{"pages":[{"id":1,"text":"الوجيز في أصول الفقه\rتأليف: الأستاذ الدكتور: وهبة الزحيلي\rرئيس قسم الفقه الاسلامي ومذاهبه في جامعة دمشق","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"الوجيز في أصول الفقه\rتأليف: الأستاذ الدكتور: وهبة الزحيلي\rرئيس قسم الفقه الاسلامي ومذاهبه في جامعة دمشق\r\rدار الفكر المعاصر\rبيروت - لبنان\rدار الفكر\rدمشق - سورية","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"1999 إعمال العقل مفتاح التقدم\r\rالرقم الاصطلاحي: 011 1.00 الرقم الدولي: 8 - 205 - 57547 - 1:  ISBN\rالرقم الموضوعي: 250\rالموضوع: الفقه الإسلامي وأصوله\rالعنوان: الوجيز في أصول الفقه\rالتأليف: أ. د. وهبة الزحيلي\rالصف التصويري: دار الفكر - دمشق\rالتنفيذ الطباعي:: المطبعة العلمية - دمشق\rعدد الصفحات: 248 ص\rقياس الصفحة: 17× 25 سم.\rعدد النسخ: 3000 نسخة\rجميع الحقوق محفوظة\rيمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق إلا بإذن خطي من\rدار الفكر بدمشق\rبرامكة مقابل مركز الانطلاق الموحد ص. ب: (962) دمشق - سورية برقياً: فكر فاکس 2239716 هاتف 2239717، 2211166  http://www.fikr.com/ E-mail: info @fikr.com\r\rإعادة الطبعة الأولى\r1419 هـ = 1999 م\rط 1: 1994 م","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"الوجيز في أصول الفقه / وهبة الزحيلي. ـ ط. 2. - بيروت: دار الفكر المعاصر؛ دمشق: دار الفكر، 1995 0 - 247 ص.؛ 24 سم. 217 - 1 زح ي و 2 - 216،1 زح ي و العنوان 4 ـ الزحيلي مكتبة الأسد ع. 1990/ 7 / 940 -","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"بسم الله الرَّحمن الرّح تقديم الحمد لله الذي خلق الإنسان علمه البيان، والصلاة والسلام على محمد النبي الذي أنزل الله عليه القرآن، فكان مصدر العلم والنور والهداية والخير ما دام الزمان، وبعد: فإن علم أصول الفقه من أطرف العلوم وأحبها لعلماء الشريعة الإسلامية؛ لأنه العلم الذي وضعه المجتهدون أساساً للاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية من المصادر والأدلة الشرعية النصية والاجتهادية، فكان هو الضابط الدقيق لأصول الاجتهاد والعمدة في فهم الشريعة، والحجة في سلامة التفكير والتعرف على الأحكام، سواء المنصوص عليها أم الناجمة عن الاجتهاد لمعرفة أحكام المسائل المستجدة والقضايا المعاصرة. لذا كان لا غنى عنه لأي فقيه أو متفقه، عالم أو متعلم، ليزوده بنظريات المجتهدين، ويدرّبه على كيفية فهم الأحكام، ويعرفه على مناهج الاستنباط، فيجد فيه المتعة العقلية، ويجعله يهيمن على آفاق الشريعة ومفاتيحها وقواعدها الكلية والجزئية، وإدراك المصالح والمباني التي قامت عليها الشريعة. وإذا كنا في رحاب الكليات الجامعية لا نستطيع الإحاطة بجميع معطيات هذا العلم العظيم، مراعاة لظروف الطالب وزمان الدراسة، فإن مهمتنا توجب علينا تبسيط المسائل، ووضع الإطار الشامل لها، والتركيز على تحديد المفاهيم الأصولية، وعلى الجوانب التطبيقية المفيدة عملياً ونظرياً منها، وذلك بمنهج متوسط لا تطويل فيه ولا إيجاز مخل بالمطلوب","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"وكان وضع هذا الكتاب لفروع كليات الدعوة الإسلامية المتعددة في البلاد الإسلامية تلبية لرغبة الإخوة الأفاضل القائمين عليها في طرابلس الغرب بالجماهيرية الليبية والله أسأل أن يوفقنا لما فيه الهدى والخير والرشاد، وأن ينفع الإخوة الطلاب بثمرات هذا العلم الذي لا مثيل له لدى الأمم والشعوب الأخرى. الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه بجامعة دمشق","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"الموضوع تقديم المحتويات المحتويات بذة تاريخية عن نشأة علم أصول الفقه وتطوره وتعريفه وموضوعه وغايته خطة البحث الأدلة الشرعية الدليل الأول ـ القرآن الكريم تعريفه وخصائصه حجيته نواحي الإعجاز أحكام القرآن دلالة الآيات على الأحكام أسلوب البيان في القرآن الدليل الثاني - السنة الشريفة تعريفها وأنواعها أقسام السنة من حيث السند دلالة السنة على الأحكام منزلة السنة بالنسبة إلى القرآن حجية السنة آراء العلماء في خبر الآحاد الحديث المرسل أفعال النبي الدليل الثالث - الإجماع الفصل الأول الصفحة 13 18 21 24 24 26 27 32 31 35 35 36 37 37 39 41 43 43 46","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"7 46 47 48 50  Or 53 0.0 56 58 Ov 1. 60 65 65 Vo Yo vv VV 78 81 83 84 86 1.  تعريفه ركنه وشرائطه مستنده حجيته أنواعه إمكان انعقاده وقوعه بالفعل الدليل الرابع - القياس تعريفه أركانه حجيته أدلة نفاة القياس شروط القياس ما يشترط في الأصل شروط حكم الأصل شروط الفرع شروط العلة مسالك العلة 1 - النص 2 - الإجماع 3 - السير والتقسيم 4 - المناسبة، أنواع الوصف المناسب ه - تنقيح المناط أقسام القياس 1 - التقسيم الأول بحسب مقدار وضوح العلة وخفائها - التقسيم الثاني باعتبار القوة والتبادر إلى الذهن الدليل الخامس - الاستحسان.  A.","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"92 چه چه و 86 92 93 96 97 97 که چه 99 101 102 1.0 1.0 108 108 109 110 113 113 116 119 119 119 121 تعريفه، أنواعه حجيته وآراء العلماء فيه الدليل السادس - المصلحة المرسلة تعريفها، أنواعها المعتبرة شرعاً حجيتها شروط العمل بها الدليل السابع - العرف تعريفه، الفرق بينه وبين الإجماع، أنواعه حجيته تطبيقاته الدليل الثامن - شرع من قبلنا تعريفه، أقسامه حجيته الدليل التاسع - مذهب الصحابي المراد به، آراء العلماء فيه الدليل العاشر - سد الذرائع تعريفه، الفرق بين الذريعة والمقدمة أنواع الذرائع آراء العلماء في سد الذرائع الدليل الحادي عشر الاستصحاب تعريفه، أنواعه القواعد الفقهية المبنية على الاستصحاب الفصل الثاني الأحكام الشرعية المبحث الأول ـ الحكم تعريفه أقسامه","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"أنواع كل قسم أنواع الحكم التكليفي: 124 1 - الواجب، تعريفه وحكمه وأقسامه التقسيم الأول باعتبار وقت الأداء التقسيم الثاني باعتبار تقديره من الشارع التقسيم الثالث باعتبار الملزم بفعله التقسيم الرابع باعتبار تعين المطلوب به - المندوب، تعريفه، أنواعه - الحرام، تعريفه، أنواعه - المكروه، تعريفه وحكمه واصطلاح الحنفية فيه ه ـ المباح، تعريفه وحكمه أنواع الحكم الوضعي: 1 - السبب، تعريفه وأنواعه وحكمه - الشرط، تعريفه، الفرق بينه وبين الركن، أنواعه - المانع، تعريفه وأنواعه 4، 5 ـ الصحيح والباطل 7،6 - العزيمة والرخصة وأنواعها المبحث الثاني - الحاكم مذاهب العلماء فيما يعرف به حكم الله تعالى المبحث الثالث - المحكوم فيه تعريفه، شروطه التكليف بالشاق من الأفعال أقسام المحكوم فيه المبحث الرابع - المحكوم عليه تعريفه، وشروطه أدوار الأهلية 124 125 126 127: 128 129 131 133 134 135 135 137 139 ,141 0144 144 147 147 ???? 100 157 ...","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"159 163 164 164 165 167 168 171 171 171 175 175 175 176 178 179 182 182 183 185 187 189 193 194 199 199 عوارض الأهلية القواعد الأصولية اللغوية أو الدلالات الفصل الثالث القاعدة الأولى - طرق دلالة النص على الحكم الشرعي 1 - عبارة النص 2 - إشارة النص 3 - دلالة النص 4 - اقتضاء النص القاعدة الثانية - مفهوم المخالفة المخالفة تعريف مفهوم الموافقة ومفهوم أنواع مفهوم المخالفة القاعدة الثالثة - واضح الدلالة ومراتبه تعريفه وأقسامه 1 - الظاهر 2 - النص 3 - المفسر 4 ـ المحكم القاعدة الرابعة - غير واضح الدلالة ومراتبه 1 - الخفي 2 - المشكل - المجمل 4 ـ المتشابه - القاعدة الخامسة - المشترك ودلالته القاعدة السادسة - العام ودلالته ألفاظ العموم أنواع العام تخصيص العام ودليل التخصيص","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"203 204 206 206 207 207 210 214 217 217 226 231 231 233 235 235 236 237 243 قاعدة «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب القاعدة السابعة ـ الخاص ودلالته أنواع الخاص بحسب الصيغة: 1 - المطلق وحكمه 2 - المقيد وحكمه حمل المطلق على المقيد 4 - الأمر 4 - النهي القواعد الأصوليه التشريعية الفصل الرابع القاعدة الأولى - المقصد العام من التشريع قواعد مبدأ دفع الضرر قواعد مبدأ رفع الحرج القاعدة الثانية - حق الله وحق العبد المكلف القاعدة الثالثة - ما يسوغ الاجتهاد فيه أهلية الاجتهاد الاجتهاد فرض والمجتهد مأجور تجزء الاجتهاد تغير الاجتهاد ونقضه القاعدة الرابعة ـ نسخ الحكم القاعدة الخامسة - التعارض والترجيح بين الأدلة الفهرس - 12 -","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"نبذة تاريخية عن نشأة علم أصول الفقه وتطوره وتعريفه وموضوعه وغايته 1 - تعريف أصول الفقه وموضوعه: أصول الفقه: معناه أدلة الفقه، وهي القواعد التي يتوصل بها المجتهد إلى استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية. والقواعد: هي الضوابط الكلية العامة التي تشتمل على أحكام جزئية، مثل قاعدة الأمر للوجوب والنهي للتحريم، فقوله تعالى: (وَأقيموا الصَّلاةَ وَآتوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43/ 2]، يدل على فرضية الصلاة والزكاة. وقوله سبحانه: (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ) [الأنعام: 151/ 6]، وقوله: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا} [الإسراء: 32/ 17]، يدل على تحريم القتل العمد العدوان، وتحريم الزنا والمجتهد: الذي لديه ملكة الاجتهاد وهو الذي يتمكن من استخدام هذه القواعد وجعلها طريقاً لفهم الأحكام واستفادتها من الأدلة والأحكام: هي ثمرة الاستنباط، وهي المتعلقة بأفعال المكلفين المتعبدين بالشريعة، واصفة إياها إما بالإيجاب كفرضية الصلاة، أو بالتحريم كتحريم الربا والزنا والخمر، أو بالتخيير والإباحة كالأكل والشرب في الأحوال العادية، والبيع والإجارة، أو بالندب مثل كتابة الدين والإشهاد على البيع، أو بالكراهة كالصلاة عند طلوع الشمس وغروبها، وترك السنن والآداب الشرعية. وتسمى هذه الأحكام بالأحكام العملية، في مقابل الأحكام الاعتقادية كالإيمان بالله ووحدانيته وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والأحكام الأخلاقية كوجوب الصدق وحرمة الكذب. والأدلة التفصيلية: هي الأدلة الجزئية التي تتعلق بمسألة بخصوصها، وتدل على حكم بعينه، كقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23/ 4]، فإنه يدل على تحريم الأمهات، وقوله تعالى: {فَاجْتَنِبوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْتَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ - 13 -","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"الزور} [الحج: 30/ 22]، فإنه يدل على تحريم الوثنية وشهادة الزور، ويقابلها الأدلة الإجمالية أو الكلية: وهي التي لا تتعلق بمسألة بخصوصها ولا تدل على حكم بعينه، كالقول بأن مصادر الأحكام الشرعية: هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس وما يتعلق بها، وأن الأمر للوجوب والنهي للتحريم ونحو ذلك، وهذه الأدلة بحث الأصولي، وأما الأدلة التفصيلية فهي محل بحث الفقيه هي محل وتكون وظيفة الأصولي: البحث عن القواعد الكلية التي تؤدي إلى استنباط الأحكام الجزئية، ووظيفة الفقيه: تطبيق القواعد الأصولية في مجال الاستنباط، بأن يستنبط الأحكام الجزئية من الأدلة الجزئية، كل حكم على حدة من دليله الوارد فيه، أي أن الأصولي يقتصر بحثه على الدليل الكلي وما يدل عليه من حكم كلي لوضع القواعد الكلية لاستنباط الفقيه، والفقيه يقتصر بحثه على الدليل الجزئي وما يدل عليه من حكم جزئي وموضوع أصول الفقه: أمران هما الأدلة الشرعية من حيث كونها أداة الاستنباط، والأحكام الشرعية من حيث كونها نتيجة الاستنباط وأنها تثبت بالأدلة، وهذه نظرية جمهور الأصوليين وهي الراجحة، لأنهم يقولون: موضوع أصول الفقه: هو الأحكام الشرعية من حيث ثبوتها بالأدلة. وأما الفقه: فهو العلم بالأحكام الشرعية العملية، المكتسب من أدلتها التفصيلية، أو هو مجموعة الأحكام الشرعية المكتسبة من أدلتها التفصيلية. وهو يشمل جميع ما هو معروف من نثريات الأحكام الواجبة والمندوبة والحرام والمكروهة والمباحة وأحكام الفرد والأسرة والوصية والوقف والميراث. والفقيه يعنى بتطبيق القاعدة الأصولية على الجزئيات، فهو الذي يستنبط حكم وجوب الصلاة من قوله تعالى: وأقيموا الصَّلاةَ} [البقرة: 42/ 2]، ويستنبط حكم تحريم السرقة من قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطعوا أيديها كم} [المائدة: 2875]. - 18_","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"وموضوع الفقه: هو فعل المكلف من حيث ما يثبت له من الأحكام الشرعية، والفقيه: هو الذي يبحث في أنشطة وأفعال المكلف من بيع وإجارة ورهن ووكالة وصلاة وصوم وإقرار وشهادة ووصية ووقف وجريمة من قتل وقذف وسرقة وزنا وأكل المال بالباطل 2 - الغاية من معرفة أصول الفقه: إن الهدف الأصلي من علم أصول الفقه: هو تمكين المجتهد من تطبيق قواعده لأخذ الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية. فمن توافرت لديه أهلية الاجتهاد يستطيع بقواعد الأصول فهم النصوص الشرعية الجلية والخفية واستخلاص ما تدل عليه من الأحكام، كما يستطيع استخدام القياس والاستحسان والاستصلاح والاستصحاب وغيرها من المصادر المعرفة أحكام الوقائع الجديدة. أما من لم تتوافر لديه أهلية الاجتهاد، فيستفيد من علم الأصول للتعرف على طرق استنباط الأحكام، وتخريج أحكام جديدة للمسائل الطارئة بالاعتماد على قواعد الأئمة وفتاويهم في مسائل مشابهة، والموازنة بين آراء الفقهاء وأدلتهم في مختلف القضايا الاجتهادية والترجيح بينها واعتماد الأقوى دليلاً. وأما الغاية من علم الفقه: فهي تطبيق الأحكام الشرعية على أفعال المكلفين من الناس، لبيان الحلال منها والحرام، فيكون الفقه مرجع العالم والقاضي والمفتي المعرفة الحكم الشرعي لكل ما يصدر عن الناس من أقوال وأفعال ووقائع ومنازعات 3 - مصدر استمداد أصول الفقه ونشأته وتدوينه وتطوره: استمد علماؤنا أصول الفقه من حقائق الأحكام الشرعية وتصوراتها، لا من جزئياتها، ومن علم الكلام؛ لأن الإلزام بالقرآن والسنة ناشئ ممن ألزم العمل بها، وهو الله تعالى، واستمدوا أيضاً كثيراً من قواعد الاستنباط من اللغة العربية التي جاء بها القرآن والسُّنة مصدرا التشريع الأصليان، فباللغة نعرف مقاصد الشريعة، وبها يتمكن - 10_","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"المجتهد من معرفة الحقيقة والمجاز، والصريح والكناية، والعموم والخصوص، والاشتراك اللفظي، والإطلاق والتقييد، والمنطوق والمفهوم، وهذه كلها من مباحث اللغة وقد نشأ علم أصول الفقه إبان ظهور الحركة الاجتهادية في عهد الخلفاء الراشدين وبقية الصحابة الذين كانوا يستفتون في المسائل المستجدة، فيبحث المجتهد منهم عن حكمها الشرعي في نصوص القرآن الكريم وظواهره، ثم في منطوق الحديث النبوي ومفهومه وإيحاءاته، ثم يلجأ إلى القياس أو الاجتهاد بالرأي المتفق مع روح ومفهومه وإيحاءاته، لقوله تعالى: فاعتبروا يا أُولي الأبصار} [الحشر: 2/ 09]. التشريع واستمر هذا المنهج في عصر التابعين وتابعي التابعين، مع تفاوت بينهم في نطاق الاجتهاد، فبعضهم يقتصر على العمل بالقياس الضيق بإلحاق غير المنصوص على حكمه بالمنصوص عليه، وبعضهم يميل إلى العمل بالمصلحة المتفقة مع مقاصد الشريعة، والكل يأخذ بآراء الصحابة. ومن أعلام الاجتهاد في عصر التابعين سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وشريح القاضي وإبراهيم النخعي ونحوهم. ثم تبلور علم الأصول في عهد أئمة المذاهب في القرن الثاني الهجري، وبرزت تسميات المصادر، كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وقول الصحابي وشرع من قبلنا وسد الذرائع وعمل أهل المدينة ونحوها، وظهرت فيهم نزعتان أو مدرستان: ـة أهل الحديث في الحجاز، ومدرسة أهل الرأي في العراق، مع اتفاق أهل مدرسة المدرستين على العمل بكل من الحديث الصحيح والرأي السديد، إلا أنه كان يغلب على اجتهاد المدرسة الأولى الأخذ بالحديث الثابت، دون الرأي المنسجم مع قواعد الشريعة ومبادئها الكلية، ويغلب على اجتهاد المدرسة الثانية العمل بالرأي عند عدم وجود النص وبدأ تدوين علم أصول الفقه بنحو شامل على يد الإمام الشافعي المتوفى سنة 204 هـ في كتابه (الرسالة (أول مدون في هذا العلم، علماً بأن قواعد هذا العلم - 17_","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"كانت مرعية في اجتهادات الصحابة والتابعين والأئمة الآخرين، وتضمنت اجتهاداتهم أحياناً قواعد أصولية فرعية تعد أساساً في الترجيح بين الأدلة المتعارضة، مثل قياس حد السكران على القاذف في اجتهاد علي رضي الله عنه، وكون المتأخر ينسخ المتقدم أو يخصصه في اجتهاد ابن مسعود بأن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها بوضع الحمل؛ لأن هذه العدة جاء النص عليها في سورة الطلاق التي نزلت بعد سورة البقرة التي فيها حكم عدة الوفاة، وكتقديم المتواتر على الآحاد، والخاص على العام، والتحريم على الإباحة، وتخصيص العام بالخاص، وحمل المطلق على المقيد بتحريم الدم المسفوح فقط، لورود آية (أو دَماً مَسْفوحاً} [الأنعام: 1456]. وآية {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} [المائدة: 2/ 5]. ثم تتابع العلماء بعد الإمام الشافعي في التأليف في علم الأصول بين الإسهاب والإيجاز، إلا أن هناك طريقتين في التأليف: طريقة المتكلمين وهم جمهور الأصوليين، وطريقة الحنفية، ومحور الخلاف بين الطريقتين: هو كيفية تقرير القاعدة الأصولية، هل يطلب أن تكون سابقة على الفروع والتطبيقات كشأن النظريات الفلسفية، أو أن الفروع الاجتهادية المنقولة عن إمام المذهب هي وأما النظرية فهي التابع؟ جميع الأصل طريقة المتكلمين: تمتاز هذه الطريقة بتقرير القواعد الأصولية حسبما تدل عليه الدلائل والبراهين النصية واللغوية والكلامية والعقلية، من غير التفات إلى الفروع الفقهية وخصائص هذه المدرسة إجمالاً ثلاث: الاعتماد على الاستدلال العقلي المجرد، وعدم التعصب لمذهب فقهي معين، والاقتصار على الفروع الفقهية لمجرد التوضيح والمثال وإمام هذه المدرسة محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله الذي وضع أصوله قبل فقهه، وقد أبرز معالم هذه الطريقة أبو بكر الباقلاني، ومن أشهر كتب هذه الطريقة - 17 -","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"كتاب (العمدة) للقاضي عبد الجبار المعتزلي، والمعتمد لأبي الحسين البصري المعتزلي، والبرهان لإمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله الجويني ووالده أبو محمد، والمستصفى لأبي حامد الغزالي، والمحصول لفخر الدين الرازي، والإحكام في أصول الأحكام لأبي حسن الآمدي، والمنهاج للبيضاوي الشافعي، وشرحه جمال الدين الإسنوي وغيره. ومنهاج هذه الطريقة إيراد التعريفات المنطقية واللغوية، ثم الأحكام الشرعية، ثم الأدلة ودلالات الألفاظ، ثم الاجتهاد والتقليد. طريقة الحنفية: تمتاز هذه الطريقة بتقرير القواعد الأصولية المستمدة مما قرره أئمة المذهب في فروعهم الاجتهادية الفقهية. وتكون القاعدة الأصولية منسجمة مع الفرع الفقهي، بغض النظر عن مجرد البرهان النظري. لذا كثر في كتبهم ذكر الفروع والقواعد المتفقة معها. واستمداد أصول الفقه من فروع الأئمة واجتهاداتهم المنقولة عنهم. وأدى ذلك إلى تعديل صياغة القاعدة الأصولية لتنسجم مع الفرع الفقهي إذا حدث تعارض بينها. مثل قولهم: «المشترك لا يعمّ». وإنما يراد به معنى واحد من معانيه،: أخذاً من فرع فقهي في الوصية: «لو أوصى لمواليه، وكان له موال أعلون وأسفلون بطلت الوصية إذا مات الوصي قبل البيان» لأن لفظ (المولى) يطلق على المعتق السيد والمعتق العبد. ثم وجدوا في مسائل اليمين: «لوقال: والله لا أكلم مولاك، وكان للمخاطب موال أعلون وأسفلون، فكلم واحداً منهم، حنث» مما يدل على استعمال لفظ المولى في معنييه معاً، فصاغوا القاعدة بما يلائم ذلك وقالوا: «المشترك لا يعم إلا إذا كان بعد النفي فيعم» والمسألة الثانية في حال النفي وخصائص هذه الطريقة ثلاث: وهي أن منهجها عملي قائم على ربط الأصول بالفروع، وأنها مزجت بين الأصول والفقه بأسلوب مفيد، وأنها خدمت الفقه بنحو جلي في التأليف في باب الخلاف وتخريج الفروع على الأصول، وكتابة قواعد الفقه الكلية. 6 -","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"ومن أهم كتب هذه الطريقة التي يعد رائدها أبو منصور الماتريدي: أصول الجصاص للرازي، وتقويم الأدلة وتأسيس النظر لأبي زيد الدبوسي، وتمهيد الفصول في الأصول للسرخسي، وأصول فخر الإسلام للبزدوي، وكتاب المنار للحافظ النسفي وله شروح أحسنها مشكاة الأنوار، وحاشية نسمات الأسحار لابن عابدين. 6 ومنهاج هذه الطريقة: تعريف علم الأصول، ثم بيان الأدلة الشرعية المتفق عليها والمختلف فيها، ثم أحوال المجتهدين، ثم التعارض والترجيح، وأخيراً مباحث الحكم الشرعي. طريقة المتأخرين بالجمع بين الطريقتين: ظهر في القرن السابع الهجري مدرسة جديدة في التأليف في أصول الفقه، جمعت بين طريقتي المتكلمين والحنفية، عني أصحابها بتحقيق القواعد الأصولية وإثباتها بالأدلة، ثم تطبيقها على الفروع الفقهية منهم بعض الحنفية وبعض الشافعية، وسميت بطريقة المتأخرين ومن أهم كتب هذه الطريقة: كتاب (بديع النظام الجامع بين كتابي البزدوي والإحكام (لمظفر الدين أحمد بن علي الساعاتي الحنفي (694 هـ) جمع فيه بين كتاب البزدوي الحنفي والآمدي الشافعي. وكتاب (تنقيح الأصول) وشرحه كتاب (التوضيح (لصدر الشريعة عبيد الله بن مسعود البخاري الحنفي (747 هـ) جمع فيه بين ثلاثة كتب أصول البزدوي الحنفى والمحصول للرازي الشافعي، ومنتهى السؤال والأمل أو مختصر ابن الحاجب المالكي، وقد شرحه بكتاب (التلويح) سعد الدين التفتازاني الشافعي (793 هـ). هي ومن هذه الكتب (جمع الجوامع (لتاج الدين السبكي الشافعي (771 هـ) شرحه الجلال المحلي، وكتب الشيخ حسن العطار عليه حاشية تسمى (حاشية العطار على جمع الجوامع). - 19 -","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"ومنها كتاب (التحرير) لابن الهمام الحنفي (861 هـ) وله شروح كثيرة منها شرح ابن أمير حاج (879 هـ) يسمى (التقرير والتحبير). ومن أدق الكتب (مسلّم الثبوت (لحب الله بن عبد الشكور الهندي (1119 هـ) وله شرح) فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت (لعبد العلي محمد بن نظام الدين الأنصاري. ثم ظهرت مصنفات كثيرة حديثة مثل (أصول الفقه) للشيخ محمد الخضري، وكتاب (تسهيل الوصول إلى علم الأصول (للشيخ عبد الرحمن المحلاوي، وكتاب (علم أصول الفقه (للشيخ عبد الوهاب خلاف، و (أصول الفقه) للشيخ محمد أبو زهرة، وأصول الفقه الإسلامي للشيخ زكي الدين شعبان، وأصول الفقه الإسلامي في مجلدين للدكتور وهبة الزحيلي، وجميع هذه الكتب سهلة ميسرة تجمع بين طريقتي الشافعية والحنفية، وهي الطريقة المفضلة علمياً وعملياً. خطة البحث: إن موضوعات الأصول كثيرة ومتشعبة، وكانت كتب العلماء ميداناً للجدل والمناظرة، وفيها استطرادات لمسائل كثيرة ليست من علم الأصول، وإنما هي من علم اللغة أو علم الكلام، مثل هل أصل اللغات توقيفية أم وضعية؟ وكون الإباحة تكليفاً أم لا، وكون النبي الا متعبداً بشرع سماوي قبل بعثته أم لا، ونحو ذلك وخطتي بحث الموضوعات الأصولية البحتة في فصول أربعة على النحو التالي الفصل الأول ـ في الأدلة الشرعية. الفصل الثاني - في الأحكام الشرعية الفصل الثالث - في القواعد الأصولية اللغوية. الفصل الرابع - في القواعد الأصولية التشريعية.","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"الفصل الأول الأدلة الشرعية الدليل في اللغة: المرشد والهادي إلى أي شيء حسي أو معنوى، خير أو شر، وفي اصطلاح الأصوليين: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري، مثل حدوث العالم، بالنظر في أحوال العالم من تغير وتقلب وفناء، ووجوب الصلاة بالنظر في دلالة النصوص الشرعية عليه، كقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة) البقرة: 42/ 2]، فإنه يمكن التوصل بالنظر في أحواله من كونه أمراً مثلاً إلى مطلوب خبري، وهو التصديق بأن هذا الأمر يفيد الوجوب؛ لأنه أمر بإقامة الصلاة، والأمر بإقامتها يفيد وجوبها، فكل من (العالم) و (أقيموا الصلاة) هو الدليل عند العلماء. والدليل الشرعي: كل ما يستفاد منه حكم شرعي عملي، سواء بطريق القطع، أي العلم واليقين، أم بطريق الظن، أي غلبة الظن، لذا كان الدليل نوعين: قطعي الدلالة وظني الدلالة: والأدلة نوعان: أدلة متفق عليها بين جمهور العلماء، وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وأدلة مختلف فيها وأشهرها سبعة: هي الاستحسان، والمصلحة المرسلة أو الاستصلاح، والاستصحاب، والعرف، ومذهب الصحابي، وشرع من قبلنا، وسد الذرائع والأدلة المتفق عليها واجبة الاتباع، ولكنها مرتبة في درجة الاستدلال بها الكتاب ثم السُّنة، ثم الإجماع، ثم القياس. ودليل وجوب اتباعها قوله تعالى: يا أَيُّها الَّذينَ آمَنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرَّسُولَ، وَأُولي الأمْرِ مِنْكُمْ، فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي 21 -","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"شَيْءٍ فَرُدّوهُ إِلى اللهِ وَالرّسولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنونَ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِر، ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ ويلاً} [النساء: 59/ 4]، فالأمر بإطاعة الله والرسول أمر باتباع القرآن والسنة والأمر باتباع أولي الأمر المسلمين في مجال العلم والشرع أمر باتباع ما اتفق عليه المجتهدون من الأحكام، والأمر بردّ الوقائع المتنازع فيها إلى الله والرسول أمر باتباع القياس حيث لا نص ولا إجماع. ((، ودليل ترتيبها في الاستدلال ما رواه البغوي وابن عبد البر وغيرهما: «عن معاذ بن جبل أن رسول الله الا الله لما بعثه إلى اليمن قال: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو أي لا أقصر في الاجتهاد - قال: فضرب رسول الله له على صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله وما رواه البغوي أيضاً عن ميمون بن مهران قال: «كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصوم، نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم، قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم عن رسول الله في ذلك الأمر سنّة، قضى بها، فإن أعياه أن يجد في سنة رسول الله، جمع رؤوس الناس وخيارهم، فاستشارهم، فإن أجمع رأيهم على أمر، قضى به، وكذلك كان يفعل عمر»، وأقرهما بقية الصحابة على هذا، فكان إجماعاً والأدلة أيضاً إما نقلية أو عقلية، فالأدلة النقلية: هي الكتاب، والسنة، والإجماع، والعرف، وشرع من قبلنا، ومذهب الصحابي. والعقلية: هي القياس، والمصالح المرسلة، والاستحسان، والاستصحاب، وسد الذرائع. وكل من الدليل النقلي والعقلي مفتقر إلى الآخر، فإن الاجتهاد لا يقبل بدون الاعتماد على الدليل النقلي؛ لأن العقل المحض لا دخل له في تشريع الأحكام، والاستدلال بالأدلة النقلية يحتاج إلى نظر وتأمل وتعمق. - 22 -","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"وهذه الأدلة إما أن تكون أصلاً مستقلاً بنفسه في التشريع، لا يحتاج عند إثبات الحكم به إلى شيء آخر، وهو القرآن والسنة والإجماع وما يتعلق بها كالاستحسان والعرف ومذهب الصحابي، وإما أنها ليست أصلاً مستقلاً بنفسه وهو القياس، فإنه يحتاج في إثبات الحكم به إلى أصل وارد في الكتاب أو السُّنة أو الإجماع، كما يحتاج إلى معرفة علة حكم الأصل المقيس عليه. أما احتياج الإجماع إلى مستند فهو عند تكوينه وانعقاده، لا عند الاستدلال به - 23 - 1","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"الدليل الأول - القرآن الكريم تعريفه، خصائصه، حجيته، أحكامه، دلالة آياته على الأحكام، بيانه. . تعريف القرآن: القرآن في اللغة مصدر بمعنى القراءة، وتعريفه عند الأصوليين لتمييزه عن غيره على الرغم من شهرته ومعرفته، وتسميته بأسماء كثيرة كالكتاب والمصحف والتنزيل والفرقان والذكر: هو كلام الله تعالى المنزل على رسول الله الله باللسان العربي، للإعجاز بأقصر سورة منه، المكتوب في المصاحف، المنقول بالتواتر، المتعبد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس (1) خصائصه: يتبين من التعريف السابق أن القرآن يتميز بالخصائص التالية: اً - إنه كلام الله تعالى بنظمه ومعناه: بدليل إعجازه، أي ارتقائه في البلاغة إلى حد خارج عن طوق البشر، فيكون ملزماً بما دلّ عليه من الأحكام لصدوره عمن تجب طاعته. وبه يخرج كلام غير الله تعالى، فإنه لا يسمى قرآناً، ولو كان حديثاً قدسياً أو عادياً؛ لأن معاني الحديث من عند الله تعالى، وألفاظه وصياغته من عند الرسول الله، فإذا أضافه إلى الله تعالى، سمي حديثاً قدسياً. وليس الحديث في مرتبة القرآن في الحجية، ولا تصح الصلاة به، ولا التعبد بتلاوته. 6 (2) 2 - جميع القرآن عربي: ليس فيه شيء من لغة الأعاجم، فلا يكون تفسير القرآن ولا ترجمته إلى أي لغة أخرى قرآناً، مهما كان ذلك مطابقاً للمفسر في دلالته؛ لأن القرآن عربي خاص نزل بنظمه ومعناه من عند الله تعالى. (1) الإحكام للآمدي: 82/ 1، التقرير والتحبير: 213/ 2. (2) المستصفى: 68/ 1 - 24 -","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"3 - إن القرآن منقول إلى الأجيال بالتواتر، أي بواسطة جمع يحفظونه عن جمع إلى الرسول الله، والتواتر يفيد العلم والقطع بصحة الرواية. وقد تأيد حفظ الناس بالكتابة الثابتة يقيناً من لحظة نزول جبريل الأمين به على قلب النبي إلى مختلف الأجيال المتلاحقة. ويترتب على هذه الخاصية أن ما ليس بمتواتر كالقراءة الشاذة والحديث القدسي لا يعد من القرآن الصوم والقراءة الشاذة: المنقولة إلينا بأخبار الآحاد كقراءة أبي بن كعب في قضاء: هي: «فعدة من أيام أخر متتابعات»، وقراءة ابن مسعود في كفارة اليمين: «فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات»، وزيادة «متتابعات» لم تتواتر، فلا تعد من «القرآن. ومثل قراءة بعضهم في نفقة الوالدات: \" وعلى الوارث - ذي الرحم المحرم - مثل ذلك»، وزيادة «ذي الرحم المحرم» لم تتواتر. وليست القراءة الشاذة حجة؛ لأنها ليست بقرآن، ولا سنة؛ لأنها لم تنقل على أنها قرآن ولا على أنها سنة (1). ويرى آخرون أنه يصح الاحتجاج بها على أنها حجة ظنيه كالسنة؛ إذ لا بد من كونها مسموعة من النبي عل الله، وكل مسموع منه حجة (1) .. . أما البسملة فهي باتفاق المسلمين آية في صلب سورة النمل، وأما الواردة في أوائل السور فهي آية أيضاً من القرآن في اتجاه بعض العلماء كالحنفية والشافعية؛ لأنها أنزلت على رسول الله مع أول كل سورة، وتكتب بخط القرآن في أول كل سورة بأمر رسول الله الله، وتواتر ذلك، ولم ينكر أحد من الصحابة كتابتها، مع تحرزهم في (3) صون القرآن عما ليس منه. وهذا هو المعقول. (1) (2) المستصفى: 65/ 1، شرح العضد المختصر ابن الحاجب: 21/ 2. التقرير والتحبير: 216/ 2، روضة الناظر: 181/ 1 (3) الإحكام للآمدي: 84/ 1، مرآة الأصول: 102/ 1. -  TO_","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"ورأى آخرون كالمالكية أنها ليست بآية، لا من الفاتحة ولا من غيرها، لما زوي عن. عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله الله يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين) أي من غير البسملة ((حجية القرآن الكريم: القرآن الكريم حجة يجب على جميع الناس العمل به؛ لأنه كلام الله الذي صح نقله إليهم بطريق قطعي لا ريب في صحته، ولا شبهة فيه، والدليل القاطع على ذلك: إعجازه. والإعجاز: معناه نسبة العجز إلى الآخرين في محاكاته والإتيان بمثله أو بمثل أقصر سورة منه. ولا يتوافر معنى الإعجاز إلا بثلاثة أمور: التحدي، أي طلب المباراة والمعارضة، وأن يوجد المقتضي الذي يدفع المعارض للمباراة، وأن ينتفي المانع الذي يمنعه من هذه المباراة. وقد توافرت الأسباب الثلاثة في القرآن الكريم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بأمر ربه تحدى الناس للإتيان بمثله، وكان المقتضي للعرب الذين كذبوه قائماً لإثبات صحة مزاعمهم، ولم يوجد مانع يمنعهم من المباراة، فهم فرسان البلاغة وسادة البيان. وأما إعلان التحدي في القرآن فهو حاصل في آيات كثيرة، منها: {قُلْ: فأتوا بكتاب مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أهدى مِنْهَا أَتَّبِعْة إن كنتم صادقين} [القصص: 49/ 28]، قُلْ: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسَ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتوا بِمِثْلِ هذا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظهيراً} [الإسراء: 88/ 17]، فلما عجزوا عن الكل تحداهم القرآن بعشر سور مثله: فقال الله تعالى: {أَمْ يَقولون: افْتَرَاهُ، قُلْ: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ، وَادْعوا من اسْتَطَعْتُمْ من دون الله إن كُنتُمْ صادقين) [هود: 13/ 11]، وحينما عجزوا تحداهم القرآن بسورة واحدة من مثله، فقال الله سبحانه: {وَإِنْ كُنتُمْ في رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنَا فَأْتوا بسورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ، وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كنتم صادقين) [البقرة: 23/ 2]. (1) شرح العضد المختصر ابن الحاجب: 19/ 2.، 26 -","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"وأما قيام المقتضي للمباراة والمعارضة أو الدوافع عند العرب: فهو واضح من سيرة النبي بعد بعثته، فإنه أخبرهم أنه رسول الله، وأنه جاءهم بدين يبطل دينهم الوثني وتقليد آبائهم وأجدادهم، وسفه عقولهم، وسخر من أوثانهم، وهزأ بعباداتهم، معتمداً على كتاب الله، فكانوا أحوج الناس إلى دحض دعاويه وإبطال ما أتى به من عند الله، فينتصرون عليه • وأما انتفاء المانع من معارضة القرآن: فهو متحقق في شأن العرب وأحوالهم؛ لأن القرآن نزل بلغتهم، وبحسب أسلوبهم، ومركب من أحرف لسانهم، ومعانيه من مألوفاتهم، وهم الذين يفاخرون غيرهم بالفصاحة والبلاغة والبيان، ولهم في الشعر والنثر مواقف مشهورة. ودلت خطبهم وأشعارهم على نضج عقولهم، وصفاء قرائحهم، وسرعة بداهتهم، وبصرهم بالأمور، وخبرتهم في تجارب الحياة، علماً بأنه لم يحدد للمعارضة أجل معين، ولا نزل القرآن جملة واحدة، وإنما نزل منجماً مفرقاً في مدى ثلاث وعشرين سنة، مما يمكنهم من المعارضة والإعداد وإحراز السبق، وثبت في النهاية وإلى الأبد عجزهم وضعفهم عن مجاراة القرآن، حتى ولو استعانوا بمن شاؤوا من الإنس والجن، وتحقق الهدف المطلوب وهو كون القرآن ليس من كلام البشر ولا في مستواهم، وإنما من عند الله وذلك دليل قاطع على صدق نبوة محمد بن عبد الله رسول الله فيما بلغه للناس من كلام الله وشرائعه وأحكامه نواحي الإعجاز: لقد أعجز القرآن الكريم العرب من عدة نواح لفظية ومعنوية وروحية، فوقفوا عن المعارضة، وأدركوا أن العقول لم تصل ولن تصل إلى مستوى القرآن في اللغة والبيان والمعاني، وأيقن البشر على ممر الزمان أن نواحي الإعجاز لا يمكن حصرها، بل هي متجددة، كلما زاد تدبر آي القرآن، وتوالت الاكتشافات العلمية لأسرار الكون، مما يثبت دائماً أن القرآن من عند الله، وأنه معجزة الرسول الله الدالة على صدق نبوته مهما طال الزمان - 27 -","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"(1) وهذه بعض وجوه الإعجاز:: 1 - اتساق عباراته ومعانيه وشمول أحكامه وأغراضه: القرآن الكريم مكون من أكثر من ستة آلاف آية (6226 آية) في موضوعات مختلفة: اعتقادية وتشريعية وخلقية وقصص، وفيه إشارة إلى نظريات علمية كثيرة في الكون والاجتماع والأخلاق والوجدان، ولا نجد فيه معنى يعارض معنى، ولا حكماً ينقض حكماً، مع نزوله في ثلاث وعشرين سنة ولا نجد أيضاً في عباراته اختلافاً في مستوى البلاغة، ولا تفاوتاً في فصاحة التعبير، وإنما كل ما فيه سواء في الجزالة والمطابقة لمقتضى الحال، قال الله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرآنَ، وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ، لَوَجَدوا فيه اختلافاً كثيراً) [النساء: 82/ 4]. وأسلوب القرآن يتفق مع مقتضى الأحوال، ففي مجال التشريع يكون اللفظ دقيقاً محدداً، والبيان هادئاً، وفي نطاق العقيدة أو العبادة، يكون الأسلوب مؤثراً يهز النفوس، ويثير المشاعر. وما قد يوجد من تعارض في الظاهر بين بعض الآيات، فهو راجع لأفهام الناس، وعند التأمل والتدبر يتضح ألا تعارض في الواقع.: 2 - التطابق مع الاكتشافات العلمية اليقينية: القرآن الكريم كتاب تشريع وهداية ودستور عبادة وأخلاق، وليس من مقاصده تقرير بعض النظريات العلمية، وإنما في مجال الحديث عن خلق السموات والأرض، وتزيين السماء بزينة الكواكب وخلق الإنسان والنبات والحيوان لإثبت وجود الله ووحدانيته، نجد بعض الإشارات (1) إعجاز القرآن للباقلاني: 33 - 50، إعجاز القرآن للرافعي: ص 187 وما بعدها، كتب الأصول الحديثة. .، -  TA_","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"إلى تقرير سنة كونية وقانون إلهى ثابت، يتطابق مع الاكتشافات العلمية الثابتة قديماً وحديثاً، مثل: {وَأَرْسَلْنا الرّياح لواقح} [الحجر: 22/ 15]، لبيان قانون التلقيح، ومثل: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمواتِ وَالأَرْضَ كَانَتا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُما، وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) [الأنبياء: 30/ 21]، الدال على نظرية السديم، وقوله تعالى: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحاب، صُنْعَ اللهِ الَّذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88/ 27]، الدَّال على دوران الأرض، وقوله سبحانه: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنا نَأْتي الأَرْضِ نَنْقُصُها مِنْ أطرافها} [الرعد: 41/ 13]، المرشد إلى كون الأرض مفلطحة بيضاوية غير تامة التكوير، وقوله عز وجل: {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ} [الزمر: 5/ 39]، الذي يفهم منه كروية الأرض؛ لأن التكوير هو اللف على الجسم المستدير، وقوله تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْن يَلْتَقِيانِ، بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يبغيان} [الرحمن: 19/ 50 - 20]، الدال على عدم اختلاط الماء الملح بالعذب في مصب واحد، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنا الإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينِ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً في قَرارِ مَكين، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عظاماً، فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْاً، ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 12/ 23 - 14]، الدال على مراحل خلق الإنسان، ويتطابق مع أحدث النظريات الطبية.:. ـ الإخبار عن المغيبات: أخبر القرآن الكريم عن وقوع حوادث في المستقبل، لا يعلم بها غير الله وحده، مثل قوله تعالى: آلم، غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنى الْأَرْضِ، وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، في بضع سنينَ} [الروم: 11/ 20 - 3]، وتحقق نصر الروم في المدة الزمنية المخبر بها، وقوله سبحانه: {لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إنْ شاءَ الله آمنين .. } [الفتح: 27/ 48]، وتم فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة.","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"وفي القرآن تسجيل لقصص أمم بائدة لا آثار لها، كعاد وثمود وقوم تبع ولوط، ولم يعرف ذلك في غير القرآن، مما يدل على أنه من عند الله وأخبر الله نبيه عن مناجاة موسى ربه في طور سيناء: {وَما كُنتَ بجانب الطُّورِ إذْ نادينا، وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ، لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 46/ 28]. وقد أشار القرآن لهذا الوجه من الإعجاز في قوله تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنْباء الْغَيْبِ نوحيها إلَيْكَ، ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا} [هود: 49/ 11]. 4 - المستوى البلاغي الرفيع: جميع ألفاظ القرآن مفردات وجمل في أعلى مستوى بلاغي، جامع الفصاحة الكلام، وبلاغة التعبير، وقوة التأثير، في اتساق وانسجام، لا نبو فيه ولا ضعف، ولا ركاكة ولا انحدار، مما قد نجده كثيراً في كلام البشر، لأن القرآن كلام الله صاحب القدرة المطلقة، والبشر عاجزون ضعاف لا يتأتى لهم إحكام التعبير إلا أحياناً كالوصف والمديح والهجاء ودليلنا اعتراف أعداء القرآن من زعماء قريش وقت نزوله، مثل النضر بن الحارث، والوليد بن المغيرة الذي قال في القرآن: «إن له الحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى، وما هو بقول بشر» ولكنه عاد فانتكس عناداً، ومجاراة لدهاقنة الكفر والشرك والوثنية، فوصف القرآن بالسحر. ولا ينكر أحد ما للقرآن من تأثير على القلوب، وسلطان على النفوس، وشد الانتباه والسماع، والإذعان بأنه كلام الله القديم. . أحكام القرآن: شملت أحكام القرآن كل ما يتفق مع رسالة الإسلام في الدين والدنيا والآخرة، دون فصل جانب منها عن الآخر. وهي أنواع ثلاثة:","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"المتعلقة بما يجب على الإنسان اعتقاده في الله وجود 1 - الاعتقاديات: وهي وتوحيده والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر 2 - الأخلاق: وهي ما يتعلق بما يجب على المكلف أن يتحلى به من الفضائل ويتخلى عنه من الرذائل. 3 - الأعمال: وهى ما يصدر عن المكلف من أقوال وأفعال وعقود وتصرفات -: وهذا هو فقه القرآن، ويشمل نوعين: أ - أحكام العبادات: من صلاة وصيام وحج وزكاة ونذر ويمين وأضاحي وقربات ونحوها مما ينظم علاقة الإنسان بربه. مما ب - أحكام المعاملات: من عقود وتصرفات وجنايات وعقوبات ونحوها مما ينظم العلاقات الاجتماعية. وهذه تشمل أحكام الأحوال الشخصية (أحكام الأسرة) من زواج وطلاق ونفقات، والأحكام المدنية (القانون المدني) من عقود مالية كالبيع والإجارة والرهن والشركة، والأحكام الجنائية (القانون الجنائي (مما يتعلق بالمكلف من جرائم وما يستحقه من عقوبات، وأحكام المرافعات أو الإجراءات المدنية والجزائية يتم أمام القضاء وما يتطلبه من دعاوى وبينات وأيمان، لإقامة صرح العدالة، والأحكام الدستورية (القانون الدستوري (مما يتعلق بنظام الحكم وتنظيم علاقة الأفراد بالحكام وحماية حقوق الإنسان، والأحكام الدولية (القانون الدولي) مما ينظم علاقة الدولة الإسلامية الخارجية بغيرها من الدول في السلم والحرب، أو علاقة غير المسلمين بالدولة الإسلامية في الوطن الإسلامي، والأحكام الاقتصادية والمالية (القانون المالي) المتعلقة بحقوق الأفراد المالية والتزاماتهم نحو الدولة، وتنظيم موارد الخزينة العامة وهي ونفقاتها، وأموال الدولة العامة والخاصة، من غنائم وعشور وخراج ومعادن، وأموال الجماعة من زكاة وصدقات ونذور وتبرعات وقروض، وأموال الأسرة من نفقات ومواريث ووصايا، وأموال الأفراد من أرباح ومرافق وديات وفديات وكفارات - 31 -","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"ويلاحظ أن بيان القرآن لهذه الأحكام منها ما هو تفصيلي كالعبادات وأحكام الأسرة والمواريث؛ لأنها تعبدية، ومنها ما هو إجمالي كبقية أحكام المعاملات، لترك المجال لعقول وجهود العلماء، وموازنة المصالح والمفاسد والحاجات دلالة الآيات على الأحكام: القرآن الكريم قطعي الثبوت، لوروده إلينا بطريق التواتر المفيد للقطع بصحة المنقول كما تقدم، لكن دلالته على الأحكام قد تكون قطعية الدلالة أو ظنية الدلالة والنص القطعي الدلالة: هو اللفظ الوارد في القرآن الذي يتعين فهمه على النحو الوارد ولا يحتمل إلا معنى واحداً، كآيات المواريث والحدود والكفارات، قال الله تعالى: يوصيكُمُ اللهُ في أولادكمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَط الأُنْثَيَيْن .. الآيات (11 - 12 من سورة النّساء. وقال سبحانه: (والسارق وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعوا أيديهما} [المائدة: 280، الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْها مائةَ جَلْدَةٍ .. [النور: 2/ 24]، {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً} [النور: 44/ 24، {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعودون لما قالوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَماسًا .. [المجادلة: 2/ 58]. فهذه نصوص قطعية الدلالة على أنصبة الميراث، وقطع اليد، والجلد مئة في الزنا وثمانين في القذف، وعتق الرقبة في كفارة الظهار أو الصيام أو الإطعام. والنص الظني الدلالة: هو الوارد في القرآن الذي يحتمل أكثر من معنى واحد في مجال التأويل، مثل لفظ (المشترك (كالقروء في قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بأنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُروء) [البقرة: 228/ 2]، فلفظ القرء في اللغة مشترك بين معنيين: الطهر والحيض، فتكون دلالته على أحد المعنيين ظنية لا قطعية. ومثل لفظ (الميتة) في قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} [المائدة: 3/ 5]، يحتمل تحريم كل ميتة، ويحتمل تحريم ما عدا ميتة البحر؛ لأن اللفظ عام، وكذا لفظ الدم يحتمل إرادة","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"الدماء كلها الجامدة والسائلة، أو المسفوحة فقط، فيكون اللفظ المشترك أو العام أو المطلق ظني الدلالة، لدلالته على معنى واحتمال دلالته على معنى آخر أسلوب البيان في القرآن: القرآن الكريم خالد محفوظ بحفظ الله تعالى إلى يوم القيامة، وخلوده وكونه كتاب البشرية ودستورها الأبدي يقتضي أن يكون بيانه في الغالب كليّاً لا جزئياً، وإجمالياً لا تفصيلياً، ليظل متسماً بسمة المرونة والشمول والعموم، وليتسع لتغطية الحاجات في كل عصر وزمان، وليفتح المجال أمام عقول الأمة للنظر والتدبر والإمعان. لذا احتاج القرآن الكريم في بيانه إلى السُّنة لتشرحه وتوضحه وتبين ما خفي منه، مثل أعداد ركعات الصلوات ومقادير الزكوات وشعائر الحج وشروط العقود والأنكحة، فإنها لم تعرف إلا بالسُّنة الثابتة عن الرسول علي 6 وللقرآن الكريم أساليب متنوعة في بيان الأحكام، وطلبها إيجاباً أو حظراً، اقتضتها بلاغته، ليكون معجزاً ومشوقاً وباعثاً على القبول دون سأم ولا ملل، فتارة يعبر عن الطلب بالأمر، مثل لو أنفقوا}، {وقاتلوا}، {وأحسنوا)، وتارة بلفظ الفرض أو الكتابة، مثل قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2/ 66]، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيام} [البقرة: 183/ 2]، {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً موقوتاً} [النساء: 103/ 4]، وتارة يعبر بما يترتب على الفعل من خير أو حسن، مثل وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 2677]، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 82/ 28]، وَمَنْ يَقْتَرِفُ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فيها حُسْناً) [الشورى: 23/ 42]، للذينَ أَحْسَنوا الحُسْنى وزيادة} [يونس: 2710)، ذلِكُمْ أزكى لَكُمْ) [البقرة: 232/ 2]. وأحياناً يكون الطلب بما يفيد الإلزام لغة، مثل وَالهِ عَلى النّاس حِجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبيلاً} [آل عمران: 97/ 3]. وأما طلب الترك أو الكفّ عن الفعل والحظر فقد يعبر عنه بالنهي. مثل","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 2974]، {وَلا تُلقوا بأيديكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ) [البقرة: 195/ 2]، {وَلا تَقْرَبُوا الزّنا} [الإسراء: 32/ 17]. وقد يكون بالإخبار بأن الفعل شر أو ليس من البر، مثل {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذينَ يَبْخَلُونَ يَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ، بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ} [آل عمران: 180/ 3]، و لَيْسَ الْبِرِّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِب .. } [البقرة: 177/ 2]، ولَيْسَ الْبِرُ بِأَنْ تَأْتوا البيوتَ مِنْ ظهورها} [البقرة: 189/ 2]. وقد يكون التعبير يما يترتب على الفعل من سوء أو شر أو ضرر، مثل أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سوء الدّارِ} [الرعد: 25/ 13]، {ثُمَّ كَانَ عاقبة الذين أساؤوا السواى أنْ كَذَّبوا بآياتِ اللهِ} [الروم: 10/ 30]، و الذينَ يُحْشَرُونَ عَلى وجوههم إلى جَهَنَّمَ أُولئِكَ شَرِّ مَكاناً} [الفرقان: 34/ 25]، (هذا وَإنَّ لِلطَّاعَينَ لَشَرَّ مَآب} [ص: 55/ 28]، و ذلك أدنى ألا تعولوا) [النساء: 3/ 4]. وهذه بعض قواعد الاستنباط: اً - كل فعل عظمه الله أو مدحه أو أحبه أو وعد به خيراً أو وصفه بالاستقامة أو أقسم به، فهو مشروع مشترك بين الوجوب والندب. - كل فعل طلب الشارع تركه أو ذمه أو لعنه أو شبه فاعله بالبهائم أو بالشياطين أو أوعد به أو هو رجس أو فسق، فهو غير مشروع مشترك بين التحريم والكراهة ـ كل ما أحله الله أو أذن به أو رفع الجناح أو الإصر أو الحرج أو الإثم عنه، فهو - 34 - مباح مأذون فيه شرعاً","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"الدليل الثاني - السنة الشريفة تعريفها وأنواعها، أقسامها من حيث السند، القطعي والظني منها، منزلتها بالنسبة إلى القرآن، حجيتها، آراء العلماء في خبر الآحاد والمرسل، أفعال النبي ما تعريف السنة وأنواعها: السنة في اللغة: السيرة والطريقة المعتادة، وعند الأصوليين: هي كل ماصدر: عن الرسول من قول أو فعل أو تقرير. وهذا يرشد إلى أن السنة ثلاثة أنواع 1 - السنة القولية: وهي الأحاديث التي قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم في مختلف الأغراض والمناسبات، مثل قوله: «إنما الأعمال بالنيات»، وقوله: «لا ضرر ولا ضرار»، وقوله: «في السائمة زكاة»، وقوله: «لا وصية لوارث»، وأجاب عن التوضؤ بماء البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» 2 - السُّنة الفعلية: هي الخمس، وأداء شعائر الحج، وقضائه بشاهد واحد ويمين المدعى، وقطعه يد السارق الأفعال التي فعلها الرسول، مثل أداء الصلوات اليمنى من الرسغ. 3 - السنة التقريرية: هي ما أقره النبي الله و صراحة، أو سكت عن إنكاره بعد أن صدر أمامه، أو حدث في عصره وعلم به، أو ظهر منه ما يدل على استحسانه والرضا به، مثل إقرار الصحابيين اللذين تيما، ثم وجدا الماء، فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر، قائلاً لمن لم يعد: أصبت السُّنة وأجزأتك صلاتك، وقال للذي أعاد: لك الأجر مرتين. ومثل: أكل الضب على مائدة رسول الله، وإقراره لمعاذ بن جبل في كيفية القضاء باليمن، بدءاً بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بالاجتهاد، ومثل استبشار النبي الله بحكم القائف الذي حكم بأن أقدام أسامة من أقدام زيد، قائلاً: «إن هذه الأقدام بعضها من بعض» فتكون القيافة طريقاً لإثبات النسب، كما رأى جمهور الفقهاء غير الحنفية. 