم كرام ... ثأرها بين أرجل الأعلاج\rو مثله قول أبي بكر بن زهير:\rوموسدين على الأكتاف خدودهم ... قد غالهم ضوء الصباح وغالني\rما زلت اسقيهم وأشرب فضلهم ... حتى سكرت ونالهم ما نالي\rوخمر تحسن كيف تأخذ ثأرها: ... إني أملت إناءها فأمالني\rوقال الآخر:\rولرب حان قد أدرت بديره ... خمر الصبا مزجت بصفو خموره\rفي فتية جعلوا الزقاق وكاءهم ... متضارعين تخشعا لكثيره\rيهدي إلينا الراح كل مصفق ... كالخشف خفرة التماح خفيره\rوإلى علي بطرفه وبكفه ... فأمال من رأسي لعب كبيره\rوتزنم الناقوس عند صلاتهم ... ففتحت من عيني لرجع هديره\rو الشعر في أوصاف الخمر كثيرة وأكثره يتنزه عن ذكره وسيأتي كثير منه.\rوقال أبو الفرج جعفر اليماني:\rعارض أقبل في ليل الدجى ... يتهادى كتهادي ذي الوجا\rبددت ريح الصبا لؤلؤه ... فانبرى بوقد عنه سرجا\rو مثله قول أبن الخطيب:\rأخفى مسالكها الظلام فأوقدت ... من برقها كي تهتدي مصباحا\rوكأنَّ صوت الرعد خلف سحابها ... حادٍ إذا ونت الركائب صاحا\rو تقدم استيفاء هذا المعنى في الباب الأول. وقال الأخر:\rقالوا: تبدى شعره فأجبتهم: ... لابد من علم على الديباج!\rوالبدر أبهر ما يكون ضياؤه ... إن كان ملتحفا بليلٍ داجِ\rو من هذا المعنى قول الآخر:\rومهفهفٍ علق السقام بطرفه ... وسرى فعرس في معاقد خصره\rمزقت أستار الظلام بثغره ... ثم أنثنيت أحوكها من شعره\rوقال أبن صارة:","part":1,"page":176},{"id":177,"text":"ومهفهفٍ أبصرت في أطرافه ... قمرا بآفاق الملاحة يشرقُ\rيقضي على المهجات منه صعدة ... متألق فيها سنان أزرقُ\rو قول الآخر:\rومعذرٍ عبث العذار بخده ... ظلماً فشان ضياءه بظلامه\rكسفت محاسنه لأربع عشرة ... وكذا كسوف البدر عند تمامه\rوقال أبن رشيق:\rهمت عذاراه بتقبيله ... فاستل من عينيه سيفينِ\rوقامت الحرب على ساقها ... بين أميرين قتولين:\rفذلك المحمر من خده ... دماءُ ما بين الفريقينِ\rوقال الأخر:\rوأغيد من أبناء لمطة شادنٍ ... ينوء كما يعطو بخطوته البانُ\rذؤابته مهراقةٌ خلف ظهره ... كما التف بالغصن المنعم ثعبانُ\rو قول الآخر:\rومهفهفٍ كالغصن إلاّ أنه ... سلب التثني النوم عن أثنائه\rأضحى ينام وقد تورد خده ... عرقا فقلت: الورد رش بمائه!\rو قول الآخر:\rغزال إنسٍ كم استدنيته فنأى ... عني وأعرض مزوراً بجانبه!\rطالت علي ليلٍ من هواه كما ... طالت عليه ليالٍ من ذوائبه\rوقال الصنوبري:\rما أخطأت نوناته من صدغه ... شيئاً ولا ألفاته من قده\rفكأنما أنقاسه من شعره ... وكأنما قرطاسه من خده\rو هذا المعنى كثير. وقال الأخر:\rكأنَّ الثريا راحةٌ تشبر الدجى ... لتخبر طال الليل أم قد تعرضا\rعجبت لليلٍ بين شرقٍ ومغربٍ ... يقاس بشبر كيف يرجى له انقضا\rو قول الآخر:\rكأنَّ بهرام وقد عارضت ... منه الثريا نظر المشتري\rياقوتةٌ يعرضها بائعٌ ... في كفه والمشتري مشتري\rو قول الآخر:\rوقد لاح من الصبح الثريا كما ترى ... كعنقود ملاحية حين نورا\rوقال الأخر:\rوغريبتة الإنشاء صرنا فوقها ... والبحر يسكن تارة ويموجُ\rعجبا تؤم بها معاهدنا التي ... كرمت فعاج الأنس حيث نعوجُ!\rوقد استطال النور فوق الماء من ... شمس الأصيل فلاح وهو بهيجُ\rفكأنَّ متن البحر ذائب فضةٍ ... قد سال فيه من النضار خليجُ\rو مثله قول الآخر:\rلو أبصرت عيناك زورق فتيةٍ ... يبدي لهم لمح السرور مراحه\rوقد استداروا تحت ظل شعاعه ... كلٌ يمد بكأس راحٍ راحهُ\rلحسبته خوف العواصف طائراً ... مد الحنان على بنيه جناحهُ\rوقال أبن الخطيب:\rإنَّ الهوى لشكايةٌ معروفة ... صبر التصبر من أجل علاجها\rوالنفس إن ألفت مرارة طعمه ... يوما ضمنت لها صلاح خراجها\rوقال السبتي:\rيا ساءلاً عن مذهبي عامداً ... ليقتدي فيه بمنهاجي\rمنهاجي العدل وقمع الهوى: ... فهل لمنهاجي من هاجِ؟\rوقال أبو الحسن بن رشيق:\rولقد ذكرتك في السفينة والردى ... متوقع بتلاطم الأمواجِ\rوالجو يهطل والرياح عواصفٌ ... والليل مسود الذوائب داجِ\rوعلى السواحل للأعادي غارةٌ ... يتوقفون لغارة وهياجِ\rوعلت لأصحاب السفينة ضجةٌ ... وأنا وذكرك في أل تناجِ\rو مثله وهو أصله قول عنترة:\rولقد ذكرتك والرماح نواهلٌ ... مني وبيض الهند تقطر بالدمِ\rو قول الأرجاني:\rوإني لأرعاكم على القرب والنوى ... وأذكركم بين القنا والقنابلِ\rو قول الآخر:\rإلاّ من مبلغ المحبوب أني ... وقفت وللظبا حولي صليلُ\rوأني جلت في جيش الأعادي ... برمح وهو في ذكري يجولُ؟\rو قول الآخر:\rأرسلتها والعوالي في الطلا ترد ... في موقفٍ فيه ينسى الوالد الولدُ\rوما نسيتك والأرواح سائلةٌ ... على السيف ونار الحرب تتقدُ\rو قوله:\rولقد ذكرتك والصوارم لمع ... من حولنا والسمهرية شرع\rوعلى مكفاحة والعدو ففي الحشا ... شوق إليك تضيق عنه الأضلع\rومن الصبا وهلم جرا شيمتي ... حفظ الوداد فيف عنه أرجع؟\rو قول الصفي الحلي:\rولقد ذكرتك والعجاج كأنه ... منا وبين معفر في معفر\rوالشمس بين مجدل في جندلٍ ... منا وبين وجهك أو مساء مقمر\rوتعطرت أرض الكفاح كأنما ... فتقت لنا ريح الجلاد بعنبر\rو قوله أيضاً:\rولقد ذكرتك والسيوف مواطر ... كالسحب من وبل النجيع وطله","part":1,"page":177},{"id":178,"text":"فوجدت أنسا عند ذكرك كاملا ... في موقف يخشى الفتى من ظله\rو قلوه أيضاً:\rولقد ذكرتك والجماجم وقع ... تحت السنابك والأكف تطير\rوالهام في أفق العجاجة حوم ... فكأنها فوق النسور نسور\rفأعتادتني من طيب ذكرك نشوة ... وبدت علي بشاشة وسرور\rفظننت أني في مجالس لذتي ... والراح تجلى والكؤوس تدور\rو قول أثير الدين بن حيان:\rلقد ذكرتك والبحر الخضم طغت ... أمواجه والورى منه على سفر\rفي ليلة أسدلت جلباب ظلمتها ... وغار كوكبها عن أعين البشر\rوالماء تحت وفوق المزن وأكفه ... والبرق يستل أسيافا من الشرر\rوالروح من حزن راحت وقد وردت ... صدري فيالك من ورد بلا صدر!\rهذا وشخصك لا ينفك في خلدي ... ولا في فؤادي وفي سمعي وفي بصري\rو يقرب من هذا قولي:\rإلاّ ليت شعري هل أرى من ثنية ... عضها كموصوف الكتائب تشرف؟\rوهل أردن من سلسبيل مواردٍ ... هناك كالمعسول المباسم تشرف؟\rوهل أرين مغنى الدلاء عيشة ... كأن بنياه بجاد مفوف؟\rذكرتكم وهنا وإني لمدلج ... بأجواز أقطار الصحاري أطوف\rفقلت وقلبي ضمن شجو ولوعة ... وجفني بمنثور الجمان يكفكف:\rأدار سقيك الوبل غير مبرحٍ ... ولا برحت عنك الحوادث تصرف\rلقد هجت للقلب العميد صبابة ... تكاد لها صم الجبال تقصف!\rو قول الصفدي:\rولقد ذكرتكم بحرب ينثني ... عن بأسها الليث الهزبر الأغلب\rوالصافنات بركضها قد أنشأت ... ليلا وكل سنا سنان كوكب\rوالبيض تنثر كل ما نظم القنا ... والنبل يترب والعجاج يترب\rوحشاشة الأبطال قد تلفت ظما ... ودم الفوارس مستهل صيب\rوالنفس قد سالت على حد الظبا ... وأنا بذكركم أميل وأطرب\rوقول الآخر يصف الشمس في الغيم:\rوتنقبت بخفيف غيم أبيضٍ ... هي فيه بين تخفر وتغنج\rكتنفس الحسناء في المرأة إذ ... كلمت ولم تتزوج\rو من هذا المعنى قول أبن طباطبا العلوي:\rمتى أبصرت شمسا تحت غيمٍ ... ترى المرآة في كف الحسود\rتقابلها فتلبسها غشاء ... بأنفاس تزايد في الصعود\rوقال الوزير المهلبي:\rأما ترى الشمس وهي طالعة ... تمنع منا إدامة النظر؟\rحمراء صفراء في تلونها ... كأنها تشتكي من السهر\rمثل عروس غداة ليلتها ... تمسك مرآتها من القمر\rو قوله:\rوالشمس خيراً خلف غيم عارض ... فكأنها في ضوء ليل مقمر\rو قوله:\rالشمس من مشرقها قد بدت ... نيرة ليس لها حاجب\rكأنها فوهية أحميت ... يجول فيها ذهب ذائب\rو قول أبن المعتز:\rوالشمس كالمرآة في كف الأشل\rو قول أبي حفص بن برد، ومنه أخذ:\rكأن شعاع الشمس في كل غدوةٍ ... على ورق الأشجار أوّل طالع\rدنانير في كف الأشل يضمها ... لقبض فتهوي من فروج الأصابع\rو نحو هذا قول الآخر في الخمر:\rكانت سراج أناس يهتدون بها ... في سالف الدهر قبل النار والنور\rتهتز في الكأس من ضعف ومن هرمٍ ... كأنها قبس في كف مقرور\rو قول أبن الرومي في الشمس:\rكأن جنوح الشمس عند غروبها ... وقد جنحت في مجنح الليل تمرض\rمحاجر عين مس أجفانا الكرى ... ترنق فيها النوم وهي تغمض\rوقال أبن خفاجة:\rوالنقع يكسر من سنى شمس الضح: ... فكأنه صدا على دينار\rوقال إبراهيم بن العباس الصولي:\rولرب نازلة يضيق بها الفتى ... ذرعا وعند الله منها المخرج\rكملت فلما استكملت حلقاتها ... فخرجت وكان يضنها لا تفرج\rو كان يقال: ما رددهما من نزلت به نازلة به إلاّ فرج الله عنه.\rوقال الأخر:\rرويدك! فالهموم لها رتاج ... وعن كثب يكون لها انفراج\rألم تر أنَّ طول الليل لمّا ... تناهى حان للصبح انبلاج؟\rوقال أبو فراس:\rألا، ربما ضاق بأهله ... وأمكن من بيت الأسنة مخرج\rو مثله قوله أيضاً:\rخفض عليك ولا تكن قلق الحشا ... مما يكون وعله وعساه!\rفالدهر أقصر مدة مما ترى ... وعساك أنَّ تكفى الذي تخشاه\rو قول الآخر:","part":1,"page":178},{"id":179,"text":"تربص بيومك ما في غدٍ ... فإن العواقيب قد تعقب\rلعل غدا من أخيه حمى ... يلم لك الصداع أو يرأب\rوقال الحجاج:\rدعها سماوية تجري على قدرٍ ... لا تفسد برأي منك أرضي\rو قول أبن حميدس:\rما أغفل الفيلسوف عن طرقٍ ... ليس لأهل العقول منسلكه!\rمن سلم الأمر للإله نجا ... ومن عدا القصد واقع الهلكه\rو قول الآخر:\rلا تضف في الأمور ذرعا فقد ... يكشف عنها بغير احتيال\rربما تجزع النفوس من الأمر ... له فرجة كحل العقال\rو قصة أبي عمرو بن لعلاء في هذا الشعر، حيث ألزمه الحجاج أنَّ يأتي بشاهد على قراءته غرفة فسمع هذا الشعر مقرونا بنعي الحجاج، معروفة.\rوقال الأخر:\rإذا دجا خطب وأيقنت من ... صعب بأن الأمر يأتي عسير\rينعكس الأمر ويأتي كما ... شئت: فسبحان اللطيف الخبير!\rو قول الآخر:\rلا تشك! فالأيام حبلى ربما ... جاءتك من أعجوبة بجنين\rفكذا تصاريف الزمان: مشقة ... في راحةٍ وخشونة في اللين!\rما ضاع يونس بالعراء مجرداً ... في ظل نابتة من اليقطين\rو قول الآخر:\rوالليالي كما علمت حبالى ... مقربات يلدن كل عجيب\rو قول الآخر:\rالدهر لا ينفك عن حدثانه ... والمرء منقاد لحكم زمانه\rفدع الزمان فانه لم يعتمد ... لجلالة أحد ولا لهوانه!\rكالمزن لم يخصص بنافع صوبه ... أفقا ولم يخش أذى طوفانه\rلكن لباريه بواطن حكمةٍ ... في ظاهر الأضداد من أكوانه\rو قول الآخر:\rدع المنى! ربما نيلت بلا طلبٍ ... وربما وقع الحرمان من المهن!\rو قول الآخر:\rالدهر كالطيف بؤساه وأنعمه ... من غير قصد: فلا تمدح ولا تذم\rلا تسأل الدهر في غماء يكشفها: ... فلو سألت دوام البؤس لم يدم!\rو قوله: ولا تذم، إنَّ كان بكسر الذال من قولك ذامه يذمه ذيما وذاما أي عابه فهو صحيح؛ وإنَّ كان بضمها من قولك ذمه يذمه فهو مذموم فلحن أو ضرورة بشيعة.\rوقول أبي بكر الخوارزمي:\rما أثقل الدهر على من ركبه ... حدثني عنه لسان التجربه!\rلا تحمدن الدهر لشيء سببه ... فانه لم يعتمد بالهبه\rوإنّما أخطأ فيك مذهبه ... كالسيل إذ يسقي مكاناً أخربه!\rوالسم يستشفي به من شربه\rقلت: وشعر هذين الشاعرين ينحو منحى زهير إذ يقول:\rرأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم\rلا سيما الشاعر الأول. ولا شك إنَّ ما ذكره زهير خطأ وجهل بالتدبير الرباني، والتصريف الاختياري، وأنَّ كل ذلك واقع عن علم وسبق مشيئة. وإنَّ كان يمكن أنَّ يتأول الكلام لو صدر من موحد بأن ذلك بحسب الصورة الظاهرة. ومثل المنايا صروف الدهر وحوادثه سواء.\rويشبه قول الخوارزمي:\rلا تمدحن أبن عباد وإن هطلت ... كفاه بالجود حتى أخجل الديما!\rفإنها خطراتٌ من وساوسه ... يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما\rو كتب البيتين فوضعهما حيث يجلس الصاحب ثم ارتحل من وقته. فلما وقف الصاحب عليهما فال:\rأقول لركبٍ من خراسان أقبلوا ... أمات خوارزميكم؟ قيل لي نعم!\rفقلت: اكتبوا بالجص من فوق قبره: ... إلاّ لعن الرحمن من يكفر النعم!\rو مثل ما تقدم قول الآخر:\rمن يصحب الدهر لا يعدم تقلبه ... والشوك ينبت فيه الورد والآسُ\rتمر حينا وتحلو لي حوادثه ... فقلما جرحت إلاّ انثنت تأسو\rو قول الآخر:\rلا تجزعن لعسرةٍ من بعدها ... يسران وعد ليس فيه خلافُ!\rكم عسرة ضاق الفتى لنزولها ... لله في أعطافها ألطف!\rو قول الآخر:\rتصبر للعواقب واحتسبها ... فأنت من العواقب قافي اثنتينِ\rتريحك بالمنى أو بالمنايا ... فإنَ الموت إحدى الراحتين!\rوقول الأبيوردي:\rتنكر لي دهري ولم يدر إنني ... أعز وأنَّ الحادثات تهونُ\rفبات يريني الخطب كيف اعتداؤه ... وبت أريه الصبر كيف يكونُ\rو قولنا من قصيدة:\rفإذا عرتك الحادثات فثق ... بمليكها ذي الخلق والأمرِ\rواصبر لروح الله مرتجيا ... فلتحمدن عواقب الصبرِ","part":1,"page":179},{"id":180,"text":"إنَّ اصطبار المرء مفتتحٌ ... متغلق البأساء والعسرُ\rومنفس عنه الكروب إذا ... ضاقت بهن جوانح الصدرِ\rكم من حزين بات مكتئباً ... متعسر الأحشاء ذا زفرِ\rما يرتجى جلباب ليلته ... أن ينزوي طرفاه بالسفرِ\rفاتته ألطافٌ منفسةٌ ... لفؤاده من حيث لا يدري\rولكم بعيد الضيق من سعةٍ ... ولكم بعيد العسر من يسرِ!\rهل بعد معتكر الظلام سوى ... بلج الصباح وطلعة الفجرِ\rأو بعد ظمأة هجمةٍ وردت ... إلاّ ارتواء جانب الغدرِ\rأو بعد خانقة التلاع سوى ... فيح الفجاج وفسحة البهرِ؟\rو قول الآخر:\rأ مقتولة الأجفان مالك والهاً ... ألم ترك الأيام نجما هوى قبلي؟\rأقلي بكاءً: لستِ أول حرةٍ ... طوت بالأسى كشحا على مضض الثكلِ\rوفي أم موسى عبرةٌ إذ رمت به ... إلى اليم في التابوت فاعتبري واسلي\rولله فينا علم غيبٍ وحسبنا ... به عند جور الدهر من حكم عدلِ\rو الشعر في هذا المعنى اكثر من أن يحصى.\rوقال الغري:\rقالوا: بعدت ولم تقرب فقلت لهم: ... بعدي عن الناس في هذا الزمان حجا\rلولا التباعد بين الحاجبين به ... بان افتراقهما لم نعرف البلجا\rو مثله قول الارجاني:\rأسفت على عمرٍ تصرم ضائعاً ... وجدت بدمعٍ يستهل هتونِ\rوآنسني بعدي من الناس جانباً ... وإن هم على أحداقهو حملوني\rولمّا غدا عنا على جفن ناظري ... لقاء الورى من صاحبٍ وخدينِ\rألفت الفضا مستوطناً ظهر ناقةٍ ... تلف سهولاً دائماً بحزونِ\rوما سرت إلاّ في الهواجر وحدها ... كراهة ظل أن يكون قريني\rو قول أبي العلاء المعري:\rفظم بسائر الإخوان شراً ... ولا تأمن على سرٍ فؤادا:\rفلو خبرتهم الجوزاء خبري ... لمّا طلعت مخافة أن تكادا!\rو قوله أيضاً:\rجربت دهري وأهليه فما تركت ... لي التجارب في ودِّ امرئ غرضا\rو قول أبن القلاقس:\rاعلق بأطراف الوداد فانه ... من دافع الأمواج مات غريقا\rوإذا انتهى الإخلاص أوجب 1ده:إنَّ التجمع ينتج التفريقا!\rوقول أبن الرومي، وهو المثل المشهور في هذا:\rعدوك من صديقك مستفادٌ: ... فلا تستكثرن من الصحابِ\rفإنَ الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشرابِ!\rو قول الآخر:\rجزى الله خيراً كل من ليس بيننا ... ولا بينه ودٌ ولا متعارفُ\rفما نالني ضيمٌ ولا مسني أذى ... من الناس إلاّ من فتى كنت آلفُ!\rو قول الآخر:\rأحذر عدوك مرةً ... وأحذر صديقك ألف مرة\rفلربما انقلب الزمان ... فكان أعرف بالمضرة!\rو قول أبن سناء الملك:\rأبى الهر إلاّ ضد ما أنا طالبٌ: ... فيا ليت مني مكن الله ضده!\rيعد الفتى إخوانه لزمانه ... وأعدى له من خوفه من أعده\rو قولي من قصيدة:\rوبنو دهرك العضال من الداء ... العديم الأساة ذو الأزمانِ\rوأضر الأدواء من تتولاه ... وتحجوه أقرب الإخوانِ\rإنما الأقرباء في الناس جساسٌ ... عليك في السر والإعلانِ\rيخبرون العورات حفظاً وإعداداً ... ليوم البأساء والشنآنِ\rو قول الأنصاري الأول:\rألا رب من تحجو صديقاً ولو ترى ... مقاتله بالغيب ساءك ما يفري:\rلسانٌ له كالشهد ما دمت حاضراً ... وبالغيب مطرورٌ على ثعرة النحرِ\rو قولي من قصيدة:\rفتوخ في الناس الوفي إذا ... عاشرتهم وحذار الله تعالى الغدرِ!\rواسبرهم قبل الإخاء ولا ... تغتر في الإخوان بالسبرِ!\rكم من أخٍ مذق الوداد على ... ما فيه من إجنٍ ومن سبرِ\rإن تلقه فالشهد مقولته ... وإذا تعيب يكون كالصبرِ\rيسمى بوجهك تستميل وإن ... أدبرت عنه فكية الظهرِ\rوإذا الزمان دعاك نائبه ... العازي إليه ترجى البرِ\rفسيحتبيك بوعد غانيةٍ ... أو وعد عرقوبٍ جنى التمرِ\rوإذا تعود يظل مكتلحاً ... متغيظاً ينزو ويستشري\rوإذا تصادف ذا الصفا فكن ... منه ولو صافحك ذا حذرِ\rوأسم سوائم سمعه طرقاً ... مطروقةً من مسرح السرِ","part":1,"page":180},{"id":181,"text":"وصن السرارة واللباب ولا ... تبذل له منه سوى القشرِ\rفلربما يلوي الزمان به ... فيكون أبص فيك بالضرِ\rو قول الآخر:\rفاقت بيوسفها الدنيا وفاح لها ... طيب طوى المسك في نشر لها أرجِ\rفإنَ يشاركه في اسم الملك طائفةٌ ... فإنَ شمس الضحى من جملة السرجِ\rو يتمثل بالبيت الثاني. ومثله في المعنى قول الآخر:\rوفي البساتين أفنانٌ منوعةٌ ... وليس يقطف إلاّ الورد والزهرُ\rوفي السماء نجومٌ ما لها عددٌ ... وليس يخسف إلاّ الشمس والقمرُ\rو قول أبي الطيب:\rفإنَ تفق الأنام وأنت منهم ... فأن المسك بعض دم الغزال\rو قول الآخر:\rوقد يسمى سماء كل مرتفعٍ ... وإنّما الفضل حيث الشمس والقمرُ\rو قول الآخر:\rالناس كالناس إلاّ تجربهم ... وللبصيرة حكم ليس للبصرِ\rوالأيك مشتبهاتٌ في منابتها ... وإنّما يقع التفضل في الثمرِ\rو قول الآخر:\rوقد يتقارب الوصفان جداً ... وموصوفاهما متباعدانِ\rو قول الآخر:\rقد يبعد الشيء من شيء يناسبه ... إنَّ السماء نظير الماء في الزرقِ\rو قول الآخر:\rدع ما تناسب في الأبصار ظاهره ... ولا تقل بقياس غير مطردِ\rفصدمه المتنافي لا اعتداد بها ... شتان ما بين مهتزٍّ ومرتعدِ\rو قول الآخر:\rقد تشبه الحالة الأخرى وبينهما ... إذا تأملت فرقٌ عن سواك خفي\rفربما صفق المسرور من طربٍ ... وربما صفق المحزون من أسفِ\rو قول الآخر:\rلقد عرض الحمام لنا بسجعٍ ... إذا أصغى له ركبٌ تلاحى\rشجا قلب الخلي فقال غني ... وبرَّحَ بالشجي فقال ناحا\rوقال الشيخ عمر بن الفارض:\rلا كان وجدٌ به الأماق جامدةٌ ... ولا غرامٌ به الأشواق لم تهجِ\rوقال الراعي:\rومرسلٍ ورسولٍ غير متهمٍ ... وحاجةٍ غير مزجاةٍ من الحاجِ\rطاوعته بعدما طال النجي بنا ... وظن أني عليه غير منعاجِ\rما زال يفتح أبواباً ويغلقها ... دوني وأفتح باباً بعد إرتاجِ\rحتى أضاء سراجٌ دونه بقرٌ ... حمر الأنامل عين طرفها ساجِ\rيا نعمها ليلةٌ حتى تخونها ... داعٍ دعا في فروع الصبح سحاجِ\rلمّا دعا الدعوة الأولى فأسمعني ... أخذت بردي وأستمررت أدراجي\rوقال الأخر:\rما زلت ابغي الحي أتبع ظلهم ... حتى دفعت إلى ربيبة هودجِ\rقالت: وعيش أبي وحرمة أخوتي ... لأنبهن الحي إن أم تخرجِ\rفخرجت خيفة قولها فتبسمت ... فعلمت أنَّ يمينها لم تحرجِ\rفلثمت فاها آخذاً بقرونها ... شرب النزيف ببرد ماء الحشرجِ\rقوله ماء الحشرج أي الماء الجاري على الحجارة.\rوقال عمر بن أبي ربيعة:\rقد كنت حملتني عيظا أعالجه ... فإنَ تقدني فقد عنيتني حججا\rحتى لو اسطيع مما قد فعلت بنا ... أكلت لحمك من غيظٍ وما نضجا\rو قبل هذين البيتين:\rيا ربة البغلة الشهباء هل لكم ... أن ترحمي عمراً لا ترهقي حرجا؟\rقلت: بدائك مت أو عش تعالجه ... فما نرى لك فيما عندنا فرجل!\rو بعدهما:\rفقلت: لا والذي حج الحجيج له ... ما مج قلبك من قلبي وما مهجا\rولا رأى القلب من شيء يسر به ... مذبان منزلكم منا وما ثلجا\rكالشمس صورتها غراء واضحةٌ ... تعشي إذا برزت من حسنها السرجا\rضنت بنائلها عنه فقد تركت ... من غير جرم أبا الخطاب مختلجا\rوقال بعض المجان:\rإذا مررت بوادٍ لا أنس به ... فاضرب عميرة لا عارٌ ولا حرجُ\rضرب العميرة هي الخضخضة وهي الاستمناء باليد وشبهه. وكذب هذا القائل: فإنَ في الخضخضة لحرجا وعاراً وإنما محرمة عند جماهير الناس وفيها قول بعض الأعراب:\rإن تبخلي بالركب المحلوق ... فإنَ عندي راحتي وريقي\rو الركب بفتحتين وتقدم تفسيره.\rوقول الآخر:\rكفي ورجلي لا عدمت كليهما ... أصبحت أغنى من يروح ويغتدي\rأمشي على هذه وأنكح هذه ... فمطيتي رجلي وجاريتي يدي!\rو قول الآخر:\rخطبت إلى ساعدي راحتي ... وما كنت من شر خاطفيها\rوما إن تكلفت من مهرها ... سوى ريقةٍ أجتزي بها","part":1,"page":181},{"id":182,"text":"فإن شئت أوتى بها ثيباً ... وبكراً إذا شئت أوتى بها\rوقال بعضهم: مررت على برذعة الموسوس، وقد أدخل رأسه في جيبه يتخضض. فضربته برجلي، فانكشف فإذا هم منعض، فقلت: ما هذا؟ فقال: أما ترى في ذلك الروشن؟ وأشار إلى باب في علية فإذا جارية جميلة تتطلع. فقال: إني دعوتها فلما لم تجبني أجبتها. فقلت: قبحك الله! ووليت عنه. فلم ألبث أن لحق فقال: قضيت الحاجة على رغم أنفك وأنشد:\rأ أنكرت ما عاينت من كف دالك ... وهل ينكر التداليك في قول مالك؟\rلقد أمن الدلاك من أن تنالهم ... حدود الزنى في واضحات المسالك\rوأني قد سكنت غربة غلمتي ... بحسن العيون والثدي الفوالك\rو كذب هذا الأحمق على مالك رضي الله عنه: فإنَ حرمة الاستمناء هي مذهبه وكذا مذهب الشافعي وغيره. وإنّما رويت رخصة عن عمر بن دينار إن صحت الحكاية عنه. وروى عن أبن عباس إنّه فال في الخضخضة: هي خير من الزنا.\rقلت: وليس في هذا الكلام ما يقضي حليتها، إذ ليست المحرمات كلها في درجة واحدة بل مقطوع بتفاوت ما بينها: فإنَ الزنى نفسه وهو محرم إجماعا على درجات بعضها أشد من بعض. ألا ترى إنَّ الزنا بحرة مطاوعة لا زوج لها ولا أهل يسبون بفعلها ة لا ترجو ولدا أخف من الزنى بغيرها وإن كان الكل حراما لأن الحق إذا انفرد وتمحض لله تعالى أخف مما إذا انضم إليه حق المزني بها المكره أو حق الزوج أو حق الأهل أو حق السيد في الأضرار بهم، ونحو ذلك من الحقوق. وهو أيضاً في الآيسة أخف منه في الولود، لمّا في الثانية من مزيد المفسدة باختلاط الأنساب وهو الحكمة الأصلية في التحريم. والمعلوم أنَّ الخضخضة ليست بمحل لهذه المفسدة لا تحقيقا ولا مظنة؛ ولكن فيها تضييع البذر وهو ماء النسل في وجهه فلتكن هي أخف. ولهذا المبحث محل يليق به وليس من غرضنا الآن التعرض له.\rوقلت أنا:\rإذا لحظتك عين المرء يوماً ... بدا منه صفاءٌ أو ضجاجُ\rوأنبت فيه عن حبٍّ ورغضٍ ... كما ينبي عن الماء الزجاجُ\rالصفاء بالكسر: المصفاة؛ والضجاج بالكسر: المضاجة، وهي المشاوره.\rوقلت أيضاً:\rلكل أخي داء دواءٌ يعده ... وأعيت دواء الضغن كل معالجِ\rإذا آنس النعمى تضاعفت داؤه ... وآض بغيظ للجوانح زامجِ\rوإن آنس البأساء اصبح شامتاً ... بقلبٍ من الشحناء والهزء رامجِ\rتقول: زمجت القربة إذا ملأتها وزمج الغيظ للجوانح مجاز. والمراج: الممتلئ الريان وهو هنا مجاز أيضاً.\rوقلت أيضاً:\rأرى الورى وصروف الدهر تخضمها ... مثل السفين تداعت فوقها اللججُ\rوهم رمايا مناياها فلا وزرٌ ... عنها ولا ملجأٌ منها ولا وحجُ\rكأنما هي حوض والورى وردٌ ... عطشى أناخوا عليه دائما وحجوا\rأو مثل هيمٍ لخمسٍ تغتشيه فلم ... يعن الياد لها عنه ولا العنجُ\rالخضم: الأكل ويستعمل في ملء الفم بالمأكول وهو مجاز هنا عن الاستئصال والوحج: الملجأ وهو عطف تفسير. والورد بضمتين جمع ورود؛ وحجوا: أقاموا. يقال: حجي به أي أولع به ولزمه. وبينه وبين الوحج الأول جناس تام بين الاسم والفعل. والهيم: الإبل يصيبها الهيام. والخمس بالكسر: زمان ورودها. والذياد: الطرد؛ والهنج بالتحريك: اسم من العنج بالسكون وهو أن يشد الراكب خطام البعير فيرده على رجليه.\rباب الحاء المهملة\rأحب الحديث أصدقه.\rالحب معروف. تقول: أحببت الرجل فهو محبوب على غير قياس. وقد يقال محب وهو قليل. قال عنترة:\rولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرمِ\rوقد يقال حببته ثلاثيا أحبه بالكسر فهو محبوب. أنشد الجوهري في الصحاح:\rأحب أبا مروان من أجل تمره ... وأعلم أنَّ الرفق بالمرء أرفقُ\rووالله لولا تمره ما حببته ... ولو كان أدنى من عبيدٍ ومشرقِ","part":1,"page":182},{"id":183,"text":"و ليس عندهم مضعف متعد يتمحض فيه الكسر غير هذا. والحديث معروف أيضاً. والصدق ضد الكذب. وهذا كلام يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا جاءته هوازن تطلب منه أن يرد إليها ما أخذ منها من السبايا والأموال يوم حنين. فقال: أحب الحديث إلى الله أصدقه، أو: خير الحديث، إنَّ معي من يرون فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي وإما المال. فاختاروا السبي وقالوا: لا نعدل بالأحساب شيئا. والقصة مشهورة في المغازي.\rوقال كعب بن مالك رضي الله عنه:\rأبلغ قريشاً وخير القول أصدقه ... والصدق عند ذوي الألباب مقبولُ\rحبك الشيء يعمي ويصم.\rالحب مر؛و العمى معروف وأعميته: فعلت به ذلك. وكذا الصمم وأصممته. وهذا أيضاً يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم . والعمى هنا يحتمل أن يكون عمى البصر وهو ظاهر أو عمى البصيرة وهو أدق وأليق.\rوالمعنى أنَّ المرء إذا أحب شيئا غلبت محبته على قلبه فلا يرى رشده ولا ينظر عاقبته ولا يسمع عاذله. والصمم هنا مجاز أيضاً عن عدم الإصغاء إلى المسموع وعدم الاهتبال به والانتفاع به. فكأنه أصم لا يسمع كما قال تعالى: )صمٌ بكمٌ عميٌ(. وقال الشاغر:\rصمٌ إذا سمعوا خيراً ذكرت به ... وإن ذكرت بشرٍّ عنهم أذنوا\rوقال الأخر:\rفأصممت عمراً وأعميته ... عن الجود والفخر يوم الفخار\rو في معنى المثل قال الإمام البوصيري رحمه الله تعالى:\rمحضتني النصح لكن لست أسمعه ... إنَّ المحب عن العذال في صممِ\rو هذا المثل يضرب في الحذر من اتباع الهوى وما يؤمر به من اجتنابه.\rوفي حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم : جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم! وقال الشاعر:\rإذا طالبتك النفس يوماً بشهوةٍ ... وكان عليها للخلاف طريقُ\rفخالف هواها ما استطعت فإنما ... هواها عدوٌ والخلاف صديقُ\rوقال الأخر:\rوفي الحلم والإسلام للمرء وازعٌ ... وفي ترك طاعات الفؤاد المتيمِ\rبصائر رشدٍ للفتى مستبينةٌ ... وأخلاق صدق علمها في التعلمِ\rو في هذا المعنى ما لا يحصى من الشعر والنثر يأتي في الحكم إن شاء الله تعالى\rحبل فلان يفتل.\rالحبل بالفتح فالسكون: الرباط وهو معروف.و جمعه حبال وأحبال. قال الشاعر:\rأمن أجل حبلٍ لا أباك ضربته ... بمنسأةٍ؟قد جر حبلك أحبالا\rو فتل الحبل معروف. قال امرؤ القيس:\rفيالك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل!\rأي بكل حبل أحكم فتله. ويقال: حبله يفتل إذا كان مقبلا على أمر.\rحتفها تحمل ضأنٌ بأظلافها.\rالحتف: الموت. والأظلاف جمع ظلف بالكسر وتقدم تفسيره. وهذا المثل يضرب في الهلاك يجتلبه القدر غمدان الإنسان أو يجره على نفسه. وأصله أنَّ النعمان بن المنذر عمد إلى كبش فعلق في عنقه مدية وأرسله يرعى ونذر أن يقتل من تعرض له. فكان الكبش يخرج ولا يمس. ثم مر على أرقم بن علباء اليشكري وقيل على علباء بن أرقم اليشكري فقال: كبش يحمل حتفه بأظلافه! ووثب عليه فذبحه وأشتواه. فقال في ذلك شعرا طويلا منه:\rأخوف بالنعمان حتى كأنني ... ذبحت له خالاً كريما أو أبن عمُ\rوقال أبو عبيد إنَّ هذا المثل تمثل به حريث بن حسان الشيباني بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم لقيلة التميمية وكان قدم بها الذي النبي صلى الله عليه وسلم وذلك في قصة طويلة حتى قالت قيلة: فقدمنا تعني مع حريث على رسول الله صلى الله عليه وسلم فصليت معه الغداة حتى إذا طلعت الشمس دنوت. فقال رجل: السلام عليك يا رسول الله! فقال رسول الله: وعليك السلام! وهو قاعد القرفصاء. فقالت: فتقدم صاحبي فبايعه على الإسلام فقال: يا رسول الله اكتب لي بالدهناء. فقال: يا غلام اكتب له. قالت: فشخص بي وكانت وطني وداري. فقلت: يا رسول الله الدهناء مقيد الجمل ومرعى الغنم وهذه نساء بني تميم وراء ذلك. قال: صدقت المسكينة! المسلم أخو المسلم يسمعهما الماء والشجر ويتعاونان على الفتان. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيلام أبن هذه أن يفصل الخطة وينتصر من وراء الحجر؟ انتهى.\rوهذا المثل هم مثل قولهم: بحث عن حتفه بظلفه وتقدم.\rحتَّام تكرع ولا تنفع؟","part":1,"page":183},{"id":184,"text":"حتى هنا حرف جر دخلت على ما الأستفهامية. ويقال كرع في الماء وفي الإناء بفتح الراء وكسرها كروعا وكرعا إذا تناول بفيه من غير أن يشرب بكفيه ولا بإناء. والكرع بفتحتين: الماء يكرع فيه يجتمع من ماء السماء في غدير أو نحوه. قال عدي أبن الرقاع يصف راعي الإبل:\rيسنها ابلٌ ما إن يجزئها ... جزءاً شديداً وما أن ترتوي كرعا\rو يقال: نقع الرجل بالشراب وبالخبز بفتح القاف إذا استشفى به من غليله. قال كثير:\rفما نقعت نفسي بما أمروا به ... ولا عجت من أقوالهم بفتيلِ\rو المثل ظاهر معنى ومضرباً.\rالمحاجزة قبل المنازلة.\rويقال أيضاً : أن أردت المحاجزة فقبل النازلة. يقال حجزه عن الأمر إذا كفه عنه وصرفه فأنحجز هو. وحجز بين الناس فصل بينهم. وتحاجز القوم كف بعضهم عن بعضا. والحجز بفتحتين الذين يمنعون بعض الناس عن بعض ويفصلون بينهم جمع حاجز. ويقال : نجز حاجته وأنجزها: قضاها. والمناجزة المقابلة. وتناجز القوم تلاحموا وتقاتلوا. والمعنى إنَّ المحاجزة والمسالمة إنّما تكون قبل المناجزة والوقوع. فيضرب عند الحزم والفرار ممن لا يطاق أو عند طلب الصلح بعد القتال.\rحدأ حدأ وراءك بندقةٌ.\rالحداأة بكسر الحاء وفتح الدال المهملة بعدها همزة: الطائر المعروف جمعه حدأٌ مثل عنبة وعنب. قال الراجز: كما تدانى الحدأ الأوي.\rوقال الأخر:\rوتباىالألى يستلئمون على الألى ... تراهن يوم الروع كالحدأ القبلِ\rو ضمير تبلي للمنون في البيت قبله. يقول: إنَّ المنية تبلي الين يستلئمون أي يلبسون اللأمات للقتال على الألى أي على النساء اللأئي تراهن يوم الروع أي يوم الفزع كالحدأ القبل جمع قبلاء وهي الناظرة بمقدمة العين. يصفهن بالإشفاق على أزواجهن فهن ينظرن إليهم هل سلموا. والبندقة بالضم هي التي يرمى بها. وحدأ في المثل أصله: يا حدأة وراءك بندقة! أي أحذري بندقة الرامي تصبك! وقيل إنَّ حدأ هي حدأ بن نمرة وبندقة هي بندقة بن مظلة وهما قبيلتان من سعد العشيرة. وكانت حدأ تنزل الكوفة فأغاروا على بندقة وكانوا ينزلون باليمن فنالوا منهم ثم كرت بندقة على حدأة فانحوا عليهم فصار يضرب لمن يفزع بعدوه أو يبلى بنظيره. ومن الناس من يرويه: حدا حدا بفتح الحاء غير مهموز على مثل عصا ويقول هو اسم القبيلة.\rويروى: حدث حديثين المرأة فإنَ أبت فعشرة. والحديثان والأربعة والعشرة أعداد معروفة. والمرأة فيها أربع لغات. يقال امرأة ومرأة ومرة ومراة. ويروى: حدث المرأة حديثين فإن لم تفهم فأربع. يقال: يربع إذا وقف وحبس.و المعنى: حدث حتى إذا كررت الحديث فلم يفهم عنك فأمسك ولا تتعب نفسك! يضرب في سوء السمع والإجابة. وهذا المعنى ظاهر في الرواية الأخيرة. وأما الروايتان الأوليتان فأولهما رواية أبي عبيد. قال البكري: وتصح على حذف يريد حدث حديثين المرأة فإن لم تفهم فأربعة لا تفهمها. وعلى الرواية الأخرى: فعشرة لا تفهمها. انتهى.\rقلت: وهذا المثل من الأمثال الموضوعة على ألسنة العجماوات. زعموا أنَّ الأرنب التقطت ثمرة فاختلسها الثعلب فأكلها فانطلقا إلى الضب يختصمان. فقالت الأرنب: يا أبا الحسل! فقال: سميعا دعوت. قالت: أتيناك انختصم إليك فأخرج إلينا. قال: في بيته يؤتى الحكم. قالت: إني وجدت ثمرة. قال: حلوة فكليها. فقالت: فاختلسها مني الثعلب. قال: لنفسه سعى. قالت: فلطمته. قال: حقك أخذت. قالت فلطمني. قال: حر انتصر. قالت: فاقض بيننا! قال: حدث امرأة حديثين فإن لم تفهم فأربعة! وهذه المقالة المنسوبة إلى الضب كلها أمثال سائرة.\rحديث خرافة يا أم عمرو!\rالحديث معروف. وخرافة على مثل أسامة، رجل من عذرة استهوته الجن ثم نجا. فكان يخبر بأمور غريبة فكذبوه وقالوا: حديث خرافة ثم ضربوا به المثل وجعلوه لكل حديث مستملح أو لكل حديث لا حقيقة له. وهو مثل سائر قديما وحديثا. وقيل إنَّ خرافة كان له تابع من الجن فكان يخبره بأشياء عجيبة فيتحدث بها فتكون كما ذكر فنسبوه إليه الأحاديث الصادقة المعجبة الصادقة. قال الجوهري: ويروى عنه صلى الله عليه وسلم إنّه قال: وخرافة حق. انتهى.","part":1,"page":184},{"id":185,"text":"وذكر بعض الأدباء إنّه روي بسند متصل إلى عائشة رضي الله عنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : حدثني بحديث خرافة!فقال: رحم الله خرافة! كان رجلا صالحا فأخبرني أنه خرج ذات ليلة فلقي ثلاثة نفر من الجن فأسروه فقال أحدهم: نعفو عنه. وقال آخر: نقتله. وقال آخر: نستعبده. فبينما هم يتشاورون في أمره ورد عليهم رجل فقال: السلام عليكم! فقالوا وعليكم السلام! قال: وما أنتم عليه؟ قالوا: نفر من الجن أسرنا هذا فنحن نتآمر في أمره. قال: إن حدثتكم حديثا عجبا أنَّ تشركوني فيه؟ قالوا: نعم! قال: إني كنت ذا نعمة فزالت وركبني دين فخرجت هاربا. فأصابني عطش شديد فصرت إلى بئر فسبرت لأشرب فصاح بي صائح منها ولم أشرب. فغلبني العطش فعدت فصاح بي ثم عدت الثالثة فصاح بي فشربت ولم ألتفته.فقال: اللهم إن كان رجلا فحوله امرأة وإن كان امرأة فحولها رجلا. فإذا أنا امرأة فأتيت مدينة فتزوجني رجل فولدت منه ولدين. ثم تقت إلى بلدي فمررت بالبئر التي شربت منها فصاح بي كما صاح أولا. فشربت ولم ألتفت. فدعا كالأول فعدت رجلا كما كنت. فأتيت بلدي فتزوجت امرأة فولدت لي منها ولدان: فلي اثنان من ظهري واثنان من بطني. فقالوا: إنَّ هذا لعجب! أنت شريكنا فيه. فبينما هم يتشاورون ورد عليهم ثور يطير. فلما جاوزهم إذا برجل بيده خشبة يحضر في أثره. فوقف عليهم فسألهم فردوا عليه مثل مردهم على صاحبهم فقال: إن حدثتكم بحديث أعجب من هذا أنَّ تشركوني فيه؟ قالوا: نعم! قال: كان لي عم وكان لعمي عجل يربيه فأفلت فقال: أيكم رده فابنتي له. فأخذت خشبتي هذه وائتزرت ثم أحضرت في أثره وأنا غلام. وقد شبت فلا أنا ألحقه ولا هو ينكل. فقالوا: إنَّ هذا لعجب! أنت شريكنا فيه. فبينما هم كذلك ورد عليهم رجل على فرس له أنثى وغلام له على فرس. فسلم كما سلم صاحباه فردوا عليه كردهم على صاحبيه. فسألهم فأخبروه فقال: إن حدثتكم بحديث أعجب من هذا أنَّ تشركوني فيه؟ قالوا نعم! قال: كانت لي أم خبيثة. ثم قال للفرس الأنثى التي تحته: أنَّ كذلك؟ فقالت: نعم! وكنا نتهمها بهذا العبد وأشار إلى الفرس تحت غلامه: أنَّ هكذا؟ فقال برأسه نعم! فوجهت غلامي هذا الراكب على هذا الفرس في بعض حاجاتي فحبسه عندها فأغفى فرأى في منامه كأنها صاحت صائحة فإذا هو بجرذ قد خرج فقالت: أسجد! فسجد. ثم قالت: اكرب! فكرب. ثم قالت: ازرع! فزرع. ثم قالت: ادرس! فدرس. ثم دعت برحى فطحنت قدح سويق فأتت به الغلام وقالت له: ائت به مولاك! فأتاني به. فاحتلت عليها حتى سقيتها القدح فإذا هي فرس أنثى وإذا هو فرس ذكر. أكذلك؟ فقالت الفرس الأنثى برأسها: نعم! وقال الفرس برأسه: نعم! فقالوا: إنَّ هذا أعجب شيء سمعناه أنت شريكنا! فاجتمع رأيهم فأعتقوا خرافة. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بهذا الحديث. فما جاء من الأحاديث المحالية نسب إلى خرافة صاحب الحديث. انتهى.\rوقال في الصحاح: الراء في خرافة خفيفة ولا يدخله الألف واللام لأنه معرفة علم؛ إلاّ أن تريد به الخرافات الموضوعة من حديث الليل. انتهى.\rوقد استعمل اليوم في عرفنا اسما للحديث المستملح. يقول الرجل لصاحبه: اذكر لي خرافة أي حديثا من ذلك النوع ويحلى بالألف واللام لذلك.\rالحديث شجون.\rويقال أيضاً ذو شجون. والشجون بضم الشين جمع شجن بفتح فسكون وهو الطريق في الوادي. والشواجن والشجون أيضاً: الأودية الكثيرة الشجر. قال:\rلمّا رأيت عدي القوم يسلبهم ... طلح الشواجن والطرفاء والسلم\rأو جمع شجنة بكسر الشين وهي الصدع في الجبل. والشجن بفتحتين غصن الشجرة المشتبك والشعبة في كل شيء والحاجة حيثما كانت. يقال لي بموضع كذا شجن. قال الراجز:\rإني سأبدي لك فيما ابدي ... لي شجنان: شجن بنجد\rوشجن لي في بلاد السند\rوالجمع أيضاً شجون. والشجنة أيضاً مثلثة الشين والعروق المشتبكة. يقال: بيني وبين فلان شجنة رحم أي قرابة مشتبكة.\rوفي الحديث: الرحم شجنة من الله أي مشتبكة اشتباك العروق.\rومعنى المثل إنَّ الحديث ذو فنون وأغراض وطرق يدخل بعضها في بعض ويتشعب بعضها من بعض كالطرق المشتبكة المتقاطعة أو الأغصان والعروق. يضرب في الحديث سيذكر به حديث غيره. ومن ثم يضربه القصاص والأئمة عند استطراد المسائل والخروج من غرض إلى آخر. وقال الفرزدق:","part":1,"page":185},{"id":186,"text":"وإن كنت قد سألت دوني فلا تقم ... بأرض بها بنت الهوى تكون\rفلا تأمنن الحرب إذا استعارها ... كضبة إذ قال: الحديث شجون\rو الاستعارة بالسين والعين المهملتين من استعار النار. وروي اشتغار بالشين والغين المعجمتين أي هيجانها وثورانها وانتشارها ومن قولك: شغر برجله. يقول: إنَّ الحرب سببها الكلام كما قال الآخر:\rفإنَّ النار بالزندين تورى ... وإنَّ الحرب أولها كلام\rو يقال الحرب أولها نجوى وأوسطها شكوى وآخرها بلوى.\rوقلت مضمنا لهذا المثل في غرض:\rتمنى بأوباش فتوح مدائن ... وذاك لعمري ضلة وجنون\rفأضحى كعمر إذ ترجى مراده ... بجيش مراد والحديث شجون\rو تقدم خبر عمرو بن أمامة مع مراد في الباب الأول.\rحدث عن البحر ولا حرج!\rالبحر معروف والحرج بفتحتين الضيق والاثم. وهذا يروى في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنّه قال: حدثوا عن البحر ولا حرج أي حديث لا حرج عليكم في التحديث عنه فتكون الجملة حالية. وقد جعل هذا مثلا في الشيء الكثير الذي لا ينحصر أو لا يكاد بمعنى إنَّ المحدث عنه لا يضيق عليه المجال ولا يعزوه مقال.\rوورد من هذا النحو أيضاً حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج وفي ذلك تأويلات ذكرها المحدثون ولا حاجة إلى التعرض لها. والمقصود من التمثيل واضح.\rوقال أبن اللبانة:\rوألغوا حديث البحر عند حديثه ... فكم بين ذي مد وكم بين ذي جزر\rحدث عن معن ولا حرج!\rوهو معن بن زائدة الشيباني الجواد المعورف.\rالحديد بالحديد يفل.\rالحديد معروف وكذا الفل. وهذا المثل يضرب في الرجل القوي يلقى قرينه في البسالة والنجدة. وكان الوليد بن طريف الشيباني لمّا خرج على الرشيد اشتدت شوكته فبعث إليه الرشيد يزيد بن مزيد الشيباني فقتله. فقال بكر بن النطاح:\rوائل بعضها يقتل بعضا ... لا يفل الحديد إلاّ الحديد\rلو تلقى الوليد غير يزيد ... لغدا ظاهرا عليه الوليد\rولمّا قتل الوليد رثته أخته الفارعة بنت طريف بشعرها المعروف منه:\rأيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على أبن دريف؟\rفتى لا يعد الزاد إلاّ من التقى ... ولا المال إلاّ من قنى وسيوف\rو هي قصيد معروفة.\rالحذر قبل إرسال السهم.\rالحذر بفتحتين والحذر بكسر فسكون الاحتراز. يقال حذر بالكسر يحذر فهو حذر والإرسال: الإطلاق والمراد هنا الرمي والسهم معروف. وهذا من الأمثال العجماوية أيضاً.\rزعموا إنَّ غرابا رأى رجلا فوق سهما ليضرب به. فأراد ابنه أن يطير فقال له: يا بني اثبت حتى تعلم ما يريد الرجل. فقال له ابنه: يا أبت الحذر قبل إرسال السهم فذهبت مثلا. وهو يحسن أن يضرب عند الأمر بالاحتراز والاستعداد للمحذور قبل وقوعه وقبل فوات محل الحذر. وذلك ظاهر.\rأحذر من ضب حرشته.\rالحذر مر والضب الحيوان المعروف والحرش صيادته. يقال: حرش الضب يحرشه حرشا فهو حارش وذلك أن يحرك يده في فم جحره ليظنه حية فيخرج ذنبه ليضرب بها فيقبض على ذنبه ويمتلخه من الجحر قال الشاعر:\rوأخدع من ضب إذا جاء حارش ... أعد له عند الذنابة عقربا\rو من هذا المثل الآتي: هذا اجل من الحرش.\rأحذر من غراب.\rالحذر تقدم والغراب معروف وتقدم أيضاً ويضرب به المثل في شدة الحذر وذلك معروف مشهور.\rوقد قال بعض الحكماء: أخذت من كل شيء أحسنه حتى انتهى بي الأمر إلى الكلب والهرة والخنزير والغراب. فقيل له: ما أخذت من الكلب؟ قال: إلفه لأهله وذبه عن صاحبه. فقيل له: ما أخذت من الهرة؟ قال: حسن تأنيها وتملقاها عن المسألة. فقيل: ما أخذت من الخنزير؟ قال: بكوره من حوائجه. فقيل: ما أخذت من الغراب؟ قال: شدة حذره.\rحذو النعل بالنعل.\rتقول: حذوت النعل أحذوها حذوا إذا قطعتها وقدرتها وحذوت النعل بالنعل إذا قدرتها وقطعتها عليها. والنعل معروفة. والمثل يضرب في التساوي والتشابه. تقول في الشيئين يستويان: هما حذو النعل وذلك لأن كلا من النعلين تقدر بالأخرى وتقاس بقالبها. ومن ذلك قول الهذلي:\rوتأملت السبت الذي أحذوله ... فأنظر بمثل حذائه أخذولي\rو يقال أيضاً: احتذيت حذو فلان أي فعلت فعله.\rالحرب خدعة.","part":1,"page":186},{"id":187,"text":"الحرب معروف مؤنث وقد يذكر. ويقال رجل حرب ومحرب أي شديد الحرب شجاع ورجل حرب أي عدو للواحد والجميع وللأنثى أيضاً. قال نصيب:\rوقولا لها: يا أم عثمان خلتي ... اسلم لنا في حبنا أنت أم حرب؟\rو الخدع الختل. يقال: خدعه يخدعه أي ختله وأراد به المكروه من حيث لا يعلم. ولفظ خدعة هاهنا روي مثلثا والذي في الصحاح الفتح والضم مع سكون الدال. قال والفتح افصح. وروي أيضاً خدعة على مثال همزة. والمعنى إنّها تنقضي بخدعة. والذي يقتضيه الاتقاق لغة في هذا الضبط إنَّ الخدعة بضم الخاء وصف. فإن كان بفتح الدال كهمزة فهو وصف للرجل يكون كثير الخدع للناس. وإن كان بسكونها فهو وصف للذي يخدع. والخدعة بفتح فسكون مصدر وهو المرة من الخدع وبالكسر للهيئة من ذلك. وهذا الكلام يروى حديثا.\rالحرب سجال.\rالحرب مر والسجال يكون جمع سجل بفتح السين وسكون المعجمة وهو الدلو فيها ماء. ولا يقال لها سجل إلاّ وفيها ماء والمساجلة: المفاخرة والمباراة في السقي بالسجال. قال الفضل بن عباس بن عتيبة بن أبي لهب وقد وقف على زمزم:\rمن يساجلني يساجل ماجدا ... يملأ الدلو إلى عقد الكرب\rثم استعملت المساجلة في المعارضة والمباراة في كل شيء من سبق أو رمي أو غير ذلك. وتساجلا: تباريا.\rومعنى المثل إنَّ الحوب دول بين الناس: سجل منها على هؤلاء وسجل على هؤلاء كما قال أبو سفيان لهرقل لمّا قال له: كيف الحرب بينكم وبينه؟ يعني النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو سفيان: الحرب بيننا وبينه جال: يدال علينا مرة وندال عليهم أخرى. وقال زهير:\rتهامون نجديون كيدا ونجعة لك ... ليس أناس من وقائعهم سجل\rو قد يضرب في غير الحروب من كل ما يشبهها من نزاع وجدال مثلا. ولفظ السجال في المثل جمع كما فسرنا أوّلاً. ولا يصح أن يكون مصدرا أي الحرب هو مساجلة. وحاصل الأمر واحد.\rحرب عوان.\rاعلم إنَّ العرب ضربوا للحرب المثل بأوصاف شتى: فمن السائر من ذلك العوان واللأقح والرباعية. يقولون: حرب عوان وحرب لاقح وحرب رباعية. أما العوان فاصلها في النساء وهي النصف في سنها وكذا في سائر الحيوانات. قال تعالى: لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك. ويقال العوان التي لها زوج. قال النابغة:\rومن يتربص الحدثان تنزل ... بمولاه عوان غير بكر\rو هذا أيضاً نحتمل. والجمع عون بالضم. واشتقاق العوان من العون وهو القوة لأنها عرضة للأعانة إن استعينت. وأما العوان من الحروب فهي التي كانت قوتل فيها مأخوذ من عوان النساء كأنهم جعلوها في المرة الأولى بكرا ثم تصير ثيبا. قال أبو جهل يرتجز يوم بدر:\rما تنقم الحرب العوان مني ... بازل عامين حديث سن\rلمثل هذا ولدتني أمي\rوقال زهير:\rإذا لقحت حرب عوان مضرة ... ضروس تهر الناس أنيابها عصل\rوقال الحماسي موسى بن جابر:\rوإن رفعوا الحرب العوان التي ترى ... فعرضة نار الحرب مثلك أو مثلي\rو معلوم انهم ما وصفوها بالعوان إلاّ للمبالغة وإرادة إنّها شديدة لا مجرد إنّها قوتل فيها مرة. وكان ذلك لأجل إنَّ المبتكرة يخف أمرها لعدم استحكام الضغائن فيها بعد بخلاف التي تقدمها قتلا غرس في القلوب الضغائن وأحفظها وأكثر الأوتار. فذلك مظنة الاشتداد مع عظم العود إلى الحروب على النفس ونفور النفوس منه وكراهيتها له كما قال الآخر:\rالحرب أوّل ما تكون فتية ... تسعى بزينتها لكل جهول\rحتى إذا اشتعلت وشب ضرامها ... عادت عجوز غير ذات حليل\rشمطاء ينكر لونها وتغيرت ... مكروهة للشم والتقبيل\rو أما تشبيه الأولى بالبكر والثانية بالعوان فذلك يكون لثلاثة اوجه: الوجه الأول إنَّ البكر من النساء هي التي لم تتقدم ممارستها ومخالطتها بخلاف العوان. وهذا بين وإليه أشار حبيب في التعبير عنها بالثيب حيث قال:\rولا اجتلبت بكر من الحرب ناهد ... ولا ثيب إلاّ منهم لها خطب\rالثاني إنَّ البكر لصغر سنها وجسمها في الحملة تشبه المرة الأولى لخفتها والعوان لعظم جسمها في الجملة وسنها تشبه الثانية لقوتها واشتدادها. وهذا من التوهم الخيالي.","part":1,"page":187},{"id":188,"text":"الثالث إنَّ البكر اسهل لغرتها وقناعتها بما تجد ولا كذلك العوان: فإنّها لاحتكاكها وتجربتها وطموح عينها اصعب محاورة واشد معاشرة وأدهى نكرا واعظم مكرا وهذا واضح. وقد يوصف بالعوان الأرض التي أصيبت بالمطر مرة بعد أخرى تشبيها كالذي مر. قال الحميد بن ثور الهلالي:\rولقد نظرت إلى أغر مشهر ... بكر توسن بالخميلة عونا\rمتسنم سنمتها متفجس ... بالدهر يملأ أنفسا وعيونا\rلقح العجاف له لخامس خمسة ... وشربن بعد تحلئ فروينا\rأراد بالأعر سحابا أبيض وبكونه بكرا أنه لم يمطر قبل ذلك وأراد بالخميلة الرمل ذات الشجر والعون جمع عوان وهي الأرض التي أصابها المطر مرة. ومعنى توسنها طرقها هذا السحاب ليلا عند الوسن أي النوم تقول: توسنت الرجل إذ أتيته وهو وسنان. والسنمات العظام الأسنمة من الإبل وأطلقها هنا على التلال والأكم. وقوله متنسم يريد يتسنمها أي يعلوها كالفحل الذي يتسنم الاينق. وقوله: متفجس أي متبكر بالدهر، أي رعده، تشبيها بهدر البعير؛ والعجاف أراد بها الأرضين المجدبة مجازاً؛ ومعنى لقحت حملت؛ أي أنبت عشبها. وقوله بعد تجلئ أي شربت بعد امتناع من الماء زمانا، من قولك: حلأته، أي دفعته وطردته. وأما اللاقح فأصلها في الحيوان أيضاً. يقال: لقحت الناقة بالكسر إذا حملت وألقحها الفحل، فهي لاقح ولقوح ولقحة بالكسرو يفتح. وحمع اللاقح لواقح ويجمع اللقوح لقح، وجمع اللقحة لقح، كقربة وقرب ولقح. وثم ضربوها مثلاً للحرب إذا عظمت واشتدت تشبيها لها بالناقة إذا جملت فعظم بطنها. قالت الفارغة بنت طريف:\rولم تسع يوم الحرب والحرب لاقح ... وسمر القنا ينكزنها بأنوف\rو منه قول زهير السابق: إذا لقحت حرب عوان مضرة.\rومن أبلغ ما ورد في هذا المعنى قوله أيضاً في ميميته، حيث وصف الحرب فقال:\rوما الحرب إلاّ ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم\rمتى تبعثوها ذميمة ... وتضر إذا ضريتموها فتضرم\rفتعكرتم عرك الرحا بثفالها ... وتلقح كشافا ثم تحمل فتتئم\rفتنتج لكم غلمان أشام كلهم ... كأحمر عادٍ ثم ترضع فتفطم\rفتغلغل لكم مالا تغل لأهلها ... قرى بالعراق من قفيز ودرهم\rقوله تبعثوها ذميمة أي مذمومة، وكان الأفصح أن يقول ذميما، بغير هاء. ويروى بالدال المهملة، أي حقيرة، إشارة إلى معنى ما تقدم في قول الآخر: الحرب أول ما تكون فتية. وقوله عرك الرحا بثفالها، أي وهي على ثفالها. والثفال بالثاء المثلثة مكسورة ما يجعل تحت الرحا حال الطحن، يريد: تعرككم عرك الرحا إذا كانت طاحنة. وقوله تلقح كشافا: الكشاف إنَّ يحمل الفحل على الناقة سنتين ولاء أو كل سنة، أو أن تلقح حين تنتج، أو أن يضربها وهي حامل. وهي ناقة كشوفة، وقد كشفت تكشف، كشفا. وأراد أن هذه الحرب كلما خمدت عاجت. وقوله فتتئم، أي تأتي من حملها بتوءمين، وهذا تهويل وتعظيم لامر الحرب، وإيهام أنَّ شرها متكرر وهولها متضاعف. وشبهها بالناقة لما تقدم، ولأنها أيضاً يطول أمرها فتكون بمنزلة الناقة التي تضرب، ثم تحمل، ثم تنتج، ثم تفطم. وقيل لأنها يتحلب منها من الدماء مثل ما يتحلب من الناقة من اللبن. وقوله فتنتج لكم غلمان أشأم، فوضع أشأم موضع المصدر، أو غلمان شؤم أشأم على المبالغة، ونحو شغل شاغل، وليل أليل؛ أو غلمان امرئ أشأم. وقوله كلهم كأحمر عاد يعني عاقر الناقة، وهو يضرب به المثل في الشؤم، وأراد أحمر ثمود، فأضافه إلى عاد غلطا، كما قال الآخر: مثل النصارى قتلوا المسيحا وقيل ليس بغلط، لأن ثمود يقال لها عاد الآخرة، وهو دهم عاد الأولى. قال: تعالى: ) وإنّه أهلك عاداً الأولى(. وأما الرباعية بياء مخففة فهي أيضاً في الإبل ، وهي في السن التي بين الناب والثنية. ويقال للذي ألقى رباعية ربع، وجمعه ربع، كقذال وقذل. ويقال للغنم في السنة الرابعة أربعت، وللبقر وذات الحافر في الخامسة، ولذات الخف في السابعة. وتقدم ذكر أسنان الإبل إنَّ الرباعي منها والرباعية بين الثني والسدس. ويقال: جمل وفرس رباع ورباع، ونظيره ثمانٍ وثمانٌ، ونشاحٍ وناشحٌ، وجوارٍ وجوارٌ؛ والأنثى رباعية، وتوصف الحرب بالرباعية لشدتها وقوتها. قال الشاعر:\rإنها حرب رباعية ... مثلها آتي الفتى عبره\rوقيل لأمرأة من العرب","part":1,"page":188},{"id":189,"text":"الحر إذا خودع تخادع، وإذا عظم تواضع.\rهذا مثل مصنوع، فيما أظن، وهو ظاهر المعنى. ومثله قول الشاعر:\rإذا مدح الكريم يزيد خيراً ... وإنَّ مدح اللئيم فلا يزيد\rحرة تحت قرة.\rيقال: حر الرجل يحر، كظل يظل، حراراً وحرة، فهو حران وهي حرى، إذا عطش. الحرة في المثل مكسورة للازدواج. والقر بضم القاف البرد، أو برد الشتاء خاصة؛ والقرة بالكسر ما أصابك منه. وهذا المثل يضرب للأمر يظهر وبعده أمر خفي. وأصل الحرة تحت القرة إنّها العطش مع البرد وهو إذ ذاك ينحاز إلى الجوف فيكون سعيرا ومع ذلك لا يظهر من حال صاحبه لمّا هو فيه من البرد إنّه عطشان. ويقال: اشد العطش حرة تحتب قرة ويقال أجد حرة تحت قرة ورماه الله بالحيرة تحت القرة.\rوفي الأمثال العامة قولهم: الشتاء على قرني والعطش قتلني. وهذا يضرب لأمر آخر.\rاحر من دمع المقلات.\rالحرارة ضد البرد كالحر والحرورة. يقال: حر اليوم يحر كمل يمل وحر يحر كفر يفر حرارة فهو حار والدمع معروف والمقلات من النساء التي لا يعيش لها ولد ومن النوق التي تضع ولدا تم لا تحمل مشتق من القلت بفتحتين وهو الهلاك. يقال قلت يقلت كفرح يفرح قلتا إذا هلك. وفي الخبر: المسافر ومتاعه على قلت إلاّ ما وقى الله تعالى. والمقلتة: المهلكة والقلات على وزن مفعال والجمع مقاليت كمقياس ومقاييس ومصباح ومصابيح قال طرفة:\rلا تلمني إنّها من نسوة ... رقد الصيف مقاليت نزر\rالرقد جمع رقود يعني أنهن مكفيات فهن يرقدن ولا يخدمن ولا يسعين وهن مقاليت لا تعيش أولادهن فيتحملن مؤنتهم وهن نزر أي قلائل الأولاد بالأصلة جمع نزور: فهن بذلك نعمات الأجسام نظائف الأذيال فائقات الكمال. وقال جرير في المفرد:\rخشاش الطير أكثرها فراخا ... وأم الصقر مقلات نزور\rو وصف دمعه المقلات بالحرارة لأنها تبكي حزنا على أولادها وهم يصفون دمعة الحزن بالحرارة ومن ثم يقولون في الدعاء على الرجل اسخن الله عينه ويصفون دمعة الفرح بالبرد ومن ثم يقولون: قرت عين فلان في السرور والفرح وأقر الله عينه!\rأحر من القرع\rالحرارة تقدمت والقرع بفتحتين بثر أبيض يخرج من أعناق الفصلان وقوائمها ودواؤه الملح وحباب ألبان الإبل. فإذا لم يجدوا ملحا نتفوا أوبارها ونضحوا جلودها بالماء ومنه المثل. قال في الصحاح: وربما قالوا أحر من القرع بالتسكين يعنون به قرع الميسم وهو المكواة. قال:\rكأن على كبدي قرعة ... حذارا من البين ما تبرد\rقال: والعامة تريد به هذا القرع الذي يؤكل. انتهى.\rقلت: وإنّما توهموا المأكول لأنّه تشتد حرارته إذا طبخ وتطول ولا يبرد بعد زمن حتى قالوا في زعاماتهم وأمثالهم: قال الذئب: لا آمنك يا قرع ولو كنت في الماء.\rحر انتصر.\rالحر بالضم خلاف العبد وحر كل شيء خياره والحر الجيد. يقال: ما هذا من فلان بحر أي جيد. قال طرفة بن العبد:\rلا يكن حبك حبا قاتلا: ... ليس هذا منك ماوي بجر\rوقال امرؤ القيس:\rلعمرك ما قلبي إلى أهله بحر ... ولا مقصر يوما فيأتيني بقر\rو النصر الإعانة نصره على عدوه ينصره نصرا: أعانه وأستنصر: طلب النصر وانتصر منه: انتقم. وتقدم هذا المثل وإنّه من الأمثال التي نسبت إلى الضب في تحاكم الثعلب والأرنب إليه. يضرب للرجل يظلم فينتقم.\rأحرس من الكركي.\rيقال: حرس الشيء بالفتح يحرسه حراسة حفظه والكركي على مثال الجندي طائر معروف جمعه كراكي يوصف بالحذر والحراسة.\rويزعمون إنَّ الكركي تحرس مداولة فيبقى الذي يحرس منها لا ينام. ويهتف بصوت خفي ينذر إنّه حارس حتى إذ قضى نوبته قام الذي كان نائما. ويقال إنّه لا يطأ الأرض أبداً إلاّ بأحدى رجليه ويعلق الأخرى ولا يضعها على الأرض وإن وضعها وضعها وضعا خفيفا مخافة أن تخسف به.\rمحترس من مثله وهو حارس.\rالحرس والحراسة تقدم. وتقول: احترست منه وتحرست إذا تحفظت. وهذا المثل يضرب لمن يعيب الخبيث وهذا أخبث منه.\rواصله شعر عبد الله بن همام يقول لرجل كان على شرط الكوفة للحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي يقال له الحمارس وهو:\rأقلي علي اللوم يا ابنة مالك ... وذمي زمانا ساد فيه الحمارس\rفساع من السلطان يسعى عليهم ... ومحترس ومن مثله وهو حارس","part":1,"page":189},{"id":190,"text":"وكم قائل: ما بال مثلك راجلا؟ ... فقلت له: من أجل أنك فارس\rإذا لم يكن صدر المجالس سيد ... فلا خير فيمن صدرته المجالس\rو يروى: وذمي زمانا ساد فيه الفلاقس وهو جمع فلنقس. والفلنقس من أمة عربية وأبوه مولى. وقيل من أبواه عربيان وجدتاه أمتان. وقيل من أبواه موليان معا.\rأحرص من نملة.\rالحرص: الجشع يقال حرص يحرص كضرب يضرب وحرص يحرص كسمع يسمع حرصا. والنملة واحدة النمل وهو معروف. يقال إنّه ليس في الحيوانات من يحتكر الإنسان والعقعق والنمل والفأر. والنمل عظيم الاحتياط في الاحتكار. يقال إنّه إذا احتكر ما يخاف عليه أن ينبت قسمه نصفين وإذا خاف العفن على الحبوب أخرجه إلى ظاهر الأرض فنشره. وأكثر ما يفعل ذلك ليلا بضوء القمر.\rحرق عليه الأرم.\rالحرق: البرد. يقال: حرق الشيء يحرقه كقتله يقتله إذ برده وحك بعضه ببعض وحرق نابه يحرقه: حكه بأسنانه حتى سمع له صريف والأرم بضم الهمزة وفتح الراء المشدد على مثال ركع الأسنان أو أطراف الأصابع. والأرم أيضاً الحصا فيقال: فلان يحرق عليك الأرم أي تغيظ وأشتد غيظه. قال الراجز:\rنبئت أحماء سليمى إنّما ... باتوا غضابا يحرقون الأرما\rوقال زهير في معناه:\rأبى الضيم والنعمان يحرق نابه ... عليه فأفضى والسيوف معاقله\rوقال الآخر:\rيلوك من حرد عليك الأرما\rأي يعلك أسنانه أو أصابعه. وقد قيل: الأرم هنا الشفاه ويحتمل الحصى وكل ذلك صحيح لأنّه يكون من شأن المتغيظ كما كان عد الحصى شأن الهموم في قول امرئ القيس:\rظلت ردائي فوق رأسي قاعدا ... أعد الحصى ما تنقضي عبراتي\rو سميت الاسنان أرما من الأرم وهو الأكل إذ بها يكون. يقال: أرم ما على المائدة إذا اكله فلم يبق منه شيئاً. وهذا المثل هو مثل المثل الآتي: فلان يكسر عليك الفوق والأرعاظ.\rحرك خشاشه.\rالتحريك معروف والخشاش بكسر الخاء المعجمة ما يدخل في عظم أنف البعير من خشب وهو إذا حرك تضرر البعير بذلك فيقال: حركت خشاش فلان أي فعلت به فعلا يؤذيه ويغضبه. ويطلق الخشاش أيضاً على الغضب نفسه وعلى معان أخرى لا تناسب المحل.\rوأما الخشاش بمعنى الحشرات فمثلث الأول.\rحرك لها حوارها تحن.\rالحوار بضم الحاء على وزن أوار ولد الناقة قبل أن يفصل وتقدم الحنين الشوق. يقال: حن إليه يحن بالكسر فهو حان وحنان إذا تاقت إليه نفسه. وهذا المثل قاله عمرو بن العاصي لمعاوية رحمهما الله حين أراد أن يستنصر بأهل الشام. وهو مثل المثل السابق: الإيناس قبل الابساس. وفي كلام أبي الوليد بن زيدون يخاطب أبن جهور: فما أبسست بك إلاّ لتدر وحركت لك الحور إلاّ لتحن.\rحزت حازة من كوعها.\rيضرب في اشتغال القوم بأمرهم عن غيره. ولم اقف له على أصل.\rأحزم من الحرباء.\rالحزم ضبط الأمر والأخذ فيه بالثقة. حزم الرجل بالضم يحزم حرامة فهو حازم وهم حزمة وحزماء والحرباء على مثال علباء والأنثى حرباءة والألف للإلحاق بالقرطاس: دويبة برية لها سنام يشبه سنام البعير وهي تستقبل الشمس أبداً بعينها وتدور معها كيف ما دارت قال كعب بن زهير رضي الله عنه:\rيوم يظل به الحرباء مصطخدا ... كأن ضاحية بالشمس مملول\rوقال أبن الرومي:\rما ذاك إلاّ إنّها شمس الضحى ... أبداً يكون رقيبها الحرباء\rقيل: ويتلون بألوان من صفرة وحمرة وخضرة كما قال الشاعر:\rوقد جعل الحرباء يصفر لونه ... ويخضر من لفح الهجير غباغبه\rو يوصف بالحزم والتحفظ، وذلك إنّه لا يزال متمسكا بأصل الشجرة، فلا يرسله حتى يستمسك بآخر.\rقال الشاعر:\rإني أتيح له حرباء تنضبةٍ ... لا يرسل الساق إلاّ ممسكا ساقا\rأي لا يرسل ساقا من شجرة إلاّ في حالة إمساكه ساقاً آخر. والتنضبة شجر يتعلق به الحرباء. فهو مضاف إليه، كما تقول ذئب غضا.\rويروى أنَّ رجلا خاصم أبن عمه إلى معاوية، رضي الله عنه، فلما سمع حججه قال له: أنت كما قال الشاعر، وانشد البيت المذكور، وضربه مثلا لمّا هو فيه من اللدد والاحتجاج، بحيث لا يرسل حجة إلاّ متمسك بأخرى.\rأحزم من عقابٍ.","part":1,"page":190},{"id":191,"text":"الحزم مر؛ والعقاب تقدم في حرب الباء أيضاً، وهو يوصف بالحزم. وقالوا: من حزمه إنّه يخرج من بيضته على جبل عال، ولا يتحرك من مكانه ذلك حتى ينبت ريشه جميعا ويتكامل ولو تحرك قبل ذلك سقط.\rأذكر في هذا المعنى ما أخبر صاحب التشوف في ترجمة الشيخ أبي مهدي الدغوغي، رحمهما الله ونفعنا بهما، قال: حدثني داود بن الخالق حدثني وين الخير قال: كنت بمسجد أبي مهدي ادرس القرآن. فكان يقعد عندي ويدلني على طريق الآخرة. فجاءه ليلة بعض إخوانه. فلما صلينا العتمة تأخرا في المسجد إلى إنَّ انصرف الناس.فخرجنا من أحد أبواب المسجد، فشدا على أنفسهما أثوابهما وتلثما. فرأيتهما وثبا من الأرض كهيئة الغرانيق الثقيلة تطير على وجه الأرض. ومازالا يعلوان في الهواء إلى أنَّ غابا عني، فانكسرت انكسارا عظيما ونالتني حسرة القصور عن أحوال الرجال، وتكاسلت عن القرآن، وبقيت مفكرا طول ليلتي. فلما كان وقت صلاة الصبح صلى معنا أبو مهدي مع صاحبه صلاة الصبح. ثم جاء وقعد عندي على عادته، فرآني منكسرا متكاسلا عن القرآن، فقال: مالك لا تقرأ؟ فسكت. فقال: لعلك رأيتني البارحة؟ فهملت عيناي بالدموع، فقلت له: رأيتكما وأريد أن أصحبكما إذا ذهبتما. فقال لي: يا بني إنَّ الفرخ إذا نبت رغبه لم يطر مع الطير حتى يكمل نبات ريشه! قال. فلما كان ذات ليلة قال لي: اذهب إلى فلان في بلد تانوريت وهو بلد بني سمائل وقل له يأتيني لأصلي معه الصبح الآن، وبينهما مسيرة يومين، وقد قرب طلوع الفجر! قال. قلت في نفسي: كيف يمكن هذا؟ ثم تذكرت أحواله، فمشيت وتبعني ووادعني ورجع. فمشيت قليلا وأدركني شبه السنة، فما شعرت إلاّ وأنا أعاين مسجد تانوريت. فخرج إلي منه رجل فقال: بعثك إلي شيخ أبو مهدي؟ فقلت له نعم: وامرني أن أعلمك أن تصلي معه بمسجده الآن صلاة الصبح. فقال لي: تقدم! ودار حول المسجد، وغاب عني، وانقلبت راجعا. فأصابني أيضاً شبه السنة، فإذا أنا على قرب من مسجد أبي مهدي. فدخلت المسجد، فوجدت أبا مهدي وصاحبه يتحدثان وقد صليا صلاة الصبح. فصليت وظننت أني قد لحقت بالشيخ فأتيته. فقال لي: يا بني! أرأيت بعض ما يرى الرجال؟ فقلت له: يا سيدي، عسى أنَّ أصحبك في مسيرك إذ سرت طار الطائر الصغير قبل استكمال نبات ريشه مع الطائر الوافر الريش، فإنما يسير ميلين ويسقط في القفر، فيلتقطه الرعيان. وإنَّ جاء الرجال ليصلون إلى موضع لو طار الطائر إلى إنَّ يسقط ريشه وينبت آخر فطار حتى يسقط فينبت آخر، فطار حتى يسقط فينبت آخر، وما وصل موصل عباد الله الصالحين في طرفة عين.\rأحزم من قرلى.\rويقال أيضاً: أحذر من قرلى؛ ويقال أيضاً: احزم أو أحذر من قرلى، إنَّ رأى خيرا تدلى، وإنَّ رأى شراً تولى أو تعلى.\rالحزم تقدم، وكذا الحذر. والقرلى بكسر القاف والراء، وبعد اللام ألف مقصورة، ويحكى أيضاً في القاف التثليث، طائر شديد الحذر، ولا يرى إلاّ على وجه الماء على جانب يهوي بإحدى عينيه إلى الماء طعماً ويرفع الأخرى حذراً. فإنَّ رأى في الماء ما يصاد من السمك، أنقض عليه انقضاض السهم؛ وإنَّ رأى جارحا ذهب. ومن ثم: يقال: إنَّ رأى خيراً تدلى أي إلى الماء، وإنَّ رأى شرا أي ما يخافه تولى فراراً منه. وقيل: إنَّ قرلى في هذا المثل رجل من العرب كان لا يفوته طعام أحد، فحيثما كان الطعام في ناحية توجه إليه؛ غير إنّه إنَّ صادف في طريقه خصوما مثلا ترك ذلك الطريق ولم يمر به. ومن ثم قالوا: اطمع من قرلي،و المراد به هذا الرجل. قيل: ويمكن إنَّ يكون هذا الرجل شبه بهذا الطائر، وسمي باسمه.\rحسبك من شر سماعه.\rيقال: احسبني الشيء يحسبني إحسابا، فهو محسب، أي كفاني. قال الشاعر:\rإذا ما رأى في الناس حسنا يفوقها ... وفيهن حسن لو تأملت محسب\rوقال الأخر:\rوتقفي وليد الحي إنَّ كان جائعا ... وتحسبه إنَّ كان ليس بجائع\rوقالت الخنساء:\rيكبون العشار لمن أتاهم ... إذا لم تحسب المائة الوليدا\rو هذا الشيء حساب، أي كافٍ. قال تعالى: )عطاء حسابنا(. وحسبك درهم، أي يكفيك. قال تعالى: )حسبك الله(. وقال الشاعر:\rإذا كانت الهيجاء واشتقت العصا ... فحسبك والضحك سيف مهند!\rأي يكفيك ويكفي الضحاك.\rوقال امرؤ القيس:\rفتملأ بيتنا أقطا وسمنا ... وحسبك من غنى شبع وري","part":1,"page":191},{"id":192,"text":"و هذا الشعر ينسبه الناس لامرئ القيس، وهو في ديوانه وقبله:\rألا إلاّ تكن ابل فمعزى ... كأن قرون جلتها العصي\rوجاد لها الربيع بواقصاتٍ ... فآرام وجاد لها الولي\rإذا مشت حوالبها أرنت ... كأن القوم صبحهم نعي\rفتوسع أهلها أقطا وسمنا ... وحسبك من غنى وشبع وري\rو سبب قوله ذلك أنَّ بني النبهان، لمّا لم يقدروا أنَّ يفتكوا له إبله التي أخذتها جذيلة وأخذت منهم رواحله التي ركبوها في رد الإبل، استحيوا من ذلك فوهبوا له المعزى التي وصفها. وكان الأصمعي ينكر نسبة هذا الشعر لامرئ القيس ويقول: امرؤ القيس لا يقول مثل هذا، واحسبه للحطيئة. وسبب إنكاره قوله: وحسبك من غنى شبع وري، فإن هذا مناف لحال امرئ القيس ولمّا كان يقول في شعره من أنَّ مطلوبه الملك، لا ما دونه، كقوله:\rولو إنّما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال\rولكنما أسعى لمجد مؤثلٍ ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي\rقلت: وأنت خبير بأنه، مع حالته هذه، لا بعد في أنَّ يقول لوجهين: أحدهما أنَّ يقوله استهزاء ببني نبهان، حيث أغير عليه في جوارهم، ثم ركبوا رواحله في رد إبله، فانتزعت منهم زيادة على ما ذهب من الإبل ، فوقعوا في هوان عظيم وذله وصغار. ثم لم ينتصروا وجعلوا يعطونه معزى عن الإبل العكر والرواحل النجب، فعظم أمر المعزى ضحكا منهم، وذلك هجاهم حيث يقول:\rفدع عنك نهبا صيح في حجراته ... ولكن حديثا ما حديث الرواحل!\rكأن دثار حلقت بلبونه ... عقاب تنوفى لا عقاب القواعل\rوأعجبني مشي الخزقة خالدٍ ... كمشي أتان حلئت في المناهل\rخالد هذا هو الذي مشى في ردها فانتزعت منه الرواحل.\rالثاني إنَّ يريد ظاهره، وهو إنّها كافية، قائمة مقام الإبل الذاهبة شبعا وريا. ولا يعني إنَّ ذلك منيته وبغيته من الدنيا، وإنَّ ذلك كاف من يطلب العيش، ولا يعني نفسه.\rوقال نصيب:\rوقال رجال: حسبه من طلابها ... فقلت: كذبتم ليس لي دونها حسب!\rو قبل هذا البيت قوله:\rبزينب ألمم قبل أن يرحل الركب ... وقل إنَّ تمثيلنا ملك القلب\rوقل: إنَّ ننل بالود منك محبة ... فلا مثل ما لاقيت في حبكم حب\rوقل في تجنيها: لك الذنب إنّما ... عتابك من عاتبت فيما له عتب\rفمن شاء رام الصرم أوقال ظالما ... لذي وده ذنب وليس له ذنب\rخليلي من كعب ألما هيتما ... بزينب لا تفقدكما أبدا كعب\rمن اليوم زوارها فإن ركبنا ... غداة غدٍ عنها وعن أهلها نكب\rوقولا لها: يا أم عثمان خلتي ... أسلم لنا في حبنا أنت أم حرب؟\rوقال رجال: حسبه من طلابها \" البيت \" وكان جرير يقول: \" وددت أني سبقت أبن السوداء إلى هذه الأبيات! \" يعني نصيبا.\rوقال الأعرابي:\rوحسبك من خمر يفوتك ريقها ... ووالله ما من ريقها حسبك الخمر!\rو لهذا الشعر حطاية ظريفة عن بعض أصحاب الأصمعي قال: ما رأيت كأعرابي وقف علينا وسلم وقال: أيكم الأصمعي؟ فقال له: هاأنا ذا! قال: أنت الذي يزعم هؤلاء انك أعرفهم بالشعر؟ قال: فمن هو اعلم مني؟ قال: أنشدوني من شعر أهل الحضر حتى أريه من شعرنا، فأنشده شعراً قيل في مسلمة بن عبد الملك:\rأمسلم أنت البحر إنَّ جاء واردٌ ... وليث إذا ما الحرب طار عقابها\rوأنت كسيف الهندواني إنَّ غدت ... حوادث من حرب يعب عبابها\rولا خلقت أكرومة في امرئ له ... ولا غاية إلاّ إليك مآبها\rكأنك ديدان عليها موكل ... بها وعلى كفيك يجري حسابها\rإليك رحلنا العيس إذ لم نجد لها ... أخاثقةٍ يجرى لديه ثوابها\rفتبسم الأعرابي وهز رأسه، فظننا إنّه استحسن الشعر، ثم قال: هذا شعر مهلهل النسج، خطؤه من صوابه: تشبهون الملك بالأسد، والأسد أبخر قبيح المنظر، وبالبحر، والبحر مر صعب، وبالسيف، وربما خان ونبا. هلا أنشدتموني كما قال صبي منا؟ فقال له الأصمعي: ما قال؟ فأنشد:\rإذا سألت الورى عن كل مكرمةٍ ... لم يعز أكرمها إلاّ إلى الهول\rفتى جواد أذاب المال نائله ... فالنيل يشكوا لديه كثرة النيل\rوالموت يكره إنَّ يلقى منيته ... في كره عند لف الخيل بالخيل","part":1,"page":192},{"id":193,"text":"لو زاحم الشمس أبقى كاسفة ... أو زاحم الصم ألجاها إلى الميل\rأمضى من النجم إنَّ نابته نائبةٌ ... وعند أعدائه أجرى من السيلِ\rيقصر المجد عنه في مكارمه ... كما يقصر عن أفعاله قولي\rقال اللراوي: فبهتنا والله بما رأينا. فتأنى قليلا ثم قال: ألا تنشدني يا أصمعي شعرا ترتاح إليه النفس؟ فأنشدته قول عدي بن الرقاع:\rوناعمةٍ تجلو بعود أراكةٍ ... مؤشرةٍ يسبي المعانق طيبها\rكأن بها خمراً بماء غمامةٍ ... إذا ارتشفت بعد المنام غروبها\rأراك إلى نجد تحن وإنما ... هوى كل نفسٍ حيث كان حبيبها\rفتبسم الأعرابي وقال: هذا قريب من الأول. ألا أنشدتني كما قلت:\rتعلقتها بكراً وعلقت حبها ... وقلبي من كل الورى فارغٌ بكرُ\rإذا احتجبت لم يكفك البدر فقدها ... وتكفيك فقد البدر إن حجب البدرُ\rوما الصبر عنها إن صبرت وجدته ... جميلاً ولا في مثلها يحسن الصبرُ\rوحسبك من خمر يفوتك ريقها ... ووالله ما من ريقها حسبك الخمرُ\rولو أنَّ جلد الذر لامس جلدها ... لكان للمس الذر في جلها أثرُ\rولو لم يكن للبدر ضداً جمالها ... وتفضله في حسنها لصفا البدرُ\rقال: الراوي: فقال لنا الأصمعي: اكتبوا ما سمعتم ولو بأطراف المدى في رقاق الأكباد! انتهى.\rويقال أيضاً: حسبك بكذا. قال أبو تمام:\rنامت همومي عني حين قات لها: ... حسبي أبو دلفٍ حبي به وكفى!\rوقال العباس بن الأحنف:\rإن كان يرضيكم عذابي وأن ... أموت بالهجران والكربِ\rفالسمع والطاعة مني لكم ... حسبي بما ترضون لي حسبي\rو الشر ضد الخير؛أنَّ الشر يكفيك منه سماعه وإن لم تعاينه إما على معنى أنَّ الشر من شناعته وقبحه يتبين بسماعه وإن لم تعانيه؛ أو أنه يحصل لك اتهام ما به من مجرد سماعه وإن لم تقدم عليه ولا انتسبت إليه؛ أو يكفي فيما انتسب إليك من الشر سماع الناس له وإن لم يعانوه. وهذا ما ذكر أبو عبيد أنَّ هذا المثل يضرب فيما يحذر من العار والعيب والمقالة السوء وإن كانت باطلا كقول الآخر:\rقد فيل ما قيل إن صدقاً وإن كذباً ... فما اعتذارك من قول إذا قيلا؟\rو إما على معنى الأمر أي: اكتف من الشر بسماعه ولا تعانيه والله أعلم.\rوالمثل لأم الربيع بن زياد العبسي وكان ابنها الربيع أخذ من قيس بن زهير درعا فعرض قيس لأم الربيع وهي على راحلتها في طريق فأراد أن يقبضها في الدرع فقالت: أين عزب عنك عقلك يا قيس؟ أترى بني زياد مصالحيك وقد ذهبت بأمهم يمينا وشمالا وقال الناس ما قالوا؟ إنَّ حسبك من شر سماعه. فذهبت كلمتها مثلا.\rوقالت عاتكة بنت عبد المطلب من شعراء الحماسة:\rسائل بنا في قومنا ... وليكف من شر سماعه\rقيساً وما جمعوا لنا ... في مجمع باقٍ شناعه\rو بعده:\rفيه السنور والقنا ... والكبش ملتمع قناعه\rبعكاظ يعيش الناظر ... ين إذا هم لمحوا شعاعه\rفيه قتلنا مالكاً ... قسراً وأسلمه رعاعه\rومجندلاً غادرنه ... بالقاع تنهشه ضباعه\rتصف بهذا الكلام حرب الفجار بين قريش بعكاظ. وأرادت بقولها: وليكف من شر سماعه: أنا أوقعنا بهم من الشر ما ظاهر غني عن السؤال عنه والأخبار به.\rتحسبها حمقاء وهي باخسٌ.\rتقول: حسبت زيدا عالما بالكسر أحسبه وأحسبه محسبة ومحسبه وحسباناً بالكسر إذا ظننته؛ والحمقاء مؤنث الأحمق؛ والباخس من البخس وهو النقص والظلم. يقال: بخسه حقه يبخسه بخسا فهو باخس وهي باخسة وباخس أيضاً. وورد به المثل وهو جائز كما قالوا: ناقة بازل ومغذ في السير وحائل. ومن شاء أن يؤنث في المثل أنث وهو الأصل.\rو أصل هذا المثل أنَّ رجلا خلط بماله مال امرأة يظنها حمقاء فطمع فيها. فلما تقاسما أخذت جميع حقها ثم لم ترض بذلك فشكته حتى افتدى منها من المال بما أحبت. ثم إنَّ الناس ظنوا إنّه يغبنها فلاموه وقالوا له: كيف تخدع امرأة؟ فقال عند ذلك: تحسبها حمقاء وهي باخس أي ظالمة فذهبت مثلا يضرب في الرجل يتباله أو يطيل الصمت حتى يظن به التغفل وهو ذو دهاء ومكر. ونحوه قولهم: مخرنبق لينباع كما يأتي:\rأحس وذق!","part":1,"page":193},{"id":194,"text":"الحسو الشربي. تقول: حسا الرجل المرق يحسوه إذا شربه شيئا بعد شيء. وكذا تحساه. وحسا الطائر الماء يحسوه. قيل: ولا يقال شربه؛ والذوق معروف. والمثل يقال لمن تعرض للمكروه فوقع فيه ومعناه ظاهر.\rالحسن أحمر.\rالحسن: الجمال وهو معروف؛ والحمرة معروفة. ويريد بهذا المثل أنَّ من أراد الحسن صبر على أشياء يكرهها.\rمحسنةٌ فهيلي!\rالإحسان في الفعل ونحوه ضد الإساءة؛ والهيل التفريغ والصب. يقال: هال عليه التراب يهيله هيلا وأهاله إهالة إذا صبه. وكل شيء صبه من غير كيل فقد هاله.\rقيل: وأصل المثل أنَّ الهائلة بنت منقذ من بني عمرو بن سعد بن زيد مناة أم جساس بن مرة وهي أخت البسوس بنت منقذ التي كانت الحرب عليها بين وائل أربعين سنة ورد عليها ضيف ومعه جراب فيه دقيق. فقامت الهائلة وأخذت وعاء عندها كان فيه دقيق لتأخذ من وعاء الضيف دقيقا. فجاء الضيف فلما بصرت به جعلت تأخذ من وعائها فتهيل في وعاء الضيف. فقال: ما تصنعين؟ فقالت: أهيل من هذا في هذا. فقال: محسنة فهيلي! فسميت الهائلة بذلك وذهب قوله مثلا يضرب في استقامة الأمر قاله أبو عبيد. وقال غيره: يضرب للرجل يسيء في فعل فعله فيؤمر بذلك على سبيل الهزء به وهذا أظهر وأنسب بالأصل المذكور. نعم! يمكن أن ينقل إلى الجد حتى يقال للرجل يحسن حقيقة على وجه الاستزادة من فعله.\rأحسن من طاووس.\rالحسن مر؛ والطاووس على وزن قابوس طائر معروف بديع الشكل رائق الحسن وفي طبعه مع ذلك الزهو والخيلاء والإعجاب بريشه. وكان يقال: إنَّ الطاووس في الطير كالفرس في الدواب عزا وحسنا. وقال بعض الرجاز في وصفه:\rسبحان من مِن خلقه الطاووس ... طير على أشكاله رئيسُ!\rكأنه في نفسه عروس ... في الريش منه ركبت فلوسُ\rتشرق في داراتها شموس ... في الرأس منه شجر مغروسُ\rكأنه بنفسج يميس ... أو هو زهر جرم ينوسُ\rأحشك وتروثني!\rالحشيش ما يبس من الكلأ؛ وحششته أنا: قطعته؛ وحششت الفرس: ألقيت إليه الحشيش؛ والروث معروف. يقال: راثت الدابة تروث روثا. وهذا المثل يضرب لمن أحسنت إليه فأساء إليك. فانه قد صار بمنزلة الفرس إذا ألقيت إليه الحشيش فلطخك بروثه. وهذا ظاهر.\rأحشفاً وسوء كيلةٍ؟\rالحشف بفتحتين أردأ التمر. قال امرؤ القيس:\rكأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العناب والحشف البالي\rو كليلة بكسر الكاف الهيئة من الكيل. يقال: كال له الطعام، وكاله إياه كيلا؛ وكال كيلة واحدة بالفتح وكيلة حسنة أو قبيحة بالكسر ومعنى المثل: أتجمع على أنَّ تعطيني حشفا وتكيل لي سيئة؟ ويضرب للأمر يكره من جهتين. وكان أصله إنَّ رجلاص اشترى تمرا من عند آخر فأتاه بتمر رديء، ثم أساء له الكيل مع ذلك، فقال له ذلك.\rاحطط عن راحلتك فقد بلغت!\rالحفائظ تحلل الأحقاد.\rالحفائظ جمع حفيظة، وهو الغضب والحمية، والأحقاد جمع حقود والمعنى انك إذا رأيت حميك وقريب يظلم، وفي قلبك عليه ضغن، دعتك الحمية إلى نصره وزال عن قلبك ما فيه من بغضه، كما قال الشاعر:\rأخوك الذي لا تملك الحس نفسه ... وترفض عند المحفظات الكتائف\rو سيأتي زيادة في هذا المعنى.\rالحق أبلج، والباطل لجلج.\rالحق خلاف الباطل؛ والأبلج الواضح، ويقال الصبح بالفتح يبلج بالضم بلوجاء، وبلجت الشيء فتحته وأوضحته؛ وصبح أبلج: مشرق ومضيء. قال الراجز: حتى بدت أعناق صبح أبلجا.\rوكذا الحق أبلج أي واضح ظاهر لا التباس به؛ واللجلجة والتلجيج: التردد في الكلام. ويقال: تلجلجت اللقمة في حلقه، أي ترددت ولم تنسغ. قال زهير:\rتلجلج مضغة فيها أنيض ... أصلت فهي تحت الكشح داء\rو المعنى إنَّ الباطل يردد من غير إنَّ ينفذ، وهو ظاهر.\rتحقره وينتأ!\rالحقر: الإذلال تقول: حقرت الرجل حقرا كضربته ضربا وحقرته تحقيرا، واحتقرته واستحقرته؛ وتقول: حقر الرجل كجلس وحقر يحقر ككرم إذا ذل والنتوء: الارتفاع، وتقول: نتأ الشيء ينتأ وتنوءاً إذا انتفخ وارتفع وقد تقول: نتأ ينتو، بغير همز. ومعنى المثل انك تحقره وتزدريه لسكونه، وهو يرتفع ويخادعك. وهذا مثل المثل السابق: تحسبها حمقاء وهي باخس.\rحقك أخذت.\rتقدم في كلام الضب مع الأرنب والثعلب وهو ظاهر المعنى.","part":1,"page":194},{"id":195,"text":"تحككت العقرب بالأفعى.\rالحك معروف، حككت الشيء، وحككن الشيء بالشيء، وتحاك الشيئان: حك كل منهما صاحبه، واحتككت بهذا الشيء: حككت نفسي عليه، وفلان يتحكك بي: يتعرض لشري؛ والعقرب معروف، يذكر ويؤنث، والأنثى منه عقرباء بالمد غير مصروف وعقربة والذكر عقربان. قال الشاعر:\rكأن مرعى أمكم إذ غدت ... عقربة يكومها عقربان\rو مرعى اسم الأم ويكومها ينزو عليها. والأفعى حية خبيثة. قال الراجز:\rكأن صوت شخبها المرفض ... كشيش أفعى أجمعت لعض\rو الذكر افعوان بضم الهمزة والعين قال الراجز:\rقد سالم الحيات منه القدما ... الأفعوان والشجاع الشجعما\rو مغنى تحكك العقرب بالأفعى لصقت بها وحلقت حواليها أو تعرضت لشرها. يضرب لمن يصارع أو ينازع أو يخاصم من هو أقوى منه أو يتشبه بغيره ويحكي فعله ولا يقوى قوته.\rاحتك حكم الصبي على أهله!\rالحكم: القضاء، ويقال: حكمت عليه بكذا حكما. وتقول: حكمته تحكيما إذا أذنت له أنَّ يحكم، فتحتم هو واحتكم. ولما كان الصبي مقبولا ما حكم به على أهله، ومسموعا ما طلب منهم، ومغتفرا ما تحامل به عليهم، ضرب الناس بحمه المثل في الناس كل من تسمع مقالته، ويتحمل انبساطه عليك، وتغفر دالته. كان أبو سفيان إذا نزل به جار قال له: انك قد اخترتني جاراً، واخترت داري داراً، فجناية يدك على دونك، فإن جنت يد فأحتكم علي حكم الصبي على أهله! وقال الشاعر:\rولا تحكما حكم الصبي فأنه ... كثير على ظهر الطريق مجاهله\rو من كلام أبي بكر بن القبرطانة يحق لي أنَّ أذهب شططا، وأتكلم منبسطا، وأبين غرضي كله ومذهبي، وأحتكم على مكارمه تحكم الصبي، وأبلغ بك كل أمل وأرب، وأملأ دلوي في رجائك إلى عقد الكرب. وأشار بهذا الأخير إلى قول القائل:\rمن يساجلني ماجداً ... يملا الدلو إلى عقد الكرب\rأحكى من قردٍ.\rيقال: حكيت الحديث وحكوته بالياء والواو ذكرته وحكيته عن فلان: نقلته عنه، وحاكيت قلانا وفعلت مثل فعله؛ والقرد بكسر القاف وسكون الراء معروف جمعه أقراد وقرود وقرد. وهذا الحيوان مع قبحه في الغاية من الإلهام والحذق بمحاكاة غيره وبالحرف وغيرها: فهو يعلم الخياطة والصياغة وغير ذلك؛ ويعلم حفظ الأمتعة وحراسة الحوانيت ونحوها؛ ويحاكي الإنسان في جميع أفعاله ما خلا النطق كما قال أبو الطيب:\rيريدون شأوي في كلام وإنّما ... يحاكي الفتى في ما خلا المنطق القرد\rحلأت حالئه عن كوعها.\rيقال: خلا الجلد، بالفتح يحلؤه إذا قشرته أو إذا نزع تحليئه، والتحليء ما أفسده السكين من الجلد أو ما يبقى من الصفاق على باطنه عند السلخ؛ والكوع: رأس الزند الذي يلي الإبهام؛ والكرسوع: رأس الزند الذي يلي الخنصر.\rومعنى المثل أنَّ المرأة إذا حلأت الأديم، فإنَّ رفقت سلمت وإنَّ خرقت قطعت بالشفرة كوعها. فيضرب غي حذر الإنسان على نفسه.\rأحلبت أم أجلبت؟\rيقال: أحلب الرجل بالحاء المهملة إذا ولدت إبله إناثا لأنها تحلب، وأجلب بالجيم إذا ولدت ابله ذكوراً لأن أولادها تجلب إلى السوق فتباع.\rحلبت صرام.\rالحلب بالتسكين استخراج ما في الضرع من اللبن حلب الشاة بالفتح يحلبها حلبا؛ وصرام على مثال غراب آخر اللبن بعد التغريز يحتاج إليه الرجل فيحلبه ضرورة. فضرب ذلك مثلا لاستخراج آخر ما في النفس، فإذا قيل: حلبت صرام، فكأنه قيل: بلغ العر آخره. قال الشاعر:\rألا أبلغ بني سعد رسولا ... ومولاهم فقد حلبت صرام\rو الصرام أيضاً اسم من أسماء الحرب والداهية.\rلتحلبنها مصرا!\rالحلب تقدم؛ والمصر بالفتح والسكون حلب جميع ما في الضرع حتى لا يبقى شيء. والتمضر حلب بقايا اللبن. وشاة أو الناقة مصور بطيئة خروج اللبن. وهذا المثل يضرب في توعد العدو، وكأنك تقول له: انك لا تنال مني شيئاً، وإنّما أنت بمنزله من يحلب الشاه الممصورة فوضعت المصدر موضع المفعول أي: لتحلبنها ممصورة لا لبن فيها كما يقال: ضرب الأمير.\rحلف له بالمحرجات.\rالحلف معروف يقال: حلف بالفتح يحلف حلفا بالكسر ككذب؛ والمحرجات: الأيمان الموقعة في الحرج وهو الإثم والضيق. ويقال: المحرجات الثلاث وهي الطلاق والعتاق والمشي إلى مكةز وقيل: هي الطلاق ثلاثا.\rحلم الأديم","part":1,"page":195},{"id":196,"text":"الأديم الجلد. ويقال: حلم الأديم بالكسر يحلم إذا فسد ووقع فيه دود. ثم يضرب للأمر يتناهى فساده. قال الوليد بن عقبة يخاطب معاوية رحمه الله تعالى:\rفإنك والكتاب إلي علي ... كدباغة وقد حلم الأديم\rو سيأتي تتمة هذا الشعر.\rوأول من قال هذا المثل خالد بن معاوية بن سنان السعدي، وذلك إنه استب، وهو بنو تميم، عند النعمان بن المنذر، فقال خالد يرتجز فيهم:\rدوما بني غنم ولن تدوما ... لنا ولا سيدكم مرحوم\rغنا سراة وسطنا قروم ... قد حملت أحسابنا تدوم\rفي الحرب حتى حلم الأديم\rفذهب قوله حلم الأديم مثلاً. وقال لهم أيضاً:\rإنَّ لنا يا أهل غنم علما ... أفواه أفراس أكلن هشما\rاستاه أم يغتدين لحما ... تركتم خير قويس سهما\rفذهب هذا أيضاً مثلا وسيأتي.\rثم أنَّ شاعر غنم رجز بخالد أيضاً ومع خالد أخ له. فاستعدوا عليه النعمان فقال خالد: أبيت العن! إذا أركب أنا وأخي ناقة ثم نتعرض لهم فإن استطاعوا فليعقروا بنا! فأعجب النعمان ذلك وقال: قد أعطوكم بحقكم. قالوا: قد رضينا. فقال النعمان: أما والله لتجدنه ألوى بعيد المستمر! فأرسلها مثلا وسيأتي.\rثم إنَّ خالدا وأخاه أكتفلا ناقتهما بكفل وتأخر أحدهما إلى العجز وجعل وجهه مما يلي الذنب وتقدم الآخر إلى الكتف وجعل كل واحد منهما يذبب بسيفه فلم يخلصوا إلى أن يعقروا بهما.\rأحلم من فرخ الطائر.\rالحلم بالكسر الأنات والعقل. يقال: حلم بالضم يحلم حلما فهو حليم وهم حلماء وأحلام؛ وجمع الحلم حلوم وأحلام؛ وافرخ معروف جمعه أفراخ وفراخ. ونسب الحلم إلى فرخ الطائر لأنّه يخرج من البيضة على قنة الجبل ثم لا يتحرك حتى يتم نبات ريشه؛ ولو تحرك سقط. وتقدم في قولهم: أحزم من عقاب ومن فرخ العقاب وهو المقصود هنا.\rالحمد مغنم والمذمة مغرم.\rهذا المثل ظاهر المعنى إفرادا وتركيبا يضرب عند اكتساب المحامد واجتناب المذام. ومثله قول مالك بن جرير: وإنَّ قليل الذم غير قليل وقبله:\rأجود على العافي وأحذر ذمه ... إذا ضن بالمعروف كل بخيلِ\rو مثله قول عبيد:\rالخير يبقى وإن طال الزمان به ... والشر أخبث ما أوعيت في زادِ\rو قول الحماسي:\rأيا ابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد!\rإذا ما صنعت الزاد فلتمسي له ... أكيلا فإني لست آكله وحدي\rأخا طارقا أو جار بيت فإنني ... أخاف مذمات الأحداث من بعدي\rوكيف يسيغ المرء زادا وجاره ... خفيف المعى بادي الخصاصة والجهد؟\rوللموت خيرٌ من زيادة باخل ... يلاحظ أطراف الأكل على عمدِ\rوإني لعبد الضيف ما دام ثاويا ... وما في إلاّ يلك من شيمة العبدِ\rو قول حاتم:\rأكف يدي عن أن ينال التماسها ... أكف صاحبي حين حاجاتنا معا\rأبيت هضيم الكشح مضطمر الحشا ... من الجوع أخشى الذم أن أتضلعا\rوإني لأستحيي رفيقي أن يرى ... مكان يدي من جانب الزاد أقرعا\rوإنك إن أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا\rو قول عمرو بن الأهتم:\rوكل كريم يتقي الذم بالقرى ... وللخير بين الصالحين طريقُ\rلعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكن أخلاق الرجال تضيقُ\rو قول الآخر:\rألا يكن عظمي طويلاً فإنني ... له بالخصال الصالحات وصولُ\rولا خير في حسن الجسوم وطولها ... إذا لم تزن حسن الجسوم عقولُ\rإذا قد رأينا من فروع طويلة ... تموت إذا لم يحيهن أصولُ\rولم أر كالمعروف أما مذاقه ... فحلو وإما وجهه فجميلُ\rو الشعر في هذا المعنى لا يحصر.\rأحمق ما يتوجه.\rالحمق قلة العقل. حمق الرجل بالضم وحماقة وانحمق واستحمق فهو أحمق وهم حماق وحمق بضمتين وحمقى وحماقى؛ وتوجه: أقبل وولى وكبر. ويقال: أحمق ما يتوجه أي ما يحسن أن يأتي الغائط لحمقه.\rأحمق من جهبر.\rالحمق مر؛ والجهبر أنثى الدب وهو دويبة معروفة يصطاد بها يزعمون أنها تترك ولدها وترضع ولد الضبع فوصفت بالحمق.\rواعلم أنهم بنوا صيغة التفضيل من حمق وهو من الخارج عن القياس: فإنَّ نحو هذه المادة لا يبنى منها قياس كما قرر في محله.\rأحمق من جهيزة.","part":1,"page":196},{"id":197,"text":"جهيزة بالجيم أوله والزاي آخره على وزن صحيفة هي أم شبيب بن زيد الشيباني الخارجي. كان أبوه يزيد اشتراها من السبي فقال لها: أسلمي! فأبت فضربها فلم تسلم فواقعها فحملت فلما أحست بالولد تحرك في بطنها قالت: إنَّ في بطني شيئا ينفر. فقال الناس حينئذ: أحمق من جهيزة وضرب بها المثل في الحمق.\rوقيل إنَّ جهيزة هي عرس الذئب تدع ولدها وترضع ولد الضبع. وفيها أو في مثلها ورد قول الشاعر:\rكمرضعة أولاد أخرى وضيعت ... بني بطنها هذا الضلال على قصد!\rو جهيزة أيضاً امرأة حمقاء. واجمع قوم يخطبون في الصلح بين حيين في دم لكي يرضوا بالدية. فبينما هم كذلك قالت جهيزة: ظفر بالقاتل ولي المقتول فقتله فقالوا: قطعت جهيزة قول كل خطيب!\rأحمق من أبي غبشان.\rأبو غبشان بفتح الغين المعجمة وتضم أيضاً وبسكون الباء الموحدة رجل من خزاعة كان يلي سدانة الكعبة قبل قريش. فاجتمع هو وقصي في شرب بالطائف فأسكره قصي ثم اشترى منه المفاتيح بزق خمر وأشهد عليه. ودفعها قصي لابنه عبد الدار وأرسله في الحين إلى مكة. ثم أفاق أبو غباشة من سكره وهو أندم من الكسعي فضرب به المثل في الحمق وفي الندم وخسارة الصفقة كما يأتي.\rأحمق من حبارى.\rالحبارى بضم الحاء وبألف مقصورة للتأنيث طائر معروف يقع على الذكر والأنثى ويوصف بالحمق.\rوفي كلام عثمان رضي الله عنه: كل شيء يحفظ ولده حتى الحبارى! وإنّما خصها بالذكر لأنها مشهورة بالحمق ومع ذلك تحب ولدها وتطعمه وتعلمه الطيران كسائر الحيوانات.\rأحمق من دغة.\rالحمق مر ودغة بدال مهملة وغين معجمة مخففة على مثال ثبة وكرة والأصل دغي أو دغو. وهي امرأة من بني عجل وهي مارية بنت مغنج ومغنج هو ربيعة بن عجل. ودغة حمقاء مشتهرة بذلك ولذلك ضرب بها المثل.\rوكان من حمقها إنّها تزوجت في بني العنبر بن عمرو بن تميم. فلما أخذها الطلق ظنت إنّها تريد الخلاء فانطلقت إلى بعض الغيطان تتبرز فولدت واستهل الولد ورجعت إلى بيتها تقدر إنّها أحدثت. فقالت لضرتها: يا هنتاه هل يفتح الجعرافة؟ قالت: نعم ويدعو أباه فمضت ضرتها وأخذت الولد. فبنو العبير يدعون بذلك بني الجعراء وصار ذلك لقبا لهم.\rونظرت يوما إلى زوجها يقبل بنته ويقول: بأبي درادرك والدرادرك مغارز الأسنان. فذهبت هي ودقت أسنانها بفهر حتى بدت درادراها فجاءت زوجها وقالت له: كيف ترى درادري؟ فقال لها: أعييتني بأشر فكيف بدردر؟ وهو مثل سيأتي. وقال أبو نواس:\rوما لبكر بن وائل عصم ... إلاّ بحمقائها وكاذبها\rوقد خطأ أبو العباس المبرد أبا نواس في هذا وقال إنّه أراد بالحمقاء هبنقة القيسي ولا يقال للرجل حمقاء. ورد عليه بانه أراد دغة العجلية وعجل في بكر بن وائل.","part":1,"page":197},{"id":198,"text":"قال شمس الدين بن خلكان رحمه الله تعالى: وقد رأيت المبرد في المنام وأنا بالاسكندرية وفي سنة ست وثلاثين وستمائة وعندي الله تعالى ذاك الكامل للمبرد وكتاب العقد الفريد لابن عبد ربة. فرأيت في العقد في ترجمة ما غلط فيه على الشعراء وذكر أبياتا نسبوا أصحابها إلى الغلط ولم يغلطوا وإنّما وقع الغلط ممن غلطهم منها ما ذكر المبرد في الروضة من تغليط أبي نواس في البيت السابق والغلط إنّما هو من المبرد كما قررنا. قال: فلما كان بعد ليال قلائل من وقوفي على هذه الفائدة رأيت كأني بمدينة حلب في مدرسة القاضي بهاء الدين وكأننا صلينا الظهر جماعة. فلما فرغنا أردت الخروج فرأيت في أخريات الموضع رجلا واقفا يصلي فقال لي بعض الحاضرين: هذا أبو العباس المبرد. فجئت إليه وقعدت إلى جانبه انتظر فراغه. فلما فرغ سلمت عليه فقلت له: أنا في هذا الزمان أطالع كتابك الكامل. فقال لي: رأيت كتابي الروضة؟ فقلت: لا. وما كنت رأيتها قبل ذلك. فقال لي: قم حتى أريك إياه فقمت وصعد بي إلى بيته. فدخلنا ورأيت فيه كتب كثيرة. فقعد يفتش عليه وقعدت أنا ناحية. فأخرج مجلدا ودفعه لي ففتحته وتركته في حجري فقلت له: قد أخذوا عليك. فقال: أي شيء أخذوا؟ فقلت له: انك نسبت أبا نواس إلى الغلط في بيت كذا وأنشدته إياه. فقال: نعم غلط في هذا. فقلت؟ إنّه لم يغلط بل هو على صواب ونسبوك أنت إلى الغلط في تغليطه. فقال: وكيف هذا؟ فعرفته ما قاله صاحب العقد. فعض على رأس سبابته وبقي ساعة ينظر إلي وهو في صورة خجلان حتى استيقظت من منامي وهو على تلك الحال. انتهى ملخصا.\rأحمق من رجلة.\rالرجلة بكسر الراء وسكون الجيم: ضرب من النبات معروف ينبت في حميل السيل فيقتلعه فيوصف لذلك بالحمق. ويقال له بقلة الحمقاء والبقلة اللينة والبقلة المباركة. وقيل إنَّ البقلة المباركة هي الهندباء. وقولهم بقلة الحمقاء أضيف منه الموصوف إلى الصفة في الظاهر كقولهم: مسجد الجامع وصلاة الأولى.\rأحمق من رخمة.\rالرخمة بفتح الراء والخاء المعجمة طائر معروف جمعه رخم ويقال له الانوق كما مر. ومن تم يقال لها ذات الاسمين. وهي تتمنع في قلل الجبال كما تقدم وتتحرز ومع ذلك تحمق. قال الكميت:\rوذات أسمين والألوان شتى ... تحمق وهي كيسة الحويل\rو ذكر الروافض عند الشعبي فقال: لو كانوا من الدواب لكانوا حمرا ومن الطير لكانوا رخما. والرخمة من لئام الطير ولئام الطير فيما يزعمون ثلاثة: الرخمة والغراب والبومة.\rأحمق من صاحب ضأن ثمانين.\rالضأن بسكون الهمزة وفتحها جمع ضائن مثل ركب لراكب وحرس لحارس والضائن خلاف الماعز من الغنم والأنثى ضائنة. ويقال: أضأن الرجل كثرت عند الضأن وثمانون عقد معلوم من العدد وصاحب ضأن ثمانين قالوا هو رجل بشر كسرى فقال له كسرى: سل مني ما شئت فقال: أسألك ضأنا ثمانين فقال: أحمق من صاحب ضأن ثمانين. وقيل إنّه رجل حكمه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: أيما أحب إليك: ثمانون من الضأن أو أدعو الله تعالى أن يجمعك معي في الجنة. فقال: بل ثمانون من الضأن. فقال صلى الله عليه وسلم : أعطوه إياه ثم قال صلى الله عليه وسلم :إنَّ صاحبة موسى كانت أعقل منك. وذلك إنَّ عجوزا دلته على عظام يوسف عليه السلام فقال لها موسى عليه السلام: أيما احب إليك: أسأل الله أن تكوني معي في الجنة أو مائة من الغنم؟ فقالت: الجنة.\rويروى أيضاً إنَّ رجلا وقف على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقسم غنائم حنين فقال: إنَّ لي عندك موعدا يا رسول الله قال: صدقت فاحتكم ما شئت قال: إني أحتكم ثمانين ضائنة وراعيها. فقال صلى الله عليه وسلم : هي لك وقد احتكمت يسيرا. ولصاحبة موسى عليه السلام التي دلته على عظام يوسف عليه السلام كانت أحزم منك حين حكمها موسى فقالت: حكمي أن تردني شابة وأدخل مع الجنة.\rوفي هذا الرجل يقال: أقنع من صاحب الثمانين وراعيها كما سيأتي.\rأحمق من ضبع.\rالضبع على مثال سبع معروف يقع على الذر والأنثى وهو مؤنث اللفظ. والذكر بخصوصه ضبعان بالكسر والأنثى ضبعانة ولا يقال ضبعة. وقيل يقال. ويقال للذكر منه أيضاً ذريح بكسر الذال المعجمة.","part":1,"page":198},{"id":199,"text":"والضبع توصف بالحمق. ومن حمقها فيما يزعمون أن الصائد إذا أراد أن يصيدها رمى بحجر في وجارها فتحسبه شيئاً فتخرج إليه. وإنّها أيضاً يقال لها وهي في الوجار: خامري أم عامر أي أسترى كما سيأتي. فتبقى حتى يدخل إليها ويقيدها برجلها ويخرجها. ويقال لها أيضاً وهي في الوجار: اطرحي أم طريف خامري أم عامر أبشري: بجراد عظلى وشاة هزلي فتبقى حتى تقبض. ومن الناس من يرى إنَّ هذه من خرافات العرب فقط. وأهل زمانا أيضاً يزعمون إنَّ الصيادين إذا اجتمعوا حول وجاره وجعل بعضها يقول: ما هي هما وما هنا شيء فتتلبث هي حتى تقبض وإنّهم أيضاً قد يرونها فيعظمونها ويهولون أمرها ويقولون: ما هذا السبع؟ وما هذه الداهية؟ ونحو ذلك. فتبقى تنتفخ وتتعظم في نفسها ولا تفر حتى يقبضوها.\rومن شهرة حمقها على سائر الدواب يقول العرب يقال المثال الآخر في الشيء يدعى وضوحه جدا: ما يخفى هذا الأمر على الضبع.\rأحمق من ناطح الصخرة.\rالنطح دفع الشيء بالقرون والصخرة واحد الصخور المعروفة وناطح الصخرة هو الوعل والوعل هو التيس الجبلي كما مر جمعه أوعال ووعول. قال امرؤ القيس:\rتلاعب أولاد الوعول رباعها ... دوين السماء في رؤوس المجادل\rوقال أمية بن أبي الصلت:\rكل حي وإن تطاول دهرا ... آئل أمره إلى أن يزولا\rليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في رؤوس الجبال أرعى الوعولا\rيحكى إنَّ أمية لمّا احتضر غشي عليه ثم أفاق فقال: لبيكما لبيكما أنا إذا لديكما: لا عشيرتي تحميني ولا مالي يفديني ثم غشي عليه. فلما أفاق قال: كل حي ...... البيتين ففاظت نفسه. وهما من شعره الحكيم.\rويروى إنَّ عمرو بن العاصي تمثل بهما. وكان لمّا حضرته الوفاة قال له ابنه: يا أبتاه! انك كنت تقول: يا ليتني ألقى رجلا عاقلا لبيبا عند نزول الموت به حتى يصف لي ما يجد وأنت ذلك الرجل: فصف لي الموت! فقال: يا بني كأن السماء قد انطبقت على الأرض وكأني بينهما أتنفس من سم إبرة وكأن غصن شوك يجذب من قدمي إلى هامتي. ثم أنشأ يقول: ليتني كنت......البيت. ومثل هذا عن عبد الملك بن مروان لمّا احتضر وكان في قصره مشرفا على الناس. فنظر فرأى بعض الغسالين يغسل الثياب فقال: ليتني كنت نثل هذا الغسال أكتسب قوتي يوم بيوم ولم أكن وليت الخلافة ثم تمثل بالبيتين السابقين فمات.\rويحكى إنّه لمّا بلغت قصته هذه بعض أهل زمانه قال: الحمد لله الذي جعلهم عند الموت يعني الرؤساء يتمنون ما نحن فيه ولم يجعلنا نتمنى ما هم فيه.\rوقالوا في الوعل ناطح الصخرة لقول الأعشى:\rكناطح صخرة يوما ليقلعها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل\rو قول الآخر:\rفرشني لا أكونن ومدحتني ... كناطح يوما صخرة بعسيل\rأحمق من نعامة.\rالنعامة معروف وتقدم ما فيه. والنعامة توصف بالحمق وذلك إنّها تخرج طلبا للطعم وتدع بيضها. فمتى وجدت بيض نعامة أخرى حضنتها ونسيت بيضها. وفي ذلك يقول أبن هرمة:\rوإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زنداً شحاحا\rكتاركةٍ بيضها بالعراء ... وملحقة بيض أخرى جناحا\rو من حمقها إنَّ الصائد إذا أدركها أدخلت رأسها في كثيب رمل تقدر أنها اختفت عنه بذلك وهي بادية له. ومع ذلك فكان لها في بيضها أمر عجيب، وذلك إنّها تبيضها زوحا وتضعها فتقسمها قسمين: فقسما تحضنه وقسما تتركه يكون غذاء لمّا يكون من الأفراخ، على ترتيب في ذلك ووضع عجيب. فسبحان القادر على ما يشاء والملهم كل حي منافعه.\rوأما قول علقمة:\rحتى تلافى وقرن مرتفع ... أدحي عريسين فيه البيض مركوم\rفقد قيل إنّه غلط لأن بيض النعام لا يكون مركوما، أي بعضه على بعض، كما قلنا.\rأحمق من هبنقة.\rويقال أيضا أحمق من ذي الودعات؛ وهبنقة بالفتحات مع تشديد النون. هو يزيد بن ثروان القيسي. ويقال له ذو الودعات ولقب بذلك لأنه كان يتقلد الودع، والودع بفتحتين خرز أبيض يستخرج من البحر، الواحد ودعة والجمع ودع وتسكن الدال أيضاً وودعات.\rوقال الشاعر في المفرد:\rأسن من جلفزيز عوزم خلقٍ ... والحلم حلم صبي يمرس الودعه","part":1,"page":199},{"id":200,"text":"و الجلفزيزي العجوز والناقة الهرمة؛ والعوزم العجوز والناقة المسنة فيها بقية. ومعنى يمرس الودعة: يمصها. ويقول إنه كبير الجسم، صغير العقل. وقال: الآخر في الجمع، مسكنا ومحركا:\rإنَّ الرواة بلا فهم لمّا حفظوا ... مثل الجمال عليها يحمل الودع:\rلا الودع ينفعه حمل الجمال له ... ولا الجمال بحمل الودع تنتفع\rقيل: الودع أشتق له من الودع وهو الترك، لمّا قالوا من البحر يتركه، وذلك إنّه يقذفه حيوانا فيموت ويصلب صلابة الحجر، ويعلق للعين. فكان هبنقة أتخذ قلادة من ودع وعظام خزف يجعلها في عنقه، وكان طويل اللحية. فقيل له:لم تعلق هذا؟ فقال: لئلا أضل. ثم إنَّ أخا له سرقها ذات ليلة وتقلدها. فلما صبح هبنقة ورآها في عنق أخيه فقال له: يا أخي، أنت أنا، فمن أنا؟ فضرب به المثل في الحمق.\rوقد حكيت عنه أخبار كثيرة في الحمق: منها أنه أشترى له أخوة بقرة بأربع أعنز. فلما ركبها وأعجبه عدوها، التفت إلى أخيه فقال له: زدهم عنزاً! فضرب به مثلا للمعطي بعد وجوب البيع. ثم إنّه سار بالبقرة حتى مر بأرنب تحت شجرة، ففزع منها، وركض البقرة حتى تجاوزها فقال:\rالله نجاني ونجى البقرة ... من جاحظ العينين تحت الشجرة\rومنها إنّه مان إذا رعى الإبل رد السمان منها إلى المرعى، ونحى المهازيل وقال: لا اصلح ما افسد الله! ومنها إنّه اختصم إليه بنو راسب والطفاوة في غلام تنازعه الفريقان، فقال : اذهبوا فاطرحوه في النهر: فإنَّ طفا فوق الماء فهو للطفاوة، وإنَّ رسب فيه فهو لبني راسب. وهذه أيضاً تحكى عن غير هبنقة، كما سيأتي، والله اعلم. ومنها إنّه ضل له بعير فقال: من جاء به فله بعيران. فقيل له: أتجعل في بعير بعيرين؟ فقال انكم لا تعرفون حلاوة الوجدان! وقال اليزيدي:\rعش بجد ولا يضرنك نوك: ... إنّما عيش من ترى بالجدود\rرب ذي إربة مقل من المال ... وذي عنجهية مجدود\rعش بجد وكن هبنقة القيسي ... أو مثل شيبة بن الوليد!\rو سبب قول اليزيدي هذا الشعر إنّه تناظر، هو والكسائي، في مجلس المهدي، وكان شيبة أبن الوليد حاضرا فتعصب للكسائي وتحامل على اليزيدي فهجاه.\rيحمل شن ويفدي لكيز.\rالحمل معروف، تقول: حملت الشيء أحمله حملا كضربته أضربه ضربا؛ وشن اسم رجل وهو شن بن أفصى بن عبد القيس بن جديلة؛ وتقول فديت الرجل تفديه إذا قلت له: جعلت فداءك. قال امرؤ القيس:\rفيا رب مكروب كررت وراءه ... وعانٍ فككت الغل عنه ففداني\rو العرب تقول في التفدية: فدتك نفسي، وأبي وأمي، وطارفي وتالدي. وتقول: فديت الرجل ثلاثيا، وفاديته إذا فككته؛ ولكيز بالزاي، على مثل زبير هو أبن أفصى، أخو شن المذكور. وكان شن وأخو لكيز مع أمهما ليلى بنت قرآن في سفره، فنزلا بموضع يقال له ذو طوى. فلما أرادت الرحيل فدت لكيز، ثم دعت شناً ليحملها. فحملها وهو غضبان حتى إذا كانا بالثنية رمى بها عن بعيرها وقال: يحمل شن ويفدى لكيز! فذهبت ويضرب في وضع الشيء غير موضعه. ثم فقط عليك بجعرات أمك يا لكيز!.\rومثل هذا المثل، المثل الآتي: هيل خير حالبيك تنطحين، وقول الشاعر:\rوإذا تكون كريهة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب!\rكما مر. وكل ذلك يضرب في الخطأ في مكافئة المحسن بالإساءة والمسيء بالاحسان.\rالحمى أضرعتني إليك!\rالحمي مرض معروف. يقال: حم الرجل بضم الأول وأحمته الله، فهو محموم؛ والاضراع: الإذلال. يقال: ضرع إليه بالفتح يضرع ضراعة: ذل وخضع، وأضرعة الغير. وهذا المثل يضرب عند الذل للحاجة.\rقال: أبو علي القالي: إنّما قيل هذا لأن صاب الحاجة تأخذه رعشة، من الحرص على حاجته. ويقول: فهذا الذي في من القل هو الذي أضرعني؛ والقل الرعدة. انتهى. وقوله: القل الرعدة، يعني بكسر القاف. وحصل ما ذكر أنَّ ما طلبه من الحرص المزعج له إزعاج الحمى هو الذي أضر وأذله، كما قال الآخر: أذل الحرص أعناق الرجال وهو ظاهر\rالحمى أضرعتني للنوم.","part":1,"page":200},{"id":201,"text":"هذا المثل كالذي قبله في المعنى، وهو هو بعينه. وأوّل من قاله قرين بن مصاد الكلبي. وكان لصا مبيراً حتى إنّه كان يقال له الذئب لشدة لصوصيته. وكان له أخوان: مرارة ومرة؛ وإنَّ مرارة خرج يتصيد الأروى في جبل يقال له أبلق، فأختطفه الجن. فانطلق مرة أخوه بأثره حتى إذا كان بذلك المكان اختطف أيضاً. وكان قرين غائبا فلما قدم وعلم بأمر أخويه أقسم لا يشرب خمراً ولا يمس رأسه غسلا حتى يطلب أخويه. فتكتب قوسه وانطلق إلى ذلك المكان. فمكث فيه سبعة أيام لا ينام ولا يرى شيئاً حتى كان اليوم الثامن، فإذا هو بظليم فرماه وأصابه، واستقبل الظليم حتى صار في أسفل الجبل. فلما وجبت الشمس بصر بشخص قام على صخرة ينادي:\rيا أيها الرامي الظليم الأسود ... ثبت مراميك ولمّا ترشد!\rفأجابه قرين:\rيا أيها الهاتف فوق الصخرة ... كم عبرة هجيتها وعبرة\rبقتلكم مرارة ومرة ... فرقت جمعا وتركت صخرة!\rفذهب الجني وتوارى عنه هونا من الليل. فأصابت قرينا حمى فغلبته عينه فنام. فأتاه الجني فاحتمله وقال: ما أنامك، وقد كنت حذرا؟ فقال قرين: الحمى أضرعتني للنوم. ثم أنطلق به حتى أتى حاضر الجن. فلما كان في وجه الصبح، خلى سبيله، فقال قرين عند ذلك:\rألا من بلغ فتيان قومي ... بما لاقيت بعدهم جميعا؟\rغزوت الجن أطالبهم بثأري ... لأسقيهم به سما نقيعا\rفيرض لي ظليم بعد سبعٍ ... فأرميه فأتركه صريعا\rوكنت إذا القروم تعاورني ... جريء الصدر معتز منيعا\rبنى لي معشري وجدود صدق ... بذروة شامخ بيتا منيعا\rوعزا سامعا ثبت الرواسي ... ترى شم الجبال خضوعا\rحمي الوطيس.\rتقدم في باب الهمزة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وسيأتي في الأمثال الحديثة.\rأحمى من مجير الجراد.\rالحماية: المنع. وتقول: حميت الشيء أحميه حماية إذا حفظته ومنعته.\rقال جرير:\rحميت حمى تهامة بعد نجدٍ ... وما شيء حميت بمستباح\rو تقول: أجرت الرجال أخيره إذا منعته من أن يظلم، فهو جار. وقال الشاعر:\rوكنت إذا جاري دعا لمضيفةٍ ... أشمر حتى ينصف الساق مئزري\rو جار الرجل واستجار: طلب أنَّ يجار؛ والجراد معروف، واحده جرادة للذكر والأنثى، ومجير الجراد هو مدلج بن سويد الطائي. وذكروا إنّه بينما هو ذات يوم في ظل خيمة إذ رأى قوما من طيء قد أقبلوا ومعهم الأوعية، فقال: ما شأنكم فقالوا: جراد بات بفنائك، فجئنا نأخذه. فلما سمع ذلك، قام إلى فرسه فركبه وتسلح وقال لهم: أيكون الجراد بفنائي وتريدون أخذه؟ والله لا يعرض له أحد منكم إلاّ قتلته! فلم يزل يحرسه حتى طلعت عليه الشمس وطار، فقال: شأنكم الآن به، فقد تحول الآن عن جواري! فضرب به المثل.\rحن حنين الثكلى\rتقدم معنى الحنين: التي فقدت ولدها وتقدم أيضاً. وحنين الثكلى شديد، كما تقدم في قولهم: أحر من دمع المقلات. وقالت أسماء المرية:\rفإن بأكناف الرغام غريبه ... مولهة ثكلى طويلا نئيمها\rوقال الخنساء في الثكلى من الإبل وحنينها:\rفما عجول على من تحن له ... لها حنينان: إعلان وإسرار\rترتع ما غفلت إذا أذكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار\rيوما بأوجع مني يوم فارقني ... صخر وللدهر إحلاءٌ وإمرار\rونحوه قول عبد الله بن الزبير الأسدي:\rرمى الحدثان نسوة آل زيدٍ ... بمقدارٍ سمدن له سمودا\rفرد شعورهن السود بيضاً ... ورد وجوههن البيض سودا\rفإنك لو سمعت دعاء باكيةٍ حزينٍ ... أبان الهر وأحدها الفقيدا\rحنَّ قدحٌ ليس منها.\rهذا المثل يضرب للرجل يدخل نفسه في القوم وليس منهم أو يمتدح بالشيء ليس من أهله. يروى أنَّ عقبة بن أبي معيط لمّا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله قال: أ أقتل من بين قريش؟ فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حن قدح ليس منها! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وهل أنت إلاّ يهودي من صفورية؟ وذلك أنهم ذكروا أنَّ أمية بن عبد شمس خرج إلى الشام وأقام بها عشر سنين. فوقع على أمة يهودية للخم من صفورية يقال لها ترنى فولدت له ذكرا فاستلحقه أمية وكناه أبا عمرو وهو أبو أبي معيط.\rحنت ولا تهنت.","part":1,"page":201},{"id":202,"text":"هذا المثل لمازن بم مالك بن عمرو بن تميم وذلك أنَّ الهيجمانة بنت العنبر بن عمرو بن تميم بن مر كان عبد شمس بن سعد بن زيد مناة بن تميم كان يزورها. فنهاه قومها عن ذلك فأبى حتى وقعت الحرب بين قومه وقومها. فأغار عليهم عبد شمس في جيشه فعلمت به الهيلمانة فأخبرت أباها. وكانوا يعرفون إعجاب الهيلمانة به كإعجابه بها. فلما قالت هذه المقالة لأبيها قال مازن بن مالك: حنت ولا تهنت! وأنى لها مقروع؟ ومقروع عبد شمس كان يلقب به، لأن القريع والمقروع في كلام العرب هو المختار فقال لها أبوها عند ذلك: أي بنية اصدقيني! كذلك هو؟ فانه لا رأي لمكذوب. فقالت: ثكلتك إن أكن صدقتك فانج لا أخالك ناجيا! فذهبت كلمة مازن وكلمته وكلومتها أمثالا. فقال مازن: حنت ولا تهنت أراد أنها إنما كان غرضها أن تذكر عبد شمس ليجري اسمه على لسانها حبينا إليه وشوقا لا شفقة على قومها ولا نصحا لأبيها ولا تحذيرا. وقوله: ولا تهنت دعاء عليها أي: لا هناها الله بذلك! وأراد: لا تهنأت بالهمز من الهناء ثم خفف الهمزة وقلبها ألفاً ثم حذف الألف لملاقاة التاء الساكنة كما في نظائره.\rقيل: ويحتمل أن يريد: ولات هنا أي ليس هذا الوقت أو: أنَّ ذلك ولا حينه كما قال الأعشى:\rلات هنا ذكرى جبيرة أم من ... جاء منها بطائف الأهوال!\rأي ليس هذا حين ذكرها يأسا منها. وكما قال الراعي:\rأفي أثر الأظعان عينك تطمح؟ ... نعم! لات هنا إنَّ قلبك متيح!\rو كما قال جحل بن نضلة الباهلي:\rحنت نوار ولات هنا حنت ... وبدا الذي كانت نوار أحنت\rلمّا رأت ماء السلى شربا لها ... والفرث يعصر في الإناء أرنت\rو في إعرابه كلام مبين في علم النحو. والتاء في لات لتأنيث الكلمة كما قيل في رب وثم ربت وثمت. وقيل إنها بدل من الألف لأن التاء تبدل من الألف عند الوقف وعند السجع كما قيل:\rمن بعدما وبعدما وبعدمت ... صارت نفوس القوم عند الغلصمت\rحورٌ في محارةٍ\rالحور بضم الحاء وفتحها وهو مضموما: الهلاك والنقصان ومفتوحا النقصان أيضاً والرجوع. يقال: حار إليه بحور حورا: رجع. قال مهلهل بن ربيعة التغلبي:\rأليلتنا بذي حسم أنيري ... إذا أنت انقضيت فلا تحوري!\rأي: لا ترجعي! والمحاورة النقصان أيضاً.\rومعنى المثل: نقصان في نقصان. يقال للرجل يكون أمره في إدبار أو للرجل ينقص بعد الزيادة ويكون صالحا فيفسد ولمن لا يصلح. ومن ورود الحور بمعنى النقصان قول الشاعر:\rواستعجلوا عن خفيف المضغ فازدروا ... والذم يبقى وزاد القوم في حورِ\rحيل بين العير والنزوان.\rتقول: حال الشيء بيني وبين كذا يحول حيلولة: منعني منه؛ وحيل بين زيد وبين كذا. قال تعالى )وحيلَ بينهم وبينَ ما يشتهونِ(؛ والعير بالفتح الحمار وسيد القوم أيضاً؛ والنزوان مصدر قولك: نزا الفحل على الأنثى ينزو عليها نزوا ونزوانا.\rوالمثل يضرب للرجل يعوقه عن مطلبه عائق. وهو قول صخر بن عمرو بن الشريد:\rأهم بفعل الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان\rو سنذكره وما يتعلق به في الأمثال الشعرية إن شاء الله تعالى.\rحال الجريض دون القريض.\rالجرض الريق يغص به. يقال: جرض الرجل بريقه يجرض كفرح يفرح إذا ابتلعه بجهد على هم وحزن؛ والجريض الاختناق بالريق على الموت. قال امرؤ القيس:\rكأن الفتى لم يغن في الناس ساعة ... إذا اختلف اللحيان عند الجريضِ\rو يقال: هو يجرض على نفسه أي يكاد يقضي ومن ذلك قول امرئ القيس أيضاً:\rوأفلتهن علباء جريضاً ... ولو أدركته صفر الوطاب\rو القريض: الشعر.\rومعنى المثل أنَّ الاختناق بالريق منع من قول الشعر فيضرب في كل أمر يعوق عنه عائق.\rوأوّل من قاله جوشن الكلابي. وكان أبوه منعه من قول الشعر فمرض حزنا فرق له أبوه وقد أشرف فقال له يا بني انطق بما أحببت! فقال: هيهات! حال الجريض دون القريض. قيل: وأنشد:\rعذريك من أبيك بضيق صدري ... فما تغني بيوت الشعر عني!\rو قيل أول من قاله عبيد بن الأبرص حين وفد على النعمان في يوم بؤسه وأيقن بالموت وقال له النعمان: أنشدني! فقد كان يعجبني شعرك فقال عبيد: حال الجرض دون القريض! وقد تقدمت قصته في حرف الهمزة مستوفاة.","part":1,"page":202},{"id":203,"text":"وقال أبو محمد الحريري رحمه الله تعالى:\rما بات جارٌ لهم ساغباً ... ولا لروع قال: حال الجريض\rحوَّل حابله على نابله.\rالحابل هنا السدى؛ والنابل اللحمة وقد تقدما. ومعنى حول حابله على نابله جعل أعلاه أسفله وهو ظاهر.\rحوالينا لا علينا.\rيتمثل به كثيرا وهو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم حين استصحى فقال: اللهم حوالينا ولا علينا! أي أنزل المطر حوالينا ولا تنزله علينا! والحديث مشهور.\rوقال مشيرا إلى ذلك على طريق الاقتباس الصاحب بن عباد:\rأقول وقد رأيت لها سحابا ... من الهجران مقبلة إلينا\rوقد سحت عزاليها يهطل: ... حوالينا الصدود ولا علينا!\rو تقول: جلست حول الرجل وحوليه وحواليه وأحواله مفتوحات الأول وكلها بمعنى واحد.\rحيث لا يضع الراقي أنفه.\rحيث من ظروف المكان؛ والوضع: الطرح والجعل. تقول: وضعت الشيء أضعه بفتح الضاد فيهما؛ والرقية بضم الراء العوذة رقاه يرقيه رقيا فهو له نفث في عوذته. قال عروة بن حزم:\rفما تركا من رقية يعلمونها ... ولا شربة إلاّ بها سقياني\rو هذا المثل يضرب في الأمر لا يدنى ولا يقرب منه.\rقال أبو علي القالي: وكأنهم يرون أنَّ أصل ذلك ملسوعا لسعا في آستة فلم يقدر الراقي أن يقرب أنفه مما هناك. انتهى.\rقالت: وأورده أبو عبيد في أمثاله بلفظ جرحه حيث لا يضع الراقي أنفه وقال إنّه يضرب في الجناية لا دواء لها. فقال البكري عن أبن الكلبي: أوّل من نطق بهذا المثل امرأة من العرب وأظنها زوجة حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم أو بنته وكان حنظلة شيخا كبيرا. فأصابتهم ليلة ريح ومطر وبرق. فخرجت تصلح طنب بيتها وعليها صدار. فأكبت على الطنب وبرقت السماء برقة فأبصرها مالك بن عمرو بن تميم وهي مجيبة فشد عليها حتى خالطها فقالت:\rيا حنظل بن مالك لحرها ... يشفى بها من ليلةٍ وقرها!\rفأقبل بنوها وزوجها فقالوا لها: مالك؟ فقالت: لدغت. قالوا: أينه؟ فقالت: حيث لا يضع الراقي أنفه.فذهبت مثلا. ومات حنظلة بن مالك فتزوجها مالك بن تميم صاحب اللدغة فولدت له نفرا.\rأحير من برغوث.\rتقول: حار الرجل يحار حَيرة وحِيرة وتحيرا: إذا نظر فلم يهتد؛ والبرغوث بضم الباء معروف. قال الأعرابي:\rإلاّ ليت شعري هل أبيتن ليلة ... وليس لبرغوث علي سبيلُ؟\rو هو يطير إلى وراء وذلك من لطف الله تعالى به ليرى من يكيده.\rأحير من ضب.\rالحيرة تقدمت، والضب معروف يوصف بالحيرة، وذلك انهم يزعمون إنَّ في طبعه النسيان وعدم الهداية، ولذلك يحفر حجره عند صخرة، أو في أكمة ليلا يضل عنه إذا خرج لطلب الطعام، وذلك توجد براثينه كليلة من حفرة الكدى والأماكن الصلبة، كما قال خالد بن علقمة:\rترى الشر قد أفنى دوائر وجهه ... كضب الكدى أفنى براثينه الحفر\rو تقدم شيء من هذا في الباء.\rالحية من الحيية.\rالحية معروف يقع على الذكر والأنثى، والتاء فيه للوحدة من الجنس، كالبطة والدجاجة وحكى بعض الأقدمين: رأيت حيا على حية، أي ذكر على أنثى.\rومعنى المثل أنَّ الأمر العظيم ينشأ عن الأمر الصغير، وهو كقولهم: العصا من العصية، وسيأتي. وقريب من قولهم: إنَّ السقط يحرق الحرجة، وقد تقدم. وقد جعل بعضهم نظير هذا المعنى من كتاب الله قوله تعالى: ) ولا يلدوا إلاّ فاجرا كفارا(.\rأحيى من ضب.\rيقال: حيي الشيء بالكسر يحيى حياة فهو حي؛ والضب معروف ووصف بكثرة الحياة وطول عمره. فقد ذكر إنّه يعيش سبعمائة سنة أو أكثر، ولا تسقط له سن، ويبول كل أربعين يوما مرة واحدة. قال الشاعر:\rإنك لو عمرت عمر الحسل ... أو عمر نوح زمن الفطحل\rوالصخر مبتل كطين الوحل\rو الحسل بالكسر ولد الضب ومن ثم يقال للضب أبو حسل؛ والفطحل على مثال هزبر فيما يزعمون: زمان كانت الصخر فيه رطبة.\rومما يلحق بهذا الكتاب قولهم:\rحبا وكرامة.\rيقول الرجل لآجر إذا طلبه شيئاً: نعم وحبا وكرامة. ويقال أيضاً: حبة وكرامة. والحبة بضم الحاء بمعنى الحب؛ والكرامة من الإكرام، ويقال أيضاً: حبا وكرامة، وحبا وكرمانا بضمها وقيل المراد بالحب هنا الحب الذي هو الجرة العظيمة وهي الخابية والكرامة غطاء الجرة.","part":1,"page":203},{"id":204,"text":"وقد يقال: أفعل كذا حبا وكرامة لك بالفتح وكرما وكرمة وكرمى وكرمة عين بضم الكل وليس له فعل ظاهر. وقولهم:\rحطني القصا.\rأي تباعد عني، والقصا البعد، ويقال قصا الشيء يقصو قصوا، وقصي الرجل عن جواري بالكسر يقصي قصى أي تباعد. والقصا أيضاً فناء الدار ويمد والناحية. يقال. ذهبت قصا فلان، أي ناحيته. وقال الشاعر:\rفحاطونا القصا ولقد رأونا ... قريبا حيث يستمع السرار\rقال في الصحاح، عن الأصمعي: معنى حاطونا القصى أي تباعدوا عنا وهم حولنا وما كنا بالبعد منهم لو أرادوا أنَّ يدنوا منا. انتهى. وقولهم:\rتحللت عقد فلانٍ.\rأي سكن غضبه. ومن الأمثال المشتهرة في هذا الباب على ألسنه الناس قولهم:\rأحسن من نار القرى.\rكانت خولة بنت منظور بن زيان أجمل نساء قومها، فقدمت المدينة لزيارة أختها زوجة عبد الله بن الزبير، فسمع الناس بها فخطبوها وفيهم الحسن بن علي رضي الله عنه. فجعلت أمرها بيدي أختها، فوكلت أبن الزبير فزوجها من الحسن. فلما بلغ الخبر أباها جاء المدينة فركز رأيته عند المسجد ونادى: يا آل قيس! فلم يبقى قيسي إلاّ دخل تحت رايته. فبلغ ذلك الحسن فجاء إليه فقال له: شأنك بابنتك! فجاءها فحملها معه. فلما خرجا قالت له: أو يرضى أحد بمثل فعلك؟ الحسن بن علي وفاطمة، وسبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيد شباب أهل الجنة، أين تجد مثله؟ فقال: صدقت، ولكن تعالي ننزل بقبا. فإن كان له غرض فيك فسيلحقنا! فبينما هم هنالك اقبل الحسن والحسن وأبن جعفر وأبن العباس، فردها إليه. فولدت للحسن الحسن المثنى، أكبر ولده. ولم تزل عنده حتى مات. فكثر خطابها، فقالت: والله لا كان لي حمء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم! فكشفت القناع وبرزت للرجال في هيئة المتجالات، فيئسوا منها عند ذلك. وكانت معروفة بفعل الخير والتفضل ويقصدها الناس في حوائجهم فتقضيها. وعاشت كثيراً.\rفحكي عن معبد المغني قال: جئتها ألتمس معروفا، وهي عجوز، وغنيتها شعراً قاله فيها بعض من أراد تزويجها وهي شابة فلم تنكحه ومنه:\rقفا في دار خولة فاسألاها ... تقادم عهدها وهجرتماها\rبمحلال كأن المسك فيه ... إذا فاحت بأبطحه صباها\rفطربت وأهتزت وقالت: يا عبد بني قطن، أنا والله يومئذ أحسن من نار القرى في عين التائه الصدي! وقولهم:\rأحقر من ذباب وأحقر من قلامة.\rوهو ما يزال من الظفر. وهذا باب مطرد. وقولهم:\rأحير من طير في شبكة.\rيريدون الطير المقنوص في شبكة الشديد الاضطراب والموجان؛ وقولهم:\rأحير من بقة في حقة.\rونحو هذا.\rومن الأمثال العامية قولهم:\rحل عبستك، ما أردت خبزتك!\rيضربون للرجل يعجز إنَّ يجامل الناس بحسن خلقه فضلا عن إنَّ يسامح بنداه. وقولهم:\rالحمار حماري وأنا أركب من وراء!\rوقد آن أنَّ نذكر في هذا الباب ما يتيسر من الشعر. قال الشاعر:\rأخاك أخاك، إنَّ من لا أخاله ... مساع إلى الهيجا بغير سلاح\rوإنَّ أبن عم المرء فأعلم جناحه ... وهل ينهض البازي بغير جناح؟\rوقال الآخر:\rوإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زندا شحاحا\rكتاركة بيضها بالعراء ... وملحفة بيض أخرى جناحا\rيريد النعامة، وقد تقدم ذلك فيها.\rوقال عروة بن الورد:\rوقلت بقوم في الكنيف تروحوا ... عشية بتنا وإنَّ رزح\rتنالوا الغنى أو تبلغوا بنفوسكم ... إلى مستراح من حمام مبرح\rوسيأتي ما يناسب هذا المعنى، إن شاء الله.\rومن يكن مثلي ذا عيال ومقترا ... يغرر ويطرح نفسه كل مطرح\rويبلغ عذرا أو يصيب رغيبة ... ومبلغ نفس مثل منجح\rو الكنيف حظيرة تعمل للماشية تحفظ فيها؛ والرزح جمع رازح وهو الساقط المعيي هزالا، وهو نعت القوم؛ والحمام بكسر الحاء الموت وجعله مبرحا أي شاقا لطوله لأنهم يبقون حتى يموتوا جوعا.","part":1,"page":204},{"id":205,"text":"وذلك أنَّ عروة مر بقوم من أهله قد جهدوا على أنفسهم حظيرة، فقال لهم: ما هذا؟ قالوا: أنا جهدنا وخفنا على أنفسنا السباع، فعملنا هذا نبقى فيه حتى نموت. فلامهم على ذلك واستنهضهم لطلب الرزق. فسار بهم حتى نزلوا ماء يقال له ماوان لبنى فزارة. فمر بهم راكب معه ظعينة على بعير ومائة ناقة. فقام إليه عروة فقاتله حتى قتله. فأخذ ذلك وقسمه على أصحابه.\rوقوله: ومبلغ نفس عذرها مثل منجح: مثل سائر عند القوم: ويريد به أنَّ من جد في الطلب، عانى المشقة والتعب، فهو إنَّ ظفر فذلك ما يسعى إليه، وإنَّ لم يظفر فلا ملامة عليه، كما قال امرؤ القيس: نحاول ملكا أو نموت فنعذرا وقال أبن هرمة:\rيحب المديح أبو ثابتٍ ... ويفرق من صلة المادح\rكبكر تشهى لذيذ النكاح ... وتجزع من صولة الناكح\rوقال الحماسي عمرو بن الاطنابة الأنصاري:\rأبت لي عفتي وأبى بلائي ... وخذي الحمد بالثمن الربيح\rوإجشامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح\rوقولي كلما جشأت وجاشت: ... مكانك تحمدي أو تستريحي\rلأدفع عن مآثر صالحات ... وأحمي بعد عن عرضٍ صحيح\rالإجشام: الإكراه على تحمل المشقة؛ والمشيح والشائح: الجاد في الأمر؛ وجشأت نفس الرجل: تحركت واضطربت من جزع أو حزن؛ وجاشت: ماجت واضطربت، ومنه الجيش، لموجانه بعضه في بعض؛ والمآثر ما يذكر عن الإنسان ويؤثر عنه؛ والعرض الصحيح: الذي لم يتعلق به عيب فيمرضه.\rوقال جميل بن معمر:\rأريد صلاحها وتريد قتلي ... فشتى بين قتلي والصلاح!\rو قبله:\rتنادى آل بثنة بالرواح ... وقد تركوا فؤادك غير صاح\rفيا لك منظرا ومسير ركبٍ ... شجاني حين أمعن في الفياحي\rويا لك خلة ظفرت بعقلي ... كما ظفر المقامر بالقداح!\rو بعده أريد صلاحها \" البيت \"\rلعمر أبيك لا تجدن عهدي ... كعهدك في المودة والسماح\rولو أرسلت تستهدين نفسي ... أتاك بها رسول في سراح\rوقال أبو الطيب:\rوما ترك الشعر إلاّ إنّه ... تقصر على نفسي وصف الأمير المدائح\rقلت: وما أحق أنَّ يتمثل بك بهذا عند ترك الاشتغال بمديح النبي صلى الله عليه وسلم! فإن أكثر الفحول تركوه واشتغلوا بمديح غيره. وما ذلك إلاّ عجزاً: فإن نباهة مكانه صلى الله عليه وسلم، وجلالة جانبه تبهر العقل وتحير الفكر، فلا يستطيع إنَّ يجول فيه، ولو جال لقصر. وقد ذكر أبن الخطيب رحمه الله هذا المعنى في صدر كتاب السحر والشعر له، بعد إنَّ ذكر مقطعات لبعض الأدباء في مدحه صلى الله عليه وسلم، فقال وكما أنَّ الشعر لم يتعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ينبغي له لئلا يرتاب المبطلون، وذلك في حقه الكامل، بخلاف غيره، كذلك يبعد أو يمتنع أنَّ وجد قسم السحر في مدحه، إذ أصله الإغياء والمحاكاة والخيال والتمجين، حتى قال: ووقار جانبه صلى الله عليه وسلم يبهر النفس ويمنع من استرسالها في ذلك. فالمجيد فيه من عول على نصاعة اللفظ، وقصد الحق، وقرب المعنى، وإيثار الجد. انتهى. قلت: ومن أسباب ذلك إنَّ المديح إنّما يحسن لاشتماله على المحاسن وأوصاف كمال للممدوح، ويتفطن لها الشاعر دون غيره، ويبالغ فيها أكثر مما يستحق الممدوح ويظن به.\rوقد علم في حق النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ كل ما يتخيله الشاعر من المحاسن والكمالات، فالنبي صلى الله عليه وسلم زائد على ذلك وارفع منه إذ لا يبقى فوق كماله صلى الله عليه وسلم إلاّ كمال الألوهية، وليس لأحد أنَّ يثبته له، فلم يبق للشاعر إلاّ إنَّ يبين ما هو عليه أو أنقص، وكلاهما لا طائل فيه، مع أن إتيان قدره صلى الله عليه وسلم نتعذر عادة، إذ لا تصل إليه العقول فليس إلاّ القصور. ولله در القائل:\rما قصر الشعراء فيك تعمدا ... بل دق في أفكارهم معناكا\rنعم! يمكن الإتيان بشيء من حلاه صلى الله عليه وسلم وأوصفه على نوع من الغرابة وضرب من المبالغة، بحسب ما يرى الناس من حاله صلى الله عليه وسلم.\rوقال أيضاً:\rأيكون الهجان غير هجان؟ ... أيكون الصراح غير صراح؟\rجهلوني وإنَّ عمرت قليلاً ... نسبتي لهم رؤوس الرماح\rوقال أيضاً:\rتخفي العداوة وهي غير خفيةٍ ... نظر العدو بما أسر يبوح\rوقال أيضاً:","part":1,"page":205},{"id":206,"text":"فقلت لكل حي يوم سوء ... وإنَّ حرص النفوس على الفلاح\rوقال أبو العلاء المعري:\rوأمراض المواعد أعلمتني ... بأن وراءها سقما صحيحا\rوقال:\rأعباد المسيح يخاف صحبي ... ونحن عبيد من خلق المسيحا\rوقال:\rوما للمسك في أنَّ فاح حظ ... ولكن حظنا في أنَّ يفوحا\rوقال:\rوذلك إنَّ شعرك طال شعري: ... فما نلت النسيب ولا المديحا\rومن لم يستطع علام رضوى ... لينزل بعضها نزل السفوحا\rو هذا في معنى ما مر لأبي الطيب: وقال الشاعر:\rإذا أبطا رسولك فارج يسرا: ... ففي إبطائه أثر النجاح!\rو هذا يشبه قول أبي الطيب:\rومن الخير بطئ سيبك عني ... أسرع السحب في المسير الجهام\rوقال الآخر:\rإذا أنت لم تصلح لنفسك لم تجد ... لها أحداً من سائر الناس يصلح\rوقال الآخر:\rجبينك والعمامة والثنايا ... صباح في صباح في صباحٍ\rوقال الآخر:\rدع الناس طرا واهجر الناس كلهم ... إذا كنت في أخلاقهم لا تسامح!\rوقال الآخر:\rصديق بلا عيب قليل وجوده ... وذكر عيوب الأصدقاء قبيح\rوقال الآخر:\rطلبت بك التكثير قلة ... وقد يخسر الإنسان في طلب الربح\rوقال الآخر:\rكأنني الجزار في فعله: ... ما قال بسم الله إلاّ ذبح\rوقال الآخر:\rكن في أمان الله من خاطر: ... مثلك لا يهجى ولا يمدح\rوقال الآخر:\rليس عاراً بان يقال مقل: ... إنّما العار أنَّ يقال شحيح\rو مثله قول الآخر:\rألم تعلمني يا عمرك الله إنني ... كريم على حين الكرام قليل\rوإني لا أخزى إذا قيل مملق ... كريم وأخزى أنَّ يقال بخيل\rقول الآخر من شعراء الحماسة:\rأجلك قوم حين صرت إلى الغنى ... وكل غني في العيون جليل\rوليس الغنى إلاّ غنى زين الفتى ... عشية يقرى أو غداة ينيل\rوقال إحسان بن حنظلة:\rتلك ابنة العدوي قالت باطلا ... أزرى بقومك قلة الأموال\rأنا لعمرك أبيك يحمد ضيفنا ... ويسود مقترنا على الإقلال\rو قول الآخر:\rلنا حمد أرباب المئين ولا يرى ... إلى بيتنا مال مع الليل رائح\rو قول الآخر:\rبكر العواذل بالسواد يلمنني ... جهلا يقلن: ألا ترى ما صنع؟\rفأتيت مالك في السفاه، وإنما ... أمر السفاهة ما أمرنك أجمع\rوقتود ناجية وضعت بقفرة ... والطير عاشية العوافي وقع\rبمهند ذي حليةٍ جردته ... يبرى الأصم من الكعوب ويقطع\rلتنوب نائبة فيعلم إنني ... ممن يغر على الثناء فيخدع\rإني مقسم ما ملكت فجاعل ... أجراً لآخره ودنيا تنفع\rوقول أبي زياد الأعرابي:\rله نار تشب على يفاعٍ ... إذا النيران ألبست القناعا\rولم يك أكثر الفتيان مالا ... ولكن كان أرحبهم ذراعا\rو قول الآخر:\rوليس بأوسعهم في الغنى ... ولكن معروفة أوسع\rوقال الآخر:\rوتبا لمن بخلت نفسه ... بشيء يؤول إلى المستراح\rأي: المرحاض:وقال الآخر:\rوشيئان معدومان في الأرض: درهم ... حلال، وخل في الحقيقة ناصح\rوقال الآخر:\rويؤلمني جميل لا أكافا ... عليه كأنه عندي قبيح\rوقال الآخر:\rهجوت زهيرا ثم أني مدحته ... وما زالت الأشراف تهجى وتمدح\rوقال الآخر:\rلا يصحب الإنسان في قبره ... غير التقى والعمل الصالح\rوقال الآخر:\rوما العيش إلاّ في خمول مع الغنى ... وعافية تغدوا بها وتروح\rوقال الآخر:\rوما كل حين يصدق المرء ظنه ... ولا كل أصحاب التجارة يربح\rوقال معن بن أوس:\rرأيت رجالا يكرهون بناتهم ... وفيهن لا تكذب نساء صوالح\rوفيهن والأيام يعثرن بالفتى ... عوائد لا يمللنه ونوائح\rوقال الآخر:\rولا تفش سري إلاّ إليك ... فإن لكل نصيح نصيحا!\rفإني رأيت غواة الرجال لا يتركون أديما صحيحا\rو قيل: وكان أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه يتمثل بهذين البيتين كثيرا، وقيل انهما له. والأديم: الجلد، استعير هنا للعرض، وجعل لام الوشاة سهاما يرما بها الأعراض حتى تهتكها. ومثله قول أبن الخياط:","part":1,"page":206},{"id":207,"text":"فلا تعدل إلى الواشين سمعا ... فإنَّ كلام أكثرهم كلام\rوإنَّ الود عندهم نفاق ... إذا طاوعتهم والحمد ذام\rوأقوال إذا سمعت سهام ... تقصر عن موقعها السهام\rفلما نصحوا لمجدك بل مراداً ... لمّا قد ساءني قعودا وقاموا\rفليتك تسمع القولين حتى ... تبين في من الحق الخصام!\rوقالت فاطمة بنت الأحجم الخزاعية ترثي أخاها وقيل ليلى بنت يزيد بن الصعق ترثي ابنها قيس بن زياد:\rلقد كنت لي جبلا ألوذ بظله ... فتركتني أضحى بأجرد ضاح\rقد كنت ذات حمية ما عشت لي ... أمشي البراز وكنت أنت جناحي\rفاليوم أخضع للذليل وأتقي ... منه وأدفع ظالمي بالراح\rوأغض من بصري وأعلم إنّه ... قد مات خير فوارس ورماح\rوإذا دعت قمرية شجبنا لها ... يوما على فنن دعوت صباحي\rو تمثلت بها فاطمة أم السبطين رضي الله عنها يوم وفاة أبيها صلى الله عليه وسلم. ومعنى: دعوت صباحي أي قلت: وأسوء صباحاه! لعدم ناصري فيه. وفي معنى الأول قول أبي الوفاء يرثي غازي:\rأيا تاركي ألقى العدو مسلما ... متى ساءني بالجد قمت ألاعبه\rوقال سعد بن قيس:\rكشفت لهم عن ساقها ... وبدا من الشر الصراح\rفالهم بيضات الخدور ... هناك لا النعم المراح\rو الضمير في كشفت للحرب في قوله:\rيا بؤس للحرب التي ... وضعت أراهط فاستراحوا\rو كشف الساق كناية عن اشتدادها، أخذ من كشف الرجل عن ساقه وتشميره إذا جد في الأمر، كما قيل:\rوكنت إذا جاري دعا لمضوفة ... اشمر حتى ينصف الساق مئزري\rو الصارح: الخالص أصله اللبن الذي ذهبت رغوته، كما مر؛ فالهم بيضات الخدور الخ . . فيه وجهان: أحدهما إنّه يقول: أما حينئذ لا نبالي بأموالنا أن تذهب، وإنّما همنا الدفع عن حريمنا؛ والآخر: إنَّ يريد: أنا ظهرنا على العدو ولم نلتفت إلى أموالهم وأخذها، وإنما همنا منهم القتل والسباء وهو أفخر.\rوقال أحد بني يشكر:\rإلاّ أبلغ بني ذهل رسولا ... وخص إلى سراة بني البطاح\rبأنا قد فتلنا بالمعلى ... عتيبة منكم وأبا الجلاح\rفإن ترضوا فأنا قد رضينا ... وإنَّ تأبوا فأطراف الرماح\rمقومة وبيض مرهفات ... تبين جماجما وبنان راح\rوقال الحيض بيض:\rملكنا فكان العفو منا سجية ... فلما ملكتم سال بالدم أبطح\rوحللتم قتل الأسارى وطالما ... غدونا على الأسرى فنعفو ونصفح\rويحكى عن بعضهم قال: رأيت الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في المنام، فقلت له: يا أمير المؤمنين، تفتحون مكة وتقولون: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ثم يؤثم على ولدك الحسين مآثم؟ فقال لي: أسمعت أبيات الصيفي في هذا، وهو الحيص بيض؟ فقلت: لا. قال: اسمعنا منه! قال: فانتبهت، فلما أصبحت بادرت إلى دار الحيص بيص فأخبرته بالقصة فبكى وحلف بالله ما خرجت من فيه إلى أحد وما نظمها إلاّ في ليلته، فأنشدني: ملكنا فكان العفو منا البيتين.\rوقال الحماسي أحد بني الحارث بن كعب:\rلنا حمد أرباب المئين ولا يرى ... إلى بيتنا مال مع الليل رائح\rوقال مالك بن أسماء، من شعراء الحماسة أيضاً:\rوحسبك تهمة ببرئ قومهم ... يضم على أخي سقم جناحا\rو قبله:\rهجوت الأدعياء فنا صبتني ... معاشر خلتها عربا صحاحا\rفقلت لهم وقد نجوت طويلا ... إلى وما أجبت لهم نباحا\rأمنهم أنتم فأكف عنكم ... وأدفع عنكم الشتم الصراحا؟\rوحسبك \" البيت \"\rوالمناصبة: المعاداة. ويقول: إنَّ عاديتموني بسببهم وذهبتم عنهم، فأنتم منهم ولا أهجوكم للؤمكم، وكفى بكم ريبة إنَّ تضموا الجناح على المريبين.\rوقال الآخر:\rوإني لأغلي لحمها وهي حية ... ويرخص عندي لحمها حين تذبح\rبذا فآندبيني فإنني ... فتى تعتريني هزة حين امدح\rو تقدم هذا الشعر وما كان بمعناه.\rوقال الآخر:\rونصر الفتى في الحرب أعداء قومه ... على قومة للمرء ذي الطعم فاضح\rوقبله:\rدعاني أبو نصر وأهدى نصيحة ... إلي ومما أنَّ تعز النصائح\rلأجزر لحمي كلب نبهان كالذي ... دعا القاسطي حتفه وهو نازح","part":1,"page":207},{"id":208,"text":"أو البرجمي حين أهداه حينه ... لنار عليها موقدان وذابح\rورأي أبي سعد وإنَّ كان حازما ... بصير وإنَّ ضاقت عليه المسارح\rأعان به ملعون نبهان سيفه ... على قومه والقول عاق وجارح\rونصر الفتى في الحرب \" البيت \"\rوقوله: لأجزر لحمي أي: أصير نفسي جزرة، والجزرة البدنة تنحر. قال: عنترة:\rإنَّ يعفرا مهري فإنَّ أباهما ... جزر لخامعة ونسر قشعم\rو القاسطي الذي ذكره هو أحد القارضين الهالكين، وسيأتي فيهما المثل؛ والبرجمي هو وافد البراجم المتقدم؛ وقوله: للمرء ذي العقل والمعرفة. وقال الحماسي أشجع السلمي:\rمضى أبن سعيد حين لم يبق مشرق ... ولا مغرب إلاّ له فيه مادح\rوما كنت أدري ما فواضل كفه ... على الناس حتى غيبته الصفائح\rفاصبح في لحد من الأرض ميتا ... وكان به حيا تضيق الصحاصح\rفما أنا من رزء، وإنَّ جل، جازع ... ولا بسرور بعد موتك فارح\rكأن لم يمت حي سواك ولم تقم ... على أحد إلاّ عليك النوائح!\rوقال أبن المعتز:\rكما يخلق الثوب الجديد ابتذاله ... كذا يخلق المرء العيون الطوامح\rو من هذا قولهم: طول المجالسة يخلق: وقد قال أزدشير لأبنه: لا تمكن الناس من نفسك: فإن أجرا الناس على الأسود أكثرهم لها معاينة! وقال أبو بكر بن النطاحي في المدح:\rيتلقى الندى بوجه حيي ... وصدور القنى يوجه وقاح\rهكذا هكذا، المعالي: ... طرق الجد غير طرق المازح!\rو البيت الثاني ذهب مثلا سائرا. وقال مجد الدين الاربلي:\rطرفي وقلبي: ذا يسيل دما، وذا ... بين الورى أنت العليم بقرحه\rوهما بحبك شاهدان وإنّما ... تعديل كل منهما في جرحه\rو نحو هذا من التوجيه قول الآخر:\rزرت الإمام الشافعي ولم أكن ... يوما زيارة قبره بالتارك\rفوجدت مولاي الحبيب يزوره ... فظفرت عند الشافعي بمالك\rو قول الآخر:\rوعاطيته علم البديع وخده ... يعلمني تلوينه علم جابر\rوصفحت من شوقي مدونة الرضى ... لثغر فأفتاني بنص الجواهر\rو قول الآخر:\rلا غزو إنَّ يصلي الفؤاد ببعدكم ... نارا تؤججها يد التذكار:\rقلبي إذا غبتم يصور شخصكم ... فيه وكل مصور في النار!\rوقال الآخر في هذا المعنى:\rإلاّ إنَّ حالي في هواك خفيفة ... ولكن لعيني بالصبابة تبريح\rعجبت لدمع لا يزال مرويا ... فيقبل في آثاره وهو مطروح\rوأعجب من ذا أن خدي شاهد ... يصادق في أقواله وهو مجروح\rوقال أيضاً:\rومحكم اللحطات في مهج الورى ... تحكيم نار هواه بين جوانحي\rجريح الفؤاد فطار من ولع به ... فكيف الخلاص لطائر من جارح؟\rومثله أيضا قوله:\rأحادثه بالفكر فهو منادمي ... على الدهر لا أبغي عليه بديلا\rتملك قلبي فهو رهن اعتقاله ... فمن شاء يبصر مالكا وعقيلا\rوتقدم لنا هذا المعنى في حرف الثاء، مستوفى، وسنعيد منه كثيرا.\rوقال القاضي أبو الفضل عايض رحمه الله:\rانظر إلى الزرع وخاماته ... تحكي وقد ماست أمام الرياح\rكتبة خضراء مهزومة ... شقائق النعمان فيها جراح\rو مثله قوا الآخر:\rفتح الشقائق جرحها ومغنمها ... وشيء الربيع، وقلاها من الثمر\rلأجل هذا إذا هبت طلائعه ... تدرع النهر واهتزت قنا الشجر\rو نحو هذا من حسن التعليل في هذا المعنى قولي:\rإنَّ بين الغمام والزهر الغض ... لرحما قديمة وإخاء\rبان إلف عن إلفه فتوارى ... في الثرى ذا وذاك حل السماء\rفإذا ما لغمام زارت جانبا ... أذنت فيه بالحبيب اللقاء\rذكرت عهده القديم فحنت ... عند لقياه فاستهلت بكاء\rفترى الزهر بارزا من خباياه ... يحيى الوفود والأصدقاء\rبادي البشر والبشاشة جذلا ... ن لبوسا من كل لون رداء\rثملا من شموس شمس الضحى ... وهو على بسط سندس خضراء\rراقصات والصبا تهنيه والو ... رق غواني القيان تشدو غناء\rو ما رأيت أحدا ولا أظنه سيبقي إلى هذا المعنى، ولا تصريحا ولا تلويحا.\rوقال الحسن بن هانئ:","part":1,"page":208},{"id":209,"text":"مازلت أشرب روح الزق في لطفٍ ... وأستميح دما من غير مجروح\rحتى أغديت ولي روحان في جسدي ... والزق مطرح جسم بلا روح\rوقال أيضاً في هذا المعنى:\rأذكى السراج وساقي القوم يمزجها ... فلاح في البيت كالمصباح مصباح\rكدنا على علمنا للشك نسأله: ... أراحنا نارنا أم نارنا الراح؟\rو سيأتي هذا المعنى مستوف في بعد. وقال أبن الخياط في صفحة الحساب:\rأخفى مسالكها الظلام فأوقدت من برقها كي تهدي مصباحا\rوكان صوت الرعد خلف سحابها ... حادٍ إذا ونت الركائب صاحا\rو تقدم هذا المعنى في حرف الهمزة. وقال عبد الله بن المعتز:\rكأن سماءنا لمّا تجلت ... خلال نجومها عند الصباح\rرياض بنفسج خضل ثراه ... تفتح بينه نور الأقاح\rوقال أبن الزقاق:\rفبت وقد زارت بأنعم ليلة ... تعانقني حتى الصباح صباح\rعلى عاتقي من ساعديها حمائل ... وفي خصرها من ساعدي وشاح\rوقال إدريس بن اليماني:\rثقلت زجاجات أتتنا فرغا ... حتى إذا ملئت بصرف الراح\rحفت فكادت أن تطير بما حوت ... وكذا الجسوم تخف بالأرواح\rوقال الآخر في وصف الروض:\rورياض من الشقائق أضحت ... تتهادى بها نسيم الرياح\rزرتها والغمام يجلد منها ... زهرات تفوق لون الراح\rقلت: ما ذنبها؟ فقال مجيبا: ... سرقت حمرة الخدود الملاح!\rوقال الآخر في زورق:\rلو أبصرت عيناك زورق فتيةٍ ... بيدي لهم لمح السرور مراحة\rوقد استداروا تحت ظل شراعه ... كل يمد بكأس راح راحه\rلحسبته خوف العواصف طائرا ... مد الحنان على بنيه جناحه\rوقال أبن الرومي:\rقالت: علا الناس إلاّ أنت قلت لها: ... كذاك يسفل في الميزان مارجحا\rوقال أبو إسحاق بن الحاج:\rيا مالكي بصبيح وجهٍ حسنه ... أربى على فلق الصباح الأوضح\rما شك قلبي فيك أنك مالك ... لمّا عرفت وسامة بالإصباحِ\rوقال سيف الدولة:\rلا أواخذك بالجفاء فإني ... واثقٌ منك بالوفاء الصريحِ\rفجميل العدو غير جميلٍ ... وقبيح الصديق غير قبيحي!\rوقال مهيار:\rاذكرونا مثل ذكرانا لكم ... رب ذكرى قربت من نزحا\rوارحموا صبا إذا غنى بكم ... شرب الدمع وعاف القدحا\rوقال شرف الدين الحموي شيخ الشيوخ:\rحديثي في المحبة ليس يبرح: ... فدعني من حديث اللوم واسرح\rفما لك مطمع ببراح قلبي ... عن الحب الذي أعيا وبرح\rفكم من لائم ألحى إلى أن ... تأمل من هويت فما تنحنح\rفيا لله ما أشهى وأبهى ... ويا لله ما أحلى وأملح!\rله طرفٌ يقول: الحرب أحرى ... ولي قلبٌ يقول: الصلح أصلح\rسألت سواره المثري فنادى ... فقير وشاحه: الله يفتح\rوماس من القوام بغصن بان ... إذا أنشدت أغزالي ترنح\rوحياني بألحاظٍ مراضٍ ... صحيحاتٍ فأمرضني وصحح\rأعاتبه فلا يصغي لعتبي ... ولا أسلو فأتركه وأربح\rوقال عبد المحسن الصوري:\rوأخٍ مسه نزولي بقرحٍ ... مثل ما مسني من الجوع قرحُ\rبت ضيفاً له كما حكم الد ... هر وفي حكمه على الحر قبحُ\rفابتداني يقول وهو من السكر ... ة بالهم طافحٌ ليس يصحو:\rلم تغربت؟ قلت: قال رسول ... الله والقول منه نصح ونجح:\rسافروا تغنموا. فقال: وقد قال ... تمام الحديث: صوموا تصحوا!\rوقال أبن الوردي:\rقد عجبنا لأميرٍ ... ظلم الناس وسبح\rفهو كالجزار فيهم ... يذكر الله ويذبح\rوقال شهاب الدين الخفاجي وهو من باب التورية اللطيفة:\rوصفت خصره الذي ... أخفاه ردف راجحُ\rقالوا: وصف جبينه ... فقالت: ذاك واضح!\rوقال أيضاً وفيه نحو ما في الذي قبله من التورية:\rلله أيام الصبا والهوى ... لله أيام النجا والنجاح!\rذاك زمان مر حلو الجنى ... ظفرت منه بحبيب وراح\rوقال أبو محمد الحريري:\rلزمان السفار وجبت القفار ... وعفت النفار لأجنبي الفرح\rوخصت السيول ورضت الخيول ... لجر ذيول الصبا والمرح\rومطت الوقار وبعت العقار ... لحسو العقار ورشف القدح","part":1,"page":209},{"id":210,"text":"ولولا الطماح إلى شرب راح ... لمّا كان باح فميبالملح\rولا كان ساق دهئي الرفاق ... لأرض العراق بحملي السبح\rفلا تغضبن ولا تصخبن ... ولا تعتبن فعذري وضح\rولا تعجبن لشيخ أبن ... بمغنى أغن ودن طفح:\rفإنَّ المدام تقوي العظام ... وتشفي السقام وتنفي الترح\rوأصفى السرور إذا ما الوقور ... أماط ستور الحيا وأطرح\rوأحلى الغرام إذا المستهام ... أزال اكتتام الهوى وافتضح\rفبح بهواك وبرد حشاك ... فزند أساك به قد قدح\rوداوي الكلوم وسل الهموم ... ببنت الكروم التي تقترح\rوخص العبوق بساق ... بلاء المشوق إذا ما طمح\rوشاد يشيد بصوت تميد ... جبال الحديد له إن صدح\rوعاص النصح الذي لا يبيح ... وصال المليح إذا ما سمح\rوجل في المحال ولو بالمحال ... وجع ما يقال وخذ ما صلح\rوفارق أباك إذا ما أباك ... ومد الشباك وصد من سنح\rوصاف الخليل وناف البخيل ... وأول الجميل ووال المنح\rولذلك بالمتاب أمام الذهاب ... فمن دق باب كريم فتح\rوقال أيضاً:\rنهاني الشيب عما فيه أفراحي ... فكيف أجمع بين الراح والراحِ؟\rوهل يجوز اصطباحٌ من معتقةٍ ... وقد أنار مشيب الرأس إصباحي\rأنَّ ليت لا خامرتني الخمر ما علقت ... روحي بجسمي وألفاظي بإفصاحي\rولا اكتست لي بكاسات السلاف يدٌ ... ولا أجلت قداحي بين أقداح\rولا صرفت إلى صرفٍ مشعشعة ... همي ولا رحت مرتاحا إلى راح\rولا نظمت على مشمولة أبداً ... شملي ولا اخترت ندماناً سوى الصاحي\rمحا المشيب مراحي حين خط على ... رأسي: فأبغض به من كتاب ماح!\rولاح يلحى على جري العنان إلى ... ملهى: فسحقاً له من لائح لاح!\rولو لهوت وفودي شائب لخفى ... بين المصابيح من غسان مصباحي\rقومٌ سجاياهم توقير ضيفهم ... والشيب ضيفٌ له التوقير يا صاح!\rوقال أيضاً:\rأعدد لحسادك حدّثني السلاح ... وأورد الأمل ورد السماح\rوصارم اللهو ووصل المهى ... وأعمل الكوم وسمر الرماح\rواسع لإدراك محل سما ... عماده لا لادراع المراح\rوالله ما السؤدد حسنو الطلا ... ولا مراد الحمد رؤد رداح\rواها لحر صده واسع ... وهمه ما سر أهل الصلاح\rمورده حلو لسؤاله ... وماله ما سألوه مطاح\rما اسمع للآمل ؤداً ولا ما طله والمطل لؤم صراح\rولا أطاع اللهو لمّا دعا ... ولا كسا راحا له كأس راح\rسوده إصلاحه سرة ... وردعه أهواءه والطماح\rوحصل المدح له علمه ... ما مهر الحور مهور الملاح\rوقال عوف بن محلم:\rألا يا حمام الأيك إلفك حاضرٌ ... وغصنك ميادٌ ففيم تنوحُ؟\rأفق لا تنح من غير شيء فإنني ... بكيت زمانا والفؤاد صحيحُ\rولوعاً فشطت غربة دار زينب ... فها أنا أبكي والفؤاد جريحُ\rو زعموا إنّه خرج مع عبد الله بن طاهر في بعض غزواته فسمع عبد الله يوما وهما يتسايران صوت حمامة فأنشد أبيات عوف ثم التفت إلى عوف وقال له: هل حضرك شيء في هذا المعنى وهذه القافية؟ فقال عوف:\rأفي كل عامٍ غربةٌ ونزوح؟ ... أما للنوى من ونيةٍ فتروحُ؟\rلقد ظلم البين القذوف ركائبي: ... فهل أرين البين وهو طليحُ؟\rوأرقني بالري نوح حمامةٍ ... فنحت وذو الشوق الغريب ينوحُ\rعلى أنها ناحت ولم تدر عبرةً ... ونحت وأسراب الدموع سفوحُ\rوناحت جود عبد الله أن يعكس النوى ... فتلقى عصا التسيار وهي طريحُ\rفإنَّ الغنى يدني الفتى من صديقه ... وعدم الغنى بالقترين نزوحُ\rفرق له عبد الله وصرفه إلى أهله بعطاء جزيل وقال: يصلك عطاؤك كل سنة لموضعك.\rوللشعراء قديما وحديثا الإكثار من ذكر الحمام والفواخت والورشان في أشعارهم واستحسان أصواتها. فمن مستحسن ما للأولين في ذلك قول الشاعر:\rسيغنيك عن مزمار آل مخارق ... وبربطهم تغريد تلك الحمائمِ\rبأيكة ناظر تجاوبن بالضحى ... على شاهقات آفلاتٍ نواعمِ\rقول الآخر:","part":1,"page":210},{"id":211,"text":"أحن إلى حوائط ذات عرقٍ ... لتغريد الفواخت والحمامِ\rألم بها بكل فتى كريمٍ ... من الفتيان مخلوع الزمامِ\rإذا غنت على الأغصان ورقٌ ... أجبناها بإعمال المدامِ\rو قول أبي صخر:\rولمّا دعت غورية الأيك سجعت ... فسجع دموعي يستهل ويستشري\rيذكرني شجي دعاء حمامةٍ ... ويبعث لوعات الصبابة في صدري\rبكت حزناً رزء الهديل وشفني ... فراق حبيب ضاق عن فقده صبري\rو قول الآخر:\rأيها البلبل المغرد في النخ ... ليس غريبا من أهله حيرانا\rأفراقا تشكوه أم ظلت تعو ... فوق أفنان نخلك الورشانا؟\rهاج لي شجوك المغرد شجواً ... رب صوتٍ يهيج الأحزانا\rو قول حميد بن ثور:\rوما هاج هذا الصوت إلاّ حمامةٌ ... دعت ساق حر ترحةً وترنما\rمحلاة طوقٍ لم يكن بتميمةٍ ... ولا ضرب صواغٍ بكفيه درهما\rتغنت على غصنٍ عشاءً فلم تدع ... لنائحةٍ في نوحها متلوما\rإذا حركته الريح أو مال ميلةً ... تغنت عليه مائلاً ومقوما\rعجبت لها أنى يكون غناؤها ... فصيحا ولم تفغر بمنطقها فما\rفلم أر مثلي شاقه صوت مثلها ... ولا عربياً شاقه صوت أعجما!\rو قول الآخر:\rومن بستان إبراهيم حنت ... حمائم بينها فننٌ رطيبُ\rو قول عدي بن الرقاع:\rومما شجاني أنني كنت نائماً ... أعلل من برد الكرى بالتنسمِ\rإلى أن دعوت ورقاء في غصن أيكةٍ ... تردد مبكاها بحسن الترنمِ\rفلو قيل مبكاها بكيت صبابةً ... بسعي شفيت النفس قبل التندمِ\rولكن بكت قبلي فهيج لي البكا ... بكاها فقلت: الفضل للمتقدمِ\rوقال المجنون:\rوأدنيتني حتى إذا ما سبيتني ... بقول يحل العصم سهل الاباطحِ\rتجافيت عني حين لا لي حيلةٌ ... وخلفت ما خلفت بين الجوانحِ\rو زعموا أنَّ رجلا دخل بني عامر يسأل عن المجنون فقيل له إنّه في هذه لبصحراء قد استوحش وإنّه إذا رآك نفر منك؛ ولكن إذا رأيته فاجلس كأنك لا تقصده فانه يجلس إليك. فإذا جلس إليك فإن كان عندك شيء من شعرا بن ذريح فاذكره فانه يصغي إليك. قال: ففعلت ذلك. فلما جلس إلي قالت: ما أشعر قيس بن ذريح حيث يقول:\rوإني لمفنٍ دمع عيني بالبكا ... حذاراً لمّا قد كان أو هو كائنُ\rوقالوا: غداً أو بعد ذاك بليلةٍ ... فراق حبيبٍ بان أو هو بائنُ\rوما كنت أخشى أن تكون منيتي ... بكفي إلاّ الله تعالى ما حان حائنُ\rقال: فبكى طويلا ثم قال: أنا والله أشعر منه حيث أقول:\rأبى القلب إلاّ حبها عامريةً ... لها كنيةً عمرو وليس لها عمرُ\rتكاد يدي تندى إذا لمستها ... وينبت في أطرافها الورق الخضرُ\rعجبت لسعي الهر بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الهرُ\rثم أوغل في الصحراء وتركني فانصرفت. فلما كان الغد رجعت فقلت: ما أشعر قيسا حيث يقول:\rيبيت ويضحى كل يومٍ وليلةٍ ... على منهج تبكي عليه القبائلُ\rقتيلٌ للبنى صدع الحب قلبه ... وفي الحب شغلٌ للمحبين شاغلُ\rفبكى أيضاً طويلا ثم قال: أنا والله أشعر منه حيث أقول:\rسلبت عظامي لحمها فتركتها ... معرقةً تضحى لديك وتخصرُ\rوأخيلتها من مخها فكأنها ... قوارير في أجوافها الريح تصفرُ\rإذا سمعت ذكر الفراق تقطعت ... علائقها مما تخاف وتحذرُ\rثم قام هاربا وتركني. فانصرفت ثم عدت في الغد فقلت: ما أشعر قيسا حيث يقول:\rهبوني امرءاً إن تحسنوا فهو شكرٌ ... لذاك وإن لم تحسنوا فهو صافحُ\rفأن يك قومٌ قد أساؤوا بهجرنا ... فإنَّ الذي بيني وبينك صالحُ\rفبكى أيضاً طويلا ثم قال: أما والله أشعر منه حيث أقول: وأدنيني حتى إذا ما سبيتني \" البيتين \" . ثم فر عني وانصرف. وعدت من الغد فلم أجده فأخبرت قومه فانطلقوا يطلبونه فوجدوه بعد يومين ميتا في شعراء بين حجرين.\rقلت: وفي البيتين المذكورين قال جرير لمّا أنشده إياها بعض أصحابه وهما متوجهان إلى الشام: لو كان النخير يصلح لنخرت حتى يسمعني هشام على سريره من هاهنا! وقال أبن الدمينة:\rإلاّ يا حمى وادي المياه قتلتني ... أباحك لي قبل الممات مبيحي","part":1,"page":211},{"id":212,"text":"ولي كبدٌ مقروحةٌ من يبيعني ... بها كبداً ليست بذات قروحِ\rأبى الناس ريب الناس لا يشترونها ... ومن ذا الذي يشتري دوى بصحيحِ؟\rو الدوى: المريض الشديد المرض والمرض الشديد أيضاً والأحمق.\rوينشد هذا الشعلا أيضاً على إسقاط البيت الأول وزيادة آخر وهو:\rأئن من الشوق الذي في جوانحي ... أنين غصيص بالشراب جريحِ\rو يحكى عن إبراهيم الموصلي المغني المشهور أنه قال: سألت الرشيد أن يهب لي يوما أخلو فيه بنفسي وكان أمره أن لا يتغيب عنه يوما أصلا قال: فقال لي إني أستثقل يوم السبت فآله فيه بما شئت! قال: فأعددت يوما شرابا وأطعمة منتخبة وأصبحت عازما على أن لا آذن لأحد. فأمرت البواب بإغلاق الأبواب وجلست وحولي جواري والخدم يترددون بين يدي فإذا أنا بشيخ ذي هيئة وجمال حسن الثياب بيده عكازة مقمعة بفضة وقد سطع منه ريح المسك حتى ملأ البيت. قال: فامتلأت غيظا على البوابو عزمت على غقوبته. فسلم علي الشيخ بأحسن السلام فرددت عليه وأمرته بالجلوس. فجلس فأخذ في أحاديث العرب وذكر أيامها وأشعارها حتى أذهب ما بقلبي. وقلت: لعل البواب عرف أدبه فأراد مسرتي به فقلت له: هل لك في الطعام؟ فأبى. فقلت: هل لك في الشراب؟ فقال: ما أكرهه. فشربت وسقيته فقال: يا أبا إسحاق وهل لك أن تغني لنا من صنعك؟ فقد نبغت فيها عند الخاص والعام وأحسن فيها ما استطعت حتى نكافئك بمثلها! فأخذت العود وغنيته أصواتا حسانا في كلها يقول: أحسنت يا سيدي! ويطرب ويستزيدني. ثم وضعت العود فقال: أتأذن لعبدك في الغناء؟ فاستصعبت لكني أذنت له. فلما أخذ العود وجسه خلته والله ينطق بلسان عربي. ثم اندفع يغني:\rولي كبدٌ مقروحةٌ من يبيعني\rإلى آخر الأبيات الثلاثة المتقدمه. فو الله لقد ظننت أنَّ الحيطان والأبواب وكل ما في البيت يغني معه حتى خلت عظامي وثيابي تجاوبه وبقيت مبهوتا لا أستطيع الكلام لمّا خالط قلبي. ثم غنى:\rألا يا حمامات اللوى عدن عودة ... فأني إلى أصواتكن حزينُ\rفعدن فلما عدن كدن يمتنني ... وكدت بأسراري لهن أبينُ\rدعون بترديد الهدير كأنما ... شربن الحميا أو بهن جنونُ\rفلم تر عيني مثلهن حمائما ... بكين ولم تدمع لهن عيونُ\rفكاد والله عقلي يذهب طربا وارتياحا لمّا سمعت. ثم غنى:\rألا يا صبا نجدٍ متى هجت من نجد. ... فقد زادني مسراك وجدا على وجدِ\rلقد زعموا أنَّ المحب إذا دنا ... يمل وأنَّ النأي يشفي من المجدِ\rبكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أنَّ قرب الدار خيرٌ من البعدِ\rعلى أنَّ قرب الدار ليس بنافعٍ ... إذا كان من تهواه ليس بذي ودِ\rثم قال: يا إبراهيم هذا الشعر الماخوري فانح نحوه في غنائك وعلمه جواريك! فقلت: أعده علي! فقال: لست تحتاج إلى إعادته. فغاب عن بصري فارتعت وقمت إلى السيف فجردته وعدوت نحو الباب فوجدته مغلقا. فسألت البواب عن الشيخ فقال: والله ما دخل علي اليوم أحد! فرجعت متحيرا فإذا هو هتف بي من بعض جوانب البيت: لا بأس عليك أبا إسحاق! فقال هو إبليس اخترت مندمتك اليوم فلا ترع! فال إبراهيم: فركبت من فوري إلى الرشيد وقلت: لا أطرفه بطرفة أحسن من هذه! فلما دخلت حدثته الحديث فقال: ويحك غن لي ما غناك! فأخذت العود وغنيته إياها كأنها من محفوظاتي. فطرب الرشيد وجلس للشرب ولم يكن عزم عليه وأمر لي بصلة وقال: الشيخ كان أعلم حيث قال إنك أخذتها. فليته متعنا بنفسه يوما كما أمتعك! انتهى. قوله الماخوري: هو نسبة إلى الماخور وهو بيت الريبة معرب. وقيل إنّه عربي من مخرت السفينة الماء لتردد الناس إليه. وقال أبن عبد المنان:\rصبحته عند المساء فقال لي: ... ماذا الصباح وظن ذاك مزاحا\rفأجبته: إشراق وجهك غرني ... حتى توهمت المساء صباحا\rو سبب قوله هذا الشعر إنّه دخل وهو ثمل على السلطان أحمد المريني عشية فصبحه. فنظر السلطان إليه نظر منكر، وقال له:أي وقت هذا؟ وأي معنى للصباح فيه؟ فأفاق من سكره وانشد ما مر ارتجالا، وهذه بديهة لا بأس بها.","part":1,"page":212},{"id":213,"text":"ومثله ما يحكى إنّه وقع ليحيى بن أكثم، وكان الأمين بن الرشيد شرب يوما مع عبد الله بن ظاهر، ومعهما يحيى. فتغامزا عليه، وأمر الساقي فأكثر له حتى أسكره. وكان بين أيديهم ردم من رياحين. فأمر يحيى فدفن فيه، وأمر قينة أنَّ تغني عند رأسه بيتين علمهما. فغنت:\rناديته وهو ميت لا حراك به ... مكفن في ثياب من رياحين\rفقلت: قم؟ قال: رجلي لا تطاوعني ... وقلت: خذ! قال: كفي لا تواتيني\rفأنتبه يحيى لصوت العود وصوت الجارية، فأخذ العود منها وغنى:\rيا سيدي وأمير الناس كلهم ... قد جار في حكمه من كان يسقيني\rإني غفلت عن الساقي فصيرني ... كما رأيت سليب العقل والدين\rلا أستطيع نهوضا قد وهى بدني ... ولا أجيب لداع حين يدعوني!\rوقال أبو الفتح البستي:\rأفد طبعك المكدود بالجد راحة ... يجم وعلله بشيء من المزح\rولكن إذا أعطيته المزح فليكن ... بقدر الذي يعطى الطعام من الملح\rوقال آخر في معناه:\rممازحة الصديق تزيد ودا ... إذا كانت تضاف إلى الملاحه\rفمازح من تحب وتصطفيه ... فمزحك مع صديق في راحه\rوقال الآخر في المدح:\rإذا نزل الضيف ليلا بهم ... رأى أوجها لاح منها الصباح\rكرام الوجوه لمن أمهم ... وعند وجوه الكرام السماح\rو هذا من العكس، وهو عند أهل البديع قسمان: تعاكس الكلم وتعاكس الحروف.\rفمن الأول في النثر قولهم: عادات السادات سادات العادات: وقولهم عقول الملوك ملوك العقول؛ وكلام الملوك ملوك الكلام؛ وفول بعضهم، وقد قيل له لا خير في السرف، لا سرف في الخير، ونحو هذا. وفي الشعر ما مر وقول صاحب الحلية:\rخير الليالي ليالي الخير في إضمٍ ... والقوم قد بلغوا أقصى مرادهم\rو قول أبي الطيب:\rفلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده\rو قول أبن جابر:\rعطفت قدها النضير فقالت: ... هل رأيتم لحسن هذا نظيرا؟\rبذلت للمحب يوم وصالٍ ... فرأينا وصال يوم كثيرا\rو نحوه وهو كثير.\rومن التالي في النثر كقوله تعالى: ) كل في فلك( وقوله تعالى: ) وربك فكبر( وقول العماد الاصبهاني للقاضي الفاضل: سر، فلا كبا بك الفرس! وقول بعضهم:\rسرو حماة بربها محروس؛ وقولك أرض خضراء ورمح أحمر، ونحو ذلك وهو كثير.\rومن الشعر قول الشاعر:\rمودته تدوم لكل هول ... وهل كل مودته تدوم؟\rو من النوع الأول قولي في أبيات:\rنتائج أبناء كرام غطارفٍ ... كرام بنين ماجدين كبار\rو قول الآخر:\rإذا المرء لم يمدح بحسن فعاله ... فمادحه يهذي وإنَّ كان يفصح\rو قول الآخر في معناه:\rوما شرف أنَّ يمدح المرء نفسه ... ولكن أعمالاً تذم وتمدح\rو قول الآخر يروي لأبن الفارض، رضي الله عنه:\rخليلي إنَّ زرتما منزلي ... ولم ترياه فسيحا فسيحا،\rوإنَّ رمتا منطقي من فمي ... ولم ترياه فصيحا فصيحا،\rو قول أبي بكر بن عمار في الاستعطاف:\rسجاياك إنَّ عافيت واسمح ... وعذرك إنَّ عاقبت أجلى وأوضح\rوإنَّ كان بين الخطيتين مزية ... فأنت إلى الأدنى من الله أجنح\rوقال أبو عيسى بن لبون في النسيب:\rسقى أرضا نووها كل مزن ... وسايرهم سرور وارتياح\rفما ألوى بهم ملل ولكن ... صروف الدهر والقدر المتاح\rسأبكي بعدهم حزنا عليهم ... بدمع في أعنته جماح\rوقال أيضاً:\rيا رب ليل شربنا فيه صافية ... حمراء في لونها تنفي التباريحا\rترى الفراش على الأكواس ساقطة ... كأنها أبصرت منها مصابيحا\rوقال أبو محمّد بن عبدون:\rسقاها الحيا من مغان فساح ... فكم لي بها من معان فصاح؟\rوحلى أكاليل تلك الربى ... ووشى معاطف تلك البطاح\rفما أنس لا أنس عهدي بها ... وجري فيها ذيول المراح\rونومي على حبرات الرياض ... يجاذب بردي مر الرياح\rولم أعط أمرا النهى طاعة ... ولم أصغ سمعا إلى لحي لاح\rوليل كراجعة طرف المريب ... لم أدرله شفقا من صباح\rو قلت أنا:\rأم والمهيمن إنني من بعدكم ... لكطائر قد قُدَّ منه جناح","part":1,"page":213},{"id":214,"text":"أوديتم بمحبكم من بعدكم ... أو ليس على المضر جناح؟\rقد كان فيهم أعصرا بوصالهم ... قد طبن روح للنفوس وراح\rفكأنني صبرا سقيت فكيف لي ... صبر وقد زموا المطي وراحوا؟\rو قلت أيضاً:\rنقل النسيم عن الأراك محدثا ... عن ثغر سلمى الأشنب الوضاح\rوحديثه المروي إنَّ رضابه ... عسل ومسك شوبا بالراح\rصدقا أحاديث الصحيح قد اعتلت ... عن ريبة تعزى لها من لاح\rوقال بعض السادات الصوفية رضي الله عنهم:\rقد كنت أحسب إنَّ وصلك يشترى ... بنفائس الأموال والأرواح\rحتى رأيتك تجتبي وتخص من ... تختاره بنفائس الأرباح\rفعلمت انك لا تزال بحيلة ... ولويت رأسي تحت طي جناح\rوجعلت في عشق الغرام إقامتي ... أبدا وفيه تحويلي ورواحي\rوقال الآخر:\rأبداً نحن إليكم الأرواح ... ووصالكم ريحانها والراح\rوقلوب أهل ودادكم تشتاقكم ... وإلى كمال جمالكم ترتاح\rوارحمة للعاشقين تحملوا ... ألم المحبة والهوى فضاح\rبالسير إن باحوا تباح دماؤهم ... وكذا دماء البائحين تباح\rوقال الآخر:\rراحوا فبانت راحتي ... صفرا وأضحى حبهم لي راحا\rفتحوا على القلب الغموم وأغلقوا ... باب السرور وضيعوا المفتاحا\rوقال بشار:\rخليلي ما بال الدجى لا تزحزح ... وما لعمود الصباح لا يتوضح؟\rأضل النهار المستنير طريقه؟ ... أم الدهر ليل كله ليس يبرح؟\rوطال علي الليل حتى كأنه ... بليلين موصول فما يتزحزح\rو اعلم إنَّ الشعراء في الليل قديما وحديثا مقصدين مختلفين لباعثين متباينين: فتارة يستطيلونه ويستبطئون الإصباح وذلك لأجل الاختناق بتباريح الأشواق عند احتساء كأس الفراق المر المذاق وتارة يستقصرونه ويودون أن لو دام وذلك عند اجتناء ثمرات الوصال والاشتغال بلذات الإقبال. فمن الأول قول مهلهل:\rأليلتنا بذي حسم أنبري ... إذا أنت أنقضيت فلا تحوري\rو لم يحضرني لمن قبله شيء في هذا الباب. وقول امرئ القيس:\rوليل كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي\rفقلت له لمّا تمطا بجوزه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل\rإلاّ أيّها الليل الطويل إلاّ أنجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل\rفيالك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل\rكأن الثريا علقت في مصامها ... بأمراس كتان إلى صم جندل\rو قوله أيضاً:\rأعني على التهمام والذكرات ... يبتن على ذي الهم معتكرات\rبليل التمام أو وصلن بمثله ... مقياسة أيامها نكرات\rو هو أوّل من أبدع في هذا الباب فيما علمنا. وقول النابغة:\rفبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع\rيسهد من ليل التمام سليمها ... لحلي النساء في يديه قعاقع\rتناذرها الراقون من سوء سمها ... تطلقه طورا وطورا تراجع\rو قوله أيضاً:\rكليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب\rتطاول حتى قلت ليس بمنص ... وليس الذي يرعى النجوم بآءب\rوصدر أراح الليل عازب همه ... تضاعف في الحزن من كل جانب\rو قوله أيضاً:\rكتمتك ليلا بالجمومين ساهرا ... وهمين هما مستكنا وظاهرا\rأحاديث نفس تشتكي ما يربها ... وورد هموم لن يجدن مصادرا\rو قوله أيضاً:\rأتاني أبيت اللعن أنك لمتني ... وتلك التي أهتم منها وأنصب\rفبت كأن العائدات فرشنني ... هراسا به يعلى فراشي ويقشب\rو قول جندح:\rفي ليل صول تناهى العرض والطول ... كأنما ليله بالليل موصل\rلا فارق الصبح كفي إن ظفرت به ... وإن بدت غرة منه وتحجيل\rلساهر طال في صول تململه ... كأنه حية بالسوط مفتول\rحتى أرى الصبح قد لاحت مخائله ... والليل قد مزقت عنه السراويل\rليل تحير ما ينطح في جهة ... كأنه فوق متن الأرض مشكول\rنجومه ركد ليست بزائلة ... كأنما هن في الجو القناديل\rما أقدر الله أن يدنى على شحط ... من داره الحزن ممن داره صول","part":1,"page":214},{"id":215,"text":"الله يطوي بساط الأرض بينهما ... حتى يرى الربع منه وهو مأهول\rو قول الحصري:\rيا ليل الصب متى غده ... أقيام الساعة موعده؟\rو قول الآخر:\rإلاّ هل على الليل الطويل معين ... إذا نزحت دار وحن حزين؟\rأكابد هذا الليل حتى كأنما ... على نجمه إلاّ يغور يمين\rوتالله ما فارقتكم قاليا لكم ... ولكن ما يقضي فسوف يكون\rو قول الآخر:\rما لنجوم الليل لا تغرب ... كأنها من خلفها تجذب؟\rروادك ما غار في غربها ... ولا بدا من شرقها كوكب\rو قول العباس بن الأحنف:\rأيّها الراقدون حولي أعينوني ... على الليل حسبه وآئتجارا\rحدثوني عن النهار حديثا ... أوصفوه فقد نسيت النهارا\rوقال السويد بن أبي كاهل:\rوإذا ما قلت ليل قد مضى ... عطف الأول منه فرجع\rيسحب الليل نجوما ظلعا ... فتواليها بطيآت التبع\rويزجيها على إبطائها ... مغرب اللون إذا الليل انقشع\rو قول أبن الرومي:\rرب ليل كأنه الدهر طولا ... قد تناهى فليس فيه مزيد\rذي نجوم كأنهن نجوم الشيب ... ليست لكن تزيد\rو قول سعيد بن حميد:\rيا ليل بل يا أبد ... أنام عندك غد؟\rيا ليل لو تلقى الذي ... ألقى بها أو تجد\rقصر من طولك أو ... ضعف منك الجلد\rأشكو إلى ظالمة ... تشكو الذي لا تجد\rوقف عندها ناظري ... وقف عنها السهد\rو قول الآخر:\rيخيل إلي إنَّ الشهب في الدجى ... وشدت بأهداب إليهن أجفان\rو قول الآخر:\rرب ليل أمد من نفس العاشق ... طولا قطعته بآنتحاب\rوحديث ألذ ممن نظر الوامق ... بدلته بسوء العتاب\rو قول أبن شهيد:\rوبتنا نراعي الليل لم يطو برده ... ولم يجن شيب الصبح في فزعه وخطا\rتراه كملك الزنج من فرط كبره ... إذا رام مشيا في تبختره أبطا\rمطلا على الآفاق تاجه ... وقد علق الجوزاء من أذنه قرطا\rوقال بعضهم: كان علي بن الجهم يستنشدني شعر خالد الكاتب فأنشده فيقول: ما صنع شيئاً حتى أنشدته يوما له:\rرقدت ولم ترث للساهر ... وليل المحب بلا آخر\rولم تدر بعد ذهاب الرقاد ... ما صنع الدمع من ناظري\rفقال: قاتله الله لقد أدمن الرمي حتى أصاب الغرة.\rومن الاعتبار الثاني قول الأعرابي:\rوليل لم يقصره رقاد ... وقصر طوله وصل الحبيب\rو قول أبن المستوفي:\rحسد الليل الصباح لمّا ضمنا ... غيظا ففرق بيننا داعيه\rو قول الآخر:\rرأيت في المنام أقل بخلا ... وأطوع منك في غير المنام\rفليت الصبح زال فلا نراه ... وليت الليل يبقى ألف عام\rولو إنَّ النعاس يباع حينا ... لأغليت التعاس على النيام\rو قول القاضي الفاضل وهو السحر حقا:\rبتنا جميعا كيف شاء الهوى ... وربما لا يمكن الشرح\rبوابنا الليل وقلنا له: ... إن غبت عنا دخل الصبح\rو قول أبن الصمد بن المعذل:\rأقول وجنح الدجى ملبد ... ولليل في كل فج يدُ\rونحن ضجيعان في مسجدٍ ... فلله ما ضمنا المسجدُ:\rقيا ليلة الوصل لا تبعدي ... كما ليلة الهجر لا تنفدُ\rويا غد إن كنت لي راحما ... فلا تدن من ليلتي يا غدُ!\rو قول الآخر:\rشباب المرء ثوبٌ مستعار ... وأيام الصبا أبداً قصارُ\rو لأجل الاعتبالرين كان قول الأعرابي:\rتطاول بالفسطاط ليلي ولم يكن ... بأرض الغضا ليلي علي يطولُ\rو قول أبي الوليد بن زيدون:\rأجل إنَّ ليلي فوق شاطئ بيطة ... لأقصر من ليلي بآنة فالبطحا\rو قول عمر بن أبي ربيعة:\rفيالك من ليلٍ تقاصر طوله ... وما كان ليلي قبل ذلك يقصرُ\rو من الثاني أيضاً قال الآخر:\rلله أيام الشباب وعصره ... لو يستعار جديده فيعارُ\rما كان أقصر ليله ونهاره ... وكذاك أيام السرور قصارُ!\rو قول أبي بكر بن دريد:\rيا رب يومٍ جمعت قطريه لي ... بنت ثمانين عروساً تجتلى\rو قد شرح الاعتبارين الوليد بن يزيد في قوله:\rلا أسأل الله تغييراً لمّا فعلت ... نامت وقد أسهرت عيني عيناها","part":1,"page":215},{"id":216,"text":"فالليل أطول شيء حين أفقدها ... والليل أقصر شيء حين ألقاها\rو الآخر في قوله:\rأخو الهوى يستطيل الليل من أرقٍ ... والليل في طوله جارٍ على قدر\rليل الهوى سنةٌ في الهجر مدته ... لكنه سِنةٌ في الوصل من قصر\rوالآخر في قوله:\rليلي وليلى سواءٌ في اختلافهما ... قد صيراني جميعاً في الهوى مثلا\rيجود بالطول ليلي كلما بخلت ... بالطول ليلى وإن جادت به بخلا\rو قول جميل:\rوقالوا: لا يضرك نأي شهرٍ ... فقالت صاحبي: فمن يضيرُ؟\rيطول اليوم إن شحطت نواها ... وحولٌ نلتقي فيه قصيرُ\rو قول بشار:\rلا أظلم الليل ولا أدعي ... أنَّ نجوم الليل ليست تغيورُ\rليلي كما شاءت فإن لم تجد ... طال وإن جادت فليلي قصيرُ\rتصرف الليل على حكمها ... فهو على ما صرفته يدورُ\rو قول الآخر:\rتعالوا أعينوني على الليل إنه ... على كل عينٍ لا تنام طويل!\rو قول الآخر:\rلم يطل ليلي ولكن لم أنم ... ونفى عني الكرى طيفٌ ألم\rو قول الفرزدق:\rيقولون طال الليل والليل لم يطل ... ولكن من يبكي من الشوق يسهرُ\rو هذا المعنى أكثر من أن يستقصى. وترقى عن الاعتبارات قول بعض العارفين المحبين:\rلست أدري أطال ليلي أم لا ... كيف يدري بذاك من\rلو تفرغت لاستطالة ليلي ... ولرعي النجوم كنت مخلا\rإنَّ للعاشقين عن قصر الليل ... وعن طوله من الهم شغلا\rوقال أبن حمديس الصقلي في مجونه:\rقم هاتها من كف ذات الوشاح ... فقد نعى الليل بشير الصباح\rباكر إلى اللذات واركب لها ... سوابق اللهو ذوات المراح\rمن قبل أن ترشف شمس الضحى ... ريق الغوادي من ثغور الاقاح!\rوقال أيضاً:\rبت منها مستعيراً قبلاً ... كن لي منها على الهر اقتراح\rوأروى غلل الشوق بما ... لم يكن في قدرة الماء القراح\rوقال الآخر:\rسل المفتي المكي هل في تزاور ... وضمة مشتاق الفؤاء جناحُ\rفقال: معاذ الله أن يذهب التقى ... تلاصق أكباد بهن جراحُ\rو المعنى هنا بالمفتي هو عطاء بن أبي رباح الإمام الفقيه المشهور أحد الكبراء من التابعين. وكان بمكة مفتيا.\rقال شمس الدين بن خلكان في تأريخه: لمّا بلغه هذان البيتان قال: والله ما قلت شيئا من هذا! وقال فخر الدين التكريتي:\rوما ذات طوق في فروع أراكةٍ ... لها رنةٌ تحت الدجى وصدوحُ\rترامت بها أيدي النوى وتمكنت ... لها فرقةٌ من أهلها ونزوحُ\rفحلت بزوراء العراق وزغبها ... بعسفان ثار منهم وطليحُ\rتحن إليهم كلما ذر شارقٌ ... وتسجع في جنح الدجا وتنوحُ\rإذا ذكرتهم هيجت ذا بلابل ... وكادت بمكتوم الغرام تبوحُ\rبأبرح من وجدي بذكراكم متى ... تألق برقٌ أو تنسم ريحُ\rوقال أبن الزيات:\rسماعاً يا عباد الله مني ... وكفوا عن ملاحظة الملاحِ\rفإنَّ الحب آخره المنايا ... وآخره يهيج بالمزاحِ\rوقالوا: دع مراقبة الثريا ... ونم فالليل مسود الجناحِ\rفقلت: وهل أفاق القلب حتى ... أفرق بين ليلي والصباحِ؟\rوقال مؤيد الدين الموصلي:\rيا قالة الشعر قد نصحت لكم ... ولست أدهى إلاّ من النصحِ\rفقد ذهب الدهر بالكرام وفي ... ذاك أمورٌ طويلة الشرحِ\rوأنتم تمدحون بالحسن والظرف ... وجوها في غاية القبحِ\rوتطلبون السماح من رجلٍ ... قد طبعت نفسه على الشحِّ\rمن هاهنا تحرمون كدكم ... لأنكم تكذبون في المدحِ\rصونوا القوافي فما أرى أحداً ... يعثر فيه الرجاء بالنجاحِ\rفإن شككتم فيما أقول لكم ... فكذبوني بواحد سمحِ!\rو نحو هذا البيت في المعنى ما حكي أنَّ بعض ظرفاء السؤال مر بقوم يأكلون فقال لهم: يا بخلاء! فأنكروا عليه. فلما سمع إنكارهم قال لهم: كذبوني بلقمة! وقال أبن ميادة:\rفنظرن من خلل الحجال بأعينٍ ... مرضى يخالطها السقام صحاحِ\rوأرشن حين أردن أن يرمينني ... نبلاً بلا ريشٍ ولا بقداحِ\rوقال آخر يخاطب الناس:\rتبعتم السابح في لجه ... ورعتم في الجو ذات الجناح","part":1,"page":216},{"id":217,"text":"هذا وأنتم غرضٌ للردى ... فكيف لو خلدتم يا قباحِ؟\rوقال أبن الساعاتي:\rوكم فيك من عذراء زفت ... لفهمك في غدو أو رواحِ\rمن الغيد الحسان بلا شبيهٍ ... فكيف يفوتها حظ القباحِ؟\rوقال الآخر:\rوإذا الفتى من دهره كملت له ... خمسون وهو إلى التفى لم يجنحِ\rطلعت عليه المخزيات وقلن قد ... أرضيتنا فكذاك كن لا تبرحِ\rوإذا رأى إبليس صورته بدت ... حيى وقال: فديت من لم يفلحِ\rو مثله قول التهامي:\rإذا بلغ الفتى عشرين عاماً ... وأعجزه الفخار فلا اعتذارُ\rإذا ما أوّل الخطي أعطى ... فما يرجى لآخره انتظارُ\rو قول الآخر:\rوصهباء جرجانية لم يطف بها ... حنيف ولم تنغر بها ساعة قدرُ\rأتاني بها يحيى وقد نمت نومةً ... وقد غابت الشعرى وقد طلع النسرُ\rفقالت اغتبقها أو لغيري فاسقها ... فما أنا بعد الشيب ويحك والخمرُ\rإذا المرء وافى الأربعين ولم يكن ... له دون ما يأتي حياءٌ ولا سترُ\rفدعه ولا تنفس عليه الذي ارتأى ... ولو جر أسباب الحياة له الهرُ\rوقال الآخر:\rوقولوا: في الهجاء عليك إثمٌ ... وليس الإثم إلاّ في المديح\rلأني إن مدحت كذباً ... وأهجو حين أهجو بالصحيحِ\rوقال الآخر:\rقالوا: تعشقها عمياء قلت لهم: ... ما شأنها ذاك في عيني ولا قدحا\rبل زاد وجدي فيها أنها أبداً ... لا تعرف الشيب في فودي إذا وضحا\rإن يجرح السيف مسلولا فلا عجبٌ ... وإنّما العجب سيفٌ مغمدٌ جرحا\rكأنما هي بستان خلوت به ... ونام حارسه سكران قد طفحا\rتفتح الورد فيه من كمائمه ... والنرجس الغض فيه بعد ما انفتحا\rو مثله قول أبن سناء الملك:\rفتنتني مكفوفةٌ ناظرها ... كتبا لي من الجراح أمانا\rفهي لم تسلل الجفون حساماً ... لا ولم تحمل الفتور سنانا\rوهي بكر العينين محصنة الأجفان ... ما افتض ميلها الأجفانا\rقصرت عشقها علي فلم تع ... شق فلاناً إذ لم تعلين فلانا\rعميت من الهوى وأرتحل الانسا ... ن من عينها وأخلى المكانا\rعلمت غيرتي عليها فخافت ... أن تسمي غيري لها إنسانا\rوقال أبن قاضي ميلة:\rوكيف لا تدركه نشوةٌ ... واللحظ راح وجنى الريق راح؟\rلو لم تكن ريقه خمرةً ... لمّا تثنى عطفه وهو صاح\rوقال أبن نباتة السعدي:\rوغانية هذه الدنيا فسادٌ ... فكيف نكون منها في صلاحِ؟\rهي الخرقاء تنقص بعد نسجٍ ... فما فيها لحيي من فلاحِ\rو سيأتي هذا المعنى مستوفي في الحكم إن شاء الله تعالى.\rوقال الآخر وكان أبو بكر بن دريد يتمثل به كثيرا أو هو قائله:\rفواحزناً إنَّ الحياة لذيذةٌ ... ولا عملٌ يرضي به الله صالحُ\rو قلت أنا:\rتصبر إن أصابك نبل عوض ... وضاق عليك متسع البراح\rفإنَّ الدهر ليس بذي اصطبار ... عليك بل التول والبراح\rوإنَّ الخطب أسرع من ذناب ... بمنسجم يسيل إلى سراحي\rوما أمر يضيق عليك إلاّ ... بآخره يصير إلى سراح\rفكم أمسيت ذا حزن وأصبحت ... تصبح مسرور كؤوس راح\rالعوض: الدهر كما قال الحماسي:\rولولا نبل عوض في ... خضماتي وأوصالي\rلطاعنت صدور الخيل ... طعنا ليس بالآلي\rو البراح: المتسع من الأرض لا زرع فيها ولا شجر والبراح في البيت الثاني: الزوال مصدر برح مكانه أي زال عنه والذناب مسيل بين التلعتين والسراحي بالياء الكثمانية جمع سرحان وهو هنا وسط الحوض والسراح في البيت بعده الانسراح والانفراج وتصبح تستقي تقول: صبحت زيدا إذا سقيته الصبوح فهو مصبوح وقولي مسرور فحذفت نون من وهو جائز فصيح.\rولنكتف بهذا القدر والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.\rباب الخاء المعجمة\rخبأة خير من يفعة سوء.\rالخبأ الستر تقول: خبأت الشيء خبأ وخبيئة إذا سترته والخبأة على مثال همزة المرأة تلازم بيتها. وفي الصحاح: الخبأ المرأة تطلع ثم تختبئ. واليفع التل والمرتفع من الأرض ووصف للغلام. يقال: غلام يفع بفتحتين ويفعة.","part":1,"page":217},{"id":218,"text":"والمعنى إنَّ بنتا تلزم بيتها تخبأ فيه خير من غلام يفعة لا خير فيه وهو واضح. والمسوغ للابتداء بالنكرة في هذا وما يشبهه نحو تمرة خير من جرادة القصد إلى العموم ذكره أبن مالك في شرحه على التسهيل. وهو أحسن من التعبير بأن المسوغ كونه مثلا إذ لا يكون مثلا إلاّ بعد حين. وهو مفتقر أول وهلة إلى المسوغ مع إنَّ كونه مثلا وإن حصل ابتداء لا يناسب أن يكون مسوغا بوجه كما لا يخفى إذ التسويغ إنّما هو بالتخصيص أو التعميم المخرج للقضية عن الإهمال المحض لفظا ومعنى. نعم المعنى قد يفهم بقرائن وإن لم يكن ثم مسوغ ظاهر فيكفي ذلك ويمكن أن يدعى إنَّ هذا المثل ونحوه من ذلك. مع إنّه في مثلنا يدعى إنَّ الميوغ كون المبتدأ وصفا لمحذوف هو المبتدأ حقيقة. فإنَّ المعنى امرأة خبأة خير من غلام يفعة. وفي المسألة كلام وليس من غرضنا ولا هذا محله.\rخبط خبط عشواء.\rالخبط: الضرب يقال: خبط البعير الأرض إذا ضربها برجله. والعشى بالقصر سوء البصر بالليل. يقال: عشى بالكسر يعشى وعشى أيضاً عشى فهو أعشى وهي عشواء. والعشواء في المثل الناقة الضعيفة البصر والتي لا تبصر أمامها وهي تضرب وتخبط بيديها كل شيء فيضرب بها المثل. ويقال: خبط فلان هذا الأمر خبط عشواء وذلك إذا دخل فيه بغير بصيرة وهو ظاهر.\rخبقة خبقة ترق عين بقة.\rالخبق على مثال هجف وعلى مثال فلز الطويل من الرجال والخيل. وقيل: الخبق من الخيل: السريع والخبق أيضاً الرجل الوثاب. وهكذا وقع هذا الكلام في القاموس. والذي في الصحاح: حزقة حزقة ترق عين بقة. والحزقة الرجل القصير أو الذي يقارب الخطو لضعف بدنه. يقال: رجل حزق على مثال عتل ورجل حزقة. قال الشاعر في الأول:\rحزق إذا ما القوم ابدوا فكاهة ... تفكر آإياه بعون أم قردا\rوقال امرؤ القيس في الثاني:\rوأعجبني مشي الجزقة خالد ... كمشي أتان حلئت في المناهل\rحلئت: منعت وطردت والترقي: الصعود والبق: البعوض أو أعظمها. قال ذو الرمة يذكر خيلا:\rقياما تذوذ البق عن نخراتها ... بنهز كإيماء الرؤوس الموانع\rالنخرات بالنون والخاء المعجمة مخارج النفس من الأنوف ونهزات الدابة برأسها إذا ذبت به.\rوروي في الحديث إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يرقص أحد سبطيه فيقول: حزقة حزقة ترق عين بقة وقوله: ثرق أي اصعد إلى النماء. ويقال أيضاً: رجل حبقة بالحاء المهملة وبسرتين مشددة القاف أي قصر. ورجل حبق على مثال صرد أي ضعيف العقل. وكذا امرأة حبقة. قل الراجز:\rحبقة يتبعها شيخ حبق ... وإن يوفقها لخير لا تفق\rأخدع من ضب.\rالخدع: الختل. يقال: خدعه خدعا إذا ختله وأراد به المكروه من حيث لا يشعر واختدعه أيضاً اتداع فانخدع هو والاسم الخديعة. والضب تقدم ما فيه وهو يوصف بالخديعة والمكر. قال الشاعر:\rوأخدع من ضب إذا جاء حارش ... أعد له عند الذنابة عقربا\rو إنّما قال ذلك لأنهم يزعمون إنَّ بين الضب والعقرب ألفة فتأوي إلى حجره فمن مد يده إليه لسعته.\rقال المبرد في الكامل: العرب تزعم إنّه ليس من ضب إلاّ في جحره عقرب. فهو لا يأكل ولد العقرب وهي لا تضربه فهي مسالمة له وهو مسالم لها. وأنشد البيت السابق.\rمخرنبق لينباع.\rالآخرنباق: انقماع الرجل المريب واللصوق بالأرض والسكوت والإطراق والانبياع: سيلان العرق. يقال: انباع العرق إذا سال ويقال: انباعت الحية إذا بسطت نفسها بعد تحويها لتساور.\rومعنى مخرنبق لينباع: مطرق وساكت ليثب إذا أصاب فرصة. والمعنى إنّه ساكت لداهية يريدها. ويضرب في الرجل يطيل الصمت حتى يسحب مغفلا وهو ذو نكراء. والمخرنبق: اللاصق بالأرض لينباع ليثب. أو المخرنبق: الساكت على ريبة لينباع ليظهر ما طوله من الشر. والمقصد واحد. ويروى: مخرنبق لينباع ومعناه ليندفع. وقيل ليأتي بالبائقة أي الداهية. ويروى لينباغ بالمعجمة أي ليتحرك بالشر الذي في طيه فيظهره كأنه من تبوغ الدم بمعنى هاج أو من تبوغ زيد إذا غلب.\rوفي معنى هذا المثل قول النابغة الذبياني:\rلقد نهيت بني ذبيان عن أقر ... وعن ترفعهم في كل أصفار\rوقلت يا قوم إنَّ الليث منقبض ... على براثينه لوثبة الضاري","part":1,"page":218},{"id":219,"text":"قوله: عن اقر هو موضع. وقوله: في كل أصفار هو جمع صفر بالتحريك اسم الشهر، وكان صفر يومئذ في زمن الربيع، وقيل غير ذلك. وأراد بالليث النعمان بن حارث الأكبر الغساني أو أخاه عمرو بن الحارث. وقوله: لوثبة الضاري - بالإضافة أي لوثبه الأسد الضاري، ويروى للوثبة الضار، فيكون الضاري وصفا لليث.\rومثل ذلك أيضاً قول أبن الرومي:\rسكت سكوتا كان رهنا بوثبة ... عموسٍ كذاك الليث للوثب يلبد\rو سيأتي أمثال من هذا المعنى كثيرة، وتقدم بعضها.\rتخرسي يا نفس لا مخرس لك.\rالخرس بالضم طعام الولادة. قال الراجز:\rكل طعام تشتهي ربيعة ... الخرس والأعذار والنقيعه\rو الخرسة بالضم أيضاً طعام النفاس نفسها. وتقول: خرست على المرأة تخريساً إذا أطعمت في ولادتها، وتخرست هي اتخذت ذلك لنفسها، وخرست جعل لها الخرسة. قال الهذلي:\rإذا النفساء لم تخرس ببكرها ... غلاما ولم يسكت بحتر فطيمها\rالحتر: الشيء القليل الحقير، أي لهم شيء يسكتون به الصبي من الطعام ولو قليلا لشدة المجاعة. وكانت امرأة ولدت ولم يكن لها من يهتم بأمره فقالت: تخرسي يا نفس لا مخرس لك! فذهب مثلا يضرب عند اعتناء المرء بنفسه.\rخرقاء ذات نيقةٍ.\rالخرق بالضم عدم الرفق في الأمور، وعدم إتقان الصنعة والحمق. خرق الرجل بالكسر والضم فهو اخرق وهي خرقاء. قال:\rإذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة ... سهيل أذاعت غزلها في القرائب\rو يريد أنَّ المرأة الخرقاء لا تشتغل بالغزل في الصيف بل تتمادى على التسويق والتفريط، حتى إذا طلع سهيل وذلك حين يقبل البرد قامت إلى قرائبها ليعنها، وجعلت تفرق بينهن غزلها. فيسما سهيلا بكوكب الخرقاء لهذه العلاقة. وذات بمعنى صاحبة. والنيقة بكسر الأول اسم من التنوق. يقال: تنوق الرجل في الشيء يتنوق إذا تأنق فيه، أي تخير.\rوالمعنى إنّها خرقاء، ومع ذلك تتأنق. فيضرب في الجاهل بالشيء يدعي فيه المعرفة ويتخير في الإرادة.\rالخرق شؤم.\rتقدم أنَّ الخرق يكون عدم الرفق في الأمور بتناولها على غير وجهها، مع عجلة وإفراط تجاوز مقدار. والشؤم بضم الشين وسكون الهمزة ضد اليمن.\rوالمعنى أنَّ من خرق في أمر فلا بد أنَّ يعود عليه شؤمه. وهذا الكلام يروى حديثا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنّه قال: \" الرفق يمن والخرق شؤم \" . وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: \" إنَّ الله يحب الرفق في الأمر كله \" . وقال: \" ما كان الرفق في شيء قط إلاّ زانه، وما كان الخرق في شيء إلاّ شانه \" . وقال: \" يا عائشة، من أعطي حظه من الرفق أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، ومن حرم حظه من الرفق حرم حظه من خير الدنيا والآخرة \" . وقال صلى الله عليه وسلم: \" إذا أحب الله تعالى أهل بيت أدخل عليهم الرفق \" . وقال صلى الله عليه وسلم: \" إنَّ الله تعالى ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الخرق، وإذا احب الله تعالى عبدا أعطاه الرفق، وما من أهل بيت يحرمون الرفق إلاّ قد حرموا \" . وقال صلى الله عليه وسلم: \" إنَّ الله تعالى رفيق يحب الرفق ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف \" . وقال صلى الله عليه وسلم: \" يا عائشة ارفقي فإنَّ الله تعالى إذا أراد بأهل بيت كرامة دلهم علي باب الرفق \" .وقال صلى الله عليه وسلم: \" من يحرم الرفق يحرم الخير كله \" . وقال صلى الله عليه وسلم: \" التأني من الله والعجلة من الشيطان \" . وقال صلى الله عليه وسلم: \" إنَّ هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، فإنَّ المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى \" .\rوما أحسن قول أبي الفضل بن النحوي في هذا:\rوالرفق يدوم لصاحبه ... والخرق يصير إلى الهرج\rخرقاء عيابة.\rالعيابة: التي تعيب الناس كثيرا. وهذا مثل للأحمق وذي العيوب، يعيب غيره وينسى عيوبه. قال إسماعيل بن القاسم:\rيا من يعيب وعيبه متشعب ... كم فيك من عيب وأنت تعيب!\rلله درك كيف أنت وغاية ... يدعوك ربك عندها فتجيب؟\rو في الحديث: طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس!\rأخرق من حمامةٍ.\rالخرق مر، والحمام أيضاً تقدم ما فيه، ووصف بالخرق لأن الحمامة تبيض على أعواد ولا تحكم عشها، فربما وقع بيضها فتكسر. وقد تأتي إلى غصن شجرة فتبني عليه عشها في الموضع الذي يحركه الريح، فلا يكاد يسلم بيضها. قال عبيد بن الأبرص:","part":1,"page":219},{"id":220,"text":"عيوا بأمرهم كما ... عيت ببيضها الحمامة\rجعلت لها عودين من ... نش وآخر من ثمامة\rو يقال أيضاً: أحمق من حمامةٍ.\rخرقاء وجدت صوفاً.\rتقدم أنَّ الخرق يكون بمعنى عدم الإتقان؛ والمرأة الخرقاء من هذا المعنى ضد الصناع؛ والصوف معروف، البعض منه صوفة.\rومعنى المثل أنَّ المرأة غير الصناع إذا وجدت صوفا عاثت فيه وودرته. يضرب مثلا للأحمق يجد مالا فيضيعه ويتلفه، أو لمن يخرق في كل ما وجده وتمكن منه.يحكى إنَّ الحسن رضي الله عنه لقي سباج وهو يسرع، فجل الحسن يومئ إليه بإصبعه كفعل الغازلة ويقول: خرقاء وجدت صوفا.\rوهذا المثل كالمثل الآخر الآتي: عبد وخلى في يديه.\rأخسر صفة من أبي غبشان.\rالخسارة ضد الربح. خسر الرجل بالكسر يخسر خسراً وخسارة: وأبو غبشان هو الخزاعي. وتقدم هذا المثل وما كان من قصته في حرف الحاء المهملة.\rخش ذؤالة بالحبالة.\rالخشية: الخوف، خشي بالكسر يخسى خشية؛ وخشية أنا تخشية: خوفة؛ وخشى فلانا تخشية: خوفه؛و ذؤالة بذال معجمة، على مثال ثمامة الذئب، مأخوذ من الذالان، وهو مشية فيها إسراع أو خفة وميس. يقال: ذال يذال ذال وذالانا إذا مشي تلك المشية؛ والحبالة: التي يصاد بها.\rوالمعنى: خوف الذئب بالحبالة. ويضرب عند الأمر بالتهديد والتبريق.\rخشية خير من ملء وادٍ حباً.\rأي: أن تخاف أرفع لمقدارك وأسمى لجانبك من أن تحب.\rوهذا كقولهم: رهبوتى، خير من رحموتى؛ وقول الغضبان بن القبعثري للحجاج: أو فرق خير من حبين، وسيأتي.\rأخطأت اسكت الحفرة.\rالخطأ ضد الصواب. ويقال: أخطأ يخطئ إخطاء فهو مخطئ؛ ويقال خطئ بالكسر يخطأ إذا سلك سبيل الخطأ، عامدا أو غير عامد، فهو خاطئ. وقيل: الخاطئ هو المتعمد؛ والاست بهمزة الوصل والسته: الدبر أو حلقته؛ والحفرة بضم الحاء معروفة. وهذا المثل يضرب لمن يحيد عن الصواب في مقصده، ويضع الشيء في غير موضعه. ومعناه ظاهر.\rأخطأ من ذبابٍ.\rالخطأ مر، وكذا الذباب، ووصف بالخطأ لأنه يقع في الهلاك بنفسه: فقد يسقط في الماء الحار فيموت، أو في الشيء الذي يلتزق به ولا يخلص منه.\rأخطأ من فراشٍ.\rالفراش بفتح الفاء بوزن سحاب هو الذي يتهافت على السراج، واحده فراشة. ووصف بالخطأ أيضاً كما ذكر في الذباب، لأنه يلقي نفسه على السراج والنار كلها فيحترق. وقال الشاعر:\rجهالة سنور وخطأ فراشةٍ ... وانك من كلب التهارش أجهل\rو في الحديث: إنكم تتهافتون في النار تهافت الفراش وأنا آخذ بحجزكم، أو كما قال صلى الله عليه وسلم. وما احسن من قول الأدباء:\rلهيب الخدين بدا لطرفي ... هوى قلبي عليه كالفراش\rفأحرقه فصار عليه خالا ... وها أثر الدخان على الحواشي\rو قول الآخر:\rجلت محاسنه عن كل تشبيه ... وجل عن واصف في الحسن يحكيه\rأنظر إلى حسنه واستغن عن صفةٍ ... سبحان خالق سبحان باريه!\rالنرجس الغض والورد الجني له ... والأقحوان النضير الضوء في فيه\rدعا بألحاظه قلبي إلى عطبي ... فجاءه مسرعا طوعا يلبيه\rمثل الفراشة تأتي إذ ترى لهبا ... إلى السراج فتلقي نفسها فيه\rالخنفساء إذا مست نتنت.\rالخنفساء:الدويبة السوداء المعروفة. يقال إنها خنفساء وخنفس وخنفسة ونونها زائدة. والنتن قبح الرائحة. يقال: نتن الشيء بالضم وأنتن فهو منتن. والخنفساء معروفة بالنتن فيضرب ذلك مثلا للرجل المشتمل على الخبث والعيب وإنّه يترك ويجتنب. والمعنى: لا تفتش ما عنده فانه يؤذيك بنتن معايبه!\rأخف حلماً من بعير.\rالخف ضد الثقل. خف الشيء يخف خفة فهو خفيف. والقياس خافٌ كدب يدب فهو داب. ولكن حملوا الخفة على ضدها وهو الثقل خفيف كما قالوا: ثقيل. والحلم تقدم. والبعير معروف. وهذا كما قال الحماسي:\rلقد عظم البعير بغير لب ... فلم يستغن بالعظم البعيرُ\rيصرفه الصبي بكل وحهٍ ... ويحسبه على الخسف الجريرُ\rأخف حلما من عصفورٍ.\rالحلم مر، والعصفور: الطائر الصغير المعروف وهو على أنواع كثيرة. والأنثى عصفورة. قال الشاعر:\rكعصفورة في كف طفلٍ يسومها ... حياض المنايا وهو يلهو ويلعبُ","part":1,"page":220},{"id":221,"text":"و يضرب المثل في خفة الحلم بالعصفور ولا خفاء بذلك. قال حسان بن ثابت رضي الله عنه:\rلا باس بالقوم من طول ومن عظم ... جسم البغال وأحلام العصافير!\rوقال الآخر:\rإن يسمعوا سبة طاروا بها فرحا ... عني وما سمعوا من صالح دفنوا\rمثل العصافير أحلاماً ومقدرةً ... لو يوزنون بزف الريش ما وزنوا\rأخف رأساً من ذئبٍ.\rالذئب معروف ويوصف بخفة الرأس ويعنون في النوم لمّا يزعمون من أنه لا ينام إلاّ بإحدى مقلتيه كما قيل:\rينام بإحدى مقلتيه ويتقي ... بأخرى المنايا فهو يقظان هاجعُ\rوقالوا أيضاً: أخف رأسا من الذباب ومن الطائر.\rأخف من لا على اللسانِ.\rالخفة مرت ولا: حرف نفي وهي خفيفة على اللسان. فيضرب المثل بذلك في الخفة وهو يحتمل أن تكون الخفة من جهة اللفظ لقلته وهو ظاهر، أو من جهة المعنى لملائمة الإنكار للطبع غالبا وخفة التبري والتنصل على النفس في أكثر الأمور أو منهما معا. ويقال أيضاً: كلا ولا في التعبير عن السرعة والخفة. قال:\rيكون نزول القوم فيها كلا ولا ... غشاشاً ولا يدنون رحلاً إلى رحلِ\rغشاشا: أي على عجل. وقال الآخر:\rوأروع أهداه لي الليل والفلا ... وحس بمس الأرض لكن كلا ولا\rأخف من يراعةٍ.\rاليراعة بفتح الياء المثناة من تحت ثم راء ثم ألف ثم عين مهملة واحد اليراع وهو يطلق على طائر يطير بالليل كأنه نار. وهو في هذا المثل يجوز أن يراد به القصبة وأن يراد به الطائر.\rوالمعنى الأول هو مراد البلغاء والأدباء عند وصف أحد بالكتابة. وقولهم مثلا: إنَّ فلان من أرباب اليراعة وفرسان اليراعة وهذا في الشعر والنثر لا يحصى.\rتخلصت قائبةٌ من قوبٍ.\rالتخلص: النجاة. خلص الرجل تخلصا فتخلص هو: نجا؛ والقابية: البيضه؛ والقوب: الفرخ ؛ وأما بالفتح فمصدر. يقال: قاب الطائر بيضته إذا فلقها ، قوبا، فانقابت هي وتقوبت.\rومعنى تخلصت قابية من قوب على هذا: تخلصت البيضة من الفرخ. يضرب لمن انفصل من صاحبه. وعليه ففي المثل قلب لأن الذي يتخلص هو الفرخ لا البيضة؛ غير أنه يصح إسناده إلى البيضة باعتبار كما تقول: تخلصت الحامل من ذي بطنها. وقيل إنَّ القائبة الفرخ والقوب البيضة؛ فلا قلب والأول أنسب.\rولفظ المثل عند الجوهري: برئت قائبة من قوبٍ. وهذا اللفظ لا يكون معه قلب على كلا التفسيرين لأن نسبة البراءة إليها معا صحيحة.\rوحكي أنَّ أعرابيا استخفر أحداً فقال له: إذا بلغت بكل مكان كذا فبرئت قائبة من قوب أي فقد تخلصت من خفارتك.\rاختلط الحابل بالنابل.\rالاختلاط معروف؛ والحابل الذي يصيد بالحبل؛ والنابل الذي يصيد بالنبل فيضرب ذلك في اختلاط الرأي ويقال الحابل هنا هو السدى والنابل الطعمة وهذا كما مر في قولهم: حول حابله على نابله.\rاختلط الخاثر بالزباد.\rهذا المثل كالذي قبله. والخاثر ضد القيق. يقال: خثر اللبن بالضم والكسر فهو حاثر. والزباد على مثال رمان نبت والزباد أيضاً من اللبن ما لا خير فيه. فكأن المعنى أنه اختلط الجيد بالرديء والصحيح بالسقيم.\rوقال البكري في شرح الأمثال: الزباد نبت كانوا يضعون ورقه على ظرف اللبن. ويقال أيضاً: زبدت المرأة الصوف والشعر إذا نفسته. فيحتمل أن يريد في المثل أنَّ خاثر اللبن اختلط بمنفوش الصوف فلا يؤكل. انتهى. وما ذكرناه أوّلاً أظهر والله أعلم.\rخلع الدرع بيد الزوج.\rهذا مثل يضرب عند الخطأ في وضع الأشياء غير موضعها وتقدمت قصته ومن قاله في حرف الجيم عند قولهم: التجريد لغير نكاح مثله، فأنظره هنالك.\rأخلف من صقرٍ.\rيقال: خلف فم الصائم بفتح الآم يخلف خلوفا وخلوفة بضمهما؛ وأخلف إذا تغير رائحته. ومنه: نومة الضحى مخلفة للفم.\rوفي الحديث أيضاً: لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. والصقر: الطائر المعروف وتقدم. ضربوا المثل بخبث رائحة فمه.\rأخلف من عرقوبٍ.\rأخلف اسم تفضيل من الإخلاف في الوعد. لكن المعروف فيه الرباعي. يقال: أخلفني فلان ما وعدني وهو أن يثول شيئا ولا يفعله على الاستقبال. وقد يقال: أخلفه إذا وجد وعده خلفا. قال الأعشى:\rأثوى وفصر ليلة ليزودا ... فمضت وأخلف من قتيلة موعدا\rأي مضت الليلة.","part":1,"page":221},{"id":222,"text":"نعم يجوز بناء اسم التفضيل من الرباعي على أفعل عند بعض المحققين كأعطى. وعرقوب رجل من العمالقة وعد أخاه تمرا فأخلفه وسيأتي. قال علقمة:\rوقد وعتك موعداً لو وفت به ... مواعيد عرقوبٍ أخاه بيثربِ\rوقال كعب بن زهير رضي الله عنه:\rكانت مواعيد عرقوبٍ لها مثلا ... وما مواعيدها إلاّ الأباطيلُ\rو قلت أنا من قصيدة:\rفسيحتبيك بوعدٍ غانيةٍ ... أو وعد عرقوب جنى التمر\rخله درج الضب!\rالتخلية: الترك والدرج بفتحتين الطريق؛ والضب معروف.\rوالمثل يضرب في الأنفة من مصاحبة من يرغب عن صحبته.\rوالمعنى: خله يذهب حيث شاء وقيل معناه الذهاب ، كأنه قيل: يذهب ذهاب الضب! أي خله كخلال الضب! لأن الضب أسوأ الحيوان هداية ولذلك يضرب به المثل فيقال. أضل من ضب. ويقال أيضاً: خل درج الضب! أي خل طريقه لئلا يمر بين يديك فتنتفخ! وهذا قريب في المعنى مما تقدم من قولهم: الخنفساء إذا مست نتنت، كما مر ذلك.\rخلي سبيل من وهى سقاؤه!\rالتخلية مرت، وتقول: خليت سبيل الرجل إذا تركته ولم تتعرض له. ووهى السقاء بالفتح يهي وهياً: تمزق. والسقاء بالكسر والمد القربة.\rقال الشاعر:\rأقول لعبد الله لمّا سقاؤنا ... ونحن بوادي عبد شمس وهي: شم!\rأي أقول له حين وهى سقاؤنا ونحن بوادي عبد شمس: شم البرق! أي انظر إليه! فشم، في آخر البيت فعل أمر وهو معمول القول. وهذا المثل قد يروى رجزاً فيقال:\rخل سبيل من وهى سقاؤه ... ومن هريق بالفلاة ماؤه\rيقال: أرقت وهرقت بقلب الهمزة هاء فأنا مريق ومهريق بفتح الهاء وكان القياس حذف الهاء لأنها في مكان همزة أفعل وهي تحذف في المضارع لكنها لمّا صارت هاء ذهب الثقل فبقيت. قال الشاعر:\rفظللت كالمهريق فضلة مائه ... في ظل هاجرةٍ للمع سرابِ\rو قد يقال: أهرقته بتسكين الهاء والجمع بين الهمزة وبدلها تناسيا لأصل فأنا مهريق بالسكون أيضاً. قال:\rفصرت كمهريق الذي في سقائه ... لرقراق آل فرق رابية صلدِ\rو الفلاة: القفرة والجمع فلى وفلوات.\rوهذا المثل كالذي قبله مضربا. وقد قيل إنّه يضرب في الرجل لا يستقيم في أمره وإنّه لا ينبغي أن يعاني. وقيل إنه يضرب في اقتناء السر بمعنى إنّه إذا باح صاحبك بسرك ونضح به كما ينضح هذا السقاء الواهي بالماء فدعه عنك ولا تؤاخه ولا تصاحبه فلا خير لك فيه! وهذا مناسب لتشبيههم من لا يكتم السر بالغربال كما قال الحطيئة:\rأ غربالاً إذا استودعت سراً ... وكانونا على المتحدثينا؟\rخلاؤك أقنى لحيائك.\rالخلاء بفتح الخاء والمد يطلق مصدرا من قولك: خلا المكان وغيره يخلو خلاء وخلوا. ومكان حالٍ وخلاء: لا أحد به. قال حسان رضي الله عنه:\rعفت ذات الأصابع فالجواء ... إلى عذراء منزلها خلاء\rو قد يطلق على المتوضأ كما في الحديث ويطلق على المكان القفر لا شيء به وهو المراد. قال زهير:\rفأما ما فريق العقد منها ... فمن أدماء مرتعها الخلاءُ\rو الحياء بالمد معروف وقني الرجل الحياء وقناه بالكسر والفتح وأقناه واقتناه: لزمه وحفظه. قال عنترة:\rقامت تخوفني الختوف كأنني ... أصبحت عن غرض الحتوف بمعزلِ\rفأجبتها: إنَّ المنية منهل ... لا بد أن أسقى بكأس المنهلِ\rفاقني حياءك لا أبا لك واعلمي ... أني امرؤ سأموت إن لم أقتلِ!\rأي: الزمي حياءك واحفظيه ولا تضيعيه! وقال العطوي:\rأيقني جميل الصبر من هد ركنه ... وهيض جناحاه وجد الأنامل؟\rو معنى المثل أنَّ منزلك إذا خلوت به هو ألزم وأحفظ لحيائك.\rالخلة تدعو إلى السلة.\rالخلة بفتح الخاء الحاجة والخصاصة والفقر. قال:\rرأى خلتي من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلتِ\rو يقال للرجل إذا مات: اللهم أخلف على أهله بخير واسدد خلته! أي فرجته التي تركها. قال أوس بن حجر:\rلهلك فضالة لا تستوي ... الفقود ولا خلة الذاهب\rيقول: إنّه كان سيدا فلما مات ترك ثلمة لم تسد. تقول: خل الرجل وأخل به بالضم إذا احتاج. ورجل مخل ومختل وخليل أي فقير. قال زهير:\rوإن أتاه خليلٌ يوم مسألة ... يقول: لا غائبٌ مالي ولا حرم","part":1,"page":222},{"id":223,"text":"و اختل إليه: احتجاج. وفي كلام أبن مسعود: عليكم بالعلم! فإنَّ أحدكم لا يدري متى يختل، أي متى يحتاج الناس إلى ما عنده، وما أخلك إليه، أي ما أحوجك! والأخل الأفقر. ويقولون: \" الأخل فالأخل، أي الأفقر فالأفقر \" . والسلة بفتح السين: السرقة وكذا الاسلال. ويقال في بني سلة أي سرقة. والمعنى أنَّ الحاجة والخصاصة تدعوا إلى السرقة وتلجئ إليها، عياذاً بالله تعالى! وأما الخلة بضم الخاء فهي الصداقة. والصديق أيضاً للذكر والأنثى، ورجل خلة لي وامرأة خلة. وقال امرؤ القيس:\rوكان لها في سالف الدهر خلة ... يسارق بالطرف الخباء المسترا\rأي خليل. وقال الآخر:\rألا أبلغها خلتي جابراً ... بأن خليك لم يقتل!\rوقال الآخر:\rشبعت من نوم وزاحت علتي ... وطرفي في المنام خلتي\rما علمت إنّها ألمت ... حتى قضت حاجتها وولت\rأي خليلتي.\rخلا لك الجو فبيضي واصفري!\rالجو معروف، وباضت الدجاجة ونحوها، تبيض؛ وصفر الطائر، يصفر، صفيراً: صوت.\rوهذا المثل يضرب للأمر يقدر عليه الإنسان متمكنا. وأوّل من قاله كليب بن ربيعة التغلبي الوائلي في شعر له، وذلك إنّه كان له حمي لا يقرب، فباضت فيه قبرة؛ والقبرة بضم القاف وفتح الباء المشددة الطائر المعروف؛ فأجاره وقال يخاطبها:\rيالك من قبرة بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري!\rوانقري ما شئت أنَّ تنقري!\rو ذلك إنّه إنّما يصفر الطائر ويتغنى في الخصب. فدخلت ناقة البسوس الحمى، فوطئت بيض القبرة، فرمى كليب ضرعها، فقتل جساس كليبا، وهاجت من ذلك حرب البسوس بين بني وائل أربعين سنة. وفي ذلك يقول الشاعر:\rكليب لعمري كان أكثر ناصراً ... وايسر جرما منك ضرج بالدم\rرمى ضرع ناب فأسمر بطعنةٍ ... كحاشية البرد اليماني المسهم\rو سيأتي تتمة هذا الحديث.\rوقيل إنَّ أوّل من قاله طرفة بن العبد وذلك إنّه قال لأمه وهو غلام: إني أريد صيد القنابر، فابعثي أمتك مع البهم! القنابر جمع قنبرة وهي القبرة، فقالت له أمه: يا بني إنَّ المضيع من وكل ماله وأضاع عياله. ثم إنّها أرسلت أمتها مع البهم. وخرج طرفة وصاحب له معهما فخ، حتى أتيا مكانا كانا يعهدان به القنابر كثيرة. فنصب الفخ، وتنحيا غير بعيدين. فجعلت قبرة تحوم حول الفخ، ثم فقرته فأخطأها. فأقبل طرفة نحو فخه وهو يقول: قد يعثر الجواد، وتمحل البلاد، ويذهب التلاد، ويضعف الجلاد. ثم نصب فخه، فوقعت القنابر حول الفخ، وهي تحيد عنه وتلقط ما أصابت. فلما طال ذلك به، ضجر وانتزع فخه وهو يقول:\rقاتلكن الله من قنابر ... مهتديات بالفلا نوافر\rولا سقيتن معين الماطر ... ولا رعيتن جنوب الحاجر!\rو انصرف هو وصاحبه راجعين. ثم التفت فإذا القنابر قد سقطن بالموضع الذي نصب فيه فخه يلتقطن، فقال: يا لك من قبرة . . الأبيات المذكورة. فلما أتى منزله، ورأته أمه لم شيئاً، فقالت له: حدك اليوم حاد، وصدك صاد! فقال لها طرفة:\rما كنت محدوداً إذا غدوت ... وما رأيت مثل ما لقيت\rمن طائر ظل بنا يحوت ... ينصب في اللوح فما يفوت\rيكاد من رهبتنا يموت!\rفقالت أمه: إني لأرجو أنَّ تكون شاعرا، وأنَّ تشبه خالك! وحات، ويحوت: أسرع. ورد أنَّ أبن عباس رضي الله عنهما، تمثل بهذا المثل، وذلك حين خرج الحسين، رضي الله عنه، إلى العراق، فلقي أبن عباس أبن الزبير، فقال له: خلا لك الجو فبيضي وأصفري. وهذا حسين يخرج إلى العراق ويخلي لك الحجاز!\rخامري أم عامر!\rخامري: معناه تستري وتغطي، كأنه من التخمير وهو التغطية والستر. ومنه الخمرو الخمار؛ وأم عام: الضبع. قال:\rومن يجعل المعروف من دون أهله ... يلاقي الذي لاقى مجير أم عامر\rو سيأتي. وللضبع كنى كثيرة: يقال لها أم عامر وأم عمرو، وأم الهنبر وأم خنور؛ ويقال لها أيضاً: حضاجر بفتح الحاء على وزن الجمع، وجعار، وجيال؛ ويقال لها الموقفة. قال معاوية بن زهير:\rفدونكم بني لأيٍ أخاكم ... ودوني مالكا يا أم عمر\rفلولا مشهدي قامت عليه ... موقفة القوائم أم أجر!","part":1,"page":223},{"id":224,"text":"أردنا موقفة القوائم أنَّ في قوائمها الأوقاف، وهي الخلاخل، جمع وقف، ويعني السواد الذي في قوائمها. ويقال: الجارية موقفة: لبست الوقف. والاجري جمع حرو، وهب أولادها. ومثلها قول الهذلي:\rوغودر ثاويا وتأوبته ... موقفت أميم، لها فليل\rوقال لها عرفاء والخامعة أي العرجاء قال الشنفري:\rولي دونكم أهلون: سيد عملس ... وأرقط زهول وعرفاء جيئل\rوقال الآخر:\rيا لهف من عرفاء ذات فليلةٍ ... جاءت إلي على ثلاث تخمع\rوتظل تنشطني وتلحم أجريا ... وسط العرين وليس حي يدفع!\rلو كان سيفي باليمين دفعتها ... عني ولم أوكل وجنبي الأضيع\rوقال عنترة:\rإنَّ يعقرا مهري فإنَّ أباهما ... جزر لخامعة ونسر قشعم\rو لذلك قال أبن المهلب: الضبعة العرجاء، فلحن في قوله الضبعة، إذ لا قال كما مر.\rويقال إنَّ الذي بها من العرج ليس عرجا حقيقة، وإنّما يتخيل كذلك للناظر من إفراط الرطوبة في أحد جانبيها. الضبع أحمق الحيوان، كما مر ذلك في الحاء. وهي أفسقها أيضاً وأشبقها. ويزعمون إنّها لا يمر بها حيوان من نوعها إلاّ علاها، وإنّها تقلب الميت على قفاه وتستعمل كمرته، ولذلك يقال لها حين تصطاد: أبشري أم عامر بجراد عضال، كمر الرجال! ويخدعونها بذلك. وقال الشاعر:\rفلو مات منهم جرحنا لأصبحت ... ضباع بأكناف الشريب عرائسا\rو قولهم في هذا المثل: خامري أم عامر، تقدم انهم يقولونه للضبع عند الاصطياد يخدعونها به. فبقي مثلا للمغرور ومن عرف الدنيا وتقلبها ونقضها ما أبرمت وسلبها ما وهبت، ثم يسكن إليها مع ذلك ويغتر بها كما تغتر الضبع بقول القائل: خامري أم عامر. وقال البهاء زهير يشير إليه:\rيا هذه لا تغطي ... والله مالي فيك خاطر\rخدعوك بالقول المحا ... ل فصح انك أم عامر\rالخنق يخرج الورق.\rالخنق بفتح الخاء وكسر النون، كالكذب مصدر. يقال: خنقته بفتح النون خنقا، فهو خنق أيضاً وخنيق ومخنوق؛ وخنقته فاختنق.\rوالخناق بالكسر الحبل يختنق به وبالضم: داء يمتنع معه نفوذ النفس إلى الرئة والقلب. والورق بوزن كتف: الدراهم المضروبة، ويقال لها الرقة بحذف الواو على مثال عدة، والورق بفتحتين والورق بسكون وتثليث الواو.\rوالمعنى انك إذا اشتدت على الرجل وضيق عليه أعطاك وهذا دأب الدنيء لا يسمح إلاّ رهبة أو رغبة، كما قيل:\rرأيتك مثل الجوز يمنع لبه ... صحيحا ويعطا لبه حين يكسر\rخير الأمور أوساطها.\rالخير هنا اسم تفضيل. يقال: فلان أخير من فلان. وتحذف الهمزة غالبا فيقال: خيرٌ منه. فإن أطلق تناول جميع أوصاف المدح، وإن قيد بشيء تقيد؛ والأمور جمع أمر وهو عام؛ والأوساط جمع وسط بمعنى متوسط بين طرفين.\rوهذا الكلام يروى حديثا وهو من جوامع كلمه التي أعطيها صلى الله عليه وسلم وهو متناول لأمور من الديانات والأخلاق والآداب والسياسات والمعاشرات والمعاملات تعجز عقول الخلق عن إحصائها. وقد صنف ذوو البصائر من أهل العلم في تفاصيل ذلك دواوين. وهو بحر لا ساحل له، جمع له صلى الله عليه وسلم في جملة واحدة كما قال صلى الله عليه وسلم : أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا.\rقال الجاحظ: ينبغي للرجل أن يكون سخيا لا يبلغ التبذير حائطا لا يبلغ البخل شجاعا لا يبلغ الهوج محترسا لا يبلغ الجبن حييا لا يبلغ العجز ماضيا لا يبلغ القحة قوالا لا يبلغ الهذر صموتا لا يبلغ العي حليما لا يبلغ الذل منتصرا لا يبلغ الظلم وقورا لا يبلغ البلادة نافذا لا يبلغ الطيش. قال: ثم وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع ذلك في كلمة واحدة وهي قوله عليه السلام: خير الأمور أوساطها وما ذلك إلاّ لأنّه صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم. انتهى. وإلى هذا أشار بعض الشعراء بقوله:\rعليك بأوساط الأمور فإنها ... نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا!\rو الآخر بقوله:\rلا تذهبن في الأمور فرطا ... وكن من الناس جميعاً وسطا!\rو المعري في قوله:\rفإن كنت تهوى العيش فبالغ توسطا ... فعند التناهي يقصر المتطاولُ\rتوقى البدور النقص وهي أهلة ... ويدركها النقصان وهي كواملُ\rخير العشاء سوافره.","part":1,"page":224},{"id":225,"text":"خير: تقدم؛ والعشاء بالفتح والمد طعام العشي. ولا يخرجه التأخير عن كونه عشاء كما قال الحطيئة:\rوآنيت العشاء إلى سهيلٍ ... أو الشعرى فطال بي الإناء\rو آنيته: جعلت أناه أي وقته ذلك الزمان المتأخر. ويروى: وأكريت العشاء . . الخ فطال بي الكراء أي أخرت؛ والسوافر جمع سافرة يقال أسفرت الشمس وسفرت إذا أضاءت وسفرت المرأة عن وجهها: كشفت عنه. والمراد أنَّ خير العشاء ما أكل منه بضوء النهار وكأن اللقمة حينئذ تسفر للظلام عن وجهها.\rوهذا المثل يكلم به الأصمعي للرشيد. ذكر بعض الأدباء عن أبي بكر بن شقير النحوي قال: دخلنا على محمد اليزيدي وهو يتغدى فقال: يا أبا بكر خير الغداء بواكره فما خير العشاء؟ فقلت: لا أدري. فقال: دخلت على عبيد الله بن سليمان وهو يتغدى فقال: خير الغداء بواكره فخير العشاء ماذا؟ فقلت لا أدري. فقال: دخلت على حسين الخادم وهو يتغدى فقال: يا أبا القاسم خير الغداء بواكره فخير العشاء ماذا؟ فقلت: لا أدري. فقال: كنت بحضرة الرشيد وهو يتغدى فدخل الأصمعي فقال: يا أصمعي خير الغداء بواكره فخير العشاء مادا؟ فقال: بواصره ومعناه ما يبصر من الطعام. انتهى.\rوزعما أنَّ تأخير العشاء يورث ضعفا بالبصر. ومن ثم قال أبو بكر بن دريد:\rوأرى العشا في العين ... أكثر ما يكون من العشاءِ\rالعشا الأول بألف مقصورة وهو ضعف البصر وبالمد الطعام. وقال كشجام:\rونديم مخالفٍ ... لا يشاء الذي أشا\rهو في الصحو لي أخ ... وعدوٌ إذا انتشا\rاقترحت العشاء يو ... ماً عليه فاندهشا\rساعة ثم قال لي: ... العشا يورث العشا!\rو ورد في بعض الأحاديث نهيا عن ترك العشاء: لا تدعوا العشاء ولو بكف من حشف فإن تركه مهرمةٌ.\rخير العلم ما حوضر به\rالمحاضرة: المذاكرة. والمعنى أنَّ خير العلم ما حصل الإنسان في صدره فوجده عند المحاضرة وكان عدة له عند المذاكرة. ويقال حرف في قلبك خير من ألف في كتبك. ويقال: لا خير في علم لا تعبر به الأودية ولا تعمر به الأندية. ويقال: حفظ سطرين خير من حمل وقرين ومذاكرة اثنين خير من هذين. وينسب للشافعي:\rعلمي معي حيثما مشيت يتبعني ... وعاؤه القلب لا بيتي وصندوقي\rإن كنت في البيت كان العلم فيه معي ... أو كنت في السوق كان العلم في السوق\rوقال الآخر:\rعليك بالحفظ دون الكتب تجمعها ... فإن للكتب آفات تفرقها\rالماء يغرقها والنار تحرقها ... والفأر يخرقها واللص يسرقه\rلكن قد يولع المرء بالحفظ حتى يفوته تصور المعاني فيكون كالحمار يحمل أسفارا. ولذلك روي في الخبر: همة السفهاء الرواية وهمة العلماء الدراية. وقال أبن مسعود: كونوا للعلم وعاة ولا تكونوا له رواة فقد يروى ما لا يدرى ويدرى ما لا يروى. وحدث الحسن البصري بحديث. فقال له رجل: عمن؟ فقال: وما تصنع بعمن؟ قد نالتك عطيته وقامت عليك حجته. وربما وثق بصدره ولم يقيد فيطرأ عليه النسيان ويضيع علمه ولذلك ورد في الخبر: قيدوا العلم بالكتاب.\rوورد أنَّ رجلا شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كثرة النسيان فقال له استعمل يدك أي اكتب! وشاع في أمثال الناس: ينسى الرأس ولا ينسى الكراس.\rخير الغداء بواكره.\rالغداء بالفتح والمد والدال مهملة ضد العشاء وتقدم هذا. والمراد أنَّ خير الغداء أيضاً ما ابتك به. ولهذا علة وتحقيق يذكر في الطب. ومنهم من رأى في الغداء التأخير. ويروى قول علي كرم الله وجهه أو غيره من الحكماء: من أراد النساء ولا نساء فليكر الغداء وليبكر العشاء وليخفف الرداء وليقلل غشيان النساء. انتهى. قوله فليكر الغداء: أي يؤخره كما في بيت الحطيئة. وأراد بتخفيف الرداء أن يجنب نفسه ثقل الدين: فإن هم الدين يهرم كما قال: لا هم إلاّ هم الدين ولا وجع إلاّ وجع العين.