35 - ?","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"أقسام السنة من حيث السند: السنة من ناحية سندها قسمان عند الجمهور: سنة متواترة، وسنة آحاد (1) الحنفية ثلاثة أقسام: سنة متواترة، وسنة مشهورة، وسنة أحاد (2) وعند والسنة المتواترة: هي ما رواها عن رسول الله الله في العصور الثلاثة الأولى (3) جمع يمتنع في العادة تواطؤهم على الكذب. مثل السنن العملية المروية عنه ما في الوضوء والصلاة والصوم والحج والزكاة والأذان والإقامة ونحوها من شعائر الدين،. «ومثل الأحاديث المتواترة، كحديث \" من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار»، وحديث «ويل للأعقاب من النار»، وعدد هذه الأحاديث (309) أحاديث)، كما جاء في كتاب (النظم المتناثر في الحديث المتواتر) للشيخ محمد بن جعفر الكتاني جاحده رحمه الله وحكم المتواتر: أنه قطعي الثبوت عن النبي، فيفيد العلم واليقين ويكفر والراجح في تحديد ضابط عدد التواتر: هو ما حصل العلم واليقين عنده من أقوال المخبرين، دون تحديد عدد مخصوص والسُّنة المشهورة: هي ما رواها عن الرسول مع الا الله عدد لم يبلغ جمع التواتر كواحد أو اثنين، ثم انتشر في القرن الثاني بعد الصحابة، فتناقله جمع التواتر الذين لا يتوهم تواطؤهم على الكذب. ولا عبرة للاشتهار بعد القرون الثلاثة الأولى. مثل حديث «إنما الأعمال بالنيات»، وحديث «بني الإسلام على خمس وحديث «لا ضرر ولا ضرار»، وحديث المسح على الخفين، وحديث الرجم (1) المستصفى: 93/ 1، إرشاد الفحول: ص 41 وما بعدها. (2) التلويح على التوضيح: 2/ 2 وما بعدها (3) هي عصر الصحابة والتابعين وتابعي التابعين 6 (- 36 -","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"والفرق بين هذا النوع وبين ما قبله: أن التواتر متحقق في حلقات السند جمع الثلاث الأولى والثانية والثالثة فى العصور الثلاثة في السُّنة المتواترة، ولا تواتر في الحلقة الأولى في السنة المشهورة. وحكم السنة المشهورة: أنها قطعية الثبوت عن الصحابة الذين رووها، ولكنها ليست قطعية الثبوت عن الرسول الا، فتفيد الطمأنينة والظن القريب من اليقين، • ويفسق جاحدها، ويخصص بها عام القرآن ويقيد بها مطلقه كالسنة المتواترة سنة الآحاد: هي ما رواها عن الرسول م آحاد، كواحد أو اثنين أو جمع لم يبلغ حد التواتر. وأكثر الأحاديث آحاد، وتسمى خبر الواحد وحكمها: أنها تفيد الظن لا اليقين ولا الطمأنينة، فهي ظنية الورود عن الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن يجب العمل بها، لا الاعتقاد، للشك في ثبوتها، كما هو رأي جمهور العلماء؛ لأن هذا الظن راجح الوقوع بما توافر لدى الرواة في الحديث الصحيح من العدالة وتمام الضبط والإتقان، ورجحان الظن كاف في وجوب العمل دلالة السنة على الأحكام: قد تكون دلالة السنة على الأحكام قطعية إذا لم تحتمل تأويلاً آخر، وقد تكون ظنية محتملة للتأويل، فهي في هذا كالقرآن الكريم، إلا أن القرآن كله قطعي الثبوت أو الورود، وأما السُّنة فليس منها ما هو قطعى الثبوت أو الورود إلا السنة المتواترة، فتكون السنة نوعين: منها ما هو قطعي الثبوت، ومنها ما هو ظنى الثبوت. وأما من ناحية الاستدلال بها فهي كالقرآن، قد يكون كل منهما قطعي الدلالة أو ظني الدلالة. منزلة السنة بالنسبة إلى القرآن: تأتي منزلة السنة من ناحية الاحتجاج بها في المرتبة الثانية بعد القرآن؛ لأن القرآن الكريم قطعي الثبوت، والسُّنة ظنية الثبوت، والقطعي مقدم على الظني، 37","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"ولأن السُّنة بيان للكتاب، والبيان تابع للمبين، وقد دلّ على ذلك حديث معاذ المتقدم >>>: بم تقضي يا معاذ؟». وأما منزلة السُّنة من ناحية ما ورد فيها من الأحكام فهي أربعة أقسام (1): أولاً - أن تكون السُّنة مؤكدة للقرآن: كالأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت، والنهي عن الشرك بالله وعن شهادة الزور وعقوق الوالدين وقتل النفس بغير حق، والنهي عن أكل مال الآخرين، مثل قوله: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه»، فإنه مؤيد لقوله تعالى: (يا أيها الَّذينَ آمَنوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل} [النساء: 19/ 4]، وحديث «استوصوا بالنساء خيراً، فإنه مؤكد لقوله تعالى: {وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 29/ 4]. ثانياً - أن تكون السُّنة مبينة للقرآن، وللبيان أنواع ثلاثة: أ - أن تبين مجمل القرآن: مثل السنن العملية والقولية لبيان كيفية العبادات وضوابط المعاملات ب - أن تخصص عام القرآن: مثل حديث» لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ولا على ابنة أخيها ولا على ابنة أختها»، فإنه مخصص لقوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ} [النساء: 24/ 4]. - أن تقيد مطلق القرآن: كتحديد النبي الله موضع قطع يد السارق من الرسغ، فهو مقيد لإطلاق قوله تعالى: {وَالسّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَها) [المائدة: 38/ 5] · ثالثاً ـ أن تكون السُّنة ناسخة للقرآن: كحديث «لا وصية لوارث» فإنه نسخ آية انظر الرسالة للإمام الشافعي: ص 247 وما بعدها.","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"الوصية للوارث وهي (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الوَصِيَّةَ لِلْوالِدَيْنِ وَالأَقْرَبينَ .. } [البقرة: 180/ 2]. هذا رأي الجمهور غير الشافعي. رابعاً ـ أن تأتي السنة بحكم جديد سكت عنه القرآن: مثل أخبار رجم الزاني المحصن، والحكم بشاهد ويمين، وتحريم لبس الذهب والحرير على الرجال، وصدقة الفطر، وإيجاب الدية على العاقلة، وتحريم لحوم الحمر الأهلية، وفكاك الأسير ونحو ذلك حجية السنة: اتفق العلماء على أن السنة النبوية واجبة الاتباع كالقرآن في استنباط الأحكام الشرعية، وأنها المصدر الثاني للتشريع، وأدلتهم كثيرة من القرآن والإجماع والمعقول (1) أولاً - القرآن: فرض الله تعالى على المؤمنين إطاعة النبي الله واتباعه، وجعل طاعة رسوله طاعة له، وأمر المسلمين برد المتنازع فيه إلى الله وإلى الرسول، ولم يجعل لمؤمن ولا مؤمنة الخيار في قضاء الله ورسوله، ونفى الإيمان عمن لم يقبل بقضاء رسول الله، في آيات كثيرة: منها: (يا أيُّها الذينَ آمَنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ، فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللهِ وَالرَّسولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) [النساء: 15974، ومنها: لو مَنْ يُطع الرسولَ فَقَدْ أَطاعَ الله) النساء: 80/ 4]، {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ لا يجدوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ، وَيُسَلِّموا تسليماً) [النساء: 65/ 4]، وما كانَ لِمُؤْمِن وَلا مُؤْمِنَةٍ إذا قضى اللهُ وَرَسولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ [أمْرِهِمْ} [الأحزاب: (1) [36/ 33: كشف الأسرار: 690/ 1، شرح المحلي على جمع الجوامع: 114/ 2، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 91، - 39 - 43 إرشاد الفحول: ص","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"ومنها: لو وَما آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَما نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر: 7/ 59]، [قُلْ: إن كُنتُمْ تُحِبّون الله، فَاتَّبعوني يُحْبِبْكُمُ اللهُ} [آل عمران: 213]، فَلْيَحْذَر الَّذينَ يُخالِفونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63/ 24]. هذه الآيات ونحوها تدل دلالة قاطعة على وجوب اتباع الرسول في سنته وسنته الصحيحة هي الواجبة الاتباع ليس غيرها. ثانياً - إجماع الصحابة: اتفق الصحابة على وجوب العمل بالسنة النبوية بعد القرآن الكريم، عملاً بالأوامر القرآنية، وبإقراره الله كيفية قضاء معاذ: «فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: أقضي بسنّة رسول الله»، وأصبح ذلك سنة متبعة في منهج الصحابة في الإفتاء والقضاء بالسُّنة إن لم يجدوا حكم الحادثة في القرآن. وسار التابعون ومن بعدهم من الأجيال الإسلامية على هذا المنهج إلى عصرنا الحاضر 3 - المعقول: لا يمكن العمل بمجرد الأحكام الإجمالية الواردة في القرآن بدون بيان السُّنة، وكان تبليغ النّبي وحي ربِّه بأمرين: إقراء القرآن، وبيانه عليه الصلاة والسلام، وأصبحت الشريعة متجسدة في القرآن والسُّنة معاً دون إمكان الاستغناء بأحدهما عن الآخر. ودليل ذلك قوله تعالى: {وأقيموا الصَّلاةَ وَآتوا الزَّكَاةَ) البقرة: 143/ 2، {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ} [البقرة: 183/ 2]، {وَاللهِ عَلى النّاسِ حِج الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبيلاً} [آل عمران: 97/ 2]، {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275/ 2]، * وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وراء ذلِكُمْ} [النساء: 24/ 4]، والسارق والسّارِقَةُ فَاقْطعوا أَيْدِيَهَا} [المائدة: 38/ 5]، ونحو ذلك مما يحتاج إلى البيان والإيضاح، وقد بين الرسول على كيفية إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأداء شعائر الحج، وشروط البيع الصحيح، وأنواع الرّبا المجرم، ومدى إباحة النساء غير المحارم، ومكان قطع اليد وغير ذلك، وبيانه واجب امتثالاً لأمر الله عز وجل في قوله: {وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاس ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44/ 16]. 40","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"ولو لم تبين السنة تلك الأحكام، لتعذر تنفيذها، وأصبحت السنة الثابتة واجبة الاتباع في جميع مشتملاتها، سواء أبانت مجمل أحكام القرآن أو قيدت مطلقها، أم أنشأت حكماً جديداً سكت عنه القرآن؛ لأن مردها في النهاية إلى الوحى الإلهى، والله تعالى أعلن ذلك صراحة في قوله: {وَما يَنْطِقُ عَن الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلاّ. الهَوى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يوحى) [النجم: 3/ 53 - 4]. آراء العلماء في خبر الآحاد: اتفق الصحابة والتابعون ومن بعدهم على وجوب العمل بأخبار السنة المروية بطريق الآحاد، وهو ما رواه الواحد أو الاثنان، دون أن يبلغ حد التواتر أو الشهرة. وذكر أئمة المذاهب شروطاً للعمل بخبر الواحد، بقصد التثبت من الرواية واستبعاد غير الصحيح منها، ولهم مسالك في هذا. أما الحنفية فاشترطوا ثلاثة شروط للعمل بخبر الواحد وهي ما يلي: ا - ألا يعمل الراوي بخلاف ما يرويه: فإن خالف فالعمل برأيه لا بروايته؛ مخالفته تعتمد على ناسخ اطلع عليه، لذا لم يعملوا بحديث أبي هريرة في غسل معض الكلب سبع مرات، وقالوا: إن أبا هريرة اكتفى بالغسل ثلاثاً، كما روى الدارقطني. - ألا يكون موضوع الحديث فيها تعم به البلوى ويكثر وقوعه: لأن ما شأنه كذلك تتوافر الدواعي على نقله بطريق التواتر أو الشهرة، فروايته بطريق الأحاد تورث الشك في ثبوت الحديث، لذا لم يعملوا بحديث رفع اليدين عند الركوع في الصلاة. (1) فواتح الرحموت 128/ 2:","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"- ألا يكون الحديث مخالفاً للقياس والأصول الشرعية إذا كان الراوي غير فقيه: لذا لم يعملوا بحديث أبي هريرة في الشاة المصراة ورد صاع من تمر بعد حلبها؛ لأن هذا مخالف للمقرر في قواعد الضمان: وهو ردّ المثل في المثليات والقيمة في القيميات، ومخالف لحديث «الخراج بالضمان» أي الغنم بالغرم؛ لأن هذا الحديث يجعل الغلة ملكاً لمن تكون العين المضمونة في ملكه. والحق أن ترك الحنفية للعمل بهذا الحديث ليس بسبب القدح في الصحابي وإنما لأسباب أخرى كاضطراب الحديث أو نسخه أو ضعفه لديهم. واشترط الإمام مالك للعمل بخبر الواحد: ألا يكون الخبر مخالفاً لعمل أهل المدينة؛ لأن عمل أهل المدينة بمنزلة روايتهم عن الرسول عمل لها، ورواية الجماعة أحق بالعمل بها من رواية الفرد. لذا لم يعملوا بحديث خيار المجلس لمخالفته إجماع أهل المدينة (1) واشترط الإمام الشافعي أربعة شروط لقبول أخبار الآحاد وهي: (2) أن يكون الراوي ثقة في دينه صادقاً، عاقلاً لما يحدث، فاهماً له، ضابطاً لما يرويه، وغير مخالف لحديث أهل العلم، ومفاد هذه الشروط عدم قبول الحديث المرسل. ولم يشترط الإمام أحمد في العمل بخبر الواحد إلا صحة السند كالشافعي، لكنه يعمل بالحديث المرسل (3) -  EY_ 199/2 : (1)  شرح المحلي على جمع الجوامع (2) الإحكام للآمدي: 178/ 1 (3) روضة الناظر: 281/ 1:","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"الحديث المرسل: الحديث المرسل في اصطلاح الأصوليين: هو قول العدل الذي لم يلق النبي: قال رسول الله، سواء أكان منقطعاً أم معضلاً أم معلقاً، أي كل ما لم يتصل إسناده. ولا خلاف في قبول مرسل الصحابي؛ لأن الصحابة كلهم عدول. وأما مرسل غير الصحابي: فهو مقبول أيضاً عند الجمهور غير الشافعي؛ لأن الراوي العدل الثقة لا يرسل الحديث ولا يستجيز الرواية إلا وهو جازم بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك (1) ولا يقبل الحديث المرسل عند الشافعي إلا إن تأيد بأحد أمور خمسة: 1 - أن يكون من مراسيل كبار التابعين كسعيد بن المسيب والزهري والحسن البصري والشعبي وابن سيرين ونحوهم. 2 - أن يؤيده حديث مسند في معناه 3 - أن يوافقه مرسل مقبول عند العلماء ـ - أن يؤيده قول صحابي. ة - أن يتقوى بفتوى أكثر العلماء. ودليل الشافعي أن قبول خبر الراوي مشروط بمعرفة عدالته، وعدالة الأصل في المرسل لم تعلم؛ إذ لا يعرف اسمه ولا وصفه، فإن لم نعلمه تعين ردّه. وإذا انضم إليه حد المؤيدات الخمسة السابقة، ترجح صدقه على كذبه، وساغ العمل به أحد (2) أفعال النبي صلى الله عليه وسلم: أفعال النبي ثلاثة أنواع إرشاد الفحول: ص  ov : (1) (2)  الإبهاج للسبكي 225/ 2: (3) الإحكام للآمدي: 89/ 1، شرح العضد المختصر ابن الحاجب: 22/ 2، التقرير والتحبير: 302/ 2 43 -","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"أولاً - الأفعال الجبلية) التي تصدر عن الرسول معه الا بحكم الطبيعة الإنسانية: كالقيام والقعود والأكل والشرب والنوم والمشى، هي على الإباحة بالنسبة إليه وإلى أمته، ولا يجب علينا التأسي والاقتداء به فيها، فإن قام الدليل على ندبها أو سنيتها كالأكل باليمين، كانت تشريعاً. ومنها ما صدر عنه ل بمقتضى الخبرة والتجربة في الشؤون الدنيوية من تجارة وزراعة وتدبير حربي ووصف دواء لمريض، لا تعد تشريعاً؛ لأنها باجتهاد وخبرة شخصية، لا بالوحي الإلهي، ولهذا لما رأى في غزوة بدر النزول بالجند في مكان معين، قال له الحُباب بن المنذر: أهذا منزل أنزلكه الله أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال الحباب: ليس هذا بمنزل، وأشار المنزل آخر قرب الماء، فنزل الجيش فيه. ولما رأى النبي ا لعل الله أهل المدينة يؤبرون النخل أشار عليهم بألا يؤبروا، فتركوا التأبير، وتلف التمر ذلك العام، فقال لهم الرسول: «أنتم أعلم بأمور دنياكم». الله (2) ثانياً - الأفعال التي ثبت كونها من خصائص النبي: كإباحة الوصال في الصيام، واختصاصه بوجوب صلاة الضحى والأضحى والوتر والتهجد بالليل، وإباحة بأكثر من أربع نسوة، واكتفائه في إثبات الدعوى بشهادة خزيمة وحده، وغير ذلك، وحكم هذه الخصائص أنه لا يقتدى به فيها، وتعد خاصة به التزوج ثالثاً ـ الأفعال المجردة عما سبق، والتي قصد بها التشريع: فهذه نطالب بالتأسي والاقتداء بها، وتعرف صفتها وجوباً أو ندباً أو إباحة مما يأتي: أ - فإن كانت هذه الأفعال واردة بياناً لمجمل في القرآن أو تقييداً لمطلق أو تخصيصاً لعام، فحكمها حكم ما بينته من وجوب وندب، ويعرف البيان إما بضريح الخلقة (1) الجبلة الإنسانية: هي (2) تأبير النخيل: تلقيحه بطلع الذكور ووضعه على طلع الإناث 44 -","part":1,"page":44},{"id":45,"text":"(وفي الحج >>: خذوا عنى القول، مثل قوله في الصلاة: «صلوا كما رأيتموني أصلى مناسككم»، وإما بقرائن الأحوال، كفعل صالح للبيان عند الحاجة إليه، كقطعه يد السارق من الرسغ، فإنه بيان لقوله تعالى: (فَاقْطَعوا أيديها} [المائدة: 28/ 5]، وكتيمه إلى المرفقين، فإنه بيان لقوله تعالى: {فَامسحوا بوجوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ مِنْهُ} النساء: 43/ 4]، فالبيان يكون تابعاً للمبين في الوجوب والندب والإباحة. ب - وإن وردت هذه الأفعال ابتداء دون بيان الشيء: فإما أن تعرف صفتها الشرعية أو لا تعرف، فإن عرفت صفتها من وجوب أو ندب أو إباحة، فإن أمته في الفعل مثله؛ لقوله تعالى: {وَما آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) [الحشر: 7/ 59]، وقوله سبحانه: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ الله وَالْيَوْمَ الآخر} [الأحزاب: 21/ 33]، ولأن الصحابة كانوا يرجعون إلى فعله الله احتجاجاً واقتداء به في وقائع كثيرة، كما فعل عمر رضي الله عنه في تقبيل الحجر الأسود، وقوله: «لقد علمت أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت يرجو رسول الله لا يقبلك ما قبلتك \" فإن جهلت صفة الفعل الشرعية: فإن ظهرت فيه صفة القربة، بأن كان مما يتقرب به إلى الله عز وجل، كصلاة ركعتين من غير مواظبة عليهما، دل الفعل على الندب وإن لم يظهر فيه صفة القربة، كالبيع والمزارعة، كان مفيداً الإباحة، وهو الراجح عند العلماء؛ لأن الإباحة هي القدر المتيقن، فلا يثبت الزائد عليها إلا بدليل، ولا دليل. وفي اتجاه آخر: يكون الفعل دالاً على الندب؛ لأن الفعل لا بد من أن يكون لقربة، وأقل ما يتقرب به المندوب والخلاصة: أن الأفعال الإنسانية المحضة والخبرات والتدابير الدنيوية والخصوصيات، لا تعد تشريعاً ولا سنة مطلوبة، وأما ما قصد به التشريع العام بصفة كونه صادراً عن النبي الله بوصف الرسالة وأنه رسول، فهو تشريع على الأمة اتباعه فيه - 45 -","part":1,"page":45},{"id":46,"text":"فعلاً. الدليل الثالث - الإجماع تعريفه، ركنه و شرائطه، مستنده، حجيته، أنواعه، إمكان انعقاده، وقوعه تعريف الإجماع: الإجماع في اللغة إما العزم على الشيء، يقال: أجمع فلان على الأمر، أي عزم عليه، ومنه قوله تعالى: {فَأَجْمِعوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ} [يونس: 71/ 10]، أي اعزموا، وإما الاتفاق، يقال: أجمع القوم على كذا، أي اتفقوا عليه وفي اصطلاح الأصوليين: هو اتفاق المجتهدين من أمة محمد الله بعد وفاته في عصر من العصور على حكم شرعي. أي أن الإجماع لا بد فيه من الاتفاق على أمر من الأمور، وأن يكون صادراً من المجتهدين الذين تتوافر لديهم أهلية الاجتهاد، فلا عبرة بقول العوام ومن ليس أهلاً للنظر في استنباط الأحكام الشرعية، وأن يكون الاتفاق من جميع المجتهدين، فلا يعد إجماعاً ملزماً اتفاق أكثر المجتهدين، ولا إجماع أهل المدينة وحدهم، ولا إجماع أهل الحرمين (مكة والمدينة) وحدهم، ولا إجماع المصرين) البصرة والكوفة (وحدهم، ولا إجماع الشيخين (أبي بكر وعمر)، ولا إجماع الخلفاء الراشدين الأربعة، ولا إجماع آل البيت (علي وفاطمة وابنيها الحسن والحسين رضي الله عنهم). الملل ولا بد من أن يكون المجتهدون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يعد اتفاق أهل الأخرى إجماعاً شرعياً، لاختصاص الإجماع في أدلة الشريعة بالأمة المحمدية التي ثبتت لها العصمة من الخطأ - 46 -","part":1,"page":46},{"id":47,"text":"ولا ينعقد الإجماع في حال حياة النبي؛ لأن الرسول إن وافق المجمعين على الحكم، كان الحكم ثابتاً بالسُّنة، لا بالإجماع، وإن خالفهم سقط اتفاقهم. ولا يكون الإجماع إلا على حكم شرعي كالوجوب أو الحرمة أو الصحة أو الفساد فلا يعول على الإجماع في الأمور اللغوية ككون الفاء للتعقيب، أو القضايا العقلية، كحدوث العالم، أو الدنيوية كالآراء والحروب وتدبير شؤون الرعية ونحوها من أحوال العرف والعادة التي لا تتعلق بأفعال المكلفين ركن الإجماع وشرائطه: ليس للإجماع إلا ركن واحد بالمعنى الدقيق لكلمة (الركن) وهو اتفاق المجتهدين، فما لم يحصل الاتفاق بينهم لا ينعقد الإجماع: ويشترط للإجماع ستة شروط هي اً 1 - أن يكون القائمون بالإجماع عدداً من المجتهدين، فلا يتحقق الإجماع بمجتهد واحد؛ لأن معنى الاتفاق لا يتصور إلا بعدد من العلماء، فإن لم يوجد إلا مجتهد واحد أو اثنان في عصر من العصور، لا ينعقد الإجماع شرعاً. 2 - أن يحدث الاتفاق من جميع المجتهدين على الحكم الشرعي، فلو اتفق أكثر المجتهدين، لا ينعقد الإجماع، مهما قل عدد المخالفين، وكثر عدد المتفقين؛ لأن الإجماع لا بد فيه من اتفاق جميع مجتهدي البلاد الإسلامية، ولا عبرة بقول غير المجتهدين 3 - أن يتوافر الاتفاق من جميع المجتهدين المسلمين في وقت الحادثة، من مختلف الأمصار الإسلامية، فلا ينعقد إجماع في بلد معين كالحجاز والحرمين ومصر والعراق، ولا ينعقد بآل البيت وحدهم أو بأهل السنة دون مجتهدي الشيعة - أن يكون الاتفاق بإبداء كل واحد من المجتهدين رأيه صراحة في الواقعة سواء أكان الإبداء قولاً أم فعلاً أم متفرقين أم مجتمعين. 6 47 J","part":1,"page":47},{"id":48,"text":"ة - أن يقع الاتفاق من أهل الاجتهاد الموصوفين بالعدالة ومجانبة البدعة؛ لأن النصوص الدالة على حجية الإجماع تدل على ذلك أما العدالة عند الجمهور فلأن حكم الإجماع وهو كونه ملزماً إنما يثبت بأهلية الشهادة، وأهلية الشهادة تكون بالعدالة، كما نص القرآن الكريم: {وَأَشْهدوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 265]. وأما مجانبة البدعة، فإن كانت البدعة مكفّرة، فصاحبها غير مسلم، وإن كانت غير مكفرة ودعا الناس إليها، سقطت عدالته بالتعصب الباطل بلا دليل يسانده، ولا يؤخذ في بقوله في إجماع الأمة، لذا لا يعد خلاف الرافضة في إمامة الشيخين، ولا خلاف الخوارج في إمامة علي كرم الله وجهه. 1 - أن يعتمد المجمعون على مستند شرعي في إجماعهم من نص أو قياس؛ لأن الإفتاء بدون مستند خطأ، وقول في الدين بغير علم، وهو منهي عنه في قوله تعالى: وَلا تَقْفُ ماليْسَ لَكَ ِبهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 3/ 17)، ولأن المجمعين ليس لهم بمحض] عقولهم الاستقلال باثبات الأحكام الشرعية تقدم مستند الإجماع: هو الدليل الذي يعتمد عليه المجتهدون فيها أجمعوا عليه. ولا بد من توافره كما، فلو انعقد الإجماع من غير مستند لاقتضى إثبات شرع بعد النبي له، وهذا الاتفاق 6 باطل. ثم إنه يبعد عادة حدوث الاتفاق بين المجتهدين من غير سبب يوجب و يوحد بين الآراء، والمستند هو الذي يوحد آراءهم، ويمنع تخطيهم حدود الشرع وهي إما تفهم النص في المنصوص على حكمه، أو استنباط الحكم من المنصوص عليه بوساطة القياس على المنصوص عليه، أو بتطبيق قواعد الشريعة والتزام مبادئها العامة كشف الأسرار: 983/ 2، شرح المحلي على جمع الجوامع: 168/ 2، شرح العضد المختصر ابن الحاجب: 39، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 132 (1) ص _  EA_","part":1,"page":48},{"id":49,"text":"بالرأي المقبول شرعاً، أو بالاعتماد على أدلة الشريعة كالاستحسان والاستصحاب والعرف وسد الذرائع ونحوها. ولا يصلح الإلهام دليلاً في الشرع؛ لأن الشرع يؤخذ عن صاحب الرسالة وصاحب الرسالة نفسه لا يقول في الدين من غير وحي، فالأمة أولى بها ألا تقول إلا عن دليل، فيكون الحكم جزافاً أو بالهوى والعقل والطبيعة من عمل أهل البدعة والضلال. ونوع المستند في رأي أكثر العلماء: إما دليل قطعي من قرآن وسنة متواترة، فيكون الإجماع مؤيداً ومعاضداً له، وإما دليل ظني وهو خبر الواحد والقياس، فيرتقي الحكم حينئذ بالإجماع من مرتبة الظن إلى مرتبة القطع واليقين والمصلحة المرسلة تصلح أن تكون مستنداً للإجماع، فإذا تبدلت المصلحة، جازت مخالفة الإجماع وإحداث حكم يتناسب مع المصلحة الحادثة، بدليل أن فقهاء المدينة السبعة أفتوا بجواز التسعير، وكان السائد فى عصر الصحابة عدم القول بالتسعير، وأفتى الإمامان مالك وأبو حنيفة بإعطاء الزكاة للهاشميين لما تغير بيت المال، مع أن أصل الحكم الشرعي ألا تحل الزكاة لبني هاشم، ومنع أئمة المذاهب من شهادة الزوج لزوجته وبالعكس، ومن شهادة الأصول والفروع لبعضهم بعضاً، لمصلحة حقوق الناس من الضياع، وكان ذلك جائزاً بين الصحابة. هي الحفاظ على ومن أمثلة الإجماع المستند إلى مصلحة مرسلة: إجماع الصحابة في عهد عمر على عدم قسمة الأراضي المفتوحة عنوة ووضع الخراج عليها، تأميناً لمورد دائم لبيت المال، وللإنفاق على المصالح العامة والمرافق من جيوش وثغور وأنهار وجسور وقضاة وعمال ومحتاجين، وليبقى ذلك حقاً لجماعة المسلمين أولهم وآخرهم على السواء دون حجر لبعضهم عنه، وتخصيص فئة به دون الآخرين","part":1,"page":49},{"id":50,"text":"ومن هذه الأجاميع: إجماع الصحابة على جمع القرآن في مصحف واحد، وزيادة أذان ثالث لصلاة الجمعة في عهد عثمان رضي الله عنه، لإعلام الناس بالصلاة، لا سيما البعيدون عن المسجد، كيلا تفوتهم الصلاة، وكان مستندهم هو المترتبة على بقاء الأمر على ما كان عليه في عهد النبي الله وأبي بكر وعمر. المصلحة ودفع المفسدة وكما يكون الإجماع على حكم واقعة، يمكن أن يكون على تأويل نص أو تفسيره أو تعليل حكم النص. حجية الإجماع: إذا انعقد الإجماع على النحو السابق المطلوب، بأن اتفقت آراء المجتهدين جميعاً على حكم واحد في واقعة، صار الحكم ملزماً واجب الاتباع ولا تجوز مخالفته، وليس لأهل أي عصر تال أن ينقضوه؛ لأن الحكم الشرعي أصبح حكماً قطعياً لا مجال لمخالفته ولا لنسخة، وثبت المراد به على سبيل اليقين، كالقرآن والسنة لكن إذا كان دليل الإجماع قطعياً، لم يكن الإجماع حجة مستقلة، بل مقوياً للدليل، وإذا كان دليل الإجماع ظنياً، كان دليلاً مستقلاً، أي يكفي الاستدلال به، ولا حاجة للرجوع إلى ذلك الدليل المستند إليه، وليس معناه أنه ينشئ من ذاته حكماً شرعياً؛ لأن الشرع في الحقيقة هو مصدر التشريع. (1) وحجية الإجماع عند أكثر العلماء حجة قطعية، بحيث يكفر مخالفه، أو يضلل و يبدع إذا نقل إلينا نقلاً متواتراً. أما إذا نقل إلينا بطريق الآحاد أو كان إجماعاً سكوتياً، فإنه لا يفيد إلا الظن بالحكم دون القطع به. والتحقيق لدى بعض العلماء كالآمدي وإمام الحرمين والإسنوي وابن الحاجب أن منكر الإجماع لا يكفر إلا إذا كان مشهوراً للعوام كالعبادات الخمس، ووجوب اعتقاد (1) فواتح الرحموت: 213/ 2، شرح المحلي على جمع الجوامع: 168/ 2، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 129.","part":1,"page":50},{"id":51,"text":"التوحيد والرسالة أو النبوة، ونحوها من ضرورات الدين، أو اعترف الشخص بالإجماع وأقر بصدق المجمعين في النقل، ثم أنكر ما أجمعوا عليه؛ لأن هذا الإنكار والتكذيب آيل إلى تكذيب الشرع، ومن كذب الشرع كفر. وأدلة حجية الإجماع من القرآن والسنة ما يلي اً: 1 - القرآن: ورد في القرآن الكريم عدة آيات تدل على حجية إجماع الأمة الإسلامية، منها قوله تعالى: {وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى، وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى، وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً) النساء: 115/ 4]. والمعنى أن الله تعالى جعل اتباع غير سبيل المؤمنين كمشاقة الله ورسوله، أي معاداتها، لترتيب جزاء واحد لها، وهو تركه مع اختياره الفاسد وإدخاله جهنم عقوبة له، وإذا كانت مشاقة الله ورسوله حراماً، فاتباع غير سبيل المؤمنين حرام، وإذا حرم اتباع غير سبيلهم، فاتباع سبيلهم واجب، ويلزم منه كون الإجماع حجة؛ لأن سبيل الشخص: هو ما يختاره من القول أو الفعل أو الاعتقاد ومن الآيات قوله سبحانه: يا أَيُّها الَّذينَ آمَنوا أطيعوا اللهَ وَأطيعوا الرَّسُولَ وَأُولي الأمر مِنْكُمْ} [النساء: 5974]، فكما أمر الله بطاعته وطاعة رسوله، أمر المؤمنين بطاعة أولي الأمر. وأولو الأمر أي الشأن في السياسة والسلطة هم الحكام، وفي الاجتهاد والفتوى في الدين هم العلماء المجتهدون، فإذا اتفق أولو الأمر في الاجتهاد التشريعي، وهم أرباب الاجتهاد، على حكم، وجب اتباعه والالتزام بحكمهم وتنفيذه، بنص القرآن، بدليل قوله تعالى: {وَلَوْ رَدّوهُ إلى الرسول وإلى أُولي الأمر مِنْهُمْ، لَعَلَمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83/ 4]. 2 - السُّنة النبوية: إن ما اتفق عليه المجتهدون هو حكم الأمة؛ لأنهم في هذا الاختصاص ممثلوها، وقد وردت عدة أحاديث صحيحة عن رسول الله لا تدل على عصمة الأمة الخطأ، وهي إن لم تتواتر بألفاظها وآحادها، لكن القدر المشترك من J","part":1,"page":51},{"id":52,"text":"بينها، وهو عصمة الأمة من الخطأ، متواتر: لوجوده في هذه الأخبار الكثيرة، وهذا هو التواتر المعنوي، وهو كالمتواتر اللفظي في إفادة العلم بما يدل عليه. من هذه الأحاديث: «لا تجتمع أمتي على خطأ»، «إن الله لا يجمع أمتي على الله. ضلالة، ويد مع الجماعة»، «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله»، «من فارق الجماعة شبراً، فمات إلا مات ميتة جاهلية»، «إن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد». وقال ابن مسعود: ما رأه المسلمون حسناً، فهو عند، فهو عند الله حسن»، وهذا كله دليل واضح على أن اتفاق كلمة المجتهدين مبني على الحق والصَّواب، ولولا ذلك لما اتفقوا، مع اختلاف أنظارهم، وتباين بيئاتهم، وتفاوت استعدادهم، وقدراتهم العلمية >>>> أنواع الإجماع: الإجماع بحسب طريقة تكوينه نوعان: إجماع صريح، وإجماع سكوتي. والإجماع الصريح: هو أن تتفق آراء المجتهدين بأقوالهم وأفعالهم على حكم في مسألة معينة، كأن يجتمع العلماء في مجلس واحد، ويبدي كل منهم رأيه صراحة في المسألة، وتتفق الآراء على حكم واحد، أو أن يفتى كل عالم في المسألة برأي، وتتحد الفتوى على شيء واحد. وهو حجة بلا خلاف عند الجماهير. والإجماع السكوتي: هو أن يقول بعض المجتهدين في العصر الواحد قولاً في مسألة، ويسكت الباقون بعد اطلاعهم على هذا القول، من غير إنكار. وفيه للعلماء آراء أهمها اثنان (1): اتجاه للمالكية والشافعية: لا يكون إجماعاً ولا حجة. واتجاه للحنفية والحنابلة: يعد إجماعاً وحجة قطعية (2) المستصفى: 121/ 1، كشف الأسرار: 948/ 2، شرح العضد المختصر المنتهى: 37/ 2، روضة الناظر: 381/ 1 (1) (2) ويرى الكرخي من الحنفية والأمدي من الشافعية أنه حجة ظنية وهو الراجح. 6 _  of_","part":1,"page":52},{"id":53,"text":"أما أصحاب الاتجاه الأول منكرو الإجماع السكوتي، فاستدلوا على رأيهم بأن سكوت باقي المجتهدين، لا يعد قرينة على موافقتهم على ما سمعوا، لاحتمال أن يكون السكوت لعدم الاجتهاد في المسألة، أو خشية ومهابة للقائل، أو تجنباً لضرر فيما لو أظهر رأيه، أو لاعتقاده أن القائل مجتهد وكل مجتهد مصيب، ونحو ذلك من الاحتمالات التي تمنع من أن السكوت علامة الرضا والموافقة على الرأي المعلن. وأما أصحاب الاتجاه الثاني وهم مثبتو حجية الإجماع السكوتي، فاستدلوا على رأيهم بدليلين: اً - إن سماع رأي كل مجتهد متعذر عادة، وإنما العادة انتشار الفتوى من بعض العلماء وسكوت الباقين - إن العادة في كل عصر أن يفتي أكابر العلماء في الحادثة ويسكت الأصاغر تسليماً وموافقة لهم، فيكون السكوت موافقة ضمنية والظاهر أن الإجماع السكوتي حجة إذا وجدت أمارة على الرضا والموافقة، وانتفت الاحتمالات التي تمنع من اتخاذ السكوت موافقة، ككون المجتهد فرغ من البحث أو سكت تقية أو سكت مجاملة أو مهابة أو خوفاً من ذي بأس وسلطان ونحو ذلك؛ لأن أغلب إجماعات الصحابة لا يمكن فهمها إلا على هذا النحو من تصريح بعضهم برأيه وإعلانه وسكوت بقية المجتهدين. فإن لم تتوافر القرينة على الرضا، كان الإجماع السكوتي حجة ظنية فقط إمكان انعقاد الإجماع: قال النظام وبعض المعتزلة وبعض الشيعة: إن الإجماع غير ممكن عادة بدليلين: ا - يتوقف وجود الإجماع على اتفاق المجتهدين في عصر من العصور، ولا بد لتحقيق ذلك من أمرين: هما معرفة أشخاص المجتهدين وقت حدوث الواقعة في البلاد -  or -","part":1,"page":53},{"id":54,"text":"الإسلامية، ومعرفة آرائهم جميعاً، وكلاهما متعذر، لأنه لا يوجد الضابط المعروف، المحدد لمعرفة المجتهد من غير المجتهد، ولأن العلماء متفرقون موزعون في البلاد، وغير محصورين في بلد واحد، فلا يتيسر جمعهم ولا معرفة آرائهم بطريق يوثق به. 1 - إما أن يكون دليل المجمعين قطعياً لا يحتمل التأويل، وحينئذ يكتفى به عن الإجماع، وإما أن يكون دليلاً ظنيّاً، وحينئذ يتعذر الاتفاق بحسب العادة؛ لأن الدليل الظني مثار اختلاف بسبب اختلاف وجهات نظر المجتهدين واختلاف عقولهم وتفاوت استعدادهم للاعتراف بالحق مع اختلاف الدوافع والبواعث الذاتية والمذهبية لدى كل واحد منهم، فلا يتأتى الإجماع ولا يمكن انعقاده والجواب عن هذه الأدلة أنها مجرد شبه وتشكيكات في أمر حدث فعلاً فلا يلتفت إليها. واستدل جمهور العلماء على إمكان الإجماع عادة: بأنه قد وقع فعلاً، وليس أدل على الجواز من الوقوع، فقد أجمع الصحابة على قتال مانعي الزكاة، وعلى جمع القرآن في مصحف واحد، وعلى تحريم الرّبا في الأصناف الستة، وعلى بطلان زواج المسلمة بغير المسلم، وصحة الزواج من غير تسمية مهر، وحرمة الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها في الزواج، وعلى تحريم شحم الخنزير، وعلى إعطاء الجدة السدس في الميراث، وحجب ابن الابن بالابن في الميراث، وعلى منع بيع الطعام قبل قبضه، ونحو ذلك من الأحكام. ويمكن انعقاد الإجماع اليوم من طريق المؤتمرات والندوات التي تدعو إليها الحكومات أو المجامع الفقهية على أن يتم الاختيار على وفق الضوابط الشرعية في اختيار أهل الحل والعقد أو أهل الاجتهاد من المرموقين المشهورين في كل بلد إسلامي دون مجاملة ولا محاباة. 02 -","part":1,"page":54},{"id":55,"text":"وقوع الإجماع بالفعل: يرى جمهور العلماء أنه وقعت إجماعات كثيرة من الصحابة وغيرهم، كما هو واضح في كتاب (مراتب الإجماع (لابن حزم، مثل الإجماع على إعطاء الجدة السدس في الميراث، وعلى منع بيع الطعام قبل قبضه، وعلى تحريم شحم الخنزير قياساً على لحمه، وعلى وجوب ضمان المغصوب بالمثل أو بالقيمة، وعلى بطلان زواج المسلمة بالكافر، وعلى صحة عقد الزواج من غير تسمية مهر، وعلى حرمة الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في الزواج، وعلى وجوب العدة بموت الزوج ونحو ذلك، مما يعتمد على نص شرعي، وهذا لا مجال للبحث فيه أما الإجماع في المسائل الاجتهادية البحتة: فلا يمكن ادعاء الإجماع عليها بسهولة، وكل ما يمكن قوله: هو أن هناك كثيراً من الآراء لا يعلم فيها خلاف بين الصحابة وغيرهم. وهذا عند الجمهور داخل في الإجماع الظني لا القطعي. ويمكن إيراد مثال على الإجماع المجرد وهو مشروعية المضاربة، فقد أجمع العلماء على جوازها، وليس هناك نص صحيح عليها، وكل ما في الأمر أن الناس تعاملوا بها في عهد النبي، فأقرهم عليها ولم ينكرها عليهم. قال الإمام الشافعي: ما لا يعلم فيه خلاف لا يقال له إجماع. وأما المراد بقول الإمام أحمد: «من ادَّعى الإجماع فهو كاذب»، فهو حمل الناس على التثبت من نقل الأجاميع والتأكد من حدوثها، دون مجرد ادعائها من غير اطلاع عليها، ومن غير موافقة الآخرين على صحة النقل وثبوت الخبر. وليس مراده إنكار وقوع الإجماع. _00","part":1,"page":55},{"id":56,"text":"i  الدليل الرابع - القياس تعريفه، أركانه، حجيته، شروطه، مسالك العلة، أقسامه تعريف القياس: القياس في اللغة: إما التقدير أي معرفة قدر الشيء بما يماثله، يقال: قست الثوب بالذراع أو بالمتر، أي عرفت قدره به، وإما التسوية بين الشيئين تسوية حسية، مثل قست هذا اللوح بهذا اللوح أي حاذيته به وسويته، أو تسوية معنوية، يقال: فلان لا يقاس بفلان، أي لا يسوى به في الفضل والعلم والشرف. وفي اصطلاح الأصوليين: هو إلحاق أمر غير منصوص على حكمه الشرعي بأمر منصوص على حكمه، لاشتراكهما في علة الحكم. والإلحاق: هو الكشف والإظهار للحكم، وليس الإثبات والإنشاء؛ لأن الحكم ثابت شرعاً من الأصل، وإنما تأخر ظهوره إلى وقت بيان المجتهد بواسطة العلة، فالقياس مظهر للحكم لا منشئ، والعلة أساس الحكم، وعمل المجتهد: إظهار وجود الحكم في الفرع كوجوده في الأصل لاتحاد علة الحكم فيها فإذا ورد نص في الكتاب أو السُّنة أو الإجماع على حكم واقعة معينة، ثم عرف المجتهد علة الحكم التي لأجلها شرع في الشريعة، ثم وجد العلة ذاتها قائمة في واقعة أخرى شبيهة بالمنصوص عليها، فيغلب على ظنه اشتراك الواقعتين في الحكم، فيلحق مالم ينص عليه بما ورد فيه نص، ويسمى هذا الإلحاق: القياس. وتسمى الواقعة المنصوص عليها: الأصل، أو المقيس عليه، وما لم ينص عليه: الفرع أو المقيس، والمعنى الذي لأجله شرع الحكم هو العلة والأمثلة كثيرة، منها ما يأتي -07 -","part":1,"page":56},{"id":57,"text":"النيء اً - نص الله تعالى على تحريم الخمر: وهو الشراب المسكر المتخذ من ماء العنب غير المطبوخ بالنار في آية: (إِنَّا الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَل الشَّيْطَانِ، فَاجْتَنِبُوهُ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحونَ} [المائدة: 90/ 5]، وأدرك المجتهد أن علة التحريم هي الإسكار المذهب للعقل بحكم العادة والغالب، وفي هذا مضار ومفاسد كثيرة دينية ودنيوية، صحية واجتماعية، كإيقاع العداوة والبغضاء بين الناس، وإلحاق الضرر المؤكد طبياً بالشارب. ثم وجد المجتهد أن الإسكار يتحقق بتناول الأشربة الأخرى المتخذة من الحبوب والفواكه إذا صارت مسكرة، وهي المسماة بالنبيذ، فيكون النبيذ ملحقاً بالحمر في حرمة تناوله، وأركان هذا القياس: الخمر أصل، والنبيذ فرع، والحكم الأصلي المنصوص عليه: التحريم، والعلة الجامعة بين المقيس والمقيس عليه: هي الإسكار. - منع النبي الله القاتل من الإرث بقوله: «لا يرث القاتل»، والعلة هي استعجال الشيء قبل أوانه، فيعاقب بحرمانه، وهذه العلة متحققة في قتل الموصى له الموصي، فتقاس الوصية في رأي الجمهور غير الشافعية على الإرث حالة القتل، فيمنع الموصى له القاتل من الوصية، كما يمنع الوارث القاتل من الإرث - الله: حرم الرسول الا الله الخطبة على الخطبة، فقال: «لا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا يخطب على خطبته»، والعلة: هي إيذاء البائع والخاطب الأول وإثارة حقده وتوريث عداوته، وهذا المعنى متحقق في أي عقد آخر كاستئجار الشخص على استئجار أخيه، فيحرم قياساً على تحريم الخطبة على الخطبة، لاشتراكها في علة الحكم 4 - حرم القرآن الكريم البيع وقت النداء لصلاة الجمعة، في قوله تعالى: * يا أَيُّها الذينَ آمَنوا إذا نودي للصَّلاةِ مِنْ يَوْم الْجُمُعَةِ، فَاسْعَوْا إلى ذكر الله، وَذَروا لبَيْعَ} [الجمعة: 962]، والعلة هي التشاغل بالبيع عن الصلاة، وهذا عند الجمهور غير الحنابلة متحقق في أي عقد أو عمل آخر كالإجارة والرهن والكتابة، فيكون ممنوعاً، لتوافر علة منع البيع فيه  ov -","part":1,"page":57},{"id":58,"text":"أركانه: يعتمد القياس على أركان أربعة: هي الأصل والفرع والوصف الجامع بين الأصل والفرع وهو العلة، وحكم الأصل (1) والأصل: هو محل الحكم الذي ثبت بالنص أو الإجماع، وهو الخمر المحرمة في مثال تحريم النبيذ قياساً على الخمر والفرع: هو المحل الذي لم يرد فيه نص ولا إجماع، وهو في المثال السابق: النبيذ. والعلة: هي الوصف الذي بني عليه حكم الأصل، وهو في المثال المذكور: الإسكار. وحكم الأصل: هو الحكم الشرعي الذي ورد به النص أو الإجماع في الأصل، ويراد تعديته أو نقله إلى الفرع، وهو في المثال السابق: تحريم الخمر أما الحكم الذي يثبت في الفرع بالقياس، وهو في المثال المذكور: تحريم النبيذ فهو ثمرة القياس وليس ركناً فيه ويتضح ذلك بمثال آخر: هو تحريم الأصناف الربوية الستة (الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح) في الحديث، هذه الأصناف: أصل، والذرة والأرز والفول مثلاً المقيسة عليها: فرع، والحكم: هو تحريم الربا فيها، والعلة عند الحنفية والحنابلة: هي الكيل أو الوزن عند اتحاد الجنس، وعند الشافعية والمالكية في النقدين: هي الثمنية، والطُّعم في المطعومات الأربعة الباقية في رأي الشافعية، والقوت والادخار في رأي المالكية، مع اتحاد الجنس أيضاً. (1) المستصفى: 54/ 2، التقرير والتحبير: 124/ 3، شرح العضد على مختصر المنتهى: 208/ 2، المدخل إلى  On- . 141  مذهب أحمد ص","part":1,"page":58},{"id":59,"text":"حجية القياس: هناك اتجاهان مشهوران في حجية القياس: اتجاه الجمهور: وهو أن القياس حجة شرعية في نطاق الأحكام العملية، وأصل من أصول الشريعة، يأتي في المرتبة الرابعة من الحجج الشرعية، وهؤلاء هم مثبتو القياس. واتجاه النظام المعتزلي والشيعة الإمامية والظاهرية: أن القياس ليس حجة شرعية على الأحكام، وهؤلاء هم نفاة القياس أدلة الجمهور مثبتي القياس: استدل الجمهور على حجية القياس بأدلة أربعة من القرآن والسنة والإجماع (1) والمعقول \": أما القرآن: ففيه آيات كثيرة تدل على حجية القياس، منها قوله تعالى: فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: 2/ 59]، أي بعد أن أخبر الله تعالى عما حلَّ بيهود بني النضير جزاء كفرهم وإيذائهم لرسول الله والمؤمنين، قال تعالى: و فَاعْتَبروا كم أي فقيسوا أنفسكم بهم، واعلموا أن ما يجري على المثيل يجري على مثيله، فلكم عقاب مماثل؛ لأنكم فعلتم مثل فعلهم. ومنها قوله تعالى: {فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللهِ وَالرَّسولِ .. [النساء: 574]، وإلحاق ما لا نص فيه على المنصوص عليه لتساويها في علة الحكم: ردّ إلى الله والرسول، وهو معنى القياس. [19/ 17: ومنها قوله سبحانه: (قُلْ: يُحْيِيها الذي أنشأها أَوَّلَ مَرَّة) (يس: 79/ 3]،: فإن الله تعالى تقريباً قرب المعنى لعقولنا، فقاس إعادة المخلوقات بعد فنائها على بدء خلقها أول مرة؛ لأن من قدر على البدء قادر على الإعادة والبعث مرة أخرى، بل هو أهون عليه، وهذا قياس. (1) كشف الأسرار: 995/ 2، الإحكام للآمدي:: 76/ 3، إرشاد الفحول: ص 176","part":1,"page":59},{"id":60,"text":"وأما السُّنة: ففيها ما يدل على القياس قولاً وعملاً. أما القول فهو إقرار الرسول الله العمل بالقياس، حينما بعث معاذاً قاضياً إلى اليمن، وقال له: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، فإن لم أجد فبسنة رسول الله، فإن لم أجد أجتهد رأيي ولا آلو، أي لا أقصر، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدره، وقال: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يـ يرضي الله ورسوله والاجتهاد بالرأي يشمل القياس. وأما السنة العملية الصحيحة: فهي أن الرسول مع مقاس في كثير من الأمور، منها أن رجلاً من خثعم - وفي رواية امرأة من خثعم - جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبي أدركه الإسلام، وهو شيخ كبير، لا يستطيع ركوب الرحل، والحج مكتوب عليه، أفأحج عنه؟ قال: «أنت أكبر ولده؟»، قال: نعم، قال: «أرأيت لوكان على أبيك دين فقضيته عنه، أكان يجزئ ذلك عنه؟» قال: نعم، قال: «: «فاحجج عنه». فهذا قياس من الرسول ع ل و لدين الله على دين العباد في وجوب القضاء. وسأل عمر عن قبلة الصائم من غير إنزال، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: أرأيت لو تمضضت بماء وأنت صائم؟ فقال عمر: لا بأس بذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ففيم؟ أي في أي أمر هذا الأسف. وهذا قياس المقدمة الوقاع على المضمضة مقدمة الشرب في أن كلاً منها وسيلة إلى مقصود، لا تفسدان الصوم. وانكر رجل فزاري ولده لما جاءت به زوجته أسود، فقال له الرسول هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: حمر، قال: هل فيها من: أورق - مائل إلى الغبرة والسواد -؟ قال: نعم، قال: فمن أين؟ قال: لعله نزعه عرق، قال: وهذا لعله نزعه عرق: وأما الإجماع: فهو أن الصحابة تكرر منهم العمل بالقياس، من غير إنكار من أحد، وهذا ثابت بالتواتر المعنوي، فكان فعلهم إجماعاً منهم على أن القياس حجة يجب العمل به.","part":1,"page":60},{"id":61,"text":"إنهم قاسوا الخلافة على إمامة الصلاة لمبايعة أبي بكر بها، وقالوا: رضيه رسول الله لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا؟! وحكموا بقتل الجماعة بالواحد قياساً على قطع الجماعة إذا اشتركوا في سرقة واحدة. وفسر أبو بكر الكلالة بأنها ما عدا الوالد والولد؛ لأن الكلالة في اللغة: الحاشية في الطريق، والكلالة مثل هذه الحاشية وكتب عمر رضى الله عنه إلى أبي موسى الأشعري حينما ولاه على البصرة رسالة مشهورة في القضاء، جاء فيها: «اعرف الأشباه والنظائر وقس الأمور برأيك»، وقاس عمر تحريم تخليل الخمر على إذابة الشحوم، وأن تحريمها تحريم لثمنها. وقال عثمان لعمر في مسألة الجد مع الإخوة: «إن اتبعت رأيك (حجب الإخوة بالجد) فسديد، وإن تتبع رأي من قبلك (مشاركتهم إياه) فنعم الرأي وقال علي رضي الله عنه: «ويعرف الحق بالمقايسة عند ذوي الألباب. ((وقاس ابن عباس رضي الله عنهما الجد على ابن الابن في حجب الإخوة، وقال: الله زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابناً، ولا يجعل أب الأب أبا، أي لأنها نظيران في الإدلاء للميت بواسطة واحدة ألا هي يتقي فهذه الوقائع ونحوها من أكابر الصحابة دالة على أن القياس حجة يجب العمل وأما المعقول فأدلته كثيرة أهمها ثلاثة: - 1 - جميع أحكام الشرع معقولة المعنى مبنية على رعاية المصالح، ومصالح العباد الغاية المقصودة من تشريع الأحكام، فإذا تساوت الواقعتان في علة الحكم التي هي مظنة المصلحة، تساويا في الحكم، تحقيقاً للمصلحة التي هي مقصود الشارع من التشريع. ويكفى في ذلك الاعتماد على غلبة الظن في نظر المجتهد، والعمل بالظن أمر واجب. فلا يعقل تحريم الخمر المسكرة وحدها، وإباحة النبيذ المسكر، حفاظاً على 61 -","part":1,"page":61},{"id":62,"text":"العقول وصحة الأجسام. ولا يعقل أيضاً قصر تحريم الربا على الأصناف الستة، منعاً من التلاعب في أقوات الناس وأثمان الأشياء، ويباح الربا في أقوات مشابهة كالفول والذرة والأرز مثلاً. 2 - إن نصوص القرآن والسنة محدودة محصورة لانتهاء الوحي، وحوادث الناس غير محدودة ولا متناهية، ولا يحيط المتناهي بغير المتناهي إلا إذا فهمت العلل التي لأجلها شرعت الأحكام المنصوصة، وطبقت على ما يماثلها، وهذا هو معنى القياس الذي هو المصدر التشريعي الذي يعرفنا على حكم الوقائع الجديدة الطارئة - تقتضي الفطرة السليمة والمنطق وبداهة العقل العمل بالقياس، فمن منع عن فعل لأن فيه أكلاً لأموال الناس بالباطل، أو لأن فيه ظلماً لغيره واعتداء على حقوق الآخرين، فإنه يقيس على هذا الفعل كل أمر فيه عدوان أو ظلم. ومن منع عن طعام فاسد أو شراب سام، يفهم ضرورة الامتناع عن كل الأطعمة الفاسدة والأشربة السامة وحينئذ نضمن صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، ووفاءها بحاجات الناس ومصالحهم إلى الأبد. أدلة نفاة القياس: استدل الشيعة والنظام والظاهرية، على إنكار مشروعية القياس بأدلة أربعة (1): 1 - القرآن: قال الله تعالى: (ما فَرَّطْنَا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) [الأنعام: 1386، أي أن كتاب الله اشتمل على كل شيء، فلا حاجة للقياس. والرد أن اشتمال القرآن على كل شيء إنما هو في الجملة لا بالتفصيل، بدليل أن كثيراً من الأحكام (1) الإحكام لابن حزم: 929/ 2، ملخص إبطال القياس والرأي: ص 43، أصول السرخسي إرشاد الفحول: ص، 119/ 2: - 62 -","part":1,"page":62},{"id":63,"text":"1 الشرعية لا يوجد فيه نص عليها، فتكون دلالته على الأحكام إما مباشرة بالنص عليها، أو بواسطة وهى القياس. وقال الله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 2717]، وقال سبحانه: (وَإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً) [النجم: 28/ 53]، وبما أن القياس لا يفيد إلا الظن، ولا يفيد العلم واليقين، فيكون منهياً عن العمل به، ولا يصلح طريقاً لإثبات الحكم؛ لأنه اتباع الظن. والجواب أن المنهي عنه هو اتباع الظن في العقائد، وأما الأحكام الشرعية العملية، فالظن فيها كاف بالاتفاق بين العلماء، بدليل تكليفنا العمل بأخبار الآحاد وظاهر الكتاب والسنة، وقبول شهادة الاثنين، ونحو ذلك مما لا يفيد إلا الظن هذه الأمة 2 - السُّنة: جاء في السُّنة ما يدل على النهي عن القياس، مثل حديث: «: «تعمل برهة بالكتاب، وبَرهة بالسُّنة، وبرهة بالقياس، فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا». والجواب أن هذا الحديث على فرض صحته (1) محمول على القياس الفاسد الاعتبار: وهو الذي لا يعتمد على دليل، أو وجد من الأدلة ما يعارضه، أما القياس الصحيح فهو مقبول، وهو الذي لا يتعارض مع الكتاب والسنة، ويتمشى مع اللغة ولم يقل بناء على فرض وتخمين، بل على استدلال من نصوص الشريعة أو مقاصدها العامة، كالرأي المقول بناء على مبدأ المصالح المرسلة 3 - الإجماع: وهو أن بعض الصحابة ذموا العمل بالقياس أو بالاجتهاد بالرأي، وسكت بقية الصحابة عن الإنكار عليه، فكان إجماعاً. مثل قول أبي بكر حينما سئل عن معنى الكلالة: «أي سماء تظلني، وأي أرض تقلّني إذا قلت في كتاب الله برأيي ((أي بالقياس. (1) الواقع أن هذا الحديث غير صحيح، فلا يصلح للاحتجاج به 63 -","part":1,"page":63},{"id":64,"text":"وقول عمر: إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا. وقوله أيضاً: إياكم والمكايلة، قيل: وما المكايلة؟ قال: المقايسة. وقال علي: لو كان الدين يؤخذ بالرأي، لكان مسح باطن الخف أولى من ظاهره. وقال ابن عباس: يذهب قراؤكم وصلحاؤكم، ويتخذ الناس رؤساء جهالاً يقيسون الأمور برأيهم. فهؤلاء الصحابة أنكروا العمل بالقياس، ولم يعارضهم أحد، فكان إجماعاً منهم على عدم جواز العمل بالقياس. والجواب: أن هذه الروايات غير موثوق بها، ولو صحت فهي معارضة بآثار أخرى تدل على إجماعهم على العمل بالقياس كما تقدم، وليس المراد منها إنكار القياس، وإنما اتباع الهوى والرأي الذي لا يعتمد على النصوص أو على مقاصد الشريعة، فهي واردة في القياس الفاسد الذي لم تتوافر فيه شرائط الصحة، كالقياس المصادم للنص، أو الصادر ممن ليس أهلاً للاجتهاد، أو فيا لا يجري فيه القياس كتفسير القرآن الكريم. أما القياس الصحيح المستكمل لشروط الصحة المتفق مع النصوص الشرعية، فهذا جائز غير ممنوع ولا مرفوض. 4 - المعقول: وهو أن القياس يؤدي بسبب تباين الأنظار في تعليل الأحكام إلى التنازع والاختلاف بين المجتهدين، كما هو الواقع في جزئيات الاجتهاد، فهو مصدر اختلاف و تعارض وتناقض، والشرع لا تعارض فيه ولا تناقض، كما أن الشرع نهى عن التنازع في قوله تعالى: (وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 4688]، أي قوتكم. والجواب أن التنازع والاختلاف المنهى عنه والتعارض والتناقض المذموم إنما هو في العقائد وأصول الدين أو في الأمور العامة كسياسة الدولة وشؤون الحرب 64 -","part":1,"page":64},{"id":65,"text":"أما التنازع أو التعارض في الأحكام الشرعية العملية، فلا مانع من حصوله، إذ لا ضرر ولا مفسدة فيه، بل هو رحمة ومصلحة وتوسعة على الأمة، ولأن ثمرة الاجتهاد المطلوب شرعاً لا بد فيها من الوقوع في الاختلافات، بسبب انقطاع الوحي، وعدم التمكن من معرفة حكم الله المراد بعينه في كل قضية، وعدم توافر العصمة لأحد غير النبي، فيعذر المجتهدون وكل من قلدهم في اجتهاداتهم. شروط القياس: يشترط في كل ركن من أركان القياس: وهي الأصل والفرع وحكم الأصل والعلة، شروط معينة لكي يصح القياس. ما يشترط في الأصل: الأصل: هو محل الحكم الذي ورد به النص أو الإجماع. وقد ذكر الأصوليون شروطاً للأصل، هي في الواقع شروط الحكم الأصل (1)، ولا أجد شرطاً خاصاً بالأصل إلا شرطاً واحداً: هو ألا يكون فرعاً لأصل آخر؛ لأن المنطق يقضي بالقياس على الأصل الأساسي، لا الفرع المتخذ أصلاً. فلا يصح مثلاً قياس السفرجل على التفاح في تحريم ربا الفضل، لكون كل منها مطعوماً، علماً بأن التفاح مقيس على التمر المذكور في نص الحديث النبوي الدال على تحريم الأصناف الستة. ولا يصح قياس الذرة على الأرز في تحقق الربا في بيع الذرة بالذرة متفاضلين، علماً بأن الأرز مقيس على البر الذي ورد فيه النص النبوي بتحريم التفاضل فيه، بجامع الطعم في كل منهما عند الشافعية، أو القوت والادخار عند المالكية، أو الكيل عند الحنفية والحنابلة، فبالرغم من اتحاد العلة بين الأصل الثاني والمتخذ أصلاً لا يجوز القياس لأنه تطويل بلا فائدة ولا يستطيع قياس الوضوء على التيم بجامع أن كلا منهما طهارة، لاشتراط النية فيها، علماً بأن اشتراط النية في التيم (1) الإحكام للآمدي: 8/ 3، شرح العضد على مختصر المنتهى: 209/ 2، مسلّم الثبوت: 200/ 2، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 144","part":1,"page":65},{"id":66,"text":"بالقياس على الصلاة بجامع كون كل منهما عبادة، لا يصح القياس الأول لمخالفته للقياس الثاني في العلة؛ لأن العلة في الأول طهارة، والعلة في الثاني العبادة، واختلاف العلة يبطل القياس الأول، لعدم توافر المعنى الجامع بين الأصل المنصوص عليه وهو الصلاة وبين الفرع الذي هو الوضوء، فيبطل القياس لعدم توافر أحد أركانه وهو العلة. فإن اعتبرت العلة بين الوضوء والتيم والصلاة متحدة وهي العبادة، كان القياس تطويلاً بلا فائدة كما في مثالي الربا المتقدمين شروط حكم الأصل: لا داعي للقول بأنه يشترط في حكم الأصل أن يكون حكماً شرعياً ثابتاً بالنص أو بالإجماع؛ لأننا نتكلم في القياس الشرعي، ولا أن يكون ثابتاً غير منسوخ؛ لأنه إذا كان حكم الأصل منسوخاً، فلا يمكن تعديته ونقله إلى الفرع وبناء حكم الفرع عليه لانتهاء صلاحيته للعمل به. وإنما الشروط المعتبرة في حكم الأصل أربعة) (1). 