\rخير الغنى القنوع وشر الفقر الخضوع.\rالغنى بكسر الغين وألف مقصورة ضد الفقر. قال:\rفتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلتِ\rو قد يمد للضرورة. قال:\rسيغنيني الذي أغناك عني ... فلا فقر يدوم ولا غناءُ\rو القنوع: السؤال والتذلل للمسؤول. وقد قنع الجل بالفتح قنوعا فهو قانع وقنيع. قال:","part":1,"page":225},{"id":226,"text":"لمال المرء يصلحه فيغني ... مفاقره أخف من القنوع\rو المفاقر جمع فقر على غير قياس مثل مذاكير لذكر ومحاسن لحسن على ما في ذلك من كلام عند النحويين. ومنه قول النابغة:\rفأهلي فداء لامرئ إن أتيته ... تقبل معروفي وسد المفاقرا\rوقال عدي بن زيد العبادي:\rوما خنت ذا عهد وأنت بعهده ... ولم أحرم المضطر إذ جاء قانعا\rأي سائلا. وفي كلامهم: نسال الله القناعة ونعوذ به من القنوع.\rوقلت في هذه المادة من قصيدة:\rإن دعا القنوع ليس بشافيه ... هذا المرء نيل اقصى الأماني\rومن اعتز بالقناعة أمسى ... في نعيم وعزة وأمانِ\rو قد يكون القنوع بمعنى القناعة وهو الرضى بالقسم على الضد وهذا هو المراد في المثل. قال الشاعر:\rوقالوا قد ذهبت فقلت كلا ... ولكني أعزني القنوعُ\rو القانع: الراضي. قال لبيد:\rفمهم سعيد آخذٌ بنصيبه ... ومنهم شقى بالمعيشة قانعُ\rو يقال إنما سمي السائل قانعا لنه يرضى بما أعطي وإ، كان قليلا. فيكون معنى القنوع والقناعة واحد أبدا؛ غير أنَّ فعل القناعة هو بالكسر يقال قنع بالكسر يقنع قناعة فهو قنع وقانع وقنوع وقنيع. ة الفقر بفتح الفاء الحاجة: والخضوع: التذلل.\rومعنى المثل واضح في صيانة الحر نفسه عن خسيس المكاسب. وهو من كلام أوس بن حارثة.\rروي أنه عاش دهرا وليس له إلاّ ابنه مالك. وكان لأخيه الخزرج خمسة أولاد: عمرو وعوف وجشم والحارث وكعب. فلما احتضر أوس قال له قومه: كنا نأمرك بالزواج في شببك فلم تتزوج حتى حضرك الموت. فقال: الأوس: لم يهلك هالك ترك مثل مالك يعني مالك بن أوس ولده وإن كان الخزرج ذا عدد وليس لمالك ولد. فلعل الذي استخرج العذف من الجريمة والنار من الوثيمة أن يجعل لمالك مسلا ورجالا بسلا يا مالك المنية ولا الدنية والعتاب قبل العقاب والتجلد لا التبلد!و أعلم أنَّ القبر خير من الفقر؛ وشر شارب المشتف وأقبح طاعم المقتف؛ وذهاب البصر خير من كثير من النظر؛ ومن كرم الكريم الدفاع عن الحريم ومن قل ذل ومن أمر فل. وخير الغنى القناعة وشر الفقر الضراعة؛ والدهر يومان: فيوم لك ويوم عليك فإذا كان لك فلا تبطر وإذا كان عليك فاصبر فكلاهما سينحسر.فإنما تعز من ترى ويعزك من لا ترى. ولو كان الموت يشترى لسلم منه أهل الدنيا ولكن الناس فيه مستوون: الشريف الأبلج واللئيم المعلهج؛و الموت المفيت خير من أن يقال لك هبيت. وكيف بسلامة من ليست له إقامة؟ وشر من المصيبة سوء الخلف وكل مجموع إلى تلف. حياك إلاهك! انتهى.\rفنشر الله من مالك بعدد بني الخزرج. والعذق بالفتح النخلة نفسها وبالكسر كباستها كما مر في الهمزة؛ والجريمة النواة؛ والوثيمة الموطوءة من الحجارة بحوافر الخيل ونحوها من الوثم وهو الكسر كما قال عنترة:\rخطارة غب السرى موارة ... تطس الاكام بذات خف ميثمِ\rو هذا الكلام يحلف به العرب يقولون: لا والذي أخرج العذق من الجريمة والنار من الوثيمة! ومن أيمانهم أيضاً: لا والذي شقهن خمسا من واحد! أي الأصابع ولا والذي أخرج قابية من قوب! أي فرخا من بيضة كما مر؛ و: لا والذي وجهي زمم بيته! بفتحتيناي تلقاءه وتجاهه؛ والبسل: الشجعان وأحدهم باسل والبسالة: الشجاعة؛ والمشتف هو المستقصي ما في إنائه ومنه حديث أم زرع: إن شرب اشتف. والمقتف: الآخذ للشيء بعجلة؛ وأمر الرجل: كثر عدده؛ وتعز: تغلب؛ والمعلهج: المتناهي في الدناءة واللؤم، وقيل هو العريق فيه اللئيم بن اللئيم، والهبيت: الأحمق الضعيف، ويقال له الجبان المخلوع القلب. وضده الثبيت. قال طرفة:\rفالهبيت لا فؤاد له ... والثبيت قلبه قيمه\rو يروى: فهمه قيمه.\rوقد علمت أنَّ لفظ المثل في هذه الوصية التي سردنا من كلام أوس: خير الغنى والقناعة، وشر الفقر الضراعة. ورواية المثل على هذا الوجه هو رأي من لا يرى أنَّ القنوع يكون بمعنى القناعة، وبذلك اعترض البكري على أبي عبيد في إيراده المثل على الالفظ السابق، وقد علمت مما مر إنّه صحيح ومثل هذا المثل قول الفارعة بنت طريف ترثي أخاها:\rفتى لا يعد الزاد إلاّ من التقى ... ولا مال إلاّ من قنى وسيوف\rو قول الأبيرد اليربوعي:\rفتى كان يدنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر","part":1,"page":226},{"id":227,"text":"و قول إبراهيم بن العباس الصولي:\rأسد ضار إذا استنجدته ... وأب بر إذا ما قدرا\rيعرف الأبعد إنَّ أثرى ولا ... يعرف الأدنى إذا ما افتقرا\rو قوله أيضاً:\rولكن الجواد أبا هشام ... نقي الجيب مأمون المغيب\rبطي عنك ما استغنيت عنه ... وطلاع عليك مع الخطوب\rو قول الآخر:\rإذا أعطشتك اكف اللئام ... كفتك القناعة شبعا وريا\rفكن رجلا رجله في الثرى ... وهامة همته في الثريا\rفإنَّ إراقة ماء الحيا ... ة دون إراقة ما المحيا!\rو تقدم ما في ذكر القناعة من الشعر وسيأتي أيضاً كثيرا، إن شاء الله تعالى! ووصية أوس المذكورة مشتملة على أمثال عدة، وقد نبهنا على غريبها، والباقي واضح\rخير ما رد في أهلٍ ومالٍ\rهذا يستعمل في الدعاء بالخير للقادم من سفر. والمعنى: جعل الله ما جئت به خير ما رجع به الغائب! وقيل: المعنى أنَّ مجيئك بنفسك خير مارد في أهلك ومالك.\rخير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة.\rالمال معروف؛و السكة بالكسر: الحديد التي تضرب عليها الدراهم، والتي يحرث بها. وتطلق أيضاً على السطر من الأشجار؛ والمأبورة: المصلحة، يقال: أبر نخلة، يأبره، أبارا وغبارة ككتب كتبا وكتابا وكتابة؛و أبرة تأبير: ألقحه وأصلحه؛ وأئتبر الرجل: طلب غيره أنَّ يأبره له. فقال طرفة:\rولي الأصل الذي في مثله ... يصلح الآبر زرع المؤتبر\rو تأبرت النخل: قبلت الإبار. قال الراجز:\rتأبري يا خير فسيل ... إذ ضن أهل النخل بالفحول!\rو المهرة معروف، والمأمورة: كثيرة النسل والنتاج. تقول: آمرته بالمد: كثرته. فكان القيلس أنَّ يقال مؤمرة، كما تقول أعمرتها فهي معمرة؛ ولكنه قيل مأمورة إتباعا لمأبورة، كما قيل لا دريت ولا تليت أي تلوت وأرجعن مازورات، غير ما جورات أي مزورات. على إنّه قد يقال أمرته كنصرته فهو مامور، كثرته، وهو لغية. وقد قيل بذلك في قوله تعالى: ) وإذا أردنا أنَّ نهلك قرية أمرنا مترفيها(. أي كثرنا. ويقال:أمر القوم بالكسر أي كثروا ومنه قول أوس بن حارثة السابق: من أمر فل، وقول الآخر:\rنعلهم كلما يبني لهم سلف ... بالمشرفي ولولا ذاك قد أمروا\rو قول أبي وجرة: أمرون لا يرثون سهم القعدد أي كثيرون اسم فاعل أمر. وقول الآخر: أم جوار ضنؤها غير أمر أي نسلها. وقول الآخر:\rوالإثم من شر ما يصال به ... والبر كالغيث نسله أمر\rو السكة هنا أريد بها الأشجار. والمعنى أنَّ خير المال نخيل قمت عليه وأصلحته، أو فرس ولود. وقيل: أريد بالسكة الحديدة التي يحرث بها. ومعنى مأبورة: مصلحة. والمعنى أنَّ خير المال الحرث والبطن. وأعلم أن هذا الكلام ذكره اللغويون، وظاهر كلامهم إنّه من كلام العرب. وفي الصحاح إنّه حديث، والله أعلم! ووري في الحديث أيضاً من هذا المعنى: خير المال عين ساهرة لعين نائمة. وروي: تسعة أعشار الرزق في التجارة.و وري إنّه صلى الله عليه وسلم كان يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم، ويأمر الفقراء باتخاذ الدجاج. وقات ابنه الخس: مائة من المعز قني، ومائة من الضأن غنى، ومائة من الإبل مني.\rالخيل تجري على مساويها.\rالخيل جماعة الأفراس. قال عنترة:\rوالخيل تقحم الخبار عوابسا ... ما بين شيظمة وأجرد شيظم\rو لا واحد لها. وحكى بعض اللغويين في واحده خائل من الختيال وهو التبختر. والخيل أيضاً جماعة الفرسان. قال امرؤ القيس:\rفيا رب مكروب كررت وراءه ... وطاعنت عنه الخيل حتى تنفسا\rوقال الآخر:\rعلام تقول الرمح يثقل عاتقي ... إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت؟\rو الجري معروف والمساوي: المعائب قيل لا واحد لها وقيل جمع مسوء على غير قايس والإظهار إنّه جمع مساءة كما تقول في منارة منائر قال الشاعر في المفرد:\rلئن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرني أني خطرت ببالك\rو قول الآخر في الجمع:\rوعين الرضى عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا","part":1,"page":227},{"id":228,"text":"يقال ساء يسوؤه سوءا بالفتح وسوءا وسوائية كعلانية وسواية بحذف الهمزة ومساء ومساءة ومسائية ومساية إذا فعل به ما يكره. وهذا المثل يضرب في حماية الحريم والدفاع عنه مع الضرر والخوف. والمعنى أن الخيل وإن كانت بها أواصب وعيوب فإنَّ كرمها مع ذلك يحملها على الجري. فذلك الحر من الرجال يحمي حريمه على ما فيه من علة. وقيل إنَّ المراد بالمثل إنَّ الرجل يستمع به وفيه الخصال المكروهة وهو ظاهر.\rالخيل اعلم بفرسانها.\rالخيل تقدم والفرسان جمع فارس والفارس صاحب الفرس كما قالوا لابن وتامر لصاحب اللبن والتمر. ويجمع على فوارس. قال عنترة:\rفإنَّ يك عبد الله لاقى فوارس ... يردون خال العارض المتوقد\rو الفراسة بالفتح والفروسة والفروسية الحذق بركوب الخيل وأمورها. وقد فرس الرجل بالضم يفرس. قال أبن ظفر: وليس من ركب الفرس له حكم الفراسة عند العرب ولكن الفارس عندهم من أحسن الجلاد على الفرس واشتهر بالشجاعة كعمرو بن معدي كرب وربيعة بن مكدم وملاعب الأسنة وعنترة العبسي وأضرابهم. فهؤلاء فرسان العرب. قال الشاعر:\rلعمر أبيك الخير إني لخادم ... لضيفي وإني إن ركبت لفارس\rفلم يمتدح بنفس الركوب. انتهى.\rوالمثل يضرب لمن يظن إنَّ عنده غنى ولا غنى عنده.\rالخيل أعلم من فرسانها.\rهذا المثل يضرب لمن تظن به ظنا فتجده على ما ظننت هكذا قال بعض العلماء. ويحتمل إنَّ هذين المثلين واحد وإنّما وقع التحريف في أحدهما. والتفسير الثاني انسب بالأول كما لا يخفى.\rأخيل من مذالة.\rيقال: خال الرجل يخال واختال إذا تكبر وتبختر عجبا فهو خال وخائل وخال كقاص مقلوبا ومختال. والإذالة بالذال المعجمة: الإهانة. يقال: أذلت الرجل فهو مذال. قال زيد الخيل يخاطب بني الصيداء وكان غزا غزوة فطلع بعض خيله فأدركوه فأخذوه:\rيا بني الصيداء ردوا فرسي ... إنّما يصنع هذا بالذليل\rلا تذيلوه فإني لم أكن ... يا بني الصيدا لمهري بالمذيل\rعودوه كالذي عودته ... دلج الليل وإطاء القتيل\rو يحكى إنَّ أبا تمام الطائي خرج قاصدا البصرة وفيها عبد الصمد بن المعذل. فلما سمع عبد المد بقدومه إليه كتب إليه:\rأنت بين اثنتين تبرز للناس ... وكلتاهما بوجه مذال\rلست تنفك راجيا لوصال ... من حبيب أو طالبا لنوال\rأي ماء لحر وجهك يبقى ... بين ذل الهوى وذل السؤال؟\rفلما وقف أبو تمام على الأبيات رجع وقال: شغل هذا ما وراءه ولا حاجة لنا فيه. وقريب من هذا قول بعضهم في هجو أبي الطيب المتنبي:\rأي فضل لشاعر يطلب الفضل ... من الناس بكرة وعشيا؟\rعاش حينا يبيع في الكوفة الماء ... وحينا يبيع ماء المحيا\rو إنّما قال: ذلك لمِا يحكى إنَّ أبا الطيب المتنبي كان سقاء بالكوفة والله اعلم.\rونحو الأول قول الإسعري في مجونه الهجوية:\rأنت بين اثنين يا نجل يعقوب ... وكلتاهما مقر السيادة\rلست تنفك راغبا عرد عبد ... مستبطرا أو حاملا خف عادة\rأي ماء لحر وجهك يبقى ... بين ذل البغا وذل القيادة\rو المذالة في هذا المثل أرادوا بها الأمة لأنها تذال أي تمتهن بالخدمة ويرها وهي أكثر خلق الله اختيالا وتبخترا وعجبا وذلك من ضعف عقلها وسقاطة نفسها ونقصان همتها فإنَّ الهموم بقدر الهمم.\rومما يلتحق بهذا الباب قولهم:\rأخرجت له حريشتي\rأي ملك يدي. وقولك مثلا:\rأخشن من ليفة.\rوالخشونة ضد اللين والليف بالكسر ليف النخل وهو معروف والواحدة ليفة بالهاء وهذا المعنى مطرد كما مر في نظائره.\rومن هذا الباب قولهم:\rخفة الظهر أحد اليسارين.","part":1,"page":228},{"id":229,"text":"جعلوا خفة الظهر كنية عن عدم أو قلة الحقوق اللازمة والنفقات الواجبة فإنّها للزومها كالشيء المحمول على الظهر يخف ويثقل. ولا فرق في إنَّ الأحمال المحسوسة يحملها البدن المحسوس والحقوق تحملها اللطيفة الروحانية من البدن وهي القلب وهذه أقل صبرا على الثقل للطافتها. واليسار: الغنى. وثنى بحسب حقيقته ومجازه لا تفاق اللفظ. وقد قالوا من هذا النحو: الغربة أحد السباءين واللبن أحد اللحمين وتعجيل اليأس أحد اليسرين والشعر أحد الوجهين أي النظر إلى الشعر كالنظر إلى الوجه والحمية إحدى الموتتين أي امتتاع الطعام والقلم أحد اللسانين والخال أحد الأبوين والراوية أحد الهاجيين أي رواية الهجو كقائله. وهذا كله من تثنية الحقيقة والمجاز. وفي ذلك خلاف عند النحويين والمشهور المنع والصحيح جوازه وإنّه لا يشترط اتفاق معنى المثنيين بل اللفظ فقط.\rومما يشهد لصحته هذا الذي ذكرناه من الأمثلة فإنّها أمثال من كلام العرب ودليله من الشعر قول الشاعر:\rكم ليث اعتنى لي أشبل غرثت ... فكأنني أعظم الليثين إقداما\rأي كان أعظم الليثين إقداما إياي. وقول الآخر:\rيداك كفت إحداهما كل بائس ... وأخراهما كفت أذى كل معتد\rو إن كان في هذا المثل ضعيف. ومما يدل عليه قول جحدر: ليث وليث في محل ضنك إذ لا فرق بين نحو هذا العطف وبين التثنية فانه أصلها. وليس هذا محل تحرير المسألة والاحتجاج لها.\rوقولهم أيضاً:\rخفيف الحاذ.\rالحاذ بالذال المعجمة الظهر. وألفه عن واو والذال لام الكلمة ومحل الأعراب وليس بعدها ياء كما يصحف. ومعنى خفيف الحاذ: قليل الماء والعيال. وفي الحديث: مؤمن خفيف الحاذ. وقولهم:\rخفيف الرداء.\rأي قليل العيال والدين. والرداء بالكسر والمد يطلق على الملحفة المعروفة وعلى السيف والقوس وعلى الجهل وعلى ما زان وما شان وعلى الضد وعلى الوشاح وعلى الدين. ومما يحسن أن يتمثل به في هذا الباب قول النبي صلى الله عليه وسلم لابن صياد:\rخلط عليك الأمر.\rوالقصة مشهورة وقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه:\rهو يخبأ وأبوه يكنز.\rوذلك إنَّ خبيئة بن كناز ولي في خلافته الابلة فقال عمر رضي الله عنه: لا حاجة لنا وهو يخبأ وأبوه يكنز.\rومن الأمثال المولدة قولهم:\rاخط الحسن يزيد من الحق وضوحا.\rبمعنى إنّه إذا أجيد الخط وبينت الحروف تبينت الألفاظ المؤدية للمعاني وانشرحت النفس وانبسطت إليها وأقبلت عليها فكان قبولها للمعاني أتم وفهمها لها أكثر. وقد قالوا: الخط الحسن أحد اللسانين. وقالوا حسن الخط إحدى الفصاحتين. وقال جعفر بن يحيى: الخط بسط الحكم: به تفصل شذورها وينتظم منثورها. وقال المبرد: رداءة الخط زمانة الأدب. وقال الإمام الماوردي: خطوط العلماء في الأغلب رديئة لاشتغالهم بالعلم حتى قال الفضل أبن سهل: من سعادة المرء رداءة خطه أي لئلا يشغله تعلم الخط عن تعلم العلم. قيل: والأسباب المخلة بالخط ثمانية: إسقاط ألفاظ منه أو زيادة ألفاظ فيه أو إسقاط بعض حروف الكلم أو زيادة حروف أثناءها أو وصل المفصول أو فصل الموصول أو تغيير الحرف حتى يشتبه حرف بغيره أو ضعف الخط جملة أو إهمال النقط أو الشكل.\rقيل: وقد استقبح الكتاب النقط والشكل في مكاتبهم ورأوا ذلك من تقصير الكتاب وسوء نظرتهم في فهم المكتوب لا سيما مكاتبات الرؤساء. كما حكي إنَّ بعض كتاب الديوان حاسب عاملا فشكاه في رقعته إلى عبيد الله بن سليمان فوقع فيها: هذا هذاء. فظن العامل إنَّ عبيد الله أراد: هذا هذا إثباتا لذلك القول كما تقول في إثبات الشيء هو هو. فحمل الرقعة للذي يحاسبه فخفي عليه ما يقتضي التوقيع فطيف به على الكتاب فلم يفهموه. فرد إلى عبيد الله. فشدد الثانية وكتب تحتها: والله المستعان استعظاما لقصور نظرهم.\rواستحسن آخرون لنقط والشكل، وقالوا: المعجمة كالبرود المعلمة. وقالوا: إعجام الخط يمنع استعجامه، وشكله يمنع من إشكاله. وقيل، رب علم لم تعجم فصوله فاستعجم محصوله.\rآلات الكتابة وأصناف الكتب.","part":1,"page":229},{"id":230,"text":"وإذ أنجز بنا الكلام في الخط فلنكمل الغرض بذكر ما تيسر من آلات الكتابة، ومعنى الكتاب، والبراءة، والطبع، والتوقيع، والعنوان، وأصناف الكتاب، وجملة من شعر الأدباء في ذلك، وهذا باب واسع ألف فيه الناس. لكن نشير نحن إلى جملة يسيرة على وجه الاختصار وينتفع بها.\rفمن الآلات الدواة ووزنها فعلة كالشجرة، ثم قلبت الياء ألفا فصارت كفتاة وقناة، ز الجمع دويات كقنوات ودوي كقنى. قال الشاعر:\rلمن الدار كخط باللدوى؟ ... أنكر المعروف منها وأمحى\rو دوي بضم الأول على فعول كما يقال قني وعصي في الجمع. قال الشاعر\rعرفت الديار كرقم الدوي ... حبره الكتاب الحميري\rوقال الآخر:\rوكم تركت ديار الشرك تحسبها ... تلقى الدوي على أطلالها ليقا\rواشتقاقها من الدواء، لأن بها صلاح أمر الكاتب. واشتقها بعض الأدباء من قولك: دوي الرجل بالكسر دوي إذا مرض فقال:\rأما الدواة فأدوى حملها جسدي ... وحرف الحظ تحريف من القلم\rأي أمرضه. ونحو هذا الاشتقاق لا يعتمد عليه. ويقال لصانعها مدو، كما يقال لصانع القني مقني، ولبائعها دواء كحناط لبائع الحنطة، ولحاملها داوٍ كسائف لصاحب السيف ولمتخذها مدو، وقد أدوى دواة. ولمّا تصان به صوان وغشاء وغلاف وما تسد به صمام وسداد وعفاص، وكذا غيرها يقال لصفوتها إذ أنفشت لتعمل فيها قبل أنَّ تبلّ، البوهة بالضم، وإذا بلت فهي الليقة، وقد تسمى به قبل ذلك مجازاً. ولقت الدواة فهي ملقية، وألقتها فهي ملاقة. فإنَّ كانت من قطن فهي العطبة والكرسفة، والقطن كله يقال له ذلك. ولمدادها نقس بكسر الأول، ويفتح. والمداد يذكر ويؤنث. ومددت الدواة مداً: جعلته فيها؛ وأمددتها: زدتها منه؛ واستمددت: أخذت بالقلم من المداد؛ وأمددت فلانا من دواتي: أعطيته. ويقال للدواة محبرة بالفتح لأنها محل الحبر بالكسر وهو النقس؛ ويقال لها النون والجمع أنوان ونينان؛ ويقال لها الرقيم أيضا. وأمهت الدواة وموهتها جعلت فيها ماء.\rومنها القلم، والجمع قلام وأقلام كجبال وأجبال. ويقال له المزبر والمذبر بالذال المعجمة لأنه يزبر به ويذر أي يتب وقيل الذبر، بمعنى القراءة. ويقال للقصبة يراعة وأباءة والجمع يراع واباء؛ ويقال لعقدة الكعوب: فإنَّ كانت فيه عقدة تشينه فهي الابنة؛ ولمّا بين العقد الأنابيب، وكذا في الرماح. ويقال لطرفي القلم اللذين يكتب بهما السنان والشعيرتان، والواحد سن وشعيرة. فإنَّ سويا في القطع فهو قلم مبسوط، وإنَّ جعل أحدهما أطول فهو محرف.\rومنها السكين والمقص. قال أبن عبد ربه: ينبغي للكتاب أنَّ يصلح آلته التي لا بد له منها، وأداته التي لا تتم صناعته إلاّ بها، وهي دواته. فلينعم ربها وإصلاحها، وثم يتخير من أنابيب القصب أقله عقدة، وأكتافه لحما، وأصلبه قشرا، وأعد له استواء. ويجعل لقرطاسه سكينا ليكون عونا على بري أقلامه، ويبريها من ناحية نبات القصب. انتهى.\rويقال السكين والمدية والمجزاة والمبراة والفالية والشلقاء بالكسر والمد، وغير ذلك ويقال المقص والمقراض والمقطع بكسر أوائلها والجلم، وأكثر ما يقال بالتثنية. قال الشاعر:\rولولا نوال من يزيد بن مزيد ... لصوت في حافاتها الجلمان\rيعني لحيته. وجاء فيه الأفراد. قال سالم بن وابصة:\rداويت صدرا طويلا غمرة حقداً ... منه وقلمت أظفارا بلا جلم\rوقال أعرابي:\rفعليك ما استطعت الظهور بلمتي ... وعلي أنَّ ألقاك بالمقراض\rو أما الكتاب فهو مكتوب ويقال له الزبور والزبير والذبير. قال امرؤ القيس:\r... كخط زبور في مصاحف رهبانِ\rوقيل: الزبور في هذا البيت هو الكتاب وهو الظاهر. فإن كان ما يكتب فيه من جلود فهو رق وقرطاس بكسر القاف وضمها؛ وإن كان من خرق فهو كاغد بدال مهملة وروي بمعجمة. وقد يستعمل القرطاس في الكل. ويقال لمّا يكتب الصحيفة والمهرق على وزن مكرم والجمع مهارق. قال الأعشى:\rربي كريم لا يغير نعمة ... وإذا تنوشد بالمهارق أنشدا\rو القضيمة. قال امرؤ القيس:\r... وبين شبوبٍ كالقضيمة قرهبِ\rوالسجل والصك والقط. وكذا كتب الجوائز والصلات والجمع صكوك وقطوط. قال الأعشى:\rولا الملك النعمان يوم لقيته ... بغبطته يعطي القطوط ويأفقُ\rوقال المتلمس:","part":1,"page":230},{"id":231,"text":"ألقيتها بالثني من جنب كافر ... كذلك أقنو كل قط مضللِ\rفإن كتب فيها بعد محو فهي طرس. ونمقت الكتاب نمقا ونمقته تنميقا، وحبرته ورقشته وزورته تحبيرا وترقيشا وتزويرا؛ وكذا زبرجته وزخرفته زبرجة وزخرفة أي كتبته كتابة حسنة. فإذا نقطه قلت وشمه وشما، وأعجمته إعجاما ورقشته ترقيشا. قال طرفة:\rكسطور الرق رقشه ... بالضحى مرقش يشيمه\rفاا أفسد الخط قلت مجمجه وشرمجه وهلهله ولهلهه مجمجة وشرمجة وهلهلة ولهلهة وثبجه تثبيجا. وإذا لم يبينه قلت دحمسه دحمسة ومجمجه وعقمه عقما وعقله عقلا. فإذا أدق الحرف وقارب بعضها بعض قلت قرمط وقرصع قرمطة وقرصعة. فإذا مد الحروف قلت مشق مشقا وقيل المشق سرعة الكتابة وخفتها. فإن نقص شيئا فألحقه فهو لحق وجمعه إلحاق. قال الشاعر:\rعورٌ وحولٌ وثالثٌ لهم ... كأنه بين أسطر لحقُ\rفإن وضعت عليه بعد الكتب ترابا قلت تربته تتريبا وأتربته إترابا؛ أو نشارة قلت نشرته تنشيرا.\rوأما البراءة فهي في الأصل مصدر قولك: برئت من الأمر بالكسر براءة أي تبرأت؛ وأما هذه البراءة المستعملة في صناعة الكتاب فقال أبو محمد بن السيد رحمه الله: سميت بذلك لمعنيين: أحدهما أن يكون من قولهم برئت إليه من الدين براءة إذا أعطيته ما كان له عندك وبرئت إليه من الأمر براءة إذا تخلف عنه فكأن المرغوب إليه يتبرأ إلى الراغب مما أمله لديه ويتخلى له عما رغب فيه إليه. وقيل إنّما كان الأصل في ذلك أنَّ الجاني كان إذا جنى جناية يستحق عليها العقاب ثم عفا عنه الملك كتب له أمانا مما كان يتوقعه ويخافه فكان يقال: كتبت لفلان براءة أي أمانا ثم ضار مثلا واستعار في غير ذلك. قال: وقد جرت عادة الكتاب ألا يكتبوا في صدر البراءة: بسم الله الحمن الرحيم اقتداء بسورة براءة التي كتبت في المصحف من غير بسملة.\rوأما الطبع فهو طبع الكتاب. تقول: طبعت الكتاب طبعا وختمته ختما وأفقته أفقا ومن ذلك قول الأعشى السابق: يعطي القطوط ويأفق أي يختم ويقال لمّا يطبع به طابع. قيل: وأول من طبع الكتب عمرو بن هند وذلك أنه لمّا أعطى المتلمس الصحيفة ليقتل ثم استقرأها فهرب كما سيأتي حديثه أمر عمرو بعد ذلك بالكتب تختم. فكان يؤتى بالكتاب مطبوعا فقيل من عني به فلذلك سمي العنوان عنوانا. ثم لمّا كتب النبي صلى الله عليه وسلم كتابا إلى ملك الروم ولم يختمه قيل له إنه لا يقرؤه إن لم يكن مختوما. فأمر أن يعمل له خاتم وينقش على فصه: محمد رسول الله فصار الختم سنة في الإسلام. وقيل أول من ختم الكتاب سليمان أبن داود عليه السلام. وقيل في تأويل قوله تعالى: إني ألقي إلي كتاب كريم أي مختوم. وأكرمت الكتاب ختمته وهو أول من افتتح كتابه بالبسملة. قيل: وكانت العرب تقول في افتتاح كتبها وكلامها. باسمك اللهم! فجري الأمر على ذلك في صدر الإسلام حتى نزلت: بسم الله مجراها ومرساها فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم : بسم الله حتى نزلت قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن فكتب: بسم الله الرحمن. ثم نزلت: إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم فصارت سنة إلى يومنا هذا.\rوأوّل من كتب من فلان إلى فلان رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار ذلك سنة يكتب الكتاب ويبدأ باسمه قبل اسم من يخاطبه ولا يكتب لقبا ولا كنية حتى ولي عمر بن الخطاب وتسمى بأمير المؤمنين فكتب من أمير المؤمنين عمر. فجرت السنة بذلك إلى أيام الوليد بن عبد الملك فكان الوليد أوّل من اكتنى في كتبه وأوّل من عظم الخط والكتب وجود القراطيس. ولذلك قال أبو نواس:\rسبط مشارفها رقيق جطمها ... وكأن سائر خلفها بنيانُ\rواحتازها لون جرى في جلدها ... يقف كقرطاس الوليد هجانُ\rفجرت سنة الوليد بذلك إلى أيام عمر بن عبد العزيز ويزيد الكامل فإنهما لمّا وليا ردا الأمر إلى ما كان عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمن أحابه رضوان الله عليهم. فلما ولي مروان رجع إلى أمر الوليد فجرى الأمر عليه. ذكر ذلك أبو محمد بن السيد رحمه الله تعالى.\rوأما التوقيع فهو ما يلحق بالكتاب بعد الفراغ منه ممن رفع إليه كالسلطان ونحوه من ولاة الأمر كما إذا رفعت إلى السلطان أو إلى الوالي شكاة فكتب تحت الكتاب أو على ظهره: ينظر في أمر هذا أو: يستوفى لهذا حقه أو نحو ذلك. فهذا توقيع.","part":1,"page":231},{"id":232,"text":"ورفع إلى جعفر بن يحيى كتاب يشتكى فيه بعامل فكتب على ظهره: يا هذا قد قل شاكروك وكثر شاكوك فإما اعتدلت وإما اعتزلت! ورفع إلى الصاحب بن عباد كتاب فيه: إنَّ إنسانا هلك وترك يتيما وأموالا جليلة لا تصلح لليتيم وقصد الكاتب إغراء الصاحب. فأخذها فوقع الصاحب فيها: الهالك رحمه الله وو اليتيم أصلحه الله والمال ثمرة الله والساعي لعنه الله! ونحو هذا من التوقيعات. والتوقيع في الأصل التأثر في الشيء. يقال: حمار موقع الظهر أي أصابته في ظهره دبرة فسمي هذا توقيعا لنه تأثر في الكتاب حسنا أو في الأمر معنى؛ أو في الوقوع لأنه سبب لوقوع الأمر المذكور أو لأنه إقاع لذلك المكتوب: فتوقيع كذا بمعنى إيقاعه. وأما العنوان فهو ما يجعل عليه ليستدل به عليه ويقال قيه: عنوان وعنيان بضم الأول فيهما وكسره. وأصله عنان على مثل رمان لأنّه مشتق من قولك: عن لي الأمر يعن إذا عرض لأنّه هو يعرض للكتاب من ناحية وعننه وعنونه وعناه: كتب عنوانه. ويقال فيه أيضاً علوان باللام وعلون الكتاب وعلاه تعلية: كتب عنوانه وكل ظاهر شيء استدلت به على باطنه فهو عنوان له. قال الشاعر:\rرأيت لسان المرء رائد عقله ... وعنوانه فانظر بماذا تعنون!\rوقال الآخر:\rضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحا وقرآنا\rو ما أصناف الكتب فكثيرة منها: كاتب التدبير وهو أجلها وأعلاها درجة وهو كاتب السلطان الذي يكتب سره؛ ومنها كاتب أرباب الأحكام وأجلها كاتب القاضي ثم كاتب صاحب المظالم ثم كاتب صاحب الديوان وهو الخراج ثم كاتب صاحب الشرطة؛ ومنها كاتب العامل وكاتب المجلس إلى غير وكل واحد منها له أحكام وآداب ذكرت في محلها.\rولهم أقلام مختلفة اصطلحوا عليها في الكتابة. انتهى. مجموعها بحسب ما ذكروا إلى أحد وعشرين وهي الجليل والسجلى ويسمى قلم الثلثين والقلم الرئاسي والنصف وخفيف النصف والثلث وخفيف الثلث والمسلسل وغبار الحلبة وصغير الغبار وهو قلم المؤامرات وقلم القصص والحوائجي والمحدث والمدمج وثقيل الطومار وخفيف الطومار والشامي ومفتح الشامي والمنثور وخفيف المنثور وقلم الجزم.\rواختلف في أوّل من كتب: فقيل آدم عليه السلام كتب الصحف قبل موته بثلاثمائة سنة في طين ثم طبخه. فلما كان بعد الطوفان أصاب كل قوم كتابهم؛ وقيل أوّل من كتب إدريس عليه السلام؛ وقيل أوّل من وضع الكتابة إسماعيل عليه السلام وضعها بلفظه ومنطقه؛ وقيل أوّل من كتب قوم من الأوائل أسمائهم أبجد هوز حطي إلى آخرها. وكانوا ملوك مدين وقيل هم أبجد هوز إلى قرست ملوك مدين فوضعوا الكتابة العربية على عدد حروف أسمائهم وكان سيدهم كلمن فهلكوا يوم الظلة فقالت ابنة كلمن ترثيه:\rكلمن هدم ركني ... هلكه وسط المحله\rسيد القوم أتاه ... الحتف نارٌ وسط ظله\rجعلت نارٌ عليهم ... دراهم كالمضمحله\rو يروى أيضاً:\rألا يا شعيب قد نطقت مقالةً ... سبقت بها عمراً وحي بني عمرِ\rملوك بني حطي هوز منهم ... وسعفص أهل للمكارم والفخرِ\rو قيل هم ملوك الجن الذين سكنوا الأرض قبل آدم عليه السلام فألقيت إلى العرب؛ وقيل أسماء ملوك الجبابرة.\rوقيل أوّل من وضع الخط العربي نفر من طيء من بولان وهم: مرامر بن مرة وأسلم بن سدرة وعامر بن حدرة. فساروا إلى مكة فتعلمه منهم شيبة بن ربيعة بن حرب بن عبد شمس وعتبة بن ربيعة وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وهشام بن المغيرة المخزومي. ثم أتوا الأنبار فتعلمه نفر منهم. ثم أتوا الحيرة فتعلمه منهم جماعة منهم: سفيان بن مجاشع بن عبد الله بن دارم وولده يسموه بالكوفة بني الكاتب. ثم أتوا الشام فعلموه جماعة فانتهت الكتابة إلى رجلين من أهل الشام يقال لهما الضحاك وإسحاق بن حماد واخترع منه خطا أخف فسماه الثلثين السابق. ثم جعل الناس يختصرون ويغيرون حتى انتهى إلى ما مر. وليس هذا محل تفصيل هذا.\rوأما ما قيل من الشعر في وصف الكتاب أو الأقلام أو المحابر أو تفضيل القلم على السيف أو العكس فأكثر من أن يحصى. وقد وضعت في ذلك موضوعات مستقلة. فمن مستحسن ذلك قول أبي الفتح البستي:\rإن هز أقلامه يوما ليعملها ... أنساك كل كمي هز عاملهُ\rوإن أقر على رقٍّ أنامله ... أقر بالرق كتاب الأنام لهُ\rوقال الآخر:","part":1,"page":232},{"id":233,"text":"يمسك الفرس رمحا بيدٍ ... وأنا أمسك فيه قصبه\rفكلانا فارسٌفي شأنه: ... إنَّ الأقلام رماحُ الكتبه\rو قول الآخر:\rوما روض الربيع وقد زهاه ... ندى الأشجار يأرج بالغداةِ\rبأوضاع أو بأبسط من نسيمٍ ... توديه الأفاوه من دواةِ\rو قول الآخر في خلاف هذا:\rدعي في الكتابة لا رويٌ ... له فيما يعد ولا بديهُ\rكأن دواته من ريق فيه ... تلاق فريحها أبداً كريهُ!\rو قول بعضهم وقد نظر إلى فتى عليه أثر المداد وهو يستره:\rلا تجزعن من المداد فإنه ... عطر الرجال وحلية الكتاب!\rو يقال: أثر المداد دليل على الفضل حتى إنَّ عبيد الله بن سليمان رأى صفرة زعفران في ثوبه فطلاها بالحبر وقال: المداد أحسن بنا من الزعفران! وأنشد:\rإنما الزعفران عطر العذارى ... ومداد الدوات عطر الرجالِ\rو قول الآخر يهجو كاتبا:\rحمارٌ في الكتابة يدعيها ... كدعوى آل حربٍ في زيادِ\rفدع عنك الكتابة لست منها ... ولو غرقت ثوبك في المدادِ!\rوقال بعضهم: كنت عند إبراهيم بن العباس وهو يكتب كتابا فوقعت من القلم نقطة مفسدة فمسحها بكمه فتعجبت فقال: لا تعجب! المال فرع والقلم أصل والأصل أحوج من الفرع إلى المراعات وبهذا السواد جاءت الثياب. ثم أطرق قليلا فأنشد:\rإذا ما الفكر ولد حسن لفظٍ ... وأسلمه الوجود إلى العيانِ\rووشاه فنمنمه مشدٍ ... فصيحٌ في المقال بلا لسانِ\rترى حلل البيان منشراتٍ ... تجلى بينها صور المعاني\rو كتب سليمان بن وهب بقلم صلب واعتمد عليه فصر تحت يده فقال:\rإذا ما التقينا وانتضينا صوارماً ... يكاد يصم السامعين صريرها\rتساقط في القرطاس منها بدائعٌ ... كمثل اللآلي نظمها ونثرها\rتقود أبيات البيان بفطنةٍ ... يكشف عن وجه البلاغة نورها\rتظل المنايا والعطايا شوارعاً ... تدور بما شئنا وتمضي أمورها\rإذا ما خطوب الدهر أرخت ستورها ... تجلت بنا عما تسر ستورها\rو قول أبي تمام يمدح محمد بن عبد الملك الزيات من قصيدة:\rلك القلم الأعلى الذي بشباته ... يصاب من الأمر الكلى والمفاصلُ\rله الخلوات اللاء لولا نجيها ... لمّا اختلفت للملك تلك المحافلُ\rلعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأرى الجنا اشتارته أيدٍ عواسلُ\rله ريقٌ طل ولكن وقعها ... بآثاره في الشرق والغرب وابلُ\rفصيحٌ إذا استنطقته وهو راكبٌ ... وأعجم إن خاطبته وهو راجلُ\rإذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغت ... عليه شعاب الفكر وهي حوافلُ\rاطاعته أطراف القنى وتقوضت ... لنجواه تقويض الخيام الجحافلُ\rإذا استغزر الذهن الذكي وأقبلت ... أعاليه في القرطاس وهي أسافلُ\rوقد رفدته الخنصران وسددت ... ثلاث نواحيه الثلاث الأناملُ\rرأيت جليلاً شأنه وهو مرهقٌ ... ضنى وسميناً خطبه وهو ناحلُ\rو قول أبي الفتح البستي:\rإذا أقسم الأبطال يوما بسيفهم ... وعدوه مما يكسب المجد والكرم\rكفى قلم الكتاب مجداً ورفعةً ... مدى الدهر أنَّ الله أقسم بالقلم\rو قول البحتري:\rتعنو له وزراء الملك قاطبةً ... وعادة السيف أن يستخدم القلما\rو قول الآخر:\rإن يخدم القلم السيف الذي خضعت ... له الرقاب ودانت خوفه الأممُ\rفالموت والموت لا شيء يقابله ... ما زال يتبلع ما يجري به القلمُ\rبذا قضى الله للأقلام مذ بريت ... أنَّ السيوف لها مذ أرهفت خدمُ\rو قول أبي الطيب مناقضا لهذا:\rحتى رجعت وأقلامي قوائل لي: ... المجد للسيف ليس المجد للقلمِ\rاكتب بذا أبداً بعد الكتاب لها ... فإنما نحن للأسياف كالخدمِ\rو قول سليمان بن جرير النمري في نحوه:\rجهابذةٌ وكتابٌ وليسوا ... بفرسان الكريهة والطعانِ\rستذكرني وتعرفني إذا ما ... تلاقى الحلقان من الباطنِ\rو قول كشاجم:\rهنيئاً لأصحاب السيف بطالةً ... تقضى بها أيامهم في التنعمِ!\rوكم فيهم من دائم الأمن لم يرع ... بحربٍ ولم ينهد لقرن مصممِ","part":1,"page":233},{"id":234,"text":"وكل ذوي الأقلام في كل ساعةٍ ... سيوفهم ايست تجف من الدمِ\rو قول الآخر في مدح القلم وأهله:\rقومٌ إذا أدخلوا الأقلام من قصبٍ ... ثم استمدوا بها ماء المنياتِ\rنالوا بها من أعاديهم وإن بعدوا ... ما لا ينال بحد المشرفياتِ\rو قول البحتري يمدح الحسن بن وهب ويصف أقلامه:\rوإذا تألق في الني كلامه ... المصقول خلت لسانه من عضبهِ\rوإذا دجت أقلامه ثم انتحت ... برقت مصابيح الدجى في كتبهِ\rفاللفظ يقرب فهمه في بعده ... منا ويبعد نيله في قربهِ\rحكمٌ فسائحها خلال بنانه ... متدفق وقليلها من قلبهِ\rفكأنها والسمع معقودٌ بها ... شخص الحبيب بدا لعين محبهِ\rو قوله أيضاً في أبن الزيات:\rلتصرفت في الكتابة حتى ... عطل الناس فن عبد الحميدِ\rفي نظام من البلاغة ما شك ... امرؤ أنه نظام فريدِ\rوبديع كأنه الزهر الضا ... حك في رونق الربيع الجديدِ\rما أعيرت منه بطون القراطيس ... وما حملت طهور البريدِ\rحزن مستعمل الكلام أخباراً ... وتجنبن ظلمة التعقيدِ\rكالعذارى غدون في الحلل الصفر ... إذا رحن في الخطوب السودِ\rو من أمثال الأدباء قولهم:\rأخف من دينار يحيى.\rوهو يحيى بن علي أعطى بعض الأدباء دينار خفيفا فقال فيه عدة مقاطع منها:\rدينار يحيى زائد النقصان ... فيه علامة سكة الحرمانِ\rقد راق منظره ورق خياله ... فكأنه روح بلا جثمان\rأهداه مكتتما إلي برقعةٍ ... فوجدته أخفى من الكتمان!\rو من أمثال العامة قولهم:\rخالف تعرف!\rونحوه قول الشاعر:\rخلافا لرأي من فيالة رأيه ... كما قيل قبل اليوم: خالف فتذكر!\rو يظهر من هذا البيت إنَّ المثل قديم، والبيت انشده الجاحظ.\rولنلم الآن بشيء في هذا الباب. قال الشاعر:\rتركت النبيذ لأهل النبيذ ... وأصبحت أشرب ماء نقاخا\rشراب النبيئين والمرسلين ... ومن لا يحاول منه اطباخا\rرأيت النبيذ يدل العزيز ... ويكسو التقي النقي اتساخا\rفهبني عذرت الفتى جاهلا ... فما العذر فيه إذا المرء شاخا؟\rقوله ماء نقاخا، أي بارداً عذبا صافيا، وهو بضم النون وبالقاف على مثال غراب. وقال الآخر:\rنعوذ بالله من أناسٍ ... تشيخوا قبل إنَّ يشيخوا\rتقوسوا وانحنوا رياء ... فأحذرهم: انهم فخوخ!\rو أشار بهذا التمثل في الرياء إلى نحو ما حكي في الإسرائيليات إنَّ عصفورة على فخ فقالت له: مالي اراك منحنيا؟ قال:: لكثرة صلاتي انحنيت. قالت: فمالي أراك بادية عظامك؟ قال: لكثرة صيامي، بدت عظامي! قالت: فما هذا الصوف عليك؟ قال: لزهادتي لبست الصوف. قالت: فما هذه العصا عندك؟ قال: أتوكؤ عليها وأقضي بها حوائجي. قالت: فما هذه الحبة في يدك؟ قال: قربان إنَّ مر بي مسكين أناوله إياها. قالت: فإني مسكينة. قال: خذيها! فقبضت على الحبة فإذا الفخ في عنقها، فصاحت: قعى! قعى! وتفسيره: لا غرني مراءٍ بعدك أبداً! ومما جاء في الرياء، أعاذنا الله منه!، قوله صلى الله عليه وسلم: \" إنَّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر \" . قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: \" الرياء \" . يقول عز وجل يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤونهم في الدنيا، فانظروا كيف تجدون عندهم الجزاء. وقوله صلى الله عليه وسلم: \" من راأى، راأى الله به، ومن سمع، سمع الله به \" . وقوله صلى الله عليه وسلم: \" من أسر سريرة ألبسه الله رداءها، خيرا فخير وإنَّ شرا فشر. والآيات والأحاديث والآثار في ذم الرياء والتنفير عنه لا تحصى وهي مشهورة. وفي معنى ذلك قول الشاعر:\rوإذا أظهرت شيئاً حسنا ... فليكن أحسن منه ما تسر\rفمسر الخير موسم به ... ومسر الشر موسوم بشر\rو قول الآخر في المتشابهين:\rأهل الرياء لبستهم ناموسكم ... كالذئب يدلج في الظلام العاتم\rفملكتم الدنيا بمذهب مالك ... وقستم الأموال بابن القاسم\rوركبتم شهب البغال بأشهب ... وبأصبغ صبغت لكم في العالم\rو قول الآخر:\rقل للأمام سنا الأئمة مالكٍ ... نور العيون ونزهة الأسماع:","part":1,"page":234},{"id":235,"text":"لله درك من همام ماجد ... قد كنت راعينا فنعم الراعي!\rفمضيت محمود النقيبة طاهرا ... وتركتنا قنصا لشر سباع\rأكلوا بك الدنيا وأنت بمعزلٍ ... طاوي الحشا متكفت الأضلاع\rتشكوك دنيا لم تزل بك برة ... ماذا رفعت بها من الأوضاع\rوقال محمود الوراق لابن أخته:\rتصوف كي يقال له أمين ... وما معنى التصوف والأمانة؟\rولم يرد الإله به ولكن ... أراد به الطريق إلى الخيانة\rو قول الآخر:\rصلى وصام لأمر كان يطلبه ... ومذ حواه فما صلى ولا صاما!\rو قول الآخر:\rشمر ثيابك واستعد لقابل ... واحكك جبينك للقضاء بثوم\rوعليك بالغنوي فاجلس عنده ... حتى تصيب وديعة ليتيمِ!\rو قول الآخر:\rلا شيء أخسر صفقة من عالمٍ ... لعبت به الدنيا مع الجهالِ\rفغدا يفرق دينه أيدي سبا ... ويديه حرصاً بجمع المالِ\rلا خير في كسب الحرام وقلما ... يرجى الخلاص لكاسب الحلالِ\rفخذ الكفاف ولا تكن ذا فضلةٍ ... فالفضل تسأل عنه أي سؤالِ!\rو قول بعضهم وقد رأى ثم افتضح نعوذ بالله!:\rبينا أنا في توبتي مفبلاً ... قد شبهوني بابن روادِ\rوقد حملت العلم مستظهراً ... وحدوثوا عني بإسنادِ\rالله تعالى خطر الشيطان بي جطوة ... نكست منها في أبي جادِ\rوقال آخر يخاطب معزولا:\rولوك إذ علموا بجهلك منصباً ... علموا بأنك عن قليل تبرحُ\rطبخوا بنار العزل قلبك بعد ذا ... وكذا القلوب على المناصب تطبخُ\rوقال الآخر في حمام:\rحمامكم قيمته أسود ... هربت منه وأنا صارخُ\rقد سلخت جسمي أظافره ... يا قوم هذا الأسود السالخُ\rو في هذين الشعرين التورية وهي إن يذكر الشاعر لفظاله مهنيان: قريب وبعيد. ويريد البعيد نحو قوله تعالى: الرحمن على العرشِ استوى فإنَّ المراد أحد معنيي الاستواء وهو الاستيلاء قهرا وغلبة وهو المعنى الأبعد لأنّه مجاز وتسمى التورية إيهاما. فإن كان المعنيان مستويين سمي ذلك توجيها. وقد تقدم في ذلك جملة من الشعر في الأبواب السابقة ونحن نريد هنا من مستحسن ذلك قول بعضهم يهنيءبعيد النحو:\rتهن بعيد النحو وابق ممتعاً ... بأمثاله سامي العلى نافذ الأمرِ!\rتقلدنا فيه قلائد أنعمٍ ... واحسن ما تبدو القلائد في النحرِ\rو قول الآخر:\rبروحي أفدي خاله فوق خده ... وما أنا في الدنيا فأفديه بالمالِ\rتبارك من أخلى من الشعر خده ... وأسكن كل الحسن في ذلك الخالِ\rو قول الآخر:\rمهفهف القد إذا ما انثنى ... قال ولا يخشى من الود\rما أنت كفلي يا كثيب اللوى ... ولست يا غصن النقا قدي!\rلو نلت من خده تقبيلةً ... تزين الريحان بالوردِ\rو قول الآخر:\rقلت للأهيف الذي فضح الغصن ... كلام الوشاة ما ينبغي لك\rقال: قول الوشاة عندي ريحٌ ... قلت: أخشى يا غصن أن تستميلك!\rو قول الآخر:\rتهاون شمس الين بي وهو صاحبٌ ... وأظهر لي أضعاف ما يظهر العدا\rنزلت به أبغي النا وهو طالعٌ ... وعند طلوع الشمس يرتفع الندا!\rو قول الآخر في حق النبي صلى الله عليه وسلم :\rيا عين إن بعد الحبيب وداده ... ونأت مرابعه وشط مزارهُ\rفلقد ظفرت من الزمان بطائلٍ ... إن لم تريه فهذه آثارهُ\rو قول الآخر:\rعاينته ودموعي غير جاريةٍ ... لأن دمعي من طول البكا نشفا\rفقال: لم أدر وكف الدمع قلت له: ... حسيبك الله يا بدر الجا وكفا!\rو قول الصفدي مع حسن التضمين:\rملكت كتابا أخلق الدهر جلده ... وما أحدٌ في دهره بمخلدُ\rإذا عاينت كتبي الصحيحة حاله ... يقولون: لا تهلك أسى وتجلد!\rو قول أبي بكر بن حجة:\rعزمت على السلو لطول هجري ... فجاءتني عوارضه تعارض\rوكان العذر يقبل في سلوي ... ولكن ما سلمت من العوارض\rوقول البدر الدماميني:\rوبي وجنةٌ حمراء زاد صفاؤها ... فأبدت صفات أبع الحسن كونها\rفدع لائمي فيها عن الحب جهده ... فما أنا بالسالي صفاها ولونها\rو قول أبن جعفر العسقلاني:","part":1,"page":235},{"id":236,"text":"قد جئت في علم الأصول لنا وفي ... علم الفروع بخالص الابريز\rبرزت في هذا وفي هذا على ... الرازي بالإحسان والتبريزي\rو قوله:\rخليلي ولى العمر منا ولم نتب ... وننوي فعال الصالحين ولكنا\rفحتى متى نبني بيوتا مشيدة ... وأعمارنا منا تهد وما تبنا؟\rو قول المعمار:\rإنَّ قام يتلو سورة الشمس المنيرة في ضحاها\rيا حسنه فكأنه القمر المنير إذا تلاها\rوقوله:\rتملك قلبي صارم قد هويته ... من الهند معسول اللمى أهيف القد\rأقول لصاحبي حين يرنو بلحظه: ... خذوا حذركم قد سل صارمه الهندي\rو قول الآخر:\rيا من تولى قاضيا ... هذا قضاء أم قدر؟\rعذرك في نسياننا ... أنَّ القضا يعمي البصر!\rو قول أبن العفيف:\rليس خليليا ولكنه ... يضرم في الأحشاء نار الخليل\rيا ردفه جرت على خصره ... وفقا به ما أنت إلاّ ثقيل!\rو قوله مما يكتب على كأس:\rأدور لتقبيل الندامى ولم أزل ... أجود للندامى وأنفاسي\rوأكسو أكف الشرب ثوبا مذهب ... فمن أجل هذا لقبوني بالكأس\rو قوله في مليح خيالي:\rخيالي أخاف الهجر منه ... وليس أراه يرغب في وصالي\rوكنت عهدتني قدما شجاعا ... فمالي صرت أفزع من خيالي؟\rو ما قيل في التورية والتوجيه أكثر من إنَّ يحصى. ولولا خوف الإطالة لأوردنا من مستحسن ذلك ما يكون جزءا مستقلا، وليس ذلك من غرضنا. وأنا أذكر هنا بعض ما اتفق لي نظمه في باب التورية أو التوجيه من غير تعبئة لنزول هذا الميدان، ومطاردة هؤلاء الفرسان. فمن ذلك قولي:\rبنفسي من أضحى فؤادي طائرا ... على غصن من قده اللدن ميال\rعلى روضة من خده الخال عارض ... وأبهج روض ما علا عارض الخال\rو فيه التورية بالطائر من حيث إنّه اسم فاعل أو اسم ذي الجناح على التشبيه وحرف الجر بعده للتعليل على الأول والاستعلاء على الثاني، والتوريه بالخال من حيث إنّه النقطة أو الغيم المخيل بالمطر مع الجناس بين على وعلا والعكس.\rوقولي:\rمررت على بالٍ من الربع دارس ... بكل ربابٍ عارض اسحم خال\rففاضت شؤون الجفن من ذكر حيرتي ... وثار هواهم إذ مررت على البال\rو فيه التورية بالخال من حيث إنّه وصف للدارس من الخلو أو وصف للرباب بمعنى المخيل كما مر. والتورية بالبال آخراً من حيث إنّه راجع إلى الربع من البلى أو إنّه الفكر والخاطر ومعمول مررت عليهن محذوف عي عليه.\rوقولي:\rوعاذل عن الهوى عادل ... يدعو لأمر في الهوى إمر\rقال أسلهم واصبر فكم ذائق ... أمر في الهجر من الصبر\rوزع عنان القلب عما جرى ... عليه من بلواء أو يجري\rفأي عذر في اتباع الصبا؟ ... قلت له إنَّ الهوى عذري\rو فيه التورية بالصبر من حيث إنّه معناه أو إنّه المر المعروف. وأصله صبر ثم خفف بالتسكين والتورية يجري من حيث إنّه من الجريان بقرينة العنان أو إنّه من الوقوع. والمعنى عليهما واضح. والتورية بالعذر من حيث إنّه الاعتذار أضيف إلى ياء المتكلم أونسوب إلى بني عذرة، وهو الهوى الشديد، والمعيان ظاهران وقولي:\rقال العذول إذ بدا ... بعارض معذر:\rالوجه الاعتزال عن ... هذا الوجيه الأشعر\rفقلت: ذلك الوجه ... يبقى فيه فضل نظر\rو فيه التورية في الاشعر مع الاعتزال من حيث إنّه وصف كأحمر أي ذو شعر أو بياء النسبة، والتورية في النظر والوجه من حيث إنّه نظر البصر أو نظر البصيرة، والوجه وجه الحبيب أو وجه الدليل.\rوقولي من قصيدة زمن الصبا أخاطب شيخنا الإمام الهمام أمتعني الله به:\rوفينا معان بينت قدم الهوى ... فليس لعمري بالبديع إلى الصدر\rوقد أعربت جزما بنصب أدلة ... فيرفع ما بينى على الظن من هجر\rفإنَّ لم يكن عن ذلك فعلي معربا ... تغنيت بالماضي من الحال والأمر\rو هذه التوريات واضحة كلها، وقد وقع لي مثل هذا النوع كثيرا ولم أذكره.\rوقولي من قصيدة أخرى موريا بالعباب و \" الجوهري \" من كتب اللغة:\rوعبرت من لجج العلوم عبابها ... حتى أنثنيت بمنفسات الجوهر","part":1,"page":236},{"id":237,"text":"و هذه القصيدة خاطبت بها بعض فضلاء العصر. فلما وقف عليها استحسنها هو وجماعة من الفضلاء الواقفين عليها غاية. وكان من أغبياء الطلبة بعضهم من لم يرتق فهمه إلى ألفاظها، فضلاً عن معاينتها، فتعلل لنفسه القاصرة بأنها مشتملة على الوحشي من اللغة. فلما بلغني ذلك قلت:\rتسامى لأذيالي مذال ولم أكن ... لكل ذليل بالذلول ولا السهل\rورام مرامات امرئ طالما علا ... على الحزن من فيح البلاغة والسهل\rوأرسلتها غراء ليس يذيمها ... سوى العمي عن شمس الظهيرة والجهل\rفأنكر جهلا ما حوته رسالتي ... ولا غرو فالتكذيب شان أبي جهل!\rو فيه التورية بابي جهل مع الجناسات الكثيرة. والجهل بضم فسكون جمع جاهل. وتخلف بعض أصحابي عن مجلس الدرس في اليوم المسمى بالعجوز، وآخر ينير، حبسه البرد، فكتبت إليه على سبيل المطايبة:\rأعجزت عنا العجوز ولم يكن ... رجل لتمنعه عجوز عائده؟\rوعدلت عن أبكار فكري بكرة ... اتباع بكر بالعجوز الباردة؟\rو فيه التورية بالعائدة من حيث إنّه وصف للعجوز أي صارفة وعائقة وإنّه معمول المنع بمعنى العطية والصلة، وفي العجوز أيضاً بين اليوم والمرأة بقرينة ذكر الرجل. وينشد أيضاً عجوز جالدة أو فائدة، وفي كليهما التورية: فالجالدة إما بمعنى ذات الجليد، من قولك جلدت الأرض بالكسر، تجلد فهمي جلدة والجالدة، اعتباراً للعجوز بمعنى اليوم على قصد الليلة أو الصبيحة أو البكرة؛ وإما بمعنى المدافعة والمقاتلة، من قولك جلدته بالعصا: ضربته، اعتبارا للعجوز بمعنى المرأة؛ والفائدة إما بمعنى الإفادة وهو معمول المنع، أو بمعنى الهالكة، من قولك: فاد يفيد، فيدا، إذا هلك ومات، اعتبارا للعجوز بمعنى المرأة وإنّها هرمة فانية، فكيف تغلب الرجل؟ والتورية في العجوز الباردة واضحة؟ وأعلم أنَّ التورية والتوجيه أعلى فنون البديع وأجلها وأدقها، وهو أحد معاريض البلغاء الذي يرفلون به في الحلل الرقائق، وينجون بفسحتها من المضائق. فمن أظرف ما وقع من ذلك ما روي عن خالد بن الوليد، رضي الله عنه، إنّه لمّا نزل على الحيرة أتاه عبد المسيح الغساني، وهو أبن ثلاثمائة وخمسين سنة. فلما مثل بين يديه قال له: انعم صباحا أيها الأمير! فقال له خالد: قد أغنى الله عن تحيتكم بسلام عليكم. ثم قال له خالد: من أين أقصى أثرك أيّها الشيخ؟ قال: من ظهر أبي. قال: من أين خرجت؟ قال من بطن أمي. قال: فعلام أنت؟ قال: على الأرض. قال: فيم أنت؟ قال: في ثيابي. قال: أتعقل؟ قال: أي والله، وأقيد. قال: أبن كم أنت؟ قال: أبن رجل وامرأة. قال: كم سنك؟ قال: اثنان وثلاثون بيض ضرس وغضيض. قال: كم لك من السنين؟ قال: السنون كلها لله. قال: كم أتى عليك؟ قال: لو أتى علي شيء لقتلني. قال: كم عمرك؟ قال: لا يعلمه إلا الله. فقال خالد: ما رأيت كاليوم إنسانا أسأله عن شيء وهو ينحوا في غيره. فقال: ما أجبتك إلا عن مسألتك. وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال له الأعرابي: من أنتم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نحن من ماء، والقصة مشهورة.\rوما روي من أنَّ رجلا وقف بباب المأمون ليشكو فلم يجد من يدخله فصاح: أنا أحمد المصطفى النبي المبعوث! فأخذ وأدخل على المأمون وقيل له إنّه تنبأ عن أمره فذكر شكواه فقال له: ما هذا الذي حكي عنك؟ قال: ما هو؟ قال: انهم قالوا إنك تنبأت. قال: معاذ الله! إنّما قلت: أنا أحمد المصطفى النبي المبعوث، وأنت يا أمير المؤمنين تحمده، وكذلك هؤلاء. فاستظرفه المأمون وأمر بأنصافه.\rوما روي عن بشار بن برد من أنه خاط له رجل أعور يعرف بعمرو بردا فلم يعجبه فقال له: ما هذه الخياطة؟ قال له: خطته لك كذلك لتلبسه إنَّ شئت على وجهه، وإنَّ شئت من باطنه. فقال له بشار: وأنا قد قلت فيك شعرا، إنَّ شئت جعلته مدحا وإنَّ شئت جعلته هجوا، ثم انشد:\rخاط لي عمرو قباء ... ليت عينيه سواء\rفأحاجي الناس طرا ... أمديح أم هجاء!\rو يروى:\rخاط لي عمرو قباء ... ليت عينيه سواء\rفسل الناس جميعا ... أمديح أم هجاء!\rو هو على نصب الجزأين بليت.","part":1,"page":237},{"id":238,"text":"وما روي إنّه نشأ ببغداد غلامان أحدهما أبن حجام والآخر أبن مراق، فبرعا في الأدب. فخرجا ليلة وهما ثملان من نبيذ. فأخذهما العسس فأتوا بهما إلى صاحبهما. فلما مثلا بين يديه قال لهما: ما أخرجكما جوف الليل؟ فقالا: القدر والقضاء. فقال من أنتما؟ فقال أبن المراق:\rأنا أبن الذي لا تنزل الدهر قدره ... وإنَّ نزلت يوما فسوف تعود\rترى الناس أفواجا إلى ضوء ناره ... فمنهم قيام حولها وقعود\rوقال أبن الحجام:\rأنا أبن من ذلت الرقاب له ... ما بين مخزومها وهاشمها\rتأتيه طوعا إليه خاضعة ... يأخذ من مالها ومن دمها\rفقال في نفسه: الأول من أبناء الكرام، والثاني من أبناء الملوك. فقال لأعوانه: خلوا عنهما، فإنه بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّه قال: اقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم. فلما انصرفا أخبر بأمرهما، فاسترجعهما بالغد وقال لهما: ويحكما! خدعتماني. فقالا: ما خدعناك إلاّ بما هو صفة والدينا. فلما تأمل كلامهما وجده صدقا وقال: انطلقا! من لم ين منكما شريف فلقد كان ظريفا. وما روي عن أبي الفرج الجوزي، رضي الله عنه، إنّه كان في مجلسه في السنية والشيعة، فسأله سائل، أي الناس كان احب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو بكر أم علي؟ فتغافل، فقيل ما عندك! فقال: أحبهما إليه من كانت ابنته تحته. ويروى: أفضلهما من كانت ابنته تحته على إنَّ السؤال كان على الأفضلية. ففهم السنية أبا بكر وفهم الشيعة عليا ورضي الفريقان. ومحاسن هذا النوع أكثر من أن تحصى. وقد خرجنا عن الغرض فلنعد إلى المقصود. وقال أبو محمّد الحريري:\rيقولون إنَّ جمال الفتى ... وزينته أدب راسخ\rوما أن يزين سوى المكثرين ... ومن طود سودده شامخ\rفأما الفقير فخير له ... من الأدب القرص والكامخ\rوأي جمال له أن يقال ... أديب يعلم أو ناسخ\rالكامخ: شيء يؤتدم به أو طعام يتخذ من الحنطة واللبن على أنواع والعرب كانت لا تعرفه. وقدم لأعرابي فقال: ما هذا؟ فقيل له: كامخ. فقال: مم صنع؟ فقيل: من الحنطة واللبن. فقال: أبوان كريمان وما أنجبا وقلت:\rإذا المرء إن أرضيته كان لي أخا ... وإن أس عادني فما هولي بأخ\rفلا خير في ود امرئ ليس صافيا ... تراه بأدران المساوي قد اتسخ\rولا خير في ود يكون تكلفا ... ولا في ودود حيث لنت له شمخ\rوما الود إلاّ ما تكنفه الحشا ... متى تهزز الأحداث أغصانه رسخ\rو قلت أيضاً في هذا المعنى:\rولا تبت من فتى على ثقة ... ولا يغرن حجاك من آخى\rحتى تراه لدى النوائب إن ... قاضيه في الحاجات هل ساخى\rوعند سعي الوشى هل ثبتت ... رجلا حشاة في الود أم ساخا\rسخى الأول فاعل من السخاء وهو الكرم وساخ الثاني من ساخ يسوخ ويسيخ إذا هوى في الطين ونحوه وفيهما يكون الجناس التام.\rولنكتف بهذا القدر من هذا الباب والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.\rباب الدال المهملة\rدردب لمّا عضه الثقاف.\rالدردبة عدو على الخوف وهو أن يجري ويلتفت وراءه من الخوف. وعضضت الشيء بالكسر كعلمت وبالفتح كمعت: أمسكته بأسناني أو بلساني ثم يستعمل العض فيما يشبه هذا من إلمام الحوادث ووقع الخطوب: والثقاف بالكسر الخصام والمجادلة. ويقال: ثقفة كعلمه إذا صادفه أو أخذه أو أدركه وظفر به. قال الشاعر:\rمن يثقفن منهم فليس بآئب ... أبداً وقتل بني قتيبة شاف\rوقال ذو الكلب الهذلي:\rفإما تثقفوني فاقتلوني ... فإنَّ أثقف فسوف ترون بالي\rو الثقاف أيضاً بالكسر الخشبة تسوى بها الرماح وهو المقصود في هذا المثل. فمعنى دردب لمّا عضه الثقاف: خضع وذل. ومضربه واضح. وقال عمرو بن كلثوم:\rإذا عض الثقاف بها اشمأزت ... وولتهم عشوزنة زبونا\rو ثقف الرمح بالثقاف تثقيفا: سويته وقومته فهو مثقف ومقوم.\rدفعت إليه الشيء برمته.\rالدفع هنا الإعطاء. والرمة بالضم القطعة من الحبل البالية. ودفع رجل لآخر بعيرا في رقبته حبل فقيل: دفعه إليه برمته وذهب مثلا لكل من أعطى الشيء أو أخذه بأجمعه. قال الأعشى يخاطب خمارا:\rفقلت له: هذه هاتها ... بأدماء في حبل مقدادها\rدع بنيات الطريق.","part":1,"page":238},{"id":239,"text":"دع: معناه اترك أصله الودع وهو الترك لكن لم يستعمل هذا المصدر إلاّ قليلا كقوله صلى الله عليه وسلم : لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعة الحديث. ولم يستعمل منه أيضاً الماضي إلاّ قليلا كقوله صلى الله عليه وسلم :دعوا الحبشة ما ودعوكم. وقرئ: ما ودعك ربك وما قلى، بالتخفيف من هذا وإنّما المستعمل منه كثيراً المضارع والأمر وهما بفتح عين الكلمة لمكان حرف الحلق نحو قع ويقع. وقد علمت من هذا إنَّ حق هذا الحرف أن يذكر في باب الواو ولكن كتبناه في هذا الباب تقريبا لمّا أن الواو مستهلكة لا تظهر كما مر نظيره في حرف التاء. وبنيات الطريق الطرق الصغار المتشعبة عن الطريق الكبيرة وكأنها بنات لها من حيث إنها تنشأت عنها وخرجت منها. ثم أطلقوا بنيات الطريق على الأباطيل فضرب المثل عند أمر الرجل أن يقصد معظم الشأن ويدع سفساف الأمور. قال أبن منادر في قاضي البصرة:\rأي قاض أنت للنقض ... وتعطيل الحقوق؟\rيدع الحق ويهوي ... في بنيات الطريق\rدعوا دما ضيعه أهله!\rالدم معروف وفيه لغات: يقال دم وهي الفصحاء وأصله دمو ودمي فحذفت اللام. ويقال دم بالتضعيف كقوله:\rأهان دمك فرغا بعد عزته ... يا عمرو بغيك إصرار على الحسد؟\rقد شقيت شقاء لا انقضاء له ... وسعد مرديك موفور على الابد\rو يقال دمى بالقصر مثل فتى وعصى كقوله:\rكأطوم فقدت برزغها ... أعقبتها الغبس منها عدما\rغفلت ثم أتت تطلبه ... فإذا هي بعظام ودما\rالأطوام بوزن صبور البقرة والبرزغ ولدها والتضييع معروف. وهذا المثل من كلام جذيمة الأبرش المتقدم ذكره.\rوكانت الزباء لمّا احتالت على قتلته كما مر قيل لها: احتفظي بدمه فإنه إن يضع وتقع منه قطرة بالأرض طلبت بثأره. فلما قبضت على جذيمة وأجلس على النطع وجعل الخدم يقطعن رواشيه قالت الزباء: لا تضيعن دم الملك! فقال جذيمة: دعوا دما ضيعه أهله! والمعنى: اتركوا دما أراقه أهله! أي مستحقوه وهم الزباء أي فلا يهولنكم ضياعه ولا يهمكم حفظه ولا تتخوفوا إذا ضاع أن تطالبوا به لأنكم لم تريقوه ظلما. وهذا كما في الرواية الآخرى: لا يحزنك دم أرقه أهله! يخاطب الزباء. وتقدمت القصة مستوفاة. وجذيمة يحتمل أن يكون في هذه الرواية عبر بتضييع الدم عن إراقته مجازا ليشاكل لفظ الزباء؛ ويحتمل أن يريد معناه لصحته في المعنى ؛ وقد يكون جذيمة أراد أهله هو وأنهم ضيعوا دمه فيقول: إنَّ دما جمعه وواليه ز خانه ناصره وحاميه جدير أن يحتفظ عليه وأن يضيع ولا يلتفت إليه.\rدعوا دعوةً كوكبيةً.\rالدعاء: الرغبة إلى الله تعالى دعا له وعليه يدعو دعاء والمرة منه دعوة. والكوكبية: قرية كان أهلها ظلمهم عامل فدعوا عليه دعوة فمات عقبها فضرب المثل بذلك.\rومما يشبه هذا ما حكاه صاحب المدخل أنَّ قرية من أعمال السودان كان أهلها إذا ولى عليهم سلطان عاملا فانبسط عليهم دعوا فهلك. فلما أعيا السلطان أمرهم وتحير قام إليه بعض الحاضرين فقال: أنا ألي عليهم! فولاه السلطان بعد أن عرفه بكنه الأمر. فذهب ذلك الوالي فغصب ملحا واستصحبه معه ولم يكن في بلد السودان الملح. فلما بلغ موضع عمله قعد في المسجد ولم يصعد إلى موضع الأمير. فقالوا له: ألا تصعد إلى موضعك؟ فقال: إنما جئت على أن أكون واحدا منكم وأباشركم ولا أصدر إلاّ عن رأيكم أو كما قال. وبقى على ذلك حتى أعجبهم وحسنوا به الظن. فتمارض حينئذ فسألوه عن موجب مرضه فقال لهم: موجب المرض فقد الملح. فقالوا: نأتيك بالملح. فقال: لا أعرف أصله وإنَّ عندي ملحا بالبلد أعرف جهته وأصله فلعله يكون فيه الشفاء. فإن أردتم أن أرسل من يأتي به وإلاّ فلا. فأذنوا له فأرسل إليه حتى بلغه ففرقه عليهم على وجه التبرك. فلما علم أنهم قد أكلوه قام إليهم ومد اليد إليهم وطلع إلى موضع الولاية حينئذ. وكان قبل يخشى من دعائهم لاقتياتهم الحلال الصرف. فلما دخل أجوافهم ذلك الملح علم أنَّ دعاءهم لا يسمع عليه وكان في القوم رجلان تفطنا لذلك فلم يأكلا ملحهما. فلما ظهر أمره أتياه بما عندهما لم يفسد شيئا منه. فلما علم أنهما قد بقيا هرب خوفا منهما.","part":1,"page":239},{"id":240,"text":"ومثل هذا حكي عن الحجاج لمّا دخل العراق واليا وكانوا لا يلي عليهم أحد ويظلمهم إلاّ دعوا فهلك. فلما خاف الحجاج من دعائهم طلب منهم أن يأتوه كلهم ببيضة بيضة لحاجة ذكرها وقعد على الصحن. فكل من أتى ببيضة أمره أن يطرحها في الصحن. فاستخفوا البيض منه وفعلوا ما أمرهم. فلما اجتمع البيض واختلط أمرهم أن يأخذ كل واحد بيضة وأراهم أنه قد بدا له في ذلك ورجع عما أراد. فأخذ كل واحد بيضة من البيض ولا يدري عين بيضته. فلما علم الحجاج أنهم تصرفوا في ذلك مد يده إليهم فدعوا عليه فمنعوا الإجابة. قال رحمه الله تعالى: ولأجل هذا كثرت المظالم وكثر الدعاء على فاعلها وقلت الإجابة أو عدمت.\rدفن البنات من المكرمات.\rالدفن معروف؛ والبنات جمع بنت؛ والمكرمة فعل الكرم.\rوهذا المثل مشهور ومثله المثل الآخر: نعم الصهر القبر! وقال الشاعر مضمنا المثل:\rالقبر أخفى سترةٍ للبنات ... ودفنها يروى من المكرمات\rأما رأيت الله عز اسمه ... قد وضع النعش بجنب البنات!\rو قول الآخر:\rأحب بنيتي وأود أني ... دفنت بنيتي في قعر لحدِ\rو شبه هذا قول الأمير أبن أبي حفصة:\rوفي الدار خافي صبيةٌ قد تركتهم ... يطلبون إطلال الفراخ من الوكرِ\rجنيت على روحي بروحي جنايةً ... فأثقلت ظهري بالذي خف من ظهرِ\rو الشعر في هذا المعنى كثير.\rدقك بالمنحاز حبَّ القلقلِ.\rالدق معروف. والمحاز بالحاء المهملة وبالزاي الهاون وهو المهراس. ونحزت الشيء: دققته. والقلقل بقافين مكسورين على مثل زبرج: نبن له حب اسود اصلب ما يكون من الحبوب حسن الشم. قال أبو النجم:\rوآضتِ البهمى كنبل الصقيل ... وطارت الريح يبيس القلقلِ\rو قد يقال في هذا المثل بفائين مضمومتين وهو الفلفل المعروف من الأبزار وجعله الأصمعي تصحيفا من العامة. ومن الناس من ادعى أنَّ هذا هو الصواب وأنَّ الأول هو التصحيف لأن حب القلقل بالقاف لا يدق. وهذا المثل يضرب في الإلحاح على الشحيح والحمل عليه وكأنه شطر بيت من الرجز.\rدقوا بينهم عطر منشمٍ.\rالدق مر؛ والعطر بالكسر معروف؛ ومنشم على مثال مجلس وعلى مثال مقعد قيل ويروى أيضاً مشئم بالهمز؛ ومن شم مفصولة. واختلف في معناه: فقيل منشم اسم الشر؛ وقيل المنشم يكون في سنبل العطر يسمى قرون السنان وهو سم ساعة. وقيل منشم اسم امرأة. واختلف في اشتقاقه أيضاً: فقيل منشم وضِع وضع الأعلام؛ وقيل مشتق من قولهم: نشم في الشيء إذا بدأ وأخذ فيه ويستعمل في الشر. وقيل هو مركب من اسم وفعل والأصل من شم على أنَّ شم فعل ماض من شم الرائحة وهو صلة من. ثم وصل وحذف الميم الثانية من الفعل وجعل الأعراب على الأولى. وعلى رواية مشأم فهو من الشؤم. واختلف أيضاً في سبب المثل ومعناه: فقيل إنَّ منشم اسم امرأة وهي بنت الوجيه وكانت عطارة بمكة. وكانت خزاعة وجرهم إذا أرادوا الحرب تطيبوا من طيبها فكثرت القتلى فجعلوا يقولون: أشئم من عطر منشم.\rوقيل كانوا إذا أرادوا الحرب غمسوا أيديهم في طيبها وتحالفوا أن يستميتوا في الحرب ولا يولوا. فكانوا إذا دخلوا الحرب بطيب تلك المرأة يقول الناس: دقوا بينهم عطر منشم. فلما كثر منهم هذا القول صار مثلا للشر العظيم. قال زهير:\rتداركتما عبسا وذبيان بعد ما ... تفانوا ودقوا بينهم عطر منشمِ\rو قيل إنَّ منشم امرأة كانت تبيع الحنوط فسموا حنوطها عطرا في قولهم عطر منشم لأنهم أرادوا عطر الموتى. وأما من ذهب إلى أنه مركب فزعم أنَّ امرأة من العرب كانت تبيع العطر فورد عليها بعض أحياء العرب فأخذوا عطرها وفضحوها. فلحقها قومها ووضعوا السيف فيهم وجعلوا يقولون: اقتلوا من شم منطيبها! فبقي من شم اسما مركبا من هذا.\rوقيل إنَّ سبب المثل قتال يوم حليمة الذي قيل فيه: ما يوم حليمة بس. وكانت فيه الحرب بين الحارث بن أبي شمر ملك الشام وبين المنذر بن المنذر بن امرئ القيس ملك العراق. وأخرجت حليمة إلى المعركة مراكن الطيب فكانت تطيب الداخلين في الحرب فقاتلوا من أجل ذلك حتى تفانوا. وسيأتي شرح هذه القصة.\rدمث لنفسك قبل النوم مضطجعاً!","part":1,"page":240},{"id":241,"text":"التدميث: التسهيل. يقال: مكان دمث كفرح أي لين سهل. ودمث الشيء بالكسر يدمث دماثة فهو دمث. ودمثته أنا تدميثا: سهلته ولينته؛ والمضطجع بالفتح مكان الاضطجاع.\rوالمعنى أنك إذا أردت أن تنام فسو المكان ولينه وأزل ما فيه من الخشونة قبل اضطجاعك!يضرب في الاستعداد للنوائب قبل نزولها. ومثله قول تأبط شرا:\rولكن أخو الحزم الذي ليس نازلاً ... به الأمر إلاّ وهو للقصد مبصرُ\rو قول الآخر:\rولكن من لا يلق أمراً ينوبه ... بعدته ينزل به وهو أعزلُ\rو قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في عمر رضي الله عنه: كان والله أحوذيا نسيج وحده قد أعد للأمور أقرانها. ويروى إنَّ من رأى عمر أبن الخطاب علم أنه خلق غناءً للاسلام. كان والله أحوذياً . . الخ\rالدم لا ينام.\rهذا المثل من كلام قصير بن سعد لجذامة حيث شاورهم على الخروج إلى الزباء فقال له قصير: إنَّ الزباء قتلت أباها والدم لا ينام وتقدم ذلك مشروحا. والمراد أنَّ من كان له قبلك ثأرٌ وثبت له عندك دم لا يغفل عنك وعن أخذ ثأره منك ليلا ولا نهارا ولا يكن منه سلم صحيح ولا مصافحة خالصة أبدا.\rدهدرين، سعد القين.\rدهدرين بضم الدالين وفتح الراء المشددة، وقد اختلف فيه: فقيل هو اسم مبنى بصيغة المثنى؛ وقيل هو تثنية دهدر وهو الباطل. ويقال أيضاً دهدن بالنون على وزنه. قال الراجز:\rلأجعلن لابنه عمرو فنا ... حتى يعود مهرها دهدنا\rو هو في هذا المثل منصوب بفعل مضمر وسعد منادى وهو قين كان ادعى أنَّ اسمه سعد زمانا ثم تبين كذبه والقين وصف له فقيل له ذلك أي جمعت كذبا إلى كذب يا سعد الحداد! وقيل إنَّ دهدرين اسم فعل مبني بمعنى بطل كما بني شتان وهيهان وسعد فاعله والقين وصف له. والمعنى: بطل سعد القين. والمراد بطلان استعماله لتشاغل الناس عنه بالقحط. وحذف تنوين سعد في هذا الوجه تخفيفا لكثرة الاستعمال نحو: ولا ذاكر الله إلاّ قليلا. وقيل إنَّ دهدرين موضعه رفع على الابتداء كأنه قيل: كلامك باطل أو فعلك باطل. وكذلك سعد أي أنت سعد القين أي مثله. وقيل إنّه مركب وأصله ده أمر من الدهاء وكان الأصل دهى ثم قلب فقيل داه بجعل اللام موضع العين كما قيل: لاع ولائع ودرين من قولك: در الشيء إذا تتابع. والمعنى: بالغ في الكذب يا سعد! وقد قيل إنه حداد عجمي يدور في اليمن. وكان إذا كسد في مخلاف قال بالفارسية: ده بدرود أي بالوداع يخبرهم إنّه يخرج غدا ليستعملوه، فعرفوا به المثل في الكذب والباطل. وقالوا: إذا سمعت بسرى القين فانه مصبح،و قد تقدم ورواه بعضهم: دهدرين وسعد اليقين بالواو ونصب سعد. وروى آخرون: دهدرى مقصود بغير نون التثنية، وقالوا موضعه في ضرب المثل إذا رد على مخبر خبره، أو على فعله، أو حمق أحمق. وروى آخرون: دهدرين ساعد اليقين.\rوالمقصود من ذلك كله واحد وهو الباطل باللغو. فيضرب عند التكذيب للحديث وادعاء بطلان الأمر. وقال أبو زيد: يقال للرجل يهزأ به: طرطبين ودهدرين ودهدرا وسعد القين.\rوللنا في هذا اللفظ أقاويل هذا حاصلها، والله اعلم.\rالدهر حبلى لا يدرى ما تلد.\rالدهر بفتح فسكون، وتحرك الهاء الزمان الطويل، والزمان الممدود، أو ألف سنة: هذا قول اللغويين. وللفلاسفة فيه كلام بيناه في علم الكلام؛ والحبلى: الحامل. قال امرؤ القيس:\rفمثلك حبلى قد طرقت ومرضعا ... وألهيتها عن ذي تمائم محول\rحبلت المرأة بالكسر، حبلاً، فهي حابلة، والجمع حبلة؛ وحبلى، والجمع حبليات وحبلى، والولادة معروفة. والمعنى أنَّ الدهر، لا نبهام الأقدار الجارية فيه، وخفاء التصاريف الواقعة بذويه، شيبه الحلبى المنبهم أمر ذي بطنها، لا تعرف له ذكروة ولا أنوثة، ولا كمال ولا نقص، ولا حسن ولا قبح، حتى تلد فيتبين ذلك. وكذا الدهر لا يعرف فيما يأتي به من الأقدار والحوادث، أخير أم شر، وزيادة أم نقص، وسعة أم ضيق، حتى يقع ذلك فيظهر.\rأدهى من ثعلبٍ.","part":1,"page":241},{"id":242,"text":"الدهاء والدهي: المكر وجودة الرأي. ورجل داهٍ ودهٍ وداهية، والجمع دهاة ودهون. وقد دهي الرجل بالكسر، دهيا ودهاء ودهاءة، وتدهى: فَعَلَ فِعْلَ الدهاء؛ والثعلب: الحيوان المعروف، وتقدم فيه كلام. وهو موصوف بالمكر والاحتيال مشهور بذلك، ومن مكره إنّه إذا رأى الغلبة عليه تماوت حتى لا يشك في موته فإذا غفل عنه وثب هاربا.\rومن مكره المحكي في الخرافات عند العرب انهم قالوا: إنَّ الضبع صادت ثعلبا فقالت: أخيرك يا ثعلب بين خصلتين، فاختر أيهما شئت. قال: ماهما؟ قالت: أما أنَّ أكلك، وأما أنَّ أنكحك. فقال الثعلب: أما تذكرين يوم نكحتك؟ فقالت: متى؟ وانفتح فوها. فأفلت الثعلب وهرب. فضربوا به المثل بذلك وقالوا: عرض عليك خصلتي الثعلب. وقالوا أيضاً: إنَّ الثعلب اطلع على بئر وهو عطشان، وعليها رشاء ودلوان، فقعد في الدلو العليا، فانحدرت به إلى البئر حتى شرب وبقي هناك، فإذا بضبع اطلعت على البئر، فرأت بياض القمر انتصف الماء، والذئب قاعد في ضوئه، فقالت له: ما تصنع هنا؟ فقال لها: إني أكلت نصف هذه الجيفة وبقي نصفها وبقي نصفها، فانزلي تأكليها! قالت: وكيف انزل؟ قال: تقعدين في الدلو الآخرى. فلما التقيا في وسط البئر قالت له ما هذا؟ قال: كذا التجارب تختلف! فضربوا ذلك المختلفين في الأمور. ومثل هذه الحكايات كثير.\rدار الفسوق جدث، وحديثه حدث.\rهذا مثل مصنوع فيما أظن وهو ظاهر المعنى؛ والجدث بالجيم القبر. قال الشاعر:\rجدث يكون مقامه ... أبداً بمختلف الرياح\rو الجمع أجداث واجدث. قال الآخر: أنشده الجوهري:\rعرفت بأجدث فنعاف عرق ... علامات كتحبير النماط\rدون ذلك خرط القتاد\rدون نقيض فوق وبمعنى أمام. ويكون ظرفا للمكان عن الغاية فيما يضاف اليه، ثم يطلق على كل رتبة أدنى من أخرى في الأمكنة والأزمنة والمعاني؛ والخرط النزع، وتقول: خرطت الشجرة خرطا إذا انتزعت الورق منها اجتذابا؛ والقتاد على مثال سحاب شجر صلب شوكه كالإبر شديد، يضرب به المثل كما قال أبو تمام:\rنثا خبر كأن القلب أمسى ... يجر به على شوك القتاد\rوقال أيضاً:\rغدت تستجير الدمع حوف نوى غد ... وعاد قتاد عندها كل مرقد\rو خرطه أشد شيء، فضرب المثل به. وتقدم مثله في حرف الهمزة. قال أبو المظفر:\rيا كم يساجلني وليس بمدرك ... شأوي وأين له جلالة منصبي\rلا تتعبن فدون ما حلولته ... خرط القتاد وامتطاء الكوكب!\rجدي معاوية الأغر سمت به ... جرثومة من طينها خلق النبي\rوروثته شرفا رفعت مناره ... فبنو أمية يفخرون به وبي\rوقال الآخر:\rمال أبن دارة دونه لعفاته ... خرط القتاد والتمس الفرقد\rمال لزوم الجميع يمنع صرفه ... في راحة مثل المنادى المفرد\rدون ذا وينفق الحمار!\rدون تقدم معناه، والنفاق: الروجان، تقول، نفق البيع بالفتح ينفق، نفاقا على مثال سحاب إذا راج؛ ونفقت الدابة أو الرجل: مات؛ والحمار معروف. ودخل رحل السوق بحمار له يبيعه. فقام رجل يقال له أبو يار يمدح الحمار، وجعل يقول: إنَّ حافره جلمود، وإنَّ ظهره حديد. فقال صاحبه: شاكه أبا يسار، دون ذا وينفق الحمار! فذهب مثلا يضرب للمفرط في الثناء والمدح. ومعنى شاكه: شابه وقارب في المدح ولا تفرط من المشاكهة وهي المشابهة. وسيأتي المثل في الشبن. إن شاء الله.\rومن أمثال العامة في هذا الباب قولهم:\rدجاجة وتركل.\rيضرب لاستبعاد الصولة من الضعيف، والدجاجة معروفة مثلة الأول والجمع دجاج، والركل ضرب الأرض برجل واحدة، وركض الفرس بالرجل، والأرض المركلة المكدود بحوافر الدواب. قال امرؤ القيس يصف فرسا:\rمسح إذا ما السحابات على الونى ... أثرن غبارا بالكديد المركل\rو يستعمل الركل، في لسان العرب، في الضرب بالرجل مطلقا، وهو المراد.\rثم نذكر من الشعر في هذا الباب ما تيسر، والله المستعان.\rقال طرفة بن العبد:\rستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود\rو إلى معنى هذا البيت أشار أبن شرف في لاميته بقوله:\rلا تسأل الناس والأيام عن خبر ... هما يبثانك الأخبار تطفيلا!\rوقال دريد بن الصمة:","part":1,"page":242},{"id":243,"text":"وهل أنا إلاّ من غزية إنَّ غوت ... غويت وإنَّ ترشد غزية أرشد\rو غزية قبيلة، وهي فيما أظن بفتح المعجمة وكسر الزاي. وهكذا رأيته في نسخة من الصحاح مضبوطا بالقلم، ويؤيده ما في القاموس من انهم يسمون غازية وغزية كغنية ولم يثبت في أسمائهم غزية. بلفظ التصغير. وقال من هذه القصيدة أيضاً:\rأمرتهم أمري بمنزعج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلاّ ضحى الغد\rو تمثل بهذا البيت أمير المؤمنين على كرم الله وجهه على المنبر، في قصة التحكيم حين وقع ما وقع من الحكمين يعاتب أهل العراق ويوبخهم على سفاهة رأيهم في ذلك وتوجيههم أبا موسى الأشعر، والقصة مشهورة. وعلى هذا البيت نبه أبن شرف بقوله في لاميته:\rيرى البليد البلايا بعد ما نزلت ... وذو الذكاء يرى الأشياء تبخيلا وقال الأسود بن يعفر:\rجرت الرياح على محل ديارهم ... فكأنهم كانوا على ميعاد\rو نظمه أبن شرف في لاميته بقوله:\rبادوا كأنهم للفرقة اتعدوا ... فلم يكن ذلك الميعاد ممطولا\rوقال الآخر:\rأجل إذا طالبت في طلب ... فالجد يغني عنك لا الكد!\rو نظمه أبن شرف بقوله:\rوالجد يغني الفتى عم كد مهجته ... فليغتد تكثير حرص المرء تقيلا!\rوقال الشاعر:\rالسيف يقطع وهو ذو صدإٍ ... والحد يفري الهام لا الغمد\rونظمه أبن شرف بقوله:\rوالنفس جوهرة ملبوسها صدف ... والسيف يقطع رذل الغمد مفلولا\rوقال:\rهل تنفعن السيف حليته ... يوم الجلاد إذا نبا الحد\rو نظمه أبن شرف بقوله:\rورب سيف كهامٍ لا مضاء له ... وقد تراه محلى المد مصقولا\rوقال الآخر:\rوإنَّ أمرءاً يمسي ويصبح سالما ... من الناس إلاّ ما جنى لسعيد\rو نظمه أبن شرف بقوله:\rومن يعاقب بما تجني يداه بلا ... ظلم التجني فقد نال اليد الطولى\rوقال الآخر:\rوغيظ على الأيام كالنار في الحشى ... ولكنه غيظ الأسير على القد\rو نظمه أبن شرف بقوله:\rلنا على الدهر غيظ ليس ينفعنا ... غيظ الأسير أسير القد مغلولا\rوقال الآخر:\rماذا لقيت من الدنيا وأجبه ... إني بما أنا باك منه محسودا!\rو نظمه أبن شرف بقوله:\rقل للحسود على أشياء تحزنني: ... خذها احتقاراً وتهويناً وترذيلا!\rوقال بعض العرب:\rإذا الرجال ولدت أولادها ... واضطربت من كبرٍ أعضادها\rوجعلت أوصابها تعتادها ... فهن زروع قد دنا حصادها\rوقال الآخر:\rلقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادي!\rو ما أحسن قول عز الدين المقدسي في كتابه كلام الطيور والأزهار على لسان الغراب:\rأنوح على ذهاب العمر مني ... وحق أن أنوح وأن أنادي\rوأندب كلما عاينت ربعا ... حدا بهم لوشك البين حادِ\rيعنفني الجهول إذا رآني ... وقد ألبست أثواب الحدادِ\rفقلت له: اتعظ بلسان حالي ... فإني قد نصحتك باجتهادِ!\rوها أنا كالخطيب وليس عيباً ... على الخطباء أثواب السوادِ\rألم ترني إذا عاينت ركباً ... أنادي بالنوى في كل نادِ\rأنوح على الطول فلم يجبني ... بساحتها سوى خرس الجمادِ\rفأكثر في نواحيها نواحي ... من البين المفتت للفؤادِ\rفما من شاهدٍ في الكون إلاّ ... عليه من شهود الغيب نادِ\rفكم من رائحٍ فيها وغادٍ ... ينادي من دنوٍّ أو بعادِ\rلقد أسمعت لو ناديت حياً ... ولكن لا حياة لمن تنادي!\rوقال الحطيئة: وما قلت إلاّ بالذي علمت سعدُ وهذا مثل مشهور وصدر البيت:\rوتعذلني أبناء سعدٍ عليهم\rوهذا البيت من جملة أبيات له وهي من جيد شعره. يقول فيها:\rوإنَّ التي نكبتها عن معاشرٍ ... عليَّ غضابٍ أن صددت كما صدوا\rأتت آل شماش بن لأيٍ وإنّما ... أتاهم بها الأحلام والحسب العدُ\rفإنَّ الشقي من تعادي صدورهم ... وذو الجد من لانوا إليه ومن ودوا\rيسوسون أحلاماً بعيداً أناتها ... وإن غضبوا جاء الحفيظة والجدُ\rأقلوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا!","part":1,"page":243},{"id":244,"text":"أولئك قومٌ إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا\rوإن كانت النعمى عليهم جزوا بها ... وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا\rوإن قال مولاهم على جل حادثٍ ... من الدهر ردوا فضل أحلامكم ردوا\rفكيف ولم أعلمهم خذلوك ... على معظمٍ ولا أديمكم قدوا؟\rمطاعين في الهيجا مكاشيف للدجى ... بنى لهم آبائهم وبنى الجدُ\rفمن مبلغ أبناء سعدٍ فقد سعى ... إلى السورة العليا لهم حازمٌ جلدُ\rرأى مجد أقوامٍ أضيع فحثهم ... على مجدهم لمّا رأى أنه الجهدُ\rوتعذلني أبناء سعدٍ \" البيت \"\rوقال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي:\rما لامرئٍ خاض في بحر الهوى عمر ... إلاّ وللبين فيه السهل والجدُ\rكما نما البين من إلحاحه أبداً ... على النفوس أخ للموت أو ولدُ\rوقال يخاطب محمد بن يوسف:\rواعذر حسودك فيما قد خصصت به ... إنَّ العلى حسنٌ في مثلها الحسدُ!\rوقال أيضاً في وداعه لعلي بن الجهم يمدحه:\rهي فرقةٌ من صاحب لك ماجدٍ ... فغداً إذابة كل دمعٍ جامدِ\rفافزع إلى ذخر الشؤون وغربه: فالدمع يذهب بعض جهد الجاهدِ\rفإذا فقدت أخاً فلم تفقد له ... دمعاً ولا صبراً فلست بفاقدِ\rومنها:\rإن يكد مطرف الإخاء فإننا ... نغدو ونسري في إخاءٍ تالدِ\rأو يختلف ماء الوصال فماؤنا ... عذبٌ تحدر من غمامٍ واحدِ\rأو نفترق نسباً يؤلف بيننا ... أدبٌ أقمناه مقام الوالدِ\rوقال أيضاً من قصيدة أخرى:\rسقته ذعافاً غارة الدهر فيهم ... وسم الليلي فوق سم الأساودِ\rومنها:\rغدا قاصدا للحمد حتى أصابه ... وكم من مصيبٍ قصده غير قاصد!\rومنها:\rيصد عن الدنيا إذا عنَّ سؤددٌ ... ولو برزت في زي عذراء ناهد\rإذا المرء لم يزهد وقد صبغت له ... بعصفرها الدنيا فليس بزاهد\rوقال أيضاً من أخرى:\rإذا انصرف المحزون قد فل صبره ... سؤال المغاني فالبكاء له ردُ\rومنها:\rنوى كانقضاض النجم كانت نتيجة ... من الهزل يوماً إنَّ هزل الهوى جدُ\rفلا تحسبا هندا لها العذر وحدها ... سجية نفسٍ كل غانيةٍ هندُ\rومنها:\rوقدٌ من الأيام وهي قديرةٌ ... وشر السجايا قدرةٌ حازها حقدُ\rإساءة دهرٍ أذكرت حسن فعاله ... إلي ولولا الشري لم يعرف الشهدُ\rوقال أيضاً:\rومن يأذن إلى الساعين يسلق ... مسامعه بألسنةٍ حدادِ\rوقال أيضاً:\rولكم عدوقال لي متمثلاً: ... كم من ودودٍ ليس بالمودودِ!\rومنها:\rوإذا أراد الله نشر فضيلةٍ ... طويت أتاح لها لسان حسودِ\rلولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العودِ\rلولا التخوف للعواقب لم تزل ... للحاسد النعمى على المحسودِ\rيعطي لها البشرى الكريم ويحتبي ... بردائها في المحفل المشهودِ\rبشرى الغنى أبي البنات تتابعت ... بشراه بالفارس المولودِ\rوقال أيضاً:\rوإني رأيت الوسم في خلق الفتى ... هو الوسم لا ما كان في الشعر والجلدِ\rوقال أيضاً:\rولكنني لم أحو وفراً مجمعاً ... ففزت به إلاّ بشملٍ مبددِ\rولم تعطني الأيام نوما مسكناً ... ألذ به إلاّ بنوم مشردِ\rوطول مقام المرء في الحي مخلقٌ ... لديباجته فاغترب تتجددِ!\rفإني رأيت الشمس زيدت محبةً ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمدِ\rومنها:\rوليس يجلي الكرب رأي مسددٌ ... إذا هو لم يؤنس برمح مسددِ\rومنها:\rمحاسن أصناف المغنين جمةٌ ... وما قصبات السيف إلاّ لمعبدِ\rوقال ابيضا:\rأحلى الرجال من النساء مواقعاً ... من كان أشبههم بهن خدودا\rحتى إذا ما الشعر سود وجهه ... كان المسود بينهن مسودا\rو منه:\rما إن ترى الأحساب بيضاً وضحاً ... إلاّ بحيث ترى المنايا سودا\rومنها:\rأيقنت أنَّ من السماح شجاعةٌ ... تدمي وأنَّ من الشجاعة جودا؟\rومنها:\rإنَّ القوافي والمساعي لم تزل ... مثل النظام إذا أصاب فريدا\rهي جوهرٌ نثرٌ فإن ألفته ... بالشعر صار قلائداً وعقودا","part":1,"page":244},{"id":245,"text":"في كل معتركٍ وكل مقامٍ ... يأخذن منه ذمةً وعقودا\rوقال أيضاً:\rشاب رأسي وما رأيت مشيب ... الرأس من فضل شيب الفؤادِ\rوكذاك الرؤوس في كل بؤسٍ ... ونعيمٍ طلائع الأجسادِ\rطال إنكاري البياض وإن عمر ... ت شيئا أنكرت لون السوادِ!\rومنها:\rوضياء الأمور أفسح في الطرف ... وفي القلب من ضياء البلادِ\rومنها:\rغير أنَّ الربى إلى سبل الأنواء ... أدنى والحظ حظ الوهادِ!\rومنها:\rكأنَّ شيء غثٌ إذا عاد والمعروف ... غث ما كان غير معادِ\rوقال أيضاً:\rوما شيء من الأشياء أمضى ... على المهجات من رأي سديدِ\rوقال أيضاً:\rلم تنكرين مع الفراق تبلدي ... وبراعة المشتاق أن يتبلدا؟\rوقال أيضاً:\rوالسيف أعمى غير أنَّ غراره ... يقظٌ إذا هادٍ نحاه لهادِ\rومنها:\rومن العجائب شاعرٌ قعدت به ... هماته أوضاع عند جوادِ\rوقال أيضاً:\rما كل من شاء استمرت بالندى ... يده ولا استوطا فراش الجودِ\rوقال أيضاً:\rوكذا المنايا يطأن بمنسمٍ ... إلاّ على أعناق أهل الؤددِ\rوقال أيضاً:\rلو يعلم الناس علمي بالزمان وما ... عاثت يداه لمّا ربوا ولا ولدوا!\rوقال أبو الطيب أحمد بن الحسن المتنبي:\rفما ترجي النفوس من زمن ... أحمد حاليه غير محمودِ\rإنَّ نيوب الزمان تعرفني ... أنا الذي طال عجمها عودي\rوفي ما قارع الخطوب وما ... آنسني بالمصائب السودِ\rوقال أيضاً من قصيدة:\rإذا كنت تخشى العار في كل خلوةٍ ... فلم تتصباك الحسان الخرائدُ\rومنها:\rأهم بشيءٍ والليالي كأنها ... تطاردني عن كونه وأطاردِ\rوحيدٌ من الخلان في كل بلدةٍ ... إذا عظم المطلوب قل المساعدُ\rومنها:\rولكن إذا يحمل القلب كفه ... على حالةٍ لم يحمل الكف ساعدُ\rومنها:\rأحقهم بالسيف من ضرب الطلا ... وبالأمن من هانت عليه الشدائدِ\rومنها:\rبذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قومٍ عند قومٍ فوائدُ\rو نظمه أبن شرف بقوله:\rوموت قومٍ حياةٌ عند غيرهم ... وقد أبى الدهر بين الناس تعديلا\rومنها:\rوكل يرى طرق الشجاعة والندى ... ولكن طبع النفس للنفس قائدُ\rومنها:\rفإنَّ قليل الحب بالعقل صالحٌ ... وإنَّ كثير الحب بالجهل فاسدُ\rوقال أيضاً من أخرى:\rلكل امرئ من دهره ما تعمدا\rومنها:\rومن يجعل الضرغام في الصيد بازه ... تصيده الضرغام فيمن تصيدا\rو نظمه أبن شرف بقوله:\rولا تضمن ليثاً كي تصيد به ... فتغتدي خاتلاً للصيد مختولا\rومنها:\rوما قتل الأحرار كالعفو عنهم ... ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا؟\rإذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا\rووضع النى في موضع السيف بالعلى ... مضر كوضع السيف في موضع الندا\rومنها:\rودع كل صوتٍ غير صوتي فإنني ... أنا الصئح المحكي والآخر الصدا\rومنها:\rوقيدت نفسي في ذراك محبة ... ومن وجد الإحسان قيداً تقيدا\rوقال أيضاً:\rيا عاذل العاشقين دع فئةً ... أضلها الله كيف ترشدها\rومنها:\rفعد بها لا عدمتها أبداً: ... خير صلات الكريم أعودها\rوقال أيضاً:\rعش عزيزا أو من وأنت كريمٌ ... بين طعن القنا وخفق البنودِ!\rفرؤوس الرماح أذهب للغيظ ... وأشفى لغل صدر الحقودِ\rلا كما قد حييت غير حميدٍ ... وإذا مت، مت غير فقيدِ\rفاطلب العز في لظى ودر الذل ... ولو كان في جنان الخلدِ!\rيقتل العاجز الجبان وقد يعجز ... عن قطعٍ بخنق المولودِ\rويوقى الفتى المخش وقد خوَّ ... ض في ماء لبه الصنديدِ\rلا بقومي شرفت بل شرفوا بي ... وبنفسي فخرت لا بجدودِ\rوقال أيضاً:\rيفنى الكلام ولا يحيط بفضلكم ... أيحيط ما يفنى بما لا ينفذُ؟\rوقال أيضاً:\rوكم للهوى من فتى مندف ... وكم للنوى من قتيل شهيدِ!\rومنها:\rفما لك تقبل زور الكلام ... وقدر الشهادة قدر الشهودِ؟\rوقال أيضاً:","part":1,"page":245},{"id":246,"text":"وما ماضي الشباب بمسترد ... ولا يومٌ يمر بمستعادِ\rومنها:\rفإنَّ الجرح ينفر بعد حينٍ ... إذا كان البناء على فسادِ\rوإنَّ الماء يخرج من جمادٍ ... وإنَّ النار تخرج من زنادِ\rوقال أيضاً:\rسأطلب حقي بالقنا ومشايخٍ ... كأنهم من طول ما التثموا مردُ\rثقالٍ إذا لاقوا خفافٍ إذا دعوا ... كثيرٍ إذا شدوا قليلٍ إذا عدوا\rومنها:\rومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صدلقته بدُ\rيروح ويغدو كارها بوصاله ... وتضطره الأيام والزمان النكدُ\rوزعموا أنه قد قيل له إذ تنبأ: لكل نبي معجزة فما معجزتك؟ فقال: هذا البيت.\rوقال أيضاً:\rمن خص بالذم الفراق فإنني ... من لا يرى في الهر شيئاً يحمدُ\rوقال أيضاً:\rإذا غدرت حسناء أوفت بعدها ... ومن عهدها أن لا يدوم لها عهدُ\rوإن عشقت كانت أشد صبابةً ... وإن فركت فاذهب فما فركها قصدُ\rوإن حقدت لم يبق في قلبها رضى ... وإن رضيت لم يبق في قلبها حقدُ\rكذلك أخلاق النساء وربما ... يصل بها الهدي ويخفى بها الرشدُ\rومنها:\rيرمون شأوي في الكلام وإنما ... يحاكي الفتى فيما سوى المنطق القردُ\rومنها:\rوأصبح شعري منهما في مكانه ... وفي عنق الحسناء يستحسن العقدُ\rوقال أيضاً:\rأبى خلق الدنيا تدميه ... فما طلبي منها حبيبا تردهُ\rوأسرع مفعولٍ فعلت تغيراً ... تكلف شيء في طباعك ضدهُ\rونظم الأول أبن شرف بقوله:\rقد يحتني الدهر من كفيك ما اجتنتا ... فكيف ما كان عن كفيك معزولا؟\rومنها:\rوأتعب خلق الله من زاد همه ... وقصر عما تشتهي النفس وجده\rومثله قول الإمام الشافعي رضي الله عنه:\rوأحق خلق الله بالهم امرؤٌ ... ذو همة يبلى بعيشٍ ضيقِ\rو بعده:\rفلا ينحلل في المجد مالك كله ... فينحل نجدٌ كان بالمل عقدهُ\rودبره تدبير الذي المجد كفه ... إذا حارب الأعداء والمال زندهُ\rفلا مجد في الدنيا لمن قل ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قل مجدهُ\rو نظم هذا أبن شرف بقوله:\rلا مال إلاّ بمجدٍ فالتمسه ولا ... مالٌاذا لم يكن بالمجد مشمولا\rهكذا وجدته وكأنه تحريف وإنّما قال هكذا:\rلا مال إلاّ بمجدٍ فالتمسه ولا ... مجدٌ إذا لم يكن بالمال مشمولا\rأو هكذا:\rلا مجد إلاّ بمالٍ فالتمسه ولا ... مالٌ إذا لم يكن بالمج مشمولا\rومنها:\rإذا كنت في شك من السيف فابله: ... فإنما تنفيه وإما تعدهُ\rوما الصارم الهني إلاّ كغيره ... إذا لم يفارقه النجاد وغمدهُ\rوقال أيضاً:\rحسم الصلح ما اشتهته الأعادي ... وأذاعته ألسن الحسادِ\rومنها:\rوكلام الوشاة ليس على الأحباب ... سلطانه على الأضدادِ\rإنما تنجح المقالة في المرء ... إذا وافقت هوى في القادِ\rومنها:\rقد يصيب الفتى المشير ولم يجهد ... ويشوي الصاب بعد اجتهادِ\rومنها:\rوإذا الحلم لم يكن في طباعٍ ... لم يحلم تقادم الميلادِ\rومنها:\rإنما أنت والد والأب القا ... طع أحنى من واصل الأولادِ\rومنها:\rهذه دولة المكارم والرأ ... فة والمجد والندى والأيادي\rومنها:\rكيف لا يطرق الطريق لسيلٍ ... ضيقٍ عن أتيه كل وادِ\rوقال أيضاً:\rإذا أردت كميت اللون صافيةً ... وجتها وحبيب النفس مفقودُ\rماذا لقيت من الدنيا وأجبه؟ ... أني بما أنا باكٍ منه محسودُ\rومنها:\rالعبد ليس لحر صالح بأخٍ ... لو أنه في ثياب الحر مولودُ\rلا تشتري العبد إلاّ والعصا معه ... إنَّ العبيد لأنجاسٌ مناكيدُ!\rما كنت أحسبني أحيى إلى زمنٍ ... يسيء بي فيه كلبٌ وهو محمودُ\rومنها:\rإنَّ امرءاً أمه حبلى تدبره ... لمستضامٌ سخين العين مفؤودُ\rوعندها لذلك طعم الموت شاربه ... إنَّ المنية عند الذل قنديدُ\rوقال أيضاً:\rإنَّ في الموج للغريق لعذراً ... واضحا أن يفوقه تعداده\rوقال أيضاً:\rوغيظٌ على الأيام كالنار في الحشا ... ولكنه غيظ الأسير على القدِّ","part":1,"page":246},{"id":247,"text":"ومنها:\rوليس حياء الوجه في الذئب شيمةً ... ولكنه من شيمة الأسد الوردِ\rوقال أيضاً:\rرأوك لمّا بلوك نابتةً ... يأكلها قبل أهله الرائدُ\rوخل زياً لمن يحققه: ... ما كل دامٍ جبينه عابدُ\rومنها:\rفالأمر لله رب مجتهدٍ ... ما خاب إلاّ لأنه جاهدُ\rوقال أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المعري:\rغير مجدٍ في ملتي واعتقادي ... نوح باكٍ ولا ترنم شادِ\rوشبيهٌ صوت النعي إذا قيس ... بصوت البسير في كل نادِ\rومنها:\rتعبٌ كلها الحياة فما أعجب ... إلاّ من راغبٍ في ازديادِ!\rإنَّ حزناً في ساعة الموت أضعا ... فقط سرور في ساعة الميلادِ\rخلق الناس للبقاء فضلت ... أمةٌ يحسبونهم للنفادِ\rإنّما ينقلون من دار أعما ... لٍ إلى دار شقوةٍ أو رشادِ\rضجعة الموت رقدةٌ يستريح ... الجسم فيها والعيش مثل السهادِ\rومنها:\rزحلٌ أشرف الكواكب داراً ... من لقاء الردى على ميعادِ\rوالنار المريخ من حدثان ... الدهر مطفٍ وإن علت في اتقادِ\rومنها:\rوإذا البحر غاض عني ولم أرو ... فلا ري بادخار الثمادِ\rكل بيتٍ للهدم ما تبنتني الور ... قاء والسيد الرفيع العمادِ\rوالفتى ظاعنٌ ويكفيه ظل ... السدر ضرب الأطناب والأوتادِ\rبان أمر الإله واختاف النا ... سُ فداعٍ إلى الضلال وهادِ\rوالذي حارت البرية فيه ... حيوان مستحدثٌ من جمادِ\rواللبيب اللبيب من ليس يغتر ... بكونٍ مصيره للفساديِ\rوقال أيضاً:\rأحسن بالأحد من وجده ... صبرٌ يعين النار في زنده\rومن أبى في الرزء إلاّ الأسى ... كان أساه منتهى جهدهِ\rومنها:\rوالشيء لا يكثر مداحه ... إلاّ إذا قيس إلى ضدهِ\rلولا عضى نجدٍ وقلامه ... لم يثن بالطيب على رندهِ\rليس الذي يبكي على وصله ... مثل الذي يبكي على فقدهِ\rوالطرف يرتاح إلى غمضه ... وليس يرتاح إلى سهدهِ\rومنها:\rإن لم يكن رشد الفتى نافعاً ... فغيه أنفع من رشدهِ\rومنها:\rلو عرف الإنسان مقداره ... لم يفخر المولى على عبدهِ\rأمس الذي مر على قربه ... يعجز أهل الأرض عن ردهِ\rومنها:\rسلم إلى الله فكل الذي ... ساءك أو سرك من عندهِ\rلا يعدم الأسمر في غابه ... حتفاً ولا الأبيض في غمدهِ\rوقال أيضاً:\rأفوق البدر يوضع لي مهاد ... أم الجوزاء تحت يدي وسادُ؟\rقنعت فخلت أنَّ النجم دوني ... وسيان التقنع والجهادِ\rوأطربني الشباب غداة ولى ... فليت سنيه صوتٌ يستعادُ!\rوليس صباً يعاد وراء شيبٍ ... بأعوز من أخي ثقةٍ يفادُ\rومنها:\rسفاهٌ ذاد عنك الناس حلمٌ ... وغيٌ فيه منفعةٌ ورشادُ\rوقال أيضاً:\rثلاثة أيامٍ هي الدهر كله ... وما هو غير الأمس واليوم والغدِ\rومنها:\rوقد يجتدى نيل الغمام وإنّما ... من البحر فيما يزعم الناس يجتدي\rويهدي الدليل القوم والليل مظلمٌ ... ولكنه بالنجوم يهدي ويهتدي\rومنها:\rوليس قضيب الهند إلاّ كنابتٍ ... من القصب في كف الهدان المعردِ\rالهدان على مثال كتاب: الجبان ويقال هو الأحمق الثقيل.\rومنها:\rأرى المجد سيفاً والقريض نجاده ... ولولا نجاد السيف لم يتقلدِ\rوخير حمالات السيوف حمالٌ ... تحلت بأبكار الثناء المخلدِ\rوقال أيضاً:\rكذاك الليالي ما يجدن بمطلبٍ ... لخلقٍ ولا يبقين شيئاً على عهدِ\rوقال أيضاً:\rأرى العنقاء تكبر أن تصادا ... فعاند من تطيق له عنادا!\rوما نهنهت في طلبٍ ولكن ... هي الأيام لا تعطي قيادا\rفلا تلم السوابق والمطايا ... إذا غرضٌ من الأغراض حادا\rومنها:\rإذا ما النار لم تطعم ضراما ... فأوشك أن تمر بها رمادا\rفظن بسائر الأخوانشراً ... ولا تأمن على سرٍّ فؤادا\rفلو خبرتهم الجوزاء خبري ... لمّا طلعت مخافة أن تكادا\rتجنبت الأنام فما أواخي ... وزدت عن العدو فما أعادى","part":1,"page":247},{"id":248,"text":"ولمّا أن تجهمني زماني ... جريت مع الزمان كما أرادا\rوقال أيضاً يخاطب خاله وقد سافر إلى المغرب:\rظعنت لتستفيد أخاً وفياً ... وضيعت القديم المستفادا\rوقال طرفة بن العبد:\rوظلم ذوي القربى أشد وضاضةً ... على الحر من وقع الحسام المهندِ\rوقال عدي بن زيد:\rإذا كنت في قومٍ فصاحب خيارهم ... ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي\rعن المرء لا تسأل وسل عن قرينه: ... فكل قرينٍ بالمقارن يقتدي\rإذا ما رأيت الشر يبعث أهله ... وقام جنلت الشر للشر فاقعدِ\rوقال الأعشى:\rإذا أنت لم ترحل بزادٍ من التقى ... ولاقيت بعد الموت من قد تزودا\rندمت على أن لا تكون كمثله ... فترصد للموت الذي كان أرصدا\rوقال المهلبي:\rوكيف جحود القلب والعين تشهدُ؟\rوقال أيضاً:\rولا خير فيمن لا يدم له عهدُ\rوقال الخريمي:\rوحسبك مني أن أود فأجهدا\rوقال الخوارزمي:\rلا تصحب الكسلان في حاجاته ... كم صالحٍ بفساد آخر يفسدُ!\rعدوى البليد إلى الجليد سريعةٌ ... والجمر يوضع في الرماد فيخمدُ\rوقال عمر بن أبي ربيعة:\rحسنٌ في كل عينٍ من تود\rوقال أيضاً:\rوكل ريحٍ لها هبوبٌ ... يوما فلا بد من ركودِ\rوقال الآخر:\rإذا أكل الأحباب لحمي بغيبةٍ ... فأهون منه ما ستأكله الدودُ!\rوقال الآخر:\rإذا قل عقل المرء قلت همومه ... ومن لم يكن ذا مقلةٍ كيف يرمدُ؟\rوقال الآخر:\rإذا كان غير الله للمرء عدةً ... أتته الرزايا من وجوه الفوائد\rوقال الآخر:\rتخونون عهدي في الهوى وأحبكم ... كذا الورد محبوبٌ وليس له عهد\rوقال الآخر:\rتشكى المحبون الصبابة ليتني ... تحملت ما يلقون من بينهم وحدي!\rوقال الآخر:\rتصافحت الأكف وكان أشهى ... إلينا لو تصافحت الخدودُ\rوقال الآخر:\rتعدون ذنباً واحداً إن جنيته ... عليكم ولا أحصي ذنوبكم عدا\rوقال أبو الطيب:\rتفضلت الأيام بالجمع بيننا ... فلما حمدنا لم تدمنا على الحمد\rوقال الآخر:\rثوبي على من كسوت في نظري ... أزين من كونه على جسدي\rوقال الآخر:\rجامل عدوك ما استطعت فإنما ... بالرفق يطمع في صلاح الفاسد!\rوقال الآخر:\rجدلي يعفوك يا من دأبه الجود ... فالجود عندك مأمول ومعهود\rوقال الآخر:\rجعلت إليك يا ربي انقطاعي ... إذا انقطع العباد إلى العبادِ\rوقال الآخر:\rحاشاك أن يقبض الزمان يدي ... عن نيل سؤالٍ وأنت لي عضدُ\rو مثله:\rحاشاك يا قوتي ويا سندي ... يضعف ركني وأنت لي سندُ\rوقال الآخر:\rحسبي بقلبي شاهدٌ لك في الهوى ... والقلب أعدل شاهدٍ يشهدُ\rوقال الآخر:\rذو العقل يسخو بعيش ساعته ... وبالذي بعدها تشح يده\rغيره:\rرأيت دنو الدار ليس بنافعٍ ... إذا كان ما بين الفؤاد بعيدا\rغيره:\rرسول الله كذبه الأعادي ... فلا تجزع لتكذيب الجحودِ!\rغيره:\rرينك الله في القلوب كما ... زين في قلب والدٍ ولدا\rغيره:\rسقى الله أياماً تقضت بقربكم ... كأني بها قد كنت في جنة الخلدِ!\rغيره:\rسقى الله دهراً لم أبت فيه ليلةً ... من العمر إلاّ من حبيبٍ على وعدِ!\rغيره:\rصحح لنا والدةً أولاً ... وأنت في حل من الوالدِ\rغيره:\rصل من دنا وتناس من بعدا: ... لا تكرهن على الهوى أحدا!\rغيره:\rطعم عيشي مرٌ إذا لم تزرني أبداً ... قصير عمر الأعادي والمواعيدِ\rغيره:\rقد جن أصحابك من جوعهم ... فاقرأ عليهم سورة المائدة!\rغيره:\rقد حفظوا القرآن واستعملوا ... ما فيه إلاّ سورة المائدة!\rغيره:\rقد يصاد القطا ويغدو سليما ... ويحل البلاء بالصيادِ\rغيره:\rقلَّ الثقات فإن ظفرت بواحدٍ ... فاشدد يديك وأين ذاك الواحدُ؟\rغيره:\rقليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفسادِ\rغيره:\rكل المصائب قد تمر على الفتى ... فتهون غير شماتة الحسادِ\rغيره:","part":1,"page":248},{"id":249,"text":"كلما زادت الذبالة ضوءاً ... كان أدنى لها إلى الإخمادِ\rغيره:\rكلما قلت أعتق الشكر رقي ... صيرتني لك المكارم عبدا\rغيره:\rكلوا اليوم من رزق الإله وابشروا: ... فإنَّ على الرحمن رزقكم غدا!\rغيره:\rكم تائه بولايةٍ ... وبعزله يغدو البريد!\rغيره:\rلأخرجن من الدنيا وحبكم ... بين الجوانح لم يشعر به أحد\rغيره:\rلمائدةٍ موضوعةٍ ألف عائبٍ ... وعيب التي لم توضع الدهر واحدُ\rغيره:\rلم أبك من زمن أشكو مساءته ... إلاّ بكيت عليه حين أفقده\rغيره:\rلو علمنا مجيئكم لفرشنا ... تحت أقدامكم بساط الخدودِ\rغيره:\rليس في العلمين أفقنع مني ... أنا أرضى بنظرةٍ من بعيدِ\rغيره:\rما كلف الله نفسا فوق طاقتها ... ولا تجود يدٌ إلاّ بما تجدُ\rغيره:\rمعاتبة الأحباب تحسن مرةً ... فإن أكثروا منها تؤول إلى الصدِّ\rغيره:\rمن لم يبت والحب حشو فؤاده ... لم يدر كيف تفتت الأكبادِ\rغيره:\rنعم الإله على العباد كثيرةٌ ... وأجلهن نجابة الأولادِ\rغيره:\rوأحسن من وجه الصنيعة شكرها ... وأقبح من حرمان نعمى جحودها\rغيره:\rوإذا صفا لك من زمانك واحدٌ ... فهو المراد وأين ذاك الواحدُ؟\rغيره:\rوحدثتني يا سعد عنها فزدتني ... شجوناً فزدني من حديثك يا سعدُ!\rغيره:\rودع ظلم العباد فليس شيءٌ ... أضر عليك من ظلم العبادِ!\rغيره:\rوكل أخٍ عند الهوينا ملاطفٌ ... ولكنما الإخوان عند الشدائدِ\rغيره:\rوكنت من الناس في محفلٍ ... فقد صرت في محفلٍ من قرودِ!\rغيره:\rولا بدلي من خفةٍ في وصاله ... فمن لي بخلٍّ أودع العقل عندهُ؟\rغيره:\rولرب عودٍ قد يشق لمسجدٍ ... نصفاً وآخره لبيت يهودي!\rغيره:\rولربما نال المراد مرفهٌ ... لم يسع فيه وخاب سعي الجاهدِ\rغيره:\rوليس قريباً من تخاف بعاده ... ولا من يرجى قربه ببعيدِ\rغيره:\rوما الدهر إلاّ ما ترى: فتى علت ... يداك بدنيا فاصطنع بهما يدا!\rغيره:\rوما الشعر إلاّ روضةٌ راق زهرها ... ولا سيما إن كان قد وقع الندا\rغيره:\rوما المال والأيام إلاّ معرةٌ: ... فما استطعت من معروفها فتزودِ\rغيره:\rوما حملت من ناقةٍ فوق راحلها ... أبر وأوفى ذمة من محمدِ\rو هذا أصدق بيت قاله شاعر بعد قول لبيد:\rألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل!\rغيره:\rوما كان طرفي بالسهاد معودا ... ولكنه لمّا هجرتم تعودا\rغيره:\rوما ماضي الشباب بمسترد ... ولا يومٌ يسر بمستعادِ\rغيره:\rويفسد بالإكثار ما هو صالحٌ ... ويصلح بالإقلال ما هو فاسدُ\rغيره:\rلا تحقرن صغيراً في تقلبه ... إنَّ البعوضة تدمي مقلة الأسد!\rغيره:\rوللشرارة نارٌ حين تضرمها ... وربما أضرمت ناراً على بلدِ\rغيره:\rلا تلق إلا بليلٍ من تواعده: فالشمس نمامةٌ والبدر قوادُ\rغيره:\rلا يحسد المرء إلاّ من فضائله ... لا عاش من عاش يوماً غير محسودِ!\rغيره:\rيا أخلاي هل يعود التداني ... منكم بالحمى يعود رقادُ؟\rغيره:\rيا رب من أسخطنا بجهده ... قد سرنا جهلاً بغير قصدهِ\rغيره:\rيا صاحب العودين لا تهملهما ... حرك لنا عوداً وحرق عودا!\rغيره:\rيا من يعد الميتين تعجباً ... عما قليل سوف تدخل في العدد\rغيره:\rيجود بالنفس إذ ضن الجبان بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجودِ\rغيره:\rيدبر بالنجوم وليس يدري ... ورب النجم يفعل ما يريدُ\rغيره:\rيرى عاقبات الرأي والأمر عازبٌ ... كأن له في اليوم عينا على غدِ\rو مثله:\rيرى العواقب في أثناء فكرته ... كأن أفكاره بالغيب كهانُ\rغيره:\rيشرون مثل ثيابه وعبيده ... أفيقدرون على شراء أسوده؟\rغيره:\rإلهي على كل الأمور لك الحمد ... فليس لمّا أوليت من نعمٍ حدُ!\rوقال ابن أبي عيينة:","part":1,"page":249},{"id":250,"text":"كل المصائب قد تمر على الفتى ... فتهون غير شماتة الحسادِ\rو مثله قول حبيب:\rأجرؤ لكني نظرت فلم أجد ... أجرأ يفي بشماتة الأعداءِ\rوقال الآخر:\rلم يبق إلا نفس خافت ... ومقلةٌ إنسانها باهتُ\rومدنفٌ تصرم أحشاؤه ... بالنار إلاّ أنه ساكتُ\rرق له الشامت مما به: ... يا ويح من يرثي له الشامتُ!\rو يروى أنه قيل لأيوب عليه السلام: أي شيء كان في بلائك أشد عليك؟ فقال: شماتة الأعداء! وقال علقمة الفحل:\rويلم لذات الشباب معيشته ... مع تاكثر يعطاه الفتى المتلف الندي\rوقد يقصر القل الفتى دون همه ... وقد كان لولا القل طلاع أنجدِ\rالقل بالضم: الإقلال؛ وهمه: ما يهم بفعله من المكارم والعطايا فيمنعه الفقر من ذلك كما قال الإمام الشافعي رضي الله عنه:\rأرى نفسي تتوق إلى أمورٍ ... يقصر دون مبلغها مالي\rفنفسي لا تطاوعني لبخلٍ ... ومالي لا يبلغني فعالي\rوقال أيضاً:\rيا لهف نفسي على ملٍ أفرقه ... على المقلين من أهل المروءاتِ\rإنَّ اعتذاري إلى من جاء يسألني ... ما ليس عندي من إحدى المصيباتِ\rو فلان طلاع أنجد أي ذو أفعال كريمة ومآثر عظيمة؛ والأنجد جمع نجد وهو ما ارتفع من الأرض جعل طلوعه كناية عن البروز والاستعلاء وعدم الاستتار كقول الآخر:\rأنا أبن جلا وطلاع الثنايا\rوقول دريد بن الصمة:\rكميش الازار خارجٌ نصف ساقه ... بعيدٌ من السوءات طلاع أنجدِ\rوقال الآخر:\rلعمري ما يدري الفتى أي يومه ... وإن كان محروساً على الرشد أرشدُ\rأفي عاجلات الأمر أم آجلاته ... أم اليوم أدنى للسعادة أم غدُ؟\rوقال المثقب:\rوللموت خيرٌ للفتى من حياته ... إذا لم يثب للأمر إلاّ بقائدِ\rو يروى:\rإذا لم يطق علياء إلاّ بقائدِ\rوبعده:\rفعالج جسيمات الأمور ولا تكن ... هبيت الفؤاد همه للوسائدِ\rإذا الريح جاءت بالحمام تشله ... هذاليله شل القلاص الطرائدِ\rوأعقب نوء المرزمين بغبرةٍ ... وقطر قليل الماء بالليل باردِ\rكفى حاجة الأضياف حتى يريحها ... على الحي منا كل أروع ماجدِ\rتراه لتفريج الأمور ولفها ... لمّا نال من معروفها غير زاهدِ\rوليس أخونا عند شيء يخافه ... ولا عند خيرٍ إن رجاه بواحدِ\rإذا قيل من للمعضلات أجابه ... عظام اللهى منا طوال السواعدِ\rالهبيت الفؤاد: الضعيف،و الهذاليل جمع هذلول وهو ما طال من الرمال. وهذاليل الريح: ما امتد منها؛ والمرزمان نجمان مع الشعريين.\rوقال حارث بن عمرو:\rإذا هتف العصفور طار فؤاده ... وليثٌ حديد الناب عند الثرائدِ\rو هذا الشعر هجا به أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد. فقال عبد الملك بن مروان يوما لأمية هذا: مالك ولحرثان بن عمرو إذ يقول فيك: إذا هتف العصفور \" البيت \" ؟ فقال: يا أمير المؤمنين وجب عليه حدّثني فأقمته عليه. فقال: هلا درأت بالشبهات عنه؟ فقال: كان حده أبين وكان زعمه علي أهون. فقال عبد الملك: يا بني أمية! أحسابكم أنسابكم لا تعرضوها للجهال: فإنه باق ما بقي الدهر والله ما يسرني أني هجيت بهذا البيت وأن لي ما طلعت عليه الشمس:\rتبيتون في المشتى ملئ بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا\rو ما يبالي من مدح بهذين البيتين إلاّ يمدح بغيرهما:\rهنالك إن يستخبلوا المال يخبلوا ... وإن يسألوا يعطوا وإن ييسروا يغلوا\rعلى مكثريهم رزق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذلُ\rقلت: وهذان البيتان لزهير وقبلهما:\rإذا السنة الشهباء بالناس أجحفت ... ونال كرام المال في الجحرة الأكلُ\rرأيت ذوي الحاجات حول بيتهم ... قطينا بها حتى إذا نبت البقلُ\rهنالك \" البيت \"\rوبعده\rوفيهم مقاماتٌ حسانٌ وجوههم ... وأنديةٌ ينتابها القول والفعلُ\rعلى مكثريهم \" البيت \" قوله: إن يستخبلوا، الاستخبال أن يستعير الرجل من آخر إبلا يحلبها ويشرب ألبانها فإذا أخصب ردها. وأنكر بعضهم هذا اللفظ وقال: لعله قال يستخولوا والاستخوال يملكها إياه.","part":1,"page":250},{"id":251,"text":"وقوله: أن ييسروا يغلوا، يريد أنهم إذا يسروا بالقداح أعطوا سمان الإبل وأغلاها ثمنا. وتقدم هذا المعنى. وقال أعرابي كان يمنعه أبوه من الضرب في الأرض وطلب المعيشة شفقة عليه فكتب إلى أبيه:\rألا خلني أذهب لشأني ولا أكن ... على الناس كلا إنَّ ذا لشديدُ\rأرى الضرب في البلاد يغني معاشرا ... ولم أر من يجدي عليه قعودُ\rأتمنعني خوف المنايا ولم أكن ... لأهرب مما ليس عنه محيدُ؟\rفدعني أجول في البلاد لعلني ... أسر صديقاً أو يساء حسودُ\rفلو كنت ذا مالٍ لقرب مجلسي ... وقيل إذا أخطأت أنت سديدُ\rو سياتي ما قيل في هذا المعنى بعد إن شاء الله تعالى وقال كلثوم بن عمرو:\rإنَّ الكريم ليخفي عنك عسرته ... حتى تراه غنياً وهو مجهودُ\rوللبخيل على أمواله عللٌ ... زرق العيون عليها أوجهٌ سودُ\rو كان كلثوم هذا كتب إلى صديق له: أما بعد أطال الله بقاءك وجعله يمتد بك إلى رضوانه والجنة! فإنك كنت عندنا روضة من رياض الكرم تبتهج النفوس لها وتستريح القلوب إليها. وكنا نعفيها من النجعة استتماما لزهرتها وشفقة على خضرتها وادخارا لثمرتها حتى اصابها سنة كانت عندي قطعة من سني يوسف واشتد علينا كدها وغابت عنا فضلها وكذبتنا غيومها وأخلفتنا بروقها وفقدنا صالح الإخوان فيها فانتجعتك وأنا بانتجاعي إياك شديد الشفقة عليك مع علمي بأنك نعم موضع الزاد وأنك نغطي عين الحاسد. والله يعلم أني ما أعدك إلاّ في حومة الأهل. وأعلم أنَّ الكريم إذا استحيا من إعطاء القليل ولم يحضره الكثير لم يعرف جوده ولم تظهر همته. وأنا أقول في ذلك:\rظل اليسار إلى العباس ممدود ... وقلبه أبداً بالمحل ممدودُ\rإن الكريم . . الخ قيل: فشاطره ماله حتى أعطاه إحدى نعليه ونصف قيمة خاتمه.\rواجتمع جماعة بباب دار عدي بن الرقاع فخرجت إليهم بنية له صغيرة فقالت لهم: ما تريدون؟ فقالوا لها: نريد أباك. فقالت: وما حاجتكم به؟ فقالوا: جئنا إليه نهاجيه. فقالت على الفور:\rتجمعتم من كل أوب ووجهةٍ ... على واحدٍ لا زلتم قرن واحدِ\rوقال أبو مسلم الخرساني:\rأدركت بالحزم والكتمان ما عجزت ... عنه ملوك بني مروان إذ حشدوا\rما زلت أسعى بجدي في دمارهم ... والقوم في غفلة الأيام قد رقدوا\rحتى ضربتهم بالسيف فانتبهوا ... من نومةٍ لم ينمها قبلهم أحدِ\rومن رعى غنما في أرض مسبعةٍ ... ونام عنها تولى رعيها الأسدُ\rوقال الآخر:\rوأكرم نفسي إن أهنها لأنها ... وحقك لم تكرم على أحدٍ بعدي\rحدث الأصمعي قال: مررت في بعض سكك الكوفة فإذا رجل خرج من حش على كتفه جرة وهو يقول: وأكرم نفسي \" البيت \" . قال: فقلت له: أبمثل هذا تكرمها؟ قال: نعم! وأستغني عن مسألة مثلك. فصاح: يا أصمعي! فالتفت فقال:\rلنقل الصخر من قلل الجبال ... أحب إلي من منن الرجال\rيقول الناس كسب فيه عارٌ ... وكل العار في ذل السؤال!\rوقال الآخر:\rيا أيها الأخوان أوصيكم ... وصية الوالد والوالدة\rلا تنقلوا الأقدام إلاّ إلى ... من ترتجي من عنده فائدة\rإما لعلم تستفيدونه ... أو لكريم عنده مائدة!\rوروي عن الأصمعي قال: لقيني أبو عمرو بن العلاء وأنا ماشٍ في بعض أزقة البصرة فقال: إلى أين يا أصمعي؟ قلت: لزيارة بعض إخواني. فقال: يا أصمعي إن كان لفائدة أو لمائدة وإلاّ فلا! وقال الآخر:\rولمّا رأيت الدهر أنحت صروفه ... علي وأوهت بالذخائر والعقد\rحذفت فصول العيش حتى رددتها ... إلى القوت خوفاً أن أجاء إلى أحد\rوقلت لنفسي: أبشري وتوكلي ... على قاسم الأرزاق والواحد الصمد\rفإلا تكن عندي دراهم جمةٌ ... فعندي بحول الله ما شئت من جلد\rوقال الآخر:\rإن يحسدوني فإني غير لائمهم: ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا\rفدام لي ولهم ما بي وما بهم ... ومات أكثرنا عيطاً بما يجدُ\rأنا الذي يجدوني في صدورهم ... لا أرتقي صدرا منها ولا أردُ\rوقال أبو نواس:\rقد كنت عدتي التي أسطو بها ... ويدي إذا أشتد الزمان وساعدي\rفرميت منك بضد ما أملته ... والماء يشرق بالزلال الباردِ","part":1,"page":251},{"id":252,"text":"وقال أبن الضرير النهرواني:\rلا بارك الله في الطعام إذا ... كان هلاك النفوس في المعدِ\rكم دخلت لقمةٌ حشى شرهٍ ... فأخرجت روحه من الجسدِ\rوقال الوزير المهلبي في غلام قدمه معز الدولة على سرية من أبيات:\rجعلوه قائد عسكرٍ: ... ضاع الرعيل ومن يقوده\rوقال أبو الفتح أبن جني النحوي وقيل أبو منصور الديلمي:\rصدودك عني ولا ذنب لي ... يدل على نيةٍ فاسدة\rفقد وحياتك مما بكيت ... خشيت على عيني الواحدة\rوقال الإمام السهروردي لمّا ضعف وكبر:\rيا رب لا تحيني إلى زمنٍ ... أكون فيه كلأ على أحدِ\rخذني قبل أن أقول لمن ... ألقاه عند القيام: خذ بيدي!\rوقال أبو محمد اليزيدي:\rعش بجد ولا يضرنك نوكٌ: ... إنما عيش من ترى بالجدودِ\rرب ذي إربةٍ مقل من الما ... لِو ذي عنجهيةٍ مجدودِ\rعش بجدٍّ وكن هبنقة القيس ... أو مثل شيبة بن الوليدِ\rو سبب قوله ذلك أنه تناظر هو والكسائي في مجلس المهدي وكان شيبة بن الوليد حاضرا فتعصب للكسائي وتحامل على اليزيدي فهجاه بذلك والله اعلم. وقال السلامي يصف الدرع:\rيا رب سابغة حبتني نعمةً ... كافأتها بالسوء غير منفندِ\rأضحت تصون عن المنايا مهجتي ... وظللت أبذل لكل مهندِ\rوقال الآخر:\rأخٌلك ما مودته بمذقٍ ... إذا ما عاد فقر أخيك عادا\rسألناه الجزل فما تلكى ... وأعطى فوق منيتنا وزادا\rفعدنا ثم عدنا ثم عدنا ... فأعطى ثم عدت له فجادا\rمرارا ما نعود إليه إلاّ ... تبسم ضاحكا وثنى الوسادا\rوقال الآخر:\rهجرتك لا قلي مني ولكن ... رأيت بقاء ودك في الصدودِ\rكهجر الحائمات الورد لمّا ... رأت أنَّ المنية في الورود\rتغيظ نفسها ظلماً وتخشى ... حماماً فهي تنظر من بعدِ\rتصد بوجه ذي البغضاء عنه ... وترمقه بألحاظ الورودِ\rوقال أبو نواس:\rليس من الله بمستنكرٍ ... أن يجمع العالم في واحدِ\rو هذا المعنى سبق إليه جرير فقال:\rإذا غضبت عليك بنو تميمٍ ... رأيت الناس كلهم غضابا\rإلاّ إنَّ قول أبي نواس أشمل. ومن هذا المعنى قول السلامي:\rفبشرت آمالي بملك هو الورى ... ودار هي الدنيا ويوم هو الدهرُ\rو أخذه الأرجاني فقال:\rقد زرته فرأيت الناس في رجل ... والدهر في ساعة والأرض في دار\rو منه أيضاً قول أبي الطيب:\rهي الغرض الاقصى ورؤيتك المنى ... ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق\rو بيتا السلامي والارجاني أساس وأفخم مع انتقاض الزمن من بيت أبي الطيب إلاّ إنَّ قوله: وأنت الخلائق إن لم يقصره العرف ويقوم مقام قول أبي نواس في الشمول. وهذا المعنى موجود في بعض أبيات البوصيري في البردة في حق النبي صلى الله عليه وسلم . وقول الأفوه الأودي:\rبني معاشر لم يبنوا لقومهم ... وإن بنى قومهم ما أفسدوا عادوا\rلا يرشدون ولن يرعوا لمرشدهم ... فالجهل منهم معا والغي ميعاد\rأضحوا كقيل بن عمرو في عشيرته ... إذ أهلكت بالذي قد قدمت عاد\rو يروى: كانوا كمثل لقيم في عشيرته إذ أهلكت............. البيت.\rأو بعده كقدار حين تابعه ... على الغواية أقوام فقد بادوا\rوالبيت لا يبنى إلاّ له عمد ... ولا عماد إذا لم ترس أوتاد\rفإن تجمع أوتاد وأعمدة ... وسكان بلغوا الأمر الذي كادوا\rوإن تجمع أقوام ذوو حسب ... اصطاد أمرهم بالرشد مصطاد\rلا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جالهم سادوا\rو نظمه أبن شرف بقوله:\rإذا تساوى الورى ضاعوا وحفظهم ... أن يجعلوا فاضلا منهم ومفضولا\rتهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحت ... فإن تولت فبالأشرار تنقاد\rو نظمه أبن شرف بقوله:\rفإن هم سودوا جهالهم هلكوا ... هلك الدليل إذا ما ضل مدلولا\rو قد علمت إنَّ ما يطابق آخر شطر البيت قبله:\rإذا تولى سراة القوم أمرهم ... نما على ذاك أمر القوم فازدادوا\rأمارة الغني أن تلقى الجميع لدى ... الابرام للأمر والأذناب اكتاد\rو بعده:","part":1,"page":252},{"id":253,"text":"حان الرحيل إلى قوم وإن بعدوا ... فهم صلاح لمرتاد وإرشاد\rفسوف أجعل بعد الأرض دونكم ... وإن دنت رحم منكم وميلاد\rإنَّ النجاة إذا ما كنت في تفر ... من لجة الغم أبعاد فأبعاد\rوالخير تزداد منه ما لقيت به ... والشر يكفيك منه قلما زاد\rوقال بشار:\rفخير منك ما لا خير فيه ... وخير من زيارتكم قعودي\rو سبب قوله ذلك إنّه تعشق امرأة فراسها مرارا. فلما ألح عليها شكته إلى زوجها فقال لها: أجيبيه وعديه أن يأتي هنا فوجهت إليه فجاء وزوجها معها ويشار لا يشعر فجعلا يتحدثان ثم قال لها بشار: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة. فقال:\rأمامة قد وصفت لنا بحسن ... وإنا نراك فالمسينا\rفأخذت يده ووضعتها على أير زوجها وقد أنعط من حسن ما سمع من حديثهما. ففزع ووثب قائما وقال:\rعلي ألية ما دمت حيا ... أمسك طائعا إلاّ بعود\rولا اهدي لأرض أنت فيها ... سلام الله إلاّ من بعيد\rطلبت غنيمة فوضعت كفي ... على أير أشد من الحديد\rفخير منك............... البيت.\rومثل هذا البيت في المعنى قول طرفة:\rفليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثا حول قبتنا تخور\rمن الزمرات أسبل قادماها ... وضرتها مركنة درور\rيشاركنا لنا رخلان فيها ... وتعلوها الكباش فما تنور\rيقول: ليت لنا بدل هذا الملك وهو عمرو بن هند رغوثا أي شاة ترضع من الزمرات أي القليلات الصوف وضرتها أي لحم ضرعها مركنة مجتمعة ويعني إنّها قليلة الصوف صغيرة الجسم ومع ذلك يرضعها رخلان أي ولدان لها وهي هزيلة تعلوها الكباش للسفاد فما تنور أي ما تستطيع أن تنفر لهزلها. ومعلوم أنها إذا كانت على هذه الأوصاف لم يكن بها خير من صوف ولا لبن ولا لحم ومع ذلك فهي خير لنا من هذا الملك. وهذا الشعر كان سبب قتل عمرو بن هند طرفة، وسنشرح قصته بعد إن شاء الله تعالى. وقال عبيد بن الأبرص:\rلأعرفنك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادي!\rو هو مثل سائر يضرب للرجل يضيع حق أخيه في حياته ثم يبكيه بعد الموت.\rيروى عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب في بعض أسفاره فإذا بركب على الطريق فقال: ما وراءك؟ قال: أمر جليل. قال: ويحك ما هو؟ قال: مات خالد بن الوليد! فاسترجع عمر استرجاعاً طويلا فقالت له: يا أمير المؤمنين:\rألا أراك بعيد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادي؟\rفقال: يا طلحة لا تؤنبني! وقال من شعراء الحماسة عمرو بن معدي كرب الزبيدي:\rليس الجمال بمئزرٍ ... فاعلم وإن رديت بردا!\rإنَّ الجمال معادنٌ ... ومناقبٌ أورثن مجدا\rومنها:\rكل امرئٍ يجري إلى ... يوم الهياج بما استعدا\rومنها:\rكم من أخٍ لي ماجدٍ ... بوأته بيدي لحدا\rما إن جزعت ولا هلعت ... ولا يرد بكاي زندا\rألبسته أثوابه ... وخلقت يوم خلقت جلدا\rأغني غناء الميتين ... أعد للأعداء عدا\rذهب الذين أحبهم ... وبقي مثل السيف فردا\rوقال العباس بن مرداس السلمي:\rإذا طالت النجوى بغير أولى النهى ... أضاعت وأصغت خد من هو فاردُ\rفحارب فإنَّ مولاك حارد نصره ... ففي السيف مولى نصره لا يحارد\rالفارد: المنفرد؛ وحارد نصره: قل من قولك: حاردت الإبل إذا قل درها.\rوقال العباب العجلي:\rلعل الذي قاد النوى أنيردها ... إلينا وقد يدني البعيد من البعد\rوعل النوى في الدار تجمع بيننا ... وهل يجمع السيفان ويحكفي غمد؟\rومنها:\rفكنت كمهريق الذي في سقائه ... لرقراق آل فوق رابيةٍ صلدِ\rكمرضعةً أولاد أخرى وضيعت ... بني بطنها هذا الضلال عن القصدِ!\rوقال عقيل بن علفة المري:\rوأبغض من وضعت إلي فيه ... لساني معشر عنهم أذودُ\rولست بسائل جارات بيتي ... أغياب رجالك أم شهودُ\rولا ملق لذي الودعات سوطي ... ألاعبه وريبته أريدُ\rولست بصادر عن بيت جاري ... صدور العير غمره الورود","part":1,"page":253},{"id":254,"text":"العير: الحمار؛ والتغمير: أن يشرب دون ري. يقول: لست بخارج من بيت جاري مريبا ألتفت وأتحير خشية أن أرى كالعير المزعج عن الماء قبل أن يروي أوّ لا أخرج متلفتا عاملا على العود إلى الريبة مرة أخرى كالعير المتلفت إلى الماء لبقاء العطش. وقال قيس بن كلثوم:\rقد يخطم الفحل قسراً بعد عزته ... وقد يرد على مكروهه الأسد\rالخطم: أن يشد على البعير خطامه فيملك بذلك. وقال تأبط شرا:\rوإنك لو أصلحت ما أنت مفسدٌ ... توددت الأقصى الذي تتوددُ\rوكان لك أبن العم يحمي ذمامه ... ويمنعه حين الفرائص ترعد\rأخوك الذي إن تدعه لملمة ... يجبك لها والمستعدون رقدُ\rوقال الفرزدق:\rوفي الأرض عن ذي الجود منأى ومبعدٌ ... وكل بلاد أوطنت كبلادِ\rوماذا عسى الحجاج يبلغ جهده ... إذا نحن خلفنا حفير زياد؟\rوقال غسان بن وعلة:\rإذا كنت في سعد وأمك منهم ... غريبا فلا يغررك خالك من سعدِ\rفإنَّ أبن أخت القوم مصغى إناؤه ... إذا لم يزاحم خاله بأبٍ جلدِ\rوقال شبيل الفزاري:\rوما عن ذلةٍ غلبوا ولكن ... كذلك الأسد تفرسها الأسود\rوقال دريد بن الصمة:\rصبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه ... فلما علاه قال للباطل: ابعد\rو كان الأصمعي يقول: هذا أحسن بيت قالته العرب! ومنها:\rوهون وجدي إنما هو فارط ... أمامي وأني هامة اليوم أو غد\rوقال عبد الله بن ثعلبة:\rلكل أناس مقبر بفنائهم ... فهم ينقصون والقبور تزيد\rوما إن يزال رسم دار قد أخلقت ... وعهد لميت بالفناء جديد\rفهم جيرة الأحياء أما محلهم ... فدان وأما الملتقى فبعيد\rوقال الآخر في أبن له:\rألام على تبكيه ... وألمسه فلا أجده\rوكيف يلام محزون ... كبير فاته ولده؟\rوقال رجل من خثعم:\rخلت الديار فسدت غير مسود ... ومن الشقاء تفردي بالسؤدد\rو هذا مثل مشهور. روي أنَّ حارثة بن الغداني خرج ومعه كعب مولاه. فجعل لا يمر بمجلس من بني تميم إلاّ قالوا: مرحبا بسيدنا! فقال كعب: ما سمعت قط كلاما أقر لعيني من هذا! فقال حارثة: ما سمعت كلاما أكره إلي منه! وتمثل بالبيت.\rويروى أيضاً أنَّ أمة مرت بابن جريج أحد علماء المدينة وهو يصلي وقد خط خطا بين يديه. فقالت: وا عجبا لهذا الشيخ وجهله بالسنة! فأشار إليها أن قفي! فلما أن قضى صلاته قال: ما رأيت من جهلي؟ فقالت: إنك تخط خطا تصلي عليه وقد حدثتني مولاتي عن أمها عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم إنّه قال: الخط الباطل لأن العبد إذا كبر تكبيرة الاحرام سدت ما بين السماء والأرض. فسألها أن تقفوه لمولاتها. ففعلت فحدثته بذلك وقالت: أتجهل وأنت من علماء المدينة؟ فقال عند ذلك: خلت الديار فسدت غير مسود .......البيت وقال الآخر:\rإنَّ المساءة للمسرة موعد ... أختان رهن للعشية أو غد\rفإذا سمعت بهالك فيتقنن ... إنَّ السبيل سبيله فتزود\rوقال رجل من بني قريع:\rمتى ما ير الناس الغني وجاره ... فقير يقولوا: عاجز وجليد\rوليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ... ولكن أحاط قسمت وجدود\rإذا المرء أعيته المروءة ناشئا ... فمطلبها كهلا عليه شديد\rوكائن رأينا من غني مذمم ... وصعلوك قوم مات وهو حميد\rوقال المقنع الكندي:\rيعاتبني في الدين قومي وإنّما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا\rألم ير قومي كيف أوسر مرة ... وأعسر حتى تبلغ العسرة الجهدا\rفما زادني الاقتدار منهم تقربا ... ولا زادني فضل الغنى منهم بعدا\rأسد به ما قد أخلوا وضيعوا ... ثغور حقوق ما أطلقوا لها سدا\rومنها:\rوإنَّ الذي بيني وبين بني أبي ... وبين بني عمي لمختلف جدا\rأراهم إلى نصري بطاء وإن هم ... دعوني إلى نصر أتيت لهم شدا\rإذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن يهدوموا مجدي بنيت لهم مجدا\rوإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم ... وإن هم هووا غيي هويت لهم رشدا\rوإن رجزوا طيرا بنحس تمر بي ... زجرت لهم طيرا تمر بهم سعدا\rولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا","part":1,"page":254},{"id":255,"text":"لهم جل مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا\rوإني لعبد الضعيف ما دام نازلا ... وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا\rوقال محمّد بن أبي شحاذ الضبي:\rإذا أنت أعطيت الغنى ثم لم تجد ... بفضل الغنى ألفيت مالك حامد\rإذا أنت لم تعرك بجنبك بعض ما ... يريب من الأدنى رماك الأباعد\rإذا الحلم لم يغلب لك الجهل لم تزل ... عليك بروق جمة ورواعد\rإذا العزم لم يفرج لك الشك لم تزل ... جنيبا كما استتلى الجنيبة قائد\rوقل غناء عنك مال جمعته ... إذا صار ميراثا وواراك لاحد\rإذا أنت لم تترك طعاما تحبه ... ولا مجلس تدعى إليه الولائد\rتجللت عارا لا يزال يشبه ... سباب الرجال نثرهم والقصائد\rوقال أعرابي قتل أخوه ابنا له فقرب إليه ليقتنص منه فألقى السيف من يده وقال:\rأقول للنفس تأساء وتعزية: ... إحدى يدي أصابتني ولم ترد\rكلاهما خلف من فقد صاحبه: ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي\rوقال أحد بني فقعس:\rوذوي ضباب مظهرين عداوة ... قرحى القلوب معاودي الأفناد\rناسيتهم بغضاءهم وتركتهم ... وهم إذا ذكر الصديق أعادي\rكيما أعدهم لأبعد منهم ... ولقد يجاء إلى ذوي الأحقاد\rالضباب: جمع ضب هو الحقد.\rوقال الآخر:\rتمنى لي الموت المعجل خالد ... ولا خير فيمن ليس يعرف حاسده\rوقال الآخر:\rوانك لا تدري إذا جاء سائل ... أ أنت بما تعطيه أم هو أسعد؟\rعسى سائل ذو حاجة إن منعته ... من اليوم سؤلا أن يكون له غد\rوفي كثرة الأيدي على الجهل زاجر ... وللحلم أبقى للرجال وأعود\rوقال شبيب بن البرصاء:\rإذا المرء أعراه الصديق بدا له ... بأرض الأعادي بعض ألوانه الربد\rأعراه: انفرد به وأفضى به العراء. يقول: إذا أنفرد الرجل بمن يعتده صديقا وصار معه في بلاد العدو فاحتاج إلى نصرته ومشورته أنكشف له أمره وبان له حينئذ أنه عدو له أم صديق. والربد الغبر المظلمة. ضربه مثلا لمّا يخى من الصداقة والعداوة. وقال الحسن بن المطير:\rكنت أذود العين أن ترد البكا ... فقد وردت ما كنت عنه أذودها\rخليلي ما بالعيش عتب لو أننا ... وجدنا لأيام الحمى من يعيدها\rوقال الآخر:\rهل الحب إلاّ زفرة بعد زفرة ... وحر على الأحشاء ليس له برد؟\rغيره:\rوما كل ما في النفس للناس مظهر ... ولا كل مالا تستطيع تذود\rوقال آخر من الحارث بن كعب:\rمنى إن تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلاّ فقد عشنا بها زمنا رغدا\rوقال حطائط أخو الأسود بن يعفر:\rأريني جوادا مات هزلا لعلني ... أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا\rوقال يزيد الحارثي:\rوإذا الفتى لاقى الحمام رأيته ... لولا الثناء كأنه لم يولد\rوقال آخر وتروى لقيس بن عاصم رضي الله عنه:\rأيا ابنة عبد الله وابنة مالك ... ويا ابنة ذي البردين والفرس الورد\rإذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلا فإني لست آكله وحدي\rأخا طارقا أو جار بيت فإنني ... أخاف مذمات الأحاديث من بعدي\rوكيف يسيغ المرء زادا وجاره ... خفيف المعي بادي الخصاصة والجهد؟\rوللموت خير من زيارة باخل ... يلاحظ أطراف الأكيل على عمد\rوإني بعد الضيف ما دمت ثاويا ... وما في إلاّ تلك من شيمة العبد\rوقال الآخر:\rونبئت ركبان الطريق تناذروا ... عقيلا إذا حلوا الذناب فصر خدا\rفتى يجعل المحض الصريح لبطنه ... شعارا ويقري الضيف عضبا مهندا\rوقال الآخر:\rوأنا لنجفو الضيف من غير علة ... مخافة أن يغري بنا فيعود\rغري: كلف.\rوقال الأسود بن يعفر:\rولقد علمت لو إنَّ علمي نافع ... إنَّ السبيل سبيل ذي الأعواد\rماذا أؤمل بعد آل محرق؟ ... تركوا منازلهم وبعد إياد\rأرض الخورنق والسدير وبارق ... والقصر ذو الشرفات من سنداد\rجرت الرياح على محل ديارهم ... فكأنهم كانوا على ميعاد\rولقد غنوا فيها بأكرم غنية ... في ظل ملك ثابت الأوتاد\rفإذا النعيم وكل ما يلهى به ... يوما يصير إلى بلى ونفاذ","part":1,"page":255},{"id":256,"text":"و تقدم بعض هذا الشعر. وذو الأعواد رجل أسمه غوي بن سلامة أو سلامة بن غوي وقيل غير ذلك. وكان له خراج على مضر. فلما شاخ وضعف كان يحمل على سرير ويطاف به على مياه العرب فيجيبها. وقيل هو جد لأكثم بن صيفي الحكيم المعروف. وكان أعز أهل زمانه فكان لا يأتي سريره خائف إلاّ أمن وجائع إلاّ شبع. ومثل هذا الشعر ما روي إنّه وجد في حفير رجل عليه خفان وعند رأسه لوح فيه مكتوب: أنا عبد المسيح بن حيان بن نفيلة:\rحلبت الدهر أشطره حياتي ... ونلت من المنى فوق المزيد\rوكافحت الأمور وكافحتني ... ولم أخضع لمعضلة كؤود\rوكدت أنال بالشرف الثريا ... ولكن لا سبيل إلى الخلود\rو دخل أرطأة بن سهيل على عبد الملك: كيف حالك؟ وكان قد أسن فقال: ضعف حالي وقل مالي وكثر مني ما كنت أحب أن يقل وقل مني ما كنت أحب أن يكثر قال: فكيف أنت في شعرك؟ قال: والله ما أغضب ولا أطرب ولا أرهب. وما الشعر إلاّ من نتائج هذه على إنني القائل:\rرأيت المرء تأكله الليالي ... كأكل الأرض ساقطة الحديد\rوما تبقى المية حين تأتي ... على نفس أبن آدم من مزيد\rوأعلم أنها عمال قليل ... ستوفي نذراها بأبي الوليد\rفارتاع عبد الملك ثم قال: بل توفي نذرها بك ويلك مالي ولك؟ فقال: يا أمير المؤمنين لا ترع والله ما عنيت إلاّ نفسي فقال: أما والله لتلمن بي وأبو الوليد كنية لعبد الملك وكنية لأرطأ أيضاً. وقال الآخر:\rلنا عز ومرمانا قريب ... ومولى لا يدب مع القراد\rو قوله لا يدب مع القراد أشار به إلى رجل من العرب كان يخرج ومعه شنة فيها قردان فيشدهما في ذنب بعير من الإبل فإذا قرصته القردان نفر فنفرت الإبل لقعقة الشن. فإذا نفرت أستل منها بعيرا فذهب به.\rوقال الآخر:\rستبكي المخاض الجرب إن مات هيثم ... وكل البواكي غيرهن جمود\rيقول إنّه كان بخيلا يستبقينه وينحرهن: فهن يبكين عليه إن مات لمّا أحسن إليهن ولا يبكي عليه أحد من الناس لعدم خيره وإحسانه. وهذا من أقبح الهجو غير أنَّ في قوله جمود مغمزا. وضد هذا من المدح قول الآخر:\rقتيلان لا تبكي المخاض عليهما ... إذا شعبت من قرمل وأفان\rو الأفاني جمع افانية والأفانية والقرمل نبتان يرعيان. وقال الآخر:\rإذا جاوزت من ذات عرق ثنية ... فقل لأبي قابوس ما شئت فارعد\rو نحوه قول الفرزدق السابق:\rوماذا عسى الحجاج يبلغ جهده ... إذا نحن جاوزنا حفير زياد؟\rو تقدم تفسير رعد وبرق بما أغنى عن إعادته. ونحوه قال الآخر:\rيا جل ما بعدت عليك بلدنا ... فابرق بأرضك ما بدا لك وأرعد\rوقال الآخر:\rما قام عمرو في الولاية ... قائما حتى قعد\rو سبب هذا أنَّ بعض الوزراء قلد أبن حجاج ولاة فخرج إليها يوم الخميس وتبعه عزله يوم الأحد فقال فيه:\rيا من إذا نظر الهلال ... إلى محاسنه سجد\rوإذا رأته الشمس كادت ... أن تموت من الحسد\rيوم الخميس بعثتني ... وصرفتني يوم الأحد\rوالناس قد غنوا علي ... كما خرجت من البلد\rما قام عمرو........ البيت وقال جميل:\rفأقسم طرفي بينهن فيسوى ... وفي الصدر بينهن بعيد\rوقال أيضاً:\rيموت الهوى مني إذا ما لقيتها ... ويحيى إذا فارقتها فيعود\rوهذان البيتان من قصيدة لجميل يقول فيها:\rإلاّ ليت أيام الصفاء جديد ... ودهراً تولى يا بثين يعود\rفتغنى كما كنا نكون وأنتم ... صديق وإذ ما تبذلين زهيد!\rوما أنس من أشياء لا أنس قولها ... وقد قربت نضوي أمصر تريد؟\rولا قولها: لولا العيون التي ترى ... أتيتك فاعذرني فدتك جدود!\rخليلي ما أخفي من الوجد ظاهر ... ودمعي بما أخفي الغداة شهيد\rألا قد رأى الله أنَّ رب عبرةٍ ... إذا الدار شطت بيننا ستزيد\rإذا قلت: ما بي يا بثينة قاتلي ... من الحب قالت: ثابت ويزيد\rوإنَّ قلت: ردي بعض عقلي أعش به ... مع الناس قالت: ذاك منك بعيد\rفلا أنا مردود بما جئت طالبا ... ولا حبها فيما يبيد يبيد،\rجزتك الجوازي يا بثين ملامة ... إذا ما خليل بان وهو حميد","part":1,"page":256},{"id":257,"text":"وقلت لها: بيني وبينك فأعلمي ... من الله ميثاق له وعهود\rوقد كان حبيكم طريفا وتالداً ... وما الحب إلاّ طارف وتليد\rوإنَّ عروض الوصل بيني وبينها ... وإنَّ سهلته بالمنى لصعود\rفأفنيت عيشي بانتظاري نوالها ... وأبلت بذاك الدهر وهو جديد\rفليت وشاة الناس بيني وبينها ... يدوف لهم سما طماطم سود\rوليت لهم في كل ممسىً وشارقٍ ... تصاعق أكباد لهم وقيود!\rويحسب نسوان من الجهل أنني ... إذا جئت إياهن كنت أريد\rوبعده:\rألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بوادِ القرى إني إذا لسعيد!\rوهل أهبطن أرضا تظل رياحها ... لها بالثنايا القاويات وئيد\rوهل ألقين سعدي من الدهر مرة ... ومارث من حبل الصفاء جديد؟\rوهل تلتقي الأهواء من بعد يأسةٍ ... وقد تطلب الحاجات وهي بعيد؟\rوهل أزجرن حرفا علاة شملة ... بخرق تباريها سواهم سود\rعلى ظهر مرهوب كأن ستوره ... إذا جاز هلاك الطريق رقود\rسبتني بعيني جؤذر وسط ربربٍ ... وصدر كفاثور اللجين وجيد\rتزيف كما زافت إلى سلفاتها ... مباهية طي الوشاح ميود\rإذا جئتها يوما من الدهر زائراً ... تعرض منقوصا اليدين صدود\rيصد ويغضي عن هواي ويجتني ... ذنوبا علينا إنّه لعنود\rفأصرمها خوفا كأني مجانب ... ويغفل عنا مرة فنعود\rفمن يعط في الدنيا قرينا كمثلها ... فذاك في عيش الحياة رشيد!\rوبعده:\rيقولون: جاهد يا جميل بغزوة! ... وأي جهاد غيرهن أريد؟\rلكل حديث بينهن بشاشة ... وكل قتيل بينهن شهيد\rفمن كان في حبي بثينة يمتري ... فبرقاء ذي ضالٍ علي شهيد\rألم تعلمي يا أم ذي الودع أنني ... أضاحك ذكراكم وأنت صلود؟\rوقال الآخر:\rإذا كنت تهوي الحمد والمجد مولعا ... بأفعال ذي غي فلست براشد\rولست وإنَّ أغيى أباك مجادة ... إذا لم ترم ما أسلفاه بماجد\rو قوله: اباك، أي أبواك، فثني لفظ الأب من غير إنَّ يرد لأمه. وقال الآخر:\rشريت برداً ولولا ما تكنفني ... من الحوادث ما فارقته أبداً!\rوقال الآخر:\rأتعجب أن رأيت علي دنيا؟\rوقال الأشهب بن رحيلة:\rأسود شرى لاقت أسود خيفة ... تساقت على حرد دماء الأساود\rوقال الآخر:\rإذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك سيف مهند!\rوقال أعرابي في السجن:\rأيا واليي سجن اليمامة أشرفا ... بي القصر أنظر نظرة هل أري ونجدا!\rفقال اليمانيان لمّا تبينا ... سوابق دمع ما ملكت لها رداً:\rأمن أجل أعرابية ذات بردة ... تبكي على نجد وتبلى كذا وجدا؟\rلعمري لأعرابية في عباءةٍ ... تحل دماثا من سوقية أو فردا\rأحب إلى القلب الذي لج في الهوى ... من اللأبسات الريط يظهرن كيدا\rوقال الآخر، ويقال الشافعي، رضي الله عنه:\rتمنى رجال أنَّ أموت فأن أمت ... فتلك طريق لست فيها بأوحد!\rيقال: لست في هذا الأمر بأوحد، أي لا أخص به: وقال الآخر، ويقال هو هاتف سمع لمّا ولي عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه:\rمن الآن قد طابت وقر قرارها ... على عمد المهدي قام عمودها\rوقال يزيد بن الصقيل العقيلي، وكان يسرق الإبل ثم تاب:\rألا قل لأرباب المخائض أهملوا ... فقد تاب عما تعلمون يزيد\rوإنَّ أمرءاً ينجو من النار بعدما ... تزود من أعمالها لسعيد!\rو تقدم هذا الثاني. والإهمال ترك الإبل بلا راع. وقال الآخر:\rتمنيتم مائتي فارسٍ ... فردكم فارس واحد\rو قبلها:\rفليت لها بارتباط الخيول ... ضأناً لها حالب قاعد!\rألا هل أتاها على نأيها ... بما فضحت قومها غامد؟\rوغامد أبو قبيلة، وهو غامد بين نصر بن الأزد بن الغوث، فهاجم هذا الشاعر. وقال حاتم:\rوإنَّ الكريم من تلفت حوله ... وإنَّ اللئيم دائم الطرف أقود\rوقال نبهان العبشمي:\rيقر بعيني إنَّ أرى من مكانه ... ذرى عقدات الأبرق المتقاود\rوأنَّ أرد الماء الذي شربت به ... سليمى وقد مل السرى كل واخد","part":1,"page":257},{"id":258,"text":"وأخلط أحشائي ببرد ترابه ... وإنَّ كان مخلوطا بسم الأساود!\rو العقدات واحد العقدة - بكسر القاف وفتحها وهو ما تراكم من الرمل وانعقد؛ والأبرق حجارة يخالطها رمل أو طين؛ والنتقاود: المنقاد المستقيم؛ الأساود جمع أسود، وهو الأسود السالخ. وقال أبو الحسن بن أبي الطيب:\rلا تنكري يا عز إنَّ ذل الفتى ... ذو الأصل واستعلى خسيس المتحد\rإنَّ البزاة رؤوسهن عواطل ... والتاج معقود برأس الهدهد\rوقال الحارث بن كلدة:\rولقد رأيت معاشرا ... جمعوا لهم مالا وولدا\rوهم زباب حائر ... لا تسمع الآذان رعدا\rالناس وجهالهم الحائرين. وقوله: لا تسمع الآذان رعدا، أي لا تسمع آذانهم صوت الرعد لصممهم، فأقام الألف واللام مقام ضمير وقال الآخر:\rفأثنوا علينا لا أبا لأبيكم ... بأفعالنا إنَّ الثناء هو الخلد!\rو مثله قول الآخر:\rفإذا باغتم أرضكم فتحدثوا ... ومن الحديث مثالب وخلود!\rو تقدم ذكر هذا المعنى. وقال: أبن اللبانة يمدح المعتمد:\rلقد ضم أمر الملك حتى كأنه ... نطاق بخصر أو سوار على زند\rوحسن طعم العيش حتى أعاده ... ألذ من الإغفاء في عقب السهد\rوحسب الليالي إنّها في زمانه ... بمنزله الخيلان في صفحة الخد\rتوقد عن نارين للحرب والقرى ... وقام على طودين للحلم والمجد\rوجاءت به الأيام تاجر سؤددٍ ... يبيع نفيسات المواهب بالحمد\rيغيث في محل يعينك في ردى ... يروعك في درع يروق في برد\rجمال وإجمال وسبق وصولة ... كشمس الضحى كالمزن كالبرق كالرعد!\rوقال أيضاً:\rإليه وإلاّ قيودا قدم السرى ... وفيه وإلاّ أخرسوا ألسن الحمد\rوعنه أفيضوا، إنّه مشعر الهدى ... وحوليه طوفوا: إنّه كعبة القصد\rوألغوا حديث البحر عند حديثه: ... فكم بين ذي جزر وكم بين ذي مد!\rوقال الآخر:\rقلدتني منك الجميل قلائد ... ورحمتي حتى سبتك والدا\rوالله لو جاز السجود لمحسنٍ ... ما كنت إلاّ راكعا لك ساجدا!\rوقال أبو جعفر البطروني:\rوما زلت أجني منك والدهر ممحل ... ولا ثمر يجنى ولا زرع يحصد\rثمار أيادٍ دانيات قطوفها ... لأغصانها ظل علينا ممدد\rترى جاريا ماء المكارم تحتها ... وأطيار شكري لا تزال تغرد\rوقال أبن اللبانة أيضاً:\rوهو صبح وربيع وحيا ... ويجتلى أو يجتنى أو يجتدى\rوهو طود وشهاب ولظى ... مارسا أو ماسرى أو ماعدا\rوقال بكر بن النطاح:\rملأت يدي من الدنيا مراراً ... فما طمع العواذل في قيادي\rوما وجبت علي زكاة مالٍ ... وهل تجب الزكاة على الجواد؟\rوقال الآخر:\rبفعالي عرفت لا بمقالي ... وبذاتي شرفت لا بجدود\rإنَّ رأيي ورأيت بلغاني ... غايتي هذه بحكم السعود\rوقال أبن الخطيب:\rتعجلت وخط الشيب في زمن الصبا ... لخوضي غمار الهم في طلب المجد\rفمهما رأيتهم شيبة فوق مفرقي ... فلا تنكروها إنّها شيبة الحمد!\rوقال أبن الحداد، وللشعر حكاية:\rشقيقك غيب في لحده ... وتطلع يا بدر من بعده\rفهلا خسفت فكان الخسوف ... حداداً لبست على فقده؟\rوقال آخر في التعزية:\rلابد من فقد ومن فاقد ... هيهات ما في الناس من خالد\rكن المعزي لا المعزى به ... إنَّ كان لابد من الواحد!\rوقال الوزير المهلبي:\rخليلي إني للثريا لحاسد ... وإني على ريب الزمان لواجد\rأيبقى جميعا شملها وهي سبعة ... وأفقد من أحببته وهو واحد؟\rوقال الآخر:\rدهى الله مصرا وسكانها ... وفتت أكبادهم وبالحسد!\rمتى يرتجي مفلس عندهم ... غنى وعلى كل فلس أسد؟\rوقال الآخر:\rما للمعيل وللسفار وإنما ... يجلى بوصل البيد من هو فارد\rفالشمس تجتاب السماء فريدة ... وأبو بنات النعش فيها راكد\rوقال أبن سكرة:\rقيل: ما أعددت للبرد ... وقد جاء بشده؟\rقلت: دراعة عري ... تحتها جبة رعده\rوقال الآخر:\rبين اللثام وصدغه المعقود ... خمران: من ريق ومن عنقود","part":1,"page":258},{"id":259,"text":"يلوى على زرد العذار دلاله: ... كم فتنةٍ بين اللوى وزرود!\rوقال الآخر:\rأهلا بطيفك زائراً أو عائد ... تفديك نفسي غائبا أو شاهدا!\rيا من على طيف الخيال أحالني ... أتظن طرفي مثل طرفك راقدا؟\rما نمت لكن الخيال يلم بي ... فيجله طرفي فيطرق ساجداً\rوقال الراضي بن عباد:\rمروا بنا أصلا من غير ميعاد ... وأوقدوا نار قلبي أي إيقاد\rلا غزو إنَّ زاد في قلبي مرورهم ... فرؤية الماء تذكي غلة الصاد!\rوقال الآخر:\rقالوا: خسرت القلب حين علقته ... وربحت فيه شماتة الحساد\rفأجابهم: لا تعذلوني إنني ... صانعته عن مهجتي بفؤاد!\rوقال بعض المشارقة:\rألحاظكم تجرحنا في الحشا ... ولحظنا يجرحكم في الخدود\rجرح بجرح فاحسبوا ذابذا ... فما الذي أوجب جرح الصدود؟\rوقال أبو العباس بن الفياض:\rقم اسقني بين الناي والعود ... ولا تبع طيب مفقود بموجود\rنحن الشهود وصوت العود خاطبنا ... فزوج أبن غمام بنت عنقود!\rوقال أبو البركات في غرناطة:\rرعى الله من غرناطة متبوءاً ... يسر كئيبا أو يجير طريدا!\rتبرم منها صاحبي عندما رأى ... مسارحها بالبرد عدن جليدا\rهي الثغر صان الله من أهله به ... وما خير ثغر لا يكون برودا\rوقال أبن الحجاج في صاحب وليمة أبطأ بالطعام فيها.\rيا جائيا في داره ذاهبا ... لغير معنى لا ولا فائدة\rقد جن أصحابك من جوعهم ... فأقراً عليهم سورة المائدة!\rو تقدم بعضه. وقال الآخر:\rمال أبن دارة دونه لعفاته ... خرط القتاد والتماس الفرقد\rمال لزوم الجيمع يمنع صرفه ... في راحةٍ مثل المنادى المفرد\rوقال الآخر:\rفأكثر من الإخوان للدهر عدة: ... فكثرة در العقد من شرف العقد\rوعظم صغير القوم وأبدا بحقه: ... فمن خنصري كفيك تبدأ في العد!\rوقال الآخر:\rألا! إنّه كلنا بائد ... وأي بني آدم خالد؟\rوبدؤهم كان من وبهم ... وكل إلى ربه عائد\rفيا عجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد\rولله في كل تحريكةٍ ... وتسكينة أبداً شاهد\rوفي كل شيء له آية ... تدل على إنّه واحد\rوقال البستاني:\rأبوك حوى العليا وأنت مبرز ... عليه إذا نازعته قصب المجد\rوللخمر معنى ليس في الكرم مثله ... وللنار نور ليس يوجد في الزند\rوقال أبو القاسم الاصبهاني:\rأصبحت صبا دنفا ... بين عناء وكمد\rأعوذ من شر الهوى ... بقل هو الله أحد!\rوقال ابن الجهم:\rانفس حرة ونحن عبيد ... إنَّ رق الهوى لرق شديد\rلي حبيب نأى الهجر عني ... وأشد الهوى القريب البعيد\rوقال الآخر:\rوكم ليلة بت من حبكم ... تطول على طرفي الساهد\rكأن نجوم الدجى في الدجى ... صوار تفرقن عن صائد\rوقال أبن الرومي:\rلما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد\rوإلاّ فما يبكه منها وإنّها ... لأوسع مما كان فيه وأرغد؟\rوقال الآخر في التورية:\rتقول سليمى إذ رأت شيب لمتي: ... لقد حال من ذلك الشباب سواده\rوما تنر الحسناء من خط كاتب ... إذا ابيض من طول الكتاب مداده\rوقال كثير:\rفإنَّ تسل عنك النفس أو تدع الهوى ... فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد!\rوكل خليل زارني فهو قائل: ... من أجلك هذا هامة اليوم أو غد!\rو تقدم أنَّ بن عبد الملك تمثل به على قبر جاريته حبابة لمّا ماتت: وقال أبو جعفر المنصور العباسي، وله قصة ستأتي في اللام:\rإذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة: ... فإنَّ فساد الرأي إنَّ يترددا\rولا تمهل الأعداء يوما بقدرة ... وحاذرهم أنَّ يملكوا مثلها غدا!\rو سبب ذلك أنَّ جارية له أهدت إليه تفاحة بعد إنَّ طيبتها، وكتبت عليها:\rهدية مني إلى المهدي ... تفاحة تقطف من خدي\rمحمرة مصفرة طيبت ... كأنها من جنة الخلد!\rوقال عروة بن أذينة، رضي الله عنه:\rإذا وجدت أوار الحب في كبدي ... أقبلت نحو سقاء القوم ابترد","part":1,"page":259},{"id":260,"text":"هبني بردت ببرد الماء ظاهرة ... فمن لنار على الأحشاء تتقد؟\rوقال الإمام الشافعي، رضي الله عنه، فيما زعموا:\rخذوا بدمي ذلك الغزال فانه ... رماني بسهمي مقلتيه على عمد\rولا تقتلوه أنني أنا عبيده ... وفي مذهبي لا يقتل الحر بالعبد!\rوقال القاضي عبد الوهاب بن نصر المالكي، رحمه الله:\rونائمة قبلتها فتنبهت ... وقالت: تعالوا فاطلبوا اللص بالحد!\rفقلت لها: إني لثمتك غاضبا ... وما حكموا في غاضب بسوى الرد\rخذيها وكفي لي عن إثم ظلامتي ... وإنَّ أنتِ لم ترضي فألفا من العد\rفقالت: قصاص يشهد العقل إنّه ... على كبد الجاني ألذ من الشهد\rفباتت يميني وهي هيمان خصرها ... وباتت يساري وهي واسطة العقد\rوقالت: ألم أخبر بأنك زاهد؟ ... فقلت: بلى ما زلت أزهد في الزهد\rوقال مسكين الدارمي:\rقل للملحة في الخمار الأسود: ... ماذا فعلت بزاهد متعبد؟\rقد كان شمر للصلاة إزاره ... حتى قعدت له بباب المسجد\rردي عليه صلاته وصيامه ... لا تفتنيه بحق جاه محمد!\rو زعموا إنّه كان مشتهرا بالمجون، فنسك ولزم المسجد، وصار من العباد. فورد بعض تجار العراق على المدينة، على سكانها الصلاة والسلام، بسلة فيها خمر مختلفة الألوان. فباعها جميعا إلاّ الأسود من الخمر. فتحير في أمرها وجاء نحو المسجد وسلأل عن من به من أهل الخير. فدل على مسكن الدارمي المذكور. فجاء وشكا إليه أمره وسأله الدعاء بتيسير بيع اللون فدفعها له وقال له: غن بها حيثما أمكنك فإنّها لى! فذهب يغني بها في سكك المدينة فظن الناس إنّه ترك التنسك وعاد إلى المجون ولامه أصحابه في ذلك فقال: ولتعلمن نبأه بعد حين! وشاع في المدينه أنَّ الدارمي تعشق صاحبة الخمار الأسود فبيعت بذلك خمر التاجر وعاد الدارمي إلى نسكه.\rوهو القائل:\rوسميت مسكيناً وما بي حاجةٌ ... وإني لمسكين إلى الله راغبُ\rوإني امرؤ لا اسأل الناس ما لهم ... بشعر ولا تعيي على المكاسبُ\rو ينسب إلى القاضي التنوخي في معارضة أبيات الخمار المذكورة:\rقل للمليحة في الخمار المذهب: ... أفسدت نسك أخي التقي المترهبِ\rنور الخمار ونور خدك تحته ... عجباً لوجهك كيف لم يتلهب!\rوجمعت بين المذهبين فلم يكن ... للحسن عن نهجيهما من مذهبِ\rو إذا أتت عين اتسرق نظرة ... قال الشعاع لها اذهبي لا تذهبي!\rوقال الفرزدق:\rوخير الشعر أشرفه رجالا ... وشر الشعر ما قال العبيدُ\rو سبب قوله ذلك إنّه اجتمع مع نصيب الشاعر الأسدي في مجلس سليمان بن عبد المكل فقال الفرزدق شعرا يفخر فيه بأبيه ومنه:\rوركبٍ كأن الريح تطلب عندهم ... لهاترةً من جذبها بالعصائبِ\rسروا يخبطون الريح وهي تلفهم ... إلى شعب الأكوار ذات الحقائبِ\rإذا آنسوا ناراً يقولون ليتها ... وقد خصرت أيديهم نار غالبِ!\rفأعرض سليمان كالمغضب ففطن له نصيب فقال له: أيأذن أمير المؤمنين أن أقول؟ قال: قل! فقال نصيب:\rأقول لركب صادرين لقيتهم ... قفا ذات أوشال ومولاك قاربُ\rقفوا خبروني عن سليمان إنني ... لمعروفه من أهل ودان طالبُ\rفعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائبُ\rوقالوا: تركناه وفي كل ليلةٍ ... يطوف به من طالب العرف راغبُ\rفلو كان فوق الناس حيٌّ فعاله ... كفعلك أو في الفضل منك يقاربُ\rلقلنا له شبهٌ ولكن تعذرت ... سواك على المستشفعين المطالبُ\rهو البدر والناس الكواكب حوله ... وهل تسبه البدر المنير الكواكبُ\rفطرب سليمان وأمر لنصيب بعسرة آلاف. ثم التفت إلى الفرزدق فقال: كيف ترى يا أبا فراس؟ فقال: هو أشعر أهل جلدته. فقال سليمان: وأهل جلدتك! فغضب الفرزدق وقال:\rوخير الشعر أشرفه رجالاً ... وشر الشعر ما قال العبيد!\rو عن دعبل قال: نودي بالنفير فخرجت مع الناس فإذا فتى يجر رمحه بين يدي فقال: يا دعبل اسمع مني! وأنشد:\rأنا في أمري رشاد ... بين حب وجهادِ\rبدني يغزو عدوي ... والهوى يغزو فؤادي!","part":1,"page":260},{"id":261,"text":"ثم قال: كيف ترى؟ قلت: جيد والله! فقال: ما خرجت إلاّ هاربا من الحب! ثم قاتل حتى قتل.\rوقالت فاطمة بنت عبد الملك بن مروان تخاطب زوجها عمر بن عمر بن عبد العزيز حيث اشتغل بأمور الخلافة ولم يتفرغ لها:\rألا يا أيها الملك الذي قد ... سبى عقلي وهام به فؤادي\rأراك وسعت كل الناس عدلاً ... وجرت علي من بين العبادِ\rوأعطيت الرعية كل فضل ... وما أعطيتني غير السهادِ\rوقال الآخر:\rنحن قوم تذيبنا الأعين النجل ... على أننا نذيب الحديدا\rنقتل الأسد ثم تقتلنا البيض ... المصروفات أوجهاً وخدودا\rوتراني لدى الكريمة أحراراً ... وفي السلم للحسان عبيدا\rو زعموا أنَّ العلوي قائل هذا الشعر حاصر قلعة حتى كاد يقتحمها. وكانت فيها امرأة ذات حسن وجمال فقالت لأهلها: أنا أكفيكم أمره! فتبرقعت وخرجت نحو العسكر وقالت: أبلغوني إلى الأمير! فأبلغوها إليه فقالت: أنت القائل:\rنحن قوم تذيبنا الأعين\rفقال: نعم! فنزعت البرقع عن وجهها وقالت: أحسنا ترى أم قبيحاً؟ فقال: والله ما أرى إلاّ حسنا! فقالت: ما حق المولى على عبده؟ فقال: السمع والطاعة. فقالت: فأرحل عنا وانصرف راشداً قال: نعم: وأمر بالرحيل. فقال له أهل العسكر:إنَّ المدينة بأيدينا. فقال: لا سبيل إلى الإقامة ساعة واحدة. ثم خطب تلك المرأة وتزوجها، فكانت عنده أحظى نسائه.\rوقال الآخر في الثقلاء:\rإلمام كل ثقيل قد أضر بنا ... نروم نقصهم والشيء يزداد\rومن يخف علينا لا يلم بنا ... وللثقيل على الساعات ترداد\rوقال الآخر:\rإذا هز الكريم يزيد خيراً ... وإنَّ هو اللئيم فلا يزيد\rو روي أنَّ أعرابيا وقف على مروان بن الحكم، وهو يفرض العطاء بالمدينة، فقال له: أفرض لي! فقال: قد طوي الكتاب! فقال له الأعرابي: أما علمت إني القائل: إذا هز الكريم؟ فقال: نشدتك الله، وأنت القائل له؟ قال: نعم! فقال مروان: افرضوا عليه ما يرضيه! وقال الآخر:\rلا يوجد الخير إلاّ في معادنه ... والشر حيث طلبت الشر موجود\rو يحكى عن جعفر بن يحيى إنّه في بعض أسفاره عرض عليه مماليك رجل جفاه السلطان، وفيهم غلام جميل. قال: فقلت له: ما اسمك؟ قال: ماهر. قلت وما صنعتك؟ قال: الأدب والشعر والغناء، وما شئت من بعد. فسألت عن ثمنه فقيل خمسمائة دينار على الضرورة. فوزنت ثمنه وسألته إنَّ يسمعني شيئاً من غنائه. فأخذ العود واندفع يغني:\rحملتم جبال الحب فوقي وإنني ... لأعجز عن حمل القميص وأضعف\rظفرتم بكتمان اللسان فمن لكم ... بكتمان عين دمعها الدهر يذرف؟\rفأطربني غناؤه وشجاني، فأجرته وخلعت عليه، وأمرته بمعادلتي. فلما أجزت منزل مولاه بمقدار ميل أنشأ يقول:\rوما كنت أخشى معبدا أنَّ يبيعني ... بشيء ولو أضحت أنامله صفراً\rأخوهم ومولاهم وحامل سيرهم ... ومن قد ثوى فيهم وعاشرهم دهرا\rأشوق ولمّا يمض لي غير ساعةٍ ... فكيف إذا سار المطي بنا شهرا؟\rفقلت له: يا غلام، أتعرف منزل مولاك من هنا؟ فقال: وهل تخفى معالم الحب؟ فقالت: أذهب فأنت حر لوجه الله! ووهبت له ألف دينار. فقال لي زميلي: أمثل هذا يعتق؟ فقلت له ويحك! وهل مثله يملك؟ فأنطلق وهو يقول:\rلا يوجد الخير إلاّ في معادنه\rوقال محمد بن عبد الملك الزيات:\rوأي امرئ سمى بها قط نفسه ... ففارقها حتى يغيب في اللحد؟\rوكان سبب ذلك أنَّ إبراهيم بن المهدي اقترض من التجار أموالا كثيرة ببغداد. فيها لعبد الملك الزيات عشرة آلاف دينار. فلما لم يتم لها أمر الخلافة لوى التجار أموالهم. فصنع محمد أبن عبد الملك قصيدة يخاطب المأمون، وهذا صغير، منها:\rتذكر أمير المؤمنين قيامة ... بإيمائه في الهزل منه وفي الجد\rووالله ما من توبةٍ نزعت به ... إليك ولا ميل إليك ولا ود\rومن صك تسليم الخلافة سمعه ... ينادي به بين السماطين عن بعد؟\rوأي امرئ سمى بها قط نفسه\rوعرضها على إبراهيم وقال له: إما أنصفت أبي، وإما أنشدتها المأمون! فأذى إلى أبيه ماله دون سائر التجار، واستحلفه على كتمانها، فحلف له، وهذا من فوائد الشعر. وقال أبن الرومي يمدح النرجس:","part":1,"page":261},{"id":262,"text":"للنرجس الفضل المبين وإنَّ أبى ... آبٍ وحاد عن طريقة حائد\rوللنرجس احتاز الملاحة كلها ... وله فضائل جمة وفوائد\rومنها:\rشتان بين اصنين: هذا موعد ... بتسلب الدنيا وهذا واعد!\rو سيأتي تتمة هذا الشعر وما عورض به وما قيل في ذلك، إن شاء الله.\rوقال الآخر:\rوتحت البراقع مقلوبها ... تدب على ورد خد ندي\rوقال الآخر:\rإذا أنت وليت الخؤون أمانة ... فأنك قد أسندتها شر مسند!\rوقال الآخر يصف الكتب:\rلنا جلساء لا يمل حديثهم ... ألباء مأمونون غيبا ومشهدا\rويفيدوننا من علمهم علم من مضى ... وعقلا وتأديبا ورأيا مسددا\rفلا فتنة تخشى ولا سوء عشرة ... ولا تتقي منهم لسانا ولا يداً\rفإنَّ قلت: أموات فلست بكاذب ... وإنَّ قلت: أحياء فلست مفندا!\rوقال الآخر:\rعلي لأخواني رقيب من الصفا ... تبيد الليالي وهو ليس يبيد\rيذكرنيهم في مغيب ومشهد ... فسيان منهم غائب وشهيد\rوإني لأستحيي أخي أنَّ أبره ... قريبا وأنَّ أجفوه وهو بعيد\rوقال الآخر:\rرأيت صلاح المرء يصلح حاله ... ويعيدهم داء الفساد إذا فسد\rويعظم في الدنيا بفضل صلاحه ... ويحفظ بعد الموت في الأهل والولد\rوقال الآخر:\rأرى صاحب النسوان يسحب أنها ... سواء، وبون بينهن بعيد\rفمنهن جنات تفيء ظلالها ... ومنهن نيران لهن وقود !\rو قريب من هذا قول الأعرابي:\rوإنَّ من النسوان من هي روضة ... تهيج الرياض دونها وتصوح\rغيره:\rوكل أخس عند الهواينا ملاطف ... ولكنما الأخوان عند الشداد!\rغيره:\rما خطب من حرم الإرادة وادعا ... مثل الذي حر الإرادة جاهدا\rغيره:\rولقد أصرف الفؤاد عن الشيء ... حياء وحبة في السواد\rغيره:\rعود لسانك قول الصدق تحظ به ... إنَّ اللسان لمّا عودت معتاد\rموكل بتقاضي ما سننت له ... في الخير والشر فأنظر كيف ترتاد!\rوقال أبو الفتح البستي:\rتكلم وسدد ما استطعت فإنما ... كلامك حي والسكوت جماد!\rفإنَّ لم تجد قولا سديداً تقوله ... فصمتك عن غير السداد سداد\rوقال أبن الرومي. وقد سمع رجلا يثني عن آخر مبالغا:\rإذا ما وصفت أمرءا لامرئٍ ... فلا تغل في وصفه وأقصد\rفإنك إنَّ تغل تغل، الظنون ... فيه إلى الآمد الأبعد\rغيره:\rألم تر أن الدهر من سوء فعله ... يكدر ما أعطى ويسلب ما أسدى\rفمن سره ألا يرى ما يسوءه ... فلا يتخذ شيئاً يخاف له فقدا\rغيره:\rإنّما الدنيا هبات ... وعوار مستردة\rشدة بعد رخاء ... ورخاء بعد شدة\rغيره:\rلو إنَّ ما انتم فيه يدوم لكم ... ظننت ما أنا فيه دائما أبدا!\rلكنني عالم إني وأنكم ... سنستجد خلاف الحالتين غدا\rغيره:\rصل من دنا وتناس من بعدا ... لا تكرهن على الهوى أحدا\rقد أكثرت حواء إذ ولدت ... إذا جفا ولد فخذ ولدا!\rغيره:\rإذا اجتمع الناس في واحدٍس ... وخالقهم في الرضى واحدُ\rفقد دل إجماعهم دونه ... على عقله أنه فاسدُ\rغيره:\rوإخوان اتخذتهم درعاً ... فكانوا ولكن للأعادي\rوخلتهم سهاما صائباتٍ ... فكانوها ولكن في فؤادي\rوقالوا: قد صفت منا قلوبٌ ... لقد صدقوا ولكن من ودادي\rوقالوا: قد سعينا لك سعيٍ ... لقد صدقوا ولكن في فسادي!\rوقال أبو محمد الحريري:\rولمّا تعامى الدهر وهو أبو الورى ... عن الرشد في أنحائه ومقاصده\rتعامت حتى قيل إني أخو عمى ... ولا غرو أن يحذو الفتى حذو والده!\rو له: والشبل في البخر مثل الأسد وله أيضاً:\rمن ضامه أو ضاره دهره ... فليقصد القاضي في صعده\rسماحه أزرى بمن قبله ... وعدله أتعب من بعده\rو له أيضاً:\rخذها إليك وصيةً ... لم يوصها قبلي أحد\rغراء حاويةً خلاصات ... المعاني والزبد\rنقحتها تنقيح من ... محض النصيحة واجتهد\rواعمل بما مثلته ... عمل اللبيب أخي الرشد\rحتى يقول الناس هذا ... الشبل من ذاك الأسد","part":1,"page":262},{"id":263,"text":"وقال أبن الساعاتي:\rحددت بجفنيها على رشف ريقها ... ومن شرب الصهباء يلزم بالحدِّ\rوقال شرف الدين الحموي:\rونحن معاشرٌ نأبى الدنيا ... ونلبس من صوان العرض بردا\rنعانق من رماح الخط باناً ... وننشق من سيوف الهند وردا\rوقال المتلمس:\rإنَّ الهمان حمار الذل يألفه ... والحر ينكره والفيل والأسدُ\rولا يقيم بدار الذل يألفها ... إلاّ الأذلان: عير الحي والوتدُ\rهذا على الخسف مربوطٌ برمته ... وذا يشج فلا يرثي له أحدُ\rوقال أبن قلاقس:\rإنَّ مقام المرء في بيته ... مثل مقام الميت في لحده\rفواصل الرحلة نحو الغنى ... فالسيف لا يقطع في غمده\rوالنار لا يحرق مشبوبها ... إلاّ إذا ما طار عن زنده\rغيره:\rقد تعففت وارتضيت بترفيع ... زماني وقلت إني وحدي\rلا لأني أنفت مع ذا من الكد ... ية أين الكرام حتى أكدي\rوقال أبو دلف:\rأطيب الطيبات قتل الأعادي ... واختيالي على متون الجيادِ\rورسولٌ يأتي بوعد حبيبٍ ... وحبيبٌ يأتي بلا ميعاديِ\rو سببه أنه قد قيل لأعرابي: ما أمتع لذات الدنيا؟ فقال: بيضاء رعبوبة بالشحم مكروبة بالمسك مشبوبة. وسئل الأعشى فقال: صهباء صافية يمزجها ساقية من صوب غادية. وسئل طرفة عن ذلك فقال: مركب وطي وثوبٌ بهي وطعامٌ شهي. قال بعضهم: فحدثت بذلك أبا دلف فقال: أطيب الطيبات . . البيتين وقال: وحدثت بذلك حميدا الطوسي فقال:\rفلولا ثلاثٌ هن من عيشة الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي\rفمنهن سبق العاذلات بشربة ... كميت متى ما تعل بالماء تزبد\rوكري إذا نادى المضاف مجنباً ... كسيد الغضى نبهته المتوردِ\rوتقصير يوم الدجن والدجن معجبٌ ... ببهكنةٍ تحت الطرف النعمدِ\rقال: وحدثت بذلك الزبير بن عبد الله فقال: ما أدري ما أقول ولكني أقول:\rفاقبل من الدهر ما أتاك به ... من قر عيناً بعيشه نفعه\rقلت: والأبيات الأربعة التي أنشدها حميد ليست له وإنّما تمثل بها وهي لطرفة بن العبد من قصيدته الدالية المشهورة؛و كذا البيت الذي أنشده الزبير هو لشاعر قديم وسيأتي ذكره مع غيره في موضعه. وشيع طرفة في ذكر الثلاث جماعة من الفضلاء. فمن ذلك قول عز الدين بن هبة الله المعتزلي معارضا:\rلولا ثلاث لم أخف صرعتي ... ليست كما قال فتى العبدِ\rأن أنصر التوحيد والعدل في ... كل مكان باذلاً جهدي\rوأن أناجي الله مستمتعاً ... بخلوة أحلى من الشهدِ\rوإن أتيه الدهر كبراً على ... لئيم \" بياض \" الخدِّ\rلذلك أهوى لا فتاة ولا ... خمراً ولا ذا ميعةٍ نهدِ\rو قول الآخر:\rلولا ثلاثٌ هن والله من ... أكبر آمالي في الدنيا\rحجٌ لبيت الله أرجو به ... أن يقبل التوبة والسعيا\rوالعلم تحصيلا ونشراً لمّا ... رويت أو سعت الورى ريا\rوأهل ود أسأل الله أن ... يمتع بالبقيا إلى اللقيا\rما كنت أخشى الموت أني أتى ... بل لم أكن التذ بالمحيا\rوقال اثير الدين:\rأما إنه لولا ثلاث أحبها ... تمنيت أني لا أعد من الأحيا\rفمنهن صوني النفس عن كل جاهل ... لئيم فلا أمشي إلى بابه مشيا\rومنها رجائي أن أفوز بتوبةٍ ... تكفر لي ذنباً وتنجح لي سعيا\rأتترك نصاً للرسول وتقتدي ... بشخصٍ لقد بدلت بالرشد الغيا؟\rو قول الصفدي:\rلولا ثلاث هن أقصى المنى ... لم أهب الموت الذي يردي\rتكميل ذاتي بالعلوم التي ... تنفعني أن صرت في لحدي\rوالعي في رد الحقوق التي ... أصاحبي نلت بها قصدي\rوأن أرى الأعداء في صرعةٍ ... لقيتها في جمعهم وحدي\rفبعدها اليوم الذي حم لي ... عندي استوى في القرب والبعدِ\rو قولي أنا من هذا الباب:\rلولا ثلاث فوائدٍ ترجى لمّا ... أحببت تنفيس الحياة إلى مدا\rقربٌ من المولى وعلم نافعٌ ... وأجٌ يؤازرني ويشفع لي غدا","part":1,"page":263},{"id":264,"text":"و ذكر الجاحظ أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنشده رجل قول طرفة المذكور فقال: لولا أن أسير في سبيل الله وأضع جبهتي لله وأجالس أقواما ينتقون أطايب الحديث كما ينتقون أطايب الثمار لم أبال أن أكون قد مت. قال: عامر بن عبد الله القيسي: ما آسى من العراق إلاّ على ثلاث: على ظمأ الهواجر وتجاوب المؤذنين وإخوان لي منهم الأسود بن كلثوم. وقال إعرابي:\rلولا ثلاث هن عيش الدهر: ... الماء والنوم وأم عمرو\rلمّا خشيت من مضيق القبر وقال الآخر:\rصنت نفسي عما يليق بمثلي ... وتحصنت بالجفاء الشديدِ\rما يساوي قضاء حقِّ الموالي ... ما يقاس من سوء خلق العبيدِ\rوقال البحتري:\rولست ترى شوك القتادة خائفاً ... سموم الرياح الآخذات من الرندِ\rولا كلب محوماً وإن طال عمره ... ألا إنّما الحمى على الأسد الوردِ\rغيره:\rلقد كسدت سوق الفضائل كلها ... وللهزل أحظى في الزمان من الجدِّ\rفلست أرى إلاّ كريماً يفر من ... لئيم وحراً يشتكي الضيم من عبدِ\rغيره:\rوما زال هذا الدهر يلحن في الورى: ... فيرفع مجروراً ويخفض مبتدا\rوقال أبن سناء الملك:\rأبى الدهر إلاّ ضد ما أنا طالبٌ ... فيا ليت مني مكن الله ضدهُ\rيعد الفتى إخوانه لزمانه ... وأعدا له من خوفه من أعدهُ\rغيره:\rتحفظ من ثيابك ثم صنها ... ة إلاّ سوف تلبسها حدادا\rوميز عن زمانك كل حينٍ ... ونافر أهله تسد العبادا\rوضن بسائر الأجناس خيراً ... وأما جنس آدم فالبعادا\rأرادوني بجمعهم فردوا ... على الأعقاب قد نكصوا فرادى\rوعادوا بعد ذا إخوان صدقٍ ... كبعض عقاربٍ رجعوا جدادا\rوقال الأرجواني:\rأرى بين أيامي وشعري قد بدا ... لتعجيل أتلافى خلافاً يجددُ\rفقد أصبحت سوداً وشعري أبيضاً ... وعهدي بها بيضاً وشعري اسودُ\rوقال بعض أهل المجون:\rتعشقته شيخاً كأن مشيبه ... على وجنتيه ياسمينٌ على وردِ\rأخا العقل يدري ما يراد من النهى ... أمنت عليه من رقيبٍ ومن ضدِّ\rغيره:\rلام العواذل إذ عشقت فتى له ... سبعون عاماً غير عامٍ واحدِ\rلا تعذلوني في هواه فإنني ... عاينت فيه لمحةً من والدي\rقيل لبعض أهل المجون: لم لا تميل الذي النسوان؟ قال: أذكر أمي فاستحي. فقيل له: لم لا تذكر بالذكور أباك؟ وعكس هذا الشاعر ذلك المعنى. ومن هذا النمط قول بهاء الدين بن النحاس:\rقالوا: حبيبك قد تبدى شيبه ... فإلام قلبك في هواه يهيم؟\rقال: اقصروا فالآن تم جماله ... وبدا سفاه فتى عليه يلزمُ\rالصبح عرته وشعر عذراه ... ليلٌ ونبت الشيب فيه نجومُ\rو قول أبن الوكيل وهو لطيف لولا عيب القافية:\rشب وجدي بشائبٍ ... من سنا البدر أوجهُ\rكلما شاب ينحني ... بيض الله وجههُ\rوقال الصفدي:\rعشقت شيخاً بديع حسنٍ ... لام على حبه العذولُ\rكأن ياقوت وجنتيه ... لا شيب فيها جبال لولوُ\rأي لؤلؤ. وقال الآخر:\rشمس الضحى يعشى العيون ضياؤها ... إلاّ إذا روقت بعينٍ واحدة\rفلذاك تاه العور واحتقروا الورى ... فاعرف قضيتهم وخذها فائدة\rنقصان جارحةٍ أعانت أختها ... فكأنها قويت بعينٍ زائدة\rوقال أبو نواس:\rإني وما جمعت من صفد ... وحويت من سبدٍ ومن لبدِ\rهممٌ تصرفت الخطوب بها ... فنزعت من بلدٍ إلى بلدِ\rيا ويح مذ حسمت قناعته ... سبب المطامع عن غدٍ فغدِ\rلو لم يكن لله متهما ... لم يمس محتاجاً إلى أحدِ\rوقال محمد بن كنانة الأسدي:\rومن عجب الدنيا تيقنك البلا ... وأنك فيها للبقاء مريدُ\rإذا اعتادت النفس الرضاع من الهوى ... فإنَّ فطام النفس عنه شديدُ\rوقال الإمام البوصيري رحمه الله تعالى يمدح الشيخ أبا العباس المرسي رحمه الله تعالى ونفع به:\rقل للذين تكلفوا زي التقى ... وتخيروا للدرس ألف مجلدِ:\rلا تحسبوا كحل الجفون بحيلةٍ ... إنَّ المهى لم تكتحل بالاثمدِ!","part":1,"page":264},{"id":265,"text":"الكحل بفتحتين أن يعلو منابت الأشفار سوادٌ خلقةً أو أن تسود مواضع الكحل. يقال: كحلت بالكسر فهي حكلاء وهو أكحل. وهذا مثل قول الآخر: ليس التكحل في العينين كالكحل وسيأتي. وقال الآخر:\rوكنا كزوجٍ من قطا في مفازةٍ ... لدى خفض عيش معجب مونق رغدِ\rأصابها ريب الزمان فأفردا ... ولم نر شيئاً قط أوحش من فردِ\rحكي عن أبي الموءل قال: دخلت منزل نخاس في شراء جارية فسمعت في بيت بإزاء البيت الذي فيه صوت جارية وهي تقول: وكنا كزوجٍ . . \" البيتين \" فقلت للنخاس: اعرض علي هذه المنشدة! فقال: إنها شعثة مرهاء حزينة. فقلت: ولم ذاك؟ قال: اشتريتها من ميراث فهي باكية على مولاها. ثم لم ألبث أن أنشدت:\rوكنا كغصني بانةٍ وسط روضةٍ ... نشم جنى الرضات في عيشةٍ رغدِ\rفأفرد هذا الغصن من ذاك قاطعٌ ... فيا فردةً باتت تحنُ إلى فردِ\rقال أبو السموءل: فكتبت إلى عبد الله بن طاهر أخبره بخبرها فكتب إلي أن ألق هذا البيت عليها فإن أجابت فاشتريها ولو بخراج خراسان! والبيت هو:\rقريبٌ صد بعيد وصلٍ ... جعلته منه لي ملاذا\rقال: فألقيته فقالت في سرعة:\rفعاتبوه فذاب شوقاً ... ومات عشقاً فكان ماذا؟\rقال: فاشتريتها وحملتها إليه فماتت في الطريق فكانت إحدى الحسرات.\rوقال عمرو بن معدي كرب:\rأريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مرادِ\rو هذا مثل مشهور كان علي كرم الله وجهه فيما يروون يتمثل به عندما يرى ابن ملجم. وتمثل به غيره أيضاً كما في حرف الهمزة. والعذير: العاذر والحال التي تحاولها لتعذر عليها. والعرب يقولون: عذريك من فلان وينصبونه بعامل لا يظهر. والمعنى: هلم من يعذرك من فلان فيلومه ولا يلومك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : من يعذرني من أناس أبنو أهلي في حديث الافك. وقال زيد الخيل:\rأمرتحلٌ قومي المشارق غدوةً ... وأترك في بيتٍ بفردة منجدِ؟\rإلاّ رب يومٍ لو مرضت لعادني ... عوائد من لم يبر منهن يجهدِ\rفليت اللواتي عدنني لم يعدنني ... وليت اللواتي غبن عني شهدي!\rوقال أعرابي:\rإذا وجدت أوار الحب في كبدي ... أقبلت نحو سقاء القوم أبتردُ\rهبني بردت ببرد الماء ظاهره ... فمن لنار على الأحشاء تتقدُ\rوقال الآخر:\rما لعيني كحلت بالسهاد ... ولجنبي نائيا عن وسادي؟\rلا أذوق النوم إلاّ غراراً ... مثل حسو الطير ماء التمادِ\rابتغي إصلاح سعدى بجهدٍ ... وهي تسعى جهدها في فسادي\rفتتاركنا على غير شيء ... ربما أفسد طول التمادي\rوقال المعتد بن عباد في باب الغزل:\rأباح لطيفي طيفها الخد والنهدا ... فعض به تفاحةً واجتنى وردا\rولو قدرت زارت على حال يقظةٍ ... ولكن حجاب البين ما بيننا مدا\rأما وجدت عنا الشجون معرساً ... ولا وجدت منا خطوب النوى بدا؟\rسقى الله صوب القطر أم عبيدةٍ ... كما قد سقت قلبي على حرة بردا\rهي الظبي جيداً والغزالة مقلةً ... وروض الربا عرفاً وغصن النقى قدا\rوقال الرئيس أبو مروان بن رزين:\rوروضٍ كساه الطل وشياً مجددا ... فأضحى مقيماً للنفس ومقعدا\rإذا صافحته الريح خلت غصونه ... رواقص في خضر من العشب ميدا\rإذا ما انسكب الماء عاينت خلته ... وقد كسرته راحة الريح مبردا\rوإن سكنت عنه حسبت صفاءه ... حساماً صقيلاً صافي المتن جردا\rوغنت به ورق الحمائم بيننا ... غناءً ينسيك الغريض ومعبدا\rفلا تجفون الدهر ما دام مستعداً ... ومد إلى ما قد حباك به يدا\rوخذها مداماً من غزالٍ كأنه ... إذا ما سقى بدرٌ يحمل فرقدا\rوقال أبو بكر بن عمار من قصيدة:\rوما هذه الأشعار إلاّ مجامرٌ ... تضوع فيها للنوى قطع الند\rوقال أيضاً:\rتبرعت بالمعروف قبل سؤاله ... وعدت بما أوليت والعود أحمد\rوقال أبو الحسن بن الحاج اللورقي يتغزل في معذر:\rوقد كان ينبت زهر الرياض ... فأصبح ينبت شوك القتادِ\rأين لي متى كان بدر التمام ... يدرك بالكون أو بالفسادِ\rوهل كنت في الملك من عبد شمسٍ ... فأخفى عليك ظهور السوادِ؟","part":1,"page":265},{"id":266,"text":"وقال أبو محمد بن عبد البر في مجذوم:\rمات من كنا نراه أبداً ... سالم العقل سقيم الجسدِ\rبحر سقمٍ ماج في أعضائه ... فرمي في جلده بالزبدِ\rكان مثل السيف إلاّ أنه ... حسد الدهر عليه فصدي\rوقال أبو بكر بن الملح:\rوالروض يبعث بالنسيم كأنما ... أهداه يضرب لاصطباحك موعدا\rسكران من ماء النعيم فكلما ... غناه طائره وأطرب رددا\rيأوي إلى زهر كأن عيونه ... رقباء تعقد للأحبة مرصدا\rزهر يبوح به اخضرار ذباته ... كالزهر أسرجها الظلام وأوقدا\rويبيت في فنن توهم ظله ... بالصبح في عين القرارة مرودا\rقد خف موقعه عليه وربما ... مسح النسيم بعطفه فتأودا\rوقال الفقيه أبو الحسن بن زنباع:\rومن يطفي بنزر الماء ناراً ... فليس يزيدها إلاّ اتقادا\rوقال أبو جعفر التطيلي:\rتنافس الناس في الدنيا وقد علموا ... أن سوف تقتلهم لذاتها بددا\rتبادروها وقد آذتهم فشلاً ... وكلثروها وقد أحصتهم عددا\rقل للمحدث عن لقمان اة لبدٍ ... لم يترك الموت لقماناً ولا لبدا\rولا الذي همه البنيان يرفعه ... إنَّ الردى لم يغادر في الشرى اسدا\rما لابن آدم لا تفنى مطالبه ... يرجو غداً وعسى إلاّ يعيش غدا؟\rوقال الآخر:\rباح مجنون عامرٍ بهواه ... وكتمت الهوى فمت بوجدي\rفإذا كان في القيامة نودي: ... من قتيل الهوى؟ تقدمت وحدي!\rوقال الآخر:\rيقولون: إنَّ الحب كالنار في الحشى ... لقد كذبوا فالنار تذكو وتخمد\rوما هو إلاّ جذوة مس عودها ... تسعر قلبا للمشوق وتوقد!\rوقال الآخر:\rأمسك ملامك عني إنني كمد ... إذ لم تجد في الهوى يوما كما أجد\rإنَّ لم تصدق دموعي في الذي شهدت ... فأنظر إلى جسدي إنَّ كان لي جسد\rيا ويح أهل الهوى إني لأرحمهم ... تبلى الجسوم وأثواب الهوى جدد\rلولا ترحمهم أيقنت انهم ... يشقون دهرهم أضعاف ما سعدوا!\rوقال الآخر:\rكفى حزنا إني مقيم بلذةٍ ... وأحباب قلبي نازحون بعيد\rأقلب طرفي في الديار فلا أرى ... وجوها لأحبابي الذين أريد!\rو قد قلت في غرض الباب قصيدة، فرأيت إنَّ أثبتها هنا، وإنَّ كان فيها بعض ول، وهي:\rأبى الدهر إلاّ أنَّ يجوز على القصد ... وأنَّ يعكس الآمال في كل ما يبدي\rويبسط بين الفرقدين يد النوى ... ويدني الثريا من سهيل على بعد\rويسمو بالوهد الحضيض على الذرى ... ويسفل بالطود السمي على الوهد\rويستبدل البردي في الطعن بالقنا ... وغصن النفى الأملود بالصارم الهندي\rوأنَّ يجعل العقبان في الجو طعمة ... لورقاء والضبعان مفترس الأسد\rويهدي بالضب القطاة ركية ... على العشر والسمع النتائف بالخلد\rويرفع أقدار اللئام على الألى ... لهم فدم في المجد والشرف العد\rويلوي تدبير الورى كل مائقٍ ... وفضل الغنى كل امرئ شكس نكد\rأجل إنّها الأحداث تجري مدارة ... مقاليدها في قبضة الصمد الفرد!\rمقادير منه أبرمت عن مشيئةٍ ... قديما وعن علم محيط وعن قصد\rوعدل وأحكام مبين وحكمة ... تحار النهي في نيل فياضها المد\rوليست بما تهوى النفوس صروفها ... ولا حذر المحتال في صرفها يجدي\rولا يحرم الوفر الفتى بجهالةٍ ... وعجز ولا يحظى بعقل ولا كد\rولكنها الأرزاق أعددن للفتى ... قديما على قدر الشقاوة والجد\rفكائن رأينا من حليم مفتر ... عليه وغمر بات في عيشةٍ رغد\rأراني عروفا بالزمان فمن يكن ... كمثلي لم يصبح على الدهر ذا نقد\rولم يبتئس إنَّ مسه بمضوفةٍ ... ولم يزه بالدنيا إذا فاز بالوجد\rوقد قرعتني الحادثات فلم تلن ... قناتي لغمز من شابها ولا لهد\rوما رسنني حتى نزعن عن امرئٍ ... بعيد الهوى ثبت الحشا حازم جلد\rإذا ظفرت كفاه لو يزه فاخراً ... وإنَّ نيل لم يضرع ولم يمس ذا وجد\rفأصبحت لا آسى على فقد هالكٍ ... ولا يعتريني بين غانية رأد\rولا أبتغي امرئ عن تكلف ... وإنَّ كان حسن العهد ديني لذي ود","part":1,"page":266},{"id":267,"text":"ولو ملني من الدهر معصمي ... لفارقته طوعا ولم يشكه عضدي\rورب غبي يزدريني إنَّ رأى ... شحوبي من حادث آونةٍ لد\rولم يدر أنَّ الأجرد النهد فضله ... بإحضاره لا باللجام ولا اللبد\rوأنَّ الحسام الهندواني إنّما ... بمضربه يعتام لا جده الغمد\rوأنَّ وراء الوهم لن يبق عزة ... عليه إذا ما قاده أصغر الولد\rالوهم: الجمل العظيم الذلول، ورواؤه: منظره.\rوإنَّ براٍ الهدهد التاج وهو لم ... يفز بالذي للباز والنسر من مجد\rوإنَّ بهار الدفل كالورد منظراً ... وحسنا وبعد الخبر محمدة الورد\rوغمر جهول يرتجي نيل منصبي ... رجاء حضيض أنَّ سيرقي إلى النجد\rيصبو إلى ما نلته مثل ما صبا ... حصور إلى ما نيل من عذر الخرد\rويسعى إلى إدراك شأوي كما سعت ... أتان خريع خلف صافنةٍ جرد\rوغرته مني لينة وبشاشةٍ ... كما غر غمراً كشرة الأسد الورد\rومن مد للبدر المنير يمينه ... ليمسكه فيلبسن ضيعة المد!\rوذي ثروة يستأمني بلعاعةٍ ... ليقتادني قود الوديق إلى الورد\rولم يدر إني أجتوي الأري شابه ... هوان وأستحلي بعز جنى الهبد\rوأنَّ لست للباغي ضيما بمصحب ... ولا باذل ماء وجهي على شكدِ\rوإني لو أرتاد ما ضاق مذهبي ... بحول ولم يصلد لمفلقة زندي\rولكن صون النفس عن كل موردٍ ... تهان به أحظى بعزته عندي\rوإني لفضاض السجايا دميثها ... لالفي ونشاب إذا شئت اللغد\rوأنَّ لساني الصبر ما لم أزمه ... وإنَّ كان أحلى للودود من الشهد\rوإني لو هاجيت دان أبن غالبٍ ... لأمري ولم يعرض لسيلي فتى العبد\rولو ثلاث هن أجررن مقولي ... عن الشر وائتمت به جدد الجد:\rفمنها تحاشى أنَّ يمر به الخنا ... فإن الخنا من شيمة الدانيء الهد\rومنها تجافي أنَّ أناصب معشرا ... لئاما فمن لؤم مناصبة الوغد\rومنها التحامي عن وعيد التي إلى ... مداها جميع العالمين على وخد\rوما المرء إلاّ حيث حل برحله ... فكن نازلا بالنفس في يفع الحمد\rوكن رابئا عن كل ورد دنيةٍ ... بنفسك تغشاه مع الشرع الورد\rوحم بجانب الورد إنَّ كنت صاديا ... فإنَّ تسرب فلتوله صفحة الصد\rكما أعرضت كدر عن الماء عندما ... توجسن ذعرا فانثنين على جهد\rولا تك كالعير الوديق يؤمه ... فيحلأ عنه بالهراوى وباللكد!\rفإنَّ حايض العز تغشى سخينة ... وإنَّ حايض الذل تقلى على برد\rوما ضيم غير الفقع يوطأ بمنسمٍ ... على قرقر من غير نكر ولا رد\rوغير تريك بيضة بلدية ... وغير أتان الحي تعصى أو الود\rوكن حافظا بالغيب والسخط والرضى ... لعهد مصافيك الهوى دائم الود!\rألم بنا إلمامة بعد هداةٍ ... من الليل طيف من أميمة أو هند\rسرى ورواق من دجى الليل منطب ... بما لو سرته الريح ضلت من البعد\rفلم أر مثل الطيف جواب لاحبٍ ... بلا سائق يحدو ولا سابق يهدي\rولا والجا لا يغلق الباب دونه ... ولا يتلقى منه بسرور ولا سد\rوأمن من لحظ الرقيب وريبه ... إذا زار ونه الرقيب على رصد!\rفهيج أشجانا من القلب وانثنى بلا طائل منها عتيد ولا وعد\rبأسرع من لحظ الجفون إذا رنا ... إليك وبالبرق والوميض من الرعد\rفيا ليت شعري والحوادث جمة ... وعهد الغواني كالسراب على صلد!\rأقامت على ما بيننا من صبابةٍ ... أميمة أم غيت مودتها بعدي؟\rفخال من الأخدان كل مساعدٍ ... على أي حالٍ خضته صادق العهد\rحليم غضيض الطرف عما يربيه ... سليم الحشا من هاجس الضغن والحقد!\rفإنَّ وداد المرء كالظل زائل ... إذا لم يكن بين الجوانح عن عقد\rوإنَّ حبال الوصل منقوضة العرى ... إذا لم تكن في القلب محكمة المسد\rوإنَّ بناء شدته وأشتده ... لواهٍ إذا لم يرس عن ثابت العمد\rوإنَّ ركيا ردته ووردته ... لغور إذا لم يزك من باطن المد\rفهل تستوي عادية بخميلةٍ ... بها الماء عد دائم بحسى ثمد؟","part":1,"page":267},{"id":268,"text":"وإنَّ أليف المرء إلف مشاكل ... وأحسن شيء ضمك الند للند\rولا تطمعن من غير شكل مودة ... تودم ويجني الود فيها على الود!\rفإنَّ السجايا في الأنام سوية ... وشتى وبدع صحبة الضد للضد\rوانك ما أبصرت أسداً أليفة ... لحمر وغربانا تحن إلى العفد\rوما المرء إلاّ أبن الثرى فمراحه ... وإنَّ عاش أزمانا إلى ذلك المهد\rوعمر الفتى المضمار بينا جواده ... يباري مداه إذ هوى في هوى اللحد\rوبينا الفتى يزهو بمال وأسرةٍ ... إذا هو يشجى بالرزايا وبالفقد\rإذا ما سمعت الدهر عولة حائر ... فكن حائر فكن راصد أمثالها إنّها تعدي\rو قلت أيضاً:\rأستغفر الله قد ضيعت نحوكم ... خطا وذلك من أخطائي السددا\rسلكت فيها خباراً بل وطئت بها ... شوك القتاد ولم أسلك بها جددا\rلو كنت أعلم ما ألقى ببابكم ... جعلت تصفيد رجلي دونكم صفدا\rوقال الآخر:\rإنَّ وصفوني فناحل الجسد ... أو فتشوني فأبيض الكبد\rأضعف وجدي وزاد في سقمي ... أنا لست أشكو الهوى إلى أحد\rأهٍ من الحب أهٍ من كبدي ... إنَّ لم أمت في غد فبعد غد\rجعلت كفي على فؤادي من ... حر الهوى وانطويت فوق يدي\rكأن قلبي إذا ذكرتكم ... فريسة بين ساعدي أسد!\rوقال الآخر:\rتغرب أمري فانفردت بغربة ... فصرت فريدا في البرية أوحدا\rتسرمد وقتي فكيف فهو مسرمد ... وأفنيت عني فصرت مجددا\rوقال الآخر:\rلو كنت املك طرفي ما نظرت به ... من بعد فرقتكم يوما إلى أحد\rولست أعتده من بعدكم نظراً ... لأنه نظر من ناظري رمد\rوقال الآخر:\rتزود من الدنيا النقاخ ولن ترى ... بوادي الغضا ماء نقاخا ولا وردا\rونل من نسيم ألبان والرند نفحة ... وهيهات وادٍ ينبت ألبان والرندا!\rوكرر إلى تجدٍ بطرفك أنه ... متى تغد لا تنظر عقيقا ولا نجدا!\rوقال الآخر:\rأكلف القلب أنَّ يهوى وألزمه ... صبرا وذلك جمع بين أضداد\rوأكتم الركب أوطاري وأسأله ... حاجات نفسي لقد أتعبت روادي\rهل مخبر عنده من منكر خبر ... وكيف يعلم حال الرائح الغادي؟\rفإنَّ رويت أحاديث الذين مضوا ... فعن نسيم الصبا والبرق إسنادي\rوقال الآخر:\rزعموا أنَّ من تباعد يسلو ... ولقد زادني التباعد وجدا\rإنَّ وجدي بكم وإنَّ طال عهدي ... وجد يعقوب حين فارق عهدا\rخليلي إنَّ الجزع أضحى ترابه ... من الطيب كافورا وأغصانه رندا\rوأصبح ماء البحر خمراً وأصبحت ... حجارة دراً وأوراقه وردا\rوما ذاك إلاّ إنَّ مشت بجانبه ... أميمة أو جرت بتربته بردا\rو هذا الشعر يتمثل به السادات في انخراق العوائد واستحالة الأشياء ببركة من جاورها ومسها أو استدعاها من الصالحين.\rوذكر صاحب التشوف رحمه الله تعالى عن بعض الناس قال: كنت أتوضأ في البحر على قرب من الشيخ أبي عبد الله الصنهاجي، المعروف بابن أمغار. قال: وكان أبو عبد الله شرع في الوضوء من البحر، فتطعمت ماء البحر فوجدته حلوا، فقلت له: يا أبا عبد الله، إنَّ ماء هذا البحر حلو! فقال لي: هو كما قلت! وقال بعض الناس: كنت بالحرم الشريف مكة، فخرجت وقت السحر لأشرب من زمزم، فوجدت شيخا قد أخذ الدلو فشرب وأفضل، فوجدت الماء أحلى من العسل والسكر. فلما كان الغد، خرجت في ذلك الوقت أيضا إلى زمزم، فوجدت صاحبي. فلما شرب، أخذت الفضلة، فتعلقت به وقلت: سألتك بالله إلاّ أخبرتني من أنت! قال: أنا سفيان الثوري، واستر علي!","part":1,"page":268},{"id":269,"text":"وحدث صاحب التشوف أيضاً عن بعضهم قال: مررت بالشيخ أبي موسى الدكالي السلاوي المشهور، وهو يأكل عسلوجا من عسالج الكلخ. فناولنيه فأكلته فوجدته طيبا. وعن أبي الحسن الأنصاري، المعروف بابن الصائغ، قال: زرت الشيخ أبا يعزى، فلما كان غروب الشمس خرجت للضوء مع جماعة، فبعدنا عن القرية، فحال الأسد بيننا وبين القرية. فقيل للشيخ أبي عز: حال الأسد بين أصحابك وبين القرية. فأخذ الشيخ عصاه بيده وجعل يضرب الأسد، ففر أمامه وقربنا منه، فجعل يأكل عيون الدفلى، فقال لترجمانه: قل لأبي الحسن: ما تقولون انتم معشر الفقهاء فيمن يأكل الدفلى؟ فقلت له: قل له: يقولون: من أكل الدفلى طرد الأسد! فأعلمه الترجمان بقولي، فرأيته يبتسم.\rومن هذا ما حدثني به بعض الثقات، وإنَّ بساحل حاحة، عند ضريح الشيخ أبي العباس أحمد الهشتوكي، المعروف بالسائح، تلميذ الشيخ سيدي سعيد بن عبد المنعم المناني. قال: حدثني فلان وكان أصحاب أبي العباس قال: جئت مع أبي العباس عند هبوطه إلى هذا الساحل، فأتينا على مصلى الشيخ محمد بن سليمان الجزولي، وكان مصلاه معروفا هناك بشاطئ البحر يزار. قال: فأقمنا في المصلى يومين أوقال ثلاثة. واحسبه قال - قال: لا نطعم شيئاً حتى أحسست بجوع شديد. فقال لي أبو العباس: قم إلى الضرو فخذ لنا من أوراقه! والضرو شجر معروف أوراقه أمر شيء. قال فقمت إلى الشجرة منها، فملأت حجري من الورق، وجئت به إليه فطرحته أمامه وأحسبه قال - قال: فحركه، فعاد زبيبا ولوز. قال: فأكلنا حتى اكتفينا. فلما قمنا من ذلك الموضع ومررنا على قرب من موضع الشجرة، تركت الشيخ حتى أدبر، فانسللت منه وأتيت الشجرة، فاقتطفت قبضة من أوراقها وجعلتها في فمي ومضغتها، فوجدتها أمر شيء، فمججتها، واتبعت الشيخ فأدركته يتوضأ في شعب هنالك. فلما رآني جعل يبتسم وقال لي: أفعلت كيت وكيت؟ قلت نعم! فقال لي ما معناه: أفتحسب أنَّ لا اله إلاّ الله في أفواه الرجل سواء؟ وقد وقع مثل هذا لإبراهيم بن أدهم. وحكايات الصالحين في نحو هذا لا تنحصر، وإنّما أردنا أنَّ نتبرك ببعض ذلك، نفعنا الله بمحبتهم وحشرنا في زمرتهم! وهذا القدر يكفي، والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل.\rباب الذال المعجمة\rالذئب يغبط بذي بطنه.\rالذئب معروف، مهموز، ويترك همزه تخفيفا؛ والأنثى ذيبة. والغبطة: المسرة، وتكون للحسد تارة، وهو أن يتمنى إنَّ يعطى ما للغير من النعمة مع زوالها عن الغير وهو مذموم، وتارة لا مع محبة زوالها عن الغير وهو المحمود. والغبطة بهذا المعنى خلاف الحسد. ويقال: غبطة يغبطه كضربة يضربه، وغبطة يغبطه كسمعة يسمعة؛ غبطة. والبطن معروف وذو البطن: صاحب البطن، وهو ما فيه.\rومعنى المثل إنَّ الذئب يضن به أبدا الشبع والبطنة لمّا يروى من عدوه على الناس والمواشي، ولا يظن به الجوع، وإنَّ كان مجهودا من الجوع. فيضرب للرجل يتهم بالمال ولا مال له.\rومثل هذا قول الشاعر:\rومن يسكن البحرين يعظم طحاله ... و يغبط بما في بطنه وهو جائع\rو نحو هذا في أمثال العامة قولهم: من رأى الجمل الأبيض ظنه كله شحما.\rذياب في ثيابٍ.\rالثياب جمع ثوب. وهذا المثل مشهور في ذم الناس وانهم كالذياب مكراً وخداعا وإنَّ كانوا في الصورة خلافها.\rوروي إنّه لمّا ولد عبد الله بن الزبير، رضي الله عنهن نظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال: هو، هو! فلما سمعت بذلك أمه أسماء، رضي الله عنها، أمسكت عن إرضاعه. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أرضعيه ولو بماء عينيك، كبش بين ذياب، وذياب عليها ثياب، ليمنعن البيت أو ليقتلن دونه! انتهى. وفي حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذم علماء السوء إنّه أوحى الله تعالى إلى بعض الأنبياء: قل للذين يتفقهون لغير العمل، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة يلبسون الكباش وقلوبهم كقلوب الذياب، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، إياي يخدعون، وبي يستهزئون، لأتيحن لهم فتنة تدع الحليم فيهم حيران. انتهى.\rقال الشاعر:\rوأنت كجرو الذيب ليس بآلف ... أبى الذيب إلاّ إنَّ يخون ويظلما!\rالذيب يكنى أبا جعدة.","part":1,"page":269},{"id":270,"text":"الذيب مر، والكنية والكنوة بضم الكاف وكسرها فيهما: الاسم. وكنيت الرجل أبا فلان، وكنيته بالتضعيف، وأكنيته، كنيته بالكسر والضم سميته به. وكنيته بابي فلان أيضاً. وأبو جعدة: كنية الذيب. ويقال: أبو جعادة أيضاً. قال الشاعر:\rفقالت له: يا أبا جعادة إنَّ تمت ... تمت سيئ الأخلاق لا تتنقل\rو كني الذيب أبا جعدة، وإنَّ لم تكن له بنت تسمى بذلك. ومن ثم قال الكميت يصفه:\rومستطعم يكنى بغير بناته ... جعلت له حظا من الزاد أوفرا\rو الجعدة يكون وصفا للمؤنث، من الجعودة في الشعر، ضد البسوطة، والمذكر جعد. والجعد أيضاً الثرى الندي. وقول امرئ القيس:\rويأكلن بهمى جعدة حبشية ... و يشربن برد الماء في السبرات\rأراد به الندية، أي بهمى ندية حبشية، أي شديدة الخضرة تضرب إلى السواد. ورجل جعد: كريم أو بخيل. وجعد اليدين: بخيل. والجعدة أيضاً نبت ينبت على شاطئ الأنهار، وهو المراد في المثل. ويقال إنّه نبت طيب الريح، ينبت في الربيع ويجف سريعا. والجعدة أيضاً: الشاة. فقيل كني الذئب بها لكثرة افتراسه إياها، وقيل: كني أبا جعدة لأنه بخيل يقال له الجعد كما مر. وانشدوا: أخشى أبا جعد وأم العمر يعني الذيب. وقيل من النبت السابق.\rومعنى المثل أنَّ الذيب كنيته حسنة وفعله خبيث منكر. يضرب للرجل يظهر لك إكراما وهو يريد بك غائلة.\rويروى هذا المثل أيضاً: هي الخمر تكنى الطلاء كما الذيب بكنى أبا جعدة.\rويحكى إنّه لعبيد بن الأبرص لمّا هم المنذر بن ماء السماء بقتله قال له عبيد: وقالوا:\rهي الخمر تكنى الطلا ... كما الذيب يكنى أبا جعدة\rويروى:\rهي الخمر يكنوها بالطلا ... كما الذيب يكنى أبا جعدة\rأي إنّه يظهر لي الإكرام وهو يريد قتلي، كما إنَّ الخمر وإنَّ سموها الطلاء وحسنوا أسمها ففعلها قبيح. وكذا الذئب وإنَّ كان اسمه حسنا فإنَّ فعله قبيح. ويحكى عن أبن الزبير سئل عن المتعة فقال: الذيب يكنى أبا جعدة. والمعنى أنَّ المتعة حسنة الاسم قبيحة المعنى، لأنها طلاق، كما أن الذئب حسن الاسم قبيح المعنى.\rذكرتني الطعن وكنت ناسيا.\rالذكر والتذاكر: الحفظ للشيء، وذكره وتذكره إياه بالتضعيف، وأذكرته. وما زال مني على ذكر بالضم والكسر أي تذكر. والطعن: الضرب بالرمح أو نحوه، والوخز به، طعنه بالفتح يطعنه بالفتح والضم طعنا: ضربه، فهو مطعون وطعين، والنسيان ضد الحفظ، نسي الأمر بالكسر ينساه، نسيا ونسيانا ونساوة بكسر الثلاثة ونسوة بالفتح: ضد حفظه؟ وهذا المثل يضرب في ذكر الشيء بغيره، وفي الرجل يسمع كلمة فيتذكر بها شيئاً. وأصله فيما يقال إنَّ رجلا حمل على آخر ليقتله، وكان مع المحمول عليه الرمح، فنسيه دهشا، فقال له الحامل: ألق الرمح! فقال عند ذاك: ذكرتني الطعن وكنت ناسيا أي ذكرتني ما اطعن به: أو ذكرتني الطعن بتذكير الرمح الذي أطعن به فذهبت مثلا. ثم كر عليه فهزمه.\rويقال إنَّ الحامل في هذا القصة هو صخر لن عمرو بن الشريد، والمحمول عليه هو يزيد أبن الصعق. وقد ذكر ذلك أبو عبيد، إلاّ إنّه قال: فكر عليه فقتله أو هزمه على الشك فوهمه البكري بما ثبت من أنَّ صخرا إنّما مات بطعنة ربيعة بن ثور الأسدي. وسيأتي لنا ذكر قصته، إن شاء الله تعالى.\rويروى أيضاً إنَّ رهيم بن حزم الهلالي عرج بأهله وماله يريد النقلة في بلاد من أرض إلى أرض. فبينما هو يسير إذ لقيه ثلاثون رجلا من تغلب، فقال لهم: يا بني تغلب، شأنكم بالمال وخلوا الظعينة! فقالوا: قد رضينا إنَّ ألقيت الرمح! فقال: وإنَّ لرمحي لمعي! فقتل رجلا وصرع آخر وقال ذلك.\rذكر ما فات يكدر الأوقات.\rوهذا مثل مصنوع فيما أظن، وهو ظاهر المعنى، وقريب من قولهم: ذكر أيام الجفاء في أيام الصفاء جفاء.\rمذكية تقاس بالجذاع.\rالمذكي من الخيل: المسن الذي جاوز القراح بعام، كما مر في الجيم. والجذاع جمع جذعة وهو الصغير السن، والقياس: اعتبار الشيء بالشيء وإلحاقه به في أمر. وهذا المثل يضرب عند الخطأ في التشبيه وقياس الكبير بالصغير. واشتهر في هذا المعنى على ألسنه الناس قولهم:\rقياس البيض على الباذنجان.","part":1,"page":270},{"id":271,"text":"وزعموا إنَّ أصله رجلا كان ساق إلى آخر باذنجانا أو نحوه، فوجد مسكنه مغلقا ولم يجد صاحبه هناك، فلم يمكنه إنَّ يدخل إلى المسكن ما أتى به. فلما جاء صاحبه قال له: إذا جئت بشيء من ذلك فأرمه من الخوخة إلى البيت قم إنّه يوما اتفق لهذا أنَّ جاء ببيض فرماه من الخوخة، عملا بوصية صاحبه وظن إنَّ البيض والباذنجان سوء. فوقع البيض وانكسر وفسد، وذهب ذلك مثلا.\rأذكى من إياس.\rالذكاء سرعة الفطنة: يقال ذكي الرجل يذكى كرضي يرضى، وذكى يذكى كسعى يسعى، وذكو يذكو ككرم يكرم ذكاء بالمد فهو ذكي.و إياس بوزن كتاب هو إياس بن معاوية بن قرة، قاضي البصرة. كان أعجوبة الزمان في الذكاء وسرعة الجواب. ومن ثم قال أبو تمام.\rإقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس\rولذكاء إياس وفراسته وفطنته أخبار عجيبة وحكايات غريبة. ومن أوّل ما كان يعرف به من ذكائه إنّه دخل الشام وهو صغير ونازع رجلا في أمر وقدمه إلى القاضي عبد الملك بن مروان، وكان القاضي يعرف الرجل فقال لإياس: أما تستحي إنَّ تقود شيخا كبيرا؟ فقال: الحق اكبر منه! قال القاضي: اسكت! قال إياس: فمن يتكلم بحجتي إذا سكت؟ فقال له القاضي ما أظنك تتكلم بحق حتى تقوم. قال إياس: أشهد أن لا إله إلاّ الله وإنَّ محمّد رسول الله! فوثب القاضي قائما ودخل على عبد الملك فأخبره خبره. فقال له عبد الملك أقض حاجته! وأصرفه عن الشام لا يفسد علينا الناس! ثم ولي القضاء في خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وكان سبب ذلك إنَّ عمر بعث رجلا من أهل الشام فقال له: اجمع بين القاسم وربيعة وإياس، فول القضاء أيهما انفذ! فجمع بينهما وتمنع كل منهما. فقال إياس للشامي وعن القاسم فقيهي المصر:الحسن وأبن سيرين! فعلم القاسم إنّه إنَّ سألهما أشارا به. فقال للشامي: لا تسل! فوالله الذي لا إله إلاّ هو إنَّ إياس لأفضل مني وأعلم بالقضاء. فإنَّ كنت ممن يصدق فينبغي لك إنَّ تصدق قولي، وإنَّ كنت كاذبا فما يحل لك أنَّ توليني القضاء وأنا كاذب! فقال إياس للشامي: إنك جئت رجل فأقمته على شفير جهنم، فافتدى نفسه من النار بيمين كاذب سيستغفر الله غز وجل منها وينجو من النار. فقال الشامي: أما إذ فطنت لها فأنا أوليك القضاء. فاستقضاه. وكان إياس قيل له: إنَّ فيك عيبين: إعجابا بقولك وعجلة في الجواب. فقال: أما الإعجاب، أليس يعجبكم ما أقول؟ قالوا: بلى! قال: فأنا أحق بالإعجاب بقولي، وأما العجلة، فكم هذه؟ وأمد أصابع يده فقالوا: خمس قال: عجلتم الجواب ولم تعدوها إصبعاً، إصبعاً. قالوا: وكيف نعد ما نعلم؟ قال: كذلك أنا في الحكم! وسيأتي شيء من أخباره وفراسته بعد، إن شاء الله تعالى.\rذليل عاذ بقرملةٍ.\rالذل ضد العز، ذل الرجل يذل فهو ذليل، والعياذ: الالتجاء، ويقول: عاذ به يعوذ بذال معجمة عوذا وعياذا ومعاذا ومعاذة. والقرملة شجرة ضعيفة لا شوك لها، تنفتح إذا وطئت، والجمع قرمل. قال الشاعر:\rقتيلان لا تبكي المخاض عليهما: ... إذا شبعت من قرمل وأفان\rو هذا المثل يضرب في الضعيف يلتجئ إلى أضعف منه أو مثله، والذليل يأوى إلى أذل منه. قال جرير:\rكان الفرزدق إذ يعوذ بخاله ... مثل الذليل يعوذ تحت القرمل\rو يقال أيضاً في المثل:\rضعيف عاد بقرملةٍ.\rومثله قول العامة: أستند المريض إلى المريض.\rأذل من بيضة البلد.\rالذل مر، والبيضة معروفة واحدة البيض؛ والبلد بفتحتين أدحي النعام، وهو حفرة يتخذها في الأرض لبيضه. قال علقمة يصف الظليم:\rحتى توافى وقرن الشمس مرتفع ... أدحي عريسين في البيض مركوم\rو بيضة البلد يقال بيضته التي يتركها فيه، ضرب بها المثل في الذلة لأنها لا تمتنع من كل من ظفر بها، كما قيل: فقع القرقر، على ما يأتي. قال الشاعر:\rلو كنت من أحد يهجى هجوتكم ... يا بن الرقاع ولكن لست من أحد\rتأبى قضاعة أنَّ تدري لكم نسبا ... و ابنا نزار فأنتم بيضة البلد\rو جوز أبو عبيدة في قولهم: كان فلان بيضة البلد أنَّ يراد به المدح على ما قيل في بيضة القعر، كما سيأتي. وزعم البكري إنّه قد ضرب هذا ثلا للمنفرد عن أهله وأسرته، فلا يكون مدحا ولا ذما، وانشده:\rلو كان حوض حمار ما شربت به ... إلاّ بأذن حمار أخر الأبد","part":1,"page":271},{"id":272,"text":"لكنه حوض من أودى بأخوته ... ريب الزمان فأضحى بيضة البلد!\rو فيه نظر: لأنَّ الشاعر يخبر بأنه قد هان وذل بذهاب اخوته وأنصاره، لا بمجرد فقد الأنصار وإنّه منفرد.\rأذل من حمارٍ.\rالحمار معروف، وهو يوصف بالذلة والهوان، كما يوصف بالجهل والبلادة. قال الشاعر:\rولا يقيم على الضيم يراد به ... إلاّ الأذلان: عير الحي والوتد\rهذا على الخسف مربوط برمته ... و ذا يشج فلا يرثي له أحد\rو الخسف: الهوان، كما قيل:\rحراجيح ما تنفك إلاّ مناخة ... على النفس أو نرمي بها بلدا قفرا\rو الزمة: القطعة من الحبل. وقوله في الوتد، يشج أي يضرب على رأسه، فلا يرثي له أحد، أي لا يرق له أحد ولا يحمه، ومثله قول عبد الرحمان بن حسان بن ثابت الأنصاري يهاجي عبد الرحمن بن الحكم بن العاصي الأموي:\rفأما قولك: الخلفاء منا ... فهم منعوا وريدك من وداج\rولولاهم لكنت كركب بحرٍ ... هوى في مظلم الغمرات داج\rوكنت أذل من وتد بقاع ... يشج رأسه بالفهر واج\rو لمّا وقع هذا بينهم كتب معاوية، رضي الله عنه، إلى مروان بن الحكم إنَّ يؤد بهما، وكانا قد تقاذفا. فضرب عبد الرحمن بن حسان ثمانين، وضرب أخاه عشرين. فقيل لعبد الرحمن بن حسان: قد أمكنك في مروان ما تريد، فشنع أمره وارفعه إلى معاوية! فقال: إذا، والله، لا أفعل، وقد حدني كما يحد الرجال الأحرار، وجعل أخاه كنصف عبد، فأوجعه بهذا الكلام.\rأذل من حمار قبان.\rويقال: عير قبان دويبة صغيرة من دواب الأرض؛ وقبان بفتح القاف والباء المشددة، على وزن فعلان، من قب، وكأنه من القبب وهو ضمور البطن. قال الشاعر:\rيمشين مشي قطا البطاح تأود ... قب البطون رواجح الأكفال\rو ذلك لضمور بطنه. والدليل على إنّه فعلان منع الصرف فيه. قال الشاعر:\rيا عجبا لقد رأيت عجبا: ... حمار قبان يسوق أرنبا\rخالطها يمنعها أن تذهبا ... فقال: أردفيني! قالت: مرحبا!\rو لو كان فعلا لصرفه إلاّ أن يلاحظ فيه تركيبا.\rأذل من السقبان بين الحلائب.\rالسقبان بالضم جمع سقب بفتح فسكون، وهو ولد الناقة مطلقا أو ساعة يولد. قال علقمة:\rرغا فوقهم سقب السماء فداحص ... بشكته لم يستلب وسليبُ\rأراد أبن ناقة ثمود والأنثى سقبة. وقيل: السقب مخصوص بالذكر ولا يقال للأنثى سقبة وإنّما يقال لها حائل وأمها أم حائل كما مر. وجمع السقب: أسقب وسقوب وسقاب وسقبان. وناقة مسقاب إذا كانت عادتها أن تلد السقبان. قال الراجز: غراء مسقاب لفحل أسقب.\rوالحلائب جمع حلوبة والحلوبة من النوق المحلبة. قال الشاعر يرثي رجلا:\rيبيت الندى يا أم عمرو ضجيعه ... إذا لم يكن في المنقيات حلوبُ\rو جمع الحلوب والحلوبة الحلائب. وضربوا المثل بالسقبان بين الحلائب أي بين النوق التي تحلب لأنها تقبض وتردد وتدفع وتشدد فينالها الهوان والصغار.\rأذل من فراشٍ.\rالفراش بفتح الفاء وتقدم في حرف الخاء.\rأذل من فقع بقرقرةٍ.\rالفقع بفتح فسكون الكمأة البضاء الرخوة وتكسر الفاء. وجمع الكل فقعة كعنبة قاله الجوهري. والقرقرة والقرقر:الأرض المطمئنة اللينة فيقال للذليل أذل من فقع بقرقرة وهو فقع بقرقرلأنه لا يتمنع على من يجتنبه أو لأنه يوطأ بارجل الناس والبهائم ويمتهن. وينسب للنابغة بهجو النعمان بن المنذر:\rحدثوني بني الشقيقة ما ... يمنع فقعاً بقرقر أن يزولا؟\rوقال بعض العرب لقوم: ما أنتم إلى ريف فتأكلوه، ولا إلى فلاة فتعصموه ولا إلى وزر فينجيكم! فأنتم نهزة لمن رامكم ولعقة لمن قصدكم وغرض لمن رماكم كالفقعة الشرباخ يشدخها الواطئ ويذريها السافي. الشراخ الفاسدة المسترخية.\rذهبوا أيادي سبأ.","part":1,"page":272},{"id":273,"text":"الذهاب معروف يقال: ذهب بالفتح يذهب ذهابا والأيادي جمع أيد والأيدي جمع يد وهو بمعنى الجارحة وبمعنى النعمة وبمعنى الطريق. وسبأ قيل أبو قبائل اليمن وهو لقب وأسمه عبد شمس بن يشجب بن يعرب وسمي سبأ قيل لأنه أول من سبى السبي. وقيل سبأ اسم أمهم وتسمى البلدة سبأ باسم سكانها وكانت أخصب بلاد الله كما الله تعالى: )جنتانِ عن يمينٍ وشمال(. قيل: وكانت مسافة شهر في شهر للراكب المجد يسير الماشي في الجنان من أولها إلى آخرها لا يفارقه الظل، مع تدفق الماء وصفاء الهواء واتساع الفضاء. فمكثوا مدة في أمن لا يعاني ملك إلاّ قصموه. وكانت في بدء الأمر تركبها السيول فجمع ملك حمير أهل مملكته وشاورهم فاتخذوا سدا في بدء جريان الماء ورصفوه بالحجارة والحديد وجعلوا فيه مخارق للماء. فإذا جاءت السيول انقسمت على وجه يعمهم نفعه في الجنات والمزروعات. ويقال بانيه لقمان بن عاد ووقع في شعر الأعشى أنَّ حميرا هو بناه حيث قال:\rرخام بنته لهم حمير ... إذا جاء ماؤها لم يرم\rفلما كفرو نعم الله تعالى ورأوا ملكهم لا يبيده شيء وعبدوا الشمس سلط الله على سدهم فأرة فخرقته وأرسل عليهم السيل فمزقهم الله كل ممزق وأباد خضراءهم كما قال في القرآن.\rفحكي أنه لمّا انتهى الملك إلى عمرو بن عامر المعروف بمزيقياء وسمي بذلك لأنه كان يلبس حلة حتى إذا أمسى مزقها أنفة من أن تعاد عليه أو يلبسها غيره أو لأنه مزق الأزد في البلاد. وكان أخوه عمران كاهنا فأتته كاهنة وأخبرته بدنو فساد السد وفيض السيل وأنذرته فقال لها: وما آية ذلك: فقالت: إذا رأيت جرذا يكثر بيده الحفر ويقلب برجليه الصخر فاعلم أنه قد اقترب الأمر. قال: وما الأمر؟ قالت: وعد من الله ينزل فيغيرك يا عمرو! ثم إنَّ عمرا يوما نظر في السد فرأى جرذا يقلب صخرة ما يقلبها خمسون رجلا. فرجع وهو يقول:\rأبصرت أمرا هاج لي برح السقم ... من جرذ كفحل خنزير أجم\rله مخاليب وأنياب قضم\rفأجمع على الخروج منها. واحتال في بيع ماله وإنَّ لا ينكر الناس عليه. فقال لابنه: إني صانع طعاما وداع إليه أهل مأرب، فأردد على كلامي إذا تكلمت! ففعل ورد عليه ابنه أقبح الرد، فتغاضب عمرو وصاح: واذلاه! يجيبني صبي! وحلف ألا يقيم ببلد فيه ضيم فيه. فجعل يبيع أمواله وقومه يقولون بعضهم لبعض: اغتنموا غضبة عمرو قبل إنَّ يرضى! واشتروا منه. فلما باع واجتمعت له أمواله أخبرهم خبر السد والسيل، وأجمعوا على الجلاء، فقال لهم عمران: إني أصف لكم بلدانا، فاختاروا أيّها شئتم، من كان منكم ذا غنم بعيد، وجمل غير شرود، فليلحق بالشرود، فليلحق بالشعب من كؤود! فلحق به همدان. ثم قال: ومن كان منكم ذا سياسة وصبر، على أزمات الدهر، فليلحق ببطن مر! فلحق به خزاعة. قال: ومن منكم يريد الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل! فنزلها الاوس والخزرج. قال: ومن كان يريد الخمر والخمير، والأمر والتأمير، فليلحق ببصرى وسدير! وهي أرض الشام. فلحق بها غسان. قال: ومن كان منكم يريد الثياب والرقاق والخيل العتاق، والذهب والأوراق، فليلحق بالعراق فلق بها ملك بن فهم الأزدي. وتخلف مالك اليماني في قومه حتى أخرجهم السيل منها، فنزلوا نجران وانتسبوا في مذحج، ودخلت جماعة منهم على معد، فأخرجتهم معد بعد حروب، ونزلوا بجبل السراة، على تخوم الشام. فلما تفرقت قبائل سبأ هذا التفرق، وتمزقوا هذا التمزق، ضربت العرب بهم المثل فقالوا: ذهب القوم أيدي سبأ وأيادي سبأ، أي تفرقوا في كل طريق ووجهة، إما على أنَّ اليد بمعنى الجارحة، لأنهم كانوا، إذ كانوا مجتمعين، يدا واحدة. فلما تفرقوا صارت اليد أيادي كثيرة؛ أو بمعنى النعمة، أي تفرقوا تفرق نعم سبأ، أو كائنين كنعم أهل سبأ، أو بمعنى الطريق، أي تفرقوا في كل طريق أهل سبا، حيث تمزقوا، وأيدي سبأ جعل اسما مركبا كمعدي كرب وسكنت الياء تخفيفا وإنَّ انتصب.\rذهبوا تحت كوكبٍ.\rهذا كالذي قبله في المعنى أيضاً، وهو التفرق، وألفاظه ظاهرة.\rذهب دمه أدراج الرياح.","part":1,"page":273},{"id":274,"text":"الذهاب مر، وكذلك الدم، والأدراج جمع درج بفتحتين وهو الطريق تقول رجعت أدراجي أي في الطريق الذي جئت فيه. والرياح جمع ريح، قلبت الواو ياء في المفرد والجمع لانكسار ما قبلها. وهذا المثل يقال في بطلان الشيء. فإذا قيل:ذهب دمه أدراج الرياح، أريد إنّه ذهب هدراً. والمعنى إنّه مسالك الرياح الذاهبة أو كان في مسالكها فنسفته وأذهبته. وكذا في غير الدم.\rذهبت هيف لأديانها.\rالذهاب مر، والهيف بالفتح ريح حارة تهب من نحو اليمن نكباء بين الجنوب والدبورز قال ذو الرمة: هيف اليمانية في مرها نكب وهي تيبس ما مرت به وتعطش الحيوان. الهيف أيضاً شدة العطش، والأول المراد والأديان جمع دين بكسر الدال وله معان كثيرة: منها العادة، وهو المراد هنا. قال امرؤ القيس:\rكدينك من أم الحويرث قبلها ... و جارتها أم الرباب بمأسل\rأي كعادتك. ويروي كدابك، بمعناه. وقال الآخر:\rتقول إذا درأت لها وضيني: ... أهذا دينه أبدا وديني؟\rو معنى ذهبت هيف لأديانها: ذهبت لعدتها، لأنها تجفف كل شيء. فيضرب عند تفرق القوم ليس لشأنه، أو لمن يلزم عادته. وقال أبو عبيد: يضرب في نظر الرجل لنفسه وإقباله على شهوته وهواه. وقيل إنّه يضرب الشيء إذا انقضى.\rالذود إلى الذود ابل.\rالذود بفتح الذال وسكون الواو بعدها دال مهملة، من الإبل ما بين الثلاث والعشر، مؤنث ولا واحد له، والجمع أذواد. قال النابغة:\rلعمرك ما خشيت على يزيدٍ ... من الفخر المضلل ما أتاني\rكأنَّ التاج معصوبا عليه ... لأذواد أصبن بذي أبان\rوقال امرؤ القيس:\rأرى المرء ذا الأذواد محرضا ... كإحراض بكر في الديار مريض\rو الإبل معروف، لا واحد له، وقد تسكن الباء. قال:\rألبان إبل تعله بن مسافرٍ ... ما دام يملكها علي حرام\rو الجمع آبال.\rوالمعنى أنَّ الذود وهي القليلة العدد مجموعة إلى ذود أخرى تكون إبلا. أو إلى بمعنى مع، أي الذود مع الذود. يضرب عند اجتماع القليل إلى القليل، وإنّه يكون كثيرا. وتقدم مثله.\rذلك الفحل لا يقدح انفه.\rذلك: إشارة إلى البعيد، شخصا كان أو مكانا. وأصله ذوي، أو ذيي، وعلى الخلاف المعروف في علم النحو؛ والفحل من الإبل معروف، ويكون في غيرها، والجمع فحول وفحال وفحالة. قال: فحالة تطرد عن شوالها والقدع بالدال المهملة: الكف والضرب. تقول: قدعت الفرس إذا كبحته؛ وقدعتالفحل إذا ضربت أنفه بالرمح حتى يرجع وذلك إذا كان غير كريم فيريد أن يطرق الناقة الكريمة فيضرب حتى يرجع. قال الشماخ:\rإذا ما استافهن ضربن منه ... مكان الرمح من أنف القدوعِ\rيصف حمارا يستاف أتنا أي يشمهن لأنَّ الاستياف والسوف هو الشم كما قال امرؤ القيس:\rعلى لاحبٍ لا يهتدي بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا\rومن ذلك سميت المسافة من الأرض لأنَّ الدليل يشم التراب ليعرف أين هو. وقوله: وكان الرمح أي المكان الذي يصيبه الرمح من أنف القدوع. والقدوع: المقدوع وهذا البناء يكون بمعنى مفعول أو بمعنى فاعل أيضاً. فمن الأول قولهم: دابة ركوب وناقة حلوب وحوار رغوث وفحل قدوع أي مركوبة ومحلوبة ومرغث ومقدوع؛ ومن الثاني قولهم: قدوع وركوب للدوابو ناقة رغوث أي قادع وراكب ومرغث. وقال الحجاج في خطبة له: أيها الناس اقدعوا هذه الأنفس فإنّها أسأل شيء إذا أعطيت وأمنع شيء إذا سئلت. فرحم الله امرءاً جعل لنفسه خطاماً وزماما فقادها إلى طاعة الله وعطفها بزمامها عن معصية الله! فإني رأيت الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه.\rوهذا المثل قاله ورقة بن نوفل بن خويلد لمّا قيل له إنَّ محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم خطب خديجة بنت خويلد فقال ورقة: ذلك الفحل لا يقدع أنفه أي كريم يروم كريمة فلا سبيل إلى التعرض له دونها وصده عنها وهو أشرف أكفائها. ويقال إنّه تمثل به فقط. ويقال: تمثل به أبو سفيان ن حرب لمّا خطب النبي صلى الله عليه وسلم ابنته أم حبيبة بنت أبي سفيان. فقيل له إنَّ محمدا تزوج ابنتك وأبو سفيان يومئذ مشرك فقال ذلك؛ غير أنَّ اللفظ المروي من كلام أبي سفيان هو: الفحل لا يقدع أنفه والله أعلم.\rومن هذا الباب قولهم:\rذهب دمه خضراً مضراً.\rبكسرها وسكون الضاد المعجمة أي هدراً.","part":1,"page":274},{"id":275,"text":"وقولهم:\rلأذهبن فإما هلك وإما ملكٌ.\rومعناه قول امرئ القيس:\rبكى صاحبي لمّا رأى الدرب دونه ... و أيقن أنا لاحقان بقيصرا\rفقلت له: لا تبك عينك إنّما ... نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا!\rو قولك:\rأذهل من صبٍّ.\rوالذهول: الغفلة والنسيان والصب: العاشق ذو الصبابة وهو لمّا به يغلب عليه ذلك.\rومما يجري على ألسنة القراء تمثلا قول الله تعالى إخبارا عن نبيه موسى عليه السلام:\rذلك ما كنا نبغِ.\rوينبغي أن يكون المتمثل بشيء نحو هذا أن يلاحظ فيه ما يلاحظ عند الاقتباس ليكون أحفظ للأدب وأبعد عن الإسفاف والتبذل وترك كله أحوط وأسلم.\rوقوله صلى الله عليه وسلم :\rذو الوجهين لا يكون عند الله وجيهاً.\rويحكى أنه لمّا نصب معاوية رضي الله عنه ابنه يزيد لولاية العهد أقعده في قبة حمراء. فجعل الناس يسلمون على معاوية ويميلون إلى يزيد حتى جاء رجل ففعل ذلك. ثم رجع إلى معاوية فقال له: يا أمير المؤمنين اعلم أنك لو لم تول هذا أمر المسلمين لأضعتها. وكان الأحنف بن قيس جالسا فقال له معاوية: مالك لا تقول يا أبا بحر؟ وهي كنية الأحنف. فقال الأحنف: أخاف الله إن كذبت وأخافكم إن صدقت. فقال معاوية: جزاك الله عن الطاعة خيرا! وأمر له بألوف. فلما خرج الأحنف لقيه ذلك الرجل بالباب فقال له: يا أبا بحر إني لأعلم إنَّ شر من خلق الله هذا وابنه ولكنهم استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب والأقفال. فلسنا نطمع في استرجاعها إلاّ بما سمعت! فقال له الأحنف: يا هذا أمسك! فإنَّ المجهين خليق أن لا يكون عند الله وجسها.\rوقول عمر رضي الله عنه:\rذلك الظن بك يا أبا إسحاق!\rوهو سعد بن أبي وقاص أحد العشرة رضي الله عنه لمّا شكاه أهل الكوفة فقال له عمر رضي الله عنه: إنهم شكوك في كل شيء حتى الصلاة! فقال: إني أفعل ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل أركد في الأولين وأحذف في الأخيرين. فقال عمر: ذلك الظن بك! وأما الشعر، فقال ضابئ:\rلكل جديد لذة غير إنني ... وجدت جديد الموت غير لذيذ!\rوقال الآخر:\rطلبت الجميع ففات الجميع ... فمن طول حرصك لا ذا وذا!\rغيره:\rما زال جيش الحب يغزو قلبه ... حتى وهى وتقطعت أفلاذه!\rوقال الصابئ:\rوالعمر مثل الكأس ير ... سب في أواخره القذا\rو منه قول أبن النبيه:\rخذ من زمانك ما أعطاك مغتبطا ... و أنت ناه لهذا الدهر آمره\rفالعمر كالكأس تستحلى أوائله ... لكنه ربما مجت أواخره!\rو يقال إنّه لمّا سمع أبن التعاويذي قول الصابئ، قال:\rمن شبه العمر كأسا يقر ... قذاه ويرسب في أسفله\rفإني رأيت القذى طافيا ... على صفحة الكأس من أوله!\rو من ذلك قول الفاضل:\rإليك بعد انقضاء اللهو واللعب ... عني فلم أربي ما يقتضي أربي\rفالعمر كالكأس والأيام تمزجه ... و الشيب فيه موضع الحبب\rأقول إذ فاض فيض فضته: ... يا وحشة لشباب ذاهب الذهبِ!\rو قول الخالدي:\rلقد فرحت بما عاينت من عدم ... خوف القبيحين من كبر ومن بطر\rوربما الأعمى بحالته ... لأنه قد نجا من طيرة العور\rولست أبكي على شيء منيت به ... يبكي على الشيب من يأسى على العمر\rوما بكيت زماني وهو يصعدني ... فكيف أشكره في حال منحدر؟\rوقال الشيخ أبن فارض، رحمه الله:\rأهوى رشا هواه للروح غذا ... ما أحسن فعله ولو كان أذى\rلم أنس وقد قلت له الوصل متى ... مولاي إذا مت أسى قال إذا\rوقال أبو نواس في مجونه، عفا الله عنا وعنه!\rوقائل: هل تريد الحج قلت له: ... نعم إذا فنيت لذات بغداد\rوكيف بالحج لي ما دمت منغمسا ... في بيت قوادةٍ أو بيت نباذ؟\rو مثله قول الآخر:\rألم ترني وبشار حججنا ... و كان الحج من خير التجارة؟\rخرجنا طالبي سفر بعيد ... فمال بنا الطريق إلى زرارة\rفآب الناس قد حجوا وبروا ... و أبنا موقرين من الخسارة!\rو نحوه ما يحكى أنَّ موسى بن داود الهاشمي عزم على الحج، فقال لأبي دلامة:","part":1,"page":275},{"id":276,"text":"احجج معي ولك عشرة آلاف درهم! فقال له: هاتها! فدفعها إليه فقبضها وهرب إلى السواد، فجعل ينفقها هنالك في شرب الخمر. فطلبه موسى فلم يجده وخشي فوت الحج فخرج. فلما شارف القادسية إذا هو بأبي دلامة خارجا من قرية إلى أخرى سكران. فأمر به فأخذوه وقيد وطرح في محمل بين يديه. فلما سار غير بعيد اقبل على موسى وقال:\rيا أيها الناس قولوا أجمعون معا: ... صلى الإله على موسى بن داود\rكأنَّ ديباجتي خديه من ذهبٍ ... إذا بذلك في أثوابه السود\rإني أعوذ بداود وأعظمه ... من أنَّ أكلف حجا يا أبن داود\rخبرت أنَّ طريق الحج معطشة ... من الشراب وما بتصريد\rوالله ما في من أجر فتطلبه ... و لا الثناء على ديني بمحمود!\rفقال موسى: ألقوه على المحمل، لعنه الله! فألقي به إلى قصفة بالسواد حتى أنفق المال. وقد قلت أنا قصيدة أكثرها يتعلق بالباب، فأثبت هنا، وهي:\rهام الفؤاد بسعدي بعدما نزحت ... و أصبح الصبر عنها وهو مجذوذ\rوالعين منها سوابق الدموع على ... ميدان خد رديات مهابيذ\rوأصبحت في الحشى من بينها حرق ... يصلى بها لن جراحات مغاذيذ\rكأنما القلب إذ بانت ركائبها ... من الجوى صلب في النار محنوذ\rوكنت قدما بها في روضة أنف ... من الوداد ثراها الدهر مرذوذ\rأيام ورد المنى عذب مشاربه ... و غصن الود مهصور ومجبوذ\rوإذ غفت مقل الأحداث وابتسمت ... سن المنى ولنا في الدهر تلميد\rفلم يدم والغواني عهد وصلتها ... آل: من أغتر منه فهو موقوذ\rلو إنّها أحكمت حبل الوصال مسا ... لم يأته الصبح إلاّ وهو مهذوذ\rوما يمنين من جدوى ومن صلةٍ ... خضراء في الحزن مرعاها معاويذ\rإنَّ الهوى لجة سهل مشارعها ... لكن يعز بها ناجٍ ومنقوذ\rوما الفتى غير خلو عن عمايته ... ذو همة ذيله للجد مشموذ\rعاط كؤوس رشاد لا كؤوس الهوى ... فالغي مطرح والرشاد مأخوذ\rسام إلى كل ما يعلى مزاوله ... كما سما عن حضيض الأرض خنذيذ\rفالعون مورده مر مذاقته ... و إنَّ حلا وأجاج العز ملذوذ\rوما المنى بالهوى يجرين بل بمنى ... ما أحد كل ما يرجوه مفلوذ\rوالدهر مخلوجة أحداثه تركت ... فكر اللبيب لديها وهو مبذوذ\rدجى حوالك لا يجلو مغالقها ... إلاّ فطين ذكي القلب خنذيذ\rوللمفكر آيات تبصره ... لا يقطع السيف إلاّ وهو مشحوذ\rوالناس في الحب أخياف وأكثرهم ... و إنَّ بدا منهم ود ملاويذ\rبور مناكيس لا يزكوا معاشرهم ... جريب يعادون عرا كلما حوذوا\rفلا منوح نوالا إنَّ هم سئلوا ... في الجهل عندهم التحقيق منبوذ\rسبحان إنَّ ليس يحز وفر الغنى حصير ... و باقل عندهم إنَّ جد خنذيذ\rفلا تثق إنَّ هم ذموا وإنَّ مدحوا: ... فهم عن الرشد عمي أو مماليذ\rوالصدق أشرف خيم أنت لابسه ... و خير ما يحتلي الصيد المشاويذ\rوخير ذخر الفتى دهر قناعته ... فذاك أوثق ما عض النواجيذ\rوعفة وندى يحمي مسارحه ... إنَّ تتحاماه ألسن ملاجيذ\rوالمرء يمضي ويبقي بعده نبأ ... مدح يخلد أو نيل منافيذ\rوالموت حتم لديه الكل مرتهن ... إذا أتى الحتم لم تجد التعاويذ\rو قلت أيضاً:\rتحل بسبط الخلق واحتمل الأذى ... من الناس إنَّ عاشرتهم ودع البذا\rوكن مغضيا عما يريبك باذلاً ... نداك ولا تغلل يديك فتنبذا\rفإنَّ بني الدنيا بنو الحاج ما أجتنوا ... من العود إلاّ مثمرا غصنه غذا\rوإني رأيت الحوض يغشى إذا صفا ... و يلقى إذا كان المشوب أو الوذا\rوللنحل فضلا دون كل ذبابةٍ ... و للمسك والكافور عم كل ذي شذا\rعلى أنَّ هذا الجيل آساد بيشة ... ملاذك منهم للحسام مشحذا\rمتى تعتلق أظفارهم كاهل أمرئ ... أصاروه رهنا للبلايا وللأذا\rوإنَّ يعلقوا قلبا أعاروه حيرة ... و إنَّ يركبوا ظهرا تفتا أو ارتذا\rفمن يستطع عنهم نوى فليجافهم ... بعاد ومن ألفى معاذاً تعوذا\rفإنَّ البحار الخضر تحمى ظهورها ... زخورا وتعلوها مع الركدة الشذا","part":1,"page":276},{"id":277,"text":"وتعدوا على الشاء الذياب بلا حمى ... و أكبادها من مربض الليث تهتذا\rوما ذل إلاّ الفقع يوطأ بقرقر ... و إلاّ حمار الحي إنَّ رمته خذا\rوذو الهمة العلياء من ليس جاعلا ... مقادته للجاهل النذل مأخذا\rولا تارك الأقذار تعلوا ذيولته ... إليه ولا في عرضه الناس لجذا\rو لنكتف بهذا المقدار. من هذا المضمار، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل!\rباب الراء\rأراك بشرا، ما أحار مشفر.\rالرؤية: الإبصار. تقول: رأيت الشيء أراه. وأصله أرءاه، فألقيت حركة الهمزة على الراء وحذفت الهمزة. والعرب يلتزمون النقل في هذه الكلمة إلاّ تيم اللات. قال شاعرهم:\rأري عيني ما لم ترءياه: ... كلانا عالم بالترهات\rو البشر بفتحتين: الإنسان، وظاهر الجلد كالبشرة، وهو المراد. والحور. الرجوع، وأحارة: رده، وتقول: طحنت فمما أحارت شيئاً، أي فما ردت شيئاً من الدقيق. والمشفر بوزن منبر، ويفتح للبعير بمنزلة الشفة للإنسان.\rومعنى المثل أنَّ رؤية الظاهر تغنيك عن رؤية الباطن. وأصله في البعير، وانك إذا رأيت بشرته وجسمه دلك ما به من سمن أو هزال، على ما احار مشفره، أي على كيفية أكله.\rأريها السهى وتريني القمر!\rالرؤية مرث، والسهى بالضم والقصر نجم خفي في بنات نعش الصغرى. والقمر معروف وجمع بينه وبين السهى لمّا بين وصفيهما من المقابلة بالتضاد، لأنَّ القمر غاية الظهور، والسهى في غاية الخفاء. فضرب بهما المثل في الأمر الجلي والخفي.\rوهذا المثل يصح لك إنَّ تضربه من ترمز له وتشير وهو يفصح، أو في من تنحو به منحى اللطائف والدقائق وهو يتبع الظواهر، أو من تأتيه بالأمر المستغرب العزيز ويأتيك بالأمر المبتذل المطروق، ونحو ذلك، والله اعلم!\rرأي الشيخ خير من مشهد الغلام.\rالرأي: الاعتقاد، والجمع آراء ورئى. والشيخ والغلام معروفان. وهذا الكلام يحكي عن علي، كرم الله وجهه، وهو تفضيل للسن، في ملاقاة الخطوب، على الشباب.\rوللعرب في هذا مذهبان: تارة يمتدحون بالسن والتجريب، وتارة بالشباب والقوة. فمن الأول كلام علي المذكور، وقول الشاعر وهو زهير بن مسعود:\rفلم أرقه إنَّ ينج منها، وإنَّ يمت ... فطعنة لاغس ولا بمغمر\rالغس: اللئيم والمغمر: الذي لا تجريب له ولا سن. وقول إلي الطيب:\rسأطلب حقي بالقنا ومشائخٍ ... كأنهم من طول ما التمثوا مرد\rو من ذلك قول حارثة بن سراقة الكندي، حين منعوه الزكاة أيام الردة: يمنعها شيخ بخديه شيب، لا يحذر الريب. ومن الثاني قول عامر بن الطفيل يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم: والله لأمنعنها عليك خيلا جردا ورجالا مردا! وذلك لحالتين مختلفتين: فأنهم إذا أرادوا الحزم وحسن الذي رأي والتدبير والتأني والثبات إذا اشتدت الخطوب، فالشيوخ أولى؛ وإذا أرادوا الجلادة والقوة، فالشباب أولى، مع أنَّ كلا من الأمرين قد يوجد في كل من الطرفين: فانه كما لا خير في رأي الشباب الغمر الجاهل، لا خير في رأي الشيخ الخرف. ومن ثم قيل في الحكمة: إياك ومشاورة شاب معجب برأيه، أو كبير قد أخذ الدهر من عقله كما أخذ من جسمه! وأما قول قطري بن الفجاءة:\rولقد أراني للرمح دريئة ... من عن يميني مرة وأمامي\rحتى خضبت بما تحدر من دمي ... أحناء سرجي أو عنان لجامي\rثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب ... جذع البصيرة قارح الأقدام\rفقد فسر بمعنين: أحدهما وهو الظاهر من العبارة إنّه يقول: انصرفت وقد أصبت من أعدائي ما أحب من القتل والفتك والكناية، ولم أصب أنا منهم، بل انصرفت سالما وأنا جذع البصيرة، أي قويها، كامل المريرة، لم يضعف عزمي ولا هنت بنيتي بما أصاب جسمي من الجراحة، وأنا أيضاً قارح الأقداح أي كامله شديده لأنَّ القارح من الخيل الذي تناهت سنه وكملت قوته.\rوالثاني هي الخفي أنه يقول: أصبت من الأعداء وانصرفت عنهم وأنا لم أصب أي لم أوجد جذع البصيرة قارح الأقدام بل وجدت قارح البصيرة جذع الأقدام؛ لأنَّ بصيرة القارح المجرب هي التي لا تضطرب ولا تستحيل وبصيرة الجذع أي الصغير لا تثبت ولا تدوم وإقدام الجذع قوي ماض لأنّه لا ينثني ولا يردعه شيء.","part":1,"page":277},{"id":278,"text":"واستظهار هذا التفسير الثاني الذي امتدح فيه بالسن على الأول الجلي إنّه يستحيل أن يقول: انصرفت ولم أصب من أعدائي بشيء. وكيف وهو يقول قبله: حتى خصبت بما تحذر من دمي: أحناء سرجي؟ فهذا اعتراف بأنه أصيب بالجرح. فكيف ينقض كلاوه؟ وأجيب من قبل أهل المذهب الأول بأنه أراد بقوله: لم اصب لم أقتل. يقال: فلان أصيب أي قتل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في أمرئه: أميركم زيد: فإنَّ أصيب فجعفر فإنَّ أصيب فعبد الله بن رواحة. فقتلوا كلهم.\rوقال أصحاب الرأي الثاني: كيف يحسن منه أن يقول: أقتل وهو ينشدهم الشعر والمصيبة تطلق على أعم من القتل؟ قال تعالى: )الذين أصابتهم مصيبةٌ قالوا إنَّا لله وإنَّ إليه راجعون(.\rقلت: وهذا الكلام ضعيف إذ لا مانع من أن يقول افتخارا: قتلتهم وأهلكتهم ولم يقتلوني. وأما عموم المصيبة فغير مانع من التخصيص بقرينة المقام وسياق الكلام مع أن استنكافه من يكون إقدامه قارح ورضاه بإقدام الجذع مخول فإنَّ العرب ما زالت تفضل القارح على الجذع كما قال زهير:\rيفضله إذا اجتهدا عليها ... تمام السن منه والذكاء\rو لذلك قيل في المثل: مذكية تقاس بالجذاع. وقيل أيضاً: جري المذكيات غلابٌ، ة قد تقدم في هذا الكتاب معاً.\rوقول زهير بن مسعود السابق: فلم أرقه إن ينج منها يريد الطعنة التي طعن.\rوقبل البيت:\rعشية غادرت الجليس كأنما ... على النحر منه لون بردٍ محبرِ\rجمعت له كفي بلدنٍ يزينه ... سنان كمصباح الدجى المستعرِ\rفلم أرقه \" البيت \" وإنّما قال هذا لأنَّ العرب كانت تزعم أنَّ المطعون يبرأ إذا نفث عليه الطاعن ورقاه. قال عنترة:\rفإن يبرأ فلم أنفث عليه ... و إن يفقد فحق له الفقدُ\rوقال عمرو بن ثعلب الشيباني:\rأتبعته طعنة مرةً ... يسيل على النحر منها صبيبُ\rفإن ينجُ منها فلم أرقه ... و إن قتلته فجرحٌ رعيبُ\rترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل؟\rالفتيان جمع فتى. ودخل الرجل بالفتح والكسر: نيته ومذهبه من جميع أمره. وكذا دخيله ودخلله ودخيلاؤه.\rومعنى المثل أنك قد ترى الرجال حسان الظواهر والزي ولا تعرف حقيقة أمرهم وحال باطنهم. يضرب لمن له منظر حسن ولا خير عنده.","part":1,"page":278},{"id":279,"text":"قيل: وأوّل من نطق به غنمة أو عثمة بنت مطرود البجلية وكانت امرأة عاقلة ذات رأي مسموع في قومها. وكانت لها أخت يقال لها خود ذات جمال وكمال. فقدم عليهم ذات مرة خمسة أخوة من غامد بطن من أزد يخطبون أختها خودا وهم في زي مونق لابسو الحلل اليمانية على النجائب المهرية والرحال العلافية مكسوة بالثياب العبقرية. فأنزلهم أبوها وأكرمهم. ثم غدوا عليه خاطبين معهم الشعثاء كاهنة لهم. فقال لهم مطرود: أقيموا حتى نرى رأينا. ثم دخل على بنته فقال: ما ترين؟ فقالت: أنكحني على قدري ولا تشطط في وهري: فإن تخط أحلامهم لا تخط أحسابهم. لعلي أصيب ولدا وأكثر عددا! فخرج إليهم وقال لهم: اخبروني عن أفضلكم؟ فقالت له الشعثاء: اسمع أخبرك عنهم! هم أخوة كلهم أسوة. أما الكبير فعمرو بحر غمر، سيد صقر يقصر دونه الفخر؛ وأما الذي يليه فعاصم صلد صارم أبي حازم جيشه غانم وجاره سالم؛ وأما الذي يليه فوثاب ليث غاب سريع الجواب عتيد الصواب كريم النصاب؛ وأما الذي يليه فمدرك بذول لمّا يملك عزوف عما يترك يغني ويهلك؛ وأما الذي يليه فجندل مقل لمّا يحمل يعطي ويبذل لا يخيم ولا ينكل. فأبلغها أباها ذلك فشاورت أختها غنمة فيهم فقالت: ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل؟ اسمعي كلمة ناصحة: إنَّ شر الغريبة يعلن وخيرها يدفن فأنكحي في القرباء ولا تغررك أجسام الغرباء! فلم تقبل منها وأرسلت إلى أبيها: أنكحني مدركا. فأنكحها منه على مائة بعير برعاتها. فحملها مدرك فلم يلبث معها إلاّ قليلا حتى أغار على غامد فوارس من بني كنانة فاقتتلوا ساعة ثم انكشف زوجها وقومه فسباها بنو مالك أبن كنانة فيمن سبوا وجعلت تبكي. فقيل لها: وما يبكيك؟ أعلى فراق زوجك؟ قالت: قبحه الله! قالوا: لقد كان جميلا. قالت: قبح الله جماله لا منعة معه! إنّما أبكي على عصياني أختي. وأخبرتهم خبرها. فقال رجل منهم يقال له أبو نواي وكان أسود أفوه مضطرب الخلق: أترضين بي على أن أمنعك من ذؤبان العرب؟ فقالت لأصحابه: أنَّ كذلك هو؟ قالوا: نعم! إنه مع ما ترين ليمنع الخليلة وينقب القبيلة. قالت: هذا أجمل جمالا وأكمل كمالا قد رضيت إياه. وقال الشاعر:\rترى الفتيان كالنخل ... و ما يدريك ما الدخلُ؟\rوكلٌ في الهوى ليثٌ ... و ما في نلبه فسلُ\rوليس الشأن في الوصل ... و لكن أن يرى الفضلُ!\rوقالت الأخرى:\rوقالت قولةً أخني ... و حجوا لها عقلُ\rترى الفتيان كالنخل ... و ما يدرك ما الدخل؟\rأرى القدر، سابق الحذر\rهذا المثل ظاهر المعنى وهو من كلام جذيمة الأبرش وسبق في شرح قصته مع الزباء.\rأراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى.\rيضرب عند التردد في الأمر. وأصله أنَّ الرجل مثلا إذا قام ليذهب إلى جهة ثم يبدو له ويتحير فتارة يريد الذهاب فيقدم وتارة لا يريد فيؤخر. وهذا ظاهر في المقصود لكن قولهم: يقدم رجلاً ويؤخر أخرى يحتمل باعتبار دلالة عبارته في أصلها أربعة أمور: إحداها أن يكون المعنى أنه يقف في مكانه ويحرك إحدى رجليه: فتارة يقدمها لأرادة الذهاب وتارة يؤخرها رجوعا عن الذهاب حتى توازي أختها مكا كانت أولا. وعلى هذا فلفظ الأخرى فيه تجوز بأن يجعل الشخص الواحد متعددا حالتيه ولفظ التأخير أيضاً لم يصح فيه إلاّ بالنسبة.\rالثاني أن يكون المعنى أنه يقدم رجلا لأرادة الذهاب ثم يبدو له أن لا يذهب فيبقى واقفا على تلك الحال إحدى رجليه متقدمة والأخرى متأخرة عنها. وعلى هذا ففي لفظ التأخير تجوز إذ معناه إبقاؤها متأخرة نحو: يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا على وجه.\rالثالث أن يكون المعنى أنه يقدم إحدى رجليه إلى القدام ويؤخر الخرى إلى الوراء. وهذا ظاهر اللفظ ولكن لا وجه له ولا وجود من خارج.\rالرابع أن يكون المعنى أنه يقدم إحدى رجليه وتبقى الأخرى متأخرة ثم يقدم هذه وتبقى الأخرى وهكذا. وهذا أيضاً ظاهر من اللفظ لكن لا يصح أيضاً هنا لأنّه حالة الماشي لا الوقوف المتردد. فقد علمت أنَّ في العبارة عند تفتيشها تجوزا وخفاء مع وضوح المراد.\rأراك الكواكب بالنهار.\rالكواكب: النجوم. وهي لا ترى عادة بالنهار لغلبة ضوء الشمس عليها فضرب المثل برؤيتها نهارا عند اشتداد الأمر وملاقاة ما لم يعتد ويضن أو غلبة الهم والحزن.","part":1,"page":279},{"id":280,"text":"وأصل ذلك أنَّ الحرب إذا اشتدت ارتفع النقع وتراكم في الجو وسد الأفق واستحدث الظلام فربما ستر ضوء الشمس إذا كانت في أحد الجانبين فتظهر النجوم من الجانب البعيد عنها.\rوزعموا أنَّ النجوم ظهرت يوم حليمة فضرب ذلك مثلا. قال طرفة بن العبد:\rإن تنوله فقد تمنعه ... و تريه النجم يجري في الظهر\rوقال الأعشى:\rرجعت بما رمت مستحسراً ... ترى للكواكب ظهراً وميضا\rو للفرزدق:\rلعمري لقد سار أبن شيبة سيرةً ... أرتك نجوم الليل واضحةً تجري\rفأصبحت قد صبحت على ظهر خالدٍ ... شآبيب لم يرسلن من سبل القطرِ\rو هذا المثل باق اليوم في ألسنة العوام يقولون: أراني فلان النجوم في السماء أو النجوم في النهار إذا أراه شدة ومكرا وأناله من المكروه ما لم يعهد به ذكراً.\rلأرينك لمحاً باصراً!\rويقال أيضاً: دون ذلك لمح باصر. يضرب في التهدد والايعاد. واللمح: النظر. فقيل: المعنى نظر مفزع وقيل هو النظر بتحديق شديد. وقيل: المعنى لأرينك نظراً صادقاً! وقال البكري: معنى المثل: لأرينك من أعادي لك أمرا واضحا جليا. وباصر في تأويل عيشة راضية أي مرضية وماء دافق أي مدفوق. وكذلك سر كاتم. انتهى.\rوهو ظاهر لكن إذا تؤول الباصر فلا بد أن يتناول اللمح أيضاً. وكأنه لذلك فسر بالأمر الجلي الواضح ولا إشكال أنه يبصر.\rالرأي مع الجماعة.\rهذا أيضاً من كلام جذيمة في قصته السابقة كما مر وهو ظاهر.\rأرى الموت في الغرائر السود.\rالغرائر جمع غرارة بكسر الغين وهي الجوالق. والسود جمع سوداء.\rوهذا الكلام للزباء حين رأت إبل قصير وعمرو موقرة بالرجال في الجوالق.\rوتقدمت القصة مشروحة فلتراجع! وأطلقت الموت على سببه الفاعلي وهم الرجال القاتلون مجازاً.\rأرنيها نَمِرَة أُرِكها مَطِرَة.\rيقال: نمر السحاب بالكسر ينمر كفرح يفرح إذا صار أرقط على لون النمر وقولهم نمرة وصف للسحاب. وقياسه نمراء والمذكر أنمر كحمراء وأحمر كما قالوا للفرس أنمر إذا صار على لون النمر. وبكنهم جاءوا به على فعل نحو قوله تعالى: )فأخرجنا منه خضراً( أي أخضر. والمطر: ماء السحاب؛ ومطرتهم السحاب: أصابتهم بمطر؛ ويوم ممطر ومطر بوزن كتف: ذو مطر. ومعنى المثل: تكفل لي بوجود السحاب الأرقط وأنا أتكفل لك بالمطر حينئذ. يضرب لمّا يتيقن وقوعه إذا ظهرت مخائله ولاحت إمارته.\rرُبَّ أخٍ لم تلدهُ أمك!\rرب حرفٌ جار يدل على الكثرة والقلة معا أو على إحداهما فقط أو أكثر أو لا يدل على شيء منهما إلاّ بالقرائن خلاف شهير في النحو لا نطيل بذكره ولا بشواهده، والأخ معروف وفيه لغات معروفة.\rوأصل المثل أنَّ لقمان بن عاد رأى مع امرأة رجلا يلاعبها وتلاعبهٍ خاليين ومعهما صبي صغير يبكي وهما مقبلان على شأنهما لا يكترثان به. فقال لها: من الرجل؟ قالت: أخي فقال حينئذ: رُبَّ أخٍ لم تلده أمك! تكذيبا لها في دعواها. يقال: إنه أخوك في الصداقة والمودة لا بالقرابة والنسب.\rوقريب من هذه الحكاية ما حكي عن بعضهم أنه دخل عليه رجل نصراني ومعه فتى وسيم من أهل ملته فقال له: من هذا الفتى؟ فقال: بعض إخواني. فأنشد حينئذ:\rدعتني أخاها أم عمرو ولم أكن ... أخاها ولم أرضع لها بلبانِ\rدعتني أخاها بعد ما كان بيننا ... من الأمر ما لا يصنع الأخوانِ\rوقال أيضاً في معنى هذا المثل:رُبَّ بعيدٍ أقرب من قريبِ. وقالوا: القريب من قرب نفعه. وقالوا: القريب من تقرب لا من تنسب. وقال حبيب:\rولقد سبرت الناس ثم خبرتهم ... وبلوت ما وصفوا من الأسبابِ\rفإذا القرابة لا تقرب قاطعاً ... و إذا المودة أقرب الأنسابِ\rوقال أبن هرمة في نحو هذا:\rهش إذا نزل الوفود ببابه ... سهل الحجاب مؤدب الخدامِ\rفإذا رأيت شقيقه وصديقه ... لم تدر أيهما أخو الأرحامِ\rغيره:\rذو الود مني وذو القربى بمنزلةٍ ... و إخواني أسوة عندي لخلاني\rأحبة جاورت آدابهم أدبي ... فهم وإن فرقوا في الأرض جيراني\rأرواحنا في مكان واحدٍ وغدت ... أجسامنا بعراقٍ أو خراسانِ\rوقال حبيب أيضاً:\rأو نفترق نسباً يؤلف بيننا ... أدبٌ أقمناه مقام الوالدِ","part":1,"page":280},{"id":281,"text":"و تقدم هذا وما يشبه وسيأتي أيضاً منه إن شاء الله تعالى\rرُبَّ أكلةٍ منعت أكلاتٍ\rالأكل معروف؛ والأكلة بالفتح: المرة منه وبالضم: شيء يؤكل وما يجعله الأكل في فيه.\rوالمعنى أنَّ الإنسان ربما أكل شيئاً فأداه إلى ترك الأكل مدة بهيضة وتخمة أو مرض مثلا. قال أبي هرمة:\rوربت أكلة منعت أخاها ... بلذة ساعةٍ أكلات دهرِ\rوكم من طالبٍ يسعى لشيء ... و فيه هلاكه لو كان يدري!\rو يضرب في كل من اقتحم شيئا يفوت عليه بسببه ما هو أكثر منه أو أشرف كمن رضي من عرض الدنيا الفاني بما فوت عليه من الآخرة ونعيمها المقيم عياذاً بالله!\rرُبَّ رميةٍ من غير رامٍ.\rالرمية فعلة من الرمي. يقال: رمى يرمي رميا ورمية ورمى السهم عن القوي وعلى القوس أيضاً رميا ورمية بالكسر ولا تقل: رميت بالقوس. ورماه مراماة ورماء؛ وارتمى القوم وتراموا.\rومعنى المثل أنَّ الغرض قد يصيبه من ليس من أهل الرماية. فيضرب عندما يتفق الشيء لمن ليس من شأنه أن يصدر منه. وقد يحذف رُبَّ فيقال: رمية من غير رامٍ.\rويذكر أنَّ المثل لحكيم بن عبد يغوث المنقري وكان من أرمى الناس. فحلف يوما ليعقرن الصيد حتما. فخرج بقوسه فرمى فلم يعقر شيئاً فبات ليله بأسوأ حال وفعل في اليوم الثاني كذلك فلم يعقر شيئاً فلما أصبح قال لقومه: ما أنتم صانعون؟ فإني قاتل اليوم نفسي إن لم أعقر مهاة! فقال له ابنه: يا أبت احملني معك أرفدك! فانطلقا فإذا هما بمهاة فرماها فأخطئها. ثم تعرضت له أخرى فقال له ابنه: يا أبت ناولني القوس! فغضب حكيم وهم أن يعلوه بها. فقال له ابنه: أحمد بحمدك فإنَّ سهمي سهمك! فناوله القوس فرماها الابن فلم يخطئ. فقال عند ذلك حكيم:رُبَّ رمية من غير رامٍ! وإلى هذه القصة أشار بعضهم بقوله:\rرماها مطعمٌ من غير علمٍ ... بمس القوس لم يخطئ صلاها\rوكان أبوه قد آلي عليها ... فلم يبرر أليته مهاها\rو مطعم هو أبن حكيم المذكور. وقال أبن ظفر: هذا مثل عامي وأصله قولهم: مع الخواطئ سهمٌ صائبٌ.\rرُبَّ ساعٍ لقاعدٍ.\rالساعي: الكاسب سعى يسعى سعياً والقاعد ضده مجازاً من القعود الذي لزوم الأرض. ومعنى المثل أنَّ المرء ربما سعى في جمع المال أو إدراك الحاجة حتى إذا تهيأ ذلك رزقه بعض من لم يسعى فيه دون الساعي. فيضرب في اكتساب المرء ما لغيره من المال ونحوه.\rوأوّل من قاله النابغة الذبياني وكان وفد على النعمان بن المنذر في وفود العرب ومنهم رجل من عبس يقال له شقيق فمات عنده. فلما حبا الوفود بعث إلى أهل شقيق مثل ما حبا به الوفود فقال النابغة:رُبَّ ساعٍ لقاعدٍ. وقال في يخاطب النعمان:\rأبقيت للعبسي فضلا ونعمة ... و محمدة من باقيات المحامدِ\rأنى أهله منه حباءٌ ونعمةٌ ... ورُبَّ امرئ يسعى لآخر قاعدِ\rو قيل: أوّل من قاله معاوية وذلك أنه قال يوماص لابنه يزيد بن معاوية: هل بقى في نفسك. من الدنيا؟ قال: نعم أم خالد! وهي امرأة عبد الله بن عامر بن كريز عامل معاوية على البصرة. فأمر عمرو بن العاصي أن يكتب إليه يشير عليه بالوفادة على أمير المؤمنين معاوية لعله يعمل له في تزويج بنته هند بنت معاوية. فخف لذلك أبن عامر حتى وصل إليه فأزلفه معاوية وقربه ثم غفل عنه. فساء ذلك عبد الله واشتكى إلى عمرو بن العاصي فقال عمرو إنّه كره أن يدخل بنته على ضرة فطلق أم خالد وأقام أياماً. فقال معاوية: إنَّ أهل البصرة تواترت كتبهم يذكرون اضطراباً في البلد! وأمره بالعود إلى عمله ووعده بإنفاذ ما ابتدأه فانصرف أبن عامر. فلما انقضت عدة أم خالد بعث معاوية أبا هريرة إلى المدينة يخطبها على يزيد. فلما دخل المدينة بدأ بالمسجد فصلى وألم بالقبر فسلم ودعا ثم مال إلى حلقة الحسن والحسين فسلم وقعد فسألوه فأخبرهم فقال له الحسن: اذكرني لها! فذهب حتى استأذن على أم خالد وخبرها بما بعث له وبما أوصاه به الحسن. فقالت: بأيهما تشير يا عماه؟ قال: أرددت الأمر إلي؟ قالت: نعم! قال: فأرى إلاّ تؤثري أحدا على من رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتح فاه ويلثم ثناياه يعني الحسن رضي الله عنه وبلغ الخبر معاوية فقال:رُبَّ ساعٍ لقاعدٍ واعلمي أم خالد. وكأنه شعر من مجزر الخفيف. ونحوه قول الشاعر:","part":1,"page":281},{"id":282,"text":"وما الناس إلاّ جامع لمضيعٍ ... و ذو تعبٍ يسعى لآخر نائمِ!\rرُبَّ سامعٍ خبري لم يسمع عذري\rيضرب في العذر يكون لك ولا يمكنك أن تبديه. وهو ظاهر مادة وصورة. ومثل ذلك في المعنى قول منصور النمري:\rلعل له عذراً وأنت تلوم: ... و كم من ملومٍ وهو غير مليمِ\rيقال ألام يليم فهو مليم إذا أتى بما يلام عليه وليم فهو ملوم إذا عتب وعذل.\rرُبَّ سامعٍ عذري لم يسمع قفوتي.\rالعذر بالكسر العذر كما مر في الهمزة. والقفوة: القذف. يقال: قفاه يقفوه قفواً إذا رماه بفجور. وفي الحديث: لا حدّثني إلاّ في القفو البين قاله في الصحاح. وقفاه أيضاً: رماه بقبيح. والاسم من ذلك كله قفوة بالكسر كما في المثل.\rيضرب عند اعتذار المرء من شيء لم يعلم منه بعد فيكون ذلك الاعتذار تسميعا بنفسه. ويمكن أن يرد أحد المثلين إلى الآخر فيكون واحداً.\rرُبَّ شدٍّ في الكرز!\rالشد بالفتح: العدو وكذا الاشتداد. قال الراجز:\rهذا أوان الشد ... فاشتدي زيم!\rو الكرز على مثل قفل: خرج الراعي ويسمى الكبش الذي يحمله الراعي علية الكراز. قال الراجز:\rيا ليت أني وسبيعاً في غنم ... و الخروج منها فوق كراز أجم!\rو لا يكون الكراز فيما يزعمون إلاّ أجم لأنَّ الأقرن يشتغل بالنطاح عن حمله.\rوذكر ابن علي القالي في النوادر أنَّ الكرز الجوالق والأول هو المعروف.\rوأصل المثل أنَّ رجلا خرج يركض فرسا فألقت مهراً فأخذه وجعله في كرز بين يديه. فقال له رجل: لم تحمله؟ وما تصنع به؟ فقال: رُبَّ شد في الكرز! أي رُبَّ عدو وسبق واشتداد في هذا المهر الذي في الكرز كما قد كان ذلك في أمه! فذهبت مثلا يضرب في الرجل ونحوه يحتقر عندك وله مخبر تعلم به أنت. وإنّما جعل الشد في الكرز على طريق الكنانة لأنَّ ذا الشد فيه كما قال الأول:\rإنَّ السماحة والمروءة والندى ... في قبةٍ ضربت على أبن الحشرجِ\rو الآخر:\rإن السماحة والمروءة ضمنا ... قبراً بمرؤ على الطريق الواضحِ\rرُبَّ صلفٍ تحت الراعدةِ.\rالصلف: قلة النزل في الطعام وقلة الماء. يقال: سحاب صلف على مثل كتف: كثير الرعد قليل الماء؛ والراعدة: السحاب ذات الرعد.\rوالمعنى أنَّ السحاب ربما رعدت ولم يكن منها خير. يضرب للبخيل مع سعة ذات اليد. وقيل للرجل يكثر الكلام والمدح لنفسه ولا خير عنده. وقيل لمن يتوعد ثم لا يقوم به وهو صالح للكل. وقد اعترض على قائل الأول بان السحاب إذا كثر فيها الماء لم يقل لها صلف.\rقلت: يعني فلا يشبه بها الرجل الكثير المال لبخله. ويجاب بأن قلة الماء المسمى بالصلف إنّما هو باعتبار النزول إلى الأرض. فصح تشبيه البخيل بذلك وإن مثر ماله باعتبار قلة ما يخرج من يده. وإن أريد بالصلف أن لا يكون ماء في السحابة نفسها أصلا فالمراد حينئذ التشبيه باعتبار ما فيها من أصوات الرعد والبرق فإنه مظنة السقي؛ كما أنَّ كثرة المال مظنة النفع. وضمن هذا المثل أبن الشبل البغدادي ذا يقول:\rصحة المرء للسقام طريقٌ ... و طريق الفنا هو البقاءُ\rبالذي نغتذي نموت ونحيى ... أقتل الداء للنفس الدواءُ\rما لقينا من غدر دنيا فلا كا ... نت ولا كان أخذها والعطاءُ\rصلفٌ تحت راعدٍ وسحابٌ ... كرعت منه مومسٌ خرقاءُ\rراجعٌ جودها عليها فمهما ... يهب الصبح يسترد المساءُ\rليت شعري حلمٌ تمر به الأيام ... أم ليس تعقل الأشياءُ\rمن فساد يكون في عالم الكون ... فما للنفوس منها اتقاءُ\rوقليلاً ما تصحب المهجة الجسم ... ففيم الشقا وفيم العناءُ\rقبح اله لذة لشقانا ... نالها الأمهات والآباءُ\rنحن لولا المجود لم نألم الفقد ... فإجادها علينا بلاءُ\rو ضمنته أنا أيضاً في قصيدة يأتي في هذا الباب فقلت:\rولربَّ ذي رعدٍ على صلفٍ ... و مهدرٍ في العنة الحجرِ\rرُبَّ طمع يهدي إلى طبع.\rالطمع: الحرص طمع فيه بالكسر طمعا وطماعا وطماعية، والطبع بفتحتين: الدنس والوسخ الشديد والشين والعيب.\rوالمعنى أنَّ الطمع لا يزال بصاحبه حتى يتلطخ بكل ريب ويتلوث بكل عيب. قال: الشاعر:\rلا خير في طمع يهدي إلى طبع ... و غفةٌ من قوام العيش تكفيني","part":1,"page":282},{"id":283,"text":"الغفة بضم الغين المعجمة بعدها فاء: البلغة من العيش. ويقال للفأر أيضاً لأنّه بلغة للسنور. وأما العفة بالعين المهملة المضمومة فهي بقية اللبن في الضرع ومعناه صحيح في البيت أيضاً. وسيأتي ما في ذم الطمع والحرص مستوفي إن شاء الله تعالى.\rرُبَّ عجلةٍ تهبُ ريثاً.\rالعجلة معروفة. يقال: عجل بالكسر يعجل عجلاً وعجلة فهو عجل بالكسر وعجلان؛ والهبة: العطية. وهب الشيء يهبه بالفتح فيهما هبة. والريث بالمثلثة: البطء. يقال: راث ريثاً. أي رُبَّ عجلة منك تعطيك ريثا وتهب لك بطئاً.\rوالمعنى أنَّ الرجل ربما عجل في أمر ليفعله سريعا فأداه عجله إلى البطء وذلك بسبب تضييع ما ينبغي أن يحافظ عليه فيضطر إلى العودة إليه ثانيا. وعبر بلفظ الهبة مجازا لمّا كان ذلك سببا لذلك.\rويقال في المثل: رُبَّ عجلة وهبت ريثا وتهب ريثا بلفظ الماضي والمضارع والمعنى واحد.\rورأيت في نسخة عتيقة من نوادر أبي علي القالي: تهب ريثا مضموم الهاء مشدد الباء بضبط القلم على إنّه من الهبوب. وهو يفيد المعنى غير أنَّ الأول أوضح في المقصد وكأنَّ هذا تصحيف والله اعلم. وهذا المثل في ألسنة العوام اليوم موجود معناة يقولون: من عجل أبطأ.\rرُبَّ قول أشد من صول.\rالقول معروف والصول: القهر والسطوة والاستطالة. صال عليه يصول صولا. والمعنى إنّه رُبَّ كلام يعاب به الإنسان هو أشد عليه من الصولة. وهذا من كلام أكثم بن صيفي.\rويحكى في مثله عن النبي صلى الله عليه وسلم إنّه لمّا هجاه المشركون قال لحسان رضي الله عنه: اهجهم، فهجاؤك اشد عليهم من وقع السهام في غبش الظلام! ومثله قول الشاعر: القول ينفذ من مالا تنفذ الإبر وقول الآخر:\rوقد يرجى لجرح السيف برء ... و جرح الدهر ما جرح اللسان\rوقالوا: اللسان، أجرح جوارح الإنسان.\rوقال الصاحب: حفظ اللسان، راحة الإنسان، فحفظه حفظ الشكر للإحسان، فآفة الإنسان في اللسان! وقال امرؤ القيس:\rإذا المرء لم يحزن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بخزان\rرب مملول لا يستطيع فراقه.\rالملل معروف. وهذا من كلام أبي الأسود، وكان دخل في ثوب خلق على بعض أصدقائه. فلما رآه قال له: يا أبا الأسود آن لهذا الثوب أنَّ يبدل؟ فقال أبو الأسود: رب مملولٍ . . الخ. ثم أرسل إليه بعد ذلك أثوابا. فقال أبو الأسود يمدحه:\rكساك ولم تستكسه فشكرته ... أخ لك يعطيك الجزيل وياصر\rوإنَّ أحق الناس إنَّ كنت شاكرا ... بشكرك من أعطاك والوجه وافر\rالرباح، مع السماح.\rالرباح والربح واحد. قال الشاعر:\rرأيت التقى والجود خير تجارةٍ ... رباحا إذا ما المرء أصبح ثاقلا\rو السماح والسماحة: والجود والكرم.\rوالمعنى إنَّ السماح يربح. ويأتي إن شاء الله ما في هذا المعنى.\rأربع على ظلعك!\rيقال: ربع يربع إذا وقف وتحبس. ويقال أربع على نفسك، أي ارفق. وفي الحديث: أربعوا على أنفسهم! والظلع بالظاء المشالة في البعير ونحوه: غمزة برجله في مشيته. يقال: ظلع البير بالفتح يظلع.\rقال أبو ذؤيب يذكر فرسا:\rيعدوا به نهش المشاش كأنه ... صدع سليم رجعه لا يظلع\rفهو ظالع والأنثى ظالعة.\rوقول النابغة الذبياني:\rأتوعد عبدا لم يخنك أمانة ... و تترك عبدا ظالما وهو ظالع\rيروى بالمشالة وفسر بالجائر المذنب، من الظالع في البعير، وهو غمز برجله لداءٍ يصيبه، وبالضاد المعجمة، وهو الجائر المائل عن الحق.\rومعنى المثل انك ظالع، فأرفق بنفسك في مشيتك لأجل ما بك من الظلع! فيضرب للضعيف، وإنّه ينبغي له أنَّ ينتهي عما لا يطيق.","part":1,"page":283},{"id":284,"text":"وحكى أبو علي إنّه اجتمع طريف بن العاصي الدوسي والحارث بن ذبيان عند بعض مقاول حمير فتفاخر، فقال الملك للحارث: يا حار، ألا تخبرني بالسبب الذي أخرجكم من قومكم حتى لحقتم بالنمر بن عثمان؟ فقال: أخبرك أيّها الملك: خرج هيجان منا يرعيان غنما لهما، فتشاولا بسيفهما، فأصاب صاحبهم عقب صاحبنا، فعاث فيه السيف فنزف فمات. فسألونا أخذ دية صاحبنا دية الهجين، وهي نصف دية الصريح، فأبى قومي، وكان لنا رباء عليهم، فأبينا إلاّ دية الصريح، وأبوا إلاّ دية الهجين. وكان اسم هجيننا بن زبراء صاحبهم عنقش بن مهيرة، وهي سوداء أيضاً. فتفاقم الأمرين الحيين، فقال رجل منا:\rحلومكم يا قوم لا تعزبنها ... و لا تقطعوا أرحامكم بالتدابر\rوأودى إلى الأقوام عقل أبن عمهم ... و لا ترهقونهم سبة في العشائر\rفإنَّ أبن زبراء الذي فاد لم يكن ... بدون حليف أو أسيد بن جابر\rفإنَّ لم تعطوا الحق فالسيف بيننا ... و بينكم والسيف أجور جائر\rفتضافروا علينا حسدا، فأجمع ذوو الحجا منا أن نلحق بطن من الأزد، فلحقنا بالنمر بن عثمان. فوالله ما فت في أعضادنا نأينا عنهم، ولقد أثارنا بصاحبنا وهم رأغمون، فوثب طريف بن العاصي من مجلسه، فجلس بازاء الحارث ثم قال: تالله ما سمعت كاليوم قولا أبعد من الصواب، ولا اقرب من خطل، ولا أجلب لقذع، من قول هذا. والله، أيها الملك، ما قتلوا بهجينهم بذجا، ولا رموا ودجا، ولا أنطوا به عقلا، ولا اجتفروا به خشلا. ولقد أخرجهم الحق عن أصلهم، وأجلاهم عن محلهم، حتى الإزعاج، ولجئوا إلى ضيق الولاج، قلا وذلا! فقال الحارث: أتسمع يا طريف؟ وإني والله ما أخالك كافا غرب لسانك، ولا منهنها شرة نزوانك، حتى أسطو بك سطوة تكف طماحك، وترد جماحك، وتكبت تترعك، وتقمع تسرعك! فقال طريف: مهلا يا حار، لا تعرض لطمحة استناني، وذرب سناني شبابي، وميسم سبابي، فتكون كالأظل الموطوء، والعجب الموجوء! فقال الحارث: إياي تخاطب بهذا القول؟ فوالله لو وطئتك لأسختك، ولو وهطتك لآوهطك، ولو نفحتك لأفدتك! فقال طريف متمثلا:\rوإنَّ كلام المرء في غير كنهه ... لكالنبل تهوي ليس فيها نصالها!\rأما والأصنام المحجوبة، والأنصاب المنصوبة، لئن لم تربع على ظلع وتقف عند قدرك، لأدعن حزنك سهلا، وغمرك ضحلا، وصفاك وحلا! فقال الحارث: أما والله لورمت ذلك لمرغت بالحضيض، وأعصصت بالجريض، وضاقت عليك الرحاب، وتقطعت بك الأسباب، ولألفيت لقنى تهاداه الروامس، بالسهب الطامس فقال طريف: دون ما ناجتك به نفسك مقارعة أبطال، وحياض أهوال، وحفز إعجال، يمنع معه تطأ من الإمهال! فقال الملك: أيّها عنكما، فما رأيت كاليوم نقال رجلين لم يقصبا ولم يثلبا، ولم يلصوا ولم يقفوا! انتهى.\rقوله: مقاول، والمقاول: الملوك دون الملك الأعظم؛ وكذا الأقيال والأقوال. وقال امرؤ القيس:\rوماذا عليه إنَّ ذكرت أوانسا ... كغزلان رمل في محاريب أقوال؟\rو تشاولا: تضاربا؛ وعاث السيف: افسد: ونزف: سال دمه حتى ضعف. والهجين من الناس: الذي أبوه عربي وأمه غير عربية؛ والمقرف عكسه؛ والصريح: الخالص الطرفين، والرباء: زيادة العقل: الدية وأرهقه: كلفته، وفاد: مات. قال لبيد:\rرعى خزرات المكل عشرين حجة ... و عشرين حتى فاد والشيب شامل\rو فت: أوهى وأضعف، وأثارنا: افتعلنا، من الثأر، والخطل: الخطأ، والقذع: الكلام القبيح، والبذج: الخروف، الفارسي معرب، وأنطوا: أعطوا. قال الأعشى:\rجياد في الصيف في نعمةٍ ... تصان الجلال وتنطى الشعيرا","part":1,"page":284},{"id":285,"text":"و اجتفؤوا: صرعوا، يقال: جفاه إذا صرعه، والخشل مسكنا ومحركا شجر المقل الواحد خشلة، والقل: القلة والذل: الذلة، والنزوالن: الوثوب: والتترع: التسرع إلى الشر، يقال: تترع تترعا إذا كان سريعا إلى الشر، وطمحة السيل: دفعته، والذرب: الحدة، والأظل: اسفل خف البعير، والعجب: أصل الذئب، وهصته: كسرته؛ وأوهطته: صرعته؛ وتربع: تكف وترفق، كما مر، والظلع: الغمز؛ والضحل: الماء القليل، والضيض: القرار الأسفل، والروامس: الرياح، ترمس، أي تدفن. والحفر: الدفع. وقول الملك: يقصبا، أي يشتما، والقصب: القطع ويلصوا: يقذا، يقال: لصا إليه إذا أنضم إليه لريبة، ولصا المرأة يلصوها: قذفها، ويقفوا: يرميا بالقبيح، قفوته أقفوه: رميته بالقبيح أو قذفته.\rوذكر الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في الأحياء إنَّ عمر بن هبيرة دعا بفقهاء أهل البصرة وأهل الكوفة وأهل المدينة وأهل الشام وقرائها، فجعل يسألهم، وكلهم عامراص الشعبي، فجعل لا يسأله عن شيء إلاّ وجد عنده فيه علما. ثم أقبل على الحسن البصري، فسأله ثم قال: هما هذان: هذا رجل أهل الكوفة يعني الشعبي وهذا رجل أهل البصرة يعني الحسن. فأمر الحاجب، فأخرج الناس وخلا بالشعبي والحسن. فأقبل على الشعبي وقال: يا أبا عمرو، إني أمين أمير المؤمنين على العراق وعامله عليها ورجل مأمور على الطاعة ابتليت بالرعية ولزمني حقهم، فأنا احب حفظهم وتعهد ما يصلحهم من النصيحة لهم. وقد يبلغني عن العصابة من أهل الديار الأمر أخذ عليهم فأقبض طائفة فأضعه في بيت المال ومن نيتي إني رد عليهم، فيبلغ أمير المؤمنين إني قبضته على ذلك من النحو، فيكتب إلي أنَّ لا ترده، فلا أستطيع رد أمره ولا إنفاذ كتابه، وإنّما أنا رجل مأمور على الطاعة، فهل علي في هذا تبعة وفي أشباهه من الأمور، والنية فيها على ما ذكرت؟ قال الشعبي: فقلت، أصلح الله الأمير، إنّما السلطان والدي يخطئ ويصيب. قال: فسر بقولي وأعجب له ورأيت البشر في وجهه، قال: فلله الحمد! ثم أقبل على الحسن فقال: ما تقول يا أبا سعيد؟ قد سمعت قول الأمير يقول إنَّه أمين أمير المؤمنين على العراق وعامله عليه ورجل مأمور على الطاعة أبتليت بالرعية ولزمني حقهم والنصيحة لهم والتعهد لمّا يصلحهم، وحق الرعية لازم لك وحق أنَّ تحوطهم بالنصيحة. وإني سمعت عبد الرحمان ب سمرة القرشي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من استرعي رعية فلم يحفظها بالنصيحة حرم عليه الجنة. وتقول إنّما قبضت من عطاياهم إرادة صلاحهم واستبطالهم وإنَّ يرجعوا إلى طاعتهم، فيبلغ أمير المؤمنين إني قبضتها على ذلك النحوا فيكتب إلي إنَّ لا ترده، فلا أستطيع رد أمره ولا أستطيع إنفاذ كتابه، وحق الله ألزم من حق أمير المؤمنين، والله أحق أنَّ تطيع ولا طاعة في معصية الله. فاعرض كتاب أمير المؤمنين على كتاب الله غز وجل، فإنَّ وجدته موافقا لكتاب الله عز وجل فأنفذه! يا أبن هبيرة، واتق الله، فأنه يوشك إنَّ يأتيك رسول من رب العلمين يزيلك عن سريرك، ويخرجك عن سعة قصرك إلى مضيق فبرك، فتدع سلطانك ودينك خلف ظهرك، وتقدم على ربك وتنزل على عملك! يا أبن هبيرة وإنَّ الله يمنعك من يزيد، وإنَّ يزيد لا يمنعك من الله، وإنَّ أمر الله فوق كل أمر، وإنّه لا طاعة في معصية الله، وإني أحذرك بأس الله الذي لا يرده عن القوم المجرمين. فقال أبن هبيرة: أربع على ظلعك أيّها الشيخ عن ذكر أمير المؤمنين! فإنَّ أمير المؤمنين صاحب العلم وصاحب الحلم وصاحب الفضل؛ وإنّما ولاه الله ولاية هذه الأمة لعلمه به وما يعلم من فضله ونيته. قال الحسن، يا أبن هبيرة، الحساب من ورائك سوطا بسوط، وعصا بعصا، والله بالمرصاد. يا أبن هبيرة انك أنَّ تلقى من ينصح لك في دينك ويحملك على أمر أخرتك خير من أنَّ تلفى رجلا يغرك ويمنيك!","part":1,"page":285},{"id":286,"text":"فقام أبن هبيرة وقد بسر وجهه وتغير لونه. قال الشعبي: فقلت: يا أبا سعيد، أغضبت الأمير وأوغرت صدره وحرمتنا معروفه وصلته. قال: إليك عني يا عامر! قال: فخرجت إلى الحسن الطرف والتحف، وكانت له المنزلة، واستخف بنا وجفينا، فكان أهلا لمّا أدى إليه، وكنا أهلا أنَّ يفعل ذلك بنا. فما رأيت مثل الحسن فما رأيت من العلماء إلاّ مثال الفرس العربي بين المقاريف، وما شهدنا مشهدا إلاّ برز علينا، وقال لله عز وجل وقلنا مقاربة. قال عامر الشعبي: وأنا أعاهد الله أنَّ أشهد سلطانا بعد هذا المجلس فأجابه!\rيرتع وسطا ويربض حجرة.\rالترع معروف، وكذا الوسط. وتقدم ما فيه من الفرق: والرابض بفتحتين ما حول المدينة والجمع أرباض. قال:\rحتى أقام على أرباض خرشنة ... تشقى به الروم والصلبان والبيع\rو الربض أيضاً مأوى الغنم. قال العجاج يصف ثورا وحشيا: واعتاد أرباضا لها آري والربض أيضاً كان ما يأوي إليه الإنسان من أهل ومسكن ونحوه. قال:\rجاء الشتاء ولمّا تخذ ربضاً ... يا ويح نفسي من حفر القراميص!\rوربضت الشاة بالفتح تربض ربضا وربضة وربوضا، وهو في الشاة كالبروك في الإبل؛ والحجرة بالفتح فسكون: الناحية والجمع حجر وحجرات. وأما الحجرة بالضم فحظيرة الإبل والغرفة.\rوهذا المثل يضرب في المرء يشاركك عند النعمة والرخاء والفرح، ويجنبك عند البلاء والكربة والاحتياج، تشبيها بالشاة تدخل الوسط عند الأكل، وعند الفراغ تعتزل إلى ناحية.\rرجع بخفي حنينٍ.\rالرجوع معروف. والخف بالضم: الذي يلبس، والجمع خفاف؛ والحنين كزبير إسكاف من أهل الحيرة، ساومه أعرابي خفين حتى أحرجه ولم يشترهما. فغضب الأسكاف ورجع بخفيه إلى طريق الأعرابي، فوضع أحد الخفين على الطريق، ثم مر ساعة فوضع الآخر، وكمن فجاء الأعرابي وقف على الخف الأول في الطريق فقال: ما أشبه هذا الخف بخفي حنين! لو كان معه الآخر لأخذتهما. ثم سار حتى وجد الآخر، فندم على أنَّ فرط في الأول، فأناخ راحلته وأخذ هذا وعقل راحلته ورجع إلى الأول ليأخذه، فخرج حنين إلى الراحلة فأخذها وما معها ومضى لوجهه. فجاء الأعرابي بالخفين إلى أهله، فإذا قيل له: بم جئت؟ قال: بخفي حنين، فضربوه مثلا لمن رجع بالخيبة وآب بالخسران.\rوقيل: حنين هو رجل أدعى إلى أسد بن هاشم بن عبد مناف، فأتى عبد المطلب وعليه خفان أحمران، فقال: يا عم: أنا أبن أسد بن هاشم بن عبد مناف. فقال عبد المطلب: لا، وثياب هاشم! ما أعرف شمائل هاشم فيك، فارجع! فقالوا: رجع حنين بخفيه، فذهب مثلا.\rوقيل هو لص إنَّ أخذ فصلب. فجاءت أمه نحوه وعليه خفان، فنزعتهما ورجعت فقبل: رجعت بخفي حنين، أي رضيت منه بذلك.\rرجع بصحيفة الملتمس.\rالصحيفة بفتح الصاد المهملة: الكتاب والجمع صحائف وصحف، على غير قياس؛ والملتمس: شاعر معروف، وهو جرير لن عبد المسيح. ولقب بالملتمس لقوله:\rوذلك أوان العرض طن ذبابه ... زنابيره والأزرق الملتمس\rو صحيفته: كتاب كتب له عمرو بن هند يذهب إلى عامله بالبحرين ليقتل، وأوهمه أنَّ المكتوب فيها الحباء يأخذه من العامل. فضرب المثل بهذه الصحيفة لمن يستحصب هلاكه وهو يضنه نفعا.\rوشرح هذه القصة أنَّ طرفة بن العبد الشاعر المشهور البكري الوائلي، هجا عمرو بن هند مضرط الحجارة لمتقدم ذكره قوله:\rفليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثا حول قبتنا تخور\rمن زمرات أسبل قادمها ... و ضرتها مركنة درور\rيشاركنا لها رحلان فيها ... تعلوها الكباش فما تنور\rلعمرك إنَّ قابوس بن هند ... ليخلط ملكه نوك كثير\rقسمت الدهر في زمن رخي ... كذاك الدهر يقصد أو يجور\rلنا يوم وللكروان يوم ... تطر المائسات وما نطير\rفما يومنا فنظل ركبنا ... و قوفا ما نحل وما نسير\rوما يومهن فيوم سوءٍ ... يطاردهن بالحدب الصقور\rو تقدم بعض هذه الأبيات، وقوله قسمت الدهر، الخ . . إشارة إلى ما يحكى أنَّ عمرو بن هند كان دأبه أنه يصطاد يوما ويوما يقف الناس ببابه: فإنَّ اشتهى حديث رجل منهم أذن له. فلبث على ذلك دهره. وكان لطرفة أخت تزوجها عبد عمرو، وعبد عمرو هذا كان أقرب الناس إلى عمرو بن هند منزلة. فجاءت أخت طرفة يوما تشكو زوجها هذا، فهجاه طرفة بقوله:","part":1,"page":286},{"id":287,"text":"يا عجبا من عبد عمرو وبغيه ... لقد رام ظلمي عبد عمرو فأنعما\rولا خير فيه غير أنَّ قيل واجد ... و إنَّ له كشحا إذا قام أهضما\rوإنَّ نساء الحي يركضن حوله ... يقلن: عسيب من سرارة ملهما\rله شربتان بالنهار وأربع ... من الليل حتى آض سخدا مورما\rويشرب جزيرة يغمر المحض قلبه ... و إنَّ أعطه أترك لقلبي مجثما\rكأنَّ السلاح فوق شعبة بانة ... ترى نفخا ورد لأسرة أصحما\rو كان عبد عمرو أجمل أهل زمانه جسما وكشحا، وذلك وصفه بالكشح الأهضم، أي الضامر العسيب: عسيب النخل. وملهم :موضع باليمن ذو نخل، وسرارته أكرم موضع فيه، وكذا سرارة كل واد. والسخد: الورم وقيل السلا. شبه جسده في نعمته ورجرجته بالورم أو السلا المنتفخ؛ والنفخ: انتفاخ البطن، وقوله: ورد الأسرة، أي أسرته مرودة بالطيب والزعفران حتى صار أصحم، وهو الأحمر المائل إلى السواد. وهذا كله من أوصاف النساء، لا الرجال، وهو هجو خبيث. ثم إنَّ عمرو بن هند خرج يوما إلى الصيد ومعه عبد عمرو، فرمى عمرو حماراً فقعره، فقال لعبد عمرو: أنزل فاذبحه! فنزل وعالجه فأعياه الحمار وضحك منه عمرو بن هند وقال: لقد أبصرك طرفة حين قال: ولا خير فيه . . \" البيت \" . فيروى إنّه لمّا قال له ذلك، قال عبد عمرو، أبيت اللعن! ما قال لك أشد مما قال لي. قال: وما قال؟ فأنشده الأبيات السابقة. فغضب عمرو وقال: قد بلغ من أمره أن يقول! فأرسل إليه ليكتب له إلى رجل من عبد القيس بالبحرين، وهو المعلى، وكان عامله عليها،ليقتله. فقال بعض جلسائه: إنّه حليف المتلمس، فإنَّ أوقعت بطرفة هجاك المتلمس. فأرسل عمرو إلى طرفة والمتلمس، فأرسل عمرو إلى طرفة والمتلمس معا، فأتياه، وهو بالبقة، قريبا من الحيرة، فكتب إلى عاملة بالبحرين ليقتلهما، وأخفي ذلك عنهما أنَّ ارتياح عمرو لي ولك لأمر مريب، وإنَّ انطلاقي بصحيفة لا أدري ما فيها لغرور فقال طرفة :أنك لمسيء الظن. وما تخشى من صحيفة إنَّ كان فيها الذي وعدناه، وإلاّ رجعنا إليه، فأبى المتلمس، وأبى طرفة أنَّ يجيبه، ففض المتلمس خاتم صحيفته وقام إلى من أهل الحيرة يستقي فدفعها إليه، فقرأها الغلام فقال: أنت المتلمس؟ قال: نعم! قال: النجاء! النجاء! قد أمر بقتلك. فجاء بالصحيفة حتى قذفها في نهر الحيرة، ثم قال:\rألقيتها بالثنى من جنب كافر ... كذلك أقنوا كل قط مضلل\rرضيت لمّا بالماء لمّا رأيتها ... يجور بها التيار في كل جدول\rو قيل انهما مرا في طريقهما ذلك على رجل يتغدى وهو يقضي حاجة الإنسان ويلفي ثوبه. فقال المتلمس: ما رأيت أحمق من هذا. فقال وما رأيت من حمقي؟ إنّما آكل غذائي وأخرج دائي وأقتل أعدائي. وهل الأحمق إلاّ من يحمل حتفه على كتفه؟ أو كلاما نحو هذا. فحينئذ إستراب المتلمس أمر الصحيفة فاستقرأها كما مر، ثم قال لطرفة: تعلم أن في كتابك مثل ما في كتابي؟ فقال طرفة: لئن اجترأ عليك، ما كان ليقدم علي. فلما أعياه طرفة وأبى أن يطيعه، وخرج الملتمس من فوره ذلك إلى الشام هاربا وقال:\rمن مبلغ الشعراء عن إخوانهم ... نبأ فتصدقهم بذلك الأنفس\rأودى الذي علق الصحيفة منهما ... و نجا حذار حياته المتلمس\rولقد نصحت له فرد نصيحتي ... و جرت له بعد السعادة أنحس\rوفي ذلك قيل:\rألقى الصحيفة كي يخفف رحله ... و الزاد حتى نعله ألقاها\rوخرج طرفة حتى أتى صاحب البحرين بكتابه، فدفعه إليه، فقال صاحب البحرين: إني رجل في حسن وبيني وبين أهلك إخاء قديم، فأهرب إذا خرجت من عندي، فقد أمرت بقتلك! فإن كتابك إنَّ قرئ لم أجد بدا من قتلك! فأبى وطن إنّه لا يجترئ على قتله. فحبسه حتى قتله. وفيه يقول طرفة، يخاطب العامل:\rأبا منذر كانت غرورا صحيفتي ... و لم أعطكم في الطوع مالي ولا عرضي\rآيا منذر أفنيت فأستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض!\rرجع فلان إلى قرواه.\rوروي: القروي بألف مقصورة. يقال: رجع فلان على قرواه، أي رجع إلى خلق كان يعتاده. يضرب في عادة السوء يتركها صاحبها ثم يرجع إليها. والمعروف في اللغة: القرواء بالمد وهو العادة.\rويروى هذا حديثا: لا ترجع هذه الأمة على قروائها أي على أمرها الأول والله أعلم.\rرزمةٌ ولا درة فيها.","part":1,"page":287},{"id":288,"text":"الرزمة بفتحتين صوت الناقة عندما ترأم ولدها تخرجه من حلقها ولا تفتح به فاها؛ والدرة فعلة من درت الناقة باللبن تدر.\rيضرب هذا المثل لمن يعد ولا يفي كالناقة تروم وتحن ولا تدر ولا خير في ذلك ورزمة خبر مبتدأ يقدر بحسب المقام.\rالرشف أنقع.\rالرشف: المص. يقال: رشف الماء يرشفه كنصر ينصر ورشف يرشف كسمع يسمع رشفا وارتشافه وترشه إذا مصه ونقع الرجل بالشراب ينقع بالفتح فيها: استقى به وأنقعه الماء: أرواه. والمعنى أنَّ امتصاص الماء وترشفه شيئا فشيئا هو أنقع للنفس وأقطع للعطش ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمص وقال إنّه أهنى وامرئ ونهى عن العب.\rفيضرب في ترك العجلة في الأمر.\rارضَ من المركب بالتعليق!\rالرضى ضد السخط رضي بالكسر يرضى. والمركب هنا إما أن يراد به الركوب ومن للبدل كقوله:\rلو أنَّ لي بهم قوماً إذا ركبوا ... شنوا الإغارة فرساناً وركباناً\rوالمعنى: ارضَ بدل ركوبك بأن تعلق أمتعتك. وأما أن يراد به المركوب ومن على بابها أي: ارضَ من هذا المركوب بان تعلق أمتعتك عليك أو بان تتعلق به في عقبتك ونوبتك. فيضرب عند الأمر بالقناعة بادراك اليسر من الحاجة والرضى بصغير الأمر دون عظيمه.\rمرعى ولا أكولة.\rالمرعى: مفعل من الرعي يقال رعت الماشية بالفتح رعيا ومرعى ويطلق المرعى أيضاً على المكان وعلى النبات المرعي؛ وهو الرعي أيضاً بكسر الراء.\rقال زهير:\rتربع بالقنان وكل فج ... طباه الرعي منه والخلاءُ\rأي دعاه إليه ما فيه من الرعي أبي الكلأ والخلوة. والأكل معروف وهو أكول وهي أكولة فإنَّ علم الموصوف من الكلام كان القياس حذف الهاء كغيره من نظائره.\rوالمعنى أنَّ هذا مرعى أي نبات كثير ولم توجد ماشية ترعاه أو مكان ذو رعي ولا راعية له. يضرب في المال الكثير يجده الرجل ولم يجد من ينفقه عليه.\rوقال الشاعر في معنى المثل الأصلي:\rأرعت الأرض لو أنَّ مالاً ... لو أنَّ نوقاً لك أو جمالا\rأو ثلة من غنمٍ إمالا\rأي: إن كنت لا تجد غيرها.\rومن اللطائف في هذا ما أنشده أبو علي البغدادي من قول الشاعر:\rفجنبت الجيوش أبا زينبٍ ... و جاد على مسارحك السحابُ\rفإنَّ البيت يحتمل أن يريد فيه الدعاء للمذكور على ما يبدو في بادئ الرأي بان يرزق العافية والأمن والخصب والدعة؛ ويحتمل أن يريد به الدعاء عليه بأن يفقر ويسلب المال حتى لا يكون له شيء تقصده الجيوش عليه وتتوجه بسببه الغارات إليه ويخصب مع ذلك حواليه حتى يكثر أسفه وحزنه إذ لا راعية له. وهذا الوجه هو الأصح وهو من أحسن معاريض البلغاء.\rمرعى ولا كالسعدان.\rالمرعى تقدم: والسعدان بوزن سكران: نبت شديد الشوك.\rوفي الحديث في وصف جهنم أعاذنا الله منها: إنَّ فيها كلاليب مثل شوك السعدان.\rوقيل لرجل من أهل البادية خرج عنها: أترجع إلى البادية؟ فقال: أما ما دام شوك السعدان مستلقيا فلا! يعني: لا ارجع إليها أبدا لأنَّ شوك السعدان لا يفارقها.\rويحكى عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وذكره أبو العباس المبرد إنّه قال: دخلت على أبي بكر رضي الله عنه في علته التي مات منها فقلت: إني أراك بارئا يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما إني على ذلك لشديد الوجع ولمّا لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشد علي من وجعي. إني وليت أموركم خيركم في نفسي فكلكم ورم أنفه أن يكون له الأمر من دونه والله لتتخذن نضائد الديباج وستور الحرير وأتألمن النوم على الصوف الأذربي كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان! والذي نفسي بيده لأنَّ يقوم أحدكم فتضرب عنقه في غير حق خير له من أن يخوض في غمرات الدنيا! يا هادي الطريق جرت إنما هو والله الفجر أو البحر! فقلت: خفض عليك يا خليفة رسول الله فإنَّ هذا يهيضك إلى ما بك. فو الله ما زلت صالحا مصلحا لا تأسى على شيء فاتك من الدنيا ولقد تخليت بالأمر وحدك فما رأيت إلاّ خيرا! قوله: نضائد الديباج هو الوسائد جمع نضيدة أي المنضودة المجموع بعضها إلى بعض. قال الراجز:\rوقربت خدامها الوسائدا ... حتى إذا ما علوا النضائدا\rسبحتُ ربي قائماً وقاعدا","part":1,"page":288},{"id":289,"text":"والصوف الأذربي منسوب إلى أذربيجان؛ وقوله: إنّما هو الفجر أو البحر يريد: إن تربصت حتى يضيء لك الفجر الطريق عرفت قصدك وإن خبطت الظلماء وركبت متن عشواء ضللت. وضرب ذلك مثلا للدنيا وتحييرها أربابها.\rويذكر في بعض الأخبار إنّه يؤمر بالكافر يوم القيامة فيسحب على حسك السعدان. وهذا النبت من أفضل مراعي الإبل يسمنها ويغذيها غذاء حسنا. قال النابغة:\rالوهاب المائة الأبكار زينها ... سعدان يوضح في أوبارها اللبد\rو لذلك ضربت به العرب المثل.\rوقال أبو علي البصير يمدح عبيد الله بن خاقان وله:\rيا وزراء السلطان ... أنتم وآل خافان\rكبعض ما روينا ... في سالفات الأزمان\rماء ولا كصدى ... مرعى ولا كالسعدان\rو هذان مثلان: ومثلهما:\rفتى ولا كمالكٍ.\rوهي كلها تضرب في الشيء يكون الفضل وغيره أفضل منه. وسيأتي بقيتها إن شاء الله تعالى.\rقيل: وأوّل من قال: مرعى ولا كالسعدان امرأة من طيء تزوجها امرؤ القيس بن حجر الكندي وكان القيس مفركا. فقال لها يوما: أين أنا من زوجك الأول؟ فقالت: مرعى ولا كالسعدان! وكانت هذه المرأة تزوجها قبل ذلك رجل آخر ففضلته على امرئ القيس. قيل: وهذا الرجل هو قيس بن مسعود بن قيس بن خالد وهو الذي يقال له ذو الجدين لأنّه كان له جد عند الملوك وجد في الحروب. وقيل لأنّه أسر أسرين شريفين كان لهما فداء كثير ولم يؤسر أحد في زمانه أشرف منها ولا أكثر فداء فسمي ذا الجدين. وإياه يعني الحماسي بقوله:\rأيا بنت عبد الله وابنة مالكِ ... و يا أبنت ذي الجدين والفرس الورد\rإذا ما صنعت الزاد فلتمسي له ... أكيلاً فإني لست أكله وحدي!\rرعى فأقصبَ.\rالرعي تقدم؛ والقصب: القطع ومنه قيل للجزار قصاب لأنّه يقطع اللحم. وتقول: قصبت البعير وغيره إذا قطعت عليه شربه قبل أن يروي؛ وقصب البعير أيضاً شربه إذا امتنع منه قبل أن يروي فهو بعير قاصب. قال الراجز: وهن مثل القاصبات القمحِ وأقصب الرجل إذا فعلت إبله ذلك فيقال: رعى فأقصب مثلا للراعي المسيء الرعي وذلك أنه إذا أساء رعيها فخلت أجوافها من الكلأ امتنعت من الشرب إذ لا تشرب على جوع فكان امتناعها من الماء كناية عن تجويعه إياها.\rالرغبُ شؤمٌ والرفقُ يمنٌ.\rتقدم معنى هذا المثل عند الكلام على ضده وهو قولهم:\rالخرق شؤمٌ.\rوتقدم ذلك في الحديث.\rارقَ على ظلعك!\rيقال: ارقِ بفتح القاف وكسرها وبالهمزة. أما على الأول فمن الرقي وهو الصعود.\rوالمعنى: تكلف ما تطيق لأنَّ الرقي في السلم إذا كان يظلع يرفق بنسه. ويقال عند أمر الإنسان أن يبصر ما فيه من العيب والنقص ولا يتجاوز الحد في وعيده ويتخطى المقدار في تهديده.\rوأما على الثاني فهو من الرقية وكأنك تقول له: لا ظلع بي أنا أداويه ولكن ارق أنت ما فيك من الظلع! وأما على الثالث فمن القوء. يقال: رقأ الدمع يرقأ إذا سكن ورقأ بين القوم: أصلح.\rفيحتمل أن يكون من الأول أي: ارفق بنفسك واعمل على فيك من ضعف! أو الثاني أي: اصلح ما فيك من العيب أولاً!\rارقَ على ظلعك أن يهاضَ!\rهذا كالذي قبله؛ والهيض أن يكون العظم قد جبر من كسر ثم يكسر ثانيا. قال امرؤ القيس:\rويهدأ تاراتٍ سناه وتارةً ... ينوء كعتاب الكسير المهيضِ\rوقال الآخر:\rومولى كمولى الزبر قان دملته ... كما دملت ساقٌ تهاض بها وقرُ\rيرقم الماء.\rالرقم: الكتب. فيضرب في الاستقامة والحذق. ويقال: فلان يرقم يرقم الماء أي إذا بلغ من حذقه إنّه يرقم حيث لا يثبت الرقم. قال أوس بن حجر:\rسأرقم في الماء القراح إليكم ... على نأيكم إن كان للماء راقمُ\rوقد يقال: يرقم على الماء لإرادة أنه لا يثبت من عمله على شيء.\rرقةٌ ينتجها ذنب خيرٌ من حسنةٍ يتبعها عجب.\rهذا فيما أظن مثل مصنوع وهو نحو قول الشيخ تاج الدين أبن عطاء الله في حكمه: معصية أورثتك ذلا وانكسارا خيرٌ من طاعة أورثتك عزا واستكبارا.\rوليس هذا محل تقرير هذا المعنى.\rركب جناحي النعامة.\rالركوب معروف ركب بالكسر ركوبا الجناح للطائر معروف. والنعامة تقدم ما فيها. وهذا المثل يقال لمن جد في أمر كانهزام أو غيره. قال الشماخ:","part":1,"page":289},{"id":290,"text":"فمن يسع أو يركب جناحي نعامةٍ ... ليدرك ما قد قدمت بالأمس يسبق\rو هذا الشعر مرثي به عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أبيات معروفة.\rركب ذنب البعير.\rذنب كأنَّ شيء بفتحتين: مؤخره والجمع أذناب والبعير معروف وتقدم ذكر مرتبته في أسنان الإبل.\rويقال هذا المثل للإنسان يرضى بالهوان ويقنع بالنقص كالذي لم يجد مستقرا على ظهر البعير وإنّما ارتدف على الذنب. وقول النابغة:\rفإن يهلك أبو قابوس يهلك ... ربيع الناس والشهر الحرامُ\rونأخذ بعده بذناب عيشٍ ... أجب الظهر الله تعالى له سنامُ\rيحتمل أي يريد أنه تعلق بعيش صفته ما ذكر ويحتمل أن يريد مع ذلك أنه ما تمسك منه إلاّ بالذنب فيكون من هذا النمط.\rركب ذنب الريح.\rيقال للذي يسبق فلا يدرك.\rركب متن عشواء.\rالعشواء: الضعيفة البصر وهي مؤنث الأعشى. ومن ركب متنها خبط وخلط.\rوتقدم هذا في قولهم: خبط خبطَ عشواء.\rرمتني بدائها وانسلت.\rكان سعد بن زيد مناة بن تميم تزوج رهم بنت الخزرج بن تيم الله بن رفيدة بن كلب بن وبرة. وكانت من أجمل النساء فولدت له مالك بن سعد. وكان ضرائرها إذا ساببنها يقلن لها: يا عفلاء! فشكت ذلك إلى أمها فقالت: ابدئيهن بعفلك إذا سببت فأرسلتها مثلا. ثم إنها سابتها واحدة من ضرائرها يوما بعد ذلك فقالت لها رهم: يا عفلاء! كما وصتها أمها. فقالت الضرة حينئذ: رمتني بدائها وانسلت! فذهب مثلا يضرب في تعييرك صاحبك بعيب هو فيك.\rونحو هذا قول العامة اليوم: قولي لها قبل أن تقول لك! وكان أصله فيما زعموا أنَّ امرأة عوراء سابت امرأة فقامت بنية للعوراء فقالت لأمها: يا أم قولي لها: يا عوراء قبل أن تقوله لك! وكان يقال لبني مالك بن سعد بنو العفلاء وبهم عرض النقري في قوله:\rما في الدوائر من رجلي من عتل ... عند الرهان ولا اكوى من العفلِ!\rرماه الله بداء الذيب.\rداء الذيب هو الجوع والذيب أصبر السباع على الجوع.\rرماه الله بأفعى حاريةٍ!\rالأفعى معروفة. والحارية: الناقصة. تقول: حرى الشيء يحري حريا: نقص وأحواه الزمان والحاوية: الأفعى التي نقص جسمها من الكبر فلم يبق إلاّ رأسها ونفسها وسمها وذلك أخبث ما تكون فدعي بها.\rرعاه بأقحاف رأسه.\rالأقحاف جمع قحف بكسر القاف وسكون الحاء المهملة وهو العظم فوق الدماغ.و يقال هو ما انفلق من الجمجمة فبان ولا يقال لجميع الجمجمة قحف إلاّ أن يتكسر فيقال للمتكسر قحف إذا بان. والجمع أقحاف وقحوف. والمعنى: رماه بالدواهي المهلكة. يقال للرجل تسكته بداهية توردها عليه.\rوقيل المعنى: رماه بنفسه ونطحه عما يحاوله.\rفعلى الأول يكون المعنى إنّه لمّا رماه بالداهي فكأنه رماه بأفلاق رأسه إذ رماه بما يؤول إلى ذلك. ويكون الضمير المضاف إليه للرمي. فتقول مثلا: رميت زيدا بأفلاق رأسه.\rوعلى الثاني يكون المعنى إنّه باشر دفاعه بنفسه فشبه نفسه بالكبش الناطح برأسه والتعبير بالأقحاف حينئذ للمبالغة بأن كل جزء باشر النطح. والضمير يكون على هذا للرامي فتقول: رميت زيدا بأقحاف رأسي والله أعلم.\rومثله قولهم: رماه بثالثة الأثافي.\rقال خفاف بن ندبة:\rوإنَّ قصيدة شنعاء مني ... إذا حضرت كثالثة الأثافي\rأرمى من أبن تقن.\rأبن تقن بكسر التاء المثناة وسكون القاف بعدها نون رجل كان جيد الرمي يضرب به المثل. قال الراجز:\rيرمي بها أرمى من أبن تقنِ\rوأبن تقن هذا هو عمرو بن تقن الذي قيل فيه: لا فتى إلاّ عمرو! وسيأتي إن شاء الله تعالى في موضعه مشروحاً.\rووقع في الصحاح والقاموس أنَّ التقن هو رجل كان راميا جيد الرمي وكأنه مسامحة.ثم رأيت للشنتمري في شرح قول الحماسي:\rأهلك عاداً وقبله ... أهلك طسماً وذا جدونِ\rوأهل جاش ومأربٍ ... و حتى لقمان والتقونِ\rقال: التقون جمع تقن وهو رجل من عاد وفيه قيل: أرمى من أبن تقن.\rالأرواح جنود مجندةٌ.\rهذا يروى حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف.","part":1,"page":290},{"id":291,"text":"وهذا إخبار بأنَّ بين الأرواح تارة تناسبا باطنيا يوجب الالتئام والتوافق وتارة تباينا يوجب الوحشة والاختلاف بإذن الله تعالى وهو مشاهد مجرب. ومن ثم قال أبو الطيب:\rأصدق نفس المرء من قبل جسمه ... و أعرفها في فعله والتكلم\rوقال الآخر:\rوقائل لي: لم تفارقتما؟ ... فقلت قولاً فيه إنصافُ\rلم يك من شكلي ففارقته ... و الناس أشكالٌ وآلافُ\rوقال طرفة في أبيات:\rوأنت امرؤ منا ولست بخيرنا ... جوادٌ على الأقصى وأنت بخيلُ\rوأنت على الأدنى شمالٌ عريةٌ ... شآميةٌ تزوي الوجوه بليل\rوأنت على الأقصى صبا غير قرةٍ ... تذاءب منها ومرزغٌ ومسيلُ\rوأعلم علماً ليس بالظن أنه ... إذا ذل مولى المرء فهو ذليلُ\rوأنَّ لسان المرء ما لم يكن له ... حصاةٌ على عوراته لدليلُ\rوأنَّ امرءاً لم يعف يوما فكاهةً ... لمن لم يرد سوءاً بها لجهولُ\rتعارف أرواح الرجال إذا التقت: فمنهم عدوٌ يتقى وخليلُ\rوقال المجنون:\rتعلق روحي روحها قبل خلقنا ... و من بعدها كنا نطافاً وفي المهدِ\rوقال أبن الرومي:\rذو الود مني وذو القربى بمنزلةٍ ... و أخوتي أسوةٌ عندي لخلانُ\rأحبةٌ جاورت آدابهم أدبي ... فهم وإن فرقوا في الأرض جيراني\rأرواحنا في مكانٍ واحدٍ وغدت ... أجسامنا بعاقٍ أو خراسانِ\rو الشعر في هذا المعنى لا يحصى. ومثله المثل الآتي: وافق شنٌ طبقة.\rاستراح من لا عقل له.\rالاستراحة ضد التعب. تقول: أرحت الرجل فاستراح؛ وإنّما استرا الذي لا عقل له لأنَّ النفس إذا خليت أخلدت إلى الشهوات الحاضرة ولا تبالي بعزمة وتستنكف عن منقصة كالبهيمة والعقل ينزع بها إلى طلب الكمال والتحلي بالحمد والتخلي عما يذم. وفي ذلك أتعابهاً لجسمها عن مألوفها المستذل واقتحام الأخطاء بها لاكتساب الثناء والفضل وإطالة الهموم والأفكار عليها نظراً في عواقب الأمور واحترازا عما يشين ويضير. وليس قال الحماسي:\rيا بؤس للحرب التي ... وضعت أراهط فاستراحوا!\rوقال الآخر:\rوقائلةٍ: لم عركت الهموم ... و أمرك ممتثل في الأمم؟\rفقلت: ذريني على حالتي ... فإنَّ الهموم بقدر الهمم!\rو سمع الأحنف رجلا يقول: ما أبالي أمدحت أم هجيت! فقال: استرحت من حيث تعب الكرام! و مما ورد في العقل وفضله أنَّ أدم لمّا أهبط إلى الأرض خير في ثلاث: الحياء والدين والعقل. فاختار العقل: الحياء والدين أمران أن لا تفارق العقل.\rوورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ثلاث من حرمهن فقد حرم خير الدنيا والآخرة: عقل يداري به الناس وحلم يداري به السفيه وورع يحجزه عن المحارم.\rوفي حكمة داود عليه السلام: على العقل أن يكون عارفا بزمانه مالكا للسانه مقبلا على شأنه.\rوقال علي رضي الله عنه: لا مال أعود من العقل ولا فقر أشد من الجهل ولا وحدة أوحش من الجهل ولا مظاهر أحسن من المشاورة ولا حسب كحسب الخلق.\rوقال مطرف بن الشخير: عقول الناس على قدر أزمانهم.\rويقول: ثلاثة تدل على عقول أهلها: الكتاب والرسول والهدية.\rوذكر المغيرة يوما عمر فقال: كان والله أفضل من أن يخدع وأعقل من أن يخدع.\rوفي كتاب كلية ودمنة: رأس العقل التمييز بين الكائن والممتنع.\rوقال الحجاج يوما: العاقل من يعرف عيبه. فقال له عبد الملك بن مروان: فما عيبك يا حجاج؟ قال: حسود حقود. فقال عبد الملك: ما في إبليس شر من هاتين! ويقال: لا دين لمن لا عقل له.\rوقال علي رضي الله عنه: لا تؤاخ الأحمق ولا الفاجر. أما الأحمق فدخوله عليك وخروجه من عندك شين، وأما الفاجر فيزين لك فعله ويود أنَّ تكون مثله.\rوقال أيوب بن القرية إنَّ نطق أصاب، وإنَّ سئل أجاب؛ والأحمق إنَّ تكلم عجل، وإنَّ سئل ذهل. والفاجر إنَّ ائتمنته خانك، وإنَّ صحبته شانك.\rوقال عمر بن عبد العزيز: لا يعدم الأحمق خصلتين: كثرة الالتفات وسرعة الجواب. وقال الحسن: هجر الأحمق قربة. وقال: لا يتم دين امرئ حتى يتم عقله. وفي الحكمة: ينبغي للعاقل أنَّ يتمسك بست خصال: أن يحوط دينه، ويصون عرضه، ويصل رحمه، ويحفظ جاره، ويرعى إخوانه، ويخزن عن البذاء لسانه. ويقال: الفقر بالعقل، والرزق بالجهل.","part":1,"page":291},{"id":292,"text":"ويحكى إنّه قيل لعيسى عليه السلام: يا روح الله، تبرئ ألاكمه والأبرص وتحيي الموتى، فما دواء الأحمق؟ قال: ذلك أعياني! وكان كسرى إذا غضب على عاقل سجنه مع جاهل.\rوقال سهل بن هارون: ثلاثة من المجانين، وإنَّ كانوا عقلاء: الغضبان، والغرثان والسكران. وفي الخبر: العاقل إنَّ تكلم غنم، وإنَّ سكت سلم.\rومما ينسب لعلي رضي الله عنه:\rيقاس المرء بالمرء ... إذا المرء ما شانه\rفلا تصحب أخا الجاهل ... و إياك وإياه\rفكم من جاهلٍ أردى ... حليما حين أخاه\rوللشيء على الشيء ... نظائر وأشباه\rوللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه\rوصالح بن عبد القدوس:\rولأنَّ يعادي عاقلا خير له ... من إنَّ يكون صديق أحمق\rفآربا بنفسك أنَّ تصادق أحمق ... إنَّ الصديق على الصديق مصدق\rو لغيره:\rعدوك ذو العقل أبقى عليك ... و أجدى من الصاحب الأحمق\rولغيره:\rقد عرفناك باختيارك إذ كان ... دليلا على اللبيب اختياره\rولآخر:\rتحامق مع الحمقى إذا ما لقيتهم ... و لا تلقهم بالعقل إنَّ كنت ذا عقل!\rولآخر:\rإنَّ جئت أرضاً أهلها كلهم ... عور فغمض عينك الواحده!\rوقال هشام بن عبد الملك: يعرف الأحمق بأربع: طول اللحية، وشناعة الكنية، ونقش الخاتم، وإفراط الشهوة.\rودخل عليه يوما رجل طويل اللحية فقال: انظروا فيه غيرها! فسئل عن كنيته فقال: أبو الياقوت. فقيل: وما نقش خاتمك؟ قال: وجاءوا على قميصه بدم كذبٍ.\rويحكى مثل هذه القصة عن معاوية وإنّها وقعت له مع رجل إلاّ إنّه قال في الكنية: أبو الكوكب الدري، ونقش الخاتم: وتفقد الطير. وتقدم شبه هذا للمأمون العباسي مع آخر، في حرف التاء.\rوقيل:\rألا إنَّ عقل المرء عينا فؤاده ... فإنَّ لم يكن عقل فلن يبصر القلب\rآخر:\rلسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلاّ صورة اللحم والدم!\rوسيأتي في أجوبه الحمقى ومضحكاتهم شيء كثير.\rأراد بيض الأنوق!\rيضرب عند إرادة الممتنع. وتقدم في الباء وما فيه.\rأردت عمراً وأراد الله خارجة!\rكثيراً ما يتمثل به عندما تقصد إيقاع شيء ثم لم يتفق لك وأوقعت شيئاً آخر مكانه. وهو من كلام أحد الخوارج الذي أرسلوه إلى مصر ليقتل عمرو بن العاصي، حيث اتفقوا على قتله وقتل أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه ومعاوية رضي الله عنه. فذهب إلى كل واحد من الثلاثة من يقتله. فأما على كرم الله وجهه فقتل وفاز؛ وما معاوية فأصيب ونجا وقال في ذلك:\rنجوت وقد بل المرادي سيفه ... من أبن أبي شيخ الأبطاح طالب\rو أما عمرو فاستخلف خارجة المذكور، فنجا وقتل خارجة. فقال القاتل: أردت عمراً وأراد الله خارجة، أي أردت قتل عمر فلم يتفق إذ لم يرده الله تعالى، وأراد الله إنَّ أقتل خارجة، فوقع ما أراد الله تعالى:\rفما شئت كان وإنَّ لم أشأ ... و ما شئت أم لم تشأ لم يكن\rو القصة مشهورة فلا نطيل بها.\rوما احسن قول أبن عبودن في قصيدته:\rوليتها إذ فدت عمراً بخارجةٍ ... فدت عليا بما شاءت من البشر!\rرويد الغزو ينمرق!\rرويدا: مهلاً، وهو مصغر رود. يقال: أورد الرجل إرواد ومورداً ورويداً إذا رفق. ويكون لفظ رويداً على أوجه: اسم فعل أمر بمعنى أمهل، وتدخل عليه الكاف، نحو: رويدا زيداً، ورويد كني؛ وصفة، نحو سار سيراُ رويدا؛ وحالا، نحو: سار القوم رويدا، وهو محتمل لمّا قبله؛ ومصدرا، نحو: رويد زيد، بالإضافة. والغزو معروف. وهو أما منصوب إنَّ جعل رويد اسم فعل مجرور إنَّ جعل مصدرا. والمروق: الخروج. يقال: مرق السهم وغيره، أي خرج. وفي الحديث: يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.\rوالمراد هنا خروج الولد. كانت امرأة تغزو، فحلبت فذكر لها الغزو فقالت: رويد الغزو ينمرق! أي أمهل الغزو حتى يخرج الولد!\rرويداً يعدوان الجدد!\rالعداء: المجاوزة. والجدد من الأرض خلاف الوعث. وتقدم هذا المثل من كلام قيس بن زهير في رهان بينه وبين بني بدر. والضمير في يعدوان للفرسين المجريين.\rروغي جعار.","part":1,"page":292},{"id":293,"text":"الروغان: الحيودة. يقال:راغ الرجل، وراغ الرجل، وراغ الثعلب بالعين المعجمة يروغ رواغا إذا مال وحاد عن الشيء، وجعار علم على الضبع، وتقدم ما فيه. وقد يقال روغي جعار وانظر أين المفر. ويضرب في فرار الجبان، أو للذي يهرب ولا يقدر إنَّ ينفلت.\rأروغ من ثعالة.\rثعالة بالضم اسم لجنس الثعلب، معروفة، وروغان الثعلب في غاية الخفة والسرعة. فضرب به المثل. يقال: أروغ من ثعالة، اورغ من ثعلب، وراغ روغان الثعلب. قال الشاعر:\rفأحتلت حين صرفتني ... و المرء يعجز لا محاله\rوالدهر يلعب بالفتى ... و الدهر أروغ من ثعاله\rوالمرء يكسب ماله ... و الشح يورثه الكساله\rوالعبد يقرع بالعصا ... و الحر تكفيه المقاله\rوقال الآخر في الثعلب:\rوكل خل لي خاللته ... لا ترك الله له واضحه\rكلهم أروغ من ثعلبٍ ... ما أشبه الليلة بالبارحة!\rيحكى أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه قال يوما وهو على المنبر: إنَّ الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ولم يروغوا روغان الثعلب.\rولمّا هزم المهلب بن أبي صفرة عبد ربه الأصغر وأجلى قطريا حتى أخرجه من كرمان نحو أرض خرسان، وأوفد على الحجاج كعب بن معدان الأشقري. فقال له الحجاج:كيف كان محاربة المهلب للقوم؟ قال: كان إذا وجد الفرصة سار كما يسور الليث، وإذا دهمته الطمحة راغ كما يروغ الثعلب، وإذا ماده القوم صبر صبر، الدهر قال: وكيف كان فيكم؟ قال: كان لنا منه إشفاق الوالد الحدب، وله مناطاعة الوالد البر. قال: فكيف أفلتكم قطري؟ قال: كدنا ببعضنا ما كدناه به، والأجل أحصن جنة وأنقذ عدة. قال: فكيف أتبعتم عبد ربه وتركتموه؟ قال: آثرنا الحد على الفل، وكانت سلامة الجند أجب الينا من شجب العدو. فقال له الحجاج: أكنت أعددت هذا الجواب قبل لقائي؟ قال: لا يعلم الغيب إلا الله! قوله: شجب العدو، أي هلاكه. يقال شجب الرجل يشجب شجبا. قال امرؤ القيس:\rوقالت: بنفسي شباب له ... و لمته قبل أنَّ يشجب\rالراوية أحد الهاجين.\rيقال: روي الشعر بالفتح يرويه، فهو راوٍ، ورواية بزيادة الهاء للمبالغة، كما في مدركة وعلامة، ورويته أنا تروية. والهجو والهجاء معروف. ويعنون بهذا الكلام إنَّ من روى الهجو في الناس فهو كمن قاله أوّلاً، فيمون أحد الهاجين، كما يقال في الغيبة إنَّ المستمع شريك القائل إذا لم ينكر ولا عذر، فكيف يمن يحكي ويأثره؟ كما قيل:\rلعمرك ما سب الأمير عدوه ... و لكنما سب الأمير المبالغ!\rو لأجل ما وقع للنابغة الذبياني في بني سيار، وكان النابغة قد نهى قومه إنَّ يرتعبوا حمى نعمان بن الحارث الغساني، فعصوه، وترعبوه، فأغار عليهم. وقال النابغة في ذلك:\rلقد نهيت بني ذبيان عن أقر ... و عن تربعهم في كل أصفار\rوقلت: يا قوم إنَّ الليث منقبض ... على براثنه لوثبة الضاري\rو هي قطعة مشهورة، منها:\rأما عصيت فأني غير منفلتٍ ... مني اللصاب فجنبا حرة النار\rأو أضع البيت في سوداء مظلمةٍ ... تقيد العير لا يسري بها الساري\rيريد إنّه يلج الشعاب الضيفة أو المهامه الفيح حتى لا يصل إليه الجيش، ثم إنّه لم يفعل ذلك حتى أصابه الغارة مع قومه وأسر بعض أهله فيمن أسر. فقال في ذلك بدر بن حزاز الفزاري يعير النابغة:\rأبلغ زياداً وحين المرء مردكه ... و إنَّ تكيس أو كان أبن احذار\rاضطرك الحرز من ليلى إلى بردس ... تختاره معقلا عن شج أعيار\rحتى لقيت أبن كهف اللؤم في لجيبٍ ... ينفي العصافير والغربان جرار\rفالآن فاسع بأقوام غررتهم ... بني ضباب ودع عنك أبن سيار\rقد كان وافد أقوام فجاء بهم ... و انتاش عانيه من أهل ذي قار!\rثم إنَّ النابغة بلغه إنَّ زبان وخزيمة أبني سيار أعانا بدرا ورويا شعره، فقال في ذلك:\rإلاّ من مبلغ عني خزيما ... وزبان الذي لم يرع صهري؟\rفأياكم وعورا داميات ... كأنَّ صلاءهن صلاء جمر!\rفإني قد أتاني ما صنعتم ... و ما رشحتم من شعر بدر\rفلم يك نولكم إنَّ تشقذوني ... و دوني عازب بلاد حجر\rفإن جوابها في كل يومٍ ... ألم بأنفس منكم ووفر","part":1,"page":293},{"id":294,"text":"ومن يتربص الحدثان تنزل ... بمولاه عوان غير بكر\rروت حزم، فإذا استوضحت فأعزم!\rيقال: رويت في الأمر بالتضعيف: نظرت فيه وتفكرت، والحزم والحزامة: ضبط الأمر والأخذ فيه بالقوة والجد. يقال: حزام الرجل بالضم يحزم حزامة فهو حازم. واستيضاح الشيء: استكشافه أو جعله واضحا. والعزم معروف.\rومعنى المثل أنَّ من حزم الإنسان إنَّ يتروى في الأمر ويتفكر في مجاريه وعواقبه إذا أراد أنَّ يأتيه، حتى إذا تبين له إنّه محمود فليقدم عليه بعزم ولا يتوان فيه حتى يدرك فتور فيتعطل.\rأروى من نملةٍ.\rيقال: روي من الماء بالكسر يروى ريا، فهو ريان، والنملة واحدة النمل، وهو معروف. وإنّما وصفت بالري لأنها تكون في الفلوت فلا ترد الفلوات، وهذا من المجاز.\rأروى من نعامةٍ.\rالنعامة معروفة، وتقدم الكلام عليها. ووصفت بالري أيضاً لمّا يزعمون من إنّها لا تشرب الماء ولا تطلبه، وإنَّ رأته شربته عبثاً.\rرهبوتى خير من رحموتى.\rالرهب: الخوف. يقال: رهب بالكسر وهبة ورهبا بالضم والفتح ورهبا بفتحتين والاسم منه رهباء بالمد وبالقصر مضموما ومفتوحا. ويقال رهبوت بزيادة تاء للمبالغة كملكوت، ورهبوتى بألف مقصورة، والرحمة: العطف والرقة رحمة بالكسر رحمة، ورحما بالضم وبضمتين ومرحمة؛ والرحموت من الرحمة استعمل للازدواج.\rوالمعنى انك أنَّ ترهب خير لك من إنَّ ترحم، لأن المرهوب عزيز ممتنع، والمرحوم بمحل عدوان العادين.\rتربع وتدسع\rومما يلتحق بهذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم في خطبته يروى عن ربه تعالى يقول لعبده: المثل أوتك مالا وأفضل عليك، فماذا قدمت؟ وفي رواية: ألم أوتك مالا وجعلتك تربع وتدسع؟ فقوله: تربع وتدسع تمثيل. وأصله في الرئيس من العرب كان يربع قومه، أي يأخذ المرباع وهو ربع المغنم إذا غزوا؛ ويدسع، أي يعطي الدسيعة وهي العطية. ومنه قولهم: فلان ضخم الدسيعة.\rوقولهم:\rرجع عوده على بدئه.\rأي رجع في طريق الذي جاء منه. ويقال أيضاً: رجع في عوده وبدئه، وفي عودته وبدئته، عودا وبدءاً.\rوقولهم:\rمرحبا وسهلاً.\rأي صادفت سعة. ويقال أيضا: مرحبك الله ومسهلك! ومرحبا بك الله ومسهلاً! وقولهم في الايعاد والتهديد:\rرعد فلان وابرق.\rوتقدم ما فيه.\rوقولهم:\rأرقع ما أوهيت!\rأي أصلح ما أفسدت. وأصله في السقاء ونحوه إذا أوهاه أي خرقه رقعه.\rوقولهم:\rركب فلان عرعره،\rأي ساء خلقه، والعرعر ما بين المنخرين، وعرعرة الأنف: أعلاه. وكذا عرعرة الجبل وعرعرة السنام. كل ذلك بضم العين. وهذا مثل قولهم:\rركب رأسه.\rوقولهم:\rرماه بالذربين\rأي بالشر والخلاف.\rوقولهم:\rرويد الشعر يغب!\rيقال: غب الرجل وأغب إذا بات.\rومن الأمثال الجارية على الألسن قولهم:\rرب حليةٍ، انفع من قبيلة.\rولنذكر في هذا الباب من الأمثال الشعرية ما تيسر وما جرى على مثالها، وأنتسج على منوالها قال البارقي:\rفألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافرُ\rو قبله:\rوحلت سليمى في هضاب وأيكةٍ ... فليس عليها يوم ذلك قادرُ\rقيل: كان يزيد بن عبد الملك يقول: ما يقر عيني بما أوتيت من الخلافة حتى أشتري سلامة وحبابة جاريتان لبعض أهل الحجاز حتى اشتريتا له. فلما اجتمعتا في ملكه قال: أنا اليوم كما قال الشاعر: فألقت عصاها . . \" البيت \" . ثم قال: ما يشاء بعد من أمور الدنيا فليفتني.\rويقال لمّا بويع لأبي العباس السفاح قام خطيبا فسقط القضيب من يده فتطير من ذلك. فقام رجل وأخذ القضيب ومسحه إليه وأنشد: فألقت عصاها . . \" البيت \" .\rوقيل إنَّ قتيبة بن مسلم لمّا قدم واليا على خراسان رقي المنبر ليخطب فسقطت المخصرة من يده فتطير من ذلك. فقام بعض الأعراب فمسحها وناوله إياها وقال: أيّها الأمير ليس كما ظن العدو وساء الصديق ولكنه كما قال الشاعر: وألقت عصاها . . \" البيت \" ! فسري عنه. وقيل هو القائل ذلك.\rومثل هذا ما روي أنَّ خالد بن يزيد لمّا دخل الموصل واليا عليها اندق منه اللواء في بعض أبوابها فتطير من ذلك فبادره أبو الشمقمق وكان معه قائلا:\rما كان مندق اللواء لطيرة ... تخشى ولا سوء يكون معجلا","part":1,"page":294},{"id":295,"text":"لكن هذا الرمح أضعف متنه ... خطر الولاية واستقل الموصلا\rفسرى عن خالد وكتب صاحب البريد بذلك الذي المأمون فزاده ديار ربيعة فأعطى أبا الشمقمق عشرة آلاف درهم. ومثل ذلك ما يحكى أنَّ طاهر بن الحسين لمّا خرج لقتال علي بن عيسى بن ماهان وفي كمه دراهم يفرقها على الضعفاء وغفل عنها فأسبل كمه فتبددت فتطير بذلك. فأنشده شاعر كان معه:\rهذا تفرق جمعهم لا عيره ... و ذهابها منه ذهاب الهمِ\rشيء يكون الهم نصف حروفه ... لا خير في إمساكه في كمِ\rو العرب ضربت المثل بإلقاء العصى في الاستقرار والراحة من الأسفار ولذلك قال حبيب:\rكريمٌ إذا ألقى عصاه مخيماً ... بأرضٍ فقد ألقى بها رحله المجدُ\rوقال أبن عنين:\rولمّا استقرت في ذراه بي النوى ... و ألقت عصاها بين مزدحم الوفد\rتنصل دهري واستراح من الوجى ... قلوصي ونامت مقلتي وعلا جدي\rوقال عمارة اليمني:\rإنَّ الكفالة والوزارة لم تزل ... يومي إليك بفعلها وتشارُ\rكانت مسافرة إليك وتبعد ... الأخطار ما لم تركب الأخطارُ\rحتى إذا نزلت عليك وشاهدت ... ملكاً يزين الملك منه سوارُ\rألقت عصاها في ذراه وعريت ... عنها السروج محطة الأكوارُ\rوقال صردر:\rعلى رسلكم في الهجر إنَّ عصابةً ... إذا ظفرت بالحب ضل ضميرها\rسواءٌ على المشتاق والهجر حظها ... أ ألقت عصاها أم أجد بكورها\rوقال أيضاً:\rأنعمت في نعماء مطمئنة ... تحكم الفؤاد في أطرافهِ\rألقت عصاها وارتمت ركابها ... في سرر الوادي وفي شعافه\rقال الحسين بن إبراهيم:\rألا ليت شعري هل أقولن مرة ... و قد سكنت مما أجن الضمائرُ\rومالي إلى باب المحجب حاجةٌ ... وما بي عما يخفض العرض زاجرُ\rفألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عيناً بالإياب المسافرُ\rوقال الآخر:\rإذا لم ير الإنسان عند قدومه ... محياك مثل البدر والبدر سافرُ\rفأقسم ما ألقت عصاها يد النوى ... و لا قر عيناً بالإياب المسافرُ\rوقال كليب بن ربيعة أو طرفة:\rيا لك من قبرةٍ بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري\rونقري ما شئت أن تنقري!\rوتقدم ذكر هذا وما فيه.\rوقال المجنون:\rأمر على الديار ديار ليلى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا\rوما حب الديار شغفن قلبي ... و لكن حب من سكن الديارا\rوتقدم ما يشبه في حرف الباء.\rومثله أيضاً قول الآخر:\rفإن تدعي نجداً أدعه ومن به ... و إن نسكني نجداً فيا حبذا نجدُ!\rوقبل هذا البيت:\rسقى دمنتين ليس لي بها عهد ... بحيث التقي الدارات والجرع الكبدُ\rفيا ربوة الربعين حييت ربوةً ... على النأى منا واستهل بك الرعدُ\rقضيت الغواني غير أنَّ مودةً ... لذلفاء ما قضيت آخرها بعدُ\rإذا ورد المسواك ضمآن بالضحى ... عوارض منها ظل يخصره البدُ\rوألين من مس الرخامات يلتقي ... بمارنه الجادي والعنبر الوردُ\rجرى نائبات الدهر بيني وبينها ... وصرف الليالي مثل ما جرت البردُ\rفإن تدعي نجداً . . \" البيت \" وبعده:\rوإن كان يوم الوعد أدنى لقائنا ... فلا تعذلني أن أقول متى الوعدُ\rوقال تأبط شراً:\rوأبت إلى بهمٍ وما كدت آئباً ... و كم مثلها غادرتها وهي تصفرُ!\rو الشطر الثاني مثل سائر في عدم الاكتراث بالشيء.\rومن لطائف شرف الدين الحلاوي أنه أنشد بين يديه لغز في الشبابة وهو:\rوناطقةٍ خرساء بادٍ شحوبها ... تكنفها عشرٌ وعنهن تخبرُ\rيلذ إلى الأسماع رجع حديثها ... إذا سد منها منخر جاش منخرُ\rو هذا الشطر الأخير لتأبط شرا أيضاً ضمنه فأجاب في الحال:\rنهاني النهى والشيب عن وصل مثلها ... و كم مثلها فارقتها وهي تصفرُ!\rضمن تضمينا حسنا ونقل المعنى إلى الشبابة فوقعت لفظة تصفر أحسن موقع.\rوقال الآخر:\rكم ترك الأول للآخر!\rوهو مثل مشهور ضمنه أبو تمام في قوله:\rيقول من تقرع أسماعه ... كم ترك الأول للآخر!\rأو هو المخترع.\rوضده قول الآخر:\rلم يدع من مضى ... للذي قد غبر","part":1,"page":295},{"id":296,"text":"فضل علم سوى ... أخذه بالأثر\rوقال الآخر:\rسوف ترى إذا انجلى الغبار ... أ فرسٌ تحتك أم حمارُ\rغيره:\rفيا عطشى والماء الزلال أخوضه ... و يا وحشتي والمؤنسون كثيرُ!\rوقال بعض الأعراب:\rدببت للمجد والساعون قد بلغوا ... جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا\rوكابدوا المجد حتى مل أكثرهم ... و عانق المجد من وافى ومن صبرا\rلا تحسب المج تمراً أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا!\rوقال الأخطل:\rقومٌ إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء وإن باتت بأطهارِ\rحكى أبو العباس المبرد في الكامل أنَّ صاحب اليمن بعث إلى عبد الملك بن مروان بجارية وكتب معها: إني وجهت إلى أمير المؤمنين بجارية اشتريتها بمال عظيم ولم ير مثلها. وكان ذلك وقت محاربتهم لابن الأشعث. فلما دخل بالجارية على عبد الملك رأى وجها جميلا وخلقا نبيلا. فألقى إليها قضيبا كان في يده فنكست لتأخذه فرأى من جسمها ما بهره. فلما هم بها أعلمه الآذن أنَّ رسول الحجاج بالباب. فأذن له ونحى الجارية فأعطاه كتابا من عبد الرحمن بن الأشعث فيه سطور أربعة:\rسائل مجاور هل جنيت لهم ... حربا تزيل بين الجيرة الخلط؟\rوهل سموت بجرار له لجبٌ ... جم الصواهل بين الحم والفرط؟\rوهل تركت نساء الحي ضاحيةً ... في ساحة الدار يستوفدن بالقنطِ\rوتحته:\rقتل الملوك وسار تحت لوائه ... شجر العرى وعراعر الأقوامِ\rفكتب إليه عبد الملك كتابا وجعل في طيه جوابا لابن الأشعث:\rما بال من أسعى لأجبر كسره ... حفاظاً وينوي من سفاهته كسري؟\rأظن خطوب الدهر بيني وبينهم ... ستحملهم مني على مركبٍ وعرِ\rوإني وإياهم كمن نبة القطا ... و لو لم تنبه باتت الطير لا تسري\rأناة وحلما وانتظارا بهم غداً ... و ما أنا بالواني ولا الضارع الغمرِ\rقال: ثم بات يقلب كف الجارية ويقول: ما أفدت فائدة أحب إلي منك! فتقول: ما بالك يا أمير المؤمنين وما يمنعك؟ فقال: ما قاله الأخطل لأني إن خرجت منه كنت ألأم العرب: قومٌ إذا حاربوا . . \" البيت \" فما إليك سبيل أو يحكم الله بيني وبين عدو الرحمن بن الأشعث. فلم يقربها حتى قُتل عبد الرحمن.\rوقال الآخر:\rالله يشكر ما مننت به ... إذ كان يقصر دونه شكري\rغيره:\rإلهي زد في عمره من حياتنا ... و أعمرنا حتى يطول له العمرُ!\rغيره:\rأبى الله تدبير أبن آدم نفسه ... و أن يكون المرء إلاّ مدبرا\rغيره:\rأخاف عليك من سيف ورمح ... طميل العمر بينهما قصرُ\rغيره:\rإذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصداً ... ندمت على التفريط في زمن البذر\rغيره:\rإذا صح عون الله للمرء لم يكن عسيرٌ من الآمال إلاّ تيسرا\rغيره:\rإذا لم تكن في منزل المرء حرةٌ ... تدبره ضاعت مصالح داره\rغيره:\rتبقى المنابر بعد القوم باقية ... و يذهب المال والأيام والعمرُ\rغيره:\rتشتاقكم كل أرض تنزلون بها ... كأنكم لبقاع الأرض أمطارُ\rغيره:\rتعب المنجم حيث أفنى عمره ... في علم ما لا يدرك الأفكارُ\rغيره:\rتميز البعض في الألفاظ إن نطقوا ... و تعرف الحذق في الألفاظ إن نظروا\rغيره:\rتنسى مرارة كل نازلة ... بحلاوة في النهي والأمرِ\rغيره:\rثقة الفتى بزمانه ... ثقة محللة العرى\rغيره:\rثلاثةٌ موصوفةٌ تجلو البصر: ... الماء والوجه المليح والخضر\rغيره:\rجار الزمان علينا في تقلبه ... و أي دهر على الأحرار لم يجرِ؟\rغيره:\rجاء البشير مبشراً بقدومكم ... فملئت من قول البشير سرورا\rغيره:\rجاور إذا جاورت بحراً يا فتى ... فالجار يشرف قدرة بالجارِ!\rغيره:\rحبي لكم طبعٌ بغير تكلفٍ ... و الطبع في الإنسان لا يتغيرُ\rغيره:\rخاطر بنفسك لا تقعد بمعجزةٍ ... فليس حرٌ على عجزٍ بمعذورِ!\rغيره:\rخذ ما صفا لك فالحياة غرور ... و الدهر يعدل تارة ويجورُ\rغيره:\rخير ما ساعد الرجال نساءٌ ... صالحات يكن خلف الستورِ\rغيره:","part":1,"page":296},{"id":297,"text":"دخولك من باب الهمى إن أردته ... يسير ولكن الخروج عسيرُ\rغيره:\rدع النوم للنوام إنك إن تنم ... فإنك نصف العمر تغبن خاسرا\rغيره:\rذروني للغنى أسعى فإني ... رأيت الناس شرهم الفقيرُ\rغيره:\rرأيت بلاد الله وهي عريضةٌ ... على الخائف المذعور أضيق من القبر\rغيره:\rرأيتك مثل الجوز يمنع لبه ... صحيحا ويعطي لبه حين يكسرُ\rغيره:\rرُبَّ فقير غني نفسٍ ... و ذي غنى بائس فقيرُ\rغيره:\rردك الله إلينا سالماً ... بعد غنمٍ ونجاحٍ وظفر\rغيره:\rزرتني قبل أن أزورك شوقاً ... فلك الفضل زائراً ومزورا!\rغيره:\rزعمتم بأن الصبر أكرم صاحبٍ ... صدقتم ولكن قد تقضى به العمرُ\rغيره:\rسأكتم حاجتي عن الناس كلهم ... و لكنها للناس تبدو وتظهرُ\rغيره:\rسرور شهرٍ وغم دهرٍ ... و وزن وهرٍ ودق ظهرِ\rغيره:\rسيصرف الله ما تخشى وتحذره ... فاصبر قليلاً فعقبى صبرك الظفرُ\rغيره:\rشباب المرء ثوبٌ مستعارٌ ... و أيام الصبا أبداً قصارُ\rغيره:\rصفقةٌ غير خاسرة ... بيع دنيا بآخره\rغيره:\rضيعت وقت في المحال ... فلا تضيع وقت غيرك!\rغيره:\rعبارتنا شتى وحسنك واحدٌ ... و كلٌ إلى ذاك الجمال يسيرُ\rغيره:\rعتبت على عمرو فلما فقدته ... و جربت أقواماً بكيت على عمرو\rغيره:\rعلى المرء أن يسعى لمّا فيه نفعه ... و ليس عليه أن يساعده الدهرُ!\rغيره:\rقبحت مناظرهم فحين خبرتهم ... حسنت مناظرهم لقبح المخبرِ\rغيره:\rقد كنت أبكي وداري منك دانيةٌ ... فكيف صبري وقد شطت بي الدار؟\rغيره:\rقد كنت أسمع ما أرى فيروعني ... و اليوم ليس بروعي ما أنظر!\rغيره:\rقد كنت أحذر من دهري وأحذره ... حتى قدمت فزال الروع والحذرُ\rغيره:\rقضى الله في بعض المكارم للفتى ... بخيرٍ وفي بعض الهوى ما يحذرُ\rغيره:\rقف أنا في الطريق إن لم تزرنا ... وقفةٌ في الطريق نصف الزيارة!\rغيره:\rقومٌ إذا أكلوا أخفوا كلامهم ... و استوثقوا من رتاج الباب والدار\rغيره:\rكأن العام ليس بعام حجٍّ ... تغيرت المواسم والدهورُ\rغيره:\rكفا حسودي جهلاً أنه رجلٌ ... معاندٌ لقضاء الله والقدرُ\rغيره:\rكل امرئٌ حسن في عين والده ... و الخنفساء تسمي بنتها القمرُ\rغيره:\rكل عيبٍ تراه في الغير بالظن ... له فيك باليقين نظيرُ\rغيره:\rكنت من كربتي أفر إليهم ... فهم كربتي فأين الفرار\rغيره:\rلا تستسهلن الصعب أو أدرك المنى ... فما انقادت الآمال إلاّ لصابرِ\rغيره:\rلقد طال هذا القيل والقال بيننا ... و ما طال قول الشرح إلاّ ليقصرا\rغيره:\rلقد كنت محتاجا إلى موت زوجتي ... و لكن قرين السوء باقٍ معمرُ\rغيره:\rلكم الأرض كلها فأعيروا ... عبدكم ما احتوى عليه جداره!\rغيره:\rلي النقاب على القباح فريضةٌ ... و على الملاح خطيئة لا تغفرُ\rغيره:\rليس ارتحالك في كسب العلا سفراً ... بل المقام على ذل هو السفرُ\rغيره:\rليس التفضل منك أمراً نادراً ... لكن مثلك في التفضل نادرُ\rغيره:\rليس السعيد الذي دنياه مسعدة ... إنَّ السعيد الذي ينجو من النار\rغيره:\rليس ما ليست له حيلةٌ ... موجودةٌ خيرٌ من الصبرِ\rغيره:\rما العمر ما طالت به الدهور ... العمر ما تم به السرورُ\rغيره:\rما بال دارك حين تدخل جنة ... و بباب دارك منكرٌ ونكيرُ؟\rغيره:\rما حك جسمك غير ظفرك ... فتول أنت جميع أمرك!\rغيره:\rما ذاق طعم الغنى فلا قناع له ... و لا ترى قانعاً في الناس مفتقرا\rغيره:\rما كان ذاك العيش إلا سكرة ... لذاتها ذهبت وحل خمارها\rغيره:\rما كل من زار الحمى سمع الندا ... من أهله: أهلاً بهذا الزائر!\rغيره:\rما يضر البحر أمسى زاجراً ... إن رمى فيه سفينةٌ بحجر!\rغيره:","part":1,"page":297},{"id":298,"text":"متى تقضي حاجات من ليس واصلاً ... إلى حاجة حتى تكون له أخرى\rغيره:\rمحن الفتى يخبرن على فضل الفتى ... و النار مخبرةٌ بفضل العنبر\rغيره:\rمفتاح باب الفج الصبر ... و كل عسر بعده يسرُ\rغيره:\rمن أبرم الأمر بلا تدبير ... صيره الدهر إلى تدميرِ\rغيره:\rمن كان يهوى منظراً بلا خبر ... فما له أوفق من عشق القمر\rغيره:\rنزلوا والخدود بيضٌ فلما ... أزف البين عدن بالدمع حمرا\rغيره:\rوأحمق خلق الله من جرب أمراً ... و عاد إلى تجربته مرة أخرى\rغيره:\rوإذا أتتك مصيبةٌ فاصبر فقد ... عظمت مصيبة مبتلى لا يصبرُ\rغيره:\rوإذا بغى باغٍ عليك بجهله ... فاقتله بالمعروف لا بالمنكر!\rغيره:\rوإذا ظلمت ولي بكم متعلقٌ ... فعلى علاكم لا علي العارُ\rغيره:\rوإذا عتبت على الصديق شكوته ... سراً إليه وفي المحافل أشكرُ\rغيره:\rوإذا لم يكن من الذل بدٌ ... فالق بالذل إن لقيت الكبارا!\rغيره:\rوأفرح كلما يزداد مالٌ ... و لا أبكي على نقصان عمرِ!\rغيره:\rوالمعروف من يأته يحمد عواقبه: ما ضل عرفٌ وإن أوليته حجرا!\rغيره:\rوالعمر كالكأس تستحلى أوائله ... لكنه ربما مجت أواخره\rغيره:\rوالنجم تستصغر الأبصار صورته ... و الذنب للعين لا للنجم في الصغر\rغيره:\rورُبَّ جوادٍ امسك الله دوده ... كما يمسك الله السحاب من القطر\rغيره:\rوقى الله مولانا جميع المكاره ... و لا دار صرف الدهر يوماً بداره\rغيره:\rوقد زعمت ليلى بأني فاجرٌ ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها!\rغيره:\rوقد يهلك الإنسان من باب أمنه ... و ينجو بأمن الله من حيث يحذرُ\rغيره:\rوكل من أعيتك أخلاقه ... دواؤه الصبر أو الهجرُ\rغيره:\rوكل أذى فمصبورٌ عليه ... وليس على قرين السوء صبرُ!\rغيره:\rوكم من أكلة منعت أخاها ... بلذة ساعة أكلات دهر!\rغيره:\rوكم من طالبٍ يسعى لرزقٍ ... و فيه هلاكه لو كان يدري\rغيره:\rوكنت أمشي على ثنتين معتدلاً ... فصرت أمشي على أخرى من الشجر\rغيره:\rوكيف يذهب عن سمعي وعن بصري ... من كان مثل سواد القلب والبصر؟\rغيره:\rولازم الصمت إن سئلت وقل: ... لا علم عندي بالجهل مستترا\rغيره:\rولست أخاف الفقر ما عشت في غدٍ ... لكل غدٍ رزق من الله باكر\rغيره:\rولم أر بعد الدين خيراً من الغنى ... و لم ار بعد الكفر شراً من الفقر\rغيره:\rوما الزين في لبس الثياب وإنما ... يزين الفتى مخبره حين يخبر\rغيره:\rوما عسرة فاصبر لها إن لقيتها ... بباقية إلاّ سيعقبها يسرُ\rغيره:\rوما كنت أرضى أن أعيش ببلدة ... و تنأى ولكن لا يغالب مقدار\rغيره:\rوما من نعمة شملت كريماً ... كنعمة عورةٍ سترت بقيرِ\rغيره:\rومن كان ذا عذرٍ قبلت أعذاره ... و إن لم يكن عذرٌ فعندي له عذرُ\rغيره:\rومن يكن الغراب له دليلا ... فما غير الغراب له مصير\rغيره:\rونعلم أنَّ المال غادٍ ورائح ... و خير من المال الأحاديث والذكر\rغيره:\rوهون عندي ما ألاقي من الأذى ... بأنك أنت المبتلى والمقدر!\rغيره:\rويخبرني عن غائب الأمر هديه ... كفى الهدي عما غيب المرء مخبر!\rغيره:\rويعرف فضل عقول الرجال ... بتدريبها وبآثارها\rغيره:\rهي الضلع العوجاء لست تقيمها ... ألا إنَّ تقويم الضلوع انكسارها\rغيره:\rهي المقادير فلمني أو فزد ... إنَّ كنت أخطأت فما أخطأ القدر\rغيره:\rلا تعاشر إلاّ الأكابر واعلم ... أنَّ في عشرة الصغار صغارا\rغيره:\rيا ليل طل يا شوق دم: ... إني على الحالين صابر!\rغيره:\rيفر من المنية كل حينٍ ... و ما يغنى عن الموت الفرار!\rغيره:\rيلقى الحسود تجلدي فيسوءه ... إني على ريب الحوادث أصبر\rغيره:\rيمينك منها اليمن واليسر في اليسرى ... فبشرى لمن يرجو الندى منهما بشرى!\rغيره:","part":1,"page":298},{"id":299,"text":"ينال الفتى ما لم يؤمل وربما ... أتاحت له الأيام ما لم يحاذر\rغيره:\rينسى صنائعه وعده ... و يبيت في إنجازه يتفكر\rوقال أبو الأسود:\rوإنَّ أحق الناس إنَّ كنت شاكراً ... بشكرك من أعطاك والوجه وافر\rو تقدم تمام هذا الشعر وسببه.\rومثله قول الآخر:\rوفتى خلا من ماله ... و من المروءة غير خالِ\rأعطاك قبل سؤاله ... كفاك مكروه السؤال\rو قول أبي تمام:\rوما أبالي وخير القول أصدقه ... حقنت لي ماء وجهي أو حقنت دمي!\rو قول أبي نواس:\rإذا العشرون من شعبان ولت ... فواصل شرب ليلك بالنهار\rولا تشرب بأقداح صغار: ... فقد ضاق الزمان على الصغار!\rيضربه الواعظ السادة الصوفية عندما يدبر الشباب ويقبل المشيب، ويكاد يذوي الغصن الرطيب، في الإكثار من القربات، والجد في العمل، وتلافي الخير قبل فوات الأجل، وكذا ما يشبه من كل ما يطلب اغتنام الفرصة فيه قبل فواته.\rوقال أيضاً:\rألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر ... و لا تسقني سرا إذا أمكن الجهر\rوبح باسم من تهوى ودعني من الكنى: ... فلا خير في اللذات من دونها ستر!\rو إنّما قال: وقل لي هي الخمر، لأنه إذا سمعها عندما نظر إليها التذ مسمعه باسمها، ومنظره بشخصها، وأشرابت نفسه إليها، فتلقتها بأعظم لذة.\rوقال أبو تمام حبيب بن أوس الطائي من قصيدة:\rلا شيء ضائر عاشق، فإذا نأى ... عنه الحبيب فكل شيء ضائره\rو منها:\rأبكر فقد بكرت عليك بمدحه ... غرر القصائد: خير أمرٍ باكره\rو منها:\rوإذا الفتى المامول انجح عقله ... في نفسه ونداه أنجح شاعره\rوقال أيضاً:\rعفت آياتهن وأي ربعٍ ... يكون له على الزمن الخيار\rو منها:\rكذاك لكل سائلةٍ قرار\rو بعده:\rمضى الأملاك وانقرضوا وأضحت ... سراة ملوكنا وهم تجار\rوقوف في الظلام الذم تحمى ... دراهمهم ولا يحمي الذمار\rفلو ذهبت سنات الدهر عنه وألقي عن مناكبه الدثار\rلعدل قسمة الأيام فينا ... و لكن دهرنا هذا حمار!\rو منها:\rو أي النار ليس له شرار؟\rومنها:\rوكان المطل في بدءٍ وعودٍ ... دخلنا للصنيعة وهي نار\rنسيب البخل مذ كان وإلاّ ... يكن نسب فبينهما جوار\rلذلك قيل بعض المنع أدنى ... إلى مجدٍ وبعض الجود عار\rوقال أيضاً:\rشر الأوائل والأواخر ذمة ... لم تصطنع وصنيعة لم تشكر\rوقال أيضاً:\rإنَّ الكرام كثير في البلاد وإنَّ ... قلوا كما غيرهم قلو وإنَّ كثروا\rلا يدهمنك من دهمائهم عدد ... فإنَّ جلهم أو كلهم بقر\rوكلما أمست الأخطار بينهم ... هلكى تبين من أمسى له خطر\rلو لم تصادف شيات البهم أكثر ما ... في الخيال لم تحمد الأوضاح والغرر\rو منها:\rبالشعر طول إذا أصطكت مصادره ... في معشر وبه قصر\rوقال أيضاً:\rوالبخل حلو ولكن غبه مضر ... فاكظم فلا إلاّ وزنبرو!\rوقال أيضاً يرثي بن حميد:\rفاثبت في مستنقع الموت رجله ... وقال لها: من تحتك أخمص الحشر\rغدا غدوة والحمد نسج ردائه ... فلم ينصرف إلاّ وأكفانه الأجر\rتردى ثياب الموت حمراً فما أتى ... لها الليل إلاّ وهي من سندس خضر!\rوقال أيضاً من أخرى:\rسيأكلنا الدهر الذي غال من مضى ... و لا تنقضي الأشياء أو يوكل الدهر\rوأكثر حالات أبن آدم خلفة ... يضل إذا فكرت في كنهها الفكر\rفيفرح بالشيء المعار بقاؤه ... و يحزن لمّا صار وهو له ذخر\rعليك بثوب الصبر إذ فيه ملبس ... فإنَّ ابنك المحمود بعد ابنك الصبر\rوما أوحش الرحمان ساحة عبده ... إذا عاشر الجلى ومؤنسه الأجر!\rوقال أيضاً:\rإنّما البشر روضة فإذا كان ... ببذل فروضة وغدير\rفاقسم اللحظ بيننا إنَّ في اللحظ ... لعنوان ما يجن الضمير!\rوقال أيضاً:\rفلا تمكن المطل من ذمة الندى ... فبئس أخو الأيدي الغزار وجارها\rفإنَّ الأيادي الصالحات كبارها ... إذا وقعت تحت المطال صغارها","part":1,"page":299},{"id":300,"text":"وما نفع من قد مات بالأمس صاديا ... إذا ما سماء اليوم طال انهمارها\rوما العرف بالتسويف إلاّ كنخلة ... تسليت عنها حين شط قرارها\rوخير عادات الحر مختصراتها ... كما إنَّ خيرات الليالي قصارها\rوقال أيضاً:\rوما القفر بالبيد الخواء بل التي ... نأت بي وفيها ساكنوها هي القفر\rومن قامر الأيام على ثمراتها ... فأحجم بها أن تنجلي ولها القمر\rفإن كان ذنبي أن أحسن مطلبي ... أساء ففي سوء القضاء لي العذر\rو منها:\rهل المجد إلاّ الجود والبأس والشعر\rوقال أبو الطيب:\rوما في سطوة الأرباب عيبٌ ... و لا في ذلة العبدان عار\rوقال أيضاً:\rإني لأعلم واللبيب خبير ... أنَّ الحياة وإن حرصت غرورُ\rورأيت كلاً ما يعلل نفسه ... بتعلة وإلى الفناء يصير\rو منها:\rإنَّ المحب على البعاد يزور\rوبعده:\rوقنعت باللقيا وأوّل نظرةٍ ... إنَّ القليل من الحبيب كثيرُ\rوقال أيضاً:\rفلو كنت امرءاً تهجى هجونا ... و لكن ضاق فترٌ عن مسيرِ\rالفتر بالكسر: ما بين طرف الإبهام وطرف السبابة إذا فتحتها. وضربه مثلا.\rوقال أيضاً:\rذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها ... مفترق جاران دارهما عمرُ\rولا تحسبن المجد زقاً وقينةً ... فما المجد إلاّ السيف والفتكة البكرُ\rوتضريب أعناق الملوك وأن ترى ... لك الهبوات السود والعسكر المجرُ\rوتركك في الدنيا دوياً كأنما ... تداول سمع المرء أنمله العشرُ\rإذا الفضل لم يرفعك عن شكر ناقصٍ ... بلاهبةٍ فالفضل فيمن له الشكرُ\rومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقرٍ فالذي فعل الفقرُ\rو منها:\rوإني مثل قول الحكيم: أعظم ما على الإنسان إعظام ذوي الدناءة. ونحو البيت الأول قول الحكيم: من قصر عن أخذ لذاته عدمها وعدم صحة جسمه. ونحو السادس قول الحكيم: من أفنى مدته في جمع المال خوف العدم فقد اسلم نفسه إلى العدم.\rونظم أبن شرف معنى البيت الأخير فقال:\rومنفق العمر في الأموال يجمعها ... مستعجل فقره لوما وتسفيلا\rغيره:\rومن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه ما لا يرى\rوقال فيه أبن شرف:\rوكل من ليس يدري كنه قيمته ... فالناس فيه يحقون الأقاويلا\rغيره:\rطوى الدهر ما بيني وبين محمدٍ ... و ليس لمّا تطوي المنية ناشر\rوقال أبن شرف:\rقد يوصل الشيء مقطوعا وما قطعت ... يد المنون فلن تلقاه موصولا\rغيره:\rمن عاش أخلقت الأيام جدته ... و خانه ثقاته: السمع والبصر\rوقال أبن شرف:\rومثال يطل عمره يفقد أحبته ... حتى الجوارح والصبر الذي عيلا\rغيره:\rعليَّ نحت المعاني من معادنها ... و ما عليَّ إذا لم تفهم البقر!\rو ينشد:\rعليَّ نحت القوافي من مقاطعها ... و ما عليَّ لهم أن تفهم البقرُ!\rوقال أبن شرف:\rوناطقٍ بصوابٍ ما عليه سوى ... ما قال إن أخطئوا ظناً وتأويلا\rلطيفة:\rذكر العلامة محمد بن مرزوق في صدر شرح الجمل أنَّ العلامة أبا القاسم الشيرازي شارح لبن الحاجب الأصلي والعلامة الكاتبي شارح المحصل أرادا ذات مرة أن يحضرا مجلس أبي عبد الله الخنوجي بحيث يخفي مكانهما. فغيرا حالتهما وحضرا عنده وأرادا أبحاثا. فكان من ملح ما صار بينهما أنهما لم ينصفاه في بعض أبحاثه وادعيا عدم بيان قوله وجعلا يستعيدان كلامه بزعمهما. فأنشد لهما:\rعليَّ نحت المعاني من معادنها ... و ما عليَّ إذا لم تفهم البقرُ!