1 - ألا يكون حكم الأصل مختصاً به بنص آخر يدل على اختصاصه وتفرده به؛ لأن مقتضى القياس تعدية حكم الأصل إلى الفرع، فإذا ثبت أن الحكم خاص بهذا الأصل، فلا تمكن تعديته، مثل الأحكام الخاصة بالرسول، كإباحة صوم الوصال، وحل التزوج بأكثر من أربع، والزواج من غير مهر، وأخذ الصفي من الغنائم وغيرها، وإطعام الأعرابي الذي جامع في رمضان كفارته لأهله، فهذه رخص خاصة بالرسول عليه الصلاة والسلام. ومن الخصوصيات: قبول شهادة خزيمة وحده في قوله صلى الله عليه وسلم: «من شهد له خزيمة فحسبه»، والمخصص قوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ) (1) التقرير والتحبير: 126/ 3، شرح العضد: 211/ 2، فواتح الرحموت: 250/ 2، شرح المحلي على جمع الجوامع: 180/ 2، إرشاد الفحول: ص 179. - 66 -","part":1,"page":66},{"id":67,"text":"البقرة: 282/ 2]، أي أن نصاب الشهادة اثنان، واستثناء خزيمة لاختصاصه بفهم شيء لم يفهمه غيره، فلا يقاس عليه من كان مثله أو أرقى منه ورعاً وفهماً وصدقاً 2 - ألا يكون حكم الأصل معدولاً به عن سنن القياس: أي ثبت تشريعه استثناء من القواعد العامة أو القياس؛ لأن كل ما ثبت على خلاف القياس، فغيره عليه لا يقاس. وهذا يدل على أنه يشترط في حكم الأصل أن يكون معقول المعنى، أي له علة يمكن للعقل إدراكها؛ لأن العلة أساس القياس. فلا يصح القياس على الأحكام التعبدية، كتحديد أعداد الركعات في الصلوات، ومقادير الزكوات، وعدد الجلدات في حد الزنا والقذف، ومقادير الكفارات؛ لأن هذه الأحكام لا يمكن للعقل إدراك علتها • كما لا يصح القياس على ما ثبت كونه مستثنى من قاعدة عامة وإن كان معقول المعنى، كالحكم بصحة صوم من أكل ناسياً في الحديث النبوي، فالقاعدة العامة تقضي ببطلان الصوم لدخول شيء إلى الجوف يتنافى مع معنى الإمساك في الصوم عن المفطرات، لكن الشرع حكم ببقاء الصوم، تخفيفاً وتيسيراً ودفعاً للحرج، وإن كان الحكم معقول المعنى، وهو أن الناسي لم يقصد ارتكاب الممنوع أو المحرم، فلا يقاس عليه الخطأ في الصوم بتناول المفطّر، ولا تقاس الصلاة على الصوم بالكلام فيها نسياناً، وهذا مذهب الحنفية خلافاً للشافعية؛ لأن النسيان أمر لا يمكن الاحتراز عنه، بخلاف الخطأ، ولأن الصلاة تختلف عن الصوم فإنه مما يدعو للنسيان، وأما حالة الصلاة فتستدعي تذكر العبادة وعدم قبول النسيان فيها 3 ـ عدم النص على حكم الفرع: أي ألا يكون الدليل الدال على حكم الأصل دالاً على حكم الفرع وشاملاً له، لأنه إذا كان الدليل شاملاً حكم الفرع، ثبت الحكم بذلك الدليل الأصلي، لا بالقياس، فلا حاجة للقياس حينئذ، كأن يستدل على تحريم الخمر - 67 -","part":1,"page":67},{"id":68,"text":"بالحديث النبوي لا بالآية وهو: «كل مسكر حرام»، فيكون النص دالاً على تحريم النبيذ أيضاً، ولا داعي للقياس 4 - تقدم تشريع حكم الأصل على حكم الفرع: أي أن يكون حكم الأصل متقدماً في التشريع غير متأخر الثبوت عن حكم الفرع، إذا أريد إثبات حكم الفرع بالقياس. فلا يصح قياس الوضوء على التيم بجامع الطهارة لاشتراط النية فيه كالتيم؛؛ لأن الوضوء في هذا القياس يكون فرعاً، والتيم أصلاً له، مع أن الوضوء سابق في التشريع على التيم؛ لأنه شرع قبل الهجرة، والتيم شرع بعدها أما إذا كان للفرع دليل آخر غير القياس، فلا مانع من هذا القياس؛ لأن حكم الفرع يكون ثابتاً حينئذ بدليلين: الدليل الآخر والقياس. وذلك الدليل مثل قوله عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات» فإنه يشمل الوضوء والتيم. شروط الفرع: يشترط في الفرع أربعة شروط هي (1) 1 - أن يكون في الفرع علة مماثلة لعلة الأصل إما في ذاتها وإما في جنسها: مثل قياس النبيذ على الخمر بجامع الإسكار، فإن هذه العلة الموجودة في النبيذ هي عين العلة الموجودة في الخمر الذي ورد النص بتحريمه. ومثل قياس وجوب القصاص في الاعتداء على الأعضاء على وجوب القصاص في الاعتداء على النفس بجامع الجناية في كل منها، فالتساوي قائم في جنس العلة لا في ذاتها • ويقال للقياس الذي لم يتحقق فيه هذا الشرط: قياس مع الفارق، مثل قسمة المشفوع فيه بين الشركاء الشفعاء المختلفة أملاكهم يجعل النصف لبعضهم والربع لبعضهم الآخر وهكذا، يقسم بينهم عند الجمهور غير الحنفية بقدر أنصبائهم، قياساً على الغلة (1) المستصفى: 89/ 2، أصول السرخسي: 150/ 2، شرح العضد: 233/ 2، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 147","part":1,"page":68},{"id":69,"text":"والثمرة الناتجة من المال المملوك، فيقول الحنفية: هذا قياس مع الفارق؛ لأن الثمرة والغلة متولدة من الملك، فيكون لكل شريك بقدر ما تولد من ملكه، والمأخوذ بالشفعة ليس متولداً من الملك، فيقسم بالتساوي. 2 - ألا يتغير في الفرع حكم الأصل: فلا يجيز الحنفية قياس ظهار الذمي على ظهار المسلم في حرمة العودة إلى الاستمتاع بامرأته التي ظاهر منها؛ لأن التحريم في الأصل وهو ظهار المسلم مؤقت ينتهي بالكفارة، كما في آيات الظهار في أوائل سورة المجادلة. أما التحريم في الفرع وهو ظهار الذمي مؤبد؛ لأن الكافر ليس بأهل للكفارة؛ لأن الكفارة عبادة أو يترجح فيها معنى العبادة، ويقصد بها التطهير، والكافر ليس بأهل لأداء العبادة حال كفره؛ لأن أعماله حبطت في الدنيا والآخرة، فيكون ظهار الذمي باطلاً عند الحنفية، وصحيحاً عند الشافعية؛ لأن الكافر يتمكن من الإطعام أو الإعتاق أحد خصال الكفارة 3 - ألا يترتب على القياس تقدم الفرع على الأصل: كقياس الوضوء على التيم في اشتراط النية، مع أن التيم متأخر المشروعية على الوضوء، فيترتب عليه ثبوت الحكم في الأصل قبل علته. وقد عرفنا أن هذا شرط أيضاً في حكم الأصل 4 - ألا يكون في الفرع نص أو إجماع يدل على حكم مخالف للقياس: لأن القياس يكون حينئذ مصادماً للنص أو الإجماع. ويقال للقياس الذي يصادم النص أو الإجماع: قياس فاسد الاعتبار. فلا يصح عند الحنفية اشتراط صفة الإيمان في عتق الرقبة في كفارة اليمين قياساً على كفارة القتل؛ لأن اشتراطه يخالف إطلاق النص القرآني في اليمين هو ... أو تحريرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89/ 5]، ولفظ الرقبة هنا مطلق، لا يشترط فيها أن تكون مؤمنة، بخلاف النص الوارد في كفارة القتل الخطأ: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأَ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92/ 4]، فيكون قياس كفارة اليمين على كفارة القتل فاسداً؛ لأنه يؤدي إلى تغيير حكم الأصل - 69 -","part":1,"page":69},{"id":70,"text":"ولا يصح عند العلماء جواز ترك الصلاة في السفر على جواز ترك الصيام بجامع وجود السفر، ويعد القياس باطلاً؛ لأن العلماء أجمعوا على أن الصلاة لا يحل تركها في السفر. شروط العلة: قبل الكلام عن شروط العلة نتكلم عن تعريف العلة وما يتعلق بها. تعريف العلة والفرق بينها وبين الحكمة والسبب وبيان ما يصح التعليل به: العلة أساس القياس الذي يبنى عليه، وهي في اصطلاح الأصوليين: ما شرع الحكم عنده تحقيقاً للمصلحة، أو الوصف المعرّف للحكم، وتسمى العلة مناط الحكم وسببه وأمارته. هي < وقد تطلق العلة على الحكمة الباعثة على تشريع الحكم من تحصيل مصلحة يراد تحقيقها أو دفع مفسدة ينبغي تجنبها، كمنفعة المتعاقدين المترتبة على إباحة البيع وحفظ الأرواح والعقول والأنساب والأموال المترتب على تحريم القتل العمد والخمر والزنا والسرقة، ودفع المشقة المترتبة على السفر عادة في الصيام، وقصر الصلاة والثابت من تتبع الأحكام الشرعية أن الله سبحانه ما شرع حكماً لعباده إلا لتحقيق المصلحة والمنفعة لهم، أو لدفع المفسدة والضرر عنهم، ولقوله تعالى: {وَما أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعالَمينَ} [الأنبياء: 107/ 21]. وكان من المتبادر إلى الذهن أن الحكم الشرعي يرتبط بالحكمة؛ لأنها الغاية المقصودة من الحكم، ولكن تبين أن الحكمة قد تكون أمراً خفياً غير ظاهر، أي لا تدرك بإحدى الحواس، فلا يمكن التأكد من وجودها أو عدم وجودها، وقد تكون أمراً غير منضبط يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، فقد تتحقق الحكمة مثلاً من إباحة البيوع وهي الحاجة، وربما يكون البيع لغير حاجة، فهي أمر خفي، وقد تتوافر المشقة في السفر لإباحة الفطر في بعض الأحوال أو عند بعض الأشخاص، أو في بعض الأزمان، وقد لا تتوافر في ظروف أخرى","part":1,"page":70},{"id":71,"text":"وقد يتحقق الضرر بسبب تناول الخمر وهو الغالب، وقد لا يتحقق عند بعض الناس الأشداء العتاة. وقد يتحقق دفع الضرر للشريك أو الجار في الشفعة. وقد يؤدي تشريع القصاص من القاتل إلى المحافظة على حياة الناس، وهو الغالب، وقد لا يؤدي إلى ذلك ونظراً لخفاء حكمة التشريع أحياناً، وعدم انضباطها أحياناً أخرى، قرر جمهور الأصوليين منع التعليل بالحكمة، ولو كانت ظاهرة أو منضبطة، إذ لو بني التكليف على الحكمة، لم ينضبط التكليف ولم يستقم أمره، لذا قال العلماء: الحكم يدور مع لا مع حكمته وجوداً وعدماً علته وبناء عليه، يكون السفر علة تجيز الفطر وقصر الصلاة، حتى ولو لم توجد المشقة، فلا يجوز أن يقاس المقيم غير المسافر والصحيح غير المريض على حال السفر أو المرض، وإن كان عمله متضمناً المشقة كالخباز والوقاد وعامل المنجم والحصاد ونحوهم، لانتفاء علة الجواز، وهي السفر أو المرض، على الرغم من توافر الحكمة المشقة وهي والفرق بين العلة والحكمة: أن الحكمة هي الباعث على تشريع الحكم والغاية البعيدة المقصودة منه، وهي المصلحة التي قصد الشارع بتشريع الحكم تحقيقها أو تكميلها، أو المفسدة التي قصد الشارع بتشريع الحكم درءها أو تقليلها. وأما العلة: فهي الأمر الظاهر المنضبط المعرف للحكم الذي ينبني عليه الحكم وجوداً وعدماً؛ لأن ربط الحكم به يحقق المقصود من تشريع الحكم، فالسفر أو المرض علة لجواز الفطر في رمضان، والسفر علة لجواز قصر الصلاة الرباعية؛ لأنه وصف ظاهر منضبط، علّق الحكم به، غير أنه في الواقع مظنة تحقق حكمة تشريع الحكم؛ لأن شأن السفر وجود مشقة فيه، فشرع القصر والفطر للتخفيف على الناس المسافرين، فالسفر علة، ودفع المشقة حكمة ولدفع المشقة عنهم - 71 -","part":1,"page":71},{"id":72,"text":"6! أما السبب فهو أعم في مدلوله من العلة عند جمهورا الأصوليين، فكل علة وليس كل سبب علة، فإذا كانت هناك مناسبة، أي مصلحة بين الوصف والحكم تدركها، عقولنا، سمي الوصف علة وسبباً، وأما إذا كانت المناسبة مما لا تدركها عقولنا، فيسمى الوصف سبباً فقط، يقال: إن عقد البيع الدال على الرضا بنقل الملكية علة وسبب، والدلوك أو زوال الشمس وسط النهار عن وسط السماء، يقال له سبب، ولا يقال له: علة وأما شروط العلة فهي أربعة: 1 - أن تكون العلة وصفاً مناسباً للحكم: أي أن تكون مظنة لتحقيق حكمة الحكم الشرعي، فيغلب على الظن تحقيق الحكمة التشريعية، وهي جلب المصلحة أو النفع، ودفع المفسدة أو الضرر. فالإسكار: وصف مناسب لتحريم الخمر، يحصل بالحكم وهو التحريم دفع مفسدة أو ضرر عن الناس، بصيانة عقولهم وأجسامهم من الأذى والضرر. والسرقة: وصف مناسب لتشريع الحكم وهو قطع يد السارق؛ لأنه يغلب من ربط الحكم بها المحافظة على الأموال • والسفر في رمضان وصف مناسب للحكم بإباحة الفطر؛ لأنه يغلب من تقرير هذه الإباحة تحقق التيسير ودفع المشقة. والقتل العمد العدوان وصف مناسب لتشريع القصاص؛ لأنه يترتب عليه حفظ الأرواح وعدم إهدار حرمة الدماء، وهو مناسب أيضاً للحرمان من الإرث في قوله: «لا يرث القاتل» لأنه يمنع الإقدام على القتل. (1) مسلم الثبوت: 222/ 2، شرح العضد على مختصر المنتهى: 213/ 2، الإحكام للآمدي: 11/ 3، شرح المحلي على جمع الجوامع: 107/ 2، روضة الناظر: 321/ 2","part":1,"page":72},{"id":73,"text":"ولا يصح التعليل بالوصف غير المناسب، كتعليل حرمة الخمر بكونها سائلاً أحمر 6 أو معبأة في الزجاجات، وتعليل وجوب القطع في السرقة بكون السارق غنيّاً أو شرساً أو ذا جاه أو أسمر اللون، والمسروق منه فقيراً أو جواداً، وتعليل إباحة الفطر في رمضان بكون المسافر راجلاً ماشياً أو قصيراً أو امرأة أو أعرابياً. وتسمى هذه الأوصاف بالأوصاف الطردية أو الاتفاقية التي لا توجد بينها وبين الحكم علاقة عقلية مقبولة كما لا يصح التعليل بأوصاف مناسبة في أصلها ولكن طرأ عليها خلل يؤدي إلى ذهاب مناسبتها، كعقد البيع من المكره أو المجنون لا يصلح علة لنقل الملكية، وزوجية من ثبت عدم تلاقيها من حين العقد لا تصلح علة لثبوت النسب العلة هي 2 - أن تكون العلة وصفاً ظاهراً جلياً: أي مدركاً بإحدى الحواس الظاهرة؛ لأن الوصف المعرّف للحكم، فلا بد من أن تكون أمراً ظاهراً، يدرك الحس وجودها في الأصل وفي الفرع أيضاً، كالإسكار وصف ظاهر يدرك بالحس في الخمر وفي أي نبيذ آخر مسكر، والصغر أمر ظاهر يدرك بالحس في ثبوت الولاية على الصغير، وتطواف الهرة وصف ظاهر يرى بالعين، فيصلح علة لطهارة سؤرها، والاشتراك في القدر (الكيل أو الوزن (مع اتحاد الجنس يدركان بالحس في الأموال الربوية الستة وفي كل مال آخر من المقدرات فإن كان الوصف خفياً، لم يصح التعليل به؛ لأنه لا يمكن التحقق من وجوده ولا عدمه، فلا يصح جعل التراضي بين المتبايعين علة لنقل الملكية في العوضين؛ لأن التراضي أمر قلبي، لا يمكن إدراكه، وإنما الذي يدرك هو الإيجاب والقبول مظنة التراضي. والجماع لا يصلح وصفاً مناسباً لثبوت النسب؛ لأنه أمر خفي، فتعين أن يكون عقد الزواج ـ وهو أمر ظاهر - وصفاً مناسباً لذلك الحكم. ولا يعلل بلوغ الحلم بكمال العقل؛ لأنه أمر خفي، وإنما يعلل بمظنته الظاهرة، وهي بلوغ 15 سنة أو ظهور علامة من علامات الاحتلام، كإنزال المني والحيض. - 73 -","part":1,"page":73},{"id":74,"text":"- أن تكون العلة وصفاً منضبطاً: أي بأن تكون لها حقيقة معينة محددة لا تختلف اختلافاً كبيراً باختلاف الأفراد والأحوال، أما الاختلاف اليسير فلا يؤبه له؛ لأن أساس القياس هو التساوي بين الفرع والأصل في علة الحكم، وهذا التساوي يلزم منه أن تكون العلة مضبوطة محددة لا تختلف باختلاف الحالات، وإلا لم يتأت القياس لعدم التساوي، كالقتل يعد وصفاً مضبوطاً في حرمان القاتل من الميراث، فيقاس عليه الوصية، والاعتداء في بيع الإنسان على بيع أخيه، يعد وصفاً منضبطاً، فيقاس عليه استئجار الشخص على استئجار أخيه، والإسكار وصف محدد في تحريم الخمر، فيقاس عليه كل مسكر، ولا يؤثر تفاوت الأشربة في الشدة والضعف؛ لأن الاختلاف بينها يسير. ولا يصح التعليل بالأوصاف غير المنضبطة أو المضطربة التي تختلف اختلافاً بيناً باختلاف الظروف والأحوال والأفراد، كالمشقة لا تصلح علة لإباحة الفطر في رمضان للمسافر والمريض، لاضطرابها، بل يعلل بالوصف المنضبط وهو السفر أو المرض. 4 ـ أن تكون العلة متعدية وليست وصفاً قاصراً على الأصل: أي أن تكون وصفاً يمكن تحققه في عدة حالات ويوجد في غير الأصل، إذ لو كانت العلة قاصرة على الأصل، لم يصح القياس؛ لأن قصور العلة يمنع تحققها في الفرع، ومبنى القياس هو مشاركة الفرع للأصل في علة الحكم، فإذا لم تتحقق هذه المشاركة لم يصح القياس. فلا يصح تعليل تحريم الخمر بأنها عصير العنب المتخمر؛ لأن هذه العلة لا توجد في غير الخمر، ويصح بالإسكار لوجوده في الخمر وغيرها. ولا يصح أيضاً عند الحنفية، تعليل حرمة الرّبا في الذهب والفضة بأنها أثمان الأشياء؛ لأنها علة قاصرة لا توجد في غيرها. ولا يصح التعليل بالأحكام التي هي من خصائص الرسول، كتزوجه بأكثر من أربع نساء، وتحريم زوجاته على غيره من بعده، فإنه لا يصح القياس عليها. -  VE_","part":1,"page":74},{"id":75,"text":"ويلاحظ أن العلماء اتفقوا على التعليل بالعلة الثابتة بنص أو إجماع ولو كانت قاصرة كالسفر أو المرض لإباحة الفطر في رمضان، أما إذا كانت العلة ثابتة بالاجتهاد والاستنباط فلا يعلل بها عند الحنفية لعدم فائدتها في التعليل من أجل القياس. وأجاز التعليل بها غير الحنفية لفائدة أخرى غير القياس، كتعليل حرمة الربا في الذهب والفضة بالنقدية أو الثمنية، أي أنها أثمان الأشياء. وحينئذ تكون العلة عند الجمهور نوعين: علة متعدية: وهي ما تجاوزت المحل الذي وجدت فيه إلى غيره من المحلات الأخرى. وعلة قاصرة: وهي التي لم تتجاوز المحل الذي وجدت فيه، سواء أكانت منصوصة أم مستنبطة مسالك العلة: مسالك العلة: هي الطرق التي يتوصل بها المجتهد إلى معرفة العلة، وأهمها ما يلي) ما: 1 - النص: أي أن يرد نص من القرآن أو السُّنة على أن وصفاً من الأوصاف علة لحكم شرعي، ويقال لهذه العلة: علة منصوصة، وهي إما أن تكون صريحة أو إيماء أي تلميحاً وإشارة. والعلة الصريحة: أن يشتمل النص على عبارة، مثل لأجل كذا، لسبب كذا، لعلة كذا، ونحوها من ألفاظ التعليل في اللغة، مثل تخصيص الفيء بمن ذكرتهم آية الحشر: (ما أفاء الله عَلى رَسولِهِ مِنْ أَهْل الْقُرى فَلِلهِ وَلِلرَّسول وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى (1) التقرير والتحبير: 190/ 3، شرح العضد على مختصر المنتهى 234/ 20، الإحكام للآمدي: 31/ 3، روضة الناظر، 257/ 2، مرآة الأصول: 314/ 2، ارشاد الفحول: ص 184.  yo -","part":1,"page":75},{"id":76,"text":"وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْلا يَكونَ دولَةً بَيْنَ الأغنياء مِنْكُمْ} [الحشر: 7/ 59]، والعلة هي ألا يكون متداولاً بين الأغنياء فقط دون الفقراء. ومثل قوله تعالى: {رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاً يَكونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةً بَعْدَ الرُّسُل} [النساء: 165/ 4]. وقوله تعالى بعد أن قص نبأ ابني آدم: {مِنْ أجل ذلِكَ كَتَبْنَا عَلى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ في الأَرْضِ، فَكَأَنا قتَلَ النَّاسَ جَميعاً} [المائدة: 32/ 5]. وقوله تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمنا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتِ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160/ 4]. وقوله سبحانه: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحيض} [البقرة: 222/ 2] قل: {هُوَ أَذًى فَاعْتَزلوا النِّساء في المحيض) البقرة: 122/ 2]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي، لأجل الدافة، ألا فادخروا»، أي لأجل التوسعة على جماعة من الناس الأعراب قدمت المدينة في أيام الأضحى. وقال الله في تعليل منع النظر إلى دار الآخرين من غير استئذان: «إنما جعل الاستئذان من أجل البصر». وقال عليه الصلاة والسلام في طهارة سؤر الهرة: إنها من الطوافين عليكم والطوافات ((ويلاحظ أن النص على التعليل إما قاطع إذا استعملت ألفاظ معينة: وهي كي، لأجل، إذن، لعلة كذا، لسبب كذا، لموجب كذا، مما لا يراد به إلا التعليل، وإما نص ظاهر إذا استعملت ألفاظ قد تستعمل للتعليل ولغير التعليل، فتكون دلالة النص على العلة ظنية، وهي اللام، والباء وأن وإنَّ. مثل: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ والإنس إلا لِيَعْبُدون} [الذاريات: 5751]، ومثل: {فَيا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} [آل عمران: 15973]. ومثل أن: (أنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنينَ) [القلم: 14/ 68]، أي لأن كان ذا مال، ومثال إنّ: «إنها من الطوافين عليكم والطوافات والعلة بطريق الإيماء أي الإشارة والتنبيه بواسطة قرينة تدل على ذلك، كالجواب - 76 -","part":1,"page":76},{"id":77,"text":">>> ((: «أعتق عن سؤال، مثل قول النبي الله للأعرابي الذي جامع امرأته في نهار رمضان: «رقبة واقتران الحكم بالوصف وترتيبه عليه، مثل قوله عليه الصلاة والسلام: لا يقضي القاضى وهو غضبان»، وترتيب الحكم على الوصف بفاء التعقيب، مثل قوله تعالى: {وَالسّارق والسّارِقَةُ فَاقْطَعوا أيديها} [المائدة: 28/ 5]، وقوله لاله: من أحيا أرضاً ميتة فهي له»، والتفريق بين أمرين في الحكم بذكر الصفة، مثل للراحل سهم وللفارس سهمان».)) 2 - الإجماع: وهو أن يدل الإجماع على أن وصفاً معيناً هو علة لحكم شرعي، مثل إجماع العلماء على أن علة الولاية المالية على الصغير هو الصغر، فيقاس عليها الولاية في التزويج، وإجماعهم على أن علة تقديم الأخ الشقيق على الأخ لأب في الميراث هي امتزاج النسبين، أي من طريق الأم والأب معاً، فيقدم في ولاية التزويج. - السبر والتقسيم: السبر في اللغة: الاختبار، ومنه المسبار لاختبار الجرح، والتقسيم: حصر الأوصاف التي يظن كونها صالحة للتعليل. والسبر والتقسيم: هو جمع الأوصاف التي يظن كونها علة في الأصل، واختبار كل واحد منها، وترديد العلة بينها في كونها صالحة للعلية أم لا. وعمل المجتهد في هذا الطريق: أنه يبحث في الأوصاف الموجودة في الأصل < ويستبعد ما لا يصلح أن يكون علة منها، ويستبقي ما هو علة بما يترجح في ظنه معتمداً على مدى تحقق شروط العلة، بأن تكون وصفاً ظاهراً منضبطاً متعدياً مناسباً للحكم. وهذا الطريق يعتمد على الاستنباط، وليس بدليل من نص أو إجماع. مثاله: أن يبحث المجتهد عن علة ولاية الإجبار على الزواج للقاصرة غير البالغة، فيرى إما أن تكون العلة هي البكارة أو الصغر، ثم يقول شافعي: لا يصح أن يكون الصغر هو العلة، وإلا لزم أن تكون الثيب الصغيرة مجبرة، وأن الولاية ثابتة عليها لوجود الصغر","part":1,"page":77},{"id":78,"text":"فيها، وهذا مناف للحديث: «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن، وإذنها صماتها»، فتعين أن تكون علة الإجبار هي البكارة لا الصغر، كما أن الزواج لا يحقق حاجة الصغير. ويقول حنفي: تستبعد البكارة لأن الشرع لم يعتبرها للتعليل في حكم ما، ويبقى الصغر؛ لأن الشارع اعتبره علة للولاية على المال. ومثال آخر: أن يقول المجتهد: تحريم الخمر بالنص، إما لكونه من العنب، أو كونه سائلاً، أو كونه مسكراً، ثم يقول: الوصف الأول قاصر غير متعد، والثاني طردي غير مناسب، فبقي الوصف الثالث وهو الإسكار، فيقرر أنه علة و مثال ثالث: أن يبحث المجتهد عن علة تحريم الأموال الربوية، ربا فضل وربا نسيئة في الحديث، فيقول: علة هذا الحكم إما لكون المال الربوي مما يضبط قدره بالكيل أو الوزن، وإما لكونه طعاماً، وإما لكونه مقتاتاً مدخراً بشرط اتحاد الجنس في كل حالة، فيقول حنفي: لا يصلح علة كونه طعاماً، لتحريم أحد النقدين بالآخر وليس طعاماً، ولا يصلح أيضاً كونه قوتاً؛ لأن التحريم ثابت في الملح بالملح، وليس قوتاً، فتعين أن تكون العلة كونه مقدراً، فيقاس على المنصوص عليه كل المقدرات بالكيل أو الوزن، وفي مبادلتها بجنسها يحرم ربا الفضل والنسيئة. . - المناسبة: وهي أن يكون بين الوصف والحكم ملاءمة، حيث يترتب على تشريع الحكم. عنده تحقيق مصلحة شرعية للناس أو دفع مفسدة عنهم. كالإسكار، فإنه وصف ملائم لتحريم الخمر، ولا يلائمه كونه سائلاً أو بلون كذا، أو بطعم كذا، وإنما الإسكار هو الوصف المناسب للتحريم دون غيره والصغر وصف ملائم لثبوت الولاية للأب في تزويج البنت البكر الصغيرة؛ لأنه مظنة العجز عن إدراك المصلحة، وفي ثبوت الولاية دفع للضرر عن العاجز، ودفع الضرر مصلحة مقصودة للشارع ولا يلجأ المجتهد لهذا المسلك إلا عند عدم النص أو الإجماع على أن الوصف علة - 78 -","part":1,"page":78},{"id":79,"text":"أنواع الوصف المناسب: لا تكون المناسبة ذاتها مفيدة للتعليل إلا إذا اعتبرها الشرع أو شهد لها بالملاءمة. والوصف المناسب بالنظر إلى شهادة الشرع بالملاءمة وعدمها أربعة أنواع: الأول - المناسب المؤثر: وهو الوصف المناسب الذي شهد الشرع باعتباره بنص أو إجماع، ويصح التعليل به بالاتفاق. مثل الحيض في قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَن الْمَحِيضِ، قُلْ: هُوَ أَذًى فَاعْتَزلوا النِّساء في الْمَحيض} [البقرة: 222/ 2]، ومثل القتل في الحديث النبوي: «لا يرث القاتل»، والصغر لثبوت الولاية المالية في قوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتامى حتى إذا بلغوا النِّكَاحَ، فَإِنْ آنَسْتَمُ مِنْهُمْ رُشْداً، فَادْفَعوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ} [النساء: 74]. فكل هذه الأوصاف مناسبة؛ لأن الشرع اعتبرها في هذه الأحكام، وهذا أعلى درجات الوصف المناسب الثاني - المناسب الملائم أو المعتبر: وهو الوصف الذي رتب الشارع حكماً عليه ولكن لم يثبت بنص أو إجماع اعتباره بعينه علة لهذا الحكم المرتب عليه، وإنما ثبت كونه علة الجنس الحكم، أو ثبت كون الشارع اعتبر وصفاً من جنسه علة للحكم بعينه، أو علة للحكم بجنسه مثال الوصف الملائم المعتبر الذي اعتبره الشارع بعينه علة لحكم من جنس الحكم الذي يبحث المجتهد عن علته: الصغر لمعرفة علة الولاية للأب في تزويج الصغيرة، وجد المجتهد أن الشرع اعتبر الصغر للولاية على مال الصغيرة، وكل من ولاية المال وولاية التزويج إحدى حالات الولاية على النفس من جنس واحد وهو الولاية، فكأن الشرع لما اعتبر الصغر علة للولاية على مال الصغيرة، اعتبر الصغر علة لكل أنواع الولاية، ومن أنواعها الولاية على التزويج. وهذا اعتبار عين الوصف. ومثال الوصف المناسب الذي اعتبر الشارع وصفاً من جنسه علة للحكم الذي يبحث المجتهد عن علته: المطر لإباحة الجمع بين الصلاتين وقت الإقامة، فإن المجتهد - 79 -","part":1,"page":79},{"id":80,"text":"بحث عن علة هذا الحكم، فوجد أن الشرع أباح الجمع بين الصلاتين حال السفر دفعاً للمشقة، وكل من السفر والمطر داخل تحت جنس واحد، وهو مَظنَّة الحرج والمشقة، فكأن الشرع لما اعتبر السفر علة الجواز الجمع بين الصلاتين، اعتبر كل ما هو من جنسه علة لهذا الجواز، فيكون المطر علة لإباحة الجمع لغير المسافر حال المطر، وهو اعتبار جنس الوصف ومثال اعتبار جنس الوصف لجنس الحكم الذي يبحث المجتهد عن علته: الحيض لإسقاط الصلاة عن الحائض وقت حيضها، فإن المجتهد أخذ يبحث عن علة هذا الإسقاط، فرأى أن الوصف المناسب لذلك هو الحيض، لاشتماله على المشقة التي تنشأ عن التكليف بإعادة الصلوات الكثيرة التي تمضي أثناء الحيض، فأقام الحيض مقام هذه المشقة الناشئة عنه؛ لأنه وصف منضبط ظاهر. ثم بحث عما يؤيد رأيه في فروع الأحكام الشرعية، فوجد أن السفر جعله الشرع علة لقصر الصلاة وجمعها، لما ينشأ عنه المشقة، فكأن الشرع اعتبر كل ما هو مظنَّة الحرج والمشقة علة لكل حكم فيه تخفيف، وكل من إسقاط الصلاة في الحيض وقصر الصلاة وجمعها في السفر داخل تحت جنس واحد هو التيسير ودفع الحرج، فيكون اعتبار السفر المتضمن للمشقة في القصر والجمع شهادة باعتبار جنس هذا الوصف وهو المشقة في جنس الحكم الذي يبحث المجتهد من عن علته الثالث - المناسب المرسل: هو الوصف المناسب الذي لم يشهد له الشرع بالاعتبار ولا بالإلغاء، وإنما هو مناسب أي يحقق مصلحة، لكنه مرسل أي مطلق عن دليل اعتبار ودليل إلغاء. وهذا هو الاستصلاح أو المصلحة المرسلة. كالمصالح التي اعتمد عليها الصحابة في وضع الخراج على الأراضي الزراعية، وضرب النقود، وتدوين القرآن ونحو ذلك من المصالح وهذا مختلف فيه، فإن الحنفية والشافعية قالوا: لا يجوز التعليل به، ولا بناء","part":1,"page":80},{"id":81,"text":"الأحكام عليه؛ لأن الشرع لم يعتبره، فلا دليل عليه، والله تعالى يقول: {وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36/ 17]. وقال المالكية والحنابلة: يصح التعليل به وبناء الأحكام عليه؛ لأن الشرع لم يلغ العمل به، ويكفي للعمل به ما نراه من مناسبته للحكم، ولم نكلف إلا ببذل الجهد لمعرفة مناسبة الوصف، وقد غلب على الظن كون هذا الوصف علة للحكم، ويجب العمل بالظن. الرابع - المناسب الملغي: وهو الوصف الذي يظهر للمجتهد أنه محقق للمصلحة، ولكن ورد من الشرع في فروع الأحكام ما يدل على إلغائه وعدم اعتباره، وهذا لا يصح التعليل به باتفاق العلماء. كاشتراك الابن والبنت في البنوة للمتوفى، يعد وصفاً مناسباً لتساويها في الإرث، ولكن الشرع ألغى اعتبار هذا الوصف في أحكام المواريث، فقال الله تعالى: (يوصيكُمُ اللهُ في أَولادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن) النساء: 1174]. وكاعتبار الزواج وصفاً مناسباً لإعطاء كل من الزوجين حق الطلاق لانعقاد العقد برضا الطرفين، ولكن هذا الوصف ألغاه الشرع بقوله: «إنما الطلاق لمن أخذ بالساق». وكإلزام المفطر الغني في رمضان بصيام شهرين متتابعين،،، دون السماح له بالإعتاق، ليتحقق المقصود من الكفارة بالنسبة إليه وهو الزجر والردع؛ لأن العتق والإطعام سهل عليه، غير أن الشرع ألغى هذا الوصف بإيجاب الكفارة مرتبة على النحو التالي: عتق رقبة، ثم صيام شهرين متتابعين، ثم إطعام ستين مسكيناً، دون تفريق بين المكلفين بسبب الغنى والقدرة على العتق وعدم التضرر ه - تنقيح المناط: وهو اجتهاد في تعيين العلة من بين الأوصاف التي أناط الشارع الحكم بها إذا ثبت ذلك بنص أو إجماع، عن طريق حذف ما لا دخل له في التأثير والاعتبار مما اقترن به من الأوصاف. كتعليل كفارة الفطر في رمضان في حديث الأعرابي الذي واقع امرأته عامداً. دل الحديث بطريق الإيماء على أن علة - 81 -","part":1,"page":81},{"id":82,"text":"إيجاب الكفارة على الأعرابي هي الوقاع، أما الأوصاف الأخرى فوجدها المجتهد لا تأثير لها في الحكم، مثل كون الذي واقع أعرابياً؛ لأن تشريع الأحكام لا تمييز فيها بين فرد وآخر، مالم يقم دليل على الخصوصية، ومثل كون الموطوءة أهلاً وزوجة للواطئ، فإن وطء غير الزوجة أولى بالكفارة، مع كونه حراماً مطلقاً ليلاً ونهاراً، ووطء الزوجة حلال في الليل دون النهار في رمضان، فيكون كل من وصف الأعرابية والأهل ملغياً لا تأثير له في إيجاب الكفارة، وإنما يكون المؤثر في إيجابها هو الجماع عمداً في نهار رمضان، فهو علة وجوب الكفارة عند الشافعية والحنابلة دون ما عداه كالأكل والشرب وقاس الحنفية والمالكية الأكل والشرب على الجماع، فيكون فيها الكفارة، ويكون المؤثر في إيجاب الكفارة عندهم هو انتهاك حرمة رمضان بتناول المفطر عمداً والفرق بين تنقيح المناط وبين السبر والتقسيم: أن الأول حيث يدل نص على مناط الحكم، ولكنه مختلط بغيره غير مهذب ولا مخلص مما لا دخل له في العلية. وأما السبر والتقسيم فيكون حيث لا يوجد نص أصلاً على مناط الحكم، ويراد التوصل به إلى معرفة العلة، لا إلى مجرد تهذيبها عن غيرها. والحقيقة أن تنقيح المناط لا يصلح مسلكاً مستقلاً من مسالك العلة، وهو خاص بالعلل المنصوصة، ولا يوجد في العلل المستنبطة. والفرق بين تنقيح المناط وتحقيق المناط وتخريج المناط: أن تنقيح المناط: هو تعيين السبب الذي أناط الشارع الحكم به من بين الأوصاف المذكورة في النص، بحذف ما لا يصلح من الأوصاف غير المعتبرة. وتحقيق المناط: هو النظر في معرفة وجود العلة في آحاد الصور الفرعية التي يراد قياسها على أصل، سواء أكانت علة الأصل منصوصة أم مستنبطة، كالنظر في تحقق الإسكار الذي هو علة تحريم الخمر في أي نبيذ آخر مصنوع من تمر أو شعير، والتحقق من","part":1,"page":82},{"id":83,"text":"أن النباش) سارق أكفان الموتى (يعد سارقاً لإقامة الحد عليه، والتحقق من أن علة اعتزال النساء فى المحيض وهو الأذى موجود في النفاس. . وأما تخريج المناط: فهو النظر والاجتهاد في استنباط الوصف المناسب للحكم الذي ورد به النص أو الإجماع ليجعل علة للحكم، بأي طريق من طرق مسالك ا العلة، كالمناسبة أو السبر والتقسيم، فهو خاص بالعلل المستنبطة، كاستخراج الطعم أو القوت أو الكيل بالنسبة لتحريم الرّبا بواسطة السبر والتقسيم، والاجتهاد في إثبات كون القتل العمد العدوان علة لوجوب القصاص في الجناية بالآلة المحددة كالسيف والسكين ونحوهما. أقسام القياس: ينقسم القياس إلى قياس أولى وقياس أدنى وقياس مساو، وينقسم أيضاً إلى قياس جلي وقياس خفي. التقسيم الأول - ينقسم القياس بحسب مقدار وضوح العلة وخفائها وتوافرها في الفرع إلى قياس أولى وقياس أدنى وقياس مساو) (1) قياس الأولى: هو أن يكون الفرع فيه أولى بالحكم من الأصل لقوة العلة فيه مثل قياس الضرب على التأفيف بجامع الإيذاء، فالضرب أولى بالتحريم من التأفيف لشدة الإيذاء فيه، فإذا كان قول (أف (منهياً عنه في قوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَهُا [الإسراء: 23/ 17]، فأولى بالنهي عنه الضرب. وهذا عند الشافعية القياس يسمى في معنى الأصل، وعند الحنفية دلالة النص أو مفهوم الموافقة أُفُ وقياس المساوي: هو ما كان الفرع فيه مساوياً للأصل في الحكم من غير ترجيح عليه، مثل قياس إحراق مال اليتيم على أكله، بجامع الإتلاف في كل منهما، فيحرم (1) فواتح الرحموت: 320/ 2، شرح الإسنوي: 33/ 3 - 83 -","part":1,"page":83},{"id":84,"text":"الإحراق كالأكل. وقياس العبد على الأمة في تنصيف العقوبة إذا ارتكب ما يوجب الحد، لقوله تعالى: (فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} [النِّساء: 25/ 4] وقياس الأدنى: هو أن يكون الفرع فيه أضعف في علة الحكم من الأصل، أي أنه، مثل أقل ارتباطاً بالحكم من الأصل، ففي الأصل تكون العلة أقوى وفي الفرع أضعف قياس التفاح على البر بجامع الطعم في كل منهما، لتحريم التفاضل فيها، ومثل إلحاق النبيذ بالخمر في تحريم الشرب وإيجاب الحد. التقسيم الثاني - ينقسم القياس باعتبار القوة والتبادر إلى الذهن إلى قياس جلي وقياس خفي، والمعنى يختلف فيهما عند الشافعية والحنفية والقياس الجلي عند الفريق الأول: وهم الشافعية هو ما كانت العلة فيه منصوصة، أو غير منصوصة ولكن قطع فيه بنفي تأثير الفارق بين الأصل والفرع، مثل قياس الأمة على العبد في سراية العتق من البعض إلى الكل، في حديث: «من أعتق شركاً له في عبد، وكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوّم العبد عليه قيمة عدل» لأن الفارق بينهما هو الذكورة والأنوثة، ولا تأثير لهذا الفارق شرعاً في أحكام العتق ومثل قياس الضرب على التأفيف في التحريم في المثال السابق والقياس الجلي يشمل كلاً من القياس المساوي والقياس الأولوي. والقياس الخفي: هو ما لم يقطع فيه بنفي تأثير الفارق بين الأصل والفرع، إذا كانت العلة فيه مستنبطة من حكم الأصل، مثل قياس القتل بالمثقل كالخشب والحجر، على القتل بالمحدد كالسلاح، بجامع القتل العمد العدوان، لإيجاب القصاص في المثقل فإن الفارق بين المثقل والمحدد لم يقطع بإلغاء تأثيره من الشارع، بل يجوز أن يكون الفارق مؤثراً، لذا لم يوجب أبو حنيفة - رحمه الله - القصاص في القتل بالمثقل. والقياس الخفي لا يشمل إلا قياس الأدنى • • 6","part":1,"page":84},{"id":85,"text":": ومعنى هذين النوعين عند الحنفية يختلف عن المعنى السابق، وهو ما يأتي القياس الجلي: هو القياس الظاهر الذي يتبادر إليه الذهن، وتسبق إليه الأفهام بسبب ظهور العلة فيه والقياس الأدنى: هو الاستحسان وهو القياس الذي خفيت علته لدقتها وبعدها عن الذهن، وهو الواقع في مقابلة القياس الجلى مثاله: الإجارة ثابتة بالاستحسان، ومقتضى القياس عدم جوازها؛ لأنها عقد على شيء معدوم غير موجود عند العقد، وهو المنفعة التي تستوفى شيئاً فشيئاً مع مرور الزمن. وكذلك السلم والاستصناع، كل منهما ثابت بالاستحسان، خلافاً للقياس أو القواعد العامة؛ لأن العقد وارد على معدوم، وبيع المعدوم باطل، لكن جاء الشرع بالنص على جواز السلم، وقيس عليه الاستصناع","part":1,"page":85},{"id":86,"text":"الدليل الخامس - الاستحسان تعريفه، أنواعه، حجيته، آراء العلماء فيه تعريفه: الاستحسان في اللغة؛ عد الشيء حسناً، وفي اصطلاح الأصوليين: هو ترجيح قياس خفي على قياس جلي بدليل، أو استثناء حكم جزئي من أصل كلي أو قاعدة عامة، بناء على دليل خاص يقتضي ذلك، كالحكم بطهارة سؤر سباع الطير والغراب والصقر والحدأة لانقضاضها على الآنية من السماء، والحكم بصحة السلم والاستصناع. والإجارة وعقود الاستثمار (المزارعة والمساقاة والمغارسة (استثناء من حكم بطلان عقد المعدوم. وهذا يدل على تفقه دقيق وتعمق في الرأي وفهم المسائل، وليس ذلك تشريعاً بالعقل والهوى والتشهى؛ لأنه عمل بدليل قوي لا يفطن له إلا بعيد النظر واسع الأفق عميق الفكر. وهو يختلف عن كل من القياس والمصلحة المرسلة؛ لأن القياس كما عرفنا يجري في الوقائع التى لها نظير أو مثيل في النص أو الإجماع، والاستحسان يجري في مسألة لها نظير، ولكنها مستثناة من حكم عام لدليل يوجب ذلك، والمصلحة المرسلة تطبق في واقعة ليس لها نظير في الشرع تقاس عليه، وإنما يثبت فيها الحكم ابتداء، بناء على شبه بمجموعة نصوص، أو الانسجام مع المبادئ الشرعية الكلية أنواعه: ينقسم الاستحسان إلى أنواع بحسب الدليل الذي يثبت به، وهو النص أو الإجماع، أو الضرورة، أو القياس الخفي أو العرف أو المصلحة وغيرها (1): كشف الأسرار: 1122/ 2، مسلم الثبوت: 279/ 2، أصول السرخسي: 203/ 2، التلويح على (1) التوضيح: 82/ 2. 6","part":1,"page":86},{"id":87,"text":"1 - الاستحسان بالنص: أن يرد نص معين يتضمن حكماً لمسألة خلافاً للحكم الكلي الثابت بالدليل العام أو القاعدة العامة. والنص إما من القرآن أو من السنة مثال النص القرآني: الوصية، فإن مقتضى القياس أو القاعدة العامة عدم جوازها؛ لأنها تمليك مضاف إلى زمن زوال الملكية، وهو ما بعد الموت، إلا أنها استثنيت من تلك القاعدة العامة بقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصى بها أَوْ دَيْنٍ} النساء: 12/ 4]. وقول الرجل: مالي صدقة، يقتضي القياس أن يتصدق بكل ماله، ولكن الاستحسان يقضي بأن يراد منه مال الزكاة، لقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً [التوبة: 103/ 9]. ومثال النص النبوي: الحكم ببقاء الصوم مع الأكل أو الشرب ناسياً، مقتضى القياس، أي القاعدة العامة فساد الصوم، لوصول شيء إلى الجوف ينافي مبدأ الإمساك عن المفطرات، ولكن النص حكم ببقاء الصوم، استثناء في قوله: «من أكل أو شرب ناسياً، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه. ((لأنه بيع وجواز عقد السلم (بيع أجل بعاجل): مقتضى الدليل العام أنه لا يجوز؛ لمعدوم، وقد نهى الرسول الله عن بيع ماليس عند الإنسان، ولكنه استثني من ذلك بدليل خاص وهو حديث: «من أسلف في ثمر، فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم» وخيار الشرط يتنافى مع الأصل في العقود وهو اللزوم، ولكنه أجيز بحديث حبان بن منقذ وإعطائه الخيار إلى ثلاثة أيام وبيع العرايا (بيع الرطب الجديد بالتمر القديم في حدود خمسة أوسق أي 653 كغ (لا يجوز لأنه ربا، لكنه أبيح بترخيص النبي صلى الله عليه وسلم، لما فيه من الرفق والتخفيف ورفع الحرج ورعاية الحاجة _  AV -","part":1,"page":87},{"id":88,"text":"2 - الاستحسان بالإجماع: وهو أن يفتي المجتهدون في مسألة على خلاف الأصل في أمثالها، أو أن يسكتوا عن فعل الناس دون إنكار، مثل إجماع العلماء على جواز عقد الاستصناع: وهو التعاقد مع صانع على صناعة شيء مقابل ثمن معين، فمقتضى القياس بطلانه؛ لأن المعقود عليه وقت العقد معدوم، ولكنه أجيز بالإجماع لتعامل الناس به في كل زمن، مراعاة لحاجة الناس إليه. - الاستحسان بالعرف: وهو أن يتعارف الناس شيئاً مخالفاً للقياس أو القاعدة العامة، نزولاً تحت وطأة الحاجة، كإجارة الحمام بأجرة معينة دون تقدير مقدار الماء المستعمل، ومدة المكث في الحمام، فمقتضى القياس عدم الجواز؛ لأنه إجارة مشتملة على جهالة، ولكنه أجيز للحاجة وعدم المضايقة. ومثل وقف المنقول لا يجوز قياساً، لتعرضه للهلاك، والأصل في الموقوف أن يكون مؤبداً، ولكنه أجيز استحساناً للحاجة وتعارف الناس. 4 - الاستحسان بالضرورة: وهو أن توجد ضرورة تحمل المجتهد على ترك القياس والأخذ بمقتضى الضرورة أو الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة عادة، مثل تطهير الآبار والحياض التي تقع فيها نجاسة، فمقتضى القياس ألا تطهر بنزح الماء كله أو بعضه، لاختلاط الباقي بالنابع، وتنجس الدلو بملاقاة الماء، بعودتها المتكررة في البئر: الا أنهم استحسنوا ترك القياس والحكم بطهارتها بنزح مقدار من الماء للضرورة .. ومثل الحكم بطهارة سؤر سباع الطير (الجوارح (كالنسر والصقر والبازي والعقاب والغراب والحدأة؛ لأن هذه الحيوانات تأكل النجاسات بمناقيرها، والمنقار عظم طاهر، ولا يمكن الاحتراز منها وبخاصة لسكان الصحارى، فيختلف حكمها للصرورة عن حكم سباع البهائم (المفترسة (كالأسد والذئب والنمر والفهد، فإنها تشرب بأفواهها، فيختلط لعابها بالماء. والأصح أن هذا المثال للاستحسان بالضرورة، وليس هناك قياسان فيه: جلي وخفي، وإنما هو قياس واحد وهو قياسه على سؤر سباع البهائم","part":1,"page":88},{"id":89,"text":"ه ـ الاستحسان بالقياس الخفي: وهو القائم في مقابلة القياس الجلي، مثل وقف الأراضي الزراعية، تنازعه قياسان: قياس جلي: وهو أن الوقف يشبه البيع للتنازل فيهما عن الملكية، فلا يدخل في الوقف حقوق الارتفاق كحق المرور والطريق والشَّرْب والمسيل إلا بالنص عليها من الواقف كما في البيع. وقياس خفي: وهو أن الوقف يشبه الإجارة لإفادة كل منها حق الانتفاع بالعين، فتدخل حقوق الارتفاق ولو لم ينص الواقف عليها كالإجارة، ويرجح القياس الثاني على القياس الأول؛ لأن المقصود من الوقف هو مجرد الانتفاع، وذلك لا يتحقق إلا بالارتفاقات، فتدخل في وقف الأرض حكماً دون نص عليها. ومثل اختلاف البائع والمشتري في مقدار الثمن، فإن العاقدين يتحالفان استحساناً، والقياس ألا يحلف البائع؛ لأنه يدعي الزيادة، وهي مئة مثلاً، والمشتري ينكرها وأن الثمن تسعون، والبيّنة على من ادَّعى واليمين على من أنكر، فلا يمين على البائع، والاستحسان أن يحلف الاثنان؛ لأن كلاً منها مدع ومنكر، فيتحالفان؛ لأن البائع مدع الزيادة ومنكر حق المشتري في تسلم المبيع، والمشتري منكر الزيادة ومدع حق تسلّم المبيع بعد دفع الثمن وهو تسعون 6 - الاستحسان بالمصلحة: وهو أن توجد مصلحة تقتضي استثناء المسألة من أصل عام أو قاعدة كلية. مثل وصية المحجور عليه لسفه في سبيل الخير، مقتضى القياس أو القاعدة الكلية عدم صحة تبرعات المحجور عليه؛ لأن فيها تبديداً لأمواله، ولكن المصلحة اقتضت الجواز؛ لأن الوصية لا تفيد الملك إلا بعد وفاة المحجور عليه، فاستثنيت من الأصل العام، لتمكينه من تحصيل الثواب، وعدم الإضرار به حال حياته ومثاله أيضاً: دفع الزكاة لبني هاشم، مقتضى القياس ألا يجوز ذلك عملاً بمنع الرسول الله، ولكن أبا حنيفة استحسن في عصره إعطاءهم الزكاة، رعاية لمصالحهم مع الله وحفظاً لهم من الضياع حينما لم يعطوا من بيت المال. - 19 -","part":1,"page":89},{"id":90,"text":"ومثال آخر: تضمين الصناع أو الأجير المشترك، فإن القياس يقضي بعدم التضمين، لأنهم بعقد الإجارة أمناء، والأمين لا يضمن التالف إلا بالتعدي أو التقصير في الحفظ، ولكن الاستحسان يقضي بتضمينهم إلا في الهلاك بقوة قاهرة، منعاً لتهاونهم ومحافظة على أموال الناس المستأجرين ففي هذه الأمثلة استثنيت مصلحة جزئية من حكم كلي بدليل، وهذا ما يسمى اصطلاحاً الاستحسان. حجية الاستحسان وآراء العلماء فيه: اتجه العلماء في الاستحسان اتجاهين، لكنها لم يلتقيا على محل نزاع واحد. فقال الجمهور: الاستحسان حجة شرعية. وقال الشافعية والشيعة والظاهرية: الاستحسان ليس بحجة، قال الإمام الشافعي: من استحسن فقد شرع، أي ابتدع شرعاً من عنده: وأدلة الجمهور هي ما يلي (1) 1 - إن في الأخذ بالاستحسان ترك العسر إلى اليسر، وهو أصل في الدين، قال الله تعالى: {يُريدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُريدُ بكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185/ 2]. 2 - إن ثبوت الاستسحان يعتمد على دليل متفق عليه، وهو إما النص أو الإجماع أو الضرورة أو القياس الخفي أو العرف أو المصلحة كما تقدم. وكل ذلك يقتضي ترجيح القياس الخفي على القياس الجلي، والاستثناء الجزئي من الحكم الكلي، وذلك مقبول شرعاً. وأدلة المنكرين هي: (1) الاعتصام للشاطبي: 137/ 2، روضة الناظر: 407/ 1 (2) الرسالة للشافعي: ص 507، الإحكام لابن حزم: 75986، وملخص إبطال القياس والرأي والاستحسان لابن حزم أيضاً: ص 50. 90","part":1,"page":90},{"id":91,"text":"1 - لا يجوز الحكم إلا بالنص أو بالقياس على النص، لأن في غير ذلك شرعاً بالهوى، والله تعالى يقول: {وأن احْكُمْ بَيْنَهُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: 49/ 5]. 2 - العقل أساس الاستحسان، وفيه يستوي العالم والجاهل، فيجوز لكل إنسان أن يشرع شرعاً جديداً 2 - لم يكن الرسول الله يفتي بالاستحسان، وإنما كان ينتظر الوحي ويلاحظ أن هذه الأدلة تتجه لإنكار التشريع بالهوى، وهذا متفق عليه، وأما حقيقة الاستحسان عند القائلين به وهو العمل بأقوى الدليلين، فلا مجال للخلاف فيه، والعلماء كلهم يأخذون به بين موسع ومضيق، إلا أن الاستحسان في الحقيقة لا يعد مصدراً مستقلاً، وإنما هو عمل راجع للقياس أو المصلحة ونحوهما. - 91 -","part":1,"page":91},{"id":92,"text":"الدليل السادس - المصلحة المرسلة تعريفها، أنواع المصالح، حجيتها، شروط العمل بها. تعريفها: المصلحة المرسلة أي المنفعة المطلقة، وفي اصطلاح الأصوليين: هي الوصف الذي يلائم تصرفات الشرع ومقاصده، ولكن لم يشهد له دليل معين من الشرع بالاعتبار أو الإلغاء، ويحصل من ربط الحكم به جلب مصلحة أو دفع مفسدة عن الناس، كالمصلحة التي رآها الصحابة في جمع المصحف، واتخاذ الدواوين، والسجون، وصك النقود، وإبقاء الأراضي الزراعية التي فتحوها بيد أهلها ووضع الخراج عليها أنواع المصالح المعتبرة: إذا كانت المصالح أساساً لبعض الأحكام الشرعية، ودل دليل على اعتبارها عللاً للأحكام، سميت المصالح المعتبرة شرعاً، وهي ذات مراتب ثلاث: 1 - الضروريات: وهي التي يتوقف عليها حياة الناس الدينية والدنيوية، حيث إذا فقدت اختلت الحياة في الدنيا، وضاع النعيم وحل العقاب في الآخرة، مثل حفظ المقاصد الخمس الكلية الضرورية، وهى حفظ الدين والنفس والعقل والنسب والمال. والأول شرع له الجهاد وقتل المرتدين، والثاني وهو حفظ حياة الناس شرع له القصاص من القاتل العامد، والثالث وهو حفظ العقل شرع له الحد على شارب الخمر، والرابع وهو حفظ النسب شرع له حد الزنا وحد القذف، والأخير شرع له تحريم السرقة وقطع يد السارق. فكل من الاعتداء على الدين والقتل العمد وشرب المسكر والقذف والزنا وصف مناسب يحقق مصلحة، وهو معتبر شرعاً، وهذا هو المناسب المؤثر أو الملائم، على حسب نوع اعتبار الشرع له · 92 -","part":1,"page":92},{"id":93,"text":"- الحاجيات: وهي التي يحتاج الناس إليها لرفع الحرج عنهم فقط، حيث إذا فقدت وقع الناس في الضيق والحرج، دون أن تحتل الحياة، وقد شرع لها الشرع أنواع المعاملات من بيع وشراء وإيجار، وأنواع الرخص من قصر الصلاة وجمعها للمسافر، وإباحة الفطر في رمضان للحامل والمرضع والمريض، وسقوط الصلاة عن الحائض والنفساء، والمسح على الخفين، وتزويج الصغيرة بالكف من قبل وليها. وهذه كلها أوصاف مناسبة للأحكام المقررة لها 3 - التحسينات: وهي المصالح التي يقصد بها الأخذ بمحاسن العادات ومكارم الأخلاق، مثل الطهارات للصلوات، والتزين باللباس والطيب، وتحريم خبائث المطعومات، والأمر بالرفق والإحسان، وصيانة المرأة عن مباشرة عقد زواجها وتزويج الولي لها. وهي أيضاً أوصاف مناسبة لأحكامها المشروعة. أما المصالح التي طرأت بعد انقطاع الوحي، ولم يشرع الشارع لها أحكاماً معينة، ولم يقم دليل على اعتبارها أو إلغائها، فهذه تسمى المناسب المرسل أو المصلحة المرسلة، كاشتراط إثبات الزواج بوثيقة رسمية، وتسجيل عقد البيع العقاري لنقل الملكية حجية المصالح المرسلة: اتجه العلماء في المصالح المرسلة اتجاهين: اتجاه يمنع الأخذ بها وهم الشافعية والشيعة والظاهرية، واتجاه يجيز الأخذ بها وهم المالكية والحنفية والحنابلة أما المنكرون الذين يمنعون الأخذ بها: فلهم أدلة موجزها وجوب الحفاظ على وحدة الشريعة فلا تختلف الأحكام بين جيل وجيل، والحفاظ على قدسية الشريعة، فلا يقال فيها شيء بالأهواء والأغراض والمآرب، ولأن الشرع لم يعتبرها ببعض وجوه الاعتبار). وأجيب عنها بأن تغير وجه الحكم أو المصلحة يقتضي تغير الحكم وهذا أمر (1)) (1) الإحكام للآمدي: 138/ 3، ملخص إبطال القياس والاستحسان لابن حزم: ص ه، شرح الإسنوي: 93 - 165/ 3","part":1,"page":93},{"id":94,"text":"حسن شرعاً، وأن العمل بها عمل بمصلحة راجحة، وليست هي من قبيل التشريع بالهوى؛ لأنه يشترط للعمل بها وجود الملاءمة بينها وبين مقاصد الشرع. واحتج القائلون بها بأدلة كثيرة أهمها ما يأتي: 1 - إن الحياة في تطور مستمر، ومصالح الناس تتجدد وتتغير في كل زمن، فلو لم تشرع الأحكام المناسبة لتلك المصالح، لوقع الناس في حرج، وتعطلت مصالحهم في مختلف الأزمنة والأمكنة، ووقف التشريع عن مسايرة الزمن ومراعاة المصالح والتطورات، وهذا مصادم لمقصد التشريع في مراعاة مصالح الناس وتحقيقها. 2 - قامت أحكام الشريعة على اعتبار المصالح ورعايتها وتحقيقها رحمة بالناس، فقال الله تعالى: {وَما أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلعالَمينَ} [الأنبياء: 107/ 21]، وقال سبحانه: {يُريدُ اللهُ بكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُريدُ بكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185/ 2]. واعتبار جنس المصالح في جملة الأحكام، يوجب ظن اعتبار كل مصلحة من جنس تلك المصالح في تعليل الأحكام؛ لأن العمل بالظن واجب - روعيت المصلحة بنحو أوسع من القياس في اجتهادات الصحابة والتابعين وأئمة الاجتهاد، حتى كان ذلك بمنزلة الإجماع على رعايتها، بدليل جمع أبي بكر القرآن في مصحف واحد من الصحف المتفرقة بإشارة من عمر رضي الله عنه، قائلاً: «إنه والله خير ومصلحة للإسلام»، وحارب أبو بكر مانعي الزكاة، واستخلف من بعده عمر، ولم يسبق في ذلك شيء مماثل يدل على الأخذ به، ولا سند لذلك إلا المصلحة وأبقى عمر الأراضي المفتوحة بيد أهلها تحقيقاً لمصلحة المسلمين العامة، ولم يعط المؤلفة قلوبهم من الزكاة، لعدم الحاجة إلى التأليف بعد أن عزَّ الإسلام، ولم يقم حمد السرقة على اللصوص في عام المجاعة بسبب الحاجة العامة، ودون الدواوين واتخذ السجون، وأمضى الطلاق الثلاث بكلمة واحدة زجراً عن كثرة استعماله، وأمر بقتل","part":1,"page":94},{"id":95,"text":"الجماعة بالواحد سدّاً لذريعة الخلاص من القصاص، وحرم المرأة على من تزوجها في العدة من رجل آخر ودخل بها، زجراً له عن هذا الفعل ومعاملة له بنقيض مقصوده. الله. وكتب عثمان رضي عنه المصحف على حرف واحد، ووزعه في الأمصار، وأحرق ما عداه، وزاد الأذان الأول لصلاة الجمعة، وهو النداء الأول الذي يفعل الآن وحكم بتوريث المرأة من زوجها الذي طلقها ثلاثاً في مرض موته، فراراً من إرثها معاملة له بنقيض مقصوده، وسمي طلاق الفرار. وحرق علي رضي بتضمين الصناع ما يتلف بأيديهم من أموال الناس، محافظة عليها من الضياع، وقال علي: «لا يصلح الناس إلا ذاك الله عنه غلاة الشيعة الروافض الذين ألهوه، وحكم الصحابة 6 6 وحجر الحنفية على الطبيب الجاهل والمفتي الماجن والمكاري المفلس، وأباح المالكية المتهم وتعزيره توصلاً إلى إقراره، وأجاز الحنابلة التصرف في مال الآخرين عند تبس الحاجة وتعذر استئذانه بما يسمى بالفضالة، وأوجبوا بذل المنافع المحتاج إليها مجاناً إذا لم يکن هناك ضرر في بذلها، وأوجب الشافعية وغيرهم القصاص من الجماعة إذا قتلوا واحداً، ونسب جماعة كثيرون للإمام الشافعي الأخذ بالمصالح إذا كانت شبيهة بالمعتبرة. وهذا كله عمل بالمناسب المرسل أو المصلحة المرسلة؛ لأنها مصلحة مجردة ملائمة المصالح أحكام الشريعة، ولا دليل من الشرع على إلغائها. قال الغزالي رحمه الله من الشافعية: « ... وكل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي علم كونه مقصوداً بالكتاب والسنة والإجماع، فليس خارجاً من هذه الأصول، لكنه لا يسمى قياساً، بل مصلحة مرسلة .. و إذا فسرنا المصلحة: بالمحافظة على مقصود الشرع، فلا وجه للخلاف في اتباعها، بل يجب القطع بكونها حجة ((\" (1) (1) المستصفى: 143/ 1","part":1,"page":95},{"id":96,"text":"شروط العمل بها: اشترط القائلون بالمصلحة المرسلة شروطاً ثلاثة للعمل بها: 1 - أن تكون المصلحة ملائمة لمقاصد الشارع: أي ألأتنا في أصلاً من أصوله ولا تعارض نصاً أو دليلاً من أدلته القطعية، بل تكون متفقة مع المصالح التي قصد، الشارع إلى تحصيلها، وبأن تكون من جنسها، وليست غريبة عنها، وإن لم يشهد لها دليل خاص بها. فلا يجوز الإفتاء لأحوال خاصة، كإفتاء غني جامع امرأته بنهار رمضان بإلزامه بصيام شهرين متتابعين أولاً، وعدم السماح له بعتق رقبة، لأن الصيام زاجر له، على عكس الإعتاق، لأن ذلك مخالف للنص في الكفارة 2 - أن تكون معقولة في ذاتها، حقيقية لا وهمية: بأن يتحقق من تشريع الحكم بها جلب نفع أو دفع ضرر. مثال ذلك: إن تسجيل العقود الواردة على العقارات في دائرة السجلات العقارية يقلل حتماً من شهادة الزور، ويحقق استقراراً في المعاملات، فلا مانع من الحكم به شرعاً. وتسعير السلع عند الحاجة يأتي بفائدة محققة منعاً للغبن الزائد في الأثمان، ودفعاً للحرج والضرر عن الناس، وتحقيقاً لمصالحهم 3 - أن تكون مصلحة عامة للناس وليست مصلحة شخصية: لأن الشريعة جاءت للناس كافة، وبناء عليه، لا يصح الأخذ بأي حكم يقصد به رعاية مصلحة شخص بعينه كأمير أو رئيس أو حاشية وأسرة له. ولا يجوز الإفتاء بقتل مسلم واحد تترس به الأعداء في قلعة، متى أمكن حصارهم، ولا يخشى منهم التسلط على بلاد المسلمين. - 17.","part":1,"page":96},{"id":97,"text":"الدليل السابع - العرف تعريفه، الفرق بينه وبين الإجماع، أنواعه، حجيته،، تطبيقاته تعريفه: العرف: هو كل ما اعتاده الناس وساروا عليه من كل فعل شاع بينهم، أو قول تعارفوا إطلاقه على معنى خاص لا تألفه اللغة، ولا يتبادر غيره عند سماعه. وهذا يشمل العرف العملي والعرف القولي. مثال الأول: اعتياد الناس بيع المعاطاة من غير وجود صيغة لفظية، وتعارفهم قسمة المهر في الزواج إلى مقدّم معجل ومؤخر مؤجل، وتعارفهم أكل القمح والأرز ولحم الضأن أو البقر. ومثال العرف القولي: تعارف الناس إطلاق (الولد) على الذكر دون الأنثى، وعدم إطلاق لفظ اللحم على السمك، وإطلاق لفظ الدابة على الفرس فقط والفرق بينه وبين الإجماع: أن الإجماع مبناه اتفاق مجتهدي الأمة، وأما العرف فلا يشترط فيه الاتفاق وإنما يكفي فيه سلوك الأكثرية بما فيهم العوام والخواص، فهو أشبه بالسيرة. أنواعه: العرف بقسميه العملي والقولي إما عرف عام وإما عرف خاص 6 العرف العام: هو ما يتعارفه أغلب أهل البلاد في وقت من الأوقات، كتعارفهم عقد الاستصناع، واستعمال لفظ الحرام بمعنى الطلاق لإنهاء عقد الزواج، ودخول الحمام من غير تقدير مدة المكث فيه. - 97 -","part":1,"page":97},{"id":98,"text":"العرف الخاص: هو ما يتعارفه أهل بلدة أو إقليم أو طائفة معينة من الناس، كإطلاق لفظ (الدابة (في عرف أهل العراق على الفرس خاصة، وجعل دفاتر التجار حجة في إثبات الديون أما بالنظر لمدى إقرار الشرع للعرف وعدم إقراره، فينقسم العرف إلى عرف صحيح وعرف فاسد العرف الصحيح: هو ما تعارفه الناس دون أن يحل حراماً أو يحرم حلالاً، كتعارفهم تقديم عربون في عقد الاستصناع، وتعارفهم أن الزوجة لا تنتقل إلى بيت زوجها إلا بعد قبض جزء من المهر، وأن المهر قسمان: معجل ومؤجل، وأن ما يقدمه الخاطب أثناء الخطبة يعدُّ هدية وليس جزءاً من المهر. العرف الفاسد: هو ما تعارفه الناس ولكنه يحل حراماً أو يحرم حلالاً، كتعارفهم أكل الربا والتعامل مع المصارف الربوية بالفائدة، واختلاط النساء بالرجال في الحفلات العامة، وتقديم المسكرات في الضيافة، والرقص في الأفراح، وترك الصلاة أثناء الاحتفالات العامة حجيته: لا يعمل بالعرف الفاسد المعارضته أدلة الشريعة وأحكامها، ولهذا لا يعد قانوناً أي عرف يخالف الدستور أو النظام العام، فلا يسمح شرعاً بالعقود الربوية أو عقود الغرر، لمصادمتها نصوص الشريعة أما العرف الصحيح فمقبول في التشريع والقضاء والاجتهاد؛ لأنه لا يخالف أحكام الشريعة ولا يصادم أصلاً من أصولها، لذا قال العلماء: «العادة شريعة مُحكمة و الثابت بالعرف ثابت بالنص». >> والدليل على الأخذ بالعرف الصحيح: هو أنه يلائم حاجات الناس، ويدفع الحرج 6","part":1,"page":98},{"id":99,"text":"والمشقة عنهم، وإلا وقع الناس في الضيق والحرج. وقد راعت الشريعة بعض الأعراف العربية التي لا تصادم مبادئها وقواعدها العامة، كإيجاب الدية في القتل الخطأ على العاقلة) الأقارب العصبات)، وتقرير الكفاءة في الزواج، ومراعاة القرابة العصبية في الولاية والإرث. أما الأعراف الفاسدة والضارة فلم تقرها الشريعة، كالربا والميسر ووأد البنات وحرمان النساء من الميراث وليس العرف دليلاً مستقلاً، وإنما هو في الغالب عمل بالمصلحة المرسلة، ويراعى في تفسير النصوص، فيخصص به العام، ويقيد به المطلق، ويترك به القياس أحياناً، ويؤخذ بمقتضاه في مجال الاجتهاد في القضايا المستجدة الطارئة (1) لذا قال الفقهاء: كل ما ورد به الشرع مطلقاً، ولا ضابط له فيه ولا في اللغة، يرجع فيه إلى العرف، كالحرز في السرقة، والتفرق في البيع، والقبض، ووقت الحيض وقدره، وإحياء الموات، والاستيلاء في الغصب ونحو ذلك. تطبيقاته: عمل الفقهاء بمقتضى العرف في مسائل كثيرة (2)، منها إباحة الاستصناع لتعارف الناس إياه، وحاجتهم إليه، مع أنه بيع لشيء معدوم. ويعد متاع البيت (الجهاز) الذي اشتري قبل الزفاف للزوجة، ويدخل العلو في بيع المنزل، وإن لم ينص في العقد على دخول حقوق الارتفاق، عملاً بالعرف الجاري. (1) (1) رسائل ابن عابدين: 116/ 2 وما بعدها، الموافقات للشاطبي: 279/ 2 - 288، الأشباه والنظائر للسيوطي: ص 86، الفروق للقرافي: 283/ 3 رسائل ابن عابدين: 121/ 2 وما بعدها","part":1,"page":99},{"id":100,"text":"ويجوز بيع الثمار والخضار على الأشجار إذا ظهر بعضها دون البعض الآخر كالبطيخ والتين والعنب والباذنجان واليقطين والكوسا (الكوسج) للتعامل به عرفاً للضرورة، مع أن بعضها بيع لمعدوم. ويصح اشتراط إصلاح بعض الآلات الحديثة كالثلاجة والساعة والمذياع والغشانة على حساب البائع مجاناً حين العطب مدة معينة، عملاً بالعرف، مع وجود النهي الشرعي عن بيع وشرط، لعدم إثارة النزاع في شأنه وتكون ألفاظ الواقفين مبنية على عرفهم السائد في زمانهم. وأجاز محمد بن الحسن وقف المنقول مستقلاً عن العقار، عملاً بعرف الناس، مع أن مقتضى الوقف عند الحنفية التأبيد، وهو يلائم العقار فقط","part":1,"page":100},{"id":101,"text":"i  الدليل الثامن - شرع من قبلنا تعريفه، أقسامه، حجيته تعريفه: شرع من قبلنا: هو الأحكام التي شرعها الله تعالى للأمم السابقة عن طريق أنبيائه كإبراهيم وموسى وداود وعيسى عليهم السلام. والكلام فيها ينحصر في أن تلك الأحكام جزء من شريعتنا، وهل نحن مكلفون بها أو لا؟ أقسامه: شرائع الأنبياء السابقين قسمان: القسم الأول: الأحكام التي لم تذكر في شريعتنا في قرآن ولا سنة: وهذه ليست شرعاً لنا بالاتفاق. القسم الثاني: الأحكام التي ذكرت في القرآن أو السنة. وهذه ثلاثة أنواع: الأول: الأحكام التي نسخت من شريعتنا: وهذه ليست شرعاً لنا أيضاً بالاتفاق، مثل المذكور في آية: {وَعَلى الذين هادوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحومها إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُها أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْم، ذلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقون} [الأنعام: 1476]، فتحريم كل ذي ظفر وهو كل ماله مخلب من الطير وحافر من الدواب كالإبل والإوز والبط، وتحريم شحوم البطن المحيطة بالكرش ما عدا السنام والحوايا، أي الأمعاء، نسخ من شرعنا بآية: قُلْ لا أجد فيا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِم يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مسفوحاً أَوْ لَحْم خنزيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ .. } [الأنعام: 145/ 6]. -","part":1,"page":101},{"id":102,"text":"ومثل تحريم الغنائم، أي الأموال المأخوذة من الأعداء بسبب الحرب، فإنها أحلت في شريعتنا بقوله: «أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي». ومثل قتل النفس للتوبة، وقطع الثوب لتطهيره من النجاسة، نسخت عنا الثاني: الأحكام التي أقرت في شريعتنا: وهذه شرع لنا، مثل الصيام، قال الله تعالى: (يا أَيُّها الذينَ آمَنوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 182/ 2]. والأضحية، قال عليه الصلاة والسلام: «ضحوا فإنها سنة أبيكم إبراهيم: الثالث: الأحكام التي قصها الله تعالى علينا في القرآن أو ذكرت على لسان الرسول الله، من غير إنكار ولا إقرار لها، وهذه هى محل الخلاف، مثل آية القصاص في شريعة اليهود: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ، وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ، والأنف بالأنف، والأذن بالأُذُنِ، وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ، وَالْجُروحَ قِصاص) [المائدة: 45/ 5]، ومثل آية قسمة الماء بين النبي صالح عليه السلام وبين قومه: وَنَبِّئُهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ، كُلُّ شِرْبٌ مُحْتَضَرٌ} [القمر: 28754]. حجيته: اختلف العلماء في هذا النوع الأخير على رأيين: فقال جمهور الحنفية والمالكية وبعض الشافعية وأحمد في الرواية الراجحة عنه: إن ما صح من شرع من قبلنا يكون شرعاً لنا، من طريق الوحي لنبينا عليه الصلاة والسلام، لا من جهة كتبهم المبدلة، فيعمل به ويجب على المكلفين اتباعه، كاستدلال الحنفية على جواز قتل المسلم بالذمي والرجل بالمرأة بقوله تعالى: {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) (1) المائدة: 45/ 5].:. كشف الأسرار: 932/ 2، شرح العضد على مختصر المنتهى: 286/ 2، الإبهاج للسبكي: 180/ 2، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 134 .. - 102 -","part":1,"page":102},{"id":103,"text":"وقال الشافعية في الراجح عندهم والأشاعرة والمعتزلة والشيعة: إن شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا استدل الفريق الأول: بأن ذلك الشرع من الشرائع التي أنزلها الله تعالى، ولم يوجد ما يدل على نسخه، وحكاية الله تعالى له دليل على إقراره الضمني له، فيجب العمل به، لقوله تعالى: (أُولئِكَ الَّذينَ هَدى اللهُ فَبهداهُمُ اقْتَدِهِ) [الأنعام: 906]، وقوله سبحانه: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً) [النحل: 123/ 16]، وقوله عزّ وجلَّ: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَى بِهِ نوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنَا بِهِ إِبْراهيمَ وَموسى وعيسى أن أقيموا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقوا فيه} الشورى. [13/ 42: وثبت عن ابن عباس أنه سجد في سورة (ص) عند قراءة قوله تعالى: وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّها فَتَنَاهُ، فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، وَخَرَّ راكعاً وأناب} [ص: 24/ 38]، وقرأ الآية الأولى: {أُولئِكَ الَّذينَ هَدى الله .. } [الأنعام: 106]. واستدل العلماء على وجوب قضاء الصلاة المفروضة بقوله له: «من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها»، ثم قرأ قوله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْري) [طه: 14/ 20]. وهذه الآية خطاب لسيدنا موسى عليه السلام، فلو لم يكن النبي الله مطالباً بشرع قبله، لما كان لتلاوة هذه الآية فائدة. ورجع النبي عليه الصلاة والسلام. إلى التوراة في قصة رجم اليهودي الزاني المحصن. واستدل الفقهاء على جواز قسمة المال المشترك بطريق المهايأة الزمانية (مبادلة الانتفاع بالشيء مدة معينة) بقوله تعالى في شريعة صالح عليه السلام: في وَنَبِّئُهُمْ أَنَّ الماء قئمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شرب مُحْتَضَر) [القمر: 18/ 54]. واستدلوا أيضاً على جواز الجعالة (الوعد بالمكافأة لقاء عمل معين) بقوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام: (وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأنا بِهِ زعيم} يوسف: 72/ 12].","part":1,"page":103},{"id":104,"text":"واحتج الحنابلة على جواز جعل المنفعة مهراً بآية {إِنِّي أُريدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابنتي هاتين عَلى أَنْ تَأْجْرَني ثَانِيَ حِجَج ... [القصص: 2728]، في شريعة شعيب عليه السلام. واستدل الفريق الثاني وهم النفاة بقوله تعالى: (لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً ومنهاجاً) [المائدة: 4875]. أي أنه تعالى جعل لكل أمة شريعة مستقلة بها. وقالوا: إن شريعتنا ناسخة بالإجماع للشرائع السابقة إلا إذا ورد في شرعنا ما يقرره. والجواب: إن شريعتنا ناسخة لما خالفها فقط، أما ما سكتت عنه بدون نسخ فهو تشريع لنا ضمناً؛ لأنه حكم إلهي، ولأن القرآن مصدّق لما بين يديه من التوراة والإنجيل، بدليل بقاء مشروعية القصاص وحدّ الزنى والسرقة ونحوهما. وقد رجح كثير من الكاتبين الرأي الأول، لكني أميل للرأي الثاني؛ لأن تشريع تلك الأحكام السابقة كان بأدلة مستقلة في السنة النبوية أو في القرآن الكريم. ويلاحظ أن شرع من قبلنا ليس دليلاً مستقلاً من أدلة التشريع، وإنما هو عمل بمقتضى القرآن أو السُّنة؛ لأنه يشترط للعمل به أن يقصه الله تعالى علينا أو رسوله عليه الصلاة والسلام من غير إنكار ولا نسخ، فيرجع في الحقيقة إلى القرآن أو السنة.","part":1,"page":104},{"id":105,"text":"الدليل التاسع - مذهب الصحابي المراد به، وآراء العلماء في حجيته المراد بمذهب الصحابي: هو مجموع الآراء الاجتهادية والفتاوى الفقهية الثابتة عن واحد من صحابة الرسول الله. والصحابي عند الأصوليين: هو كل من لقي الرسول مؤمناً به، ولازمه زمناً طويلاً واتفق العلماء على أنه لا خلاف في الأخذ بقول الصحابي فيما لا مجال للرأي أو الاجتهاد فيه؛ لأنه من قبيل الخبر التوقيفي عن صاحب الرسالة عليه الصلاة والسلام. ولا خلاف أيضاً فيما أجمع عليه الصحابة صراحة، أو كان مما لا يعرف له مخالف کتوريث الجدة السدس. ولا خلاف كذلك في أن قول الصحابي المقول اجتهاداً ليس حجة على صحابي آخر؛ لأن الصحابة اختلفوا في كثير من المسائل، ولو كان قول أحدهم حجة على غيره، لما تأتى منهم هذا الخلاف. وإنما الخلاف في فتوى الصحابي بالاجتهاد المحض بالنسبة للتابعي ومن بعده، هل يعتبر حجة شرعية أو لا؟ آراء العلماء في مذهب الصحابي: هناك اتجاهان مشهوران في العمل بقول الصحابة: القول الأول للشافعية وجمهور الأشاعرة والمعتزلة والشيعة: وهو أن مذهب الصحابي ليس بحجة مطلقاً. -1.0_","part":1,"page":105},{"id":106,"text":"والقول الثاني للحنفية والمالكية والحنابلة: وهو أن مذهب الصحابي حجة شرعية 1 استدل الفريق الأول بأن قول الصحابي مجرد رأي فردي اجتهادي صادر من غير معصوم، وكل مجتهد يجوز الخطأ والسهو عليه، ولأن الصحابة كانوا يقرون التابعين على اجتهادهم، وكان للتابعين آراء مخالفة لمذهب الصحابي، فلو كان قول الصحابي حجة على غيره، لما ساغ للتابعي هذا الاجتهاد، ولأنكر عليه الصحابي مخالفته، فهذا الله عنه تحاكم في درع له وجدها مع يهودي إلى قاضيه شريح، فخالف عليّاً علي رضي في ردّ شهادة ابنه الحسن له للقرابة، وكان علي يرى جواز شهادة الابن لأبيه. | وخالف مسروق ابن عباس في النذر بذبح الولد، فأوجب فيه مسروق شاة، وأوجب ابن عباس فيه مئة من الإبل، فقال مسروق: ليس ولده خيراً من إسماعيل فرجع ابن عباس إلى قول مسروق. وكان أنس بن مالك رضي الله عنه إذا سئل عن مسألة يقول: سلوا عنها مولانا الحسن، أي الحسن البصري سيد التابعين عند جماعة. فهذا دليل على أن قول الصحابي ليس بحجة على غيره واستدل الفريق الثاني: بأن الصحابي وإن كان عرضة للخطأ في اجتهاده كغيره من المجتهدين، إلا أن الغالب موافقة قوله للحق والصواب، لكمال علمه باللغة وعدالته وفضله، وكثرة اطلاعه على أسباب نزول الآيات وورود الأحاديث النبوية، ومشاهدة تصرفات النبي الله، والعلم بمقاصد الشريعة، وهذه خصائص له لا يشاركه فيها مجتهد آخر، فيكون قوله راجحاً بالنسبة لبقية المجتهدين، فيعمل به. = (1) مرآة الأصول: 250/ 2، اللمع للشيرازي: إرشاد الفحول للشوكاني: ص 213 ص 0.، المستصفى: 135/ 1، الإحكام للآمدي: 133/ 3:: -1.7.","part":1,"page":106},{"id":107,"text":"والظاهر أن رأي الصحابي يفيدنا في ترجيح اجتهاد على آخر، لكنه لا يعد دليلاً شرعياً يجب العمل به كالكتاب والسنة؛ لأن الحجية تحتاج لدليل صريح من القرآن والسنة، ولا دليل فيهما على اتباع آراء الصحابة، وقد دلَّ الدليل الفعلي كما تقدم على مخالفة التابعين للصحابة في اجتهاداتهم الفردية، ولو كان مذهب الصحابي حجة، الوجب على التابعين اتباعه، ووقوعهم في الإثم والمعصية حال المخالفة. - 107 -","part":1,"page":107},{"id":108,"text":"الدليل العاشر - سد الذرائع تعريفه، الفرق بين الذريعة والمقدمة، أنواع الذرائع، آراء العلماء فيه. تعريف سد الذرائع: الذريعة في اللغة، هي الوسيلة التي يتوصل بها إلى الشيء. وسد الذرائع معناه عند الأصوليين: هو منع كل ما يتوصل به إلى الشيء الممنوع المشتمل على مفسدة أو مضرة. فتكون وسيلة المحرم محرمة، كما أن وسيلة الواجب واجبة. فالفاحشة حرام والنظر إلى عورة الأجنبية حرام لأدائها إلى الفاحشة، كما أن الحج فرض، والسعي إلى البيت الحرام وأماكن المناسك فرض لأجله؛ لأن الشارع إذا كلف العباد أمراً، فكل ما يتعين وسيلة له مطلوب بطلبه، وإذا نهى الناس عن أمر، فكل ما يؤدي إلى الوقوع فيه حرام أيضاً الفرق بين الذريعة والمقدمة: مقدمة الشيء: هي الأمر الذي يتوقف عليه وجود الشيء، فالملحوظ فيها توقف حصول المقصود عليها، ولولاها لما تمكن أحد من تحقيق الهدف المقصود. أما الذريعة: فهي الوسيلة المؤدية إلى الشيء، والملحوظ فيها معنى التوصيل والإفضاء إلى المقصود بالحكم، مثل أساس الجدار المتوقف عليه هو مقدمة، والسلّم الموصلة إلى السطح هي ذريعة. وعلى هذا، يكون قوله تعالى: {وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} [النور: 31/ 24] من باب الذريعة، لا من قبيل المقدمة؛ لأن افتتان الرجل بالمرأة لا يتوقف على الضرب بالرجل، ولكن هذا ذريعة إلى تلك المفسدة؛ لأن من شأنه أن يؤدي إليها","part":1,"page":108},{"id":109,"text":"وكذا قوله تعالى: {وَلا تَسُبّوا الَّذينَ يَدْعُونَ مِنْ دون اللهِ، فَيَسُبّوا اللهَ عَدْواً بغير علم} [الأنعام: 10876] ذريعة، لا مقدمة؛ لأن سب المشركين إله العالمين لا يتوقف حصوله على أن يسب المؤمنون آلهة المشركين وأصنامهم، ولكن هذا السب لتلك الآلهة ذريعة تؤدي إلى سب المشركين الإله الحق أنواع أنواع الذرائع: قسم الشاطي الذرائع باعتبار مالها وما يترتب عليها من ضرر أو مفسدة إلى أربعة: الأول - ما يكون أداؤه إلى المفسدة قطعاً: كحفر البئر خلف باب الدار في الظلام، حيث يقع الداخل فيه حتماً. وهذا ممنوع وتعد يوجب الضمان الثاني - ما يكون أداؤه إلى المفسدة نادراً: كحفر البئر بموضع لا يؤدي غالباً إلى وقوع أحد فيه، وبيع الأغذية التي غالبها لا تضر أحداً، وهذا مأذون فيه؛ لأن الشارع أناط الأحكام بغلبة المصلحة، لا بحسب ندرتها، ولا توجد في العادة مصلحة خالية في الجملة من المفسدة. الثالث - ما يكون أداؤه إلى المفسدة كثيراً لا نادراً، ويغلب على الظن إفضاؤه إلى الفساد، كبيع السلاح إلى أهل الحرب، وبيع العنب إلى الخمار، ونحوهما. وهذا لأن الظن الغالب يلحق بالقطعى، لرجحانه، ولما فيه من التعاون على الإثم والعدوان الرابع - أن يكون أداؤه إلى المفسدة كثيراً، لا غالباً ولا نادراً: كبيوع الآجال وهي البيوع الصحيحة في الظاهر، المتخذة جسراً إلى الرّبا في الحقيقة والباطن، وهي ممنوعة حرام في رأي المالكية والحنابلة؛ لأنها تؤدي إلى الرّبا كثيراً، لا غالباً، ويراعى (1) أعلام الموقعين: 147/ 3 (2) الموافقات: 358/ 2 وما بعدها. - 1.9_","part":1,"page":109},{"id":110,"text":"كثرة وقوع القصد إلى الرّبا فيها، وكثرة المفاسد المترتبة عليها، وقد حرم الشرع كثيراً من الأمور التي تؤدي كثيراً إلى مفاسد، وإن لم تكن غالبة؛ كالنهي عن الانتباذ في الأوعية التي يكثر التخمر فيها كالجرار الخضر، وتحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية، وسفر المرأة وحدها من غير ذي رحم محرم، والنهي عن بناء المساجد على القبور، وعن الصلاة إليها، وعن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وعن خطبة المعتدة ونكاحها، حتى لا تكذب في مضي مدة العدة، وتحريم الطيب والزينة وسائر دواعي الزواج على المرأة في عدة الوفاة، والنهى عن البيع والسلف، وعن هدية المديان، وميراث القاتل، وتحريم صوم يوم العيد وغير ذلك من الذرائع وحكم الشافعي بصحة بيوع الآجال في الظاهر؛ لعدم توافر العلم أو الظن بوقوع المفسدة، إذ ليس هناك إلا احتمال مجرد بين الوقوع وعدمه، ولا قرينة ترجح الجانبين على الآخر، ولأنه لا يصح أن نحمّل عمل العامل وزراً لمفسدة لم يقصدها، ولم يكن مقصراً في الاحتياط لتجنبها؛ لأنها ليست غالبة، وإن كانت كثيرة .. · أحد آراء العلماء في سد الذرائع: سد الذرائع أصل من أصول الفقه عند المالكية والحنابلة. وأخذ به الشافعي وأبو حنيفة في بعض الحالات، وأنكرا العمل به في حالات أخرى (1) استدل القائلون بسد الذرائع بأدلة من القرآن والسنة: أما من القرآن: فقوله تعالى: (يا أيُّها الذين آمنوا لا تقولوا: راعنا وقولوا: انْظُرْنا وَاسْمَعوا} [البقرة: 104/ 2]، وراعنا كلمة سب عند اليهود، اسم فاعل من الرعونة، وقوله سبحانه: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتي كانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْر، إِذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ إِذْ تأتيهم حيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرْعاً، وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ، كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بما كانوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 163/ 7]. (1) الموافقات: 361/ 2، 305/ 3، 198/ 4، أعلام الموقعين: 171/ 3، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 138","part":1,"page":110},{"id":111,"text":"وأما من السُّنة: فقوله: «دع ما يريبك إلى مالا يريبك»، «من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه»، «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل: يا رسول الله، كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه ((وهذا القدر المستدل به من القرآن والسنة متفق عليه واتفق العلماء أيضاً على أنه لا يجوز التعاون على الإثم والعدوان مطلقاً، وأن ما يؤدي إلى إيذاء جماعة المسلمين ممنوع، كحفر الآبار في الطرقات العامة، وإلقاء السم في طعامهم، وأنه لا يجوز سب الأصنام أمام المشركين، حتى لا يكون السب سبباً في سب الله تعالى، لقوله سبحانه: {وَلا تَسُبّوا الَّذينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَيَسُبّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 10876]. واتفقوا أيضاً على أن ما يكون طريقاً للخير والشر، وفي فعله منفعة للناس لا يكون محظوراً، كغرس العنب، فإنه يؤدي إلى صنع الخمر، ولكن لم يكن غرسه لهذا الغرض بأصله، وإنما الانتفاع بغرسه أكبر من حصول الإضرار به، والعبرة للغالب. ومثله أيضاً: المجاورة في البيوت خشية الزنا وموضع. الخلاف. ينحصر كما أبان الشاطبي في الوسائل التي ظاهرها الجواز، إذا قويت التهمة في التوصل بها إلى ممنوع، مثل بيع العينة، أو بيع الأجل، كأن يبيع البائع سلعة إلى أجل بعشرة دراهم، ثم يشتريها من المشتري مرة أخرى في الحال بخمسة نقداً، فيكون الفرق بين السعرين رباً، ويصير البائع مقرضاً خمسة إلى أجل، ثم يسترد القرض عشرة. ولا فرق بين بيع العينة وبيوع الآجال عند الجمهور، وفرق المالكية بينهما، فقالوا: بيوع الآجال: هي بيع المشتري ما اشتراه لبائعه أو لوكيله إلى أجل العينة: أن يقول شخص لآخر: اشتر سلعة بعشرة نقداً، وأنا آخذها منك وبيع باثني عشر لأجل. وهو ممنوع لما فيه من تهمة سلف جر نفعاً - 111 -","part":1,"page":111},{"id":112,"text":": فالمالكية والحنابلة يبطلون هذه البيوع؛ لأن العقد نفسه يحمل الدليل على قصد الرّبا؛ لأن مآل هذا العقد هو بيع خمسة نقداً بعشرة إلى أجل، والسلعة فيما بين ذلك لغو لا معنى لها، فيكون العقد ممنوعاً قياساً على الذرائع المجمع على فسادها ومنعها؛ لأن الأغراض الفاسدة في كل منها هي الباعثة على عقدها. وأبو حنيفة وإن لم يقل بسد الذرائع يمنع هذه البيوع على أساس آخر، وهو أن التصرف في الشيء قبل القبض وقبل تمام التملك فاسد. وأما الشافعي فيصحح هذه البيوع قضاء، ويترك ناحية القصد الباطن إلى الإثم والعقاب الأخروي، أي أن العقد حرام أو مكروه للنهي عنه، لكن النهي فيه لا يبطل العقد، حتى يقوم الدليل على قصد الربا الحرام. ويؤيد الرأي الأول أن النبي الله عنهى عن بيع العينة، وأن السيدة عائشة قالت لزيد بن أرقم الذي تعامل به: لقد أبطل جهاده مع رسول الله إلا أن يتوب - 112.","part":1,"page":112},{"id":113,"text":"الدليل الحادي عشر ـ الاستصحاب تعريفه، أنواعه، آراء العلماء فيه، القواعد الفقهية المبنية عليه. تعريفه: الاستصحاب في اللغة: طلب المصاحبة، وعند الأصوليين: هو الحكم بثبوت أمر أو نفيه في الزمان الحاضر أو المستقبل، بناء على ثبوته أو عدمه في الزمان الماضي: لعدم قيام الدليل على تغييره. فإذا ثبت وجود أمر، وشك في عدمه، حكمنا ببقائه، وإذا ثبت عدم أمر، وشك في وجوده، حكمنا بعدمه. وبناء عليه، إذا أردنا معرفة حكم عقد أو تصرف، ولا نص يدل على حكمه، نحكم بإباحته بناء على أن الأصل في الأشياء الإباحة. وإذا أريد معرفة حكم حيوان أو نبات أو جماد أو طعام أو شراب أو عمل ما، ولا دليل على حكمه في النصوص، يحكم بإباحته؛ لأن الإباحة هي والأصل في الفتاة البكارة، ولا تقبل دعوى الثيوبة إلا ببينة، والأصل في الطائر الصائد عدم التعلم، ولا يثبت العلم إلا ببينة الأصل ودليل كون الأصل في الأشياء الإباحة: قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما في الأرض جميعاً} [البقرة: 29/ 2]، وآيات تسخير ما في الكون للإنسان، ولا يكون التخصيص بالناس والتسخير لهم محققاً لفائدة إلا إذا كان مباحاً لهم. (1) أنواعه: للاستصحاب أنواع، أهمها ما يأتي (1): 1 - استصحاب حكم الإباحة الأصلية للأشياء التي لم يرد دليل على تحريمها: أي أن شرح المحلي على جمع الجوامع: 284/ 2، أعلام الموقعين: 339/ 1، إرشاد الفحول: ص. 209 - 113 -","part":1,"page":113},{"id":114,"text":"i  المقرر عند جمهور الأصوليين بعد ورود الشرع هو أن الأصل في الأشياء النافعة الإباحة، كما أن الأصل في الأشياء الضارة هو الحرمة، دليل الأول: الآية السابقة: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما في الأرض جميعاً} [البقرة: 29/ 2]، وقوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتى أَخْرَجَ لعباده والطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 327]، وقوله سبحانه: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبات} [المائدة: 5/ 5]، والمراد بالطيبات ما تستطيبه الأنفس، وليس المباحات، ودليل كون الأصل في الضار هو الحرمة: قوله: «لا ضرر ولا ضرار» أي لا يجوز الضرر مطلقاً ولا مقابلة الضرر بالضرر. وهذا النوع متفق عليه بين العلماء 1.: 2 - استصحاب العدم الأصلي أو البراءة الأصلية في الأحكام الشرعية: كالحكم ببراءة ذمة الإنسان من التكاليف الشرعية والحقوق المترتبة فيها، حتى يوجد دليل شرعي يدل على التكليف، فإذا ادعى شخص على آخر ديناً، فعليه إقامة الدليل على شغل ذمة المدين بهذا الدين، فإذا لم يستطع إثباته، كانت ذمة المدعى عليه بريئة. وإذا ألزمنا الشرع بخمس صلوات، يكون القول بصلاة سادسة قولاً بخلاف الأصل، فيطلب عليه الدليل. وإذا أوجب الشرع صوم شهر رمضان، يكون القول بوجوب صوم شيء من شوال قولاً بخلاف الأصل، فيطلب عليه الدليل. وإذا ادعى الشريك أن المال لم ينتج ربحاً، قبلت دعواه، استصحاباً للأصل وهو عدم الربح، حتى يثبت الربح بدليل. وإذا اشترى العامل صنفاً من البضائع، فادعى رب المال أنه منعه من شرائه، وأنكر العامل ذلك، صدق العامل في دعواه، استصحاباً للأصل وهو عدم المنع وهذا النوع متفق عليه أيضاً بين العلماء - استصحاب مادل العقل والشرع على ثبوته ودوامه: كثبوت الملك عند وجود سببه وهو العقد، وثبوت الحل بين الزوجين بعد العقد الذي يفيده، وشغل الذمة عند وجود الشاغل حتى تبرأ، وبقاء الوضوء بعد التوضؤ، فلا يؤثر الشك في النقض استصحاباً للطهارة الثابتة. 6 - 118_","part":1,"page":114},{"id":115,"text":"وهذا النوع لا خلاف فيه أيضاً كما ذكر ابن القيم. وقال بعضهم: فيه خلاف، فقال الحنفية: إن الاستصحاب حجة في الدفع لا في الرفع، أي أنه حجة في إبقاء ما كان على ما كان، وليس بحجة لإثبات أمر لم يكن، ولم يأخذ الإمام مالك ببعض حالات هذا النوع، فلم يجز الصلاة مع الشك في الوضوء، ويلزم الطلاق ثلاثاً، لوشك، هل طلق واحدة أو ثلاثاً؟. آراء العلماء فيه أو حجيته: الاستصحاب يعمل به إذا لم يوجد دليل آخر، فهو آخر مدار الفتوى، وهو الحكم على الشيء بما كان ثابتاً له مادام لم يقم دليل يغيره. فيحكم ببقاء حياة الإنسان وتصح تصرفاته حتى يقوم الدليل على وفاته، ويحكم ببقاء الزوجية إذا لم يحدث دليل يدل على انتهائها وللعلماء في حجية الاستصحاب آراء أهمها اثنان: قال متأخر و الحنفية: إن الاستصحاب حجة للدفع والنفي، لا للإثبات والاستحقاق، أي أنه يصلح حجة لدفع ماليس بثابت، لا لإثباته، فهو يصلح لأن يدفع به من ادعى تغير الحال، لإبقاء الأمر على ماكان، فلا يثبت إلا الحقوق السلبية، ولا يصلح لإثبات حق جديد مكتسب. فالاستصحاب البراءة ذمة ليس بحجة لبراءتها حقاً، بل يصلح فقط لمدافعة الخصم الذي يدعي شغل هذه الذمة بدون دليل يثبت دعواه، واستصحاب الملكية الثابتة بعقد سابق ليس حجة لبقاء الملكية، بل حجة لدفع دعوى من يدعي زوال هذه الملكية، دون أن الدليل عليه والخلاصة: إن الاستصحاب عند الحنفية لا يثبت حكماً جديداً، ولكن يستمر به الحكم الثابت بدليله الدال عليه كالعدم الأصلي أو الإباحة الأصلية، أي لإبقاء ما كان على ما كان، لا لإثبات مالم يكن (1) أصول السرخسي: 225/ 2، كشف الأسرار: 1098/ 2. يقيم (1) - 110_","part":1,"page":115},{"id":116,"text":"وقال جمهور المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية والشيعة: الاستصحاب حجة مطلقاً لتقرير الحكم الثابت حتى يقوم الدليل على تغييره، فيصلح للاستحقاق كما يصلح (1) للدفع، أي أنه يثبت الحقين الإيجابي والسلبي، مالم يقم دليل مانع من الاستمرار وتظهر ثمرة الخلاف في حال المفقود: وهو الذي غاب عن بلده ولم يعرفه أثره، ومضى على ذلك زمان، فإنه عند الفريق الأول لا تثبت له حقوق إيجابية كالإرث والوصية من غيره، وإنما يحتفظ فقط بالحقوق السلبية، وهي بقاء ملكيته على ذمته فيما كان له قبل فقده، فلا توزع تركته على الورثة، وتبقى زوجته على عصمته، فتبقى حياته بالنسبة لأمواله وزوجته فقط، حتى يقوم الدليل على وفاته أو يحكم القاضي بوفاته، ولكنه لا يرث من غيره، ولا يثبت له الحق فيما يوصى له به، أي فلا يورث ولا يرث من غيره وأما عند الفريق الثاني فإنه يتلقى حقوقاً من غيره، فيرث من غيره وتثبت له الوصايا، استصحاباً لحياته، وتظل حقوقه السابقة على ملكه، فهم يحكمون ببقاء حياته وبآثارها كلها مدة فقده إلى أن يثبت موته؛ لأن الأصل حياته، فيستصحب الأصل حتى يظهر خلافه، فهو يرث ولا يورث. وقال الحنابلة: يورث ولا يرث بعد مضي أربع سنوات من فقده • ودليل هذا الفريق قيام الإجماع على اعتبار الاستصحاب في كثير من الفروع الفقهية، كبقاء الوضوء والحدث والزوجية والملك، مع وجود الشك في رافعها. (1) القواعد الفقهية المبنية على الاستصحاب: بنى العلماء على الاستصحاب بعض القواعد أو المبادئ الشرعية وهي: 1 - الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت ما يغيره: فالمفقود حي حتى يقوم مختصر ابن الحاجب: ص 217، الإبهاج للسبكي: 111/ 3، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 133 الإحكام لابن حزم: 590/ 5 - 117 -","part":1,"page":116},{"id":117,"text":"الدليل على وفاته، فلا يورث ماله بالاتفاق، ويرث من غيره عند الجمهور، ولا يرث عند الحنفية. 2 - الأصل في الأشياء الإباحة: فيحكم بصحة كل عقد أو تصرف لم يرد في الشرع ما يدل على فساده أو بطلانه، وكل شيء مباح ما لم يدل الشرع على حظره. - الأصل في الذمة البراءة من التكاليف والحقوق: وهذه هي قاعدة استصحاب البراءة، فلا يجوز إثبات شيء في ذمة شخص أو نسبة شيء إلى شخص إلا بدليل. - اليقين لا يزول بالشك: أي لا يرفع حكمه بالتردد، فمن تيقن الوضوء وشك في الحدث، يحكم ببقاء وضوئه عند الجمهور غير المالكية، ومن شك في الطاهر المغير للماء، هل هو قليل أو كثير، يحكم ببقاء الطهورية، ومن أكل آخر الليل وشك في طلوع الفجر، ولم يتبين الأمر، صح صومه؛ لأن الأصل بقاء الليل، والفجر مشكوك فيه، أما لو أكل آخر النهار بلا اجتهاد وشك في غروب الشمس، بطل صومه؛؛ لأن الأصل بقاء النهار، فالنهار متيقن، والغروب مشكوك فيه - 117 -","part":1,"page":117},{"id":119,"text":"الفصل الثاني الأحكام الشرعية الكلام عن الأحكام الشرعية ينقسم إلى أربعة مباحث: الحكم، والحاكم، والمحكوم فيه، والمحكوم عليه المبحث الأول ـ الحكم تعريفه، أقسامه، أنواع كل قسم. تعريف الحكم: الحكم في اللغة: المنع، وعند الأصوليين، هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع. وعند الفقهاء: هو الأثر الذي يقتضيه خطاب الشارع في الفعل، كالوجوب والحرمة والإباحة (1) فقوله تعالى: (أوفوا بالعقود} [المائدة: 75]، هذا النص المتعلق بإيفاء العقود هو نفسه الحكم الشرعي عند الأصوليين، وأثره وهو ما يقتضيه من وجوب الإيفاء بالعقود هو الحكم عند الفقهاء. ومثله {وأقيموا الصَّلاةَ وَآتوا الزكاةَ} [البقرة: 42/ 2]. وقوله سبحانه: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا} [الإسراء: 32/ 17]، المتعلق بالنهي عن الزنا هو الحكم عند الأصوليين، وأثره المترتب عليه وهو حرمة الزنا هو الحكم عند الفقهاء. ومثله: لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْم} [الحجرات: 11/ 49]. (1) التقرير والتحبير: 78/ 2، حاشية البناني على جمع الجوامع: 40/ 1، شرح العضد: 222/ 1، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 58، إرشاد الفحول: ص · - 119 -","part":1,"page":119},{"id":120,"text":"وقوله عز وجل: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقيما حدودَ الله فَلا جُنَاحَ عَلَيْها فيا افْتَدَتْ به} [البقرة: 229/ 2]، المتعلق بأخذ الزوج بدلاً مالياً من زوجته مقابل تطليقها هو الحكم عند الأصوليين، وأثره المترتب عليه وهو إباحة عوض الخلع هو الحكم عند الفقهاء. ومثله: (وإذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادوا) [المائدة: 2/ 5]، النص نفسه هو الحكم الأصولي، وإباحة الصيد للناس بعد التحلل من الإحرام هو الحكم الفقهي وخطاب الله تعالى أو كلامه يشمل المباشر منه وهو القرآن، أو بواسطة وهو السنة والإجماع والقياس وبقية الأدلة، فكل واحد من هذه الأدلة هو الحكم الشرعي عند الأصوليين. فقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يرث القاتل» هذا النص نفسه المتعلق بوضع القتل مانعاً من الميراث هو الحكم الوضعي عند الأصوليين، وأثره المترتب عليه أو الذي يقتضيه وهو الحرمان من الإرث هو الحكم عند الفقهاء. ومثله «لا يقبل الله صلاة من غير طهور» يتضمن جعل الطهارة شرطاً للصلاة والمراد بالاقتضاء: الطلب، سواء أكان طلب الفعل أم طلب الترك، وطلب الفعل إن كان جازماً فهو الإيجاب، وإن كان غير جازم فهو الندب، وطلب الترك إن كان جازماً فهو التحريم، وإلا فهو الكراهة. والمراد بالتخيير: الإباحة، وهو استواء الفعل والترك. فتدخل الأحكام الخمسة التكليفية في التعريف بقيدي الاقتضاء والتخيير. والمراد بالوضع: جعل الشيء سبباً لشيء آخر أو شرطاً له أو مانعاً منه أو صحيحاً أو فاسداً أو عزيمة أو رخصة. وهذه أنواع الحكم الوضعي. فقوله تعالى: (أقم هو الصَّلاةَ لِدلوك الشَّمْس إلى غَسَق الليل} [الإسراء: 78/ 17]، هذا الكلام نفسه من الشارع هو الحكم الأصولي الوضعي، وجعل الدلوك سبباً لوجوب الصلاة وشغل ذمة المكلف بها هو الحكم الفقهي - 120 -","part":1,"page":120},{"id":121,"text":"وهكذا يتبين أن الحكم الأصولي هو النص الشرعي نفسه، والحكم الفقهي هو الأثر الذي يقتضيه النص الشرعي. والمعنى الأول هو الموافق لاصطلاح رجال القضاء المعاصر، فهم يقصدون بالحكم نفس النص الصادر من القاضي، لذا يقولون: منطق الحكم كذا، لكن اصطلاح الفقهاء أولى وأوضح للتفرقة بين النص ذاته وأثره، أو بين الحكم الشرعي ودليله الذي يدل عليه من قرآن أو سنة أو إجماع أو قياس · أقسام الحكم: ينقسم الحكم الشرعي كما تبين من تعريفه قسمين: الحكم التكليفي والحكم الوضعي؛ لأن كلام الشارع المتعلق بأفعال المكلفين إما على سبيل الطلب أو التخيير، أو على سبيل الوضع، فإن كان متعلقاً بفعل المكلف على جهة الطلب أو التخيير، فهو الحكم التكليفي، وإن كان متعلقاً بفعل المكلف على جهة الوضع، فهو الحكم الوضعي. الحكم التكليفي: هو ما اقتضى طلب فعل من المكلف أو كفه عن فعل أو تخييره بين الفعل والكف عنه، مثال طلب الفعل: (وأقيموا الصَّلاةَ} [البقرة: 42/ 2]، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيام} [البقرة: 183/ 2]، {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) التوبة: 103/ 9)، (وَالله عَلى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ. [آل عمران: 97/ 2]، أوفوا بالعقود} [المائدة: 175] ومثال طلب الكف عن الفعل: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمُ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ) [الأنعام: 15176]، {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِير} [المائدة: 3/ 5] لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْم} [الحجرات: 11/ 49]، وَلا تَقْرَبوا الزنا) الإسراء: 32/ 17].، ومثال ما اقتضى تخيير المكلف بين الفعل والترك: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْها فيا افْتَدَتْ به) [النساء: 10174]، {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحَ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) [النساء: 10174]، {وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادوا} [المائدة: 2/ 5]، {فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانتشروا في الأرض} [الجمعة: 10/ 62]. - 121 -","part":1,"page":121},{"id":122,"text":"وسمي هذا النوع حكماً تكليفياً؛ لأنه يتضمن التكليف بفعل أو ترك فعل أو التخيير بينهما، لكن إطلاق التكليف على المباح هو من باب التغليب والحكم الوضعي: هو ما اقتضى وضع شيء سبباً لشيء أو شرطاً له أو مانعاً منه ونحو ذلك مما سيأتي. مثال السبب قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185/ 2]، فرؤية الهلال سبب لوجوب الصوم، وقوله سبحانه: (أقم الصَّلاةَ لدلوك الشَّمْس [الإسراء: 78/ 17]، فدخول الوقت سبب لإيجاب صلاة الظهر، وهذا غير مقدور للمكلف وقوله عز وجل: (إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلى الْمَرافِق} [المائدة: 75]، فإرادة إقامة الصلاة سبب في إيجاب الوضوء. وقوله تعالى: (وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعوا أيْدِيَهَا} [المائدة: 138/ 5]، جعل السرقة سبباً في إيجاب قطع يد السارق، وقول الرسول الله: «من قتل قتيلاً فله سلبه» أي ما يكون مع القتيل من مال وسلاح ومتاع، جعل قتل القتيل سبباً في استحقاق سلبه. وكل هذه أسباب مقدورة للمكلف ومثال الشرط قوله تعالى: {وَاللهِ عَلى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبيلاً} [آل عمران: 97/ 3]، جعل الاستطاعة المالية والبدنية شرطاً لإيجاب الحج، وقوله: «لا يقبل الله صلاة من غير طهور»، جعل الطهارة شرطاً في قبول الصلاة، وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» جعل حضور الولي والشاهدين شرطاً في صحة عقد الزواج. وكل هذه شروط مقدورة للمكلف، وهناك شرط غير مقدور للمكلف، مثل بلوغ الحلم لانتهاء الولاية على النفس، وبلوغ الرشد لنفاذ العقود ومثال المانع المقدور للمكلف: قوله: «لا يرث القاتل» جعل الشارع القتل مانعاً من الميراث، وهو مقدور للمكلف. وغير المقدور كالأبوة فإنها. عند الجمهور غير المالكية مانعة من القصاص بقتل الأب ابنه، - 122 -","part":1,"page":122},{"id":123,"text":"ثلاثة: الفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي: هناك فرق بين القسمين من وجوه الأول - يقصد بالحكم التكليفي طلب فعل من المكلف أو كفه عنه أو تخييره بين الفعل والترك. أما الحكم الوضعي فلا يقصد به التكليف أو التخيير، وإنما يقصد به ارتباط أمر بآخر بجعله سبباً له أو شرطاً له أو مانعاً منه الثاني: المفهوم من طلب الفعل أو الكف عنه أو التخيير بين الأمرين في الحكم التكليفي: أنه لا بد من أن يكون مقدوراً للمكلف وفي الاستطاعة أن يفعله أو يكف عنه حتى يتأتى الامتثال. أما الحكم الوضعي فقد يكون مقدوراً للمكلف وقد لا يكون مقدوراً له، كما تقدم، وكما في الأمثلة التالية، فهناك سبب مقدور للمكلف كصيغ العقود والتصرفات وارتكاب الجرائم، فإن الصيغ سبب لترتب أحكامها، والجرائم سبب لاستحقاق عقوباتها. وغير المقدور للمكلف كالقرابة سبب للإرث، والإرث سبب للملك، ودلوك الشمس) أي الزوال في منتصف النهار (سبب لوجوب الصلاة، وهما غير مقدورين للمكلف والشرط المقدور للمكلف: إحضار شاهدين في عقد الزواج، والطهارة شرط لصحة الصلاة. وغير المقدور للمكلف: بلوغ الحلم شرط لانتهاء الولاية على النفس وبلوغ الرشد شرط لنفاذ التصرفات، وهما غير مقدورين للمكلف 6 والمانع المقدور للمكلف: قتل الوارث مورثه، وغير المقدور للمكلف: الأبوة، فإنها تمنع القصاص بقتل الوالد ولده عند الجمهور، وكون الموصى له وارثاً، وهما غير مقدورين للمكلف الثالث ـ لا يتعلق الحكم التكليفي إلا بالمكلف، وأما الحكم الوضعي فإنه يتعلق بالإنسان، سواء أكان مكلفاً أم غيره كالصبي والمجنون، فإنه يثبت في حقها الحكم الوضعي، كصحة بيع الصبي، وضمان متلفاتها وثبوت الدين في ذمتها. 123","part":1,"page":123},{"id":124,"text":"أنواع الحكم: ينقسم كل من الحكم التكليفي والحكم الوضعي إلى أنواع. أنواع الحكم التكليفي: ينقسم الحكم التكليفي إلى أنواع خمسة؛ لأن طلب الفعل إن كان جازماً فهو الإيجاب، وإن كان غير جازم فهو الندب، وطلب الكف عن الفعل إن كان جازماً فهو التحريم، وإن كان غير جازم فهو الكراهة. وإن كان الخطاب على وجه التخيير فهو الإباحة. فتكون الأمور المطلوب فعلها أو تركها أو التخيير فيها خمسة أنواع، ويكون الفعل المطلوب إيقاعه قسمين: الواجب والمندوب، والمطلوب تركه قسمين: الحرام والمكروه، والفعل المخير فيه بين الفعل والترك هو قسم واحد، وهو المباح 1 - الواجب تعريفه، أقسامه، أحكامه تعريف الواجب: الواجب: هو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلباً حتماً، بأن اقترن طلبه بما يدل على الإلزام به. إما من صيغة الطلب نفسها، أو من قرينة خارجية كترتيب العقوبة على الترك، مثل إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت والوفاء بالعقود. واستفادة الوجوب إما من صيغة الأمر، مثل قوله تعالى: {وأقيموا الصَّلاةَ وَآتوا الزَّكاةَ} [البقرة: 43/ 2]، وإما من المصدر النائب عن فعله مثل قوله تعالى: {فَإذا لَقيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرّقاب} [محمد: 4/ 47]، أو من الفعل المضارع المقترن باللام، كقوله تعالى: {لِيُنْفِقُ ذُوسَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [الطلاق: 7/ 65]، أو من مادة الفعل، مثل قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيام} [البقرة: 183/ 2]، أو من أساليب -  ITE_","part":1,"page":124},{"id":125,"text":"أخرى تدل في اللغة العربية على الطلب الجازم، مثل (على) في قوله تعالى: {وَالهِ عَلى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97/ 2]. وحكم الواجب: أنه يلزم الإتيان به، ويثاب فاعله، ويعاقب تاركه، ويكفر من أنكره إذا ثبت بدليل قطعي. ولا فرق عند الجمهور بين الفرض والواجب، فهما مترادفان، فكل منهما يستوجب 6 تاركه الذم شرعاً. وأما الحنفية فقالوا: الفرض: ما ثبت بدليل قطعي لا شبهة فيه كأركان الإسلام الخمسة التي ثبتت بالقرآن الكريم، أو بالسنة المتواترة أو المشهورة كقراءة القرآن في الصلاة. والواجب: ما ثبت بدليل ظني فيه شبهة، كصدقة الفطر وصلاة الوتر والعيدين، ثبت كل منها بدليل ظنى وهو خبر الواحد وإقامة الصلاة فرض لطلبها بدليل قطعي هو قوله تعالى: {وأقيموا الصَّلاةَ) البقرة: 43/ 2]، وقراءة الفاتحة في الصلاة عند الحنفية واجبة؛ لأنها طلبت بدليل ظني هو حديث «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» لكن الواقع أن هذا الحديث متواتر. أقسام الواجب: للواجب تقسيمات أربعة من نواح مختلفة التقسيم | الأول - باعتبار وقت الأداء: ينقسم الواجب باعتبار وقت أدائه إلى واجب مطلق وواجب مقيد أو مؤقت (2) الواجب المطلق: هو ما طلب الشارع فعله حتماً، ولم يعين وقتاً لأدائه كالكفارات ومنها كفارة اليمين، ليس لفعلها وقت معين، فإما أن يكفر الحانث عقب الحنث مباشرة أو بعد ذلك، وكالحج: واجب على المستطيع دون تحديد عام معين (1) التقرير والتحبير: 80/ 2، كشف الأسرار: 620/ 1 (2) التلويح على التوضيح: 202/ 1 ·، 125 -","part":1,"page":125},{"id":126,"text":"والواجب المقيد أو المؤقت: هو ما طلب الشارع فعله حتماً في وقت معين، كالصلوات الخمس، لكل صلاة منها وقت معين، وكصوم رمضان. ويترتب على هذا التقسيم: أن الواجب المقيد يأثم المكلف بتأخيره عن وقته بغير عذر، والواجب المطلق الذي ليس له وقت معين، يجوز أداؤه في أي وقت شاء وينقسم الواجب المقيد عند الحنفية إلى ثلاثة أنواع: 1 - الواجب الموسع: وهو الذي يكون وقته الذي أقته الشارع له يسعه ويسع غيره من جنسه، مثل وقت صلاة الظهر • - الواجب المضيق: هو الذي يكون وقته المحدد له يسعه وحده ولا يسع من جنسه، مثل شهر رمضان، ويسمى هذا الوقت معياراً. غيره - الواجب ذو الشبهين: هو الذي لا يسع وقته غيره من جهة، ويسع غيره من جهة أخرى، كالحج لا يسع وقته وهو أشهر الحج غيره، من جهة أن المكلف لا يؤدي في العام إلا حجاً واحداً، ويسع غيره من جهة أن مناسك الحج لا تستغرق كل أشهره في قوله تعالى: (الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعلومات} [البقرة: 197/ 2]، وهي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة ويترتب على هذا التقسيم: أن الواجب الموسع يجب تعيينه بالنية، فمن صلى في وقت الظهر أربع ركعات، إن نوى الظهر كان أداء له، وإذا لم ينوه، لم تكن صلاته أداء له. وإن صلاه بعد الوقت المعين كان قضاء، وإن أداه مرة أخرى في الوقت بسبب أداء سابق مختل فهو إعادة والواجب المضيق وقته: لا يجب على المكلف عند الحنفية تعيينه بالنية، فمن نورى في شهر رمضان الصيام مطلقاً، انصرف صيامه إلى الصيام المفروض، ولو نوى التطوع لم يكن صومه تطوعاً، وإنما يقع عن المفروض؛ لأن الشهر لا يسع صوماً غيره 1 126 -","part":1,"page":126},{"id":127,"text":"التقسيم الثاني - باعتبار تقديره من الشارع: ينقسم الواجب من جهة المقدار المطلوب منه إلى محدد وغير محدد. فالواجب المحدد: هو ما عين له الشارع مقداراً معلوماً، فلا تبرأ ذمة المكلف منه إلا إذا أدّاه على الصفة التي عينها الشارع، كالصلوات الخمس والزكاة والديون المالية وأثمان المشتريات، فلا تبرأ ذمة المكلف إلا بأداء الصلوات بعدد ركعاتها، وأداء الزكاة بمقدارها، وثمن المبيع ودين المقرض وأجر المستأجر بالحدود المتفق عليها، وكذا النذر بالشيء الملتزم به وحكم الواجب المحدد: أنه يجب ديناً في الذمة، وتصح المطالبة به من غير توقف على القضاء أو الرضا، ولا تبرأ ذمة المكلف به إلا بأدائه على الوجه المحدد شرعاً والواجب غير المحدد: هو ما لم يعين الشارع مقداره، بل طلبه من المكلفظ بغير تحديد، كالإنفاق في سبيل الله، والتعاون على البر، والتصدق على الفقراء إذا وجب بالنذر، وإطعام الجائع وإغاثة الملهوف، وغير ذلك من الواجبات غير المحددة شرعاً؛ لأن المقصود بها سد الحاجة، وذلك يختلف بحسب الأحوال. ومنه نفقة الزوجة ونفقة القريب لا تجب إلا بالقضاء أو الرضا، ولا يطالب بها إلا بعد ذلك وحكم الواجب غير المحدد: أنه لا يثبت ديناً في الذمة إلا بالقضاء أو الرضا؛ لأن الذمة لا تشغل إلا بشيء معين، حتى يتمكن المكلف من القيام به وإبراء ذمته منه ويترتب على هذه القسمة: أن الواجب المحدد يجب ديناً في الذمة، وتجوز المقاضاة به، وأن الواجب غير المحدد لا يجب ديناً في الذمة، ولا تجوز المقاضاة به؛ لأن الذمة لا تشغل إلا بمعين، والمقاضاة لا تكون إلا بشيء معين المقدار، ولا تجوز المطالبة به عند الحنفية إلا بعد القضاء أو الرضا. التقسيم الثالث للواجب باعتبار الملزم بفعله: ينقسم الواجب باعتبار المطالب بأدائه إلى واجب عيني وواجب كفائي. - 127 -","part":1,"page":127},{"id":128,"text":"الواجب العيني: هو ما طلب الشارع فعله من كل مكلف على حدة، ولا يجزئ قيام مكلف به عن آخر، كالصلاة والزكاة والحج واجتناب المحرمات كالخمر والزنا والميسر والربا. وحكمه: أنه يلزم الإتيان به من كل مكلف، ولا يسقط طلبه بفعل بعض المكلفين دون بعض. لكن تجوز النيابة في الحج عند الجمهور غير المالكية؛ لأنه يفترق عن الصلاة باشتماله على القربة المالية غالباً في الإنفاق في الأسفار. والواجب الكفائي: هو ما طلب الشارع حصوله من مجموع المكلفين، لا من كل فرد على حدة، فإذا قام به البعض، سقط الإثم عن الباقين، كتعلم الصناعات المختلفة وبناء المشافي، والصلاة على الجنائز وردّ السلام، والجهاد، والقضاء والإفتاء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنقاذ الغريق وإطفاء الحريق، وأداء الشهادة .. وحكمه: أنه يجب على المجموع، فإذا فعله واحد من المكلفين سقط الإثم والطلب عن الباقين. وإذا تعين فرد لأداء الواجب الكفائي، صار واجباً عينياً، فلو شاهد الغريق شخص يحسن السباحة، وجب عليه إنقاذه، ولو لم ير الحادثة إلا شخص واحد دعي للشهادة، وجب عليه أداؤها، ولو لم يوجد في البلد إلا طبيب واحد، تعين للإسعاف والاستطباب التقسيم الرابع للواجب باعتبار تعين المطلوب به: ينقسم الواجب باعتبار تعين المطلوب بذاته وعدم تعينه، إلى لاجب معين وواجب مخير والواجب المعين: هو ما طلبه الشارع بعينه من غير تخيير بينه وبين غيره، 6 كالصلاة والصيام ورد المغصوب وأداء الثمن والأجرة. وحكمه: أنه لا تبرأ ذمة المكلف إلا بفعله بعينه - 128 -","part":1,"page":128},{"id":129,"text":"والواجب المخير أو المبهم: هو ما طلبه الشارع مبهاً ضمن أمور معينة، كأحد خصال الكفارة، فإن الواجب فيها على الموسر أحد ثلاثة أمور على التخيير، وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، أما المعسر الذي لم يجد شيئاً من تلك الخصال وعجز عنها، فيصوم ثلاثة أيام وحكمه: أن المكلف يجب عليه فعل واحد فقط من الأمور التي خيره الشارع فيها، فإن لم يفعل أثم واستحق العقاب 2 - المندوب تعريفه، أنواعه تعريف المندوب: الندب لغة: هو الدعاء إلى الفعل، والمندوب عبد الأصوليين: هو ما طلب الشارع فعله من المكلف طلباً غير حتم. ويعرف الندب أو السنة: إما بصيغة الطلب يوم نفسها فتدل على عدم الإلزام، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «من توضأ الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل». أو بصيغة الأمر مع قرينة تدل على عدم الوجوب، مثل قوله تعالى في الأمر بكتابة الدين: (يا أيها الذينَ آمَنوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ فاكتبوه} [البقرة: 282/ 2]، فإنه صرف الأمر عن الإيجاب إلى الندب بقرينة منصوصة في الآية التي تليها: {فَإِنْ أمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُودُ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ) البقرة: 1283/ 2، أي للدائن أن يثق بمدينه من غير كتابة الدين. ومثل قوله تعالى في مكاتبة الأرقاء: فكاتبوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} [النور: 32/ 24]، فإنه صرف الأمر عن الإيجاب إلى الندب بقرينة خارجية هى أن المالك حر التصرف في ملكه. أنواع المندوب: ينقسم المندوب إلى ثلاثة أنواع) (1) مرآة الأصول: 312/ 2، كشف الأسرار: 630/ 1. 