\rبفتح تاء \" تفهم \" مبنيا للفاعل. فقلا له: ضم التاء! يعني ليبني للمفعول.\rفقال: حينئذ يكون أحدكما شيرازيا والآخر كاتبيا! فقلا: نعم! فتناصفا.\rوقال أبو العلاء المعري في قصيدة:\rلو اختصرتم من الإحسان زرتكم ... و العذب يهجر للإفراط في الخصر","part":1,"page":300},{"id":301,"text":"و هذا المعنى وقع لعلي بن جبلة قال: زرت أبا دلف في الجبل. فلما حللت الكرخ أظهر من بري وإكرامي أمرا مفرطا حتى تأخرت عنه تأخرا كثيرا. فوصل معقل بن عيسى فقال: يقول لك الأمير: انقطعت عني وأحسبك استقللت بري فلا يغضبنك ذلك فسأزيد فيه حتى ترضى! فقلت: والله ما قطعي عنه إلاّ إفراطه! وكتبت له:\rهجرتك لو أهجرك من كفر نعمةٍ ... و هل يرجى نيلي الزيادة في الكفرِ!\rولكنني لمّا أتيتك زائراً ... فأفرطت في بري عجزت عن الشكرِ\rفما لآن لا أتيك إلاّ مسلما ... أزورك في الشهرين يوما أو الشهرِ\rفإن زدتني برا تزيدني جفوة ... و لم تلقني طول الحياة إلى الحشرِ\rفلما وصلت إليه قال: قاتله الله ما أشعره وأدق معانيه! فأجابني لوقته وكان حسن البديهة:\rألا رُبَّ ضيفٍ طارقٍ بسطته ... و أنسته قبل الضيافة بالبشرِ\rأتاني يرجيني فما حال دونه ... و دون القرى والعرف من نيله ستري\rوجدت له فضلاً عليَّ بقصده ... إليَّ وبراً زاد فيه على برِ\rفزودته مالاً يقل بقاؤه ... و زودني مدحاً يدوم مدى الدهرِ\rو بعث إليَّ بها وبألف دينار مع وصيفة فقلت حينئذ:\rإنما الدنيا أبو دلفٍ ... بين باديه ومحتضره\rفإذا ولى أبو دلفٍ ... ولت الدنيا على أثره\rملكٌ تندى أنامله ... كانبلاج النوء عن مطره\rمستهل عن مواهبه ... كابتسام الروض عن زهره\rجبلٌ عزت مناكبه ... أمنت عدنان في ثغره\rكل من في الأرض من عربٍ ... بين باديه ومحتضره\rمستعيرٌ منه مكرمةً ... يكتسبها مفتخره\rو يقال إنَّ البيت الثاني هو الذي أحفظ المأمون على أبن جبلة حتى سل لسانه من قفاه وقوله: وجدت له فضلا عليَّ . . \" البيت \" . أوّل من رأينا استعمل هذا المعنى في الشعر الحارث أبن عوف المري صاحب الحملات بين عبس وذبيان حيث يقول:\rكم من يدٍ لا أودي حق نعمتها ... عندي لمختبطٍ طار ومن منن\rإذا جاء يسعى إلى رحلي لأسعفه ... أليس قد ظن بي خيراً ولم يرني؟\rو قوله: فزودته مالاً يقل بقائه . . \" البيت \" هو معنى ما حكي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إنّه قال لإحدى بنات هرم بن سنان المري: ما أعطى أبوك زهيرا إذا امتدحه؟ فقالت: أعطاه مالا وأثاثا أفناه الدهر. فقال أمير المؤمنين: لكن ما أعطاكم زهير لا يفنيه الدهر أو كلاما نحو هذا. وتقدم شيء منه وسيأتي.\rومنها:\rحسنت نظم كلامٍ توصفين به ... و منزلا بك معمورا من الخفر\rفالحسن يظهر في شيئين رونقه ... بيت من الشعر أو بيت من الشَّعر\rو منها:\rوالخل كالماء يبدى لي ضمائره ... مع الصفاء ويخفيها مع الكدرِ\rو منها:\rفلا يغرنك بشرٌ من سواه بدا ... و إن أنار فكم نورٍ بلا ثمر\rو منها:\rوافقتهم في اختلاف من زمانكم ... و البدر في الوهن مثل البدر في السحر\rالمرقدون بنجدٍ نار بالديةٍ ... لا يحضرون وفقد العز في الحضر\rو منها:\rفالعين يسلم منها ما رأت فنبت ... عنه وتلحق ما تهوى من الصور\rو منها:\rهاجت نميرٌ فهاجت منكم ذا لبد ... و الليث أفتك أفعالا من النمرِ\rهموا فأموا فلما شارفوا وقفوا ... كوقفة العير بين الورد والصدر\rو منها:\rوالنجم تستصغر الأبصار صورته ... و الذنب للطرف لا للنجم في الصغر\rو منها:\rوالمرء ما لم تفد نفعا إقامته ... غيمٌ حمى الشمس لم يمطر ولم يسر\rو منها:\rوالكبر والحمد ضدان اتفاقهما ... مثل اتفاق فتاء السن والكبر\rيجني تزايد هذا من تناقص ذا ... و الليل إن طال غال اليوم بالقصر\rخف الورى وأقرتكم حلومكم ... و الجمر تعدم فيه خفة الشرر\rوقال أيضاً:\rجمال المجد أن يثنى عليه ... و لولا الشمس ما عرف النهار\rوللماء فضيلة كل حينٍ ... و لا سيما إذا اشتد الأوار\rو منها:\rوليس يزيد في جري المذاكي ... ركابٌ فوقه ذهبٌ ممارُ\rورُبَّ مطوقٍ بالتبر يكبو ... بفارسه وللنقع اعتكارُ\rوزندٍ عاطلٍ يحظى بمدحٍ ... و يحرمه الذي فيه سوارُ\rوقال إبراهيم بن نصر القاضي:","part":1,"page":301},{"id":302,"text":"جود الكريم إذا ما كان عن عدةٍ ... و قد تأخر من لم يسلم عن الكدر\rإنَّ السحائب لا تجدي بوارقها ... نفعا إذا هي لم تمطر على الأثر\rوماطل الموعد مذمومٌو إن سمحت ... يداه من بعد طول المظل بالبدر\rيا دوحة الجود لا عتب على رجلٍ ... يهزها وهو محتاج إلى الثمر!\rوقال إبراهيم الصولي:\rدنت باناسٍ عن تناء زيارةٌ ... و شط بليلى عن دنو مزارها\rوإنَّ مقيمات بمنعرج اللوى ... لأقرب من ليلى وهاتيك دارها\rوقال أبن دارج القسطلي من قصيدة:\rألم تعلمي أنَّ الثواء هو النوى ... و أنَّ بيوت العاجزين قبور\rوقال أبو نواس في الخصيب يمدحه في قصيدة:\rفما فاته جودٌ ولا حلَّ دونه ... و لكن يصير الجود حيث يصيرُ\rوإني جديرٌ إذ بلغتك بالمنى ... و أنت بما أملتُ منك جديرُ\rفإن تواني منك الجميل فأهله ... و إلا فإني عادرٌ وشكورُ\rوقال الصاحب إسماعيل بن عباد:\rرق الزجاج ورقت الخمر ... فتشابهتا فتشاكل الأمرُ\rفكأنما خمرٌ ولا قدحٌ ... و كأنما قدحٌ ولا خمرُ\rوقال أبو الفضل بن الحنزابة:\rمن أحمل النفس أحياها وروحها ... و لم يبت طاوياً منها على ضجرِ\rإنَّ الرياح إذا اشتدت عواصفها ... فليس ترمي سوى العلي من الشجرِ\rوقال أبو نواس:\rتكثر ما استطعت من الخطايا ... فانك بالغٌ رباً غفورا\rستبصر إن وردت عليه عفوا ... و تلقى سيداً ملكاً كبيرا\rتعض ندامة كفيك مما ... تركت مخافة النار السرورا!\rوقال الطغراني لمّا ولد له مولود بعدما بلغ سبعا وخمسين من عمره:\rهذا الصغير الذي وافى على كبر ... أقر عيني ولكن زاد في فكري\rسبعٌ وخمسون لو مرت على حجرٍ ... لبان تأثيرها في صفحة الحجرِ\rوقال عروة بن اذينة:\rقالت وأبثتها سري فبحت به ... قد كنت عندي تحت الستر فاستتر!\rألست تبصر من حولي؟ فقالت لها: ... غطي هواك وما ألقى على بصري!\rو هذا مثل مشهور عند الصوفية وأهل المحبة والمشاهدة والفناء رضي الله عنهم.\rيحكى أنَّ السيدة سكينة بنت الحسين رضي الله عنها وعن أسلافها مرت يوما بعروة هذا وكان من أعيان العلماء وكبار الصالحين فقالت له: أنت القائل: قالت وأبثتها سري . . \" البيت \" ؟ فقال: نعم! فالتفتت إلى جوار لها كن معها فقالت: هنَّ هن حرائر إن كان خرج هذا عن قلب سليم قط! ومن ملح ما جرى بينها وبينه أيضاً إنّه مات لعروة أخ يقال له بكر فرثاه عروة بقوله:\rسرى همي وهو المرء يسري ... و غاب النجم إلاّ قيد فترِ\rأرقب في المجرة لك نجمٍ ... تعرص أو على المجرات يجري\rلهم ما أراك له قريباً ... كأن القلب أبطن حر جمرِ\rعلى بكر أخي فارقت بكراً ... و أي العيش يصلح بعد بكر؟\rفلما سمعت سكينة هذا الشعر قالت: ومن بكر هذا؟ فوصف لها. قالت: أهو ذلك الأسيد الذي كان يمر بنا؟ قالوا: نعم! قالت: لقد طاب بعده كل شيء حتى الخبز والزيت! والأسيد تصغير أسد.\rويحكى أنَّ بعض المغنين غنى بهذا الشعر عند الوليد بن يزيد بن عبد الله الملك الأموي في مجلس أنسه فقال: من يقول هذا؟ قيل: عروة بن أذينة. فقال: وأي عيش بعد بكر هذا العيش الذي نحن فيه؟ واله لقد حجز واسعاً.\rوقال عبد الله بن المعتز:\rفكان ما كان مما لست اذكره ... فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر!\rو هذا مثل مشهور. وقبله قوله:\rسقى المطيرة ذات الظل والشجر ... و دير عبدون هطال من مطر\rفطالما نبهتني للصبوح بها ... في غرة الفجر والعصفور لم يطر\rأصوات رهبان دير في صلاتهم ... سود المدامع نعارون بالسحر\rمزنرين على الأوساط قد جعلوا ... على الرؤوس أكاليلاً من الشعر\rكم فيهم من مليح الوجه مكتحل ... بالسحر يكسر جفنيه على حور\rلاحظته بالهوى حتى استعاد له ... طوعاً وأسلمني الميعاد بالنظر\rوجاءني في قميص الليل مستتراً ... يستعجل الخطو من خوفٍ ومن حذر\rفقمت أفرش خدي في الطريق له ... ذلاً وأسحب أذيالي على الأثر\rولاح ضوء هلالٍ كاد يفضحها ... مثل القلامة قد قصت من الظفر","part":1,"page":302},{"id":303,"text":"فكان ما كان . . \" البيت \" وقال عبد الله بن طاهر:\rاغتفر زلتي لتحرز فضل ... الشكر مني ولا يفوتك أحري\rلا تكلني إلى التوسل بالعذر ... لعلي ألا أقوم بعذرِ!\rوقال أبو نواس في مدح أهل البيت:\rمطهرون نقياتٌ جيوبهم ... تجري الصلاة عليهم إنما ذكروا\rمن لم يكن علويا حين تنسبه ... فما له في قديم الدهر مفتخرُ\rالله لمّا برا خلقاً فأتفنهم ... صفاكم واصطفاكم أيها البشرُ\rفأنتم الملأ الأعلى وعندكم ... علم الكتاب وما جاء به السورُ\rوقال القاضي الجرجاني:\rوقالوا: توصل بالخضوع إلى الغنى! ... و ما علموا أنَّ الخضوع هو الفقرُ\rوبيني وبين المال شيئان حرما ... عليَّ الغنى: نفسي الأبية والدهرُ\rوإن قيل هذا أليس أبصرت دونه ... مواقف خيرٌ من وقفي بها العسرُ\rوقال الفضل بن الربيع:\rعسى وعسى يثني الزمان عنانه ... بتصريف حالٍ والزمان عثورُ\rفتقضي لباناتٌ وتشفى حسائفٌ ... و تحدث من بعد الأمور أمرُ!\rوقال الأمير قابوس:\rقل للذي بصروف الدهر عيرنا: ... هل حارب الدهر إلاّ من له خطرُ؟\rأما ترى البحر تعلو فوقه جيفٌ ... و تستقر بأقصى قعره الدررُ؟\rفإن تكن عبثت أيدي الزمان بنا ... و نالنا من تمادي بؤسه ضررُ\rففي السماء بجوم مالها عددٌ ... و ليس يكسف إلاّ الشمس والقمرُ\rو حدثني بعض الأصحاب أنَّ ملك مراكش كتب إلى المعتمد بن عباد حين اعتقله بمدينة أغمات بقول الآخر:\rحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخف سوء ما يأتي به القدرُ\rوساعدتك الليالي فاغتررت بها ... و عند صفو الليالي يحدث الكدرُ\rفأجابه المعتمد من سجنه:\rمن ذا الذي بصروف الدهر عيرنا؟ ... لا ينكر الدهر إلاّ من له القدرُ\rوفي البساتين أفانٌ منوعةٌ ... و ليس يقطف إلاّ الورد والزهرُ\rوفي السماء نجومٌ مالها عددٌ ... و ليس يخسف إلاّ الشمس والقمرُ\rو الله أعلم بالمخترع! وقال الآخر وينسب لعثمان رضي الله عنه:\rغنى النفس يغني النفس حتى يكفها ... و إن عضها حتى يضر بها الفقرُ\rوما عسرةٌ فاصبر لها إن لقيتها ... بكائنةٍ إلاّ ويتبعها اليسرُ\rوقال أيضاً:\rتفنى اللذات ممن نال صفوتها ... من الحرام ويبقى الإثم والعرُ\rتبقى عواقب سوءٍ من معقبها ... لا خير في لذةٍ من بعدها النارُ\rوقال أبن رفاعة وكان عبد الملك بن مروان لمّا قتل المصعب بن الزبير ودخل الكوفة فصعد المنبر وقال: أيها الناس إنَّ الحرب صعبة وإنَّ السلم أمن ومسرة: فاستقيموا على سبيل الهدى ودعوا الأهواء الموجبة للردى وتجنبوا فراق جماعة المسلمين ولا تكلفونا أفعال المهاجرين الأولين وأنتم لم تعملوا عملهم ولم تسلكوا سبيلهم ولا اظنكو تزدادون بعد الموعظة إلاّ صعوبة ولن تزداد وابعد الأعذار إليكم إلاّ عقوبة. فمن عاد عدنا وإن زاد زدنا وإنَّا معكم كما قال أبو قيس بن رفاعة:\rمن يصل ناري بلا ذنبٍ ولا ترةٍ ... يصل بنار كريمٍ غير غدارِ\rأنا النذير لكم مني مجاهرة ... كي لا ألام على نهيٍ وإنذارِ\rفإن عصيتم مقالي اليوم فاعترفوا ... أن سوف تلقون خزياً ظاهر العارِ\rلا ترجعن أحاديثاً ملفقةً ... لهو المقيم ولهو المدلج الساري\rمن كان في نفسها حوجاء يطلبها ... عندي فإني له رهنٌ بإضمارِ\rأقيم عوجته إن كان ذا عوجٍ ... كما يقوم قدح النبعة الباري\rوصاحب الوتر ليس الدهر يدركه ... عندي وإني لدراكٌ بأوتارِ\rوقال الآخر:\rرأيتك إن أرسلت طرفك رائداً ... لقلبك يوماً أعجبتك المناظرُ\rرأيت الذي لا كله أنت قادرٌ ... عليه ولا عن بعضه أنت صابرُ\rو هذا مثل مشهور.\rوعن الأصمعي قال: كنت في بعض مياه العرب فسمعت الناس يقولون: جاءت! جاءت! فنظر فإذا جارية وردت الماء ما رأى الراؤون مثلها. فلما رأت إلحاح الناس بالنظر إليها أرسلت برقعا كأنه غمامة غطت شمسا. فقالت لها: تمنعين الناس من النظر إلى هذا الوجه الحسن؟ فقالت: رايتك إن أرسلت طرفك . . \" البيتين \"","part":1,"page":303},{"id":304,"text":"فنظر إليها أعرابي فقال: أنا والله ممن ولى صبره! ثم أنشد:\rأ وحشية العينين أين لك الأهل؟ ... أب الحزن حلوا أم محلهم السهلُ؟\rوأية أرض أخرجتك فإنني ... أراك من الفردوس أنسأك الأصلُ\rأم البدر أنشأك المنير فإن يكن ... لبدر الدجى نسلٌ فأنت له نسلُ\rحسنت فأما الوجه منك فمشرقٌ ... و عينان كحلاوان زينهما كحلُ\rقفي خبرينا ما طعمت وما الذي ... شربت ومن أين استقل بك الرحلُ\rفإنَّ علامات الجنان مبنيةٌ ... عليك وإنَّ الشك يشبهه الشكلُ\rوقال:\rفإنا ومن يهدي القصائد نحونا ... كمستبضعٍ تمرا إلى أرض خيبرا\rوقال يحيى بن طالب الحنفي:\rتعزيت عنها كارها فتركتها ... و كان فريقها أمرَّ من الصبرِ\rو كان يحيى هذا سخيا جوادا. ثم إنّه ركبه دين فادح فجلا عن اليمامة إلى بغداد يسأل السلطان في قضاء دينه. فأراد رجل من أهل اليمامة الشخوص إليها من بغداد فشيعه يحيى. فلما جلس الرجل في الزورق ذرفت عينا يحيى فأنشأ يقول:\rأحقاً عباد الله أن لست ناظراً ... إلى قرقرا يوماً وأعلامها الخضر؟\rإذا ارتحلت نحو اليمامة رفقةٌ ... دعاك الهوى واهتاج قلبك للذكرِ\rأقول لموسى والدموع كأنها ... جداول ماء في مساربها تجري:\rألا هل لشيخٍ وأبن ستين حجةً ... بكى طرباً نحو اليمامة من عذر؟\rكأن فؤادي كلما مر راكبٌ ... جناح غرابٍ رام نهضاً إلى وكرِ\rيزهدني في كل خيرٍ صنعته ... إلى الناس ما جربت من قلة الشكرِ\rفيا حزناً ماذا أجن من الهوى ... و من مضمر الشوق الدخيل إلى حجر؟\rتعزيت عنها كارها . . \" البيت \" وحجر بالفتح قصبة اليمامة.\rثم إنَّ الرشيد غني بشعر ليحيى هذا وهو:\rأيا أثلات القاع من بطن توضحٍ ... حنيني إلى أطلالكن ويلُ\rويا أثلات القاع قد مل صحبتي ... مسيري فهل في ظلكن مقيلُ؟\rويا أثلات القاع قلبي موكلٌ ... بكن وجدوى نيلكن قليلُ\rألا هل إلى شم الخزامى ونظرةٍ ... إلى قرقرا قبل الممات سبيلُ؟\rفأشرب من ماء الحجيلاء شربةً ... يداوي بها قبل الممات عليلُ\rأحدث عنك النفس أن لست راجعاً ... إليك فحزني في الفؤادي دخيلُ\rأريد هبوطا نحوكم فيردني ... إذا رمته دينٌ عليَّ ثقيلُ\rفقال الرشيد: يقضى دينه! فلتمس فإذا هو مات قبل ذلك بشهر.\rوقالت جارية تخاطب نفسها:\rإذا لم يكن للأمر عند حيلةٌ ... ولم يجدي بداً من الصبر فاصبري!\rو كانت هذه الجارية لرجل من قيس عيلان فكان بها كلفا. ثم أصابته حاجة وجهد فقالت له: لو بعتني فلو نلت طائلا عدت به عليك! فأخرجها للبيع وعرضت على أبن معمر المذحجي فأعجبته فاشتراها بمائة ألف درهم. فلما مضت لتدخل القصر ودعت مولاها وأنشدته:\rهنيئاً لك المال الذي قد أصبته ... و لم يبق في كفي إلاّ تفكري\rأقول لنفسي وهي في كرب عيشةٍ ... أقلي فقد بان الحبيب أو اكثري!\rإذا لم يكن للأمر عندك . . \" البيت \" فأجابها مولاها:\rفلولا نبو الدهر عني لم يكن ... لفرقتنا شيء سوى الموت فاعذري\rأؤوب بحزن من فراقك موجع ... أناجي به قلباً طويل التفكرِ؟\rعليك سلامٌ لا زيارة بيننا ... و لا وصل إلاّ أن يشاء أبن معمرِ\rفقال له: خذ بيدها فهي لك وثمنها! وقال الخليل بن أحمد:\rإن منت لست معي فالذكر منك معي ... يرعاك قلبي وإن غيبت عن بصري\rالعين تفقد من تهوى وتبصره ... و ناظر القرب لا يخلو من النظر\rو هو مثل مشهور للصوفية:\rأما والذي لو شاء لم يخلف الهوى ... لئن غبت عن عيني لمّا غبت عن قلبي\rيوهمنيك الشوق حتى كأنما ... أناجيك من قربٍ وإن لم يكن قربي\rوقال الآخر:\rأبلغ أخانا تولى الله صحبته ... أني وإن كنت لا ألقاه ألقاه\rوإنَّ قلبي موصولٌ برؤيته ... و إن تباعد عن مثواي مثواه\rوقال الآخر:\rإذا اشتاقت العينان منك بنظرةٍ ... تمثلت لي في القلب من كل جانبِ","part":1,"page":304},{"id":305,"text":"و حكي عن الإمام الشبلي رضي الله عنه أنه رأى يوما مجنونا والصبيان خلفة يرمونه بالحجارة وقد أدموا وجهه وشجوا رأسه. فأخذ الشبلي يزجرهم عنه فقالوا له: يا شيخ دعنا نقتله فإنه كافر! فقال لهم: وما الذي بان لكم من كفره؟ فقالوا: يزعم أنه يرى ربه ويحادثه. فقال: أمسكوا عليَّ قليلا! فتقدم الشبلي فوجده يتحدث ويضحك ويقول في أثناء ذلك: هذا جميل منك تسلط عليَّ الصبيان ليشغلوني عنك! فقال: يا شبلي وما الذي قالوا؟ قال: تقول إنك ترى ربك وتحدثه. فصاح صيحة عظيمة ثم قال: يا شبلي نعم وحق من تيمني بحبه وهيمني بين بعده وقربه! لو احتجب عني طرفة عين لتقطعت من البين. ثم ولى وهو يقول:\rلئن غبت عن عيني وشط بك النوى ... فأنت بقلبي حاضرٌ وقريبُ\rأراك بعين الوهم في مضمر الحشا ... و ليس على عين الفؤاد رقيبُ\rخيالك في وهمي وذكرك في فمي ... و مثواك في قلبي فأين تغيبُ؟\rوقال سويد بن الصامت:\rألا ربما تدعوا صديقاً ولو ترى ... مقالته بالغيب ساءك ما يفري\rلسانٌ له كالشهد ما دمت حاضراً ... و بالغيب مطرورٌ على ثغرة النحر\rقوله \" مطرور \" أي محدود تقول: طررت السكين. والثغرة بضم المثلثة وسكون الغين المعجمة نقرة النحر بين الترقوتين.\rغيره:\rكم من أخً لك لست نكره ... ما دمت من دنياك في سترِ\rمتصنعٍ لك في مودته ... يلقاك بالترحيب والبشرِ\rيطري الوفاء وذا الوفاء ويلحي ... الغدر مجتهداً وذا الغدرِ\rفإذا عدا والدهر ذو غيرٍ ... دهر عليك عدا مع الدهرِ\rفارفض بإجمال مودة من ... يقلي المقل ويعشق المثري\rوعليك من حاله واحدٌ ... في العسر إما كنت واليسرِ\rلا تخلطنهم بغيرهم ... من يخلط العقبان بالصقرِ\rغيره:\rاخط مع الهر إذا ما خطا ... و اجر مع الهر كما يجري\rمن سابق الدهر كبا كبوة ... لم يستقلها آخر الهرِ\rليس لما ليست له حيلةٌ ... موجودةٌ خيرٌ من الصبرِ\rو يروى:\rحيلةٌ ما ليست حيلةٌ ... حسن عزاء النفس والصبرِ\rوقال المخزومي:\rالعيب في الجاهل المغمور مغمور ... و عيب ذي الشرف المذكور مذكور\rكفوفةِ الظفر تخفي من حقارتها ... و مثلها في سواد العين مشهور\rو نحوه قول إبراهيم بن المهدي:\rلولا الحياء وأنني مشهور ... و العيب بالرجل الكبير كبير\rلحللت منزله الذي يحتله ... و لكان منزلنا هو المهجورُ\rوقال أبو سليمان الخطابي:\rأنست بوحدتي ولزمت بيتي ... فدام الأنس لي ونما السرورُ\rوأدبني الزمان فلا أبالي ... هجرت فلا أزار ولا أزورُ\rولست بسائل ما دمت حياً ... أسار الجيش أم ركب الأميرُ\rغيره:\rلصيد اللخم في البحر ... و صيد الأسد في البرِ\rوقضم الثلج في القر ... و نقل الصخر في الحرِ\rوإقدام على الموت ... و تحويل إلى القبرِ\rلأشهى في طلاب العز ... ممن عاش في الفقرِ\rاللخم بالخاء المعجمة حيوان بحري يصعب المنال.\rغيره:\rخاطر بنفسك لا تقعد بمعجزة ... فليس حرٌ على عجزٍ بمعذورِ\rإن لم تنل في مقام ما تحاوله ... فأبل عذراً بإدلاج وتهجيرِ\rلن يبلغ المرء بالإحجام حاجته ... حتى يباشرها منه بتغريرِ\rحتى يواصل في أنحاء مطلبها ... سهلا بحزن وأنجاداً بتغويرِ\rغيره:\rلعمرك ما الزية فقد مال ... و لا شاة تموت ولا بعيرُ\rولكن الرزية موت نفس ... يموت بموتها بشر كثيرُ\rو نحوه قول الآخر في قيس بن عاصم المنقري رضي الله عنه:\rفما كان قيسٌ هلكه هلك واحد ... و لكنه بنيان قومٍ تهدما\rغيره:\rومن يجعل المعروف من دون أهله ... يلاقي الذي لاقى مجير أم عامر\rو سيأتي تتميم هذا الشعر وشرح قصته في الكاف إن شاء الله تعالى.\rوقال شيخ من الأعراب نظر إلى امرأته تتصنع وهي عجوز:\rعجوزٌ ترجى أن يكون فتيةً ... و قد لحب الجنبان واحد ودب الظهرُ\rتدس إلى العطار سلعة بيتها ... و هل يصلح العطار ما أفسد الدهرُ؟\rو زيد فيه:\rوما غرني إلاّ خضابٌ بكفها ... و نجلٌ بعينيها وأثوابها الطهرُ","part":1,"page":305},{"id":306,"text":"وجاؤوا بها قبل المحاق بليلةٍ ... فكان محاقها كله ذلك الشهرُ!\rفقالت امرأته مجيبة:\rألم تر أنَّ الناب تحلب علبةً ... و يترك ثلبٌ لاضرابٌ ولا ظهرُ؟\rثم استغاثت بالنساء واستغاث بالرجال فإذا هم خلوف فاجتمع عليه النساء فضربنه.\rقوله: لحب الجنبان أي قل لحمهما يقال لحب الرجل بالكسر إذا أنحله الكبر.\rقوله: سلعة بيتها يريد السويق والدقيق ونحوهما والعرب تقول لكل عرض سلعة والناب: الناقة المسنة. والعلبة بالضم: القدح العظيم من الخشب أو من جلود الإبل يحلب فيه والثلب بالثاء المثلثة على مثال قرد: الجمل إذا سقطت أسنانه هرما وتناثر شعر ذنبه تقول : إنَّ الأنثى فيها نفع وإن أسنت بخلاف الذكر إذا أسن.\rوقال بعض الأدباء:\rوأتم الأشياء حسناً ونوراً ... بكر شكر زفت إلى صهر بر\rما قرآن السعدين في الحوت أبهى ... منظراً من قرآن بر وشكر!\rوقال سعد بن ناشب:\rتفدني فيما ترى من شراستي ... و شدة نفسي أم سعدٍ وما تدري\rفقلت لها: إنَّ الكريم وإن حلا ... ليلفى على حالٍ أمر من الصبرِ\rوفي اللين ضعفٌ والشراسة هيبةٌ ... و من لا يهب يحمل على مركب وعرِ\rوما بي على من لأنَّ لي من فظاظةٍ ... و لكنني فظ أبي على القسرِ\rأقيم صغى ذي الميل حتى أرده ... و أخطمه حتى يعود إلى القدرِ\rفإن تعذليني تعذلي بي مرزءاً ... كريم نثا الإعسار مشترك اليسرِ\rإذا هم ألقى بين عينيه همه ... و صمم تصميم الريجي ذي الأثرِ\rقوله: كريم نثا الإعسار بتقديم النون: ذكر الرجل بجميل أو قبيح فهو مشترك. يقول إنه يثني عليه في الإعسار بخير وكرم وعفة والأثر بفتح الهمزة وكسرها: فرند السيف وهو رونقه وماؤه.\rوقال سالم بن وابصة:\rأحب الفتى ينفي الفواحش سمعه ... كأنَّ به عن كل فاحشةٍ وقرا\rسليم دواعي الصدر لا باسطاً آذى ... و لا مانعاً خيراً ولا ناطقاً هجرا\rإذا ما أتت من صاحبٍ لك زلةٌ ... فكن أنت محتالاً لزلته عذرا\rغني النفس ما يكفيك من سد خلةٍ ... و إن زاد شيئاً عاد ذاك الغنى فقرا\rوقال كثير وكان قد دخل على عبد الملك بن مروان رحمه الله تعالى فقال له: أ أنت كثير؟ قال: نعم! قال: أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه! قال: يا أمير المؤمنين كل عند محله رحب الفناء شامخ البناء عالي السناء. ثم أنشأ يقول:\rترى الرجل النحيف فتزدريه ... و في أثوابه أسد عصورُ\rويعجبك الطرير إذا تراه ... فيخيل ظنك الرجل الطريرُ\rبغاث الطير أطولها رقاباً ... و لم تطل البزاة ولا الصقورُ\rخشاش الطير أكثرها فراخاً ... و أم الصقر مقلات نزورُ\rضعاف الأسد أكثرها زئيراً ... و أصرمها اللواتي لا تزيرُ\rوقد عظم البعير بغير لب ... فلم يستغن بالعظم البعيرُ\rينوخ ثم يضرب بالهراوى ... فلا عرفٌ لديه ولا نكيرُ\rيقوده الصبي بكل أرضٍ ... و ينحه على الترب الصغيرُ\rفما عظم الرجال لهم بزينٍ ... و لكن زينتهم كرمٌ وخيرُ\rفقال عبد الملك: لله دره ما أفصح لسانه! وأضبط جنانه! وأطول عنانه! والله إني لأظنه كما وصف نفسه! قوله: أسدٌ هصور الهصر بالصاد المهملة: الكسر والجذب. والمقلات: التي لا يعيش لها الأولاد. والنزور: القليلة الولد كما مر. والطرير من الرجال: ذو المنظر والرواء الحسن. والخير بالكسر: الكرم والشرف والأصل ونسب هذا الشعر أيضاً لغير كثير وهو في الحماسة.\rوقال الزبرقان من بدر:\rتعدو الذئاب على من لا كلاب له ... و تتقي مربض المستأسد الضاري\rيحكى أنَّ عمر بن أبي ربيعة بينما هو يطوف إذ بصر بامرأة في الطواف فأعجبته فكلمها فنفرت وقالت: إليك عني فإني في حرم الله وفي موضع عظيم الحرمة! فلما ألح عليها وشغلها عن الطواف ذهبت إلى بعض محارمها فقالت له: احضر معي تريني المناسك! فجاء معها فلما رآه عمر تباعد عنها فتمثلت حينئذ بهذا البيت. فبلغ المنصور خبرها فقال: وددت لو لم تبق بنت في خدرها إلاّ سمعته.\rوقال الحماسي:\rومن أنتم آنا نسينا من أنتم ... و ريحكم من أي ريح الأعاصير؟","part":1,"page":306},{"id":307,"text":"فأنتم إلى جئتم مع البقل والدبا ... فطار وهذا شخصكم غير طائرِ\rالدبا بالدال المهملة وبالباء الموحدة المفتوحتين: أصغر الجرد والنمل الواحد دباة. قال الراجز:\rكأنَّ خرق قرصها المعقوب ... على دباة أو على يعسوب\rوقال الآخر:\rيا قلب إنك من أسماء مغرور ... فاذكر وهل ينفعنك اليوم تذكيرُ؟\rحتى متى أنت منها مدنف ولهٌ ... لا يستبيك سواها البدن الحور؟\rتأتي أمور فما تدري أعاجلها ... خيرٌ لنفسك أم ما فيه تأخيرُ\rفاستقدر الله خيراً وارضينَّ به ... فبينما العسر إذ دارت مياسيرُ\rوبينما المرء في الأحياء مغتبطٌ ... إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصيرُ\rيبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... و ذو قرابة في الحي مسرور\rحتى كأن لم يكن إلاّ تذكره ... و الدهر أينما حالٍ دهاريرُ\rفذاك آخر عمر من أخيك إذا ... ما ضمنت شلوه اللحد الحناشيرُ\rوقال الآخر:\rنصبرت مغلوباً وإني لصابرٌ ... كما صبر الضمآن في البلد القفرُ\rو قبله:\rيا عمرو لم اصبر ولي فيك حيلةٌ ... و لكن دعاني اليأس منك إلى الصبرِ!\rغيره:\rوإنَّ سعيد الجد من بات ليلةً ... و اصبح لم يشوب ببعض الكبائر\rفمولاك لا يهضم لديك وإنّما ... هضيمة مولى المرء جدع المناخرِ\rوجارك لا يذممك الله تعالى مسبةً ... على المرء في الأدنين ذم المجاورِ\rفإن قلت فاعلم ما تقول فإنه ... إلى سامع ممن تعادي وآثرِ\rفإنك لا تستطيع رد مقالةٍ ... شأتك وزلت عن فكاهة فاغرِ\rكما ليس رامٍ بعد إرسال سهمه ... على رده قبل الوقوع بقادرِ\rإذا أنت عاديت الرجال فلا تزل ... على حذر لا خير في غير حاذرِ\rومن لا يصانع في أمور كثيرةٍ ... يضرس بأنيابٍ ويوطأ بحافرِ\rترى المرء مخلوقا وللعين حظها ... و ليس بإحناء الأمور بحابرِ\rفذلك كماء البحر لست مسيغه ... و يعجب منه ساجياً كل ناظرِ\rوتلقى الأصيل الفاضل الراي جسمه ... إذا ما مشى في القوم ليس بقاهرِ\rكذلك جفن رث عن طول مكثه ... على حدّثني مفترق الغرارين باترِ\rوعاش بعينيه لمّا لا يناله ... كساع برجليه لأدراك طائرِ\rومستنزل حرباع غير ثروةٍ ... كمقتحم في البحر ليس بماهرِ\rوملتمس وداً لمن لا يوده ... كمعتذر يوماً إلى غير عاذرِ\rومتخذ عذراً فعاد ملالة ... كوالي اليتامى ما لهم غير وافرِ\rفسارع إذا سافرت في الحمد واعلمن ... بأن ثناء الركب حظ المسافرِ\rوطاوعهم فيما أرادوا وقل لهم: ... فداً للذي رمتم كلال الأباعرِ\rوإن كنت ذا حظ من المال فالتمس ... به الأجر وأرفع ذكر أهل المقابرِ\rفإني رأيت المال يفنى وذكره ... كظل يقيك حر الهواجرِ\rوقال عروة بن المرد المعروف بعروة الصعاليك العبسي:\rلحى الله صعلوكاً إذا جن ليله ... مصافي المشاش آلفاً كل مجزرِ\rينام ثقيلاً ثم يصبح قاعداً ... يحت الحصى عن جنبه المتعفرِ\rيعين نساء الحي ما يستعنه ... فيمضي طليحاً كالبعير المحسرِ\rولكن صعلوكاً صفيحة وجهه ... كضوء سراج القابس المتنورِ\rمطلاً على أعدائه يزجرونه ... بساحتهم زجر المنيح المشهرِ\rوإن بعدوا لا يأمنون اقترابه ... تشوف أهل الغائب المنتظرِ\rفذلك إن يلق المنية يلقاها ... حميداً وإن يستغن يوما فأجدرِ\rوقال الشريف الرضي:\rأودى وما أودت مناقبه ... و من الرجال معمر الذكرِ\rغيره:\rطربت إلى الأصيبية الصغار ... و هاجك منهم قرب المزارِ\rوأبرح ما يكون الشوق يوماً ... إذا دنت الديار من الديارِ\rوقال كثير:\rوقد زعمت أني تغيرت بعدها ... و من ذا الذي يا عز لا يتغيرُ؟\rتغير جسمي والخليقة مثلما ... عهدت ولم يخبر بسرك مخبرُ\rدخلت عزة هذه على عبد الملك بن مروان رحمه الله تعالى فقال: أنت عزة كثير؟ قالت: أنا أم بكر الضمرية. فقال لها: أتروين قول كثير: وقد زعمت . . \" البيتين \" ؟ فقالت: لا اروي هذا ولكني أروي قوله:","part":1,"page":307},{"id":308,"text":"صفوحاً فما تلقاك إلاّ بخيلةً ... فمن مل منها ذلك الوصل ملتِ\rو هذا البيت من تائية كثير المشهورة التي مطلعها:\rخليلي هذا ربع عزة فاعقلا ... قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلتِ!\rوقال الآخر:\rما للكواعب يا عيساء قد جعلت ... تزور عني وتطوي دوني الحجرُ\rقد كنت فتاح أبوابٍ مغلقةٍ ... ذب الرياد إذا ما خولس النظرُ\rفقد جعلت أرى الشخصين أربعة ... والواحد اثنين مما بورك البصرُ\rوكنت أمشي على رجلين معتدلاً ... فصرت أمشي على أخرى من الشجر\rغيره:\rخبروها بأنني قد تزوجت ... فظلت تكاتم الغيظ سرا\rو بعده:\rثم قالت لأختها ولأخرى ... جزعاً: ليته تزوج عشرا\rوأشارت إلى نساء لديها ... لا ترى دونهن للسر سترا\rما لقلبي كأنه ليس مني ... و عظامي أخال فيهن فترا\rمن حديث نكى إلي فظيعٍ ... خلت في القلب من تلظيه جمرا؟\rغيره:\rشربنا من الرازي حتى كأننا ... ملوك لهم بر العراقين والنحرُ\rفلما انجلت شمس النهار رأينا ... تولى الغنى عنا وعاودنا الفقرُ!\rو مثله قول الأعرابي:\rولقد شربت الراح حتى خلتني ... لمّا خرجت أجر فضل المئزرِ\rقابوس أو عمرو بن هند ما تلا ... يجبني له ما دون دارة قيصرِ\rوقال لقيط بن زرارة:\rشربت الخمر حتى خلت أني ... أبو قابوس أو عبد المدانِ\rأمشي في بني عدس بن بدر ... رخي البال منطلق اللسانِ\rغيره:\rإني هزئت من أم الغمر إذ هزئت ... من شيب رأسي وما بالشيب من عارِ\rما شقوة المرء بالإقتار يقتره ... و لا سعادته يوما بإكثارِ\rإنَّ الشقي الذي في النار منزله ... و الفوز فوز الذي ينجو من النارِ\rأعوذ بالله من أمر يزين لي ... لوم العشيرة أو يدني من العارِ\rوخير دنيا تنسي شر آخرةٍ ... و سوف ينبئني الجبار أخباري\rلا أقرب البيت أحبو من مؤخره ... و لا أكسر في أبن العم أظافري\rإن يحجب الله أبصاراً أراقبها ... فقد يرى الله حال المدلج الساري\rقوله: لا أقرب البيت . . الخ أي لا آتي لرؤيته كقول الآخر:\rولست بصادر من بيت جارٍ ... كفعل الغير غمره الورود\rيقال: تغمره الشارب إذا لم يرو فهو يلتفت وراءه وكذا المريب وتقدم هذا قوله: ولا أكسر في أبن العم أظفاري أي لا أغتابه كقول الحطيئة:\rملوا قراه وهرته كلابهم ... و جرحوه بأنيابٍ وأضراسِ\rوقال جرير:\rفلا تبوسوا بيني وبينكم الثرى ... فإنَّ الذي بيني وبينكم مثر\rوقال عبد الحميد بن يحيى الكاتب:\rأسر وفاء ثم أظهر غدرة ... فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره؟\rو سيأتي سبب هذا الشعر في الأعيان إن شاء الله تعالى.\rغيره:\rإذا كنت في نجد وطيب نعمة ... تذكرت أهلي باللوى فمحسر\rوإن كنت فيهم زدت شوقاً ولوزعة ... إلى ساكني نجد وعيل تصبري\rلقد طال ما بين الفريقين موقفي ... فمن لي بنجد بين أهلي ومعشري؟\rغيره:\rأوليتني نعيما أبوح بشكرها ... و كفيتني كل الأمور بأسها\rفلأشكرنك ما حييت وإن أمت ... فلتشكرنك أعظمي في قبرها\rوقال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:\rإذا المشكلات تصدين لي ... كشفت حقائقها بالنظر\rوإن برقت من فخيل الصواب ... عمياء لا تجتليها الفكر\rمقنعةٌ بغروب الأمر ... وضعت عليها ضحيح الفقر\rلساناً كشقشقة الأرحبي ... أو كالحسام اليماني الذكر\rوقلباً إذا استنطقته الغيوب ... ابر عليها بود درر\rولست بإمعةٍ في الرجال ... يسائل هذا وذا ما الخبر\rولكنني مذرن الأصغرين ... يبين مع ما مضى ما غبر\rيروى إنّه سئل عن نازلة فدخل مبادرا ثم خرج في حداء ورداء وهو متبسم. فقيل له: يا أمير المؤمنين إنك كنت إذا سئلت عن المسألة تكون فيها كالسكة المحماة. قال: إني كنت حاقنا ولا رأي لحاقن! ثم أنشأ يقول: إذا المشكلات تصدين . . \" الأبيات \" .\rوقال أبو العباس التطيلي:\rوالناس كالناس إلاّ أن تجربهم ... و للبصيرة حكم ليس للبصر","part":1,"page":308},{"id":309,"text":"كالأيك مشتبهات في منابتها ... و إنما يع التفضيل بالثمر\rوقال التهامي في مثله:\rومن الرجال مجاهلٌ ومعالم ... ومن النجوم غوامض ودراري\rوالناس مشتبهون في إرادهم ... و تفاضل الأقوام في الإصدار\rولربما اعتضد الحليم بجاهل ... لا خير في يمنى بغير يسار\rوقال القاضي الجليس المصري:\rومن عجب أنَّ السيوف لديهم ... تحيض دماء والسيوف ذكور\rوأعجب من ذا أنها بأكفالهم ... تؤجج ناراً والكف بجور\rوقال أبن المعتز في التعزية:\rلم تمت أنت مات من لم ... يبق للمجد والمكارم ذكرا\rلست مستسقيا لقبرك غيثا ... كيف يسقى وقد تضمن بحرا؟\rوقال الآخر:\rوأصبر حتى يحسب الناس إنني ... بي الهجر لا والله ما بي لكم هجر!\rولكن أروض النفس أخبر هل لها ... على فرقة من بعد أحبابها صبر\rوقال الآخر:\rلا غرو أنَّ يصلى بهجركم ... ناراً تؤججها يد التذكار\rقبلي إذا غبتم يصور شخصكم ... فيه وكل مصور في النار\rوقال أبن الخطيب:\rبلد يحف به الرياض كأنه ... وجه جميل والرياض عذاره\rوكأنما واديه معصم فضة ... و من الجسور المحكمات سواره\rوقال أبو الربيع:\rفتح الشقاق جراحها ومغنمها ... و شي الربيع، وقتلاها من الثمر\rلأجل هذا إذا هبت طلائه ... تدرع النهر واهتزت قنى الشجر\rوقال القاضي الشريف:\rواحور وسنان الجفون مرابط ... سبى حسنه لب الحبيب وصبره\rحمى ثغره عني بسيف لحاظه ... و لا غرو أنَّ يحمي المرابط ثغره!\rوقال إبراهيم أبن المهدي:\rإذا كلمتني بالعيون الفواتر ... رددت عليها بالدموع البوادر\rفلم يعلم الواشون ما دار بيننا ... و قد قضيت حاجتنا بالضمائر\rوقال الخوارزمي:\rعليك بإظهار التجلد للعدا ... و لا تظهرن منك الذبول فتحقرا!\rألست ترى الريحان يشع يانعا ... و يطرح في الميضات مهما تغيرا؟\rوقال الآخر:\rتواضع إذا نلت المعالي علا ... و تكتسب الشكر الجميل من الورى\rفلن يشكر الغيث الربيع محله ... قرين الثريا أو يعود إلى الثرى\rوقال صالح بن شرف:\rالدهر لا يبقى على حالةٍ ... لكنه يقبل أو يدبر\rفإنَّ تلقاك بمكروهه ... فأصبر فإنَّ الدهر لا يصبر!\rوقال الرصافي:\rصون الفتى وجهه أوقى لهمته ... و الرزق جارٍ على حد ومقدار\rقنعت، وامتد مالي فالسماء يدي ... و بدرها درهمي والشمس ديناري\rوقال أبن طباطبا العلوي:\rقالت: أراك خضبت الشيب، قلت لها: ... سترته عنك يا سمعي ويا بصري\rفاستضحكت ثم قالت من تعجبها: ... تكاثر الغش حتى صار في الشعر!\rوقال الآخر:\rإنَّ الليالي الأنام مناهل ... تطوي وتنشر بينها الأغمار\rفقصارهن مع الهموم طويلة ... و طوالهن مع السرور قصار\rوقال الآخر:\rالنار آخر دينار نطقت به ... و الهم آخر هذا الدرهم الجاري\rوالمرء بينهما ما لم يكن ورعا ... مقلب القلب بين الهم والنار\rوقال عبد الله بن طاهر:\rإلى كم يكون الهجر في كل ساعةٍ ... و كم لا تملين القطيعة والهجرا!\rرويدك إنَّ الدهر فيه كفاية: ... بتفريق ذات البين، فانتظر الدهرا!\rوقال قيس بن الذريح:\rلو إنَّ امرءاً أخفى الهوى عن ضميره ... لمت ولم يشعر بذاك ضمير\rولكن سألقى الله والقلب لم يبح ... بسرك والمستخبرون كثير!\rوقال أبن خفاجة:\rأرى الناس يولون الغني كرامةً ... و إنَّ لم يكن أهلا لرفعة مقدار\rويولون عن وجه الفقير وجوههم ... و إنَّ كان أهلا أم يلاقى باكبار\rبنو الدهر جاءتهم أحاديث جمة ... فما صححوا إلاّ حديث أبن دينار!\rوقال أبن معروف:\rأحذر عدوك مرة ... وأحذر صديقك ألف مرة\rفلربما أنقلب الصديق ... فكان أعلم بالضمرة!\rوقال البستي:\rإذا حيوان كان طعمة ضده ... توقاه كالفأر الذي يحذر الهرا\rولا شك أنَّ المرء دهره ... فما باله يا ويحه يا من الدهرا؟\rوقال الآخر:","part":1,"page":309},{"id":310,"text":"إذا ذهب الحمار بأم عمرو ... فلا رجعت ولا رجع الحمار!\rلطيفة: حكي عن الجاحظ قال: عبر يوما على معلم الكتاب، فرأيت هيئة حسنة. وقام إلي وأجلسني معه، ففاتحته القرآن هو فيه ماهر. ففاتحته النحو فوجدته ماهرا، ثم في أشعار العرب واللغة كاملا في كل ما يراد منه، فقلت: قوى والله هذا عزمي الكتاب مغلقا. فسألت عنه فقيل: مات له ميت. فسرت إليه لأعزيه، فدققت الباب عليه، فخرجت جارية وقالت: ما تريد؟ فقلت: أريد مولاك. فقالت: هو جالس وحده في العزا، ما يعطي الطريق لأحد. فقلت: قولي له: صديقك فلان. فدخلت وخرجت وقالت: ادخل! فدخلت وقلت له: أعظم الله أجرك! لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، وهذا سبيل لابد منه، فعليك بالصبر! ثم قلت له: هذا الميت ولدك؟ قال: لا. قلت: والدك؟ قال: لا. قلت: أخوك؟ قال: لا. قلت: فمن؟ قال: صفيتي. فقلت في نفسي: هذا أول المناحس! ثم قلت: سبحان الله! النساء كثير، وتجد أحسن منها. فقال لي وكأني رأيتها؟ فقلت: وهذه منحسة ثانية! ثم قلت: وكيف عشقت من لم تره؟ فقال: كنت في الطارمة فسمعت مفنيا يقول:\rيا أم عمرو جزاك الله مكرمة ... دري علي فؤادي أينما كانا!\rفقلت في نفسي: لولا إنَّ أم عمرو هذا ما في الدنيا مثلها، ما قيل فيها هذا الشعر! فعلق قلبي بها.\rفلما كان بعد أيام، مر بي ذلك الرجل وهو يقول:\rإذا ذهب الحمار بأم عمرو ... فلا رجعت ولا رجع الحمار!\rفعلمت إنّها ماتت. فحزنت ليها وجلست للعزاء منذ ثلاثة أيام. قال الجاحظ: فعادت عزيمتي وقويت على إبقاء الدفتر بأم عمرو.\rوقال النابغة الجعدي:\rولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوة إنَّ يكدرا\rولا خير في رأي إذا لم تكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا\rيروى إنّه لمّا انشد قصيدته هذه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وبلغ هذا الموضع قال له صلى الله عليه وسلم: لا يفضض الله فاك! فعاش مائة وعشرين سنة، لم تنفض له ثنية ببركة عليه الصلاة والسلام. وقال المكيالي:\rإنَّ كنت تأنس بالحبيب وقربه ... فأصبر على حكم الرقيب وداره!\rإنَّ الرقيب إذا صبرت لذله ... بواك في ربع الحبيب وداره\rوقال التغري رحمه الله:\rمن لي بزوره أحمد الهادي الذي ... من زاره غفرت له أوزاره؟\rوأحط رحلي في جوار محمّد ... لمقام عز لا يضام جواره\rحوم عظيم عظمت حرامته ... و اختال في خلع الرضى زواره\rوقال أيضاً:\rيا خير خلق الله دعوة نازح ... بانت حبته وشط مزاره\rوتقسمته يد النوى فبمغرب ... أوطانه وبمشرق أوطاره\rوقال:\rلأولي الحجي رفع الحجاب فشاهدوا ... قمر الحجاز تلألأت أنواره\rواستنقشوا أرج النسيم فساقهم ... شوقا لنجد شيحه وعراره\rوقال آخر يهجو قاضي بلده:\rلا مثل قاضي رأيناه ببلدتنا ... في الجهل منه وفي الجور الورى حاورا\rفهو من النفر الأدين منزلةٍ ... من حاكم منه وفي الجور الورى حاورا\rمسذوم بذال معجمة بلد بحمص، أو هو قرية قوم لوط. وقاضي سذوم المشهور هو الذي زعموا إنّه شكا إليه رجل مر بقوم ومعه امرأته على حمار. فضربوا الحمار وقطعوا ذنبه، فتخبط وطرح المرأة فأسقطت جنينا. فقال له: ادفع إليهم امرأتك يطؤونها حتى تحل ويردونها إليك: وأعطهم الحمار يستخدمونه حتى ينبت ذنبه ويردونه إليك! فيقال إنَّ الرجل دعا عليهم، فسخف بهم ولم يبق من أهل سذوم أحد.\rوقال محي الدين الاسكندراني:\rومقعد أنَّ الرئاسة في الكبر ... فأصبح ممقوتا به وهو لا يدري\rيجر ذيول العجب طالب رفعة ... ألا فأعجبوا من طالب الرفع بالجر!\rوقال العرجي العثماني:\rأضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر!\rو يحكى إنّه كان فتى يجاور الأمام أبا حنيفة، رضي الله عنه، وكان يشرب كل ليلة، فإذا دب فيه الشراب جعل يغني. فكان أبو حنيفة يقوم من الليل ويسهر على النظر ويانس بغنائه. وكان أكثر ما يغني بقول العرجي هذا: أضاعوني وأي فتى أضاعوا . . الخ.\rوبعده:\rكأني لم اكن فيهم وسيطا ... و لم تك نسبتي في آب عمر","part":1,"page":310},{"id":311,"text":"ثم ن الفتى خرج ليلة فأخذ العسس وحبس، فقد أبو حنيفة صوته في تلك الليلة. فلما أصبح سأل عنه فقيل إنّه محبوس، فدعا بدابته وركب إلى الأمير عيسى بن موسى. فلما استأذن عليه قال: أئذنوا له وأدخلوه راكبا، ولا تدعوه ينزل حتى يطأ بساطي! ففعلوا، فوسع له الأمير في مجلسه وأجلسه معه وقال: ما حاجتك؟ قال: جار لي أخذه العسس، فأمر بتخليته! قال: نعم، وكل من أخذ معه في تلك الليلة! فأطلقوا جميعا، وقيل إنّه بعد ثلاث ليال من حبسه. فقال الأمير: وكل من أخذ من تلك الليلة إلى وقتنا. وأطلق الجميع. فلما خرجوا دعا أبو حنيفة بالفتى فقال له: ألست كنت تغني أضاعوني وأي فتى أضاعوا، فهل أضعناك؟ قال: لا والله! بل حفظت وز رعيت جزاك الله خيرا، وعلي عهد الله ألا اشرب الخمر أبداً! وتاب إلى الله تعالى. وقال إسحاق الموصلي:\rلاح بالمفرق منك القتير ... و ذوى غصن الشباب النضير\rهزئت أسماء مني وقالت: ... أنت يا أبن المصلي كبير!\rورأت شيبا علاني فأنت ... و أبن ستين بشيب جدير\rإنَّ تري شيباً علاني فإنني ... مع ذاك الشيب حلو مزير\rقد يفل السيف وهو جراز ... و يصول الليث وهو عقير\rو قوله: حلو مزير، المزير: المعظم المكرم، وقيل الظريف؛ والسيف الجراز: القاطع. وقال الربيع بن ضبع الفزاري:\rفارقنا قبل أنَّ نارقه ... لمّا قضى من جماعنا وطرا\rو الضمير للشباب.\rوقبله:\rأقفر من مية الحديب إلى ... الرحبين إلاّ الظباء والبقرا؟\rكأنها درة منعمة ... من نسوة كن قبلها درراً\rأصبح مني الشباب مبتكرا ... إنَّ ينأ عني فقد ثوى عصرا\rو بعده:\rأصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير إنَّ نفرا\rوالذيب أخشاه إنَّ مررت به ... وحدي وأخشى الرياح والمطرا\rها أنا ذا آمل الخلود وقد ... أدركت عمري ومولدي حجرا\rأبا امرئ القيس قد سمعت به ... هيهات هيهات طال ذا عمرا\rوقال أعرابي من ضبة، قدم البصرة وخطب امرأة فاشترطوا عليه الصداق:\rخطبت فقالوا: هات عشرين بكرة ... و درعا وجلبابا فهذا هو المهر\rوثوبين مرويين في كل شتوةٍ ... فقلت: الزنى خير من الحرب القسر!\rوقال خنافر بن التوأم الحميري:\rوكان مضلي من هديت برشده ... فلله مغو عاد بالرشد آمرا!\rو قصته في إسلامه مشهورة في السير، فلا نطيل بسردها.\rغيره:\rإني رأيتك كالورقاء يستوحشها ... قرب الأليف إذا نحرا\rغيره:\rفإنَّ تبك للبرق الذي هيج الهوى ... أعنك وإنَّ تصبر فلست بصابر\rو قبله:\rسقى الله حيا بين صارة والحمى ... حمى فيد صوب المدجنات المواطر\rأمين فادى الله ركبا إليهم ... بخير ووقاهم حمام المقادر\rكأني طريف العين يوم تطاولت ... بنا الرمل سلاف القلاص الضوافر\rحذار على القلب الذي لا يضره ... احاذر وشك البين أم لم يحاذر\rأقول لقمقام بن زيد: أما ترى ... سنا البرق يبدو للعيون النواظر؟\rفإنَّ تبك . . \" البيت \"\rغيره:\rوما تعرف الأعراب مشيا بأرضها ... فكيف ببيت من رخام ومرمر؟\rو هذا القائل أعرابي دخل البصرة على أبن عم له. فلما كان يوم الجمعة رآه البصري أشعث، فقال له: إنَّ الناس يتطهرون للجمعة ويتنظفون ويلبسون أحسن الملابس، فتعال ادخلك الحمام لتتنظف من شظف البادية وتتطهر للصلاة! فدخل معه الحمام، فعندما وطئ الأعرابي فرش أوّل بين الحمام لم يحشن المشي عليها لملاستها، فزلق وسقط وصدف حرف مدخل البيت وشجه الحرف في وجهه شجة منكرة، فخرج مذعور ودمه يسيل وهو ينشد:\rوقالوا: تطهر إنّه يوم جمعة! ... فأبت من الحمام غير مطهر\rتزودت منه شجة فوق حاجبي ... بغير جهاد بئس ما كان مجتري!\rيقول لي الأعراب حين رأينني: ... به لا بظبي بالصريمة أعفر\rوما تعرف الأعراب . . \" البيت \"\rغيره:\rتمنع من شميم عرار نجد ... فما بعد العيشة من عرار!\rو قبله:\rأقول لصاحبي والعيس تحذى ... بنابين المنيفة فالضمار\rو بعده:\rألا يا حبذا نفحات نجد ... و ريا روضه بعد القطار","part":1,"page":311},{"id":312,"text":"وهلك إذ يحل الحي نجداً ... و أنت على زمانك غير زار\rشهور ينقضين وما شعرنا ... بإنصاف لهن ولا سرار\rو إنّما نسوق مثل هذا لأنه ما من موضع أو أمر إلاّ ولك إنَّ تعتبره لنفسك نجدا، وما من طيب بل وما من خير إلاّ ولك أنَّ تعتبره عراراً، وتعتبر اغتنامه شميما، فتضرب هذا في انتهاز الفرصة من الشيء قبل فواته. وكثير ما نورد مثل هذا أو أغمض منه في هذا الكتاب، والذكي السديد يفقهه، والغبي البليد ينجهه.\rوقال أبو صخر الهذلي:\rإلاّ أيّها الركب النخبون هل لكم ... بساكن أجزاع الحمى لعدنا خبر؟\rو قبله:\rلليلى بذات الجيش دار عرفتها ... و أخرى بذات البين آياتها سطر\rكأنهما ملآن لم يتغيرا ... و قد مر للدارين من بعدنا عصر\rوقفت برسميها فعي جوابها فقلت وعيني دمعها سرب همر:\rألا أيّها الركب . . \" البيت \"\rفقالوا طوينا ذاك ليلا وإن يكن ... به بعض من تهوى فما شعر السفر\rوفي النوادر لأبي على عن أبي العباس: قال عبد الله بن شبيب: حدثني أم المغوار الباهلية قالت: كنت بفناء بيتي في السحر، فمر بنا ركب، فتمثلت بهذا البيت: إلاّ أيّها الركب . . \" البيت \" ، فأجابني غلام من صدر راحته:\rفقالوا: طوينا ذلك ليلا وإن يكن ... به بعض من تهوى فما شعر السفر\rخليلي هل يستخبر المرث والغضا ... و طلح الكدى من بطن مران السدر؟\rوقال المعتمد بن عباد، وقد رأى قمرية تنوح بين يديها وكر فيه طائرتان يترنمن:\rبكت أنَّ رأت إلفين ضمهما وكر ... مساء وقد أخنى على إلفها الدهر\rناحت وباحت واستراحت بسرها ... و ما نطقت حرفا بيوم به سر\rفمالي لا أبكي أم القلب صخرة ... و كم صخرة في الأرض يجري بها نهر!\rبكت واحداً لم يشجها غير فقده ... و أبكي لآلاف عديدهم كثر\rبني صغير أو خليل موافق ... يمزق ذا قفر ويغرق ذا بحر\rوقال أيضا يخاطب نفسه من أبيات مشهورة:\rقد كان إنَّ تأمره ممتثلا ... فردك الدهر منهيا ومأموراً\rمن بات بعدك في ملك يسر به ... فإنما بات بأحلام مغروراً\rوقال الراضي بالله لأبنه يخاطبه:\rلا يكرثنك خطب الحادث الجاري ... فما عليك بذاك الخطب من عار\rماذا على ضيغم أمضى عزيمته ... إنَّ خانه حد أنياب وأظفار؟\rلئن أتوك فمن جبن ومن خور ... قد ينهض العير نحو الضيغم الضاري\rوقال الوزير أبو محمد بن عبدون يرثي بيني المظفر مشهورة:\rما لليالي أقال الله عثرتنا ... من الليالي وخانتها يد الغير\rتسر بالشيء لكن كي تغر به ... كالأيم ثار إلى الجاني من الزهر؟\rكم دوله وليت بالنصر خدمتها ... لم تبق منها وسل ذكراك بالخبر!\rهوت بدار وفلت غرب قاتله ... و كان عضبا على الأيام ذا أثر\rواسترجعت من بني ساسن ما وهبت ... و لم تدع لبني يونان من أثر\rوأتبعت أختها طسما وعاد على ... عادٍ وجرهم منها ناقص المرر\rوما أقالت ذوي الهيئات من يمن ... و لا أجارت ذوي الغايات من مضر\rومزقت سبئا في كل قاصية ... فما التقى رائح منها بمبتكر\rوأنفذ في كليب حكمها ورمت ... مهلهلا بين سمع الأرض والبصر\rولم ثرد على الضليل صحته ... و لا ثنت أسدا عن ربها حجر\rودوخت آل ذبيان وجيرتهم ... لخما وعضت بني بدر على النهر\rوألحقت بعدي بالعراق على ... يد ابنه أحمر العينين والشعر\rوبلغت يزد جرد الصين وأختزلت ... عنه سوى الفرس جمع الترك والخزر\rومزقت جعفرا بالبيض واختلست ... من غيله حمزة الظلام للجرز\rوأشرفت بخيب فوق فارغة ... و ألصقت طلحة الفياض بالعفر\rوأجزرت سيف أشقاها أبا حسنٍ ... و أمكنت من حسين راحتي شمر\rوليتها إذ فدت عمراً بخارجةٍ ... فدت عيها بما شاءت من البشر!\rوما رعت لأبي اليقظان صحبته ... و لم تزود إلاّ الضيح في الغمر\rوفي أبن هند وفي أبن المصطفى حسن ... أتت بمعضلة الألباب والفكر\rفبعضنا قائل ما أغتاله أحد ... و بعضنا ساكت لم يموت من حصر\rوعممت بالردى أبي انس ... و لم ترد الردى عنه قنا زفر","part":1,"page":312},{"id":313,"text":"وأنزلت معصما من رأس شاهقةٍ ... كانت به مهجة المختار في وزر\rولم تراقب مكان الزبير ولا ... رعت عياذته بالبيت والحجر\rولم تدع لآبي الذبان قاضبة ... ليس لها عمرو بمنتصر\rوأظفرت بالوليد ين اليزيد ولم ... تبق الخلافة بين الكأس والوتر\rولم تعد قضب السفاح نابية ... عن رأس مروان أو أشياعة الفخر\rوأسبلت دمعه الروح الأمين على ... دم هريق لآل المصطفى هدر\rوأشرقت جعفر والفضل ينظره ... و الشيخ يحيى بريق الصارم الذكر\rولا وفت بمعهود المستعين ولا ... بما تأكد للمعتز من مرر\rوأوثقت في عراها كل معتمدٍ ... و أشرقت بقذاها كل مقتدر\rوروعت كل مأمون ومؤتمن ... و أسلمت كل منصور ومنتصر\rوقال الحاجب أبو مروان بن رزين، وقد سقط عن الفرس:\rإني سقطت ولا جبن ولا خور ... و ليس يدفع ما قد شاءه الذكر\rلا يمشين عدوي إنَّ سقطت فقد ... تكبوا الجياد وينبو الصارم الذكر\rهذا الكسوف يرى تأثيره أبدا ... و لا يعاب به شمس ولا قمر!\rوقال أبو بكر بن عمار:\rقالوا: اضر بك الهوى فأجبتهم: ... يا حبذاه وحبذا إضراره!\rقلبي هو أختار السقام لنفسه ... زيا فخلوه وما يختاره!\rعيرتموني بالنحول وإنّما ... شرف المهند وما ترق شفاره!\rوقال الوزير أبو القاسم بن الجد:\rعجبت لمن يهوى من الدر تومة ... و قد سال في أرجاء معدنه التبر!\rوقال الوزير الفقيه أبن سراج:\rبث الصنائع لا تحفل بموقعها ... فيمن نأى أو دنا ما كنت مقتدرا\rكالغيث ليس يبالي حيثما انسكبت ... منه الغمام تربا كان أو حجرا\rوقال الحماسي:\rولا يكشف الغماء إلاّ أبن حرةٍ ... يرى غمرات الموت ثم يزورها\rوقال تأبط شراً:\rإذا المرء لم يحتل وقد جد جده ... أضاع وقاسى أمره وهو مدبر\rولكن أخو الحزم الذي ليس نازلا ... به الخطب إلاّ وهو للخطب مبصر\rفذاك قريع الدهر ما عشت حول ... إذا سد منه منخر جاش منخر\rو منها:\rهما خطنا أما إسار ومنة ... و أما دم والقتل بالحر أجدر\rوقال القطامي:\rوما يعلم الغيب أمرؤ قبل إنَّ يرى ... و الأمر حتى تستبين دوابره\rدوابر الأمر: أواخره، جمع دابرة، كالعواقب.\rوقال عبد الله بن سبرة:\rإذا شالت الجوزاء والنجم طالع ... فكل مخاضات الفرات معابر\rوإني إذا ضن الأمير ببابه ... على الإذن من نفسي إذا شئت قادر\rوقال أبن حبناء التميمي:\rإذا المرء اولاك الهوان فأوله ... هوانا وإنَّ كانت قريبا أواصره\rإذا أنت عاديت أمرءاً فاطفر له ... على عثرة إنَّ امكنتك عواثره\rفان أنت لن تقدر على إنَّ تهينه ... فذره إلى يوم الذي أنت قادره\rوقارب إذا ما لم تك لك حيلة ... و صمم إذا أيقنت انك عاقره\rوقال جميل بن عبد الله:\rبنو الصالحين الصالحون ومن يكن ... لآباء صدق يلقهم حيث سيرا\rأرى كل عود نابتا في أرومة ... أبى منبت العيدان إنَّ يتغيروا\rوكل كسير يعلم الناس إنّه ... سوى عظم سوء لا ترى فيه مجبرا\rفلا تأمن النوكى وإنَّ كان أهلهم ... وراء عدولات وكنت بقيصر!\rو قوله: يعلم الناس إنّه، أي إنّه لا ينجبر سوى عظم سوء، بحذف خبر إنَّ للعلم به.\rوقال التميمي يرثي منصور بن زياد:\rيثني عليك لسان من لم توله ... خيرا لأنك بالثناء جدير\rوقال سلمة الجعدي يرثي أخاه:\rفتى كان يدنيه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر\rوقال مسافع العبسي:\rوليس وراء الشيء شيء يرده ... عليك إذا ولى سوى الصبر فاصبر\rوقال منقذ الكلابي:\rالدهر لاءم بين ألفتنا ... و كذلك فرق بيننا الدهر\rوكذاك يفعل في تصرفه ... و الدهر ليس يناله وتر\rكنت الضنين بمن فجعت به ... و سلوت حين تقادم الأمر\rولخير حظك في المصيبة إنَّ ... يلقاك عند نزولها الصبر\rغيره:\rإياك والأمر الذي إنَّ توسعت ... موارده ضاقت عليك المصادر","part":1,"page":313},{"id":314,"text":"فما حسن إنَّ يعذر المرء نفسه ... و ليس له من سائر الناس عاذر!\rوقال أبن البرصاء المري:\rتبين أعقاب الأمور إذا مضت ... و تقبل أشبها عليك صدورها\rوقال الآخر:\rرأيت أخا الدنيا وإنَّ كان خافضا ... على سفر يسري به وهو لا يدري\rمقيمين في دار نروح ونغتدي ... بلا أهبة الثاوي المقيم ولا سفر\rوقال الرقاشي:\rإلاّ ليقل من شاء ما شاء إنّما ... يلام الفتى فيما استطاع من الأمر!\rوقال الآخر، من الحماسيين:\rفإنك واستبضاعك الشعر نحوها ... كمستبضع تمرا إلى أرض خيبرا\rو تقدم إنشاده، على غير هذا الوجه، لغير هذا الحماسي.\rغيره:\rوجاءت للقتال بنو هليكٍ ... فسحي يا أسماء بغير قطر!\rو هذا الشاعر استعظم مجيء هؤلاء للقتال، لصغر شأنهم وهوانهم وحقارتهم عنده، فقال: سحي يا أسماء بغير قطر، أي بدم لا يقطر، استهزاء بهم وسخرية.\rغيره:\rومن عجب إنَّ الصوارم في الوغى ... تحيض بأيدي القوم وهي ذكور\rوأعجب منه إنّها بأكفهم ... تسعر ناراً والأكف بحور!\rوقال يزيد بن مفرع الحميري\rسقى الله دارا لي وأرضا تركتها ... إلى جنب دار معقل بن يسار\rأبو ملك جار لها وأبن برثن ... فيالك جاري ذلة وصغار!\rوذكر أبو العباس المربرد في الكامل أن سليمان بن على سأل خالد بن صفوان عن ابنيه جعفر ومحمد فقال: كيف إحمادك جوارهما يا أبا صفوان؟ فقال خالد متمثلا بهذا البيت:\rأبو ملك جار لها وأبن برثن ... فيالك جاري ذلة وصغار!\rقال: فأعرض عنه سليمان. وكان هذا من احلم الناس وأكرمهم وهو في ذلك الوقت والي البصرة وعم الخليفة المنصور. قال: وكان خالد بن صفوان ممن إذا عرض له القول قال: وكان الحسن رحمه الله تعالى يقال : لسان العاقل من وراء قلبه فإن عرض له القول نظر فإن كان له أن يقول قال وإن كان عليه القول أمسك. ولسان الأحمق إمام قلبه فإذا عرض له القول فال عليه أو له.\rوقال الآخر:\rنزف البكاء دموع عينك فاستعر ... عيناً لغيرك دمعها مدرارُ\rمن ذا يعيرك عينه تبكي بها ... أ رأيت عيناً للبكاء تعار؟\rوقال حجية بن مضر يمدح يعفر بن زرعة أحد الملوك، ملوك ردمان:\rشكرت لكم آلاءكم وبلاءكم ... و ما ضاع معروف يكافئه شكرُ\rو قبله:\rإذا كنت سئَّالاً عن المجد والعلا ... و أين العطاء الجزل والنائل الغمرُ\rفنقب عن الملوك وأهتف بيعفر ... و عش جار ظل لا يغالبه الدهرُ\rأولئك قومٌ شيد الله فخرهم ... فما فوقه فخرٌ وإن عظم الفخرُ\rأناس إذا ما الدهر أظلم وجهه ... فأيديهم بيض وأوجههم زهرُ\rيصونون أحساباً ومجداً مؤثلاً ... ببذل أكف دونها المزن والبحرُ\rسموا في المعاليرتبة فوق رتبةٍ ... أحلتهم حيث النعائم والنسرُ\rأضاءت لهم أحسابهم فتضاءلت ... لنورهم الشمس المضيئة والبدرُ\rفلو لامس الصخر الأصم أكفهم ... لفاضت ينابيع الندى ذلك الصخرُ\rولو كان في الأرض البسيطة منهم ... لمختبط عافٍ لمّا عرف الفقرُ\rشكرت لكم . . \" البيت \" وقلت أنا معرضاً بقوم يغشون طغاما ليصيبوا منهم طعاما:\rإنَّا أناس لست تبصرنا ... نتحين الطعام التي تزري\rيعري الفتى ويجوع وهو يرى ... متجملاً بالصبر والبشرِ\rوالحرة الشماء ربما ... جاعت ولم ترضع على أجرِ\rوالمورد العذب الفرات إذا ... راثته حمرٌ سيم بالهجرِ\rوإذا ترى طيراً بمزبلةٍ ... فالطير غير الباز والصقرِ\rوإذا رأيت المرء محتسياً ... كأس الهوان فليس بالحرِ\rووقف عليها جماعة من فضلاء العصر فاستحسنوها غاية فحاولت أن أزيد عليها شيئا من هذا النمط يتم به الغرض فانجر الأمر بها حتى كانت قصيدة رأيت أن أثبتها هنا على طولها لأنها كلها أمثال وحكم وهي:\rوالحر حياته بسوى ... عز الجناب ورفعة القدر\rلا بالطعام ولا الشرب ولا ... استلقائه بأرائك وثر\rوإذا تزايلك الحياة فما ... من عيشة تبقى ولا عمر\rوسؤال ذي لؤم وذي بخل ... و رجاء نعشته من العثر\rأنكى لقلب أخي المروءة من ... إصلائه بلوافح الجمر","part":1,"page":314},{"id":315,"text":"وأشد من عد الرمال ومن ... نقل الجبال ومحمل الصخر\rواضر من كل النوائب إن ... عظمت عليك وكل ما شر\rوتقلد للمن من يده ... غل على هاديك في الأسر\rبل وخزة في القلب ناكئة ... بل طعنة في لبة النحر\rوغناك عنه بالقناعة في ... حاليك من يسر ومن عسر\rأجدى من الملك الذي جمعت ... أبناء هرمز غابر الهر\rوألذ من سنة الشباب على ... جدة ومن وثرٍ على وثر\rولباس صونك عن تملقه ... أبهى من الأستبرق الخضر\rوحلى الوقار عليك أجمل من ... أن تحتلي بقلائد النصر\rوصبابة من ماء وجهك أنفس ... من رحيق سلسل غمر\rفإذا عرتك الحادثات فثق ... بمليكها ذي الخلق والأمر\rواصبر لروح الله مرتجياً ... فلتحمدن عواقب الصبر\rإنَّ اصطبار المرء مفتتح ... متغلق البأساء والعسر\rومنفس عنه الكروب إذا ... ضاقت بهن جوانح الصدر\rكم من حزين بات مكتئباً ... متسعر الأحشاء ذا أفر\rلا يرتجي جلباب ليلته ... أن ينثني طرفاه بالسفر\rفأتته ألطاف منفسة ... لفؤاده من حيث لا يدري\rولكم بعيد الضيق من سعة ... و لكم بعيد العسر من يسر\rهل بعد معترك الظلام سوى ... بلج الصباح وطلعة الفجر\rأو بعد ظمأة هجمة وردت ... غير ارتواء جانب الغدرِ\rأو بعد خانقة التلاع سوى ... فيح الفجاج وفسحة البهر\rوإذا تحاول نيل مكرمة ... فانهض إليها نهضة الشمر\rوأركب جواد الجد مكتفيا ... ذيل الملالة منك والفتر\rفلربَّ ذي أمل على ملل ... و مهدر في العنة الحجر\rوالربَّ ذي رعد على صلف ... فتراه يخلق ثم لا يفري\rومخاطراً بالنفس فيه فما ... يرجى الخطير بغير ذي خطر\rوأعلم بأنَّ الغوص في لجج ... خضر يخف لجالب الدر\rوتعسف القنن الصعاب علي ... خصب يخف لحالب الدَّر\rولدى الرياح الكثر بحمد ما ... جاب المفاوز صاحب التجر\rولدى الصباح يكون مغتبطا ... و ينال بغيته الذي يسري\rوتسنمن ذرى الأمور ولا ... تخلد إلى سفسافها الخضر\rواعلم بأنك ما استطبت جنى ... إلاّ لطيب الجذر والبذر\rوالكرم يجدي المجتني عنباً ... و الشوك لا يجدي سوى الشصر\rولكم ترى مرعى ولست ترى ... كرعاية السعدان والثغر\rوالناس كالغوغاء هائمة ... لو كان يبلو الناس ذو خبر\rوالمرء كل المرء بينهم ... ذو الملبس الزاهي وذو الوفر\rلا ينظرون إلى الوفاء ولا ... فصل الذكاء وثاقب الفكر\rلو أقبلت دغة لهش لها ... كل إذا راحت إلى دثر\rأو جاء قيس يستغيث صدى ... لم يسق إن أمسى أخا فقر\rلم يدروا أنَّ الكمال لذي ... فضل الندى والحلم والحجر\rلا ذي الحلى المسبور مائله ... أعطافه بالزهو والكبر\rفالعجب بالملبوس من سخف ... في اللب وهو لربة الخدر\rوالسيف ليس يشينه خلق ... في الجفن وهو العضب ذو الأثر\rوكذا ذبول المتن ليس يرى ... عيبا على الخطية السمر\rوالطرف ليس يعاب من ضمر ... يعشاه بعد تداول الحصر\rولكم ترى نبتاً يلد على ... شحبٍ وكم من ناعم مر\rولكم ترى دمناً تعاف إذا ... تشتم وهي أنيقة الزهر\rفتوخ في الناس الوفى إذا ... عاشرتهم وحذار ذا الغدر\rواسبرهم قبل الإخاء ولا ... تغتر في الأخوان بالسبر\rكم من أخ مذق الوداد على ... ما فيه من إحن ومن سبر\rإن تلقه فالشهد مقوله ... و إذا تغيب يكون كالصبر\rسيمى بوجهك تستميل وأن ... أدبرت عنه فكية الظهر\rوإذا الزمان دعاك نائبه ... العاري إليه ترجى البر\rفسيحتبيك بوعد غانيةٍ ... أو وعد عرقوب جنى التمر\rوإذا تعود يظل مكتلحاً ... متغيظاً ينزو ويستشري\rوإذا تصادف ذا الصفاء فكن ... منه ولو صافاك ذا حذر\rوأسم سوائم سرحه طرراً ... مطروقةً من مسرح السر\rوصن السرارة واللباب ولا ... تبذل له منه سوى القشر\rفلربما يلوي الزمان به ... فيكون أبصر فيك بالضر","part":1,"page":315},{"id":316,"text":"وإذا تصاحب أو تجالس أو ... تستب فالتمس ذوي القدر\rفصداقة النبهاء مفخرة ... و كذا نواؤهم من الفخر\rوصداقة اللؤماء معقبةٌ ... لؤما كمثل حكاك ذي العر\rوالساقط الداني مشاتمه ... كالبائع العقيان بالصفر\rوالحظ والمقدار ما حصرا ... في ذي الذكاء يبيت يستمري\rبل قسمة أزلية نشأت ... بيدي مدبرها على قدر\rوإذا نظرت وجدت في قرنٍ ... غمر الغنى وجهالة الغمر\rوترى اللبيب يبيت في ضففٍ ... بهمومه متقسم الفكر\rليكون فضل حجى الفتى عوضاً ... عن فضل مال الأنوك الكثر\rوتكون أحكام الإله جرت ... في الخلق عن غلبٍ وعن قسر\rوالمرء ممدودٌ له أجلٌ ... فسح مداه نصائب القبر\rيسدي ويلحم في مزاولة ... ما ليس يدركه مدى العمر\rويبيع بالآل المعين وبالخزف ... الكسير نضائد التبر\rوأمن تبدل زائلا صدرا ... من دائم قد باء بالخسر\rفأعد لليوم الذي خضعت ... فيه الطلا لرواجف الذعر\rوتحولت فيه الذين هم ... قنن الذرى شمما إلى الذر\rوتدوسهم أقدام طائفةٍ ... كانت لديهم موقع السخر\rوازمم ركابك للرحيل غداً ... إنَّ الخليط غدوا على ظهر\rوتسل عن ليلى فقد أزفت ... عنها النوى ومضاضة الهجر!\rوتخل عن كل الآلاف إلى ... ألفا ألف واصل بر!\rوتسوغن بجميل صبرك ما ... تسقى بغيرهم من الصبر\rوف بالعهود ولا تكن ألفا ... نقضا ولو قبضا على جمر!\rواعلم بان الوجه ذو شحط ... و مخاوف ومجاهل غبر!\rفارتد خفير إنابة ولجا ... و العلم خريتا إذا تسري!\rوتزودن وخير زادك من ... تقوى المهيمين سامع الأمر!\rوأجعل مزاد الصدق محكمة ... و تخيرين نجائب الصبر!\rوتخير الرفقاء مجتنبا ... قرب الددان وصحبة المزري\rوإذا ارتحلت فلا تشذ وسر ... وسط الخليط ومعظم السفر!\rوحذار رحلك يقتفي سبلا ... عن نهجهم فيضل في القفر!\rوارع البطاح إذا مرعن ولا ... تترقين بحالق وعر!\rوإذا الرياح عصفن في شرفٍ ... فلتسهلن أو غل في جحر!\rوإذا ظمئت ففي الأصيل فرد ... فردا عن الضوضاء والكدر!\rوإذا رأيت سفينة خرقت ... فتأن لا تجعل إلى النكر!\rوإذا تكون نزيل ذي كرم س ... رحب الذرى متفضل غمر\rلا يعدم العافي نداه ولا ... يعتل عن ذهل ولا فقر\rفأرح فؤادك أنَّ يكون به ... هم إلى زاد على ذكر!\rوحذار أنَّ يلقاك مرتجيا ... ما يجتنيه سواه من جبر\rوكن الخلي وأنت ضائفه ... عار النزيل على الذي يقري!\rوإذا الهوى ناواك محتفلا ... و مجمعا بمعسكر مجر\rفلتعددن ما استطعت من وجل ... و ضارعة فتدال بالنصر\rواستمددن من واهب رؤوفٍ ... نورا يقيك مداحض الحكر\rوكل الأمور إليه ملتجئا ... متبريا ملحول والارز!\rوإذا حللت بساطه فغدا ... يسقيك صرف عتيقة الخمر\rفلترعين أدب الجليس ولا ... تغتل حجاك غوائل السكر!\rوإذا مليك الدار في طرفٍ ... منها أناخ مطاك أو عقر\rفالزم مناخك أو يحوله ... برضى الجنان وغاية السكر\rولتعتزز بحماه معتصما ... ناهيك من سند ومن حظر!\rوثقن بما أولاك من عدة ... فالنقد موعد مفضل مثري!\rوتجلى في ثوبي عبودته ... ناهيك من شمم ومن ذكر!\rوتحل بالخلق الجميل على ... لقيا الورى وحوادث العصر!\rولتلقهم وحشاك مشربه ... صاف من الشحناء والغمر!\rوبليغ نصحك للقصي وللأدنى ... سوي السر والهجر\rواجعل معاقرة المنون على ... بالٍ فيا ناهيك من ذخر!\rوقال الآخر:\rإلى كم يكون الصد في كل ساعةٍ ... و كم لا تملين القطيعة والهجرا؟\rرويدك إنَّ الدهر فيه كفاية ... لتفريق ذات البين فأنظر الدهرا!\rوقال الآخر:\rهب النسيم فأهدى نشرهم سحرا ... وأزهر الروض من أنفاسهم عطرا\rإني وإنَّ أبعدت عني منازلهم ... فلا أزال أروي عنهم الخبرا","part":1,"page":316},{"id":317,"text":"قل للسعيد الذي يحظى برؤيتهم: ... أني لتحسد عيني فيكم النظرا\rغيره:\rوحقكم مالي على فقدكم صبر ... و ما طاب لي عيش ولم يصف لي سر\rوكيف يسر القلب يوما بلذةٍ ... و منزلكم يا سادتي منزل قفر\rفما الدار دار مذ نأيتم ولا الكرى ... لذيذ وحلو العيش بعدكم مر\rغيره:\rلو كان لي مسعد بالراح يسعدني ... لمّا انتظرت بشرب الراح إفطارا\rالراح أشرف شيء أنت شاربه ... فاشرب ولو حملتك الراح أوزارا\rيا من يلوم على صهباء صافيةٍ ... دع الجنان ودعني أسكن النارا!\rو في لطائف المنن للتاج أبن عطاء الله أنَّ هذا الشعر أنشده منشد بين يدي الشيخ. فأنكر عنك هذا. فإنه محجوب! انتهى بالمعنى وهو بين، فإنَّ الخمر خمران، والنار ناران، والجنان جنانان. فكل يشرب بحسب ذوقه، ويقهم بمقتضى قصده.\rوقال الآخر:\rهلا رأيت وقائع الدهر ... أفلا تسئ الظن بالعمر؟\rبينا الفتى كالطرود تمنعه ... هضباته والعضب ذو الأثر\rيأبى الدنية في عشيرته ... و يجاذب الأيدي على الفخر\rزل الزمان بوطء أخمصه ... و مواطئ الأقدام للعثر\rغيره:\rأين الملوك وما بنوه وشيدوا؟ ... ماتوا جميعا في التراب وساروا\rآثارهم تنبيك عن أخبارهم ... هذي هي الأطلال والأخبار\rإنَّ سلت عنهم قل لنفسك بعدهم ... لم يبق إلاّ الواحد القهار!\rغيره:\rيا راقد الليل مسرور بأوله ... إنَّ الحوادث قد يطرقن إسحارا\r!و له:\rلو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء أعتصار\rغيره:\rالناس شتى إذا ما أنت ذقتهم ... لا يستوون كما لا يستوي الشجر\rهذا له ثمر حلو مذاقته ... و ذاك ليس له طعم ولا ثمر\rوقال النمر بن تولب:\rفيوم علينا ويوم لنا ... و يوم نساء ويوم نسر\rسلم الخاسر:\rمن راقب الناس مات غما ... و فاز باللذة الجسور\rأبن المعتز:\rلا تأمنوا من بعد خير شرا ... كم غصن أخضر صار جمرا!\rالصنوبري:\rمحن الفتى يخبرن عن فضل الفتى ... كالنار تخبرنا بفض العنبر\rغيره:\rكم كافر بالله أمواله ... تزداد أضعافا على كفره\rوالمؤمن ليس له درهم ... يزداد أيمانا على فقره!\rغيره:\rيا صاح إنَّ من الرجال بهيمة ... في صورة الرجل السميع المبصر\rفطنا بكل مصيبة حاله ... و إذا أصيب بدينه لم يشعر!\rوقال الآخر:\rعتبت على الدنيا لتقيد جاهل ... و تأخير ذي علم فقالت خذ العذرا\rبنو الجهل أبنائي وكل فضيلة ... فأبناؤها أبناء ضرتي والأخرى\rوقال الآخر:\rغائظ صديقك تكشف عن ضمائره ... و تهتك السر عن محجوب أستار\rفالعود يبنيك عن مكنون باطنه ... دخانه حين تدنيه من النار!\rو هكذا كقول الحكيم: إذا أردت إنَّ تعرف صديقك فأغضبه! وذلك لأن الرضى يصلح معه كل أحد، ولا يصلح على الغضب إلاّ الأصفياء الصادقون، وقليل ما هم.\rغيره:\rسقى الله أياما لنا لسن رجعا ... و سقيا لعصر العامرية من عصر\rليالي أعطيت البطالة مقودي ... تمر الليالي والشهور وما ندري!\rحكى أبو علي البغدادي في نوادره عن أبي بكر بن دريد عن حاتم قال: كان فتى من أهل البصرة يختلف معنا إلى الأصمعي فافتقده، فلقيت أباه فسألته عنه فقال: سألني عن بيتين كان الأصمعي يرددهما:\rسقى الله أياما \" البيتين \"\rفقلت له: يا بني، انك لست بعاشق، ولولا ذلك لعرفت ما يفعله الذكر بصاحبه! قال: فبعثته عشق لجاجا.\rولنكتف بهذا القدر من الباب مخافة السآمة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.\rباب الزاي الموحدة\rزبيب وأنت حصرم.\rهذا مثل مشهور، غير إنّه مولد. وهو من كلام أبي علي الفارسي، قاله لأبي الفتح عثمان بن جني لمّا مر به وهو في حلقته. فلما قال له ذلك قام أبو فتح فترك حلقته وتبعه حتى تمهر. ذكر ذلك شمس الدين بن خلكان، رحمه الله تعالى. ويضرب فيمن يتعاطى رتبة قبل إنَّ يصل إليها.\rومنه قول أبن النقيب:\rإذا صرصر البازي فلا ديك يصرخ ... و لا فاخت في أيكة يترنم","part":1,"page":317},{"id":318,"text":"وما الموت إلاّ طيب طعمه إذا ... تدايك فروج وزبب حصرم\rزاحم بعودٍ أو دع!\rالمزاحمة معروفة. يقال زحمته على كذا، زحمته، وزاحمته، وازدحم القوم على هذا الأمر وتزاحموا عليه، ازدحاما وزحاما ومزاحمة. والعود بفتح العين المهملة وسكون الواو: المسن من الذي جاور البازل والمخلف سنا. قال امرؤ القيس:\rعلى لاحب لا يهتدى بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا\rو الجمع عودة كزوجة، والأنثى عودة، والجمع عود البعير تعويدا: بلغ ذلك. والعود أيضا: الطريق القديم. قال الراجز:\rعود على عود لأقوام أوّل ... يموت بالترك ويحيا بالعمل\rأي جمل مسن على طريق قديم. وفي الصحاح: وبما قالوا: سؤدد عود أي قديم وانشد للطرماح:\rهل المجد إلاّ العود والندى ... و رأب الثأي والصبر عند المواطن؟\rو المراد من المثل المعنى الأول، وهو التمثيل والتشبيه. والمعنى انك إذا حاولت أمرا أو زاولت حربا، ينبغي لك أنَّ تستعين عليه بأهل السن والمعرفة والتجريب. فإنَّ رأي المشايخ كثيرا ما كان أنفع من مشاهد الشباب، على إنَّ مشهد الشيوخ وأهل البصيرة والصدق أيضاً هو المشهد، كما قال أبو الطيب:\rسأطلب حقي بالقنى ومشايخٍ ... كأنهم من طول ما ألتثموا مرد\rثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدوا قليل إذا عدوا\rو على أسلوب هذا المثل ما يقال: قائل بسعد أو بجد وإلاّ فلا!\rزعموا مطية الكذب.\rالزعم: الظن، يقال: زعم كذا وكذا واقعا، يزعمه. قال: زعمتني شيخا وليس بشيخ . .\rوقال كثير\rوقد زعمت إني تغيرت بعدها ... و من ذا الذي يا عز لا يتغير؟\rو لها معان أخرى مراده هنا. والمطية: الناقة التي يركب مطاها أي ظهرها. قال امرؤ القيس:\rويوم عقرب للعذارى مطيتي ... فيا عجبا من رحلها المتحمل!\rويحك إنَّ أبن عمر، رضي الله عنهما، قال: رأيت رجلا يطوف بالبيت حاملا أمه على ظهره وهو يقول:\rإني لها مطية لا تذعر ... إذا الركاب نفرت لا تنفر\rما حملت وأرضعتني أكثر ... الله ربي ذو الجلال أكبر!\rو ذكر في الصحاح أنَّ المطية تؤنث وتذكر، وانشد على التذكير لربيعة بن مقروم الضبي جاهلي\rومطية ملث الظلام بعثته ... يشكو الكلال إلي دامي الأظلل\rو كان المطية على هذا هو المركوب، جملا كان أو ناقة. وجمع المطية مطي ومطايا. قال امرؤ القيس:\rسريت بهم حتى تكل مطيهم ... و حتى الجياد ما يفدن بأرسان\rو في الحديث رواية يشكو إنَّ يضرب الناس آباط المطي في طلب العلم فلا يجدون عالما من عالم المدينة.\rوقال جرير:\rألستم خير من ركب المطايا ... و أندى العالمبن بطون راح؟\rو منه قول إلي نؤاس:\rوإذا المطي بنا بلغن محمّداً ... فظهورهن على الرجال حرام\rو منه قول أبي دلامة:\rإنَّ المطايا تشكيك إذا أراد إنَّ يتحدث قال: زعموا كذا وكذا، وزعموا إنَّ الأمر كذا وإنَّ كذا واقع. فلما كان هذا اللفظ يقدمه إمام كلامه ويتوصل به إلى حاجته، جعل مطية تشبيها بالمطية المركوبة، بالجمع التواصل بهما إلى الغرض. ثم انهم قالوا: إنّما يقال هكذا في حديث لا سند له ولا ثبت فيه، وإنّما يجري على الألسن، وأكثر ما يكون ذلك كذب.\rوفي الحديث: حسب الرجل من الكذب أنَّ يتحدث بكل ما سمع. فجعل زعموا مطية للكذب، أي للتحديث به من اجل هذا. وقد يعتبر به من يعتمد الكذب لسهولته إذ ذاك وتستره حيث لم يتعين المكذوب عليه ولا المنقول عنه حتى يفتضح الناقل عند سؤاله.\rفائدتان. الأولى قال الجلال السيوطي في كتابه الهمع: قولهم زعموا مطية الكذب لم أقف عليه شيء من كتب الأمثال. وذكر بعضهم إنّه روى: مظنة الكذب بالظاء المعجمة والنون. وإخراج أبن أبي حاتم في تفيسره، عن صفوان بن عمرو الكلابي، قال: بئس مطية المسلم زعموا مطية الشيطان. واخرج أبن سعد في الطبقات، من طريق الأعمش عن شريح القاضي قال: زعموا كنية الكذب. انتهى.\rوذكر بعضهم: زعموا مطية الكذب حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم.","part":1,"page":318},{"id":319,"text":"وقال بعضهم: لا يوجد زعم فصيح الكلام إلاّ عبارة عن الكذب، أو قول انفرد به قائله، أو تبقى عهدته على الزاعم. ففي ذلك ما ينجوا إلى تضعيف وقول سيبويه: زعم الخليل كذا، وإنّما يجيء فيما تفرد الخليل به. انتهى.\rقلت: ولم يكن يأتي به سيبويه على إنَّ ذلك كذب، بل من اجل ذلك التفرد وبقاء العهدة فقط. وقد يأتي زعم مع القطع بصدق الزاعم، كما في السير من قول سعد، رضي الله عنه، للقريشي بمكة إنَّ محمّد يزعم إنّه قاتلك، ولم يكن المخبر يش في صدق محمّد صلى الله عليه وسلم، بل أيقن القريشي مع كفره بذلك فقال: أنا لا نكذب محمّد في خبره. والقصة مشهورة.\rالثانية: قول جرير السابق. قالوا: هو امدح بيت قالته العرب. وكان امتدح به عبد الملك بن مروان من قصيدة، وكان أولها أنَّ قال: أتصحو أم فؤادك غير صاح فقال عبد الملك: بل فؤادك! ثم تمادى في الإنشاد إلى إنَّ قال:\rتعزت أم حزرة ثم قالت: ... رأيت الواردين ذوي امتياح\rثقي بالله ليس له شريك ... و من عند الخليفة بالجناح\rألستم خير من ركب المطايا ... و أندى العالمين بطون راح؟\rفطرب الملك وأخذته الأريحية وكان متكئا فجلس وقال: من مدحنا فليمدحنا بمثل هذا أو ليسكت! ثم قال: يا جرير، أترى أم حزرة ترويها مائة ناقة سود الحدق؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنَّ الإبل إباق ونحن مشايخ ليس بأحدنا فضل على راحلته. فلو أمرت بالرعاة؟ فأمر له بثمانية أعبد وكنت بين يدي عبد الملك صحاف فضة يقرعها بقضيب بيده. فقال جرير: والمحالب، يا أمير المؤمنين؟ وأشار إلى صفحة منها. فنبذها إليه بالقضيب. وفي ذلك قال جرير:\rأعطوا هنيدة يحدوها ثمانية ... ما في عطائهم منٌّ ولا سرف!\rقلت: وما ذكر في بيت جرير هو بحسب ما فيه من شمول بذكر العالمين، وإلاّ فلزهير أبيات هي الغرر في جبهات المديح، كقوله:\rبل اذكرن خير قيس كلها حسبا ... و خيرها نائلا وخيرها خلقا\rفانه يجمع أوصافا من المديح مع السبك العجيب والاتساق البديع. إلاّ إنّه خصصه بقيس وهو لا يوجب كبير قصور، لأنَّ العناية بتفضيل الممدوح وتعليته إنّما هي بحسب أقرانه ومزاحميه في الشرف، مع إنَّ هذا اقرب إلى الصدق، وليس الكذب البشع بممدوح في الشعر. إلاّ إنَّ يريد جرير رهط الممدوح جميعا حتى يدخل النبي صلى الله عليه وسلم فيكون كلامة صدقا. وقوله:\rإنَّ تلق يوما على علاته هرما ... تلق السماحة منه والندى خلقا\rفإنَّه ترك إثبات السماحة والندى للممدوح إلى إثبات كونهما من سجايا وخلائقه،إيهاما لكون ثبوتهما ليس متوقف العقول، لاتضاحه كالنهار، واشتهاره غاية الاشتهار. ووقع لزهير غير هذا ولغيره أيضاً مما يطول تتبعه.\rقالوا: وأهجى بيت قالته العرب قول الأخطل يهجو جريرا:\rقوم إذا أستنبح الضيفان كلبهم ... قالوا لأمهم بولي على النار!\rو بعده:\rفتمسك البول بخلا إنَّ تجود به ... فما تبول لهم إلاّ بمقدار!\rو تقدم هذا: واحكم بيت قالته العرب قول طرفة:\rستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... و يأتيك بالأخبار ما لم تزود\rو أحمق بيت قول أبي محجن:\rإذا مت فادفني إلى جنب كرمةٍ ... تروي عظامي عند عروقها!\rولا تدفنني في الفلاة فإنني ... أخاف إذا مت ألا أذوقها\rو أغزل بيت قالته العرب قول جرير:\rإنَّ العيون التي في طرفها حورٌ ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا\rو بعده:\rيصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... و هن اضعف خلق الله أركانا\rقلت: وأصدق بيت قالته العرب قبل النبي صلى الله عليه وسلم قول لبيد:\rألا كل شيء ما خلا الله باطل\rوبعده قول الآخر:\rوما حملت من ناقةٍ فوق رحلها ... أبر وأوفى ذمة من محمدِ","part":1,"page":319},{"id":320,"text":"عجيبة. أبو العتاهية في شعره السابق امتدح عمر بن علاء فأمر له بسبعين ألف درهم وأمر من حضره من خدمه وغلمانه أن يخلعوا عليه حتى لم يقدر على القيام لمّا عليه من الثياب. ثم إنَّ جماعة من الشعراء كانوا بباب عمر فقال بعضهم: يا عجبا للأمير! يعطي أبا العتاهية سبعين ألفا. فبلغ ذلك عمر فقال: غليَّ بهم! فأدخلوا عليه. فقال:ما أحسد بعضكم لبعض يا معشر الشعراء! إنَّ أحدكم يأتينا يريد مدحنا فيشبب بصديقه في قصيدته بخمسين بيتا فما يبلغنا حتى يذهب لذاذة مدحه ورونق شعره. وقد أتانا أبو العتاهية فشبب ببيتين ثم قال:\rإني أمنت من الزمان وريبته ... لمّا علقت من الأمير حبالا\rلو يستطيع الناس من إجلاله ... لحذوا له حر الوجوه نعلا\rما كان هذا الجود حتى كنت يا ... عمراً ولو يوماً تزول لزالا\rإنَّ المطايا تشتكيك لأنها ... قطعت إليك سباسباً ورمالا\rفإذا أتيت بنا أتيت مخفة ... و إذا رجعن بنا رجعن ثقالا\rويذكر إنّه لمّا امتدحه قال له: أقم حتى أنظر في أمرك! فأقام أياما فلم ير شيئا. وكان عمر ينتظر مالا من وجه فأبطأ عليه. فكتب إليه أبو العتاهية:\rيا أبن العلاء ويا أبن القرم مرداس ... إني امتدحتك في صحبي وجلاسي\rأثنيت عليك ولي حال تكذبني ... فيما أقول فاستحيي من الناس\rحتى إذا قيل ما أعطاك من صفدٍ ... طأطأت من سوء حالٍ عندها رأسي\rفقال عمر لحاجبه: اكفيه أياما! فقال له الحاجب كلاما دفعه به وقال: تنتظر! فكتب إليه:\rأصابت علينا جودك العين يا عمر ... فنحن لها نبغي التمائم والنشر\rأصابتك عين في سخائك صلبةٌ ... و يا رُبَّ عين صلبة تفلق الحجر\rسنرقيك بالأشعار حتى تملها ... فإن لم تفق منها رقيناك بالسور\rفضحك عمر وقال لصاحب بيت ماله: كم عندك؟ قال: سبعون ألف درهم. فقال: ادفعها إليه! ويقال إنّه قال له: اعذرني عنده ولا تدخله عليَّ فإني أستحي منه!\rزندان في وعاءٍ.\rالزند بفتح الأول العود الذي يقدح به . والوعاء معروف. يضرب هذا في تساوي الرجلين فيقال: هما زندان في وعاء وكزندين في وعاء.\rقال أبو عبيد القاسم بن سلام: ولا يكاد يوضع في المدح. إنما هو في موضع الخساسة والدناءة.\rفقال البكري: لا أعلم لم جعل في موضع الدناءة إلا أن يتناولوا فيه قولهم اللئيم مزند والتزنيد: التضييق.\rقلت: ولا يخفى بعده. والمزند بصيغة اسم المفعول وهو البخل الضيق. قال الحماسي:\rومن الرجال أسنة مثال ذروبة ... و مزندون شهودهم كالغائب\rو قد أتى الحريري في مقامته البغدادية بهذا المثل في مطلق الاستواء أو في الاستواء في المدح بالحذق والذكاء. فقال أبن ظفر: المشهور استعماله يعني هذا المثل في الحقارة والخساسة.\rأزكن من إياسٍ.\rالزكن: العلم تقول: زكنته بالكسر أزكنته زكنا إذا علمته. قال أبن أم صاحب: ويروى: زنكنت منهم على مثل الذي علموا.\rوالزكن أيضاً: التفرس وهو علم خاص. وإياس هو أبن معاوية قاضي البصرة. وضرب به المثل في الفراسة والذكاء وله في ذلك أخبار كثيرة تقدمت جملة منها في ذكائه من حرف الذال. وكان يحكى أنه قال: تعلمت الزكن من أمي وكانت خرسانية وأهل بيتها يزكنون أي يتفرسون. قيل: وقد ألف في أخباره كتاب يسمى \" زكن إياس \" .\rأزنى من قرد.\rالزنى بالزاي المكسورة والنون معروف يمد ويقصر. قيل: والقصر لغة الحجاز لقوله تعالى: )و لا تقربوا الزنى( والمد لغة نجد كقول الفرزدق:\rأبا حاضر من يزن يعرف زناؤه ... و من يشرب الخرطوم يصبح مسكر\rو زنى الرجل بالفتح يزني زنى وزاني مزاناة وزناء. وفي عد الكبائر:و أن تزاني حليلة جارك. والقرد بكسر القاف معروف وتقدم في الحاء وهو يوصف بالزنى. وقد وقع في السيرة إنّه زنى قرد في الجاهلية فرجمته القردة. وزعموا أنَّ القرد أزنى الحيوان.\rوقيل إنَّ المعنى في هذا المثل ليس القرد المعروف بل رجلا من هذيل يقال له قرد بن معاوية وبه ضرب المثل والله تعالى أعلم!\rأزهى من طاووس.","part":1,"page":320},{"id":321,"text":"الزهو: الإعجاب والتكبر. يقال: زهي بالبناء للمفعول يزهى فهو مزهو.و يقال أيضاً: زهى بالفتح يزهو زهوا. وهي لغة حكمها أبن دريد. والطاووس: الطائر المعروف وتقدم في الحاء. وإنّما وصف بالزهو لمّا مر من أنَّ طبعه حب الزهو لنفسه والخيلاء والإعجاب بريشه: ثم إنهم بنوا اسم التفضيل هنا من فعل المفعول وعلى الشذوذ كما قالوا: أشغل من ذات النحويين وأجن من دغة وأولع من قرد. وتعجبوا منه أيضاً فقالوا: ما أزهاه! وما أشغله! وما أجنه! وهو مسموع في هذه الألفاظ ونحوها. ولا يقال في المضروب والمجروح ونحوهما: أضرب من كذا ولا أجرح ولا: ما اضربه! وأجرحه! ومن الشاذ قول سبويه رحمه الله تعالى : واعلم أنَّ العرب يقدمون ما هم به أهم وهم ببيانه أعنى وهو من عناهم وعنوا به فهم معنيين به.\rقال الإمام السهيلي رحمه الله تعالى : وسبب جوازه يعني في الأفعال المذكورة دون غيرها أنَّ المفعول فيها فاعل في المعنى: فالمزهو متكبر في المعنى. وكذلك المنحو والمشغول مشتغل وفاعل لشغله والمعني بالأمر كذلك والمجنون كالأحمق فيقال: ما أجنه! كما يقال ما أحمقه! وليس كذلك وضروب ولا مركوب ولا مشتوم ولا ممدوح فلا يقال في شيء منه: ما أفعله ولا: هو أفعل من كذا.\rقال: فإنَّ قلت: فعلى هذا القياس كان ينبغي أيضاً أن يؤمر فيه بغير اللام كمأمور الفاعل إذ قلتم إنه فاعل في المعنى يعني وليس الأمر كذلك لأنك إنما تقول في أمر المخاطب من عني وزهي وشغل: لتعن ولتزه ولتشغل! كما يؤمر الغائب في سائر الأفعال.\rقال: فالجواب أنَّ الأمر إنّما هو بلفظ المستقبل وهو: تضرب وتخرج. فإذا أمرت حذفت حرف المضارعة وبقيت حروف الفعل على بنيتها. وليس كذلك زهيت فأنت تزهى ولا شغلت فأنت تشغل. لأنك لو حذفت منه حرف المضارع لبقي لفظ الفعل على بنية لست للغائب ولا للمخاطب لأنَّ بنية الأمر للمخاطب: أفعل وبنيته للغائب: فليفعل. والبنية التي قدرناها لا تصلح لواحد منها لأنك كنت تقول: أزه من زهت ومنت تقول من شغلت: أشغلت فتخرج من باب شغلت فأنت مشغول إلى باب شغلت غيرك فلم يستقم فيه الأمر بالام. انتهى. وهو حسن وهذا في زهي إنّما هو على أنَّ التفضيل جاء فيه على اللغة المشهورة. وإنّما على أنه على اللغة الثانية التي ذكرها أبن دريد فلا شذوذ فيه.\rقال الجوهي بعد ذكره هذه اللغة: ومنه قولهم ما أزهاه وليس هذا من زهي لأنَّ اسم المفعول لا يتعجب منه. انتهى.\rأزهى من ديكٍ.\rتقدم الزهو. والديك بكسر الدال المهملة معروف جمعه ديكة وديوك. وهو موصوف بالزهو والتبختر والتمايل في مشيته وذلك معروف فيه.\rأزهى من غرابٍ.\rالزهو مر وكذا الغراب وهو أيضاً موصوف بالزهو. قال الشاعر:\rلذا صاحبٌ مولع بالخلاف ... كثير الخطاء قليل الصواب\rألج لجاجاً من الخنفساء ... و أزهى إذا ما مشى من غراب\rزوجٌ من عود، خيرٌ من قعود.\rالزوج ضد الفرد. والزوج أيضاً بعل المرأة وهي أيضاً زوجة. فالزوج للذكر والأنثى هذا هو الفصيح. قال تعالى: )أسكن أنتَ وزوجكَ الجنة( وقد يقال زوجة. قال الفرزدق:\rوإنَّ الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساعٍ إلى أسد الشرا يستبيلها!\rوتقدم هذا. والعود بضم العين المهملة: معروف جمعه عيدان وأعواد والقعود: الجلوس وقد يفرق بينهما فيقال: القعود ضد القيام. فإذا كان أحد واقفا قيل له: أقعد! ولا يقال: اجلس! وإذا كان مضطجعا ثم استوى جالسا قيل: إنّه قد جلس.\rومعنى المثل أنَّ التزوج ولو بأدنى زوج خير من البقاء بلا زوج. قالته بنت همام بن مرة الوائلي البكري. وكان له فيما زعموا أربع بنات. فكان يخطبن إليه فيستأمرهن فيمنعهن الحياء أن يأذن فلا يزوجن. وكانت أمهن تأمره بتزويجهن فلا يفعل. فخرج ذات ليلة إلى متحدث لهن فجعل يستمع حديثهن وهن لا يعلمن. فقلن: تعالين نتمن ولنصدق! فقالت الكبرى:\rإلاّ ليت زوجي من أناس ذوي غنى ... حديث الشباب طيب النشر والعطرِ\rطبيبٌ بأدواء النساء كأنه ... خليفة جانٍ لا يبيت على وترِ!\rفقلن لها: انك تحبين رجلا ليس في قومك. وقالت الثانية:\rألا هل أرها مرة وضجيعها ... أشم كماضي الشفرتين مهندِ\rلصوقٌ بأكباد النساء واصله ... إذا ما انتهى من أهل سري ومحتدي؟\rوقالت الثالثة:","part":1,"page":321},{"id":322,"text":"ألا ليته على الجفان مدلب ... له جفنةٌ تشفى بها النيب والجزرُ\rبه محكمات الشيب من غير كبرةٍ ... تشين فلا العاني ولا الضرع الغمرُ!\rفقلن لها: تحبين رجلا شريفا. فقلن للصغرى: تمني أنت! فقالت: ما أريد شيئا. فقلن: والله لا تبرحين حتى نعلم ما في نفسك! فقالت: زوجٌ من عودٍ خيرٌ من قعودٍ. فلما سمع أبوهن ذلك زوجهن.\rوهكذا حكي عن بعضهم هذه القصة. والذي ذكر صاحب القاموس في اللغة أنَّ همام بن مرة له ثلاث بنات وآلا على نفسه ألا يزوجهن. فلما عنسن قالت إحداهن بيتا وأسمعته إياه متجاهلة. فقالت:\rأ همام بن مرة إنَّ همي ... لفي الآئي يكون مع الرجالِ\rفأعطاها سيفا وقال: هذا يكون مع الرجال! فقالت أخرى: ما صنعت شيئا ولكني أقول:\rأ همام بن مرة إنَّ همي ... لفي قنفاء مشرفة القذال\rو القنفاء تطلق عند العرب على الغليظة من آذان المعزى كأنها نعل مخصوف. وتطلق على الكمرة العظيمة وهو مراد القافية. فقال أبوها: وما قنفاء؟ تريدين معزى. فقالت الصغرى: ما صنعتما شيئا ولكني أقول:\rأ همام بن مرة إنَّ همي ... لفي عردٍ أسد به مبالي\rفقال: أخزاكن الله! وزوجهن. والعرد بفتح العين وسكون الراء: الذكر.\rويحكى أيضاً في نحو هذه القصة أنَّ رجلا من العرب كان له ثلاث بنات قد عضلهن ومنعهن الأكفاء. فقالت إحداهن: إن أقام أبونا على هذا الرأي فارقنا وقد ذهب حظ الرجال منا فينبغي لنا أن نعرض له بما في نفوسنا وكان يدخل إلى كل واحدة منهن يوما. فلما دخل على الكبرى تحادثا ساعة. فلما أراد الانصراف أنشدت:\rأ يزجر لاهينا ويحلى على الصبا ... و ما نحن والفتيان إلاّ شقائقُ؟\rيؤبن حييَّاتٍ مراراً كثيرةً ... و تنباق أحياناً بهن البوائقُ\rفلما سمع الشعر ساءه. ثم دخل على الوسطى فتحادثا. فلما أراد الانصراف أنشدت:\rألا أيها افتيان إنَّ فتاتكم ... دهاها سماع العاشقين فخنت\rفدونكم أبغوها فتى غير زملٍ ... و إلاّ صبت تلك الفتاة وجنت!\rفلما سمع الشعر ساءه. ثم دخل على الصغرى في يومها. فلما أراد الانصراف أنشدت:\rأما كان في ثنتين ما يزع الفتى ... و يعقل هذا الشيخ إن كان يعقلُ\rفما هو إلاّ الحل أو طلب الصبا ... و لابد منه فائتمر كيف تفعلُ!\rزر غباً، تزدد حباً!\rالزيارة معروفه والغب في الماء أن ترد الإبل يوما وتدع يوما. فهي إبل غابة وغواب وغب كل شيء : عاقبته.\rوأما في الزيارة فقال الجوهري: قال الحسن: الغب في الزيارة كل أسبوع. يقال: زر غبا تزدد حبا. انتهى. وهذا الكلام قد يروى حديثا مرفوعا وهو أمر بأوسط الأمور وأفضلها في الزيارة المحبة للمحبة ودوام الوصل. ووراء ذلك طرفان كلاهما مذموم: أحدهما الإكثار من الزيارة والإفراط فيها وهو يوجب السأم والملل والضجر. والثاني الإقلال منها جدا والإفراط في الغيبة والقطيعة. وهو يوجب الوحشة والتقاطع والتباعد. ونظم بعض الشعراء الكلام المذكور فقال:\rإذا شئت أن تلقى فزر متتابعاً ... و إن شئت أن تزدد حباً فزر غبا\rوقال الثعالبي:\rعليك بإقلال الزيارة إنما ... تكون إذا دامت إلى الهجر مسلكا\rفإني رأيت القطر يسأم دائماً ... و يطلب بالأيدي إذا هو أمسكا!\rوقال أبو العتاهية:\rأقلل زيارتك الصديق ولا تطل ... إتيانه فيلح في هجرانه!\rإنَّ الصديق يلج في غشيانه ... لصديقه فيمل في غشيانه\rحتى تراه بعد طول سروره ... و كأنه متبرم بمكانه\rوإذا تولى عن صيانة نفسه ... رجلٌ تنقص واستخف بشانه\rوقالوا: قلة الزيارة أمان من الملالة. وقالوا في الطرف الآخر يرك الزيارة سبب القطيعة. وينسب لعلي كرم الله وجهه:\rالصبر من كرم الطبيعة ... و المن مفسدة الصنيعة\rترك التعاهد للصديق ... يكون داعية القطيعة\rزيادة الأمل تقتضي نقصان العمل.\rهذا مثل مصنوع فيما أظن وهو ظاهر المعنى.\rزدهم عنزاً\rالزيد والزيادة معروف. يقال: زدته الشيء أزيده زيادة وزيدا وأزددت كذا أزديادا. والعنز بفتح العين وسكون النون الأنثى من المعز ومن الظباء والأوعال. والعنز أيضاً اسم فرس وهي التي في قول الشاعر:","part":1,"page":322},{"id":323,"text":"دلفت له بصدر العنز لمّا ... تحامته الفوارس والجالُ\rو العنز أيضاً اسم قبيلة من هوازن وهي التي في قول الآخر:\rوقاتلت العنز نصف النهار ... ثم تولت مع الصادر\rو العنز أيضاً الأكمة السوداء وهي في قول رؤبة: وارم أخرس فوق عنزٍ وأراد بالإرم العلم المبني من حجارة وبكونه أخرس أنه بناء أصم. وقوله: فوق عنز أي أكمة.\rوعنز أيضاً امرأة من طسم سبيت فحملوها في هودج وألطفوها بالقول والفعل فقالت: هذا شر يومي! أي: حين صرت أكرم للسباء. وقال الشاعر:\rشر يوميها وأغواه لها ... ركبت عنز بحدجٍ جملا\rو سيأتي. والمراد هنا العنز من المعز وقائله هبنقة القيسي الأحمق ذو الوداعات. وكان أخوه اشترى له بقرة بأربع أعنز فركبها وركضها. فلما أعجبه عدوها التفت إلى أخيه فقال: زدهم عنزاً! فصار مثلا يضرب في الإعطاء بعد إمضاء البيع.\rويحكى إنّه سار بها فرأى أرنبا تحت شجرة ففزع منها وركض البقرة وقال:\rالله نجاني ونجى البقرة ... من جاحظ العينين تحت الشجرة!\rو أخباره في الحمق كثيرة تقدم بعضها في الحاء.\rزين في عين واله ولده.\rيضرب في عجب الرجل برهطه وعترته ونحو ذلك. وهو في قول الشاعر:\rنعمَ ضجيع الفتى إذا برد ... الليل سحيراً قرقف الصرد\rزينها الله في الفؤاد كما ... زين في عين والدٍ ولد!\rو مثله في أمثلة العامة قولهم:\rكل خنفس عند أمه غزالٌ\rومن قمل العرب:\rكل فتاةٍ بأبيها معجبةٌ.\rوسيأتي.\rولنذكر بعض الشعر في هذا الباب. قال أبن الرومي:\rخير ما استعصمت به الكف عضبٌ ... ذكرٌ حده أنبث المهزِّ\rما تأملته بعينيك إلا ... أرعت صفحاته من غير هزِّ\rمثله أفزع الشجاع إلى الدرع ... فغالى بها على كل بزِّ\rما يبالي أ صممت شفرتاه ... في محزٍّ أم حارتاً عن محزِّ\rوقال أبو الطيب يمدح علي بن صالح الروذباري:\rليس كل السراة بالروذ باري ... و لا كل من يطير ببازِ\rوقال الآخر:\rإذا ما اعتز ذو علم بعلمٍ ... فعلم الفقه أشرف في اعتزاز\rفكم طيب يفوح ولا كمسكٍ ... و كم طير يطير ولا كباز\rوقال بعض السادة:\rرجال الله قد سعدوا وفازو ... و نالوا رحمة المولى وحازوا\rرجالٌ طلقوا لادنيا بتاتا ... ولو جاز الرجوع لمّا استجازوا\rبدا علم النجاة فميزوه ... يحركهم بدار وانحفازُ\rفبعضٌ تشرق الأمطار منه ... و بعضٌ تستنير به النفازُ\rتميز كل ذي دنيا بدنيا ... و هم لهم بدينهم امتيازُ\rوما عزوا بمخلوق ولكن ... لهم بالخالق الأحد اعتزازُ\rأردت لحاقهم فعجزت عنهم ... و حدت عن الإجازة إذ أجازوا\rأتطمع في اللحاق ولا نهوضٌ ... و تفرح بالرحيل ولا حفازُ؟\rوأنت أخوهم نسباً ولكن ... طرازٌ فوقه ذاك الطرازُ\rدع الدنيا فلست لهم بندٍّ ... و هل تخفى الحقيقة والمجازُ؟\rوقال الآخر:\rلي صديق هو عندي عوزٌ ... من سداد لا سداد من عوز\rوجهه يذكرني دار البلا ... كلما أقبل نحوي وغمز\rوإذا جالسني جر عني ... عصص الموت بكربٍ وعلز\rيصف الود إذا شاهدني ... فإذا غاب وشى بي وهمز\rكحمار السوء يبدي مرحاً ... و إذا سيق إلى الحمل غمز\rليتني أعطيت منه بدلاً ... بنصيبي شر أولاد المعز\rقد رضينا بيضةً فاسدةً ... عوضاً منه إذا البيع نجز\rالعوز بفتحتين: الحاجة. تقول: عوز الشيء بالكسر أي لم يوجد. وسداد الشيء: ما يسد به. تقول: هو سداد من عوز ووجدت سدادا من عيش أي ما تسد به الخلة وهو بكسر السين والفتح ضعيف أو لحن. والسداد بالفتح: الصواب. والعلز بفتحتين: القلق والضيق. تقول: علز بالكسر علزا في مرضه.\rوقال الآخر:\rأرضنا اللت آوت ذوي الفقر والذل ... فاضوا ذوي غنى واعتزاز\rقوله: اللت بسكون التاء لغة في التي الموصول.\rوقال أبن الرومي:\rوحديثهما السحر الحلال لو أنه ... لم يجن قتل المسلم المتحرز\rإن طال لم يملل وإن هي أوجزت ... ود المحدث إنما لم توجز\rشرك العقول ونزهةٌ ما مثلها ... للمطمئن وعقلة المستوفز","part":1,"page":323},{"id":324,"text":"و نحوه في ذكر الحديث قول الآخر:\rوحديثها كالقطر يسمعه ... راعي سنين تتابعت جدبا\rفأصاخ يرجو أن يكون حياً ... و يقول من فرحٍ هيا ربَّا!\rو قول الآخر:\rفبتنا على رغم الحسود وبيننا ... حديثٌ كمثل المسك شيبت به الخمرُ\rحديثٌ لو أنَّ الميت نودي ببعصه ... لأصبح حياً بعدما ضمه القبرُ\rو قول الآخر:\rمنعمةٌ يحار الطرف فيها ... كأنَّ حديثها سكر الشرابِ\rمن المتصديات لغير سوءٍ ... تسيل إذا مشت سيل الحبابِ\rو قول الآخر:\rوكنت إذا ما زرت سعدى بأرضها ... أرى الأرض تطوي لي ويدنو بعيدها\rمن الخفرات البيض ود جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثةٌ لو تعيدها\rو تقدمت قصة هذا الشعر. وقول بشار:\rوكأنَّ رفض حديثها ... قطع الرياض كسين زهرا\rوكأنَّ تحت لسانها ... هاروت ينفث فيه سحرا\rوتخال ما جمعت عليه ... ثيابها ذهباً وعطرا\rوكأنها برد الشراب ... صفا ووافق منك فطرا\rو في استكراه الحديث قول أبي علي البصير:\rغنائك عندي يميت الطرب ... و ضربك بالعود يحيي الكرب\rولم أر قبلك من قينةٍ ... تغني فأحسبها تنتحب\rولا شاهد الناس أنسية ... سواك لها بدن من خشب\rووجهٌ رقيبٌ على نفسه ... ينفر عنه عيون الريب\rولو مازج النار في حرها ... حديثك أخمد منه اللهب\rفكيف تصدين عن عاشقٍ ... يودك لو كان كلباً كلب\rوقال الآخر:\rأويت في الدهليز مذ أربعٍ ... و لم أكن آوي الدهاليزا\rخبزي من السوق وشعري لكم ... تلك لعمري قسمةٌ ضيزا\rوقالت أنا:\rإذا كنت مرتاداً أخاً ذا صداقةٍ ... فلا تصحبن إلا البقال أنت رائزُ\rفعيب الفتى غيبٌ إذا تركته ... و عند احتكاك الجدل تبدو الغرائزُ\rوإنَّ إخلاء الرفاهة جمةٌ ... و لكن إخوان الكروب معاوزُ\rو قلت على وجه التلميح والمطايبة لبعضهم:\rأتهمز يا أبن الأسود اسمي آفكاً ... فهل حسن لولا الضلالةُ يهمزُ؟\rنعم تهمز الأنذال مثلك كلما ... تعاورها نظم القريض وتلمزُ\rفهل أنت عن تلك السفاهة مقصرٌ ... فتنجو من سيل له أنت مركزُ؟\rوإلا فبحري لا تدركه الدلا ... و متن قناتي لا يرى فيه مغمزُ\rتوافيك مني بكرة وعشية ... قوافي بها طمر الهجاء يطرزُ\rعلى أنَّ هجو النذل مثلك شائنٌ ... و ما الهجو إلاّ الهجو للكفء يبرزُ\rوإذ لست بالكفء الكريم فلا يكن ... بقلبك مني أو لحائي معلزُ\rو لعل هذا القدر يكفينا من هذا الباب. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.\rباب السين المهملة\rالمسألة أخر كسب المرء.\rالسؤال: الطلب والسؤل بالضم مهموزا ومخففا: ما تسأله؛ وسألته الشيء وعنه وبه سؤالا ومسأله وتسآلا. وقد يقال سال مخفف الهمز قال الشاعر:\rومرهقٍ سال إمتناعاً بأصدته ... لم يستعن وحوامي الموت تغشاه\rالأصدة: قميص صغير يلبس تحت الثوب والكسب معروف.\rوهذا من أمثال أكثم بن صيفي في استقباح مسألة الناس. قاله أبو عبيد القاسم بن سلام. وقال البكري: بل هو من كلام قيس بن عاصم قال لبنيه: إياكم ومسألة الناس فإنها أخر كسب الرجل! قال: وأخر على وزن فعل ومعناه أبعد من الخير وأرذله.\rومن حديث الزهري عن أبي سلمة وسعيد أنَّ رجلا من أسلم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن الأخر زنى أي الأبعد. قال: ولا يحسن أن يقال هنا آخر بالمد الذي هو نقيض أول لأنَّ ذلك إباحة للمسألة وإن يكون من آخر ما يكسب به المرء والمسألة مكروهة منهي عنها في الجاهلية والإسلام وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يحتطب المرء على ظهره ولا يسأل الناس. انتهى.\rوالذي في الصحاح: يقال في الشتم أبعد الله الأخر بقصر الهمزة وكسر الخاء وهو قريب مما مر ودليل على صحته.\rأ سائر اليوم وقد زال الظهر؟\rالسائر: الباقي وقد يستعمل بمعنى الجميع وتقدم ما فيه. والظهر معروف والهمزة للاستفهام الإنكاري.","part":1,"page":324},{"id":325,"text":"وسبب هذا قوما أغير عليهم فاستصرخوا ببني عمهم فأبطؤوا عنهم حتى أسروا وذهب بهم. فجاؤوا يسألون عنهم فقال لهم المسؤول: أ سائر القوم وقد زال الظهر؟ أي كيف تطمعون فيما بعد وقد تبين لكم اليأس والفوات؟ وذلك أنَّ من كانت حاجته اليوم جميعه ثم زال الظهر وجب أن ييأس من الحاجة كما ييأس منها بغروب الشمس.\rتسألني برامتين سلجماً\rالسؤال تقدم ورامة اسم موضع. قال زهير:\rلمن طلل برامتة لا يريم؟ ... عفا وخلا له حقبٌ قديمُ!\rو ثنوه في هذا المثل اتساعاً.\rومثله قول الآخر:\rلمن الديار برامتين فعاقل؟ ... دست وغير أيّها القطرُ!\rو هذه الثنية هكذا شائعة في أسماء المواضع عند العرب.\rومثله قول ورقة:\rببطن المكتين على رجائي ... حديثك أن أرى منه خروجا\rو إنّما يريد مكة.\rوقول الفرزدق: عشية سال المربدان كلاهما وإنّما يريد مربد البصرة.\rوجعل السهيل من هذا قول زهير:\rودارٌ لها بالرقمتين كأنها ... مراجع وشم في نواشر معصم\rو قول عنترة:\rشربت بماء الدحر ضين فأصبحت ... زوراء تنقر عن حياض اليلمِ\rفي اصح القولين.\rوقال أيضاً:\rكيف المزار وقد تربع أهلها ... بعنيزتين وأهلنا بالغليم؟\rو قولهم: صدنا بقنوين. ويقال: عنيزة اسم موضع وقنا اسم جبل وقال غيره: عنيزتان اسم موضع وأما الدحرضان فهو على التغليب لمائين: أحدهما يقال له دحرض والآخر: وسيع فثناهما الشاعر وغلب لفظ أحدهما على الآخر كالقمرين.\rوحكى الجوهري أول كلامه أنَّ الدحرض اسم موضع وهو يوافق ما قال السهلي وأما الرقمان في قول زهير ففي شرح ديوان الشعراء هما موضعان: أحدهما قرب المدينة والآخر قرب البصرة. فأراد أنَّ الدارين بين الرقمتين كما تقول: فلان بمكة أي بين بيوت مكة.\rوفي القاموس: الرقمتان روضتان بناحية الصمان. والرقمة أيضاً الوادي والروضة ومنه قول زهير عند الجوهري. ويحتمل أن يوافق ما قال السهلي أو يخالفه إذ لا مانع من أن يريد روضتين. فتجيء التثنية على بابها. ووجه تثنية الموضع الواحد في كل ما مر الإشارة إلى جانبيه.\rقال السهلي وأحسن ما تكون هذه التثنية إذا كانت في ذكر جنة أو بستان فتسميتها جنتين في فصيح الكلام إشعاراً بأن لها وجهين وأنك كلما دخلتها ونظرت يمينا وشمالا رأيت من كلا الطرفين ما يملأ العين قرة والصدر مسرة.\rوفي التنزيل: جنتان عن يمينٍ وشمالٍ إلى قوله: وبدلناهم بجنتهم جنتين. وفيه: جعلنا لأحدهما جنتينِ من أعناب وفي آخرها: ودخل جنته فأفر بعد ما ثنى وهي هي. قال: وقد حمل بعض الفقهاء على قوله سبحانه: ولمن خاف مقام ربه جنتان. انتهى.\rومن هذا والله أعلم أيضاً عمايتان في قول الآخر:\rلو أنَّ عصم عمايتين ويذبلٍ ... سمعا حديثك أنزلا الأوعالا!\rو إن وقع في كلام أبن مالك في شرح \" التسهيل \" وأتباعه أنهما جبلان فإنَّ الذي في متون اللغة المتداولة أنَّ عماية جبل من جبال هذيل وليس فيهما ذكر الجبلين. وكما ثنت العرب البقاع للمعنى السابق كذلك جمعتهما أيضاً إشارة إلى جواب الذي إلا أنَّ الجمع أقل.\rومنه قول مطرود بن كعب الخزاعي:\rوهاشمٍ في ضريح عند بلقعةٍ ... تسفي الرياح عليه وسط غزاتِ\rيعني غزة وهو بلد بفلسطين مات به هاشم بن عبد الله مناف.\rومثله: بغاذين من بغذان كما وقع في شعر بعض المولدين. ولأبي الطيب معه قصة ذكرها صاحب العمدة. ويرد هنا سؤال هو أنَّ العلم إذا ثني سلب التعيين فجازت تحليته بال. وهذه التثنيات المذكورات في أعلام البقاع ليست على وجهها: فإنها في اللفظ تثنية وفي المعنى إفراد إلا على حال واعتبار. والظاهر أنَّ الوجه الذي به تسوغ التثنية وقد مر شرحه يسوغ به إدخال الألف واللام وبذلك الوجه كان اللفظ مثنى لفظا ومعنى. ويدل لهذا قول السابق المكتين. على أنا لو سلمنا أنه تثنية في اللفظ خاصة دون المعنى منعنا دخول الألف واللام إذ التثنية الملزومة كما تزاد في المفرد العلم نحو:\rرأيت الوليد بن اليزيد مباركاً ... شديداً بأعباء الخلافة كاهله\rو السلجم نبت بوزن جعفر. والسلجم أيضاً: الطويل من الخيل أو الرجال.\rوالسلجم أيضاً: البئر العادية الكثيرة الماء.","part":1,"page":325},{"id":326,"text":"وهذا المثل لم اقف له بعد على تفسير وكأنه شطر رجز. والظاهر أنَّ المراد بالسلجم فيه النبت أو البئر وإنّه استباقاً لسؤال ذلك وطلبه في هذا المكان الذي هو رامة لعدمه فيه. فيكون على معنى المثل الآتي: تسألني أبا الوليد جملا يمشي رويدا ويكون أولا في طلب ما لا يكون. ومثله قول العامة:\rفي دار البقر تصيب التبن.