6 - 129 -","part":1,"page":129},{"id":130,"text":"1 - مندوب فعله على وجه التأكيد: وهو الفعل الذي لا يستحق تاركه العقاب، ولكن يستحق اللوم والعتاب، مثل الأفعال المكملة للواجبات الدينية، كالصلاة جماعة، والأذان والإقامة، وكل ماكواظب عليه الرسول ولم يتركه إلا نادراً، كالمضمضة والاستنشاق في الوضوء، وقراءة شيء من القرآن في الصلاة بعد الفاتحة. ويسمى هذا النوع: السُّنة المؤكدة أو سنة الهدى. وحكمه: أن فاعله يستحق الثواب، وتاركه لا يستحق العقاب، ولكن يستحق اللوم والعتاب. وإذا كان من الشعائر الدينية كالأذان والجماعة، واتفق أهل البلدة على تركه، وجب قتالهم لاستهانتهم بالسنة 2 - مندوب مشروع فعله: وفاعله يثاب وتاركه لا يعاقب ولا يعاتب، كالأمور التي لم يواظب عليها الرسول ا ا، وإنما فعلها مرة أو أكثر، وتركها، مثل صلاة أربع ركعات قبل صلاة العشاء، وجميع التطوعات كصيام يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع. ويسمى هذا القسم فضلاً أو مستحباً وحكمه: أن فاعله يستحق الثواب، وتاركه لا يستحق اللوم والعتاب. - مندوب زائد: أي من الكماليات للمكلف، كالأمور العادية التي فعلها الرسول لا بحسب العادة، كالاقتداء بأكل الرسول عمل وشربه واتباعه في مشيه ونومه ولبسه ونحو ذلك. ويسمى هذا القسم سنّة زوائد وأدباً وفضيلة؛ لأن هذه الأمور ليست تشريعاً وحكمه: أن تاركه لا يستحق اللوم والعتاب، وفاعله يستحق الثواب إذا قصد بفعله التأسي والاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم","part":1,"page":130},{"id":131,"text":"- الحرام تعريفه، أنواعه تعريف الحرام: الحرام: ما طلب الشارع تركه على وجه الحتم والإلزام). ويعرف طلب الترك على سبيل الحتم إما بمادة الفعل التي تدل على التحريم كلفظ الحرمة أو نفي الحل، مثل قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} [البقرة: 275/ 2]، وقوله سبحانه: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 22/ 4]، وقوله عز وجل: ولا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ ترثوا النِّساء كَرْهاً} [النساء: 174]. وقوله: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه»، أو بصيغة النهي عن الفعل المقترن بما يدل على الحتمية، نحو قوله تعالى: {وَلا تَقْرَبوا الزِّنا} [الإسراء: 22/ 17]، {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ} الإسراء: 21/ 17]، أو بالأمر بالاجتناب مقترناً بما يدل على الحتمية، مثل قوله تعالى: فاجتنبوا الرِّجْسَ مِنَ الأوثان واجتنبوا قَوْلَ الزور) [الحج: 30/ 22]، وقوله سبحانه: (إنما الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ، فَاجْتَنِبُوهُ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحونَ} [المائدا: 90/ 5]، أو بترتيب العقوبة على الفعل، مثل قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلماً، إِنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ ناراً، وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) (النساء: 10/ 4]، {والسارق وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَها) [المائدة: 138/ 5]، {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ، ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثمانينَ جَلْدَةً} [النور: 4/ 24]. أنواعه: ينقسم الحرام إلى نوعين: حرام لذاته، وحرام لغيره (2) 6 (1) المنهاج مع شرح الإسنوي: 60/ 1، المدخل إلى مذهب أحمد ص (2) التلويح على التوضيح: 126/ 2، مرآة الأصول: 394/ 2 131 - 62","part":1,"page":131},{"id":132,"text":"الحرام لذاته: هو ما حكم الشارع بتحريمه ابتداء ومن أول الأمر، وذلك لما اشتمل، عليه من مفسدة راجعة إلى ذاته، كالزنا والسرقة والصلاة بغير طهارة، وأكل الميتة ونكاح المحارم، وشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، وقتل النفس بغير حق، وأكل أموال الناس بالباطل. وحكمه: أنه غير مشروع أصلاً، وإذا فعله المكلف وقع باطلاً، فالزنا مثلاً لا يصلح لثبوت النسب والإرث، وكذا الزواج بالمحارم لا يثبت النسب والإرث، والسرقة لا تصلح سبباً لثبوت الملك، والصلاة بغير طهارة باطلة، وبيع الميتة باطل والباطل لا يترتب عليه حكم.، والحرام لغيره: هو ما يكون مشروعاً في الأصل، واقترن به عارض اقتضي تحريمه، كالصلاة في ثوب مغصوب أو دار مغصوبة، والبيع الذي فيه غش، والبيع وقت النداء لصلاة الجمعة، وصوم يوم العيد، وصوم الوصال، وزواج المحلل، والطلاق البدعي ونحو ذلك مما حرم لعارض، فليس التحريم لذات الفعل، ولكن لأمر خارجي جعل فيه مفسدة أو مضرة. وحكمه: أنه مشروع بأصله وذاته وغير مشروع بوصفه، فهو عند الحنفية يصلح سبباً شرعياً، وتترتب عليه آثاره، فالصلاة في ثوب مغصوب صحيحة ومسقطة للفرض، والمصلي آثم؛ لأنه ارتكب الغصب. والبيع المشتمل على الرّبا أو على شرط فاسد لا باطل، فإذا قبض العوضان، ثبت الملك فيها للعاقدين، لكنه فاسد، بيع ملك خبيث يجب إزالة سبب الفساد فيه، لنهي الشارع عنه والسبب في هذا أن التحريم لعارض لا يقع به خلل في أصل السبب، وإنما في وصفه، ما دامت أركانه متحققة. أما الحرام لذاته فيقع به الخلل في أصل السبب ووصفه، بفقد ركنه أو شرط من شروط انعقاده، فيخرج عن كونه مشروعاً. والأصل: ما يتعلق بركن العقد وهو الصيغة أو بالمعقود عليه، أو بأهلية العاقد والوصف: ما يتعلق بأمر طارئ مكمل للعقد، كجهالة المبيع أو الثمن، أو الصفقتين في صفقة واحدة، أو الزيادة في الأموال الربوية.، - 132 -","part":1,"page":132},{"id":133,"text":"4 ـ المكروه تعريفه، حكمه، اصطلاح الحنفية فيه تعريف المكروه: المكروه: هو ما طلب الشارع تركه، لا على وجه الحتم والإلزام). وتعرف الكراهة إما بمادة الفعل الدال عليها، مثل قوله: «إن الله حرم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعاً وهات (3)، وكره لكم ثلاثاً: قيل وقال (3)، وكثرة السؤال، وإضاعة المال»، وقوله أيضاً: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق»، أو بصيغة النهي المقترن بقرينة تدل على الكراهة، مثل قوله سبحانه: (لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) (المائدة: 101/ 5]، فإنه اقترن بصارف إلى الكراهة، وهو قوله سبحانه: {وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْها حينَ يُنَزَّلُ الْقرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ، عَفَا اللَّهُ عَنْهَا، وَاللَّهُ غَفُورٌ حَليمٌ} [المائدة: 101/ 5]، وقوله: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك،، فإنه صرف إلى الكراهة؛ لأن الأمر نفسه مشتبه فيه، فلا يوصف بالحل والحرمة. وحكم المكروه: أن فاعله لا يستحق العقاب، وقد يستحق اللوم والعتاب اصطلاح الحنفية في المكروه: قال الحنفية: إن المكروه نوعان (4).: ظني (1) 1 - المكروه تحريماً: وهو ما طلب الشارع تركه على وجه الحتم والإلزام بدليل، كأخبار الآحاد، مثل البيع على بيع الآخر، والخطبة على خطبة الآخر، كلاهما المستصفى: 43/ 1، المدخل إلى مذهب أحمد ص 63 (2) أي منع ما أمر الله ألا يمنع، وطلب ما لا يستحق طلبه (3) أي نقل الكلام الذي يسمعه إلى غيره؛ لأنه قد يتضمن الغيبة والنميمة والكذب (4) التقرير والتحبير: 80/ 2. - 133 -","part":1,"page":133},{"id":134,"text":"مكروه للنهي عنها في حديث نبوي احادي النقل. ويختلف المكروه التحريمي عن الحرام في أن الحرام ثبت النهي عنه بدليل قطعي: قرآن أو سنة متواترة أو مشهورة، كالسرقة والرّبا والزّنا وشرب الخمر ولبس الحرير والذهب للرجل، ويكفر منكره. أما المكروه التحريمي فلا يكفر منكره، وكو في الحقيقة إلى الحرام أقرب، كما قال الشيخان: أبو حنيفة وأبو يوسف. 2 - المكروه تنزيهاً: وهو ما طلب الشارع تركه، لا على وجه الحتم والإلزام، كأكل لحوم الخيل للحاجة إليها في الحروب، والوضوء من سؤر الهرة وسباع الطير وترك السنن المؤكدة وغيرها. وحكمه: أن فعله لا يستوجب العقاب ولا الذم، ولكنه يكون خلاف الأولى والأفضل.، وعلى هذا تكون أقسام الحكم التكليفي عند الحنفية سبعة أقسام، وعند الجمهور خمسة أقسام. والراجح مذهب الجمهور. تعريفه، حكمه تعريف المباح: ه - المباح المباح: لغة المعلن والمأذون، وعند الأصوليين: هو ما خير الشارع المكلف فيه بين فعله وتركه (1). وتعريف الإباحة: إما بمادة الحل أو الإباحة، مثل قوله تعالى: {الْيَوْمَ لَكُمُ الطَّيِّبات} [المائدة: 5/ 5]، {وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراء ذلِكُمْ} [النساء: 24/ 4]، أو برفع الإثم أو الجناح أو الحرج، مثل قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقيما حدود الله (1) الإحكام للآمدي. 63/ 1: - 134 -","part":1,"page":134},{"id":135,"text":"فَلا جُناحَ عَلَيْهما فيا افْتَدَتْ بهِ} [البقرة: 2272]، {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساء) [البقرة: 235/ 2)، و لَيْسَ عَلى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلى الأَعْرَج حَرَجٌ وَلا عَلى المَريض حَرَجٌ .. } [الفتح: 17/ 48]. وقد تعرف الإباحة بصيغة الأمر مع القرينة الصارفة له عن الوجوب إلى الإباحة، كقوله تعالى: {وإذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادوا) [المائدة: 2/ 5]، {فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِروا في الأرض) [الجمعة: 1062]، {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187/ 2]. وتعرف الإباحة أحياناً باستصحاب الأصل كما تقدم، إذ الأصل في الأشياء النافعة الإباحة، لقوله تعالى: {هُوَ الَّذي خَلَقَ لَكُمْ ما في الأرض جميعاً) [البقرة: 29/ 2] وحكم المباح: أنه لا ثواب ولا عتاب على فعله أو تركه الحكم الوضعي وأنواعه الحكم الوضعي: هو خطاب الله تعالى الوارد بجعل الشيء سبباً أو شرطاً أو مانعاً أو صحيحاً أو فاسداً أو عزيمة أو رخصة وأنواعه كما يتضح من التعريف سبعة: 1 - السبب: السبب في اللغة: معناه الحبل وما يتوصل به إلى غيره، كما في قوله تعالى: فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلى السَّماء} [الحج: 15/ 22]، وعند الأصوليين: هو وصف ظاهر (1) منضبط دل الدليل السمعي على كونه علامة لحكم شرعي. وقد عرفنا في مبحث القياس أن السبب أعم من العلة، فكل علة سبب، وليس كل سبب علة (1) شرح العضد: 7/ 2، إرشاد الفحول: ص - 135 -","part":1,"page":135},{"id":136,"text":"أنواعه: قد يكون السبب مناسباً للحكم فيسمى علة، مثل السفر سبب لجواز الفطر في رمضان، وهو مناسب ظاهر، لتضمنه المشقة التي تقتضي الترخيص. والإسكار سبب لتحريم الخمر، وهو وصف مناسب؛ لأنه يذهب العقولة ويضيعها. والقتل العمد العدوان سببه مناسب لوجوب القصاص؛ لأنه يمنع الاعتداء على الحياة ويحفظ الأنفس والدماء. وهذا يسمى أيضاً علة. وقد يكون غير مناسب، كدلوك الشمس، هو سبب لوجوب صلاة الظهر، في قوله تعالى: (أقم الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78/ 17]، وعقولنا لا تدرك مناسبة ظاهرة بين السبب والحكم. وشهود شهر رمضان سبب لوجوب الصيام، في قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185/ 2]، وقوله: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته». والعقل لا يدرك مناسبة ظاهرة لتشريع الحكم. وأشهر الحج سبب لوجوب الحج على المستطيع، في قوله تعالى: (الْحَجَّ أَشْهَرُ مَعلومات، فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسوق وَلا جدال في الْحَجِّ} [البقرة: 197/ 2]، ولا ندرك مناسبة معقولة بين السبب والحكم. ويسمى هذا سبباً لا علة وقد يكون السبب سبباً لحكم تكليفي، كما تقدم في الأمثلة السابقة، المناسب وغير المناسب منها، ومثل ملك النصاب الشرعي سبب لإيجاب الزكاة، والسرقة سبب لإيجاب قطع اليد، والمرض سبب لإباحة الفطر في رمضان وقد يكون السبب سبباً لإثبات ملك أو حل أو إزالتها، كالبيع لإثبات الملك وإزالته، والوقف والعتق لإسقاط الملك، والزواج لإثبات الحل، والطلاق لإزالته، والقرابة لاستحقاق الإرث، وإتلاف المال لاستحقاق الضمان على المتلف والسبب إما مقدور للمكلف، كالقتل العمد سبب لإيجاب القصاص، والعقود من بيع وإجارة وزواج أسباب لأحكامها المترتبة عليها، وإما غير مقدور للمكلف، - 136 -","part":1,"page":136},{"id":137,"text":"كدخول الوقت لإيجاب الصلاة، والصغر لثبوت الولاية على الصغير، والقرابة للإرث. وحكم السبب: أنه إذا وجد ترتب عليه مسببه حتماً، سواء أكان مسببه حكماً تكليفياً أم إثبات ملك أو حل أم إزالتها؛ لأن المسبب لا يتخلف عن سببه شرعاً، سواء أقصد من باشر السبب ترتب المسبب عليه أم لم يقصده، فمن سافر ثبت له إباحة الفطر في رمضان، سواء أقصد أم لم يقصد، ومن تزوج وجب عليه المهر ونفقة الزوجة، ومن طلق زوجته ثبت له حق مراجعتها، ولو قال: لا رجعة لي؛ لأن المسبب بترتيب الشارع لا من الإنسان، وتم الربط بين المسبب والمسبب بصنع الله وإرادته. 2 - الشرط: الشرط في اللغة: مصدر بمعنى إلزام الشيء والتزامه، وجمعه شروط، وبتحريك الراء معناه العلامة، وجمعه أشراط، كما قال تعالى: (فَقَدْ جاءَ أَشراطها) محمد: 18747]، أي علامات الساعة. وعند الأصوليين: هو ما يتوقف عليه وجود الحكم من غير إفضاء إليه (1). والقيد الأخير لإخراج السبب، فإنه يفضي إلى المسبب كما عرفنا، لأنه يترتب على وجود السبب وجود المسبب، وعلى عدم السبب عدم المسبب. مثل الطهارة للصلاة، وحولان الحول لوجوب الزكاة، والقدرة على تسليم المبيع لصحة البيع، والزوجية لإيقاع الطلاق، والإحصان لسببية الزنا للرجم والرشد لدفع مال اليتيم إليه، فإذا لم توجد هذه الشروط لم يوجد الحكم، ولكن لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط والشرط يكمل السبب ويحقق أثره المترتب عليه، فعقد البيع سبب لانتقال الملكية (1) المدخل إلى مذهب أحمد: ص 68، إرشاد الفحول: - 137 - ص 6","part":1,"page":137},{"id":138,"text":": إذا توافرت شروطه، وعقد الزواج سبب لحل المتعة إذا تحققت شروطه ومنها حضور الشاهدين، والقتل سبب للقصاص بشرط كونه عمداً عدواناً، أي بغير حق. الفرق بين الركن والشرط: يتوقف وجود الشيء على كل من الركن والشرط، إلا أن الركن عند الحنفية: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء وكان جزءاً من حقيقته، فالركوع ركن في الصلاة؛ لأنه جزء منها، وكذلك القراءة في الصلاة ركن، والإيجاب والقبول ركن العقد؛ لأنه جزء من حقيقته. والشرط: هو ما يتوقف عليه وجود الشيء وكان خارجاً عن حقيقته، فالطهارة شرط في الصلاة، وهي أمر خارج عن الحقيقة، وحضور الشاهدين شرط في الزواج، وتعيين العوضين في البيع شرط، وكلاهما خارج عن العقد. والخلل في الركن يؤدي إلى بطلان العقد، أما الخلل في الشرط أي في وصف العقد الخارج عن حقيقته يؤدي عند الحنفية إلى فساد العقد أنواع الشرط: قد يكون الشرط شرطاً للحكم، كحولان الحول لوجوب الزكاة، والقدرة على التسليم شرط لانعقاد البيع، وقد يكون شرطاً للسبب كالإحصان شرط لسببيه الزنا لوجوب الرجم، وكون القتل عمداً عدواناً لسببية القتل لإيجاب القصاص (1) والشرط إما شرعي وإما جعلي، والشرط الشرعي: هو الذي يكون اشتراطه بحكم الشرع كشروط العقود والعبادات وإقامة الحدود. والشرط الجعلي: هو الذي يكون اشتراطه بتصرف المكلف وإرادته، كشروط الواقف والواهب والموصي، وشروط الزوج لإيقاع الطلاق على زوجته، وشرط أحد العاقدين في البيع على الآخر، كأن يبيعه منزلاً على أن يسكنه شهراً أو أكثر. (1) مرآة الأصول: 421/ 2 138 -","part":1,"page":138},{"id":139,"text":"والشرط الجعلي المقبول: هو ما كان غير مناف حكم العقد، فإذا تنافى مع حكم العقد، بطل العقد، وبناء عليه، يبطل البيع أو الزواج المعلق على شرط أو المضاف إلى وقت في المستقبل، مثل إن نجحت بعتك الكتاب، وإن توظفت يا فلانة تزوجتك، فلا يصح العقد؛ لأن حكمه لا يتراخى عنه، ولأن هذا الشرط ينافي مقتضى العقد. وهذا هو الشرط المعلّق والشرط المضاف للمستقبل. فإن لم يتناف الشرط مع مقتضى العقد، صح وعدل آثار العقد، كأن يبيع المنزل لآخر على أن يسكنه سنة، أو يتزوج امرأة على أن يقيم معها في منزل أبيها. وهذا هو الشرط المقيد المقترن بالعقد الذي يحقق منفعة لأحد العاقدين وهكذا إذا اعتبر الشرع الشرط الجعلي، صار كالشرط الشرعي، وإذا لم يعتبره الشرع بطل ولا يعتبر مثله - المانع: (1) المانع: هو ما يلزم من وجوده عدم الحكم أو بطلان السبب). فيكون المانع نوعين: مانعاً للحكم ومانعاً للسبب) (2)، مع ومانع الحكم: هو الأمر الذي يترتب على وجوده عدم ترتب الحكم على سببه، تحقق السبب، كالشبهة المانعة من إقامة الحد، والأبوة المانعة من القصاص عند الجمهور غير المالكية، واختلاف الدين المانع من الإرث ومانع السبب: هو الأمر الذي يلزم من وجوده عدم تحقق السبب، كالدين فإنه مانع من وجوب الزكاة عند الجمهور غير الشافعية؛ لكونه مانعاً من تحقق السبب وهو ملك النصاب؛ لأن ما يقابل الدين ليس مملوكاً للمدين على الحقيقة، نظراً لتعلق حقوق الدائنين به. وحرية المعقود عليه وهو الإنسان الحر مانعة من تحقق سبب الملك وهو البيع، ويكون البيع باطلاً (1) إرشاد الفحول: ص 6. (2) شرح العضد: 7/ 2، المدخل إلى مذهب أحمد 69، شرح جمع الجوامع: 74/ 1. ص","part":1,"page":139},{"id":140,"text":"4، 5 - الصحيح والباطل: الصحيح: هو ما استوفى أركان الشيء وشروطه الشرعية وترتبت عليه آثاره الشرعية. فالصحيح من العبادات عند الفقهاء: أن يقع الفعل على وجه يسقط القضاء، فمن صلى على ظن الطهارة، كانت صلاته فاسدة لعدم سقوط القضاء. والصحيح من المعاملات: ما ترتب عليه أثره الشرعي، أي ما شرع له، كحل الانتفاع في البيع، والاستمتاع في الزواج. . وغير الصحيح: هو ما صدر من أفعال المكلفين غير مستوف أركانه وشروطه على الكيفية المطلوبة، ولم تترتب عليه آثاره الشرعية. وهذا يسمى عند الجمهور الباطل والفاسد، فهما بمعنى واحد عندهم، سواء في العبادات والمعاملات، فالصلاة الباطلة كالصلاة الفاسدة، لا تسقط الواجب ولا تبرئ الذمة، والبيع الباطل كالبيع الفاسد لا يؤدي إلى نقل الملكية في البدلين، ولا يترتب عليه حكم شرعي (1) وقال الحنفية: لا فرق بين الباطل والفاسد في العبادات، فهي إما صحيحة أو غير صحيحة، ولا في الزواج، فالزواج الباطل كالزواج الفاسد لا يفيد حل المتعة ولا يترتب عليه أثره، وأما في العقود والتصرفات أي في المعاملات المدنية فالعقد إما صحيح أو باطل أو فاسد (2) والباطل: هو الذي يكون الخلل فيه في أصل العقد وأساسه، بأن كان في الصيغة أو العاقدين أو المعقود عليه، ولا يترتب عليه أثر شرعي، كأن يصدر البيع من مجنون صبي لا يعقل (غير مميز) أو يكون بيعاً لمعدوم، أو زواجاً بإحدى المحارم. أو (1) الإحكام للآمدي: 67/ 1 - 68، كشف الأسرار: 258/ 1، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب 8/ 2، المدخل إلى مذهب أحمد ص.79 (2) مرآة الأصول: 289/ 2 140.","part":1,"page":140},{"id":141,"text":"والفاسد: هو ما كان الخلل فيه في وصف من أوصاف العقد، بأن كان في ناحية فرعية متممة له، أي في شرط من شروطه الخارجة عن ماهيته وأركانه، ويترتب عليه بعض الآثار إذا توافرت أركان التصرف وأموره الأساسية، كالبيع بثمن مجهول أو المقترن بشرط فاسد، والزواج بغير شهود، وتترتب على الفاسد عند الحنفية بعض الآثار، فتنتقل الملكية الخبيثة بالقبض في البيع الفاسد، ويجب المهر والعدة في الزواج الفاسد، ويثبت فيه النسب بالدخول. 6، 7 - العزيمة والرخصة: (1) العزيمة عند الأصوليين: هي ما شرع من الأحكام الكلية ابتداء لتكون قانوناً عاماً لكل المكلفين في جميع الأحوال، كالصلاة والزكاة والحج وسائر شعائر الإسلام. وهي إما واجبة أو مندوبة أو حرام أو مكروهة أو مباحة. ويدخل تحت العزيمة: ما دعت المصلحة العامة إلى تشريعه من أول الأمر، كالبيع والإجارة والمضاربة والقصاص. ولا تطلق العزيمة عادة إلا عند وجود رخصة في مقابلها. والرخصة عند الأصوليين: هي ما شرع من الأحكام لعذر شاق بقصد رعاية حاجة الناس، أو للتخفيف على المكلف في حالات خاصة، مع بقاء السبب الموجب للحكم الأصلي (3). والعذر: كالاضطرار ومشقة السفر، والحاجة إلى ثمن الغلات قبل إدراكها، وإباحة ترك الجماعة في الصلاة لمرض أو نحوه. وأمثلة الرخصة: التلفظ بالكفر عند الإكراه، والأكل من الميتة عند الضرورة، فالعذر في الأول: هو الإكراه، وفي الثاني: هو ضرورة حفظ النفس، مع بقاء. الحكم الأصلي، وهو في الأول: وجوب الإيمان وحرمة الكفر، وفي الثاني: هو ضرر الميتة. أما إذا لم يبق وجود أدلة (1) (2) سبب معنى شرعيتها ابتداء: أنها لم تسبق في شريعتنا بأحكام أخرى في موضوعها. (2) كشف الأسرار: 618/ 1، شرح العضد: 8/ 2، شرح الإسنوي: 91/ 1، روضة الناظر: 171/ 1 وما بعدها. - 141 -","part":1,"page":141},{"id":142,"text":"السبب الموجب للحكم الأصلي، كإباحة ترك المسلم الثبات أمام عشرة من الكفار، بعد أن كان ممنوعاً، فلا يسمى رخصة؛ لأن الحكم الأصلي وهو وجوب الثبات للعشرة قد زال سببه، وهو قلة المسلمين، وحين أبيح لهم ترك هذا الثبات، لم يكونوا قلة، وإنما كانوا كثرة أنواع الرخصة: قسم الحنفية الرخصة إلى أربعة أنواع (3):: اً - إباحة الفعل المحرم عند الضرورة أو الحاجة: كالتلفظ بالكفر عند الإكراه على القتل أو قطع عضو، مع اطمئنان القلب بالإيمان، لقوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إيمانِه إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بالإيمان} [النحل: 10716]، وكالإفطار في رمضان عند الإكراه، وإتلاف مال غيره عند الإكراه، وحل الأكل من الميتة عند الجوع الشديد، وإباحة شرب الخمر عند الظمأ الشديد، وإباحة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الخوف على النفس من حاكم ظالم، وحكمه الجواز إلا إذا خاف الشخص هلاك نفسه أو ذهاب عضو من أعضائه، فيصبح العمل بالرخصة جينئذ واجباً، لقوله تعالى: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195/ 2]. لكن الأخذ بالعزيمة أولى في حال الإكراه على الكفر، كما أبان النبي في إقرار صحابي مجاملة مسيلمة الكذاب وموافقته على زعمه بأنه نبي، قائلاً: «صدع بالحق فهنيئاً له»، لكن يلاحظ أن هناك أموراً ثلاثة لا تحل بذاتها بحال، وإن كان يرخص ببعض أحوالها، وهي الكفر والقتل والزنا الكفر والقتل والزّنا، يرخص بالنطق بالكفر، لكن الكفر في ذاته لا يحل أبداً وكذا الباقي. - إباحة ترك الواجب إذا كان في فعله مشقة تلحق المكلف: كإباحة الفطر في (2) فواتح الرحموت: ب / 116 وما بعدها، التقرير والتحبير: 146/ 2 - 142 -","part":1,"page":142},{"id":143,"text":"رمضان للمسافر والمريض، لقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184/ 2]. 3 - إباحة العقود والتصرفات التي يحتاج إليها الناس مع مخالفتها للقواعد المقررة، كعقد السلم، فإنه بيع لمعدوم، وبيع المعدوم باطل، ولكن الشرع أجازه لحاجة الناس إليه. ومثله عقد الاستصناع. 4 - رفع الأحكام الشاقة التي كانت مشروعة في الشرائع السابقة، والتخفيف فيها عن الأمة الإسلامية، كاشتراط قتل النفس للتوبة من العصيان، وتطهير الثوب بقطع موضع النجاسة، وإيجاب ربع المال في الزكاة، وبطلان الصلاة في غير موضع العبادة المخصوص. والخلاصة: أن الرخصة عند الحنفية، إما مباح أو واجب، وقسموا الرخصة أيضاً إلى رخصة ترفيه، ورخصة إسقاط ورخصة الترفيه: يكون حكم العزيمة معها باقياً ودليله قائماً، ولكن رخص في ترکه تخفيفاً عن المكلف، كما بينا في النوع الأول كالتلفظ بالكفر عند الإكراه، وإتلاف مال غيره أو الفطر في رمضان عند الإكراه. ورخصة الإسقاط: لا يكون حكم العزيمة معها باقياً، كإباحة أكل الميتة أو شرب الخمر عند الجوع الشديد أو الظمأ الشديد، فإن حرمة الأكل أو الشرب سقطت حال الاضطرار. والظاهر أن لا معنى لهذه التفرقة؛ لأن النصوص الشرعية لم تفرق بين حال الإكراه وحال الاضطرار؛ لأن الإكراه نوع من الاضطرار، وفي الحالتين أبيح المحظور للضرورة. وإن كل الرخص شرعت للترفيه والتخفيف مع بقاء حكم الحظر ودليله، كل ما في الأمر أنه لا إثم في فعل المحظور. وكون الرخصة من أنواع الحكم الوضعي واضح؛ لأن الضرورة سبب في إباحة الحظر، وطروء العذر سبب في التخفيف بترك الواجب، ودفع الحرج سبب في تصحيح 143 - بعض العقود.! 1","part":1,"page":143},{"id":144,"text":"المبحث الثاني - الحاكم الحاكم في الشريعة: هو الله عز وجل باتفاق العلماء، سواء عرف حكمه بالوحى أو بالاجتهاد، ولهذا قالوا: الحكم: هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين ودليل ذلك قوله تعالى: وإِنِ الْحُكْمُ إلا للهِ، يَقُصُّ الْحَقِّ، وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} [الأنعام: 576].، وإنما الخلاف بين العلماء فيا يعرف به حكم الله، فهل لا بد لذلك من الشرع، أو إن العقل يمكنه إدراك الأحكام قبل بعثة النَّبي؟ وهذا هو موضوع التحسين والتقبيح العقلي للعلماء في هذا ثلاثة مذاهب (1): الأول - مذهب الأشاعرة أتباع أبي الحسن الأشعري (324 هـ): وهو أن الحسن والقبح شرعيان، وليس للعقل أن يدرك حكم الله في أفعال المكلفين إلا بواسطة الكتب والرسل؛ لأن العقول تختلف اختلافاً بيناً في الأفعال، فبعض العقول يستحسن بعض الأفعال وبعضها يستقبحها. ولذا يكون كل ما أمر به الشرع كالإيمان والصلاة والحج هو حسن، وما نهى عنه كالكفر وغيره من المحرمات هو قبيح، ولا يقال: ما رأه العقل حسناً فهو عند الله حسن، ومطلوب فعله، ويثاب عليه فاعله، وما رآه العقل قبيحاً فهو عند الله قبيح، ومطلوب تركه، ويعاقب فاعله وبناء عليه، لا يكلف الإنسان بفعل شيء أو ترك شيء إلا إذا بلغته دعوة رسول وشرع من الله، ولا ثواب ولا عقاب، فمن عاش في عزلة تامة عن العالم ولم تبلغه دعوة (1) التلويح على التوضيح: 172/ 1، شرح العضد: 200/ 1، شرح الإسنوي: 66/ 1، المدخل إلى مذهب أحمد ص 136، إرشاد الفحول: ص 6 - 144 -","part":1,"page":144},{"id":145,"text":"رسول ولا شرع، فهو ناج غير مكلف، وأهل الفترة: وهم الذين عاشوا بين فترتي رسولين ناجون غير مكلفين بشيء، ولا يستحقون ثواباً ولا عقاباً؛ لقوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسولاً} [الإسراء: 15/ 17]. الثاني - مذهب المعتزلة أتباع واصل بن عطاء (131 هـ) وعمرو بن عبيد (144 هـ): وهو أن الحسن والقبح عقليان، فيمكن للعقل أن يعرف حكم الله في أفعال المكلفين بنفسه من غير وساطة رسول وكتاب، بناء على ما يوجد فى الأفعال من صفات تفع أو ضرر، وما رآه العقل حسناً فهو مطلوب الله ويثاب فاعله، وما رأه العقل قبيحاً فهو واجب الترك ويعاقب فاعله أئمة وبناء عليه، كل من لم تبلغهم دعوة الرسل وشرائع الله، هم مكلفون بما ترشده إليه عقولهم، فيفعلون ما تستحسنه عقولهم، ويتركون ما تستقبحه عقولهم؛ لأن كل عاقل يدرك حسن الصدق والوفاء والأمانة وشكر النعمة، ويدرك قبح الكذب والغدر والخيانة وكفر النعمة. الثالث - مذهب الماتريدية أتباع أبي منصور الماتريدي (333 هـ) ومنهم) الحنفية: وهو أن الحسن والقبح عقليان لا يتوقفان على الشرع، بل يدركها العقل،. بناء على ما في الأفعال من خواص وآثار، فما رأه العقل السليم حسناً فهو حسن، وما رأه العقل السليم قبيحاً فهو قبيح، ولكن لا يلزم أن تكون أحكام الله في أفعال المكلفين على وفق ما تدركه عقولنا في حسن أو قبح؛ لأن العقول قد تخطئ. وهذا هو المذهب الوسط والمعقول والمعتدل، فأصول الأخلاق والفضائل يدرك العقل حسنها لما فيها من نفع، وأصول الرذائل يدرك العقل قبحها لما فيها من ضرر. شيء فعلاً وبناء عليه، لا تعد ذمة العبد قبل ورود الشريعة مشغولة بطلب أو تركاً، ولا جزاء من الله مطلقاً قبل ورود الشرائع، وإن اتفقوا مع المعتزلة في أن العقول صالحة لإدراك مناط الثواب أو العقاب في بعض الأفعال. _180_","part":1,"page":145},{"id":146,"text":"وتنحصر ثمرة الخلاف بين هذه المذاهب فيمن لم تبلغهم دعوة الرسل والشرائع، أما من بلغتهم الشرائع، فمقياس الحسن والقبح للأفعال: هو ما ورد في الشريعة لا ما تدركه عقولهم بالاتفاق، فما أمر به الشرع فهو حسن، وما نهى عنه فهو قبيح 6 146 -","part":1,"page":146},{"id":147,"text":"المبحث الثالث - المحكوم فيه تعريفه، شروطه، أقسامه تعريف المحكوم فيه: المحكوم فيه أو به: هو فعل المكلف الذي تعلق به خطاب الشارع اقتضاء أو تخييراً أو وضعاً، مثاله قوله تعالى: (أقيموا الصَّلاةَ} [البقرة: 43/ 2]، فيه إيجاب تعلق بفعل وهو إقامة الصلاة، فجعله واجباً، وكذا أوفوا بالعقود) [المائدة: 15]، وقوله تعالى: (يا أَيُّها الَّذينَ آمَنوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فاكتبوه} [البقرة: 282/ 2]، وقوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ} [الأنعام: 1518]، تضمن تحريماً تعلق بفعل هو قتل النفس، فجعله حراماً. وقوله سبحانه: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبيثَ مِنْهُ تُنفقون} [البقرة: 267/ 2]، اشتمل على الكراهة المتعلقة بفعل من أفعال المكلفين، وهو إنفاق المال الخبيث، فجعله مكروهاً. وقوله عز وجل: {فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِروا في الأَرْضِ) [الجمعة: 10/ 62]، فيه إباحة الانتشار في الأرض، تعلق بفعل المكلف. ومثله: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184/ 2]، تعلق الخطاب بفعل وهو المرض والسفر، فجعل كلاً منها مبيحاً للفطر والمحكوم فيه في الحكم التكليفي: لا يكون إلا فعلاً مقدوراً للمكلف، فجعله واجباً أو مندوباً أو حراماً أو مكروهاً أو مباحاً، لذا قالوا: لا تكليف إلا بفعل)، أي أن حكم الشرع التكليفي لا يتعلق إلا بفعل المكلف. والمكلف به في التحريم والكراهة هو كف النفس عن فعل الحرام أو المكروه. (1) فواتح الرحموت:: 132/ 1، المدخل إلى مذهب أحمد ص 01 - 147 -","part":1,"page":147},{"id":148,"text":"وأما في الحكم الوضعي: فقد يكون فعلاً للمكلف، وقد لا يكون فعلاً له، ولكنه يؤول إلى فعله، كدلوك الشمس سبب وجوب الصلاة على المكلف، فإن تعلق الحكم الوضعي بفعل المكلف يكون بواسطة تعلقه بالحكم التكليفي من جهة كونه سبباً أو شرطاً أو مانعاً منه · شروط المحكوم فيه: يشترط لصحة التكليف بالفعل ثلاثة شروط) اً - أن يكون الفعل معلوماً للمكلف علماً تاماً حتى يتصور قصده إليه ويستطيع القيام به كما طلب منه: فلا يكلف الإنسان بالصلاة حتى يعرف أركانها وشروطها وكيفية أدائها؛ لأن الأمر القرآني بها مجمل: (وأقيموا الصلاة) [البقرة: 43/ 2]، ولا بد من بيان المجمل من الرسول الله، وقد فعل فقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي». ومثل ذلك بقية الفرائض كالزكاة والصوم والحج نصوصها مجملة، فلا يصح التكليف بها إلا بعد بيانها. وتلك هي مهمة النبي الله كما قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاس ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44/ 16]. وليس المراد بهذا العلم أن يعلم بها المكلف بالفعل حتى لا يعتذر بالجهل بالأحكام، وإنما المراد أن يكون في إمكانه العلم به والتعرف عليه، وذلك بوجوده في دار الإسلام، لذا قرر الفقهاء: لا يقبل في دار الإسلام الاعتذار بالجهل بالأحكام - أن يعلم طلب الله للفعل حتى يعد فعل المكلف طاعة وامتثالاً لأوامر الله لأن الطاعة موافقة الأمر، والامتثال جعل الأمر مثالاً يحتذى. وهذا واضح في كل قانون لا بد من صدوره ونشره بين الناس في الجريدة الرسمية. والمراد هنا أيضاً إمكان العلم بالطلب، لا العلم به بالفعل:: المستصفى: 55/ 1، فواتح الرحموت: 123/ 1، شرح العضد: 11/ 2، المدخل إلى مذهب أحمد - 148 - ص (1)","part":1,"page":148},{"id":149,"text":"3 ـ أن يكون الفعل المكلف به ممكناً، فيستطيع الإنسان أن يفعله وأن يتركه: ويترتب على هذا الشرط أمور ثلاثة: أحدها - أنه لا يصح التكليف بالمستحيل، سواء أكان مستحيلاً لذاته أم مستحيلاً لغيره، والأول: هو ما لا يتصور العقل وجوده، كالجمع بين الضدين أو النقيضين، والحصول في حيّزين في وقت واحد، مثاله: إيجاب الشيء وتحريمه على شخص واحد في وقت واحد. والمستحيل لغيره: هو ما يتصور العقل وجوده، ولكن لم تجر العادة بحصوله، كالطيران للإنسان بدون طائرة، وخلق الأجسام، وحمل الجبل العظيم؛ لأن ما لا يتصور وجوده عقلاً أو عادة لا يمكن المكلف أن يفعله، وليس هو في وسعه، والتكليف بحسب الوسع. ثانيها - أنه لا يصح شرعاً تكليف الإنسان بأن يفعل غيره فعلاً، أو يكف غيره عن فعل؛ لأنه ليس ممكناً له، وهو تكليف بما لا يطاق، فلا يكلف إنسان بأن يصلي أخوه أو يزكي أبوه أو يكف جاره عن السرقة، وإنما يكلف فقط بالنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثالثها - أنه لا يصح شرعاً التكليف بالأمور الجبليّة التي لا كسب للإنسان فيها ولا اختيار، كحمرة الخجل والخوف، والفرح والبغض، والحب واشتهاء الطعام والشراب ونحو ذلك من الغرائز؛ لأنها ليست خاضعة لإرادة الإنسان واختياره، وإنما هي خارجة عن قدرته، ومنها ميل القلب نحو بعض الزوجات أكثر من الأخرى. وإذا ورد نص يدل ظاهره على التكليف بمثل هذه الأمور، فهو مصروف عن ظاهره، ويكون التكليف لما يسبق الشيء أو يعقبه، مثل قوله تعالى: وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمونَ} [آل عمران: 102/ 2]، يراد به الحث على الإسلام، وقوله سبحانه: (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ - 149 -","part":1,"page":149},{"id":150,"text":"مختال فخور} [الحديد: 23/ 57]، يراد به منع الناس من السخط حال الحزن والتعالي والمفاخرة والبطر حال السرور. وقوله الله: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» لا يراد به حقيقة الحب، وإنما المراد الطاعة والامتثال. وقوله الله: «لا تغضب» لا ينصب النهي على الغضب ذاته؛ لأنه أمر طبيعي غير مقدور للإنسان، ويكون المقصود الابتعاد عن أسباب الغضب. أو مجاهدة النفس حال الغضب ومنعها من الانتقام. وحديث «كن عبد الله المقتول: ولا تكن عبد الله القاتل» يراد به ألا تظلم غيرك ولا تعتدي عليه، ولا يقصد به أن يقتله غيره التكليف بالشاق من الأفعال: لا يلزم من اشتراط كون الفعل مقدوراً للمكلف ألا يتضمن التكليف أية مشقة على المكلف؛ لأنه لا تعارض بين كون الفعل مقدوراً وكونه شاقاً، فكل تكليف لا يخلو من مشقة، لكن تفضل الله علينا فرفع عنا الحرج ووضع عنا الإصر أو المشقة غير المحتملة أو الزائدة، وعليه فإن المشقة نوعان: معتادة وغير معتادة (1) 6 6 1 - المشقة المعتادة: هي المشقة التي يستطيع الإنسان تحملها دون إلحاق الضرر به، وهذه المشقة لم يرفعها الشارع عنا، فإن كل عمل في الحياة لا يخلو من مشقة؛ لأن التكليف: هو طلب ما فيه كُلفة ومشقة، لكن هذه المشقة محتملة غير أن المشقة ذاتها ليست مقصودة للشارع الحكيم من تشريع الأعمال التي كلفنا بها، بل المقصود المصالح المترتبة عليها، فليس المقصود بالصيام إيلام النفس بالجوع والعطش، بل المقصود صفاء الروح، وصحة الجسد، وتنمية عاطفة الرحمة. وإذا لم تكن المشقة مقصودة، فلا يصح قصد المشقات والزيادة منها، فمن ترك (1) تاريخ الفقه الإسلامي للشيخ محمد علي السايد: ص 25 - 10.","part":1,"page":150},{"id":151,"text":">> طريقاً معبداً إلى المسجد، وسلك طريقاً متعثراً صعباً، يبغي بفعله زيادة الأجـ، فقد أخطأ القصد ولا ثواب له \" - المشقة غير المعتادة: وهي المشقة الزائدة التي لا يتحملها الإنسان عادة وتفسد على النفوس تصرفاتها وتخل بنظام حياتها، وتعطل عن القيام بالأعمال النافعة غالباً. وهذه لم يقع التكليف بها شرعاً؛ لأن الله تعالى لم يقصد إيقاعنا في الحرج والعنت الشديد، كالوصال في الصيام والمواظبة على قيام الليل والحج ماشياً؛ لقوله تعالى: {وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج} [الحج: 78/ 22]، و يُريدُ اللهُ بكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُريدُ بكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 1852]، و يُريدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسانُ ضَعيفاً} [النساء: 2874]، وقوله ل: «بعثت بالحنيفية السمحة»، وما خير النبي ما بين شيئين إلا اختار أيسرهما مالم يكن مأثماً»، ولثبوت مشروعية الرخص كالقصر في الصلاة والفطر في رمضان ونحو ذلك، ولدفع الضرر عن الناس وتكليفهم بما ليس في وسعهم. وهذه المشقة إن كانت في العمل نفسه، فقد رفعها الله في الرخص ورغب في الأخذ بها، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يجب أن تؤتى عزائمه». وإذا لم تكن المشقة في العمل نفسه، بل يجلبها المكلف على نفسه، فقد نهاه الله ذلك وحرمه عليه عن بإرادته وما ورد في الأحاديث الدالة على احتساب الأجر على المشي إلى العبادة وأن الثواب على قدر المشقة، ليس المقصود منها المشقة نفسها، وإنما الترغيب في السعي وأمور أخرى كفضيلة المحل المنتقل إليه أو عنه أو للصبر على المشقة ليعظم الأجر، وعليه تكون المشقة في الجهاد تابعة لا متبوعة ولا مقصودة أقسام المحكوم فيه: قسم الحنفية فعل المكلف الذي تعلق به حكم الله تعالى إلى أربعة أقسام: ما هو حق - 101 -","part":1,"page":151},{"id":152,"text":": خالص الله، وما هو حق خالص للعبد، وما اجتمع فيه حقان وحق الله غالب، وما اجتمع فيه حقان وحق العبد غالب (1) وحق الله: ما يتعلق به النفع العام للعالم من غير اختصاص بأحد، فينسب إلى الله تعالى، لعظم خطره وشمول نفعه، أي أنه حق للمجتمع، وشرع حكمه لمصلحة عامة، لا لمصلحة فرد معين. وحق العبد: ما يتعلق به مصلحة خاصة كحرمة مال غيره. وأبين كل قسم بإيجاز. القسم الأول - ما هو حق خالص الله تعالى: وحكمه أنه ليس للإنسان التنازل عنه أو التهاون في إقامته كالحدود، وينقسم إلى ثمانية أنواع: 1 - عبادات محضة: كالإيمان وأركان الإسلام الخمسة، يقصد بها إقامة الدين، وحكمة تشريعها: رعاية المصلحة العامة لا مصلحة المكلف وحده • 2 ـ عبادة فيها معنى المؤونة: المؤونة: هي الضريبة التي تؤدي إلى المحافظة على ما تؤدى عنه من نفس أو مال، كصدقة الفطر، فإنها عبادة لأنها تقرب إلى الله بالتصدق على المحتاجين، فتشترط فيها النية، وهي مؤونة لوجوبها على المكلف غيره كخادمه وابنه الصغير، كوجوب نفقتهما عليه، فلا يشترط فيها كمال الأهلية كالعبادات المحضة، فوجبت في مال الصبي والمجنون بسبب 3 - مؤونة فيها معنى العبادة: كعشور الأراضي الزراعية على الزرع والثمر، وهي مؤونة في مقابل بقاء الأرض في يد أهلها، ولتمكينهم من المحافظة عليها دون عدوان من أحد. وهي عبادة لتعلقها بالنماء كزكاة المال، فتصرف في مصارف الزكاة (1) التقرير والتحبير: 104/ 2، كشف الأسرار: 136/ 2. - 152 -","part":1,"page":152},{"id":153,"text":"- مؤونة فيها معنى العقوبة: كالخراج فإنه مؤونة في نظير بقاء الأرض في يد أهلها، والمحافظة عليها من العدوان، وكونه عقوبة لأنه يؤدي إلى ترك الجهاد والاشتغال باستثمار الأرض. لكن يلاحظ أن واضع الخراج وهو سيدنا عمر لم يكن يقصد بها عقوبة القائمين على استثمار الأراضي. ه - عقوبة كاملة: كالحدود على الزّنا والسرقة وشرب الخمر والتعزيرات، فإنها عقوبات خالصة لله تعالى؛ لأن تشريعها للمصلحة العامة، فلا تسقط بالتنازل عنها من أحد. 6 - عقوبة قاصرة: كحرمان القاتل من ميراث المقتول، فإنه عقوبة ناقصة في معنى العقوبة، لاقتصار أثره على امتناع ثبوت ملك جديد له، مع وجود سبب الاستحقاق وهو القرابة، دون إلحاق ألم في بدن القاتل ولا نقصان في ماله. لذا لا يثبت في حق الصبي إذا قتل مورثه، ولا في القتل بالتسبب عند الحنفية كوقوع المورث في بئر حفرها الوارث في غير ملكه؛ لأن السبب ليس بقتل حقيقة. - عقوبة فيها معنى العبادة: وهي الحقوق الدائرة بين العبادات والعقوبات، كالكفارات، مثل كفارة اليمين وكفارة الظهار وكفارة القتل خطأ، واشتمالها على معنى العبادة لأنها تؤدي بما هو عبادة كالصوم والعتق والإطعام، ويؤديها الشخص بنفسه كسائر العبادات • ـ حق قائم بنفسه: لم يتعلق بذمة أحد يؤديه على أنه طاعة، وهو خمس المعادن والكنوز والغنائم، وافتقاد معنى الطاعة فيه سبب لعدم اشتراط النية له، ويصرف في المصالح العامة. القسم الثاني - حقوق العباد: ما يكون المقصود منها صيانة مصلحة الفرد، مثل بدل المتلفات وملك المبيع والثمن وحبس المرتهن العين المرهونة، وحق الشفعة. وحكمه: أنه يجوز لصاحبه التنازل -  lor_","part":1,"page":153},{"id":154,"text":"عنه أو استيفاؤه؛ لأن لكل مكلف أن يتصرف في حق نفسه، وهذه الحقوق ليست من المصالح العامة. الله غالب: القسم الثالث - ما اجتمع فيه الحقان وحق وهو حد القذف في رأي الحنفية، فكونه يؤدي إلى صيانة أعراض الناس، يجعله من حقوق الله تعالى، وكونه يدفع العار عن المقذوف ويصون شرفه وكرامته، يجعله من حقوق الأفراد أو العباد، وتغلب الجهة الأولى، فلا يسقط بعفو المقذوف وعند الشافعية: حق العبد هو الغالب في حد القذف. وبه يتبين أن كل حد من الحدود الشرعية فيه حق الله، أي للمجتمع. القسم الرابع - ما اجتمع فيه الحقان وحق العبد غالب: كالقصاص من القاتل عمداً عدواناً، فإنه حق الله تعالى لصيانة الدماء وحفظ الأمن، وهو أيضاً حق للعبد؛ لأنه يحقق مصلحة أولياء الدم، فيطفئ نار الحقد والغيظ عندهم، وتغلب الجهة الثانية؛ لأنه يمس المجني عليه أكثر مما يمس المجتمع ونظامه، فلا بد من طلب ولي الدم، وله أن يتنازل عنه أو يأخذ بدلاً مالياً عنه، ويستوفيه الحاكم أو القاضي، ويمكن أن يتولى تنفيذه بإشراف الحاكم ولي الدم. وبهذا تختلف الشريعة عن القوانين الوضعية في أن الشريعة جعلت في القصاص حقين: حقاً للمجتمع وحقاً للفرد، أما القوانين فجعلت العقوبة حقاً خالصاً للمجتمع، كما أن القوانين جعلت عقوبة الزوجة التي ثبت زناها حقاً شخصياً للزوج، فلا ترفع الدعوى إلا بشكوى منه، وله أن يوقف إجراءات الدعوى، أما الشريعة فجعلت هذه العقوبة حقاً خالصاً لله، أي للمجتمع.} - 108_","part":1,"page":154},{"id":155,"text":"المبحث الرابع - المحكوم عليه تعريفه، ما يشترط فيه، الأهلية وعوارضها. تعريف المحكوم عليه: هو الإنسان الذي تعلق بفعله خطاب الشارع أو حكمه. ويشترط فيه شرطان (1): المكلف. ويسمى اً ـ أن يكون المحكوم عليه المكلف قادراً على فهم دليل التكليف: لأن التكليف خطاب، وخطاب من لا عقل له ولا فهم محال. والقدرة على الفهم تكون بالعقل؛ لأن العقل أداة الفهم والإدراك، وبه يمكن الامتثال. ولما كان العقل من الأمور الخفية، ربط الشارع التكليف بأمر ظاهر منضبط يدرك بالحس وهو البلوغ عاقلاً، والبلوغ مظنة العقل أي إدراك الخير والشر والنفع والضرر على نحو كامل واضح، فلا يكلف المجنون ولا الصبي لعدم توافر العقل المطلوب لفهم دليل التكليف ولا يكلف الغافل والنائم والسكران؛ لقوله عل الله: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق» وأما إيجاب الزكاة ونفقة الزوجة والقريب وضمان المتلفات على الصبي والمجنون فليس تكليفاً لهما، وإنما هو تكليف للولي بأداء حق المال من مالها. وأما نهي السكران عن الصلاة في قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنوا لا تَقْرَبوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكارى حتى تعلموا ما تقولونَ} [النساء: 43/ 4]، فليس نهياً عن الصلاة حال السكر، وإنما نهي عن السكر في وقت إرادة الصلاة حال الصحو (1) فواتح الرحموت: 143/ 1، شرح العضد: 14/ 2، الإحكام للآمدي: 78/ 1، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 58 - 100 -","part":1,"page":155},{"id":156,"text":"وأما نفاذ طلاق السكران عند الجمهور، فليس من باب التكليف في شيء، بل من باب خطاب الوضع، يجعل تلفظه بالطلاق علامة على نفاذه، كما جعل زوال الشمس علامة على وجوب الصلاة، والمقصود به العقوبة والزجر أما مطالبة غير العرب بالتكاليف الشرعية، باعتبار أن رسالة الإسلام شاملة عامة للناس جميعاً، وهم لا يفهمون اللغة العربية، فيتم بأحد أمرين: ترجمة التكاليف الشرعية إلى اللغات الأجنبية، أو تخصيص فئة متعلمة تدرس الدين دراسة صحيحة، ثم تتعلم اللغات الأجنبية، وترسل إلى سائر البلاد للدعوة في سبيل الله، وهذا فرض كفاية، لقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةً يَدعون إلى الْخَيْرِ، وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحونَ} [آل عمران: 104/ 3]. ويلاحظ أن ترجمة نصوص القرآن ذاتها أمر متعذر، وإنما تترجم معاني القرآن على أنها ليست هي القرآن؛ لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وتحدى الله به الناس للإتيان بمثله أو بمثل سورة منه، فهو معجزة الرسول الخالدة أبد الدهر التي تنطق بإعجاز القرآن في أسلوبه ونظمه، وبلاغته وبيانه، ومعانيه، وقصصه، وإخباره بالمغيبات. (- أن يكون المكلف أهلاً للتكليف: والأهلية في اللغة: الصلاحية، كما قال تعالى: (وكانوا أَحَقَّ بها وَأَهْلَهَا} [الفتح: 2748]، وتتحقق بالعقل والفهم. وعند الأصوليين: هي صلاحية الإنسان لاستحقاق الحقوق وأداء التصرفات وهي نوعان: أهلية وجوب وأهلية أداء (1) وأهلية الوجوب: هي صلاحية الإنسان لأن تثبت له حقوق، وتجب عليه واجبات، وأساسها: وجود الحياة، وتسمى عند الفقهاء: الذمة: وهي وصف شرعي (1) مرآة الأصول: 435/ 2، حاشية نسمات الأسحار: ص 272 - 107_","part":1,"page":156},{"id":157,"text":"يصير به الإنسان أهلاً لما يجب له وعليه. والأدق التمييز بين الأهلية وهي الذمة التي هي وعاء اعتباري مفترض مقدر وجوده في كل إنسان الصلاحية، وبين وتسمى الأهلية عند القانونيين: الشخصية القانونية. وأهلية الوجوب: تثبت لكل إنسان منذ بدء تكونه جنيناً، وتستمر معه إلى الموت في جميع أطوار الحياة؛ لأنها مبنية على خاصة فطرية في الإنسان وأهلية الأداء: هي صلاحية الإنسان لصدور الأفعال والأقوال منه على وجه يعتد به شرعاً. وأساس ثبوتها التمييز بالعقل، وهي ترادف المسؤولية، فإذا صلى الإنسان أو صام أو حج، صحت عباداته، وإذا صدر منه عقد أو تصرف، صح شرعاً وترتبت عليه أحكامه، وإذا جنى على غيره في نفس أو مال أو عرض، عوقب على جنايته أدوار الأهلية: يمر الإنسان منذ بد تكونه جنيناً في بطن أمه إلى وقت بلوغه بأربعة أدوار تكون فيها أهليته إما ناقصة أو كاملة. وهي دور الاجتنان، ودور الصبا أو الطفولة، ودور التمييز، ودور البلوغ عاقلاً، علماً بأن دور الصبا يبدأ من الولادة وينتهي السابعة. ودور التمييز بعد تمام سن السابعة إلى البلوغ. سن. وكل نوع من أنواع الأهلية في هذه الأدوار إما ناقصة أو كاملة. ببلوغه أما أهلية الوجوب الناقصة: فتثبت للجنين في بطن أمه، فتثبت له حقوق من غير واجبات بشرط ولادته حيّاً، كالإرث والوصية والاستحقاق في الوقف والنسب، ولا تصح منه الهبة والصدقة والشراء له، ولو من وليه، ولا تجب في ماله نفقة أقاربه، ولا يلزم بأثمان المشتريات. ونقص أهليته لسببين: كونه جزءاً من أمه، وكونه نفساً مستقلة. ونظراً لأن وجوده محتمل يشترط لثبوت الحقوق له انفصاله عن أمه حياً، فلو انفصل ميتاً لم يثبت له شيء من الميراث أو الوصية أو الوقف - 157 -","part":1,"page":157},{"id":158,"text":"وأهلية الوجوب الكاملة: تثبت للإنسان منذ ولادته، ولا تفارقه في أثناء حياته، فيصلح لتلقي الحقوق والالتزام بالواجبات. ولا يوجد إنسان فاقد لهذه الأهلية. لكن الصبي قبل سن السابعة ليس له إلا أهلية وجوب كاملة، فيكتسب الحقوق، ويتحمل الواجبات التي يجوز للولي أداؤها عنه، كالنفقات والزكاة وصدقة الفطر. وليس له أهلية أداء مطلقاً لضعفه وقصور عقله، فتعد عقوده وعقود المجنون باطلة لا يترتب عليها أي أثر شرعي، وإنما يؤاخذان مالياً لا بدنياً في الجناية على نفس إنسان آخر أو ماله، ويباشر الولي من أب أو جد أو وصي عنها العقود والتصرفات التي يحتاجان إليها 1. وأهلية الأداء الناقصة: تثبت للإنسان في دور التمييز إلى البلوغ، وهي واضحة في الصبي المميز ومثله المعتوه ضعيف الإدراك والتمييز الذي لم يصل به العته إلى درجة اختلال العقل وفقده أما عبادات المميز كالإيمان والكفر والصلاة والصيام والحج، فتصح منه، ولكنه لا يلزم بها. وأما تصرفاته فثلاثة أقسام: ا - تصرفات نافعة نفعاً محضاً: وهي التي يترتب عليها دخول شيء في ملكه من غير مقابل، كقبول الهبة والصدقة دون إذن وليه، ووجوب الأجرة له بإجارة نفسه، وصحة وكالته عن غيره؛ تصح منه وتنفذ؛ لأن فيها تدريباً على التصرف، لقوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتامى} [النساء: 74]. 2 - تصرفات ضارة ضرراً محضاً: وهي التي يترتب عليها خروج شيء من ملكه دون مقابل، كالطلاق والعتق والهبة والصدقة والوقف والكفالة، وهذه لا تصح منه، ولو بإجازة الولي؛ لأن الولي لا يملك هذه التصرفات - 101","part":1,"page":158},{"id":159,"text":"- تصرفات مترددة بين النفع والضرر: وهي التي تحتمل الربح والخسارة كالبيع والشراء والإجارة والزواج ونحوها، وهذه تصح من المميز وتنعقد صحيحة بإذن الولي، فإذا لم يأذن الولي تكون موقوفة عند الحنفية والمالكية على إجازته، لنقص أهلية المميز، فإذا أجاز نفذت وإلا بطلت. وأهلية الأداء الكاملة: تثبت لمن بلغ الحلم عاقلاً. والبلوغ يحصل إما بالأمارات الطبيعية كالاحتلام والحيض، أو بتمام الخامسة عشرة عند جمهور الفقهاء، وحينئذ يصبح الإنسان أهلاً لجميع التكاليف الشرعية، ويجب عليه أداؤها ويأثم بتركها إن كانت عبادات، وتصح منه جميع العقود والتصرفات، وتترتب عليه آثارها، ويؤاخذ على جميع الأعمال الصادرة منه، سواء أكانت مدنية أم جنائية عوارض الأهلية: قد تعترض بعض العوارض على أهلية الأداء، فتؤثر فيها بالإزالة أو النقصان أو بتغيير بعض أحكامها، وهي نوعان: عوارض سماوية: وهي التي لم يكن للشخص فيها اختيار واكتساب. وعوارض مكتسبة: وهي التي يكون للشخص فيها دخل باكتسابها أو ترك إزالتها. والسماوية أشد تأثيراً وأكثر تغييراً. والعوارض السماوية أحد عشر عارضاً: وهي الجنون والصغر والعته والنسيان والنوم والإغماء والرّق والمرض والحيض والنفاس والموت. والعوارض المكتسبة سبعة: وهي الجهل والسكر والهزل والسفه والخطأ والإكراه. ويلحق بالسفه: الدين أو المديونية وبعض هذه العوارض يزيل أهلية الأداء كالجنون والنوم والإغماء، فليس للمجنون والنائم والمغمى عليه أهلية أداء أصلاً، ولا تترتب على تصرفاتهم آثارها الشرعية - 109 -","part":1,"page":159},{"id":160,"text":": والواجبات المالية على المجنون يؤديها عنه وليه، والواجبات البدنية أو المالية على النائم والمغمى عليه يؤديها كل منهما بعد يقظته وقد ينقص العارض أهلية الأداء ولا يزيلها كالعته الخفيف: وهو الذي يكون معه إدراك وتمييز، فتصح بعض تصرفات المعتوه دون بعض كالصبي المميز. وأما العته الشديد: وهو الذي لا يكون معه إدراك وتمييز، يكون صاحبه كالمجنون في بطلان تصرفاته وقد يقتصر أثر العارض على تغيير بعض الأحكام لمصالح معينة، كالسفه والمديونية (الدَّين) والغفلة، فيحجر على السفيه والمغفل) ذي الغفلة) في التصرفات المالية من معاوضات وتبرعات، فلا تصح منهما، محافظة على مالها. ويحجر على المدين في التصرفات الضارة بحقوق الدائنين كالتبرعات، محافظة على حقوق دائنيه. ولا يجوز عند الإمام أبي حنيفة الحجر بسبب السفه والغفلة والمديونية، حفاظاً على الكرامة الإنسانية؛ لأن هذه العوارض لا تؤثر في أهلية الإنسان، والضرر الذي يلحق الإنسان أكبر من المصلحة التي تترتب على الحجر. وكذلك الإكراه سواء أكان ملجئاً تاماً أم غير ملجئ ناقصاً لا يؤثر في الأهلية بنوعيها، لبقاء الاختيار معه، لكن للإكراه أثر في الأقوال والأفعال الصادرة من المستكره. والإكراه الملجئ: هو التهديد بالقتل أو القطع، وحكمه: أنه يفسد الاختيار ويعدم الرضا، والإكراه غير الملجئ أو الناقص: هو التهديد بالحبس لمدة قصيرة والضرب غير المتلف، وحكمه: أنه يعدم الرضا ولا يفسد الاختيار. فإن كان المكره عليه من الإقرارات، بطل الإقرار، سواء أكان ملجئاً أم غير ملجئ، فمن أكره على الاعتراف بمال أو زواج أو طلاق، كان اعترافه باطلاً.","part":1,"page":160},{"id":161,"text":"وإن كان المكره عليه من العقود والتصرفات كالبيع والإجارة والرهن، كان أثر الإكراه فيها الفساد عند الحنفية، لا البطلان، سواء أكان الإكراه ملجئاً أم غير ملجئ. لكنهم استثنوا بعض التصرفات فقالوا بصحتها مع الإكراه وهي الزواج والطلاق عند الحنفية والعتق والرجعة والنذر واليمين • وإن كان المكره عليه من الأفعال كالقتل وشرب الخمر والإتلاف، ففي الإكراه الناقص يكون المستكره هو المسؤول. وأما في حال الإكراه الملجئ فالأفعال ثلاثة أنواع: نوع يجب فعله ويأثم عنه الممتنع كالإكراه على شرب الخمر أو أكل لحم الميتة أو الخنزير؛ لأن المستكره يكون في حال الضرورة، والضرورات تبيح المحظورات ونوع يرخص فعله، لكن الصبر عليه أفضل كالكفر بالله تعالى، فإنه لوصبر كان إعزازاً للدين، ويلحق به إفساد صوم رمضان، وترك الصلاة المفروضة، وإتلاف مال الآخرين. ونوع لا يحل فعله بحال وهو القتل وقطع العضو والضرب المؤدي إلى الهلاك. ولو فعله كان آثماً؛ لأنه أثر نفسه على غيره. أما القصاص فيجب عند الجمهور على الفاعل المباشر، لمباشرته القتل ظلماً وعدواناً، وعند أبي حنيفة ومحمد: القصاص على المكره، لكن يعزر الفاعل بما يراه الإمام زاجراً له عن هذا الفعل. ويلحق الزنا بهذا؛ لأن الزّنا لا يرخص فيه بحال، لكن لا حد على أحد، لأن الإكراه شبهة يدراً النوع بها الحد. - 171_","part":1,"page":161},{"id":162,"text":"::!","part":1,"page":162},{"id":163,"text":"الفصل الثالث القواعد الأصولية اللغوية أو الدلالات يتناول هذا الفصل كيفية استنباط الأحكام من النصوص الشرعية من قرآن أو سنة، وقد وضع العلماء قواعد لهذه الكيفية مستمدة من أساليب اللغة العربية، أو من الأحكام الشرعية وعللها، ومن مبادئ الشريعة وأصولها الكلية المفهومة من النصوص. وموضوع هذا الفصل القواعد اللغوية التي يستهدى بها في فهم الأحكام من النصوص فهماً صحيحاً، فهي قواعد لفهم العبارات ملحوظة مقتضى الأساليب العربية وطرق الدلالة فيها على المعاني بألفاظها مفردة ومركبة، وليست قواعد شرعية أو دينية خاصة. وقد استمدها العلماء من طبيعة اللغة العربية واستعمالاتها في المعاني حسبما قرر أئمة اللغة، وعلى نحو ما دل عليه التتبع واستقراء النصوص العربية. وأصبحت هذه القواعد مرعية في فهم النصوص الشرعية وفهم النصوص القانونية على السواء؛ لأن الألفاظ ليست في درجة واحدة من الوضوح والخفاء، فيلجأ إلى هذه القواعد في طرق دلالة الألفاظ على المعاني، وما يدل عليه العام والخاص والمشترك، وكيفية التأويل، وكون العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وأن العطف يقتضي المغايرة، وأن الأمر يفيد الإيجاب، والنهي يدل على الحظر والمنع، ونحو ذلك مما سأذكره من القواعد التالية: 163 -","part":1,"page":163},{"id":164,"text":"القاعدة الأولى - طرق دلالة النص على الحكم الشرعي قسم الحنفية طرق دلالة اللفظ على المعنى إلى أربعة أنواع: هي عبارة النص، وإشارة النص، ودلالة النص، واقتضاء النص والمراد بالنص: هو اللفظ الذي يفهم منه المعنى، واللفظ باعتبار هذه الدلالة أربعة أنواع: هي الدال بالعبارة، والدال بالإشارة، والدال بالدلالة، والدال بالاقتضاء.: 1 - عبارة النص: عبارة النص: هي دلالة الكلام على المعنى المقصود منه، أي المعنى المتبادر فهمه منه، سواء أكان مقصوداً أصالة أم تبعاً. فكل نص من نصوص الشريعة أو القانون له (1) معنى تدل عليه عباراته، وهذا المعنى إما مقصود من الكلام ذاته، وهو المعنى المقصود أصالة، وإما مقصود غير أصلي أو تبعي، ويسمى المعنى التبعي. ويتبين الفرق بين المقصود من السياق أصالة والمقصود منه تبعاً بالأمثلة التالية: قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} [البقرة: 275/ 2]، له معنى مقصود أصالة وهو التفرقة بين البيع والربا؛ لأن الآية نزلت للرد على أهل الجاهلية اليهود القائلين فيما حكاه القرآن: «إنما البيع مثل الرّبا». وله أيضاً معنى آخر مقصود تبعاً يراد به إفادة المعنى المقصود أصالة، وهو إباحة مع وحرمة الربا. وكل من هذين المعنيين مقصود من سياق الآية الكريمة، لكن المعنى الأول هو المقصود الأصلي، والثاني هو المقصود التبعي (1) كشف الأسرار: 67/ 1، أصول السرخسي: 236/ 1 - 164 -","part":1,"page":164},{"id":165,"text":"وقوله عز وجل: {فَانكحوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاء مَثْنى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) [النساء: 2/ 4]: معنيان مقصودان أحدهما أصلي والآخر تبعي، أما المقصود الأصلي: فهو قصر عدد الزوجات المباحات على أربع؛ لأن الآية نزلت في شأن الأوصياء الذين يتحرجون من الوصاية على اليتامى، خوفاً من ظلمهم وأكل أموالهم، ولا يتحرجون من ترك العدل بين الزوجات، حيث كان الواحد يجمع في عصمته ما شاء منهن من غير حصر، ولا يعدل بينهن وأما المقصود التبعى فهو إباحة الزواج، وقد ذكر ذلك على سبيل التبع، ليتوصل به إلى إفادة المعنى المقصود أصالة ويلاحظ أن أكثر نصوص التشريع في القرآن والسُّنة تدل على الأحكام بطريق عبارة النص، مثل قوله تعالى: (أوفوا بالعقود} [المائدة: 75]، وقوله:)) البيعان بالخيار مالم يتفرقا: ((. ودلالة العبارة تفيد الحكم قطعاً إذا تجردت عن العوارض الخارجية عن النص، فإن كانت من قبيل العام الذي دخله التخصيص، كانت الدلالة ظنية لا قطعية 2 - إشارة النص: هي دلالة الكلام على معنى غير مقصود أصالة ولا تبعاً، ولكنه لازم للمعنى الذي سيق الكلام لإفادته، أي المعنى المتبادر من ألفاظه. وتكون دلالة النص بالإشارة لا بالعبارة على معنى غير مقصود من السياق وليس مراداً به مباشرة، وإنما هو معنى التزامي لازم للحكم الأصلي المفهوم لأول وهلة من النص (1) (1) مثاله: قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نسائكُمْ} البقرة: 187/ 2]، يدل بعبارته على إباحة الوقاع في كل أجزاء الليل إلى طلوع الفجر، التلويح على التوضيح: 130/ 1، مسلم الثبوت 338/ 1: - 170_","part":1,"page":165},{"id":166,"text":"ويفهم منه بطريق الإشارة إباحة الإصباح جنباً في حالة الصوم؛ لأن إباحة الوقاع إلى طلوع الفجر، يستلزم أن يطلع عليه الفجر وهو جنب، وهذا المعنى غير مقصود بالسياق، ولكنه لازم للمعنى المقصود منه. وقوله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: 232/ 2]، يدل بعبارته على وجوب نفقة الوالدات المرضعات وكسوتهن على الوالد دون الأم. ويلزم منه أن الوالد لا يشاركه أحد في الإنفاق على أولاده؛ لأن النسب مختص به. ويلزم منه أيضاً أن للوالد عند الحاجة أن يتملك من مال ابنه ما يسد به حاجته؛ لأن ولده له، فمال ولده له؛ لأن المولود نسب لأبيه بحرف اللام الذي يفيد الاختصاص: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ} [البقرة: 232/ 2]، ويؤيده الاختصاص الصريح الوارد في الحديث النبوي: «أنت ومالك لأبيك»، وهذا على سبيل الأدب لكن الملك مستقل ويلزم منه كذلك عدم جواز استئجار الأم على الإرضاع في حالة قيام الزوجية؛ لأن الله تعالى جعل النفقة لها عليه باعتبار عمل الإرضاع بقوله تعالى: (وَالْوَالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْن كاملين} [البقرة: 232/ 2]. [وهناك معنى آخر لازم وهو أن الولد يكون قرشياً إذا كان أبوه قرشياً، لا أمه، فيكون كفئاً للزواج من القرشية، وإن كانت أمه من غير قريش ومثال آخر: قوله سبحانه: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثلاثونَ شَهْراً الأحقاف: 15/ 46]، يدل بعبارته على بيان فضل الأم على الولد؛ لأن السياق يدل عليه. ويلزم منه بالإشارة أن أقل مدة الحمل ستة أشهر؛ لأن مدة الفصال عامان بقوله تعالى: {وَفِصالُهُ في عامين} [لقمان: 14/ 31]، فيبقى للحمل ستة أشهر من مجموع المدة ثلاثين شهراً. 6 166 -","part":1,"page":166},{"id":167,"text":"ومثال رابع: قوله سبحانه: {وَشَاوِرُهُمْ في الأمر} [آل عمران: 159/ 3]، وقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمونَ} [النحل: 43/ 16]، يدل كل منهما بطريق الإشارة على وجوب إيجاد فئة المستشارين وأهل الذكر في الأمة وإذا تعارضت دلالة العبارة ودلالة الإشارة، قدم الحكم الثابت بالعبارة على الحكم الثابت بالإشارة؛ لأن الأول أقوى، كتقديم وجوب القصاص على القاتل عمداً في آية {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} [البقرة: 178/ 2)، على ترك القصاص اكتفاء بالجزاء الأخروي المفهوم بالإشارة من آية أخرى: {فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالداً فيها كم [النساء: 93/ 4]. ودلالة الإشارة كدلالة العبارة تفيد القطع إلا إذا وجد صارف للحكم من القطع إلى الظن، كإجماع العلماء على أن الولد يتبع الأم في الرق والحرية، على الرغم من تبعية الولد للوالد في آية {وَعَلى المَولودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) البقرة: 232/ 2]، وتكون هذه الآية مخصصة بالإجماع. 3 - دلالة النص: دلالة النص: هي دلالة اللفظ من طريق مناط الحكم أو علته، لا من طريق العبارة أو الإشارة. كأن تشترك واقعتان في علة الحكم أو يكون المسكوت عنه أولى من المنطوق، ويفهم ذلك من طريق اللغة من غير حاجة إلى الاجتهاد أو القياس. وتسمى هذه الدلالة فحوى الخطاب، أي مقصده ومرماه، ويعدها الشافعي من القياس الجلي، وتسمى مفهوم الموافقة عند الشافعية. وسميت هذه الدلالة بدلالة النص؛؛ لأن الحكم الثابت بها لا يفهم من اللفظ وحده كما في عبارة النص وإشارته، وإنما يفهم من اللفظ بواسطة مناطه وعلته. مثال التساوي في العلة: قوله تعالى: (إنَّ الَّذينَ يَأْكُلُونَ أَمْوال اليتامى ظلماً إِنَّا يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعيراً} [النساء: 10/ 4]، يدل بعبارته على - 167 -","part":1,"page":167},{"id":168,"text":"تحريم أكل أموال اليتامى ظلماً، ويدل من طريق دلالة النص على تحريم إتلاف أموال اليتامى مطلقاً كالإحراق أو التبديد؛ لأن كل إنسان يفهم من اللغة أن المقصود تضييع مال اليتيم، فيكون الإتلاف حراماً كالأكل، لمساواته له في علة الحكم. الرحم وهي ومثاله أيضاً: قوله سبحانه: {وَالْمُطَلَّقاتِ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة رة: 228/ 2]، يدل بعبارته على وجوب العدة على المطلقة، بقصد تعرف براءة العلة، وكل من يعرف اللغة يدرك أن هذه العلة موجودة في حالة فسخ زواج المرأة بأي سبب آخر كخيار البلوغ أو عدم الكفاءة، فتجب العدة في حالات. الفسخ كالطلاق من طريق دلالة النص، لوجود علة وجوب العدة في حالة الطلاق. ومثال أولوية العلة: قوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَها أُفٍّ وَلا تَنْهَرُهُما) الأذى، [الإسراء: 23/ 17]، يدل بعبارته الصريحة على تحريم التأفيف، لما فيه من ويدل من طريق دلالة النص على تحريم الضرب والشتم والحبس ومنع الطعام ونحوه؛ لأنه أشد إيذاء من التأفيف؛ لأن المتبادر لغة من النهي عن عن التأفيف، النهي عما هو أكثر إيذاء للوالدين بالأولى، فيكون الحكم في المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق؛ لأن العلة أقوى في الأول من الثاني - اقتضاء النص: اقتضاء النص: هو ما يدل عليه النص من طريق المعنى الذي لا يستقيم الكلام إلا بتقديره. وسميت هذه الدلالة بالاقتضاء؛ لأن الاقتضاء معناه الطلب والاستدعاء، والمعنى المقدر يتطلبه صدق الكلام وصحته شرعاً مثاله قوله لا: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، يدل بلفظه وعبارته على رفع الفعل الواقع خطأ أو نسياناً أو إكراها بعد وقوعه، وهذا معنى غير سليم؛ لأن الفعل إذا وقع لا يرفع، فكان لا بد من تقدير شيء في الكلام - 168 -","part":1,"page":168},{"id":169,"text":"يصحح هذه العبارة، وهو رفع الإثم أو الحكم، أي رفع إثم الخطأ والنسيان والإكراه، ورفع الإثم مفهوم بالاقتضاء. ومثاله أيضاً: {وَاسْأل الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82/ 12]، لا يصح الكلام إلا بتقدير وهو: واسأل أهل القرية. وقوله سبحانه: (لِلْفُقَراء الْمُهاجرين الذينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} [الحشر: 8/ 59]، يدل بعبارته على فقر المهاجرين، ولا تثبت صفة الفقر إلا بتقدير زوال ملكهم عما تركوه في مكة، وتملك الكفار إياه بالاستيلاء عليه، وهذا مفهوم بطريق الاقتضاء) (1) وقوله عز وجل: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ .. } [النساء: 22/ 4]، و حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ .. } [المائدة: 3/ 5]، يدل كل منهما بعبارته على تحريم الذات، مع أن الحرمة تتعلق بالأفعال، فيقدر في الآية الأولى كلمة (زواج) أي حرم عليكم زواج أمهاتكم، وفي الثانية كلمة (أكل (أي حرم عليكم أكل الميتة، وهذا التقدير ثابت بدلالة الاقتضاء. أحكام هذه الدلالات: يثبت الحكم بهذه الدلالات الأربع على وجه القطع واليقين إلا إذا وجد ما يصرفها إلى الظن، كالتخصيص أو التأويل .. ومراتب هذه الدلالات بحسب قوة الدلالة، فعبارة النص أقوى من الإشارة، والإشارة أقوى من الدلالة، والدلالة أقوى من الاقتضاء (1) ذكر الأصوليون هذا مثالاً لإشارة النص، والصحيح أنه مثال لاقتضاء النص؛ لأن المعنى اللازم في دلالة الإشارة يكون متأخراً، والمعنى اللازم في دلالة الاقتضاء يكون متقدماً يتوقف عليه صدق الكلام أو ص صحته، ولا شك أن المعنى اللازم لمعنى كلمة الفقراء وهو زوال الملك متقدم، لا يصح إطلاق لفظ الفقراء على المهاجرين إلا بتقديره، فيكون من باب دلالة الاقتضاء، لا من باب دلالة الإشارة 169 - 1","part":1,"page":169},{"id":170,"text":"مثال تعارض العبارة والإشارة: ما ذكر سابقاً، وهو تقديم وجوب القصاص المفهوم من آية: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} [البقرة: 178/ 2]، على عدم الاقتصاص والاكتفاء بالجزاء الأخروي في آية: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فيها} [النساء: 93/ 4]. كم ومثال آخر: إيجاب الصلاة على الشهداء، لقوله تعالى: {وَصَلَّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنْ لَهُمْ} [التوبة: 103/ 9]، الدال بعبارته على إيجاب الصلاة في حق الأموات جميعاً، فيقدم هذا الحكم على المفهوم من وجود حياة الشهداء في آية: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذينَ قُتلوا في سَبيل الله أمواتاً، بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقونَ} [آل عمران: 1992]، فيرجح الحكم الأول الثابت بالعبارة على الحكم الثاني بالإشارة. ومثال ثالث: تقديم الحكم المستفاد من قوله الله: «أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة» على الحكم المستفاد من حديث آخر: «تقعد إحداهن شطر عمرها لا تصلي، لأن الحكم الأول وهو تقدير أكثر مدة الحيض بعشرة أيام ثابت بالعبارة والحكم الثاني وهو تقدير مدة الحيض بخمسة عشر يوماً ثابت بإشارة النص. ومثال تعارض الإشارة مع الدلالة: عدم إيجاب الكفارة في القتل العمد، المفهوم من الإشارة في قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً، فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فيها م [النساء: 93/ 4]، فيقدم على إيجاب الكفارة على القاتل عمداً؛ لأنه أولى من المخطئ، المفهوم من دلالة نص الآية: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأَ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ} [النساء: 92/ 4]، لأن الآية الأولى تشير إلى أنه لا كفارة لذنبه في الدنيا، إذ جعلت جزاءه خلوده في جهنم ليس غير، وهذه الإشارة أقوى من دلالة النص في الآية الثانية وهو أن العامد أولى أن يكفر عن ذنبه من المخطئ ولا يوجد مثال لتعارض دلالة النص مع اقتضاء النص 170. 1","part":1,"page":170},{"id":171,"text":"القاعدة الثانية - مفهوم المخالفة المفهوم من النص نوعان: مفهوم الموافقة مفهوم الموافقة: المخالفة ومفهوم هو دلالة اللفظ على ثبوت حكم الشيء المذكور للمسكوت عنه، لاشتراكها في علة € الحكم المفهومة بطريق اللغة، مثل دلالة قوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَهُا أُفٍّ الإسراء: 23/ 17]، على تحريم الضرب من باب أولى. وحكمه وجوب الأخذ بهذا المفهوم؛ لأنه أولى بالحكم من المنطوق، وكذلك إذا كان المسكوت عنه مساوياً للمنطوق، كإتلاف مال اليتيم المساوي لتحريم أكله بالباطل. ومفهوم المخالفة: هو دلالة الكلام على نفي الحكم الثابت للشيء المذكور عن المسكوت عنه، لعدم توافر قيد من قيود المنطوق والقاعدة المقررة فيه إجمالاً عند الحنفية: ألا يؤخذ بالحكم المستفاد من مفهوم المخالفة. فإذا دلَّ النص الشرعي على حكم في محل مقيد بشرط أو غاية أو. عدد، يكون حكم النص بالقيد المقترن به هو منطوق النص. وحكم المحل الذي لم يوجد فيه القيد هو مفهوم المخالفة، ولا دلالة للنص الشرعى على حكم في المفهوم المخالف عند الحنفية أنواع مفهوم المخالفة: يحتاج بيان قاعدة مفهوم المخالفة إلى توضيح أنواعه وأهمها خمسة: 1 - مفهوم الصفة: هو دلالة اللفظ المقيد بصفة على نفي الحكم عن الموصوف عند انتفاء تلك الصفة، مثل قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِناتِ، فَمِمّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [النساء: 25/ 4]، فإنه يدل عند الشافعية والحنابلة والمالكية على تحريم الزواج بالإماء في حال عدم - 171 -","part":1,"page":171},{"id":172,"text":":: >> الإيمان، وقال الحنفية: إن التقييد بالصفة لا يدل على نفى الحكم عند انتفاء تلك الصفة، فلا دلالة لهذه الآية على حكم الزواج بالإماء غير المؤمنات، كما لا دلالة لهذه الآية على حكم من استطاع زواج الحرائر، هل له أن يتزوج الإماء المؤمنات؟ وقوله تعالى: َأو دَماً مسفوحاً) [الأنعام: 145/ 6]، منطوقه تحريم الدم المسفوح، ومفهومه المخالف: إباحة الدم غير المسفوح عند الفريق الأول. وقول الرسول عمل: «في سائمة الغنم الزكاة)، يدل عند الفريق الأول على <<< عدم وجوب الزكاة في المعلوفة. ولا يدل على ذلك عند الفريق الثاني. وقوله: مطل الغني ظلم»، يدل على أن مطل الفقير ليس بظلم في رأي الأولين. - مفهوم الشرط: هو دلالة اللفظ المتعلق فيه الحكم على شرط على انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط، مثل قوله تعالى: {وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 665، فإنه يدل عند الشافعية والحنابلة والمالكية بمفهومه المخالف على عدم وجوب النفقة للمعتدة غير الحامل. ولا يدل على ذلك عند الحنفية وقوله تعالى: (فَإن طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً، فَكُلُوهُ هَنيئاً مريباً) [النساء: 4/ 4]، يدل عند الفريق الأول على تحريم أخذ شيء من المهور إذا لم تطب نفوس الزوجات بإعطاء شيء منه. ولا يدل عليه عند الفريق الثاني. 3 - مفهوم الغاية: هو دلالة اللفظ الذي قيد فيه الحكم بغاية على ثبوت نقيض ذلك الحكم بعد الغاية. وللغاية لفظان: إلى وحتى. مثل قوله تعالى: {وَكُلوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ، ثُمَّ أَتِمّوا الصِّيام إلى اللَّيْلِ) [البقرة: 187/ 2]، فإنه يدل بمفهومه المخالف على تحريم الأكل والشربا بعد (1) لكن أوجب المالكية الزكاة في الأنعام سواء أكانت سائمة (راعية في المراعي) أم معلوفة لعموم حديث: «في كل خمس شاة». فعلى الرغم من أن دليل الخطاب يقتضي أن لا زكاة في غير السائمة، فإن الإمام مالك يرى الزكاة في غير السائمة، فلم يأخذ بالمفهوم · - 172 -","part":1,"page":172},{"id":173,"text":"الغاية وهي طلوع الفجر، وعلى جواز تناول المفطرات بدخول الليل عند الغروب وقوله سبحانه: (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222/ 2]، يدل عند الشافعية والحنابلة على جواز الاستمتاع بعد الطهر من الحيض. وقوله عز وجل: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} [البقرة: 230/ 2]، مفهومه المخالف أنه إذا تزوجت المطلقة ثلاثاً زوجاً غير مطلقها حلت للزوج الأول. وهذا عند الجمهور، وقال الحنفية: لا يدل هذا المفهوم على نفي الحكم فيما بعد الغاية. - مفهوم العدد: هو دلالة اللفظ الذي قيد فيه الحكم بعدد على نفيه فيما عدا ذلك، مثل قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلِّ واحدٍ مِنْهَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) [النور: 2/ 24]، يدل بمفهوم المخالفة على أنه لا تجوز الزيادة على مئة ولا النقص عنه وقوله تعالى: {فَاجْلِدوهُمْ ثَمانينَ جَلْدَةً} [النور: 4/ 24]، مفهوم المخالفة الأقل من:: ثمانين والأكثر. وقوله سبحانه: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) [البقرة: 196/ 2]، مفهوم المخالفة الاقل من ثلاثة والأكثر. ويؤخذ بهذا المفهوم عند الجمهور، ولا يؤخذ به عند الحنفية الذات ة - مفهوم اللقب أو مفهوم الاسم: هو مفهوم الاسم الذي يعبر به عن مثل (محمد رسول الله) مفهوم المخالفة غير محمد، وقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 232/ 4]، مفهوم المخالفة غير الأمهات. وقوله: «في البر صدقة» مفهوم المخالفة غير البر. والحكم باتفاق الأصوليين: هو أن مفهوم اللقب ليس بحجة، فلا يعد المفهوم المخالف للقب حجة؛ لأن ذكره لا يفيد تقييداً ولا تخصيصاً ولا احترازاً عما عداه واللقب: هو اللفظ الجامد الذي ورد في النص اسماً وعلماً على الذات المسند إليها الحكم المذكور فيه - 173 -","part":1,"page":173},{"id":174,"text":": والخلاصة: اتفق الأصوليون على أن مفهوم اللقب ليس بحجة، سواء في النصوص الشرعية وغيرها. واتفقوا أيضاً على أن مفهوم الصفة والشرط والعدد والغاية حجة في غير النصوص الشرعية، أي في العقود وأقوال الناس وعبارات المؤلفين ومصطلحات الفقهاء، فمن قال: ريع وقفي لأقاربي الفقراء، منطوقه ثبوت الاستحقاق لأقاربه الفقراء، ومفهوم المخالفة نفى استحقاق أقاربه غير الفقراء؛ لأن عرف الناس واصطلاحهم على هذا، إلا إذا دلت قرينة على أن القيد ليس للتخصيص. واختلف الأصوليون في الاحتجاج بمفهوم المخالفة في الصفة والشرط والغاية والعدد في النصوص الشرعية، فذهب الجمهور إلى أن مفهوم المخالفة فيها حجة على ثبوت نقيض حكم المنطوق عملاً بعرف الناس واستعمالاتهم في الأساليب، وذهب الحنفية إلى أن مفهوم المخالفة ليس حجة في هذه الأحوال؛ لأن كثيراً من أساليب اللغة العربية والنصوص الشرعية لا يراد بها نفي الحكم عما عدا المذكور، فإن الصلاة في السفر تقصر، سواء خاف المصلون فتنة الكفار أم لا، مع أن النص شرط لجواز القصر خوف الفتنة: (إن خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَروا} [النساء: 1014]. والربيبة (بنت الزوج من زوج آخر) تحرم على زوج أمها سواء كانت في - أن النص قيد التحريم في حال وجودها في حجره: {وَرَبائِبكُمُ اللاتي في حُجوركُمْ} [النساء: 22/ 4]. لكن يلاحظ أن هذا قيد لبيان الواقع فلا يراد به نفي الحكم عما عدا المنطوق، كالنص على تحريم الرّبا أضعافاً مضاعفة، مع أن الرّبا حرام مطلقاً؛ لأنه قيد لبيان الواقع والشأن الغالب • مع ورأي الجمهور أرجح إذا تحققنا من أن القيد الوارد في النص، إنما ورد للتخصيص والاحتراز به عما عداه، ولم يرد لحكمة أخرى كبيان الواقع والأمر الغالب -  IVE_","part":1,"page":174},{"id":175,"text":"القاعدة الثالثة - واضح الدلالة ومراتبه واضح الدلالة: هو ما دل على المراد منه بنفس صيغته من غير توقف على أمر خارجي. فإن كان اللفظ لا يحتمل التأويل ولا النسخ، فهو في أعلى درجات الوضوح في معناه ويسمى المحكم. وإن كان لا يحتمل غير المراد والتأويل، ولكنه يقبل النسخ، فهو المفسر. وإن كان اللفظ يحتمل غير المعنى المراد منه، أي يحتمل التأويل والتخصيص ويقبل النسخ، ولكنه مسوق لإفادة معناه والمراد منه، وهو المقصود أصالة النص. وإن كان اللفظ يدل على معنى متبادر منه، لكنه ليس هو سياقه، سمي المقصود أصالة من السياق فهو الظاهر، وهو أقل الأنواع وضوحاً. من وتكون مراتب الواضح الدلالة أربعاً: الظاهر، والنص، والمفسر، والمحكم. والمحكم أوضحها دلالة، ثم المفسر، ثم النص، ثم الظاهر. 1 - الظاهر: (1) الظاهر عند الأصوليين: هو ما دل على المراد منه بنفس صيغته، من غير توقف على أمر خارجي، ولكن لم يكن المراد منه هو المقصود أصالة من السياق، ويحتمل التأويل (1). نحو قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) [البقرة: 275/ 2]، ظاهر في إباحة البيع وتحريم الرّبا، ولكن هذا المعنى لم يكن مقصوداً أصالة من سياق الآية، وإنما سيقت للرد على اليهود القائلين بأن البيع مثل الربا، فهي مسوقة لنفي المماثلة بين البيع والرّبا، لا لبيان حكم كل منهما. وقوله تعالى: {فَانْكِحوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ، فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} [النساء: 2/ 4]، ظاهر في إباحة الزواج، وهو معنى لم يقصد من سوق الآية، وإنما هى سيقت لبيان إباحة تعدد الزوجات (1) أصول السرخسي: 163/ 1، كشف الأسرار: 4671. 175 -","part":1,"page":175},{"id":176,"text":"وحكم الظاهر: وجوب العمل بمعناه المتبادر منه قطعاً ويقيناً، إلا إذا قام دليل يقتضي العدول عنه، ويحتمل التأويل، أي صرفه عن ظاهره وإرادة معنى آخر منه، ويقبل النسخ أيضاً وتأويله: إن كان عاماً يحتمل التخصيص، كتخصيص قوله تعالى: {وَأَخُلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 270/ 2]، بنهي الرسول مع الله عن بيع الغرر وعن بيع ما ليس عند الإنسان. وإن كان خاصاً، احتمل إرادة معنى المجاز منه • وإن كان مطلقاً احتمل التقييد، مثل تقييد قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَنَا وَراءَ ذلِكُمْ} [النساء: 24/ 4]، بعدم الزيادة على أربع بقوله تعالى: {مَثْنى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3/ 4]، وبحديث النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها. 2 - النص: النص: هو ما ازداد وضوحاً عن الظاهر بقرينة تقترن باللفظ من المتكلم، ودل بنفس صيغته على المعنى المقصود أصالة من سياقه، ويحتمل التأويل، ويقبل النسخ والتخصيص (1). فقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} [البقرة: 275/ 2]، نص يدل على نفي التماثل بين البيع والرّبا في الحل والحرمة، وهو معنى متبادر فهمه من اللفظ، ومقصود أصالة من سياقه؛ لأنه جاء للرد على اليهود القائلين فيما حكاه القرآن إنما البيع مثل الربا وقوله سبحانه: {فَانكحوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) [النساء: 3/ 4]، نص يدل على قصر إباحة النساء على أربع، وهو المعنى الذي سيق الكلام لأجله، بقرينة سياقية، هي قوله تعالى بعدئذ: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً) [النساء: 3/ 4]. (1) أصول السرخسي: 164/ 1، التلويح على التوضيح: 125/ 1. 176 -","part":1,"page":176},{"id":177,"text":"وقوله عزّ وجلَّ: {فَطَلّقوهُنَّ لِعِدَتِهِنَّ} [الطلاق: 165]، نص يدل على بيان وقت السنة عند إرادة الطلاق؛ لأن الكلام سيق لذلك. وقوله تعالى: {وَما آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهوا) [الحشر: 7/ 59]، نص على وجوب طاعة الرسول في قسمة الفيء، لأنه المقصود من سياقه. وقوله سبحانه: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصي بها أو دِين} [النساء: 174]، نص يدل على تقديم الدين والوصية على الميراث، وكذلك آية حد السرقة وحد الزنا تدل كل منها على وجوب الحد وحكم النص: هو حكم الظاهر، وهو وجوب العمل بمعناه المتبادر منه المقصود بذاته وأصالة، مع احتمال التأويل إن كان خاصاً، والتخصيص إن كان عاماً، واحتمال النسخ أيضاً، لكن لما كانت هذه الاحتمالات لا تستند إلى دليل، كان حكمه قطعياً يقينياً، لكن احتماله للتأويل أبعد من احتمال الظاهر له والتأويل: صرف اللفظ عن ظاهره بدليل شرعي من نص أو قياس أو مبادئ التشريع وروح الشريعة. مثل تخصيص عموم البيع في آية {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ) [البقرة: 275/ 2]، بأحاديث النهي عن الغرر، وعن بيع ماليس عند الإنسان، وعن بيع الثمر قبل بدء صلاحه ومثل تقييد المطلق في آية: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} [المائدة: 2/ 5]، بآية: (أوْ دَماً مَسْفوحاً} [الأنعام: 145/ 6]. وتأويل الشاة في قوله الله: «في كل أربعين شاة شاة»، فإن الظاهر ألا يجزئ إلا شاة من الأربعين، وتؤول بإجزاء ما يعادلها من كل مال متقوم؛ لأن المقصود من الزكاة سد حاجة الفقير. - 177 -","part":1,"page":177},{"id":178,"text":": وتأويل الواجب في ردّ الشاة المصراة وهو صاع من التمر بأي تعويض آخر؛ لأن المقصود رد مثل ما أتلف أو قيته وقد يكون التأويل محل نظر وخلاف، كتأويل قوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكيناً} [المجادلة: 4/ 58]، بإرادة الستين أو مسكيناً واحداً ستين مرة، أجازه الحنفية ولم يجزه الشافعية. 3 - المفسر: المفسّر: هو ما دل على معناه دلالة أكثر وضوحاً من النص والظاهر، إذ لا يبقى معه احتمال التأويل والتخصيص، ولكنه يقبل النسخ في عهد الرسالة (1) مثل قوله تعالى في حد الزنا: {فَاجْلِدُوا كُلَّ واحدٍ مِنْهَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) [النور: 2/ 24]، وفي حد القذف: {فَاجْلِدوهُمْ ثَمانينَ جَلْدَةً) (النور: 4/ 24]، فإن كلاً من لفظ: (مئة) و (ثمانين (مفسّر؛ لأنه عدد معين، والعدد المعين لا يحتمل الزيادة ولا النقص. وقوله سبحانه: {وَقاتِلوا الْمُشْرِكين كان} [التوبة: 3679]، فإن كلمة (كافة) تنفي احتمال التخصيص. وقد يكون المفسر مجملاً غير مفصل يحتاج إلى بيان من الشرع يزيل إجماله، حتى يصير مفسّراً لا يحتمل التأويل، مثل ألفاظ الصلاة والزكاة والحج والرّبا، أوضحها < \" الرسول ببيانه القولي والفعلي، فقال عن الصلاة: «صلوا كما رأيتموني أصلي وعن الحج خذوا عني مناسككم»، وأبان أحكام الزكاة وأنصباءها في أحاديث مختلفة، وفصل أنواع الرّبا وأحكامه بأحاديث متعددة. وهذا في الاصطلاح الحديث >>: يسمى التفسير التشريعي، أي الذي مصدره الشرع نفسه - 178 - كشف الأسرار: 49/ 1 (1)","part":1,"page":178},{"id":179,"text":"وحكم المفسر: وجوب العمل به قطعاً كما فصل، وعلى وجه لا يبقى معه احتمال التأويل أو التخصيص، مع بقاء احتمال النسخ إذا كان حكماً فرعياً يقبل التبديل. والفرق بين التفسير والتأويل: أن الأول بيان للمراد بدليل قطعي من الشارع نفسه، والثاني وهو التأويل تبيين للمراد بدليل ظني اجتهادي، وليس قطعياً في تعيين المراد 4 ـ المحكم: المحكم (1): هو اللفظ الذي دل يصيغته على معناه دلالة واضحة لا يبقى معها احتمال التأويل والتخصيص والنسخ في عهد الرسالة وفترة نزول الوحي. وهو الأحكام الأساسية في الدين، كأصول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وشمول علم الله لكل شيء، وأصول الفضائل والأخلاق التي يقرّها العقل السليم ولا تختلف باختلاف الأحوال، كالعدل والصدق والمساواة والوفاء بالعهد والأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام، وتحريم أضدادها من الرذائل كالظلم والكذب والتمييز الطبقي بين الناس، ونقض العهد، والخيانة، وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم. ومنها الأحكام الفرعية الجزئية التي دلّ الشرع على تأبيدها ودوامها، ومثل قوله تعالى: (وَما كانَ لَكُمْ أَن تُؤذوا رَسولَ اللهِ، وَلا أَنْ تَنكحوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً م [الأحزاب: 5333]، وقوله سبحانه في القذَفَة: {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً) النور: 4/ 24]، وقوله الله في الجهاد: «والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال .. . . وحكمه: وجوب العمل به قطعاً دون تردد؛ لأنه لا يحتمل غير معناه، ولا يقبل النسخ والإبطال مطلقاً، سواء في عهد الرسالة، أم بعدها، لصيرورة الأحكام كلها الواردة في القرآن والسنة بعد وفاة النبي الا الله محكمة غير قابلة للنسخ والإبطال. (1) أصول السرخسي: 165/ 1 - 179 -","part":1,"page":179},{"id":180,"text":"والخلاصة: إن كلاً من الظاهر والنص والمفسّر والمحكم يوجب الحكم قطعاً ويقيناً، لكن قد يفيد بعضها الظن أحياناً إذا كان احتمال غير المراد مما يعضده الدليل تعارض هذه الأنواع: تتفاوت درجات الوضوح في هذه الأنواع وقوة الدلالة على المراد منها بحسب قوتها ووضوحها، فأقواها المحكم، ثم المفسّر، ثم النص، ثم الظاهر، فإذا تعارضت فيما بينها قدم النص على الظاهر، والمفسّر على الظاهر والنص، والمحكم على الجميع؛ لأن الأقوى يقدم على الأضعف عند التعارض. مثال تعارض الظاهر والنص: قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ) [النساء: 24/ 4]، وقوله تعالى: (فانكحوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاء مَثْنى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3/ 4]، ظاهر الأول إفادة حل ما زاد على الأربع، والثاني نص في الاقتصار على أربع زوجات، وتحريم الزيادة على ذلك، فيرجح النص؛ لأنه أقوى من الظاهر، ولأن معنى النص مقصود أصالة من السياق، ومعنى الظاهر غير مقصود أصالة من السياق، والمقصود أصالة يتبادر إلى الفهم دون غيره، ولهذا يرجح الخاص على العام حين التعارض؛ لأن الخاص مقصود أصالة بالحكم، والحكم في العام غير مقصود أصالة بل في ضمن أفراده؛ ولأن في تقديم النص جمعاً بين الدليلين، بحمل الظاهر مثلاً على احتماله الآخر الموافق للنص (1) ومثال تعارض النص مع المفسر: قوله: «المستحاضة تتوضأ عند كل صلاة»، وفي حديث آخر لفاطمة بنت قيس: «توضئي لوقت كل صلاة»، الأول نص يفيد إيجاب الوضوء على المستحاضة لكل صلاة، ولو في وقت واحد، والثاني مفسر لا يحتمل التأويل في إيجاب الوضوء لوقت كل صلاة، ولو لأكثر من صلاة، (1) التلويح على التوضيح: 126/ 1: 180","part":1,"page":180},{"id":181,"text":"فيرجح الثاني؛ لأنه مفسر، والمفسر أقوى وأوضح دلالة من النص؛ لأن تفسيره جعله غير محتمل للتأويل، وتعيَّن المراد منه (1) وتعارض المفسّر والحكم لا يوجد له مثال، كما نبه بعض المحققين، ومثل له بعضهم بقوله تعالى في شأن الشهود: {وَأَشْهدوا ذَوي عَدْلِ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2/ 65]، وقوله تعالى في محدودي القذف: {وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً} [النور: 4/ 24]، الأول مفسر لا يحتمل غير قبول شهادة العدول، ومقتضاه قبول شهادة المحدود في القذف إذا تاب؛ لأنه عدل بعد التوبة. والثاني محكم لوجود التأبيد فيه صراحة، فيقتضي عدم قبول شهادته وإن تاب، فيرجح الثاني عند الحنفية وهو المحكم، على الأول وهو المفسر، فلا تقبل شهادة محدود القذف، وإن تاب وتعارض المحكم مع النص: مثاله قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وراء ذلِكُمْ} [النساء: 24/ 4]، وقوله سبحانه في زوجات الرّسول الله: هو وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ} من بعده أبداً} [الأحزاب: 52/ 23]، الأول نص في إباحة ما عدا المحرمات المذكورة قبله، ويشمل ذلك زوجات النبي عليه الصلاة والسلام، والثاني محكم لا يحتمل النسخ والتبديل، وهو يفيد تحريم الزواج بإحدى زوجاته عليه الصلاة والسلام، فيقدم المحكم؛ لأنه أقوى من النص. وتعارض المحكم مع الظاهر: مثاله قوله تعالى: {وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً} [الأحزاب: 03/ 23]، وقوله سبحانه: (فَانكحوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النساء} [النساء: 3/ 4]، الأول محكم يفيد تحريم الزواج بزوجات النبي، والثاني ظاهر في إباحة جميع النساء، فيقدم المحكم؛ لأنه أقوى من الظاهر.، 181 - كشف الأسرار: 51/ 1 (1)","part":1,"page":181},{"id":182,"text":"القاعدة الرابعة - غير واضح الدلالة ومراتبه غير واضح الدلالة من النصوص: هو ما لا يدل على المراد منه بنفس صيغته، بل يتوقف فهم المراد منه على أمر خارجي. وينقسم اللفظ غير واضح الدلالة، أي الخفي في دلالته عند الحنفية إلى أربعة أنواع: هي الخفي، والمشكل، والمجمل، والمتشابه. وأشدها خفاء، هو المتشابه، ثم المجمل، ثم المشكل، ثم الخفي. فإن كان الخفاء لعارض غير اللفظ فهو الخفي، وإن ثم كان الخفاء لنفس اللفظ، وأمكن إدراك المراد من اللفظ بالعقل، فهو المشكل، فإن أمكن إدراك المراد منه بالنقل لا بالعقل فهو المجمل، وإن لم يمكن إدراك المراد منه أصلاً، لا بالعقل ولا بالنقل، فيسمى المتشابه، فالخفاء في الخفي من غير الصيغة، وفي الأنواع الباقية بعارض من الصيغة 1 - الخفي: الخفي: هو ما خفي مراده بعارض غير الصيغة، لا ينال إلا بالطلب. أي أن معناه ظاهر من لفظه، ولكن في انطباق هذا المعنى على بعض الأفراد شيء من الغموض (1) وهو أدنى مراتب الخفاء، ويقابل الظاهر الذي هو أول مراتب الظهور. مثاله: النشّال (الطرار (الذي يأخذ المال من صاحبه الحاضر اليقظان بخفة يد ومهارة. والنّباش) سارق أكفان الموتى من القبور). الأول يختلف عن السارق بوصف زائد فيه وهو جرأة المسارقة، فينطبق عليه حكم السارق، فتقطع يده بالاتفاق كما جاء في حاشية نسمات الأسحار؛ لأنه أولى بالقطع؛ لأن علة القطع أكثر توافراً فيه، وفي (1) أصول السرخسي: 167/ 1. - 182 -","part":1,"page":182},{"id":183,"text":"فقه الحنفية وشروح المنار: يقطع الطرار إذا وقعت الدراهم في داخل الحرز (الجيب أو: الكم) فإن وقعت خارجه لا يقطع • والنباش ينقص عن السارق من جهة أنه لا يأخذ مملوكاً من حرز، فلا ينطبق عليه اسم السارق عند جمهورا الحنفية، فلا تقطع يده وإنما يعزّر؛ لأن القبر لا يعد حرزاً لما فيه، ولأن الكفن ليس مالاً مرغوباً فيه عادة، فوجد فيه وصفان لنقصان معنى السرقة فيه وهما عدم الحرز وقصور المالية. وقال الأئمة الآخرون وأبو يوسف: إنه يعد سارقاً وتقطع يده؛ لأن القبر حرز لما فيه، والكفن وهو القماش مال ينتفع به عادة ومثال آخر: لفظ القاتل في حديث «لا يرث القاتل شيئاً»، هو لفظ عام يشمل القاتل عمداً والقاتل خطأ، ولكنه ظاهر في دلالته على القتل عمداً، وأما دلالته على القاتل خطأ، ففيها خفاء وغموض بسبب وصف الخطأ، فاحتاج الأمر إلى بحث ونظر: ذهب المالكية إلى أن القاتل خطأ لا يحرم من الميراث، ولا يدخل في عموم الحديث، لكونه لم يقصد القتل، وذهب الجمهور إلى أنه كالعامد يحرم من الميراث؛ لأنه مقصر في حالة تستدعي منه الحذر والاحتياط، فيعاقب سداً للباب أمام المجرمين الذين يستعجلون الإرث. وحكم الخفي: هو وجوب الطلب والبحث إلى أن يتبين المراد، أي التأمل في العارض الذي سبب الخفاء، ولكل عالم وجهة نظر، كما بينا في الطرار (النشال) والنباش، الأول متفق على إلحاقه بالسارق لزيادة فيه كما في بعض الكتب، والثاني مختلف فيه لنقص في معناه 2 - المشكل: المشكل: هو اللفظ الذي لا يدل بصيغته على المراد منه، بل لا بد من قرينة خارجية تبين المراد منه (1). وهو يقابل النص 183 - 52/ 1: كشف الأسرار (1)","part":1,"page":183},{"id":184,"text":"والفرق بينه وبين الخفي: أن الخفاء في المشكل ناشئ من نفس اللفظ، ولا يفهم معناه إلا بقرينة تدل على المراد منه، بينما الخفي يعرف خفاؤه من طريق خارج عن نفس اللفظ، فيعرف المراد منه من غير قرينة، ولا بد في كل من الخفي والمشكل من البحث والتأمل. وسبب الإشكال والغموض في المشكل: كون اللفظ مشتركاً بين معنيين فأكثر من غير أن يدل اللفظ بذاته على معنى معين، فلا يفهم إلا بدليل ونظر وتأمل مثاله لفظ (أنى) في قوله تعالى: {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنِّي شِيْتُمْ) [البقرة: 223/ 2]، فإنه مشترك يأتي بمعنى كيف كما في قوله تعالى: (أنى يكون لي غُلامٌ} [مريم: 20/ 19]، أي كيف، ويأتي بمعنى (أين) كما في قوله تعالى: (أنّى لك هذا} [آل عمران: 37/ 3)، أي من أين، فأشكل المراد به، وبالتأمل يترجح كونه] بمعنى (كيف) أي بأي كيفية كانت، قاعدة أو قائمة أو على جنب، أو من الخلف ولكن في القبل لا في الدبر؛ لأن الحرث هو موضع طلب الأولاد والنسل، والدبر ليس محلا له ومثال آخر لفظ (قروء (في قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قروء} [البقرة: 228/ 2]، فإنه مشترك بين الطهر والحيض، وقد أشكل المراد به هنا، هل يراد به الطهر أو الحيض؟ رجح الحنفية والحنابلة كون المراد به هو الحيض، عملاً بحديث: «عدة الأمة حيضتان» ولا فرق بين الأمة والحرة فيما تقع به العدة، وبحديث: «المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها، ولأن العدة شرعت لتعرف براءة الرحم من الحمل، ويعرف ذلك بالحيض. ورجح المالكية والشافعية كون المراد بالقروء الأطهار، بقرينة تأنيث العدد وهو ثلاثة، فيقتضي أن المعدود مذكر وهو الطهر لا الحيضة، ولأن تفسير القرء بالظهر - 184 -","part":1,"page":184},{"id":185,"text":"أقرب إلى الاشتقاق؛ لأن معنى العدة الجمع والضم، ولا شك بأن مدة الطهر هي يجتمع فيها الدم في الرحم، ومدة الحيض هي مدة إلقاء الدم. التي وهناك مثال ثالث وهو كلمة (الذي بيده عقدة النكاح (في آية: (إلا أن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح} [البقرة: 227/ 2]، هل المراد بذلك الزوج أو الولي، وبالتأمل والاجتهاد رأى الجمهور غير المالكية أن المراد هو الزوج رجلاً أو امرأة؛ لأن العفو لا يتصور إلا ممن له حق التنازل عن المهر لغيره، ويكون تأويل الآية: إلا أن تعفو المرأة عن حقها، أو يعفو الزوج عن حقه وهو نصف المهر، فيكون المهر كله للمرأة ورأى المالكية أن المراد هو الولي، وتكون المرأة هى التي تعفو إن كانت أهلاً للتصرف، بأن لم تكن صغيرة أو محجوراً عليها، فإن لم تكن أهلاً للتصرف أسقطه وليها، وتقيد كلمة (يعفون) بقيد: إن كن أهلاً لذلك، وما بعد (يعفون) يكون الولي هو المراد. والراجح هو الرأي الأول؛ لأن زيادة قيد في الآية مما يحتاج إلى دليل. وحكم المشكل: هو وجوب البحث والتأمل في المعنى المراد من اللفظ المشكل، ثم العمل بما تبين المراد منه بالقرائن والأدلة، كالنصوص الأخرى، أو قواعد التشريع أو حكمة التشريع. - المجمل: المجمل: هو اللفظ الذي خفي المراد منه بنفس اللفظ خفاء لا يدرك إلا ببيان من المتكلم به، فلا يدرك بالعقل وإنما بالنقل عن المتكلم، وهو ضد المفسر، فلا يفهم المراد منه إلا باستفسار من صاحب الكلام. - 140_:","part":1,"page":185},{"id":186,"text":"وهو أشد خفاء من المشكل؛ لأنه ازدحمت فيه المعاني، وصار كل معنى يدفع كل واحد سواه، لا أنه شمل معاني كثيرة (1) وسبب الإجمال أحد ثلاثة أمور: الأول - الاشتراك مع عدم القرينة: كلفظ الموالي، فيما لو قال شخص: أوصيت بثلث مالي للموالي، وكان للموصي موال أعلون، أي معتقون، وموال أسفلون أي معتقون، فلا يعرف المراد إلا ببيان من الموصي نفسه، فإن مات ولم يبين مقصوده، بطلت الوصية عند الحنفية الذين لا يجيزون استعمال المشترك في جميع معانيه الثاني - غرابة اللفظ في اللغة: مثل كلمة (الهلوع) في قوله تعالى: إنَّ الإنسانَ خُلِقَ هَلوعاً} [المعارج: 1970]، فإنه غريب لا يفهم المعنى المراد منه، حتى بينه الله سبحانه، فأبانه بقوله: (إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزوعاً، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنوعاً) المعارج: 0870 - 21، ومثل كلمة القارعة والحاقة، فإنه لم يفهم المراد منها حتى بين الحق تعالى ذلك، وأن المقصود بها يوم القيامة. الثالث - النقل من المعنى اللغوي إلى معنى اصطلاحي شرعي: كألفاظ الصلاة والزكاة والربا ونحوها مما نقل من معناه اللغوي واستعمل في معنى شرعي لا يدرك من طريق اللغة، فجاءت السُّنة النبوية مبينة المراد منها .. وحكم المجمل: التوقف في تعيين المراد منه في عهد الرسالة، حتى يبينه المتكلم به؛ لأنه هو الذي أبهم المراد منه، وليس في صيغة اللفظ ولا في القرائن الخارجية عنه ما يبينه، فيتعين الرجوع إلى المتكلم والاستفسار منه عما يريد. فإن كان الإجمال في كلام الشارع، يلجأ إليه نفسه لبيان المراد من قوله، فإن كان البيان وافياً، انتقل اللفظ من المجمل إلى المفسر، وأخذ حكمه، كبيان الصلاة (1) التلويح على التوضيح:.127/ 1: - 186 -","part":1,"page":186},{"id":187,"text":"والزكاة والحج وغيرها، وإن كان البيان غير واف، التحق المجمل بالمشكل وأخذ حكمه وعندها يكون للمجتهد حق إزالة ما فيه من إشكال، من غير حاجة إلى استفسار وبيان جديد من الشارع، مثل لفظ الرّبا في قوله تعالى: {وَحَرَّمَ الرِّبا) [البقرة: 270/ 2]، فإنه في رأي الحنفية مجمل؛ لأن الرّبا في اللغة عبارة عن الزيادة، وذلك غير مراد، فإن البيع ما شرع إلا للاسترباح وطلب الزيادة، ولكن المراد حرمة البيع بسبب زيادة مشروطة في العقد، وهذا لا يعرف بالتأمل في الصيغة بل بدليل، آخر، فكان مجملاً فيما هو المراد، فجاء بيان النبي ع الله بقوله: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبُرّ بالبرّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء» ولما كان هذا البيان غير واف، اجتهد فيه الفقهاء، وذكروا علة الحكم، واهتدى الحنفية والحنابلة إلى أنها القدر المتفق أي التقدير بالكيل أو الوزن، مع الجنس المتحد ورأى المالكية والشافعية: أن العلة في النقدين (الذهب والفضة) النقدية، وفي بقية الاقتيات والادّخار عند المالكية، والمطعومية أو الطعم عند الشافعية. الأصناف: هي 4 - المتشابه: المتشابه: هو ما خفي بنفس اللفظ، ولا توجد قرائن خارجية تبينه، واستأثر الشارع بعلمه فلم يفسره. وهو أكثر الأنواع خفاء وإبهاما (1) وقد ثبت بالاستقراء والتتبع أن المتشابه بهذا المعنى لا يوجد في النصوص التشريعية المبينة للأحكام الشرعية العملية. وإنما يوجد في مجالات أخرى، كالحروف المقطعة في أوائل السور القرآنية، مثل: آلم، حم عسق، كهيعص)، وصفات الله التي توهم المشابهة للخلق في أن له يداً (1) أصول السرخسي 179/ 1: 6 187 - | 1","part":1,"page":187},{"id":188,"text":"وعيناً ومكاناً ونزولاً، مثل: {يَدُ اللهِ فَوْق أَيْديهِمْ} [الفتح: 10/ 48]، وَاصْنَع الْفُلْكَ بأعيننا وَوَحينا} [هود: 27/ 11]، و وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْني) [طه: 39720]، ما يَكونَ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةِ إِلا هُوَ رابعُهُمْ وَلا خَمْسَة إلا هُوَ سَادِسُهُمْ، وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ، أينما كانوا كم} [المجادلة: 7/ 58)؛ لأن الله منزه عن اليد والعين والمكان وكل ما يشبه خلقه ومثال الأفعال التي تصدر عن الله تعالى موهمة التجسيم والجهة، مثل قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى) [طه: 5/ 20]، وقوله سبحانه: {وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفاً} [الفجر: 22/ 89]. وحكم المتشابه في رأي السلف: تفويض العلم إلى الله به، والإيمان بظاهره، وعدم البحث في تأويله؛ لقوله تعالى: {وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ) آل عمران: 7/ 3]. أما الحروف المقطعة فهي للتحدي وبيان أن القرآن مكون من حروف لغة العرب، لا من حروف لغة أخرى، لذا يذكر في الغالب لفظ الكتاب بعد هذه الحروف وفي رأي الخلف: تأويل المتشابه بما يوافق اللغة، ويلائم تنزه الله عما لا يليق به؛ لأنه تعالى لا يد له ولا عين ولا مكان، فكان الظاهر مستحيلاً، والتأويل عن هذا الظاهر واجباً، ويراد به معنى يحتمله، ولو بطريق المجاز، فيكون المراد بقوله تعالى: ويد الله} [الفتح: 10/ 48]، القدرة، ويراد بالوجه: الذات في قوله تعالى: (كُلُّ شَيْءٍ هالِك إِلا وَجْهَهُ} [القصص: 8828]، ويراد بالاستواء: الاستيلاء على وجه التمكن في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى) [طه: 5/ 20]. عليها ومنشأ الخلاف: هو اختلافهم بالوقف على كلمة (الله) أو عطف (الراسخون)، فالسلف يقولون بالوقف على قوله تعالى: {وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ} ....... 