\rأسأل من قرثع.\rالسؤال تقدم؛ وقرثع بثاء مثلثة على مثل جعفر رجل من تغلب ثم من أوس كان من أشد الناس سؤالا فضرب به المثل.\rسبني واصدق.\rالسب: الشتم. والسب أيضاً: الطعن في السبة أي الاست. قال:\rوما كان ذنب بني مالكٍ ... بأن سب منهم غلامٌ فسبَّ\rأي شتم فعقر. وتساب الرجلان: تشاتما أو تقاطعا. والسبة بالضم: العار ومن يسبه الناس كثيرا؛ والسببة كهمزة من يسبهم؛ والسب بالكسر الكثرة وسبك من يسابك. قال حسان:\rلا تسبنني فلست بسبي ... أنَّ سبي من الرجال الكريم\rو الصدق ضد الكذب. والمعنى أنك إذا ساببتني وجانبت الكذب فلا أبالي.\rسبَّ من سبكَ يا هبَّارُ!\rيتمثل به كثيرا وهو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وكان هبار بن الأسود تبع زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجت من مكة مهاجرة فروعها وأسقطت ذا بطنها في قصة مشهورة في السير. ثم أسلم وصحب النبي صلى الله عليه وسلم فكان المسلمون يسبونه بما فعل حتى شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: سبَّ من سبك يا هبار! فكف الناس عن سبه بعد.\rسبق السيف العذل!\rالسبق معروف والسيف كذلك والعذل بالذال المعجمة: الملامة؛ والعذل بالتحريك الاسم منه. وهذا المثل يضرب في الأمر يفوت ولا يطمع في تداركه وتلافيه.\rوأصله أنَّ الحارث بن ظالم ضرب رجلا بسيفه فقتله فأخبر بعذره فقال: سبق السيف العذل! وقيل إنَّ أصله إنَّ سعداً وسعيداً، أبني ضبة بن أد خرجا في طلب لهما، فرجع سعد وفقد سعيد. وكان ضبة إذا رأى شخصا مقبلا قال: أسعد أم سعيد؟ ثم إنّه في بعض مسائره أتى مكانا ومعه الحارث بن كعب في شهر الحرام، فقال: قتلت هنا فتى صفته كيت وكيت، وأخذت منه هذا السيف. فتناوله ضبة فعرفه فقال: إنَّ الحديث ذو شجون، ثم ضربه فقتله، فعذل فقال: سبق السيف العذل! وقال جرير:\rيكلفني رد الغراب بعد ما ... سبقن كسبق السيف ما قال عاذله\rو ذكر البكري أبو عبيد إنَّ أوّل من قال: سبق السبق العذل، خريم بن نوفل الهمداني، وذلك أنَّ النعمان بن ثواب العبدي كان له بنون: سعد وسعيد وساعدة. فأما سعد فكان رجلا شجاعا بطلا؛ وأما سعيد فكان جوادا سمحا ذا إخوان وصنائع؛ وأما ساعدة فكان صاحب شراب وندمان. وكان أبوهم النعمان ذا شرف. وكان يوصيهم ويحملهم على أدبه. فقال لسعد، وكان صاحب حرب: إنَّ الصارم ينبو، والجواد يكبو، والأثر يعفو، والحليم يهفو. فإذا شهدت حربا فرأيت نارها تستعر، وبحرها يزخر، وبطلها يخط، وضعيفها يبصر فإياك أنَّ تكون صدي رماحها ونطيح نطاحها! وأعلم عند ذلك انهم ينصرون! ثم قال لسعيد، وكان جواداً: يا بني إنّه يبخل الجواد، ويصلد الزناد، ويحمد الثماد، وتحمل البلاد. فلا تدع إنَّ تجرب إخوانك وتبلوا أخدانك! ثم قال لساعدة: يا بني، إنَّ كثرة الشراب يفسد القلب ويقل الكسب، ويحدث اللغب. فأنظر نديمك واحم حريمك، وأعن غريمك. واعلم أن الظمأ القامح، خير من الري الفاضح. وعليك بالقصد، فإنَّ فيه بلاغا!","part":1,"page":326},{"id":327,"text":"ثم إنَّ النعمان توفي، فقال سعيد: آخذن بأدب أبي ولابلون أوثق أخوتي في نفسي! وعمد إلى كبش فذبحه، ثم أضجعه في قبته وغشاه ثوبا. ثم دعا رجلا كان أوثق إخوانه في نفسه فقال: يا أبا فلان، إنّما أخوك من صديقك بعهده أحاطك برفده، وأقام معك بجهده، وسواك بولده. قال: صدقت! قال: فأني قتلت فلانا فما عندك؟ قال: فالسوأة السوأى وقعت فيها وانغمست. قال: فتريد ماذا؟ قال: أريد أنَّ تعينني عليه حتى أغيبه. قال: لست لك في ذلك بصاحب! فتركه وانطلق. ثم دعا سعيد رجلا آخر من إخوانه يقال له خريم بن نوفل فقال: يا خريم، ما عندك؟قال: ما يسرك. قال: فإني قتلت قلانا. قال: فتريد ماذا؟ قال: أريد أنَّ تعينني حتى أغيبه. قال: لهان ما فزعت فيه إلى أخيك! ثم قال، وعبد لسعيد معهما: هل أطلع على هذا عبدك هذا؟ فقال: لا. فأهوى خريم بالسيف إلى العبد فقتله وقال: ليس عبد بأخ لك! ففزع لذلك سعيد وقال: ما صنعت إنما أردت تجربتك. فقال خريم: سبق السيف العذل! انتهى.\rوقال الطغرائي:\rإنَّ كان ينجع شيء في ثباتهم ... على العهود فسبق السيف للعذل\rسبقك بها عكاشة.\rيتمثل بها كثيرا، وهو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. لمّا ذكر الدين يدخلون الجنة بغير حساب، قام إليه عكاشة بن محصن، رضي الله عنه، فقال: أمنهم أنا، يا رسول الله، أو أدع الله أنَّ يجعلني منهم؟ فقال: نعم! فقام رجل آخر فقال مثل ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: سبقك عكاشة. والحديث مشهور معروف ما فيه من المعنى.\rسحابة صيفٍ عن قليلٍ تقشع.\rسد أبن بيضٍ الطريق.\rالسد ضد الفتح معروف، وإنَّ أبن بيض بكسر الباء، وقيل بالفتح رجل من عاد تاجر عقر ناقته على ثنية فسد بها الطريق ومنع الناس من سلوكها. ويقال إنَّ أبن بيض لمّا حضرته الوفاة قال لابنه: لا تقارب لقمان في أرضه! فإذا مت فسر بأهلك ومالك حتى إذا كنت في ثنية كذا فاقطعها بأهلك واترك فيها للقمان حقه، فإنَّ له عندنا في كل عام حلة وجارية وراحلة. فإنَّ هو قبلة فهو حقه عرفناه له لا جارته وخفارته؛ وإنَّ هو لم يقبل وبغى، أخذه الله تعالى ببغيه. فلما مات، فعل الفتى ما أمره به. فأتى لقمان الثنية وأخذ ذلك وقال: سد أبن بيض الطريق! وقال عمر بن الابرد في ذلك:\rسددنا كما سد أبن بيض سبيلها ... فلم يجدوا عند الثنية مطلعا\rسداد في كفافٍ، أفضل من غنى مع إسرافٍ.\rهذا مصنوع فيما أظن، وهو ظاهر المعنى. وتقدم ضبط السداد.\rيسدي ويلحم.\rالسداد من الثوب معروف. واسديت الثوب وسديته. واللحمة بضم اللام من الثوب: ما سوى السدا. وألحمت الثوب: نسجته. ثم جعل مثلا في الاشتغال بالشيء وإتمامه، كما قالوا في المثل الآخر: ألحم ما أسديت! أي تمم ما ابتدأت وقال أبو تمام في الأول: وقلت أنا من قصيدة تقدم إنشادها:\rيسدي ويلحم في مزاولهٍ ... ما ليس يدركه مدى العمر\rالسراح، من النجاح.\rالسراح بالفتح اسم من التسريح وهو التطليق سرحت المرأة تسريحا والنجاح معروف. والمعنى انك إذا لم تقدر على قضاء حاجة إنسان فأيسته بمرة، كان ذلك بمنزلة ما لو قضيت مطلوبه.\rسرك أسيرك، فإنَّ نطقت به كنت أسيره،\rهذا من الأمثال الحكيمة في حفظ السر.\rومثله ما روي أنَّ معاوية رضي الله عنه أسر إلى الوليد بن عقبة حديثا فقال الوليد لأبيه: يا أبت إنَّ أمير المؤمنين أسر إلى حديثا وما أراه يطوي عنك ما بسط إلى غيرك. قال: فلا تحدثني به فإنَّ من كتم سره كان الخيار له ومن أفشاه كان الخيار عليه! قال: قلت: يا أبت وإن هذا لديك بين الجل وبين أبيه؟ قال: لا والله يا بني! ولكن أحب أن لا تلل لسانك بأحاديث. قال: فأتيت معاوية فحدثته فقال: يا وليد أعتقك أخي من رق الخطأ!.\rوحكى الإمام الغزالي رحمه الله تعالى قال: اجتمع أربعة ملوك: ملك الهند والصين وكسرى وقيصر فقال أحدهم: أنا أندم على ما قلت ولا أندم على ما لم أقل. وقال الآخر: إني إذا تكلمت بكلمة ملكتني ولم أملكها وإذا لم أتكلم ملكتها ولم تملكني. وقال الثالث: عجبت للمتكلم إن رجعت عليه كلمته ضرته وإن لم ترجع لم تنفعه. وقال الرابع: أنا على رد ما لم أقل أقدر على رد ما قلت.\rوسيأتي إتمام هذا المعنى في الحكم بأشبع من هذا إن شاء الله تعالى.\rأسرع من نكاح أم خارجة.","part":1,"page":327},{"id":328,"text":"السرعة بالضم والسرع بفتحتين والسرع بوزن عنب ضد البطء. سرع الرجل بالضم فهو سريع؛ وأسرع أيضاً فهو مسرع. قيل: وأصل الرباعي التعدي بنفسه أي أسرع نفسه أو مشيه كما في الحديث: فليسرع المشي! لكنه يحذف لظهوره.\rوالنكاح بالكسر: الوطء والعقد أيضاً. يقال: نكحها ينكح بالفتح والكسر؛ ونكحت هي أيضاً فهي ناكح أي ذات زوج قال تعالى: حتى تنكح زوجا غيره. وقال الشاعر:\rلصلصلة اللجام برأس طرفٍ ... أحب إلي من أن تنكحيني\rو استنكحها بمعنى نكحها؛ وأنكحها: زوجها والاسم منه النكح بالكسر والضم وهي كلمة كانت العرب تتزوج بها. يقول الخاطب: خطبٌ بكسر الخاء وضمها ويقول المخطوب: نكح بكسر النون أيضاً وضمها؛ وأم خارجة امرأة من بجيلة ولدت قبائل كثيرة من العرب واسمها عمرة بنت سعد وخارجة ابنها.\rقال في الصحاح: ولا يعلم ممن هو ويقال هو خارجو بن بكر بن يشكر بن عدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان. وكانت أم خارجة من الشهوة والشبق إلى الرجال في غاية. فكان يقال لها: خطبٌ فتقول: نكحٌ فقالوا: أسرع من نكاح إم خارجة.\rويحكى أنَّ السيد الحميري خرج يوما سكران، فلقي بنت فجاءة بن عمرو بن قطري الخارجية، وكانت حسناء. فأوقفها وانشد من شعره، فأعجب كل واحد منهما صاحبه ثم خطبها، فقالت: كيف يكون هذا ونحن على ظهر الطريق؟ قال: يكون كنكاح أم خارجة، قيل لها: خطب، قالت: نكح. فاستضحكت وقالت: ننظر في هذا، وعلى ذلك فمن أنت؟ فقال:\rإنَّ تسأليني بقومي تسألي رجلاً ... في ذروة العز من أجواد ذي يمن\rثم الولاء الذي أرجو النجاة به ... من كبة النار للهادي أبي حسن\rفقالت: لا شيء أعجب من هذا: يماني وتميمية، ورافضي وإباضية، فكيف يجتمعان؟ فقال: بحسن رأيك في تسخو نفسك، ولا يذكر أحدنا سلفا ولا مذهبا. قالت: أفليس التزويج إذا علم انكشف معه المستور؟ قال: إنّما أعرض عليك. قالت وما هي؟ قال: المتعة التي لا يعلم بها أحد. قالت: تلك أخت الزنى. قال: تلك أخت الزنى. قال: أعيذك بالله إنَّ تكفري بعد الإيمان! قالت: وكيف؟ قال لها: )فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة(. فقالت: استخير الله وأقلدك إذ كنت صاحب قياس وتفتيش. فانصرفت معه وبات معرسا بها. وبلغ أهلها من الخوارج أمرها، فتوعدوها بالقتل وقالوا: تزوجت بكافر. فجحدت وكانت تخلف إليه مرة وتواصله.\rقلت: وأين هاتان المرأتان من أم حكيم الخارجية؟ وكانت اجمل نساء زمانها ومن أشجع الناس وأحسنهم بديهة. خطبها جماعة من أشراف الخوارج، فردتهم. وهي القائلة\rألا إنَّ وجها حسن الله خلقه ... لأجدر أنَّ تلقى به الحسن جامعا\rوأكرم هذا الحرم عن أنَّ يناله ... تورك فحل همه أنَّ يجامعا\rو كانت مع قطري بن الفجاءة في عسكر الأباضية. فكانت ترتجز في تلك الحروب وتقول:\rأحمل رأساً قد سئمت حمله ... و قد مللت دهنه وغسله\rألا فتى يحمل عني ثقله؟\rوالخوارج يفدونها بالآباء والأمهات. وكان قطري يشبب بها وفي ذلك يقول في وقعة دولاب:\rلعمرك إني في الحياة لزاهدٌ ... و في العيش ما لم ألق أم حكيمِ\rمن الخفرات البيض لم ير مثلها ... شفاء لذي بث ولا لسقيمِ\rلعمرك إني يوم ألطم وجهها ... على نائبات الدهر جد لئيمِ\rولو شهدتني يوم دولاب أبصرت ... طعان فتى في الحرب غير ذميمِ\rغداة طفت علماء بكر بن وائل ... و عجنا صدور الخيل نحو تميمِ\rفلم أر يوما كان أكثر مقطعاً ... يمج دماً من فائضٍ وكليمِ\rوضاربةٍ خداً كربواً على فتى ... أغر نجيب الأمهات كريمِ\rأصيب بدولاب ولم يك موطناً ... له أرض دولاب ودير حميمِ\rفلو شهدتني يوم ذاك وخيلنا ... تبيح من الكفار كل حريمِ\rرأت فتية باعوا الإله نفوسهم ... بجنات عدنٍ عنده ونعيمِ\rسرعان ذا إهالة!\rالسرعة تقدمت. ويقال: سرعان ذا خروجا مثلثة السين أي سرع هذا خروجا. ويقال: لسرعان ما صنعت كذا! أي ما أسرع! والإهالة: الشحم أو ما أذيب منه أو الزيت وكل ما ائتدم به وهمزتها أصلية ورجل مستأهل: آخذ الإهالة أو آكل لها. قال:\rلا بل كلبي يا أم واستأهلي ... إنَّ الذي أنفقت من ماله!","part":1,"page":328},{"id":329,"text":"و أصل المثل أنَّ رجلا كانت له نعجة عجفاء يسيل رغامها من أنفها فقيل له: ما هذا؟ قال: ودكها يظن الرغام شحما. فقال السائل: سرعان ذا إهالة! ونصب إهالة أما على التمييز المحول من الفاعل أي: سرع إهالة هذه أو على الحال أي: سرع هذا الرغام حال كونه إهالة فيضرب لمن يخبر بكينونة الشيء قبل وقته.\rوسمعت قديما من بعض الأشياخ أنَّ أصل هذا أنَّ أعرابية كان لها أبن أحمق فذهب فوجد نعجة عجفاء فاشتراها فقال لأمه: إني اشتريت نعجة سمينة. فلما أخرجها إلى أمه ورغامها يسيل من أنفها قال لها: انظري إلى إهالة ما علفتها! فقالت أمه: سرعان ذا إهالة.\rأسرع من تلمض ورلٍ.\rيقال: لمظ بالظاء المشالة وتلمظ إذا تتبع بقية الطعام في فيه بطرف لسانه أو أخرج لسانه فمسح به شفته؛ واللماظة بالضم: البقية التي يتلمظها. قال الشاعر يصف الدنيا: لماظة أيامٍ كأحلام نائمٍ والورل بفتحتين والراء المهملة حيوان كالضب جمعه أورال وورلان. وهو سريع التلمظ أي الأكل بطرف اللسان.\rأسرع السحب في المسير الجهام.\rهذا شطر بيت لأبي الطيب وسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى\rأسرق من زبابةٍ\rالسرقة معروفة سرق الشيء بالفتح يسرقه سرقا بفتحتين وسرقة كنبقة.\rوالزباب بالزاي وباءين موجودتين والواحدة زبابة: فارة صماء عظيمة تسرق ويضرب بها المثل في السرقة وشبه بها الجاهل. قال الشاعر:\rوقد رأيت معاشراً ... جمعوا لهم مالا وولدا\rوهم زباب حائرٌ ... لا تسمع الآذان رعدا\rأي لا تسم آذانهم رعدا لصممهم. وحذف الضمير من اللفظ أو استغنى عنه بالألف واللام على ما عرف في المذهبين. ويعني أنَّ من الناس من رزق أموالا وأولادا وهو ما هو في الجهل والحيرة والدناءة. وذلك من الدليل على أنَّ الله تعالى هو مستند الأرزاق لا العقول والحيل وإنّه تعالى لم يجعل الدنيا الدنية مقصورة على العقل الشريف ولا كفأاً له.\rأسرى من جندبٍ.\rالسرى بوزن الهدى: سير الليل. يقال: سرى يسري سرى ومسرى وأسرى إذا مشى فيه؛ والجندب بضمتين ويجوز فتح الدال ضرب من الجراد الجمع جنادب. قال كعب رضي الله عنه:\rوفال للقوم حاديهم وقد جعلت ... ورق الجنادب يركض الحصا قيلوا\rأسرى من قنفذٍ\rالسرى تقدم؛ والقنفذ بالذال المعجمة بوزن جندب معروف والأنثى قنفذة ويقال له الأنقذ وتقدم في حرف الباء وأنه يسري الليل ولا يكاد يظهر إلاّ فيه.\rأسعدٌ أم سعيدٌ؟\rهذا يقولنه مثلا في السؤال أي هذا الشيء مما يحب أم مما يكره؟ وأصل ذلك أنَّ سعداً وسعيداً أبني ضبة بن أد خرجا في طلب إبل لهما. فرجع سعد وفقد سعيد وتقدمت الحكاية في هذا الباب فصار سعيد يتشاءم به.\rوقد روي عن عبد الله بن الحارث قال: بعثني أبي وبعث العباس ابنه الفضل رضي الله عنهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسألانه أن يجعل لنا السقاية. فلما أتيناهما منصرفين قالا: ما وراءكما؟ أسع أم سعيد؟ قالا ووقع مثل ذلك لبيهس المعروف بنعامة إذ قتل أخوته. ذكر ذلك كله أبو عبيد القاسم بن أمثاله.\rالسعيد من وعظ بغيره.\rهذا مثل في الأمر بحسن التدبير. وتمامه: والشقي من وعظ بنفسه. ويروى الأول حديثا والله اعلم. وفي معناه ما أنشد الجاحظ:\rلا أعرفنك إنَّ أرسلت قافية ... تلقى المعاذير إنَّ لم تنفع العذر\rإنَّ السعيد له في غيره عظة ... و في التجارب تحكيم ومعتبر\rأسفد من ديكٍ.\rيقال: سفد الذكر على الأنثى يسفد كضرب يضرب وسفد يسفد كعلم يعلم، سفاداً، إذا نزل عليها؛ والديك معروف، وهو كثير السفاد.\rأسفد من هجرسٍ.\rالهجرس بالكسر ولد الثعلب، وقيل هو الثعلب والقرد والدب، وقيل كل ما يعس بالليل مما دون الثعلب وفوق اليربوع.\rوفي المثل أيضا: أغلم من هجرس، والغلمة: شهوة النكاح وسيأتي، وأزنى من هجرس وتقدم.\rوالهجرس أيضاً: أبن كليب بن ربيعة التغلبي، ذكر في حرب البسوس.\rسفيه لم يجد مسافها.","part":1,"page":329},{"id":330,"text":"السفه والسفاه والسفاهة بالفتح ضد الحلم أو الخفة أو الجهل، وسفهه تسفيها: نسبه إليه، وسافهه مسافهة: شاتمه وسابه، وسافه الشراب: أسرف فيه. والمثل عند الجوهري من المعنى الأول. وكذا أبو عبيد، ذكره في أمثال الملاحة والتشاتم قال البكري: وهذا المثل يروى عن الحسن بن علي إنّه قاله لفلان. وأنشد في نحو ذلك لحاجب بن زرارة:\rأغركم إني بأحسن شيمة ... و فيق وإني بالفواحش أخرق\rوانك قد فاحشتني فغلبتني ... هنيئا مريئا أنت بالفاحش أرفق\rومثلي إذا لم يجز أفضل سعيه ... تكلم نعماه بفيها فتنطق\rسقط العشاء به على سرحانٍ.\rالسقوط معروف؛ والعشاء بفتح العين المهملة والمد طعام العشي كالعشى بالكسر جمعه أعشية؛ وعشوت الرجل وأغشيته وعشيته تعشية: أطعمته ذلك، وتعشى هوقال: الفرزدق:\rتعش فأن عاهدتني لا تخونني ... نكن مثل من، يا ذئب، يصطحبان\rو هو عيشان؛ والعشى بالقصر سوء البصر بالليل والنهار، كالعشاوة أو العمى، عيشي بالكسر يعشى، وعشا يعشو، فهو عش، وأعشى، هي عشواء؛ والسرحان بالكسر: الذئب. قال امرؤ القيس:\rله إبطا ظبي وساقا نعامة ... و إرخاء سرحان وتقريب تنفل\rو هو بلغة هذيل الأسد، قال الشاعر يرثي ميتا:\rهباط أودية حمال ألوية ... شهاد أندية سرحان فتيان\rو هذا المثل يضرب للرجل يطلب حاجة فيقع في الهلكة.\rواختلفوا في أصله فقيل دابة خرجت تلتمس العشاء، فوقعت على الأسد أو على الذئب فأكلها.\rوقيل رجل خرج كذلك، فوقع عليه.\rوقيل إنَّ سرحانا اسم رجل، وهو سرحان بن متعب اليربوعي. وكان فاتكاً، فحمى واديا فجاء عوف الأسدي فقال: لأرعين إبلي بهذا الوادي! فرعاها فأتاه سرحان فقتله، وقال هداة بن متعب، أخوه، لامرأة الأسدي يقال لها نصيحة:\rأبلغ نصيحة أنَّ راعي إبلها ... سقط العشاء به على سرحان\rسقط العشاء به على مقتمرٍ ... طلق اليدين معاود لطان\rو على هذا كله، فالعشاء بالمد.\rوقيل أنَّ أصله أنَّ رجلا أعشى البصر وقع ذئب فأكله. وعليه، فيكون العشى مقصورا.\rاسق أخاك النمري يصطبح!\rالسقي معروف، يقال: سقيته وأسقيته، وسقيته تسقيه.\rوقيل أسقيته: دللته على الماء، وأسقيت ماشيته أو أرضه: جعلت لها ماء.و سقاها الله غيثا: أنزله عليه، واستسقيته أنا: قلت له: سقاك الله أو سقيا! قال امرؤ القيس:\rفأسقي به أختي ضعيفة إذ نأت ... و إذ بعد المزار غير القريض\rأي أدعو لها بالسقيا.\rأي ادعوا لها بالسقيا.\rوقال ذو الرمة: فما زلت أسقي ربعها وأخاطبه وقلت أنا في هذا المادة:\rسقى الله أطلالا بأكثبة الحمى ... من العارض الهتان صوب عهاد\rبلاد بها حلت سليمى وأهلها ... فحل فؤادي عندها وودادي\rوإني متى أسقيتها أو بكيتها ... هيما فما أسقيت غير فؤادي!\rو يجوز أنَّ يقع أحدهما موقع الآخر كما قال لبيد:\rسقى قومي بين مجد وأسقى ... نمير والقبائل من هلال\rو النمري بفتح الميم نسبة إلى النمر بن قاسط بكسر الميم، وهو أبو قبيلة من جذيلة. وإنّما فتحت الميم في النسبة، كنظائوه، كراهية توالي ما هو في حكم الكسرات. وأصطبح الرجل: شرب الصبوح بالفتح، وهو ما يشرب صباحا؛ وأصبح أيضا: أوقد المصباح.\rولم أقف بعد على تفسير هذا المثل، وأظن أنَّ معناه إنّه لثقله إذا سقيته انتظر للصبوح فيكون كالمثل السابق: أجلسته عندي فاتكاً، والمثل الآتي: أطعم العبد الكراع، فيطمع في الذراع!\rاسق رقاش إنّها سقاية!\rالسقي مر؛ ورقاش اسم أمرأة، ويقال ساقية وسقاءة بالتشديد فيهما وجاز في الياء القلب وعدمه، نظر إلى اعتبار زيادة هاء التأنيث وإلى لزومها في هذا البناء. ويضرب للمحسن أي: احسنوا إليه لكونه محسنا. قال الحماسي:\rسكت ألفا، والنطق خلفا.\rالسكوت معروف؛ والألف عدد معروف؛ والنطق خلاف السكوت؛ والخلف نقيض القدام. والخلف أيضاً الرديء من الكلام ومنه المثل. ومعناه: سكت عن ألف كلمة صواب ثم نطق بخطأ. وهكذا فسروه.","part":1,"page":330},{"id":331,"text":"وحكوا أنَّ أعرابيا جلس مع قوم، فحبق حبقة فتشور، فأشار بإبهامه إلى أسته وقال: إنّها خلف نطقت خلفا! وهذا صحيح في لفظ الخلف في المثل. وأما في لفظ الألف،فالذي يظهر منه لا. وادبيهة أنَّ المراد به ألف سنة أو نحو ذلك من الأزمان، ويكون المراد الأخبار عن إطالة السكوت، لا حقيقة الألف. وكأنه قيل: إنّه أطال السكوت ثم لمّا تكلم لم ينطق إلاّ بالرديء من الكلام. ومن هذا يحكى إنَّ شابا كان يجالس الأحنف وكان صموتا، فأعجب الأحنف ذلك منه. ثم خلت الحلقة يوما فقال له: يا أبن أخي، مالك لا تتكلم؟ فقال: يا عم، أ رأيت لو أنَّ رجلا سقط من شرفة هذا المسجد، أيضره شيء؟ فقال الأحنف: ليتنا تركناك، يا أبن أخي! ثم انشد متمثلا:\rوكائن ترى من صامت معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم\rلسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... و لم يبق إلاّ صورة اللحم والدم!\rو يحكى أيضاً إنَّ رجلا كان يكثر مجالسه أبي يوسف ويطيل الصمت. فقال له أبو يوسف يوما: إلاّ تسأل؟ فقال: بلى! متى يفطر الصائم؟ فقال: إذا غربت الشمس. قال: فإن لم تغرب إلى نصف الليل؟ فضحك أبو يوسف وتمثل بقول أبي الخطفا:\rعجبت لإزراء الغبي بنفسه ... و صمت الذي قد كان بالعلم اعلما\rوفي الصمت ستر للغبي وإنّما ... صحيفة لب المرء إنَّ يتكلما\rو من معنى هذا الشعر قول الآخر:\rالمرء يعجبني وما كلمته ... و يقال لي: هذا اللبيب اللهذم\rفإذا قدحت زناده وسبرته ... في كف زاف كما يزف الدرهم\rو قول الآخر:\rترى الناس أشباها إذا جلسوا معا ... وفي الناس زيف مثل زيف الدراهم\rوقال عدي بن الرقاع:\rالناس أشباه وبين حلومهم ... بون كذلك تشابه الأشياء\rو من معنى الحكايتين المذكورتين، من سؤال المغافلين، ما يحكى عن الإمام الماوردي، رحمه الله، قال: كنت بمجلس درسي بالبصرة، فدخل علي شيخ مسن قد ناهز الثمانين أو جاوزها، قال: قصدتك بمسألة اخترتك لها. فقلت: ما هي؟ وظننت إنّه يسأل عن حادثة نزلت به. فقال عن طالع إبليس وطالع آدم من النجوم ما هو؟ فإنَّ هذين لعظيم شأنهما، لا يسأل عنهما إلاّ علماء الدين. قال، فعجبت وعجب من في المجلس من سؤاله. وبادر إليه قوم منهم بالإنكار والاستخفاف، فكففتهم وقلت: هذا لا يقنع مع ما ظهر من حاله، إلاّ بجواب مثله! فأقبلت عليه وقلت: يا هذا، إنَّ النجمين يزعمون إنَّ نجوم الناس لا تعرف إلاّ بمعرفة مواليدهم. فإنَّ ظفرنا بمن يعرف وقت ميلادهما أخبرك بالطالع. فقال: جزاك الله خيرا! وانصرف مسرورا. فلما كان بعد أيام عاد وقال: ما وجدت إلى وقتي هذا من يعرف مولدهما.\rأسكت من سمكةٍ.\rالسمكة بفتحتين: واحدة السمك وهو الحوت.\rأسلح من حبارى.\rالسلاح بالضم كغراب: النجو يقال: سلح الرجل وغيره يستلح كمنع يمنع. والحبارى: الطائر المعروف.\rوذكروا إنَّ للحباري خزانة في دبرها فيها أبدا سلح رقيق فمتى ألحت عليها الجوارح سلحت عليها فينتف ريشها، وفي ذلك هلاكها. قالوا: فجعل سلحها سلاحا لها.\rوقال الشاعر:\rوهم تركوك أسلح من حباري ... رأت صقرا وأشرد من نعام\rأسلح من دجاجٍ.\rالدجاج مثلث الدال المهملة معروف، واحدة دجاجة. ويقال: أسلح من الحباري حال الخوف، وأسلح من دجاج حال الأمن.\rالسلطان كالنار.\rهذا من الأمثال الحكيمة، وتمامه: إنَّ باعدتها بطل نفعها، وإنَّ قاربتها عظم ضررها، وسيأتي في الحكم، إن شاء الله تعالى، استيفاء هذا المعنى.\rأسمع من حيةٍ.\rالسمع حس الأذن، يقال: سمعه بالكسر يسمعه سمعا وسماعا وسماعة وسماعية، وتسمع وأستمع، ورجل سميع: سامع أو مسمع. قال عمرو بن معدي كرب:\rأمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع؟\rحية. وهي موصوفة بالسماع القوي.\rاسمع من دلدلٍ.\rالدلدل بالدالين مهملتين، على مثال جندب: القنفذ، أو أعظم القنافذ. والدلدل أيضاً: الاضطراب. أنشد في الصحاح، لأبي معدان الباهلي:\rجاء الحزائم والزبائن دلدلاٍ ... لا سابقين ولا مع القطان\rأي: لا إلى هؤلاء ولا الذي هؤلاء.\rأسمع من سمعٍ.","part":1,"page":331},{"id":332,"text":"ويقال: اسمع من السمع الأزل، والسمع بكسر فسكون: ولد الذئب من الضبع وهو سبع مركب من هذين، فاستفاد قوة الضبع وجرأة الذئب. ويوصف بقوة السمع. قال الأعراب:\rتراه حديد الطرف أبلج واضحا ... أغر طويل البياع أسمع من سمع\rو يوصف أيضاً بالسرعة. يقال إنّه في عدوه أسرع من الطير، ووثبته تزيد على ثلاثين ذراعا.\rوفي بعض المجامع إنَّ ربيعة بن أبي مراد قال: أخبرني خالي قال: لمّا أظهر الله علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أشعبنا في كل شعب، لا يلوي حميم على حميم. فبينما أنا في بعض الشعاب قد رأيت ثعلبا قد تحوى عليه أرقم، والثعلب يعدو عدواً شديدا فانحنيت عليه بحجر فما أخطأه. فانتهيت إليه فإذا الثعلب سبقني بنفسه، وإذا الأرقم تقطع وهو يضرب. فقمت أنظر اليه، فهتف بي هاتف ما سمعت أفصح من صوته يقول: تعسا لك وبؤسا! قد قتلت رمسا ووترت تيسا! ثم قال: يا دامر، يا دامر! فأجابه مجيب من العدوة الأخرى: لبيك لبيك بادر إلى بني الغدافر، فاخبرهم بما صنع الكافر! فناديت: إني لم أشعر، وأنا عائد بك فأجرني! فقال: كلا، والحرم الأمين، لا أجير من قاتل المسلمين، وعبد عبر رب عالمين! قال.فناديت: إني مسلم! فقال: إنَّ أسلمت سقط عنك القصاص، وفزت بالخلاص، وإلاّ فلات حين مناص! قال. فقلت إنَّ لا اله إلاّ الله، وأشهد إنَّ محمّد رسول الله. قال. فقال: نجوت وهديت، ولولا ذلك لرديت. فأرجع من حيث جئت! قال: فرجعت أقفو أدراجي، فإذا هو يقول: امتط السمع الأزل، فقد بدا إليك هنالك أبو عامر يتبع بك ألفان. قال. فالتفت فإذا سمع كالأسد، فركبه فمر ينسل حتى أتى إلى تل عظيم فاسندني إلى تل فأشرفت منه خيل المسلمين، فنزلت عنه وصوب من الحدور نحوهم. فلما دنوت منهم خرج إلي فارس فقال: ألق سلاحك، لا أم لك! فألقيت سلاحي فقال: ما أنت؟ قلت مسلم: فقال سلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته! فقلت: وعليك السلام والرحمة والبركة، من أبو عامر؟ قال: أنا هو. قلت: الحمد لله! قال: لا بأس عليك! هؤلاء إخوانك من المسلمين. ثم قال: إني رأيت بأعلى التل فارسا، فأين فرسك؟ قال: فقصصت عليه القصة، فأعجبه ما سمع مني، وسرت مع القوم أقفو آثار هوزان حتى بلغوا من الله ما أرادوا.\rأسمع من فرخ عقابٍ.\rالفرخ ولد الطائر والأنثى فرخة والجمع أفرخ وأفراخ. قال الحطيئة:\rماذا أقول لأفراخ بذي مرخٍ ... حرم الحواصل لا ماء ولا شجر؟\rيعني أولاده، والعقاب: الطائر المعروف، وتقدم الكلام عليها في حرف الباء.\rأسمع من قرادٍ.\rالقراد كالغراب معروف جمعه قردان، وقردت البعير تقريداً: أزلت عنه القراد والتقريد أيضاً: الجذاع وأصله في البعير إذا أراد أنَّ يأخذه وهو صعب قردة أوّلاً ليرتاح إليه فيأخذه.\rقال الشاعر: وهم يمنعون جارهم أنَّ يقردا وقال الحطيئة:\rلعمرك ما قراد بني كليب ... إذا نزع القراد بمستطاع\rو يزعمون إنَّ القراد يسمع وطء أخفاف الإبل، من مسيرة يوم، فيتحرك لها ويزعمون أيضاً انهم ربما رحلوا عن ديارهم بالبادية وتركوها خالية، والقردان منتشرة في أعطان الإبل، ثم لا يخلفهم فيها ولا يعودون إلى تلك الديار إلاّ بعد عشر سنين وعشرين سنة فيجدون القردان حية وقد أحست بروائح الإبل قبل إنَّ توافيها فتتحرك لها. ومن ثم قالوا: اعمر من قراد، أيضاً.\rاسمع جعجعة ولا أرى طحنا.\rالجعجعة صوت الرحى، وتطلق أيضاً بمعنى الحبس والتضييق، كما في كتاب أبن زياد: جعجع بالحسين رضي الله عنه! والطحن معروف، وتقول طحنت البر بالفتح إذا صيرته دقيقا والطحن بالكسر الدقيق نفسه، ومنه المثل. والمعنى: اسمع صوت الرحى ولا أرى دقيقا. يضرب في سماع جلبة لا يعقبها نفع، وفي الجبان يوعد ولا يوقع، والبخيل يعد ولا يفي.\rتسمع بالمعيدي خير من إنَّ تراه.\rالمعيدي تصغير المعدي مشدد بالدال، ثم خففت عند التصغير كراهية اجتماع السكانين. قال النابغة:\rضلت حلومهم عنهم وغرهم ... سن المعيدي في رعي وتعزيب","part":1,"page":332},{"id":333,"text":"و هذا على ما وقع في الصحاح وغيره من المعيدي في هذا المثل إلى معد بالتشديد وقيل: المعيدي نسبة إلى معدٍ بسكون العين وتخفيف الدال، وهي قبيلة. وتصغيرها معيد. والمعيدي المذكور رجل من هذه القبيلة كان فاتكا يغير على مال النعمان بن المنذر، فيأخذه ولا يقدرون. فأعجب به النعمان لشجاعته وإقدامه فأمنه. فلما حضر بين يديه ورآه، استزرى مرآته، لأنه كان دميم الخلقة، فقال: لأن تسمع بالمعيدي خير من أنَّ تراه! فقال: أبيت اللعن، إنَّ الرجال بجزر، وإنّما يعيش المرء بأصغريه: قلبه ولسانه! فأعجب النعمان كلامه وعفا عنه، وجعل من خواصه إلى أنَّ مات.\rوقوله: تسمع، مضارع ينسبك مع أنَّ مقدرة بالمصدر. وربما أظهرت فقيل: أنَّ تسمع بالمعيدي. وهذا المصدر مبتدأ مخبر عنه بما بعده.\rوالمعنى :إنَّ سماعك بالمعيدي خير من رؤيتك إياه. ويضرب للرجل يكون له صيت وذكر حسن، فإذا رأيته اقتحمته عينك، وكان عند خبره دون خبره. وقيل: معناه أسمع به ولا تره، على الأمر.\rوذكر أبو عبيد أنَّ هذا المثل أول ما قيل لجشم بن عمرو بن النهدي المعروف بالصقعب النهدي، قال فيه النعمان بن المنذر. قال: وهذا على من قال إنَّ قضاعة من معد، لأن نهداً من قضاعة. والقصعب المذكور هو الذي ضرب به المثل فقيل: أقتل من صيحة الصقعب. زعموا إنّه صاح في بطن أمه، وإنّه صاح بقوم فهلكوا عن أخرهم.\rوقيل:المثل للنعمان بن ماء السماء، قاله لشقة بن جمرة التميمي، وذلك إنّه سمع بذكره، فلما رآه اقتحمته عينه، فقال أن تسمع بالمعيدي خير من أنَّ تراه! فقال شقة، أيّها الملك، إنَّ الرجل لا تكال بالقفزان ولا توزن بالميزان، ولست بمسوك يسقى فيها الماء، وإنّما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، إنَّ قال قال، ببيان وإنَّ صال صال، بجنان! فاعجب المنذر لمّا سمع منه وقال: أنت ضمرة بن ضمرة! وذكر شمس الدين بن خلكان أنَّ أبا محمّد القاسم بن علي الحريري، رحمه الله، جاءه إنسان يزوره ويأخذ عنه شيئاً، وكان الحريري دميم الخلقة جدا. فلما رآه الرجل استزرى خلقته ففهم الحريري ذلك. فلما طلب الرجل إنَّ يملي عليه قال له: اكتب:\rما أنت أوّل سار غرة قمر ... و رائد أعجبته خضرة الدمن\rفأختر لنفسك غيري إنني رجل ... مثل المعيدي فأسمع بي ولا تراني!\rانتهى.\rويزاد في هذه القصة أنَّ الرجل قال:\rكانت مسائلة الركبان تخبرنا ... عن قاسم بن علي أطيب الخبر\rحتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري!\rو ربما جعل في هذا الشعر، مكان القاسم بن علي، أحمد بن علي، وإنّه قيل في أحمد بن علي، أحد الفقهاء، وإنَّ قائله لقي الزمخشري فأنشده إياه. فذكر له الزمخشري عن النبي صلى الله عليه وسلم إنّه قال: ما بلغني عن رجل ثم لقيته إلاّ وجدته دون ما بلغني عنه، إلاّ ما كان من زيد الخيل، فأني وجدته فوق ما قيل عنه، أو كلاما هذا معناه كال عهدي به.\rوحدثني الرئيس الأجل أبو عبد الله محمّد الحاج بن محمّد بن أبي بكر أنَّ رجلا كان يحضر مجلس والده ويطيل الصمت لا يتكلم ولا يعرفه أحد. ومكث ذلك مدة، ثم كتب رقعة بخط رفيع فائق وذهب. فأخذوا الرقعة فإذا فيها مكتوب:\rكانت مسائلة الركبان تخبرنا ... عن مجدكم وثناكم أطيب الخبر\rحتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري\rأستسمن ذا ورم.\rتقول: استسمنت الشيء إذا عددته سمينا؛ والورم نتوء وانتفاخ في الجسد يقال، ورم الجسد بالكسر ورما، تورم واستسمن ذي ورم هو إنَّ يرى الحجم الناتئ من علة فيحسب ذلك سمنا وشحما.\rوالمثل مشهور عند المتأخرين يضربونه عند خطأ الرأي في أستجادة القبيح واستحسان الخبيث واستصواب الخطأ لأمارة وهمية كاذبة: قال أبو الطيب:\rأعيذها نظرات منك صادقة ... أنَّ تحسب الشحم فيمن شحمه ورم\rوما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم\rو في المقامات الحريرية: قد استسمنت ذا ورم ونفخت في غير ضرم.\rسمن كلبك يجوع أهله.\rالكمن ضد الهزل يمن كفرح سمنا وسمانة فهو سامن وسمين وسمنته تسمينا؛ والكلب كل سبع عقور إلا إنّه غلب على النابح المعروف؛ والجوع معروف.","part":1,"page":333},{"id":334,"text":"يضرب هذا المثل في الرجل يأكل مال غيره فيسمن وينعم. وأصله أنَّ الكلب إذا وقع الموتان والهلاك سمن هو بالك الجيف وأهله جياع.\rوقيل إنَّ رجلا سئل رهنا فرهن أهله ثم تمكن من أموال من رهنهم فاستاقها وترك أهله. وحكى أبو علي البغدادي أنَّ رجلا من أهل الشام كان مع الحجاج يحضر طعامه فكتب إلى امرأته يعلمها بذلك. فكتبت إليه:\rأتهدي لي القرطاس والخبز حاجتي ... و أنت على باب الأمير بطينُ!\rإذا غبت لم تذكر صديقاً وإن تقدم ... فأنت على ما في يديك ضنينُ\rفأنت ككلب السوء جوع أهله ... فيهزل أهل البيت وهو سمينُ\rسمنكم في أديمكم.\rالسمن بفتح فسكون معروف؛و الأديم هنا فسره بعضهم بالزق وأنكر ذلك آخرون وقالوا: الأديم هنا الطعام المأدوم فعيل بمعنى مفعول فيقال أديم ومأدوم كما يقال قتيل ومقتول. وعلى كل حال فمعناه أنَّ خيرهم موقوف عليهم وفضلهم راجع إليهم فيضرب للبخيل ومن لا يتعداه خيره ومن ينفق على نفسه دون غيره. وقد يقال: سمنكم هريق في أيديكم وهو معناه.\rسمن كلبك يأكلك!\rالتسمين معروف تقدم؛ والكلب مر أيضاً.\rوهذا مثل قديم مشهور. وقد تمثل به غب بن أبي ركن المنافقين في غزوة بني المصطلق حيث اختصم المهاجرين والأنصار فقال أبن أبي: ما نحن وهؤلاء يعني المهاجرين إلاّ كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك! وفيها قال: لا تنفقوا على أصحاب محمد! وقال: لئن رجعنا إلى المدينة لتخرجن الأعز منها الأذل كما ذكر الله جل اسمه في سورة المنافقين.\rولفظ المثل إما أن يكون على معنى الإخبار كأنه قيل: إن سمنت كلبك أكلك كما في الآخر: اسق أخاك النمري يصطبح! أي إن سقيته اصطبح وقد تقدم وأما أن يكون إنشاء على ظاهره كأنه قيل: سمن كلبك ليأكلك! كما يقال: اضرب عبدك يستقم! أي ليستقيم على معنى قولهم: لدوا للموت وابنوا للخراب! وهو أيضاً راجع إلى الخبر بهذا الاعتبار وفي معنى المثل قول الشاعر:\rأعلمه الرماية كل حينٍ ... فلما اشتد ساعده رماني\rوكم علمته نظم القوافي ... فلما قال قافيةً هجاني!\rثم رأيت في عماد البلاغة أنَّ الكلب المضروب به المثل لرجل من طسم وذلك إنّه ارتبط كلبا وجعل يشبعه اللبن رجاء أن يصطاد به ثم أبطأ عليه طعامه فوثب على مولاه فافترسه فصار مثلا في كفران النعمة ومجازاة المحين بالإساءة وفيه قيل: سمن كلبك يأكلك! وقال مالك بن أسماء:\rهم سمنوا كلباً ليأكل بعضهم ... و لو ظفروا بالحزم لم يسمن الكلبُ!\rاستنت الفصال حتى القرعى!\rيقال: استن الفرس وغيره إذا قمص وهو أن يرفع يديه ويضعها معا ويعجن برجليه؛ والفصل جمع فصيل من الإبل معروف؛ والقرعى جمع أقرع والقرع داء يصيب الفصلان في أعناقها وتقدم تفسيره في حرف الحاء تقول: منه قرع الفصيل بالكسر قرعا فهو أقرع والأنثى قرعاء ودواؤه أن ينضح الفصيل بالماء ويجر في أرض سبخة أو مرشوشة بملح فتقول: قرعت الفصيل تقريعا إذا فعلت به ذلك فهو مقروع قال أوس بن حجر:\rلدى كل أخدود يغادرن دارعا ... يجركما جر الفصيل المقروعُ\rو القرعى لا يمكنها الاستنان فيضرب هذا المثل في الضعيف يباري القوي وعند تمدح الرجل بالشيء ليس من أهله. وقد قيل إنَّ استنت هنا معناه سمنت من قولهم: سن الراعي إبله إذا أحسن رعيها وأسمنها وكأنه صقلها بذلك وزينها. قال النابغة:\rضلت حلومهم عنهم وغرهم ... سن المعيدي في رعي وتعزيب\rو هو على مضربه أيضاً بأن يراعى في الكلام نوع تهكم وسخرية.\rسواءٌ عليك هو والقفرُ.\rيضرب للبخيل الذي لا خير عنده إذا نعت بمعنى إنّه بمنزلة القفار الممحلة. قال ذو الروه:\rتخط إلى القفر امرأ القيس إنّه ... سواءٌ على الضيف امرؤ القيس والقفر!\rيحب امرؤ القيس القرى أن يناله ... و يأبى مقاريها إذا طلع النسرُ\rالنسر: أول الليل يطلع عند شدة البرد وكلب الزمان.\rسوء الاستمساك خيرٌ من حسن الصرعة.\rيقال: ساءه يسوءه إذا فعل به ما يكدره ولاسم منه السوء بالضم ويقال: استمسك يه ومسك وامسك وتمسك احتبس وأتصم به والصرع: الطرح في الأرض؛ صرعه صرعا وصرعة. والصرعة بالكسر: النوع من ذلك ومنه المثل. ويروى فيه بالفتح على معنى المرة.","part":1,"page":334},{"id":335,"text":"وهذا المثل يضرب على في المداراة والتودد. قاله أبو عبيد القاسم بن سلام وقال: معناه لأن يزل الإنسان وهو عامل بوجه العمل وطريق الإحسان والصواب خير من أن تأتيه الإصابة وهو عامل بالإساءة والخرق. وهذا التفسير لا يعطيه المثل ولا يدل عليه ولا يتم وضربه المذكور به وإنّما معناه كما قال غيره: لأن يستمسك ولا يصرع وإن كان سيء الاستمساك خير من أن يصرع ولو صرعة حسنة لا تضره. وهو واضح ومضربه أيضاً على هذا النحو ظاهر.\rسوء الاكتساب يمنع الانتساب.\rهذا ظاهر.\rأساء سمعاً فأساء جابةً.\rالإساءة ضد الإحسان؛ والسمع تقدم؛ والجابة اسم من الإجابة يقال: أجابه إجابة والاسم الجابة كالطاعة والطاقة بمعنى الإطاعة والإطاقة. قال الشاعر:\rوما من تهتفين به لنصرٍ ... بأقرب جابة لك من هديلِ\rيضرب في سوء المسألة والإجابة في المنطق والإجابة على غير فهم. ونظمه أبو العتاهية فقال:\rإذا ما لم يكن لك حسن فهمٍ ... أسأت إجابة فأسأت سمعا\rولست الدهر متسعاً لحل ... إذا ما ضقت بالإنصاف ذرعا\rأساف حتى ما يشتكي السواف.\rيقال: ساف المال يسوف إذا هلك؛ والسواف كسحاب موتانٌ في الإبل وقيل بالضم أو هو بالفتح في الناس والمال وبالضم مرض في الإبل ويجوز فتحه؛ وأساف الرجل: هلك ماله. قال:\rفأبل واسترخى به الخطب بعدما ... أساف ولولا سعينا لم يؤبل\rغيره: أساف من المال التلاد وأعدما ويضرب فيمن تعود الحوادث.\rسال قضيبٌ حديداً.\rقضيب اسم واد باليمن وقد تقدم هذا وقصته هذا وقصته في حرف الهمزة.\rومما يلحق بهذا الباب قولهم في الدعاء:\rسلط الله عليه الورى وحمى خيبرا!\rوالورى بالتحريك اسم من قولك: ورى القيح جوفه يريه إذا أكله؛ وقولهم:\rسله من كذا سل الشعرة من العجين.\rيحكى أنه لمّا هم حسان بن ثابت رضي الله عنه أن يهجو أهل مكة قال له النبي صلى الله عليه وسلم : كيف وأنا منهم؟ أو كما قال صلى الله عليه وسلم فقال حسان: لأسلنك سل الشعرة من العجين! وأتي بعض الملوك في الصدر الأول برجل وضاع يضع الحديث كذبا فقال اضربوا عنقه! فذهبوا به ليقتلوه. فلما خرجوا قال لهم: أنظروني حتى أجرد كلامي وأسقطه من دواوين الحديث لئلا يلبس على الناس! فرجعوا إلى الملك وشاوروه فقال لهم: اقتلوه! فإنَّ هنا رجالا يسلون كلامه سل الشعرة من العجين. وقولك مثلا:\rأسلط من ذئبٍ متنمرٍ.\rوقولهم:\rالسؤدد مع السواد.\rأي إنّما يحصل زمان الفتوة وسواد الشعر. ونحوه قول الحماسي:\rإذا المرء أعيته السيادة ناشئاً ... فمطلبها كهلاً عليه عسيرُ\rو قولك مثلا:\rأسير من المثلِ.\rونحو ذلك.\rومن أمثال العمامة قولهم:\rاسأل السائل عن طيب اللبن!\rيضربون في مخالط الشيء المعنى له إنّه اعرف به. وقولهم:\rسخر البخيل يدبر عليك!\rوأما الشعر فقالوا: تحسبها حمقاء وهي باخس وتقدم في الحاء. وقال جرير:\rوابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس\rو تقدم تفسير أبن اللبون والبازل والقرن بفتحتين: الحبل يجمع فيه البعيران. ومنه قول جرير:\rوأبلغ خليفتنا إنَّ كنت لاقيه إني لدى الباب كالمشدود في قرن!\rو لززت البعير وغيره لزا ولزازاً، وألأززته: شددته وألصقته؛ والقناعيس جمع قنعاس بالكسر وهو العظيم من الإبل.\rوقال الحطيئة:\rمن يفعل الخير لا يعدم جوائزه ... لا يذهب العرف بين الله والناس\rو قبله:\rلمّا بدا لي منكم عيب أنفسكم ... و لم يكن لجراحي منكم آس\rأزمعت يأسا مريحا من نوالكم ... و لن ترى طاردا للحر كالياس\rجارا لقوم أطالوا هون منزله ... و غادروه مقيما بين أرماس\rملوا قراه وهرته كلابهم ... و جرحوه بأنياب وأضراس\rدع المكارم لا ترحل لبغيتها ... و أقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي\rمن يفعل الخير . . \" البيت \"\rوخاطب بهذا الشعر الزبرقان، وعليه سجنه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه. وقال زيد الخيل:\rأقاتل حتى لا أرى مقاتلا ... و أنجو إذا لم ينج إلاّ المكيس\rيروى مقاتلا بكسر التاء، وبفتحها على معنى موضع القتال.\rوقال أوس بن حجر:","part":1,"page":335},{"id":336,"text":"وليس فرار اليوم عاراً على الفتى ... إذا عرفت منه شجاعة بالأمس\rو مثلهما قول عمرو بن معدي كرب:\rولقد اجمع رجلي بها ... حذر الموت وإني لفرور\rولقد أعطفها كارهة ... حين للقوم من الموت هرير\rآخر:\rرب مغروس يعاش به ... عدمته كف مغترسه\rوكذاك الدهر مأتمه ... أقرب الأشياء من عرسه\rالمأتم بالتاء المثناة من فوق، على وزن مقعد كل مجتمع في حزن أو فرح، وقيل خاس بالنساء، وقيل بالشواب. وأطلق هنا على مجتمع الحزن. وأما المأثم بالثاء المثلثة فهو مفعل ما لا يحل كالاثم؛ والعرس بضمتين: طعام الوليمة. قال الراجز:\rأنا وجدنا عرس الحناط ... لئيمة مذمومة الحواط\rو يخفف. والعرس بالفتح: الإقامة في الفرح، والعمود في وسط الفسطاط؛ والعرس بفتحتين الدهش؛ والعرس بالكسر: زوج الرجل؛ ولبؤة الأسد، وزوج المرأة أيضاً. وأما العروس فوصف يقع على الذكر والأنثى، ما داما في أعراسهما. والمعنى أنَّ حزن الدهر قريب من فرحه، كما أنَّ فرحه قريب من حزنه، وكذا الصحة والعافية والضيق والسعة ونحو ذلك.\rوقال الآخر:\rإنَّ كنت لا ترجى ولا تتقى ... فأنت كالميت في رمسه\rو نظمها أبن شرف فقال:\rإنَّ لم تضر ولم تنفع فكن حجرا ... أو ميتا عن أمور العيش مشغولا\rوقال صالح بن عبد القدوس:\rوإنَّ من أدنته في الصبا ... كالعود يسقى الماء في غرسه\rحتى تراه ناضرا مونقا ... بعد الذي أبصرت من يبسه\rوالشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في الثرى رمسه\rو نظم هذا الأخير أبن شرف فقال:\rومن يعش وهو مطبوع على خلقٍ ... لاقى به التراب مضموما ومنقولا\rوقال الآخر:\rمن يزرع الخير يحصد ما يسر به ... و زارع الشر منكوس على الرأس\rوقال الآخر:\rما أقبح الكذب المذموم صاحبه ... و أحسن الصدق عند الله والناس\rوقال العباس بن الأحنف:\rوما مر يوم أرتجي فيه راحه ... فأخبره إلاّ بكيت على أمس\rو لمحمود:\rأخو البشر محمود على كل حالةٍ ... و لن يعدم البغضاء من كان عابسا\rويسرع بخل المرء في هتك عرضه ... و لم أر مثل الجود للعرض حارسا\rغيره:\rيا حبذا الوحدة من أنيس ... إذا خشيت من أذى الجليس!\rغيره:\rلا تترك الحزم في أمر تحاذره ... فإنَّ أصبت فما الحزم من باس!\rالعجز ضعف وما بالحزم من ضرر ... و أزم الحزم سوء الظن بالناس\rغيره:\rوما نكد الدنيا على طيب ظلها ... و قرب حماها العذب شيء سوى الإنس؟\rغيره:\rيا راكب الفرس السامي يحكى لونه القبس\rلا أنت تبقى على سيف ولا فرس ... و ليس يبقى عليك السيف والفرس!\rغيره:\rأقول له حين ودعته ... و كل بعبرته ملبس:\rلئن رجعت عنك أجسامنا ... لقد سافرت معك الأنفس!\rو للخنساء:\rترى الأمور سواء وهي مقبلة ... و في عواقبها تبيان ما التبسا\rترى الجليس يقول القول تحبسه ... نصحا وهيهات ما نصحا به التمسا\rو يحكى أنَّ أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه استنشدها فأنشدته هذا الشعر، فقال لها: أنت أشعر كل ذات هنٍ! فقالت: وكل ذي خصيين! قيل: وكان بشار يقول: ما قالت امرأة شعرا إلاّ ظهر عليه الضعف. فقيل له: حتى الخنساء؟ فقال: لا! تلك لها أربع خصى! غيره:\rتعب يدوم لذي الرجاء مع الهوى ... خير له من راحة في اليأس\rو هذا خلاف ما طلب امرؤ القيس في قوله:\rأ ماوي هل لي عندكم من معرس ... أم الصرم تختارين بالوصل نيأس؟\rأبيني لنا، إنَّ الصريمة راحة ... من الشك ذي المخلوجة المتلبس\rلكن طلب البيان من طول الضجر، ولا يقضي أن يكون التأييس خيرا من لا ترجيه.\rغيره:\rثنيت عزمي عن الدنيا وساكنها ... فأسعد الناس من لا يعرف الناسا\rغيره:\rجفوت أناسا كنت آمل قربهم ... و ما بالجفا عند الضرورة من باس\rغيره:\rحفظ اللسان سلامة للرأس ... و الصمت عز في جميع الناس\rغيره:\rرأيتك لا تهوين لا دراهمي ... عليك سلام الله قد ينفذ الكيس!\rغيره:\rصدر المجالس حيث حل لبيبها ... فكن اللبيب وأنت صدر المجالس!","part":1,"page":336},{"id":337,"text":"غيره:\rضحوك السن إنَّ نطقوا بخير ... و عند الشر مطراق عبوس\rغيره:\rقالوا: نفوس الدار سكناها ... و انتم عندي نفوس النفوس!\rغيره:\rلو لا محبتكم لمّا عاتبتكم ... و لكنتم عندي كبعض الناس\rغيره:\rلو نظر الناس لأحوالهم ... لاشتغل الناس عن الناس\rغيره:\rما أقبح الناس في عيني وأسمجهم ... إذا نظرت ولم أبصرك في الناس\rغيره:\rما بال دينك ترضى أنَّ تدنسه ... و ثوب جسمك مغسول من الدنس؟\rغيره:\rما هذه أوّل ما مر بي ... كم مثلها مر على رأسي!\rغيره:\rمن لا رأى مصرا ولا أهلها ... فلا رأى الدنيا ولا الناسا\rغيره:\rنسيت مودتي أنَّ طال عهدي ... نعم! قد قيل: طول العمر ينسي!\rغيره:\rوما من هالك في الناس إلاّ ... و رأس هلاكه طلب الرياسه\rوقال أبو تمام:\rما في النجوم سوى تعلة باطل ... قدمت وأسس إفكها تأسيسا\rإنَّ الملوك هم كواكبنا التي ... تخفى وتطلع أسعدا ونحوسا\rو منها:\rلو أنَّ أسباب العفاف بلا تقى ... نفعت لقد نفعت إذا إبليسا!\rوقال أيضاً:\rو الدمع فيه خاذل ومواسي\rومنها:\rلا تنسين تلك العهود فإنما ... سميت إنسانا لأنك ناس\rوقال أيضاً:\rأرى الآفاتٍ قد كتبن على رأسي ... بأقلام شيب في مهارق انقاسي\rفإنَّ تسأليني من يخط حروفها ... فكف الليالي تستمد بأنفاسي\rجرت في قلوب الغانيات لشيبتي ... قشعريرة من بعد لين وإيناس\rوقد كنت أجرى في حشاهن مرة ... مجاري صافي الماء في قضب الآس\rفإنَّ أمس من حظ الكواعب آيسا ... فآخر آمال العباد إلى الياس!\rوقال الآخر:\rالكلب أعلى قيمة ... و هو النهاية في الخساسة\rممن ينازع في الرئاسة ... قبل أوقات الرئاسة\rغيره:\rاستودع العلم قرطاس فضيعه ... و بئس مستودع العلم القراطيس!\rقال أبو علي العبادي في نوادره: وسمع يونس رجلا ينشد هذا البيت فقال: قاتله الله! ما أشد صبابته بالعلم وصيانته للحفظ! إنَّ علمك من روحك ومالك من بدنك، فصن علمك صيانة روحك، ومالك صيانة بدنك.\rوقال محمد بن إبراهيم يخاطب بعض أهله:\rأظنك أطغاك الغنى فنيستني ... و نفسك والدنيا الدنية قد تنسي\rفإنَّ كنت تعلو عند نفسك بالغنى ... فإني سيعليني عليك غنى نفسي\rوقال أعرابي سأل آخر حاجة، فتشاغل عنه:\rكدحت بأظفاري وأعلمت معولي ... فصادفت جلمود من الصخر أملسا\rوأقبلت أنَّ أنعاه حتى رأيته ... يفوق فواق الموت ثم تنفسا\rتشاغل لمّا جئت في وجه حاجتي ... و أطرف حتى قلت: قد مات أو عسا\rفقلت له: لا بأس لست براجع ... فأفرخ تعلوه السمادير مبلسا\rالسمادير: أم يتراءى للإنسان عند السكر.\rغيره:\rلئن درست أسباب ما كان بيننا ... من الود ما شوقي إليك بدارس\rوما أنا من أنَّ يجمع الله بيننا ... على خير ما كنا عليه بآيس\rوقال أحد بني شيبان:\rوما أنا من ريب المنون بجبا ... و ما أنا من سيب الإله بآيس\rيقال: جبأ عن كذا يجبأ عنه، إذا هابه، ورجل جبأ.\rوقال مهلهل:\rنبئت إنَّ النار بعد أوقدت ... و استب معدك يا كليب المجلس\rوتكلموا في أمر كل عظيمة ... لو كنت حاضر أمرهم لم ينسبوا!\rقوله المجلس أي الجالسون، والنبس: النطق، يقال نبس فلان.\rغيره:\rوالشيب إنَّ يحلل فإنَّ وراءه ... عمراً يكون خلاله متنفس\rلم ينتقص مني المشيب قلامة ... الآن حين بدا ألب وأكيس\rو مثله، في مدح الشيب، قول الآخر:\rلا يرعك المشيب يا بنت عبد ... الله، فالشيب حلة ووقار\rإنّما يحسن الرياض إذا ما ... ضحكت في خلاها الأنوار!\rو سنذكر بعد ما قيل في الشيب، إن شاء الله.\rوقالت الخنساء:\rولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي!\rوقالت أيضاً:\rوما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي","part":1,"page":337},{"id":338,"text":"و هذان البيتان من قطعة لها تعارض فيها دريد بن الصمة، وكان دريد خطب الخنساء في حياة أخويها. فأراد أخوها معاوية إنَّ يزوجها، وكان أخوها صخر غائبا في غزاة له، فأبت وقالت: لا حجة لي به! فأراد أنَّ يكرهها، فقالت:\rتباكرني حميدة كل يومٍ ... بما يولي معاوية بن عمرو\rفلا أعط من نفسي نصيبا ... لقد أودى الزمان إذا بصخر\rأتكرهني هبلت على دريدٍ ... و قد أحرمت سيد آل بدر\rمعاذ الله يرصعني حبركى ... قصير الشبر من جشم بن بكر\rيرى مجدا ومكرمة أتاها ... إذا عشى الصديق جريم تمر\rالحبركي: القصير الجرلين، الطويل الظهر؛ والقصير الشبر: القليل الخير والعطاء. فقال دريد:\rلمن طلل بذات الخمس أمسى ... عفا بين العقيق فبطن طرس؟\rأشبهها غمامة يوم دجن ... تلألأ برقها أو ضوء شمس؟\rفأقسم ما سمعت كوجد عمرو ... بذات الخال من جن وانس\rوقاك الله يا ابنة آل عمرو ... من الفتيان أمثالي ونفسي\rفلا تلدي ولا ينكحك مثلي ... إذا ما ليلة طرقت بنحس\rوقالت إنّه شيخ كبير ... و هل خبرتها أني أبن أمس؟\rتريد أفيحج الرجلين شثناً ... يقلع بالجديرة كل كرس\rإذا عقب القدور عددن مالا ... أحب حلائل الإبرام عرس\rوقد علم المراضع في جمادي ... إذا استعجلن عن حز بنهس\rبأني لا أبيت بغير لحم ... و أبدأ بالأرامل حين أمسي\rوإني لا يهر الضيف كلبي ... و لا جاري يبيت خبيث نفس\rواصفر من قداح النبع فرع ... به علمان من عقب وضرس\rدفعت إلى المفيض إذا تستقلوا ... على الركبات مطلع كل شمس\rفلما مات صخر قالت الخنساء تعارض دريدا في كلمته:\rيؤرقني التذكر حين أمسي ... و يردعني مع الأحزان نكسي\rعلى صخر، وأي فتى كصخر ... ليوم كريه وطعان خلس\rوعان طارق أو مستضيف ... يروع قلبه من كل جرس\rولم أر مثله رزءاً لجن ... و لم أر مثله رزءاً لإنس\rأشد على صروف الدهر منه ... و أفضل في الخطوب لكل لبس\rألا يا صخر لا أنساك حتى ... أفارق مهجتي ويشق رمسي!\rولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي\rولكن لا أزال أرى عجولا ... تساعدن نائحا في يوم نحس\rتفجع والها تبكي أخاها ... صبيحة رزئه أو غب أمس\rيذكرني طلوع الشمس صخراً ... و أبكيه لكل غروب شمس\rوقال أبو علي، عن أبن دريد: طلوع الشمس للغارات وغروبها للضيفان.\rوقال الآخر:\rتقوس بعد مر العمر ظهري ... و داستني الليالي أي دوس\rفأمشي والعصا تهوي أمامي ... كأنَّ مواءها وتر لقوسي\rو نحوه الآخر:\rقوس ظهري المشيب والكبر ... و الدهر يا عمرو كله غير\rكأنني والعصا تدب معي ... قوس لها وهي يدي وتر\rغيره:\rإذا تمنيت بت الليل مغتبطا ... إنَّ المنى رأس أموال المفاليس\rغيره:\rالله يعدل والآمال كاذبة ... و كل هذا المنى في القلب وسواس\rو مثله لحبيب:\rمن كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا\rو لغيره:\rمنى إنَّ تكن حقا تكن أحسن المنى ... و إلاّ فقد عشنا بها زمنا رغداً\rو لمسلم:\rلولا منى العاشقين ماتوا ... غما وبغض المنى غرور\rوقال الصابئ:\rوكم من يد بيضاء حازت جمالها ... يد لك لا تسود إلاّ من النقس\rإذا رشقت بيض الصحائف خلتها ... تطرز بالظلماء أردية الشمس!\rأبن المعتز:\rإني إذا لم أجد يوما مراسلة ... و ضاقت بي منتهى أمري وملتمسي\rلمرسل عبرة في إثرها نفس ... يا ليت شعري هل يأتيكم نفسي؟\rوقال أبو محمّد الحريري، رحمه الله تعالى:\rجزيت من أعلق بي وده ... جزاء من يبني على اسه\rوكلت للخل كما كال لي ... على وفاء الكيل أو بخسه\rولم أخسره وشر الورى ... من يومه أخسر من أمسه\rوكل من يطلب عندي جنى ... فماله إلاّ جنى غرسه\rلا ابتغي الغبن ولا أنثني ... بصفقة المغبون في حسه\rولست بالموجب حقا لمن ... لا يوجب الحق على نفسه","part":1,"page":338},{"id":339,"text":"ورب مذاق الهوى خالني ... أصدقه الود على لبسه\rوما درى من جهله إنني ... أقضي غريمين الدين من جنسه\rفأهجر من أستبغاك هجر القلى ... و هبه كالملحود في رمسه\rوالبس لمن في وصله لبسة ... لباس من يرغب في انسه\rولا ترج الود ممن يرى ... انك محتاج إلى فلسه!\rو له أيضاً:\rحيارى يميد بهم شجونهم ... كأنهم آرتضعوا الخندريسا\rأسالوا الغروب وعطوا الجيوب ... و صكوا الخدود وشجوا الرؤوسا\rو له أيضاً:\rلعمرك ما الإنسان إلاّ أبن يومه ... على ما تجلى يومه لا أبن أمسه\rوما الفخر بالعظام الرميم وإنّما ... فخار الذي يبغي الفخار بنفسه!\rوقال أيضاً:\rلبست لكل زمان لبوسا ... و لابست صرفيه نعمى وبوسا\rوعاشرت الرواة أدير الكلام ... و بين السقاة أدير الكؤوسا\rوطورا بوعظي أسيل الدموع ... و طورا بلهوي أسر النفوسا\rوأقري المسامع أما نطقت ... بيانا يقود الحرون الشموسا\rوإنَّ شئت أرعف كفي اليراع ... فساقط دراً يحلي الطروسا\rوكم مشكلات حكين إليها ... خفاء فبصرن بكشفي شموسا\rوكم ملح لي خلبن العقول ... و أسأرن في كل قلب رسيسا!\rوعذراء فهمت بها فانثنى ... عليها الثناء طليقا حبيسا\rعلى إنني من زماني خصصت ... بكيد ولا كيد فرعون موسى\rيسعر لي كل يوم وغى ... أطأ من لظاها وطيسا وطيسا،\rويطرقني بالخطوب التي ... يذبن القوى ويشبن الرؤوسا\rويدني إلى البعيد البغيض ... و يبعد عني القريب الأنيسا\rولولا خساسة أخلاقه ... لمّا كان حظي منه خسيسا\rوقال أيضاً:\rو ليس كفء البدر غير الشمس\rو منها:\rوالفقريلجي الحر حين يمسي ... إلى التجلي في لباس اللباس\rو له:\rما لي مقر بأرض ... و لا قرار لعنسي\rيوما بنجد ويوما ... بالشام أضحي وأمسي\rأزجي الزمان بقوت ... منغص مسخس\rفلا أبيت وعندي ... فلس ومن لي بفلس؟\rومن يعش مثل عيشي ... باع الحياة ببخس!\rغيره:\rلا يصعبن عليك في طلب العلا ... طول التنقل أو فراق المكنس\rفالبدر لو لم ينتقل عن برجه ... ما كان يعرف نوره في الحندس\rوالخمر يحجب نورها في دنها ... و تروق مهما نقلت للأكؤس\rوقال أبن المرزبان:\rكم ليلةٍ أحييتها ومؤانسي ... طرف الحديث وطيب حث الأكؤس\rشبهت بدر سمائها لمّا دنت ... منه الثريا في ملاءة سندس\rملكا مهيبا قاعدا في روضةٍ ... حياه بعض الزائرين بنرجس\rغيره:\rولم أدخل الحمام يوم فراقهم ... لأجل نعيم قد رضيت ببوسي\rولكم لتجري عبرة مطمئنة ... فأبكي ولا يدري بذلك جليسي\rغيره:\rتذكر أخي إنَّ فرق الدهر بيننا ... أخا في هواك الآن أصبح أو أمسى\rولا تنس بعد البعد حق مودتي ... فمثلي لا يَنسى ومثلك لا يُنسى!\rغيره:\rأدرها على أمن ولا تخش من باس ... و إنَّ خددت آذانها ورق الآسي\rوما هي إلاّ ضاحكات غمائم ... لواعب من ومض البروق بمقباس\rووفد رياح زعزع النهر مرة ... كما وطئت درعا سنابك أفراس\rغيره:\rبلد أغارته الحمامة طوقها ... و كساه ريش جناحه الطاووس\rفكأنما الأنهار فيه مدامة ... و كأنَّ ساحات الديار كؤوس\rغيره:\rأكره إنَّ أدنو من داركم ... لأنني أخشى على نفسي\rضرسي طحون وعلى خبزكم ... من أكل مثلي آية الكرسي\rهو الذي أقعدني عنكم ... فكيف أمشي ومعي ضرسي؟\rغيره:\rأفرط نسياني إلى غاية ... لم يدع النسيان لي حسا\rفصؤت مهما عرضت حاجة ... مهمة ضمنتها الطرسا\rوصرت أنسى الطرس في راحتي ... و صرت أنسى إنني أنسى!\rغيره:\rعلي ثياب دون قيمتها الفلس ... و فيهن نفس دون فيمتها الأنس\rفثوبك مثل الشمس من دونها الدجا ... و ثوبي مثل من تحته الشمس!\rوقال أبو الطيب:\rألذ من المذام الخندريس ... و أحلى من معطاة الكؤوس\rمعاطاة الصفائح والعوالي ... و أقحامي خميسا في خميس","part":1,"page":339},{"id":340,"text":"فموت في الوغى عيشي لأني ... رأيت العيش في أرب النفوس!\rوقال أيضاً يخاطب محمّد بن زريق الطروسي:\rإني نثرت عليك درا فانتقد ... كثر المدلس فأحذر التدليسا!\rو منها:\rخير الطيور على القصور وشرها ... يأوي الخراب ويسكن الناووسا\rلو جادت الدنيا فدتك بنفيسها ... أو جاهدت كتبت عليك حبيسا\rوقال أيضاً:\rأنوك من عبد ومن عرسه ... من حكم العبد على نفسه\rوإنّما يظهر تحكيمه ... تحكم الإفساد في حسه\rما من يرى انك في وعده ... كمن يرى انك في حبسه\rالعبد لا تفضل أخلاقه ... عن فرجه المنتن أو ضرسه\rلا ينجز الميعاد في يومه ... و لا يعي ما قال في أمسه\rوإنّما تحتال في جذبه ... كأنك الملاح في قلسه\rفلا ترج الخير عند امرئٍ ... جالت يد النخاس في رأسه\rوإنَّ عراك الشك في نفسه ... بحال فأنظر إلى جنسه!\rوقال أبو العلاء المعري:\rلا يوهمك أنَّ الشعر لي خلق ... و إنني بالقوافي دائم الأنس\rفإنما كان إلمامي بساحتها ... في الدهر إلمام طير الماء بالعلس\rالعلس: حب معروف وطير الماء لا تأكل الحبوب، وإنّما تصطاد السمك الصغار. وأراد بذلك التبرئة من قول الشعر.\rوقال أسقف نجران:\rمنع البقاء تقلب الشمس ... و طلوعها من حيث لا تمسي\rوطلوعها حمراء صافيه ... و غروبها صفراء كالورس\rتجري على كبد السماء كما ... يجري حمام الموت في النفس\rلطيفة: حدث بعض الأدباء عن الأصمعي قال: حضرت مجلس الرشيد، وعند مسلم بن الوليد إذ دخل أبو نواس فقال له: ما أحدثت بعدنا؟ يا أبا نواس! فقال: يا أمير المؤمنين، ولو في الخمر؟ فقال: قاتلك الله، ولو في الخمر! فأنشده:\rيا شقيق النفس من حكم ... نمت عن ليلى ولم أنم!\rو فيها قوله:\rفتمشت في مفاصلهم ... كتمشي البرء في السقم\rحتى أتى على أخرها. فقال: أحسنت يا غلام، أعطه عشرة آلاف وعشر خلع! فأخذها وخرج. فلما خرجنا من عنده قال مسلم بن الوليد: ألم تريا أبا سعيد إلى الحسن بن هانئ كيف سرق من شعري وأخذ به مالا وخلعا؟ فقالت: وأي معنى سرق؟ قال: قوله: فتمشت في مفاصلهم . . \" البيت \" . فقلت: وأي شيء قلت؟ قال: قلت:\rغراء في فرعها ليل على قمرٍ ... على قضيب على غصن النقا الدهس\rأذكى من المسك أنفاساً وبهجتها ... أرق ديباجة ًمن رقة النفسِ\rكأنَّ قلبي وشاحها إذا خطرت ... و قلبها قلبها في الصمت والخرسِ\rتجري محبتها في قلبِ وامقها ... جري السلافة في أعضاء منتكسِ\rفقلت: ممن سرقت أنت هذا المعنى؟ فقال: لا أعلم أنني أخذته من أحد. فقالت: بلى! من عمر بن أبي ربيعة حيث يقول:\rأما والراقصات بذات عرقٍ ... و ربَّ البيت والركن العتيقِ\rوزمزم والطواف ومشعريها ... و مشتاقٍ يحن إلى مشوقِ\rلقد دب الهوى لك في فؤادي ... دبيب دم الحياة إلى العروقِ\rقال: ممن سرق عمر بن أبي ربيعة؟ قلت: من بعض العذريين حيث يقول:\rواشرب قلبي حبها ومشى به ... كمشي حميم الكأس في عقل شاربِ\rودب هواها في عظامي وحبها ... كما دب في الملسوع سم العقاربِ\rفقال لي: من أخذ هذا العذاري؟ قلت: من أسقف نجران يعني السابق.\rوقال أبو الفتح البستي:\rيا أكثر الناس إحسانا إلى الناس ... و أكرم الناس إغضاء عن الناس\rنسيت عهدك والنسيان مغتفر ... فاغفر فأول ناس أوّل الناس!\rوقال مسلم بن الوليد في تفضيل الورد:\rكم من يد للورد مشهورة ... عندي وليس كيد النرجس\rالورد يأتي ووجوه الربى ... تضحك عن ذي برد أملس\rوقد تحلق بعقود الندى ... ثابتة في الأرض لم تغرس\rولن ترى النرجس حتى ترى ... روض الخزامى رثة الملبس\rوتخلف النكباء ما جددت ... أيدي الغوادي في سنا السندس\rوهناك يأتيك غريبا على ... شوقٍ من الأعين والأنفس\rغيره:\rمن أحسن الظن بأعدائه ... تجرع الهم بلا كاس\rقال الصفدي: ولو كنت ناظم هذا البيت لقلت: من احسن الظن بأحبابه، ولم اقل: بأعدائه.\rولله در القائل:","part":1,"page":340},{"id":341,"text":"جزى الله خيرا كل من ليس بيننا ... و لا بينه ود ولا متعرف\rفلا نالني ضيم ولا مسني أذى ... من الناس إلاّ من فتى كنت أعرف!\rوقال: يقال إنَّ رجلا كان على عهد كسرى يقول: من يشري ثلاث كلمات بألف؟ ولا يجد، إلى أن اتصل بكسرى، فأحضره وسأله عنها فقال: ليس في الناس كلهم خير. قال: صدقت! ثم ماذا؟ فقال: ولا بد منهم! قال: صدقت! ثم ماذا؟ قال: فألبسهم على حذر! فقال قد استوجبت المال، فخذه! قال: لا حاجة لي به، وإنّما أردت أن أرى من يشتري الحكمة! وقال أبو فراس:\rمالي أعاتب دهري أين يذهب بي؟ ... قد صرح الدهر لي بالمنع والياس\rأبغي الوفاء بدهر لا وفاء به ... كأنني جاهل بالدهر والناس\rو نحوه في المعنى قوله أيضاً:\rأين الخليل الذي يرضيك باطنه ... مع الخطوب كما يرضيك ظاهره؟\rو قول أبن الساعاتي:\rلا يغرنك لتودد من قوم ... فإنَّ الوداد منهم نفاق\rوالقلوب الغلاظ لا ينزع الأحقاد ... منها إلاّ السيوف الرقاق\rو قول آخر:\rلا تثق من آدمي ... في وداد بصفاء!\rكيف ترجو منه صفواً ... و هو من طين وماء؟\rو قول الآخر:\rومن يك اصله ماء وطينا ... بعيد من جلبته الصفاء\rوقال أبن قلاقس:\rغاض الوفاء وفاض ماء ... الغدر أنهارا وغدرا\rوتطابق الأقوام في ... أقوالهم سراً وجهرا\rفأنظر بعينيك هل ترى ... عرفا وليس تراه نكرا!\rو هو من قول الطغرائي:\rغاض الوفاء وفاض الغدر وانفجرت ... مسافة الخلف بين القول والعمل\rو ما أعدل قول محي الدين بن تميم في هذا:\rلك الخير كم صاحبت في الناس صحبا ... فما نالني منهم سوى الهم والعنا\rوجربت أبناء الزمان فلم أجد ... فتى منهم عند المضيق ولا أنا!\rو مثله لبعضهم:\rطفت زمانا على من ينصفني فلما أنصفت خنته أنا\rوتتميم هذا الغرض في موضع آخر، إن شاء الله تعالى.\rغيره:\rلم يكفني في الرأي خيبة منظري ... حتى حرمت لذاذة الإيناس\rكالأعور المسكين أعدم عينه ... و أعتاض منها بغضة في الناس\rو وقال الآخر: محي الدين محمّد بن تميم في مليح ينسى كثيرا:\rبروحي الذي نسيانه صار عادة ... و أفرط حتى كاد يعدمه الحشا\rفلو إنّه بالهجر أضحى مهددي ... لمّا ساءني علما به إنّه ينسى\rوقال الآخر:\rوالله ما طلعت شمس ولا غربت ... إلاّ وأنت مني وقلبي ووسواسي\rولا جلست إلى قوم أحدثهم ... إلاّ وأنت حديثي بين جلاسي\rولا هممت بشرب الماء من ظمأ ... إلاّ رأيتن خيالاً منك في الكأس!\rوقال الآخر:\rإنَّ صحبنا الملوك تاهوا علينا ... و استخفوا جهلا بحق الجليس\rأو صحبنا التجار عدنا إلى البؤس ... و صرنا إلى عديد الفلوس\rفلزمنا البيوت نستعمل الحبر ... و نملا به وجوه الطروس\rوقعنا بما رزقنا فصرنا ... أمراء على الملوك الرؤوس!\rفقال آخر، مذيلاً لهذا الشعر:\rلو تركنا وذاك كنا ظفرنا ... من أمانينا بعلق نفيس\rغير أنَّ الزمان أعني بنيه ... حسودا على حياة النفوس\rو قلت أنا:\rإني امرؤ لا أنثني غبنا ... يوم المصاع بصفقة الوكس\rوإذا استطان البون من فرق ... لا ينزوي خلدي على رجس\rوإذا الزمان أحال نائبه ... حالي عففته فلم يحل نفسي\rوإذا تطاول لم\rوإذا استطاب الهون محتسبا ... نذل فلست تراه في كأسي\rأرعى الهبيد على القنان ولا ... أرعى بوهد أطيب الخلس\rوألذ آنية المياه إذا ... كان الفرات يشاب بالكرس\rوإذا استينت الخسف في بلدٍ ... يوما ومت لغيره عنسي\rإنَّ البلاد لذي الحجى وطن ... و الناس كلهم بنو جنس\rويحكى إنَّ أبن سكرة في آخر أمره، لمّا مات الوزير المهلبي، سأل: ما أعددت للشتوة؟ فقال:\rقيل: ما أعددت للبرد ... فقد جاء بشده؟\rقلت: دراعة عري ... تحتها جبة رعده!\rو قلت أنا فيها، وجعلتها ثمانيا:\rإذا أومض البرق اليماني وأظنبت ... على الأرض من جنون الولي قباب","part":1,"page":341},{"id":342,"text":"فلد بثمان هن في الدهر للفتى ... و قاء إذا ما نالها وحجاب:\rكباب وكانون وكن وكاعب ... و كأس وكيس وكسوة وكتاب!\rو جمع بعضهم للصيق راآت ثمانية قابل بها كافات الشتاء، فقال:\rعندي فديتك راآت ثمانية ... ألقى بها الحر إنَّ وافى وردا:\rرب وروح وريحان وريق رشا ... و رفرف ورياض ناعم وردا\rو قد فتن الأدباء في هذا الغرض، فجمعوا هذا النمط أعداد، كقول بعضهم:\rرمتنا يد الأيام عن قوس خطبها ... بسبع وهل ناج من السبع سالم:\rغلاء وغارات وغزوة وغربة ... و غم وغدر ثم غبن ملازم!\rو كقول أبن التعاويذي:\rإذا اجتمعت في مجلس الشرب سبعة ... فبادر فما التأخير عنه صواب:\rشواء وشمام وشهد وشادن ... و شمع وشاد مطرب وشراب!\rو قول الآخر:\rعجل إلي فعندي سبعة كملت ... و ليس فيها اللذات أعوان:\rطار وطبل وطنبور وطاس طلا ... و طفلة وطباهيج وطنان\rو قوله:\rجاء الخريف وعندي من حوائجه ... سبع بهن قوام السمع والبصر:\rموز ومن ومحبوب ومائدة ... ة مسمع ومدام طيب ومري\rو قول الصفدي:\rإذا تبين لي في مصر واجتمعت ... سبع فإني في اللذات سلطان:\rخدر وخمر وخاتون وخادمها ... و خلسة وخلاعات وخلان\rو قوله:\rثمانية إنَّ يسمح الدهر لي بها ... فليس عليها بعد ذلك مطلوب:\rمقام ومشروب ومزح ومأكل ... و مله ومشموم ومال ومحبوب\rوقوله:\rإلى متى أنا لا انفك في بلدٍ ... و رهن جيمات جورٍ كلها عطب:\rالجوع والجري والجريان والجدري ... و الجهل والجبن والجرذان والجرب؟\rو قول الآخر:\rإذا كان في اسم المرء شين هوت به ... إلى الشر فليحذر أذاه المحاذر:\rشريف وشيعي وشيخ وشاهد ... و شمر وشريب وشرح وشاعر\rسوى الشافعي أو شاهد راق حسنه ... كذا الشهداء المتقون وشاكر\rو هذه الأشعار، كما ترى، الكثير من أصحابها يقصد إلى إحراز غرض يفوته أغراض، فتجده إذا وفى بذلك الغرض تعلل به ولم يتحرز عن اللفظ الخسيس، ولا عن المقصد السقيم، ولا عن التركيب المختل، والسبك الركيك والحشو، وغير ذلك مما ينبئ إنَّ قائله متكلف رازم العارضة لين الجلدة، غير مطبوع.\rوقال أعرابي يهجو قوما من طيء:\rولمّا أن رأيت بني خريقٍ ... جلوسا ليس بينهم جليس\rيئست من التي أقبلت أبغي ... لديهم إنني رجل يؤوس\rإذا ما قلت: أيهم لأي ... تشابهت المناكب والرؤوس!\rقوله: ليس بينهم جليس، أي لا ينتجع الناس معروفهم فليس فيهم غيرهم وهذا من أقبح الهجو.\rوقال أبو بكر الخوارزمي:\rيا من يحاول صرف الراح يشربها ... و لا يفك لمّا يلقاه قرطاس\rالكأس والكيس لم يقض امتلاؤهما ... ففرغ الكيس حتى تملأ الكاسا!\rوقال عمرو بن معدي كرب:\rأ توعدني كأنك ذو رعين ... بأنعم عيشة أو ذو نواس؟\rفلا تفخر بملكك، كل ملك ... يصير لذلةٍ بعد الشماس!\rو لنكتف بهذا القدر من هذا الباب! والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.\rباب الشين المعجمة\rأشأم من البسوس.\rالشؤم ضد اليمن، الشؤم الرجل بالضم على قومه وشئم عليهم بالبناء للمجهول: صار شؤما عليهم، وهو مشؤوم ومشوم والجمع مشائيم. قال الشاعر:\rمشائيم ليسوا مصالحين عشيرة ... و لا ناعب إلاّ ببين غرابها\rو شأمهم وشأم عليهم بالفتحح فيهما فهو شائم؛ والبسوس بالفتح الناقة لا تدر إلاّ بالابساس أي التلطف بها بأن يقال لها: بس، بس! كما مر. والبسوس أيضاً امرأة مشومة، وهي المضروب بها المثل.\rوكانت هذه المرأة أعطي زوجها ثلاث دعوات مستجابات، فقالت له: اجعل لي واحدة منهم! قال:: نعم فما تريدين؟ قالت: أدع الله أن يجعلني اجمل امرأة في بني إسرائيل! ففعل فرغبت عنه وهت بسيئ فدعا الله إنَّ يجعلها كلبة نباحة. فجاءه بنوها وقالوا: ما لنا على هذا من قرار يعيرنا بها الناس، فادع الله إنَّ يعدها إلى حالها! فدعا لها فهبت الدعوات كلها بشؤمها.\rأشأم من بني بسوس.","part":1,"page":342},{"id":343,"text":"ويقال أشام من البسوس. والبسوس أيضاً اسم امرأة من العرب، وهي خالة جساس بن مرة. وكان لمرة هذا عشرة من الولد، منهم جساس، ونضلة والحارث وهمام بنو مرة وهم من بني بكر بن وائل. وكان كليب بن ربيعة التغلبي من العزة والشرف في وائل بالمحل الذي لم يدرك وكان تحت كليب جليلة بنت مرة أخت جساس وكان لكليب حمى حماه لا يقربه أحد. ثم إنَّ جساس جاءته خالته البسوس فنزلت عليه، وكان لها أبن، وناقة يقال لها سراب بفصيلها. فدخلت سراب حمى كليب، فوجدها فيه وقد كسرت بيض حمر قد أجارها. فرماها بسهم فأصاب ضرعها. ويقال إنّه سأل عن الناقة فقيل له إنّها لخالة جساس، فقال: أو يبلغ من قدره إنَّ يجير دون إذني؟ وكان لا يجير أحد إلاّ بإذن كليب. فقال: يا غلام، ارم ضرعها! فرماه بسهم وقتل فصيلها، ونفى ابل جساس عن المياه وطردها على شبيث والاحص، وهما ماءان، حتى بلغ غدير الذئاب، فجاء جساس فقال: نفيت عن المياه مالي حتى تهلكه! فقال كليب: أنا للمياه شاغلون فقال استحللت تلك الإبل! فعطف عليه جساس فرسه فطعنه. فلما أحس بالموت قال: يا جساس، اسقني ماء! فقال: تجاوزت شبيبا والأحص! وآحتز رأسه وجاء مسرعا. فقالت أخته لأبيه: إنَّ جساس جاء خارجة ركبتها. فقال: والله وا خرجتا إلاّ لأمر! فلما بلغه قال: ما وراءك؟ قال: طعنت طعنت لتشغلن شيوخ وائل رقصا! قال: فتلت كليباً؟ قال: نعم! قال: وددت انك وأخوتك متم قبل هذا! ما بنا إلاّ أنَّ تتشاءمنا وائل! ثم لقيه أخوه نضلة فقال:\rوإني قد جنيت عليك حربا ... تغيض الشيخ بالماء القراح\rفأجابه نضلة:\rفإنَّ تك قد جنيت علي حربا ... فلا وانٍ ولا رث السلاح\rو كان أخوه همام قد آخى مهلهلا، أخا كليب، وعاهده إلاّ يكتمه شيئاً. فجاءته أمه له وعنده مهلهل، فأسرت إليه الخبر. فقال الملهل: ما قالت؟ فلم يخبره، فذكر العهد فقال أخبرت أنَّ جساسا قتل أخاك كليبا. فقال: أست أخيك أضيق من ذلك! فقال مهلهل في ثأر أخيه، واجتمعت أشراف تغلي وأتوا مرة فتكلموا في القصاص من جساس وإخوانه. فذهب مرة إلى الدية فغضبت تغلب ووقعت الحرب بينهم أربعين سنه حتى ضربت بها العرب المثل الشؤم والشدة. وهي التي يقال لها حرب البسوس. ومن جملة ما وقع بينهم خمس وقائع عظام، أولاها يوم عنيزة، وهو المذكور في قصيدة مهلهل الرائية المشهورة، حيث قال:\rكأنا غدوة وبني أبينا ... ببطن عنيزة رحيا مدير\rو آخرها قتل جساس بن مرة. وكان سبب قتله أنَّ نساء تغلب لمّا اجتمعن للمأتم على كليب، قلن لأخت كليب: رحلي جليلة عن مأتمك، فإنَّ قيامها عار علينا وشماتة بنا! فقالت لها: اخرجي يا هذه عن مأتمنا، فإنك شقيقة قاتلنا! فرحلت وهي حامل. فولدت غلاما وسمته هرجسا، ورباه جساس، فكان لا يعرف أبا غيره، فزوجه ابنته. فوقع يوما بينه وبين بكري كلام، فقال البكري: ما أنت بمنته حتى الحقك بأبيك فأمسك عنه ودخل إلى أمه فسألها الخبر. فلما أوى إلى فراشه وضع أنفه بين ثديي زوجته وتنفس تنفسة نفط ما بين ثدييها من حرارتها. فقامت الجارية فزعة ودخلت إلى أبيها فأخبرته فقال: ثائر ورب الكعبة! فلما أصبح أرسل إلى الهجرس فأتاه فقال: إنما لأنت ولدي ومعي وقد كانت الحرب في أبيك زمنا طويلا حتى تفانيا وقد اصطلحنا الآن. فانطلق معي حتى نأخذ عليك ما أخذ علينا! فقال: نعم ولكن مثلي لا يأتي قومه إلاّ بسلاح! فأتيا جماعة من قومهما فقص عليهم جساس ما كانوا فيه من البلاء وما صاروا إليه من العافية ثم قال: هذا أبن أختي قد جاء ليدخل فيما دخلتم فيه. فلما قربوا الدم أخذ بوسط رمحه وقال: وفرسي وأذنيه ورمحي ونصليه وسيفي وغراريه ودرعي وزريه! لا يترك الرجل قاتل أبيه وهو ينظر إليه. ثم طعن جساسا فقتله ولحق بقومه.فكان آخر قتيل نتهم.\rوفي هذه القصة اضطراب كغيرها من الحكايات الجاهلية.\rأشأم من خوتعة.\rخوتعة بالتاء المثناة على مثل جوهرة هو رجل من بني عقيلة ذل كنيف بن عمر التغلبي وأصحابه على بني الزبان الذهلي لترةً كانت لهم في عمرو بن الزبان فقتلهم. وتقدم شرح القصة وما يعرف به وجه الشؤم في حرف الهمزة.\rأشأم من الأخيل.\rالأخيل هو الشقراق وقيل طائر آخر وهو مشؤوم وجمعه خيلٌ بكسر الخاء.\rأشأم من داحس.","part":1,"page":343},{"id":344,"text":"داحس بوزن فاعل فرس لقيس بن زهير وعليه وقعت المسابقة بينه وبين أبني حذيفة حتى هاجت الحرب بذلك بين عبس وذبيان أربعين سنة. ويقال لهذه الحرب حرب داحس. وتقدم تفسير القصة في حرف التاء.\rأشأم من الدهيم.\rالدهيم بوزن الزبير الداهية؛ والدهيم أيضاً: الأحمق؛ والدهيم أيضاً: ناقة عمرو بن الزبان الذهلي قتل هو واخوته وحملت رؤوسهم عليها وقالوا: أشأم من الدهيم. وتقدم أنَّ خوتعة هو الذي ذل عليهم. والقصة في حرف الهمزة.\rوذكر أبو عبيد أنَّ هذا هو الأصل في إطلاق الدهيم على الداهية.\rوذكر البكري أيضاً هذه القصة فقال: كان من خبر الدهيم أنَّ مالك بن كرمة الشيباني لقي كنيف بن عمرو وكان مالك نحيفا وكان كنيف ضخما. فلما أراد مالك أسر كنيف اقتحم كنيف عن فرسه لينزل إليه مالك فيبطش به. فأوجره مالك السنان وقال: والله لتستاسرن أو لأقتلنك. فأدركهما عمرو بن الزبان فاختصما فيه هو ومالك فقالا: قد حكمنا كنيفا. فقال: من اسرك يا كنيف؟ فقال: والله لولا مالك لكنت في أهلي! فلطمه عمرو بن الزبان فغضب مالك وقال: أتلطم أسيري؟ ثم قال: إنَّ فاءك يا كنيف مائة ناقة وقد وهبتها لك بلطمة عمرو وجهك! فجز ناصيته وأطلقه. ولم يزل كنيف يطلب عمرو بن الزبان باللطمة حتى دله عليه رجل من عقيلة وقد ند لهم إبل. فخرج عمرو واخوته في طلبها وأدركها وذبحوا حوارا واشتووه وجعلوا يأكلون. فغشيهم كنيف في ضعف عددهم. فلما كشف كنيف عن وجهه قال له عمرو: يا كنيف إنَّ في خدي وفاء من خدك وما في بكر بن وائل أكرم من خدي. فلا تشب الحرب بيننا وبينك! فقال: كلا! أو أقتلك وأقتل اخوتك. فقتلهم وجعل رؤوسهم في مخال وعلقها على ناقة لهم يقال لها الدهيم فجاءت الناقة إلى الحي على نحو ما ذكرنا في الهمزة. فضرب حمل الدهيم مثلا في البلايا العظام.\rأشأم من سراب.\rسراب بوزن قطام هي ناقة البسوس خالة جساس بن مرة قاتل كليب وبسببها وقعت حرب البسوس. فتشاءمت العرب بها وتقدم آنفا شرح القصة. وهذا المثل هو المحفوظ في هذه القصة.\rوأما قولنا أوّلاً: أشأم من بني بسوس فهو على ما وقع في كلام بعض الأدباء وليس بجيد لأن المتشاءم به هو إما البسوس نفسها لا بنوها وأما ناقتها سراب كما هنا. ولو قيل: أشأم من بني مرة وهم جساس وإخوته لكن أيضاً صحيحا كما قال مرة لجساس حين قتل كليبا: ما بنا إلاّ أن تتشاءم منا أشياخ وائل! وقدم هذا كله.\rأشأم من الشقراء.\rالشقراء مؤنث أشقر وهي هنا علم فرس شيطان بن لاطم قتلت وقتل صاحبها فقالوا: أشأم من الشقراء. وفيها كلام تقدم في الهمزة.\rأشأم من طويس.\rطويس على مثل زبير مخنث كان بالمدينة وكان اسمه طاووسا. فلما تخنث سمي طويسا وهو مصغره بحذف الزوائد ويكنى أبا عبد المنعم. ويقال إنه أول من غنى في الإسلام. وكان يقول: إنَّ أمي كانت تمشي بالنمائم بين النساء الأنصار فولدتني في الليلة التي توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفطمتني يوم مات أبو بكر وبلغت الحلم يوم مات عمر وتزوجت يوم قتل عثمان وولد لي يوم قتل علي. فمن مثلي؟ ويقال إنه قال: يا أهل المدينة توقوا الدجال ما دمت بين أظهركم فإذا مت فقد أمنتم لأني ولدت في الليلة التي توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ ما مر. وكان يقول في نفسه: أنا أبو عبد المنعم أنا طاووس الجحيم أنا أشأم من يمشي على ظهر الحطيم إلى غير ذلك مما لا نطول به من أخباره.\rأشأم من عطر منشمٍ.\rالعطر بالكسر معروف وتقدم في حرف الباء؛ ومنشم على مثل مجلس امرأة كانت بمكة عطارة وهي بنت المجية. وكانت خزاعة وجرهم إذا اقتتلوا تطيبوا من عطرها. فكانوا إذا فعلوا ذلك كثرت القتلى فقالوا:أشأم من عطر منشم.\rوقال زهير بن أبي سلمى:\rتداركتما عبساً وذبيان بعدما ... تفانوا ودقوا بينهم عطر منشمِ\rوالمنشم أيضاً بكسر الشين وفتحها عطر صعب القرآن وقيل هو قرون السنبل سم ساعة وحمل عليه بيت زهير المذكور.\rأشأم من غراب البين.\rغراب البين قيل هو الحمر النقار والرجلين وقيل الأبقع منها وهو الذي في صدره بياض. قال عنترة:\rضعن الذين فراقهم أتوقع ... وجرى بينهم الغراب الأبقعُ","part":1,"page":344},{"id":345,"text":"و إنّما قال ذلك لأنه سمع نعيبه قبل رحيلهم فتشاءم به والعرب تتشاءم به. وسموه غراب بين لأنه بان عن نوح عليه السلام لمّا وجهه لتنظر إلى الماء فذهب ولم يرجع ولذلك تشاءموا به. وقيل لأنّه ينعب في منازلهم إذا بانو عنها وينزل في مواضع إقامتهم إذا ارتحلوا منها. فلما كان يوجد عند بينونتهم اشتقوا له اسما من البينونه وتشاءموا به لإنذاره بالبين وإعلامه بالفراق من كلام عنترة. وعلى هذا كل غراب فهو غراب البين. وقد قيل إنّما اشتقت الغربة والاغتراب والغريب من الغراب وأهل الزجر يلمحون ذلك ويتطيرون به كما قال قائلهم:\rوصاح غرابٌ فوق أعواد بانةٍ ... بأخبار أحبابي فقسمني الفكر\rفقلت: غراب لاغترابٍ وبانةٌ ... ببين النوى تلك العيافة والزجرُ\rوهبت جنوبٌ باجتنابي منهم ... و هاجت صباً قلت: الصبابةُ والهجر!\rوقال الإمام المقدسي في وصف غراب البين: هو غراب أسود ينوح نوح الحزين المصاب وينعق بين الخلان والأحباب إن رأى شملا مجتمعا أنذر بشتاته ربعاً عامرا أنذر بخرابه ودروس عرصاته يعرف النازل والساكن بخراب الدور والمساكن ويحذر الآكل غصة المأكل ويبشر الراحل بقرب المراحل ينعق بصوت فيه تحزين كما يصيح بالتأذين. وأنشد على لسان حاله:\rأنوح على ذهاب العم مني ... و حق أن أنوح وأن أنادي\rوأندب كلما عاينت ربعاً ... حدا بهم أوشك البين حادي\rو تقدم تمام هذه القصيدة في الدال.\rأشأم من قدارٍ.\rقدار بالقاف والدال المهملة على مثل غراب هو قدار بن سالف عاقر الناقة والقدار: الجزار. وقد قيل إنَّ قدارا هذا كان جزارا.\rوقد يقال في المثل: أشأم من أحمر ثمود وهو قدار المذكور. قال زهير:\rفتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتفطمِ\rقيل: أراد \" أحمر ثمود \" فغلط. وقيل ثمود من عاد وكان من خبره في عقر الناقة على اختصار أنَّ ثمودا كانت تبني على طول أعمارها. فاتخذوا من الجبال بيوتا يسكنوها في الشتاء كما قال الله تعالى وبنو قصرا يسكنونها في الصيف. فلما بعث الله إليهم صالحا على نبينا وعليه الصلاة والسلام قال له زعيمهم: إن كنت صادقا فأظفر لنا من هذه الصخرة ناقة على صفة كيت وكيت! فأتى الصخرة فتمخضت كالحامل وانشقت عن الناقة ثم تلاها سقبها. فآمن به كثير منهم. فكان شربها يوما وشربهم يوما. فإذا كان يوم شربها حلبوها فملؤوا من لبنها كل إناء ووعاء. فلما امتنعت إياهم من الماء في يوم شربها استثقلوها. وكان فيهم امرأتان: عنزة وصدوق بذلنا أنفسهما لقدار على أن يعقر الناقة. وكان قدار أشقر أزرق قصيرا. وكان له صديق يعينه على الفساد في الأرض وكانا في تسعة من أهل الفساد. فضرب قدار عرقوبها بسيفه وضرب صاحبه العرقوب الآخر والتهموا لحمها. فخرجت ثمود إلى صالح وتزعم أنها لا ذنب لها.\rفقال: انظروا هل تدركون فصيلها، فعسى أنَّ يرفع العذاب! فالتمسوه، فصعد إلى جبل يقال له الغارة، وطال الجبل به السماء حتى ما تناله الطير وبكى، ثم أستقبلهم ورغا ثلاثا صالح: دعوة أجهلها ذاك تمتعوا في داركم ثلاثة أيام. ذلك وعد غير مكذوب! وآية ذلك أنَّ تصبح وجوههم في اليوم الأول مصفرة، وفي الثاني محمرة، وفي الثالث مسودة. فلما رأوا صدقه في أوّل يوم أرادوا قتله، فمنع منهم. فلما رأوا صدقه في الثالث تجملوا وتكفنوا وبكوا وضجوا، وجعلوا ينظرون من أين يأتيهم في ديارهم جاثمين. فعقروها يوم الأربعاء وأصيبوا يوم الأحد.\rقيل :و إنّما أصيبوا والمذنب بعضهم، لأنهم رضوا فعله، أي فصاروا كلهم مذنبين بذلك. وبلدهم بين الشام والحجاز إلى ساحل البحر الجبشي. وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم بقريتهم ونهى الناس عن دخولها، ولمّا رأى صالح إنّها دار سخط ارتحل بمن معه إلى مكة. فلم يزالوا بها حتى توفاهم الله تعالى. قيل: قبورهم في غربي البيت بين دار الندوة والحجر. وقال الشاعر:\rكانت ثمود ذوي عز ومكرمةٍ ... ما إنَّ يضام لهم في الناس من جار\rفأهلكوا ناقة كانت لربهم ... قد أنذروها فكانوا غير أبرار\rوقال الآخر في المثل المذكور:\rوكان أضر فيهم من سهيل ... إذا أوفى وأشأم من قدار\rو مراد هذا الشاعر،، بصدر البيت، ما يزعمون من إنَّ أكثر موت البهائم يكون عند طلوع سهيل. قال أبو الطيب:","part":1,"page":345},{"id":346,"text":"وتنكر موتهم وأنا سهيل ... طلعت بموت أولاد الزناء\rوقال أبو العلاء:\rلا تحسبي إبلي سهلا طالعا ... بالشام فالمرئي شعلة قابس\rبل وغير البهائم أيضا، كما قال الأول: بال سهيل في الفضيخ ففسد\rأشأم من قاشرٍ.\rقاشر بالقاف والشين على وزن صاحب قال الجوهري: وهو فحل كان لبني عوافة بن سعد بن زيد مناة بن تميم. وكانت لقومه ابل تذكر. فاسطرقوه رجاء أنَّ تؤنث، فماتت الإبل والنسل. وقال الحريري: هو فحل كان في بعض قبائل سعد بن زيد أبن مناة، ما طرق إبلا إلاّ ماتت.\rوقيل: المراد به العام المجدب. وسمي قاشر لقشرة وجه الأرض من النبات. انتهى. قلت: والمعروف في اللغة إنَّ العام المجدب يقال له القاشور. قال الراجز:\rوابعث عليهم سنة قاشوره ... تحتلق المال أحتلاق النورة!\rو القاشور أيضاً: المشؤوم. ويقال: قشرتم إذا شأمهم.\rشب عمرو عن الطوق.\rالشباب: الفتاء يقال شب الغلام يشيب شباباً؛ وعمرو هو أبن عدي بن نصر اللخمي، أبن أخت جذيمة، أوّل ملوك لخم بالحيرة، بعد خاله جذيمة، كما تقدم ذلك في قتله للزباء؛ والطوق بالفتح حلي يجعل للعنق، وكل ما أستدار بالشيء. وكان من خبر عمرو في الطوق إنَّ جذيمة بلغه أنَّ غلاما من لخم يقال له عدي بن نصر عند أخواله من أيادٍ غاية في الظرف والأدب. وكان جذيمة قد أغار على أياد، فسرقت أياد صنمين كانا لجذيمة مشهورين. ثم عاهدوا على أنَّ يردوا إليه صنمية وأنَّ لا يغزوهم أبدا في قصة مشهورة. فشرط عليهم أنَّ يبعثوا مع الصنمين بالغلام الموصوف. فلما انتهى إليه ولاه مجلسه وكأسه والقيام على رأسه. فتعشقته رقاش بنت مالك، أخت جذيمة فقالت له: يا عدي، إذا سقيتهم فأمزج لهم وعرق الملك! أي امزج له قليلا كالمعروق فإذا أخذت منه الخمر فأخطبني له وأشهد الجماعة؟ ففعل الغلام، وزوجه جذيمة وأشهد عليه. فانطلق إليها وعرفها. فعلمت إنّه سينكر إذا أفاق، فقالت له: أدخل لأهلك! فبات عدي معرسا بها، وأصبح في ثياب جدد. ودخل على جذيمة فقال: ما هذه الآثار، يا عدي؟ قال: آثار العرس. قال: أي عرس؟ قال: عرس رقاش. فنخر جذيمة وأكب لوجهه غضبا. فهرب عدي ولحق بقومه، وبقي هناك حتى مات وقيل: بل أدركه جذيمة فقتله وبعث إلى أخته رقاش يقول:\rحدثيني وأنت لا تكذبيني ... أبحر زنيت أم بهجين؟\rأم بعبد فأنت أله لعبد ... أم بدون فأنت أهل لدون؟\rفقالت له: زوجتني كفئاً كريما من أبناء الملوك! وقالت تجيبه:\rأنت زوجتني وما كنت أدري ... و أتاني النساء للتزيين\rذاك من شربك المدامة صرفا ... و تماديك في الصبا والمجون!\rثم إنّه جعلها في قصره، فاشتملت على حمل، فولدت وسمته عمرا ورشحته، فلما ترعرع حلته وعطرته وألبسته كسوة وأزارته خاله. فأعجب به وألقيت عليه منه محبة وقيل تبناه، وكان لا يولد له. وخرج جذيمة في عام مخصب وبسط له في روضة، وخرج عمرو بن عدي في غلمة يجنتون الكمأ، فكان منهم من وجد طيبة أكلها، وعمرو إذا أصابها خبأها. ثم أقبلوا يسرعون، وعمرو يقدمهم وهو يقول:\rهذا جناي وخياره فيه ... إذ كل جان يده إلى فيه!\rفالتزمه جذيمة وحباه.\rثم إنَّ الجن استهوت عمراً ففقد فطلبه جذيمة في آفاق الأرض، فلم يسمع له خبرا حتى أقبل رجلان من بلقين وهما مالك وعقيل، ابنا فالح من الشام يريدان الملك بهدية ومعهما قينة يقال لها أم عمرو. فبينما هما على ماء، وقد هيأت لهما القينة طعاما وجعلا يأكلان، إذ أقبل رجل أشعت الرأس قد طالت أظفاره وساءت حاله. فناولته القينة طعاما وسقت صاحبيها. فقال عمرو: اسقني! فقال: لا تطعم العبد الكراع، فيطمع في الذراع! وأوكت سقاءها. فقال عمرو:\rصددت الكأس عنا أم عمرو ... و كان الكأس مجراها اليمينا\rوما شر الثلاثة أم عمرو ... بصحابك الذي لا تصحبينا!","part":1,"page":346},{"id":347,"text":"فقالا له: من أنت يا فتى؟ قال أنا عمرو بن عدي. فأخذاه وغسلا رأسه وقلما أظفاره وأخذا من شعره وقالا: ما كنا لنهدي إلى الملك هدية هي عنده أنفس ولا هو عليها أكثر صفدا من أبن أخته! وحملاه معهما حتى بلغاه جذيمة. فسر به سروراً شديداً وصرفه إلى أمه وقال: تمنيا علي! فقلا: منادمتك، ما بقيت وما بقينا. فنادمهما. ويقال انهما أقاما في منادمه أربعين سنة يحدثانه، فما أعادا عليه حديثا. وهما ندما جذيمة المشهوران المضروب بهما المثل في شدة الألفة والمصاحبة، في قول أبي خراش:\rتقول: أراه بعد عروة لا هيا ... و ذلك زرء لو علمت جليل\rفلا تحسبني أنَّ قد تناسيت عهده ولكن صبري يا أميم جميل\rألم تعلمي أنَّ قد تفرق قبلنا ... نديما صفاء: مالك وعقيل؟\rو في قول متمم بن نويرة يرثي أخاه مالكا:\rوكنا كندماني جذيمة حقبه ... من الدهر حتى قيل: لن يتصدعا\rفلما تفرقا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا!\rو في قول بعض المحدثين:\rنحن كنا في التصافي ... مثل ندماني جذيمه\rفأتى الصرم بيوم ... دونه يوم حليمه\rتقدح الأيام حتى ... في المودات القديمه\rوكان قبل ذلك جذيمة لا ينادم أحدا، زهوا وكبرا، ويقول: هو أعظم من أن ينادم إلاّ الفرقدين! فكان يشرب كأسا ويريق للفرقدين كأسا. ثم إنَّ رقاش أخذت ابنها عمرا وأدخلته الحمام. فلما خرج ألبسته من فاخر الثياب وجعلت في عنقه طوقا من ذهب كان له، وأمرته بزيارة خاله. فلما رأى جذيمة لحيته، والطوق في عنقه، قال: شب عمرو عن الطوق! وقيل إنّها لمّا أرادت أنَّ تعيد الطوق عن عنقه قال لها جذيمة: كبر عمرو عن الطوق! فذهبت مثلا يضرب للابس ما دون قدره.\rأشبه من الغراب بالغراب.\rأشبه بالكسر والشبه بفتحتين، والشبيه: المثل، وجمعه اشباه؛ وشابهه، وأشبهه: ماثله؛ واشتبها وتشابها: تماثلا؛ وشبهته إياه وبه تشبيها مثله؛ والغراب تقدم. ولمّا كانت الغرابان غالبا على صفة واحدة ولون واحد، وحصل بينها تشابه مطرد وتساو متفق، فضربوا بتساويها المثل فقالوا: فلان أشبه بفلان من الغراب بالغراب: ومنه قول الغرابة، من المبتدعة، إنَّ عليا أشبه النبي صلى الله عليه وسلم من الغراب بالغراب. وبدعتهم معروفة تحاشينا عن تلويث الكتاب بها، لعنهم الله وأخلى منهم الأرض!\rأشبه شرج شرجا لو إنَّ أسميراً.\rالشبه مر، والشرج بفتح الشين المعجمة وسكون الراء بعدها جيم واد باليمن والشرج مسيل الماء من الحرة إلى السهل مطلقا، وله معان أخر. وأما الشرج بفتحتين فهو مسيل الوادي، وأسمير تصغير اسمر بضم الميم والأسمر جمع سمرة وهو الشجر المعروف يقال سمرة والجمع سمر وسمرات وأسمر، وتصغيره أسيمر.\rوهذا المثل يضرب في الشيئين يتشابهان ويفترقان. وكان أصله أنَّ لقمان بن عدا قال للقيم بن لقمان: أقم هاهنا حتى أنطلق إلى الإبل! فنحر لقيم جور فأكلها ولم يخبئ شيئاً للقمان، فخاف لومه فحرق ما حوله من السمر الذي بهذا الوادي، وهو شرج ليخفي ذلك المكان. فلما جاء لقمان: جعلت الإبل تثيل الجمر بأخفافها، فعرف لقمان ذلك المكان وأنكر ذهاب السمر منه، فال حينئذ: أشبه شرج شرجا لو إنّه أسيمرا!\rشتى تؤوب الحلبة.\rالشتى جمع شتيت، وهو المفترق. وقال رؤبه يصف إبلا:\rجاءت معا وأطرقت شتيتا ... و هي تثير الساطع السختيتا\rو الأوب: الرجوع يقال: آب يؤوب أوبا وإيابا والحلبة جمع حالب وحلب الناقة والشاة معروف.\rوالمعنى انهم إذا ذهبوا اجتمعوا، وإذا قضوا مآربهم رجعوا متفرقين. ومضربه ظاهر.\rأشجع من الديك.\rالشجاعة معروفة، شجع الرجل بالضم فهو شجاع كغراب والديك معروف\rيشج مرة ويأسو أخرى\rالشج معروف، والأسو: المداواة، أساه، يأسوه أسوا: داواه، وآسى بين القوم أصلح، فمعنى المثل إنّه يفسد أحيانا ويصلح أحيانا، ويضرب لمن يصيب مرة ويخطئ أخرى، أو يضر مرة وينفع أخرى، ونحو ذلك ونظمه صالح بن عبد القدوس فقال:\rقل للذي لست أدري من تلومه: ... أ ناصح أم على عيش يداجيني؟\rإني لأكثر مما سمتني عجبا ... يد تشج وأخرى منك تأسوني\rلو كنت أعلم منك الودهان له ... علي بعض الذي أصبحت توليني","part":1,"page":347},{"id":348,"text":"لا أسأل الناس عما في ضمائرهم ... ما في ضميري لهم من ذاك يكفيني\rأرضى عن المرء ما أصفى مودته ... و ليس شيء من البغضاء يرضيني\rلا أبتغي ود يبغي مقاطعتي ... و لا ألين لمن لا يبتغي ليني\rالشجاع موقى والجبان ملقى.\rمعناه إنَّ الشجاع مع إقدامه وتعطيه المهالك بنفسه، محفوظ غالبا والجبان مع مثرة حذره هالك قال البكري: وهذا كما روي عن أبي بكر وعن علي، رضي الله عنهما: أحرص على الموت توهب لك الحياة! وقال الشاعر:\rتأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... انفسي حياة مثل أنَّ أتقدما\rانتهى.\rقلت: ومثله شاع اليوم في ألسنه العامة، يقولون: متى طلب الرجل إنَّ يموت لم يجد قاتلا؛ غير أنَّ ما ذكره البكري في البيت الحصين بن الحمام المذكور محتمل وأظهر منه إنَّ يريد بالحياة عند التقدم ما يكتسبه من شرف الذكر الباقي بعده. فإنَّ بقاء الاسم والذكر والمآثر والمفاخر حياة انفع عند ذوي الهمم من حياة الجسم مع سبة الفرار واللوم. فكأنه يقول: تأخرت أستبقي حياة جسمي فبدالي الله تعالى الحياة الأخرى افضل لي. ولو كان على ما قاله البكري لم يكن لافتخاره محل لأنّه إنّما يطلب الحياة بإقدامه ولم يقدم شجاعة ولقاء بأس فإقدامه كالفرار ولا فضيلة له وهذا باطل.و قد قال بعد هذا البيت:\rوليس على الإدبار تدمى كلومنا ... و كان على أقدامنا تقطر الدما\rو قول أبي الطيب:\rيرى الجبناء أنَّ الجبن حزمٌ ... و تلك خديعة الطبع اللئيمِ\rوحتما.\rشحمتي في قلعي.\rالشحمة: القطعة من الشحم وهو معروف؛ والقلع بفتح القاف وسكون اللام وتحرك أيضاً شيء يجعل فيه الراعي زاده وأداته يشبه الكنف بكسر الكاف وهو وعاء أدوات الراعي. قال الراجز:\rيا ليت أني وقشاماً نلتقي ... و هو على ظهر البعير الأورقِ\rوأنا فوق ذات غربٍ خيفق ... ثم اتقي وأي عصر اتقي\rبعلبةٍ وقلعه المعلقِِ\rيضرب هذا المثل في الشيء يكون في ملكك وحوزك تتصرف فيه كيف شئت كما أنَّ الشحمة إذا كانت في قلعك كذلك.\rشحيمةٌ في حلقي.\rالشحيمة تصغير الشحمة وتقدم؛ والحلق بفتح الحاء المهملة الحلقوم. وهذا المثل مما وضع على لسان الذئب. يقولون: قيل للذئب: ما رأيك في غنيمة ترعاها جويرية؟ قال: شحيمةٌ في حلقي يعني إنّها حاصلة بلا تعب وصغرها تقللا واستسهالا. قيل: فغنيمة يرعاها غليم. قال شعراء في إبطي أخشى حظواته. الشعراء ذباب أزرق له لدغ يقع على الإبل والدواب والحظوات سهام صغار من قصب لينة يتعلم بها الغلمان؛ وكذلك الجماح ولا نصل له.\rقال الشاعر:\rأصابت حبة القلب ... بسهم غير جماحِ\rشحمة الرُكى.\rشحمة الرُكى على وزن ربى وهو الذي يذوب سريعا. يضرب لمن يعينك في الحاجات.\rاشد من الفرس.\rالشدة بالكسر اسم من الاشتداد. واشتد الأمر فهو مشتد؛ والفرس معروف وتقدم.\rأشد من الفيل.\rالفيل بالكسر معروف.\rأشد من الدَّلم.\rالدَّلم بفتحتين والدال المهملة شيء يشبه الحية يكون بالحجاز. وقيل نوع من القرد.\rاشتدي زيم!\rالاشتداد هنا العدو؛ وزيم بكسر الزاي ز فتح الياء المثناة من تحت بوزن عنب اسم فرس. وهذا في شعر للحطم القيسي يقول: هذا أوان الشد فاشتري زيم وتمثل به الحجاج في خطبته الكوفية.\rقال أبو العباس المبرد في الكامل: حدثني الثوري في إسناد ذكره آخره عبد الملك أبن عمر الليثي قال: بينما نحن بالمسجد الجامع بالكوفة وأهل الكوفة إذ ذاك في حال حسنة يخرج الرجل منهم في العشرة والعشرين من مواليه إذ أتانا آت فقال: هذا الحجاج قد قدم أميرا على العراق! فإذا به قد دخل المسجد معتماً بعمامة قد غطى بها أكثر وجهه متقلدا سيفاً متنكباً قوساً يؤم المنبر فمكث ساعة لا يتكلم. فقال الناس بعضهم لبعض: قبح الله بني أمية حيث تستعمل مثل هذا على العراق! حتى قال عمير بن ضابئ البرجمي: ألا أصبه لكم؟ فقالوا: أمهل حتى تنظر! فلما رأى عيون الناس أليه حسر اللثام عن فيه ونهض فقال:\rأنا أبن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني!\rثم قال: يا أهل الكوفة أني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها كأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى! ثم تمثل فقال:","part":1,"page":348},{"id":349,"text":"هذا أوان الشد فاشتدي زيم ... قد لفها الليل بسواق حطم\rليس براعي إبلٍ ولا غنم ... و لا بجزارٍ على ظهر وضم\rثم قال:\rقد لفا الليل بعصلبي ... أوزع خراجٍ من الدوي\rمهاجرٍ ليس بأعرابي\rوقال:\rقد شمرت عن ساقها فشدوا ... وجدت الحرب بكم فجدوا\rوالقوس فيها وترعد ... مثل ذراع البكر أو اشد!\rأي: والله يا أهل العراق ما يقعقع لي بالشنان ولا يغمز جانبي كتغماز التين. ولق فررت عن ذكاء وفتشت عن تجربة. وإنَّ أمير المؤمنين نثر كنانته فعجم عيدانها فوجدني أمرها عودا واصلبها مكسرا فرماكم بي لأنكم طالما أوضعتم في الفتنة واضطجعتم في مراقد الضلال. والله لأحزمنكم حزم السلمة ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل! فإنكم كأهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف. وإني والله ما أقول إلاّ وفيت ولا أهم إلاّ أمضيت ولا أخلق إلاّ فريت! وإنَّ أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم أعطياتكم وأن أوجهكم إلى محاربة عدوكم مع المهلب بن أبي صفرة وإني اقسم بالله لا أجد رجلا تخلف بعد أخذه عطاءه بثلاثة أيام إلاّ ضربت عنقه! يا غلام اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين1 فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين . . فلم يقل أحدٌ منهم شيئا. فقال الحجاج: اكفف يا غلام! ثم أقبل على الناس فقال: أسلم عليكم أمير المؤمنين فلم تردوا عليه شيئا؟ هذا أدب أبن لهيعة! أما والله لأؤدبنكم غير هذا الأدب أو لتستقيمن! اقرأ يا غلام كتاب أمير المؤمنين! فلما بلغ إلى قوله: سلام عليكم! لم يبق أحد في المسجد إلاّ وقال: على أمير المؤمنين السلام! ثم نزل فوضع للناس أعطياتهم. فجعلوا يأخذون حتى أتاه شيخ يرعش كبرا فقال: أيها الأمير إني من الضعف على ما ترى ولي أبن هو أقوى مني على الأسفار أتقبله بدلا مني؟ فقال له الحجاج: نفعل أيّها الشيخ! فلما ولى قال له قائل: أتدري من هذا أيها الأمير؟ قال: لا. قال: هذا عمير بن ضابئ البرجمي الذي يقول:\rهممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله\rو دخل هذا الشيخ على عثمان مقتولا فوطئ بطنه فكسر ضلعين من أضلاعه. فقال: ردوه! فقال له الحجاج: أيها الشيخ هلا بعثت إلى أمير المؤمنين بدلا يوم الدار إنَّ في قتلك أيّها الشيخ لصلاحاً للمسلمين! يا حرس اضربا عنقه! فجعل الرجل يضيق عليه أمره فيرتحل ويأمر وليه أن يلحقه بزاده. وفي ذلك يقول عبد الله بن الزبير الأسدي:\rتجهز فإما أن تزور أبن ضابئ ... عميراً وإما أن تزور المهلبا\rهما خطتا خسف نجاؤك منهما ... ركوبك حوليا من الثلج أشهبا\rفأضحى ولو كانت خرسان دونه ... رآها مكان السوق أو هي اقربا!\rو في هذه القصة ألفاظ تخفى. فقوله: أنا أبن جلا، أي المنكشف الأمر، وهو لسحيم بن واثلة وفيه كلام يأتي من حرف النون، إن شاء الله تعالى.\rوقوله، أرى رؤوسا قد أينعت، أي أدركت، يقال: أينعت الثمرة إيناعا وينعت أيضاً ينعا. قال تعالى: )انظروا إلى ثمرة إذا أثمر وينعه(. وقال الشاعر في الفعل:\rولها بالماطرون إذا ... أكل النمل الذي جمعا\rخرفه حتى إذا أرتبعت ... ذكرت من جلت بيعا\rفي قباب حول دسكرة ... حولها الزيتون قد ينعا\rو قوله: هذا أوان الشد فاشتدي زيم! وهي فرس كما مر. وقال المبرد: يعني فرسا أو ناقة.\rوقوله: بسواق حطم، الحطم: الذي لا يبقي من السير شيئاً، ويهلك المال بذلك. ومنه قيل النار التي لا تبقي حطمة.\rوقوله: على ظهر وضم، والوضم بفتحتين كل ما يقطع عليه اللحم. وتقدم في التاء. قال الشاعر:\rوفتيان صدق حسان الوجوه لا يجدون لشي ألم\rمن آل المغيرة لا يشهدون عند المجازر لحم الوضم\rو قوله: بعصلبي، العصلب بالعين والصاد المهملتين، على مثال جحدب، والعصلبي بياء النسبة، والعصلوب: القوي الشديد الخلق، العظيم؛ وأروع أي ذكي.\rوقوله: خراج من الدوي الدو بتشديد الواو؛ والدوى والداوية: الفلاة لا علم فيها ولا أمارة. قال الحطيئة:\rوأنى اهتدت والدو بيني وبينها ... و ما خلت ساري الليل بالدو يهتدي","part":1,"page":349},{"id":350,"text":"يريد: بخروجه من الدو أنَّ يخرج من كل غماء وشدة على طريق التمثيل. وقوله: وتر عرد، أي شديد. ويقال أيضاً عرند بالنون.\rوقوله:ما يقعقع لي بالشان، واحدتها شن بالفتح، ويقال أيضاً شنة وهي قربة البالية اليابسة، فيقعقع بها فتنفر الإبل من صوتها. وضرب ذلك مثلا لنفسه في الثبات. قال النابغة:\rكأنك من جمال بني أقيشٍ ... يقعقع بين رجليها بشن\rو قوله: فررت عن ذكاء هنا تمام السن. ومنه قول أبن زهير: جري المذكيات غلاب.\rويطلق الذكاء أيضاً على حدة القلب. ومنه قول زهير بن أبي سلمى:\rيفضله إذا اجتهدا عليها ... تمام السن منه والذكاء\rو قوله: عجم عيدانها، أي مضغها ليعرف الأصلب. قال النابغة:\rفظل يعجم أعلى الروق منقبضا ... في حالك اللون صدق غير ذي أود\rوقال علقمة:\rسلاءه كعصل النهدي غل بها ... ذو فيئة من نوى قرآن معجوم\rو قوله: طالما أوضعتم الأضياع: ضرب من السير.\rوقول الأسدي: فأضحى ولو كانت خرسان دونه أي دون سفره فإنه يراها قريبة لخوفه وطاعته. وأما قول ضابئ بن الحارث: هممت ولم أفعل . . \" البيت \" ، فكان من قصته إنّه وجب عليه حبس وأدب عند عثمان رضي الله عنه، فعثر عليه، فأحسن أدبه، فقال في ذلك:\rوقائلة: إنَّ مات في السجن ضابئ ... لنعم الفتى تخلو به وتواصله!\rوقائلة: لا يبعدن ذلك الفتى ... و لا تبعدن أخلاقه وشمائله\rوقائلة: لا يبعدن الله ضابئا ... إذا الخصم لم يوجد له من يقاوله!\rفلا تتبعي إنَّ هلكت ملامة ... فليس بعار قتل من لا أقاتله!\rهممت ولم أفعل . . \" البيت \"\rوما الفتك ما أمرت فيه الذي ... تخبر من لاقيت انك فاعله\rو يشبه ما وقع لابن ضابئ ما وقع لأبي شجرة السلمي، وكان من فتاك العرب. فأذى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ليحمله، فقال له عمر: ومن أنت؟ قال: أنا أبو شجرة السلمي. فقال له عمر: ألست القائل، حيث ارتددت:\rورويت رمحي من كتيبة خالدٍ ... و إني لأرجو بعدها أعمرا\rوعارضتها شهبا تخطر بالقنا ... ترى البيض في حافاتها والسنورا؟\rثم أنحى عليه بالدرة. فسعى إلى ناقة وحل عقالها وأقبل بها حرة بني سليم باحث سير هربا من الدرة وهو يقول:\rقد ضن عنها أبو حفص بنائله ... و كل مختبط يوما له ورق\rفمال يضربني حتى خذيت له ... و جال من دوني بعض الرغبة الشفق\rثم التفت إليها وهي حانية ... مثل الرتاج أنا ما لزه الغلق\rفي أبيات.\rوقوله: وكل متخبط يوما له ورق، أي كل مسؤول فله فضل يسيده، ونوال يوليه وأصل في الشجرة انك تختبطها ببعضها ونحوها، فيسقط ورقها. قال زهير:\rوليس مانع ذي قربى ولا رحمٍ ... يوما و معدم من خابط ورقا\rقوله: حتى خذيت له، يقال: خذاله، وخذئ له بالفتح والكسر مهموزا واستخذى له، إذا خضع له وانقاد؛ وخذا يخذوا وخذوا إذا استرخى وخذيت أذنه بالكسر تخذى، إذا استرخت من أصلها وانكسرت، مقبلة على الوجه. فيحتمل أنَّ يكون قوله: خذيت له، من المهموز أو غيره.\rاشتدي أزمة تنفرجي!