188 -","part":1,"page":188},{"id":189,"text":"[آل عمران: 72]، ويرون أن المتشابه لا يعلم تأويله غير الله، وأن الراسخين في العلم يفوضون علمه إلى، ويؤمنون به من غير بحث ولا تأويل. ربهم 6 والخلف يعطفون (الراسخون في العلم) على لفظ الجلالة، ويقولون: إن الراسخين في العلم يقدرون على تأويله بإرادة معنى يحتمله اللفظ، ويتفق مع تنزيهه سبحانه عن مشابهة خلقه والكل متفق على وجوب تنزيه الله تعالى عن مشابهة الحوادث والمخلوقات. ورأي السلف أحوط وأولى، ورأي الخلف أحكم عقلاً. وبه يتبين أن القاعدتين الثالثة والرابعة مختصتان ببيان واضح الدلالة وغير واضح الدلالة من النصوص الشرعية فما فهم منه المراد بنفس صيغته من غير توقف على أمر خارجي، فهو الواضح الدلالة، وما لم يفهم المراد منه إلا بأمر خارجي، فهو غير الواضح الدلالة وأساس التفاوت في مراتب الوضوح هو احتمال التأويل وعدم احتماله، وأساس التفاوت في مراتب الخفاء هو القدرة على إزالة الخفاء وعدمها. القاعدة الخامسة - المشترك ودلالته هذه القاعدة في المشترك والقاعدتان التاليتان في اللفظ العام واللفظ الخاص توضح المراد من هذه الألفاظ في النصوص الشرعية والقانونية. واللفظ المشترك: هو ما وضع لمعنيين أو أكثر في أصل الوضع اللغوي بوضع متعدد، يدل على ما وضع له على سبيل البدل، أي على هذا المعنى أو ذاك، فلا بد فيه من شرطين: تعدد الوضع، وتعدد المعنى، مثل لفظ العين وضع في اللغة للباصرة وعين الماء والجاسوس والشمس (1) والذهب، ولفظ القرء وضع في اللغة للطهر والحيض، ولفظ اليد لليمنى واليسرى ولفظ السنة للهجرية والشمسية الميلادية .. ، - 189 - كشف الأسرار: 37/ 1. (1) 1","part":1,"page":189},{"id":190,"text":"ولا يصح أن يراد بالمشترك إلا معنى واحد عند الحنفية. والفرق بين المشترك والعام والخاص: أن المشترك يتعدد فيه المعنى بوضع متعدد، والعام يدل على شمول جميع الأفراد الذين يصدق عليهم من غير حصر، والخاص يدل على فرد أو أفراد محصورين يصدق عليهم من غير شمول. أسباب وجود الاشتراك: هناك أسباب كثيرة لوجود المشترك أهمها ما يأتي (1) - اختلاف القبائل في الوضع اللغوي: بأن تختلف كل قبيلة عن الأخرى في استعمال الألفاظ للدلالة على معان، ثم ينقل إلينا اللفظ مستعملاً في المعنيين من غير نص على اختلاف الوضع. مثل اليد، تطلق لدى بعض القبائل على الذراع كله ولدى قبيلة أخرى تطلق على الساعد والكف، ولدى أخرى تطلق على الكف خاصة. 2 - تطور الاستعمال أو الاشتراك المعنوي: قد يوضع اللفظ لمعنى عام يجمع بين معنيين، فتصلح الكلمة لكل منهما بسبب المعنى الجامع، وهذا هو الاشتراك المعنوي، ويغفل الناس عن المعنى الأصلي، وتصبح الكلمة في ظن الناس من قبيل المشترك اللفظي، مثل لفظ (المولى (معناه في الأصل الناصر، ثم استعمل للسيد والعبد، ولفظ (القرء) معناه في أصل اللغة: كل وقت اعتيد فيه أمر خاص، فيقال للحمّى قرء، أي دور معتاد تكون فيه، وللمرأة قرء، أي وقت تحيض فيه ووقت تظهر فيه وللثريا قرء، أي وقت يعتاد معها نزول المطرفيه، ثم استعمل في القرآن لوقت العدة الذي تمكث فيه المرأة بدون زواج بعد طلاقها، ومثل لفظ (النكاح) معناه الأصلي الضم، فيشمل العقد لضم اللفظين إلى بعضهما، والجماع لضم الجسمين إلى بعضها، فهو مشترك لغوي، ثم كثر إطلاقه في الشرع على العقد 6 (1) كشف الأسرار. -19.","part":1,"page":190},{"id":191,"text":"3 - التردد بين الحقيقة والمجاز: قد يوضع اللفظ لمعنى حقيقي أصلي، ثم يشتهر استعماله في معنى مجازي، وينسى أنه مجاز فيه، فينقل اللفظ إلينا على أنه حقيقة في المعنيين: الحقيقي والمجازي، كلفظ السيارة، والدراجة، والمسرة. الشرعي 4 - التردد بين المعنى الحقيقي والمعنى العرفي: قد ينقل اللفظ من معناه الأصلي إلى معنى اصطلاحي عرفي، فيكون حقيقة الغرية في الأول، وعرفية في الثاني، ويصبح مشتركاً بينهما. ومنه الألفاظ الموضوعة في اللغة لمعنى، ثم استعملت في الاصطلاح أو القانوني لمعنى آخر، كلفظ الصلاة أو لفظ الدفع، أو لفظ الطلاق، فلفظ الصلاة في اللغة: وضع للدعاء، وفي الشرع للعبادة المخصوصة، ففي قوله تعالى: وأقيموا الصَّلاةَ} [البقرة: 43/ 2]، يراد به المعنى الشرعي لا اللغوي. ولفظ الطلاق في اللغة وضع لحل أي قيد، ووضع شرعاً لحل قيد الزوجية الصحيحة، فقوله تعالى: الطلاق مرتان} [البقرة: 229/ 2]، يراد به معناه الشرعي لا اللغوي، ولفظ الدفع في اللغة: وضع للسرعة في السير أو الحديث، وفي الشرع للرد أو لأداء الدين، وفي القانون: للرد على دعوى المدعي، فيقال: دفوع الخصم، والدفع بعدم التنفيذ فقوله تعالى: وادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [فَصْلت: 34/ 41]، أي رد بالأحسن والأكرم. وحكمه: أنه يجب على المجتهد ترجيح أحد معاني المشترك بالقرينة اللفظية أو الحالية التي ترجح المعنى المراد. والمراد بالقرينة اللفظية: ما صاحب اللفظ، والمراد بالقرينة الحالية: ما كانت عليه العرب حين ورود النص من شأن معين. فإذا ورد لفظ مشترك في النص الشرعي بين عدة معان لغوية، وجب الاجتهاد لتعيين المعنى المراد منها؛ لأن الشارع ما أراد باللفظ إلا أحد معانيه، وعلى المجتهد أن يستدل بالقرائن والأمارات على تعيين هذا المعنى - 191 -","part":1,"page":191},{"id":192,"text":"فألفاظ الصلاة والزكاة والصوم والحج والطلاق، يراد بها المعنى الشرعي، لا المعنى اللغوي، إلا إذا وجدت قرينة تدل على أن المقصود هو المعنى اللغوي. مثال ترجيح المعنى اللغوي بقرينة لفظية: لفظ الصلاة في قوله تعالى: هو إنَّ الله وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النبي} [الأحزاب: 5633]، فإنه يراد به الدعاء، وهو المعنى اللغوي بقرينة لفظية هي نسبة الصلاة إلى الملائكة، فإنه يراد بها الاستغفار، لا العبادة المعروفة بالمعنى الشرعي ومثال ترجيح أحد معني المشترك بقرينة لفظية: لفظ القرء، رجح المالكية والشافعية معنى الطهر بقرينة، وهي لفظ (ثلاثة) التي ينبغي أن تكون عكس المعدود، وتأنيث اسم العدد دليل على أن يكون القرء عكس المعدود، وتأنيث اسم العدد دليل على أن المعدود مذكر وهو الطهر لا الحيضة. ورجح الحنفية والحنابلة معنى الحيض بقرينة أخرى، وهي أن لفظ (ثلاثة) خاص، والخاص يدل دلالة قطعية على أن مدة العدة ثلاثة قروء من غير زيادة ولا نقصان، وهذا لا يتحقق إلا إذا كان المراد بالقرء: الحيض ومثال الترجيح في اللفظ المشترك بقرينة حالية: قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَن الْمَحِيضِ قُلْ: هُوَ أَذًى، فَاعْتَزلوا النِّساء في الْمَحيض، وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222/ 2]، فإن المحيض يطلق في اللغة على الزمان والمكان، فهو مشترك، والقرينة الحالية تفيد أن المراد المكان لا الزمان، لأن العرب ما كانوا يعتزلون النساء في زمن الحيض. ومن أمثلة القرائن اللفظية: لفظ اليد في قوله تعالى: (وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطعوا أَيْدِيَهَا} [المائدة: 42875، مشترك بين الذراع، والكف والساعد، وبين اليمنى واليسرى، وقد عين المراد به وهو الكف واليمنى بالسُّنة العملية، وهي قرينة لفظية 192","part":1,"page":192},{"id":193,"text":"ولفظ الكلالة في قوله تعالى: {وَإنْ كانَ رَجُلٌ يورَثُ كَلالَةَ أَو امْرَأَةٌ) النساء: 12/ 4]، مشترك بين من لم يخلف ولداً ولا والداً، ومن ليس بولد ولا والد من المخلفين، والقرابة من جهة الحواشي غير الولد والوالد، رجح المجتهدون المعنى الأول باستقراء آيات المواريث ولفظ الواو في قوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ لفسق} [الأنعام: 1216]، مشترك بين إرادة العطف وإرادة الحال، انقسم المجتهدون في شأنه على رأيين، رأي الشافعية: أن المراد به الحال، فيكون النهي وارداً على مالم يذكر اسم الله عليه، والحال أنه فسق، أي ذكر عليه حين ذبحه اسم غير الله، ورأي الحنفية أن المراد به العطف، فيكون النهي وارداً على ما لم يذكر اسم الله عليه مطلقاً، سواء ذكر عليه حين الذبح اسم غير الله، أم لم يذكر فإن لم توجد قرينة ترجح أحد معاني المشترك، فيجب التوقف عند الحنفية حتى يقوم الدليل على تعيين احد المعاني. ويصح استعمال المشترك في معانيه، ويجوز إرادة كل واحد من معانيه عند المالكية والشافعية آمن القاعدة السادسة - العام ودلالته العام: هو اللفظ الذي يستغرق جميع ما يصلح له من الأفراد، أو هو اللفظ الذي يدل بحسب وضعه اللغوي على شموله لجميع الأفراد الذين يصدق عليهم من غير حصر في فئة معينة منها. مثل كل مؤمن في الجنة وكل كافر في النار. ومن ألقى سلاحه فهو، فذلك يشمل جميع من ينطبق عليه هذا الوصف من غير حصر في أفراد معينين فالعموم من صفات الألفاظ؛ لأن اللفظ يدل على استغراقه لجميع أفراده. ويختلف العام عن المطلق والنكرة فى أن العام يدل على شمول كل فرد من أفراده، أما المطلق مثل الرجل فيدل على الحقيقة دون شمول، أي يدل على فرد شائع من أفراده - 193 -","part":1,"page":193},{"id":194,"text":"وأما النكرة كرجل فيدل على كل واحد من رجال الدنيا، دون أن يستغرقهم ويشملهم جميعاً ألفاظ العموم: للعموم |: للعموم ألفاظ هي ما يأتي (1): - ألفاظ الجمع: مثل كل وجميع ومعشر وعامة وكافة وقاطبة ونحوها، مثل قوله تعالى: كُل امرئ بما كَسَبَ رَهين} [الطور: 21/ 52]، وحديث: «كلكم راع، وكل راع مسؤول عن رعيته»، وقوله تعالى: {أَمْ يَقولونَ: نَحْنُ جَميعٌ مُنتَصِرٌ} [القمر: 44/ 54]، خَلَقَ لَكُمْ ما في الأرض جميعاً} [البقرة: 29/ 2]، وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة: 3679]، وحديث: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث». 2 - الجمع المعرف بأل الجنسية أو المعرف بالإضافة، والمفرد المعرف بأل الجنسية والمعرف بالإضافة، مثل الجمع المعرف بأل قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنونَ} [المؤمنون: 1/ 23]، {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ} [الأحزاب: 35/ 33]، {إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنوبَ جَميعاً} [الزمر: 53/ 39]، {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195/ 2]، فكل ذلك يفيد العموم لأن الجنس يتحقق في كل فرد من الأفراد. ومثل الجمع المعرف بالإضافة قوله تعالى: يوصيكُمُ اللهُ في أَولادِكُمْ} [النساء: 11/ 4]، {خُذْ مِنْ أموالهمْ صَدَقَةً) [التوبة: 103/ 9]، فكل منهما يفيد العموم، بدليل صحة الأستثناء منه، فالاستثناء أمارة العموم. ومثال المفرد المعرف بأل: {وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعوا أيديها) [المائدة: 3875]، و الزّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدوا} [النور: 2/ 24]، {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ (1) شرح تنقيح الفصول: ص 179، مسلم الثبوت: 197/ 1، الإحكام للآمدي: 37/ 2، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 109، إرشاد الفحول: ص • 101 - 198 -","part":1,"page":194},{"id":195,"text":"وَحَرَّمَ الرّبا} [البقرة: 275/ 2]، {إِنَّ الإنسانَ لَفِي خُسر} [العصر: 2/ 103]، فكل ذلك يفيد العموم. ومثال المفرد المعرف بالإضافة قوله صلي الله عن البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» فإنه يدل على حل جميع ميتات البحر. 6 3 - النكرة في سياق النفي، أي النكرة المنفية، أو النهي أو الشرط: مثل الأول قوله تعالى: لا إكراه في الدّين} [البقرة: 2562]، وحديث: «لا وصية لوارث»، وحديث: «لا ضرر ولا ضرار»، وحديث: «لا هجرة بعد الفتح». ومثل الثاني قوله تعالى: {وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ مات أبداً} [التوبة: 84/ 9]، يعم جميع المنافقين، لورود كلمة (أحد) في سياق النهى. ومثل الثالث قوله سبحانه: (وإن يَرَوْا آيَةً يُعرضوا ويقولوا: سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ} [القمر: 2/ 54]، وقوله تعالى: (إن جاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَاً} [الحجرات: 6/ 49] أما النكرة في سياق الإثبات فلا عموم لها إلا بقرينة، مثل رجل ورجال، ومسلمين، ومثال العموم بقرينة قوله تعالى: (إنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذبحوا بَقَرَةً [البقرة: 67/ 2]؛ لأن المقصود تنفيذ مطلق الأمر، وهو يتحقق بأي بقرة. - الأسماء الموصولة: مثل (ما) و (من) و (الذين) و (اللائي) و (اللاتي) و (أولات) كما في قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ} [النساء: 24/ 4]، و الله ما في السَّمواتِ وَما في الأرض} [البقرة: 284/ 2]، {قُلْ: مَنْ كانَ في الضَّلالَة فَلْيَمدُدُ لَهُ الرَّحْمَنُ مَداً} [مريم: 70/ 19]، {إِنَّ الَّذينَ يَأْكلون أموال اليتامى ظلماً .. 75/ 19 [النساء: 10/ 4]، {وَاللائي يَحْسُنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائكم .. ) [الطلاق: 4/ 65]، واللاتي يَأْتينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائكُمْ .. } [النساء: 15/ 4]، {وَأُولاتُ الأحمال أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطَّلاق: 4/ 65]. ه - أسماء الشرط: مثل (من) و (ما) و (أي) و (أين) كقوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185/ 2]، {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً - 190 -","part":1,"page":195},{"id":196,"text":"فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 174]، {وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} [البقرة: 272/ 2]، و أيّاً ما تدعوا فَلَهُ الأَسْماءُ الْحُسْنى} [الإسراء: 110/ 17]، و أينما تكونوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ} [النِّساء: 7874]. € 6 - أسماء الاستفهام: مثل (من) و (ما) و (متى) و (ماذا) و (أين) كقوله تعالى: ومَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) [النساء: 125/ 4]، و ماذا أرادَ الله بهذا مَثَلاً)؟ [البقرة: 272]، و مَتى نَصْرُ الله؟ [البقرة: 214/ 2]، أيْنَ مَا كُنتُمْ تَدعونَ مِن دون الله؟ [الأعراف: 37/ 7]. كل هذه الألفاظ تدل على العموم بالوضع الحقيقي له في اللغة، للدلالة على استغراق جميع الأفراد، فإن استعمل اللفظ في غير الاستغراق، كان استعمالاً مجازياً يحتاج إلى قرينة تدل عليه دلالة العام: إما أن يبقى العام على عمومه أو يخصص، فإن خصص فالعام المخصوص يدل عند الجمهور على ما بقي من الأفراد بعد التخصيص على سبيل الظن لا القطع؛ لأن علة التخصيص قد تتحقق في أفراد آخرين مما بقي بعد التخصيص، فلا تكون دلالة العام على ما بقي بعد التخصيص قطعية بل ظنية. أما العام الذي لم يخصص وبقي على عمومه، فيدل على جميع أفراده، وهذا مذهب أرباب العموم؛ لأن العموم هو المتبادر إلى الذهن من صيغ العموم. لكن اختلف العلماء في صفة دلالة العام الذي لم يخصص على جميع أفراده، أهي دلالة قطعية أم ظنية)؟ (1) كشف الأسرار: 291/ 1، المحلي على جمع الجوامع: 2371، المدخل إلى مذهب أحمد 111، إرشاد ص - 197_ 100 الفحول: ص","part":1,"page":196},{"id":197,"text":"قال الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة (: دلالة العام على جميع أفراده ظنية، فهو ظني الدلالة على استغراقه الجميع أفراده؛ لأن كل عام يحتمل التخصيص، وما من عام إلا وقد خص منه البعض، ولا يخلو عنه التخصيص إلا قليلاً، وهذا يورث شبهة في دلالة العام على كل فرد بخصوصه ويترتب عليه أنه يصح تخصيص العام بالدليل الظني مطلقاً، وأنه لا يتحقق التعارض بين عام وخاص، وإنما يعمل بالخاص فيما دلّ عليه، ويعمل بالعام فيما عداه؛ لأن العام ظني الدلالة، والخاص قطعي الدلالة، ولا تعارض بين الظني والقطعي وذهب الحنفية إلى أن دلالة العام قطعية إذا لم يخص منه البعض؛ لأن اللفظ العام موضوع للعموم، فكان العموم ملازماً له، حتى يقوم دليل الخصوص، واحتمال التخصيص نادر وناشئ عن غير دليل، فلا ينافي قطعية العام. = ويترتب عليه أنه لا يصح تخصيص العام بالدليل الظني؛ لأن الظني لا يخصص القطعي، وأنه يتحقق التعارض بين العام الذي لم يخصص، وبين الخاص القطعي؛ لأنها قطعيان وبناء عليه، حرّم الحنفية متروك التسمية عمداً بقوله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 1216]، ولم يخصصوه بحديث: «ذبيحة المسلم حلال،: 12186 ذكر اسم الله عليها أم لم يذكر» لأنه حديث آحاد، وهو ظني. وأباح الشافعية من الجمهور الأكل من ذبيحة المسلم إذا ترك التسمية عليها عمداً؛ لأنهم خصصوا عام القرآن الظني بهذا الحديث الظني، والظني يجوز تخصيصه بالظني. أصحاب العموم يقولون بدلالة العام على جميع أفراده بحكم صيغته (الحنفية)، وأصحاب الخصوص يقولون بدلالة العام على واحد في اسم الجنس، وثلاثة في صيغة العموم ويتوقف فيما وراء ذلك إلى أن يقوم الدليل (الجمهور) (كشف الأسرار 299/ 1) 197","part":1,"page":197},{"id":198,"text":"وأوجب الحنفية السكنى والنفقة للمطلقة طلاقاً بائناً بينونة كبرى بقوله تعالى: أَسْكِنوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجُدِكُمْ} [الطلاق: 765]، ولم يخصصوه بحديث فاطمة بنت قيس، التي ذكرت أن رسول الله ما لم يجعل لها سكنى ولا نفقة. وخصص الجمهور عام القرآن بخبر الآحاد، عملاً بفعل الصحابة الذين خصصوا قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وراء ذلِكُمْ} [النساء: 24/ 4]، بحديث النهي عن الجمع بين المحارم وهو: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها». وخصصوا آيات المواريث بحديث: «لا يرث القاتل»، وحديث: «لا يرث الكافر من المسلم ولا المسلم من الكافر»، وخصصوا آية: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ في الْقَتْلى} [البقرة: 17872]، بحديث: «لا يقتل مسلم بكافر»، وكذلك خصصوا آية: (والسارق وَالسَّارِقَةُ {فاقطعوا أَيْدِيَهَا} [المائدة: 385]، بحديث: «تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعداً». هذه أمثلة تخصيص العام بالدليل الظني من خبر الواحد والقياس: وأما أثر الاختلاف في مسألة تعارض العام والخاص، فمثاله نصاب زكاة الزروع والثمار، فأبو حنيفة لم يشترط النصاب فيها أخرجته الأرض، واشترط الصاحبان والجمهور ملك النصاب وهو خمسة أوسق (653 كغ)، ومنشأ الخلاف تعارض حديثين وهما حديث: «ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة» وحديث: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عشرياً) العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر»، تعارض العام والخاص عند أبي حنيفة فيما دون خمسة أوسق، ولم يعلم تاريخها، فيعمل بالراجح منهما، والعام هو الراجح؛ لأنه يوجب الزكاة في القليل، فيعمل به احتياطاً. وخصص الجمهور الحديث الثاني بالأول، فلم يوجبوا الزكاة في الخارج من الأرض في أقل من خمسة أوسق، أي أنه يقدم الخاص، ويشترط ملك النصاب (1) الرسالة للإمام الشافعي: ص 53، والعثري: هو ا الذي يشرب بعروقه من غير سقي تجمع ماء المطر، أو كون ماء النهر قريباً منه، فيستغنى عن السقي.، معتمداً على - 198 -","part":1,"page":198},{"id":199,"text":"أنواع العام: العام ثلاثة أنواع): (1) 1 - عام أريد به العموم قطعاً: وهو الذي اشتمل على قرينة تنفي احتمال تخصيصه، مثل قوله تعالى: {وَما مِنْ دابَّة في الأَرْضِ إِلا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا} [هود: 7/ 11]، وقوله سبحانه: (وَجَعَلْنا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) الأنبياء: 30/ 21]، فهذا عام لا خاص فيه، يقرر سنة إلهية عامة لا تتبدل 6 كم 2 - عام أريد به الخصوص قطعاً: وهو الذي اشتمل على قرينة تنفي بقاءه على عمومه، مثل قوله تعالى: {وَاللهِ عَلى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) [آل عمران: 97/ 3]، هو عام مخصوص بالمكلفين؛ لأن العقل يقضي بخروج الصبيان والمجانين. ونحو قوله سبحانه: (ما كان لأهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يتخلفوا عَنْ رَسول الله} [التوبة: 120/ 9]، يراد بأهل المدينة والأعراب خصوص القادرين؛ لأن العقل يقضي بخروج العجزة. ونحو: وتُدَمرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها [الأحقاف: 25/ 46]، أي كل شيء يقبل التدمير. 3 - عام مطلق: وهو الذي لم تصحبه قرينة تدل على عمومه أو خصوصه، مثل أكثر نصوص العام بصيغه المختلفة، وهذا ظاهر في العموم حتى يقوم الدليل على تخصيصه، مثل قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) [البقرة: 228/ 2]. تخصيص العام: هو قصر اللفظ على بعض أفراده، أو صرف العام عن عمومه، وإرادة بعض ما ينطوي تحته من أفراد، وهو يحدث كثيراً في الكتاب والسنة، ففيهما تبيين أن العام ()) العثري: هو الذي يشرب من غير سقي، معتمداً على تجمع ماء المطر أو كون ماء النهر قريباً منه فيستغني. عن السقي - 199_","part":1,"page":199},{"id":200,"text":"يراد به بعض أفراده، مثل تخصيص آيات المواريث بحديث: «ليس للقبائل ميراث»، وحديث: «لا نورث ما تركناه صدقة»، ففيها تبيين أن حكم الإرث لم يشرع لكل قريب. وتخصيص آية السرقة: {وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطعوا أيْدِيَها} [المائدة: 38/ 5]، بحديث: «لا قطع في أقل من ربع دينار»، ففيه بيان أن حكم القطع لم يشرع لكل من اتصف بالسرقة والفرق بين التخصيص والنسخ: أن التخصيص عند الحنفية لا بد من أن يكون بدليل مقارن للعام، وأما النسخ فيكون بدليل متأخر عنه متراخ عن وجوده، فقوله تعالى في تشريع اللعان: {وَالَّذينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةً أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهادات باللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [النور: 6724]، هو نسخ جزئي لآية حد القذف: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ، ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ، فَاجْلِدوهُمْ ثَمانينَ جَلْدَةً) [النور: 4/ 24]، فهذه الآية تشمل كل قاذف سواء قذف زوجته أو غيرها، ثم جاءت آيات اللعان تقصر حد القذف على من قذف غير زوجته دليل التخصيص:  i.  اختلف العلماء في الدليل الصارف عن العموم، هل يشترط أن يكون مقارناً للعام ومستقلاً عنه، أو لا يشترط ذلك؟ فيه مذهبان: (?). يرى جمهور العلماء: أن دليل التخصيص قد يكون مستقلاً لفظاً عن نص العام أو غير مستقل، متصلاً به أو منفصلاً عنه، مادام لم يتأخر وروده عن وقت العمل به، فإن تأخر وروده عن العمل به، كان ناسخاً لا مخصصاً كما أبنت · واشترط الحنفية: أن يكون دليل التخصيص مستقلاً ومقارناً، أما غير المستقل عن جملة العام كالشرط والاستثناء، فيسمى قصراً لا تخصيصاً، وأما غير المقارن للعام (1) كشف الأسرار: 306/ 1، حاشية البناني على جمع الجوامع: 72، المدخل إلى مذهب أحمد إرشاد الفحول: ص 128. ص، 114 - 200","part":1,"page":200},{"id":201,"text":"فيسمى نسخاً ضمنياً، وحينئذ يكون التخصيص عندهم هو إرادة بعض ما يتناوله العام من الأفراد بدليل مستقل مقارن للعام، أي متصل به والفرق بين المذهبين: أن التخصيص عند الجمهور له معنى أشمل وأعم منه عند غيرهم، فهو يشمل التخصيص بالدليل المستقل وغير المستقل، والمقارن والمتأخر عن ورود النص العام بشرط عدم التأخر عن وقت العمل به. وأما عند الحنفية فلا بد من أن يكون المخصص مستقلاً ومقارناً والمخصص عند الجمهور نوعان: مستقل وغير مستقل، ولكل نوع حالات، وعند الحنفية ينحصر التخصيص في ثلاثة أنواع: هي العقل، والعرف، والعادة، والنص المستقل المقترن بالعام. والمخصص المستقل: هو ما لا يكون جزءاً من النص العام الذي ورد به اللفظ وهو عند الجمهور ستة أنواع: هي الحس، والعقل، والعرف والعادة، والإجماع، وقول الصحابي، والنص. 6 أما التخصيص بالحس: فهو مثل قوله تعالى في صفة الريح العقيم: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} [الأحقاف: 25/ 46]، فإنا نعلم بالحس أنها لم تدمر السماء والأرض مع أشياء كثيرة كالكواكب، فكان الحس مخصصاً ذلك العموم. ومثل قوله تعالى حكاية عن بلقيس ملكة سبأ: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيءٍ} [النمل: 2327]، وقد خص ذلك بالحس؛ لأن ما كان في يد سليمان عليه السلام لم يكن في يدها. والتخصيص بالعقل: كتخصيص آيات التكليف بمن هم أهل للتكليف دون من عداهم كالصبيان والمجانين، كقوله تعالى: {وَاللهِ عَلى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97/ 3]، وقوله سبحانه: يا أَيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ} [البقرة: 21/ 2] فكل من هذين النصين عام، لكنه خصص بالعقل فيمن هو أهل للتكليف -","part":1,"page":201},{"id":202,"text":"والتخصيص بالعرف والعادة: يشمل العرف القولي والعرف العملي، مثال العرف القولي: لفظ الدراهم إذا أطلق يراد به النقد الغالب في كل بلد. والعرف العملي: ا مثل إرادة البُرّ من لفظ الطعام، ومثل قوله تعالى: {وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْن كاملين} [البقرة: 233/ 2]، خصص عند المالكية بالمرأة غير الشريفة القدر، عملاً بالعرف الذي كان سائداً في قريش عند نزول الآية، وهو أن المرأة الحسيبة الشريفة القدر لا ترضع ولدها عادة والتخصيص بالإجماع: كالإجماع على أن لا جمعة على عبد وامرأة، فهو يخصص قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودِي للصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) [الجمعة: 962]، والإجماع على تنصيف حد القذف على العبد، فإنه مخصص لعموم قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ، ثُمَّ لَمْ يَأْتوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ، فَاجْلِدُوهُمْ ثمانينَ جَلْدَةً} [النور: 4/ 24]. والتخصيص بقول الصحابي: جائز عند الحنفية والحنابلة؛ لأنه حجة عندهم يقدم على القياس، فيكون مخصصاً؛ لأن الصحابي العدل لا يترك ما سمعه من النبي ما ويعمل بخلافه، إلا لدليل ثبت عنده يصلح للتخصيص، مثل اجتهادات عمر والتخصيص بالنص من قرآن أو سنة: مثل قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بأنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُروء} [البقرة: 228/ 2]، الشامل الحوامل وغيرهن والمطلقة قبل الدخول وبعده، ولكنه خصص منه الحوامل بقوله تعالى: {وَأُولات الأحمال أَجَلَهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 485، وخصص منه أيضاً المطلقة قبل الدخول بقوله سبحانه: {فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدّونَها} [الأحزاب 49/ 33]. واتفق الأصوليون على جواز تخصيص عام القرآن بالقرآن، وبالسنة المتواترة، واختلفوا في تخصيص القرآن بسنّة الآحاد أو خبر الواحد، فأجازه الجمهور مطلقاً 6","part":1,"page":202},{"id":203,"text":">> وقال الحنفية: إن كان العموم قد دخله التخصيص بالاتفاق، جاز تخصيصه بخبر الواحد، وإن لم يكن قد دخله التخصيص لم يجز تخصيصه بخبر الواحد • واحتج الجمهور بوقائع كثيرة، مثل حديث: «هو الطهور ماؤه، الحل ميته» خصص عموم قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3/ 5]، وحديث: ليس للقاتل ميراث» خصص عموم آيات المواريث، وحديث: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» خصص عموم: {وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وراء ذلِكُمْ} [النساء: 24/ 4]، وحديث الرجم خصص عموم آية الزّنا، وحديث: «لا قطع في أقل من ربع دينار» خصص عموم آية السرقة. وهذا هو الرأي الراجح قاعدة (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب): وردت نصوص كثيرة في القرآن والسنة النبوية بسبب واقعة خاصة، أو سؤال معين، ولكنها بصيغة عامة، فيجب العمل بعموم الصيغة، ولا عبرة بخصوص السبب سواء أكان سؤالاً أم واقعة؛ لأن ورود الحكم في النص بصيغة العموم قرينة على عدم تخصيصه بالسبب الذي أدى إليه. مثل آية السرقة نزلت في سرقة معينة هي سرقة رداء صفوان أو سرقة المجنّ (الترس)، وآية الظهار نزلت في حق أوس بن الصامت الذي ظاهر من امرأته خولة بنت ثعلبة، وآية اللعان نزلت في حق هلال بن أمية، ونحو ذلك، وكلها يراد بها العموم لا خصوص الواقعة. وقوله حينما سئل عن التوضؤ بماء البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» يشمل بعمومه كل أنواع التطهير، فيجب العمل بعمومه، ولا عبرة بكون السؤال ورد خاصاً بالوضوء. وقوله أيضاً: «أيما إهاب دبغ، فقد طهر» يشمل كل جلد دبغ، فيصير طاهراً، ولا عبرة بالواقعة التي قيل بشأنها، وهي أنه لا مر بشاة ميمونة، وهي ميتة، فلا يتخصص بجلد الشاة","part":1,"page":203},{"id":204,"text":"والمخصص غير المستقل: هو ما يكون جزءاً من النص المشتمل على العام وهو أربعة أنواع: الاستثناء المتصل، والشرط، والصفة (الوصف)، والغاية. فالاستثناء المتصل: مثل قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيْمَانِهِ إِلا مَنْ أَكْرَة وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بالإيمان} [النحل 106/ 16]، فإنه أخرج الكفر الظاهر المعبر عنه بمجرد اللسان، مع اطمئنان القلب بالإيمان، وصار الكفر الحرام هو الصادر عن رضا واختيار. ومثل قوله تعالى في الأمر بكتابة الدين المؤجّل: هو إلا أن تكون تجارَةً حاضِرَةً تُديرونَها بَيْنَكُمْ، فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ ألا تكتبوها كم} [البقرة: 2822]. والشرط: مثل قوله تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ} [النساء: 12/ 4]، فإنه قصر استحقاق الزوج النصف على حالة عدم وجود الولد والصفة: مثل قوله تعالى في تحريم الربيبة (بنت الزوجة من غير الزوج): بالدخول: {وَرَبائبكُمُ اللاتي في حُجورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} النساء: 33/ 4]، وقوله سبحانه في زواج الإماء المؤمنات دون غيرهن: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ، فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ} [النساء: 25/ 4]. والغاية: مثل قوله تعالى في بيان الواجب في غسل الأيدي إلى المرافق فقلط في الوضوء: (يا أيها الذينَ آمَنوا إِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاةِ، فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلى المرافق} [المائدة: 75]. القاعدة السابعة - الخاص ودلالته ا: اللفظ الخاص: هو اللفظ الموضوع للدلالة على معنى واحد على سبيل الانفراد، مثل خالد ومحمد، ورجل وفرس، وأسماء الأعداد كاثنين وثلاثة ومئة وألف وقوم ورهط، وإنسان، وعلم وجهل","part":1,"page":204},{"id":205,"text":"وقد جعل اللفظ الموضوع لذات فردية شائعة مثل رجل، أو النوع مثل إنسان من قبيل الخاص، بالنظر إلى الحقيقة المجردة التي وضع لها اللفظ، فهي واحدة لا تعدد فيها، وإن دخل تحت مفهومها أفراد • فإن دل اللفظ على التعدد، لا من طريق مادته أو حقيقته، وإنما من ناحية الواقع ونفس الأمر، مثل لفظ السموات، فيكون من قبيل العام وحكم الخاص: أنه يدل باتفاق العلماء على معناه الذي وضع له حقيقة على سبيل القطع واليقين، مالم يدل على صرفه عن معناه وإرادة معنى آخر. مثل لفظ (ثلاثة) في قوله تعالى: {فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّام} [البقرة: 1962]، ولفظ (عشرة) في قوله سبحانه: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ} [المائدة: 89/ 5]، يدلُّ كل من العددين على معناه قطعاً، ولا يحتمل زيادة ولا نقصاً؛ لأن كلاً منها لفظ خاص لا يمكن حمله على ما هو أقل أو أكثر. ومثل ذلك لفظ (أربعين) في حديث: «في كل أربعين شاة شاة» لتقدير نصاب زكاة الغنم «ومثل قوله تعالى: (وأقيموا الصَّلاةَ وَآتوا الزَّكاةَ} [البقرة: 43/ 2]، كل منهما أمر، والأمر من الخاص، فيدل قطعاً على وجوب الصلاة والزكاة. ومثل قوله عزّ وجلَّ: {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ) الإسراء: 33/ 17]، يدل على تحريم القتل دلالة قطعية؛ لأن صيغة النهي من الخاص أيضاً. لكن إذا دل دليل على صرف اللفظ الخاص عن معناه الحقيقي، وإرادة معنى آخر قتل منه، فلا تكون دلالته قطعية، ويحمل على مادلّ عليه الدليل، مثل قولهم: «القاضي المجرم» يحمل على أن القاضي حكم بالقتل، وهو احتمال ناشئ من دليل، هو أن (1) التوضيح: 35/ 1، أصول البزدوي: 79/ 1. - 205 -","part":1,"page":205},{"id":206,"text":"مهمة القاضي الحكم دون التنفيذ. ومثاله ما تقدم عند الحنفية في تأويل الشاة في الحديث السابق بما يعم الشاة وقيمتها، وتأويلهم صاع التمر أو الشعير في صدقة الفطر بما يعم الصاع وقيمته، وتأويلهم الصاع من تمر في حديث الشاة المصراة بما يشمله ويشمل أي عوض يماثل الشيء المتلف.: أنواع الخاص بحسب الصيغة: للخاص بحسب صيغته أنواع أربعة؛ وهي: المطلق، والمقيد، والأمر، والنهي 1 - المطلق: تعريف المطلق: هو اللفظ الخاص الذي يدل على فرد شائع، ولم يتقيد بصفة من الصفات، مثل رجل، وكتاب، وطائر، وطالب، وعربي، فإنها ألفاظ تدل على فرد شائع في جنسه، دون ملاحظة العموم أو الشمول، وإنما المقصود هو الماهية أو الحقيقة، دون تقييدها بصفة ما. وحكم المطلق: أنه يجري على إطلاقه، ما لم يرد دليل يدل على التقييد، فإذا قام، (1) الدليل على تقييده، كان هذا الدليل صارفاً له عن إطلاقه، مثل قوله تعالى في كفارة اليمين: {أو تحريرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 895]، يدل لفظ الرقبة على إجزاء المؤمنة والكافرة. وقوله تعالى في تعداد المحرمات من النساء: {وَأُمَّهات نسائكم) [النساء: 23/ 4]، يدل على تحريم أم الزوجة بمجرد العقد على ابنتها، سواء دخل بها أم لم يدخل. وقوله تعالى: {أَنْ تَبْتَغوا بأَمْوالِكُمْ} [النساء: 24/ 4]، يدل على جواز التزوج بأي مهر أو مال قليلاً كان أو كثيراً. وقوله الله: «لا نكاح إلا بولي» يدل على اشتراط وجود أي واحد من الأولياء أما إذا دلَّ الدليل على تقييد المطلق، وعمل بالمقيد، مثل قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ (1) التوضيح ومعه التلويح: 63/ 1 - 206 -","part":1,"page":206},{"id":207,"text":"! وَصِيَّةٍ يوصى بها أَوْ دَيْنِ} [النساء: 12/ 4]، الوصية هنا مطلقة، قيدت بالحديث الذي لا يجيز الزيادة في الوصية عن الثلث. 2 - المقيد: الصفات تعريف المقيد: هو لفظ خاص يدل على فرد شائع مقيد بصفة من مثل رجل مؤمن، وامرأة عفيفة. وحكمه: أنه يعمل به على تقييده، مالم يدل دليل على إلغاء القيد، فيلغى حينئذ القيد اللاحق به (1) مثاله في كفارة الظهار: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْن مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يتماسا} [المجادلة: 4/ 58]، ورد الصيام مقيداً بتتابع الشهرين، وبكونه قبل التماس والاستمتاع بالزوجة المظاهر منها، فيعمل به مقيداً بهذين القيدين. فلا يجزئ تفريق الصيام ولا فيما بعد الاستمتاع بالزوجة. ومثاله أيضاً تحريم الدم المسفوح في آية: لي إلا أَنْ يَكونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفوحاً} [الأنعام: 145/ 6]، قيد الدم المحرم بكونه مسفوحاً، أما الدم الجامد كالكبد والطحال، فليس بمحرم. ومثاله إلغاء القيد قوله تعالى: {وَرَبائبُكُمُ اللاتي في حجوركُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتي دَخَلْتُمْ بهنَّ} [النساء: 23/ 4]، يعمل بالقيد الثاني وهو اشتراط الدخول بالزوجة، ولا يعمل بالقيد الأول؛ لأنه روعي في ذكره العرف الغالب في أحوال الناس، وهو كون الرَّبيبة غالباً مع أمها في بيت الزوج، بدليل نفي القيد الثاني فقط في الآية: فَإِنْ لَمْ تكونوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ، فَلا جَناحَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 33/ 4]، ولم يتعرض لنفي القيد الأول، وهو كون الربيبة في حجر الزوج، أي في بيته ورعايته حمل المطلق على المقيد: إذا ورد اللفظ مطلقاً في نص شرعي، وورد هو نفسه مقيداً في نص آخر، فله أربعة أحوال: (1) مسلم الثبوت: 289/ 1 • - 207 -","part":1,"page":207},{"id":208,"text":"1 - إذا كان موضوع النصين واحداً، بأن كان الحكم فيها متحداً والسبب الذي بني عليه متّحداً: حمل المطلق على المقيد، أي كان المراد من المطلق هو المقيد، لاتحاد الحكم والسبب، مثل قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمَ} [المائدة: 3/ 5]، وقوله تعالى: (أوْ دَماً مَسْفوحاً} [الأنعام: 1456]، السبب في الآيتين واحد، وهو ضرر الدم، والحكم أيضاً متّحد، وهو حرمة تناول الدم، فيحمل المطلق على المقيد ويكون الدم المحرم هو المسفوح، دون الباقي في العروق واللحم، والجامد كالكبد والطحال. ومثال آخر: قوله تعالى في التّيم: {فَامسحوا بوجوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) النساء: 43/ 4]، وقوله سبحانه: {فَلَمْ تجدوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً، فَامْسَحُوا بوجوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ منه} [المائدة: 75]، السبب واحد في الآيتين، وهو إرادة الصلاة، والحكم واحد أيضاً وهو وجوب المسح، فيحمل المطلق على المقيد، ويكون الواجب استعمال التراب الطاهر، لا النجس < 6 2 ـ أن يختلف الحكم والسبب: فلا يحمل المطلق على المقيد باتفاق أكثر العلماء لعدم المنافاة في الجمع بينهما، بل يعمل بالمطلق على إطلاقه في موضعه، وبالمقيد على قيده في موضعه. مثل قوله تعالى في حد السرقة: {وَالسَّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعوا أيْدِيَهُما} [المائدة: 3875]، وفي الوضوء: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 75]، (لفظ) أيديها الأول مطلق، والثاني (وأيديكم) مقيد، والسبب في الآيتين مختلف: السرفة وإرادة الصلاة بعد الحدث، والحكم مختلف أيضاً، في الأول: قطع يد السارق، وفي الثاني: غسل الأيدي، فلا يحمل المطلق على المقيد، لكن حددت السُّنة موضع قطع يد السارق وهو من الرسغ. 3 - أن يختلف الحكم ويتَّحد السبب: مثل قوله تعالى في الوضوء: {فَاغْسِلوا: وُجوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 65]، وفي التيم: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ - 208 -","part":1,"page":208},{"id":209,"text":"وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 75]، السبب متحد وهو الحدث مع إرادة الصلاة، والحكم 7 مختلف في الآيتين وهو غسل الأيدي في الوضوء، والمسح في التيم، فلا يحمل المطلق على المقيد، ويعمل بكل منهما على حدة، إلا إذا دل الدليل على حمل المطلق على المقيد، إذ لا تنافي في الجمع بينهما. وحيث لا يحمل أحدهما على الآخر في هذه الحالة، يلجأ إلى السُّنة، فوجد الحنفية والشافعية أن الواجب مسح الأيدي إلى المرافق، لحديث ابن عمر مرفوعاً: «التيم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين:. ((ورأى المالكية والحنابلة أن الواجب هو مسح الكفين فقط؛ لأن النبي أمر عمار بن ياسر بالتيم في الوجه والكفين. 4 - أن يتحد الحكم ويختلف السبب: مثل تحرير الرقبة في كفارة الظهار وكفارة القتل الخطأ، قال الله تعالى في الأولى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْل أَنْ يَتَماسًا) المجادلة: 3/ 58]. وقال في الثانية: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 93/ 4]، اللفظ الأول مطلق والثاني مقيد بوصف الإيمان، والحكم متحد في الآيتين، والسبب مختلف، فهو في الظهار إرادة العودة إلى الاستمتاع بالزوجة، وفي القتل: القتل الخطأ. وهذه الصورة مختلف فيها، فذهب أكثر الحنفية وأكثر المالكية (): إلى أنه لا يحمل المطلق على المقيد، ويعمل بالمطلق في محله، وبالمقيد في موضعه، فيجب في كفارة القتل الخطأ عتق رقبة مؤمنة، وفي كفارة الظهار عتق أي رقبة، مؤمنة أو كافرة؛ لأنه لا تعارض بينهما، لاختلاف السبب، ويكون المناسب للقتل التغليظ على القاتل، بإلزامه عتق رقبة مؤمنة، والمناسب للظهار التخفيف والتيسير حفاظاً على الزوجية. (1) هذا ما ذكره علماء الأصول عند المالكية (الذخيرة: ص 97 وما بعدها (ولكن المقرر لدى فقهائهم أنه يشترط في الرقبة في الظهار أن تكون مؤمنة فلا تجزئ كافرة (الشرح الصغير: 645/ 2). - 209 -","part":1,"page":209},{"id":210,"text":"وذهب الشافعية والحنابلة: إلى أنه يحمل المطلق على المقيد في هذه الصورة، فيجب عتق رقبة مؤمنة في كل من كفارة القتل الخطأ وكفارة الظهار، فلا تجزئ رقبة كافرة؛ لأن اتحاد الحكم في النصين يقضى بحمل المطلق على المقيد، حتى لا يكون هناك تخالف بين النصوص الواردة في شيء واحد؛ لأن القرآن كله كالكلمة الواحدة في وجوب بناء بعضه على بعض! ومثال آخر: قوله تعالى في شهود المداينة: {وَاسْتَشْهدوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رجالِكُمْ} [البقرة: 282/ 2]، وفي شهود المراجعة: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) الطلاق: 265، الحكم واحد، وهو وجوب الاستشهاد بشهيدين، والسبب في الوجوب مختلف، لأنه في الآية الأولى: المداينة، وفي الثانية: المراجعة، فلا يحمل المطلق على المقيد عند الحنفية والخلاصة بموجب رأي الحنفية: يحمل المطلق على المقيد في صورة واحدة، وهي حالة اتحاد الحكم والسبب، ولا يحمل في صور ثلاث: حالة اختلاف الحكم، واختلاف السبب، واختلاف الحكم والسبب، بل يعمل في المطلق في موضعه على إطلاقه، وفي المقيد في موضعه على قيده - الأمر: (1) الأمر: هو اللفظ الدال على طلب الفعل وتحصيله في المستقبل، سواء أكان بصيغة الأمر، أم بصيغة المضارع بلام الأمر، أم بالجملة الخبرية التي يقصد منها الطلب)، مثال الأول قوله تعالى: (أوفوا بالعقود} [المائدة: 175]، واتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِه) [آل عمران: 102/ 3]، {وأقيموا الصَّلاةَ وَآتوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 42/ 2]. (1) كشف الأسرار: 101/ 1، الإحكام للآمدي: 6/ 2، شرح تنقيح الفصول: ص 126، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 101 - 210 -","part":1,"page":210},{"id":211,"text":"ومثال الثاني: (ليُنفق ذو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [الطلاق: 785]، {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 1852]، {وليوفوا نذورَهُمْ، وَلْيَطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتيق} [الحج: 29/ 22]. ومثال ثالث: (وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنَ كَامِلَيْن) [البقرة: 233/ 2]، يراد به الأمر بالإرضاع وطلبه من الوالدات، وقوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} [النِّساء: 141/ 4]، يقصد به أمر المؤمنين بألا يمكنوا الكافرين من التسلط عليهم • وموجب الأمر أو مقتضاه: وجوب المأمور به، أو طلب الفعل المأمور به. أو المخبر عنه على وجه الإلزام والحتم، إلا إذا دلّت قرينة من القرائن على صرف الوجوب إلى غيره كالندب أو الإباحة أو الإرشاد أو الإنذار والتهديد، أو الدعاء أو التعجيز. مثال الندب قوله تعالى: {فَكاتِبوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فيهِمْ خَيْراً} [النور: 33/ 24]، تندب مكاتبة المماليك. ومثال الإباحة قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبوا) [الأعراف: 3187]، * كُلوا مِنَ الطَّيِّبات} [المؤمنون: 173]، يباح الأكل والشرب ولا يجب؛ لأنه متروك للطبيعة البشرية إلا إذا تعين الأكل لإنقاذ النفس من الهلاك. ومثال الإرشاد: الأمر بالإشهاد على البيع في قوله تعالى: {وَاسْتَشْهدوا شَهِيدَيْن مِنْ رِجالِكُمْ} [البقرة: 282/ 2]، والأمر بكتابة الدين في آية الدين: (يا أيها الذين آمنوا إذا تَدايَنتُمْ بدَيْنِ إلى أَجَلٍ مُسَمَّى فَاكْتُبوهُ} [البقرة: 282/ 2]، وقرينة الإرشاد قوله تعالى بعدئذ: {فَإِنْ أمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُودُ الَّذِي اوْتِمِنَ أَمَانَتَهُ) [البقرة: 283/ 2]. ومثال التأديب: قوله لال لعمر بن أبي سلمة: «يا غلام سم الله، وكُلْ بيمينك، وكُل مما يليك: - 211 -","part":1,"page":211},{"id":212,"text":": ومثال الإنذار والتهديد: قوله تعالى: (اعْمَلوا ما شئتُمْ} [فصلت: 40/ 41]، قُلْ: تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إلى النار) [إبراهيم: 30/ 14]. ومثال الدعاء: قوله سبحانه: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ) [الأعراف: 87]، ومثال التعجيز: قوله جل جلاله: (فأتوا بسورة مِنْ مِثْلِهِ) [البقرة: 23/ 2]. ما تدل عليه صيغة الأمر: للعلماء اتجاهان (1): يرى الجمهور: أن الأمر المطلق لا يدل على أكثر من طلب إيجاد الفعل المأمور به من غير تكرار ولا وحدة؛ لأن مقصود الأمر هو حصول المأمور به، وهذا يتحقق بإيقاعه مرة في أي وقت؛ لإجماع أهل العربية على أن هيئة الأمر لا تدل إلا على الطلب في المستقبل، ولأن الأمر المطلق ورد تارة مع التكرار شرعاً كاية الصوم والصلاة، وعرفاً نحو: احفظ دابتي، وورد تارة للمرة الواحدة شرعاً كآية الحج، وعرفاً كقول الشخص لغيره: ادخل الدار، فيكون حقيقة في القدر المشترك بين التكرار والمرة، وهو طلب الإتيان بالفعل. • فقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185/ 2]، استفيد تکرار طلب الصيام من تعليق الأمر به بشرط متكرر، وهو شهود الشهر، وكذا قوله سبحانه: {وَإنْ كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 75]، أو إناطة الحكم بعلة أو سبب للمأمور به، مثل قوله تعالى: (أقم الصَّلاةَ لِتلوك الشَّمْس) الإسراء: 78/ 17]، وقوله عزّ وجلّ: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجلدوا كُلَّ واحد منها مائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2/ 24] (1) مسلم الثبوت: 310/ 1، شرح تنقيح الفصول للقرافي: ص 130، المستصفى: 2/ 2، المدخل إلى مذهب أحمد: ص 102، إرشاد الفحول: ص 102 - 212 -","part":1,"page":212},{"id":213,"text":"ويرى أكثر المالكية: أن الأمر يدل على المرة الواحدة لفظاً، ويحتمل التكرار، لأن امتثال المأمور به يحصل بالمرة، فيكون لها، ولأن الأقرع بن حابس، لو لم يفهم احتمال التكرار من قوله ل: «يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا» لما كان لسؤاله معنى، ولكان ملوماً في سؤاله. وثمرة الخلاف تظهر في فروع: منها أن القائلين بأن الأمر يقتضي التكرار أجازوا للمرأة المقول لها: «ظلّقي نفسك الطلاق مرة واثنتين وثلاث، ومن قال: لا يقتضي التكرار قال: لا تملك المرأة إلا طلقة واحدة دلالة الأمر على الفور أو التراخي:. اختلف العلماء أيضاً في مدى دلالة الأمر على الفور أو التراخي على ثلاثة مذاهب: (1) مذهب المالكية والحنابلة في ظاهر المذهب: أن مطلق الأمر أي المجرد عن قرينة الفور أو التراخي هو للفور، أي الشروع في الامتثال عقب الأمر من غير تأخير، قياساً على النهي الذي يفيد الفور، ولأن الله تعالى ذم إبليس على ترك السجود لآدم عليه السلام بقوله: و ما مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: 127]، فلو لم يكن الأمر للفور، لما استحق الدَّم. ومذهب الحنفية على الصحيح: أن مطلق الأمر على التراخي، ومعنى التراخي: تأخير الامتثال عن وقت الأمر زمناً يمكن إيقاع الفعل فيه فصاعداً، كالأمر بالكفارات وقضاء الصوم والصلاة. ومذهب الشافعية على الراجح: أن الأمر المطلق لا يفيد الفور ولا التراخي، لأنه ورد مع الفور ومع عدمه، ويصح تقييده بالفور وبالتراخى، فيجعل حقيقة في القدر، وهو طلب الإتيان بالمأمور به، منعاً من الاشتراك والمجاز. المشترك (1): 26/ 1، شرح تنقيح الفصول: ص 128، شرح الإسنوي: 52/ 2، العدة في أصول أصول السرخسي الفقه لأبي يعلى: 281/ 1 - 213 -","part":1,"page":213},{"id":214,"text":"والراجح عند بعض العلماء أن الأمر لا يدل بذاته على الفور أو التراخي، وإنما يستفاد ذلك من القرائن، لكن المبادرة إلى الفعل أحوط وأولى؛ لقوله تعالى: فَاسْتَبقوا الْخَيْراتِ} [البقرة: 148/ 2]. وفي الواجبات المحددة بوقت، استفيدت المبادرة أو الفورية من تحديد وقت للواجب ينتهي بانتهائه، وفي الأمر بالخيرات استفيدت المبادرة من قوله تعالى: {وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 133/ 3]، وقوله: {فَاسْتَبقوا الْخَيْراتِ} [البقرة: 14872]. 6 وثمرة الخلاف: أن أداء الحج على الفور عند الإمكان في رأي المالكية والحنابلة لقوله تعالى: {وَأَتِمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ اللهِ} [البقرة: 19672]، وعلى التراخي في رأي الشافعية، لأن الحج فرض في أواخر السنة التاسعة، ولم يحج الرسول له إلا في السنة العاشرة. ويرى أبو حنيفة وأبو يوسف أن الحج على الفور بقرينة ما ورد في السنة مثل حديث على عند الحاكم والبيهقي: «حجوا قبل ألا تحجوا». وأداء الزكاة على الفور في رأي المالكية والحنابلة، عملاً بمقتضى الأمر وكذا في مذهب الشافعية؛ لأن حاجة المستحقين ناجزة، وهو على التراخي لدى الحنفية على المعتمد النهي 4 - النهي: 6 النهي: هو ما دل على طلب الكف عن الفعل على وجه الحتم والإلزام. وأساليب: إما صيغة النهي المعتادة، مثل قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي أَحْسَنُ} [الأنعام: 1528]، {وَلا تَأْكلوا أموالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل) [البقرة: 1882]، و ولا تقتلوا النَّفْسَ الَّتى حَرَّمَ اللهُ إلا بالْحَقِّ) [الأنعام: 1518]. وإما لفظ التحريم، مثل قوله سبحانه: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ) المائدة: 2/ 5]، حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ .. ) [النساء: 22/ 4]، أو تقى الحل، مثل قوله تعالى: (يا أَيُّها الَّذينَ آمَنوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً) - 214 -","part":1,"page":214},{"id":215,"text":"[النساء: 174]، {وَلا يَحلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخَذوا ممّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً} [البقرة: 22972]، أو الأمر الدال على الترك، كقوله تعالى: (وَذَروا ظاهر الإثم وباطنه) الأنعام: 1206]، وقوله سبحانه: (فَاجْتَنبوا الرِّجْسَ من الأوثان واجتنبوا قَوْلَ الزور} [الحج: 30/ 22]. [وموجب النهي عند الجمهور: التحريم ولزوم الانتهاء عن مباشرة المنهي عنه، كما أن موجب الأمر الإيجاب، وقد ينصرف النهي بقرينة إلى الكراهة، كما في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تُحَرِّموا طَيِّبَاتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ} [المائدة: 5، والقرينة هي أن منع النفس عن الطيبات مكروه، لا حرام؛ لأن ذلك متروك للطبيعة البشرية. وقد ينصرف إلى الدعاء مثل: {رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) [آل عمران: 83]، أو إلى الإرشاد، مثل: يا أَيُّها الذينَ آمَنوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101/ 5]، أو إلى التحقير، مثل: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما متعنا به أزواجاً مِنْهُمْ} [الحجر: 8815]، أو إلى بيان العاقبة، مثل: 8/ 15 وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ عَافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} [إبراهيم: 47/ 14]، أو إلى اليأس مثل: لا تَعْتَذِرُوا إِنَّما تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [التحريم: 7/ 66]. دلالة النهي على الفور والتكرار: للعلماء رأيان في دلالة النهي على الفور أو التكرار \": 6 يرى الرازي والبيضاوي الشافعيان: أن النهي لا يدل على التكرار ولا على الفور؛ لأنه قد يرد للتكرار مثل قوله تعالى: لو وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا) (1) مسلم الثبوت: 329/ 1، الإحكام للآمدي: 32/ 2، المدخل إلى مذهب أحمد (2): ص شرح تنقيح الفصول للقرافي: ص 168، شرح الإسنوي: 63/ 2، العدة في أصول الفقه الحنبلي: - 215 - 428/ 2","part":1,"page":215},{"id":216,"text":"الكف [الإسراء: 32/ 17]، وقد يرد لخلاف التكرار، كقول الطبيب: لا تشرب اللبن وتأكل اللحم، وبما أن الاشتراك والمجاز خلاف الأصل، فيكون حقيقة في القدر المشترك وهو الكف عن الفعل المنهي عنه. ويرى الجمهور وهو المشهور والراجح: أن النهي يفيد التكرار والفور، فهو يقتضي الكف دائماً وفوراً، لأنه لا يتحقق المطلوب وهو إلا إذا كان دائماً، فالتكرار ضروري لتحقيق الامتثال في النهى، وكذلك المبادرة؛ لأن النهي عن الفعل إنما هو تحريمه، لتلافى ما فيه من مضار، وهذا واجب في الحال، فلا يتحقق الامتثال إلا بالتكرار وكونه على الفور، والخلاصة: إن صيغة النهي المطلق تقتضي الفور والتكرار، وصيغة الأمر المطلق لا تقتضي فوراً ولا تكراراً - 216 -","part":1,"page":216},{"id":217,"text":"الفصل الرابع القواعد الأصولية التشريعية قرر علماء أصول الفقه الإسلامي مجموعة قواعد مستمدة من مبادئ الشريعة في نصوصها وأصولها الكلية، ومن الأحكام الشرعية واستقرار عللها وأسبابها التشريعية وهي تراعى في استنباط الأحكام من النصوص، وفي الاجتهاد والاستنباط فيما لا نص فيه القاعدة الأولى - المقصد العام من التشريع المقصد العام للشارع من تشريع الأحكام: هو تحقيق مصالح الناس في هذه الحياة، بجلب النفع لهم، ودفع الضرر عنهم. وتتردد مصالحهم بين الضروريات والحاجيات والتحسينات. وقد ثبت باستقراء أحكام الشريعة أن المشرع في تشريعه الأحكام راعى مصالح الناس، فلم يهمل شيئاً من هذه المصالح، ولم يشرع حكماً إلا لتحقيق مصالح الناس التي هي من جنس هذه المصالح؛ لقوله تعالى: {رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، لئلاً يَكونَ لِلنّاس عَلى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل [الأنبياء: 165/ 21]، وقوله سبحانه: {وَما أَرْسَلْناكَ إِلا رَحْمَةً لِلعالَمينَ} الأنبياء: 107/ 21]. ومقاصد الشريعة: هي المعاني والأهداف الملحوظة للشرع في جميع أحكامه أو معظمها أو هي الغاية من الشريعة والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها. ومعرفتها أمر ضروري على الدوام ولكل الناس، للمجتهد عند استنباط الأحكام، وفهم النصوص، ولغير المجتهد للتعرف على أسرار التشريع - 217 -","part":1,"page":217},{"id":218,"text":"فإذا أراد المجتهد معرفة حكم واقعة من الوقائع، احتاج إلى فهم النصوص لتطبيقها على الوقائع، وإذا أراد التوفيق بين الأدلة المتعارضة، استعان بمقصد التشريع العام، وإن دعته الحاجة إلى بيان حكم الله في مسألة مستجدة عن طريق القياس أو الاستصلاح أو الاستحسان ونحوها، تحرى بكل دقة أهداف الشريعة ومقاصدها وهذه القاعدة في بيان المقصد العام للتشريع من تشريع الأحكام ضرورية المعرفة، سواء أكانت الأحكام تكليفية أم وضعية. وموقع هذه القاعدة في نطاق الشريعة يتحدد إذا أدركنا أنه يوجد مع كل حكم أمور ثلاثة: الوصف الظاهر المنضبط كالبيع والغصب والزّنا وهو علة القياس الذي لا خلاف في مشروعيته، وما في الفعل الذي تعلق به الحكم الشرعي من نفع أو ضرر، 6 ويعبر عنه بالمصالح والمفاسد، أو حكمة التشريع، وهذا ما تبنى عليه علة القياس فهي. مظنة تحقيق حكمة التشريع كاليسر والتخفيف والمشقة والحرج، وما يترتب على التشريع في المستقبل من جلب منفعة أو دفع مضرة ويسمى مقصد التشريع. وهذه سمة ملازمة لكل أحكام الشرع، فما من حكم إلا وقد قرر كما تقدم بيانه لرعاية مصلحة أو درء مفسدة ولإخلاء العالم من الشرور والآثام، مما يدل على أن الشريعة تتوخى تحقيق مقصد عام، ألا وهو إسعاد الفرد والجماعة وحفظ النظام وتعمير الدنيا، ورعاية مصالح الناس أنواع المصالح: أنواع المصالح كما تبين في بحث المصلحة المرسلة بحسب قوتها وتأثيرها ثلاثة أنواع (1): (1) الموافقات للشاطبي:: 12/ 2، شرح العضد على مختصر المنتهى: 240/ 2، فواتح الرحموت: 262/ 2، المستصفى: 139/ 1، روضة الناظر عند الحنابلة: 414/ 1 - 218 -","part":1,"page":218},{"id":219,"text":"1 - الضروريات: المصلحة الضرورية: هي التي يتوقف عليها حياة الناس الدينية والدنيوية. فإذا فقدت اختلت الحياة في الدنيا، وشاع الفساد وضاع النعيم الأبدي وحل العقاب في الآخرة. وهذه أقوى المصالح، ولا يقدم عليها شيء، فلا يراعى الأمر التحسيني أو الحاجي إذا كان في مراعاته إخلال بأمر ضروري. وقد شرع الإسلام لحفظ هذه الضروريات أحكاماً من ناحيتين: ناحية إيجادها وتحقيقها، وناحية بقائها. فالدين: وهو مجموعة العقائد والعبادات والمعاملات التي شرعها الله تعالى لتنظيم علاقة الناس بربهم، وعلاقات بعضهم ببعض، شرع الله لإيجاده وتحقيقه وإقامته إيجاب الإتيان بأركان الإسلام الخمسة، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً، وأوجب الدعوة إلى الدين بالحكمة والموعظة الحسنة وشرع الشارع للمحافظة عليه وحمايته وكفالة بقائه: أحكام الجهاد وعقوبة من يريد إبطاله، والصد عنه والارتداد عنه، أو تحريف أحكامه، والمجاهرة في الدعوة لهدمه وتشويه جوهره بإحلال الحرام وتحريم الحلال. كما شرع لحفظ الضروريات إباحة المحظورات للضرورة. وأما النفس البشرية: فإن الإسلام شرع لإيجادها وبقاء النوع الإنساني الزواج سبيل الإنجاب والتوالد، وللمحافظة عليها وكفالة حياتها، أوجب الإسلام تناول الضروري من الطعام والشراب، وارتداء اللباس، وفرض العقوبة على قاتل النفس من قصاص ودية وكفَّارة، ومنع الإلقاء بها إلى التهلكة، وأوجب صونها ودفع الضرر عنها. وأما العقل: وهو النعمة العظيمة التى ميز الله بها الإنسان عن غيره، فإن الله شرع - 219 -","part":1,"page":219},{"id":220,"text":"لسلامته وتنميته العلم والمعرفة والخبرة، وللمحافظة عليه، حرَّم كل ما أو يضعفه بتناول المسكرات والمخدرات، وأوجب العقوبة الزاجرة على ذلك التناول. وأما النسب أو العرض: فإنه شرع لبقائه الزواج، وحرّم الزنا والقذف وشرح الحمد لهما للحفاظ عليه، منعاً من اختلاط الأنساب وصوناً للسمعة والكرامة الإنسانية والمال: وهو عصب الحياة ووسيلة العيش، أوجب الشرع لتحصيله وإيجاده السعي في طلب الرزق، وأباح المعاملات بين الناس من بيع وشراء وإيجار وهبة وشركة وإعارة ورهن ونحوها لتنظيم الاستفادة منه. وللمحافظة عليه حرمت السرقة وحد السارق والسارقة، وحرم الغش والخيانة والغصب والرّبا وسائر حالات أكل أموال الناس بالباطل، ووجب ضمان المتلفات، وأبيح الحجر على السفيه والمغفل والمفلس والمدين، منعاً من سوء التصرف والضرر بالنفس أو بالآخرين. وتأكدت المحافظة على الضروريات بما اقترنت به الأحكام الشرعية من بيان العلل والحكم التشريعية، مثل المذكور في الوضوء في القرآن الكريم: ما يُريدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّين مِنْ حَرَجٍ، وَلكِن يُريدُ لِيُطَهِّرَكُمْ، وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْنَكُمْ} [المائدة: 75]، وفي الصلاة: (إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) [العنكبوت: 45/ 29]، وفي القبلة: {فَوَلُّوا وُجوهَكُمْ شَطْرَهُ، لِيْلاً يَكونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ) [البقرة: 150/ 2]، وفي الصيام: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183/ 2]. {وفي الجهاد: أذن للذينَ يُقاتلون بأنَّهُمْ ظُلِموا) [الحج: 39722]، وقاتلوهُمْ {حَتَّى لا تَكونَ فِتْنَةٌ، وَيَكونَ الدِّينُ اللهِ} [البقرة: 193/ 2]، وفي القصاص: {وَلَكُمْ في القصاص حياة يا أُولي الألباب} [البقرة: 1772]، وفي حماية المال من أخذه ظلماً:: لِتَأْكُلُوا فَريقاً مِنْ أموال النّاس بالإثم وَأَنْتُمْ تَعْلَمونَ} [البقرة: 1882]. 220","part":1,"page":220},{"id":221,"text":"وفي صون التوحيد: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالوا: بَلَى شَهِدْنَا، أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ القيامة: إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافلين} [الأعراف: 1727]. وفي منع البيوع الاحتمالية أو الغرر، بيَّن النبي صلى الله علة النهي عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه: «أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه»، ومن أجل منع الجمع بين المحارم: «إنكم إن فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم، ونحو ذلك. - الحاجيات: وهي المصالح التي يحتاج إليها الناس للتيسير عليهم ودفع الحرج عنهم، وإذا فقدت لا يختل نظام حياتهم كما هو الشأن في الضروريات، ولكن يلحقهم الحرج والمشقة. وقد شرعت في الإسلام أحكام متعددة في نطاق العبادات والمعاملات والعقوبات بقصد رفع الحرج والتخفيف عن الناس. ففي العبادات: شرعت الرخص الشرعية كقصر الصلاة والجمع بين الصلاتين في السفر، وإباحة الفطر في رمضان للمريض والمسافر، وأداء الصلاة قاعداً حال العجز عن القيام، وسقوط الصلاة عن الحائض والنفساء، والمسح على الخف حضراً وسفراً وإباحة التيمم للمرض أو فقد الماء، وصلاة النافلة على الراحلة من دابة أو سيارة أو سفينة ولو كان الاتجاه لغير القبلة، ونحو ذلك. • وفي العادات: أبيح الصيد والتمتع بطيبات الرزق في المأكل والمشرب والملبس والمسكن. وفي المعاملات: أبيحت جميع العقود والتصرفات المحققة لحاجات الناس من بيوع وإجارات وشركات ومضاربات وضمانات وتبرعات، وعقود استثنائية من القواعد العامة كالسلم والاستصناع والمزارعة والمساقاة والمغارسة، وفسخ العقد كلإجارة بطريق استثنائي، وإنهاء الزواج بالطلاق للحاجة أو الضرورة، وتزويج الصغار من قبل الأولياء لتحقيق المصلحة واختيار الكفء، وجعلت الحاجات كالضروريات في إباحة المحظورات. - 221 -","part":1,"page":221},{"id":222,"text":"وفي العقوبات: شرع للولي حق العفو عن القصاص، وجعلت الدية على العاقلة) الأقارب العصبات (تخفيفاً عن القاتل خطأ وتحقيقاً لتضامن الأقارب، ودرئت الحدود بالشبهات لصالح المتهم وأكدت النصوص التشريعية رعايتها للحاجات بما تضمنته من بيان الحكم الشرعية والعلل، مثل قوله تعالى في مشروعية التيم: و ما يُريدُ اللهُ ليَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حرج} [المائدة: 75]، وقوله سبحانه في بناء الدين على مبدأ دفع الحرج: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبيكُمْ إِبْراهيمَ} [الحج: 78/ 22]، و يُريدُ اللهُ بكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُريدُ بكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185/ 2]، {يُريدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ، وَخُلِقَ الإنْسانَ ضَعيفاً} [النساء: 2874]. وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه بعثت بالحنيفية السمحة».))، ((3 - التحسينات: وهي المصالح التي تقتضيها المروءة، ويقصد بها الأخذ بمحاسن العادات ومكارم الأخلاق، وإذا فقدت لا يختل نظام الحياة كما في الضروريات، ولا ينالهم الحرج كما في الحاجيات، ولكن تصبح حياتهم مستقبحة في تقدير العقلاء وتوجد هذه المصالح في العبادات والعادات والمعاملات والعقوبات، كغيرها من الضروريات والحاجيات، والمشروع لها إما فرائض أو شروط أو نوافل وطاعات ففي العبادات: شرعت الطهارات والبعد عن النجاسات وستر العورات في الصلاة، وأخذ الزينة من اللباس ومحاسن الهيئات والتطيب عند كل مسجد أو تجمع والتقرب إلى الله تعالى بأنواع الطاعات من صلاة وصيام وصدقة. وفي المعاملات: شرع الامتناع عن بيع النجاسات والمضار، وعن بيع فضل الماء والكلأ، وعن بيع الإنسان على بيع أخيه، وخطبته على خطبة أخيه، وحزم الغش والتدليس والتغرير والإسراف والتقتير، وأمر الناس بالرفق والإحسان في معاشرة  C - 222 -","part":1,"page":222},{"id":223,"text":"الزوجات، وأبيح للولي مباشرة عقد زواج المرأة لاستحيائها عادة في مباشرة العقد، ووجب الإشهاد على الزواج لتعظيم أمره، ونحو ذلك وفي العادات: أرشد الشرع إلى آداب الأكل والشرب، وحرم تناول الخبائث من المطعومات والمشروبات الضارة، وحظر الإسراف في الطعام والشراب واللباس، ونحو ذلك وفي العقوبات: منع الشرع من التمثيل بالقتلى وإحراق البشر، وحرم قتل النساء والأطفال والرهبان ونحوهم من المدنيين في الجهاد، وأوجب الوفاء بالعهد، وحرم الغدر ونقض الميثاق، وسد الذرائع إلى المفاسد وقد أرشد الشرع بنصوصه في بيان العلل والحكم التشريعية إلى رعاية هذا المقصد كقوله تعالى في شأن الطهارات: ما يُريدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ، وَلَكِنْ يُريدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: 75]، وقول الرسول الله: «إنما بعثت لأتم مكارم الأخلاق»، وقوله ل أيضاً: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً»، «إن الله جميل يحب الجمال». (((4 - مكملات المصالح السابقة: تأكيداً للمحافظة على المقاصد الثلاثة المذكورة وتحقيقاً لها، شرع الله تعالى أحكاماً أخرى مكملة للأحكام التي تحافظ على تلك المصالح الضرورية والحاجية والتحسينية، التي إذا فقدت لم تختل حكمتها الأصلية فمن أمثلة مكملات الضروريات: صلاة الجماعة والأذان والإقامة لإيجاب الصلاة، أجل إظهار شعائر الدين وإتمامه وتكميله. والمماثلة في استيفاء القصاص منعاً من إثارة عداوات جديدة وسفك دماء أخرى، وهذا مكمل لحفظ النفس. وتحريم القليل من الخمر؛ لأنه يدعو إلى شرب الكثير، وهذا مكمل لحفظ العقل وتحريم النظر إلى المرأة الأجنبية والخلوة بها سدّاً لذريعة الزنا، وهذا مكمل لحفظ 6، 223 -","part":1,"page":223},{"id":224,"text":"العرض أو النسب، وإيجاب ما لا يتم الواجب إلا به، ومنع كل ما يؤدي من المباحبات إلى المحظورات سداً للذرائع في جميع الأحكام. ومن أمثلة مكمل الحاجيات: اشتراط الكفاءة بين الزوجين لتحقيق الوفاق والألفة بينهما، وكون الزواج بمهر المثل إذا لم يسم المهر في العقد لإدامة الزواج. والنهي عن الغرر والجهالة وبيع المعدوم في تشريع المعاملات من بيع وإجارة وشركة ونحوها، وتشريع الخيارات، واشتراط الشروط في العقود، تحقيقاً لتمام الرضا، والبعد عن الأحقاد والمنازعات والخصومات. وتشريع الإشهاد والرهن والكفالة لتوثيق العقود، وإباحة الجمع بين الصلاتين تكميلاً لمشروعية قصر الصلاة في السفر. وهذه المشروعات لو لم تشرع لم يخل ذلك بأصل التوسعة والتخفيف ومن أمثلة مكمل التحسينات: آداب الأحداث ومندوبات الطهارات، وعدم إبطال العبادات التي يبتدأ بها بوجه شرعي، والإنفاق من طيبات المكاسب في الصدقات، واختيار الأفضل في الضحية والعقيقة؛ لقوله تعالى: {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذيه إلا أَنْ تُغْمِضوا فيه} [البقرة: 267/ 2]. والحاجيات كالتتمة للضروريات، والتحسينيات كالتكملة للحاجيات؛ لأن الضروريات هي أصل المصالح. ترتيب المقاصد الشرعية والأحكام المتعلقة بها: الضروريات أصل للمقاصد الشرعية كلها، فهي أصل للحاجية والتحسينية)، فمن أخل بها فقد أخل بما عداها حتماً؛ لأنها كالفرائض، والحاجيات كالنوافل، والتحسينيات كالأمور المهمة دون النوافل. (1) الموافقات: 16/ 2 وما بعدها - 224 -","part":1,"page":224},{"id":225,"text":"ومن أخل بالحاجيات أو التحسينات، فهو على وشك الإخلال بالضروريات فتصبح المحافظة على الحاجيات والتحسينات نوعاً من المحافظة على الضروريات. وتكون الأحكام الشرعية التي شرعت لحفظ الضروريات أهم الأحكام وأخطرها وأولاها بالرعاية، وتليها أحكام الحاجيات، لأنها المكملة للضروريات، ثم أحكام التحسينات؛ لأنها كالمكملة للحاجيات، والأصل مقدم على المكمل، ولا يعنى بالمكمل إذا أدى إلى إبطال الأصل، ومكمل الضروري مقدم على الحاجي والتحسيني، فكان قسم الضروريات مراعى في كل ملة، فلم تختلف فيه الملل كما اختلفت في الفروع، فهي كما قال الشاطبي أصول الدين وقواعد الشريعة وكليات الملة ويترتب عليه أنه لا يراعى حكم تحسيني إذا أدت رعايته إلى إبطال حكم حاجي أو ضروري، فيباح مثلاً كشف العورة عند الضرورة أو الحاجة لإجراء عملية جراحية أو تشخيص مرض أو علاج؛ لأن المحافظة على النفس أمر ضروري، وما أدى إلى ذلك فهو ضروري، وستر العورة من التحسينات، فلا يلتفت إليه أمام الضرورة أو الحاجة ويباح أكل الميتة في حال الضرورة؛ لأن المحافظة على النفس وإحياءها ضروري، والتحرز عن خبيث المطعومات أو الامتناع عن أكل الميتة أكل الميتة من التحسينات وأباح الشرع بيع المعدوم في عقدي السلم (السلف) والاستصناع، وفي عقود استثمار الأرض (المزارعة والمساقاة والمغارسة) واغتفرت الجهالة في هذه العقود الأخيرة وفي بيع الشيء الغائب؛ لأن حضور المبيع وعدم جهالته من التحسينات، وهذه المعاملات حاجيات، يشق على الناس فقدها، فأهدرت هذه التحسينات في سبيل تحقيق الحاجيات. ولا يراعى أيضاً حكم حاجي إذا أدى إلى الإخلال بحكم ضروري؛ لأن رفع الحرج حاجي، وأداء الفرائض ضروري، فتؤدى الفرائض من المكلفين، وتجب عليهم، وإن اشتملت على شيء من المشقة؛ لأن الفرائض من الضروريات، ودفع المشقة من - 225 -","part":1,"page":225},{"id":226,"text":"الحاجيات، ولا يصح أن تسقط الصلاة حال العجز عن استقبال القبلة يقيناً، ويكفي فيه الظن. وفي مجال الضروريات: يراعى ما هو الأهم من غيره، فالجهاد واجب وإن أدى إلى هلاك النفس؛ لأن حفظ الدين أهم من حفظ النفس. ويباح شرب الخمر عند الإكراه أو الاضطرار محافظة على النفس؛ لأن حفظ النفس أهم من حفظ العقل. ويجوز إتلاف مال الآخرين إذا أكره على إتلافه؛ لأن حفظ النفس مقدم على حفظ المال وتترتب أهمية الضروريات على النحو التالي: حفظ الدين، ثم النفس، ثم العقل، ثم النسب أو العرض، أو المال. وبناء على هذه القاعدة وضعت مبادئ شرعية خاصة بأمرين: هما دفع الضرر ودفع الحرج • قواعد مبدأ دفع الضرر: وضع الفقهاء قواعد كلية مهمة جداً في استنباط الأحكام متفرعة عن مبدأ دفع الضرر، وهي في الحقيقة متفرعة عن القاعدة التالية: «لا ضرر ولا ضرار» الضرر: إلحاق مفسدة بالآخرين، والضرار: مقابلة الضرر بالضرر. وهذه القاعدة نص حديث نبوي صحيح، وهي من أركان الشريعة. ومن أهم أحكامها المتفرعة عنها: جواز رجوع المضطر إلى دفع الدين عن غيره بلا إذنه على المدين بما دفعه عن ذمته، منعاً للضرر عن نفسه، إذا لم يكن الدافع متبرعاً. وجواز حبس المشهورين بالدعارة والفساد حتى تظهر توبتهم، ولو لم يثبت عليهم جرم معين بطريق قضائي. واحترام الحقوق القديمة من منافع ومرافق وتصرفات، ولو لم يكن في أيدي أصحابها وثائق مثبتة. وإباحة فسخ الإجارة بسبب الاطلاع على عيب قديم، ورد المأجور المشترى على صاحبه إزالة للضرر عن نفسه؛ لأن الإجارة تفسخ بالأعذار. 226 -","part":1,"page":226},{"id":227,"text":"ويتفرع عن هذه القاعدة ما يلي: 1 - «الضرر يدفع بقدر الإمكان» أي يجب دفع الضرر قبل وقوعه بكل الوسائل الممكنة، عملاً بالمصلحة المرسلة، فيشرع الجهاد لدفع شر الأعداء، وتجب العقوبات لقمع الإجرام وصون الأمن الداخلي، ويجب سد الذرائع إلى الفساد. ويشرع حق الشفعة لدفع الضرر عن الشريك والجار، ويشرع الحجر على السفيه لدفع الضرر عن نفسه، وعن المفلس لدفع الضرر عن الدائنين. وتثبت الخيارات في العقود لدفع الضرر قبل حدوثه، كخيار الشرط والرؤية والتعيين في البيوع. ويجبر الشريك على القسمة إذا امتنع. 2 - «الضرر يزال» أي يجب رفع الضرر وترميم آثاره بعد الوقوع، فتزال كل أنواع التعدي على الطريق ببناء أو ميزاب وغيره، وتقطع أغصان الشجرة المتدلية على دار الجار، ويضمن المتلف عوض ما أتلفه على غيره، وتشرع طائفة من الخيارات في العقود لإزالة الضرر بعد وقوعه، كخيار العيب، وخيار الغبن مع التغرير، وخيار تفريق الصفقة. ويجب التداوي من الأمراض، ويقتل الضار من الحيوانات. 6 3 - «الضرر لا يزال بمثله» أي لا يجوز إزالة الضرر بإحداث ضرر مثله فلا يجوز إغراق أرض غيره لدفع الغرق عن أرضه، ولا إتلاف مال غيره لحفظ ماله ولا إنقاذ نفسه بتناول طعام مضطر آخر أو محتاج مثله، ولا فرض النفقة على فقير لقريب فقير مثله، ولا إجبار الشريك على قسمة المال المشترك غير القابل للقسمة، ولا رد المبيع المعيب بعيب قديم إذا حدث عيب جديد عند المشتري، بل يلزم البائع بتعويض المشتري عن العيب القديم. ـ «الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف»: فتفرض النفقة للفقراء على الأغنياء الأقارب، ويتملك مشتري الأرض بقيمتها جبراً عن مستحقها، إذا بنى فيها أو غرس وكانت قيمة البناء أكثر. 227 -","part":1,"page":227},{"id":228,"text":"i  وهناك قاعدتان في معنى هذه القاعدة وهما: «يختار أهون الشّرين و «يرتكب أخفُ الضّررَيْن لا تقاء أشدهما»، فيجوز السكوت عن إنكار المنكرات إذا ترتب على إنكارها ضرر أعظم، ويباح شق بطن المرأة الميتة لإخراج الجنين إذا كانت ترجى حياته. ويحبس الزوج إذا ماطل في أداء نفقة زوجته، وكذلك يحبس القريب إذا امتنع عن الإنفاق على قريبه، وتطلق الزوجة للضرر والإعسار، ويصلي الإنسان كيفهما تيسر إذا عجز عن التطهر أو ستر العورة أو استقبال القبلة. (1) ة - «يتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام»: فيحجر على الطبيب الجاهل، والمفتي الماجن، والمكاري المفلس)، دفعاً للضرر عن الجماعة، وإن تضرروا هم، وتباع أموال المحتكرين وإن أضرهم دفعاً لضرر الاحتكار عن الناس، ويجوز التسعير عند التغالي في الأسعار، وتهدم الدور الملاصقة للحريق منعاً لتجاوزه، ويهدم الجدار الآيل للسقوط في الطريق العام، ويباع مال المدين جبراً عنه لسداد ديونه، و يمنع اتخاذ الأفران والحدادة بين تجار الأقمشة - «درء المفاسد أولى من جلب المنافع»: لقوله: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فتمنع الخمارات ونحوها ولو كان فيها أرباح اقتصادية، ويمنع مالك الدار من فتح نافذة تطل على مقر نساء جاره، وكذلك يمنع المالك من التصرف في ملكه تصرفاً ضاراً بجيرانه، كاتخاذ معصرة أو فرن يؤذيان الجيران بالرائحة أو الدخان، ويكره للصائم المبالغة في المضمضة والاستنشاق. - «الضرورات تبيح المحظورات» لآيات خمس في القرآن، منها: {فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإثْم، فَإِنَّ اللهَ غَفورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 2/ 5]، فلا إثم على المضطر في مجاعة إذا تناول شيئاً من ميتة أو دم أو شراب محرم، ولا حرج على المدافع عن نفسه من إلحاق الضرر بغيره، ويؤخذ الدين من مال المدين الممتنع عن أداء دينه بغير إذنه. ويجوز كشف الطبيب على عورات الأشخاص إذا توقفت عليها مداواتهم. 228 - -","part":1,"page":228},{"id":229,"text":"- «الضرورات تقدر بقدرها» فليس للمضطر أن يتناول من المحرم إلا قدر ما يسد الرمق، ولا يعفى من النجاسة إلا القدر الذي يشق الاحتراز عنه،، والاطلاع على العورات يجوز للطبيب بمقدار ما يحتاج إلى كشفه فقط، ولا يجوز للمرأة المعالجة عند الطبيب إذا وجدت امرأة تحسن ذلك، لأن اطّلاع الجنس على جنسه أخف خطراً وأقل ضرراً. وتبطل الرخص إذا زالت أسبابها، كوجود الماء للمتيم، وإقامة المسافر في رمضان. ة - «الاضطرار لا يبطل حق الغير فمن اضطر لدفع الهلاك عن نفسه أن يأكل» طعام غيره، وعليه ضمان قيمته، ومن أكره على إتلاف مال غيره، فعلى المكره ضمان قيمة المال؛ لأنه المتسبب قواعد مبدأ رفع الحرج: وضع الفقهاء أيضاً قواعد كلية متفرعة عن مبدأ رفع الحرج وهي ما يلي: اً - «المشقة تجلب التيسير»: أي إن المشقة الزائدة غير المعتادة تستوجب التخفيف؛ لأن في المشقات إحراجاً. وهذه إحدى القواعد الخمس الكبرى التي قام عليها فقه المذاهب وأساس الشريعة، ومستندها قول الله تعالى: {يُريدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُريدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185/ 2]، وقوله سبحانه: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَج} [الحج: 178/ 22، وقول النبي: «إن الله تعالى وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». وينبني على هذه القاعدة رعاية العرف ويتفرع عنها جميع الرخص الشرعية التي شرعها الله تخفيفاً عن المكلف لأسباب تقتضي التخفيف، وهذه الأسباب سبعة: والتيم السفر: يباح فيه الفطر في رمضان، وقصر الصلاة الرباعية والجمع بين الصلاتين بسبب فقد الماء في الغالب، وترك الجمعة والجماعة • 6 - 229 -","part":1,"page":229},{"id":230,"text":"المرض: يباح فيه الفطر في رمضان والتيم أيضاً، والصلاة قاعداً، وترك الجهاد، وتناول الدواء المحرم للعلاج إن لم يوجد غيره. النسيان: يعفى الشخص من المسؤولية عن ترك الواجبات الدينية، وارتكاب المعصية، ويبقى معه الصوم بتناول المفطر نسياناً، ويجوز معه أكل الذبيحة بترك التسمية سهواً. الإكراه: ياح من أجله التلفظ بالكفر، وترك الواجب، وإتلاف مال الآخرين، وأكل الميتة، وشرب الخمر. الجهل: تستمر الوكالة وتنفذ عقود الوكيل إذا جهل عزل موكله له، ويجوز للمشتري رد المبيع المعيب على صاحبه إذا اشتراه جاهلاً بالعيب، ويباح فسخ الزواج بالعيب لمن تزوج جاهلاً به، ويغتفر التناقض في دعوى النسب للجهل كما يغتفر التناقض للوارث والوصي وناظر الوقف بسبب الجهل. عموم البلوى: يعفى عما لا يمكن الاحتراز عنه من رشاش النجاسة من طين الشوارع وغيره، ويعفى عن الغبن اليسير في المعاوضات النقص: يرفع التكليف عن فاقد الأهلية كالطفل والمجنون، وترفع بعض الواجبات كالجمعة والجماعة والجهاد عن الأرقاء والنساء 6 (وفي معنى هذه القاعدة: «إذا ضاق الأمر اتسع، وإذا اتسع ضاق»، فإذا حصلت ضرورة عارضة لشخص أو طراً ظرف استثنائي أصبح معه الحكم الأصلي في العادة محرجاً للمكلفين، فإنه يخفف عليهم، وهذا معنى: «إذا ضاق الأمر اتسع فإذا زالت الضرورة عاد الحكم الأصلي، وهذا معنى: «إذا اتسع الأمر ضاق». 2 - «الحرج مرفوع شرعاً»: تقبل شهادة النساء وحدهن فيما لا يطلع عليه - 230 -","part":1,"page":230},{"id":231,"text":"الرجال عادة من عيوب النساء وشؤونهن كالولادة واستهلال المولود والرضاع، ويكتفى بغلبة الظن في استقبال القبلة وطهارة المكان والماء، والقضاء والشهادة. 3 - «الحاجة تنزل منزلة الضرورة، عامة كانت أو خاصة»: الضرورة أشد دافعاً من الحاجة، فالضرورة: ما يترتب على مخالفتها خطر كالإكراه وخشية الهلاك جوعاً والحاجة: ما يترتب على عدم الاستجابة إليها عسر وصعوبة. وكونها عامة: أي لجميع الأمة. وكونها خاصة: أي بطائفة كأهل بلد أو حرفة، وليست فردية. ويتفرع عنها: رعاية العرف، وفرض الضرائب على الأغنياء، وإباحة السلم والاستصناع وبيع الوفاء (1)، وضمان الدَّرَك أي ما يدرك المعقود عليه من حق للآخرين، وبيع الثمار المتلاحقة الظهور متى بدا بعضها، ونزول الحمام بأجر مع جهالة المدة وجهالة مقدار الماء المستهلك. القاعدة الثانية - حق الله وحق العبد المكلف أوضحت الكلام عن هذه القاعدة في بحث أقسام المحكوم فيه، وبينت المراد بحق الله وحق العبد المكلف أو حق المجتمع والحق الشخصي، الأول يراعى به مصلحة الجماعة، والثاني يراعى به مصلحة المكلف الخاصة. ومناسبة هذه القاعدة هنا: أن القاعدة الأولى السابقة تضمنت أن الأحكام الشرعية يقصد بها تحقيق مصالح الناس، وهذه القاعدة تضمنت أن المصلحة التي قصد بتشريع الحكم تحقيقها قد تكون مصلحة عامة للمجتمع، وقد تكون مصلحة خاصة للشخص، وقد تكون مصلحة مشتركة لهما معاً القاعدة الثالثة - ما يسوغ الاجتهاد فيه الاجتهاد: هو عملية استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية في الشريعة. وهو مشروع ومطلوب في كل عصر و زمان، وقد يكون فرضاً عينياً إذا تعين مجتهد (1) بيع الوفاء: هو أن يبيع المحتاج إلى النقود عقاراً على أنه متى وفى ثمنه استرد العقار. - 231 -","part":1,"page":231},{"id":232,"text":"للنظر في حادثة بأن لم يوجد غيره، أو فرضاً كفائياً إذا تعدد المجتهدون، فإذا قام به أحدهم، سقط الإثم والطلب عن الباقين، وإن تركه الجميع أنموا جميعاً وقد وضع الأصوليون قاعدة في مجال الاجتهاد وهي «لا مساغ للاجتهاد في مورد النص» أي النص القطعي الدلالة. وهذا يرشدنا إلى أن الواقعة التي دلّ الشرع على حكمها دلالة قطعية، لا مجال للاجتهاد فيها، مثل النطق بالشهادتين، ووجوب الصلوات الخمس والصيام والزكاة والحج، وتحريم جرائم الزنا والسرقة وشرب الخمر والقتل وعقوباتها المقدرة لها شرعاً، وكل التقديرات الشرعية في الزكاة وغيرها، والكفارات المقدرة، مثل كفارة القتل الخطأ وكفارة الظهار وكفارة اليمين، فكل هذه الأحكام دلت النصوص عليها صراحة لا تحتمل أي معنى آخر سواها، فهي مفسرة واضحة بصيغتها في القرآن، أو ببيان السُّنة النبوية، فلا تحتاج لاجتهاد فيها، ولا مساغ للاجتهاد فيما ورد بشأنها أما الواقعة التي ورد بشأن حكمها نص ظني الثبوت والدلالة، أو ظني أحدهما والوقائع التي لم يرد فيها نص ولا إجماع، فهي مجال للاجتهاد. فإذا كان النص ظني الثبوت: كان مجال الاجتهاد فيه البحث في سنده وطريق وصوله إلينا، ودرجة رواته من العدالة والضبط، وفي كل ذلك يختلف تقدير المجتهدين للدليل، فمنهم من يأخذ به لاطمئنانه إلى ثبوته، ومنهم من يرفض الأخذ به، لعدم اطمئنانه إلى روايته وإذا كان النص ظني الدلالة: كان مجال الاجتهاد فيه البحث في معرفة المعنى المراد من النص وقوة دلالته على المعنى، فربما يكون النص عاماً، أو مطلقاً، أو أمراً أو نهياً، وربما يرشد الدليل إلى المعنى بطريق العبارة أو الإشارة أو غيرهما، وقد يكون النص ظاهر المعنى أو مؤولاً، وقد يبقى العام على عمومه أو يخصص ببعض مدلوله، والمطلق يجري على إطلاقه أو يقيد، والأمر إما للوجوب أو لغيره كالندب - 232 -","part":1,"page":232},{"id":233,"text":"والإباحة، والنهي إما للتحريم أو للكراهة. ويستعين المجتهد بالقواعد اللغوية أو بمقاصد الشريعة لترجيح رأي على غيره. وإذا كانت الواقعة لا نص فيها ولا إجماع، فمجال الاجتهاد فيها هو البحث عن حكمها بأدلة عقلية، كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة والعرف والاستصحاب ونحوها، ومنها مبدأ دفع الحرج وبه يتبين أن مجال الاجتهاد أمران: ما لا نص فيه أصلاً، وما فيه نص غير قطعي، ولا اجتهاد فيا فيه نص قطعي • أهلية الاجتهاد أو ضوابطه وشروطه: ليس الاجتهاد كما يظن حقاً مشاعاً لجميع الناس، يتجرأ عليه كل إنسان، وإنما هو اختصاص دقيق جداً لا يتهيأ إلا لفئة قليلة من العلماء البارعين الذين استكملوا أوصافاً معينة تؤهلهم لاستنباط الحكم الشرعي من دليله، وتقتضيهم بذل أقصى الجهود العلمية للوصول إلى الحكم من دليله، وتتوافر لديهم ملكة أو قدرة على فهم الحكم الشرعي من نطاق واسع في الشريعة، لذا اقتضى الاجتهاد ككل اختصاص علمي في الدنيا ضرورة توافر شروط معينة يمكن إيجازها فيما يلي 1 - أن يكون الإنسان على علم ودراية كافية باللغة العربية وخواصها في إفادة المعاني؛ لأن مهمة المجتهد النظر في النصوص الشرعية الواردة بلغة العرب، في القرآن والسنة النبوية. ولا يتوافر العلم باللغة إلا لمن كان له اطلاع واسع على آدابها وفنونها وعلومها وأساليبها شعراً ونثراً وخطابة وغيرها. فهو يصبح ذا ذوق وحس مرهف بها، يفهمها كما كان العربي يفهم لغته بالسليقة والأصالة - أن يكون عالماً بعلم أصول الفقه: لأنه عماد الاجتهاد وأساسه الذي تقوم عليه أركان بنائه؛ بسبب كون الدليل التفصيلي الدال على الحكم الشرعي وارداً بكيفية معينة من الأوامر والنواهي والعمومات والخصوصات والإطلاقات والتقييدات ونحوها، مما يحتاج عند الاستنباط لمعرفته وحكم كل نوع وطريقته في إفادة المراد. وهذا مجال لا يحسنه إلا القلة النادرة من العلماء - 233 -","part":1,"page":233},{"id":234,"text":"3 - أن يكون عالماً بآيات الأحكام الشرعية الواردة في القرآن الكريم: بأن يعرف معاني الآيات لغة، أي معرفة معاني المفردات وتراكيب الجمل العربية وخواصها في إفادة المعنى، وأن يعرف معانيها شرعاً، بأن يعرف العلل والأسباب الداعية لتشريع الأحكام، وأوجه دلالة اللفظ على المعنى من عبارة وإشارة ودلالة واقتضاء، ومنطوق ومفهوم، وأقسام اللفظ من عام وخاص ومشترك ومجمل ومفسر وغيرها.: وهذه الآيات ليست كثيرة، ويمكن تصنيفها ومعرفة مجموعاتها بسهولة في العبادات والمعاملات والعقوبات وأحوال الأسرة، وعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها من الدول والأفراد في الداخل والخارج. ـ أن يكون على علم بأحاديث الأحكام لغة وشريعة، كما هو الشأن في القرآن الكريم، ويزاد هنا ضرورة معرفة سند الحديث: وهو طريق وصوله إلينا من تواتر وشهرة وأحاد، ومعرفة حال الرواة من جرح وتعديل، ليعرف الصحيح من الضعيف. ولقد أصبحت أحاديث الأحكام معروفة ومجموعة في مصنفات مشهورة ومشروحة ومبوبة، مثل سبل السلام للصنعاني ونيل الأوطار للشوكاني. والعلم بالقرآن والسنة يتطلب معرفة الناسخ والمنسوخ منها، حتى لا يعتمد المجتهد على المنسوخ المتروك مع وجود الناسخ، فيؤديه اجتهاده إلى ما هو باطل، ويكفي الرجوع لبعض المؤلفات في هذا كالناسخ والمنسوخ في القرآن لأبي جعفر النحاس، ومشكل الآثار للطحاوي. - لا بد من معرفة مسائل الإجماع ومواقعه، حتى لا يفتي بخلافه، على النحو المبين في بحث الإجماع. 6 - معرفة وجوه القياس وشرائطه المعتبرة، وعلل الأحكام ومسالكها أو طرق استنباطها من النصوص الشرعية، ومراعاة مصالح الناس، ومقاصد الشريعة، وأصول الشرع الكلية، مع الاطلاع الكافي على وقائع أحوال الناس ومعاملاتهم وتوافر الخبرة ;. 234","part":1,"page":234},{"id":235,"text":"بشؤون الحياة لديهم؛ لأن القياس قاعدة الاجتهاد، والذي تبنى عليه أحكام كثيرة تفصيلية، ولا يمكن القياس إلا بمعرفة علة الحكم لتطبيقها على الوقائع التي لا نص فيها. ولا يصح فهم القياس بالمعنى الضيق القائم على إلحاق ما لا نص فيه على مافيه نص خاص، وإنما يفهم بالمعنى الأوسع الشامل للأخذ بالرأي الصحيح المتفق مع مبادئ الشريعة وروح التشريع، ولا يصادم أصلاً تشريعياً، ويعمل بمقتضى المصلحة المنسجمة مع المصالح التي بنيت عليها أحكام الشريعة. ويحسن دراسة معطيات الاجتهاد وأصوله وضوابطه وقواعده في علم الأصول، والتنبه إلى ما يأتي:: أولاً ـ الاجتهاد فرض والمجتهد مأجور: أوجب القرآن الكريم الاجتهاد في آيات كثيرة منها قوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتاب بالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاس با أَراكَ الله} [النساء: 105/ 4]، وقوله سبحانه: فاعتبروا يا أُولي الأبصار) [الحشر: 2/ 59]. وصرحت السنة ترغيباً في الاجتهاد بأن المجتهد مأجور في جميع الأحوال، فإن أصاب فله أجران: أجر على الاجتهاد، وأجر على الإصابة فيه، وإن .. أخطأ فله أجر واحد على اجتهاده، قال النبي: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر فمن توافرت فيه أهلية النظر والاجتهاد، اجتهد وعمل بما غلب على ظنه؛ لأن العمل بالظن الراجح أمر واجب، ومن لم يكن أهلاً للاجتهاد، قلد المجتهد وعمل بفتواه؛ لأنه الطريق الوحيد الذي يعلم بواسطته أحكام الشرع؛ قال الله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذكر إن كُنتُمْ لا تَعْلَمونَ} [الأنبياء: 7/ 21]. ثانياً - تجزؤ الاجتهاد: أي الاجتهاد والتخصص في بعض المسائل دون بعض كالاجتهادات في موضوعات الفرائض أو العقوبات أو المعاملات المدنية دون غيرها، مع توافر ملكة الاجتهاد في جميع المسائل. 6 - 235 -","part":1,"page":235},{"id":236,"text":"يرى أكثر العلماء: أنه يجوز تجزء الاجتهاد بمعرفة ما يتعلق بمسألة وما لا بد منه فيها، وإن جهل ما لا تعلق له بها في بقية المسائل الفقهية؛ لأن إعمال ملكة الاجتهاد في جميع المسائل، والاجتهاد الفعلي فيها أمر غير مطلوب لدى جميع العلماء، فكان المجتهد يسأل عن كثير من المسائل، فيجيب عن بعضها، ويسكت عن البعض الآخر. وأما القائلون بأنه لا يتجزأ فأرادوا أنه لا يتصور توافر ملكة الاجتهاد إلا بالقدرة على الاجتهاد في جميع المسائل، لأن الاجتهاد ملكة وأهلية يقتدر بها المجتهد على فهم النصوص، واستنباط الأحكام الشرعية منها، واستنباط الحكم فيما لا نص فيه، وفهم مبادئ الشريعة وروح التشريع العامة، وهذه الملكة لا تتجزأ، كتوافر البلاغة، لا يكون الإنسان بليغاً حتى يتقن فنون الكلام. وهذا الكلام صحيح، وهو لا يتنافى في الجوهر والحقيقة مع كلام أكثرية العلماء) (1) ثالثاً - تغير الاجتهاد ونقضه: يجوز للمجتهد نظرياً تغيير اجتهاده، فيرجع عن قول قاله سابقاً؛ لأن مناط الاجتهاد هو الدليل، فمتى ظفر المجتهد به، وجب عليه الأخذ بموجبه لظهور ما هو أولى بالأخذ به، ولأنه أقرب إلى الحق والصواب) (1) لكن القاعدة: «الاجتهاد لا ينقض بمثله» مختصة بالعمل وفي مجال القضاء فلو اجتهد مجتهد في مسألة ظنية، وعمل بمقتضى اجتهاده، أو حكم فيها بالحكم الذي أداه إليه اجتهاده لكونه حاكماً، ثم عرضت عليه في المستقبل واقعة أخرى مشابهة لما سبق، فأداه اجتهاده إلى حكم آخر، فلا ينقض حكمه السابق، كما لا يجوز لمجتهد آخر خالفه في اجتهاده أن ينقض حكمه؛ لأن الاجتهاد الثاني ليس بأرجح من الأول، ولا اجتهاد أحد المجتهدين أحق بالاتباع من اجتهاد الآخر، ولأن نقض الاجتهاد يؤدي إلى زعزعة الثقة بأحكام القضاة وألا تستقر الأحكام، وفي هذا حرج ومشقة (1) فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت: 364/ 2، شرح العضد المختصر المنتهى: 290/ 2، الإحكام للأبدي 140/ 3 (2) إرشاد الفحول: ص 232 - 236 -","part":1,"page":236},{"id":237,"text":"ويؤيد هذا الاتجاه أن سيدنا عمر رضي الله عنه قضى في مسألة إرثية ترك فيها شخص زوجاً وأماً وإخوة لأم وإخوة أشقاء، بحرمان الإخوة الأشقاء من الميراث لكونهم عصبات، ثم قضى بالمقاسمة في الثلث بين الإخوة لأم والإخوة الأشقاء، وقال: تلك على ما قضينا وهذا على ما تقضى فلم ينقض اجتهاده السابق، وأقره فيما مضى. القاعدة الرابعة ـ نسخ الحكم << النسخ: هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر. والنسخ واقع في الشرائع الإلهية، فإن شريعتنا نسخت الأحكام الفرعية التي كانت مقررة في الشرائع السابقة. وهو واقع أيضاً في نطاق شريعتنا، ولكن لا يقع النسخ إلا في حال حياة النبي الله ولا نسخ بعد وفاته؛ لأن النسخ لا يعرف إلا بالوحي، والوحي في حال حياة النبي بعد وفاته، فلا نسخ لشيء من الأحكام، إذ لا وحي ولا شرع ينزل من الله تعالى. أما والحكمة من النسخ: مراعاة تبدل وجه المصلحة التي يناط بها الحكم الشرعي. فقد يشرع الحكم لتحقيق مصلحة معينة، ولأسباب وقتية، ثم يتبدل وجه المصلحة، وتزول تلك الأسباب؛ لأن المصلحة تختلف باختلاف الأوقات، فتقتضي الحكمة تغيير الحكم السابق، ويكون من الأصلح للناس المكلفين إنهاء الحكم القديم وإيجاد حكم آخر جديد يراد به الدوام والاستمرار. وهذا متفق مع عدالة التشريع التي تقتضي التدرج، ونقل الناس من وضع لوضع آخر أفضل وأحكم وأولى. وقد يقصد بتغيير الحكم ونسخه اختبار المكلفين. وتغير المصلحة، مثل نهي النبي ع ع عن ادخار لحوم الأضاحي بسبب ورود قوافل من الأعراب على المدينة في أيام عيد الأضحى، فلما رحلوا زال سبب النهي، فأباح النبي الله للمسلمين الادخار. 6، وأما التدرج في التشريع فله أمثال، كثيرة منها التدرج في تحريم الخمر، ففي آية ذكر الله تعالى أن الناس يستفيدون من ثمرات النخيل والأعناب، فيجعلون منها - 237 -","part":1,"page":237},{"id":238,"text":"شكراً، ويتناولون منها فاكهة طيبة ورزقاً حسناً على الطبيعة، ثم ذكر تعالى أن في الخمر والميسر منافع اقتصادية للناس، وإثماً كبيراً، تهيئة وتمهيداً للتحريم؛ لأن ما غلب ضرره على نفعه، ينبغي عقلاً وشرعاً اجتنابه، ثم نهى الله المسلمين عن الاقتراب من الصلاة حال السكر، تمهيداً ثالثاً للتحريم؛ لأن أوقات الصلاة متلاحقة، فلا يأمن السكران إذا شرب في وقت أن يصحو في وقت صلاة لاحقة، فامتنعوا عن الشرب أثناء النهار، وشربوا الخمر في الليل، ثم جاء النص الصريح القطعي الدال على تحريم الخمر ووجوب اجتنابها في جميع الأوقات، لأنها رجس من عمل الشيطان، وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة. ا وكذلك كان تحريم الرّبا في مراحل أربع، وكان نظام الإرث مشروعاً تدريجياً، فنسخ أولاً الإرث بالتبني، ثم نسخ الإرث بالتحالف والمؤاخاة، ثم نزل نظام مفصل لأحكام الإرث في سورة النساء. الفرق بين النسخ والتخصيص: كل من النسخ والتخصيص قصر للحكم على بعض مشتملاته، لكن التخصيص قصر للحكم على بعض الأفراد، والنسخ قصر له على بعض الأزمان. ويفترقان من وجه آخر: هو أن التخصيص بيان أن ما يخرج من عموم الصيغة لم يرد المتكلم باللفظ الدلالة عليه. أما النسخ فإنما يخرج المتكلم عن اللفظ ما قصد به الدلالة عليه. وبعبارة أخرى: التخصيص بيان أن المخصص غير مراد من الأصل، أما النسخ فهو انتهاء بعد الثبوت. ثم إن التخصيص يكون بمقارن للفظ أو بمتراخ عنه، والنسخ لا يكون إلا بمتراخ. أنواع النسخ: يجوز بالاتفاق نسخ القرآن بالقرآن، والسنة المتواترة بمثلها، وخبر الآحاد بمثله - 238 -","part":1,"page":238},{"id":239,"text":"ويجوز عند الجمهور نسخ المتواتر بالأحاد، ونفى الشافعي وقوعه وقال: لا ينسخ القرآن بالسُّنة، ولا السُّنة بالقرآن. ومثال نسخ الآية بحديث آحاد: تحريم كل ميتة بحديث «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»، ونسخ الآية بمتواتر مثل نسخ عموم آيات المواريث بحديث متواتر: «لا وصية لوارث». ولا يجوز نسخ الإجماع بالإجماع، ولا نسخ القرآن والسنة بالقياس. وينقسم النسخ إلى أنواع أخرى كثيرة منها قد يكون النسخ بمجرد إلغاء الحكم، كنسخ زواج المتعة وإذا وقع النسخ إلى بدل، جاز أن يكون البدل أخف من المنسوخ أو مساوياً له أو أثقل على نفس المكلف والنسخ إلى حكم بدل حكم: كنسخ إيجاب الوصية للوالدين والأقربين بوضع نظام مفصل للإرث، ونسخ الاتجاه إلى بيت المقدس بالاتجاه إلى الكعبة، ونسخ العدة إلى حول بالتربص أربعة أشهر وعشرة أيام. والنسخ ببدل مساو: كنسخ التوجه إلى بيت المقدس باستقبال الكعبة والنسخ يبدل أخف: كنسخ العدة حولاً كاملاً بالعدة أربعة أشهر وعشرة أيام والنسخ ببدل أثقل أو أشد جائز عند الجمهور؛ لأنه قد تكون المصلحة في تشريع الحكم الأشد بعد الحكم الأخف، مثل نسخ تحريم القتال في أول الإسلام بفرضه بعد الهجرة، ونسخ إباحة الخمر بتحريمها، وكذا تحريم الميسر، ونسخ نكاح المتعة بعد تجويزها، ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان، ونسخ حد الزناة بحبس المرأة في البيوت وإيذاء الرجل بالقول والتوبيخ والتعيير باللسان بحد الجلد وتغريب البكر ورجم المحصن، وكل ذلك أثقل من الأول، ولكن قصد به المصلحة للمكلفين كما قال تعالى: ما تَنْسَحْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَفْسِهَا، نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا، أَلَمْ تَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ - 239 -","part":1,"page":239},{"id":240,"text":"عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ} [البقرة: 1062]، والخيرية قد تكون بالأشق أو المساوي أو الأخف والنسخ إما صريح وإما ضمني: أما النسخ الصريح: فهو أن ينص الشارع صراحة على إلغاء الحكم السابق، مثل قوله تعالى: (يا أيها النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ، إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عَشْرُونَ صابرونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً الذينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ، وَعَلِمَ أَنَّ فيكُمْ ضَعْفاً، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابرَةٌ يَغلبوا مِائَتَيْنِ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفَ يَغْلبوا أَلْفَيْن بإِذْنِ اللهِ، وَاللهُ مَعَ الصابرين} [الأنفال: 6665/ 8. ومثل قول الرسول علي: «كنت نهيتكم عن زيارة] القبور، ألا فزوروها فإنها تذكركم بالآخرة»، وقوله له أيضاً: «إنما نهيتكم عن ادّخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة، ألا فادَّخروا» وأما النسخ الضمني: فهو ألا يصرح الشارع بالنسخ، ولكن يشرع حكماً معارضاً حكمه السابق، فيعد اللاحق ناسخاً للسابق ضمناً. وهذا كثير في الشريعة، كنسخ وجوب الوصية للوالدين والأقربين بآيات المواريث، الحكمان متعارضان، فيكون الثاني ناسخاً للأول، لذا قال له: «إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث، ((والنسخ قد يكون كلياً أو جزئياً أما النسخ الجزئي: فهو أن يبطل الشارع الحكم السابق في بعض الحالات أو بالنسبة لبعض الأفراد، كأن يشرع الحكم عاماً، أو مطلقاً، ثم يُشرع بعد ذلك بزمن، حكم لبعض الأفراد أو يقيد ببعض القيود. مثل تشريع حد القذف بقوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتوا بأرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً) 6 - 240 -","part":1,"page":240},{"id":241,"text":"[النور: 4/ 24]، فإنه يشمل كل قاذف زوجاً أو غيره، ثم شرع الله تعالى حكم اللعان بالنسبة للزوج، فلا يجلد بل يلاعن زوجته، في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلا أَنْفُسَهُمْ، فَشَهَادَةً أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللهِ، إِنَّهُ لَمِنَ الصادقين ... الآيات، [النور: 6724]. فإن اقترن العام أو المطلق بتشريع يخصصه أو يقيده، كان ذلك تخصيصاً أو استثناء، لا نسخاً، وبياناً للمراد من العام أو المطلق وأما النسخ الكلي: فهو إلغاء الحكم السابق إلغاء كليّاً بالنسبة لجميع المكلفين، مثل إبطال إيجاب الوصية للوالدين والأقربين بتشريع أحكام الإرث، ومنع الوصية للوارث، لقوله الله: «لا وصية لوارث»، وإبطال العدة حولاً كاملاً بالعدة أربعة أشهر وعشرة أيام. قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً، وَصِيَّةً لأزواجهم متاعاً إلى الْحَوْل غَيْرَ إخراج} [البقرة: 240/ 2]، ثم قال سبحانه: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} [البقرة: [234/ 2: محل النسخ (ما يقبل النسخ وما لا يقبله): محل النسخ: هو كل حكم شرعى لم يلحقه تأييد ولا توقيت، وعليه ليست كل الأحكام قابلة للنسخ، فمنها ما يقبل النسخ ومنها ما لا يقبل. والذي يقبل النسخ: هو أن يكون حسنه أو قبحه قابلاً للسقوط. والذي لا يقبل النسخ ثلاثة أنواع اً - النصوص التي اقترنت بما يفيد التأبيد: مثل قوله تعالى: {خالدين فيها أبداً) [البينة: 98]، وقوله سبحانه في حق القاذفين: {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} [النور: 4/ 24]، وقوله عزّ وجلّ: {وَجاعِلُ الَّذينَ اتَّبَعوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْم الْقِيامَةِ} [آل عمران: 155/ 3. وقوله الله في بقاء فرضية الجهاد: «الجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجّال». 241 -","part":1,"page":241},{"id":242,"text":"أ ـ الإخبار عن مضمون أمور ماضية، مثل قوله تعالى: {فَأَما ثَمُودُ فَأُهْلِكوا بالطَّاغِيَةِ، وَأَمَّا عادٌ فَأَهْلِكُوا بِريحٍ صَرْصَرٍ عاتية} [الحاقة: 5/ 69 - 6]. 3 - الأحكام الأساسية في الشرائع التي لا تختلف حسناً ولا قبحاً باختلاف الأزمان، كالأحكام المتعلقة بأصول الدين والاعتقاد والعبادات، ومبادئ الإسلام الكبرى كالشورى والعدل والمساواة، وأمهات الفضائل وأضدادها كالصدق والأمانة والعفة، والكذب والخيانة والفحش. فهذه لا يتصور نسخها، لأنها إما حسنة أو قبيحة في كل حال >> النسخ بطريق الزيادة على النص: للعلماء اتجاهان في الزيادة الطارئة على النص، هل هي نسخ أو لا؟ فقال الجمهور: الزيادة تخصيص لا نسخ، وقال الحنفية: هي نسخ. ومحل الخلاف: فيما إذا تعلقت الزيادة غير المستقلة بحكم النص المزيد عليه، ووردت متأخرة عن المزيد عليه فيمكن النسخ، كاشتراط النية في الطهارة، عملاً بحديث: «إنما الأعمال بالنيات»، زيادة على مضمون آية الوضوء، وضم التغريب أي النفي إلى الجلد في حد الزنا بحديث عبادة بن الصامت: «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام»، زيادة على آية جلد الزناة، واشتراط الطهارة في الطواف، بقوله عليه الصلاة والسلام: الطواف بالبيت صلاة»، وتقييد الرقبة بصفة الإيمان في كفارة الظهار والمين زيادة على النص القرآني المطلق عن التقييد بهذا الوصف: {أو تحرير رقبة) [المائدة: 89/ 5]. هذه الأمثلة الجمهور أنها من قبيل التخصيص أو التقييد لا النسخ، ويرى الحنفية أنها نسخ · وتظهر فائدة الخلاف في إثبات تلك الزيادة بما لا يجوز النسخ به، كخبر الواحد والقياس، فعند الحنفية الذي يرون أن تلك الزيادة نسخ لا تثبت الزيادة بخبر الواحد - 242 -","part":1,"page":242},{"id":243,"text":"ولا بالقياس؛ لأن كلا منهما لا ينسخ المتواتر وهو القرآن، وبناء عليه لم يشترطوا الطهارة في الطواف، ولا الإيمان في كفارة الظهار واليمين. وعند الجمهور الذين لا يرون أن تلك الزيادة نسخ يقولون: تثبت الزيادة بخبر الواحد والقياس وغيرهما من كل ما يفيد الظن، كجعل التحريم في الرضاع مقصوراً عند الشافعية على خمس رضعات مع إطلاق الآية القرآنية، واشتراط الفاتحة لصحة الصلاة عند الشافعية في جميع أحوال الصلاة جماعة أو فردية، مع اقتضاء عموم القرآن إجزاء ما تيسر من القرآن وقد ترتب على مذهب الحنفية ترك كثير من أخبار الآحاد الصحيحة، مثل اشتراط النية في الوضوء، وتعين الفاتحة في الصلاة، والقضاء بشاهد ويمين، وكون الرقبة مؤمنة، ومع ذلك لم يلتزموا القاعدة في كل اجتهاداتهم، بدليل اشتراطهم كثيراً من شروط المعاملات التي وردت في السُّنة، ولم يشترطها القرآن، مثل قولهم بفساد البيع مع الشرط، عملاً بالحديث الذي ينهى عن بيع وشرط القاعدة الخامسة - التعارض والترجيح التعارض في اللغة: هو اعتراض كل واحد من الأمرين الآخر، كالسالب والموجب. وعند الأصوليين: هو أن يقتضي أحد الدليلين حكماً في واقعة خلاف ما يقتضيه الدليل الآخر فيها مثاله قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} [البقرة: 234/ 2]، يقتضي بعمومه أن تكون عدة الوفاة مطلوبة من كل امرأة توفي عنها زوجها، سواء أكانت المرأة حاملاً أم غير حامل. وقوله تعالى: وَأُولات الأحمال أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4765]، يقتضي بعمومه أن تكون عدة الحامل بوضع الحمل، سواء أكانت المرأة متوفى عنها زوجها أم مطلقة فالنصان متعارضان في حال واحدة هي عدة المرأة الحامل المتوفى عنها زوجها. هل تعتد بوضع الحمل أو بمدة أربعة أشهر وعشرة أيام؟ 243 -","part":1,"page":243},{"id":244,"text":"ومثاله أيضاً التعارض بين آية الوصية الواجبة وآيات المواريث. ومن السنة قوله: «إنما الرّبا في النسيئة»، وقوله: «لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء»، فالحديث الأول يحصر الرّبا المحرم في ربا النسيئة، ومقتضاه إباحة ربا الفضل، والحديث الثاني يدل على تحريم ربا الفضل، فيكون الحديثان متعارضين في ربا الفضل، أحدهما يدل على إباحته، والثاني يدل على تحريمه. والتعارض مجرد أمر ظاهري يظهر للمجتهد بحسب إدراكه وفهمه، لا في الواقع ونفس الأمر؛ لأنه لا تعارض في الشريعة، لأن التعارض معناه التناقض، والشارع لا يصدر عنه دليلان متناقضان في وقت واحد وفي موضوع واحد؛ لأنه أمارة الحكيم العجز، وهو محال على الله تعالى (1) محل التعارض: لا يصح التعارض بين نص قطعي وظني، ولا بين نص وإجماع وقياس، ولا بين ينتفي بالأقوى، ولأن شرط التعارض بين الدليلين إجماع وقياس؛ لأن الأضعف الشرعيين أن يكونا في قوة واحدة. ويمكن تحقيق التعارض بين الأدلة القطعية والأدلة الظنية من مرتبة واحدة، كالتعارض بين آية وحديث متواتر أو بين آيتين، أو حديثين متواترين، أو غير متواترين أو بين قياسين، وحينئذ يحمل أحدهما على غير ما يحمل عليه الآخر: أو يحكم بنسخ أحدهما الآخر إذا عرف تاريخ المتأخر منها طرق دفع التعارض: إذا تعارض دليلان بحسب الظاهر للمجتهد، يجب على المجتهد عند الجمهور غير الحنفية أن يتبع في اجتهاده المراحل الأربع الآتية على الترتيب): (1) الموافقات: 294/ 4، مسلم الثبوت: 152/ 2، شرح الإسنوي: 182/ 3 (2) المستصفى: 127/ 2، شرح العضد على مختصر المنتهى: 310/ 2، شرح الإسنوي: 192/ 3، للدخل إلى مذهب أحمد: ص 197 244 - ،","part":1,"page":244},{"id":245,"text":"اً - الجمع والتوفيق بين المتعارضين بوجه صحيح: يجمع المجتهد ويوفق بين النصين المتعارضين، ولا يجوز الترجيح بينهما؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما بترجيح الآخر عليه، لأن الأصل في الدليل إعماله لا إهماله. مثل اعتبار أحد النصين مخصصاً لعموم الآخر، أو مقيداً لإطلاقه، فيعمل بالعام في حالات وبالخاص في موضعه، ويعمل بالمقيد في محله والمطلق فيما عداه، كالتوفيق بين آية الوصية: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالأَقْرَبينَ بالْمَعْرُوف} [البقرة: 180/ 2]، وبين آية المواريث: {يوصيكم الله في أوْلادِكُمْ .. } [النساء: 174]، بأن يراد بالآية الأولى في سورة البقرة: الوالدان والأقربون غير الوارثين، بسبب مانع من الإرث كاختلاف الدين والتوفيق بين آية عدة الوفاة وأية عدة الحمل؛ بتخصيص الأولى بالثانية في غير الحامل المتوفى عنها زوجها. والتوفيق بين آية عدة المطلقة بقروء ثلاثة وأية عدم وجوب يسألها العدة على المطلقة قبل الدخول، بتخصيص الأولى بالمطلقات بعد الدخول · والجمع بين حديث: «ألا أخبركم بخير الشهداء؟ هو الذي يأتي بالشهادة قبل أن»، وحديث: «إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون»، بحمل الحديث الأول على، الشهادة في حقوق الله تعالى كشهادة الحسبة، وحمل الحديث الثاني على حقوق العباد كالمعاملات والجنايات 2 - الترجيح بين الدليلين: إذا لم يكن الجمع والتوفيق بين الدليلين المتعارضين، رجح المجتهد أحدهما بأحد المرجحات، كترجيح العبارة على الإشارة، وترجيح المفسر على الظاهر أو النص، وترجيح المحكم على المفسر، وترجيح المحرّم على المبيح، وترجيح أحد خبري الآحاد بضبط الراوي أو عدالته أو فقهه ونحو ذلك. وقد قدم الحنفية الترجيح على الجمع والتوفيق، لذا قدم أبو حنيفة حديث: - 245 -","part":1,"page":245},{"id":246,"text":")) استنزهوا من البول» على ما ورد من شرب العرنيين أبوال الإبل، لمرجح التحريم، مع إمكان حمل الحديث الأول العام على ما لا يؤكل، أو في غير حال التداوي؛ لأن دفع الضرر أولى من جلب المنفعة وقالوا في هذا المجال: إذا تعارض المحرم والمبيح، رجح المحرم، وإذا تعارض المانع والمقتضي، قدم المانع 3 - نسخ أحد الدليلين والعمل بالآخر إذا كان مدلولها قابلاً للنسخ: إذا لم يمكن الجمع والترجيح بأحد المرجحات، وعلم تقدم أحد النصين وتأخر الآخر، جعل المتأخر ناسخاً للمتقدم، كنسخ أية عدة الوفاة بآية عدة الحمل، في القدر الذي تعارضا فيه الحامل المتوفى عنها زوجها، فتصبح عدتها منتهية بوضع الحمل، وقد يسمى التخصيص نسخاً؛ لأن الآية الثانية في سورة الطلاق وفيها عدة الحمل، نزلت بعد الآية الأولى في سورة البقرة. وهي 4 - تساقط الدليلين: إذا تعذرت الوجوه السابقة، ولم يعلم تاريخ ورود النصين، ترك العمل بهما معاً، وعمل بغيرهما من الأدلة، كأن الواقعة لا نص فيها. وهذه صورة فرضية لا وجود لها التعارض بين دليلين غير نصين كقياسين: إذا كان التعارض بين دليلين لغير نصين، كالتعارض بين قياسين، وجب على المجتهد أن يرجح بينهما بأحد مرجحات القياس، كالترجيح بالعلة المنصوصة على العلة المسنتبطة بطريق المناسبة مثلاً، أو العلة المستنبطة بإشارة النص على العلة المستنبطة بالسبر والتقسيم فإن لم يكن هناك مرجح لأحد القياسين على الآخر، تخير المجتهد بينهما، واختار أحد الحكمين - 246 -","part":1,"page":246}],"titles":[{"id":1,"title":"الوجيز في أصول الفقه، للدكتور وهبة الزحيلي، ط دار الفكر","lvl":1,"sub":0}]}