\rالاشتداد تقدم، والأزمة: الشدة والقحط، يقال: أصابتهم سنة أزمتهم أزما، أي استأصلتهم، وأزم الدهر إي اشتد وقل خيره؛ وأزم الرجل بصاحبه: لزمه، وألزمه: عضه؛ والانفراج: الانفتاح والاتساع. وهذا اللفظ حديث يروى. ولمّا كانت الحكمة الإلهية جرت بتنقلات الحوادث وتحولات الأحوال، وعدم استقرارها على حال، صارت الشدة إذا تناهت لم يعقبها إلاّ الفرج، كما أنَّ الفرج إذا تناهى لم يعقبه إلاّ شدة فصارت الشدة مفتاح الفرج وسببا فيه بهذا الاعتبار. فإذا طلبت الشدة فذاك طلب الفرج، وإقامة للسبب مقام المسبب. قال تعالى: ) فإن مع العسر يسرا(. وفي الحديث الآخر: احفظ الله يحفظك! احفظ الله تجده أمامك! تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة! وأعلم أنَّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطئك لم يكن ليصيبك! وأعلم أنَّ النصر مع الصبر، وإنَّ الفرج مع الكرب، وإنَّ مع العسر يسراً! وقال الشاعر:\rضاقت ولو لم تضق لمّا انفرجت ... فالعسر مفتاح كل ميسور\rغيره:\rخفض الجأش واصبرن رويداً ... فالرزايا إذا توالت تولت!","part":1,"page":350},{"id":351,"text":"و قيل: وكان الإمام سحنون يقول إذا ضاقت عليه أمر ضيقي تفرجي يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين!\rشراب بأمقعٍ.\rالشراب معروف، وتثلث شينه، شرب بالكسر شربا وتشرابا، فهو شارب وشراب للمبالغة وأشربته أنا. وقيل: الشرب بالفتح مصدر وبالكسر والضم اسمان والشرب بالكسر أيضاً الحظ من الماء؛ والمقع بفتح الميم وسكون القاف: أشد الشرب. وفلان شراب بأمقع، أي معاود للأمور، يأتيها حتى يبلغ أقصى مراده\rشراب بأنقع.\rالانقع جمع نقع بفتح والنون وسكون القاف، وهو الماء المستنقع. وهذا أيضاً يضرب لمن جرب الأمور وعودها، كالذي قبله، أو للداهي المنكر، لأن الدليل إذا عرف الفلوت حذف بسلوك الطرق إلى الماء، وعرف أين يهتدي إلى الأنقع حتى يشرب منها\rأشرد من نعامةٍ.\rالشرود: الفرار؛ والنعام معروف، ولا أسرع منه عند شروده. قال:\rوهم تركوك أسلح من حبارى ... رأت صقراً وأشرد من نعام\rغيره:\rوولو سراعا كشد النعام ... و لم يكشفوا عن ملك حصيرا\rغيره: وكانوا نعاما عند ذلك منفرا والعرب تضرب به المثل في الجبن أيضاً مع ذلك، كما قال عمران بن حطان:\rأسد علي في الحروب نعامةٌ ... فتخاء تنفر من صفير الصافر\rو كما قال محكم اليمامة: إنَّ خالد لقي أسداً وغطفان، فأشار عليهم بذباب السيف، فكانوا كالنعام الجافل، أو كما قال:\rأشرد من ورلٍ.\rالشرود مر، والورل بفتحتين حيوان على خلقة الضب وهو أعظم منه وتقدم في حرف السين.\rفائدة: ذكر بعضهم، إنّه لا يجتمع الراء واللام في لغة العرب إلاّ في أربعة ألفاظ: الورل المذكور وأرل اسم جبل والغرلة وهي القلفة، وجرل وهو ضرب من الحجارة. انتهى.\rقلت: أما الورل فقد ذكرنا ضبطه، وأما أرل فبضمتين، وهو اسم جبل واسم موضع ببلد فزارة أيضا، وأما الغرلة فبضم الغين وسكون الراء. ورجل أرغل والجمع غرل، كما في الحديث: يحشر الناس حفاة عراة غرلا؛ وأما الجرل فبالجيم والراء المفتوحتين وهو الحجارة أو مع الشجر أو مع المكان الصلب الغليظ، جرل المكان بالكسر فر جرل ككتف والجمع أجرال.\rشر الرأي الدبري.\rشر أسم تفضيل. يقال: هذا أشر من هذا وشر منه بغير همز تخفيفا، كما يقال: هذا خير من هذا، وهو الأكثر استعمالا؛ والرأي: الاعتقاد، جمعه آراء ورئي، والدبري بفتحتين: الرأي الذي يسنح للإنسان أخرا، بعد فوات الحاجة. والدبري أيضاً: الصلاة آخر وقتها. قيل: والضم فيها من لحن المحدثين.\rشر الرعاء الحطمة.\rالحطمة على مثال همزة من الرعاة: الذي يهلك الماشية ويهشم بعضها ببعض، من الحطم، وهو الكسر ويضرب في سوء السياسة.\rقال في الصحاح إنّه مثل، ومثله قول الراجز:\rلقد لفها الليل بسواق حطم ... ليس يراعي إبل ولا غنم\rو وهمه صاحب القاموس وقال أنه حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. قلت: وليس فيه كبير وهم، إذا لا منافاة. وكذلك وقع لأبي عبيد في كتابه إنّه مثل من أمثالهم.\rوقال البكري في شرحه إنّه كلام يروى في حديث مرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال الحسن: دخل العائد بن عمرو المزني وكان من صالحي أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم، على عبيد الله بن زياد فقال له: إي بني، إني سمت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من شر الرعاء الحطمة. فإياك أنَّ تكون منهم! قال عبيد الله: اجلس فإنما أنت من نخالة أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم! قال: وهل كانت فيهم نخالة؟ وإنّما النخالة بعدهم في غيرهم. فائدة: إذا كان راعي الإبل أو الماشية كلها اخرق يظلمها قيل له حطمة، كما مر؛ وإذا كان رفيقا بها يحسن رعايتها قيل له ترعية وترعاية. وقيل أنَّ هذا لمن كانت صناعته وصناعة آبائه رعاية الإبل.\rشر السير القحقحة.\rالسير معروف، والقحقحة: السير المتعب. ويقال قهقهة بقلب الحاء هاء ومنه قول رؤبة:\rيصبحن بعد القرب القهقهة ... بالهيف من ذاك البعيد الأمقه\rقال أبو علي البغدادي في نوادره: قال مطرف بن الشخير لأبنه: عليك بالقصد وإياك وسير القحقحة! يريد الأتعاب.\rوقال أبو عبيد القاسم بن سلام: قيما يضرب من الأمثال في التوسط في الأمور: منه قول مطرف بن عبد الله بن الشخير: الحسنة بين السيئين وخير الأمور أوساطها، وشر الأمور سير القحقحة. انتهى.","part":1,"page":351},{"id":352,"text":"قال البكري: قال مطرف يوصي ابنه: يا عبد اله، إنَّ هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق ولا تنغص إلى نفسك عبادة ربك! فإنَّ الحسنة بين سيئتين، وخير الأمور أوساطها، وشر السير القحقحة، وإنَّ المنبت لا أرض قطع ولا ظهر أبقى انتهى.\rقال: ومن قوله: إنَّ هذا الدين متين . . إلى آخر الحديث، مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسير بيت في هذا قول الشاعر:\rعليك بأوساط الأمور فأنها ... نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا!\rالشر ألجأه إلى مخ العراقيب.\rويقال أيضاً:\rشر ما أجاءك إلى مخة عرقوبٍ.\rالشر نقيض الخير؛ ولجأ الرجل إلى كذا بالفتح والكسر لا ذبه وألجأته إليه: أضطررته وأجأته إليه أيضا بمناه؛ والمخ نقى العظم وعظم ممخ: ذو نقي؛ والعراقيب جمع عرقوب، وهو العصب فوق عقب الإنسان، وعرقوب الدابة في رجلها بمنزلة الركبة في يديها، وكل ذات أربع فعرقوباها في رجليها، وركبتاها في يديها. والمعنى أنَّ الشر هو الذي ألجأك إلى سؤال اللئام. فيضرب عند الاضطرار إلى المسألة البخيل. وإنّما خص العرقوب لأنه شر المخاخ، كما إنّه شر العظام، كما قال الاخطل لكعب بن جعيل:\rوسميت كعبا بشر العظام ... و كان أبوك يسمى الجعل\rشر المال مالا يزكى ولا يذكى.\rالمال: معروف، والتزكية إخراج الزكاة والتذكية الذبح للأكل. والموصوف بما ذكر الحمار ونحوه، لأنّه لا زكاة فيه وزكاة له.\rشر أهر ذانابٍ.\rالشر تقدم؛ وهر الكلب يهر هريرا: صوت ولم ينبح. قال حسان، رضي الله عنه:\rيغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل\rغيره:\rويغشون حتى ترى كلبهم ... يهاب الهرير وينسى النباحا\rو ذو الناب: الكلاب؛ وأهررته أنا: حملته على الهرير.\rوهذا المثل يضرب عند ظهور أمارات الشر وتبين مخائله.\rوأصله أنَّ قائله سمع هريرا الكلب في الليل، فأشفق من طارق بشر، فقال ذلك تعظيما للحال وتهويلا للأمر عند نفسه ومستمعه، أي: ما أهر ذا ناب إلاّ شر عظيم.\rولأحل هذا الوصف المنوي، حسن الابتداء بلفظة \" شر \" حتى حصل من ذلك الحصر.\rشر يوميها وأغواه لها.\rهذا يضرب عند إظهار البر باللسان لمن يراد به الغوائل. وهو شطر بيت تمامه:\rركبت غز بحدج جملا\rو سيأتي في حرف اللام استيفاء الكلام عليه إن شاء الله تعالى.\rالشرط أملك، عليك أم لك.\rالشرط بفتح فسكون إلزام الشيء والتزامه. ويكون أيضاً بمعنى سق الجلود، كفعل الحجام، وأما الشرط بالتحريك فهو العلامة، ومنه أشراط الساعة، أي علامتها؛ والملك مثلث الميم: لاحتواء على الشيء والقدرة عليه.\rوالمعنى إنَّ ما أشترط فهو لازم وأولى أنَّ يتفع سواء كان ذلك الشرك عليك أم كان لك.\rوهذا المثل نطق به القاضي شريح، ولا أدري أهو المخترع له أم قيل قبله.\rذكر السكاكي في المفتح إنّه حكى أنَّ عدي بن أرطة أتى ومعه امرأة له مثال أهل الكوفة يخاصمها. فلما جلس بين يدي شريح قال له عدي: أين أنت؟ قال: بينك وبين الحائط. قال: إني امرؤ من أهل الشام. قال: بعيد وسحيق. قال: وإني قدمت العراق. قال: خير مقدم. قال: وتزوجت هذه. قال: بالرفاء والبنين! قال: إنّها ولدت لي غلاما. قال: ليهنك الفارس! قال: وأردت أنَّ أنقلها إلى داري. قال: المرء أحق بأهله. قال: كنت شرطت لها وكرها. قال: الشرط أملك منك! قال: أقض بيننا! قال: فعلت! قال: فعلى من قضيت؟ قال: على أبن أمك! قوله: أين أنت؟ يريد: في أي شغل أنت هذا الوقت؟ هل أنت متفرغ للنظر فيما بيننا؟ ولا يريد السؤال عن المكان حقيقة، ولكن لمّا كان فضولا مع ما فيه من سوء الأدب حمله القاضي على حقيقته وأجاب بنفس المكان، تجهيلا له وتعريضاً إنّه بين جمادين وهما عدي والحائط.\rوقوله الرفاء والبنين: متعلق بمحذوف، أي تزوجت وأعرست مصحوبا بالرفاء، أي بالموافقة والألفة وبالبنين، أي الذكور دون البنات.\rوقوله: ليهنك الفارس! دعاء له وتفاؤل، أي: ليكن ولدك هنيئا لك لائقابه، ويبلغ مبلغ الفروسة!","part":1,"page":352},{"id":353,"text":"وقوله: الشرط أملك منك؟ أي ملكه وتصرفه أقوى من تصرفك، فلا ينبغي أنَّ يخالف. وقوله: على أبن أمك، أي عليك. وإنّما عدل عن التصريح إلى ما ذكر، كراهية موجهته بالحكم عليه، لمّا جلبت عليه النفوس من كراهية ذلك. ومثل هذا ما يحكى عن شريح أيضاً من إنَّ رجلا أقر عنده بشيء ثم أنكر، فلما قال له: أعط الحق! قال: من يشهد علي؟ قال: شهد عليك أبن أختك خالتك. فعدل عن التصريح ستر عليه وكراهية أنَّ ينسبه إلى الحمق بالإنكار بعد الإقرار.\rشرعك ما بلغك المحل.\rيقال: هذا الشيء شرعك، أي حسبك، ومررت برجل شرعك من رجلٍ! أي حسبك. ومعنى إنّه من النحو الذي يشرع فيه؛ والتبليغ معروف؛ والمحل: الموضع الذي تريده.\rوالمعنى أنَّ ما بلغك المحل المراد فهو حسبك. فيضرب في التبليغ باليسير.\rوقال أبو عبيد: من أمثالهم في جود الرجل بما فضل عن حاجته بماله قولهم:\rيكفيك ما بلغك المحل.\rقال البكري: المشهور في هذا: شرعك ما بلغك المحل، أي حسبك. وقال: آخر في هذا المعنى:\rحسب الفتى من دهره ... زاد يبلغه المحلا\rخبر وماء بارد ... و الظل حين يريد ظلا\rقال: والمحل هو الدار الباقية.\rشرق ما بين القوم بشر.\rيقال: شرق بالماء بالكسر إذا غص به. قال عدي بن زيد:\rلو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري\rو يقال في هذا المثل إذا نشب الشر بين الناس.\rوالمعنى إنّه امتلأ ما بينهم بالشر، فكأنه غص. وهكذا كما تقول: غص المجلس بأهله، أي امتلأ، على طريق التمثيل.\rاشتر لنفسك وللسوق!\rهذا مثل يضرب في الاحتياط. ومثله قولهم: إذا اشتريت فأذكر السوق! وقد تقدم في الباب الأول. ومثله ما حكى البكري أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان يقول: إذا اشتريت بعيرا فاجعله ضخما، فإنَّ أخطئك خيراً لم يخطئك سوقا.\rشغلت شعابي جدواي.\rالشغل بالضم وبضمتين، وبالفتح وبفتحتين ضد الفراغ شغله شغلا بالفتح، وأشغله أيضا؛ والشعاب جمع شعب بالكسر من الأرض؛ والجدوى: المطر العام والعطية أيضاً.\rويضرب هذا المثل فيما إذا لم يكن لمالك أو عطائك أو علمك أو نحو ذلك فضل عن نفسك أو عن من يتعلق بك، كالمطر تشغله شعابك، فلا يصل إلى موضع آخر.\rومعنى ذلك إنّه إذا قل المطر الواقع في الشعاب أو النازل إليها من التلاع، شربته وشغلته بذلك عن إنَّ يخلص إلى ما بعدها من الأودية والبقاع.\rأشغل من ذات النحيين.\rالشغل مر؛ والنحي بكسر النون وسكون الحاء المهملة: الزل. وقيل مخصوص بما كان للسمن؛ وذات النحيين امرأة من تيم الله بن ثعلبة، كانت خرجت في الجاهلية تبيع السمن فأتاها خوات بن جبير الأنصاري رضي الله عنه فسألوها فحلت نحيا مملوءاً فنظر إليه ثم قال: امسكيه حتى أنظر إلى الآخر! ثم حل نحيا آخر فقال: امسكيه حتى انظر إلى خيره! فلما شغل يدها معا وقع عليها حتى قضى أربه منها فهرب. فضربت العرب بشغلها المثل وقالوا: اشغل من ذات النحيين، وبنو أشغل من شغل بالبناء لمّا لم يسم فاعله، على وجه الشذوذ. وتقدم نظيره وتوجيهه.\rوقال خوات في ذلك\rوذات عيال واثقين بعقلها ... خلجت لها جار أستها خلجات\rوشدت يداها إذ أردت خلاطها ... بنحيين من سمن ذوي عرجات\rفكان لها الويلات من ترك سمنها ... و رجعت صفراً بغير بتات\rفشدت على النحيين كفا شحيحة ... على سمنها والفتك من فعلاتي\rقال في الصحاح: ثم اسلم خوات وشهد بدرا، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: يا خوات، كيف شراؤك؟ وتبسم صلى الله عليه وسلم. فقال: يا رسول الله، قد رزق الله خيراً، واعوذ بالله من الحور وهجا رجل تيم الله فقال:\rأناس ربه النحيين منهم ... فعدوها إذا عد الصميم\rشغلهم الصفق بالأسواق.\rيتمثل له وهو كلام عمرو بن أبي هريرة رضي الله عنهما لمّا ذكر لعمر حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يروه. قال: اخفي علي هذا من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم شغلني الصفق بالأسواق، أي بالبيع والشراء، لأن المشتري والبائع يضرب أحدهما بيده على يد صاحبه وهو الصفق.\rوقال أبو هريرة: إنَّ إخواني من المهاجرين والأنصار شغلهم الصفق بالأسواق، وكانت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على شبع بطني، كما في الصحيح.","part":1,"page":353},{"id":354,"text":"شق العصا.\rالشق: الصدع والعصا بالقصر العود يضرب به. والعصا أيضاً: اللسان وعظم الساق وجماعة الإسلام. وقولهم: شق فلان العصا أي فارق الجماعة ويقال في الخوارج: شقوا عصا المسلمين، أي فارقوا جماعتهم.\rوقال الشاعر:\rإذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحبسك والضحاك سيف المهند!\rأشكر من بروقةٍ.\rالشكر بالضم أنَّ تعرف الإحسان وتشكره: والشكر من الله تعالى: المجازاة والثناء الجميل؛ والبروقة بكون الراء واحدة البروق، وهو شجر ضعيف، إذا غامت السماء أخضر، فوصف لذلك الشكر.\rأشكر من كلبٍ.\rالشكر مر، والكلب معروف، وشكره رضاه بالموجود وحياطته لصاحبه وقيامة عليه واتباعه له مع ذلك. ومما يحكى في هذا عن بعضهم قال: دخلت على العتابي، فوجدته جالسا على حصير وبين يديه شراب في إناء، وكلب رابض حوله يشرب كأسا ويولغه أخرى. فقلت له: ما أردت بهذا؟ قال: إنّه يكف عني أذاه ويكفيني أذى من سواه، ويشكر قليلي، ويحفظ مبيني ومقيلي، فهو من الحيوان خليلي.\rقال الراوي: فتمنين والله أنَّ أكون كلابا لأحوز هذا النعت منه! ويقال إنَّ الحارث بن صعصعة كان له ندماء لا يفارقهم، وكان شديد المحبة لهم فخرج في بعض متنزهاته ومعه ندماؤه. فتخلف منهم واحد، فدخل على زوجته فأكلا وشربا ثم اضطجعا. فوثب الكلب عليهما فقتلهما. فلما رجع الحارث إلى منزله وجدهما ميتين وعرف الأمر. فأنشأ يقول:\rفيا عجبا للخل يهتك حرمتي ... و يا عجبا للكلب كيف يصون\rما زال يرعى ذمتي ويحوطني ... و يحفظ عرسي والخليل يخون!\rو يوثر في الحديث إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا مقتولا فقال: ما شأنه؟ قالوا: إنّه وثب على غنم بني زهرة فأخذ منها شاة، فوثب عليه كلب الماشية فقتله. فقال صلى الله عليه وسلم؛ قتل نفسه وأضاع دينه وعصى ربه وخان أخاه وكان الكلب خير منه.\rويحكى عن أبن عباس رضي الله عنه: كلب أمين خير من صاحب خؤونٍ وقد ألف بعض العلماء تأليفا في فضل الكلاب على كثير من لبس الثياب.\rشاكه أبا فلانٍ.\rالمشاكهة: المشابهة.\rوأصله أنَّ رجلا عرض فرسا له في السوق، فقال له رجل: أهذه فرسك التي كنت تصيد عليها الوحش؟ فقال: رُبَّ الفرس: شاكه، أي قارب في المدح ولا تفرط. فيضرب في الأمر بالقصد في المدح.\rويحكى أيضاً في هذا القصة إنَّ الأعرابي أقام فرسه للبيع فقال صاحبه: إنّها لتصاد عليها الوحش وهي رابضة. فقال له: رُبَّ الفرس، لا أبالك، كذب كذبا مؤاما به الدهر! أي موفقا به الدهر في تقلباته وأحواله الجائزة الوقوع.\rوقيل إنَّ رجلا أدخل حمارا له في السوق، فجعل يقال له أبو اليسار يمدحه ويقول: إنَّ حافره جلمود، وإنَّ ظهره حديد. فقال صاحب الحمار: شاكه أبا يسار، دون ذا وينفق الحمار! وتقدم هذا في الدال.\rشكا إلى غير مصمتٍ.\rالشكوى أنَّ تذكر الغير بسوء فعله بك، تقول: شكوت فلانا أشكوه شكوى وشاكية وشكية، فهو مشكو ومشكي؛ واشتكيه: فعلت به ما يشكوه، أو أعتبته وأزلت شكواه. فهو من الأضداد. قال الراجز:\rتمد بالأعناق أو تلويها ... و تشتكي لو أننا نشكيها\rو صمت يصمت صموتا وصمتا، وأصمت إصماتا وصمت تصميتا: سكت؛ وأصمته أنا وصمته تصميتا: أسكته، لا زمان متعديان. فيقال: شكا فلان إلى غير مصمت، أي إلى من لا يبالي به، فلا يصمته لأن من شكا إلى من يعنى بحاجته ويهتبل بأمره ويقوم بحقه ويقضي أربه ويزيل شكواه ويشفي ما في صدره فيصمت عن الشكوى حينئذ.\rقال الراجز:\rانك لا تشكوا إلى مصمت ... فاصبر على الحمل الثقيل أو مت!\rو نحوه المثل الآتي: هان على الأملس ما لقي الدبر.\rالشماتة لؤم.\rالشماتة: الفرح بمصيبة العدو، ويقال: شمت به بالكسر يشمت شماتا وشماتة، فهو شامت. قال أبو صخر الهذلي:\rوتجلدي للشامتين أريهم ... إني لريب الدهر لا أتضعضع\rو اللؤم بضم اللام وسكون الهمزة ضد الكرم، ولؤم بالضم لؤما فهو لئيم وهو لؤماء. وهذا الكلام يعزي لأكثم بن صيفي، حكيم العرب.\rوالمعنى إنّه لا يتشمت بالغير ولا يفرح ببليته إلاّ من لوم أصله. وقال أبن أبي عيينة\rكل المصائب قد تمر على الفتى ... تهون غير شماتة الحساد\rوقال الآخر:","part":1,"page":354},{"id":355,"text":"إذا ما الدهر جر على أناسٍ ... كلاكله أنام بآخرينا\rفقل للشامتين بنا: أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا!\rأشم من نعامةٍ.\rالشم حاسة الأنف، تقول: شممت بالكسر والفتح، أشم مفتوحا ومضموما شما وشميما وشميمي؛ وتشممته؛ والنعام تقدم. يقال إنّه لا سمع له، ومن ثم يقال إنّه أصم. فأعطي قوة الشم بأنفه ما ينوب عن السماع، حتى إنّه يشم رائحة القناص عن بعيد.\rشنشنه أعرفها من أخزم\rالشنشنة بالكسر: الطبيعة والخلق: وأخزم بالزاي رجل من طيء، وهو أبن أبي أخزم جد حاتم، أو جد جده. مات أخزم هذا وترك بنين، فوثبوا يوما على جدهم فأدموه فقال:\rإنَّ نبي زملوني بالدم ... من يلق أساد الرجال يكلم\rومن يكن ذا أود يقوم ... شنشنة أعرفها من أخزم\rلأنه كان عاقا كذلك.\rويحكى إنَّ عقيل بن علفة بضم العين المهملة وفتح اللام المشددة بعدها فاء على وزن قبرة بن الحارث المري، خرج هو وأبناه، جثامة وعملس، وأختهما الحوراء حتى أتوه ابنة أخ ناكحا في بني مروان بالشام. ثم قفلوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال عقيل:\rقضت وطرا من دير سعد وكالما ... على عرض نطحنه بالجماجم\rثم قال: أجز، يا جثامة! فقال:\rوأصبحن بالهومات يحملن فتية ... نشاوي من الإدلاج هيل العمائم\rثم قال: أجز يا علمس! فقال:\rإذا علم غادرنه بنتوفة ... تذارعن بالأيدي لآخر طاسم\rثم قال: يا حوراء، أجيزي! فقالت:\rكأنَّ الكرى ساقهم صرخ يده ... تدب دبيبا في المطا والقوائم\rفقال عقيل: شربتها، وربَّ الكعبة! ثم شد عليها بالسيف، فقال أخوها: ما ذنبنا؟ إنّما اجازت شعرا! فشد عليه أحدهم فخدشه بسهم يتمعك في دمه ويقول :\rإنَّ بني ضرجوني بالدم ... من يلق أبطال الرجال يكلم\rشنشنة أعرفها من أخزم\rثم توجه ولده للطريق. فلما مروا ببني القين قالوا لهم: هل لكم في الجزور انكسرت! قالوا: نعم! قالوا: الزموا هذه ارواحل! فذهب القوم حتى انتهوا إلى عقيل، فحملوه وعالجوه حتى برئ ولحق بهم. فقال أبو عبيد القاسم بن سلام: من أمثالهم في التشبيه الرجل بأبيه: شنشنة اعرفها من أخزم. قال: وهذا المثل يروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. قاله في أبن عباس، رضي الله عنهما، شبهه في رأيه بابيه. قال البكري: أخزم هذا هو جد حاتم بن عبد الله الطائي، وهو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن أبي أخزم بن أبي أخزم. وقيل هو جد عقيل بن علفة. الشنشنة: النطفة، من شنشنت إذا أرقت. ويراد ما أراق من النطفة في الرحم.\rقال أبو بكر: وقال قوم: شنشنة: الغريزة والطبيعة. فمن جعل أصل المثل لأخزم الطائي قال: كان أخزم جوادا. فلما نشأ حاتم وعرف جوده قال: الناس: شنشنة من أخزم، أي قطرة من نطفة أخزم. قال: وذكر علي بن الحسن إنَّ عقيل بن علفة أبن الحارث المري أتى منزله فإذا بنوه مع بناته وأزواجه مجتمعون. فشد على عملس منهم، فحاد عنه وتغنى ابنه علفة:\rقفي يا ابنه المري أسألك ما الذي ... تريدين فيما كنت منيتا قبل\rفإنَّ شئت كان الصرم ما هبت الصبا ... و إنَّ شئت لا يفنى التكارم والبذل!\rفقال عقيل: يا أبن اللخناء متى منتك نفسك هذا؟ وشد عليه بالسيف. فحال علمس بينه وبينه، وكان أخاه لأمه وأبيه. فشد على علمس بالسيف وترك علفة ولم يلتفت إليه فرماه علمس بسهم وأصاب ركبته. فسقط عقيل يتمكع بالدم وهو يقول:\rإنَّ بني سربلوني بالدم ... من يلق أبطال الرجال يكلم\rومن يكن ذا أود يقوم ... شنشنة أعرفها من أخزم\rقال المدائني: شنشنة أعفها من أخزم مثل ضربه، وأخزم فحل كان لرجل من العرب وكان منجبا، فضرب في ابل رجل آخر ولم يعلم صاحبه فرأى بعد ذلك من نسله جملا فقال شنشنة أعرفها من أخزم. انتهى كلام البكري.\rوقال أبن ظفر في شرح المقامات: هذا المثل ضربه جد حاتم حين نشأ حاتم وتقيل أخلاقه جده أخزم في الجود، فقال: شنشنة . . الخ. وتمثل عقيل بن علفة به حين قال: إنَّ بني . . الخ. ومن أدعى إنَّ المثل فقد سها فيه. انتهى.\rشاهد البعض اللحظ.\rمثله قولهم أيضاً: رب لحظ انم من لفظ كما مر من قول زهير:\rفإنَّ تك في عدو أو صديقٍ ... تخبرك العيون عن القلوب\rو قول أبن أبي حاتم:","part":1,"page":355},{"id":356,"text":"خذ من العيش ما كفى ... و من الدهر ما صفا\rعين من لا يحب وص ... لك تبدي لك الجفا\rو قول الآخر:\rتخفي العداوة وهي غير خفية: ... نظر العدو بما أسر يبوح\rوقالوا: يعبر عن الإنسان اللسان، وعن المودة والبغض العيان.\rيشوب ويروب.\rالشوب: الخلط تقول: شبت اللبن وغيره بالماء، وأشوبه شوبا والروب الرائب وهو اللبن الخاثر قبل أن يحمض. ولا يزال يمسك بذلك حتى يمخض وينزع زبده. ثم يبق ذلك الاسم على بعد. قال الشاعر:\rسقاك أبو ماعز رائبا ... و من لك بالرائب الخاثر؟\rيقول: سقاك الممخوض، ومن لك بالذي لم يمخض. وهذا قول أبي عبيد.\rورابت اللبن وروبته وراب هو يروب روبا.و المروب: السقاء الذي يروب فيه.\rويقال: ما له شوبٌ ولا روبٌ أي مرق ولا لبن.\rوقيل الشوب العسل والروب اللبن وفلان يشوب ويروب: يخلط ويصفي ويمزج الهزل بالجد.\rيضرب من إصابته مرة وأخطائه أخرى. ويقال : يشوب ولا يروب أي يخلط ولا يخلص.\rوأصل يروب في المثالين يريب وإنّما قيل يروب للازدواج.\rشب شوباً لك روبته!\rالشوب تقدم؛ والروبة بضم الراء روبة اللبن وهي خميرة تلقى فيه من الحامض يروب.\rوهذا كما يقال : أحلب حلبا لك تنظره! كذا في الصباح. وهو يناسب أن تكون الأم في لك للملك والاستحقاق فيما يستقبل؛ ويحتمل أن يكون الملحوظ فيها المضي فيقال لمن شب نار فتنة أو تسبب في أمر من الأمور كأنه قيل له: اجر في فتنة أنت مثيرها أو منك كان أقوى أسبابها والإعانة فيها.\rشاورهن وخالفوهن!\rأي النساء. يتمثل به وهو حديث.\rشالت نعامته.\rيقال: شالت الناقة بذنبها تشول شولاً وشولانا وأشالته: رفعته وشال الذنب نفسه: ارتفع لازمٌ متعد: وشال بالحجر أيضاً وأشاله: رفعه؛ والنعامة الحيوان المعروف.و النعامة اسضا: جماعة القوم وباطن القدم يقال للقوم: شالت نعامتهم إذا خفت منازلهم أو تفرقت كلمتهم أو ذهب عزهم. وشالت نعامة فلان إذا خف وغضب ثم سكن. هكذا قال بعض العلماء. وقال آخرون: يقال شالت نعامة فلان إذا هلك. ومن هذا قول الشاعر:\rيا ليتنا أمنا شالت نعامتها ... أيما أبى جنةٍ أيما إلى نارِ!\rقيل وذلك لأنَّ النعامة باطن القدم وشالت: ارتفعت ومن شأن من هلك أن ترتفع رجلاه وينكسر رأسه فتظهر نعامة قدمه. ومن ثم يقال : تنعم فلان إذا مشى حافياً على نعامته كقوله:\rتنعمن لمّا جاءني سوء فعلهم ... إلاّ إنّما البأساء للمتنعم!\rو اختلف في قول عنترة:\rفيكون مركبك القعود ورحله ... و أبن النعامة عند ذلك مركبي\rفقيل: أبن النعامة: الطريق وقيل:باطن القدم. وسمي الطريق بذلك لأنّه مركب لها.\rشوى حتى إذا نضج رمد.\rشيُّ اللحم معروف؛ والنضج كما الطبخ؛ والترميد: جعله في الرماد وتعفينه به. فيقال لكل من أفسد الشيء بعدما صلح.\rشيئاً ما يطلب السوط إلى الشقراء!\rالسوط معروف؛ والشقراء فرس لبعض العرب ركبها فجعل كلما ضربها زادته جرياً.\rيضرب لمن طلب حاجة وجعل يدنو من قضائها والفراغ منها. كذا في القاموس. ومما يلتحق بهذا الباب قولهم:\rأشربتني ما لم أشرب.\rأي ادعيت علي ما لم افعل. وقولهم:\rالشعر أحد الوجهين.\rأي النظر إليه كالنظر إلى الوجه.\rوقول النبي صلى الله عليه وسلم.\rشاهت الوجوهُ.\rفانه كثيرا ما يتمثل به. وقول الحريري:\rشوى في الحريق سمكته.\rوالحريق اسم من الاحتراق؛ والسمكة: الحوتة وهي إنّما تشوى في النار القوية وفي اللهب ما دام؛ فإذا سكن تعب في شيها.\rفيضرب ذلك مثلا لقضاء الحاجة من القاضي ما دام غضبه للكرام بتحريكه للنوال بالشعر وانتهاز الفرصة منه قبل سكون غضبه فقد لا يوجد إذ ذاك.\rوإذ فرغنا من الأمثال المنثورة فلنذكر ما تسمى من الشعرية.\rقال الشاعر:\rلقد كثر الظباء على خداشٍ\rوهذا المثل مشهور ويمام البيت:\rفما يدري خداشٌ ما يصيدُ\rغير أنه إذا تمم خروج عن هذا الباب.\rوقال بعض الوعاظ مضمنا لهذا المثل في ذم الدنيا:\rيا راكضاً في طلاب دنيا ... ليس لمن تصرعُ انتعاشُ\rتنح يا عرضة لرامٍ ... أسهمه بالردي تراشُ\rلا تغش ناراً \" \" لظاها ... بمن له نحوها انحياشُ!","part":1,"page":356},{"id":357,"text":"أعذر منك الفراش حالاً ... علمت ما يجهل الفراشُ\rتطلبها لا تنام عينٌ ... عنها ولا يستقر جاشُ\rمن كل بالري من شرابٍ ... يشتد من شربه العطاشُ؟\rدعها فطلابها رعاعٌ ... طاشت بألبابهم فطاشوا\rوأظمأ لتروى وكن كقومٍ ... ماتوا بها عفةً فعاشوا!\rلم يردوها فهم رواءٌ ... و واردوها هم العطاشُ\rكأنَّ المنايا ظباءٌ ... و أنت من حيرةٍ خداشُ\rإنَّ لأيامنا انبساطاً ... به لأعمارنا انكماشُ\rكأنَّ آجالنا صقورٌ ... و نحن من تحتها خشاشُ\rوقال الآخر:\rما لقوي عن ضعيفٍ غنى ... لا بد للسهم من الريش!\rوقال أبو الطيب:\rونهب نفوس أهل النهب أولى ... بأهل المجد من نهب القماش\rوقال الآخر:\rوقد كنت مركبكم في الصدور ... فصرت بها ملحقاً في الحواش\rوقال سابق البربري:\rفلا تخبر بسرك كل سرٍّ ... إذا ما جاوز الاثنين جاشا!\rو الاثنتين هنا الشفتين.\rومثله عند عضهم قول الآخر:\rإذا جاوز الاثنين سرٌ فانه ... ببثٍّ وإفشاء الحديث قمينُ\rوقال القائم بأمر الله أحد ملوك بني العباس:\rالقلب من خمر التصابي منتشٍ ... هل لي غديرٌ من شرابٍ معطشِ؟\rوالنفس من برح الهوى مقتلةٌ ... و لكم قتيلٍ في الهوى لم ينعشِ!\rجمعت عليَّ من الغرام عجائبٌ ... خلفن قلبي في إسارٍ موحشِ\rخلٌ يصد وعاذلٌ متنصحٌ ... و منازعٌ يغري ونمامٌ يشي\rغيره:\rإذا الواشي بغى يوماً صديقاً ... فلا تدع الصديق لقول واشِ!\rو قلت أنا:\rولائمةٍ هبت بليلٍ تلومني ... وثوب الدجى ما للصبح به نقشُ\rوليس لديباجِ السماء الذي سما ... علينا سوى ترقيش أنعمه رقشُ\rوقد جبت آفاقها فكأنها ... من السندس الخضر السرادق والعرشُ\rكأنَّ النجوم الزهر في جنباتها ... وجوهٌ زهتهن الملاحة والبشُ\rتلوم على أن لم تر الدهر مسعداً ... مناي وصرف الدهر ليس له حفشُ\rوأشجى حشاها أن تبدى بعاتقي ... لأنيابه عضٌ وفي عضدي نهشُ\rوأن تفضي من رزاياه طارفي ... و أن قد جرى منه على أعضمي محشُ\rفباتت يناجيها الأسى ويجيشها ... إليَّ تناجيني ويغلبها الجهشُ\rوتمحضني منها تخالُ نصيحةً ... ولم تدر أنَّ النصح آونةً غشُ\rتقول: التجئ للمترفين فإنه ... إلى نارهم من نابه دهره يعشو\rفقالت لها إذ كان زوراً مقالها ... مقالة شهمٍ ليس في قيله رفشُ\rهو الدهر ما يبقى على متخشعٍ ... جزوعٍ ولا يرثي لشاكٍ إذا يشطو\rوأحداثه تجري فمن ذي هوادةٍ ... أليفٍ وذي شحناء أخذته بطشُ\rوما الدهر إلاّ واديان فمعشٌ ... أنيس لمرادٍ وذو جردٍ وحشُ\rوداران دارٌ ذات نعمى هنيئةٍ ... و فرشٍ وأخرى لا نعيمٌ ولا فرشُ\rويومان يومٌ أنت فيه متوجٌ ... على العرش أو يومٌ به حسبك الفرشُ\rوما المال إلاّ مزن صيفٍ وقلما ... يدوم ويجدي للصدى ذلك الطشُ\rوليلة سارٍ بينما هو مقمرٌ ... بصحراء غاب البدر فاستوسق الغبشُ\rوليس الفتى من ليس يبرح ضارعاً ... هلوعاً إذا يرمه من دهره خدشُ\rكئيبٌ بئيسٌ إن عرته ملمةٌ ... و تغشاه إن أثرى الشراسة والفحشُ\rسؤولٌ لما وافى منوعٌ لمّا حوى ... ودودٌ لمن أثرى بغيضٌ لمن يغشو\rعزيزٌ على المولى ذليلٌ على العدا ... عبوسٌ إذا يسمو طليقٌ إذا يلشو\rولكن من إن ناله لا شباته ... تفل ولا في حزمه يدرك النفشُ\rضنينٌ بماء الوجه لا يستثيره ... إلى مطمعٍ في غير خالقه حرشُ\rصبورٌ على علاته متجرعٌ ... دوين الهوان ما تهرعه الرقشُ\rعليمٌ بأن النائبات إذا عرت ... فملجؤها السامي بسلطانه العرشُ\rهو المرتجى في فتح ما كان مرتجا ... و تنوير ما أمسى به أظلم الغطشُ\rوثيقٌ بهذا لا تلين صفاته ... إذا قرعت أحشاءه النوب المحشُ\rقريبٌ من المولى صفيٌ إذا اعتنى ... و مبتعدٌ عنه إذا مسه خيشُ\rفلا عرضه يبلى ولا حزمه يهي ... و لا وهنه يبدو ولا سره يفشو","part":1,"page":357},{"id":358,"text":"فذلك ما عاش السميُّ مكانه ... و أخلق بأن يسمو إذا حفه النعشُ\rقوله: السرادق والعرش، السرادق: البيت من الكرسف والذي يمد فوق صحن الدار؛ والعرش: الخيمة وسقف البيت وما يستظل به.\rوالبش والبشاشة: طلاقة الوجه.\rوالنقربات: الخيل تقرب مرابطها.\rوالبرش في شعر الفرس نكت صغار تخالف سائر لونه.\rوالخفش: الطرد والمحش: قشر الجلد من اللحم وشدة الأكل.\rوالجهش: الفزع يقال: جهش إليه جهشاً إذا فزع. وهو يريد البكاء كالصبي.\rوالرفش: الضعف والوهن أو الخلط من قوله: رفشت الشيء إذا دققته وهرسته مجازاً.\rوالكشو: العض.\rوالغبش: ظلمة آخر الليل وأثرى الرجل: كثر ماله وغشاه يغشوه وغشيه يغشاه: أتاه.\rولشا الرجل: خس بعد رفعة.\rوالحرش: التحرك والاصطياد.\rولنكتف بهذا القدر والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.\rباب الصاد\rأصبر من حمارٍ.\rالصبر خلاف الجزع صبر بالفتح صبرا فهو صابر وصبور وتصبر واصطبر. والصبر أيضاً: الحبس واللزوم؛ والحمار معروف وطبعه الصبر على الأثقال والأحمال.\rأصبر من ذي الضاغط.\rالصبر مر وذو الضاغط: البعير والضاغط انفتاق في إبطه.\rوفي عبارة بعضهم هو البعير الذي حز مرفقه جنبه.\rأصبر من عودٍ بدفيه الجلب.\rالعود: المسن من الإبل كما مر؛ والدفان: الجنبان؛ والجلب جمع جلبةٍ على مثال غرفةٍ، وهو أثر الدبر.\rوالمثل الأول من هذين. قال البكري: هو لسعيد بن أبان بن عيينة بن حصن؛ والثاني لحلحلة بن قيس بن أشيم وكلاهما فزاريان.\rقال: وخبر ذلك أنَّ كلبا أوقعت ببني فزارة وقتلوا منهم نيفا وخمسين رجلا. فتلافى عبد الملك أمرهم وتحمل لبني فزارة نصف الحمالات وأداها إليهم وضمن النصف الآخر إلى العام المقبل. ثم إنَّ فزارة أخفرت ذلك وغزت كلبا. فلقوهم ببنات قين فتعدوا عليهم في القتل فغضب عبد الملك لإخفارهم ذمته فكتب إلى الحجاج يأمره إذا فرغ من أبن الزبير أن يوقع ببني فزارة. فلما فرغ الحجاج من شأن أبن الزبير نزل ببني فزارة. فأتاه سعيد وحلحلة المذكوران، فأوثقهما وبعث بهما إلى عبد الملك. فلما مثلا بين يديه قال عبد الملك: من كان عنده دين وتر فليقم إليها! فقام أبن سويد الكلبي وكان أبوه ممن قتل ببنات قين فقال: يا حلحلة هل أحسمت سويدا؟ فقال: عهدي به يوم بنات قين وقد انقطع خروه في بطنه. فقال: أما والله لأقتلنك! قال: كذبت ما أنت تقتلني وإنّما أبن الزرقاء! والزرقاء إحدى امهات مروان بن الحكم يعابون بها. فنادى بشر بن مروان وأمه فزارية فقال: صبرا حلحل! فقال حلحلة:\rأصبر من عودٍ بدفيه الجلب ... قد أثر الباطن فيه والحقب\rثم التفت إلى أبن سويد فقال: يا أبن أستها أجد الضربة! فقد وقعت بأبيك مني ضربة أسلحته. فضرب أبن سويد عنقه.\rثم قدم سعيد بن أبان ليضرب عنقه فناداه بشر: صبرا يا سعيد! فقال:\rأصبر من ذي ضاغطٍ عركرك ... ألقى بواني زوره للمبرك\rفضرب عنقه وألحقه بصاحبه.\rوالعركرك: البعير الغليظ؛ والزور: الصدر.\rأصبر من قضيبٍ.\rقضيب بالقاف والضاد المعجمة على مثال أمير رجل من ضبة.\rصاحب الدابة أولى بمقدمها.\rيتمثل به وهو يروى أثرا أو حديثا. ومعناه ظاهر.\rصادف بطنه بطن تربة.\rيقال: صادفه إذا لقيه ووجده؛ والبطن خلاف الظهر، من الحيوان ومن الأرض أيضاً؛ وتربة على مثال همزة وادٍ معروف يصب في بستان أبن عامر. فيقال هذا عند مصادفة الخصب وسعة العيش كأنه صادف هذا الوادي.\rصاحب السلطان كراكب الأسد يهابه الناس وهو لمركوبه أهيب\rهذا المثل من الأمثال الحكيمة، وهو قول الشاعر:\rلا تصاحبن السلطان في حالةٍ ... صاحبه ليث الشرى يركب\rيهابه الناس لمركوبه ... و هو لمّا يركبه أهيب\rو سيأتي استيفاء هذا المعنى في الحكمة، إن شاء الله تعالى.\rاصح من عير أبي سيارة.\rالصحة ضد السقم، والعير بالفتح الحمار الوحشي. قال امرؤ القيس:\rكأني ورفد والقراب ونمرقي ... على ظهر عير وارد الخيرات\rو قد يطلق على الأهلي، كما قال الآخر:\rولا يقيم على ضيم يراد به ... إلاّ الأذلان عير الحي والوتد\rهذا على الخسف مربوط برمته ... و ذا يشج فلا يرثي له أحد!","part":1,"page":358},{"id":359,"text":"و أبو سيارة بفتح السين وتشديد الياء عميلة بن خالد العداوني. وكان له حمار اسود جاز عليه من مزدلفة إلى منى أربعين سنة. وقيل: ولا يعرف حمار أهلي عاش أكثر من هذا الحمار. وضرب به المثل في الصحة وقال السهلي: هي أتان عوراء سوداء خطامها ليف. وكان أبو سيارة يقول:\rلا يهم لي في الحمار الأسود ... أصبحت بين العالمين أحسد\rبت أبا سيارة المحسد ... من شر كل حاسد يحسد!\rو هو الذي يقول: أشرق ثبير كي ما نغير! وكان يقول في دعائه: اللهم بغض بين رعائنا، وحبب بين نسائنا، واجعل المال في سمحائنا! وفيه يقول الشاعر:\rخل الطريق عن أبي سياره ... و عن مواليه بني فزاره\rحتى يجيز سالما حماره ... مستقبل القبلة يدعو جاره!\rوقد أجار الله من أجاره\rصرح حجير!\rالتصريح خلاف التعريض؛ وحجير رجل من اليمامة كان مؤذنا لمسيلمة الكذاب لعنه الله! وكان أوّل ما أمر أنَّ يذكر مسيلمة في الأذان توقف. فقال له محكم بن الطفيل: صرح حجير! فذهبت مثلا.\rصرح الحق عن محضه.\rالتصريح خلاف التعريض، وصرح فلان بما في نفسه: كشفه؛ والمحض الخالص، وصرح الحق عن محضه انكشف واتضح.\rوأورده أبو عبيد القاسم بن سلام، لإعلان السر وإبدائه بعد كتمانه باللفظ السابق. فقال البكري: جميع العلماء إنّما أوردوه: صرح الحقين. قال. وتقدم ذكر الحقين وتفسيره؛ ومحضه: خالصه. انتهى.\rقلت: وهذا اللفظ أحسن وأبين تمثيلا، وأنسب لذكر المحض. وقد تقدم لنا نحن أيضاً تفسير الحقين من اللبن والمحض: الخالص منه؛ قال طرفة:\rويشرب حتى يغمر المحض قلبه ... و إنَّ أعطه اترك لقلبي مجثما\rفإذا انكشف الأمر عن ستره وظهر بعد التباسه، كان كاللبن المنكشف رغوته عن محضه.\rصدقني سن بكره.\rالصدق خلاف الكذب، وصدقت الرجل: أخبرته بصدق، فهو مصدوق؛ والسن بالكسر واحدة أسنان الفم، ومقدار لعمر أيضا؛ والبكر بالفتح: الفتي من الإبل، جمعه بكار وبكارة بكسرهما.\rوهذا المثل يضرب لمن يخبرك بسره، وما انطوت عليه ضاوعه.\rوأصله أنَّ رجلا ساوم آخر في بكر فقال: ما سنه؟ قال: بازل. ثم نفر البكر. فدنا إليه صاحبه يسكنه وجعل يقول: هدع! هدع! وهي كلمة يسكن بها الصغار من الإبل. فلما سمعه المشتري قال: صدقني سن بكره. وهو أما أنَّ يكون برفع سن على إسناد الصدق إليه مجاز، وأما بنصبه على حذف المضاف أو الجار، أي: صدقني خبر سن بكره، أو في سن بكره، وهما وجهان في المثل، وفاعل الفعل على هذا البائع، وهو أما أنَّ يكون صدقه إياه بأخباره الأول إنّه بازل، ويكون خرج مخرج الهزء والسخرية أو بكلامه الثاني الذي يسكن به البعير وهو الأظهر.\rأصدق من القطا.\rالصدق مر؛ والقطا طائر معروف، وتقدم أيضاً، قيل: وسميت قطا لأنها تقول في صوتها: قطا! قطا! فسميت بحكاية صوتها. ومن ثم قالوا: أصدق من القطا وأنسب من القطا قال الكميت:\rلا تكذب القول إنَّ قالت قطا صدقت ... إذ كل ذي نسبة لابد ينتحل\rصدقك يبني عنك لا الوعيد.\rالصدق مر؛ ويبني، من النبوة وهو الارتفاع. تقول: نبأ الشيء غير مهموز، ينبو، نبوة، أي أرتفع؛ ونبا الشيء عن الشيء: تجافى عنه ولم يعمل فيه أو لم يطمئن عليه. قال الشاعر:\rإنَّ جنبي عن الفراش لنائب ... كتجافي الأسر فوق الظراب\rو الأسر: البعير يصيبه السرر داء في صدره يمنعه البروك والطمأنينة، وانبيته عني: جافيته ودافعته؛ والوعيد: الوعد بشر.\rوالمعنى أنَّ صدقك في لقائك عدوك ودفاعهم هو الذي يدفعهم عنك، لا وعيدك إياهم من غير فعل. وكذا كل أمر تزاوله إنّما يظفرك منه بما ترغب، وينجيك مما ترهب، صدقك وجدك وسعيك جلباً ودفعاً، لا مجرد اللسان.\rأصرد من عنزٍ جرباء.\rالصرد: البرد بفتح فسكون، وصرد الرجل بالكسر صرداً فهو صرد: وجد البرد سريعا. قال الشاعر:\rأصيح قلبي صردا ... لا يشتهي أنَّ يردا\rو العنز معروف والجرب بفتحتين معروف جرب بالكسر فهو أجرب، وجربت فهي جرباء. والعنز الجرباء لا تستطيع ألم البرد، ولا تمسك نفسها عنده. فضرب بها المثل لمن يجد البرد سريعا.\rأصرد من عين الجرباء.","part":1,"page":359},{"id":360,"text":"الصرد مر؛ والحرباء: الحيوان المعروف، وتقدم ما فيه، وناه يستقبل عين الشمس أبداً ويدور معها حيثما دارت. ومن ثم أبن الرومي الرقيب بالحرباء حيث قال:\rما بالها قد حسنت ورقيبها ... أبداً قبيح قبح الرقباء!\rما ذاك إلاّ إنّها شمس الضحى ... أبداً يكون رقيبها الحرباء\rفصارت الحرباء لذلك عن بعضهم أنَّ المثل الأول تصحف هذا.\rصرفانية ربعية، تصرم بالصيف وتوكل بالشتية.\rالصرفان بالفتح والتحريك: تمر رزين صلب يعده العبيد والأجراء وذوو العيال لعيشهم لكفايتهم ومنها قول الزباء:\rما للجمال مشيتها وئيداً ... أجندلا يحملن أم حديدا\rأم صرفانا باردا شديدا ... أم الرجال جثما قعودا؟\rو في الصحاح: قال أبو عبيدة: ولم يكن يهدي إليها شيء كان أحب إليها من التمر الصرفان. وانشد:\rولمّا أتاها العير قالت: أباردٌ ... من التمر أم هذا حديد وجندل؟\rو ثرم التمر قطعه؛ والشتية تصغير الشتاء.\rوالمثل ظاهر المعنى، ولم أقف بعد على أصله وسببه.\rالصارم ينبو.\rالصارم: السيق القاطع؛ ونبوه: تجافيه عن الضريبة، كما مر آنفا في تفسير النبوة.\rوهذا من أمثال أوس بن حارثة. ومثله الجواد يكبو. والمراد من ذلك أنَّ الكريم تكون له الزلة والشريف تكون له السقطة، واللبيب تكون له هفوة والجواد تكون له الوقفة، ونحو ذلك.\rأصغر القوم شفرتهم.\rالصغر ضد الكبر، والشفرة بفتح فسكون السكين العظيم جمعه أشفار. والمعنى أصغر القوم خادمهم.\rصفرت وطابه.\rيقال: صفر الشيء بالكسر فهو أصفر، والصفرة لون معروف. وصفر البلد أيضاً والبيت ونحوه إذا خلا من سكانه. ومنه قولهم: نعوذ بالله من صفر الناء! أي خلوه بهلاك المواشي؛ والوطب بالفتح سقاء اللبن والجمع أوطب وأوطاب ووطاب.\rويقال صفرت وطابه أي مات فخلا وطبه من روحه. قال امرؤ القيس:\rألا يا لهف هند أثر قومٍ ... هذا كانوا الشفاء فلم يصابوا\rوقاهم جدهم ببني أبيهم ... و بالاشقين ما كان العقاب\rوأفلتهن علباء جريضا ... و لو أدركنه صفر الوطب\rأي: لو أدركنه لمات.\rأصفى من عين الديك.\rالصفاء ضد الكدر، صفاء الشيء بالفتح يصفو صفاء، فهو صافٍ؛ والديك معروف؛ والعين تطلق على الباصرة وعلى ذات الشيء. والمراد هنا الأول. ضربوا المثل بعين الديك في صفائها. قال الأخطل:\rوكأس مثل عين الديك صرف ... تنسي الشاربين لها العقولا\rو سمعت أعرابية رجلا ينشد:\rوكأس سلاف يحلف الديك إنّها ... لدى المزج من عينيه أصفى وأحسن\rفقالت: بلغني أنَّ الديك من صالحي طيركم وما كان ليحالف كاذبا! ويحكى عن دعبل قال: كنا يوما عند سهل بن هارون، فأطلنا الحديث حتى أضر به الجوع. فدعا بغذائه، فإذا بصفحة فيها مرق ولحم ديك لا يؤثر فيه ضرس. فأخذ قطعة من خبزة فقلع بها جميع المرق ثم بقي مطرقا ساعة، فرفع رأسه إلى الغلام فقال له أين الرأس؟ قال: رميت به. قال: ولم؟ قال: ظننتك لا تأكله. قال: ولم ظننت ذلك؟ فو الله إني لأمقت من يرمي برجله، فضلا عن رأسه، والرأس رئيس، وفيه الحواس الخمس ومنه يصيح الديك، وفيه عيناه اللتان يضرب بهما المثل فيقال: شراب مثل عين الديك، ودماغه عجيب لوجع الكلب. فإنَّ كان يبلغ من جهلك أني لا آكله فإنَّ عندنا من يأكله: انظر أين هو! قال: والله ما أدري أين رميت به! قال: أنا والله أدري: رميت به في بطنك! وسهل هذا ممن يضرب به المثل في البخل، وسنلم بشيء من أخباره بعد، إن شاء الله تعالى. وقال عدي بن زيد:\rقدمته على عقار كعين الديك ... صفا سلافها على الراووق\rو لهذا الشعر حكاية حسنة لحماد الراوية، وهي مشهورة، وعسى أنَّ نذكرها في موضع آخر.\rصلاح رأي النساء فساد، ونفاقه كساد.\rمثل مصنوع فيما أظن، وهو ظاهر المعنى.\rأصلح الغيث ما أفسد برده.\rالصلاح ضد الفساد كالصلوح، صلح الشيء بالفتح والضم صلاحا فهو صلح بالكسر وصالح وصليح؛ والغيث: المطر وقد غاث المطر الأرض أي أصابها وغاثها الله يغيثها فهي أرض مغيثة ومغيوثه. والغيث أيضاً: النبات سمي بما نشأ عنه. قال امرؤ القيس:\rوقد أغتدي والطير في وكناتها ... لغيث من الوسمي رائده خال\rوقال:","part":1,"page":360},{"id":361,"text":"وغيث من الوسم حول تلاعه ... تبطنه بشظيم صلتان\rو يحتمل الآخر.\rوهذا المثل يضرب للرجل يكون فاسدا ثم يصلح. والأنسب لمعناه إنّه للشيء يصلح من وجه بعد ما فسد من وجه آخر، كالجواد يجبه السائل بالشتم ثم يحسن إليه ويعتبه أو يماطل زمانا ثم يوسع برا ومعروفا فيكون إكثاره الخير جبرا لمّا في المطل من الإساءة، ونحو هذا من الاعتبار.\rأصنع من دود القز.\rالصناعة بالكسر حرفة الصانع؛ والصنعة بالفتح علمه صنع الشيء بالفتح يصنعه صنعا، ورجل اليدين بالكسر وبفتحتين، وصنيع اليدين وصناعهما: حاذق في الصنعة، وصنع اللسان، ولسان صنع أي بليغ؛ وامرأة صناع اليدين: حاذقة وتقدم هذا، ودود القز هي دود الحرير، وصناعتها فيه أمر عجيب. ولو قيل أيضاً أضيع من دود القز بالضاد والياء المثناة من تحت، كان حسناً لأنها تلف على نفسها حتى تموت. وبها يضرب الحكماء المثل لجامع المال الحريص عليه ثم يخزنه وبمنعه الحقوق حتى يهلك في جمعه، فيأخذه الوارث كما يؤخذ الحرير بعد موت الدودة.\rأصنع من سرفة.\rالصنع مر؛ والسرفة بضم السين ويكون الراء المهملتين وبالفاء دويبة، ويقال هي الأرضة، وهي تتخذ بيتا من دقاق العيدان، ثم تلزقه بعود بمثل نسيج العنكبوت إلاّ إنّه أصلب. ثم تلزقه بعودان من أعواد الشجر وقد غطت رأسها وجميعها فتكون فهي ويقال تدخل فيه فتموت.\rأصنع من تنوطٍ.\rالتنوط بفتح التاء وضم الواو المشددة، وبضمها وكسر الواو: الطائر، والواحدة تنوطية، وهذا الطائر يدلي خيوطا من شجرة وينسج عشه كقارورة الدهن منوطاً بتلك الخيوط فيفرخ فيه. ولذلك سمي التنوط.\rصابت بقر.\rالصوب مجيء السماء بالمطر وصاب نزل قال:\rفلست لأنسى ولكن لملأك ... تنزل من جو السماء يصوب\rو صابه المطر أي مطر والصوب أيضاً: القصد، تقول: صاب السهم أي قصد ولم يجر؛ والصوب أيضاً واصواب صد الخطأ والقر بضم القاف البرد وقر الرجل بالضم أصابه القر فهو مقرور ويوم قر بالفتح بارد قال: امرؤ القيس:\rلا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعي القوم إني افر\rتميم بن مر وأشياعها ... و كندة حولي جميعا صبر\rإذا ركبوا الخيل وأستلاموا ... تحقت الأرض واليوم قر\rو القر أيضاً بالضم القرار ومنه قولهم: صابت بقر أي صارت الشدة في قرارها. قال: طرفة:\rكنت فيكم كالمغطي رأسه ... فانجلى اليوم قناعي وخمر\rسادراً أحسب غيي رشداً ... فتناهيت وقد صابت بقر\rهذا تمام ما وجد من هذا التأليف العجيب، والأسلوب الغريب، بخط الشيخ المؤلف، رحمه الله تعالى ونفعنا به على يد كتابه وناسخه عبد السلام بن عبد الرحمن العدلوني، كان الله له وليا ونصيراً، وفي ثاني عشر من رجب الفرد الحرام، عام أربعة وثلاثين ومائة وألف.\rالحمد لله! قوبلت هذه النسخة بأصلها، أصل المؤلف رحمه الله تعالى عليه بجد وجد في طرق تصحيحها بذلك منه بفقدها ما وجدته في حيز الضد. والحمد لله الذي هو سنى ذلك حق الحمد حمداً واري الزند سامي البند، ذاكي الرند وصلاة الله العديمة الند الفائحة الند، على من ليس لمن يرتجي شفاعة من الصلاة عليه من بد، وعلى آله ويلم تسليما.\rقال هذا وكتبه بيده مصححها محمّد بن قاسم بن محمّد أبن زاكور الفاسي عامله الله!","part":1,"page":361}],"titles":[{"id":1,"title":"المقدمة","lvl":1,"sub":0},{"id":1,"title":"بسم الله الرحمن الرحيم","lvl":2,"sub":1},{"id":1,"title":"وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه","lvl":2,"sub":2},{"id":3,"title":"السمط الأول","lvl":2,"sub":0},{"id":3,"title":"الأمثال وما يلتحق بها","lvl":1,"sub":1},{"id":3,"title":"المقدمة","lvl":2,"sub":2},{"id":3,"title":"الفصل الأول:","lvl":2,"sub":3},{"id":3,"title":"معنى المثل والحكمة","lvl":2,"sub":4},{"id":9,"title":"الفصل الثاني","lvl":2,"sub":0},{"id":9,"title":"فائدة المثل والحكمة وفضلهما","lvl":2,"sub":1},{"id":17,"title":"الفصل الثالث:","lvl":2,"sub":0},{"id":17,"title":"فضل الشعر","lvl":2,"sub":1},{"id":21,"title":"الفصل الرابع:","lvl":2,"sub":0},{"id":21,"title":"الأمثال الشعرية","lvl":2,"sub":1},{"id":23,"title":"خاتمة","lvl":2,"sub":0},{"id":23,"title":"في اصطلاح الكتاب","lvl":2,"sub":1},{"id":24,"title":"باب الألف","lvl":2,"sub":0},{"id":24,"title":"أبى الحقين العذرة","lvl":2,"sub":1},{"id":24,"title":"أتى الأبد، على لبد.","lvl":2,"sub":2},{"id":25,"title":"أتتك بحائن رجلاه.","lvl":2,"sub":0},{"id":26,"title":"أتيته صكة عمي","lvl":2,"sub":0},{"id":26,"title":"أتتهم فالية الأفاعي.","lvl":2,"sub":1},{"id":26,"title":"يأتيك كل غد بما فيه.","lvl":2,"sub":2},{"id":26,"title":"إحدى حظيات لقمان","lvl":2,"sub":3},{"id":26,"title":"الأخذ سلجان، والقضاء ليان","lvl":2,"sub":4},{"id":27,"title":"الأخذ سريط، والقضاء ضريط","lvl":2,"sub":0},{"id":27,"title":"اتخذ فلان حمارا للحاجات","lvl":2,"sub":1},{"id":27,"title":"أخذ الليل جملا","lvl":2,"sub":2},{"id":28,"title":"أخذهم ما قدم وما حدث:","lvl":2,"sub":0},{"id":28,"title":"خذ من جذع ما أعطاك:","lvl":2,"sub":1},{"id":28,"title":"خذ من الرضفة ما عليها:","lvl":2,"sub":2},{"id":28,"title":"خذه ولو بقرطي مارية:","lvl":2,"sub":3},{"id":29,"title":"آخر البز على القلوص:","lvl":2,"sub":0},{"id":29,"title":"آخر أقلها شربا.","lvl":2,"sub":1},{"id":29,"title":"أخوك أم الذئب","lvl":2,"sub":2},{"id":29,"title":"أخوك البكري ولا تأمنه!","lvl":2,"sub":3},{"id":30,"title":"إذا دخلت أرض الحصيب فهرول!","lvl":2,"sub":0},{"id":30,"title":"إذا رغب الملك عن العدل، رغبت الرعية عن الطاعة.","lvl":2,"sub":1},{"id":30,"title":"إذا ارجحن شاصيا فارفع يدا:","lvl":2,"sub":2},{"id":30,"title":"إذا سمعت بسرى القين فاعلم أنه مصبح.","lvl":2,"sub":3},{"id":30,"title":"إذا اشتريت فاذكر السوق.","lvl":2,"sub":4},{"id":30,"title":"إذا طلبت الباطل أنجح بك.","lvl":2,"sub":5},{"id":30,"title":"إذا عز أخوك فهن.","lvl":2,"sub":6},{"id":31,"title":"إذا لم تستحي فاصنع ما شئت.","lvl":2,"sub":0},{"id":31,"title":"إذا نزل بك الشر فاقعد.","lvl":2,"sub":1},{"id":31,"title":"إذا نزل القضاء عمي البصر:","lvl":2,"sub":2},{"id":32,"title":"إذا لم تغلب فاخلب.","lvl":2,"sub":0},{"id":32,"title":"مأرب لا حفاوة:","lvl":2,"sub":1},{"id":32,"title":"آكل من أرضة.","lvl":2,"sub":2},{"id":32,"title":"آكل من سوس.","lvl":2,"sub":3},{"id":32,"title":"يأكلك الأسد ولا يأكلك الكلب.","lvl":2,"sub":4},{"id":33,"title":"آلف من حمام مكة.","lvl":2,"sub":0},{"id":33,"title":"آلف من غراب عقدة.","lvl":2,"sub":1},{"id":33,"title":"إليك يساق الحديث.","lvl":2,"sub":2},{"id":34,"title":"أمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك.","lvl":2,"sub":0},{"id":34,"title":"الأمور مخلوجة وليست بسلكى.","lvl":2,"sub":1},{"id":34,"title":"تأمير الأراذل، تدمير الأفاضل.","lvl":2,"sub":2},{"id":34,"title":"الأمر أشد من ذلك.","lvl":2,"sub":3},{"id":34,"title":"آمن من حمام مكة.","lvl":2,"sub":4},{"id":35,"title":"أما الدين فلا دن.","lvl":2,"sub":0},{"id":35,"title":"أنا بالقوس، وأنت بالقرقوس، متى نجتمع","lvl":2,"sub":1},{"id":35,"title":"أنا تئق وأنت مئق فكيف نتفق","lvl":2,"sub":2},{"id":35,"title":"أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب.","lvl":2,"sub":3},{"id":37,"title":"أنا كلف، وأنت صلف، فكيف نأتلف","lvl":2,"sub":0},{"id":37,"title":"أنا اتلوص قبل أن أرمى.","lvl":2,"sub":1},{"id":37,"title":"أنا من هذا الأمر فالج بن خلاوة.","lvl":2,"sub":2},{"id":37,"title":"أنا من هذا الأمر كحاقن الإهالة.","lvl":2,"sub":3},{"id":37,"title":"أنا النذير العريان.","lvl":2,"sub":4},{"id":38,"title":"أنت شولة الناصحة","lvl":2,"sub":0},{"id":38,"title":"أنت صاحبة النعامة.","lvl":2,"sub":1},{"id":38,"title":"أنت غيري نغرة","lvl":2,"sub":2},{"id":40,"title":"إن جرجر العود فزده وقرا","lvl":2,"sub":0},{"id":40,"title":"أن ذهب عير فعير في الرهط.","lvl":2,"sub":1},{"id":40,"title":"الإيناس قبل الابساس","lvl":2,"sub":2},{"id":40,"title":"إن أعيى فزوده نوطا.","lvl":2,"sub":3},{"id":40,"title":"أنفك منك وإن كان أجدع.","lvl":2,"sub":4},{"id":41,"title":"إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا.","lvl":2,"sub":0},{"id":41,"title":"أن كنت ذا طب فطب لعينيك","lvl":2,"sub":1},{"id":41,"title":"أن يكن هذا من الله يمضه.","lvl":2,"sub":2},{"id":41,"title":"إن لا حظية فلا ألية","lvl":2,"sub":3},{"id":42,"title":"إن لا أكن صنعا فإني أعتثم.","lvl":2,"sub":0},{"id":42,"title":"لأن يهدي الله بك رجلا خير لك من حمر النعم","lvl":2,"sub":1},{"id":42,"title":"إن البغاث بأرضنا يستنسر","lvl":2,"sub":2},{"id":43,"title":"إن البكري ليحسن السعدي","lvl":2,"sub":0},{"id":44,"title":"إن تحت طريقته لعنداوة.","lvl":2,"sub":0},{"id":44,"title":"إن الجواد عينه فرارة.","lvl":2,"sub":1},{"id":44,"title":"إن الحذر لا يغني من القدر.","lvl":2,"sub":2},{"id":44,"title":"إن الرثيئة تفثا الغضب","lvl":2,"sub":3},{"id":45,"title":"إن الرقين تغطي أفن الأفين","lvl":2,"sub":0},{"id":45,"title":"إن السقط يحرق الحرجة.","lvl":2,"sub":1},{"id":46,"title":"إن الشفيق بسوء الظن مولع","lvl":2,"sub":0},{"id":47,"title":"إن الشقراء لم يعد شرها رجليها","lvl":2,"sub":0},{"id":47,"title":"إن الشقي وافد البراجم.","lvl":2,"sub":1},{"id":48,"title":"إن العصا قرعت لذي الحلم.","lvl":2,"sub":0},{"id":49,"title":"إن فلانا باقعة.","lvl":2,"sub":0},{"id":49,"title":"إنه لذو بزلاء.","lvl":2,"sub":1},{"id":49,"title":"إنه ليسر حسوا في لرتغاء.","lvl":2,"sub":2},{"id":50,"title":"إنه لساكن الريح.","lvl":2,"sub":0},{"id":50,"title":"إنه لشراب بأنقع.","lvl":2,"sub":1},{"id":50,"title":"إنه لصل أصلال.","lvl":2,"sub":2},{"id":50,"title":"إنه لضعيف العصا.","lvl":2,"sub":3},{"id":50,"title":"إنه لضل إضلال.","lvl":2,"sub":4},{"id":50,"title":"إنه لعض.","lvl":2,"sub":5},{"id":51,"title":"إنه للين العصا.","lvl":2,"sub":0},{"id":51,"title":"إنه لنقاب.","lvl":2,"sub":1},{"id":51,"title":"إنه لنكد الحظيرة.","lvl":2,"sub":2},{"id":51,"title":"إنه لهتر اهتار.","lvl":2,"sub":3},{"id":52,"title":"إنه لواقع الطائر.","lvl":2,"sub":0},{"id":52,"title":"انك لا تجني من الشوك العنب.","lvl":2,"sub":1},{"id":52,"title":"إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع.","lvl":2,"sub":2},{"id":52,"title":"إن لله جنودا منها العسل.","lvl":2,"sub":3},{"id":53,"title":"إن في المرنعة لكل قوم مقنعة.","lvl":2,"sub":0},{"id":53,"title":"إن في مض لمطمعا.","lvl":2,"sub":1},{"id":53,"title":"إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر.","lvl":2,"sub":2},{"id":53,"title":"إن الله لن يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه.","lvl":2,"sub":3},{"id":53,"title":"إن اللهي تفتح اللهي.","lvl":2,"sub":4},{"id":54,"title":"إنما يجزي الفتى ليس الجمل.","lvl":2,"sub":0},{"id":54,"title":"إنما سميت هانئا لتهنأ.","lvl":2,"sub":1},{"id":54,"title":"إنما اشتريت الغنم حذار العازبة.","lvl":2,"sub":2},{"id":54,"title":"إنما القرم من الأفيل","lvl":2,"sub":3},{"id":54,"title":"إنما هو كبارح الأروى.","lvl":2,"sub":4},{"id":54,"title":"إن مع اليوم غدا.","lvl":2,"sub":5},{"id":55,"title":"إن من بالنجف من ذي قدرة لقريب.","lvl":2,"sub":0},{"id":55,"title":"إن من البيان لسحرا.","lvl":2,"sub":1},{"id":57,"title":"إن من الشعر لحكمة.","lvl":2,"sub":0},{"id":57,"title":"إن من الشر خيرا.","lvl":2,"sub":1},{"id":57,"title":"إن منكم منفرين.","lvl":2,"sub":2},{"id":57,"title":"إن الهدايا على مقدار مهديها.","lvl":2,"sub":3},{"id":57,"title":"أهل مكة أعرف بشعابها.","lvl":2,"sub":4},{"id":57,"title":"أينما أذهب ألق سعدا.","lvl":2,"sub":5},{"id":57,"title":"أي داء أدوى من البخل","lvl":2,"sub":6},{"id":58,"title":"إياك أعني واسمعي يا جارة!","lvl":2,"sub":0},{"id":58,"title":"إنه ابن إحداها","lvl":2,"sub":1},{"id":58,"title":"إن كذبت فحلبت قاعدا","lvl":2,"sub":2},{"id":58,"title":"إن كذبت فشربت عبوقا باردا","lvl":2,"sub":3},{"id":58,"title":"إن فلانا لتدب عقاربه","lvl":2,"sub":4},{"id":58,"title":"إنه لفي حور بور","lvl":2,"sub":5},{"id":58,"title":"إنه لوابصة سمع","lvl":2,"sub":6},{"id":59,"title":"إذا امتلأت القربة ترشحت.","lvl":2,"sub":0},{"id":59,"title":"أبى منبت العيد ان أن يتغير.","lvl":2,"sub":1},{"id":59,"title":"إن المحب لمن يهواه زوار.","lvl":2,"sub":2},{"id":60,"title":"إن الحر حر","lvl":2,"sub":0},{"id":60,"title":"إن الحسان مظنة للحاسد.","lvl":2,"sub":1},{"id":61,"title":"إن التخلق يأتي دونه الخلق.","lvl":2,"sub":0},{"id":61,"title":"إن السم مشروب.","lvl":2,"sub":1},{"id":61,"title":"إن الكريم إذا خادعته انخدع.","lvl":2,"sub":2},{"id":61,"title":"إن ليتا وإن لوا عناء.","lvl":2,"sub":3},{"id":61,"title":"أي الرجال المهذب","lvl":2,"sub":4},{"id":72,"title":"باب الباء","lvl":2,"sub":0},{"id":72,"title":"بحث عن حتفه بظلفه","lvl":2,"sub":1},{"id":72,"title":"أبخر من الأسد.","lvl":2,"sub":2},{"id":72,"title":"أبخر من صقر","lvl":2,"sub":3},{"id":73,"title":"البدل أعور","lvl":2,"sub":0},{"id":73,"title":"برح الخفاء","lvl":2,"sub":1},{"id":73,"title":"أبرد من حبقر.","lvl":2,"sub":2},{"id":73,"title":"بر الكريم طبع، وبر البخيل دفع.","lvl":2,"sub":3},{"id":74,"title":"أبر من هرة.","lvl":2,"sub":0},{"id":74,"title":"بالرفاء والبنين.","lvl":2,"sub":1},{"id":74,"title":"برق لمن لا يعرفك.","lvl":2,"sub":2},{"id":75,"title":"أبرما قرونا.","lvl":2,"sub":0},{"id":76,"title":"أبصر من عقاب.","lvl":2,"sub":0},{"id":76,"title":"أبصر من غراب.","lvl":2,"sub":1},{"id":76,"title":"أبصر من فرس.","lvl":2,"sub":2},{"id":76,"title":"أبصر من المائح باست الماتح.","lvl":2,"sub":3},{"id":77,"title":"أبصر من هدهد","lvl":2,"sub":0},{"id":77,"title":"أبصر من وطواط بالليل.","lvl":2,"sub":1},{"id":77,"title":"بصبصن إذ حدين بالأذناب","lvl":2,"sub":2},{"id":77,"title":"بضرب خباب وريش المقعد","lvl":2,"sub":3},{"id":77,"title":"أبطأت بالجواب، حتى فات الصواب.","lvl":2,"sub":4},{"id":80,"title":"أبطأ من غراب نوح.","lvl":2,"sub":0},{"id":80,"title":"أبطأ من فند.","lvl":2,"sub":1},{"id":80,"title":"البطنة، تذهب الفطنة.","lvl":2,"sub":2},{"id":81,"title":"بطني وعطري، وسائري ذري!","lvl":2,"sub":0},{"id":82,"title":"أبعد من بيض الأنوق.","lvl":2,"sub":0},{"id":83,"title":"أبعدي عني ظلك، أحمل حملي وحملك!","lvl":2,"sub":0},{"id":83,"title":"بعض الشر أهون من بعض.","lvl":2,"sub":1},{"id":83,"title":"بعلة الورشان يأكل رطب المشان.","lvl":2,"sub":2},{"id":83,"title":"البغاث بأرضنا يستنسر.","lvl":2,"sub":3},{"id":83,"title":"أبلعني ريقي.","lvl":2,"sub":4},{"id":85,"title":"يبلغ الخضم بالقضم.","lvl":2,"sub":0},{"id":85,"title":"بلغ السكين العظم.","lvl":2,"sub":1},{"id":85,"title":"بلغ السيل الزبى.","lvl":2,"sub":2},{"id":85,"title":"بلغ الشظاظ الوركين.","lvl":2,"sub":3},{"id":86,"title":"بلغ الله بك اكلا العمر.","lvl":2,"sub":0},{"id":86,"title":"بلغ من العلم اطوريه.","lvl":2,"sub":1},{"id":86,"title":"ابله من ضب.","lvl":2,"sub":2},{"id":86,"title":"ابنك أبن ايرك، ليس بذي أب غيرك.","lvl":2,"sub":3},{"id":86,"title":"ابنك أبن بوحك.","lvl":2,"sub":4},{"id":86,"title":"ابنك من دمى عقبيك","lvl":2,"sub":5},{"id":87,"title":"به لا بظبي.","lvl":2,"sub":0},{"id":87,"title":"باءت عرار بكحل.","lvl":2,"sub":1},{"id":87,"title":"بال حمار فاستبال أحمرة.","lvl":2,"sub":2},{"id":87,"title":"بالت عليه الثعالب.","lvl":2,"sub":3},{"id":87,"title":"بات فلان بليلة ابن المنذر.","lvl":2,"sub":4},{"id":87,"title":"باتت المرأة بليلة حرة.","lvl":2,"sub":5},{"id":87,"title":"باتت بليلة شيباء.","lvl":2,"sub":6},{"id":87,"title":"باتت بليلة أنقد.","lvl":2,"sub":7},{"id":87,"title":"بيدي لا بيد عمرو.","lvl":2,"sub":8},{"id":89,"title":"بيدين ما أوردها زائدة.","lvl":2,"sub":0},{"id":89,"title":"بيض القطا يحضنه الأجدل.","lvl":2,"sub":1},{"id":89,"title":"بين الصبح لذي عينين.","lvl":2,"sub":2},{"id":89,"title":"وقولهم: بفلان تقرن الصعبة.","lvl":2,"sub":3},{"id":89,"title":"وقولهم: بعد اللتيا والتي.","lvl":2,"sub":4},{"id":89,"title":"وقولهم: هو ابن زوملتها","lvl":2,"sub":5},{"id":89,"title":"وقولهم: هو بين سمع الأرض وبصرها","lvl":2,"sub":6},{"id":90,"title":"و قولهم: البركات في الحركات.","lvl":2,"sub":0},{"id":95,"title":"كأنها تهفي على القلوب.","lvl":2,"sub":0},{"id":125,"title":"باب التاء والمثناة","lvl":2,"sub":0},{"id":125,"title":"تتابعي بقر!","lvl":2,"sub":1},{"id":126,"title":"أتبع الفرس لجامها، والناقة زمامها، والدلو رشاءها.","lvl":2,"sub":0},{"id":126,"title":"اتبع من الظل.","lvl":2,"sub":1},{"id":127,"title":"اتجر من عقرب.","lvl":2,"sub":0},{"id":127,"title":"تحفة المؤمن الموت.","lvl":2,"sub":1},{"id":127,"title":"أتخم من الفصيل.","lvl":2,"sub":2},{"id":128,"title":"تركت الرأي ببقة.","lvl":2,"sub":0},{"id":128,"title":"ترك الخداع من أجرى من المائة.","lvl":2,"sub":1},{"id":128,"title":"تركت فلانا بملاحس البقر أولادها.","lvl":2,"sub":2},{"id":128,"title":"تركته ترك الظبي ظله.","lvl":2,"sub":3},{"id":128,"title":"تركته كجوف الحمار.","lvl":2,"sub":4},{"id":129,"title":"تركتهم لحما على وضم.","lvl":2,"sub":0},{"id":129,"title":"ترك الوطن أحد السباءين.","lvl":2,"sub":1},{"id":129,"title":"اتق مأثور القول!","lvl":2,"sub":2},{"id":133,"title":"تلك التجارة لا انتقاد الدرهم.","lvl":2,"sub":0},{"id":133,"title":"تمرة خير من جرادة.","lvl":2,"sub":1},{"id":134,"title":"التمر في البئر على ظهر الجمل.","lvl":2,"sub":0},{"id":134,"title":"اتميميا مرة وقيسيا أخرى","lvl":2,"sub":1},{"id":135,"title":"تيسي جعار.","lvl":2,"sub":0},{"id":136,"title":"تحت طريقتك عنداوة.","lvl":2,"sub":0},{"id":136,"title":"تركته باست الأرض.","lvl":2,"sub":1},{"id":136,"title":"تركته على أنقى من الراحة.","lvl":2,"sub":2},{"id":147,"title":"بسم الله الرحمن الرحيم","lvl":2,"sub":0},{"id":147,"title":"باب الثاء","lvl":2,"sub":1},{"id":147,"title":"الثابت يكسر الوثبات.","lvl":2,"sub":2},{"id":147,"title":"أثقف من سنور.","lvl":2,"sub":3},{"id":147,"title":"أثقل رأسا من فهد.","lvl":2,"sub":4},{"id":147,"title":"مثقل استعان بذقنه.","lvl":2,"sub":5},{"id":147,"title":"أثقل من حديث معاد.","lvl":2,"sub":6},{"id":149,"title":"أثقل من حمل الدهيم.","lvl":2,"sub":0},{"id":149,"title":"أثقل من الزواقي.","lvl":2,"sub":1},{"id":149,"title":"أثقل من مغن وسط.","lvl":2,"sub":2},{"id":150,"title":"أثقل من الفيل.","lvl":2,"sub":0},{"id":151,"title":"ثكل أرأمها ولدا.","lvl":2,"sub":0},{"id":152,"title":"الثور يحمي أنفه بروقه.","lvl":2,"sub":0},{"id":153,"title":"ثار حابلهم على نابلهم","lvl":2,"sub":0},{"id":159,"title":"باب الجيم","lvl":2,"sub":0},{"id":159,"title":"أجبن من صافر.","lvl":2,"sub":1},{"id":160,"title":"خلا لك الجو فبيضي واصفري","lvl":2,"sub":0},{"id":160,"title":"أجبن من الكروان.","lvl":2,"sub":1},{"id":160,"title":"أجبن من المنزوف ضرطا.","lvl":2,"sub":2},{"id":160,"title":"أجبن من النعامة.","lvl":2,"sub":3},{"id":161,"title":"الجحش لما بذك الأعيار!","lvl":2,"sub":0},{"id":161,"title":"جدك كدك.","lvl":2,"sub":1},{"id":161,"title":"جدع مازن انفه بكفه.","lvl":2,"sub":2},{"id":161,"title":"أجرأ من خاصي خصاف.","lvl":2,"sub":3},{"id":162,"title":"أجرأ من خاصي الأسد.","lvl":2,"sub":0},{"id":162,"title":"أجرأ من فارس خصاف.","lvl":2,"sub":1},{"id":162,"title":"جرب ثم باعد أو قرب.","lvl":2,"sub":2},{"id":162,"title":"يجري بليق ويذم.","lvl":2,"sub":3},{"id":162,"title":"جري المذكي حسرات عنه الحمر.","lvl":2,"sub":4},{"id":162,"title":"جري المذكيات غلاب.","lvl":2,"sub":5},{"id":162,"title":"جروا له الخطير ما أنجز لكم!","lvl":2,"sub":6},{"id":163,"title":"اجر الأمور على إذلالها!","lvl":2,"sub":0},{"id":163,"title":"أجرى من ذباب.","lvl":2,"sub":1},{"id":163,"title":"جزاه جزاء سنمار.","lvl":2,"sub":2},{"id":164,"title":"تجشى لقيم من غير شبع.","lvl":2,"sub":0},{"id":164,"title":"أجلسته عندي فاتكأ.","lvl":2,"sub":1},{"id":164,"title":"جلى محبا نظره.","lvl":2,"sub":2},{"id":164,"title":"جمع بين الأروى والنعام.","lvl":2,"sub":3},{"id":165,"title":"جمع بين الضب والنون.","lvl":2,"sub":0},{"id":165,"title":"أجمل من المذهب.","lvl":2,"sub":1},{"id":165,"title":"الجمل من جوفه يجتز.","lvl":2,"sub":2},{"id":166,"title":"تجنب روضة وأحال يعدو.","lvl":2,"sub":0},{"id":166,"title":"أجن من دقة.","lvl":2,"sub":1},{"id":166,"title":"أجود من لافظة.","lvl":2,"sub":2},{"id":166,"title":"الجواد يكبو.","lvl":2,"sub":3},{"id":166,"title":"أجناؤها أبناؤها.","lvl":2,"sub":4},{"id":166,"title":"يجني من الشوك الثمر.","lvl":2,"sub":5},{"id":166,"title":"تجمع الحرة ولا تأكل بثدييها.","lvl":2,"sub":6},{"id":167,"title":"جوع كلبك يتبعك!","lvl":2,"sub":0},{"id":168,"title":"أجوع من ذئب.","lvl":2,"sub":0},{"id":168,"title":"أجوع من كلبة حومل.","lvl":2,"sub":1},{"id":168,"title":"أجوع من لقوة.","lvl":2,"sub":2},{"id":168,"title":"أجول من قطرب.","lvl":2,"sub":3},{"id":169,"title":"الجار قبل الدار.","lvl":2,"sub":0},{"id":169,"title":"جاء بالضح والريح","lvl":2,"sub":1},{"id":169,"title":"جاء بالحظر الرطب.","lvl":2,"sub":2},{"id":169,"title":"جاء بما صأى وصمت.","lvl":2,"sub":3},{"id":169,"title":"جاء صريم سحر","lvl":2,"sub":4},{"id":169,"title":"جاء يضرب أسدريه.","lvl":2,"sub":5},{"id":170,"title":"جاء يفري ويقد.","lvl":2,"sub":0},{"id":170,"title":"جاء بأم الربيق، على أريق.","lvl":2,"sub":1},{"id":170,"title":"جاءوا مخلين فلاقوا حمضا.","lvl":2,"sub":2},{"id":170,"title":"جاءوا على بكرة أبيهم.","lvl":2,"sub":3},{"id":170,"title":"جاء ينفض مذرويه.","lvl":2,"sub":4},{"id":170,"title":"جاء على غبيراء الظهر.","lvl":2,"sub":5},{"id":171,"title":"جاء وقد لفظ لجامه.","lvl":2,"sub":0},{"id":171,"title":"جاء وقد قرض رباطه.","lvl":2,"sub":1},{"id":171,"title":"جاءوا قضهم بقضيهم.","lvl":2,"sub":2},{"id":171,"title":"أجدك تقول هذا","lvl":2,"sub":3},{"id":171,"title":"أجدت من هذا الأمر قروني","lvl":2,"sub":4},{"id":171,"title":"جاء ولكن لم يجيء لعصره.","lvl":2,"sub":5},{"id":171,"title":"الجواب ما ترى لا ما تسمع!","lvl":2,"sub":6},{"id":182,"title":"باب الحاء المهملة","lvl":2,"sub":0},{"id":182,"title":"أحب الحديث أصدقه.","lvl":2,"sub":1},{"id":183,"title":"حبك الشيء يعمي ويصم.","lvl":2,"sub":0},{"id":183,"title":"حبل فلان يفتل.","lvl":2,"sub":1},{"id":183,"title":"حتفها تحمل ضأن بأظلافها.","lvl":2,"sub":2},{"id":183,"title":"حتام تكرع ولا تنفع","lvl":2,"sub":3},{"id":184,"title":"المحاجزة قبل المنازلة.","lvl":2,"sub":0},{"id":184,"title":"حدأ حدأ وراءك بندقة.","lvl":2,"sub":1},{"id":184,"title":"حديث خرافة يا أم عمرو!","lvl":2,"sub":2},{"id":185,"title":"الحديث شجون.","lvl":2,"sub":0},{"id":186,"title":"حدث عن البحر ولا حرج!","lvl":2,"sub":0},{"id":186,"title":"حدث عن معن ولا حرج!","lvl":2,"sub":1},{"id":186,"title":"الحديد بالحديد يفل.","lvl":2,"sub":2},{"id":186,"title":"الحذر قبل إرسال السهم.","lvl":2,"sub":3},{"id":186,"title":"أحذر من ضب حرشته.","lvl":2,"sub":4},{"id":186,"title":"حذو النعل بالنعل.","lvl":2,"sub":5},{"id":186,"title":"الحرب خدعة.","lvl":2,"sub":6},{"id":187,"title":"الحرب سجال.","lvl":2,"sub":0},{"id":187,"title":"حرب عوان.","lvl":2,"sub":1},{"id":189,"title":"الحر إذا خودع تخادع، وإذا عظم تواضع.","lvl":2,"sub":0},{"id":189,"title":"حرة تحت قرة.","lvl":2,"sub":1},{"id":189,"title":"احر من دمع المقلات.","lvl":2,"sub":2},{"id":189,"title":"أحر من القرع","lvl":2,"sub":3},{"id":189,"title":"حر انتصر.","lvl":2,"sub":4},{"id":189,"title":"أحرس من الكركي.","lvl":2,"sub":5},{"id":189,"title":"محترس من مثله وهو حارس.","lvl":2,"sub":6},{"id":190,"title":"أحرص من نملة.","lvl":2,"sub":0},{"id":190,"title":"حرق عليه الأرم.","lvl":2,"sub":1},{"id":190,"title":"حرك خشاشه.","lvl":2,"sub":2},{"id":190,"title":"حرك لها حوارها تحن.","lvl":2,"sub":3},{"id":190,"title":"حزت حازة من كوعها.","lvl":2,"sub":4},{"id":190,"title":"أحزم من الحرباء.","lvl":2,"sub":5},{"id":190,"title":"أحزم من عقاب.","lvl":2,"sub":6},{"id":191,"title":"أحزم من قرلى.","lvl":2,"sub":0},{"id":191,"title":"حسبك من شر سماعه.","lvl":2,"sub":1},{"id":193,"title":"تحسبها حمقاء وهي باخس.","lvl":2,"sub":0},{"id":193,"title":"أحس وذق!","lvl":2,"sub":1},{"id":194,"title":"الحسن أحمر.","lvl":2,"sub":0},{"id":194,"title":"محسنة فهيلي!","lvl":2,"sub":1},{"id":194,"title":"أحسن من طاووس.","lvl":2,"sub":2},{"id":194,"title":"أحشك وتروثني!","lvl":2,"sub":3},{"id":194,"title":"أحشفا وسوء كيلة","lvl":2,"sub":4},{"id":194,"title":"الحفائظ تحلل الأحقاد.","lvl":2,"sub":5},{"id":194,"title":"الحق أبلج، والباطل لجلج.","lvl":2,"sub":6},{"id":194,"title":"تحقره وينتأ!","lvl":2,"sub":7},{"id":194,"title":"حقك أخذت.","lvl":2,"sub":8},{"id":195,"title":"تحككت العقرب بالأفعى.","lvl":2,"sub":0},{"id":195,"title":"احتك حكم الصبي على أهله!","lvl":2,"sub":1},{"id":195,"title":"أحكى من قرد.","lvl":2,"sub":2},{"id":195,"title":"حلأت حالئه عن كوعها.","lvl":2,"sub":3},{"id":195,"title":"أحلبت أم أجلبت","lvl":2,"sub":4},{"id":195,"title":"حلبت صرام.","lvl":2,"sub":5},{"id":195,"title":"لتحلبنها مصرا!","lvl":2,"sub":6},{"id":195,"title":"حلف له بالمحرجات.","lvl":2,"sub":7},{"id":195,"title":"حلم الأديم","lvl":2,"sub":8},{"id":196,"title":"أحلم من فرخ الطائر.","lvl":2,"sub":0},{"id":196,"title":"الحمد مغنم والمذمة مغرم.","lvl":2,"sub":1},{"id":196,"title":"أحمق ما يتوجه.","lvl":2,"sub":2},{"id":196,"title":"أحمق من جهبر.","lvl":2,"sub":3},{"id":196,"title":"أحمق من جهيزة.","lvl":2,"sub":4},{"id":197,"title":"أحمق من أبي غبشان.","lvl":2,"sub":0},{"id":197,"title":"أحمق من حبارى.","lvl":2,"sub":1},{"id":197,"title":"أحمق من دغة.","lvl":2,"sub":2},{"id":198,"title":"أحمق من رجلة.","lvl":2,"sub":0},{"id":198,"title":"أحمق من رخمة.","lvl":2,"sub":1},{"id":198,"title":"أحمق من صاحب ضأن ثمانين.","lvl":2,"sub":2},{"id":198,"title":"أحمق من ضبع.","lvl":2,"sub":3},{"id":199,"title":"أحمق من ناطح الصخرة.","lvl":2,"sub":0},{"id":199,"title":"أحمق من نعامة.","lvl":2,"sub":1},{"id":199,"title":"أحمق من هبنقة.","lvl":2,"sub":2},{"id":200,"title":"يحمل شن ويفدي لكيز.","lvl":2,"sub":0},{"id":200,"title":"الحمى أضرعتني إليك!","lvl":2,"sub":1},{"id":200,"title":"الحمى أضرعتني للنوم.","lvl":2,"sub":2},{"id":201,"title":"حمي الوطيس.","lvl":2,"sub":0},{"id":201,"title":"أحمى من مجير الجراد.","lvl":2,"sub":1},{"id":201,"title":"حن حنين الثكلى","lvl":2,"sub":2},{"id":201,"title":"حن قدح ليس منها.","lvl":2,"sub":3},{"id":201,"title":"حنت ولا تهنت.","lvl":2,"sub":4},{"id":202,"title":"حور في محارة","lvl":2,"sub":0},{"id":202,"title":"حيل بين العير والنزوان.","lvl":2,"sub":1},{"id":202,"title":"حال الجريض دون القريض.","lvl":2,"sub":2},{"id":203,"title":"حول حابله على نابله.","lvl":2,"sub":0},{"id":203,"title":"حوالينا لا علينا.","lvl":2,"sub":1},{"id":203,"title":"حيث لا يضع الراقي أنفه.","lvl":2,"sub":2},{"id":203,"title":"أحير من برغوث.","lvl":2,"sub":3},{"id":203,"title":"أحير من ضب.","lvl":2,"sub":4},{"id":203,"title":"الحية من الحيية.","lvl":2,"sub":5},{"id":203,"title":"أحيى من ضب.","lvl":2,"sub":6},{"id":203,"title":"حبا وكرامة.","lvl":2,"sub":7},{"id":204,"title":"حطني القصا.","lvl":2,"sub":0},{"id":204,"title":"تحللت عقد فلان.","lvl":2,"sub":1},{"id":204,"title":"أحسن من نار القرى.","lvl":2,"sub":2},{"id":204,"title":"أحقر من ذباب وأحقر من قلامة.","lvl":2,"sub":3},{"id":204,"title":"أحير من طير في شبكة.","lvl":2,"sub":4},{"id":204,"title":"أحير من بقة في حقة.","lvl":2,"sub":5},{"id":204,"title":"حل عبستك، ما أردت خبزتك!","lvl":2,"sub":6},{"id":204,"title":"الحمار حماري وأنا أركب من وراء!","lvl":2,"sub":7},{"id":217,"title":"باب الخاء المعجمة","lvl":2,"sub":0},{"id":217,"title":"خبأة خير من يفعة سوء.","lvl":2,"sub":1},{"id":218,"title":"خبط خبط عشواء.","lvl":2,"sub":0},{"id":218,"title":"خبقة خبقة ترق عين بقة.","lvl":2,"sub":1},{"id":218,"title":"أخدع من ضب.","lvl":2,"sub":2},{"id":218,"title":"مخرنبق لينباع.","lvl":2,"sub":3},{"id":219,"title":"تخرسي يا نفس لا مخرس لك.","lvl":2,"sub":0},{"id":219,"title":"خرقاء ذات نيقة.","lvl":2,"sub":1},{"id":219,"title":"الخرق شؤم.","lvl":2,"sub":2},{"id":219,"title":"خرقاء عيابة.","lvl":2,"sub":3},{"id":219,"title":"أخرق من حمامة.","lvl":2,"sub":4},{"id":220,"title":"خرقاء وجدت صوفا.","lvl":2,"sub":0},{"id":220,"title":"أخسر صفة من أبي غبشان.","lvl":2,"sub":1},{"id":220,"title":"خش ذؤالة بالحبالة.","lvl":2,"sub":2},{"id":220,"title":"خشية خير من ملء واد حبا.","lvl":2,"sub":3},{"id":220,"title":"أخطأت اسكت الحفرة.","lvl":2,"sub":4},{"id":220,"title":"أخطأ من ذباب.","lvl":2,"sub":5},{"id":220,"title":"أخطأ من فراش.","lvl":2,"sub":6},{"id":220,"title":"الخنفساء إذا مست نتنت.","lvl":2,"sub":7},{"id":220,"title":"أخف حلما من بعير.","lvl":2,"sub":8},{"id":220,"title":"أخف حلما من عصفور.","lvl":2,"sub":9},{"id":221,"title":"أخف رأسا من ذئب.","lvl":2,"sub":0},{"id":221,"title":"أخف من لا على اللسان.","lvl":2,"sub":1},{"id":221,"title":"أخف من يراعة.","lvl":2,"sub":2},{"id":221,"title":"تخلصت قائبة من قوب.","lvl":2,"sub":3},{"id":221,"title":"اختلط الحابل بالنابل.","lvl":2,"sub":4},{"id":221,"title":"اختلط الخاثر بالزباد.","lvl":2,"sub":5},{"id":221,"title":"خلع الدرع بيد الزوج.","lvl":2,"sub":6},{"id":221,"title":"أخلف من صقر.","lvl":2,"sub":7},{"id":221,"title":"أخلف من عرقوب.","lvl":2,"sub":8},{"id":222,"title":"خله درج الضب!","lvl":2,"sub":0},{"id":222,"title":"خلي سبيل من وهى سقاؤه!","lvl":2,"sub":1},{"id":222,"title":"خلاؤك أقنى لحيائك.","lvl":2,"sub":2},{"id":222,"title":"الخلة تدعو إلى السلة.","lvl":2,"sub":3},{"id":223,"title":"خلا لك الجو فبيضي واصفري!","lvl":2,"sub":0},{"id":223,"title":"خامري أم عامر!","lvl":2,"sub":1},{"id":224,"title":"الخنق يخرج الورق.","lvl":2,"sub":0},{"id":224,"title":"خير الأمور أوساطها.","lvl":2,"sub":1},{"id":224,"title":"خير العشاء سوافره.","lvl":2,"sub":2},{"id":225,"title":"خير العلم ما حوضر به","lvl":2,"sub":0},{"id":225,"title":"خير الغداء بواكره.","lvl":2,"sub":1},{"id":225,"title":"خير الغنى القنوع وشر الفقر الخضوع.","lvl":2,"sub":2},{"id":227,"title":"خير ما رد في أهل ومال","lvl":2,"sub":0},{"id":227,"title":"خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة.","lvl":2,"sub":1},{"id":227,"title":"الخيل تجري على مساويها.","lvl":2,"sub":2},{"id":228,"title":"الخيل اعلم بفرسانها.","lvl":2,"sub":0},{"id":228,"title":"الخيل أعلم من فرسانها.","lvl":2,"sub":1},{"id":228,"title":"أخيل من مذالة.","lvl":2,"sub":2},{"id":228,"title":"أخرجت له حريشتي","lvl":2,"sub":3},{"id":228,"title":"أخشن من ليفة.","lvl":2,"sub":4},{"id":228,"title":"خفة الظهر أحد اليسارين.","lvl":2,"sub":5},{"id":229,"title":"خفيف الحاذ.","lvl":2,"sub":0},{"id":229,"title":"خفيف الرداء.","lvl":2,"sub":1},{"id":229,"title":"خلط عليك الأمر.","lvl":2,"sub":2},{"id":229,"title":"هو يخبأ وأبوه يكنز.","lvl":2,"sub":3},{"id":229,"title":"اخط الحسن يزيد من الحق وضوحا.","lvl":2,"sub":4},{"id":229,"title":"آلات الكتابة وأصناف الكتب.","lvl":2,"sub":5},{"id":234,"title":"أخف من دينار يحيى.","lvl":2,"sub":0},{"id":234,"title":"خالف تعرف!","lvl":2,"sub":1},{"id":238,"title":"باب الدال المهملة","lvl":2,"sub":0},{"id":238,"title":"دردب لما عضه الثقاف.","lvl":2,"sub":1},{"id":238,"title":"دفعت إليه الشيء برمته.","lvl":2,"sub":2},{"id":238,"title":"دع بنيات الطريق.","lvl":2,"sub":3},{"id":239,"title":"دعوا دما ضيعه أهله!","lvl":2,"sub":0},{"id":239,"title":"دعوا دعوة كوكبية.","lvl":2,"sub":1},{"id":240,"title":"دفن البنات من المكرمات.","lvl":2,"sub":0},{"id":240,"title":"دقك بالمنحاز حب القلقل.","lvl":2,"sub":1},{"id":240,"title":"دقوا بينهم عطر منشم.","lvl":2,"sub":2},{"id":240,"title":"دمث لنفسك قبل النوم مضطجعا!","lvl":2,"sub":3},{"id":241,"title":"الدم لا ينام.","lvl":2,"sub":0},{"id":241,"title":"دهدرين، سعد القين.","lvl":2,"sub":1},{"id":241,"title":"الدهر حبلى لا يدرى ما تلد.","lvl":2,"sub":2},{"id":241,"title":"أدهى من ثعلب.","lvl":2,"sub":3},{"id":242,"title":"دار الفسوق جدث، وحديثه حدث.","lvl":2,"sub":0},{"id":242,"title":"دون ذلك خرط القتاد","lvl":2,"sub":1},{"id":242,"title":"دون ذا وينفق الحمار!","lvl":2,"sub":2},{"id":242,"title":"دجاجة وتركل.","lvl":2,"sub":3},{"id":269,"title":"باب الذال المعجمة","lvl":2,"sub":0},{"id":269,"title":"الذئب يغبط بذي بطنه.","lvl":2,"sub":1},{"id":269,"title":"ذياب في ثياب.","lvl":2,"sub":2},{"id":269,"title":"الذيب يكنى أبا جعدة.","lvl":2,"sub":3},{"id":270,"title":"ذكرتني الطعن وكنت ناسيا.","lvl":2,"sub":0},{"id":270,"title":"ذكر ما فات يكدر الأوقات.","lvl":2,"sub":1},{"id":270,"title":"مذكية تقاس بالجذاع.","lvl":2,"sub":2},{"id":270,"title":"قياس البيض على الباذنجان.","lvl":2,"sub":3},{"id":271,"title":"أذكى من إياس.","lvl":2,"sub":0},{"id":271,"title":"ذليل عاذ بقرملة.","lvl":2,"sub":1},{"id":271,"title":"ضعيف عاد بقرملة.","lvl":2,"sub":2},{"id":271,"title":"أذل من بيضة البلد.","lvl":2,"sub":3},{"id":272,"title":"أذل من حمار.","lvl":2,"sub":0},{"id":272,"title":"أذل من حمار قبان.","lvl":2,"sub":1},{"id":272,"title":"أذل من السقبان بين الحلائب.","lvl":2,"sub":2},{"id":272,"title":"أذل من فراش.","lvl":2,"sub":3},{"id":272,"title":"أذل من فقع بقرقرة.","lvl":2,"sub":4},{"id":272,"title":"ذهبوا أيادي سبأ.","lvl":2,"sub":5},{"id":273,"title":"ذهبوا تحت كوكب.","lvl":2,"sub":0},{"id":273,"title":"ذهب دمه أدراج الرياح.","lvl":2,"sub":1},{"id":274,"title":"ذهبت هيف لأديانها.","lvl":2,"sub":0},{"id":274,"title":"الذود إلى الذود ابل.","lvl":2,"sub":1},{"id":274,"title":"ذلك الفحل لا يقدح انفه.","lvl":2,"sub":2},{"id":274,"title":"ذهب دمه خضرا مضرا.","lvl":2,"sub":3},{"id":275,"title":"لأذهبن فإما هلك وإما ملك.","lvl":2,"sub":0},{"id":275,"title":"أذهل من صب.","lvl":2,"sub":1},{"id":275,"title":"ذلك ما كنا نبغ.","lvl":2,"sub":2},{"id":275,"title":"ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها.","lvl":2,"sub":3},{"id":275,"title":"ذلك الظن بك يا أبا إسحاق!","lvl":2,"sub":4},{"id":277,"title":"باب الراء","lvl":2,"sub":0},{"id":277,"title":"أراك بشرا، ما أحار مشفر.","lvl":2,"sub":1},{"id":277,"title":"أريها السهى وتريني القمر!","lvl":2,"sub":2},{"id":277,"title":"رأي الشيخ خير من مشهد الغلام.","lvl":2,"sub":3},{"id":278,"title":"ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل","lvl":2,"sub":0},{"id":279,"title":"أرى القدر، سابق الحذر","lvl":2,"sub":0},{"id":279,"title":"أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى.","lvl":2,"sub":1},{"id":279,"title":"أراك الكواكب بالنهار.","lvl":2,"sub":2},{"id":280,"title":"لأرينك لمحا باصرا!","lvl":2,"sub":0},{"id":280,"title":"الرأي مع الجماعة.","lvl":2,"sub":1},{"id":280,"title":"أرى الموت في الغرائر السود.","lvl":2,"sub":2},{"id":280,"title":"أرنيها نمرة أركها مطرة.","lvl":2,"sub":3},{"id":280,"title":"رب أخ لم تلده أمك!","lvl":2,"sub":4},{"id":281,"title":"رب أكلة منعت أكلات","lvl":2,"sub":0},{"id":281,"title":"رب رمية من غير رام.","lvl":2,"sub":1},{"id":281,"title":"رب ساع لقاعد.","lvl":2,"sub":2},{"id":282,"title":"رب سامع خبري لم يسمع عذري","lvl":2,"sub":0},{"id":282,"title":"رب سامع عذري لم يسمع قفوتي.","lvl":2,"sub":1},{"id":282,"title":"رب شد في الكرز!","lvl":2,"sub":2},{"id":282,"title":"رب صلف تحت الراعدة.","lvl":2,"sub":3},{"id":282,"title":"رب طمع يهدي إلى طبع.","lvl":2,"sub":4},{"id":283,"title":"رب عجلة تهب ريثا.","lvl":2,"sub":0},{"id":283,"title":"رب قول أشد من صول.","lvl":2,"sub":1},{"id":283,"title":"رب مملول لا يستطيع فراقه.","lvl":2,"sub":2},{"id":283,"title":"الرباح، مع السماح.","lvl":2,"sub":3},{"id":283,"title":"أربع على ظلعك!","lvl":2,"sub":4},{"id":286,"title":"يرتع وسطا ويربض حجرة.","lvl":2,"sub":0},{"id":286,"title":"رجع بخفي حنين.","lvl":2,"sub":1},{"id":286,"title":"رجع بصحيفة الملتمس.","lvl":2,"sub":2},{"id":287,"title":"رجع فلان إلى قرواه.","lvl":2,"sub":0},{"id":287,"title":"رزمة ولا درة فيها.","lvl":2,"sub":1},{"id":288,"title":"الرشف أنقع.","lvl":2,"sub":0},{"id":288,"title":"ارض من المركب بالتعليق!","lvl":2,"sub":1},{"id":288,"title":"مرعى ولا أكولة.","lvl":2,"sub":2},{"id":288,"title":"مرعى ولا كالسعدان.","lvl":2,"sub":3},{"id":289,"title":"فتى ولا كمالك.","lvl":2,"sub":0},{"id":289,"title":"رعى فأقصب.","lvl":2,"sub":1},{"id":289,"title":"الرغب شؤم والرفق يمن.","lvl":2,"sub":2},{"id":289,"title":"الخرق شؤم.","lvl":2,"sub":3},{"id":289,"title":"ارق على ظلعك!","lvl":2,"sub":4},{"id":289,"title":"ارق على ظلعك أن يهاض!","lvl":2,"sub":5},{"id":289,"title":"يرقم الماء.","lvl":2,"sub":6},{"id":289,"title":"رقة ينتجها ذنب خير من حسنة يتبعها عجب.","lvl":2,"sub":7},{"id":289,"title":"ركب جناحي النعامة.","lvl":2,"sub":8},{"id":290,"title":"ركب ذنب البعير.","lvl":2,"sub":0},{"id":290,"title":"ركب ذنب الريح.","lvl":2,"sub":1},{"id":290,"title":"ركب متن عشواء.","lvl":2,"sub":2},{"id":290,"title":"رمتني بدائها وانسلت.","lvl":2,"sub":3},{"id":290,"title":"رماه الله بداء الذيب.","lvl":2,"sub":4},{"id":290,"title":"رماه الله بأفعى حارية!","lvl":2,"sub":5},{"id":290,"title":"رعاه بأقحاف رأسه.","lvl":2,"sub":6},{"id":290,"title":"أرمى من أبن تقن.","lvl":2,"sub":7},{"id":290,"title":"الأرواح جنود مجندة.","lvl":2,"sub":8},{"id":291,"title":"استراح من لا عقل له.","lvl":2,"sub":0},{"id":292,"title":"أراد بيض الأنوق!","lvl":2,"sub":0},{"id":292,"title":"أردت عمرا وأراد الله خارجة!","lvl":2,"sub":1},{"id":292,"title":"رويد الغزو ينمرق!","lvl":2,"sub":2},{"id":292,"title":"رويدا يعدوان الجدد!","lvl":2,"sub":3},{"id":292,"title":"روغي جعار.","lvl":2,"sub":4},{"id":293,"title":"أروغ من ثعالة.","lvl":2,"sub":0},{"id":293,"title":"الراوية أحد الهاجين.","lvl":2,"sub":1},{"id":294,"title":"روت حزم، فإذا استوضحت فأعزم!","lvl":2,"sub":0},{"id":294,"title":"أروى من نملة.","lvl":2,"sub":1},{"id":294,"title":"أروى من نعامة.","lvl":2,"sub":2},{"id":294,"title":"رهبوتى خير من رحموتى.","lvl":2,"sub":3},{"id":294,"title":"تربع وتدسع","lvl":2,"sub":4},{"id":294,"title":"رجع عوده على بدئه.","lvl":2,"sub":5},{"id":294,"title":"مرحبا وسهلا.","lvl":2,"sub":6},{"id":294,"title":"رعد فلان وابرق.","lvl":2,"sub":7},{"id":294,"title":"أرقع ما أوهيت!","lvl":2,"sub":8},{"id":294,"title":"ركب فلان عرعره","lvl":2,"sub":9},{"id":294,"title":"ركب رأسه.","lvl":2,"sub":10},{"id":294,"title":"رماه بالذربين","lvl":2,"sub":11},{"id":294,"title":"رويد الشعر يغب!","lvl":2,"sub":12},{"id":294,"title":"رب حلية، انفع من قبيلة.","lvl":2,"sub":13},{"id":295,"title":"كم ترك الأول للآخر!","lvl":2,"sub":0},{"id":300,"title":"لطيفة:","lvl":2,"sub":0},{"id":317,"title":"باب الزاي الموحدة","lvl":2,"sub":0},{"id":317,"title":"زبيب وأنت حصرم.","lvl":2,"sub":1},{"id":318,"title":"زاحم بعود أو دع!","lvl":2,"sub":0},{"id":318,"title":"زعموا مطية الكذب.","lvl":2,"sub":1},{"id":320,"title":"زندان في وعاء.","lvl":2,"sub":0},{"id":320,"title":"أزكن من إياس.","lvl":2,"sub":1},{"id":320,"title":"أزنى من قرد.","lvl":2,"sub":2},{"id":320,"title":"أزهى من طاووس.","lvl":2,"sub":3},{"id":321,"title":"أزهى من ديك.","lvl":2,"sub":0},{"id":321,"title":"أزهى من غراب.","lvl":2,"sub":1},{"id":321,"title":"زوج من عود، خير من قعود.","lvl":2,"sub":2},{"id":322,"title":"زر غبا، تزدد حبا!","lvl":2,"sub":0},{"id":322,"title":"زيادة الأمل تقتضي نقصان العمل.","lvl":2,"sub":1},{"id":322,"title":"زدهم عنزا","lvl":2,"sub":2},{"id":323,"title":"زين في عين واله ولده.","lvl":2,"sub":0},{"id":323,"title":"كل خنفس عند أمه غزال","lvl":2,"sub":1},{"id":323,"title":"كل فتاة بأبيها معجبة.","lvl":2,"sub":2},{"id":324,"title":"باب السين المهملة","lvl":2,"sub":0},{"id":324,"title":"المسألة أخر كسب المرء.","lvl":2,"sub":1},{"id":324,"title":"أ سائر اليوم وقد زال الظهر","lvl":2,"sub":2},{"id":325,"title":"تسألني برامتين سلجما","lvl":2,"sub":0},{"id":326,"title":"في دار البقر تصيب التبن.","lvl":2,"sub":0},{"id":326,"title":"أسأل من قرثع.","lvl":2,"sub":1},{"id":326,"title":"سبني واصدق.","lvl":2,"sub":2},{"id":326,"title":"سب من سبك يا هبار!","lvl":2,"sub":3},{"id":326,"title":"سبق السيف العذل!","lvl":2,"sub":4},{"id":327,"title":"سبقك بها عكاشة.","lvl":2,"sub":0},{"id":327,"title":"سحابة صيف عن قليل تقشع.","lvl":2,"sub":1},{"id":327,"title":"سد أبن بيض الطريق.","lvl":2,"sub":2},{"id":327,"title":"سداد في كفاف، أفضل من غنى مع إسراف.","lvl":2,"sub":3},{"id":327,"title":"يسدي ويلحم.","lvl":2,"sub":4},{"id":327,"title":"السراح، من النجاح.","lvl":2,"sub":5},{"id":327,"title":"سرك أسيرك، فإن نطقت به كنت أسيره","lvl":2,"sub":6},{"id":327,"title":"أسرع من نكاح أم خارجة.","lvl":2,"sub":7},{"id":328,"title":"سرعان ذا إهالة!","lvl":2,"sub":0},{"id":329,"title":"أسرع من تلمض ورل.","lvl":2,"sub":0},{"id":329,"title":"أسرع السحب في المسير الجهام.","lvl":2,"sub":1},{"id":329,"title":"أسرق من زبابة","lvl":2,"sub":2},{"id":329,"title":"أسرى من جندب.","lvl":2,"sub":3},{"id":329,"title":"أسرى من قنفذ","lvl":2,"sub":4},{"id":329,"title":"أسعد أم سعيد","lvl":2,"sub":5},{"id":329,"title":"السعيد من وعظ بغيره.","lvl":2,"sub":6},{"id":329,"title":"أسفد من ديك.","lvl":2,"sub":7},{"id":329,"title":"أسفد من هجرس.","lvl":2,"sub":8},{"id":329,"title":"سفيه لم يجد مسافها.","lvl":2,"sub":9},{"id":330,"title":"سقط العشاء به على سرحان.","lvl":2,"sub":0},{"id":330,"title":"اسق أخاك النمري يصطبح!","lvl":2,"sub":1},{"id":330,"title":"اسق رقاش إنها سقاية!","lvl":2,"sub":2},{"id":330,"title":"سكت ألفا، والنطق خلفا.","lvl":2,"sub":3},{"id":331,"title":"أسكت من سمكة.","lvl":2,"sub":0},{"id":331,"title":"أسلح من حبارى.","lvl":2,"sub":1},{"id":331,"title":"أسلح من دجاج.","lvl":2,"sub":2},{"id":331,"title":"السلطان كالنار.","lvl":2,"sub":3},{"id":331,"title":"أسمع من حية.","lvl":2,"sub":4},{"id":331,"title":"اسمع من دلدل.","lvl":2,"sub":5},{"id":331,"title":"أسمع من سمع.","lvl":2,"sub":6},{"id":332,"title":"أسمع من فرخ عقاب.","lvl":2,"sub":0},{"id":332,"title":"أسمع من قراد.","lvl":2,"sub":1},{"id":332,"title":"اسمع جعجعة ولا أرى طحنا.","lvl":2,"sub":2},{"id":332,"title":"تسمع بالمعيدي خير من إن تراه.","lvl":2,"sub":3},{"id":333,"title":"أستسمن ذا ورم.","lvl":2,"sub":0},{"id":333,"title":"سمن كلبك يجوع أهله.","lvl":2,"sub":1},{"id":334,"title":"سمنكم في أديمكم.","lvl":2,"sub":0},{"id":334,"title":"سمن كلبك يأكلك!","lvl":2,"sub":1},{"id":334,"title":"استنت الفصال حتى القرعى!","lvl":2,"sub":2},{"id":334,"title":"سواء عليك هو والقفر.","lvl":2,"sub":3},{"id":334,"title":"سوء الاستمساك خير من حسن الصرعة.","lvl":2,"sub":4},{"id":335,"title":"سوء الاكتساب يمنع الانتساب.","lvl":2,"sub":0},{"id":335,"title":"أساء سمعا فأساء جابة.","lvl":2,"sub":1},{"id":335,"title":"سال قضيب حديدا.","lvl":2,"sub":2},{"id":335,"title":"سلط الله عليه الورى وحمى خيبرا!","lvl":2,"sub":3},{"id":335,"title":"سله من كذا سل الشعرة من العجين.","lvl":2,"sub":4},{"id":335,"title":"أسلط من ذئب متنمر.","lvl":2,"sub":5},{"id":335,"title":"السؤدد مع السواد.","lvl":2,"sub":6},{"id":335,"title":"أسير من المثل.","lvl":2,"sub":7},{"id":335,"title":"اسأل السائل عن طيب اللبن!","lvl":2,"sub":8},{"id":335,"title":"سخر البخيل يدبر عليك!","lvl":2,"sub":9},{"id":342,"title":"باب الشين المعجمة","lvl":2,"sub":0},{"id":342,"title":"أشأم من البسوس.","lvl":2,"sub":1},{"id":342,"title":"أشأم من بني بسوس.","lvl":2,"sub":2},{"id":343,"title":"أشأم من خوتعة.","lvl":2,"sub":0},{"id":343,"title":"أشأم من الأخيل.","lvl":2,"sub":1},{"id":343,"title":"أشأم من داحس.","lvl":2,"sub":2},{"id":344,"title":"أشأم من الدهيم.","lvl":2,"sub":0},{"id":344,"title":"أشأم من سراب.","lvl":2,"sub":1},{"id":344,"title":"أشأم من الشقراء.","lvl":2,"sub":2},{"id":344,"title":"أشأم من طويس.","lvl":2,"sub":3},{"id":344,"title":"أشأم من عطر منشم.","lvl":2,"sub":4},{"id":344,"title":"أشأم من غراب البين.","lvl":2,"sub":5},{"id":345,"title":"أشأم من قدار.","lvl":2,"sub":0},{"id":346,"title":"أشأم من قاشر.","lvl":2,"sub":0},{"id":346,"title":"شب عمرو عن الطوق.","lvl":2,"sub":1},{"id":347,"title":"أشبه من الغراب بالغراب.","lvl":2,"sub":0},{"id":347,"title":"أشبه شرج شرجا لو إن أسميرا.","lvl":2,"sub":1},{"id":347,"title":"شتى تؤوب الحلبة.","lvl":2,"sub":2},{"id":347,"title":"أشجع من الديك.","lvl":2,"sub":3},{"id":347,"title":"يشج مرة ويأسو أخرى","lvl":2,"sub":4},{"id":348,"title":"الشجاع موقى والجبان ملقى.","lvl":2,"sub":0},{"id":348,"title":"شحمتي في قلعي.","lvl":2,"sub":1},{"id":348,"title":"شحيمة في حلقي.","lvl":2,"sub":2},{"id":348,"title":"شحمة الركى.","lvl":2,"sub":3},{"id":348,"title":"اشد من الفرس.","lvl":2,"sub":4},{"id":348,"title":"أشد من الفيل.","lvl":2,"sub":5},{"id":348,"title":"أشد من الدلم.","lvl":2,"sub":6},{"id":348,"title":"اشتدي زيم!","lvl":2,"sub":7},{"id":350,"title":"اشتدي أزمة تنفرجي!","lvl":2,"sub":0},{"id":351,"title":"شراب بأمقع.","lvl":2,"sub":0},{"id":351,"title":"شراب بأنقع.","lvl":2,"sub":1},{"id":351,"title":"أشرد من نعامة.","lvl":2,"sub":2},{"id":351,"title":"أشرد من ورل.","lvl":2,"sub":3},{"id":351,"title":"شر الرأي الدبري.","lvl":2,"sub":4},{"id":351,"title":"شر الرعاء الحطمة.","lvl":2,"sub":5},{"id":351,"title":"شر السير القحقحة.","lvl":2,"sub":6},{"id":352,"title":"الشر ألجأه إلى مخ العراقيب.","lvl":2,"sub":0},{"id":352,"title":"شر ما أجاءك إلى مخة عرقوب.","lvl":2,"sub":1},{"id":352,"title":"شر المال مالا يزكى ولا يذكى.","lvl":2,"sub":2},{"id":352,"title":"شر أهر ذاناب.","lvl":2,"sub":3},{"id":352,"title":"شر يوميها وأغواه لها.","lvl":2,"sub":4},{"id":352,"title":"الشرط أملك، عليك أم لك.","lvl":2,"sub":5},{"id":353,"title":"شرعك ما بلغك المحل.","lvl":2,"sub":0},{"id":353,"title":"يكفيك ما بلغك المحل.","lvl":2,"sub":1},{"id":353,"title":"شرق ما بين القوم بشر.","lvl":2,"sub":2},{"id":353,"title":"اشتر لنفسك وللسوق!","lvl":2,"sub":3},{"id":353,"title":"شغلت شعابي جدواي.","lvl":2,"sub":4},{"id":353,"title":"أشغل من ذات النحيين.","lvl":2,"sub":5},{"id":353,"title":"شغلهم الصفق بالأسواق.","lvl":2,"sub":6},{"id":354,"title":"شق العصا.","lvl":2,"sub":0},{"id":354,"title":"أشكر من بروقة.","lvl":2,"sub":1},{"id":354,"title":"أشكر من كلب.","lvl":2,"sub":2},{"id":354,"title":"شاكه أبا فلان.","lvl":2,"sub":3},{"id":354,"title":"شكا إلى غير مصمت.","lvl":2,"sub":4},{"id":354,"title":"الشماتة لؤم.","lvl":2,"sub":5},{"id":355,"title":"أشم من نعامة.","lvl":2,"sub":0},{"id":355,"title":"شنشنه أعرفها من أخزم","lvl":2,"sub":1},{"id":355,"title":"شاهد البعض اللحظ.","lvl":2,"sub":2},{"id":356,"title":"يشوب ويروب.","lvl":2,"sub":0},{"id":356,"title":"شب شوبا لك روبته!","lvl":2,"sub":1},{"id":356,"title":"شاورهن وخالفوهن!","lvl":2,"sub":2},{"id":356,"title":"شالت نعامته.","lvl":2,"sub":3},{"id":356,"title":"شوى حتى إذا نضج رمد.","lvl":2,"sub":4},{"id":356,"title":"شيئا ما يطلب السوط إلى الشقراء!","lvl":2,"sub":5},{"id":356,"title":"أشربتني ما لم أشرب.","lvl":2,"sub":6},{"id":356,"title":"الشعر أحد الوجهين.","lvl":2,"sub":7},{"id":356,"title":"شاهت الوجوه.","lvl":2,"sub":8},{"id":356,"title":"شوى في الحريق سمكته.","lvl":2,"sub":9},{"id":358,"title":"باب الصاد","lvl":2,"sub":0},{"id":358,"title":"أصبر من حمار.","lvl":2,"sub":1},{"id":358,"title":"أصبر من ذي الضاغط.","lvl":2,"sub":2},{"id":358,"title":"أصبر من عود بدفيه الجلب.","lvl":2,"sub":3},{"id":358,"title":"أصبر من قضيب.","lvl":2,"sub":4},{"id":358,"title":"صاحب الدابة أولى بمقدمها.","lvl":2,"sub":5},{"id":358,"title":"صادف بطنه بطن تربة.","lvl":2,"sub":6},{"id":358,"title":"صاحب السلطان كراكب الأسد يهابه الناس وهو لمركوبه أهيب","lvl":2,"sub":7},{"id":358,"title":"اصح من عير أبي سيارة.","lvl":2,"sub":8},{"id":359,"title":"صرح حجير!","lvl":2,"sub":0},{"id":359,"title":"صرح الحق عن محضه.","lvl":2,"sub":1},{"id":359,"title":"صدقني سن بكره.","lvl":2,"sub":2},{"id":359,"title":"أصدق من القطا.","lvl":2,"sub":3},{"id":359,"title":"صدقك يبني عنك لا الوعيد.","lvl":2,"sub":4},{"id":359,"title":"أصرد من عنز جرباء.","lvl":2,"sub":5},{"id":359,"title":"أصرد من عين الجرباء.","lvl":2,"sub":6},{"id":360,"title":"صرفانية ربعية، تصرم بالصيف وتوكل بالشتية.","lvl":2,"sub":0},{"id":360,"title":"الصارم ينبو.","lvl":2,"sub":1},{"id":360,"title":"أصغر القوم شفرتهم.","lvl":2,"sub":2},{"id":360,"title":"صفرت وطابه.","lvl":2,"sub":3},{"id":360,"title":"أصفى من عين الديك.","lvl":2,"sub":4},{"id":360,"title":"صلاح رأي النساء فساد، ونفاقه كساد.","lvl":2,"sub":5},{"id":360,"title":"أصلح الغيث ما أفسد برده.","lvl":2,"sub":6},{"id":361,"title":"أصنع من دود القز.","lvl":2,"sub":0},{"id":361,"title":"أصنع من سرفة.","lvl":2,"sub":1},{"id":361,"title":"أصنع من تنوط.","lvl":2,"sub":2},{"id":361,"title":"صابت بقر.","lvl":2,"sub":3}]}